صفحة 1
الكتاب: الصلة بين الإباضية ومذهبي المعتزلة والأشاعرة لعبد الرحمن تركي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الصلة بين الإباضية ومذهبي المعتزلة والأشاعرة
دراسة عقائدية مقارنة
إعداد الدكتور عبد الرحمان تركي
معهد الآداب واللغات
المركز الجامعي بالوادي
هـ 077138115
فاكس 032213500
أولا – ملخص :
... تطرقت في هذا المقال إلى دراسة ما يجمع الإباضية ومذهبي المعتزلة والأشاعرة من الآراء العقائدية ، مع بيان الأدلة النقلية والعقلية التي تحتج بها كل فرقة ما أمكن ، وذلك بالرجوع إلى مصادر الآراء العقائدية لكل فرقة .
ثانيا – مقدمة :
يُذكر الإباضية كمذهب فقهي عند الفقهاء كما يُذكرون عند علماء الملل والنحل كمذهب عقائدي ضمن المذاهب الإسلامية ، ويتبين أنهم من خلال المصادر العقائدية الإباضية مطلعون اطلاعا واسعا على مذاهب المخالفين مؤمنين وغيرهم ، كما يتبين أنهم يستدلون على آرائهم بأدلة نقلية وعقلية كثيرة ، يشترك معهم في الاستدلال بها المعتزلة والأشاعرة كما هو ملاحظ عند أبي عمار عبد الكافي في كتابه (الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف) ، وأبي طاهر الجيطالي في كتابه (قناطر الخيرات)(1) .
وبالرجوع إلى المصادر التاريخية يتبين أن آراء الإباضية العقائدية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأحداث والأوضاع التي عاصروها ، ولكي تفهم هذه الآراء يجب أن توضع في إطارها التاريخي ، فاختلاف المؤمنين أيام الخليفتين الراشدين عثمان وعلي وأيام الخلاف بين علي ومعاوية بن أبي سفيان ألجأت المؤمنين إلى تشتت مواقفهم في المسائل السياسية والكلامية ، هذه المسائل حظيت عند الإباضية بالعناية والاهتمام ، يتجلى هذا في مؤلفاتهم التي درست مسائل التوحيد والقدر والإيمان والنبوة والإمامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . (1/1)
صفحة 2
وقد أورد علماء الفرق كأبي الحسن الأشعري وعبد القاهر البغدادي ومحمد ابن عبد الكريم الشهرستاني أوردوا الإباضية في مؤلفاتهم وخصصوا فصولا لمبادئها وآرائها في الإيمان والتوحيد والصفات ، وفي النبوة والقدر والفعل الإنساني ، وفي الإمامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن دون تفصيل وأحيانا يكتفي بعضهم كالشهرستاني بالقول أن مذهب الإباضية في القدر يخالف مذهب المعتزلة(2) ، هذا إضافة إلى أنهم لا يبينون المصادر والطرق التي رجعوا إليها أواستندوا عليها عند الحديث عن عقائد الإباضية وآرائها .
كذلك اهتم المستشرقون بدراسة الإباضية كتاديوس ليفيتسكي في دراسته (المؤرخون الإباضيون في أفريقيا الشمالية)(3) ، وإلفرد بل في كتابه (الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي)(4) ، ومسكراي (إ) في بحثه (ترجمة كتاب بني المزاب في جزائر المغرب)(5) ، وكارلو ألفونسو نلينو في بحثه (الصلة بين مذهب المعتزلة ومذهب الإباضية المقيمين في إفريقيا الشمالية)(6) ، هذا المستشرق ينتهي في بحثه إلى أن الجزء الأكبر من مذهب الإباضية في شمال إفريقية معتزلي ، ويتساءل كيف ومتى تأثر الإباضية بآراء المعتزلة ؟ ، ودون الرجوع إلى المصادر التاريخية الإباضية يقول بأن ما لدينا من معلومات عن مذهب الإباضية الأول في الشرق قليلة لا تمكننا من الإجابة عن هذا السؤال(7) .
وبالإضافة إلى رغبتي الذاتية في دراسة الإباضية بالمغرب العربي , دعتني إلى كتابة هذا المقال التساؤلات الآتية :
هل مذهب الإباضية قائم على أساس عقلي أم على أساس يجمع بين النقل والعقل ؟ أي هل أن الإباضية يرون أن العقل بمفرده يعرف حسن الأعمال وقبحها ، ونفعها وضرها ، ويوجب فعل الحسن ويحرم فعل القبيح ، وأن النقل يأتي مؤكدا لما تقرر في العقل ؟ ، وما هي المسائل العقائدية التي جمعت بين الإباضية والمعتزلة ؟ ، والمسائل العقائدية التي جمعت بين الإباضية والأشاعرة ؟ . (1/2)
صفحة 3
... ونشير إلى أنه ليس لدينا من المصادر أو الوثائق ما يوحي بتأثر أوتأثير بين الإباضية من جهة والمعتزلة والأشاعرة من جهة أخرى ، وربما أن كل فرقة توصلت إلى آرائها بناء على تفسير أئمتها وعلمائها للقرآن الكريم وما صحّ لديها من أحاديث وآثار ، وما اطلعت عليه من مذاهب المخالفين مسلمين وغيرهم .
... كما نشير إلى أن الإباضية اعتنوا بإنشاء التعريفات العقائدية والفلسفية وبناء الأدلة العقلية المستمدة من القرآن الكريم في الرد على المخالفين وإبطال آرائهم كما صنع أبو عمار عبد الكافي الإباضي في كتابه (الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف) وأبو طاهر الجيطالي في كتابه (قناطر الخيرات) .
ثالثا - الصلة بين الإباضية والمعتزلة :
من خلال اطلاعي على المصادر العقائدية لدى الإباضية والمعتزلة لاحظت التشابه والالتقاء بين المذهبين في المسائل الآتية :
1 – الصفات الإلهية :
... يصف الإباضية الله بصفاته العليا التي تليق به وينفون عنه صفات المحدثين ويوجبون العلم بكونه تعالى حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما منزها عن حلول الحوادث(8) .
... ويرى الإباضية أن صفات الله تعالى ليست محدثة كائنة بعد أن لم تكن ، بل هي صفات لم يزل الله متصفا بها في الأزل والحال إذ لو حدث العلم في اعتقادهم لكان قبله جاهلا ولو حدثت القدرة لكان قبلها عاجزا ولو حدثت الحياة لكان قبلها مواتا ولو حدثت الإرادة لكان قبلها مستكرها ، ومن اتصف بهذه الصفات السلبية لم يقدر على أن يحدث علما ولا قدرة ولا شيئا من الأشياء(9) .
... ويذهبون إلى أن صفاته سبحانه ليست معاني غيره ولا هي قائمة بذاته ، فصفاته هي عين ذاته(10) ، وهذا خوفا من الوقوع في القول بتعدد القدماء ونقض التوحيد ، إذ الله تعالى متصف عندهم بصفة القدم بمعنى أنه لا أول لوجوده كما أن صفاته قديمة غير محدثة . (1/3)
صفحة 4
... وهذا الرأي في صفات الله قد اعتقده المعتزلة الذين يقولون إن الله قادر عالم حي موجود لذاته ولا يجوز أن يقال إن الله عَلِم بعلم وقدر بقدرة وأراد بإرادة لأنه يوهم عليه تعالى الاستعانة بتلك الصفات تعالى عن ذلك علوا كبيرا (11) .
2 – تأويل الآيات الموهمة للتشبيه :
... لمواجهة المشبهة يؤول الإباضية الآيات القرآنية الموهمة لتشبيه الله بخلقه إلى معان تجيزها اللغة العربية ، فاستواء الله على عرشه في قوله تعالى : (الرحمان على العرش استوى) (12) هو استواء القهر والغلبة والاستيلاء كما قال الشاعر :
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق(13)
والمجيء في قوله تعالى : (وجاء ربك والملك صفا صفا)(14) فيحمله عبد الكافي الإباضي على معنى جاء أمره وثوابه وعقابه ، وهذا التأويل عنده كتأويل قوله تعالى : (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم) (15) إذ حمل المجيء هنا باتفاق على معنى إنما جاءهم الكتاب من عند الله ولم يأتهم الله بنفسه(16) .
... وهذا النوع من التأويل الذي ذهب إليه الإباضية نجده عند المعتزلة ومتأخري الأشاعرة الذين فسروا استواء الله على عرشه بالاستيلاء والقهر والغلبة ، والمجيء بالأمر لأن الملِك إنما يأتي بأمره أو بتسلطه ، والعين بالعلم والحفظ ، واليد بالقوة والقدرة(17) .
3 – نفي رؤية الله في الآخرة :
ومما يلتقي فيه الإباضية مع المعتزلة من العقائد نفي رؤية الله في الآخرة ، ويستدل الإباضية على هذا بقوله تعالى : (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) (18) ، والذي دعاهم إلى نفي الرؤية هو وجوب تنزيه الله عن مشابهة الحوادث ، إذ الرؤية تؤول في اعتقادهم إلى اختصاصه تعالى بالمكان والجهة وإلى مشابهته بخلقه(19) . (1/4)
صفحة 5
... ويؤول الإباضية الآيات التي ترد بالإخبار عن الرؤية إلى ما يقتضيه مذهبهم في التوحيد كما هو الحال لدى المعتزلة ، فقوله تعالى : (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)(20) لا يحُمل عندهم على معنى رؤية الأبصار وإنما يراد به الانتظار والترقب لما يأتي من عند الله من جزيل ثوابه(21) ، وهذا التفسير لمعنى النظر في الآية ذهب إليه المعتزلة(22) .
4 – خلق القرآن :
... يرى الإباضية أن القرآن مخلوق لأنه موصوف بالنزول والذهاب والحدوث وغير ذلك من معاني المخلوق ودلائل الحدث(23) ، فهم ينظرون إلى القرآن من جهة القراءة باللسان والحفظ في القلب والكتابة في المصحف وهذه أفعال حادثة كانت بعد أن لم تكن ، فالقرآن لم يكن في العهد الجاهلي ثم ابتدأ نزوله آية فآية وسورة فسورة ، كما أن لبعضه أسباب نزول كما له أوقاتا مفصلة نزل فيها ، وهذا الرأي اشتهر عند المعتزلة واستدلوا على صحته بدلائل عقلية(24) .
5 – الموقف من المؤمن صاحب الذنب الكبير حالا ومآلا :
... ذهب الإباضية إلى عدم تسمية صاحب الكبيرة مؤمنا لأن المؤمن اسم مدح لا يُسمى به إلا الموفي بالدين اعتقادا وقولا وعملا(25) ، وبهذا فإن اسم المؤمن يُستحق بالعمل الذي يشكّل جزءا لا يتجزأ من الإيمان ، وصاحب الكبيرة قد أحبط ما معه من عمل الطاعة فكيف يسمى مؤمنا ؟ .
... وإلى هذا القول ذهب المعتزلة وتعللوا بأن صاحب الكبيرة يستحق الذم والإهانة ، واسم المؤمن صار بالشرع اسما لمن يستحق المدح والموالاة(26) . (1/5)
صفحة 6
... ويعتقد الإباضية أن أهل الكبائر من هذه الأمة مخلدون في العذاب ، وأنه دون عذاب المشركين(27) ، ويرجع هذا الاعتقاد إلى اعتبار العمل شرط صحة في الإيمان وإلا بطل واختل ، وبذلك فصاحب الكبيرة لا ينفعه تصديقه وطاعته إذا لم يؤب من معصيته ، وهذا ما ذهب إليه المعتزلة إذ قالوا أن صاحب الكبيرة يستحق العقاب على طريق الدوام استنادا إلى آيات عموم الوعيد فإنها كما تدل على أن صاحب الكبيرة يُفعل به ما يستحقه من العقوبة تدل على أنه يُخلد(28) .
... كذلك يعتقد الإباضية أن أهل الكبائر الذين استوجبوا العقاب لا يصيرون بشفاعة النبي محمد عليه الصلاة والسلام إلى الثواب لأنها (أي الشفاعة) مقصورة على التائبين من المذنبين أو المؤمنين الذين ماتوا على الطاعة زيادة لهم في الثواب وتشريفا في المنازل ، ويستدلون بالآيات القرآنية التي تنفي مطلق الشفاعة مثل قوله تعالى : (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) (29)(30) ، وهذا الاعتقاد موافق لما ذهب إليه المعتزلة الذين قالوا بأن شفاعة النبي محمد عليه السلام إنما ثبتت للتائبين من المؤمنين ، أما عصاة الموحدين فليسوا أهلا لها لأن عقابهم دائم(31) .
6 – تأويل ميزان وصراط يوم القيامة :
... ومن المسائل المتعلقة بالثواب والعقاب يوم القيامة الميزان والصراط ، أما الميزان فهو عند الإباضية ليس حسيا بل هو تمييز العمال وتفصيلها والمجازاة عليها ، وكذلك الصراط ليس طريقا حسيا فوق جهنم وإنما هو طريق الإسلام ، ووصفه بأنه أدق من الشعر وأحدّ من السيف إن صح يقصد به صعوبة الاستمساك بالإسلام وسط أمواج الرغبات والشهوات(32) .
... وفي هذه المسألة خالف أبو طاهر الجيطالي الذين حملوا صراط يوم القيامة على غير حقيقته ، وقال بأنه جسر موضوع على متن جهنم ويدل عليه قوله تعالى : (فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون)(33) ، إذ لا يمكن حمل الصراط المذكور في الآية على طريق الإسلام(34) . (1/6)
صفحة 7
... وفي تأويل الميزان والصراط إلى غير الظاهر اتفق الإباضية مع المعتزلة الذين فسّروا الميزان بالعدل والصراط بالأدلة الدالة على الطاعات التي من تمسك بها نجا من النار(35) .
ثانيا - الصلة بين الإباضية والأشاعرة :
... التقى الإباضية والأشاعرة في قضايا ومسائل منها ما ذُكر سابقا كتأويل الآيات القرآنية الموهمة للتشبيه ، والذي ذهب إليه – أي التأويل – الإباضية والمعتزلة ومتأخرو الأشاعرة ، ومنها قضايا القدر والصلاح والأصلح والنبوة .
1 – القدر :
يعتقد الإباضية أن كل حادث في العالم فهو خلقُه سبحانه وفعله لا خالق له سواه ، وأن أفعال العباد مخلوقة لله ومتعلقة بقدرته(36) ، وفي هذا الاعتقاد يلتقي الإباضية مع الأشاعرة القائلين بأن الله خالق أفعال العباد كما أنه خالق الأجسام(37) .
... ويستدل أصحاب هذا الاعتقاد على صحته بالسمع والعقل ، أما السمع فمنه قوله تعالى : (الله خالق كل شيء)(38) ، وقوله : (والله خلقكم وما تعملون)(39) ، وأما من جهة العقل فإن سائر الحيوانات يصدر منها من الأعمال والصناعات ما تتحير فيه عقول ذوي الألباب ، فكيف انفردت هي بخلقها واختراعها عن الله وهي غير عالمة بتفصيل ما يصدر منها(40) .
... وفي مسألة فعل العبد يجتمع الإباضية والأشاعرة في اعتقاد أن العبد مكتسب لفعله وليس خالقا له ، وأن خلق الله لأفعال عباده وحركاتهم لا يخرجها عن كونها مقدّرة على سبيل الكسب(41) .
... والكسب هو فعل العبد باختياره وإرادته ، والذي يترتب عليه الوعد والوعيد والثواب والعقاب ، وبذلك فهو يتضمن الإيمان والكفر والخير والشر والعدل والظلم ، ولا يتضمن الكسب الأعمال الضرورية التي تصدر عن الإنسان بغير إرادته ولا مشيئته . (1/7)
صفحة 8
... ويستند القائلون بالكسب من الإباضية والأشاعرة إلى النقل والعقل ، فالنقل منه قوله تعالى : (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم)(42) ، فالله سبحانه أضاف القتل إلى العباد والتعذيب إلى نفسه في فعل واحد ، والتعذيب هو عين القتل(43) ، ومنه قوله تعالى : (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)(44) ، أي أن العبد مكتسب لأفعاله من طاعة ومعصية(45) .
... وأما العقل فيرشد إلى أن كسب العبد ليس جبرا لأنه يدرك الفرق بين الحركة الاختيارية والرعدة الضرورية ، كما أن هذا الكسب ليس خلقا لأن العبد لا يحيط علما بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها(46) .
... ويعتقد الإباضية أن فعل العبد وإن كان كسبا فلا يخرج عن كونه مرادا لله سبحانه فلا تجري في ملكه تعالى طرفة عين ولا فلتة خاطر إلا بقدره وإرادته ، وأن منه الخير والشر والنفع والضر والإسلام والكفر يضل من يشاء ويهدي من يشاء(47) ، وبهذا الاعتقاد قال الأشاعرة(48) .
... وقد احتج القائلون بهذا الاعتقاد من الإباضية والأشاعرة بالنقل والعقل ، أما النقل فمنه قوله تعالى : (لو يشاء الله لهدى الناس جميعا) (49) ، وقوله تعالى : (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها)(50) ، وفي الآيتين الدلالة على أنه لا يكون في الأرض من هدى وضلال إلا بمشيئة الله وإرادته ، وأما من جهة العقل فإن الله لو أراد شيئا وأراد غيره شيئا فوجد مراد غيره دون مراده كان ذلك دليل العجز والغلبة ، وكذلك لما ثبت أن أفعال العباد مخلوقة لله صح أنها مرادة له(51) .
... ولكل فعل من أفعال العباد قدرة متعلقة به أساسها صحة النفس والجسد وسلامتهما من الآفات والعلل ، هذه القدرة يختلف بها الفعل الاختياري عن الفعل الاضطراري ، كما أنها سبب التكليف والثواب والعقاب لأن العاجز غير مكلف . (1/8)
صفحة 9
... وفي هذه المسألة يلتقي الإباضية مع الأشاعرة ، فيذهبون إلى أن القدرة مع الفعل لا تتقدمه ولا تتأخر عنه لأنها وصف للعبد المكتسب وخلق للرب سبحانه فهو خلق القدرة والمقدور جميعا ، مثل الفعل الذي تحقق بتلك القدرة هو خلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له(52) .
2 – الصلاح والأصلح :
... نظرية الصلاح والأصلح من أبرز مرتكزات العدل عند المعتزلة ، وبيانها أنه ما دام الله عادلا فهو لن يفعل إلا ما هو أصلح لعباده ، وأوجب المعتزلة بهذا الاعتقاد على الله تعالى أن يخلق الخلق لأن خلقهم فيه نفع لهم وصلاح ، ولا يجوز له أن يفعل شيئا جزافا لا علة له حتى الأطفال لا يؤلمهم الله في الدنيا إلا عبرة للبالغين ، كما أوجبوا أن يكلف الله الخلق لأن التكليف هو السبيل إلى معرفته ، ولهذا قرروا أن بعثة الأنبياء واجبة وأوجبوا على الله المعاد للتفرقة بين المحسن والمسيء(53) .
... وفي هذا الاعتقاد رأى الإباضية أن الله تعالى لا يجب عليه شيء في الخلق والتكليف إذ أن له الفضل في خلق عباده والمشيئة المطلقة في تكليفهم(54) .
... وتوقف الإباضية والأشاعرة عند مذهب المعتزلة في الصلاح والأصلح ورأوا أنه مذهب فاسد لأن الله لا يتضرر بترك مصلحة عباده ، وإذا لم يتضرر لم يكن للوجوب في حقه معنى ، ولأن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة ، أما أن يخلقهم في دار البلايا ويعرضهم للذنوب والخطايا ثم يحاسبهم ويعرضهم للعقاب فما في ذلك مصلحة(55) .
3 – جواز بعثة الأنبياء :
... الإيمان بجواز بعثة الله للأنبياء ووجوب الإيمان بهم من أصول الدين وأسسه عند الإباضية حيث لا يخرج الإنسان من الشرك حتى يقر ببعثة الأنبياء وصدق ما جاءوا به ، كما يجب أن يقر برسالة محمد عليه السلام المؤيدة بالمعجزات ونسخها لما قبلها من الشرائع(56) . (1/9)
صفحة 10
... وفي بعثة الأنبياء ذهب المعتزلة إلى تعليق ظهور النبوة بوجوب رعاية المصلحة ، وقالوا إنه تعالى إذا علم أن صلاحنا يتعلق ببعثة رسول مؤيد بعلم معجز دال على صدقه فيجب أن يفعل ذلك ولا يجوز له الإخلال به ، ومن العدل ألا يخل بما هو واجب عليه(57) .
... وقد رد الإباضية والأشاعرة مذهب المعتزلة في الربط بين النبوة ووجوب رعاية المصلحة ، وقالوا بأن الله لا يجب عليه بعثة الأنبياء لأنه سبحانه يفعل ما يشاء بعباده ، ولأن المصلحة والمفسدة إنما تعرفان من جهة الشرع(58) .
خاتمة :
... توصلنا في هذا المقال إلى أن هناك آراء عقائدية تجمع بين الإباضية والمعتزلة في الصفات الإلهية وتأويل الآيات القرآنية الموهمة لتشبيه الله بخلقه ، ونفي رؤية الله في الآخرة وخلق القرآن ، والموقف من الموحد صاحب الكبيرة في عدم تسميته مؤمنا وتخليده في النار إذا لم يتب من ذنبه ، وآراء عقائدية أخرى تجمع بين الإباضية والأشاعرة في القدر والصلاح والأصلح والنبوة ، وهذا يعني أن هناك تأثرا وتأثيرا بين الإباضية من جهة والمعتزلة والأشاعرة من جهة أخرى ، أو أن كل فرقة توصلت إلى آرائها من خلال تفسير القرآن الكريم وما حُفظ لديها من أحاديث وآثار ، وما كانت عليه البيئة العقائدية المحيطة بها حين تبنت هذه الآراء .
... كما توصلنا إلى أن لعلماء الإباضية مؤلفات عديدة في تأصيل المسائل العقائدية وشرحها وبيان أدلتها وبراهينها المستندة إليها ، وهذا يعود إلى أن هذه المسائل حظيت عندهم بالقيمة والمكانة الكبرى .
الهوامش : (1/10)
صفحة 11
1 – والمثال دليل التمانع المستمد من قوله تعالى : (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) [الأنبياء 22] ، وبيانه أنه لو كان إلهان اثنان وأراد أحدهما أمرا فالثاني إن كان مضطرا إلى مساعدته كان مقهورا له عاجزا ولم يكن إلها قادرا ، وإن كان قادرا على مخالفته كان الثاني قويا قاهرا ، والأول ضعيفا قاصرا فلم يكن إلها قادرا ، وهذا الدليل أخذ به المتكلمون للدلالة على وجوب توحيد الله في العبادة لأنه سبحانه واحد في الخلق والرزق لا يشاركه غيره . (أبو عمار عبد الكافي : الموجز ، تحقيق عمار طالبي ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر ، 1398هـ ، ج1 ، ص 266 ، والجيطالي (أبو طاهر إسماعيل) : قناطر الخيرات ، تحقيق عمرو خليفة النامي ، دون ذكر دار النشر ، ص 296 ، ، والباقلاني (أبو بكر محمد) : الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ، تحقيق محمد زاهد الكوثري ، مكتبة الخانجي ، القاهرة ، ط3 ، 1413هـ ، ص 33 ، والبغدادي (أبو منصور عبد القاهر) : أصول الدين ، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي ، دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، ط1 ، 1401هـ ، ص 69 ، وأبو حامد الغزالي : إحياء علوم الدين ، دار القلم ، بيروت ، ط3 ، ج1 ، ص 101 ، والقاضي عبد الجبار الهمذاني : الأصول الخمسة ، دار الأنيس ، الجزائر ، 1990م ، ج1 ، ص 118) .
2 – الشهرستاني (محمد بن عبد الكريم) : الملل والنحل ، تحقيق أمير علي مهنا وعلي حسن فاعور ، دار المعرفة ، بيروت ، ط5 ، 1996 ، ج1 ، ص 158 .
3 – تاديوس ليفيتسكي : المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية ، ترجمة ريما جرار وماهر جرار ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، ط1 ، 2000م .
4 – إلفرد بل : الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي ، ترجمة عبد الرحمان بدوي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، ط2 ، 1981م .
5 – نجيب العقيقي : المستشرقون ، دار المعارف ، مصر ، ط4 ، ج1 ، ص 202 . (1/11)
صفحة 12
6 – هذا البحث ضمن كتاب (التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية) ، دراسات لكبار المستشرقين ترجمها عبد الرحمان بدوي ، دار القلم ، بيروت ، ط4 ، 1980م .
7 – كارلو ألفونسو نلينو : الصلة بين مذهب المعتزلة ومذهب الإباضية المقيمين في إفريقيا الشمالية ، ضمن كتاب (التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية) ، ترجمة عبد الرحمان بدوي ، دار القلم ، بيروت ، ط4 ، 1980م ، ص 208 ، 209 ، 210 .
8 - أبو زكريا الجناوني (يحي بن أبي الخير) : الوضع ، تحقيق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش ، مطبعة الفجالة الجديدة ، ص 11 ، وأبو عمار عبد الكافي : الموجز ، ج1 ، ص 429 ، والجيطالي (أبو طاهر إسماعيل) : قناطر الخيرات ، ص 297 .
9 – أبو عمار عبد الكافي : الموجز ، ج1 ، ص 430 ، والجيطالي : قناطر الخيرات ، ص 301 ، وابن جميع (أبو حفص عمرو) : عقيدة العزابة ، تحقيق عمر بازين ، المطبعة العربية ، غرداية ، ط1 ، 1417هـ ، ص 56 .
10 – أبو زكريا الجناوني : الوضع ، ص 22 ، والجيطالي : قناطر الخيرات ، ص 300 .
11- القاضي عبد الجبار : الأصول الخمسة ، ج1 ، ص 134 ، 135 .
12 – طه 4 .
13 - عبد الكافي : المصدر السابق ، ج1 ، ص 372 ، والجيطالي : المصدر السابق ، ص 294 .
14 - الفجر 24 .
15 - الأعراف 51 .
16 - عبد الكافي : المصدر السابق ، ج1 ، ص 374 .
17 - القاضي عبد الجبار : الأصول الخمسة ، ج1 ، ص 158 ، وأبو حامد الغزالي : إحياء علوم الدين ، ج1 ، ص 100 ، وجلال الدين السيوطي : الإتقان في علوم القرآن ، دار المعرفة ، بيروت ج2 ، ص 10 .
18 - الأنعام 104 . (1/12)
صفحة 13
19 - الربيع بن حبيب الأزدي : الجامع الصحيح على ترتيب الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني ، دار الفتح ، بيروت ، ومكتبة الاستقامة ، مسقط ، 1388هـ ، باب ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى : (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) ، ج3 ، ص 227 ، وأبو عمار عبد الكافي : المصدر السابق ، ج1 ، ص 415 ، والجيطالي : المصدر السابق ، ص 295 .
20 - القيامة 21 ، 22 .
21 – الربيع بن حبيب : المصدر السابق ، ج3 ، ص 227 ، وأبو عمار عبد الكافي : المصدر السابق ، ج1 ، ص 414 . وللنظر أكثر في هذا الموضوع عند الإباضية ينظر : الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح ، باب في قوله تعالى : (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، ج3 ، ص 232 ، وباب في قوله تعالى : (رب أرني أنظر إليك) ، ج3 ، ص 237 ، وأبو عمار عبد الكافي : الموجز ، ج1 ، ص 382 ، 394 ، 397 .
22 - لمعرفة رأي المعتزلة في هذا الموضوع ينظر القاضي عبد الجبار : المصدر السابق ، ج1 ، ص 162 ، 172، والزمخشري : الكشاف عن حقائق التأويل ، دار الكتاب العربي ، ط3 ، 1407هـ ، ج4 ، ص 662 .
23 – الجيطالي : المصدر السابق ، ص 299 ، وابن جميع (أبو حفص عمرو) : المصدر السابق ، ص 56 .
24 – القاضي عبد الجبار : المصدر السابق ، ج1 ، ص 194 ، 199 ، وأبو الحسين الخياط (عبد الرحيم بن محمد) : الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد ، تحقيق نيبرج ، الدار العربية للكتاب ، القاهرة ، ط2 ، 1413هـ ، ص 57 .
25 - الربيع بن حبيب الأزدي : الجامع الصحيح ، باب الحجة على من قال أن أهل الكبائر ليسوا بكافرين ، ج3 ، ص 201 ، وأبو زكريا الجناوني : الوضع ، ص 16 ، وابن جميع : عقيدة العزابة ، ص 46 ، واطفيش : الذهب الخالص ، ص 65 .
26 - القاضي عبد الجبار : المصدر السابق ، ج2 ، ص 341 ، وأبو الحسين الخياط : المصدر السابق ، ص 166 . (1/13)
صفحة 14
27 – الربيع بن حبيب : المصدر السابق، ج4 ،ص 279 ، والجيطالي : المصدر السابق ، ص 365 ،واطفيش : المصدر السابق ، ص 66 .
28 - القاضي عبد الجبار : المصدر السابق ، ج2 ، ص 303 ، 311 .
29 – الشعراء 100 ، 101 .
30 – الربيع بن حبيب : المصدر السابق ، ج4 ، ص 279 ، 281 ، والجيطالي : المصدر السابق ، ص 321 ، وعلي يحي معمر : الإباضية ، ص 60 .
31 - القاضي عبد الجبار : المصدر السابق ، ج2 ، ص 329 .
32 - الجيطالي : المصدر السابق ، ص 317 ، 318 ، وعلي يحي معمر : المصدر السابق ، ص 58 .
33 – الصافات 23 ، 24 .
34 - الجيطالي : المصدر السابق ، ص 319 .
35 - القاضي عبد الجبار : المصدر السابق ، ج2 ، ص 367 ، 370 .
36 - الربيع بن حبيب : المصدر السابق ، باب ما جاء في الحجة على القدرية ، ج3 ، ص 207 ، وأبو زكريا الجناوني : المصدر السابق ، ص 22 ، والجيطالي : المصدر السابق ، ص 300 ، وابن جميع : المصدر السابق ، ص 3 .
37 – الأشعري (أبو الحسن علي) : مقالات الإسلاميين ، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ، دار الحداثة ، بيروت ، ط2 ، 1405هـ ، ج1 ، ص 321 ، والباقلاني (أبو بكر محمد) : المصدر السابق ، ص 43 ، والبغدادي (أبو منصور عبد القاهر) : المصدر السابق ، ص 134 ،والغزالي : المصدر السابق ، ج1 ،ص 103 .
38 – الزمر 59 .
39 – الصافات 96 .
40 - الغزالي : المصدر السابق ، ج1 ، ص 103 ، والجيطالي : المصدر السابق ، ص 300 .
41 – الباقلاني : المصدر السابق ، ص 45 ، والبغدادي : المصدر السابق ، ص 134 ، والغزالي : المصدر السابق ، ج1 ، ص 103 ، والجيطالي : المصدر السابق ، ص 304 ، واطفيش : المصدر السابق ، ص 22 .
42 – التوبة 14 .
43 - الجيطالي : المصدر السابق ، ص 304 .
44 – البقرة 285 .
45 - الباقلاني : المصدر السابق ، ص 45 . (1/14)
صفحة 15
46 - الباقلاني : المصدر السابق ، ص 46 ، والبغدادي : المصدر السابق ، ص 136 ، والغزالي : المصدر السابق ، ج1 ، ص 103 ، والجيطالي : المصدر السابق ، ص 304 ، واطفيش : المصدر السابق ، ص 22 .
47 - الجيطالي : المصدر السابق ، ص 305 .
48 – الأشعري : المصدر السابق ، ج1 ، ص 320 ، والباقلاني : المصدر السابق ، ص 43 ، والبغدادي : المصدر السابق ، ص 134 ، والغزالي : المصدر السابق ، ج1 ، ص 103 .
49 – الرعد 32 .
50 – السجدة 13 .
51 - الباقلاني : المصدر السابق ، ص 44 ، والغزالي : المصدر السابق ، ج1 ، ص 103 ، والجيطالي : المصدر السابق ، ص 305 .
52 - الأشعري : المصدر السابق ، ج1 ، ص 321 ، والباقلاني : المصدر السابق ، ص 46 ، والجيطالي : المصدر السابق ، ص 304 .
53 – زهدي جار الله : المعتزلة ، دار الأهلية للنشر والتوزيع ، بيروت ، 1974م ، ص 104 ، 105 ، وعبد الستار الراوي : العقل والحرية (دراسة في فكر القاضي عبد الجبار المعتزلي) ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ط1 ، 1400هـ ، ص 358 ، 359 .
54 - الجيطالي : المصدر السابق ، ص 306 ، واطفيش : المصدر السابق ، ص 29 .
55 - الجيطالي : المصدر السابق ، ص 307 ، والغزالي : المصدر السابق ، ج1 ، ص 104 .
56 - الجيطالي : المصدر السابق ، ص 311 ، وابن جميع : المصدر السابق ، ص 3 .
57 – القاضي عبد الجبار : المصدر السابق ، ج2 ، ص 225 .
58 - الجيطالي : المصدر السابق ، ص 308 ، والغزالي : المصدر السابق ، ج1 ، ص 104 ، 105 . (1/15)