صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الدين - فقه
------------------------------------------
العنوان: الشيخ عمروس ومنهجه الفقهي والعقائدي من خلال كتاب أصول الدينونة الصافية
المؤلف: مهنا بن راشد بن حمد السعدي
الناشر: مكتبة الجيل الواعد
مكان النشر: مسقط
تاريخ النشر: 1424ه/ 2004م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 2004/51
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1646&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/666
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 24 شعبان 1446ه/ 23 - شهر 02 - 2025م. الشيخ عمروس
ومنهجه الفقهي والعقائدي من خلال كتاب أصول الدينونة الصافية
مهنا بن راشد بن حمد السعدي (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
الشيخ عمروس
ومنهجه الفقهي والعقائدي من خلال كتاب أصول الدينونة الصافية
مهنا بن راشد بن حمد السعدي (1/3)
صفحة 4
مكتبة الجيل الواعد (1/4)
صفحة 5
حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى 1424 هـ / 2004 م (1/5)
صفحة 6
بسم الله (1/6)
صفحة 7
الشيخ عمروس ومنهجه
" إن كان أبو حفص في شيء من هذه البلاد، فلا يصدر هذا السؤال إلا عنه، ولا يرد إلا
منه؟ " إهـ
(1)
العلامة أبو عبد الله محمد بن محبوب
عمروس بن فتح رضي الله عنه، بحر العلوم الزاخر، المبرز أول السباق وهو الآخر، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادمة تلك الهموم، فكابد وكابر، وصادر وصابر، لازم الدرس والاجتهاد، ثم رابط على الجهاد، يتلقى السيوف بالصدر والمنحر، يقيم هامته مقام المغفر، حتى انتظم في سلك من تحسبهم أحياء عند ربهم يرزقون لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) (2)، فلحق بالنعيم المقيم، بعد أن خلف شيعه وأتباعه منتهجين الصراط
أمواتا وهم
المستقيم
" إهـ
(3)
العلامة أبو العباس الدرجيني
" الإمام عمروس بن فتح المساكني النفوسي إمام من أئمة الدين، وكهف من كهوف العلم في القرن
" إهـ (4) الثالث الهجري
الشيخ بكلي عبد الرحمن
قمة شامخة من قمم العلم، يندر أن تجد له مثيلا، ومؤمن مخلص في إيمانه، فهم حقيقة الإسلام وأسرار تشريعه، وبطل من أبطال الكفاح، يتضاءل أمامه الأقران، ويسوق الجموع في الميدان كما تساق القطعان، يملك إرادة بلغت من القوة مرتبة تذلل الصعاب، وتسهل العقاب، وتيسر الأسباب " إهـ (5) الشيخ علي يحيى معمر
(1) - انظر ص 169
(2) - سورة الأنبياء، آية:103
(2) ? انظر ص
233
(4) - انظر ص 236.
(5) - انظر ص 236.
Y (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
الإهداء
الشيخ عمروس ومنهجه
)
أهدي هذا البحث إلى أبي وأمي الغاليين، هذه ثمرة عرسكما، رب ارحمهما
(1)
كما ربياني صغيراً)) ....
وأهديه إلى أئمة وعلماء المذهب الإباضي من عهد الإمام جابر بن زيد – رحمه
الله - وإلى يومنا هذا.
وأهديه إلى كل مؤمن غيور على دينه، محب الله ولي سوله
وأهديه إلى مشايخي الذين لهلت من معين علمهم، واستظللت بوارف عطفهم، فجزاهم الله خيرا، وجعل كل حرف تعلمنه منهم في ميزان حسناتهم .... وأخيرا أهديه لروح الشهيد الشيخ العلامة عمر وس بن فتح النفوسي محمد الله .....
(1) - سورة الإسراء، من الآية: 24.
? (1/9)
صفحة 10
[صفحة فارغة] (1/10)
صفحة 11
شكر وتقدير
الشيخ عمروس ومنهجه
أتقدم بالشكر إلى معهد العلوم الشرعية الذي نهلت من معينه العلم النافع خلال الأربع سنوات التي قضيتها في ربوعه الزاهرة، وحلقات علمه المباركة وأشكر سعادة الشيخ زياد بن طالب المعولي، مدير معهد العلوم الشرعية، على كل الجهود التي بذلها ويبذلها للرقي بمعهد العلوم الشرعية، ليكون منبرا وصرحا علميا عملاقا، يساهم في تخريج حملة علم يسهمون في الرقي بعمان الحبيبة كذلك أشكر مشايخي الكرام الذين نهلت من بحور علمهم حتى الثمالة، فلم يبخلوا علينا بالمعلومة النافعة، والنصيحة الهادفة، والإجابة الشافية الكافية، فجزاهم الله خيرا، وجعل ذلك في ميزان
حسناتهم.
وأشكر كذلك الأيدي الخفية بمعهد العلوم الشرعية من موظفين وإداريين على كل المساعدات التي قدموها لنا؛ وأشكر العاملين بمكتبة المعهد العامرة على الجهود الجبارة التي قدموها لنا لتسهيل الحصول على الكتب، وتوفير الجو المناسب للقراءة والبحث وطلب العلم بالمكتبة
ولا أنسى أن أشكر شيخي الفاضل أحمد مهني مصلح الذي احتضنني في فترة كتابتي لهذا البحث، فلم يبخل علي بالنصيحة والتوجيه والإرشاد، فكان خير معين لي، فجزاه الله خيرا على مجهوداته التي بذلها ليخرج هذا البحث بثوب قشيب يسر الناظرين، فأسأل المولى القدير أن يجعل ذلك في ميزان
حسناته
-
وأشكر شيخي الفاضل إبراهيم بن يوسف الأغبري مناقش هذا البحث - على النصائح والتوجيهات التي قدمها لي، والتي أعتبرها درر ونفائس لا تقدر بثمن، فجزاه الله خير الجزاء. وأشكر أخي وصديقي العزيز المصمم البارع سالم بن حمد البداعي على تسخير موهبته لإخراج البحث بهذه الحلة البهية، فجزاه الله خير الجزاء. وأخيرا أشكر كل من قدم لي يد المساعدة لإنجاز هذا البحث، فأسأل الله تعالى أن يجعل ذلك في
ميزان حسناتهم (1/11)
صفحة 12
[صفحة فارغة] (1/12)
صفحة 13
توطئة
الشيخ عمروس ومنهجه
بقلم فضيلة الشيخ أحمد مهني مصلح:
بسم الله الرحمن الرحيم
يسعى معهد العلوم الشرعية من خلال إقراره لمادة) بحث التخرج) إلى تدريب طلابه والارتقاء بهم من كتابة التقارير في بعض المواد في السنوات الأولى للدراسة، إلى مرحلة إعداد البحوث النافعة بهدف
صقل مواهب المبدعين ليشاركوا في التعريف بسيرة السلف الصالح وتحقيق آثارهم ونشر تراثهم وقد انبرى طلاب السنة النهائية إلى عرض أعمالهم الجادة وتسابقوا لخدمة التراث الأصيل في هذا البلد الطيب وتتبعوا سير العلماء العاملين في المشرق والمغرب فكشفوا مواضع الاقتداء بهم وأبرزوا مناهجهم ليتأسى بها الخلف
وقد اختار الباحث الجاد مهنا بن راشد بن حمد السعدي أن يجلي سيرة علم مجاهد هو الشهيد الشيخ عمروس بن فتح المساكني وأن يبسط منهجه الفقهي والعقدي من خلال كتاب: (أصول الدينونة
الصافية).
وإذ نثمن الجهد الكبير الذي بذله الباحث في جمع المادة العلمية الحافلة بتفاصيل أوضاع عصر الشيخ عمروس السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبمعلومات ضافية عن حياته أماط بها اللثام عن شخصيته الفذة العلمية والدعوية فإن هذا البحث يعد سباقا للتعرض لمنهج الشيخ عمروس الفقهي والعقدي من خلال كتابه (أصول الدينونة الصافية (الذي حققه الحاج أحمد كروم دون التوسع في إبراز
المنهج.
وقد سلط الباحث الأضواء على جوانب متعددة من حياة الشيخ عمروس، ورغم قلة المصادر فقد استطاع أن يصنف هذا البحث المطول) 366 صفحة) ويسهب في ترجمة (حافظ العلم) الذي لولا نسخه لمدونة أبي غانم بشر بن غانم الخرساني لضاعت حيث احترقت النسخة التي أخذها المؤلف إلى تيهرت مع جملة ما ضاع من تراث إباضي ثمين في مكتبة (المعصومة).
13 (1/13)
صفحة 14
الشيخ عمروس ومنهجه
ومثلما قيل (ما حك جلدك مثل ظفرك) و (أهل مكة أدرى بشعابها) فإن التراث الإباضي الضخم لا يخدمه ويجيد عرضه ويصبر على متاعب تحقيقه والترجمة لعلمائه إلا أبناء المذهب من ذوي الأقلام الملتزمة والهمم العالية والعقول النيرة التي تقدر ما خلفه السلف من كنوز وتؤمن عن قناعة بواجب بذل أقصى الجهد في التعريف بهذا الإرث ونشره ليستفيد منه كل مطلع ويقتفي أثره كل متابع. إن مثل هذه البحوث التاريخية والحضارية تصل ما انقطع من علاقة بين هذا الجيل وتاريخ أجداده
وسيرة علمائه المشرفة وجهادهم بالسيف والقلم
ولكتابة التاريخ أهمية خاصة إذ يمكن بها:
أولا: تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة
ثانيا: استخلاص العبر من أحداثه
ثالثا: إعادة ربط المسلم المعاصر بجذوره الممتدة في عمق التاريخ
وسأترك للقارئ أن يستمتع بقراءة هذا البحث الشيق واستجلاء شخصية الشيخ عمروس ومعرفة الأوضاع التي سادت عصره والقيمة التاريخية لكتابه أصول الدينونة الصافية وأهم المسائل الفقهية والعقدية التي عرضها فيه. وأختم هذه التوطئة التي شرفني الباحث بطلب تدبيجها بالقول: إن هذا السفر المفيد جاء ثمرة تعب وجد وسهر وكدّ ومواصلة للجهد ليل نهار وعودة لمائة وستة وعشرين مصدرا ومقابلات ومقارنات مضنية ولكنها لذيذة أفاد منها الباحث أولا، وسوف ينتفع بهذا البحث كل من استكمل الاطلاع عليه. وقد سدّ الباحث بهذا العمل ثغرة في تاريخ العلماء المغاربة وعصر الدولة الرستمية (وهي أول دولة إسلامية في المغرب الأوسط) الجزائر ((ومهد الطريق لمن يواصل المسيرة في الترجمة لعلماء السلف والتعريف بكنوزهم وآثارهم فبارك الله في الجهد الرائد واللاحق وما أحوج الأمة إلى دفع هذه الحركة العلمية وإماطة اللثام عن هذا التاريخ المشرق وإبراز دور العلماء في النهضة.
والآمال معقودة في شباب المعهد وغيرهم من الباحثين حتى تتضاعف الجهود وينفض الغبار عن
التراث الضخم فتحقق المخطوطات النافعة وتعرض سير العلماء العاملين ليتواصل البناء وينشأ جيل واع (1/14)
صفحة 15
الشيخ عمروس ومنهجه
معتز بأصوله ومتحمل للأمانة ومستمر في العطاء ليصبح يوم الأمة خيرا من أمسها ويصير غدها أفضل من يومها وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزِ) (1) بجهود المخلصين من أبناء هذا الوطن المعطاء. فإلى الأمام يا شباب الإسلام والله من وراء القصد.
(1) سورة إبراهيم، الآية: 20؛ سورة فاطر، الآية: 17.
أحمد مهني مهني مصلح
مسقط
سلطنة عمان (1/15)
صفحة 16
[صفحة فارغة] (1/16)
صفحة 17
الشيخ عمروس ومنهجه
من
مقدمة
الحمد لله الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء، وسراجا يهتدى بهم في الظلماء، وخصهم بقوله: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (1)، والصلاة والسلام على سيد المرسلين والأنبياء، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه، إلى يوم اللقاء؛ وبعد لقد من الله تعالى على هذه الأمة بأن يقيض لها بين الفينة والفينة من يحفظ دينها، ويذب عن حياضها الأئمة والعلماء، فمنهم من يذب عنها بالجهاد لإعلاء كلمة الحق في الأرجاء؛ ومنهم من يذب عنها بالدعوة والنصح والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ومنهم من يذب عنها بالعلم ونشره سواء بتكوين طلاب العلم، أو تأليف المؤلفات القيمة التي تحافظ على نقاء هذا الدين الحنيف؛ وهناك من يجمع بين هذه المناهج كلها، وهم قلة وإن مما يؤسف له أن تجد الكثير من شباب المسلمين في هذا الوقت يجهلون الكثير من أئمتهم السابقين، فلا يعلمون أن لهم تاريخا مشرفا، سطر فيه أجدادهم أروع الأمثلة والإنجازات، مما جعل بقية الأمم تقف حائرة أمام هذه الظاهرة الغريبة.
بل إن مما يؤسف له أن تجد بعض شباب المسلمين من يتخذ من أعداء الإسلام أمثلة يحتذى بها، وهذا يعود إلى انقلاب المفاهيم والموازين، وكذلك إلى تقصير العلماء والمربين في إبراز الصور المشرفة لأئمة المسلمين وعلمائهم، حتى يتعرف عليها شباب المسلمين اليوم، فيتخذون منها سراجا يهتدون به في
ظلمات هذا العصر العصيب
ومن
علماء الأمة الإسلامية وأئمتها الذين لم ينالوا حقهم في الإبراز، وتسليط الضوء على الروائع التي سطروها في سني حياتهم، عالم وإمام جليل قدم لهذه الأمة ما عجز عنه الكثيرون، ونقش على جبين الزمن أروع الإنجازات، التي تستحق أن تنقش بماء التبر على لجين التاريخ. وقد جمع هذا الإمام من المواصفات ما أهلته لأن يكون في قمة علماء زمانه، حتى عده معاصروه من
أعلم أهل زمانه
(1) سورة فاطر، من الآية: 28
17 (1/17)
صفحة 18
الشيخ عمروس ومنـ
وقد كان هذا الإمام الجليل من أولئك القلة الذين جمعوا بين الجهاد في سبيل الله بالسيف والقلم، فكان فارسا مقداما لا يشق له غبار، وكان كاتبا بارعا ترك من المصنفات ما هي جديرة بالدراسة والإخراج إلى النور، ولم ينس الإصلاح في المجتمع، فكان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وأيضا لم ينس طلاب العلم، فنهلوا من معينه الصافي علما غزيرا.
فمن هو هذا الإمام؟ وأين ولد؟ وأين ترعرع وعاش؟ وفي أي قرن ظهر؟ وما هي الإنجازات التي قدمها؟ وما هو منهجه؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى الإجابة، وإجابتها في ثنايا هذا البحث
إن هذا الإمام هو الشيخ العلامة أبو حفص عمروس بن فتح النفوسي، من علماء جبل نفوسة بليبيا، وقد عاش في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وترك العديد من المؤلفات التي هي في أمس الحاجة إلى البحث والدراسة والتحقيق.
ومن مؤلفاته القيمة التي خرجت إلى النور مؤخرا - بفضل الله تعالى، ومن ثم بجهود الأستاذ الباحث: حاج أحمد حمو كروم - كتاب " أصول الدينونة الصافية "، فقام بتحقيق هذا السفر الثمين، فأزال عنه غبار الزمن، ونسيان الأجيال، فأخرجه لطلاب العلم بثوب قشيب، وقد قامت وزارة الثراث والثقافة بسلطنة عمان - مشكورة - بطباعته طباعة جيدة وجميلة، فلا ينسى لها هذا الجميل.
وسأحاول في هذا البحث دراسة حياة الشيخ عمروس وعصره، مسلطا الضوء على الآثار التي خلفها من مؤلفات وفتاوى وأحكام، وكذلك سأعرج محللا منهج الشيخ عمروس – الفقهي والعقائدي وخصائصه، وما تميز به، من خلال كتابه " أصول الدينونة الصافية "، خاصة أن هذا المؤلّف هو من المؤلفات المتقدمة، وذلك خدمة لهذا الإمام الجليل، ولسفره الثمين، ومساهمة مني لتعريف شباب المسلمين بهذا الإمام الجليل الذي يجهله الكثير منهم للأسف الشديد
وأصل هذا الكتاب هو بحث قدمته لاستكمال مواد الدراسة بمعهد العلوم الشرعية بسلطنة عمان، والحقيقة أن ما دفعني إلى اختيار هذا الموضوع، هو أني من المحبين للتاريخ وسير العلماء، فأقرأ فيها كثيرا، علي أجد بين ثناياها سراجا أهتدي به في دياجير هذا الزمان المظلم، الذي قست فيه القلوب، وتقطعت صلاة الرحمة والمودة والمحبة بين البشر، فلا تجد بينهم مثالا للخير يحتذى به إلا القليل النادر، وهم يعدون على الأصابع فالله المستعان.
18 (1/18)
صفحة 19
الشيخ عمروس ومنهجه
فأين في زماننا هذا أمثال أبي بكر وعمر، وأمثال طالب الحق والجلندى والمعافري، وأين في زماننا
أمثال جابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع!
ليسوا رجالا لا نطيق فعلهم:: لكنهم جدوا وقصرنا الخطا (1)
وإني - بالرغم من ذلك - لا أنكر وجود علماء أجلاء، وأئمة أنقياء في هذا الزمان، إلا أنهم قلة،
وهكذا المؤمنون في كل زمان ومكان وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) (2)، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (3)
فأعجبت بسير
،
-
ولقد كنت في فترة من فترات حياتي أقرأ في كتاب الطبقات للشيخ الدرجيني - رحمه الله أئمة وعلماء المغرب أيما إعجاب، فكنت أقف مع كل إمام وعالم منهم وقفات طويلة، مستنطقا الحروف، هل من المعقول أن يكون أئمتنا بهذه الصفات العظيمة ونحن نجهل تاريخهم؟! ولا يعرف عنهم إلا قلة من المتخصصين، ويجهلهم، ويجهل إنجازاتهم الكثير من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى، والذين للأسف الشديد محوا من قاموسهم أتباع هذا المذهب الإسلامي العريق، المذهب الإباضي، وإذا مر ذكره على حين غرة، كالوا له الاتهامات الباطلة، والافتراءات الشائنة، تشويها له ولعقيدته وفكره وأئمته
وكذلك يجهلهم شباب الإسلام، فتراهم هائمين على وجوههم يبحثون عن قدوة يتأسون بها فلا يجدون ما يشبع فهمهم، فيسدون ذلك الفراغ ببعض المغنين والمغنيات والممثلين والممثلات، من يطلق عليهم النجوم في وسائل الإعلام!! وهم ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (4)، فيتخذون منهم قدوة لهم، بل ويدافعون عنهم مستميتا والله المستعان.
دفاعا
(1) ـ هذا بيت من قصيدة " المجد لا يملك عن وراثة " للشيخ العلامة أبي مسلم البهلاني رحمه الله التي يقول في مطلعها:
تلك ربوع الحي في سفح النقا:: تلوح كالأطلال من جد البلى أخني عليها المرزمان حقبة:: وعاثت الشمال فيها والصبا موحشة إلا كناس اعفر:: ومجثم الرال وأفحوص القطا عرج عليها والها لعلها:: تريح شيئا من تباريح الجوى
، أنظر القصيدة كاملة في: ناصر بن سالم بن عديم الرواحي البهلاني، ديوان أبي مسلم، ت: عبد الرحمن الخزندار، مطابع
دار المختار، 1406 هـ / 1986 م، ص 336 - 352، والبيت في: ص 349
(2) - سورة ص، من الآية: 24.
(1) - سورة سبا، من الآية: 13
(4) - سورة النور، من الآية: 40
19 (1/19)
صفحة 20
الشيخ عمروس ومنهجه
ولقد كنت لا أعرف عن الشيخ عمروس - رحمه الله - أي شيء البته، حالي كحال الكثير من شباب الإسلام الهائم، وأول مرة أتعرف عليه عند قراءتي للطبقات، فلما وصلت إلى ترجمته وبدأت قراءتها، وقفت مشدوها أمام هذا الطود الأشم، وأعجبت بعلمه وشجاعته وهيبته وتقواه، وطأطأت رأسي حزنا وأسفا وكمدا أن أئمتنا يوجد من من هم على شاكلة الشيخ عمروس – رحمه الله -، ولا نعرف عنهم شيئا، ونعرف عن " خوفو "، " وحمورابي "، و " نيوتن "، وأمثالهم الكثير، فأين المصلحون؟ وأين المربون؟ وأين الغيورون؟، لينهضوا بهذه الأجيال الضائعة من أبناء الأمة الإسلامية ليرتسموا خطى الفاروق والقعقاع، والصلت بن مالك وصلاح الدين.
ومنذ ذلك اليوم ارتسمت هذه الشخصية العظيمة في ذهني، ولم تفارقني البتة؛ وعندما كنت أحدث الشباب عن أئمتنا وعلمائنا، وعن الشيخ عمروس أيضا، أتفاجأ بعدم معرفتهم بهم، فيؤلمني ذلك كثيرا كثيرا، كيف لا نعرف عن أئمتنا شيئا؟!، وأين دور المربين والمصلحين في إماطة اللثام، وإزالة الغبار عن أولئك العظماء؟!، فكفاهم دفنا في بطون الكتب والمخطوطات.
فقررت أن أقدم شيئا في ذلك، وهو الكتابة عن إمام من أئمتنا، وتسليط الضوء على منهجه، وبالطبع اخترت الشيخ عمروس لإعجابي الشديد به، عل ذلك يكون بداية الغيث، فيشجع غيري في إخراج سير أئمتنا وعلمائنا إلى النور.
وقد قسمت هذا البحث إلى أربعة فصول، يتخللها مباحث ومطالب، وهي كالتالي:
(1) - الفصل الأول: عصر الشيخ عمروس:
ويحوي ثلاثة مباحث، وهي:
أ المبحث الأول: الوضع السياسي في عصر الشيخ عمروس:
ويحتوي على المطالب التالية:
1 - الوضع السياسي في عهد الإمام عبد الوهاب
-
الوضع السياسي في عهد الإمام أفلح.
3 - الوضع السياسي في عهد الإمام أبي بكر بن أفلح 4 - الوضع السياسي في عصر الإمام أبي اليقظان ه الوضع السياسي في عهد الإمام أبي حاتم.
-
20 (1/20)
صفحة 21
الشيخ عمروس ومنهجه
ب المبحث الثاني: الوضع الاقتصادي والاجتماعي في عصر الشيخ عمروس:
ويحتوي على المطالب التالية:
1 - الزراعة والرعي في الدولة الرستمية
2 - الصناعة في الدولة الرستمية.
3 - التجارة في الدولة الرستمية، وأسواقها
- العمارة في الدولة الرستمية ومستوى المعيشة.
ج المبحث الثالث: الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس: ويحتوي على المطالب التالية:
1 - أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالنهضة العلمية.
2 - جبل نفوسة والحركة العلمية فيه
-
المؤسسات التعليمية في عصر الشيخ عمروس
4 - العلوم المتداولة في عصر الشيخ عمروس وأبرز العلماء في عصره.
ه وضع المرأة العلمي والفكري في عصر الشيخ عمروس.
6 - العلاقات الثقافية بين المغرب والمشرق وبلاد السودان في عصر الشيخ عمرو مروس:
(2) - الفصل الثاني: السيرة الشخصية للشيخ عمروس:
ويحوي المباحث التالية:
أ- المبحث الأول: اسمه ونسبه.
ب المبحث الثاني: مولده ونشأته
ويحتوي على مطلبين:
1 - مولده
2 - نشأته
ج المبحث الثالث: صفاته وأخلاقه
د المبحث الرابع: حالته المادية.
-- المبحث الخامس: أسرته ومن برز منها
21 (1/21)
صفحة 22
و - المبحث السادس: هل هناك عمروس غيره؟
(3) - الفصل الثالث: السيرة العلمية والعملية للشيخ عمروس: ويحتوي على المباحث التالية:
أ- المبحث الأول: الشيخ عمروس والعلم (شيوخه وتلاميذه):
ويحتوي على المطالب التالية:
1 - شيوخه وطلبه للعلم.
2 - تدريسه وتلاميذه
ب المبحث الثاني: مكانته العلمية وجهوده الدعوية:
ويحتوي على مطلبين:
1 - مكانته العلمية.
2 - جهوده الدعوية
ج المبحث الثالث: آثار الشيخ عمروس) مؤلفاته وفتاويه ومناظراته):
ويحتوي على ثلاث مطالب:
-
1 - مؤلفاته
2 - فتاويه
3 - مناظراته
د المبحث الرابع: اشتغاله بالقضاء، ونماذج من أحكامه:
هـ - المبحث الخامس: موقعة " مانو " واستشهاده:
ويحتوي على مطلبين:
1 - أسبابها وأحداثها.
2 - استشهاد الشيخ عمروس.
(4) - الفصل الرابع: منهج الشيخ عمروس خلال الدينونة الصافية:
ويحتوي على المباحث التالية:
1 - المبحث الأول: التعريف بكتاب الدينونة:
22
الشيخ عمروس ومنهجه (1/22)
صفحة 23
الشيخ عمروس ومنهجه
ويحتوي على المطالب التالية:
أ- هل الكتاب مطبوع؟
ب حجمه وصفحاته
ج نسبته إلى صاحبه
د إثبات عنوان الكتاب
هـ- الباعث على تأليفه و - محتويات الكتاب
ز - أهمية الكتاب من الناحية العلمية. ح- مصادر الكتاب
2 - المبحث الثاني: تعريف المصطلحات (المنهج، الفقه، العقيدة (التوحيد وعلم الكلام وأصول
الدين)).
3 - المبحث الثالث: منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب مسائل أصول الدين (العقيدة): ويحتوي على المطالب التالية:
أ- منهجه في بناء الأبواب والفصول وترتيبها
ب مسائل أصول الدين التي تعرض لها في الدينونة.
ج- منهجه الاستدلالي على مسائل الأصول
-
د ملاحظات أخرى على منهجه في العقيدة.
3 - المبحث الرابع: منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب المسائل الشرعية (الفقه)
ويحتوي على المطالب التالية:
أ- منهجه في بناء الأبواب والفصول وترتيبها ب المسائل الفقهية التي تعرض لها في الدينونة. ج- منهجه الاستدلالي على المسائل الفقهية
د استخدامه لبعض القواعد الأصولية. هـ- ملاحظات أخرى على منهجه الفقهي
23 (1/23)
صفحة 24
الشيح عمروس
هذه هي محتويات هذا البحث، وأود أن أنبه على بعض النقاط المهمة، وهي: 1 - هذا البحث في أساسه يناقش منهج الشيخ عمروس - رحمه الله - الفقهي والعقائدي من خلال كتابه " أصول الدينونة الصافية "، إلا أني توسعت حين تناولت الأوضاع في عصر الشيخ عمروس، وذلك أن الشيخ عمروس عاش في كنف الدولة الرستمية التي لم تنل حقها من البحث والدراسة فنجد أن تاريخها ومنجزاتها وما قدمته للأمة الإسلامية مجهول لدى الكثير من الباحثين المتخصصين فضلا عن غير المتخصصين من القراء، ولعل أحسن من كتب عن الدولة الرستمية هو الأستاذ الباحث إبراهيم بحاز في كتابه الدولة الرستمية، وقد أفدت منه كثيرا في بحثي هذا وله مني جزيل الشكر وخالص الامتنان،
،
إلا أنه بالرغم من ذلك لم يتناول الجانب السياسي للدولة الرستمية بذلك التوسع والدراسة المطلوبة ولعله يعتذر له أن الكتاب في أصله يناقش الأوضاع الاقتصادية والفكرية للدولة الرستمية فلهذا لم يتوسع في الجانب السياسي بالرغم من أهميته، ومن هذا المنطلق فإني توسعت كثيرا عند تناولي للأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية في عصر الشيخ عمروس، علي بذلك أسد فراغا أغفله الكثير من الباحثين حول هذه الدولة الإسلامية العظيمة الدولة الرستمية.
وكذلك فإني توسعت حين تناولت حياة الشيخ عمروس العلمية والعملية، وذلك لأن هذا الإمام
،
الجليل لم يأخذ حقه في إخراجه إلى النور، وتناول كافة جوانب حياته، وتحليلها التحليل الجيد المثمر فظل حبيس بعض الكتب والمخطوطات، التي تناولت ترجمته بشكل مختصر، ومتفرق، وكذلك تنقل بعضها من بعض، فدفعني ذلك إلى دراسة حياته الخاصة، وحياته العلمية والعملية، ومنجزاته بشكل متعمق، بقدر استطاعتي، وحسب الإمكانات الموجودة، وأعترف أني واجهت صعوبة كبيرة في ذلك لأسباب عديدة، منها قدم شخصية هذا الإمام الجليل، فقد عاش في أواخر القرن الثاني، وأغلب القرن الثالث الهجري، فهو متقدم كثيرا، وبالكاد تجد عنه معلومات تشفي الغليل؛ وكذلك شح المصادر والمراجع، فالمصادر التي تناولت حياة الشيخ عمروس قليلة ومعدودة، وكذلك تنقل بعضها من بعض، وكذلك المعلومات التي تناولت حياته الخاصة قليلة جدا، مما اضطرني إلى المقارنة بين علي أستنبط بصيص نور يرشدنا إلى معالم حياة الشيخ عمروس. وأعترف أن الأستاذ الباحث أحمد كروم - محقق الدينونة - قد خصص في مقدمته قدرا لا بأس به، تناول فيه حياة الشيخ عمروس الشخصية والعلمية والعملية، وإنتاجاته، وهو أحسن ما كتب عن
الأحداث
24 (1/24)
صفحة 25
الشيخ عمروس ومنهجه
الشيخ عمروس، إلا أنه لا يفي بالغرض المطلوب، فقد تناول جوانب حياة الشيخ عمروس المهمة بشكل مختصر، فكان يتناول حياة الشيخ عمروس على هيئة نقاط يسردها سردا مع تحليل قليل، وهذا ظاهر على أغلب ترجمة الشيخ عمروس
(1)
1
بالرغم من أنه أطال في ترجمة الشيخ عمروس، وذلك رغبة منه في كشف الضباب عن هذه الشخصية النموذجية التي لا يعرفها كثير من الناس - على حد تعبيره. (2)، ولكني أظن أنه لم يستقص كل جوانب حياة الشيخ عمروس، ولم يحلل ما ذكر التحليل المتعمق المفيد، ولعله يُعتذر له أن تلك مجرد ترجمة كمقدمة لتحقيقه لكتاب الدينونة؛ ولكني لا أنكر أني استفدت من ترجمته استفادة كبيرة، فجزاه الله خيرا على الجهد الثمين الذي قدمه خدمة لهذا الإمام الجليل.
2 - قمت بالترجمة لكل الشخصيات، والأماكن والمصطلحات الغامضة التي مرت في البحث بقدر المستطاع، وإن أهملت بعضها فذلك عن غير قصد مني، فأعتذر عن ذلك؛ وأنبه أني اكتفيت بالترجمة للشخصيات التي تمس هذا البحث، وأما الشخصيات الخارجة عن البحث كمؤلفي الكتب التي رجعت إليها لم أترجم لهم
- قد أكون أطلت في بعض التراجم، لضرورة دفعتني إلى ذلك، لدفع شبهة، أو إظهار حقيقة - أقوم بالتعليق في الهامش، على بعض المواضيع المهمة التي تمر في ثنايا البحث عندما تقتضي الضرورة
ذلك.
ه اعتمدت في بعض الأحيان على النقل من بعض المراجع الحديثة التي توفرت بين يدي، والتي نقلت من مصادر أقدم منها، وذلك عند عدم تمكني من الوصول إلى المصدر الأول، وأشير إلى ذلك في
الهامش.
- اعتمدت على بعض المخطوطات وأرمز إليها في الهامش بـ (مخ).
إحالات المصادر والمراجع، وتخريج الآيات والأحاديث بالأرقام (1)، (2) ... ؛ وأما ترجمة الشخصيات، والأماكن، والمصطلحات الغامضة، وكذلك تعليقاتي على بعض النقاط في البحث تكون
بالنجمة (*
(
(1) انظر: عمروس، الدينونة الصافية، ص 11 - 37، مقدمة المحقق.
(2) - المصدر السابق، ص 8، مقدمة المحقق.
25 (1/25)
صفحة 26
الشيخ عمروس ومنهجه
،
-- قمت بوضع فهارس في آخر البحث، للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأبيات الشعرية. والأعلام، والديانات، والأماكن؛ وأود التنبيه أبي اكتفيت بفهرسة الأعلام والأماكن الواردة في أصل البحث، والتي ترجمت لها، وأما ما ورد في الهوامش لم أذكرها في الفهرسة. وأخيرا يظل هذا العمل مجرد جهد بشري لا يخلو من النقص والقصور والأخطاء، فمن وجد شيئا من ذلك أرجو منه تنبيهي على مواضع الزلات والهنات، حتى أتداركها في المستقبل، وأرجو كذلك من
كل من يقرأ هذا البحث أن ينبهني على ملاحظاته سواء الإيجابية أو السلبية، إن كانت له ملاحظات
وله الأجر الجزيل من المولى القدير، ويمكن إرسال الملاحظات على البريد الإلكتروني المدون أدناه
هذا
،
وأخيرا وبعد تعب طويل، وانقطاع عن الأصحاب، وسهر لليل، وابتعاد عن الأحباب، خرج البحث إلى النور على الصورة التي ترون، فإن أصبت فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان؛ فأسأل المولى القدير أن يبارك في هذا العمل المتواضع الذي قدمته، وأن يفيد به أمة الإسلام، وأن يجعله في ميزان حسناتي، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سليم) (1)، وأسأله تعالى أن أنال به أجر كل من يقرأه، ويستفيد منه. وآخر دعوانا أن الحمد لله
رب العالمين، وصل اللهم وسلم على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
(1) - سورة الشعراء، آية: 88 - 89.
26
مهنا بن راشد بن حمد السعدي سلطنة عمان، ولاية السويق
الخميس 23 من صفر 1424 هـ
24 من إبريل 2003 م
abujaifar@hotmail.com (1/26)
صفحة 27
ويحتوي على:
الفصل الأول
مصر الشيخ عمروس
الشيخ عمروس ومنهجه
الوضع السياسي في عصر الشيخ عمروس
الوضع الاقتصادي والاجتماعي في عصر الشيخ عمروس
الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس
27 (1/27)
صفحة 28
[صفحة فارغة] (1/28)
صفحة 29
الشيخ عمروس ومنهجه
1 - تمهيد:
سأحاول في هذا الفصل مناقشة عصر الشيخ عمروس والأوضاع السائدة فيه، سواء كان من الجانب السياسي أو الجانب الاقتصادي والاجتماعي أو الجانب الثقافي متناولا الحديث عن الأوضاع السائدة في جبل نفوسة والدولة الرستمية" لصلة الشيخ عمروس الوثيقة بجبل نفوسة والدول الرستمية
، كذلك سأعرج - بشيء من الاختصار - متحدثا عن أئمة المشرق الذين عاصرهم خاصة في عمان مع التلميح إلى الدول التي قامت في عصره وهل كانت له علاقة بها أم لا؟
- جبل نفوسة: هو جبل عال من جبال ليبيا بالمغرب، طوله مسيرة ستة أيام من المشرق إلى المغرب، وبينه وبين طرابلس مسيرة ثلاثة أيام، وبينه وبين القيروان مسيرة ستة أيام، وهو غني بالفواكه، والنخيل، والزيتون، وارف الظلال، خصب التربة، من مدنه الكبيرة مدينة شروس، ومدينة جادو، كانتا تابعة للدولة الرستمية، وهو معقل عظيم من معاقل الإباضية منذ المعهد الأول إلى يومنا هذا) لنظر: ياقوت بن عبد الله الحموي (أبو عبد الله)، معجم البلدان، ج 8، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1417:1 هـ / 1997 م.، ص 396) ..
- الدولة الرستمية: هي دولة إياضية نشأت في المغرب الأوسط في نهاية سنة 155 هـ، على يد الإمام عبد الرحمن بن رستم، واتخذت من تيهرت عاصمة لها، وفي سنة 160 هـ أعلن الإباضية إمامة الظهور مبايعين الإمام عبد الرحمن، وقد كانت الدولة الرستمية تضم المغرب الأوسط كله، ما عدا تلمسان التابعة للأدارسة، ومنطقة الزاب التي يسيطر عليها الأغالبة شرقا، ويدخل ضمن حدود الدولة الرستمية جبل نفوسة، وكل المناطق جنوب طرابلس، وجزيرة جربة، إضافة إلى الجنوب التونسي أي بلاد للجريد، واستمرت الدولة الرستمية لمدة 136 سنة حتى سقطت في سنة 296 هـ، على يد أبي عبد الله الشيعي داعية الفاطميين (انظر: إبراهيم بحاز، الدولة الرستمية، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، ط 2 1414 هـ / 1993 م، ص 99، 128 - عوض محمد خليفات، نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب، عمان، الأردن، 1978 م، ص 168 - محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، 1418 هـ / 1997 م، ص 153 - 156). - عُمان: تقع على مدخل الخليج العربي، شرق شبه الجزيرة العربية، وهي محاطة من ثلاث جهات بشواطئ على امتداد أكثر من 1700 كلم، من حدود رأس الخيمة، قرب مسندم على الخليج العربي، إلى خليج عمان عبر مضيق هرمز وبحر العرب وصولا إلى حدود اليمن؛ وتبلغ مساحتها الحالية 309,500 ألف كيلو متر مربع، وتتمتع بموقع تجاري وبحري محوري في منطقة المحيط الهندي والخليج، وباقتصاد متين نسبيا يعتمد على تصدير النفط والغاز، كما تتميز باقتصادها الزراعي الذي يقوم بصورة أساسية على تصدير التمور والحمضيات، بالإضافة إلى صيد الأسماك وتربية المواشي، قال ياقوت الحموي عن عمان: " عُمان بضم لوله وتخفيف ثانيه وآخره نون، اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن والهند وعمان في الإقليم الأول ... تشتمل على بلدان كثيرة ذات نخل وزرع إلا أن حرها يضرب به المثل ... وقال الزجاجي: سميت عمان بعمان بن إبراهيم الخليل، وقال ابن الكلبي: سميت بعمان بن سبا بن يفثان بن إبراهيم خليل الرحمن، لأنه بنى مدينة عمان ... " إهـ (انظر: الحموي، معجم البلدان، 4/ 3 - - Stevens (A), Oman, citadelle entre et mer .Ed . Teera Incognita ,(Belgique) 1990 , p نقلا عن: حسين عبيد غانم غباش، عمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث (1500 - 1970)، ط 1: 1997 م، دار الجديد، بيروت، لبنان،
ص 33).
"
29 (1/29)
صفحة 30
الشيخ عمروس ومنهجه
عاصر الشيخ عمروس خمسة أئمة من أئمة الدولة الرستمية وهم: الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، والإمام أفلح بن عبد الوهاب"، والإمام أبو بكر بن أفلح، والإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح والإمام أبو حاتم يوسف بن محمد بن أفلح
والدليل على معاصرته للإمام عبد الوهاب هو نسخه لمدونة أبي غانم الخرساني، الذي كان متوجها إلى الإمام عبد الوهاب في تيهرت (1)، ومن الأدلة الأخرى على معاصرته للإمام عبد
الإمام عبد الوهاب هو الإمام الثاني من أئمة الدولة الرستمية بالمغرب، وقد تولى الإمامة في سنة 171 هـ، بعد وفاة والده الإمام عبد الرحمن بن رستم المؤسس للدولة الرستمية، وقد كان يتصف بالعلم والورع والهيبة، أنظر بقية ترجمته في ص 39 عند الحديث عن " الوضع السياسي في عهد الإمام عبد الوهاب "
" - الإمام أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، هو الإمام الثالث من أئمة الدولة الرستمية، تولى الإمامة في سنة، بعد وفاة والده الإمام عبد الوهاب، وقد كان من كبار العلماء فدارت عليه سبع حلق في العلم قبل أن يبلغ سن الرشد أنظر بقية ترجمته في ص 48 عند الحديث عن " الوضع السياسي في عهد الإمام أفلح "
"1
"
"
- الإمام أبو بكر بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، لم تذكر المصادر اسمه، وهو الإمام الرابع من أئمة الدولة الرستمية، تولى الإمامة بعد وفاة والده الإمام أفلح في سنة 258 هـ، أنظر بقية ترجمته في ص 56 عند الحديث عن " الوضع السياسي في عهد الإمام أبي بكر بن أفلح ". - الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، هو الإمام الخامس من أئمة الدولة الرستمية، تولى الإمامة في سنة 261 هـ، أنظر بقية ترجمته في ص 60 عند الحديث عن "الوضع السياسي في عهد الإمام أبي اليقظان - هو الإمام أبو حاتم يوسف بن أبي اليقظان محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، الإمام السادس من أئمة الدولة الرستمية، تولى الإمامة في سنة 281 هـ، أنظر بقية ترجمته في ص 64 عند الحديث عن " الوضع السياسي في عهد الإمام أبي حاتم " - هو الإمام الحافظ الفقيه أبو غانم بشر بن غانم الخرساني، من أهل خرسان، قدم البصرة لتلقي العلم على يد علماء الإباضية فيها وخاصة الإمام أبي عبيدة ولم يدرك من حياته إلا قليلا، عاش في الفترة الواقعة بين بداية النصف الثاني من القرن الثاني الهجري والعقود الأولى من القرن الهجري الثالث نحو (148 هـ - 205 هـ) كما ذكر د/ النامي، والظاهر من نسبه أنه ولد في خرسان، قام برحلة علمية إلى مصر وبلاد المغرب، والتقى في مصر بالشيخ عبد الله بن عباد المصري أحد علماء الإباضية في مصر، ومر في رحلته إلى المغرب على جبل نفوسه والتقى بالشيخ عمروس بن فتح، ثم زار تيهرت والتقى فيها بالإمام عبد الوهاب، ثم رجع إلى المشرق حيث توفي، وكان من صفاته الحرص على طلب العلم، والتواضع والأمانة والدقة في النقل والإلحاح في السؤال، أخذ العلم عن عدد من الأئمة والعلماء منهم: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والربيع بن حبيب، وعبد الله بن عبد العزيز، وأبو المؤرج عمر بن محمد، وأبو سفيان محبوب بن الرحيل، وضمام بن السائب، وأبو نوح صالح الدهان، وابن عباد المصري وغيرهم، ومن أشهر تلامذته: الإمام أفلح بن عبد الوهاب، والشيخ عمروس بن فتح ولما آثاره فقد ذكرت المصادر كتابين لأبي غانم وهما: 1 - مدونة أبي غانم، 2 - اختلاف الفتوى: ذكره البرادي وقال عنه: " مفرد على حدته "، ولم يذكر موضوعه، تذكر المصادر أن وفاة أبي غانم كانت سنة 200 هـ، إلا أن الباحث صالح البوسعيدي ان وفاته ليست قبل سنة 220 هـ، وقد قام الإمام القطب بترتيب مدونة أبي غانم، وعمل حواشي عليها، وهي عبارة عن تعاليق مقتضبة على بعض المسائل منها، وقد قامت وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان بطبع المدونة مرتين في سنة 1404 هـ / 1984 م، مرة بدون حاشية الإمام القطب، ومرة مع حاشيته، ولكي تفرق بين الاثنين فقد أطلقت على الطبعة الأولى بدون حاشية اسم " المدونة الصغرى "، بينما أطلقت على المدونة مع الحاشية اسم " المدونة الكبرى " (انظر: أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر (مخ)، ص 218 - أحمد بن سعيد الدرجيني (أبو العباس)، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج 2، ت: إبراهيم طلاي، ص 323 - صالح بن احمد البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ط 1: 1420 هـ / 2000 م، [اسم دار النشر غير مسجل]، ص 89 100 - عمرو خليفة النامي، دراسات عن الإباضية، ت: د/ محمد صالح
يري
ناصر و د/ مصطفي باجو، دار الغرب الإسلامي - بيروت - لبنان، ط 1: 2001 م، ص 133).
"
- تيهرت: هي عاصمة الدولة الرستمية، وقد تضاربت المصادر في تسميتها، فقيل: تيهرت، وقيل تاهرت، وقد ناقشت ذلك في المبحث الثالث " الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس " من هذا الفصل، انظر ص 91 - 93 (1/30)
صفحة 31
الشيخ عمروس ومنهجه
الوهاب معاصرته لشخصيات كانت معاصرة للإمام عبد الوهاب، ومن هذه الشخصيات: أبو مرداس
مهاصر السدراتي"، وأبو الحسن الأبدلاني"، وأبو المنيب محمد بن يانس"، وأبو مهاصر الأفطماني
،
(1) - الدرجيني، الطبقات، 323/ 2 - أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي، كتاب السير، ت: أحمد بن سعود السيابي، ج 1، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، 1407 هـ / 1987 م، ص 194 - إسماعيل بن موسى الجيطالي (أبو طاهر)، كتاب قواعد الإسلام، ج 1:، ت: بكلي عبد الرحمن بن عمر، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، ط 2: 1413 هـ / 1992 م، ص 13، هامش المحقق - عمروس بن فتح النفوسي، أصول الدينونة الصافية، ت: حاج احمد بن حمو كروم،
"1
6
وزارة التراث والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة، ط 1: 1420 هـ / 1999 م، ص 19 - أبو مرداس مهاصر السدراتي التبرستي من علماء القرن الثالث الهجري، كان من كبار مشائخ تبرست بجبل نفوسة بليبيا، هو من قبيلة سدراته النفوسية التي ينسب إليها، كان معاصرا للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن) حكم من: 171 - 208 هـ)، وقد لزم الإمام عبد الوهاب طيلة بقائه بجبل نفوسة، يذكر عنه أنه كان رجلا حازما ممارسا للأمور ورعا نبيها وجيها عاقلا فطنا مجتهدا وغيرها من الصفات الحميدة، وكان عالما في أحكام الدماء، قال عنه الدرجيني: " بلغ في العلوم النهاية، وجرى من أمر الصلاح الغاية، وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يتبع الأمراء فيأمرهم وينهاهم، ويشدد عليهم إهـ، وكان مجاهدا متمرسا قضى عمره في الجهاد حتى كبر وانحنى ظهره فكان يجر سيفه أمام الجيوش، وقد كان الإمام عبد الوهاب يعظمه ويجله لعلمه وتقواه، حتى أنه إذا زار الإمام يقوم إليه الإمام بنفسه، وقد سئل الإمام عبد الوهاب عن سبب إجلاله له فقال: " كيف لا أجل من تجله الملائكة "، وقد أخذ أبو مرداس العلم عن الشيخ أبدين الفرسطائي، وعن أبي يونس وله ثلاث مساجد تنسب إليه في جبل نفوسة. (انظر: الدرجيني، الطبقات، 291/ 2 - 294 ـ الشماخي، السير، 150/ 1 - 100 - إبراهيم بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، ج 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2: 1421 هـ / 2000 م، ص 426، رقم الترجمة: 917). - هو أبو الحسن الأبدلاني، من ابديلان بجبل نفوسة، عاش في القرن الثالث الهجري، يعد من علماء وفقهاء جبل نفوسة، تلقى العلم عن عاصم السدراتي أحد حملة العلم الخمسة إلى المغرب عن ابي عبيدة، له دراية بعلم التفسير، وعلم الكلام والمناظرة، وكان مستجاب الدعاء، ومجاهدا متمرسا لفنون القتال، وكان من ضمن الوفد الذي أرسلته نفوسة لمناظرة الواصلية المعتزلة بطلب من الإمام عبد الوهاب، فناظرهم وتغلب عليهم (انظر: الدرجيني، الطبقات، 57/ 1، 60 ـ الشماخي، السير، 145/ 1 - 150 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، السيب، ط 2: 1993 م، المجلد الأول، ح 2، ق 2، ص 33 ـ 35 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 121/ 2 رقم الترجمة: 259). - هو أبو المنيب محمد وورد مامد وهو نطق بربري لمحمد بن يانس وورد يانيس - الدركلي النفوسي، يعد من الطبقة 250 هـ)، هو أحد أعلام جبل نفوسة بليبيا، أخذ العلم عن عاصم السدراتي، وإسماعيل بن درار
الخامسة (200 هـ - الغدامسي، من تلامذته: ابو خليل صال الدركلي، وأخوه عمرو بن يانس، كان ضمن الوفد الذي رشحته نفوسة لمواجهة الواصلية المعتزلة بتيهرت حين طلب الإمام عبد الوهاب المدد العلمي والعسكري من نفوسة، فكان محمد بن يانس احد أربعة الذي تكفلوا بمجادلة الواصلية، وقد اشتهر بمعرفته العميقة بالقرآن الكريم، إذ يقول عن نفسه: " أخذت تفسير القرآن كله من الثقات، وتعلمته عنهم إلا حرفا واحدا أو اثنين "، ويعتبر حلقة في سلسلة نسب الدين، كان كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وروي عنه رغم كبر سنه أنه كان يصلي في سبع مساجد، ويتعبد في غار (انظر: الدرجيني، الطبقات، 57/ 1 - 58، 296/ 2 - 299 ـ الشماخي، السير، 145/ 1 - 148 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 2، ص 17 - 25 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 395/ 2 - 396 رقم الترجمة: 855). - هو أبو مهاصر موسى بن جعفر الأفطماني وورد الفاطماني، من إيفاطمان بجبل نفوسة، عده الدرجيني من الطبقة الخامسة (200 هـ. 250 هـ.)، كان من علماء جبل نفوسة، وكان معروفا بكثرة العبادة والنسك والتبتل واستجابة الدعاء، وكان زاهدا في الدنيا، سخي اليد، وكانت له رفقة وصحبة مع الشيخ عمروس بن فتح، وكان من المكثرين للحج، فيروى أنه حج سبع مرات، وكان يحضر مجالس الذكر، وكان أمرا للمعروف ناهيا عن المنكر، وكانت له ثلاثة مساجد تعرف باسمه في جبل نفوسة (انظر: مقرين بن محمد البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 86 - 92 - الدرجيني، الطبقات، 305/ 2 - 308 - الشماخي، السير، 171/ 1 - 174، 235/ 2 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 2، ص 47 - 50).
31 (1/31)
صفحة 32
الشيخ عمروس ومنهجه
وأبو عبيدة عبد الحميد الجناوني"، وأبو زكريا التوكيتي"، فهذه الشخصيات كانت تعيش في نفس العصر (1)
والدليل على معاصرة هؤلاء للإمام عبد الوهاب، التقاء بعضهم به، ومنهم على سبيل المثال أبو مرداس مهاصر فقد التقى بالإمام عبد الوهاب، وكانت له مع الإمام عدة مواقف، ومنهم أبو عبيدة
(3)
(2)
عبد الحميد الجناوني، فقد عينه الإمام عبد الوهاب واليا على جبل نفوسة؛ والشيخ عمروس التقى ببعض هذه الشخصيات مثل أبي مهاصر الأفطماني، الذي كان معاصرا لتلك الشخصيات كما علمنا،
وقد كانت بين الشيخ عمروس وأبي مهاصر صحبة (4)، إذا فيظهر من ذلك أن الشيخ عمروس كان
معاصرا للإمام عبد الوهاب بناء على معاصرته لشخصيات كانت معاصرة للإمام عبد الوهاب وإن كان الشيخ عمروس أدرك أواخر أيام الإمام عبد الوهاب فيما يظهر - وسيأتي الحديث عن
ذلك في الفصل الثاني عند مناقشة تاريخ مولد الشيخ عمروس -، والذي يؤكد ذلك كون أبي عبيدة
الجناوني - المعاصر للشيخ عمروس - تقلد منصب ولاية جبل نفوسة في آخر عهد الإمام عبد الوهاب فمات الإمام عبد الوهاب وأبو عبيدة كان واليا على جبل نفوسة
(0)
- هو أبو عبيدة عبد الحميد بن فحمس - وورد محمس - الجناوني، من علماء إجثاون، قرب جادو بجبل نفوسة، أخذ العلم بها، وكان مستجاب الدعاء، عينه الإمام عبد الوهاب عاملا على حيز طرابلس بعد موت عامله ايوب بن العباس، استطاع القضاء على خلف بن السمح الذي ثار على الإمام عبد الوهاب، ومن أقواله لأهل الجبل: " والله لقد تركتكم على الواضحة النيرة، تقود الضال، وما بيني وبين رسول الله إلا ثلاثة رجال "، وقد توفي بعد سنة 211 هـ (انظر: البغطوري، سيرة أهل نفوسة (مخ)، ص 34، 55، 107، 108 - يحيى بن أبي بكر أبو زكرياء)، كتاب سير الأئمة وأخبارهم، ت: إسماعيل العربي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2: 1420 هـ / 1982 م، ص 123 - 124 - الدرجيني، الطبقات، 70/ 1 - 71، 291/ 2، 305 - الشماخي، السير، 156/ 1 - 163 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 244/ 2 رقم الترجمة:
(538
هو أبو زكرياء يصليتن - وورد " يصلاتن "، و" يصلتين "، و" يصلات "، ورجح اصحاب معجم اعلام الإباضية " يصليتن " التويكيتي اللالوتي، يعد من الطبقة الخامسة: (200 - 250 هـ)، ينسب إلى " توكيت " و " لالوت " وهما قريتان من قرى جبل نفوسة بليبيا، ولعله نسب إليهما بسبب تنقله بينهما لطلب العلم أو نشره، أخذ العلم كما يرجح أصحاب المعجم عن حملة العلم الخمسة إلى المغرب، كان مرجع أهل الجبل في النوازل، يفتي الناس، وكان الساعد الأيمن لوالي نفوسة أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني في عهد الإمام عبد الوهاب، وقد شهد له الإمام عبد الوهاب بالعلم لما أرسل إلى واليه أبي عبيدة بأمر تعيينه واليا على جبل نفوسة: " ... وإن كنت ضعيفا في العلم فعليك بأبي زكرياء يصلاتن التوكيتي " (انظر: الدرجيني، الطبقات، 171/ 1، 29/ 2، 29، 297 - الشماخي، السير، 155/ 1 - سليمان بن عبد الله الباروني (باشا)، كتاب الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، ج 2، دار بوسلامة، تونس، ص 153 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 2، ص 45 - 46 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 470/ 2 رقم الترجمة:
(1026
(1) ? الشماخي، السير، 150/ 1.
(2) - الدرجيني، الطبقات، 292/ 2، 293 - الشماخي، السير، 151/ 1.
) - الدرجيني، الطبقات، 70/ 1 - الشماخي، السير، 158/ 1 - الباروني، الأزهار، 152/ 2. (4) - الشماخي، السير، 171/ 1، 194.
(2) - الدرجيني، الطبقات، 72/ 1 - الشماخي، السير، 159/ 1 - الباروني، الأزهار، 166/ 2.
32 (1/32)
صفحة 33
كذلك
الشيخ عمروس ومنهجه
من ضمن الأدلة على معاصرة الشيخ عمروس للإمام عبد الوهاب، التقاؤه بمهدي الويغوي
النفوسي، ومناظرتهما لنفاث" معا (1)
ومهدي هذا على حسب ما ذكرت بعض المصادر هو نفس مهدي الذي أرسلته نفوسة إلى تيهرت ضمن الوفد المشكل من أربعة نفر، لنجدة الإمام عبد الوهاب ضد الواصلية) المعتزلة)، وكان
- هو مهدي النفوسي الويغوي، من أبرز علماء جبل نفوسة بليبيا، عاش في القرن الثاني الهجري، أخذ العلم عن حملة العلم إلى المغرب، برع في المناظرة فانتدب لمناظرة المعتزلة بتيهرت في عهد الإمام عبد الوهاب، ذكرت المصادر أن له كتاب باللسان البربري يرد فيه على أباطيل نفاث بن نصر، ويعتبر هذا الكتاب أقدم كتاب إياضي بالبربرية ألف نثرا، وسبب وضعه باللغة البربرية - كما يذكر الدرجيني - ليتناقله البربر، والصحيح أنه ليس له بل هو لمهدي الثاني المعاصر لعمروس حيث أن المصادر تخلط بينهما كما وضحت أعلاه؛ وقد استشهد في حصار الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن لمدينة طرابلس سنة 196 هـ (أنظر: الدرجيني، الطبقات، 60/ 1، 313/ 2 - 314 - الشماخي، السير، 148/ 1 - 150 - الباروني، الأزهار، 119/ 2 - 122، 138 - 139، 145 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 427/ 2، رقم الترجمة: 918). نفاث: اسمه فرج بن نصر النفوسي، ويشتهر بـ " نفاث "، عاش في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وكان من إحدى القرى القريبة من جبل نفوسة قال الشيخ علي يحيى معمر: " ولعلها القرية المعروفة بـ " نفاثة ". وهي قرية في قمة جبل صعب المراقي في " سمت " بلدة " تنزغت " " إهـ، وكان نفاث من علماء الدولة الرستمية بتاهرت، أخذ العلم عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب، كان ذكيا فبلغ في العلم درجة عالية، ولكنه حرم التوفيق، وذلك أنه كان يمني نفسه ولاية جبل نفوسة. إلا أن الإمام أفلح ولى أحد زملائه ممن هم أقل منه ذكاء وعلما وكفاءة - كما يرى نفاث - فسخط على الإمام أفلح وانشق عنه، وتبنى آراء في الإمامة جعلها سندا في معارضته للإمام من هذه الآراء زعمه أن الإمام أفلح أضاع أمر المسلمين، وأنه يزيد في الخلقة إذا مشى، ويلبس الطرطور - والطرطور هي: القلنسوة الطويلة الدقيقة الرأس كما جاء في المعجم الوسيط. ويخرج إلى الصيد، ويصلي بالأشبور، ومن المسائل الأخرى التي ابتدعها وضل بها: قوله أن الله هو الدهر، وزعمه ان خطبة الجمعة بدعة وضلالة، وقوله أن ابن الأخ أولى بالميراث من الأخوة لأب وأنهم يحجبونهم، وقوله أن الفقد لا يتحقق إلا فيمن تجاوز البحر، وزعم أن من أعطى لعامل أفلح الزكاة فكمن أعطاها لنوبار ملك السودان، وغيرها من المسائل الغريبة الضالة، وقد ذهب إلى المشرق وبالتحديد بغداد هاربا من الإمام أفلح، ونسخ هناك ديوان الإمام جابر بعد أن أجاب على سؤال الخليفة العباسي، وعندما عاد إلى المغرب خاف أن يحصل الإمام أفلح على الديوان، فدفنه حسدا وحقدا، واختلفت أقوال المؤرخين في سلوكه بعد رجوعه من المشرق فقيل أنه بقي يحمل نفس الآراء ولكنه أثر الصمت لأن السكوت أصلح له، وقيل أنه بعد رجوعه تاب ورجع عما خالف فيه، وصلح حاله، وذكر د/ عمرو خليفة النامي أن هذا القول الثاني لا دليل عليه؛ وقد ناظر الشيخ عمروس نفاث مع الشيخ مهدي النفوسي ودحضا حججه وضلالاته؛ وينبغي التنبيه على نقطة مهمة وهي أن بعض كتاب المقلات والمؤرخين بالغوا حين زعموا أن نفاثا إمام لفرقة وبالغوا أيضا حين زعموا أن هناك فرقة تسمى " النفاثية "، وقد رد الشيخ علي يحيى معمر على هذا الزعم فقال: " ... والواقع ليس هناك فرقة لا تحت العنوان العام (الإسلام) ولا تحت العنوان الخاص (الإباضية) بحيث تعتبر كتلة مستقلة بمبادئها وشعاراتها، وإنما كل ما في الأمر أن هناك رجلا له موقف فقهي اجتهد فيه في مسائل خالف فيها الجمهور، ومثاله في الأمة الإسلامية كثير وعند الإباضية كثير، وفي كل مذهب أيضا كثير، ويستطيع الباحث أن يضع كشوفا طويلة في كل مذهب للعلماء الذين اجتهدوا وخالفوا في مسائل، ولو جرينا على هذا الأسلوب لما وقف عدد الفرق عند حد، ويستطيع المطلع الآن أن يسمي الصالحية والطفيشية والحموية والبيوضية وغيرها كثير، لأن لكل واحد من هؤلاء اجتهادات في مسائل خالف فيها الآخرين، وهذا منطق غير مقبول فهم مجتهدون في مسائل داخل المذهب أو اجتهادا مطلقا، ويكفي هذا وقد يكون الواحد منهم مجتهدا في المسألة نفسها فقط " إهـ (انظر: أبو زكرياء، كتاب سير الأئمة، ص 138 - 146 - الدرجيني - الطبقات - 77/ 10 - 82، 314/ 2 - سليمان باشا الباروني، الأزهار، 195/ 2 - 210 - سليمان الباروني (أبو الربيع)، مختصر تاريخ الإباضية، [اسم دار النشر غير مكتوب]، ص 32 - 44 - الشيخ علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 21/ 2 - 29 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 338/ 2، رقم ترجمة: 731. علي يحيي معمر، الإباضية مذهب إسلامي معتدل، تقديم وتعليق: احمد بن سعود السيابي، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 4: 1421 هـ / 2000 م، ص 45 - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 210 - 213 - إبراهيم مصطفى وآخرون. المعجم الوسيط، ج 2، المكتبة الإسلامية، استانبول، تركيا، ص 555). (1) الشماخي، السير، 149/ 1.
-
6
33 (1/33)
صفحة 34
الشيخ عمروس ومنهجه
مهدي هو المناظر (1)، إلا أن بعض المصادر تفرق بينهما، وتعتبرهما شخصيتن مختلفتن، فالشماخي يذهب إلى أن مهدي الويغوي صاحب الشيخ عمروس والمناظر لنفاث هو غير مهدي الويغوي صاحب الإمام عبد الوهاب ومنجد تيهرت، فقال بعد أن ذكر قصة مناظرة عمروس و مهدي لنفاث: " ... والصواب أن هذا غير مهدي المعاصر للإمام - يقصد الإمام عبد الوهاب - لأنهما متأخران أعني مهدي وعمروسا " إهـ، ومستند الشماخي في التفريق بينهما أن مهدي صاحب الإمام عبد الوهاب مات سنة 196 هـ، ومهدي صاحب عمروس من أهل القرن الثالث
(Y)
(3)
إلا أن هناك من تعقب الشماخي فيما ذهب إليه، وهو الباحث محمد حسن – محقق كتاب السير – فقد ذهب إلى أنهما نفس الشخصية، وأن الشماخي أخطأ فيما ذهب إليه بسبب اعتماده على مراجع مختلفة ومتباينة، وهذا نص كلامه: " ذكر الشماخي شخصين تحت هذا الاسم: مهدي المتكلم الويغوي الأول صاحب الإمام عبد الوهاب توفي سنة 196 هـ، والثاني عاش في القرن الثالث، ولا شك أن هذا الخطأ مصدره اعتماد الشماخي على مراجع مختلفة ومتباينة، فقد ذكر اعتمادا على كتاب سير مشايخ نفوسة للبغطوري" أن مهديا المتكلم توفي سنة 196 هـ، بينما يورد الدرجيني (طبقات، ج 2،
***
" الواصلية) المعتزلة): هم اتباع واصل بن عطاء (80 - 171 هـ) ومشهورون بفكرهم المتحرر، وهم فرقة من فرق المعتزلة التي تشملهم التسمية جميعا، بل لقد قيل إن سبب تسمية المعتزلة بهذا الاسم إنما كان لكلمة أطلقها الحسن البصري على تلميذه واصل لما قال بالمنزلة بين المنزلتين، إذ رد عليه الحسن " اعتزلنا واصل "، وتتلخص معتقدات الواصلية فيما يلي: 1 - المنزلة بين المنزلتين، 2 نفي الصفات، 3 - القدرة، 4 - خلق القرآن وغيرها، ويذكر البكري أن مجمع الواصلية كان قريبا من تيهرت، وكان عددهم نحو ثلاثين ألفا في بيوت كبيرة كبيوت الأعراب، ويذكر الشيخ اطفيش أن إباضية الجزائر اليوم في وادي ميزاب كانوا معتزلة يسافرون إلى تيهرت لقتال الإباضية، وكانوا أقوياء، ولما غلبتهم الإباضية في عهد الرستميين صار أمرهم في إدبار، حتى جاءهم الشيخ محمد بن بكر مؤسس نظام الحلقة الإباضية في القرن الخامس الهجري وردهم إلى مذهب الإباضية الذي يعتنقونه اليوم. (انظر: محمد عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، دار الفكر، بيروت، لبنان، ص 67 ـ د/ عبد الستار عز الدين الراوي، ثورة العقل، دراسة فلسفية في فكر معتزلة بغداد، دار الرشيد للنشر، بغداد،، ص 49 - 59 ـ البكري، المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، ص 67 - ابن الصغير، تاريخ الأئمة الرستميين، ص 44 - محمد اطفيش، الرسالة الشافية نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 332 الهامش، ص 38 - وفيات الأعيان، 7/ 6 - 11 - لمالي المرتضي، 113/ 1 - وفيات الوفيات، 317/ 2 - تاريخ الإسلام، الذهبي، 113/ 5 - مرآة الجنان، 274/ 1 - لسان للميزان، 214/ 6 - مروج الذهب، 298/ 2 - ضحى الإسلام، 92/ 3 - 93 نقلا عن: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 101 الهامش). (1) - الدرجيني، الطبقات، 58/ 1 - الباروني، الأزهار، 119/ 2 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 427/ 2 رقم
الترجمة: 918 (2) - الشماخي، السير، 149/ 1، 19/ 2.) - المصدر السابق، 19/ 2.
1982 م
هو مقرين بن محمد البغطوري النفوسي، من علماء جبل نفوسة، عاش في القرن السادس الهجري، وكان لا يزال حيا في سنة 599 هـ، اخذ العلم عن أبي محمد عبد الله بن محمد المجدلي، وأبي يحيى توفيق بن يحيى الجناوني؛ كان شيخا عالما فقيها، ممن جازت عليه سلسلة نسب الدين، وألف في الفقه، وألف كتاب " سير أشياخ جبل نفوسة " الذي اعتمده الشماخي، واقتبس منه نصوصا هامة، وقد أكمل تأليف كتابه " سير أشياخ جبل نفوسة " في سنة 559 هـ، وكان مفقودا حتى عثر عليه الشيخ سالم بن يعقوب في القرن العشرين، وهو لا يزال مخطوطا في مكتبته (انظر: الشماخي، السير، 189/ 2 =
34 (1/34)
صفحة 35
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
ص 313) نفس العلم ضمن رجال الطبقة الخامسة (200 هـ / 250 هـ). مما يفسر هذه التفرقة الخاطئة للشماخي بين شخصين يحملان نفس الاسم، لاسيما أن الرواية التي ذكرها مباشرة بعد هذه الفقرة جاءت في الدرجيني (طبقات، ج 2، ص 314) خاصة بمهدي الويغوي، صاحب الإمام عبد الوهاب " إهـ والحقيقة أن ما ذكره محمد حسن - محقق كتاب السير - من أن الشماخي وقع في خطأ فيما ذهب إليه مرده اعتماده على مراجع مختلفة ومتباينة، الظاهر - والله اعلم - أنه يحتاج إلى إعادة نظر، وذلك أننا إذا تأملنا كلام الشماخي بدقة نجد أنه بين سبب ترجيحه كون مهدي الأول صاحب الإمام مختلف عن مهدي الثاني صاحب عمروس، فقد ذكر أن مهدي الثاني وعمروس متأخران عن الإمام عبد الوهاب، هذا دليله الأول، ودليله الثاني كون مهدي الأول صاحب الإمام مات في سنة 196 هـ، وأن مهدي الثاني كان في القرن الثالث الهجري (3)، إذا لابد من وجود مهدي آخر غير الأول صحب عمروس وكانت له مناظرات مع نفاث، والظاهر أن ما ذهب إليه الشماخي هو الصحيح، وذلك أن مهدي الأول صاحب الإمام عبد الوهاب استشهد في سنة 196 هـ أثناء حصار الإمام عبد الوهاب لمدينة طرابلس" (4)
(2)
ونفاث ظهر في عهد الإمام أفلح، وليس في عهد الإمام عبد الوهاب، فقد كان نفاث من طلاب الإمام أفلح والإمام أفلح حكم في القرن الثالث من سنة 208 هـ إلى سنة 258 هـ، وقد
(0)
(6)
= - عبد الله بن يحيى الباروني، رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين، ت: سليمان باشا الباروني، مطبعة فانزي، تونس، ص 31، 37 - فرحات الجعبيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، ط ا، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان، ص 26 الهامش - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 423/ 2 رقم الترجمة: 905). (1) - الشماخي، السير، ت محمد حسن، كلية الآداب العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، شركة أوربيس للطباعة، تونس، 1990، ص 285، هامش المحقق.
، السير، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 149/ 1.
(2) ? الشماخي (3) - المصدر السابق، 19/ 2
- طرابلس: هي قطر إفريقي، وهو القسم الشرقي من بلاد البربر، يحدها من الشمال البحر المتوسط، ومن الشرق لواء بنغازي ومصر، ومن الجنوب الصحراء، ومن الغرب للصحراء وتونس؛ وهي أرض سهلة رملية، وبها جبال صخرية قليلة الارتفاع، وهواؤها شديد الحرارة صيفا، وشديد البرودة شتاء، وليس بها من الأنهار إلا بعض وديان تجري زمن الأمطار ويستقي أهلها من الآبار، ومن محاصيلها البرتقال، والليمون، والخوخ، والبلح، والشعير، والحنطة؛ وطرابلس في هذا العصر هي عاصمة ليبيا (انظر: محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين، ج 5، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط 3: 1971 م، ص 689 - 700) (4) - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 427/ 2 رقم الترجمة: 918 - الباروني، الأزهار، 145/ 2 - الشماخي، السير، 100/ 1، 19/ 2 - البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ)، ص 76 (5) - الدرجيني، الطبقات، 78/ 1 - الشماخي، السير، 167/ 1، 184 - بحاوز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 61/ 2، رقم الترجمة: 338/ 2116 رقم الترجمة: 731
35 (1/35)
صفحة 36
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
عده الدرجيني في الطبقة الخامسة (200 هـ - 250 هـ)، وهي نفس الطبقة التي ذكر فيها الدرجيني مهدي وعمروس المناظران لنفاث، إلا أنه لم يفرق بين مهدي الأول ومهدي الثاني كذلك فإن الشيخ عمروس ولد في أواخر القرن الثاني فيما يقارب من سنة 190 هـ – كما سيأتي في الفصل الثاني - وبالتالي سيكون عمره عند وفاة مهدي الأول ست سنوات تقريبا، ومن هو في مثل هذه السن لا يستطيع الخوض في غمار المناظرات، أما إذا أتينا إلى القرن الثالث فإن الشيخ عمروس سيكون قد بلغ من السن ما يؤهله للمناظرة، والخوض في علم الكلام
إذا فالذي يظهر - والله أعلم - أن مهدي الويغوي المناظر لنفاث مع الشيخ عمروس هو غير مهدي الويغوي صاحب الإمام عبد الوهاب، فلعله مجرد تشابه في الأسماء أدى إلى هذا الخلط بينهما في المصادر، والحقيقة أن جميع المراجع والمصادر التي وقعت بين يدي لم تفرق بينهما وعدتهما شخصية واحدة، عدا الشماخي صاحب السير فقد تنبه لهذا الخلط وفرق بينهما، والظاهر أن ما ذهب إليه هو الصحيح
وأما بالنسبة لمعاصرة الشيخ عمروس للإمام أفلح فالدليل على ذلك مناظرته لنفاث الذي ظهر في عهد الإمام افلح، وقضي على حركته في نفس عهد الإمام أفلح (2)؛ والدليل على معاصرته للإمام أبي بكر والإمام أبي اليقظان والإمام أبي حاتم، توليه منصب القضاء في عهد الإمام أبي اليقظان والإمام أبي حاتم (3)؛ وبما أنه تولى منصب القضاء في عهد هذين الإمامين، وهما متأخران عن الإمام أفلح والإمام أبي بكر فهذا دليل على معاصرة الشيخ عمرس للإمامين أفلح وأبي بكر، حيث أن الشيخ عمروس معاصرا للإمام عبد الوهاب كما مر. ودليل آخر على معاصرة الشيخ عمروس لكل من الإمام أفلح، والإمام أبي بكر، والإمام أبي اليقظان، والإمام أبي حاتم، هو استشهاده - أي الشيخ عمروس - في وقعة " مانو " التي وقعت في
كان
:
(1) - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 60/ 2 رقم الترجمة 116 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 120، 122 (1) - الدرجيني، الطبقات، 291/ 2، 314 (2) - الدرجيني، الطبقات، 78/ 1 - الشماخي، السير، 167/ 1، 184 - بحاوز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 61/ 2 رقم الترجمة: 116، 338/ 2 رقم الترجمة: 731.
() - الباروني، الأزهار، 252/ 2 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 321/ 2 رقم الترجمة: 690
- مانو: قصر قديم من قصور الأولين يقع على ساحل البحر بين قابس وطرابلس تقريبا، أنظر أحداث وقعت " مانو " في ص
257) انظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 156 - الشماخي، السير، 228/ 1 - عبد الله الباروني، سلم العامة والمبتدئين ص 17 الهامش - بحاز، الدولة الرستمية، ص 129 الهامش).
6
36 (1/36)
صفحة 37
الشيخ عمروس ومنهجه
سنة 283 هـ، في عهد الإمام أبي حاتم (1)، والشيخ عمروس كان معاصرا للإمام عبد الوهاب، إذا فهو معاصر لهؤلاء الأئمة الخمسة؛ إذا وبما أن الشيخ عمروس عاصر هؤلاء الأئمة الرستميين، فسوف أتناول الأوضاع السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية في عصر كل إمام من هؤلاء الأئمة، ومن خلال التعرف على الأوضاع السابقة الذكر في عصر هؤلاء الأئمة الرستميين ستنجلي لنا الأوضاع. السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية في عصر الشيخ عمروس رحمه
الله.
(1) - الباروني، الأزهار، 280/ 2 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 322/ 2 رقم الترجمة:690، 490/ 2 رقم
الترجمة: 1067.
37 (1/37)
صفحة 38
[صفحة فارغة] (1/38)
صفحة 39
1
-
المبحث الأول: الوضع السياسي في عصر الشيخ عمروس:
لسيخ عمروس ومنهجه
أ. المطلب الأول: الوضع السياسي في عهد الإمام عبد الوهاب:
(3)
تولى الإمام عبد الوهاب الإمامة في سنة 171 هـ، بعد وفاة والده الإمام عبد الرحمن بن رستم المؤسس للدولة الرستمية (1)، وقد جعل الإمام عبد الرحمن الأمر شورى في ستة نفر ليختار منهم الإمام الجديد، فاختار أهل الحل والعقد من الستة عبد الوهاب (2)، وصفه الشماخي بقوله: " الإمام الباسل الشجاع التقي اللين الحليم أمير المؤمنين عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم " إهـ إهـ اتسم عهد الإمام عبد الوهاب بالعدل والرقي ونشر الأمن في ربوع الدولة الرستمية، والقضاء على كل من أراد الإخلال بأمن البلاد ووحدتها، وأرسل في أطراف دولته ودواخلها أوامره الشديدة بامتثال الأوامر واجتناب المناهي الشرعية، ورتب الحكام والعمال والقضاة ورجال الشرطة في سائر أنحاء دولته، فعمهم عدله وشملهم حكمه، ولم ينقم عليه أحد شيئا في أحكامه وسيرته؛ إلا أن عهد هذا الإمام لم يخل من بعض الفتن الداخلية، قام بها بعض من أراد الإخلال بأمن الدولة الرستمية، وتشتيت وحدتها
(4)
- هو الإمام عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى، علم من أكبر أعلام الإباضية، ولد بالعراق في العقد الأول من القرن الثاني الهجري، ويرجع في نسبه إلى الأكاسرة ملوك الفرس، وبعضهم ينسبه إلى اللذارقة ملوك الأندلس، قبل الإسلام، سافر أبوه وأمه من العراق إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، إلا أن أباه وافاه اجله، وترك ارملة ويتيما هو الإمام عبد الرحمن، ثم تزوجت امه برجل مغربي اخذها وابنها إلى القيروان، فنشأ الإمام عبد الرحمن في القيروان، وتعلم مبادئ العلوم فيها، ثم صادف نشر دعوة الإباضية في تلك الربوع فتعلق بها، فانتقل إلى البصرة في سنة 135 هـ، للدراسة على يد الإمام أبي عبيدة، عاد إلى المغرب بعد خمس سنوات، ميزه أبو عبيدة عن بقية حملة العلم إلى المغرب بقوله: " إفت بما سمعت مني وما لم تسمع، عين واليا وقاضيا على القيروان في عهد الإمام أبي الخطاب المعافري (140 - 145 هـ)، استطاع الإمام عبد الرحمن - بعد سقوط دولة الإمام أبي الخطاب - تكوين دولة للأباضية عرفت بالدولة الرستمية في سنة 155 هـ، واتخذ تيهرت عاصمة لها، بويع له بالإمامة في سنة 160 هـ، وتوفي في سنة 171 هـ، وترك بعض المؤلفات وهما: 1 - في تفسير كتاب الله العزيز، 2 - كتاب جمعت فيه خطبه (انظر: الدرجيني، الطبقات، 290/ 2 - الشماخي، السير، 124/ 1 - 125، 139 - 167 - الباروني (باشا)، الأزهار، 83/ 2، 4، 94 - 96، 98، 101 - ابو الربيع الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 37 - 38 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 246/ 2 - 248 رقم الترجمة: 544).
(1) - الباروني، الأزهار، 100/ 2، 101 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 283/ 2، رقم الترجمة: 609 (2) - الدرجيني، الطبقات، 46/ 1 - الشماخي، السير، 130/ 1 - الباروني، الأزهار، 99/ 2 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 248/ 2 رقم الترجمة: 544.) - الشماخي، السير، 130/ 1.
(4) - انظر: الدرجيني، الطبقات، 47/ 1 - 72 - الشماخي، السير، 130/ 1 - الباروني، الأزهار، 101/ 2 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 283/ 2 رقم الترجمة: 609.
،
39 (1/39)
صفحة 40
الشيخ عمروس ومنهجه
، ومن ذلك خروج ابن فندين على الإمام عبد الوهاب، إلا أن الإمام عبد الوهاب تمكن من القضاء على فتنة ابن فندين بقيادة ابنه أفلح (1)
وكذلك ثارت المعتزلة على الإمام عبد الوهاب، وكانت تحت حكمه، فوقعت بين الطرفين حروب شديدة، كان النصر فيها حليف الإمام عبد الوهاب، فتمكن من القضاء على المعتزلة (2)؛ وأيضا ثارت عليه بعض القبائل، إلا أنه تمكن من إحماد ثورتها، والقضاء عليها (3)
وقد تميز الإمام عبد الوهاب بالدهاء والحنكة، فمن ذلك قيامه بالزواج من ابنة رئيس قبيلة لواته " .. ، حتى يكسبه في صفه، بعد أن أراد بنو مسالة الزواج من ابنة ذلك الزعيم، مما نتج عنه قيامهم بمقاتلة الإمام عبد الوهاب، الذي تمكن من هزيمتهم والقضاء عليهم (4)
وقد كانت تربط الإمام عبد الوهاب بجبل نفوسة علاقات وطيدة، فجبل نفوسة هو جزء لا يتجزأ من الدولة الرستمية، ولما قرر الإمام عبد الوهاب الذهاب لأداء مناسك الحج مر في طريقه على جبل نفوسة، وقد ضم إلى دولته في طريقه من تيهرت إلى جبل نفوسة عدة أماكن كجبل دمر وغيرها (5).
"
هو أبو قدامة يزيد بن فندين اليفراني النكاري، زعيم حركة النكار في عهد الإمام عبد الوهاب، عاش في تيهرت، كان معاصرا للإمام عبد الرحمن بن رستم، وقد رشحه الإمام عبد الرحمن لمنصب الإمامة بعده مع النفر الستة، وعندما مال السلمون إلى عبد الوهاب، ومسعود الأندلسي، ولم يلتفتوا إليه - وكان يطمع في الحكم - بادر بترشيح عبد الوهاب لمنصب الإمامة، طمعا أن ينال حظوة عنده، ويجعله على شيء من المناصب المهمة في الدولة، خاصة أن أم الإمام عبد الوهاب كانت يفرانية، من نفس قبيلة ابن فندين، فاشترط ابن فندين ومن معه عند مبايعة عبد الوهاب ألا يقضي دون جماعة معلومة، وذلك حتى يتسنى لهم التدخل في شؤون الحكم، إلا أن العلماء رفضوا شرط ابن فندين ومن معه، وتمت مبايعة الإمام عبد الوهاب وعندما تولى عبد الوهاب الإمامة وعين العلماء وأهل الخير، ولم يلتفت إلى ابن فندين ومن معه، ثار الحسد في قلوبهم فأثاروا قضية الشرط الذي اشترطوه عند مبايعة الإمام عبد الوهاب، وهو شرط باطل، فأثاروا فتنة بين الناس ووقف معهم بعض الجهال، وبعض أصحاب الأهواء، فوقعت حرب بين الإمام عبد الوهاب وابن فندين، كان النصر فيها من نصيب الإمام عبد الوهاب، وقتل أفلح بن عبد الوهاب يزيد بن فندين، فاراح الله للمسلمين من شره، ولمعرفة تفاصيل فتنة ابن فندين أنظر للمراجع التالية: (أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 87 - 98 - الدرجيني، الطبقات، 46/ 1 - 56 - الشماخي، السير، 131/ 1 - 134 - الباروني، الأزهار، 99/ 2 - 112 - وانظر: المبحث الثالث: الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس، هامش ص
(116 - 117
(1) - الدرجيني، الطبقات، 54/ 1 - الشماخي، السير، 133/ 1 - 134 - الباروني، الأزهار، 111/ 2 (2) ? الدرجيني، الطبقات، 57/ 1 - 63 - الشماخي، السير، 136/ 1 - 139 - الباروني، الأزهار، 122/ 2 - 125) - الباروني، الأزهار، 129/ 2 - 132. - لواته: قبيلة من قبائل البربر في المغرب (انظر: بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 89/ 1). - بنو مسالة: هم رؤساء مقدمون في قبيلة " هواره " القاطنة بقرب تيهرت، ويعرفون بالأوس (انظر: الباروني، الأزهار
(133/ 2،
(4) - المصدر السابق، 133/ 2 - 134
.
- جبل دمر: يقع في ولاية طرابلس، جنوب تونس حاليا ويسمى بجبل الحواية، وهو يشكل الطرف الغربي للسلسلة التي تمتد من جنوب هذه المدينة حتى قابس، وذكر الإدريسي أن المسافة التي تفصل بين جبل نفوسة وجبل دمر تبلغ ثلاثة:
=
{. (1/40)
صفحة 41
الشيخ عمروس ومنهجه
ولما وصل إلى جبل نفوسة منعه أهل نفوسة من مواصلة رحلته إلى الحج خوفا عليه من غدر بني العباس به، فاستأجر الإمام من يؤدي عنه مناسك الحج آخذا بقول الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله فظل في الجبل لمدة سبع سنين، متوليا إدارة الجبل وسياسته وتعليم أهله (1)، وقد كلف ابنه أفلح يإدارة تيهرت في أثناء وجوده في جبل نفوسة، وهذا ما يؤكده الشيخ علي يحيى معمر
(2)
= مراحل في رمال متصلة، وقال أنه تسكن في أطراف هذه الجبال قبائل من البربر يسمون رهانة (أنظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 114 الهامش - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 302/ 1، 44/ 2 رقم الترجمة: 80). (0) - الدرجيني، الطبقات، 65/ 1 - الباروني، الأزهار، 137/ 2. العباسيون: نسبة إلى الدولة العباسية، التي أسقطت الدولة الأموية في سنة 132 هـ، وحلت محلها، وقد بدأت الدعوة العباسية في سنة 100 هـ على يد محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وقد استطاع العباسيون بقيادة أبي العباس السفاح إسقاط الدولة الأموية في سنة 132 هـ، وقتل آخر حكام بني أمية مروان بن محمد الملقب بمروان الحمار (انظر: محمد فريد، دائرة معارف القرن العشرين، 94/ 6 - 97).
"1
- هو الإمام الحجة الحافظ المحدث أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو بن الربيع بن راشد بن عمرو الفراهيدي العماني مولدا البصري إقامة، ولد في سنة 80 هـ أو قبلها بقليل في منطقة الباطنة من عمان، قيل: في " ودام " - قرية من قرى منطقة الباطنة تقع على ساحل خليج عمان وبالتحديد في ولاية المصنعة في التقسيم الإداري لمناطق سلطنة عمان، تبعد عن العاصمة مسقط بحدود 120 كلم - وقيل في " غضفان " - قرية من قرى منطقة الباطنة تقع على ساحل خليج عمان وبالتحديد في ولاية لوى في التقسيم الحديث لمناطق سلطنة عمان، و تبعد عن العاصمة مسقط بحدود 300 كلم.، أخذ مبادئ العلم على يد والده الشيخ حبيب بن عمرو ومشايخ عمان، ثم رحل إلى البصرة حوالي سنة 90 هـ، وسكن في البصرة في منطقة تسمى " الخريبة، وتتلمذ هناك على يد كبار التابعين، وبقي فترة طويلة، ثم رجع إلى عمان في أخريات حياته، أخذ العلم عن عدد كبير من العلماء منهم: الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والإمام أبو نوح صالح الدهان، والإمام أبو عبد الله ضمام بن السائب، وقد اخذ عنه العلم عدد كبير من التلامذة منهم: أبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي، وموسى بن أبي جابر الأزكوي، وبشير بن المنذر النزواني، وأبو صفرة عبد الملك بن صفرة، ومنير بن النير الجعلاني وغيرهم، ترك عددا من الآثار منها ما دونه بنفسه، ومنها ما كتبه عنه تلامذته، وتلك الآثار هي: 1 - مسند الإمام الربيع: وهو عمدة الإباضية في الحديث، ويحوي حوالي (743) حديثا، ويعتبر سنده من أصح الأسانيد وأعلاها، حيث أنه يروي فيه عن شيخه لبي عبيدة عن الإمام جابر بن زيد عن الصحابة رضوان الله عليهم، وقد يخرج عن هذا السند في القليل النادر، 2 - كتاب العقيدة: ويضم حوالي (140) أثرا، 3 - روايات الإمام محبوب بن الرحيل عن الإمام الربيع، 4 - آثار الربيع: كتاب الفه تلميذه ابو صفرة عبد الملك بن صفرة جمع فيه روايات الإمام الربيع عن ضمام بن السائب، 5 آراؤه واجوبته الفقهية: وهي مبثوثة في كتب تلامذته ومن بعدهم كابي غانم الخرساني صاحب المدونة، وقد تصدر الإمام الربيع إمامة المذهب الإباضي بعد وفاة شيخه الإمام أبي عبيدة، فلم يجد الإباضية خيرا من الإمام الربيع لهذا المنصب الجسيم بعد إمامهم أبي عبيدة، وذلك لمكانة الإمام الربيع وعلمه وتقواه، وقد قال فيه شيخه الإمام أبو عبيدة: " فقيهنا وإمامنا وتقينا "، وقد ذكر الإمام الربيع عدد من المحدثين، فقال عنه يحيى بن معين: ثقة، وقال عنه ابن شاهين: ثقة، وقال الدارقطني: " ولما للربيع بن حبيب البصري فلا يترك "، كما ذكره ابن حبان في الثقات، والبخاري في التاريخ الكبير ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وقد توفي الإمام الربيع في بلده غضفان حوالي سنة 175 هـ (انظر: الدرجيني، الطبقات، 273/ 2 - 277 - للشماخي، للسير، 95/ 1 - 97 - عبد الله بن حميد السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 1، المطابع الذهبية، روي سلطنة عمان، ص 3 - 5 - سيف بن حمود البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، ج 1، المطبعة الوطنية، روي، سلطنة عمان، ط 2: 1419 هـ / 1998 م، ص 86 - 89 - سعيد بن مبروك القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 1: 1416 هـ/ 1995 م، ص 15 - 20، ص 23 - 50، ص 71 - 73 - البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص 49 - 59). (1) - الدرجيني، الطبقات، 66/ 1 - الشماخي، السير، 140/ 1 - الباروني، الأزهار، 142/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 118 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 427/ 2، رقم الترجمة: 918.
-
(2) ـ علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة، ص 59 ـ بحاز، الدولة الرستمية، ص 119.
41 (1/41)
صفحة 42
الشيخ عمروس ومنهجه
وفي أثناء وجوده في جبل نفوسة جهز جيشا لمحاصرة طرابلس في سنة 196 هـ، إلا أن المدينة استعصت عليه الحصانتها، فلم يتمكن من افتتاحها، ولكنه تمكن من إجبار الأغالبة لعقد صلح على أن تكون المدينة والبحر للأغالبة، وما كان خارج المدينة كله إلى أرض سرت" للإمام عبد الوهاب (1).؛ وفي طريق عودته من طرابلس ضم إلى دولته مدينة قابس، وما يليها من القرى والجبال
، إلى أن وصل إلى جبل دمر الذي كان تحت رايته من قبل، وضم كذلك جزيرة جربة إلى دولته، ورتب الولاة والعمال في هذه المناطق
(2)
'
ولما قرر العودة إلى تيهرت بعد سبع سنوات قضاها في جبل نفوسة، عين وزيره السمح بن أبي الخطاب المعافري واليا على جبل نفوسة، وعين بعد وفاة السمح أيوب بن العباس
(3)
منجد
الأغالبة: هم أتباع إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب (237 هـ - 289 هـ)، كان واليا على القيروان لأخيه لبي الغرانيق، فلما توفي لخوه ولي مكانه في سنة 261 هـ، اختل عقله في آخر أيامه، فقتل عددا من أفراد عائلته، ومن وزرائه وجنده، وقد دامت ولايته 28 سنة ونصف (النظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 155، الهامش). سرت: منطقة تقع في ليبيا (انظر: بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 307/ 11، 1388/ 22 - 189، رقم الترجمة: (1) - الدرجيني، الطبقات، 67/ 1 - الشماخي، السير، 141/ 1 - الباروني، الأزهار، 144/ 2 - 146 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 118
(416
- قابس: مدينة تقع في تونس (انظر: بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 309/ 1، 56/ 2، رقم الترجمة: 108) .. - جربة: هي جزيرة تقع في تونس، وبالتحديد عند ملتقى منخفض شرقي يبتدأ من قناة السويس وينتهي بانتهاء سهل الجفارة بجنوب البلاد التونسية، ومرتفع غربي يبتدئ من السواحل التونسية الشرقية وينتهي عند مضيق جبل طارق، وتقع جربة عند ملتقى المنخفض الشرقي والمرتفع الغربي في الجزء الجنوبي من خليج قابس نحو 34 عرضا و 11 طولا، وتمتاز بموقع تجاري هام يربط بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وهي مربعة الشكل، ويوجد في جنوبها الغربي جزيرتان صغيرتان تعرفان باسم القطعاية البحرية والقبلية، وقد كانت جربة متصلة بالمرتفع الأرضي لليابس الممتد من إيطاليا إلى للشمال الإفريقي ثم انفصلت عنه؛ واسم جربة القديم " كربة " ثم ابدلت الكاف جيما لكثرة التداول وسرعة النطق كما يذكر للشيخ سالم بن يعقوب، وقد ذهب ابن خلدون إلى أن سبب تسميتها بجربة نسبة إلى فرقة من قبائل لماية البربرية، إلا أن الشيخ سالم بن يعقوب رد ذلك وقال: أن ابن خلدون لا دليل له على ذلك، وهناك أقوال أخرى في سبب تسميتها بهذا الاسم أشار إليها صاحب کتاب صفحات من تاريخ جربة؛ ويتصل بجربة عدد من أشباه الجزر، وبها العديد من الآثار والأبراج، والعديد من الأسواق، ومناخها معتدل، وتربتها رملية خصبة صالحة للزراعة، وتعتمد على الأمطار والآبار في المياه، وتمتاز بإنتاج العديد من المزروعات كالحبوب والنخيل والزيتون والتين والتفاح والرمان والكروم والخضروات بجميع أنواعها تقريبا، وكذلك يشتغل أهلها بصيد الأسماك والإسفنج، وتمتاز بالصناعات الفخارية والصوفية، وكذلك يمارس أهلها التجارة؛ ويتمذهب اهلها بالمذهب الإباضي، وقد خرجت عددا كبيرا من علماء المذهب الإباضي (انظر: سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة، دار للجويني للنشر، تونس، 1406 هـ / 1986 م، ص 13، 20، 2 - 31، 36 - 41 - قاسم بلحاج عيسى،
صفحات من تاريخ جربة، للشركة التونسية لفنون الرسم، ص 13 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 304/ 1). (2) - الشماخي، السير، 141/ 1 - 142 - الباروني، الأزهار، 146/ 2 - 147 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 119 - هو السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، أصله عربي من قبيلة معافر لليمنية، وهو وزير ووال وعالم وابن الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى للمعافري، أول من بويع بالإمامة في المغرب سنة 140 هـ، أخذ العلم عن والده، وعن حملة العلم الآخرين، كان يقوم بالتدريس، وعقد حلق العلم بجبل نفوسة، عينه الإمام عبد الوهاب وزيرا وقاضيا له، ثم عينه واليا على حيز طرابلس ن بطلب من أهلها، وقد توفي بعد سنة 204 هـ (انظر: الدرجيني، الطبقات، 67/ 1 - 69، 74 - الشماخي، السير، 144/ 1 - 145 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 218/ 2 رقم الترجمة: 476).) - الشماخي، السير، 142/ 1 - الباروني، الأزهار، 147/ 2.
42 (1/42)
صفحة 43
الشيخ عمروس ومنهجه
تيهرت، وبعد وفاة أيوب عين أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني، وظل على ولاية الجبل إلى أن توفي الإمام
(1)
عبد الوهاب وفي أواخر أيام الإمام عبد الوهاب ظهرت فتنة خلف بن السمح الطامع في ولاية الجبل بعد موت أبيه السمح الذي عينه الإمام على ولاية الجبل كما ذكرنا، فتعامل الإمام مع خلف برفق ومهادنة (2) إلى أن توفي في سنة 208 هـ، بعد أن استمر عهده لمدة سبع وثلاثين سنة (3)؛ وقد بلغت الدولة
الرستمية في عهد الإمام عبد الوهاب مبلغا عظيما، فكانت لها علاقات الند بالند مع الأمويين"
"1
- هو أبو العباس - ويكنى كذلك بأبي الحسن - أيوب بن العباس، كان لايزال حيا بعد سنة 204 هـ، هو من مشايخ تنين دوزيغ " بجبل نفوسة بليبيا، تلقى العلم في جبل نفوسة على يد العلامة عاصم السدراتي أحد حملة العلم الخمسة عن أبي عبيدة إلى المغرب، كان بالإضافة إلى مقامه السامق في العلم، له قدم السبق في الشجاعة وفنون الحرب، وكان ضمن الوفد المتكون من اربعة نفر الذي ارسله أهل نفوسة إلى الإمام عبد الوهاب عندما طلب مساعدتهم ضد الواصلية المعتزلة، فكان أيوب هو المختص بشؤون القتال والمبارزة، فقضى على فارس المعتزلة ابن رئيس المعتزلة، الذي اعجز جيش الإمام عبد الوهاب، ولما رأه رئيس المعتزلة وهو يركب فرسه قال: " الآن جاء من يقتل ولدي، أفلا ترون أن فرسه لما ركبه أدلى واسترسل، ولا يفعل الفرس ذلك إلا تحت الفارس الحاذق الممارس "، وبالفعل استطاع ايوب أن يردي الفتى المعتزلي بكل سهولة ويسر، وساهم بشكل كبير في القضاء على المعتزلة، وله قصة أخرى مع المعتزلة تبين مدى قوة فروسيته، حيث أرادوا الغدر به انتقاما لقتلاهم في حربهم ضد الإمام عبد الوهاب، إلا أن أيوب استطاع القضاء على المعتزلة الذين أرادوا الغدر به، وأرداهم قتلى، وتفاصيل القصة موجودة في كتب السير كالطبقات وسير الشماخي وغيرها، وقد ولاه الإمام عبد الوهاب على جبل نفوسة بعد وفاة عامله عليها السمح بن أبي الخطاب، فساهم أيوب في القضاء على فتنة خلف بن السمح الذي حاول السيطرة على ولاية جبل نفوسة، فقضى عليه أيوب بقوته وشجاعته وبسالته، وقد قال ايوب: " لا أعلم من فاس إلى مصر فارسا يبارزني " وهذا دليل على قوته وشجاعته وفروسيته، وقد توفي في عهد الإمام عبد الوهاب، فلما وصل نبأ وفاته إلى الإمام عبد الوهاب حزن عليه حزنا شديدا كما يذكر الشيخ الباروني، وولى بعده على الجبل عبد الحميد الجناوني (انظر: البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 34، 36، 107 - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 102 - 112، 123 - الدرجيني، الطبقات، 60/ 1 - 64، 70، 76 - الشماخي، السير، 145/ 1، 157 - الباروني، الأزهار، 119/ 2، 152 - الجيطالي قواعد الإسلام، 57/ 1 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 65/ 2 - 66 رقم الترجمة: 126). (1) - الشماخي، السير، 157/ 1، 158 - الباروني، الأزهار، 152/ 2
"
- هو خلف بن السمح بن الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، كان حيا في سنة 221 هـ، هو مؤسس الفرقة الخلفية المنسوبة إليه، قام بتمرد ضد الرستميين، وأسس الفرقة الخلفية، واستقل بجزء من حوزة طرابلس وقابس، نشط في يفرن وما جاورها، شرق جبل نفوسة، ولما تفاقم أمره حذره الإمام عبد الوهاب، فواجهه والي الإمام بجبل نفوسة أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني باللين بأمر الإمام عبد الوهاب، ثم لما لم يفد معه اللين، ولم ينته عن غيه، قاتله الوالي أبو عبيدة بجيش تحت قيادته في عشية الخميس 13 رجب 221 هـ، فانهزم خلف، وانحاز إلى " تيمتي "، واخرج منها أصحاب أبي عبيدة، فسكنت حركته إلى أن مات، وخلفه في سيرته ابنه فيما بعد، وكان لهم وجود وكيان في جزيرة جربة، وبدأ نجمهم بالأفول في زمان أبي مسور أواسط القرن الرابع الهجري، حتى انقرضوا، ولم يبق لهم اتباع (انظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 118 - 122 - الدرجيني، الطبقات، 67/ 1 - 77 - الشماخي، السير، 156/ 1 - 162 - الباروني، الأزهار، 148/ 2 - 152 - الجيطالي، القواعد، 56/ 1 - 57 الهامش - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 134/ 2 رقم الترجمة: 292).، الطبقات، 68/ 1 - الباروني، الأزهار، 148/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 120
(2) الدرجيني
) - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 284/ 2، رقم الترجمة: 609 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 120 " - الأمويون: ينتسبون إلى بني أمية، الذين ينتمون إلى عبد مناف، وهم من أشراف عرب قريش ورؤسائها، استطاع معوية بن أبي سفيان الأموي أن يكون لهم دولة في سنة 41 هـ، عرفت بالدولة الأموية، بعد أحداث دامية بين المسلمين، حين شق معاوية عصى الطاعة عن الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب، وما أعقب ذلك من موقعة " صفين "، وقضية التحكيم، التي كانت في صالح معاوية، ثم مقتل علي بن ابي طالب، وتنازل الحسن بن علي لمعاوية عن الخلافة خوفا من مزيد سفك =
43 (1/43)
صفحة 44
الشيخ عمروس ومنهجه
بالأندلس"، ومع الأغالبة بأفريقية، ومع المداريين" في جنوب المغرب الأقصى، وله علاقات وطيدة مع أفريقيا جنوب الصحراء، ومع إباضية المشرق
(1)
وقد اتسعت الدولة الرستمية في عهده من حدود مصر شرقا إلى مدينة تلمسان في أقصى المغرب الأوسط غربا، بل إن هيمنته شملت في بعض الأحيان دولة بني مدرار في المغرب الأقصى
(2)
= لدماء المسلمين، فتسلم معاوية الحكم غصبا وانتهاك، ثم جعلها وراثية في بني امية، وقد سقطت الدولة الأموية في سنة 132 هـ على يد العباسيين (أنظر: محمد فريد، دائرة معارف القرن العشرين، 622/ 1 - 629). الأندلس: اسم أطلقه العرب على كل شبه جزيرة لسبانيا بطريق التغليب، أما هو في الحقيقة فإقليم في جنوب أسبانيا، ويتميز بالخصب والجمال، وتقابل من أرض المغرب تونس، وقد افتتح المسلمون أسبانيا (الأندلس) في سنة 92 هـ، بقيادة طارق بن زياد (انظر: الحموي، معجم البلدان، 210/ 1 - محمد فريد، دائرة معارف القرن العشرين، 657/ 1). المداريون: ينتسبون إلى مدرار بن اليسع، الذي تولى حكم دولة " بني واسول " أو " بني مدرار " الصفرية في سنة 208 هـ؛ ودولة " بني واسول " لمسها عيسى بن يزيد، الذي انتخب إماما عليها في سنة 140 هـ، واتخذ من سجلماسة عاصمة لدولته؛ وكانت دولة " بني واسول " تجاور الدولة الرستمية في جنوبها الغربي، حيث كانت تقع في جنوب المغرب الأقصى؛ وقد تزوج مدرار هذا من أروى ابنة الإمام عبد الرحمن بن رستم مؤسس الدولة الرستمية (انظر: محمد علي دبوز، تاريخ للمغرب الكبير، ج 3، دار إحياء الكتب العربية، ط 1 1383 هـ / 1963 م، ص 445 - 447 - سعد زغلول عبد الحميد، تاريخ للمغرب العربي، ج 2، منشأة المعارف، الاسكندرية، مصر، ص 415).
11
*- الإباضية: هم اتباع المذهب الإباضي، وهو مذهب من المذاهب الإسلامية، سمي بذلك نسبة إلى أحد أئمة المذهب الإباضي وهو عبد الله بن إياض المري التميمي (حي بعد: 67 هـ)، وقد سماهم بذلك مخالفوهم، وذلك بسبب بروز الإمام عبد الله بن إياض ومنافحته عن المذهب ضد بني أمية المعادين لهذا المذهب، وأما الإباضية فكانوا يطلقون على أنفسهم " جماعة المسلمين، " وأهل الدعوة "، والإمام المؤسس للمذهب الإباضي هو الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي (18 هـ - 93 هـ)، وقد استطاع الإباضية إقامة عدة دول إسلامية في اليمن، وعمان، والمغرب، وشرق إفريقيا، ولا يزال لهم وجود في عمان وبلاد المغرب وشرق إفريقيا، وأهم معتقدات الإباضية: -1 - تنزيه الله تعالى، وعدم تشبيهه بخلقه، ونفي رؤيته 2 - خلود مرتكب الكبيرة في نار جهنم -3 - لا شفاعة إلا للمؤمن الموفي، فالعاصي لا شفاعة له -3 القرآن مخلوق 4 - رفضهم لقضية التحكيم بين علي ومعاوية -5 - عدم استباحتهم لدماء مخالفيهم، ولا يجيزون غنم أموالهم وسبي ذراريهم؛ وقد دأب كثير من الكتاب إلى نسبة الإباضية إلى الخوارج، وعدم التفريق بينهما، ولكن الحقيقة بخلاف ذلك فهناك فرق كبير بين الإباضية والخوارج، وقد ناقشت ذلك عند تعرضي لمصطلح الخوارج في ص 94 - 9 الهامش) انظر: النامي، دراسات عن الإباضية، ص 43، 73، 163، 179، 18 - 184، 187 - 192 - محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 24 - 31، 96 - 115 - عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 75 - 102 - مصطفى الشكعة، إسلام بلا مذاهب، الدار المصرية اللبنانية، بيروت، لبنان، ط 6: 1407 هـ / 1987، ص 134 - 149) (1) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ت: د/ محمد صالح ناصر و إبراهيم بحاز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1406 هـ / 1986 م، ص 45 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 283/ 2، رقم الترجمة: 609 مصر: من أشهر أقطار الدنيا، وأقدمها ذكرا في التاريخ، وأبعدها عهدا بالمدنية والعلم، موضعها في الشمال الشرقي من إفريقيا، وهي عبارة عن واد ضيق محصور بين سلسلتي جبال يختلف ارتفاعها بين (80 و 350) مترا، وهما سلسلة جبال العرب جهة الشرق، وسلسلة جبال ليبيا جهة الغرب، ويحد مصرا شمالا للبحر الأبيض المتوسط، وشرقا بلاد الشام والعرب والبحر الأحمر، وجنوبا بلاد النوبة، وغربا طرابلس الغرب والصحراء، وتبلغ مساحة مصر). .60000) كيلو متر مربع، أي (150) مليون فدان بما فيها الصحراء؛ وقد سميت مصر بمصر نسبة إلى مصر بن مصرايم بن حام بن نوح، وقد افتتحها عمرو بن العاص في عهد عمر بن الخطاب (أنظر: الحموي، معجم البلدان، 272/ 8 - 277 - محمد فريد: دائرة معارف القرن العشرين، 15/ 9 - 16). -- تلمسان: وبعضهم يقول: " تيمسان " بالنون بدل اللام، وذهب ابن خرداذبة إلى أنها: " يلمسين " وهذا ما ذهب إليه ابن الفقيه، وهي عبارة عن مدينتين متجاورتين، توجدان في المغرب، إحداهما قديمة والأخرى حديثة، اختطها الملثمون ملوك المغرب حسب ما ذكر الحموي، وذكر كل من ابن خرداذبة وابن الفقيه أنها في يد ولد إدريس بن إدريس بن عبد الله =
..
"
44 (1/44)
صفحة 45
الشيخ عمروس ومنهجه
وقد عاصر الإمام عبد الوهاب بعض أئمة الإباضية في عمان، وقد مر علينا أن الإمام عبد الوهاب بويع في سنة 171 هـ، وعمان في هذه الفترة وإلى سنة 177 هـ، كانت تعيش في فترات الظلام والقهر، حيث استطاع العباسيون بقيادة خازم بن خزيمة السيطرة على عمان بالقضاء على الإمام الجلندى بن مسعود" وأصحابه الشراة" رحمهم الله تعالى، وكان ذلك في سنة 134 هـ، فسيطر على عمان آل الجلندى الجبابرة بإعانة خازم بن خزيمة لهم من سنة 134 هـ وحتى سنة 177 هـ (2)
(1)
"
= بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وهي تبعد عن " تيهرت " عاصمة الرستميين بمسيرة خمسة وعشرين يوما كلها، يسكنها الجند وأصحاب السلطان واصناف من الناس، واسم القديمة عمران، ويطلق على المدينة الحديثة " تافرزت " أقادير "، يسكنها الرعية (انظر: أحمد بن محمد الهمداني ابن الفقيه (أبو بكر)، مختصر كتاب البلدان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1408 هـ / 1988 م، ص 78 - عبيد الله بن عبد الله ابن خرداذبة (أبو القاسم)، المسالك والممالك، ت: محمد مخزوم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1408 هـ / 1988 م، ص 82 - الحموي، معجم البلدان، 454/ 2).
(2) - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 284/ 2، رقم الترجمة: 609
هو خازم بن خزيمة الخرساني، من أنصار السفاح العباسي، أرسله السفاح بجيش للقضاء على الخوارج الصفرية وقائدهم شيبان الخارجي، وكذلك للقضاء على الإباضية في عمان الذين أقاموا لهم دولة هناك، وبايعوا الإمام الجلندى بن مسعود في سنة 132 هـ، وقد قضى الإمام الجلندى على شيبان الخارجي حين رفض الخروج من عمان، فلما وصل خازم وجد الطريق ممهدا للقضاء على دولة الإباضية الوليدة التي خرجت للتو من معركة حامية مع الصفرية، فاستطاع حازم القضاء على الإمام الجلندى بعد معرة ـركة حامية عنيفة في منطقة جلفار من عمان سنة 133 هـ، وقيل: 134 هـ، وقد كانت كفة الإباضية أن ترجح لولا أن لجأ خازم إلى المكر والخديعة بإحراق منازل العمانيين، فاشتغلوا بإنقاذ ذراريهم، ويروى أن خازما تولى قتل الإمام الجلندى بنفسه حين ها به جنده، فلما حضرت خازم وفاته قيل له: ابشر فقد فتح الله على يديك، فقال: " غررتمونا في الحياة، وتغروننا في الممات، هيهات هيهات، فكيف لي بقتل الشيخ العماني " يعني الإمام الجلندى (انظر: عبد الله بن حميد السالمي تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج 1، مكتبة الاستقامة، روي، سلطنة عمان، 1417 هـ / 1997 م، ص 92 - 97 - محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 144 - 146). هو الإمام الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى، أول من بويع بالإمامة في عمان في سنة 132 هـ، وكان عالما صالحا زاهدا، واستمرت إمامته حتى سنة 133 هـ وقيل: 134 هـ، وقد استشهد مع أصحابه الشراة على يد خازم بن خزيمة الذي أرسله السفاح العباسي للقضاء على الإمام الجلندى ودولته الوليدة، فوقعت بين الطرفين معركة عنيفة في منطقة جلفار من عمان، أنظر بقية الأحداث في ترجمة خازم بن خزيمة الخرساني التي مرت قبل قليل (انظر: السالمي، تحفة الأعيان، 85/ 1 - 99 - محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 144 - 146).
الشراة: مأخوذة من الشراء، وهو مسلك من مسالك الدين الأربعة في المذهب الإباضي وهي: الظهور، والدفاع
والشراء، والكتمان؛ والشراء لغة هو البيع والشراء، ويستخدم مصطلح الشراء عند الإباضية تعبيرا عن التضحية بحياة المرء في سبيل الله لبلوغ الجنة، والشراة بالجمع هم الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله، وعبارة الشراء مشتقة من الآيات القرآنية نحو قوله تعالى: (إنَّ اللهَ
اشتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بأن لَهُمُ الجَنَّة يُقاتِلُونَ فِي سَبيل الله فيقتلونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل والقرآن وَمَنْ أوقى يعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فاستبشيرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعتُم بِهِ وَذلِكَ هُوَ القوز العظيم) (التوبة: 111
)، وقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ} (البقرة: (207).
وكان الإمام أبو بلال مرداس بن حدير رحمه الله هو أول من مارس الشراء، حين رأى الضرر الذي يسببه عبيد الله بن زياد للمسلمين، فكان يقول: " ... إننا لم نخرج لنفسد في الأرض، ولا لنروع أحدا، ولكن هربا من الظلم، ولسنا نقاتل إلا من
يقاتلنا ... " (انظر: النامي، دراسات عن الإباضية، ص 275، 278، 279 - الدرجيني، الطبقات، 218/ 2). (1) - السالمي، تحفة الأعيان، 85/ 1 - 99 سالم بن حمود السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 1، المطبعة الشرقية، سلطنة عمان، وزارة التراث والثقافة - سلطنة عمان، رقم الإيداع: 95/ 241، ص 254 - د/ محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 145.
(2) - السيابي، عمان عبر التاريخ، 260/ 1.
45 (1/45)
صفحة 46
الشيخ عمروس ومنهجه
(")
في سنة 177 هـ بزغ على عمان نور فجر جديد، فأقام العمانيون الإمامة في تلك السنة من جديد، وبايعوا محمد بن أبي عفان"، فكان هذا الإمام الجديد أول إمام يعاصره الإمام عبد الوهاب في عمان؛ ثم قام العمانيون بعزل محمد بن أبي عفان في سنة 179 هـ، ومبايعة الإمام الوارث بن كعب في نفس السنة، فكان ثاني إمام يعاصره الإمام عبد الوهاب في عمان (2)، واستمر الإمام الوارث بن كعب في إمامة عمان لمدة اثني عشرة سنة حتى توفي في سنة 192 هـ؛ فبايع العمانيون بعده في نفس السنة الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي"، فكان ثالث إمام يعاصره الإمام عبد الوهاب فاستمر الإمام غسان في الإمامة لمدة خمس عشرة سنة وتوفي في سنة 207 هـ، أي قبل سنة من وفاة الإمام عبد الوهاب، بعد وفاة الإمام غسان بسنة بويع الإمام عبد الملك بن حميد العلوي في سنة
(4)
.
رحمه تعالى
(3)
(0)
الله 207 هـ، وقيل: 208 هـ، وهي نفس السنة التي توفي فيها الإمام عبد الوهاب إذا فالذي يظهر مما سبق أن الإمام عبد الوهاب عاصر ثلاثة أئمة من أئمة عمان، وهم الإمام محمد بن أبي عفان، والإمام الوارث بن كعب، والإمام غسان بن عبد الله، وبالنسبة للإمام عبد الملك بن
ـ هو محمد بن عبد الله بن أبي عفان، من قبيلة اليحمد العمانية، إلا أنه نشأ في العراق وكان من أهل العراق، فقدموا به إلى عمان، وبويع في سنة 177 هـ، وقد اختلف في صفة إمامته، فقيل: كان إمام دفاع حتى تضع الحرب أوزارها، وقيل: كان امير جيش فاساء السيرة وبدل وغير، وكان يستقبلهم بالكلام الغليظ، حتى قال وائل بن أيوب: " ليس ابن أبي عفان بإمام بل ذلك جبار "، وقد عزله الإباضية حين لم يرضوا سيرته في سنة 179 هـ (انظر: السالمي، تحفة الأعيان، 109/ 1). (1) - السالمي، تحفة الأعيان، 109/ 1 - السيابي، عمان عبر التاريخ، 12/ 2
- هو الإمام الوارث بن كعب الخروصي، من اليحمد، بويع بالإمامة في عمان في سنة 179 هـ، بعد عزل محمد بن أبي عفان في نفس السنة، وقد تولى مبايعته الشيخ موسى بن أبي جابر، فسار الإمام الوارث في عمان على أثر السلف الصالح من المسلمين، فنهج منهج الحق، وظهرت دعوة المسلمين، وعز الإسلام وخمد الكفر والعصيان، وقد استمرت إمامته اثنتي عشرة سنة وستة أشهر إلا أياما، وقيل: ويومين، وتوفي في سنة 192 هـ، وكان سبب موته أنه غرق في سيل وادي " كلبوه " بنزوى من داخلية عمان، وذلك أنه كان يوجد في الوادي بعض المساجين محبوسين هناك، فسال الوادي جارفا، فأمر الإمام بإخراجهم، فلم يتجرا لحد على ذلك، فقال الإمام: أنا أمضي إذ هم أمانتي، وأنا المسؤول عنهم يوم القيامة، فمضى لإنقاذهم وتبعه بعض أصحابه، فمر الوادي وأخذهم مع المحبوسين (انظر: السالمي، تحفة الأعيان، 112/ 1 - 119). (2) - السالمي، تحفة الأعيان، 112/ 1 - السيابي، عمان عبر التاريخ، 12/ 2
- هو الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي، بويع بالإمامة في عمان بعد موت الإمام الوارث بن كعب في سنة 192 هـ، وفي زمنه خصبت عمان خصبا كثيرا، وتوفي في سنة 207 هـ بسبب مرض ألم به (انظر: السالمي، تحفة الأعيان، 120/ 1 -
(124
) - السالمي، تحفة الأعيان، 120/ 1 - السيابي، عمان عبر التاريخ، 36/ 2، 37. (4) - السالمي، تحفة الأعيان، 124/ 1 - السيابي، عمان عبر التاريخ، 69/ 2.
.
- هو الإمام عبد الملك بن حميد العلوي، من بني سودة بن علي بن عمرو بن عامر ماء السماء الأزدي، بويع بالإمامة في عمان بعد وفاة الإمام غسان بن عبد الله، وكانت بيعته في سنة 207 هـ، وقيل: 208 هـ، واستمر في الإمامة لمدة ثماني عشرة سنة، وتوفي في سنة 226 هـ (انظر: انظر: السالمي، تحفة الأعيان، 132/ 1 - 133). (0) - السالمي، تحفة الأعيان، 132/ 1 - السيابي، عمان عبر التاريخ، 71/ 2.
46 (1/46)
صفحة 47
الشيخ عمروس ومنهجه
حميد قد يكون الإمام عبد الوهاب عاصره إن كانت وفاة الإمام عبد الوهاب بعد مبايعة الإمام عبد الملك، وإن كانت وفاته قبل مبايعته فبذلك يكون لم يعاصره.
والحقيقة أني لم أجد على حسب المصادر التي توفرت بين يدي سواء القديمة منها أو الحديثة أي علاقة أو مراسلات بين الإمام عبد الوهاب وأئمة عمان، ولعل السبب في ذلك يعود إلى اشتغال الإمام عبد الوهاب بتثبيت حكمه في دولته والقضاء على الفتن التي كانت تداهمه من حين إلى آخر، فلم يتفرغ لمراسلة أئمة عمان وتوطيد الصلة بين دولته وعمان، ويقال نفس الشيء بالنسبة لأئمة عمان الذين عاصروا الإمام عبد الوهاب فلعلهم بسبب كثرة الفتن في عمان في وقتهم، ومحاولتهم ترسيخ الإمامة في عمان بعد طول انقطاعها من عهد الإمام الجلندي) 132 هـ - 134 هـ) وإلى أن قامت ثاني إمامة في سنة 177 هـ، لعل ذلك أشغلهم عن التراسل مع الإمام عبد الوهاب، وإقامة علاقة بين عمان والدولة الرستمية.
هذا بالنسبة للوضع السياسي في عصر الإمام عبد الوهاب، وبعد أن توفي في سنة 208 هـ، بايع أهل الحل والعقد ابنه أفلح بالإمامة في نفس اليوم الذي توفي فيه (1)
(1) - الدرجيني، الطبقات، 72/ 1 - الشماخي، السير، 166/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 60/ 2، رقم الترجمة
: 116 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 120.
47 (1/47)
صفحة 48
الشيخ عمروس ومنهجه
ب - المطلب الثاني: الوضع السياسي في عهد الإمام أفلح:
بعد أن توفي الإمام عبد الوهاب، تاركا دولة قوية شامخة البنيان، شاسعة الأطراف، تولى الإمامة
والشباب
،
(2)
(1)
من بعده ابنه أفلح في نفس السنة التي توفي فيها الإمام عبد الوهاب وهي سنة 208 هـ؛ وعهد الإمام أفلح يعتبر العهد الذهبي للدولة الرستمية، فقد تميزت الدولة في عصره بالقوة والازدهار ولا محالة أن ذلك يعود إلى عدة أسباب منها: أن الإمام أفلح وجد الدولة الرستمية موحدة الأرجاء مستبة الأمن بفضل جهود والده الإمام عبد الوهاب، فشرع الإمام أفلح في تعمير الدولة وبنائها وتقويتها، بعد أن وجد الأرضية قد مهدت له، كذلك فإن الإمام أفلح قد تميز بخصال وصفات أهلته أن يرتقي بالدولة الرستمية ويبلغ بها المبلغ الشامخ الذي وصلت إليه في عهده سواء من ناحية القوة أو المنعة أو الرقي الحضاري والازدهار، فالإمام أفلح قد بلغ من العلم شأوا بعيدا، فقد روي أنه جلست بين يديه أربع حلق من حلق العلم وهو لم يبلغ سن الحلم بعد؛ وكان كذلك فارسا مقداما أبلى البلاء الحسن في المعارك التي خاضها أبوه لتوطيد حكمه على الدولة الرستمية، والقضاء على كل من يريد الإخلال بأمن ووحدة الدولة، حتى أن أباه نظر إليه يوما من الأيام وهو يقاتل فقال: " إنه يصلح للأمر. (4)، أي لأمر الإمامة؛ وقد وصفه ابن الصغير بقوله: " أخذ بالعزم والحزم وطار له الصيت ... ولم يكن الشراة تطعن عليه في شيء من أحكامه ولا في صدقاته، ولا في أعشاره ... " إهـ؛ ووصفه الشماخي بقوله: " الإمام التقي العدل السمي العالم الأنجح أمير المؤمنين أفلح بن عبد الوهاب الذي تمسك بالحجة البيضاء والصراط الأفيح ... " إهـ
(°)
(9)
(*)
أصبحت
وقد تميز عهد الإمام افلح بقلة الحروب، مما أتاح له الفرصة لتطوير البلاد والرقي بها حتى مضرب الأمثال ومقصد الوراد، قال ابن الصغير: " عمر في إمارته ما لم يعمره أحد ممن كان قبله، فأقام خمسين عاما أميرا حتى نشأ له البنون وبنو البنين، وشمخ في ملكه، وابتنى القصور وعمرت معا
(1) - الدرجيني.، الطبقات، 72/ 1 - الشماخي، السير، 166/ 1 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 60/ 2 رقم الترجمة: 116 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 120. (2) ? بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 11/ 2 رقم الترجمة: 116 - بحاز، للدولة الرستمية، ص 121 الشماخي، السير، 166/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 61/ 2 رقم الترجمة: 116.
(4) - الشماخي، السير، 166/ 1. (9) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 57.
(7) - الشماخي، السير، 166/ 1.
48 (1/48)
صفحة 49
الشيخ عمروس ومنهجه
الدنيا، وكثرت الأموال والمستغلات، وأتته الرفاق والوفود من كل الأمصار والآفاق بأنواع التجارات، وتنافس الناس في البنيان حتى ابتنى الناس القصور والضياع خارج المدينة وأجروا الأنهار ... " إهـ (1)
وقد تميز هذا الإمام بالدهاء السياسي، فبث نفوذه بالحكمة والحيلة تارة، وبالقوة والشدة تارة، فكان من دهائه بث بذور الفرقة والخلاف بين القبائل التي لا تجتمع عليه فيأمن شرها
ولقد عمر هذا الإمام في إمامته مدة نصف قرن، وفي رواية مدة ستين عاما، فعاصر بذلك ستة من
.
..
حكام بني العباس وهم: الرشيد والأمين"، والمأمون"
والمأمون"، والمعتصم، والواثق، والمتوكل، (3)؛ وقد اعتبر بعض الباحثين الإمام أفلح أعظم من تولى الإمامة في المغرب الإسلامي،
، ومن هؤلاء الباحثين الشيخ علي يحيى معمر فنجده يقول: " ولعل الإمام أفلح يعتبر ولعل الإمام أفلح يعتبر أعظم من تولى الإمامة في المغرب الإسلامي، وأنا حين أطلق هذا الحكم أضع في الاعتبار مراعاة التطبيق لأحكام
(1) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 61
(2) ـ ابن الصغير، المصدر السابق، ص 63 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 121 - الباروني، الأزهار، 182/ 2 - 183 هو هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وأمه الخيزران أم ولد يمانية جرشية، ولد بالري في سنة 145 هـ، وقيل 149 هـ، استلم حكم الدولة العباسية يوم مات أخوه موسى الهادي في سنة 170 هـ، واستمر في الحكم إلى أن توفي في سنة 193 هـ، وقيل: 194 هـ، فكانت مدته 23 سنة، وقد كان عهده واسطة عقد الدولة العباسية، فوصلت فيه إلى أفخم درجاتها صولة وسلطانا، وعلما و ادبا (انظر: علي بن محمد الشيباني ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 5، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1: 1407 هـ / 1987 م، ص 277، ص 352 - محمد الخضري، الدولة العباسية، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط 1: 1419 هـ / 1998 م، ص 97). هو محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي، ولمه زبيدة بنت جعفر المنصور، ولد في سنة 170 هـ، تولى الحكم في الدولة العباسية في سنة 194 هـ بعد موت أبيه هارون الرشيد، واستمر في الحكم إلى أن قتل في سنة 198 هـ، فكانت مدته أربع سنوات إلا أربعة أشهر تقريبا، وقد كانت مدة حكمه مملوءة بالمشاكل والاضطرابات بينه وبين أخيه المامون (انظر: الخضري، الدولة العباسية، ص 148). - المأمون: هو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي، وأمه أم ولد اسمها مراجل، ولد في سنة 170 هـ، تولى حكم الدولة العباسية في سنة 198 هـ، بعد مقتل أخيه الأمين، واستمر في الحكم إلى أن توفي غازيا بطرسوس في سنة 218 هـ، فكانت مدته عشرين سنة وأشهر (انظر: الخضري، الدولة العباسية، ص 163). - المعتصم: هو أبو إسحاق محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي، وأمه أم ولد اسمها ماردة، ولد في سنة 179 هـ، استلم حكم الدولة العباسية في سنة 218 هـ، بعد وفاة أخيه المأمون، واستمر في الحكم لمدة ثمان سنوات وأشهر، إلى أن توفي في دينة سامرا في سنة 227 هـ (انظر: الخضري، الدولة العباسية، ص 211).
- الواثق: هو أبو جعفر هارون الواثق بالله بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد، وأمه لم ولد رومية اسمها قراطيس، ولد في سنة 186 هـ بطريق مكة، استلم حكم الدولة العباسية عقب وفاة والده في سنة 227 هـ، واستمر في الحكم لمدة خمس سنوات واشهر، إلى أن توفي في سنة 232 هـ (انظر: الخضري، الدولة العباسية، ص 228).
...
- المتوكل: هو جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن هارون الرشيد، وأمه أم ولد خوارزمية، يقال لها شجاع، ولد في سنة 206 هـ، واستلم حكم الدولة العباسية في سنة 232 هـ، وهو اليوم الذي توفي فيه الواثق، فاستمر في الحكم لمدة 14 سنة وأشهر إلى أن قتل في سنة 247 هـ (انظر: الخضري، الدولة العباسية، ص 233).
) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 61، 64 هامش المحقق ـ الدرجيني، الطبقات، 83/ 1 - الباروني، الأزهار، 221/ 2 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 61/ 2 رقم الترجمة: 116.
49 (1/49)
صفحة 50
الإسلام
الشيخ عمروس ومنهجه
، وتنفيذها مع طول المدة، وإقبال الدنيا، وفيضان الثروة بين جميع الطبقات ... كان إذا وعد، وإذا قال عمل، وإذا أمر بالإحسان ائتمر، يقيم الحدود ويقف عند نواهي الدين، ولا تأخذه في وفى الله لومة لائم " (1) إلا أن عهد الإمام أفلح لم يخل من بعض الفتن والثورات، ومن ذلك استمرار خلف بن السمح في اعتدائه على جبل نفوسة وإثارة القلاقل، فأرسل أبو عبيدة الجناوني - والي الجبل - إلى الإمام أفلح يخبره عن خلف، فأمره الإمام أفلح أن يتبع معه أسلوب اللين واللطف، إلا أن ذلك زاد خلفا عتوا وعنادا، وطمع في السيطرة على الجبل، فقاتله أبو عبيدة الجناوني، وانهزم خلف، ولم تظهر له ظاهرة إلى أن مات أبو عبيدة والي الجبل، واستلم العباس بن أيوب ولاية الجبل بعده، فظهر خلف من جديد، فوقع بين خلف والعباس قتال شديد انهزم فيه خلف وولى الدبر، ولم تقم له قائمة بعد ذلك إلى أن مات
(2)
وقد كانت هناك علاقات ومراسلات بين إباضية المغرب وإباضية المشرق في عهد الإمام أفلح، ومن ذلك لما قامت فتنة خلف في عهد الإمام أفلح، أرسل العلامة أبو عيسى الخرساني رسالة إلى أهل المغرب يرشدهم فيها إلى اتباع الحق ونبذ الباطل وجمع الكلمة، وأثنى على الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح وعلى السمح، وأنكر فيها على خلف ومن معه
(3)
(1) علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، 68/ 4 - 71 هو العباس بن أيوب بن العباس، عاش في القرن الثاني والثالث الهجري حيث كان لا يزال حيا بعد سنة 208 هـ، هو بطل من ابطال جبل نفوسة، ومن قادتها المشاهير، استطاع القضاء على فتنة خلف بن السمح، وصفه المؤرخون بأنه على قدر كبير من المهابة، والفروسية، وغزارة العلم والحلم، والكرم والورع (انظر: الدرجيني، الطبقات، 76/ 1 - 77 - الشماخي، السير، 169/ 1 - 1771 - الباروني، الأزهار، 170/ 2، 177 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 241/ 2 رقم الترجمة
(or):
(2) - الدرجيني، الطبقات، 72/ 1 - 77 - الباروني، الأزهار، 166/ 2 - 177
- هو أبو عيسى إبراهيم بن إسماعيل الخرساني، من إباضية المشرق، كان معاصرا للإمام أفلح) ت: 258 هـ)، الظاهر من نسبه أنه من أهل خرسان، كان عالما من العلماء، ومصلحا من المصلحين وذلك ظاهر من رسالته إلى الإمام أفلح لراب
الصدع، وقطع دابر الشقاق (انظر: الباروني، الأزهار، 173/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 397 الهامش). - أنظر نص الرسالة كاملة في: لؤاب بن سلام، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إياضية، ت: سالم بن يعقوب، وشفارتز، دار إقرا، بيروت، لبنان، ط 1: 1405 هـ / 1985 م، ص 161 - 4166 [العنوان الأصلي لكتاب لواب بن سلام هو: " بدء الإسلام وشرائع الدين "، ولما هذا العنوان " الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إياضية " فهو عنوان محرف لطبعة غير مرخصة (انظر: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 350/ 2 رقم الترجمة: 760)].
) ابن سلام، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، ص 161 - 166 - الباروني، الأزهار، 173/ 2.
50 (1/50)
صفحة 51
الشيخ عمروس ومنهجه
وظهر كذلك في. عهد الإمام أفلح فرج بن نصر النفوسي المعروف بـ " نفاث "، وكان من طلاب الإمام أفلح، وقد ثار الحسد في قلبه لما قام الإمام أفلح بتولية سعد بن أبي يونس" على " قنطرار " ولم يوله هو، وقد كانا يطلبان العلم عند الإمام أفلح (1)؛ فأخذ نفاث يطعن في الأئمة الرستميين ومن ضمنهم الإمام أفلح، وخالف الإباضية في مسائل استحق بها البراءة، ثم هرب إلى العراق" خوفا من الإمام أفلح، وهناك نسخ ديوان الإمام جابر وعاد به إلى المغرب، فوجد دولة الإمام أفلح أعظم مما
هو أبو محمد- وورد أبو عثمان سعد وورد -سعيد بن أبي يونس وورد أبو يوسف - وسيم بن نصر الويغوي النفوسي الطمزيني، شيخ عالم من اعلام جبل نفوسة، نشأ بويغو مع أخيه الأصغر أبان بن وسيم، تلقى مبادئ العلوم بويغو، لو بقنطرارة، حيث كان والده واليا عليها للإمام عبد الوهاب، لرسله والده إلى تيهرت ليتتلمذ على يد الإمامين عبد الوهاب وابنه أفلح، فبلغ مبلغا عظيما من العلم والفضل، وكان زميله في الدراسة نفاث بن نصر، لما رأى منه الإمام أفلح نبوغا في العلم وكفاءة لتحمل المسؤولية، عينه واليا على قنطرارة بعد وفاة أبيه وسيم، فاحسن السيرة، وقام بحق الله فيها، وكان يعمل على تجنب سفك دماء المسلمين في عدة مناسبات، من أبرزها عدم مشاركته في موقعة مانو 283 هـ، جمع حوله حلقة علم، تخرج فيها العديد من التلامذة منهم: سحنون بن أيوب، وقد عمر أبو محمد طويلا فكان لا يزال حيا إلى ما بعد موقعة مانو 283 هـ (انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 139، 141، 156 - الدرجيني، للطبقات، 77/ 1 - 80، 88، 334/ 2 - الشماخي، السير، 184/ 1 - 185 - الباروني (باشا)، الأزهار، 195/ 2 - ابو الربيع الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 42 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 117، 130، ح 2، 2، ص 65، 180، 190
، 197، 331 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 171/ 2 رقم الترجمة: 374). - قنطرار أو قنطرارة: منطقة تقع في جبل نفوسة، من علمائها المشهورين حسن بن ورمجوج النفوسي (حي قبل: 471 هـ) (أنظر: انظر: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 310/ 1، 121/ 2 رقم الترجمة: 260). (1) الدرجيني، الطبقات، 77/ 1.
12250000
- العراق: يقع العراق في القسم الشمالي من شبه جزيرة العرب، بين ايران شرقا وسوريا والأردن غربا، وتركيا شمالا، والسعودية والكويت والخليج العربي جنوبا وتبلغ مساحة للعراق (434924) كلم مربع، ويبلغ عدد سكان العراق () نسمة، أكثرهم من العرب، وفيهم أقلية من الأكراد والآشوريين والتركمان والفرس، وسطح العراق سهول واسعة يرويها نهري دجلة والفرات، وبه عدة بحيرات، ومناخ العراق متنوع حار رطب في الجنوب، جاف صحراوي في الغرب، بارد في الشمال، وعاصمة العراق هي بغداد، والعراق بلد زراعي ينتج القمح والسمسم والذرة والقطن والنخيل وتكثر فيه تربية المواشي، ومن الصناعات السائدة صناعة الأغذية، والمنسوجات الصوفية والقطنية، وبناء السفن، والصناعات البترولية (انظر: أطلس العالم الصحيح، مجموعة من أساتذة الجغرافيا والتاريخ، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، ص 56 - 57).
.
"
هو الإمام الحافظ المتقن أبو الشعثاء جابر بن زيد الجوفي - نسبة إلى درب الجوف، محله بالبصرة، وذكر ياقوت الحموي أن في عمان موضعا يقال له " الجوف "، فلعل الإمام جابر وبعض أصحابه كانوا منه، ولما نزلوا البصرة، سمي الموضع الذي نزلوه درب الجوف، نسبة إلى الجوف في عمان - البصري العماني اليحمدي الأزدي، من قبيلة اليحمد العمانية، كان مولده في بلدة " فرق " التابعة لولاية نزوى في المنطقة الداخلية من عمان، وقد اختلف في سنة ميلاده، فقيل: سنة 18 هـ، وقيل: سنة 21 هـ، وقيل: سنة 22 هـ، في خلافة عمر بن الخطاب، وقد تلقى المرحلة الأولى من تعليمه في وطنه الأصلي عمان، ثم ارتحل مع أسرته إلى البصرة، في مرحلة مبكرة من عمره كما يرى الشيخ القنوبي، واستقر بين أقاربه من الأزد، كان أبوه عالما، وقال أصحاب المعجم أنه لعله كان صحابيا، وقد تتلمذ الإمام جابر على جماعة كبيرة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكبار التابعين، منهم: عبد الله بن العباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعائشة أم المؤمنين، والحكم بن عمرو الغفاري وغيرهم، وقد أخذ عنه جماعة من التابعين وأتباع التابعين، منهم: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمام بن السائب، وأبو نوح صالح الدهان، وجعفر بن السماك، وقتادة، وعمرو بن دينار وآخرون، وقد أثنى عليه جمع من العلماء والصحابة والتابعين وغيرهم، قال عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس: " لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما من كتاب الله "، وقال ابن عباس: " تسألوني وفيكم جابر بن زيد، وقال ابن عباس: " اسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه "، وقال ابن عباس: " جابر بن زيد أعلم أهل الأرض "، وعن إياس بن معاوية قال: " لقد رأيت البصرة وما بها مفت غير جابر بن زيد "، وعن الحصين =
01 (1/51)
صفحة 52
الشيخ عمروس ومن
(1)
سبق، قايس من الخلاف والخروج على الإمام أفلح، وخاف أن يأخذ الإمام أفلح منه الديوان، فدله سوء رأيه وخبث سريرته إلى دفن الديوان، ومات بعد ذلك، ولم يظهر لديوان الإمام جابر أي أثر إلى اليوم والله المستعان؛ وقد ذكرت سابقا أنه كانت للشيخ عمروس مناظرات مع نفاث هذا وقد كان للإمام أفلح علاقات مودة وتعاون وتبادل تجاري مع الدول المجاورة لدولته، فكانت له ? مملكة " كوكو؛ وكذلك كانت بينه وبين ملوك الأندلس وغيرهم من الملوك علاقات جيدة، واتصال وترابط، فكانوا يهادنونه ويرسلون إليه الهدايا النفيسة، وكذلك كان هو يرسل إليهم بالهدايا، وكانت له عندهم شهرة ومهابة ومقام رفيع، حتى أنه لم يتجرأ أ أحد منهم على الاعتداء على
علاقات
(") n
"
= بن حيان أنه قال: " لما مات جابر بن زيد بلغ موته أنس بن مالك فقال: مات أعلم من على ظهر الأرض، أو قال: مات خير أهل الأرض "، وفي تاريخ البخاري: عن جابر بن زيد قال: لقيني ابن عمر فقال: " جابر إنك من فقهاء أهل البصرة "، وفي كتاب " الزهد " لأحمد: لما مات جابر بن زيد قال قتادة: " اليوم مات أعلم أهل العراق "، وقال العجيلي: " تابعي ثقة "، وقال ابن معين وأبو زرعة: " ثقة "، وقال ابن حبان في الثقات: " كان فقيها، ودفن هو وأنس ابن مالك في جمعة واحدة، وكان من أعلم الناس بكتاب الله "، وقال الدرجيني: " جابر بن زيد الأزدي رحمه الله، بحر العلوم العجاج، وسراج التقوى ناهيك به من سراج، أصل المذهب ولسه الذي قام عليه نظامه، ومنار الدين ومن انتصبت به اعلامه، صاحب ابن عباس، وكان امهر من صحبه، وقرأ عليه، والمقدم ممن يشار في الفتيى إليه ... وله آثار كثيرة مذكورة، وكرامات، ومقامات في العلم تعلو المقامات ... " إهـ، وكان زاهدا ورعا قنوعا، وقال عن نفسه: " أدركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم إلا البحر الزاخر عبد الله بن العباس "، وقد ترك آثارا علمية جليلة، بعضها في التعليم والإفتاء، والأخرى في التأليف والرواية، وترك موسوعة علمية تعرف " بديوان جابر " في سبعة أحمال، وهو أول من جمع الحديث في ديوان، ومن أوائل المؤلفين في الإسلام، إلا أن الديوان ضاع، وبقية بعض فتاواه، ومما بقي من تأليفه: 1 - " كتاب الصلاة " (مخ) بجربة، ولعله جزء من ديوانه، 2 - " كتاب النكاح " (مخ) بجربة، ولعله جزء من ديوانه، 3 - " مراسلات ومكاتبات " وأجوبة لتلاميذه، منها سبع عشرة رسالة موجهة إلى الإباضية في عدة مواطن، 4 - " فقه الإمام جابر بن زيد " جمع وتحقيق الأستاذ بكوش، وقد طبع مرتين، 5 - " من جوابات الإمام جابر بن زيد " ترتيب الشيخ سعيد بن خلف الخروصي، طبع بعمان؛ والإمام جابر بن زيد هو إمام الإباضية، وواضع قواعد الاجتهاد للمذهب الإباضي، وكان عبد الله بن إباض يصدر عنه في مواقفه، وقد توفي الإمام جابر - رحمه الله- في سنة 93 هـ كما رجح الشيخ القنوبي، وهو قول أبي عبيدة، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وقال ابن سعد سنة 103 هـ، وقال الهيثم بن عدي سنة 104 هـ، وفي آخر حياته نفاه الحجاج بن يوسف مع هبيرة - جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل - إلى عمان، ثم رجع إلى البصرة، وتوفي بها (انظر: الدرجيني، الطبقات، 205/ 2 - 214 - البرادي، الجواهر (مخ)، ص 155 - الشماخي، السير، 67/ 1 - 72 - إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري (أبو عبد الله)، كتاب التاريخ الكبير، ج 1 القسم الثاني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص 204 - أحمد بن حجر العسقلاني (أبو الفضل)، تهذيب التهذيب، ج 2، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1412 هـ / 1991 م، ص 347 - 348 - محمد بن أحمد بن عثمان، سير اعلام النبلاء، ج 4، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط 7: 1410 هـ / 1990 م، ص 481 - 483 رقم الترجمة: 184 - البطاشي، إتحاف الأعيان، 71 - 80 - القنوبي، الربيع بن حبيب، ص 23 - 25 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 108/ 2 رقم الترجمة: 230). الدرجيني، الطبقات، 77/ 1 - 82 - الباروني، الأزهار، 195/ 2 - 210 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 2/ 338 رقم الترجمة: 731.
الذهبي
_ (')
- مملكة كوكو أو جوجو لو صوصو: هو اسم أمة وبلاد السودان، وأهلها يدينون بدين الإسلام، وملكها له مدينة على النيل من جهته الشرقية اسمها " سرناه " بها أسواق ومتاجر، وله مدينة أخرى في غرب النيل يسكنها هو ورجاله وثقاته، وبها مسجد يصلي فيه، ومصلى الجماعة بين المدينتين، وزي ملكهم ورؤساء أصحابه القمصان والعمائم، وهذه المملكة عامرة، وأموالها من المواشي (انظر: الحموي، معجم البلدان، 163/ 7 - 164 - الباروني، الأزهار، 184/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 210). (2) - الباروني، الأزهار، 184/ 2. (1/52)
صفحة 53
الشيخ عمروس ومن
(2)
(1)
دولته، إلا ما كان من الأغالبة لما سيطروا على غالب شطوط أفريقيا، فداخلهم الطمع للتوغل في المغرب حتى حدود " تيهرت "، فشرعوا في بناء مدينة هناك أطلقوا عليها اسم " العباسية "، وكان ذلك في سنة 227 هـ وقيل 231 هـ وقيل 239 هـ فسكت الإمام أفلح ولم ينكر على الأغالبة، مع علمه بأن هدف الأغالبة التضييق على دولته، والسيطرة على طرق التجارة دون الدولة الرستمية، فانتظر حتى تم بناء تلك المدينة، فوثب عليها وقضى عليها قضاء مبرما، وأجلاهم منها فأخبر بذلك أمراء بني أمية في الأندلس، فما كان منهم إلا أن أرسلوا إليه بهدية ثمينة تقدر بمائة ألف درهم تقديرا لعمله كما ذهب الباحث إبراهيم بحاز (3)؛ إلا أن الشيخ الباروني له وجهة نظر أخرى، فهو يرى أن سبب إرسالهم بتلك الهدية هو التقرب للإمام أفلح، وقد رد بذلك على ما زعمه ابن خلدون من أن الإمام أفلح أرسل إليهم يخبرهم بتدميره للعباسية تقربا إليهم بذلك، فأرسلوا إليه بتلك الهدية فقال: " وأنت ترى أيها القارئ ما في كلام ابن خلدون مما يدل على ما كان له من الحقد نحو بني كما قلناه من قبل ولم نعلم له سببا، وإلا كيف يتقرب أفلح إلى صاحب الأندلس وهو يهاديه بالمال كما قال، وهذا على فرض صحة النسخة المنقول منها وإلا فربما كان الأصل هكذا (فبعث إليه بمائة ألف درهم يتقرب إليه بذلك) فتأمل، والله أعلم " إهـ وقد كان للإمام أفلح عمال في مختلف ولايات دولته اتصفوا بالعلم والصلاح والتقوى والحزم، كأبي
رستم
(4)
عبيدة عبد الحميد الجناوني واليه على جبل نفوسة، وميال بن يوسف واليه على نفزاوة" وما يليها وغيرهم من الولاة، وكان قاضي دولته هو العلامة محكم الهواري
(1) - الباروني، الأزهار، 2/ 186 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 122. (2) - الباروني، الأزهار، 2/ 186 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 122. () - بحاز، الدولة الرستمية، ص 122. (4) - الباروني، الأزهار، 186/ 2.
(°)
- هو مثال بن يوسف اللواتي) حي بين: 208 - 258 هـ)، فقيه عالم عادل، عاصر الإمامة الرستمية في أوجها، وعينه الإمام أفلح بن عبد الوهاب واليا على " نفزاوة " (انظر: الشماخي، السير، 175/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 433/ 2 رقم الترجمة: 934). - نفزاوة: بلدة تقع في تونس، من علمائها المشهورين أبو داود القبلي النفزاوي (حي في: 140 هـ) (انظر: بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 314/ 1، 139/ 2 رقم الترجمة: 303).
- هو الفقيه القاضي محكم الهواري) حي بين: 208 - 258 هـ)، من جبل الأوراس شرق الجزائر، عينه الإمام أفلح بن عبد الوهاب قاضيا في العاصمة الرستمية " تيهرت "، رغم رفضه للمنصب، فكان شديدا في الحق، ولعل ابنه هود – صاحب تفسير كتاب الله العزيز - اخذ عنه، واستفاد من علمه) انظر: بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 355/ 2 رقم الترجمة
53
(VVY: (1/53)
صفحة 54
-1
الشيخ عمروس ومنهجه
وقد عاصر هذا الإمام عددا من أئمة الإباضية بعمان في فترة إمامته من سنة 208 هـ وحتى 258 هـ، وهؤلاء الأئمة هم: الإمام عبد الملك بن حميد العلوي، بويع بالإمامة في نفس السنة التي بويع فيها الإمام أفلح وهي سنة 208 هـ، واستمر في الإمامة حتى سنة 226 هـ، وقد مر الحديث عنه سابقا الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي، بويع في سنة 226 هـ، واستمر في الإمامة إلى أن توفي في
-2
سنة 237 هـ
(T)
(1)
.
الإمام الصلت بن مالك الخروصي، بويع في سنة 237 هـ، واستمر في الإمامة حتى سنة 272 هـ، فحدث في عهده ما حدث من فتنة راشد بن النظر" وموسى بن موسى، وخروجهما عليه وما عقب ذلك من أحداث جسام عادت بالشر على أهل عمان (3)
(0) - الباروني، الأزهار، 196/ 2 - 210. (1) - انظر ص 46.
- هو الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي، بويع له بالإمامة في عمان في سنة 226 هـ، بعد موت الإمام عبد الملك بن حميد العلوي، وقد تولى بيعته الشيخ العلامة موسى بن علي، وقد سار سيرت المسلمين، وقام بالحق إلى أن مات، وقد كان ذا هيبة عظيمة، وكان له حزم في رأيه، وكان لا يتكلم احد في مجلسه، ويروى - والله أعلم - أن له ناب يفتر عنه إذا غضب فتظهر منه هيبة عظيمة!، واجتمعت له من القوة البرية والبحرية ما شاء الله، فقيل أنه اجتمع له في البحر ثلاثمائة مركب مهيأة للحرب، وكان عنده بعاصمته " نزوى " سبعمائة ناقة، وستمائة فرس تركب عند أول صرخة، وتوفي في سنة 237 هـ (انظر: السالمي التحفة، 148/ 1 - 150).
(2) - السالمي، التحفة، 148/ 1 - 150 - السيابي، عمان عبر التاريخ، 81/ 2، 101
،
" هو الإمام الصلت بن مالك الخروصي، من قبيلة اليحمد العمانية، عالم وإمام من أئمة الدين، بويع بالإمامة في عمان يوم الجمعة قبل غروب الشمس لستة عشر خلت من ربيع الآخر سنة 237 هـ، وهو اليوم الذي مات فيه الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي - المترجم له قبل قليل -، فخلفه الإمام الصلت في إمامة عمان، وقد قام له بالبيعة العلامة بشير بن المنذر والعلامة محمد بن محبوب بن الرحيل، وكانا على رأس علماء عمان في ذلك العصر، وقد سار الإمام الصلت بالحق في عمان ما شاء الله، حتى فني جل العلماء الذين بايعوه، وعمر في إمامته ما لم يعمره إمام من أئمة المسلمين كما ذكر الإمام السالمي، فوصل إلى أن ضعفت رجلاه، ولكن سمعه وبصره ولسانه وعقله، لم تتأثر بسبب كبر السن وظلت سليمة، وفي عهده هاجم النصارى جزيرة " سقطرى " ونقضوا عهدهم عند المسلمين فقتلوا والي الإمام وفتية معه في سقطرى، وأخذوا البلاد وتملكوها قهرا فكتبت امرأة من أهل سقطرى يقال لها " الزهراء " للإمام الصلت بقصيدة رائعة، تستغيث به وتستنصره على النصارى، تقول
فيها: قل للإمام الذي ترجى فضائله:: ابن الكرام وابن السادة النجب وابن الجحاجحة الشم الذين هم: كانوا سناها وكانوا سادة العرب لمست سقطرى من الإسلام مقفرة:: بعد الشرائع والفرقان والكتب جار النصارى على واليك وانتهبوا:: من الحريم ولم يألوا من السلب إلى أن قالت:
"
ما بال صلت ينام الليل مغتبطا:: وفي سقطرى حريم باد بالنهب بالرجال أغيثوا كل مسلمة:: ولو حبوتم على الأنقان والركب حتى يعود عماد الدين منتصبا:: ويهلك الله أهل الجور والريب: (انظر القصيدة في تحفة الأعيان، 165/ 1 - 166). فهب الإمام الصلت رحمه الله، لنجدة المسلمين في سقطرى، فجمع الجيوش، وجهز للمراكب، وكتب لهم كتابا - انظره في تحفة الأعيان، 166/ 1 - 181 - بين لهم ما يأتونه وما يذرونه، فساروا إلى سقطرى، وانتصروا بفضل الله على
= (1/54)
صفحة 55
الشيخ عمروس ومنو
وكان الإمام الصلت بن مالك رحمه الله هو آخر إمام عماني عاصره الإمام أفلح، حيث أنه توفي في عهد الإمام الصلت، فيكون بذلك عاصر ثلاثة أئمة من أئمة عمان في فترة إمامته؛ ولم أجد في المصادر التي وقعت بين يدي مراسلات بين الإمام أفلح وأئمة عمان، لعله لبعد المسافة، واشتغال أئمة عمان بترسيخ الإمامة في عمان، وكذلك اشتغال الإمام أفلح بشؤون دولته
وفي عهد الإمام أفلح قام العباسيون في المشرق بالقبض على ابنه أبي اليقظان لما خرج لأداء الحج، وحبسوه عندهم، فاغتم الإمام أفلح لذلك غما شديدا، ومات دون أن يرى ابنه؛ وقد تضاربت الأقوال في سنة وفاة الإمام أفلح فقيل: سنة 258 هـ وقيل: سنة 238 هـ، وقيل: سنة 240 هـ، وقيل: سنة 250 هـ (3)، وذكر الباحث إبراهيم بحاز أن وفاته كانت سنة 258 هـ (4) والظاهر أنه الأصح.
ذلك
" إهـ، فاستغل
،
= النصارى وحرروا المسلمين من جورهم، وأعادوا الحقوق إلى أصحابها، وقد وقعت في عهده فتنة عظيمة على راسها موسي بن موسي وراشد بن النظر، فانتقل الإمام الصلت بسببها إلى بيت ابنه بمحض إرادته بلا اعتزال للإمامة أو تقصير فيها، حسب ما يفهم من رسالته التي شرح فيها سبب اعتزاله إلى بيت ابنه حيث قال: " ... فرايت ان تحولت إلى منزل ولدي، بلا ترك للإمامة ولا بخلع لها، ولا لما طوقني الله من هذه الأمانة، فأمرت بحفظ مال المسلمين، وحفظ السجنين موسى بن موسى الذي كانت تدفعه المطامع الدنيوية، فبايع راشد بن النظر إماما على أهل عمان بالغلبة والجبرية، ولم يرجع إلى الإمام الصلت بن مالك، وفضح الله موسى وراشد بن النضر بعد ذلك، حيث أن موسى انقلب على راشد وفسقه وحاربه، وقد خرج الإمام الصلت من بيت الإمامة في يوم الخميس لثلاث خلون من ذي الحجة سنة 272 هـ، بعد أن حكم عمان لمدة خمس وثلاثين سنة وسبعة أشهر وثلاثة عشر يوما، وتوفي رحمه الله في ليلة الجمعة الخامس عشر من ذي القعدة سنة 275 هـ، ودفن يوم الجمعة، وصلى عليه عزان بن تميم الذي بويع بالإمامة في سنة 277 هـ، واستشهد في سنة 280 هـ، في حربه ضد محمد بن بور الذي هاجم عمان (انظر: السالمي، تحفة الأعيان، 160/ 1 - 212، 21 - 2 - السيابي، عمان عبر التاريخ، 102/ 2 - 124، 172 - 183).
- هو راشد بن النظر اليحمدي، من قبيلة اليحمد العمانية، بايعه موسى بن موسى في سنة 272 هـ، بعد فتنة أثاراها ضد الإمام الصلت بن مالك، وكان هدفهما من ذلك الطمع في السلطة، فإمامته غير متفق عليها من قبل العلماء، وقد فضح الله موسي بن موسي وراشد بن النضر حيث انقلب موسى بن موسى على راشد بن النظر بعد ذلك وفسقه وحاربه، وقد سار راشد بن النظر في عمان بالظلم والجور، فارتكب الكثير من الجرائم وقتل الأبرياء، حتى تم عزله في سنة 277 هـ، بعد اربع سنوات من سيطرته على الحكم ظلما وجبرا، وبويع في نفس السنة للإمام عزان بن تميم الخروصي (انظر: السالمي، تحفة
-
(241، 237، 213/ 1،
الأعيان هو موسى بن العلامة. بن علي الأزكوي، عاش في القرن الثالث الهجري، انقلب على الإمام الصلت بن مالك طمعا في السلطة والحكم، فقام بمبايعة راشد بن النظر في سنة 272 هـ، بلا مشورة من المسلمين، ثم انقلب عليه وفسقه وحاربه، فكانت بيعته غير صحيحة، وحدثت بعد ذلك فتنة عظيمة في عمان بسبب ذلك، وقد قام الإمام عزان بن تميم الخروصي - الذي بويع بعد عزل راشد بن النظر - بقتل موسى بن موسى في سنة 278 هـ، حين رأى منه تخطيطه للانقلاب عليه، وإثارة فتنة جديدة، كما فعل مع الإمام الصلت وراشد بن النظر، فعاجله وأراح المسلمين من شره (انظر: السالمي التحفة، 213/ 1، 237، 241 - السيابي، عمان عبر التاريخ، 112/ 2).) - السيابي، عمان عبر التاريخ، 102/ 2، 113.
"
(1) ? ابن الصغير، اخبار الأئمة الرستميين، ص 64 - 69 - الباروني، الأزهار، 221/ 2 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 359/ 2 رقم الترجمة: 784
(2) - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 61/ 2 رقم الترجمة: 116.
) - الباروني، الأزهار، 221/ 2 (1/55)
صفحة 56
الشيخ عمروس ومنهجه
ج - المطلب الثالث: الوضع السياسي في عهد الإمام أبي بكر بن أفلح:
العباسيين
(1)
بعد أن توفي الإمام أفلح في سنة 258 هـ، اجتمع أهل الحل والعقد من علماء الدولة الرستمية وبايعوا أبا بكر بن أفلح، حيث أنه هو المؤهل للإمامة بعد أخيه أبي اليقظان المسجون في المشرق عند؛ غير أن بيعة هذا الإمام الجديد لم تنل رضى الجميع، فأنكروا ذلك ورأوا أنه غير أهل لمنصب الإمامة، وعابوا على أهل نفوسة استقلالهم بأمر البيعة، ولكن هؤلاء المعارضين لم يثوروا على الإمام الجديد واكتفوا بالإنكار إلا أن هذا الإمام الجديد لم يكن كسابقيه، فلم يكن راسخا في دينه، ولا محسنا لشؤون الإدارة
(Y)
آبائه
والسياسة كآبائه، وقد وصفه ابن الصغير بأنه لم يكن فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن قبله من، ولكنه كان سمحا جوادا لين العريكة يسامح أهل المروات ويشايعهم على مرواتهم، ويحب الأدب والأشعار وأخبار الماضين (3)؛ وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن هذه الصفات التي اتصف بها هذا الإمام من الضعف في دينه وسوء السياسة أدت إلى ضعف الدولة الرستمية في عهده، وعدم استمراره في منصب الإمامة طويلا، حيث أن إمامته لم تدم سوى سنتين وبضعة أشهر، إلى أن تنازل عن الإمامة لأخيه أبي اليقظان الذي خرج من سجن العباسيين استطاع أبو اليقظان الخروج من سجن العباسيين، بعد مقتل الحاكم العباسي، والذي يظهر أنه المهتدي، وتولى المعتمد بعده، وكان المعتمد سجينا مع أبي اليقظان فكانت بينهما صحبة دعته إلى
(4) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 122
(4)
(1) - الدرجيني، الطبقات، 83/ 1 - الباروني، الأزهار، 222/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 122. (2) - الباروني، الأزهار، 222/ 2) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 71.
(4) - الباروني، الأزهار، 236/ 2 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 87/ 2 رقم الترجمة: 182 - بحاز،
الرستمية، ص 122.
الدولة
ذلك
- هو المهتدي بالله محمد بن الواثق بن المعتصم، ويكنى أبا عبد الله، ولمه رومية تسمى " قرب "، بويع يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب سنة 255 هـ بعد خلع عمه المعتز بن المتوكل من قبل الأتراك، الذين كانوا يتحكمون في الدولة العباسية في الوقت فينصبون ويخلعون من شاءوا، واستمر في الحكم لمدة أحد عشر شهرا وخمس عشرة ليلة، إلى أن ثار عليه الأتراك كذلك وقتلوه في سنة 256 هـ، وكان للمهتدي يعد من أحسن حكام للعباسيين مذهبا ولجملهم طريقة وأظهرهم ورعا وأكثرهم عبادة، وكان قد منع الملاهي، وحرم الغناء والشراب، ومنع الظلم، وكان سبب نهجه هذا النهج غيرته من عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه ـ فكان يقول: " ... ولكني فكرت في أنه كان من بني أمية عمر بن عبد العزيز فغرت لبني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله "، ويقول: " لما يستحي بنو العباس أن لا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز؟ " (انظر: علي بن محمد الشيباني ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1417 هـ / 1997 م، ص
(288، 287، 282، 2124، 256، 58 (1/56)
صفحة 57
الشيخ عمروس ومنهجه
،
إخراج أبي اليقظان من السجن؛ فعاد أبو اليقظان إلى المغرب، ووجد أن أباه الإمام أفلح قد توفي وبويع لأخيه أبي بكر بالإمامة، فكلفه أخوه بمهام في تيهرت فقام بها أحسن قيام، ولم يَدَّعِ إمارة، ولم يُنَازِع أخاه في الإمامة (1)
وقد كان لأبي بكر صهر يدعى ابن عرفه، وكان رجلا ذا نفوذ واسع وثروة طائلة، فأصبحت له مكانة كبيرة بين الناس حتى أنها فاقت مكانة الإمام نفسه (2)؛ عند ذلك وشى الواشون عند الإمام أبي بكر بحال ابن عرفة، والمكانة التي أصبحت له وأنه أصبح يهدد الإمام والدولة (3)
" ـ هو المعتمد على الله أبو العباس أحمد بن التوكل، المعروف بابن فتيان، كان محبوسا في فترة حكم المهتدي، وعندما خلع الأتراك المهتدي وقتلوه، قاموا بإخراج المعتمد من السجن ومبايعته، ولقبوه بالمعتمد على الله، وكان ذلك في سنة 256 هـ، واستمر في الحكم لمدة ثلاث وعشرين سنة وستة أيام، وتوفي في سنة 279 هـ ببغداد، وذلك أنه شرب شرابا كثيرا وتعشى فأكثر فمات ليلا، وكان عمره عند موته خمسين سنة وستة أشهر، وكان في أيام حكمه محكوما عليه قد تحكم فيه عليه أخوه أبو أحمد الموفق وضيق عليه، وقد حكم بعده ابن أخيه الموفق وهو أبو العباس المعتضد بالله أحمد بن الموفق أبي طلحة بن المتوكل في نفس السنة التي مات فيها المعتمد (انظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 288/ 6، 469 - 470). المصادر المتقدمة كابن الصغير، وسير أبي زكرياء، والطبقات، لم تشر إلى اسم هذا الحاكم العباسي ولا اسم من جاء بعده وكذلك لم تشر إلى السنة التي وقعت فيها هذه الأحداث، والذي يظهر أن أبا زكرياء وكذلك الدرجيني اعتمدا على ما جاء عند ابن الصغير، وكذلك نجد الباروني في الأزهار يعتمد على ما جاء عند ابن الصغير، بل وينقل كلام ابن الصغير بنصه؛ وابن الصغير لم يشر إلى اسم الحاكم العباسي ولا اسم من جاء بعده - كما ذكرت - ولم يذكر كذلك السنة، وإنما اكتفى بإشارة خفيفة وهي كون الحاكم العباسي وذلك السجين عند أبي اليقظان والذي حكم بعد ذلك أخوان، وإشارة أخرى من أن العامل على بغداد في فترة سجن أبي اليقظان هو المتوكل؛ والظاهر أن هذه الإشارة من ابن الصغير هي ما دفع كل من د/ محمد ناصر ود/ بحاز إلى احتمال كون المتوكل هو السجين مع أبي اليقظان في عهد أخيه الواثق (227 - 232 هـ)، وكذلك احتملا أن يكون السجين هو المعتمد (256 - 279 هـ) في عهد ابن عمه المهتدي (255 - 256 هـ)، خاصة أنه - أي المعتمد – تولى الحكم في سنة 256 هـ، وهي قريبة جدا من سنة 258 هـ التي عاد فيها أبو اليقظان إلى المغرب بعد أن حرره الحاكم العباسي الجديد من حبسه؛ والذي يظهر أن هذا الحاكم العباسي هو المهتدي، وقد ثار عليه الأتراك وخلعوه وقتلوه في سنة 256 هـ، وبايعوا المعتمد أحمد بن المتوكل، وقد كان المعتمد مسجونا في فترة حكم المهتدي، فالذي يظهر أن أبا اليقظان والمعتمد كانا مسجونين في نفس المكان، وقد مال أصحاب المعجم إلى أنه المعتمد؛ وأما احتمال كون الحاكم العباسي هو الواثق والسجين هو المتوكل بعيد نوعا ما، وذلك أن الواثق تولى الحكم في سنة 227 هـ، وفي هذه الفترة لا يزال الإمام أفلح على قيد الحياة وعلى سدة الإمامة، وقد ذكرنا سابقا عند الحديث عن الوضع السياسي في عهد الإمام أفلح أنه توفي - أي الإمام أفلح - في سنة 258 هـ على الراجح، وبالتالي فإن أبا اليقظان سيكون قد عاد في حياة أبيه، إذا كان الذي أخرجه هو المتوكل الذي حكم بعد الواثق في سنة 232 هـ، ولكن الأمر أنه عاد وقد توفي الإمام أفلح، فالظاهر أنه عاد في نفس السنة التي توفي فيها أباه وهي 258 هـ كما قلنا، ووجد أخاه أبا بكر على الإمامة، ولو احتملنا أنه سجن في عهد الواثق (227 - 232 هـ)، وظل إلى عهد المعتمد (256 هـ)، فإنه ليس من المعقول أن يترك الإمام أفلح ابنه سجينا لدى العباسيين لأكثر من 26 سنة، فلا بد أن يسعى إلى تحريره بكل الوسائل المتاحة، حتى وإن اقتضى الأمر الحرب، لأن العباسيين اعتدوا جورا وبهتانا على فرد من أفراد الدولة الرستمية بغض النظر عن كونه ابن الإمام، ولكن المصادر تؤكد كون أبي اليقظان خرج من سجنه بعد موت أبيه، فالظاهر أنه سجن قبل فترة وجيزة من وفاة أبيه، فلم يتسن لأبيه السعي إلى تحريره حيث داهمه ريب المنون والله أعلم. وأود أن أنوه إلى أن الباحث إبراهيم بحاز ذكر أن المعتمد هو ابن المهتدي، ولكن الذي ذهب إليه يحتاج إلى إعادة نظر، فالظاهر أنهما أبناء عم، وذلك أن المهتدي هو محمد بن الواثق بن المعتصم، والمعتمد هو أحمد بن المتوكل بن المعتصم والله اعلم (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 64 - 69، وهامش ص 65 - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 79/ 6، 105، 109، 124، 256، 258، 282، 287، 288، 469، 470 – أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 146 - الدرجيني، الطبقات، 83/ 1 - الباروني، الأزهار، 258/ 2 - 264 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 123، الهامش - بحاز وآخرون معجم اعلام الإباضية، 359/ 2 رقم الترجمة: 784). (1) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 72 - الباروني، الأزهار، 224/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 123
OY (1/57)
صفحة 58
لشيخ عمروس ومنـ
فتأكد الإمام من ذلك فوجد أن ابن عرفه أصبحت له مكانة عند الناس ونفوذا قويا في الدولة، فأشار عليه أحد مستشاريه - ذكر بعض الباحثين أنه أبو اليقظان - بقتل ابن عرفة، فوضع خطة لقتله
(1)
، إلا أن
بعض
الباحثين
، وأوكل ذلك لأحد خدمه، فقتله بحضور أبي بكر كما تذكر بعض المصادر كالشيخ علي يحيى معمر وإبراهيم بحاز، ينفون عن أبي بكر قتل ابن عرفة، وينفون كذلك عن أبي اليقظان تحريضه لأبي بكر بقتل ابن عرفه، فنجد الباحث بحاز يقول: " يبدوا أن أبا بكر بالصفات التي وصفها به ابن الصغير نفسه (كان سمحا جوادا لين العريكة، يسامح أهل المروءات)، لا يقوى على تدبير مؤامرة القتل، فضلا عن القيام بها بنفسه، لهذا أرجح ما ذهب إليه علي يحيى معمر في أن القاتل الحقيقي لابن عرفه ليس هو أبا بكر ولا أخاه أبا اليقظان، وإنما طائفة من الطوائف التيهرتية التي أرادت أن تبيت خبر الإباضية، كما يذكر ذلك ابن الصغير في كثير من المناسبات، وقد استطاع علي يحيى معمر في نظري أن يحلل أحداث هذه الفتنة تحليلا منطقيا مقبولا " إهـ على العموم فإن قتل ابن عرفه - بغض النظر عن قاتله - أدى إلى حدوث فتنة عظيمة وثورة كبيرة من قبل أشياع ابن عرفة على أبي بكر حيث أنهم اتهموه بقتل ابن عرفة، فوقع قتال عنيف بينهم وبين الإمام أبي بكر، فهاجت البلاد وماجت، وثار العجم الموجودون في الدولة الرستمية طمعا في السيطرة على البلاد وحكمها، مستغلين الشغال الإمام أبي بكر بقتال أشياع ابن عرفة (3)؛ وقد أشار بعض الباحثين إلى أن أبا بكر لما اتهم بقتل ابن عرفه اعتزل الإمامة مباشرة، وأن القبائل راحت تتقاتل فيما بينها، وأن أبا اليقظان اعتزل هذه الفتنة ولم يتدخل فيها؛ وبعض المصادر ذكرت أن أبا اليقظان
(4)
(2)
" هو محمد بن عرفة، أصله من القيروان، وفد على تيهرت، ونال حظوة عند أئمتها الرستميين، وكان ذا ثراء وجاه، صاهر الإمام أبا بكر بن أفلح، إذ تزوج كل منهما أخت الآخر، وعينه الإمام أبو بكر سفيرا له إلى بلاد السودان، أصبحت له مكانة كبيرة في الدولة الرستمية، فحسده الحساد، ودبروا مكيدة لقتله، فقتل في سنة 261 هـ، وكان مقتله سببا لفتنة هزت سلطان الإمامة (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 71 - 81 - الباروني، الأزهار، 227/ 2، 230 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 387/ 2 رقم الترجمة: 838). (2) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 71 - 72 - الباروني، الأزهار، 227/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية،
123
) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 74 - الباروني، الأزهار، 227/ 2
ص 124
(1) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 75 - 77 - الباروني، الأزهار، 227/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية. (2) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 105 ـ علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ 45/ 4 - بحاز،، الدولة) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 80 - الباروني، الأزهار، 230/ 2 - 232 - بحاز، الدولة الرستمية، ص
الرستمية، ص 124، الهامش.
124
(4) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 81 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 124. (1/58)
صفحة 59
الشيخ عمروس ومنهجه
اعتزل الحرب الدائرة بين أخيه وأشياع ابن عرفه، حتى اعتدى الجند والعرب على أراضي نفوسة وأهلها، عند ذلك تدخل أبو اليقظان مع أهل نفوسة والعجم ضد الجند والعرب، واستمرت الحرب بين الطرفين (1)
في تلك الأثناء استولى على تيهرت رجل يدعى محمد بن مسألة، فخرج أهل تيهرت إلى أبي اليقظان لمبايعته بالإمامة في سنة 261 هـ، فظل أبو اليقظان يحارب محمد بن مسألة لمدة سبع سنين، حتى استطاع في سنة 268 هـ دخول تيهرت بمساعدة النفوسيين الذين استنجد بهم، وأعلن العفو العام عما سلف، وعقد صلحا مع القبائل كلها، فدخلت الدولة الرستمية عهدا جديدا من الرقي والازدهار في عهد الإمام أبي اليقظان بعد هذه الفتنة العظيمة والحرب العقيمة التي عادت عليها بالوهن (2)؛ وأما الإمام أبو بكر فإنه عاش بقية أيامه في ظل الإمام أبي اليقظان (3)
والدمار
-
(1) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 82 - الباروني، الأزهار، 232/ 2 - 236 - هو محمد بن مسألة الهواري) حي بعد: 268 هـ)، رئيس إمارة هواره جنوب نهر الشلف، لم يعترف ابن مسألة بسلطة الرستميين وتمرد عليهم لمدة سبع سنين، من سنة 261 هـ إلى سنة 268 هـ، مستغلا الأوضاع المتردية التي مرت بها الدولة الرستمية بسبب قتل ابن عرفة، لكن الإمام أبا اليقظان استطاع القضاء عليه، وإنهاء تمرده وإمارته، فهرب إلى المغرب الأقصى، حيث أنه كان على صلة حسنة بالأمراء الأدارسة (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 84 - 87 الباروني، الأزهار، 236/ 2، 238 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 124 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 394/ 2 رقم الترجمة: 851). (2) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 84 - 87 - الباروني، الأزهار، 236/ 2، 238 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 124 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 359/ 2 رقم الترجمة: 784. (1) - الباروني، الأزهار، 236/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 125.
09 (1/59)
صفحة 60
الشيخ عمروس ومنهجه
د - المطلب الرابع: الوضع السياسي في عهد الإمام أبي اليقظان:
-
استلم أبو اليقظان محمد بن أفلح الإمامة في سنة 261 هـ كما مر، واستطاع دخول تيهرت بعد سبع سنوات من الحرب مع محمد بن مسألة الذي كان يسيطر على تيهرت، فنشر الأمان ووحد البلاد، وبدأ عهد جديد للدولة الرستمية من سنة 268 هـ - تحت ظل الإمام أبي اليقظان تميز بالقوة والرقي والحضارة في مختلف الجوانب؛ ففي عهده انتشر العلم والصلاح بين الناس، وانتعش الاقتصاد ودب الأمان، وتولى الإمام بنفسه إلقاء الدروس وتعليم طلاب العلم، فشدت إليه الرحال من كل الأقطار للغرف من بحره الزاخر، وجاءت إليه الوفود من كل حدب وصوب تقدم له البيعة (1) وقد عمر هذا الإمام حتى تجاوز المائة، واختلف في مدة إمامته فذهب ابن الصغير إلى أنها أربعين سنة، وهذا ما ذهبت إليه المصادر الإباضية كالطبقات وغيرها، ورجحه الشيخ الباروني، وقيل أن مدة إمامته عشرين سنة، وهذا ما ذهب إليه غير واحد من الباحثين المعاصرين كإبراهيم بجاز وأصحاب المعجم (2)، والظاهر أن ما ذهب إليه الباحث بحاز وأصحاب المعجم هو الأصح، حيث أن أبا اليقظان تولى الإمامة في عام 261 هـ، واستمر في الإمامة إلى أن توفي في عام 281 هـ (3)
(2)
(3)
وقد أدرك ابن الصغير شيئا من عهده ورآه بنفسه وحضر مجلسه، ووصفه بقوله: " وكان إذا جلس للناس وأمرهم بالجلوس لم ينطق أحد بين يديه إلا أن تكون ظلامة ترفع إليه، وكان زاهدا ورعا ناسكا سكينا ... " إهـ؛ وقد شبه البعض أيام الإمام أبي اليقظان بأيام جده الإمام عبد الرحمن بن رستم مؤسس الدولة الرستمية، وأنه وافقه في الحكم والعلم والعدل والورع واتفاق الكلمة بعد
اختلافها
(0)
(4)
(1) - الباروني، الأزهار، 236/ 2 - 240. (2) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 92 - الدرجيني، الطبقات، 83/ 1 - الباروني، الأزهار، 256/ 2 ـ بحاز، الدولة الرستمية، ص 126 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 359/ 2 رقم الترجمة: 784.
) - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 359/ 2 رقم الترجمة: 784.
(4) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 92.
(0) - الدرجيني، الطبقات، 83/ 1 - الباروني، الأزهار، 240/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 125 - بحاز وآخرون، معجم
اعلام الإباضية، 359/ 2، رقم الترجمة: 784.
60 (1/60)
صفحة 61
الشيخ عمروس ومنهجه
وقد قام هذا الإمام بتعيين الولاة في أرجاء دولته ليحفظ النظام وينشر العدل والأمن، ومن ولاته:
.
(1) **
أفلح بن العباس واليه على جبل نفوسة، ثم عين بعده على جبل نفوسة أبا منصور إلياس النفوسي؛ وأبو منصور هذا هو الذي قضى على ابن طولون الذي خرج من مصر سنة 267 هـ متوجها إلى القيروان ممنيا نفسه ملكها والسيطرة عليها، حاملا معه كل ما في خزانة أبيه من مال، فخرج بجيش جرار، فعاث في طرابلس فسادا، فتصدى له أبو منصور بمن معه من أهل نفوسة، فَمُنِيَ بهزيمة فادحة ففر بجلده، وترك تلك الأموال الطائلة، فلم يلمسها أبو منصور ولا أهل نفوسة، وانتهبها أهل طرابلس
(2)
- هو أفلح بن العباس بن أيوب، يعد من الطبقة السادسة (250 - 0 ()، شيخ من مشايخ جبل نفوسة، تلقى علمه على علماء الجبل، كان محبوبا عند الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح، محظوظا عنده، فإذا ذكر له اسمه " انبسط ما بين عينيه كما يقول ابن الصغير، دلالة على الثقة والحظوة والتقدير، ولاه الإمام أبو اليقظان على جبل نفوسة، بعد وفاة واليها أبي منصور إلياس، بعد موقعة مانو 283 هـ، عزله المشائخ بجبل نفوسة عن ولاية نفوسة، وعينوا مكانه ابن عمه لمدة ثلاثة أشهر، فلم يحسن التدبير والسياسة، فعزلوه وأعادوا أفلح مكانه (انظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 156، 157 - الدرجيني، الطبقات، 87/ 1 - 88 - الشماخي، السير، 223/ 1 228 - الباروني، الأزهار، 245/ 2 - 246 - لبو الربيع الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 48 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 129?
132 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 59/ 2 - 60 رقم الترجمة: 114).
". هو أبو منصور إلياس بن منصور النفوسي (حي في: 161 - 281 هـ)، من مشايخ جبل نفوسة بـ " تنين دمرت "، من المشهورين بالعلم والعمل، تلقى علمه على مشايخ بلده، عينه الإمام أبو اليقظان واليا على جبل نفوسة، وكان قائدا عظيما لم يهزم له جيش قط، قضى على ولد خلف بن السمح المنشق عن الرستميين، وقضى كذلك على ابن طولون العباس بن أحمد (انظر: الدرجيني، الطبقات، 84/ 1 - 87، 321/ 2 - 322، 329 - 331، الشماخي، السير، 192/ 1 - بحاز وآخرون: معجم اعلام الإباضية، 63/ 2 رقم الترجمة: 119).
.
" "
،
(1) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 100 - الباروني، الأزهار، 245/ 2 - 251 - هو العباس بن احمد بن طولون، ولد صاحب مصر، خرج في سنة 267 هـ من مصر عاقا لوالده، يريد غزو القيروان، والاستقلال بحكمها عن أبيه وعن الدولة العباسية، فاستولى من خزانة أبيه على كثير من الأموال، وخرج معه كثير من الجند إلا أن الأغالبة واجهوه قبل أن يصل إلى طرابلس، ولما لم يتمكنوا منه، اعتصموا بالمدينة، وحاصرهم ابن طولون أكثر من اربعين يوما؛ وكان بعض جنوده في تلك الأثناء يعتدون على أهل البوادي من أتباع الدولة الرستمية، فاستعانوا بوالي نفوسة أبي منصور إلياس، فتوجه أبو منصور إلى طرابلس، وفك حصارها، وهزم ابن طولون وجنوده، وقتل الكثير منهم (انظر: الباروني، الأزهار، 255/ 2 - 257 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 125) - القيروان: هي مدينة عظيمة بإفريقية، قال الأزهري: " القيروان معرب، وهو بالفارسية " كاروان، وقد مصرت القيروان في الإسلام في عهد معاوية بن ابي سفيان، وقد بناها عقبة بن نافع سنة 55 هـ، وقد سيطر عليها الأغالبة وجعلوها عاصمة لدولتهم، وصفها المقدسي بقوله: " القيروان: مصر الإقليم، بهي عظيم، حسن الأخبار، جيد اللحوم، قد جمع اضداد الفواكه، والسهل والجبل والبحر والنعم، مع علم كثير ورخص عجيب " إهـ، وذكر المقدسي من مدنها: صبرة، ولسفاقس، والمهدية، وغيرها، والقيروان تابعة لتونس في هذا الزمان (أنظر: الحموي، معجم البلدان، 106/ 4 - 107 - محمد بن أحمد البنا المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1408 هـ / 1988 م، ص 184، 186 - 187 - ابن خرداذبة، المسالك والممالك، ص 81 - ابو القاسم بن حوقل النصيبي، كتاب صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، 1992 م، ص 94 - ابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان، ص 77). (2) - الباروني، الأزهار، 255/ 2 - 257 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 125
61 (1/61)
صفحة 62
الشيخ عمروس ومنهم
ومن قضاة الإمام أبي اليقظان العلامة أبو عبد الله محمد بن عبد الله قاضيه على عاصمة الدولة الرستمية، ثم عين بعده شعيب بن مدمان"، وعين الشيخ عمروس بن فتح قاضيا له على جبل نفوسة (1)
وقد عاصر هذا الإمام بعض الأئمة العمانيين وهم: الإمام الصلت بن مالك الذي بويع بالإمامة في عمان سنة 237 هـ، واعتزل الإمامة في سنة 272 هـ بسبب فتنة موسى بن موسى وراشد بن النظر، فبايع، موسى بن موسى راشد بن النظر بالإمامة في سنة 272 هـ
...
.
في سنة
؛ ثم بويع بعد راشد بن النظر الإمام عزان بن تميم سنة 277 هـ؛ ثم دخلت عمان في عصر الظلام بوصول محمد بن بور 280 هـ إلى عمان فقام بقتل الإمام عزان بن تميم وعاث في عمان فسادا؛ وبعد خروج محمد بن
- هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ، عاش في القرن الثالث الهجري، من قضاة الدولة الرستمية، نشا بتيهرت، وتتلمذ على أئمتها وعلمائها، عاصر الإمام عبد الوهاب، والإمام أفلح، وتولى القضاء في عهد الإمام أبي اليقظان، بعد أن نبغ في الفقه والأحكام، وولاه كذلك الإمام أبو حاتم يوسف القضاء (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 116. الشماخي، السير، 189/ 1 - الباروني، الأزهار، 247/ 2 - بحار وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 386/ 2 رقم الترجمة:
(APT
هو شعيب بن مدمان، عاش في القرن الثالث الهجري، ذكر أصحاب المعجم أن هذه الشخصية لا يعرف عنها الكثير من المعلومات، ولكنه لا يستبعد أن يكون قد تتلمذ في الدولة الرستمية على يد مشايخها، وقد عاصر الإمام أبا اليقظان، فكسب ثقته لتضلعه في الأحكام الشرعية، فعينه قاضيا في تيهرت (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 90 - الباروني، الأزهار، 248/ 2 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 222/ 2 رقم الترجمة: 486).
(1) - الباروني، الأزهار، 248/ 2 (2) - السالمي، تحفة الأعيان، 110/ 1، 194، 213 - السيابي، عمان عبر التاريخ، 102/ 2، 113 - هو الإمام عزان بن تميم للخروصي، بويع له بالإمامة في عمان في سنة 277 هـ، بعد عزل راشد بن النظر، وتولى للبيعة له موسى بن موسى، وعمر بن محمد القاضي، وعزان بن الهزبر وغيرهم، وفي عهده هجم محمد بن بور على عمان، وعاث فيها فسادا، ووقعت بينه وبين الإمام عزان بن تميم معركة طاحنة في سنة 280 هـ، في منطقة " سمد الشان " بشرقية عمان، استشهد فيها الإمام عزان بن تميم، وبعث محمد بن بور برأس الإمام عزان إلى المعتضد ببغداد والله المستعان، وعند الله تجتمع الخصوم؛ وقد ذكر الشيخ سالم بن حمود السيابي أن الإمام الصلت بن القاسم الخروصي بويع بعد عزل راشد بن النظر، ثم عزل، وأعيد راشد بن النظر، وبعد ذلك عزل راشد بن النظر مرة أخرى، وبويع للإمام عزان بن تميم،، ولكن الصحيح هو أن الصلت بن القاسم بويع بعد موت الإمام عزان بن تميم حيث قام العمانيون بإخراج راشد بن النظر من السجن ومبايعته، ثم عزل وبويع للصلت بن القاسم، هذا ما رجحه الإمام السالمي، وقد كانت تلك الفترة بعد موت الإمام عزان بن تميم. فترة ضعف وظلام سيطر فيها الجورة على عمان محمد بن بور ومن بعده بنو سامة لمدة أربعين سنة إلى أن بزغ فجر جديد. على عمان بمبايعة الإمام الرضي سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب الرحيلي في سنة 320 هـ، فأقام الحق ونشر العدل وقضى على الظلم (انظر: السالمي، تحفة الأعيان، 239/ 1، 241، 256 - 259، 268، 275 - السيابي، عمان عبر التاريخ:
.
(227، 212، 172، 171، 199/ 2،
- هو محمد بن نور، ويسميه العمانيون محمد بن بور، هو عامل المعتضد العباسي على البحرين، هجم على عمان في، سنة 280 هـ، وقتل الإمام عزان بن تميم الخروصي، وعاث في عمان فسادا (انظر: السالمي، تحفة الأعيان، 256/ 1 - .
السيابي، عمان عبر التاريخ، 180/ 2).
) - السالمي، تحفة الأعيان، 241/ 1، 256 - السيابي، المصدر السابق، 199/ 2، 172، 182 - 183
62 (1/62)
صفحة 63
الشيخ عمروس ومنهجه
بور من عمان تولى أمر عمان بنو سامة من العمانيين الموالين لمحمد بن بور وللدولة العباسية، فعاثوا في عمان فسادا (1)
إذا فقد عاصر الإمام أبو اليقظان إمامين من أئمة عمان، وهما الإمام الصلت بن مالك، والإمام عزان بن تميم؛ وأما راشد بن النظر فإن أهل العلم لا يعترفون يإمامته كما مر في ترجمته سابقا؛ ولم تذكر المصادر والمراجع التي بين يدي وجود مراسلات بين الطرفين، ولعل السبب يعود إلى بعد المسافة بين عمان والمغرب، وكذلك لاشتغال الإمام أبي اليقظان بأمور دولته وكذلك بالنسبة لأئمة عمان؛ وقد توفي الإمام أبو اليقظان في سنة 281 هـ، بعد أن دام حكمه لمدة عشرين سنة، فترك الدولة الرستمية وقد بلغت حدودها من تيهرت بالمغرب إلى أرض سرت بالمشرق
(2)
- بنو سامة: ينتسبون إلى سامة بن لؤي بن غالب، وهم من أهل عمان كانوا يسكنون منطقة " إزكي " من داخلية عمان)
انظر: السالمي، تحفة الأعيان، 263/ 1 - السيابي، عمان عبر التاريخ، 188/ 2).
_ (1)
السيابي
، عمان عبر التاريخ، 193/ 2.
(2) ? ابن الصغير
أخبار الأئمة الرستميين، ص 102 - الباروني، الأزهار، 2/ 250 - 251، 265 - بحاز، الدولة الرستمية
، ص 126 - معجم أعلام الإباضية، 359/ 2 رقم الترجمة: 784
63 (1/63)
صفحة 64
الشيخ عمروس ومنهجه
هـ - المطلب الخامس: الوضع السياسي في عهد الإمام أبي حاتم:
بعد أن توفي الإمام أبو اليقظان في سنة 281 هـ كما مر، بويع لابنه أبي حاتم بالإمامة، واسمه يوسف بن محمد بن أفلح، وكانت بيعته في نفس السنة التي توفي فيها أبوه (1)؛ وقد تميز الإمام أبو حاتم بالكفاءة لمنصب الإمامة حتى قبل أن يبايع، فكان أبوه يكلفه بمهام في أمور ولايته، فجعله على رأس جيش من زناته لحماية قوافل التجارة، فعرف الناس قدرته وكفاءته، فلذلك نادوا به إماما بعد وفاة أبيه من دون الرجوع إلى أهل الحل والعقد لاستشارتهم (2)؛ وقد وصفه الشماخي بقوله: " الإمام الماهر الله والبحر الزاخر العالم الذاكر أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان محمد رضي عنه ولم ينقم عليه أحد من رعيته في حكم ولا فعل ... " إهـ
(4)
لا
وقد رضي الجميع يامامته، ولم ينكر عليه أحد أو يعارضه، فكانت إمامته شرعية، إلا ما خفي في نفوس بعض أصحاب الأهواء ولم يبيحوه، ومن هؤلاء عمه يعقوب بن أفلح" الذي كان يطمع في الإمامة، فلما لم يُبَايَعْ غادر تيهرت وسكن " زواغة """، ولم يعن ابن أخيه الإمام أبا حاتم بشيء بقول ولا بفعل، وكذلك لم يصدر منه ما يكدر على الإمام أبي حاتم إلا ما ظهر منه بعد ذلك كما سنذكر في محله (4)
من
فتنة
(1) - الشماخي، السير، 223/ 1 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 104 - الباروني، الأزهار، 265/ 2 ـ بحاز الدولة الرستمية، ص 126 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 490/ 2 رقم الترجمة: 1067 زناته: هي قبيلة من قبائل البربر) انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 104 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 292/ 1 - 33/ 2 رقم الترجمة: 51). (2) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 104 - الباروني، الأزهار، 265/ 2 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 490/ 2 رقم الترجمة: 1067. (2) - الشماخي، السير، 223/ 1.
"
- هو الإمام يعقوب بن أفلح آخر الأئمة الرستميين، تولى الإمامة في سنة 282 هـ، اشتهر بذاكرته القوية، وغزارة علمه، قال عنه الباروني: " ... وكان عالما جليلا واميرا خطيرا، واسع الثروة، كثير البر " إهـ، والظاهر أنه تلقى العلم عن علماء تيهرت وعن أبيه الإمام أفلح، وقد بلغ الغاية في العلم والعبادة، والزهد والورع، ويعد في عائلة الرستميين من أئمة العلم والدين، وله إسهام في الحكم والسياسة، توفي في سنة 310، وشهد سقوط الدولة الرستمية على يد الفاطميين (أنظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 190 - الدرجيني، الطبقات، 105/ 1 - الشماخي، السير، 47/ 2 - الباروني (باشا)، الأزهار، 2/ 294 - أبو الربيع الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 48 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 473/ 2 رقم الترجمة: 1032). - زواغة: هي قبيلة من قبائل البربر، سكنت في المغرب الأقصى (انظر: بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 292/ 1، 111/ 2 رقم الترجمة: 232، 2/ 190 رقم الترجمة: 419). (1) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 109 - الباروني، الأزهار، 266/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 127.
64 (1/64)
صفحة 65
الشيخ عمروس ومنهجه
وأهم الفتن التي وقعت في عهده وقعة " مانو " بين أهل نفوسة وإبراهيم بن الأغلب سنة 283 هـ التي كانت السبب المباشر لسقوط الدولة الرستمية على يد أبي عبدالله الشيعي"، وذلك أن جبل نفوسة كان هو الدرع الواقي للدولة الرستمية والمادة العسكرية الأساسية وراء كل انتصار حققته الدولة الرستمية؛ وقد راح ضحيتها اثنا عشر ألفا من أهل نفوسة ومن قاتل معهم ضد الأغالبة، وكان في القتلى أربعمائة عالم منهم الشيخ عمروس بن فتح رحمه الله، ولم يستطع الإمام أبو حاتم مساعدتهم لاشتغاله بحربه مع عمه يعقوب بن أفلح، ولن أطيل الحديث عن وقعة مانو فقد خصصت لها مبحثا سأذكره في محله (1)
،
وكذلك من أهم الفتن في عهده حربه مع عمه يعقوب بن أفلح الذي نازعه على حكم تيهرت، وذلك أنه لما بويع لأبي حاتم بالإمامة لم يرض بذلك حيث أنه كان طامعا فيها، إلا أنه لم يظهر ذلك في البداية فخرج من تيهرت وسكن " زواغة "؛ فلما حدثت بعض الفتن في تيهرت من قبل بعض المفسدين الذين رغبوا في تبييت خبر الإباضية، مما اضطر الإمام أبا حاتم أن يخرج من تيهرت بعد سنة من حكمه فقام أولئك المفسدين ياحضار عمه يعقوب إلى تيهرت، وتقديم الولاية والبيعة له بلا حق شرعي، فلاقي هوى في نفسه فقبلها، فدارت الحرب بينه وبين الإمام أبي حاتم، إلى أن انتصر الإمام أبو حاتم واستطاع دخول تيهرت في سنة 286 هـ، وهرب يعقوب ومن معه إلى " زواغة عندما دخل الإمام أبو حاتم تيهرت وجد أن البلاد قد فسدت وفسد أهلها بعد تلك الحرب الطويلة التي استمرت لمدة ست سنوات، فوجد الناس قد اتخذوا المسكر أسواقا، والغلمان أخدانا، فشمر عن
ذلك
- هو أبو عبد الله - وكناه أبو زكرياء بأبي محمد الحسين بن أحمد الشيعي الملقب بالمعلم، ويلقب كذلك بالحجاني، وذكر الباحث إسماعيل العربي أنه لم يجد لقب " الحجاني " إلا في كتاب " سير الأئمة " لأبي زكرياء، ولم يجده في مصدر آخر فلعل الإباضية لقبوه بهذا اللقب، ولا يعرف بهذا اللقب إلا في أوساط الإباضية، لما عند الآخرين فيعرف بلقب " المعلم وابو عبد الله الشيعي هذا هو ناشر دعوة العبيديين في المغرب، وأصله من صنعاء، وكان عبدا عند عبيد الله الشيعي، وقد كان ذا علم عظيم بحساب النجوم، فأرسله إلى المغرب لجمع الأنصار لإقامة دولته هناك، والتمهيد لها، وقد أحاط دعوته بكثير من الأسرار والغموض، وحمل " كتامة " على مبايعة سيده " المهدي " سنة 286 هـ، دون أن يسميه لهم، ثم دخل في مرحلة النضال العسكري، واتخذ من قلعة " ايتجان " حصنا له، قبل أن يزحف على " ميلة " ثم على " القيروان " ليطرد منها زيادة الله الأغلبي، وبذلك مهد العرش لعبيد الله، وقد كان نفوذ أبي عبد الله الحجاني وأخيه أبي العباس كبيرا بين " كتامة " وغيرها من قبائل البربر، فخشي عبيد الله على مستقبل ملكه، فأمر بقتلهما، وقتلا في " رقادة " في سنة 298 هـ (انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، 164 - 174، ص 165 الهامش، ص 168 الهامش - الدرجيني، الطبقات، 91/ 1 - 96). (1) - الدرجيني، الطبقات، 87/ 1 - الباروني، الأزهار، 280/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 129 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 490/ 2 رقم الترجمة: 1067 (2) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 105 - 115 - الباروني، الأزهار، 266/ 2 - 275 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 127 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 490/ 2 رقم الترجمة: 1067. (1/65)
صفحة 66
الشيخ عمروس ومنهجه
ساعد الجد، وعين الولاة والقضاة ورجال الشرطة، وقضى على الفساد وأعاد للدولة الرستمية سابق
عصرها من الرقي والقوة والحضارة (1)
بن
بن عبد
محمد الله قاضيه على تيهرت، والشيخ عمروس بن فتح
قضاته وولاته عبد الله ومن قاضيه على جبل نفوسة، وعبد الرحمن بن صواب" عينه مسؤولا عن بيت المال، وزكار وإبراهيم بن مسكين" ولاهما مسؤولية الشرطة، وأبو منصور إلياس واليه على جبل نفوسة وبعد وفاة أبي منصور عين أفلح بن العباس واليا على جبل نفوسة (2)
.
وفي عهده كذلك أثار ابن خلف المسمى الطيب بن الخبيث بن الطيب بعض القلاقل والفتن في جبل نفوسه، فأرسل الإمام إلى واليه على جبل نفوسه أبي منصور أن يقبض على ابن خلف، فوقع قتال بين أبي منصور وابن خلف، وتمكن أبو منصور من الإمساك بابن خلف وقام بسجنه، فأظهر التوبة فأطلق سراحه، فتحسنت أحواله بعد ذلك (3)
على العموم بعد أن دخل الإمام أبو حاتم تيهرت واستقامة له الأمور وهدأت الأوضاع، استمرت إمامته لمدة أربعة عشرة سنة، قام خلالها بالكثير من الإصلاحات والإنجازات، إلا أنه لم يستطع أن يجتث جذور الفساد الذي استشرى في الأسرة الرستمية، التي راحت تتقاتل على الملك، فكان ذلك سببا
ص 127
(1) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 116 - 117 - الباروني، الأزهار، 275/ 2 - 277 - بحاز، الدولة الرستمية، - هو عبد الرحمن بن صواب النفوسي (حي: 281 هـ)، عينه الإمام أبو حاتم يوسف أمينا على بيت مال المسلمين، وقد جمع إلى العلم الهيبة والنصيحة (انظر: الشماخي، السير، 224/ 1 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 116 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 249/ 2 رقم الترجمة: 546).
- هو زكار، لم تذكر المصادر نسبه كاملا، عاش في القرن الثالث الهجري، وهو أحد الإداريين الأكفاء في الدولة الرستمية، أسند إليه الإمام أبو حاتم يوسف (حكم: 281 - 284 هـ) مهمة الشرطة في تيهرت، بالتعاون مع إبراهيم بن مسكين، فقطع الفساد الذي انتشر في تيهرت بسبب الحروب والفتن، وقضى عليه (انظر: الشماخي، السير، 224/ 1 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 116 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 153/ 2 رقم الترجمة: 333)
- هو إبراهيم بن مسكين، عاش في القرن الثالث الهجري، من أعيان مدينة تيهرت الرستمية، أسند إليه الإمام أبو حاتم يوسف ولاية الشرطة بالتعاون مع " زكار "، فقام بالواجب لحسن قيام، وقضى على الفساد الذي استشرى في تيهرت بسبب، الحروب والفتن (انظر: الشماخي، السير، 224/ 1 - ابن الصغير، اخبار الأئمة الرستميين، ص 116 - بحار وآخرون معجم اعلام الإباضية، 31/ 2 - 32 رقم الترجمة: 48).
16
(2) - الدرجيني، الطبقات، 84/ 1 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 116 - الباروني، الأزهار، 276/ 2، 277 - -
280
- هو ابن خلف بن السمح بن عبد الأعلى بن السمح المعافري، لم تذكر المصادر اسمه، ويلقب بالطيب بن الخبيث بن الطيب، عاش في أواخر القرن الثالث الهجري، تلقى العلم على شيوخ جبل نفوسة، وكان على رأي ابيه فتمرد على الإمامةة الرستمية، فوقعت بينه وبين أبي منصور الوالي الرستمي على نفوسة وقعة انتهت بهزيمة ابن خلف، فسجن، وذكر الدرجيني أنه تاب ورجع إلى مذهب اهل الحق وحسنت أحواله) أنظر: الدرجيني، الطبقات، 84/ 1 - 87 - الباروني، الأزهار، 22/ 277 - 279 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 135/ 2 رقم الترجمة: 293).
) - الدرجيني، الطبقات، 84/ 1 - 87 - الباروني، الأزهار، 277/ 2 - 279.
66 (1/66)
صفحة 67
الشيخ عمروس ومنهجه
لزوال ملكها وغروب شمسها، فادعى أبناء اليقظان أنهم أحق بالإمامة من عمهم الإمام أبي حاتم، فقاموا بقتل الإمام أبي حاتم جورا وعدوانا، وكان ذلك في سنة 294 هـ، فنصبوا أباهم اليقظان" إماما، فقاطعه الإباضية ولم يعترفوا بإمامته للجريمة التي ارتكبها، واعتبروا حكمه غصبا"، فظل لمدة سنتين مهدد الجوانب خائفا لم يعرف طعم الراحة، فظل قلقا من أبناء الإمام المقتول، ومن بقائه وحيدا، ومن الشيعة بقيادة أبي عبد الله الشيعي الذي كان في تلك الفترة يفتح البلدان بلدا بعد بلد إلى أن جاء دور تيهرت فدخلها في سنة 296 هـ، وقتل اليقظان وأبناءه الذين قتلوا الإمام أبا حاتم، وقضى على البيت الرستمي وعلى تيهرت وقتل ونهب، وعاث في الأرض فسادا، ولم يكتف بذلك بل قام بحرق مكتبة المعصومة التي كانت تحوي آلاف النفائس من المؤلفات والمخطوطات، بعد أن أخذ منها كتب الفلك والرياضيات والهندسة، فقضى بذلك الفعل الشنيع على تاريخ أمة وحضارة دولة إسلامية عريقة قدمت للأمة الإسلامية ما عجزت عن تقديمه غيرها من الدول الإسلامية التي قامت والله المستعان على ذلك؛ وهكذا وبهذه النهاية المؤلمة انتهى عهد الدولة الرستمية التي استمرت لمدة 136 سنة من 260
- هو اليقظان بن الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح بن عبد الوهاب، آخر حكام الدولة الرستمية، عاش في فترة انحدار الدولة الرستمية وانحرافها عن المنهج القويم الذي كانت عليه في عهد أئمتها السابقين، نشا بتيهرت، وتلقي العلم عن أبيه الإمام محمد، لا تذكر المصادر عن سيرته إلا ما يتعلق بتوليه الحكم، وقتله على يد أبي عبد الله الشيعي، نصب إماما على الدولة الرستمية من قبل ولديه الذين قاموا بقتل الإمام الشرعي أبي حاتم جورا وعدوانا، فلم يقبل به الإضية وقاطعوه، وظل مهدد الجوانب إلى ان قتل على يد أبي عبد الله الشيعي لما اجتاح تيهرت في سنة 296 هـ، وقد دام حكمه سنتين (249 - 296 هـ)، ولا يذكره مؤرخو الإباضية بخير، بل يعدونه من الملوك الظلمة، والسلاطين الجورة، وبقتل اليقظان سقطت الدولة الرستمية؛ وقد ذكر الشيخ الباروني أن هناك بعض العلماء ممن سعى إلى مبايعة اليقظان بالإمامة بعد قتل الإمام أبي حاتم وهو العلامة أبو الخطاب وسيل بن سنتين الزواغي، قال الشيخ الباروني: " وعلى هذا فاليقظان في رضائه – يقصد أنه في ولاية الشيخ أبي الخطاب وسيل - ولعله غير داخل مع إخوته في مسألة قتل الإمام أو لم يصح عنده اتفاقه معهم ولذلك لما عاتبته نفوسة الجبل على بعض الأمور منها التزامه الأمر لليقظان، قال: الحمد لله الذي جعل لي إخوانا يعاتبونني على ما بلغهم مني من التقصير قبل يوم القيامة ... ثم قال: إنما التزمت الأمر لليقظان احتسابا الله لا لليقظان " إهـ (انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 169 - 170 - الدرجيني، الطبقات 94/ 1 - 96 - عبد الله الباروني، سلم العامة والمبتدئين، ص 20 - الباروني، الأزهار، 291/ 2 - 293 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 478/ 2 رقم الترجمة: 1040). - عد الدرجيني الإمام أبا حاتم آخر أئمة الدولة الرستمية العادلة، لأن حكم اليقظان بعده لم يكن شرعيا، بل كان تسلطا واغتصابا فقال: " ... فانقطعت الإمامة بموت الإمام يوسف رحمه الله ... " إهـ (أنظر: الدرجيني، الطبقات 94/ 1). - السبب الذي دفع أبا عبد الله الشيعي إلى التوجه إلى تيهرت هو قيام ابنة الإمام أبي حاتم " دوس " وقيل " دوسرة " بالاشتكاء عند أبي عبد الله الشيعي من غدر اليقظان وبنيه بأبيها وقتله، ووعدته أن يتزوجها إن هو أخذ لها ثار أبيها، فدخل تيهرت وقال لليقظان: من أنت؟ قال: أنا اليقظان، قال: بل أنت حيران، ما الذي دفعكم إلى قتل أميركم فاسلبتم ملكه واطفاتم نور الإسلام بغير سبب، وألقيتم بأيديكم إلينا بغير قتال؟! ثم أمر بهم فقتلوا جميعا؛ وأما ابنة الإمام أبي حاتم فقد هربت من أبي عبد الله الشيعي برفقة يعقوب بن أفلح إلى وارجلان، فلم يتمكن منها أبو عبد الله الشيعي؛ وليتها لم تلجأ إلى أبي عبد الله الشيعي فلعله كان لن يهاجم تيهرت ويقضي عليها، ولكن قضاء الله غالب، والله الأمر من قبل ومن بعد (انظر: ابو زكرياء سير الأئمة، ص 199 - 170 - الدرجيني، الطبقات 94/ 1 - الباروني، الأزهار، 292/ 2 - 293 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 147/ 2 رقم الترجمة: 322).
"
67 (1/67)
صفحة 68
الشيخ عمروس
هـ إلى 296 هـ كانت خلالها مثالا للدولة الإسلامية العادلة وكانت خلالها مترسمة خطى الخلافة
الراشدة، وقامت على انقاضها الدولة الفاطمية (1)
والمبتدئين اعلالا
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 199 - 170 - الدرجيني، الطبقات 94/ 1 - 96. . عبد الله الباروني، سلم العامة ص 20 - الباروني، الأزهار، 291/ 2 - 293 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 127 - 128 - بحاز وآخرون، معجم الإباضية، 478/ 2 رقم الترجمة: 1040، 490/ 2 رقم الترجمة: 1067.
68 (1/68)
صفحة 69
الشيخ عمروس ومنهجه
المبحث الثاني: الوضع الاقتصادي والاجتماعي في عصر الشيخ عمروس:
تمهيد:
إن جغرافية الدولة الرستمية التي ينتمي إليها الشيخ عمروس كان لها تأثير كبير على الرخاء الاقتصادي الذي تميزت به الدولة الرستمية، حيث أنها تميزت بالتنوع في طبيعتها والاختلاف في مناخها، فكانت تضم تضم الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة التي تتميز بكثرة الأمطار، وكانت تضم الأراضي الواسعة الصالحة للرعي وتربية المواشي، وكذلك كانت تحوي الصحاري الشاسعة التي كانت تمر خلالها القوافل التجارية إلى مختلف البلدان، كذلك كانت تتميز بوجود الأنهار التي كان لها دور في ازدهار الزراعة، وكان وقوع الدولة الرستمية على البحر المتوسط له دور في الاتصال ببلاد الأندلس وتبادل التجارة معها، مما نجم عنه ازدهار الأسواق والصناعات في الدولة الرستمية (1) فسأحاول في هذا المبحث تسليط الضوء على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في عصر الشيخ عمروس، فسأتناول الزراعة والرعي في عصره؛ ثم الصناعات في عصره، وأنواعها ومميزاتها؛ وكذلك سأتناول التجارة في عصر الشيخ عمروس وأنواعها، والدول التي كانت مقصد القوافل التجارية، والأسواق الرائجة في عصره؛ ثم أخيرا سأعرج على العمارة في عصر الشيخ عمروس، ومميزاتها،
وأنماطها
وبما أن الشيخ عمروس من رعايا الدولة الرستمية، وعاصر أغلب أئمتها، فإن هذه المطالب السابقة مرتبطة بها أيما ارتباط، ومن خلال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للدولة الرستمية، سيتبين لنا الوضع الاقتصادي والاجتماعي في عصر الشيخ عمروس.
(1) بحاز، الدولة الرستمية، ص 137 - 139.
69 (1/69)
صفحة 70
الشيخ عمروس ومنهجه
-أ- المطلب الأول: الزراعة والرعي:
أ- الزراعة:
ذكرت أن الدولة الرستمية تميزت بتنوع جغرافيتها ومناخها، ونتج عن هذا تنوع إنتاجها الزراعي ومحاصيلها، ففي تيهرت حيث الجو بارد وكثرة الضباب والأمطار كانت تكثر زراعة الأشجار والبساتين والحبوب والسفرجل، وهذا ما أشار إليه ابن حوقل بقوله: " ... ولهم مياه كثيرة تدخل على أكثر دورهم، وأشجار وبساتين وحمامات وخانات، وهي أحد معادن الدواب والماشية والبغال والبراذين الفارهة"، ويكثر عندهم العسل والسمن وضروب الغلات " إهـ، وأما المقدسي فيقول واصفا تيهرت: " بلخ المغرب، قد أحدق بها الأنهار والتفت بها الأشجار وغابت في البساتين ونبعت حولها الأعين " إهـ (2)، وقد أحسن البكري في وصف زراعة تيهرت فقال إن بها: " جميع الثمار وسفرجلها يفوق سفرجل الآفاق حسنا وطعما وشما، وسفرجلها يسمى بالفارس " إهـ
(2)
(1)
(3)
وقد كانت تكثر في تيهرت زراعة الحبوب، حتى أنه كان بتيهرت باب يعرف باسم باب المطاحن
(4)
، ومما يدل على كثرة زراعة الحبوب في تيهرت ما ذكر عن أبي مرداس مهاصر أحد مشائخ جبل نفوسة،
تغنى شعراء تيهرت بشدة بردها وأمطارها في قصائدهم فمن ذلك ما ذكره الشاعر التيهرتي أبو عبد الرحمن بكر بن حماد في
قصيدة له واصفا شدة البرد في تيهرت فيقول:
ما أخشن البرد وريعانه:: واطراف الشمس بتاهرت تبدو من الغيم إذا ما بدت:: كأنها تنتشر من تحت فنحن في بحر بلا لجة:: تجري بنا الريح على السمت نفرح بالشمس إذا ما بدت:: كفرحة الذمي بالسبت
(انظر: الحموي، معجم البلدان، 427/ 2 - الدرجيني، الطبقات، 43/ 1 - الباروني، الأزهار، 70/ 2، ذكر الشيخ الباروني البيت الأول فقط وهو: ما أخشن البرد و ريعانه:: واطراف الشمس بتاهرت).
البرنون: يطلق على غير العربي من الخيل والبغال، من الفصيلة الخيلية، عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، قوي الأرجل، عظيم الحوافر، ويجمع على " براذين "، والبرنون الفاره هو النشيط السيور الحاد القوي، يقال للفرس جواد ولا يقال له فاره، ويقال للبرنون فاره) انظر: جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري (أبو الفضل ()، لسان العرب، ج 3. دار صادر، بيروت، لبنان، ط 1: 2000 م، ص 190 - المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، جمهورية مصر العربية، مطابع الأهرام التجارية، قليوب، مصر، 1422 هـ / 2001 م، ص 44 - الزمخشري، اساس البلاغة، دار صادر، بيروت،
ط 1: 1412 هـ / 1992 م، ص 472). (1) ابن حوقل، صورة الأرض، ص 86. (2) ـ المقدسي، لحسن التقاسيم، ص 189
) - انظر: البكري، المغرب، ص 67 - الاستبصار، ص 178 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 145. (4). انظر: البكري، المغرب، ص 66 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 145.
:
، (1/70)
صفحة 71
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
أنه كان قد تعود الذهاب إلى تيهرت في فصل الحصاد، فإذا حصد الناس زروعهم ولقط اللقاطون السنابل ورعوا مواشيهم، عقبهم فيلقط نفقة سنة لأن ذلك متروك كذلك فإن النخيل كان يزرع في تيهرت، والدليل على ذلك الرواية التي ذكرها ابن الصغير عن أحد أهل تيهرت أنه كان يملك مزرعة على بعد أميال من تيهرت بها الأشجار والأنهار والمزارع والنخل
والقصور
(2)
(3)
،
هذا بالنسبة لتيهرت، أما الجانب الغربي للدولة الرستمية فهي المناطق الأساسية لزراعة الحبوب وتكثر فيها زراعة العصفر والكتان والسمسم وغير ذلك من الحبوب، وكذلك تكثر فيها زراعة التين والكروم والسوان والسفرجل وغيرها من الأشجار والثمار (4) وأما الجانب الشرقي للدولة الرستمية وهو بلاد نفوسة وطرابلس، فهي لا تقل عن الجوانب الأخرى للدولة الرستمية، فنفوسة عبارة عن " ضياع وقرى ومزارع وعمارات كثيرة " (5)، وكانت تكثر في جبل نفوسة المياه والآبار والأحواض المائية، وتكثر فيه الجسور والسدود والمستنقعات المائية (6)، فكان ذلك سببا لانتعاش الزراعة بشكل كبير في جبل نفوسة، فكانت تكثر زراعة الكروم والأعناب والتين والشعير، قال ابن حوقل: " ... شروس في وسط الجبل، فيها مياه جارية، وكروم وأعناب طيبة وتين غزير، وأكثر زروعهم الشعير، وإياه يأكلون، وإذا خبز كان أطيب طعما من خبز الحنطة، ولشعيرهم لذة ليس لخبز من أخباز الأرض لأنه ينفرد بلذة ليست في خبز ... " إهـ، وكذلك كانت تكثر
زراعة النخيل والزيتون والكثير من الفواكه (8)
(7)
1. (9)
الوسياني
، السير، مخ، ورقة 13 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 145 ـ الدرجيني، الطبقات، 293/ 2.
(2) ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 106.) - المقدسي، أحسن التقاسيم، ص 114.
السوان: هو نوع من أنواع المزروعات، وبحثت عن نوعه وهيئته بالتحديد فلم أجد ما يفيدني بكنهه والله أعلم. (4) ? ابن حوقل، صورة الأرض، ص 89 - اليعقوبي، البلدان، ص 111 - الادريسي، وصف، ص 58، نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 146
(0) - احمد بن أبي يعقوب بن واضح اليعقوبي، كتاب البلدان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1408 هـ / 1988 م، ص 103 (1) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 147 - 148 - شروس: مدينة تقع في قلب جبل نفوسة بليبيا، وكانت تعد العاصمة العلمية لجبل نفوسة، خرجت العديد من كبار العلماء منهم أبو معروف ماطوس بن هارون استشهد في وقعة مانو سنة 283 هـ (أنظر: الباروني، الأزهار، 209/ 2 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 502/ 3 - معجم أعلام الإباضية، 307/ 1، 351/ 2 رقم الترجمة: 763)
(2) ـ ابن حوقل، صورة، ص 92 - الادريسي، وصف، ص 76، نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 148 (1) - الشماخي، السير، 174/ 1، 181 - البكري، المغرب، ص 9، نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 148.
71 (1/71)
صفحة 72
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
، فكان
وقد كان أغلب سكان نفوسة من المزارعين والفلاحين وأصحاب الضيعات والأراضي الشيخ عمروس - رحمه الله - نفسه من ملاك الأراضي، والدليل على ذلك ما روي عن أخ الشيخ عمروس عندما غاب الشيخ عمروس عشرين سنة في طلب العلم، فلما عاد قال له أخوه: " لو رأيت أجرافا" في فدادينك؟ "، فقال له الشيخ عمروس مجيبا: " لو رأيت أجرافا يتلموا" دينك ... " (2)، فهنا قوله: " لو رأيت أجرافا في فدادينك " دليل على أن الشيخ عمروس كان يملك أرضا وفدادين
زراعية.
وأما جزيرة جربة فقد كانت تكثر فيها الأشجار والبساتين والحقول التي تنتج الزيتون والنخل والكروم بكثرة، حتى أنهم أحاطوا حقولهم بأعواد أثبتوها في الأرض ووصلوا ما بينها بالحبال لترد الوحش حتى لا يفسد زراعتهم وحقولهم (3)، وأما طرابلس فكانت كثيرة الضياع، وبها الفواكه الطيبة اللذيذة كالخوخ والكمثرى، وتكثر فيها زراعة النخيل والفواكه والتين والزيتون
(4)
(1) بحاز، الدولة الرستمية، ص 149. - لم تذكر المصادر اسمه
"1
أجراف أصلها الثلاثي جرف، وهي تأتي على عدة معاني، جاء في المعجم الوسيط: جرف الإنسان جرفا: كثر أكله، وجرف الشيء: ذهب به کله او جله، ويقال: جرف السيل الوادي: أكل من جوانبه، واجرف المكان: اصابه سيل جُرَافٌ، والجاروف: اداة الجرف تكون مع الكناسين، والجرف: شق الوادي إذا حفر الماء في اسفله، ويجمع على أجراف، وحرفة فالظاهر أن مراد اخ الشيخ عمروس من كلامه هو: لو رايت اشخاص يحرثون في فدادينك أي يعتدون عليها وينتهبونها، والذي يؤكد هذا المعنى هو رد الشيخ عمروس عليه، والتلم هو أثر الحرث؛ وكذلك يحتمل أن مراد أخ الشيخ عمروس هو: لو رأيت شقوقا وفسادا في فدادينك بسبب عدم الاعتناء بها وإهمالها، وعلى هذا يكون معنى رد الشيخ عمروس لو رأيت شقوقا وفسادا في دينك والله أعلم. (انظر: الشماخي، السير، ت: محمد حسن، ص 153 هامش المحقق ـ إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 118/ 1).
6
على
- هكذا في بعض المصادر، وذكر الباروني" يتلموا " كما جاء في الأزهار، والتلم: هو كل أخدود من أخاديد الأرض وهو خط الحارث، وهنا بمعنى أفسد، وجاء في المعجم الوسيط: الثلام: هو كل شق في الأرض كخط المحراث، ويجمع ثلم، والتلم: الحراث، وأما " يتلموا " حسب رواية الشيخ الباروني، فأصلها الثلاثي: ثلم، جاء في المعجم الوسيط: تلم الجدار وغيره ثلما: لحدث فيه شقا، وتلم الإناء: كسر حرفه، ويقال: ثلم الوادي: انكسر جانبه، وتلم الطريق: تحقر خلاصة ما سبق أن " ثلم " و " تلم " تؤديان نفس المعنى، وهو حدوث انشقاق أو كسر وحفر والله أعلم (انظر: الباروني،، 254/ 2 - الشماخي، السير، ت: محمد حسن، ص 153 هامش المحقق - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم
الأزهار
11
الوسيط، 87/ 1، 99). (2) - عمروس بن فتح، الدينونة الصافية، ص 12، الشماخي، السير، 195/ 1، البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ)، ص 92 - الباروني، الأزهار، 254/ 2.) - الدرجيني، الطبقات، 85/ 1 - انظر: (البكري، المغرب، ص 91 - الادريسي، وصف، ص 95) نقلا عن: بحاز، للدولة الرستمية، ص 151
(4) ? ابن حوقل، صورة، ص 71 - انظر: (المقدسي، احسن التقاسيم، ص 186 ـ الادريسي، وصف، ص 90) نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 151
72 (1/72)
صفحة 73
الشيخ عمروس ومنهجه
هذا عن الجانب الشرقي للدولة الرستمية، فإذا جنتنا إلى الجانب الجنوبي منها نجده عبارة عن صحراء واسعة، تكثر بها الواحات التي يوجد بها المياه وتتميز بزراعة النخيل، ومن هذه الواحات وارجلان، وبلاد الجريد (قسطيلية) وغيرها التي كانت تابعة للدولة الرستمية، وقد ذكر الباحث إبراهيم بحاز أن ابن حوقل وصف بلاد الجريد بقوله: " وهي مغوثة أفريقية بتمورها
(2)
وقد كانت ملكية الأراضي في الدولة الرستمية خاصة وعائلية وليست جماعية، وكان العبيد يعملون في خدمة هذه الأراضي؛ وقد كان الأئمة الرستميون يشجعون الزراعة، وييسرون الأسباب لانتشارها ونجاحها، حتى انهم أنفسهم كانوا يملكون المزارع والبساتين، فالإمام أبو بكر كان يمتلك الجنان، وكذلك يعقوب بن أفلح (3) كذلك فقد أقام الأئمة الرستميون في تيهرت خزانات للماء وأحواضا كبيرة اكتشفها الأثريون كبيرة اكتشفها الأثريون، وكانت محكمة التصميم والهندسة بحيث تحافظ على الماء أيام الصيف عند شح الماء، وكذلك قاموا بشق القنوات وأوصلوها بالدور والبساتين؛ وقد كانت الدولة الرستمية تصدر منتجاتها الزراعية إلى البلدان الأخرى كالأندلس وبلاد السودان ومصر وغيرها (5)
(4)
- وارجلان: واحة صحراوية تقع في جنوب المغرب الأوسط، جنوب شرق الجزائر، كانت تابعة للدولة الرستمية، تقع في جنوبها، أصبحت بعد سقوط الدولة الرستمية على يد العبيديين هي الوريث الشرعي للدولة الرستمية، حيث هاجرت إليها عائلات رستمية كالإمام يعقوب بن أفلح وأسرته وغيرهم هربا من العبيدين، فكونوا حضارة عظيمة في وارجلان في القرن الرابع الهجري على غرار تيهرت، وبنوا مدينة " سدراته " في جنوب غرب وارجلان على بعد سبعة أميال منها، لا زالت آثارها باقية إلى اليوم شاهدة على الرقي الحضاري الذي وصلت إليه، واشتهرت وارجلان بتجارتها الواسعة مع بلاد السودان (انظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 189 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 347/ 3 - 348، 546 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 314/ 1). قسطيلية أو قصطيلية أو قصطاليا: هي بلاد الجريد حليا، تقع في تونس، من أشهر علمانها أبو الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسان الوسياني (حي في: 557 هـ) (انظر: بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 204/ 2 رقم الترجمة:
(452
(1) ابن حوقل، صورة، ص 92 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 152.
(2) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 155
) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 77، 112 (4) - الباروني، الأزهار، 19/ 2 الهامش - بحاز، الدولة الرستمية، ص 156.
بلاد السودان تتمثل في عدة ممالك، وكان أكبر مملكتين معاصرتين للدولة الرستمية مملكة غانا، ومملكة كوكو أو جوجو، وكانت الدولة الرستمية ترتبط بهما تجاريا أكثر من بقية الممالك السودانية الأخرى (انظر: بحاز، الدولة الرستمية، ص
(206 - 210
(0) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 36 - الباروني، الأزهار، 9/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 156.
73 (1/73)
صفحة 74
الشيخ عمروس ومنهجه
ب - الرعي:
إن تربية الماشية في بلاد المغرب كانت تقوم جنبا إلى جنب مع الزراعة، وتشير الدراسات إلى أن الجزائر كانت في فترة من فترات تاريخها القديم مرتعا ومرعى لمختلف الحيوانات، خاصة الغنم والحمير والبغال والخيل، وفي عهد الدولة الرستمية يتفق جميع الجغرافيين على أن الدولة الرستمية كانت زراعية رعوية، فنجد اليعقوبي يقول واصفا بعض المناطق في الدولة الرستمية: " هو بلد زرع وضرع " إهـ
(1)
وقد كانت تكثر في تيهرت مختلف أنواع الماشية من الغنم والبغال والبراذين، وقد ذكرت سابقا كلام ابن حوقل في ذلك (2)، وكانت الدولة الرستمية وسكانها يولون تربية المواشي اهتماما كبيرا ويمتلكون القطعان الكثيرة، حتى أن البعض منهم كان له ثلاثون ألف ناقة وثلاثمائة ألف شاة واثنا عشر ألف حمار كيبيب بن زلغين، وقد كان رعاة غنمه كلهم من عبيده، حتى أن الإمام عبد الوهاب قال
فيه: " لولا أنا، ومحمد بن جرني، ويبيب بن زلغين، لخرب بيت مال المسلمين، أنا بالذهب، ومحمد بن جرني بالحرث، وابن زلغين بالأنعام " (3)، كذلك كان أبو منصور الوالي على جبل نفوسة صاحب
ماشية كثيرة، وقد كان الرعي وتربية الماشية الحرفة السائدة بين سكان جبل نفوسة مع الزراعة (4)
- الجزائر: هي قلب المغرب العربي، يتألف سطحها من شاطئ صخري طوله أكثر من ألف كيلو متر، ومن سهل ساحلي ضيق تليه جبال عالية تدعى جبال أطلس التل، يليها سلسة هضاب تكثر فيها السبخات المالحة، ثم يتبع ذلك جبال اطلس الصحراوية، تبلغ مساحة الجزائر (2381274) كلم مربع، تعتبر الجزائر بلدا زراعيا من الدرجة الأولى فهي تنتج الحبوب على أنواعها وتشتهر بالكرم والزيتون والنخيل والتين، وتربى الماشية بأعداد كبيرة، أما الثروة المعدنية ففي مقدمتها البترول والغاز الطبيعي والصلب والحديد والاسمنت والفوسفات (انظر: أطلس العالم الصحيح، ص 129 - 130). (1) - اليعقوبي، البلدان، ص 112 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 158 - 159.
(2) - انظر ص 70.
"
- يبيب بن زلغين (حي بين: 171 - 208 هـ) كان صاحب أموال كثيرة، جمعها بالتجارة في الماشية (انظر: الشماخي السير، 176/ 1 - 177 - الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 41 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 450/ 2 رقم الترجمة: 979). - محمد بن جرني: من الأعلام البارزين في تيهرت العاصمة الرستمية، عاش في أوائل القرن الثالث الهجري، كان من أكبر ممولي بيت مال المسلمين، بمختلف المنتوجات الزراعية، خاصة البر والشعير، فقد كانت زكاته آلاف الأحمال من الحبوب (أنظر: الشماخي، السير، 177/ 1 - الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 41 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 374/ 2 رقم الترجمة: 810).) - الشماخي، السير، 176/ 1 ـ 177 (4) - الدرجيني، الطبقات، 330/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 161.
74 (1/74)
صفحة 75
أن الشيخ عمروس ومنهجه
وقد كان بعض أئمة الدولة الرستمية يمتلكون الماشية كالإمام أبي اليقظان والإمام أبي حاتم، وكان رعاتهم من العبيد، أما يعقوب بن أفلح وهو من الأسرة الرستمية، فقد كان يمتلك بقرات يشرب منها، وقد كانت بلاد المغرب والأندلس تستورد الأغنام من الدولة الرستمية لرخصها وطيب
الحليب
(1)
لحمها
(2)
(1) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 104، 107، 112 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 162 (2) - انظر: كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، ص 179، مؤلفه مجهول (القرن 6 هـ)، تعليق زغلول عبد الحميد، مطبعة جامعة الإسكندرية، 1908 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 163.
Yo (1/75)
صفحة 76
الشيخ عمروس ومنهجه
- المطلب الثاني: الصناعة في الدولة الرستمية:
(3)
(4)
لقد كانت الصناعة في الدولة الرستمية متطورة، ولا تقل عن الصناعة في العواصم المغربية الأخرى كالقيروان أو غيرها، فلم تكن تخلو من النجارين والحدادين والخياطين والطحانين والدباغين وغيرها من الحرف والصناعات المنتشرة في ذلك الوقت (1)، وقد ذكر بعض الباحثين أن الصناعات المتعلقة بالجوانب الزراعية كانت رائجة ومتقدمة في الدولة الرستمية، كصناعة المحاريث والمناجل والفؤوس وغيرها من الآلات الزراعية (2)؛ كذلك كانت صناعة معاصر الزيتون منتشرة في الدولة الرستمية خاصة في جبل نفوسة، وذلك لكثرة زراعة أشجار الزيتون فيها، وصناعة طحن القمح كذلك كانت رائجة في الدولة الرستمية، فكانت تنشأ مطاحن القمح على الأنهار، حتى أنه كان لتيهرت باب يعرف باسم باب المطاحن (5)؛ وكانت تكثر صناعة الجلود والدباغة في الدولة الرستمية، حتى أن بلدة من بلدان الدولة الرستمية وهي " زويلة كانت تشتهر بصناعة الجلود، فكان يطلق على الجلود المصنوعة بها " الجلود الزويلية الجلود الزويلية " (2)؛ كذلك اهتمت الدولة الرستمية بصناعة النسيج المعتمدة على الصوف والكتان، وربما الحرير أيضا، وقد اشتهر جبل نفوسة بغزل الصوف الذي كانت تقوم به المرأة وأيضا كانت صناعة الأصباغ للنسيج رائجة في الدولة الرستمية، وكان يقوم بها اليهود فقد أشارت المصادر بأن اليهود في جبل نفوسة كانوا يتولون عملية صناعة الأصباغ (8) كذلك كانت صناعة الأخشاب رائجة في الدولة الرستمية وذلك لكثرة الغابات فيها، وقد توقع الباحث الفرنسي دانجيل أن النجارين في الدولة الرستمية كانوا يصنعون مختلف الآلات والأدوات
(7)
(1) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 164. (2) - المصدر السابق، ص 165. (2) - المصدر السابق، ص 165. (4) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 36، 28، 85 - الباروني، الأزهار، 55/ 2، 58، 63، ناقلا ذلك عن: الإدريسي، والبكري - ابن حوقل، صورة الأرض، ص 88 - انظر: (البكري، المغرب، ص 66) نقلا عن: بحاز، الدولة
الرستمية، ص 166
(9) انظر: البكري، المغرب، ص 66 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 166 - زويلة: منطقة تقع في تونس (انظر: بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 306/ 1، 112/ 2 رقم الترجمة: 233).
(1)
) اليعقوبي، البلدان، ص 102 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 167 (2) انظر: سالم عبد العزيز، المغرب الكبير 577/ 20 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 167. (1) - الدرجيني، الطبقات، 303/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 168.
76 (1/76)
صفحة 77
الشيخ عمروس ومنهجه
المستعملة آنذاك كالصناديق الخشبية والأسرة والأبواب ... إلخ (1) إلخ (1)؛ ومن الصناعات الخشبية الرائجة في الدولة الرستمية صناعة السفن والقوارب الصغيرة، وذلك لوجود الموانئ والمرافئ على سواحل الدولة
(2)
الرستمية كمرسى فروخ الذي ذكره اليعقوبي، وكمرسى مدينة وهران" وغيرهما من الموانئ ومن الصناعات الأخرى في الدولة الرستمية صناعة التعدين، فقد كانت الدولة الرستمية تستورد الذهب والفضة من بلاد السودان في تبادلها التجاري مع تلك البلاد، حتى أن الإمام عبد الوهاب كان نفسه من تجار الذهب، وقد كانت الدولة الرستمية تقوم بضرب هذا الذهب إلى دراهم ودنانير
(3)
(4)
خاصة بها، حيث أن الآثار اكتشفت وجود عملات خاصة بالدولة الرستمية تحمل اسمها وكانت كذلك تقوم بضرب هذا الذهب والفضة وتحوله إلى حلي للزينة، حتى أنه كان بتيهرت سوق خاص للصاغة كما سيأتي ذكره لاحقا (5) كذلك كانت صناعة الحدادة رائجة في الدولة الرستمية، فكان الحدادون يصنعون الأسلحة المتنوعة
(6)
؛ ومن
كالسهام والسيوف والخناجر والدروع وغيرها، والآلات الحديدية كالأبواب وغيرها الصناعات الأخرى التي اشتهرت بها الدولة الرستمية صناعة المنسوجات الحريرية، والقوارير الزجاجية: والتحف المعدنية، والعطور، والأثاث من الخشب المنحوت والمخطوط والمموه والمرصع بالعاج أو
الصدف (7)
(1) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 169
- مرسي فروخ: تابع للدولة الرستمية، ويقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وبه قرية عامرة (انظر: الباروني. الأزهار، 15/ 2 - 16). "- مديبة وهران: كانت تابعة للدولة الرستمية، وتقع على البحر المتوسط، وتقابل مدينة المرية في الأندلس، وعليها سور تراب متقن، وبها أسواق، وتجارة، وصنائع كثيرة (انظر: الباروني، الأزهار، 54/ 2). (2) - الباروني، الأزهار، 10/ 2، 16، 54، 67 - اليعقوبي، البلدان، ص 109 - انظر: (البكري،، المغرب، ص 61 - 62، 70) نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 169) - الشماخي، السير، 177/ 1 - الدرجيني، الطبقات، 517/ 2 - الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 42 ـ بحاز، الدولة الرستمية، ص 170، 227 - محمد صالح ناصر، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب أفريقيا، مكتبة الضامري، السيب
صور
-
"
"
سلطنة عمان، ص 12. - انظر العملات والنقود الرستمية في: بحاز، الدولة الرستمية، ص 184 (4) - الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 42 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 140، 164 - 174، 181 (0) - الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 42 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 170، 179 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير (1) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 61، 79، 80 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 170: (سالم عبد العزيز، المغرب الكبير، 577/ 2 - الميلي، تاريخ الجزائر، 67/ 2) نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية
283/ 3
(2) ? انظر
، ص 171.
77 (1/77)
صفحة 78
الشيخ عمروس ومنهجه
وكانت الصناعات الفخارية منتشرة في الدولة الرستمية، فكانت تكثر الأفران ومعامل صناعة الفخار في تيهرت، وفي جزيرة جربة، حيث أن علماء الآثار اكتشفوا وجود بقايا لأفران صناعة الفخار، وأواني فخارية وخزفية في آثار تيهرت (1).
(1) - الباروني، الأزهار، 19/ 2 الهامش - بحاز، الدولة الرستمية، ص 171 - 172
Y? (1/78)
صفحة 79
الشيخ عمروس ومنهجه
ج - المطلب الثالث: التجارة في الدولة الرستمية، وأسواقها:
إن الرخاء الاقتصادي الذي عاشته الدولة الرستمية، وكثرة منتجاتها الزراعية والحيوانية والصناعية كل ذلك ساهم في نشاط التجارة ورواجها، سواء التجارة الداخلية في أسواق الدولة الرستمية، أو التجارة الخارجية مع الدول المجاورة كالأندلس ومصر وبلاد السودان عن طريق التبادلات التجارية. وهذا النشاط التجاري نتج عنه تعدد الأسواق وكثرتها في الدولة الرستمية، فقد ذكر البكري عن الوراق أن تيهرت بها أسواق عامرة بمختلف البضائع ولم يتوقف الأمر على تعدد الأسواق وكثرتها في الدولة الرستمية فقط، بل تحولت بعض تلك الأسواق إلى مدن بارزة كمدينة سوق إبراهيم،، أو
(1)
(2)
مدينة سوق "كرام، وسوق ابن حبلة"، وسوق ابن مبلول؛ وقد وصل الرخاء الاقتصادي والنشاط التجاري في الدولة الرستمية إلى حد أن أحد رعايا الدولة الرستمية امتلك سوقا بمفرده وهو ابن وردة مقدم العجم، فقد ابتنى سوقا يعرف باسمه، وكان صاحب الشرطة لا يدخله ولا يتخلله هيبة منه؛ وكان ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية نفسه يمتلك دكانا في الرهادنة يبيع فيه ويشتري، كما ذكر ذلك بنفسه
(3)
(4)
(1) - انظر: البكري، المغرب، ص 68 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 175
- مدينة سوق إبراهيم: كانت تابعة للدولة الرستمية، وهي مدينة صغيرة فيها حمام وسوق، وتقع على نهر شلف، وتكثر فيها أشجار التين (انظر: الباروني، الأزهار، 58/ 2)
"
- مدينة سوق كرام أو كرا أو كران: كانت تابعة للدولة الرستمية، وتقع على نهر شلف، بها مزارع واسواق، وبها سوق يوم الجمعة يقصده بشر كثير، وقد وقع اختلاف في المصادر في اسم مدينة " كرام "، فنجد البكري واليعقوبي ذكراها باسم کرام "، وأقرهما على ذلك الباحث المعاصر الأستاذ إبراهيم بحاز، ونجد الباروني في الأزهار يذكر هذه المدينة باسم " كرا "، وينقل عن الحازمي وابن حوقل أنهما سميا هذه المدينة باسم "سوق كران " كما نقل عن الشيخ مقديش أن اسمها " كرتاية (انظر: الباروني، الأزهار، 61/ 2 - المقدسي، احسن التقاسيم، ص 184 - أنظر: البكري، المغرب، ص 60 - 61 نقلا عن بحاز، الدولة الرستمية، ص 175 61 - ابن حوقل، صورة الأرض، ص 89).
_ ()
.- مدينة سوق ابن حبلة: هي مدينة تابعة للدولة الرستمية (انظر اليعقوبي، البلدان، ص 104). - مدينة سوق ابن مبلول: هي مدينة تابعة للدولة الرستمية (انظر: اليعقوبي، البلدان، ص 104).، البلدان، ص 104 - الباروني، الأزهار، 58/ 2، 61 - انظر: البكري، المغرب، ص 60 - 61 نقلا عن:
اليعقوبي
"
بحاز، الدولة الرستمية، ص 175. - ابن وردة: لم تذكر المصادر اسمه، هو من أعيان العجم والمقدمين عليهم، كان يعيش في تيهرت العاصمة الرستمية، وكان معاصرا للإمام أفلح (ت: 258 هـ)، وكان له سوق خاص في تيهرت بناه بنفسه، لا يدخله عامل شرطة الإمام أفلح هيبة لابن وردة (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 63).
() ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 63
...
- الرهادنة: لعله سوق يقع في تيهرت (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 97، 117).
(4) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 97
79 (1/79)
صفحة 80
الشيخ عمروس ومنهجه
وأيضا نجد أن المعاقين كانوا يعملون في التجارة داخل الدولة الرستمية، فقد كان أحد العميان من أهل نفوسة يشتغل بالتجارة بالرغم من عاهته، وهو الشيخ أبو معروف ويدرن بن جواد، فقد كان صاحب دكان، وكان من علماء جبل نفوسة (1)، ولا شك أن هذا الاهتمام بالتجارة يعود إلى كونها تدر أرباحا وفيرة.
وقد تميزت أسواق تيهرت بالتخصص في البضائع، فقد كان فيها سوق النحاس، وسوق الأسلحة،
(1)
(3)
وسوق الصاغة، وسوق الأقمشة، وغيرها من الأسواق، وكانت هناك علاقات وتبادلات تجارية تتم بين مدن وأسواق الدولة الرستمية، وأهم البضائع التي تعرض في أسواق الدولة الرستمية ويتم تبادلها فيما بينها: الغنم والصوف والجلود والشحم والسمن والألبان المجففة والتمور والحبوب والملح والسكر والزيت والعسل والفواكه والألبسة والأفرشة والأواني وغيرها من البضائع وقد اشتهر بعض التجار في الدولة الرستمية وأصبحوا من الوجهاء الذين لهم وزنهم في المجتمع ومن هؤلاء أبو محمد الصيرفي، وابن الواسطي، قال عنهما ابن الصغير: " ... أبو محمد الصيرفي وابن الواسطي وغيرهما من وجوه التجار وهم ذوو أموال .... ، ولعله لقب بالصيرفي لكونه من الذين يقومون بعملية صرف الأموال والعملات، وخاصة أنه من كبار التجار، أو لعلها قبيلة ينتمي إليها، والذي ذهب إليه الباحث إبراهيم بحاز أنه لقب بالصيرفي لأنه كان يمتهن مهنة الصرف وذلك لوفرة السائل النقدي في عهد الدولة الرستمية
(°)
"
(4) "
هو أبو معروف ويدرن - وذكر الدرجيني أنه ويدران، والشماخي أنه ويار - بن جواد (حي بعد: 283 هـ)، هو قاض، وعالم من علماء جبل نفوسة بليبيا، سكن قرية ويغو بجبل نفوسة، أخذ العلم عن أبي ذر ابان بن وسيم الويغوي، وعن أبي، خليل صال الدركلي، وأخذ عنه العلم ابو مسور يسجا بن يوجين، وهو ممن جازت عليه سلسلة نسب الدين الأطرابلسية (أنظر.: الدرجيني، الطبقات، 328/ 2 - الشماخي، السير، 224/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 447/ 2 - 448 رقم الترجمة: 973). (1) - الدرجيني، الطبقات، 328/ 2 - الشماخي، السير، 224/ 1. (2) - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 283/ 3
) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 177، 178
? ابو محمد الصيرفي: لم تذكر المصادر اسمه، كان من تجار تيهرت العاصمة الرستمية وأصحاب الأموال، وكان معاصراا للإمام أبي اليقظان (ت: 281 هـ) (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 83). ابن الواسطي: لم تذكر المصادر اسمه، كان من تجار تيهرت العاصمة الرستمية وأصحاب الأموال، وكان معاصرا! للإمام أبي اليقظان (ت: 281 هـ) (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 83). (4) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 83.
(0) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 233.
80 (1/80)
صفحة 81
الشيخ عمروس ومنهجه
كذلك فقد كان للدولة الرستمية مكاييلها وأوزانها الخاصة التي تتعامل بها في أسواقها، ففي تيهرت نجد أن المد الذي يكتالون به القمح وغيره من الحبوب يساوي خمسة أقفزة ونصف قرطبية،
وقنْطَارُ الزيت وغيره عندهم يساوي قِنْطَارَانِ غير ثلث بالوزن العادي، وأما رطل اللحم فيساوي خمسة أَرْطَال مقارنة بمكاييل قرطبة (1)؛ وأما مدينة تنس البحرية، فيذكر أن كيلهم كان يعرف باسم
الصحفة " وتساوي ثمانية وأربعون قادوسا والقادوس يساوي ثلاثة أَمْدَاد
(3)
بعد النبي (2) وأما جبل نفوسة فقد كان لهم مكيال خاص يطلقون عليه " الخروبة "، ويظهر ذلك مما رواه الدرجيني عن الشيخ أبي معروف الضرير صاحب الدكان، فقال واصفا له عندما يبيع ويشتري: " دأبه أيما وزن لأحد من الناس زاده من نفسه خروبة، وإذا أراد أن يأخذ لنفسه من أحد نقص خروبة ... " إهـ إن تجارة الدولة الرستمية لم تكن مقتصرة على المناطق والولايات التابعة لها بل تعدتها إلى الدول الأخرى سواء كانت المجاورة لها أو البعيدة عنها، وكل هذا يعود إلى قوة اقتصاد الدولة الرستمية وكثرة منتجاتها المحلية التي لاقت رواجا في الأسواق الخارجية، وكذلك يعود إلى العلاقات الطيبة التي كانت بين الدولة الرستمية والدول المجاورة.
أقفزة جمع قفيز، والقفيز: مكيال كان يكال به قديما، ويختلف مقداره في البلاد، ويعادل بالتقدير المصري الحديث نحو ستة عشر كيلو جراما (انظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 751/ 2). " - القنطار: معيار مختلف المقدار عند الناس، وهو بمصر مائة رطل، وهو 44,928 من الكيلو جرامات (انظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، الرطلُ: معيار يوزن به او يكال، يختلف باختلاف البلاد، وهو في مصر اثنتا عشرة أوقية، والأوقية اثنا عشر درهما (انظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 352/ 1).
.
(762/ 2
"
(1) انظر: (البكري، المغرب، ص 69) نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 180 - مدينة تنس) بفتح التاء والنون): مدينة بحرية أسسها جماعة من الأندلسيين في سنة 262 هـ في العهد الرستمي: واتخذوها مرفا لانطلاق سفنهم التجارية إلى بلادهم في العودة، وهي آخر أفريقية مما يلي الغرب، بينها وبين مدينة وهران ثمانية أيام، وبينها وبين تيهرت خمس مراحل، وكانت مدينة مسورة حصينة داخلها قلعة صغيرة صعبة المرتقى، وبها مسجد جامع وأسواق كثيرة، وهي من البحر على نحو ميلين، تقع على واد كثير الماء وشربهم منه، وبها فواكه حسنة وأراضيها خصبة، بها فواكه كالسفرجل المعتق وغيره (انظر: الباروني، الأزهار، 45/ 2 - 46 - ابن حوقل، صورة الأرض، ص 78 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 180
- القادوس: الظاهر أنه نوع من أنواع المكاييل أو المعايير يستعمل في ذلك الوقت، وقد جاء في المعجم الوسيط ان القادوس وعاء خزفي كالجرة، تنتظم منه ومن أمثاله سلسلة تديرها الناعورة فتغرف الماء من البئر إلى المزرعة؛ وكذلك القادوس وعاء كبير قمعي الشكل يلقى فيه الحب فينزل منه حبات إلى الطاحون، هذا ما وجدته حول القادوس والله أعلم (انظر إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 719/ 2).
- المدُّ: مكيال قديم اختلف الفقهاء في تقديره بالكيل المصري، فقدره الشافعية بنصف قدح، وقدره المالكية بنحو ذلك، وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز، وعند أهل العراق رطلان، ويجمع على أمْدَادٍ ومِدَادٍ (انظر: إبراهيم مصطفى وآخرون،
المعجم الوسيط، 858/ 2).
(2) - الباروني، الأزهار، 47/ 2 - انظر: البكري، المغرب، ص 62 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 180.
() الدرجيني
، الطبقات، 328/ 2 - الشماخي، السير، 225/ 1
"
81 (1/81)
صفحة 82
الشيخ عمروس ومنهجه
فمن الدول الخارجية التي كانت بينها وبين الدولة الرستمية علاقات تجارية، دولة الأغالبة، فقد كان بين تيهرت العاصمة الرستمية وبين القيروان عاصمة الأغالبة تبادلات تجارية، خاصة وأن القيروان كانت تعد أهم مركز تجاري في المغرب العربي في ذلك الوقت، فلم تغفل الدولة الرستمية هذا الأمر، فكان هناك طريق أو مسلك تجاري يربط العاصمتين معا؛ وكانت هناك أيضا علاقات تجارية بين الدولة الرستمية ودولة الأدارسة وعاصمتها فاس"، وكان بين فاس وتيهرت طريق تجاري يربطهما معا
(1)
(3)
()
؛
؛ كذلك
وأيضا كانت لها علاقات تجارية مع سلجماسة العاصمة الصفرية وكان بينهما طريق تجاري كانت هناك علاقات تجارية كبيرة ونشيطة بين الدولة الرستمية والدولة الأموية في الأندلس، وذلك عن طريق ركوب البحر، وأهم ثلاث موانئ تربط الدولة الرستمية بالأندلس ميناء تنس، وميناء فروخ ومرسى مدينة وهران
(4)
(1) ابن خرداذبة، المسالك والممالك، ص 81 - انظر: الاصطخري، المسالك، ص 37 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية،
ص 188.
112?
"
"
- فاس: هي مدينة مشهورة كبيرة على بر المغرب من بلاد البربر، وذكر الشيخ الباروني أن فاس هي قاعدة ملك الدولة المراكشية، وهي من أشهر وأعظم مدن المغرب الأقصى، وقد بناها إدريس بن إدريس بعد " تيهرت " بنحو خمسين سنة أي في عام 192 هـ؛ وهي تابعة لدولة المغرب في هذا العصر الحديث (انظر: الحموي، معجم البلدان، 410/ 6 - الباروني، الأزهار، 23/ 2 - 24 الهامش). (2) ? ابن خرداذبة، المسالك والممالك، ص 81 - 82 - المقدسي، أحسن التقاسيم، ص 190 - اليعقوبي، البلدان، ص 113 - انظر: الاصطخري، المسالك، ص 37 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 189 - 190 ـ سجلماسة، تسمى الآن تافيلالت: هي عاصمة دولة بني مدرار الصفرية، التي أسسها أبو القاسم سمكو بن واسول للمدراري، بنيت سنة 140 هـ، وكانت تقع دولة بني مدرار في الجنوب الغربي من الدولة الرستمية، وذكر الحموي أن سجلماسة " تقع في جنوب المغرب في طرف بلاد السودان، وبينها وبين فاس عشرة أيام، وهي في منقطع جبل " درن وهي في وسط رمال " إهـ، وأكثر أقوات أهل سجلماسة من التمر وغلتهم قليلة، وتشتهر نساؤهم بغزل الصوف كما ذكر الحموي، وذكر اليعقوبي أن سجلماسة تقع على نهر يقال له " زير "، وأنه ليس بها عين ولا بنر، وأن أهلها اخلاط، والغالبون عليها البربر، وأكثرهم صنهاجة، وذكر أن زرعهم الدخن، والذرة، ويعتمدون في سقي زرعهم على الأمطار، وذكر المقدسي أن وسط سجلماسة حصن يسمى " العسكر " وفيه الجامع ودار الإمارة، وأنها شديدة الحر والبرد جميعا، وصحيحة الهواء كثيرة التمور والأعناب والزبيب والفواكه والحبوب والرمان والخيرات، تشتهر رساتيقها بمعادن الذهب والفضة، وذكر ان اهلها من أهل السنة، وأن بها علماء عقلاء (انظر: الحموي، معجم البلدان، 25/ 5 - اليعقوبي، كتاب البلدان، ص 114 - المقدسي - لحسن التقاسيم، ص 190 - 191 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 11 الهامش). (3) - اليعقوبي، البلدان، ص 114 ـ المقدسي، احسن التقاسيم، ص 191 - انظر: الاصطخري، المسالك، ص 37 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 190. (4) - اليعقوبي، البلدان، ص 110 - ابن حوقل، صورة الأرض، ص 76، 78 - المقدسي، احسن التقاسيم، ص 189 - 190 - الباروني، الأزهار، 452 - 54، 54 - 56 - انظر: البكري، المغرب، ص 61، 70، 81 - الادريسي، وصف، ص 72 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 191 - 193.
82 (1/82)
صفحة 83
الشيخ عمروس ومنهجه
كذلك كانت للدولة الرستمية علاقات تجارية مع المشرق العربي، فمن مدن المشرق التي كانت ترتبط معها بعلاقات تجارية بغداد والبصرة ودمشق" والإسكندرية" وغيرها من مدن المشرق (1)؟ فكانت هناك طرق تجارية تربط الدولة الرستمية بدول المشرق كما كانت هناك طرق تربطها ببلاد السودان ودول المغرب، أعدتها الدولة الرستمية لقوافلها التجارية، قال ابن الصغير: " ... واستعملت السبل إلى بلاد السودان، وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وضروب الأمتعة. والناس
والتجارة من كل الأقطار تاجرون. " إهـ
(2)
فكانت هناك قوافل تخرج من الدولة الرستمية محملة بالبضائع إلى بلدان المشرق، ثم تعود من المشرق محملة كذلك بالبضائع المشرقية، ومن هذه القوافل القافلة التي ذهب فيها أبو اليقظان بن أفلح إلى المشرق لأداء مناسك الحج، ومن الأمثلة على هذه القوافل كذلك القوافل القادمة من المشرق، والتي خرج أبو حاتم بن الإمام أبي اليقظان في جيش لحمايتها من اللصوص وقطاع الطرق حتى تصل سالمة إلى
تيهرت
(3)
..
كذلك فإنه كان للدولة الرستمية علاقات تجارية واسعة مع بلاد السودان وخاصة مملكة غانا ومملكة كوكو (جوجو)، فكانت هناك طرق تجارية بين الدولة الرستمية وبين هذه الممالك السودانية، تنطلق خلالها القوافل التجارية من وإلى الدولة الرستمية
(4)
- بغداد: مدينة تقع في العراق " تسمى مدينة السلام "، وهي عاصمة العراق منذ عهد الأمويين والعباسيين (انظر: المقدسي، احسن التقاسيم، ص 107 - 109 - اطلس العالم الصحيح، ص 56 - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 64/ 1). - البصرة: مدينة كبيرة تقع في العراق، ومعنى البصرة: الأرض الغليظة، وتعني الحجارة الرخوة فيها بياض، وتعنى الطين العلك الجيد فيه حصى (انظر: المقدسي، احسن التقاسيم، ص 105 - 106 - أطلس العالم الصحيح، ص 57 - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 59/ 1). - دمشق: هي مدينة عريقة تقع في بلاد الشام، وصفها الحموي بقوله: " قصبة الشام وهي جنة الأرض بلا خلاف لحسن عمارة ونضارة بقعة وكثرة فاكهة ونزاهة ورفعة وكثرة مياه " إهـ، سميت باسم بانيها دمشق بن قاني بن مالك بن ارفخشد بن سام بن نوح، وقيل غير ذلك، وهي عاصمة سوريا في هذا العصر الحديث (انظر: الحموي، معجم البلدان، 307/ 4 - الباروني، الأزهار، 36/ 2 الهامش). - الإسكندرية: هي مدينة عظيمة تقع في مصر، قيل أن الذي بناها هو الإسكندر الأول ذو القرنين الرومي، وقيل الإسكندر بن فيلفوس، وقيل أن الذي أنشاها هو يعمر بن سداد بن عاد بن عوض بن ارم بن سام بن نوح (انظر: الحموي، معجم البلدان 150/ 10). (1) ? ابن خرداذبة، المسالك والممالك، ص 60 - 71 - انظر: محمود إسماعيل، الخوارج، 207 نقلا عن: بحاز، الدولة
الرستمية، ص 193 (2) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 36. (2) - المصدر السابق، ص 64، 104
**** - مملكة غانة: تقع في بلاد السودان الغربي، وقد كانت إمبراطورية كبيرة تتوسط دولة " ورام " في الغرب منها، ودولة " نخلة " إلى الشرق، ويطلق على غانة بلاد الذهب (انظر: علي بن الحسن بن علي المسعودي (ابو الحسن)، مروج =
،
83 (1/83)
صفحة 84
الشيخ عمروس ومنهجه
ولقوة العلاقة التجارية بين الدولة الرستمية وبلاد السودان ونشاطها، أراد الإمام أفلح الخروج بنفسه للتجارة إلى مملكة كوكو (جوجو)، إلا أن الإمام عبد الوهاب منعه خوفا من أن يقع في الربا والقصة كما يذكرها الدرجيني: " وأنه - يقصد الإمام أفلح - قد أراد السفر إلى جوجو، فسأله أبوه
(1)
،
عن مسائل الربا، فتوقف في مسألة واحدة لم يجب عنها ولم يعرفها، فأمره أبوه بالرجوع من السفر فقال له: أقم لئلا تدخل علينا الربا، فرجع بعد أن تجهز وأبرز رحله ... " إهـ والحقيقة أن المصادر لم تزودنا بالبضائع التي كانت تحملها القوافل الرستمية إلى بلاد السودان، فمن الممكن أن تكون أهم البضائع التي تحمل إلى بلاد السودان هي من إنتاج الدولة الرستمية كالتمر والقمح والفواكه المجففة والملابس الحريرية والصوفية والجلود والأواني الفخارية أو المعدنية والملح، وبعض البضائع المشرقية كالأواني الزجاجية والعطور والتحف (2)؛ أما البضائع التي كان التجار الرستميون يجلبونها من بلاد السودان فتتمثل في الأحجار الثمينة والشب والعنبر وريش النعام، ولكن أهم مادتين كانتا تجلبان من بلاد السودان الذهب والرقيق، وهما اللتان دفعتا التجار الرستميين إلى المغامرة في شق عباب تلك الصحاري الموحشة وتحمل الأخطار والأهوال للحصول عليهما، حتى أن الإمام عبد الوهاب كان بنفسه يمارس تجارة الذهب، فكان له ثروة طائلة من ذلك، ويظهر ذلك من قوله كما مر سابقا: " لولا أنا ومحمد بن جرني ويبيب بن زلغين، لخرب بيت مال المسلمين، أنا بالذهب، ومحمد بن جرني بالحرث، وابن زلغين بالأنعام
(E) M
(3)
الدولة
= الذهب ومعادن الجوهر، ج 2، دار الأندلس، بيروت، لبنان، ط 14014 هـ / 1981 م، ص 222 - 223 - بحاز، الرستمية، ص 208). (1) - اليعقوبي، البلدان، ص 115 - ابن حوقل، صورة، ص 95، 96، 98، 99 - د/ محمد صالح، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ص، 6، 7، 8، 15، 25، 28 - انظر: البكري، المغرب، ص 149، 109، 198، 180 - الادريسي، وصف، ص 89 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 206 - 220 (1) الدرجيني، الطبقات، 320/ 2 - الشماخي، السير، 190/ 1. (2) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 224 - 225.
) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 227 - 231 - د/ محمد صالح، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ص 12، 31.
(1) - للشماخي، السير، 177/ 1.
84 (1/84)
صفحة 85
الشيخ عمروس ومنهجه
د - المطلب الرابع: العمارة في الدولة الرستمية ومستوى المعيشة:
المغرب
إن القوة الاقتصادية التي كانت للدولة الرستمية وشعبها، أتاح لها أن ترتقي في السلم الحضاري والمعيشي، وأن تكون في رفاهية ورغد من العيش، فنجد أن الدولة الرستمية كانت ذات أسواق عديدة، وبعضها ذات تخصصات معينة، كما مر سابقا، وكانت هذه الأسواق رائجة وبها مختلف السلع والبضائع التي يحتاجها الفرد من أفراد الدولة الرستمية، فتجعله في رفاهية من العيش، وذلك أنه يجد في هذه الأسواق كل ما يريد حيث أن هذه الأسواق ليست محصورة على نطاق ضيق، بل هي أسواق نستطيع أن نسميها عالمية، حيث أنه تمر بها القوافل القادمة من مختلف الدول والمناطق سواء المشرق أم، محملة بمختلف بضائع تلك الدول وقد اهتم أئمة الدولة الرستمية بتطوير الدولة والرقي بها في السلم الحضاري منذ الأيام الأولى لقيامها في عهد الإمام عبد الرحمن بن رستم، فنجد أن الدولة الرستمية في بداية نشأتها لم تكن بتلك القوة وذلك المعمار الراقي، ويظهر ذلك من خلال ما يروى عن الوفد المشرقي الذي أرسله إباضية المشرق بمال لإعانة الإمام عبد الرحمن ودولته الوليدة، فلما وصل الوفد إلى تيهرت وسأل عن دار الإمام، وجد الإمام على سطح داره يصلح شقوقا فيها وغلام له يعجن له الطين، وعندما دخلوا داره لم يجدوا فيها إلا حصيرا ووسادة ينام عليها، وسيفه ورمحه وفرسه مربوط بناحية من داره (1)، هكذا كانت بداية الدولة الرستمية بداية بسيطة، إلا أن الأئمة الرستميين لم يرضوا لدولتهم أن تظل على هذه البساطة والضعف التي تغري عليها كل طامع ومعتد، فنجد أن الإمام عبد الرحمن قام بتطوير البلاد وتقويتها ورفع مستوى معيشة أفرادها بخطى سريعة، حتى أن إباضية المشرق قاموا بإرسال وفد مرة ثانية إلى تيهرت لإعانة الإمام عبد الرحمن وشعبه بالمال، فلما وصل هذا الوفد المشرقي إلى تيهرت وجد أن الأمور تبدلت عما وجده في الزيارة الأولى، وأن تغييرا جذريا حدث، فوجدوا القصور والبساتين والرفاهية في السكان، قال ابن الصغير: " ... فوجدوا – يقصد الوفد المشرقي – الأمور قد تبدلت، وأحوال المدينة والأشياء
انظر: ص 79 - 80.
(1) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 33.
85 (1/85)
صفحة 86
الشيخ عمروس ومنهجه
قد تحسنت، وذلك أنهم نظروا إلى قصور قد بنيت وإلى بساتين قد غرست وإلى أرحاء قد نصبت وإلى
(1)
خيول قد ركبت، وإلى حفدة قد اتخذت السور، والعبيد والخدم قد كثرت ... إلى أن قصدوا قصر صاحبهم - يقصد الإمام عبد الرحمن ... " إهـ فهنا نلاحظ أن الوضع تغير عن السابق، فقد بنى الناس القصور وملكوا البساتين والخيول والعبيد والخدم، حتى الإمام عبد الرحمن نفسه قد أصبح يملك قصرا بعد أن كان يملك دارا صغيرة ليس فيها شيء من المتاع ما يذكر، وهذا يدل على الرقي الاقتصادي الذي وصلت إليه الدولة الرستمية وفي سنوات عمرها الأولى، فما بالنا بالسنوات اللاحقة.
(")
وقد استمر الإمام عبد الرحمن في تطوير البلاد ويظهر ذلك من قول ابن الصغير: " ... . والبلد زائدة عمارتها في ذلك كله، والسيرة واحدة وقضاته مختارة، وبيوت أمواله ممتلئة، وأصحاب شرطته والطائفون به قائمون بما يجب، وأهل الصدقة على صدقاتهم " إهـ؛ ونجد ابن الصغير كذلك يصف الرقي الحضاري في عهد الإمام عبد الرحمن بقوله: " ... ثم شرعوا في العمارة والبناء، وإحياء الأموات"، وغرس البساتين وإجراء الأنهار، واتخاذ الرحاء والمستغلات وغير ذلك، واتسعوا في البلد وتفسحوا فيها، وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار، فقال – يقصد من ينقل عنه: ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وأمانه على نفسه وماله ... واستعملت السبل إلى بلد السودان وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وضروب الأمتعة ... " إهـ (3) هذا في عهد الإمام عبد الرحمن بن رستم، وكذلك نلمس الرقي والحضارة والمعمار في عهود الأئمة الذي جاءوا من بعده، بل قد وصلت الدولة الرستمية من الرقي والحضارة في عهود الأئمة الآخرين الذين جاءوا بعد الإمام عبد الرحمن أضعاف ما كانت عليه في عهده، فنجد مثلا في عهد الإمام عبد أئمة الدولة الرستمية أن الدولة قد توسعت حتى غدت حدودها من مصر شرقا إلى مدينة
الوهاب ثاني
(3)
الرحا، والرَّحَى: هي الأداة التي يطحن بها، وهي حجران مستدير ان يوضع أحدهما على الآخر ويُدار الأعلى على قطب، وتجمع على أرح، وارحاء، ورحي، وأرحيَة (انظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 335/ 1). (1) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 38. (2) - المصدر السابق، ص 40 - 41.
"
"
لأن الموات: هي الأرض التي لم تزرع ولم
- يقصد إحياء الأراضي الميتة، ولعل الأصح أن يقول: " إحياء الموات تعمر ولا جرى عليها ملك أحد (انظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 891/ 2).
86
(2) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 35 - 37 (1/86)
صفحة 87
الشيخ عمروس ومنهجه
تلمسان في أقصى المغرب الأوسط غربا، بل إن هيمنته شملت في بعض الأحيان دولة بني مدرار في
(1)
المغرب الأقصى وكذلك في عهد الإمام أفلح نجد الرقي والحضارة قد وصلت شأوا بعيدا، قال ابن الصغير واصفا الازدهار الحضاري في عهد هذا الإمام: " ... وكان أفلح قد عمر في إمارته ما لم يعمره أحد ممن كان قبله، فأقام خمسين عاما أميرا حتى نشأ له البنون وبنو البنين، وشمخ في ملكه، وابتنى القصور وعمرت معه الدنيا، وكثرت الأموال والمستغلات، وأتته الرفاق والوفود من كل الأمصار والآفاق بأنواع التجارات، وتنافس الناس في البنيان حتى ابتنى الناس القصور والضياع خارج المدينة وأجروا
الأنهار ... " إهـ
حتى
(2)
أن الناس كما نلاحظ من كلام ابن الصغير وصل بهم الثراء إلى بناء القصور الفارهة واتخاذ البساتين وإجراء الأنهار، وممن بنى القصور من رعية الدولة الرستمية شخصان يدعيان أبان وحمويه"، قال ابن الصغير واصفا قصريهما: " ... خرجا - يقصد إبان وحمويه - إلى قصورهما متترهين ومعهما جماعة إخوانهما، فذكر بعضهم أنه قال: لما أشرفنا على القصرين سبق بنا بعض عبيدهما فأعلموا سكان القصرين بقدومهما، قال: فتشوف من كان بالقصرين إليهما، فوالله ما رأيت شرافة من القصرين إلا عليها ثوب أحمر وأصفر على الجدار كالبدور " إهـ حتى العجم والبدو قد نالهم ما نال بقية سكان الدولة الرستمية من الثراء والحضارة، فابتنوا القصور والمدن، قال ابن الصغير: " ... وكانت العجم قد ابتنت القصور، ونفوسة قد ابتنت العدوة، والجند القادمون من إفريقية قد بنت المدينة العامرة اليوم، وأمنت الساحات وكثرت الأموال حتى أطغت أهل الحواضر والبوادي إهـ، وقد مر علينا سابقا أن ابن وردة زعيم العجم بني سوقا خاصا به في
تيهرت
(4)
(3)
(1) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 45 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 283/ 2 رقم الترجمة: 609. (2) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 61
- أبان وحموية: هما من أثرياء الدولة الرستمية، كانا يعيشان في تيهرت، في عهد الإمام أفلح بن عبد الوهاب (ت: 258) (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 61).
(1) - المصدر السابق، ص 62 (4) - المصدر السابق، ص 62.
- انظر ص 79.
87 (1/87)
صفحة 88
الشيخ عمروس ومنهجه
واستمرت الدولة الرستمية في التطور والازدهار في عهود الأئمة الآخرين، فمثلا في عهد الإمام أبي حاتم، نجد أن الإمام أبا حاتم كان له قصر خاص يوجد بالقرب من نهر يسمى نهر مينة" (1)؛ واستمر الناس في بناء القصور الفارهة، فمن القصور التي ذكرتها لنا كتب التاريخ " قصر المثلث " جمع الأشجار والأنهار والمزارع يمتلكه رجل يدعى محمد بن حماد، و" دار الكنيسة " يمتلكها رجلان يدعيان بابن
دبوس
(2)
.
وقد وصف المقدسي تيهرت وصفا بديعا فقال: هي بلخ المغرب، قد أحدقت بها الأنهار، والتفت بها الأشجار، وغابت في البساتين، ونبعت حولها الأعين، وجل بها الإقليم، وانتعش فيه الغريب، واستطالبها اللبيب، يفضلونها على دمشق وأخطأوا، وعلى قرطبة وما أظنهم أصابوا، هو بلد كبير، كثير الخير رحب، رقيق طيب، رشيق الأسواق، غزير الماء، جيد الأهل، قديم الوضع، محكم الرصف، عجيب الوصف ... " إهـ
(4)
ولم يكن الرقي والازدهار الحضاري مقتصرا على تبهرت العاصمة الرستمية بل تعداه إلى جميع مدن وولايات الدولة الرستمية، فجبل نفوسة ناله ما نال تيهرت من الرقي والعمران، ويظهر ذلك خلال من ما روي عن زيارة الإمام عبد الوهاب لجبل نفوسة فأقام في دار أحد النفوسيين عندما أصابه مطر في الطريق فوجدوها دار ذي نعمة وبسطة وسعة رزق، فخلع صاحبها على الإمام والوفد المرافق له ثيابا جديدة، وفرش لهم فرشا وثيرة، وأحضر لهم أطعمة حفيلة، وأظهر لهم من صنوف البر ما استحسنه الإمام (4).
- نهر مينة: يوجد بالقرب من تيهرت) انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 115).
(1) - المصدر السابق، ص 115.
ـ هو محمد بن حماد من أهل تيهرت، كان معاصرا للإمام أبي حاتم يوسف (حكم: 281، ت: 294 هـ) (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 106). - هما لحمد، ومحمد، ويعرفان بابن دبوس، كانا من أعيان ووجهاء تيهرت، قال ابن الصغير فيهما: " ... ولم يكن إذ ذاك لوسع منهما جاها ولا أكثر عشيرة ولا أسمع قلبا ... " إهـ (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 114). (2) - المصدر السابق، ص 106، 114 - قرطبة: هي مدينة عظيمة بالأندلس وسط بلادها، وكانت سريرا لملكها، وقصبتها، وبها كانت ملوك بني أمية، بينها وبين البحر خمسة أيام (انظر: الحموي، معجم البلدان، 31/ 7 - الباروني، الأزهار، 39/ 2 الهامش). (3) - المقدسي، احسن التقاسيم، ص 189. (4) ? ابو زكريا،، سير الأئمة، ص 113 - الدرجيني، الطبقات، 64/ 1.
.
88 (1/88)
صفحة 89
الشيخ عمروس ومنهجـ
المبحث الثالث: الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس:
1 - تمهيد:
الكثير
عاش الشيخ عمروس في الفترة ما بين سنة 190 هـ و 283 هـ، أي في أواخر القرن الثاني الهجري وأغلب القرن الثالث الهجري، والقرنان الثاني والثالث الهجريان يمثلان فترة ازدهار ونهوض في الحركة العلمية عند المسلمين في مختلف ميادين العلم سواء في المشرق أو المغرب، وقد برز في تلك الفترة من العلماء في شتى ميادين العلم سواء العلوم النقلية من تفسير وحديث وفقه ولغة إلخ، أو العلوم العقلية من طب وهندسة وفلسفة ورياضيات ... إلخ (1)؛ وقد انتشر التأليف في شتى ميادين العلم، وانتشرت المدارس العلمية والمكتبات وحلق العلم حول العلماء، وزادت حركة نسخ الكتب ونقلها من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق، فاطلع علماء المغرب على آخر مؤلفات علماء المشرق، وأصبح يصلهم كل ما يطرح من مؤلفات جديدة بكل سهولة ويسر عن طريق القوافل التجارية ورحلات الحج والعمرة، وكذلك بالنسبة لعلماء المشرق فقد أصبح يصلهم كل جديد من مؤلفات علماء المغرب بكل سهولة ويسر؛ ومن ذلك أن الإمام عبد الوهاب – رحمه الله – أرسل ألف دينار إلى إخوانه بالبصرة ليشتروا له بها كتبا، فاقتضى نظرهم أن يشتروها ورقا، وتطوعوا بالمداد وأجرة النساخ والمفسرين، فنسخوا له كتبا كثيرة يقال أنها كانت وقر أربعين جملا، فبعثوا بها إليه فقرأها كلها فقال: " الحمد الله إذ ليس فيه مسألة عزبت عني إلا مسألتان، ولو سئلت عنهما لأجبت قياسا على نظائرهما ووافقت الصواب " إهـ؛ وما قام به الشيخ عمروس من نسخ مدونة أبي غانم
(2)
بمساعدة أخته (3)، وكذلك ما قام به نفاث من نسخ ديوان الإمام جابر عندما ذهب إلى المشرق، فكان الديوان سبعة أحمال من الإبل، فعاد به إلى المغرب، وعندما وجد أصحابه الذين ضلوا بضلالته قد قلوا
(1) - احمد امين، ضحى الإسلام، ج 2، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، طه: 1956 م، ص 8، 11 وما بعدها نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 261.
(1) - ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 99 - 100 - الدرجيني، الطبقات، 56/ 2 - 57 - الشماخي، السير، 142/ 1
(2) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 157 - الدرجيني، الطبقات، 323/ 2 - الشماخي، السير، 194/ 1 - 196 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 380 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 321/ 2 رقم الترجمة: 689.
89 (1/89)
صفحة 90
الشيخ عمروس ومنهجه
وضعفوا، فخشي أن يصل الديوان إلى الإمام أفلح ومن معه من الإباضية، قام بدفنه في مكان لا يعرفه
فضلا
(1)
أحد، ففقد ولم يعثر عليه إلى اليوم عن ذلك فإن الشيخ عمروس عاش في رحاب الدولة الرستمية التي أولت اهتماما بالغا بالعلم والعلماء ودعم حركة التأليف ونشر الكتب، فقامت بإنشاء الجوامع والمساجد التي كان العلماء يلقون دروسهم فيها في مختلف فنون العلم، وقامت بإنشاء الكتاتيب لتدريس الطلاب، وأنشأت مختلف المكتبات العلمية الضخمة الحاوية لشتى صنوف المؤلفات في مختلف العلوم سواء الكتب الدينية أو الدنيوية، كمكتبة المعصومة (2)؛ ولم يقتصر اهتمامها بنشر العلم والثقافة على العاصمة تيهرت، بل تعداه إلى مختلف ولايات الدولة الرستمية ومن ضمنها جبل نفوسة الذي ترعرع في ربوعه الشيخ عمروس، فظهر في جبل نفوسة عدد كبير من فطاحل العلماء، فهل الشيخ عمروس من معينهم العلم الوفير، قبل أن يهاجر إلى تيهرت للاستزادة من فنون العلم على يد أئمة الدولة الرستمية وعلماء تيهرت كما سنرى لاحقا؛ وقد ظهر في الفترة التي عاش فيها الشيخ عمروس الكثير من العلماء في المغرب، الذين ألفوا في مختلف فنون العلم كما سنرى. وكذلك فإن المرأة في تلك الفترة - كما سيأتي - شاركت في النهضة العلمية، وظهرت الكثير من العالمات اللاتي بلغن مرتبة الإفتاء، وأخت الشيخ عمروس أقرب مثال، فقد كانت عالمة قديرة، سجلت لنا الآثار بعض فتاويها وأقوالها، وساعدت الشيخ عمروس في نسخ مدونة أبي غانم الخرساني كما ذكرنا، وكانت نساء البيت الرستمي لهن باع كبير في العلم، حتى قال أحد أفراد البيت الرستمي: معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر كذلك فقد كانت للدولة الرستمية وجبل نفوسة علاقات ثقافية قوية مع بلدان المغرب العربي كالأندلس، وبلدان المشرق، وبلاد السودان كما سنرى في محله، وهذه العلاقات الثقافية ساهمت في نضوج الصحوة العلمية في تلك الفترة، وذلك بالتلاقح الثقافي بين المغرب والمشرق.
(3)
(1) ـ أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 143 - 145 - الدرجيني، الطبقات، 82/ 2
(2) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 170 - الدرجيني، الطبقات، 94/ 1 - الباروني (باشا)، الأزهار، 293/ 2 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 397/ 3 - ابو الربيع الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 49 - بحاز، الدولة الرستمية،) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 99 - الدرجيني، الطبقات، 56/ 1 - الشماخي، السير، 142/ 1 - بحاز، الدولة الرستمية،
ص 289.
ص 377
90 (1/90)
صفحة 91
الشيخ عمروس ومنهجه
،
المطلب الأول: أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالنهضة العلمية:
لقد أولت الدولة الرستمية وأئمتها اهتماما بالغا بالحركة العلمية والنهوض بها لتنافس الدول الأخرى الموجودة في ذلك العصر، والتي كانت تعد عواصم العلم والثقافة كالعراق في المشرق، والقيروان وبلاد الأندلس في المغرب؛ فاستطاع أئمة الدولة الرستمية أن يرقوا ببلادهم في شتى الميادين الحضارية من ثقافة وعمران واقتصاد، حتى أطلق على تيهرت " عراق المغرب، وبلخ المغرب إلحاقا بهما – أي بالعراق وبلخ - في المعارف والعمران والحضارة " (1)؛ وقال ألفرد بل واصفا تيهرت وما وصلت إليه من رقي حضاري في مختلف الميادين ومن بينها ميدان العلم والثقافة: " واستمرت المملكة الإباضية في المغرب الأوسط قرابة مائة وخمسين عاما (من سنة 761 م إلى سنة 909 م)، وكانت عاصمتها تاهرت" مركزا مهما للدراسات الإسلامية وفقا لمذهب الخوارج الإباضية" " إهـ 2
(2)
"
،
(1) - الميلي، تاريخ الجزائر، 76/ 2 - الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، 231/ 1 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 262. تضاربت المصادر في اسم " تيهرت " بعضها يذكرها بالألف " تاهرت " وبعضها بالياء " تيهرت "، فممن ذكرها " تاهرت " بالألف: البرادي في الجواهر، والبغطوري في سير أهل نفوسة، والدرجيني في طبقاته، وأبو زكرياء في سير الأئمة، وابن الصغير في أخبار الأئمة الرستميين، وياقوت الحموي في معجم البلدان، والقزويني في آثار البلاد وأخبار العباد وابن حوقل في صورة الأرض، واليعقوبي في كتاب البلدان، وابن الفقيه الهمداني في مختصر كتاب البلدان، والمقدسي في لحسن التقاسيم، وأبو القاسم بن خرداذبة في المسالك والممالك؛ ومن الباحثين المعاصرين من ذكرها " تاهرت " بالألف: الجعبيري في البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، وعمرو النامي في دراسات عن الإباضية، و د/ محمد صالح ناصر في منهج الدعوة عند الإباضية - بالرغم من أنه وإبراهيم بحاز رجحا تيهرت عن تاهرت في تحقيقهما على أخبار الأئمة الرستميين لابن الصغير كما سنرى بعد قليل - ود عوض خليفات في نشأة الحركة الإباضية كذلك ذكرها " تاهرت " بالألف ولم يذكرها " تيهرت " بالياء، وكذلك تاديوس ليفيتسكي صاحب كتاب المؤرخون الإباضيون في أفريقيا الشمالية؛ ونجد عبد الله بن قتيبة في كتابه يذكرها بالألف " تاهرت " كما نقل عنه أبو زكرياء صاحب سير الأئمة في ص 48، حيث قال - أي ابن قتيبة -: " والله أعلم بمن كان به التمام ونرجو أن هؤلاء الذين وصلوا لرض المغرب بتاهرت من أئمتنا، وقد بلغوا فيها درجة عظيمة، وولوها نيفا ومائة وخمسين سنة، فيما ذكره بعض الرواة " إهـ. (انظر: البرادي، الجواهر (مخ)، ص 173، 174 - البغطوري أهل نفوسة (مخ)، ص 64، 74 ـ أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 81، 83 - الدرجيني، الطبقات، 40/ 1 410، 42، 43 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 28 - ياقوت الحموي، معجم البلدان، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، ط 1: 1417 هـ / 1997 م، 426/ 2 - 427 - القزويني، آثار البلاد واخبار العباد، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت لبنان، 1404 هـ / 1984 م، ص 169 - ابن حوقل، صورة الأرض، ص 93 - اليعقوبي، كتاب البلدان، ص 109 - 114 ـ ابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان، ص 77 - المقدسي، احسن التقاسيم، ص 83، 183، 184، 189، 194 ـ أبو القاسم، المسالك والممالك، ص 81 - 83 - فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عمان، 1408 هـ / 1987 م، ص 57، 105، 144 - د/ النامي، دراسات عن الإباضية، ص 117، 122، 202 - محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 153 - 156 - د/ عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 9، 14، 38 - تاديوس ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيون في أفريقيا الشمالية، ترجمة: ماهر جرار و ريما جرار، دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان، ط 1: 2000 م، ص 37 - أنظر كلام عبد الله بن قتيبة في: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 48). وفي المقابل نجد بعض المصادر تذكرها " تيهرت " بالياء بدلا من " تاهرت " بالألف فمن المصادر القديمة: الشماخي في سيره، وابن عذارى في البيان المغرب، وكذلك الرقيق القيرواني، وابن سعيد المغربي قال أبو الفداء: " وفي خط ابن سعيد عوض الألف ياء مثناه من تحت وهو الأصح عندي لأن ابن سعيد مغربي فاضل " إهـ. =
سير
91 (1/91)
صفحة 92
الشيخ عمروس ومنهجه
= ومن الباحثين المعاصرين من ذكر تيهرت بدلا من تاهرت: الشيخ سليمان باشا الباروني في الأزهار الرياضية، والشيخ أبو الربيع سليمان الباروني في مختصر تاريخ الإباضية، والشيخ بكلي عبد الرحمن محقق قواعد الإسلام، والباحث حاج احمد كروم محقق الدينونة الصافية، والباحث إبراهيم بحاز في كتابه الدولة الرستمية معللا أن الكلمة حرفت بمرور الزمن، والباحث محمد دبوز في تاريخ المغرب الكبير - والغريب أنه نقل عن ياقوت الحموي بعض ما قاله عن تيهرت في كتابه معجم البلدان 354/ 2 مطبعة دار السعادة بالقاهرة وهو قوله: " تيهرت الحديثة، وهي على خمسة أميال من تيهرت القديمة وهي حصن ابن ماجه " إهـ، فنجد أنه - الباحث محمد دبوز - نسب إلى الحموي أنه ذكر " تيهرت " بالياء وليس " تاهرت " بالألف بالرغم من أننا إذا رجعنا إلى كتاب معجم البلدان نجد ياقوت الحموي يذكر " تيهرت " بالألف " تاهرت " وليس " تيهرت " بالياء كما ذكر الباحث دبوز، ولا أدري هل السبب يعود إلى اختلاف طبعات كتاب معجم البلدان، حيث أني رجعت إلى طبعة دار إحياء التراث العربي ببيروت، الطبعة الأولى، ولم أتمكن من الحصول على الطبعة التي اعتمد عليها الباحث محمد دبوز، لم أن السبب يعود إلى عدم تركيز من الباحث محمد دبوز على هذه النقطة في الخلاف في اسم تيهرت مع أهميتها، الله أعلم في ذلك، ونجد نفس الشيء يتكرر معه فيما نسبه إلى أبي القاسم بن خرداذبة صاحب المسالك والممالك من ذكره لتيهرت بالياء وليس بالألف، حيث قال - ابن خرداذبة -: " تيهرت مدينتان كبيرتان ... وفيها جامع " ناقلا ذلك من كتاب المسالك والممالك طبعة ليدن 1872 م، وإذا عدنا إلى ما قاله ابن حوقل في كتابه المسالك والممالك نجده يذكرها " تاهرت " بالألف وليس " تيهرت " بالياء، ولا ادري هل السبب يعود إلى اختلاف الطبعات فوقع نسخ أو تحريف حيث أني عدت إلى كتاب المسالك والممالك ووجدته ذكر تيهرت بالألف " تاهرت " وليس بالياء " تيهرت " كما ذكر الباحث محمد دبوز، والغريبة كذلك أنه نسب كتاب المسالك لابن حوقل!، ومن المعلوم أن كتاب المسالك والممالك لأبي القاسم بن خرداذبة، فلا أدري هل يوجد كتاب آخر لابن حوقل يحمل نفس اسم كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة، فالمشهور عن ابن حوقل هو كتاب صورة الأرض، أم أن ذلك خطأ مطبعي أو سهو من الباحث محمد دبوز؟ الله أعلم.
"
ونجد إسماعيل العربي محقق كتاب سير الأئمة واخبارهم يذكرها " تيهرت " بالياء في مقدمة تحقيقه ولم يبين أيهما الأرجح، والظاهر أنه يرجح " تيهرت " على " تاهرت " لأنه استعملها بالياء، بالرغم أن أبا زكرياء صاحب كتاب سير الأئمة إستعمل تاهرت " بالألف، فلم يعلق المحقق إسماعيل العربي على ذلك (انظر: الشماخي، السير، 124/ 1 - ابن عذاري، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، دار الثقافة، بيروت، لبنان، ط 3: 1983 م، 196/ 1 - 200 - الرقيق القيرواني، تاريخ إفريقية والمغرب، تحقيق: المنجي الكعبي، مطبعة الوسط، تونس، 1387 هـ / 1967 م نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 86 الهامش ـ أبو الفداء، تقويم البلدان، تصحيح رينود وآخرين، طبع دار الطباعة السلطانية، باريس 1840 م، ص 138 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 86 الهامش - الباروني (باشا)، الأزهار، 6/ 2، 45، 305 - أبو الريبع الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 36 - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1 الهامش - الشيخ عمروس، الدينونة الصافية، ص 24، 28، 30 مقدمة المحقق - بحاز، الدولة الرستمية، ص 86 الهامش - محمد دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 21/ 3، 262، 442 ـ أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 20 مقدمة للمحقق).
ورجح الباحثان محمد صالح ناصر وإبراهيم بحاز في تحقيقهما على كتاب أخبار الأئمة الرستميين لابن الصغير " تيهرت بالياء عن " تاهرت " بالألف، وقالا أن الأضبط " تيهرت " بالياء، مع أن د/ محمد صالح ناصر في كتابه منهج الدعوة عند الإباضية استعمل " تاهرت " بالألف بدلا من " تيهرت " كما مر، بالرغم أن تحقيقه مع بحاز لكتاب ابن الصغير كان متقدما على تأليفه لكتابه منهج الدعوة عند الإباضية، حيث أنهما حققا كتاب ابن الصغير في سنة 1405 هـ / 1985 م، وكتابه منهج الدعوة عند الإباضية صدر في سنة 1418 هـ / 1997 م، فهل تراجع عن ترجيح " تيهرت " بالياء إلى القول أنها " تاهرت بالألف؟ أم أن ذلك سهو منه؟ الله أعلم (انظر: ابن الصغير، تاريخ الأئمة الرستميين، ص 28 الهامش). ونجد الشيخ عبد الله الباروني يذكرها في قصيدة له " تيهرت " بالياء كما نقل عنه ابنه الشيخ سليمان باشا الباروني في الأزهار 300/ 2 حيث قال: وأين الأئمة الكرام جميعهم:: بنو رستم كأس المنايا تجرعوا لقد أسسوا تيهرت بالغرب وارتقوا:: مدارج عز للملك فيه وابدعوا وداموا بها خمسين عاما ومانة:: يحفهم من بالغضب يقطع فبددهم ريب المنون وأصبحت:: منازلهم قفرا بها الريح زعزع وقد ذهب الإمام القطب - رحمه الله ـ كما نقل عنه بحاز إلى ترجيح " تيهرت " بالياء بدلا من " تاهرت " بالألف حيث قال: " وتيهرت بكسر التاء وإسكان الياء بعدها إسكانا ميتا، وبفتحها وإسكان الياء بعدها حيا والفتح أولى، وبفتح الهاء وبعدها راء مهملة ساكنة والتاء مجرورة في السطر لا على صورة هاء لأنها تاء تأنيث في لغة البربر ... ويقال: تاهرت بالألف وهو ضعيف " إهـ (محمد لطفيش، الرد على العقبي، ص 70 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 86 الهامش). =
92 (1/92)
صفحة 93
الشيخ عمروس ومنهجه
= والغريب أننا نجد هذا الخلاف في اسم تيهرت عند شعراء تيهرت أنفسهم، فنجد الشاعر أبو عبد الرحمن بكر بن حماد وهو من شعراء تيهرت يذكرها بالألف في قصيدة له واصفا شدة البرد في تيهرت فيقول: ما أخشن البرد وريعانه:: وأطراف الشمس بتاهرت تبدو من الغيم إذا ما بدت:: كأنها تنتشر من تحت فنحن في بحر بلا لجة:: تجري بنا الريح على السمت نفرح بالشمس إذا ما بدت:: كفرحة النمي بالسبت
(انظر: الحموي، معجم البلدان، 427/ 2 - الدرجيني، الطبقات، 43/ 1 - الباروني، الأزهار، 70/ 2، ذكر الشيخ الباروني البيت الأول وهو: ما أخشن البرد وريعانه:: وأطراف الشمس بتاهرت).
ونجد شاعرا آخر من شعراء تيهرت يذكرها بالياء فيقول:
سقى الله تيهرت المنا وسويقة:: بساكنها غيثا يطيب به المحل كان لم يكن والدار جامعة لنا ولم يجتمع وصل لنا لا ولا اهل
ونجد الشاعر أحمد بن فتح المعروف بابن الخزاز التيهرتي يذكرها كذلك بالياء، فيقول: تيهرت أنت خلية وبرقة:: عوضت عنك ببصرة رة فاعتاض وأيضا الشاعر سعد بن أشكل التيهرتي يذكرها بالياء، فيقول:
وأصبحت عن تيهرت في دار غربة:: وأسلمني مر القضاء من القدر
(انظر: الباروني، الأزهار، 77/ 2، 78، 301)
فنلاحظ أن ثلاثة شعراء من تيهرت ذكروها بالياء " تيهرت " مقابل شاعر واحد ذكرها " تاهرت " بالألف، فلعلنا نستنتج من ذلك أن " تيهرت " بالياء أصح من " تاهرت " بالألف.
وكذلك نجد الخلاف وقع في نسبة بعض علماء تيهرت، فبعضهم ذكر بالياء " التيهرتي " وبعضهم ذكر بالألف " التاهرتي
، ومنهم: العلامة زكرياء بن بكر بن أحمد الغسالي التاهرتي، والعلامة عبد الله بن محمد بن عيسي بن حسين التميمي التاهرتي، والعلامة الحسن بن علي بن طريف أبو علي النحوي المعروف بالتاهرتي، وغيرهم، وفي المقابل نجد بعضهم ذكر بالتيهرتي في نسبته منهم: ابن الخزاز أحمد بن فتح التيهرتي، وسعد بن أشكل التيهرتي (انظر: الباروني، الأزهار، 75/ 2، 76،
(78،
،77
ولعل" تيهرت " بالياء أصح من " تاهرت " بالألف بناء على ترجيح الإمام القطب ود/ محمد صالح وإبراهيم بحاز وابي الفداء، ولأن أغلب الباحثين المغاربة المتقدمين يذكرونها بالياء " تيهرت " كالشماخي في سيره، والرقيق القيرواني، ولبن عذارى، وابن سعيد المغربي كما مر، والله أعلم
وينبغي التنبيه أن هناك تيهرت القديمة وتيهرت الحديثة، فتيهرت الحديثة هي التي بناها الإمام عبد الرحمن بن رستم بين سنة 155 هـ و 160 هـ، واتخذها عاصمة للدولة الرستمية، وهي تبعد عن تيهرت القديمة بمقدار خمسة أميال أو مراحل، وهناك من قال بمقدار مرحلة واحدة، وأما تيهرت القديمة فكانت مدينة بربرية لملوك البربر، ثم سيطر عليها الرومان وجعلوها استفية نصرانية، وقد غزاها عقبة بن نافع واحتلها، فاصبحت عاصمة لنواحيها فظهر فيها بعض الأمراء كعبد الخالق، وابن بخاته، ولما وصل إليها الإمام عبد الرحمن بن رستم كان يسيطر عليها قوم من البربر يدعون " برفجانة "، فبنى الإمام عبد الرحمن بقربهم تيهرت الحديثة.
"1
وتقع " تيهرت " العاصمة الرستمية على بعد 9 كيلومترات من تيهرت اليوم، وتبعد عن مدينة الجزائر العاصمة في الشمال الشرقي بحوالي 430 كلم، وتفصلها مسافة 240 كلم عن مدينة وهران في الشمال الغربي، وتعرف تيهرت اليوم باسم تيارت " وهو اسم فرنسي محرف عن تيهرت؛ وتيهرت كلمة بربرية، يرى مستشرقان فرنسيان مختصان في اللسان البربري أن " تيهرت " كلمة تعني عند أحدهما " محطة " وعند الآخر " إقامة "، وقد ذكر الباحث بحاز معلقا على ما ذهب إليه هذان الباحثان: " ويبدو جليا أن لا فرق كبير بين المعنيين، إذ المحطة للإقامة أو الإقامة بالمحطة فكلاهما جائز. ولا شك أن تيهرت لعبت هذين الدورين منذ العهد الروماني، فالرستمي، إلى يومنا هذا، وهما يشيران بوضوح إلى دور تيهرت التجاري بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب " إهـ (انظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان، 427/ 2 - القزويني، آثار البلاد وأخبار للعباد، ص 179 - ابن عذارى المراكشي. البيان المغرب في اخبار الأندلس والمغرب، 196/ 1 - الدرجيني، الطبقات، 41/ 1 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 28 - 29 الهامش - الباروني، الأزهار، 6/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 84، ص 87 الهامش، ص 90 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 261/ 3 - 264).
93 (1/93)
صفحة 94
الشيخ عمروس ومنهجه
لقد داب كثير من كتاب للمقالات إلى الصاق مصطلح الخوارج بالإباضية، إما لأهواء في أنفسهم خدمة لبعض السياسات كالسياسة الأموية، أو لتعصبات مذهبية؛ ومصطلح " الخوارج " مبهم عائم يحتاج إلى توضيح المقصود به، فكل أحد يفسره وفق مبادئه أو مصالحه، قال الشيخ ناصر السابعي: " ومن خلال ما تقدم يتراءى أن هذا المصطلح كان لكل فريق من مستخدميه وجهة هو موليها، فعلى حين يبدو من الربط بين الخوارج والمارقة من قبل الأمويين قصد الذم واللمز، يتضح من عبارات الأزارقة وأشعارهم إرادة الثناء والتمدح، كما تصرح عبارة عبد الله بن إباض بالثناء على الخوارج في قوله: " فهذا خبر الخوارج نشهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداء ولمن والاهم أولياء بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا مع سحبه هذا اللقب
11
عن الأزارقة في قوله: " ... غير أننا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق واتباعه من الناس اهـ. فمصطلح الخوارج يأتي على عدة تفسيرات تتراوح بين المدح والذم، فالخروج يأتي بمعنى الخروج في سبيل الله قال تعالى: ولوْ أَرَادُوا الخروج لأعدُّوا لهُ عَدُهُ) (التوبة: 46)، وقال تعالى: (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُتركة المَوْتُ فقد وقع لجرْهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (النساء: 100)، إذا فهو مدح بهذا التفسير وهو الخروج في سبيل الله وليس نما؛ وكذلك يأتي بمعنى للخروج السياسي على الحاكم، سواء خروجا على أئمة الحق كما فعل معاوية بخروجه على علي بن أبي طالب، فمعاوية باغ بخروجه على الإمام علي الذي ارتضت الأمة إمامته، وقد يكون الخروج على أئمة الجور المعطلين لحدود الله، بهدف إقامة الحق وتطبيق شرع الله في أرضه، وبهذا التفسير يفسر الإباضية خروجهم، وخروج الرعيل الأول لهم وهم أهل النهروان الذين خرجوا على الإمام علي لما انحرف عن المنهج الصحيح ورضي بالتحكيم في شيء حكم الله تعالى فيه بنص كتابه؛ فالإباضية في جميع ثوراتهم يفسرون خروجهم خروجا سياسيا على الظلم، والأمثله على ذلك كثيره كخروجهم على حكام بني أمية وبني العباس الجوره المعطلين لحدود الله، وإقامتهم الدول الإباضية في المغرب والمشرق المطبقة لشرع الله، وخروجهم في عمان على بعض الحكام الجائرين بهدف إقامة الدول الإسلامية المطبقة لشرع الله والخروج على أئمة الجور - كبني أمية وبني العباس - لم يتفرد به الإباضية وحدهم بل وافقهم على ذلك الأمة، قال جمهور ابن حزم: " وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك، قالوا: فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا ييأسون من الظفر ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد، وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير وكل من كان معهم من الصحابة ... وهو قول عبد الله بن الزبير ومحمد والحسين بن علي وبقية الصحابة والمهاجرين والأنصار القائمين يوم الحرة رضي الله عن جميعهم أجمعين. وقول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم كأنس بن مالك وكل ممن ذكرنا من أفاضل التابعين كعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن البحتري الطاني وعطاء السلمي الأزدي والحسن البصري ومالك بن دينار ... - وذكر أسماء كثير من التابعين وأتباعهم - ثم قال: وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كابي حنيفة والحسن بن حي وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم، فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا " إهـ. إذا فخروج الإباضية السياسي على الحكام الجائرين، ليس نما لهم بل هو مدح وشرف يستحقون الثناء عليه، كذلك لم ينفردوا وحدهم بهذا القول فقد وافقهم عليه جمهور الأمة كما رأينا من كلام ابن حزم، فلماذا نعت الإباضية بلقب الخوارج دون غيرهم، أو ليس هذا دليلا على التعصب الأعمى من قبل من نعتهم بهذا النعت دون غيرهم؟!
وياتي كذلك مصطلح " الخوارج " بمعنى الخروج من الملة الإسلامية والمروق من الدين، وقد حاولت بعض الفرق الإسلامية الصاق هذه التهمة بالخارجين على الإمام علي من اهل النهروان، وبالطبع ينسحب الحكم على الإباضية لأن اهل النهروان هم الرعيل الأول للإباضية، وقد يحاول بعض الكتاب تلطيف الجو بالقول أن الإباضية أكثر فرق الخوارج اعتدالا وأقربهم إلى أهل السنة والجماعة، وكان أهل السنة والجماعة أصبحت هي المقياس الذي يقاس به المسلمون. ولكن ما الجرم الذي ارتكبه أهل النهروان حتى يتم إخراجهم من الملة الإسلامية وينعتوا بالمروق والخروج، الأنهم خرجوا على الإمام علي؟! وهل هم وحدهم الذين خرجوا على الإمام علي؟!، ألم يخرج عليه الزبير وطلحة وعائشة أم المؤمنين يوم الجمل؟!، وألم يخرج عليه معاوية وأهل الشام يوم صفين؟! فلماذا لا ينعتون بما نعت به أهل النهروان؟! لماذا خص أهل النهروان بالمروق والخروج دون غيرهم؟! وأما الروايات التي تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في الخوارج وأنها تنطبق على أهل النهروان فقد تكفل بدراستها الشيخ ناصر السابعي في كتابه الخوارج والحقيقة الغائبة وبين ما فيها من أوجه الضعف واللبس، فمن أرادها يجدها في كتاب الخوارج والحقيقة الغائبة للشيخ السابعي حفظه الله. والملاحظ أن الرعيل الأول للإباضية لم يستنكف من لقب الخوارج بل كان يعترف به ويفسره أئمتهم الأوائل بالخروج السياسي على أئمة الجور كما مر وليس بالخروج من الدين أو باستباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم كما يرى بعض أصحاب =
=
94 (1/94)
صفحة 95
الشيخ عمروس ومنهجه
=
الأهواء، ولكن لما تطور الأمر وزعم الأزارقة والنجدات استباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم، تبرا الإباضية منهم وردوا عليهم، وبينوا موقفهم من هذه الفتنة بكل صراحة ووضوح، وهو أنهم لا يجيزون قتل المسلمين بغير حق ولا سبي ذراريهم ولا غنم أموالهم، قال سالم بن ذكوان الهلالي - هو من أئمة الإباضية الأوائل - في سيرته: " ثم تتابعت على ذلك خوارج المسلمين - يقصد الخروج السياسي على أئمة الجور - يحكمون الله وحده ويرضون سبيل من مضى قبلهم من المسلمين، لا يقتلون ذرية قومهم، ولا يستحلون فروج نسائهم، ولا يستعرضونهم، ولا يخمسون أموالهم، ولا يقطعون الميراث منهم، ويؤدون الأمانة إليهم وإلى غيرهم ... ثم خرج من بعدهم ابن الأزرق وأصحابه، فمكثوا ما شاء الله بسيرة من كان قبلهم من الخوارج - يقصد الخروج السياسي على أئمة الجور - ثم إنهم جرمهم شننان قوم ان انزلوهم بمنازل عبدة الأوثان، فقطعوا الميراث منهم، وحرموا مناكحتهم وقد ناكحهم من يتولون ووارثهم، فإن يكن ذلك هدى عمل به من يتولون، فقد خالفوهم فيه ودانوا اليوم بالبراءة ممن عمل به، وإن يكن ذلك ضلالة ضلوا بتوليتهم من عمل به واستحلوا سبا قومهم واستنكاح نسانهم وخمس أموالهم وقتل ذراريهم واستعراضهم .... ثم كان من بعدهم أهل اليمامة نجدة وأصحابه، فشهدوا على قومهم أنهم بمنزلة عبدة الأوثان، ثم استحلوا من نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم ما حرم الله من نساء المشركين وذبائحهم " إهـ، وقد رد على شبههم في سيرته فانظرها في محلها؛ وقال عبد الله بن إباض في كتابه إلى عبد الملك بن مروان موضحا موقف الإباضية من الأزارقه هذا خبر الخوارج - يقصد الخروج السياسي على أئمة الجور - شهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداؤنا ولمن والاهم أولياؤنا بالسنتنا وأيدينا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه عند ربنا. إنا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه، لقد كان حين خرج، على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنه لحدث وارتد وكفر بعد إسلامه فنبرا إلى الله منهم ... " إهـ؛ وقال أبو حمزة الشاري في خطبته المشهورة مبينا فكر الإباضية وعقيدتهم التي جهلها الكثير ممن افترى عليهم ... الناس منا ونحن منهم إلا مشركا عابد وثن، أو كافرا من أهل الكتاب، أو إماما جائرا. هذا بالنسبة لأئمة الإباضية الأوائل فكل من الإمام عبد الله بن إياض وسالم بن ذكوان وأبي حمزة الشاري عاشوا في القرن الأول الهجري أي في فترة الفتنة، وكذلك نجد نفس الموقف عند أئمة الإباضية المتأخرين من عدم جواز استباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم، فنجد الإمام السالمي رحمه الله - ولد سنة 1286 هـ، وتوفي سنة 1332 هـ ـ يقول: " واعلم أن اسم الخوارج كان في الزمان الأول مدحا، لأنه جمع خارجة، وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى، قال عز وجل: (وَلَوْ أَرَادُوا الخروج لأعَدُّوا له عُدَّة) (التوبة: 46)، ثم صار نما لكثرة تأويل المخالفين أحاديث الذم فيمن اتصف بذلك آخر الزمان، ثم زاد استقباحه حين استبد به الأزارقة والصفرية، فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبحت لغيرها، فمن ثم ترى أصحابنا - يقصد الإباضية - لا يتسمون بذلك وإنما يتسمون باهل الاستقامة لاستقامتهم في الديانة " إهـ. وقال - أي الإمام السالمي رحمه الله - في جوهر النظام:
ومال اهل البغي لا يحل
خوارج غلت وصارت مارقة فحكموا بحكم المشركينا فعرضوا للناس بالسيف كما وامة المختار فارقتهم ووردت فيهم عن المختار وفيهم المروق يعرفنا
وإن يكن قوم له استحلوا من دينها صفرية أزارقة جهلا على بغاة المسلمينا قد استحلوا المال منهم مغنما وضللتهم وفسقتهم جملة اخبار مع الآثار ومنهم لا شك نبرانا
" اهـ.
"
وقال الشيخ القنوبي حفظه الله: " ... والحق أن الإباضية لا علاقة لهم بالخوارج، ومن تصفح كتبهم - أعني الإباضية - تبين
له ذلك من أول نظرة " إهـ.
"
(انظر: ابن حزم، الفصل، 171/ 4 - 172 نقلا عن: سعيد بن مبروك القنوبي، السيف الحاد، مطابع النهضة، مسقط سلطنة عمان، ط 3: 1418 هـ، ص 43 - القنوبي، السيف الحاد، ص 42 - ناصر بن سليمان السابعي، الخوارج والحقيقة الغائبة، مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1420 هـ / 1999 م، ص 148 - 149 - سيرة سالم بن ذكوان انظر: محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 365، 368 - كتاب عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان أنظر: محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 334 - 335 - خطبة أبي حمزة الشاري في أهل المدينة انظر: محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 108 - 340 - السالمي، شرح الجامع الصحيح، 59/ 1 - عبد الله بن حميد السالمي، جوهر النظام، ج 3، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عمان، ص 231 - ولمزيد معلومات عن مدى العلاقة بين الإباضية والخوارج أنظر: النامي، دراسات عن الإباضية، ص 43 - ، 120 ـ بكير بن سعيد اعوشت، دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان، ط 4: 1409 هـ، ص 29 - 42 ـ مهني التيواجني وآخرون، هذه مبادئنا، ص 49 - 66 - محمد ناصر، منهج الدعوة، ص 42 -
72 (1/95)
صفحة 96
الشيخ عمروس ومنهجه
فغدت الدولة الرستمية في ذلك الوقت كما يقول الأستاذ ابن تاويت الطانجي: " مشعلا عظيما للحضارة والعلم في الشمال الأفريقي فكانت تلي القيروان في ذلك. (1)؛ ولقد كان شغف الأئمة الرستميين بالعلم كبيرا، فاهتموا بتعلمه حتى برعوا في شتى فنون العلم، ومن ثم بدأوا بالعطاء والتعليم، وإنشاء المؤسسات العلمية على أحدث الأساليب المتبعة في ذلك الوقت، فغدت تيهرت وبقية ولايات الدولة الرستمية وبالأخص جبل نفوسة مقصد طلاب العلم ومريديه، حيث أن الدولة الرستمية أصبحت تزخر بالعدد الكبير من العلماء في شتى فنون العلم، وليس هذا فحسب بل ومن مختلف المذاهب الإسلامية كما سنرى.
ودليل شغف أئمة الدولة الرستمية بالعلم وحبهم له ولنشره، إهتمامهم بتعلمه وإتقانه منذ السنوات الأولى من حياتهم، فالإمام عبد الرحمن بن رستم - المؤسس للدولة الرستمية – هاجر في سنوات عمره الأولى وقبل أن ينشئ الدولة الرستمية إلى البصرة ميمما شطر البحر - في ذلك الوقت – الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، فظل خمس سنوات ينهل من علمه في سردابه الذي أعده خصيصا لذلك،
(2) - الفرد بل، الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي من الفتح العربي حتى اليوم، ترجمه عن الفرنسية: عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 3: 1987 م، ص 149. (1) ? ابن تاويت الطائجي، دولة الرستميين أصحاب تاهرت، صحيفة معهد الدراسات، مدريد، مه، ع 1 - 2، ص 126 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 261
"
هو الإمام الكبير المحدث الحافظ الثقة الثبت الزاهد المجاهد أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي - بالولاء - كان مولى العروة بن أدية التميمي - رحمه الله تعالى -، وقيل إن اسم أبيه كورين، وكني بابنته عبيدة، وقد اختلف في أصله كما ذكر الشيخ القنوبي نقلا عن سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله تعالى -، فقيل: حبشي، وقيل: فارسي، وقيل: كردي، ولد بالبصرة سنة 45 هـ أو بعدها بقليل كما رجح الشيخ القنوبي، نشأ في البصرة، وأخذ في طلب العلم لا سيما الحديث والفقه، قال الشيخ القنوبي: " ... وداب في طلب العلم، لا سيما الحديث والفقه فقد تفنن فيهما وبرع وفاق فيهما أهل عصره أو اغلبهم " إهـ؛ وقد عاش في مبدأ امره في كنف شيخه ومولاه عروة بن ادية، فورث عنه شجاعته وزهده وتقواه، ثم انتقل إلى الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه، فأخذ عنه الحديث والفقه والسياسة، ثم خلفه بعد وفاته في رئاسة المذهب الإباضي فدرس الطلبة وارسلهم إلى البلدان الشاسعة لتعليم أهلها ولإقامة العدل فيها متى أمكن ذلك، وناظر المخالفين فأقام عليهم الحجة، وأوضح لهم المحجة، كما ذكر الشيخ القنوبي. ذكر أنه مكث في طلب العلم اربعين سنة، ثم مكث بعد ذلك في التعليم أستاذا أربعين سنة، وقد تعرض للسجن من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي، بسبب نشاطه الدعوي، فلم يخرج من السجن حتى هلك الحجاج سنة 95 هـ، وقد أنشأ مدرسة في سرداب قرب البصرة بعيدا عن عيون بني أمية، وإمعانا في التمويه ادعى صنع القفاف وتعليمها حتى سمي بالقفاف، واستطاع أن يقيم ثلاث دول للإباضية وهي دولة الإمام طالب الحق في اليمن والحجاز، ودولة الإمام الجلندى بن مسعود في عمان، ودولة الإمام أبي الخطاب المعافري في إفريقية؛ وذكر الإمام السالمي - رحمه الله تعالى - أن أبا عبيدة أدرك من أدركه الإمام جابر بن زيد، فروايته عن الإمام جابر رواية تابعي عن تابعي، وقد روى عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين - رضي الله عنهم -، وروايته عنهم بعضها موجود في مسند الإمام الربيع
بن حبيب
أخذ العلم عن جماعة من صحابة رسول الله، وعن جماعة من التابعين كجابر بن زيد والحسن البصري وابن سيرين و مجاهد وضمام بن السائب وأبي نوح الدهان وجعفر بن السماك وعن صحار العبدي؛ أخذ العلم عنه خلق كثير أمثال: الإمام الربيع بن حبيب، وسلمه بن سعد، والإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي، والإمام الجلندى بن مسعود، والإمام =
?? (1/96)
صفحة 97
الشيخ عمروس ومنهجه
حتى تخرج منه عالما تحريرا وقد أجاز له أبو عبيدة أن يفتي بما سمع منه وما لم يسمع بقوله: " أفت بما سمعت مني وما لم تسمع، وقال فيه أحد معاصريه: " لا أعلم من يخرج مسائل دماء أهل القبلة في
(1).
زماننا هذا غير عبد الرحمن بن رستم بالمغرب؛ وكذلك فإن الإمام عبد الرحمن لم يكتف بتأسيس الدولة الرستمية، بل اهتم بالتأليف فترك كتابين، أحدهما في تفسير كتاب الله العزيز، ولكنه لم يصلنا، والثاني يذكره أبو يعقوب يوسف الوارجلاني، وقد اطلع عليه، جمعت فيه خطبه"، حسب ما ذكر أصحاب معجم الأعلام عن أبي يعقوب
(2)
باس
= لبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، والإمام عبد الرحمن بن رستم، وأبو أيوب وائل الحضرمي، وأبو حمزة المختار بن عوف وغيرهم؛ وقد أثنى عليه عدد كبير من العلماء سواء من المتأخرين أو من المتقدمين، قال الشيخ القنوبي: " لقد كان أبو عبيدة - رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه - ثقة حافظا ضابطا ورعا زاهدا تقيا نقيا إهـ، وقال فيه الدرجيني: " كبير تلامذة جابر، وممن حسنت أخباره والمخابر، تعلم العلوم وعلمها، ورتب الأحاديث واحكمها، وحافظ في خفية على الدين حتى ظهر على يد الخمسة الميامين، حسب ما تقدم من ذكر دراستهم، وحملهم العلوم، وما شفي الله به وبهم من الكلوم، وكان عالما مع الزهد في الدنيا، والتواضع مع نيل الدرجات العليا، والاعتراف بضيق الباع على ما عليه من الاتساع " إهـ، وقال فيه الشماخي: " تعلم العلوم وعلمها، ورتب روايات الحديث وأحكمها، وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه ويزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعظه، وقد اعترف له بحوز قصب السبق في العلوم، واعترف مع ذلك بضيق الباع مع ما هو عليه من الاتساع ... " إهـ، وقال فيه الإمام القطب: " كان رجلا ذا علم ووعظ نافذ وفقه وحديث " إهـ، وقد سأل أحمد بن حنبل يحيى بن معين - إمام الجرح والتعديل - عن أبي عبيدة - رحمه الله تعالى -، حيث قال له: " شيخ حدث عنه معتمر يقال له أبو عبيدة عن ضمام عن جابر بن زيد: كره ان يأكل متكنا، من أبو عبيدة هذا؟ قال: رجل روى عنه معتمر ليس به، قلت: من حدث عنه غير المعتمر؟ قال: البصريون يحدثون عنه. وسأل أحمد بن حنبل عن عمارة بن حيان، فقال يحيى بن معين: رجل روى عنه أبو عبيدة، هذا من أصحاب جابر بن زيد وقد حدث أبو عبيدة عن صالح الدهان " إهـ. وقد ترك آثارا علمية منها: 1 - مجموعة أحاديث كان يرويها عن الإمام جابر بن زيد وجعفر بن السماك، وصحار العبدي، 2 - كتاب " مسائل أبي عبيدة " وهو مجموعة من الفتاوى وبعض المحاورات، 3 - كتاب الزكاة، 4 رسائل تعرف بـ " رسائل أبي عبيدة "، 5 - فتاوى في الأصول والفروع وهي متناثرة في الكتب، 6 - ناظر المعتزلة وأفحم زعيمهم واصل بن عطاء، 7 - اعتبره الجاحظ من الخطباء البلغاء. وقد توفي الإمام أبو عبيدة في عهد أبي جعفر المنصور (136 هـ - 158 هـ)، حتى أن أبا جعفر المنصور حين بلغه نبا وفاته قال: " أوقد مات؟! إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهبت الإباضية "، وقد رجح الشيخ القنوبي أن وفاته كانت في سنة 150 هـ أو بعدها بقليل (انظر: الدرجيني، الطبقات، 238/ 2 - الشماخي، السير، 78/ 1 - القطب، شرح عقيدة التوحيد، ص 78 نقلا عن: القنوبي، الربيع بن حبيب، ص 30 - السالمي، شرح الجامع الصحيح، 6/ 1 - احمد بن محمد بن حنبل، كتاب العلل ومعرفة الرجال: ج، ت: وصي الله عباس، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 1408 هـ / 1988 م، ص 11 - 12 - البخاري، كتاب التاريخ الكبير، ج 4 القسم الأول، ص 271 - القنوبي، الربيع بن حبيب، ص 26 - 36 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية
،
، 418/ 2 - 419 رقم الترجمة: 891). (1) - ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 54 - 57 - الدرجيني، الطبقات، 19/ 1 - 22 ـ الشماخي، السير، 113/ 1، 124 - 126 بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 246/ 2 - 247 رقم الترجمة: 544 ذكر ابن الصغير أن الإمام عبد الرحمن لم يكن له كتاب معروف من تأليفه، وكلام ابن الصغير هذا غير صحيح، حيث أثبتت المصادر الإباضية وجود مؤلفين له، أحدهما في التفسير والآخر يحوي خطبه) انظر: ابن الصغير، اخبار الأئمة الرستميين، ص 45 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 248/ 2 رقم الترجمة: 544).
(2) - الشماخي، السير، 167/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 248/ 2 رقم الترجمة: 544.
97 (1/97)
صفحة 98
الشيخ عمروس ومنهجه
(2)
(1)
وقد اهتم الإمام عبد الرحمن بعمارة الدولة الرستمية وتهيئتها حتى تكون قادرة على العطاء العلمي وتخريج العلماء، وكما هو معلوم فإن المسجد في ذلك الوقت يعتبر هو الجامعة التي تخرج العلماء وحملة العلم، فلم يغفل الإمام عبد الرحمن أهمية المسجد ودوره الفعال في النهضة العلمية، فكان المسجد هو أول ما بناه في دولته الناشئة ليكون منارة للإشعاع العلمي والحضاري، وكان يقيم فيه حلقة للعلم يتولى التدريس فيها بنفسه كذلك فإن الإمام عبد الرحمن طبق مبدأ الحرية الفكرية والدينية في الدولة الرستمية، فلم يقمع المخالفين لمذهب الدولة، بل سمح لهم بالعيش في كنفها، فكانت لهم بيوتهم ومساجدهم الخاصة التي يعرفون بها، وكانت تدور فيها مختلف المناظرات العلمية بين مختلف علماء المذاهب بكل حرية كما سنري -، قال ابن الصغير: " ... وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار، فقال: ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وأمانه على نفسه وماله، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين ... " إهـ
(3)
(4)
والإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن - الإمام الثاني للدولة الرستمية - كذلك كان من كبار العلماء المتضلعين في زمانه، وكان شغوفا بالعلم من صغره حيث أنه تلقى العلم بالقيروان ثم بتيهرت على يد أبيه الإمام عبد الرحمن وغيره من حملة العلم (4)، وتكفينا فيه شهادة الإمام الربيع بن حبيب حيث قال: عبد الوهاب إمامنا وتقينا وإمام المسلمين أجمعين. (5)؛ وكان محبا للقراءة والإطلاع فكان أنه إذا فرغ من صلاة العشاء أخذ كتابا يقرأ فيه حينا من الليل، ومر علينا سابقا أنه أرسل إلى إخوانه بالبصرة لينسخوا له كتبا، فقرأها في ليلة، قال الشماخي معلقا على ذلك: "وهذا من كثرة
"
علمه، وقوة فهمه، ونقاء قريحته، وتمى نفسه لاكتساب العلوم.
(9)
(7)
(1) ? ابو زكرياء، سير (2) - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 372/ 3 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 267 (3) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 36.
الأئمة، ص 82 - الدرجيني، الطبقات، 41/ 1 - الشماخي، السير، 125/ 1.
عادته من
(4) - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 373/ 3 - 374 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 283/ 2 رقم الترجمة: 609. (0) - ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 97 - الدرجيني، الطبقات، 55/ 1 - الشماخي، السير، 134/ 1.
(1) - ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 94 - الدرجيني، الطبقات، 53/ 1 - الشماخي، السير، 133/ 1.
أنظر ص 89 (2) - الشماخي، السير، 142/ 1.
98 (1/98)
صفحة 99
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
(2)
وقيل أنه سمر ذات ليلة هو وأخوه يتعلمان مسائل الفرائض، فلم يصبح عليهما الصبح إلا وهما يورثان أهل المشرق وأهل المغرب، وكانا في سمرهما يقدان مصباحا يجعل له عبد الوهاب الفتائل من عمامته حتى أتى عليها؛ كذلك فإن الإمام عبد الوهاب اشتغل بالتدريس والتأليف مع تحمله أعباء الدولة والحكم، فكانت له حلق علم في تيهرت وفي جبل نفوسة، ففي تيهرت تخرج على يديه الكثير من طلاب العلم ومن ضمنهم ابنه أفلح، وقد اشتهرت أخت لأفلح بالعلم فلا يستبعد أن تكون ممن تتلمذ على يد أبيها الإمام عبد الوهاب (3)؛ وعندما زار جبل نفوسة قضى فيه سبعة أعوام يلقي دروسا في فقه الصلاة، فتخرج على يديه الكثير من علماء جبل نفوسة في هذه المدة (4)؛ وكان كذلك شغوفا بعلم الكلام والمناظرة ومتمكنا منه، فمما يروى عنه أنه قال: " ذاكرت أبا مرداس في الوجوه التي تحل بها الدماء أو بأحدها فذكرت أحدها فتنكر وتكره فأمسكت عن باقيها "، ثم ذكر الإمام أربعين وجها وقيل سبعين وجها يحل بها دم من فعل شيئا؛ ومن المناظرات المشهورة للإمام عبد الوهاب مناظرته مع الواصلية
(المعتزلة) (6).
(°)
- لقد وقع الخلاف في هذه الرواية بين أبي زكرياء صاحب سير الأئمة وبين الشماخي صاحب كتاب السير، فالشماخي ذكر أن الإمام عبد الوهاب سمر الليل كله مع اخت له، وليس مع اخ له كما ذكر أبو زكرياء؛ والحقيقة أن الباحث إبراهيم بحاز ذكر هذه القصة معتمدا على ما جاء عند أبي زكرياء، ولم يشر إلى ما جاء عند الشماخي وأنه يوجد اختلاف في الروايتين، ولعل رواية أبي زكرياء هي الأصح بناء على اعتماد الباحث بحاز عليها وتركه لرواية الشماخي، فلعله وقع سهو من الشماخي أو نسخ وذلك أنه توجد قصة للإمام أفلح قريبة من قصة الإمام عبد الوهاب، وهي أن الإمام أفلح واخته قعدا ذات ليلة، فقال لها هلمي نحسب ماذا يذبح في السوق غدا أولا إن شاء الله، فحسب فقال لها أفلح: إن أول ما يذبح بقرة صفراء في بطنها عجل ذو غرة في جبهته، فقالت له: صدقت هي البقرة الصفراء وفي بطنها عجل، غير أن الذي رايته هو طرف ذنبه أبيض تعممه على جبهته، فخلته أبيض الجبهة ذا غرة، وإنما ذلك طرف ذنبه، فكان الأمر كما قالا؛ وكذلك فإن كتاب سير الأئمة لأبي زكرياء يعتبر هو العمدة الذي اعتمد عليه كل من كتب في سيرة الإباضية بالمغرب ومنهم الدرجيني والشماخي، فقد كان أبو زكرياء متقدما على الشماخي حيث أنه عاش في القرن الخامس الهجري (450 - 500 هـ) كما صنفه الدرجيني في طبقاته، وبالتحديد سنة 471 هـ او بعد 474 هـ كما ذهب أصحاب معجم اعلام الإباضية، وأما الشماخي فكان من علماء القرن العاشر الهجري (928 هـ) كما ذكر الشيخ أحمد السيابي في ترجمته للشماخي في مقدمة كتاب السير، وكما ذهب أصحاب معجم اعلام الإباضية؛ وفي المقابل لا يستبعد صحة رواية الشماخي، وذلك لما اشتهرت به نساء البيت الرستمي من العلم والتضلع فيه، فلعل خطا وقع من قبل النساخ عند نسخهم لمخطوطة أبي زكرياء، فكتبوا أخا بدلا من أخت والله أعلم (أنظر: أبو، ص 23، 136 - 137 - الدرجيني، الطبقات، 448/ 2 - الشماخي، السير، 142/ 1، 167 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 268 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية 44/ 20 رقم الترجمة: 80، 451/ 2 رقم الترجمة:
زكرياء
(984
، سير
الأئمة
(1) ـ أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 99.
) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 267 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 283/ 2 رقم الترجمة: 609. () ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 136 - 137 - الشماخي، السير، 167/ 1 (1) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 116 - الدرجيني، الطبقات، 66/ 1 - الشماخي، السير، 140/ 1 - بحاز وآخرون، معجم
اعلام الإباضية، 283/ 2 رقم الترجمة: 609. (9) - الدرجيني، الطبقات، 292/ 2 - الشماخي، السير، 143/ 1.
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 106 - الدرجيني، الطبقات، 57/ 1 - الشماخي، السير، 137/ 1.
99 (1/99)
صفحة 100
الشيخ عمروس ومنهجه
وقد ترك لنا الإمام عبد الوهاب كتابا وصفه البرادي بأنه ضخم، وهو سفر تام، ألفه جوابا لأهل نفوسة في مسائل ونوازل استفتوه فيها، قال عنه ابن الصغير: " وكان لعبد الوهاب كتاب معروف بمسائل نفوسة الجبل، لأن نفوسة كتبت إليه في مسائل أشكلت عليها فأجابها عن كل مسألة مما، سألت عنه، وكان هذا الكتاب في أيدي الإباضية مشهورا عندهم معلوما يتداولونه قرنا عن قرن، إلى أن لحق الفصل فأخذته عن بعض الرستميين فدرسته ووقفت عليه " إهـ والإمام الثالث من أئمة الدولة الرستمية وهو الإمام أفلح بن عبد الوهاب كذلك كان مهتما بالعلم وطلبه ونشره والتأليف فيه، فقد أخذ العلم عن أبيه الإمام عبد الوهاب وعن جده الإمام عبد الرحمن، وعن غيرهما من علماء تيهرت، وكذلك أخذ العلم عن الإمام أبي غانم الخرساني، حتى نبغ في العلم
(1)
(2)
وأصبحت له قدم السبق في ذلك، قال فيه الدرجيني: " وبلغنا أنه كان في العلوم متفقها وعلى أنواعه مطلعا " إهـ (3)، وقال فيه الشماخي: "الإمام التقي العدل السمي العالم الأنجح أمير المؤمنين أفلح بن عبد الوهاب الذي تمسك بالحجة البيضاء والصراط الأفيح " إهـ؛ ووصل من تمكنه في العلم وتبحره فيه أن قعد بين يديه أربع حلق " في العلم قبل بلوغه، يتعلمون منه فنون العلم، ذكر الوسياني
(4)
- يذكر الباحث محمد دبوز هذا الكتاب باسم: " نوازل نفوسة "، وذكر أن هذا الكتاب لا يزال موجودا في مدن وادي ميزاب بجنوب الجزائر، وفي جبل نفوسة، وفي جربة، وذكر الباحثان بحاز و د/ محمد ناصر أنهما رأيا كتابا بهذا العنوان في مكتبة الشيخ بلحاج بالقرارة، وقد قاما بتصفحه ووجدا أنه يحتاج إلى تحقيق نسبته إلى الإمام عبد الوهاب، وذكرا أن قطب الأئمة الشيخ لطفيش امحمد قام بترتيبه، ويذكر أصحاب معجم أعلام الإباضية أنه لعل الكتاب المعروف اليوم بـ " مسائل نفوسة " جزء من هذا السفر، وهو مطبوع، والظاهر أن كتاب " نوازل نفوسة " كان جامعا لفتاوى الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح والإمام محمد بن أفلح، ولم يكن مختصا فقط بفتاوى الإمام عبد الوهاب بناء على ما ذكره البرادي حيث قال ... وجوابات الأئمة عبد الوهاب وابنه أفلح وابنه محمد بن أفلح بن عبد الوهاب سفر تام " إهـ، فلعل شخصا ما قام بدمج فتاوى الأئمة الثلاثة في كتاب واحد، وهذا ما مال إليه الباحث إبراهيم بحاز بناء على ما ذكره البرادي (انظر: البرادي، الجواهر (مخ)، ص 219 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 45 - 46 الهامش - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 372/ 3 - 373 - بحاز
، الدولة الرستمية، ص 267 - 268). (1) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 45 - 46
:
(2) ? الربيع بن حبيب الأزدي، الجامع الصحيح، مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1415 هـ / 1994 م، ص 3 مقدمة المصحح الإمام نور الدين السالمي - بحاز، الدولة الرستمية، ص 269 - البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص 40، 97 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 60/ 2 رقم الترجمة: 116.
(1) - الدرجيني، الطبقات، 77/ 1. (4) - الشماخي، السير، 166/ 1
ذكر الباحث بحاز إن عدد الحلق التي كانت تدرس على يد الإمام أفلح ثلاث حلق، والظاهر أنه اعتمد في ذلك على ما جاء عند الوسياني، إلا أن أبا زكرياء صاحب سير الأئمة والدرجيني في الطبقات والشماخي في السير يذكرون أن عدد الحلق كان اربع حلق، والله اعلم (أنظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 136 - الدرجيني، الطبقات، 77/ 1 - الشماخي، السير، 1/ 166 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 269). (1/100)
صفحة 101
الشيخ عمروس ومنهجه
أنها كانت في علم الفقه والكلام واللغة (1)، ومن العلماء الذين درسوا على يديه ابناه الإمام أبو بكر
(4)
(°)
والإمام أبو اليقظان، ونفاث بن نصر النفوسي، وسعيد بن وسيم الويغوي النفوسي وقد انفرد الإمام أفلح بأقوال في علم الكلام، واعتبر من أجلها إماما (3)، وقد ترك العديد من وله جوابات ونوازل؛ وكذلك كان له اهتمام بعلم الحديث وروايته، إذ ضم الوارجلاني إلى مسند الإمام الربيع بن حبيب روايات الإمام أفلح بن عبد الوهاب (6)؛ وقد بلغ الإمام أفلح في حساب الغبار وعلم الفلك والنجوم مبلغا عظيما، وقد مرت قصته هو وأخته عندما حسبا أول
الرسائل
،
*
ما يذبح في السوق
(1) ? ابو زكرياء
، سير الأئمة، ص 136 - الدرجيني، الطبقات، 77/ 1 - الشماخي، السير، 166/ 1 - الوسياني، سير (مخ)
، ورقة 39 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 269
(1) - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 61/ 2، رقم الترجمة: 116
(2) - علي يحيى معمر، الإباضية بالجزائر، ص 70 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 269. (4) - ذكرها الباروني في كتابه الأزهار، 187/ 2 - 188، 200 - 205، 214 - 219.
(5) - البرادي: ملحق بكتاب الموجز لأبي عمار، 289/ 2 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 269 هو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مناد السدراتي الوارجلاني، علم من أشهر علماء الإباضية، ولد بسدراته من قرى وارجلان، ولد سنة 500 هـ، أخذ مبادئ العلوم على علماء وارجلان، ومن شيوخه بها: ابو سليمان أيوب بن إسماعيل، وأبو زكرياء يحيى بن أبي زكرياء، هاجر إلى الأندلس لطلب العلم، وأقام بقرطبة سنين عديدة حتى بلغ الذروة في العلم، فلقبه الأندلسيون " الجاحظ " لسعة علمه واطلاعه، ثم هاجر إلى السودان ودخل مجاهل إفريقيا حتى وصل إلى قريب من خط الاستواء، كما يحكي ذلك بنفسه، فكان من السباقين إلى اكتشاف هذه المناطق المجهولة، ثم رحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، ولشدة حرصه على العلم، مكث بداره سبع سنين عاكفا على الكتابة والتأليف والنسخ، ترك آثارا علمية في مختلف العلوم، منها: 1 - تفسير القرآن الكريم في سبعين جزءا وهو مفقود، 2 - الدليل والبرهان لأهل العقول: في الأصول وعلم الكلام وغيرها من العلوم، 3 - العدل والإنصاف في أصول الفقه، 4 مرج البحرين: في المنطق، 5 - ترتيب مسند الإمام الربيع بن حبيب، 6 - ديوان شعر و هو مفقود، وله قصيدة إسمها الحجازية من 360 بيتا تدل على تمكنه من الشعر والأدب، وغيرها من المؤلفات، من أشهر تلامذته: ابنه أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف، وابو سليمان أيوب بن نوح، كانت وفاته في سنة 570 هـ، ودفن بمسقط رأسه سدراته (أنظر: الدرجيني، الطبقات، ي، 460/ 2 - 461، 489 - 495، 501 - الشماخي، السير، 105 - 106 - السالمي، شرح الجامع الصحيح، 3/ 1 - معجم أعلام الإباضية،481/ 2 - 483 رقم الترجمة
: 1049 - ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية، ص 129 - 131). ذكر د/ النامي أن القسم الرابع من الجامع الصحيح فيه روايات أبي سفيان محبوب بن الرحيل عن الربيع، وروايات عبد الوهاب بن عبد الرحمن عن أبي غانم الخرساني، والصحيح أن الراوي عن أبي غانم هو الإمام أفلح وليس الإمام عبد الوهاب كما ذكر د/ النامي، فلعله وقع خطأ مطبعي أو سهو منه، والله أعلم (انظر: النامي، دراسات عن الإباضية، ص 129). (1) - الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، ص 3 مقدمة المصحح، 250/ 4 - البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص 40، 97 - الوار جلاني، العدل والإنصاف (مخ) ج 2 بدون ترقيم للصفحات نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 269 الهامش - دجال صالح بكير، معتمد الإباضية في الحديث مسند الربيع بن حبيب، محاضرة الملتقى السادس عشر للفكر الإسلامي بتلمسان الجزائر 1402 هـ / 1982 م، ص 12 - 13 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 270 الهامش – بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية،61/ 2 رقم الترجمة: 116. - انظر ص 99 الهامش. (1/101)
صفحة 102
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
بالإضافة إلى سعة علم الإمام أفلح وتبحره في شتى فنون العلم، فقد كان أديبا شاعرا، له قصيدة رائية، يحث فيها على طلب العلم واكتسابه، وقد قام الشاعر العماني الشيخ علي بن أحمد بتشطيرها، يقول في مطلعها العلم أبقى لأهل العلم آثارا: وليلهم بشموس العلم قد نارا يحيى به ذكرهم طول الزمان وقد: يريك أشخاصهم روحا وأبكارا
حي وإن مات ذو علم وذو ورع:: إن كان في منهج الأبرار مامارا
وقد كان الإمام أفلح يشجع ويحث على دراسة الكتب فيقول: " عليكم بدراسة كتب المسلمين لا سيما كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل، وهو في تاريخ وآثار الحركة الإباضية
() =
هو الرحالة الشهير الأديب العلامة الشيخ علي بن أحمد العماني، من علماء إباضية المشرق، كان معروفا بالترحال ومن رحلاته رحلته بالقارة الإفريقية في أواسط القرن الثالث عشر الهجري، وزار في تلك الرحلة جبل نفوسة، ثم توجه إلى السودان وفي طريقه ذلك سُرق منه ديوانه الجامع لأشعاره وقصائده، وما حرره في رحلته، فاغتم لذلك غما كبيرا، وهنالك توفي (انظر: الباروني، الأزهار، 189/ 2).
(1) - انظر القصيدة مشطرة بتشطير الشيخ علي بن أحمد العماني في: الباروني، الأزهار، 1902 - 194 - وانظرها بدون تشطير في: ابن النظر، كتاب الدعائم، ص 133 - 136 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 270 الهامش، ويذكر الكعاك ان القصيدة هي من ديوان لأفلح مفقود لم تسلم منه إلا تلك الأبيات: الكعاك، موجز التاريخ العام، ص 215 نقلا عن: بحاز،
للدولة الرستمية، ص 270 الهامش
ولقد اعترض الباحث محمد دبوز على قيام الشيخ علي العماني بتشطير قصيدة الإمام أفلح، وقال كلاما في الحقيقة لا ينبغي أن يأتي من أمثال الأستاذ محمد دبوز، ولكن لعل له وجهة نظره الخاصة في ذلك، حيث أنه شَدَّ كثيرا على الشيخ علي العماني بسبب تشطيره قصيدة الإمام أفلح، فقال: " لقد شطر هذه القصيدة الشيخ علي بن أحمد العماني فأطالها، وصعب على الناس حفظها، ولورث السام بها، ثم إن أغلب أشطره تكرار لما في الصدر أو العجز، إن تشطير قصائد الشعراء سيما هذه الآثار التاريخية لا يجوز، إنه كوصل الشعر بالشعر المستعار لا يحل في الدين، وإذا كان الشعر الواصل شعر المعزاء لا شعر الحسناء فقد تضاعف سبب النهي، إن هذا الشيخ الذي زاد في قصيدة الإمام أفلح كمن يعمد إلى وجه الحسناء فيزيد فيه أنفا ثانيا فهل يحسنه يا ناس؟! " إهـ. والحقيقة أن هذا كلام غريب من الباحث دبوز، فالشيخ علي العماني قدم خدمة جليلة للأجيال حيث أنه ساهم في حفظ قصيدة الإمام أفلح عندما شطرها، حيث أن أبيات الإمام أفلح معروفه والذي زاده الشيخ علي العماني معروف، فالتشطير لا يؤثر على اصل القصيدة، بل على العكس من ذلك يحفظها ويزيدها روعة وبهاء، وهذا ظاهر من خلال تشطير الشيخ علي العماني، وقوته في الشعر وتمكنه منه ظاهره من خلال ما زاده على الأصل، مع الحفاظ على الأصل، وقد أثنى الشيخ الباروني على الشيخ علي العماني وتشطيره لقصيدة الإمام أفلح فقال: " ... وقد عني بتشطيرها ذلك الرحالة الشهير الأديب الكامل العلامة المفلق الشيخ علي العماني ... وإليك نص المنظومة الرائقة مع تشطيرها البديع رضي الله عن صاحب الأصل ورحم من حاذاه إهـ، ثم ذكر القصيدة مع تشطيرها، وهذه شهادة من الشيخ المجاهد الأديب الباروني للشيخ علي العماني، والشيخ الباروني أشهر من أن يعرف تبحره في الشعر والأدب وله من غرائر القصائد ما يخلب الألباب، فانتقاد الباحث دبوز لا وجه له، بعد شهادة الشيخ الباروني، ولكن هي وجهة نظر خاصة به علينا احترامها (انظر: الباروني، الأزهار، 189/ 2 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 378/ 3).
بالمثل
11
- هو أبو سفيان محبوب بن الرحيل بن هبيرة المخزومي القرشي، من علماء الإباضية، ذكر الشيخ بكلي أنه تابعي، ويرى د/ مبارك الراشدي أنه ليس تابعيا بل هو من تابعي التابعين، وهو محدث فقيه، وله اخ فقيه اسمه محمد من تلاميذ الإمام أبي عبيدة الأصاغر، وقد تتلمذ الشيخ محبوب على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والإمام الربيع بن حبيب، وكان ربيبا له، تزوج الإمام الربيع امه، له روايات عن الإمام الربيع، ضمها الشيخ أبو يعقوب إلى مسند الإمام الربيع، وذكر د/ النامي ان للشيخ محبوب كتابا، لم يذكر اسمه، ولكن اكتفى بذكر " كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل " وأشار أنه يحتوي على:
= (1/102)
صفحة 103
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
ورجالها بالمشرق؛ وكذلك كان للإمام أفلح أخ يكنى بأبي العباس، كان أيضا من المشهود لهم بالعلم قال الشماخي: " ... وكان أخوه أبو العباس غير ناقص في العلم والتقى ... " إهـ إهـ ولم يكن الإمام أفلح وحده من أئمة الدولة الرستمية من كان له اهتمام بالشعر، فقد كان الأمام أبو
(2)
(3)
بكر بن أفلح - الإمام الرابع للدولة الرستمية - محبا للشعر والأدب والتاريخ، قال ابن الصغير: " ويحب - أي الإمام أبو بكر - الآداب والأشعار وأخبار الماضين ... " إهـ؛ وحبه للأدب والشعر يتبادر منه إلى الذهن أن بلاطه كان مقصد الشعراء والأدباء، ولاشك أنه كان يشجعهم ويدعم إنتاجهم، فلا شك أن الشعر والأدب لاقى ازدهارا ورواجا في عصره كما يرى الباحث إبراهيم بحاز والحقيقة أن المصادر لا تذكر لنا أسماء الشعراء والأدباء الذين كانوا يتسامرون مع الإمام أبي بكر أو الذين ظهروا في عصره، ولكن بزغ في سماء تيهرت عدد من الشعراء حفظت لنا المصادر بعض نتاجهم الشعري، الذي يدل على تمكنهم من الشعر وطول باعهم فيه، فلا يستبعد أن يكون بعضهم ظهر في عهد الإمام أبي بكر، ومن هؤلاء الشعراء الشاعر أبو عبد الرحمن بكر بن، والشاعر أحمد بن فتح المعروف بابن الخزاز التيهرتي، والشاعر سعيد بن أشكل التيهرتي وغيرهم
=
حماد (4)
(0)
آراء الإباضية في الخوارج، وذكر النامي نقلا عن الوسياني أن ديوان الإمام -جابر هو مجموعة من كتب الإمام جابر كان بعهدة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ثم انتقل إلى عهدة الإمام الربيع بن حبيب، ثم إلى الشيخ أبي سفيان محبوب بن الرحيل، ثم إلى ابنه محمد بن محبوب، وعنه نسخ في مكة، وذكر د/ مبارك الراشدي لن محبوب بن الرحيل قدم إلى عمان في آخر عمره وسكن صحار، وبقي بعد الإمام الربيع مدة طويلة، والظاهر أنه جاء إلى عمان في نفس فترة عهد الإمام المهنا. كما بينت عند ترجمتي للشيخ محمد بن محبوب في ص 64 - 65 من هذا المبحث وقد توفي الشيخ محبوب في آخر عهد الإمام المهنا بن جيفر (حكم عمان: 226 - 237 هـ)، بعد أن عمر طويلا، ولكن تاريخ وفاته بالتحديد غير معروف كما يذكر د/ الراشدي، وقد عاصر الشيخ محبوب ستة أئمة من أئمة عمان وهم على الترتيب: الإمام الجلندى بن مسعود أول إمام بويع بعمان (حكم: 132 - 134) (انظر: الجيطالي، قواعد الإسلام، ص 55 - 56 الهامش - النامي، دراسات عن الإباضية ص 50، 79، 126 - 127. القنوبي، الربيع بن حبيب، ص 29 - البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص 37 الهامش، ص 55 - مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي، الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقه، مطابع الوفاء المنصورة، مصر، ط 1: 1413 هـ / 1993 م، ص 242 - 244 - السالمي، تحفة الأعيان، 90/ 1، 148، 160 - السيابي. عمان عبر التاريخ، 229/ 1، 254، 81/ 2، 101 - محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 144 - 145. (2) - الوسياني، سير (مخ)، ورقة 108 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 270 الهامش - الدرجيني، الطبقات، 2/ 478
1
(1) ? الشماخي، السير، 167/ 1 (2) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 71.
) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 271 - هو أبو عبد الرحمن بكر بن حماد بن سهل بن أبي إسماعيل الزناتي، ذكر الباروني أنه إما أن يكون إياضيا أو صفريا على الغالب، ولد ونشأ في تيهرت الظاهر في عهد الإمام أفلح، وقد أدرك الإمام أبا حاتم ويظهر ذلك من القصيدة التي قالها يستعطف فيها الإمام أبا حاتم ليرضى عنه، وكان عالما بالحديث وتمييز الرجال، وشاعرا مغلقا، رحل إلى المشرق في سنة 217 هـ، فسمع بالمشرق من العلماء والفقهاء، ومدح المعتصم الخليفة العباسي بقصيدة، فوصله المعتصم بصلات جزيلة، واجتمع بكبار شعراء العراق كحبيب وصريع ودعبل وعلي بن الجهم وغيرهم، مدح أبا يعيش عيسى بن إدريس العلوي حاكم مدينة جراوة المجاورة لتيهرت، وله مراثي في إبنه عبد الرحمن الذي قتله اللصوص، وله قصائد في الزهد والمواعظ =
=
"
103 (1/103)
صفحة 104
الشيخ عمروس ومنهجه
وقد تلقى الإمام أبو بكر العلم بتيهرت على يد علمائها، وعلى يد والده الإمام أفلح وجده الإمام
عبد الوهاب، وقد كان مع حبه للأدب والشعر والتاريخ، محبا لمظاهر الزخرفة والحضارة (1) وأما خامس الأئمة الرستميين وهو الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح، فهو الآخر لا يقل عمن سبقه أئمة الدولة الرستمية شغفا وحبا واهتمام بالعلم وطلبه ونشره، بل إن أهل نفوسه شبهوا أيامه بأيام
من
(2)
جده الإمام عبد الرحمن بن رستم؛ وقد تلقى العلم عن أبيه الإمام أفلح وعن جده الإمام عبد الوهاب، وكانت له حلقات علم بتيهرت، فتخرج على يديه الكثير من المشائخ الأعلام)، ومن حبه للعلم ودعمه له جعل مجلسه كالمسجد، طائفة يصلون، وطائفة يقرءون القرآن، وطائفة يتذاكرون في فنون العلم؛ وقد كان من المكثرين في التأليف، له " رسالة في خلق القرآن " وكتب في الرد على المخالفين، وألف في الاستطاعة وحدها أربعين كتاباً، وله رسائل عديدة، وجوابات مختلفة، منها ما وصلنا وأغلبها عبثت به يد الأيام (5)
(4)
= وذكر الموت وأهواله، وقد عاد إلى تيهرت في عهد الإمام أبي حاتم وتوفي فيها في سنة 296 هـ عن عمر يناهز ست وتسعين سنة، من أبياته في الموت:
قف بالقبور فناد الهامدين بها:: من أعظم بليت منها واجساد قوم تقطعت الأسباب بينهم:: من الوصال وصاروا تحت أطواد راحوا جميعا على الأقدام وابتكروا:: فلن يروحوا ولن يعدو لهم عاد والله والله لو ردوا ولو نطقوا:: إذا لقالوا التقى من أفضل الزاد
وقد ذكر الشيخ الباروني العديد من قصائده في الأزهار الرياضية، فمن أرادها يجدها هناك) انظر: الباروني، الأزهار،
(20/ 2 - 75
(1) - الحموي، معجم البلدان، 427/ 2 - الدرجيني، الطبقات، 43/ 1 - الباروني، الأزهار، 70/ 2. هو الشاعر احمد بن فتح المعروف بابن الخزاز التيهرتي، شاعر من شعراء الدولة الرستمية، عاش في تيهرت، وذكر الشيخ الباروني أنه من غير الإباضية، ولم يذكر مذهبه، وذكر له بعض الأبيات) انظر: الباروني، الأزهار، 77/ 2). . هو الشاعر سعيد بن أشكل التيهرتي، شاعر من شعراء الدولة الرستمية، عاش بتيهرت، وذكر الشيخ الباروني أنه من غير الإباضية، ولم يذكر مذهبه، مات في مدينة تنس، وله قصيدة في ذلك ذكرها الشيخ الباروني (انظر: الباروني، الأزهار
(YA LEV/T.
(5) - الباروني، الأزهار، 77/ 2، 78، 301.
(1) بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 182/ 2، رقم الترجمة: 87.
(2) ـ ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 147 - الدرجيني، الطبقات، 83/ 1 - الشماخي، السير، 189/ 1.
) - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية 359/ 2، رقم الترجمة: 784.
(4) ? ابن الصغير، اخبار الأئمة الرستميين، ص 98 - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 147 - الدرجيني، الطبقات، 83/ 1 -
الشماخي
، السير، 189/ 1.
- ربما يقصد به المؤرخون جزءا أو رسالة.
(5) ? ابو زكرياء، سير الأئمة،، ص 148 - الشماخي، السير، 189/ 1 - الدرجيني، الطبقات، 84/ 1 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 272 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 359/ 2 رقم الترجمة: 784 (1/104)
صفحة 105
الشيخ عمروس ومنهجه
وقد كان الإمام أبو اليقظان من المحبين للعلماء فكان يقربهم منه، قال ابن الصغير: منه، قال ابن الصغير: " ... وكان - أي الإمام أبو اليقظان – إذا جلس في المسجد الجامع جلس على وسادة من أدم مستقبلا الباب البحري، وله سارية تعرف به يجلس إليها، ولم يكن غيره يجلس إليها، وكان يقابله نصب عينيه رجل من نفوسة يعرف بعيسى بن فرناس، وكان عندهم من الورع بمكان، ويلي عيسى رجل من هوارة" يقال له ابن، شأنه في الفقه، ولم يكن في ورع عيسى، وكان عن يمينه وعن يساره وبين يديه وجوه الناس، وكان أخص الناس به رجل من العرب يعرف بمحمود بن بكر ... وكان مدارهم الذي يذب عن بيضتهم ويدافع عن دينهم ويرد على الفرق في مقالاتهم ويؤلف الكتب في الرد على مخالفيهم إهـ؛ وقد كان الإمام أبو اليقظان يشجع على طلب العلم ويحث عليه، فمن ذلك ما ذكره في إحدى رسائله حيث قال: " اعلموا رحمكم الله أن أهل العلم بالله القائمين بهذه الدعوة قد
الصغير
(1)
.
هو عيسى بن فرناس النفوسي، عاش في القرن الثالث الهجري، من علماء تيهرت الرستمية، كان معاصرا للإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح (حكم: 261 هـ ـ 281 هـ)، وقد كان فقيها خطيبا في مسجد تيهرت الجامع، وله شأن في الفقه، وكان من خاصة الإمام أبي اليقظان (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 92 - 93 - الشماخي، السير، 190/ 1 - بحار وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 332/ 2 رقم الترجمة: 717).
هوارة: هي قبيلة من قبائل البرانس البربر، وقد سكنت بطونها عدة مواطن في إفريقية والمغرب، فقد جاورت هوارة قبيلة نفوسة بالجبل الذي ينسب إليها، جنوب طرابلس الغرب، وسكنت بطون منها بلاد الجريد جنوب الحدود الجزائرية التونسية الآن، وكانت قاعدتها توزر، وسكنت بطون منها جبل أوراس ونواحيه) انظر: عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون المسى كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، ج 6، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط 1 1413 هـ / 1992 م، ص 282 - 291، أخبار البرانس البربر - البكري، المغرب، ص 50، 72، 144 - هود بن محكم الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، ت: بالحاج بن سعيد شريفي، ج 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان، ط 1: 1990 م، ص 8 مقدمة المحقق).
- هو ابن الصغير الهواري الإباضي، لم تذكر المصادر اسمه، من فقهاء تيهرت الرستمية، أخذ علمه عن علمائها، كان من خاصة الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح) حكم: 261 هـ - 281 هـ)، كان خطيبا وله شان في الفقه، وليس ابن الصغير هذا هو ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية المعروف صاحب كتاب اخبار الأئمة الرستميين (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 93 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 313 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 236/ 2 - 237 رقم
الترجمة: 522).
.
هو محمود بن بكر، عاش في القرن الثالث الهجري، من علماء تيهرت الرستمية، عاصر الإمام أبا اليقظان محمد بن أفلح (حكم: 261 هـ - 281 هـ)، تلقى العلم عن أئمة تيهرت ومشايخها، وكان من أخص للناس بالإمام أبي اليقظان، يذكر ابن الصغير أنه عربي الأصل، وكان مدار الإباضية الذي يذب عن بيضتهم، ويدافع عن دينهم، ويرد على الفرق في مقالاتهم، وألف الكتب في الرد على المخالفين، إلا أن ابن الصغير لا يورد أي عنوان من هذه الكتب التي ألفها محمود بن بكر، ولعلها ذهبت ضحية حرق مكتبة الرستميين " المعصومة " من قبل أبي عبد الله الشيعي داعية العبيديين لما دخل تيهرت غازيا سنة 296 هـ، كما ذهب محققا اخبار الأئمة الرستميين د/ محمد ناصر والباحث بحاز) انظر: الشماخي، السير، 190/ 1 - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 93، هامش ص 93 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 334 - بحاز وآخرون، معجم أعلام
الإباضية، 409/ 2 رقم الترجمة: 869). (1) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 92 - 93 (1/105)
صفحة 106
الشيخ عمروس ومنهجه
انقرضوا وقلت الخلوف " منهم، فرحم الله امرءا مسلما احتسب نفسه وأرصد الله في طلب العلم " إهـ (1)
هذه بعض الأمثلة على شغف أئمة الدولة الرستمية بالعلم واهتمامهم بطلبه ودعمه حفظتها لنا كتب التاريخ، حتى غدوا من كبار العلماء وفحولهم، وأصبحوا مقصد الوراد من طلاب العلم ومريديه، وأصبحوا مضرب المثل في العلم وطول الباع فيه؛ وأما بقية أئمة الدولة الرستمية فلا تذكر المصادر عنهم في ما يتعلق بطلبهم للعلم ودعمهم له الكثير، ولكن لا يستبعد أنهم كانوا كسابقيهم في حب العلم وطلبه ونشره، وكما قال الباحث بجاز: " ... ولكننا لا نشك في أن حلقات الدرس، كانت متواصلة لم تنقطع، وأن اهتمامهم بالتعليم استمر إلى نهاية الدولة، لأن البيت الرستمي كان بيت علم في
مختلف الفنون)) من الأصول والفقه والتفاسير وفنون الدين والرد على المخالفين وعلم اللغة والنجوم
والإعراب والفصاحة))
(2)
(3)
"إهـ (3)
وقد حفظت لنا المصادر بعض الشذرات عن شغف البيت الرستمي بالعلم ودعمه له ونشره، فالإمام أبو حاتم يوسف بن محمد سادس الأئمة الرستميين، لم يكن أقل ممن سبقه من الأئمة في العلم ودعمه، والظاهر أنه تلقى العلم على يد أئمة الدولة الرستمية كأبيه الإمام أبي اليقظان، وعلى يد علمائها، حتى نبغ في العلم، وصفه الشماخي بقوله: " ومنهم الإمام الماهر والبحر الزاخر العالم الذاكر أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان محمد رضي الله عنهما. (4)، وقد وصل من الأهلية أن أصبح موضع ثقة أبيه
(°)
الإمام أبي اليقظان فأصبح يكلفه ببعض المهام وكان عهد الإمام أبي حاتم عهد انفتاح وحرية، على الرغم من الحروب التي وقعت في عهده، فنجد أن علماء المذاهب الإسلامية بمختلفها يتناظرون في المساجد بكل حرية واحترام للرأي المخالف، فلم يمنعهم الإمام أبو حاتم من ذلك، فليس قمع الرأي الآخر من ديدن أئمة وأتباع المذهب الإباضي، فنجد
الخلوف: جمع خ خلف، ويأتي على عدة معاني، والمراد هنا من جاء بعدهم، جاء في المعجم الوسيط: الخلف: القرن يأتي بعد القرن، والخلف: الولد الصالح، جاء في التنزيل: فخلف من بَعْدِهِمْ خَلفَ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غيا) (مريم: 59)، والخلف: العوض والبدل، والخلف: الولد الصالح (انظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم
الوسيط، 250/ 1 - 251). (1) - البرادي، الجواهر (مخ)، ص 182.
(2) ? الشماخي، السير، 142/ 1
) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 273.
(4) ? الشماخي، السير، 223/ 1
(0) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 104 - الباروني، الأزهار، 256/ 2.
1.7 (1/106)
صفحة 107
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
ابن الصغير وهو معاصر للإمام أبي حاتم يحدثنا عن ذلك فيقول: " ... وكانت مساجدهم عامرة، وجامعهم يجتمعون فيه وخطيبهم لا ينكرون عليه شيئا، إلا أن الفقهاء تناجت المسائل فيما بينهم و تناظرت، واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه عاقبتها، ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك ... " إهـ ثم ذكر إحدى مناظراته مع بعض علماء الإباضية في تيهرت كذلك كان عهد الإمام أبي حاتم عهد خطابة كبقية عهود الأئمة الرستميين، وقد ذكر ابن الصغير بعض الخطباء الذين ظهروا في عصر هذا الإمام، وذكر أنه حضر بعض خطبهم، وختم كتابه ببعض الخطب الرستمية التي كان الخطباء يلقونها في صلاة الجمعة في عهد الإمام أبي حاتم (3)؛ والإمام أبو حاتم نفسه كان خطيبا مسقعا كبقية الأئمة الرستميين، حيث ذكر عنهم أنهم كانوا يخطبون بأنفسهم و كان لا يعيد خطبة قط، كالإمام أفلح ومن أفراد البيت الرستمي الذين اشتهروا بالعلم والاهتمام به يعقوب بن أفلح آخر من بقي من البيت الرستمي، فقد اشتهر بذاكرته القوية، وغزارة علمه، قال عنه الباروني: " ... وكان عالما جليلا وأميرا خطيرا، واسع الثروة، كثير البر " إهـ (5)؛ وقد سئل مرة: أتحفظ القرآن؟ فقال: " أستعيذ بالله أن يتزل على موسى وعيسى - عليهما السلام - ما لم أحفظ وأعرف معناه، فكيف بالكتاب المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ والظاهر أنه تلقى العلم عن علماء تيهرت في ذلك الوقت، وقد بلغ الغاية في العلم والعبادة، والزهد والورع، ويعد في عائلة الرستميين من أئمة العلم والدين، وله إسهام في الحكم والسياسة، وصفه الدرجيني بقوله: " وكان يعقوب يحمل أنواعا من العلم ... " إهـ
بعضهم
(7)
(") n
(4)
ووصفه الشماخي بقوله: " كان عالما مجتهدا " إهـ
"
(9)
(8)
،
هكذا في الأصل وهو غير واضح، إلا أن الشيخ الباروني ذكر هذا النص لابن الصغير في الأزهار بقوله: " ... واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خالفتها فيه صاحبتها، ولعل ذلك هو المقصود من كلام ابن الصغير، إلا أنه وقع نسخ عند ابن الصغير، والله أعلم (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 117 - الباروني، الأزهار، 287/ 2). (1) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 117.
(2) - انظر: المصدر السابق، ص 117 - 120
() - المصدر السابق، ص 120 - 127. (1) - الشماخي، السير، 190/ 1 - الباروني، الأزهار، 286/ 2 (0) - ابو الربيع الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 48.
(6) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 190 - الدرجيني، الطبقات، 105/ 1 - الشماخي، السير، 47/ 2 - الباروني، الأزهار، 2/
294 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية 473/ 20 رقم الترجمة: 1032. (2) ـ بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية 473/ 2 رقم الترجمة: 1032.
107 (1/107)
صفحة 108
الشيخ عمروس ومنهجه
وكان مع ماسبق متمكنا من علم النجوم كبقية أئمة الدولة الرستمية، فيروى عنه أنه حينما خرج بمن بقي من البيت الرستمي هاربين من أبي عبد الله الشيعي حين دخل تيهرت، نظر نظرة في النجوم فقال لأصحابه: " إنكم لا يجتمع منكم ثلاثة نفر إلا كان عليهم الطلب، افترقوا فقد انقطعت أيامكم وزال ملككم؛ وقد كان من النساك العباد، فكان مجتهدا بالليل كما وصفه أبو زكرياء، حيث أنه كان يقوم كثيرا من الليل؛ وحين خرج من تيهرت، هاربا من أبي عبد الله الشيعي، مكث في وارجلان بقية حياته ينشر العلم والدين، فترك بها آثارا حميدة (3)
(1).
(2)
هذه بعض الملامح عن أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالعلم وطلبه ونشره ودعمه، وقد تميز جميع أفراد البيت الرستمي بحب العلم والنبوغ فيه حتى الإماء والخدم الذين يعملون معهم، قال بعض الرستميين: " معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم أين بات القمر " (4)؛ إذا فليس بغريب أن يظهر في
n
عهود هؤلاء الأئمة فطاحل العلماء أمثال الشيخ عمروس الذي عاصر بعض هؤلاء الأئمة، وأخذ العلم العلم عنهم، فطلاب العلم وجدوا الجو مهيأ والسبل ميسرة لطلب العلم
أخذ
عن بعضهم أو عمن والتفرغ له بفضل الله تعالى، ومن ثم بدعم هؤلاء الأئمة العدول للعلم، وتشجيعهم لطلابه بتوفير كل
ما يحتاجون إليه من وسائل تعينهم على طلب العلم كما سنرى
(1) - الدرجيني، الطبقات، 105/ 1. (1) - الشماخي، السير، 47/ 2
11
<<
ابي
إهـ، والنص الذي اعتمدته هو
- الرواية التي أوردها أبو زكرياء ذكرت " إثنان " وليس " ثلاثة " كما ذكر الدرجيني والشماخي، ونص الرواية في سير زكرياء هي: " وبلغنا أنه نظر إلى الطالع في طريقه ذلك، فالتفت إلى أصحابه وقال لهم: «إنه لا يجتمع منكم اثنان إلا كان عليهم الطلب، افترقوا، فقد انقضت أيامكم وزال ملككم ولا يعود إليكم إلى يوم القيامة للدرجيني صاحب الطبقات، والظاهر أنه وقع خطأ مطبعي أو نسخ في سير الأئمة لأبي زكرياء، حيث أن الشيخ الباروني ذكر القصة في الأزهار معتمدا على سير الأئمة لأبي زكرياء وصرح بذلك، فذكر ثلاثة كالدرجيني والشماخي، ولم يذكر اثنين، وكذلك فإن اغلب ما في كتاب الطبقات و سير الشماخي هو مستقى من سير الأئمة لأبي زكرياء، إذا الظاهر أن الخطأ أو النسخ وقع في سير الأئمة لأبي زكرياء والله اعلم (انظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 189 - الدرجيني، الطبقات، 105/ 1 - الشماخي، السير، 47/ 2 - الباروني، الأزهار، 293/ 2 - 294). (1) ـ ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 189 - الدرجيني، الطبقات، 105/ 1 - الشماخي، السير، 47/ 2 - الباروني، الأزهار، 2/ (2) - لبو زكرياء، سير الأئمة، ص 190 - الدرجيني، الطبقات، 106/ 1 - الشماخي، السير، 47/ 2 - الباروني، الأزهار، 2/
294
294
) - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 473/ 2، رقم الترجمة: 1032 (4) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 99 - الدرجيني، الطبقات، 56/ 1 - الشماخي، السير، 142/ 1.
108 (1/108)
صفحة 109
الشيخ عمروس ومنهجه
-
المطلب الثاني: جبل نفوسة والحركة العلمية فيه:
جبل نفوسة ذلك الجبل الشامخ في طرابلس الغرب بليبيا شهد في عصر الشيخ عمروس حركة علمية راقية، فخرج من على سفوحه العدد الكبير من علماء هذه الأمة، الذين ساهموا في خدمة أمتهم
ويغو
11
.
(1)
ودينهم الحنيف خدمة جلى، لازالت تذكر لهم إلى اليوم حتى أن الشماخي وصف جبل نفوسه بقوله: إن جبل نفوسة احتوى على الكرامات وعلى كثرة الصالحين والعلماء، وكان فيه من العلماء ما لا يوجد بغيره ... " إلى أن قال إنه في بعض الأزمنة " ... لا تحتاج فيه قرية إلى قرية للفتيا، إلا " إجناون "" و " و " تندميرة لا تحتاج دار فيها إلى دار للفتيا " إهـ وقد تركوا لنا العدد الكبير من المؤلفات العلمية والشرعية التي لا زلنا ننهل من معينها إلى يومنا هذا، ولا زال جبل نفوسة يخرج لنا من أهل العلم من يذكروننا بأولئك الفطاحل من العلماء، الذي تخرجوا من مدارسه کالشيخ عمروس بن فتح، وقد وصف الباحث محمد دبوز كثرة العلماء الذين تخرجوا من جبل نفوسة بقوله: " وإذا جنت غرب طرابلس، وصعدت إلى جبال نفوسة الشماء، وجدت معادن العلم والعبقرية، ومشرق العرفان والثقافة الإسلامية، ووجدت المدن قد تجللت بعمائم العلماء الذين لا يحصون كما تتجلل الياسمينة الزاهرة بزهورها في صباح الربيع " إهـ
(2)
ليبيا: تقع في القسم الشمالي من إفريقيا يحدها من الشمال البحر المتوسط، ومن الشرق مصر، ومن الجنوب الصحراء الكبرى، ومن الغرب تونس والجزائر، وتبلغ مساحتها (1759540) كلم مربع، وعاصمتها مدينة طرابلس، ويتألف سطحها من الصحاري الصخرية والرملية والهضاب القليلة الارتفاع، ومن المناطق الجبلية، ومناخها صحراوي قليل الأمطار معتدل في الساحل والجبل الاخضر، من أهم محاصيلها الزيتون والزيت والقمح والشعير والنخيل والفستق، وتربى المواشي، وتعتمد على البترول والغاز وبعض الصناعات كالاسمنت (انظر: أطلس العالم الصحيح، ص 126). - إجناون أو إجتاون بتشديد النون: بلدة تقع بالقرب من جادو في جبل نفوسة بليبيا، كانت تشتهر بزراعة أشجار الزيتون، حتى قيل إنه كان بها عين ماء تدور على إثنى عشر ألف زيتونة، خرجت عددا من العلماء، منهم أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني (ت بعد: 211 هـ) والي الإمام عبد الوهاب على جبل نفوسة (انظر: الشماخي، السير، 163/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 299/ 1، 244/ 2 رقم الترجمة: 538).
- ويغو: مدينة تقع بجبل نفوسة بليبيا، وبالتحديد جبل شروس، خرجت عددا من العلماء منهم أبو ذر ابان بن وسيم الويغوي النفوسي، والي الإمام عبد الوهاب على جبل نفوسة بعد وفاة الوالي الذي سبقه أفلح بن العباس (انظر: بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 310/ 1، 7/ 2 رقم الترجمة: 3).
.
- تندميرة: قرية من قرى جبل نفوسة بليبيا، من علمائها أبو عثمان عمر وقيل: عمرو بن عيسى التندميرتي النفوسي (ت: 8 جمادي الأولى 1321 هـ / 1903 م) (انظر: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 302/ 1، 309/ 2 رقم الترجمة:
(666
(1) ? الشماخي، السير، 545 نقلا عن: دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 380/ 3، بحثت عن هذا النص الذي جاء به الباحث محمد دبوز من كتاب السير طويلا في نسخة كتاب السير للشماخي التي توجد لدي، وهي طبعة وزارة التراث، وتختلف عن النسخة التي اعتمد عليها الباحث محمد دبوز، ولكني لم أوفق في العثور عليه (2) - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 385/ 3
109 (1/109)
صفحة 110
الشيخ عمروس ومن
فما هي المميزات التي تميز بها جبل نفوسة حتى أصبح قادرا على صناعة العلماء، فغدا مضرب المثل بتخريج فطاحل العلماء؟
العلماء
تميز جبل نفوسة وأهله بعدة مواصفات أهلته ليصبح جامعة علمية تخرج منها العدد الكبير من، فمن هذه المواصفات جو الجبل الصحي، واستقراره وهدوءه من أسباب الإقبال على العلم، وهمة أهله وطموحهم، وغناهم كَوَّن فيهم نبوغا عقليا وذكاء علميا (1)؛ وكان قرب الجبل من المشرق، واستقراره وهدوءه من أسباب إقبال أهله على العلم، وذلك أن الأمويين والعباسيين كان اعتداؤهم على أهل المغرب يقع أول ما يقع على أهل جبل نفوسة لقربه منهم، فعلم أهل الجبل أن العلم هو القوة القوية، والسلاح الماضي، والرادع لاعتداءات الأمويين والعباسيين (2)؛ كذلك فإن قربه من المشرق مكنه من الاتصال بعلماء وأئمة المشرق، فهاجر من جبل نفوسة عدد من طلاب العلم للتتلمذ على يد علماء المشرق كابن مغطير النفوسي الجناوني، الذي كان أول من هاجر إلى البصرة للدراسة على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (3)؛ ومن أسباب الحركة العلمية في جبل نفوسة أيضا، قربه من القيروان، فدفع ذلك أبناءه إلى الاهتمام بالعلم ونشره لينافس جبل نفوسه القيروان في حركتها؛ وتأثرهم بحملة العلم الخمسة الذين تتلمذوا على يد الإمام أبي عبيدة كان من ضمن أسباب الحركة العلمية في الجبل كذلك، حتى أن أحد طلبة العلم الخمسة إلى المغرب وهو عاصم السدراتي"
العلمية
(4)
(1) - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 385/ 3.
(2) - المصدر السابق، 386/ 3 - هو محمد بن عبد الحميد بن مغطير وقيل أنه عبد الحميد النفوسي الجناوني، شيخ فاضل، وعالم فقيه، من قرية إجناون بجبل نفوسة، يعد من أول من رحل إلى المشرق لطلب العلم، فدرس على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، وذلك على رأس القرن الأول الهجري، ثم عاد إلى موطنه جبل نفوسة، وصار علما ومرجعا للفتوى، إلى أن عاد حملة العلم الخمسة من مدرسة أبي عبيدة، فكف عن الإفتاء لوجود من يقوم بالمهمة، ويكفيه تبعاتها، وهناك من عده من تابعي التابعين، عمر ابن مغطير طويلا، فادرك نشأة دولة الإمام أبي الخطاب المعافري سنة (140 هـ)، ودولة أبي حاتم الملزوزي سنة (154 هـ)، والدولة الرستمية سنة (160 هـ)، واتخذه الإمام عبد الرحمن بن رستم مرجعا للفتوى في جبل نفوسة، وكان يحضر مجالس علمه، سنة وفاته غير معروفة (انظر: البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ)، ص 104 ـ الشماخي، السير، 1/ 128 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 315 - 316 - معجم أعلام الإباضية، 385/ 2 - 386 رقم الترجمة: 835). (3) - البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 104 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 386/ 3 - بحاز وآخرون،، معجم الإباضية، 385/ 2 رقم الترجمة: 835. (4) - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 386/ 3 - 387
اعلام
- عاصم السدراتي، من أئمة المغرب ومشاهير علمائها، اختلف في اصله قيل: من قبيلة سدراته في جبال الأوراس بشمال الجزائر، وقيل: بل من قرب وارجلان جنوب الجزائر، وهو أحد حملة العلم الخمسة الذين سافروا من المغرب للتعلم على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، ومكثوا عنده خمس سنين من 135 هـ إلى 140 هـ، بعد عودته من البصرة حمل لواء الدعوة والتعليم وتبصير الناس بأمور دينهم، اتخذ عدة مصليات كان يعقد فيها حلق علمه، تتلمذ على يديه عدد من طلاب العلم الذين أصبحوا من كبار العلماء بعد ذلك، منهم الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، وأيوب بن العباس، ومحمد بن يانس وغيرهم، كان زاهدا ورعا مستجاب الدعاء، واشتهر بالشجاعة والفروسية، ساهم في إقامة دولة الإمام أبي الخطاب:
-
11 (1/110)
صفحة 111
الشيخ عمروس ومنهجه
(2)
(3)
استوطن جبل نفوسة، وأقام مصلى له في قبلة مدينة نالوت" بالجبل (1)؛ كذلك من أسباب النهضة العلمية بجبل نفوسة كثرة العلماء فيه، الذين أوقفوا حياتهم لنشر العلم والصلاح، حيث أنهم كانوا يقيمون دروسهم في المساجد والكتاتيب، يعلمون طلاب العلم مختلف العلوم وقد كان الإمام عبد الوهاب يلقي دروسا في أحكام الصلاة لمدة سبع سنوات في أحد المساجد لما زار جبل نفوسة والعلامة عاصم السدراتي كان من الذين أوقفوا حياتهم لمهمة نشر العلم، فكان يعقد حلقه بين مدن وقرى جبل نفوسة، ولم يكتف بهذا فحسب بل وسع دائرة نشاطه إلى المناطق المجاورة لجبل نفوسة کغدامس وجبال الأوراس والأحياء الصحراوية (4).
وقد كان أهل نفوسة يجتمعون في أماكن مختلفة لطلب العلم كالمساجد أو المنازل أو غير ذلك، وكانت مجالس العلم منتشرة بكثرة في عصر الشيخ عمروس، فمن ذلك ما ذكره البغطوري عن جماعة من أهل نفوسة يجتمعون بموضع يسمى " تنين أندرشل لطلب العلم، وفيهم أبو نصر ..... من أهل
11
=
عبد الأعلى بن السمح المعافري سنة 140 هـ، وشارك معه في حصار قبيلة ورفجومة التي عاثت فسادا في القيروان، وأصابه مرض أثناء الحصار، وكان يشتهي القثاء، فدس له أعداؤه قثاء مسموما، فمات بسببها سنة 141 هـ رحمه الله تعالى رحمة واسعة (انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 62 - الدرجيني، الطبقات، 19/ 1، 28، 29 - الشماخي، السير، 1/ 126 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 239/ 2 رقم الترجمة: 528).
- نالوت: هي مدينة تقع في جبل نفوسة الغربي بليبيا، خرجت عددا من العلماء منهم الشيخ علي يحيى معمر (1337 هـ/ 1919 م - 1400 هـ / 1980 م)، والشيخ عمرو خليفة النامي، ولد في سنة 1358 هـ / 1939 م، وزج به في السجن في سنة 1981 م وظل فيه حتى سنة 1986 م، فانقطعت اخباره بعد ذلك، ولا يعرف مصيره إلى اليوم؟ (انظر: بحاز وآخرون. معجم أعلام الإباضية، 314/ 1، 136/ 2 رقم الترجمة: 298، 296/ 2 رقم الترجمة: 640، 319/ 2 رقم الترجمة: (688
_ (1)
الشماخي، السير، 126/ 1 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 387/ 3 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 239/ 2
رقم الترجمة: 528
(2) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 278،280) أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 115 - 116 - الدرجيني، الطبقات، 66/ 1 - 67 - الشماخي، السير، 140/ 1 - غدامس: مدينة تقع في تونس، تفصلها عن جبل نفوسة مسافة سبعة أيام في الصحراء، كانت تابعة للدولة الرستمية، وهي مدينة لطيفة كثيرة النخل والمياه، كانت تعتبر محطة للقوافل التجارية بين جبل نفوسة وبلاد السودان (انظر: البكري، ص
182 - ابن خلدون، العبر، 122/ 7 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 309/ 1، 112/ 2، رقم الترجمة: 233). - جبال الأوراس: هي سلسلة من جبال الأطلس الصحراوي بالجزائر، وهذه السلسلة تمثل شكلاً رباعيا طوله من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب 65 ميلا، وفي نهاية هذه السلسلة إلى الجنوب تمتد التلال القليلة الارتفاع التي تتصل بالصحراء الكبرى، وسكان أوراس يتكونون من عناصر مختلفة أهمها للبربر، وانضمت إليهم بعض القبائل العربية، وقد خرجت جبال الأوراس عددا كبيرا من العلماء منهم: محكم الهواري قاضي الإمام أفلح على تيهرت، وابنه هود بن محكم الهواري، صاحب التفسير المشهور بـ " تفسير كتاب الله العزيز " (انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 178 الهامش -
بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 355/ 2 رقم الترجمة: 772، 443/ 2 رقم الترجمة: 961). (4) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 283 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 239/ 2، رقم الترجمة:528 تنين از درشل: هو موضع يقع في جبل نفوسة، كان يجتمع فيه أهل نفوسة للمدارسة والتعليم، ولا أدري هل هو قرية أم موضع في قرية؟ حيث أن المصادر التي بين يدي لا تذكر شيئا عنه بهذا الخصوص، إنما تكتفي بذكر أنه موضع يجتمع فيه جماعة من أهل نفوسة لطلب العلم، ولكن الأظهر أنه قرية، حيث ذكر الشماخي وجود مسجد في هذا المكان يعرف باسم =
=
" (1/111)
صفحة 112
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
تمصمص وكان هو المفتي لهم إلخ، وقد كان الشيخ عمروس يتردد عليهم للإستفاده والإفادة ومن ذلك أيضا مجلس العلم الذي كان يقيمه أبو محمد عبد الله بن الخير" في مكان يسمى تين ورزيرف"، والمجلس الذي يقيمه أبو مسور في أدوناط، وغيرها من مجالس العلم كثير
..
(2)
"
= مسجد تنين از درشل، ولعلهم كانوا يجتمعون في هذا المسجد لمدارسة العلم، وعلى فرض أنه موضع في قرية معينة اتخذ كمجلس للعلم، فلعله يقع في قرية تمصمص، حيث أن المفتي في ذلك المجلس كان أبو نصر التمصمصي، وهو من أهل تمصمص، والحقيقة أن المصادر تضاربت في اسمه، فالبغطوري ذكره " تنين لندرشل " والشماخي ذكره تارة " تنين أندركل " وتارة " تنين از درشل "، والذي اختاره الباحث أحمد كروم هو " تنين از درشل " معتمدا على ما ذكره الوسياني، ولعله هو الأصح والله اعلم (انظر: الوسياني، سير المشايخ (مخ)، 23/ 1 نقلا عن: عمروس، الدينونة الصافية، ص 14 - 15 مقدمة المحقق البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 76 - 77 ـ الشماخي، السير، 149/ 1، 19/ 2 - 20، 235). - هو أبو نصر التمصمصي، لم تذكر المصادر اسمه، عاش في القرن الثاني الهجري، ينسب إلى بلدة " تمصمص بجبل نفوسة، بينما الوسياني يقول إنه من " تين ضج "، يعتبر من الطبقة الأولى لعلماء جبل نفوسة، تلقى العلم عن عاصم السدراتي، احد حملة العلم عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، يصنف الشيخ أبا نصر من طبقة الإمام أفلح بن عبد الوهاب، كان مضرب المثل في العلم والزهد، وكان مستجاب الدعاء، كان يحذر الناس من فتنة نفاث الذي انشق عن الإمام أفلح، وكان يفند آراء نفاث ويبين خطأ أفكاره الشاذة، وقيل إنه كان - من قبل - يحذر من فتنة خلف بن السمح الذي انشق عن الإمام عبد الوهاب (انظر: البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 76 ـ 77 ـ الشماخي، السير، 149/ 1، 19/ 2 - 20 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 439/ 2 رقم الترجمة: 949). تمصمص: بلدة تقع في جبل نفوسة، خرجت عددا من كبار العلماء منهم أبو نصر التمصمصي (ق 2 هـ)، وأبو محمد خصيب بن إبراهيم للتمصمصي (النصف الثاني ق 4 هـ) وغيرهما (انظر: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 133/ 2 رقم الترجمة: 290، 439/ 2 رقم الترجمة: 949).
(1) البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 76 - 77 - الشماخي، السير، 149/ 1، 19/ 2 - 20 - هو ابو محمد عبد الله بن الخير الونزريفي، من تنين ورزيرف بجبل نفوسة، أخذ العلم عن أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي النفوسي، وبرع حتى كان من شيوخ وقراء نفوسة، كان حاكما وقاضيا، وله حلقة علم ومجلس ذكر في قريته، وسبق محمد بن بكر في تأسيس الجانب الاجتماعي والديني لنظام العزابة، وهو مضرب المثل في العلم، فيقال: " من ضيع كتابا كمن ضيع خمسة عشر عالما مثل عبد الله بن الخير "، عمر ما يقارب من 120 سنة، ولم يبق بعد وقعة مانو 283 هـ على قيد الحياة سوى أبي القاسم البغطوري وعبد الله بن الخير، تاريخ وفاته غير معروف) انظر: البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 2، 95 - الدرجيني، الطبقات، 19/ 1، 316/ 2 - 317 - الشماخي، السير، 1871، 201 - 203 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 147 - 150 - سالم بن يعقوب، تاريخ جربة، ص 94 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 265/ 2 - 266 رقم الترجمة: 580).
ورجح
- تين ورزيرف: قرية تقع في جبل نفوسة، تضاربت المصادر في اسمها، فورد تونزيرف، وتنورزيرف، وتتورزيرن، لصحاب اعلام الإباضية: ونزيرف، لو تيونزيرف، وهي بالبربرية، خرجت عددا من العلماء منهم أبو محمد عبد الله بن الخير، ومنهم أبو زكرياء يحيى بن يونس السدراتي (يصنف في طه: 200 - 250 هـ) (انظر: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 303/ 1، 265/ 2 - 266، رقم الترجمة:580، 465/ 2 رقم الترجمة: 1016). - هو أبو مسور يصلتين الأدوناطي النفوسي، من أهل نفوسة، عاش في القرن الثالث الهجري، عاصر الإمام عبد الوهاب، وعمر طويلا حتى أدرك ضعف الدولة الرستمية وانهيارها، قال عن نفسه: " عشت حتى لم أجد في الإمام ما أريد، ولا في نفسي، ولا في الأولاد، ولا في الإخوان، ولا في القبيل "، له مجلس علم في قريته لدوناط، وله أقوال مأثورة، خلف ابنة وصفت بأنها رفيعة الشأن، لم تذكر المصادر اسمها (انظر: الدرجيني، الطبقات، 315/ 2 - 316 - الشماخي، السير، 1/ 196 - 198 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 470/ 2 رقم الترجمة: 1025). أدوناط: قرية من قرى جبل نفوسة، من علمائها أبي مسور يصلتين الأدوناطي للنفوسي (ق 3 هـ) (أنظر: الشماخي، السير، 198/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 470/ 2 رقم الترجمة: 1025). (2) - الشماخي، السير، 187/ 1، 198
112 (1/112)
صفحة 113
وكان بعض العلماء يفتحون منازلهم لطلاب العلم لتكون مدارس للعلم، ومن هؤلاء العلماء أبو هارون موسى الجلالمي، الذي أسس في منزله مدرسة تخرج منها الكثير من العلماء، وقد كان ينفق عليها ثلث ماله (1)؛ والصالحات من نساء نفوسة كن يفتحن منازلهن لتقام فيها مجالس العلم، ومن ذلك
ما يروى عن أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي أنه كان له مجلس علم عند امرأة صالحة فقيهة (2)؛ وقد كان بعض العلماء يأخذون طلابهم معهم في تحركاتهم الدعوية بين المناطق المختلفة في جبل نفوسة، فكان لأبي ميمون الجيطالي أحد مشايخ الجبل حلقة من الطلاب تتحرك معه أينما ذهب، يأخذون عنه؛ وكانوا يشجعون أبناءهم على طلب العلم ويحثونهم عليه، فمن ذلك ما روي أن أبا خليل الدركلي كان يقول للتلاميذ سيروا إلى الحلقة واقصدوها حيثما كانت يا كسالى، فإن رجلا قد سار
العلم
(3)
.
- هو ابو هارون موسى بن يونس الجلالمي النفوسي، شيخ عالم من جميلة بجبل نفوسة، داوم على طلب العلم لمدة ثلاثين عاما عن أبي القاسم البغطوري، كان من قادة الدين، وأسس في منزله مدرسة تخرج منها كبار العلماء، أمثال: أبي يحيى زكرياء بن أبي القاسم ويونس الفرسطاني وغيرهما، كان ينفق على المدرسة ثلث ماله، وبلغت مبلغا عظيما حتى قال عنها أحد علماء عصره: " لو علم الناس ما ينفعهم، لازدحموا عند باب داره كما يزدحمون عند باب دار ابي عبيدة بالبصرة "، وقد عاش إلى ما بعد سنة 283 هـ (أنظر: الشماخي، السير، 235/ 1 - 236 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 432/ 2 - 433 رقم الترجمة: 932).
_ (1)
الشماخي، السير، 235/ 1 - 236 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 432/ 2 - 433 رقم الترجمة: 932 " هو ابو ذر أبان بن وسيم أبي يونس بن نصر الويغوي النفوسي، من قرية ويغو بجبل نفوسة، يصنف من علماء الطبقة الخامسة (200 - 250 هـ)، من علماء الإمامة الرستمية، تلقى العلم في كبره على علامة زمانه الشيخ أبي خليل صال الدركلي، ولاه الإمام أفلح بن عبد الوهاب على جبل نفوسة، بعد وفاة واليه أفلح بن العباس؛ اجازه شيخه بالفتوى قائلا له: " لكل زمان نذير وانت نذير زمانك يا أبان، أفت للناس بالرخص كي يكون ذلك لهم عذرا عند مولاهم "، وكان فقيها مفتيا ثقة، فتح منزله للنساء مدرسة يقصدنها للتفقه في الدين، من تلاميذه: أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري، وأبو محمد عبد الله بن الخير وغيرهما، ومن تلميذاته: العالمة زورغ الأرجانية التي قيل عنها: " معها ثلث علم أهل الجبل "، والعالمة النفوسية تكسيلت أم يحيى، وفي مدينة ويغو مسجد يعرف باسمه، ويعتبر من مشاهد جبل نفوسة (انظر: البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ)، ص 28 - الدرجيني، الطبقات، 301/ 2 - 305 - الشماخي، السير، 185/ 1 - 187 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 113 - 116 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 7/ 2 رقم الترجمة: 3). (2) - الشماخي، السير، 186/ 1 - هو ابو ميمون بن أحمد الجيطالي، لم تذكر المصادر اسمه، من أهل إيجطال (جيطال) من نفوسة، تفرست فيه امه سيما العلم منذ صغره، فقد كان إذا شهد مجالس الذكر والعلم سكن واطمأن قلبه لذلك، وإذا انصرفت عن مجلس العلم أكثر للبكاء والقلق وهو لا يزال في المهد صبيا، فصدقت فيه فراسة امه، فكانت له حلقة علم لا تعرف الانقطاع والفتور، في الحل والترحال، وكان إذا سئل أجاد، وإذا نطق أفاد، وله فتاوى، وقد استشهد في وقعة مانو سنة 283 هـ (انظر: البغطوري. أهل نفوسة (مخ)، ص 29 - الدرجيني، الطبقات، 295/ 2 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 434/ 2 رقم
سير
للترجمة: 936).
"
الدرجيني، الطبقات، 295/ 2 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 434/ 2 رقم الترجمة: 936 - هو أبو خليل صال الدركلي وورد اليدركلي نسبة إلى دركل، وورد الدرشلي نسبة إلى درشل، عاش في القرن الثالث الهجري، علم من اعلام " إيدركل " بجبل نفوسة، يعد حلقة في سلسلة نسب الدين الطرابلسية، أخذ العلم عن حملة العلم الخمسة من البصرة إلى المغرب، وقيل هو أول من تتلمذ عليهم، من أبرز تلامذته: ابو ذر ابان بن وسيم الويغوي، وأبو معروف ويدران بن جواد، وابن مؤنسة، وغيرهم، له كرامات وفتاوى وآراء فقهية، عمر طويلا إذ توفي عن سن يناهز المائة والعشرين عاما، وقيل: عاش مائة عام، وضمن مشاهد جبل نفوسة مصلى وغار ينسبان إليه (انظر: البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ)، ص 65 - 67 - الدرجيني، الطبقات، 299/ 2 - 301 - الشماخي، السير، 181/ 1 - 183 - علي يحيى -
= (1/113)
صفحة 114
الشيخ عمروس ومنهجه
من الجبل إلى فزان" وإلى غدامس وإلى الساحل" رغبة في الحلقة وفيما يستفيده إلخ (1)، ويقال أنه
كان بذلك يقصد نفسه (2) وقد كان علماء نفوسه مع تعليمهم لطلاب العلم، وتخصيص منازلهم كمدارس لهم، ينفقون على طلاب العلم ويعتبرون ذلك من القربات العظيمة، وقد مر أن أبا هارون موسى الجلالمي كان ينفق ثلث ماله على طلاب العلم، وكانوا كذلك يهيئون مساكن خاصة لطلاب العلم سواء بقرب المساجد أو
خاصة
(
(4)
(3)
...
بقرب منازلهم كذلك مما ساهم في نشاط الحركة العلمية بجبل نفوسة انتشار المكتبات فيه، سواء كانت عامة أو، والتي كانت تمتلى بآلاف الكتب والمؤلفات في شتى فنون العلم، وقد ضاع معظمها بسبب الفتن، قال الباحث دبوز واصفا انتشار المكتبات بجبل نفوسه وما تعرضت له: " وكانت مدن الجبل وقراه تشتمل على مئات الخزائن المملوءة بالكتب النفيسة، وقد حرق معظمها في الفتن المتصلة التي ابتلي بها الجبل بعد القرن العاشر الهجري، وانتهب الكثير الذي أبقت عليه الفتن الإيطاليون
= معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 2، ص 73 75 بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية. 224/ 2 رقم الترجمة: 491).
- فزان: ولاية واسعة تقع في المغرب الأدنى، بين الفيوم وطرابلس الغرب، تحديدا في جنوب ليبيا، وهو عبارة عن شريط صحراوي يمتد جنوب ليبيا من حدود مصر إلى حدود الجزائر، وقد كان هذا الشريط ممرا هاما للجيوش الإسلامية الفاتحة، ثم لصبح تابعا للدولة الرستمية، وهو معقل من معاقل الإباضية، وكان به عدد من علماء الإباضية، منهم إدريس الفزاني (ق) هـ)، وعبد الحميد الفزاني (ق 3 هـ)، وعبد الخالق الفزاني (أوائل ق 3 هـ)، ذكر ياقوت الحموي أنه سمي بفزان نسبة إلى فزان بن نوح، وذكر الحموي كذلك أن به نخلا كثيرا وتمرا ومدينته " زويلة " السودان والغالب على أهلها السواد، وقد ذكره جرير في شعر له فقال: قفرا تشابه أجال النعام به:: عيدا تلاقت به فزان والنوب (انظر: جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف، لجوبة علماء فزان، ت: د/ عمرو خليفة النامي، و ابراهيم محمد طلاي، مطابع دار البعث، قسطنطينة، ص 23 - 25، 27 مقدمة المحقق الشماخي، السير، 163/ 1 - 165 - الحموي، معجم البلدان، 433/ 6 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 2، ص 51 - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 114، بحاز، الدولة الرستمية، ص 318 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية،309/ 1، 54/ 2 رقم الترجمة: 100، 244/ 2 رقم الترجمة: 537، 245/ 2 رقم الترجمة: 539).
- الساحل: هو منطقة مطلة على البحر تمتد بين " صفاقس إلى " سُوسَة " أو " نايل " في وسط تونس (لقاء مع الشيخ أحمد مصلح - مدرس بمعهد العلوم الشرعية بسلطنة عمان - الأحد 22 من ذي الحجة 1423 هـ / 23 من فبراير 2003 م، وأنظر: معجم اعلام الإباضية، 307/ 1، 6/ 2 رقم الترجمة: 2، 122/ 2، رقم الترجمة: 262، 151/ 2 رقم الترجمة:
(327
(1) - الدرجيني، الطبقات، 301/ 2 ـ الشماخي، السير، 181/ 1 - 183.
(2) - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 104.
- انظر ص 113.
) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 287.
(4) - المصدر السابق، ص 290. (1/114)
صفحة 115
الغزاة
الكتب
حرة
? (1) ,
(2)
الشيخ عمروس ومنهجه
؛ فمن مكتبات جبل نفوسة خزانة نفوسة بمدينة شروس، التي كانت جامعة لآلاف
إن وجود هذا الجو العلمي النشيط، وكثرة العلماء، وانتشار المكتبات، ساهم بشكل كبير في ركة التأليف من قبل علماء جبل نفوسة، فتركوا لنا عددا كبيرا من المؤلفات يصعب حصرها، بعضها موجود، وقد تمكن الباحثون من الوصول إليه ونشره وتحقيقه، وبعضها لا يزال في ظلام الرفوف وتحت الغبار، يحتاج إلى من يزيل عنه التراب، وينفض عنه غبار الزمن، وإهمال السنين، والكثير منها ضاع حرقا وسرقة في الفتن التي تعرض لها الجبل؛ وقد تميزت مؤلفات علماء نفوسة بالتنوع والشمول، فلم تقتصر على جانب واحد، بل طرقت أغلب أبواب العلم، سواء كان الشرعي بمختلف فروعه، أو اللغة، أو التاريخ، أو غيره من فنون العلم، وليس هذا فحسب بل كان علماء جبل نفوسة أول من ألف الموسوعات العلمية في الإسلام كما يذكر الباحث محمد دبوز؛ فمن الموسوعات التي تركها لنا علماء جبل نفوسة " ديوان العزابة " في خمسة وعشرين جزءا، ألفه ثمانية علماء، ويوجد هذا الكتاب مخطوطا في خزائن وادي ميزاب بجنوب الجزائر؛ وقد تميز علماء الإباضية بمثل هذه الموسوعات،
(3)
(1) - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 388/ 3.
(1) - الباروني، الأزهار، 209/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 289.
"
) - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 388/ 3.
"1
- وادي ميزاب أو مزاب: يقع في جنوب شرق الجزائر، ويشغل الجزء الأكبر من بلاد الشبكة، وبلاد الشبكة تطلق على هضبة كلسية تقع شمالي صحراء الجزائر، وتمتاز بطبيعتها القاسية، فهي صحراء ضمن صحراء، ومساحة بلاد الشبكة حوالي 38 الف كيلومتر مربع، ومركز بلاد الشبكة الحالي مدينة " غرداية " أكبر مدن وادي ميزاب، التي تبعد عن العاصمة الجزائر بـ 490 كيلو مترا جنوبا؛ هواء هذه المنطقة جاف جدا، وتبلغ الدرجة القصوى للحرارة ببلاد الشبكة خمسين درجة، بينما أدنى درجة لا تنزل تحت درجة واحدة تحت الصفر، ومعدل الأمطار بها ستة وستون ميليمترا؛ واهل ميزاب يسمون بلادهم بلغتهم البربرية " أغلان " ويطلقون على وادي ميزاب " إغزر أو غلان "؛ و " إغزر " هي كلمة ميزابية معناها وادي؛ وعدد سكان وادي ميزاب بقراه السبع بلغ (116638) نسمة حسب إحصائات عام 1960 م، تكثر في وادي ميزاب الواحات وأشجار النخيل؛ ويمارس اهل ميزاب بعض الصناعات كصناعة مواد البناء من جير وجبس، وصناعة النسيج وغيرها، ويشتهرون بممارسة التجارة؛ ووادي ميزاب يعد معقلا للمذهب الإباضي في هذا الوقت، ويتكون من سبع مدن تتفاوت من حيث الكبر، وهي: 1 - مدينة العطف: أسسها مؤسس نظام العزابة الشيخ أبو عبد الله البكري، في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، وهي تعتبر اولى مدن وادي ميزاب تأسيسا، -2 - غرداية: وهي أكبرها الآن، 3 - بني يسجن: التي ولد فيها الإمام القطب، 4 مليكة، 5 - بونورة، 6 - بريان، 7 - القرارة، وقد خرج وادي ميزاب الكثير من العلماء على مر القرون، ولا زال يخرج، وتراجمهم ومؤلفاتهم وأقوالهم منتشرة ومبثوثة في الكتب (انظر: فرحات الجعبيري، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، المعهد القومي للفنون والآثار، المكتبة التاريخية، المطبعة العصرية، تونس، 1975، ص 13 - يوسف بن بكير الحاج سعيد، تاريخ بني مزاب ونضالهم من أجل الحق في التباين، المطبعة العربية، غرداية، وادي ميزاب، الجزائر، ص 9، 37 - 48، 207 - 210). (1/115)
صفحة 116
الشيخ عمروس ومنهجه
فإباضية جربة تركوا لنا كذلك موسوعة ضخمة في اثني عشر جزءا، وهي " ديوان الأشياخ "، ألفه سبعة علماء من علماء من جربة، وتوجد نسخ منه مخطوطة في وادي ميزاب هذا بالنسبة للتأليف الجماعي والموسوعات الضخمة، وأما فيما يخص التأليف الفردي فإن المؤلفات التي خرجت من على سفوح جبل نفوسة لا تعد ولا تحصى، فمنها ما وصل إلينا في هذه العصور المتأخرة، والكثير منها ضاع بسبب الفتن والصراعات؛ فمن مؤلفات علماء نفوسة الفردية في العقيدة
.
كتاب الدينونة الصافية"، وكتاب الرد على النكاث" وأحمد بن الحسين (مخ)، وكلاهما للشيخ
- اختلفت المصادر في عدد أجزاء " ديوان الأشياخ "، وفي عدد أجزاء " ديوان العزابة "، فالدرجيني والشماخي ذكرا أن " ديوان العزابة " في خمسة وعشرين جزءا، واختاره أصحاب معجم أعلام الإباضية، وذكر الدرجيني والشماخي أن عدد مؤلفي " ديوان العزابة " ثمانية شيوخ عزابة، ونجد الباحث محمد دبوز يذكر أن عدد أجزاء " ديوان العزابة " عشرة أجزاء، وأما " ديوان الأشياخ " فقد ذكر الدرجيني والشماخي أن عدد أجزاءه اثني عشر جزءا، وهذا ما ذهب إليه أصحاب معجم اعلام الإباضية، إلا أنهم أطلقوا على ديوان الأشياخ اسم " ديوان العزابة "، والظاهر أنهم يقصدون " ديوان الأشياخ " والدليل على ذلك أنهم ذكروا من مؤلفيه أبي عمران موسى بن زكرياء، وهو أحد مؤلفي " ديوان الأشياخ " الذين ذكرهم كل من الدرجيني والشماخي، كذلك ذكر أصحاب معجم أعلام الإباضية أن " ديوان العزابة " تم تأليفه في غار لمجماج بجربة، وهو نفس الغار الذي ذكر الدرجيني والشماخي أن ديوان الأشياخ تم تأليفه فيه، مع بعض الفرق في حروف اسم الغار، فالدرجيني ذكر أنه غار لمجاج، والشماخي ذكر أنه غار الجماج، ولعله تصحيف أو خطأ مطبعي لا غير، إذا فمن ذلك يظهر أن " ديوان العزابة الذي ذكره أصحاب معجم أعلام الإباضية هو نفس " ديوان الأشياخ " الذي ذكره كل من الدرجيني والشماخي، وهو في اثني عشر جزءا، وهو غير " ديوان العزابة " الذي يقع في خمسة وعشرين جزءا والله أعلم. لما الباحث محمد دبوز فقد ذكر أن " ديوان الأشياخ " في خمسة وعشرين جزءا، و" ديوان العزابة " في عشرة أجزاء وعدد مؤلفيه عشرة علماء، ولعله خلط بين " ديوان العزابة " الذي يقع في خمسة وعشرين جزءا، وبين " ديوان الأشياخ الذي يقع في اثنى عشر جزءا، وقد نقص من ديوان الأشياخ جزئين والله أعلم (انظر: الدرجيني، الطبقات، 409/ 2، 455 - 456 - الشماخي، السير، 74/ 2، 96 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 388/ 3 - 389 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 58/ 2 رقم الترجمة: 111، 429/ 2 رقم الترجمة: 923).
"
"
(1) - الدرجيني، الطبقات، 409/ 2، 455 - 456 - الشماخي، السير، 74/ 2، 96 ـ دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 388/ 3 - 389 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 58/ 2 رقم الترجمة: 111، 29/ 2 رقم الترجمة 923. .. - قسم الشيخ عمروس الدينونة إلى قسمين الأول في العقيدة، والثاني في الفقه، كما سنرى في الفصل الرابع. - النكاث أو النكاثة أو الناكثة، من كلمة " نكث " أي " أنكر " هم جماعة خرجت على الإمام عبد الوهاب، وأنكروا إمامته ونكثوا اليمين التي قطعوها له، فلذلك سموا بالنكاث وبالنكار، ويعرفون كذلك بالنجوية من كلمة نجوى أي الخديعة السرية التي عرفت عنهم عند مناقشة مسألة إمامة الإمام عبد الوهاب التي أنكروها، ويعرفون كذلك بالملحدة لأنهم الحدوا بالنسبة لأسماء الله تعالى، وباليزيدية نسبة إلى فقيههم عبد الله بن يزيد الفزاري، أو نسبة إلى زعيمهم السياسي يزيد بن فندين الذي خرج على الإمام عبد الوهاب وأنكر إمامته، ويعرفون بالشغبية بسبب الشغب الذي احدثوه، وبالمستاوه نسبة إلى اسم قبيلة من قبائل البربر الرئيسة المؤيدة لهم، والنكار أو النكاث كانوا في البداية على المذهب الإباضي إلا انهم انشقوا عنه، وابتدعوا أقوالا خاصة بهم في الفقه والعقيدة لا تمت إلى المذهب الإباضي بصلة فتبرا منهم أئمة المذهب الإباضي، وتعود جذور النكار إلى عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، حيث أظهر بعض تلامذته أقوالا في العقيدة والفقه لا تمت بصلة إلى المذهب، فتبرا منهم الإمام أبو عبيدة وطردهم من مجلسه، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن عبد العزيز، وأبو المعروف شعيب، وعبد الله بن يزيد الفزاري، وهؤلاء يعدهم النكار من أئمتهم، وقد وقعت معارك بين النكار بقيادة أبي قدامة يزيد بن فندين، وبين الإباضية بقيادة الإمام عبد الوهاب كان النصر فيها من نصيب الإمام عبد الوهاب، وقتل يزيد بن فندين، إلا أن حركة النكار استمرت في شمالي إفريقيا، وكونوا هيئات ومجالس للعزابة خاصة بهم، ومع بداية القرن الرابع الهجري حاول النكار إقامة إمامة بقيادة أبي يزيد مخلد بن كيداد المشهور بصاحب الحمار، واستطاع بين (316 - 336 هـ) أن يسيطر على القسم الأكبر من وسط شمالي إفريقيا، وكان ذلك العصر الذهبي للحركة النكارية، واستطاعوا أن يصلوا إلى بعض مناطق الأندلس، إلا أن مخلد بن كيداد هزم وصرع على يد الحاكم الفاطمي المنصور بن القاسم سنة 336 هـ، وكانت تلك نهاية الحركة النكارية، فلم تظهر لهم ظاهرة بعد ذلك =
116 (1/116)
صفحة 117
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
عمروس بن فتح؛ ومن علماء نفوسة الذي أكثروا في التأليف الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد الفرسطائي النفوسي"، فمن مؤلفاته كتاب " القسمة وأصول الأرضين "" في ثمانية أجزاء، وكتاب في
(=
، وقد كان لهم وجود حتى القرن الثاني عشر الهجري، حيث أنهم كانوا في القرن 10 هـ، و 11 هـ، و 12 هـ، يعمرون للجانب الشرقي لجزيرة جربة، كما يذكر الشيخ الجعبيري، إلا أن حركتهم انتهت فلا وجود لهم اليوم كما يذكر الشيخ علي يحيى معمر؛ والإباضية يعدون النكار كفار نعمة، والعلاقة بين الفريقين كانت ذات طابع عدائي، وأهم معتقدات النكار التي خالفوا بها الإباضية: 1 - أسماء الله مخلوقة، 2 - حجة الله ليست ملزمة، 3 - ولاية الله للمسلمين متقبلة، 4 - لايلزم العلم بالفرائض عدا التوحيد، ولكن يلزم العمل بتلك الفرائض، 5 - المسلمون الذين يؤمنون بالتشبيه في حق الله هم مشركون، 6 - صلاة الجمعة في عهد الحاكم الجائر غير جائزة، 7 - الحرام المجهول مباح، 8 - الإمامة ليست واجبة، 9 - لا تجوز إمامة رجل إذا كان في المسلمين من هو أعلم منه، هذه بعض أقوالهم وهناك أقوال أخرى لهم ذكرتها المصادر والمراجع التي تحدثت عن هذه الحركة، والإباضية يتبرأون من النكار ومن حركتهم ومعتقداتهم (انظر: علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 14/ 2 - 20 - علي يحيى معمر، الإباضية مذهب اسلامي معتدل، ص 44 - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 201 - 208 - الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 213 الهامش) ..
.
- هو أحمد بن الحسين بن أبي زياد الاطرابلسي، مؤسس الحركة الحسينية أو العميرية أو العمدية، قيل أنه من طرابلس الشام، إلا أن د/ عمرو النامي يرى أنه من طرابلس ليبيا لأن أتباعه كانوا هناك، ولأن سوريا لم يكن فيها أي مجموعات ياضية في أي وقت، عاش في القرن الثالث الهجري، يأخذ بقول عيسى بن عمير في الكلام، وبقول ابن علية في الفقه، ذكرت له مؤلفات منها " كتاب المقالات " في الكلام، و " كتاب "المختصر" في الفقه، وهما مفقودان كما ذكر د/ النامي، وحركة الحسينية هي استمرارية لحركة العميرية أو العمدية أتباع عيسى بن عمير، الذي ظهر في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وخالفه في مسائل عديدة، والعميرية حركة مستقلة منذ بدايتها ولا علاقة لها بالمذهب الإباضي، وهم يسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، والحسينية والعميرية يمكن اعتبارها حركة واحدة، فأحمد بن الحسين تبنى آراء العميرية، وزاد من عنده بعض الآراء، ومن آراء هذه الحركة: 1 - من أنكر ما سوى الله فليس بمشرك، 2 - يسع جهل معرفة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، 3 - المتأولون المخطئون مشركون، 4 - إن سكان الجنة يعيشون في خوف أبدي، ورجاء ابدي، 5 - خوف الرسول صلى الله عليه وسلم من الله هو خوف إجلال لا خوف عقاب، وغيرها من الآراء الغريبة، وذكر د/ علي يحيى معمر أن بعض هذه الآراء تخرجهم من الإسلام، وقد كانت مجموعة الحسينية موجودة في القسم الشرقي من جبل نفوسة، ثم استمالهم لبو يحيى زكرياء بن إبراهيم الباروني إلى المذهب الإباضي، والبعض ينسب الحسينية إلى الإباضية ويعتبرها فرقة من فرق الإباضية وهذا كلام غير صحيح، فلا علاقة بين الإباضية وبين الحسينية أو العميرية، بل إن الإباضية يتبرأون من أتباع هذه الحركة ويردون عليهم بالمناظرات وبالمؤلفات، وقد كان الشيخ عمروس ممن ناظرهم ورد على ضلالاتهم، وألف كتابا في ذلك وهو الرد على النكات واحمد بن الحسين " يرد فيه على حركة النكاث وعلى حركة الحسينية، حتى قال أحد أقدم علماء الإباضية: " لولا عمروس بن فتح وأفلح بن عبد الوهاب اللذان رفضا آراء نفاث بن نصر واحمد بن الحسين، لتبعتهم المذاهب "، وقال الشيخ أبو زكرياء الوارجلاني رادا على من زعم أن الحسينية أو العميرية أو العمدية هم من أتباع المذهب الإباضي: " إن طائفة تتنتحل اسم الإباضية يقال لهم العمدية، لم تجمعنا وإياهم جامعة من قبل، وهم يزعمون أنهم إباضية يسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود رحمه الله، وهم أتباع عيسى بن عمير " إهـ (أنظر: علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 2/ 31 - 33 - علي يحيى معمر، الإباضية مذهب اسلامي معتدل، ص 44 - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 213 - 217). (1) - دليل المؤلفين العرب الليبيين، ص 300 نقلا عن: عمروس، الدينونة الصافية، ص 21 مقدمة المحقق- النامي، دراسات عن الإباضية، ص 221 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 322/ 2، رقم الترجمة: 690.
- هو أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر بن أبي بكربن يوسف الفرسطائي النفوسي، عالم من علماء وارجلان، أصله من فرسطاء بنفوسة، وهو ابن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي مؤسس نظام حلقة العزابة، كان يقيم في قرية تملوسيت أخذ العلم عن أبيه، وعن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت: 471 هـ)، و أبي محمد ويسلان بن أبي صالح وغيرهم، وجد في مكتبات جبل نفوسة ثلاثة وثلاثين ألف جزء من كتب المشارقة، فاختار أحسنها وعكف على قرائتها، من تلامذته: ابو عمرو عثمان بن خليفة السوفي، وصالح بن أفلح، وأبو عبد الله محمد النفوسي وغيرهم، وهو حلقة في سلسلة نسب الدين، وقد عده المستشرق بيار كوبرلي إمام دفاع، لأنه كان يتصدى لغارات بعض المعتدين، صنف في آخر عمره خمسة وعشرين كتابا، وكتابا آخر تركه في الألواح، وتعد تأليفه من الأمهات في الشريعة الإسلامية عند المذهب الإباضي، من مؤلفاته: 1 - كتاب القسمة وأصول الأرضين في ثمانية أجزاء، طبع في سلطنة عمان، وكذلك طبع في بالجزائر بجمعية التراث، بتحقيق د/ محمد ناصر والشيخ بلحاج بكير باشعادل، 2 - السيرة في الدماء والجراحات (مخ)، 3 - كتاب الديات (مخ)، 4 - تبيين أفعال:
=
117 (1/117)
صفحة 118
الشيخ عمروس ومنهجه
.
(2)
التوحيد عنوانه " مما لا يسع الناس جهله "، وكتاب " السيرة في الدماء والجراحات، وغيرها من المؤلفات ذكرها أصحاب معجم أعلام الإباضية (1)؛ ومن علماء نفوسة أصحاب المؤلفات الشيخ أبو زكرياء يحيى الجناوني، فمن مؤلفاته " عقيدة نفوسة " (مط)، وكتاب الصوم (مط)، وكتاب الأحكام، وكتاب النكاح، وكتاب الوضع هذه بعض النماذج على مؤلفات علماء نفوسة، وقد يكون بعضهم متأخرا قليلا بقرنين أو ثلاثة عن الشيخ عمروس، ولكن ذكرتهم للتمثيل على مدى اهتمام علماء نفوسة بالتأليف، وكذلك لأنهم قريبين من عصر الشيخ عمروس، فهم عبارة عن امتداد للحركة العلمية التي عايشها الشيخ عمروس، وكذلك لأن المصادر لا تذكر الكثير عن عصر الشيخ عمروس، والمؤلفات التي ظهرت في تلك الفترة، ولا يعود السبب في ذلك إلى قلة التأليف ولكن بسبب ضياع المؤلفات في الفتن والصراعات التي اجتاحت فترة ظهور الشيخ عمروس، وكان الشيخ عمروس نفسه أحد ضحاياها، حيث إنه استشهد في وقعة مانو (283 هـ (كما سيأتي؛ إذا فهكذا كانت الحركة العلمية في جبل نفوسة في عصر
=
العباد في ثلاثة أجزاء (مخ)، وغيرها من المؤلفات، وقد اشترك في تأليف كتاب " ديوان العزابة " وأسند إليه كتاب للحيض وغيره (مخ)، توفي بتصوانت باريغ، وذلك يوم الخميس في ضحوة عرفة من شهر ذي الحجة من عام 504 هـ (انظر: البرادي، الجواهر (مخ)، ص 220 - الدرجيني، الطبقات، 442/ 2 - 446 - الشماخي، السير، 89/ 2 - 91 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 48/ 22 - 50 رقم الترجمة: 89).
- طبع بسلطنة عمان بتحقيق د/ محمد ناصر والشيخ بلحاج بكير باشعادل، ثم أعيد طبعه في الجزائر، نشر جمعية التراث (انظر: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 49/ 2 رقم الترجمة: 89).
- مخطوط، يوجد منه نسختان بجربة (انظر: المصدر السابق، 49/ 2 رقم الترجمة: 89). ـ لا يزال مخطوطا) انظر: المصدر السابق، 49/ 2 رقم الترجمة: 89). . (1) - المصدر السابق، 49/ 2 رقم الترجمة: 89.
- هو ابو زكرياء يحيى بن الخير الجناوني، من قرية إجناون بجبل نفوسة بليبيا، عاش في القرن الخامس الهجري، يعد من العلماء الأعلام، هو حلقة في سلسلة نسب الدين، أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن أبي هارون، وغيره من العلماء، مكث في طلب العلم اثنتين وثلاثين سنة، أخذ عنه بشر كثير منهم: ابو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وأبو زكرياء يحيى بن أبي بكر صاحب كتاب سير الأئمة واخبارهم، وأبو سليمان داود بن هارون، ترك عدة مؤلفات، ذكرتها في النص أعلاه (انظر: الدرجيني، الطبقات، 470/ 2، 489 - 490 - الشماخي، السير، 100/ 2، 178 ـ 179 - يحيي بن الخير بن أبي الخير الجناوني (أبو زكريا)، كتاب النكاح، تعليق: علي يحيى معمر، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان، ص 7 - 8 ترجمة المؤلف - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 2، ص 93 95 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 456/ 2 رقم الترجمة: 993). ". مخطوط بمكتبة الشيخ سالم بن يعقوب، وللشيخ أبي يعقوب يوسف المصعبي حاشية عليه، حققه الباحثان عمر بارزين واحمد كروم، وهو تحت الطبع (انظر: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 456/ 2 رقم الترجمة: 993) - طبع بمصر، قدم له وعلق عليه الشيخ علي يحيى معمر) انظر: المصدر السابق، 456/ 2، رقم الترجمة: 993). - مختصر في الأصول والفقه، حققه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، وطبع عدة مرات، وللمحشي أبي ستة محمد بن عمر حاشية عليه (مخ)، وله عنوان آخر " اللمع " (انظر: المصدر السابق، 456/ 2 رقم الترجمة: 993). (2) - المصدر السابق، 456/ 2 رقم الترجمة: 993
.
..
..
118 (1/118)
صفحة 119
الشيخ عمروس، مفعمة بالحركة والنشاط، فواكب ذلك ظهور عدد كبير من العلماء الذي تركوا الكثير من المؤلفات القيمة.
119 (1/119)
صفحة 120
الشيخ عمروس ومنهجه
4
-
المطلب الثالث: المؤسسات التعليمية في عصر الشيخ عمروس:
لقد شهد عصر الشيخ عمروس حركة علمية وثقافية كبيرة، كما مر علينا سابقا، ومثل هذه الصحوة العلمية لابد لها من مؤسسات تخدم ذلك النشاط العلمي في تلك الفترة، وكانت أهم المؤسسات العلمية التي ساهمت في دعم الحركة العلمية في عصر الشيخ عمروس تتمثل في ثلاثة مؤسسات، وهي: المساجد، والكتاتيب أو الكتاب، وأخيرا المكتبات، مع وجود بعض الدعم من مؤسسات أخرى كمنازل العلماء، الذين حولوها مدارس لتعليم الطلاب، وإن كانت حلق العلم أكثر ما تعقد في المساجد، وأما الكتاتيب فكانت تخصص لصغار السن من التلاميذ الذين لم يبلغوا سن الرشد بعد كما سيأتي. فكيف ساهمت هذه المؤسسات الثلاث في الحركة العلمية في عصر الشيخ عمروس؟ وماهو الدور الذي لعبته في هذا المقام؟ هذا ما سأحاول مناقشته من خلال هذا المطلب
أولا: المساجد:
إن المساجد لعبت دورا كبيرا في النهضة العلمية عند المسلمين - مع دورها الأساسي المتمثل بأداء العبادات بها - خاصة في العصور المتقدمة، فقد كانت تعد كالجامعات في زماننا هذا، حيث أنه تقام بها حلق العلم التي تتناول مختلف العلوم، سواء الشرعية من تفسير وحديث وفقه ... إلخ، أو الدنيوية من طب وهندسة ورياضيات .... إلخ؛ وقد اهتمت الدولة الرستمية ببناء المساجد في مختلف ولاياتها سواء العاصمة تيهرت أو بقية الولايات، وذلك لعلمها بأهمية المساجد ودورها الفاعل في دعم الحركة العلمية في الدولة، قال الباحث محمد دبوز واصفا دور المساجد العلمي في الدولة الرستمية: المساجد في كل أنحاء الدولة الرستمية عامرة بدروس الوعظ والإرشاد، وبكل ما يثقف العقول ويهذب النفوس، ويثبت الدين، وكانت المدينة أو القرية التي تسرع إلى صلاة الجماعة في المسجد تحرص على حضور دروس الوعظ والعلم بين أوقات الصلوات فيه، وكانت هذه الدروس في مواضيع كثيرة: في التفسير، والحديث، والفقه، وتاريخ الرسول الله والخلفاء الراشدين، وفي الأخلاق، وفي
11
وكانت
،
120 (1/120)
صفحة 121
(1)
الشيخ عمروس ومنهجه
كل المواضيع المهمة التي تشغل بال الرعية، وتنفعها في أعمالها، ويستقيم بها اتجاهها في كل نواحي الحياة " إهـ إذا ومن هذا المنطلق فإن الإمام عبد الرحمن بن رستم عندما قام ببناء تيهرت، كان المسجد من أول المنشآت الحضارية لدولته، لعلمه بأهميته كمكان للعبادة، وكذلك بأهميته كجامعة لتخريج فطاحل العلماء، ولم يكتف ببنائه فقط، بل شرع في إقامة حلق العلم فيه، فكان يتولى التدريس فيه بنفسه (2) وقد انتشرت المساجد في العاصمة الرستمية تيهرت انتشارا كبيرا، حتى أصبح كل مذهب له مساجده الخاصة التي يعرف بها، وقد مر علينا سابقا ما قاله ابن الصغير في وصف الحرية الدينية والفكرية في العاصمة تيهرت في عهد الإمام عبد الرحمن بن رستم؛ ويتولى اتباع كل مذهب إقامة الدروس العلمية في مساجدهم، وكذلك كانت تحدث في المساجد بعض المناظرات بين مختلف المذاهب الإسلامية بكل حرية ورحابة صدر، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا؛ وقد كان أئمة الدولة الرستمية يجتمعون بالعلماء في المساجد للتشاور ولإقامة حلق العلم، فيروى أن الإمام أبا اليقظان كان يجل العلماء ويلتقي بهم في المسجد الجامع كما مر؛ هذه بعض الملامح عن المساجد في العاصمة الرستمية تيهرت، ودورها الرائد في دعم الحركة العلمية في ذلك الوقت
ولم يكن دور المساجد كمؤسسات فاعلة في الحركة العلمية مقتصرا على تيهرت، بل الملاحظ أن المساجد في بقية ولايات الدولة الرستمية كانت تساهم بشكل كبير في دعم الحركة العلمية وتنشيطها، لا تقل عن الدور الذي تقدمه مساجد العاصمة تيهرت؛ فمن ولايات الدولة الرستمية المهمة جبل نفوسة – الذي ترعرع بين جنباته الشيخ عمروس – الذي كانت مساجده تقوم بدور كبير في دعم وتنشيط الحركة العلمية، التي شهدها جبل نفوسة في ذلك الوقت، وقد حاز جبل نفوسة قدم السبق في الاهتمام ببناء المساجد، وإقامة مختلف حلق العلم بها في القرون الإسلامية الأولى، فنجد أن الكثير من العلماء والصالحين - سواء كانوا من أهل جبل نفوسة أو من غير أهله - قاموا ببناء عدة مساجد ومصليات في مختلف مدن وقرى جبل نفوسة، فالإمام عبد الوهاب عندما زار جبل نفوسة مر في طريقه
(1) - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 405/ 3
(2) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 82 - الدرجيني، الطبقات، 41/ 1 - الشماخي، السير، 125/ 1 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 372/ 3 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 267
- انظر ص 98 - انظر ص 107.
". انظر ص 105.
121 (1/121)
صفحة 122
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
على جبل دمر، وبنى مسجدا في موضع يسمى " تلاليت " في جبل دمر، وعندما وصل إلى جبل نفوسة ظل فيه سبع سنوات يدرس أحكام الصلاة، وأقام في قرية " ميري وبني فيها مسجده المشهور الآن بمسجد سيدي عبد الوهاب، وكان يلقي فيه دروسه ومواعظه؛ وقد مر علينا أن عاصم السدراتي أوقف حياته لنشر العلم، متنقلا بين مدن وقرى جبل نفوسة وغدامس وجبال الأوراس
(")
.
(3)
والأحياء الصحراوية، فاتخذ لذلك مصليات صغيرة يلقي فيها دروسه على الناس وطلاب العلم والملاحظ أن الكثير من العلماء والصالحين من أهل نفوسة، أنشأوا مساجد ومصليات عرفت بهم؛ فالشيخ عمروس بنى مسجدا في قرية " قطرس "، وهو معروف باسم مسجد الشيخ عمروس وكان بعضهم له عدة مساجد ومصليات، فالشيخ أبو المنيب محمد بن يانس كانت له سبعة مساجد بعضها في الجبل وبعضها في السهل، وكانت لا تفوته الصلاة في كل مسجد منها كل ليلة وهو شيخ كبير كما ذكر الدرجيني؛ وكان الشيخ أبو مهاصر موسي بن جعفر له مصلى يصلي فيه في طريق ذهابه إلى الحج، وعند عودته من الحج (5)، وكذلك كانت له ثلاثة مساجد (6)؛ وأبو الحسن الأبدلاني كان له مصلى كذلك (7)، وأبو عبيدة عبد الحميد الجناوني كانت له سبعة مساجد يتعبد فيها
(7)
(4)
(^)
تلالت: قرية تقع بجبل دمر الذي يقع في طرابلس، في جنوب تونس حاليا ويسمى بجبل الحواية (انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 114 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 302/ 1، 44/ 2 رقم الترجمة: 80). (1) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 114 - الباروني، الأزهار، 137/ 2 - 138 - ميري او تيري: قرية من قرى جبل نفوسة، تقع في وسطه، من علمائها المشهورين أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري، يعتبر ثاني اثنين مع عبد الله بن الخير بقيا من العلماء بعد موقعة مانو ضد الأغالبة سنة (283 هـ) (انظر: الباروني، الأزهار، 141/ 2 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 313/ 1، 169/ 2 رقم الترجمة: 369). ذكر الباحث علي يحيى معمر أن مسجد الإمام عبد الوهاب لا يزال شامخا إلى يومنا هذا رغم اندثار مدينة ميرى التي لم يبق منها إلا بعض الأطلال (انظر: علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية، القسم الثاني، ص 211 - 212 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 281 للهامش). (2) - الباروني، الأزهار، 141/ 2
) ?
- انظر ص 111
عبد الله الباروني، رسالة سلم العامة والمبتدئين، ص 54، هامش المحقق.
، الطبقات، 298/ 2 - الشماخي، السير، 148/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 396/ 2 رقم
(4) ? الدرجيني للترجمة: 855.
(0) - الدرجيني، الطبقات، 307/ 2 - الشماخي، السير، 172/ 1.
(1) - الشماخي، السير، 235/ 2
(7). المصدر السابق، 235/ 2
(8) - المصدر السابق، 156/ 1، 235/ 2.
122 (1/122)
صفحة 123
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
هذه بعض الأمثلة على المساجد والمصليات التي قام بإنشائها علماء نفوسة بهدف التعبد فيها وكذلك بهدف نشر العلم عن طريقها، وهناك الكثير من المساجد والمصليات لم أذكرها خوف الإطالة، وقد جمعها الشماخي في نهاية كتابه السير هذه المساجد والمصليات التي كانت منتشرة بكثرة في مختلف أرجاء قرى ومدن جبل نفوسة كانت تلعب دورا كبيرا في النهضة العلمية في عصر الشيخ عمروس، حيث أن العلماء يستغلونها لإقامة حلق العلم وإلقاء الدروس والمواعظ، فقد مر علينا أن الإمام عبد الوهاب أقام سبع سنوات في جبل نفوسة يلقي دروسا في أحكام الصلاة بمسجده في قرية " ميري "، وعاصم السدراتي كذلك استغل المصليات التي أقامها لنشر العلم، وإقامة حلق العلم المختلفة كما ذكرنا؛ وكان الشيخ عمروس يذهب إلى مكان يسمى " تنين أندرشل " لطلب العلم، حيث يجتمع في ذلك المكان مجموعة من العلماء، ولعلهم
(3).
(2)
كانوا يجتمعون لطلب العلم في مسجد تنين أندرشل، حيث ذكر الشماخي أنه كان يوجد مسجد في " تنين أندرشل " يعرف باسمه، أي باسم " تنين أندرشل وكذلك بالنسبة لبقية ولايات الدولة الرستمية، فقد لعبت فيها المساجد دورا كبيرا في دعم النهضة العلمية، وأولى علماء تلك الولايات اهتماما كبيرا بالمساجد وتعميرها حسيا بالبناء، ومعنويا بحلق العلم المختلفة؛ فعلى سبيل المثال جزيرة جربة شهدت في تلك الفترة نهضة علمية مثلها مثل بقية ولايات الدولة الرستمية، وقد اهتم علماؤها بعمران المساجد، فمن علمائها الذين شيدوا المساجد بها ونشروا العلم عن طريقها، الشيخ أبو الخطاب وسيم الزواغي الذي قام ببناء مسجد يعرف باسم " مسجد وسيم " في موضع يسمى " تاصروت """ بقرية من قرى جزيرة جربة (4)؛ والشيخ أبو مسور اليراسني
(1) - انظر: الشماخي، السير، 235/ 2 - 236
(1) البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 76 - 77 - الشماخي، السير، 149/ 1، 19/ 2 - 20
) - الشماخي، السير، 235/ 2
- هو أبو الخطاب وسيم وقيل وسيل بن سينتين الزواغي، يعد من الطبقة السابعة (300 هـ - 350 هـ)، من أعلام قبيلة زواغة بجبل نفوسة، نشأ بها ثم انتقل إلى زويلة بليبيا، أخذ العلم عن أبي نوح سعيد بن زنغيل، وعبد الله بن زوزتين، وابي الربيع سليمان بن زرقون، تولى القضاء بمدينة " ويضو " أو " بريمو "، بعد وفاته قالت امرأة معافرية من ذرية أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري (ت: 144 هـ): " لما مات أبو الخطاب، مات الحق، فبقيتم يا زواغة هائمة، ببطون كالأخرجة، وعمائم كالأبرجة، ونعال مبلجة، واحكام متعرجة " (انظر: الدرجيني، الطبقات، 8/ 1، 109، 112 - 115 ـ الشماخي، السير، 238/ 1 - 240 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 445/ 2 - 446 رقم الترجمة: 966). تاصروت: هو موضع بقرية بجزيرة جربة في تونس، وقد اختلفت المصادر في اسمه، فورد تاصروت، وناصروت، وتيمزرت، ويمزروت، وتبازريوت) انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 199 - الدرجيني، الطبقات، 114/ 1 ـ الشماخي، السير، 239/ 1 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 445/ 2 - 446 رقم الترجمة: 966).
123 (1/123)
صفحة 124
الشيخ عمروس ومنهجه
من علماء جربة، كذلك قام ببناء مسجد كبير فيها يعرف بمسجد بني يراسن"، وذكر الشيخ سالم بن يعقوب أنه يعرف بالجامع الكبير أو جامع أبي مسور نسبة إلى مؤسسه، وكان سبب بنائه لذلك
(2)
(1)
المسجد كثرة عدد طلابه، حيث لم يتسع لهم المكان الذي كان يدرسهم فيه، فأراد بناء مسجد كبير يتسع لهم، إلا أن منيته عاجلته قبل إتمامه، فأكمل بنائه ابنه فصيل، فصار المسجد جامعا يخرج العلماء، وكانت به مدرسة عظيمة دام نشاطها قرابة 11 قرنا، تخرج منها العديد من علماء الإباضية، من جربة ونفوسة وميزاب؛ وكذلك قام أئمة الدولة الرستمية ببناء مسجد في جزيرة جربة يعرف بـ " جامع تاجديت "، ليكون منارة للإشعاع العلمي، يقول عنه أبو راس الجربي: " هي لفظة أصلها الجامع الجديد، بني في أول المائة الثالثة، أمر ببنائه أمير مدينة تيهرت على يد عامله بجربة " إهـ وتوجد بجربة الكثير من المساجد التي أسسها أهل العلم أعرضنا عن ذكرها خوف الإطالة، وقد أشار إلى
(3)
(4) ـ أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 199 - الدرجيني، الطبقات، 114/ 1 - الشماخي، السير، 239/ 1 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 445/ 2 رقم الترجمة: 966. - هو ابو مسور
يسجا - وورد يشجا - بن يوجين اليراسني - وورد اليهراسني-، و" يسجا " اسم بربري يعني استقام، عاش في أواخر القرن الثالث الهجري، من عظماء جزيرة جربة بتونس، ينتمي إلى قبيلة يراسن، وهي قبيلة بربرية استوطنت الأراضي الممتدة من " تطاوين " إلى جبل نفوسة، نشأ في رعاية والده يوجين، وحفظ القرآن وأخذ مبادئ العلوم بكتاتيب قريته، الحقه والده بعد ذلك بحلقة الشيخ أبي زكرياء يحيى بن يونس السدراتي بشروس بجبل نفوسة، ومن مشائخه كذلك أبي معروف ويدرن بن جواد، ولبي صالح بكر بن قاسم، وغيرهم، عاد إلى جربة فأقام فيها حاكما ومعلما ومرجعا للفتوى طيلة خمسين سنة، تخرج على يديه عدد كبير من العلماء منهم: أبو محمد ويسلان بن أبي صالح، وأبو محمد عبد الله بن مانوج اللماني، وأبو موسى عيسى الزواغي وغيرهم، أعاد من كان بجزيرة جربة من الخلفية إلى المذهب الوهبي الإباضي، وهو حلقة ذهبية في سلسلة الدين، وقد توفي في حومة قلالة بجربة، وبها دفن، ولا يزال قبره معروفا) انظر: الدرجيني، الطبقات، 8/ 1، 116، 117، 107 - 109 - الشماخي، السير، 32/ 2 - 33، 256، 345، 346 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 468/ 2 - 469 رقم الترجمة: 1024). - يعد من أكبر مساجد جزيرة جربة، ويقع في حومة الحشان على بعد 4 كلم غربي حومة السوق (انظر: سالم بن يعقوب،
تاريخ جزيرة جربة، ص 110).
- بنو يراسن نسبة إلى قبيلة يراسن البربية، استوطنت الأراضي الممتدة من " تطاوين " إلى جبل نفوسة (انظر: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 468/ 2 رقم الترجمة: 1024). (1) - سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة، ص 110. . هو أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور يسجا بن يوجين اليهراسني، من أفذاذ العلماء بجزيرة جربة في تونس، ولد بجبل نفوسة، تلقى العلم عن أبيه أبي مسور بجربة، وعن الشيخ أبي خزر يغلى بن زلتاف بإفريقية، فصار علما فقيها، تولى التدريس بمسجد أبيه بجزيرة جربة، بعد أن أكمل بنائه، من تلامذته: ابو الخطاب عبد السلام بن وزجون، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، والعلامة أبو عبد الله محمد بن بكر مؤسس نظام العزابة وغيرهم، وقد كان فصيل هو صاحب الفكرة الأساسية لنظام العزابة، ولذلك سمي نظام العزابة بـ: " السيرة المسورية البكرية " نسبة إلى فصيل بن أبي مسور، ومحمد بن بكر، كان صاحب اخلاق حميدة، وكريم اليد ينفق على الطلبة بسخاء وبسرية، توفي بين سنتي 420 هـ و 440 هـ (انظر: للدرجيني، الطبقات، 8/ 1، 139، 107 - 109، 189، 192، 218/ 2، 242، 254، 361 - 364، 393 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 339/ 2 رقم الترجمة: 734). (2) - الدرجيني، الطبقات، 159/ 1 - سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة، ص 110 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 469/ 2 رقم الترجمة: 1024. (3) ? ابو راس محمد الجربي، مؤنس الأحبة في اخبار جربة، ص 97 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 278.
124 (1/124)
صفحة 125
الشيخ عمروس ومنهجه
أربعة عشر مسجدا من مساجدها الشيخ سعيد بن أيوب الباروني في قصيدة مخمسة مشيرا إلى مدارسها ومدرسيها فاليرجع إليها ".
ووارجلان كذلك لم تقل عن مثيلاتها من ولايات الدولة الرستمية، فقد اهتم علماؤها ببناء المساجد
.
11
(1)
ونشر العلم عن طريقها، ومنهم الشيخ أبو صالح جنون الوارجلاني قام ببناء محراب ومسجد بوارجلان، أمام مدينة " إنجان المنطقة، وقد أحرقه العبيديون في غاراتهم على؛ وكان أهل وارجلان يجتمعون عنده طلبا للعلم، قال الدرجيني: " وكانت جماعة أهل وارجلان تجتمع عند مسجد الشيخ جنون، فمنهم المستفيد منه علما، ومنهم المتبرك بمشاهدته، والمشارك فيما يعرض من أمور دنياه ودينه، والمقتني خلقا يتحلى به، والمستزيد من معرفة سبب السير، فكلهم منقلب بخير وفضل " إهـ إذا فقد لعبت المساجد دورا كبيرا في النهضة العلمية التي عايشها الشيخ عمروس، كمؤسسات علمية نشطة توازي الدور الذي تؤديه الجامعات في عصرنا هذا، وقد كانت الحلق التي تقام في المساجد والمصليات تخصص غالبا لطلاب العلم الذين تجاوزوا مرحلة سن البلوغ، أما مراحل التعليم الأولى في
(2)
- هو الشيخ سعيد بن أيوب الباروني النفوسي، ويكنى بأبي عثمان، عاش في القرن الحادي عشر الهجري، هو من علماء جربة، تتلمذ على عدد من مشايخها في أربعة عشر مسجدا من مساجد جربة، من مشايخه ابو حفص عمرو بن أبي ستة القصبي والد المحشي، اشتغل بالتدريس وترك تلامذة منهم شاعر نظم قصيدة في مدحه؛؛ وينبغي التنبيه أنه يوجد شخص آخر يحمل نفس اسم الشيخ سعيد، وهو الشيخ سعيد بن ايوب الباروني، وقد عاش في القرن الثالث عشر الهجري، وهو من علماء الدين والسياسة بجبل نفوسة بليبيا، أخذ العلم عن والده وعن مشايخ الجامع الكبير بجربة، كان خطيبا مفوها، ترك بعض المؤلفات، وكانت بينه وبين الإمام القطب مراسلات، انشاء مدرسة علمية ببلدة كباؤ، وأوقف لها أموالا تكفيها وتكفي طلبتها واساتذتها، وقد تعطلت بعد وفاته، وأسست الحكومة العثمانية على أنقاضها مستوصفا، وكانت الحكومة العثمانية تهابه وأسندت إليه بعض الوظائف المهمة، ترك مكتبة هامة إلا أن النار قضت عليها (انظر: سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة، ص 102 - 106 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 175/ 2، رقم الترجمة: 386، 175/ 2، رقم الترجمة: 387). انظر القصيدة كاملة في: سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة، ص 102 - 106 - هو الشيخ أبو صالح جنون وورد أكنون - بن يمريان اليهرساني - وورد اليراسني - الوارجلاني، عاش في أوائل القرن الرابع الهجري، من سدراته ايزورام، كان شيخ الإباضية بوارجلان، وكان عالما ذكيا غزير المادة، وكان ينفق بسخاء على العلم وأهله، تتلمذ على أبي يوسف يعقوب الطرفي الذي أخذ العلم عن بعض الأئمة الرستميين بتيهرت، له تأليف مشهورة قضت عليها الفتن، بقي منها قصيدة مشهورة له في الوعظ، وكذلك نقلت عنه وصايا وروايات في العقيدة والفقه، وله فتاوى، قبره بسدراته في المقبرة المنسوبة إليه، ومعبده غار اسفل جبل كريمة، لا يزال إلى الآن على حاله (انظر: الدرجيني الطبقات، 143/ 1 - 144، 341/ 2 - 345 - الشماخي، السير، 45/ 2 - 47، 143 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 115/ 2 - 116 رقم الترجمة: 245) - إنجان: مدينة توجد في وارجلان بالجزائر (انظر: بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 300/ 1، 115/ 2 رقم الترجمة: 245). (1) الدرجيني، الطبقات، 144/ 1 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 115/ 2 رقم الترجمة: 245 (2) - الدرجيني، الطبقات، 144/ 1.
.
،
125 (1/125)
صفحة 126
الشيخ عمروس ومنهجه
سن الطفولة فتكون خارج المسجد في مكان يعرف بالكتاتيب، وذلك لأن الطفل لا يراعي جانب
الطهارة في المسجد والاحتراز من النجاسات
ثانيا: الكتاتيب:
(1)
القابسي
(2)
(4)
(3)
إن الكتاتيب كانت تمثل اللبنة الأولى للتعليم في بلاد المغرب في العصور المتقدمة كما ذكرت د/ نجاح، وقد كانت تعد من أشهر أنواع التعليم الابتدائي، ففيها كان الصبيان يلقنون مبادئ اللغة العربية، وحفظ القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، بطريقة التكرار والترداد وراء الشيخ؛ وقد اعتبر الباحث إبراهيم بحاز الكتاتيب من أهم المؤسسات التي بثت المعرفة في أوساط البربر ولما للكتاتيب من أهمية ودور فاعل في النهضة العلمية فقد أولتها الدولة الرستمية اهتماما بالغا، فقامت ببناء ملحقات مع المساجد لتكون كتاتيب لتعليم الأطفال في جميع ولاياتها؛ والحقيقة أن المصادر لا تتحدث كثيرا عن هذا الجانب المهم من تاريخ الدولة الرستمية، ولكن بعض الباحثين لم يستبعد وجود مثل هذه الكتاتيب في ولايات الدولة الرستمية المختلفة بما فيها العاصمة الرستمية تيهرت وذكر الشيخ سليمان داود أن الرستميين لم تقتصر عنايتهم بالتعليم في ناحية دون أخرى، بل كانت لهم
(0)
،
مدارس في جميع مملكتهم، وبالأخص في المدن الشهيرة مثل وارجلان، وبلد أريغ"، وسوف" والحامة، وقنطرار، وقسطيلية، وجبل دمر، وغدامس، وزويلة، وجربة، فضلا عن جبل نفوسة، وتيهرت (6).
(1) ? بحاز، الدولة الرستمية، ص 276 - 277، 282
(2) ـ د/ نجاح القابسي، المعاهد والمؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي، مجلة المؤرخ العربي، العدد 19، السنة 1981 م، بغداد، ص 177 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 276
_ ()
- عويس عبد الحليم، دولة بني حماد، ط 1: 1400 هـ / 1980 م، دار الشروق، بيروت، لبنان، ص 253 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 276 (4) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 276. (5) المصدر السابق، ص 278.
- أريغ: منطقة او وادي، تقع جنوب الجزائر، من علمائها إبراهيم بن مطكوداسن المزاتي الغرماني، كان شيخا فاضلا من رواة السير (انظر: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 299/ 1، 32/ 2 رقم الترجمة: 49). - سوف: منطقة أو وادي، تقع جنوب شرق الجزائر، من علمائها المشهورين أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني من علماء القرن السادس الهجري (انظر: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 314/ 1، 287/ 2 رقم الترجمة: " للحامة: منطقة تقع ببلاد الجريد في تونس، من علمائها أبو القاسم يزيد بن مخلد الوسياني الحامي (ت: 358 هـ) (انظر بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 305/ 1، 467/ 2 رقم الترجمة: 1022). (1) - سليمان داود بن يوسف، مجهودات الدولة الرستمية في نشر الحضارة الإسلامية وتركيزها، مجلة الأصالة عدد 49، ص، السنة السادسة رمضان شوال 1397 هـ / سبتمبر أكتوبر 1977 م نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 278
(620
126 (1/126)
صفحة 127
الشيخ عمروس ومنهجه
السكاك
وقد كان نظام الكتاتيب التعليمي له وجود في جبل نفوسة، وقد كان أهل نفوسة يدخلون أولادهم الكتاتيب لتلقي العلم وحفظ القرآن في مراحل عمرهم الأولى، والذي يدل على ذلك وجود إشارة لأبي زكرياء إلى نظام الكتاتيب عندما تحدث عن أحد الإباضية المنشقين عن المذهب ويعرف باسم واسمه عبد الله، وقال أن أباه أدخله في الكتاتيب فقرأ وحفظ (1)، وذكر الدرجيني نفس هذه القصة عن السكاك، إلا انه بدلا من أن يستخدم مصطلح " الكتاتيب " استعمل مصطلح " المؤدب "، فقال: .. ولما احتمل العلم دفعه أبوه إلى المؤدب، فقرأ وحفظ القرآن ... " إهـ (2) والظاهر أن الكتاتيب كانت تقام بالقرب من المساجد ومنفصلة عنها لسببين، أولهما أن الكتاتيب كان لتعليم الصبيان الذين ما زالوا لم يبلغوا سن الرشد بحيث يحترزوا من النجاسة إذا دخلوا المسجد الذي يشترط فيه الطهارة وأما السبب الثاني لإقامة الكتاتيب بالقرب من المساجد هو لارتباطها بالمساجد، حيث أن العلوم التي تعلم في الكتاتيب كانت في غالبها دينية بحتة أو مرتبطة به ارتباطا وثيقا
كاللغة العربية (3)
،
ويبدوا أن التلاميذ في الكتاتيب كانوا يستعملون الألواح الخشبية في التعليم"، ربما لندرة الورق في فيروى أن أول من تعلم القرآن في جبل نفوسة هو عمر بن يمكتن، وقد استخدم
ذلك الوقت
(4)
- هو أبد الله أو عبد الله السكاك - وورد الشكاس، ولعل السكاك أصح - اللواتي، ينتمي إلى قبيلة لواته البربرية، من سكان قنطرار بجبل نفوسة، عاش في القرن الخامس الهجري، كان يعمل صائغا، فلعله سمي بالسكاك لعمله في الصياغة، وهو مؤسس حركة السكاكية، كان أبوه رجلا صالحا على المذهب الإباضي، إلا أن السكاك عندما شب أظهر مخالفة المذهب في بعض المسائل التي بسببها تبرا الإباضية منه ومن حركته وأتباعه، وذهب بعض علماء الإباضية إلى تشريكهم، وذهب بعضهم إلى الحكم بنفاقهم، فكان الإباضية إذا مات بينهم أحد اتباع الحركة السكاكية يجرونه من رجليه جرا، ويلقونه في حفرة ما، بسبب تشريكهم لأتباع هذه الحركة الضالة، ومن معتقدات الحركة السكاكية: 1 - إبطال السنة ورأي المسلمين، 2 - الصلاة في جماعة بدعة، 3 - الآذان بدعة، فإذا سمع السكاكية الأذان قالوا: نهيق الحمار!، 4 - لاتجوز الصلاة بشيء من القرآن إلا ما عرف تفسيره ومعناه، 5 - لا تجوز الصلاة بثوب فيه قمل، 6 - الحبوب إذا بالت فيها الدواب التي تدرس نجسه، والقمح لا يطهر إلا بالغسل، والخضار من بساتين يستعمل لها الروث نجسة، والحركة السكاكية لم تتجاوز قنطرار، وذكر أبو زكرياء والدرجيني أن هذه الحركة لم تتجاوز قنطرار، وقد انقرض أتباعها، ولم يبق منهم احد (أنظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 203 - 204 - الدرجيني، الطبقات، 118/ 1 - 119 - علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 34/ 2 - 35 - علي يحيى معمر، الإباضية مذهب اسلامي معتدل، ص 44 - 45 - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 217). (1) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 203. (2) - الدرجيني، الطبقات، 118/ 1
) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 276 - 277
لا تزال هذه الوسيلة مستعملة إلى يومنا هذا في بعض مدارس وادي ميزاب بالجزائر، واقتصرت فقط على كتابة القرآن الكريم وربما بعض الكلمات والحروف) انظر: بحاز، الدولة الرستمية، ص 277 الهامش).
(4) - المصدر السابق، ص 277 - هو عمر بن يمكتن، من أعلام جبل نفوسة بليبيا، تعلم القرآن وحفظه في طريق مغمداس كما ذكرنا أعلاه، اجتهد وجالس العلماء حتى بلغ منزلة كبيرة في العلم، كان أول من علم القرآن بجبل نفوسة في إفاطمان، كما ذكرنا أعلاه، عينه الإمام أبو الخطاب عبد الأعلى واليا على "سرت "، وشارك مع الإمام أبي للخطاب في معاركه، منها: معركة مغمداس 142 هـ =
127 (1/127)
صفحة 128
الشيخ عمروس ومنهجه
الألواح لحفظ القرآن، فكان يقف في طريق مغمداس" يتلقى فيها القادمين من المشرق فيكتب عنهم لوحة من القرآن وينصرف، فإذا حفظه رجع إلى نفس المكان مكررا نفس الفعل حتى حفظ القرآن؛ ثم بعد أن تعلم القرآن وأتقنه، بدأ بتعليمه فكان أول من علم القرآن بجبل نفوسة في مكان؛ وقد ذهب الباحث بحاز إلى أنه لا يستبعد أن يكون الشيخ عمر بن يمكتن اتبع
كاملا
(")
يسمى " إفاطمان
" (2)
طلابه نفس طريقته في التعلم، وهي استخدام الألواح ومحوها كلما حفظ الصبي
(3)
إذا فقد كان للكتاتيب دور كبير في النهضة العلمية التي شهدها عصر الشيخ عمروس، حيث أنها تمثل اللبنة الأولى للعلماء الذين سيحملون شعلة العلم في المستقبل، ولا يستبعد أن يكون الشيخ عمروس قد تلقى أولى مراحل تعليمه في هذه الكتاتيب، وذلك أنها كانت منتشرة في المغرب في تلك
الفترة.
ثالثا: المكتبات:
إن أي نهضة علمية لا بد وأن تقترن بالكتاب، وقد انتشرت الكتب في عصر الشيخ عمروس بشكل كبير، مما نتج عنه تكوين مكتبات ضخمة عامة وخاصة في مختلف ولايات وقرى الدولة الرستمية التي عاصرها الشيخ عمروس، ففي العاصمة الرستمية تيهرت اهتم أئمة الدولة الرستمية بتأليف الكتب واقتنائها كما مر علينا في المطلب الأول من هذا المبحث، مما أدى إلى تكوين مكتبات عديدة وضخمة في تيهرت، ومن أشهر مكتبات تيهرت مكتبة " المعصومة " التي تذكر المصادر أنها صومعة مملوءة بالكتب
=، ومعركة تاورغا سنة 144 هـ، التي استشهد فيها مع الإمام أبي الخطاب رحمهما الله تعالى (أنظر: الشماخي، السير، 1/ 127 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 39 - 44 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 314/ 2 رقم الترجمة: 677). - مغمداس: موضع يقع على مسيرة ثمانية أيام من مدينة طرابلس في أرض سرت على شاطئ البحر، وقد وقعت فيه معركة مغمداس المشهورة سنة 142 هـ، بين الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري وبين جيش العباسيين بقيادة أبي الأحوص العباسي، وقد انتصر في المعركة الإمام أبو الخطاب على جيش العباسيين، وقد ذكر أبو زكرياء وتابعه على ذلك الدرجيني أن معركة مغمداس وقعت بين الإمام أبي حاتم يعقوب بن لبيد الملزوزي والعباسيين، إلا أن الشماخي علق على ما ذهب إليه أبو زكرياء فقال: " ... وقد تقدم أن أبا الخطاب قاتل الجند بمغمداس وهزمهم وقتل منهم بشر كثير، إما أن يكون قتال أبي حاتم لهم به ثانية، وإما سهو من أبي زكرياء لأن قتال أبي الخطاب لهم به مشهور ذكره ابن سلام والرقيق " إهـ، وقد رجحه أصحاب اعلام الإباضية ما ذهب إليه الشماخي (انظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 77 - الدرجيني، الطبقات، 38/ 1 -
الشماخي، السير، 118/ 1، 123 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 242/ 2 رقم الترجمة: 534). (1) - الشماخي، السير، 127/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 314/ 2 رقم الترجمة: 677 " - إفاطمان: قرية توجد بجبل نفوسة بليبيا (انظر: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 314/ 2 رقم الترجمة: 677). (2) - الشماخي، السير، 127/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 314/ 2 رقم الترجمة: 677) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 277.
128 (1/128)
صفحة 129
(1)
الشيخ
سيخ عمروس ومنهجه
في مختلف الفنون والمعارف، وقد قام العبيديون بقيادة أبي عبد الله الشيعي بإحراقها بما حوته من كتب، بعد أن أخذوا ما فيها من كتب الصناعة والرياضيات والفنون الدنيوية
مجلد (3)
(2)
وقد كانت مكتبة المعصومة تحوي آلافا من المجلدات، يذكر الباحث محمد دبوز بأنها ثلاثمائة ألف، وكان من بين هذه المجلدات ديوان يعرف بديوان تيهرت، ذكره الدرجيني (4)، وقال عنه الباحث إبراهيم بحاز: " لا نعرف عنه شيئا " (5)، وذلك أنه كان من ضمن الكتب التي أحرقها العبيديون، فضاع مع ما ضاع من كتب ومؤلفات مهمة، تحكي تاريخ أمة
(1)
وكذلك يلاحظ أن بقية ولايات الدولة الرستمية اهتمت بإنشاء المكتبات، وتعميرها بمختلف الكتب والمؤلفات، فجبل نفوسة - وهو من الولايات المهمة بالدولة الرستمية - اهتم بإنشاء المكتبات، كنتيجة طبيعية للنهضة العلمية التي شهدها الجبل في عصر الشيخ عمروس، فانتشرت مئات المكتبات العلمية العامة والخاصة في مدن وقرى جبل نفوسة، حاوية الآلاف من الكتب والمؤلفات سواء كانت لأهل المغرب أو المشرق؛ ومن مكتبات جبل نفوسة المشهورة خزانة نفوسة، وهي مكتبة عامة كانت تحوي الآلاف من الكتب، وتوجد بمدينة شروس؛ وكذلك كان بحوزة العلماء العديد من الخاصة، إلا أن المصادر لا تذكر شيئا كثيرا عن هذه المكتبات الخاصة (8)، ولكن يمكن استنتاج من خلال كثرة عدد العلماء في جبل نفوسة، ونشاط الحركة العلمية، وكثرة النسخ، هذا كله يستلزم وجود مكتبات تدعم هذه الحركة العلمية النشطة
(7)
المكتبات
ذلك
(1) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 170 - الدرجيني، الطبقات، 94/ 1 - الباروني، الأزهار، 293/ 2 - دبوز، تاريخ المغرب
الكبير، 397/ 3 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 289 (1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 170 - الدرجيني، الطبقات، 94/ 1 - الباروني، الأزهار، 293/ 2 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 397/ 3. () - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 396/ 3. (4) - الدرجيني، الطبقات، 94/ 1 - 95 (9) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 289
(1) - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 388/ 3
) - الباروني، الأزهار، 209/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 289.
(4) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 290.
129 (1/129)
صفحة 130
الشيخ عمروس ومنو
ولكن توجد بعض الإشارات إلى كثرة المكتبات في جبل نفوسة فمن ذلك ما ذكره الدرجيني عن أبي العباس أحمد بن محمد الفرسطائي النفوسي عندما كان يطلب العلم بجبل نفوسة، وجد بمكتبات أمسنان
(2)
فقط ثلاثة وثلاثين ألف جزء من كتب المشارقة، فعكف عليها واختار أحسنها فائدة وقرأها (1) إن انتشار المكتبات في مختلف مدن وقرى جبل نفوسة ساهم كثيرا في دعم الحركة العلمية التي شهدها الجبل في عصر الشيخ عمروس، ولا يستبعد أن يكون الشيخ عمروس قد استفاد من وجود هذه المكتبات، واستغل ما فيها من كتب؛ ومما يندى له الجبين ويحزن القلب أن هذه الثروة العظيمة من المكتبات ذهبت ضحية للفتن والتزاعات، فأحرقت وانتهبت بما حوته من مؤلفات ونفائس ومن المكتبات التي حفظت لنا المصادر شيئا عنها، مكتبة توجد في قرية تمولست" بجبل دمر في جنوب قابس، حيث ذكرت المصادر أن مجموعة من الطلبة من جربة قالوا: " أردنا الطلوع إلى جبل دمر لدراسة الكتب بتمولست ... فشيعنا أبو زكرياء يحيى ونحن خارجون من جربة إلى جبل دمر، فحتنا على العلم، وقوى عزائمنا على الذهاب إلى تمولست، وأشعرنا بواجبنا، فقال: " إن رجعتم إلى أهليكم على هذه الحال، فأنتم كمن ترك الإسلام عمدا " (3)، قال الدرجيني: " وهذا منه تحريض وترغيب في طلب العلم " إهـ؛ وقد استنتج الباحث دبوز إمكانية أن تكون تمولست مكتبة تحوي على عدد من الكتب رغب الطلاب في قراءتها (5)
(4)
- لمسنان: قرية توجد بجبل نفوسة، من علمائها أبو سعيد يخلفتن بن أيوب الزنزفي المسناني) عاش في الفترة 450 هـ - 500 هـ) (انظر: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 300/ 1، 49/ 2 رقم الترجمة: 89، 466/ 2 رقم الترجمة 1021). (1) - الدرجيني، الطبقات، 445/ 2 - الشماخي، السير، 90/ 2 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 49/ 2 رقم الترجمة:
89
(2) - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 388/ 3 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 293 - تمولست: مدينة في جبل دمر بجنوبي تونس (انظر: دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 403/ 3 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 302/ 1). .. ابو زكرياء يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهرساني الوارجلاني، ولد في وارجلان بالجزائر، هو صاحب كتاب " السيرة واخبار الأئمة الذي اعتمد عليه كل أصحاب السير والطبقات الإباضية، كالوسياني، والبغطوري، والشماخي، ومن جاء بعدهم إلى يومنا هذا، تلقى العلم بوادي لريغ عند الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، له أجوبة وفتاوى في علم الكلام، ورسائل في الفقه، يبدو أنها فقدت، الا ان بعض العلماء يستشهدون بأقواله وأرائه الكلامية، توفي في سنة 471 هـ، أو بعد سنة 474 هـ (أنظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 23 - 25 المقدمة - الدرجيني، الطبقات، ي، م، 352/ 2، 427، 448 - 451 - الشماخي، السير، 92/ 2 - 93 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 451/ 2 - 452 رقم الترجمة:
(918
6
) - الدرجيني، الطبقات، 427/ 2 - الشماخي، السير، 82/ 2.
(4) - الدرجيني، الطبقات، 427/ 2 (9) - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 403/ 3.
130 (1/130)
صفحة 131
الشيخ عمروس ومنهجه
هذه نبذة عن بعض المكتبات التي كانت موجودة في عصر الشيخ عمروس، والتي كانت مرجعا لطلاب العلم ينهلون من معينها الصافي، فساهمت المكتبات المنتشرة في المغرب في عصر الشيخ عمروس في الصحوة والنهضة العلمية التي شهدها ذلك العصر، هذا بالإضافة إلى المؤسسات العلمية الثلاث التي تناولها هذا المبحث وهي المساجد والكتاتيب والمكتبات، فإن منازل العلماء كذلك كانت تقوم بدور كبير في النهضة العلمية التي شهدها عصر الشيخ عمروس.
(1)
فكان العلماء يفتحون منازلهم كمدارس يقصدها طلاب العلم، ومن ذلك منزل أبي ذر أبان بن وسيم الذي كانت تقصده النساء للتعليم، ومنهم كذلك أبو هارون موسى بن يونس الجلالمي النفوسي، الذي قال عنه أحد أقرانه في العلم: " لو علم الناس ما ينفعهم لازدحموا عند باب داره كما يزدحمون عند باب دار أبي عبيدة بالبصرة، وقد كان ابن الصغير كذلك يتردد على أبي عبيدة الأعرج أحد
(Y) "
علماء تيهرت، ليدرس عنده كتابا في الحديث" (3)، وقد ذهب الباحث إبراهيم بحاز إلى أنه لا يستبعد أن يكون المكان الذي يلتقيان فيه هو منزل أبي عبيدة الأعرج (4)
932:
(1) - الشماخي، السير، 186/ 1 (2) ? الشماخي، السير، 236/ 1 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 432/ 2 رقم الترجمة - هو أبو عبيدة الأعرج، لم تذكر المصادر اسمه، عاش في القرن الثالث الهجري، في زمن الدولة الرستمية، وبالتحديد في عهد الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح) حكم: 261 هـ - 281 هـ)، وكان من سكان العاصمة الرستمية تيهرت، كان شيخا عالما بالفقه والكلام واللغة والنحو والوثائق، وكان ورعا زاهدا، درس في منزله الحديث، ومن تلامذته ابن الصغير، مؤرخ الدولة الرستمية، صاحب كتاب " أخبار الأئمة الرستميين "، كان يعد مرجعا في العلم، فإذا اختلفوا في أمر الفقه صدروا عن رأيه، حتى إن إياضية سجلماسة يبعثون إليه زكاتهم ليصرفها حيث يشاء، يقول عنه ابن الصغير: " رأيت أنا هذا الرجل وجلست إليه، فما رأيت في سود الرؤوس رجلا أخشع منه، وكان قليل الدخول على أبي اليقظان " إهـ، وكان الإمام أبو اليقظان يقف له، ويجلسه بجانبه في المجالس، تقديرا وإكراما له (انظر: ابن الصغير، اخبار الأئمة الرستميين، ص 95 - 97، السير، 190/ 1 - 191 - الباروني، الأزهار، 243/ 2 - 245 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 285/ 2
- الشماخي
- 286 رقم الترجمة: 612).
- هو كتاب " إصلاح غلط أبي عبيدة في غريب الحديث " لابن قتيبة لبي. محمد عبد الله بن مسلم الكوفي، توفي سنة 270 هـ انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 96 الهامش).
(2) ـ ابن الصغير، المصدر السابق، ص 96
6
(4) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 286
131 (1/131)
صفحة 132
الشيخ عمروس ومنهجه
المطلب الرابع: العلوم المتداولة في عصر الشيخ عمروس وأبرز العلماء في عصره:
لقد انتشرت في عصر الشيخ عمروس العديد من العلوم، سواء كانت علوما دينية أو علوما دنيوية، ولكن كان الغالب في ذلك الوقت التركيز على العلوم الدينية من حفظ لكتاب الله وتفسير وحديث وفقه وغيره، وكما يقول الباحث إبراهيم بحاز: " حتى ليخيل إلينا أن أغلب الناس كانوا فقهاء أو لهم حظ لا بأس به من الفقه " إهـ؛ ولعله كان من أسباب اهتمام الدولة الرستمية بالعلوم الدينية أكثر من بقية العلوم راجع إلى كونها دولة ملتزمة بالدين، قامت تجسيدا لمبادئ هذا الدين الحنيف، وكذلك لوجود تعددية مذهبية في داخل الدولة الرستمية، وكذلك خارجها، مما دفعها إلى التركيز على علم الكلام والذي يقوم على العلوم الدينية واللغة العربية، وكانت هذه العلوم الدينية مع اللغة العربية والتاريخ - وبالأخص سير الأئمة – الأكثر بروزا وتداولا في ذلك العصر، وهذه النتيجة نفسها
–
توصل إليها الباحث إبراهيم بحاز
(2)
-
هي
والحقيقة أن التركيز على العلوم الدينية لم يكن مقتصرا على الدولة الرستمية، بل كان ذلك سائدا على جميع أجزاء المغرب، ولعل السبب في ذلك يعود إلى القرب من عصر النبوة، وبسبب المنافسة المذهبية (3)؛ فمن العلوم الدينية التي لاقت اهتماما في عصر الشيخ عمروس علم التفسير، وقد نبغ الكثير من العلماء المغاربة في التفسير في ذلك الوقت، فمنهم الإمام عبد الرحمن بن رستم، وقد ألف كتاب في تفسير القرآن الكريم (4)؛ والإمام يعقوب بن أفلح، الذي يظهر أنه كان عالما بتفسير القرآن الكريم، ويستشف ذلك من كلامه عندما سئل: أتحفظ القرآن؟ فقال: " أستعيذ بالله أن ينزل على موسى وعيسى عليهما السلام ما لم أحفظ وأعرف معناه، فكيف بالكتاب المنزل على سيدنا محمد؛ والشيخ محمد بن يانس كان كذلك من العلماء النابغين في علم التفسير، فكان ضمن الوفد الذي طلبه الإمام عبد الوهاب لمناظرة المعتزلة، فطلب مائة مفسر، فأرسلت إليه محمد بن يانس الذي كان يغني عن المائة مفسر، وكان يقول: " أخذت تفسير القرآن كله من الثقات، وعلمته عنهم إلا
(0) "
?
(1) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 293
(2) - المصدر السابق، ص 294 - 296 (2) - المصدر السابق، ص 295 - 296. (4) ? الشماخي (9) - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 190 - الدرجيني، الطبقات، 105/ 1 - الشماخي، السير، 47/ 2 - الباروني، الأزهار، 2/ 294 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية،473/ 2 رقم الترجمة: 1032.
، السير، 167/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية 248/ 20 رقم الترجمة: 544
132 (1/132)
صفحة 133
الشيخ عمروس ومنهجه
حرفا واحدا، أو حرفين، فان اضطررت أجد مخرجا " (1)؛ ويظهر من كلام ابن يانس أن جبل نفوسة كان يعج بالعلماء المتضلعين في التفسير، وذلك ظاهر من قوله: " أخذت تفسير القرآن كله من الثقات
ومن المفسرين الذي ظهروا في ذلك الوقت الشيخ لواب بن سلام، الذي فسر جزءا من سورة الشورى، وغيرها من الآيات من سور متفرقة في كتابه " شرائع الدين، وقد كان كثيرا يشير في تفسيره إلى الحسن البصري، وابن عباس، مما يدل على شيوع تفسير هذين العالمين في المغرب العربي، كما يذكر الباحث إبراهيم بحاز
(2).
(3)
"
"
(1) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 103 - الدرجيني، الطبقات، 58/ 1 - الشماخي، السير، 145/ 1 هو لواب بن سلام التوزري المزاتي، من علماء قبيلة مزاته العريقة، أصله من " أغريمان " بجبل نفوسة، أوتي الحكمة منذ صغر سنه، نشأ في عائلة علم وحكم، أخذ العلم عن أبي كبه من أهل تتكنيص، وتلقى بعض الأخبار عن أبي صالح النفوسي، كان شيخا وإماما عالما بالأصول والفروع، رحل إلى الحج والتقى مع جمع من الحجاج وعلماء عمان، ترك مؤلفات منها: " كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين "، وقد حققه كل من الشيخ سالم بن يعقوب، والمستشرق الألماني شفارتز، وطبع طبعة غير مرخصة بعنوان محرف وهو: " الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إياضية "، واعتبر المستشرق البولوني تاديوس لنتسكي هذا الكتاب أقدم كتب السير في شمال إفريقيا، وقد توفي بعد سنة 273 هـ (انظر: لواب بن سلام، شرائع الدين، ص 39 - 43 - الشماخي، السير، 49/ 1، 160/ 2 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 350/ 2 رقم الترجمة: 760). (1) - لواب بن سلام، شرائع الدين، ص 68 - 77 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 299 ". هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار - ويسار من سبي ميسان اعتقته الربيع بنت النضر، وهو مولى زيد بن ثابت وقيل مولى جميل بن قطبة، وقيل: مولى اليسر كعب بن عمرو السلمي – البصري، مولى الأنصار، وأمه خيرة مولاة أم سلمة، قال ابن سعد: " ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، ونشأ بوادي القرى، وكان فصيحا، رأى علي وطلحة وعائشة .... إهـ، روى عن: أبي بن كعب، وسعد بن عبادة، وعمر بن الخطاب ولم يدركهم، وعن ثوبان، وعمار بن ياسر، وأبي هريرة، وعثمان بن أبي العاص، ومعقل بن سنان ولم يسمع منهم، وعن عثمان، وعلي، وأبي موسى، وأبي بكرة، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، ومعاوية وجابر وغيرهم من الصحابة والتابعين، وروى عنه: حميد الطويل، ويزيد بن أبي مريم، وأيوب، وقتادة وغيرهم، قال عنه أنس بن مالك: " سلوا الحسن فإنه حفظ ونسينا " إهـ، وقال سليمان التيمي: " الحسن شيخ أهل البصرة " إهـ، وقال أبو عوانة عن قتادة " ما جالست فقيها قط إلا رأيت فضل الحسن عليه " إهـ، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم عن صالح بن احمد بن حنبل عن أبيه: " سمع الحسن من ابن عمر وأنس وعبد الله بن مغفل، وعمرو بن تغلب، قال عبد الرحمن فذكرته لأبي، فقال: قد سمع من هؤلاء الأربعة ويصح له السماع من أبي برزة ومن غيرهم، ولا يصح له السماع من جندب، ولا من معقل بن يسار، ولا من عمران بن حصين، ولا من أبي هريرة " إهـ، وقال ابن المديني: " مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها " إهـ، وقال ابن حبان في الثقات: " احتلم سنة 37، وأدرك بعض صفين، ورأى مائة وعشرين صحابيا، وكان يدلس، وكان من أفصح أهل البصرة واجملهم، واعبدهم وأفقههم " إهـ، وقد حج الحسن مرتين، وكان شجاعا في الحروب، فكان المهلب يقدمه في الحروب وقد توفي عشية يوم الخميس من شهر رجب من سنة 110 هـ، وكان عمره حين مات 88 سنة (انظر: ابن حجر، تهذيب التهذيب، 481/ 1 - 448 - محمد بن أحمد بن عثمان
الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 4، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط 7: 1410 هـ / 1990 م، ص 563 - 588). - هو الصحابي الجليل حبر الأمة ترجمان القرآن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقال له الحبر، والبحر لكثرة علمه، روى عن: النبي، وعن أبيه، ولمه ام الفضل، وأخيه الفضل، وخالته ميمونة، وابي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، روى عنه:، من الصحابة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وثعلبة بن الحكم، والليثي، وغيرهم، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ومحمد بن سيرين، وعامر الشعبي وغيرهم كثير، وروى سعيد بن جبير عنه قال: " قبض للنبي وأنا ابن ثلاث عشرة سنة "، وعنه قال: " ولنا ختين "، وعنه قال: " ابن عشر سنين "، وعنه قال: " وأنا ابن خمس عشرة " وصوبه ابن حنبل، دعا له النبي بالحكمة مرتين، أثنى عليه الكثير من الصحابة والعلماء، قال ابن مسعود: " نعم ترجمان القرآن ابن عباس " إهـ، وقال =
=
133 (1/133)
صفحة 134
الشيخ عمروس ومنهجه
وكذلك كانت تحدث مناظرات في التفسير بين العلماء في ذلك الوقت، ومن ذلك ما حدث بين ابن الصغير و أبي الربيع سليمان الإباضي" عندما تناظرا في تفسير قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) (1)، ثم تدخل عالم إباضي آخر وناظر ابن الصغير في تفسير قوله تعالى: (لَمْ يَحِضْنَ)) (2). ومن المفسرين الذين ظهروا في ذلك العصر كذلك، الشيخ هود بن محكم الهواري"، وله كتاب في تفسير القرآن عنوانه " تفسير كتاب الله العزيز وأما فيما يتعلق بعلم الحديث فللأسف الشديد لم يلاق ذلك الاعتناء المطلوب من قبل إباضية المغرب في ذلك الوقت، فلم تذكر لنا المصادر وجود مؤلف مغربي إباضي في علم الحديث (4)، ولكن من أهم ما يمكن ذكره في هذا الباب حادثة نسخ نفاث لديوان الإمام جابر، عندما ذهب إلى المشرق، ولكنه
=
(3)
(4)
فيه ابن عمر: " ابن عباس اعلم امة محمد بما أنزل على محمد " إهـ، وقال ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه: " ما رأيت مثل ابن عباس قط " إهـ، وقالت عائشة: " هو أعلم الناس بالحج " إهـ، وقع خلاف في سنة وفاته فقيل: مات سنة 68 هـ، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: " اليوم مات رباني هذه الأمة " إهـ، وقيل: مات سنة 69 هـ، وقيل: سنة 70 هـ (أنظر: ابن حجر، تهذيب التهذيب، 180/ 3 - 182 - علي بن محمد الجزري ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج 3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1417 هـ / 1996 م، ص 295 - 299).
(3) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 300. - هو أبو الربيع سليمان الهواري، من قبيلة هوارة، وصفه ابن الصغير أنه من وجوه الإباضية، وقد ذكر د/ محمد ناصر والباحث إبراهيم بحاز أن " المصادر الإباضية تذكر العديد من الأشخاص بهذا الاسم والكنية، ولكنهم نفوسيون على أكبر تقدير، وأقربهم إلى فترة ابن الصغير سليمان بن زرقون، وسليمان بن ماطوس أبو الربيع، وكلاهما من الطبقة السابعة (300 - 350 هـ) "، وإن لم يكن أحد هاذين العالمين، فلعله من اهل تيهرت، وتعلم فيها على يد الأئمة ربما، فأصبح من العلماء القادرين على المناظرة، والدليل على علمه مناظرته ومحاججته لابن الصغير والله أعلم (انظر: ابن الصغير، ص 117 - 118 الهامش - ترجمة الشيخ سليمان بن زرقون انظر: الدرجيني، الطبقات، 109/ 1، 119، 349/ 2 - 350 - الشماخي، للسير، 237/ 1 - 238 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 202/ 2 رقم الترجمة: 447 - ترجمة الشيخ سليمان بن ماطوس أنظر: الدرجيني، الطبقات، 327/ 2، 349، 350، 351، 358 - الشماخي، السير، 235/ 1 - بحاز وآخرون معجم اعلام الإباضية، 211/ 2 رقم الترجمة: 462). (1) ? سورة الطلاق، آية: 4 (2) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 117 - 120
" هو هود بن محكم الهواري، عاش في القرن الثالث الهجري، عالم متقن، أخذ العلم عن أبيه محكم الهواري - قاضي الإمام أفلح - وعن غيره من العلماء، اختلف في مكان تعلمه، فقيل: في الأندلس، وقيل: في تيهرت، وقيل: في القيروان وهو ما رجحه الشيخ بلحاج شريفي، اشتهر بمؤلفه " تفسير كتاب الله العزيز "، خلط البعض بينه وبين أبيه، فظن أن هود كان قاضيا، والصحيح أن أباه كان قاضيا للإمام أفلح، وليس هودا) انظر: البرادي، الجواهر (مخ)، ص 219 - الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، ج 1 مقدمة المحقق - الدرجيني، الطبقات، 345/ 2، 398 - 399 - الشماخي، السير، 59/ 2 بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 443/ 2 رقم الترجمة: 961).
- لقد تم طباعة هذا التفسير الثمين في أربعة أجزاء من قبل دار الغرب الإسلامي كاول طبعة له في سنة 1990 م، وقد تولى تحقيقه الباحث بالحاج بن سعيد شريفي. (3) - الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، ج 1، مقدمة المحقق - الدرجيني، الطبقات، 345/ 2، 38 - 399 - الشماخي، السير، 59/ 2 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 443/ 2 رقم الترجمة: 961. (4) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 304.
| 134 (1/134)
صفحة 135
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
6
عندما عاد إلى المغرب قام بدفنه، فضاع ولم يستفد منه أحد من أهل المغرب للأسف الشديد والإمام جابر كما هو معلوم من كبار التابعين الذين رووا الحديث عن الصحابة، وكان يعد من؛ وكذلك ما قام به الشيخ عمروس من نسخ مدونة أبي غانم، والتي تعد من كتب الحديث
الثقات
(2)
المهمة عند الإباضية (3)
والظاهر أن الشيخ عمروس كان من المهتمين بعلم الحديث، وله باع في ذلك، فقد هم أن يضع تأليفا لم يسبق في طريقته، يفرق العلم على ثلاثة أوجه، التنزيل والسنة والرأي، وما يتعلق بكل واحد منها من المسائل، فيرتب كل باب من أبوابه ويبنيه على القواعد الثلاث، إلا أن المنية عاجلته قبل أن
يحقق مراده
(4)
وكان الإمام أفلح ممن اهتم بطلب علم الحديث، حيث أنه تتلمذ على يد الإمام أبي غانم الخرساني صاحب المدونة عندما زار تيهرت (5)؛ وقد اهتم بعض علماء الإباضية في ذلك الوقت بتدريس علم الحديث، ولكنهم للأسف الشديد اعتمدوا على مؤلفات غير الإباضية، بسبب قلة المؤلفات الإباضية في علم الحديث في ذلك الوقت وبالأخص عند إباضية المغرب؛ ومن ذلك ما يذكره ابن الصغير من كان يأتي أبا عبيدة الأعرج التيهرتي ليسمع منه كتاب " إصلاح الغلط في غريب الحديث " لابن قتيبة أبي
محمد عبد الله
بن مسلم الكوفي
(9)
أنه
،
ونجد في المقابل أنه كان يوجد لدى غير الإباضية اهتمام بعلم الحديث في المغرب في ذلك الوقت وظهر عدد من العلماء الذين ذكرتهم المصادر، ومنهم من كان يعيش في كنف الدولة الرستمية، حتى أن الأستاذ أحمد أمين قال: " قد أخرجت تيهرت كثيرا من حفاظ الحديث وثقات المحدثين؛ فمن علماء الحديث غير الإباضيين الذين أنجبتهم تيهرت أبو عبد الرحمن بكر بن حماد الزناتي التيهرتي، وكان
(7).
(1) ? ابو زكرياء، كتاب سير الأئمة، ص 143 - 145 - الدرجيني، الطبقات، 82/ 2. (1) - الدرجيني، الطبقات، 205/ 2 - 214 - الشماخي، السير، 67/ 1 - 72 - السالمي، شرح الجامع الصحيح، 7/ 1 - 8 - البطاشي، إتحاف الأعيان، 74/ 1 - 80 - القنوبي، الربيع بن حبيب، ص 23 - 25 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية: 108/ 2 - 110 رقم الترجمة: 230) - الدرجيني، الطبقات، 323/ 2 - الشماخي، السير، 194/ 1 - 195.
، الطبقات، 321/ 2 - الشماخي، السير، 192/ 1 - 193
(4) ـ الدرجيني (0) - بحاز وآخرون معجم اعلام الإباضية، 60/ 2 رقم الترجمة: 116 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 269 ـ الإمام الربيع، الجامع الصحيح، ص 3 مقدمة المصحح - البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص 40، 97 (1) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 96
(2) - أحمد أمين، ظهر الإسلام، 296/ 1 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 308.
" (1/135)
صفحة 136
(4)
الشيخ عمروس ومنهجه
عالما بالحديث وتمييز الرجال، ثقة، مأمونا، ثبتا، صدوقا، إماما حافظا (1)؛ ومنهم كذلك ابنه أبو زيد عبد الرحمن بن بكر بن حماد (2)، و قاسم بن عبد الرحمن التميمي التيهرتي" (3)، وأبو سعيد بحيج بن خداش توزري؛ وهناك غيرهم ممن اهتم بعلم الحديث، وعُدَّ من علمائه ورواته، ظهر في عصر الشيخ عمروس، وأكتفي بمن ذكرتهم على سبيل التمثيل لا الحصر ومن العلوم التي انتشرت انتشارا كبيرا في عصر الشيخ عمروس، ولقيت أكبر عناية واهتمام من قبل العلماء - بالأخص علماء الإباضية - من حيث الدراسة والتأليف نثرا ونظما، حتى فاقت بقية العلوم، علم الفقه؛ ولعل سبب هذا الاهتمام الكبير بعلم الفقه - كما يرى الباحث إبراهيم بحاز - هو – كون الفقه الوسيلة لمعرفة الحلال والحرام، وكون تلك الفترة الممتدة طيلة القرن الثالث الهجري، فترة تنافس حقيقية بين المذاهب الموجودة وقتئذ بالمغرب العربي
(5)
(1) ـ ابن عذارى، البيان، 153/ 1 - الدباغ، معالم، 282/ 2 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 308 - الباروني، الأزهار
20/ 2 - 75،
- هو أبو زيد عبد الرحمن بن بكر بن حماد، محدث من اهل تيهرت، كان يروي عن أبيه، وعن أبي زكرياء يحيى بن مالك الأندلسي، إذ رحل إلى الأندلس وحدث بقرطبة، وكتب عنه غير واحد من حديث أبيه، هو غير إياضي، ولعله كان مالكيا أو صفريا، حيث ذكر الشيخ الباروني أن والده بكر بن حماد من المشكوك في مذهبهم إما أن يكون إباضيا أو صفريا على الغالب، وقد توفي عبد الرحمن بن بكر بقرطبة، وقيل قتل من قبل قطاع الطرق في الطريق بين القيروان وتيهرت سنة 295 هـ، حيث كان في رفقة والده، وقد رثاه والده في قصائد عديدة، ذكر الشيخ الباروني منها أبياتا) انظر: الدباغ، معالم الإيمان، 282/ 2 - السمعاني، الأنساب، 9/ 2 - ابن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس، 268/ 1 - عادل، معجم اعلام الجزائر، ص 84 نقلا عن بحاز، الدولة الرستمية، ص 309 - 310 - الباروني، الأزهار، 71/ 2 - 72).
(2) - الدباغ، معالم الإيمان، 282/ 2 - السمعاني، الأنساب، 9/ 2 - ابن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس، 268/ 1 - عادل، معجم اعلام الجزائر، ص 84 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 309 - 310
- هو قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي التيهرتي، وهو غير إياضي، كان من جلساء بكر بن حماد، وممن اخذ عنه، وهو محدث تيهرتي، رحل إلى الأندلس سنة 317 هـ، وأقام بقرطبة وبها توفي (أنظر: ابن بشكوال ابو القاسم خلف بن عبد الملك، كتاب الصلة، ج 1، مراجعة عزت العطار الحسيني، مكتبة المثنى، بغداد 1374 هـ/1955 م، ص 86 - الحميدي أبو عبد الله محمد بن فتوح، جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، ط ا، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي، مطبعة السعادة، القاهرة، 1372 هـ / 1952 م، ص 313 - الضبي أحمد بن يحيى، بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس، طبع روخس مجريط، 1884، ص 188، 436 - نويهض، أعلام الجزائر، ص 131 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 310 - الباروني، الأزهار، 76/ 2 - 77).
) ـ ابن بشكوال أبو القاسم خلف بن عبد الملك، كتاب الصلة، ج 1، مراجعة عزت العطار الحسيني، مكتبة المثنى، بغداد 1374 هـ / 1955 م، ص 86 - الحميدي أبو عبد الله محمد بن فتوح، جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، طا، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي، مطبعة السعادة، القاهرة، 1372 هـ / 1952 م، ص 313 - الضبي أحمد بن يحيى، بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس، طبع روخس مجريط، 1884، ص 188، 436 - نويهض، اعلام الجزائر، ص 131 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 310 - الباروني، الأزهار، 76/ 2 - 77 - هو ابو سعيد بحيج بن خداش، توزري، من اهل توزر، انتقل إلى نفزاوة من أعمال القيروان، وبها توفي سنة 296 هـ،، روى عن محمد بن سحنون، وروى عنه أبو العرب محمد بن أحمد بن محمد بن تميم (انظر: الحميدي، جذرة، ص 170 - 171 - الضبي، بغية الملتمس، ص 595 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 310). (4) - الحميدي، جذرة، ص 170 - 171 - الضبي، بغية الملتمس، ص 595 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 310. (0) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 310 - 311.
800
136 (1/136)
صفحة 137
الشيخ عمروس ومنهجه
وقد ظهر عدد كبير من الفقهاء المتضلعين في علم الفقه، من الصعب حصرهم، والحديث عنهم في هذه العجالة، وقد تكفلت كتب التاريخ والسير بذكرهم والترجمة لهم (1)؛ ولكن سأذكر بعض العلماء الذين نبغوا في علم الفقه على سبيل التمثيل، فمنهم أئمة الدولة الرستمية، فقد كانت لهم قدم السبق في هذا المضمار وفي غيره من العلوم الأخرى، وقد تركوا لنا عددا من المؤلفات في هذا الباب، وقد مر الحديث عنهم في المطلب الأول من هذا المبحث، فلا داعي لتكرار الكلام؛ ومن أبرز الفقهاء الذين ظهروا في عصر الشيخ عمروس على سبيل المثال من فقهاء تيهرت أبو عبيدة الأعرج، قال عنه ابن الصغير: " كان أبو عبيدة هذا عالما بالفقه والكلام والوثائق والنحو واللغة، وكان مع ديانته حسن؛ ومنهم عبد العزيز بن الأوز"، قال عنه ابن الصغير: " كان له فقه بارع،
(3)
الأدب والمرؤة " إهـ إهـ وله رحلة نحو المشرق " إهـ؛ وذكر ابن الصغير كذلك جملة من الفقهاء والخطباء من تيهرت، مثل
(4)
،
عيسى بن فرناس النفوسي، وابن الصغير الهواري، وأبي الربيع سليمان، وعثمان بن أحمد بن يحياج وابن أبي إدريس، وأحمد التيه، وأبي العباس بن فتحون، وعثمان بن الصفار، وأحمد
.
بن منصور
(0)
(1) انظر على سبيل المثال: البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ) - البرادي، الجواهر (مخ) - الوسياني، سير (مخ) - القطب، الرسالة الشافية - جناو بن فتى و عبد القاهر بن خلف، أجوبة علماء فزان - ابو زكرياء، سير الأئمة - الدرجيني، الطبقات - الشماخي، السير - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، وغيرها من المؤلفات
(860/
(1) انظر ص 91 - 108 هكذا جاءت في الأصل، ولعله خطأ لغوي، والأصح " المروءة " (انظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 2 ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 96 - الشماخي، السير، 190/ 1 - 191. - هو عبد العزيز بن الأوز، عاش في القرن الثالث الهجري، من فقهاء تيهرت العاصمة الرستمية، تلقى بها علومه الأولى، وله رحلة نحو المشرق، يقول عنه ابن الصغير: " وكان له فقه بارع ... ولكنه سفيه اللسان، خفيف العقل، ينزهون [الإباضية] مجالسهم عن حضوره، ويستغنون عنه في معضلات مسائلهم " إهـ، له طرائف مع بعض الأئمة الرستميين كابي اليقظان محمد، وقد زعم المستشرق ليفيتسكي أن له كتاب " رحلة نحو المشرق " معتمدا على أخبار ابن الصغير،، مع ا م أنه لم ينص على ذلك (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 99 - ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيون، ص 36 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 256/ 2 رقم الترجمة: 556). (4) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 99
0.0
- هو عثمان بن أحمد بن يحياج، عاش في القرن الثالث الهجري، يعد من مشايخ تيهرت ومقدميها، وفقهائها في عهد الإمام أبي حاتم (حكم: 281 - 294 هـ)، وكذلك هو خطيب بالمسجد الجامع بتيهرت، " فكانوا لا يخالفونه فيما استحسن لهم من خطب " كما ذكر ابن الصغير (أنظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 122 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 287/ 2 رقم الترجمة: 618). - هو ابن أبي إدريس، وورد ابن أبي دريس، لم تذكر المصادر اسمه، من علماء وخطباء تيهرت، عاش في القرن الثالث الهجري، عاصر الإمام أبا حاتم، وتلقى علمه على مشايخ العاصمة تيهرت (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 120 - الشماخي، السير، 224/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 03/ 22 - 54 رقم الترجمة: 99).
0000
137 (1/137)
صفحة 138
وأما جبل نفوسة فقد ظهر فيه من الفقهاء من يصعب حصرهم، حتى قال أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي واصفا كثرة الفقهاء الذين بلغوا درجة الفتيا بجبل نفوسة قبل زمانه في القرن الخامس الهجري، فيقول: " مر زمان على جبل نفوسة فشا فيهم العلم وكثرة العلماء حتى لم يكن منزل يرد مسألة إلى الآخر إلا من طريق الأدب ... وأهل زماننا على غير ذلك " (1)
فمن فقهاء نفوسة على سبيل المثال ابن مغطير النفوسي الجناوني، وصفه الشماخي بقوله: " كان شيخا فاضلا فقيها مفتيا " إهـ، وأبو زكرياء التوكيتي، وصفه الدرجيني بقوله: " كان علما لكل
(2)
(3)
الفضائل ومعلما لكل ناهل " إهـ، وزار رجل من إباضية المشرق جبل نفوسة، ثم زار تيهرت،
فسأله أهل تيهرت عن علماء جبل نفوسة، فقال: " الجبل هو أبو زكرياء وأبو زكرياء هو الجبل ...
(4)
"
..
- هو أحمد التيه، عاش في القرن الثالث، من علماء تيهرت، عاصر الإمام أبا حاتم، تلقى علمه على مشايخ تيهرت، وكان فقيها، وخطيبا في جامع تيهرت) انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 120 - 122 - الشماخي، السير 224/ 1 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 39/ 2 رقم الترجمة: 62).
...
"
- هو أبو العباس بن فتحون، لم تذكر المصادر اسمه، عاش في أواخر القرن الثالث، من علماء تيهرت، عاصر الإمام ابا حاتم، تلقى علمه على مشايخ تيهرت، وكان فقيها، وخطيبا في جامع تيهرت) انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 120 - الشماخي، السير، 224/ 1 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 241/ 2 رقم الترجمة: 532). - هو عثمان بن الصفار، عاش في القرن الثالث، من علماء تيهرت، عاصر الإمام أبا حاتم، تلقى علمه على مشايخ تيهرت، وكان فقيها، وخطيبا في جامع تيهرت) انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 121 - الشماخي، السير، 224/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 287/ 2 رقم الترجمة: 619).
....
- هو احمد بن منصور، عاش في أواخر القرن الثالث الهجري، من علماء تيهرت، عاصر الإمام أبا حاتم، تلقى علمه على مشايخ تيهرت، وكان فقيها، وخطيبا في مسجد من مساجد تيهرت (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 121 - الشماخي، السير، 224/ 1 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 51/ 2 رقم الترجمة: 92). (0) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 93، 117، 120 - 122
-هو أبو الربيع سليمان بن يخلف الوسلاتي المزاتي النفطي القابسي، اصولي بارع، وفقيه نبيه، تعددت نسبته بسبب كثرة اسفاره بين مواطن الإباضية في ربوع المغرب، وكثرة ترحاله طلبا للعلم، ونشرا له، أخذ العلم عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي، والشيخ أبي محمد ويسلان اليراسني، وعن غيرهما، هو من أكابر العزابة، وممن جازت عليه سلسلة نسب الدين، أخذ عنه خلق كثير بسبب تنقله بين مواطن الإباضية، فمن طلابه: فصيل وأبي بكر بن يحيى، والشيخ أبو العباس احمد بن محمد بن بكر للنفوسي، وغيرهم كثير، له عدة تأليف منها: 1 - " كتاب التحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعية " (مخ)، 2 - " كتاب في طلب العلم وآداب التعلم " طبع بعنوان " كتاب السير "، 3 - " كتاب في علم الكلام وفي أصول الفقه " في مجلدين، 4 - " فصل في اختصار مسائل من ترتيب المعلقات " (مخ)، وقد توفي في سنة 471 هـ، واختلف في موضع وفاته، كما اختلف في موضع ميلاده، بسبب كثرة تنقلاته العلمية (انظر: الدرجيني، الطبقات، ي، 184، 191 - 195، 425/ 2 - 449 - البرادي، الجواهر (مخ)، 219 - 220 - الشماخي، السير، 82/ 2 - 83 - بحار وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 215/ 2 - 217 رقم الترجمة: 472). (1) - أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، سير، ص 56 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 315.
(2) ? الشماخي، السير، 128/ 1.
(7) - الدرجيني، الطبقات، 291/ 2 - الشماخي، السير، 155/ 1. (4) ? الدرجيني، الطبقات، 293/ 2 - 294 - الشماخي، السير، 155/ 1. (1/138)
صفحة 139
الشيخ عمروس ومنهجه
ومن فقهاء جيل نفوسة كذلك أبو مرداس مهاصر السدراتي، وصفه الدرجيني بأنه بلغ في العلوم
(2)
(1)
النهاية، وجرى في أمر الصلاح إلى أقصى غاية؛ ومنهم أبو ميمون الجيطالي، وصفه الدرجيني بقوله: " كان ذا جد في العلم، والاجتهاد، وسعي في العبادة، ومنافع العباد، وكان ممن يعد في الشيوخ، وممن قدمه في العلم ذا رسوخ ... " إهـ هذه بعض الأمثلة على فقهاء نفوسة ممن بزغ نجمه في عصر الشيخ عمروس، والشيخ عمروس نفسه كان من فقهاء وعلماء جبل نفوسة، حتى بلغ من العلم أن أصبح أعلم أهل زمانه، مع كون جبل نفوسة وغيره من بقاع المغرب يعج بالعلماء، وقد وصفه الدرجيني بقوله: " بحر العلوم الزاخر، المبرز أول السباق وهو الآخر، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادمة تلك الهموم ... " إهـ؛ وقد ترك لنا الشيخ عمروس عدة مصنفات – كما سيأتي في محله تدل على طول باعه في العلم، وتضلعه فيه، قال الدرجيني: " وله مصنفات في الفروع والعقائد، تولت فوائدها الصدور والقلائد، ولم تزل الأمثال مضروبة به بعلومه و آدابه، وحبال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه، إذ كان علم الدين يقتدى به ...
إهـ
(4)
-
(3)
وأما وارجلان فقد ظهر فيها عدة فقهاء، منهم على سبيل المثال الشيخ يعقوب بن سيلوس الطرفي السدراتي، وصفه الدرجيني بقوله: " العالم الفقيه الفطن النبيه، اليقظان الذكي، الورع الزكي، ذو الجهادين الأكبر والأصغر، والاجتهادين المصلى والدفتر " إهـ؛ وقد ظهر كذلك في فزان عدة
(°)
(1) الدرجيني، الطبقات، 291/ 2 - الشماخي، السير، 150/ 1.
(1) الدرجيني
، الطبقات، 294/ 2
) - المصدر السابق، 320/ 2 - 321.
(4) - المصدر السابق، 321/ 2 هو أبو يوسف يعقوب بن سيلوس وورد خطا سهلون - الطرفي السدراتي من علماء القرن الثالث الهجري بوارجلان، عاصر الإمام عبد الرحمن بن رستم (حكم: 160 - 171 هـ)، واخذ العلم عن أئمة الدولة الرستمية، ثم ارتحل إلى وارجلان، وأقام بها معلما، من ابرز طلابه: أبو صالح جنون بن يمريان، تولى الشيخ يعقوب القضاء بولرجلان،، له نصائح وحكم، تذكر المصادر أن له مؤلفات أتلفتها الفتن (انظر: الدرجيني، الطبقات، 331/ 2 - 332، 44، 353، 455 - الشماخي، السير، 102/ 1 - 104 - الباروني، الأزهار، 67/ 2 - 68 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 470/ 2 رقم الترجمة: () - الدرجيني، الطبقات، 331/ 2 بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 474/ 2 رقم الترجمة: 1033).
(1026
6
139 (1/139)
صفحة 140
(1)
فقهاء، منهم على سبيل المثال عبد القاهر بن خلف الفزاني"، وصفه الشماخي بقوله: " كان عالما ورعا مفتيا " إهـ، ومنهم عبد الخالق الفزاني، كان يعد من أعلم أهل زمانه في أصعب أحكام وهي الدماء وأحكامها، قال عنه الشماخي: " كان في المنزلة العليا علما وعملا، وورعا،
الفقه
وتقى " إهـ
(3)
(")
هذه بعض الأمثلة على فقهاء الإباضية الذين ظهروا في عصر الشيخ عمروس، وهؤلاء الذين مر ذكرهم يعتبرون نماذج على عدد كبير من علماء وفقهاء المذهب الإباضي، الذين ظهروا في تلك الفترة والذين من الصعوبة بمكان تعدادهم أو الحديث عنهم، في هذه العجالة؛ وقد ترك هؤلاء الفقهاء العديد من المؤلفات والفتاوى والأحكام، فمنهم من دونها في مصنفات، ومنهم من تركها شفوية تروى
،
- ذكر الشماخي عددا من علماء الإباضية الذين ظهروا في فزان، وكذلك ذكرهم د/ النامي في مقدمته على تحقيق كتاب " لجوبة علماء فزان " (انظر: الشماخي، السير، 163/ 1 - 165 - جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف، أجوبة علماء فزان، ص 23 - 25 مقدمة المحقق).
11
- هو عبد القاهر بن خلف الفزاني، عالم من علماء فزان بجنوب ليبيا، وذهب / النامي أنه من أهل مدينة " سبها " بفزان، واستنتج كذلك أنه قد يكون عربي الأصل، عاش في أواخر القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث الهجري، له كتاب لجوبة علماء فزان "، بالاشتراك مع جناو بن فتى، ويظهر من خلال اجوبته كما استنتج د/ النامي أنه كان متنزها متحرجا عن الدخول في أمور الناس عند فساد الزمان، والظاهر أنه عمر طويلا، يظهر ذلك من تبريره عدم التدخل في شؤون الناس بسبب ضعفه وتقدمه في العمر، ومن الأبيات التي ستأتي بعد قليل، وكان متواضعا منيبا مسلما لله، مهتما باتباع أحكامه والتزام لوامره، والاقتداء بسنة نبيه، وكان شديد الزهد، معرضا عن الدنيا، غير مقبل عليها، منصرفا إلى آخرته، ويظهر ذلك من بعض أبياته حيث يقول: اصبحت لا لحمل السلاح ولا:: لملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن مررت به:: وحدي وأخشى الرياح والمطرا ويظهر كذلك من أجوبته أنه كان فقيها مجتهدا مصلحا، يهمه قيام الحق وحصول التقوى مع الوقوف عند حدود الحكم الصحيح الثابت، ويبدو انه تتلمذ على يد جناو بن فتى، حيث كان الأخير يعقد على عبد القاهر آمالا كبيرة في أن يحيي الله به آثار السلف المهتدين، ويكون لهم منارا (انظر: جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف، أجوبة علماء فزان، ص 12 - 13، 15، 32 - 34 مقدمة المحقق - الشماخي، السير، 164/ 1 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 257/ 2 - 258 رقم الترجمة: 561). (1) - الشماخي، السير، 164/ 1
- هو عبد الخالق الفزاني، عالم من علماء فزان بجنوب ليبيا، ومن أوائل علمائها، عاش في أوائل القرن الثالث الهجري، أخذ العلم عن عاصم السدراتي، كان أعلم أهل زمانه في أصعب أحكام الفقه وهي للدماء واحكامها، له كتاب كتبه إلى أبي مرداس مهاصر، نقلته كتب السير، وهو يحمل معنى التوكل والاعتماد على النفس والتسليم الله وحده، وتشير المصادر إلى عالم فزاني معاصر للشيخ عمروس، وضع كتابين معروفين بـ " أصول الكلام "، ورجح أصحاب معجم الأعلام أن هذا العالم هو عبد الخالق الفزاني، وذكر د/ النامي أنه لم يعثر لهما على أثر حتى الآن) انظر: جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف، لجوبة علماء فزان، ص 23) مقدمة المحقق - البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ)، ص 117 - الدرجيني، الطبقات، 293/ 2 - الشماخي، السير، 163/ 1 - 164 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 245/ 2 رقم الترجمة: 539). (2) - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 245/ 2 رقم الترجمة: 539. (7) الشماخي
، السير، 163/ 1.
18. (1/140)
صفحة 141
الشيخ عمروس ومنهجه
عنه في كتب السير والتراجم، وهو الأغلب - كما ذكر الباحث إبراهيم بحاز –، وقد جمع العديد منها الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، في كتابه الدليل لأهل العقول" (" وكذلك فقد ظهر في المغرب في عصر الشيخ عمروس عدد من فقهاء المذاهب الأخرى، نقتصر على بعض من ظهر في الدولة الرستمية التي عاش في كنفها الشيخ عمروس؛ ففي تيهرت ظهر عدد من الفقهاء ممن هم على غير المذهب الإباضي، أمثال أبي مسعود وأبي دنون"، وكانا على مذاهب الكوفيين
(2)
..
، ومنهم موسى بن الفارسي أو البادسي الفقيه، وهو على المذهب المالكي كما يرى
الباحث إبراهيم بحاز
(3)
والظاهر أن تيهرت كانت تحوي عددا كبيرا من الفقهاء ممن هم على غير المذهب الإباضي، ذكر عددا منهم الشيخ الباروني في الأزهار الرياضية (4)، والذي يدل على ذلك ما ذكره ابن الصغير في قوله
(4)
: " ومن بالبلد من فقهاء الإباضية وغيرهم لم يطالب بعضهم ولا سعى بعضهم ببعض ... إلا أن الفقهاء تناجت المسائل فيما بينهم وتناظرت، واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه عاقبتها " إهـ
(0)
- لم استطع الحصول على هذا الكتاب، وقد ذكر الباحث إبراهيم بحاز أنه يقع في ثلاثة أجزاء في مجلد واحد، وقد طبع بالمطبعة البارونية، مصر 1306 هـ (أنظر: بحاز، الدولة الرستمية، ص 321 الهامش). (1) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 321
هو أبو مسعود، لم يذكر ابن الصغير اسمه، كوفي المذهب كما ذكر ابن الصغير، ولعله يقصد بالمذهب الكوفي المذهب الحنفي أو المذهب الشيعي، عاش في العاصمة الرستمية تيهرت، في عهد الإمام أبي حاتم يوسف، كان فقيها ومن الوجهاء، آثار مع بعض المغرضين فتنة في عهد الإمام أبي حاتم كما ذكر ابن الصغير، أدت إلى نشوب حرب بين الإمام أبي حاتم وعمه يعقوب دامت أربع سنوات، بعد أن اغروا يعقوب بالحكم، وهم كانوا يطمعون في القضاء على الإباضية ودولتهم الرستمية من وراء ذلك، كما قال ابن الصغير " قد طمعوا أن يبيتوا خبر الإباضية ويطفوهم "، إلا أن الإمام أبا حاتم استطاع أن يقضي على هذه الفتن، ويسيطر على الوضع في الدولة الرستمية (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 105 - 117 - الباروني، الأزهار، 267/ 2 - 277).
- هو أبو دنون، لم يذكر ابن الصغير اسمه، وذكر أنه كوفي المذهب، فلعله حنفي أو شيعي، كان من الفقهاء والوجهاء، عاش في العاصمة الرستمية تيهرت، في عهد الإمام أبي حاتم يوسف، وكان أيضا من الذين أثاروا الفتنة بين الإمام أبي حاتم وعمه يعقوب (انظر: ابن الصغير، اخبار الأئمة الرستميين، ص 105 - 117 - الباروني، الأزهار، 267/ 2 - 277). - ربما يقصد بمذاهب الكوفيين الشيعة، إذ في هذه الفترة كانت الكوفة أهم معقل لهم ولا زالت، أو ربما أتباع أبي حنيفة النعمان أي الحنفية، وكلاهما وارد (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 105 الهامش بحاز، الدولة الرستمية، ص 322 الهامش). (2) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 105
00000
- هو موسى بن الفارسي أو البادسي الفقيه، عاش في تيهرت، كان على المذهب المالكي كما يرى الباحث إبراهيم بحاز لا تذكر المصادر عنه الكثير، صلى على العالم المحدث بكر بن حماد سنة 296 هـ، يرى الباحث إبراهيم بحاز أن تقديمه للصلاة على بكر بن حماد دليل على رسوخ قدمه في العلم (انظر: ابن عذارى، البيان، 155/ 1 - 156 - الدباغ، معالم الإيمان، 282/ 2 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 323).
? ابن عذارى، البيان، 155/ 1 - 156 - الدباغ، معالم الإيمان، 282/ 2 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 323.
(1) - الباروني، الأزهار، 70/ 2 - 78
(0) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 117.
141 (1/141)
صفحة 142
الشيخ عمروس ومنهجه
وابن الصغير – المالكي أو الشيعي
المالكي أو الشيعي - نفسه كان يعد من الفقهاء البارزين بتيهرت، إضافة إلى كونه مما يدل على
مؤرخا، وذلك أنه كانت له مناظرات مع فقهاء من الإباضية في بعض المسائل الفقهية تضلعه في علم الفقه (1)
(Y) **
،
وكذلك كان جبل نفوسة يضم بين جنباته عددا من الفقهاء من غير الإباضية – وإن كان جل أهله من الإباضية - فمن الفقهاء من غير الإباضية الذين ظهروا في جبل نفوسة في ذلك العصر على سبيل المثال أهاب بن مازون النفوسي البربري الفقيه المالكي كذلك من العلوم التي لاقت اهتماما في عصر الشيخ عمروس التاريخ والسير، وقد ظهر عدة علماء اهتموا بهذا الجانب، وألفوا فيه المؤلفات التي وصل إلينا بعضها، وضاع الكثير منها في الفتن والصراعات؛ وقد كان أئمة الدولة الرستمية على رأس المهتمين بالسير والتاريخ، فقد عد المستشرق تاديوس ليفيتسكي كلا من الإمام عبد الرحمن بن رستم، والإمام عبد الوهاب، والإمام أفلح، والإمام أبي اليقظان من المؤرخين ورواة التاريخ؛ فقد كان الإمام أبو بكر محبا للتاريخ والسير – كما مر علينا في هذا المبحث –، حيث ذكر ابن الصغير أنه كان: " ... يحب الآداب والأشعار وأخبار الماضين ... " إهـ؛ وقد كان أئمة الدولة الرستمية يحثون طلاب العلم على دراسة التاريخ وسير الأئمة، مر علينا في هذا المبحث أن الإمام أفلح كان يشجع ويحث على دراسة الكتب فيقول: " عليكم بدراسة كتب المسلمين لا سيما كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل (5)، وهو في تاريخ وآثار الحركة
فقد
(4)
الإباضية ورجالها بالمشرق
(4)
(°) n
- يرى بعض الباحثين احتمال وجود مؤلف لابن الصغير في الفقه، عرض فيه آراء الإباضية في المسائل الفقهية التي ناظرهم فيها، ويستشف ذلك من كلام ابن الصغير حين قال: " وقد اجتمت ما دار من جميع ذلك بيني وبينهم مما اعتلوا به، ومما يدخل لهم لو يذكروه "، وقد فسر بعض الباحثين كلمت " اجتمت " بمعني " جمعت " (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 118 - وداد القاضي، لبن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية، الأصالة، عدد 45، ص 40 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 323).
(1) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 117 - 120 هو أهاب بن مازون النفوسي البربري، فقيه مالكي، عاش في جبل نفوسة بليبيا، سمع الحديث بمصر، وكان كثير القراءة وقد توفي بالمغرب قبل سنة 320 هـ (انظر: ابن الأثير، اللباب في تهذيب الأنساب، ج 2، مكتبة المقدسي، القاهرة، 1357 م، ص 234 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 324)
(2) ـ ابن الأثير، اللباب، 234/ 2 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 324 (3) - ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية، ص 37، 40، 133، 142
(4) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 71.
(5) - الوسياني، سير (مخ)، ورقة 108 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 270 الهامش - الدرجيني، الطبقات، 2/
478
142 (1/142)
صفحة 143
الدين
(1)
الشيخ عمروس ومنهجه
وقد ظهرت عدة مؤلفات للإباضية في التاريخ والسير، من أقدمها " كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع لمؤلفه لواب بن سلام التوزري المزاتي، الذي توفي في سنة 273 هـ، وقد عده المستشرق البولوني تاديوس لفتسكي من أقدم كتب السير في شمال إفريقيا؛ كذلك من الكتب التاريخية المهمة التي ألفت في تلك الفترة كتاب " أخبار الأئمة الرستميين """ لابن الصغير الذي كان معاصرا للإمام أبي اليقظان بن أفلح (261 هـ - 281 هـ)
(2)
أما بالنسبة للغة العربية وعلومها، فإنها كذلك لاقت اهتماما من قبل العلماء في عصر الشيخ عمروس، حيث أنها الوسيلة لفهم الأحكام الشرعية، وعلى رأس المهتمين باللغة العربية أئمة الدولة
الرستمية، فالإمام عبد الرحمن هاجر إلى البصرة ودرس على يد الإمام أبي عبيدة، حتى نبغ في العلم فأجاز له الإمام أبو عبيدة أن يفتي بما سمع عنه وبما لم يسمع (3)، وبالطبع سيكون تلقيه للعلم باللغة العربية، وخاصة أنه في البصرة، والبصرة كما هو معلوم مدرسة من مدارس اللغة العربية؛ والإمام عبد الوهاب اعتكف على قراءة حمل أربعين جملا من الكتب جاءته من المشرق، فلم يجد فيها جديدا إلا مسألتين، فقال: " الحمد لله إذ وجدت جميع ما فيها محفوظا عندي ولم أستفد منها إلا مسألتين، ولو سئلت عنهما لأجبت قياسا كما رسما في الكتب " (4)، والكتب التي جاءته من المشرق بالطبع ستكون باللغة العربية؛ والإمام أفلح دارت عليه أربع حلق في العلم قبل بلوغه سن الرشد، إحداها في اللغة؛ بل إن بعض أفراد البيت الرستمي كيعقوب بن أفلح كانوا يحفظون القرآن مع الكتب السماوية السابقة وهذا ينم عن تمكن في اللغة العربية وعلومها ليتسنى لهم حفظ هذه الكتب، فنجد
العربية
(0)
حققه كل من الشيخ سالم بن يعقوب والمستشرق الألماني شفارتز، طبع طبعة غير مرخصة بعنوان محرف وهو: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية (انظر: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 350/ 2 رقم الترجمة: 760). (1) بحاز، الدولة الرستمية، ص 368 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 350/ 2 رقم الترجمة: 760. عنوان كتاب ابن الصغير غير معروف بدقة، فقد استعملت الكتابات الحديثة عدة عناوين له مثل: أخبار الأئمة الرستميين"، و" تاريخ ابن الصغير "، و " سيرة ابن الصغير "، إلا أن أول نشر له من قبل موتيلانسكي يحمل هذه العبارة " ذكر بعض الأخبار في الأئمة الرستميين منقول من ابن الصغير "، وقد اختار محققا كتاب ابن الصغير د/ محمد ناصر والباحث ابراهيم بحاز عنوان " أخبار الأئمة الرستميين " (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 14 - 15 ترجمة ابن
الصغير - بحاز، الدولة الرستمية، ص 370). (2) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 12 ترجمة ابن الصغير
() ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 54 - 57 - الدرجيني، الطبقات، 19/ 1 - 22 - الشماخي، السير، 113/ 1، 124 - 126 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 246/ 2 رقم الترجمة: 544 (4) - ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 99 - 100 - الدرجيني، الطبقات، 56/ 1 - 57 - الشماخي، السير، 142/ 1. الأئمة، ص 136 - الدرجيني، الطبقات، 77/ 1 - الشماخي، السير، 166/ 1 ـ الوسياني، سير (مخ)
(5) ? ابو زكرياء، سير، ورقة 39 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 269.
143 (1/143)
صفحة 144
الشيخ عمروس ومنهجه
الغلط
(1).
(Y)
يعقوب بن أفلح يقول: " أستعيذ بالله أن ينزل على موسى وعيسى عليهما السلام ما لم أحفظ وأعرف معناه، فكيف بالكتاب المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والحقيقة أن المصادر لا تسعف كثيرا في هذا الجانب، فلا تذكر الكثير عن اهتمام العلماء باللغة العربية وعلومها في تلك الفترة إلا بعض الشذرات التي يمكن اقتطافها من بين السطور التي توحي بوجود اهتمام من قبل العلماء باللغة العربية وعلومها؛ فمن العلماء الذين ذكرت المصادر عنهم الاهتمام باللغة العربية وتمكنهم منها، أبو عبيدة الأعرج، قال عنه ابن الصغير مبديا إعجابه ببراعته في اللغة: " كان أبو عبيدة هذا عالما بالفقه والكلام والوثائق والنحو واللغة وقد أتيته يوما أسمع منه كتاب إصلاح ... فلما افتتحت قراءته وقلت: " لعل ناظرا في كتابنا هذا ينفر من عنوانه ويستنفر من ترجمته، ويربا بأبي عبيدة عن الزلة " فلم أهمز ولم آمده، فقال لي: يربأ بأبي عبيدة بهمزة الألف وضمه، وإنما ذكرت هذا الحرف لأدل على براعته في اللغة " إهـ كذلك من العلوم التي راجت في عصر الشيخ عمروس علم الكلام والمناظرات، وذلك بسبب التنافس المذهبي الشديد في ذلك الوقت، وقد مر علينا في هذا المبحث عدة أمثلة على مناظرات حدثت بين الإباضية وغيرهم، كمناظرة الشيخ عمروس مع لفاث، أو مناظرة الإمام عبد الوهاب ووفد نفوسة مع المعتزلة، أو مناظرات ابن الصغير مع علماء الإباضية، حتى أن ابن الصغير وصف جو المناظرات في تيهرت بقوله: " ... إلا أن الفقهاء تناجت المسائل فيما بينهم وتناظرت، واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه عاقبتها، ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه الطف مناظرة، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك ... " إهـ؛ وقد كان أئمة الدولة الرستمية على رأس العلماء المتمكنين من هذا الفن، وبعضهم ترك مؤلفات في هذا الجانب كالإمام أبي اليقظان فقد ترك كتبا في الرد على المخالفين، و" رسالة في خلق القرآن " "؛ ومن المؤلفات التي ظهرت في هذا الفن في تلك الفترة كذلك " كتاب في الرد على النكات وأحمد بن الحسين " للشيخ عمروس، وكتاب الدينونة
(3)
(1) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 190 - الدرجيني، الطبقات، 105/ 1 - الشماخي، السير، 47/ 2 - الباروني، الأزهار، 2/ 294 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية 473/ 2 رقم الترجمة: 1032. (2) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 96.
() - المصدر السابق، ص 117
- انظر ص 104.
144 (1/144)
صفحة 145
الشيخ عمروس ومنهجه
(Y)
الصافية له كذلك (1)؛ وظهر كتابان آخران في علم الكلام يعرفان بـ " أصول الكلام " لعبد الخالق الفزاني الذي كان معاصرا للشيخ عمروس كذلك مع ما سبق ذكره من العلوم الشرعية، فإن هناك بعض العلوم الدنيوية لاقت اهتماما في عصر الشيخ عمروس، كعلم الطب والكيمياء الذي يتعلق بتركيب الأدوية، وكان اليهود من أكثر المهتمين بهذه العلوم، حيث أنهم كان لهم وجود في الدولة الرستمية في ذلك الوقت (3)؛ وعلم الفلك والتنجيم والحساب كان أيضا من العلوم الرائجة في ذلك العصر، وقد كان أئمة الدولة الرستمية على رأس علماء هذه العلوم كما مر علينا عند الحديث عن اهتمام أئمة الدولة الرستمية بالعلم في هذا المبحث، وبلغ من اهتمام الأسرة الرستمية بهذا العلم أن قال أحد أفرادها: " معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم مرلة يبيت فيها القمر؛ والظاهر أن أئمة الدولة الرستمية وعلمائها تركوا مؤلفات قيمة في هذا العلم، والدليل على ذلك ما قام به أبو عبد الله الشيعي من انتقاء كتب الفلك والحساب والصناعة من
(4)
(0)
مكتبة المعصومة وإحراق الباقي هذه بعض العلوم التي كانت متداولة في عصر الشيخ عمروس، فظهر عدد من العلماء الذين تمكنوا منها، وتركوا الكثير من المؤلفات، منها ما وصل إلينا، ومنها ما ضاع مع الأيام والحوادث، والله الأمر من قبل ومن بعد.
-
(1) البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 95 عمروس، الدينونة الصافية، ص 57021 84 - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 221 - دليل المؤلفين العرب الليبيين، ص 30 نقلا عن: عمروس، الدينونة الصافية 21 المقدمة. يذكر د/ عمرو خليفة النامي أن هذين الكتابين لا يزالان مفقودين (انظر: النامي، دراسات عن الإباضية، ص 221). (1) البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 95 - الشماخي، السير، 196/ 1 - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 221 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 245/ 2 رقم الترجمة: 539.
ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، 56/ 3 - 134 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية ن ص 373 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 372/ 2 - (4) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 99 - الدرجيني، الطبقات، 56/ 1 - الشماخي، السير، 142/ 1 - بحاز، الدولة الرستمية، (9) - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 170 - الدرجيني، الطبقات، 94/ 1 - الباروني، الأزهار، 293/ 2 - دبوز، تاريخ المغرب
ص 377
الكبير، 397/ 3 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 375
140 (1/145)
صفحة 146
الشيخ عمروس ومنهجه
-
6
المطلب الخامس: وضع المرأة العلمي والفكري في عصر الشيخ عمروس:
إن المرأة هي شقيقة الرجل، ونصف المجتمع، وقد كان للمرأة في عصر الشيخ عمروس دور
(1)
كبير
(
،
في النهضة العلمية التي شهدها ذلك العصر، بل كانت تنافس الرجل في طلب العلم ومجالسة العلماء فظهر عدد كبير من العالمات والصالحات في ذلك العصر، منهن من بلغت درجة الاجتهاد والإفتاء، فحفظت لنا المصادر أمثلة لفتاوى وأحكام لعالمات ظهرن في تلك الفترة؛ وقد وصف الباحث إبراهيم بجاز نساء ذلك العصر – وبالتحديد المجتمع الرستمي - فقال: " كان للمرأة في المجتمع الرستمي، دور بارز في الحياة الفكرية، إذ وجدناها عالمة، وشاعرة، ومستفسرة عن مسائل دينها لا تريد أن تجهلها وكانت المرأة الإباضية بالخصوص، باعتبار أن تلك الفترة كانت فترة سلطان المذهب الإباضي، كثيرة الاعتناء بالشعائر الدينية وشرائعه، ويبدوا لنا أن المرأة كانت الوعاء الحقيقي للإباضية، حملت هذا المذهب بأمانة، تدافع عنه، وتنشئ الأجيال عليه وكانت نساء البيت الرستمي على رأس قائمة العالمات اللائي نبغن في العلم، فيقول أحد أفراد البيت الرستمي: " معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر " كما مر على اهتمام وشغف النساء الرستميات بالعلم في ذلك العصر ما ذكره الشماخي من أن الإمام عبد الوهاب وأختا " له باتا يتعلمان مسائل الفرائض، فلم يطلع عليهما الفجر إلا وهما يورثان وقد كانت نساء البيت الرستمي ينافسن رجال البيت الرستمي حتى كدن يتفوقن عليهم في العلم فمما يروى في تفوقهن في علم الفلك أن الإمام أفلح قعد ذات ليلة هو وأخته"، فقال لها هلمي نحسب ماذا يذبح في السوق غدا أولا إن شاء الله، فحسب فقال لها أفلح: إن أول ما يذبح بقرة صفراء في بطنها عجل ذو غرة في جبهته، فقالت له: صدقت هي البقرة الصفراء وفي بطنها عجل، غير أن الذي
(2)
؛ ومن
(3)
الأمثلة
،
(1) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 377. (2) - انظر ص 90.
- لم يذكر الشماخي اسمها، وقد مر ذكر الخلاف الواقع بين أبي زكرياء صاحب سير الأئمة والشماخي صاحب كتاب السير،
لنظر: ص 99
) - الشماخي، السير، 142/ 1. - لم تذكر المصادر اسمها.
146 (1/146)
صفحة 147
الشيخ عمروس ومنهجه
رأيته هو طرف ذنبه أبيض تعممه على جبهته، فخلته أبيض الجبهة ذا غرة، وإنما ذلك طرف ذنبه، فكان الأمر كما قالا (1)
وقد بلغ نساء البيت الرستمي من الحنكة والدهاء أن أصبحن يعن الأئمة في بعض الأمور المتعلقة بالحشم والقصر، فمن ذلك ما ذكره ابن الصغير عن " غزالة " زوجة الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح وبعض المهام التي كانت تؤديها، فقال: " ... وكان أبو حاتم هذا فتى شابا، فكان يجمع الفتيان إلى نفسه فيطعم ويكسي، وكانت له أم تسمى غزالة، وكانت مالكة لأمور أبي
(2)
اليقظان وحشمه " إهـ وأما نساء نفوسة فلم يكن أقل من نساء تيهرت، بل كن يماثلنهن في حب العلم وطلبه حذو النعل بالنعل، ويظهر مدى اهتمام النساء النفوسيات بالعلم من انتشاره حتى بين الإماء والخدم، فقد ذكر الوسياني أن " العلم فشا في الجبل حتى خدمهم وإمائهم إذا خرجن إلى الاستقاء لا يرجعن حتى يذكرن بينهن مسائل كتاب ماطوس، وفيه ثلاثمائة مسألة، ومواعظ كتاب الإخوان" " (3).
ولقد كان حب العلم والشغف به عند النساء في ذلك الوقت سبب لعتق أمة سودانية تدعى " غزالة، حيث أنها كانت تخدم مولاها بالنهار، فإذا نام ونام عياله، انصرفت فتحضر مجلس الذكر عند أبي محمد عبد الله بن الخير، فإذا انقضى المجلس رجعت، فتأتي مصلى لها في كهف فتصلي، فإذا كان آخر الليل أتت أهلها فأيقظتهم للصلاة، ففطن لها سيدها فأعتقها، واستمرت على ما كانت عليه (4)
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 136 - الشماخي، السير، 167/ 1 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 379/ 3. (2) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 103.
- هو أبو معروف ماطوس وورد موطس - بن هارون، عالم عامل مجتهد، من مدينة شروس بجبل نفوسة بليبيا، يعد ضمن شيوخ وقراء جبل نفوسة، عاصر الوالي على الجبل أبا منصور إلياس، والشيخ عمروس بن فتح وكان من جلسائهم في العلم، له كتاب يسمى " كتاب ماطوس "، شارك في معركة مانو سنة 283 هـ، واستشهد فيها (انظر: الدرجيني، الطبقات، 322/ 2 - الشماخي، السير، 226/ 1، 227 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 351/ 2 - 352 رقم الترجمة: 763). ذكر الباحث إبراهيم بحاز أنه لا يعرف عن كتاب الإخوان شيئا (بحاز، الدولة الرستمية، ص 378 الهامش). -- الوسياني، سير (مخ (ورقة 18 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 378 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 351/ 2 - 352 رقم الترجمة: 763. هي أمة سودانية اسمها غزالة، جلبت من السودان، أسلمت بسبب سماعها لقراءة القرآن، واشتراها رجل من أهل ويغو بجبل نفوسة، يروى من كراماتها أنها عندما كانت تصلي في الكهف كانت ترى مصباحين يقدان لها، فلما اعتقت كانت لا تجد إلا مصباحا واحدا (أنظر: الشماخي، السير، 187/ 1). (4) - البغطوري، سير اهل نفوسة، ص 72 - الشماخي، السير، 187/ 1.
000
147 (1/147)
صفحة 148
وقد كانت النساء النفوسيات يحضرن مجالس العلم في بيوت العلماء، فقد ذكر الشماخي أن أبا ذر
أبان بن وسيم
كان له مجلس علم في بيته تقصده النساء للتعليم والإفادة
(2)
(1)
، وكانت له زوجة وابنة صالحتان فقيهتان، ومن تلميذاته اللاتي تخرجن من بيته العالمة زورغ الأرجانية، التي قيل عنها: " معها ثلث علم أهل الجبل "، والعالمة النفوسية تكسليت أم يحيى (3)؛ وكانت أم الشيخ أبي ميمون الجيطالي تحضر مجالس العلم، فكان ولدها أبو ميمون في مجلس العلم يسكن ويترك البكاء، فتفرست فيه أن يصبح. عالما العلماء، وصدقت فراستها، فأصبح من كبار العلماء، وهذا دليل على من
ذكائها وفطنتها
(4)
ووصل من حب النساء للعلم في ذلك الوقت أن فتحن منازلهن للعلماء يقيمون فيها دروس العلم ومن ذلك ما ذكره الشماخي عن إحدى النساء النفوسيات الصالحات الفقيهات إسمها " بهلولة "
(0)
؛ ومن ذلك
كانت تفتح بيتها للشيخ أبان بن وسيم، ليلقي فيه دروسه للنساء، ثم تزوجها بعد ذلك أيضا ما ذكره الشماخي عن امرأة تدعى " أم الخطاب كانت كذلك تفتح بيتها للعلماء ليقيموا فيه
.
(1) - الشماخي، السير، 186/ 1. (2) - الدرجيني، الطبقات، 304/ 2 - الشماخي، السير، 186/ 1 - هي زروغ الأرجانية، من أهل " أرجان " بجبل نفوسة، تصنف ضمن الطبقة الخامسة) 200 - 250 هـ)، عالمة عابدة صالحة، بلغت مبلغا عظيما في العلم والصلاح، اخذت العلم عن ابان بن وسيم الويغوي، قيل عنها " معها ثلث علم الجبل "، وكانت نساء أهل " إيجطال " و " ابديلان " يزرنها، لمكانتها وورعها وعلمها، وفي جبل نفوسة يوجد مصلى نسب إليها، كان قائما في القرن العاشر الهجري (انظر: البغطوري، سيرة أهل نفوسة (مخ)، ص 98 - 99 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 163/ 2 رقم الترجمة: 354).
- هي تكسليت لم يحيى، امرأة صالحة عالمة من أهل " جليمة " بجبل نفوسة، تتلمذت على يد أبي غليون، وجندول، وأبان بن وسيم الويغوي، كان يجتمع عندها العزابة من أهل " أمسين "، طلبة ومشايخ، في كل ليلة جمعة يتذاكرون، ويحيون ليلتهم في العبادة، وصفها البغطوري بأنها أفضل نساء زمانها، من تلميذاتها: شكرت الزعوارية، وقد اشتهرت تكسليت بقوة الحفظ سمعت ثمانين بيتا من الشعر فحفظتها مرة واحدة، وحفظت كتاب الخليل الصالح، بعد أن سمعته من قراءة واحدة، فقالت: " من أراد أن ينسخ فليكتب " فاملته من حافظتها، حين رفض من اشترى الكتاب أن يسمح بنسخه، وقد كانت لا تزال على قيد الحياة إلى سنة 283 هـ، والظاهر أنها هي نفسها لم يحيى زوجة الشيخ أبي ميمون الجيطالي، أنظر ترجمتها ص 150 (انظر: البغطوري، سيرة أهل نفوسة (مخ)، ص 27 - 30، 55 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 105/ 2 رقم الترجمة: (223
- بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 7/ 2 رقم الترجمة: 3. (4) - الدرجيني، الطبقات، 295/ 2 بهلولة: إمرأة صالحة وفقيهة من جبل نفوسة، عاشت في القرن الثالث الهجري، أخذت العلم في حلقة أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي، التي كان يقيمها في بيتها، بعد أن جعلت من بيتها مدرسة للنساء، ثم تزوجها بعد ذلك (انظر: الشماخي، السير، 186/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 100/ 2 رقم الترجمة: 212).
(0) - الشماخي، السير، 186/ 1
.- هي أم للخطاب، لم تذكر المصادر اسمها، عالمة صالحة من بلدة " أغرميمان " من ناحية " تغرمين " بجبل نفوسة، عاشت في القرن الثالث الهجري، كانت نصرانية، فتزوجها أبو يحيى الأرذالي، فاعتنقت الإسلام، وحفظت القرآن الكريم =
" (1/148)
صفحة 149
الشيخ عمروس ومنهجه
مجالس العلم (1)؛ قال الباحث إبراهيم بحاز معلقا على هذه الظاهرة: " إن مجرد فتح البيت للشيخ يلقي فيه دروسه، يعبر عن المستوى الرفيع الذي بلغه الاهتمام بالعلم في الدولة الرستمية، ليس من طرف الحاكم أو الرجل حسب، وإنما إلى جانبهما المرأة التي اهتمت دوما بمعرفة فقه مذهبها، ومعرفة دينها بصفة عامة " إهـ
(2)
وكن من حبهن للعلم تتمنى الواحدة منهن أن تجد قوما جهالا فتعلمهم أمور دينهم، ليرحمها الله تعالى بذلك، فمن ذلك ما يروى أن ثلاث نسوة صالحات مجتهدات اجتمعن يوما بجبل نفوسة، وتحدثن فأمضى بمن التحدث إلى الأماني، حتى قالت إحداهن: أتمنى لو أن الله ساقني إلى قوم جهال فأعلمهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، فيرحمني الله بما أعلمهم من فضل العلم والتعليم، وهذا يدل على
(3)
تمكنهن من العلم، بحيث تصبح الواحدة منهن قادرة على التعليم والتصدي لهذه المهمة الجسيمة وقد كن من اهتمامهن بالعلم وطلبه، يسألن حتى عن الأمور الدقيقة والخاصة، فمن ذلك ما يروى عن ابنة الشيخ أبي مسور يصنيتن النفوسي، أنها سألته عن مسألة من مسائل الحيض، ووصفت له إمارات من ذلك، ثم قالت له: أتراني أن أصلي هذا أم لا؟ فقال لها: ألا تستحي مني يا ابنتي؟ فقالت: أخشى إن استحيت في أمور ديني أن يمقتني الله تعالى يوم القيامة، فقال لها أبوها: لا يمقتك الله يوم القيامة يا ابنتي، وذلك لما رأى خوفها من الله تعالى، وحرصها على دينها؛ وقد ذكر الدرجيني أن
(4)
n
هذه الفتاة التقية وصفت بأنها: " عظيمة القدر في أهل زمانها، وممن يروى عنها الفوائد الكثيرة " (5) ثم ذكر بعض المواقف التي تدل على علم وصلاح هذه الفتاة النفوسية، فمن ذلك أنها جلست مع أبيها ذات يوم، فقال أبوها: " المسلمون أفضل من أقوالهم "، فقالت: " أقوالهم أفضل، لأن المسلمين يموتون وتبقى أقوالهم، ينتفع بها بعدهم، إلا إن كنت تريد فضل الأجسام على الأعراض، وإلا أفعالهم والدين أفضل المخلوقات؛ وموقف آخر لهذه الفتاة يدل على علمها وتقواها، ما روي من أنها جلست يوما مع أبيها يتحدثان، وقد غسلا ثيابهما ونشراهما للشمس، فنظر الشيخ إلى صفاء الثياب،
(6)
=، وجدت في علوم الشريعة، حتى أصبحت مرجعا للنساء في الاستشارة والفتوى (انظر: الشماخي، السير،218/ 1 - 219، 155، 171 - بحار وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 134/ 2 رقم الترجمة: 291).
(1) - الشماخي، السير، 155/ 1، 171 (2) - بحاز، الدولة الرستمية، 378 - 379
() - الدرجيني، الطبقات، 309/ 2 - 310 - الشماخي، السير، 179/ 1.
(4) - الدرجيني، الطبقات، 316/ 2
() - المصدر السابق، 316/ 2. (1) الدرجيني
، الطبقات، 316/ 2 - الشماخي، السير، 197/ 1.
149 (1/149)
صفحة 150
الشيخ عمروس ومنهجه
فقال: " تمنيت أن الله عز وجل طهر قلبي كطهارة هذه الثياب "، فقالت: " تمنيت أن يكون بيدي تطهير قلبي، فأطهره كهذه الثياب، وأرسله إلى مولاه "، فقال لها: " إنك لأبلغ مني حتى في؛ وأيضا يروى عنها أن أباها قال لها: " أزوجك لمن له عليك سبعون حقا "، فقالت: "
الأماني
(1)
"
اردها إلى ثلاث، إن دعا أجبت، وإن أمر امتثلت، وإن نهي تركت وقد بلغ من علم النساء في ذلك العصر أن أصبحن موضع ثقة للشورى في الأمور العظام، فمن ذلك ما يروى أن أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني لما وصله كتاب الإمام عبد الوهاب بتعيينه واليا على جبل نفوسة، قال: " أمهلوني حتى أستشير "، فأتى عجوزاً معروفة بالعلم والورع والدين، فقال لها: " إن أمير المؤمنين بعث إلي بالولاية، فأشيري علي "، فقالت: " إن علمت في نفوسة أفضل منك فتقدمت فستكون خشبة في جهنم، وإن علمت ليس فيهم أفضل منك فتأخرت فستكون خشبة في جهنم "، فقال: " أما في أمور الرجال فلا أعلم فيهم مثلي "، فقالت: " فادخل إذا فيما قلدك الإمام، وإلا فإني أخشى أن تقشم عظامك في نار جهنم، فقد قامت عليك الحجة "، فرجع إلى المشائخ فقبل الولاية (3)
(4)
ومن النساء النفوسيات اللاتي اشتهرن بالعلم والصلاح " أم يحيى، فكانت تتذاكر العلم مع زوجها، قال عنها الشماخي: " كانت حزيمة لأمور الأخرى وأمور الدنيا " إهـ؛ وكانت شديدة الغيرة على دين الله، فيروى أنه تقدم رجل يصلي بالناس، وهو لا يستحق التقديم، فقالت له: " اخرج من المحراب يا رجل سوء، لئلا يأتيك من السماء أكثر مما يأتيك من الأرض "، فكان ذلك الرجل يقول لها فيما بعد: " ... لولاك لهلكنا، رزقك الله الجنة " (5)؛ ويروى من قوة حفظها أنها سمعت رجلا في؛
(1) - الدرجيني، الطبقات، 316/ 2 - الشماخي، السير، 197/ 1.
(2) - الشماخي، السير، 197/ 1. - لم تذكر المصادر اسمها. (3) ? أبو زكرياء، سير
الأئمة، ص 124 - 125 - الدرجيني، الطبقات، 71/ 1 - الشماخي، السير، 158/ 1 " هي أم يحيى زوجة الشيخ أبي ميمون الجيطالي، إمرأة صالحة عالمة، من " تيمصليت " بجبل نفوسة، كانت على قيد الحياة حتى سنة 283 هـ، لم تذكر المصادر التي وقعت بين يدي اسمها، وإنما اكتفت بذكر كنيتها، أخذت العلم عن الشيخ أبي غليون، والشيخ أبان بن وسيم الويغوي، انشات مدرسة خاصة للنساء، لها مصلى في جلميت بجبل نفوسة يعرف بمصلى لم يحيى، والظاهر أن لم يحيى هذه هي نفسها تكسليت لم يحيى، وقد اعتبرهما أصحاب المعجم شخصيتين مستقلتين، فترجم لكل واحدة على حدة، بالرغم من إحالتهم إلى نفس المراجع والمصادر ونفس الصفحات، وعند المقارنة بين الشخصيتين نجد تشابها في حياة كل منهما، مما يظهر أنهما نفس المرأة والله أعلم، وقد ترجمت لأم يحيى تكسليت سابقا في هذا المبحث ص 148 (انظر: بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 465/ 2 - 466 رقم الترجمة: 1018). (1) - الشماخي، السير، 199/ 1.
(0) - المصدر السابق، 199/ 1.
10. (1/150)
صفحة 151
الشيخ عمروس ومنو
طريق الحج ينشد قصيدة في ثمانين بيتا، فحفظتها كلها (1)؛ وكانت تقيم حلقة علم في ليلة كل
(2)
جمعة، يجتمع عندها المشائخ والصالحون، يتذاكرون العلم ويحيون ليلتهم في العبادة؛ ويروى أنها فقدت شخصا ممن كان يحضر مجلس الذكر اسمه زكرياء بن منيب، فلما وجدته بعد ذلك قالت له: • أكفر بعد إيمان يا زكرياء "، فاعتذر أنه اشتغل بغسل ثيابه (3)؛ وكانت تقيم حلق العلم للنساء، وتتولى تدريسهن بنفسها، وتعد أول امرأة نفوسية فكرت في تخصيص مدرسة للبنات، مجهزة بالأقسام الداخلية
(4)
في قرية أمسين بجبل نفوسة؛ ومما يروى كذلك من قوة حفظها أن كتابا وقع بجبل نفوسة لأول مرة عند أحد الأشخاص، فرفض إخراجه لنسخه، وعرضه مرة واحدة على أم يحيى، فتمكنت من حفظه، فقالت: " من أراد أن ينسخ فليأت " (5)
مواقف
"
ومن العالمات النفوسيات المشهورات أخت الشيخ عمروس، ويظهر تمكنها في العلم من عدة، من ذلك ما يروى أنها أعانت أخاها الشيخ عمروس في نسخ مدونة أبي غانم الخرساني، فكان الشيخ عمروس يكتب وهي تملي (6)؛ ومن ذلك اشتراكها مع النسوة في موقعة " مانو "، فلما خشيت على نفسها وعليهن التعرض للفتنة من الظلمة، أمرت كل واحدة منهن أن تستخلف الأخرى في
(7)
، واشتراكها في موقعة مانو يدل على أنها كانت محبة للجهاد في سبيل الله تزويجها بمن يريدها بسوء والذود عن حياض الشريعة متأسية بالصحابيات الجليلات.
،
(1) - الشماخي، السير، 199/ 1. (2) - المصدر السابق، 199/ 1
- هو ابو يوسف زكرياء بن منيب، شيخ فقيه صالح من جبل نفوسة، عاش في القرن الثالث الهجري، كان له اخ يكنى بأبي يعقوب، وكانا يترافقان إلى تيهرت العاصمة الرستمية، لعلمها لطلب العلم على يد أئمتها وعلمائها، والظاهر أنه كان من عزابة " أمسين "، حيث أن عزابة " أمسين " كانوا يحضرون مجلس ذكر وعلم عند أم يحيى، فافتقدت أم يحيى في ليلة من الليالي لبا يوسف، وعندما وجدته بعد ذلك قالت له: " أكفر بعد إيمان يا زكرياء "؟ فاعتذر بغسل ثيابه من النجاسة (انظر: الشماخي، السير، 170/ 1، 199).
|_ (*)
| _ (°)
) - المصدر السابق، 199/ 1 الشماخي، السير، 199/ 1 - 200
الشماخي. - لم تذكر المصادر اسمها.
، السير، 199/ 1 - 200
-
بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 465/ 2 رقم الترجمة: 1018.
(1) الدرجيني، الطبقات، 323/ 2 - الشماخي، السير، 194/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 11. (2) - الشماخي، السير، 195/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 12 المقدمة.
151 (1/151)
صفحة 152
الشيخ عمروس ومنهجه
ويروى أن الشيخ سدرات بن إبراهيم المساكني سئل عن امرأة ولدت ولدا فبقي آخر في بطنها هل
تأكل في رمضان نهارا؟ قال: نعم، فقال بعض الأشياخ: نعس الشيخ، فقالت أخت عمروس: " إن
نعس لم ينعس علمه وكلامه، وجدناها تأكل إذا انشقت المبولة، فكيف بهذا
(1)
إذا فهكذا كانت المرأة في عصر الشيخ عمروس، محبة للعلم ومجالسة العلماء، مهتمة بأمر دينها، آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، ناشرة للعلم بين بنات جنسها، مجاهدة في سبيل ربها
هو أبو حمزة سدرات بن إبراهيم المساكني النفوسي، من " مساكن " بجبل نفوسة بليبيا، عاش في القرن الثالث، كان معاصرا للشيخ عمروس بن فتح، وكان عالما ومفتيا، وصفه الشماخي بقوله: " كان شيخا عالما متقيا " إهـ، وكان له مجلس يتصدر الإفتاء فيه، وكانت أخت الشيخ عمروس ممن يحضر ذلك للمجلس) أنظر: البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 93 - الشماخي، السير، 196/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 12 المقدمة). المبولة" بفتح الميم: ما يدر البول، ويقال: " كثرة الشراب مبولة"، والميولة بكسر الميم: ما يبال فيه، ويجمع على مباول، والمراد بالمبولة في كلام اخت الشيخ عمروس: الماء الذي يسبق خروج الولد (انظر: إبراهيم مصطفى وآخرون المعجم الوسيط، 77/ 1 - المعجم الوجيز، ص 68 - الشيخ محمد لطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج 1، مكتبة الارشاد، جدة، المملكة العربية السعودية، طـ 3: 1405 هـ / 1985 م، ص 313 - الشيخ عمروس، الدينونة الصافية، مقدمة للمحقق ص 12 الهامش).
(1) البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 93 - الشماخي، السير، 196/ 1 عمروس، الدينونة الصافية، ص 12
المقدمة.
-
،
152
! (1/152)
صفحة 153
الشيخ عمروس ومنهجه
- المطلب السادس: العلاقات الثقافية بين الدولة الرستمية وبلاد المغرب والمشرق وبلاد السودان في عصر الشيخ عمروس:
ارتبط الدولة الرستمية مع الدول المختلفة بعلاقات ثقافية وطيدة، ساهمت في رفع ودفع الحركة الثقافية في ذلك العصر، وتتمثل تلك العلاقة الثقافية في هجرة العلماء وطلاب العلم من الدولة الرستمية إلى تلك الدول لطلب العلم وللتعليم، والعكس بالعكس، كذلك كانت مؤلفات الدولة الرستمية تخرج إلى تلك الدول فيستفيد منها علماء وطلاب تلك الدول، ومؤلفات تلك الدول تأتي إلى الدولة الرستمية فيستفيد منها علماؤها وطلابها؛ وكانت الدولة الرستمية ترتبط أكثر ما ترتبط بعلاقات ثقافية مع بلاد المغرب والأندلس، ومع المشرق، ومع بلاد السودان. فكيف كانت هذه العلاقة؟ وما مدى قوتها؟ وما أهم مظاهرها؟ وكيف استفادت الدولة الرستمية من هذه العلاقة الثقافية في عصر الشيخ عمروس؟ هذه ما سأحاول أن أميط اللثام عنه من خلال هذا
المبحث.
أولا: العلاقة الثقافية مع بلاد المغرب والأندلس:
كان للدولة الرستمية علاقات تجارية كبيرة مع بلدان المغرب المجاورة لها، ومع الأندلس، والمشرق، وبلاد السودان، وقد ساهمت هذه الحركة التجارية في التلاقح العلمي والفكري بين هذه البلدان، وذلك أن الكثير من العلماء يمارسون التجارة، فكانوا يتنقلون ببضائعهم بين مختلف العواصم، وفي نفس الوقت ينقلون علمهم إلى تلك الأماكن التي يصلون إليها، ويستفيدون كذلك من علماء تلك؛ وكانت تيهرت تمثل قلب بلاد المغرب النابض، حيث أنها تقع في وسط بلاد المغرب
البلدان (1)
فساهم موقعها الحساس هذا في الربط بين عواصم بلاد المغرب المختلفة، فكانت معبرا للقوافل التجارية
، مما نجم عنه دعم الحركة الثقافية فيها، حيث أن العلماء ينتقلون مع هذه القوافل، فكانوا يلتقون
بعلماء تيهرت، فيستفيد كل طرف من الآخر
(2)
،
(1) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 382. (2) ? المصدر السابق، ص 382
153 (1/153)
صفحة 154
الشيخ عمروس ومنهجه
وكان لمنهج التسامح والحرية الفكرية الذي اتبعه أئمة الدولة الرستمية مع الرعية دور كبير في دعم العلاقات الثقافية مع الآخرين، فهاجر إلى تيهرت الكثير من العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية، واستوطنوها، وعاشوا في كنفها لما وجدوا من حرية فكرية ومذهبية، وقد مر علينا سابقا ما ذكره ابن الصغير حول الحرية الفكرية والمذهبية التي كانت موجودة في تيهرت والدولة الرستمية بصفة عامة
(
(1)
عندما قال: ". وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار ... إلخ " إهـ فساهم هذا في التبادل العلمي والفكري بين علماء تيهرت والعلماء الذين وفدوا إليها من الخارج واتخذوها بلدا لهم؛ وقد كانت تحدث مناظرات ومطارحات علمية بين مختلف علماء المذاهب الإسلامية الذين سكنوا تيهرت (2)، وقد مر علينا بعض الأمثلة حول بعض المناظرات التي وقعت بين العلماء في تيهرت ".
وكان للإباضية وجود في بعض العواصم المغربية، فكانت أعداد كبيرة منهم تسكن العاصمة الأغلبية خاصة من أهل نفوسة، وذلك لاقتراب جبل نفوسة من القيروان، فيروي لواب بن سلام وجود أكثر من خمسمائة رجل نفوسي من بينهم العلماء والفقهاء، كأبي عمرو حفصون النفوسي، ومنهم أبو عبد
الله فضل"، وكانت لهم مساجدهم ومنازلهم التي يقيمون فيها دروسهم، ويفتون الناس فيها وذكر الشماخي عددا من علماء الإباضية الذين سكنوا القيروان
(4)
(3)
،
(1) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 36
(2) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 382 - 383
- ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين،، ص 117
- هو أبو عمرو حفصون، عاش في القرن الثالث، من علماء جبل نفوسة، سكن بباطن المرج، وهي منطقة قريبة من القيروان قبالة الساحل، تلقى العلم على مشايخ زمانه بالقيروان كما يرجح أصحاب المعجم، وصفه ابن سلام بأنه عالم فقيه فارض ناقد (انظر: لواب بن سلام، الإسلام وتاريخه، ص 159 - الشماخي، السير، 222/ 1 - 223 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 122/ 2 رقم الترجمة: 262)
- هو أبو عبد الله فضل كما ذكر ابن سلام ووافقه الشماخي، وذكر الباحث إبراهيم بحاز أنه فضل بن عبد الله، والظاهر أنه وقع خطأ مطبعي عند الباحث بحاز وذلك أنه نقل عن ابن سلام والشماخي، اللذان أشارا إلى أنه أبو عبد الله فضل وليس عبد الله بن فضل؛ وقد سكن فضل بن عبد الله غربي مدينة القيروان، وسط سوق الأحد حارة أبي محرز، وهو عالم من علماء الإباضية، وكان يخرج إلى بعض إخوانه - لعل الشماخي يقصد بإخوانه الإباضية - من هوارة وزناته فيتعلمون منه للعلم. وصفه ابن سلام بأنه عالم مفت بالقيروان (انظر: لواب بن سلام، الإسلام وتاريخه، ص 157 - الشماخي، السير، 221/ 1?. بحاز، الدولة الرستمية، ص 383). (2) - لواب بن سلام، الإسلام وتاريخه، ص 157 - 159 - الشماخي، السير، 221/ 1 - 223 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 122/ 2 رقم الترجمة: 262
(1) - انظر: الشماخي، السير، 221/ 1 - 223.
104 (1/154)
صفحة 155
الشيخ عمروس ومنهجه
ويرى بعض الباحثين أن من أسباب كثرة وجود الإباضية في القيروان هو لغرض تعلم اللغة العربية وآدابها في ربوع العرب، إذ كانت هذه المدينة كما يقول لوفيسكي، مثابة للإباضيين الواردين من مختلف بقاع المغرب لتعلم العربية وآدابها
(1)
وقد كانت كذلك للدولة الرستمية علاقة ثقافية مع الدولة الإدريسية، إلا أن المصادر لا تذكر
الكثير عن هذه العلاقة، إلا ما يذكر عن الشاعر التيهرتي بكر بن حماد الذي مدح بعض حكام الأدارسة وقد يكون انتقل إلى هناك لهذا الغرض، كما يذكر الباحث إبراهيم بجاز
(2)
،
وأيضا كانت هناك علاقات ثقافية بين الدولة الرستمية والدولة المدرارية الصفرية، حيث كان للإباضية وجود في العاصمة المدرارية سجلماسة (3)، وكان من أبرز العلماء الإباضيين الذين استوطنوا سجلماسة عالم جاء من المشرق يعرف بابن الجمع، وكان من أشهر من تتلمذ على يديه أبو الربيع
سليمان بن زرقون النفوسي، وأبو يزيد مخلد بن كيداد الذي أصبح نكاريا بعد ذلك (4)
(1) - محمد)
محمد أبو راس الجربي، مؤنس الأحبة، مقدمة المحقق، ص 56 - 57 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 384 (2) - البكري، المغرب، ص 143 - ابن عذارى، البيان المغرب، 236/ 1 - شاوس محمد رمضان، الدر الوقاد، ص 51 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 384 - الباروني، الأزهار، 70/ 2.
) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 97 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 384.
هو ابن الجمع، وورد ابن الجمعي، عاش في القرن الرابع الهجري، عالم من علماء الإباضية، غزير العلم، مطلع على علوم الحيل والنظر، تلقى علمه بالمشرق مسقط رأسه، ثم رحل إلى مصر، ثم سكن " توزر "، فسجلماسة، حيث اشتغل بالتدريس، من تلامذته: أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي، وابو يزيد مخلد بن كيداد صاحب الحمار، ينسب إليه ديوان وكتب من تأليفه (انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 193 - 194 - الدرجيني، الطبقات، 109/ 1 - 110 - الشماخي، السير 237/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 114/ 2 - 115 رقم الترجمة: 243).
هو ابو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي، يعد من الطبقة السابعة (300 - 350 هـ)، من نفوسة تابديوت (تاديوت) بليبيا، يعد من العلماء العارفين البارزين، تتلمذ على يد ابن الجمع ولازمه، بعد وفاة شيخه ابن الجمع بسجلماسة عاد إلى قصطاليا بتوزر، فعين مفتيا بها، ولكن علاقته بسجلماسه لم تنقطع بل ظل أهلها يستشيرونه ويستفتونه، فمن ذلك استفتاؤهم إياه في مسألة اختلفوا فيها حتى كادوا أن يقتتلوا بسببها، فلما أفتى لهم رجعوا إلى صوابهم واصطلحوا؛ وقد استطاع رد مزاته بإفريقية إلى مذهب الإباضية بعد أن اعتنقت مذهب النكار، من طلابه: أبو القاسم يزيد بن مخلد، وأبو خزر يغلى بن زلتاف، وابن سلام صاحب كتاب " بدء الاسلام "، وقد ترك أبو الربيع سليمان بن زرقون ديوانا يسمى " ديوان أبي الربيع "، ولا يعرف اهو باق كله أو شيء منه، أم ضاع مع ما ضاع) انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 193 - 198 - الدرجيني، الطبقات، 1 109 - 113 - الشماخي، السير، 237/ 1 - 238 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 202/ 2 رقم الترجمة: 447). - هو لبو يزيد مخلد بن كيداد النكاري، صاحب الحمار - لقب بذلك لأنه كان يملك حمارا جلبه من مصر يسبق الخيول عاش في القرن الرابع، أصله من البربر من بني يفرن يسكن قلعة سداده، وأمه سودانية، اسمها مسيكة، وقد نشأ أبو يزيد فقيرا وعاش على إحسان الناس زمانا، وأظهر التدين، وقد كان إياضيا، درس على يد ابن الجمع، وكان رفيقه في الدراسة أبو الربيع سليمان بن زرقون الذي حافظ على مذهبه الإباضي، ولما أبو يزيد فقد خالط النكار فتأثر بهم وأصبح إماما من أنمتهم كان في مبدنه معلما للصبيان، عقب وفاة المهدي العبيدي في سنة 322 هـ، أعلن أبو يزيد ثورته في جبل أوراس على الدولة العبيدية، وتلقب بشيخ المؤمنين، وكثر أتباعه، فاحتل أغلب الجنوب التونسي، ثم استولى على القيروان، وحاصر القائم العبيدي في المهدية، وارتكب الكثير من الجرائم الوحشية، ولم يلبث انتصاره أن تحول إلى هزيمة، فقبض عليه المنصور إسماعيل بن محمد بن عبيد الله المهدي - ثالث خلفاء الفاطميين -، وسلخ جلده حتى الموت في سنة 336 هـ، ثم ملئ تبنا =
= (1/155)
صفحة 156
الشيخ عمروس ومنهجه
أما الأندلس فقد كانت الدولة الرستمية ترتبط بها بعلاقات ثقافية قوية، وقد كان هناك وجود العلماء الأندلسيين في تيهرت، وقد استفادت الدولة الرستمية من خبرتهم كما يذكر الباحث إبراهيم بجاز؛ ونجد في المقابل أن عددا من علماء تيهرت هاجروا إلى الأندلس، وبلغوا فيها أعلى
للعديد من
(1)
(3)
(4)
(2)
المراتب، فمن هؤلاء عبد الرحمن بن بكر بن حماد التاهرتي الذي حدث بقرطبة عن أبيه؛ ومنهم كذلك قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي التيهرتي وابنه أبو الفضل أحمد المعروف بالبزاز، دخلا الأندلس سنة 317؛ وكذلك من علماء تيهرت الذين هاجروا إلى الأندلس العلامة زكرياء بن بكر الغسالي التيهرتي"، وأبو الطيب محمد بن أبي بردة الشافعي هؤلاء العلماء الذين مر ذكرهم كانوا على غير المذهب الإباضي؛ وأما بخصوص الإباضية وانتشارهم في الأندلس سواء في عهد الدولة الرستمية أو بعدها فإن المصادر تبخل بتسليط الضوء عليه، بالرغم من انتشار الإباضية بالأندلس، ليس هذا فحسب بل وإقامة دول لهم بها كدولة بني برزال، وإمارة بني
.
= وعلق حتى تخرق وذرته الرياح (انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 175 - 180، وانظر هامش ص 175 – علي يحيى معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 16/ 2). (1) - لبو زكرياء، سير الأئمة، ص 193 - الدرجيني، الطبقات، 109/ 1 - الشماخي، السير، 237/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 114/ 2 - 115 رقم الترجمة: 243، 202/ 2 رقم الترجمة: 447. (1) بحاز، الدولة الرستمية، ص 385 (2) ـ ابن الفرضي، تاريخ علماء، ص 268 - الدباغ، معالم الإيمان، 282/ 2 - نويهض عادل، معجم اعلام الجزائر، ص 84 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 386 - الباروني، الأزهار، 71/ 2.
- هو أبو الفضل احمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي التاهرتي المعروف بالبزاز، ولد بتيهرت سنة 309 هـ، وكان محدثا، بدأ طلب العلم سنة 334 هـ، وكان عمره خمسة وعشرين سنة، هاجر إلى الأندلس سنة 317 هـ، عندما كان عمره في الثامنة، توفي سنة 395 هـ، وقيل سنة 396 هـ، روى عنه أبو عمران الفاسي موسى بن عيسى بن أبي حاج فقيه القيروان (انظر: الباروني، الأزهار، 77/ 2)
) - الحميدي، جذوة، ص 132 - 133 - الضبي، بغية، ص 166، 436 - ابن بشكوال، الصلة، 86/ 1 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 386 - الباروني، الأزهار، 76/ 2 - 77. هو أبو يحيى زكرياء بن بكر بن أحمد الغسالي التيهرتي، يعرف بابن الأشج، وهو غير إياضي، من العلماء التيهرتيين الذين هاجروا إلى الأندلس، ولد بتيهرت في سنة 310 هـ،، وهاجر إلى الأندلس مع أخيه ووالده في سنة 326 هـ، وتوفي بها في سنة 393 هـ (أنظر: الباروني، الأزهار، 75/ 2).
- هو أبو الطيب محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أبي بردة الشافعي البغدادي، من تيهرت، وهو على المذهب الشافعي، هاجر إلى الأندلس في سنة 361 هـ، فأكرمه المستنصر بالله، وأمر بإجراء النزل له، ثم أمر بإخراجه من البلد عندما نسب إلى الاعتزال، فعاد إلى تيهرت في سنة 373 هـ عند بنت له (انظر: الباروني، الأزهار، 76/ 2). (4) - الباروني، الأزهار، 75/ 2 - 76.
.
- بنو برزال: ينتمون إلى قبيلة بني يفرن الذين هم بطن من بطون زناته وكانوا يقطنون بالمغرب الأوسط بأرض الزاب الأسفل والمسيلة؛ وقد أنشأ هذه الدولة الإباضية بالأندلس رجل يدعى أبو عبد الله البرزالي في سنة 400 هـ. وقيل 404 هـ في ولاية جيان بالجنوب الشرقي من الأندلس، وبالتحديد في " قرمونة " الواقعة في منحنى الوادي الكبير بين إمارة قرطبة ومملكة إشبيلية، وسار في حكمه سيرة حسنة، وعامل الرعية بالرفق والعدل، وقد استمرت هذه الدولة الإباضية لمدة 54 عاما إلى أن سقطت في سنة 459 هـ بسبب مهاجمة المعتضد بن عباد صاحب اشبيلية لها وسيطرته عليها (انظر: يحيى محمد بكوش، الوجود الإباضي بالأندلس، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، السيب، ط 14112 هـ / 1990 م، ص 24 - 27). (1/156)
صفحة 157
الشيخ عمروس ومنهجه
دمر
(1) والغريب أن الباحث إبراهيم بحاز عند تناوله للعلاقة بين الدولة الرستمية والأندلس والوجود الإباضي بالأندلس لم يشر إلى هاتين الدولتين الإباضيتين نهائيا، فنجده يقول بعد أن ذكر عددا من التيهرتيين من غير الإباضية ممن هاجر إلى الأندلس: " وإذا كان هؤلاء كلهم مالكية، فلا نعرف من الإباضية اسم رجل عالم رحل إلى الأندلس وإن كنا لا نستبعد وجود الإباضية بالأندلس في عهد الرستميين، خاصة وأن ابن حزم يخبرنا في النصف الأول من القرن الخامس الهجري عن وجود جماعة منهم بقرطبة، يبدو أنهم من عامة الناس سألهم ابن حزم عن إمامهم فلم يجيبوا " إهـ، فلعل الباحث بحاز لم يقف عليهما والله أعلم.
(2)
ومع ما سبق ذكره من الأمثلة على الدول الإباضية بالأندلس فقد انتشرت بعض القبائل الإباضية بالأندلس كقبيلة بني واسين"، ولكنها لم تصل إلى درجة من التطور السياسي أو الاجتماعي بحيث يمكن أن يكون لها أي شكل من أشكال الحكم أو الإدارة في الأندلس؛ وقد ذهب الأستاذ بكوش إلى عدم استبعاد كون معظم هذه القبيلة هاجرت إلى الأندلس عندما اشتدت وطأة أعداء الإباضية عليهم وخاصة على أثر حملات الإبادة التي شنها عليهم كل من الأغالبة والفاطمين والصنهاجيين، سواء قبل سقوط الدولة الرستمية أو بعدها؛ ومن الأمثلة على بعض علماء الإباضية بالأندلس العالم الناسك أبو محمد بويكني البرزالي " الذي يعد من علماء الأنساب الإباضية، فلعله هاجر من الدولة الرستمية إلى الأندلس، أو لعله من أبناء الإباضية الذين هاجروا إلى الأندلس
(3)
(4)
- أقيمت هذه الإمارة في مدينة " مورور " أو " مورون " بالقسم الجنوبي من الأندلس في القرن الرابع الهجري، وكانت تشغل رقعة صغيرة تمتد حول هذه المدينة جنوبا حتى وادي " لكه "؛ وأقام هذه الإمارة رجل يدعى نوح بن أبي تزيري الدميري زعيم بني دمر، وكان بنو دمر من بربر تونس ومن بطون زناته، وهم من الإباضية وفد جدهم أبو تزيري إلى الأندلس أيام المنصور وخدم في الجيش كسائر زملائه من زعماء البربر، وانحاز منذ أيام الفتنة إلى تلك المنطقة واستقر بها وبسط عليها سلطانه، وقد استمرت هذه الإمارة لأكثر من 60 عاما حتى سقطت في يد المعتضد بن عباد في سنة 458 هـ، وكان آخر من حكمها مناد بن محمد بن نوح اللملقب بعماد الدولة (انظر: بكوش، الوجود الإباضي بالأندلس، ص 28 - 30). - المصدر السابق، ص 24 - 30 (1) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 386
1.0)
- بنو واسين: قبيلة كبيرة لها فروع في الجريد بالجنوب التونسي، وتسمى أيضا بنو وسيان وهي كلها إباضية وهبية ترجع إلى قبيلة زناتة (انظر: بكوش، الوجود الإباضي بالأندلس، ص 22). (). المصدر السابق، ص 23
- هو العالم الناسك أبو محمد بويكني البرزالي، عالم من علماء الإباضية عاش في الأندلس في القرن الخامس الهجري، كان معاصرا لابن حزم، وقد ذكر ابن حزم أنه التقى به وروى عنه مشافهة، وهو يعد من علماء الأنساب الإباضية (انظر: بكوش، الوجود الإباضي بالأندلس، ص 22). (4) - المصدر السابق، ص 22. (1/157)
صفحة 158
الشيخ عمروس ومنهجه
هذا وفي المقابل نجد عددا من العلماء ممن بزغ نجمهم في الدولة الرستمية تعود أصولهم إلى الأندلس، منهم مسعود الأندلسي، الذي وصل من المكانة العلمية والسياسية أن رشحه الإمام عبد الرحمن بن
رستم لمنصب الإمامة بعده مع السبعة نفر الآخرين، وقد وصفه أبو زكرياء بقوله: " كان رجلا فاضلا، فقيها ورعا، من شيوخ المسلمين " إهـ؛ ومنهم عمران بن مروان الأندلسي، وكان أيضا
(1)
كذلك
(2)
من ضمن السبعة الذين رشحهم الإمام عبد الرحمن لمنصب الإمامة ولو لم يصل هاذان العالمان الأندلسيا الأصل إلى درجة كبيرة من العلم والصلاح والورع والمواصفات القيادية التي أهلتهم لمنصب جسيم كمنصب الإمامة، لما رشحهما الإمام عبد الرحمن من ضمن النفر السبعة لهذا المنصب الخطير.
هو مسعود الأندلسي، عاش في أواخر القرن الثاني الهجري، كان يقطن العاصمة الرستمية تيهرت في عصر الإمام عبد الرحمن بن رستم، قال عنه أبو زكرياء: " كان رجلا فاضلا فقيها ورعا من شيوخ المسلمين " إهـ، وقد رشحه الإمام عبد الرحمن لمنصب الإمامة مع النفر السبعة، ورجحت كفته في انتخابات الإمامة على كفة عبد الوهاب بن عبدالرحمن، إلا أن مسعود الأندلسي هرب وتخفى خوفا من تحمل أمانة الإمامة الجسيمة، فبويع عبد الوهاب بالإمامة، فخرج مسعود وبادر بمبايعة الإمام عبد الوهاب ليكون أول من بايع (انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 85، 86 - الدرجيني، الطبقات، 46/ 1 - الشماخي، السير، 130/ 1 - الباروني، الأزهار، 99/ 2 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 414/ 2 رقم الترجمة: (1) ـ أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 85، 86 - الدرجيني، الطبقات، 46/ 1 - الشماخي، السير، 130/ 1 - الباروني، الأزهار، 99/ 2 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 414/ 2 رقم الترجمة: 881.
(881
هو عمران بن مروان الأندلسي، عاش بالعاصمة الرستمية تيهرت في القرن الثاني الهجري في عصر الإمام عبد الرحمن بن رستم، وكان أحد علماء الإباضية بتيهرت، كان على درجة عالية من الصلاح والورع والعلم، كان من ضمن النفر السبعة. الذين رشحهم الإمام عبد الرحمن لمنصب الإمامة بعده (انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 85 - الدرجيني، الطبقات، 1/، 46 - الشماخي، السير، 130/ 1 - الباروني، الأزهار، 99/ 2 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 316/ 2 رقم. الترجمة: 682).
(2) ـ أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 85 - الدرجيني، الطبقات، 46/ 1 - الشماخي، السير، 130/ 1 - الباروني، الأزهار، 2/ (1/158)
صفحة 159
الشيخ عمروس ومنهجه
ثانيا: العلاقة الثقافية مع بلاد السودان: لقد كانت الدولة الرستمية ترتبط مع بلاد السودان بعلاقات ثقافية قوية وعميقة، ويعود السبب في ذلك إلى العلاقات التجارية المتبادلة بين الطرفين، وهذا ما مال إليه بعض الباحثين كالباحث إبراهيم بحاز فنجده يقول: " لم تكن العلاقات التجارية الواسعة التي ربطت السودان الغربي بمراكز اقتصادية في الدولة الرستمية، لتمر دون أن تخلف آثارا ثقافية يمكن التعليق عليها بأنها كانت عميقة ومهمة، عمق وأهمية تلك التجارة التي كانت الوسيلة في وصول الإباضية إلى تلك البلاد النائية " إهـ وبسبب هذه الروابط التجارية والثقافية المتبادلة قطن عدد كبير من علماء المغرب الإباضية بلاد
السودان
(1)
، ونشروا فيها الإسلام والعلم والثقافة، فمن هؤلاء العلماء الشيخ عبد الحميد الفزاني،
(Y) M
(3)
،
الله
وصفه الدرجيني بأنه " عالم كبير من أهل الدعوة "؛ ومنهم أبو يحيى بن أبي القاسم الفرسطائي الذي كان السبب في إسلام أحد ملوك بلاد السودان، حيث أنه قام بدعوته إلى الإسلام وذكره بنعم عليه، فأسلم الملك وحسن إسلامه، وأسلمت الرعية بعده وقد كان أئمة الدولة الرستمية يرسلون الوفود إلى ملوك السودان لتعزيز العلاقات التجارية والثقافية بين الطرفين، فمن ذلك ما قام به الإمام أفلح بن عبد الوهاب من إرسال محمد بن عرفة إلى ملك السودان بهدية، فأعجب ملك السودان بهيبة وجمال وفروسية محمد بن عرفة، فقال له بلغته ما ترجمته: " أنت حسن الوجه حسن الهيبة والأفعال؛ وأيضا من مظاهر العلاقة الثقافية بين المغرب - تحديدا
(4)
(1) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 387
هو الشيخ عبد الحميد الفزاني، عاش في القرن الثالث الهجري، من علماء فزان بجنوب ليبيا، يبدو أنه تلقى العلم بها قبل أن يهاجر إلى بلاد السودان كما يرى أصحاب المعجم، قال عنه الوسياني: " وهو عالم كبير من علماء أهل الدعوة، وكان في بلاد السودان، مسيرة شهر من جبل نفوسة، ذكرت له كتب السير مراسلة مع أبي معروف ويدرن بن جواد (أنظر: الوسياني، سير (مخ)، 8/ 1 نقلا عن: بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 244/ 2 رقم الترجمة: 537 - الدرجيني، الطبقات، 2/ 327 - الشماخي، السير، 225/ 1 - جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف، أجوبة علماء فزان، ص 21، 24 المقدمة). (2) - الدرجيني، الطبقات، 327/ 2 - هو أبو يحيى بن أبي القاسم الفرسطاني، عاش في أواخر القرن الثالث، من يتامى معركة مانو 283 هـ، إذ توفي ابوه فيها، رحل إلى بلاد السودان واستطاع أن يدخل أحد ملوكها مع أتباعه في الإسلام، ولأبي يحيى مسائل وروايات، أوردها الإمام القطب في ترتيب مسائل نفوسة، وله مسجد في " فرسطاء " (انظر: الشماخي، السير، 6/ 2 - 8 - القطب، ترتيب مسائل نفوسة (مخ)، 5 نقلا عن: بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 451/ 2 رقم الترجمة: 983 - الجعبيري، البعد الحضاري، ص 45 الهامش).
) - الشماخي، السير، 8/ 2 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 451/ 2 رقم الترجمة: 983 (4) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 71.
159 (1/159)
صفحة 160
الشيخ عمروس ومنهجه
جبل نفوسة – وبلاد السودان، قيام الشيخ عمروس بن فتح يارسال عالم كبير" إلى بلاد السودان ليفقه
أهلها في أمور دينهم
(1)
ولم تنقطع العلاقات الثقافية بين إباضية المغرب وبلاد السودان حتى بعد سقوط الدولة الرستمية، وانقضاء ذلك العهد الزاهر، ففي سنة 575 هـ تمكن علي بن يخلف الدرجيني - أحد مشائخ نفوسة
.
الله الذي
الذين سافروا إلى مالي - أن يستدرج ملك مالي في الدخول إلى الإسلام هو ورعيته، وذلك لما أجدبت مملكته، واشتكت الرعية من القحط، فطلب ملك مالي من علي بن يخلف أن يدعو يعبده لينزل لهم الأمطار، فقال له علي بن يخلف: لا يسعني ذلك وأنتم على الكفر، ولكن إن دخلت الإسلام فعلت ذلك، فدخل الملك ورعيته في الإسلام، فاستسقى لهم علي بن يخلف، فأنزل الله الأمطار والسيول الغزيرة (2).
وقد وصل التأثير الثقافي للإباضية في بلاد السودان أن تأثرت الكثير من القرى السودانية بالمذهب الإباضي، فتشير بعض الكتب إلى وجود قرى عديدة تعتنق المذهب الإباضي في السودان في القرن؛ وذكر الباحث إبراهيم بحاز عدم استبعاد الوجود الإباضي في بلاد السودان معتمدا على ما
الماضي
(3)
- لم تذكر المصادر التي وقعت بين يدي اسمه
(1) - محمود إسماعيل، الخوارج، ص 223 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 388
11
" ـ هو أبو الحسن علي بن يخلف الدرجيني - وذكر د/ محمد ناصر في نسبه أنه: علي بن يخلف المزاتي التميجاري النفوسي -، كان حيا في سنة 575 هـ، من أعلام درجين ببلاد الجريد، جنوب تونس، وهو عالم وابن عالم، حيث أن أباه الشيخ يخلف كان من كبار العلماء، وهو - أي علي بن يخلف جد أبي العباس أحمد الدرجيني صاحب كتاب " طبقات المشايخ بالمغرب "، كان من كبار التجار إلى بلاد السودان الغربي، وصل إلى مالي وغانة، وكان السبب في إسلام ملك مالي، واسمه المسلماني " في سنة 575 هـ، حين طلب منه ملك مالي أن يستقي لهم، عندما انتشر القحط والجفاف بدولته، فاشترط عليه الشيخ علي أن يدخل في الإسلام حتى يتسنى له الاستسقاء له، فدخل الملك، فصلي الشيخ صلاة الاستسقاء، فأرسل الله غيثا كثيرا على البلد) انظر: الدرجيني، الطبقات، 513/ 2، 516، 517 - الشماخي، السير، 114/ 1 - 115 - محمد ناصر،
منهج الدعوة عند الإباضية، ص. 230 - محمد ناصر، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ص 19 - 22). - مالي او ملل: هي من الممالك الشهيرة قديما في غرب إفريقيا، وقد كانت تشرف على مصادر الذهب، لهذا كانت مقصدا للتجار المسلمين في تلك العصور، وكان يحكمها عند زيارة الشيخ علي بن يخلف لها ملك يسمى " المسلماني "، وكان أول من دخل الإسلام من أهل مالي على يد الشيخ علي بن يخلف، فتبعه شعبه في دخول الإسلام) انظر: د/ محمد ناصر، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ص 18 - 22).
- اسمه المسلماني، حكم مملكة مالي ببلاد السودان، في القرن السادس الهجري (أنظر: د/ محمد ناصر، دور الإباضية.
نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ص 21).
-- الدرجيني، الطبقات، 517/ 2 - الشماخي، السير، 115/ 2
(3) - لطفيش، إزهاق الباطل، ص 67 - 68 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 389.
160 (1/160)
صفحة 161
الشيخ عمروس ومنهجه
ذكره ابن بطوطة من مشاهدته في نهاية القرن السابع الهجري لجماعة من الإباضية يسكنون في قرية " زَاغَرِى " في بلاد السودان، ويسمون " صَغَفُو وقد أثبت الباحث شاخت استمرار الوجود الإباضي في بلاد السودان، بناء على ما لاحظه في مساجد بعض مناطق بلاد السودان من وجود هندسات مشابهة تماما لما عند الإباضية في وادي ميزاب أو وارجلان، كالحراب المستطيل الشكل، والمئذنة ذات الشكل المستطيل المخروطي، وعدم وجود المنبر في بعض المساجد (2)؛ إذا فإن تأثر مساجد بعض مناطق بلاد السودان بهندسة بناء مساجد الإباضية في بعض مناطق المغرب يدل دلالة قوية على مدى التأثير الثقافي القوي للإباضية في تلك المناطق النائية من بلاد السودان.
ومن مظاهر العلاقة الثقافية بين بلاد السودان والمغرب كذلك، تعريب جزء من بلاد السودان ولو بشكل محدود، وتكونت نتيجة للاحتكاك الدائم والمستمر لغات مزيجة كلغة " الآزر " وهي لغة وكالات تجارة الذهب والرقيق في نطاق الساحل السوداني، وقد استعارت قوامها من العربية ومن البربرية ومن اللغات الإفريقية (3)
- زاغري: قال عنها ابن بطوطة أنها قرية كبيرة، يسكنها تجار السودان، ويسمون " ونجراته "، وذكر أن جماعة من الإباضية يسكنون معهم ويسمون " صَغَدْعُو "، وكذلك السنيون والمالكيون لهم وجود في هذه القرية، ويسمون " توري " أي الأجانب، وهي تسمى الآن " ديورة " وقيل: " توري سنغا "، وقال الباحث دولافوس: لن " زغاري " تدعى " دياجرا " من طرف المانديق، و" دياجري " من طرف البال، ومركز هذه الناحية " ديانا " لو " ديا "، وتوجد إلى اليوم بقرب " ديافراب " ولعل " زاغري " هي " ديايالي " في شرق " سوكولو " حيث توجد الأطلال القديمة (انظر: محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي (ابن بطوطة)، رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار)، ت: طلال حرب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص 689، وانظر هامش نفس الصفحة - محمد ناصر، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ص 23، ص 41 هامش رقم: 42). صغنغو: اسم سوداني، يقول لفتسكي لن " صاغاناغو " لو " صاغانونو " لو " صانو " اسم ما زال يعلمه بعض الأفارقة السود مسلمين وغير مسلمين، وهم يطلقونه على الأرجح على الإباضية التجار للقادمين من وارجلان، لأن إباضية نفوسة كانت صلاتهم أكثر مع السودان الأوسط، وكان هؤلاء الإباضية في " زاغري " يقيمون بها لقربها من مدينة " مالي " أو " كوجة " لو " نيابي "، وهي أسماء لمسمى واحد لقرب هذه من بلاد التبر، أي قريبا من مناجم " بوري "، ويذكر كذلك لفتسكي أن اسم " صغنغو " يذكرنا باسم " سقنقو " وهو اسم جبل " للونشريس " عند الوطواط، وهي سلسلة هائلة من الجبال تحتوي على سهل الشلف، ووادي مينا في الغرب، وسهول السرسو، ومناطق تيارت (تيهرت) في الجنوب، ووادي دردرن في الشرق، وهذه الناحية كانت آهلة بالقبائل البربرية في العصر الوسيط، فلعلهم - كما يرى لفتسكي- لناس فروا من هذه المناطق ولجاوا حوالي القرن العاشر إلى وارجلان مثل غيرهم من القبائل البربرية الأولى (انظر: د/ محمد ناصر، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ص 23 - 24).
(1) ـ ابن بطوطة، رحلة ابن بطوطة، ص 689 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 389. (2) 11 - 19. Schacht 3 : Sur La Diffusion, opcit, p نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 389 - 390 - وانظر: د/ محمد ناصر، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، ص 35 - 39
) - موريس لومبارد، الجغرافيا التاريخية، ص 134 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 390.
161 (1/161)
صفحة 162
الشيخ عمروس ومنهجه
هذه بعض مظاهر العلاقة الثقافية بين المغرب وبلاد السودان في عصر الشيخ عمروس، والتي استمرت بعد ذلك لسنوات طويلة، لا تزال آثارها باقية إلى يومنا هذا، ويكفي من أعظم ثمرة هذه العلاقة الثقافية نشر الإسلام في تلك المناطق النائية من إفريقيا عن طريق العلماء من تجار الدولة الرستمية
بشتى ولاياتها، وبالأخص تيهرت وجبل نفوسة.
ثالثا: العلاقة الثقافية مع المشرق العربي:
إن الدولة الرستمية ارتبطت بالمشرق برابط ثقافي وروحي عميق من الوهلة الأولى لنشأتها، فمؤسس الدولة الرستمية وهو الإمام عبد الرحمن بن رستم تتلمذ وأخذ العلم بالمشرق، وبالتحديد في البصرة على يد الإمام أبي عبيدة كما مر، والدولة الرستمية هي تجسيد للفكر السياسي لمذهب إسلامي عريق يعد من أوائل المذاهب الإسلامية ظهورا، بل ويستقي مبادئه من كتاب الله والسنة النبوية الصحيحة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم، ألا وهو المذهب الإباضي، وكما هو معلوم أن المذهب الإباضي ظهر أول ما ظهر في المشرق بالبصرة تحديدا، ووضع قواعده إمامه الأول الإمام التابعي الجليل أبو الشعثاء جابر بن زيد، الذي تلقى علمه على يد كبار الصحابة، وعلى رأسهم عائشة أم المؤمنين والبحر عبد الله بن العباس وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم جميعا.
إذا فقد ارتبطت الدولة الرستمية بكافة ولاياتها - ومن ضمنها جبل نفوسة الذي عاش فيه الشيخ عمروس - بالمشرق ارتباطا - ثقافيا وعقائديا وروحيا - وطيدا منذ النشأة الأولى لها، واستمر هذا الرابط حتى بعد سقوط الدولة الرستمية، ولا زال مستمرا إلى يومنا هذا بفضل الله تعالى ولعل من أبرز مظاهر هذا الترابط الثقافي والروحي ما قام به أهل المشرق عندما سمعوا عن قيام الدولة الرستمية من إرسال وفد مشرقي محمل بالأموال الكثيرة لمؤازرة الدولة الوليدة، وقد تكرر إرسالهم لذلك الوفد بالمال مرة أخرى بعد فترة من إرسال الوفد الأول وقد كان أئمة الدولة الرستمية على اتصال مستمر مع أئمة المشرق، يستفتونهم في مختلف المسائل والقضايا، ومن ذلك إرسال الإمام عبد الوهاب ومن معه من علماء دولته إلى أئمة المشرق وعلى رأسهم الإمام الربيع بن حبيب في ذلك الوقت يستفتونهم في ما زعمه ابن فندين حول إمامة الإمام
(")
- ذكر ابن الصغير أن كمية المال المرسلة من أهل المشرق للإمام عبد الرحمن في المرة الأول ثلاثة أحمال، وفي المرة الثانية عشرة أحمال (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 32، 38)
(1) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 32 37 - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 83 - 84.
162 (1/162)
صفحة 163
(1)
الشيخ عمروس ومنهجـ
عبد الوهاب ومن ذلك أيضا الرسالة التي أرسلها أصحاب خلف بن السمح إلى الشيخ أبي سفيان
(2)
محبوب بن الرحيل يستفتونه في قضية خلف بن السمح، وقد أصبح الشيخ محبوب بن الرحيل إمام الإباضية ومرجعهم بعد وفاة الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله، وكان أصحاب خلف يرغبون من خلال الإرسال إلى الشيخ محبوب أن يكون جوابه موافقا لهواهم في جواز الخروج على الإمام عبد الوهاب وتنصيب خلف إماما، وأن يُخَطَّى الإمام عبد الوهاب، إلا أن الشيخ محبوب وافق الإمام عبد الوهاب في جوابه وخطأ خلف وأصحابه، ولم يجز لهم الخروج على الإمام عبد الوهاب وكذلك إرسال الإمام عبد الوهاب إلى الإمام الربيع والشيخ ابن عباد المصري يستفتيهما في ذهابه إلى الحج مع وجود الخطر عليه وعلى حياته من قبل العباسيين، فأجابه الإمام الربيع بقوله: " أن من كان مثلك في العناء لأمور المسلمين وتحمل أمانتهم، وخاف على نفسه من المسودة" أن يبعث لحجه وهو حي " إهـ، وأجابه ابن عباد بقوله: " من كان مثلك على الصفة المذكورة من العناء لأمور المسلمين، فليس عليه حج، لأن أمان الطريق من الشروط التي يجب بها الحج على من استطاعه " إهـ، فلما عادت الرسل بالجوابين، أخذ الإمام عبد الوهاب بقول الإمام الربيع فأرسل رجلا يحج ومن مظاهر العلاقات الثقافية بين إباضية المغرب وإباضية المشرق، تبادل الرسائل بين الطرفين فيشير د/ محمد بوحجام أن أهم وسائل التواصل الثقافي، التي كانت سائدة منذ البدايات الأولى لنشأة
عنه
(3)
1.7
(1) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 89 - الدرجيني، الطبقات، 49/ 1 - الشماخي، السير، 131/ 1 - الباروني، الأزهار، 2/ (2) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 121 - الدرجيني، الطبقات، 70/ 1 - الباروني، الأزهار، 151/ 2. - هو عبد الله بن عباد المصري، عالم من علماء الإباضية بمصر، عاش في أواخر القرن الثاني الهجري، تتلمذ على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، هو فقيه ومفت، قال عنه الشماخي: " شيخ مرضي فقيه كان بمصر إهـ، عاصر الإمام الربيع بن حبيب، له فتاوى كثيرة، من تلاميذه ابو غانم الخرساني صاحب المدونة، وليس هو محمد بن عباد المدني المتكلم صاحب كتاب ابن عباد (أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 115 - الدرجيني، الطبقات، 66/ 1 - الشماخي، السير، 1/ 112، 140 - صالح البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص 97 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 269/ 2 رقم
"1
الترجمة: 588). - المسودة: هم بنو العباس الذي اتخذوا من اللون الأسود شعارا لهم (أنظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 39 مقدمة المحقق - الباروني، الأزهار، 26/ 2 - 27 - عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 143).) - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 115 - الدرجيني، الطبقات، 66/ 1 - الشماخي، السير، 140/ 1 - الباروني، الأزهار، 2/
163
141 (1/163)
صفحة 164
الشيخ عمروس ومنهجه
المذهب الإباضي وانتشاره - وما تزال - كانت وسيلة المراسلة، وكان يلجأ إليها حين يتعذر التنقل والرحيل (1)
والسبب الرئيس لهذا التراسل بين المشرق - البصرة، وعمان - والمغرب، هو العلاقة المذهبية الحميمة بين الطرفين، والتي تتطلب تواصلا مهما لتدعيم ركائز المذهب الإباضي، ومعرفة آخر التطورات عند كل جانب، وقد أشار الباحث يحيى صالح بوتردين إلى هذه الحقيقة، فقال: " إن العارف بدقائق تاريخ الصلات الاجتماعية والدينية بين أقطار العالم الإسلامي، يدرك أن عامل التوزيع المذهبي - الخارطة المذهبية - يعد سببا هاما من أسباب الاتصال بين الشعوب، وأن الروابط المذهبية كغيرها من الروابط السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تدخل في هذا الإطار. ومن هذا المنطلق يمكن أن نفهم وجود علاقات بين قطرين متباعدين مثل الجزائر وعمان " إهـ وقد كانت هذه الرسائل ذات موضوعات متنوعة، وأغلبها كان ذا طابع علمي، فيه استفتاء وإستشارة، وطلب كتب أو تأليف أخرى، واستغاثة، وتقديم نصائح، وتعليم مسائل، وتفقيه في الدين ومناقشة آراء وتعليق على قضايا ومسائل، وفض نزاعات، وإزالة سوء تفاهم، وحث على الوحدة، والتبشير بإقامة الإمامة سواء في عمان أو في المغرب.
،
(3)
(2)
والاتلاف ومن الأمثلة على هذه الرسائل رسائل الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ورسائل الإمام الربيع بن حبيب، ورسائل أبي سفيان محبوب بن الرحيل، ورسائل أبي عبد الله محمد بن محبوب (4)، وقد مر الحديث على أمثلة من رسائل الأئمة المذكورين إلى إباضية المغرب في مواضع متفرقة من هذا المبحث وكذلك فإن إباضية المغرب كانوا يراسلون إخوانهم من إباضية المشرق، فمن ذلك على سبيل المثال رسالة بعض فقهاء المسلمين إلى الإمام الصلت بن، ويرجح الشيخ الجعبيري أن هذه مالك الخروصي
(0)
(1) - محمد ناصر بوحجام، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر) تبادل الرسائل) نموذجا) بحث مقدم في ندوة " الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا "، تحرير: د/ إبراهيم بحاز و د حسن الملخ، منشورات جامعة آل البيت. الأردن، 1423 هـ / 2002 م، جمعية عمال المطابع، الأردن، عمان، ص 234
(2) ـ يحيى صالح بوتردين، نموذج للعلاقات العلمية بين الجزائر وعمان) من خلال بعض مراسلات القطب اطفيش) بحث مقدم في ندوة " الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا "، تحرير: د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ،
ص 252 - 253
() ? بوحجام
، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر) تبادل الرسائل نموذجا)، ص 234 - 235:
(4). المصدر السابق، ص 235
(0) - السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، ج 2، ت: د/ سيدة كاشف، نشر وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1406 هـ / 1986 م، ص 233 - 268، للباروني، الأزهار، 157/ 2 - 159
164 (1/164)
صفحة 165
(3)
: الشيخ عمروس ومنهجه
الرسالة موجهة من أهل المغرب إلى الإمام الصلت (1)، والظاهر أن د/ محمد بوحجام يوافق الشيخ الجعبيري، حيث أنه جاء بهذه الرسالة كمثال لمراسلة أهل المغرب إخوانهم من إباضية عمان، وذكر ترجيح الشيخ الجعبيري، ولم يعلق عليه، فكأنه وافقه في ذلك (2)، ولكن نجد في المقابل أن الشيخ الباروني يرى أن هذه الرسالة كانت من بعض الإباضية بالشرق كتبوها إلى الإمام الصلت بعمان، فلعلهم من إباضية البصرة، والحقيقة أن كاتبي الرسالة لم يصرحوا بمكانهم في الرسالة، وإنما اكتفوا بقول. ... إلى إمام المسلمين الصلت بن مالك المبتلى بأمور أهل عمان، ومن وصله كتابنا هذا من المسلمين أهل عمان، من أهل النصيحة لهم والشفقة عليهم إخوانهم وأهل دعوتهم من أهل الستر في أمكنتهم سلام عليكم ... إلخ، فلم يصرحوا بالمكان الذي كتبوا منه رسالتهم، وعللوا ذلك في رسالتهم بأنهم أخفوا أسماءهم حتى تبقى النصيحة خالصة الله، ويتم تقبلها، وعدم ردها، فقالوا: " ... ولم يمنعنا أن نعرفكم أمكنتنا ونسمي لكم بأسمائنا إلا خوفا أن يقع في قلوب منكم ما تحمله معرفة ذلك على الإنكار له، والرد لصوابه ... " إهـ، ولعل ما مال إليه الشيخ الباروني من كونهم من إباضية المشرق هو الأصح، بل لا يستبعد أن يكونوا من إباضية عمان المعاصرين للفتنة التي اجتاحت فترة حكم الإمام الصلت بن مالك، فأرسلوا هذه الرسالة مبدين فيه النصح والإرشاد دون أن يذكروا أسمائهم حتى لا يولد ذلك رفضا من قبل طرف من أطراف النزاع إن علم أن مصدر الرسالة من عمان بل ومن بعض علمائها، وإلا ما الداعي أن يعللوا عدم ذكر أسمائهم وأمكنتهم بعدم تقبل النصيحة والله أعلم! ومحتوى هذه الرسالة كان عبارة عن نصائح وتوجيهات وإرشادات للإمام الصلت والإباضية بعمان للمحافظة على الإمامة، وتجنب الخلاف والشقاق والفتن، والدعوة إلى الائتلاف والاتحاد، ثم تطرقت إلى موضوع الإمامة وشروطها وأحكامها، وأحكام الولاية والبراءة والوقوف ... (5)
(4)
هذه بعض النماذج من المراسلات التي تمت بين إباضية المغرب وإباضية المشرق في القرون الهجرية، وهي الفترة التي عاش فيها الشيخ عمروس بن فتح، وقد تكون تلك الفترة شهدت مراسلات كثيرة بين الطرفين، خاصة أنها كانت فترة صراع بين المذاهب، وتكوين دول، فالكل كان راغبا في
الأولى
(1) - الجعبيري: (2) ? بوحجام
،
علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص 35.
، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر) تبادل الرسائل نموذجا)، ص 236.
) - الباروني، الأزهار، 157/ 2 (4) - السير والجوابات، 231/ 1 - الجعبيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص 35
(9) - السير والجوابات، 231/ 1 - الجعبيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص 35 - الباروني، الأزهار، 157/ 2 - بوحجام،
العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر (تبادل الرسائل نموذجا)، ص 237
?1? (1/165)
صفحة 166
ل الشيخ عمروس ومنهجه
إقامة دولته الإسلامية على النهج الذي يراه صحيحا من وجهة نظره، وكان الإباضية من ضمن من
رغب في إقامة الدول الإسلامية على منهاج النبوة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم منهاج الخلافة الراشدة.
'
وعلى
إذا فهذا الوضع الملبد بغيوم التنافس يتطلب من الإباضية في أي مكان كانوا – سواء في المشرق أم المغرب أن يراسلوا كبار أئمتهم في ذلك العصر، والذين كانوا يتمركزون في البصرة، وعلى رأسهم الإمام أبي عبيدة، وبعده الإمام الربيع بن حبيب، ثم تولى أمر الإباضية بعده محبوب بن الرحيل، وبعده ابنه محمد بن محبوب وهكذا على مر القرون؛ وقد استمر تبادل الرسائل بين إباضية المغرب وإباضية المشرق - بالخصوص عمان لانحصار الإباضية فيها -، ولازال مستمرا إلى يومنا هذا، والأمثلة على ذلك كثيرة، ليس هذا مقام بسطها، ومن أرادها يجدها في مضانها (1)
وقد لعبت هذه الرسائل دورا كبيرا في التواصل الثقافي بين المغرب والمشرق، وتوطيد وتثبت العلاقة بين إباضية المغرب وإباضية المشرق، وقد أشار د/ محمد بوحجام إلى هذه النقطة المهمة بقوله: " نشير في ختام الحديث عن موضوع تبادل الرسائل بين المشرق والمغرب إلى بعض ما لفت نظرنا في هذا العمل الكبير الذي يجب أن يقدر حق قدره، وهو هذا التآزر والتعاون في حل المسائل، ونشر العلم، والتثقف والتثقيف ثم الرغبة في التواصل وربط صلة المحبة بين المشرق والمغرب، رغم الحوائل والعقبات والمعيقات، إلى جانب الإلحاح الكبير على اقتناء الكتب، والتزود من العلم، وتوحيد الرؤية في المسائل, المستجدة وتأصيلها ... ومحاولة تجنب الاختلاف، واحتواء النشء بالرعاية والتعليم والتلقين والتعريف بالمذهب الإباضي، حتى يضمن السير في طريق السلف، وهذا جانب تربوي هام يجب
(2)
التنبه له " إهـ وكان موسم الحج يعتبر من أحسن المواسم للتبادل الثقافي بين المغرب والمشرق، وكان أهل المغرب. لا يفوتون فرصة الحج بل يتسابقون إلى أداء هذا النسك العظيم، وقد ذكرت المصادر عن أهل نفوسة: أنهم كانوا اكثر الناس حجا، فكانوا يحجون بنسائهم وذراريهم، حتى قيل إنه ولد لهم في ركب واحد.
-
(1) - أنظر أمثلة على بعض هذه المراسلات التي تمت بين إياضية المشرق والمغرب في: السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، ج 1، ج 2، ت: د/ سيدة كاشف - السالمي، تحفة الأعيان، 261/ 2 - 263 القطب، كشف الكرب- الجعبيري، علاقة: عمان بشمال إفريقيا - محمد بوحجام، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر (تبادل الرسائل نموذجا)، ص 233 - 246 - محمد. بوحجام، التواصل الثقافي بين عمان والجزائر، مكتبة للضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 1: 1423 هـ / 2003 م، ص 064
(^ • -
(2) - بوحجام، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر (تبادل الرسائل) نموذجا)، ص 245 - 246.
166 (1/166)
صفحة 167
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
ثلاثمائة مولود ذكر، فضلا عن المواليد من الإناث أو النساء اللاتي لم يلدن، أو الرجال المرافقين لهن؛ فكان أهل المغرب يستغلون مناسبة الحج للالتقاء بأصحابهم من أهل المشرق، فيستفيد كل طرف من علم ومؤلفات الطرف الآخر، فمن ذلك ما روي عن الشيخ عمروس ومجموعة من أصحابه من أهل المغرب توجهوا إلى المشرق لأداء الحج، فلما نزلوا مكة وجدوا بها الشيخ أبا عبد الله محمد بن محبوب"،
(1) - الدرجيني، الطبقات، 325/ 2 - الشماخي، السير، 195/ 1.
11
"1
- هو أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل بن هبيرة المخزومي القرشي، كهف من كهوف العلم، وأحد المجتهدين، انتهت إليه إمامة الإباضية العلمية في ايامه بالمشرق بعد أبيه، أقام بمكة، ثم انتقل إلى عمان، فتصدى لنشر العلم، ولعب دورا مهما في إقرار الإمامة بعمان، فكان إمام أهل الحل والعقد الذين نصبوا الصلت بن مالك الخروصي إماما (237 - 272 هـ)، ترك ثروة علمية ضخمة، فمن مؤلفاته " كتاب الجامع " في سبعين جزءا، وكان الشيخ أبو صالح بكر بن قاسم اليراسني من علماء المغرب يقول في " كتاب الجامع ": " هذا كلام محقق، فقيه، أصولي " إهـ، والحقيقة حسب المصادر التي وقعت بين يدي، فقد اختلفت تسميتها لكتاب الجامع، فالشيخ بكلي اطلق عليه اسم " كتاب الجامع "، ود/ مصطفى باجو أطلق عليه " سيرة ابن محبوب إلى أهل المغرب "، وهذا ما ذكره كذلك د/ النامي عند تعرضه للحديث عن " سيرة محمد بن محبوب إلى أهل المغرب " فقال: " ... ويقال إن هناك نسخة كاملة من هذه السيرة مؤلفة من سبعين جزءا كانت موجودة في جبل نفوسة حوالي نهاية القرن الرابع الهجري، وإن الجزء السادس فقط من هذا الكتاب كان موجودا في جزيرة جربة أثناء هذه الفترة ... " إهـ، وقد اعتمد د/ النامي فيما ذكره على ما جاء عند الوسياني في السير، والدرجيني سماه " مختصر ابن محبوب "، وقد أشار إلى سيرة محمد بن محبوب إلى أهل المغرب د/ مبارك الراشدي في كتابه " الإمام أبو عبيدة، وذكر أنه يوجد لابن محبوب سيرتان إلى أهل المغرب، إحداهما تقع في سبعين جزءا، وذكر أنه لم يعثر عليها، وأما الأخرى فذكر أنه يوجد لديه قطعة منها، والظاهر أن الصحيح ما ذكره الشيخ بكلي، فقد ذكر الشيخ الجعبيري أنه نسب إلي ابن محبوب من الكتب " سيرته إلى أهل المغرب " (مخ) وهي مختصرة، وكتاب في الفقه في سبعين جزءا، يقصد " كتاب الجامع " الذي ذكره الشيخ بكلي، ولم يذكر هذه التسمية، ولعل الشيخ الدرجيني خلط بين كتابي " الجامع " و سيرة ابن محبوب "، أو لعله كان يطلق على كلا الكتابين " سيرة محمد بن محبوب إلى أهل المغرب " كما أشار د/ مبارك الراشدي، إحداهما تقع في سبعين جزءا والأخرى مختصرة، فكان الشيخ الدرجيني يقصد السيرة التي تتكون من سبعين جزءا، ولكن لا أدري هل " كتاب الجامع هو الاسم الذي اطلقه الشيخ محمد بن محبوب على كتابه بنفسه، أم أن الشيخ بكلي هو الذي اختار هذ الاسم بمحض إرادته لهذه الموسوعة الفقهية الضخمة للشيخ ابن محبوب، بحكم ضخامتها وشموليتها؟ والذي يظهر أن الشيخ بكلي بنفسه اطلق على كتاب ابن محبوب اسم " كتاب الجامع "، والحقيقة أن المصادر التي استطعت الحصول عليها، لم تسعفني بالإجابة على هذا التساؤل وقد ذكر الشيخ الجعبيري أن علماء جربة كانوا يتدارسون كتاب الجامع في القرن الرابع الهجري، وينبغي التنبيه أن للشيخ بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل كتاب يقع في سبعين جزءا كذلك عنوانه " الخزانة "، والظاهر أن لمحمد محبوب كتاب آخر في السنة ومصطلح الحديث تحت عنوان " ابواب مختصرة من السنة " (مخ)، وقد أشار إليه د/ مصطفى باجو في بحثه " تطور علم الأصول في المصادر العمانية "، ولأقوال ابن محبوب ذكر واعتماد في مؤلفات الإباضية، فإذا قيل في الأثر المشرقي " قال أبو عبد الله " فالمقصود محمد بن محبوب رحمه الله، وذكر د/ النامي نقلا عن الوسياني لن ديوان الإمام جابر هو مجموعة من كتب الإمام -جابر كان بعهدة الإمام أبي عبيدة مسلم بن لبي كريمة، ثم انتقل إلى عهدة الإمام الربيع بن حبيب، ثم إلى الشيخ أبي سفيان محبوب بن الرحيل، ثم إلى ابنه محمد بن محبوب، وعنه نسخ في مكة، وعمل الشيخ محمد بن محبوب قاضيا على صحار بعمان في عهد الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي) حكم عمان: 192 - 207 هـ) كما ذكر د/ مبارك الراشدي ولم يشر إلى المصدر الذي اعتمد عليه، وقد بحثت طويلا في التحفة، وفي عمان عبر التاريخ، لأجد ولو إشاره إلى ذلك فلم اجد، وقد عمل في القضاء في عهد الإمام الصلت بن مالك كذلك، كما ذكر الإمام السالمي في التحفة، والشيخ السيابي في عمان عبر التاريخ، وقد توفي الشيخ محمد بن محبوب في صحار بعمان يوم الجمعة 3 من محرم سنة 260 هـ، وهو لايزال على القضاء بصحار من عمان، فيتبين - على فرض صحة ما ذكره د الراشدي من أن ابن محبوب تولى القضاء على صحار في عهد الإمام غسان - أنه عاصر خمسة أئمة من ائمة عمان وهم على الترتيب: الإمام الوارث بن كعب الخروصي (حكم: 179 - 207 هـ)، والإمام غسان بن عبد الله اليحمدي، والإمام عبد الملك بن حميد الأزدي) حكم: 207 وقيل 208 هـ - 226 هـ)، والإمام المهنا بن جيفر اليحمدي) حكم عمان: 226 - 237 هـ)، والإمام الصلت بن مالك الخروصي، ومات في عهد هذا الأخير، وبما أنه عمل في القضاء في عهد الإمام غسان بن عبد الله، وفي عهد الإمام الصلت بن مالك، إذا لعله =
،
167 (1/167)
صفحة 168
الشيخ عمروس ومنهجه
مكان يسمى
= كذلك استمر في القضاء في عهد الإمامين عبد الملك بن حميد و المهنا بن جيفر، اللذان حكما في الفترة بين الإمامين غسان و الصلت، فعلى فرض عمر ابن محبوب 20 سنة حين تولى القضاء في عهد الإمام غسان الذي حكم في سنة 192 هـ، إذا يكون مولده في حدود سنة 172 هـ، وعلى ذلك يكون عمره عند وفاته في سنة 260 هـ 88 عاما تقريبا، وعلى فرض صحة هذا فإنه يكون أدرك عهد الإمام الوارث بن كعب، بل إنه ولد قبل مبايعة الإمام الوارث بسبع سنوات، فيكون عمره عند مبايعة الإمام الوارث سبع سنوات، فيكون أدرك قليلا من عهد محمد بن أبي عفان) حكم عمان: 177 - 179)، وعمره كان خمس سنوات عند مبايعة محمد بن عفان، إذا فقد ولد ابن محبوب في عهد الجبابرة - راشد بن النظر ومحمد بن زائدة - اللذان حكما عمان قبل مبايعة محمد بن عبد الملك سنة 177 هـ، والظاهر أنه ولد في البصرة أو مكة، وليس في عمان، وعاش في مكة فترة من الزمن، ثم قدم عمان الظاهر قبل مجيء أبيه الشيخ محبوب بن الرحيل، الذي لحق به بعد ذلك - كما سأبين بعد قليل - ولعل الشيخ محمد بن محبوب جاء إلى عمان في عهد الإمام الوارث أو في عهد الإمام غسان، هذا على فرض صحة ما ذكر د/ الراشدي من أن ابن محبوب تولى القضاء في عهد الإمام غسان، ولكن الظاهر أن ما ذكره د / الراشدي يحتاج إلى مزيد نظر، وذلك أن ابن محبوب توجه إلى صحار في سنة 249 هـ كما ذكر الشيخ السيابي، فولاه الإمام الصلت القضاء عليها، وقد كان يقيم خارج صحار، والظاهر أنه كان يقيم في نزوى، حيث أنه في مرض الإمام عبد الملك، صلى عمر بن الأخنس بالمسلمين صلاة الجمعة من غير أن يأمره الإمام، وكان ذلك في نزوى، فأجاز الشيخ موسى بن علي صلاتهم، وكان حاضرا، ولم يجزها الشيخ محمد بن محبوب وقال بنقض صلاة الكل، وأظن أن الشيخ محمد بن محبوب لن يفتي بذلك إلا إذا كان حاضرا ومطلعا على الوضع، بحيث يخالف قول الشيخ موسى بن علي الذي يعد إمام العلم في ذلك العصر، وكذلك عندما مات الإمام المهنا كان من ضمن من بايع الإمام الصلت في نفس يوم وفاة الإمام المهنا، وكذلك في عهد الإمام المهنا أثيرت قضية خلق القرآن، التي أثيرت أول ما أثيرت في البصرة، ووصلت عمان في عهد الإمام المهنا، فتناقش العلماء في عمان حولها في " دما " - لعل المقصود به " السيب " تقع على شاطئ خليج عمان في مسقط، حيث أنها كانت تسمى " دما " سابقا، وكان الشيخ محمد بن محبوب من ضمنهم، وأدلى بقوله في المسألة وهو أن القرآن مخلوق، والظاهر أن الشيخ محمد بن محبوب جاء إلى عمان في عهد الإمام عبد الملك، حيث أنه لا ذكر له في الأحداث التي وقعت قبل عهد الإمام عبد الملك كما يظهر، وإنما ظهر ذكره في عهد الإمام عبد الملك، ولعله جاء إلى عمان قبل مجيء والده الشيخ محبوب إليها، وذلك أنه كان الشيخ محبوب لا يزال موجودا في البصرة في عهد الإمام المهنا، والدليل ما ذكر الإمام السالمي من أنه وقع خلاف في البصرة بين محبوب بن الرحيل وهارون بن اليمان في عهد الإمام المهنا، في مسائل خالف فيها هارون قول المسلمين، فتوجه هارون إلى اليمن، فكتب الشيخ محبوب رسالة إلى اليمن يحذر الإباضية هناك من هارون، وأرسل هارون برسالة ضد الشيخ محبوب إلى الإمام المهنا، فأرسلها الإمام المهنا إلى محبوب في البصرة، فرد عليه الشيخ محبوب برسالة يوضح له أمر هارون بن اليمان وما خالف فيه المسلمين، وكان الحق عند محبوب، فأخذت به عمان وحضرموت كما ذكر الإمام السالمي، وقد ذكر د/ الراشدي أن الرسائل بين هارون والإمام المهنا والشيخ محبوب موجودة، إذا فلعل الشيخ محبوب بن الرحيل قدم إلى عمان بعد ذلك في عهد الإمام المهنا، ومات في عمان في نفس عهد الإمام المهنا، بعد أن عمر طويلا، وهناك من يرى الحادثة بين الشيخ محبوب وهارون بن اليمان وقعت في عهد الإمام غسان وليس في عهد الإمام المهنا، وعلى هذا الشيخ سيف البطاشي صاحب " اتحاف الأعيان "، حيث ذهب إلى أن الحادثة وقعت في عهد الإمام غسان، وقال أن ما ذكره الإمام السالمي من أن الحادثة وقعت في عهد الإمام المهنا فيه نظر، وذلك أن الإمام المهنا بويع سنة 226 هـ، ومات سنة 237 هـ، ومحبوب احد تلاميذ الربيع وربيبة، ومن الخمسة الذين حملوا العلم عن الإمام الربيع إلى عمان، ومن بينهم الشيخ موسى بن أبي جابر المتوفى سنة 181 هـ، بعدما شاخ وكبر وجاوز التسعين سنة، ومحبوب من زملائه، فبلوغه إلى أيام الإمام المهنا فيه نوع من البعد، هذا ما ذكره الشيخ البطاشي، وعلى فرض صحته، وأنه أي الشيخ محبوب جاء إلى عمان في عهد الإمام غسان،، فلعل الشيخ محمد بن محبوب جاء معه، ولعله كان في سن تؤهله لمنصب القضاء - فقد ذكرت بعض المصادر أنه أكبر أبناء الشيخ محبوب - فقلده الإمام غسان قضاء صحار، فتوجه إليها مع أبيه، ومات أبوه الشيخ محبوب بها كما تذكر بعض المصادر ولعل الشيخ محمد بن محبوب ترك القضاء بعد ذلك وعاد إلى نزوى حيث كان له ظهور في الأحداث التي ذكرتها، ثم ولاه الإمام الصلت قضاء صحار من جديد في سنة 249 هـ، فتوجه إليها ومات فيها في عهد الإمام الصلت، وفي المقابل لعله لم يعمل في القضاء في عهد الإمام غسان، وإنما عمل في القضاء في عهد الإمام الصلت فقط، فلعل أباه الشيخ محبوب توجه إلى صحار بمفرده - قد يكون لهم أقارب هناك - وانطلق الشيخ محمد بن محبوب إلى نزوى ليجالس الأئمة والعلماء ويستزيد من علمهم، حتى عهد الإمام الصلت الذي ولاه قضاء صحار والله أعلم (انظر: الدرجيني، الطبقات، 357/ 2 - الجيطالي القواعد، 54/ 1 الهامش، 55/ 1 - 56 الهامش - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 50، 79، 126 - 127 - الجعبيري، البعد الحضاري، ص 107 الهامش - الجعبيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص 30 - الراشدي، الإمام أبو عبيدة، ص 27 الهامش، ص 50 الهامش، ص 242 - 243 - السيابي، عمان عبر التاريخ، 37/ 2، 19، 78، 102، 104، 113 - السالمي، تحفة الأعيان، 107/ 1، 109، 112، 119 120، 124، 132، 133، 154، 155،160، 193، - البطاشي =
ان
،
168 (1/168)
صفحة 169
الشيخ عمروس ومنهجه
فدخلوا عليه في مجلسه، فوجدوه مع أصحابه فسلموا عليه، فهش بهم وقربهم إجلالا لهم دون أن يعرفهم، فلما تبوءوا مقاعد المذاكرة، سأل الشيخ عمروس الشيخ محمد بن محبوب عن مسألة، فقال الشيخ محمد بن محبوب: " إن كان أبو حفص - يقصد الشيخ عمروس - في شيء من هذه البلاد فلا يصدر هذا السؤال إلا عنه، ولا يرد إلا منه "، فقالوا له: إنه هو السائل، فرفع الشيخ محمد بن محبوب من مجلس الشيخ عمروس لما عرفه، وزاد دنوه من مجلسه، ثم جعل الشيخ عمروس يسأل في مسائل الدماء عن مسألة بعد مسألة، حتى قال له ابن محبوب: " هذا من مكنون العلم لا يعلن به في قوم جهال "، فعند ذلك قال الشيخ عمروس لأصحابه: * احفظوا السؤال وأحفظ لكم الجواب، حتى نقدم على إخواننا فنخبرهم بما حفظنا "، ففعلوا، فلما عادوا إلى جبل نفوسة، قال لهم الشيخ عمروس: " هلموا ما تكفلتم به "، فقالوا: " لم نحفظ شيئا سوى قولك: احفظوا المسائل لنرد بها على إخواننا "، فأعاد الشيخ عمروس المسائل مسألة مسألة مع جوابها (1)
(2)
وكان للشيخ محبوب بن الرحيل خيام بمنى تعرف بمضارب محبوب، فيها مورد حجاج عمان وجماعتهم، وكان المغاربة يقصدونهم للتعرف عليهم واستزادة العلم منهم؛ وقد كان إباضية المغرب يخرجون للحج عدة مرات حبا في التفقه في الدين، فقد ذكر لواب بن سلام أن لأبي حماد النفوسي صاحب لم يذكر اسمه - حج ثلاث مرات، كانت الثالثة من مصر، إذ لم يعد إلى أهله، وبقي في مصر أنه كان سنته تلك (3)، ويذكر عن الشيخ أبي مهاصر من المكثرين للحج، فيروى أنه
مرات (4)
=
حج سبع
إتحاف الأعيان، 217/ 1 - 219 - د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ، الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا، 1 - بحث " تطور علم الأصول في المصادر العمانية، د/ مصطفى باجو، ص 122 الهامش، 2 - بحث " العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر، محمد بوحجام، ص 235 الهامش ").
"
11
- ذكر البغطوري قصة التقاء الشيخ عمروس بالشيخ ابن محبوب مع بعض الاختلاف عن بقية المصادر كالطبقات للدرجيني، والسير للشماخي، فذكر أنه حين تعرف الشيخ محمد بن محبوب على الشيخ عمروس قال له: " أنت أولى بهذا الموضع فنزل له عن المنبر، فرجع هو عليه، وقعد ابن محبوب قدامه، فجعل عمروس يفتي "، والظاهر أن الصحيح ما ذكره الدرجيني وكذلك الشماخي، ونص الرواية أتيت بها في النص اعلاه (انظر: البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 93 - الدرجيني، الطبقات، 324/ 2 - الشماخي، السير، 193/ 1 - 194). (1) - البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ)، ص 93 - الدرجيني، الطبقات، 324/ 2 - الشماخي، السير، 193/ 1 - 194 - الباروني، الأزهار، 253/ 2 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 140. (2) لواب بن سلام، الإسلام وتاريخه، ص 130 " - ابو حماد النفوسي لم أجد ترجمته، والظاهر أنه من أهل نفوسة بناء على نسبته إلى نفوسة، والظاهر أنه عاش في عهد الدولة الرستمية، كان لا زيال حيا حتى سنة 273 هـ (انظر: لواب بن سلام، الإسلام وتاريخه، ص 130).
- المصدر السابق، ص 130
(4) - الدرجيني، الطبقات، 307/ 2 - الشماخي، السير، 172/ 1.
169 (1/169)
صفحة 170
كذلك فإن إباضية المغرب كانوا يزورون أصحابهم من أهل المشرق، فمن هؤلاء سلام بن عمرو - والد لواب صاحب " شرائع الدين " - فيقول ابن سلام واصفا زيارة أبيه لأحد علماء الإباضية بمصر:
(1)
(2)
" وأبو إبراهيم موفق فقيه مفت بمصر، وداره بحضرموت بمحرس، عالم القرآن وكان مشهورا ولقيه والدي سلام بن عمرو وفي كتابه إلى والدي من مصر في حياتهما عرفت بنعته موضع داره " إهـ؛ وكذلك فإن لوابا نفسه زار أحد علماء الإباضية بمصر وهو محمد بن عبد الملك الحجازي قبل سنة 250 هـ، وسجل عنوانه في كتابه لمن يريد زيارته من المغاربة بمصر والذي يظهر كما يرى الباحث إبراهيم بحاز أن رحلات حملة العلم إلى البصرة قلت بعد حملة العلم الخمسة، ولكن يذكر عن المحدث والشاعر التيهرتي بكر بن حماد أنه رحل إلى المشرق سنة 217 هـ، وزار البصرة وبغداد، وكانت له فيها اتصالات بعلماء وقته، بل لقد مدح المعتصم الخليفة العباسي، ووصله المعتصم بصلات جزيلة؛ وذكر ابن الصغير أن عبد العزيز بن الأوز كانت له رحلة إلى المشرق (4)، ولم يوضح إلى أين كانت هذه الرحلة؟ ولا سببها؟، إلا أن الباحث إبراهيم بحاز يرى أنها كانت إلى البصرة وبغداد لطلب العلم، معتمدا على سياق كلام ابن الصغير
(3)
(0)
ومن أهل المغرب الذين زاروا بغداد نفاث بن نصر النفوسي كما مر سابقا، وكانت له مناقشات مع علماء بغداد، واستطاع حل لغز الخليفة، الذي عجز عنه كبار العلماء، ونسخ ديوان الإمام جابر،
"
هو سلام بن عمرو اللواتي، عاش في القرن الثالث الهجري، أصله من " تمطنين، يعد من أعلام الإباضية البارزين بالمغرب الأدنى، تلقى علمه على شيوخ عصره منهم الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، وقد عينه الإمام عبد الوهاب واليا على منطقة " سرت " ونواحيها بليبيا، وهو والد الشيخ العلامة لواب صاحب كتاب " بدء الإسلام وشرائع الدين " وقد مرت ترجمته في ص 38 من هذا المبحث) انظر: الشماخي، السير، 175/ 1 - الباروني، الأزهار، 164/ 2 - 165 - بحاز وآخرون معجم أعلام الإباضية، 188/ 2 - 189 رقم الترجمة: 416). هو أبو إبراهيم موفق - لم أجد اسمه كاملا - عالم من علماء الإباضية بمصر، عاش في القرن الثالث الهجري، عالم في القرآن وفقيه مفت، كان يقطن " حضرموت " حي من أحياء الفسطاط بمصر (انظر: لواب بن سلام، الإسلام وتاريخه، ص
(136
- حضرموت: حي من أحياء الفسطاس بمصر (أنظر: المصدر السابق، ص 136 الهامش). (1). المصدر السابق، ص 136
- هو محمد بن عبد الملك الحجازي، من علماء الإباضية بمصر، كان لايزال حيا إلى ما قبل سنة 250 هـ (انظر: لواب بن سلام، الإسلام وتاريخه، ص 136 - بحاز، للدولة الرستمية، ص 393 - الجعبيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص
(2) لواب بن سلام، الإسلام وتاريخه، ص 136.
(2) - الدباغ، معالم الإيمان، 281/ 2 - 282 - ابن عذارى، البيان، 153/ 1 - 154 - وانظر: شاوس، الدر الوقاد، ص 45 - 48 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 393 - الباروني، الأزهار، 71/ 2.
(4) ? ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 99 -
(0) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 394. (1/170)
صفحة 171
: الشيخ عمروس ومنهجه
فعاد به إلى المغرب، إلا أنه وبسبب حقده ضد الإمام أفلح قام بدفنه، فأضاع بذلك ثروة عظيمة خلفها الإمام جابر، فحرمنا من الاستفادة منها والله المستعان (1) وفي المقابل نجد أن أهل المشرق كانت لهم زيارات للمغرب، ومن ذلك الوقدان اللذان أرسلهما أهل المشرق بالمال لمؤازرة دولة الإمام عبد الرحمن بن رستم كما مر، ومن ذلك أيضا زيارة رجل من أهل المشرق للمغرب في عهد الإمام عبد الوهاب، فقصد جبل نفوسة، ثم ذهب إلى تيهرت، فسأله أهل تيهرت عن حال جبل نفوسة وأهله؟ فقال: " الجبل هو أبو زكرياء، وأبو زكرياء هو الجبل، وأما أبو مرداس فكالغزال، نفسي نفسي، وأما أبو العباس ففتى مقرعي - يصفونه بالشدة والنجدة - " فلما عاد إلى جبل نفوسة، سأله أهل نفوسة عن تيهرت وأهلها؟ فقال: " ليس بها أحد غير الإمام ووزيره مزور بن عمران"." (2)
ومن
العلماء المشارقة الذين زاروا المغرب الإمام أبو غانم الخرساني، فمر على الشيخ عمروس بجبل نفوسة، وترك لديه نسخة من المدونة، ثم ذهب إلى تيهرت للقاء الإمام عبد الوهاب وأهداه نسخة أخرى من المدونة، وهنالك أخذ عنه الإمام أفلح العلم وخاصة في الحديث، فقام الشيخ عمروس بنسخ المدونة بمساعدة أخته كما مر ومن مظاهر العلاقات الثقافية بين المغرب والمشرق في ذلك العصر تبادل الكتب والمؤلفات بين الطرفين، وقد مر سابقا ما قام به الإمام عبد الوهاب من الإرسال إلى إخوانه بالبصرة ليشتروا له بها كتبا
(3)
(1) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 143 - 145 - الدرجيني، الطبقات، 82/ 2. هو مزور بن عمران الهواري، كان لايزال حيا في الفترة بين 171 - 208 هـ، يعد من وجوه الرستميين وأعيانهم اشتهر بالخير والعدل، وعرف بحسن السياسة والتدبير، ولاه الإمام عبد الوهاب على إحدى ولايات الدولة الرستمية، ثم اتخذه وزيرا إلى جانبه (انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 125 - الشماخي، السير، 145/ 1 - الباروني، الأزهار، 165/ 2 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ج 2/ 46/2 - بحار وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 413/ 2 - 414 رقم
الترجمة: 878). وقع للخلاف بين المصادر حول عدد الوفد المشرقي الذي زار المغرب، فأغلب المصادر التي وقعت بين يدي ذكرت أن الزائر كان رجلا مشرقيا، وهذا ما ذكره ابو زكرياء والدرجيني، إلا أن بعض المصادر ذكرت أن الزائر كان وفدا مشرقيا وقد ذكر الشماخي الروايتين معا، وقد اعتمد الباحث إبراهيم بحاز على الرواية التي تذكر أن الزائر كان وفدا مشرقيا، والظاهر أنه اعتمد على ما ذكره الشماخي، إلا أن الظاهر أن الرواية التي تذكر أن الزائر كان رجلا مشرقيا أصح من الرواية التي تذكر ان الزائر كان وفدا مشرقيا، وذلك أن أغلب المصادر ذكرت أن الزائر كان رجلا مشرقيا والله أعلم) انظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 125 - الدرجيني، الطبقات، 293/ 2 - 294 - الشماخي، السير، 152/ 1، 155 - بحاز، الدولة الرستمية
(590
(2) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 125 - الدرجيني.، الطبقات، 293/ 2 - 294 - الشماخي، السير، 152/ 1، 155.) - الدرجيني، الطبقات، 323/ 2 - الشماخي، السير، 194/ 1 - 195.
، ص
،
171 (1/171)
صفحة 172
الشيخ عمروس ومنهجه
، فنسخوا له وقر أربعين جملا من الكتب، فلما بلغته تشمر وجد لقراءتها ليلا وبعض أوقات النهار
(
فختمها
(1)
ومن الكتب المشرقية المشهورة التي وصلت إلى المغرب كتب محبوب بن الرحيل وابنه، في الفقه والكلام والعقائد والأخبار، وكان كتاب ابن محبوب يعرف عند أهل نفوسة بـ " سيرة ابن محبوب إلى أهل المغرب "، قيل إنه يقع سبعين جزءاً، لم يصل المغرب منه إلا الجزء السادس فقط (2) وقد كان الإمام أفلح يحث على قراءة كتب الإباضية من أهل المشرق وخاصة أبي سفيان محبوب بن الرحيل، فيقول: " عليكم بدراسة كتب المسلمين لا سيما كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل هذه بعض الملامح حول العلاقة الثقافية والفكرية المتبادلة بين المغرب والمشرق، سواء في تبادل الزيارات بين العلماء وطلاب العلم، أو تبادل المراسلات والفتاوى في مختلف النوازل والقضايا، أو
(3).
التبادل بين المؤلفات والكتب
(1) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 99 - 100 - الدرجيني، الطبقات، 56/ 1 - 57 - الشماخي، السير، 142/ 1 - للشيخ أبي عبدالله محمد بن محبوب سيرتان إلى أهل المغرب، وقد ناقشت ذلك سابقا عند تعرضي لترجمة الشيخ محمد بن
محبوب،، ص 167 - 169
(1) - الوسياني، سير (مخ) ورقة 25 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 398 - البرادي، الجواهر (مخ)، ص 218. (2) - الوسياني، سير (مخ)، ورقة 108 نقلا عن: بحاز، للدولة الرستمية، ص 270 الهامش - الدرجيني، الطبقات، 2/
478
172 (1/172)
صفحة 173
الفصل الثاني
الشيخ عمروس ومنهجه
ويحتوي على:
السيرة الشخصية للشيخ عمروس
اسمه ونسبه
مولده ونشأته
صفاته وأخلاقه
حالته المادية
أسرته ومن برز منها
هل هناك عمروس غيره؟
173 (1/173)
صفحة 174
[صفحة فارغة] (1/174)
صفحة 175
-
تمهيد:
عمروس ومنهجه
يبحث هذا الفصل في الجانب الشخصي للشيخ عمروس، وسيرته الذاتية، مع محاولة سبر أغوار هذه الشخصية العملاقة، والأسباب التي أثرت فيها، وساهمت في تكوينها، حتى بلغ الشيخ ما بلغ من المنزلة السامقة.
إن أي شخصية برزت على مر التاريخ لابد وأن تؤثر فيها عوامل، إما إيجابية وإما سلبية، وبناء على هذه العوامل يكون بروز الشخصية، وإنتاجها في المجتمع، فإن كانت العوامل المؤثرة فيها إيجابية، كان نتاجها وإسهاماتها في المجتمع إيجابيا، وإن كانت العوامل المؤثرة سلبية، فسيكون الإنتاج والإسهام لتلكم الشخصية سلبيا.
فالسلوك الإنساني في نموه يتصف بجملة من الخصائص، أهمها: 1 - الترابط بين مظاهر النمو المختلفة، فكل جانب من جوانب النمو يتأثر بالجوانب الأخرى كتأثر النمو اللغوي بالنمو الاجتماعي وبالنمو العقلي
-2 - وجود مراحل متسلسلة للنمو ذات خصائص مشتركة، تمتد من الرضاع إلى الشيخوخة (1) إذا فهناك عوامل إيجابية أثرت في شخصية الشيخ عمروس في مختلف أطوار حياته، فما هي هذه العوامل التي ساهمت في توجيهه، وبناء شخصيته، حتى بلغ ما بلغ من المنزلة؟
،
إن من أهم العوامل التي تؤثر في شخصية الإنسان وبنائها، الأسرة التي نشأ وترعرع فيها وكذلك البيئة والوسط الاجتماعي المحيط به، ومن خلال هذا الفصل سنحاول التعرف على الشيخ عمروس عن قرب، والتعرف على أسرته ومدى تأثيرها عليه، والتعرف على الوسط الذي عاش فيه الشيخ؛ كذلك سيعرج هذا الفصل على صفات الشيخ عمروس وأخلاقه، والتي هي لا محالة انعكاس للوسط الذي نشأ فيه؛ وحالة الشيخ عمروس المادية كذلك مما تضمنه هذا الفصل، وكما
هو معلوم فإن للمادة دور في توجيه الإنسان الوجهة الإيجابية، وبنائه البناء السليم في الغالب
(1) ? عبد الله بن حمدان الدهماني، محددات السلوك الإنساني والتنظيمي، مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان، ط 1 1420
هـ / 1999 م، ص 13
170 (1/175)
صفحة 176
الشيخ عمروس ومنهجه
ونختم هذا الفصل بالحديث عن بعض الشخصيات التي تسمت باسم عمروس، وعاشت في تلك الفترة التي عاش فيها الشيخ عمروس أو قريبا منها، وذلك للتفريق بينها وبين الشيخ عمروس حتى لا يقع اللبس أو الخلط
176 (1/176)
صفحة 177
الشيخ عمروس ومنهجه
المبحث الأول: اسمه ونسبه:
(*) * ?
هو الشيخ عمروس بن فتح المساكني النفوسي، ويكنى بأبي حفص (1)، ولقب بالمساكني لأنه من أهل " مساكن، ولقب بالنفوسي لأن نسبه ينتمي إلى قبيلة " نفوسة " البربرية، التي نسب الجبل الغربي لطرابلس إليها في ليبيا (3)، وقبيلة " نفوسة " قسم من أصحاب البلاد الأصليين في شمال أفريقيا،
(4)
(
ويقال لهم البربر وقد اختلف في نسب البربر إلى أقوال عديدة، فقيل: أنهم من ولد إبراهيم - عليه السلام –، وقيل: أنهم من ولد جالوت أو العمالقة نقلوا من الشام إلى المغرب، وقيل: أنهم من حمير من ولد النعمان أو من مضر من ولد قيس بن عيلان) بربر بن قيس بن عيلان)، والذي رجحه ابن خلدون أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح، وأن اسم أبيه مازيغ وهناك من يقول أن البربر وفدوا من أوروبا، وقيل أنهم وفدوا من آسيا في عصر ما قبل التاريخ ويعتقد بعض علماء الأنثروبولوجيا (علم دراسة الإنسان (وجود قرابة جنسية بين البربر والساميين معتمدين في ذلك على تقارب لغة البربر الدارجة مع اللغات السامية، وعلى وجود بعض التشابه في الصفات الجسمية، ويعتقد هؤلاء أن تغلغل السامية في بلاد المغرب لم يتم إلا في العصر النيوليتي، لأن البربر ظهروا في التاريخ منذ ثلاثة آلاف سنة تحت اسم " ليبو "، وكان هؤلاء الليبو يتميزون بشقرة لون الشعر وزرقة العينين وبياض الوجه، وهي صفات ما تزال تنطبق على بعض سكان المغرب في الريف
• (1) - البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ)، ص 92 - البرادي، الجواهر (مخ)، ص 219 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 11 - جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف، اجوبة علماء فزان، ص 20 - الدرجيني، الطبقات، 320/ 2 - الشماخي، السير 192/ 1 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 321/ 2، رقم الترجمة: 690
- مساكن: قرية من قرى جبل نفوسة (انظر: البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 92). (2) ? البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 92 عمروس، الدينونة الصافية، ص 12 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 134/ 6.
M
(1) - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 112/ 6 - 113
- العصر النيوليتي أو العصر الحجري الجديد يحدده علماء الأنثروبولوجيا بالألف السادسة قبل الميلاد، انظر:
1 - مقال " نبذة عن محافظة حماة بسوريا " على هذا الرابط:
http://www.hama-chamber.com/private/chamber
city_arabic.htm
2 - مقال " الطب الصيني " على هذا الرابط:
http://babele.po-net.prato.it/ar/htm/medicinac.htm
177 (1/177)
صفحة 178
الشيخ عمروس ومنهجه
وجبال جرجرة بالمغرب الأوسط، على أنه لم يلبث أن تداخلت مع هؤلاء السكان عناصر جديدة قدمت في موجات متتابعة منذ أقدم العصور، بعضها يهودية، وبعضها سامية، وبعضها هندوأوربية كالاتين والوندال والإغريق، وبعضها زنجية (1)
(2)
والبربر ينسبون بعض قبائلهم إلى القبائل العربية، مثل كندة، وبعضها إلى العمالقة، وبعضها إلى التبابعة، وبعضها إلى حمير؛ إلا أن ابن حزم اعترض على هذا في كتابه الجمهرة فقال: " ادعت طوائف من البربر أنهم من اليمن ومن حمير، وبعضهم ينسب إلى بربر بن قيس، وهذا كله باطل لا شك فيه، وما علم النسابون لقيس بن عيلان ابنا اسمه بر أصلا، وما كان لحمير طريق إلى بلاد البربر إلا في تكاذيب مؤرخي اليمن " إهـ
ونفس هذا الاعتراض نجده عند ابن خلدون فيقول: " والحق الذي شهد به المواطن والعجمة أنهم - يقصد البربر - بمعزل عن العرب، إلا ما تزعمه نسابة العرب في " صنهاجة " و " كتامة "، وعندي أنهم من إخوانهم والله أعلم " إهـ (4)؛ فالظاهر من كلام ابن حزم وابن خلدون أن البربر ليسوا من العرب، حتى قبيلتي صنهاجة و كتامة اللتان وقع خلاف بين نسابة العرب في أصلهما، والمشهور أنهما من اليمن، وأن أفريقش " لما غزا إفريقية أنزلهم بها (5)
:
" وهم -
إلا أن الشيخ أبا إسحاق إبراهيم اطفيش - رحمه الله - له كلام آخر في أصل البربر ونسبهم، فنجده ينسب البربر إلى أصول عربية مهاجرة من اليمن، ويعتبرهم من الحميريين، فنجده يقول أي البربر – في الحقيقة من الحميريين رغم اختلاف المؤرخين في أصلهم، والذي يبدو للباحث المدقق أنهم من الموجات المهاجرة من اليمن بعد سيل العرم ... والبربر هم أدرى بتاريخهم، وكل أمة أدرى بتاريخها
(1) - السيد عبد العزيز سالم، المغرب الكبير، ج 2، دار النهضة العربية - بيروت - لبنان، 1981 م، ص 133 - 134. (2) ? ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 114/ 6.
) ـ ابن حزم، الجمهرة، نقلا عن: ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 112/ 6 - 113. (4) ? ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 114/ 6.
- هو أفريقش بن قيس من ملوك التبابعة، غزا المغرب وأفريقية، وقيل أن إفريقية سميت بذلك نسبة إليه (انظر ابن خلدون. تاريخ ابن خلدون، 104/ 6). (9) - المصدر السابق، 113/ 6 - اليمن: سميت اليمن لتيامنهم إليها، قال الأصمعي: " اليمن وما اشتمل عليه حدودها بين عمان إلى نجران ثم يلتوي على بحر العرب إلى عدن إلى الشحر ... " إهـ، وتكثر في اليمن الأشجار والثمار والزروع (انظر: الحموي، معجم البلدان، 8/
178
(0.9 (1/178)
صفحة 179
الشيخ عمروس ومنهجه
من سواها، وكل قوم أعلم بأصولهم من غيرهم، وقد كانوا يقولون عن أنفسهم أنهم من الحميريين كما ذكره من المؤرخين ابن خلدون، وهذا الذي يجب أن
يعتبر " إهـ
(1)
ولعل كلام الشيخ أبي إسحاق يتقوى بما روي من قدوم وفد من البربر إلى عمر بن الخطاب أرسله عمرو بن العاص لما فتح المغرب، فسألهم عمر بن الخطاب: من أنتم؟ فقالوا: نحن بنومازيغ،
(2)
فقال عمر لجلسائه: هل سمعتم قط بهؤلاء؟ فقال شيخ من قريش: يا أمير المؤمنين هؤلاء البربر من ذرية بر بن قيس بن عيلان، خرج مغاضبا لأبيه واخوته ففي الرواية - والله أعلم بصحتها - نجد أن ذلك الشيخ القرشي نسبهم إلى بر بن قيس بن عيلان، فيظهر من هذه الراية أن أصولهم عربية كما ذكر الشيخ أبو إسحاق.
وهذا الشيخ القرشي متقدم على ابن حزم وعلى ابن خلدون، فهو معاصر للصحابة وكان شيخا – أي متقدم في السن – في عهد عمر، فالظاهر أنه أدرك الجاهلية، والعرب أدرى بالأنساب في ذلك العهد من عهد ابن حزم أو ابن خلدون، والأنساب في تلك الفترة المتقدمة من عصر الصحابة لا تزال سليمة محفوظة لم تختلط بغيرها من الأنساب، كما هو الحال عليه في الفترات اللاحقة لعهد الصحابة من اختلاط العرب بالعجم، وضياع الأنساب
إذا فلعل ما رجحه الشيخ أبو إسحاق من كون أصول البربر عربية حميرية هو الصحيح، وخاصة أنهم - أي البربر - ينسبون أنفسهم إلى الحميريين، وكما قال الشيخ أبو إسحاق: " هم أدرى بتاريخهم ". وأما عن سبب تسميتهم بالبربر، فقد وقع الخلاف في ذلك، فقيل بسبب ما يوجد في لغتهم من الرطنة والعجمة، فيروى أن أفريقش بن قيس من ملوك التبابعة، لما غزا المغرب وأفريقية، ورأى البربر وسمع رطانتهم تعجب من ذلك وقال: ما أكثر بربرتكم، فسموا بالبربر؛ والبربرة بلسان العرب هي
(3)
اختلاط الأصوات غير المفهومة، ومنه يقال: بربر الأسد، إذا زار بأصوات غير مفهومة (4).
(1) - أبو زكريا يحيى الجناوني، كتاب الوضع، ت: إبراهيم اطفيش، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، ص 4، مقدمة
المحقق.
(2) - المصدر السابق، ص 6، مقدمة المحقق
) - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 104/ 6.
(4) المصدر السابق، 104/ 6.
179 (1/179)
صفحة 180
الشيخ عمروس ومنه
(1)
وقيل سموا بالبربر لأن قائدهم عندما خرجوا من اليمن بحثا عن مكان يسكنون فيه، كان يقول لهم: بر بر، أي خذوا طريق البر وذكر د/ محمد صالح ناصر أن هناك من قال إن أصلها ليس عربي، وإنما أصلها أمازيغي، فلعلها جاءت من الوبر، وقال: بعض الأسماء لها اشتقاق وبعضها ليس له اشتقاق كما ذكر ابن دريد، فلعل تسمية " البربر " من الأسماء التي ليس لها اشتقاق (2) ولعل هذه التسمية أطلقت عليهم نسبة إلى جدهم بر بن قيس بن عيلان"، حسب الرواية التي ذكرت من قدوم وفد منهم إلى عمر بن الخطاب، كما أسلفنا، وقد أشار د/ محمد صالح إلى هذا الاحتمال كذلك (3)
6
وأما قبيلة " نفوسة " فإنها تنسب إلى " نفوس " من أولاد " زحيك بن مادغيس الأبتر " جد البرابرة البتر، قال ابن خلدون: " كان " مادغيس الأبتر " جد البرابرة البتر، وكان ابنه " زاحيك "، ومنه تشعبت بطونهم، فكان له من الولد فيما يذكر نسابة البربر أربعة: نفوس، وأداس، وضرا، ولوا،، وأما نفوس فهم بطن واحد تنسب إليه نفوسة كلها، وكانوا من أوسع قبائل البربر فيهم شعوب كثيرة، مثل بني زمور وبني مكسور وبني ماطوس " إهـ "
(4)
(1) الجناوني، كتاب الوضع، ص 4.
- هو محمد بن الحسن بن دريد الأزدي اللغوي، يصل نسبه إلى مالك بن فهم، ولد بالبصرة في سنة 223 هـ، وقرا على علمائها، ثم هاجر إلى عمان ومات فيها، روى من أخبار العرب وأشعارها ما لم يروه كثير من أهل العلم، وكان يقال: ابن دريد أشعر العلماء واعلم الشعراء، قال فيه الخطيب البغدادي: " كان واسع الحفظ جدا، ثقرأ عليه دواوين العرب كلها لو أكثرها، فيسابق إلى إتمامها ويحفظها " إهـ، وسئل عنه الدار القطني، فقال: " تكلموا فيه " إهـ، ومات في 321 هـ، وله من التصانيف: الجمهرة في اللغة، والأمالي، والمجتبى، واشتقاق اسماء القبائل، وغيرها (انظر: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، ج 1، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط 2: 1399 هـ / 1979 م، ص 76 - 81 يحيى بن محمد البهلاني، كيف أكتب شعرا، مكتبة أبي مسلم، سلطنة عمان، طا 1423 هـ / 2002 م، ص 5).
-
(2) - لقاء مع د/ محمد صالح ناصر، السبت 14 من رجب 1423 هـ / 21 من سبتمبر 2002 م
بعض المصادر نسبتهم إلى: بر بن قيس بن إلياس بن مضر. (أنظر: ابن عذارى المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ج 1، ت: كولان و بروفنسال، دار الثقافة - بيروت - لبنان، ط 19833 م، ص 200). (3) - لقاء مع د/ محمد صالح ناصر، السبت 14 من رجب 1423 هـ / 21 من سبتمبر 2002 م. (1) - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 134/ 6
180 (1/180)
صفحة 181
لشيخ عمروس ومنهجه
وهناك من قال أن سبب تسميتهم بـ " نفوسه " أنهم أسلموا بأنفسهم، ولم يكن منهم الإسلام كرها (1)، إلا أن د محمد صالح ناصر يرى أن هذا التعليل يشم منه رائحة الصنعة كما يقول أهل
الحديث (2)
،
ومن علل تسميتهم بـ" نفوسة " أنه بسبب إسلامهم بأنفسهم دون كره، استند إلى ما ذكره الرواة عن فتح المغرب بقيادة عمرو بن العاص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، فذكروا أنه لما بلغ الفتح الإسلامي طرابلس، قدم عليه ست نفر من البربر، محلقي الرؤوس واللحى، فقال عمرو: من أنتم وما الذي جاء بكم؟ فقالوا: رغبنا في الإسلام فجتنا له، لأن جدودنا قد أوصونا بذلك، فقال عمرو: مالكم محلقي الرؤوس واللحى؟ فقالوا له: ذلك شعر نبت في الكفر، فأردنا أن ينبت في الإسلام، فقام عمرو بن العاص بتوجيههم إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما قدموا عليه، سألهم من أنتم؟ فقالوا: نحن بنو مازيغ، فقال عمر بن الخطاب الله عنه رضي لجلسائه: هل سمعتم قط بهؤلاء؟ فقال شيخ من قريش: يا أمير المؤمنين هؤلاء البربر من ذرية بر بن قيس بن عيلان، خرج مغاضبا لأبيه واخوته، فقال لهم عمر رضي الله عنه: ما علامتكم في بلادكم؟ قالوا: نكرم الخيل، ونهين النساء!، فقال لهم: ألكم مدائن تسكنون فيها؟ قالوا: لا، قال: ألكم أعلام تهتدون بها؟ قالوا: لا، قال عمر الله عنه: والله لقد كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فنظرت إلى قلة الجيش وبكيت رضي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عمر لا تحزن، فإن الله سيعز هذا الدين بقوم من المغرب ليس لهم مدائن، ولا حصون، ولا أسواق، ولا علامات يهتدون بها في الطريق "، ثم قال عمر رضي الله عنه: فالحمد لله الذي من علي برؤيتهم، ثم أكرمهم ووصاهم، وقدمهم على من سواهم من الجيوش القادمة عليه، وكتب إلى عمرو بن العاص أن يجعلهم على مقدمة المسلمين
(4)
،
والواقع أن الله تعالى قد أعز دينه بالبربر ومن خرج من أصلابهم، وذلك أنهم ساهموا في الفتوحات الإسلامية، وأبلوا فيها البلاء الحسن (4)، كذلك كان لهم دور كبير في نشر الإسلام في إفريقيا وبلاد السودان في عهد الدولة الرستمية وبعدها، وذلك عن طريق ممارسة التجارة مع تلك الأقطار من أصقاع
- ذكر ابن خلدون أن البربر كانوا يدينون بدين المجوسية قبل الفتح الإسلامي، وفي بعض الأحيان يدينون بدين من يغلبهم من الأمم، كالنصرانية، واليهودية (انظر: ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 125/ 6).
(1) - الجناوني، كتاب الوضع، ص 6 (1) - لقاء مع د/ محمد صالح ناصر، السبت 14 من رجب 1423 هـ / 21 من سبتمبر 2002 م. - الجناوني، كتاب الوضع، ص 6 - 7، مقدمة المحقق.
(4) - المصدر السابق، ص 7.
181 (1/181)
صفحة 182
الشيخ عمروس ومنهجه
،
(1)
القارة الإفريقية وواصلوا كذلك نشرهم للإسلام حتى بعد سقوط الدولة الرستمية، وذلك عن طريق جبل نفوسة، أو عن طريق إمارة سدراته، التي أنشأها الإباضية بعد سقوط دولتهم في تيهرت (2).
ولا يزال للبربر في بلاد المغرب دور كبير إلى الآن في خدمة الدين الإسلامي الحنيف ونشره، سواء بتعليم الأجيال الناشئة ليكونوا حملة هداية للبشرية، أو يإصلاح المجتمع، أو بتأليف الكتب في مختلف الفنون خدمة لهذا الدين الشريف، ولا أدل على هذا من ذلك النظام البديع الذي أسسه العلامة أبو وهذا النظام يعد خلفا الله محمد بن بكر "النفوسي" في عام 409 هـ، واشتهر بنظام العزابة عبد
،
(3)
للإمامة الشرعية التي كانت قائمة في الدولة الرستمية بعد أن سقطت في سنة 296 هـ أو
297 هـ
(4)
وذلك أن هذا النظام يعنى بالجانب العلمي بتعليم الطلبة، وإعدادهم ليكونوا دعاة وحملة رسالة للبشرية، ومع اعتنائه بالجانب العلمي، فإنه كذلك يعنى بالجانب العملي، من إصلاح للمجتمع، وحل
لمشاكله، والقضاء على الخصومات، ومعاقبة المجرمين فيه، وإعادة الحقوق إلى أصحابها ... الخ (5). ولا يزال هذا النظام البديع قائما إلى اليوم في قرى وادي ميزاب و وارجلان بالجزائر، يدير شؤون المجتمع: الدينية، والأخلاقية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية ... الخ (6).
(1) دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 345/ 3 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 388، 389 - محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية،، ص 262? 271 - محمد ناصر، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب أفريقيا، ص 5، 6. - سدراته: هي مدينة تقع في الجنوب الغربي من وارجلان، اسسها الإباضية في القرن الرابع الهجري، وذلك بعد أن نزحوا من تيهرت بسبب هجوم الفاطميين عليها، واستمرت سدراته في الرقي والازدهار إلى أن خربت في القرن السابع الهجري بسبب الفتن التي مرت بها (انظر: دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 546/ 3). (2) - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 348/ 3، 352
60 - 5/ 16
". هو أبو عبد الله محمد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطاني النفوسي، ولد في سنة 345 هـ، في قرية فرسطاء بجبل نفوسة، أخذ العلم عن أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور وغيره، وهو الذي قام بتأسيس نظام العزابة، وهو آية بين النظم الاجتماعية القديمة والحديثة، تتلمذ على يده المئات من التلاميذ منهم زكرياء ويونس ابنا أبي زكرياء وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي وغيرهم، توفي في سنة 440 هـ، وقبره في مقبرة قدام غاره بأجلو (انظر: الدرجيني، الطبقات 167، 168، 183 - 180، 192، 377/ 2 - 392، 397، 399، 403 - 408، 417 - الشماخي، السير، 61/ 2 - 67 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 368/ 2 - 371، رقم الترجمة: 803). (3) - الدرجيني، الطبقات، 167/ 1 - محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 272 - بحاز وآخرون، أعلام الإباضية، 368/ 2، رقم الترجمة: 803. (1) د/ عوض محمد خليفات، نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب - عمان - الأردن، 1978 م، ص 168 - محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 156، 279 - 280 (0) - محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 280 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 369/ 2، رقم الترجمة:
A.r
(1) بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 369/ 2، رقم الترجمة: 803.
182 (1/182)
صفحة 183
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
(2)
إذا فمما سبق يتبين لنا أن الشيخ عمروس ينتمي إلى قبيلة " نفوسة " البربرية، تلكم القبيلة القوية الشديدة البأس المهابة الجانب بين القبائل، والتي يحسب لها ألف حساب، وقد وصفها الشماخي بقوله: " بلغت في العلم والتقى، والعدل والورع، مبلغا عظيما، يكاد أن يكون حاكيه كاذبا، وهابهم من بالمشرق والمغرب، ولذا قال الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه: إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسه، وأموال مزاته " إهـ، وقال الدرجيني عنها: " كانوا أطوع رعايا بالدولة الرستمية، وأكثرها عونا على الخير، وأشدها بأسا في النصر على الأعداء ... " إهـ ونفوسة تنتمي إلى البربر، تلكم القبيلة العريقة الضاربة بجذورها في التاريخ، والتي تعود إلى أصول عربية حميرية كما قال بعض من يعنى بشؤون الأنساب، والبربر سجل لهم التاريخ الكثير من المآثر والأفعال الحميدة التي بها تفوقوا على غيرهم، فوصفهم ابن خلدون بأنهم جيل عزيز على الأيام، وأنهم قوم مرهوب جانبهم، شديد بأسهم، كثير جمعهم، مظاهرون لأمم العالم وأجياله من العرب والفرس واليونان والروم، ووصفهم بأنهم يتخلقون بالفضائل الإنسانية، ويتنافسون في الخلال الحميدة، وأنهم جبلوا على الخلق الكريم إلخ، ووصفهم كذلك بأنهم يقيمون مراسم الشريعة، ويأخذون بأحكام الملة، وينصرون دين، ويتدارسون القرآن، ويحكمون حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم، ويرابطون على الجهاد، ويبيعون النفوس في سبيل الله وجهاد العدو، مما يدل على رسوخ إيمانهم، وصحة معتقداتهم التي كانت ملاكا لعزهم ومقادا إلى سلطان ملكهم (3)
الله
علماء
إذا فليس بغريب على الشيخ عمروس - رحمه الله - أن يصل إلى ما وصل إليه من المكانة بين زمانه في العلم والإصلاح والجهاد في سبيل الله، فهو ينتمي إلى قبيلة لها قصب السبق في ميدان الجهاد
والعلم والصلاح والأخلاق الحميدة بلا منازع.
(1) الشماخي، السير، 227/ 1 (2) للدرجيني، الطبقات، 87/ 1.
) - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 122/ 6 - 123
183 (1/183)
صفحة 184
[صفحة فارغة] (1/184)
صفحة 185
2 - المبحث الثاني: مولده ونشأته:
أ. المطلب الأول: مولده
الشيخ عمروس ومنهجه
ذكر بعض الباحثين أن الشيخ عمروس ولد في قافلة كانت متوجهة إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج، مما اضطر أمه إلى العودة به وعدم مواصلة الطريق (1)، واعتمدوا في ذلك على الرواية التي تصف أهل نفوسة بأنهم كانوا أكثر الناس حجا، فكانوا يحجون بنسائهم وذراريهم، حتى أنهم ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة مولود ذكر، فما ظنك بعدد من لم يولد له ذكر، ومن لم يولد له أصلا، ومن ليس؛ ولكنا إذا تأملنا الرواية لا نجد أنها نصت على كون عمروس من ضمن المواليد، فالرواية
معهم
(2)
(3)
مبهمة لم تحدد أحدا بعينه! والظاهر أن أول من ذهب إلى أن الشيخ عمروس كان من المواليد في الطريق إلى الحج هو الإمام السالمي - رحمه الله – حيث قال: .. وكان أهل المغرب يحجون بالذراري والنساء حتى أنه ولد لهم في طريق الحج سنة واحدة ثلاث مائة مولود منهم عمروس بن فتح ... " إهـ، والمصادر المتقدمة لا تشير إلى ذلك، وهذا ما أشار إليه الباحث حاج أحمد كروم، مصححا ما ذهب إليه الإمام السالمي، فقال: " غير أن الشماخي في كتاب السير لم يذكر عمروس بن فتح منهم ص 228، وكذا ج 1 من مخطوط سير المشايخ لأبي الربيع الوسياني ص 6 ... وبالتالي يبدو أن السالمي استنتجه استنتاجا من السياق، وهو الصحيح
(E) m
ولكن ما الدليل الذي جعل الإمام السالمي - رحمه الله - يستنبط ذلك من السياق؟ وكذلك ما
-
المستند الذي استند إليه الباحث أحمد كروم فيما ذهب إليه من تصحيح ما ذهب إليه الإمام السالمي – رحمه الله -؟
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 11 - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1 - عبد الله بن حميد السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، ط 2 1983 م، ص 12 - بحاز وآخرون، معجم
أعلام الإباضية، 321/ 2 رقم الترجمة: 690
(2) - الدرجيني
() - السالمي
(4) ? عمروس
، الطبقات، 325/ 2 - الشماخي، السير، 195/ 1.
، اللمعة المرضية، ص 12.
، الدينونة الصافية، ص 11.
110 (1/185)
صفحة 186
الشيخ عمروس ومنهجه
ولكن لعل أهل نفوسة كانوا يحجون في كل سنة، ويخرجون في قوافل كثيرة، حيث أنهم كانوا أكثر الناس حجا كما وصفوا، فيتعمدون أخذ نسائهم الحوامل معهم، حتى يلدن في الديار المقدسة طلبا للبركة، وهذا ظاهر من كلام الشيخ بكلي معلقا على الرواية السابقة فقال: " ولعل الذين لهم أزواج حوامل استصحبوهن عمدا ليلدن في طريق الحج، أو في الأماكن المقدسة تبركا، ولم يتفق ذلك
صدفة " إهـ
(1)
(2)
(3)، وقد
فلعل الإمام السالمي استنتج ذلك لهذا السبب، وكذلك لعله استنتجه مما ذكره الدرجيني من أنهم كانوا أكثر الناس حجا في ذلك الزمان، مشيرا إلى زمان الشيخ عمروس والله أعلم وأما فيما يتعلق بتاريخ ولادته، فقد اختلف الباحثون في ذلك، فقدر الباحث صالح البوسعيدي ولادته في سنة 200 هـ، معتمدا في ذلك على وقعة " مانو " 283 هـ التي استشهد فيها الشيخ عمروس، وعلى التقائه بالشيخ أبي غانم الخرساني، فرجح لقاء أبي غانم بالشيخ عمروس في حوالي سنة 220 هـ، وقدر عمر الشيخ عمروس عند لقائه بأبي غانم أنه عشرون سنة على أقل تقدير استند الباحث صالح البوسعيدي فيما ذهب إليه من استبعاد التقاء الشيخ عمروس بالشيخ أبي غانم قبل سنة 220 هـ، أن الشيخ عمروس كان قويا صلبا عند مشاركته في وقعة مانو، فلو فرضنا أن أبا غانم التقى بالشيخ عمروس في سنة 220 هـ، فبذلك يكون عمر الشيخ عمروس عند مشاركته في معركة مانو مائة وثلاث سنوات، ورجل في مثل هذه السن تستبعد مشاركته في معركة وبتلك الصلابة فبناء على ذلك يكون مولد الشيخ عمروس في سنة 200 هـ ولكن يعترض عليه بكون الشيخ أبي غانم لما مر على الشيخ عمروس في جبل نفوسة كان متوجها إلى
(0)
(4)
، إذا
تيهرت للقاء الإمام عبد الوهاب، على حسب ما ذكرت بعض المصادر، وكانت وفاة الإمام عبد
الوهاب سنة 208 هـ على القول الصحيح
(1) - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1، هامش المحقق. (2) - الدرجيني، الطبقات، 325/ 2.
(3) - البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص 98. (4) - المصدر السابق، ص 98
(0) - الدرجيني، الطبقات، 323/ 2 - الشماخي، السير، 194/ 1 - الجيطالي، قواعد الإسلام - 13/ 1، هامش المحقق. عمروس، الدينونة الصافية، ص 20 - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 133.
وقع الخلاف في تاريخ وفاة الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، فذهب ابن عذارى إلى أن وفاته كانت في 188 هـ، وذهب الباروني إلى أنها كانت في 190 هـ، وذهب بالحاج قشار إلى أنها سنة 195 هـ، وذهب جورج مارسيه و زامباور إلى أنها سنة 208 هـ، وذهب محمد دبوز إلى أنها سنة 211 هـ، وقد رجح د/ محمد صالح ناصر وإبراهيم بحاز ما ذهب إليه مارسيه =
=
186 (1/186)
صفحة 187
و الشيخ عمروس ومنهجه
إذا فليس من المعقول أن يكون توجه الشيخ أبي غانم للقاء الإمام عبد الوهاب بعد 208 هـ، أي في سنة 220 هـ كما ذكر الباحث هذا أولا، ثانيا: ليس من المعقول أن تكون ولادة الشيخ عمروس بناء على ذلك في سنة 200 هـ، لأن عمره سيكون عند لقائه بالشيخ أبي غانم ثمان سنوات، إذا فرضنا مرور الإمام أبي غانم على جبل نفوسة في سنة 208 هـ، وليس من المعقول أن يتمكن الشيخ عمروس وهو في مثل هذه السن الصغيرة من نسخ مدونة أبي غانم مع أخته، وهي كما يذكر في اثني عشر جزءا (1)!
وأما المستند الذي استند عليه الباحث صالح البوسعيدي فيما ذهب إليه، وهو أن الشيخ عمروس إذا قدرنا التقائه بالإمام أبي غانم قبل 220 هـ، سيكون كبيرا عند مشاركته في موقعة مانو مما يستبعد اشتراكه فيها بتلك الصلابة، قد يجاب عليه بأن الشيخ عمروس عند مشاركته في معركة مانو، لم يكن في مقدمة الجيش، بل كان في مؤخرته يحمي الصفوف من الخلف (2)، وهذا دليل على كبر سن الشيخ، ولهذا جعل في مؤخرة الجيش، حتى لا يتعرض لمواجهة الأغالبة وجها لوجه في مقدمة الجيش، حيث توجد شدة المعركة وقسوتها، ولكن لما وقعت الهزيمة بالإباضية، اختلط الحابل بالنابل، واضطر الشيخ عمروس أن يدافع عن نفسه بكل ما أوتي من قوة، وكان على فرس قوي سابق لم يتمكن الأغالبة من اللحاق به كما تذكر المصادر
(3)
= و زامباور وهي سنة 208 هـ، واستدلا بعدة أدلة وهي: أن الإمام عبد الوهاب أوفد لبناءه إلى الأندلس سنة 207 هـ، كما يرويه بروفنصال نقلا عن ابن حيان، وعندما عادوا وجدوا أباهم قد هلك، ومما يدعم هذا التاريخ حدوث الحرب بين خلف وأتباع الإمام أفلح في جبل نفوسة سنة 211 هـ، علما بأن فتنة خلف بدأت في أواخر أيام الإمام عبد الوهاب، وقضى عليها أفلح بعد ترو وصبر دام سنوات كما يفهم من أحداث الروايات، لذلك فلا يستبعد أن يكون أفلح قد انتظر خلفا وأشياعه ثلاث سنوات، يعظهم ويحثهم على الطاعة، فلما تبين له غيهم وتماديهم في التمرد، حاربهم بقيادة عامله أبي عبيدة سنة 211 هـ، وبذلك يكون الإمام عبد الوهاب قد عمر في الإمامة 37 سنة تقريبا، وهذا ليس بمستبعد إذا علمنا أن الشيخ اطفيش يجعل إمامة عبد الوهاب 60 سنة (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 40 الهامش - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 118 - 136 - ابن عذاري، البيان، 197/ 2 - الباروني (باشا)، الأزهار، 163/ 2 ـ أبو الربيع الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 41 - بالحاج، اللمعة المضيئة، ص 33 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 120، الهامش اطفيش، رسالة موسعة، ص 106 - جورج مارسيه، دائرة المعارف الإسلامية، مادة بنو رستم، 93/ 10 - زامباور، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة، ص 100? 101 " نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 121، الهامش).
"1
(1) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 56 الهامش - بحاز، الدولة الرستمية، ص 120 الهامش ـ بحاز وآخرون معجم اعلام الإباضية، 283/ 2 رقم الترجمة: 609. (1) ? الشماخي
، السير، 194/ 1 هامش المحقق ـ الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1 هامش المحقق. (2) - الدرجيني، الطبقات، 89/ 1 - الباروني، الأزهار، ص 282
"
) - الدرجيني، الطبقات، 89/ 1.
187 (1/187)
صفحة 188
الشيخ عمروس ومنهجه
عن دراسة
وكذلك فإن الشيخ عمروس مشهور عنه الفروسية والجهاد والقوة، وقد حنكته كثرة المعارك التي خاضها في سنوات عمره الطويلة، فقد وصفه الدرجيني بقوله: " لم تشغله المجاهدة في الله العلوم ... ثم رابط على الجهاد يتلقى السيوف بالصدر والمنحر ... الخ " إهـ إذا فلن يكون الشيخ عمروس عاجزا عن الدفاع عن نفسه وصد الأعداء حتى مع كبر سنه، لما عرف من قوته وتمرسه على الجهاد، مما اضطر الأغالبة أن يلجأوا إلى الحيلة بجعل حبال أمام فرسه ليسقط، ثم يأسرونه، ويقتلونه صبرا (2)؛ أضف إلى ذلك أن الدرجيني لمح إلى كبر سن الشيخ عمروس وطول عمره،، والذي يستشف منه كون الشيخ عمر طويلا، وذلك في قوله كما نقل عنه الشماخي: " ... وحاز قصب السبق، وإن كان في السن متأخرا.، إذا فالذي يظهر مما سبق أن مولد الشيخ عمروس
قبل سنة 200 هـ
(3)
كان
وذهب الباحث أحمد كروم إلى أن مولد الشيخ عمروس كان في أواخر العقد السادس من القرن الثاني الهجري، مستندا في ذلك إلى التقائه بأبي غانم الذي كان متوجها للقاء الإمام عبد الوهاب، آخذا بقول من قال أن وفاة الإمام عبد الوهاب كانت في سنة 190 هـ، وقدر عمر الشيخ عمروس في تلك الفترة بثمانية عشر عاما حتى يكون قادرا على نسخ المدونة، وذلك أن الدرجيني وصفه بأنه كان حدثا عند التقائه بأبي غانم (4)، وبالتالي يكون مولده في أواخر العقد السادس من القرن الثاني الهجري، أي في حدود سنة 172 هـ، وبالتالي يكون سن الشيخ عمروس عند استشهاده في وقعة مانو (283 هـ) مائة وإحدى عشرة سنة (5)
(4)
إلا أنه يعترض على هذا القول بأن التاريخ الصحيح لوفاة الإمام عبد الوهاب هو 208 هـ كما أسلفت، وبالتالي يكون تاريخ مولده في حدود سنة 190 هـ، إذا فرضنا سنه كانت ثمانية عشر عاما عند التقائه بأبي غانم، وبالتالي يكون عمره عند استشهاده ثلاث وتسعون سنة، وإذا افترضنا سنه كانت عشرين سنة سيكون مولده في حدود سنة 188 هـ، ويكون سنه عند استشهاده خمس وتسعون سنة
(1) الدرجيني، الطبقات، 320/ 2
(2) - الدرجيني
، الطبقات، 89/ 1 - الشماخي، السير، 195/ 1.
) - الشماخي، السير، 192/ 1
(4) - الدرجيني، الطبقات، 323/ 2. (9) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 20.
188 (1/188)
صفحة 189
: الشيخ عمروس ومنهجه
والله أعلم، هذا على فرض أن الشيخ أبا غانم كان متوجها إلى تيهرت للقاء الإمام عبد الوهاب بناء على
ما جاء في بعض المصادر وخاصة القديمة منها كما وضحت سابقا إلا أننا نجد في المقابل أن بعض المصادر الحديثة لم توضح هل زار أبو غانم تيهرت في عهد الإمام عبد الوهاب وأهداه نسخة من المدونة؟ أم أن زيارته كانت بعد وفاة الإمام عبد الوهاب أي في عهد الإمام أفلح حيث أنه ثبت تلقي الإمام أفلح العلم عن أبي غانم وتلقيه المدونة عنه (1)، فنجدها عندما تذكر توجه أبي غانم إلى تيهرت، تذكر أن أبا غانم أهدى نسخة للأئمة في تيهرت دون أن تحدد من هو هذا الإمام؟ (2)
(3)
إلا أنه يمكن أن يستشف من كلام الباحث إبراهيم بحاز كأنه يميل إلى كون أبي غانم زار تيهرت في فترة متأخرة عن عهد الإمام عبد الوهاب، وكان ذلك في عهد الإمام أفلح، مدللا بذلك على استمرار العلاقة والاتصال بين المشرق والمغرب بعد وفاة الإمام عبد الوهاب، فضرب مثالين يدلان على استمرار العلاقة وهما: الرسالة التي وجهها أبو عيسى إبراهيم بن إسماعيل مقرا بإمامة أفلح، ويقول فيها: " ثم كان بعد عبد الوهاب ابنه أفلح حفظه الله "، والمثال الثاني زيارة أبي غانم بشر بن غانم إلى نفوسة وتيهرت في القرن الثالث في أيام عمروس بن فتح، وهو من علماء الطبقة السادسة (250 - 300 هـ) على حسب ما ذكر الباحث إبراهيم بحاز فإذا فرضنا أن لقاء أبي غانم بالشيخ عمروس كان بعد عهد الإمام عبد الوهاب، فإن من ذهب إلى أن لقاء أبي غانم بالشيخ عمروس كان في ما يقارب من سنة 220 هـ هو الصحيح، وبالتالي تكون ولادة الشيخ عمروس في سنة 200 هـ، على تقدير عمره عشرين سنة عند لقائه بأبي غانم، وعلى تقدير عمره ثمانية عشر عاما يكون مولده في سنة 202 هـ والله أعلم إلا أن هناك بعض الباحثين المعاصرين من صرح بكون الشيخ أبي غانم كان متوجها إلى تيهرت للقاء الإمام عبد الوهاب، ومن هؤلاء الباحثين /د عمرو خليفة النامي (4)، وكذلك بالنسبة للشيخ فرحات الجعبيري يمكن أن نستشف من كلامه أن أبا غانم كان متوجها إلى تيهرت للقاء الإمام عبد الوهاب،
(1) - البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص 97
) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 396 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 322/ 2 رقم الترجمة: 690
بحاز، الدولة الرستمية، ص 397 الهامش (4) - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 133.
189 (1/189)
صفحة 190
الشيخ عمروس ومنهجمه
حيث أنه
CL
(1)
رجح كون أبي غانم رحل إلى تيهرت في أواخر القرن الثاني، ومر على جبل نفوسة وأواخر القرن الثاني هي الفترة بين 190 هـ و 200 هـ، وكما هو معلوم أن وفاة الإمام عبد الوهاب، كانت سنة 208 هـ على القول الصحيح، إذا فأبو غانم زار جبل نفوسة و تيهرت في أواخر حياةة الإمام عبد الوهاب وبناء على ما ذهب إليه الشيخ فرحات يكون مولد الشيخ عمروس في الفترة بين 172 هـ و 182 هـ، إذا قدرنا عمره ثمانية عشر عاما عند لقائه بأبي غانم، وإذا قدرنا عمره عشرين سنة يكون مولده في الفترة بين 170 هـ و 180 هـ.
وأما الشيخ الدرجيني فقد صنف الشيخ عمروس في الطبقة السادسة (250 - 300 هـ)، وتبعه،
(2)
في ذلك بعض الباحثين المعاصرين، وهذه الطبقة (250 - 300 هـ) التي صنف فيها الدرجيني.
الشيخ عمروس، فيها إشكال كبير إن كان يقصد بهذا التصنيف كون الشيخ عمروس ولد في هذه، الفترة (250 - 300 هـ)، وذلك لأن الشيخ عمروس كان معاصرا للإمام عبد الوهاب كما مر،، وقد توفي الإمام عبد الوهاب على القول الصحيح في سنة 208 هـ، وكذلك كان معاصرا للإمام أفلح الذي توفي في سنة 258 هـ، إذا فليس من المعقول أن يكون مولد الشيخ عمروس بعد سنة 250، ولكن مولده كان قبل ذلك كما بينت ذلك سابقا
(3)
ولكن لعل الدرجيني لا يقصد بذلك أن مولد الشيخ عمروس كان في الفترة بين (250 - 300 هـ)، وإنما يقصد أنه برز في تلك الفترة، وأصبح له شأن ومكانة بين العلماء، وأصبح يعد في. مصافهم، بل ذكر أنه أصبح أعلم أهل زمانه (4)، ولعله - أي الشيخ عمروس – قبل سنة 250 هـ. كان مشغولا بطلب العلم وتحصيله، فلم يكن له ذلك البروز الملفت، ولعل هذا التعليل فيه شيء من. الصحة، وذلك أن الشيخ عمروس أصبحت له مكانة ودور في الدولة الرستمية في عهد الإمام أبي. اليقظان الذي حكم من عام 261 هـ إلى عام 281 هـ (5)، وقد عينه الإمام أبو اليقظان قاضيا على
(1) للجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 105.
(2) - الدرجيني، الطبقات، 320/ 2 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 306، 397 الهامش
() - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 60/ 2 رقم الترجمة: 116.
(4) - الدرجيني، الطبقات، 321/ 2 - الشماخي، السير، 192/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 27 - بحاز وآخرون،
اعلام الإباضية، 321/ 2 رقم الترجمة: 690.
(0) - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 359/ 2 رقم الترجمة: 784.
190 (1/190)
صفحة 191
جبل نفوسة (1)
الشيخ عمروس ومنهجه
، واستمر في منصب القضاء في عهد الإمام أبي حاتم الذي بويع في سنة 281 هـ، بعد
وفاة الإمام أبي اليقظان (2)
إذا فيمكن أن نلخص الأقوال السابقة في ولادة الشيخ عمروس أنها منحصرة بين سنة 172 هـ و 202 هـ إذا قدر أن عمره كان ثمانية عشر عاما عند التقائه بأبي غانم، وإذا قدر عمره عشرين عاما عند التقائه بأبي غانم، فإن تاريخ ولادته ينحصر بين سنة 170 هـ و 200 هـ. ولعل سنة ((190 هـ)) تقريبا، هي السنة التي ولد فيها الشيخ عمروس، إذا قدر عمره ثمانية عشر عاما عند التقائه بأبي غانم، الذي زار تيهرت في عهد الإمام عبد الوهاب المتوفى سنة 208 هـ على الصحيح، وذلك أن هذه السنة ((190 هـ ((هي الأقرب إلى الصحة بعد البحث والتمحيص
والمقارنة بين الأدلة والقرائن، والله أعلم.
،
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 16 - الباروني، الأزهار الرياضية، ص 252.
(1)
عمروس، الدينونة الصافية، ص 16 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 321/ 2 رقم الترجمة: 690، 490/ 2
رقم الترجمة: 1067.
191 (1/191)
صفحة 192
الشيخ عمروس ومنهجه
ب المطلب الثاني: نشأته
(0) "
(4).
نشأ الشيخ عمروس في قرية " قطرس " من جبل نفوسة (1)، وهناك من نسبه إلى قرية " مساكن " (2) "، وهناك من نسبه إلى قرية " تملوشايت " (3)، وهناك من نسبه إلى قرية " ويغو والحقيقة أن من نسبه إلى " مساكن " وهو البغطوري لم يذكر أن الشيخ عمروس نشأ في مساكن، وإنما اكتفى بقوله: " وروي عن عمروس بن فتح من أهل مساكن، فذكر أنه من أهل مساكن دون أن يبين هل نشأ فيها من صغره أم لا؟ وكذلك بالنسبة لمن نسبه إلى " تملوشايت " وهو الشيخ فرحات الجعبيري، لم يبين هل نشأ الشيخ عمروس في قرية " تملوشايت " من صغره أم لا؟، كذلك لم يذكر المصدر الذي اعتمد عليه في نسبه للشيخ عمروس إلى " تملوشايت "، والحقيقة أني لم أجد في المصادر التي وقعت بين يدي سواء القديمة أم الحديثة من نسب الشيخ عمروس إلى " تملوشايت " عدا الشيخ الجعبيري في كتابه البعد الحضاري للعقيدة الإباضية (1)
و نفس الكلام يقال بالنسبة لمن نسبه إلى قرية " ويغو " وهو الباحث محمد دبوز والدرجيني نقلا عن أبي مهاصر الذي ذكر قصة مناظرتهما لنفاث، فإنه لم يبين هل نشأ الشيخ عمروس في " ويغو " أم أنه هاجر إليها بعد ذلك (7)؟
(7)
قطرس: قرية جاثمة على ضفة وادي تال العميق من أرض الرحيبات بجبل نفوسة بليبيا) انظر: عمروس، الدينونة الصافية، ص 13 ـ علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، 137/ 2، القسم الأول - الجيطالي، قواعد الإسلام، 1/ 13، هامش المحقق - الجناوني، كتاب النكاح، ص 29 الهامش - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 321/ 2 رقم للترجمة: 690). عمروس، الدينونة الصافية، ص 13 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، 137/ 2، القسم الأول ـ الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 2 هامش المحقق ـ الجناوني، كتاب النكاح، ص 29 الهامش - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 321/ 2 رقم الترجمة: 690.
_ (')
(2) - البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 92 - الشماخي، السير، 192/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 28. " - تملوشايت: قرية من قرى جبل نفوسة بليبيا، خرجت عددا من العلماء، من أشهر علمائها أبو نصر فتح بن نوح الملوشاني له عدة مؤلفات منها القصيدة النونية في أصول الدين عاش في النصف الأول من القرن السابع الهجري (انظر: الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 122 الهامش - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 386/ 3 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 337/ 2 رقم الترجمة: 730).
(3) - الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 61
(4) - الدرجيني، الطبقات، 314/ 2 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 386/ 3.
(0) - البغطوري، سير
(1) - الجعبيري
(2) - الدرجيني
اهل نفوسة (مخ)، ص 92.
، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 61
، الطبقات، 314/ 2 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 386/ 3.
192 (1/192)
صفحة 193
الشيخ عمروس ومنهجه
وللأسف أن الباحث محمد دبوز لم يذكر المصدر الذي اعتمد عليه فيما ذهب إليه من نسبة الشيخ عمروس إلى قرية " ويغو "، إلا أنه في الظاهر اعتمد على ما جاء عن الدرجيني في الطبقات، وذلك أنه قرن بين الشيخ عمروس و مهدي النفوسي، وذكر أنهما من علماء قرية " ويغو "، وقد قرنهما الدرجيني معا نقلا عن أبي مهاصر الذي نسبهما إلى " ويغو ". وأود التنبيه إلى أن قصة عمروس ومهدي مع نفاث فيها بعض الاختلاف بين المصادر، ففي الطبقات ذكر الدرجيني أن المناظر لنفاث قبل وصول عمروس ومهدي هو أبو مهاصر بن جعفر، وفي المقابل نجد أن البغطوري في سير أهل نفوسة والشماخي في كتاب السير يذكران أن المناظر لنفاث هو أبو نصر بدلا
من أبي مهاصر
(")
"
(2)
والحقيقة أن الشماخي تعقب ما ذكره الدرجيني من أن المناظر هو أبو مهاصر، فقال: .. ونسب يقصد الدرجيني – المقالة إلى أبي مهاصر رحمه الله، والصواب ما قدمنا " إهـ أبو العباس - يقصد الدرجيني أي أن المناظر لنفاث قبل وصول مهدي النفوسي
ويقصد بقوله: " ... والصواب ما قدمنا "
،
،
(
وعمروس هو أبو نصر التمصمصي، ولكنه لم يذكر المستند الذي اعتمد عليه في ترجيحه هذا، ولا ذكر من نقل عنه!، ولكن لعله اعتمد في ذلك على ما اشتهر عن أبي نصر التمصمصي أنه كان يحذر من فتنة نفاث، حتى أنه زار الجبل أربعين مرة يحذر الناس من فتنة نفاث، فكان يفند آراء نفاث، وكذلك كان يحذر من فتنة خلف بن السمح إذا فلعل الدرجيني ذهل عند ذكره لهذه القصة، فخلط بين أبي نصر وبين أبي مهاصر، أو لعله وقع
تصحيف من قبل النساخ.
(3)
وكذلك نلاحظ أن أبا نصر لم ينسب مهدي وعمروس إلى " ويغو " فلم يتعرض إلى ذلك على حسب الرواية التي جاءت في سير أهل نفوسة، وفي كتاب السير، إلا أنا في المقابل نجد على حسب الرواية التي جاءت في الطبقات أن أبا مهاصر نسبهما إلى " ويغو "، وأكد على ذلك الدرجيني؛ ومهدي بالفعل من أهل " ويغو "، هذا باتفاق بين المصادر القديمة والحديثة، فجميعها تنسب الشيخ مهدي النفوسي إلى "
اهل نفوسة (مخ)، ص 76 - 77 - الشماخي، السير، 149/ 1، 19/ 2 - 20.
(1) ? البغطوري، سير (2) ـ للشماخي، السير، 149/ 1.
) - الشماخي، السير، 174/ 1 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 439/ 2 رقم الترجمة: 949
193 (1/193)
صفحة 194
الشيخ عمروس ومنهجه
ويغو
(1) ?
6
وأما بالنسبة للشيخ عمروس فلم أجد من الباحثين المحدثين من نسبه إلى " ويغو " غير الباحث دبوز، ومن المتقدمين الدرجيني كما مر، ولعل سبب نسبتهما له إلى " ويغو " مرافقته لمهدي
النفوسي الويغوي، أو بالاعتماد على ما ذكره أبو مهاصر أنهما من " ويغو " كما جاء في الطبقات إلا أنه لا يمكن الاعتماد على الرواية المذكورة في الطبقات، لمخالفتها لما جاء في بقية المصادر، حيث أن بقية المصادر اتفقت على أن المناظر لنفاث هو أبو نصر التمصمصي، ونجد الرواية في الطبقات تذكر أنه أبا مهاصر، فلعله وقع فيها خطأ أو تصحيف، فمن الصعوبة الاعتماد عليها.
هذا
وعلى فرض الاعتماد على مرافقته لمهدي الويغوي، إلا أن ذلك لا يكفي كدليل على كون الشيخ عمروس من " ويغو "، فلعل الشيخ عمروس من قرية أخرى، ويذهب إلى " ويغو " لطلب العلم، حيث أنهم يجتمعون في مكان يسمى " تنين از درشل " لطلب العلم، وهناك وقعت المناظرة بينه وبين نفاث (2)، هذا على فرض أن المكان الذي يجتمعون فيه لطلب العلم وهو " تنين از درشل " في " ويغو " فلعله في مكان آخر غير " ويغو ".
إذا فخلاصة ما سبق أنه يمكن الجمع بين الأقوال السابقة، فيما يخص المكان الذي نشأ فيه الشيخ عمروس، أنه نشأ في قرية ((قطرس ((وتربى فيها، وهذا ما صرحت به بعض المصادر كما مر، ولعله انتقل بعد أن كبر إلى المناطق الأخرى المذكورة وهي " مساكن "، و " تملوشايت "، و" ويغو "، إما لطلب العلم، أو لطلب الرزق، أو ما شابه ذلك من الأسباب؛ والذي جعلني أميل إلى هذا، كون المصادر التي نسبت الشيخ عمروس إلى " مساكن " و " تملوشايت " و " ويغو " لم تبين هل نشأ الشيخ عمروس في تلك القرى، أم أنه انتقل إليها بعد ذلك؟، وإنما اكتفت بالقول أنه من أهل تلك القرى، على العكس من المصادر التي نسبته إلى " قطرس " فقد صرحت بكونه نشأ وتربى فيها كما ونضيف إلى ما سبق ذكره دليلا يؤكد على وجود علاقة عميقة بين الشيخ عمروس و قرية قطرس " وهو وجود مسجد باسمه فيها، وهو مسجد الشيخ عمروس، وقد مال الشيخ سليمان باشا الباروني إلى أن المقصود بعمروس هنا هو الشيخ عمروس بن فتح المساكني النفوسي
(3)
(4)
مر
علينا
(1) - الدرجيني، الطبقات، 314/ 2 - الشماخي، السير، 19/ 2 - الباروني، الأزهار، 138/ 2 - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 213 - دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 386/ 3 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 427/ 2 رقم الترجمة
918:
(2) ـ الشماخي، السير، 19/ 2 (2) ? عبد الله الباروني، سلم العامة والمبتدئين، ص 54 هامش المحقق. (4) - المصدر السابق، ص 54 هامش المحقق.
194 (1/194)
صفحة 195
الشيخ عمروس ومنهجه
والحقيقة أن المصادر لم توضح هل قام الشيخ عمروس ببناء هذا المسجد بنفسه في حال حياته، أم أن أهل قطرس بنوه وسموه باسمه تكريما له؟ (1) ولكن بغض النظر عمن تولى بناء المسجد، فإن هناك رابطة روحية ونفسية تربط الشيخ عمروس بقطرس، والدليل قيامه ببناء هذا المسجد فيها، إن كان هو الذي قام ببنائه، أو إن كان أهالي قطرس بنوه بأنفسهم، فهناك رابطة روحية ونفسية تربطهم بالشيخ عمروس حتى أنهم أطلقوا على مسجدهم الذي بنوه اسمه تكريما له وتعبيرا عن حبهم الذي يكنونه له، فما سر هذا الحب؟
لعله كون الشيخ عمروس نشأ وتربى في قطرس، وبين أهلها، ثم أصبح له مكانته في المجتمع لعلمه وصلاحه وجهاده، فقام ببناء ذلك المسجد في قطرس تعبيرا عن الحب والوفاء ورد الجميل للقرية التي احتضنته في سنوات عمره الأولى ووجهته الوجهة الصحيحة لطلب العلم.
إلا أنه يستبعد أن يطلق الشيخ عمروس اسمه على المسجد الذي قام ببنائه، فهو أتقى وأنزه من ذلك، وليس هذا من ديدن الإباضية، فلعل أهل قطرس أطلقوا عليه اسم عمروس نسبة له
وإن كان أهل قطرس بنوه بأنفسهم، وأطلقوا عليه اسم عمروس، فلعل السبب في ذلك تخليدا
لذكرى الشيخ عمروس، ذلك الفتى الذي تربى بين ظهرانيهم، فأصبح بعد ذلك أعلم أهل زمانه. والظاهر أن الشيخ عمروس نشأ يتيما، وذلك أن أمه لما حضرتها الوفاة، كتبت وصيتها وأشهدت عليها، ولما سئلت عمن وكلته لإنفاذها، أشارت إلى الشيخ عمروس وهو في المهد لإنفاذها، فلو كان أبوه حيا لأوكلت تنفيذ الوصية إليه بدلا من طفل لا يزال في المهد
(2)
إذا فالذي يظهر من ذلك أن أبا الشيخ عمروس كانت وفاته في الفترة من حمل أم الشيخ
عمروس به إلى نهاية مدة الرضاع، وهي عامان على الصحيح في مدة الرضاع، قال الإمام السالمي
رحمه الله -:
(3) وإنما يكون في الحولين:: فلا رضاع بعد بين اثنين
-
(1) ? عمروس
، الدينونة الصافية، ص 14
(1) - الدرجيني، الطبقات، 324/ 2 - الشماخي، السير، 195/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 11.
) - السالمي، جوهر النظام، 288/ 2. (1/195)
صفحة 196
الشيخ عمروس ومنهجه
هذا إن لم تكن وفاة أبي الشيخ عمروس قبل نهاية الحول الأول من ولادته، إذ أن الرواية ذكرت أن الشيخ عمروس لا يزال في المهد عندما أشارت أمه إليه لإنفاذ الوصية، وكما هو معلوم أن الطفل يوضع في المهد في شهور عمره الأولى ثم يترك عنه المهد بعد أن يكبر قليلا!
والظاهر أن وفاته كانت بعد وضعها لعمروس، إذ أنه لو توفي في أثناء الحمل لما خرجت أم عمروس إلى الحج، إذ أنها ستكون معتدة، وكما هو معلوم أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها إلى أن تضع حملها، والرواية ذكرت أن الشيخ عمروس وُلد في الطريق إلى الحج، فليس من المعقول أن تخرج أمه إلى الحج وهي في فترة العدة، إذا يتبين من ذلك أن أباه كان حيا في فترة الحمل بعمروس، وأنه مات بعد ولادة الشيخ عمروس.
" قال
- المرأة الحامل المتوفى عنها زوجها أو المطلقة أو المفادية أو نحو ذلك تمام عدتها بوضع حملها، والدليل قوله تعالى: ولولات الاحمال أَجَلَهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ) (سورة الطلاق، لية 4)، قال قطب الأئمة في تفسير هذه الآية: " (وأولات الاحمال ... حَمَلَهُنَّ} تمام عدتهن وضع حملهن ولو علقة أو مضغة، مطلقات أو متوفى عنهن أو مفاديات أو نحو ذلك أو حرمن أو طلقن أنفسهن إن كان الطلاق بايديهن معلقا لمعلوم أو غير معلق " إهـ، والخلاف في الحامل إن وضعت قبل انقضاء العدة (اربعة أشهر وعشر) هل تخرج من العدة بمجرد الوضع؟ أم تواصل العدة حتى تنهي اربعة أشهر وعشر ايام؟ ذهب جمهور الإباضية إلى الاعتداد بأبعد الأجلين، وعلى هذا القول من أئمة الإباضية الإمام أبو عبيدة والإمام القطب والإمام السالمي والشيخ عمروس، والذي عليه جمهور علماء الأمة وقليل من الإباضية أنها تخرج من العدة بمجرد الوضع، جاء في كتاب النيل: " تعتد مطلقة حائض ... والمتوفى عنها أربعة أشهر وعشرا لمغيب شمس الأخير، وابعد الأجلين إن كانت حاملا قطب الأئمة في شرح النيل تعليقا على كلام صاحب النيل: " وابعد الأجلين أجل الوضع واجل اربعة اشهر وعشر إن كانت هذه المتوفى عنها حاملا احتياطا عندنا، وعند علي وابن عباس، وبه قال مالك عن ابن عباس، وفيه جمع بين عموم آية الحوامل وآية الموت. وقال فقهاء الأمصار مالك وغيره وأبو هريرة وأبو سلمة ابن عبد الرحمن وجمهور علماء الأمة: إن عدتها أن تضع حملها لعموم وأولاتُ الاحْمَال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ)، وإن كانت الآية في الطلاق، ولقول أم سلمة رضي الله عنها: إن سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " قد حللت فانكحي من شئت " ... قال ابو عبيدة: العمل على ما قال ابن عباس، وهو المأخوذ به عندنا، وهو قول الله سبحانه في كتابه: (والذين يُتوقون) الخ (سورة البقرة، لية 234)، وأما قوله السبيعة فرخصة ... " إهـ، وقال الإمام السالمي:
،
فعدة الحامل حتى تضعا:: من هذه وغيرها فاستمعا إلا مميتة قبيل الأجل:: قد وضعت تؤمر بالتمهل عدتها الأبعد من حاليها:: من وقتها ووضع ما عليها أربعة الأشهر عند عشر:: من الليالي وقتها لتدري وقد رجح سماحة الشيخ الخليلي حفظه الله قول جمهور الأمة وهو أن عدة المتوفى عنها زوجها تنتهي بمجرد وضعها لحملها على قول من قال بالاعتداد بابعد الأجلين، مستدلا بالآية: (وأولاتُ الاحْمَال ... حَمَلَهُنَّ)، وبحديث سبيعة الأسلمية (انظر: محمد بن يوسف أطفيش (القطب)، تيسير التفسير، ج 13، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1408 هـ/ 1988 م، ص 419 - 420 - محمد بن يوسف لطفيش (القطب)، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج 7، مكتبة الارشاد، جدة، المملكة العربية السعودية، ط 3: 1405 هـ / 1985 م، ص 418، 421 - 422 - الإمام السالمي، جوهر النظام، 346/ 2 ـ أحمد بن حمد الخليلي، فتاوى النكاح، الكتاب الثاني، مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1423 هـ / 2002 م، ص 383، 385، 94، 395 - 396، 404 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 152 - 153)
". انظر ص 185.
196 (1/196)
صفحة 197
الشيخ عمروس ومنهجه
مما سبق يمكن الخروج بخلاصة أنه يحتمل أن تكون وفاة أبي الشيخ عمروس في الأشهر الأولى من ولادة الشيخ عمروس، فلعل أبا الشيخ عمروس لم يعد مع زوجته من طريق الحج عندما عادت إلى جبل نفوسه بسبب وضعها للشيخ عمروس، فواصل طريق الحج، فمات في طريق الذهاب أو في الحج أو في طريق العودة بسبب حادث أو مرض أو ما شابه ذلك، ولعله عاد مع زوجته ولم يواصل طريق الحج، فمات بعد ولادة الشيخ عمرس بفترة وجيزة، أو لعله لم يخرج للحج أصلا، وخرجت أم الشيخ عمروس برفقة محرم من محارمها، واضطرت للعودة بسبب الولادة، فمات أبو الشيخ عمروس ثم لحقت به أم الشيخ عمروس في الأشهر الأولى من ولادة الشيخ عمروس، لكونه كان في المهد عندما أشارت إليه كما تذكر الرواية.
ما ذكرته من عدم استبعاد كون الشيخ عمروس نشأ يتيما، وأن والده لا يستبعد أن تكون وفاته في الفترة من حمل أم الشيخ عمروس به إلى نهاية مدة الرضاع، يظل مجرد احتمال قد يكون صحيحا وقد يكون خاطئا، وذلك أنه يصح أن يستخلف الطفل لإنفاذ الوصية مع وجود أبيه أو خليفته، جاء في شرح النيل: " ولا ينفذها - أي الوصية - أبو الطفل أو خليفته إن استخلف ... " (1)
إذا فلعل أم عمروس استخلفت عمروس على وصيتها وهو في المهد مع كون أبيه لا يزال حيا والله أعلم؛ ولكن الظاهر أن أبا الشيخ عمروس توفي قبل أن يصل الشيخ عمروس إلى سن الإدراك، وذلك أن الشيخ عمروس لما بلغ مبلغ الرجال - ولنقل ثمانية عشر سنة – أراد أن ينفذ وصية أمه، ويؤدي عنها الحج، فلم يجد أحدا يعلم بصلاحها ويشهد بذلك، إلا امرأة واحدة شهدت بصلاحها، فأدى الحج عنها بشهادة تلك المرأة (2)
فلو لم يكن أبو الشيخ عمروس قد توفي والشيخ عمروس لا يزال طفلا لم يدرك، لسأل أباه عن أمه وصفاتها وصلاحها من عدمه، ولأخبره أبوه عنها. ولكن الحقيقة لي مع هذه القصة وقفة، فلا تخلو من شيء من المبالغة إذا تأملناها بعين العقل، وذلك أنه ليس من المعقول أن لا يجد الشيخ عمروس من يعرف أمه وصلاحها من عدمه غير امرأة واحدة، فأسرة الشيخ عمروس لم تكن تعيش منعزلة عن الناس في الصحراء، أو في جزيرة نائية معزولة!، بل
(1) - لطفيش، شرح النيل، 707/ 12
(2) - الدرجيني، الطبقات، 325/ 2 - الشماخي، السير، 195/ 1.
197 (1/197)
صفحة 198
أنا
: الشيخ عمروس ومنهجه
كانت تعيش في قرى جبل نفوسة التي كانت تعج بمئات الألوف من البشر، فهل من المعقول ألا يبقى ممن يعرف أم الشيخ عمروس أحد إلا امرأة واحدة؟! هذا أولا.
(1)
ثانيا: ذكرت المصادر وجود أخ وأخت للشيخ عمروس، فإن كانا أخوين له من أمه وأبيه، فهما أكبر منه سنا، لأن أم الشيخ عمروس توفيت وهو لا يزال طفلا في المهد، فهل من المعقول ألا يعرفا حال أمهما هل ماتت على الصلاح أم لا؟!، ولكن قد يكونا أخوين له من أبيه، إذ قد يكون أبوه تزوج بعد وفاة أمه وأنجب ولدا وبنتا، ففي هذه الحالة يحتمل أن لا يعرفا حال أم الشيخ عمروس
والله أعلم.
(1) - البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 92 - 93 - الشماخي، السير، 1/ 194، 195.
198 (1/198)
صفحة 199
الشيخ عمروس ومنهجه
4 - المبحث الثالث: صفاته وأخلاقه:
كان الشيخ عمرس رحمه الله تعالى، علما من أعلام الإسلام، وإماما من أئمة الدين، تبحر في العلوم حتى أصبح يعد أعلم أهل زمانه، وجاهد في سبيل الله حتى مات شهيدا في سبيله (1)
وكان ضابطا حافظا ولا أدل على ذلك من قصته مع الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله تعالى، لما توجه إلى المشرق لأداء مناسك الحج كما مر علينا سابقا؛ فقدرة الشيخ عمروس على حفظ المسائل مع أجوبتها التي عجز عن حفظها أصحابه دليل على قوة حفظه وضبطه.
وكذلك تلك المسائل العميقة التي سألها ابن محبوب حتى أن ابن محبوب تعجب منها ووصفها بأنها من مكنون العلم، لا تسأل أمام الجهال، لعدم قدرتهم على فهما وحتى لا تذهلهم، تدل على تبحر الشيخ عمروس في العلم وعلى تمكنه منه، وتدل على أنه من أساطينه العمالقة.
وكان - رحمه الله - قويا في الحق لا تأخذه في الصدع به لومة لائم، ولا أدل على ذلك من أقضياته كما سيأتي لاحقا، وأكتفي هنا بمثال واحد على شدته في الحق، وهو قوله لأبي منصور والي جبل نفوسة لما عينه قاضيا على الجبل، قال له الشيخ عمروس: " إن لم تأذن لي بقتل ثلاثة فخذ خاتمك، قتل مانع الحق، والطاعن في دين الله، والدال على عورات المسلمين
(2).
وكان فارسا صمصاما، ولا أدل على ذلك من عجز الأغالبة في معركة " مانو " عن الوصول إليه حيث أنه كان على فرس سابق، حتى لجأوا إلى الحيلة بأن وضعوا الحبال أمام فرسه ليتعثر بها ويسقط
عند ذلك تمكنوا من أسر الشيخ، وفعلوا فيه ما فعلوا، وعند الله تجتمع الخصوم
(4)
وكذلك كان شغوفا بطلب العلم والبحث فيه، فانقطع لمدة عشرين عاما في تيهرت يطلب العلم عند ودليل آخر على شغفه بالعلم قيامه بنسخه مدونة أبي غانم الخرساني
أئمة وعلماء الدولة الرستمية
'
(4)
بمساعدة أخته، على الرغم من أن المدونة تقع في اثني عشر جزءا (5).
،
(1) - الدرجيني، الطبقات، 321/ 2.
أنظر ص 167 - 169
(2) - الدرجيني الدرجيني
(1) ? عمروس (5) ? الدرجينني
، الطبقات، 321/ 2.
، الطبقات، 89/ 1، الشماخي، السير، 195/ 1.
، الدينونة الصافية، ص 13
، الطبقات، 323/ 2 - الشماخي، السير، 194/ 1.
199 (1/199)
صفحة 200
الشيخ عمروس ومنهجه
وكان حكيما في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يتهور أو يتخبط بل يتبع الأسلوب اللين الحكيم، ويعطي لكل إنسان العلاج المناسب له، ويظهر هذا خلال قصته من مع شيخين من شيوخ العلم وهما داود بن ياجرين، وماطوس بن هارون، جلسا معه يوما، فتحدثوا حتى جرى بينهم ذكر أهل الصدق وأهل الكذب، وذكروا أهل " شروس "، فقال الشيخان: إن أهل شروس لا يكذبون؛ فلما سمع الشيخ عمروس منهما ذلك – وكان في القضاء - أظهر إجازة شهادة كل شروسي، فعاتباه على ذلك، فقال: إنما حكمت بشهادتكما إذ زكيتما جميع أهل شروس؛ فقالا: ما أردنا ذلك، فوقف الشيخ عمروس عن الحكم بشهادة غير المعدلين
'
والشيخ عمروس كان يقصد من وراء هذا تنبيه الشيخين على الخطأ الذي وقعا فيه، وهو تزكية جميع أهل شروس من الكذب، وهذا مما لا يقبل عقلا، فاتبع معهم هذا الأسلوب الحكيم الغير مباشر حتى لا يعرضهما للإحراج، وتقديرا واحتراما لمكانتهما العلمية، قال الدرجيني معلقا على هذه القصة: • وعمروس أجل من أن يتجاوز إلى هذا القدر أو ينسب إليه هذا التهاون، ولعل الشيخين لما قالا في أهل شروس ما قالاه، ظهر له أن في ذلك القول مجازفة، إذ برءا من الكذب جميع أهل شروس جملة من غير تعديل، وتأدب أن يواجههما بالمناقضة فسلك بهما طريقا يرجعان به إلى الصواب من غير تخطئة ولا توبيخ، وهذه إحدى فضائله " إهـ
(2)
وكان الشيخ عمروس رحمه الله تعالى مجاهدا في سبيل الله، لم يشغله العلم وطلبه أو القضاء وتعبه، عن الجهاد في سبيل الله حتى سقط شهيدا في وقعة " مانو " ضد الأغالبة، وهو يجاهد لإعلاء راية الحق والذود عن حياض الشريعة، فأسروه وقتلوه صبرا بكل وحشية ودناءة، قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (4)
(3)
قال الدرجيني واصفا الشيخ عمروس في عبارات بليغة حقيق أن تقال في مثل الشيخ عمروس: " عمروس بن فتح رضي الله عنه، بحر العلوم الزاخر، المبرز أول السباق وهو الآخر، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من
هو داود بن ياجرين من علماء جبل نفوسة بليبيا، عاش في القرن الثالث الهجري (انظر: الدرجيني، الطبقات، 322/ 2 - الشماخي، السير، 193/ 1). (1) - الدرجيني، الطبقات، 322/ 2 - الشماخي، السير، 193/ 1.
(2) - الدرجيني، الطبقات، 322/ 2
(7) - الدرجيني، الطبقات، 89/ 1، 324/ 2 - الشماخي، السير، 195/ 1.
(1) - سورة آل عمران، آية 169 (1/200)
صفحة 201
الشيخ عمروس ومنه
مصادفة تلك الهموم، فكابد وكابر وصادر وصابر، لازم الدرس والاجتهاد، ثم رابط على الجهاد، يتلقى السيوف بالصدر والمنحر، يقيم هامته مقام المغفر، حتى انتظم في سلك من تحسبهم أموات وهم أحياء عند ربهم يرزقون، لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) (1)، فلحق بالنعيم المقي المقيم بعد أن خلف شيعه واتباعه منتهجين الصراط
المستقيم ... " إهـ
(2)
هذه بعض صفات الشيخ عمروس – رحمه الله - وبعض أخلاقه، سجلتها لنا كتب التاريخ، وحفظتها لنا يد القدر، وما خفي أعظم.
(1) ـ سورة الأنبياء، آية 103 (2) - الدرجيني، الطبقات، 320/ 2.
201 (1/201)
صفحة 202
[صفحة فارغة] (1/202)
صفحة 203
ه - المبحث الرابع: حالته المادية:
يبدو أن الشيخ عمروس كانت حالته المادية ميسورة، فكان دون الأغنياء الكبار، وأفضل من الفقراء الضعاف (1)، وهناك عدة أدلة يمكن أن نستشف منها ذلك، وهذه الأدلة هي:
1 - امتلاكه لأدوات الكتابة والتأليف، حيث أنه استطاع نسخ مدونة أبي غانم، وكذلك تأليفه لمجموعة من الكتب كالدينونة الصافية وغيرها (2)
2 - سفره إلى الحج الذي يتطلب الزاد ووسيلة النقل
3 - قيامه بتنفيذ وصية أمه، وأداء الحج عنها
(4)
(3)
- الخروج إلى البادية ابتغاء فضل من الله ونعمه مع أبي مهاصـ
(6)
ه- له عبد نصراني، وبغلة يستقي عليها - امتلاكه لوسائل الجهاد) فرس سابق، وسيف قاطع) (7)
امتلاكه لأرض زراعية (8)
(0)
توليه منصب القضاء في عهد الإمام أبي اليقظان والإمام أبي حاتم (9)، فلا بد أن يكون له مصدر دخل من بيت المال.
9 - قيامه ببناء مسجد في قريته قطرس، واشتهر باسم مسجد الشيخ عمروس
(1)
(1) ـ عمروس، الدينونة الصافية، ص 20
(2) - الدرجيني
20
، الطبقات، 323/ 2 - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 2، هامش المحقق - عمروس، الدينونة الصافية، ص
- الدرجيني، الطبقات، 324/ 2 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 20. (1) الدرجيني، الطبقات، 325/ 2 - الشماخي، السير، 195/ 1.
(2) ? الشماخي
، السير، 171/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 20.
) - البغطوري، سير اهل نفوسة) مخ)، ص 93 - 94 - الشماخي، السير، 196/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 20، السير، 195/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 20.
، السير، 195/ 1.
الشماخي (4) - الشماخي (1) الباروني، الأزهار، ص 252 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 16 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 321/ 2 رقم الترجمة: 690، 490/ 2 رقم الترجمة: 1067.
(10)
الله الباروني، سلم العامة والمبتدئين، ص 54، هامش المحقق - عمروس، الدينونة الصافية، ص 14. (1/203)
صفحة 204
الشيخ عمروس ومنهجه
-1.
(1) "
(2)
10 - لبسه للملابس الجيدة المصنوعة من الكتان، وأكله للطعام الجيد المصنوع من القمح، ويظهر ذلك من كلام خادمه، حيث سأله الشيخ عمروس: " فما الذي بلغ فيكم؟ "، فقال له: " يا مولاي فما يبلغ فينا أن تأكلوا القمح ونأكل الشعير، وتلبسوا الكتان ونلبس الصوف 11 - سفر الشيخ عمروس إلى تيهرت لطلب العلم، ومكوثه هناك لمدة عشرين سنة، هذا يدل على وجود إمكانيات مادية سمحت له بالسفر إلى تيهرت والبقاء فيها هذه المدة الطويلة 12 - لا يستبعد أن يكون الشيخ عمروس له ممارسات تجارية مع بلاد السودان، وخاصة أن العلاقات التجارية بين جبل نفوسة وبلاد السودان وغيرها من البلدان كمصر والأندلس كانت على أوجها في تلك الفترة التي عاش فيها الشيخ عمروس، فكانت القوافل التجارية تخرج من وإلى جبل نفوسة إلى مختلف أصقاع الأرض الواسعة.
والذي يزيد من تأكيد هذا الأمر إرسال الشيخ عمروس لعالم كبير إلى السودان، لتعليم أهلها أمور دينهم، وكما هو معلوم أن تجار الإباضية كانوا يجمعون بين نشر الإسلام وممارسة التجارة في تلك
(3)
البلدان الأفريقية 13 طلبه من أولاده تنفيذ وصيته بعد موته، يستشف منه أنه ترك مالا، وأنه له وعليه حقوق
(4)
للناس ترك لهم من المال ما يفي بقضاء تلك الحقوق 14 - زواج الشيخ عمروس وإنجابه للأولاد، وتكوينه لأسرة، يستشف منه أنه كانت له مصادر
مالية مكنته من الزواج والقيام على إعالة أسرته (5).
(1) - البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 94.
(2) ? البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ)، ص 92 - الشماخي، السير، 195/ 1 - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 2، هامش
المحقق
- لم تذكر المصادر اسمه.
() - محمود إسماعيل، الخوارج، ص 223 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 388.
(1) الدرجيني، الطبقات، 323/ 2
(0) - المصدر السابق، 323/ 2
204 (1/204)
صفحة 205
: الشيخ عمروس ومنهجه
6 - المبحث الخامس: أسرته ومن برز منها:
لم تذكر المصادر المتوفرة بين يدي الشيء الكثير عن عائلة الشيخ عمروس للأسف الشديد، وإنما الذي سجلته مجرد مقتطفات تنتزع انتزاعا من بين السطور، وبالاعتماد على ما جادت به المصادر سنحاول التعرف على أسرة الشيخ عمروس وأهم من برز منها
- المطلب الأول: أبوه:
لم تذكر لنا المصادر عن أبيه شيئا يذكر سوى اسمه، وهو فتح المساكني النفوسي، فهل كان عالما؟ أم هل كان صالحا مصلحا في المجتمع؟ (1)
فإن كان عالما هل ترك آثارا معينة كمؤلفات أو ما شابه ذلك؟ هذه أسئلة تحتاج إلى إجابة. وقد ذكرت سابقا في المبحث الثاني من هذا الفصل أنه يحتمل أن يكون أبو الشيخ عمروس توفي في الفترة من حمل أم الشيخ عمروس به إلى نهاية مدة الرضاع، وقد يكون توفي بعد ولادة الشيخ عمروس عامه الأول، وقد بينت الأسباب والقرائن التي دفعتني لهذا الاحتمال عند مناقشة نشأة
وقبل أن ينهي الشيخ عمروس
هذا ولا يستبعد أن يكون أبو الشيخ عمروس عالما، فإن لم يكن كذلك فصالحا من الصالحين، وذلك لأن تلك الفترة كانت فترة ازدهار علمي يعيشها جبل نفوسة، فكان يعج بالعلماء والصالحين، فلا بد وأن يكون لهم تأثير على أبي الشيخ عمروس. وعلى فرض أنه كان حيا في سنوات عمر الشيخ عمروس الأولى، فلا بد وأن يكون له دور في دفع الشيخ عمروس إلى حلقات العلم والعلماء، وزرع بذور الصلاح والعلم في قلب الشيخ عمروس في سني عمره الأولى.
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 11.
انظر ص 195. (1/205)
صفحة 206
الشيخ عمروس ومنهجه
- المطلب الثاني: أمه: علمنا أن أم الشيخ عمروس كانت خارجة لأداء مناسك الحج وفي الطريق وضعت الشيخ عمروس مما اضطرها أن تعود به إلى جبل نفوسة ".
والحقيقة أن المصادر لم تترك لنا أي شيء يذكر عن اسمها أو عن نسبها، إلا انه لا يستبعد أن تكون من بيت علم وصلاح، فالشجرة الطيبة لا تخرج إلا طيبا
وكانت أم الشيخ عمروس امرأة صالحة، والدليل على ذلك قصة الشيخ عمروس لما أراد أداء الحج أمه فلم يجد أحدا يعرف حال أمه إلا امرأة واحدة شهدت بصلاحها، فأدى الحج عنها بناء على ذلك، وذكرت سابقا في أن لي تحفظ على هذه القصة " (1)
عن
ويظهر صلاح أم الشيخ عمروس من تجشمها الصعاب في الخروج لأداء فريضة الحج مع كونها كانت حاملا بالشيخ عمروس، فخرجت بالرغم من ذلك رغبة في الأجر والبركة بوضع الشيخ عمروس في تلك الديار الطاهرة، ففاجأها المخاض في الطريق، فعادت بالشيخ عمروس إلى جبل نفوسة ويظهر لنا فقهها، من كتابتها لوصيتها والإشهاد عليها، واستخلاف الشيخ عمروس وهو لا يزال في المهد لينفذ الوصية، فلو لم تكن فقيهة تعلم بجواز استخلاف الطفل لما أشارت إليه! (2) - المطلب الثالث: أخته:
ذكرت لنا المصادر وجود أخت للشيخ عمروس، إلا أن المصادر لم تذكر لنا أي شيء يذكر عن اسمها، ولكن ذكرت أنها كانت عالمة فقيهة، والظاهر أنها تلقت العلم على يد الشيخ عمروس ومشايخ الجبل الآخرين
(3)
ويظهر لنا علمها وفقهها من عدة مواقف، وهي:
أ- اشتراكها
يكتب وهي تملي
- انظر ص 185
(4)
أنظر ص 197 - 198
أخيها الشيخ عمروس في نسخ مدونة أبي غانم الخرساني، فكان الشيخ عمروس
(1) - الدرجيني، الطبقات، 325/ 2 ـ الشماخي، السير، 195/ 1. (2) - الدرجيني، الطبقات، 324/ 2 - الشماخي السير، 195/ 1.) - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 321/ 2 رقم الترجمة: 689
(4) ? الدرجيني، الطبقات، 323/ 2 - الشماخي، السير، 194/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 11.
206 (1/206)
صفحة 207
الشيخ عمروس ومنهجه
باشتراكها مع النسوة في وقعة " مانو "، فلما خشيت على نفسها وعليهن التعرض للفتنة من الظلمة، أمرت كل واحدة منهن أن تستخلف الأخرى في تزويجها بمن يريدها بسوء (1)، واشتراكها في موقعة مانو يدلنا على أنها كانت محبة للجهاد في سبيل الله والذود عن حياض الشريعة متأسية
بالصحابيات الجليلات
-
(Y)"
سئل الشيخ سدرات بن إبراهيم المساكني النفوسي عن امرأة ولدت ولدا فبقي آخر في بطنها هل تأكل في رمضان نهارا؟ قال: نعم، فقال بعض الأشياخ: نعس الشيخ، فقالت أخت عمروس: إن نعس لم ينعس علمه وكلامه، وجدناها تأكل إذا انشقت المبولة "، فكيف بهذا ... وقد وقعت في أسر الأغالبة في موقعة مانو مع مجموعة من النساء النفوسيات، إلا أن المصادر تسكت عن مصيرها وبقية الأسيرات بعد الأسر، فلا توضح هل تم قتلهن؟ أم أخذن كسبايا يخدمن الأغالبة؟ أو تم فداؤهن أو خلي سبيلهن؟ أسئلة تحتاج إلى إجابة، والمصادر صامته! ولما وقعن في أسر الأغالبة اضطرت أخت الشيخ عمروس أن تفتيهن بأن تستخلف كل واحدة منهن على نفسها من يزوجها لمن أرادهن بسوء (3)، والله المستعان على ذلك - المطلب الرابع: أخوه:
".
ذكرت بعض المصادر وجود أخ للشيخ عمروس، والظاهر أنه لم يفقد حظه من العلم، حيث أنه اختبر أخاه عمروسا بسؤال عندما أنهى فترة التعليم لائما، فقال له: " لو رأيت أجرافا في فدادينك؟ "، فقال له الشيخ عمروس مجيبا: " لو رأيت أجرافا يتلموا دينك
(4).
(1) - الشماخي، السير، 195/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 12. - انظر تفسيرها في ص 152. (2) ? البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ)، ص 93 - الشماخي، السير، 196/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 12. - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 157 - الشماخي، السير، 195/ 1 - 196 - اي دين يدين به هؤلاء الأغالبة الذين لا يستحقون إلا أن يوصفوا بالمجرمين المفسدين في الأرض، فكيف تسمح لهم ضمائرهم أن يعتدوا على مسلمات يؤمن بالله ربا وبمحمد نبيا ورسولا، فالمسلم لا ترضى نفسه العزيزة أن يعتدي على امرأة حتى وإن كانت غير مسلمة، فما بالنا إذا كانت مسلمة صالحة طاهرة عنيفة، فالله المستعان وعند الله تجتمع الخصوم، وقد عجل الله بعذاب إبراهيم بن الأغلب لجرائمه التي ارتكبها في المسلمين الأبرياء فاصيب بخلل في عقله فقتل عددا كبيرا من افراد عائلته وبناته واثنين من أبنائه وجواريه وجنده وخدمه وغير ذلك من الجرائم، فأباد الله ملكه واهلكه، ومات طريدا انظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 155 الهامش - الباروني، الأزهار، 286/ 2).
(1) - البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ)، ص 92 - الشماخي، السير، 195/ 1 - الباروني، الأزهار، 254/ 2 - عمروس،
الدينونة الصافية، ص 12.
207 (1/207)
صفحة 208
الشيخ عمروس ومنهجه
ه - المطلب الخامس: زوجته وأولاده: الحقيقة أن المصادر - التي بين يدي - لا تسعف بأي شيء يخص زوجته وأولاده، فلا تذكر اسم زوجته، ولا من أين تزوج، ولكن من هو في مثل مكانة الشيخ عمروس العلمية، سوف تتنافس البيوتات الشريفة في تزويجه، وكذلك سيختار الشيخ عمروس امرأة صالحة من بيت علم وصلاح لتكون شريكة حياته وأم أولاده. وكذلك بالنسبة لأولاده، فلم تذكر عنهم شيئا، فلم تشر إلى عددهم، ولا أسماؤهم، ولا نعلم إن كان برز أحد منهم وورث علم أبيه، لكن لا يستبعد أن يكونوا تأثروا بأبيهم المجاهد العالم الزاهد، ولا بد وأن يكون الشيخ عمروس اهتم بتربيتهم على الصلاح والتقوى وطلب العلم النافع
وقد تركت لنا المصادر لمحة بسيطة عن أولاد الشيخ عمروس حين تحدثت عن كتابته لوصيته قبيل خروجه إلى وقعت مانو التي استشهد فيها، فذكرت أنه كتب وصيته في كتاب ودفعها إلى أولاده وورثته، فقال لهم: " هذا كتاب وصيتي، فاعملوا بمضمونه، وأنا خصمكم بين يدي الله. (1) ويستشف من هذه الحادثة أن الشيخ عمروس ما كان ليدفع وصيته إلى أولاده لينفذوها لو لم يثق بهم ويعهد فيهم الصلاح والتقوى، بل إنه ذكرهم بالله تعالى، ولعل ذلك لعلمه بتقواهم وخوفهم من
الله تعالى.
(1) - الدرجيني، الطبقات، 323/ 2 - الشماخي، السير، 195/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 20.
208 (1/208)
صفحة 209
الشيخ عمروس ومنهجه
- المبحث السادس: هل هناك عمروس غيره؟
إن المصادر وكتب التاريخ الإباضي ذكرت وجود ثلاث شخصيات تسمت باسم عمروس، اثنتان من المغرب والثالثة من الأندلس، ولكي يُميز بينها وبين الشيخ عمروس أرى من الأفضل التعريف بتلك الشخصيات، حتى لا يقع الخلط بينها وبين الشيخ عمروس.
وهذه الشخصيات هي:
1 - أبو حفص عمروس بن عبد الله الزواغي:
عالم من علماء الإباضية، عده الشيخ الدرجيني من الطبقة التاسعة (400 - 450 هـ
(2)
(1)، قال
عنه الشماخي: " كان شيخا مذكورا في أهل الخير والصلاح " إهـ له حكم وفتاوى مبثوثة في كتب اللقط والمعلقات (3)، والظاهر أنه من أهل " جربة " حيث أنه كانت له زيارات ولقاءات مع علمائها المشهورين أمثال: أبو محمد عبد ا
(E) **
الله بن مانوج اللمائي الهواري ·
، وأبو محمد كاموس الزواغي وكما نلاحظ أن عمروس بن عبد الله وأبا محمد كاموس لهما نفس القبيلة، وهي الزواغي، وأبو محمد كاموس من أهل جربة، مما يؤكد كون عمروس بن عبد الله من أهل جربة
(1) الدرجيني، الطبقات، 403/ 2 (2) - الشماخي، السير، 145/ 2.
) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 36.
- هو أبو محمد عبد الله بن مانوج اللماني الهواري، من الطبقة الرابعة (400 - 450 هـ)، لحد الفقهاء الذين أثروا التراث الفكري الإباضي، مع ثلة من العلماء عُرفوا بأصحاب الغار، إذ اجتمعوا على تأليف موسوعة فقهية، في غار لمجماج بجزيرة جربة، وقد دخل أبو محمد العلم متأخرا حيث كان أول حياته يرعى الغنم، فمر عليه لحد المشايخ فقال: " إعلم أن غنما ترعاها اللحية هي خير الغنم، وأن لحية ترعى الغنم هي شر اللحى " فأثر ذلك في نفسه، فتفرغ للعلم وطلبه، أخذ العلم عن أبي مسور يسجا بن يوجين وغيره، ترك فتاوى متناثرة في كتب الفقه والسير الإباضية (انظر: الدرجيني، الطبقات، 400/ 2 ـ الشماخي
، السير، 70/ 2، بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 271/ 2 رقم الترجمة: 593).
- هو أبو محمد كاموس الزواغي، من علماء جربة بتونس، أخذ العلم عن الشيخ أبي مسور يسجا بن يوجين بجربة، استشهد ضمن مجموعة من المشايخ أثناء هجوم المعز بن باديس الصنهاجي على جربة سنة 431 هـ (انظر: الشماخي، السير، 2/ 125، بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 349/ 2 رقم الترجمة: 757).
(4) - الدرجيني، الطبقات، 403/ 2 - الشماخي، السير، 145/ 2.
209 (1/209)
صفحة 210
الشيخ عمروس ومنهجه
2 - أبو حفص عمروس اليفرني:
عالم من علماء الإباضية، من أهل يفرن بجبل نفوسة، ويبدوا أنه من علماء الخمسين الثانية
(1)
من القرن السابع الهجري، وأوائل القرن الثامن الهجري له فتاوى منها أن أهل أمرساون" ذبحوا بقرة ولم تتحرك، فسألوا الشيخ عمروس اليفرني، فقال: اجعلوا قطعة. من لحمها في الماء، فإن نزل فكلوها، وإن طفا ولم ينزل فلا تأكلوها (2)
- عمروس الأندلسي:
كان واليا على طليطلة أيام الحكم بن هشام الأول على قرطبة (180 - 206 هـ)،
وعمروس هذا من أصل إسباني، وهو مدبر فتنة طليطلة - يوم الحفرة - إذ أقام مذبحة ضد الثورة التي ثارت على حكم البيت الأموي في الأندلس، فحمدت الأوضاع مؤقتا لكن سرعان ما تحولت إلى عصيان مدني عصف بالاستقلال الداخلي أكثر من ربع قرن (3)
هذه أسماء ثلاث شخصيات تسمت بهذا الاسم، ولا أدري إن كان يوجد غيرها ممن عاش في ذلك العصر، فهذا الذي وجدته على حسب المصادر التي استطعت الحصول عليها
- يفرن: قرية من قرى جبل نفوسة بليبيا في الجهة الشرقية منه (انظر: النامي، دراسات عن الإباضية، ص 210 - دبوز،
تاريخ المغرب الكبير، 77/ 3). عمروس، الدينونة الصافية، ص 36
()
أمرساون: لم اجد ترجمة لها، ولكن الظاهر أنها قرية من قرى جبل نفوسة، حيث أن أهلها سألوا الشيخ عمروس اليفرني، ولن يسألوه إلا إذا كان قريبا منهم، والشيخ عمروس من قرية يفرن بجبل نفوسة، إذا فأمرساون من قرى جبل نفوسة والله
اعلم.
.
(2) - الشماخي، السير، 192/ 2 - طليطلة: مدينة كبيرة بالأندلس، تقع غربي ثغر الروم، وبين الجوف والشرق من قرطبة، وكانت قاعدة ملوك القرطبيين و موضع قرارهم (أنظر: الحموي، معجم البلدان، 265/ 6). - هو الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، صاحب الأندلس، ولقبه المنتصر، ويكنى بأبي العاص، حكم بعد وفاة أبيه هشام في سنة 180 هـ، وكان صارما حازما، وهو أول من استكثر من المماليك بالأندلس، وربط الخيل ببابه، وتشبه بالجبابرة، وكان شاعرا، وكان يقرب الفقهاء والصالحين، ويرد المظالم وينصف المظلوم، استمر في الحكم لمدة 27 سنة، ومات في سنة 206 هـ، وعمره عند وفاته 52 سنة، فحكم بعده ابنه عبد الرحمن انظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 308/ 5، 466 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 151/ 4 - 153) عمروس، الدينونة الصافية، ص 36 - حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط 1 1397 هـ / 1977 م، ص 278.
210 (1/210)
صفحة 211
الفصل الثالث
الشيخ عمروس ومنهجه
السيرة العلمية والعملية للشيخ عمروس
ويحتوي على:
الشيخ عمروس والعلم (شيوخه وتلاميذه)
مكانته العلمية وجهوده الدعوية
آثار الشيخ عمروس) مؤلفاته وفتاويه ومناظراته)
اشتغاله بالقضاء، ونماذج من
موقعة " مانو " واستشهاده
أحكامه
211 (1/211)
صفحة 212
[صفحة فارغة] (1/212)
صفحة 213
الشيخ عمروس ومنهجه
1 - تمهيد:
هذا الفصل يتناول جوانب حياة الشيخ عمروس العلمية والعملية، وسأحاول فيه أن
أتعرض لذكر المراحل التي مر بها الشيخ عمروس في طلبه للعلم، وعلى يد من تتلمذ كذلك سأناقش الدور الذي لعبه الشيخ عمروس في التعليم، وأسماء تلاميذه الذين أخذوا
،
عنه العلم، إن وجدوا وسأتعرض لجهود الشيخ عمروس الدعوية، ودوره في قمع أصحاب العقائد المنحرفة بمناظراته لهم، وتأليفه في الرد عليهم؛ أيضا سأذكر مؤلفات الشيخ عمروس والآثار التي، من فتاوى وأجوبة، وكذلك سأعرج على ذكر اشتغال الشيخ عمروس بالقضاء،
ترکها
وأهم أحكامه وأقضياته
وسيتناول هذا البحث كذلك مناقشة موقعة " مانو "، التي وقعت في سنة 283 هـ بين الأغالبة، والإباضية من أهل نفوسة، وأسبابها، ودور الشيخ عمروس فيها، مع ذكر
استشهاده رحمه الله.
213 (1/213)
صفحة 214
[صفحة فارغة] (1/214)
صفحة 215
الشيخ عمروس ومنهجه
2 - المبحث الأول: الشيخ عمروس والعلم (شيوخه وتلاميذه):
المطلب الأول: شيوخه وطلبه للعلم:
الحقيقة إن المصادر لا تسعف كثيرا فيما يتعلق بحياة الشيخ عمروس الخاصة، ومن ذلك طلبه للعلم، والمراحل التي مر بها في مشواره التعليمي، وأيضا شيوخه الذين تتلمذ عليهم، وأهم العلوم التي تلقاها عنهم، ولكن بالرغم من ذلك فإن هناك بعض الإشارات إلى طلب الشيخ عمروس للعلم، وبعض العلماء الذين أخذ عنهم، وكذلك بعض العلوم التي درسها، من خلال تلك النصوص سأحاول وضع تصور عن حياة الشيخ عمروس العلمية وطلبه للعلم، وأهم العلوم التي درسها مر علينا عند الحديث عن الوضع العلمي في عصر الشيخ عمروس، الحديث عن ثلاث مؤسسات
بارزة ساهمت بشكل كبير في النهضة العلمية التي عايشها الشيخ عمروس، وتلك المؤسسات هي
:
الكتاتيب، والمساجد، والمكتبات كان المنهج التعليمي – المتبع في المغرب - في تلك الفترة، هو أن يبدأ الطفل أولى مراحله التعليمية بالدراسة في الكتاتيب الموجودة في قريته، فيتعلم فيها الآداب والأخلاق الإسلامية الحميدة، ويتلقى مبادئ العلوم الأولى، وأهم أحكام العبادات، خاصة المتعلقة بالطهارات، والصلاة، والصوم، وكذلك يأخذ جرعات مبسطة من النحو، مع التعرض قليلا إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وسير الأئمة والصالحين، حتى ينشأ ذلكم الطفل محبا للرسول صلى الله عليه وسلم، ولصحابته الكرام، ولأئمة الدين، فيتأسى بهم بعد ذلك في حياته المستقبلية.
وأهم ما يركز عليه في هذه المرحلة التعليمية الأولى هو حفظ القرآن الكريم كاملا، فلا يصل الطفل إلى سن البلوغ إلا وقد أنهى حفظ كتاب الله العزيز، وبعضهم ينهيه حتى قبل الوصول إلى العاشرة، ثم بعد ذلك يلتحق بمراحل التعليم العليا، والتي تتم في المساجد أو منازل العلماء، ويشرف عليها علماء متمكنون متضلعون في علوم الشريعة، فينقطع ذلكم الطالب إليهم لسنوات عديدة حتى يصل إلى درجة عالية من العلم تؤهله للتصدي للتدريس والفتى، عند ذلك يسمح له شيخه أن يغادر مدرسته، ليؤسس هو الآخر مدرسة للعلم تخرج العلماء، أو يواصل التدريس في مدرسة شيخه، فيكون خلفا له، وقد
210 (1/215)
صفحة 216
الشيخ عمروس ومنهجه
يتطلب الأمر السفر إلى أماكن العلماء وأخذ العلم عنهم، هكذا كان الوضع في المغرب العربي، والعالم الإسلامي بصفة عامة، في تلك القرون الأولى، وقد مرت الأمثلة على ذلك عند الحديث عن الوضع العلمي والثقافي في عصر الشيخ عمروس
إذا فمن هذه المقدمة نخلص إلى أن الشيخ عمروس قد يكون مر بنفس هذه المراحل، التي يمر بها
(1)
"
أغلب الأطفال عند تلقيهم للعلم، فلعل الشيخ عمروس بدأ بتلقي العلم في قريته " قطرس التي نشأ وترعرع فيها، فلعله التحق بشيء من الكتاتيب الموجودة في قريته، والتي يكون عليها – غالبا – في هذه المرحلة الأولى من التعليم، مدرسون ليسوا بتلك القوة من العلم، وإنما دورهم يتمثل في تحفيظ الأطفال القرآن الكريم، وتعليمهم الآداب، وبعض قواعد النحو والأحكام الفقهية المبدئية فقط؛ وقد أشار الشيخ علي يحيى معمر - ولو من بعيد - إلى ذلك حين قال: " نشأ في قطرس - يقصد الشيخ عمروس - ... وفيها درس، وبلغ هذه المرتبة السامقة من العلم " إهـ فقول الشيخ علي يحيى معمر: " ... ودرس فيها ... "، يستنبط منه أن الشيخ عمروس تلقى تعليمه - سواء المراحل الأولى أو المراحل العليا - في قريته قطرس، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا مجرد استنتاج من الشيخ علي يحيى معمر، وذلك لأن هذا هو المنهج المتبع في التعليم في تلك القرون الأولى كما أسلفت، فالشيخ علي يحيى معمر لم يحل إلى مصدر أخذ منه كون الشيخ عمروس درس في قرية قطرس، وإنما هو استنتاج توصل إليه من الوضع السائد في عصر الشيخ عمروس. وقد أشار الشيخ علي يحيى معمر كذلك إلى أن الشيخ عمروس انقطع للدراسة منذ صغره
-
(3).
(2)
ويمكن استشفاف ذلك مما ذكره الدرجيني من أن الشيخ عمروس " لازم الدرس والاجتهاد إذا فالظاهر أن الشيخ عمروس تلقى أولى مراحل تعليمه في قريته " قطرس "، وحفظ القرآن بها،
-
(4)
وهذه النتيجة نفسها توصل إليها الباحث أحمد كروم - محقق الدينونة، وذلك أن الغالب على علماء تلك القرون أن يكونوا من حفظة كتاب الله، فلا يصلون إلى سن البلوغ إلا وهم قد أتموا حفظ كتاب الله، بل وحفظ الكثير من السنة النبوية، ومن أمهات المتون، فكيف بالشيخ عمروس الذي
علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 137.
(2) - المصدر السابق، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 141
) - الدرجيني، الطبقات، 320/ 2 - الشماخي، السير، 192/ 1.
(1) - عمروس، الدينونة، ص 13 مقدمة المحقق
216 (1/216)
صفحة 217
الشيخ عمروس ومنهجه
وصف بأنه " عالم غاية زمانه (1)، فأنى له أن يصل إلى هذه المرتبة السامقة من العلم، وهو لا يحفظ
كتاب الله
(
أو سنة رسوله، أو أهم أمهات المتون؟!، وهو الذي وصفه الدرجيني بقوله: " بحر العلوم الزاخر، المبرز أول السبق وهو الآخر، الضابط المحتاط المحافظ ... . (2) وللأسف الشديد فإن المصادر تبخل في ذكر أسماء شيوخه، الذين تلقى عنهم العلم في هذه المرحلة الأولى من تعليمه، فلم أجد حسب المصادر التي توفرت بين يدي إشارة إلى ذلك، وهذه المشكلة نفسها عانى منها الباحث أحمد كروم، فقال: " هذا ما كتبته المصادر عن تعلمه بصفة إجمالية دون التعرض لأي تفصيل يشير إلى مشائخه ورفقائه في الدراسة أو العلوم التي درسها أكثر من الأخرى وأما مراحل تعليمه التي تلت المرحلة الأولى أو الابتدائية، فقد ذكرت بعض المصادر أن الشيخ عمروس هاجر إلى المغرب لطلب العلم، وانقطع لمدة عشرين سنة في المغرب طلبا للعلم (4)؛ ولكن أين
" إهـ (3)
تقع " المغرب " هذه التي قصدها الشيخ عمروس، وانقطع فيها هذه المدة الطويلة طلبا للعلم؟ الحقيقة أن المصادر القديمة لم تشر إلى توضيح مكان " المغرب " الذي قصده الشيخ عمروس، وهذا ما أشار إليه الباحث أحمد كروم كذلك، فيقول: " هذه الكلمة: " المغرب " لم تتعرض لها المصادر المعتمدة بشيء من التوضيح، فأصبحت محتملة " إهـ فأقدم مصدرين وقعا بين يدي أشارا إلى المغرب هما: سيرة أهل نفوسة للبغطوري، وكتاب السير للشماخي (2)، وكلاهما لم يفسرا المقصود بالمغرب؟ ولعل الشماخي اعتمد على ما ذكره البغطوري،
(0)
وقد أشار إشارة إلى " السير " حين قال: " ... وفي السير مكث بالمغرب يتعلم عشرين سنة ...
فلعل المقصود بالسير هي " سير أشياخ جبل نفوسة " للبغطوري والله أعلم.
(7)
وقد ذكر الباحث أحمد كروم أن المقصود بالمغرب هو " تيهرت " العاصمة الرستمية، معللا استنتاجه هذا بأن الاستعمال السائد آنذاك عند الإباضية لهذه الكلمة هو " تيهرت " عاصمة الدولة الرستمية، إذ
) ? عمروس (4) ? البغطوري
(1) ? الشماخي، السير، 192/ 1.
(2) - الدرجيني، الطبقات، 320/ 2 - الشماخي، السير، 192/ 1.
، الدينونة، ص 14 مقدمة المحقق.
، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 92 - الشماخي، السير، 195/ 1 - الباروني، الأزهار، 254/ 2 - الجعبيري، البعد الحضاري، ص 109 الهامش - عمروس، الدينونة، ص 13 مقدمة المحقق.
(5) ? عمروس، الدينونة، ص 13 الهامش، مقدمة المحقق.
(1) - البغطوري، سيرة أهل نفوسة (مخ)، ص 92 - الشماخي، السير، 195/ 1.
الشماخي، السير، 195/ 1.
217 (1/217)
صفحة 218
الشيخ عمروس ومنهجه
كانت كعبة الطلاب والعلماء والمتكلمين حينا من الدهر، حتى غدت تعرف " ببغداد المغرب "، كما أنها جاءت في غرب جبل نفوسة (1)
حاليا
(2)
ولكن في المقابل فإن الشيخ فرحات الجعبيري ذهب إلى أن المقصود بالمغرب هو " بلاد الجريد "، والأمر يظل قابلا للاحتمال كما ذكر الباحث أحمد كروم، والغريب أن الشيخ الباروني عندما ذكر توجه الشيخ عمروس إلى المغرب لطلب العلم، لم يفسر المقصود بالمغرب؟! (3) ولا يستبعد أن يكون المقصود بالمغرب هو " تيهرت "، حيث أن تيهرت - كما ذكر الباحث أحمد كروم - كانت مقصد طلاب العلم ومريديه، وذلك لوجود الأئمة وكبار العلماء فيها، وقد ذكرت في مبحث الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس جانبا من الحركة العلمية الضخمة في " تيهرت " في عصر الشيخ عمروس، وليس الشيخ عمروس هو من يفوت فرصة النهل من معين أئمة الدولة الرستمية وعلماء تيهرت الكبار، وهو اللبيب الذكي، الذي عرف عنه شغفه بالعلم وطلبه وعلى فرض أنه - بعد أن أنهى دراسته الأولى في قريته " قطرس " بجبل نفوسة، ووصل إلى سن تؤهله لتحمل مشاق السفر والغربة عن الوطن والأهل والأصحاب - توجه إلى " تيهرت "، فمن المحتمل أن يكون سنه عند السفر إلى " تيهرت " خمسة عشر سنة أو ما يقرب من ذلك، حيث أن هذه السن مناسبة لتحمل مشاق السفر والغربة.
(
وقد ذكرت في مبحث " مولد الشيخ عمروس ونشأته " أنه قد يكون ولد في حدود سنة 190 هـ، فإذا كان سافر في سن الخامسة عشر، فإن سنة سفره ستكون في حدود سنة 205 هـ، وبما أن السنة الصحيحة لوفاة الإمام عبد الوهاب هي 208 هـ كما مر، فالظاهر أن الشيخ عمروس تتلمذ على يد الإمام عبد الوهاب في تيهرت لمدة ثلاث سنوات من سنة 205 هـ حتى سنة 208 هـ، وهي التي توفي فيها الإمام عبد الوهاب، ومن المستبعد أن يفرط الشيخ عمروس في أخذ العلم عن الإمام عبد
السنة
الوهاب، وهو موجود بقربه في " تيهرت، فالشيخ عمروس أذكى وأحرص على ذلك والله أعلم. وبما أنه قضى عشرين سنة في " تيهرت "، من سنة 205 هـ إلى سنة 225 هـ، معتكفا على طلب العلم، فإنه سيكون قد قضى سبعة عشر سنة في تيهرت منذ أن حكم الإمام أفلح) حكم: 208
عمروس، الدينونة، ص 13 الهامش، مقدمة المحقق.
(1) ? ع
(2) ? الجعبيري، (1) - الباروني، الأزهار، 254/ 2.
، البعد الحضاري، ص 109 الهامش.
218 (1/218)
صفحة 219
الشيخ عمروس ومنهجه
258 هـ)، إلى أن عاد إلى جبل نفوسة في سنة 225 هـ، ولا يستبعد كذلك أن يكون قد تتلمذ على يديه وأخذ عنه العلم، بل إنه قد يكون بدأ الدراسة على الإمام أفلح، في فترة حكم الإمام عبد الوهاب، فالإمام أفلح كان يدرس أربع حلق من العلم، قبل وصوله سن البلوغ كما مر وقد يكون الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح والإمام أبو بكر بن أفلح من أقرانه في طلب العلم، في حلق جدهم الإمام عبد الوهاب، وأبيهم الإمام أفلح، فهذا أمر غير مستبعد، فهما قد تلقيا العلم على يد الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح (1)
وقد يكون كذلك أخذ الشيخ عمروس العلم عن علماء ومشايخ " تيهرت " في أثناء وجوده هناك
،
فمن العلماء الذين يحتمل أخذه العلم عنهم: مزور بن عمران الهواري وزير الإمام عبد الوهاب ومحكم الهواري قاضي الإمام أفلح (3)، وأبو الربيع سليمان الهواري الذي يعد من كبار علماء " تيهرت (4)، وأبو عبيدة الأعرج التيهرتي الذي كان عالما بالفقه والكلام والوثائق والنحو
واللغة
(°)
، وعبد العزيز بن الأوز الذي كان له فقه بارع ورحلة إلى المشرق في طلب العلم
أحمد وعثمان بن والفقهاء
،
(7)
(")
،
بن يحياج الذي يعد من مشايخ تيهرت ومقدميها وفقهائها، وغيرهم من العلماء
أما أهم العلوم التي من الممكن أن يكون درسها في أثناء وجوده في " تيهرت "، علم التفسير، فقد يكون تلقاه على يد الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح، والعلامة محكم الهواري؛ والحديث، لعله أخذه عن الإمام أفلح - الذي كان مهتما بعلم الحديث -، وأبي عبيدة الأعرج الذي أخذ عنه ابن الصغير كتاب " إصلاح الغلط في غريب الحديث " لابن قتيبة (8)؛ واللغة والفقه والعقيدة وعلم الكلام عن
) - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 87/ 2 رقم الترجمة: 182، 359/ 2 رقم الترجمة: 784 (2) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 125 - الشماخي، السير، 145/ 1 - الباروني، الأزهار، 145/ 1 ـ علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ح 2، ق 2، ص 46 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 413/ 2 رقم الترجمة: 878.) ـ ابن الصغير، اخبار الأئمة الرستميين، ص 45 - 52 - الشماخي، السير، 167/ 1 - 168 - هود بن محكم، تفسير كتاب الله العزيز، ص 5 - 44 مقدمة المحقق بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 355/ 2 رقم الترجمة: 722. (4) - الدرجيني، الطبقات، 327/ 2، 349، 350، 351، 358 - الشماخي، السير، 235/ 1 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 211/ 2 رقم الترجمة: 462. (0) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 95 - 97 - الشماخي، السير، 190/ 1 - 191 - الباروني، الأزهار، 243/ 2 - 245 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 285/ 2 - 286 رقم الترجمة: 612.
- ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 99 - ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيون، ص 36 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 256/ 2 رقم الترجمة: 556.
) - ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 122 - بحاز وآخرون، اعلام الإباضية، 287/ 2 رقم الترجمة: 618. (1) - ابن الصغير، اخبار الأئمة الرستميين، ص 96
219 (1/219)
صفحة 220
الشيخ عمروس ومنهجه
الإمام عبد الوهاب، والإمام أفلح، وقد يكون أخذها كذلك عن العلماء الذين ذكرتهم قبل قليل، أو عن غيرهم والله أعلم ".
وأما إذا كان درس العشرين سنة في " وارجلان " فإنه من المحتمل أن يكون أخذ العلم فيها عن بعض علماء وارجلان، ولقد تتبعت تراجم علماء وارجلان جميعا في معجم أعلام الإباضية، فوجدت أقرب الشخصيات إلى عصر الشيخ عمروس شخصيتان، اشتهرت بالعلم في وارجلان في القرن الثالث الهجري، وهو القرن الذي عاش فيه الشيخ عمروس رحمه الله، وهاتان الشخصيتان هما: أبو سهل الفارسي النفوسي، وأبو يوسف يعقوب بن سليوس الطرفي السدراتي فأبو سهل وإن كان أصله ليس من وارجلان، إلا أنه تولى القضاء بوارجلان (1)، فلعله كان يدرس طلاب العلم في أثناء وجوده بوارجلان، فقصده الشيخ عمروس لأخذ العلم عنه.
وأما الشيخ أبو يوسف يعقوب السدراتي فهو من أهالي وارجلان، ومن كبار علمائها، وذكرت المصادر أنه أقام معلما بوارجلان، فلعل الشيخ عمروس كان ممن درس على يديه بوارجلان والله
أعلم.
(2)
إذا وبعد عشرين سنة – من الغربة والترحال طلبا للعلم - أنهى الشيخ عمروس دراسته في " تيهرت " أو " وارجلان "، فعاد إلى جبل نفوسة عالما متضلعا في مختلف فنون العلم، ليصبح أعلم أهل زمانه. ولم يكتف بما تلقاه من العلم في المغرب، بل استمر في طلب العلم في جبل نفوسة، ولا يستبعد أن يكون من أوائل طلاب العلم الذين التحقوا بحلق العلم التي كان يقيمها الإمام عبد الوهاب في جبل نفوسة حين زاره (3)
- دراسة الشيخ عمروس على الإمام عبد الوهاب، والإمام أفلح، والعلماء الذين ذكرت، يظل مجرد احتمال قابل للصواب والخطا، فالمصادر لا تساعد في ذلك كما ذكرت، فارجو التنبه لهذا - هو أبو سهل الفارسي النفوسي، عاش في القرن الثالث الهجري، غلبت عليه هذه التسمية وليس بفارسي، وإنما هو تفوسي، ولعل لمه رستمية، من بيت الإمامة فغلبت نسبتها عليه، وقيل: بل هو رستمي أبا وأما، وإن أباه ولد لميمون بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن؛ كان شاعرا بليغا وأديبا فصيحا، يتقن اللسان العربي والبربري، اتخذه الإمام أفلح ترجمانا، ثم الإمام أبو حاتم، قيل إنه تولى القضاء بوارجلان فكان زاهدا متعففا عادلا، له تأليف كثيرة باللسان البربري، ذهبت كلها ضحيت الفتن والنزاعات (انظر: الدرجيني، الطبقات، 351/ 2 - 352 - الشماخي، السير، 244/ 1 - 245 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 219/ 2 رقم الترجمة: 480).
(1) الدرجيني، الطبقات، 351/ 2 - 352 - الشماخي، السير، 244/ 1 - 245 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 2/ 219 رقم الترجمة: 480.
(2) - الدرجيني، الطبقات، 331/ 2 - 332 - الشماخي، السير، 102/ 1 - 104 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 2/
474 رقم الترجمة: 1033
220 (1/220)
صفحة 221
الشيخ عمروس ومنهجه
وروي عنه كذلك أنه كان يتردد برفقة مهدي الويغوي، على موضع يسمى " تنين أزدرشل " يجتمع فيه جماعة لطلب العلم، والمفتي فيهم أبو نصر ... إلى آخر قصة مناظرتهما لنفاث (1) فلعل الشيخ عمروس كان يتردد على أبي نصر يأخذ عنه فنا معينا من فنون العلم، قد برع فيه، ولم يكن الشيخ أبو نصر بتلك القوة في المناظرة وعلم الكلام ليقمع فتنة نفاث وأباطيله، فتكفل به الشيخ عمروس - الذي تتلمذ على يد أئمة علم الكلام الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح -، وأعانه في ذلك مهدي الويغوي، أو لعل المجلس كان مجلس إفتاء يجتمع فيه العلماء وطلاب العلم، يتناقشون في المسائل وفنون العلم، فكان الشيخ عمروس يقصده مفيدا ومستفيدا، ففي كلا الحالتين هو طلب للعلم بحد ذاته، إذا فلعل أبا نصر أحد مشائخ الشيخ عمروس الذين أخذ عنهم العلم بجبل نفوسة والله أعلم. ويروى أن الشيخ عمروس خرج ذات سنة إلى البادية في فصل الربيع، برفقة أبي مهاصر، فلبثا أياما
في البادية ... ألخ (2)، فلعلهما كانا يخرجان إلى البادية ترفيها عن نفسيهما من عناء الحياة وهمومها وتقوية لنفسيهما على مواصلة طريق طلب العلم، وكذلك مناقشة لبعض مسائل العلم التي تعلماها، خاصة أنهما تناقشا حول قضية التيمم للصلاة، فكانت حجة الشيخ عمروس أقوى.
ومن مشائخ الشيخ عمروس الذين ثبت عنه تلقيه العلم عنهم، والتقائه بهم عالمان جليلان من علماء أهل الحق والاستقامة، وهما العلامة أبو غانم بشر بن غانم الخرساني، صاحب المدونة المشهورة، والعلامة أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي.
،
فالعلامة أبو غانم الخرساني خرج من المشرق متوجها إلى المغرب لزيارة الإمام عبد الوهاب في " تيهرت "، وكان يحمل معه مدونته المشهورة، التي رواها عن تلاميذ الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة فمر في طريقه على " جبل نفوسة "، والتقى هناك بالشيخ عمروس - وكان الشيخ عمروس صغير السن في ذلك الوقت - فترك عنده نسخة من المدونة، وأخذ الأخرى إلى " تيهرت " لإهدائها للإمام عبد الوهاب، استغل الشيخ عمروس فرصة وجود المدونة عنده التي لا تعوض بثمن، فقام بنسخها بمساعدة أخته، فكانت تملي عليه، فكان إذا جلس للنسخ في موضع لازمه حتى تدركه الشمس،
) - ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 116 - الدرجيني، الطبقات، 66/ 1 - الشماخي، السير، 140/ 1 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 283/ 2 رقم الترجمة: 609 نبهت سابقا أن الدرجيني ذكر أن المفتي هو أبو مهاصر، والصحيح كما يظهر ما ذكره الشماخي من أن المفتي هو أبو نصر والله أعلم. (1) الدرجيني، الطبقات، 314/ 2 - الشماخي، السير، 149/ 1، 19/ 2 - 20. (2) - الدرجيني
، الطبقات، 306/ 2 - الشماخي، السير، 171/ 1.
221 (1/221)
صفحة 222
الشيخ عمروس ومنهجه
فينتقل إلى الظل، والأصل في يد أخته، وعينه في الكتاب لا يتحول، وذلك حرصا منه على إحياء العلم، وحبا وشغفا في العلم وطلبه، في تلك الأثناء التقى أبو غانم بالإمام عبد الوهاب، وأهداه نسخة من المدونة، فأضافها الإمام عبد الوهاب إلى مكتبة " المعصومة "، ذات الثروة العلمية الضخمة، وتلقى عنه - أي عن أبي غانم - الإمام أفلح علم الحديث كما مر فلما قفل الشيخ أبو غانم راجعا من تيهرت إلى جبل نفوسة، أخذ نسخة المدونة التي تركها عند الشيخ عمروس، فرأى في أحد أجزاء المدونة نقطة حبر، فقال للشيخ عمروس – مداعبا – سرقتها؟ فرد الشيخ عمروس: نعم، سماني سارق العلم (1)! وبفضل قيام الشيخ عمروس وأخته - بتوفيق من الله - بنسخ مدونة أبي غانم، حفظت هذه المدونة الثمينة التي تقع في اثني عشر جزءا من الضياع، إذ أن النسخة التي أهداها أبو غانم للإمام أفلح احترقت مع ما احترق من كتب الإباضية، حين أحرق أبو عبدالله الشيعي مكتبة المعصومة لما عاث فسادا في تيهرت والله المستعان (2)
(3)
والشيخ عمروس يعد من تلاميذ العلامة أبي غانم الخرساني (3)، فمن المستبعد على من هو في مثل ذكاء الشيخ عمروس وحبه وشغفه بالعلم، ألا يستغل وجود إمام من أئمة العلم عند الإباضية في جبل نفوسة، فلا ينهل من علمه، ولا يسأله حول ما أشكل عليه من المسائل خاصة فيما يتعلق بعلم الحديث، كذلك من المستبعد ألا يأخذ عنه الروايات التي أخذها عن طلاب الإمام أبي عبيدة.
وكذلك فإن الشيخ عمروس يعد من طلاب الشيخ أبي عبد الله محمد بن محبوب، حيث أنه التقى به
في موسم الحج وناقشه في الكثير من مسائل العلم وخاصة مسائل الدماء كما مر علينا سابقا ". إذا فمما سبق يتبن أن مشايخ الشيخ عمروس الذين أخذ عنهم العلم بشكل مؤكد هم عالمان: العلامة أبو غانم بشر بن غانم الخرساني، والعلامة أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي؛ ولا يستبعد أن يكون تتلمذ على يد الإمام عبد الوهاب وابنه الإمام أفلح، وعلماء العاصمة الرستمية تيهرت إن كان قصد تيهرت، وإن كان قصد وارجلان فلا يستبعد أن يكون أخذ عن علمائها، وذكرت اثنين
(1) - الدرجيني، الطبقات، 323/ 2 - الشماخي، السير، 194/ 1 - 195 - الباروني، الأزهار، 253/ 2 - علي يحيى معمر،
الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 138 - 139 (2) - انظر للمصادر السابقة، بنفس الأجزاء والصفحات) - البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص 97. أنظر ص 167 - 169
222 (1/222)
صفحة 223
الشيخ عمروس ومنهجه
منهم يحتمل أن يكون أخذ عنهما وهما: أبو سهل الفارسي النفوسي، وأبو يوسف يعقوب بن سليوس الطرفي السدراتي كما مر؛ و الظاهر كذلك أنه أخذ العلم على يد علماء عصره بجبل نفوسة من أمثال الشيخ أبي نصر التمصمصي والله أعلم
223 (1/223)
صفحة 224
الشيخ عمروس ومنهجه
المطلب الثاني: تدريسه وتلاميذه:
قبل الخوض في الحديث عن طلاب الشيخ عمروس، ينبغي التوقف قليلا لمناقشة كون الشيخ عمروس اشتغل بالتدريس أم لا؟ لعل الباحث أحمد كروم سبقني في هذا المضمار، وتعرض لنقاش هذه الإشكالية الغامضة، وأتيت أنا هنا لأقتات على ما ذكر مع بعض النقاش لما توصل إليه
أن المتأمل للمصادر القديمة، يلاحظ عدم وجود إشارة واضحة عن كون الشيخ عمروس اشتغل
بالتدريس أو كون حلقة علم، إلا بعض النصوص التي يمكن أن ننتزع منها ذلك انتزاعا وقد ذكر الباحث أحمد كروم بعض تلك النصوص، وسأذكرها مع إضافة نصوص أخرى يمكن أن يستشف منها اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس، ولو بصفة متقطعة أو غير منتظمة، إن لم يكن باستمرار وبشكل دوري، وهذه النصوص هي: 1 - ما ذكره الشيخ الباروني في تعليقه على رسالة والده الشيخ عبد الله الباروني " سلم العامة إلى معرفة أئمة الدين ": " ... وهي قطرس، وفيها مسجد الشيخ عمروس وأظنه ابن فتح
(1).
والمبتدئين
المساكني النفوسي فهل كان الشيخ عمروس يقيم دروسا في هذا المسجد، وله حلقة علم فيه؟ لعله كذلك، على فرض أنه هو الذي تولى بناء هذا المسجد، لا أهل قريته، وذلك أن الغالب على علماء ذلك العصر أنهم يقومون ببناء المساجد والمصليات لإقامة الدروس وحلق العلم بها، وقد ذكرت الكثير من الأمثلة على ذلك عند حديثي عن المساجد ودورها في النهضة العلمية في عصر الشيخ عمروس في مبحث " الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس " فانظرها هناك
2 - الرواية التي ذكرت أن الشيخ عمروس ومهدي الويغوي ناظرا نفاثا في موضع يسمى " تنين أزدرشل "، ونص الرواية هو كما ذكره الشماخي: " وفي كتاب السير أن جماعة اجتمعت في " تنين أزدرشل " في طلب العلم، وفيهم أبو نصر من تمصمص، وهو المفتي والمجيب، وفيهم نفاث بن نصر، وكان يلقي مشكلات المسائل، وربما عسر جوابها عن أبي نصر ومن معه، ثم أتى عمروس ومهدي فسكت
عليهم
(1) ? عبد الله الباروني، سلم العامة والمبتدئين، ص 54 الهامش - عمروس، الدينونة الصافية، ص 14 مقدمة المحقق
224 (1/224)
صفحة 225
قف الشيخ عمروس ومنهجه
نفاث، فقال أبو نصر: الآن جاء السلوقان اللذان يحرزان الحي من الذئب، وأما جروة أبي نصر فتنبح على الغنم وتنهزم " إهـ (1)
(2)
،
والسؤال
ويعني بالسلوقين الشيخ عمروس ومهدي، وبالذئب نفاث، وبجروة أبي نصر نفسه هو: هل كان دائما يحضر هذا المجلس أم جاءه عرضا؟ وهل كان يدرس فيه أم أنه يتلقى شيئا من العلم
عن أبي نصر؟
اكتفى الباحث أحمد كروم بالتعليق على ذلك بقوله: " هل كان دائما يحضر هذا المجلس أم جاءه عرضا؟ لا ندري " إهـ (3)، ولكن الذي يظهر من النص كما ذكره الشماخي أن المفتي والمجيب عن الأسئلة في مجلس العلم هو أبو نصر، فلعل الشيخ عمروس و مهدي يدرسان علما معينا مع أبي نصر، أو لعلهما قد بلغا درجة عالية من العلم في تلك الفترة – وهذا ظاهر من دحضهما لنفاث – فكانا يحضران المجلس طلبا للأجر، وللإفادة والاستفادة
(4)
3 - يقول الحسن بن محمد الوزان الفاسي من علماء القرن 10 هـ: " عمروس: مدشر" يقع على بعد نحو ستة أميال من طرابلس داخل الأراضي، ويوجد فيه عدد كبير من النخيل وبساتين مليئة بمختلف الأشجار المثمرة " إهـ هل كان الشيخ عمروس مدرسا في هذه المدينة؟ لماذا نسبت إليه؟ أم أنه مجرد تشابه في الأسماء ليس إلا، المصادر لا تساعد للإجابة على هذه الأسئلة (5)
السلاليق جمع السلوقي: الكلب الكبير المدرب على الحراسة، وجاء في المعجم الوسيط لن " السلوقي " منسوب إلى " سلوق " قرية تنسب إليها الكلاب الجياد، والدروع الجيدة، وجاء في لسان العرب أن " سلوق " أرض باليمن، وفي التهذيب: قرية باليمن، ينسب إليها الكلاب السلوقية، وكذلك الدروع، وقيل - كما جاء في لسان العرب - لن " سلوق " مدينة " الان " تنسب اليها الكلاب السلوقية، والسلوقي من الكلاب والدروع: أجودها (انظر: محمد بن مكرم ابن منظور (أبو الفضل)، لسان العرب، ج 7، دار صادر، بيروت، لبنان، ط 1: 2000 م، ص 237 - ابراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 444/ 1 عمروس، الدينونة الصافية،، ص 15 الهامش، مقدمة المحقق).
، السير، 149/ 1، 19/ 2 - 20 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 14 مقدمة المحقق.
(1) ? الشماخي (2) - الدرجيني، الطبقات، 314/ 2.) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 15 مقدمة المحقق.
- مدشر: لم أتمكن من معرفة المقصود بها، ولم استطع الحصول على كتاب " وصف إفريقيا " الذي أخذ منه الباحث أحمد كروم هذه المعلومة لأرجع إليها بنفسي وأفهم المقصود بها، وقد عدت إلى عدد من كتب البلدان والأقاليم والرحلات علي أجد نكرا لها فلم أجد، وحسب ما أفهمه مما نقله الباحث أحمد كروم عن كتاب " وصف إفريقيا " أنها مدينة أو قرية تسمى " عمروس " والله أعلم. (1) وصف إفريقيا، ج 2، ص 110، ترجمة محمد حاجي ومحمد الأخضر نقلا عن: عمروس، الدينونة الصافية، ص 15
مقدمة المحقق
() - عمروس، الدينونة الصافية، ص 15 مقدمة المحقق.
225 (1/225)
صفحة 226
الشيخ عمروس ومنهجه
4 - ذكر الباحث أحمد كروم أنه تصفح الكتب التي أوردت نسب المذهب الإباضي فلم يجد الشيخ عمروسا مذكورا في أي سلسلة من سلاسلها الذهبية، نظرا لأن هذه السلاسل عادة ما تحوي المتصدرين
(2)
لحلقات العلم الذين يتلقى عنهم التلاميذ أمانة الدين فيبلغونه لمن بعدهم من التلاميذ والدعاة (1) وبالفعل ما ذكره الباحث أحمد كروم صحيح، فقد عدت إلى الكتب التي أوردت سلاسل نسبة الدين عند إباضية المغرب، فلم أجد الشيخ عمروس مذكورا فيها (3)، ولكن ذلك لا يكفي كدليل على عدم اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس وتكوين طلاب علم أخذوا عنه العلم، خاصة أن الشيخ عمروس كان أعلم أهل زمانه، فكيف يفرط به طلاب العلم ويزهدون بما عنده، فلعل عدم ذكره في سلاسل نسبة الدين يعود إلى موت الطلاب الذين أخذوا عنه - وخاصة أن الفتن في ذلك الوقت كانت كثيرة، وتعرض الإباضية لكثير من المحن التي أزهقت فيها الكثير من الأرواح - فلم يتسن لهم نشر علم الشيخ عمروس الذي أخذوه عنه، فلم يكونوا طلابا ينقلون عنهم ما أخذوه عن الشيخ عمروس بتوالي
الأجيال.
هذه هي النصوص التي ذكرها الباحث أحمد كروم، وأزيد عليها:
(3)
(4)
ه - الملاحظ أن أبا مهاصر الأفطماني يكثر من مرافقة الشيخ عمروس، فلعله كان تلميذا له، وصديقا في نفس الوقت، فمن ذلك قصة خروجهما إلى البادية في الربيع، ومن ذلك قصة الرجل الذي سأله عن حكم الأخذ من مال ابن طولون، وكان أبو مهاصر حاضرا في المجلس ذلك أيضا قصة، ومن العبد الذي اشتكى إلى الشيخ عمروس مولاه، وكان أبو مهاصر حاضرا كذلك (5) ألا يمكن أن يستشف من خلال كثرة مرافقة أبي مهاصر للشيخ عمروس أنه تلميذ من تلاميذه؟ وقد يكون قرينا له في طلب العلم، حيث أن الملاحظ أنه يكثر من معارضة الشيخ عمروس،، ولكن بحكم كثرة مرافقته له ألا يمكن أن يكون أخذ عنه شيئا من المسائل؟ خاصة أن الشيخ عمروس كان يعد عالم أهل زمانه، أفلا يعتبر بذلك تلميذا من تلاميذه؟
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 15 مقدمة المحقق. (2) - أنظر سلاسل نسبة الدين عند إباضية المغرب في: الشماخي، السير، 213/ 2 - 217 - عبد الله الباروني، سلم العامة
والمبتدئين، ص 31 - 45
(1) - الدرجيني، الطبقات، 306/ 2 - الشماخي، السير، 171/ 1 - 172
(4) - الشماخي، السير، 194/ 1. (0) - المصدر السابق، 196/ 1.
226 (1/226)
صفحة 227
الشيخ عمروس ومنهجه
- وردت بعض النصوص ثبت من خلالها جلوس الشيخ عمروس للإفتاء ومدارسة العلم كما يظهر، من ذلك:
أ- قال الشماخي: " وفي السير سأله - يقصد سأل الشيخ عمروس - رجل بمحضر أبي مهاصر عمن أخذ من مال ابن طولون خرجا فتاب، ولم يعلم له صاحب؟ قال - أي الشيخ عمروس -: " تسأل عن مولاه، فإن أعياك أمره فتصدق به "، فغضب أبو مهاصر فقال: " لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا "، قال عمروس: " إن أردت أن تقعد فاقعد فإن من شأن المسلمين أن لا يؤيسوا أحدا من رحمة الله
" إهـ
(1)
الملاحظ من خلال هذا النص أن هناك مجلس يُجتمع فيه لطلب العلم والاستفتاء، وكان الشيخ
(-
عمروس يحضره، ليس هذا فحسب، بل كان هو المفتي فيه - كما يظهر من استفتاء الرجل له وكان كذلك هو المدير للمجلس، ويظهر ذلك من رده على أبي مهاصر حين أزمع الخروج، فرد عليه الشيخ عمروس: " إن أردت أن تقعد فاقعد ... "، فكأنه هو المسؤول عن الحاضرين في المجلس، فيظهر أنه كان أعلى سلطة في تلك المجلس، ولا يلي تلك المنزلة إلا شيخ الحلقة أو المجلس، فلعل هذه كانت حلقة للشيخ عمروس يجتمع فيها حوله طلاب العلم والمستفتون من مختلف أصناف الناس، ولعله هو الذي كون ذلك المجلس والله أعلم
(2)
الله
،
ب- قال الدرجيني: " وجلس معه ذات مرة داود بن ياجرين، وماطوس بن هارون رحمهم فتحدثوا حتى جرى بينهم ذكر أهل الصدق، وأهل الكذب، وذكروا أهل شروس، فقال الشيخان: * أن أهل شروس لا يكذبون "، فأظهر إجازة شهادة كل شروسي، فعاتباه على ذلك، فقال لهما: " إنما حكمت بشهادتكما، إذ زكيتما جميع أهل شروس "، فقالا: " ما أردنا ذلك "، فوقف عن الحكم بشهادة غير المعدلين ... " إهـ إن المتأمل في هذا النص يمكن أن يستخلص إمكانية كون داود بن ياجرين، وماطوس بن هارون من طلاب الشيخ عمروس، ولكن الدرجيني وصفهما بـ " الشيخان "، فلعلهما كانا على درجة عالية من العلم، وكانا يحضران في مجلس الشيخ عمروس للاستفادة من علمه، واستفادتهما من علمه جلية وظاهرة من خلال هذه القصة، وكذلك لعل الدرجيني عندما وصفهما بالشيخين، إنما من باب الاحترام
J_()
الشماخي، السير، 194/ 1
(1) الدرجيني
، الطبقات، 322/ 2 - الشماخي، السير، 193/ 1.
227 (1/227)
صفحة 228
الشيخ عمروس ومنهجه
للعلماء، حيث أنهما متقدمان على عصر الشيخ الدرجيني، فلعلهما كانا يطلبان العلم عند الشيخ عمروس في ذلك الوقت، ثم بعد ذلك أصبحا من العلماء، وإن كانا عالمين، فلا يمنع من استزادتهما من علم الشيخ عمروس، ودرجته في العلم معروفة، ولا يشق له غبار.
(1)
ولعل الشيخ عمروس عندما سلك بهما المنهج الغير مباشر في تصحيح خطئهما بسبب منزلتيهما لأنهما كانا من العلماء، فلا يريد إحراجهما أمام الآخرين، أو أراد تعليمهما وتعليم الحضور آداب تصحيح الخطأ بلا جرح لمشاعر المخطئ، وهذا من سمو أخلاق الشيخ عمروس، وهذا الذي أشار إليه الدرجيني بقوله: " ... وتأدب أن يواجههما بالمناقضة فسلك بهما طريقا يرجعان به إلى الصواب من غير تخطئة ولا توبيخ، وهذه إحدى فضائله ... " إهـ 7 - يمكن أن يستشف كذلك من عبارة قالها لأصحابه عندما التقى بالشيخ محمد بن محبوب، وهي قوله: " احفظوا السؤال وأحفظ لكم الجواب، حتى نقدم على إخواننا فنخبرهم بما حفظنا " فإن قوله: " ... حتى نقدم على إخواننا فتخبرهم بما حفظنا " يوحي أنه كان يقوم بالتدريس والإجابة على الأسئلة، فسأل الشيخ محمد بن محبوب عن الكثير من المسائل، وطلب من أصحابه إعانته على حفظها، ليفيد بها إخوانه من أهل المغرب، وكيف سيفيدهم إن لم يقم بتدريسهم ما تلقاه عن الشيخ محمد بن محبوب؟!
-
" إهـ
(2)
ذكرت المصادر وجود بعض من أفراد أسرة الشيخ عمروس كأخته، وأخيه، وأبنائه (3)، الذين ليس من المعقول ألا يحفظوا عنه شيئا من العلم والمسائل، وهو يعيشون معه!، فلعلهم تلقوا العلم على يديه، خاصة أخته العالمة التي أعانته على نسخ المدونة. 9 - ذكرت المصادر أن الشيخ عمروس أرسل عالما كبيرا إلى بلاد السودان، ولم تحدد اسمه، فلعل ذلك العالم من طلاب الشيخ عمروس، فأمره الشيخ عمروس بالتوجه إلى بلاد السودان لنشر الدين الإسلامي وتعليم الناس هناك، عندما رآه مؤهلا للقيام بهذه المهمة، فامتثل ذلكم العالم أمر شيخه والله أعلم
(1) - الدرجيني، الطبقات، 322/ 2 - 323 (2) - المصدر السابق، 324/ 2
(4)
(3) - البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 92، الدرجيني، الطبقات، 323/ 2 - الشماخي، السير، 194/ 1، 195 -
253/ 2، 254،
، الأزهار
الباروني (4) ? محمود اسماعيل، الخوارج، ص 223 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص 388؛ وذكر الباحث إبراهيم بحاز أن محمود اسماعيل يشير إلى أنه أخذ معلومته هذه من الوسياني أبي الربيع بسيرته المخطوطة الموجودة بدار الكتب المصرية، والظاهر أن الباحث إبراهيم بحاز لم يجد هذه المعلومة في النسخة الموجودة في ميزاب والتي اعتمد عليها، والحقيقة لني
=
228 (1/228)
صفحة 229
(1)
(2)
10 - ذكر الدرجيني أثناء تعرضه لترجمة الشيخ عمروس عبارات توحي باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس، من ذلك على سبيل المثال قوله: " ... فلحق بالنعيم المقيم، بعد أن خلف شيعه وأتباعه منتهجين الصراط المستقيم ... " إهـ ماذا يقصد الدرجيني بقوله " شيعه وأتباعه "؟ يحتمل أن يكون المقصود طلابه الذين أخذوا عنه الدين ونقلوه إلى من جاء بعدهم والله أعلم ونص آخر للدرجيني كذلك قوله: " ... ولم تزل الأمثال مضروبة به، بعلومه وآدابه، وحبال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه، إذ كان علم الدين يقتدى به ... " إهـ قول الدرجيني في النص السابق: " ... وحبال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه ... " يوحي بوجود طلبة علم يشدون رحالهم للنهل من معين الشيخ عمروس، ويتأملون الفوز بهذه الفرصة الثمينة فهو – كما قال الدرجيني بعد ذلك -: " علم الدين يقتدى به ... " والله أعلم هذا فيما يتعلق بالمصادر القديمة، فالملاحظ أنها لم تصرح باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس وتكوين طلبة العلم، ولكن يمكن استشفاف اهتمام الشيخ عمروس بالتدريس من خلال النصوص التي أوردتها تلك المصادر القديمة، وإن كان الأمر يظل مجرد احتمال
وأما المصادر الحديثة فقد صرح بعضها باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس، فممن صرح بذلك
(3)
الشيخ عبد الرحمن بكلي حين قال: " وقف حياته على العلم تحصيلا وتأليفا وتدريسا ... " إهـ وقد ذكر الباحث أحمد كروم أن هذه المصادر التي صرحت بكون الشيخ عمروس اشتغل بالتدريس،
ذكرت ذلك بلا إسناد
ذكرتها المصادر القديمة
بالتدريس والله أعلم
(4)
-
،
فلعل هذه المصادر التي صرحت بذلك اعتمدت على بعض النصوص التي
،
وقد أشرت إلى بعضها سابقا
،
فاستشفت منها اشتغال الشيخ عمروس
والذي رجحه الباحث أحمد كروم عدم اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس في حلقة علم، ومال إلى كونه من المتمكنين في العلم المشتغلين بالمناظرة في مجالس المخالفين ودحض شبههم، واستدل على ذلك
= لم أتمكن من الحصول على نسخة من سير الوسياني لأتأكد بنفسي، فأرجو مراجعتها والله أعلم. (انظر: بحاز، الدولة الرستمية، ص 388 الهامش).
(1) - الدرجيني، الطبقات، 320/ 2
(2) - المصدر السابق، 321/ 2
) - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1 الهامش
(4) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 15 مقدمة المحقق. (1/229)
صفحة 230
الشيخ عمروس ومنهجه
بعدم إسناد سلسلة المذهب الإباضي إليه، وهيبة نفاث منه إذا حضر مجلسا للمناظرة ... ، وذهب إلى أنه إمام من أئمة الإسلام الذين ذاع صيتهم بأقوال انفردوا بها، وساهموا في حفظ المذهب من التلاشي بتآليفهم القيمة، وغيرتهم النيرة ... على حد تعبيره ويحتاج أن نقف وقفة بسيطة عند كلام الباحث أحمد كروم، أولا كلامه يحتمل الصحة، خاصة أن المصادر القديمة لم تصرح باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس، أو وجود طلبة علم أخذوا عنه الدين، فقد يكون الشيخ عمروس لم يشتغل بالتدريس إنما اشتغل بالقضاء والمناظرة والجهاد والتأليف ... ، وأما المصادر الحديثة والتي صرح بعضها باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس كما مر، فهي لا تستند إلى دليل واضح وصريح بحيث تجزم بصحة ما ذهبت إليه
ولكن في المقابل الأمر يحتمل كذلك اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس، وقد أشرت إلى عدة نصوص جاءت في المصادر القديمة، حملت في طياتها شيئا من الإشارات الخفية إلى ذلك، فمن الصعوبة الجزم بعدم اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس مع عدم توفر الأدلة القاطعة في ذلك، خاصة وكما هو معلوم أن عصر الشيخ عمروس كان عصر صحوة علمية، فمن النادر ألا تجد عالما لا يشتغل بالتدريس ولو بشكل متقطع أو فترة بسيطة من حياته، فما بالنا بالشيخ عمروس الذي يعد أعلم علماء عصره! وقد استدل الباحث أحمد كروم لما ذهب إليه بدليلين، وهما: أولا: عدم إسناد سلسلة المذهب الإباضي إلي الشيخ عمروس، وثانيا: هيبة نفاث منه إذا حضر مجلسا للمناظرة. وفيما يظهر أن هذين الدليلين لا يكفيان حجة على عدم اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس، فعدم إسناد سلسلة المذهب الإباضي إلى الشيخ عمروس، من الصعوبة أن يجزم به دليلا على عدم اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس، فكم من العلماء والأئمة الذين اشتغلوا بالتعليم والتدريس، ولا توجد لهم سلسلة، أو لم يذكروا في سلسلة نسبة المذهب الإباضي لعدة أسباب: منها احتمال موت الطلبة الذين أخذوا عنه، فانقطعت السلسلة، وقد أشرت إلى ذلك كما مر، ومنها احتمال وجود عالم آخر شارکه تدريس الطلبة الذين يدرسهم ذلك العالم، فنسبوا إلى العالم الأول ولم ينسبوا إلى الثاني، ومنها التكتم على العلماء ومن أخذوا عنهم العلم خوف الفتن، والأعداء، وما أكثرها في عصر الشيخ عمروس،
(1) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 16 مقدمة المحقق (1/230)
صفحة 231
الشيخ عمروس ومنهجه
اشتغال
وأسباب أخرى كثيرة، فقد يكون عدم ذكر الشيخ عمروس في سلسلة نسب المذهب الإباضي لسبب من تلك الأسباب والله أعلم وأما هيبة نفاث منه عند حضوره مجالس المناظرة، فلا يكفي كدليل على نفي اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس، وذلك أن الشيخ عمروس التقى بنفاث في مجلس علم، وليس في مجلس مناظرة، وكان المفتي والمجيب أبو نصر التمصمصي، هذا أولا؛ ثانيا: هيبة نفاث من الشيخ عمروس، لا تتعارض مع الشيخ عمروس بالتدريس، فما المانع من الجمع بين المناظرة ومكافحة أصحاب البدع والمعتقدات الزائغة، وبين التدريس، والأمثلة على ذلك كثيرة، فكم من العلماء الذين جمعوا بين التدريس والمناظرة، فقد يكون الشيخ عمروس أحدهم والله أعلم والحقيقة أن الترجيح في هذه القضية الغامضة صعب جدا، لعدم صراحة الأدلة في ذلك، ولكن بالرغم من ذلك لا يستبعد - والأمر مجرد احتمال وليس ترجيحا - اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس، ولو قليلا من حياته، وذلك لوجود النصوص السابقة في المصادر القديمة والتي يمكن انتزاع ذلك منها، وكذلك وجود أخته العالمة، والتي لا يستبعد تلقيها العلم عنه، ووجود أبناء الشيخ عمروس وورثته الذين ليس من المعقول أن لا يأخذوا عنه شيئا من المسائل!، وأيضا كان أغلب علماء ذلك العصر يهتمون بالتدريس وتكوين حلق العلم، فكيف بمن كان أعلم أهل زمانه!
ولعل عدم التصريح من قبل المصادر القديمة باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس يعود إلى كونها ركزت على الجوانب الأخرى من حياته، وأهملت جوانب ثانية منها، فالملاحظ تركيزها على تعلمه، وعلى قضائه، ومؤلفاته، وجهاده، ولم تذكر الكثير عن حياته الشخصية وأسرته، ودوره في التعليم ... والله
أعلم.
هذا ما ظهر لي من خلال قراءتي لحياة الشيخ عمروس في المصادر والمراجع التي توفرت بين يدي، ولا أجزم بذلك، والأمر مجرد احتمال، ولعل الأيام تكشف للباحثين الجوانب المفقودة من حياة هذا
الإمام الجليل، الذي ضحى بحياته في سبيل إعلاء راية الدين.
231 (1/231)
صفحة 232
[صفحة فارغة] (1/232)
صفحة 233
الشيخ عمروس ومنهجه
- المبحث الثاني: مكانته العلمية وجهوده الدعوية:
ا - المطلب الأول: مكانته العلمية:
لقد تبوأ الشيخ عمروس مكانة علمية سامقة، حتى عد أعلم أهل زمانه، وأصبح مقصد الوراد، ومن يحتج بفتاويه وأحكامه؛ ولم ينل الشيخ عمروس هذه المنزلة العالية من فراغ، ولكنه تحصل عليها بجده واجتهاده وسهره على طلب العلم ومجالسة العلماء، وقراءة الكتب ونسخ المؤلفات في مختلف
إهـ
(1)
الفنون. وقد أثنى على الشيخ عمروس الكثير من فطاحلة العلماء من المتقدمين ومن المعاصرين، فأبو زكرياء قال فيه: " وكان عمروس عالما كبيرا، له كتابان في الأصول والفقه ... وكان حافظا فاطنا حاضر الحجة " وأثنى عليه الدرجيني في عدة مواضع من كتابه الطبقات، فمما قاله فيه: " ... عمروس بن فتح رضي الله عنه، بحر العلوم الزاخر، المبرز أول السباق وهو الآخر، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادمة تلك الهموم، فكابد وكابر، وصادر وصابر، لازم الدرس والاجتهاد، ثم رابط على الجهاد، يتلقى السيوف بالصدر والمنحر، يقيم هامته مقام المغفر، حتى انتظم في سلك من تحسبهم أمواتا وهم أحياء عند ربهم يرزقون لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) (2)، فلحق بالنعيم المقيم، بعد أن خلف شيعه وأتباعه منتهجين الصراط المستقيم ... " إهـ
إهـ
(3)
(4)
، وقال كذلك: -
وهو الذي لولاه لدثر معلم المذهب وانطمس، وعفر أثره واندرس " إهـ، وقال فيه أيضا:. ... له مصنفات في الفروع والعقائد، تولت فوائدها الصدور والقلائد، ولم تزل الأمثال مضروبة به، بعلومه وآدابه، وحبال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه، إذ كان علم الدين يقتدى به ... " إهـ (5)، وقال: " ... وكان عالما كبيرا، وله تواليف في الأصول والفروع ... " إهـ (6)
(1) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 150
(°)
يقصد قوله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل احياءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران، آية: 169).
(2) - سورة الانبياء، آية:103
- الدرجيني
، الطبقات، 320/ 2
(4) - المصدر السابق، 320/ 2
(9) - المصدر السابق، 320/ 2 - 321.
(1) - المصدر السابق، 84/ 1
233 (1/233)
صفحة 234
الشيخ عمروس ومنهجه
وقد أثنى عليه الدرجيني خيرا عند نسخه لمدونة أبي غانم، وكذلك عند لقائه بالعلامة أبي عبد الله محمد بن محبوب بمكة (1)، وأيضا عند مناظرته لنفاث هو ومهدي الويغوي، فقال بعد أن سرد الحادثة: " ... فصادفت الفحلين - يقصد الشيخ عمروس و مهدي -، فجعل الله بهما كيده في تضليل، وأرسل من بيانهما طيرا ترميه بحجارة من سجيل " إهـ
الله
(2)
وقال عنه البغطوري: " وذكروا عن عمروس أنه كان عالما كبيرا " إهـ (3)، وقد أثنى عليه
الشماخي ونقل ما ذكره الدرجيني فيه
(4)
وأثنى عليه الشيخ محمد بن محبوب كما مر، فقال حين سأله الشيخ عمروس: " إن كان أبو حفص في شيء من هذه البلاد فلا يصدر هذا السؤال إلا عنه، ولا يرد إلا منه ... " إهـ، وهذا دليل على المكانة العلمية التي وصل إليها الشيخ عمروس حتى وصلت شهرته إلى أئمة وعلماء المشرق، وحين أخبر الشيخ ابن محبوب أن السائل هو عمروس، رفع من مجلسه وقربه منه، إجلالا واحتراما لمكانة الشيخ عمروس، فتعمق الشيخ عمروس في الأسئلة، عند ذلك قال الشيخ ابن محبوب مبديا إعجابه
عظم
الخير
أن
الشديد بالشيخ عمروس وعلمه: " هذا من مكنون العلم لا يعلن به في قوم جهال " (5) وذكر أبو الربيع سليمان بن عبد السلام" عن أبي محمد عبد الله" عن أبي محمد ماكسن بن عمروسا كان أعلم أهل زمانه ()، وأثنى عليه الشيخ أبو نصر التمصمصي، حينما ناظر نفاث ودحض
(1) انظر: الدرجيني، الطبقات، 314/ 2،320، 324 (2) - المصدر السابق 314/ 20. () - البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 93. (4) ? الشماخي، السير، 192/ 1. (5) الدرجيني، الطبقات، 324/ 2 - الشماخي، السير، 193/ 1 - 194 - الباروني، الأزهار، 253/ 2 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 140.
"
- هو أبو الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسان بن عبد الله الوسياني (حي في: 557 هـ)، من أبرز أعلام الإباضية، ولد بقصطيلية من بلاد الجريد بتونس، نشأ باجلو من وادي اريغ، أخذ العلم عن أبي محمد عبد الله بن محمد العاصمي، ألف كتابا دون فيه سير أعلام المذهب الإباضي، واعتمد عليه كتاب السير من بعده (انظر: الدرجيني، الطبقات، 292/ 2، 295، 513 - 514 - الشماخي، السير، 113/ 2 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 204/ 2 رقم الترجمة: 452). " هو أبو محمد عبد الله اللواتي العاصمي، ولد في سنة 432 هـ، عالم جليل من المشايخ الأخيار ببلاد اريغ، حافظ للأخبار. وعليه العمدة في رواية تاريخ الإباضية، برع في مختلف الفنون، فكان عالما فقيها ضليعا في التفسير، وكان شاعرا أديبا واسع الاطلاع، من طلابه: ابو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني صاحب السير، وغيره، توفي في سنة 528 هـ، وترك ديوانا في الشعر (انظر: الدرجيني، الطبقات، 295/ 2، 470 - 480 - الشماخي، السير، 100/ 2 - 102، 156 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 272/ 2 - 273 رقم الترجمة: 596).
- هو أبو محمد ماكسن بن الخير بن محمد الجرامي الوسياني اليفرني، ولد بالقيروان في العقد الأول من القرن الخامس الهجري، عالم تنسب إليه أنواع الفضائل، وترفع إليه مهمات المسائل، فقد بصره وهو ابن سبع سنين، أخذ العلم عن أبي عبد الله محمد بن بكر وغيره، اسس حلقة للعلم، فتخرج منها مجموعة من العلماء منهم أبو محمد عبد الله بن محمد العاصمي =
234 (1/234)
صفحة 235
حجته، فوصفه بالسلوقي الذي أنقذ أغنام الحي من الذئب (1)، وقد مرت القصة في المبحث الأول من
هذا الفصل. واعترف بمنزلته العلمية أحد علماء فزان، المتمكنين من علم الكلام، حيث أرسل إلي الشيخ عمروس طالبا منه أن يؤلف له كتابا في الأصول، فكتب له الكتاب المعروف بـ " العمروسي "، فلما اطلع عليه العالم عبد الخالق الفزاني أقر بفضله عليه، فقال: " النفوسي أقوى مني "، وذلك أن عبد الخالق الفزاني وضع كتابين في الأصول يعرفان بـ " أصول الكلام " قبل أن يرسل إلى الشيخ عمروس،
(2)
(3)
فبزه الشيخ عمروس وقد أثنى عليه عدد العلماء والباحثين المعاصرين، فقال فيه الشيخ سليمان باشا الباروني: " وكان القاضي الكبير على الجبل ... العلامة العادل عمروس بن فتح رحمه الله ... " إهـ، وقال حين تحدث عن شهداء وقعة " مانو ": " ... وقد مات منهم اثنا عشر ألفا أربعة آلاف منها من نفوسة، والباقي من غيرها، وأربعمائة عالم فيهم من المشاهير العظام و [النجباء] " الكرام أبو ميمون
وعمروس
" إهـ
(4)
= الذي روى عنه السير، توفي في سنة 491 هـ (انظر: الدرجيني، الطبقات، 402/ 2، 412، 416، 421، 428، 434 - الشماخي، السير، 83/ 2، 84 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 352/ 2 رقم الترجمة: 764).، الطبقات، 321/ 2 - الشماخي، السير، 192/ 1. (1) - الدرجيني، الطبقات، 314/ 2 - الشماخي، السير، 149/ 1، 19/ 2 - 20
(1) الدرجيني
11
- ذكر د/ النامي أنه يحتمل أن يكون هذا العالم هو عبد الخالق الفزاني أو غيره، وذكر د/ علي يحيى معمر انه عبد الخالق الفزاني، وكذلك الباحث أحمد كروم، وقد ذكر قصة الفزاني مع الشيخ عمروس كل من البغطوري و الشماخي، ومن المحدثين الباروني، وبحاز في الدولة الرستمية، وأصحاب معجم اعلام الإباضية، ولم يذكر أي منهم أن الفزاني هو عبد الخالق الفزاني، وذكر أصحاب معجم الأعلام أن كتاب " العمروسي " هو نفسه كتاب " الدينونة الصافية "، إلا أن الباحث أحمد كروم – الذي تولى تحقيق " الدينونة الصافية عندما تعرض لذكر مؤلفات الشيخ عمروس، فرق بينهما، وعدهما كتابين مختلفين، وكذلك فرق بينهما الشيخ بكلي وقد انفرد بذكر هذا الكتاب " العمروسي " الشيخ الشماخي، مما دفع د/ النامي إلى نفي وجود هذا الكتاب تماما من مؤلفات الشيخ عمروس وذهب إلى أنه هو نفسه كتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " وهو لعمروس أيضا (انظر: جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف، لجوبة علماء فزان، ص 20، مقدمة المحقق - الشماخي، السير، 196/ 1 - البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 59 - الباروني، الأزهار، 254/ 2 - الجيطالي، القواعد، 13/ 1 الهامش علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 139 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 21 خليفة النامي، وصف مخطوطات إياضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقيا (مخ)، مقال منشور في المجلد 15 العدد (1) من مجلة " الدراسات السامية " باللغة الإنجليزية، 1970 م، ترجمه إلى العربية: سلطان بن مبارك الشيباني ص 21 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 327 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 322/ 2 رقم الترجمة: 690 - دليل المؤلفين قلبيين، ص 300 نقلا عن: عمروس، الدينونة الصافية، ص 21 المقدمة).
المقدمة.
عمرو
(2) ـ المصادر السابقة، نفس الأجزاء والصفحات
) - الباروني، الأزهار، 252/ 2
" - بياض في الأصل، وأضفت " النجباء " من عندي لإتمام المعنى.
(1) - الباروني، الأزهار، 282/ 2. (1/235)
صفحة 236
وقال فيه الشيخ بكلي عبد الرحمن: " الإمام عمروس بن فتح المساكني النفوسي إمام من
(1)
أئمة الدين
، وقال: " ... ووقف حياته على وكهف من كهوف العلم في القرن الثالث الهجري ... " إهـ
(2)
العلم تحصيلا وتأليفا وتدريسا وقضاء فترك لنا كتبا قيمة ... " إهـ " إهـ (2)، وقال أيضا: " ... فكان مثالاً للقاضي العادل الجريء في أحكامه، الخبير في حل مشاكل القضاء، وقضاياه العويصة ... " إهـ (3) وأثنى عليه كذلك د/ علي يحيى معمر، فقال: " قمة شامخة من قمم العلم، يندر أن تجد له مثيلا، ومؤمن مخلص في إيمانه، فهم حقيقة الإسلام وأسرار تشريعه، وبطل من أبطال الكفاح، يتضاءل أمامه الأقران، ويسوق الجموع في الميدان كما تساق القطعان، يملك إرادة بلغت من القوة مرتبة تذلل الصعاب، وتسهل العقاب، وتيسر الأسباب " إهـ، وقال: " ... كان حجة من حجج الإسلام " (9)، وقال أيضا: " كان عمروس من أكبر أئمة العلم والدين، وله أقوال انفرد بها، وحسب من أجلها إماما، ألف في علم الكلام وفي الفقه، ولا يخلوا موضوع في علوم الشريعة من آرائه إهـ، وقال: " كان إلى علمه وذكائه وسرعة بديهته لا يخشى أحدا في الحق ... " إهـ (7)، وقال كذلك: " أما عمروس فقد كان أعمق فهما لأسرار الشريعة وروح الإسلام
وأقواله
(9)
(7)
(8)
(9)
(4)
، والعمل بمقتضاه ... " إهـ، وقال: " ... وتولى عمروس القضاء، وسار فيه سيرة المؤمنين الأمناء، الذين يحافظون على حقوق الناس، ويخشون الله في عباده ويتقونه، وكان شديدا على الظالم، قويا عليه حتى يأخذ الحق منه " إهـ وأثنى عليه الشيخ أحمد بن سعود السيابي فوصفه بأنه: " ... واحد من عباقرة العلم وعلماء الإسلام، وقال أيضا: " إن علامية عمروس ودقة فهمه، وقوة استنباطه لمسائل العلم وقضاياه، جعلت الإمام الكبير محمد بن محبوب أن يظهر إعجابه بهذا النابغة المغربي، الذي سبقت
(10)
(1) - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1 الهامش.
(2) - المصدر السابق، 13/ 1 الهامش.
() - المصدر السابق، 13/ 1 الهامش
(4) - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 137.
(9) - المصدر السابق، ص 137 (1) - المصدر السابق، ص 139.
(2) - المصدر السابق، ص 140 (4) - المصدر السابق، ص 140.
(1) - المصدر السابق، ص 141
(10) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 3 المقدمة. (1/236)
صفحة 237
الشيخ عمروس ومنهجه
شهرته العلمية إلى المشرق العربي (1)، وقال: " إن هذه الحادثة اللقائية المكية – يقصد لقاء الشيخ
عمروس بالشيخ ابن محبوب - ترشدنا إلى ما لعمروس من منزلة عظمى في العلم، ودرجة عليا في الفهم
وقال فيه الباحث إبراهيم بحاز: " ويشغل عمروس بن فتح النفوسي مكانا بارزا في طبقات الإباضية، وقال أيضا: " والعمروس عدة مواقف قضائية وفقهية تدل على
إذ كان عالم غاية زمانه إهـ
غزارة علمه وعدله ... " إهـ
(3)
(
(4)
وقال عنه أصحاب معجم أعلام الإباضية: " ... إذ لم يشغله الجهاد في سبيل الله عن طلب العلوم
والتفقه في الدين، حتى صار أعلم أهل زمانه، وعرف بالحفظ والاجتهاد، والمعرفة والدراية " إهـ
،
(°)
(6)
وقالوا: " ... كان مثالا للقاضي العادل، جرينا في الحق، شجاعا بطلا في ميدان الترال " إهـ هذا فيما يتعلق بمكانة الشيخ عمروس العلمية، وستظهر لنا مكانته العلمية أكثر في المباحث القادمة
عند التعرض للحديث عن مؤلفاته ومناظراته، واشتغاله بالقضاء وأحكامه.
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 3 المقدمة. (2) - المصدر السابق، ص 3 المقدمة
) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 326 (4) - المصدر السابق، ص 327 (0) - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 321/ 2 رقم الترجمة: 690.
(1) - المصدر السابق، 322/ 2 رقم الترجمة: 690
237 (1/237)
صفحة 238
الشيخ عمروس ومنهجه
ب - المطلب الثاني: جهوده الدعوية:
لقد حاولت بالاعتماد على المصادر التي توفرت بين يدي أن أجد أدلة على بعض الجهود الدعوية التي
-
كان يمارسها الشيخ عمروس، ونوعها إن وجدت، ولكن المصادر - للأسف الشديد – لا تسعف
بمعلومات تساعد في الكشف عن نوع من الجهود الدعوية التي كان يمارسها الشيخ عمروس، ولكن وردت بعض النصوص يمكن أن يستشف منها بصيص من الجهود الدعوية التي كان يمارسها الشيخ عمروس رحمه الله، فمن جهوده الدعوية، إن صح أن أطلق عليها ذلك تجوزا: 1 - مناظراته لأصحاب المعتقدات الفاسدة، والأهواء المنحرفة، فقد ثبت عنه مناظرته لنفاث، برفقة مهدي الويغوي – كما مر سابقا - حتى وصفهما أبو نصر التمصمصي بالسلاليق التي أنقذت أغنام الحي من الذئب، وللأسف فإن المصادر لم تتعرض إلى الحوار الذي دار بين الشيخ عمروس ونفاث ومحتوى
المناظرة.
2 - قام الشيخ عمروس ببناء مسجد في قريته قطرس - كما مر - فلعله كان يهدف إلى استغلال ذلك المسجد لبعض الجهود الدعوية، كإقامة حلق العلم لطلابه، وإلقاء دروس الوعظ والإرشاد لعامة الناس، فهذا نوع من أنواع الجهود الدعوية.
3 - اهتم الشيخ عمروس بتجميع نفائس الكتب، ونسخها، وأكبر دليل على ذلك قيامه بنسخ مدونة أبي غانم التي تتكون من اثني عشر جزءا، فنسخها الشيخ عمروس بمساعدة أخته في مدة زمنية يسيره، بمقدار ذهاب الإمام أبي غانم إلى تيهرت، وعودته منها، وقيامه بنسخ وتجميع الكتب المهمة يعد نوعا من أنواع الجهود الدعوية، وقد أشار الشيخ علي يحيى معمر إلى قيام الشيخ عمروس بتجميع الكتب القيمة والنادرة، فقال: " ... ولقد كان - على هذا البعد عن مركز الاتصال والحركة – يستورد نفائس الكتب وغرائبها من كل مكان، وتصل إليه فيدرسها دراسة المتعمق الفاهم في أقل
4 -
(1)
الأوقات ... " إهـ ثبت عن الشيخ عمروس أنه قام بإرسال عالم كبير إلى بلاد السودان - كما مر – وقد كان هؤلاء العلماء الذين يقصدون بلاد السودان يقصدونها لعدة أهداف، منها ممارسة التجارة، ونشر الإسلام، فالظاهر أن هذا العالم الذي أرسله الشيخ عمروس إلى بلاد السودان، أرسله بهدف الدعوة ونشر
(1) علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 137.
238 (1/238)
صفحة 239
الشيخ عمروس ومنهجه
الإسلام في تلك البلاد، وتعليم أهلها أمور دينهم، وقد أشار الباحث إبراهيم بحاز إلى ذلك فقال: " ... وما وجود هذين العالمين – يقصد الشيخ عبد الحميد الفزاني، والعالم الكبير الذي أرسله الشيخ عمروس - ببلاد السودان، إلا دليل على دخول بعض ممالك السودان في الإسلام، وبالتالي احتاجت إلى من يفقهها في دينها، ويسلك بها المراحل الأولى في هذا السبيل " إهـ (1) ه ذكرت المصادر أن الشيخ عمروس خرج إلى البادية برفقة أبي مهاصر، فلعله كان يخرج لنشر الدعوة وتعليم القاطنين في تلك البوادي والأقفار
(Y)
- تحدثت في المبحث السابق عن اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس، وذكرت بعض الروايات التي أشارت إلى جلوس الشيخ عمروس في مجالس العلم، وقيامه بالإفتاء للناس، وهذا نوع من أنواع الجهود الدعوية التي كان يمارسها الشيخ عمروس فيما يظهر والله أعلم
هذه بعض الشذرات البسيطة عن جهود الشيخ عمروس الدعوية، والحقيقة أن المصادر لا تسعف كثيرا في ذلك كما ذكرت، ولكن يمكن من خلال هذه الأمثلة البسيطة تصور مدى الجهد الدعوي الذي كان يمارسه الشيخ عمروس، خاصة أن ذلك العصر الذي عاش فيه الشيخ كان عصر صحوة ونهضة علمية ودعوية ضخمة، فكان العلماء يقومون بجهود كبيرة في نشر الدين الإسلامي، والعقيدة
الصحيحة.
(1) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 388 - 389
(2) - الدرجيني
، الطبقات، 306/ 2 - الشماخي، السير، 171/ 1 - 172.
239 (1/239)
صفحة 240
[صفحة فارغة] (1/240)
صفحة 241
- المبحث الثالث: آثار الشيخ عمروس) مؤلفاته وفتاويه ومناظراته):
أ - المطلب الأول: مؤلفاته:
ذكرت المصادر وجود بعض المؤلفات التي تنسب إلى الشيخ عمروس، فمن مؤلفاته:
1 - كتاب " العمروسي وقد مر الحديث سابقا عن سبب تأليفه، وقد نبهت سابقا على أن أصحاب معجم أعلام الإباضية
ذكروا أن كتاب " العمروسي " هو نفسه كتاب " الدينونة الصافية "، إلا أن الباحث أحمد كروم الذي تولى تحقيق " الدينونة الصافية عندما تعرض لذكر مؤلفات الشيخ عمروس، فرق بينهما،
-
وعدهما كتابين مختلفين، وكذلك فرق بينهما الشيخ بكلي والغريب أن الباحث أحمد كروم، عند تعرضه لإثبات نسبة كتاب " أصول الدينونة الصافية " للشيخ
عمروس، احتج بما ذكره الشماخي في قوله:. وبعث إليه بعض الأشياخ المتكلمين من أهل فزان أن " إهـ يؤلف له كتابا في الأصول، فكتب إليه الكتاب المعروف بالعمروسي
(1)
، فعد هذا النص
"
دليلا على نسبة كتاب " أصول الدينونة الصافية " للشيخ عمروس! (2)، أي أن كتاب " العمروسي هو نفسه كتاب " أصول الدينونة الصافية "! وهذا تناقض واضح، فعند ذكره لمؤلفات الشيخ عمروس يعد " العمروسي " و " أصول الدينونة الصافية " كتابين مستقلين، وعند تعرضه للحديث عن إثبات
(3)
نسبة كتاب " أصول الدينونة الصافية " يعتبرهما مؤلفا واحدا!! وقد انفرد بذكر هذا الكتاب " العمروسي " الشيخ الشماخي كما ذكرت سابقا، مما دفع د/ النامي إلى نفي وجود هذا الكتاب تماما من مؤلفات الشيخ عمروس، وذهب إلى أن كتاب " العمروسي " هو
""
- يلاحظ أن الباحث أحمد كروم أطلق على كتاب " العمروسي العمروس "، فخذف حرف " الياء " من آخره، فلا أدري هل له وجهة نظر في ذلك حيث أنه لم يوضح السبب الذي دفعه إلى ذلك؟! لم أنه مجرد خطأ مطبعي؛ والصحيح هو " العمروسي " حسب ما وجدته في المصادر التي وقفت عليها والله اعلم.
انظر ص 235 الهامش - انظر كذلك ص 235 الهامش
(1) - الشماخي، السير، 196/ 1
(2) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 44.
- المصدر السابق، ص 21. (1/241)
صفحة 242
الشيخ عمروس ومنهجه
"
نفسه كتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين ""، والظاهر أن ما ذهب إليه النامي غير صحيح،
فلو لم يكن كتاب العمروسي موجودا لما ذكره الشماخي والله أعلم.
-2 - كتاب " أصول الدينونة الصافية " (1): كتاب فقهي عقائدي، وقد قسمه الشيخ عمروس إلى قسمين، القسم الأول خصصه للعقيدة، والقسم الثاني خصصه للفقه، وقد تم تحقيق هذا الكتاب من قبل الباحث حاج أحمد كروم، وقامت وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان بطباعته عن طريق مطبعة عمان، مع تحقيق الباحث المذكور؛ وسأتناول الحديث عن هذا الكتاب بالتفصيل في الفصل القادم، موضحا المنهج الفقهي والعقائدي للشيخ عمروس من خلاله
- کتاب " الحكم والمعارف ":
ذكره الشيخ بكلي ولم يذكر محتواه (2)
- كتاب " أعلام الملة ":
ذكره الشيخ بكلي ولم يذكر محتواه، والذي يظهر من عنوانه أنه يتناول الحديث عن أئمة الدين
والعلماء والترجمة لهم والله أعلم
ه- كتاب " عمروس بن فتح "
(3)
ذكره البرادي، ولم يوضح محتواه (4)، فهل هو كتاب " العمروسي "؟ يحتمل خاصة للتقارب في
عنوانيهما والله أعلم.
6 - كتابان في الأصول والفقه:
ذكرهما أبو زكرياء بلا توضيح لمحتواهما (5).
أنظر ص 235 الهامش.
(1) - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1 الهامش - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 46، 221 - النامي، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقيا (مخ)، ص 20 - الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 109 - دليل
المؤلفين اللبيين، ص 300 نقلا عن: عمروس، الدينونة الصافية، ص 21 المقدمة.
ـ أنظر الفصل الرابع ص 267 (2) - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1 الهامش.
) - المصدر السابق، 13/ 1 الهامش. (1) البرادي، الجواهر (مخ)، ص 219 (0) - ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 150.
242 (1/242)
صفحة 243
كتاب في " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين
(1)
الشيخ عمروس ومنهجه
لم أطلع على هذا الكتاب، والظاهر أنه لا يزال مخطوطا؛ وقد وقف عليه الباحث عمرو النامي ومن خلال وصف النامي له فإنه يتكون من 36 صفحة، 26 سطرا في الصفحة، 20,5 × 14,5 سم؛ ونوع الخط مغربي قديم، وبدون تاريخ، والناسخ عبد الله بن عيسى بن زكرياء النفوسي؛ وعنوان المخطوط: " كتاب فيه الرد على الناكثة، وأحمد بن الحسين، وهو مما رد عليهم عمروس بن فتح في الأسماء، وفي ولاية الله وعداوته، وفي وجوه كثيرة ... ؛ ثم بعد ذلك ذكر النامي نصا من بداية المخطوط، ونصا من آخره؛ وذكر - أي النامي - أن هذا العمل يقدم وجهة نظر الإباضية في الأسس والقواعد المهمة في الفقه الإسلامي والعقيدة، وأشار إلى أن أهمية الكتاب تكمن في أنه أقدم إنتاج في هذا الموضوع لا يزال موجودا عند الإباضية في شمال إفريقية (2)؛ وللأسف فإن النامي لم يشر في أي مكتبة
توجد مخطوطة هذا الكتاب
- مشروع كتاب لم يتم:
أراد الشيخ عمروس - رحمه الله - أن يؤلف كتابا يقسمه على ثلاثة أوجه: التنزيل والسنة والرأي
مضمنا كل قسم ما يتعلق به من مسائل، إلا أن المنية داهمته قبل إتمام مشروعه (3)، فعسى أن ينال أجر النية، قال الدرجيني: " بلغنا أنه هم أن يعلق تأليفا في الفقه، لم يسبق في طريقته، عزم أن يفرق العلم على ثلاثة أوجه: التنزيل، والسنة، والرأي، وما يتعلق بكل واحدة منها من المسائل، فيرتب كل باب من أبوابه، ويبنيه على القواعد الثلاثة، وصرف إلى ذلك وجه العناية والاكتراث، حتى يكون تأليفه طرازا لما صنف في علوم شرائع الإسلام، فلم يقدر الله بذلك، بل قضى ياعجال الحمام، ونرجو به أن يكون له ثواب ما نواه، فجزاه على الكمال والإتمام " إهـ
(4)
،
،
هذه هي المؤلفات التي تركها الشيخ عمروس، حسب ما ذكرته المصادر، وقد ذهب د/ النامي إلى الجزم بأنه لم يبق من تراث الشيخ عمروس غير رسالتين، هما " الدينونة الصافية " و " الرد على الناكثة
) النامي
، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقيا (مخ)، ص 21 - النامي، دراسات عن الإباضية، ص
221 - دليل المؤلفين اللبيين، ص 300 نقلا عن: عمروس، الدينونة الصافية، ص 21 المقدمة. - لم أجد له ترجمه، ولكن الظاهر من نسبه أنه من جبل نفوسة، ولعله كان يشتغل بالنسخ والله أعلم. (1) - أنظر: النامي، وصف مخطوطات إياضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقيا (مخ)، ص 21 البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 93 - الدرجيني، الطبقات، 4/ 1، 320/ 22 - الشماخي، السير، 192/ 1 - الباروني، الأزهار، 252/ 2 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 139. (4) - الدرجيني، الطبقات، 84/ 1، 320/ 2.
243 (1/243)
صفحة 244
الشيخ عمروس ومنهجه
(1) m
(3)
وأحمد بن الحسين، وذهب الشيخ فرحات الجعبيري إلى الجزم بوجود الدينونة الصافية فقط، وأنه وجد مخطوطته في دار التلاميذ بمدينة العطف بوادي ميزاب، وذكر أن كتاب " الدينونة الصافية " هو القسم الأول من كتاب في الفقه حسب المخطوطة التي وجدها في دار التلاميذ (2)، وهذا ما أشار إليه د النامي فذكر أن " أصول الدينونة الصافية " قسم من مخطوطة متعددة المحتويات؛ والحقيقة أن الباحث أحمد كروم لم يشر إلى ما ذكره الجعبيري والنامي عند تحقيقه للدينونة (4)، ولكن أصحاب معجم أعلام الإباضية ذكروا وجود كتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين "، وأنه لا يزال مخطوطا ب - المطلب الثاني: فتاويه:
لقد ذكرت المصادر عدة نصوص، تضمنت بعض فتاوى الشيخ عمروس في بعض المسائل وترجيحه فيها، والذي يظهر من ترجيحات الشيخ عمروس، سواء من خلال تلك المسائل المبثوثة في بطون كتب المذهب الإباضي، أو من خلال المسائل المختلفة التي أوردها في كتابه " الدينونة الصافية " أنه غير مقلد
(6)
بل مجتهد، يعتمد على نفسه في ترجيح الأقوال، وهذا ما ذهب إليه الباحث أحمد كروم فقال: " ولعل انفراده ببعض هذه الفتاوي عن معظم علمائنا، يجعلني أتجرأ على العلماء فأصفه بأنه بلغ " درجة الاجتهاد في الدين " ... " إهـ ونأخذ بعض المسائل التي أفتى فيها الشيخ عمروس كنماذج على فتاويه، والتي ظهرت قوته العلمية خلالها، فمن هذه المسائل: 1 - حدث جماعة من المشائخ أن أبا مهاصر خرج سنة من السنين إلى البادية في أوان الربيع، هو وعمروس بن فتح رحمهما الله، فلبثا أياما على غير ماء في برية من الأرض، لا يجدون ما يتوضأون به، إنما كانوا إذا حضرت الصلاة تيمموا وصلوا، وتكدر خاطر أبي مهاصر لذلك، حتى قال ذاما لهذه الحالة: " قلوب تربو عليها الشحوم مما سمنت، ووجوه تعلوها الغبرة، قلت سلامة الدين مع أهل الوبر، إنما الدين في المدر، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لاتباع الشهوات، وإني لأخاف أن أكون ممن عاب
(1) - النامي، الرد على جميع المخالفين، ص (ي) محققة مرقونة، المقدمة نقلا عن: عمروس، الدينونة الصافية، ص 22
المقدمة.
(2) ? الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 109 - الجعبيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، ص 34.) - النامي، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقيا (مخ)، ص 20. (4) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 7 - 8، ص 43 - 56 (0) - بحار وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 322/ 2 رقم الترجمة: 690. (1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 22 المقدمة.
244 (1/244)
صفحة 245
الشيخ عمروس ومنهجه
الله عزوجل، فقال فيهم: أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّا) (1).، فرد عليه الشيخ عمروس بقوله: " ليس في ذلك ما تخافه، فقد أباح الله التيمم عند الضرورة، فأبان ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه، وذلك في ابتغاء الفضل، وقطع الفيافي والمجاهل من الأرض، وقال له: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (2)، وقال: عَابِرِي سَبِيل) (3)، وقال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا {صعيداً طيباً (4) (ق) فلم يقنع ذلك جميعه أبا مهاصر، بل ارتحل راجعا إلى منزله
وقوة الشيخ عمروس العلمية ظاهرة من خلال استدلاله بالقرآن والسنة، ورجوعه إليهما مباشرة مستنبطا منهما الدليل على ما رجحه، فلم يأت بقول أحد العلماء مكتفيا بما رجحه ذلك العالم، بل عاد إلى أول مصدرين للتشريع وهما القرآن والسنة.
2 - سأله رجل بمحضر أبي مهاصر عمن أخذ من مال ابن طولون خرجا فتاب، ولم يعلم له صاحبا، قال الشيخ عمروس: " تسأل عن مولاه، فإن أعياك أمره فتصدق به "، فغضب أبو مهاصر، فقال: " لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا "، قال الشيخ عمروس: " إن أردت أن تقعد فاقعد، فإن من شأن المسلمين أن لا يؤيسوا أحدا من رحمة الله " (6)
وقد علق الشيخ علي يحيى معمر على هذه الحادثة التي أظهرت مدى سعة علم الشيخ عمروس وتعمقه في فهم أسرار الشريعة، فقال: " لقد كان أبو مهاصر شديدا، وهو يرى أنه يلزم صاحب الخرج أن يبحث عن صاحبه أو ورثته مهما كلفه الأمر، ولن يبرئه من التباعة غير ذلك، أما عمروس فقد كان أعمق فهما لأسرار الشريعة وروح الإسلام، والعمل بمقتضاه، وقد أصبح قول عمروس هو المعمول به في الأحوال المشابهة " إهـ موقفه مع داود بن ياجرين، وماطوس بن هارون، عندما زكيا كل أهل شروس، فأظهر الشيخ عمروس إجازة شهادة كل شروسي، وقد مر الحديث عن هذه الحادثة سابقا، عند الحديث عن اشتغال
الشيخ عمروس بالتدريس
(1) - سورة مريم، من الآية: 59
(2) - سورة الجمعة، من الآية: 10
) - سورة النساء، من الآية: 43. - سورة الـ ة النساء، من الآية: 43.
_ (1)
(V)
(0) - الدرجيني، الطبقات، 306/ 2 - الشماخي، السير، 171/ 1 - 172.
(1) - الشماخي
، السير، 194/ 1 -
) - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 140.
- انظر ص 227
245 (1/245)
صفحة 246
الشيخ عمروس ومنهجه
من خلال هذا الحادثة يلاحظ أن الشيخ عمروس ذهب إلى الأخذ بشهادة كل شروسي، معتمدا في ذلك على شهادة كل من داود بن ياجرين، وماطوس بن هارون فيهما، وهما عدلان ثقتان، فأخذ الشيخ عمروس بقوليهما في أهل شروس، والشيخ عمروس يعلم أن ما قاله كل من داود بن ياجرين، وماطوس بن هارون في أهل شروس، فيه الكثير من المبالغة، فأراد أن يعلمهما درسا من خلال ذلك حتى لا يلقيا الكلام على عواهنه بلا حذر أو تثبت، وقد أثنى الدرجيني على الشيخ عمروس وسمو خلقه من خلال هذه الحادثة كما مر علينا سابقا حين حضرت أم عمروس الوفاة - وكان عمروس في المهد رضيعا - أوصت بوصايا، وأشهدت بها شهود الوصية، فقالوا لها إلى من تفوضين تنفيذ هذه الوصية؟ قالت إلى ذلك الذي في مهدي،، فأشارت إلى عمروس ... فلما كبر، وبلغ مبلغ الرجال، شرع في تنفيذ وصية أمه، حتى لم يبق منها إلا الحج، فتوقف، وأشكل عليه الأمر، وجعل يسأل في جهات نفوسة عن أحوال والدته، فلم يجد من يعرف حالها ويتولاها، غير امرأة واحدة، فتولاها لذلك، وحج عنها (1)
والذي يمكن استخلاصه من خلال هذا النص الآتي:
أ- ترجيح الشيخ عمروس من ذهب إلى أن الحجة في ولاية الدين يمكن أن تقوم بشهادة النساء والعبيد، إذا كانوا ممن قبل قوله وتقوم به الحجة (2) ب لم يجز الشيخ عمروس لنفسه أن يحج عن أمه قبل أن يعرف هل هي في الولاية أم في البراءة؟ آخذا بقول من يقول بأن من يحج عن غير متولى فإنه غير مرضي الفعل، ولا مشكور الحال
(4)
(3)
ج- جواز استخلاف الوارث على تنفيذ الوصية، ولو كان في المهد صبيا 5 - قام الشيخ عمروس بنسخ مدونة الشيخ أبي غانم الخرساني - وقد مر الحديث على ذلك –، فأجاز الشيخ عمروس لنفسه نسخها، مع أنه لم يستأذن صاحبها أبا غانم أنه لم يستأذن صاحبها أبا غانم، وإنما فعل ذلك لما في ذلك من مصلحة للمسلمين، وبالفعل فبفضل قيام الشيخ عمروس بنسخ المدونة، وصلت إلينا في هذا الزمان
(°)
- ذكرت سابقا، عند تناولي لنشأة الشيخ عمروس أن هذه القصة فيها شيء من المبالغة، فمن غير المعقول الا يجد الشيخ عمروس من يعرف حال امه غير امرأة واحدة!، وجبل نفوسة مليء بالناس شبابا وشيبا، فالأمر فيه شيء من الغموض ونوع من المبالغة والله أعلم (انظر ص 197 - 198). (1) - الدرجيني
، الطبقات، 324/ 1 - 325 - الشماخي، السير، 195/ 1.
(1) - الدرجيني، الطبقات، 325/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 25 للمقدمة.
(1)
) ـ نفس المصدرين السابقين، نفس الجزء والصفحة.
، الدينونة الصافية، ص 25 المقدمة. عمروس
(0) - المصدر السابق، ص 24 المقدمة.
246 (1/246)
صفحة 247
الشيخ عمروس ومنهجه
، ولولاه لضاعت، حيث أن النسخة الأخرى التي أهداها أبو غانم للإمام عبد الوهاب احترقت مع ما احترق من كتب للأصحاب بيد أبي عبد الله الشيعي كما مر -6 - كان لأبي محمد ملي الإيدرفي بقرة يحلبها، وعادتها إذا أصبح قامت امرأته فتناولت القدح فتحلبها ساكنة لا تتحرك، ولا تنفر، فلما كان ذات يوم قامت إليها لتحلبها على حسب العادة، فركضتها برجلها، فانكب القدح، وتبدد اللبن، فقامت المرأة فذكرت ذلك لبعلها، فقال: " ما هذا إلا لنازلة سوء شنيعة نزلت بالجبل "، فأخذ عكازه وخرج مبادرا، فأتى جمع أهل الجبل، فوجدهم مختلفين على رجل ينكل ويجلد، فسألهم عن شأنه، فقالوا له: " جاء فيه كتاب من الوالي "، فقال: " أبسواد في بياض تمرق الدماء يا نفوسة؟ - أو قال - يا معشر المسلمين "، فقالوا للشيخ عمروس: " جاوبه "، فقال: " إذا قيل الحق بطل الجواب "، ثم سألوا فوجدوا الرجل المكتوب فيه غير هذا المظلوم، فلما علموا أنهم قد تعدوا، وأنه بريء، قوموا جنايتهم عليه، وغرموها (1).
وهنا نرى الشيخ عمروس بالرغم من مكانته العلمية العالية إلا أنه بشر معرض للخطأ، وقد أخطأ في هذه القضية، وعندما تبين له الحق تراجع مباشرة وأقر بالحق فقال: " إذا قيل الحق بطل الجواب "، وهذا دليل على سعة علمه وتواضعه فلا ينتصر لنفسه أو تأخذه العزة بالإثم وكذلك نلاحظ أن من كان حاضرا لتطبيق العقاب على ذلك الرجل المظلوم قدم الشيخ عمروس ليجيب الشيخ أبا محمد الإيدر في، ولن يقدموا الشيخ عمروس إلا لأنه أعلم الحضور ومرجع الفتوى في مدلهم الأمور؛ إذا فلا يبعد أن يكون هو الذي أفتى بالغرم لذلك الرجل المظلوم وتقويم جنايتهم عليه.
- هو أبو محمد ملي الإيدرفي، وقيل: زيد بن قصيت، والذي يظهر من كلام الشماخي أنه يميل إلى الاسم الثاني، ولكن الدرجيني ذكر الأول، وهو " ملى " ولم يشر إلى الاسم الثاني، واختار اصحاب معجم الأعلام ما ذكره الدرجيني، فلعله هو الأصح والله أعلم، وقد ذكر البغطوري هذه القصة ونسبها إلى شخص يكنى بأبي الليث، فلعلها كنية أخرى له والله اعلم؛ وأبو محمد ملي يعد من الطبقة السادسة (250 - 300 هـ)، ويعتبر من مشايخ جبل نفوسة بليبيا، مشهور بالتقوى والورع والزهد والكرامات، وكان من خيار أهل الدعوة، ومستجاب الدعاء، وقد عاصر الشيخ عمروس بن فتح، وأبا نوح سعيد بن زنغيل النفوسي، مارس الفلاحة واهتم بالتعليم، من تلاميذه: ابو يوسف مجدول التنزغتي (انظر: البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ)، ص 48 - الدرجيني، الطبقات، 332/ 2 - 334 - الشماخي، السير، 241/ 1 - 242 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 424/ 2 رقم الترجمة: 907). - الوسياني، سير (مخ)، ص 14 نقلا عن: عمروس، الدينونة الصافية، ص 26 المقدمة - الدرجيني، الطبقات، 333/ 1
_ ()
334 -
247 (1/247)
صفحة 248
الشيخ عمروس ومنهجه
7 - حين سمع الشيخ عمروس بموت أبي مهاصر - رفيقه ومن كان يعارضه على فتاويه - أسرع ليبلغ جنازته، فوصلهم وهم يجعلون التراب على قبره، فوضع يده عليه وقال: " الآن يا أخي أمنت لك " يعني من همزات ومكائد عدو الله إبلس لعنه الله وأخزاه (1).
وقد ظن الجهال من أهل قرية أبي مهاصر، أن الشيخ عمروس استراح منه حين مات، عندما سمعوا ذلك القول من الشيخ عمروس، قال الشماخي: فقال الجهال: استراح منه، وتأولوه للأمور الدنيوية، أعني جهال أفاطمان بلد أبي مهاصر " إهـ
8 - قام الشيخ عمروس - قبل خروجه للقاء الأغالبة في موقعة مانو التي نال فيها الشهادة – بكتابة وصيته وقال لورثته: " اعملوا بما فيها، وأنا خصيمكم غدا بين يدي
الله
(3).
في موقعة " مانو " تعرض الإباضية للهزيمة من قبل الأغالبة، وقتل الكثير من العلماء، وكان من بينهم الشيخ عمروس - وسيأتي الحديث عن ذلك -، وعندما وقع في الأسر وأحضر لإبراهيم بن الأغلب - الرجل المسعور كما وصفه الشيخ علي يحيى معمر – قال للشيخ عمروس: " سلني العفو فاعف عنك "، فأجاب الشيخ عمروس: " إن الأعمار بيد الله، وتلك كلمة لن تسمعها مني أبدا "، فقال ابن الأغلب: " إذن فارجع عما أنت عليه - يقصد عن المذهب الإباضي – لنتركك، فقال: " تلك كلمة لا أقولها حتى ألحق بالله "، فقاموا بقرض يديه بمقاريض الحديد، حتى وصلوا إلى المرفقين ففاضت روحهه الطاهرة إلى باريها، لتسكن أعالي فراديس الجنان، مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} (4) (5)
إن الشيخ عمروس كما يظهر من خلال النص السابق لم يأخذ بالتقية في الدين لينجي نفسه، بل إنه جهر بالحق في وجه الطاغية ابن الأغلب، ولم تذكر المصادر السبب الذي دفع الشيخ عمروس إلى عدم الأخذ بالتقية، ولكن لعله رغب بالفوز بالشهادة، وهي أعظم أمنية يتمناها المؤمن بالله حق الإيمان، ولعله كذلك – وبسبب اعتزازه بمذهبه وعقيدته - لم يرد أن يظهر الضعف أمام ابن الأغلب، حتى لا
(1) - البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 94 - الشماخي، للسير، 194/ 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 26
المقدمة.
(2) ? الشماخي، السير، 194/ 1.
) - الدرجيني، الطبقات، 323/ 2 - الشماخي، السير، 195/ 1. (4) - سورة النساء، من الآية: 69.
(9) - البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 95 - الشماخي، السير، 195/ 1، 229 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 142 - 143
(
248 (1/248)
صفحة 249
الشيخ عمروس ومنهجه
يهابه أتباع هذا المذهب، ويعلموه أنهم لا يتخلون عن مذهبهم وعقيدتهم، وإن كان الثمن إزهاق
أرواحهم، والشيخ عمروس يضرب لنا هنا مثلا بالتضحية بكل غال ونفيس للمحافظة على هذا الدين الذي جاء به نبيا، وإن كان الثمن حياتنا، فهي رخيصة أمام المحافظة على دين الله تعالى، وعلى
العقيدة الحقة
وكذلك لعل الشيخ عمروس - وبنظرته الثاقبة التي تستشرف المستقبل - نظر إلى النشء والأجيال القادمة، فأراد أن يعلمهه درسا بتضحيته الغالية تلك، حتى يتمسكوا بهذا المذهب، الذي ضحى أئمتهم وعلماؤهم بأموالهم وأنفسهم في سبيل المحافظة عليه، وإبلاغه إلى من بعدهم، فخاف الشيخ عمروس إذا أخذ بالتقية، أن يتبعه من جاء بعده، فيبدأ الأمر بالتقية حتى يصل إلى الجبن والضعف والخور، فيذوب هذا المذهب بين المذاهب والتيارات المختلفة، فيصبح أثرا بعد عين والله أعلم
ج - المطلب الثالث: مناظراته:
من خلال بعض النصوص - حسب ما وجدت في المصادر المتيسرة - يتبين تصدي الشيخ عمروس لمناظرة بعض أصحاب العقائد المنحرفة، الذين دأبوا على نشرها بين العوام، ففتنوهم في دينهم، فانبرى لهم الشيخ عمروس، وتكفل بقمع فتنهم، وأراح المسلمين من شرورهم، وهذه النصوص كالآتي:
النص الأول: ورد في بعض المصادر أن جماعة اجتمعت في " تنين إزدرشل " لطلب العلم، وفيهم أبو نصر التمصمصي، وكان هو المفتي، وفيهم نفاث بن نصر وهو يلقي عليهم من المسائل العويصة ما لا يفهمون، فأقبل مهدي، وعمروس، فسكت نفاث، فقال أبو نصر: " الآن جاء السلوقان اللذان يحرزان الحي من الذئب، وأما جروة أبي نصر فتنبح على الغنم وتنهزم من خلال هذا النص يتبين أن الشيخ عمروس كان من فحول المناظرين المتمكنين من علم الكلام، فاستطاع أن يقمع نفاث، ويبطل حججه الواهية.
النص الثاني:
(1).
يروى عن أحد أقدم علماء الإباضيين أنه قال: " لولا عمروس بن فتح، وأفلح بن عبد الوهاب
اللذان رفضا آراء نفاث بن نصر وأحمد بن الحسين، لتبعتهم المذاهب " إهـ
(1) الدرجيني، الطبقات، 314/ 2 - الشماخي، للسير، 149/ 1، 19/ 2 - 20. - لم تذكر المصادر اسمه.
(2)
،
249 (1/249)
صفحة 250
الشيخ عمروس ومنهجه
من خلال هذا النص يتبن أن للشيخ عمروس فضل كبير في قمع بعض الفرق الزائغة التي حاولت أن تبث سمومها في أوساط أتباع المذهب الإباضي، فاستطاع أن يردعها، وينقذ المذهب وأتباعه من
الانزلاق خلفها
النص الثالث:
(1)
ذكر أصحاب معجم أعلام الإباضية أن الإمام أبا حاتم يوسف بن محمد بن أفلح قام باستدعاء الشيخ عمروس ليقضي على بدعة نفاث صاحب الفرقة النفاثية، التي أخذت تفسد من ويغو إلى نفوسة، فقضى عليها وعلى نفاثها إذا فقد وصل من تمكن الشيخ عمروس في المناظرة وعلم الكلام أن بلغت شهرته الإمام أبي حاتم الذي كلفه بمجابهة نفاث وفرقته، والقضاء عليها، وفعلا استطاع الشيخ عمروس القضاء على نفاث
وفرقته. النص الرابع:
ذكرت بعض المصادر قيام الشيخ عمروس بتأليف كتاب في " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " "، وهذا دليل على تبحر الشيخ عمروس في علم الكلام وفن المناظرة، فلم يكتف بقمع هذه الفرق الضالة عن طريق مجالس المناظرة معهم، بل قام بتأليف المؤلفات التي يرد فيها على معتقداتهم الزائغة، حتى يستعين بها المسلمون في كشف عوار هذه الفرق، وكتاب " الدينونة الصافية " هو مثال آخر على مؤلفات الشيخ عمروس الكلامية، حيث أنه خصص القسم الأول منه في تناول بعض القضايا الكلامية والمسائل العقائدية، فرد على بعض الفرق المنحرفة (3)
إذا فمن خلال النصوص السابقة يتبين أن الشيخ عمروس كان إماما من أئمة علم الكلام، وفحلا من فحول المناظرة، فقمع الله على يديه بعض الفرق الضالة التي ظهرت في عصره، وحاولت نشر فكرها العقيم، وعقائدها الفاسدة في أوساط الإباضية، فتكفل بالقضاء عليها الشيخ عمروس، فأراح
الله المسلمين من شرها.
(2) - الشماخي، السير، ص 262 نقلا عن: النامي، دراسات عن الإباضية، ص 214 - 215، (لم استطع الوقوف على هذا النص في نسخة السير للشماخي التي لدي، والتي طبعتها تختلف عن طبعة النسخة التي اعتمدها النامي).
(1) - بحار وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 322/ 2 رقم الترجمة: 690
- انظر ص 243
() - عمروس، الدينونة الصافية، ص 58 - 84.
250 (1/250)
صفحة 251
الشيخ عمروس ومنهجه
ولم يكتف بذلك وحسب، بل ألف المؤلفات المتعمقة في محتواها، رادا فيها على هذه الفرق الضالة كاشفا للمسلمين عوارها، حتى يحذروا منها ويتجنبوها، وأهم ما ألفه في ذلك كتاب " الرد على الناكثة
W
وأحمد بن الحسين "، وكتاب " الدينونة الصافية " كما مر، قال د/ النامي: " ... وبما أن هذه الفرق المنشقة قد تكونت في مناطق حول جبل نفوسة، فإن الفقهاء النفوسيين أخذوا على عاتقهم عبء مناقشة ما قالته هذه الفرق، وإثبات بطلانه، ومن الأعمال الباقية التي وضعت في هذه الفترة، رسالتان قصيرتان لعمروس بن فتح، هما: 1 - الدينونة الصافية، 2 - والرد على الناكثة وأحمد بن الحسين ... " إهـ هذا فيما يتعلق بآثار الشيخ عمروس من مؤلفات وفتاوى ومناظرات، حاولت أن أجمع أكبر قدر ممكن منها حسب ما توفر بين يدي من مصادر ومراجع، وعل الأيام القادمة تكشف لنا ما خفي من آثار هذا العلم الجليل، وتعيد لنا المفقود منها.
(1)
(1) - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 220 - 221
251 (1/251)
صفحة 252
[صفحة فارغة] (1/252)
صفحة 253
الشيخ عمروس ومنهجه
ه - المبحث الرابع: اشتغاله بالقضاء، ونماذج من أحكامه:
تولى الشيخ عمروس القضاء على جبل نفوسة في عهد إمامين من أئمة الدولة الرستمية، وهما الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح، والإمام أبو حاتم يوسف بن محمد بن أفلح، حيث كلفه أبو منصور الوالي على جبل نفوسة بتولي منصب القضاء (1)
وقد كان مثالا للقاضي العادل العالم، المتمكن من هذا المنصب الخطير، قال عنه الشيخ بكلي: " ... كان مثالا للقاضي العادل الجريء في أحكامه، الخبير في حل مشاكل القضاء وقضاياه ... " إهـ، وقال عنه أصحاب معجم الأعلام: " ... كان مثالا للقاضي العادل، جرينا في
العويصة
الحق ... " إهـ
من
(2)
:
،
إذا لم يستحق الشيخ عمروس منصب القضاء من فراغ، وإنما استحقه لما تميز به من غزارة في العلم وقوة في الصدع بالحق، وصلاح وورع، إلا أنه لم يستمر في منصب القضاء طويلا، حيث تعرض لبعض المضايقات والتدخل من بعض العلماء بجبل نفوسة، الذين لم يستطيعوا تقبل اجتهادات الشيخ عمروس، حيث أنه كان يحكم بما يظهر له، مستندا في ذلك إلى الدليل من الكتاب والسنة، فكان لا يقلد سابقيه العلماء، بل يعرض أقوالهم على الدليل، ويرجح بينها هذا المنهج الذي اتبعه الشيخ عمروس لم يرح بعض من كان حوله من العلماء، فعارضوه بشدة، وكان على رأسهم أبو مهاصر، الذي كان متشددا في أحكامه، بعكس الشيخ عمروس الذي كان يتبع منهج التيسير على الناس، فتضايق الشيخ عمروس من هذه المعارضة المستمرة له، فقرر اعتزال القضاء، وبعد أن اعتزل، تبين لألئك العلماء صواب الشيخ عمروس، وغزارة علمه، فطالبوه بالرجوع للقضاء فرفض، حيث أنه كان عزيز النفس، لا يرضى بالإهانة (4)
(1) - البغطوري، سير أهل، نفوسة (مخ)، ص 94 - الدرجيني، الطبقات، 84/ 1 - الشماخي، السير، 192/ 1 - الباروني، الأزهار، 252/ 2 - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1) الهامش - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 140 - الجعبيري، البعد الحضاري، ص 109 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 321/ 2 رقم الترجمة 690 - عمروس، الدينونة، ص 16 المقدمة. (2) - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1 الهامش.) - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 322/ 2 رقم الترجمة 690. (4) - البغطوري، سير أهل، نفوسة (مخ)، ص 94 - الدرجيني، الطبقات، 321/ 2، - الشماخي، السير، 192/ 1? الباروني، الأزهار، 254/ 2 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 140، 141 - عمروس، الدينونة، ص 16 المقدمة.
253 (1/253)
صفحة 254
الشيخ عمروس ومنهجه
وكان السبب الرئيس لاستقالته من منصب القضاء، هو أن عبدا اشتكى مولاه، فقال له الشيخ عمروس: " اصطلح مع مولاك "، فقال أبو مهاصر - وكان حاضرا، وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -: " أعط له حقه من مولاه وإلا نزعك الله من ذلك المكان، ورد فيه غيرك "، فترك الشيخ عمروس القضاء، بسبب هذه الحادثة، وطلبوا منه الرجوع إلى القضاء بعد ذلك فأبى، وقال: • قد خليت لكم أموركم حين نزعتموني من غير حدث. (1) وقد ذكرت المصادر بعض النماذج لأحكامه، وأقضياته، التي يظهر من خلالها غزارة علم الشيخ عمروس، وتمكنه من منصب القضاء، فمن ذلك المثال الذي ذكرته قبل قليل، وهو العبد الذي اشتكى مولاه ... ؛ ومن ذلك ما ذكر عنه من أنه كان جالسا ذات يوم في مجلس الحكم، إذ حضر مجلسه خصمان فطلب أحدهما الآخر في حق تعلق به عليه، فلما أدلى بحجته، سكت المطلوب، فقال الشيخ عمروس للمطلوب: " أجبه "، فلم يجب، فكرر عليه ثلاثا، فلما رآه لا يجيب، وتبين له لدده، قام إليه فركضه برجله، فقال له جلساؤه: " عجلت ياعمروس "، فجمع أصابع يده ثم أطلقها، وقال لهم: " كم هذه "؟ فقالوا: " خمسة "، قال: " هذه منكم عجلة، إذ أجبتم قبل أن تعدوها "، ثم قال لأبي منصور إلياس - والي الجبل -: " إن لم تأذن لي بقتل ثلاثة فخذ خاتمك، قتل مانع الحق، والطاعن في، والدال على عورات المسلمين
دين
الله
(2)
ومن أقضياته أيضا، ما روي من أن قطاع طرق أغاروا على قافلة فاستباحوها جميعا، ثم صحبوهم
(-
إلى جبل نفوسة، فتشاجر أصحاب القافلة وقطاع الطرق، وترافعوا إلى أبي منصور – والي الجبل فكلهم يدعي القافلة وينسبها إلى نفسه، فحار أبو منصور في أمرهم، فرفعهم إلى الشيخ عمروس، وطلب منه أن يحكم بينهم، فقام الشيخ عمروس بعزل أهل القافلة في ناحية، وجعل يسألهم واحدا واحدا عن رحله، وجملته، وعدده، وصفته، وعلامة متاعه، وقيد مقالة كل واحد منهم بشهادة، ثم أحضر قطاع الطرق، فسألهم كما سأل أصحاب القافلة، وقيد مقالة كل واحد منهم بشهادة أيضا، ثم أمر بحل الحمولة، واستخراج ما فيها، فوجدها وفق ما قال أصحاب القافلة، ووجد قول القطاع مختلفا
(1) ? البغطوري،، سير اهل، نفوسة (مخ)، ص 94 - الشماخي، السير، 1921 - الباروني، الأزهار، 254/ 2 - عمروس، الدينونة، ص 16 المقدمة (2) ? البغطوري، سير أهل، نفوسة (مخ)، ص 48 - الدرجيني، الطبقات، 321/ 2 - الشماخي، السير، 193/ 1 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 141.
254 (1/254)
صفحة 255
الشيخ عمروس ومنهجه
مخالفا، متناقضا، فقال الشيخ عمروس للوالي أبي منصور: " هؤلاء أصحاب القافلة، وأولئك أضيافك
، فأضفهم " يعني يحبسهم ويؤدبهم
(1)
هذه بعض النماذج لأحكام وأقضيات الشيخ عمروس، والتي يظهر من خلالها غزارة علمه، وعدله
، وذكائه وفطنته، وكيف لا؟ وهو أعلم أهل زمانه
(1) - الدرجيني، الطبقات، 321/ 2 - 322 - الشماخي، السير، 1931 - الباروني، الأزهار، 252/ 2 - علي يحيى معمر،
الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 141 - 142
255 (1/255)
صفحة 256
[صفحة فارغة] (1/256)
صفحة 257
6 - المبحث الخامس: موقعة - مانو واستشهاده:
أ - المطلب الأول: أسبابها وأحداثها:
الشيخ عمروس ومنهجه
موقعة " مانو " هذه الموقعة المؤلمة، التي وقعت بين أهل جبل نفوسة، وإبراهيم بن الأغلب في النصف
من ربيع الأول من سنة 283 هـ
(1)
،
هذه الموقعة التي انهزم فيها أهل نفوسة ف " فل فيها حد سيوف
نفوسة، وفنيت أبطالهم، وأبقت فيهم ثلمة عظيمة، وهي المصيبة الكبرى التي تضعضع بها ركن الإمامة بتيهرت، إذ كانوا حصنها المنيع، وسيفها البتار، ودرعها المتين
(2).
وكان سبب موقعة " مانو " هو رغبة العباسيين في القضاء على الدولة الرستمية، حيث أنها في عهد الإمام أبي حاتم بلغت مبلغا عظيما قض مضجع العباسيين في بغداد، بسبب مراسلة أذنابهم في القيروان وطرابلس، يخبرونهم عن الدولة الرستمية وما بلغته من العز والهيبة والجاه، قال أبو زكرياء: " واتصلت أخبار نفوسة إلى من كان بالمشرق من أئمة المسودة، يدس إليهم بالكتب من كان بالقيروان ومدينة طرابلس، ويخبرهم أن قيام دولة الفرس بتاهرت تضر بهم، وكان ذلك على عهد المتوكل ببغداد من بني
العباس " إهـ
(3).
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 154 الهامش - الدرجيني، الطبقات، 87/ 1 - الشماخي، السير، 228/ 1 - الجيطالي قواعد الإسلام، 13/ 1 الهامش الباروني، الأزهار، 280/ 2 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول 2، ق 1، ص 133 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 129 - عمروس، الدينونة، ص 19 المقدمة.
"
(1) - الباروني، الأزهار، 280/ 2. ذكر الشماخي نقلا عن ابن الرقيق أن سبب خروج إبراهيم بن الأغلب ليس للقضاء على الدولة الرستمية، وإنما كان متوجها لقتال ابن طولون، فلعله أفسد في طريقه فاعترضه أهل نفوسة وقاتلوه، وذكر كذلك أنه كان واليا لبني العباس على إفريقية، أي انه لم يات بجيشه من المشرق كما ذكر لبو زكرياء والدرجيني، وذكر أيضا أن المعركة وقعت في عهد المعتضد (279 - 289 ه)، وليس في عهد المتوكل (232 - 247 هـ) كما ذكر كل من الشماخي والدرجيني، وقد رجح الباحث إبراهيم بحاز ما ذكره الشماخي نقلا عن ابن الرقيق، والذي يظهر من كلام الشيخ علي يحيى معمر أنه يوافق ما ذكره الشماخي نقلا عن ابن الرقيق، إلا أن الشيخ الباروني اعترض على ما ذكره ابن الرقيق فقال: " ... ولا سبب فيه ولا داعي إلى حمل نفوسة على المعارضة والوقوع في هذه المصيبة، مع أنهم أعانوا بني الأغلب قبل ذلك على ابن طولون كما تقدم، والذي أراه مناسبا وإن كان قابلا للنقض هو ما قاله العلامة أبو زكرياء رحمه الله ... " إهـ، إذا فالشيخ الباروني يرجح ما ذكره أبو زكرياء والدرجيني، من أن سبب خروج ابن الأغلب هو إرساله من الشرق من طرف العباسيين للقضاء على الدولة الرستمية، ولعل هذا سبب قوي يدفع الإباضية بنفوسة لاعتراض طريق ابن الأغلب والاشتباك معه في معركة طاحنة استشهد فيها الآلاف من أهل نفوسة ولم يبق لهم من العلماء إلا اثنان، فالقضية قضية مصير، فهذا جائر ظالم غاشم جاء قاصدا للقضاء على دولة قائمة ومسحها من الوجود، فاندفع الإباضية للذود عن حياضهم، حين اعتدي عليهم وعلى حرماتهم، وإلا ليس من عقيدة الإباضية المبادرة بالقتال والاعتراض، إلا إذا هوجموا واعتدي عليهم، عند ذلك يجب الدفاع والقتال، وأما من ناحية الاختلاف في المصادر بين المعتضد والمتوكل فلعله خلط لاغير، وإنما كان الهدف من خروج ابن الأغلب هو القضاء على الدولة الرستمية، سواء كان الذي أرسله المعتضد أو المتوكل والله أعلم (أنظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 155 - الدرجيني، الطبقات، 87/ 1 =
257 (1/257)
صفحة 258
الشيخ عمروس ومنهجه
فقام العباسيون بإرسال جيش إلى المغرب بقيادة إبراهيم بن الأغلب، فلما قرب من طرابلس، سمع به أهل نفوسة، فاجتمعوا، وتشاوروا في الأمر، فاتفقوا على ألا يتركوه وما يريد من الجواز إلى تيهرت، دون أن يقاتلوه، ويمنعوه من تحقيق رغبته الظالمة في القضاء على دولتهم (1) عندما اقترب ابن الأغلب من طرابلس، وسمع بخبر نفوسة، وعزمهم على منعه دون الوصول إلى تيهرت، حسب المقاتلتهم ألف حساب، لما علم من قوتهم وشجاعتهم وعدم هيبتهم من الموت، فهم الذين أثنى عليهم الإمام عبد الوهاب بقوله: " إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسة، وأموال مزاته " إهـ
(2)
حين علم ابن الأغلب بعزم نفوسة منعه من تحقيق مراده، أرسل إليهم أن اتركوا لي ساحل البحر مقدار نشر عمامة لأجوز فيه بجيشي، فرفضوا ذلك، فلما رأى ابن الأغلب أن ليس له إلا الرجوع إلى المشرق أو مناصبتهم، تهيأ للقائهم، وعزم على محاربتهم، فقال لأصحابه: " خذوا عدتكم، وشمروا أنفسكم، وجوزوا على الساحل، ولا تتعرضوا لهؤلاء القوم، فإن هم تركونا وطريقنا
ناصبناهم
(1) n
، وإلا
فلما وصل خبر قراره أهل نفوسة، وقع بينهم الخلاف، فقال بعضهم لبعض: دعوا هذا الرجل، ولا تتعرضوا له بشيء، فأبى جمهور المسلمين ذلك، وكان أبو محمد سعيد بن وسيم، فيمن قال لهم: لا تتعرضوا له، فقال له بعضهم: " اشتقت إلى المحافظة على قنطرارة، ولم ترد الموت "، فقال لهم: " ياقوم ليس بي ما تذكرون وما تقولون، ولكنني خفت أن تذبح البقرة فيتبعها عجلها "، يعني بالبقرة جبل نفوسة، وبالعجل قنطرارة (4)
-=
الشماخي، السير، 228/ 1 - الباروني، الأزهار، 280/ 2 - 281 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 129 - بحاز، الدولة الرستمية، ص 130 الهامش).
() ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 155 - الدرجيني:، الطبقات، 87/ 1 - الباروني، الأزهار، 281/ 2 (1) - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 155 - الدرجيني، الطبقات، 87/ 1 - الشماخي، السير، 228/ 1 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 134 - 135 (2) ـ ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 155 - الدرجيني، الطبقات، 87/ 1 - الشماخي، السير، 228/ 1.
(3) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 155 - 156 - الدرجيني، الطبقات، 88/ 1. (1) - ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 156 - الدرجيني، الطبقات، 88/ 1 - الشماخي، السير، 228/ 1.
258 (1/258)
صفحة 259
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
وكان من ضمن المعارضين لحرب ابن الأغلب أفلح بن العباس أمير جبل نفوسة، ومعبد الجناوني، إلا أن إصرار الأغلبية على القتال أرغم المعارضين للرضوخ لرغبتهم، فحمل من ذلك أفلح في نفسه وسيكون له دور في تلك المذبحة الرهيبة التي وقعت للإباضية من أهل نفوسة على يد ابن الأغلب كما سيأتي والله المستعان.
فأعدوا العدة لملاقاة عدوهم، وخرجوا متوجهين شطره، فالتقوا في موضع يسمى " مانو " وهو قصر
(2)
من قصور الأولين على ساحل البحر، فوقع القتال، وتقارع الفرسان، وسمع هدير الكتائب،
،
وصليل السيوف، وصهيل الخيول، وارتفع نقع الغبار، ففاحت رائحة الدماء، وتطايرت الجماجم وانتشرت الأشلاء، على ساحة المعركة؛ ذكر أبو زكرياء أنهم اقتتلوا قتالا شديدا، لم يُذكر أنه رؤي
مثله في ذلك العصر بأرض المغرب (3)
(4)
ويروى أن رجلا من جيش العباسيين خرج طالبا للمبارزة، فلم يخرج إليه أحد من فرسان نفوسة إلا قتله، فقرر الخروج إليه أميرهم أفلح بن العباس، فأبى عليه أهل نفوسة، فأصر على الخروج إليه، فخرج إليه وبارزه، فصرعه وخلص المسلمين من شره واشتد القتال بين الجيشين، وأسرع القتل في الفريقين، فكثر القتلى والجرحى في صفوف نفوسة، حتى هموا بالانهزام، فتهدم الرجال في الصفين كالحيطان على حد تعبير أبي زكرياء (5)، وقال الشماخي نقلا عن ابن الرقيق: " فكان بينهم قتال عظيم، فقتل من جنده – أي جند ابن الأغلب – جماعة من الرؤساء وغيرهم، ثم انهزم أهل نفوسة ... فتبعهم وقتلهم قتلا ذريعا، وتطارح منهم في البحر بشر كثير، وقتلهم فيه حتى غلبت حمرة الدم على الماء " إهـ
(")
- هو معبد - وورد أبو معبد، وورد ابن معبد واختار الشيخ الباروني معبد الجناوني، عالم من علماء نفوسة، عاش في القرن الثالث الهجري، الظاهر من نسبه أنه من " إجناون " قرية من قرى جبل نفوسة، جمع بين العلم والعمل والورع، تعلم العلم عند سعد بن أبي يونس بقنطرارة، يروى عنه أنه بعد أن تعلم عند سعد بن أبي يونس، قدم إلى " تندباس " فوجد لمة تستقي فطلبها أن تجعل الماء في وعائه، فقالت له: " أتخدم أموال الناس يا جاهل "، فرجع إلى طلب العلم، فظل عشرين سنة ملازما لطلب العلم، وكان معروفا بالورع والتقوى وكثرة العلم، استشهد في موقعة مانو سنة 283 هـ (الشماخي، السير، 206/ 1، 228، 28/ 2 - الباروني، الأزهار، 281/ 2).
(1) - الباروني، الأزهار، 281/ 2 (2) ـ ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 156 - الشماخي، السير، 228/ 1.
) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 156.
(4) ـ أبو زكرياء، سير (0) - المصدران السابقان، نفس الصفحة ونفس الحزء
الأئمة، ص 156 - الدرجيني، الطبقات، 88/ 1 - الشماخي، السير، 228/ 1.
(1) - الشماخي، السير، 228/ 1.
259 (1/259)
صفحة 260
الشيخ عمروس ومنهجه
فلما رأى أفلح بن العباس - والي نفوسة - ما همت به نفوسة من الهزيمة، أمر شيبة الدجى، صاحب البند، أن يحفر له في الأرض، ويوقفه كي لا ينهزم عن البند أحد، فأبى شيبة الدجى ذلك، ثم اقتتلوا مليا، فرجع إليه أفلح وقال له: " احفر للبند "، فأبى عليه، فأصر أفلح على مراده، فقال
،
(")
شيبة الدجى: " مسكته عند جدك، فلم يقل ذلك، ومسكته عند أبيك، ولم يقل لي ذلك، وها أنا حفرت له حفر الله لك "، فلما ركزه في الحفرة، ولى أفلح منهزما، وتركهم يلوذون بالبند، ولم يستجيزوا أن ينهزموا والبند واقف، حتى قتل منهم بشر كثير والسبب الذي دفع أفلح أن يفعل بأهل نفوسه هذا هو ما كان من عدم موافقتهم لرأيه في عدم الخروج لملاقاة ابن الأغلب، وإصرارهم على مقاتلته، ففعل بهم ما فعل، قال أبو زكرياء: " وقد كان أفلح فيما بلغنا، كره خروجهم إلى الفاسق - يقصد ابن الأغلب - وقتالهم إياه، فلذلك فعل بهم ما فعل " إهـ، وهذا ما ذكره الشماخي حيث قال: " ... وكان أفلح قد أضمر للأشياخ إيجاس سوء، لأنهم أكرهوه إلى الخروج " إهـ؛ وقد حمله المشايخ بنفوسة أسباب الهزيمة وكثرة القتلى من
(2)
(3)
الإباضية، مما دفعهم إلى عزله عن ولاية الجبل
(4)
- هو شيبة الدجى النفوسي، من جبل نفوسة، عاش في القرن الثالث الهجري، وكان عالما جليلا، وبطلا مقداما، هو صاحب لواء نفوسة في حروبها ضد أعدائها، منذ أن ولي على الجبل أبو الحسن أيوب بن العباس إلى أن آل الحكم إلى أفلح بن العباس، فلم تنتكس له راية يوما، كان من بين الشهداء الذين سقطوا في موقعة مانو 283 هـ (انظر: البغطوري، سير اهل نفوسة (مخ)، ص 85 - الدرجيني، الطبقات، 88/ 1 - 89 - الشماخي، السير، 227/ 1 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب، المجلد الأول، ح 2، ق 2، ص 185 - 186 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية، 223/ 2 رقم الترجمة:
التاريخ
(489
- إن عدم استجازتهم للفرار والبند واقف لهو دليل على شجاعة وصلاح وورع أولئك الأبطال، الذين ضحوا بأنفسهم وأرواحهم في سبيل إعلاء راية الحق والمحافظة على العقيدة، ودولة اهل الحق والاستقامة، فاسأل المولى القدير أن يتقبلهم في صفوف الشهداء في سبيله، وأن يسكنهم في أعالي فراديس جنانه، إنه بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير (1) ـ أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 156 - 157 - الدرجيني، الطبقات، 88/ 11 - 89 - الشماخي، السير، 228/ 1 - الباروني، الأزهار، 282/ 2. (2) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 157.) - الشماخي، السير، 228/ 1.
" - الغريب أن الشيخ علي يحيى معمر مع احترامي الشديد لمكانته العلمية - حاول الدفاع عن أفلح بن العباس وتبرير فعلته الشنعاء في حق الإباضية، فذكر أن سبب طلبه من شيبة الدجى - حامل البند أن يركزه في الأرض هو خوفه من أن يضعف الجيش، فينهزموا، فاكتفى الشيخ علي يحيى معمر بذكر ذلك، ولم يذكر أن أفلح بن العباس فر من أرض المعركة، بعد ركز البند، وترك جيشه يتعرض لتلك المجزرة الرهيبة حول ذلك البند المشؤوم، فكان حريا بالشيخ علي يحيى معمر - بمنزلته العلمية - أن يكون واقعيا، وألا ينجرف خلف العاطفة، فيذكر مآثر الشخصيات الإباضية، ولا يذكر أخطاءهم، أو يحاول أن يجد لها التبرير، فالإباضية بشر فيهم الصالح وفيهم الطالح، وقد يقع من الصالح منهم أخطاء إما عن قصد أو عن غير قصد، فصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينجوا من بعض الهفوات، فما بالنا بمن جاء بعدهم؟!، فلماذا لا نتقبل نقد الذات؟ وكذلك حاول أن فعلته أصحاب الأعلام، واعتبروا ذلك الاتهام باطل، ويقال لهم نفس ما قيل للشيخ علي يحيي معمر (انظر: علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 130 - 131 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 59/ 2 - 60 رقم الترجمة: 114)
يبرر
260 (1/260)
صفحة 261
الشيخ عمروس ومنهجه
وروي
(2)
ثم إن الله تعالى تداركهم بأن رجلا من أهل البصائر في الدين، نظر إلى البند واقفا والناس يصرعون حوله، فقال: " إني لأرى أنك لم يبق لك حظ في النصر، وإنك منهزم "، فضربه بسيفه فسقط (1) فلما رأى من بقي من جيش نفوسة أن البند قد سقط، انهزموا وولوا مدبرين، فنجا من نجا منهم، واستشهد من استشهد منهم أن عدد القتلى من الإباضية كان اثني عشر ألفا، أربعة آلاف من نفوسة، وثمانية آلاف ممن كان معهم من البربر وغيرهم، وعدد الأسرى ثمانين عالما، وكان عدد الشهداء من العلماء أربعمائة عالم فقيه، حتى إنه لم يبق بعدهم عالم يفتي في النوازل بجبل نفوسة غير عالمين، هما أبو القاسم البغطوري، وعبد الله بن الخير (3)، قال الشماخي: " فكانت في الإسلام فلة لم تترقع إلى يومنا هذا " إهـ فالله المستعان، وإنا لله وإنا إليه راجعون. ذكرت بعض المصادر حادثة وقعت بعد انتهاء المعركة، والحقيقة لا يعرف مدى صحتها من عدمه، حيث أن فيها شيئا من الأمور الخارقة للعادة، ولكن لا يستبعد حدوث ذلك، فقدرة الله واسعة بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ) (9)، والله تعالى يكرم عباده بما يشاء؛ والحادثة هي كما ذكرتها المصادر أن الصفين لما افترقا، بعد انتهاء المعركة، وجنهم الليل، جاء رجل من عسكر إبراهيم بن الأغلب، إلى أخ له مات في المعركة ليحمله ويدفنه، فلما وصل إلى أخيه
(4)
(4) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 158 - الدرجيني، الطبقات، 89/ 1 - الباروني، الأزهار، 283/ 2 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 130 - 131
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 157 - الدرجيني، الطبقات، 89/ 1 - الشماخي، السير، 228/ 1. (1) - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 157 - الدرجيني، الطبقات، 89/ 1
،
- هو أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري، من أهل " ميري " أو " تيري " بجبل نفوسة، يعتبر ثاني اثنين مع عبد الله بن الخير، بقيا من العلماء بعد موقعة مانو ضد الأغالبة سنة 283 هـ، أخذ العلم عن أبان بن وسيم الويغوي، كان عمره قد تجاوز المائة يوم موقعة مانو، فلم يشترك بها، فنجاه الله ليكون مجدد المذهب الإباضي، ومحيي الدين بجبل نفوسة، فكان مرجع الفتوى، فبارك الله في عمره، فعاش ما لا يقل عن مائة وثلاثين سنة قضاها في نشر العلم، وبث المعرفة، وتهذيب النشء ويذكر الشيخ سالم بن يعقوب في تاريخ جربة أن أبا القاسم مع الشيخ أبي الخير الونزريفي سبقا ابا عبد الله محمد بن بكر الفرسطاني في وضع وتأسيس الجانب الاجتماعي والديني لنظام العزابة، ويعد الشيخ ابو القاسم حلقة في سلسلة نسب الدين، وله جواب اجاب به نفاث بن نصر، وتوجد منه نسخة مخطوطة بمكتبة آل خالد، توفي في سنة 313 هـ، من تلاميذه ابو هارون موسى بن يونس الجلالمي (انظر: ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 158، 196 - الدرجيني، الطبقات، 89/ 1، 112 - الشماخي، السير، 200/ 1 - 201 - سالم بن يعقوب، تاريخ جربة، ص 94 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 150، 160، ح 2، ق 2، ص 66، 77 - 79، 185 - بحاز وآخرون، معجم اعلام الإباضية 169/ 2 - 170 رقم الترجمة: 369).
) ـ ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 157 - الدرجيني، الطبقات، 89/ 1 - الشماخي، السير، 228/ 1 - 229.
(1) - الشماخي، السير، 229/ 1. () - سورة البقرة، آية:117
،
261 (1/261)
صفحة 262
الشيخ عمروس ومنهجه
ورفعه على دابته، رأى شيئا ما يطوف في أرض المعركة، فمر على قتلى الإباضية، فسمعه يقول: كبروا يا أهل الجنة " فكبر قتلى الإباضية بأجمعهم!!، ثم مر على قتلى جيش ابن الأغلب فسمعه يقول: " انبحوا يا كلاب النار "، فنبحوا بأسرهم!!، حتى أخوه نبح على سرج الدابة، فألقى به على الأرض، وهرب!! (1)، والله أعلم بصحة أمثال هذه القصص التي تروى، فلا يستطيع المرء نفي صحتها، وكذلك لا يستطيع إثباتها، ولكن تظل النفس مرتابة منها مترددة في تقبلها ".
(1) ـ أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 159 - الدرجيني، الطبقات، 90/ 1
- بمناسبة ذكر هذه الحادثة الغريبة، فقد وقفت في كتاب سير الأئمة لأبي زكرياء على حادثة أخرى فيها ما فيها من الأساطير والخرافة المنافية للعقل السليم، فيذكر أن الشيخ أبا عبد الله محمد بن بكر مؤسس نظام العزابة مر على الشيخ عمروس بـ تباحالت " بجربة، فذبح له الشيخ عمروس خروفين كبيرين، فاراد رجل سرقة خروف منهما، فتطاول الخروف فوقف على إحدى رجليه، فكانت قامته كقامة الرجل!!
وكنت لا أود ذكر مثل هذه الخرافات في هذا البحث، فوقت القارئ الكريم أثمن من أن أضيعه بمثل هذه الأساطير، ولكن هدفي من ذلك أولا التحذير من الانجراف وراء مثل هذه القصص المنافية للفهم والعقل السليمين، وثانيا للتفريق بين عمروس المذكور في هذه الحادثة والشيخ عمروس بن فتح، فعمروس بطل هذه القصة كان معاصرا للشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر، أي أنه عاش في القرن الخامس الهجري، والشيخ عمروس بن فتح عاش في القرن الثالث الهجري؛ فالظاهر أن هذا عمروس عمروس بن عبد الله الزواغي من أهل جربة، وقد مر الحديث عنه سابقا لنظر ص 209) انظر: أبو زكرياء، سير ص 269).
هو
الأئمة،
262 (1/262)
صفحة 263
الشيخ عمروس ومنهجه
ب - المطلب الثاني: استشهاد الشيخ عمروس:
في المطلب الأول عشنا معا أحداث موقعة " مانو " الأليمة، ورأينا كيف انتهت بهزيمة أهل نفوسة، وفل حدهم، وقتل أغلب علمائهم، وأسر الباقي وقتلوا بعد ذلك، فلم يبق لهم ممن يفتي في النوازل غير
عالمين اثنين.
ولكن أين كان الشيخ عمروس من كل هذه الأحداث؟ وهل شارك في هذه الموقعة الأليمة، أم لم يشارك؟ وإن كان شارك، فماذا كان دوره في المعركة؟ وهل نجا من المعركة؟ أم كان ممن استشهد في هذه المعركة المروعة؟
"
إن الشيخ عمروس كان من أولئك الأئمة الفحول الذين كانوا يهبون لإقامة الحق والدفاع عن حرمات الإسلام، وقمع الظلم والجور عن العباد، فهو من الذين رابطوا على الجهاد، يتلقون السيوف
(1)
بالصدر والمنحر، ويقيمون هاماتهم مقام المغفر حين علم الشيخ عمروس بمقدم الظالم إبراهيم بن الأغلب، وعزمه في القضاء على الدولة الرستمية، انبرى لصده عن حرمات المسلمين، وقمع شره عن تنجيس حياض الدين، فكان في مقدمة من شارك في هذه المعركة، وكان من الذين أبلوا فيها بلاء حسنا حتى أعيى الأعداء أمره، مما اضطرهم إلى الحيلة لكبح جماح هذا الفارس الصمصام كما سيأتي.
وفي
أثناء تلاحم الكتائب، وتصارع الأبطال، كان هناك فارس أعيبى أمره الأعداء، يمتطي صهوة جواد عربي أصيل خبر المعارك، وأمثال تلك الأجواء، لطول ما عوده صاحبه من اقتحام ميادين القتال، والغوص في صفوف جحافل الرجال.
كان ذلكم الفارس المغوار - الذي علاه الشيب إلا أن الشباب يعجزون عن مجاراته - يصول ويجول
،
، مكرا مفرا، في آخر المعركة، يحمي أبناء عقيدته، وأتباع مذهبه الذي تشربه منذ نعومة أظفاره فوجده مثالا صارخا للحق المفقود، فكان يذود عنهم، مدافعا محاميا لهم ممن أرادهم بشر من الظلمة والجورة، الذين طفحت قلوبهم بالحسد والحقد، على دولة مسالمة، مطبقة لشرع الله، قامت في تلكم الأرض البعيدة، بعد أن فر أئمتها من جور من ظلمهم، وقمع حرياتهم، في المشرق، فأرادوا أن يحيوا دين الله بعد أن أميت، ويطبقوا حدود الله بعد أن عطلت، ولكن أنى لهم ذلك، وأصحاب القلوب
(1) ? الدرجيني، الطبقات، 320/ 2
263 (1/263)
صفحة 264
الشيخ عمروس ومنهجه
المريضة الذين استمرؤوا الشهوات، يتربصون بهم الدوائر، حين انفضحوا بقيام مثل هذه الدولة العادلة المطبقة للشرع الحنيف، فاشتهرت ووصل صيتها مشارق الأرض ومغاربها، فشدت إليها الرحال، ويممها الباحثون عن العدل وطعم الحرية
فكان يقطنها من مختلف أتباع المذاهب الإسلامية، فلم تقتصر على المذهب الإباضي فقط، بل كان فيها الشافعي، والحنفي، والمالكي، والحنبلي، والشيعي، بل وأتباع الديانات الأخرى، وقد مرت أمثلة على ذلك في ثنايا هذا البحث
لعل ذلكم الفارس المجاهد في أثناء صولانه على أرض المعركة، كانت تدور في عقله هذه الأفكار فكان يزيد حماسه، وتتأجج قوته وطاقاته، فيقتحم الكتائب بلا هيبة أو فزع من الموت، فمن هذا
الفارس الذي أعى أبطال فرسان جيش بني الأغلب، فلم يقدر عليه أحد؟
-
،
إنه أبو حفص عمروس بن فتح – رحمه الله، لقد شارك الشيخ عمروس في هذه المعركة وقد بلغ من الكبر عتيا، حيث أن عمره كان في حدود الثالثة والتسعين، على فرض أنه ولد في سنة 190 هـ، وكانت هذه الموقعة في سنة 283 هـ.
كان الشيخ عمروس في آخر المعركة يحمي الإباضية، ويذود عنهم، وكان على فرس سابق، فلم يقدر عليه الأغالبة، وأعياهم أمره (1). عندما عجز عنه فرسان الأغالبة، لجنوا إلى الحيلة، فنصبوا حبالا في طريقه، فعثر بها فرسه،، فأخذوه أسيرا، ومضوا به إلى الظالم إبراهيم بن الأغلب، مسرورين جذلين بما حققوه من أسر الشيخ عمروس، ولكن أين سيفرون من عذاب الله وشديد انتقامه (2)
وعندما وصلوا به إلى ابن الأغلب، أراد عدو الله أن يشمت بالمجاهد المؤمن، فقال له: " سلني العفو فأعف عنك "، فأجاب الشيخ عمروس - رحمه الله - إجابة المؤمن بالله حق الإيمان، الواثق به وبوعده – حق الثقة: " إن الأعمار بيد الله، وتلك كلمة لن تسمعها مني أبدا، ولكن أسألك في سراويلي هذه، لا تكشفوني منه، فصعق ابن الأغلب بذلك الجواب، ونزل عليه كالسيف القاطع، حيث أنه
(3)
(1) ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 157 - الدرجيني، الطبقات، 89/ 1 - الشماخي، السير، 229/ 1 - الباروني، الأزهار، 2/ 282 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 142. الأئمة، ص 157 - الدرجيني، الطبقات، 89/ 1 - الشماخي، السير، 229/ 1 - الباروني، الأزهار، 2/
(2) ـ أبو زكرياء، سير 282 - 283 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 142. (3) ـ أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 157 - الدرجيني، الطبقات، 89/ 1 - الشماخي، السير، 229/ 1 - الباروني، الأزهار، 2/ 283 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 142.
264 (1/264)
صفحة 265
الشيخ عمروس ومنهجه
كان يظن أن الشيخ عمروس، سيركع بين قدميه يقبلهما، مستنجدا طالبا العفو منه، ونسي أن ذلك
نسي
الفارس المقيد في الحديد، لا يركع إلا لملك الملوك، ولا يستنجد إلا بعظيم السماوات والأرض، أن الماثل بين يديه قد امتلأ قلبه ببشاشة الإيمان، وأحس بحلاوته، فلم تعد قمه زهرة الحياة الدنيا أمام
(1)
وعد الله، فآثر ما عند الله على زخرف الدنيا الفاني، قال تعالى: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا من يحاول إجباره على الركوع بين رجليه هو من الذين قال فيه المولى القدير: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بالعباد) (2)
قليل
، ونسي
أن
حين رأى ابن الأغلب ثبات الشيخ عمروس حاول أن يضعط عليه بشتى الوسائل والطرق، وأن يغريه بمختلف المغريات، عله يتنازل عن ثباته ولو قليلا، فحاول أن يفتنه في دينه وعقيدته، فقال له: " إذن فارجع عما أنت عليه لنتركك "، عند ذلك انتفض الشيخ عمروس انتفاضة الأسد الهصور في أسره، فقال - بملء فيه -: " تلك كلمة لا أقولها حتى ألحق بالله: " تلك كلمة لا أقولها حتى ألحق بالله. (3)، فأخرجها صرخة مدوية، أن قف فقد تجاوزت حدودك، فليس أمثالك من الأقزام من يساومني في ديني، ولست أنا ممن يبيع دينه وعقيدته
-
، لأجل رغد العيش وطيب الحياة، فلله درك ياعمروس، والله در بسالتك وشجاعتك وقوة إيمانك عند ذلك عندما رأى ابن الأغلب هذه القوة من الشيخ عمروس، بدأ يسلك معه مسلك العنف والقمع - الذي يجيده أمثاله من الظلمة والجائرين -، فأمر بقرضه بمقاريض من حديد، فبدأوا يقرضون يديه، لعله يطلب العفو منهم أو يتراجع عن موقفه، ولكن هيهات هيهات لهم ذلك، فصبر – رحمه الله - على آلام العذاب، وهو يرى يديه تقطعان، جزءا فجزءا، فاستقل ذلك في جنب وعد الله، فراحوا يتلذذون في تعذيبهم، وهو صابر صبر المؤمن، غلبت حلاوة الإيمان على أليم العذاب، فلم يعد يحس بها، فلما بلغوا عضديه، بعد أن ظلوا طويلا يقطعون يديه، ودماءه تسيل، فاضت روحه الطاهرة إلى، نعم فاضت روح المجاهد، لتفوز بوعد مولاها (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ البطل، فاضت روح قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ()
بارتها
(4)
(1) - سورة التوبة، من الآية: 38.
(2) - سورة البقرة، آية: 207.
- علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 143 (4) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 157 - الدرجيني، الطبقات، 89/ 1 - الشماخي، السير، 229/ 1 - الباروني، الأزهار، 2/ 283 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 142. (9) - سورة آل عمران، آية: 169، 170
265 (1/265)
صفحة 266
الشيخ عمروس ومنهجه
فرحمك
الله ياعمروس، وأسكن روحك فراديس جنانه مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) (1)، فأنت مثال للمجاهد المؤمن الذي ضحى بنفسه في سبيل إعلاء راية الحق والذود عن حياض الإسلام، فهنيئا لك فراديس الجنان وهكذا طويت صفحة هذا الإمام الجليل، بعد أن سطرها بعظائم الإنجازات، فقضى سنوات عمره الطويلة، بين طلب العلم وحلقه، وبين الأوراق قراءة وتأليفا وتصحيحا ونسخا، وفي مجالس المناظرة، رادا على الفرق الضالة، وعلى أرض المعارك رافعا راية الإسلام ذابا عن حياض العقيدة، حتى كلل جهده بالظفر بما يطمع به كل مؤمن، وهو الفوز بالشهادة، فكانت خاتمة له الله تعالى،
وأسكنه أعالي فراديس الجنان
حسن
رحمه
الله
،
وكانت أخته المجاهده من ضمن من شارك في هذه المعركة، مع مجموعة من المجاهدات الإباضيات، إلا أن أعداء الله أخذوهن أسيرات، – وكانوا لا يتورعون عن الاعتداء على النساء، لعنهم وأذاقهم شديد عذابه -، فخافت أخت الشيخ عمروس عليهن أن يتعرضن للاعتداء من قبلهم، فأفتت، لهن أن تستخلف كل واحدة منهن عن نفسها من يزوجها لمن أرادها بسوء، محافظة على عرضهن وشرفهن من الانتهاك (2)، فلله دركن ما أورعكن وأطهر كن، وحري ببنات الإسلام في هذا الزمان وكل زمان أن يتأسين بكن، في صلاحكن، وتقواكن، وورعكن، وجهادكن في سبيل الله والحقيقة أن المصادر لم تذكر مصيرهن بعد ذلك، هل كتبت لهن النجاة، أم تعرضن للتعذيب والقتل من قبل أعداء الله، فالله العالم في ذلك.
(2)
(1) - سورة النساء، من الآية:69.
- لين أولئك الذين ينعتون الإباضية بالخوارج، ويتهمونهم باستباحة دماء المسلمين، وغنم أموالهم وسبي ذراريهم، من جرائم الأغالبة، فهل كان الأغالبة من الإباضية؟، ومن هو الذي يستحق أن ينسب إليه تكفير المسلمين، واستباحة دمائهم، وغنم أموالهم، وسبي ذراريهم، اليس الأغالبة من أهل السنة، فلماذا هذا التعامي عن الحقيقة؟ ولماذا هذا الكيل بمكيالين؟، ولماذا يتهم الإباضية بما هم بريئون منه، وتاريخهم شاهد على ذلك، ويتعامي عن المتهم الحقيقي؟! مع أن جرائم ابن الأغلب مذكورة كتب أهل السنة، ولا يستطيعون إنكارها، فأين الإنصاف؟!
ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 157 - الشماخي، السير، 195/ 1 - الباروني، الأزهار، 283/ 2 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، ح 2، ق 1، ص 142.
266 (1/266)
صفحة 267
الفصل الرابع
الشيخ عمروس ومنهجه
منهج الشيخ عمروس خلال الدينونة الصافية
ويحتوي على:
التعريف بكتاب الدينونة.
تعريف المصطلحات: المنهج، الفقه، العقيدة (التوحيد وعلم الكلام). منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب مسائل أصول الدين (العقيدة). منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب المسائل الشرعية (الفقه).
267 (1/267)
صفحة 268
[صفحة فارغة] (1/268)
صفحة 269
الشيخ عمروس ومنهجه
1 - تمهيد:
إن لكل عالم من العلماء منهج خاص يتميز به عن غيره في مؤلفاته، وفتاويه، ودروسه، وفي تناوله لمختلف المسائل الشرعية من فقهية وعقائدية، والشيخ عمروس - رحمه الله – له منهجه الخاص في تناول مسائل الفقه والعقيدة، تميز به عن غيره من العلماء، وله طريقه الخاص الذي سار عليه في مؤلفاته وفتاويه، وكذلك في أقضياته
فما هي معالم منهج الشيخ عمروس) الفقهي والعقائدي)؟، وبماذا تميز منهجه عن مناهج غيره من العلماء؟، وكيف كان تناوله لمختلف المسائل والقضايا؟ وما هي أهم المسائل التي طرقها في كتابه " أصول الدينونة الصافية "؟
الأجوبة على هذه الأسئلة يتناولها هذا الفصل، وسأحاول فيه تسليط الضوء على منهج الشيخ عمروس (الفقهي والعقائدي) من خلال كتابه " أصول الدينونة الصافية "، وأهم ما تميز به، وأسلوبه في طرح المسائل (الفقهية والعقائدية)، وطريقة تحليله لها
وقبل أن أدخل في تحليل منهج الشيخ عمروس، سأعرف بكتاب " أصول الدينونة الصافية "، وهل هو مطبوع؟، وحجمه وصفحاته، وإثبات نسبته إلى صاحبه، وإثبات عنوان الكتاب، و الباعث على تأليفه، وأهمية الكتاب من الناحية العلمية، والمصادر التي اعتمد عليها الشيخ في تأليفه للدينونة. بعد ذلك سأعرف بعض المصطلحات التي ستأتي في ثنايا هذا الفصل، وهذه المصطلحات هي: المنهج، الفقه، العقيدة (التوحيد وعلم الكلام، وأصول الدين)
ثم سأتناول منهج الشيخ عمروس العقائدي من خلال " الدينونة الصافية "، وأهم المسائل العقائدية التي طرق بابها، وكيفية عرضه لها، واستدلاله عليها، وكيفية تعامله مع المسائل الخلافية، وموقفه من
مخالفيه، وأهم ما تميز به منهجه العقائدي.
وأختم هذا الفصل بتناول منهجه الفقهي من خلال " الدينونة الصافية "، وأهم المسائل الفقهية التي تعرض لها، وكيفية عرضه لها، واستدلاله عليها، وكيفية تعامله مع المسائل الخلافية، وموقفه من مخالفيه
، وأهم ما تميز به منهجه الفقهي
269 (1/269)
صفحة 270
[صفحة فارغة] (1/270)
صفحة 271
الشيخ عمروس ومنهجه
1 - المبحث الأول: التعريف بكتاب الدينونة:
(1) - المطلب الأول: هل الكتاب مطبوع:
لقد تم طباعة كتاب " أصول الدينونة الصافية " بتحقيق الباحث أحمد كروم من قبل وزارة التراث
مطبعة
والثقافة بسلطنة عمان، في سنة 1420 هـ / 1999 م، والمطبعة التي قامت بطباعة الكتاب هي عمان ومكتبتها المحدودة بسلطنة عمان، وهذه الطبعة هي أول طبعة للكتاب، والظاهر أن الكتاب يطبع طبعة ثانية بعد والباحث أحمد كروم هو أول من قام بتحقيق هذا الكتاب، ولم يحققه أحد قبله، ولا بعده، وقد بذل مجهودا كبيرا في تحقيق الدينونة، يشكر عليه، ويستحق الثناء، وكذلك قام بالترجمة للشيخ عمروس، وقد استفدت منها كثيرا، إلا أنه لم يتوسع كثيرا في الترجمة للشيخ عمروس، وكذلك لم يتناول منهج الشيخ عمروس من خلال كتاب " أصول الدينونة الصافية "، وهذا ما دفعني إلى محاولة سد هذا الفراغ والقيام بتحليل المنهج الفقهي والعقائدي للشيخ من خلال كتابه المذكور، علي أكون بذلك أسهمت في خدمة هذا العلم الجليل وكتابه الرائع الذي يجهله الكثير حتى من الباحثين، وعلّي أكون بذلك قدمت ولو خدمة بسيطة لتراث أئمتنا وعلمائنا
مقاس 21
سم
16
X
اعتمد الباحث أحمد كروم في تحقيقه للدينونة على خمس مخطوطات، المخطوطة الأولى تتكون من أربع صفحات تامة لكنها ممزقة من فوق، مقاسها 17,7 سم × 24 سم، وعدد الأسطر 26 سطرا في كل صفحة؛ وأما المخطوطة الثانية فعدد أوراقها 24 ورقة أي 47 صفحة، مقاسها 21,5 سم، وعدد الأسطر 24 أو 25 سطرا في كل صفحة؛ والمخطوطة الثالثة عدد أوراقها 28 صفحة، مقاسها 18 سم × 27 سم، وعدد الأسطر 28 سطرا في كل صفحة؛ وأما المخطوطة الرابعة فعدد لوراقها 19 ورقة، مقاسها 22 سم x 16 سم، والأسطر 25 سطرا؛ وأخيرا المخطوطة الخامسة عدد أوراقها 28 ورقة، سم، وعدد الأسطر بين 23 24 سطرا؛ هذه هي المخطوطات التي اعتمد عليها في تحقيقه للدينونة، و وهناك مخطوطة سادسة لم يعتمد عليها في تحقيقه، وحتى أنه لم يشر إليها، فلا أدري هل السبب في عدم إشارته إليها واعتماده عليها أنه لم يقف عليها؟ أم أنه وقف عليها إلا أنه وجد أنها غير صالحة لكي يعتمدها في تحقيقه أو شيء من هذا القبيل؟ بالرغم من أنه اعتمد من ضمن مراجعه مقال د/ النامي في وصف المخطوطات الإباضية التي اكتشفها في شمال إفريقيا؛ حيث ان د/ النامي وقف عليها ووضع وصفا لها، فذكر أنها تتكون من 11 صفحة، مقاس 15 سم × 21 سم، وكل صفحة تحوي 27 سطرا، ونوع الخط مغربي قديم، وهي غير مؤرخة، وهي عبارة عن قسم من مخطوطة متعددة المحتويات، ثم ذكر نصا من بداية المخطوطة، ونصا آخر في نهايتها؛ وأشار كذلك إلى أنه وقف على نسخة أخرى للدينونة في حيازة الشيخ محمد بابانو، من بني يزقن بميزاب، فالظاهر أنه يقصد أنها نسخة أخرى من نفس المخطوطة التي وصفها، وليست مخطوطة أخرى لناسخ آخر والله أعلم (أنظر: عمروس، الدينونة الصافية، ص 44 الهامش، ص 45 - 52، ص 163 - النامي، وصف مخطوطات ياضية مكتشفة حديثا (مخ)، ص 20).
271 (1/271)
صفحة 272
الشيخ عمروس ومنهجه
(2) - المطلب الثاني: حجمه وصفحاته: الكتاب حسب - طبعة وزارة التراث الوحيدة - من الحجم المتوسط، وعدد صفحاته – مقدمة - مع المحقق، والترجمة، والهوامش - هي: أربع ومائتان (204) صفحة، وعدد صفحات الكتاب نفسه، بقسميه العقائدي والفقهي هي: اثنان ومائة (102) صفحة.
(3) - المطلب الثالث: نسبته إلى صاحبه:
لقد أثبت الباحثون من المؤرخين والمحققين نسبت كتاب " أصول الدينونة الصافية " إلى الشيخ عمروس، فممن أثبت نسبته إليه:
-
(2)
(1)
1 - أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الورجلاني (ت: 471 هـ) في كتابه سير الأئمة، حيث قال: • وكان عمروس عالما كبيرا له كتابان في الأصول والفقه ... " إهـ، وقد اعتمد بعض الباحثين - كالباحث أحمد كروم على هذا النص لإثبات أن أبا زكرياء أشار إلى كتاب " أصول الدينونة الصافية "، ونسبه إلى الشيخ عمروس، ولكن في الحقيقة أن هذا النص غير واضح لإثبات نسبة كتاب " أصول الدينونة " إلى الشيخ عمروس، فلا يوجد ذكر فيه لهذا المسمى، وإنما ذكر أن للشيخ عمروس
كتابان في الأصول والفقه، إلا أنه لم يحدد هاذين الكتابين بالاسم، بل ترك الكلام مبهما والله أعلم. 2 - أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت: 570 هـ) في الجزء الثاني من كتاب الدليل والبرهان، قال: " وأما قول عمروس فيما يسع الناس جهله فيما ضيقه المشايخ على الناس وسعه هو، قال عمروس: " والذي يسع جهله من الإيمان حتى يحل تفسيره، فما كان من تفسير جملة التوحيد، مثل إنفاذ الحدود على الله عز وجل " إهـ " إهـ وبالفعل فإن هذا النص الذي ذكره الشيخ أبو يعقوب ونسبه للشيخ عمروس، هو للشيخ عمروس،
وموجود في الدينونة (4)
(3)
، إذا فهذا دليل على كون كتاب الدينونة هو من تأليف الشيخ عمروس، وقد
أشار إلى ذلك الباحث أحمد كروم (5)
(1) ? ابو زكرياء، سير الأئمة، ص 150. (2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 43
- يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (أبو يعقوب)، كتاب الدليل والبرهان، ج 2، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان
، 1403 هـ / 1983 م، ص 18. (4) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 81.
(5) ? المصدر السابق، ص 43
272 (1/272)
صفحة 273
وذكر الشيخ أبو يعقوب كذلك نصا آخر للشيخ عمروس، وهو قوله: " إنما يقيم الحجة في دين الله
(1)
العالم الغاية الذي لا يوجد على قوله مزيد ... " إهـ، وهذا النص موجود في الدينونة - مع بعض
(-
الاختلاف القليل والنص هو: " ... وقد قال بعض سلفنا رحمهم الله: إنما تكون التي يقطع بها العالم الغاية بنهاية العلم الذي لا يجهل شي الحجة " إهـ (2)، وقد أشار الباحث أحمد كروم إلى ذكر الشيخ أبي يعقوب لهذا النص، وأنه موجود في الدينونة
(3)
3 - أبو القاسم بن إبراهيم البرادي (ق: 9 هـ (ألف رسالة في تقييد كتب الإباضية (المشارقة وأهل
(4)
"
جبل نفوسة والمغاربة)، حيث بدأ بالشيخ عمروس عند تناوله لمؤلفات علماء جبل نفوسة، فقال: .. ومن تأليف أصحابنا أهل جبل نفوسة كتاب عمروس بن فتح " إهـ ويقال هنا نفس ما قيل عما ذكره الشيخ أبو زكرياء، فالنص لم يحدد اسم هذا الكتاب، فلعله الدينونة، ولعله كتاب آخر من تأليف الشيخ عمروس، ويلاحظ أن الباحث أحمد كروم استدل بهذا النص للبرادي لإثبات نسبة كتاب الدينونة للشيخ عمروس! بالرغم من أن النص لم يحدد اسم الكتاب (5)
4 - أبو العباس أحمد بن عبد الواحد الشماخي (ت: 928 هـ) قال في كتاب السير: " ... وبعث إليه بعض الأشياخ المتكلمين من أهل فزان أن يؤلف له كتابا في الأصول، فكتب إليه الكتاب المعروف بالعمروسي " إهـ، وكذلك ذكر نفس هذا النص البغطوري ذكرت سابقا أن أصحاب معجم أعلام الإباضية عدوا كتاب " العمروسي " هو نفسه كتاب " أصول
الدينونة الصافية. "
(9)
(7)
، فبناء على ذلك فإن ما ذكره الشماخي والبغطوري من أن الشيخ عمروس قام بتأليف كتاب " العمروسي " أو " أصول الدينونة الصافية " هو دليل على ثبوت نسبة هذا الكتاب
للشيخ عمروس والله أعلم
(1) - الوارجلاني، كتاب الدليل والبرهان، 77/ 2
- هكذا في النص، ولعله خطأ مطبعي، فلعل الأصح " شيء " والله أعلم.
(2) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 83.
) - المصدر السابق، ص 43
(4) ? البرادي، الجواهر (مخ)، ص 219
(9) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 43 - 44.
) - الشماخي، السير، 196/ 1
(2) ـ البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ)، ص 95.
? انظر ص 241 (1/273)
صفحة 274
الشيخ عمروس ومنهجه
وقد أشرت سابقا كذلك إلى أن الباحث أحمد كروم تناقض في التفريق بين الكتابين، فتارة يعدهما نفس الكتاب، وتارة يفرق بينهما! "، وأشرت كذلك إلى أن د/ النامي نفى وجود كتاب " العمروسي من مؤلفات الشيخ عمروس، بناء على انفراد الشماخي بذكره، وذهب إلى أن كتاب " العمروسي " هو نفسه كتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين "، إلا أنه في المقابل أثبت وجود كتاب " أصول الدينونة الصافية " وعده من مؤلفات الشيخ عمروس كما مر ه - القطب محمد بن يوسف اطفيش) ت: 1332 هـ) استشهد ببعض النصوص من كتاب أصول الدينونة في كتابه شرح النيل وشفاء العليل، وكذلك صاحب المتن، الشيخ عبد العزيز الثميني (1)، وقد أشار إلى هذا الباحث أحمد كروم 6 - الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي، قال في تحقيقه على كتاب " قواعد الإسلام " للشيخ الجيطالي: " ... فترك لنا كتبا قيمة ... وكتاب الدينونة ... " إهـ
(2)
(3)
- د/ عمر خليفة النامي ذكره برقم 12، ضمن قائمة المخطوطات التي ضبطها عام 1970 م، حيث رآها في زيارته إلى مناطق الإباضية في شمال إفريقيا عام 1968 هـ (4)، وكذلك نسبه إليه في كتابه دراسات عن الإباضية (5)
(6)
9 - د/ إبراهيم بحاز، اعتمد على ما ذكره الشيخ بكلي من نسب كتاب الدينونة إليه، فقال: وينسب إليه الشيخ عبد الرحمن بكلي عدة كتب ... وكتاب الدينونة وكتاب الدينونة ... " إهـ 10 - د/ فرحات الجعبيري كذلك نسب إليه كتاب الدينونة الصافية، وذلك حينما تحدث عن مصطلح " الإباضية " وأنه ظهر أول ما ظهر في كتاب الدينونة فقال: " كما قبلوا على ما يبدوا التسمية التي أسندت إليهم وعرفوا بها عند كتاب المقالات من القرن الرابع الهجري وهي " الإباضية " ويبدو أنها لم
11
تظهر لأول مرة إلا في عقيدة من عقائدهم معروفة بالدينونة الصافية لعمروس بن فتح ' إهـ
- انظر ص 241. - أنظر كذلك ص 241.
(1) انظر مثلا: ج 4، ص 9 من شرح النيل؛ ج 14، ص 612 من شرح النيل.
(2) ـ عمروس، الدينونة الصافية، ص 44
) - الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1 الهامش.
(4) - النامي، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا (مخ)، ص 20. ص 20.
(0) - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 46، 221 (6) - بحاز، الدولة الرستمية، ص 327
(2) ? الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 56.
(7)
274 (1/274)
صفحة 275
: الشيخ عمروس ومنهجه
11 - وكذلك فإن أصحاب معجم أعلام الإباضية نسبوا إلى الشيخ عمروس كتاب الدينونة، فقالوا: * ولعمروس عدة تصانيف في الفقه والعقيدة، فقد ألف كتابه المسمى بالعمروسي والمعنون بـ " الدينونة
الصافية " ... " إهـ
(")
12 - الباحث أحمد كروم كذلك من الذين أثبتوا نسبة كتاب الدينونة إلى الشيخ عمروس، فقال: " هذا المخطوط النفيس - يقصد كتاب أصول الدينونة الصافية - أثبت نسبته إليه القدماء والمحدثون من المؤرخين والمحققين الإباضية وغيرهم " إهـ، فذكر مجموعة منهم، ذكرتهم أعلاه (2)
(4) - المطلب الرابع: إثبات عنوان الكتاب: الحقيقة أني لم أتمكن من الحصول على النسخ المخطوطة لكتاب " أصول الدينونة الصافية " حتى أقوم بنفسي بالمقارنة بين العناوين الواردة في النسخ المخطوطة، للخروج بالعنوان الصحيح، ولهذا سأعتمد في هذا المطلب على ما ذكره الباحث أحمد كروم - محقق الدينونة - حول هذه النقطة، مكتفيا بما توصل إليه حيث كفاني مؤونة البحث. قال: " لقد ورد عنوان الكتاب في النسخ المعتمدة على لفظين: في (ب) و (د) و (ج) کتب: " أصول الدينونية الصافية " بالياء بعد النون الثانية ... وفي نسخة (هـ) ضبط بلفظ " أصول الدينونة الصافية " بدون ياء بعد النون الثانية، وهو الأصوب لما يلي:
1 - أن هذه النسخ كلها تتفق في العبارة التي ختم بها باب العقيدة قائلا: " وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية " (3)
من الجانب اللغوي في المعاجم لا نجد المصدر في كلمة " دان " إلا بلفظ " ديانة ودينونة " لا " دينونية " على صيغة النسبة، ولا مجال للنسبة في هذا المكان ويرد في تعابير الفقهاء قولهم: " فعل هذا دينونة " أو " قال دينونة " أي اعتقادا صحيحا.
3 - لقد ورد هذا العنوان بلفظ " الدينونة " عند بعض المحققين المتأخرين مثل الشيخ عبد الرحمن بكلي والشيخ فرحات الجعبيري" والدكتور عمرو النامي ... بينما المتأخرون منهم لم يورده أحد بهذا الاسم
(1) بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 322/ 2 رقم الترجمة: 690. (2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 43 - 44.
) - المصدر السابق، ص 84.
انظر
: الجيطالي، قواعد الإسلام، 13/ 1 الهامش. - انظر: الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 109. (1/275)
صفحة 276
الشيخ عمروس ومنهجه
إلا النساخ، فأميل إلى أن النساخ هم الذين وضعوا هذا العنوان له وقد اقتبسوه من وسط الكتاب
والله أعلم بالصواب " إهـ
(1)
إذا فمما سبق يتبين - بناء على ما رجحه الباحث أحمد كروم - أن العنوان الصحيح لكتاب الدينونة هو " أصول الدينونة الصافية "، وأنه من وضع النساخ الذين نقلوه من عبارة الشيخ عمروس السابقة. (5) - المطلب الخامس: الباعث على تأليفه:
(2)
أشار الشيخ عمروس بنفسه إلى سبب تأليفه للكتاب، فقال: " وذكرت قول أهل الحق، وأردت أن أقصد بكتابي إلى بعض أمور تكون فيها الحاجة مما كلف الله به العباد " إهـ إذا قصد الشيخ عمروس من تأليف كتاب الدينونة ذكر قول أهل الحق – يقصد الإباضية -، وكذلك أراد تناول الأمور التي كلف الله بها عباده، والتي يحتاج إليها المسلم لعبادة الله تعالى بشكل
صحيح.
(6) - المطلب السادس: محتويات الكتاب:
(3)
قسم الشيخ عمروس كتابه " الدينونة الصافية " إلى قسمين، القسم الأول في العقيدة، والثاني في الفقه؛ فتناول في قسم العقيدة عددا من المسائل العقدية فمما تناوله من مسائل الاعتقاد المعاملة بين الموحدين، ومعاملة أهل الكتاب والمشركين، ومعاملة المنافقين، كذلك تناول قضية الشفاعة، ثم رد على بعض الفرق الإسلامية المنحرفة كالخوارج والصفرية والمعتزلة والمرجئة والشيعة؛ وختم قسم العقيدة بقواعد مما لا يسع جهله من الدين وأما قسم الفقه فقد تناول فيه العديد من مسائل العبادات، فتناول المسائل المتعلقة بالصلاة كأوقات الصلاة وصلاة الجماعة وعدد الركعات في الفرائض والسنن ... إلخ؛ ثم تناول مسائل الطهارات من وضوء وتيمم واغتسال، ثم فصل الحديث في فريضة الزكاة؛ واتبعها بفريضة الصوم؛ ثم فريضة الحج والعمرة؛ بدأ بعرض مسائل في فقه المعاملات، ففسر المظالم والمحاربة، وأحكام القطع في الإسلام، ومسائل متعلقة بالقصاص، والمغانم؛ ثم تناول أحكام الميراث؛ بعد ذلك عرج على بعض الأحكام
- أنظر: النامي، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا (مخ)، ص 20.
:_ (')
- عمروس، الدينونة الصافية، ص 52 - 53
(2) - المصدر السابق، ص 79. (3) - انظر: المصدر السابق، ص 58 - 84.
276 (1/276)
صفحة 277
الشيخ عمروس ومنهجه
المتعلقة بالنساء من طلاق وعدد؛ ثم تناول نفقة المرضع وحد الرضاع؛ وختم ببعض المسائل الفقهية المتعلقة بالختان والأذان والأمر بإتمام الأعمال (1)
هذه
هي
محتويات كتاب الدينونة باختصار وسيأتي الحديث عنها بالتفصيل في المباحث القادمة عند
الحديث عن منهج الشيخ عمروس الفقهي والعقائدي؛ وقد أشار /د النامي إلى محتويات الدينونة فقال: • هذه الرسالة منسوبة إلى عمروس بن فتح، وتشرح موقف الإسلام تجاه المشركين، وأهل الكتاب) النصارى واليهود) والمجوس، والمنافقين، من وجهة نظر إباضية؛ المؤلف أيضا يدحض بعض الآراء الخاطئة المتبعة من قبل بعض الفرق المنتسبة للإسلام، مثل: الخوارج، والصفرية، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة؛ وقد ختم رسالته ببيان قواعد أساسية لا يسع جهلها من التوحيد " إهـ
(7) - المطلب السابع: أهمية الكتاب من الناحية العلمية:
-
(2)
ذكر الباحث أحمد كروم أربع نقاط تتعلق بأهمية كتاب " أصول الدينونة الصافية "، وهي: 1 - تساهم في كشف جوانب هامة عن التأليف عند الإباضية في عهد الدولة الرستمية، هذه الدولة التي أبيدت معالمها من الجذور بعد أن أحرق الفاطميون مكتبتها " المعصومة " العظيمة، لولا وجود كتب محفوظة هنا وهناك، يتوارثها الأبناء عن الآباء في جو من السرية والحيطة المتناهيتن، إلى أن وصلتنا، مثل
هذا الكتاب. 2 - أنها توضح لنا جوانب عن شخصية أحد الأعلام المغمورين في التاريخ الإسلامي للقرن الثالث الهجري؛ هذه الشخصية التي ظلت مضرب المثل عبر القرون - للجد والنشاط واغتنام الفرص فبارك الله في عمر الشيخ عمروس لإخلاص نيته في خدمة الإسلام ونفع عباد الله.
(1). انظر: عمروس، الدينونة الصافية، ص 87 - 159 (2) - النامي، وصف مخطوطات إياضية مكتشفة حديثا (مخ)، ص 20. يوجد في كلام الباحث أحمد كروم هنا بعض التناقض، فقد ذكر أولا أن الشيخ عمروس من الشخصيات الإسلامية المغمورة، ثم قال أن الشيخ عمروس كان مضرب المثل عبر القرون للجد والنشاط واغتنام الفرص!؛ فكيف يكون مغمورا وهو من الذين يضرب بهم المثل عبر القرون؟! والحقيقة أن مما يندى له الجبين أن الكثير من أئمة وعلماء المذهب الإباضي بقوا في طي النسيان لسنوات طويلة، وأهملت التضحيات العظيمة التي قدموها فداء لهذه الأمة الإسلامية، وأهملت الكثير والكثير من مؤلفاتهم حتى قضت عليها الأرضة ويد المعتدي، والشيخ عمروس هو واحد من هؤلاء العظماء، فعلى أبناء هذا المذهب الإسلامي العريق أن يجتهدوا في إماطة اللثام، وإزالة غبار الزمن عن إنجازات أئمتهم في مختلف الميادين، فقد بذل أولئك الأئمة الأفذاذ الغالي والنفيس للمحافظة على هذا المذهب، ليصل سالما من الشوائب إلى أجيالهم القادمة، فواجب علينا رد الجميل إليهم بأن نسعى بخطى حثيثة لإخراج مؤلفاتهم وآثارهم إلى النور بثوب قشيب وتحقيق أريب، ليعم نفعها الأمة الإسلامية جمعاء، فهل من مجيب للنداء؟
277 (1/277)
صفحة 278
لها فضلها في الحفاظ على نصوص من مدونة أبي غانم الخرساني، بل تلخيص بعضها تلخيصا يتناسب مع طريقة التأليف في المغرب الإسلامي، إذ أنها تعرض الإسلام على قوم عجم ليس لهم باع عريض في اللغة العربية، فيبسط لهم الكلام ويمدده
-
- إذا استعرضنا نصوص الكتاب إلى المنهجية العلمية في التأليف وجدناها لا تفقد حظها من ذلك، إذ
--
أنها تعتمد على الدليل الشرعي والعقلي في إحكامها، وتستعمل السند – ولو كان عاما في إثبات الترجيحات والاجتهادات الخاصة لكل مدرسة، واختيار العبارات الواضحة، حتى يتمكن العامي من
فهمها (1)
وأضيف إلى ما ذكره الباحث أحمد كروم:
ه - مساهمة الدينونة في المحافظة على العقيدة الإباضية من الذوبان في عقائد المذاهب الأخرى، وذلك بقيام الشيخ عمروس بالرد على المخالفين، ودحض شبههم، وبيان العقيدة الصحيحة مدعومة بالدليل الذي لا يقبل الشك
6 - مساهمتها في المحافظة على الفقه الإباضي، وأقوال أئمة المذهب الإباضي - بيان الأوضاع التي كان يعيش فيها الإباضية في تلك العصور الأولى – خاصة في المغرب، حيث كانوا يعيشون في صراعات مذهبية قوية، وهذا ظاهر من ردود الشيخ عمروس على مخالفيه في الدينونة، حيث استخدم عبارات قوية وشديدة في الرد عليهم، كقوله: " وأباح الفساق الحرام " إهـ، وقوله: ... كالسائمة من البهائم لا يعرفون البراءة ولا الولاية " إهـ، وقوله: " ... ويزعمون أنهم من أهل السنة وهم ممن أمات السنة " إهـ (2)، وقوله: " وليس لهم دين موصوف ولا عندهم معرفة " إهـ (3)، وقوله: ... فلا نعلم أحدا من محدثي أهل القبلة أحدث
الله لدين
حدثا
(3)
11
" إهـ (4)، وأكتفي بهذه الأمثلة التي ذكرتها على شدة الشيخ عمروس هو أشد وأقبح منهم على مخالفيه، وقوته في الرد عليهم.
- هكذا في النص، فلعله يقصد " أحكامها "، فالظاهر أنه خطأ مطبعي. (1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 55 - 56.
(2) - المصدر السابق، ص 66
() - المصدر السابق، ص 76.
(4) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 78
- الظاهر أن ما دفع الشيخ عمروس إلى اتباع منهج الشدة والقوة في الرد على مخالفيه، هو ظهوره في عصر احتدم فيه الصراع بين المذاهب الإسلامية المختلفة، فتعرض أتباع المذهب الإباضي لحرب شعواء من قبل مخالفيهم، مما دفع أئمة المذهب في ذلك الوقت إلى الدفاع عن مذهبهم سواء بمناظرات شفهية - وقد برع الشيخ عمروس في ذلك – أو بمؤلفات كما = (1/278)
صفحة 279
الشيخ عمروس ومنهجه
- إن أئمة وعلماء المذهب الإباضي عرف عنهم التعمق في العلم، والتمكن منه، والشيخ عمروس واحد منهم، وكتابه الدينونة شاهد على قوته العلمية، وتضلعه العلمي، وهو أيضا شاهد على القوة العلمية لعلماء المذهب الإباضي في تلك العصور المتقدمة. - إن المذهب الإباضي عقيدة وفقها وفكرا، ضارب بجذوره إلى القرون الهجرية الأولى، وقد اتضحت معالم المذهب الإباضي منذ القرون الهجرية الأولى، فترك أئمة المذهب في تلك القرون العديد من المؤلفات الشارحة لأسس هذا المذهب سواء العقائدية أم الفقهية أم الفكرية، ومن هذه المؤلفات مسند الإمام الربيع، ومدونة أبي غانم الخرساني، وتأتي الدينونة الصافية في مقدمة الركب في هذا المجال، حيث أنها ألفت في القرن الثالث الهجري، وقبل هذه كلها ديوان الإمام جابر بن زيد إمام المذهب الإباضي الذي لا يزال مفقودا إلى الآن
(8) - المطلب الثامن: مصادر الكتاب:
(1)
لقد قام الشيخ عمروس بتأليف كتابه " الدينونة الصافية " في القرن الثالث الهجري، وانتشار الكتب في تلك القرون الأولى، وانتقالها بين مختلف المناطق من الصعوبة بمكان، فما البال بجبل نفوسة الشاهق، فالملاحظ أن الشيخ عمروس لا يذكر المصادر التي اعتمد عليها في تأليفه للدينونة، إلا مصدر واحد وهو مدونة أبي غانم الخرساني، وقد أشار إلى ذكرها في الدينونة الباحث أحمد كروم فالظاهر أن الشيخ عمروس اعتمد في تأليفه لكتابه الدينونة على ما تلقاه من علم على يد مشايخه الذين تتلمذ عليهم، والذي يوحي بذلك بعض العبارات ذكرها في ثنايا الدينونة، فمن ذلك مثلا قوله: (2)، وقوله: " من نأخذ عنه ممن أدركنا نأخذ عنه ممن أدركنا " (3)، وما شابه
وقد قال بعض بعض سلفنا
رحمهم
الله
هذه العبارات المبثوثه في ثنايا " الدينونة
=
هو الحال في كتاب الدينونة، ولو لم يفعل أئمة المذهب الإباضي ذلك لكان مصيرهم الزوال والاندثار كما زالت واندثرت الكثير من المذاهب الإسلامية كالمعتزلة والظاهرية والصفرية، وأرى أنه من الضروري أن أنبه إلى أنه ليس هذا هو السبب الوحيد في المحافظة على المذهب الإباضي، بل هناك أسباب أخرى عديدة ساهمت في المحافظة على المذهب الإباضي، وليس هذا مقام ذكرها، ولكن من اهمها مسالك الدين عند الإباضية (للكتمان، والظهور، والدفاع، والشراء) والله أعلم.
(1)
عمروس، الدينونة الصافية، ص 55
(2) - المصدر السابق، ص 83) - المصدر السابق، ص 101، 102.
279 (1/279)
صفحة 280
[صفحة فارغة] (1/280)
صفحة 281
الشيخ عمروس ومنهجه
1 - المبحث الثاني: تعريف المصطلحات: المنهج، الفقه، العقيدة (التوحيد وعلم الكلام
، وأصول الدين)
أ - المطلب الأول: تعريف المنهج
(4)
(2)
المنهج أو المنهاج هو الطريق الواضح البين (1)، جاء في لسان العرب: " نهج: طريق نهج بين واضح ... ومنهج الطريق: وضحه، والمنهاج كالمنهج. وفي التنزيل: لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً) (2 .. والمنهاج: الطريق الواضح ... وفي حديث العباس: «لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ترككم على طريق ناهجة» (3) أي واضحة بينة ... " إهـ وقال الزمخشري: " نهج أخذ النهج والمنهج والمنهاج، وطريق نهج، وطرق نهجة، ونهجتُ الطريق: بينته، وانتهجته: استبنتُه، ونَهَج الطريق وأنهج: وضح. قال يزيد بن حذاق الشني ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت:: منه المسالك والهدى يُعدى " إهـ (5)
ب - المطلب الثاني: تعريف الفقه:
الفقه لغة قيل: " هو العلم بالشيء والفهم له، وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النجم على الثريا، والعود على المندل، والفقه في الأصل الفهم،
(3) M
(1) - محمد صالح ناصر، منهج البحث وتحقيق النصوص، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، سلطنة عمان، شركة مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة، سلطنة عمان، ط 1: 1415 هـ / 1995 م، ص 9. (2) - سورة المائدة، من الآية: 48 (1) - رواه الدارمي من طريق عكرمة بلفظ: " فقام العباس فقال: ... ان رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات حتى ترك السبيل نهجا واضحا، فأحل الحلال، وحرم الحرام '، أنظر: عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، سنن الدارمي، ج 1، ت: د/ مصطفى ديب البغا، دار القلم، دمشق، ط 2: 1417 هـ / 1996 م، المقدمة، باب في وفاة النبي (14)، حديث رقم (83)، 52/ 1 - 53؛ وقد بحثت عن تخريجه في بقية كتب الصحاح والسنن فلم أجده.
(4) ـ ابن منظور، لسان العرب، 365/ 14 - 366
- هو يزيد بن خداق الشني العبدي، من بني عبد القيس، شاعر جاهلي، كان معاصر ا لعمرو بن هند؛ من شعره: هل للفتى من بنات الدهر من واق:: أم هل من حمام الموت من راق؟ (أنظر: كامل سليمان الجبوري، معجم الشعراء، ج 6، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ا: 1424 هـ / 2003 م، ص 148 - 149)
- محمود بن عمر الزمخشري، أساس البلاغة، ت: عبد الرحيم محمد، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ص 474. (1) ? ابن منظور، لسان العرب، 210/ 11
281 (1/281)
صفحة 282
الشيخ عمروس ومنهجه
يقال: أوتي فلان فقها في الدين أي فهما فيه، قال تعالى: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) (1) أي ليكونوا علماء
(")
(4)
(0) n
(3)
وقيل: " هو العلم "، وقيل: وقيل: " معرفة قصد المتكلم "، وقيل: " فهم ما يدق "، وقيل: استخراج الغوامض والاطلاع عليها "، وعند أكثر العلماء هو: الفهم أي إدراك معنى الكلام)) وذكر صاحب الإبهاج ثلاثة أقوال في تعريف الفقه لغة لا تخرج عن الأقوال السابقة فقال: " في معنى الفقه بحسب اللغة ثلاثة أقوال: أحدها: مطلق الفهم، والثاني: فهم الأشياء الدقيقة، والثالث: فهم غرض المتكلم من كلامه " إهـ، وعرفه الجرجاني بأنه: " فهم غرض المتكلم من کلامه أما تعريف الفقه اصطلاحا فقد عُرف بعدة تعاريف، فذكر ابن النجار عدة تعريفات منها: " معرفة الأحكام الشرعية دون العقلية (الفرعية (لا الأصولية. ومعرفتها إما بالفعل أي بالاستدلال، أو بالقوة القريبة من الفعل، أي بالتهيؤ لمعرفتها بالاستدلال "، وقيل: " هو العلم بأفعال المكلفين الشرعية - دون العقلية – من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة "، وقيل: " هو العلم بالأحكام الشرعية "، وقيل: هو معرفة الأحكام الشرعية "، وقيل: " معرفة كثير من الأحكام عرفا " وذكر غيرها (6). وعرفه صاحب الإبهاج بأنه: " العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية " إهـ، وبنفس هذا التعريف عرفه الجرجاني، وزاد تعريفا آخر وهو: " الإصابة والوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به الحكم، وهو علم مستنبط بالرأي والاجتهاد، ويحتاج فيه إلى التأمل والنظر، ولهذا لا يجوز أن يسمى الله تعالى فقيها، لأنه لا يخفى عليه شيء " إهـ
(7)
(^)
"
(1) - سورة التوبة، من الآية: 122 (2) ـ ابن منظور، لسان العرب، 210/ 11
1
، 1413 هـ
(2) ? محمد بن أحمد بن عبد العزيز ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ت: د/ محمد الزحيلي و د/ نزيه حماد، ج / 1993 م، مكتبة العبيكان، الرياض، المملكة العربية السعودية، ص 40 - 41. (4) ? علي بن عبد الكافي السبكي وولده عبد الوهاب بن علي السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، ج، ط 1: 1404 هـ / 1984 م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص 28. (9) - علي بن محمد الجرجاني، التعريفات، ت: د/ عبد الرحمن عميرة، ط 1: 1416 هـ / 1996 م، عالم الكتب، بيروت،
لبنان، ص 216. (1) - ابن النجار، شرح الكوكب المنير، 41/ 1. () - السبكي وولده، الإبهاج في شرح المنهاج، 28/ 1 (1) الجرجاني، التعريفات، ص 216.
282 (1/282)
صفحة 283
الشيخ عمروس ومنهجه
جـ - المطلب الثالث: تعريف العقيدة والتوحيد وأصول الدين وعلم الكلام: إن العقيدة، أو أصول الدين، أو علم التوحيد، أو علم الكلام، هي مصطلحات متقاربة جدا إن لم تكن مترادفة، تؤدي معنى واحدا، وهو العقيدة الإسلامية التي تعم هذه المصطلحات وأهم الأسباب التي أدت إلى هذا التعدد في التسميات هي:
سميت العقيدة بعلم التوحيد إشارة إلى أبرز موضوعاتها، وهو توحيد الله تعالى في ذاته، وصفاته،
وأفعاله
، وعبادته
(1)
وعرفت بعلم الكلام إما لأنه كلام في كلام الله تعالى وقدمه وحدوثه، وقد هزت هذه القضية أركان العالم الإسلامي ردحا من الزمن، وامتحن فيها من امتحن، وقتل من قتل؛ وإما لأنه في بيان طرق الاستدلال على أصول الدين أشبه بالمنطق في تنبيه مسالك الحجة في علوم أهل النظر، وأبدل الكلام
(2)
بالمنطق للتفرقة بينهما وسميت العقيدة بأصول الدين لكونها هي الأساس التي ينبني عليها الدين أو للتمييز بينها وبين علم الفروع الذي عرف بالفقه (3)
إذن فمن الأسباب السابقة، يلاحظ أن العقيدة أعم من هذه المصطلحات، فالعقيدة مع تناولها لقضية توحيد الله تعالى وتتريهه ... ، أيضا تتناول جوانب أخرى كثيرة من قضايا العقيدة الإسلامية، كالإيمان بالرسل، والكتب، واليوم الآخر، والحساب ... إلخ والملاحظ أن الشيخ عمروس في قسم العقيدة تناول عددا من مسائل العقيدة – من ضمنها توحيد الله تعالى وغيرها من المسائل - وكان في خلال ذلك يتعرض لأقوال المخالفين ويرد عليهم، ويفند حججهم، مع ذكره للقول الصحيح الذي يرجحه أو يعتقده، وسأتناول ذلك بالتفصيل عند تعرضي لمنهج الشيخ عمروس العقائدي.
منهج المتكلمين في
إذن فالشيخ عمروس يتناول جانب العقيدة (التوحيد)، ثم ينهج في خلال ذلك الرد على مخالفيه، ومن هنا أرى من الضروري التعرض لتعريف هذه المصطلحات كلا على حدة حتى
يكون القارئ منها على بينة، مع ما فيها من تقارب
(1) ? الجعبيري (2) - المصدر السابق، ص 94، بتصرف. (3) - المصدر السابق، ص 94، بتصرف.
، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 92، بتصرف.
283 (1/283)
صفحة 284
الشيخ عمروس ومنهجه
أولا: تعريف العقيدة لغة واصطلاحا:
العقيدة لغة أصلها من عَقَدَ، والعقد: نقيض الحل؛ عَقَدَهُ يَعْقده عقداً وتَعاقداً وعَقْدَهُ، ويقال: عقدت الحبل فهو معقود، وكذلك العهد؛ ومنه عقدة النكاح (1)
والعقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، يقال: اعتقد فلان الأمر: صدقه وعقد
عليه قلبه وضميره
(4)
(2)
(1)
وقد ورد أصل العقيدة اللغوي في القرآن الكريم، كقوله تعالى: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدْتُمُ الْأَيْمَانَ) (3) قال ابن كثير: " أي بما صممتم عليه منها وقصدتموها " إهـ، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (5) قال ابن كثير: " قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود العهود، وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك، قال: والعهود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره " إهـ والعقيدة اصطلاحا عرفت بعدة تعاريف، فقيل: " هي مجموعة قضايا الحق البدهية المسلمة بالعقل، والسمع، والفطرة، يعقد عليها الإنسان قلبه، ويثني عليها صدره جازما بصحتها، قاطعا بوجودها وثبوتها، لا يرى خلافها أنه يصح أو يكون أبدا، وذلك كاعتقاد الإنسان بوجود خالقه، وعلمه به، وقيل: " ما يقصد به الاعتقاد دون العمل، كعقيدة وجود الله، وبعثه
،
(7)
وقدرته عليه " إهـ الرسل "، ويجمع على عقائد (8)، وهناك من عرفها بأنها: " الفكرة الكلية للإسلام عن الكون والإنسان والحياة وما قبل الحياة الدنيا وما بعدها، وعلاقتها بما قبلها وبعدها
(9) 11
(1) ? ابن منظور، لسان العرب، 220/ 10 - 221
(1) - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 614/ 2.
(3) - سورة المائدة، من الآية: 89
(4) - إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، ج 2، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط 1: 1407 هـ / 1987
م، ص 92.
(3) - سورة المائدة، من الآية: 1 - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 4/ 2.
(1)
(2) ـ أبو بكر جابر الجزائري، عقيدة المؤمن، مكتبة العلوم والحكمة، المدينة المنورة، ط 4: 1419 هـ / 1998 م، ص 23 - إبراهيم عبد الشافي، العقيدة الإسلامية وصلتها بالعالم والحياة والإنسان، مطبعة الحسين الإسلامية، ط 1: 1415 هـ / 1994 م، ص 8 نقلا عن: يوسف بن إبراهيم السرحني، العقيدة الإسلامية وأثرها على المسلمين، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان،، طا: 1424 هـ / 2003 م، ص 7.
(1) - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 614/ 2
(1) - إبراهيم الشافي، العقيدة الإسلامية، ص 8 نقلا عن: السرحني، العقيدة الإسلامية وأثرها على المسلمين، ص 6.
284 (1/284)
صفحة 285
الشيخ عمروس ومنهجه
ثانيا: تعريف التوحيد لغة واصطلاحا: التوحيد لغة أصله الثلاثي من وَحَدَ يَحدُ حِدَةً، ووَحْداً ووُحُوداً، ووَحْدَةً: انفرد بنفسه، ووَحَّدَ الله سبحانه: أقرَّ وآمن بأنه واحد. ووَحْدَ الشيء: جعله واحدا، وتوَحَّدَ الله بربوبيته وجلاله وعظمته: تفرد بها، والوَاحِدُ: من صفات الله تعالى، معناه أنه لا ثاني له، ذو الوحدانية والتوحد، والوَحْدَانِيَّةُ: صفة من صفات الله تعالى معناها أن يمتنع أن يشاركه شيء في ماهيته وصفات كماله، وأنه منفرد بالإيحاد والتدبير العام بلا واسطة ولا معالجة، ولا مُؤثَّرَ سواه في أثر ما عموما (1) وقد عرف الشيخ أبو مسلم التوحيد لغة بقوله: " هو تفعيل، من وَحدتُ الشَّيْءَ أُوَحْدُه؛ إذا جعلته واحداً، أي: فَرْداً، فالتَّوحيد هو التَّفْريدُ، وإن شئت قلتَ الإِفْرَادُ " إهـ (2). والتوحيد في اصطلاح أهل الحقيقة: " تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام، ويُتخيل في الأوهام والأذهان، ومذهب التوحيد في الفلسفة: " القول ياله واحد والتوحيد في الاصطلاح هو: " الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له. (5)، وعرفه الشيخ أبو مسلم. بقوله: " هو إفراد الله تعالى في ذاته، وصفاته، وأقواله، وأفعاله، وعبادته، وسائر كمالاته، أي: اعتقاد كونه مُفْرَداً في ذلك كله، لا يشاركه فيه شيء ما بأي وجه كان، مع الإقرار بذلك، واعتقاد أن محمدا عبد الله الأمين، ورسوله المبين، إلى الإنس والجن أجمعين، وأنه خاتم النبيين، وأن ما جاء به حق من عند رب العالمين ... " إهـ
" (d)
(9)
(4) .
(1) - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 1016/ 2 - 1017
(2) - ناصر بن سالم بن عديم البهلاني، العقيدة الوهبية، راجعه: سلطان بن مبارك الشيباني، ط 1: 1424 هـ / 03
مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة عمان، ص 34.
) - الجرجاني، التعريفات، ص 99 - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 1016/ 2.
(4) - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 1016/ 2.
(3) - المصدر السابق، 1016/ 2. (6) - البهلاني، العقيدة الوهبية، ص 34 - 44.
285 (1/285)
صفحة 286
الشيخ عمروس ومنهجه.
ثالثا: أصول الدين لغة واصطلاحا:
الشيء
اسْتَأْصَلَت
(أصول الدين) مصطلح يتكون من شقين، أصول، والدين، ولتعريفه يُحتاج تعريف كل شق منه على حدة، وسأبدأ بتعريف الأصول: الأصول أصلها الثلاثي من أَصَلَ، والأَصْلُ: أسفل كل شيء، وجمعه أصول، ويقال: هذه الشجرة أي ثبت أصلها (1)، وأَصلَ الشيءَ أَصْلاً: استقصى بحثه، حتى عرف أصله، وأَصلُ: أساسه الذي يقوم عليه، ومنشؤه الذي ينبت منه،، والأَصْلُ: كرم النسب، والأصول: أصول العلم: قواعدها التي تبنى عليها الأحكام. والنسبة إليها أُصولي (2) وعرفه الجرجاني لغة بأنه: " عبارة عما يفتقر إليه، ولا يفتقر هو إلى غيره " إهـ، وعرفه شرعا بأنه: " عبارة عما يُبنى عليه غيره، ولا يُبنى هو على غيره " إهـ وأما الدين لغة فأصله الثلاثي من دَيَنَ، يقال: دان ديناً، وديانةً: خضع وذل، ودان: أطاع، ويقال: دان له منه: اقتص، ودان بكذا: اتخذه ديناً وتعبد به، فهو دَيَّنٌ، ودَانَ فلانٌ دَيْناً: اقترض، فهو دائن بمعنى مدين، ودان كذلك تأتي بمعنى: حمل، وحاسب، وساس، وجازي، والدِّيانَةُ: ما يَتَدَيَّنُ به الإنسان، والدَّيْنُ: القرض، والدِّينُ: الدِّيانَةُ، والملة، والإسلام، والاعتقاد، وكذلك يأتي بمعنى: العادة، والسيرة، والحال، والشأن، والورع، والحساب، والملك، والسلطان، والحكم، والقضاء، والتدبير؛ والدَّيَّانُ: اسم من أسماء الله تعالى، والدَّيَّانُ: القاضي، والحاكم، والمجازي؛ والذي يعنينا
(3)
(4)
هنا مما سبق الدين بمعنى الإسلام، والاعتقاد. وأما مصطلح (أصول الدين (فتعريفه هو نفس تعريف علم الكلام - الذي سيأتي بعد قليل – لكل من ابن خلدون، والبرادي، حسب ما ذكر الشيخ الجعبيري حيث قال: " علم الكلام، أو " أصول الدين " أو " علم التوحيد " حسب قول ابن خلدون: .... ، وهو حسب البرادي: ... " إهـ
(°)
(1) ابن منظور، لسان العرب، 114/ 1 ـ 115 (2) - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 20/ 1. (3) - الجرجاني، التعريفات، ص 49
(4) - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 307/ 1. أنظر ص 288 (5) - الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 92.
286 (1/286)
صفحة 287
الشيخ عمروس ومنهجه
رابعا: علم الكلام لغة واصطلاحا:
) علم الكلام (يتكون من شقين: علم، وكلام، فسأعرف كلا على حدة، ثم سأتي بتعريف
مصطلح علم الكلام العلم في اللغة أصله الثلاثي من عَلِمَ، يقال: عَلِمَ الشيء علماً: عرفه، وفي التنزيل: لا تَعْلَمُونَهُم اللهُ يَعْلَمُهُمْ) (1)، وعَلِمَ الشيء: شعر به ودرى، وفي التنزيل: قيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (2)، وعَلِمَ الشيء حاصلا: أيقن به وصدقه، تقول: علمت العلم نافعا (3)
(4)
.
(°)
والعِلْمُ في الاصطلاح قيل هو: إدراك الشيء بحقيقته، ويُطلق العلم على مجموعة مسائل وأصول كلية تجمعها جهة واحدة، كعلم الكلام، وعلم النحو، وعلم الآثار وعرفه الجرجاني بأنه: " الاعتقاد الجازم المطابق للواقع " إهـ، وهناك تعريفات أخرى للعلم فقيل: " إدراك الشيء على ما هو به "، وقيل: " زوال الخفاء من المعلوم، والجهل نقيضه "، وقيل: " راسخة تدرك بها الكليات والجزئيات "، وقيل غير ذلك (6)
صفة
وأما الكلام لغة فأصله الثلاثي من كَلَمَ، يقال: كَالَمَهُ أي خَاطَبَهُ، وكَلَّمَهُ تَكْلِيماً أي وجه الحديث إليه، وتَكلّم: نطق بكلام، والكَلامُ في أصل اللغة: الأصوات المفيدة، وعند المتكلمين: " المعنى القائم بالنفس الذي " يُعبَّرُ عنه بألفاظ، وفي اصطلاح النحاة: " الجملة المركبة المفيدة "، نحو: جاء الشتاء، أو نحوها مما يكتفى به، وقال ابن عقيل: " الكلام المصطلح عليه عند النحاة عبارة عن اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها ... وهو في اللغة: اسم لكل ما يتكلم به، مفيدا كان أو غير
مفيد " إهـ
(^)
(V)
(1)? سورة الأنفال، من الآية: 60.
(2) - سورة يس، آية:26 - 27
(3) - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 624/ 2.
(4) للمصدر السابق، 624/ 2.
(5) - الجرجاني، التعريفات، ص 200
(1) - المصدر السابق، ص 200
(2) - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 796/ 2.
(4) ? عبد الله بن عقيل العقيلي الهمداني، شرح ابن عقيل، ج 1، ت: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت
، لبنان، 1418 هـ / 1997 م، ص 19.
287 (1/287)
صفحة 288
(3)
الشيخ عمروس ومنهجه
وأما مصطلح) علم الكلام (فقد تعددت تعاريف العلماء له، فعرفه ابن خلدون بأنه: " علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات الإيمانية " إهـ؛ وعرفه البرادي بقوله: " النظر في العقائد القطعيات وما لا يحل الاختلاف فيه من الاستدلال بالأدلة العقلية والسمعية في أصول الاعتقاد وتثبيتها " إهـ (2)؛ وقال الجرجاني هو: " علم باحث عن الأغراض الذاتية للموجود من حيث هو على قاعدة الإسلام " إهـ؛ وعرفه الشيخ الجعبيري بأنه: • علم تحصيلي يرمي إلى تثبيت العقيدة بدفع جميع ما يحوم حولها من شبه دخيلة على الثقافة الإسلامية أو نابعة من كيانها " إهـ هذا فيما يتعلق بتعريف المصطلحات: المنهج، الفقه، العقيدة (التوحيد وعلم الكلام، وأصول الدين)، التي ستأتي في المباحث القادمة
(4)
(1) ? ابن خلدون، المقدمة، ص 821.
_ (')
عمر أبو سته، المجموع المعول، 22، نقلا عن شرح البرادي لكتاب العدل والإنصاف لأبي يعقوب الوارجلاني، نقلا عن
: الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 92
201
(3) - الجرجاني، التعريفات، ص (4) الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 93
288 (1/288)
صفحة 289
الشيخ عمروس ومنهجه
- المبحث الثالث: منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب مسائل أصول الدين
) العقيدة):
أ - المطلب الأول: منهجه في بناء الأبواب والفصول وترتيبها: الحقيقة أني لم أتمكن من الحصول على مخطوطة " أصول الدينونة الصافية " لأنظر بنفسي في المنهج الذي اتبعه الشيخ عمروس في ترتيب المسائل العقائدية التي تعرض لها في كتابه، ولكن بالاعتماد على النسخة المطبوعة من قبل وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان، بتحقيق الباحث أحمد كروم، فإن الملاحظ أن الشيخ عمروس افتتح كتابه بمسائل أصول الدين (العقيدة)، وبعد أن أنهى مسائل أصول الدين أتبعها بالمسائل المتعلقة بالعبادات (1)
والملاحظ أن الشيخ عمروس لم يقسم كتابه إلى أبواب وفصول "، كما هو متبع في المؤلفات المعاصرة، وإنما يبدأ مباشرة بطرح المسائل العقدية التي يرغب في مناقشتها وتحليلها - وهذا الأسلوب كان المتبع في كتابات تلك القرون المتقدمة -، مع تنبيهه على ما يريد تناوله من مسائل قبل أن يبدأ في طرحها ومناقشتها، فيلاحظ أن تلك التنبيهات متداخلة مع متن الموضوع، وقد أتجاوز وأطلق عليها " عناوين
للمسائل "
(2)
فعلى سبيل المثال بعد أن انتهى من مقدمته في باب العقيدة، قال مباشرة: " فأول ما نحن ذاكروه: الإقرار الله بالوحدانية ... " إهـ، ومثال آخر عندما تناول مسألة الشفاعة قال مباشرة: " وأباح وكذلك عندما تحدث عن ما لا يسع الناس جهله
11
الفساق الحرام ثم بدأ الحديث عن الشفاعة
(4)
،
(E) n
قال: " وذكرت قول أهل الحق وهذا مما لا يسع جهله طرفة عين، وهكذا في بقية المسائل التي
تناولها في جانب العقيدة، وسار على نفس النهج في جانب الفقه، وسيأتي الحديث عنه لاحقا.
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 58، 87
- لقد قام الباحث أحمد كروم - محقق الدينونة الصافية - بتقسيم الكتاب إلى أبواب وفصول، ووضع ذلك بين معقوفتين، فليس ذلك التقسيم من فعل الشيخ عمروس أو النساخ، فارجو التنبه لذلك (أنظر: عمروس، الدينونة الصافية، ص 8 مقدمة
المحقق). (1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 59.
() - المصدر السابق، ص 66 (4) - المصدر السابق، ص 79.
289 (1/289)
صفحة 290
الشيخ عمروس ومنهجه
إذن فيستخلص من ذلك أن المنهج الذي اتبعه الشيخ عمروس في كتابه " أصول الدينونة الصافية " لم يکن قائما على تقسيم المواضيع إلى أبواب وفصول، بل كان يأتي بالمسائل مباشرة بعضها وراء بعض، بلا فصل، مع تنبيهه ببعض العبارات قبل ذلك، كما مثلت سابقا.
إلا أنه لم يكن يخلط المسائل ذات المواضيع المختلفة معا، بل يلاحظ أنه يسير وفق نظام في تناول المسائل التي تمس موضوعا واحدا، فإذا انتقل إلى موضوع آخر نبه ببعض العبارات، ثم يدخل في الموضوع مباشرة، إلا أنه لا يفرد المواضيع المختلفة في فصول أو أبواب كما نبهت. فيمكن تقسيم المواضيع التي تناولها في قسم العقيدة إلى ثلاثة أقسام، وهي كالتالي: القسم الأول: المعاملة بين المسلمين، ومعاملة الكفار والمنافقين القسم الثاني: الرد على المخالفين (الصفرية، والمعتزلة"، والسبئية").
القسم الثالث: ما يسع جهله وما لا يسع جهله
- الصفرية: فرقة من فرق الخوارج، هم اتباع عبد الله بن الصفار، وليس زياد بن الأصفر، كما ذكرت بعض المصادر، قيل: سموا بالصفرية لأنهم في عرف مخالفيهم صفرا من الدين، وقيل: هم قوم أنهكتهم العبادة فاصفرت وجوههم، شاع أمرهم في عهد يزيد بن معاوية، وهم في آرائهم أقل تطرفا من الأزارقة، وأهم معتقداتهم: لم يكفروا القعدة، الذين لم يخرجوا لمقاتلة حكام بني أمية الجورة، ولم يسقطوا الرجم، ولم يحكموا بقتل أطفال المشركين وتكفيرهم وتخليدهم في النار، التقية عندهم جائزة في القول دون العمل ... الخ، وقد انتشر المذهب الصفري بين قبائل المغرب الأوسط والأقصى، ولعب عكرمة - مولى ابن عباس - دورا بارزا في نشره، حيث إنه هو الذي نقله إلى المغرب، واتخذ من مدينة القيروان قاعدة له، وانتهت الحركة الصفرية في المغرب على يد الشيعة الفاطميين، بقيادة أبي عبد الله الشيعي، الذي غزا دولتهم في سنة 297 هـ، وأضرم النار في تراث الصفرية، فقضى عليه (انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ص 137 - عبد القاهر بن طاهر البغدادي الاسفرانيني، الفرق بين الفرق، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، 1411 هـ / 1990 م، ص 90 - 93 - العميد عبد الرزاق محمد أسود، المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب، ج 2، الدار العربية للموسوعات، بيروت، لبنان، ط 1: 1402 هـ / 1981 م، ص 223 - 224 - الشكعة، إسلام بلا مذاهب، ص 134). - المعتزلة: مر تعريفهم، انظر ص 34. -- السبئية: هم أصحاب عبد الله بن سبأ، من صنعاء باليمن، أظهر الإسلام في عهد عثمان بن عفان، واندس بين المسلمين، وتنقل بين حواضرهم؛ فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، و الكوفة، ومصر، والشام، مبشرا بأن للنبي رجعة كما لعيسى بن مريم رجعة، وأن عليا هو الوصي كما كان لكل نبي وصي، وأن عليا خاتم الأوصياء كما أن محمدا خاتم الأنبياء. وابن سبأ هذا عند البعض ابن السوداء، لأن أمه أمة سوداء، وهو في الأصل من يهود الحيرة، وعندما كان في اليهودية، كان يقول ان يوشع بن نون وصي موسى عليه السلام، كما كان يقول بفكرة الرجعة؛ لذلك فهو الذي أدخل هاتين الفكرتين إلى الإسلام، ثم صارت أشبه بالدستور تأخذ به الفرق التي سارت في هذا الطريق، والشيعة المعاصرون، وأكثر المعتدلين ينكرون أن يكون ابن سبا منهم، لأنه ليس مسلما في نظرهم فضلا عن أن يكون شيعيا؛ وهناك من ينفي قيامه - أي ابن سبا - بمثل هذه الأمور وينفي وجوده أصلا كشخص، ومن هؤلاء مرتضى العسكري في كتابه) عبد الله بن سبا)؛ وتقول الروايات أن ابن سبا قال للإمام علي: " أنت أنت " أي أنت الإله، فنفاه الإمام علي إلى المدائن، ويروى أن قوما من أصحاب ابن سبا أتوا عليا فقالوا له: " أنت هو، فقال لهم: " ومن هو؟ "، قالوا: " أنت الإله "، فأمر بإحراقهم في حفرتين، فقال الذين أحرقهم: " الآن علمنا أنك إله، لأن النار لا يعذب بها إلا الله "! (انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ص 174 - البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 233 - 236 - العميد عبد الرزاق، المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب، 189/ 2 - 192 - الشكعة، إسلام بلا مذاهب، ص 156 - 157).
يسمى
"
290 (1/290)
صفحة 291
الشيخ عمروس ومنهجه
إذا فيمكن اعتبار هذه الأقسام الثلاثة هي الركائز الأساسية لقسم العقيدة في " الدينونة الصافية "، ويتخلل هذه الركائز مسائل مختلفة، إلا أنها تتعلق بهذه الركائز الثلاث، وسأذكر هذه المسائل المتفرعة عن هذه الركائز الأساسية في المطلب التالي
ب - المطلب الثاني: مسائل أصول الدين التي تعرض لها في الدينونة: افتتح الشيخ عمروس - رحمه الله - القسم الأول - قسم العقيدة – من كتابه " أصول الدينونة الصافية " بمقدمة مختصرة في العقيدة فقال: " الحمد لله الذي أنار الحق ببرهانه وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة التي قطع الله بها عذر المبطلين، وشهد بها على أعدائه بما أراد عز وجل، لئلا يكون للعاصي في معصيته عذر، ولا يهلك من هلك إلا بعد إعذار وإنذار، بعث رسله تترى، وأنزل كتبه تتلى ... إلخ "، فنلاحظ هنا أنه تناول في هذه المقدمة المختصرة بعض الإشارات إلى بعض ما يريد مناقشته من مسائل العقيدة، وضمن ذلك بعض الآيات القرآنية
(1)
الموحدين
(2)
ثم بعد ذلك دخل في ما يريد مناقشته من مسائل العقيدة مباشرة بعد المقدمة، فبدأ بالمعاملة بين، وبهذا افتتح القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي ذكرتها سابقا، وهو (المعاملة بين المسلمين، ومعاملة الكفار والمنافقين)، فافتتح ذلك بالحديث عن وجوب الإقرار بالله تعالى، وبوحدانيته، ووجوب تتريهه، وأنه لا يشبه شيء من خلقه، وانه ليس له شريك ثم تناول مباشرة وجوب الإقرار بنبوة محمد، والإقرار بما جاء به من عند الله تعالى، وأنه حق منه تعالى، وأن من أقر بالله تعالى وبوحدانيته، وأقر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، فقد خرج من الشرك (3). بعد ذلك ذكر أن الله تعالى ابتلي من آمن به بالفرائض ليمحصهم بذلك، وليميز بين المؤمنين والمنافقين، وذكر بعض الآيات في ذلك
(4)
ثم بدأ بتوضيح الأحكام المتعلقة بالمنافقين، من جواز المناكحة والموارثة، وأكل الذبائح، والمدافنة مع
المسلمين، وقبول الشهادة، والقيام على جنائزهم، والحج معهم، والقصاص، وتسويتهم في القود
د،
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 58 - 59.
(2) - المصدر السابق، ص 59
) - المصدر السابق، ص 59.
(4) - المصدر السابق، ص 60.
291 (1/291)
صفحة 292
الشيخ عمروس ومنهجه
(")
والدية، وتحريم ولايتهم، وتسميتهم بالإيمان وقد نفاه الله عنهم، وتسميتهم بالكفر والنفاق، وتحريم تسميتهم بالشرك، ما لم ينكروا ما أقروا به من التوحيد ثم بعد ذلك بين أن الناس على ثلاثة منازل: الإيمان، والنفاق، والشرك؛ وأن الكفر جامع للنفاق والشرك؛ وذكر بعض الآيات في ذلك (2)؛ وقام بتعريف هذه الأقسام الثلاثة، فقال: " المشرك: المنكر للقول والعمل، والمنافق: المقر بالقول المضيع للعمل، والمؤمن: الموفي بما أقر به من القول والعمل " إهـ (3)
ثم وضح المنهج الصحيح في معاملة الموحد فقال: " وندعوهم إلى ترك ما به ضلوا وكفروا "، فمن أبي قبول ما دعونا إليه، ورد دعوتنا، وسفه مقالتنا، وباين مناصبتنا استحللنا قتاله، ولا تجاوز سفك دمانهم إلى غنيمة أموالهم، وسبي ذراريهم، محرم ذلك علينا، لإقرارهم بتوحيد ربهم بعد ذلك بدأ الشيخ عمروس الحديث عن أحكام أهل الكتاب، وكيفية معاملتهم، فقال: " ونترل
(4)
أهل الكتاب حيث أنزلهم الله: أن يقاتلوا حتى يقروا بالجزية عن ذل وصغار، ونستحل منهم إذا أقروا
.
بالجزية نكاح الحرائر منهم، وهم أهل الملل الثلاث: اليهود والصابوون" والنصارى والنصارى ... " إهـ
(°)
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 60. (2) - المصدر السابق، ص 60 - 61. (3) - المصدر السابق، ص 61
- يقصد كفر النعمة، لا كفر الجحود.
- المناصبة: العداوة والحرب، يقال: نصب له العداء والشر: أظهر هما له وقصده بهما، ونصب له حربا: شنها عليه
(انظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 924/ 2)
- هنا في هذا النص يبين الشيخ عمروس حقيقة جهلت عن أتباع المذهب الإباضي، واتهموا بخلافها من قبل الكثير من مخالفيهم، فقد اتهم الإباضية بأنهم يستحلون قتل مخالفيهم، ويستحلون غنم أموالهم، وسبي ذراريهم، وهذا حكم ظالم على أتباع المذهب الإباضي، وهو مردود بما ثبت في أقوال ومؤلفات أئمة وعلماء المذهب الإباضي، والنص السابق مثال صارخ على هذه الحقيقة التي جهلها الكثير ممن اتهم الإباضية بهذه التهمة الظالمة، فلم يكلفوا أنفسهم الرجوع إلى مؤلفات أتباع المذهب الإباضي حتى يكتشفوا الحقيقة الغائبة، واكتفوا بالنقل عن مؤلفات بعض المغرضين والحاقدين على هذا المذهب، أو عن بعض خدام بعض السياسات كالسياسة الأموية أو العباسية، الذين لم يتحروا الحقيقة والعدل فيما كتبوا، فجاء بعض من كتب عن الإباضية بعدهم، فنقل عن تلك الكتب معتبرا ما فيها من المسلمات التي لا يمكن القدح فيها والله المستعان!!. (4) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 62
.
-- هكذا وردت في النص، ولعل الأصح " الصاينونَ " من صبا، يقال: صَبَا الرجلُ: ترك دينه ودان بآخر، والصابئون: هم قوم يعبدون الكواكب، ويزعمون أنهم على ملة نوح العين، وقبلتهم مهب الشمال عند منتصف النهار (أنظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 505/ 1).
(5) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 62
292 (1/292)
صفحة 293
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
وبعد ذلك بين كيفية معاملتهم إذا حاربوا وأبوا دفع الجزية، فقال: " وإذا حاربوا وأبوا الجزية، تركنا تحليل ذلك منهم، لأنهم يسبون في ذلك الحلال، فلا يحل لمسلم أن يتزوج امرأة يحل سبيها لغيره ولا نستحل نكاح إماء أهل الكتاب، لأن الله لم يذكر في التحليل إلا الحرائر " إهـ ثم وضح جواز التسري للرجل، وأنه ليس محدودا بعدد، فقال: " وليس على الرجل وقت عدد في التسري ... " إهـ، وبين حكم الزواج بالأمة فقال: " ... ولا يتزوج الحر الأمة إلا مضطرا، ولا يتزوج إلا واحدة، وإن وجد المضطر الصبر عن تزويج الأمة فهو خير بعد ذلك تناول أحكام التعامل مع المجوس" فقال: " وحكمنا في المجوس ما حكم الله فيهم، وسار به
نبي
(2)
(3).
(4)
الله عليه السلام: أن يقاتلوا، حتى يقروا بالجزية، فإذا أقروا أخذت منهم وَهُمْ صَاغِرُونَ) ثم تركوا على ما هم دائنون به ... ، ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح حرائرهم - سلما كان أو
(0)
حربا - ... " إهـ بعد ذلك بدأ في بيان كيفية معاملة المشركين، فقال: " وحكمنا في عبدة الأوثان ما حكم الله فيهم، وسار نبي الله عليه السلام: القتل حتى يدخلوا في الإسلام، لا يقبل منهم إلا الدخول في الإسلام، لا تقبل منهم جزية، لأنهم ليس لهم دين يقرون عليه ... " إهـ
(6)
ثم بين كيفية التعامل مع المنافقين، فقال: " وأما المنافقون فهم في ملة الإيمان، ويجري عليهم ملتهم التي ادعوا وأقروا بها، وليسوا بملة كملة اليهود والنصارى، ولكنه إدغال في الدين، إما شهوة في محرم، أو تحريف في التأويل، وإنما أصابوا النفاق بمعاص دون الشرك في هوى مضل، أو تأويل شبهة في غير حق، وأهله مقرون بالتنزيل، ولا يجحدونه ولا ينكرونه، ويجري عليهم حكم ما أقروا، ولا
(1) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 63 (1) - المصدر السابق، ص 63 (2) - المصدر السابق، ص 63. - المجوس: هو قوم كانوا يعبدون الشمس والقمر والنار، وأطلق عليهم هذا اللقب منذ القرن الثالث الميلادي، وقد قام " زرادشت " بتجديد دين المجوسية، وزاد فيه، والظاهر أن الأشوريين والفرس كانوا يعتنقون دين المجوسية (أنظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 855/ 2).
(4) - سورة التوبة، من الآية: 29 - 1 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 64.
(*)
(). المصدر السابق، ص 64
- إدغال من دَعَلَ يَدْعَلُ دَعْلا، يقال: دَعَلَ القانص دَعْلا: دخل في مكان خفي ليَختِل الصيد، ودَغل فيه: دخل دخول المريب، والداغلُ: الذي يبغي أصحابه الشر، يضمره لهم، ويحسبونه يريد لهم الخير، إذا فالظاهر أن المراد هو دخول المنافقين في الدين الإسلامي بريبة، وشك، وعدم اقتناع (أنظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 288/ 1).
293 (1/293)
صفحة 294
الشيخ عمروس ومنهجه
تستحل منهم إلا الدماء، والبراءة منهم " إهـ (1)، واستدل على ما ذهب إليه ببعض ما جاء في
كتاب الله تعالى، فقال: ... لأن الله تعالى لم يحل منهم - أي من المنافقين - غير ذلك فقال: مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا تُقفُوا أَخَذُوا وَقُتَلُوا تَقْتِيلاً) (2)، وبين أنه إنما يحل منهم ذلك إذا باينوا لقول الله تعالى: ({لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) (3) فأما إذا انتهوا عن إظهار نفاقهم تركوا، قال تعالى: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله) ()، فلا نجاوز تحليل دمائهم إلى غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم، ونسميهم بالكفر كفر النفاق ... " إهـ إهـ ثم قام بالرد على زعم المرجنة" أن كل موحد يعد مسلما مؤمنا، وإن ارتكب المعاصي وانتهك الحرمات، وقد كان قويا في الرد عليهم، فمن عباراته قوله: " ... وليس يساعدهم على مقالتهم إلا سفيه أو فاجر، يرتعي في رياض الهوى ويتجرأ في الشهوات، جرأة العصاة على معصية الله
وإسخاط ربهم " إهـ
(1)
(0)
.
،
بعد ذلك بدأ بالحديث عن الشفاعة، ولمن تمنح، وبين أنها تكون للمؤمن المتقي الموفي، ورد على من زعم أن العاصي، المنتهك لحرمات الله، تناله شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وكان رده عليهم قويا، لم تأخذه في الصدع بكلمة الحق لومة لائم، فقال: " وأباح الفساق الحرام، وقالوا: دونكم التوحيد تنالوا به
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 65.
(2) - سورة الأحزاب، آية: 61. باين: فارق وهجر، وغاير وخالف، وبين: ظهر واتضح، والمراد هنا: أظهروا ما يبطنونه من النفاق (انظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 1/ 80).
(3) ? سورة الأحزاب، من الآية: 60
(4) ? سورة الحجرات، من الآية: 9 (9) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 65
- المرجنة: نشات عقيدة الإرجاء في الشام - حاضنة بني امية - بتأثير بعض العوامل المسيحية خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وقد ظهرت هذه العقيدة بعد ظهور الخوارج والشيعة، وكانت تقوم فلسفتها السياسية على أسلوب يبرر أفعال خلفاء بني أمية المخالفة للشريعة، كالقهر السياسي، وشرب الخمر والمجون واللهو، وقتل النفس بغير حق ... ، فقالوا عنهم أنهم مؤمنون، ونحن نطيعهم بل تجب علينا طاعتهم، وهم الذين افتعلوا الأحاديث القائلة بطاعة الأمير برا كان أو فاجرا، فاستطاع بنو أمية بنشر هذه العقيدة فصل الدين عن الدولة، وعقيدة الإرجاء تدور على أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، فالإيمان معهم هو الاعتقاد بالقلب فقط، ومنهم من اشترط التلفظ باللسان مع الاعتقاد بالقلب، ولكنهم مجمعون على أن العمل ليس بشرط في الإيمان، ويذكر المؤرخون أن كثيرا من عقائد المرجنة هي عينها عقيدة المذاهب الأربعة المعروفة اليوم، مثل قولهم بعدم تخليد عصاة المؤمنين في النار، وذلك لقولهم بخلف الوعيد، وقولهم بالشفاعة. (أنظر: الراشدي، الإمام أبو عبيدة، ص 132 - 135).
.
- هكذا في النص، ولعله خطأ مطبعي، فلعل الأصح " يرتع " والله أعلم.
- ذكر الباحث أحمد كروم - محقق الدينونة - أن الأصل في النسخ " يتجر "، ولكنه أثبت " يتجرأ "، معللا بأن ذلك هو الأنسب (أنظر: عمروس، الدينونة الصافية، ص 66 الهامش). (1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 65 - 66.
294 (1/294)
صفحة 295
الشيخ عمروس ومنهـ
الدرجة العلى في الجنة بشفاعة محمد ال، لو لم يتركوا الله معصية جهلا كالسائمة من البهائم لا يعرفون البراءة ولا الولاية، يزعمون أنهم على دين، وليسوا على شيء حتى يقيموه، ولا يعرفون من الدين إلا
اسمه ... " إهـ
(1)
(4)
ثم تناول مسألة الخلود في النار، ورد على من زعم الخروج منها، فقال: " ... وقالوا: إن قوما يخرجون من النار، بعد توكيد الله في غير موضع: أن من دخلها خالدا، وما هم منها بخارجين، وإنهم ماكثون، {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) ... " إهـ وقام بالرد على من يتهجم على أتباع الإباضية، ويستحل شتمهم، وبين تناقض مذهبهم، حيث يعتقدون أن جميع هذه الأمة مسلمون حرام البراءة منهم، والإباضية من جملة هذه الأمة، فكيف بعد ذلك يستحلون سبهم، والبراءة منهم، وهم من أتباع الأمة الإسلامية؟! فقال: " وأنهم يستحلون شتم الإباضية، وحتى أنهم يقولون: شتمهم قربة إلى الله، سفها بغير علم، فبهذا نقض أول كلامهم، أن جميع أمة محمد عليه السلام، مسلمون حرام البراءة منهم، فدينهم متضادد، ينقض بعضه بعضا، وآخر كلامهم ينقض أوله ... " إهـ ثم بعد ذلك بين من هم أولى الناس بالله، وبالحق، وبين أوجه أخذ المال بالحلال، فقال: " إن أولى الناس بالحق من أقامه، ولم يستنكر مذاهبه، ولم يختلف قوله، إن أولى الناس بالله من اتبع أمره واستدل بحكمه، واستدل بأمره، وسمى الناس بما سماهم الله به في كتابه، وحكم فيهم بما حكم الله، ولم يتبع حکمه هوي هوى، ولا يميل به غضب، ولا يأخذ المال إلا من حيث أذن الله له: ميراث من كتاب الله، أو شراء، أو بيع عن تراض، أو هبة عن طيبة نفس أهل الهبات، أو غنيمة من أموال المشركين غير
المعاهدين
وبهذا ينهي
" إهـ
(°)
(4)
القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي ذكرتها، فدخل بعده مباشرة في القسم الثاني، وهو
: الرد على المخالفين (الصفرية، والمعتزلة، والسبئية).
(1) ?
- عمروس، الدينونة الصافية، ص 66. (2) - سورة المائدة، من الآية: 37. عمروس، الدينونة الصافية، ص 67
M
(4)- المصدر السابق، ص 68.
(9) - المصدر السابق، ص 68. (1/295)
صفحة 296
الشيخ عمروس ومنهجه
فبدأ هذا القسم بالرد على شبه الصفرية، فرد على ما زعموا من تشريك أهل الكبائر من أهل التوحيد، واستحلال دمهم، وغنم أموالهم، وسبي ذراريهم، وبين تناقضهم حيث أنهم يجيزون مناكحة أهل القبلة، وأكل ذبائحهم، وقبول شهادتهم ... ، فقال: " وقالت الصفرية: بتشريك أهل الكبائر " من أهل التوحيد، واستحلوا سبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم جرأة على الله ... وتأولوا على ذلك تأويل شبهة خالفت الحق وخرجت من العدل، فدخل عليهم الضلال ما لا نهاية له. وتناقض قولهم فأجازوا مناكحة أهل القبلة، وأكل ذبائحهم، وأجازوا شهادتم، والقيام بين أظهرهم ... فهذا مما لا يحصى من فريتهم وخدعتهم، فأخذوا ما أحبوا وتركوا ما كرهوا ... " إهـ، وجاء بالكثير من الأدلة العقلية رادا بها على ضلالات الصفرية.
،
(2)
(1)
ثم قام بالرد على فرقة أخرى لم يذكر اسمها، وقد ذهبت هذه الفرقة إلى التوقف في الموحدين من أهل القبلة، فلم تصنفهم في الإسلام، وكذلك لم تصنفهم في الشرك، فقال: " وقالت فرقة أخرى: لا ندري أي منزلة نضيف إليها المحدثين من أهل القبلة، وذلك أسلم لنا وأحرز من الإثم ... لأن الناس اختلفوا فيهم ... " إهـ. ثم رد على المرجئة وشبههم، ومن ذلك تشبيههم الله تعالى، وتحديدهم له، ووصفه بالزوال والانتقال تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ورد أيضا على قضية إخلاف الوعيد، التي يتمسك به المرجئة، فقال: " وأشنع من هذا مما وصفته المرجنة، وما دخلوا فيه من تشبيههم ربهم وتحديدهم له، وما وصفوه من الزوال والانتقال، وما ردوا من تنفيذ وعيد الله، وهم أشبه بقول اليهود {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) (3). ثم كر مرة أخرى على الصفرية، فقال: " وقالت طائفة أخرى وهم الصفرية: إن المحدثين من أهل القبلة كأهل حرب نبي الله، فمن شك في شركهم فهو مشرك، يحل منهم – زعموا – ما يحل من
إهـ
(4)
المشركين من الاسم والحكم والسبي " إهـ (5)
(0)
عمروس، الدينونة الصافية، ص 69. (2) - المصدر السابق، ص 70 (3) - سورة البقرة، من الآية: 80.
(1) "
عمروس، الدينونة الصافية، ص 71.
(0) - المصدر السابق، ص 71.
296 (1/296)
صفحة 297
الشيخ عمروس ومنهجه
وبعد أن انتهى من نقض شبه الصفرية والمرجئة، وضلالاتهم، ذكر العقيدة الصحيحة، والقول الفصل في أهل القبلة، المرتكبين للكبائر والمعاصي المرتكبين للكبائر والمعاصي، فقال: " وقالت طائفة: ضالون منافقون ليسوا بمشركين، فهذه مقالة أهل العدل " إهـ، ويقصد بأهل العدل الإباضية.
(1)
ثم أخذ في نقض شبه المعتزلة، فقال: " وقالت المعتزلة: ما أشركوا ولا كفروا ولا نافقوا، ولكنهم ضلوا ضلالا لا يبرئهم من الإيمان، وليسوا بمؤمنين، ولكنهم ضلوا وفسقوا، حرام ولايتهم وتحل البراءة فهم أحمق! كل فرقة إنما تعتقد أصلا وتبني عليه، وهم يعتقدون ثلاثة أديان، يستحلون في
منهم
(2)
دين ما يحرمون في غيره، لأنهم يحرمون ولاية المحدثين " إهـ، وقد أطال في مناقشة، ونقض
شبه المعتزلة
ثم بين حجة الإباضية في إطلاقهم كفر النعمة على مرتكب الكبيرة، واتبع أسلوب المناظرة في ذلك، فكان قويا في طرحه ونقاشه، جزلا في عباراته، وأطال في ذلك، فمما قاله: " وقالوا لنا: من أين علمتم كفر ضلال الإيمان؟ قلنا: من قبل كتاب الله. قالوا: فأوجدونا ذلك. قلنا: من قبل أن الله أضاف الكافرين إلى النار. قالوا: فأوجدونا ذلك .. أين ذكر الله الزاني كافرا؟ قلنا: من حيث وقع عليه الوعيد، فحيثما وجدنا الوعيد علمنا أصحابه كفار. كما أنا حيثما وجدنا الله وصف قوما بالكفر علمنا أنهم مضافون إلى النار؛ لقول الله: (النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (3)، وقال:: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (4)
(0)
ثم بين الفرق بين الإيمان، والكفر، والشرك، والنفاق؛ فقال: " والكفر اسم عام لجميع الضلالة وليس بخاص. والشرك اسم خاص لبعض الضلال وليس بعام، وكذلك اسم النفاق اسم خاص وليس بعام، والضلال والفسق أسماء عامة. والخروج من الإيمان الدخول في الكفر، والدخول في الإيمان الخروج من الكفر، وليس بينهما منزلة، لأن الكفر ضد الإيمان، والإيمان تفسير " إهـ
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 71. (2) - المصدر السابق، ص 71 - 73
- يقصد كفر النعمة.
) - سورة الحج، من الآية: 72
(4) - سورة آل عمران، آية: 131
- أنظر بقية المناظرة في: عمروس، الدينونة الصافية، ص 73 - 75.
(2) ? عمروس، المصدر السابق، ص 73
?
- المصدر السابق، ص 75.
297 (1/297)
صفحة 298
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
وقام بعد ذلك بتصحيح مفهوم الإيمان، ولماذا يعد الإيمان إيمانا؟، ومفهوم الكفر، ولماذا يعد الكفر كفرا؟؛ فقال: " وإنما كان الإيمان إيمانا لوجوب الثواب، وإنما كان الكفر كفرا لوجوب العقاب، ليس كما يقول من يقول: إنما كان الكفر كفرا لأنه معصية، وكان الإيمان إيمانا لأنه طاعة، أو قول من يقول: إنما كان الإيمان إيمانا للأمر به والكفر كفرا للنهي عنه، وليس كذلك ... " إهـ وأعقب ذلك بالكر مرة أخرى على الشكاك، فبين ضلال معتقدهم، فقال: " وأما الشكاك فالذين قالوا: لا ندري أي الأسماء أصابوا، ولا أيهم بلغوا، يؤول بهم ذلك إلى أن يجهلوا منزلتهم ولا يعرفون أنهم على هدى ولا على ضلال، لأنهم لو عرفوا أنهم على هدى لعرفوا أن من خالفهم على ضلال، لأنهم يقرون أنه ليس بين الهدى والضلال مترلة ينزل بها أحد ... " إهـ ثم ذكر وجود الخلاف في بعض جوانب العقيدة بين المرجئة والصفرية والمعتزلة، وذكر كذلك وجود الوفاق بين المرجئة والصفرية في بعض الجوانب بعد ذلك انتقل إلى الرد على السبئية، ونقض شبههم، وأطلق عليهم اسم " السبابة "، فقال: • وأما السبابة فإن كل رجل قلد أمره رجلا من بني هاشم، فما أحل أحلوه، وما حرم حرموه، وإن غير الكتاب والسنة، والصلاة حول القبلة، مع أنهم ثلاثة أو أربعة يسندون أمرهم إلى رجل واحد،، فمنهم من يزعم أنه إله، ومنهم من يزعم أنه نبي، ومنهم من يزعم نبي، ومنهم من يزعم أنه إمام مطاع لا يأمر بشيء إلا كفر من
عصاه " إهـ
(4)
(3)
(2)
وبهذا أنهى القسم الثاني، ودخل في القسم الثالث وهو (ما يسع جهله وما لا يسع جهله)، فافتتحه بما لا يسع الناس جهله طرفة عين، فقال: " ... أول ما يلزمهم الإقرار بالله ربا وبمحمد نبيا، وبما جاء به حق، وهذا ما لا يسع جهله طرفة عين " إهـ
(0)
_ (')
"
عمروس، الدينونة الصافية، ص 76
- الشكاك: هي فرقة من الفلاسفة يترددون بين إثبات حقائق الأشياء وإنكارها، ويسمون في الفلسفة الإسلامية بـ: " اللاأدرية، وهم فريق من السوفسطائيين، والسوفسطانية: فرقة ينكرون الحسيات والبديهيات وغيرها. الواحد: سوفسطائي والسفسطة: قياس مركب من الوهميات، والغرض منه إفحام الخصم وإسكاته، وهي مأخوذة من اليونانية (أنظر: إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 433/ 1، 491).
_ ('")
-- عمروس، الدينونة الصافية، ص 76.
(3) - المصدر السابق، ص 77.
(1) - المصدر السابق، ص 77.
(5) - المصدر السابق، ص 79.
298 (1/298)
صفحة 299
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
ثم ذكر ما يسعهم جهله إلى قيام الحجة، فقال: " وأما الذي يسعهم جهله حتى يأتيهم وقت فعله وما يرضى الله عليهم من الصلاة قبل وقتها، والزكاة قبل وجوبها، وصيام شهر رمضان قبل مجينه ومحضره في أهله، والحج والعمرة، والبر بالوالدين، وصلة الرحم، وحق الجوار ... " إهـ، فذكر العديد من الأمور التي يسع الناس جهلها حتى تقوم بها الحجة، وأكتفي بما نقلت عنه خوف الإطالة ثم رد على من زعم أن الواجب العمل لا العلم، فقال: " وقال من خالف الحق: إنما عليهم العمل وليس عليهم العلم، وهذا أوهن الأقاويل وأضعفها، لأنه لو وسعه الجهل مع العمل لوسعه أن يرى أن تارك ذلك مسلم على تركه، ويسعه أن يرى أن تارك جميع ما أمر الله به مسلم
ذلك (3)
إهـ
(2)
الله
وذكر بعد ذلك ما يسع جهله من الإيمان حتى يحل تفسيره، فذكر من ذلك إنفاذ الحدود عن والأقطار، وإثبات القدرة له، والعلم وجميع الصنع الحدث أن يضاف إليه أنه صانعه ومحدثه، وتصديق كل ما جاء عنه من خبر عما هو كائن أو يكون، وذكر غير ذلك ثم تناول ما لا يسع جهله من التوحيد، فذكر من ذلك ما أخبر الله به من ذكر الجنة والنار، والبعث والحساب، والملائكة، والكتب، والرسل (4). وذكر أن من أنكر شيئا من صفات الله يعد منكرا الله، ومن أنكر الله فهو مشرك (5)، ورد على من أجاز إنكار ما سوى الله، فقال: " وقال بعض أهل الخطأ والجهل: لا نشرك من أنكر شيئا سوى الله ما أقر أن الله واحد، وهذا هو الخطأ .. وكتاب الله يكذب قائل هذا في غير موضع " إهـ وذهب إلى تشريك من أنكر شيئا مما تفرد الله بصنعته، والحكم بنفاق من أنكر شيئا مما أضافه الله إلى بعض خلقه، فقال: " فمن أنكر شيئا مما تفرد الله به بصنعته أشرك بالله؛ ومن أنكر شيئا مما أضافه الله إلى بعض خلقه فأنفى الله من صنعه نافق، لأنه متأول مخطئ " إهـ ثم بعد ذلك تناول ما يسع الناس جهله أبدا ما لم يكذبوا، فذكر من ذلك تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والزنى، والربا، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الأموال الحرام، والسرقة، والفساد في
(7)
(1)
(1) ? عمروس (2) - المصدر السابق، ص 80.) - المصدر السابق، ص 81. (4) - المصدر السابق، ص 81. (2) - المصدر السابق، ص 81 (3) - المصدر السابق، ص 82. (). المصدر السابق، ص 82.
، الدينونة الصافية، ص 80.
299 (1/299)
صفحة 300
الشيخ عمروس ومنهجه
الأرض، وغيرها من المحرمات، لكن بشرط ألا يتقولوا على الله في حال جهلهم فيها الكذب، فيحلوا
(1)
حراما أو يحرموا حلالا، أو يواقعوا فعل ما يضلهم ثم ذكر مفهوم الكبيرة فقال: " ... وأن كل ما حرم الله حراما، ما نهى ما نهى عنه فهو الحرام الذي حرمه الكتاب والسنة، فأضاف فاعله إلى النار فهو كبيرة يكفر أهله بمقارفته حين قارفوه حتى يتوبوا ... وما الله أهله بشيء من أسماء الضلال فهو كبيرة، وما أمر الله عليه بالنكال في الدنيا فهو كبيرة ... " إهـ (2)
وبهذا ختم قسم أصول الدين (العقيدة) من كتابه " أصول الدينونة الصافية "، وهذه هي وهذه هي المسائل، أو أهمها التي ناقشها في قسم العقيدة، ذكرتها باختصار، ثم دخل في قسم الفقه، بعد أن ختم قسم العقيدة بقوله: " وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية، نسأل الله التوفيق
المراشد الأمور " إهـ (3).
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 83. (2) - المصدر السابق، ص 84 (). المصدر السابق، ص 84. (1/300)
صفحة 301
الشيخ عمروس ومنهجه
جـ - المطلب الثالث: منهجه الاستدلالي على مسائل الأصول:
(1) - يستدل بالقرآن الكريم:
الملاحظ أن الشيخ عمروس يكثر من الاستدلال بالقرآن الكريم على المسائل الأصولية، ومن تتبع قسم العقيدة يجد أمثلة على ذلك كثيرة، وسأذكر بعض الأمثلة لبيان ذلك:
-1 - مسألة معاملة أهل الكتاب: قال: " ونتزل أهل الكتاب حيث أنزلهم الله: أن يقاتلوا حتى يقروا بالجزية عن ذل وهم صاغرون، ونستحل منهم إذا أقروا بالجزية نكاح الحرائر منهم - وهم أهل الملل الثلاث: اليهود والصابوون" والنصارى -، وقد قال الله في كتابه: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) إلى قوله:) عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ} (1) يعني: عن ذل وهم صاغرون. وقال: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ): يعني الحلال كله، وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ): يعني ذبائحهم، ثم قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ): يعني الحرائر منهم، إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ): أن تتزوجوهن بمهورهن، فتبين بقوله: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) ناكحين غير زانين معلنين (وَلا متخذي أَخْدَان (2) أن يتخذ أحدكم خليلة يزني بها في السر، فحرم الله ذلك – سره وعلانيته يعني. كما قال في سورة الأنعام: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) إلى قوله: (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) (3). وفي الأعراف: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ) (4) - إهـ (5) 2 - مسألة كفر النعمة:
(3)
استدل على إثبات كفر النعمة بعدة آيات، وهي قوله تعالى: النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (6)، وقوله تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (4)، وقوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا
- هكذا في الأصل، والأصح الصابنون. (1) - سورة التوبة من الآية: 29. (1) - سورة المائدة، من الآية: 5. - سورة الأنعام، من الآية: 151. - سورة الأعراف، من الآية: 33. (5) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 62.
(4)
(1) - سورة الحج، من الآية: 72. () - سورة آل عمران، آية: 131. (1/301)
صفحة 302
الشيخ عمروس ومنهجه
شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (1)، وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (2)، وقوله تعالى: (لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) (3) (4)
(2)
3 - مسألة تشريك من أنكر شيئا من صفات الله
(°)
ذهب الشيخ عمروس إلى أن من أنكر شيئا من صفات الله فقد أنكر الله، ومن أنكر الله فهو مشرك، ورد على من زعم خلاف ذلك مستدلا بالقرآن الكريم فقال: " ... وقال بعض أهل الخطأ والجهل: لا نشرك من أنكر شيئا سوى الله ما أقر أن الله واحد، وهذا خطأ .. وكتاب الله يكذب قائل هذا في غير موضع، منها ما ذكر الله من محاورة الأخوين في سورة الكهف حيث قال أحدهما: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُددْتُ إِلَى رَبِّي ... ) (5)، فأقر أنه ربه، وإنما شك في البعث؛ وقال له المؤمن: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب؟ ... ) (1) فجعل شكه في البعث كفرا بالذي خلقه، ولم يجحد أنه ربه؛ ثم قال المؤمن له: (لَكنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي ... أصله: " لكن أنا هو الله ربي " وأدغم النون الثانية، وزاح الألف) فوقع التشديد في النون لأنه التقى النونان، ثم قال: (وَلا أُشْرِكَ بِرَبِّي أَحَداً)) (7) فدل هذا أنه إنما هرب من الشرك، لأن صاحبه واقعه واستحقه. ثم قصتهما محاورة بينهما إلى قوله: (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كفيه) ندامة عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا) (8) حيث صارت صَعِيداً زَلَقاً) (9) وهو تاب يابس يزلق {وَهِيَ حَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) (10). وأقر أن شكه في البعث شرك بربه " إهـ
(11)
وأكتفي بهذه الأمثلة على استدلاله بالقرآن، فمن شاء المزيد عليه الرجوع إلى " الدينونة "، فهي مليئة بالاستدلالات القرآنية.
(1) ? سورة الإنسان، آية: 3
(2) ? سورة التغابن، آية: 2 (2) - سورة النمل، من الآية: 40. عمروس، الدينونة الصافية، ص 73 (5) - سورة الكهف، من الآية: 36.
(4)
_ (3)
- سورة الكهف، من الآية: 37.
(1) سوره
_ (^)
(9)
ة الكهف، آية: 38
- سورة الكهف، من الآية: 42.
-1 - سورة الكهف، من الآية: 40
(10) - سورة الكهف، من الآية: 42
(11) ?
- عمروس، الدينونة الصافية، ص 82.
302 (1/302)
صفحة 303
الشيخ عمروس ومنهجه
(2) - استدلاله بالسنة:
الملاحظ أن الشيخ عمروس يستدل بالسنة على المسائل الأصولية، ولكنه لا يكثر من ذلك، فمن المواضع التي استدل فيها ببعض الأحاديث:
1 - الرد على شبهات الصفرية:
قال: " وعن النبي عليه السلام أنه قال: «كل ما يورث حرام غنيمته، وكل ما لا يغنم حرام ميراثه» ... (1). " إهـ
(2)
2 - الدليل على كفر النعمة:
استدل على ذلك بثلاثة أحاديث، فقال: " وجاء عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبة يوم حجة الإسلام - ويقال حجة الوداع -: «لا ألفينكم رجعتم بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، وقوله حين سأله رجل عن قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
بعض "
(3)
(1) قال القطب: " رواه تبغورين، ولم ينسبه، وهو حجة " إهـ) انظر: أطفيش، شرح النيل، 340/ 15). (2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 70 () رواه الإمام الربيع عن الإمام جابر مرسلا بلفظ: " وقال يوما لأصحابه: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب، أنظر: الجامع الصحيح، باب الحجة على من قال أن أهل الكبائر ليسوا بكافرين (1)، حديث رقم (756)، 3/ 194؛ ورواه الإمام البخاري من عدة طرق، فرواه من طريق ابن عباس بنفس اللفظ، أنظر: احمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 3، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 3: 1421 هـ / 2000 م، كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى (132)، حديث رقم: (1739)، ص 731، ورواه من طريق أبي بكرة بنفس اللفظ، انظر: ابن حجر، المصدر السابق، ج 3 كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى (132)، حديث رقم ((1741)، ص 731، وكذلك من طريق أبي بكرة بلفظ قريب، أنظر: ابن حجر، المصدر السابق، ج 8، كتاب المغازي، باب حجة الوداع (78)، حديث رقم (4406)، ص 135 - 136، وانظر: ج 10، كتاب الأضاحي، باب الأضاحي يوم النحر (5)، حديث رقم (5550)، ص 9، ورواه من طريق جرير بنفس اللفظ، انظر: ابن حجر، المصدر السابق، ج 8، كتاب المغازي، باب حجة الوداع) 78)، حديث رقم (4405)، ص 135، ورواه كذلك من طريق جرير بنفس اللفظ، انظر: ابن حجر، المصدر السابق، ج 12، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: (ومن أحياها ... ) (2)، حديث رقم (6869)، ص 235، ورواه من طريق عبد الله بن عمر بلفظ قريب، انظر: ابن حجر، المصدر السابق، ج 12، كتاب الحدود، باب ظهر المؤمن حمى إلا في حد أو حق (9)، حديث رقم (6785)، ص 100 - 101، ورواه كذلك من طريق ابن عمر بنفس اللفظ، انظر، ابن حجر،، المصدر السابق، ج 12، کتاب الديات، باب قول الله تعالى: (ومن أحياها ... ) (2)، حديث رقم (6868)، ص 235، وانظر: ج 10، كتاب الأدب، باب ما جاء في قول الرجل: " ويلك " (95)، حديث رقم (61666)، ص 676 - 677؛ ورواه الإمام مسلم من طريق جرير بنفس اللفظ، انظر: مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، ج 1، دار الفكر، بيروت، لبنان ط 2: 1398 هـ / 1987 م، كتاب الإيمان، (1)، باب بيان معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ترجعوا بعدي كفارا ... " (29)، حديث رقم (118)، ص 81 - 82، ورواه بنفس اللفظ من طريق ابن عمر، أنظر: الإمام مسلم، المصدر السابق، ج 1، كتاب الإيمان) (1)، باب (29)، حديث رقم (119)، وحديث رقم (120)، ص 82؛ ورواه الدارمي من طريق جرير بن عبد الله بنفس اللفظ، انظر: الدارمي، سنن الدارمي، كتاب المناسك (5)، باب في حرمة المسلم (76)، حديث رقم (1856)، 498/ 1؛ ورواه النساني من طريق عبد الله بن عمر بنفس اللفظ، انظر: أحمد بن شعيب النسائي، سنن النسائي، ج، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، تحريم القتل، ص 126، ومن طريق أبي بكرة بلفظ قريب، انظر: النسائي، المصدر السابق، تحريم القتل، 127/ 7، ومن طريق جرير بن عبد الله بنفس اللفظ، أنظر: النساني، المصدر السابق، تحريم القتل، 127/ 7 - 128؛ ورواه الترمذي من طريق عبد الله بن العباس بنفس اللفظ، وقال أبو عيسى: وهذا حديث =
،
،
303 (1/303)
صفحة 304
تياد (1)
سَبِيلاً
الشيخ عمروس ومنهجه
، فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال رسول الله عليه السلام: «لو قلت نعم
لوجبت، ولو وجبت لما قدرتم عليها، إذن لكفرتم» (2)، وقوله عليه السلام: «ليس بين العبد الكفر إلا تركه الصلاة» " إهـ
(3)
(3) - استدلاله بالاجماع:
(4)
الملاحظ كذلك أن الشيخ عمروس يستدل بالاجماع، فمن ذلك مثلا بعد أن انتهى من سرد بعض الأحاديث مستدلا بها على كفر النعمة قال: " وقد اجتمعت الأمة على هذه عن رسول الله عليه السلام، يؤثر عنه عامة العلماء من الموافقين والمخالفين " إهـ
(0)
= حسن صحيح، أنظر: محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، سنن الترمذي، ج 4، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، طا: 1408 هـ / 1978 م، کتاب الفتن (34)، باب ما جاء لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض (28)، حديث رقم (2193)، ص 421؛ ورواه ابن ماجه من طريق جرير بن عبد الله بنفس اللفظ، انظر: محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجه، ج 2، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، كتاب الفتن (36)، باب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض (5)، حديث رقم (3942)، ص 1300، ورواه من طريق عبد الله بن عمر بنفس اللفظ، انظر: القزويني، المصدر السابق، كتاب الفتن (36)، باب لا ترجعوا بعدي ... (5)، حديث رقم (3943)، 1300/ 2 (1) - سورة آل عمران، من الآية: 97.
"
(2) رواه الإمام الربيع من طريق أنس بن مالك بلفظ: " ... لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تفعلوا، ولو لم تفعلوا لكفرتم ... ، أنظر: الإمام الربيع، الجامع الصحيح، كتاب الحج، باب في فرض الحج (1)، حديث رقم (394)، 100/ 2 - 101 4 ورواه ابن ماجه من طريق علي بن أبي طالب بلفظ قريب، انظر: ابن ماجه، سنن ابن ماجه، كتاب المناسك (25)، باب فرض الحج (2)، حديث رقم (2884)، 963/ 2، ورواه من طريق أنس بن مالك بلفظ قريب، وفي الزوائد: هذا إسناده صحيح، انظر: ابن ماجه، المصدر السابق، كتاب ((25)، باب) (2)، حديث رقم (2885)، 963/ 2، ومن طريق ابن
عباس بلفظ قريب، أنظر: ابن ماجه، المصدر السابق، كتاب (25)، باب (2)، حديث رقم (2886)، 963/ 2. (2) رواه الإمام الربيع من طريق ابن عباس بلفظ: " ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة "، أنظر: الإمام الربيع، الجامع الصحيح، كتاب الصلاة ووجوبها، باب جامع الصلاة) 48)، حديث رقم (303)، ص 78؛ ورواه النسائي من طريق بُريدة بلفظ قريب، انظر: النساني، سنن النسائي، كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة، 231/ 1 - 232؛ ورواه الترمذي من طريق جابر بلفظ قريب، انظر: الترمذي، سنن الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة (9)، حديث رقم (2618)، و (2619)، و (2620)، 14/ 5 - 15، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح،، وراه من طريق بردة بلفظ قريب، قال ابو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، أنظر: الترمذي، المصدر السابق، كتاب الإيمان، باب (9)، حديث رقم (2621)، 15/ 5؛ ورواه ابن ماجه من طريق جابر بن عبد الله بلفظ قريب، أنظر: ابن ماجه، سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها (5)، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة (7)، حديث رقم (1078)، 342/ 1، ورواه من طريق بريدة بلفظ قريب، انظر: ابن ماجه، المصدر السابق، كتاب (5)، باب (77)، حديث رقم (1079)، 342/ 1، ورواه من طريق أنس بن مالك بلفظ قريب، أنظر: ابن ماجه، المصدر السابق، كتاب (5)، باب (77)، حديث رقم (1080)، 342/ 1 عمروس، الدينونة الصافية، ص 74 - مر ذكرها عند الحديث عن استدلاله بالسنة، أنظر الصفحة السابقة. عمروس، الدينونة الصافية، ص 75
(1)
(3) ? (1/304)
صفحة 305
الشيخ عمروس ومنهجه
-
(4) - استدلاله بأقوال العلماء: أيضا فإن الشيخ عمروس لم يهمل أقوال العلماء، فاستدل بها في بعض المواضع، فمن ذلك قوله - عند حديثه عن كفر النعمة -: " ... يقول أهل النظر: لأنه لو كان الكفر كفرا لأنه معصية للزم أن يكون كل معصية كفرا. ولو كان إنما كان الإيمان إيمانا للطاعة أو للأمر للزم أن يكون كل ما ليس فيه أمر لا يكون إيمانا، فتخرج كل نافلة يتقرب بها إلى الله من حد الإيمان. ولو أن الكفر إنما كان كفرا للنهي عنه للزم الكفر بكل أمر كان فيه نهي، وهذا لا يقوله عالم " إهـ ومن ذلك أيضا قوله - عند حديثه عن ما يسع جهله أبدا ما لم يكذب -: " ... وقد قال بعض الله: إنما تكون التي يقطع بها العالم الغاية بنهاية العلم الذي لا يجهل شيئا الحجة " إهـ والملاحظ هنا أنه لا يذكر أسماء هؤلاء العلماء الذين يستشهد بأقوالهم، وإنما يكتفي بعبارات، مثل
سلفنا
"
رحمهم
أهل النظر "، و" سلفنا ".
(5) - استدلاله بالعقل:
ذلك
(1)
(2)
إن المتتبع لمنهج الشيخ عمروس العقائدي يجد أنه ممن يعمل العقل والنص، فلا يطغى جانب عنده على جانب، ويظهر إعماله للعقل كثيرا في رده على مخالفيه، وسأكتفي بذكر مثال واحد للتدليل على، وهو قوله - عند نقاشه لمسألة لا منزلة بين المتزلتين -: " وأما الشكاك فالذين قالوا: لا ندري أي الأسماء أصابوا، ولا أيهم بلغوا، يؤول بهم ذلك إلى أن يجهلوا منزلتهم ولا يعرفون أنهم على هدى ولا على ضلال، لأنهم لو عرفوا أنهم على هدى لعرفوا أن من خالفهم على ضلال، لأنهم يقرون أنه ليس بين الهدى والضلال منزلة ينزل بها أحد، ثم إنهم جمعوا الجبابرة والمحدثين من المتأولين وكل صاحب شهوة يسمونهم بالإيمان أحيانا ثم يلعنونهم أحيانا بلا علم بموقع اللعنة، ويستغفرون لهم ويتولونهم بلا علم بموقع الاستغفار، ويستحلون من أوليائهم ومن مخالفيهم أحيانا ما يحرمونه أحيانا: يستحلون دماءهم وأموالهم؛ ثم قالوا: لا نقتل من قال: " لا إله إلا الله "، ثم يقاتلونهم أحيانا، ويأخذون أموالهم، وليس
لهم دين موصوف ولا لدين الله عندهم معرفة " إهـ
(3)
_ (')
عمروس، الدينونة الصافية، ص 76.
- الظاهر أنه يقصد أئمة المذهب الإباضي والله أعلم. (2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 83.
- المصدر السابق، ص 76
305 (1/305)
صفحة 306
إذا فاستدلاله بالعقل ظاهر من خلال هذا النص بشكل واضح، فيلاحظ أنه حاصر الشكاك بما يبنون عليه معتقدهم، وألزمهم به، كقوله: ... لأنهم يقرون أنه ليس بين الهدى والضلال منزلة يترل بها أحد ... "، وكذلك ألزمهم بالتناقض الكبير الواقعين فيه، وهذا ظاهر من خلال النص.
وهناك أمثلة كثيرة - لا تكاد تخلوا منها صفحة في قسم العقيدة – لاستعانته بالعقل في الرد على شبه مخالفيه، وتفنيد مزاعمهم، وقد ذكرت عدة أمثلة على ذلك عند حديثي عن رد الشيخ عمروس على مخالفيه، ومناقشة أقوالهم، كما سيأتي "
(6) - بعض المصطلحات التي استخدمها في قسم العقيدة:
لقد استخدم الشيخ عمروس في قسم العقيدة من الدينونة بعض المصطلحات، وسأكتفي بذكر بعض تلك المصطلحات دون ذكر نص الكلام الذي وردت فيه، حتى لا أطيل.
فمن هذه المصطلحات:
(1)
* - " إن الناس لم يختلفوا في " إهـ، يقصد المسلمين بمختلف مذاهبهم
- " فأول ما نحن ذاكروه: ... " إهـ
(2)
(3)
فكان الناس على ثلاثة منازل ... " إهـ، ويقصد بالمنازل الثلاث: منزلة الشرك، ومنزلة النفاق، ومنزلة الإيمان
(9)
"
(7)
* - " ... اتبعها المؤمنون حين ابتلوا، فكنا أتباعا غير مبتدعين .. إهـ، يقصد بالمؤمنين هنا الإباضية.
-وننزل أهل الكتاب حيث أنزلهم الله ... ونستحل منهم ... " إهـ
" وحكمنا في المجوس ما حكم الله فيهم
* " ... وقد يقال: ... " إهـ
- انظر ص 312
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 58.
(2) - المصدر السابق، ص 59
(3) - المصدر السابق، ص 60.
(1) - المصدر السابق، ص 61. (2) - المصدر السابق، ص 62.
(^) - المصدر السابق، ص 62 (9) - المصدر السابق، ص 64. (10) - المصدر السابق، ص 64.
(10)
إهـ (9) (1/306)
صفحة 307
فهذه ملل الشرك فقد ذكرناها، وبينا السيرة في كل ملة ... " إهـ
(1)
* - " فلا نجاوز تحليل دمائهم إلى غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم، ونسميهم بالكفر كفر النفاق ... " إهـ
(2)
وليس يساعدهم على مقالتهم إلا سفيه أو فاجر، يرتعي في رياض الهوى ويتجرأ في الشهوات، جرأة العصاة على معصية الله، وإسخاط ربهم " إهـ
- " وأباح الفساق الحرام، وقالوا: ... " إهـ
(4)
* " كالسائمة من البهائم ... يزعمون أنهم على دين " إهـ
(3)
(°)
فلو أن الذي قالوا حقا كنا ممن سعد به، ولا يضرنا خلافهم - ولكنا نعلم – والحمد الله - أنهم كذبة " إهـ (3)، ويقصد هنا مخالفيه، الذين يزعمون خروج مرتكب الكبيرة من النار
* - " وأنهم يستحلون شتم الإباضية وحتى أنهم يقولون: شتمهم قربة إلى الله ... " إهـ
يقصد بعض المتعصبين ضد المذهب الإباضي من المخالفين
- " وقالت الصفرية: ... " إهـ
(9)
(^)
* - " وتناقض قولهم " إهـ، يقصد الصفرية
(10)
* - " يشبهون قومهم. " إهـ، يقصد مخالفي الصفرية.
(11)
- " وضلالتهم أكثر من أن أصف جميعها " إهـ، يقصد الصفرية.
(7)
عمروس، الدينونة الصافية، ص 64.
(2). المصدر السابق، ص 65.
) - المصدر السابق، ص 66. (4) - المصدر السابق، ص 66. (). المصدر السابق، ص 66.
(1) - المصدر السابق، ص 67.
(2) - المصدر السابق، ص 68. (^) ? المصدر السابق، ص 69. (1) - المصدر السابق، ص 69 (10) - المصدر السابق، ص 70 (11). المصدر السابق، ص 70. (1/307)
صفحة 308
(1)
- " وقالت فرقة أخرى: ... " إهـ، الحقيقة أنه لم يحدد اسم هذه الفرقة، وإنما أتى بها مبهمة، وذكر بعض معتقداتهم الزائغة، ولكن هي على العموم من المخالفين للمذهب الإباضي الذي ينتمي إليه الشيخ عمروس
* - " وأشنع من هذا مما وصفته المرجئة ... " إهـ مما
(2)
" وقالت طائفة أخرى وهم الصفرية: ... " إهـ
* - " وقالت المعتزلة: ... " إهـ
(5)
(4)
* - " ... فهم أحمق كل فرقة ... " إهـ، يقصد الشكاك
(")
* - * وقالوا: " إهـ، يقصد المرجئة
(7)
* - " ... وقد وجدناكم " إهـ، أي المرجئة وجدوا الإباضية
(8)
" وقالوا: ... " إهـ ()، أي المرجئة.
* - " قلنا ... " إهـ (1)، أي الإباضية
(10)
- " وأما الذين يقولون: ... " إهـ، يقصد بعض الفرق من مخالفيه
(11)
" وقالوا لنا: " إهـ، أي المخالفين.
(12)
مع اجتماع الناس " إهـ، يقصد بالناس العلماء
ولو أنك سألتهم: " إهـ (13)، أي سألت المخالفين.
" قالوا لك: " إهـ
(14)، أي المخالفين.
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 70. (2) - المصدر السابق، ص 71. (2) - المصدر السابق، ص 71.
(4) - المصدر السابق، ص 71 (5) ? المصدر السابق، ص 71. (1) - المصدر السابق، ص 72 (2) - المصدر السابق، ص 72. (1) - المصدر السابق، ص 72 (1) - المصدر السابق، ص 72. (10) - المصدر السابق، ص 73 (11). المصدر السابق، ص 73. (12) - المصدر السابق، ص 73 (1) - المصدر السابق، ص 74. (14). المصدر السابق، ص 74. (1/308)
صفحة 309
قلنا لهم: " إهـ
(1)، أي لمخالفين
" فإنا إنما قلنا ... " إهـ " إهـ (2)، أي الإباضية.
وأما قولهم ... " إهـ (3)، أي المخالفين.
(4)
ليس كما يقول من يقول:.، أو قول من يقول: ... " إهـ، يقصد المخالفين
* - " ... وهذا لا يقوله عالم " إهـ (5)
* - " وأما الشكاك فالذين قالوا: ... " إهـ
(")
" وقد اختلفت المرجئة فيما بينهم، والصفرية أيضا فيما بينهم، والمعتزلة ... " إهـ * - " وقد اتفقت المرجنة والصفرية ... فقالت الصفرية::. وقال المرجئة: ... لدخلوا في قول المسلمين " إهـ، يقصد بالمسلمين هنا الإباضية.
* - " فمنهم من يزعم
" إهـ (9) أي السبئية
* - " فالذين يقولون: " إهـ
11
-*. وقد دخل عليهم
(1)
إهـ (11)، أي السبئية.
(12)
وجامعوا المسلمين ... " إهـ، يقصد بجامعوا وافقوا، والمسلمين يقصد بهم الإباضية.
(13)
(14)
" فلا تعلم إه * - " ... وذلك أنهم زعموا ... " إهـ، يقصد الزيدية"، والحسينية" من فرق الشيعة".
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 74.
(2) - المصدر السابق، ص 74
) - المصدر السابق، ص 74.
(4). المصدر السابق، ص 75 (0) - المصدر السابق، ص 76. (1) - المصدر السابق، ص 76 (2) - المصدر السابق، ص 77 (8) ? المصدر السابق، ص 77. (1) - المصدر السابق، ص 77 (10) - المصدر السابق، ص 77 (11) ? المصدر السابق، ص 78 (12) - المصدر السابق، ص 78. (1) - المصدر السابق، ص 78 (14) - المصدر السابق، ص 78.
- الزيدية: فرقة من فرق المذهب الشيعي، وهم أتباع زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويعتبر الزيدية من أعدل فرق الشيعة، وقد خرج زيد أيام هشام بن عبد الملك، في الكوفة، وحارب عامل هشام على العراق يوسف بن عمرو الثقفي، فظفر به يوسف وقتله، وقتل معه أصحابه عن آخرهم، ثم صلبه، وكان ذلك في عام 121 هـ، وقيل عام = (1/309)
صفحة 310
* - "وقد بقي من أقاويل المخالفين كثير لم نذكره ... " إهـ (1)
* - " وذكرت قول أهل الحق ... " إهـ، يعني بأهل الحق الإباضية.
(2)
(3)
* - " وقال من خالف الحق: ... "إهـ، يقصد المخالفين للإباضية.
* - " ... وهذا أوهن الأقاويل وأضعفها ... " إهـ
(4)
وقال بعض أهل الخطأ والجهل: ... " إهـ، يقصد بعض المخالفين للإباضية.
-* ... وهذا هو الخطأ ... " إهـ (6)
- " ... وقد قال بعض سلفنا رحمهم الله (7)، أي سلف الإباضية.
* - " ... وإن كان بعض الناس " إهـ (8)، أي بعض العلماء
" وقد وصفت في هذا ... " إهـ
(9)
= 122 هـ، وأرسل رأسه إلى هشام بن عبد الملك؛ وفرقة الزيدية لم ترفع الأئمة إلى مرتبة النبوة، ولم تكفر أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قالوا: بإمامة زيد بعد إمامة الحسين، ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غير أولاد فاطمة، ويرون أن الإمام علي أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقرابته وسابقته في الإسلام، ولكن جائز للناس ان يولوا غيره، إي يجوز إمامة المفضول، ومن أقوالهم: عدم القول باختفاء الأئمة، واستمرار الإمامة؛ ولهم مؤلفات في الأصول والحديث والفقه خاصة بهم؛ ومن أنمتهم المتأخرين المشهورين الإمام الشوكاني صاحب التأليف الكثيرة في الأصول والفقه) انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ص 154 - 157 - العميد عبد الرزاق، المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب، 355/ 2 - 357 - الشكعة، إسلام بلا مذاهب، ص 205 - 213).
- الحسينية: فرقة من فرق الشيعة نشأت في البصرة بعد مقتل الحسين بن علي في واقعة " كربلاء " المشهورة سنة 61 هـ، وعلى رأسهم الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي، وكان شعارهم أخذ الثأر على مقتل الحسين، إذ أنهم يحسون بمسؤليتهم في مقتله ولذا اشتهروا بالتوابين (انظر: الشكعة، إسلام بلا مذاهب، ص 158).
- الشيعة: لغة هم الأتباع، ومعناها: الفرقة والجماعة، والأتباع والأنصار، ويقال أن معناها: الأمة، وكان يقال لأنصار علي بن أبي طالب الشيعة، وفي الاصطلاح الإسلامي هم شيعة أهل البيت، وفي عرف الفقهاء والمتكلمين هم أتباع علي بن أبي طالب، وقد قالوا بإمامة علي بن أبي طالب وخلافته نصا ووصية، إما جليا، وإما خفيا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من اولاده، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحة تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين، وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوما من الكبائر والصغائر، وأن عليا هو الذي عينه النبي صلى الله عليه وسلم بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم، وقد نشأت الشيعة في سر في أواخر عهد عثمان بن عفان، ثم عمت الحركة فشملت العراق الذي اتخذه الشيعة مستقرا لهم ومقاما، ونمت الحركة وترعرعت في خلافة علي بن أبي طالب (انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ص 146 - 147 - العميد عبد الرزاق، المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب، 297/ 2 - 298 - الشكعة، إسلام بلا مذاهب، ص 151 - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 503/ 1). (1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 79.
(2) - المصدر السابق، ص 79.
(2) ? المصدر السابق، ص 80.
(4) - المصدر السابق، ص 80. (5) ? المصدر السابق، ص 82. (1) - المصدر السابق، ص 82.
(). المصدر السابق، ص.83
(1) - المصدر السابق، ص 84. (1/310)
صفحة 311
الشيخ عمروس ومنهجه
د
هذه بعض الأمثلة على بعض المصطلحات التي كان يستخدمها الشيخ عمروس عند تناوله لمختلف المسائل في قسم العقيدة من كتابه، وقد حاولت أن أجمع أكبر قدر ممكن منها، وقد أكون أهملت بعضها لوجود مشابه لها فيما ذكرت، أو قد أكون سهوت عنها فأعتذر عن ذلك
-
المطلب الرابع: ملاحظات أخرى على منهجه في العقيدة:
W
1 - تشبيه بعض المخالفين بالسائمة من الأنعام، فقال - عند حديثه عمن تمنح له الشفاعة وقالوا: دونكم التوحيد تنالوا به الدرجة العلى في الجنة بشفاعة محمد عليه السلام، لو لم يتركوا الله معصية جهلا كالسائمة من البهائم لا يعرفون البراءة ولا الولاية ... " إهـ
(1)
2 - تقسيم الناس إلى ثلاثة منازل) المشرك، والمنافق، والمؤمن)، فقال: " فهذه ثلاث منازل في الخلق معروفة بأسمائها، مختلفة في أحكامها ومنازلها ... المشرك:، والمنافق
والمؤمن: ... " إهـ
(2)
،
3 - بعد أن قسم الناس إلى الفئات الثلاث السابقة (المشرك، والمنافق، والمؤمن)، بين حكم كل قسم، فبدأ ببيان حكم المشركين بأقسامهم المختلفة (أهل الكتاب، والمجوس، وعبدة الأوثان)، فبين أن أهل الكتاب يقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويستحل منهم إذا أقروا بالجزية نكاح الحرائر، وأكل طعامهم ... إلخ (3)، وبين أن حكم المجوس مقاتلتهم حتى يقروا بالجزية، إلا أنهم لا تؤكل ذبائحم ولا تنكح حرائرهم ثم بين حكم عبدة الأوثان وهو مقاتلتهم حتى يدخلوا في الإسلام
(
(4)
، فلا يقبل منهم إلا الدخول في الإسلام، ولا تقبل منهم جزية ... إلخ (5)، ثم وضح حكم المنافقين من ناحية إقامة الحدود، وجواز المناكحة، والموارثة، وأكل الذبائح ... إلخ (1).
c.(")
- عمروس، الدينونة الصافية، ص 84.
(1). المصدر السابق، ص 66
(2) - المصدر السابق، ص 61.) - المصدر السابق، ص 62 - 63. (4) - المصدر السابق، ص 64. (5) - المصدر السابق، ص 64. (2) - المصدر السابق، ص 60، 65
311 (1/311)
صفحة 312
الشيخ عمروس ومنهجه
4 - الرد على المخالفين ومناقشة الأقوال: الملاحظ أن الشيخ عمروس يرد على المخالفين في مختلف مسائل العقيدة، ويناقش أقوالهم، ويتبع معهم أسلوب المناظرة، وهذا ظاهر على أغلب المسائل التي تعرض لها في قسم العقيدة، ولا يخلو أسلوبه الشدة على من مخالفيه، ولعل سبب شدة الشيخ عمروس - رحمه الله - على مخالفيه أنه كان يعيش في عصر تعددت فيه المذاهب، وكثرت المناظرات بين أتباع تلك المذاهب، وكل فريق يحاول أن يستدرج غيره إلى مذهبه ومعتقده، ولعل هذا ما دفع الشيخ عمروس إلى اتباع أسلوب المناظرة في كتابه، واستخدام الشدة مع مخالفيه، حتى لا يؤثروا بأفكارهم ومعتقداتهم على أتباع المذهب الإباضي، والذي يؤكد هذا تركيزه كثيرا في قسم العقيدة من كتابه على الرد على المذاهب الإسلامية، وذكرها بأسمائها، وتفنيد شبههم، مع تركه لجوانب عديدة في العقيدة لم يتعرض لها وسأذكر بعض الأمثلة على مناظرته لمخالفيه، ورده على بعض المسائل التي يخالفهم فيها، فمن ذلك
مثلا:
-
أ قوله: " وقالت الصفرية: بتشريك أهل الكبائر من أهل التوحيد، واستحلوا سبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم جرأة على الله، دينا لم يشرعه الله ولم يـ يسن بسيرته نبي الله عليه السلام؛ وتأولوا على ذلك تأويل
شبهة خالفت الحق وخرجت من العدل، فدخل عليهم من الضلال ما لا نهاية له.
وتناقض قولهم فأجازوا مناكحة أهل القبلة، وأكل ذبائحهم، وأجازوا شهادتهم، والقيام بين أظهرهم، واستحلوا نكاح ذوات البعول من غير موت أزواجهن ولا طلاق، وانتحلوا الهجرة، وزعموا أنها كهجرة الرسول ل، فهذا مما لا يحصى من فريتهم وخدعتهم، فأخذوا ما أحبوا وتركوا ما كرهوا. فإن كان أهل القبلة بمنزلة مشركي العرب، فقد ضلت الصفرية بأكل ذبائحهم وموارثتهم ومناكحتهم. وإن كانوا بمنزلة المجوس، فذلك في المناكحة والذبائح وقبول الشهادة وترك ضرب الجزية عليهم. وإن كانوا بمنزلة أهل الكتاب فليضربوا عليهم الجزية إذا أسلموا، وليحرموا نساءهم على رجال قومهم، وليحرموا منهم الموارثة، وإن كانوا من أهل التوحيد فقد ضلوا باستحلال سبي ذراريهم وغنيمة أموالهم .. يشبهون قومهم في بعض سيرتهم بالمسلمين، وفي بعض يشبهونهم باليهود والنصارى،
312 (1/312)
صفحة 313
: الشيخ عمروس ومنهجه
وفي بعضها يشبهونهم بأهل اللات والعزى"، يستحلون غنيمة أموالهم، ثم يقاسمونهم الميراث بكتاب الله!!
وعن النبي عليه السلام أنه قال: «كل ما يورث حرام غنيمته، وكل ما لا يغنم حرام ميراثه» (1) لأنه لا يجتمع في مال سيرتان: سبي وغنيمة بكتاب الله. واستحلوا نكاح نساء قومهم بكتاب الله، ثم استحلوا سبيهم مع ذلك، ولا يجتمع حكمان في امرأة: نكاح بحلال، وسبي وضلالتهم أكثر من أن أصف جميعها، وقد ذكرت بعضها " إهـ
(2)
بحلال.
:
-
ب وقال رادا على المعتزلة عندما عذروا المرجئة، والشكاك، فقال: " وقالوا – أي المعتزلة أنصفوا لنا من أنفسكم، واعدلوا الحكم بيننا وبينكم، وقد وجدناكم تتولون من نزل من ضعفائكم بتلك المنزلة. ولو أن علماءكم يبرءون من رجل بما استبان لهم لم يلزم الغيب من لم يعرف من براءته ما
عرف العلماء. ولو أن رجلا من الضعفاء تولى رجلا بولاية العلماء ثم أحدث أمرا خلعته به العلماء، ولا يفرز ذلك الضعيف علم العلماء، فثبت على ولايته فتوليتموه! وكذلك عذرنا نحن المرجئة والشكاك لضعفهم، وإنما تولوه على ما كان من إيمانه، وقالوا: إنما توليناه على الإسلام، فكذلك عذر ناهما بجهلهما كما عذرتم ضعيفكم بجهله
،
قلنا - هنا الشيخ عمروس يرد على شبههم -: إنكم قستم أمرين غير مشتبهين ولا متناظرين وذلك إنما تولينا ضعفاءنا لردهم إلى علمائهم فيما لم تقم به عليهم الحجة؛ لأن ضعيفنا يقول: أقف حتى ألقى العالم أو العلماء فأسألهم، فما حملوني عليه احتملت، وقولي قولهم، وديني في الذي جهلت دينهم؛ فمتى ما قال هذه المقالة ونزل هذه المنزلة كان قد وافق علم العلماء " إهـ ج- وكذلك مناظرته لمخالفيه في قضية) كفر النعمة)، وقد رد على شبههم ردا قويا مدعما ذلك
بنصوص الكتاب الكريم، وبالعقل، وقد ذكرت جزءا من المناظرة سابقا
(3)
اللات والعزى: هما صنمان كانا يوجدان بمكة، ويقوم كفار قريش بعبادتهما
(1) - مر تخريجه، انظر ص 303.
(2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 69 - 70.
() - المصدر السابق، ص 72 - 73
- انظر ص 297.
313 (1/313)
صفحة 314
ويلاحظ - خاصة من المثال الثاني والثالث - استخدامه لأسلوب المناظرة، فيرد على شبه المخالفين. وكأنه يخاطبهم، فيستخدم عبارات مثل " وقالوا "، و" قالوا لنا "، و" قلنا ه - التركيز على العقيدة الإباضية:
الخ
،
الملاحظ أن الشيخ عمروس يركز على عقيدته التي يعتقدها، وهي العقيدة الإباضية، فبعد أن يفند شبه مخالفيه، يبين العقيدة الصحيحة التي يعتقدها خاتما بذلك رده على مخالفيه، فمن الأمثلة على ذلك: أ- الإباضية لا يجيزون قتل الموحد من المسلمين، إلا إن اعتدى عليهم، وناصبهم القتال، ولا يجيزون غنم ماله، ولا سبي ذريته، وهذا مقرر في كتبهم، وأقوال علمائهم، وقد أشار الشيخ عمروس إلى هذه الحقيقة في عدة مواضع من كتابه، وقد ذكرت سابقا نصوصا من كلامه في ذلك ب كذلك عند تعرضه للحديث عن الشفاعة، ولمن تكون، فبعد أن رد على المخالفين، الذين زعموا أنها تكون للعاصي مرتكب الكبيرة، كما تكون للمؤمن الموفي، بين الحق في ذلك، وأن الشفاعة لا ينالها، وإنما يخص بها المؤمن الموفي (1)، وهذه هي عقيدة الإباضية، وقد أشرت إلى جزء من نص
العاصي
مناظرته لهم سابقا
جـ - بين عقيدة الإباضية تجاه مرتكب الكبيرة من الموحدين، بعد أن فند شبه المخالفين، كالصفرية
وغيرها، فقال: " وقالت طائفة: ضالون منافقون ليسوا بمشركين؛ فهذه مقالة أهل العدل " إهـ
ويقصد بأهل العدل الإباضية، كما أشرت سابقا
6 - ذكر أسماء بعض المذاهب والفرق:
.
(2)
الملاحظ أن الشيخ عمروس عند تعرضه لتفنيد مزاعم وشبه المخالفين - في قسم العقيدة –، ذكر أسماء بعض مذاهبهم، وهذا على خلاف منهجه في قسم الفقه من كتابه " أصول الدينونة "، كما سنرى
عند التعرض لمنهجه الفقهي فيه فمن المذاهب والفرق التي ذكرها، أهل السنة، فقال: " ... ويزعمون أنهم من أهل السنة، وهم ممن أمات السنة ... " إهـ، وذكر الصفرية، فقال: " وقالت الصفرية: " إهـ (4)، وذكر
(3)
- تعرضت لهذه المسألة سابقا عند مناقشتي للفرق بين الإباضية والخوارج، أنظر ص 94 - 95 الهامش
أنظر ص 292، 293
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 66 - 67
أنظر ص 294 - 295.
(2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 71.
.
أنظر ص 297 (1/314)
صفحة 315
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
المرجنة، فقال: " وأشنع من هذا مما وصفته المرجئة ... " إهـ (1)، وكذلك ذكر المعتزلة، فقال: * وقالت المعتزلة: ... " إهـ (2)، وذكر أيضا الشكاك، فقال: " وأما الشكاك فالذين
(3)
"
(4)
قالوا: ... " إهـ، وذكر السبئية، وسماهم السبابة، فقال: " وأما السبابة ... " إهـ وذكر الخوارج كذلك، فقال: " ... وقد دخل عليهم ما يدخل على الخوارج. (5)، وذكر الزيدية، والحسينية، وعدهم يتفرعون من فرقة السبئية، فقال: " ... إلا صنف منهم الزيدية وصنف
" إهـ
(9)
(7)
منهم الحسينية وذكر أيضا اسم المذهب الإباضي، فقال: " وأنهم يستحلون شتم الإباضية ... " إهـ، وقد أشار د/ النامي إلى أن أول مُؤَلّف إباضي ورد فيه ذكر أهل الحق والاستقامة باسم الإباضية، هو كتاب " أصول الدينونة الصافية " للشيخ عمروس
عدم إهمال جانب اللغة:
(^)
الملاحظ أن الشيخ عمروس يهتم بالجانب اللغوي، فإذا دعت الضرورة إلى الإشارة إلى نكته لغوية، فإنه لا يتأخر عن بيانها، وتوضيحها للقارئ، وقد أشار إلى شيء من ذلك في موضع واحد من قسم العقيدة، وإلى عدة مواضع في قسم الفقه، كما سيأتي في محله ففي قسم العقيدة أشار إلى نكته لغوية عند حديثه عن المحاورة التي جرت بين الأخوين في سورة
الكهف، وقد أشرت إليها سابقا "، وأكتفي بنقل النكته اللغوية التي أشار إليها الشيخ عمروس ثم قال المؤمن له: لَكنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي ... أصله: " لكن أنا هو الله ربي " وأدغم النون الثانية، وزاح الألف فوقع التشديد في النون لأنه التقى النونان ... " إهـ
(9)
(3) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 66. (1) - المصدر السابق، ص 69، 71، 77. (1) - المصدر السابق، ص 71، 72، 77، 78. (2) - المصدر السابق، ص 71، 78
) - المصدر السابق، ص 72، 76. (4) - المصدر السابق، ص 77 (9) - المصدر السابق، ص 78. (1) - المصدر السابق، ص 78 (2) - المصدر السابق، ص 68 (1) - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 46.
- انظر ص 302 (1) - انظر كذلك ص 302.
315 (1/315)
صفحة 316
الشيخ عمروس ومنهجه
- الملاحظ على منهج الشيخ عمروس في كتابه " أصول الدينونة الصافية " بقسميها العقائدي والفقهي، الاختصار، فلا يطنب في تفصيل المسائل، بل يكتفي بذكرها باختصار، وهذا ظاهر من خلال أغلب المسائل التي تعرض لها في كتابه، بل ويصرح بذلك، فمن ذلك مثلا قوله عند تعرضه للرد لشبه الصفرية: " ... فهذا مما لا يحصى من فريتهم وخدعتهم " إهـ (1)، وقوله أيضا: " وضلالتهم
(3)
"
أكثر من أن أصف جميعها، وقد ذكرت بعضها " إهـ (2)، وقوله - عند رده على شبه الشكاك -: - وضلالتهم أعجب وأكثر من أن يستطاع صفتها، ومن ذلك أيضا قوله: " وقد بقي من أقاويل المخالفين كثير لم نذكره، وبقي مما ذكرت حججا عظيمة لم نذكرها، لما يطول من ذكرها، وقد ذكرت بعض ذلك وهي أكثر من أن نأتي عليها بكتاب " إهـ
(4)
(°)
والظاهر أن الشيخ عمروس تعمد اتباع منهج الاختصار في كتابه الدينونة، وقد أشار إلى ذلك خلال قوله: " وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية ... " إهـ، والمقصود بالدينونة الدين، وأما الأصول فهو جمع أَصل، وأصل الشيء: هو أساسه الذي يقوم عليه، والأصول: أصول العلم: وهي قواعده التي تبنى عليها الأحكام (2)، فمراد الشيخ عمروس إذن هو " أصول الدين "، والأصول في العادة تكون قليلة ومختصرة.
وكذلك لعل الشيخ راعى الوسط الذي كان يعيش فيه وهو وسط كانت تغلب عليه العجمة حيث أنهم كانوا من البربر، والذين يتقنون اللغة العربية هم العلماء وطلاب العلم، فجعل كتابه مبسطا مختصرا حتى يضمن وصول المعلومة إلى القارئ بكل سهولة ويسر؛ فالظاهر أنه لم يكن يهدف من خلال
وضعه لكتاب الدينونة أهل العلم فقط، بل كان يهدف طلاب العلم الصغار وعوام الناس والله أعلم. أيضا لا ننسى من جانب آخر الظروف السياسية الصعبة التي كان يعيشها الشيخ عمروس، فلا تكاد تفتر حرب وتخبو حتى تشتعل غيرها؛ وكذلك اشتغال الشيخ عمروس بالقضاء وما يتطلبه من تفرغ لحل مشاكل الناس، لعل ذلك كله لم يعطه الفرصة للتوسع في التأليف، وأخيرا ذهب بعض الباحثين إلى أن
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 69.
(2) - المصدر السابق، ص 70.
) - المصدر السابق، ص 76.
(4) - المصدر السابق، ص 79.
(0) - المصدر السابق، ص 84.
(1) - إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 20/ 1.
316 (1/316)
صفحة 317
الشيخ عمروس ومنهجه
الشيخ ألف الدينونة تلبية لطلب أحد الأشخاص منه ذلك - وإن كنت لا أميل إلى هذا كما سيأتي بعد قليل – فألفه مختصرا على عجل تلبية لطلب هذا الشخص والله أعلم.
9 - ذكر سبب تأليفه للكتاب في نص الكلام، وقد ذكرت نص كلامه سابقا "، وقد ذكر ذلك بعد أن قطع شوطا في قسم العقيدة، والأصل أن يذكر المؤلف سبب تأليفه للكتاب في مقدمة كتابه، والشيخ عمروس لم يعمل بهذا
(1)
10 - الظاهر أن الشيخ عمروس يخاطب شخصا ما من خلال هذا الكتاب، ويظهر ذلك من قوله: .... وكل من وصفت لك من المحدثين يدينون بما يقولون ويدعون الناس إليه " إهـ إذن فلعل الشيخ عمروس ألف هذا الكتاب خصيصا لشخص ما طلب منه ذلك، فلهذا السبب هو يخاطبه في الكتاب، فمن هو هذا الشخص؟ ذكرت سابقا أن أصحاب معجم أعلام الإباضية عدوا كتاب " العمروسي "، وكتاب " أصول الدينونة الصافية " كتابا واحدا، ألفه الشيخ عمروس تلبية لطلب عبد القاهر الفزاني، الذي طلب منه أن يؤلف له كتابا في الأصول"؛ فعلى فرض صحة ما ذهب إليه أصحاب معجم أعلام الإباضية، لعل الشخص الذي يخاطبه الشيخ عمروس هم عبد القاهر الفزاني والله أعلم ولكن في المقابل يمكن أن يعترض على هذا الاستنتاج بأن هناك من الباحثين من فرق بين كتاب، وكتاب " أصول الدينونة الصافية "، وعدهما كتابين مختلفين، وأن كتاب • العمروسي " العمروسي " هو الموجه إلى عبد القاهر الفزاني، لا كتاب " أصول الدينونة الصافية "، وقد أشرت إلى ذلك سابقاً كذلك فإن النص المذكور وهو قوله: " ... ... وكل من وصفت لك ... "، الذي يمكن أن يستشف منه أن الشيخ عمروس يخاطب شخصا ما، لا يكفي كدليل على كون المخاطب شخص محدد بعينه كعبد
"
القاهر الفزاني! فلعل الشيخ عمروس يخاطب بذلك القارئ لكتابه، أيا كان! وهذا احتمال كبير، إذا
فالأمر يظل محتملا لكلا الاستنتاجين
أنظر ص 276
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 76 - 77.
- انظر ص 235، 241.
أنظر ص 241.
317 (1/317)
صفحة 318
الشيخ عمروس ومنهجه
كذلك فإن الشيخ عمروس وضح بنفسه سبب تأليفه لكتاب " أصول الدينونة الصافية " – وقد مر الحديث عن ذلك كما ذكرت قبل قليل -، فلم يذكر أنه يوجهه إلى عبد القاهر الفزاني، أو إلى شخص محدد، وإنما أراد أن يقصد بكتابه إلى بعض أمور تكون فيها الحاجة مما كلف الله به العباد، على حد
تعبيره
ولهذا فإني أميل أكثر إلى استبعاد أن يكون كتاب " أصول الدينونة الصافية " موجها إلى عبد القاهر الفزاني، فالظاهر أن الشيخ عمروس ألفه لكل أحد، فلم يخصه بشخص معين، فلعل كتاب " هو الموجه إلى الفزاني، والأمر مجرد احتمال، ولست أنا ممن يقوى على الترجيح، فلا
العمروسي أجزم بذلك والله أعلم
318 (1/318)
صفحة 319
الشيخ عمروس ومنهجه
- المبحث الرابع: منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب المسائل الشرعية (الفقه):
أ - المطلب الأول: منهجه في بناء الأبواب والفصول وترتيبها: الملاحظ أن الشيخ عمروس تناول جانبين من جوانب الفقه، وهما فقه الطهارات، وفقه المعاملات
فبدأ - بعد أن انتهى من مسائل العقيدة - بطرح مسائل العبادات، ثم أتبعها بمسائل المعاملات (1) والملاحظ أن الشيخ عمروس لم يقسم كتابه إلى أبواب وفصول، كما هو متبع في المؤلفات المعاصرة، وإنما يبدأ مباشرة بطرح المسائل الفقهية التي يرغب في مناقشتها وتحليلها - وهذا الأسلوب كان المتبع في كتابات تلك القرون المتقدمة -، مع تنبيهه على ما يريد تناوله من مسائل قبل أن يبدأ في طرحها ومناقشتها، فيلاحظ أن تلك التنبيهات متداخلة مع متن الموضوع، وقد أتجاوز وأطلق عليها " عناوين للمسائل الفقهية ".
فعلى سبيل المثال، عندما بدأ الشيخ عمروس بتناول مسائل العبادات، وتحديدا " مسائل الصلاة " - كما عنونها محقق الدينونة - قال: " وقد أردت تفسير بعض الفرائض. ومما فرض الله الصلاة والزكاة في كتابه ... " إهـ ... " إهـ (2)، ثم دخل رحمه الله مباشرة في تحليل المسائل المتعلقة بالصلاة، وافتتحها بمواقيت الصلاة، فقال: " ... وإن مواقيت الصلاة مسميات في كتاب الله ... إلخ " إهـ
(4)
وكان هذا منهجه في الكتاب ككل، فمثال آخر - لمزيد من التوضيح - حين انتهى من مسائل الصلاة وما يتعلق بها من مسائل الطهارات، بدأ مباشرة في باب جديد من أبواب فقه العبادات، وهو باب الزكاة، من غير فصل بينه وبين باب الصلاة، فقال مباشرة بعد انتهائه من مسائل الصلاة: " ... فريضة الزكاة من التنزيل، مقرونة بالصلاة ... " إهـ
(4)
(1) ? عمروس
، الدينونة الصافية، ص 87 - 121، ص 125 - 156
- لقد قام الباحث أحمد كروم - محقق الدينونة الصافية - بتقسيم الكتاب إلى أبواب وفصول، ووضع ذلك بين معقوفتين، فليس ذلك للتقسيم من فعل الشيخ عمروس أو النساخ، فأرجو التنبه لذلك، وقد أشرت إلى ذلك في المبحث السابق (انظر: عمروس، الدينونة الصافية، ص 8 مقدمة المحقق).
(2) - المصدر السابق، ص 87.) - المصدر السابق، ص 87. (4) - المصدر السابق، ص 95.
319 (1/319)
صفحة 320
الشيخ عمروس ومنهجه
إلا أنه في المقابل يلاحظ أنه كان يضع عناوين لبعض الأبواب، ولكنها كانت أبوابا معدودة، مقارنة مع بقية أبواب الكتاب، فمن ذلك مثلا حين تطرق إلى مسائل الحج، جعل لها عنوانا وهو " فرض الحج "، ثم بدأ بطرح المسائل المتعلقة بهذه الفريضة (1)
،
(4).
(2).
وكذلك أيضا حين انتقل إلى مسائل القصاص، جعل لها عنوانا مستقلا وهو " باب في القصاص، وأيضا بالنسبة لمسائل المواريث، فقد عنونها بـ " قسم المواريث. (3)، وكذلك مسائل العدة، فعنونها بـ " عدد النساء ومسائل الرضاع، عنونها بـ " نفقة المرضع وحد الرضاع "، ومسائل الأذان عنونه بـ " الأذان " (5)، فلعل الشيخ عمروس وضع عناوين للأبواب الفقهية المختلفة كـ " باب الصلاة "، و" باب الصوم "، و" باب الزكاة " " ... إلخ، إلا أن النساخ أهملوا ذكر ذلك، فذكروا بعض عناوين الأبواب وأهملوا الباقي، أو لعل الشيخ عمروس لم يضع عناوين لتلك الأبواب، وإنما قام النساخ بوضع بعض العناوين بأنفسهم، وكذلك الأمر يحتمل أن يكون الشيخ عمروس بنفسه من قام بوضع عناوين لبعض الأبواب، ولم يضع للباقي، لعله بسبب اعتباره وجود ارتباط بين الأبواب التي لم يعنون لها، فمثلا يقول - حين انتقل من باب الصلاة إلى باب الزكاة -: فريضة الزكاة من التنزيل، مقرونة بالصلاة ... " إهـ فيلاحظ أن الشيخ اعتبر فريضة الزكاة مقترنة بالصلاة، لا تنفك عنها لأن القرآن قرنهما معا في كثير من الآيات، وهذا ظاهر من قوله السابق، فلعله لهذا السبب لم يجعل لها عنوانا مستقلا، السبب ينسحب على بقية الأبواب التي لم يعنونها الشيخ في كتابه والله أعلم ويلاحظ أن الشيخ عمروس أتى ببعض مسائل العبادات في نهاية كتابه، بعد أن انتهى من مسائل أن الأولى أن تكون هذه المسائل في باب العبادات، الذي وضعه الشيخ عمروس قبل باب المعاملات، وقد نبه الباحث أحمد كروم - محقق الدينونة - على هذه النقطة، وعلل ذلك بأنه ميزة
المعاملات
،
(6)
أغلب الكتابات الإباضية في ذلك العصر، سواء في التاريخ أو الشريعة
(7)
ولعل هذا
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 106. (2) - المصدر السابق، ص 129 (3) - المصدر السابق، ص 141.
(4) - المصدر السابق، ص 149 (0) - المصدر السابق، ص 156. (1) - المصدر السابق، ص 95
(2) - المصدر السابق، ص 55 مقدمة المحقق.
320 (1/320)
صفحة 321
الشيخ عمروس ومنهجه
وقد يضاف إلى هذا التعليل، أن الشيخ عمروس استدرك هذه المسائل في نهاية كتابه، فأضافها، فلعلها عزبت عن ذهنه عند تناوله المسائل العبادات، فتذكرها عند انتهائه من كتابه، فأضافها، فلهذا
هي
السمة
السبب هي موجودة في آخر الكتاب، ويقوي هذا الاحتمال أنها مسائل قليلة، فليست هذه الغالبة على الكتاب، فالكتاب متسلسل في عرضه للمسائل بلا خلط بينها، أو تقديم وتأخير وهذه المسائل التي جاء بها الشيخ عمروس في نهاية كتابه هي مسائل " الختان "، ومسائل " الأذان، وبعض المسائل الفقهية عنونها محقق الدينونة بـ " فصل في الأمر بإتمام الأعمال. (1)
ب - المطلب الثاني: المسائل الفقهية التي تعرض لها في الدينونة: ذكرت في المطلب السابق أن الشيخ عمروس تناول بابين من أبواب الفقه، وهما فقه العبادات، وفقه المعاملات، وسأعرض هنا أهم المائل التي تعرض لها في هاذين البابين.
أولا: باب فقه العبادات:
في باب العبادات تناول المسائل المتعلقة بالعبادات، والمسائل التي جاء بها هي كالتالي:
"
1 - مسائل الصلاة: افتتح الباب بمسائل الصلاة، مبتدأ بأوقات الصلاة، مدللا على ورود مواقيتها، وتسمياتها في القرآن الكريم، فأطال في سرد الآيات القرآنية الدالة على ذلك، وقام بتحليلها (2)؛ ثم تناول صلاة الجماعة، فبين فضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد (3)، وأتبعها بحكم تأخير الصلاة، وحكم من تركها بغير عذر ولا نسيان، فحكم عليه بالكفر والضلال ثم عرج على عدد الركعات في الفرائض والسنن، وبين الفرق بين صلاة السفر وصلاة الحضر في عدد الركعات، ثم بين عدد ركعات صلاة الوتر، وذكر الخلاف في ذلك، ورجح قول من قال أنه ركعة واحدة فقال: " ... والمعمول به
عندنا ركعة " إهـ
(°)
(1) عمروس، الدينونة الصافية، ص 154، 156، 157.
(2) - المصدر السابق، ص 87 - 90
) - المصدر السابق، ص 90
،
(4)
- المقصود بالكفر هنا كفر النعمة، وليس كفر الملة، وكفر النعمة مصطلح يستخدمه الإباضية، ويقصدون به مرتكب الكبيرة من المسلمين، فلا يوصلونه إلى الشرك أو الخروج من الملة، وقد نبهت سابقا على ذلك في عدة مواضع من هذا البحث.
(4) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 90. (9) ? المصدر السابق، ص 91.
321 (1/321)
صفحة 322
الشيخ عمروس ومنهجه
وبعد ذلك ناقش مسألة القراءة في الصلاة، وبين ما يقرأ في الفرائض الخمس من القرآن، وعدد الآيات التي يستحب قراءتها مع الفاتحة في فريضة المغرب والعشاء والفجر، فقال: " ... ويقرأ في الركعتين الأولتين من المغرب سورة من القصار مع فاتحة الكتاب، وفي الأولتين من العشاء بسورة مع فاتحة الكتاب، ويستحب من ذلك ما يبلغ عشر آيات، وكذلك في الصبح " إهـ و ختم مسائل الصلاة بمسألة استقبال القبلة، وبين أنه فرض بما دل عليه القرآن الكريم، واستدل على فرضية استقبال القبلة بقوله تعالى: (فَوَلٌ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (2) (3)
(")
2 - مسائل الطهارات: بعد أن انتهى من مسائل الصلاة، انتقل إلى مسائل الطهارات، فبدأها بفريضة الوضوء، فجاء بالدليل من القرآن الكريم على فرضيته وهو قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ)، ثم بين فرائض الوضوء من غير تفصيل لها، مكتفيا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
(0)
(4)
وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (4)، واكتفى بتعليقه: فهذه الفريضة " إهـ، يقصد أن الآية السابقة جمعت فرائض الوضوء، وهي غسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرافق، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين.
بعد ذلك بين سنن الوضوء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم سنها، وذكر أن المضمضة والاستنشاق واجبتان، لا يسع تركهما، ولا تجوز الصلاة إلا بهما (2)؛ ثم تناول مسح الأذنين مع الرأس، وبين أنه سنة من سنن الوضوء، وذكر بعض الخلاف الموجود في مسح الأذنين، فقال: الأذنين وسن مسح مع الرأس مقدمهما ومؤخرهما، وقال بعضهم مقدم الأذنين من الوجه، ومؤخرهما من الرأس، والمعمول به عندنا أنهما من الرأس " إهـ، إذا فالشيخ عمروس يرجح أن كل الأذنين من الرأس، ويمسحان مع الرأس، وترجيحات الشيخ عمروس هذه دليل على بلوغه درجة الاجتهاد والله أعلم
- كذا في الأصل.
" - كذا في الأصل.
(7)
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 91 - 92 (2) - سورة البقرة، من الآية: 144. (1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 92. (4) ? سورة المائدة، الآية: 6
(5) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 92.
(1) - المصدر السابق، ص 92
(2) ? المصدر السابق، ص 92
322 (1/322)
صفحة 323
الشيخ عمروس ومنهجه
بعد ذلك تناول سنة الاستنجاء، فبين أن الاستنجاء سنة ثابتة عن الرسول، وأنه لا يجوز الوضوء إلا بعد الاستنجاء، وذكر أن الله تعالى فرض في كتابه الطهارة من الجنابة (1) وأعقب ذلك بالتيمم، فعرف التيمم والصعيد في اللغة، وهنا رد الشيخ عمروس على من ذهب إلى أن التيمم هو المسح بنفسه، واستدل على ذلك بالقرآن الكريم، فقال: " وبعض الناس يرى التيمم هو المسح بنفسه، وليس هو المسح، ولكنه التعمد إلى التراب، ألا ترى أنه قال: (فَامْسَحُوا)، والمسح غير التيمم، يقول فتعمدوا ترابا نظيفا، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (2)، وما يدل أن التيمم هو التعمد لا المسح قوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) (3)، يقول ولا تتعمدوا الخبيث من
منه تنفقون " إهـ
(4)
(2)
أموالكم. ومناقشة الشيخ عمروس لمن ذهب إلى أن التيمم هو المسح نفسه، واستدلاله عليهم بالقرآن الكريم دليل على طول باع الشيخ في العلم، وفي استخراج الأدلة على ما يرجحه من كتاب الله مباشرة، وهذا دليل آخر على بلوغ الشيخ عمروس درجة الاجتهاد. وبعد أن انتهى الشيخ من مناقشة هذه المسألة السابقة، بدأ بتوضيح طريقة التيمم، وهنا يظهر للعيان ترجيح آخر للشيخ عمروس، وهو في مسألة الجنب الفاقد للماء، إن تيمم وصلى، ثم وجد الماء، هل يعيد صلاته السابقة التي صلاها بالتيمم أم لا؟ فرجح الشيخ - رحمه الله - عدم الإعادة، فقال: ... فإذا وجدت الماء اغتسل من جنابتك، ولا تعد ما مضى من الصلاة " إهـ جاء بمسائل تتعلق بالصلاة في باب الطهارات، وهي مسألة " حكم نسيان الصلاة "، فذكر أن من نسي صلاة حتى خرج وقتها فليصلها حين يذكرها، إلا عند طلوع الشمس وغروبها، وذكر أيضا الإعادة على من صلى بغير وضوء، أو بثوب لا يصلى به، ولعلها عزبت عنه عند تناول مسائل الصلاة سابقا، فجاء بها في مسائل الطهارات، أو لعله لم يكن يراعي كثيرا تمايز المسائل الفقهية والله
أعلم.
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 94. (2) - سورة المائدة، من الآية: 6.
) - سورة البقرة، من الآية: 267
(4) ? عمروس
، الدينونة الصافية، ص 93.
(0) - المصدر السابق، ص 93 - 94
لعله يقصد ثوبا غير طاهر (1) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 94
(3) °
(0)
323 (1/323)
صفحة 324
الشيخ عمروس ومنهجه
،
(1) =
على العموم بعد أن انتهى من مسائل " حكم نسيان الصلاة "، رجع إلى المسائل المتعلقة بالطهارت، فتناول كيفية الاغتسال، وبدأ بشرح طريقة الاغتسال من الجنابة، والملاحظ هنا أنه استدل ببعض الأحاديث، من ذلك استدلاله في الحث على مبالغة غسل الجسد وتنقيته بالحديث الذي نصه: " أن كل موضع لم ينعم غسله من الجنابة فإنه يبعث عليه يوم القيامة حيات تلدغه في تلك الأماكن والظاهر أنه أخذ هذا الحديث من مدونة أبي غانم الخرساني، التي قام بنسخها كما مر، حيث أن هذا الحديث موجود في المدونة (2) وكذلك استدل على المبالغة في غسل الشعر وترويته بالماء بالحديث: " تحت كل شعرة جنابه " (3) وبحديث: " كل شعرة لم ينعم غسلها تشعل يوم القيامة نارا - (4) (5) وبمسائل الاغتسال ختم مسائل الطهارات، بعد ذلك دخل في باب الزكاة، فبدأه بذكر المسائل
المتعلقة بفريضة الزكاة 3 - مسائل الزكاة:
بدأ الشيخ عمروس مسائل الزكاة ببيان فرضيتها في الكتاب الكريم، إلا أنه لم يستشهد لذلك بشيء من الآيات القرآنية، ثم ذكر أن السنة فسرت كيفية تقسيم الزكاة، ولم يأت بشيء من الأحاديث في
ذلك (6)
"1
- ذكره في المدونة بلفظ ... ولم يعم (انظر: بشر بن غانم الخرساني، المدونة الكبرى، ج 1، ترتيب: القطب اطفيش، نشر وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط 2: 1984 م، ص 15).
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 94. (2) - انظر: الخرساني، المدونة الكبرى، 15/ 1.
(2) رواه الإمام الربيع من طريق ابن عباس بلفظ: " تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وانقوا البشرة "، أنظر: الإمام الربيع، الجامع الصحيح، كتاب الطهارة، باب في كيفية الغسل من الجنابة (22)، حديث رقم (139)، 39/ 1؛ ورواه أبو داود من طريق أبي هريرة بنفس اللفظ، وفي سنده الحارث بن وجيه، قال أبو داود: الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف، انظر: سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي (أبو داود)، كتاب السنن، ط 1: 1421 هـ / 2000 م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، كتاب الطهارة (1)، باب الغسل من الجنابة (97)، حديث رقم (247)، ص 58، ورواه من طريق علي بلفظ قريب، انظر: ابو داود، مصدر سابق، كتاب الطهارة (1)، باب (97)، حديث رقم (248)، ص 58 ورواه الترمذي من طريق أبي هريرة بنفس اللفظ، انظر: الترمذي، سنن الترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة (78)، حديث رقم (106)، 178/ 1؛ ورواه ابن ماجه من طريق أبي هريرة بنفس اللفظ، وقد ضعفه الترمذي وأبو داود، انظر: ابن ماجه، سنن ابن ماجه، كتاب الطهاراة وسننها (1)، باب تحت كل شعرة جنابة (106)، حديث رقم (597)، 196/ 1، ورواه من طريق أبي أيوب بلفظ قريب، وفي إسناده طلحة بن نافع، وفي الزوائد: إسناده ضعيف لأن طلحة بن نافع لم يسمع من أبي أيوب، أنظر: ابن ماجه، المصدر السابق، كتاب (1)، باب (106)، حديث رقم (598)، 196/ 1، ورواه من طريق علي بن أبي طالب بلفظ قريب، أنظر: ابن ماجه، المصدر السابق، كتاب (1)، باب (106)، حديث رقم (599)، 196/ 1.
(1) رواه أبو غانم في مدونته، انظر: الخرساني، المدونة الكبرى، 15/ 1.
(0) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 95
324 (1/324)
صفحة 325
(1)
الشيخ عمروس ومنهج
ثم بعد ذلك وضح في ماذا تجب الزكاة، ثم بدأ يفصل الحديث في الوجوه التي تجب فيها الزكاة، فبدأها بزكاة الذهب والفضة، وعرج - خلال حديثه عن كيفية إخراج زكاة الذهب والفضة - إلى الحديث عن زكاة من عليه دين، وكذلك زكاة الشريكين في الذهب والفضة (2) وتناول كذلك مسألة اللؤلؤ والجوهر هل فيها زكاة أم لا؟ فذهب إلى أنها لا زكاة فيها، إلا من
تطوع بخير، ما لم يكن للتجارة، فإن كان للتجارة ففيه زكاة، زكاة رأس ماله حتى يباع (3). ثم بعد ذلك دخل في تناول زكاة الحبوب، فبين أنواع الحبوب الواجب إخراج الزكاة منها، وذكر الخلاف الواقع بين الفقهاء في البر والشعير هل يضمان معا أم لا؟ فقال: " ... غير أن البر والشعير اختلف فيه الفقهاء، وقولنا الذي نأخذ به ونعتمد عليه أنه يضم البر إلى الشعير والشعير إلى البر، وهو آخر كلام أبي عبيدة " إهـ، فرجح - رحمه الله - في هذه المسألة ما رجحه الإمام
أبو عبيدة
(4)
(°)
ثم تناول زكاة الأنعام، وبدأها بزكاة الإبل، وفصل الحديث في كيفية زكاة الإبل، ثم تناول زكاة البقر، وفصل الحديث فيها، وأعقبها بزكاة الغنم، وكذلك فصل فيها بعد ذلك بين عقوبة تارك الزكاة، والحكم فيمن ترك الزكاة، فقال: " ومن أخر زكاة ماله شهرا في شهر لا يكفر، ولا يضل في الحكم، ما لم يدخل حول في حول، وقال من نأخذ عنه: وإن دخل حول في حول لا يحكم عليه بالكفر ما لم يمت ولم يؤدها، ولم يوص، إلا أن يكون مانعا فإنه يضل في حين ذلك، وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبته: " ألا أنه لا صلاة لمانع الزكاة، لا صلاة لمانع الزكاة، والمتعدي فيها كمانعها
(V) n (7) n
إهـ
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 95 - 96.
(1) ? المصدر السابق، ص 96
(2) - المصدر السابق، ص 96.
(). المصدر السابق، ص 97 (4) - المصدر السابق، ص 98
(2) - المصدر السابق، ص 98 - 101.
) رواه الإمام الربيع من طريق ابن عباس بلفظ: " لا صلاة لمانع الزكاة - قالها ثلاثا - والمعتدي فيها كمانعها " قال الربيع: المعتدي فيها هو الذي يدفعها لغير أهلها، أنظر: الإمام الربيع، الجامع الصحيح، كتاب الزكاة والصدقة، باب الوعيد في منع الزكاة (58)، حديث رقم (342)، (87/ 12، ولم أجد تخريجه في بقية كتب الصحاح والسنن.
(2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 102.
325 (1/325)
صفحة 326
الشيخ عمروس ومنهجه
الملاحظ هنا أن الشيخ عمروس ذكر بعض ما يحفظه عن مشائخه الذين أخذ عنهم العلم، إلا أنه لم يذكر أي اسم لأحدهم، ويظهر ذلك من قوله: " ... ولكن من نأخذ عنه ممن أدركنا لا يرى ... " إهـ (1)، وقوله: " ... وقال من نأخذ نأخذ عنه: ... " إهـ
(2)
وكذلك يلاحظ أنه أطال كثيرا في تفصيل أحكام الزكاة والمسائل المتعلقة بها، خاصة زكاة الأنعام، ولعل السبب يعود في ذلك إلى حاجة الناس في عصر الشيخ عمروس إلى معرفة تفاصيل أحكام الزكاة، لممارستهم التجارة مع بلاد السودان والمشرق، ولكثرة اعتمادهم على الرعي في ذلك الوقت، فكانت تكثر لديهم الأنعام والمراعي، وقد مر الحديث عن الرعي في عصر الشيخ عمروس عندما تناولت الوضع الاقتصادي في عصر الشيخ عمروس "، وقد أشار إلى هذا الاحتمال الباحث أحمد كروم فقال: " ... نجد مسألة الزكاة وبالضبط قسم الأنعام منها، وقع فيها الإطناب والتوضيح بصورة ملفتة للانتباه، والسبب واضح في أن المنطقة كانت منطقة رعي ورعاة وزهاد " إهـ
،
(3)
بعد ذلك بدأ - رحمه الله - في بيان المسائل المتعلقة بزكاة الفطر وحكمها، وذهب إلى أنها سنة الأخذ بها فضيلة، وتركها ليس بخطيئة
(4)
(0)
(
وقد قسم الشيخ عمروس السنة - كما يرى - إلى قسمين: سنة في غير فريضة، وسنة في فريضة، فقال: " ... والسنة سنتان: سنة في غير فريضة، الأخذ بها فضيلة، وتركها ليس بخطيئة؛ وسنة في فريضة، الأخذ بها هدى، وتركها ضلالة " إهـ ثم بين - رحمه الله - ما تخرج منه زكاة الفطر، ولمن تعطى، ومقدارها، والوقت الذي تخرج فيه (1) وبهذا ختم فريضة الزكاة، ثم دخل في فريضة الصوم.
4 - مسائل الصوم:
بدأ مسائل الصوم ببيان فرضيته - كعادته - من كتاب الله تعالى، واستدل على فرضية الصوم بقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ))
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 101. (2) - المصدر السابق، ص 102. - انظر ص 74
) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 53 - 54.
(4) - المصدر السابق، ص 102
(5) - المصدر السابق، ص 102. (6) - المصدر السابق، ص 102 - 103 (2) - سورة البقرة، من الآية: 185.
(A) (V)
326 (1/326)
صفحة 327
الشيخ عمروس ومنهجه
وجاء الشيخ عند استدلاله بهذه الآية بمسألة لغوية - وهذا يدل على طول باعه في اللغة العربية - فذكر أن بالآية السابقة إضمار، فقال: " ... وفيها إضمار، وإضمارها: فمن كان مريضا أو على سفر فأكل في مرضه أو سفره فعدة من أيام أخر، ليس على كل من مرض أو سافر يكون عليه الإعادة إذا لم يأكل " إهـ (1)
واستدل بحديث ورد عن ابن عباس في الوقت الذي يحرم على الصائم فيه الطعام، والحديث هو: سئل ابن عباس: متى يحرم على الصائم الطعام؟ قال رجل: ما لم تشك حتى تشك. قال ابن عباس: كل ما شككت حتى تشك " (2) (3)
ثم ناقش مسألة هل الاغتسال من الجنابة شرط في صحة الصيام؟ ورجح انتقاض صوم من فرط في الغسل حتى خرج عليه الصبح، وذهب إلى أنه عليه إعادة ما سبق من صومه، ورد بالقرآن والعقل على من قال بعدم انتقاض صوم من فرط في الغسل حتى طلع عليه الصبح، وأسلوبه في النقاش يدل على قوته وتمكنه من علم الكلام والمناظرة، وهذا ليس بغريب على من استطاع قمع نفاث وفرقته، كما مر
وبهذه المناقشة ختم مسائل الصوم، ودخل في فريضة الحج
(4)
5 - مسائل الحج: فبين وجوب فرضية الحج من القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إليه سبيلاً (0) (2)
ثم بين المقصود باستطاعة السبيل لأداء الحج، وذهب الشيخ عمروس إلى أن الحج والعمرة فريضتان، فقال: " ... وقولنا - والله المستعان -: أما الحج والعمرة ففريضتان، وبهذا نأخذ، وعليه نعتمد إهـ، ورد على من ذهب إلى أن العمرة نافلة، وناقش استدلالهم كما هو مبسوط في
الدينونة
(7)
(8) ? عمروس (1) - المصدر السابق، ص 104.
، الدينونة الصافية، ص 104.
(2) - لم اجد تخريجه
-- عمروس، الدينونة الصافية، ص 104.
) ?
(4) - المصدر السابق، ص 105.
(5) - سورة آل عمران، من الآية: 97 (2) عمروس، الدينونة الصافية، ص 106. - المصدر السابق، ص 107.
327 (1/327)
صفحة 328
الشيخ عمروس ومنهجه
ثم وضح المواقيت التي وقتها الرسول صلى الله عليه وسلم، ووضح سنن ونواهي الإحرام، وماذا يترتب على من انتهك شيئا من المنهيات حال الإحرام (1). ثم ناقش حكم صيد الحرم وجزاؤه، وأطال في ذلك، واستدل بحديث في ذلك وهو ما جاء عن النبي: " مكة حرام لحرام الله، لا يحل صيدها، ولا يختلى خلاؤها، ولا يعضد شجرها، ولا تحل
لقطتها
(3) (2).
(0)
(4)
ثم تناول إحرام المرأة، وبين ما تشترك فيه مع الرجل، وما تختص به، ثم وضح كيف يتعامل المحرم مع بعض الحشرات والهوام بعد ذلك بين فدية المحرم المريض، والحكم فيمن نتف شيئا من شعره (6)، ثم تناول مستحبات الإحرام والتلبية، وأعقبها بذكر مناسك العمرة، ثم جاء بمناسك الحج، ثم ذكر أنواع الغسل في
(1) ? ع
عمروس، الدينونة الصافية، ص 107 - 108
، 056/ 4 57
(7)
(2) رواه الإمام الربيع من طريق أنس بن مالك بلفظ: " مكة حرام حرمها الله، لا تحل لقطتها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يختلي خلاها " فقال عمه العباس: " إلا الإنخر يا رسول الله " فقال: " إلا الإذخر " قال الربيع: لا يعضد:: اي لا يقطع، والخلا: الكلا، والإذخر: نبت يصنع منه الحصر، وتسقف منه البيوت، انظر: الإمام الربيع، الجامع الصحيح، كتاب الحج، باب المواقيت والحرم (2)، حديث رقم (398)، 101/ 22 - 102؛ وراه الإمام البخاري من طريق ابن عباس بلفظ قريب، انظر: ابن حجر، فتح الباري، كتاب الجنائز (23)، باب الإنخر والحشيش في القبر (76)، حديث رقم (1349)، 274/ 3، وكتاب جزاء الصيد (28)، باب لا ينفر صيد الحرم (9)، حديث رقم (1833)، ورقم (1834)، ورواه من طريق أبي هريرة بلفظ قريب، انظر: ابن حجر، المصدر السابق، كتاب العلم (3)، باب کتاب العلم (39)، حديث رقم (112)، 273/ 1 - 274، وانظر كذلك: كتاب البيوع، باب (28)، حديث رقم (2090)، 4/ 398، وكتاب الديات، باب (8)، حديث رقم (6880)، 252/ 12؛ ورواه الإمام مسلم من طريق ابن عباس بلفظ قريب، انظر: الإمام مسلم، صحيح مسلم، كتاب الحج (15)، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها ... (82)، حديث رقم (445)، 186/ 2 - 987، ورواه من طريق أبي شريح العدوي بلفظ قريب، انظر: الإمام مسلم، المصدر السابق، كتاب (15)، باب (82)، حديث رقم (446)، 987/ 2 - 988، ورواه من طريق أبي هريرة بلفظ قريب، انظر: الإمام مسلم، المصدر السابق، كتاب (15)، باب (82)، حديث رقم (447)، 988/ 2، ورقم (448)؛ ورواه أبو داود من طريق أبي هريرة بلفظ قريب، انظر: أبو داود، سنن أبي داود، كتاب المناسك (11)، باب تحريم حرم مكة (89)، حديث رقم (2015)، ص 344، ورواه من طريق ابن عباس بلفظ قريب، أنظر، أبو داود، المصدر السابق، كتاب (11)، باب (89)، حديث رقم (2016)، ص 344؛ ورواه الدارمي من طريق أبي هريرة بلفظ قريب، انظر: الدارمي، سنن الدارمي، كتاب البيوع (18)، باب في النهي عن لقطة الحاج (60)، حديث رقم (2600)، 344/ 2؛ ورواه النساني من طريق ابن عباس بلفظ قريب، أنظر: النسائي، سنن النسائي، كتاب مناسك الحج، النهي عن أن ينفر الصيد، 211/ 5
(2)
عمروس، الدينونة الصافية، ص 108 (4) - المصدر السابق، ص 11 - 112.
الملاحظ أن المؤلفات الفقهية المتقدمة، كانت تكثر من مناقشة الأحكام الفقهية المتعلقة بأمثال هذه الحشرات، فمن ذلك مثلا حكم الماء إذا سقطت فيه القملة؟، وكيف يتعامل المحرم مع هذه الحشرات كالقمل والبرغوث والقراد؟ وهل الدم الموجود في البعوض نجس؟، ولعل السبب في ذلك يعود إلى كون تلك العصور المتقدمة كانت تكثر فيها أمثال هذه الحشرات، لعدم وجود المنظفات الصناعية، والمبيدات الحشرية الموجودة في هذا الزمان، مما دفع بالعلماء إلى إبراز الحكم الشرعي في مثل هذه الحشرات والله أعلم. (9) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 112. (6) - المصدر السابق، ص 112 - 113.
328 (1/328)
صفحة 329
الشيخ عمروس ومن
الحج، وذكر أشهر الحج، ثم بين منهيات الإحرام، وجاء بعده بأحكام الإحرام، ثم بمبطلات الحج، ثم ختم مسائل الحج بمخالفات الحاج وكفارتها (1). ويلاحظ أن الشيخ - رحمه الله - أطال كثيرا في مسائل الحج، ولعل السبب يعود إلى حاجة الناس المائة في ذلك الوقت لمعرفة أحكام الحج، وذلك لتعلق أهل نفوسة بالحج، فقد كانوا يحجون بنسائهم وذراريهم، حتى روي أنهم ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة مولود ذكر، وكان الشيخ عمروس نفسه من الذين ولدوا في الطريق إلى الحج - كما مر -، وقد أشار الباحث أحمد كروم إلى هذا الاحتمال، فقال: " ... لعل السبب يرجع أيضا إلى واقع نفوسة التي وصف أهلها " بأنهم أكثر الناس حجا وأزكاهم نهجا، حتى إنهم كانوا يحجون بالنساء والذرية " " إهـ (2).
هذه
(2)
هي المسائل المتعلقة بفقه العبادات، التي تناولها الشيخ عمروس في كتابه، فيلاحظ أنه جاء بالفرائض وهي: فريضة الصلاة، وفريضة الزكاة، وفريضة الصوم، وفريضة الحج، وناقش الأحكام
المتعلقة بهذه الفرائض ثانيا: باب فقه المعاملات:
بعد أن انتهى الشيخ من فقه العبادات، والحديث عن المسائل المتعلقة به، أعقبه بفقه المعاملات،
(4)
فافتتحه بتفسير المظالم والمحاربة، وحكم المرتد (3)، ثم تناول حد السارق، وحكم القطع في الإسلام، وجاء بمناظرة مع مخالفيه حول مقدار الدراهم الواجب فيها القطع، فأظهر قوة وتمكنا في الاحتجاج، والمناظرة، ورجح أن القطع يكون في أربعة دراهم، فقال: " ... وقولنا الذي نأخذ به، ونعتمد عليه: القطع في أربعة دراهم ... " إهـ ثم تناول أنواع السرقة وأحكامها (1)، وبعده دخل في باب القصاص، وجاء بالآيات الدالة على، أعقب ذلك بالحديث عن أنواع الديات وأحكامها (8)، ثم أخذ في تفسير المقصود بالغيلة،
ذلك (7)
? عمروس
(0)
، الدينونة الصافية، ص 114 - 116 (1) - المصدر السابق، ص 116 - 122. (2) - المصدر السابق، ص 54. - المصدر السابق، ص 125 - 126 (4) - المصدر السابق، ص 127 - 128. (0) - المصدر السابق، ص 127. (1) - المصدر السابق، ص 128 - 129. - المصدر السابق، ص 129 - 130 (8) - المصدر السابق، ص 130 - 131.
329 (1/329)
صفحة 330
(2)
الشيخ عمروس ومنهجه
والمقصود بالفتك، والمقصود بالغدر، والمقصود بشبه العمد (1)، ثم بين معنى الخطأ المحض، والخطأ العمد، والحكم فيهما، ثم ختم هذا الباب بالحديث عن العفو وفضله، وحث عليه، وسرد الآيات الحاضة عليه والمبينة لفضله (3)
بعد ذلك تحدث عن المقاسم في المغانم، والفيء، والصدقات (4)، ثم تلاه بالحديث عن الزكاة ومن تعطى له (ه)
، والملاحظ أنه لم يأت بها عند حديثه عن فريضة الزكاة، في باب فقه العبادات
ثم دخل في المواريث، وتحدث عن قسمة المواريث، وأصحاب الفروض، وميراث الأجداد، والجدات، وتناول ما يتعلق بأصول التركة، ثم أخذ في بيان الميراث بسبب النكاح، فتناول ميراث الزوج والزوجة، أعقبه بميراث الأخوة، ثم تناول آية النصف، وهي قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا المُلْتَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأَثْنَتَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وبين أحكام الميراث فيها، ثم تناول آية العصبة، وهي قوله تعالى: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله) ()، فبين ميراث أولي الأرحام، ثم ختم الحديث في المواريث بتبيين حكم توريث المملوك من الحر، والمشرك من المسلم، والقاتل من
قتيله عمدا أو خطأ (8)
باب في عدد النساء:
بالرغم من أن) مسائل عدد النساء، والرضاع (هو من فقه الأسرة، إلا أن الشيخ عمروس جاء به في نهاية فقه المعملات، ولعله بسبب كونه من فقه الأسرة تركه الشيخ في نهاية قسم الفقه من الدينونة.
(1) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 131 - 132. (2) - المصدر السابق، ص 132 - 133 () - المصدر السابق، ص 133 - 135. (4) - المصدر السابق، ص 135 - 138.
(0) - المصدر السابق، ص 138 - 140.
(1) - سورة النساء، آية: 176. (2) - سورة الأنفال، من الآية: 75
(^)
عمروس
،
الدينونة الصافية، ص 141 - 148.
330 (1/330)
صفحة 331
الشيخ عمروس ومنهجه
وقد ذكر فيه عدد النساء، وأنواعها، ثم تناول الطلاق، وبين طلاق السنة، وطلاق الإيلاء، وتحدث عن الظهار، وختم هذا الباب بعدة الوفاة، والحديث عن حكم نفقة وسكنى المطلقات، ونفقة وسكنى المتوفى عنها، والحكم في ذلك (1)
نفقة المرضع وحد الرضاع: تناول فيه أحكام الرضاع، فقام بتفسير آية الرضاع، وهي قوله تعالى: (وَالْوَالدَاتُ يُرْضع أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارٌ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) (2) (3)
مسائل مختلفة:
جاء بعد ذلك بمسائل فقهية متفرقة، ليست محصورة في فقه المعاملات، فبدأها بسنة الختان، وذكر حكمها، والأحكام المتعلقة بهذه السنة (4)
ثم تناول بعض الفروق بين الرجال والنساء والعبيد في بعض الأحكام، كتكليف الجهاد وصلاة الجمعة على الرجال، وعدم تكليف النساء والعبيد بذلك، وأحل للرجل ملك اليمين ولم يحل للنساء، وأحل له أربع نسوة وحرم ذلك على النساء، وجواز لبس الذهب والحرير للنساء، وحرمته للرجال، وغيرها من أمثال هذه الفروق (5)
أعقب ذلك بالحديث عن الأذان، وحكمه، وكيفيته، وتناول كذلك الإقامة (6)، والملاحظ أنه جاء بمسائل الأذان والإقامة في نهاية الكتاب، وكان محلها عند الحديث عن فريضة الصلاة في فقه العبادات، فلعلها عزبت عنه هناك، فاستدركها في هذا المحل والله أعلم.
(1) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 149 - 153. (2) - سورة البقرة، من الآية:233
- عمروس، الدينونة الصافية، ص 153 - 154.
(4) - المصدر السابق، ص 154
(). المصدر السابق، ص 155.
- المصدر السابق، ص 156 - 157.
331 (1/331)
صفحة 332
ثم ختم
لم يلزمه
الله
الشيخ عمروس ومنهجه
كتابه بالحديث عن الأمر بإتمام الأعمال، فسرد مجموعة من المسائل فيمن ألزم نفسه بشيء، به، كالرجل يوجب على نفسه صيام نافلة، أو الإحرام بحج نافلة أو عمرة نافلة، وما شابه
ذلك من المسائل، وقد ذكر مجموعة منها
هذه
(1)
أغلب المسائل الفقهية - سواء فقه العبادات، أو فقه المعاملات - التي جاء بها الشيخ – هي عمروس في كتابه الدينونة الصافية، وقد ذكرت أغلبها، خاصة رؤوس المسائل، ولم أذكر المسائل الدقيقة التي جاء بها في أثناء حديثه عن المسائل الأساسية، وذلك خوف الإطالة، فمن أرادها يجدها في " الدينونة الصافية "، ولكني تدرجت في ذكر المسائل أو العناوين حسب التسلسل الذي سار عليه الشيخ عمروس في " الدينونة الصافية ".
(1) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 157 - 159. (1/332)
صفحة 333
الشيخ عمروس ومنهجه
جـ - المطلب الثالث: منهجه الاستدلالي على المسائل الفقهية:
(1) - استدلاله بالقرآن الكريم، ومنهجه اتجاهه:
1 - الإكثار من الاستدلال بالقرآن الكريم:
الملاحظ أن الشيخ عمروس يكثر من الاستدلال بالقرآن الكريم، والاعتماد عليه في الاحتجاج للمسائل الفقهية المختلفة، فقد بلغ عدد الآيات التي استدل بها على المسائل الفقهية (67) آية، (29) آية في فقه العبادات، و (38) آية في فقه المعاملات.
فعلى سبيل المثال استدل على ذكر مواقيت الفرائض الخمس في القرآن الكريم بعدة آيات، منها قوله تعالى: فَسُبْحَانَ الله حينَ تُمْسُونَ)، استدل بها على صلاتي المغرب والعشاء، وقوله تعالى حينَ تُصْبِحُونَ) (1)، استدل بها على صلاة الغداة، وقوله: (وَعَشيّاً) على صلاة العصر، وقوله: (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) (2) على صلاة الظهر واستدل على فرضية الوضوء بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (4) (5)، واستمر في
(3)
الاستدلال بالآيات القرآنية في أغلب المسائل الفقهية الأخرى التي أوردها في فقه العبادات. وكذلك سار على نفس المنهج في فقه المعاملات، فكان يكثر من الاعتماد على الأدلة القرآنية في أغلب المسائل التي جاء بها، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، استدلاله على وجوب قطع يد السارق بقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حكيم (9) (7)
(1) - سورة الروم، آية: 17.
(2) ? سورة الروم، آية: 18
) ?
عمروس، الدينونة الصافية، ص 87.
(4) - سورة المائدة، من الآية: 6.
(9) ? عمروس
، الدينونة الصافية، ص 92.
(1) - سورة المائدة، آية: 38
) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 127.
333 (1/333)
صفحة 334
الشيخ عمروس ومنهجه
واستدل على أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (1) (2)، واستدل كذلك على الرضاع بقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتْهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلِّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارٌ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضِ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) (3) (4)
2 - تفسير الآيات القرآنية:
ويلاحظ كذلك على منهجه في التعامل مع القرآن الكريم، أنه يفسر الآيات القرآنية التي يستدل بها، حتى أن القارئ يحس وكأنه يقرأ كتابا في التفسير وليس في الفقه!، والأمثلة على ذلك كثيرة، فقد
تعامل مع أغلب الآيات التي استدل بها بمنهج المفسرين، فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: أ – في باب القصاص، افتتح الباب بقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَلْفِ وَالْأُذُنَ بالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ()، ثم قال: " ... تفسير ذلك أن نفس المؤمن تقتل بنفس المؤمن الحر، إذا كان القتل عمدا " إهـ (6)، فيلاحظ أنه فسر الآية، بل وقال:، " ... تفسير
كما يظهر من نص كلامه حين تناول باب المقاسم والمغانم والفيء والصدقات، جاء بقوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) (2) فقال: " يعني لما ذكر من الصنوف ما ذكر، فقال: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل) (8)، فقال: لهؤلاء فيه حق يقطعون من الفيء لئلا يذهب به الأغنياء كله، ولا يكون لهؤلاء فيه شيء، ثم قال: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ) يعني الفقراء المهاجرين فيه حق، و الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) أخرجهم
(1) - سورة البقرة، من الآية: 234
(2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 152.
(3) - سورة البقرة، من الآية: 233
_ ()
عمروس، الدينونة الصافية، ص 153 - 154
"1
لن أبالغ إن قلت ينبغي تسمية قسم الفقه من كتاب " الدينونة " " تفسير بعض آيات القرآن الكريم "
(5) ? سورة المائدة، آية: 45
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 129. (2) - سورة الحشر، من الآية: 7. (8) ـ نفس السورة السابقة، نفس الآية.
334 (1/334)
صفحة 335
(2)
الشيخ عمروس ومنهجه
المشركون من مكة وغيرها، يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (1)، ثم قال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّلُوا الدَّارَ): يعني الأنصار، وَالْأَيْمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ): يعني قبل دخول المهاجرين، وقد كان إيمان المهاجرين قبل إيمان الأنصار، يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) من المهاجرين، وواسوهم في الدور، والأموال، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ): يعني ضيقا وحاجة، (وَمَنْ يُوقَ شُحْ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ا، ثم قال: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) (3): يعني من دخل الإسلام بعد فتح مكة، إلا من هاجر قبل الفتح، وبعد الفتح سموا تابعين يإحسان إلى يوم القيامة ... " إهـ، فيلاحظ هنا أن الشيخ عمروس قام بتفسير أربع آيات متتالية من سورة الحشر. ج - وكذلك قام بتفسير قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) () (1). د – وقام بتفسير قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأَنْتَيْنِ فَإِنْ كُنْ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُنَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ
(4)
كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) (2) (8) هذه بعض الأمثلة على بعض الآيات القرآنية التي قام الشيخ عمروس بتفسيرها، وقد قام بتفسير معظم الآيات التي استدل بها، ولم أذكرها خوف الإطالة، فمن أرادها يجدها مبثوثة في كتابه " الدينونة
الصافية "
الفقه
إن قيام الشيخ عمروس بتفسير هذه الآيات، يدل على تمكنه من علم التفسير، وأن له باعا في ذلك، وهذا ظاهر من خلال الأمثلة التي ذكرتها، فبالرغم من أن الكتاب هو كتاب فقهي – أعني قسم منه - إلا أن نزعة التفسير غلبت عليه، ولعل ذلك يعود إلى تشرب الشيخ عمروس بهذا العلم، حتى طغى على كتابه، وقد مر علينا سابقا أن الشيخ عمروس كان يرغب في تأليف مؤلف لم يسبق إليه،
(1) - سورة الحشر، آية: 8. (2) ـ نفس السورة السابقة، آية: 9) - نفس السورة السابقة، من الآية: 10 (4) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 136 - 138
(9) ? سورة التوبة، آية: 60
(1) - انظر تفسيره لها في: الدينونة الصافية، ص 138 - 140.
) - سورة النساء، من الآية: 11. (1) انظر تفسيره لها في: الدينونة الصافية، ص 141 - 142.
335 (1/335)
صفحة 336
الشيخ عمروس ومنهجه
يقسم المسائل فيه على التنزيل والحديث والرأي، فهذا دليل على تمكنه من تلك العلوم، ومنها علم التفسير، فظهر ذلك على كتابه الدينونة والله أعلم ويلاحظ كذلك عند تفسيره للآيات لا يذكر عمن أخذ هذا التفسير، وإنما يأتي بالتفسير مباشرة، فلعله يفسره بنفسه، معتمدا على علمه، واجتهاده، فالظاهر أنه لا يقلد غيره، وإنما يقارن بين الأقوال وأدلتها، ويرجح الأقوى
3 - الأمر والنهي في القرآن يفيد الوجوب:
(1)
الظاهر أن الشيخ عمروس يرى أن الأمر والنهي في القرآن الكريم يفيد الوجوب، ويظهر ذلك في عدة مواضع من كتابه، فقد استدل على فرضية الوضوء بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فقال: " فهذه الفريضة " إهـ (2) واستدل على فرضية شهر رمضان، ووجوب صيامه بقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتِ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، والحقيقة لم يذكر نص الآية، ولكنه قال: " وصيام شهر رمضان فريضة من كتاب الله عزوجل على كل بالغ صحيح العقل إذا شهد الشهر في أهله " إهـ، ويقصد بقوله فريضة من كتاب الله عزوجل ... " الآية السابقة.
(4)
11
وكذلك استدل على فرضية الحج والعمرة، ووجوبهما بقوله تعالى: {وَأَتِمُوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ لله) (5) فقال: " وقولنا - والله المستعان -: أما الحج والعمرة ففريضتان، وبهذا نأخذ وعليه
نعتمد ... " إهـ
(9)
وكذلك بالنسبة للنهي في القرآن الكريم، فالظاهر أنه يرى أنه يفيد الوجوب، فمن ذلك مثلا استدلاله على عدم جواز التصدق من المال الخبيث بقوله تعالى: (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ
تُنْفِقُونَ) (7) (8)
(1) - سورة المائدة، من الآية: 6. (2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 92 (3) - سورة البقرة، من الآية: 185. (4) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 104. (0) - سورة البقرة، من الآية: 196. (6) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 107.
336 (1/336)
صفحة 337
ومثال آخر استدلاله على عدم جواز قتل صيد البر في الحرم، ووجوب الجزاء على من فعل ذلك بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاء مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (1) (2)
- عدم ذكر الآيات في بعض المواضع، وعدم تخريجه للآيات:
يلاحظ أنه في بعض المواضع يستدل بالقرآن، ولا يذكر نص الآية التي استدل بها، فمن ذلك على
(3)
سبيل المثال قوله: " وفرض الله في كتابه الطهارة من الجنابة " إهـ ()، فلم يذكر الدليل وهو قوله تعالى: (وَإِنْ كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (4)
ومن ذلك أيضا قوله: " فريضة الزكاة من التنزيل مقرونة بالصلاة ... " إهـ (5)، فلم يذكر مثالا
من القرآن على ذلك، بالرغم من ورود العديد من الآيات التي قرن الله تعالى فيها الزكاة بالصلاة، نحو قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (6)، وقوله: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ... (7)
ومثال آخر قوله: " وصيام شهر رمضان فريضة من كتاب الله عز وجل على كل بالغ صحيح العقل فلم يذكر الآية التي ذكر الله تعالى فيها الأمر بصيام شهر رمضان،
(^)
، إذا شهد الشهر في أهله " إهـ وهي قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتِ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه ... ) (2)
ذلك أيضا قوله: " ذكر الله الأذان ذكرا، ولم يأمر به " إهـ ومن
(10)
، يقصد قوله تعالى: (وَإِذَا
نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (11)، فلم يذكر نص الآية
(2) - سورة البقرة، من الآية: 267. عمروس، الدينونة الصافية، ص 93.
_ (1)
سورة الـ ة المائدة، من الآية: 95.
عمروس، الدينونة الصافية، ص 109.
() - المصدر السابق، ص 93.
(4) - سورة المائدة، من الآية: 6
عمروس، الدينونة الصافية، ص 95.
) - سورة البقرة، آية: 43.
) - سورة البقرة، من الآية: 110
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 104.
(1) - سورة البقرة، من الآية: 185
(''). عمروس، الدينونة الصافية، ص 156.
(11) - سورة المائدة، آية: 58 (1/337)
صفحة 338
الشيخ عمروس ومنهجه
هذه بعض الأمثلة على استدلاله بالقرآن الكريم، وعدم ذكره لنص الدليل القرآني الذي استدل به، وهناك المزيد من الأمثلة لم أذكرها خوف الإطالة، وهي مبثوثة في كتابه كذلك فإنه لا يخرج الآيات التي يستدل بها، فلا يذكر اسم السورة ورقم الآية، وهذا ظاهر في جميع الآيات التي استدل بها في كتابه
5 - يرى أن السنة مبينة لمجمل القرآن:
أيضا فإن الشيخ عمروس يرى أن السنة مبينة للقرآن، وذلك ظاهر من عدة مواضع في الدينونة، فمن ذلك قوله: " فريضة الزكاة من التنزيل، مقرونة بالصلاة، ثم فسرت السنة كيف كان قسمها، ومن كم تجب؟ ومن أي نوع تجب؟ وعلى كم؟ والحول ... كل ذلك من السنة ... " إهـ
قوله: " فسرت السنة
(1)
، فمن
" يرى أن السنة مبينة لمجمل القرآن الكريم؛ وفي موضع آخر قال:
فرض الله الحج في كتابه، وتفسير بعض ذلك من السنة " إهـ
(2)
(2) - منهجه تجاه السنة:
1 - استدلاله بالسنة:
إن الشيخ عمروس يعتبر السنة المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، ويظهر ذلك من استدلاله بها في عدة مواضع من كتابه، والحقيقة أنه لم يستدل بالكثير من الأحاديث، وإنما هي أحاديث محدودة التي جاء بها في الدينونة، وسيأتي الحديث عن هذه النقطة لاحقا
هي:
والأحاديث التي استدل بها في الدينونة – قسم الفقه * قال عند تعرضه للحديث عن صلاة الجماعة: " ويقال: إن صلاة أحدكم في الجماعة يزيد على
-
صلاة وحده أربعة وعشرين ضعفا ... " إهـ
"
(3)
فيلاحظ هنا أنه روى الحديث بالمعنى، وكذلك نلاحظ أنه لم ينسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما قال: ويقال: ... "، فلعله كان يظن أن هذا أثر وليس حديثا، بالرغم من أن نص هذا الحديث موجود في
كتب الحديث (4)
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 96.
(2) - المصدر السابق، ص 106. (3) - المصدر السابق، ص 90.
(4) - رواه الإمام الربيع من طريق أنس بن مالك بلفظ: «الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» أنظر: الإمام الربيع، الجامع الصحيح، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة (36)، = (1/338)
صفحة 339
عند تبيينه لكيفية الغسل، ذكر أنه ينبغي المبالغة في تنقية الجسم، واستدل بحديث على ذلك، فقال: " ... وليبالغ في تنقية جسده ولا يقصر في شيء، جاء في الحديث: «أن كل موضع لم ينعم غسله من الجنابة فإنه يبعث عليه يوم القيامة حيات تلدغه في تلك الأماكن» (1) (2).
(3)
(4 () 5)
(1) " إهـ
- واستدل على تروية الشعر عند الغسل والمبالغة في غسله بالحديث: «تحت كل شعرة جنابة»، وبالحديث: «كل شعرة لم ينعم غسلها تشتعل يوم القيامة نارا» - واستدل على ضلال مانع الزكاة بقوله: " ... وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبته: «ألا إنه لا صلاة لمانع الزكاة، لا صلاة لمانع الزكاة، والمعتدي فيها كمانعها» حين تحدث عن حكم صيد الحرم وجزاؤه قال: " ونهي عن قتل الصيد صيد البر في الحرم، وجاءت الرخصة في السنة أن تقتل من قاتلك من السباع. والجراد من الصيد. وجاء عن النبي عليه السلام: «مكة حرام لحرم الله، لا يحل صيدها، ولا يختلى خلاؤها، ولا يعضد شجرها، ولا تحل
-
لقطتها»
=
? (^)
إهـ
(9)
- حديث رقم (215)، 58/ 1، ورواه من طريق أبي هريرة بلفظ: «صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة»، أنظر: الإمام الربيع، الجامع الصحيح، كتاب صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة (36)، حديث رقم (216)، 58/ 1؛ ورواه الإمام البخاري من طريق أبي هريرة بلفظ قريب، أنظر: ابن حجر، فتح الباري، كتاب الصلاة (8)، باب الصلاة في مسجد السوق (87)، حديث رقم (477)، 742/ 1، وكتاب الأذان (10)، باب فضل صلاة الجماعة (30)، حديث رقم (647)، 166/ 2 - 167، ورواه من طريق عبد الله بن عمر بلفظ قريب، انظر: ابن حجر، المصدر السابق، كتاب (10)، باب (30)، حديث رقم (645)، 166/ 2، ورواه من طريق أبي سعيد الخدري بلفظ قريب،، انظر: ابن حجر، المصدر السابق، كتاب (10)، باب (30)، حديث رقم (646)، 166/ 2؛ ورواه الإمام مالك من طريق عبد الله بن عمر بلفظ قريب، أنظر: مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ت: د/ بشار عوار معروف و محمود محمد خليل، ط 2: 1413 هـ / 1993 م، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل صلاة الجماعة، (23)، حديث رقم (322)، 126/ 1، ورواه من طريق أبي هريرة بلفظ قريب، أنظر: الإمام مالك، المصدر السابق، كتاب الصلاة، باب (23)، حديث رقم (322)، 126/ 1؛ ورواه النسائي من طريق عبد الله بن عمر بلفظ قريب، ومن طريق أبي هريرة بلفظ قريب، ومن طريق عائشة بلفظ قريب، انظر: النساني، سنن النسائي، كتاب الإمامة، فضل الجماعة، 2/ 103؛ ورواه ابن ماجه من طريق أبي هريرة بلفظ قريب، انظر: ابن ماجه، سنن ابن ماجه، حديث رقم (786)، ورقم (787)، 258/ 1، ورواه من طريق أبي سعيد الخدري بلفظ قريب، انظر: ابن ماجه، المصدر السابق، حديث رقم (788)، 259/ 1، ورواه من طريق عبد الله بن عمر بلفظ قريب، انظر: ابن ماجه، المصدر السابق، حديث رقم (789)، 1/ 259، ورواه من طريق أبي بن كعب بلفظ قريب، انظر: ابن ماجه، المصدر السابق، حديث رقم (790)، 259/ 1. (1) - مر تخريجه، أنظر: ص 324
(2) ? عمروس) - مر تخريجه، انظر: ص 324
، الدينونة الصافية، ص 94.
(4) - مر تخريجه، أنظر: ص 324 عمروس، الدينونة الصافية، ص 94 - 95
_ ()
(1) – مر تخريجه، انظر ص 325.
) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 102. (8) - مر تخريجه، انظر: ص 328 (1/339)
صفحة 340
وحين تحدث عن أحكام الإحرام، قال: " ... ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مكة حرام
(")
(1)
الحرم الله، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما حلت لي ساعة من النهار» وعندما فسر المقصود بالفتك، استدل بحديث كذلك فقال: " ... فهو الذي يقال فيه: «قيد
-
(3)
الإسلام الفتك، لا يفتك مؤمن». " إهـ
(4)
- حين تناول الميراث بسبب النكاح، استدل بالحديث: «ولا وصية لوارث» (5) (6). واستدل على إخراج الدين قبل الوصية بالحديث: «الدين من جميع المال، والوصية من
-
الثلث»
-
(^) (V)
الملاحظ كذلك أنه لا يذكر سند الحديث، ولا عمن أخذه، وإنما يسوق الأحاديث بلا سند، ويكتفي بقوله " وفي الحديث: ... "، أو قوله: " جاء عن النبي عليه السلام: ... أو قوله: " وقد روي عن النبي عليه السلام: ... " ومثل هذه العبارات، وذلك ظاهر من الأحاديث التي ذكرتها عند
الحديث عن استدلاله بالسنة
أيضا يلاحظ أنه لا يقوم بتخريج الأحاديث، فلا يحيلها إلى كتب السنن والصحاح.
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 108. (1) - مر تخريجه، انظر ص 328. (2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 120
(2) رواه الإمام الربيع عن الإمام جابر بن زيد مرسلا بلفظ: الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن "، أنظر: الإمام الربيع، الجامع الصحيح، حديث رقم (997)، 269/ 4؛ ورواه أبو داود من طريق أبي هريرة بنفس اللفظ، انظر: أبو داود، سنن أبي داود، كتاب الجهاد (15)، باب في العدو يؤتى على غرة ويتشبه به (157)، حديث رقم (2766)، ص 472 (4) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 132 (9) - رواه الإمام الربيع من طريق ابن عباس بلفظ: " لا وصية لوارث " انظر: الإمام الربيع، الجامع الصحيح، كتاب الإيمان والنذور (44)، باب في المواريث (46)، حديث رقم (667)، (172/ 2، وباب في الوصية (48)، حديث رقم (676)، 174/ 2؛ ورواه الدارقطني من طريق ابن عباس بلفظ قريب، كتاب الفرائض، حديث رقم (4104)، ورقم (4107)، ورقم (4109)، 48/ 4، وكتاب الوصايا، حديث رقم (4251)، ورقم (4253)، 72/ 4، ومن طريق جابر بن عبد الله بنفس اللفظ، كتاب الفرائض، حديث رقم (4105)، 48/ 4، ومن طريق علي بن أبي طالب بلفظ قريب، كتاب الفرائض، حديث رقم (4106)، 48/ 4، ومن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بنفس اللفظ، كتاب الفرائض، حديث رقم (4108)، 48/ 4، ومن طريق عمرو بن خارجة بنفس اللفظ، كتاب الوصايا، حديث رقم (4252)، وكذلك من طريق عمرو بن خارجة بلفظ قريب، حديث رقم (4255)، 72/ 4، ومن طريق جعفر بن محمد عن أبيه بنفس اللفظ، كتاب الوصايا، حديث رقم (4254)، 72/ 4) انظر: علي بن عمر الدار قطني، سنن الدارقطني، المجلد الثاني، ج 4، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1414 هـ / 1994 م). (1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 145
(2) - رواه الدارقطني من طريق علي بن أبي طالب، كتاب الفرائض، حديث رقم (4106)، 48/ 4، (انظر: علي بن عمر الدار قطني، سنن الدارقطني، المجلد الثاني، ج 4، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1414 هـ / 1994 م). 2 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 146.
(^) (1/340)
صفحة 341
(1)
4 - بعض الأحاديث يرويها وكأنها أثر عن أحد العلماء، وليس حديثا نبويا، فمن ذلك قوله: " ويقال: إن صلاة أحدكم في الجماعة يزيد على صلاة وحده أربعة وعشرين ضعفا ... " إهـ، وقد ذكرته سابقا؛ ومن ذلك أيضا قوله: " ... فهو الذي يقال فيه: «قيد الإسلام الفتك، لا يفتك مؤمن» ... " إهـ، وقد مر ذكر هذا الحديث قبل قليل. .
ه يستدل بالسنة ولا يذكر الحديث الوارد في ذلك:
الأمثلة على ذلك كثيرة، مبثوثة في كتابه، فمن ذلك قوله: " وسن الصلاة الأولى في الحضر أربع وهي في السفر ركعتان ... " إهـ (2)، فلم يذكر الحديث الدال على ذلك، وإنما اكتفى بقوله:
" وسن .. ؛ ومن ذلك أيضا قوله: " وسن رسول الله المضمضة والاستنشاق ... " إهـ وقوله: " وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستنجاء من كل نجاسة ... " إهـ، وقال: " ... وجاءت الرخصة
(4)
في السنة أن تقتل من قاتلك من السباع من السباع ... " إهـ
(0)
6 - يستدل بالسنة ولا يشير إلى ذلك:
والأمثلة على ذلك كثيرة، متفرقة في عدة مواضع من كتابه، فمن ذلك قوله عند الحديث عن
القراءة في الصلاة: " أول ما نفتتح بالتكبير " إهـ
(")
فهذا حديث نبوي نصه كما جاء عند الإمام الربيع - رحمه الله - عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم» (2)، ورواه أبو داود وغيره من طريق
(7)
، الدينونة الصافية، ص 90.
(1) ? عمروس - انظر ص 340
(2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 90.
(2) - المصدر السابق، ص 92
(4) - المصدر السابق، ص 93.
(5) - المصدر السابق، ص 108 (1) - المصدر السابق، ص 91.
(2) رواه الإمام الربيع، الجامع الصحيح، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في ابتداء الصلاة، (38)، حديث رقم (220)، 1/ 59.؛ ورواه الترمذي من طريق أبي سعيد بلفظ: " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها "، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، أنظر: الترمذي، الجامع الصحيح، ابواب الصلاة، باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها، حديث رقم (238)، 3/ 2؛ ورواه الهيثمي من طريق ابن عباس بلفظ: " مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم " وقال: " رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه نافع مولى يوسف السلمي وهو أبو هرمزة ضعيف ذاهب الحديث، ورواه من طريق عبد الله بن زيد بنفس اللفظ، قال: " رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الواقدي وهو ضعيف "، ورواه من طريق عبد الله بن مسعود بلفظ قريب، قال: " رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، انظر: علي بن أبي بكر الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج 2، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1408 هـ / 1988 م، كتاب الصلاة، باب تحريم الصلاة وتحليلها، ص 104. (1/341)
صفحة 342
الشيخ عمروس ومنهجه
الله عائشة - رضي رب العالمين ... »، واللفظ لأبي داود (1)
عنها - قالت: «كان رسول الله لا يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد الله
(2)
، ونص هذا
وكذلك قال: " ومن نسي صلاة حتى يذهب وقتها فليصلها حين يذكرها ... " إهـ الحديث كما رواه البخاري من طريق أنس بن مالك عن النبي الله قال: «من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (3)، قال موسى بن همام: سمعته يقول بعد: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لذكْرِي)» (4) وقوله: " لا يأخذ مما دون الأربعين شيئا حتى تتم أربعين " إهـ (5)، وهذا حديث رواه ابن ماجه من طريق عن ابن عمر و عائشة: «أن النبي كان يأخذ من كل عشرين دينارا، فصاعدا، نصف دينار، ومن الأربعين دينارا، دينارا» إلى غير ذلك من الأمثلة الأخرى.
(9)
(1). رواه أبو داود من طريق عائشة - رضي الله عنها -، أنظر: أبو داود، سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك، حديث رقم (783)، 208/ 1؛ ورواه ابن حبان من طريق عائشة بنفس اللفظ، انظر: علي بن بلبان الفارسي، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، ج ه، ت: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان ط 2: 1414 هـ / 1993 م، كتاب الصلاة (9)، باب صفة الصلاة (10)، حديث رقم (1768)، ص 64 - 65؛ ورواه ابن خزيمة من طريق أبي هريرة بلفظ قريب، انظر: ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، كتاب الصلاة، باب ذكر الدليل على ان هذه اللفظة التي ذكرتها لفظ عام مراده خاص ... (141)، حديث رقم (578)، 290/ 1؛ ورواه الهيثمي من طريق عبد الله بن أبي أوفى بلفظ قريب، وقال: " رواه البزار وفيه الحجاج بن فروخ وهو ضعيف "، ورواه من طريق أبي هريرة بلفظ قريب، وقال: " رواه البزار وفيه الحسن بن السكن ضعفه احمد وذكره ابن حبان في الثقات، ورواه من طريق أبي الدرداء بلفظ قريب، انظر: الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، كتاب الصلاة، باب التكبير، 103/ 2. (2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 94 (2) - سورة طه، من الآية: 14
(4) رواه البخاري من طريق أنس بن مالك، انظر: ابن حجر، فتح الباري، كتاب مواقيت الصلاة (9)، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة (37)، حديث رقم (597)، 89/ 2؛ ورواه مسلم من طريق أنس بن مالك بلفظ قريب، انظر: مسلم، صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (5)، باب قضاء الصلاة الفائتة) و استحباب تعجيل قضائها (55)، حديث رقم (314)، (315)، (316)، 447/ 1؛ ورواه أبو داود من طريق أبي هريرة بلفظ قريب، انظر: أبو داود، سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في من نام عن الصلاة أو نسيها، حديث رقم (435)، 118/ 1؛ ورواه ابن حبان من طريق أنس بن مالك بلفظ قريب، انظر: ابن حبان، صحيح ابن حبان، كتاب الصلاة (9)، ذكر البيان بأن الزجر عن الصلاة في هذه الأوقات التي ذكرناها لم يرد به الفرض، حديث رقم (1556)، 423/ 4؛ ورواه الترمذي من طريق أنس بن مالك بلفظ قريب، قال أبو عيسى: " حديث أنس حسن صحيح "، أنظر: الترمذي، الجامع الصحيح، أبواب الصلاة (2)، باب ما جاء في الرجل ينسى الصلاة (131)، حديث رقم (178)، 335/ 1 - 336؛ ورواه البيهقي من طريق أبي هريرة بلفظ قريب، انظر: أحمد بن الحسين البيهقي، السنن الكبرى، ت: محمد عبد القادر عطا، ج 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1: 1414 هـ / 1994 م، كتاب الصلاة، باب الأذان والإقامة للفائته (53)، حديث رقم (1894)، ص 593؛ ورواه الدارمي من طريق أنس بن مال بلفظ قريب، انظر: الدارمي، سنن الدارمي، كتاب الصلاة (2)، باب من نام عن صلاة أو نسيها (26)، حديث رقم (1209)، 297/ 1؛ ورواه ابن خزيمة من طريق أنس بن مالك بلفظ قريب، أنظر: محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، صحيح ابن خزيمة، ج 2، ت: د/ محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 1391 هـ / 1971 م، جماع أبواب الفريضة عند العلة، باب ذكر الدليل على أن أمر النبي بإعادة تلك الصلاة التي قد نام عنها أو نسيها ... (394)، حديث رقم (992)، (993)، ص 97. (9) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 101
342 (1/342)
صفحة 343
- يقسم السنة إلى سنة في غير فريضة، وسنة في فريضة:
ويظهر هذا من قوله:
الشيخ عمروس ومنهج
والسنة سنتان: سنة في غير فريضة، الأخذ بها فضيلة وتركها ليس
بخطيئة. وسنة في فريضة، الأخذ بها هدى، وتركها ضلالة " إهـ
السنة عنده مبينة لمجمل القرآن:
(1")
وقد مر الحديث عن هذه النقطة عند الحديث عن استدلاله بالقرآن الكريم، ومنهجه تجاهه،
وذكرت هناك عدة أمثلة على ذلك ".
- قلة الأحاديث التي يستدل بها:
ذكرت سابقا أن الشيخ عمروس استدل بالسنة في مواضع متعددة من الدينونة، إلا أنها بالرغم من محددة ولا تشكل ذلك العدد الكبير الذي يتلاءم مع المسائل الفقهية المتعددة التي طرحها
ذلك مواضع
الشيخ عمروس في كتابه، وكذلك مع المتزلة العلمية السامقة التي تبوأها الشيخ رحمه الله! ولعل السبب في ذلك يعود إلى عدم وصول كتب الصحاح والسنن إلى جبل نفوسة في ذلك الوقت المتقدم، فمسند الإمام لم يكن معروفا لدى المغاربة في ذلك الوقت، وقد أشرت إلى ضعف الاهتمام بالحديث عند إباضية المغرب في ذلك الوقت عند تناولي للحديث عن العلوم المتداولة في عصر الشيخ عمروس وأبرز العلماء في عصره وهذا ظاهر من خلال كتاب الدينونة، حيث أن الشيخ عمروس لم يأت بأحاديث كثيرة، كذلك استدلاله بالقرآن بشكل أساسي في كثير من المواضع، وإن لم يجد دليلا في القرآن، جاء بأثر عن أحد الصحابة أو الأئمة، أو ما تلقاه عن مشائخه، وفي بعض الأحيان يستدل بالعقل، ويجتهد رأيه رغم ورود الكثير من الأحاديث في ذلك، إلا انه لم يذكرها، والظاهر لعدم وقوفه عليها والله أعلم
(1) رواه ابن ماجه، أنظر: ابن ماجه، سنن ابن ماجه، كتاب الزكاة (8)، باب زكاة الورق والذهب (4)، حديث رقم (1791)، 571/ 1؛ ورواه ابن خزيمة، انظر: ابن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، كتاب الزكاة، باب الدليل على أن الصدقة لا تجب فيما دون خمس من الإبل ولا فيما دون الأربعين، حديث رقم (1262)، 17/ 4؛ ورواه عبد الرزاق من طريق وعمرو بن دينار، حديث رقم (7082)، ومن طريق عطاء وعبد الكريم، حديث رقم (7083)، ومن طريق طاووس، حديث رقم (7083)، انظر: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المصنف، ج 4، ت: حبيب الرحمن الأعظمي منشورات المجلس العلمي، ص 90 - 92). عمروس، الدينونة الصافية، ص 102.
عطاء
()
"
- انظر ص 338 - انظر ص 134.
343 (1/343)
صفحة 344
الشيخ عمروس ومنهجه
ويظهر ذلك أيضا من ذكره لبعض الأحاديث نقلها من مدونة أبي غانم التي قام بنسخها، فاستفاد منها بعض الأحاديث اعتمد عليها في كتابه، وقد مرت بعض الأمثلة على ذلك أيضا فإنه لا يذكر السند عند روايته للحديث، وذلك ظاهر في كل الأحاديث التي ذكرها في الدينونة، ولعل السبب يعود إلى أخذ تلك الأحاديث عن مشائخه الذين تتلمذ عليهم، فكانوا يستدلون بها ولا يذكرون السند، والذي يؤكد ذلك أنه يروي بعض الأحاديث بالمعنى، وأحيانا يستدل بورود ذلك الحكم في السنة، ولا يذكر الحديث، كما رأينا قبل ذلك.
ولعل هذه الأحاديث وصلت إلى المغرب عن طريق حملة العلم الخمسة الذين تتلمذوا على يد الإمام أبي عبيدة، فأخذوا عنه مروياته عن الإمام جابر، فنقلوها إلى المغرب، حتى وصلت إلى الشيخ عمروس الذي أخذها عن مشائخه الذين تتلمذوا على حملة العلم، أو على من أخذ عنهم، والذي يؤكد ذلك ورود بعض تلك الأحاديث – التي استدل بها الشيخ عمروس في الدينونة – في مسند الإمام الربيع والله
أعلم
(3) - موقفه من الإجماع:
الشيخ عمروس يحتج بالإجماع، وهذا ظاهر في عدة مواضع من كتابه، فمن ذلك على سبيل المثال
لا الحصر:
1 - قال عند الحديث عن أوقات الصلاة: " ... حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ): يعني في الجماعة
وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى) (1)
صلاة الصبح في قول أصحابنا ... " إهـ: يعني
الإباضية، فهو يحتج ياجماع علماء الإباضية
(2)
، ويقصد بأصحابنا
- استخدامه لمصطلح " المسلمين "، ويقصد به الإباضية، محتجا بإجماعهم، فمن ذلك قوله: " ومن ترك الغسل من الجنابة من غير عذر وهو يجد الماء حتى يذهب وقت الصلاة ضل في قول المسلمين " إهـ؛ وقوله عند الحديث عن مستحبات الإحرام والتلبية: " والمسلمون يستحبون
(3)
(1) - سورة البقرة، آية: 238
(2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 89. (2) - المصدر السابق، ص 95
344 (1/344)
صفحة 345
الشيخ عمروس ومنهجه
(1)
أن يبدأ بالعمرة قبل الحج إهـ؛ وقوله: " ... والمسلمون يستحبون الإحرام بالحج من
البطحاء من المسجد الذي يقال له مسجد الجن ... " إهـ
(2)
(4)
3 - وقال: " والعامة من العلماء على أن الحج والعمرة فريضتان " إهـ 4 - وقال: " ولا يحل ما يقول من يزعم أن النفي هو الحبس، ولكنه كما فسره العلماء: النفي أن يطلبوا بما حكمه الله فيهم فيهربون، فلا يؤمنون في شيء من بلدان المسلمين " إهـ (4)، فيلاحظ انه احتج بما فسره العلماء.
ه - وقال: " ... فإن الله تعالى يقول: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ... ) (*)، فجاءت الآية مجيء عموم فلم يخرج، ولا يخرج من جملتها وحكمها، إلا ما أجمع العلماء عليه أنه خرج منها ... " إهـ
(9)
6 - وقال: " سنن الختان مجمع عليها أنها واجبة " إهـ
(7)
- وقال: " ذكر الله الأذان ذكرا ... أجمع الناس أنه من سنة رسول الله عليه السلام ... " إهـ
-
(9)
إهـ (1). وقال: " ... وقد أجمعوا أنه لا أذان بعد فوات الوقت ... " إهـ
(^)
(1) ? عمروس
، الدينونة الصافية، ص 114.
(2) - المصدر السابق، ص 116.) - المصدر السابق، ص 107. (4) - المصدر السابق، ص 126. (9) - سورة المائدة، من الآية: 38 عمروس، الدينونة الصافية، ص 127 - 128.
(1) ? ع
(2) - المصدر السابق، ص 154 (4) - المصدر السابق، ص 156.
(1) - المصدر السابق، ص 156.
345 (1/345)
صفحة 346
الشيخ عمروس ومنهجه
د - المطلب الرابع: استخدامه لبعض القواعد الأصولية:
استخدم الشيخ عمروس بعض المصطلحات والقواعد الأصولية، ولكن كما يظهر أنه لم يكثر من الاعتماد عليها كثيرا، ولعل السبب يعود في ذلك إلى عدم تقعيد القواعد الأصولية في ذلك الوقت كما
هي
عليه اليوم. فمن القواعد الأصولية التي استخدمها: 1 - القياس:
الظاهر أن الشيخ عمروس يقول بالقياس، ويظهر ذلك من ذهابه إلى القول بضم البر إلى الشعير والشعير إلى البر في الزكاة، قياسا على الذهب والفضة، فقال: " ... لا يضم نوع من ذلك إلى نوع إلا ما بلغ نوعه، غير أن البر و الشعير اختلف فيه الفقهاء، وقولنا الذي نأخذ به ونعتمد عليه أن يضم البر إلى الشعير والشعير إلى البر، وهو آخر كلام أبي عبيدة، وكان أول قوله: لا زكاة في البر ولا في الشعير إلا ما بلغ ثلاث مائة صاع، ولا يضم بعضه إلى بعض، ثم رجع عن ذلك وقاسه بالذهب والفضة، فقال: يضم الذهب إلى الفضة، ويضم البر إلى الشعير " إهـ
(1)
"
- القياس لغة هو التقدير، يقال: قاس الثوب هل يكمل قميصا قياسا، إذا قدره تقديرا، والقياس لغة كذلك يأتي على معنى المساواة، يقال: هذا الشيء لهذا الشيء قياس أي مساو له، والقياس اصطلاحا عرفه الأصوليون بعدة تعاريف، فعرفه الإمام السالمي بقوله: " حمل مجهول الحكم على معلوم الحكم بجامع بينهما " إهـ، وعرفه البيضاوي بقوله: " هو إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت " إهـ، ومثال ذلك قياس النبيذ الذي هو مجهول الحكم ومحل النزاع على الخمر الذي هو معلوم الحكم ومحل الاتفاق، فالخمر هو الأصل، والنبيذ هو الفرع، والجامع الإسكار،، والحكم المطلوب إثباته في الفرع التحريم (انظر: عبد الله بن حميد السالمي، شرح طلعة الشمس، ج 2، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1401 هـ / 1981 م، المطبعة الشرقية ومكتبتها، مسقط، سلطنة عمان، ص 91 - محمد الخضري، أصول الفقه، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ص 289 - محمد بن أحمد المالكي التلمساني، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، ط 1: 1420 هـ / 2000 م، ص 121). عمروس، الدينونة الصافية، ص 97 - 98
_ (')
346 (1/346)
صفحة 347
الشيخ عمروس ومنهجه
2 - العموم والخصوص":
قال: " ... فإن الله تعالى يقول: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ... ) (1)، فجاءت الآية مجيء عموم
فلم يخرج، ولا يخرج من جملتها وحكمها، إلا ما أجمع العلماء عليه أنه خرج منها ... " إهـ 3 - المجمل والمبين:
(2)
الشيخ عمروس يرى أن السنة مبينة لمجمل القرآن، ويظهر ذلك من عدة مواضع في كتابه، وقد
ناقشت هذه النقطة عند حديثي عن استدلال الشيخ عمروس بالقرآن، فلا داعي لتكرير الكلام
العام لغة هو: الشامل، والعام خلاف الخاص، والعام في اصطلاح الأصوليين عرفه الإمام السالمي بأنه: " لفظ دل دفعة على ما لم يكن منحصرا " إهـ، وعرفه التلمساني بقوله: " هو كون اللفظ مستغرقا لكل ما يصلح له " إهـ، ومثال العموم قوله تعالى: و قد أقلحَ المُؤْمِنُونَ) (المؤمنون: (1)، فالمؤمنون لفظ يشمل جميع المؤمنين، وقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ والسارقة فاقطعُوا أَيْدِيَهُمَا) (المائدة: من الآية (38) تشمل كل سارق وسارقة؛ وأما الخاص لغة فهو من خص، وهو نقيض العام، تقول: خص فلانا: أعطاه شيئا كثيرا، وخصه بكذا: آثره به على غيره، والخاص في اصطلاح الأصوليين عرفه الإمام السالمي بقوله: " هو إخراج بعض ما يتناوله لفظ العموم بدليل مخرج له عن دخوله تحت تناوله، وذلك الدليل المخرج إما لفظ وارد عن الشارع في الكتاب أو في الحديث، وإما غير لفظ والمراد به العقل والإجماع والقياس والتقرير " إهـ، وعرفه التلمساني بقوله: هو كون اللفظ مقصورا على بعض ما يتناوله " إهـ، فمثال التخصيص بالكتاب قوله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ .... إِنَّا الَّذِينَ آمَنُوا ... ) (الشعراء: 224 - 227، فإخراج الذين آمنوا تخصيص لعموم لفظ الشعراء. (أنظر: السالمي، طلعة الشمس، 1/ 1، 82، 144 - التلمساني، مفتاح الوصول، ص 66 - إبراهيم، مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 237/ 1، 2/
(629
(1) - سورة المائدة، من الآية: 38 (2) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 127 - 128
11
ذكر الإمام السالمي أن " المبين " نوع من أنواع " المحكم "، و " المجمل " نوع من أنواع " المتشابه "، فاكتفى بتعريف " المحكم والمتشابه " حيث قال: " ... لما كان المبين من بعض أنواع المحكم، والمجمل من بعض أنواع المتشابه اقتصر في الترجمة على المحكم والمتشابه " إهـ، فعرف المحكم بقوله: " هو الذي اتضح المعنى منه سواء كان الاتضاح قويا بحيث لا يحتمل اللفظ غير ذلك المعنى، ويسمى نصا، أو يحتمل غيره احتمالا مرجوحا، ويسمى ظاهرا " إهـ، فمثال المحكم قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى: من الآية (11)، وأما المتشابه فقد عرفه الإمام السالمي بأنه: " ما اختفى معناه أي المراد به " إهـ، ومثاله قوله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطتان) (المائدة: من الآية 64)، فإن اليد حقيقة في الجارحة المخصوصة، وهي في الآية متعذرة لاستحالة تشبيه الله تعالى بخلقه فيجب تأويل الآية هنا، فتحمل الآية على النعمة. (انظر: السالمي، طلعة الشمس، 168/ 1، 172، 175). - انظر ص 338.
347 (1/347)
صفحة 348
4 - الأمر والنهي يفيدان الوجوب
الظاهر أن الشيخ عمروس يرى أن الأمر والنهي في القرآن الكريم يفيدان الوجوب، وقد ناقشت هذه النقطة عند تناولي لاستدلال الشيخ عمروس بالقرآن، وذكرت بعض الأمثلة على ذلك
"
ه - الاستحسان:
الظاهر أن الشيخ عمروس يأخذ بقاعدة الاستحسان، ويظهر ذلك من خلال عدة مواضع من كتابه، فمن ذلك على سبيل المثال قوله: " ... ويستحب أن يوتر بسبع ركعات " إهـ (1)، وقوله:
وفي الأولتين من العشاء بسورة مع فاتحة الكتاب، ويستحب من ذلك ما يبلغ عشر آيات، وكذلك في الصبح " إهـ (2)، وقوله: " وليس في اللؤلؤ والجوهر زكاة، إلا من تطوع بخير ...
(3)
(2)
(4)
" إهـ، وقال: وزكاة الفطر يؤديها من كان له ما يقوته سنة، وهي سنة، الأخذ بها فضيلة، وتركها ليس بخطيئة ... " إهـ وقوله: " والمسافر إن شاء أكل وإن شاء صام، فليس عليه الإفطار بواجب، ولكن إن صام فمأجور، وإن أكل فمعذور " إهـ، وقوله: " ... وقد كان
،
(°)
- الأمر لغة هو: القول المخصوص المعبر عنه بافعل نحو: (وَأنْ أقِيمُوا الصَّلاة واثقوه) (الأنعام: من الآية 72)، وله في اللغة معان أخرى منها: الفعل، والشان، والصفة، والشيء، والغرض؛ والأمر في اصطلاح الأصوليين عرفه الإمام السالمي بقوله: " طلب فعل غير كف لا على وجه الدعاء " إهـ، وحكم الأمر عند الأصوليين أنه يفيد الوجوب وضعا وشرعا ما لم تصرفه عن معنى الوجوب قرينة، نحو الآية السابقة: {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوه)، فالأمر هنا للوجوب؛ وأما النهي لغة فهو: المنع، وفي اصطلاح الأصوليين عرفه الإمام السالمي بأنه: " طلب كف عن الفعل، وذلك الطلب متوجه إلى غير خالقنا عز وجل " إهـ، وحكم النهي تحريم المنهي عنه، والدوام على الكف عنه، ووجوب تعجيل الامتثال، إلا إذا دل دليل على إرادة غير ذلك، فإنه يصرف إلى ما اقتضاه الدليل، نحو قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى)) الإسراء: من الآية (32)،، فالنهي يفيد الوجوب (انظر: السالمي، طلعة الشمس، 35/ 1، 38، 66). - انظر ص 336 - 337
هنا
*** - اختلف الأصوليون في الاستدلال بالاستحسان، فبعضهم أثبته كالمعتزلة، والحنفية، والحنابلة على قول، وبعضهم لم يثبته كالشافعية، والحنابلة على قول آخر، وقد اختلف مثبتو الاستحسان في حقيقته،، فقيل هو دليل ينقدح في ذهن العالم المجتهد تقصر عن إظهاره عبارته " إهـ، وقيل: " هو عدول عن الدليل إلى العادة للمصلحة " إهـ، وقيل: " هو العدول عن قياس اوهى إلى قياس أقوى منه " إهـ، ومن الأمثلة على الاستحسان من حلف بأن ما يملكه صدقة، وبأن أمواله صدقة، قالوا: القياس أنهما سواء في أنه يقع على جميع ما يملكه، إلا أنا استحسنا في قوله: " أموالي صدقة "، أنه يكون محمولا على أموال الزكاة لقوله تعالى: (خدّ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقة تُطَهِّرُهُمْ
وتُزَكِّيهِمْ بهَا) (التوبة: من الآية (103)، وعلماء المذهب الإباضي يأخذون بالاستحسان، وتوجد مسائل مبثوثة في كتبهم أخذوا فيها بالاستحسان، قال الإمام السالمي - بعد أن ذكر مسائل أخذ فيها الحنفية وبعض هذه المسائل موجود في المذهب على هذا الحال الذي ذكروه، والبعض الآخر يقبله المذهب لوجود نظائره فيه " إهـ. (انظر: السالمي، طلعة الشمس، 185/ 2، 187 - الخضري، أصول الفقه، ص 334 - 336). (1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 91. (2) - المصدر السابق، ص 92 (3) - المصدر السابق، ص 97 (4) - المصدر السابق، ص 102. (0) - المصدر السابق، ص 104.
بالاستحسان (1/348)
صفحة 349
الشيخ عمروس ومنهجه
يستحب إذا لعطك الصبح، وقرب الفجر أن تشرب ولا تأكل، لسعة انقطاع تباعة الشراب، والوطء
(1)
أثقل تباعة " إهـ، وقال: " ... والمسلمون يستحبون الإحرام بالحج من البطحاء من مسجد الذي
(2)
يقال له مسجد الجن " إهـ، وقوله: " ...
كل ذلك يجزي، والغسل أفضل ... " إهـ
6 - لحن الخطاب:
(0)
وأما الغسل الذي يدخل به الحرم ... والوضوء في
الملاحظ أن الشيخ عمروس يطبق قاعدة لحن الخطاب، وذلك ظاهر من قوله: " (وَمَنْ كَانَ مريضاً): في أهله، أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (4) وفيها إضمار، وإضمارها: فمن كان مريضا أو على سفر فأكل في مرضه أو سفره فعدة من أيام أخر، ليس على كل من مرض أو سافر يكون عليه الإعادة إذا لم يأكل " إهـ ويظهر ذلك أيضا في قوله: " ونهى الله المحرم عن الحلق حتى يبلغ الهدي محله، فإن كان به أذى من رأسه فحلق، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، وفيها إضمار: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَدَيِّ مِنْ رَأْسِهِ} فحلق {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ) (2)، وليس كل من مرض أو به أذى من رأسه تلزمه الفدية، وإنما تلزم الفدية إذا حلق، وهذا اختصار من كلام العرب وهو معروف، وقد ذكرته شعراء العرب، وله نظير في كتاب الله مثل قوله لموسى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) (8) ولم يقل: فضرب، ولكن لما قال: أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ) على أنه قد ضربه فاكتفى وقصر، {واختصر، وهذا من أغرب الكلام وأخصره ... " إهـ
(9)
- لعط: من لعط يلعط، يقال: لعطه بالنار لعطا أي كواه في عرض عنقه، والمراد هنا ظهر بياض الصبح فجأة. (انظر: ابراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 827/ 2 - عمروس، الدينونة الصافية، ص 106 الهامش). (1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 106.
(2) - المصدر السابق، ص 116. () - المصدر السابق، ص 117. - لحن الخطاب: عرفه بعض الأصوليين بأنه: " ما حذف من الكلام ولا يستقل المعنى إلا به " إهـ، كقوله تعالى: (فأوْحَيْنَا إلى مُوسَى أن اضرب يعَصَاكَ الْبَحْرَ فاتفلق) (سورة الشعراء من الآية: 63)، وتقديره: فضرب فانفلق (انظر: محمد بن احمد بن جزي، تقريب الوصول إلى علم الأصول، ت: د/ عبد الله الجبوري، دار النفائس، عمان، الأردن، ط 1: 1422 هـ /
2002 م، ص 69).
(4) - سورة البقرة، من الآية: 185
(0)
عمروس، الدينونة الصافية، ص 104.
(1) - سورة البقرة، من الآية: 196
(8) - سورة الشعراء، من الآية: 63
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 112 - 113.
349 (1/349)
صفحة 350
هـ - المطلب الخامس: ملاحظات أخرى على منهجه الفقهي:
(1) - عدم إهماله لجانب اللغة
:
الشيخ عمروس ومنهجه
بالرغم من أن الشيخ عمروس بربري، نشأ في أوساط البربر، إلا أنه متمكن من اللغة العربية، له باع فيها، وهذا ظاهر من كتابه الدينونة، فهو يتميز بقوة اللغة، وجزالة التعبير، وبلاغة المصطلحات واختصار العبارات
فمن الأمثلة التي تدل على مراعاته لجانب اللغة العربية في كتابه الدينونة: 1 قيامه بتفسير بعض المصطلحات الغامضة:
"
(1)
فمن ذلك تفسيره للتيمم: بالتعمد، وللصعيد: بالتراب، وللطيب: النظيف، فقال والتيمم: التعمد؛ والصعيد: التراب؛ والطيب: النظيف " إهـ؛ وفسر الرفث بأنه غشيان النساء، والفسوق بالمعاصي، والجدال بالمراء، فقال: " ونهى الله في التنزيل عن الرفث للمحرم، وهو غشيان النساء ... ونهى عن الفسوق، وهي المعاصي، ونهى عن الجدال، وهو المراء ... .؛ وفسر الكلالة فقال: " ... والكلالة الذي ليس له أب، ولا جد، ولا ولد
إهـ
(2)
الولد ... " إهـ
-:
(3)
2 - رجح الشيخ عمروس أن العمرة فرض كالحج، بناء على عطفها عليه، فهي منصوبة في قوله تعالى: وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (4)، فقال: " ثم قال عزوجل: وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) وقولنا - والله المستعان أما الحج والعمرة ففريضتان، وبهذا نأخذ وعليه نعتمد، وأما بعض الناس فيرون قول ابن مسعود: الحج فريضة والعمرة نافلة؛ وكان يقرأ فيما روي عنه: وَأَتِمُّوا الْحَج وَالْعُمْرَةُ لله) بنصب الْحَج)، ورفع {الْعُمْرَةُ)، يقول: " وأتموا الحج لله " الله " وقع عليه الفعل
(°)
فانتصب، و " العمرة " مبتدأ مستأنف فارتفع، يقول: والعمرة الله تطوع ... " إهـ (5).
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 93.
(2) - المصدر السابق، ص 107 - 108.
(3). المصدر السابق، ص 145
(4) - سورة البقرة، من الآية: 196. (9) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 107
350 (1/350)
صفحة 351
3 - ذكرت عند حديثي عن بعض القواعد الأصولية التي استخدمها الشيخ عمروس في الدينونة، فذكرت من بينها " لحن الخطاب " "، ولحن الخطاب يعتمد على الحذف، ويحتاج إلى ملكة لغوية، ودقة فهم لمعرفة موضع الحذف، وقد ضربت مثالين للحن الخطاب، أشار إليهما الشيخ عمروس، بل وقام بشرح مفهوم لحن الخطاب وضرب الأمثلة على ذلك كما مر، وهذا دليل على تمكنه وبراعته في اللغة
والله أعلم.
(2) - يأخذ بالأحوط:
بالرغم من أن الشيخ عمروس يأخذ بالتيسير في فتاواه، وكان هذا سبب عزله من القضاء - كما مر - إلا أن ذلك لا يتنافى مع كونه يأخذ بالأحوط في بعض المواضع، وقد صرح بنفسه بذلك في كتابه الدينونة فقال - بعد أن ناقش هل الاغتسال من الجنابة شرط في صحة الصيام -: ... أليس الوثاقة أن يحتاط لنفسه، ويأخذ بالذي اجتمعا عليه أنه مجز! " إهـ
(1)
(3) - بعض المصطلحات التي استخدمها في قسم الفقه: لقد استخدم الشيخ عمروس في قسم العبادات من الدينونة بعض المصطلحات، وسأكتفي بذكر بعض تلك المصطلحات دون ذكر نص الكلام الذي وردت فيه، حتى لا أطيل؛ فمن المصطلحات التي
استخدمها:
(2)
* - " وقال بعضهم " إهـ، ولعله يقصد ببعضهم من هم على غير المذهب الإباضي والله
أعلم.
* - " أصحابنا
(3)
" إهـ، ويقصد بذلك أتباع المذهب الإباضي.
(4)
* - " متفقهوا قومنا " إهـ، ويقصد بذلك من هم على غير المذهب الإباضي.
157، 127، 113
(0)
ويقال ... " إهـ
-أنظر ص 349.
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 105
(2) - المصدر السابق، ص 87، 92، 101
) - المصدر السابق، ص 89، 106، 118، 102
(4) - المصدر السابق، ص 89
(0) - المصدر السابق، ص 90. (1/351)
صفحة 352
(1)
والمعمول به عندنا ... " إهـ يحتمل أن يقصد بذلك المعمول في المذهب الإباضي، أو
الراجح عنده والله أعلم.
-
" وبعض الناس ... " إهـ (2)، لعله يقصد من غير الإباضية والله أعلم
(4)
، قال
"ضل في قول المسلمين " إهـ (3)، يقصد بمصطلح المسلمين من هم على المذهب الإباضي، وهذا المصطلح معمول به عند أتباع المذهب الإباضي في القرون الهجرية الأولى، قبل أن يعرفوا بالإباضية، فكانوا يطلقون على أنفسهم " جماعة المسلمين " و" أهل الدعوة "، و" الشراة د عمرو النامي: " ولم يكن الإباضيون في البداية يستخدمون اسم الإباضية، بل استخدموا عبارات " المسلمين " و " أمة المسلمين "، و" جماعة المسلمين "، و" أهل الدعوة ". ولم يرد ذكر اسم " الإباضية " في الأعمال الإباضية الأولى مثل " مدونة " أبي غانم أو أي عمل آخر مبكر، إلا أنهم، عادوا في وقت لاحق، فاعترفوا بهذا الاسم وقبلوه. وقد ظهر لأول مرة في الأعمال الإباضية المغربية في رسالة عمروس بن فتح " إهـ
(°)
* - " والمسلمون يستحبون ... " إهـ (6)، يقصد به الإباضية كما مر.
(1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 92.
(2) - المصدر السابق، ص 93
(2) - المصدر السابق، ص 95
(1) - محمد ناصر، منهج الدعموة عند الإباضية، ص 41
- يقصد كتاب أصول الدينونة الصافية، حيث ذكر الشيخ عمروس مصطلح الإباضية في قوله
الإباضية ... " إهـ (انظر: عمروس، الدينونة الصافية، ص 68). (5) - النامي، دراسات عن الإباضية، ص 46.
"1
"1
وأنهم يستحلون شتم
- الظاهر أن أول من أطلق مصطلح " الإباضية " على اتباع المذهب الإباضي هم بنو أمية، قال د/ محمد صالح ناصر: ... لا نجد في المصادر الإباضية استخداما لهذه التسمية - يقصد الإباضية -، ولعل الذين عمموها في المصادر غير الإباضية هم بنو أمية لعلاقتهم الظاهرة بابن إياض ... " إهـ، وقد أشار الإمام السالمي إلى ذلك فقال:
فما الإباضيون إلا علما:: لخلفاء الحق منا فاعلما ونحن الأولون لم يشرع لنا:: نجل إياض مذهبا يحملنا ونحن في الأصل وفي الفروع:: على طريق السلف الرفيع وناخذ الحق متى نراه: لو كان مبغض لنا أتاه والباطل المردود عندنا ولو:: أتى به الخل الذي له اصطفوا ونسبوا من كان في طريقته:: إليه لاشتهار حسن سيرته من ذاك لا تلقى له في المذهب:: مسألة نرسمها في الكتب إن المخالفين قد سمونا: بذاك غير أننا رضينا واصله ان فتى إياض: كان محاميا لنا وماضي مدافعا أعدائنا بالحجة:: وحاميا إخواننا بالشوكة
(انظر: سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، العقود الفضية في أصول الإباضية، ص 122 - محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ص 41).
(1) ـ عمروس، الدينونة الصافية، ص 114، 116. (1/352)
صفحة 353
واصطلح المسلمون ... " إهـ، يقصد الإباضية.
(1)
" ما قاله المسلمون ... " إهـ، يقصد الإباضية.
* "
(3)
وقولنا الذي نأخذ به، ونعتمد عليه ... " إهـ، لعله يقصد الراجح عنده والله أعلم
* - " من نأخذ عنه ممن أدركنا " إهـ (4)، يقصد مشايخه الذين درس عليهم والله أعلم وعلماؤنا وأئمتنا ... " إهـ، يقصد أئمة وعلماء المذهب الإباضي والله أعلم.
(0)
- " اختلف الناس ... فقال بعض: قلنا لهم: " إهـ
* - " ... والأول أحب إلينا " إهـ
قالوا لنا: ... " إهـ (8)
(7)
" وقال بعض أهل العلم " إهـ (1)
" وقال من خالفنا: ... ، فليس لهذا القول صحة مذهب ... " إهـ
* " وبعض الفقهاء يقولون: ... " إهـ (11)
-*وبعض العلماء " إهـ (12)
" ونحن اهـ (13)
-- " وقال غيره: ... " إهـ. (14)
' ... أعدل عندنا. " إهـ
وهو العدل إن شاء الله (15) إهـ (16)
(1) ? عمروس
، الدينونة الصافية، ص 130
(2) - المصدر السابق، ص 157
) - المصدر السابق، ص 97، 119، 139، 142، 143، 151، 153، 154، 156.
(1) - المصدر السابق، ص 101، 102.
(0) - المصدر السابق، ص 119 (1) - المصدر السابق، ص 105.
) - المصدر السابق، ص 113. (1) - المصدر السابق، ص 127. (1) - المصدر السابق، ص 135. (1) - المصدر السابق، ص 140. (11) - المصدر السابق، ص 142 (12) - المصدر السابق، ص 143. (1) - المصدر السابق، ص 144. (14) - المصدر السابق، ص 151. (19) - المصدر السابق، ص 152. (1/353)
صفحة 354
* - " وقال بعض: ... " إهـ
* - " وإنما يقال:
(2)
- " أجمع الناس إهـ
* - * واختلفوا في ذلك " إهـ
اجمعوا أنه ... " إهـ
* - " ... واختلفوا " إهـ
(4)
(")
" وقولنا الذي نأخذ به: " إهـ
* " والذي أخذنا به " إهـ (8)
(7)
* " على أن الحجة - إن شاء الله - ... " إهـ (9)
فالله نسأله التوفيق للصواب، ونعوذ به من تهوين ما قال المسلمون من الحق، فالحق أردنا،
وإياه قصدنا " إهـ (10)
- " وأما الذين يقولون: ... " إهـ
*-*هذه
(11)
. فيدخل عليهم في قولهم " إهـ
ففي هذا دليل وحجة ... " إهـ (12)
(13)
بعض المصطلحات التي استخدمها الشيخ عمروس في قسم الفقه من كتابه، وقد حاولت أن
أجمع أكبر قدر منها، للتمثيل على المصطلحات التي كان يستخدمها، وقد أكون أغفلت البعض منها إما
(16) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 153.
(1) - المصدر السابق، ص 154 (2) - المصدر السابق، ص 155.
() - المصدر السابق، ص 156 (4) - المصدر السابق، ص 156. (5) - المصدر السابق، ص 156. (6) - المصدر السابق، ص 156 - 157. (2) - المصدر السابق، ص 156. (1) - المصدر السابق، ص 156. (1) - المصدر السابق، ص 157.
(10) - المصدر السابق، ص 157.
(11) - المصدر السابق، ص 158
(12) - المصدر السابق، ص 158.
(13) - المصدر السابق، ص 159 (1/354)
صفحة 355
عن عمد لوجود فروق طفيفة بينها وبين المصطلحات التي ذكرت، وإما عن سهو، فأرجو سد الخلل
وفي ما ذكرت الكفاية للتمثيل للباقي
(4) - طريقة عرضه للأدلة:
1 - يستدل بالقرآن الكريم:
وقد ناقشت هذه النقطة عند حديثي عن استدلاله بالقرآن الكريم، ومنهجه اتجاهه،
ومثلت لذلك ".
2 - يستدل بالسنة:
وقد تعرضت لمناقشة ذلك عند حديثي عن منهجه اتجاه السنة، وضربت أمثلة على ذلك
- يستدل بالاجماع:
وقد تناولت ذلك عند تطرقي إلى مناقشة موقفه من الاجماع، ومثلت لذلك
- يستدل بأقوال الصحابة:
"
والأمثلة على ذلك كثيرة مبثوثة خلال الكتاب، فسأكتفي بذكر ثلاثة أمثلة فمن ذلك قوله: *: " سئل ابن عباس: متى يحرم على الصائم الطعام؟ قال رجل: ما لم تشك حتى تشك. قال: فقال ابن عباس: كل ما شككت حتى تشك " إهـ
وقوله: " ... وذكروا أن عمر بن
11
صنعاء لقتلتهم " إهـ
(2)
. (1)
الخطاب قتل ثلاثة في امرأة، وقال: " لو اشترك في قتلها أهل
وأيضا عند حديثه عن سهم المؤلفة قلوبهم في الصدقات، استدل باعطاء الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وأبي بكر
الله رحمه، فقال: " ... وقد أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطاهم أبو بكر، ومنعهم عمر بن الخطاب " إهـ
(3)
- انظر ص 333 - انظر ص 338 - انظر ص 344
0000
- ذكرت سابقا أني لم أجد تخريجه، انظر ص 327. (1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 104.
(2) - المصدر السابق، ص 130
) - المصدر السابق، ص 139. (1/355)
صفحة 356
الشيخ عمروس ومنهجه
ه - يستدل بأقوال أئمة المذهب الإباضي:
وسأكتفي بذكر مثال واحد، وهو ترجيحه لضم البر إلى الشعير في الزكاة قياسا على الذهب والفضة
، وقد اعتمد في ذلك على قول الإمام أبي عبيدة، وقد تحدثت عن ذلك سابقا، عند حديثي عن
بالقياس
أخذه
ه - يستدل بالعقل: يظهر استدلاله بالعقل من مناقشته لمخالفيه في مسألة هل الاغتسال من الجنابة شرط في صحة الصيام؟ قال - بعد أن استدل بالنصوص القرآنية –: قلنا لهم: أرأيتم فقيهين اختلفا لرجلين،
-
"
فقال أحدهما: إذا اغتسلت ليلا أجزاك، وإذا أخرت إلى الصبح لا يضرك، وقال الآخر: إن اغتسلت
ليلا أجزاك، وإذا توانيت إلى الصبح أبطلت صومك، وليس لك صوم، أليس الوثاقة أن يحتاط لنفسه ويأخذ بالذي اجتمعا عليه أنه مجز! " إهـ
6 - يستدل بالآثار، وبعض الأمثال:
(1)
،
فمن الآثار التي استدل بها قوله: " ... يقال: إن مناديا ينادي يوم القيامة: " ألا كان له أجر من على الله فليقم إلى أجره فليأخذه " فيقال: " من هذا الذي له على الله أجر؟ "، فيقال: " من عفا وأصلح " " إهـ (2)؛ ومن الأمثال قوله: " واحدة بواحدة، والبادئ أظلم
11
(5) - نماذج من مخالفته لغيره:
من
(3)
لقد بلغ الشيخ عمروس من العلم درجة سامقة، فقد كان عالما مجتهدا، فليس بغريب أن يخالف غيره العلماء في بعض المسائل؛ والمتتبع لكتابه الدينونة يلاحظ ذلك بوضوح، وسأذكر بعض الأمثلة على
ترجيحاته ومخالفته لغيره:
- انظر ص 346. (1) - عمروس، الدينونة الصافية، ص 105
**- لا أدري هل هذا الأثر حديث نبوي، أم أنه أثر عن أحد الصالحين، أو عن الأنبياء السابقين، لم اجد تخريجه، فالله أعلم
(2) ? عمروس، الدينونة الصافية، ص 134 - 135.
(3) - المصدر السابق، ص 135.
356 (1/356)
صفحة 357
الشيخ عمروس ومنهجه
1 - الشيخ عمروس يرى أن التيمم هو التعمد إلى التراب، وليس المسح كما يرى بعض العلماء، فقال: " وبعض الناس يرى التيمم هو المسح بنفسه، وليس هو من المسح ولكنه التعمد إلى التراب ... " إهـ، وقد ذكرت مناقشته لهذه المسألة سابقا
2 - يرى الشيخ عمروس أن الوتر ركعة واحدة، خلافا لمن يقول أنه ثلاث ركعات، فقال: " ... ومن
(1)
الناس من يقول: الوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهم بتسليم، والمعمول بع عندنا ركعة " إهـ 3 - يرى أن الأذنين من الرأس، فيمسحان معه في الوضوء، فقال: " وسن مسح الأذنين مع الرأس مقدمهما ومؤخرهما. وقال بعضهم مقدم الأذنين من الوجه ومؤخرهما من الرأس. والمعمول به عندنا
(2)
أنهما من الرأس " إهـ 4 - يذهب الشيخ عمروس إلى أنه من كان جنبا ولم يجد ماء، فتيمم وصلى، ثم وجد الماء، فإنه لا يعيد صلاته التي صلاها بالتيمم، ويظهر ذلك من قوله: " ... فإذا وجدت الماء اغتسل من جنابتك، ولا تعد ما مضى من صلاتك " إهـ 5 - ذكرت سابقا أن الشيخ عمروس يرى ضم البر إلى الشعير والعكس في الزكاة، قياسا على الذهب
والفضة
(3)
- يرجح أن الحج والعمرة فريضتان، خلافا لمن ذهب إلى أن العمرة نافلة، وقد أشرت إلى هذه المسألة
سابقا
هذه
بعض الأمثلة على ترجيحات الشيخ عمروس، ومخالفته لغيره من العلماء، ولم أستوعب كل ترجيحاته، ولكن ذكرت بعضها من باب التمثيل، فمن أراد المزيد فهي مبثوثة في كتابه " الدينونة
الصافية "
وبهذا ينتهي
هذا الفصل، وبه ينتهي هذا البحث المتواضع، والحمد لله، وقد حاولت فيه – أي في هذا الفصل الأخير – إماطة اللثام عن منهج الشيخ عمروس الفقهي والعقائدي من خلال كتابه " أصول
- انظر ص 323
(1) ? عمروس
، الدينونة الصافية، ص 91.
(2) ? المصدر السابق، ص 92 (). المصدر السابق، ص 94.
" - انظر ص 346. 000. انظر ص 350.
357 (1/357)
صفحة 358
الشيخ عمروس ومنهجه
الدينونة الصافية "، وأعترف بالتقصير وعجزي عن الإحاطة بمنهج هذا الإمام الجليل، ولكن هي تظل محاولة لسبر أغوار منهج إمام من أئمة المذهب الإباضي، الذين لم ينالوا حظهم من الدراسة والبحث، لإخراج مآثرهم إلى النور؛ وإن كنت أعترف أني لم أستطع تجاوز شطآن هذا البحر الخضم، المتلاطم الأمواج، بل وقفت حائرا مشدوها أمام عظمته، وتبحره في العلم، فعسى أن يقيض الله تعالى للشيخ عمروس من الباحثين الذين يكملون ما بدأت، وبداية الغيث قطرة
.
358 (1/358)
صفحة 359
الخاتمة
الشيخ عمروس ومنهجه
إذن وبعد تجوال في ثنايا هذا البحث، فإن أهم ما تناوله هذا البحث:
الشيخ عمروس هو عمروس بن فتح المساكني النفوسي، ويكنى بأبي حفص، ولقب بالمساكني لأنه من أهل " مساكن "، ولقب بالنفوسي لأن نسبه ينتمي إلى قبيلة " نفوسة " البربرية، التي نسب الجبل الغربي لطرابلس إليها في ليبيا؛ وقد ولد في سنة 190 هـ، في قافلة كانت متوجهة إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج، مما اضطر أمه إلى العودة به وعدم مواصلة الطريق؛ ونشأ في قرية " قطرس " من جبل نفوسة، وهناك من نسبه إلى قرية " مساكن "، وهناك من نسبه إلى قرية " تملوشايت "، وهناك من نسبه إلى قرية " ويغو ".
الظاهر أن الشيخ عمروس نشأ يتيما، وذلك أن أمه لما حضرتها الوفاة، كتبت وصيتها وأشهدت عليها، ولما سئلت عمن وكلته لإنفاذها، أشارت إلى الشيخ عمروس وهو في المهد لإنفاذها، فلو كان أبوه حيا لأوكلت تنفيذ الوصية إليه بدلا من طفل لا يزال في المهد، والظاهر أن أبا الشيخ عمروس كانت وفاته في الفترة من حمل أم الشيخ عمروس به إلى نهاية مدة الرضاع، وهي عامان على الصحيح في مدة الرضاع، والاحتمال الأكبر أن تكون وفاته في الأشهر الأولى من ولادة الشيخ عمروس. عاصر الشيخ عمروس خمسة أئمة أئمة الدولة الرستمية وهم: الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، والإمام أفلح بن عبد الوهاب، والإمام أبو بكر بن أفلح والإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح والإمام أبو حاتم يوسف بن محمد بن أفلح.
من
،
اتسم عهد الإمام عبد الوهاب بالعدل والرقي ونشر الأمن في ربوع الدولة الرستمية، والقضاء على كل من أراد الإخلال بأمن البلاد ووحدتها، وأرسل في أطراف دولته ودواخلها أوامره الشديدة بامتثال الأوامر واجتناب المناهي الشرعية، ورتب الحكام والعمال والقضاة ورجال الشرطة في سائر أنحاء دولته، فعمهم عدله وشملهم حكمه، ولم ينقم عليه أحد شيئا في أحكامه وسيرته وأما عهد الإمام أفلح يعتبر العهد الذهبي للدولة الرستمية، فقد تميزت الدولة في عصره بالقوة والازدهار والشباب
359 (1/359)
صفحة 360
الشيخ عمروس ومنهجه
وقد اتسم عهد الإمام أبي بكر بالضعف، فلم يكن كعهد الأئمة السابقين، فكثرت فيه الفتن
والحروب
بدأ عهد جديد للدولة الرستمية من سنة 268 هـ - تحت ظل الإمام أبي اليقظان – تميز بالقوة والرقي والحضارة في مختلف الجوانب
تميز عهد الإمام أبي حاتم بكثرة الحروب والفتن، وفي عهده وقعت معركة مانو 283 هـ، ولكن هذا الإمام بعد حروب طويلة استطاع توحيد البلاد والقضاء على الفتن، والرقي بالدولة الرستمية. إن جغرافية الدولة الرستمية التي ينتمي إليها الشيخ عمروس كان لها تأثير كبير على الرخاء الاقتصادي الذي تميزت به الدولة الرستمية، حيث أنها تميزت بالتنوع في طبيعتها والاختلاف في مناخها، فكانت تضم الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة التي تتميز بكثرة المطار، وكانت تضم الأراضي الواسعة الصالحة للرعي وتربية المواشي، وكذلك كانت تحوي الصحاري الشاسعة التي كانت تمر خلالها القوافل التجارية إلى مختلف البلدان، كذلك كانت تتميز بوجود الأنهار التي كان لها دور في ازدهار الزراعة، وكان وقوع الدولة الرستمية على البحر المتوسط له دور في الاتصال ببلاد الأندلس وتبادل
التجارة معها.
لقد عاش الشيخ عمروس في الفترة ما بين سنة 190 هـ و 283 هـ، أي في أواخر القرن الثاني الهجري وأغلب القرن الثالث الهجري، والقرنان الثاني والثالث الهجريان يمثلان فترة ازدهار ونهوض في الحركة العلمية عند المسلمين في مختلف ميادين العلم سواء في المشرق أو المغرب، وقد برز في تلك الفترة الكثير من العلماء في شتى ميادين العلم سواء العلوم النقلية من تفسير وحديث وفقه ولغة ... إلخ، أو العلوم العقلية من طب وهندسة وفلسفة ورياضيات .... . إلخ
كان الشيخ عمرس رحمه الله تعالى، علما من أعلام الإسلام، وإماما من أئمة الدين، تبحر في العلوم حتى أصبح يعد أعلم أهل زمانه، وجاهد في سبيل الله حتى مات شهيدا في سبيله، وكان ضابطا حافظا، وكان قويا في الحق لا تأخذه في الصدع به لومة لائم، وكان فارسا صمصاما لا يشق له غبار، تعجز عن مقارعته الأبطال، وكذلك كان شغوفا بطلب العلم والبحث فيه، فانقطع لمدة عشرين عاما في تيهرت يطلب العلم عند أئمة وعلماء الدولة الرستمية، وكان حكيما في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
360 (1/360)
صفحة 361
الشيخ عمروس ومنهجه
يبدو أن الشيخ عمروس كانت حالته المادية ميسورة، فكان دون الأغنياء الكبار، وأفضل من
الفقراء الضعاف
المصادر لا تذكر الكثير عن أسرة الشيخ عمروس، ولكنه كان متزوج، وترك بعض الأولاد وكان له أخ لم تذكر المصادر اسمه، وكان له أخت عالمة، لها بعض المآثر، وأسرت في معركة مانو ضد الأغالبة، ومصيرها بعد ذلك مجهول. ذكرت المصادر وكتب التاريخ الإباضي وجود ثلاث شخصيات - غير الشيخ عمروس – تسمت باسم عمروس، اثنتان من المغرب والثالثة من الأندلس
لعل الشيخ عمروس بدأ بتلقي العلم في قريته " قطرس " التي نشأ وترعرع فيها، وللأسف الشديد فإن المصادر تبخل في ذكر أسماء شيوخه، الذين تلقى عنهم العلم في هذه المرحلة الأولى من تعليمه، فلم أجد حسب المصادر التي توفرت بين يدي إشارة إلى ذلك
وبخصوص مراحل تعليمه التي تلت المرحلة الأولى أو الابتدائية، فقد ذكرت بعض المصادر أن الشيخ عمروس هاجر إلى المغرب لطلب العلم، وانقطع لمدة عشرين سنة في المغرب طلبا للعلم، وذكر بعض الباحثين أن المقصود بالمغرب هو " تيهرت " العاصمة الرستمية، إلا أن بعض الباحثين ذهب إلى أن المقصود بالمغرب هو " بلاد الجريد " حاليا؛ ولا يستبعد أن يكون المقصود بالمغرب هو " تيهرت "، حيث أن تيهرت - كما ذكر الباحث أحمد كروم - كانت مقصد طلاب العلم ومريديه، وذلك لوجود الأئمة وكبار العلماء فيها الظاهر أن الشيخ عمروس تتلمذ في تيهرت على يد الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح، وعلماء تيهرت في ذلك العصر، وإن كان المقصود بالمغرب وارجلان، فلعله درس على يد العالمين أبي سهل الفارسي النفوسي، وأبي يوسف يعقوب بن سليوس الطرفي السدراتي، حيث أنهما كانا من علماء القرن الثالث الهجري في وارجلان، وهو القرن الذي عاش فيه الشيخ عمروس، ولم يكتف بما تلقاه من العلم في المغرب، بل استمر في طلب العلم في جبل نفوسة.
من مشائخ الشيخ عمروس الذين ثبت تلقيه العلم عنهم، والتقائه بهم، عالمان جليلان من علماء أهل الحق والاستقامة، وهما العلامة أبو غانم بشر بن غانم الخرساني، صاحب المدونة المشهورة، التقى
به في جبل نفوسة، والعلامة أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي، التقى به في مكة
، (1/361)
صفحة 362
الشيخ عمروس ومنهجه
قام الشيخ عمروس وأخته بنسخ مدونة أبي غانم الخرساني، وبفضل قيام الشيخ عمروس وأخته - بنسخ مدونة أبي غانم، حفظت هذه المدونة الثمينة التي تقع في اثنى عشر جزءا من
بتوفيق من
الله -
1
الضياع، إذ أن النسخة التي أهداها الإمام أبو غانم للإمام أفلح احترقت مع ما احترق من كتب
الإباضية، حين أحرق أبو عبدالله الشيعي مكتبة المعصومة لما عاث فسادا في تيهرت والله المستعان الملاحظ أن المصادر القديمة لم تصرح باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس وتكوين طلبة العلم، ولكن يمكن استشفاف اهتمام الشيخ عمروس بالتدريس من خلال النصوص التي أوردتها تلك المصادر القديمة، وإن كان الأمر يظل مجرد احتمال، وأما المصادر الحديثة فقد صرح بعضها باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس، فممن صرح بذلك الشيخ عبد الرحمن بكلي حين قال: " وقف حياته على العلم تحصيلا وتأليفا وتدريسا ... " إهـ. لقد تبوأ الشيخ عمروس مكانة علمية سامقة، حتى عد أعلم أهل زمانه، وأصبح مقصد الوراد، ومن يحتج بفتاويه وأحكامه، وقد أثنى على الشيخ عمروس الكثير من فطاحلة العلماء من المتقدمين
ومن المعاصرين كان للشيخ عمروس جهودا دعوية بارزة، فمن جهوده الدعوية مناظراته لأصحاب المعتقدات الفاسدة، والأهواء المنحرفة؛ ومنها قيامه ببناء مسجد في قريته قطرس؛ واهتمامه بتجميع نفائس
الكتب، ونسخها؛ وقيامه بإرسال عالم كبير إلى بلاد السودان، لعله لتعليم أهلها أمور دينهم ونشر
،
الإسلام؛ قيامه بالخروج إلى البادية، فلعله كان يخرج لنشر الدعوة وتعليم القاطنين في تلك البوادي، والأقفار ذكرت المصادر وجود بعض المؤلفات التي تنسب إلى الشيخ عمروس، فمن مؤلفاته كتاب " العمروسي "، وكتاب " أصول الدينونة الصافية، وكتاب " الحكم والمعارف "، وكتاب " أعلام الملة "، وكتاب " عمروس بن فتح "، وكتابان في الأصول والفقه، وكتاب في " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين "، وقد أراد الشيخ عمروس - رحمه الله - أن يؤلف كتابا يقسمه على ثلاثة أوجه: التنزيل
والسنة والرأي، مضمنا كل قسم ما يتعلق به من مسائل، إلا أن المنية داهمته قبل إتمام مشروعه. لقد ذكرت المصادر عدة نصوص، تضمنت بعض فتاوى الشيخ عمروس في بعض المسائل وترجيحه فيها، والذي يظهر من ترجيحات الشيخ عمروس، سواء من خلال تلك المسائل المبثوثة في بطون
362 (1/362)
صفحة 363
الشيخ عمروس ومنهجه
كتب المذهب الإباضي، أو من خلال المسائل المختلفة التي أوردها في كتابه " الدينونة الصافية " أنه غير
مقلد بل مجتهد، يعتمد على نفسه في ترجيح الأقوال
من خلال بعض النصوص يتبين تصدي الشيخ عمروس لمناظرة بعض أصحاب العقائد المنحرفة الذين دأبوا على نشرها بين العوام، ففتنوهم في دينهم، فانبرى لهم الشيخ عمروس، وتكفل بقمع
فتنهم، وأراح المسلمين من شرورهم تولى الشيخ عمروس منصب القضاء على جبل نفوسة في عهد إمامين من أئمة الدولة الرستمية، وهما الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح، والإمام أبو حاتم يوسف بن محمد بن أفلح، حيث كلفه أبو منصور الوالي على جبل نفوسة بتولي منصب القضاء، وقد كان مثالا للقاضي العادل العالم، المتمكن من هذا المنصب الخطير
كان سبب موقعة " مانو " هو رغبة العباسيين في القضاء على الدولة الرستمية، حيث أنها في عهد الإمام أبي حاتم بلغت مبلغا عظيما قض مضجع العباسيين في بغداد، فقام العباسيون بإرسال جيش إلى
(
،
المغرب بقيادة إبراهيم بن الأغلب، فلما قرب من طرابلس، سمع به أهل نفوسة، فاجتمعوا وتشاوروا في الأمر، فاتفقوا على ألا يتركوه وما يريد من الجواز إلى تيهرت، دون أن يقاتلوه، ويمنعوه من تحقيق رغبته الظالمة في القضاء على دولتهم
وقعت معركة قوية طاحنة بين أهل نفوسة والأغالبة، في مانو في سنة 283 هـ، أسفرت عن هزيمة أهل نفوسة وقتل الكثير منهم، وكانت هذه الهزيمة السبب المباشر لسقوط الدولة الرستمية بعد ذلك
على بد أبي عبد الله الشيعي؛ وذلك أن أهل نفوسة كانوا هم العمود الفقري للدولة الرستمية كان الشيخ عمروس - رحمه الله - من ضمن من استشهد في هذه المعركة، بعد أن أبلى فيها بلاء – حسنا، حيث وقع في الأسر، فقام الأغالبة بقتله بطريقة بشعة لا يقوم بها مؤمن بالله حق الإيمان، فالله المستعان، وعند الله تجتمع الخصوم.
لقد
تم
طباعة كتاب " أصول الدينونة الصافية " بتحقيق الباحث أحمد كروم من قبل وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان، في سنة 1420 هـ / 1999 م، والكتاب حسب طبعة وزارة التراث
الوحيدة
-
-
من الحجم المتوسط؛ وقد أثبت الباحثون من المؤرخين والمحققين نسبت كتاب " أصول الدينونة الصافية " إلى الشيخ عمروس، والعنوان الصحيح لكتاب الدينونة هو • أصول الدينونة
363 (1/363)
صفحة 364
الشيخ عمروس ومنهجه
الصافية "، وأنه من وضع النساخ الذين نقلوه من عبارة الشيخ عمروس في كتابه، وقد أشار الشيخ عمروس بنفسه إلى سبب تأليفه للكتاب، فقال: " وذكرت قول أهل الحق، وأردت أن أقصد بكتابي إلى بعض أمور تكون فيها الحاجة مما كلف الله به العباد " إهـ؛ والظاهر أن الشيخ عمروس اعتمد في تأليفه لكتابه الدينونة على ما تلقاه من علم على يد مشايخه الذين تتلمذ عليهم، والذي يوحي بذلك بعض العبارات ذكرها في ثنايا الدينونة، وكتاب الدينونة له أهمية وقيمة علمية عالية
الملاحظ أن الشيخ عمروس افتتح كتابه بمسائل أصول الدين (العقيدة)، وبعد أن أنهى مسائل أصول الدين أتبعها بالمسائل المتعلقة بالعبادات، والملاحظ أنه لم يقسم كتابه إلى أبواب وفصول، كما هو متبع في المؤلفات المعاصرة، وإنما يبدأ مباشرة بطرح المسائل العقدية التي يرغب في مناقشتها وتحليلها، مع التنبيه على ما يريد طرحه من مسائل.
يمكن تقسيم المواضيع التي تناولها في قسم العقيدة إلى ثلاثة أقسام، وهي كالتالي: القسم الأول: المعاملة بين المسلمين، ومعاملة الكفار والمنافقين القسم الثاني: الرد على المخالفين (الصفرية، والمعتزلة، والسبئية (القسم الثالث: ما يسع جهله وما لا يسع جهله
أن
الشيخ
تناول الشيخ عمروس في كتابه الدينونة العديد من مسائل أصول الدين، والملاحظ عمروس تناول جانبين من جوانب الفقه، وهما فقه الطهارات، وفقه المعاملات في كتابه الدينونة. الشيخ عمروس في كتابه الدينونة يستدل بالقرآن الكريم وبالسنة وبالإجماع وبأقوال العلماء وبالعقل، ويلاحظ أنه يقوم بتفسير الآيات القرآنية التي يتعرض لها في كتابه، وقد تميز الشيخ عمروس باستخدام بعض المصطلحات الخاصة في كتابه الدينونة، واتسم منهج الشيخ عمروس في الينونة بالرد على مخالفيه، ومناقشة الأقوال، وكان شديدا عليهم، والملاحظ أنه لم يهمل جانب اللغة في كتابه الدينونة
الظاهر أن الشيخ عمروس يرى أن الأمر والنهي في القرآن يفيد الوجوب، ويرى أن السنة مبينة لمجمل القرآن، ويستدل بالسنة، والملاحظ أنه لا يذكر السند، ويأتي ببعض الأحاديث بالمعنى.
الملاحظ أنه يستخدم بعض القواعد الأصولية في كتابه الدينونة كالقياس، والعموم والخصوص
،
وغيرها. (1/364)
صفحة 365
الشيخ عمروس ومنهجه
الشيخ عمروس مجتهد، غير مقلد، وهذا ظاهر من ترجيحاته في الكثير من المسائل التي جاء بها في
الدينونة
هذه أهم النقاط التي تناولها هذا البحث، الذي أرجو أن يكون مفيدا لكل من يقرأه، وقد حاولت
في هذا البحث أن أقدم كل ما أستطيع، فلم أبخل عليه بشيء من جهدي العقلي والجسدي والمادي وذلك رغبة مني في خدمة أمتي الإسلامية بتقديم عمل يتناول حياة ومنهج إمام جليل من أئمتها، وهو
الشيخ عمروس رحمه الله تعالى، وأود التنبيه على بعض التوصيات سائلا المولى القدير أن يقيض من يتولى تنفيذها على أرض الواقع، وأهم هذه التوصيات:
-1
لقد ترك لنا الشيخ عمروس - رحمه الله - تراثا ضخما ومؤلفات عديدة، بعضها مفقود، عسى الله تعالى أن يقيض له من يكتشف مكانه، وبعضها وجد، ومما وجد من مؤلفاته كتاب " أصول الدينونة الصافية "، وكتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين "، فأما كتاب الدينونة فقد حقق وطبع، إلا أنه بالرغم من ذلك يحتاج إلى مزيد من الخدمة، فإن ما احتواه جدير بأن يتناوله العلماء والباحثون بالشرح والدراسة؛ وأما كتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " فإنه لا يزال مخطوطا ويحتاج إلى من يتولى تحقيقه وطبعه، لتستفيد منه الأجيال -2 - إن تراث علمائنا وسيرهم هي في أمس الحاجة إلى من يسلط عليها الضوء ويميط عنها اللثام فكم من أئمتنا وعلمائنا من هم على شاكلة الشيخ عمروس، وينتظرون من يزيل عنهم غبار الزمن
وتجاهل الأيام.
،
أرجو من الجهات المختصة في بلادنا الحبيبة سلطنة عمان أن تنشأ دارا خاصة لتحقيق ودراسة تراثنا الإسلامي عامة والإباضي خاصة، وتدعمه بكل الإمكانيات اللازمة، وتعين المتخصصين في دراسة التراث الإباضي العالمين به من أبناء هذا البلد العريق، فأهل مكة أدرى بشعابها، ولا يمنع من القيام بإرسالهم إلى الخارج للدراسة ونيل الخبرة في كيفية التعامل مع المخطوطات والآثار. 4 - أرجو من الجهات المختصة، ومن أصحاب الأيدي الخيرة القيام بطباعة كتب ومؤلفات علماء
،
المذهب الإباضي، طباعة جيدة محققة سليمة، وذلك محافظة على تراث علمائنا من الضياع والاندثار فكفانا ما ضاع منه؛ وكذلك القيام بطباعتها على أقراص مدمجة تسهيلا للقارئ حملها أينما ذهب، وإعانة لنشرها على مواقع شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت (المختلفة.
، (1/365)
صفحة 366
الشيخ عمروس ومنهجه
سير
-7
أوصي بإنشاء موقع خاص على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت (يهتم بتسليط الضوء على أئمة وعلماء الإباضية، ومؤلفاتهم وتراثهم أحث الشباب على طلب العلم والاجتهاد فيه، والاهتمام بسير ومؤلفات علمائنا، والعناية كل العناية بدراستها وتحقيقها، وطباعتها الطباعة الجيدة السليمة، فنكون بذلك خير خلف لخير سلف. هذه هي أهم التوصيات التي تختلج في صدري وتدور في خلدي، سائلا المولى القدير أن يجعل هذا العمل المتواضع في ميزان حسناتي، وأن ينفع به الأمة الإسلامية وطلاب العلم، وأسأله تعالى أن يغفر ذنوبي وتقصيري، فإن أصبت بهذا العمل فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، فأستغفر الله وأتوب إليه من كل الذنوب، ما علمت منها وما لم أعلم، أستغفره من ذنوب الليل ذنوب النهار، ذنوب السر ذنوب العلن، {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) (1)، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (2)، رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (3)، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (4)
(1)
وآخر دعوانا أن الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (5)، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
مسقط
به
،
ليلة الأربعاء 7 من ربيع الأول 1424 هـ
من مايو 2003 م
(1) - سورة القصص، من الآية: 16
(2) ? سورة الأعراف، من الآية: 23. (3) - سورة البقرة، من الآية: 286 (4) - سورة البقرة، من الآية: 201.
(5) - سورة الفاتحة، الآية: 2.
366
abujaifar@hotmail.com (1/366)
صفحة 367
فهرس المصادر والمراجع
: الشيخ عمروس ومنهجه
المسلسل
4
Y
10
المصدر
إبراهيم بحاز، الدولة الرستمية، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، ط 2 1414
هـ / 1993 م
إبراهيم بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، ج 1، ج 2، دار الغرب الإسلامي
بيروت، لبنان، ط 2: 1421 هـ /
20 م
إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، ج 1 المعجم الوسيط، ج 1، 2، المكتبة الإسلامية، استانبول،
تركيا.
أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر (مخ). أبو القاسم بن حوقل النصيبي، كتاب صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان،
1992 م.
أبو بكر جابر الجزائري، عقيدة المؤمن، مكتبة العلوم والحكمة، المدينة المنورة، ط ع: 1419 هـ / 1998 م.
،
أحمد بن أبي يعقوب بن واضح اليعقوبي، كتاب البلدان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1408 هـ / 1988 م.
أحمد
الحسين البيهقي، السنن الكبرى، ت: محمد عبد القادر عطا، ج 1، دار الكتب بن العلمية، بيروت، لبنان، ط 1: 1414 هـ / 1994 م.
أحمد
حمد الخليلي، فتاوى النكاح، الكتاب الثاني، مطابع النهضة، مسقط، سلطنة بن
عمان، ط 1: 1423 هـ / 002 200 م.
أحمد بن سعيد الدرجيني) أبو العباس (، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ت: إبراهيم
طلاي، ج 1، ج 2.
367 (1/367)
صفحة 368
أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي، السير، ت: محمد حسن، كلية الآداب العلوم الإنسانية والاجتماعية - تونس، شركة أوربيس للطباعة - تونس، 1995.
بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي، كتاب السير، ت: أحمد بن سعود السيابي، ج
1، ج 2، وزارة التراث والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، 1407 هـ / 1987 م
أحمد بن شعيب النسائي، سنن النسائي، ج 1، ج 1، 5، 7، دار إحياء التراث العربي
بيروت، لبنان.
،
،
،
1
بن علي بن حجر العسقلاني (أبو الفضل)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج
3: 1421 هـ / 2000 م، دار الكتب العلمية
، بيروت، لبنان
أحمد بن علي حجر العسقلاني (أبو الفضل)، تهذيب التهذيب، ج 1، 2، 3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1412 هـ / 1991 م. بن محمد الهمداني ابن الفقيه (أبو بكر)، مختصر كتاب البلدان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1408 هـ / 1988 م.
أحمد
أحمد
الله عباس،
بن محمد بن حنبل، کتاب العلل ومعرفة الرجال، ج 3، ت: وصي المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 1408 هـ / 1988 م. إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري (أبو عبد الله)، كتاب التاريخ الكبير، ج 1 القسـ الثاني، ج 4 القسم الأول، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، ج 2، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط 1: 1407 هـ / 1987 م
إسماعيل بن موسى الجيطالي (أبو طاهر)، كتاب قواعد الإسلام، ج 1، ت: بكلي 1413 هـ /
،
عبد الرحمن بن عمر،، مكتبة الاستقامة مسقط
1992 م.
،
سلطنة عمان،
2
،
أطلس العالم الصحيح، مجموعة من أساتذة الجغرافيا والتاريخ، دار مكتبة الحياة
بيروت، لبنان (1/368)
صفحة 369
الشيخ عمروس ومنهجا
ألفرد بل، الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي من الفتح العربي حتى اليوم، ترجمه عن الفرنسية: عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 3:
1987 م.
ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ت: د/ محمد صالح ناصر و إبراهيم بحاز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1406 هـ / 1986 م.
ابن عذارى المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ج 1، ت: کولان و بروفنسال، دار الثقافة - بيروت - لبنان، ط 3 1983 م.
بشر بن غانم الخرساني، المدونة الكبرى، ج 1، ترتيب: القطب اطفيش، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 2: 1984 م.
بكير بن سعيد أعوشت، دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان، ط 1409:4 هـ
تاديوس ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية، ترجمة: ماهر جرار، وريما جرار، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 2000 م. جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري (أبو الفضل)، لسان العرب، ج 1، 3، 7، 11 14، دار صادر، بيروت، لبنان، ط 1: 2000 م. جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف، أجوبة علماء فزان، تحقيق: د/ عمرو خليفة النامي و أبراهيم محمد طلاي، مطابع دار البعث، قسطنطينة
حسين عبيد غانم غباش، عُمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي
الحديث (1500 - 1970)، ط 1: 1997 م، دار الجديد، بيروت، لبنان حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر، بيروت،
لبنان، ط 1 1397 هـ / 1977 م.
الربيع بن حبيب الأزدي، الجامع الصحيح، مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة عمان، ط 1
: 1415 هـ / 1994 م
، (1/369)
صفحة 370
،
،
الشيخ عمروس ومنهجه
سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، العقود الفضية في أصول الإباضية، لا توجد سنة طبع
ولا اسم المطبعة
سالم بن حمود السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 1، 2، المطبعة الشرقية، سلطنة عمان وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، رقم الإيداع: 95/ 241
،
سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني للنشر، تونس، 1406 هـ /
1986 م.
سعد زغلول عبد الحميد، تاريخ المغرب العربي، ج 2، منشأة المعارف، الاسكندرية
مصر
سعيد بن مبروك القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط 1: 1416 هـ / 1995 م.
سعيد بن مبروك القنوبي، السيف الحاد، مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان، ط 3:
1418 هـ
سليمان الباروني (أبو الربيع)، مختصر تاريخ الإباضية، [اسم دار النشر غير
مكتوب].
سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي) أبو داود)، كتاب السنن، جا 1421 هـ / 2000 م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
،
:16
سليمان بن عبد الله الباروني (باشا)، كتاب الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية.
ج 2، دار بوسلامة، تونس.
السيد عبد العزيز سالم، المغرب الكبير، ج 2، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان،
1981 م.
السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، ج 1، ج 2، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة
سلطنة عمان، ت: د/ سيدة كاشف
سيف بن حمود البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان،
الوطنية، روي سلطنة عمان، ط 2: 1419 هـ / 1998 م.
،
ج 1، المطبعة (1/370)
صفحة 371
: الشيخ عمروس ومنهجه
صالح بن أحمد البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ط 1: 1420 هـ / 2000 م، اسم دار النشر غير مكتوب].
عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، ج 1، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط 2: 1399 هـ / 1979 م. عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون المسى كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، ج 6، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1 1413 هـ / 1992 م.
عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المصنف، ج 4، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، منشورات
المجلس العلمي
عبد الستار عز الدين الراوي، ثورة العقل، دراسة فلسفية في فكر معتزلة بغداد، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1982 م.
عبد القاهر بن طاهر البغدادي الاسفرائيني، الفرق بين الفرق، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، 1411 هـ / 1990 م.
عبد
الله بن حمدان الدهماني، محددات السلوك الإنساني والتنظيمي (رسالة ماجستير)،
مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1420 هـ / 1999 م
عبد الله بن حميد السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، وزارة التراث والثقافة
مسقط، سلطنة عمان، ط 2: 1983 م.
عبد الله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج 1، مكتبة الاستقامة، روي
، سلطنة عمان، 1417 هـ / 1997 م.
عبد الله بن حميد السالمي، جوهر النظام في علمي الأحكام والأديان، ج 2، 3، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عمان، ط 11: 1410 هـ / 1989 م
عبد الله بن حميد السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 1، المطابع الذهبية، روي،
عمان.
( (1/371)
صفحة 372
عبد الله
الشيخ عمروس ومنهجه
بن حميد السالمي، شرح طلعة الشمس، ج 1، 2، وزارة التراث القومي والثقافة ج 1، سلطنة عمان، 1401 هـ / 1981 م، المطبعة الشرقية ومكتبتها، مسقط، سلطنة
عمان
عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، سنن الدارمي، ت: د/ مصطفى ديب البغا، ج 1، 2
، دار القلم، دمشق، ط 2: 1417 هـ / 1996 م.
عبد
عبد الله بن عقيل العقيلي الهمداني، شرح ابن عقيل، ج 1، ت: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، 1418 هـ / 1997 م. الله بن يحيى الباروني، رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين، ت: سليمان باشا الباروني، مطبعة فانزي، تونس الله بن عبد الله ابن خرداذبة (أبو القاسم)، المسالك والممالك، ت: محمد مخزوم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1408 هـ / 1988 م. علي بن أبي بكر الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج 2، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1408 هـ / 1988 م.
عبيد
علي بن الحسن بن علي المسعودي (أبو الحسن)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 2، دار الأندلس، بيروت، لبنان، ط 4: 1401 هـ / 1981 م علي بن بلبان الفارسي، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، ج 4، 5، ت: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط 2: 1414 هـ / 1993 م. علي بن عبد الكافي السبكي وولده عبد الوهاب بن علي السبكي، الإبهاج في شرح
المنهاج، ج 1، ط 1: 1404 هـ / 1984 م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان علي بن عمر الدارقطني، سنن الدارقطني، المجلد الثاني، ج 4، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1414 هـ / 1994 م
علي بن محمد الجرجاني، ت: د/ عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب، بيروت، لبنان، ط 1: 1416 هـ / 1996 م.
372 (1/372)
صفحة 373
الشيخ عمروس ومنهجه
علي بن محمد الجزري ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج 3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1417 هـ / 1996 م.
علي بن محمد الشيباني ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 5، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1: 1407 هـ / 1987 م؛ ج 6، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1417 هـ / 1997 م. علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ، المجلد الأول، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، السيب، ط 2: 1993 م. علي يحيى معمر، الإباضية مذهب إسلامي معتدل، تقديم وتعليق: أحمد بن سعود السيابي، ط 4: 1412 هـ / 2000 م، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان. عمرو خليفة النامي، دراسات عن الإباضية، ت: د/ محمد صالح ناصر و د/ مصطفي باجو، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 2001 م. عمرو خليفة النامي، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقيا (مخ)، مقال منشور في المجلد 15 العدد (1) من مجلة " الدراسات السامية " باللغة الإنجليزية 1970 م، ترجمة: سلطان بن مبارك الشيباني.
(
عمروس بن فتح النفوسي، أصول الدينونة الصافية، ت: حاج أحمد بن حمو كروم، وزارة التراث والثقافة، مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1420 هـ / 1999 م.
العميد عبد الرزاق محمد أسود، المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب، ج 2، الدار العربية للموسوعات، بيروت، لبنان، ط 1: 1402 هـ / 1981 م.
،
عوض محمد خليفات، نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب، عمان، الأردن
1978 م.
فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة
عمان، 1408 هـ / 1987 م. (1/373)
صفحة 374
الشيخ عمروس ومنهجه
فرحات الجعبيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، ط 1، المطابع العالمية، روي، سلطنة
عمان
فرحات الجعبيري، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، المعهد القومي والآثار، المكتبة التاريخية، المطبعة العصرية، تونس.
للفنون
قاسم بلحاج عيسى، صفحات من تاريخ جربة، الشركة التونسية لفنون الرسم. كامل سليمان الجبوري، معجم الشعراء، ج 6، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1: 1424 هـ / 2003 م.
لواب بن سلام، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية) بدء الإسلام وشرائع الدين)، ت: سالم بن يعقوب، وشفارتز، دار اقرأ، بيروت، لبنان، ط 1: 1405 هـ /
1985 م.
مالك بن أنس، الموطأ، ج 1، ت: د بشار عوار معروف و محمود محمد خليل، ط 2: 1413 هـ / 1993 م، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان
مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي، الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقه. مطابع الوفاء، المنصورة، مصر، ط 1: 1413 هـ / 1993 م. محمد الخضري، أصول الفقه، المكتبة التجارية الكبرى، مصر محمد الخضري، الدولة العباسية، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان ط 1: 1419 هـ
،
،
/ 1998 م
محمد بن
أحمد البنا المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، دار إحياء التراث العربي
،
بيروت، لبنان، 1408 هـ / 1988 م
محمد
محمد بن
أحمد
بن أحمد المالكي التلمساني، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، ط 1: 1420 هـ / بن جزي، تقريب الوصول إلى علم الأصول، ت: د/ عبد الله الجبوري،
2 م
دار النفائس، عمَّان، الأردن، ط 1: 1422 هـ / 02 200 م. (1/374)
صفحة 375
محمد أحمد بن
: الشيخ عمروس ومنهجه
بن عبد العزيز ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ت: د/ محمد الزحيلي و د نزيه حماد، ج 1، 1413 هـ / 1993 م، مكتبة العبيكان، الرياض، المملكة العربية
السعودية.
محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 4، مؤسسة الرسالة، بيروت،
لبنان، ط 7: 1410 هـ / 1990 م
الأعظمي
محمد
محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، صحيح ابن خزيمة، ج 2، ت: د/ محمد مصطفي، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1: 1391 هـ / 1971 م. بن عبد الله اللواتي الطنجي (ابن بطوطة)، رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار)، ت: طلال حرب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، سنن الترمذي، ج 1، 2، 4، دار الكتب العلمية: بيروت، لبنان، ط 1: 1408 هـ / 1978 م. 1978 م
محمد بن مکرم ابن منظور (أبو الفضل)، لسان العرب، ج 1، 7، 10، 11، 14،
دار صادر، بيروت، لبنان، ط 1: ... 2 م
محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجه، ج 1، 2، مطبعة دار إحياء الكتب العربية محمد بن يوسف أطفيش، تيسير التفسير، ج 13، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان،
1408 هـ / 1988 م.
محمد بن يوسف اطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج 1، 12، 15، مكتبة الارشاد، جدة، المملكة العربية السعودية، ط 3: 1405 هـ / 1985 م.
محمد صالح ناصر، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب أفريقيا، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان
محمد صالح ناصر، منهج البحث وتحقيق النصوص، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، سلطنة عمان، شركة مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة، ط 1: 1415 هـ /
1995 م. (1/375)
صفحة 376
الشيخ عمروس ومنهجه
محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان
، 1418 هـ / 1997 م
محمد عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، دار الفكر، بيروت، لبنان محمد علي دبوز، تاريخ المغرب الكبير، ج 3، دار إحياء الكتب العربية، ط 1: 1383
،
9، دار المعرفة
،
،
هـ / 1963 م.
محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين، ج 1
،ه
بيروت، لبنان، ط 3: 1971 م.
محمد ناصر بوحجام، التواصل الثقافي بين عمان والجزائر، مكتبة الضامري، السيب سلطنة عمان، ط 1: 1423 هـ / 003 20 م.
،
محمد ناصر بوحجام، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر) تبادل الرسائل نموذجا)
بحث مقدم في ندوة " الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا تحرير: د/ إبراهيم بحاز و د حسن الملخ، منشورات جامعة آل البيت، الأردن، 1423 هـ / 2002 م، جمعية عمال المطابع، الأردن، عمان
،
محمود بن عمر الزمخشري، أساس البلاغة، ت: عبد الرحيم محمد، دار المعرفة، بيروت، لبنان
محمود بن عمر الزمخشري، أساس البلاغة، دار صادر، بيروت، ط 1: 1412 هـ /
1992 م.
مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، ج 1، 2، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط 2: 1398 هـ / 1987 م.
مصطفى الشكعة، إسلام بلا مذاهب، الدار المصرية اللبنانية، بيروت، لبنان، ط 6
1407 هـ / 1987. (1/376)
صفحة 377
الشيخ عمروس ومنهجه
مصطفى باجو، " تطور علم الأصول في المصادر العمانية "، بحث مقدم في ندوة " الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا "، تحرير: د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ، منشورات جامعة آل البيت، الأردن، 1423 هـ / 2002 م، جمعية عمال المطابع، الأردن، عمان
المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، جمهورية مصر العربية، مطابع الأهرام التجارية قليوب، مصر، 1422 هـ / 2001 م
،
مقرين بن محمد البغطوري، سير أهل نفوسة (مخ).
مهني التيواجني وآخرون، هذه مبادئنا، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، ط 2:
1417 هـ / 1997 م
ناصر بن سالم بن عديم البهلاني، العقيدة الوهبية، راجعه: سلطان بن مبارك الشيباني مكتبة مسقط، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1424 هـ / 2003 م ناصر بن سالم بن عديم الرواحي البهلاني، ديوان أبي مسلم، ت: عبد الرحمن الخزندار. مطابع دار المختار، 1406 هـ / 1986 م.
?
ناصر بن سليمان السابعي، الخوارج والحقيقة الغائبة، مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان، ط 1: 1420 هـ / 1999 م هود بن محكم الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، تحقيق: بالحاج بن سعيد شريفي، ج 1 دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان، ط 1: 1990 م. ياقوت بن عبد الله الحموي (أبو عبد الله)، معجم البلدان، ج 8، دار إحياء التراث
العربي، بيروت، لبنان، ط 1: 1417 هـ / 1997 م. يحيى بن أبي بكر أبو زكرياء)، كتاب سير الأئمة وأخبارهم، ت: إسماعيل العربي، دار
الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 2: 1420 هـ / 1982 م.
يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني (أبو زكريا)، كتاب النكاح، تعليق: علي يحيى معمر، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان (1/377)
صفحة 378
الشيخ عمروس ومنهجه
،
يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني (أبو زكريا)، كتاب الوضع، ت: إبراهيم اطفيش
مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان.
يحيى بن محمد البهلاني، كيف أكتب شعرا، مكتبة أبي مسلم، سلطنة عمان، طا: 1423 هـ / 2002 م.
يحيى صالح بوتردين، نموذج للعلاقات العلمية بين الجزائر وعمان (من خلال بعض مراسلات القطب اطفيش (بحث مقدم في ندوة " الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا "، تحرير: د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ، منشورات جامعة آل
البيت، الأردن، 1423 هـ / 2002 م، جمعية عمال المطابع، الأردن، عمان يحيى محمد بكوش، الوجود الإباضي بالأندلس، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، السيب، ط 2: 1411 هـ / 1990 م.
يوسف بن إبراهيم السرحني، العقيدة الإسلامية وأثرها على المسلمين، مكتبة الاستقامة،
مسقط
،
سلطنة عمان طا
1424 هـ / 2003 م
يوسف بن إبراهيم الوارجلاني) أبو يعقوب)، كتاب الدليل والبرهان، ج 2، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1403 هـ / 1983 م.
يوسف بن بكير الحاج سعيد، تاريخ بني مزاب ونضالهم من أجل الحق في التباين، المطبعة |
العربية، غرداية، وادي ميزاب، الجزائر (1/378)
صفحة 379
فهرس الآيات
رقم الآية
السورة
الصفحة
الفاتحة
البقرة
البقرة
البقرة
البقرة
البقرة
البقرة
البقرة
البقرة
البقرة
البقرة
البقرة
الآية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الراكعين)
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)
أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ... )
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ)
فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدَى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)
وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أخر
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله)
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذَى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك)
رَبَّنَا آتنا في الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ الله وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ)
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ (1/379)
صفحة 380
الشيخ عمروس ومنهجه
البقرة
البقرة
البقرة
البقرة
آل عمران
آل عمران
آل عمران
النساء
النساء
النساء
النساء
النساء
أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ... فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى)
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ)
رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ... أَنْتَ
مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سبيلا
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)
يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النَّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ النُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ
فَلأُمِّه السُّدُسُ)
عابري سَبيل
فَلَمْ تَجدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)
مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً)
وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ (1/380)
صفحة 381
الشيخ عمروس ومنهجه
النساء
المائدة
المائدة
المائدة
المائدة
الماندة
المائدة
المائدة
المائدة
المائدة
غَفُورًا رَّحِيمًا)
يَسْتَفْتُونَكَ قُل اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَة إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ
وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ
فَلَهُمَا الظُّلُتَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَللذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأَثْنَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضَلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود) أحلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ... وَلَا مُتَّخِذِي أَحْدَان) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)
وَإِنْ كُنتُمْ جُنُباً فَاطْهَّرُوا)
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ)
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا
كَسَبَا نَكَالاً مِنَ الله وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ)
لكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شَرْعَةً وَمِنْهَاجاً)
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوا وَلَعِبَاً ذَلكَ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (1/381)
صفحة 382
الشيخ عمروس ومنهجه
المائدة
المائدة
المائدة
الأنعام
الأنعام
الأعراف
الأعراف
الأنفال
الأنفال
التوبة
التوبة
التوبة
التوبة
بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان)
لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدْتُمُ الْأَيْمَانَ}
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاء مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم لا
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوه)
قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ... وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ)
وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله
قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
عَنْ يَدِ وَهُمْ صَاغِرُونَ)
فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ)
وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةَ إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حكيم (1/382)
صفحة 383
التوبة
التوبة
التوبة
إبراهيم
الإسراء
الإسراء
الكهف
الكهف
الكهف
الكهف
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَ) إنّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا ببَيْعكُمُ الَّذي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
ليَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)
وَمَا ذَلكَ عَلَى الله بعزيز)
ربِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)
وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى)
وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى ربي ...
أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب؟ ...
لَكنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً)
صعيداً زَلَقاً
فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا)
وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً)
فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً)
وَأَقم الصَّلاةَ لذكري)
لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)
النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (1/383)
صفحة 384
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)
ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكُدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور)
فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبِ سليم کيا
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ... إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ)
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي}
فَسُبْحَانَ الله حينَ تُمْسُونَ)
وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ)
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مرض
مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا تُقفُوا أُخِذُوا وَقُتَلُوا تَقْتِيلاً)
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)
الشعراء
النمل
القصص
الروم
الروم
الأحزاب
الأحزاب
سبأ
فاطر
فاطر
ص
يس
وَمَا ذَلكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزِ)
إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء)
وَقَلِيلٌ مَا هُمْ
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ)
لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)
فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله (1/384)
صفحة 385
الحشر
الحشر
الحشر
الحشر
الحشر
الجمعة
التغابن
الطلاق
الطلاق
الإنسان
مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السبيل
كي لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنْكُمْ) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ
وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)
وَالَّذِينَ تَبَوَّلُوا الدَّارَ وَالْأَيْمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَـ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)
وَابْتَغُوا مِنْ فَضْل الله)
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) وَأَوْلَاتُ الْأَحْمَال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)
إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكراً وَإِمَّا كَفُوراً) (1/385)
صفحة 386
[صفحة فارغة] (1/386)
صفحة 387
الشيخ عمروس ومنهجه
الصفحة
فهرس الأحاديث والآثار
الحديث أو الأثر
فقام العباس فقال: ... إن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات حتى ترك السبيل نهجا واضحا، فأحل الحلال، وحرم الحرام ... »
أن النبي كان يأخذ من كل عشرين دينارا، فصاعدا، نصف دينار، ومن
الأربعين دينارا، دينارا»
أن كل موضع لم ينعم غسله من الجنابة فإنه يبعث عليه يوم القيامة حيات تلدغه
في تلك الأماكن»
الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن»
الدين من جميع المال، والوصية من الثلث»
الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، «صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة»، «صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة، فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بما درجة، وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد. وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه، وتصلي - يعني عليه - الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي
–
فيه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يؤذ يحدث فيه»
تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وانقوا البشرة»
تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم»
«كان رسول الله يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب
العالمين ... »
كل شعرة لم ينعم غسلها تشتعل يوم القيامة نارا» (1/387)
صفحة 388
الشيخ عمروس ومنهجه
كل ما يورث حرام غنيمته، وكل ما لا يغنم حرام ميراثه»
«لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» لا صلاة لمانع الزكاة - قالها ثلاثا - والمعتدي فيها كمانعها» «لا وصية لوارث» لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما قدرتم عليها، إذن لكفرتم»
? ? «ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة» مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها» مكة حرام حرمها الله، لا تحل لقطتها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يختلى خلاها " فقالعمه العباس: " إلا الإذخر يا رسول الله " فقال: " إلا الإذخر "»
من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لذكري، قال موسى بن همام: سمعته يقول بعد: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لذكْرِي) إن مناديا ينادي يوم القيامة: " ألا من كان له أجر على الله فليقم إلى أجره فليأخذه " فيقال: " من هذا الذي له على الله أجر؟ الله أجر؟ "، فيقال: " من عفا وأصلح "» (أثر)
سئل ابن عباس له: متى يحرم على الصائم الطعام؟ قال رجل: ما لم تشك حتى تشك. قال ابن عباس: كل ما شككت حتى تشك» (أثر)
«لو اشترك في قتلها أهل صنعاء لقتلتهم» (أثر) واحدة بواحدة، والبادئ أظلم» (مثل (
388 (1/388)
صفحة 389
: الشيخ عمروس ومنهجه
فهرس الشعر والنظم
قافية الباء
الصفحة
أخني عليها المرزمان حقبة:: وعاثت الشمال فيها والصبا أمست سقطرى من الإسلام مقفرة:: بعد الشرائع والفرقان والكتب جار النصارى على واليك وانتهبوا:: من الحريم ولم يألوا من السلب حتى يعود عماد الدين منتصبا:: ويهلك الله أهل الجور والريب قفرا تشابه آجال النام به:: عيدا تلاقت به قران والنوب قل للإمام الذي ترجى فضائله:: ابن الكرام وابن السادة النجب 54 ما بال صلت ينام الليل مغتبطا: وفي سقطرى حريم باد بالنهب من ذاك لا تلقى له في المذهب:: مسألة نرسمها في الكتب وابن الجحاجحة الشم الذين هم: كانوا سناها وكانوا سادة العرب يالرجال أغيثوا كل مسلمة:: ولو حبوتم على الأذان والركب 54
قافية التاء
تبدو من الغيم إذا ما بدت:: كأنها تنتشر من تحت خوارج غلت وصارت مارقة:: من دينها صفرية أزارقة فنحن في بحر بلا لجة:: تجري بنا الريح على السمت ما أخشن البرد وريعانه:: وأطراف الشمس بتاهرت
مدافعا أعدائا بالحجة:: وحاميا إخواننا بالشوكة
نفرح بالشمس إذا ما بدت:: كفرحة الذمي بالسبت (1/389)
صفحة 390
الشيخ عمروس ومنهجه
قافية الدال
راحوا جميعا على الأقدام وابتكروا:: فلن يروحوا ولن يعدو لهم عاد قف بالقبور فاد الهامدين بها:: من أعظم بليت منها وأجساد قوم تقطعت الأسباب بينهم:: من الوصال وصاروا تحت أطواد والله والله لو ردوا ولو نطقوا:: إذا لقالوا التقى من أفضل الزاد 104 ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت:: منه المسالك والهدى يُغدى قافية الراء
281
102
102
93
أربعة الأشهر عند عشر:: من الليالي وقتها لتدري | 196 العلم أبقى لأهل العلم آثارا:: وليلهم بشموس العلم قد نارا حي وإن مات ذو علم وذو ورع:: إن كان في منهج الأبرار مامارا وأصبحت عن تيهرت في دار غربة:: وأسلمني مر القضاء من القدر ووردت فيهم عن المختار:: جملة أخبار مع الآثار يحيى به ذكرهم طول الزمان وقد:: يريك أشخاصهم روحا وأبكارا قافية الضاد
تيهرت أنت خلية وبرقة:: عوضت عنك ببصرة فاعتاض وأصله أن فت ى إباض: كان محاميا لنا وماض
قافية الطاء
ليسوا رجالا لا نطيق فعلهم:: لكنهم جدوا وقصرنا الخطا موحشة إلا كناس اعفر:: ومجثم الرأل وأفحوص القطا قافية العين
فبددهم ريب المنون وأصبحت:: منازلهم قفرا بها الريح زعزع فعدة الحامل حتى تضعا:: من هذه وغيرها فاستمعا لقد أسسوا تيهرت بالغرب وارتقوا:: مدارج عز الملك فيه وأبدعوا وأين الأئمة الكرام جميعهم:: بنو رستم كأس المنايا تجرعوا (1/390)
صفحة 391
الشيخ عمروس ومنهجه
وداموا بها خمسين عاما ومائة:: يحفهم من بالغضب يقطع ونحن في الأصل وفي الفروع:: على طريق السلف الرفيع قافية القاف
92
352
هل للفتى من بنات الدهر من واق:: أم هل من حمام الموت من راق | 281
قافية اللام
إلا مميتة قبيل الأجل:: قد وضعت تؤمر بالتمهل تلك ربوع الحي في سفح النقا:: تلوح كالأطلال من جد البلى الله تيهرت المنا وسويقة:: بساكنها غيثا يطيب به المحل كأن لم يكن والدار جامعة لنا:: ولم يجتمع وصل لنا لا ولا أهل
سقى
ومال أهل البغي لا يحل::: وإن يكن قوم له استحلوا قافية الميم
فعرضوا للناس بالسيف كما:: قد استحلوا المال منهم مغنما فما الإباضيون إلا علما:: لخلفاء الحق منا فاعلما
196
19
93
93
??
352
وأمة المختار فارقتهم وضللـ قافية النون
95
إن المخالفين قد سمونا:: بذاك غير أننا رضينا
فحكموا بحكم المشركينا: جهلا على بغاة المسلمينا
وإنما يكون في الحولين:: فلا رضاع بعد بين اثن
ن
وفيهم المروق يعرفنا:: ومنهم لا شك تبراً ونحن الأولون لم يشرع لنا:: لجل إياض مذهبا يحملنا قافية الهاء
خوارج غلت وصارت مارقه: من دينها صفرية أزارقه عدتها الأبعد من حاليها:: من وقتها ووضع ما عليها
ونأخذ الحق متى نراه: لو كان مبغض لنا أتاه (1/391)
صفحة 392
الشيخ عمروس ومنهجه
352
19
352
ونسبوا من كان في طريقته:: إليه لاشتهار حسن سيرته قافية الواو
عرج عليها والها لعلها:: تريح شيئا من تباريح الجوى والباطل المردود عندنا ولو:: أتى به الخل الذي له اصطفوا
392
57 (1/392)
صفحة 393
فهرس الأعلام
الشيخ عمروس ومنهجه
الصفحة
العلم
أبان بن وسيم الويغوي (أبو ذر)
أبان
إبراهيم بن إسماعيل الخرساني (أبو عيسى)
أبد الله السكاك اللواتي
إبراهيم بن مسكين أبو الحسن الأبدلاني
أبو العباس بن فتحون
أبو بكر بن أفلح
أبو حماد النفوسي
أبو دنون
أبو سهل الفارسي النفوسي
أبو عبيدة الأعرج
أبو محمد الصيرفي
أبو مسعود
أبو مهاصر الأفطماني
أبو ميمون بن أحمد الجيطالي
أبو نصر التمصمصي
أبو يحيى بن أبي القاسم الفرسطاني أحمد التيه
بن الحسين بن أبي زياد الاطرابلسي
393
أحمد (1/393)
صفحة 394
الشيخ عمروس ومنهجه
أحمد بن المتوكل المعتمد على الله (أبو العباس (
أحمد بن دبوس
أحمد بن فتح المعروف بابن الخزاز التيهرتي
أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن التميمي التاهرتي (أبو الفضل)
أحمد
محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (أبو العباس) بن
أحمد بن منصور
أفريقش بن قيس
أفلح بن العباس بن أيوب
أفلح بن عبد الوهاب
إلياس بن منصور النفوسي (أبو منصور)
أم الخطاب أم يحيى
أهاب بن مازون النفوسي البربري
أيوب بن العباس (أبو العباس)
ابن أبي إدريس
ابن الجمع
ابن الصغير الهواري الإباضي
ابن الواسطي
ابن خلف بن السمح بن عبد الأعلى بن السمح المعافري
ابن وردة
بحيج بن خداش (أبو سعيد)
بشر بن غانم الخرساني (أبو غانم)
بكر بن حماد بن سهل الزناتي (أبو عبد الرحمن) (1/394)
صفحة 395
الشيخ عمروس ومنهجه
بهلولة
بويكني البرزالي (أبو محمد)
تكسليت (أم يحيى)
جابر بن زيد الأزدي (أبو الشعثاء)
جعفر المتوكل على الله بن المعتصم
الجلندى بن مسعود
جنون بن يمريان اليهرساني الوارجلاني (أبو صالح)
الحسن بن يسار البصري (أبو سعيد)
الحسين بن أحمد الشيعي (أبو عبد الله) حفصون أبو عمرو
الحكم بن هشام بن عبد الرحمن
حموية
خازم بن خزيمة الخرساني
خلف بن السمح بن عبد الأعلى بن السمح المعافري
داود بن ياجرين
راشد بن النظر اليحمدي
الربيع بن حبيب الفراهيدي
زروغ الأرجانية زکار
زكرياء بن بكر الغسالي التيهرتي (أبو يحيى)
زكرياء بن منيب (أبو يوسف)
سدرات بن إبراهيم المساكني النفوسي (أبو حمزة)
سدرات بن الحسن البغطوري (أبو القاسم) (1/395)
صفحة 396
الشيخ عمروس ومنهجه
سعد بن وسيم بن نصر الويغوي النفوسي سعيد بن أشكل التيهرتي
سعيد بن أيوب الباروني النفوسي
سلام بن عمرو اللواتي
سليمان الهواري) أبو الربيع)
سليمان بن زرقون النفوسي
سليمان بن عبد السلام بن حسان الوسياني
سليمان بن يخلف الوسلاتي المزاتي النفطي القابسي
السمح بن عبد الأعلى بن السمح المعافري
شعيب بن
مدمان
شيبة الدجى النفوسي
صال الدركلي (أبو خليل)
الصلت
بن مالك الخروصي
عاصم السدراتي
العباس بن أحمد بن طولون
العباس بن أيوب بن العباس
عبد الحميد الجناوني (أبو عبيدة)
عبد الحميد الفزاني
عبد الخالق الفزاني
عبد الرحمن بن بكر بن حماد (أبو زيد)
عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن کسري
عبد الرحمن بن صواب النفوسي
عبد العزيز بن الأوز (1/396)
صفحة 397
الشيخ عمروس ومنهجه
عبد القاهر بن خلف الفزاني اللواتي العاصمي (أبو محمد)
عبد الله
عبد الله المأمون بن هارون الرشيد
عبد الله
بن الخير الونزريفي (أبو محمد)
عبد الله بن عباد المصري
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي
عبد
عبد الله بن عيسى بن زكرياء النفوسي الله بن مانوج اللمائي الهواري
عبد الملك بن حميد العلوي
عبد الوهاب بن عبد الرحمن
عثمان بن أحمد بن يحياج
عثمان بن الصفار
عزان بن تميم الخروصي
علي بن أحمد العماني
علي بن يخلف الدرجيني (أبو الحسن)
عمر بن يمكتن
عمران بن مروان الأندلسي
عمروس الأندلسي
عمروس اليفرني
عمروس بن عبد الله الزواغي
عيسى بن فرناس النفوسي
غزالة
غسان بن عبد الله اليحمدي (1/397)
صفحة 398
الشيخ عمروس ومنهجه
فرج بن نصر النفوسي (نفاث)
فصيل بن يسجا اليهراسني (أبو زكرياء) فضل (أبو عبد الله)
قاسم بن عبد الرحمن التميمي التيهرتي
كاموس الزواغي
لواب بن سلام التوزري المزاتي
ماطوس بن هارون (أبو معروف)
ماكسن بن الخير الوسياني اليفرني (أبو محمد)
محبوب بن الرحيل (أبو سفيان)
محكم الهواري
محمد الأمين بن هارون الرشيد
محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد أبو إسحاق
محمد بن
أحمد الشافعي البغدادي (أبو الطيب)
محمد بن أفلح (أبو اليقظان)
محمد بن الحسن بن دريد الأزدي
محمد بن الواثق بن المعتصم
محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (أبو عبد
الله
محمد بن جرني
محمد
حماد بن
محمد بن دبوس
محمد بن عبد الحميد بن مغطير
محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ (أبو عبد الله
محمد بن عبد بن أبي عفان
الله (1/398)
صفحة 399
الشيخ عمروس ومنهجه
محمد بن عبد الملك الحجازي
170
محمد بن عرفة
محمد بن محبوب بن الرحيل (أبو عبد الله
محمد بن
مسألة الهواري
محمد بن نور
محمد بن يانس (أبو المنيب)
محمود بن بكر
مخلد بن كيداد النكاري (أبو يزيد)
مزور بن عمران الهواري
مسعود الأندلسي
مسلم بن أبي كريمة التميمي (أبو عبيدة)
المسلماني
معبد
مقرين بن محمد البغطوري النفوسي
ملي الإيدر في (أبو محمد)
مهاصر السدراتي (أبو مرداس)
مهدي الويغوي النفوسي
المهنا بن جيفر اليحمدي
موسى بن الفارسي
موسى بن موسى بن علي الأزكوي
موسى بن يونس الجلالمي النفوسي (أبو هارون)
موفق (أبو إبراهيم)
ميال بن يوسف اللواتي (1/399)
صفحة 400
الشيخ عمروس ومنهجه
هارون الرشيد بن محمد المهدي
هارون الواثق بالله بن المعتصم بالله
هود بن محكم الهواري
الوارث بن كعب الخروصي
وسيم بن سينتين الزواغي (أبو الخطاب)
ويدرن بن جواد أبو معروف يبيب بن زلغين
يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهرساني (أبو زكرياء)
يحيى بن الخير الجناوني (أبو زكرياء)
يزيد بن خذاق الشني العبدي
يزيد بن فندين اليفراني النكاري (أبو قدامة)
يسجا بن يوجين اليراسني (أبو مسور)
يصلتين الأدوناطي النفوسي (أبو مسور)
يصليتن التوكيتي (أبو زكريا)
يعقوب بن أفلح بن عبد الوهاب
يعقوب بن سليوس الطرفي السدراتي (أبو يوسف)
اليقظان بن محمد بن أفلح بن عبد الوهاب
يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (أبو يعقوب) (1/400)
صفحة 401
فهرس البلدان
البلد
إجناون أو إجناون
أدوناط
أريغ
الشيخ عمروس ومنهجه
الصفحة
آسيا
الإسكندرية
إفاطمان
إفريقيا
إمارة بني دمر
أمرساون
أمسنان
إنجان
الأندلس
أوروبا
البحر المتوسط
البصرة
بغداد
بلاد السودان
تا صروت
تلاليت
تلمسان
تمصمص (1/401)
صفحة 402
الشيخ عمروس ومنهجه
تملوشايت
تمولست
تندميرة
تنس
تنين أندرشل
تين ورزيرف
تيهرت
جبال الأوراس
جبل دمر
جبل نفوسة
جربة
الجزائر
الحامة
حضرموت
دار الكنيسة
دمشق
دولة بني مدرار أو دولة بني واسول
(المداريون)
الدولة الرستمية
الرهادنة
زَاغْرِى
زويلة
الساحل
سجلماسة (1/402)
صفحة 403
الشيخ عمروس ومنهجه
سدراته
سرت
سوف
سوق إبراهيم
سوق ابن حبلة
سوق ابن مبلول
سوق كرام أو كران أو كرا أو كرتاية
شروس
طرابلس
طليطلة
العباسية
العراق
عُمان
غانا
غدامس
فاس
فزان
قابس
قرطبة
قسطيلية أو قصطيلية أو قصطاليا
(بلاد الجريد)
قصر المثلث
قطرس
قنطرار أو قنطرارة (1/403)
صفحة 404
الشيخ عمروس ومنهجه
القيروان
كوكو أو جوجو أو صوصو
لواته
ليبيا
مالي أو ملل
مدشر
مرسي فروخ
مساكن
المشرق
مصر
المغرب
مغمداس
مانو
ميري أو تيري
نالوت
نفزاوة
نهر مينة
وادي ميزاب
وارجلان
وهران
ويغو
يفرن
اليمن (1/404)
صفحة 405
الشيخ عمروس ومنهجه
فهرس الأديان والمذاهب
الديانة - المذهب - القبيلة الإباضية
الصفحة
{{
الأشوريون
الأغالبة
الأمويون
بنو برزال
بنو سامة
بنو مسالة
بنو واسين
بنو يراسن
الحسينية
الخوارج
زناته
زواغة
الزيدية
السبئية
الشراة
الشكاك
الشيعة
الصابئون
صَغَنغو (1/405)
صفحة 406
الشعلة أن الشيخ عمروس ومنهجه
الصفرية
العباسيون
الفرس
الكوفيون
المالكية
المجوس
المداريون
المرجئة
المسودة
النصارى
النكات
هوارة
الواصلية (المعتزلة)
اليهود
اليونانيون (1/406)
صفحة 407
الشيخ عمروس ومنهجه
فهرس المحتويات
الموضوع
الصفحة
الإهداء
الشكر
توطئة بقلم الشيخ أحمد مهني مصلح
مقدمة
الفصل الأول: عصر الشيخ عمروس
تمهيد
المبحث الأول: الوضع السياسي في عصر الشيخ عمروس المطلب الأول: الوضع السياسي في عهد الإمام عبد الوهاب
المطلب الثاني: الوضع السياسي في عهد الإمام أفلح المطلب الثالث: الوضع السياسي في عهد الإمام أبي بكر بن أفلح المطلب الرابع: الوضع السياسي في عهد الإمام أبي اليقظان المطلب الخامس: الوضع السياسي في عهد الإمام أبي حاتم المبحث الثاني: الوضع الاقتصادي والاجتماعي في عصر الشيخ عمروس
تمهيد
المطلب الأول: الزراعة والرعي
الزراعة
الرعي
المطلب الثاني: الصناعة في الدولة الرستمية
المطلب الثالث: التجارة في الدولة الرستمية، وأسواقها
المطلب الرابع: العمارة في الدولة الرستمية ومستوى المعيشة (1/407)
صفحة 408
الشيخ عمروس ومنهجه
المبحث الثالث: الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس
تمهيد
المطلب الأول: أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالنهضة العلمية
المطلب الثاني: جبل نفوسة والحركة العلمية فيه المطلب الثالث: المؤسسات التعليمية في عصر الشيخ عمروس
أولا: المساجد
ثانيا: الكتاتيب
ثالثا: المكتبات
المطلب الرابع: العلوم المتداولة في عصر الشيخ عمروس وأبرز العلماء في
عصره
المطلب الخامس: وضع المرأة العلمي والفكري في عصر الشيخ عمروس المطلب السادس: العلاقات الثقافية بين المغرب والمشرق وبلاد السودان في عصر الشيخ عمروس
أولا: العلاقة الثقافية مع بلاد المغرب والأندلس
ثانيا: العلاقات الثقافية مع بلاد السودان ثالثا: العلاقة الثقافية مع المشرق العربي
الفصل الثاني: السيرة الشخصية للشيخ عمروس
تمهيد
المبحث الأول: اسمه ونسبه
المبحث الثاني: مولده ونشأته
المطلب الأول: مولده
المطلب الثاني: نشأته
المبحث الثالث: صفاته وأخلاقه
المبحث الرابع: حالته المادية (1/408)
صفحة 409
المبحث الخامس: أسرته ومن برز منها
المطلب الأول: أبوه
المطلب الثاني: أمه
المطلب الثالث: أخته
المطلب الرابع: أخوه
المطلب الخامس: زوجته وأولاده
المبحث السادس: هل هناك عمروس غيره؟
الفصل الثالث: السيرة العلمية والعملية للشيخ عمروس
تمهيد
المبحث الأول: الشيخ عمروس والعلم (شيوخه وتلاميذه)
المطلب الأول: شيوخه وطلبه للعلم
المطلب الثاني: تدريسه وتلاميذه
المبحث الثاني: مكانته العلمية وجهوده الدعوية
المطلب الأول: مكانته العلمية
المطلب الثاني: جهوده الدعوية
المبحث الثالث: آثار الشيخ عمروس) مؤلفاته وفتاويه ومناظراته)
المطلب الأول: مؤلفاته
المطلب الثاني: فتاويه
المطلب الثالث: مناظراته
المبحث الرابع: اشتغاله بالقضاء، ونماذج من أحكامه
المبحث الخامس: موقعة " مانو " واستشهاده المطلب الأول: أسباب موقعة " مانو " وأحداثها
المطلب الثاني: استشهاد الشيخ عمروس (1/409)
صفحة 410
الفصل الرابع: منهج الشيخ عمروس خلال الدينونة الصافية
تمهيد
المبحث الأول: التعريف بكتاب الدينونة
المطلب الأول: هل الكتاب مطبوع
المطلب الثاني: حجمه وصفحاته
المطلب الثالث: نسبته إلى صاحبه
المطلب الرابع: إثبات عنوان الكتاب
المطلب الخامس: الباعث على تأليفه
المطلب السادس: محتويات الكتاب
المطلب السابع: أهمية الكتاب من الناحية العلمية
المطلب الثامن: مصادر الكتاب
المبحث الثاني: تعريف المصطلحات
المطلب الأول: تعريف المنهج
المطلب الثاني: تعريف الفقه
المطلب الثالث: تعريف العقيدة والتوحيد وأصول الدين، وعلم الكلام
تعريف العقيدة لغة واصطلاحا
تعريف التوحيد لغة واصطلاحا
تعريف أصول الدين لغة واصطلاحا
تعريف علم الكلام لغة واصطلاحا
المبحث الثالث: منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب مسائل أصول الدين
) العقيدة)
المطلب الأول: منهجه في بناء الأبواب والفصول وترتيبها المطلب الثاني: مسائل أصول الدين التي تعرض لها في الدينونة (1/410)
صفحة 411
المطلب الثالث: منهجه الاستدلالي على مسائل الأصول
يستدل بالقرآن الكريم
استدلاله بالسنة
استدلاله بالاجماع
استدلاله بأقوال العلماء
استدلاله بالعقل
بعض المصطلحات التي استخدمها في قسم العقيدة
المطلب الرابع: ملاحظات أخرى على منهجه في العقيدة
المبحث الرابع: منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب المسائل الشرعية
(الفقه)
المطلب الأول: منهجه في بناء الأبواب والفصول وترتيبها المطلب الثاني: المسائل الفقهية التي تعرض لها في الدينونة المطلب الثالث: منهجه الاستدلالي على المسائل الفقهية
استدلاله بالقرآن الكريم، ومنهجه اتجاهه
منهجه تجاه السنة
موقفه من الإجماع
المطلب الرابع: استخدامه لبعض القواعد الأصولية
المطلب الخامس: ملاحظات أخرى على منهجه الفقهي
الخاتمة
فهرس المصادر والمراجع
فهرس الآيات
فهرس الأحاديث والآثار
فهرس الشعر والنظم
فهرس الأعلام (1/411)
صفحة 412
فهرس البلدان والأماكن
فهرس الأديان والمذاهب والقبائل
المحتويات (1/412)
صفحة 413
تم بحم الله (1/413)
صفحة 414
[صفحة فارغة] (1/414)
صفحة 415
بحوث ومقالات للمؤلف:
-1 - أئمة الإباضية الأوائل بالمغرب.
2 - الإمام أبو حاتم يعقوب بن حبيب الملزوزي. الإمام القطب محمد بن يوسف اطفيش حياته وآثاره.
-
- إمام المناظرين الشيخ مهدي الويغوي النفوسي
ه - استغلال شهر رمضان.
6 - حركة التأليف عند العمانيين في القرون الهجرية الثلاثة الأولى
الحسد الداء والدواء.
8 - الدولة الرستمية دولة إسلامية تجاهلها التاريخ.
9 - الشيخ سالم بن يعقوب في سطور
-10 قصة إمام) مقال عن الشيخ عمروس بن فتح النفوسي).
-
-11 مدارس إباضية عبر التاريخ
-12 مقال في الرد على د/ محمد الشويعر حول زعمه أن أصل مصطلح " الوهابية " هو
" الوهبية ". (1/415)