صفحة 1
الكتاب: العرى الوثيقة، شرح [منظومة]: كشف الحقيقة لِمَن جهل الطريقة
النظم: للإمام/ عبد الله بن حميد السالمي (رحمه الله ورضي عنه)
المؤلف (الشرح): للشيخ/ سالم بن حمود السيابي
(انتهى المؤلف مِن كتابة شرحه بيده، في 29 رمضان المعظم 1395هـ)
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] [مبوب] العرى الوثيقة، شرح: كشف الحقيقة لِمَن جهل الطريقة
[*] بيانات المخطوطة
[*] مقدمة
[*] مقدمة في التعريفِ بهذه القصيدة
[*] المقام الأول
[*] المقام الثاني
[*] المقام الثالث
[*] المقام الرابع
[*] المقام الخامس
[*] المقام السادس
[*] المقام السابع (1/1)
صفحة 2
بيانات المخطوطة
هذا الكتاب المسمى العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة
للإمام السالمي عبدالله بن حميد - رحمه الله ورضي عنه -
التي خدم بها المذهب، و أعرب عنه بها في أصوله
و فروعه، جزاه الله عن كل أعماله خيرا.
سالم بن حمود بيده، فالنظم
للإمام المذكور، و الشرح
لمحرره سالم بن حمود
بيده. (1/2)
صفحة 3
[ مقدمة ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي حكم بالنجاة لمَنْ تمسَّك في الدِّين بالعرى الوثيقة، و أرشد مَن ارتضاه مِن عباده لنهج الحقِّ، و أوضحَ له كشف الحقيقة.
و الصلاة و السلام على مَنْ شَرَحَ الله صدره، و أَعلى مقامه و ذكره، و أبان له الطريقة، سيدنا المصطفى مِن العناصر الطيبة، ونبينا المجتبى من الأرومات (1)العريقة، محمد صفوة الأولين و الآخرين، وعلى آله الغُرِّ الميامين، و أصحابه المخلصين، و أتباعهم إلى يوم الدِّين.
أما بعد :- فإنَّ كشف الحقيقة التي نظمها الإمام العلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي، خاتمة السلف الصالحين التي رَدَّ بها على القادحِ في مذهبِ المسلمين، و أوضح بها سبيل المؤمنين، و نَصَبَ بها معالم الدِّين، و جعلها الكفيلة بإلجام الخصوم الحجج التي تُدْهِشُ البراهين، و أوضحَ بها أصل المذهب لِمَنْ كان به جاهلاً، و أَبَانَ بها السبيل الصادق لمن كان عنه غبياً غافلاً، و أَشْرَقَ في سمائها شموس الحقِّ، فأزاحت غَيْهَبَ الجهل فاضمحلَّ و تمزَّق.
فقد دعتني الهمَّةُ لتعليق شرحٍ على نظمها البديع، وساقتني الرغبة لبناء صَرْحٍ على عرشها الرفيع، مُوَضِّحاً به معالم المذهب، رغم أعدائه المعاندين، و كاشفاً به حُجَبَ الضلالات والأهواء عن الصراط المستقيم، و الحق المبين، جاعلاً ذلك في مقامات مُخَصَصَة، كُلُّ مقامٍ يجد فيه المطالع بُغْيَةً طالما اشتاق إليها و تمناها،[1] و رأى فيه ما يُشْفِي عُضَال النفوس بارتشاف حُمَيَّاها (2)، مبنيةً على قواعد آيات الكتاب العزيز في أصول مَبْنَاها، و مؤيدة بنصوص من الحديث، أشبه بسلاسل الإبريز (3) في تسلسل معناها.
=============================================
(1) - الأرومات جمع الأرومة و هي الأصل ( لسان العرب، 1 / 92 ) مادة أرم.
(2) أي أول سَوْرَتِها ( مختار الصحاح / 66 ) مادة ( ح م ي).
(3) الإبريز : الذهب الخالص ( لسان العرب 2 / 61 ) مادة (ب ر ز ). (1/3)
صفحة 4
مقدمة في التعريفِ بهذه القصيدة
اعلمْ أَنَّ هذه القصيدة الرجزية جاءت دَعامةً كبيرةً للمذهب، و مصباحاً منيراً في أُفُقِ الإسلام، و إِنَّ صدَّ عنها الجهول و تَنَكَّب، قلَّ أَنْ يوجد مثلها في بابها، و لم يكن في سالف الأيام من أَتْرَابِها، فهي - و الحقيقة - مِنْ ذلك العليم لم تُستغربْ، فقد أبانت أصول المذهب الاعتقادية، و العلمية، و الأدبية ؛ رغم كُلِّ غِرٍّ جهول لم يدر أين يذهب، و أوضحت مشاكل الخلاف بين الأسلاف، و بَيَّنَت مناهج المتمذهبين في الإسلام بقواعدَ لا تقبل الاعتساف، و أعادت معالمَ الدِّين في الإسلام معلومة الصُّوَى (1)، و نصبت للسَّارين في سبيل الحق طُرُقَ الهدى، فهي - و الحقُ الذي لا مِرْيةَ فيه - دليلُ الحائرين، و عمدةُ المسترشدين، و معتمد الدعاة إلى سبيل المؤمنين، أوضحت مسالك المذهب أيَّما إيضاح، و أفصحت عن مبادئه الكريمة غاية الإفصاح، و أقامت صروح أهل الحق في أرجاء العدل شامخة الأركان لمنْ ألقى إليها السمع و هو شهيدٌ، كائناً مَنْ كان. (1/5)
صفحة 5
جامعةٌ لأصول الدين، و لوازم الاعتقاد، شاملةٌ لسياسة المسلمين في مصالح العباد، معربةٌ عن أُصُول الإسلام عامة، و الإباضيين خاصة بمعالم الرشاد، كادت أَنْ [2] تحتوي على مهام الفقه في الدين، بعباراتها وإشاراتها و لا ريب، فقد صدعَ فيها بالحقِّ في سبيل السير إلى الله، و قد أشار على أحوالِ الملوك الظلمة في الإسلام، و أعربَ عنْ أهل الحقِّ في هذا الأنام، فبَانَ بذلك المُحِقِّ من المُبْطل، و اهتدى إلى الرُّشد كل مَنْ كان له يجهل، و ذَكَرَ أحوالَ الصحابة، و ما دَارَ بينهم من خلافٍ، فإنَّهم هم الحُجُّةُ لمن بعدهم، و عليهم يدور مِحْوَرُ مَنْ رامَ سلوك طريقهم، و صَرَّحَ بالحكم فيهم عَدْلاً و إنصافاً، حَسْبَ ظاهر ما أوجب الله فيهم و لهم، و ذَكَرَ العصاة من أهل الملَّةِ الإسلامية و ضررهم، و فساد أعمالهم، و أوضح الحكم فيهم، و إِنْ كانوا من أهل السعادة عند الله، فللدُّنيا أحكامٌ لا بُدَّ للمُكَلَّف من القول بها، و الاعتماد على أصولها. (1/6)
صفحة 6
وأشاد بذكر الافتراق، و ما ترتب عليه من حقٍ و باطلٍ من المؤمنين و غيرهم، و ذكر مكارم أهل المذهب تصريحاً و تلويحاً، و أَنَّهم هم الفِرقة الناجية عندَ الله، و استدل على ذلك بأدلةٍ عقليةٍ و نقليةٍ، و منها الأنوار التي يُشْرِقُهَا الله عزَّ و جلَّ على قُبُورِ الأصحاب، يراها الناس رَأْيَ العين بلا التباسٍ و لا ارتيابٍ، كما كَشَفَ غَيْهَبَ (2) الجهل المغطِّي على المذاهب الأخرى، و ما لها من أصول، و ما عليها من فصول، و ما يَجِبُ في حق المتسمَّين بالإسلام على العموم، و ما هنالك من خصوصٍ في منطوقٍ و مفهومٍ، و معاملة المسلمين في الحقوق العامة المشتركة، ومن تَجِبُ مُرَاعَاتهم في الدِّين، أو مُبَاعَدَتِهم في حكم ربِّ العالمين، و ما يُكَلَّفُ به كُلُّ واحدٍ في [3] خاصة نفسه، و يفترض عليه حتى يوافى حلول رَمْسِهِ (3)، و ما يكتفي به المسلمون من أهل القبلة على الإجمال، و ما يتعلق بالتبشير الخطير، و أصول الاعتقاد التي اتفقَّ عليها أهل المذاهب، و ما اختلفوا فيه منها، ببيانٍ واضحٍ، و برهانٍ نَيِّرٍ زكيٍّ، غير مُتعصِّب لغير الحقِّ، ولا تابع لغير أهل الصدق، شأن العلماء العاملين، الذين جعلهم الله حجته على عباده، وعمدته في بلاده ؛ فإنَّ أهل الحقِّ قليلون في كل زمان، و الثابتين على الصراط المستقيم، والطريق السويِّ، أقلَّ منهم بغير نكران.
و كان هذا العالم الجليل من الطِّرَاز (4) الذي ذكرناه، بعثه الله ليقوم بتأييد الدِّين رغم أعدائه، فكان سيفاً صارماً بأعناق المفاسد، و بدراً مُشْرِقاً في غياهب الجهل، رغم كل جاهلٍ معاندٍ.
===========================================
(1) الصُّوَى :الأعلام من الحجارة، الواحدة صُوَّةٌ، و في الحديث (( إن للإسلام صُوَّى و منارا كمنار الطريق )) ( مختار الصحاح / 157 ) مادة ( ص و ى )، و المقصود معلومة المعالم. (1/7)
صفحة 7
(2) الغَيْهَب : الظلمة، و الجمع غياهب ( مختار الصحاح /202) مادة ( غ هـ ب ).
(3) الرَّمْسُ : تراب القبر، و هو في الأصل مصدر رَمَسَ ( مختار الصحاح /108 ) مادة (ر م س )، و المعنى موته.
(4) الطِّراز : الهيئة، قال حسان بن ثابت :
بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطِّراز الأول
أي من النمط الأول ( مختار الصحاح / 164) مادة ( ط ر ز ). (1/8)
صفحة 8
و لمَّا سَمِعَ طَعْنَ الأغبياء، و تبجُّحَهُم بمذاهبهم المنهارة، وتعاظمهم بين مَنْ هم مِنْ أضرابهم، حَرَّكَتُهُ عزيمة الإيمان القوي ؛ فقام سهماً نافذاً في أكباد الطاعنين، و قبساً ساطعاً تَرْجِعُ به حَسْرَى أعين المتبجِّحين، و دعامةً كبرى لا تزعزع بِهَيْشَات (1) الفاسقين.
فأرهف حدَّ القلم القاطع لأعناق أُسْطُورَات المُتَفَيْهِقِين، كاشفاً عن سوءاتهم المستورة بأهواء الادَّعاء، و واضعاً للمسلمين أركاناً يأوي إليها كل متحيز للحقِّ في ميادين المهتدين.
فلا غَرْوَ أَنَّ كشف حقيقة هذا المذهب الصَّالح الصَّادق، الذي لا يَصُدُّ عنه إلا كُلُّ منافقٍ و مارقٍ، و لا يقدح فيه إلا كل معاندٍ مشاققٍ :
(2)
فقام ينكرها ليقوم [4] لها من يَنْشُرُها.
و إذا أَفَلَ نجم حقٍّ من هذا الأُفُقِ الإسلامي الصحيح أطلع الله أَنْجُماً تضيء عالم الكون بأجلى المصابيح.
فالإباضية زينة الإسلام ؛ لذلك يعاديهم فيه حاسدهم من الأنام، و هم عُمْدة الحقِّ الصَّادق أصلاً و فرعاً ؛ لذلك يناويهم عليه كائدوهم، و قد قرن الله الأنبياء بشياطين الجن و الإنس كما صَرَّحَ به في الكتاب العزيز المقدس الصحيح (3) لحكمة لا تخفى على ذي العقل الرجيح. (1/9)
صفحة 9
و قد أوجب الله على أوليائه جهاد أعدائه، و أصلح الله دينه بِخَيْرَةِ أوليائه، و عُمْدَة أصفيائه، و لو شاء الله أن ينصلح الكون بغير ذلك لكان، و لكن حِكْمَتَه تعالى تقتضي إخلاص الأعمال في هذا الميدان تمحيصاً لأهل الحقِّ، و تخصيصاً بأهل الصدق، و ردّاً على أهل الضلال، و أعيان العتاة من بني الإنسان، مما كان لهم من أعمال، حكمةٌ بالغةٌ من ذي العظموت و الجلال، سبحانه ما أعظم شأنه، و ما أَوْفَى ميزانه، و ما أجلَّ سلطانه، له الملك حقاً، و له كل ما في الكون صدقاً، و بيده مقاليد الأمور، و هو على كُلُّ شيءٍ قديرٌ.
================================
(1) الهَيْشُ : الإفساد و التحرك و الإكثار من الكلام ( القاموس المحيط / 788) مادة ( هـ ي ش ).
(2) البيت لأبي تمام من قصيدة مطلعها :
أَرْأَيتَ أَيّ سَوَالف و خُدُود عَنَّت لنا بين اللِّوى فَزَودِ
أَتْرَابُ غَافلة اللَّيالي ألَّفّت عقد الهَوى في يَارق و عُقُودِ
انظر شر ح ديوان أبي تمام للتبريزي ( 1/ 213).
(3) في قوله تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ )) الأنعام:112. (1/10)
صفحة 10
المقام الأول: [حكم الطاعن في الدين]
قال الإمام - رحمه الله و رضي عنه - :-
: [ الشرح ]
لقد استهل الإمام - رحمه الله - هذه القصيدة الرَّجزية بالمناقشة، و الرَّد على القادح في الدِّين الطَّاعن في مذهب[5] المسلمين، خلاف عادته في استهلال سائر مؤلفاته، و خلاف عادة المؤلفين مطلقا، كما استهل الله - عز و جل - سورة التَّوبة بعدم البسملة - التي هي آية الرحمة - مُعْلِناً في أولها براءته - عز و جل - و براءة رسوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - من المشركين إذ قال: "بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ " (1) الآية.
و كذلك استهلال هذه القصيدة، إذ كان غَضَباً لله، و جهاداً لأعداء الدِّين،الطَّاعنين في مذهب المسلمين، و هم كثيرون ؛ لأنَّ أنصار الحقِّ قليلون، و المُحِبُون لهم الأقلُّون. فانظر إلى أنصار النَّبيين - عليهم الصَّلاة والسَّلام - تجدهم الأقلِّين، و انظر إلى أنصار الجَبَابِرَة من الفراعنة، و الأكَاسِرَة، و التَّبابعة، و القَيَاصِرَة الظالمين، تجدهم ملء السَّهل و الجبل، و لا كذلك أنصار الحقِّ. فلذلك قال الإمام - رحمه الله - : " يَا أَيُّهَا القَادِحُ فِينَا أَقْصِرِ... "الخ لقد أغضبت أيها القادح إله الخلق تعالى، إذ قَدَحْتَ في الحقِّ، فإنَّ القدح في أهل الحقِّ قَدْحٌ في الحقِّ، والقدح في الحقِّ كفراً إجماعاً، لقد قلت : " شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا" (2)، حيث طعنت في دين الله، الذي ارتضاه لعباده، و أوحاه إلى خاتمة أوليائه، وصَفْوَة أنبيائه. (1/11)
صفحة 11
و القادح هو الطَّاعن في الدِّين، مأخوذ من قَدَحَ النار إذا أَوْرَاهَا، فإنَّ القدح يوري نار الحقد و يوقدها، و يُثِيرُ العاطفة و يُقْعِدُهَا.و قد نعى الله عز و جل على الطَّاعنين في الدِّين طعنهم، و هددهم قائلاً : " وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ " (3)، فسمَّاهم كافرين، و لا شكَّ أنَّ الطَّاعن في الدِّين رادٌّ على الله، أو على رسوله، أو عليهما معاً [6]، فهو كافرٌ، مشركٌ، ضالٌ، مارقٌ من الدين، كما يَمْرِقُ السهم من الرمية.
و لمَّا خاطبه بقوله: " يَا أَيُّهَا القَادِحُ " في البيت الأول، و أراد به جنس القادحين، قرَّر عليه هنا أنك إذا كنت لا تدري ما قَدْرَ قَدْحِكَ، أو لم تعلم في مَنْ قدحت، فقد قدحت في مذهب أهل الحقِّ، و القدح في مذهب أهل الحقِّ كم قالنا في المقدمة، قَدْحٌ في الحقِّ، و القدح في الحقِّ كفر قطعاً، و لا شكَّ أنَّ الله - عز وعلى - يغضب لأهل الحقَّ ؛ فالقادح فيهم مُعَرِّض نفسه لعقاب لا ينتهي، و عذاب لا ينقضي، إن لم يَتُبْ، و التوب يمحو الله به الذنب، و يُقِيلُ به العثرات.
و قد جاء الوعيد الشَّديد من الله العزيز المجيد لمن طعن في الدِّين، أو قدح في مذهب المسلمين - نعوذ بالله من الشَّقاوة والضَّلال بعد الهدى -.
و حكم الطَّاعن في الدِّين إن كان متأولاً، فهو كافرُ نعمة، و فاسقٌ، و ضالٌ، و منافقٌ، و يطلق عليه الكفر بذلك تبع للحديث عنه - صلى الله عليه و سلم - في أحوال متعددة، وهو هالك عند المسلمين، و هو في البراءة عندهم لارتكابه الموبقات. (1/12)
صفحة 12
قال القطب (4) و صاحب النيل (5) - رحمهما الله - :- " الطَّعن في المسلمين طَعْنٌ في دينهم كعكسه"، قال : " وهو إِنْ طَعَنَ في دينهم طَعَنَ فيهم، و ذلك كأن يقول الطَّاعن ليسوا على شيء، أو ليس دينكم صحيحاً، أو نحو ذلك. و سواء في ذلك أَنْ يطعن في الدِّين هكذا دين الله، أو في دين المسلمين، أو في دين النبي - صلى الله عليه و سلم - أو في دين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أو في دين جابر بن زيد - رحمه الله - أو في دين أبي عبيدة،أو دين [7] الشيخ عامر (6)، أو غيرهم من علماء الحقِّ، و المعنى في ذلك كله واحد".
و كذلك طعنه في دين عبدالله بن أباض، أو دين عبدالله بن وهب الراسبي، أو دين طالب الحق.
"و سواء استغرق كل فَرْدٍ من أفراد المسلمين في لفظه أو نيته، أو أراد الحقيقة، أو خَصَّ جماعة، أو فرداً مأخوذاً عنه،أو مُقْتَدَى به، و سواء استغرق كل فرد من أفراد المسائل الدينية في لفظه أو نيته، أو أراد الحقيقة، أو خَصَّ جماعة،أو فرداً، أو جملة.
=========================================
(1) التوبة :1.
(2) مريم : 89-90.
(3) التوبة :12.
(4) القطب محمد بن يوسف أطفيش ( 1821م ـ 1914م ) شهر بالقطب، أشهر عالم إباضي بالمغرب الإسلامي في العصور الحديثة، من شيوخه أخيه الأكبر إبراهيم بن يوسف و سعيد بن يوسف ونتين، و من أشهر تلاميذه : أبو اليقظان و إبراهيم أطفيش، له أكثر من ثلاثة مائة مؤلف منها شرح النيل و هميان الزاد و تيسير التفسير. ( معجم أعلام الإباضية بالمغرب، 4/ 837 ).
(5) صاحب النيل، عبد العزيز بن إبراهيم الثميني ( 1130 هـ - 1223هـ ) الملقب بضياء الدين من أشهر مشائخه أبو زكريا و يحيى بن صالح الأفضلي، و من أشهر تلاميذه إبراهيم بن بيحمان، و له عدة مؤلفات منها النيل و التاج على المنهاج و غيرها. ( معجم الإباضية، 3 / 533 ) ,. (1/13)
صفحة 13
(6) هو الشيخ عامر بن علي بن عامر الشماخي ( ت 792 هـ ) أبو ساكن، أحد أكبر مشائخ الإباضية في جبل نفوسة بليبيا، قال البدر في السيرة : " إذا أطلق الشيخ في عرف زماننا فهو المعني _ أي الشيخ عامر _ "، أخذ العلم عن الشيخ أبي موسى عيسى الطرميسي و الشيخ أبي عزيز بن إبراهيم بن أبي يحيى، تخرج على يده نوابغ العلماء منهم ولده موسى , و أبو زكريا يحيى بن زكريا و أبو الفضل أبو القاسم البرادي و غيرهم، وله عدة مؤلفات منها كتاب الإيضاح في أربعة مجلدات مطبوع و شهير و غيرها من الكتب. معجم أعلام الإباضية ( 3/ 502).
--- (1/14)
صفحة 14
وأمَّا تخطئة ما هو مذهب لا دِيَانة فلا يكون طَعْناً، و لا براء ةً إلا إن تبرأ من فاعله، أو قائله، أو مَصَوِّبه، فإِنَّه يبرأ منه " (1) والمعنى إِنَّ ما كان من الأمور الدِّينية، و المراد بها ما ثَبَتَ بالدَّليل القطعي من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، فلا تقبل تخطئة مخطئه ؛ لأنَّ ذلك قام له دليل قاطع، فلا يَصِحُّ فيه القول بالتخطئة، أو الطعن فيه، أو الطعن في القائل به، و نحو ذلك.
و ذلك كالقول بالرؤية، و بوجوب خروج العصاة من النَّار، و وجوب رعاية الصَّلاحية و الأصلحيَّة، و كأخذ الصفات بحسب ظاهرها، من نحو العين، و اليد، و السَّاق، مما يدل بحكم العقل على القدح في الذات العلية، المستلزم نقص الألوهية، و ضعفها، و عجزها.
و كالنزول من السماء العليا إلى السماء الدنيا آخر الليل، لما في هذا الأحوال كُلِّها من القصور، و التَّقصير، الذي يتعالى الله عنه علواً كبيراً.
بخلاف ما كان مذهباً، و هو ما يَصِحُّ الأخذ به مما عدا ذلك، و هو كثير جداً لا يكاد يحصر من الأمور الخلافية التي يجوز فيها الخلاف، كزيادة التكبير على الأربع في صلاة الجنازة، و كالتسليم بواحدة في [8] الخروج من الصلاة، و كجواز الإحرام في الصلاة بسائر الأذكار من غير " الله أكبر"، و كالصَّلاة في الأوقات التي صح المنع من الصلاة فيها بنص غير قطعي، و الأمثال لهذا المقام كثيرة.
فالرَّدُ لهذه و نحوها، و القول بعدم صحتها مُحْتمل لا يُفْضِي إلى القدح بها، أو الطَّعن على المسلمين فهذا الذي يسمى مذهباً لا ديناً عند الفقهاء. (1/15)
صفحة 15
قال القطب - رحمه الله و رضي عنه - : " و الطَّعن في المسلمين عند الله أي مَنْ هو عند الله مسلم هكذا كلهم، أو بعضهم، أو يُعَيَّن جماعة مسلمين عند الله، أو فرداً مُسْلِماً عند الله تعالى، مثل أَنْ يُعَيَّنَ أصحاب الكهف، أو مؤمن آل فرعون، فهو طعنٌ و شِرْكٌ.
و كذا إن طعن في دين الإسلام " (2)، أي لأن دين الإسلام ثبت بالدليل القطعي أَنَّه هو الحقُّ كما نَصَّ عليه : " إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ " (3).
قال : " و الطَّعْنُ في أهل الدعوة نفاق، سواء أَفْرَدَ أم جَمَعَ ". قال : " و يَحِلُّ قتل طاعن في كل من الحالتين " (4)، أي في حالة طعنه فيمَنْ ثبت بالدليل القطعي إيمانه، كأصحاب الكهف، و مؤمن آل فرعون، و أضرابهم، و حالة الطعن في أهل الدعوة ؛ لأنَّه طعن في الحقِّ بغير شكٍ ؛ لأنه لو كان فيه احتمال لكان شكاً، و الشَّكُ في دعوة المسلمين كفرٌ أيضاً، لأنهم على الحقِّ فلا يَسَعُ الشك في الحقِّ أبداً.
فحالة الطَّعْنِ في المسلمين عند الله , أو في أهل الدَّعوة جَمَعَ أو أَفْرَدَ، و كذلك الطعن في المخالف فيما هو مُحِقٌّ فيه،كطعن في المسلمين، أي من حيث هو حَقٌّ في نفسه، فإن الحق لا يزال حقاً مهما كان، و مع مَنْ كان.
و سواء كان الطعن في مُحِقِّ حيٍّ أم ميت من أهل الدعوة ممَّن يُقْتَدَى به، أو يؤخذ عنه، أو يُنْسَبُ إليه الدِّين، و سواء في هذا الجماعة أو الفرد.
فإِنَّ الحقَّ واحدٌ يَحْرُمُ الطَّعْنُ [9] فيه إجماعاً، ولو كان مُقْلِداً غير مجتهدٍ، إذ كان مع ذلك مأخوذاً عنه مُقْتَدَى به، لحفظه العلم مع صيانة و ورع، أي و لو لم يبلغ درجة الاجتهاد، فإنَّ الحقَّ في نفسه لا يتغير عن كونه حقاً، سواء كان مع مُجْتَهِدٍ أو كان مع مقلدٍ. (1/16)
صفحة 16
" مثل أن يقال لست يا فلان على شيء، أو أنت ضال، فهذا طعن في المسلم، وهو طعن في الدِّين ؛ لأنَّه طَعَنَ فيه من حيث دينه، و إن قال : دينك باطل، أو نحو هذا، فهذا طعن في الدِّين، و أمَّا إن خَصَّ جماعة غير مقتدى بهم، أو فرداً غير مقتدى به، فليس طاعناً في الدِّين بالطعن فيهم، و لكن يبرأُ منه إِنْ كانوا متولين، إلا إن ذكر أَنَّ دينهم بَاطِلٌ، فذلك طعن في الدِّين، إذا علمنا أنهم دانوا دِيَانة المسلمين و لو جهلوا بعضها، و ينافق بالطعن بالمقتدى به غير المنصوص عليه، و يشرك بالمنصوص عليه أنه مسلم."
قال : "و يباح دم الطَّاعن مطلقاً، و إِنْ كان طعنه بتخطئة للدِّين، أوأن تخطئته بلسانه، أو تجوير للدِّين _ أي نسبته للجور _ أو تجوير أصحابه في قولهم به، أو فعلهم به، أو اعتقادهم إيَّاه، و رَمْيٍ بِكُفْرٍ لأصحاب الدِّين، أو للدِّين، أو براءة منهم، أو من الدِّين، و ذَمّ ٍ، و إن لأفعالهم من حيث أنها موافقة للدِّين، أو صادرة ممَّن هو على الدِّين.
و أَمَّا إن ذمَّ معصية صَدَرَت أو مكروهاً، فلا طعن في ذلك على الدِّين، و كذلك يكون الطعن بفعلٍ يوجب تنقيصاً، مثل أن يعيب بتحريك رأسه أو يده أو إخراج لسانه.
أو يقصد المُقْتَدَى به في الدِّين بالقتل، أو يَتَوَّعد، أو شُوهِدَ منه، أو أقرَّ به، أو بُيِّن عليه، أو شُهِرَ عنه، ما لم يتب قبل أن يُقْدَرَ عليه.
و إن تاب بعد أن قُبِضَ عليه قُتِلَ، و إن حُوصِرَ و تاب، أو طَلَبَ الأمان بعد الحَصْرِ ليتوب، فلا يُقْتَلَ.
والتَّوبة [10] بالمشاهدة، أو بالبيان، أو بالشُّهرة، و سواء في أحكام الطعن المشرك، و المخالف، و الموافق.
و قيل لا يُعْجَلَ عليه _ أي الموافق بالقتل _ إن قال ذلك الذي يكون طعناً غضباً منه لا اعتقاداً راسخاً، لعَلَّه يزول عنه الغضب، و يعتذر، و يتوب ؛ لتقدمه في الدِّين كما يستتاب المرتد ثلاثاً. (1/17)
صفحة 17
و إِنْ طَعَنَ بلا غضب لم يُؤْخر " (5)، أي يكون ذلك منه إهانة للدِّين، و هَتْكاً لحرمته، و احتملوا له في حالة الغضب، أن تكون نزعةً شيطانيةً حملته على ذلك ؛ لأنَّ الإنسان في حالة الغضب يتغير شعوره، و تقع منه أشياءَ يَنْدَمُ على وقوعها، و يَأسَفُ لها.
قال القطب : " و كذلك تصويب المخالف ما عليه ثابتاً من ديانةٍ، و ولايةِ قادتِهِ أي قادة ذلك المخالف، و كذلك إذا صَوَّب ما نحن عليه، و صَوَّب ما عليه المخالف فذلك تخليط منه.
و هل هو طعن منه في أهل الوفاق و في دينهم ؟، لأنَّ تصويب ديانته تخطئة لديانتنا، و ولايته لقادته تخطئة لقادتنا، لا سيما إن حَصَرَ التصويب _ أي جعله محصوراً في مخصوصين ؛ فذلك تخطئة لمن عداهم _، و أَمَّا إن صَوَّبَ ذلك و صَوَّبنا، فإن كان بمرة لا يفيده تصويبنا شيئاً، فهو طاعنٌ، مثل أَنْ يقول : نحن و أنتم كلنا على صواب، أو قال : ديانتنا و ديانتكم كلتاهما صواب ؛ لأنَّ مَنْ جمع طاعة و معصية في فعلٍ واحدٍٍٍٍٍ، يعاقب و لا يثاب، كمَنْ جَمَعَ طاهراً و نَجِساً، نجَّسَ طاهِرُه.
و إن قَدَّمَ تصويبنا ثم عَقَّبَهُ بتصويب دينهِ و قادتهِ، فقد أبْطَلَ الأولَ بالثاني، مثل أَنْ يقول ديانتكم صواب و ديانتنا صواب، فليس في[11] العكس طاعناً، و لكن لا يتولى فيه " (6).
===============================================
(1) شرح النيل ( 17/ 603_ 604).
(2) شرح النيل (17/ 604).
(3) آل عمران : 19.
(4) شرح النيل (17/ 604 ).
(5) المصدر السابق ( 17/ 605_ 607 ).
(6) المصدر السابق ( 17 / 607 ).
--- (1/18)
صفحة 18
قلتُ : عدم الولاية هنا ؛ لكونه صَوَّبَ الباطل الذي هو عليه، فإنَّ مَنْ صَوَّبَ الباطل كمن أبْطَل الصواب " أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ " (1).
و قيل إِنَّ قوله ذلك لا يُحْكَمُ عليه فيه بأنَّه طعن، و لو تضمن الطعن، أي لأن الطعن فيه غير صريح بل محتمل.
و في الاحتمال لا يصح الحكم بالطعن، وجهان عند المسلمين، و اختاره صاحب النيل، أي اختار عدمَ الحكم بالطعن هنا ؛ لأنَّ ذلك اللفظ الذي نَطَقَ به تلفظاً بمَا عنده من اعتقادٍ، و قد جرى ذلك بين علماء المسلمين، و لم يعدوه طعناً، و كَمْ رجلٍ صَوَّبَ دينه من المخالفين، أو أئمته بحضرة أئمتنا و علمائنا، و لم يحكموا عليه بأن ذلك طعن قولان، لا سيما إذا لم يُورِدْهُ مَوْرِدَ الطَّعْنِ، أما إذا أَوْرَدَهُ مَوْرِدَ الطَّعْنِ، فهو طعن عندي.
قال القطب - رحمه الله - : " اختلفوا في لازم المذهب مذهب هو أم لا ؟ قولان " أي عليهما تفرَّع القول بطعن و عدمه " قال " لكن ما نحن فيه ديانة لا مذهب، و ذلك أَنَّ التصويب لدينِ الخِلافِ تخطئة لدين الوِفَاقِ"، قال : " و أما تصويب الموافق لدين المخالف فطَعْنٌ. (1/19)
صفحة 19
قالوا : و من قَصَدَ لخصلة مما دان به أهل الدعوة، و خالفوا فيه غيرهم، كقدم الأسماءِ، و الصفات، أي أسماء الله عز و جل، و صفاته تعالى، و نفي زيادتهما على الذات، و نفي الرؤية له - سبحانه و تعالى - في الآخرة، و نفي حدوث الكلام، أي كلام الله الذي هو بمعنى نفي الخرس، أمَّا كلامه بمعنى القرآن، و سائر كتبه فمخلوق حادث، و[أمَّا] (2) إثبات الخلود في النار لأصحاب الكبائر مِن الموحدين في هذه الأمة و غيرها، و إثبات الكسب للعبد باختياره نفياً للجبر، و نفياً لأَنْ يكون خالقاً لفعله [12]، و إثبات خَلْقِ الأفعال كغيرها، و إثبات الأمر لله، ونحو ذلك، كالتشريع، والإيحاء، والقضاء،و القدر لله تعالى، و خَطَّأَهَا، أي قال أنها خطأ، أو خَطَّأَ ما أجمعت عليه الأمة، كالصلاة، و الحج، و الزكاة، حَلَّ قتله.
و لا يعتبر في الإجماع الروافض، ومَنْ يُنْكِرُ سورة يوسف أنَّها من القرآن" (3).
قالوا : و يجب قتل الطاعن في الدين في الظهور، لا في الكتمان فَيُعَزَّرُ، و يُنَكَّلُ، و يُطْرَدُ من المجالس.
قال القطب : " و يجوز أن يقتل في حال الكتمان، كما يجوز أن يقتل في حال الظهور، و في النكال النظر إلى الحاكم، إن رأى عدد الضرب المقرر في الآثار، أو رأى أكثر من ذلك أو أقلَّ، و بالحبس أيضاً، و النهي و التغير واجبان في كل أحوال الإسلام ظهوراً و كتماناً ؛ لأنَّ فيهما إظهار الحق، و هو واجب.
و ربما تاب و لو بعد القدرة عليه، و التَّوْبُ ينفعه مع الله عز و جل، و يقتل مع التوبة، و لو تاب نصوحاً ؛ لأنَّه يُقْتَلُ حَدّاً، و الحَدُّ لا تُبْطِلُهُ التَّوبة، و إن تاب قبل المقدرة عليه فلا يقتل، رعاية لقيد القدرة عليه في النص، حيث يقول " مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ " (4). (1/20)
صفحة 20
قال القطب - رحمه الله - : " و إذا لم يقتل، وتاب قبل القدرة في الظهور و الكتمان، فإنَّه يُؤدَّبُ بِضَرْبٍ أيضاً، أو حَبْسٍ، أو قَيْدٍ " (5)، قال الإمام عمروس (6) - رحمه الله تعالى - لأبي منصور (7) : " خُذْ عني خاتمك ))، و معناه التعذر عن العمل، حيث قال له: (( يا إلياس إن لم تأذن لي في قتل ثلاثة فخذ خاتمك عني )) - و كان قاضياً لأبي منصور المذكور - قال : (( إن لم تأذن لي في قتل الطاعن في الدين، و في قتل مانع الحق " أي كالزكاة و نحوها من الحقوق الواجبة عليه "، و في قتل الدال على عورات المسلمين )) (8).
أي لأنَّ الطاعن في الدين محارب له، ومَنْ حارب دين المسلمين [13] كان أولى بالقتل مِنْ كُلِّ أحد، و أمَّا مانع الحق أياً كان، مكابر للدين، و مغالب له، عاتٍ عليه، فهو حقيق بالقتل أيضاً، و إلاَّ انتهكت حُرْمَةُ الدِّين، و اسْتُبِيحَ حِمَاهُ بين المسلمين.
و الدَّال على عورات المسلمين صار أَضَرَّ على المسلمين من عدوهم، حيث يُظْهِرُ عوراتهم لينال عدوهم منهم، و ذلك معاداة للدين، و إعانة على استباحة حُرَمِ الحقِّ، و معارضة له، والحقُّ يجب تأييده و نصره، و إرغام الناس عليه رضوا أم كرهوا.
و سواء كانت دلالته باللسان، أو بالكتابة، أو بإرسال الرسل إلى العدو ليخبروهم عن عوراتهم، كأن يقول : إنَّ الطريق إليه من كذا و كذا، أو أنهم مضطرون إلى كذا و كذا، أو قَلَّ معاشهم، أو عَدَّتهم، أو عَدَدهم، أو غفلتهم وقت كذا و نحو ذلك ؛ فهذا كله يبيح قتل الدَّال عليهم.
فهذا و أمثاله من جملة المحاربين لله و رسوله، و من الساعين في الأرض فساداً، و هم أَضَرُّ على الإسلام من اليهود و النصارى، فإن أعدى عدوك الذي يطلع على ما أنت عليه فيبدى ذلك لمن يعاديك، كأنه يعطيه سلاحاً ليقتلك. (1/21)
صفحة 21
و رجوع الطاعن في الدين إذا رجع إلى مذهب المسلمين، و كان طعنُهُ بما يبيح قتله، ورجوعه بلا قصد توبةٍ من طعنه، ففي قبول توبته و رجوعه وجهان.
كما إذا ذهل عن التوبة، أو أدخلها في عموم الرجوع إلينا، و لم يسمها، فقيل هو رجوع منه، و توبة شرعية في نظر المسلمين، بل في رأي بعض المسلمين، وقيل لا يعد بذلك تائباً، و لا راجعاً، و لا داخلاً في دين المسلمين حتى يُصَرِّحَ قائلاً إنِّي تبت من طعني في الدين [14] أو في دين المسلمين، أو في دينكم كذلك؛ لأن ديننا هو الحق، ثم يعلن بأنَّ دينكم هو الحق و الصواب، و بذلك يكون راجعاً، و تائباً مقبولاً عند المسلمين.
قال : " و إِنْ لم يتب من طعنه في ديننا، فلا يَمْنَعُهُ الرجوع إلينا من القتل" (9) ؛ لأنَّه قادح بفادحٍ، و كافر في الدين، و صَحَّحَ القطب الأول فيُعَدُّ رجوعاً مقبولاً.
قال : " و لا يكون بتخطئة دينه رجوعاً إلينا، و لا إلى ديننا (10) ؛ لأنَّه خطَّأَ ما هو خطأ في نفس الأمر، و لم يصَوَّبْ ما هو في نفس الأمر صواب.
قال : " و مصوِّبُ الطاعن حكمُهُ حكْمُهْ، أي حكمهما واحد إذ اتحدا في تصوَّيب الباطل كمصوِّب الحق، فهو مُحِقٌّ في تصويبه فيتحد حكمهما بغير شك، و كذلك أيضاً مُخطِّئُ المخطِّئ للمصوِّبِ الطاعنَ، و الآمرَ بالطعن، و مصوِّب الآمر به، و مُخطِّئ مَنْ خَطَّئ مصوَّب الآمر بالطعنِ، و المبيح أيضاً كذلك، و كذلك من خطَّأ المُخطِّئ للمبيح، كمصوِّب المبيح كلهم طاعنون، و دمهم حلال" (11). (1/22)
صفحة 22
قال : " ولا يعد طعناً مِنْ مخالفٍ دعا لغيره لمذهبه " أي دعا الغيرَ إلى مذهبه " و كذلك تجويره لنا يباح لنا منه به ما يباح بالطعن " أي لأَنَّ التجوير طعنٌ، حيث ينسبنا إلى الجور أو ينسب مذهبنا إليه، فإذا نسبنا إلى الجور، أو أظهر تنقيصنا، و إِنْ كان بلا كلام " أي أظهر تنقيصنا بأحوال تدل على التنقيص، و إن لم تكن هي في نفسها كلاماً، لكنها دالة على التنقيص، أو على البراءة من أهل بلد، أو قبيلة ظهرت فيها دعوتنا، أو كان منه لعنٌ لنا، أو لجماعتنا، فكذلك إذا ظهر ما يدل على ذلك منه.
========================================
(1) الزمر : 3.
(2) هكذا وردت في الأصل، و عند مراجعة النص من شرح النيل، تبين أنها مقحمة، و لعلها سبق قلم من المؤلف.
(3) شرح النيل (17/ 608_609).
(4) المائدة : 34.
(5) شرح النيل ( 17 / 614).
(6) عمروس بن فتح المساكني النفوسي ( ت 283 هـ ) أبو حفص، عاصر الإمام أبا اليقظان محمد بن أفلح، تولى القضاء بجبل نفوسة في ولاية أبي منصور أواخر أيام الدولة الرستمية، له عدة مؤلفات منها الدينونة الصافية و رسالة في الرد على الناكثة و أحمد بن الحسين. معجم الإباضية ( 3/ 671).
(7) إلياس بن منصور النفوسي ( حي في 261هـ _ 281 هـ ) أبو منصور، من مشائخ جبل نفوسة، عينه الإمام الرستمي أبو اليقظان على ولاية نفوسة، و كان قائدا فذا، لم يهزم له جيش طول حياته. معجم الإباضية ( 1 / 124).
(8) انظر طبقات المشائخ ( 2 / 321)، و السير للشماخي ( 1/ 193).
(9) شرح النيل ( 17/ 614 ).
(10) (11) المصدر السابق ( 17/ 614 ).
--- (1/23)
صفحة 23
وكذلك التعييب للمذهب، كقول القائل للمرداس بن حدير (1) - رضي الله عنه - : " فرسك حروري " فأجابه على ذلك بقوله : "وددت [15]و الله لو أوطأته بطنك في سبيل الله " (2)(3).
فإن قول القائل :" فرسك حروري "، تعييب منه عليه بأنَّه من أهل حروراء، و لو كان لا عيب في أهل حروراء، و لكنه ساق ذلك الكلام مساق التعيير لأهل حروراء - رحمهم الله - فإنهم قتلوا على الحق، و لذلك استحل السيد المرداس دمه، إِذْ تَمَنَّى قتله في سبيل الله، و سمى قتله جهاداً في سبيل الله، و كنَّى عن قتله بِحَمْلِ فرسه على المشي على بطنه، فإنَّ مشي الفرس على بطن إنسان يَقْتُلُه، و كان أبو بلال - رحمه الله - على ذروتي العلم و الزهد، بحيث يضرب به المثل، و كذلك أخوه عروة (4)، و آلهما، و جيلهما - رحمهم الله و رضي عنهم -.
و كذلك مدحهم لأئمتهم بما يعد تنقيصاً لأئمتنا و مذهبنا، إذا ساقه مساق ذلك، أو يقول لستم على شيء، أو لم يُصَرِّح، أو تبرأت ممَّنْ لا يبرأ من الوهبية، أو تبرأ ممَّن تبرأ من المخالفين، أو مِنْ فلان، الذي هو قدوة في دين المسلمين، فكل هذه الأحوال عن المسلمين ضلالٌ، و فسادٌ، و إفسادٌ.
أَمَّا إذا قال إنِّي لم أفعل ذلك، أو ما فعلت، أو ليس لي ذلك الفعل، أو ليس لي ما قلت، أو خَطَّأَ قوله، فهذا عند المسلمين لا يُعَدُّ رجوعاً و توبة، لكنه لا يحكم عليه بقتلٍ، و طعنٍ " أي لا يُحْكَمُ عليه بِحُكْمِ الطاعن بذالك " و كذلك إَنْ قبَّحَ فعله، بل يُحْكَمُ عليه بِحُكْمِ الطعن و القتل في قول بعض المسلمين. (1/24)
صفحة 24
أَمَّا إذا تكلم بطعن قاصداً به التقية لنفسه فلا يقتل بذلك، و كذا إِنْ فعله تقية لِمالِهِ حيث يَتْلَفُ بِتَلَفِ ماله، أو ما يَجُرُّ إلى التلف، و كذلك كل ما يؤدي إلى تلف عضو من أعضاءه، و قيل له يتقي حتى من ضربةٍ موجعةٍ، و تُسَوَّغ له التقية بذلك الطعن إِنْ عُلمت منه التقية أو ظُنَّت، سواء قال أو لم يقل إنِّي فعلت، أو قلتُ بتقية.
قال القطب - رحمه الله - : " لكنَّه على كل حال إِنْ عُلمت منه التقية، أو ظُنَّت فلا يعاقب، و لا يضرب، و لا لَوْم [16] عليه ؛ لأنَّه يجوز له أَنْ يقول، أو يفعل ما هو طعن تقيةً " (5).
قلتُ : صَحَّ ذلك بالنص في القرآن الكريم قوله " إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً " (6) فيتقي الإنسان لكل ما يؤدي إلى تلف نفسه، و لو بأخذ زاده، و لباسه،و مركوبه و نحو ذلك، إذا كان يؤدي أخذ ذلك إلى تلف نفسه " و ليس على نفسه بأمين من لا يتقي عنها ضرب سوطين " (7) كما في الصحيح، فيقول إنِّي ألعن، أو أقدح، أو أطعن، أو طعنت في كذا و كذا،لقصد التقية، و هو في نفسه على منهج الإيمان " إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ " (8) فهذا من يسر الدين الذي منَّ الله به على عباده المخلصين.
" و تسوغ التقية إن عُلمت منه، أو ظُنَّت، أو قال فعلته، أي فعلت الطعن بها أي بالتقية _ و المعنى لأجلها _ ولو حيث لا تجوز له، كخوفٍ على ماله، أو على غيره أي على نفس الغير من الناس، و يُبْرَأُ منه بذلك؛ لأَنَّ المسلمين لا يَرَوْنَ التقية في الأموال ؛ لأَنَّّ المال يُتَّقَى بِهِ لا يُتَّقَى لَهُ" (9).
فقد صَحَّ عن المسلمين قولهم :" في المال لا في الحال، و في الحال لا في الدين " ؛ لأَنَّ المال أهَوْنُ من الحال، و الحال أَهَوْنُ من الدِّين، إلا مَنْ كان مطمئناً بالإيمان، ويشير إلى ذلك قول القائل:-
(10) (1/25)
صفحة 25
فإن إصابة النفس في نظر كرام الرجال أهون من نقص في أعراضهم، أو عقولهم.
و الطعن في الدين أمره كبير، فإِنَّه طعن في الحق، و طعن في الحق طعن في رب السماوات والأرض ؛ فإِنَّه هو الحق، و طعن فيه يجمع الكفر كله، و العياذ بالله من ذلك.
قال صاحب النيل - رحمه الله تعالى - : " و إِنْ كَتَبَ بيده ما هو طعن بلسانه ففي كونه طعن قولان " (11) ؛ لأَنَّ الكتابة دون النطق بالمكتوب، و دون تحريك اللسان به ؛ ذلك لأَنَّ اللسان هو طريق الكفر و الإيمان، و لذلك ساغ الاختلاف في الكتابة، [17] ككاتب طلاق زوجته، و لم يقرأه، ولم يجرِ به لسانه، و لم تسمعه أذنه.
" فإذا كتب ذلك " أي ما يكون طعناً أي فعل فعلاً، ثم تكلم به بلسانه ففي كونه طعناً قولان " (12)... إلى أن قال : " و إِنْ كتب الأخرس الطعن قُتِلَ به ؛لأنَّ ذلك طَعْنٌ منه، وكذا إِنْ أَشار به، أو صَوَّبه، و كَذَا إِنْ أعطى أُجَرة لطاعن، أو أعتق عبداً على طعن الطاعن، أو أعتق عبده الطاعن لطعنه فرحاً به، أو تَصَدَّقَ على المساكين فرحاً بطعن الطاعن، أو عفا عن قاتل وليه على ذلك " (13).
قال - رحمه الله - : " و كذا إِنْ طَعَنَ وليه فعفا عنه لأَجْلِ طعنه، أو طعن صاحب القاتل، أو وليه، أو ولده فعفا عنه لأَجْلِ الطعن، و سواء في العفو عفا عن القتل و الدِّيَة، أو عفا عن القتل على أَنْ يأخذ الدِّيَة " (14). (1/26)
صفحة 26
قال : " و كذا إن فعل أمراً جميلاً للطاعن على طعنه _ كمدحه _ و إعانته في أمر مهم، أو فَعَلَ معروف له على طعنه، أو قال له اطعن أُعْطِكَ كذا و كذا،أو أفعل لك كذا و كذا، ففي ذلك قولان، قيل يقتلان به، و قيل يقتل الطاعن فقط، فعلى الأول يقتل ولو لم يفعل ما وَعَدَ به للطاعن، أو لم يكن طعن، و قيل لا إلاَّ إِنْ وقع الطعن، قالا : و يحكم على مطلق الطاعن بالطعن، قالا ويقتل أيضاً بترجمان واحد _ أي فيما لا يعرف إلا بترجمان _ إن شُوهِدَ منه موجب الطعن كان قولاً أو فعلاً، هو في نفس الأمر طعن، لكن لا يعلمون أنَّه طعن إلا بترجمان، سواء إن حضر الترجمان معهم، أو جاء بعد ذلك فحكوا له الواقع، فترجمه طعناً، فكل موجب طعن، أو يقتضيه الحال أنه طعن، فالعقاب عليه ورد به النص إجمالاً.[18]
و اعلم أنَّه يقتل بأمينين، أو أمين واحد و أمينتين، ومُنِعَ الواحد مطلقاً، و كذلك كل الأحكام " (15) ؛ لأنَّ الحجة لا تقوم بالواحد خصوصاً فيما يتعلق بالحقوق المالية، والجنايات ؛ لأنَّ الحرج فيها أكبر، و النفوس عليها أشدُّ.
قالا : " و لا يكون الرجوع من وِفَاقٍ لِخِلافٍ طعناً، ولكن ينكل الراجع على رجوعه فقط، إلا إِنْ كان مع الرجوع تخطئة ديننا، أو المسلمين، أو الطعن بوجه ما، و إِنْ صَوَّب دين المخالفين مع ذلك فقولان، و كذا تعليم ديانة المخالفين لطالبها ليعمل بها، سواء كان الطالب مخالفاً أو موافقاً، و كذلك الداعي إليها لا يحكم عليهما بالطعن و القتل، و لكن يُبْرَأُ منهما، وينكلان، سواء كان المُعَلِّمُ هو الراجع لدين المخالفين،أو غيره، و لو كان الكلام في الراجع.
===================================
(1) المرداس بن حدير بن عامر الربعي الحنظلي التميمي (ت 61 هـ )، أبو بلال من عظماء الشراة، شهد صفين مع علي، و أنكر التحكيم، و شهد النهروان، قتل غيلة سنة 61 هـ. الأعلام للزركلي ( 7 / 202 ). (1/27)
صفحة 27
(2) طبقات المشائخ ( 2 / 225 )، السير للشماخي ( 1 / 65 ).
(3) شرح النيل ( 17 / 615 ).
(4) عروة بن حدير التميمي ( ت 58 هـ ) من رجال النهروان، و سيفه أول ما سل من سيوف أباة التحكيم، قتله عبيد الله بن زياد في زمان معاوية بن أبي سفيان. الأعلام ( 4 / 226 ).
(5) شرح النيل ( 17 / 636 ).
(6) آل عمران : 28.
(7) انظر بمعناه الجامع الصحيح للإمام الربيع الجزء الثالث منه، ص301، رقم 765.
(8) النحل : 106.
(9) شرح النيل ( 17 / 636 ).
(10) قائل البيت المتنبي من قصيدة مطلعها :
ليالي بَعْدَ الظاعنين شكول طوال و ليل العاشقين طويلُ
يُبِنَّ لي البدر الذي لا أُريدُهُ و يُخْفين بدراً ما إليه سبيلُ
( شرح ديوان المتنبي لبعد الرحمن البرقوقي ( 3/ 230 ).
(11)(12) شرح النيل ( 17 / 637 ).
(13) (14) (15) المصدر السابق ( 17 / 637 _ 638 ).
--- (1/28)
صفحة 28
أمَّا تعليم ما هو فرع ليعمل به، و الدعاء إليه، فلا يوجب البراءة بل الهجران، بل يهاجر أيضاً على مطالعتها، و ليس كذلك إلا إن خِيفَ منه تنقيص مذهبنا في الفروع أيضاً، أو نقَّصَ فروعنا فيهاجر " (1).
و كُلُّ هذه الأشياء يراها العلماء صيانة للمذهب و للدين، وهي من الجهاد المشروع على القادر ؛ فإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وآله و سلم - كان يعتنى في النضال عن الحقِّ كل شيء بما يناسبه، ألا تراه يأمر شعراء الإسلام يجيبون شعراء الجاهلية على ما يقولون، و لا يتركهم و ما قالوا ؛ لئلا يحيك قولهم في قلب الضعيف، مع أن الشعراء لا نسبة لهم في الأحكام الشرعية، و لا السياسية، لكن ربما جاءوا في شعرهم بكلامٍ ظاهِرُهُ يَقْرُبُ من الحقِّ عند مَنْ لا يفهم.
فكان حسان بن ثابت (2)، و عبدالله بن رواحة (3)، و أمثالهم يَرُدُّون على شعراء الجاهلية[19] أقوالهم بأمر رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - فكيف بمَنْ يطعن في دين المسلمين، و يمدح أهل الباطل مُعْرِضاً بذلك للطعن في أهل الحق، ثم كيف بمَنْ يصرَّح بلعن المسلمين، و سَبِّهم، و شتمهم على المنابر، ثم بمَنْ ينشر عنهم في العالم غير الحق في المجلات و الجرائد، ثم كيف بمن يصارحهم بالعداء قولاً، و فعلاً، و يسَفَّه أحلامهم، و يقدح في أئمتهم، و علمائهم، كأبي بلال - رحمه الله - و أضرابه، و أبي الشعثاء و أمثاله، و أبي عبيدة و أتباعه، و الربيع بن الحبيب و إخوانه، و سائر علماء المسلمين، و أئمتهم في الدين، و يُلبِّس على المسلمين في منشوراته بين العوالم.
أليس من الواجب القيام عليه، و الوقوف في وجهه، و الرَّدُّ عليه، و أَنْ يُكَالَ له الصَّاع بالصَّاع، و يهدم بناؤه من أصله ؟؟. (1/29)
صفحة 29
و هل يسع السكوت عن هؤلاء ؟؟، لا أظنُّ أحداً يقول يسع السكوت، إلَّا أن تكون تقية فتلك أحوال لها أحكامها، و قد خُلِقَ المسلمون لفداء دين الله عز وجل بأموالهم، و أرواحهم : " إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ" (4) الآية في أمثالها.
و لو لم يكن إلا الإهانة لكفى، فكيف به وفيه خزي الدنيا و الدِّين، أذل الله من أذلَّ الدِّين، و أيَّدَ الله الحق في كل حين، و إذا لم يقم المسلمون لحفظ دينهم العالي على كل دين، داسته أقدام المتمردين، و شوهته أقلام العابثين، و تلك على أهل الحق عند الله من أعظم الجرائم، ومَنْ يا تُرى المسئول عن ذلك إلا المسلمون !!!
فلذالك قام الإمام السالمي - رحمه الله - يَرُدُّ على كل متنطع على الدين، مُغَّتر صاحبه بما لديه من علم، يحسبه الغاية التي ينتهي إليها أهل الحق، و هو خِلْوٌ عاطلٌ، مرتكبٌ للباطل، متمردٌ على أهل الله، و بقية أهل الحق [20] في هذا العهد العاجل، نسأل الله - عز و جل - الذي عَوَّدَنا إجابته أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجه الكريم، كاسراً لشِرَّةِ (5) أهل البغي والمعاندين، قامعاً لأعداء الحق في كل حين، مقبولاً عند أهل الإيمان من المسلمين، و قد عَلِمَ ما قصدنا به، و هو حسبنا ونعم الوكيل، و كفى بعلمه تعالى، و الله على لسان كل ناطق.
و قد أخذنا هذه الأقوال في الطاعن كما ذكرها في النيل و شرحه، في الجزء العاشر منه (6)، مَنْ أرادها فليراجعها يجد بُغْيَته، و قد أطال الإمامان صاحب النيل و شارحه، بحيث لم يتركا من لوازم المقام شيء إلا ذكراه، و حسبنا ما نقلناه عنهما لإيضاح أحكام هؤلاء العابثين، الذين يقدحون في أعراض المسلمين بغير الحق و لا يبالون، و يطعنون في مناهج المؤمنين و لا يخافون، كأنَّهم لم يعلموا أَنَّ عرض المسلم حمى - و ظنَّي لا يعلمون -. (1/30)
صفحة 30
أمَّا المسلم الذي يعلم أَنَّ ما يلفظ من قول لديه رقيب عتيد، و أَنَّ الله يعلم ما يلج في السماوات و الأرض، لا يرضى أن يهجم بلسانه طعناً، و قدحاً في دين قوم - على الأقل - لا يعلم حجتهم، و إِنْ عَلِمَها أعْرَضَ عنها، و اعتمد ما يهوى، وسَبَّ، و طَعَنَ، و قَدَحَ، و شَتَمَ، لا يخاف الله، و لا يراعي المروة، و لا يعتمد إلا على هواه.
فأمثال هؤلاء هم الذين شَرَعَ الله عقوبتهم، و أَمَرَ بقتالهم، و أوجب على المسلمين القيام عليهم في كل أُمَّة من أُمم العالم،و في أي بلدٍ من بلاد الله عز و علا: " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" (7) فتراه جعلهم محسنين، و أخبر أنَّه تعالى معهم حينما يقومون جهاداً في حق الله عز وعلا، لا يرجون له ثمناً إلا من الله، و لا يقومون إلا نصرة لدينه، و لا شَكَّ [21] أن الله ناصرهم، ومؤيدهم، و مُسَدِّدُ خطاهم ما كانوا على الحق فإنه معهم، خلاف السفهاء العائثين في الأرض فساداً، و في الدين عناداً، و لأهل الحق أضداداً، يقدحون في أهل الحق بألسنتهم البَذِيَّة، و يطعنون في أهل الصدق بنواياهم الخبيثة: " نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ " (8)، و أطاعوا الهوى فأضلهم.
فكان هذا القيام جهاداً لهم، و قياماً بحقوق الدين، و فرضاً مشروعاً على عباده المؤمنين بقوله -عزَّ وعلا -: " فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ " (9) مع أَنَّا لا نعتدي على أحد، و لا نخُصُّ أحداً بعينه، بل نقول القيام على أهل الفساد واجب، و الرد على أهل الباطل كذلك، و فتح أبواب الحق لمَنْ أراد الله هدايته جهاد، وعلى الأقل رد قول أهل الباطل عليهم لم يكن جوراً،و لا بغياً، و لا تعرُّضاً لما لا يعني، بل تعرُّض لما يعني، وجزاء سيئة سيئة مثلُها، و إن كانت الثانية غير سيئة. (1/31)
صفحة 31
و السكوت عن الطعن في الحق من أكبر الكبائر، لا يقال إذا لم يقبل فأولى السكوت، بل نقول يجب القيام، و لو لم يقبل، إذ من المعلوم أَنَّ المُبْطِلَ لا يقبل إلا الباطل، و الضَّال لا يرضى إلا الضلال، و لهذا قال رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم - : " إِذَا ظَهَرَت البِدَعُ فَعَلَى العَالمِ أَنْ يُظْهِرَ عِلْمَهُ، و إنْ لم يَفْعَلْ فَعَلَيهِ لَعْنَةُ اللهِ و الملائكة والنَّاس أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَل ُ الله منه صَرْفاً و لا عَدْلاً " (10)، و أراد تعالى من المسلمين الجهاد في الدين، و أي جهاد أعظم من الذَّبِّ عن الدين.
و أراد - صلى الله عليه و سلم - بقوله " فليظهر علمه " أي يقول الحق في وجه أهل الباطل، و لا يخفى أنَّ كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند الله أفضل الجهاد بالإجماع، فالسكوت عن أهل الباطل يطغيهم، و يجرئهم على أهل الحق [22]، قال الله في محكم كتابه العزيز " وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ " (11) فلم يتركنا عز و جل نسمع [منهم] (12) القدح منهم، و الطعن، و نسكت عنهم.
=======================================
(1) المصدر السابق ( 17 / 638 _ 639 ).
(2) حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري ( ت 54 هـ ) أبو الوليد، صحابي، شاعر النبي صلى الله عليه و سلم، و أحد المخضرمين رحمه الله ورضي عنه. الأعلام ( 2 / 175 ).
(3) عبدالله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري ( ت 8 هـ ) أبو محمد، صحابي، يعد من الأمراء و الشعراء الراجزين، شهد بدرا و أحدا و الخندق و الحديبية، استشهد في وقعة مؤتة رحمه الله ورضي عنه. الأعلام ( 4 / 86 ).
(4) التوبة :111.
(5) الشِرَّة : الحرص و النشاط، يقال شِرَّة الشباب : حرصه و نشاطه ( مختار الصحاح / 141) مادة ( ش ر ر ). (1/32)
صفحة 32
(6) اعتمد المؤلف على الطبعة التي طبعها أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، و التي صدرت في عشرة مجلدات.
(7) العنكبوت : 69.
(8) التوبة :67.
(9) البقرة : 194.
(10) ذكره بنحوه صاحب كنز العمال في ( 1 / رقم 903 ) بلفظ (( إذا ظهرت البدع و لعن آخر هذه الأمة أولها فمن كان عنده علم فلينشره فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على محمد )) و قال رواه ابن عساكر عن معاذ. و رواه جابر بن زيد مرسلا في زيادات الجامع، الجامع الصحيح ص365، رقم 943.
(11) التوبة : 12.
(12) كذا في الأصل، و هي زائدة لا معنى لها.
--- (1/33)
صفحة 33
ولو رأى الله - عز و جل- ذلك أولى بنا، لأرشدنا إليه، بل أَمَرَنا بقتالهم، و القيام في وجوههم، فإنَّ السكوت عنهم - و الحال هذا - فذلك رضى مِنَّا بما يقولون، أو إهانة لدين الله - عز وعلا - بما يزَوَّرُون، ولكنَّ الله كَلَّفنا قتالهم، و ذلك أشدَّ ما يخشاه المسلم، و على الأقل إن سكوتنا عنهم يعد جبناً مِنَّا، و ذلك لا يحل، و لكنَّ أمر الله فوق كل أمر، و أعلا كل شيء، و قد كلفنا الله المشاق، و ابتلانا بكل شاق اختباراً منه لنا، و هو بنا أخبر.
و قولهم إنَّ من السياسة السكوت عنهم، نقول لا سياسة هنا ؛ فإنَّ هَتْكَ حُرْمَة الدين بالطعن فيه، و القدح في أهله من أعظم الذنوب، و قد أمر الله نبيه أن يُهَاجِرَ بلاده، و وطنه، و يعادي إخوانه، و بني جلدته، في رضى ربه عز و جل، و ألزم التبليغ حلواً أو مراً : " وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ " (1) و العيش في الدنيا، و النظر في الأخرى ؛ فإنها المرجع للأمانة، و المقام الأبَدِيّ الذي لا يتغير، فبئس بعيشٍ ينقضى قريباً، وتطول أزمته مع الله، نسأل الله غفرانه و توفيقه لمرضاته.
ولمَّا استهان المسلمون بدينهم أصيبوا، و كان الله قد عَهِدَ إليهم أنَّه لينصرنهم ما كانوا على نصر دينه، و بخذلانهم له، و عدم القيام بحقوقه، استحال الحال، و تبَدَّل الوضع، و داس هامةَ الحقِّ أهلُ الباطل. (1/34)
صفحة 34
و كان المسلمون الواحد منهم ير (2) هبه الجيل الكبير، و مَنْ يَرْضَى غير الحقِّ يَرْضَى بباطل، و ذلك أمر ترتضيه الأسافل، [23] فقد كان السلف يتألمون لكلمة يسمعونها، و لخطة يفهمونها، يقومون لها، و يقعدون من أجلها، مضى الناس إذ لم يبق إلا النَسانِس، فكل مَنْ سمع القدح في الحق و أهله،تَعَيَّن عليه الكفاح عنه، و الرَّدَ له، و إلا خِيْفَ عليه عند الله سوء العاقبة - نعوذ بالله من ذلك -.
و قد ذكر القطب - رضي الله عنه - في " الهميان " تحقيق المقام، و بَيَّنَ فيه كُلُّ لِزَامٍ، و جاء في الحديث النبوي المنصوص المتكرر في رد كل باطل يصادفه المسلمون جماعات و أفراداً.
فإنَّ الإسلام يعتبر كل فرد من أفراد رجاله جندياً يناضل عنه حد طاقته قبل أن يجتمع بجماعته ؛ فإنَّ رجال الإسلام جنود الله، خلقهم لإعزاز الدين، و إكرام مثواه، فإذا لم يفعلوا فالويل لهم.
و لا يقال إنَّ النَّضال لا باللسان بل بالسنان، لأنَّا نقول إن اللسان هي أول دائرة رَحَى الحرب، و هي قُطْبُ مَدَارِ الجهاد، و إنَّ الحرب أولها كلام، و إنَّ النار أولها الشرار، و هي بالعودين تذكى، فمَنْ أفاد الكلام فيه لا يصح أن يحمل عليه بالحسام، و مَنْ لم يفد فيه الكلام، فقد استدعى لنفسه ملاقاة الحِمَام، على هذا عاش المسلمون، و يعيشون إن شاءوا أن يعيشوا مسلمين.
و قد علمت أنَّ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يأمر بمعارضة شاعر يقول بيتاً من الشعر، فيقوم له بالمرصاد مَنْ يرد عليه، و يعارضه عليه، و يدافعه عمَّا قال، و لم يسكت عنه، و لا أمر بالسكوت ؛ لأنَّ حجة السكوت حجة العاجز، و تلك حجة واهية. (1/35)
صفحة 35
و كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا يرفع دِرَّتَهُ عمَّن أَلَمَّ بشيء من أيسر الأشياء يرى أنَّه ينافي الدين، أو يباين مقاصد [24] المسلمين، أو يعترض على سبيلهم، بل كان يأمر بالأوامر الصَّارِمَةِ في الأمة حَذَراً من أَنْ يقع أمرٌ لا تُحْمَدُ عقباه، و تكفي قضية نَصْرِ بن حَجَّاج (3) مثالاً، و كم لها من أخوات.
و كذلك سائر الأئمَّة بعده - رحمهم الله و رضي عنهم - يناضلون عن الدين، فالإمام السالمي - رحمه الله - جاهد فيه بقلبه، و لسانه، و يده، بل بكل شعوره، و طاقته، و ما لَدَيَّه من قوة، و جَدَّ في إحياء معالمه، و اجتهد في إيضاح مراسمه، حتى وفقه الله : " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " (4)، و كذلك الإمام القطب - رحمه الله -.
فهذان العالمان الرضيان المرضيان جددا من معالم الدين ما اندرس، و شادا من قواعده ما تبعثر و انتكس، و على مَنْ يأتي بعدهما أن يسير في الأمة سَيْرَهما، و قد أخذ الله - عز وجل - العهد على العلماء في القيام بواجب الدين، فإذا قَصَّرُوا قصَّر الله بهم، و قصَرِت درجاتهم عنده، و إذا لم يفعلوا فعل الله بهم ما توعدهم به، و الله صادق الوعد، صادق القول و الفعل، نافذ الأمر يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، و إليه المَرْجِعُ و المئابُ.
و قد مشى الأئمَّة في الإسلام على هذا النَّظَام، و هَلَكَ عليه أولئك الأتقياء الكرام، كأبي بلال، و أبي حمزة (5)، و عبدالله بن يحيى الكندي (6)، و أبي الشعثاء جابر بن زيد، و أضرابهم، و ناهيك بالجلندى بن مسعود، و أعوانه، لم يرتضوا في الدين المداهنة، و لا في الحق الأنْفُس الخائنة، فهم [25] المسلمون الذين يحيا بهم الدين، و يتركز على عزومهم فوق رؤوس المجرمين. (1/36)
صفحة 36
أمَّا وقوع الطعن و انتشاره، و رجال الدِّين كل في مغارة قابع مُهِين، أو راكن مُسْتَهِين، فذالك حرام في الدين.
=============================
(1) المائدة : 67.
(2) النسانس قيل هم يأجوج و مأجوج، و قيل هم قوم من بني آدم، أو خلق على صورة الناس و خالفوهم في أشياء و ليسوا منهم ( القاموس المحيط / 744 )، و المعنى المراد هو الأخير حسب ما يظهر.
(3) نَصْر بن حَجَّاج بن عِلاط السلمي ثم البهزي، شاعر من أهل المدينة، كان جميلا، و قصته كما ترويها كتب الأدب : قالت إحدى نساء المدينة :
يا ليت شعري عن نفسي، أزاهقة مني، و لم أقض ما فيها من الحاج
هل كم سبيل إلى خمر فأشربها أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
و سمع البيتين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _ فقال : لا أرى رجلا في المدينة تهتف به العواتق في خدورهن !، و طلبه، فجاء، فأمر به فحلق شعر رأسه، فزاد جمالا على جماله، فأمر به أمير المؤمنين فنفي إلى البصرة، حوطة و حذرا. الأعلام ( 8/ 22 ).
(4) العنكبوت : 69.
(5) المختار بن عوف بن عبدالله السليمي الأزدي العماني الشاري ( ت 130هـ ) أبو حمزة من أعلام تابعي التابعين، أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، كان من أكبر قواد طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي عندما قام ضد الأمويين. له عدة خطب مشهورة. معجم الإباضية ( 4 / 856).
(6) عبدالله بن يحيى بن عمر الكندي ( ت 130 هـ ) أبو يحيى، الشهير بطالب الحق، إمام الشراة، أحد أقطاب المذهب الإباضي في عهود تأسيسه قام بثورة باليمن سنة 129 هـ ضد الأمويين، فاستولى على اليمن و مكة و المدينة و نشر فيها العدل لمدة و لكن الدولة الأموية قضت على ثورته و عليه سنة 130 هـ. معجم الإباضية ( 3 / 588 ).
--- (1/37)
صفحة 37
[مذهب الإباضية هو الحق رغم الطاعنين فيه]
واعلم أنَّنا لا نَشُكُّ، و لا يخالجنا ريب في أن مذهبنا هو الحق، و إِنَّ ديننا هو الصدق، و لا في أيِّ نقطة من نقاطه، و لا نقول هذا تقليداً بل تقييداً.
و مَنْ شَكَّ في أَنَّ مذهب الإباضية لم يتأسَّس على القواعد الصحيحة، أو أَنَّ فيه من الباطل شيئاً لم يكن عن الشارع، فقد ضَلَّ ضَلَّالاً بعيداً، و زَاغَ عن الحقِّ، فلم يذهب مَذْهَباً رشيداً.
بل اعلم قَطْعاً أَنَّّ الإباضية هم أَغْصَان شَجَرَة الصَّحابة، و على عواتقهم يَمْشُون، فمَنْ ذهب مذهباً مُبَايناً لمذهبهم فقد وجبت منه البراءة قطعاً ؛ لأنَّه اختار الباطل على الحقِّ، و الفساد على الرَّشاد، فلم ير في حياته و مماته السداد.
فقول الطاعن إنَّ دينكم غير حق، أو أنَّكم لستم على حق بلسانه، و إِنْ كان ذلك منه كذباً، و افتراءً في الحقيقة، إلا أَنَّ الله لا يؤاخذ العباد إلا بما يقولون، كما في الحديث : " وَ هَْل يُكَبُّ النَّاسُ عَلَى مَنَاخِرِهِم إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهم " (1)، " مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ " (2) و أول الذُّنُوب الأقوال، و بعدها الأفعال.
و كذلك في الأمور الخَيْرِية، فإِنَّ الناس لا يَنْجُون مع الله إلا بالنُّطق بكلمة الإخلاص، و هي قول " لا إله إلا الله، محمد رسول الله - صلى الله عليه و سلم - "و بذلك يَخْرُجُ العبد من الكُفْرِ إلى الإيمان، و بضدها يهلك في نظر المسلمين، أي يحكمون بهلاكه يوم القيامة ؛ لأنَّ الله أَوْضَحَ النجدين، و بَيَّن السبيل لذي [26] عينين، و أَوْجَد قُوَّة الكسب، و مكَّن من الاختيار في التصرفات في هذه الحياة الدنيا. (1/38)
صفحة 38
و إذا كان الكلام البَذِيُّ يتأذى منه البشر، فكيف بخالق الخلق، و باسط الرزق، وَضَعَ للناس كل خير، و نهاهم عن كل شر، و رَبَّاهم بنعمته، و هو المالك لهم، و الصانع الذين منه مبدأهم، و إليه منتهاهم، يحسن إليهم، و يسيئون إليه عز و جل، ألا يغضب الله على عبد خلقه، و صَوَّرَه، و رزقه، و أعانه، و رَبَّاه على نعمه، و فَوَّضَ إليه أمر نجاته، فيعود على ربه بما لا يرضاه من الكفران إنَّ الله : " َلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ " (3)، و غضب الله و رضاه على خلاف رضا عباده و غضبهم، و في الحديث : " المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنَ يَدِهِ و لِسَانِهِ " (4).
و الطَّاعن في الدِّين لم يسلم منه العباد المتدينون، و لا الدين، و لا مالك يوم الدين، فإنَّه بطعنه في الدين طاعن في رب العالمين، و أيُّ ذنب يعادل ذنب هذا الغافل عن تحقيق الحقائق التي كان منها، و التي كُوِّنَ لها، سبحان الذي بسط حلمه على علمه، و وسَّع رحمته على خلقه.
و قد تواترت الأدلة على تحريم الطعن في أَعْرَاضِ المسلمين، فكيف بها في الدين، قال الله عزَّ و جلَّ : " َلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ " (5)، هذا إذا كان الطَّعْنُ في الأعراض، فكيف به إذا كان في الدين، أيرُدُّ الجاهل على ربه دينه، و ينتقده في عمله التكليفي، و هو يقول : " لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ " (6)، و قد كَلَّفَ الله عباده ابتلاءً و اختباراً، و ليكون ثوابه و عقابه على عمل يعملونه، و أمر يفعلونه، فإِنَّ الله لا يَعْبَثُ في مخلوقاته، و لا لَعِبَ في مصنوعاته، سبحانه من قادر [27]، ما أعظم شأنه، و أقوى سلطانه.
=========================================== (1/39)
صفحة 39
(1) أخرجه الترمذي في ( 41- كتاب الفتن 8- باب ما جاء في حرمة الصلاة ) ( 5/ 11- 12 ) رقم 2616، و قال : هذا حديث حسن صحيح، و أخرجه ابن ماجه في ( 36- كتاب الفتن 12- باب كف اللسان في الفتنة ) ص 571- 572، و أخرجه أحمد بن حنبل رقم 21915 ( 16 / 167)، و رقم 21962 ( 16 / 183 )، و رقم 21967 ( 16 / 185 ).
(2) ق : 18.
(3) الزمر : 7.
(4) أخرجه البخاري في ( 2- كتاب الإيمان 4- باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده ) (1/ 23 ) رقم 10، و أخرجه مسلم في ( 1- كتاب الإيمان 14- باب بيان تفاضل الإسلام ) ( 1 / 65) رقم 65، و أخرجه النسائي في ( 47 - كتاب الإيمان 80- باب صفة المؤمن ) ( 8/ 105) رقم 4995، و أخرجه أبو داود في ( 15- كتاب الجهاد 2- باب في الهجرة هل انقطعت ؟ )
=
ص359 رقم 2481، و أخرجه الدارمي في ( 20- كتاب الرقاق 4- باب حفظ اللسان ) ( 2/ 238 ) رقم 2712، و أخرجه أحمد بن حنبل رقم 6487 ( 6/42) و رقم 6515 ( 6/ 78 ).
(5) الحجرات : 12.
(6) الأنبياء : 23.
--- (1/40)
صفحة 40
وقد ثبت في آثار المسلمين أَنَّ الطعن في الكفر، و الفسق، و الضلال من الجهاد في الدين، و أنَّ حماية الدِّين من ألسن العابثين فَرْضٌ على المسلمين، و أَوْجَبُ الواجبات الرَّدُ للطعن إنْ لم يكن بسهام فبالأقلام، و إيضاح الحجج، و تبيين المقاصد، و كشف الغايات، و القصد لرضى الله عز و جل.
تعالى الله عن أقوال المتنطعين، و عزَّ في ملكوته عن معارضة المستكبرين.
و سبب الطعن التكبر، و لا يتكبر على الحق إلا جاهل خسيس، و جاء ذلك في الأثر الصحيح.
و قد أطال القطب - رحمه الله - القول في أحكام الطاعن في الدين، و في دين المسلمين، بعدما تكلَّم على الطاعن في الرُّسل ؛ لأنَّهم الأصل الثاني للدِّين، و في أصحابهم على العموم و الخصوص، و في الطعن في أتباعهم، و في ما يلزم فيه القيام على الطاعن بالبراءة، و القتل، أو الضرب تعزيراً أو تأديباً، و في ما يتعلق بهذه الأحوال من جميع النواحي الشرعية،حتى يكون الدين كله لله.
و الطعن في الدين يثير الضِّغْنُ (1) بين المتدينين، كل على قدر اعتقاده قوة و ضعفاً " وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى " (2) و " إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ " (3) [28]، فالطاعن في الدين الذي هو عند الله الإسلام، أعظمُ جريمة، و أكبرُ مصيبة، و أشدُّ المعاصي عند الله - عزَّ و جلَّ - و هل أَوْجَب الله الجهاد إلَّا لإعلاء كلمة المسلمين، و تأييد الحق و الدين، رغم أعدائه الظالمين، و بالأخص جهاد البغاة في الإسلام، و أهل التوحيد من الأنام، الذين لا يفقهون من أمر الدين إلا ما يهواه الهوى من المُضِلِّين، و الناس أعداء ما جهلوا، و الحقُّ يَعْرِفُهُ أهله. (1/41)
صفحة 41
و لأهل المذهب في حقوق الدين أقوال يتناقلها الخلف عن السلف، و يدرسها الجيل بعد الجيل، لا يرضون غيرها بديلاً، و لا يبغون سوى الحق سبيلاً، على ذلك نشأوا، و عليه يَحْيَون، و عليه يموتون.
و للإمام الحضرمي (4) - رحمه الله - في شِعْرِيَاتِهِ المتينة، و آثاره الواضحة تحقيقات بديعة، و أَنْظَارٌ رفيعة، و الإمام أبي سعيد الكدمي (5) - رحمه الله تعالى - ما يَكْبَحُ جِمَاحُ أهل الهوى المعاندين، و يَرَدُّ نَعْرَة المُتَهورين، و غَطْرَسَة المُتَهوسِين (6)، الذين تحكَّم عليهم الهوى، و طَغَتْ أنفسهم بما تهوى، و الذين أعجبتهم كثرتهم، فظنوا أنَّها دليل على الحق، و السواد الأعظم لا يهتدي للحق منه إلا أفراد، و أفذاذ، أمَّا غالبية الناس فإلى الجهل تصير، و ناهيك بأيام النبيين فإنها مُظْلِمَةٌ بالسَّوَادِ الأعظم، الخائض في غَمَرَات الجهل الساذج، و أهل الحقِّ فيها قليلون، كما بيَّنا ذلك في أمكنة متعددة.
و لا ريب فإن محمداً - صلى الله عليه و سلم و آله - عاش مدة مُهَاناً بين أَقْرَبِ النَّاس إليه، و أَحَبِّهم له، مراغمة للدين الذي جاء به من عند الله - عز و جل - و إهانة للحق الذي يدعوهم [29] إليه، فكان بعد ذلك أَنْ كلَّفه الله مجابهتهم بالشِّدَّة و العُنْفِ، فسلَّ عليهم الصَّارم البتار، و قَطَعَ الأعناق، و وَطِئَ على هاماتهم وطئةً أحسُّوا ثقلها، فاتَّقوه بالخضوع، و دفعوا سطوته بالانقياد، فكان بعد ذالك السيد الفيصل، يقولون له أخ كريم و ابن أخ كريم، مَلَكْتَ فأسْجِح (7)، و بلغت فأصْلِح، و سعدت فَأَربِْح.
فالدين لا تحميه إلا شدَّة أهله عليه، و لا تصونه إلا عزائم المسلمين، رغم كل خبيث لعين. (1/42)
صفحة 42
فلهذا يرى أصحابنا قتل القادح في الدين، و الطاعن في مذهب المسلمين، و مَنْ لا يرعى حق الله في دينه، و لا يحفظ حُرْمَة الشَّرع، فإنَّه داع إلى هدمه، و مُسْتَهِين لِحُرْمَتِهِ، فهو هالك مع الله، خارج عن الحقِّ، بل خارج عليه، و الله ولي المتقين.
(8)
========================================
(1) الضِّغْنُ : الحقد ( مختار الصحاح / 160 ).
(2) البقرة : 120.
(3) آل عمران : 19.
(4) إبراهيم بن قيس الهمداني الحضرمي، من أعلام القرن الخامس الهجري، ولد في الربع الأول منه و اختلف في وقت وفاته و الراجح أنها كانت ما بين ( 475هـ - 500هـ )، من أئمة الإباضية بحضرموت،و كان شاعرا فحلا، له عدة مصنفات منها، مختصر الخصال , السيف النقاد ديوان شعر. الأعلام ( 1/ 58) و مقدمة تحقيق ديوانه السيف النقاد، و ديوانه السيف النقاد طبع مؤخرا بتحقيق علمي رزين قام به الأخ الباحث بدر بن هلال اليحمدي.
(5) محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي ( 305 هـ - 356هـ )، أبو سعيد، من كبار العلماء المحققين، سمي بإمام المذهب لقيامه بالرد على الفرقة الرستاقية، من أشياخه محمد بن روح بن عربي الكندي، و أبو الحسن محمد بن الحسن، له عدة مؤلفات منها الإستقامة , و المعتبر. ( إتحاف الأعيان، 1/ 215) )، تحفة الأعيان ( 1/ 277).
(6) المتهوسين جمع متهوس، وهو الذي أصابه الهوس، والهوس طرف من الجنون ( مختار الصحاح / 292) مادة (هـ و س ).
(7) الْإِسْجاحُ: حُسْنُ العَفْوِ و والْأَسْجَحُ: الحَسَنُ المُعْتَدلُ.( القاموس المحيط، ص285) مادة ( س ج ح ).
(8) لم أجد قائله، رغم البحث الشديد في المصادر المتوفرة لدي، و لعل الله أن يوفقني لأجد قائله في المستقبل.
--- (1/43)
صفحة 43
فأهل العلم هم المسئولون عن الحقائق، و هم القوَّامون بها، و الذين يَغَارُون عليها، و يبذلون في تأييدها نَفِيسَ حياتهم، و عَزيِزَ رغباتهم : " وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ " (1)، و الإسلام شرع شرائع لصيانة الدين، و أمر بأوامر تُؤيِّد منهج المؤمنين، و الدِّين الخالص لله لا لغيره : " أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ " (2)، "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَم" (3)، و هل الدِّين إلا الذي شرعه الله لرسوله، و أوحاه إليه، ليبلغ عباده أوامره و نَوَاهِيه.
فالقادح في الدِّين مناقضٌ لأوامر رَبِّ العالمين، مُعَارِضٌ لواجبات الإيمان، ومُتَعَلقٌ بأمْرَاسِ (4) العصيان، فلا يؤوى، و لا يوالى، و لا يُنَاصر حتى يتوب إلى الله من ذنبه، و يؤب إليه من فحشه.
و الإباضية هم جمال الإسلام، و إذا خلا منهم فعليه العَفَاء (5)، و على الدنيا كذلك ؛ لأنَّ الإباضية هم حُمَاةُ الحقِّ بالأقلام و الحُسَام، و غيرهم [30] حُمَاة الباطل بالأفعال، و الكلام غير الحقِّ ؛ لأنَّ الإباضية لا ينهجون منهج عثمان في إيثار الأقارب، و لا يبدلون مناهج الأحكام بغيرها، و إن شَطَّ بهم الدَّهر، و لا يَرَوْنَ جعل السيرة على غير سيرة النبي - عليه الصلاة والسلام - و سيرة صاحبيه أبي بكر، وعمر بن الخطَّاب - رضي الله عنهما -، و لا يُخَادِعُون المسلمين، و لا يُمَاكِرُون في الدِّين، و لا يغتالون، و لا يغدرون، و لا يرون بعد حكم محمد - صلى الله عليه و سلم - حكماً. (1/44)
صفحة 44
فكانوا من أوَّل الأمر أضداد الملوك الجَوَرَة، و أعداء الأمراء الفَجَرَة، يرون الخروج على أهل الباطل مَنْ كانوا، و أين كانوا، و لا يقولون لغير وليِّهم في الدين رحمه الله، و رضي عنه، و غفر له، و نحو ذلك، و هو فاسقٌ، ضالٌ، مارقٌ من الدِّين ؛ لأنَّ ذلك عندهم ثمرة الولاية لهم، و الله قد نهى نهياً جازماً عن موالاة البُغَاة من أي الناس كانوا، وعن مولاة المُفْسِدين في عدة آيات جاء بها القران الكريم، قال الله -عز و جل - : " لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ" (6).
==================================
1) آل عمران : 85.
(2) الزمر : 3.
(3) آل عمران : 19.
(4) أمراس جمع مَرَس، هو جمع مَرَسة و هو الحبل ( القاموس المحيط، 741 ) مادة ( م ر س ).
(5) العَفَاءُ بالفتح والمد التُراب قال صفوان بن مُحرز إذا دخلت بيتي فأكلت رغيفا وشربت عليه ماءً فعلى الدنيا العَفَاء ( مختار الصحاح / 186) مادة ( ع ف ا ).
(6) المجادلة : 22.
--- (1/45)
صفحة 45
[الرَّدُّ على مجلة المُسْلِمُون فيما ذكرته عن الإباضية]
و قد علمت ما وجَّهه أعداء (1) ضِدَّهُ، مما ذكره عنه شكيب أرسلان (2)، و نقله عنه الكثير ممن يكتبون عن الإباضية، كصاحب ضحى الإسلام، و مؤلف معالم الجزيرة (3)، و غيرهم، و قد مر عليك في مقالنا هنا.
و جاء أيضاً من نوعه في مجلة " المُسْلِمُونَ " التي يصدرها المركز الإسلامي برئاسة سعيد رمضان (4) جاء فيها : " إِنَّ الإباضية يُوجبون الصَّلاة دون سَرَاويل، و إنَّهم يُحَرِّمون على المرأة الخروج من البيت مُطْلَقاً، و أنَّهم يمنعون غيرهم من بناء المساجد، أو يشترطون عليهم أن تكون مساجدهم دون مَنَائر، و أنَّهم كانت بينهم و بين أهل المذاهب الأخرى عداوة ".
و الحقُّ أَنَّ الإباضية لم يصدر منهم ذلك كله، و المنائر وإِنْ كانت لا حاجة عليها، و لم [32] تكن شَرْطاً لازماً في بناء المساجد، و لا دليل عليها من كتابٍ، أو سنةٍ، و إنما هو استحسان من بعض النَّاس، و قد أصبحت الآن وهي تستغرق مالاً طائلاً في بناءها بغير فائدة ما، بل لم تكن تُسْتَحْسَنَ ذلك ؛ لأنَّها ليست محل صلاة، و لها قيمة كبيرة تَضِيعُ في بناءها دراهمٌ طائلةٌ، و أيُّ فائدة فيها، و أيُّ دليل دلَّ على بناءها، و الأحاديث النبوية ناطقة بصراحة : "ابْنُوا المَسَاجِدَ جُمّاً، و لا تَجْعَلُوا لََهَا شُرُفَات " (5) فالمنائر من نوع الشرفات، و الزَّخْرَفة المنهية عنها.
و إن قيل تُبْنَى للأذان، قلنا لم يتوقف الأذان على بناءها، و لا قال بذلك أحدٌ من أهل العلم مُطْلَقاً من أي المذاهب كان.
و لعل مَنْ أجاز بناءها كان ذلك عنده من باب الاستحسان، و ذلك غير مَخْفِيٍّ أَصْلُهُ، فإِنَّ مَا يستحسنه زيدٌ لا يلزم منه استحسان عمرو له، و ربما قيل بمنع المنائر نظراً إلى ضياع المال الذي يُنفَقُ عليها. (1/46)
صفحة 46
و إذا كانت المساجد لها أوقاف خاصة لعمارتها، فهل المنائر من عمارتها ؟، حتى قيل إذا كان للمساجد أوقاف، و زِيدَ في بِنَاء المساجد، لا تبنى تلك الزيادة من الأوقاف المخصوصة بها قبل ذلك التوسيع.
و مَنْ الذي أوجب الصلاة بغير سَرَاويل، هذا مما لا يقول به عاقل، بل لو قيل بجوازها لكان صحيحاً ؛ فإنها جائز بدونها حتى لواجِدها، لأنَّ الشارع أجاز الصلاة بثوب واحد : " أَوَ كُلُكُمْ يَمْلِكُ ثَوْبَينِ " (6) فإذا كان لا يملك إلا ثوباً واحداً فمَنْ ذا الذي يقول ببطلان الصلاة لهذا.
و قولهم : أَنَّهم يُحرِّمون على المرأة الخروج من البيت مطلقاً ؛ فهذا إن كانوا قالوا به [32] فغير خارج عن الحقِّ، بل هو عين الحقِّ، فإنَّما ضرب الله الحجاب على النساء لصيانتهن، و قد وردت الأحاديث الدالة على صِيَانة النساء، و تعليمهن المَغْزَل، و أن لا يسكنَّ الغُرَفَ (7)، و لا يكثرن اللباس،فإنَّهن إن أكثرن أحببن الخروج المنهي عنه، و الخروج للنساء بغير ضرورة لا ينبغي، و لا يبيحه الشرع، و لا يرضى به، فإن خروجهنَّ داعٍ إلى الفتنة، و ضَعْف عُقُول النساء معروف، و الله يقول في كتابه العزيز : " وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى " (8).
فالإباضية لم يَخْتَصُوا عن غيرهم بقولٍ في هذا المقام، و إجماع الأمة شاهد بذالك، و لو اخْتصَّ به الإباضية لعُدَّ من محاسنهم، و من حُسْنِ أعمالهم، حيث امتثلوا أوامر الشرع في الأصل و الفرع، و هم حقيقون بذلك حيث لم تبق أوامره محفوظة عند غيرهم غالباً.
و لو اختصَّ به الإباضية لم يَكُنْ خارجاً عن الحقِّ لِمَا أشرنا إليه من الأدلة، و لكان من الحَزْمِ بمكانٍ خصوصاً في هذا الزمان. (1/47)
صفحة 47
و قولهم : " كانت بينهم و بين غيرهم من المذاهب عداوة "، لا رُوحَ لهذا الكلام، فإِنَّ العداوة تكون بين الناس لأسباب منها: ما يبُثُّه الأعداء كهؤلاء !!، و منها ما يقوم عن مخالفة الحقِّ و مكابرته، و منها ما يكون من تأييد الباطل، كمناصرة الجبابرة، و الظلمة على المسلمين، و إعانتهم للبُغَاةِ على أهل العدل، و أسباب أخرى تثير العَدَاء.
و لم تختص الإباضية بذلك أيضاً دون غيرهم، فإِنَّ الاختلاف قَضَتْ به حكمة ذي الجلال و الإكرام : " وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ {118}إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ" (9)، و لو كان ذلك للإباضية خاصة من دون غيرهم من بقيِّة النَّاس، لكان أيضاً من مَحَامدهم، حيث قاموا بما أوجب الله - عز و جل - من مفارقة أهل الباطل، و مباعدة [33] أهل الفساد في الأرض، و أول خلاف و عداء وقع بين بني آدم، هو الخلاف الذي وَقَعَ بين قابيل و أخيه، و هم أبناء آدم على الصحيح وهكذا.
و تلك المجلة الموسومة بـ"المسلمون " تقول : " الإباضية كسائر فرق المسلمين، أو كسائر فرق الخوارج يذهبون إلى التكفير كل من رضي بالتحكيم".
فيا سبحان الله من أين جاء إلى هؤلاء الناس أَنَّ الإباضية من الخوارج؟؟!
و إن كان القَصْدُ التمثيل بهم، فأي نسبة بين الإباضية و الخوارج الضَّالة؟؟، إنا لله و إنا إليه راجعون.
و إذا كانوا يُكَفِّرُون كُلَّ من رَضِيَ بالتحكيم، فما بال بعضهم يقول " هم الذين أصُّروا على التحكيم ".
انظروا معشر الناس هذا التناقض في الكلام عن الإباضية !!.
=====================================
(1) كذا في الأصل، و الصحيح " أعدائه ". (1/48)
صفحة 48
(2) شكيب بن حمود بن حسن أرسلان ( 1286 هـ - 1366 هـ = 1869م - 1946م ) أديب، كاتب، شاعر، مؤرخ، سياسي، ينعت بأمير البيان من أعضاء المجمع العلمي العربي، ولد في لبنان و توفي في بيروت له مؤلفات كثيرة منها الحلل السندسية في الرحلة الأندلسية،و حاضر العالم الإسلامي. الأعلام ( 3/ 174 )، معجم المؤلفين ( 1/ 818 ).
(3) سعيد بن عوض باوزير الحضرمي، من حضرموت، كاتب معاصر، مؤرخ، معظم كتاباته تدور حول حضرموت، لم أجد له ترجمة في المعاجم المخصصة لهذا الشأن،و لذلك أكتفي بذكر بعض كتبه مع بيان مكان النشر :
1- الفكر و الثقافة في التأريخ الحضرمي، دار الطباعة الحديثة 1381 هـ - 1961م.
2- صفحات من التأريخ الحضرمي، القاهرة، المطبعة السلفية 1378هـ.
3- معالم تاريخ الجزيرة العربية، القاهرة، دار الكتاب العربي.
4- حضرموت : طواها التأريخ و نشرها مرة بعد مرة، مجلة العربي، العدد 76، 1965م.( بيليوجرافيا مختارة و تفسيرية عن اليمن، ص 30 ).
(4) سعيد رمضان لم أجد له ترجمة حتى الآن.
(5) أخرجه بنحوه ابن أبي شيبة في ( 3- كتاب الصلوات 85- في زينة المساجد و ما جاء فيها ) (1 / 274 ) رقم 3153 و 3154، و أخرجه أبو نعيم في الحلية ( 3/ 12 ) و أخرجه البيهقي ( في كتاب الصلاة 536- باب في كيفية بناء المساجد ) ( 2/ 616). (1/49)
صفحة 49
(6) أخرجه الربيع بن حبيب في ( كتاب الصلاة 45- باب في الثياب و الصلاة فيها) رقم 266 ص111، و أخرجه البخاري في ( 8- كتاب الصلاة 4- باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به ) (1/ 103) رقم 358، و أخرجه مسلم في ( 4- كتاب الصلاة 52- باب الصلاة في ثوب واحد ) (1/ 367 ) رقم 275 و 276، و أخرجه أبو داود في (2- كتاب الصلاة 77- باب جماع أثواب ما يصلى فيه ) رقم 625و 629 ص101، و أخرجه ابن ماجه في ( 5- كتاب إقامة الصلاة 69 _ باب الصلاة في الثوب الواحد ) رقم 1047 ص146، و أخرجه مالك في المؤطا في ( كتاب الجماعة 30، و أخرجه أحمد بن حنبل رقم 7149 ( 7/ 7 ) و رقم 7250 ( 7/ 87).
(7) ورد في تعليم النساء المغزل و عدم إسكانهن الغرف عدة أحاديث منها ما أخرجه الحاكم في المستدرك ( 27- كتاب التفسير 24- تفسير سورة النور ) ( 2/ 430 ) رقم 3494، و ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان في ( 60 - باب حقوق الأولاد و الأهلين ) (6/ 401) رقم 8664، و ما أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ( 6 / 87) رقم 5713.
(8) الأحزاب : 33.
(9) هود : 118- 119. (1/50)
صفحة 50
فيستفاد من كلام هؤلاء الغامزين للإباضية، أنَّهم لم يَرْضَوا بالتحكيم، فما بال الذين يقولون " إنَّ الإباضية هم الذين حملوا علي بن أبي طالب على التحكيم"؟؟!.
أما ترى الأهواء المُضِلَّة تُعَادي الأمة المُحِقَّةِ قصداً لإخماد الحقِّ، و إظهار الباطل بالأهواء الفاسدة !!.
و هلا يكفي ذلك شهادة للإباضية أنَّهم لم يرضوا بالتحكيم، و فِرَارُهم عن الإمام علي، و انحيازهم عنه بالنَّهروان، و ذلك أشهر من نار على علم !!.
و مع أنَّه لا إباضية إذ ذاك، بل الصحابة الأكرمون أهل الحقِّ، الذين جعلهم الله حجة على عباده، فأين هم و أين الإباضية ؟؟! كما سوف تقف على ذالك إن شاء الله.
و ما بال هؤلاء الناس يطبقون على أُنَاسٍ لم يكونوا بَعْدُ في العالم ؟؟! ويفصلون جانباً من صحابة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و يجعلونهم غرضاً يرمونهم بسهام الطعن و القدح،و لا يبالون !!.
أما يتقون الله فيهم ؟! أما يراعون رسول الله - صلى الله عليه و سلم - في خيرة أصحابه و صفوة أخصائه الذين هربوا [34] من الباطل، و أخذوا جانباً عنه، فارين بدينهم، غير مَاسِّين بعرض أحد من عباد الله ؟؟!، و ما بال هؤلاء الناس يَسْتِرُون الشمس بأظفارهم !!، أليس هذا من المُخْجِلِ ؟!، و المفضح في الدين؟!!.
و اعلم أن جعل الإباضية من الخوارج خطأ ديني، و تأريخي :
فأمَّا من ناحية الدِّين فالإباضية أَبْعَدُ من الخوارج بمسافات ؛ لأنَّ الخوارج -الذين يغمزون بهم الإباضية - يُشرِّكون أهل القِبْلَة من مُخَالفيهم على العموم، و الإباضية لا يقولون بذالك، فإنَّه يتفرع عليه استحلال دماء الناس و أموالهم، و لم يعرف للإباضية هذا في حال من الحال أبداً، و كذلك أيضاً سبي الذراري. (1/51)
صفحة 51
حاشا الإباضية أن يقولوا باستحلال أموال من قال : " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، أو باستحلال دماءهم، أو سبي ذراريهم، اللهم إلا في حال البغي منهم، كما قال الله عز و جل : " فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ " (1)، وأمَّا الأموال فهي حرام بإجماع أهل الحقِّ.
ويجري عمل الإباضية في أهل القبلة على مُقْتَضَى قول رسول الله - صلى الله عليه و سلم - : " أُمِرْتُ أَنََّ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَه إلاَّ الله و أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ - صَلَّى عليه وسلم - فإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَائَهُم و أَمْوَالَهُم إلاَّ بِحَقِّهَا و حِسَابُهُم عَلَى اللهِ " (2) فكل من نَطَقَ بالشهادتين فهو مسلم له ما للمسلمين و عليه ما عليهم، إلا إن ارتدوا - و العياذ بالله - فللرِّدة أحكام عند المسلمين، و قد قامت للإباضية في هذا الكون عِدَّةَ دول و حكومات، و وقعت بينها و بين غيرها من الدول حروب وملاحم، فهل علمتم أن دولة من دول الإباضية استحلت أَمْوَالَ الناس من أهل القبلة، أو دمائهم بغير حق ؟، بل وحتى الغدر و الخداع في الحرب، مع أَنَّ الحرب خُدْعَةٌ [35] بشهادة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - (3).
أَمَّا الباغي على المسلمين فواجب المسلمين قتاله، حتى يفيء إلى أمر الله، عملاً بنص القرآن، إذ قال الله عز وجل : " فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ " (4) الآية، و هكذا عمل الإمام الأول بعمان الجلندى بن مسعود (5) - رحمه الله - لما قضى على شيبان الخارجي (6) فقبض على سيفه، و خاتمه، و جعلهما أمانة لِوَرَثته. (1/52)
صفحة 52
و لما طلبهما منه خَازِمُ بن خُزَيْمَة (7) الذي خرج لقتاله، و وجده مقتولاً بسيوف العمانيين، قال له الإمام الجلندى : " لست أنت الوارث لشيبان، و هذا مال يرجع للوارث "، فقال خازم : " أنا كنت طالب قتله، و أنت كفيتنا إياه، فسلِّم لي الخاتم و السيف حتى أرجع إلى الخليفة و أخبره بذلك، بل و أعلن له أنك تَمْتَثِلَ أمره "، فأجابه : بلا يرضي له دينه ذلك، أي أن يعترف له بطاعة سلطان بغداد، و أفاده بأنَّه إذا جاء الوارث يسلم إليه ذلك، لأنَّه ماله، و أموال أهل القبلة لهم لا يحلها الحرب.
و كأنَّها فتنة أخرى زَحَمَتْ لهذا الإمام المرضي - رحمه الله -، و لعل خَازِماً رأى بالمسلمين له غِرَّة فطمع فيهم، و أظهر للإمام غضباً على عدم تسليم السيف، و الخاتم، و الخطبة لسلطان العراق.
و إذ ذاك شَنَّها شَعْوَاء (8) على الإمام ومن معه، و كأنَّهم في قِلَّة إذ ذاك، و لم يظنوا أَنَّ الرجل يطلب منهم غير ذلك، بل ظنوا أنه لمَّا وجد خصمه مقتولاً سَرَّه ذلك منهم، فيرجع عنهم شاكراً لهم، و إذا به يشُنَّها شَعْوَاء حامية بغير موجب، بل بَغْياً، و عدواناً بغير حقّ ٍ، و لا أدنى شيء يعرف في دين المسلمين سوى ذلك.
=========================
(1) الحجرات : 9. (1/53)
صفحة 53
(2) أخرجه الربيع بن حبيب في ( كتاب الجهاد 17- باب جامع الغزو في سبيل الله ) ص 188 رقم 464، و أخرجه البخاري في ( 2- كتاب الإيمان 17- باب فإن تابوا و أقاموا الصلاة ) ( 1/26 ) رقم 25، و أخرجه مسلم في ( 1- كتاب الإيمان 8- باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله... ) ( 1/ 51 ) رقم 32، و أخرجه الترمذي في ( 41 - كتاب الإيمان 1- باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) ( 5/ 3) رقم 2606، و أخرجه أبو داود في ( 15- كتاب الجهاد 95- باب على ما يقاتل المشركين) رقم 2640 ص 381، و أخرجه ابن ماجه في ( 36- كتاب الفتن 1- باب الكف عمن قال لا إله إلا الله ) رقم 3927 ص 563، و أخرجه الدارمي في ( 17- كتاب السير 10- باب في القتال على قول النبي صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل...)(2/178 ) رقم 2446، و أخرجه الدارقطني في كتاب الزكاة ( 2 / 75 ) رقم 1866، و أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ( 2 / 5 ) رقم 2199،و أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ( 11/ 160 ) رقم 11487 و في المعجم الأوسط ( 1/ 384 ) رقم 945، و أخرجه ابن حبان في ( 5- كتاب الإيمان 4- باب فرض الإيمان ) (1/ 400 ) رقم 174، و أخرجه الطحاوي في شرح معاني الأثار ( 3/ 216 )، و أخرجه الروياني في مسنده ( 3/ 432) و أخرجه أبي يعلى الموصلي (1/ 50 )، و أخرجه عبد الرزاق في المصنف ( 4/ 44). (1/54)
صفحة 54
(3) أخرجه البخاري في ( 51- كتاب الجهاد 157- باب الحرب خدعة ) ( 2/ 257 ) رقم 3030، و أخرجه مسلم في ( 32- كتاب الجهاد و السير 5- باب جواز الخداع في الحرب ) ( 3/ 1361) رقم 1738 و 1740، و أخرجه الترمذي في سننه في ( 24- كتاب الجهاد 5- باب ما جاء في الرخصة في الكذب و الخديعة في الحرب ) ( 4 / 193 ) رقم 1675، و أخرجه أبو داود في ( 15 - كتاب الجهاد 92- باب المكر في الحرب ) ص380 رقم 2636 و 2637، و أخرجه ابن ماجه في ( 24- كتاب الجهاد 28- باب الخدعة في الحرب ) ص 409 رقم 2833 و 2834، و أخرجه أحمد بن حنبل في ( 1/ 470 ) رقم 696 و 697.
(4) الحجرات : 9.
(5) الجلندى بن مسعود بن جيفر الأزدي ( ت 134هـ ) أول إمام نصّب في عمان، و هو إباضي قاتل شيبان الخارجي، و قتله خازم بن خزيمة. الأعلام (2 / 133).
(6) شيبان بن عبد العزيز اليشكري ( ت 134 هـ ) من أمراء الخوارج و قادتهم و شجعانهم، ومن قادة الصفرية، قام بثورة ضد مروان بن محمد و قتل في عمان. الأعلام ( 3 / 180 ).
(7) خازم بن خزيمة بن عبدالله بن حنظلة النهشلي ( مات في حدود 136هـ - 158 هـ) أبو هزيمة، صاحب شرطة بني العباس، و قتل العنزية، و ولي عمان، و مات ببغداد، فعزِّي عنه أبو جعفر.المعارف ص417، و جمهرة أنساب العرب ص 230.
(8) غارة شعواءُ أي فاشية متفرقة ( مختار الصحاح / 143 ) مادة ( ش ع ا ). (1/55)
صفحة 55
ولم يرضَ الإمام ومن معه المداهنة، فقاتلهم خَازِمُ بن خُزَيْمَة، حتى قتلهم جميعاً، و بذلك [36] هلك الإمام و من معه على ذلك الشيء اليسير، و لم يرض الخضوع لباغٍ ظالمٍ، كشيبان، فإِنَّ خازماً صار أَخْبَثَ منه (1).
فهذا قانون الإباضية مع أهل " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، فَخُذْهُ مثالاً صادقاً لا تَجِدُ له ما يفنده، و إِنْ شئت استعرض به آثار الإباضية تجد عنوانها هذا، و قانونها المعروف، لا كما يقول الغامزون في مذهب الإباضية لِغَرَضٍ فاسدٍ.
و انظر في فتاوى إمام الإباضية، و عُمْدَة مذهبهم، أبي الشَّعَثاء جَابِر بن زيد - رحمه الله - و قد وَثَّقَهُ الكُلُّ، و اعتمد عليه أهل العلم، و قَلَّ أن يخلو مُؤلَّفٌ من مُؤلَفَات المسلمين على اختلاف مذاهبهم، و تباين منازعهم، إلا و جابر بن زيد جمال ذلك المؤلف، و لم يعرف في فتاوى الإمام المذكور، و لا في منقولاته شيء عن هذا الذي يقال، و هو تلميذ ابن عباس - رضى الله عنهما - و كان تابعياً كبيراً، ولد سنة22 للهجرة، و توفي سنة 96 منها، و قيل سنة 103، و الشهير الأول.
وقد كان مُعَاصراً للخلاف الذي وقع بين علي بن أبي طالب، و أصحابه من الصحابة الذين تحيزوا عنه بالنَّهروان، فحمله قومه الطغاة كالأشْعَث بن قَيْس الكندي، عميل معاوية، و دسيسته على علي بن أبي طالب، و كان جابر بن زيد يرى بطلان التحكيم، كما رآه علي بن أبي طالب، لكن كان الرأي الفعَّال ما يراه الجيش لا ما يراه الإمام، فإنه سار إلى النهروان ليتفق مع إخوانه، و ترتبت القضية على ذلك بعد مراسلات، و مخابرات من صلحاء المسلمين، كما ذكرناها في التاريخ. (1/56)
صفحة 56
و كان الأشعث و أعوانه يرون أَنَّ الذين اجتمعوا بالنَّهْرَوَان هم الخطر على معاوية إن كانوا مع على بن أبي طالب، أو [37] كانوا وحدهم فهم أعداء معاوية - الذي شَقَّ عصا المسلمين، ورام فتنتهم ليتسلط على الأمر - فحمل علياً المسير إلى القوم، بأي صفه تكون، و هو يعمل الحِيلَةَ، مُتَظَاهراً بنُصْرَة علي، و مُتَسَتِراً بالعمل لمعاوية، لأنَّ أهل الدنيا يعرفون أصحابهم من غيرهم، كما كان عمرو بن العاص.
و لمَّا وصلت بَوَادِرُ الجيش إلى النهروان أَشْعَلُوها ناراً حمراء، فلم [يدرِ](2) علي بن أبي طالب إلا و الجيش في قتال، و الرؤوس تتهاوى كالأُكَرِ(3)، وهي المكيدة التي عُمِلَََت، و لعله لما سئل عن السبب قيل له أن القوم ابتدأوا بالحرب، و ربما عَلَّقُوا عليهم الغدر و لا يبالون، كما نسبوا إليهم قتل الرجل و زوجته، و أضافوا إليهم شنائع لِيَتَذَرَّعُوا بها على قتلهم.
وماذا يقول علي إذ ذاك ؟، و رَحَى الحرب تَدُور، فلم يملك من الأمر شيء؛ لأَنَّ أهل الأغراض قالوا الآن نشعلها ناراً لا يقدر على إطفائها علي ولا غيره، فإذا احترق النهروانيون بلهبها، استراح معاوية و صحبه من علي و آل علي،فكان الأمر كذلك.
و ماذا يقول علي و الأمر حسب الظاهر في صالحه، فلو قال إنَّا لم نجءِ لهذا، و إنَّما جئنا للمفاوضة، لقيل له إِنَّ القوم غادرون بنا و بك، و ابتدأونا بالقتال، فلم نرَ إلا مقابلتهم بذلك، و كما أخبرناك أنهم قطعوا الطريق، و فعلوا تلك الأفعال الشنيعة التي أبلغناك إياها، و الغرض الحقيقي معروف.
و بذالك انهارت إمامة على بن أبي طالب، حيث لم يجد مناصراً على معاوية، و لا وجد ذلك النشاط الذي وجده في القيام على أهل النهروان. (1/57)
صفحة 57
فانظر أيها العاقل لو فرضنا أَنَّ الذي [38] نُسِبَ إلى النهروانيين صحيح، فأين ذلك من فعل معاوية في المسلمين ؟؟!، إذ جاء لقتالهم في صفين بذلك الجيش الجَرَّار، و وقع ما وقع حتى إذا أحسَّ بالغَلَبَةِ، لجأ إلى الحيلة لينجو مما وقع فيه، فيرجع ليتقوى، و لم يكن عليه حرج !، و لا لوم !، و لا عتب !، و لا جور!، و لا ظلم !!.
و إنما الجور و الظلم و البغي من النهروانيين !!، إذ قتلوا امرأة و زوجها على فرض الصِّحة، و حاشا القوم أن يكونوا فعلوا شيئاً من ذلك، إذ ذلك من أفعال السِّباع، لا من أفعال الذين أَكَلَتْ الأرض جباههم، و جنوبهم، عند الركوع، و السجود.
انظر أيها العاقل كيف يفعل أهل الدنيا بأهل الدين لأجل دُنْيَاهم !!.
أما علي بن أبي طالب في نفسي أُكْرِمُهُ عن ذلك، و إنَّما الرجل يُخْدَعُ بالأكاذيب فيظنُّ الصدق، و عندما يقع في الأمر يحتار، و لعله يكله إلى المبتلى به،و يتذرع بذلك.
فإنَّه منذ بداء أمره على هذا الأسلوب، يرى الأمر له، و إذا به في غير شيء، و كان مُغْرَماً بالخلافة، فابتلي بها فلم تستقم له، و عَاصَت(4) عليه، و لم يستقر قرار، فلا فتوح و لا قرار للمسلمين من أول يوم.
و هذا التاريخ شاهد بما قلنا، ومَنْ رَامَ التحقيق فهو واضح لا يخفى على أحد، وقد صَرَّحَ الحسن البصري بما صرح به بقية أهل العلم، و قد سمعت ما قال المذكور في كامل المبرد، حتى قال عنه أنه كلام جافٍ(5) :poet ]
ُ(6)
=============================
(1) انظر للمزيد تحفة الأعيان ( 1 / 95 ) و عمان عبر التاريخ ( 1 / 250 ).
(2) غير واضحة في الأصل، و لعلها هكذا.
(3) الأُكر : جمع أُكْرَةٌ÷، و هي الكرة التي يلعب بها، و هي لغة من لغات العرب. لسان العرب ( 1 / 125 ) مادة ( أ ك ر ).
(4) عَاصَت : أي اشتدت عليه، يقال اعتصت النواة أي اشتدت، و تعصَّى الأمر إذا اشتد ( القاموس المحيط،ص 1692) مادة (ع ي ص ). (1/58)
صفحة 58
(5) الكامل في اللغة و الأدب ( 2 / 114 ).
(6) البيت للمتنبي من قصيدة مطلعها :
لهوى النفوس سريرة لا تعلم عَرَضا نظرتُ و خلتُ أني أسلمُ
يا أخت معتنق الفوارس في الوغى لأخوك ثمَّ أرقُّ منك و أرحمُ
( شرح ديوان المتنبي لبعد الرحمن البرقوني ( 4/ 254). ) (1/59)
صفحة 59
[كُفْرُ النِّعْمة وأصله مِن التَّّشريع]
و أمَّا التكفير الذي يذكرونه عن الإباضية، فإنَّهم لم يفهموا قواعد اللغة، و لو فَهِمُوا لَحَكَمُوا بمقتضاها أو فهموا، و لكن كانت لهم أغراض سياسية مَشَوا عليها، و هو الواضح.
فقد أطلق رسول الله - صلى الله عليه و سلم - لَفْظَةَ الكُفْرِ على العاصي[39] كما أطلقها القرآن ؛ فإن المراد به كُفْرِ النعمة، ككفر شارب الخمر، و الزاني، و السارق، و نحو ذلك.
فيقال له كافر، و فاسق، و ضال، و عاصٍ، و هالك، و هكذا، و ذلك أنَّ المسلم المعترف بالإسلام، إذا ارتكب مَنَاهي الإسلام، لم يكن مسلماً بالمعنى الصحيح،و لم يكن مُشْرِكاً، حتى يَخْرُجَ عن حكم الإسلام، فيحل ماله و دمه، لما عرفت من معنى الحديث الآمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله... الحديث، فهو مسلم لاعترافه بالإسلام، فاسق لخروجه على أوامره المحرمة به، و ثبت كفره بالقرآن، قال الله - عز و جل - : " وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ " (1) و قال - عزَّ و علا - : " وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ " (2) فترى القرآن يُسَمِّي صاحب الكبيرة كافراً، فهل تراه مشركاً حلال الدم و المال ؟، فإنَّما كانت جريمته عدم الحكم بما أنزل الله في الآية الأولى، و في الثانية تهاون بأمْرِ الحج، و كلاهما من كبائر الذنوب. (1/60)
صفحة 60
و في الحديث قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - : " لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفْاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُم رِقَابَ بَعْضٍ " (3) فسماهم بذلك كفاراً، و كذلك قوله - صلى الله عليه و سلم :- " مَنْ أَتَى كَاهِناً أَو عَرَّافاً فَصَدَّقَهُ فِيمَا قَالَ فَقَدْ كَفَرَ " (4)، و عنه - صلى الله عليه و سلم - : " مَنْ قَالَ مَطَرْنَا بِفَضْلِ اللهِ و بِرَحْمَتِهِ فَهُوَ مُؤمِنٌ بِي كَافِرٌ بالكواكب، ومَنْ قَالَ مَطَرْنَا بَنَوءِ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ بِي مُؤمِنٌ بِالكَوَاكِبَ " الآيات_و_الأحاديث (5) في عِدَّةِ أحاديث لا يمكن إيرادها كلها، و هي بمجموعها تدل على حصول الكفر بذلك الفعل، فهل تراه مشركا حلال الدم و المال ؟؟.
ولما أعيى هذا الحال على قومنا معرفة المراد به، تَكَلَّفُوا فيه التأويلات التي لا تتناسب بالمقام.
و المراد [40] بكفر النعمة عند الأصحاب هو كونه نال الهدى من الله فصار مسلماً، و المسلم لا يعصى المنعم عليه بذلك الفضل العظيم الذي مَنَّ الله به عليه : " لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي و هُوَ مُؤمِنٌ " (6) بل يسلب عنه الإيمان باقتراف الزَّنا، و المراد بالفاسق الخارج عن خُطَّة الدِّين ؛ فإن الفسق في اللغة الخروج (7)، و لا يعنون بالكافر المشرك، و لكنَّ قومنا يخالفونا لمَّا لم يفهموا معنى الكفر، و سمعوا الإباضية يقولون به، قالوا إنَّ الإباضية يجعلون أهل القبلة مشركين، و يكون بذلك استحلالهم الدماء و الأموال ؛ لأنَّ المشرك ذلك الحكم فيه وارد في الكتاب و السنة.
و لذلك أيضا أطلقوا عليهم اسم الخوارج، لأنَّ الخوارج مذهبهم حِلِّية أموال أهل القبلة و دماءهم، لأنَّهم مشركون معهم تَفْرِيعاً على معنى الكفر الذي فهموه، فنشروا عن الإباضية ذلك و لم يقولوه، و لا فعلوه، بل علقوه عليهم زوراً، و بُهْتَاناً.
===============================
(1) المائدة : 44.
(2) آل عمران : 97. (1/61)
صفحة 61
(3) أخرجه البخاري في ( 3- كتاب العلم 43 - باب الإنصات للعلماء ) ( 1/ 50 ) رقم 121،و أخرجه مسلم في ( 1- كتاب الإيمان 29- باب بيان معنى قول النبي : لاترجعوا...) ( 1/ 81 - 82 ) رقم 118 و 120، و أخرجه الترمذي في ( 34- كتاب الفتن 28- باب ما جاء لا ترجعوا بعدي كفارا ) ( 5/ 486) رقم 2193، و أخرجه النسائي في ( 37- كتاب تحريم الدم 29- باب تحريم القتل ) ( 7 / 126 ) رقم 4125 و 4126، و أخرجه أبو داود في ( 39 - كتاب السنة 15- باب الدليل على زيادة الإيمان و نقصانه ) ص 662 رقم 4686، و أخرجه ابن ماجه في ( 36- كتاب الفتن 5- باب لا ترجعوا بعدي كفارا ) ص566 رقم 3942 و 3943، و أخرجه الدارمي في ( 5- كتاب المناسك 76- باب في حرمة المسلم ) (2/ 59) رقم 1921، و أخرجه أحمد في مسنده رقم 2036 ( 2/ 495 ) و أخرجه ابن حبان رقم 5975 ( 13/ 314).
(4) أخرجه الترمذي في ( 1- أبواب الطهارة 102- ما جاء في كراهية إتيان الحائض ) ( 1/ 242 ) رقم 135، و أخرجه أبو داود في ( 1- كتاب الطب 21- باب في الكهانة ) ص 554 رقم 3904، و أخرجه ابن ماجه في ( 1- كتاب الطهارة 122- باب النهي عن إتيان الحائض ص 90 رقم 639، و أخرجه الدارمي في ( كتاب الطهارة 144- باب من أتى امراته في دبرها ) ( 1/ 178 ) رقم 1136، و أخرجه أحمد بن حنبل رقم 9502 ( / 2490 ).
(5) أخرجه الربيع بن حبيب في باب ذكر الشرك و الكفر ص44 رقم 62، و أخرجه البخاري في ( 10 - كتاب الأذان 156- باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم ) (1 / 203 ) رقم 846، و أخرجه مسلم في ( 1- كتاب الإيمان 32- باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء ) ( 1 / 83 ) رقم 71، و أخرجه أبو داود في ( 27- كتاب الطب 22- باب في النجوم ) ص555 رقم 3905، و أخرجه الدارمي في ( 20 - كتاب الرقاق 49- باب النهي أن يقول مطرنا بنوء كذا ) ( 2/ 248) رقم 2762. (1/62)
صفحة 62
(6) أخرجه البخاري في( 46- كتاب المظالم 30- باب النهي بغير إذن صاحبه ) (2/ 112) رقم 2475، و أخرجه مسلم في (1- كتاب الإيمان 24- باب نقصان الإيمان ) (1/76 ) رقم 57،و أخرجه النسائي في ( 45- كتاب القسامة 49- باب تأويل قوله تعالى : و من يقتل مؤمنا متعمدا...) (8/ 63-64 ) رقم 4869، و أخرجه أبو داود في ( 39- كتاب السنة 16- باب الدليل على زيادة الإيمان و نقصانه ) ص 662 رقم 4689، و أخرجه الترمذي في ( 41- كتاب الإيمان 11- باب ما جاء لا يزني الزاني و هو مؤمن ) (5/ 15 ) رقم 2625، و أخرجه ابن ماجه في ( 36 كتاب الفتن 3- باب النهي عن النهبة ) ص 565 رقم 3936،و أخرجه أحمد بن حنبل رقم 7316 ( 7 / 140 ) و رقم 8182 ( 8/ 334 )، و أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (5/ 4) رقم 5567، و أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ( 6/ 169 ) رقم 30402، و أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 72 ) رقم 56.
(7) مختار الصحاح / 211، القاموس المحيط ص1185، لسان العرب ( 11/181) مادة (ف س ق ).
--- (1/63)
صفحة 63
فإِنَّ الإباضية أبعد من ذلك، فإن الإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب (1) - رحمه الله و رحم آباءه الكرام - اهتمَّ برَّزَّة (2) بابٍ فُقِدَت في معسكر السلطان يُوسِفَ بن وجية (3) في نزوى لمَّا اصطلمها (4) الإمام الرحيلي فتتبعها حتى جيء بها إليه فردها على صاحبها (5).
و مصداق ذلك هذا القرآن ينطق صراحةً بقاعدة الإباضية في معنى الكفر الذي يقول به الإباضية، ألا تسمعه في الآية التي مرت عليك يقول: " وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ "(6) فسمى تارك الحج تهاوناً كافراً، و كذلك قوله عن من قائل : " لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ " (7) " وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ.... "الآيات (8)، أتراه يا أخي [41] يريد الشِّرك و يحكم عليهم به - تعالى الله عن ذلك - فافهم عن الله، فإنَّ السِّرَّ في الفهم عند أهل العلم. (1/64)
صفحة 64
و في السنة من هذا القبيل كما قلنا شيء كثير و منه : " مَنْ أَتَى النِّسَاءَ في أَدْبَارِهَنَّ فَقَدْ كَفَرَ " (9)أتراه مُشْرِكاً مع قوله -صلى الله علية وسلم - : " مَنْ تَرَكَ قَتْلَ الحَيَّةِ خَشْيَةَ النَّارِ فَقَدْ كَفَرَ " (10) فإن قلت كما نقول نحن فقد عرفت أن الكفر هنا المراد به كفر النعمة ؛ لأنَّ الله قال في النساء " نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ "(11) و ذلك كلام الرسول في إتيانهن في الأدبار، و كذلك قتل الحية، و حديث : " لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفُاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُم رِقَابَ بَعْضٍ " (12) أتراهم مشركين؟؟، لا و ربك هذا لا يَصِحُّ، و لو صح لكان أهل الجمل، و صفين كفاراً مشركين، و لم يقل بذلك عاقل فيما علمنا.
و كذلك جاء أيضا : " الرَّشْوَةُ في الحُكْمِ كُفْرٌ " (13) و عنه - صلى الله عليه و سلم - " المُدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ و المُنْكِرُ لِمَا عَلَيهِ كَافِرَانِ " (14)، " و لَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ و الكُفْرِ إلاَّ تَرْكُهُ الصَّلاةَ " (15) هذا قليل من كثير و هو كافٍ لبيان الحجة و إيضاح المحجة : " لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ " (16).
فترى الرسول - صلى الله عليه و سلم - أطلق الكفر على مرتكبي هذه الجرائم، و لا يعني به الشرك، و قد قال بقولنا هذا كثير من أهل العلم حين لم يجدوا مناصاً عن مقتضى الدلائل المشار إليها، و لم يقدروا على الحكم بتشريك لأهل القبلة، و لو قالوا به لانتقضت أصولهم الهامة، و تلاشت قواعدهم العامة، و فسدت عقائدهم، و ضلوا ضلالاً بعيدا (17).
فهذا موقف الإباضية في هذا المقام، و قد تأسَّس على القواعد الصحيحة من الكتاب و السنة كما عرفت، فمن أراد الحق فليكن معهم، و من أراد غيره، فأمره إليه، و كلنا كما قيل:
(18)
======================================= (1/65)
صفحة 65
(1) الإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب الرحيلي (ت 328 هـ ) أحد أئمة الإباضية في عمان، بويع على أثر فتن كثيرة في عمان، و استقر له الأمر حوالي سنة 320هـ،و كان فقيها عالما بالدين، حسنت سيرته و اطمأن الناس في أيامة و استشهد في أحدى الوقائع. تحفة الأعيان ( 1/ 275 ) و الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان ص 61.
(2) الرَّزَّةُ : الحديدة التي يدخل فيها القفل ( مختار الصحاح / 101) مادة (ر ز ز ).
(3) يوسف بن وجيه ( ت قبل 345هـ ) شهر بصاحب عمان، توجه إلى عمان سنة 331هـ، و ملك الأبُّلة، و قارب أن يملك البصرة مرتين، و لكنه انهزم في كليهما : الأولى سنة 331هـ، و الثانية 341هـ، ثار عليه غلامه نافع،و ملك البلاد بعده. الكامل في التاريخ [ طبعة صادر و دار بيروت ] ( 8 / 399، 400، 417، 496، 565).
(4) اصطلم : اقتلع، لسان العرب ( 8/ 275) مادة ( ص ل م ).
(5) تحفة الأعيان ( 1 / 276 ).
(6) آل عمران : 97.
(7) النمل : 40.
(8) الآيات هي :
" وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ " المائدة : 44
" وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " المائدة : 45
" وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " المائدة : 47
(9) انظر الجامع الصحيح الجزء الثالث ص 290 رقم 748 حيث روي مرسلا، و أخرجه بمعناه أصحاب السنن، فانظر حديث (( من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ))، و قد سبق تخريجه.
(10) أخرجه أبو يعقوب الوارجلاني في زيادات الجامع الصحيح مرسلا ص289 رقم 744.
(11) البقرة : 223.
(12) سبق تخريجه، ص58.
(13) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (9/ 226) رقم 9098 و 9099 و 9100 و 9101. (1/66)
صفحة 66
(14) أخرجه الربيع بن حبيب ( كتاب الأحكام - 35 باب الأحكام ) رقم الحديث 591، ص 234.
(15) أخرجه الربيع بن حبيب في ( كتاب الصلاة 48- باب جامع الصلاة ) رقم 303 ص 125،و أخرجه مسلم في ( 1- كتاب الإيمان 35- باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ) ( 1/ 88 ) رقم 134، و أخرجه الترمذي في ( 41- كتاب الصلاة 9- باب ما جاء في ترك الصلاة ) ( 5 / 13 ) رقم 2618 و 2619، و أخرجه النسائي في ( 5- كتاب الصلاة 8- باب الحكم في تارك الصلاة ) ( 1/ 231) رقم 463، و أخرجه أبو داود في ( 39- كتاب السنة 14- باب في رد الإرجاء) رقم 4678 ص 661، و أخرجه ابن ماجه في ( 5- كتاب الإقامة 77- باب ما جاء فيمن ترك الصلاة رقم 1080 ص151،و أخرجه الدارمي في ( 2- كتاب الصلاة 29- باب في تارك الصلاة ) ( 1/ 197) رقم 1233، أخرجه أحمد بن حنبل في المسند رقم 22833 ( 16 / 472).
(16) ق : 37.
(17) انظر السيف الحاد ص 50
(18) قائل البيت أبو العتاهية من قصيدة مطلعها:
أما والله إنَّ الظَّلم لومُ و لكنَّ المسيئ هو الظلومُ
(ديوان أبي العتاهية / 353 ).
--- (1/67)
صفحة 67
[42] فما معنى إيهام الناس في المجلات و الجرائد أنَّ الإباضية يحكمون بالكفر على الناس، و ينَوَّهون بذلك بالتشريك المبيح للدم، و المال، و السبي للمسلم، و نحو ذلك ؟؟.
و ما الدَّاعي إلى هذا الافتراء الفاحش الذي يفيد قطع العلاقة بين الإباضية و سائر المسلمين حتى في النكاح و الميراث و غير ذلك ؟؟، و لم يَقُلْ به الإباضية، و لا حكموا به على أحد في الإسلام، و من يقول عنهم ذلك خارج عليهم، جارم في مقاله، آثم إثماً كبيراً، يهلك به عند الله عز و جل.
فإنَّ الإباضية يأملون لأهل المعاصي الرجوع إلى الله بالتوبة، و التَّنَصُل من الذنوب، و بذلك يعفو الله عنهم و يثيبهم، فيكونون مع إخوانهم في الجنة بفضل الله تعالى و رحمته، و قد علمت أنَّ باب الجنة مفتوح للعصاة بالتوبة، ممنوح لمن طلبه من أهل الجرائم و الآثام.
و على كل حال فإنَّ الإباضية يقدمون الكتاب على السنة و غيرها، إلا إذا لم يجدوا ذلك فيه رجعوا إلى السنة النبوية الصحيحة فحكموا بما تقتضيه، فإذا لم يجدوا في السنة ذلك حكموا بما أجمع عليه المسلمون، و إلا اجتهدوا حيث يتعذر وجود النص من الكل، و ذلك غاية المستطاع، و الله ولي التوفيق. (1/68)
صفحة 68
المقام الثاني: في بيان معنى الإباضية.
[ قال الناظم : ]
[ الشرح ]
اعلم أنَّ اسم الإباضية أو الإباضيين عند أهل المذهب، علمٌ على هذا السواد الأعظم، و الجيل الأكرم المتشرع بالشريعة الإسلامية، الثابت على القواعد الدينية، القائم بالواجبات الآلهية، الحافظ [43] للحقوق الشرعية، المالئ عِدَّة أفاق من دنيا المسلمين، المنتشر في العراق العربي قديماً، الراسخ الأقدام بعمان شعباً عظيماً، القاطن من المغرب صقعاً كريماً، الناشر أعلامه بحضرموت حتى نهاية القرن السابع للهجرة إماماً، و أميراً، و زعيماً، الذي له بعمان خمسة و ثمانون مَلِكاً و إماماً، و له في المغرب، و صنعاء اليمن، و حضرموت قريباً من ذلك.
فاسم الإباضية عَلَمٌ على هذه الأمم في هذه الأصقاع، يعلمه كل أحد من المسلمين و غيرهم، و هذه التسمية جاءتنا من مخالفينا، فَقَبِلْناَها غير مُتَبَرِّمِين منها.
و إِنْ كنَّا لا نتمذهب مَذْهَباً غير الحقِّ، لكن لما قضى العُرْفُ بتخصيص كل أمة باسم، سَمَّانا مُخَالِفُونا بهذا الاسم كما، ذكرنا ذلك في كتابنا : " أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج " (1).
و ذلك حين عَلِمَ مِنَّا مخالفونا تأييد عبدالله بن إباض في أقواله للملوك الأمويين، وقد شُهِرَنا بذلك منذ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -، و قضية وفدنا إليه معلومة، و ما قالوه من الأقوال مفهومة لدى أهل التاريخ، و لمَّا رأوا منا موافقة عبدالله بن إباض في إنكاره على مَنْ يُسَمُّونهم أمير المؤمنين، أضافونا إليه، و أطلقوا علينا اسم " الإباضية " نسبة لأبيه إباض ؛ لأنَّ عبدالله كان على وَتِيْرَة أبيه، و كان أبوه أشهر منه فلذلك سموا هذه الأمة بذلك. (1/69)
صفحة 69
فتراهم إذا ذكروا الحوادث المذهبية، و جاء منها على منهج هذا الفريق قالوا ذلك للإباضية، أو هو قول الإباضية، أو قال بذلك الإباضية، فشاعت تلك التسمية شيوع هذه الأمة.
و هذا أمرٌ شائع عند العرب، مَنْ رأوه يؤيِّد قوماً، أو نهج منهج قومٍ، أضافوه إليه [44] خيراً كان أو شراً، مدحاً كان أو قدحاً، و هكذا فشاع ذلك في العالم الإسلامي، فكانت الإباضية جمال الدين في العالم، و زينة الإسلام بين العوالم، إذ أقامت الإباضية الأئمة لنصرة الدين، و حماية الشريعة، و صيانة الملَّة، في هذه الرُّقْعَة الوسيعة.
و كان ابن إباض - رحمه الله - في جبهة الطليعة الحرة، قال الشيخ الشَّمَاخِي (2) - رحمه الله - " في القول المتين في الرد على المخالفين " : " و أمَّا تسمية مذهبنا بالإباضية فلكون عبدالله بن إباض - رضي الله عنه - كان المجاهد علناً، المناضل في سبيل تحقيق الحقائق، و تصحيح قضايا العقول في ما أحدثه أهل المقالات،و البدع من الزور، و الافتراء في شريعة ربنا، و كان شديداً في الله تعالى، و له مناظرات مع أهل التَّنطس (3) و التفلسف، كانت الحجة الدامغة التي يَخْنَسُ (4) أمامها كل ثَرْثَار." قال : " وله كلام مع عبد الملك بن مروان يَهْضِمُ نفس كل جائر جَبَّار، فغلب على المسلمين أصحابهِ الذين يقولون بقوله الإباضية "، قال : " و تسمى المذهب باسمه على هذا المعنى." (5) (1/70)
صفحة 70
و قوله : " لحلفاء الحق " بالحاء المهملة جمع حليف، بمعنى مُحَالف للحقِّ، و المراد به الملازم له كملازمة الحليف الحليفة أي محالفة، أو هو بالخاء المعجمة، و خُلَفَاء الحق جمع خليفة، و المراد به أئمَّة المسلمين، فهم الذين يصدق عليهم اسم خلفاء الحق، لثباتهم عليه، فالخلفاء بمعنى الأئمة، سواء كانوا المسمِّين بالإمامة العظمى، أو هو أعم من ذلك، و هو المراد به على الشاهر الصحيح، لا كل من يشمله اسم الإباضية، فإنَّ في الإباضية كغيرهم من الأمم ظلمة، و جبابرة، ونحوهم.
=============================
(1) هذا الكتاب من مطبوعات وزارة التراث و الثقافة بسلطنة عمان، بتحقيق سيدة إسماعيل كاشف سنة 1979 م.
(2) قاسم بن سعيد بن قاسم الشماخي العامري ( ت : 1334هـ / 1916م ) كان من أبرز من أنجبتهم يفرن بجبل نفوسة، نزل بمصر، و أنشأ مجلة النبراس، و له عدة مؤلفات منها الحكمة في شرح رأس الحكمة، و سرد الحجة على أهل الفصلة،و غيرها. معجم أعلام الإباضية ( 4/ 721 ).
(3) التنطس : المبالغة في التطهر، و كل من أدق النظر في الأمور و استقصى علمها فهو متنطس. ( مختار الصحاح / 277 ) مادة ( ن ط س ).
(4) خنس تأخر،و أخنسه غيره أي خلفه و مضى عنه ( مختار الصحاح / 80 ) مادة( خنس ).
(5) القول المتين ص103.
--- (1/71)
صفحة 71
قال في "ضحى الإسلام "(1) في الجزء الثالث صفحة 336 بعد أنْ ذكر الخوارج، وكان يعد الإباضية منهم تبعاً لغيره [45] قال : " من أجل هذا لم يرو لنا عن الخوارج مَذْهَبٌ مفلسف، و لا فقه واسع منظم، و لا نحو ذلك، إلا ما كان من الإباضية أتباع عبدالله بن إباض الخارجيِّ الذي مات في عهد عبد الملك بن مروان "، قلت : و صفه بذلك تَنْفِيراً للناس من الحقِّ، و لكنَّه رغم أعدائه شاهر ظاهر، قال : " فإنَّ هذه الفرقة عاشت، و انتشرت في شمالي إفريقية،و في عمان، و حضرموت، و زنجبار، و استمرت إلى يومنا هذا، فكان من الطبيعي أن يكون لهم أصول اعتقادية، و تعاليم فقهية "(2).
و كذلك جاء في" الملل و النحل " للشهرستاني(3) قال : " الإباضية أتباع عبدالله بن إباض، الذي خرج أيام مروان بن محمد، فوَجَّه إليه عبدالله بن عطية، فقاتله بَتِبَالَه(4)، و قيل إنَّ عبدالله بن يحيى الإباضي كان رفيقاً له في جميع أحواله، و أقواله، و قال إنَّ المخالفين من أهل القبلة كُفَّار غير مشركين، و مناكحتهم جائزة، و موارثتهم حلال، و غنيمة أموالهم من السلاح و الكُرَاع عند الحرب حلال "(5).
قلت : لم يقل بذلك فيما علمنا أحد من الإباضية، فهو تلفيق، و خطأ، يراد منه معنى سيئاً في الإباضية قال :" و ما سِوَاهُ حرام، و حرام سبيهم، و قتلهم في السر غيلة، إلا بعد نصب القتال، و إقامة الحجة " قلت : و هذا هو الحق الذي جاء به الكتاب العزيز، و السنة النبوية على صاحبها أكمل الصلاة، و أوفى السلام. (1/72)
صفحة 72
أمَّا غنيمة أموال أهل القبلة فحرام في الحرب و السلم، و إنما أجاز بعض المسلمين الاستعانة بها في حربهم نظراً منه فقط، و بعد الحرب إذا خيف منهم التقوي بها إذا رُدَّتْ إليهم، أجازوا إتلافها حتى لا يتقووا بها، كما أجازوا هَدْمَ حصونهم، و كَسْرَ قلاعهم، و قَطْعَ نخيلهم، و حَرْقَ مزارعهم ؛ حتى لا تكون قوة لهم على بغيهم، و ذلك أمر غير مَخْفِيٍّ، و أصوله من الكتاب واضحة (6)، و كيف يخص الإباضية بالاستحلال السلاح، و الكراع - حاشا [46] الإباضية -.
قال صاحب "الملل و النحل " : "و قالوا - أي الإباضية - دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد"، قال :" و أجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم "(7).
قلت : ذلك احترام للإسلام على العموم، فإِنَّ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - كان يقبل الشهادة ممن قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، و أقام الصلاة، و آتى الزكاة، و استقبل القبلة، و أقام شعائر الحج، قلت : و هذا شأن الإباضية مع أهل التوحيد.
و قال : " أيضا قالوا - أي الإباضية - في مرتكبي الكبائر موحدون لا مؤمنون"(8)، قلت : ذلك لأنَّ المؤمن لا يرتكب الكبائر، و لا يَقْتَرِفُ سيئات الذُّنوب، لحديث : " لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي و هُوَ مُؤمِنٌ..." (9) الحديث، فنفى عنه الإيمان، و يدل عليه قوله - عز و جل - " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ "(10) فظهر الفرق بين المؤمن و المسلم، كما عمل بذلك الإباضية فكل مؤمن مسلم، و ما كل مسلم مؤمن.
============================= (1/73)
صفحة 73
(1) هو أحمد أمين بن الشيخ إبراهيم الطباخ ( 1295 هـ - 1373 هـ / 1878م - 1954م ) عالم بالأدب، غزير الإطلاع على التاريخ، من كبار الكتاب، مولده و وفاته بالقاهرة، له عدة مؤلفات منها ضحى الإسلام و فجر الإسلام و ظهر الإسلام و النقد الأدبي و غيرها. الأعلام ( 1 / 101 ).
(2) ضحى الإسلام ( 3/ 336 ).
(3) محمد بن عبد الكريم بن أحمد ( 479هـ - 548هـ ) أبو الفتح الشهرستاني، من فلاسفة الإسلام،كان إماما في علم الكلام و أديان الأمم و مذاهب الفلاسفة، له عدة مؤلفات منها : الملل و النحل و نهاية الإقدام في علم الكلام و مصارعات الفلاسفة و غيرها. الأعلام ( 3 / 336 ).
(4) تبالة : بلدة بأرض تهامة في الطريق إلى صنعاء. معجم البلدان ( 1 / 428 ).
(5) الملل و النحل ص134.
(6) صاحب هذا الرأي هو الشيخ العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي، حيث أجاز إتلاف أموال البغاة من أهل القبلة، و لكن اعترض عليه الشيخ جمعة بن خصيف، قائلا له : " من أين ينساغ إتلاف أموال المحاربين من أهل القبلة، و هدم حصونهم،و في الإجماع أن غنيمة أموالهم حرام،و في النظر أن تخريبها، أو تملكها عليهم سيان في إخراجها من ملكهم، فينبغي تسوية الحكم فيها في الوجهين، إن جاز هذا جاز ذاك، و= = إن منع ذا منع ذاك، و قد تساوى هذا الحكم في أموال المشركين، فإن كان مستند الإباحة في تخريب أموال أهل الحرب من بغاة أهل القبلة، فعل النبي صلى الله عليه و سلم بنخل يهود بني النضير، فإن أولئك مشركين حلال غنيمة أموالهم، فما بال أموال أهل القبلة، لم تحل غنيمتها، و قد حل تخريبها، اكشف لنا في ذلك من وجه افتراق الحكم لازلت كشافا للمعضلات ؟. (1/74)
صفحة 74
فأجاب الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي - رحمه الله - و هذا نص جوابه : " و أين فهمك يا إنسان، و من أين يصح في النظر أن تخريبها و غنيمتها سيان، و هما أصلان مختلفان أبدا لا يجتمعان، قال الله تعالى : " فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله "، و أجمعت الأمة المحقة من الصحابة و من بعدهم على أن البغاة تعقر خيلهم و ركابهم،و تقطع أسلحتهم،و بكسّر،و تؤخذ عنهم، فهذا إتلاف للمال.
و لا تقل إن الله تعالى إنما أمر بقتالهم في أجسادهم خاصة،و ما هذا - لو قيل به - إلا نوع برسام، و إذا عرفت ذلك فقد ظهر أن إتلاف مال يستعين به البغاة على الحرب جائز،و ليس هو من باب الغنيمة، و لا يشبهه،و بذلك تعرف أن البغاة إذا التجأوا بالحصون و لم يفيئوا إلى أمر الله، أن هدمها عليهم جائز ؛ لأنه مثل خيلهم و ركابهم، فيجوز حربهم بالمدافع و المجانيق،و تخريبها عليهم،و لا يجوز ترك حربهم قبل أن يفيئوا إلى أمر الله.
و هذا ليس من باب الغنيمة،و إنما هو من سطوات الله تعالى فيمن ينتقم منه، من المحاربين لله و لرسوله و الدعاة إلى دينه، و ليس هذا مشكلا إن أردت البحث،و إنما المشكل حربهم و الهدم عليهم و قطع المواد عليهم،و فيهم من يحتمل كونه من النساء و الصبيان و المجانين و المستضعفين في الأرض، لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا،و لم يروا ذلك مانعا من جواز الحرب لهم،و لولا لطف الله و عنايته بالمؤمنين، لوقع مثله بمكة من النبي صلى الله عليه و سلم، قال الله تعالى : " و لولا رجال مؤمنون و نساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير " و قال تعالى : " ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ". (1/75)
صفحة 75
فانظر كيف أخرهم لطفا منه، و إشفاقا على عباده، و لم يمنعهم من دخولها و حربها، و في الظاهر عدم الجواز، لكن علم الله المصلحة، فدبر ذلك كما يشاء،و إن كره المؤمنون ذلك،و أحبوا غيره،من فتح مكة في الوقت. =
= و إذا عرفت جواز هدم حصونهم،و عقر خيلهم و ركابهم،و إتلاف شوكتهم،و هي من أعز أموالهم و أشرفها،و قد عرفت أن مادة هذه الأمور،و قوة هؤلاء المقاتلة بأموال أخرى، من عقارات و ضياع أو حيوان أو نقود فيها تقويم جيوشهم،و شدة شوكتهم،و اجتماع الناس إليهم و إعانتهم على حرب ربهم، فأي فرق بينهم و بين حصونهم و خيلهم و أسلحتهم، أليس الجامع الكلي هو أن كل ما تقووا به على الحرب،و كان لهم وسيلة إلى العناد،و سببا للخلاف و الشقاق، أن إتلافه عليهم جائز، إذ الحكم فيه على السواء.
و بالجملة.... فقد ورد الأثر بجواز ذلك،و كفينا مؤونته فلا إشكال، و إنما بسطناه كذلك لكثرة تحكمكم علينا، و هذا باب واسع،و لم نرد الاستقصاء فيه،و إنما الغرض إيضاح المسألة بما يزيل الإشكال عليك " راجع التمهيد ( 13 / 237- 238 ).
و قد أوردت جواب الشيخ مع اعتراضه لكشف اللثام،و تحقيق المقام، والله يؤتي فضله من يشاء، والله الموفق.
(7) الملل و النحل ص 134.
(8) المصدر السابق ص 134.
(9) سبق تخريجه.
(10) الحجرات : 14. (1/76)
صفحة 76
قال :" و حكى الكَّعْبِي(1) عنهم أنَّ الاستطاعة عَرَضٌ من الأعْرَاض، و هي قبل الفعل بها يحصل الفعل "، قال : " و أفعال العباد مخلوقة لله تعالى"، قلت : نعم ؛ لأنَّ الله يقول : " خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ "(2) أي و عملكم في آيات، و أحاديث تدل على ذلك، فهي على كل حال مخلوقة لله عز و جل إحداثاً و إبداعاً.
" و مُكْتَسَبَة للعبد "(3)، قلت : نعم ؛ لأنَّ الله يقول في كتابه العزيز قال : " لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ"(4).. الآية في أمثالها.
قال : " و لا يسمون إمامهم أمير المؤمنين "(5)، قلت : هذا غلطٌ و غمزٌ، بل يسمون إمامهم أمير المؤمنين، و إمام المسلمين، و لا مُشَاحَّة في الاصطلاح على التسميات فإنها ألقاب.
ولعلهم يحترمون بذلك قَدْرَ أمير المؤمنين، فإنَّه كان للخلفاء الرَّاشدين، أو لعلهم تركوا ذلك لمَّا سمعوا الناس يقولون بأمير المؤمنين للفسقة، و الظَّلمة من الملوك العتاة، و الجورة الطغاة [47]، إلى ما حكى عنهم من الخلال التي تدل على نزاهتهم، و احترازهم من التسمي بما لا يليق بهم، و لكل مقام مقال.
قال القطب - رضي الله عنه - في رَدِّه على العقبي الجزائري : " الإباضية أصحاب عبدالله بن إباض المري "، قال : " نحن أهل الحق تَحْقِيقاً لا تَقْرِيباً فقط، و لسنا نستكمل بغيرنا، بل غيرنا يستكمل بنا، و إنَّ كلام الأدرعي، و ابن حازم، و ابن خلدون، و ابن حجر، كلام خير فينا، لا كلام سوء، بل جرت عادة العلماء بأن يقولوا فلان، أو هذا الكلام، أو هذا الاعتقاد، أو نحو ذلك، أقرب إلى الحقِّ، أو أشبهه، أو أمثل، و يريدوا أنَّه وافق الحق "(6). (1/77)
صفحة 77
و كان عبدالله بن إباض بطلاً باسلاً صنديداً من صناديد العرب، مِقْدَاماً لا يهاب الجبابرة، و لا يرهب الظَّلمة، و لا يحابيهم خلاف غيره من بقية العلماء الذين يحابون المفسدين، و يتقون شَرَّهم، أو يعتقدون لهم من الطَّاعة ما ليس لهم.
كان عبدالله بن إباض مُدَافِعاً عن الحقِّ، مناضلاً لأهل السوء، مُعْتَرِضاً للباطل عن الانتشار، و الإشاعة له في بلاد المسلمين، محامياً عن أهل الحق، مناصراً لهم، سيفاً ماضياً، لا ينثنى عن رَدِّ الباطل، و لا يَقْصُرُ في مناصرة الحقِّ حد استطاعته.
كان مدافعاً عن المسلمين إذ كان جمهورهم في العراق إذ ذاك، كجابر بن زيد، و الربيع بن حبيب، و الخليل بن أحمد، ومَنْ هم من أضرابهم من أهل العلم، كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة(7)، و ضمام بن السائب(8)، و كلهم أئمة علم، و حملة شريعة الإسلام.
كان عبدالله المذكور قامعاً لأعداء الدين، كان مؤمناً بالله تقياً، صَلْباً في الدِّين، براً نقياً، صالحاً مصلحاً، كان ذا منعة في قومه، و قوة من [48] عشيرته، ذا بأس شديد في الله : " وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز " (9) لكنَّا لا نَرْجُمُك خوفاً من رهطك، و بذلك أنت لدينا عزيز، و فينا قوي.
و لا يخفى حال تميم في العراق، و لذلك عَزَّ الأحنف بن قيس (10)، و أكبره معاوية، إذ كان إذا سلَّ سيفه سَلَّ معه مائة ألف سيف، هذه حالة عبدالله بن إباض القومية، و تلك حالته الشخصية و القبلية، و حالته الدينية شهيرة بالاستقامة بين رجال الملة، و أعلام الدين، بلغت به بحيث نال الزَّعامة المذهبية.
هذا ولم يكن من العلماء الذين لهم مذاهب خاصة، قَلَّدَهم فيها أتباعُهُم، و ركن إليهم أشياعهم، وجعلوهم مقدمين على غيرهم من علماء الصحابة و التابعين. (1/78)
صفحة 78
و قد شهد لعبدالله بن إباض كثير من رجال العلم، و زعماء الإسلام بالحق، و كان في أيام عبدالملك بن مروان.
قال في " فجر الإسلام " في الجزء الأول صفحة 260 :" الإباضية نسبة إلى رئيسهم عبدالله بن إباض التميمي، و لا يَزَال أتباعه في المغرب، و غيره إلى اليوم "، قال : " و هم لم يُغَالُوا في الحكم " (11)، أي لا غلو لديهم و لا في دينهم، فإنَّ المُنْبَتَّ لا أرضاً قطع و لا ظهراً أبقى، إلى أن قال : " و قد ظهر عبدالله ابن إباض في النصف الثاني من القرن الأول للهجرة "، قال : " و عاش أتباعه في أكثر أحولهم مسالمين للخليفة "(12)، أي لم يشقوا عصى الطَّاعة ما لم يكن لهم سلطان قوي على أهل الباطل، و لا تلاعب لديهم بالأهواء، و لا يُحَكَِّمُون العواطف المختصة، ما لم يكن لهم قَصْدٌ خَالِصٌ لله، و لا يميلون نحو كلِّ ناعق.
و كان عبدالملك ظهر في أول النصف الثاني من القرن الأول، و كان مَلِكاً كبيراً، له سُلطَةٌ [49] عاليةً، و دولةٌ قاهرةٌ، فكان مع ذلك عبدالله بن إباض حَجَرَ عَثْرَةٍ لكثير من أغراض عبدالملك المذكور، و لم يَخْشَ عبدالله بن إباض صولة عبدالملك بن مروان، و هو السلطان المُسَلَّطُ، و الملك القاهر، إذ كان كل مقاصد عبدالله بن إباض لله، و في الله، فكانت له بذلك شُهْرَةٌ، أضفت عليه لِبَاسَ زعامة دينية، تَبِعَهُ عليها أهل الحقِّ فأضيفوا إليه، و عُرِفُوا به، فكان سورهم المنيع من جانب السلطان، و ردءهم المكين، و رئيس القوم لزعامته القبلية.
=====================================
(1) عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي ( 173هـ - 319هـ ) من بني كعب، أبو القاسم، أحد أئمة المعتزلة، كان رأس طائفة منهم تسمى الكعبية، له آراء و مقالات في الكلام انفرد بها،و له عدة كتب منها تأييد مقالة أبي الهذيل، و مقالات الإسلاميين و غيرها. الأعلام ( 4/ 66).
(2) الصافات : 96. (1/79)
صفحة 79
(3) الملل و النحل ص 134.
(4) البقرة : 286.
(5) المصدر السابق ص 134.
(6) إن لم تعرف الإباضية يا عقبى يا جزائري، ص 51.
(7) مسلم بن أبي كريمة التميمي ( ت 145هـ ) أبو عبيدة، يعتبر المؤسس الثاني للإباضية بعد جابر بن زيد،و قد روى عن كثير من الصحابة، عرفت الإباضية في أثناء إمامته لأول مرة في تاريخها نشأة دولها في المغرب و المشرق، له عدة آثار علمية. معجم الإباضية ( 4/873).
(8) ضمام بن السائب ( 100هـ - 150هـ ) من أبرز أئمة الإباضية الأوائل، من طبقة التابعين، تتلمذ على إمام المذهب جابر بن زيد عاصر الإمام أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة، دونت رواياته عن جابر بن زيد في كتاب روايات ضمام بن السائب. معجم الإباضية ( 3/ 492 ).
(9) هود : 91.
(10) الأحنف بن قيس بن معاوية السعدي التميمي ( 3 قبل الهجرة - 72هـ ) أبو بحر، سيد تميم، و أحد العظماء الدهاة الفصحاء الشجعان الفاتحين، أدرك النبي و لم يره، اعتزل يوم الجمل و شهد صفين مع علي، و لما انتظم الأمر لمعاوية عاتبه فأغلظ له الأحنف الجواب. الأعلام ( 1/ 276 ).
(11) فجر الإسلام ص 260.
(12) المصدر السابق ص 261.
--- (1/80)
صفحة 80
ومن هنا تعلم أنَّ هذه الأمة التي أصبحت مشمولة باسمه، و معروفة بمذهبه، لم تتلمذ له، ولم تُقَلِّدْهُ في شيء في تعاليمه ؛ لأنَّ عندها الرجال تُعرف بالحقِّ، لا الحقَّ بالرجال.
فلم يكن عبدالله بن إباض إمام مذهب خاص أخذ به أتباعه، و قَلَّدُوهُ فيه، بل كان هو خاصة يَصْدُرُ عن أهل العلم منهم، كجابر بن زيد، و أبي عبيدة، و إخوانهم، فلم يكن هو من الشيوخ المؤسسين للمذاهب.
و لا كانت هذه الأمة على كثرتها تُقَلِدُ شيخاً خاصاً في أقواله و أفعاله، فتجعله المصدر لها، و تعتمد عليه كمرجعٍ خاصٍ لها، و لو كانت كذلك لكان أبو الشعثاء العالم المجمع على علاميته، و ثقته، و عدالته أحقُّ بذلك.
وقد شَهِدَ له كُلُّ من عاصره من أهل الصَّدر الأول من هذه الأمة، و ناهيك بشهادة ابن عباس - رضي الله عنهما - له كما تداول ذلك أهل العلم، ما كان محتاجاً لأن تُخْلَقُ له الأحاديث، أو تُخْتَلَقُ في حَقِّهِ الأكاذيب ؛ لترويج علاميته، أو تقوم سلطة قهرية تجبر الناس على أقواله، و على الأخذ عنه.
بل لم تَزَلْ السُّلطة القاهرة ضِدَّه، و ضِدَّ إخوانه، فكم عاش و إياهم في السِّجُون الجائرة القائمة بالتنكيل بهم [50]، حتى عاشوا في مَغَارات الأرض، يضعون سلسلة على باب الغار، الذي يدرسون فيه الآثار النبوية، فإذا جاءهم أحد من الشرط، أو الجواسيس تتحرك تلك السلسلة، فيتركون ما هم فيه، و يأخذون في عمل القِفَاف، و إذا قيل لهم : لِمَا وجودكم هنا ؟، أجابوا : كافين أنفسنا حتى لا نسمع، أو نرى شيئاً لا يليق. (1/81)
صفحة 81
و هكذا كانوا رحمهم الله، وهم في صَدْرِ الإسلام، و الأمر جديد، و العهد به قريب، فالحمد لله الذي مَنَّ علينا بالسلامة من كل ذلك، و له المِنَّة كما هدانا للحق بإذنه " وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ " (1).
فنحن على هذا من أول العهد نعرف بالإباضية معرفة تمييز، و نحن أهل الاستقامة، و أهل الحق في الإسلام تحقيقاً على قواعد الكتاب العزيز.
و أكبر علمائنا في الصدر الأول الإمام أبو الشعثاء - رحمه الله - الذي لم يَخْلُ منه مؤلفٌ من مؤلفات أهل العلم القدماء، كالبخاري، ومسلم، و أبي داود، و الترمذي، و النسائي، و غيرهم (2).
وما من مؤلف لهؤلاء إلا و اسم جابر بن زيد يلمع فيه، و كذلك أهل التفسير لكتاب الله عز و جل، كالجَصَّاصِ (3)، و غيرهم من قدماء المفسرين، إلا أننَّا كما قلنا لا نتحيز لِمَذْهَبٍ خاصٍ، ونترك ما سواه، بل مَذْهَبُنَا مذهب رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم - ومذهب ابن عباس، و أبي هريرة، و أبي سعيد الخدري، و عائشة أم المؤمنين، و عبدالله بن عمر ابن الخطاب، و عبدالله بن عمرو بن العاص، و مذهب الخلفاء الراشدين.
فإنَّ كان لهؤلاء مذهب خاص فهو مذهبنا، و إلا فمذهبنا القرآن و السنة، حلالهما حلالنا، و حرامهما حرامنا، لا نَبْغِي بهما بديلاً، و لا ننهج عنهما سبيلاً، و لا نُقَلِّدُ غيرهما إذا لزم التقليد، هما اللذان أوصانا نبينا - عليه الصلاة والسلام - باتباعهما على كل حال.[51]
قال شيخنا ابن جميّل - رحمه الله - (4) في ميميته، و هو يصف أهل المذهب - رحمهم الله -
مَا قَلَّدُوا ابْنَ إِبَاض دِينَهُم أَبداً كَمَا تَمَذَّهَب بالتَّقليدِ أَقْوَامُ (5)
قال العلامة البرادي (6) في جواهره : " الإباضية إمامهم عبدالله بن إباض، و نُسِبُوا إلى أبيه ؛ لأنَّه أعرف من عبدالله، و أشهر منه." (7) (1/82)
صفحة 82
قال الإمام - رحمه الله - (8) في حاشيته على العقبي : " و تسميتنا بالإباضية للتمييز لا للتشريع، و هو اسم للمحقين من أمة محمد - صلى الله عليه و سلم - " (9) أي أنَّ اسم الإباضية عَلَمٌ على أهل الحقِّ، و مذهب الإباضية لا يزال عليه، و الحمد لله بأدلة عقلية و نقلية.
قال العلامة عَلِيُّ يَحْيَى مَعَمَّر (10) [ في ] "نشأة المذهب الإباضي " : " إذا أَرَدْنَا أن نؤرخ للمذاهب الإسلامية بنسبتها للمسلمين المعلمين الأوائل، الذين كان لهم التأثير الروحيِّ، و الثقافي الأكبر على الناس، فإنَّ المذهب الإباضي يكون من أولها نشوءاً.
فقد كان مُعَلِّمُهُ الأكبر جابر بن زيد، من كبار التابعين الذين نشروا الثقافة الإسلامية في القرن الأول الهجري، وقد عاش هذا الإمام العظيم ما بين سنتي واحد و عشرين إلى ست و تسعين " (11)، و المعنى أنَّه اصطحب ذلك القرن من أوله حتى منتهاه، فألَّفَ، و علَّمَ، و ثقَّفَ، و تكلَّمَ، و قرَّرَ الدعائم، و وطئ الأصول، و مهَّدَ القواعد، و جمع العلوم الدينية، و الثقافية الإسلامية، حتى قرَّ قَرَارَها، و تمهَّدت أصولها، و عَرَفَها الناس، فأخذوا منها بقبس هداها، و استناروا بنور ضياها.
===================================
(1) الأعراف : 43.
(2) انظر رواية الحديث عند الإباضية، لصالح بن أحمد البوسعيدي، رسالة ماجستير، ص 183- 192.
(3) أحمد بن علي الرازي ( 305هـ - 370هـ ) أبو بكر الجصاص، من أهل الري، سكن بغداد و مات فيها، انتهت إليه رئاسة الحنفية، له عدة كتب منها أحكام القرآن، و أصول الفقه. الأعلام ( 1/ 171 ). (1/83)
صفحة 83
(4) خلفان بن جميَّل السيابي ( 1308 هـ - 1889 م / 1392هـ - 1972م ) أبو يحيى، من شيوخه نور الدين السالمي، و أبو عبيدة حمد بن عبيد السليمي، كان من العلماء الذين لعبوا دورا قياديا في التاريخ العماني الحديث، له عدة مؤلفات منها سلك الدرر الحاوي غرر الأثر، و جلاء العمى مع شرحها، و فصول الأصول،و غيرها. مقدمة فصل الخطاب ص 5 و مقدمة جلاء العمى ص هـ - ل.
(5) لم استطع عزوه إلى مصدره.
(6) أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي ( حي في 810هـ ) و لد بجبل دمر في الجنوب التنوسي،من شيوخه يعيش بن موسى الجربي،و الشيخ أبي ساكن عامر بن علي الشماخي، أصبح شيخا و عالما فقيها،له عدة مؤلفات منها البحث الصادق و الاستكشاف عن حقائق أسرار معاني كتاب العدل و الإنصاف، و الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات، و غيرها. معجم أعلام الإباضية ( 4 / 708 ).
(7) الجواهر المنتقاة ص 156.
(8) عندما يطلق المؤلف لفظة الإمام دون تقييد فإنه يقصد الإمام السالمي.
(9) الرد على العقبي ص 14، حاشية رقم 1.
(10) علي يحيى معمر ( 1337هـ / 1919م - 1400هـ / 1980 م ) ولد بمدينة نالوت بليبيا من أساتذته عيسى بن يحيى الباروني و رمضان بن يحيى اللينى الجربي و إبراهيم بيوض، و له عدة مؤلفات منها الأباضية بين الفرق الإسلامية و الإباضية في موكب التاريخ و غيرها. معجم أعلام الإباضية ( 3 / 619 ).
(11) الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى ( 1 / 59 ).
--- (1/84)
صفحة 84
واعلم أنَّ أغلب المشاكل التي اختلفت فيها الأمة، نشأت في الثلثين الأخيرين من القرن الأول، قال : " و قد حَصَرَ الشَّهْرَسْتانيُّ هذه[52] في أربعة أصول كبار، كما يقول (1) : هي الصفات الإلهية، و ثم القَدَرُ، ثم العَدْلُ، ثم الوعد و الوعيد، ثم السمع، و العقل، و الرسالة، و الأمانة.
قال : " ثم شَرَحَ المسائل التي تندرج تحت قسم كل منها، و الذي يعنينا من ذلك في هذا الفصل أن نشير إلى ما أثير منها في القرن الأول، و اتخذ الإباضية فيه مذهبهم مستندين إلى البراهين القاطعة، و الآيات المحكمات من كتاب الله عز و جل....
مما أثير في ذلك القرن مشاكل القدر، و الصفات، و الوعد و الوعيد، كما أنَّ قضية الخلافة قد استنفذت جهداً كبيراً من رجال العلم، و الحكم في ذلك العصر.
و قد دَرَسَ الإباضية، و في مقدمتهم الإمام الأكبر جابر بن زيد - رحمه الله - الأزدي العماني، هذه المشاكل -كما ذكرت - و دَرَسَها غيرهم من علماء الإسلام، و انتهوا فيها إلى الرأي العام، و المذهب الذي اقتنعوا بصحته و صوابه، مما يوافق كتاب الله، و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم.
اتخذ الإباضية الأصل الأول لمذهبهم فيما يتعلق برؤية الباري - سبحانه و تعالى - لتنزيهه عز و جل عن مشابهة الخلق، استناداً إلى الآيات المحكمات من كتاب الله، و ما وَرَدَ من القرآن الكريم في ذلك أي مما يُوهِمُ التشبيه، فإنَّه يجب الإيمان به أنه من عند الله، و تأول الآيات الموهمة للتشبيه بما يقتضيه المعنى من السياق، كتأويل الاستواء بالاستيلاء، و اليد بالقدرة، و ما إلى ذلك... (1/85)
صفحة 85
قال : "و في قضية القدر رأى الإباضية منذ ذلك الحين أن الإيمان لا يَتِمُّ حتى يُؤمِنَ الإنسان بالقدر خيره وشره أنه من الله : " وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ " (2)، " أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ " (3) [53] " هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ " (4) " الله خالق كل شيء "، و للعبد حَقُّ الاكتساب و الاختيار.
و هكذا استقر رأي الإباضية في أكثر مسائل الخلاف على الأصول المستمدة من الكتاب و السنة " (5).
فإنَّ القرآن الكريم و السنة النبوية هم الأصل المَكِين للاعتقاديات مُطْلَقاً، إلا أنَّ الحديث النبوي الشريف لا يمكن التعويل عليه لما اعتراه من التغير، و ما طرأ عليه من الوضع، و دَسِّ النَّقْلِ ؛ لترويج المُدَّعَيات إلا ما شاء الله.
أما القرآن فهو باقٍ، خالدٌ خلود الجبال، صحيح لا يمكن إدخال شيء عليه مما يخالفه، نعم ما ثبت من السنة الصحيح، و قامت الحجة على صحته، فهو على كُلِّ حال نصير القرآن و ظهيره، و به يُفَسَّرُ مُشْكِلُهُ، و مُبْهَمُهُ، و مُجْمَلُهُ.
و قد وضع رسول الله - صلى الله عليه و سلم - لذلك قاعدة مكينة لا تزال معروفه عند أهل العلم، و هي العرض للمروي عنه - صلى الله عليه و سلم -على نصوص الكتاب الكريم، فما وافقه فهو عنه - صلى الله عليه و سلم -، و ما خالفه فليس عنه (6).
و ما زال الصحابة - و هم حملة الشريعة الغرَّاء - يَرْجِعُون إلى بعضهم بعضاً في طلب الحجة إذا أَشْكَلَت عليهم المشاكل، وما زال ذلك الحال بينهم، و بقية من صحابة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - على ذلك و هم أحياء...
" وقد رجع الإمام الأكبر جابر بن زيد إلى الصحابة في كثير من هذه المسائل، رجع بها إلى آراء الصحابة، كعبدالله بن عباس، و عائشة أم المؤمنين. (1/86)
صفحة 86
كما وقع في مسألة رؤية الباري ليلة الإسراء حتى قالت عائشة - رضي الله عنها - : " مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّداً رَأَى رَبَّهُ فَقَد أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الفِرْيَة" (7).
قال : " ومن هذا الفصل يتبين للقارئ الكريم [54] أنًّ المذهب الإباضي اقتبس أُصُوله القويمة، التي بنى عليها عقائده، و أعماله في خير القرون، حينما كانت بقية من الصحابة - رضوان الله عليهم - ينشرون الثقافة بعلمهم، (8) أي قبل أن يكون للمذاهب الأخرى وجود على هذا الكون. و قد عُلِمَ ذلك من التاريخ الصحيح الذي يعترف به الكُلُّ بلا ريب.
" فكان الإباضية يُوضِحُون للنَّاس بعلمهم هدى محمد - صلى الله عليه و سلم -، و يَنْصُرُون دين الله بإرشادهم، وتوجههم، ونصيحتهم، و أنه حينما كانت تحدث المشاكل، و تنجم البدع، فيفكر فيها العلماء الأعلام،كان جابر بن زيد - رضي الله عنه - يدرسها دراسة المؤمن المحقق ".
================================
(1) الملل و النحل ص 12، المقدمة الثانية.
(2) الصافات : 96.
(3) الأعراف : 54.
(4) فاطر : 3.
(5) الإباضية في موكب التاريخ ( 1/59-60 ) الحلقة الأولى.
(6) أخرج الربيع بن حبيب في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني و ما خالفه فليس عني " أخرجه الربيع في 6- باب في أمة محمد صلى الله عليه و سلم، رقم 40، ص 36.
(7) أخرجه الربيع بن حبيب في 10- باب ذكر الشرك و الكفر، رقم 61، ص 43، و أخرجه مسلم في ( 1- كتاب الإيمان 77- باب معنى قوله تعالى " و لقد رآه نزلة أخرى " ) ( 1/ 159) رقم 287،و أخرجه الترمذي في ( 48- كتاب تفسير القرآن 54- باب و من سورة و النجم ) ( 5/ 395 ) رقم 3228،و أخرجه البخاري بمعناه في ( 59- كتاب بدء الخلق 7- باب إذا قال أحدكم آمين ) ( 2 / 311). (1/87)
صفحة 87
(8) الإباضية في موكب التاريخ ( 1 / 60 - 61 ).
--- (1/88)
صفحة 88
وكان جابر بن زيد عالماً عظيماً بين أجلة العلماء، فكان شيخه ابن عباس - رضي الله عنهما - يُجِلَّهُ، و يعرف له أشياء طال ما أحال إليه أمثالها، و لولا فضيلة الصحبة لكان جابر بن زيد في الجبهة العلمية أول من يحمل العَلَمََ الفقهي بين نُبَغَاء الأمة، و لذلك روى عنه أكثر أهل المذاهب، و وثقه جميعهم، و اعتمدوا في نقلهم على ثقته و أمانته.
" فكان جابر إذا أَشْكَلَ عليه شيء من أمر الدِّين، رجع إلى أساتذته الأجلاء، و أخصهم العبادلة الثلاثة، فبينوا له المنفذ، و أوضحوا له الحقَّ، لاسيما البحر، و من قصد البحر استقل السواقي طبعاً، و أَعْرَبُوا له عن مهمته من مصدرها الصحيح فلا يبقى لديه رَيْبٌ أو شكٌ.
فإذا تلقى أبو الشعثاء شيئاً عن أولئك الأعلام مما يتعلق بالأحكام الشريعة، و لم يظهر له فهم أسراره، و روح معانيه، عَرَضَهُ على ترجمان القرآن ابن عباس، أو على الحميراء أم المؤمنين التي قال فيها رسول الله - صلى الله عليه و سلم و آله - " خُذُوا عَنْهَا نِصْفَ دِينَكُم " (1)، و إلاَّ جاء إلى أنس بن مالك خادم رسول[55] الله - صلى الله عليه و - ممن أُوتي الحكمة، و فَصْلَ الخطاب، و(سلم -، و عبدالله بن عمر أو غيرهم - أجازه - صلى الله عليه و سلم - لإرشاد الأمة و تعليمها، و لم يخرج به إلا و هو صحيح واضح نير" (2). (1/89)
صفحة 89
قال : " و بعد استقرار آراء الإباضية بأزمنة مختلفة تطول أو تقصر، بدأت تتكون المذاهب الأخرى، و تنتشر في بعض جهات العالم الإسلامي، فتكونت المعتزلة، ثم تكوَّن غيرها من المذاهب التي يَعْتَنِقُهَا أكثر المسلمين اليوم، و بهذا الاعتبار يكون المذهب الإباضية أول المذاهب المعتدلة الصحيحة [ نشوءاً]، و أول مذهب ثَبَتَ على الأصول الثابتة ناشئاً، و أقربها إلى عصر النبوة، إذ أئمته كما عرفتهم كبار التابعين، و أكبر العلماء المُتَضَلَّعين بقواعد الشريعة، و أسبق المذاهب مأخذاً إلى عصر النبوة كما عرفت، و أقربها من رجال الصحابة - رضوان الله عليهم - و ألصقها بخير القرون تأريخاً، كما قال - صلى الله عليه و سلم - " خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي... الحديث " (3)، و أفهمها لروح الإسلام، و أسرار - معنى"(التشريع، و هدي محمد - عليه الصلاة والسلام - و أصحابة - (4).
قال : " عندما كان كبار العلماء من التابعين يَعْقِدُون مجالس العلم، يفسرون كتاب الله، و يروون للناس ما حَفِظُوا عن رسول الله - صلى الله عليه و سلم - من قولٍ وعملٍ، و يُفْتُون للناس فيما يَعْرِضُ لهم من مشاكل، كانت قضية الخلافة قد أخذت حَظَّها من النقاش، و استقر فيها الناس على آراء معنية حسب أدلتهم التي يقتنعون بها، و أصولهم التي يستندون إليها، و كان جابر بن زيد - رحمه الله - أحد هؤلاء العلماء اتخذ البصرة مقراً له ينشر فيها العلم، و يوالي التدريس، و التأليف، و الإفتاء[56]، و يهتم بشؤون المسلمين " (5). (1/90)
صفحة 90
قلت : و كانت البصرة مقر العلماء الأعلام من أهل عمان، حتى كادت أن تكون البصرة إذ ذاك عمانية محضة، إذ ظهر فيها هذا العالم الجليل الذي أجمعت الأمة عليه عدالة، و ثقة، و نزاهة، و كذلك الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي (6) ذلك العليم الكامل راوي المسند، و كذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي (7) من أهل وَدَام من الباطنة من عمان، و المراد بالباطنة الساحل الشمالي من عمان.
ثم المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة أمير البصرة (8)، و منقذها من مخالب السباع، ومخرجها من بين الأنياب، كما عرف ذلك التاريخ، و صحار بن عباس العبدي (9) من عبد القيس من عمان، وهو على الشهير صحابي، مرضي علاَّمة، تقي بصري عماني، روى عن رسول الله - صلى الله عليه و سلم - ثلاثة أحاديث، وهو من شيوخ أبي عبيدة - رحمهما الله ورضي عنهما -، و هو أول من ألَّف في الأدب.
===================================
(1) قال صاحب كشف الخفا و مزيل الالتباس بما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس ( 1/ 449 ) :
1198- " خذوا شطر دينكم عن الحميراء " قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث ابن الحاجب من إملائه : لا أعرف له إسناد،و لا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير ذكره في مادة ح م ر، و لم يذكر من خرجه، و رأيته في الفردوس بغير لفظه،و ذكره عن أنس بغير إسناد بلفظ " خذوا دينكم من بيت الحميراء "، و ذكر ابن كثير أنه سأل الحافظين المزي و الذهبي عنه، فلم يعرفاه، و قال السيوطي في الدرر لم أقف عليه، و قال الحافظ عماد الدين في تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب : هو حديث غريب جدا بل هو منكر،سألت عنه شيخنا المزي فلم يعرفه،و قال لم أقف له على سند إلى الآن،و قال شيخنا الذهبي هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد " اهـ.
(2) الإباضية في موكب التاريخ ( 1/ 61 ). (1/91)
صفحة 91
(3) أخرجه الربيع بن حبيب بمعناه في 9- باب في الأمة أمة محمد صلى الله عليه و سلم رقم 38، ص 53،و أخرجه البخاري في ( 52- كتاب الشهادات 9- باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد ) ( 2/ 155) رقم 2651، و أخرجه مسلم في ( 44- كتاب فضائل الصحابة 52- باب فضل الصحابة ) ( 4/ 1962) رقم 2533، و أخرجه الترمذي في (34- كتاب الفتن 45- باب ما جاء في القرن الثالث ) ( 4/ 500) رقم 2221،و أخرجه أبو داود في ( 39- كتاب السنة 27- باب في فضل أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ) ص 658 رقم 4657، و أخرجه ابن ماجه في ( 13- كتاب الأحكام 27- باب كراهية الشهادة عمن لم يستشهد ) ص 338 رقم 2362، و أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده رقم 3594 ( 3/ 503 ) ورقم 4130 ( 4/ 153 ).
(4) الإباضية في موكب التاريخ ( 1 / 61).
(5) المصدر السابق ( 1/ 63 ).
(6) الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي ( 75- 80 هـ / 175 - 180 هـ ) عالم بالحديث، من شيوخه جابر بن زيد و أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، يعتبر القائد الثالث عند الإباضية، له كتاب المسند في الحديث، و يعتبر أصح كتاب بعد القرآن، انظر الإمام الربيع بن حبيب و مكانته و مسنده للشيخ سعيد بن مبروك القنوبي.
(7) الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي الأزدي اليحمدي ( 100هـ - 170 هـ ) أبو عبد الرحمن، من أئمة اللغة و الأدب،واضع علم العروض، أستاذ سيبويه النحوي، له عدة كتب منها العين و تفسير حروف اللغة و كتاب العروض و غيرها. الأعلام ( 2/ 314 ).
(8) المهلب بن أبي صفرة ظالم بن سارق الأزدي العتكي ( 7هـ - 83هـ ) أبو سعيد، أمير، بطاش، جواد،و لد في دبا بعمان،و نشأ بالبصرة، قاتل الأزارقة 19 سنة ثم ظفر بهم. الأعلام ( 7/ 315 ). (1/92)
صفحة 92
(9) صحار بن عباس العبدي ( 50 هـ - 100هـ ) أبو العباس من الطبقة الثانية، تابعي جليل من أوائل الأئمة الأباضية، أصله من عمان، أخذ العلم عن إمام المذهب جابر بن زيد و غيره، له عدة كتب منها كتاب الأمثال ذكره ابن النديم و كتاب القدر يوجد له سمي من الصحابة ذكره ابن قتيبة و ابن عبد البر و لا نعرف العلاقة بينها معجم الإباضية (3/ 489).
--- (1/93)
صفحة 93
وصَعْصَعْةُ بن صَوْحَان (1) الخطيب المشهور، و أخوه أيضا، و كلاهما عماني، ومُرَّة بن التَّليد (2)، و المهلب بن أبي صفرة هو الذي شاع اسمه في البصرة، بل في العراق كله، فيقال : " بصرة المهلب "، و هذا يعرفه كل أهل التاريخ، و هو أزدي عماني من الباطنة.
و لو لم تخرج الباطنة إلا أبا حمزة الشاري المختار بن عوف، قائد الإمام طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي في اليمن لكفى.
ولقد غَصَّت البصرة بالأعيان من أهل عمان، و امتلأت برجال العلم الأجلاء، الذين لهم الشرف الخالد على صفحات التأريخ، و حسبك ابن دريد (3) من مثالا للعلم، و الأدب، و اللغة، فهو إمامٌ متضلِّعٌ بفنون العلم، و لن ننسى المُبَرِّد (4) صاحب [57] الكامل، و هو عماني، و لسنا الآن بصدد ذكر أهل عمان و أعيانهم، إنما ذلك إلى التأريخ العماني، و هو المسئول عن هذه القضايا، و هو الكفيل بها، و إنما نحن الآن في ذكر الإباضية وعلمائهم.
قال على يحيى معمر: " وكانت قضية الخلافة من القضايا الهامَّة التي يقدرها الإسلام قدرها، وكانت شاغلة لأهل العلم، وكان جابر بن زيد ممن مَرَّت عليه، و دَرَسَها دَرْساً مُسْتَفِيضاً عميقاً، و انتهى فيها إلى رأي ثابت صحيح، مبني على روح العدالة في الإسلام، و مستمد من القرآن الكريم، و مستند على سيرة السلف الصالح من أصحاب النبي - صلى الله عليه و آله وسلم -. (1/94)
صفحة 94
كان يرى أنَّ الخلافة أهم مرافق الدولة، و أعظم مظهر للأمة، و أقوى سلطة تشرف على تنفيذ أوامر الله، و تطبيق أحكام الكتاب و السنة، الذين هما المصدر الصحيح لأحكام الله عز و جل، و هي بهذا المظهر، و على هذا النحو لا يمكن أن تخضع لنظام و رأي أبداً، و لا أن ترتبط بجنس، أو قبيلة، أو أسرة ما، أو لون أيضاً " (5)، لأنَّ الخلافة المقصود منها بالذات، وضع الحقِّ في مواضعه، و إعادة أوامر الشريعة حيث أمر بها الشرع.
" و إنما يشترط فيها الكفاءة المطلقة " (6) ؛ لأنَّ الله عز و جل أشار إلى المقصود فيها بالذات بقوله : " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " (7) و المطلوب هذان الشيئان، بل هما دعامتاها، و هما : الكرم بجميع معانيه، و التقوى وهي الأصل الذي لا تصح بدونه خلافة ما أبداً، فإذا لم يكن هذان الأصلان ثابتين فيها فعليها العَفَاء، لم تغن القُرَيْشِية وحدها، و ربما أغنى عنها التقوى.
و لا يخفى على كل ذي عقل أن التقوى رُوحُ [58] الإيمان، فإذا لم تكن تقوى فلا إيمان إجماعاً، و إذا حصلت الكفاءة المطلقة ديناً و خلقاً، و عملاً، و عقلاً، فقد حصلت الخصال المطلوبة فيها، المشترطة لِصَحَّتِهَا، و قامت حجتها على المسئولين عنها، الذين تلزمهم عند حصولها، فإذا كانت في فريق من الناس فقد حصلت ؛ لأن تحمل عبء الأمة، و تقوم بما يجب في الإسلام القيام به.
و ما القُرَيْشِية، أو الهَاشِمِّية، أو العَرَبِية إلا من وسائل الترجيح، و هي كمالية فقط عندنا، فإنَّ المفاضلة أو الأولوية أشياء اختيارية عند حصول الكمال، أما ما سوى ذلك فلا حساب له في نظر الشرع، الذي جاء لدرء المفاسد، و جلب المصالح في الأمة. (1/95)
صفحة 95
و من حيث أنَّا بصدد بيان معنى الإباضية، و التعريف بهم بين فرق الإسلام، و ذكر أصل تسميتهم إباضية، و ذكر ابن إباض الذي أضيف الإباضية إليه، و نسبوا عليه نسبة تمييزية، و ما إلى ذلك مما هو من نوعه، ثم استطردنا في ذكر ما أشار به على يحيى معمر من أصول الإباضية، و ما قام به إمامهم الأكبر أبو الشعثاء، و عَضَّدَهُ أولئك العلماء الأعلام الذين كانت لهم الزَّمَالة المذهبية.
و القصد من ذلك تحقيق معنى الإباضية، و إيضاح المعنى الصحيح من هذه السمة الكريمة لهذه الأمة العظيمة عند الله عز و جل، فلا يظن ظَانٌّ أنَّا خرجنا عن قانون التأليف، الذي وضعناه شرحاً كاشفاً للحقيقة المطلوبة.
و على هذا فالإباضية فِرْقَةٌ من فرق الإسلام التي عرفت في حديث الافتراق، الذي رواه أئمة الحديث، فالإباضية هم الفرقة المحقة، و هي الصادقة في الأقوال و الأفعال ؛ لأنَّها ما زَايَلَت حكم الله عز و جل قيد شعرة، و لا مالت بها الأهواء إلى السُّبل التي أشار إليها القرآن (8)، و بينها رسول الله - صلى الله عليه و سلم -.[59]
======================
(1) صعصعة بن صوحان بن حجر العبدي ( ت 56هـ ) من سادات عبد القيس، كان خطيبا بليغا عاقلا، له شعر، شهد صفين مع علي، و له مع معاوية مواقف. الأعلام ( 3/ 205 ).
(2) مرة بن فهم التليد،من خطباء عمان،و هو الخطيب الذي أوفده المهلب بن أبي صفرة إلى الحجاج بن يوسف الثقفي. التبيان و التبين ( 1 / 358 ).
(3) محمد بن الحسن بن دريد الأزدي ( 223هـ - 321هـ ) أبو بكر، من أئمة اللغة و الأدب،من أزد عمان، له عدة مؤلفات منها الجمهرة في اللغة و المقصورة و غيرها. الأعلام ( 6 /80 ). (1/96)
صفحة 96
(4) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي ( 210هـ - 286هـ) أبو العباس، المعروف بالمبرد، إمام العربية ببغداد في زمنه،و أحد أئمة الأدب و الأخبار، مولده البصرة و وفاته ببغداد، من كتبه الكامل و المقتضب و إعراب القرآن. الأعلام ( 7/ 144).
(5) الإباضية في موكب التاريخ ( 1/ 63) الحلقة الأولى.
(6) المصدر السابق.
(7) الحجرات : 13.
(8) في قوله تعالى : " و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " الأنعام : 153.
--- (1/97)
صفحة 97
[ الشرح ]
أي أَنَّ أصل المذهب عبدالله بن إباض كما عرفته مما تقدم من مقالنا، أو يعود الضمير على الإمام ابن إباض - رحمه الله -، أي أنَّ أصل كون عبدالله بن إباض أصلاً للمذهب ؛ لأنَّه صار له مُحَامياً من أعداءه الذين يرومون كيده، و كان هذا البطل التميمي مدافعاً لأعداء الحقِّ، الذين لهم نوايا سيئة ضِدَّ أهله.
فكم حَبَسَ الحجاج الطاغية الكبير جابر بن زيد - رحمه الله -، و كم ضَلَّ يَرْسِفُ (1) في قيوده، و كم عاش في سجونه أسيراً مستهاناً على غير جرم منه، و لا سيئة تَزِنُ جناح بعوضة، بل مجرد إهانة، و إذلال لأهل العلم حتى لا يرفعوا رؤوسهم بين أعلام الحقِّ، أو تُمَنِّيهم أَنْفُسُهم نُصْرَة مظلوم، أو إغاثة مَلْهُوف.
فكان عبدالله بن إباض أكبر مُنَاضل بالحجة الصحيحة، لكنَّها عند ذلك الطاغية غير مقبولة إلا أنَّه يستطيع إهانة هؤلاء الأعلام و الفطاحلة الكرام، و أمَّا عبدالله بن إباض كان في أمة لا تضيعه، و في عشيرة لا تسلمه، و ما زال عبدالله بن إباض حجر عثرة للسلطان الأموي، خصوصاً في الأمور الدينية. (1/98)
صفحة 98
و هنا قام دور التطور في الأمة، و التمذهب في الملة ؛ ليبرز معنى حديث رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فكان الإمام أبو الشعثاء، و أبو عبيدة، و أبو عمرو، و العلامة صحار بن العباس، و ضمام بن السائب، ومن انضم إليهم من رجالات العلم و العمل، و عبدالله بن إباض الركن [60] الأكبر لهؤلاء، و عليه أطلق عليهم اسم الإباضية، لكون عبدالله صار لهم بمنزلة الزعيم، لا أنه عالمهم الذي يرجعون إليه في مهماتهم، و يصدرون عن فتاويه فيما يغشيهم من أمر دينهم،كبقية رجال العلم الذين صاروا لأتباعهم مَرْجِعاً، و لإخوانهم مصدراً علمياً، قلدوهم عليه، و اعتمدوا أقوالهم فيه، كأبي حنيفة، و الشافعي، و مالك، و ابن حنبل، و من في معناهم من رجال العلم الذين اشتهروا في أيامهم، و ارتسموا طرقاً لأقوامهم، و قرروا لهم قواعد دينهم، فأخذوا بها، وتركوا ما سواها، إذ اعتقدوا فيهم اعتقادات، لو علمها أولئك ما رضوا بها، و أصرَّ كل فريق منهم على قول عالمهم، و رفضوا ما عداه، و تنافسوا إلى ذلك إلى حدٍ بعيدٍ، حتى صاروا أضداداً لبعضهم بعضاً في ذلك.
فكان الآخذ بقول أبي حنيفة لا يرى ما عداه، و لا يرضى به بديلاً مهما كان، و بذلك صار لهؤلاء مذاهب خاصة اختصها مقلدوهم فيها، و أصبحوا يعرفون بها، كما حكى التاريخ ذلك عنهم، فكانوا بذلك أربعة مذاهب، كل مذهب منها له أهميته، و قواعده، و حججه، و مؤسساته في الأمة، و تَعَصَّبَ كُلُّ فريقٍ لشيخه و أستاذه.
فكانوا إذا جاء القول عن أحد هؤلاء الأربعة، قام له أتباعه مؤيدين و مقدسين، حتى غَلَوا فيما بينهم، و مضى على ذلك عهد غير يسير، حتى توسَّطَ من جاء من بعد ذلك من رجال العلم، الذين يحاولون الاقتراب من بعضهم بعضاً، فأخذوا ببعض أقوال أحد الشيوخ الذين يمكن التسامح معه في شيء ما و مضى.[61] (1/99)
صفحة 99
فقالوا هذا مذهب أبي حنيفة في الشيء الفلاني، و ذلك مذهب فلان و فلان، فكانت سنة الله في عباده نافذة لا رَادَّ لها، تصديقاً له - صلى الله عليه و سلم - فيما أعرب عنه من الافتراق في الأمة، وكان ذلك من أعلام نبوته- صلى الله عليه و سلم -، إذ أخبر عن هذا الحال.
و ربما نشط مذهب على بقية المذاهب، إذا قام له سلطان يحمل الناس عليه، و ربما تأخر في بعض الأحيان، و ربما اتفقت بعض المذاهب على قولٍ في شيءٍ خاصٍ فأخذ به أتباعهم معاً، و بذلك يصير له شيوع محسوس في العالم الإسلامي، و قد أخبر التاريخ عما قلنا في أجيال عديدة.
و بذلك صار لكل إمام مذهب، ثم جاء من أغلا فيهم، فَقَدَّمَ ما قالوه على ما في كتاب الله وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام -، و رأوا أن ما جاء عن شيخهم فوق ما جاء في كتاب الله عز و جل ؛ لأنَّ ما جاء في كتاب الله ربما كان فيه إشكالٌ، كإجمالٍ، و تخصيصٍ، و متشابه أيضاً، أمَّا ما جاء عن الشيخ الإمام فليس فيه إشكالٌ، و لا إبهامٌ.
و الجريمة في مثل هذا على التَّابع لا على المتبوع، فإنَّ بعضهم أعلن تصريحاً أنَّه إذا وافق ما أقول قواعد الحقِّ يؤخذ به، و إلا يضرب به عَرْضَ الحائط، و سئل أحدهم فيقول هذا رأي، و إذا جاء نهر الله بطل نهري، و منهم مَنْ يسأل فيقول في الأكثر لا أدري، و منهم من يقدم القياس على الدليل الأحادي يرى أنَّ القياس ابتنى على أصل قوي، أما الأحادي فلا تطمئن به النفس، و هكذا.
و أشياء أخرى ألمَّت في المقام يخالف أصول الأحكام، لا سيما فيما يتعلق بالحلال في الاعتقاد، و بالحرام في المعاملات، و ربما [62] أخطأ المجتهد، و أصرَّ على ما رأى، أو اعتقد متبعه أنَّه الحقُّ، و ما سواه باطل و إلى هذا كله يشير الإمام - رحمه الله -. (1/100)
صفحة 100
أمَّا الذين أطلق عليهم إباضية فإنهم لم يُقَلِّدُوا شيخاً خاصاً فيتبعونه في أقوله، و أعماله، فإنَّ عبدالله بن إباض كما تحدثنا عنه، أنَّه لم يكن من العلماء الذين أسسوا مذاهب، و كانت لهم حملة أخذت بمذاهبهم.
إنَّ هذه العصابة التي تعرف بالإباضية لم تتقيد، و لن تتقيد بمذهبٍ خاصٍ أبداً، و إنما تأخذ الحقَّ أينما تجده،سواءٌ وجدته في أقوال جابر بن زيد، أو أبي عبيدة، أو الربيع، إذا لم تجد النص القرآني، أو النص النبوي الصحيح، من حيث تطمئن بالنقل، و لا تشك في الناقل، و إنْ وجدته في قول أبي حنيفة، أو الشافعي، أو غيره من رجال العلم، الذين أثبت الواقع لهم اسم العلم، كما سوف تراه إن شاء الله محرراً في هذه الصحائف الحرة الواضحة النيرة، عند الكلام على هذا المقام.
والحقُّ مقبولٌ ممن جاء به بغيضاً كان أو حبيباً، و الباطل مردودٌ ممن جاء به كذلك، فإنَّ الله لم يأمرنا أن نأخذ عن شيخ خاص و نترك ما سواه، و لو كان كذلك لأخذنا بأقوال صحابة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم - كابن عباس، و ابن عمر، و أمثالهم، أو بأقوال الخلفاء الأربعة، فإنهم أهل لأن يأخذ بأقوالهم.
لكنَّا لا نقول بذلك ؛ لأنَّا لا نُقَلِّد غير كتاب الله عز و جل، أو ما صح من سنة رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - بنقل العدول الذين لا نشك في عدالتهم، و لا ننكر شيئاً من أقوالهم.
فنأخذ العلم تقييداً لا تقليداً ؛ لأنَّ الله فترض ذلك علينا، و انظر : " بِمَاذَا تَحْكُمُ يَا مُعَاذ ؟ فقال : بِمَا في كِتَابِ اللهِ، فقال : إِنْ لَمْ تَجِدْهُ ؟، فقال : بِمَا في سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، فقال : [63] إِنْ لَمْ تَجِدْهُ ؟، فقال : أَجْتَهِدُ رَأَي " (2)، و لم يأمره بالتقليد لدليل خاص، أو قول خاص. (1/101)
صفحة 101
و هكذا نقول فإن الكتاب و السنة، هما اللذان تركهما لنا رسول الله - صلى الله عليه و سلم - بعده، و لن نضل ما أخذانا بهما، فإن لم نجد ذلك فيهما، نزلنا إلى الاجتهاد، و ما خالف كتاب الله لا نقبله و لا نرضاه.
=================================
(1) يَرْسِفُ و يجوز يَرْسُفُ : مشى مَشْي المقيد ( القاموس المحيط / 813 ) مادة رسف.
(2) أخرجه الترمذي في ( 13- كتاب الأحكام 3- باب ما جاء في القاضي كيف يقضي ) (3 / 616 ) رقم 1227، و أخرجه أبو داود في ( 23- كتاب الأقضية 11- باب اجتهاد الرأي في القضاء ) رقم 3592 ص 516،و أخرجه الدارمي في ( المقدمة 20- باب الفتيا و ما فيه من الشدة ) ( 1/ 44) رقم 168،و أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده رقم 21906 ( 16/ 164 )، و أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ( 4/ 544) رقم 22978و 22979.
--- (1/102)
صفحة 102
[ الشرح ]
مما يدلك على مقام عبدالله بن إباض في الأمة، و علو منزلته فيها، ما شاع له من الذِّكر بين رجالات العلم، و أعلام الهدى صيتاً، أهَّله لأن يكون زعيم أمة لا تَمُتُّ إليه بصلة نسبة (1)، ولا بتلمذة علمية، حتى صار إماماً في المغاربة النَّائيين، و المشارقة المُتَفَرِّقِين، الذين انتشروا من خراسان، إلى مصر، إلى عمان، و إلى حضرموت و اليمن.
ذلك لأنَّ الرَّجل كان يقول الحقَّ، ويدعو إليه، و يَرُدُّ الباطل، و يُنَفِّرُ منه، في عهد اشتد فيه جور الأمراء سياسياً، بحيث يريدون أن يتناسى العهد النبوي الصحيح، عهد الحرية الدينية، عهد العلم و العمل، عهد الدين الصحيح، الذي لا يرضى تفكك القوى الإسلامية، و لا يرتضى الأعمال الأموية، التي بدلت الدين بالهوى، و أقصت بجورها أهل التقى، فكانت شراً جاثماً على صدور الصدر الأول، و ما تغلغل من البغي يجعل الباطل ديناً، و منه لعن علي بن أبي طالب في الجمعات التي هي مجامع الدين، و بغير حياء، و مَنْ لا يفعل على أقل الأشياء ينتقص، و يحتقر، و يجعل ممن تقتحمه العقول، و تنكص عنه العيون، ويجعل في عداد [64] من لا قدر له و لا احترام.
و قد ضاق الحال بأهل الفضل في الإسلام، مع أن العهد بالنبوة قريب، والعهد بالخلافة الراشدة أقرب، فكان أهل العلم، و أهل الفضل تقطع ظهورهم، و يقضون الأيام و الليالي في السجون ظلماً و عدواناً. (1/103)
صفحة 103
و لم يبق احترام لأحد من هذا النوع، إلا لمن كان من طِرَازِ عبدالله بن إباض عمل يقتضيه: " لَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ " (2)، فكان الرهط إذ ذاك سوراً منيعاً، انظر في حبس أبي الشعثاء، و إخوانه حتى بلغ به الحال إلى أنهم يقطعون الشعور التي تطول، و أظفارهم، بأضراسهم قهراً و أسراً لعدم الرهط المحذور، و لم يكن من ذلك شيء على عبدالله بن إباض، و أضرابه من أمثال الأحنف الذي إذا سَلَّ سيفه سَلَّ معه مائة ألف سيف، لا يسألونه لماذا سل سيفه !.
أما أبو عبيدة الضرير، و أبو الشعثاء الأعور، و أضرابهم فذالك حالهم، و الحمد لله حتى كان عبدالله ردئاً لهؤلاء، يصدقهم إذا قالوا، ويؤيدهم إذا أفتوا.
كان عبدالله بن إباض - رحمه الله و رحم أباه وتولاهم الله - كانوا أبطال علم، و رجال عمل، إلا أنَّ السلطة في يد الأمويين إذ ذاك ثم انتقلت إلى الهاشميين، و كلهم عتاة طغاة، أعمدة ملك لم يعرف فيهم للدين أحد، إلا عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - في بني أمية، و العباس بن عبد المطلب، و ابنه البحر في بني هاشم، ومن بقي منهم أعماهم حب الرئاسة، و اعتقدوها ميراثاً، فكانوا في تكالب عليها طيلة أيامهم.
أفبمثل هؤلاء يقوم الدين ؟!!، و بمثل هؤلاء تنعم الدنيا ؟!!، سبحان من عمَّ حلمه خلقه، و هو يرى أحوال العباد، و ما ترمي إليه نياتهم.
كان من أمر عبدالله بن إباض و صلابته في الحق، أنَّه لما أحدث المسرف [65] مسلم (3) عامل يزيد بن معاوية(2) (4)، ما أحدث بمدينة الرسول - صلى الله عليه و سلم - و قصد بعد ذلك مكة المكرمة ليعمل فيها ما عمله في أختها، و شاع خبره خرج عبدالله بن إباض - رحمه الله - لِصَدِّهِ عن هواه، و للحيلولة بينه و بين ما يهواه. (1/104)
صفحة 104
ولم يجسر أحد أن يتظاهر بذلك غير عبدالله بن إباض خوفاً من بطش هؤلاء البغاة المتمردين على عباد الله و على الدين، و جمع عبدالله بن إباض من أطاعه شاهراً أمره، غير مبال بأحد، متوجهاً لحماية مكة منه، و لما أمنت رجع إلى وطنه بالبصرة، و القضية مشهورة، إلا أننا نحن لا أهمية للتأريخ لدينا، فلذلك تضيع الحقائق عندنا، و يفوتنا علمها لذلك.
وهذه البادرة تعبر عن شأنٍ رفيعٍ لعبدالله بن إباض و أعوانه، و ما زال علماء الإباضية أنصار للحقِّ، أعداء للباطل، يخافهم أهل السفه، و يكرههم أهل الفساد، فإنهم ما يزالوا على شدة في الدين.
انظر وفادتهم على عمر بن عبد العزيز و نقاشهم معه، و ما قابلوه به حتى وعدهم بإحياء كل يوم سنة، و إماتة كل يوم بدعة، فلم يكفهم ذلك منه ؛ لكونه أمير عامة، و هو يريد يعمل في الأمور بالسياسة، فقالوا لا يرضينا ذلك منك، فإن الإمام العدل لا تسعه التقية، و المعنى أنت هو الآن، فطلب منهم ليعلن ذلك غداً على المنبر عند اجتماع الناس، فقالوا له من لك أن تعيش إلى الغد ؟، و إذ ذاك عضدهم ابنه قائلاً : صدق القوم، فقال عمر بن عبد العزيز : الحمد الله الذي أخرج مني مثل هذا أو نحو هذا، ثم مات الولد المذكور فتولاه الإباضية، و القضية مشهورة أيضا إن لم يغطِّ عليها الحسد، و هو داء دفين، نعوذ بالله منه [66].
==============================
(1) أي لا تمت إليه بقرابة و لا نسب.
(2) هود : 91.
(3) مسلم بن عقبة بن رباح المري ( ت 63هـ ) أبو عقبة، قائد من الدهاة القساة في العصر الأموي، أدرك النبي صلى الله عليه و سلم، و شهد صفين مع معاوية، و ولاه يزيد بن معاوية قيادة الجيش الذي أرسله للانتقام منن أهل المدينة فغزاها و أسرف فيها قتلا و نهبا و استباحها ثلاثة أيام، ثم توجه إلى مكة ليحارب ابن الزبير فمات في الطريق. الأعلام ( 7/ 222). (1/105)
صفحة 105
(4) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي ( 25هـ - 64هـ) ثاني ملوك بالدولة الأموية، و ولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة 60هـ و في أيامه قتل الحسين بن علي و وقعت وقعة الحرة الذي أمر قائده بأن يستبيح المدينة ثلاثة أيام و أن يبايع أهلها على أنهم خول و عبيد ليزيد و كان نزوعا إلى اللهو و الفسق. الأعلام ( 8/ 198 ).
--- (1/106)
صفحة 106
اعلم أنَّ الإمام ابن إباض - رحمه الله - كما قدمنا عنه، أنَّه كان سيفاً ماضياً لقطع العراقيل التي تحول بين الحقِّ و أهله، و هماماً مِقْدَاماً لقطع شأفة الفساد الذي يواجهه، و عزيمته شديدة في الاعتماد على الله وحده قبل كل شيء.
وفي المنعة من عشيرته بني تميم، و هم حجر خشن لا تلين قسوته بيسير الأمور، و لا يهون على قومه، و هم حصنه الحصين، و ردءه المكين، و قوم الرجل جُنَّتَهُ، و بهم يتقى الشر إذا أقبل عليه، و ما زال هذا الحال معروفاً في البشر.
انظر إلى ما وقع بين النبي - صلى الله عليه و سلم - و الأنصار في بيعة العقبة : " و أَنَّ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُون مِنْهُ حَرِيمَكُمْ و أَوْلادَكُمْ " (1)، مع أنَّه نبي الله عز و جل يقدر على منعه من كل أحد في الكون، لكن سنة الله - عَزَّ و علا - في الكون لها أسباب مقيدة، فكذلك هذا هنا.
ولولا شرف أبي طالب و منزلته في قومه، لهلك محمد - صلى الله عليه و سلم - بين أَنْيُب قومه العتاة، لكن لمَّا وقف أبو طالب لهم وقفة الأسد الباسل، لم يقدروا على أي عمل فيه مما حاولوه في شخصه، أما الدِّيانة فلم يكن أبو طالب مسلم فيقوم لدفاع قومه عن إسلامه، و قد قال : " أعلم أن دين محمد حق إلا أني أفضل أن أموت على دين الأشياخ حتى لا يقولوا أنَّ أبا طالب صبا إلى دين ابن أخيه آخر عمره " (2).
و لا شك أنَّ الحقَّ يحتاج إلى أنصار، و ليس كرهط الرجل له أنصار طبعاً، و الحقُّ إذا تولاه مؤمن قوي كعبدالله بن إباض، و عبدالله بن وهب، و المرداس،[67] و أمثالهم تكون له هيبة فعالة، و ناهيك بهيبة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. (1/107)
صفحة 107
و بذلك الحال أظهر عبدالله بن إباض الحق، و قامت له هيبة، حتى في قلب الملك عبد الملك بن مروان، حتى عاد يستعطفه، و يلين له، و يحاول ضمه إليه، كما سوف تراه في محله إن شاء الله.
و في " الملل و النحل" للشهرستاني قال : " عبدالله بن إباض الذي خرج في أيام مروان بن محمد، فوجه إليه مروان بن محمد المذكور لقتاله عبدالله بن عطية فقاتله بتباله، وكان عبدالله بن يحيى الكندي إمام اليمن من أعضاد عبدالله بن إباض في هذه الحر ب، و في أقواله، و أفعاله " (3).
و إن عبدالله بن إباض هو الرئيس عليه مع أنَّ عبدالله بن يحيى كان من بيت زعامة، إلا أنَّ أمر الدِّين أكبر من أمر الدنيا، و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
لقد شهد لعبدالله بن إباض أعداؤه أنه على الحقِّ الذي لا شَكَّ فيه، و كيف لا، و الكتاب و السنة هما دعامتاه، و ما كان كذلك فلن يضيع، و إن تألب عليه أعداءه.
و لا شك أنَّ الإسلام و الإيمان بمعناهما لم يبقيا في مذهب ما على أصولهما الصحيحة إلا في مذهب الإباضية، لأنَّ الإباضية لا يزالون يصارعون الزَّعامات التي تكون مخالفة للحق و مناوية للعدل، فإن الملوك أتباع شهواتهم غالباً.
بل و ربما كانوا ضِدَّ أعداءهم الذين لا يقولون بقولهم، و لا يميلون ميلهم، و هل أفسد الدين إلا الملوك، و أحبار السوء و رهبانها ؟!.
ذلك أنَّ الذين يُقَدِّسُون الملوك، و لا يرون الخروج عليهم، هم أفسدوا الدِّين، و مزقوا شمله، بخلاف علماء [68] الإباضية الذين يقومون لصراع الملوك بقصد حملهم على المنهج الشرعي، الذي أوجب الله المسير عليه، فيرتكبون الأخطار بنصب الأئمة، فيقاتلونهم حتى يردوهم إلى الحقِّ، و هذا تاريخهم شاهد بذلك بجميع بلاد الإباضية. (1/108)
صفحة 108
كان عبدالله بن إباض قوياً في دين الله، ذا عزيمة ثابتة لا تأخذه في الحق لومة لائم، و لا يبالي بملك تُخاف سطوته، أو تهاب قوته، و لا يرى غير الحق شيئاً، و لا يتزعزع عنه قيد شعرة، منتقداً لأعمال الملوك، مأنباً راداً عليهم.
و لما خرج مسلم عامل يزيد لإذلال أهل مدينة الرسول - صلى الله عليه و سلم - و فعل فيها المنكرات القاسية حيث استباحها ثلاثة أيام، وهي حرم رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و لم يبال بها، ثم همَّ بالمسير إلى مكة، ليفعل فيها مثل ذلك، قال عبدالله بن إباض : " لا يحل السكوت على هذا الحال " فخرج إلى لقياه بمن معه من أصحابه و قومه، ولكن قضى الله على ذلك الطاغية، فمات في الطريق، و لم يصل إلى مكة فسلمها الله، و بعد استقرار الأمن، و زوال المحذور رجع عبدالله بن إباض إلى البصرة (4).
هذا فعل عبدالله بن إباض و نواياه في حرم الله عز و جل، وتلك أعمال أولئك الطغاة، وقومنا يقولون لا يجوز الخروج عليهم، بل عليكم الصبر!!، فعلى الأقل أين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟؟!، و هو كما ثبت إجماعاً بأنه باليد أولاً، و هل اليد إلا العصا ثم السيف !!!.
و كيف لا يجوز الخروج عليهم، و هم يُفْسِدُون في الدِّين، و يبدلون حكم الله بحكم القوانين، و هذا هو الكفر الواضح، حاشا الله أن يرضى بذلك، وهذا كتابه بين أيدينا ينطق بالحق، و يهدي إليه،[69] و نحن إن شاء الله لا نعتمد إلاَّ على الحقِّ، و لا نرتضى غيره بدلاً منه.
============================= (1/109)
صفحة 109
(1) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده رقم 14393 ( 11/ 453 )،و أخرجه الحاكم في المستدرك في ( 28- كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء - من كتاب الهجرة الأولى إلى الحبشة ) رقم 4251 ( 2/ 681 ) و قال الحاكم : صحيح الإسناد ووافقه الذهبي،و أخرجه البيهقي في السنن الكبرى في (كتاب قتال أهل البغي 3- باب كيفية البيعة ) رقم 16556 ( 8/ 251 ) و أخرجه ابن حبان في ( 61- كتاب إخباره صلى الله عليه و سلم عن مناقب الصحابة ) رقم 7011 ( 15/ 473)، و أخرجه الطبري في التاريخ (5/562 ) و أخرجه ابن هشام في السيرة (1/ 442 ).
(2) أورده بمعناه مسلم في ( 1- كتاب الإيمان 9- باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ) رقم 25 (1/55) و الترمذي في ( 48- كتاب تفسير القرآن 29 - باب من سورة القصص ) رقم 3188 ( 5/ 341)،و ابن حبان ( 14/ 167 ) رقم 6270 و أحمد في مسنده رقم 9576 ( 9/ 259 ) و أبو عوانة ( 1/ 25 ) رقم 24 و أبو يعلى (11/ 39 ) رقم 6178 و البيهقي في شعب الإيمان ( 1 / 106 ) رقم 91.
(3) الملل و النحل ص 134.
(4) انظر نشأة الحركة الإباضية، ص 77.
--- (1/110)
صفحة 110
[ الشرح ]
عبد الملك بن مَرْوَان بن الحَكَمِ بن أبي العَاص بن أُميَّة بن عَبْدِ شَمْسِ بن عبد مَنَاف، تولى الخلافة بعد موت أبيه في سنة خمسة و ستين للهجرة، و كان من نُسَّاك بني أمية، و كان يلقب حمامة المسجد لملازمته، و يلقب أيضا بأبي الذُّباب [ لنجره إذ كان أنجر] (1)، و يُلَقَّب بِرَشْحِ الحَجَرِ لِبُخْلِهِ ؛ فإنَّه كان بخيلاً إلى آخر درجات البخل.
و لما جاءته الخلافة كان قاعداً يتلو القرآن قال الدميري (2) : " كان عبدالملك قبل الخلافة متعبداً، ناسكاً، عالماً، فقيهاً، واسع العلم، حازماً لا يكل أمره إلى غيره، محب للفخر، مقداماً على سفك الدماء، و كذلك كان عماله " (3).
قلت : لقد صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أنَّ دِينَّ الرَّعِيةِ مِنْ دِينِ مُلُوكِهَا " (4) فإذا كان الملك يحب شيئاً أحبه أهل طاعته إلا من شاء الله و هم القليل، أما السواد الأعظم فهم على دين الملوك.
" كان عماله الحجاج بالعراق، و المهلب بن أبي صفرة في خراسان، و هاشم بن إسماعيل و ولده عبدالله بمصر، و موسى بن نصير بالمغرب، و محمد بن يوسف أخو الحجاج باليمن، و محمد بن مروان أخوه بالجزيرة "، قال : " و كل من هؤلاء ظلوم غشوم جبار قاله ابن خلكان." (5)
و كان عبدالملك كما قلنا جاءته الخلافة، و هو يقرأ القرآن فرماه من يده، وقال : " هذا فُرَاقُ بيني و بينك "، و كان [70] ظلوماً عاتياً، عظيماً في ملوك العرب، إذ تغلغلت هنا الملكية فيه بكل مَرَاسِمِهَا. (1/111)
صفحة 111
و كانت بينه و بين ملك الروم أحوال على الصَّرْفِ المتداول في أيدي المسلمين فيه كتابة بلغة الروم في الدنانير، و بلغة الفرس في الدراهم، تتنافى مع الأنظمة الإسلامية، إلا أنَّ العرب لا يعرفون ما تدل عليه حتى لمَّا انكشف لعبد الملك ذلك قام فيها وقعد، و أراد ملك الروم بقائها على أصلها فلم يقبل عبد الملك ذلك، بل أراد إبدالها، أو يقوم هو بوضعها، فكان من ملك الروم لعبد الملك بن مروان ما أخذ من قلبه مأخذه.
و لكن الرجل من أبطال العرب، لم يشعر ملك الروم إلا و الأمر انتهى في صالح عبد الملك بن مروان، فشل ملك الروم حين رأى في العالم الإسلامي كله انتشار النقود التي ضربها عبد الملك بن مروان، و حمله قومه على تنفيذ تهديداته لعبد الملك بن مروان فأجابهم بفوات الإمكان.
و كان أول من سمي بعبد الملك في الإسلام، و أول من ضرب الدنانير و الدراهم في الإسلام، و نقش في أحد جوانبها " لا إله إلا الله "، و بالجانب الآخر " محمد رسول الله "، و نشرها في بلاد الإسلام، و توعَّد من يقبل غيرها من سكك النصارى و اليهود أو غيرهم، فلم يشعر الملك الرومي إلا و هي ملء بلاد الإسلام.
و كانت قبلها الدنانير البَغَّلِية ؛ لأنَّ رأس البغل ضربها لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، و كانت كِسْرَوية وضعت عليها صورة كرسي كسرى، و تحت الكرسي نوش خور : أي كُلْ هنيئاً (6).
و كانت له أخبار طويلة عريضة لسنا بصددها الآن، بل أخذنا، أو نأخذ ما يدل على عظمة ملك عبدالملك، الذي ما زال له السلطان القاهر مع غَطْرَسَتِهِ، و لم يكن ابن إباض بالرجل الذي يهاب ذلك في حقِّ الدِّين، الذي فرضه الله على عباده [71] بل كان ابن إباض راداً على عبدالملك، معارضاً له في ما يخالف الحق، ناصحاً له بقلمه، الذي هو أشبه بالصارم المصقول. (1/112)
صفحة 112
قال الدميري : " والذي لقب عبدالملك بحمامة المسجد عبدالله بن عمر بن الخطاب، و جاءته الخلافة و هو يقرأ في المصحف فطبقه، و قال سلام عليك هذا فراق بيني و بينك، و كان يشير ابن عمر في الفقه إلى عبد الملك، و توفي في شوال سنة ستة و ثمانين، و له من العمر ثلاث وستون سنة، و قيل ستون فقط فهي عمر رسول الله - صلى الله عليه و سلم - على الخلاف فيها أيضاً، و كان قاتل عبدالله بن الزبير فقضى عليه.
و كان من جبره و ظلمه قال لابنه الوليد، لمَّا ثَقُلَ في مَرَضِهِ : " يا وليد لا ألفينََّك إذا وضعتني في حُفْرَتي تَعْصُرُ عينك كالأمة الوَلْهَا، بل اتّزِر، و شَمِّر، و البس جلد النَّمر، وادع الناس إلى البيعة، فمن قال برأسه كذا - أي لا - فَقُلْ بالسيف كذا - أي اضرب عنقه - "، هذه وصية ذلك الطاغية التي تسجلها له الملائكة أول دخوله في الآخرة، و آخر خروجه من الدنيا " (7)، و الله المستعان.
إنَّ المقصود من ذكر هذه النبذة الوجيزة من تاريخ عبدالملك بن مروان، لِنُبَرْهِن بذلك على منزلة عبدالله بن إباض أيام هذا السلطان، فيتبين كما قيل : "وبضدها تتبين الأشياء "، فمن عرف حالة عبدالملك بن مروان، علم منها مقام عبدالله بن إباض، إذ يناقش عبدالملك في أمور عديدة، و يَرُدَّ عليه أقواله، و ينتقد عليه تلك الأعمال كما سوف نذكر للقاري نبذة منها.
========================================
(1) هكذا وقعت في الأصل و هو تصحيف،و تصحيحه من كتاب حياة الحيوان الكبرى الذي ينقل منه الشيخ : [ لبخره إذ كان أبخر ].
(2) محمد بن موسى بن عيسى الدميري ( 742هـ - 808هـ ) أبو البقاء، باحث، أديب من فقهاء الشافعية من مصر من أهل دميرة، له عدة مؤلفات منها : حياة الحيوان الكبرى، و الديباجة شرح كتاب ابن ماجه و غيرها. الأعلام ( 7/ 118). (1/113)
صفحة 113
(3) حياة الحيوان الكبرى (1/92)،و اعلم أن الشيخ نقل ترجمة عبد الملك بن مروان من هذا الكتاب و لم يشر إلى ذلك، و لكن بالمقارنة نجده ينقل ببعض التصرف من صفحة (1 / 90 - 93 ).
(4) قال العجلوني في كشف الخفاء (2 / 413 ) : 2790- " الناس على دين مليكهم أو ملوكهم " قال السخاوي في المقاصد : لا أعرفه حديثا،و لكن يتأيد بما رواه الطبراني في الكبير و الأوسط عن أبي أمامة " لا تسبوا الأئمة، و ادعوا لهم بالصلاح فإن صلاحهم لكم صلاح " و بما رواه البيهقي عن كعب الأحبار قال : إن لكل زمان ملكا يبعثه الله على نحو قلوب أهله، فإذا أراد صلاحهم بعث عليهم مصلحا، و إذا أراد هلكتهم بعث فيهم مترفيهم " بتصرف.
(5) حياة الحيوان الكبرى (1 / 92).
(6) انظر للتفصيل حياة الحيوان الكبرى ( 1 / 90 - 92 ).
(7) حياة الحيوان الكبرى (1/ 93).
--- (1/114)
صفحة 114
كتب عبد الملك بن مروان كتاباً لعبدالله بن إباض، و أرسله إليه بيد سنان بن عاصم، أحد رجاله، طلب فيه من عبدالله بن إباض أن يكشف له حقيقة ما عنده، و كان ذكر له عثمان، و ما هو عليه، و عرَّض له فيه [72] لأمر الأمة و ما هي فيه، و إنَّها بحيث يهتم بها و بشأنها الزعماء , و إنَّ لعثمان قدم سبق، و يد فضل في الإسلام، و ذكر عثمان عهد رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و خلته معه، و ذكر معاوية و ما هو عليه من السلطة و الانتصار على خصومه، و أنَّ الله قام معه، و عجَّل نصره، و بلج حجته، و أظهره على عدوه في الطلب بدم عثمان، و كان يُحَذِّر ابن إباض من الغلو في الدِّين بِزَعْمِهِ، و القصد أن يستكين ابن إباض كما استكان غيره، و يقف عند الأمر الذي يراه عبدالملك، و عرَّض له بالخوارج و أنَّهم يغلون في الدِّين، و مراده أن لا يشتد عبدالله بن إباض عليه، و على أعماله و عماله. (1/115)
صفحة 115
و كان عبد الملك يروم اختداع عبدالله بن إباض حيث يتظاهر له بمظهر الطاعة، و هي في الحقيقة من خدائع الملوك للعلماء الذين يراعون فيهم الحياة الدينية، و لذلك قام عبدالملك يلبس لعبدالله بن إباض لباس الضراعة لقصده السياسي فيما هو بصدده، و يستعمل الدهاء في وجه ابن إباض، لعله يَغُرُّهُ بذلك حيث قال له في كتابه المشار إليه كلاما معناه " أرجو نصحك، و أقبل كلامك، و أعمل بنظرك، و لا تألو جهداً في نصحي، و ذكره بالله على ذلك "، وهو خداع و نفاق، حيث أشار إليه بقوله عز و جل : " إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى " (1)... و الآية الثانية، و هي قوله : " وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ " (2)، و طلب من عبدالله بن إباض إعادة كتابه إليه حتى لا يبقى في يد عبدالله بن إباض فيراه الناس فيقولون فيه أشياء يفهمون (3)، و من دهائه كان عرض لعبدالله بن إباض بما [73] لديه من دنياه، ظناً منه الانقياد لها، و الميل إليها، و الاغترار بِرَيَاشِهَا و زينتها، و كان - رحمه الله و رضي عنه - بعيداً من ذلك.
و سرعان ما أجابه عبدالله بن إباض على كتابه ذلك جواباً شافياً وافياً، فقال كما قال العلامة البرادي حاكياً له (4) :
" بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله بن إباض إلى عبدالملك بن مروان، أما بعد : سلام عليك، فإنِّي أحمد الله إليك، الذي لا إله إلاَّ هو، و أوصيك بتقوى الله، فإنَّ العاقبة للتقوى، و المَرَدُّ إلى الله، و اعلم أنَّه إنَّما يَتَقَبَّلُ الله من المتقين.
و قد جاءني كتابك مع رسولك سِنَان بن عَاصِم، و أنَّك كتبت إليَّ أن أكتب لك- أي تطلب مني أن أكتب لك بكتاب - فكتبته إليك فمنه ما تعرف، و منه ما تُنْكِرُ، و لكن الذي تنكره ليس عند الله بمنكر. (1/116)
صفحة 116
و أمَّا ما ذكرت من عثمان، و ما عرَّضت به من شأن الأمة، فإنَّ الله ليس ينكر عليه أحد شهادته في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد - صلى الله عليه و آله وسلم - أن " مَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " (5) و "الفاسقون " (6) و " الكافرون " (7) - و كان أراد بذلك التعريض به، أي أنَّك أنت من هؤلاء- قال " ثمَّ إنِّي لم أكن أذكر لك من شأن عثمان شيئاً إلا -و الله- تعلم أنَّه حَقٌّ، و سأنزع لك على ذلك البينة من كتاب الله، و سأخبرك خبر عثمان الذي طعنا عليه فيه، و أُبيِّن شأنه و أمره.
لقد كان عثمان كما ذكرت من قدمه في الإسلام، و لكنَّ الله لم يجز العباد من الفتنة، و ذلك أنَّ الله بعث محمد - صلى الله عليه و سلم - و أنزل عليه الكتاب و بيَّن له فيه كل أمر، و فصَّل فيه كُلَّ حكم، ليحكم بين الناس فيما [74]اختلفوا فيه، و جعله هدى و رحمة لقوم يؤمنون، فأحلَّ فيه حلالاً، و حرم فيه حراماً، و حكم أحكاماً، و فرض فرائضاً و حدوداً، و قال : " تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُم الظَّالِمُونَ " (8) ثم أمر نبيه بإتباع كتابه، و قال : " وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ " (9) و قال : " فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ " (10) فعمل محمد - صلى الله عليه و سلم - بأمر ربه، و معه عثمان، و من شاء الله من أصحابه، لا يرونه يتعدى حداً، و لا يُبَدِّل حكماً، و لا يستحلُّ حراماً، و يُحرِّم حلالاً، و لا يُبدِّل فريضة، و كان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يقول : " قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ " (11). (1/117)
صفحة 117
فعمَّر رسول الله - صلى الله عليه و سلم - ما شاء الله أن يُعَمِّر، تابعاً لِمَا جاء به من عند الله، و بلَّغ لما ائتمنه الله عليه، معلماً للمؤمنين، مبصراً لهم، حتى توفاه الله - صلى الله عليه و سلم -.ثم أورث الله عز و جل المؤمنين الذي جاء به محمد - صلى الله عليه و سلم -، و هو كتابه الذي يهتدى به من اهتدى بإتباعه، و لا يضل من ضلَّ إلا بتركه.
ثمَّ قام من بعده أبو بكر - رضي الله عنه - على النَّاس، فأخذ كتاب الله، و عَمِلَ بسُنَّةِ رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، و لم يفارقه أحد من المسلمين، و لم يَعِيبُوا عليه في حكمٍ حكمه، و لا قسم قسمه حتى فارق الدنيا، و أهل الإسلام عنه راضون و له مجامعون.
ثمَّ قام من بعده عمر فكان قوياً على الأمر، شديداً على أهل النفاق، يهتدى بمن كان قبله من المؤمنين، و يعمل بكتاب الله، و ابتلاه الله بفتوحٍ من الدنيا، بما لم يبتل به صاحبيه، و فارق الدنيا و الدِّين ظاهر، و كلمة الإسلام جامعة، و شهادة المؤمنين له قائمة بالوفاء، و المؤمنون شهداء الله في الأرض، قال الله عز و جل " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ [75] الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (12). (1/118)
صفحة 118
ثمَّ استشار المسلمين فتركها فيهم، فولَّوا عثمان، و فعل بما شاء الله بما يعرف الإسلام، حتى بسطت له الدنيا، و فُتِحَ له من خزائن الأرض، و أحدث أموراً لم يعمل بها صاحباه قبله، و عهد الناس يومئذ قريب منهم، فلمَّا رأى المؤمنون ما أحدث أتوه، و كَلَّمُوه، و ذكَّروه بكتاب الله و سنة رسول الله، و سنة من كان قبله، و شقَّ عليه أن ذكَّروه بآيات الله، و أخذ بالجبرية، و ضرب من شاء منهم، و سجن، و نفاهم في أطراف الأرض من أجل أن ذكَّروه بكتاب الله و سنة نبيه - صلى الله عليه و سلم -، و آثار من كان قبله من المؤمنين " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ " (13)، " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ " (14).
و أنا أُبَيِّنُ لك يا عبد الملك بن مروان ما أنكر المسلمون على عثمان و فارقوه عليه، عسى أن تكون غافلاً فأذكِّرك، أو جاهلاً فأُعرِّفك، فلا يحملنك هوى عثمان يا عبد الملك أن تكذَّب بآيات الله، فإنَّه لا يُغني عنك من الله شيئاً.
فالله الله يا عبد الملك قبل التَّنَاوش من مكان بعيد، و قبل أن تكون لِزَاماً، و إنَّه كان مِمَّا طعن عليه المسلمون و فارقوه و فارقناه عليه، قال الله عز و جل " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ " (15) و كان عثمان أول من منع مساجد الله أن يُقَصَّ فيها كتاب الله. (1/119)
صفحة 119
و ممَّا نقمنا عليه و فارقناه أن الله عز و جل قال : " وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ [76]رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ " (16) فكان خيار هذه الأمَّة قد طَرَدَهُم و نفاهم، فكان من نفي من أهل المدينة أبا ذَرِّ الغفاري (17) ".
قلت : و كان أبو ذَرِّ من زهاد الصحابة و عبادهم، وفيه يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " مَا أَقَلَّتْ الغَبْرَاءُ، و لا أَظَلَّتْ الخَضْرَاءُ أَصْدَقُ ذِي لَهْجَةٍ مِنْ أَبي ذَرِّ " (18) و هل يرضى أحد فيه ذرة من إيمانٍ يرضى بأذية أبي ذر ؟!، في عرضٍ، أو حالٍ، أو مالٍ، مع ما أصاب المذكور من السوء الذي لا يفعله غير متوحش، إنا لله و إنا إليه راجعون، و إذا لم يؤثر على القلوب المؤمنين مثل ذلك، فماذا يؤثر عليها؟!.
========================
(1) البقرة : 159.
(2) آل عمران : 187.
(3) كذا بالأصل،و الله أعلم بالصواب.
(4) الجواهر المنتقاة، ص 156- 167.
(5) المائدة : 45.
(6) نص الآية : " و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " المائدة : 47.
(7) نص الآية : " و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " المائدة : 44.
(8) البقرة : 229.
(9) الأحزاب : 2.
(10) القيامة : 18.
(11) الأنعام : 15.
(12) البقرة : 143.
(13) الكهف : 57.
(14) السجدة : 22.
(15) البقرة : 114.
(16) الأنعام : 52.
(17) اختلف في اسمه و الراجح جندب بن جنادة من بني غفار ( ت 32هـ ) أبو ذر، صحابي، من كبارهم، قديم الإسلام، مات بالربذة في خلافة عثمان. الأعلام ( 2/ 140 ). (1/120)
صفحة 120
(18) أخرجه الترمذي في ( 50 - كتاب المناقب 36- باب مناقب أبي ذر ) رقم 3801 ( 5/ 669 )،و أخرجه ابن ماجه في ( المقدمة 11- باب في فضائل الصحابة ) رقم 156 ص 24،و أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده رقم 6519 ( 6 / 82 ) و رقم 21621 ( 16 / 76 )،و أخرجه الحاكم في المستدرك في ( 31- كتاب معرفة الصحابة في ذكر مناقب أبي ذر الغفاري ) رقم 5462 ( 3/ 387 )،و أخرجه البراز في البحر الزخار ( 6/ 450 )،و أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد و المثاني ( 2/ 231 ) رقم 986،و أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (5/ 365 ) رقم 5148 و أخرجه ابن أبي شيبة ( 6 / 390 ) رقم 32256.
--- (1/121)
صفحة 121
قال : " و مُسْلِمَ الجُهَنيّ (1) - أي و ممن نفاه عثمان مُسْلِمَ الجُهَنيَّ- و نافع بن الحطام (2)، و نفى من أهل الكوفة كعب بن جندب (3)، و جندب بن زهير (4) قاتل الساحر، و نفى عُمر بن زُرارة (5)، و يزيد بن صوحان (6)، و أسود بن دويج (7)، و يزيد بن قيس الهمداني (8)، و كردوس بن الحضرمي (9) في أناس كثيرين من أهل الكوفة، و نفى من أهل البصرة عامر بن عبدالله (10)، و مذعور العنبري (11)، و من لا يستطاع عددهم.
و ممَّا نقمنا عليه أنّه أمَّر أخاه الوليد بن عُقْبَة (12) على الناس، فكان يلعب بالسِّحر، و يصلي بالناس سكران، فاسق في دين الله، و إنمَّا أمَّره من أجل قرابته.
و ممَّا نقمنا عليه جعل المال دُولَةً بين الأغنياء، و قد قال الله عز و جل : " كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ " (13) فبدَّل فيه كلام الله و اتبع هواه.
و ممَّا نقمنا عليه أنَّه منع مواضع القطر، و حماها لنفسه و لأهله، ومنع الرزق الذي أنزله الله لعباده متاعاً [77] لهم و لأنعامهم، و قد قال الله عز و جل : " قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ" (14).
و ممَّا نقمنا عليه أنَّه أول من تعدى في الصدقات، و قد قال الله عز و جل : " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا...." (15) الآية، و قال : " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا " (16). (1/122)
صفحة 122
و الذي أحدث عثمان منعه فرائض كان فرضها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - و أنقص أهل بدر أعطياتهم ألف ألف، و كنز الذهب و الفضة، و لم ينفقهما في سبيل الله، و قد قال الله عز وجل : " وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ " (17) الآية.
و ممَّا نقمنا عليه كان يَضُمُّ كل ضالة إلى إبله، و لا يردُّها، و لا يعرفه، و كان يأخذها من الإبل و الغنم إذا وجدها عند أحد، و إن كانوا قد أسلموا عليها، و كان لهم في حكم الله ما أسلموا عليه، و قد قال الله عز و جل : " وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ " (18)، و قال : " لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ " (19).
و ممَّا نقمنا عليه أنَّه أخذ خمس الله لنفسه، و أعطى منه أقاربه، و كان ذلك تبديلاً لحكم الله، و فرض الله الخمس : " لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ " [78] [ إلى قوله ] " وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (20).
و ممَّا نقمنا عليه منع أهل البحرين و أهل عمان أنْ يبيعوا شيئاً من طعامهم حتى يباع [طعام ]الإمارة، و ذلك تحريم لِمَا أَحلَّ الله : " وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا " (21)
=========================== (1/123)
صفحة 123
(1) مسلم بن عبدالله الجُهَنيَّ ( ت 36هـ ) أمره عليٌّ يوم الجمل بحمل مصحف، فطاف به على القوم يدعوهم إلى الطاعة، فقتل. تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام ( عهد الخلفاء و الراشدين )، ص 535، و المغازي للواقدي ص 750.
(2) لم أجد له ترجمة رغم البحث الشديد.
(3) حدث تحريف و تصحيف في الاسم، و عند مقارنة الأسماء بما ذكر ف تاريخ الطبري و الكامل لابن الأثير، نجد الاسم الصحيح هو جُنْدُب بن كعب بن عبدالله بن جَزء بن عامر الأزدي الغامدي ( ت51هـ ) أبو عبد الله، يلقب بجندب الخير، صحابي جليل، ذكره ابن حجر في الإصابة من القسم الأول، و هو قاتل الساحر على الصحيح،و سبب قتله الساحر أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما كان أميرا على الكوفة حضر عنده ساحر، فكان بلعب بين يدي الوليد، يريه أنه يقتل رجلا ثم يحييه، فأخذ سيفا من صقيل و اشتمل عليه،و جاء إلى الساحر فضربه ضربة فقتله، ثم قال : أحي نفسك، ثم قرأ : " أفتأتون السحر و أنتم تبصرون " [ الأنبياء : 3] فحبسه الوليد، فلما رأى السجان صلاته خلى سبيله، فأخذ الوليد السجان فقتله، ثم انطلق جندب إلى أرض الروم فلم يزل يقاتل بها المشركين حتى مات. الإصابة [ طبعة الكليات الأزهرية ] (2/106)، و أسد الغابة ( 1/ 361-362 ) و تاريخ الطبري [ طبعة دار المعارف ] ( 4 / 326 )، و الكامل في التاريخ [ طبعة دار صادر ] ( 3/ 144).
(4) جُنْدُب بن زُهير بن الحارث بن كثير الأزدي الغامدي ( ت 37هـ ) صحابي، سكن الكوفة، قيل هو قاتل الساحر، و الصحيح غيره، ذكره ابن حجر في القسم الأول من الإصابة، قتل بصفين و كان مع علي،و هو ممن سيَّره عثمان من الكوفة إلى الشام. الإصابة [ طبعة الكليات الأزهرية ] ( 7/ 103 ) و أسد الغابة ( 1/ 359 ) و تاريخ الإسلام [ سيرة الخلفاء الراشدين ] ص 560. (1/124)
صفحة 124
(5) عمر بن زُرارة بن قيس بن عمرو النخعي، قال ابن حجر في الإصابة صحبته محتمله، و هو ممن سيَّره عثمان بن عفان من أهل الكوفة إلى الشام،و هو أول من خلع عثمان. الإصابة [طبعة الكليات الأزهرية ] ( 7/ 107 ) و أسد الغابة ( 3/ 720 ).
(6) الاسم محرف و الصواب زَيْد بن صوحان بن جُجْر بن الحارث العبدي ( ت 63هـ ) أبو سليمان و يقال أبو عائشة، أخو صعصعة و سحبان ن اختلف في صحبته،و ذكره ابن حجر في القسم الثالث من الإصابة، كان فاضلا ديّنا خيّرا سيدا في قومه هو و إخوته، شهد مع علي الجمل و قتل فيها. الإصابة [ طبعة الكليات الأزهرية ] (4/ 88) و أسد الغابة ( 2 / 193 ) و تاريخ الإسلام قسم الخلفاء الراشدين ص 508.
(7) لم أجد له ترجمة بهذا الاسم،و ربما الاسم حُرِّف، و الاسم الصحيح الأسود بن يزيد بن قيس النخعي ( ت 75هـ ) أبو عمرو،و يقال ابو عبد الرحمن، تابعي كبير، أدرك النبي و لم يره، صاحب ابن مسعود،و هو من فقهاء الكوفة و أعيانهم. الإصابة [ طبعة الكليات الأزهرية ] ( 1/ 172 ) و أسد الغابة ( 1 / 107 ).
(8) يزيد بن قيس بن تمام بم حاجب الهمداني الأرحبي، له إدراك، و كان رئيسا كبيرا في قومه، كان مع علي في حروبه،و ولاه شركته، ثم ولاه بعد ذلك أصبهان و الري و همذان. الإصابة [ طبعة الكليات الأزهرية ] ( 10 / 386 ).
(9) لم أجد له ترجمة، و في الصحابة و التابعين من اسمه كردوس و لم ينسب فلعله منهم، انظر الإصابة [ طبعة الكليات الأزهرية ] ( 8/ 279 ) و أسد الغابة ( 4/ 165 - 166). (1/125)
صفحة 125
(10) عامر بن عبد القيس بن قيس، و يقال عامر بن عبد قيس بن ناش التميمي العنبري (ت 41~ 60 هـ ) أبو عبدالله،و أبو عمرو البصري الزاهد، أدرك الجاهلية، كان الحسن و ابن سيرين يكرهان أن بقولا : عامر بن عبد قيس،و يقولا : عامر بن عبد الله، شهد فتح المدائن، تابعي ثقة من كبار التابعين و عبادهم ذكره ابن حجر في الإصابة في القسم الثالث. الإصابة [ طبعة الكليات الأزهرية ] ( 7/ 237 ) و أسد ( 3 / 28 ).
(11) لم أجد له ترجمة،و لكن وجدت ترجمة لشخص اسمه مذعور بن عدي العجلي، فلعله هو،و هذا له صحبة، شهد مع خالد بن الوليد حصار دمشق، و وقعة اليرموك،و له آثار في حرب الفرس، من أهل العراق. الإصابة [ طبعة الكليات الأزهرية ] ( 9 / 157 ) و أسد الغابة ( 4/ 357 ).
(12) الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي القرشي ( ت 61هـ ) أبو وهب، هو أخو عثمان بن عفان لأمه، ولاه عثمان على الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص سنة 25هـ، فأقام بها أربع سنوات فشهد عليه جماعة عند عثمان بشرب الخمر فعزله و دعاه إلى المدينة و مات بالرقة. (8/ 122).
(13) الحشر : 7.
(14) يونس : 59.
(15) التوبة : 60.
(16) الأحزاب : 36.
(17) التوبة : 34-35.
(18) الشعراء : 183.
(19) النساء : 29.
(20) الأنفال : 41.
(21) البقرة : 275.
--- (1/126)
صفحة 126
ومن عمل عثمان أنَّه يحكم بغير ما أنزل الله، و قد خالف سبيل رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و سبيل صاحبيه، و قال الله تعالى : " وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا " (1)، و قال : " وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " (2)، و " الْكَافِرُونَ "، و " الْفَاسِقُونَ "، و قال : " أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ " (3)، وقال : " وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا " (4)، وقال: " وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ " (5)، و قال : " كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ " (6)، و كلُّ هذه الآيات تشهد على عثمان، و إنَّما شهدنا عليه بما شهدت به عليه هذه الآيات : " لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا " (7).
فلمَّا رأى المسلمون الذي أتى به عثمان من معصية الله، و المؤمنون شُهَدَاء الله في أرضه، ناظرون في أعمال الناس، و قال الله عز و جل : " وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ " (8) وترك خصومة [الخصمين] في الحقِّ و الباطل، و وقع ما وعد الله من الفتن، و قد قال الله عز و جل : " الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)" (9). (1/127)
صفحة 127
و عَلَمَ المسلمون أنَّ طاعة عثمان على ذلك طاعة إبليس، فساروا إلى عثمان في أطراف الأرض، و اجتمعوا إليه في ملءٍ من المهاجرين والأنصار، و عامة أزواج النبي - عليه الصلاة والسلام -، فأتوه فذكَّروه بالله، و أخبروه بالذي أتى من معاصى الله، فزعم أنَّه يعرف الذي يقولون، و أنَّه يتوب إلى الله عز و جل منه، و يراجع الحقَّ، و قَبِلُوا منه الذي أتاهم به من الاعتراف بالذَّنْبِ،[79] و التَّوبة إلى الله عزَّ و جلَّ، و مراجعة الحقِّ، و كان حقَّاً على أهل الإسلام إذا التقوا بالحقِّ أن يَقْبَلُوه، و يجامعوه ما استقام على الحقِّ، فلمَّا تفرَّقوا عنه، نكث الذي عاهدهم عليه، و عاد إلى أعظم من الذي تاب منه، فكتب إلى عماله في أدبارهم أن تقطع أيديهم و أرجلهم من خِلاف، فلمَّا ظهر المؤمنون على كتابه و نكثه العهود رجعوا إليه و قتلوه بحكم الله، و قد قال الله عز و جل : " وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ " (10) و قد عمل بكتاب الله و جامع المسلمين زماناً ثم ارتد على عقبه، و قد قال الله عز و جل : " إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ " (11) فهذا و أمثاله من خبر عثمان و الذي فارقه عليه المسلمون و المؤمنون و فارقناه عليه، و طعنوا عليه فيه، و طعنا نحن اليوم فيه.
و ذكرت كونه مع رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و خُلَّته معه، فقد كان علي ابن أبي طالب أقرب قرابة إلى رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و أعظم خلة، و أقدم هجرة، و أسبق إسلاماً، و أنت تشهد له بذالك، و أنا بعد ذلك.
فكيف كانت قرابته و خُلَّته، هل كانت نجاة إذا ترك الحقَّ أم هلاكاً؟؟. (1/128)
صفحة 128
و اعلم أنَّ علامة كفر هذه الأمة إذا تركوا الحكم بما أنزل الله، و حكموا بغير ما أنزل الله : " وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ " (12)، و قال : " فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ " (13).
فلا يغرَّنَّك يا عبد الملك بن مروان عِزُّ نفسك، و لا تسند دينك إلى الرجال، فإنَّهم يستدرجون من حيث لا يعلمون، فإنَّ أملك الأعمال خواتمها، و كتاب الله جديد أبداً لا ينطق إلا بالحقِّ، أجارنا الله بإتباعه أن نبغي أو نضلَّ، فاعتصم بالله يا عبد الملك بن مروان يهدك إلى صراط مستقيم، قال الله عز و جل [80]: " وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ " (14)، و كتاب الله هو حبل الله المتين الذي أمر المؤمنين أن يعتصموا به فقال: " وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ " (15)، فأنشدك الله أن تَدَبَّر معاني القرآن فتكون مهتدياً به، مخاصماً به، قال الله عز و جل : " أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا " (16).
================================
(1) النساء : 115.
(2) المائدة :45.
(3) هود : 18.
(4) النساء :52.
(5) هود: 113
(6) يونس : 33.
(7) النساء : 166.
(8) التوبة : 105.
(9) العنكبوت : 1-3.
(10) التوبة : 12.
(11) محمد :25.
(12) المائدة : 50.
(13) الجاثية : 6.
(14) آل عمران : 101.
(15) آل عمران: 103.
(16) محمد : 24.
--- (1/129)
صفحة 129
وأما قولك في معاوية أنَّ الله قام معه، وعجَّل نصره، و بَلَجَ حجته، و أظهره على عدوه بطلب لدم عثمان، فإن كنت تعتبر الدِّين من قبل الدولة و الغلبة في الدنيا، فإنَّا لا نعتبره من قبل ذلك، فقد ظهر المسلمون على الكافرين لينظر كيف يعملون، و ظهر المشركون على المؤمنين ليبلي المؤمنين و يملي للكافرين و قال " وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)" (1)، و انظر ما أصاب المؤمنين من المشركين يوم أحد، و انظر كيف ظهر قتلة عثمان بن عفان عليه و على شيعته يوم الدار، و ظهر عليٌّ على أهل البصرة وهم شيعة عثمان (2)، و ظهر المُخْتَارُ (3) على زيد (4) و أصحابه و هم شيعتهم، و ظهر مُصْعَبُ على المُخْتَار، و ظهر أهل الشام على أهل المدينة (5)، و ظهر الزبير على أهل الشام بمكة.
فلا تعتبر الدِّين من قبل الدولة، فقد يظهر الناس بعضهم على بعض، و قد أعطى الله فرعون مُلْكاً و ظهر في الأرض، و أعطى الذي حاج إبراهيم في ربه ملكاً.
ثمَّ إنَّ معاوية إنمَّا اشترى الإمارة من الحسن بن علي، ولم يفِ له بما اشترطه عليه، و عاهد الله العظيم ليوفين له، و قد قال الله عز و جل : " وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا " (6). (1/130)
صفحة 130
فلا تسأل عن معاوية و عن صناعته غيري - أي أنا أعرف به من [81] غيري - لأنِّي قد أدركته، و رأيت عمله و سيرته، و لا أعلم أحداً من الناس أترك للقسمة التي قسمها الله، و لا لحكم حكمه الله، و لا أسفك لدم حرَّمه الله منه، فلو لم يُصِبْ من البلايا إلا دم ابن سمية لكان فيه ما يكفره، ثمَّ استخلف ابنه يزيد، فاسقاً لعيناً كافراً شارباً للخمر فيكفيه من الشر، فلا يخفى عمل معاوية و يزيد على كل عاقل.
فاتَّق الله يا عبدالملك، و لا تخادع نفسك في معاوية، فقد أدركنا أهل بيتكم يطعنون في معاوية ويزيد، و يعيبون عليهما كثيراً مما يصنعون، فمن يتولى عثمان ومن معه فإنِّي أشهد الله وملائكته أنِّي بريء منهم، أعداء لهم بأيدينا و ألسنتنا و قلوبنا، نعيش على ذلك، و نموت عليه إذا متنا، و نُبْعَثُ عليه إذا بعثنا، و نحاسب لذلك عند الله.
و كتبتَ إليَّ تحذرني الغلو في الدين، أعوذ بالله من الغلو، و سأبين لك ما الغلو في الدِّين إذا جهلته، فالغلو في الدِّين أن يقال على الله غير الحقِّ، و يُعْمَلُ بغير كتاب الله الذي بيَّن، و سنة نبيه التي سنَّ، وقال الله : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ " (7)، وقال : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ " (8). (1/131)
صفحة 131
كما غلا عثمان و الأئمة بعده، و أنت بَعْدُ على سبيلهم و طاعتهم، تجامعهم على معصية الله [ و تتبعهم، و قد اتبعوا أهواءهم و تبعتهم أنت عليها، وقال الله عز و جل " وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء] (9) قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ " (10) فهؤلاء هم أهل الغلو في الدين، فليس من غضب لله حين عُصي، و رضي بحكم الله، و دعي إلى كتاب الله، و إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، و سنة المؤمنين بعده بغالٍ في الدِّين.
و كتبت إليَّ تُعَرِّض بالخوارج، و تزعم أنَّهم يغلون في الدِّين، و يتبعون غير سبيل المؤمنين، و يُفَارِقُون [82] أهل الإسلام - و أراد بذلك الغمز من المسلمين، و الطَّعن فيهم، فألجمه ابن إباض - رحمه الله - بما أبداه له قائلا له في صراحة من القول - و أنا أُبيِّن لك سبيلهم، هم أصحاب عثمان الذين أنكروا عليه ما أحدث من بدعة، و فارقوه حين ترك حكم الله، و هم أصحاب الزبير و طلحة حين نكثا، و أصحاب معاوية حين بغى، و أصحاب علي حين بدَّل حكم الله، و حكَّم عبدالله بن قيس و عمرو بن العاص، فهم فارقوا هؤلاء كلهم، و أبوا أن يفرقوا بحكم البشر دون حكم الله، فهم لمن بعدهم أشدُّ عداوة و أشدُّ مفارقة.
كانوا يتولون في دينهم و سنة نبيهم محمد - صلى الله عليه و سلم - و أبي بكر و عمر - رضي الله عنهما - و يدعون إلى سبيلهم، و يرضون على ذلك، كانوا يخرجون، و إليه يدعون، و عليه يفارقون، و قد علم من عرفهم، و عرف حالهم، أنَّهم كانوا أحسن عملاً، و أشد قتالاً في سبيل الله. (1/132)
صفحة 132
هذا خبر الخوارج، شهد الله و ملائكته أنَّا لمن عاداهم أعداءنا، و لمن والاهم أولياؤنا بألسنتنا، و أيدينا، و قلوبنا - أي نحن معهم لكونهم على الحقِّ، و لو أراد عبدالله بن إباض.... (11) لكان و جدها عند عبد الملك المذكور - و لكنا نعيش على ذلك ما عشنا، و نموت عليه إذا متنا، و نبعث عليه عند ربنا.
==========================
(1) آل عمران : 140-141.
(2) يعنى معركة الجمل، التي دارت بين علي بن أبي طالب و طلحة و الزبير.
(3) المختار بن أبي عبيدة بن مسعود الثقفي (ت 68هـ) أبو إسحاق،من زعماء الثائرين على بني أمية،و أحد الشجعان الأفذاذ، لما قتل الحسين سنة 61هـ، انحرف المختار عن عبيد الله بن زياد، فقبض عليه ابن زياد و جلده و حبسه،و نفاه بشفاعة ابن عمر إلى الطائف، و لما مات يزيد بن معاوية سنة 64هـ، قام عبدالله بن الزبير في المدينة بطلب الخلافة، ذهب إليه المختار، و عاهده،و شهد معه بداية حرب الحصين بن نمير، استأذنه في التوجه إلى الكوفة ليدعو الناس إلى طاعته، فوثق به و أرسله،و لكان كان أكبر همه منذ دخل الكوفة أن يقتل من قاتلوا الحسين و قتلوه، فدعا إلى إمامة محمد بن الحنفية، فبايعه زهاء سبعة عشر ألف رجل سرا فخرج بهم، و سيطر على الكوفة و الموصل و قتل من قتل الحسين،و عمل مصعب بن الزبير،و هو أمير البصرة بالنيابة عن أخيه عبد اللهو قاتل المختار حتى قتله و قتل من كان معه. الأعلام ( 7 / 192).
(4 تحريف و أصله " ابن زياد " و هو عبيد الله بن زياد بن أبيه ( 28هـ - 67هـ ) والٍ، فاتح، من الشجعان، جبار، خطيب،ولد بالبصرة، عينه معاوية أميرا على البصرة سنة 55هـ، و أقره يزيد عليها، قتله ابن الأشتر قائد المختار الثقفي. الأعلام ( 4/ 193 ).
(5 في أثناء حكم يزيد بن معاوية و على يد قائده مسلم بن عقبة المري.
(6 النحل : 91.
(7 النساء : 171.
(8 المائدة: 77. (1/133)
صفحة 133
(9 سقط من الأصل، فأتممناها من الجواهر المنتقاة.
(10المائدة : 77.
(11 كذا بالأصل،و سياق الكلام يدل على سقط يوجد هنا.
--- (1/134)
صفحة 134
إنَّا بُرَاء إلى الله من نافع بن الأزرق (1) و صنيعه و أتباعه، و لقد كان حين خرج على الإسلام فيما ظهر لنا - أي كانوا هو و أتباعه من جملة رجال المسلمين - و لكنَّه أحدث، و ارتدَّ و كفر بعد إسلامه، فنبرأ إلى الله منهم.
و أنت كتبت إليَّ أن أكتب إليك بجواب كتابك، و أجتهد لك في النصيحة، و ذكرتني بالله و أفضل ما ذكَّرتني به أن قلت " إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ " (2) الآية " وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ [83] الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ " (3) فقد بينت لك و أخبرتك خبر الأئمة، و كان حقاً علي أن أنصح لك، فإنَّ الله لم يتخذني عبداً لأكفر به، و لا مخادع الناس بشيء ليس في نفسي، و أخالف إلى ما أنها عنه. (1/135)
صفحة 135
أدعوكم إلى كتاب الله و سنة نبيه - صلى الله عليه و سلم - لتحل الحلال و تحرم الحرام، و لا تظلموا الناس شيئاً، و أن يكون كتب الله حكماً بيني و بينكم فيما اختلفنا فيه، و أن نتولَّى من تولى الله، و أن نبرئ ممن تبرأ الله منه، و أن نطيع من أمر الله بطاعته، و نعصى من أمر الله بعصيانه في كتابه. فهذا الذي أدركنا عليه نبينا - صلى الله عليه و سلم و آله -، و إنَّ هذه الأمة لم تسفك دما إلا حين ترك كتاب الله و سنة رسوله ونبيه، و قد قال الله عز و جل " وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ " (4) و القرآن هو السبيل الواضح الذي هدى الله به من كان قبلنا محمداً و أصحابه الخليفتين الصَّالحين، و لا يضلُّ من تبعه، و لا يهتدي من تركه، و قال " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ " (5).
فاحذر أن تتفرق بك السبل و تتبع هواك، فإنَّ الناس إنما يتبعون في الدنيا و الآخرة إمامين : إمام هدى و إمام ضلال، فإمام الهدى الذي يتبع كتاب الله و يقسم بقسمة الله، و يحكم بحكم الله، و هو الذي قال الله عز و جل فيه " وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا " (6) و هؤلاء هم الأئمة الذين أمر الله بطاعتهم و نهى عن معصيتهم. (1/136)
صفحة 136
و أمَّا أئمة الضلال فهم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، و يقسمون بغير قسمة الله، و يتبعون أهوائهم بغير سنة من الله، فهؤلاء هم الذين قال الله عز و جل فيهم " وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى [84] النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ " (7) و فيهم قال " فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرً " (8) وقال " وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ " (9) " هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ " (10)، " فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ " (11).
فلا تضربن عنك الذكر صفحاً، و لا تشكَّنَّ في كتاب الله.
و قد كتبت إليّ بمرجوع كتابك فأنشدك الله لما قرأته و أنت مشغول حتى تتفرَّغ له، و تتدبر معانيه، و تنظر فيه بعين البصيرة، و اكتب إليَّ جواب كتابي هذا إن استطعت، و انزع إليَّ الشواهد من كتاب الله و البينة منه، فاصدق بذلك قولك، و لا تعرَّض لي بالدنيا فإنَّه لا رغبة لي في فيها، و ليست من حاجتي، و لكن لتكن نصيحتك لي في الدِّين و لما بعد الموت، فإن ذلك أفضل النصيحة.
و الله قدير أن يجمع بيننا و بينك على الطَّاعة، فإنَّه لا خير فيمن لم يكن على طاعة الله، و بالله التوفيق و فيه الرضا، و السلام عليك "
إلى هنا انتهى كتاب عبدالله بن إباض - رحمه الله و رضي عنه - لعبد الملك بن مروان، و فيه من الرشد، و النصح، و الهدى، و النهي عن مجانبة الحق، و البعد منه، و المقاربة للباطل، و المتابعة له، فإن متابعة الباطل توجب الباطل و الردى، و لا يخفى ذلك على أحد.
===================================== (1/137)
صفحة 137
(1) نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي البكري الحروري ( ت 65هـ ) أبو راشد، رأس الأزارقة،و إليه نسبتهم، كان أمير قومه و فقيههم، صحب أول أمره عبد الله بن عباس،و له أسئلة، كان من أنصار الثورة على عثمان،ن و اعتزل قضية التحكيم، و خرج نافع يعترض الناس بعد رجوعه من نصرة ابن الزبير،و كان جبارا فتاكا، قاتله المهلب بن أبي صفرة و لقي الأهوال في حربه، و قتل يوم " دولاب " على مقربة من الأهواز. الأعلام ( 7/ 352).
(2) البقرة : 159.
(3) آل عمران : 187.
(4) الشورى: 10.
(5) الأنعام : 153.
(6) الأنبياء : 73.
(7) القصص : 41.
(8) الفرقان : 52.
(9) الكهف : 28.
(10) الجاثية : 29.
(11) يونس : 32.
--- (1/138)
صفحة 138
وهذا كان دأب العلماء الذين جعلهم الله حجة في الدين، و عمدة في المسلمين، لا ينظروا إلاَّ إلى رضى الله عز و جل، و إن أُهلكوا و مزقوا إرباً إرباً، لا يبالون بذلك في سبيل الله عز وعلا.
و إذا ألقى العاقل نظرة إلى كتاب عبد الله بن إباض - رحمه الله - علم منه مكانة الرجل من الحق ومنزلته العلمية، و لله رجال يُحيي بهم ما أماتته الجبابرة، و يوضح بهم سبيل الآخرة، فهم ظنائن الله في خلقه، يرشد بهم الجاهل، و يهدي بهم الحيران، و يظهر بهم معالم الدين، و يدعو بهم إلى سبيل المؤمنين، نسأل الله الرضى و التوفيق لنيل الهدى [85] إنه كريم رحيم.
و عن الشيخ الفقيه الفاضل سالم بن حمد بن سليمان (1) قال : " قال الله عز و جل " وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ " (2) و قال جل و علا " إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ" (3)، و قال سبحانه و تعالى " أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ " (4)، و الإسلام والإيمان معناهما واحد، و إن اختلافا لغة، فالاختلاف لفظي".
قلت : لا على الإطلاق بل يختلفان في مواضع جاء بها القرآن واضحةً نيرةً. (1/139)
صفحة 139
قال :- " و هما اللذان بعث الله [ بهما ] الرسل، وأنزل بهما الكتاب، و أقام بهما السماوات و الأرض، و بهما وَعدَ الجنة، و بهما تَوعَّد النَّار، و لأجلهما خلق الخلق، و خلق لهم الأرض، وخلق الجنَّة و النَّار، وعليهما مات رسول الله - صلى الله عليه و سلم و آله -، و من استقام من أصحابه - رضوان الله عليهم - (5)، و عليهما سلك من صلح من الأئمة و الصالحين من بعدهم إلى قيام الساعة لا تبديل لكلمات الله و لا إطفاء لنوره، و لو حاول من حاول " يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ " (6) تلك هي معارف ابن إباض في الفقه، و في الاهتداء إلى الله عز و جل، و في الثبات في الأزمات على الحق، و في إتباع ما شرع الله لعباده، و ما افترض عليهم من الواجبات، وفي نصح الملوك، وتبيين الحق، و إلزامهم الحجة التي أوجب الله عز و جل إلزامها العباد، غير مداهن، و لا مُداجٍ، و لا متزلف - حاشاه -، و تلك أقواله لعبد الملك بن مروان، و تصريحاته له عما هو عليه، دالة واضحة صريحة، و كان نطاق الملوك إذ ذاك ضيقاً، و كان أمرهم على الأمة شديداً، و بالأخص على أهل العلم ؛ فإنَّهم لا يزالون في السلاسل و الأغلال و القيود، و لم يرع ذلك عبدالله بن إباض - رحمه الله - وما آلا جُهداً في مناقشة عبد الملك بن [86] [مروان ]، وإظهار سيرته و تأنيبه بما فيه و عليه.
و ذلك هو الواجب على كل مسلم يرى نفسه مسئولاً أمام الله عز و جل، كما قال الله :- " لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ " (7). (1/140)
صفحة 140
و لم يخف عبدالله بن إباض عبدالملك وسلطانه و لا حاباه و لا توقاه، و يدلك على صحة ذلك أنَّه كان لا يخاطبه إلا باسمه، و لا يزيده على عبدالملك، و يقدم اسمه عليه في كتبه عملاً بالسنة، و إتباع نهج أهل الحقِّ من الصحابة و التابعين، و تعززاً بالعلم، و اعتماداً على الحق....
ولما كان عبدالله بن إباض بهذه الحال كانت له شُهرة بين رجال العلم، و قام له صيت شاع في العالم الإسلامي أيده عليه رجال العلم، وصوَّبوه إلا الذين لا يرون إلا طاعة الملوك جاروا أم عدلوا، و هؤلاء هم الذين قام (8) الملوك على هامات الناس حيث أوجبوا طاعتهم، و لم يروا خلافهم في شيء، وتأولوا فيهم الأدلة، و ليست لهم، و رَضوا بهم حكاماً على عباد الله جاروا فيهم أم عدلوا، و لم يرد القرآن و السنة النبوية إلا برد كل باطل من أي كان صغيراً أم كبيراً، ملكاً كان أو مملوكا، لا فرق في ذلك.
أما : " إن عدلوا فاحمدوا الله، و إن جاروا فصبروا " (9) و نحو هذه الأحاديث، فهذا عند العجز عن القيام عليهم، فيجب أولاً النُّصح لهم فإن رجعوا إلى الحق فبها و نعمت، و إلا وجب عزلهم عن الأمر و تولية المحق، و على هذا قاتل المسلمون عثمان بن عفان الخليفة الثالث الذي ثبتت إمامته بإجماع، لما جار ناصحوه أولاًً، ثم قاموا عليه وقتلوه، وكلهم قاتله إلا حاشيته و خدمه و خاصته من أهل المطامع، و كان هذا قانوناً سماوياً وضعه الله في كتابه الذي " لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ " (10) [87] قال الله عز و جل : " قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " (11). (1/141)
صفحة 141
ذلك لأنَّ الحق ضد الظالم، فإذا كان متسلطاً على الحق فكيف يقوم الحق ؟، و الحال تكون الأمور متناقضة يرد بعضها بعضاً، فهذا من الفساد الذي تؤيده العقول، و تشهد ببطله النقول، فالمسلمون يؤيدون من بني أمية عمر بن عبد العزيز لكونه كان على الحق، و أمَّا من عداه فلا، ذلك أصحُّ دليل الإباضية، و يشهد بصحة مذهبهم، و يُعرب عن حسن أعملهم في الدين....
و كان عبدالله بن إباض من هذا النوع، و لذلك صارت له شهرة في العالم، فأيَّده المسلمون عليها في أنحاء العالم، و بذلك أضيفوا إليه فقيل لهذا الجنس من الأمة إباضية، و شاع فيهم، و لم يتبرموا منه خلاف المتمذهبين تقليداً لشيخ، أو لإمام من أئمة العلم فيما قال، و اعتماداً عليه، وتقديماً له حتى على النصوص الشرعية، فيقولون مذهب إمامنا لا نرى أن تقتحمه إلى غيره، و هذا فاسد باطل بل على كل مسلم أن يقدم النص الشرعي على كل حال، إلا إن لم يجده وجب أن يجتهد، و معنى يجتهد: أي يبذل ما لديه من الجهد، و الوسع والطاقة في التماس ما يكون من جنس ما هو أمسُ بالشَبَه و الصفة، ويأخذ ما يدل عليه بطريق الاستنباط، لا يقلد عالماًً مثله، و يركن إلى قوله من غير أن يعرفه حقاً أم باطلاً، ويعتمد عليه، أما إذا كان من الذين لا يهتدون إلى هذا، وأرد أن يعمل، أو المراد أن يقول، جاز له أن يأخذ قول أحد العلماء الذين يظنُّ أنهم أعلم بالأحوال، و أقرب منها مثالاً، و أولاها وجهاً، و أبينها صورة، طلباً للحق و إتباعاً له.[88]
=============================== (1/142)
صفحة 142
(1) سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي المضيربي، أبو عبدالله، عماني، معاصر ولد سنة ( 1352هـ - 1933م ) بالمضيرب من شرقية عمان، تتلمذ على الشيخ ناصر بن حميد الراشدي، و الشيخ ناصر بن سعيد النعماني، و الشيخ خلفان بن جميل السيابي، أدرك الإمام محمد بن عبدالله الخليلي و الشيخ عيسى بن صالح الحارثي، قام بطبع فتاوى الإمام الخليلي، وفتاوى الأمير عيسى بن صالح الحارثي، و فتاوى صالح بن علي الحارثي، و فتاوى العلامة عبدالله بن حميد السالمي، وقام بتحقيق كتاب منهج الطالبين و بلاغ الراغبين في واحد عشرين جزء، وغيره من كتب التراث، وله من الكتب العقود الفضية في أصول الإباضية، و المسالك النقية، و النخلة.
(مقدمة العقود الفضية /3) و لم استطع الحصول على المصدر الذي نقل منه المؤلف هذا الكلام.
(2) آل عمران : 85.
(3) آل عمران : 19.
(4) السجدة : 18.
(5) كرر المؤلف هنا الترضية سهوا
(6) الصف : 8.
(7) آل عمران : 187.
(8) كذا في الأصل، و هو غير واضح المعنى، ولعل الصحيح " أقاموا ".
(9) لم أجده بهذا اللفظ، و لكن صاحب كنز العمال ذكر طائفة كبيرة من الأحاديث بهذا المعنى، تحت عنوان " إطاعة الأمير و الترهيب عن البغي و مخالفته "، فمن أراد أن يطلع عليها فليرجع إليها في الجز السادس من ص49 إلى ص67 و هي معزوة إلى مخرجيها.
(10) فصلت : 42.
(11) البقرة : 124.
--- (1/143)
صفحة 143
المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
[ الشرح ]
كنَّا وضعنا لهذا المقام عنواناً هو " اعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال" ذلك لأنَّ الإباضية عرفت بالحق في جميع أدوار حياتها الدينية، و لا تعتمد على غيره، و لا ترى غيره شيئاً أبداً مهما كان، و أياً كان حلواً كان أو مُراً، و كما قلنا سابقاً أنَّ الإمام عبد الله بن إباض لم يكن من العلماء الذي تحيزوا بمذاهبهم، وتميزوا بطرقهم، و دعوا الناس لأن يقلدوهم في أقوالهم، و أفعالهم، و اختياراتهم الخاصة.
فإذا فتشت آثار المسلمين، و قرأت كتبهم مطلقاً من مشارقة، أو مغاربة، أو أياً كانوا لم تجد فيها قولاً واحداً لعبدالله بن إباض و لا لأبيه أيضاً، في أي شأن من شؤون الدين بل والدنيا أيضا، و في أي نوع من أنواع الفقه أو غيره، إلا ما كان منه من نقاشٍ أو ردٍ على سلطان وقته عبد الملك بن مروان، فقد رد عليه أشياء ينكرها الشرع، و على كل حال كان عبد الملك ملكاً كبيراً إذ يتسمى باسم الخليفة، و هي التسمية للخلفاء الراشدين، ولديه كل ما كان من السلطات الإسلامية، و تحت يده إذ ذاك كل القوة والشدة [89] و البأس ؛ فكانت له سطوات على الناس فَعَّالة لا تنكر، و كان إنكارُ المنكر واجباً، و لكن من ذا الذي يقدر أن يقوم بذلك الواجب فينكر على عبدالملك ؟؟، و أين هو الذي يستطيع أن يرفع عقيرته أمام ذلك السلطان ؟؟، و من أعوانه الحجاج بن يوسف ذلك الطاغية الظالم العاتي و أمثاله. (1/144)
صفحة 144
و كان عبد الله بن إباض لعزِّته، و بعزيمته الصارمة، و بمنعته من قومه صار يجترأ على المذكور في نقاشه، و دار بينه و إياه مقال طويل و عريض، أبان فيه عبدالله بن إباض الحجج الصريحة التي يعرفها عبدالملك ؛ لأنَّه كان علامة فقيهاً كما جاء في ترجمته، و يعلم حق العلم أنَّ عبدالله بن إباض لا يحابي و لا يداهن، و هو عزيز الجانب في دينه و دنياه، فله في هذا المقام ما شهر به في العالم العربي في عهده، و لذلك لم يشع ذكره بعدُ لأنَّه بموته مات ذكره، إذ لم يكن له تلامذته، يؤثرون أقوله و أفعاله، بل هو نفسه يصدر عن آراء الإمام أبي الشعثاء - رحمه الله -، وعليه يعتمد، و إنما شاع اسمه أيام عبدالملك لما قام به إذ ذاك من نضال، و حوار فنسب إليه من كان على طريقته من المسلمين.
لذلك يقول الإمام الناظم - رحمه الله - : من ذاك لا تلقى له في المذهب مسألة نَرْسُمُها في الكتب بل كان عبدالله بن إباض زعيماً دينياً وإماماً بمعنى الزعامة الصحيحة، فإنَّها هي التي يصح أن يقال فيها خلافة راشدة، و إن صغرت هيئتها، فإنَّ أهل الحق قليلون بالنسبة إلى أهل الباطل، و عبدالملك من أشد ملوك بني أمية، فقام له هذا البطل الإسلامي الذي ربته الشريعة الإسلامية السمحاء، و غذته الطريقة الحقة في الإسلام،[90] و كانت العرب بطبيعة الحال لا تقر على الضيم، و لا ترضى بغير العدالة كما قال قائلهم (1) :
ولم يبق في الأرض يخشاه الملوك إلا الإباضية ؛ لأنَّ من عدا الإباضية يخضعون للملوك خضوع الرَّاكع السَّاجد للملك المعبود، فما يفعله الملوك يقدسه المملوك، فمن ذا الذي يحاذرونه و الحال هذا.
أمَّا الإباضيون لا يَرْضَوْن من أئمتهم أدنى زلَّة تقع منهم حتى يعاتبوهم عليها، و يقوموا عليهم من أجلها، و لا يتركونهم حتى يعلموا عذرهم فيها، فكيف يرضون الملوك الظلمة، و الأمراء الجورة في الدين، يدوسون وجه الحق و لا يبالون. (1/145)
صفحة 145
و كأنِّي بالإباضية يتمذهبون في المقام بمذهب القائل (2) :
على هذا عاش الإباضية، و يعيشون حماة للحق، رماة للباطل، دعاة للعدل، هداة إلى الرشد، ليس أتباع من شرعوا لهم شرعة خصيصة فيتبعونهم عليها تبعة عمى، و لو كان الإباضيون يقلدون الرجال، أو يتمذهبون بمذاهب أفراد خصيصين، لتمذهبوا بمذهب أبي بكر الصديق الخليفة الأول، و الإمام المجتمع على إمامته، و إلا فبمذهب عمر بن الخطاب الفاروق الشديد في دين الله عز وعلا، و إلا فبمذهب ابن عباس الحبر البحر الذي[91] أمته الدعوة الإسلامية دعوة الرسول بالمدد الرباني، و الفيض الروحاني، و الوهب الروحاني، و شملته العناية الإلهية، أو بمذاهب أمثاله من إخوانه المؤمنين من الصحابة الهادين المهتدين الراشدين المرشدين.
و إلا فبمذهب الإمام العالم العلامة الوحيد أبي الشعثاء جابر بن زيد، الذي أجمعت الأمة على عدالته وثقته، و روت عنه العلماء على اختلاف طبقاتهم كالبخاري، ومسلم، و غيرهما في الحديث، و كأئمة التفسير أمثال الجصاص، و ابن العربي (3)، و غيرهم من سائر العلماء أهل المذاهب في كل عصر من لدن التابعين إلى اليوم،و هو أقدم من حمل العلم عن الصحابة، و أجلَّ من نقل الفقه عن أمة الإجابة، و أول من دون الآثار و حفظ أحاديث النبي المختار، و قلَّ أن تجد مؤلفا مهماً في الإسلام إلا وجدت أبا الشعثاء في قلب ذلك المؤلف ؛ لأنَّه نزل من قلب كل مؤلف، فترى الأمة تعول على نقله، و تعتمد على صحة عقله ؛ فهو الخلف الصالح لذلك السلف الطيب المصلح، كما قلنا في رسالتنا " إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء " (4).
فالإباضية لا يحترمون الرجال مع الباطل، و لا يهضمون أهل الحق مهما كانوا ومن كانوا. (1/146)
صفحة 146
و علماء الإباضية يعتمدون على كتاب الله عز و جل في دينهم، و أحكامهم، و معاملاتهم، و على سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فإنها شرح وبيان للكتاب، و يُعولون على الله وحده لا على الناس، و لا يهضمون جانب أحد من الناس مع الحق،[92] و الحق مُقدم معهم على غيره (5).
و علماء الإباضية يعتمدون على الله لا على الناس قلوا أم كثروا، انظر بعقلك الصحيح في حياة مالك بن أنس إمام المالكية، هل ترى له انتقاداً على ملك، أو سلطان، أو أمير مع كونهم بغاة عتاة يتبعون الهوى، و يوالون من ضلَّ أو غوى؟؟!.
و كذلك حال الشافعي هل ترى له نقاشا لدى سلطة مهما كان ؟؟!، و كذلك أبي حنيفة، و ابن حنبل ؟؟!، و إن قيل : احتمل حالهم التقية، قلنا: إنَّ فتاويهم بطاعة الملوك جاروا أم عدلوا تمنع ذلك الاحتمال.
وانظر في أحوال الإباضية، و استقرأ تآليفهم تجدهم على أئمتهم الفضلاء الأمجاد، الذين تضيء وجوههم إضاءة الأقمار، يناقشونهم في شعيرة تصدر منهم، أو صغيرة تبدر من بعضهم، انظر قولهم للإمام الجلندى الذي أجمعوا على فضله، و قد قتل ابني عمه حين أوجب الحكم قتلهم، و لما رأى جنائزهم تمر دمعت عينه عليهم، فقاموا له في غضب، قائلين له: " أحمية يا جلندى؟؟!"، قال : " لا، و لكنها الرحم "، أي بكيت عليهم لعل حمية أخذت منك، فإن كانت هي فإنها كبيرة، فقال معتذراً لهم ليس حمية لكن الرحم لها أثر طبيعي، و لعله أسف عليهم إذ كانوا بتلك الحال مؤسفة، فقالوا له إذ ذاك اعتزل أمرنا اختباراً له فاعتزل - رحمه الله -، و صار كواحد منهم يروح ويغدو فيهم، فلما رأوا ذلك منه، رجعوا إليه طالبين عودته للإمامة، فأبى عليهم، و بعد علاج دام ثلاثة أيام، و حكم الشرع عليه بوجوب عودته للإمامة،[93] عاد - رحمه الله و رضي عنه - (6). (1/147)
صفحة 147
وهذا دأبهم منذ ذلك العهد حتى عهدنا، فإن الإمام الرضي المرضي ذي الشخصية البارزة، و النفس الفاضلة، ذي الصفات الحميدة، و الخصال الكاملة، و العزيمة العاملة، عزان بن قيس بن عزان (7)، أخذ صُفْراً (8) من حصن المصنعة، فحمله إلى الرستاق من مراجل و أواني يغرف فيها الطعام لضيوف حسب عرف وعادة ذاك العهد، و لم يذكر ذلك لإخوانه المسلمين و ما مقصده بذلك، و كانت الرستاق وطن آل عزان بن قيس، فقال المسلمون و عمدتهم العلامة الرضي سعيد بن خلفان الخليلي (9) كيف يحمل عزان هذه الأواني من حصن المصنعة لحصن الرستاق و الكل حصون المسلمين، و المسلمون معه و لا يشاورهم، و يقضي بذلك بدون إطلاعهم ؟.
فساءت الظنون و تحرجت عليه النفوس، وتحدثوا فيما بينهم بذلك حتى أفضى الحال بهم أن اجتمعوا على الإمام في مسقط، قائلين له : كيف فعلت كذا وكذا، و لم تشعر إخوانك ؟، فأجاب بما أثلج به صدورهم، و أزاح به الحرج من قلوبهم، و ملأها طمأنينة و ولاء، وسكن من تأثيرها، فرضوا عنه، و عيناه تذرفان، و كان معهم معدوداً من أولى العزم في أئمة المسلمين، و كان بطلاً من أبطال العدالة، و شخصية صالحة للدين، اطمأنوا به قبل إمامته - رحمه الله - (10).
فانظر في هاتين القضيتين مع هذين الإمامين الرضيين في الدين أحدهما في الأولين و الثاني في الآخرين، و مثّلهما في نفسك، و اعتبر بهما حالة القوم مع أولئك الأئمة الغرّ الميامين، و حسبك بذلك.
==========================================
(1) البيت لبشار بن برد من قصيدة مطلعها :
جفا وده فازور أمل صاحبه و أزرى به أن لا يزال يعاتبه
خليلي لا تسنكير لوعة الهوى ولا سلوة المحزون شطت حبائبه
ديوان بشار بن برد ص109
(2) البيت لعمرو بن كلثوم معلقته التي مطلعها :
ألا هبي بصحنك فاصبحينا و لا تبقي خمور الأندرينا
مشعشعة كأن الحص فيها إذا ما الماء خالطها سخينا
شرح المعلقات السبع للزوزني ص200 (1/148)
صفحة 148
(3) محمد بن عبدالله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي ( 468هـ - 543هـ) أبو بكر ابن العربي، قاض من حفاظ الحديث، ولد في إشبيلة و رحل إلى الشرق، بلغ رتبة الإجتهاد، من كتبه العواصم من القواصم، عارضة الأحودي في شرح الترمذي، أحكام القرآن و غيرها، مات بقرب فاس و دفن بها. الأعلام (6/230).
(4) من مطبوعات وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، تحقيق و شرح الدكتورة سيدة اسماعيل كاشف سنة 1979م.
(5) فائدة : قال العلامة الإمام الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي - حفظه الله تعالى - في أحد كتبه : " إن تضعيف أصحابنا - عليهم رضوان الله تعالى - لبعض أحاديث الشيخين أو غيرهما، و كذلك عدم احتجاجهم بالأحاديث الآحادية في مسائل الاعتقاد، لا يعني - بوجه و لا بآخر - أنهم يرون ضعف جميع ما في هذه الكتب، أو أنهم لا يرون الاحتجاج بما فيها، كما توهم الحشوية المجسمة، حيث ادعوا زورا و بهتانا أن الإباضية لا يحتجون بأحاديث الشيخين أو بما في كتب السنة.... إلخ هرائهم.
ومن نظر في شيء من كتب أصحابنا - رضوان الله تعالى عليهم - وجد ما فيها يكذب هذه الدعوى من أصلها، و يجتثها من أساسها، فإنهم - رضوان الله تعالى عليهم - قد احتجوا منها بمئات بل آلاف الأحاديث، كما لا يخفى ذلك على من له أدنى اطلاع على شيء من هذه الكتب، بل إنهم قد نصوا على ذلك، و إليك بعض ما قالوه في ذلك :
- حسبك أن تتبع المختارا و إن يقولوا خالف الآثارا
- نقدم الحديث مهما جاءا على قياسنا ولا مراءا
- ولا تناظر بكتاب الله و لا كلام المصطفى الأواه
معناه لا تجعل له نظيرا ولو يكون عالما خبيرا
- و الأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار
و الاجتهاد عند هدي منعا وهالك من كان فيها مبدعا
- حد أصول الفقه علم يقتدر به على استنباط أحكام السور
وسنة الرسول و لإجماع كذلك القياس مع نزاع " (1/149)
صفحة 149
انظر السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد ص 175-176
(6) انظر تحفة الأعيان (1/93)، عمان عبر التاريخ (1/243).
(7) عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن أحمد بن سعيد البوسعيدي ( ت1287هـ-1870م ) من أئمة عمان، بويع بالإمامة في مسقط بعد خلق السلطان بن ثويني ( سنة 1285هـ ) و كان عزان موفقا في قمع الفتن، شجاعا حازما، اطمأن الناس في أيامه،على قصرها، خرج عليه تركي بن سعيد بن سلطان، في جموع حشدها، فقاومه عزان ثم لجأ إلى حصن " مطرح " فأصابته رصاصة قتلته، ومدة إمامته سنتان و أربعة أشهر و نصف شهر. الأعلام (4/228).
(8) الصُفر : آنية من النحاس ( القاموس المحيط /546) مادة ص ف ر.
(9) سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي الخروصي ( 1236هـ - 1287هـ ) أبو محمد، لقب بالمحقق لشهرته بتحقيق المسائل و تأصيلها، تتلمذ على الشخ محمد بن سالم البسط، و العلامة ناصر بن أبي النبهان الخروصي، من أشهر تلامذته الشيخ صالح بن علي الحارثي و العلامة محمد بن خميس السيفي، من مؤلفاته تمهيد قواعد الإيمان، و إغاثة الملهوف بالسيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها. ( مقدمة تحقيق كتاب لطائف الحكم في صدقات النعم /23-37)
(10) انظر تحفة الأعيان (2/252)
--- (1/150)
صفحة 150
واعلم أنَّ أمَّة هذا شأنها مع أهل الخير[94] في الدين، و أهل العدل من المسلمين، إنَّها لأمة عظيمة الشأن عند الله عز وعلا، و إذا فتشت هذا بين الملوك الآخرين والعلماء من بقية المذاهب لن تجد منهم ما يسخن القلب، أو يجرح النفس في أي ناحية من نواحي الدين، و الحمد لله.
نسأل الله ألا يخلي أرضه من هذه العصابة الطاهرة، فإنَّها هي الحجة التي يرتكز عليها الإسلام، وتقوم عليها دعائم الأحكام، و تثبت بها قواعد الحلال و الحرام.
و الإباضية هم الرجال الذين لا ينظرون إلى الرياش الفاخر و اللذات الشهوانية، و إنَّما لذتهم إعادة أمور الإسلام في سبيلها الصالح، و إقامة الأحكام على نهج الدليل الراجح، و نشر دعوة الحق في العوالم، و نصب الدلائل للأمة، و إيضاح المعالم.
لا قرار للإباضية، و لا طيب، ولا لذة إلا عند نشر راية العدل، و إقامة علم الحق خفاقاً على الأفاق، و لا سرور، و لا راحة إلا عند سل السيوف لإقامة العدل و إنصاف المظلوم من الظالم. (1/151)
صفحة 151
فادرس تاريخ الإباضية من أوله إلى أخره، و اقرأ تاريخ الأمم الأخرى، تجد الإباضية المثال الصالح، و إقامة أئمة الحق أكبر دليل، و أقوم قيل عنهم، و إن قوماً لا يرضون أن يقودهم إلا المؤمن التقي و الطاهر النقي، لقوم كرام على الله، إذا سألوه أعطاهم، و إذا دعوه أجابهم، و إذا استنصروه نصرهم، فلا تغتر أيها العاقل بكثرة السواد الأعظم، فإن أكثر أهل الدنيا مفسدون " وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ " (1) و أهل الحق قليلون في كل جيل، و غير الإباضية إذا صلحوا في ناحية [95] فسدوا في نواح عديدة، و إذا استقاموا في واحدة تعوجوا في كثير، فإن أزمة الآخرة عندهم منتهية بقول " لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه و سلم - "، و الحساب والعقاب زائلان عنهم بشفاعة سيد المرسلين محمد - عليه الصلاة والسلام-، و أهل الإصرار من الفجار يخرجون من النار برحمة المليك الغفار، فلذلك تراهم لا يهتمون بأمر آخرتهم، ولا يرهبون عقاب ربهم، فإن لديهم ثلاث تفريجات، و هي ما قدمنا فلم يبق لديهم ما يهم، و إن زنى أحدهم، و إن سرق فكل ذلك منحط عنهم، و منحل في هذه المحال الثلاث.
أما الإباضية لا يقولون بذلك، و لا بواحدة منهن، فلذلك تراهم يحترزون، و يحتاطون، و يحافظون على شرائط الإيمان ؛ لأنَّه لا شفاعة عندهم لأهل الكبائر، ولا تنفعهم لا إله إلا الله إلا بحقوقها المشروعة، و لوازمها المرفوعة، ولا يتأملون الخروج من النار إذا دخلوها، و لا يعتقدون في الله بصفة التي لا تليق بجلاله الأقدس و كماله الأنفس. (1/152)
صفحة 152
فالدين عند الإباضية عقيدة و أقوال وأفعال، و لا بد من واحدة من هذه الأعمال، و لا يغني عندهم بعضها عن بعض بعد استقرار العمل، و ثبوت الأمر بذلك، فتجد التثبت عند الإباضية في الأصول و الفروع كما لزم، و لا يرون مفارقة نقطة من نقط الشريعة [96] حتى في حلق اللحية، و قد شاع في العالم الإسلامي حتى صار من لا يحلقها مزدرى، و قد حلقها الكثير من علماء قومنا مع قولهم بتحريم حلقها، فصاغ للجاهل الحلق، و تجاسر عليه عوام الأمة، و لو لم يكن في إعفاء اللحى إلا الإئتساء برسول الله - صلى الله عليه و سلم - لكفى، فإنَّ الله عز و جل يقول لنا في صراحة و وضوح " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ " (2)، و مفهوم الآية من لا يتأسى به- صلى الله عليه و سلم -لا يرجو الله و اليوم الآخر، و في المقام مزلة كبيرة نسأل الله العفو منها إنه كريم.
و بسبب حلق هؤلاء المتسمين بالعلم راجت تجارة الحلق، و شاعت في العالم الإسلامي، حتى صار من لا يحلقها لا احترام له عند الجمهور ؛ لأنَّه مخالف لما عليه الناس، و لم يروا أنَّ الله جعل اللحية فارقاً بين الرجال و النساء، وقد علموا أيضا أنَّ حلقها ينافي صفة الرجولة، و يدعو إلى التشبه بالغواني، و من تشبه بقوم فهو منهم، و قد حرَّم الشرع تشبه الرجال بالنساء، و تشبه النساء بالرجال بوعيد شديد، مع أنَّ الناس قد علموا أنَّ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - لم يمس منها شيئاً، و لا الخلفاء الراشدون، و لا الصحابة الأكرمون، فبمن اقتدى هؤلاء المتشبهون بالإفرنج الذين لا يراعون الحقوق الدينية، و لا يقفون عند حدودها. (1/153)
صفحة 153
و كذلك التدخين فإنَّه من أخبث الخبائث، و لا شك أنَّه حرام [97] طبعاً و شرعاً، فإنَّ الطب يحكم بتحريمه، لأنَّه مخدرٌ مفترٌ ضارٌ مضرٌ مولد للأمراض السامة في أشياء عديدة، و قد أباحه كثير من أهل الأمراض القلبية الفاسدة، و جعلوه من التحف للضيف، و من أعزَّ ما يقدم له عند حضوره، و قد شهدت النصوص الشرعية بتحريمه قرآناً و سنة، و أيَّد العقل ذلك بما ظهر له في التدخين من مضار.
و قد جاء الشرع لدرء المفاسد و جلب المصالح، و " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام "، فهذا النص يبطل القول بحلية التدخين ؛ لأنَّه يمنع الضرر، و ينفي الضرار، و في الكتاب " وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ " (3)، و هذا من أخبث الخبائث السامة للأجسام، الخبيثة الريح، الكريهة العَرْف (4)، المثيرة للأمراض المتعددة.
و من هذا النوع جملة أشياء أصبحت شعاراً عاماً لا يرون غيره، و منه تغني الأذان في هذا الزمان الذي ضعف فيه الإيمان، فإنه بدلاً أن يكون أذاناً شرعياً بروعته الإسلامية يدوي في القلوب سامعيه، أصبح أشبه بالأغاني الشعرية و الأصوات الترنيمة، و أصبح مؤذنوه يصرون عليه، و لا يرون غيره، و يجعلونه شعاراً لهم، و لا يرضى به عمر بن الخطاب - رحمه الله - ورائي الأذان كعبدالله بن زيد (5) - رحمه الله - و لو سمعهم لوضع الدرة على ظهورهم.
و منها أيضا بناء المنارات على ظهور المساجد بحيث يصبح بناءها يستفرغ كمية كبيرة من الأموال، و ليس هي من لوازم المساجد، و لا من خصال الصلاة، و لا من [98] شروط الآذان في شيء، بل هي إمَّا أن تكون من قبيل المباهاة، و الزخرفة المنهي عنها، أو من قبيل إضاعة المال، و هم يرونها من لوازم المساجد فيبنونها عالية في السماء. (1/154)
صفحة 154
ومن هذا النوع أشياء ينكرها الدين، و لا يأمر بها شرع الله، عدا ما يفعل في الصلاة من الكفت، فإن كان ذلك في أصله من قبيل الجائز، فقد أصبح فاعلوه يعتقدون أنَّه من قبيل الواجب، و بنفس هذا الاعتقاد يتطرق الفساد، لأنَّ من اعتقد الجائز واجباً، أو العكس فقد ضلَّ عن سواء السبيل.
و كذالك أيضاً التأمين في الصلاة فإن كان أصله جائزا و في غير الصلاة، ثم ورد المنع عن كلام الآدميين في الصلاة، فما وجه ملازمته في الصلاة إلا اعتقاد وجوبه في الدين ؟، و عدم القبول للوارد الديني في منعه! و ذلك من الفساد بمكان، عدا ما ورد في الأمور الاعتقادية من الأمور التي يأبها الدين عقلاً و نقلاً، و هي كثيرة يطول بها الكلام، نشير إليها لا على جهة الطعن في أصحابها، و لا على قصد الحطِّ من أهلها نعوذ بالله.
بل على قصد تبين الحق لطالبيه، و إيضاح الصحيح من السقيم لراغبيه، و إن ظنَّ بنا ظان غير ذلك فالله حسبنا و نعم الوكيل. (1/155)
صفحة 155
إنَّ الله أخذ العهد و الميثاق على العلماء في تبين الحق و إيضاحه، و نشره في الناس، ولو شدت عليهم أمم الجهل، فإنَّ الإئتساء برسول الله - صلى الله عليه و سلم - حاكم علينا بالصبر و عدم التبرم، و أن لا ننثني عن القصد، مهما كان فإنَّ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و هو ذو المنصب الرفيع، و الشرف المنيع [99] و من الأمة الموقرة، و من الرجال المحترمين قبل النبوة، قذفوه بسيئ الأقوال، و رموه بباطل الأفعال، و أضافوا إليه أسوء الخصال، و شتموا به بين النساء و الرجال، فمالنا نتبرم إن عُودينا في الله أو خُوصمنا فيه، و تلك سنن الكون، ومن جاء مخالفاً لمألوف الناس صاحوا عليه و ضجوا منه، و طلبوا له كل سيء " حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ " (6) نحن لا نقدح في أعراض الناس بغير ما أنزل الله لكننا نُبين الحق لطالبه، و ندل على الخير لراغبه، وننهى عن الباطل، و نسخر براكبه ؛ لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - قال لنا " أترعون عن ذكر الفاسق "، و في رواية " الفاجر أن تذكروه فذكروه يعرفه الناس "، و قال - عليه الصلاة والسلام - " أترعون عن ذكر الفاجر متى يعرف الناس اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس " (7) كما في الجامع الصغير للسيوطي (8) و غيره، فهذه الأدلة و أمثالها تحتم علينا تبين الحق، و رد الباطل بدليل الصحيح الواضح.
=========================================
(1) الأنعام : 114.
(2) الأحزاب : 21.
(3) الأعراف : 157.
(4) العَرفُ :- الريح طيبة كانت أو منتنة ( مختار الصحاح /179) مادة عرف و المقصود هنا الريح. (1/156)
صفحة 156
(5) عبدالله بن زيد بن عبدربه الأنصاري (ت32هـ) أبو عبدالله، صحابي جليل،شهد بيعة العقبة الثانية، وبدر و أحدا و الخندقو المشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و كانت معه راية بني الحارث بن الخزرج في غزوة الفتح، رأى الأذان في المنام فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و أخبره. ( الطبقات ابن سعد 3/536)،الإصابة (3/132).
(6) البقرة : 217.
(7) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (19/418) و المعجم الصغير ( 1/ 214-215) و عزاه ضاحي مجمع االزوائد إلى المعجم الأوسط، و أخرجه البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الشهادات، باب الرجل من أهل الفقه يسأل عن الرجل من أهل الحديث ( 10/354)، و أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (1/382) و (3/188) و (7/361-362)، و أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ( 12/217)، و أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ( 2/257)، و أخرجه ابن أبي الدنيا في كاتب الغيبة و النميمة ص88، و أخرجه المحامل في الأمالي (5/رقم 15)، و أبو بكر الكلاباذي في مفتاح المعاني (21/1)، و الهروي في ذم الكلام (4/81/1) و السهمي في تاريخه ص75، و عزاه السيوطي إلى الحاكم في ا لكنى و الشيرازي في الألقاب، و أخرجه ابن عدي في الكامل ( 2/173)
(8) عبدالرحمن بن أ[ي بكر بن محمد الخضيري السيوطي (849هـ - 911هـ ) جلال الدين، إمام حافظ مؤرخ أديب، له نحو 600 مصنف ما بين كتاب كبير و رسالة صغيرة، اعتزل الناس عندما بلغ أربعين سنة و عكف على التأليف. الأعلام (3/301).
--- (1/157)
صفحة 157
وإذا تحققت الآثار عن مختلف علماء الإباضية لم تجد في الأمة من يقول أنَّ الإباضية يقلدون ابن إباض في مسألة واحدة، فضلاً عن أمهات أمور الدين، كما قلد قومنا علماءهم حقاً كان منهم أو باطلاً.
و لو كنا نرى التقليد في الدين، أو التمذهب بمذهب خاص لكان جابر بن زيد أحق بذلك، فإنَّه بحر في العلم، و نجم ثاقب في الفهم، وعمدة في الزهد و الورع، و غاية في الفقه، وجبل في الشريعة، أرسى من ثبير (1)، و قد أجمعت الأمة على علاميته الجليلة، وشهدت [100] له بالخصال الجميلة، و عُرف سبقه في الأمة قبل كل الأئمة، فقد صحَّ مع الموافق و المخالف أنَّه ولد في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، و توفي على رأس ستة و تسعين من القرن الهجرة، فتراه عاش في أيام عثمان شيخاً واعياً، و في أيام علي بن أبي طالب بدراً مضيئاً، كان من أخص تلامذة الحبر ابن عباس - رضي الله عنهما - و أعظم من حمل عنه، و رأى قضايا الجمل، و صفين، و النهروان، و ما وقع على المسلمين في هذه المواقف الرهيبة كلها، و سمع ما قيل و ما يقال من أبناء ذلك الجيل. (1/158)
صفحة 158
و هذا العلامة عزُّالدين التنوخي (2) يقول فيه في مقدمة فتاوى الإمام الخليلي (3) قال: " و كونهم -أي أهل عمان- من أصدق العرب في مذهبهم أنهم يقتدون بإمامهم جابر بن زيد تلميذ عبدالله بن عباس - رحمه الله - الذي كان يقول لمن يأتيه من أهل البصرة مستفتيا:- " تسألوني و فيكم جابر بن زيد - أي استغرب ابن عباس - رضي الله عنهما - استفتاء أهل البصرة لابن عباس مع كون جابر بن زيد فيها أي يكفيكم علمه و يسعكم فقه قال - و روى عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس " لو أنَّ أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لوسعهم علماً من كتاب الله " (4)، وهذه شهادة عظيمة لجابر بن زيد، قال العلامة التنوخي :- " و في تاريخ البخاري عن جابر بن زيد قال : لقيني ابن عمر فقال :جابر بن زيد من فقهاء أهل البصرة (5)، و قال ابن حبان في الثقات كان فيها جابر بن زيد و كان من أعلم الناس بكتاب الله (6)، قال وفي كتاب الزهد لأحمد بن حنبل لما مات جابر بن زيد قال قتادة اليوم مات أعلم أهل العراق " قال " ومذهب الإباضية مبني على مسند الربيع بن حبيب، و أحاديثه مروية عن أبي عبيدة عن جابر [101] بن زيد عن الصحابة إما عن عمر بن الخطاب، أو علي بن أبي طالب، أو عائشة أم المؤمنين، أو غيرهم من الثقات"، قال :- " و في تاريخ أبي خيثمة (7) كان حسن البصري إذا غزى أفتى الناس جابر بن زيد " أي إذا خرج إلى الغزوة استندت الفتوى إلى أبي الشعثاء - رضي الله عنه - "، قال :- " و قال إياس بن معاوية (8) : أدركت الناس و ما لهم مفت غير جابر بن زيد "، فانظر في هذا مع أن البصرة ذلك الوقت غاصة بالعلماء من الصحابة فضلاً عن غيرهم و لكن تميز الإمام جابر بالفتوى لما له من مقام في العلم يقدره الناس، فإنَّه ليس كل من له بعض المعلومات يصلح أن يكون مفتياً ؛ لأنَّ منصب العلم لا يناسب كل إنسان وتلك من خصوصيات الله لعباده " يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء" (9). (1/159)
صفحة 159
قال العلامة عِزُّ الدِّين : " و كان العمانيون أحرى أن ينتسبوا في مذهبهم إلى جابر بن زيد من أن ينتسبوا إلى عبدالله بن إباض التميمي المري الذي عده الشماخي (10) من التابعين " (11)
قلت : قد بيَّنا أنَّ الإباضية عامة لا يرون الانتساب إلى أي عالم، و إنَّ ذلك شيء لا يقتضيه الدين، و ما لا يقتضيه الدين فترى الإباضية عنه بعيدين، و ما انتسابهم إلى عبد الله بن إباض إلا للتميز فقط، و قد سماهم بذلك مخالفوهم فرضوا به، فالإباضية لا يتقيدون بمذهب خاص أبداً، و لا ينحازون إلى قول إمام خاص، و يتركون ما عداه، و إن كان حقاً (12)، ويقاتلون عليه، خلاف ما عليه غيرهم من أهل المذاهب الأخرى.
قال عِزُّ الدِّين حاكياً عن العلامة الشماخي في عبدالله بن إباض : " كان كثيراً ما يبدي النصائح لعبد الملك بن مروان -أي لأنَّه كان معاصراً له، وكان الأحداث إذ ذاك في نشاط شوطها، قال -و في حفظي - أي حفظ عز الدين (13) - أنه - أي عبدالله بن إباض- يصدر في أمره عن جابر بن زيد - رحمه الله - " [102] قال :- " فإذا كان ابن إباض يعمل في مذهبه بقول جابر، فالعمانيون هم الجوابرة أو الجابريون " (14)، أي أنَّ جابر بن زيد هو الإمام المعتمد لهؤلاء الرجال الغرِّ الميامين صناديد الحق، و أركان الدين، و هو أحرى بالانتساب إليه لكننا لا نتقيد بمذهب خاص، بل نتبع الحق أين وجدناه، فنحن معه ندور معه حيث دار. (1/160)
صفحة 160
قال العلامة عِزُّ الدِّين و هو من علماء المذاهب الأربعة و في عصرنا هذا، قال في مقدمة الجزء الثالث من شرح مسند الربيع بن الحبيب - رحمه الله - " جابر بن زيد الجَوْفِي الأزدي و أصله من بلد فَرْق - أي بفتح الفاء و سكون الراء المهملة بعدها قاف - من أعمال نزوى و كان من اليحمد رحل في طلب العلم، و سكن البصرة فنسب إليها، و هو أبو الشعثاء توفي سنة ثلاثة و تسعين للهجرة "، قلت:قد سبق الخلاف في وفاته، قيل في سنة ستة و تسعين، وقيل في سنة و مائة كما في المروج (15) للمسعودي " أصل المذهب الإباضي في عمان و المغرب " قال " و هو قريب من المذاهب أهل السنة لاعتماده في عقائده و عباداته و معاملاته على الكتاب و السنة ".
قال :- " و صاحب ابن عباس " أي جابر بن زيد صحب ابن عباس، قلت نعم الصاحب و نعم المصحوب، و يعرف المرء بالصاحب، وكفى بذلك.
قال :- " فقد كان أشهر من صحبه و قرأ عليه "، قال:- " و ذكر أبو طالب مكي (16) في كتابه قوت القلوب عن ابن عباس :(( اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق و المغرب لوسعهم علمه)) "، قلت هذه شهادة ابن عباس لجابر بن زيد تلميذه، و هذه معرفته به، و لا يدل ابن عباس على جابر بن زيد هذه الدلالة، وينوه به هذا التنويه الضخم إلا لعلمه بحقيقة جابر[103]، فالحمد لله الذي يمنح عباده ما شاء من فضل، و لله مذهب أحد أئمته أبو الشعثاء، و الربيع بن حبيب، و أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة - رحمهم الله و رضي عنهم - و أمثالهم الذين قاموا بواجب الدين قبل غيرهم من علماء المسلمين، و لهم السبق على الأئمة الأربعة بسنين، و لا يتبجح الإباضية بأئمتهم، و لا يفتخرون بغير الحق، و لا يرون إلا الرشاد عروة لهم، وليس في كثرة المعلومات مع عدم التحقيق خير أبداً، إنَّما الخير كل الخير في الصدق، و الثبات على الحق، و الاعتماد على الحق، و القيام بالعدل، واصطحاب الرشاد. (1/161)
صفحة 161
===========================
(1) ثبير :- جبل بمكة ( مختار الصحاح /35).
(2) عز الدين بن أمين شيخ السروجية الدمشقي ( 1307هـ - 1387هـ / 1889م - 1966م ) عالم بالأدب، من أعضاء المجمع العلمي العربي، مولده و وفاته بدمشق، و انتخب نائب لرئيس المجمع بدمشق سنة 1964م، حقق من نفائس التراث منها امنتقى من أخبار الأصمعي،و بحر العوام في ما أصاب به العوام، وغيرها. الأعلام (4/229).
(3) محمد بن عبدالله بن سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي ( 1299هـ - 1373هـ / 1882م - 1954م ) أبو عبدالله، من أئمة الإباضية، انتخب للإمامة سنة 1338هـ - 1920م واستمر إلى أن توفي في نزوى عاصمة عمان، عن نيف وسبعين عاما، كان عالما مجتهدا له آراء فقهية. الأعلام (6/246).
(4) التاريخ الكبير (1/2/204)
(5) المصدر السابق ( 12/204)
(6) الثقات لابن حبان ( 4/102)
(7) أحمد بن زهير ( أبي خيثمة ) بن حرب النسائي البغدادي (185هـ - 279هـ) أبو بكر مؤرخ، من حفاظ الحديث، كان ثقة، راوية للأدب، بصيرا بأيام الناس، من تصنيفه التاريخ الكبير، أخبار الشعراء، كتاب الإعراب. الأعلام ( 1/128) معجم المؤلفين (1/142).
(8) إياس بن معاوية بن خرة المزني ( 46هـ - 122هـ ) أبو واثلة، قاضي البصرة، وأحد أعاجيب الدهر في الفطنة و الذكاء، يضرب المثل بذكائه و زكنه، فيقال أذكى من إياس، و أزكن من إياس، و الزكن التفرس في الشيء بالظن الصائب. الأعلام (2/33)
(9) آل عمران: 74.
(10) أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي النفوسي ( ت928هـ) أبو العباس، يلقب بالبدر الشماخي، عالم من بلدة يفرن بجبل نفوسة، من شيوخه أبوعفيف صالح بن نوح التندميري، و أبو زكريا يحيى بن عامر، اشتهر بالتأليف، من مؤلفاته، كتاب السير، و إعراب القرآن الكريم، شرح عقيدة التوحيد، و مختصر العدل و الإنصاف، وشرحه، وغيرها. معجم أعلام الإباضية ( 2/86).
(11) كتاب السير ( 1/72) (1/162)
صفحة 162
(12) لعل المقصود هنا " و يتركون ما عداه إن كان حقاً " فأضيفت الواو سهواً فلينظر.
(13) في كتاب السير " و في حفظي أنه يصدر في أمره عن رأي جابر بن زيد " فالظاهر أنه حفظ أحمد بن سعيد الشماخي وليس عز الدين فلينظر.
(14) مقدمة كتاب الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل ص ( و) 0
(15) مروج الذهب ( 3/214).
(16) محمد بن علي بن عطية الحارثي ( ت 386هـ ) أبو طالب المكي، واعظ زاهد فقيه،اتهم بالإعتزال، نشأ بمكة، وسكن ببغداد، و توفي بها، له كتاب قوت القلوب، و علم القلوب، و أربعون حديثا. الأعلام (6/274)
--- (1/163)
صفحة 163
واعلم أنَّ الإباضية من جملة فرق الإسلام الثلاث وسبعين فرقة، التي ورد حديث الافتراق بها، و لكنها فرقة ثبتت على الحق، و قرَّت (1) على جسر العدالة، فعادتها الأمم الجائرة، وحاربتها الطغاة الفاجرة.
فإنَّ بني أمية انحرفوا عن النهج الحق كل الانحراف، و من سيئاتهم التي لا مثيل لها جعل الحجاج بن يوسف أمير العراق، والعراق ذلك العهد أكبر محاط رجال العلم، و ملجأ الفقه، و مغرس الفضائل، حتى أنَّ أهل العلم ضربوا للعلم مثلاً شاع بينهم، فقالوا نشأ العلم في المدينة، و فرَّخ في العراق، وطار إلى عمان.
كان جابر بن زيد و هو عماني نزيل البصرة، وهي إحدى مدن العراق الكبرى، فضرب مخيمه بها طالباً للعلم، و مطلوباً منه، و كان العمانيون الذين لهم في خدمة العلم والإسلام الأقلام العالية، و هم روح حياة العلم إذ ذاك في البصرة، فكان جابر بن زيد إمام الفقه في جميع نواحيه، و الربيع بن حبيب راوي المسند عمدة الحديث، و الخليل بن أحمد و ابن دريد أركان الأدب بجميع معانيه،[104]و المهلب بن أبي صفرة حامل الزعامة في الأمة، فكانت إذ ذاك البصرة و هي الفيحاء مضرب المثل، فهي بصرة المهلب إمارةً، و هي بصرة أبي الشعثاء فقهاً، و هي بصرة الخليل بن أحمد و ابن دريد نبلاً و أدباً. (1/164)
صفحة 164
و كان أبو عبيدة الضرير آية ذلك العصر، فكان هؤلاء مصدر الخير و الفضل والشرف، ومضرب المثل الأعلى، و كانوا يعرفون بالإباضية اسماً تمييزاً فقط، بل كان هؤلاء الأبطال المذكورون مرجع عبدالله بن إباض في شؤونه كلها، و كانت شهرته لمنعته إذ قاوم كثيراً من بدع الملوك الأمويين، و ناضل عن أهل الحق من المسلمين، و أيَّد كل محقِّ في الدين، و كان لرهطه المنيع، وشرفه الرفيع، استحق الشهرة والصيت، فقيل لمن كان هذا منهجه إباضياً، أي يقول بقول ابن إباض، و ابن إباض يرد بدع بني أمية و لا يستسيغها كغيره.
فهذا هو الأصل الأصيل لهذه الأمة الإباضية، إذ لا مسألة واحده له في الدين يأخذ بها أحد من المسلمين إلا ما ذكروه من كتبه لعبد الملك بن مروان، و هي مشحونة فقهاً، و مبنية على دعائم النصح، ومقررة لأسس العدالة، و لم تكن حديثا يفترى.
و كان أصل هذه التسمية من قومنا، إذ أضافونا إلى عبدالله بن إباض حين اتحد المنزع و اتفق المقصد، و ظهر ابن إباض بمظهر الحق، و وافقه أولئك العلماء الأمجاد، فكان رأيه رأيهم، و نظره نظرهم، فقيل لهم بذلك إباضية، و شاع ذلك في القطر العراقي، و ذلك في الصدر الأول، غرة العصور، و صفوة العهد، و دائرة العلم الإسلامي، و لم تزل تلك الأيام جديدة زهراء، لأنَّ جداول العلم تفيض عليها صافية النبع ضخمة الوقع،[105] فكان علماء ذلك الوقت مرجع ما بعده من الأوقات. (1/165)
صفحة 165
قال العلامة عِزُّ الدِّين التنوخي في مقدمة أجوبة الشيخ عيسى بن صالح (2) - رحمه الله - : " ومن علم أنَّ علماء الإباضية يرجعون في الحديث إلى مسند الإمام الربيع بن الحبيب الفراهيدي، التي يروي أحاديثها أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن الصحابة، و أكثر أحاديثه في الصحيحين و أمهات كتب الحديث مروية، وذلك مما يدل على صحتها، و يؤيد صدق راويها "، قال " و قد كان الإمام جابر بن زيد يعدُّ من أكبر تلامذة حبر الأمة ابن عباس " قال " و أخذ عن أجلة الصحابة و منهم سبعون بدرياً "، قال " وقد سأل أحد البصريين ابن عباس عن شيء قال تسألوني وفيكم جابر بن زيد "، قال " وفي حديث سفيان عن ابن دينار عن عطاء أن ابن عباس قال:- لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لوسعهم علماً عن كتاب الله عز و جل " (3).
قال " و جاء في كتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم الرازي عن ابن أبي خثيمة قال:- سمعت يحيى بن معين يقول :- أبو الشعثاء جابر بن زيد روى عن قتادة أنه بصري ثقة (4)، وقد أجمعوا على إمامة يحيى بن معين (5) و توثيقه و حفظه و هو الذي يقول عنه أحمد بن حنبل السماع من يحيى بن معين شفاء لما في الصدور، خلقه الله ليظهر كذب الكذابين، و كل حديث لا يعرف يحيى فليس بحديث، و قد أخذ عنه أحمد، و البخاري، و مسلم، و أبو داود، و خلائق لا يحصون ". (1/166)
صفحة 166
قال " و الذي يُظهر كذب الكذابين يُظهر صدق الصادقين كأبي الشعثاء جابر بن زيد إمام الإباضيين "، قال:- "و مما قلته في مقدمة الجزء الثالث من شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي و من أعلم أهل [106] السنة بالإباضية، و أعظم من كتب من علماء السنة الإمام المُبَرِّد صاحب الكامل في كتابه هذا قال قول ابن إباض أقرب الأقاويل إلى السنة (6) "، قال:- " وقال الإمام ابن حزم أسوأ الخوارج حالا الغلاة، و أقربهم إلى قول الحق الإباضية "، قال:- " و يقول النور السالمي شارح المسند في مقدمة تحفة الأعيان و هو من علماء عمان " ليس من رأينا بحمد الله الغلو في ديننا، و لا الغَشْمَ في أمرنا، و لا تعدي على من فارقنا، الله ربنا، و محمد نبينا، والقرآن إمامنا، و السنة طريقتنا، و بيت الله الحرام قبلتنا، و الإسلام ديننا " (7).
قال العلامة عِزُّ الدِّين :- " لا جرم إن كان مَنْ يقول هذا القول، ويعترف هذا الاعتراف هو من المسلمين الناجين، و كل من يتهم الإباضية بالزيغ و الضلال فهو ممن فرقوا دينهم و كانوا شيعا، و من الظالمين الجهال، جمع الله ما فرقوا، و مزق شمل أعوان المستعمرين، و الله محيط بالكافرين (8) ".
فقد أثبت عِزُّ الدِّين - رحمه الله و رضي عنه - النجاة للإباضية بحسب ما علم من أمر دينهم، و رد على من يتهم الإباضية بالزيغ و الضلال بأنَّه من المفرقين دينهم، و في ذلك من الرد ما لا يخفى، و أنَّه من الظالمين الجهال إلى أن دعا على من فرق دين الله، و في هذا من التصريح ما لا يخفى بأنَّ مذهب الإباضية هو المذهب الحق، و الحمد لله.
فإنَّ الله تعهد بإظهار الحق على رغم أعدائه الألداء لتتم حجته على الناس، و تكون مؤاخذتهم غدا بما كسبوا " وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا " (9). (1/167)
صفحة 167
و قد صرَّح عِزُّ الدِّين، و صارح أعداء الإباضية بأقواله، و صال عليهم بأقلامه الماضية، و كافح أهل الزيغ عن الحق في عدة مقامات، و إننا لنرجو له من الله المقام الأعلى على جهاده العظيم في البيئة التي هو فيها في [107] هذا العهد العصيب " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " (10) و من كان الله معه فحسبه عزاً و شرفاً، و إن أطبقت عليه الجبال فإنها تمر عليه بسلام.
ولقد جاهد عِزُّ الدِّين عن المذهب الإباضية بقلبه ولسانه - رحمه الله -، فله اليد على رجاله و أهله، و إن كان الحق على كل مسلم أن يقوم به، يناضل عن حقوقه، و لكن عِزُّ الدِّين كشف الغطاء، و برز بين رجال الأمة رافعاً عقيرته، مُزيحاً لثامه، مرهفاً أقلامه، ناشراً أعلامه، ينادي بين الأمة بغير تلعثم، و يقول بصراحة إن الحق عند الإباضية، ومن كان على نهجهم فهو منهم و هم منه، لصحة النصوص التي بنوا عليها مذهبهم الصحيح، و الحق أحقُّ أن يتبع، و ما بعد الحق إلا الضلال.
=============================
(1) قَرت :- استقرت ( مختار الصحاح /221) مادة ق ر ر.
(2) عيسى بن صالح بن علي الحارثي ( 1290هـ - 1365هـ / 1871م - 1946م) من أمراء الإباضية في عمان، أخذ العلم من أبيه المجاهد، و من العلامة نور الدين السالمي، عرف بالشجاعة في أيام والده، واستقر في إمارة الشرقية سنة 1314هـ بعد مقتل أبيه. الأعلام (5/104)
(3) تقدم تخريجه.
(4) الجرح و التعديل (2/495).
(5) يحيى بن معين بن عون المري بالولاء ( 158هـ - 233هـ ) أبو زكريا، من أئمة الحديث و مؤرخي رجاله، قال عنه الذهبي سيد الحفاظ، وقال ابن حجر : إمام الجرح و التعديل، و قال أحمد بن حنبل : أعلمنا بالرجال، له عدة مؤلفات منها : التاريخ و العلل، ومعرفة الرجال، و الكنى و الأسماء. الأعلام ( 8/172) (1/168)
صفحة 168
(6) الكامل في الأدب ( 2/214).
(7) تحفة الأعيان (1/84)
(8) مقدمة خلاصة الوسائل في ترتيب المسائل (1/ حـ )
(9) الكهف : 49.
(10) العنكبوت : 69.
--- (1/169)
صفحة 169
والعجب كل العجب ممن يرى الحق، و ينبذه عنه مكاناً قصياً، و يقول أنَّه مسلم، و أنَّه من علماء المسلمين، و الإسلام يحتم على المسلم إتباع الحق، والقول به، و الركون إليه، اللهم إلا أن يكون من علماء السوء و العياذ بالله.
فإنَّ علماء السوء كما يشير إليهم حديث رسول الله - صلى الله عليه و سلم وآله - (1) هم الذين لا يبالون، فالعلم في ألسنتهم و الإيمان نأى عنهم، و خشية الله عز و جل لم تنزل قلوبهم، و " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء " (2) و يقوم بواجبات الدين الأتقياء، و لا ريب فإنَّ العلماء المخلصين لا ينظرون إلى الدنيا إلا كنظر المار المجد، و كل اهتمامهم إلى الله، فإن عناء الدنيا و إن جلَّ منتهٍ عن قريب، و كل نعيم فيها منقضٍ في غفلة من العيش، نسأل الله لنا و لأهل الحق من كل أمة التوفيق لرضاه، و العون على تقواه، و الخروج من هذه الشبكة بسلامة [108] من البلاء، و الله ولي كل شيء.
و لا ريب أنَّ رجال الإباضية رجال حق، و لذلك يغشم الجهول على قواعدهم، و يطعن الغبي في ديانتهم، و ينسب إليهم السوء من لا ينال شأوهم حسداً من عند أنفسهم، و الحسد داء دفين.
فإن استقراء أحوال الأمم يعبر بلسان الحال عن منهاج الإباضية بأنَّه هو الحق، و إذا خفت صوت الإباضية، أقام لهم من يكون سبباً في نشر دعوتهم كما فعل العقبي الجزائري (3)، فأرسل الله عليه من أشعة الدين الإباضي قبس أشعله ذلك القطب العظيم فدمغ زواهقه، و أسكت شَقَاشقه، و نشر دعوة المسلمين في أفق الإسلام، فألجم الخصوم، و أفحم أهل الأهواء، و أكبت دعاة الباطل كما علم ذلك كل أحد. (1/170)
صفحة 170
واعلم أنًّ مذهب الإباضية يتفق مع المذاهب الأخرى في بعض النقاط، و يفارقها في عدة مواقع خصوصاً حيث يزيغ بها النظر عن جادة الحق، فإنَّ الإباضية يوجبون قول لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، و إقامة الصلاة بشروطها و وظائفها كما يصليها رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - لا كما يصليها غيره، و إيتاء الزكاة كما شرعها الله في نصابها، و حولها، فيما يلزم فيه الحول، وفي دَرَاكِها، و عشرها، و نصف عشرها، و ربع عشرها، و حج بيت الحرام كما شرط رسول الله - صلى الله عليه و سلم - من أول الإحرام إلى آخر المناسك التي جاء بها الشرع، فرضها، أو ندبها، أو رغب فيها.
و في جهاد الكفار من أهل الكتاب حتى الدخول في الإسلام، أو أداء الجزية على صغارٍ كما ورد القرآن (4)، و جهاد المشركين الذين لا كتاب لهم [109] عبدة الأوثان، و لا مناص لهم من سيوف المسلمين إلا بالإقرار بالشهادتين أولاً والتزام حقوقهما ثانياً على الوتيرة المشروعة.
و على تحريم أموال أهل القبلة من كانوا، و كيف كانوا، مع وجوب قتالهم إذا بغوا على المسلمين، أو أفسدوا في أرض الله بما لا يُحلُّه الله، أو قطعوا الطريق، أو نهبوا الأموال، أو الخيرة للإمام في قطاع الطرق قتلاً، و صلباً، و نفياً.
و على بناء المساجد في الدور والقرى، و إعلان الأذان، و صلاة الجماعة، و الجمعة في المصر الممصر كما قرر ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، و وافقه عليه صحابة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فكان إجماعاً، إذ ليس لهم أن يوافقوه على ما يخالف فيه الشرع.
و على وجوب الإمامة عند توفر الشروط، و تعين الصلاح على نظر العلماء، الذين جعلهم الله حجة في الدين و عمدة في المسلمين. (1/171)
صفحة 171
و على تحريم غنم أموال أهل القبلة ما داموا مُقرين بالإسلام، دائنين بصدقه، غير منكرين لشيء مما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، مع قطع حبل الوداد للطاعن في الدين، الممالىء على المسلمين، الداس عليهم، و المغري للأعداء عليهم، و المساعد لهم، و المحرك لهم على قتال المسلمين، أو على احتلال بيضتهم (5)، و قتل إمامهم المجمع عليه من أهل الحق الذين هم الحجة.
و على عدم سبِّ المسلمين، و على عدم قتال المسلمين ما لم يقترفوا ما يشق عصى المسلمين، و على أن يضع الإمام بيت المال في مواضعه المشروعة له، و على أن يقسم الفيء على المسلمين، على قدر مراتبهم في الدين، و أن يقسم غنائم المشركين على [110] مقتضى قسم القرآن الكريم، و على أن يساوي بين الخصوم، و أن يقيم الولاة و القضاة للأعمال كما أقامهم رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم-، و أن يكون ناظراً إلى الأمة نظر الوالد على الأولاد، على أن يكون في بيت مال المسلمين كواحد منهم، لا يستأثر عنهم بفيء، و لا يختص عنهم بالحقوق العامة، بل يكون الحكم العدل بينهم، راداً للزائغ عن زيغه، قاهراً للمبطل على باطله، حامياً للحوزة، حاكماً بكتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة و السلام، و اجتماع المسلمين، آخذاً بالرأي في محله، جامعاً للمسلمين تحت رايته، مؤلفاً لهم، رحيماً بهم، شفوقاً عليهم، يتألم لهم تألم الوالد الحنون على الولد الضعيف، داعياً إلى الله، ناظراً إليه، مشغولاً برضاه، محبباً له في قلوب عباده، تالياً للقرآن في خلواته، محاسباً نفسه على الفتيل و النقير، و عاملاً بأقوال المسلمين، تابعاً لآثار أهل الدعوة، شجاعاً مقداماً، لا يرى الذعر، ولا يعرفه، إذا ارتفع إليه الصريخ كان ملجأ الخائف، و فئة المرتاع، يقسم مواريث المسلمين على نهج القرآن العظيم، و على سنة النبي الكريم، كل همته إعلاء كلمة الله، و نصرة أهل (1/172)
صفحة 172
الحق، و إغاثة الملهوف، و نصرة المظلوم، والسعي في راحة الأمة و أمنها، و حياطة البلاد من مكائد الأعداء، يحمل الناس على التعليم لدين الله، و على الفقه قبل كل شيء، و على العلوم النافعة، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر على سنن كتاب الله، وعلى مقتضى أوامر رسول الله - صلى الله عليه و سلم - منظماً للجيوش، ضابطاً للجنود، مؤدباً لأهل البطر و الطيش و النزق، مشاوراً لأهل العلم، معتمداً على أهل الصلاح، لا يعظم الجبابرة، [111] ولا يحترم أعوانهم، ولا ينظر إلى أُبَّهتهم، و لا إلى مالهم من الرياش،فإنه زهرة ستذبل عن قريب.
و اعلم أنَّ مذهب الإباضية لا يقبل ما يخالف الشرع كما قال بعض الأشاعرة (6) أو أهل الإرجاء (7)، إنَّ الأيمان هو التصديق بالقلب فقط، و بعبارة أخرى إنَّ الإيمان هو معرفة الله بقلبه، فإن آمن بقلبه فهو مؤمن مسلم، و إنْ أظهر اليهودية و النصرانية، و إن لم ينطق بالشهادتين، و ليس الإقرار باللسان و لا الأعمال من صوم و صلاة و زكاة و حج جزءاً من الإيمان.
و حجتهم أنَّ القرآن نزل بلغة العرب، و الإيمان في اللغة التصديق فقط، و أما العمل بالجوارح فلا يسمى في اللغة تصديقاً فليس إيماناً، قال و قد جاء في القرآن حكاية عن إخوة يوسف قولهم " وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ " (8)، أي لست بمصدق لنا ولو قلنا لك الصدق.
وهذه القاعدة التي يضعها هؤلاء تقضي على الدين من أساسه، و ترد على العاملين عملهم، وتأمر الناس بترك الأعمال، فإنَّه إذا كان الإنسان مؤمناً و مسلماً بمجرد الطوية فلِمَ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يقول " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، محمدا رسول الله... " (9) الحديث. (1/173)
صفحة 173
فلعلهم عرفوا الله بقلوبهم فلا يحل له قتالهم، و لا أي أحد من الناس ما دام القائل المذكور، و إن أظهر اليهودية و النصرانية و عليه فلا يحل قتال أي أحد من الناس، فإنَّه من الممكن أن يكون الذي يقاتَل - بفتح التاء المثناة- من فوق مؤمناً فيكون مظلوما، و يكون مقاتله ظالماً له، فيلزم منه نسبة الظلم إلى النبيين، و إلى أئمة الدين، و كيف لا و أبو بكر - رضي الله عنه - يقاتل [112] مانع الزكاة و رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يأمر بقتله إن منعها من إماماً يحل له أخذها.
=====================================
(1) يشير إلى الحديث الذي أخرجه ا لربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه و سلم - :" و يل لمن لم يعلم مرة، و ويل لمن يعلم و لم يعمل مرتين " أخرجه الربيع في باب من طلب العلم لغير عز وجل و علماء السوء، رقم 32 ص 33 - 34.
(2) فاطر : 28.
(3) لم أجد له ترجمة.
(4) يشير إلى قوله تعالى : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله و لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " التوبة /29.
(5) بيضة كل شيء حوزته، و بيضة القوم ساحتهم ( مختار الصحاح /29) مادة ب ي ض.
(6) فرقة كلامية إسلامية، تنسب لأبي الحسن الأشعري، الذي خرج على المعتزلة، وقد اتخذت الأشاعرة البراهين و الدلائل العقلية و الكلامية وسيلة في محاججة خصومها المعتزلة و الفلاسفة و غيرهم لإثبات حقائق الدين، من أبرز أئمتها القاضي أبو بكر الباقلاني، و أبو إسحاق الشيرازي، و إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، و أبو حامد الغزالي. للتوسع و المزيد ارجع المسوعة الميسرة في الأديان و المذاهب والأحزاب المعاصرة (1/83). (1/174)
صفحة 174
(7) هي فرقة من الفرق الإسلامية المتقدمة في الزمن، و من أهم أسسها أنه لا يضر مع الإيمان معصية، و أن طاعة الإمام الجائر واجبة فلا ثورة و لا خروج، و يرجون النجاة لكل المؤمنين يوم ا لقيامة و إن ماتوا على المعصية، و لذلك سموا بأهل الوعد على عكس المعتزلة الذين سموا بأهل الوعيد. انظر البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ص102.
(8) يوسف : 17.
(9) سبق تخريجه.
--- (1/175)
صفحة 175
إنَّ هذا الأصل الذي وضعه المرجئة هدام للدين، داعٍ إلى الكفر، حاكماً بالظلم على الأنبياء و المرسلين، و موجب للبراءة من أئمة الدين، لأنَّهم لا يحل لهم قتال أي أحد من الناس على العموم، فأين تكون منه أوامر الله عز و جل بقتال الكفار و قطاع الطرق، و إبطال الحدود التي توجب القتل لمقترفها مهما كان، و هذا لا نعلم مسلماً يفهم معنى الإسلام يقول به.
وقد ينسب إلى جملة من أهل العلم من مخالفينا، و سوف نسمعك من ذلك ما تستعرض على الذهن معناه، على ما جاء نصاً في مقالٍ من له به إطلاع و اهتمام، فانظره بالنظر الصحيح و العقل السليم.
قال في " ضحى الإسلام " في الجزء الثالث منه صحيفة 317 قال :" من المرجئة من كان يرى أن الإيمان ركنان : تصديق بالقلب و إقرار باللسان " و عليه إذا صدق بقلبه، و أقرَّ بلسانه ؛ فهو مسلم لا يلزمه أن يعمل أي شيء من الأعمال المفترضة، فيكون افتراضها شيء زائداً عن المطلوب، و عليه إذا لم يعمل فهو مؤمن مسلم سعيد عند الله تجب له الولاية، و تحرم البراءة منه، و هو كالأول في هدم قواعد الإسلام، لأنَّ الإسلام شرع تكاليف شاقة، و أوجب أموراً ثقيلة، و عليه ففاعلها في عباد الله، جارم عليهم، جائر في حكمه بها عليهم، فيكون المسلم جائراً و هكذا، قال: " فالتصديق بالقلب وحده لا يكفى، و الإقرار باللسان وحده لا يكفي، بل لا بُد منهما معاً ليكون مؤمناً، لأنَّ من صدق بقلبه، و أعلن التكذيب بلسانه لا يسمى مؤمناً "، قال " و على هذا التأصيل يكاد المرجئة مجمعون على أن العمل [113] ليس ركناً من أركان الإسلام بمعنى الإيمان، و لا داخل في مفهومه " و قد أوضحنا لك تحقيق ما يتفرع عليه و هو صحيح، و قد ورد به القرآن الكريم، و حققته السنة الصحيحة، وثبت عليه علماء المسلمين. (1/176)
صفحة 176
قال:- " و كان خصومهم يرون أنَّ للإيمان أركاناً ثلاثة : التصديق بالقلب، و الإقرار باللسان، وعمل الطاعات "، قال " لأنَّ الإيمان في اللغة و إِنْ كان هو التصديق بالقلب إلا أن الشارع كثيراً ما يغير المعاني اللغوية، و يزيد فيها و يقيدها،كالصلاة كانت في اللغة الدعاء، فستعملها الشارع في معناها الخاص بها، و قد قال الله في القرآن الكريم " وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " (1)، و سياق الآية يدل على أن المراد بالإيمان هنا الصلاة إلى بيت المقدس قبل أن تنسخ الصلاة عليه و يوجبها إلى الكعبة، وقال الله عز و جل " إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ " (2)، و قال في موضعاً آخر " وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ " (3)، و قال " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء" (4)، فنص على أن عبادة الله دين، وعلى أن الدين عند الله الإسلام، و على أن الإسلام هو الإيمان لقوله عز و جل " يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (5)، و دليل آخر هو أن الله قال " فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا" (6) فجعل التحكيم من الإيمان، و هو غير التصديق بالقلب.
و أيضاً لو كان الإيمان هو التصديق بالقلب لكان كثيراً من اليهود مؤمنين فقد قال الله إنَّهم يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم، و إنَّهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة [114] و الإنجيل، وقال " وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ " (7)، مع أنَّه لا خلاف بين المسلمين عد هؤلاء اليهود كفاراً " (8). (1/177)
صفحة 177
قلت : لقد قدمت لك هذا المعنى، وقد صح الإجماع الصحيح الثابت المقطوع بصحته و صدقه أنَّ اليهود مشركون، بل القرآن نفسه ناطق بشركهم، وهؤلاء القائلون بهذا المبدأ المنهار الذي لا ينفعهم ولا يبقى لهم مثقال ذرة من الإيمان، لا يعقلون أوامر الله عز و جل، بل قد ران على قلوبهم ما كان يكسبون، فالله المستعان.
قال : " و كان المرجئة الذين يقولون إنَّ الإيمان هو التصديق بالقلب يردون عليهم في هذا بأنَّ اليهود والنصارى لم يعرفوا أنَّ محمدا - صلى الله عليه و سلم - رسول الله، و معنى " يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ" (9)، أي يعرفون أنه محمد بن عبدالله بن عبد المطلب إلى آخر ما دار بينهم و إياه من حوار "، قال " وقد كان أشد خصوم المرجئة في ذلك هم المعتزلة و الخوارج "، قال " لأنَّ هاتين الفرقتين اشترطوا في الإيمان الإتيان بالطاعات، و اجتناب المعاصي، و جعلوا الأعمال جزءاً من الإيمان، و جعلت الخوارج من أتى الكبيرة كافراً، على أن المرجئة يقولون أنَّ مرتكب الكبيرة مؤمن ؛ لأنَّه مصدق بقلبه، فاسق لارتكابه الكبيرة، بل منهم من يقول لا يصح أن يسمى فاسقاً بإطلاق، بل يقال فاسق بكذا (10)، مع أن المعتزلة جعلت مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين " (11)، أي لا مؤمناً و لا كافراً، فكان ذلك نقضاً لنص الكتاب العزيز حيث يقول " إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا " (12)، و لا نعلم أنَّ في هذا الكون يوجد صنف ثالث بين الإيمان و الكفر، و لا قال لنا رسول [115] الله - صلى الله عليه و آله و سلم- ذلك أبداً. (1/178)
صفحة 178
قال أحمد أمين :- " ولعل هذه المسألة - أي مسألة الإيمان و تحديده- هي محور الإرجاء، و قد تفرع عنها جملة مسائل : مثل هل الإيمان يزيد و ينقص، أو لا يزيد و لا ينقص ؟ فلما قال المرجئة بأن الإيمان هو التصديق بالقلب، أو التصديق بالقلب، و الإقرار باللسان، قال أكثرهم إنَّ الإيمان لا يزيد و لا ينقص ؛ لأنَّ التصديق غير مقول بالتشكيك، و الإقرار باللسان إما أن يكون أو لا يكون، فلا محل للزيادة، و لا النقصان، ومن قال إنَّ الأعمال داخلة في مفهوم الإيمان، و الأعمال تكثر وتقل قالوا:- إنَّ الإيمان يزيد و ينقص، وقد احتج الأخيرون بقوله تعالى:- " فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا" (13) فأثبتت الآية زيادة الإيمان بصريح العبارة، و قوله عز و جل " الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً " (14) قال " وقد تأول المرجئة هذه الآية و أمثالها بأن هذه الآية لما نزلت زادتهم تصديقاً بشيء لم يكن عندهم من قبل، فالإيمان الذي زاد ليس هو الإيمان بمعنى التصديق بالله بل الإيمان فيها هو التصديق بمعنى الآية و ما أخبرت به... إلخ ".
قال أحمد أمين :- " و مما فرعه المرجئة على تعريفهم للإيمان أنَّ المؤمن المرتكب الكبيرة لا يخلد في النار لأنَّه - على كل حال - مؤمن "، قال :- " و خالفوا في ذلك المعتزلة و الخوارج إذ يقولون إنَّ مرتكب الكبيرة مخلد في النار و لا يخرج منها أبدا، و استدلوا بقوله تعالى :- " وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا " (15) و قوله عز وعلا :- " وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا " (16).
================================
(1) البقرة : 143.
(2) آل عمران : 19.
(3) البينة : 5.
(4) البينة : 5.
(5) الحجرات : 17 (1/179)
صفحة 179
(6) النساء : 65.
(7) الزخرف : 87.
(8) ضحى الإسلام (3/317-318) بتصرف
(9) البقرة : 146.
(10) مقالات الإسلاميين للأشعري (1/222)
(11) ضحى الإسلام (3/318) بتصرف.
(12) الإنسان : 3.
(13) التوبة : 124.
(14) آ ل عمران : 173.
(15) النساء : 14.
(16) النساء : 93.
--- (1/180)
صفحة 180
وقد [116] تأول المرجئة هذه الآيات فقالوا في الآية الأولى إن من يعص الله و رسوله و يكون مؤمن لم يتعد حدوده، بل تعدى بعض حدوده، إنما يتعدى الحدود كلها الكافر، و تأولوا الآية الثانية بأن من قتل مؤمناً من حيث إيمانه خاصة - أي لأجل إيمانه لا شيء آخر - فلا يكون القاتل بهذا الوضع إلا كافراً... إلخ.
فالمرجئة يرون أنَّه لا يخلد في النار إلا الكافر. و كان مما قالوه أيضاً أن وعد الله لا يتخلف، و وعيده قد يتخلف ؛ لأن الثواب فضلا سيلاقى الله به، لأنَّ الخلف في الوعد نقص، و العقاب عدل، و له أن يتصرف فيه كما يشاء، و لا يُعد الخلف في الوعيد نقصاً، فخالفوا في ذلك ما قاله المعتزلة كما تقدم من قولهم " (1).
قلت : هذا مبنياً على قياس الغائب بالشاهد، و قياس الرب على الخلق، و نسوا قوله - عز وعلا - " مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ " (2)، فما تتمدح به العرب من أن خلف الوعد كرم لا يمكن قياسه على الله، فإنَّه شارع، و فارض، و مكلف فصلاً مقرراً، وأمراً محتوماً، لا يحال، و لا يزال، و لا يمكن تغيره بوجه ما.
قال :- " و قد كان من الجائز أن يقابل كلام المرجئة و شرحهم لرأيهم في الإيمان بشيء من التسامح لولا أنَّ كثيراً من المتكلمين شعروا بالخطر الذي ينطوي عليه كلامهم في الإيمان."
قلت : هو الذي قدمته لك من انتقاض قواعد الدين، و الخروج به من حيز الحق إلى حضيض الباطل.
قال :- " و هو التقليل من شأن الأعمال، و الإتيان بالطاعات "، قلت : متفرع على تأصيلهم، و لا محال عنه فيه هدم للدين، و إبطال لأعمال شرعها الله، و ذلك مخرج لصاحبه من الإسلام. (1/181)
صفحة 181
قال " فرأوا أن جعل الإيمان هو التصديق بالقلب وحده [117] أو مع الإقرار باللسان يجعل أعمال الطاعات في منزلة ثانية، حتى أنَّ بعضهم فسر تسميتهم بالمرجئة بأنَّهم أَرْجأوا العمل - أي أخروا منزلته بعد منزلة الإيمان - و في هذا خطر و خاصة على العامة " (3).
قلت : هو خطر على الخاصة قبل العامة إذا تبعته، فإنَّ أهل المعرفة أشد عقاباً من أهل الجهل، و هم العامة.
قال " لأنَّهم إن فهموا أن الأعمال ليست ركناً من أركان الإيمان، قل التزامهم بها". قلت : لقد صرحت لك بهذا قبل هذا المقام في كلامي المتقدم.
قال :- " و تمسكهم بالإتيان بها - أي و قَلَّ تمسكهم - و على العكس من ذلك إذا فهموا أنَّها جزء من الإيمان لا يكمل إلا بها، فحاربوا مذهبهم و عدوه من الفرق المنحرفة، أمَّا هي في نظر الخاصة فلا ضرر منها ؛ لأنَّه إذا كان مفهوم الإيمان هو التصديق فقط، لم يمنع من وجوب الطاعات "، قلت : إذا قلدوهم في مقالهم، واعتمدوا على صدق تأصيلهم هلكوا به. (1/182)
صفحة 182
قال:- " كالصلاة و الصوم وجوباً حتماً مشدداً لا يصح التساهل فيه بحال، و الخلاف ليس إلا في مدلول الألفاظ، ومن أجل هذا ثارت مسألة كَثُر حولها الجدل، فقد نقل عن أبي حنيفة أنَّه كان مُرجئاً، و ممن نقل ذلك أبو الحسن الأشعري في كتابه " مقالات الإسلاميين " فقال : ((الفرقة التاسعة المرجئة - أبو حنيفة و أصحابه - يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، و الإقرار بالله، و المعرفة بالرسول، و الإقرار بما جاء به من عند الله في الجملة دون التفسير )) (4)، و قد جاء في الفقه الأكبر المنسوب إلى الإمام أبي حنيفة والذي أثبت العلماء صحة نسبة جزء كبير منه إليه : (( الإيمان هو الإقرار و التصديق ))، و جاء فيه:- (( و يستوي المؤمنون في المعرفة[118]، و اليقين، و التوكل، و المحبة، و الرِّضا، و الخوف، والرجاء، و يتفاوتون فيما دون الإيمان في ذلك كله ))، و جاء فيه :- (( الله متفضل على عباده عادل قد يعطي من الثواب أضعاف ما يستوجبه العبد تفضلاً منه، و قد يعاقب على الذنب عدلاً منه، و قد يعفو فضلاً منه تعالى ))، و جاء فيه (( و لا نكفر أحداً بذنب و لا ننفي أحداً عن الإيمان)) (5).
و هذه المسائل التي نقلناها عن الفقه الأكبر هي أصول الإرجاء، و لكنَّ كثيراً من الفقهاء، و المتكلمين جدوا في تكذيب هذا، و استكبروا نسبة الإرجاء إلى أبي حنيفة، و قالوا إن اهتمام أبي حنيفة بالفروع، و كونه إماماً من أكبر الأئمة فيها يدل على أنَّه يُكْبِر الإيمان، و هذا عكس الإرجاء. (1/183)
صفحة 183
و مما قاله في ذلك الشهرستاني : " و من العجب أن غسان (6) كان يحكي عن أبي حنيفة مثل مذهبه، ويعده من المرجئة، و لعله كذب، و لعمري كان يقال لأبي حنيفة و أصحابه مرجئة السنة، و عده كثير من أصحاب المقالات من جملة المرجئة، و لعل السبب فيه أنَّه لما كان يقول الإيمان هو التصديق بالقلب، وهو لا يزيد و لا ينقص ظنوا بأنه يؤخر العمل عن الإيمان، و الرجل مع تحرجه في العمل كيف يفتى بترك العمل ؟ و له سبب آخر، و هو أنَّه كان يخالف القدرية و المعتزلة الذين ظهروا في الصدر الأول، و المعتزلة كانوا يلقبون من خالفهم في القدر مرجئاً، و كذلك أيضاً الوعيدية من الخوارج، فلا يبعد أن اللقب إنما لزمه من فريق المعتزلة و الخوارج " (7).
قال أحمد أمين :- " و أرى أنَّ النقول كثيرة عن الإمام في تعريفه الإيمان بأنَّه التصديق و الإقرار، و أنه لا يزيد و لا ينقص [119] إلى غير ذلك من أصول الإرجاء " (8) قلت : و قد علمت أن مذهبنا معشر الإباضية أنَّ الإيمان يزيد و لا ينقص، أمَّا زيادته فباعتبار الأمور العملية، و أما نقصانه فلا يعقل بل نقول إذا انهدم بعضه انهدم كله ؛ لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يقول " لا يزني الزاني حين زني و هو مؤمن " (9) بل لا يكون المؤمن زانياً حاشا الله أن يرضى بذلك في عباده المؤمنين، بل نقول إذا زنى المؤمن سلب الإيمان، فاتصف بعد صفة الإيمان بالفسق ؛ لأنَّ الزنا من صفات الفساق لا من صفات المؤمنين، فيقال هو فاسق، ضال، مارق مروق السهم من الرمية، و لا عبرة بصومه، وصلاته و حجه و زكاته، و هو مسلوب الإيمان بالزنا، أو الخمر، أو الظلم، و نحو ذلك من الصفات التي أوجب الشارع عليها العقاب. (1/184)
صفحة 184
وإن قيل إذا كان الإيمان العملي يزيد بالأعمال فما باله لا ينقص بتركها ؟ قلنا:- إن ترك الواجبات العملية بعد تحقق وجوبها، و صحت استقرارها يخرج المؤمن من إيمانه بتركها، كما أشار إلى ذلك قوله عز وعلا " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ " (10) و المعنى لم تصدقوا حقيقة التصديق و لكن قولوا أذعنا للأمر، و الإذعان غير التصديق، فقد يذعن المرء وهو غير مصدق.
قال أحمد أمين :- " و من أدلة المرجئة قوله تعالى " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " (11) " (12) إلى أن قال [120] :- " و لقد تسرب كثير من عقائد المرجئة إلى أهل السنة، كالقول بعدم التخليد عصاة المؤمنين في النار، و القول بجواز تخلف الوعيد دون الوعد و نحو ذلك "، قال:- " و إذا قال المتكلم التي ذكرنها عُد مرجئاً "، قال:- " و كثير من المرجئة كان يقول بهذه الأصول "، قال:- " و في الوقت عينه يقول ببعض أصول المعتزلة كالقول بأنَّ الإنسان يخلق أفعال نفسه... "، إلى أن قال " إن الإرجاء في جوهره يخالف أصلاً هاماً من أصول المعتزلة، و هو اعتبار العمل ركناً من الإيمان " (13)، قال:- " و قد عدَّ الشهرستاني (14) من رجال المرجئة الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب (15)، وقيل هو أول من قال بالإرجاء، و كان يكتب فيه إلى الأمصار، كما عد منهم سعيد بن جبير (16)، و مقاتل بن سليمان (17).
و كان مقاتل بن سليمان المذكور يقول :" إنًّ المؤمن العاصي يُعذب على قدر عصيانه يوم القيامة على الصراط، وهو على متن جهنم يصيبه لفح النار ولهبها، فيتألم بذلك على مقدار المعصية، ثم يدخل الجنة" (18). (1/185)
صفحة 185
وبشر المريسي (19) كان يقول :" إن أدخل الله أصحاب الكبائر النار فإنهم سيخرجون منها بعد أن يعذبوا بذنوبهم، و أما التخليد فمحال و ليس بعدل" (20).
قال " و حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة (21)، و أبا حنيفة، و صاحبيه أبا يوسف (22)، و محمد بن الحسن (23) يقولون بذلك " أي بالخروج من النار.
قال المعلق على أحمد أمين انظر قوله هنا مع قوله السابق في إنكار أن يكون أبو حنيفة مرجئاً. (24)
ثم ذهب أحمد أمين يذكر أحوال المرجئة، و أصول الإرجاء مع فروعها، و ما لها من التعلق بالأمور السياسة، فإن هذا يناسب مقاصد الملوك الذين لا همة لهم في الحقائق الدينية، و لا ينظرون إلا [121] إلى ما يلائم سياسة الوقت.
=================================
(1) ضحى الإسلام (3/318-319) بتصرف.
(2) ق : 29.
(3) ضحى الإسلام (3/320).
(4) مقالات الإسلاميين (1/219).
(5) انظر شرح الفقه الأكبر ص 128- 143- 145.
(6) تنسب إليه فرقة من فرق المرجئة، تضاربت كتب الملل في تقرير معتقداتها تضاربا عجيبا، قال في الفرق بين الفرق " زعم أن الإيمان هو الإقرار أو المحبة لله تعالى و تعظيمه، و ترك الإستكبار عليه، وقال إنه يزيد و لا ينقص " و قال في الملل و النحل :- " زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى و برسوله، و الإقرار بما أنزل الله، وبما جاء به الرسول في الجملة دون التفصيل، و الإيمان لا يزيد و لا ينقص ". انظر الفرق بين الفرق ص203، و الملل و النحل ص141.
(7) الملل و النحل ص 141.
(8) ضحى الإسلام ( 3/320-321).
(9) سبق تخريجه
(10) الحجرات : 14.
(11) الزمر : 53.
(12) ضحى الإسلام ( 3/322).
(13) المرجع السابق (3/322).
(14) الملل و النحل ص146. (1/186)
صفحة 186
(15) الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي (ت 100هـ ) تابعي، كان من ظرفاء بني هشام و أفاضلهم، وهو ابن محمد المعرفوف بابن الحنفية، أول من تكمل في إرجاء من دخل الفتنة من الصحابة، توفي في المدينة. الأعلام ( 2/212).
(16) سعيد بن جبير الأسدي بالولاء الكوفي ( 45هـ- 95هـ )أبو عبدالله، تابعي، كان أعلمهم على الإطلاق،حبشي الأصل، شارك في ثورة عبدالرحمن من محمد بن الأشعث فلما قتل، أسر و أرسل إلى الحجاج فقتله. الأعلام (3/63).
(17) مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي بالولاء البلخي ( ت 150هـ ) أ[و الحسن، من أعلام المفسرين، أسله من بلخ انتقل إلى البصرة، فدخل بغداد فحدث بها، كان متروك الحديث، من كتبه التفسير الكبير، نوادر التفسير و القرآن. الأعلام (7/281).
(18) الملل و النحلل ص143.
(19) بشر بن غياث بن أبي كريمة عبدالرحمن المريسي العدوي بالولاء ( ت218هـ ) أبو عبدالرحمن، فقيه معتزلي عارف بالفسلفة، و هو رأس الطائفة المريسية القائلة بالإرجاء، عاش نحو سبعين عاما. الأعلام (2/212).
(20) الملل والنحل ص143.
(21) حماد بن أبي سليمان مسلم الكوفي ( ت120هـ ) أبو إسماعيل، أحد العلماء الأذكياء، روى عن أنس بن مالك، و تفقه بإبراهيم النخعي، أخذ عنه أبو حنيفة و لازمه سنوات و غيره، كان مرجئاً، ثقة في الحديث. سير أعلام النبلاء (5/231) و ميزان الاعتدال (1/595).
(22) يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي ( 113هـ - 182هـ ) أبو يوسف، صاحب الإمام أبي حنيفة، و تلميذه، كان فقيها عالما من حفاظ الحديث، و لي القضاء ببغداد أيام المهدي و الهادي و الشيد، من كتبه الخراج و الآخار و النوادر والجوامع... وغيرها.الأعلام (8/193). (1/187)
صفحة 187
(23) محمد بن الحسن بن فرقد، من موالي بني شيبان ( 131هـ - 189هـ ) أبو عبدالله، إمام بالفقه و الأصول، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة، ولاه الرشيد القضاء بالرقة، ثم عزله، له عدة مؤلفات منها : المبسوط، و الأمالي، و الجامع الكبير، و الصغير، وغيرها. الأعلام ( 6/80).
(24) ضحى الإسلام (3/323).
--- (1/188)
صفحة 188
والإرجاء كما تراه يفرع للأمة التساهل في الدين، وعدم الاهتمام بالأمور العملية، فلا حَرَجَ على التارك، و لا ميزة للفاعل في مقابلة الترك، فإنَّ الدين يُسْرٌ، فيسِّرُوا و لا تُعسِّرُوا، و قد يسَّرَ المرجئة على أتباعهم، و سهَّلوا لهم الطريق في التهاون بالأمور العملية، فالحمد لله الذي صان الإباضية من سائر الفرق المارقة من الدين المتساهلة بين العاملين، و هل أفسد الدين إلا الملوك و أحبار السوء و رهبانها، و لا يبالون في سبيل أغراضهم الدنيوية، و قد صَحَّتْ أصول الإباضية على قواعد الحقَّ المبُين، و من أراد تحقيق الإرجاء و الخروج والتشيع فليرجع إلى أحمد أمين. (1)
قال الشارح :
لقد وضع الشارح هذه الترجمة هنا ليدل بها على أن الحقَّ و إن كان مُرّاً هو المتبع على ما هو عليه من المرارة في ذوق الذهن الصادق الصافي، و لا شَكَّ أن مرارة الحقَّ ستحلو بعد حين.
و إِنَّ الباطل خليع مرفوض، و إن قام له ذِكْرٌ، و ساعدته الأقدار ؛ لحكمة اقتضت ذلك، فإن جلالة الباطل لا بد أن تغدو يوماً من الأيام و هي رهينة الذل، إلا عند من لا يعرف الحق، ولا يهتدي لعناه (1)، و لهذه الترجمة مناسبة تظهر في شرح الأبيات التالية له في هذا المقام :
[الشرح ]
أَفَرَدَ الإمام الناظم - رحمه الله - الأصل، و جمع الفروع، و ماذا أراد بالأصل ؟هل هو القرآن أو هو الإسلام ؟ و كلاهما وجيه مرضي.
و كأنَّه - رحمه الله- أراد أنَّنَا معشر الإباضية نَسِيرُ على نَهْجِ السَّلف الصالح في أصله و فروعه، لا نتبدَّل، و لا نتغَّير أبداً، إنما التبدل و التغير وقع لغيرنا.
و المراد بالسَّلف الرفيع أي الصدر الأول من هذه الأمة الإسلامية، و هو يقع على الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين لهم على الحق - رحمهم الله -. (1/189)
صفحة 189
فنأخذ الحق ممن جاءنا به بغيضاً كان لنا أو حبيباً، بعيداً كان أو قريباً، فلا يمنعنا بغضه من قَبُولِ الحقِّ الذي عنده، و لا يحول بيننا و إياه بعده إذا كان الحق معه، و لا نرضى القريب لأجل قُرْبِهِ، و هو مُبطل بل من عادتنا قبول الحق، أياً كان، و رفض الباطل ممن كان، -، و(و بذلك صرنا إباضية ؛ لأنَّ الإباضية هذا منهجهم، و هو منهج رسول الله - منهج أصحابه الرضيين المرضيين، فنحن على وَتِيرتهِِِِِِِِِِِِِِِِمْ في ذلك ما لم يمنعنا عنه مانع لا نقدر على رده، و إنَّا إنما نعرف الرجال بالحق، لا الحق بالرجال، و لا نقدم على ما صحَّ عن رسول - صلى الله عليه و سلم - شيئاً أبداً مهما كان، فما رضي به الله رضينا به له عز و جل، و لا نبالي بما عداه أياً كان و ممن كان.
و جمع الإمام الناظم الفروع نظراً إلى أن الأصل واحد و هو الإسلام " إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ " (1)، " وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ " (1)، و إنَّ فروع الإسلام كثيرة عملية و اعتقادية، فهو لها كالجذر للشجرة، و الفروع [123] كالأغصان، و لا شِكَّ أنَّ سائر الأغصان راجعةٌ إلى الجذر، الذي هو الأصل فكذلك الفروع في حكم الشريعة الإسلامية، راجعة إلى أصلها، و يشمل معنى الأصل كما قلنا آنفاً القرآن، فإنَّه أصلٌ للأحكام الشرعية على اختلاف أنواعها المفهومة من منطوقها، أو مستنبطة من مظانِّها. (1/190)
صفحة 190
فالقرآن هو الأصل الذي يْرجِعُ إليه سائرها كالسُّنَّة النبوية، فإنَّها وإن كانت تعتبر في الشرع الأصل الثاني للأحكام الشرعية، فهي راجعة إلى القرآن و داخلة فيه ؛ لأنَّها تفسير له, أو مطلق إيضاح له، ولم تستقل عنه من جميع الوجوه المعروفة، و كذلك الإجماع فإنه, و إن كان مستنداً على الكتاب و السُّنَّة، و لا بُدَّ في صحته من ذلك,فإنه راجع إلى الكتاب,و داخل فيه ؛ لأنَّه متفرع عنه، و قائم على أساسه، و ما عدا ذلك فبالأولى.
والمعنى نحن معشر الإباضية أصلنا الذي نبني عليه أحكام مذهبنا هو الكتاب، و السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه و سلم و آله -، و الأصل الجامع لنا الإسلام، وهذه هي طريقة السلف الصالح الذي وصفه الناظم بالرفيع، فكل صالح رفيع عند الله، بمعنى مرفوع أي مرفوع الرتبة عنده تعالى، فهو سلف رفيع بإتباع قواعد التشريع، فنأخذ الحقَّ متى نراه، و نقبَلُهُ ممن جاءنا به بعيداً كان أو قريباً، بغيضاً كان أو حبيباً، فإن المطلوب في الشريعة الإسلامية الزهراء هو الحقُّ، و الحقُّ أحقُّ أن يتبع، و ما بعد الحق إلا الضلال، نعوذ بالله منه. (1/191)
صفحة 191
و لا نترك الحقَّ لكون الذي جاء به هو عدونا ؛ لأنَّ الحق لم يكن عدواً لأحد أبداً، [124] فإذا جاءنا به من يبغضنا و نبغضه، لكونه عدواً لنا يقاتلنا ونقاتله، و رأينا الحقَّ معه تبعنا الحقَّ، و أرغمنا أنفسنا عليه ؛ لأنَّ الرجوع إلى الحقَّ واجب كل مسلم، و إذا رأينا الباطل عند أقرب الناس إلينا نسباً، أو جيرةً، أو صداقةً، أو ولايةً، و هي أكبر تركناه، و ما ارتضيناه من أحد أبداً ؛ لأنَّ الله كلفنا بإتباع الحق، و اجتناب الباطل، وإن رأينا في إتباع الحقَّ الهَلَكَة فإنَّ فيه على الحقيقة النَّجاة، و إن رأينا النَّجاة في الباطل ففي الحقيقة فيه الهَلَكَةُ، و كل شيء ليس عليه أمر رسول الله - صلى الله عليه و سلم و آله - فهو رد، أي مردود على صاحبه.
و الحقُّ هو المقصود بذات، وغير الحقِّ هو المردود رغم أنف صاحبه، و لا نغتر بغير الحقِّ، وإن تَبَهْرَجَ وأشرق، فإنَّه إلى ظلام يصير، و لا نتبرم من إتباع الحق وإن رأينا جانبه ضعيفاً، فإنَّه في نفسه قوي.
و لا نصطفي من الناس أهل الأهواء، و إِنْ جَلَّ قَدْرُهُم، و لا تقتحم عينونا أهل الإيمان، وإن رقَّ جانبهم، و لا نحترم أهل الباطل بالنظر إلى باطلهم، و إن علت منازلهم، كما لا نستهين بأهل الحقَّ, و إن هانت منازلهم، خلاف ما عليه غيرنا من تعظيم الجبابرة، و تكريم الظلمة، و الخضوع الأعمى لأهل الباطل.
لقد شهرت أمتنا بهذا سلفاً و خلفاً، و عرفت دعوتنا عند أهل الحق و أعلام الوفاء، و بهذا كلفنا الله - عز و جل - و به أمرنا رسول الله - صلى الله عليه و سلم -.
=================================
(1) انظر كتابه ضحى الإسلام الجزء الثالث.
(2)عناه أي معناه ( مختار الصحاح /192) مادة ع ن ا.
(3) آل عمران :19.
(4) آل عمران :85.
--- (1/192)
صفحة 192
وألا نعيش حراثين أشقياء نأكل من كدِّ أيدينا (1)، و لنا في سلفنا أسوة حسنة، و تعلق مكين، و لنا في مذهب أهل الإيمان معتمد، فما يرضى به الله في عباده نرضاه رغم كل شيء، و ما لا يرضاه فحرام علينا الرضى [125] به مهما كانت صبغة صاحبه.
ويشير أيضا كلام الإمام الناظم - رحمه الله- إلى أنَّ الأصل الجامع لأهل الدعوة الإسلام، و هو لغة الانقياد، و الخضوع،والإذعان، و الإسلام هو المبدأ الأول الثابت في الديانات كلها " إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ " (2)، فهو الأصل الأصيل، و المبدأ الجليل الذي عليه أهل التَّأصيل.
و هو لغةً و شرعاً مغناطيس التدين، و ناموس القاصد الخير، وعُمدة زُعماء الديانة في الأمم، فكم جرَّ الإسلام إلى النجاة من العذاب أمماً، و كم ساق إلى الخير في هذا العالم زرافات و وحدانا، و كم أصلح فنجح تابعوه، و كم أرشد إلى الخير فسعد في الأمم أهلوه، لا نقول أنَّ فلان ابن عم رسول الله - صلى الله عليه و سلم و آله - فيكون ذلك حجة في قبول ما جاء عنه حقاً كان أو باطلاً، فإن القرابة مع الباطل بُعدٌ صحيح، و قطيعة في الإسلام بين الأقارب، كما قال القائل و لله دره (3) :
و لا نرى بُعد النسب مع الحق بُعداً، بل هو قرب حقيقي لا مرية فيه، و لا محيد عنه، فإن الله عز و جل يقول في كتابه " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " (4) و هذا هو المبدأ القوي الثابت ثبات الجبال الرواسي، و من كان أكرمنا عند الله لزم أن يكون أكرمنا عند خلقه، و إلا لم نكن رضينا بما رضيه تعالى في عباده. (1/193)
صفحة 193
و لو كان بالنسب كافياً، و مبرر الأمور الدِّين لما قال الله عز وعلا لرسوله - عليه الصلاة والسلام - جهاراً " وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ " (5) أي لا لا يغتر بكونهم أقاربكم [126] الأدنيين، و أعياصك (6) الأقربين، فلذلك ناداهم رسول الله - صلى الله عليه و سلم وآله - على رأس الصفا علنا قائلا لهم " يَا مَعْشَرَ قُرَيش اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللهِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللهِ شَيْئاً، يا بَنِي عَبْدِ المُطْلِبْ لَا أُْغِني عَنْكُمْ مِنْ اللهِ شَيْئاً، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطْلِبِ لا أُغْنِي َعنْكَ مِنْ اللهِ شَيْئاً، يَا صَفِيَّةَ عَمَّةَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه و سلم - لا أُغْنِي عَنْكَِ مِنْ اللهِ شَيْئاً، يا فَاطِمَةًُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه و سلم - َسِلينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِن اللهِ شَيْئاً " (7) و في رواية " صَعِدَ الصَّفا فَجَعَلَ يُنَادِي يَا بَنِى فَهَر يَا بَنِى عَدِيّ بِبِطُونِ قُرَيْش، فَقِيلَ قَدْ اجْتَمَعُوا، فَجعَلَ الذِّي لَا يَسْتَطيعَ الحضُورَ، وَلَا يَقْدِرَ أَنْ يَخْرُجَ يُرْسَلَ رَسُولاً لَيْنظُرَ ما هُنْالِكَ، فَجَاء أَبُو لَهَب, وَهُوَ عَمُّ النَّبِي - صلى الله عليه و سلم - و قُرَيْشَ أَيضَاً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - صَلَى الله عَلَيْهِ و سَلَّمَ - " أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُم أَنَّ خَيْلاً بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيُكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟"، قَالُوا مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبَا - أي لم يكن ذلك من عادتك و لم نعرفه منك - قال" فإنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَي عَذَاب شَدِيد "، فقال الخبيث أبو لهب و العتو يفيض من فيه : تَبَّاً لك ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت فيه سورة مستقلة تتلى إلى أخر الدهر " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ..." (8) إلى آخرها، قال السيوطي:- هم (1/194)
صفحة 194
بنو هشام و بنو المطلب وقد أنذرهم جهاراً (9).
فهذا عمل رسول الله - صلى الله عليه و سلم - في أقاربه حسب أمر ربه تعالى، فلم يكن قُرْبُهُ مفيداً شيئاً دون طاعة ربهم لقد صارحهم بقوله " اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ ", أي من الله، فإنَّه هو الذي بيده كل شيء، أما أنا فليس لي من الأمر شيء، إنَّما أنا عبدالله و رسوله فلا تقولوا إنا أقارب رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، فإن الدين ليس بالقرابة، ما في القرابة من فصل لقضايا الدين، و لا للقرابة تأثير في الحق، و لا يغني القرب بغير الحق، كما لا يضر البعد مع الطاعة.
فهذا رسول الله - عليه الصلاة والسلام - يقول " سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ [127]البَيْت " (10) و أين سلمان من رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، و في الحديث عنه صلى الله عليه و سلم " لا يلقيني الناس بأعمالهم و تأتوني بأنسابكم " في عدة أحاديث...[قال] (11) العلماء صحيحة الإسناد، و كما لا تغني لا إله إلا الله بغير عمل كذلك لا تغني القرابة بغير عمل " وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (12).
ومعنى اشتروا أنفسكم أطيعوا الله فإنَّ طاعته نجاة لكم عنده، فإنَّه المالك الحقيقي لهذه الأنفس يبيعها لصاحبها بالطاعة، فالطاعة هي الثمن المقبول عند الله ومن اشترى نفسه من الله بطاعته فقد ربح البيع كما جاء في قوله عز و جل " إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ " (13) الآية، فلما باعوها له [بـ]الطاعة لأمره، جعل ثمنها الذي يعوضهم إياه عنها الجنة، فَنَعْمَ البيع، و نَعْمَ المبيع، و نَعْمَ الشاري، و نَعْمَ البائع. (1/195)
صفحة 195
و المراد من ذلك أن الله يريد من عبادة الطاعة ليرحمهم، و لا يريد منهم المعصية ليعاقبهم، و هو أرحم بهم, إلا أن حكمته اقتضت ذلك، فلا قرب لديه إلا بالطاعة، و لا بعد منه إلا بالمعصية.
وعليه فالواجب على المسلم المُوفِّي بما أمر الله عز و جل أن يقوم بالحقَّ، و لا يُقْلِدَ فيه قريباً أو بعيداً إلا إذا كان لا يهتدي إليه بنفسه، فعليه أن يتبع المرشد الصالح، و عليه أن يقبل الحق ممن جاء به قريباً أو بعيداً، و يرد الباطل على من جاء به بغيضاً أو حبيباً كما نص عليه الحديث النبوي عنه- صلى الله عليه و سلم -، فقرب النسب وبعده لا تأثير له عند أهل الحق.
فلذلك ترى الإباضية لا يحترمون إلا الحقَّ، [128] و لا يتبعون إلا العدل، قريبهم فيه المحق و لو نأت به الديار، و بعيدهم فيه المبطل ولو لصقت به الجوار، وهذا هو الذي دعا إليه القرآن الكريم، و الرسول العظيم، و الإباضية لا يعرفون الحقَّ بالرجال، بل يعرفون الرجال بالحقِّ، و هذا مبدأهم من أَوَّلِ أمرهم، نسأل الله السلوك على طريقهم، و الموت على نهجهم.
واعلم أنَّ الإباضية لا يرون غير ما عليه السلف الصالح لَان لهم الدهر أو تخشن، فإنَّهم عند القدرة و سنوح الفرصة فالحق أُنشودتهم، و لن تضيع لديهم الفرص في ذلك. (1/196)
صفحة 196
و الأصل الذي يعتمدون عليه هو كتاب الله عز و جل فحلاله[حلال] عندهم أبداً، و حرامه حرام كيف كان، ثم سنة رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - هي المرجع بعد الكتاب، و المعنى ما لم يكن ظاهراً في الكتاب فالسنة تبينه، و إلا فالإجماع لأنَّ الأمة لا تجتمع على ضلال، فإذا اجتمعت على حكم ظهر أنَّه حق بحسب التكليف فوجب قبوله ؛ لأنَّ الأمة معصومة من الضَّلال بشهادة الرسول - صلى الله عليه و سلم -، و يلزم أتباعه حلواً كان أو مراً، و كذلك إذا اجتمعت الأمة على بُطل شيء فهو باطلاً أبداً ؛ لأنَّ الرسول - صلى الله عليه و سلم - يقول " مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَناً فَهُوَ عَنْدَ الله حَسَنٌ، وَ مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ بَاطِلاً فَهُوَ بَاطِلٌ" (14)، ومن " َيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا " (15).
و اعلم أنَّ إتباع أقوال صحابة رسول الله - صلى الله عليه و سلم و آله - و التزام ما صح عنهم من أحكامهم، و الأخذ بسيرتهم أمر واجب ؛ لأنَّهم قدوة في الحق، و عمدة في الدين، ما لم يظهر بطله، و الأخذ عنهم تقييداً لا تقليداً بغية... (16) [129]، و لا يلتفت إلى من يقول أنه اهتدى لِمَا لم يهتدوا له، أو أنَّه أدرك ما لم يدركوا، فهم أعلم بكتاب الله، وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام -، و الأخذ بالحق أمر يقتضيه الدين حلواً كان أو مراً، و لا إلتفات إلى من جاء به صغيراً كان أو كبيراً.
فلا يعرض عن عبدالله بن وهب الراسبي (17) لشهرة علي بن أبي طالب، فكلهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - و إن اشتهر أحد بفضل، أو شاع له ذكر ولم يظهر لغيره مثله، فلا يكون ذلك دليلاً على فضله على ذلك الغير لمجرد ما شاع أو لمجرد قرابة أو نسب كما قدمنا ذلك، و لا يكون ما شاع رافعاً لغير المحق، و لا واضعاً لغير المبطل. (1/197)
صفحة 197
فعبد الله بن وهب كان له من الفضل العظيم في الدينِّ ما لا يخفى، كان من أزهد الصحابة، و من أعبدهم بشهادة خصومه حتى كان لا يرى إلا مصلياً، أو قارئاً، أو صائماً، و كان له من الشجاعة السهم الأوفر، و النصيب الأكبر، فالباطل مردود، ولو كان صاحبه علياً، و الحقُّ مقبولاً ولو نَأى مَنْزِلاًً قَصِيّاً.
و عبدالله بن وهب الراسبي لا يقل منزلة عن أجلة الصحابة، وناهيك به، و قد أطلقوا عليه لقب ذي الثفنات، إذ كانت له ثفنات كثفنات البعير من كثرة الركوع والسجود، و قد ذكره المؤرخون بذلك، كالمبرد وغيره، وصاحب المروج، و إن كان لم يشتهر اشتهار غيره من الزعماء، " فَكَمْ مِنْ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُعْبَأَ بِهِ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ " (18)، مع أنه عُوجِلَ بالقتل، و لو طالت إمامته لتحدث التاريخ عنها، كما تحدث عن غيره.
و إن كان حَمَلَ ذَكْرُهُ من حيث أن علياً و أصحابه قتلوه هو من معه، فإن علياً كذلك قتل بعدما رأى تقهقره، و انهيار صروح إمارته التي سيطر عليها الأشعث بن [130] [قيس] (19) فكان على الاسم، و الأشعث المعنى.
===========================
(1) جاء في الحديث : " استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم، ثم أبيدوا خضرائهم، فإن لم تفعلوا فكونوا حراثين أشقياء تأكلون من كد أيديكم " انظر فيض القدير (1/636) رقم 996،و عزاه الى الديلمي في مسنده.
(2) آل عمران : 19.
(3) البيت لنهار بن توسعة بن أبي عتبان من بكر بن وائل،وهو مطلع قصيدة يمدح فيها المهلب بن أبي صفرة مع اختلاف في الفخر حيث قال :
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا هتفوا ببكر أو تميم
دعيُّ القوم ينصر مدعية فيلحقه بذي النسب الصميم
و ما كرم ولو شرفت جدود و لكن التَّقيَّ هو الكريمُ (1/198)
صفحة 198
الشعر والشعراء لابن قتيبة (1/544)والمؤتلف والمختلف ص 193،بيت وشاعر من الألف إلى الياء (أول بيت من الكتاب)
(4) الحجرات : 13.
(5) الشعراء : 214.
(6) العيص : الأصل، ومعنى أعياصك : أصولك، لسان العرب ( 10 / 353 ) مادة ع ي ص.
(7) أخرجه البخاري في ( 65 ـ كتاب تفسير القرآن 26 _ سورة الشعراء ) ( 3 / 254 ) رقم 4771، وأخرجه مسلم في ( 1 - كتاب الإيمان 89 ـ باب في قوله تعالى " وأنذر عشيرتك الاقربين " ( 1/ 194 ) رقم 208، وأخرجه الترمذي في ( 48 ـ كتاب تفسير القرآن 27 ـ باب من سورة الشعراء ) (5 / 338 ) رقم 3184، وأخرجه النسائي ( 30 ـ كتاب الوصايا 6-باب إذا أوصى لعشيرته الأقرابين )(6/249)رقم 3646ورقم 3647 وأخرجه أحمد بن حنبل(3/151)رقم 2544ورقم 2802ورقم2802في (3/244)ورقم 8383في(8/303).
(8) المسد :1.
(9) لم أستطع تخريجه من مصدره الأصلي.
(10) أخرجه الحاكم في (31-كتاب معرفة الصحابة في ذكر سلمان الفارسي رضي الله عنه )رقم 6539وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (6/212)
(11) سقطت من الأصل.
(12) التوبة : 105.
(13) التوبة : 111
(14) أخرجه أحمد في مسنده (3/505)رقم 3600وأخرجه الطبراني في الكبير (9/112-113)رقم 8583وأخرجه البزار في البحر الزخار (5/212-213)رقم1816وأخرجه النبوي في شرح السنة (1/214-215)رقم 105وأخرجه الطبالي ص 33رقم 246وأخرجه الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه (1/166-167)وأخرجه ابن الأعرابي في معجمه (2/84)وذكر الدار قطني في العلل (5/66)وأخرجه أبو نعيم في الحلية (1/375-376)وأخرجه أبو جعفر بن البحتري في حديثه (78/2-79/1)
(15) النساء : 115.
(16) كذا بالأصل. (1/199)
صفحة 199
(17) عبدالله بن وهب بن راسب بن ميدعان الأزدي العماني (ت 9صفر 38هـ )صحابي جليل، توجه إلى المدينة في الوفد الذي أعلان إسلام أهل عمان وقبائلها،عرف بالعلم والرأي والصلاح والعبادة ,شارك في فتوح العراق مع سعد بن أبي وقاص، شارك مع علي في حروبه،ولما وقع التحكيم خرج عنه وانحاز إلى حروراء ثم بايعه المسلمون بإمامة المسلمين قتل في النهروان.معجم الإباضية (3/580)
(18) أخرجه الترمذي في ( 50 -كتاب المناقب 55 -مناقب البراء بن مالك ) (5/693) رقم، 385 وأخرجه ابن ماجه في ( 37 - كتاب الزهد 4- من لا يؤبه له ) ص 600 رقم 4115، واخرجه أحمد بن حنبل في المسند (10/ 470) رقم 12415، وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف ( 11/ 306 ) رقم 20612 )، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (20 /84 ) رقم 159، وأخرجه أبي يعلى الموصلي ( 7 /66) رقم 3987 وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين ( 2/ 205 ) رقم 1192، واخرجه الحاكم في المستدك ( 3/ 331) رقم 5274 وفي ( 4/ 364 ) رقم 7932 وقال الحاكم حديث صحيح ووافقه الذهبي. وأخرجه عبد بن حميد ( 1/370 ).
(19) سقطت من الأصل.
--- (1/200)
صفحة 200
والحقيقة أنَّ الحقَّ أكبر من كل كبير، كان من انهيار صروح إمامة علي بن أبي طالب جعله الأمر بيد الحكمين يريان فيه رأيهما، إن أرادا علياً أو معاوية، و هو يعلم أنَّ معاوية لم يكن إماماً في حال من الحال، حتى يختار المسلمون إحدى الإمامتين، فما باله يعطي الدنية و المسلمون معه، و منهم بالأمس يقاتلون عدوه، فأصبح اليوم يرغمهم على قَبُول التحكيم في شيئا حكم الله فيه في الكتاب الكريم، و هل هذا يجوز أن يرجع المسلمون عن حكم القرآن إلى حكم فلان و فلان ؟!
ثمَّ لما تضايق أصحابه بما صار منه من التحكيم، و خرجوا عنه، ولم يخرجوا عليه، كيف يقتل الخارج عنه، ويترك الخارج عليه ؟!، و يقتل الأقل و يترك الأكثر؟!، و كيف يقتل المنكر للحكومة تبعاً للقرآن ؟!، و يترك المتألب عليها و قد تَعَيَّنَ بغيه، و الله أمر بقتل الباغي، أو يرجع للحقِّ، ما بال الأهواء تترك الحقَّ تذروه الرياح، و تعرض عن الباطل ؟؟!!.
لكن سيوف أهل الشام أصبحت مرهوبة في أعين أهل الدنيا، و السياسة لها أثرها في الأوساط، و من أعطى العهد و الميثاق على أمر كيف يرجع فيه مطالباً به، إنها من دواهي الدهر العصيب، وقد صدق المثل : -" العورى ترمى الرمح " (1) إنا لله و إنا إليه لراجعون. (1/201)
صفحة 201
لقد قُتِلَ عبد الله بن وهب و أصحابه الغرُّ الميامين في النهروان، على أي جرم صَدَرَ منهم يُهْجَمُ عليهم، في صلاتهم و هم بين راكع و ساجد، ماذا فعلوا ؟!، ماذا اقترفوا ؟!، إنما هم أبرياء مَوَفُّون، كانوا بالأمس دروع علي بن أبي طالب و سيوفه الماضية في الجمل و صفين، و لما وافق علي بن أبي طالب على التحكيم عاتبوه فلم يقبل منهم، و انخدع لمكيدة الأشعث قائده في الظاهر، و هو القائد عليه في الحقيقة، فلما لم يجدوا بغيتهم عنده، و علموا أنَّ إمامته زالت [131] عنه، و كانوا رأوه حسب اجتهادهم قارف إثماً عظيماً حيث ترك إمامة ثبتت بإجماع المسلمين، و ألقها إلى الحكمين يتلاعبان بها كيف شاءا، يوليانه أو يعزلانه.
امض قدماً، و أنت أمير المؤمنين، و ذو الفقار في يديك، و المسلمون معك، و لا تنخدع للأشعث بن قيس و بالأمس تَسُبُّهُ، وتعلم منه ما تعلم من انحرافه عنك.
فلما رأى أولئك منه هذا الحال علموا أنَّ الفتنة واقفة على الأبواب، فتسللوا زُرَافات و وحدانا، و اجتمعوا بنهروان لينظروا في أمرهم، فبالأمس ابتلى الناس بعثمان و أحداثه، و اليوم تأتيهم بلية أكبر من الأولى، و هي أنَّ إمامهم يلقي إمامته من عنقه إلى الحكمين يحكمان فيها بما شاءا، و أصبحت الإمامة تلك المدة و هي عدم، إذ أخذت عليها العهود و المواثيق. (1/202)
صفحة 202
و بهذا ونحوه قام النهروانيون بإمامة جديدة، فرأى الأشعث و سيده معاوية أن الخطر هنا وقف، و أنَّ عليا انحلَّ أمره، و انتهى دوره، فلم تعد له سلطة يقوم بها، و إذ ذاك نسجوا المكيدة للقضاء على هؤلاء ؛ لأنَّهم أهل الغيرة على الحقَّ، و من غَيْرَتِهِمْ خروجهم إلى النهروان، و انيحازهم هناك لا سيما عندما شاع أنهم بايعوا عبدالله بن وهب الراسبي، و أنهم يزيدون كل يوم، خافوا استفحال خطبهم، فلم يزالوا يتآمرون عليهم، ويعملون المكائد التي يتوصلون بها إلى القضاء عليهم، و عندما تَمَّتْ لهم هجموا عليهم في صلاتهم، فقضوا عليهم، ولما انتهى أمر النهروان نجح معاوية في سياسته، و تَمَّ له ما أراد.
و تبين لعلي الغرض ,و لكن ماذا يفعل, و الأمر قد انقضى ؟، فطلب منهم [132] النصرة على عدوه فلم يجدها، و امتلأت القلوب عليه حِقْداً من نواحي عديدة أهمها:- خلع الإمامة إلى الحكمين، و ثانية قتله أهل النهروان الذين فَرُّوا إلى الله بدينهم، غير مَاسِّين بعرض علي، و لا جارمين عليه بشيء ما، إلا أنَّهم خرجوا عنه فبايعوا إماماً غيره، و هنا ظل صرح إمامة علي يتدهور و ينهار، حتى قام له عبد الرحمن بن ملجم المرادي (2) من أهل مصر فقضى عليه، فقامت قيامة اللعن، و السب، و الشتم على النهروانيين، و ملئت الكتب بالقدح فيهم، و في من يقول فيهم كلمة خير، أهكذا الحق ؟!، أهذا من الإيمان ؟!، أهكذا يرضى الله في عباده ؟!. (1/203)
صفحة 203
و لم يزالوا تلفق فيهم الأحاديث المكذوبة للحكم بضلالهم (3)، و تبرئة قاتلهم، و ليسوا في شيء من ذلك، و لكن الأهواء المضلة لها حكمها المنصور من أهل الباطل، و لا لَوْمَ على من تلاعب به الشيطان حتى تركه يعتقد في علي الألوهية، و التفوق على النبوة، و لكن الذين علموا الحقائق فزاغت بهم الأهواء إلى طريق غير صالح للسلوك، حتى كتبوا ما لا يحق لهم أن يكتبوا، ولكن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء و هو العزيز الحكيم.
كان النهروانيون سهام علي النافذة في مواقفه، و حروبه، و مشاهده كلها حتى خدع بالتحكيم، فقالوا يا الله العجب على ماذا نقاتلهم نحن إلا على تركهم كتاب الله، إذ بغوا بالخروج على الإمام العدل، فما باله الآن يرى الباطل حقاً، و الحقَ باطلاً، فإنَّ القوم في أزمة من سيوف المسلمين، يرونها تأكلهم أكلاً، و قد ضاق خناقهم، و هموا بالهزيمة، فعملوا هذه الحيلة التي رأوا أنَّ الرجل ينخدع لها ؛ لأنَّه معتمد على قوة المسلمين و أمرهم [133] جميعاً تحت رايته، و هو المطاع فحاولوا التملص حتى يعملوا أخت هذه، فوافقهم على ما أرادوا، فاحتار المسلمين من هذا الأمر الذي وقع فيه إمامهم المرتضى وأميرهم الولي فرأوى أن الحال الذي وافق عليه لا يجوز، و لما أجازه على نفسه انتهت إمامته، و لم يعودوا يأملون وفاقه إذ نهوه عن ذلك، ولم يقبل منهم، فكان الدائرة عليه بقطع أجنحته، فلما قضى عليهم عوقب بانهيار صرحه، و انكسار علمه، ثم أتمها الحسن فراحت الخلافة من علي و آل علي إلى يوم القيامة.
أُعطيت ملكاً فلم تحسن سياسته كذاك من لا يسوس الملك يخلعه (4) (1/204)
صفحة 204
و كان علي بن أبي طالب من علماء الصحابة و عبادها، إلا أنَّ حبه الخلافة أوقعه في ما وقع فيه من بلاءها، فلم يهتدي لسياستها، فإنَّه لما مات النبي - صلى الله عليه و سلم و آله - ما كان يرى لها غيره، و كان المسلمون لا يرونه لها، فلما تولاها أبو بكر تبرم و دخل في نفسه ما دخل من التأثير، حتى إذا استخلف أبو بكر عمر بن الخطاب بقي في نفس علي أنها فلته و سترجع إليه، فكان الأمر على خلاف ما ظَنَّ، فزاد تبرمه، و تَشَكِّيه، ثم لما جعلها عمر شورى وكان علي أحد الستة.
لو كان الأمر كما يقول الذين يرونها لعلي، و أنَّه مظلوم فيها من أول الأمر و ثانيه، ما باله لم يقم بالصحابة محتجاً، و فيهم الأنصار و المهاجرون و خيار الأمة، فإن كان ذلك العمل باطلاً ما باله يدخل فيه !، و ما باله لم يستصرخ المسلمين !، و ما باله لم يعترض على زعيم الشورى عبد الرحمن بن عوف (5) !، و ما باله لم يستدع [134] المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، ويقوم على رَدِّ الباطل ممن جاء به!، و المسلمون إذ ذاك متوافرون، و الإسلام ما قرَّ قراره بعلي و أبناء عمه، و إنما قرَّ قراره بسيوف الأنصار و المهاجرين، فما بال أناس لا يرون في الكون كله إلا على بن أبي طالب، و لا ينظرون إلا ما ينسب إلى علي بن أبي طالب، و لكن هذا كله غير كثير ممن يزعم أن علي وَصِيُّ النبوة، و أنَّ جبريل خان الأمانة إذ أرسل بالنبوة إلى علي فألقها إلى محمد !!!، سبحان الله من مثل هذه الأحوال !!!. (1/205)
صفحة 205
و الذي أَرَاهُ أَنَّ كل ما نُسِبَ إلى علي بن أبي طالب مما يخالف قانون القرآن، ويناقض المعقول هو منه بريء، و إنما عُلِّق عليه ذلك من الغلاة في حُبِّه، و الغلاة في بغضه، و الرجل بعيد من ذلك كل البعد، إذ لم يكن رجل دنيا، و لا رغبة له فيها، و إن كان له رغبة في القيام بالعدل فهذا شيء آخر، فقد قيل أنَّه لم يزل يقول " يا بيضاء و يا صفراء غري غيري لا تغريني " (6) أي لا أغتر بك بعلمي بأنَّك الداء الدفين.
ولما ابتلى بالأمارة، ابتلي فيها بأناس ظاهرهم معه، و باطنهم عليه، و ما قاتله معاوية إلا لأجل الدنيا، لعلمه أنَّ السواد الأعظم لا يرغبون فيه، وقد نجح معاوية في صدده، و مضى علي على وجهه غير راضٍ بالخداع، و المكر، و الدهاء، و لعلم معاوية أن علياً غير تاركه على إمارته، فلم يزل يلتمس له المداخل، التي سيرمى منها علياً بدهائه، و هذا هو الواضح من حاله، و لا خبرة له بحيل معاوية، و ما يحاوله من أمر الدنيا، [135] و الذي يظهر من قتله أهل النهروان أن معرَّة الجيش كونت الحيلة لذلك، إذ سار إليهم في حال أمن و رضى ؛ لقصد التفاهم معهم، فتقدم أهل السوء الذين اشتد حسدهم و بغضهم لأولئك الذين يخافون استفحال خطبهم، و قيام أمرهم، فيشنون عليهم الحرب.
و عندما وصل الإمام رأى المعركة تدور رحاها، و لا يدري على أي أساس وقع، و حينئذ لا يملك هو من الأمر شيئاً، حتى قضى على القوم، فهذا الذي أظنه من حال علي بن أبي طالب، و قد تعلق خصومه بظاهر الحال أنَّه هو الإمام، و ما يفعله جيشه فهو الفاعل له إذ هو السائل و المسئول. (1/206)
صفحة 206
و كم وقع مثل هذا في جيوش المسلمين و في جيوش أهل العدل، و انظر قوله - صلى الله عليه و سلم - " هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ " (7) إذ قال يا رسول الله متعوذَ تَعَّوذ بها، و كم لها من أخوات تقع مقصودة ,و غير مقصودة، فتنبني عليها أشياء، و يختلف الناس فيها، فيتحج بها قوم ,و يرفضها آخرون، أمَّا لو كان علي رجل دنيا، صحَّ حمل تلك الأحوال على حاله, و الغيب لله.
و على كل حال إنَّ البطانة السيئة توقع صاحبها في المهاوي من حيث لا يدري، فإن أعداء النهروانيين خلقوا لهم أشياء نسبوها إليهم ؛ ليهيجوا حفيظة الإمام، و يوعزوا قلبه عليهم، فتناولوا امرأة حاملاً فبقروا بطنها، و أخرجوا ولدها، وقتلوا زوجها، و جاءوا إلى إمامهم قائلين له هذه أفعال هؤلاء، و إنَّا نخشى على أهلنا و أولادنا منهم إذا خرجنا [136] و هؤلاء خلفنا، و الأولى قتال هؤلاء قبل كل شيء، و لما رأوا أن المراسلات بينهم و علي لا بدا أن يكون لها تأثير ما، و أنَّ علياً تقوده الديانة و ربما وافقهم، و ربما أيَّدهم فيستفحل خطبهم، و تقوى شوكتهم، فيكون الخطر الأكبر من قبلهم على معاوية، و لكن قم على القوم حيث هم الآن طلبوا مفاهمتك، فإن رأيت الحقَّ معهم سَلَّمْتَ لهم، و إن رأيت الحق معك أمكنك إرغامهم، فانخدع لهذه الزخارف البراقة، و انجرَّ بأرسانها (8) فكان ما كان. (1/207)
صفحة 207
و القوم مسرورون بمجيء الإمام إليهم، فأمنوا و اطمئنوا، وراح الكثير منهم لزيارة أهلهم, و تبشيرهم بالواقع، و لما وصلوا لم ير علي إلا صليل السيوف، و تساقط الرؤوس، و الأمر بلغ أشده حتى أفنوهم، ولم يبقى منهم أحد لا كما يقولون بقي منهم أربعة، فرَّ اثنان منهم إلى عمان، و اثنان إلى المغرب ليرسلوا بذلك سهام الطعن على هؤلاء الناس الأبرياء من القضية، الغافلين عنها، النائين عن مكانها، و لما قضوا عليهم في الحقيقة , قضوا على الشوكة الفعالة التي يخشاها معاوية، و يحذر خطرها.
=============================
(1) كذا بالأصل ولم أستطع تخريجه أو فهم معناه
(2) عبد الرحمن بن ملجم المرادي الحميري (ت40هـ)فاتك ثائر , من أشداء الفرسان , أدرك الجاهلية , وهاجر في خلافة عمر ,وقرأ على معاذ بن جبل فكان من القراء وأهل الفقه والعبادة , شهد مع علي صفين ,ثم خرج عليه ,وهو الذي قتل علي بن أبي طالب، كمن له عند صلاة الفجر فضربه ضربة سيف مسموم فمات بعد فترة، وقتل بعد موت علي بن أبي طالب. الاعلام ( 3/ 339)
(3) مثال ذلك ما حكاه المبرد عن المهلب بن أي صفة حيث أنه وضع أحاديث في الخوارج وذلك عندما كان القتال بينهم على أشده. أنظر الكامل ( 2/ 231).
(4) لم أستطع تخريجه
(5) عبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف الزهري القرشي ( 44ق هـ - 32 هـ ) أبو محمد، صحابي، من أكابرهم وهو أحد العشر المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة فيهم، وأحد السابقين إلى الإسلام، شهد بدرا وأحدا و المشاهد كلها. الأعلام ( 3/ 321).
(6) أخرجه الطبراني في الاوسط (4/364) رقم 3934 أنظر في فضائل الصحابه (1/531 و 884 ). (1/208)
صفحة 208
(7) أخرجه مسلم في (1 - كتاب الإيمان 41 - باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال : - لا إله إلا الله ) ( 1/ 96) رقم 158 واخرجه ابن ماجه في ( 36 -كتاب الفتن 1- باب الكف عمن قال : لا إله إلا الله )ص564رقم 3930وأخرجه أحمد بن حنبل في المسند (15/81)رقم 19822وفي (16/101)رقم 21699وأخرجه الحاكم في المستدرك(3/125)رقم 4599وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (2/176)رقم 1723وأخرجه البهيقي في السنن الكبرى(8/36)رقم 15847وأخرجه أبي يعلى (3/91)رقم 1522وأخرجه ابن أبي شيبه(5/55)28923.
(8) أرسان جمع رسن وهو الحبل {مختار الصحاح /102}مادة رسان.
--- (1/209)
صفحة 209
وكان ذلك عين الواقع فإنَّهم انسحبوا بعد ذلك إلى أماكنهم، و وضعوا السلاح، فاستنهضهم علي لحرب معاوية، فلم ير منهم إلا التثاقل و التراخي، إذ في أنفسهم أن علياً لا تقوم له قائمة، و خطر النهروانيين قد زال، فأقبلت أمور علي تمشي القهقرى، و ظلت تتنازل كل يوم، و تضعف حتى سقطت هيبته، فعند [137] ذلك جاءه ابن ملجم المرادي فقتله، و انتهت إمارته، و زالت عن الحسن، وقد قضى عليه أيضاً.
وفي كل هذه الأحوال تكون الأمور في صالح معاوية ليظهر صدق قول رسول الله - صلى الله عليه و سلم - في الخلافة و الملك العضوض (1)، و لله أمر هو بالغه رغم كل أحد، فاسمع ما يقوله علي لأهل العراق بعد قضية النهروان، لما رأى أن لا غرض للقوم إلا قتل أهل النهروان، و لما قتلوهم انتهت مهمتهم كما أخبرتك، فغمدوا سيوفهم، و تعللوا بالعلل.
جاء في "الإمامة و السياسة" : " دعا علي رؤساءهم و وجوههم, فسألهم عن رأيهم, و ما الذي ثبطهم ؟ " قال " فمنهم المعتل, و منهم المتكره ,و أقلهم من نشط ", و هذا صريح عن القوم "فقال لهم على بن أبي طالب عباد الله ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة بدلاً، و رضيتم بالذل و الهوان من العز خلفاً، كلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم، كأنكم من الموت في سَكْرَةٍ، و كانت قلوبكم قاسية... إلخ ".
قلت : لما لا تقسوا قلوبهم، و تلك أفعالهم في إخوانهم المؤمنين، و أما قلوب المؤمنين فلن تقسوا حتى يفارقها الإيمان، كما شهد بذلك القرآن. (1/210)
صفحة 210
قال علي:- " فأنتم لا تعقلون، و كأنَّ أبصاركم كمه (2)، فأنتم لا تبصرون، لله أنتم ,ما أنتم إلا أساود روّاعة (3)، و ثعالب روّاغة عند الناس، تُكادون و لا تكيدون، و تنتقص أطرافكم فلا تحاشون، و أنت في غفلة ساهون، إن أخا الحرب اليقظان.
أما بعد:- فإنَّ لي عليكم حقاً، و لكم عليّ حق " ,ثم أخذ يشرح لهم ذلك إلى أن قال " أيها الناس المجتمعة [138] أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، ما عَزَّتْ دعوة من دعاكم، و لا استراح قلب من قاساكم،كلامكم يوهي الصُّم، (4) و فعلكم يطمع فيكم عدوكم، إذا أمرتكم بالمسير قلتم كيت و كيت ", نعم أما مسيرهم إلى النهروان لقتال المؤمنين أنصار علي وشوكته, الثابتين على الحق, المعادين للباطل ,الذين هم الخطر على معاوية، كان بغاية النشاط كما عرفت، فلما قضى الأمر المطلوب، و راودهم لحرب معاوية هذا صار حالهم.
كما يقول علي الإمام:- " أضاليل في أعاليل، هيهات, لا يدرك الحق إلا بالجدِّ و الصبر، أي دار بعد داركم تمنعون؟، و مع أي إمام بعدي تقاتلون ؟، المغرور من غررتموه ", و هذا نص منه صريح أنهم غروه بقتال إخوانه، حين تحقق الأمر، و رأي بعد ذلك تقاعدهم عنه إلى أن قال:- " و من فاز بكم فاز بالنصيب الأخيب، أصبحت لا أطمع في نصرتكم، و لا أصدق قولكم، فرق الله بيني و بينكم، و أعقبني بكم من هو خير لي، و أعقبكم بعدي من هو شر لكم مني " (5).
فانظر في هذا الكلام الذي يوجهه إليهم، و اعتبرهم كذا بين لا يقدر أن يعتمد عليهم حتى دعا عليهم بتفريق الكلمة بينه و بينهم، و بما هو العاقبة بعد ذلك، و هذا دأب أهل الدنيا لا يراعون إلا مصالح دنياهم، و للحقَّ أهل غير أهل الدنيا. (1/211)
صفحة 211
فمالك يا علي بن أبي طالب و المسلمون كثيرون، فاطلب أهل الحقَّ، و اترك أهل الباطل، ففي مدينة الرسول رجال، و في مكة أبطال، و في بقية بلاد الإسلام من يجيب دعوتك، و يلبي نداءك في الحجاز، و في مصر،و في بلاد الله من أهل الحق من تشد به عضدك، اترك أهل العراق و قد عرفت عنهم شيئاً [139] يكفي لتركهم.
و من كلامه لهم، يقول في معرض التهديد: " أما أنكم ستلقون بعدي ذلاً شاملاً، و سيفاً قاتلاً، و أثرة يتخذها الظالمون بعدي عليكم ", و هو يشير بهذا إلى معاوية و أعوانه من الأمويين، و المعنى إنِّي علمت أنكم لا تراعون الحق، و لا تختارون أهله، و لا تقلون الصدق, و لا ترضون به بدلاً من الباطل، إذ كنتم تحرضوني على قتال النهروانيين، و تقولون بعدما نقضي عليهم نتوجه لحرب معاوية، فمالكم وقد بلغتم مرادكم في النهروانيين تتثاقلون عن معاوية و أهل الشام، و هم الذين أشار إليهم بقوله:- " الظالمين ", و أنهم سيفرقون جماعتكم و تبكي عيونكم، و يدخل الفقر بيوتكم، فتتمنون و الله عندها لو رأيتموني " إلى أن انتهت الخطبة على هذا الوضع مشحونة بالتأنيب و التوبيخ والتقبيح، إلى أن اعترضه الأشعث بن قيس قائلاً : " فَهْلَّاَ فعلت مثل ما فعل عثمان ؟ ", قال له علي:- " و يلك أفكما فعل عثمان رأيتني أفعل عائذاً بالله من شر ما تقول، و الله إن الذي فعل عثمان لمخزاة على من لا دين له، و لا حجة معه إلى آخر ما أجابه به " (6).
و المعنى أنَّ ما فعل عثمان كله فساد و ضلال، و أمَّا ما فعله من تغير سنة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فهو ضلال، و أما ما فعله من كونه حصر و اقتحموا عليه سور بيته، فإن كان مُحِقٌّ فقد ترك الدفاع عن نفسه وحرمه، و ليس له ذلك شرعاً، و إن كان غير محق فالأمر أشد. (1/212)
صفحة 212
و لما رأى أنَّ القوم مائلون إلى أمرة معاوية و طاعته وتحقق ذلك قال لهم:- " لا تكرهوا إمرة معاوية, فإن إمرته سلم [140] وعافية ", أي لا ينافسه أحد، لأنَّكم منذ الآن و أنتم مائلون إليه، تاركون لإمامكم قبل أن يترككم.
و آخر ما انتهى إليه أمر علي في هذه الخطبة أن قال لهم حين سألوه عمن يكون بعده (فقال:- )" أمَّا الحسن صاحب خِوَان (7)، و فتى من الفتيان، و لو قد التفت حلقتا البطان (8) لم يغن عنكم في الحرب حثالة عصفور (9)، و أما ابن أخي عبدالله بن جعفر فصاحب لهو، و أما الحسين و محمد -أي ابن الحنيفية - ابناي فأنا منهما و هما مني ", (10) فهذا كلامه فيهم، و هو أعرف بهم.
و لذلك فإنَّ الحسن بايعه بالخلافة فريق من الناس، فأحال البيعة لمعاوية،و اشترط على معاوية ما اشترط، وكان من المحال الوفاء بشيء من شروطه، و من أعان ظالماً سُلِّطَ عليه، فما رضي الحسن إلا أن يكون في أعمال معاوية، فبدل أن يضع في يده ذا الفقار، و ضع الشروط في الصحيفة الفارغة، و سلم خلافته إلى معاوية، و يقال دَسَّ عليه السم فقتله، كما جاء ذلك في الأخبار عند أهل العلم الصحيح النقل. (1/213)
صفحة 213
و باستقراء التاريخ, و النظر فيه بتمحيص, يجد الناظر أن إمامة علي بن أبي طالب كان لها أكبر مؤثر قتل أهل النهروان، فإنَّه ما رجع علي إلا مخذولاً، و لما قتل عبدالله بن وهب ,و أصحابة في النهروان, أدرك علي بن أبي طالب سقوط الأمر من يده، فلم يكن من أهل العراق إلا رفض علي بن أبي طالب، فإنَّه كلما استنهضهم قعدوا، و كلما حركهم سكنوا، ولم يزل بهم في المجامع و هو يخطبهم، و كأنه يضرب في حديد بارد، حتى قابله قائده الأكبر الذي ظاهره معه، و باطنه عليه، الأشعث بن [141] قيس:- " هلا فعلت مثل ما فعل عثمان ", أي تقعد في بيتك مثل ما قعد عثمان في بيته، و قصده أن يكف علي عن حرب معاوية، فإنَّ الأمر قد تم بقتل النهروانيين، وسهلت الأمور التي كانوا يحاولونها لمعاوية.
و في" الإمامة و السياسة " من الفلتات المعربة عن الحقائق عند من يفهمه كثيرة، و لعلهم يظنون أن الإباضية و نحوهم لا يفهمون معاني الكلام الذي يحررونه. (1/214)
صفحة 214
و لم يزل علي على هذا الحال يتمنى حرب معاوية و أهل الشام، و لكنه لم يجد له أعواناً، ولم ير له أقواماً، حتى هجم عليه عبد الرحمن بن ملجم المرادي فقتله، و قبض عليه فأدخل عليه بعد ضربه إياه " فقال علي : أطيبوا طعامه و شرابه، و ألينوا فراشه فإن أعش فأنا ولي دمي، إما عفوت و إما اقتصصت، و إن مت فألحقوه بي، " وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ " (11)، قالوا وبكت أم كلثوم, و قالت لابن ملجم : (( يا عدو الله, قتلت أمير المؤمنين ))، فقال : (( ما قتلت أمير المؤمنين, و لكني قتلت أباكِ ))، أنكر أن يكون قتل أمير المؤمنين أي أن علي إذ ذاك لم يكن أمير المؤمنين، حيث خلع الإمامة من عنقه إلى الحكمين، و لم يعد بعد إماماً،"قالت أم كلثوم : (( و الله إني لأرجو ألا يكون عليه بأس ))، فقال لها : ((و لم تبكين إذاً ؟ و الله قد أرهفت السيف، و نفيت الخوف، و جبت الأجل - أي قطعته -، و قطعت الأمل - أي غير أمل حياة -، و ضربت ضربة لو كانت بأهل المشرق و المغرب لأتت عليهم )) قال:- " و مكث علي يوم الجمعة و السبت, و توفي ليلة الأحد، و غسله الحسن, و الحسين, و محمد [142] بن الحنيفية، و عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، و كفن في ثلاثة أثواب، و صلى عليه ابنه الحسن، و دفن في قصر الإمارة بالكوفة.
و أخذ ابن ملجم ,و قطعت يداه، و رجلاه، و أذناه، و أنفه، ثم لسانه، فجزع عندما عالجوا لسانه بالقطع فقالوا له في ذلك، فقال جزعت لانقطاع الذكر بها، (12) و مثلوا به خلافاً لما أوصى به علي ". (1/215)
صفحة 215
و ليتهم لم يفعلوا فإنَّ التمثيل حرام، نهى عنه رسول الله (13) - صلى الله عليه و آله وسلم -, و ماذا يجدي التمثيل، و الأولى بمثل هؤلاء و أضرابهم الوقار خصوصاً في مثل هذه الأحوال، و الاحتشام, و رعاية وصية الوالد، و الثبات في الأمور كلها، فهم لم يراعوا وصية والدهم الحنون، و لا راعوا واجب الشرع، وهما أمران كبيران، فانظر لو كان المقتول أحد الأولاد و المقتص علي بن أبي طالب، أكان يفعل هكذا ؟ لا و الله حاشاه، و الأمر لله، و إنما تمتاز الرجال بالأفعال.[143]
====================================
(1) أخرجه البهيقي في السنن الكبرى (8/275)رقم 16630وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (1/156)367و(20/53)رقم 91و(22/223)رقم 591وأخرجه أبو داؤد الطيالسي (1/31)رقم 228 وأخرجه أبو يعلي الموصلي (2/177)رقم 87.
(2) كمه :-جمع آكمه,وهو الذي ولد بدون عينين,ومن ذلك قوله تعالى "وتبريء الكمة والأبرص بأذني "{القاموس المحيط /1616{ مادة كمه.
(3) روّاعة :-خوافة جمع رواع , وهو شديد الرَّوْع وهو الخوف {لسان العرب,6/264}مادة روع.
(4) الصم:-جمع أصم,والمراد الجبال الصم وهي الشديدة الصلابة,ويوهي يضعف {القاموس المحيط/1458} مادة ص م م
(5) الإمامة السياسية {1/129-130}.
(6) الإمامة والسياسة (1/130-131)
(7) صاحب خوان:- الخوان :- الذي يؤكل عليه أو المائدة,والمعنى رجل كرم وإطعام.{لسان العرب,5/184}مادة خ و ن.
(8) التقت حلقتا البطان :-البطان:- الحزام الذي يلي البطن أو المقصود من الجملة إذا اشتد الأمر لسان العرب {2/106}مادة(ب ط ن )
(9) حثالة عصفور :-كناية عن عدم الجدوى والنفع.لسان العرب (4/35)مادة ح ث ل
(10) الإمامة والسياسة (1/132)
(11) البقرة : 190.
(12) الإمامة والسياسة (1/138-139). (1/216)
صفحة 216
(13) أخرجه مسلم في (32-كتاب الجهاد والسير2-باب تأمير الإمام والأمراء على البعوث)(3/1357)رقم 1731(3),وأخرجه الترمذي في (22-كتاب السير 48-باب ما جاء في وصيته صلى الله عليه في القتال)(4/162)رقم1617وأخرجه أبو داؤد في (15-كتاب الجهاد 82-باب في دعاء المشركين )ص 377رقم 2613,وأخرجه ابن ماجهفي (24-كتاب الجهاد 38-باب وصيته الإمام)ص 412 رقم 2857,وأخرجه الارمي في (17-كتاب الجهاد باب النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو)ص297رقم 974,وأخرجه أحمد بن حنبل في المسند (3/218)رقم 2728.
--- (1/217)
صفحة 217
[المقام الرابع]: حكم الظالم في نظر المسلمين
[الشرح ]
اعلم أنَّ الظَّالم عندنا كما هو عند الله عز و جل، خليع لا حرمة له، كما في سيرة الصحابة - رضوان الله عليهم -، و نحن سيرتنا فيه سيرتهم، و قولنا فيه قولهم، لا نرضى أن يكون لنا قدوة، و قد أبعده الله من مقامات أهل الفضل، قال الله عز و جل لنبيه إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام -:- " إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا " أي قدوة، قال - صلى الله عليه و سلم - :- " وَمِن ذُرِّيَّتِي " , أي اجعل لي من ذريتي لهم قدوة، فأجابه تعالى:- " لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " (1) , فقد لعن الله الظالم و ندد به، وَوبَّخَهُ وَقَّرعَهُ، و سماه كافراً و فاسقاًً، و أوجب له النار, و بئس المصير، و لم يقربه من مقامات أهل الحق في جميع الأحوال " مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ " (2)، " وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " (3)، " وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ " (4) في أمثالها.
فسيرتنا معشر الإباضية سيرة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، و سيرة الصحابة هي سيرة الرسول - صلى الله عليه و سلم -، و سيرته - صلى الله عليه و سلم - إبعاد الظالم ,و تباعد منه، لأنَّه عدو الله بظلمه، و عدو المسلمين.
و سيرة الإباضية إتباع الحق في المكره, والمنشط، و العسر, واليسر، و الكون معه في الضيق والسعة، و هذا أمر مشاهد يشرح التاريخ [144] ماضيه، و يُعْرِبُ الحال عن حاضره و آتيه، فهل سمعتم أو رأيتم أمة من أمم الإسلام طيلة القرون الماضية من يؤيد الإسلام تأييد الإباضية له ؟ (1/218)
صفحة 218
فكم نصبوا الأئمة في عمان لإجراء الشريعة الغراء مجراها، و إعادة قواعد الدين في أساسها و مبناها، و كم قام الإباضيون بنواحي حضرموت طيلة ستة قرون عرفها التاريخ الإسلامي في رشدها و هداها، و كم علت رايات الحق بمغربنا العامر بالإباضية الفطاحل، الذين تَخِرُّ لهم رؤوس الأمم رغم عِتْوَهَا و طغواها، فتراهم جَمَاعات في جُمْعَات، و حدوداً في واجبات، لا محابة لظالم في الدين، و لا طاعة لمخلوق في معصية رب العالمين.
إنَّ كل ظالم في نظر الإباضية خليع لا حقَّ له على المؤمنين، و لا إجابة لدعوة تبعد عن الحقِّ المبين، خلاف ما عليه غيرنا من سائر قومنا الذين يخضعون لطغاة الغشم وعُتَاة الظلم، أما الإباضية فكان ذلك منهم تبعا لقوله عز و جل :-" وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ " (5).
والمراد بالظالم في نظر الإباضية هو كل من خالف الحقَّ، أو تسلَّط على الأمر بغير مشورة المسلمين، و من تَوَّلَى أمرهم بالقهر في الدين، و الخليع من لم تثبت له بيعة من الهداة المتقين، ولا ارتضاه أعيان المؤمنين، و زعماء الملة والدين.
و من حكَّم هواه ,و حَكَمَ بغير ما أنزل الله، ومن اصطفى لنفسه ما منعه الله منه ,أو جرى على غير ما أنزل الله, أو سار في حكمه على منهج الاغتصاب أو الاستبداد، و من لا ولاية له عند المسلمين، فهو داخل في عِدَادِ الظَّالمين، و من [145] تولى الأمر بحق فذهب به مذهب أهل الزيغ، أو عَمِلَ فيه بعمل أهل السوء، و من فارق منهج أهل الحق في أي نقطة من النقاط فهو ظالم خارج عن الدِّين، و من توَّلى من أمر الله بالبراءة منه فهو ظالم، و من أعان ظالماً كذلك، و من أيَّد ظالماً في ظلمه ,و لو بكلمة فهو ظالم حتى يتوب ويرجع، فإنَّ الله أمر بالتباعد من أهل الظلم، و من الركون إليهم، و الكون معهم، في آيات القرآن، وفي أحاديث سيد آل عدنان - صلى الله عليه و سلم -. (1/219)
صفحة 219
و إننا نعجب من قومنا الذين يشهدون بأنَّ معاوية قام على الإمام علي بن أبي طالب، و هو إمام بالإجماع، فجر عليه الجيوش، و جاهر بالبغي الصريح، و قتل آلاف الرجال من المسلمين، و مَزَّقَ شَمْلَ الدِّين، و سَمَّ الحسن بن علي، و كاتبه على أشياء فخانه فيها، و فعل في الإسلام الشنائع، و افترض على الناس لعن علي بن أبي طالب في المجامع, و على المنابر، و عاقب من لم يفعل ذلك، و هم يترضون عنه، و يتولونه، كأنَّ لم يكن فَعَلَ شيء يُنْكَرُ، و يعيرون جانبه إجلالاً ,و احتراماً، و تلك الأفعال التي يذكرونها لا قيمة لها عندهم، و لا يتبرمون منها، و الله يقول في كتابه العزيز:- " أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ " (6)
فَلِمَ ذا يا قوم ؟ و هل يمكن أن يفعل إنسان الخير, والشَّرَّ, و يرتكب هذه المراكب الخَطِرَةِ، و يفعل هذه الأفاعيل المنكرة، و يتولى في الدين؟!!، إنَّ هذه أشياء متناقضة لا يقول به عاقل، و لا يعتمد عليها إلا جاهل !!!.
و من هنا يظهر أنَّ [146] مذهب الإباضية أَنْزَهَ المذاهب,و أَطْهَرَهَا، لا يقبل الجاهلين إقتداءً, و لا يتبع الظالمين اعتداءً، و لا يرضى الرجال الذين هذا حالهم، و رضيهم قومنا ؛ لأنَّ معتقدهم قاضٍ بأن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه و سلم - دخل الجنة، و منه أن وزن الحسنات والسيئات بالميزان ثابت عندهم، و إن الحسنة بعشر أمثالها، و السيئة واحدة فقط، فكم بينهما من التفاوت. (1/220)
صفحة 220
و بأنَّ الخروج من النار للعصاة صحيح لديهم، و أنَّ شفاعة رسول الله - صلى الله عليه و سلم وآله - ثابتة لهم، فإذا كان اعتقادهم هذا هان الخطب عندهم، و سَهْلَ الأمر لديهم، فإنَّ من لا يدخل الجنة بلا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه و سلم - وحدها، دخلها بوزن الأعمال إذا رجحت أعماله، و لا شَكَّ ترجح فإن واحدة بعشر، و واحدة وحدها فهي مرجوحة بالعشر، و إلا ولم يصح الرجحان ,فبالشفاعة من الرسول الأعظم - عليه الصلاة والسلام - له، و إلا و لا بد من دخول النار والعياذ بالله, فإنَّه يعذب فيها بقدر عمله.
فهذه الأحوال هي التي هَوَنَّتْ الخَطْبَ معهم، و فَرَجَتْ الأزمة لديهم،و جرَّأتهم على ركوب المعاصي، و هَتْكِ محارم الله عَزَّ و علا، و التساهل في حدود الإسلام، و لذلك تراهم لا يتبرمون من أي الذنوب، سبحان من كل شيء يصير إليه، و إن الحقَّ في طاعته.
إنَّ داء الحسد و الهوى لا علاج لهما من الإنسان، بل هما ممتزجان بحياته عالقان به، فلا ينفك منهما، و الحسد داء دفين، و احتجاب العقول عن فهم مدلول النقول من الخذلان الذي يُهلك به صاحبه. (1/221)
صفحة 221
انظر إلى معنى الظلم في [147] القرآن، و إلى ما وَعَدَ الله به الظالمين، و إنَّ الوَبَالَ نازل عليهم، واعلم أنَّ العقل المستنير لا يَشُكَّ أَنَّ الهلاك و دمار من صفات الظالمين، و انظر في قوله عز و جل :- " مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ " (7) , و أن الظالمين هم أصحاب النار، فإذا كان القرآن ينفي أن يكون للظالمين حميم أو شفيع، فبذلك تنقطع العلاقة, و لو كانوا أبناء النبيين، و إذا كان القرآن ينفي أن يكون لهم شفيع يطاع، فأين الشفاعة التي يدعيها المدعون من قومنا؟!!، و أثبتها أولئك مراغمة بصريح القرآن في نفيه لها !!، و جاءوا بتقول من عند أنفسهم , ما أنزل الله به من سلطان، و خلقوا لهم شفاعة تقولوها على الملك المنَّان، و مصادمة لسيد الأكرم الذي يقول:- " لَيْسَتْ شَفَاعَتِي لأَهْلِ الكَبَائِر مِنْ أُمْتِي " (8) و لا نجاة لصاحب كبيرة إلا بتوبة الصادقة, و الطاعة لله عز و جل، و الله أغنى الأغنياء عن الشرك، و لا شك أنه أي ما أشرك فيه غيره فهو غني عنه، بل و عن كل شيء، و لا شك أنه تَوَّعَّدَ الظالمين بالعذاب الأليم، و حكم لهم بأقسى ما يعلن من الأحكام في هذه البرية و الله خير الحاكمين، فكم هدد القرآن الظالمين مطلقاً، و لم يخص ظالماً من ظالم، فإن الظلم كله متوعد عليه من إله السماء ولأرض.
و كذلك السنة النبوية جاء فيها النص الصريح و الحكم الصحيح الذي يقضي على كل ظالم بالهلاك، قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم و آله - " اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، و حملهم على أن [148] سفكوا دمائهم و استحلوا محارمهم "، و قال أيضا - صلى الله عليه و آله وسلم - " اتقوا دعوة المظلوم فإنها ليس لها عن الله حجاب " و لا يكون المظلوم مظلوماً إلا إذا كان له ظالم، فإن دعوة المظلوم تحل على الظالم. (1/222)
صفحة 222
و إن الظلم سواء كان في الحال أو المال، و سواء كان في عرض، أو خلق، أو أي حق من حقوق الإنسانية فهو حرام، لا يرضاه الله عز و جل مهما كان، و قد بعث الله الأنبياء لرد الظلم عن مجاريه، و كلَّف الله العباد التكليف، و فرض قتال من زاغ عن الحق، فإنه ظلم، و إن الظلم هو البوار، و هو داعية الدمار، و به تهلك الديار، و تنقص الأعمار، و ينقطع الغيث المدرار، و يشتد به على العباد الضيق الشديد، و ترفع به البركات إجماعاً.
فأي خير يكون من الظالم، و هل جهنم إلا لأهل الظلم، و هل حارب الشارع إلا المظالم، و قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - " اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة "، " اتقوا دعوة المظلوم و إن كان كافراً، فإنها ليس لها دون الله حجاب "، الآيات_و_الأحاديث" اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام يقول الله : وعزتي و جلالي لأنصرنك و لو بعد حين " هذا حال الظلم، و غضب الله عليه.
وعليه متى يكون الظالم مرضي عند الله عز و جل، و هذا مقام نبيه صلى الله عليه و سلم فيه، فهل تعقل شفاعة الرسول - صلى الله عليه و سلم - لمن هذا حاله، حاشا وكلا، لا يرضى الله أهل الظلم و لا ينالون رحمته، حتى يتوبوا، فإذا تابوا فالله يقبل توبة عبده.[149]
و انظر قوله " إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " (9) ألا تفهم منه غضب الله عز و جل على الظالمين بحيث نفى عنهم قومهم، سواء كانت إمامة أو نبوة، و المراد به عهد خير، فأين شفاعة رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - للظالم على هذا الحال، و قد ورد في الظالم من النص القرآني ما لا يحتمل أي تأويل و لا يقبل أي قيل. (1/223)
صفحة 223
فالإباضية ضد كل ظالم، و لذلك تراهم ينصبّون الأئمة لقصد رد الظلم عن مجاريه، التي لا يرضها الله عز و جل، و يحكمون بتغريق أموال الظلمة في كل جيل منذ عهد الصحابة إلى عهدنا هذا، و ليس لغير الإباضية هذا الحال، و لا تحدث عنه التاريخ في أمة من أمم الإسلام بعد الصحابة الكرام كما في أيام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، و سيأتي لهذا المقام مزيد بحث إن شاء الله.
و قد ثبت عند علماء الحديث قوله - عليه الصلاة والسلام - " قتال المسلم أخاه كفر، وسبابه فسوق " و في الجامع الصغير من حديث سعد " قتال المسلم كفر، وسبابه فسوق، و لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام "، فتراه أثبت الكفر في قتال المسلم، و جعل سبابه فسوقاً أي خروجا من الدين، و منع هجره فوق ثلاثة أيام، و في حديث " ثلاث ليال "، ففيه رد على قومنا من ثلاث جهات، وقوله فوق ثلاث فالصحيح لا مفهوم للعدد فلا يحل لأحد أن يهجر أخاه يوماً واحداً ما لم يكن في طاعة الله عز و جل، [150] فهذا في هجره، فكيف بقتله.
================================
(1) البقرة : 124.
(2) غافر : 18.
(3) آل عمران : 57.
(4) آل عمران : 192.
(5) هود : 113.
(6) القلم : 35-36.
(7) غافر : 18.
(8) رواه جابر بن زيد مرسلاً,انظر مسند الإمام الربيع الجزء الرابع ,ص 379رقم 1004.
(9) البقرة : 124.
--- (1/224)
صفحة 224
وقتال المسلمين من الأنصار و المهاجرين لا يعيره قومنا أذن واعية، وقد علموا أنَّ معاوية بن أبي سفيان خرج على علي بن أبي طالب الإمام التي ثبتت إمامته بإجماع المسلمين، وسفك دماء الأبرياء من المؤمنين، و إذا مرت هذه الأحوال على علماء قومنا قالوا تلك أمور اجتهادية، و لم يعيروها أدنى شيء كأنَّها لم تكن شيئاً مذكوراً، و يذكرون أنه دس على الحس بن علي بن أبي طالب امرأته لتسقيه السم على أن يتزوجها ابنه يزيد، و يسوق إليها مالاً يغنيها و عشيرتها ففعلت ولم يوف بشيء و هذا كله مغتفر عند قومنا، و لا يتبرمون منه، بل يُسوِّغونه بدعوى الاجتهاد، فيتولون القاتل و يرضون عنه.
وقتال معاوية يرتكز على طلب الملك لا لشيء آخر أبداً، و قد قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - لعمار بن ياسر - رضي الله عنه - " تقتلك الفئة الباغية "، فسماهم بغاة، و لم يسمهم مجتهدين، ألمثل هؤلاء يرتضي الله لهم و يرضى عنهم، و هذه أفعالهم ؟؟!.
و لعله من حيث كونه صحابياً، فمعني الصحابية لا يغني إلا مع الاستقامة في الدين، ألا تسمع لقول الله لنبيه - عليه الصلاة والسلام - " لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ " (1) فأين معنى الصحابية إلا مع الطاعة وحسن الامتثال، وقد أمر الله عز وعلا رسول الله - صلى الله عليه و سلم - أن ينذر عشيرته الأقربين، وهم صحابة، وفوق معنى الصحابية القرابة، و خص بإنذارهم حتى لا يحيك بأذهانهم معنى القرابة، فيعتقدون لها مزية خاصة، قال الله تعالى [151] له : " وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ " (2) أي خصهم بالإنذار علناً بعد الإنذار العام لعموم المسلمين، فهم ومن إليهم من أخصائه الأحبين حتى ابنته فاطمة الزهراء يقول لها : " سليني عن مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً ". (1/225)
صفحة 225
و انظر ما معنى الإنذار مع كون عشيرته الأقربين صحابة السيد الأمين فقد جمعوا الإسلام و الصحبة و القرابة، و لم يكف ذلك من إنذارهم خصيصاً لئلا يظنوا أنهم أقرب من غيرهم عند الله، فتبين أنه لا قرب إلا بالحق، و لا بعد إلا بالباطل.
وهل أصحابه - صلى الله عليه و سلم - إلا الموفون بدينهم الثابتون على دعائم الاستقامة، و أعمدة العدالة، و الالتزام الحق، أيكفي أن يكون الإنسان من الصحابة جار أو عدل، لا سيما من ظهر منه ارتكاب ما حرم الله من خداع المؤمنين و خيانتهم، و الغدر بهم، و أن يبدل أحكام الله كما يهوى، و يفعل في عباد الله ما شاءت له الأهواء، أيكفي أن يكون الرجل صحابيا آمن بالرسول - صلى الله عليه و سلم - خان أم عدل ؟؟!.
لو كان الأمر كذلك فلِمَ يقطع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الأيادي، و يضرب الأعناق، و يرجم الزناة المحصنين، و يأخذ على أيدي المجرمين، و أكثر هؤلاء داخلون في عموم الأصحاب، وقد أسلموا على يدي رسول الله - صلى الله عليه و سلم -.
و كذلك قاتل أبو بكر - رضي الله عنه - مانعي الزكاة و لم يكفهم إيمانهم و رؤيتهم لرسول الله - صلى الله عليه و سلم - [152]، إن كان معنى الصحابي من أسلم علي الرسول - صلى الله عليه و سلم - و رآه و جلس معه، و كذلك أفعال عمر، و لم يقولا إنَّ المجرمين صحابة لا تبعة عليهم و لا مسئولية على ذلك، و أفعال هؤلاء المحدثين في الإسلام أعظم من أفعال من ذكرنا، فإن هؤلاء قتلوا أخيار الصحابة و أتقياءهم كعمار بن ياسر و أمثاله، و عبدالله بن وهب الراسبي و أضرابه، و أمثال حرقوص بن زهير السعدي، و زيد بن حصين الطائي في أمثالهم من البررة المؤمنين. (1/226)
صفحة 226
ولا ريب فإنَّ قومنا يقلبون الحقائق، و يرضون بالقشر دون اللب، و إليك مثالا من ذلك لتعتبر به، (( جاء امرأة إلى عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها- تسألها قائلة له : أتجزي أحدنا صلاتها إذا طهرت ؟، و ذلك أنها رأت الحائض و النفساء تترك الصلاة في ذلك الحال، فسئلت أتكون صلاتها بعد طهرها كافية أم تجب عليها إعادة الصلاة أو تكفيرها كما يجب عليها قضاء رمضان في ذلك الحال، فاستنكرت عائشة -رضي الله عنها - هذا السؤال لما يرشح فيه من الاهتمام بأمر الدين والاعتناء به، وقال لها عائشة - رضي الله عنها- أحرورية أنتِ ؟ )) قال الشارح في معنى الحرورية : جماعة من الخوارج نزلوا قرية حروراء، قال وقولها أحرورية أنتِ ؟ تريد أنها خالفت السنة، و خرجت عن الجماعة كخروج أولئك عن جماعة المسلمين [153]. اهـ
و عائشة - رضي الله عنها - حاشاها أن تقول أو تريد أن الحرورية خالفت السنة، بل عرفت رسوخ قدم الحرورية في الدين، و فهمت من هذه المسألة تأسفها على ضياع دينها أيام نفاسها أو حيضها من حيث أن الحائض تدع الصلاة أيام حيضها، فاستفهمت عن ذلك أيكون كافياً، ولا تبعة عليها، فاستغربت أم المؤمنين - رضي الله عنها - إلا من الحرورية لشدتهم في دينهم، إذ هم خيار الصحابة - رضوان الله عليهم -، فكيف يوصفون بمخالفة السنة، وهل يصح أن يوصف خيار صحابة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بمخالفة السنة ؟؟ أليس الواصف لهم بذلك مخالف للسنة ؟؟! بشهادة رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، و قد ذكر القضية في الجزء الثالث من " تيسير الوصول الجامع للأصول " تأليف عبد الرحمن بن علي المعروف بـ " ابن الديبع " الشيباني الزبيدي الشافعي. (1/227)
صفحة 227
فانظروا معاشر المسلمين، على الأقل أما كان الأولى حمل القضية على الوجه اللائق بها، من حملها على مخالفة السنة، و رمي خيار الأمة بمثل هذا اللمز الذي يتألم منه من كان في قلبه ذرة من إيمان، و لكن قومنا تجاسروا على مثل هذا الحال، و ضللوا من شاءوا و لو كان محقاً، و أيدوا من شاءوا ولو كان مبطلاً،وعلىذلك تحقق أن الغاية من هذا الهوى المطاع، والله على لسان كل ناطق، و هو ولي التوفيق.[154]
==================
(1) آل عمران : 128.
(2) الشعراء : 214.
--- (1/228)
صفحة 228
[المقام الخامس]: طاعة الجبابرة تمنع من سلوك طريق الآخرة
هذا العنوان يدل على أنَّ الشارح يرى أنَّ طاعة الجبابرة ضلال، والضلال ينافي الحق، و أمراء الظلم بلاء على الأمة، إن أطاعتهم أضرت بدينها، و إن خالفتهم أضرت بدنياها، وهما أمران أحلاهما مر، قال - رحمه الله- :
[الشرح ]
اعلم أنَّ أمراء الظلم، و زعماء الضلال، و ملوك الغطرسة، و قادة الكفر الذين سيطروا على الأمة بعسفهم، و يتملكون الأمور بغشمهم، و لا يراعون واجب الحق، و لا يعرفوا ما يحل و ما يحرم، ملئت الغطرسة قلوبهم، و شمخت بالكبر أنوفهم، فهم الذين لا يبالون بأوامر الله مهما كانت، كمثل الحجاج و أضرابه، و معاوية وأترابه، و عبدالملك بن مروان، و السفاح وأمثالهم، و كسرى وقيصر، و الجلندى الذي يأخذ كل سفينة غصبا، و التبابعة و قوادهم ممن يتسمون باسم الملوك، و يصفون أنفسهم بالعدالة، و هم بعيدون منها بعداً محسوساً ومعقولاً، وإن ادعوا، و الدعاوى ما لم [155] تقيموا عليها بينات، أبناؤها أدعياء. (1/229)
صفحة 229
و عند هذا الحال قال علماء قومنا بوجوب طاعة هؤلاء الأمراء الذين هذه صفتهم، و لا يجوز الخروج عليهم، و لا الاعتراض، متعلقين بحديث " إن أحسنوا فعليكم الشكر، و إن أساءوا فعليكم الصبر " و لم يقل بهذا صحابة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فيمن قام بواجب الدين، وفتح الفتوح، و أجل قدر الإسلام، الذي عنده على الأقل ديانة وشريعة، ويبيت على محرابه متعبداً، حين انحرف عن الخطة الشرعية في بعض المواد، تنادوا عليه من شرق البلاد و غربها، حتى حصروه في بيته، وقتلوه بين ظهراني الأمة، و لم يقولوا كما يقول قومنا، اللهم إلا إذا كانوا لا يرون لهم ذلك، و لكنهم كانوا هم الحجة في الدين، و لذا لم يعارضهم في ذلك معارض، و لا قام ضدهم قائم من المسلمين، و الأحاديث التي جاءت من وراءهم لا يلتفت إليها.
و لما قالوا تلك المقالة نطيعهم حد الطاعة، و لا نرى الخروج عليهم لأحاديث يروونها فيهم، تجاسر أولئك العتاة الظلمة، و حكموا أهواءهم، و تحكموا فيما يشتهون حيث لم يروا لهم معارضاً، و لا لأعمالهم معترضاً، فتركوا حدود الله مضاعة، و حُرُم الدين مهتوكة، و حقوق الدين غير منظور إليها، و لا قيمة لأهلها، و لا رعاية لواجباتها مطلقاً.[156]
و اعلم أنَّا قدمنا فيما سبق أنَّ أمراء الظلم كل من تولى أمراً من أمر المسلمين، ولم يسر فيه سيرة المؤمنين، و لا نهج به مناهج الخلفاء الراشدين، و أول من سار في المسلمين بسيرة الجورة الظالمين بنوا أمية، و أولهم عثمان بن عفان حيث ولاه المسلمون على أمرهم، و حكموه على أنفسهم، و قاموا معه قيامهم مع صاحبيه، حتى غير، و بدل، و كان عليه من المسلمين ما علم. (1/230)
صفحة 230
ثم معاوية بن أبي سفيان حيث خرج على الإمام باغياً، و كان علي بن أبي طالب إماماً ثبت إمامته بإجماع المسلمين، و ما عدُّ عليه شيء يخالف الحق، و لو عدوا عليه شيئاً لقاموا عليه بالإنكار وناقشوه، حتى وقع فيما وقع فيه من التحكيم فخرجوا عنه، و دار بينه و بينهم ما دار من النقاش و الحوار، فخرج معاوية على الإمام الحق علي بن أبي طالب الذي قام بأمر المسلمين المجتمع على بيعته، المتفق على إمامته، فشق معه عصى الطاعة، و قام عليه بخيله و رجله، و خرج عليه خروج باغٍ على محق، فكان من أمره ما كان يعرفه كل أحد.
و هو الذي سنَّ سنة الخروج على أئمة العدل، كان أميراً على الشام بأمر الإمام، و لما رأى علي بن أبي طالب غير تاركه على ولايته، لما يلاحظه من عدم استقامته، و تحقق أنَّه معزول لا محالة تحيز إلى الحيل و المكائد، التي يتركز بها في مقامه، و كان طموحاًً إلى الملك يحاوله بكل المستطاع، حتى إذا ذاق حلاوة الإمارة الصغرى حاول ما فوقها،[157] و عندما تحقق من علي الإمام أنَّه مخلوع بباطله، و إن الحق لا يقبله و لا يرتضيه، غالط من وجد من بسطاء المسلمين، و خادع المؤمنين، و تألب على الإمام ليركز إمارته، و يتركز في الأمة بقوة سلطانه، و سطوة السنان، فسفكت الدماء بذلك، و انزهقت أرواح، فعلى مَن إثم تلك الدماء التي سالت أودية بقدرها، و على من جزاء تلك الجرائم الهائلة، التي مزقت الدين، وفرقت أمر المسلمين، و الحق فيها واضح، و الأمر بين.
ثم تتابع خلفاء بني أمية كل واحد أضلَّ عن الأول الذي قبله، إلا ما كان من أمر عمر بن عبد العزيز - رحمه الله-.
فهم أول من أفسد الدين، و عثمان كرسي زعامتهم، فتبعوه يطيرون بتلك الأجنحة، و يبطشون بتلك الأيدي الأثيمة، لا أطال الله باعها. (1/231)
صفحة 231
ولو مشت على منهاج العدالة، وأخذت بيد المساواة، و لم تغلب عليها الشهوات لم يتسلط عليهم أحد من الناس، فإن الله مع الحق أين كان، " وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً " (1)، وتتابعوا على ذلك خليفة إثر خليفة، و أميراً إثر أمير، و الكل بغاة عتاة خلعوا سربال الحق، و رفضوا دعوة الدين، حتى انقضت أيامهم المظلمة بجورهم.
ثمَّ خلفهم بنو العباس بن عبد المطلب الهاشمي، ذراري البحر، حبر الأمة، و ترجمان القرآن، إمام العلماء، و سيد النجباء، و عمدة أهل الإيمان في الدين، و ابن عم النبي - صلى الله عليه و سلم - -رضي الله [158] عنهما -.
تبعوا بني أمية , ساروا بسيرتهم الجائرة، وأخذوا مأخذهم، ففضلوا أن يكونوا ملوك تستعبدهم شهواتهم، و تمتلكهم لذاتهم، تمذهبوا بمذهب كسرى و قيصر، ولم يتمذهبوا بمذهب أبي بكر الصديق، و لا بمذهب عمر الفاروق، لأنَّ هذين و مَن ذهب مذهبهما بعيدون عن الرفاهة، والترف، و عن الخلاعة و السفاهة، فكان كسرى وقيصر يخافانهما، ويرهبان من ذكر اسميهما، و من جاء بعدهما، و تحكمت عليه الأهواء، و لعبت به الشهوات أصبح يجذب من على كرسيه إلى الأرض و هو يقول خليفة المسلمين، حتى انتهى الأمر إلى غير شيء يذكر.
فكم وقع في بني العباس من المخازي التي يسود منها وجه التاريخ، اختاروا أن يكونوا ملوكاً يتفاخرون بالشهوات، و يتسارعون إلى معاقرة اللذات،لا يبالون بما يلقون، و لا يتحرجون مما يفعلون، حتى اسود وجه الحق بظلمهم، و فر داعي الرشاد من أرضهم، و جمح بهم شيطان الهوى عن سيرة المسلمين، غير آخذين من إيمان العباس بحبل متين، و لا مهتدين بهدى عبدالله الحبر الأمين، الأب الثاني - رضي الله عنهما -. (1/232)
صفحة 232
ففتحوا ما فتحوا متفاخرين، و فعلوا ما فعلوا مبطلين، و الحق يدعوهم إلى خلع كبرياءهم، و العدل يناديهم إلى إتباع نهج آبائهم، لم يحترموا الرسول في أحكامه، وهم يفتخرون برسالته، و يحسبون أنهم في مقامه، إن الرسول - عليه[159] الصلاة والسلام - ينعى عليهم حالهم هذا، و هم تائهون في غمرات البطر، و لا يدرون أنهم من جملة من كفر، يدعون الإسلام وهو منهم بريء،و يتظاهرون بالإنصاف في الأحكام، و هي على غير القوي، دبَّ فيهم داء الأمم قبلهم، كما قال عنهم الهمام الولي أبو حمزة الرضي " تقوم القينات على رؤوسهم، و تدار الكؤوس على موائدهم، و تشرب الخمور بحضراتهم، وتداس حدود الله على فرشهم، يقرأون القرآن و هو يلعنهم، و تقام الجمعات و هم لاهون في شهواتهم " فهم مشابهون للملوك الأكاسرة العتاة، و مقلدون للقياصرة الطغاة، لا يهتمون بدين، و لا يراعون أوامر رب العالمين.
أمثل هؤلاء الذين يرجى منهم تأيد الحق ؟! أو يؤمل منهم نصرة الدين ؟! إنا لله و إنا إليه راجعون.
تسلطوا على أمور المسلمين فتولوها، و تملكوا زمام السلطات رغم أهل التقوى، و على ذلك قال أتباعهم بوجوب طاعتهم، و بذلك راجت بضاعتهم، فترفعوا عن الخلق، و تعاظموا على أهل الحق، و نزلوا أنفسهم بمنزلة الألوهية، و جعلوا الأمة في حضيض الاستعباد، فأفسدوا الدين، وداسوا حقوق المسلمين.
و هل أفسد الدين إلا الملوك الجورة، و أحبار السوء، و أهل الأهواء المضلة، و رهبان الضلال الذين لا يراعون حقوق [160] الدين، كما تعاون معهم على جورهم الذين يقولون أنَّهم علماء. (1/233)
صفحة 233
و الواقع أنَّ العلماء هم الذين يخشون الله عز و علا، ويراعون حقوقه بين الملا، كما هم كذلك عند الخلاء " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء " (2) و إذا كانوا كذلك فتراهم يتألمون على هتك حرم الله عز وعلا تألم السليم، و يبكون على ذلك بكاء السقيم، الذي لا يرى له نجاة من العذاب الأليم.
ولما قال هؤلاء العلماء بوجوب طاعة الزعماء جاروا أم عدلوا، و لا يصح الخروج عليهم، كانوا يفعلون ما شاء لهم هواهم أينما كانوا، و كيف كانوا، آمنين من الانتقاد لأفعالهم، فضلاً عن الرد لأعمالهم، فتعطلت بذلك أحكام الشريعة، و ضاعت الحدود بين ظهراني الأمة، فلم يبق من الدين إلا اسمه، و لا من العدل إلا رسمه، و أعرضوا عن أوامر القرآن، و تركوا واجب السنة الزهراء التي جاء بها سيد آل عدنان، و لم يعد لقوله صلى الله عليه و سلم جدوا، حيث قال " تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا " أو كما قال - عليه الصلاة و السلام - في أحاديث يطول ذكرها، و لم يبقى للأمر بقتال الباغي في الدين أثر، و لا لمنتهك الحرم في الإسلام حرج يعتبر. (1/234)
صفحة 234
وقد جاء القرآن بالأدلة النيرة الجلية، قائلا لنا " وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ [161] ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ " (3) و أي ركون أعظم من القول بوجوب طاعة الجبار الظالم، و قال " فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ " (4) أي ترجع إلى حكمه عز و جل طائعة خاضعة، و لما قال الله عز و جل لنبيه " إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي " أجيب بقوله " لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " (5)، وقوله - عليه الصلاة والسلام - " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " قال مخالفونا طاعتهم واجبه إلا في نفس ذلك الشيء المحرم بعينه، و أحسب أنَّ بعضهم أطلق الوجوب نظراً لوجوب طاعة أولياء الأمر، و عندهم أولوا الأمر هم الذين تسلطوا على الأمر بالقهر، كما ذكره الكثير منهم.
و لا يقول عاقل بوجوب طاعة الظالم، وقد أمر الله بقتال الظلمة، و رد أعمالهم، لحديث " كل شيء ليس عليه أمرنا فهو رد "، و ليس أمر محمد - صلى الله عليه و سلم و آله - على شيء من أمر الظلمة، وقد أبطل الله أحكامهم إلا عند العجز عنهم، و تعين التقية لهم، و الأدلة و العقلية و النقلية تنعى عليهم أقوالهم، و ترد عليهم أعمالهم، و مع ذلك هم مصرون على مفهوم قوله - صلى الله عليه و سلم - " سلطان غشوم خير من فتنة تدوم "، و جعلوا هذا و أمثله معتمدهم، و ما دروا أنَّ معنى ذلك عند العجز عن القيام عليهم، و ردَّ أعمالهم عليهم، لا سيما إذا كانت فتنة تدوم، و لو كان الأمر كذلك فعلى أي شيء قاتل المسلمون يوم الجمل، و يوم [162]صفين، ولم يقولوا بمقتضى ما يقول قومنا، و علام قاتل أبو بكر - رضي الله عنه - من منع الزكاة، حتى عناقاً كان يؤديها لرسول الله - صلى الله عليه و سلم - فإنَّ الزكاة شرعت لأصناف غير الإمام ومن المحتمل أن يؤدوها إلى أهلها.
========================
(1) الأنفال : 42. (1/235)
صفحة 235
(2) فاطر: 28.
(3) هود : 113.
(4) الحجرات : 9.
(5) البقرة : 124.
--- (1/236)
صفحة 236
واعلم أنَّه لما أفتى العلماء بوجوب طاعة الملوك جاروا أم عدلوا، و لم يروا القيام عليهم، و لا على تارك حكم الله منهم، انهدت الأحكام من أسسها، و تبعثرت من قواعدها، و انهارت أركان الإسلام، و تعطلت حدوده الشرعية، التي توعد الله عز وعلا على عدم إقامتها في كتابه العزيز.
وعلى أي شيء قاتل المسلمون عثمان بن عثمان، مع أنَّه لم يفعل كفعل من جاء بعده، بل ضيع بعض الحقوق وغيَّر بعض الأحوال، و بدل بعض الأحكام، فما كان من المسلمين إلا القيام عليه ليرجع عن تلك الأحوال حتى حصروا في مدينة الرسول - عليه و آله الصلاة و السلام - فكان منهم القائم عليه جهاراً، و منهم الراضي بذلك، و منهم الساكت حتى قضوا عليه، و هو خيار الصحابة الذين مدحهم القرآن الكريم، و أثنى عليهم في آياته الشاهرة الظاهرة، و هم الأنصار و المهاجرون، و لم يقولوا بوجوب طاعته ولو جار، بل لما رأوه جار قاموا عليه غضباً لله، وقيام بحقوقه تعالى، و رداً لأعماله المخالفة لأعمال أهل الحق قبله.
و لقد نعى العلماء على الزهري دخوله على الملوك فاعتذر بأعذار [163] لا يردها العقل، هذا في نفس الدخول عليهم فقط، و لما تمكنت الملكية من قلوب المتسمين بالإسلام القائلين بوجوب طاعة الإمام الجائر مهما كان، و تمكن التسخير من نفوس الضعفاء، ومن القائلين بتلك المقالة الواهية، وعلم الترفع للأمراء على المأمورين، فكان البون البعيد بين الفريقين، سهل ترك النكير على الظلمة، و هان النفور و الغضب من أهل الباطل، و وهت الشريعة الزهراء في حضيض الظلم، ميادين التسخير. (1/237)
صفحة 237
و العقيدة قاضية على العقول بأنَّ ما يفعله الملوك لا يعارضون عليه مهما كان، و لا يعترض عليهم حيث هم أولياء الأمر، فنهدت أركان الإسلام، و انهارت قواعد الأحكام، و تبدل الحلال بالحرام، و اختلاط الحق بالباطل فشاع بين الأنام.
لذلك لم يهدأ روع الإباضية إلا تحت ظلال السيوف، فتجردوا لله مصارعين لجنود الباطل، فنصبوا الأئمة حيث وجدوا لهم طريقاً، و ما أخبر التاريخ عنهم بسوأة واحدة مهما كانت صغيرة أو كبيرة في حروبهم المشهورة، بل حدث التاريخ على اختلاف مؤلفيه، و تباين منازعهم و مذاهبهم، بنزاهتهم في حروبهم، و تلك من أزهر مناقبهم التاريخية في عهود إمامتهم المرضية، خلاف أيام الجور و الغطرسة أهل البغي، فإنَّ أئمة الإباضية مثال للنزاهة و حسن المعاملة لسائر فرق الإسلام من كانوا، و أين كانوا، فإنَّهم يقومون لله لا لدولة، و لا لغرض دنيوي،[164] و معرة الجيوش و غطرستها معروفة مشهورة، فإذا سلمت منها جيوش الإباضية، وعرفت لها فيها النزاهة، فذلك من أعلا مكارمهم، و أعز خصالهم، فإنَّ أوقات الحرب تكثر فيها المعرات من النفوس المتغطرسة، و شرار الحرب و ضغائنها، و احتراق أكباد المصابين فيها أمر لا يجهله أحد، و حتى في ذلك يشهد التاريخ للإباضية بنزاهة الأعمال، وكرم النفوس، و زمامها بزمام العدل، و سوقها بعصا الإنصاف، فالحمد لله الذي منَّ بحسن التوفيق، وكمال الرعية في المكره و المنشط. (1/238)
صفحة 238
جاء في تاريخ الإباضية من النزاهة ما يحق له التسجيل بماء الذهب على صفحات الشمس و القمر، ثبت أنَّ الإباضية لم يعرف لهم اقتراف أدنى الجرائم في حروبهم، فاعتبر بما قال أهل العلم فيهم إذ دخلوا المدينة المنورة بقيادة الهمام الشاري أبي حمزة كما دخلوا مكة المكرمة، فهل سجل التاريخ حتى من أعداءهم شيئاً من الأحوال التي يتنافى معها الإيمان في أموال أهل القبلة، أو في أعراضهم، و هكذا أحوالهم كلها في كل مكان ؛ لأنَّهم يقومون لرفع المظالم و قطع المفاسد.
واعتبر بما قاله الإمام السالمي - رحمه الله- عنهم في تحفته، في إمامة الإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب الرحيلى - رحمه اللهو رضي عنه - " قيل هاجم حجرة بنزوى " أي بيوت حصينة ملتفة بعضها ببعض مسورة تعرف عند أهل عمان عرفاً عاماً باسم حجرة، لا على ما [165] يعرفه الآخرون من معنى الحجرة " و ذلك في حرب يوسف بن وجيه أحد القواد الذين غزوا عمان،و سيطروا عليها في أيامهم، و كان يوسف بن وجيه مسيطراً على نزوى إذ ذاك فهجمهم الإمام بجنوده، و استفتح الحجرة، و افتض يوسف بن وجيه فيها، و فر هو ومن ناصره فيها، و بعد أن وضعت الحرب أوزارها فقد أهل الحجرة حديدة قلعت من رز باب فيها، لم يعرف قالعها بعد خروج الجيش منها، و لا أهمية لتلك الحديدة بل هي أيسر شيء عادة، فشكا أهلها إلى الإمام فطلبها حتى ردها لمن أخذاها، و حبس الآخذ عقوبة على أخذه لها. (1/239)
صفحة 239
و كان يوسف بن وجيه جائراً جباراً من غير أهل دعوة الحق، و كان الإمام - رحمه الله- غالباً على رجل باغ على المسلمين ظالم جبار، و كانت الحلقة المذكورة من معسكره، و لم يستحل الإمام أخذ مال يوسف المذكور لأنَّه من أهل القبلة، و أموال أهل القبلة لا تحل عند المسلمين، تبعاً للوارد عنه - عليه الصلاة والسلام - " من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد عصم دمه و ماله..." الحديث، فأين هذا من أحول الناس الآخرين، فإن حديدة لا تساوي شيئا من القيمة تقتلع من معسكر عدو جائر محتل للبيضة واطءٍ على أعناق المسلمين، متجبر على المؤمنين في عقر دارهم، يعامله الإباضية بمثل هذه المعاملة النزيهة.[166]
وإليك مثالاً أخر أبهج من الأول، كان الإمام عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن الإمام أحمد بن سعيد أصل الشجرة البوسعيدية، كان بقية الأئمة المتأخرين بعد أولئك الجهابذة الهداة المخلصين الأولين، و بقية أول العزم من أئمة المسلمين.
زحف هذا الإمام بجيشه على البريمي من طريق صحار، و نزل بالعَوْهِي - بفتح العين المهملة و سكون الواو بعدها هاء مكسوة ثم ياء كياء النسب -، و ليست هي اسم لبلدة حسنة جميلة من أعمال صحار من الجهة الغربية، لا تبعد عنها أكثر من نصف ساعة في السيارة قال الإمام السالمي - رحمه الله- " فركب بالجيش - أي الإمام عزان إذ كان يقوده بنفسه- من هناك - أي بصحار - و بات بفلج القبائل ".
قلت : هي بلدة أنيقة من نوع العوهي، و هي أقرب من العوهي لصحار، يسكنها قوم من بني جابر تسمى فلج القبائل، و لعل أصل وجودها اشترك فيه قبائل من أهل ذلك الطرف، أما هي الآن لبني جابر من آل ذبيان. (1/240)
صفحة 240
" بات بها الإمام عزان بجيشه ثم قال بالعوهي " ذلك لأنَّ الجيش ذلك العهد ينقل على الأقدام غالباً ثم على الخيل و الإبل و الحمير أيضاً، من حيث أنَّ الطرق غير معبدة، و الوسائل العصرية غير موجودة، و كان الإمام - رحمه الله- يلاحظ عنا الناس الذين معه و الوقت وقت حر، فكان الجيش و هو يمشي على الأقدام يلاقي تعباً، و في العوهي يكثر شجر الأمبا الذي يسمونه المانغا، و كان جميلاً من أفخر فواكه عمان، و كان في العوهي يضرب به المثل لحسنه، فيقال [167] بملء الفم " أمبا العوهي " أي لا مثيل له.
قال " وكان ذلك وقت نضاجه " قال " فذكروا أن الأمبا كان يتساقط على فرش القوم - أي الجيش - و لا يتناول أحد منه شيئاً، و لما هموا بالرحيل نفضوا فرشهم و بقي الأمبا مكانه " قال " و ذكروا أن خادماً للإمام و قيل بل مزينه أخذ حبة أمبا من تلك الأثمار الساقطة فأكلها، فناله من الإمام الزجر والتوبيخ، و لم يبلغ به حد العقوبة ؛ لأنَّ الثمرة كانت ساقطة بنفسها في غير حرز و كان الورع تركها كما ترك ذلك بقية الجيش ".
فانظر في مثل هذه الأحوال هل ترى لها مثيل إلا في صحابة رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، فترى العفة عن أموال الناس، تعم حتى عوام الناس حيث كان القائد عفيفاً، فلا غروى أن تسعد الدنيا بمثل هؤلاء الأبرار، و يعلو بهم في الأمة المنار، و هي و أمثالها الأدلة على نزاهة الإباضية، و حسن معاملتهم لأهل القبلة، و كم مثل هذا في تاريخ الإباضية، مما يحق أن يكتب بماء الذهب على جبهة الدهر مثلاً يتحدث عنه الجيل بعد الجيل، و ليكون قدوة لأهل الإيمان من المسلمين، فلا ريب فإن قوماً يقودهم قائدهم على نهج عمر بن الخطاب، و يذهب بهم مذهب الهداة أولى الحق و الصواب، غير مستنكر ذلك منهم. (1/241)
صفحة 241
فإن إمامة الإباضية تقوم مقام الرسالة النبوية، لا تفارقها قيد شعرة، إلا أنَّها لا يوحى إليها، فتراها تتبع مناهج النبي المصطفى، و تسلك مسلك أهل الصدق [168] و الوفاء، لا قائد لها إلى الله إلا الشرع، و لا سائق لها إلا الحق، و لا مرافق لها إلا العدل، و لا همة له إلا إجراء الأمور في مجاريها الصحيحة، تعظم ما حقرته الجبابرة، و تحقر ما عظمته، تقف على حدود الشريعة من جميع جهاتها، كل جهدها إنصاف مظلوم، و إغاثة ملهوف.
تبذل المال في طاعة ذي الجلال، لا تمن له عندها إلا ذلك، و لا تهتم إلا بما يسد الرمق و يقيم الصلب، تدعوا إلى طاعة الله عز وعلا في القريب والبعيد، لا حكم معها إلا ما يقتضيه القرآن، و لا وجهة لها إلا إلى الله عز و جل، لا تطيِّبها الشهوات، و لا تستحوذ عليها اللذات، فالعبد الأسود عندها و السيد الأمجد لديها سواء، لا يقدَّم أحداً عندها إلا فعله الجميل، و لا يؤخره إلا سيئ فعله مهما كان، تبع لقوله - صلى الله عليه و آله وسلم - " لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى " أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
و اعلم أنَّ قيصر علم على كل من ملك الروم، و كسرى علم على كل من ملك على الفرس، كما أن اسم تبع علم على كل من ملك على اليمن، و الجلندى اسم لكل من ملك عمان، و مضى بذلك عهد في الجاهلية على هذا الحال.
و لا يخفى أنَّ الملوك لهم مذاهب، وعادات، و أخلاق خاصة بهم، و لا ريب فإنَّ الشهوات تتحكم عليهم، و رغبات النفوس [169] تستولى على قلوبهم، و على كل حال لا يتقيدون بدين في سبيل رغباتهم، فلذلك مثل بهم شيخنا الإمام الناظم - رحمه الله- حيث قال :
كمثل قيصر و مثل كسرى... إلخ
و فيه التنديد بهم، أي هم ملوك يتفاخرون بالشهوات، ويتباهون غالباً بالمستلذات و المشتهيات، و تلك سنتهم إلا ما شاء الله جاهلية و إسلاماً. (1/242)
صفحة 242
و بسبب طاعة الناس للملوك الذين هذه أحوالهم اندرست طاعة الله باندراس أهل الحق، و اختفت معالم الحق و مناهج العدل، و انمحت رسوم الإيمان، و مال الناس في الشهوات، و تنافسوا في المشتهيات إلى حد بعيد، فنشطت سوق الباطل و راجت بضاعة الفساد، و خارت معالم الإيمان، و ظهر بذلك صدق قول رسول الله - صلى الله عليه و سلم - " الناس على دين ملوكهم ".
وهذا أمر تشهد به العادة في كل الأمم، و يعرفه الناس في كل زمان، و لا ريب إذا عدل السلطان استقامت الأعوان، و إذا اشتد الأمر بلغت الشدة كل مأمور، و إذا لأنَّ الزعيم تأثر بلينه من معه، و هكذا.
و أشار الإمام صاحب هذا النظام إلى الملوك الأمويين و الملوك العباسيين الذين تولوا الخلافة بعد الخلفاء الراشدين، فإنَّ الملك العضوض الذي أشار إليه رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم - نشأ بهم، و تغلل في الخلف بعدهم، و سار بذلك التابعون لأثرهم، تاركين لسيرة رسول [170] الله - صلى الله عليه و آله وسلم - أخذين بسيرة من سلفوا من آبائهم و أجدادهم.
وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه و سلم - بالعض على سيرته و سيرة الخلفاء الراشدين من بعده بالنواجذ، و هو كناية عن شدة الملازمة لها، و الثبات عليها، و أن لا نتبدل بها.
و قد ثبت الإباضية على سيرة رسول الله - صلى الله عليه و سلم و آله - و سيرة العمرين وزيريه و ضجيعيه، و سيرة أهل الحق من أمته، لم ينحرفوا عنها قيد شعرة في حل و لا ترحال. (1/243)
صفحة 243
أمَّا من عدا الإباضية و قد تولت عليهم الجبابرة العتاة، شرّابو الخمور، و منتهكو المحارم، و أهل الخلاعات، فنشأوا على ذلك ولداً و مولوداً، و خضعوا لهم سيداً و مسوداً، و تبعوا رغبتهم، فمنهم من سار سيرتهم، و منهم من مشى في رغبتهم و التزم غالباً مرضيهم، و دان لهم لما أحبوا و ما كرهوا تقية لهم،و منهم من ظل يتأول لهم، و يئول الأدلة على مقتضى شهوتهم لينل المنزلة عندهم، و يرفع خسيسته بهم.
أمَّا الإباضية فعلى خلاف هؤلاء فإنَّهم يلتزمون المرضي لرسول الله - صلى الله عليه و سلم - حسب ما جاء في سنته، و إن شد الدهر عليهم، فإن تسلط عليهم ملوك لا يقدرون دفعهم عن رغبتهم تركوهم و ما هم عليه حتى يجدوا ما يزيح ذلك عنهم، و يرفع نير العنت و الظلم عنهم، و إذ ذاك أقاموا الإمامة العمرية الصادقة، و أعادوا الشريعة الغراء، و الحنيفية الزهراء على مجراها الصحيح، و مبناها الثابت، و قد عرف الحق [171] فيهم أعداؤهم، و رأى العدل معهم خصماؤهم.
و إذا تتبعت قواعد الإسلام الصحيحة، و تحققت معالمه الراسية الرجيحة، علمت أن الإباضية على كل أصل مكين قاعدون، و إلى كل منهج واضح سائرون في الأصول و الفروع، كما قال الإمام - رحمه الله- :
فنحن في الأصول و الفروع على طريق السلف الرفيع، و المراد بالسلف الرفيع أبو بكر الصديق و عمر بن الخطاب الفاروق الحقيق، لا يراوغون الأمة مراوغة عثمان، و لا يصرون على خلاف الحق إصرار حسدة النهروان.
كل ما على عواتق الإباضية تأييد الحق، و عون المحق، و إرشاد الضال، و رد المضل، على هذا مضى الإباضية، و سايروا الزمان، و ما زالوا داعين إلى ذلك، راغبين في العدل غير محبين للباطل، و لا محابين لأهله جاروا أم عدلوا لا يقولون بذلك أبدا.[172]
============================
--- (1/244)
صفحة 244
[المقام السادس]: أول حدث في الإسلام
أراد أن يمهد به مبدأ أحداث عثمان بن عفان، و هي الأحداث التي قام عليه بها المسلمون من المهاجرين و الأنصار في عقر دار الهجرة، وهي المدينة المنورة التي أصبحت بمحمد- صلى الله عليه و سلم - مركز الإسلام، و محط رحاله، و مجمع الأبطال من رجاله.
[الشرح ]
اعلم أنَّ أول حدث في الإسلام أحداث عثمان بن عفان الأموي، الخليفة الثالث، الذي شهر مقامه أولاً، و عرف قدمه في الإسلام، و سبقه في الفضائل بحيث سجل له الحديث النبوي شرف أزهر من الشمس، و وضع له في الحضيرة الدينية علماً يطول الأعلام، و نوه به الدين، و أثنى عليه سيد الأنام و مصباح الظلام، و إمام المرسلين الكرام، بما علم في المجتمع المؤمن، و لنا ما ظهر و لله ما خفي و استتر، و هل ذلك المدح الوارد فيه إن صحَّ دليل على سعادته ؟ و برهان على صحة أفعاله ؟ نعم ذلك المدح حسب ظاهر الحال، فرع استقامته في الدين، و الاستدراج و تبديل الأحوال في آخر أعمار البشر غير منكور، فإنَّ الأعمال بخواتمها.
و لا زال المسلمون يستعيذون من سوء الخواتم، و ما زالوا يحاذرونها، و ما زال سبق الكتاب معروفاً عنه - صلى الله عليه و سلم -، و ليس كل من كان ظاهره صالحاً [173] يكون باطنه كذالك، فإن أمور الآخرة خفية، و ليس كل من كان إماماً كان من أهل الجنة، إذ قد يحرم الإنسان الرحمة بكلمة، أو بعقيدة تخطر على باله، أو تمر على بلباله، فإن شرط الوفاء بالطاعة و الثبات عليها لله خالصة لا ليقال أو لينال. (1/245)
صفحة 245
و كم من أحد عاش على عمل الخير حتى إذا دنى أجله تبدل عمله، و من ذلك الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه و سلم - " إن فلاناً من أهل النار " و هو في ظاهر حاله من خيار صحابته صلاة و صوماً و حجاً و جهاداً، حتى سبق عليه الكتاب فكان منه ما كان حين أثخنه الجراح، و أخذ سهماً من كنانته فطعن به في صدره فمات.
و من هذه الأحوال و أمثالها كثير في البشر لا يحصى، و لا يكاد يستقصى، و الرجل إذا لم يعضده التوفيق من الله للصالحات لم يزل مشهوراً في ضدها " لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ " (1).
و ليس مدح رسول الله - صلى الله عليه و سلم - لأناس يرى ظاهر أعمالهم صالحة فيثني عليهم لأجل ذلك، لا يكون ذلك موجباً لأن يكونوا لا يتغيرون عن ذلك، و قد ورد عنه - صلى الله عليه و سلم - " و ليذادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأقول ألا هلم ألا هلم، فيقال إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، فأقول فسحقاً فسحقاً " فدلَّ هذا أن رجالاً كان يعرفهم رسول الله - صلى الله عليه و سلم - بصلاح في عهده ثم غيروا ذلك الحال بعده، فقال لهم سحقاً سحقاً في أحاديث أخرى من نوعه.[174]
و مدحه لهم فرع استقامتهم في طاعة الله لا مدحاً على الغير، و ليس كل من قال لا إله إلا الله يكون صالحاً مصلحاً، فإن الحديث نفسه يرد على المعترض، فإن شرط الثبات على حق لا إله إلا الله واجب، و أن من استقام لله في ظاهره أمره كان حقيق بالمدح، و الثناء عليه لاستقامته، و ليس أيضا من المستحيل أن يتوب المبطل و يخلص لله فيقبل الله منه توبته، و يفيض عليه رحمته. (1/246)
صفحة 246
و كان عثمان من أفاضل صحابة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - في أول أمره بل طول حياة رسول الله عليه الصلاة والسلام، و حياة أبي بكر و عمر بن الخطاب، و صدر من خلافته أيضا كما يعلم ذلك المسلمون، حتى إذا عرق في الخلافة واستقر على كرسيها السامي بدت له بدوات، استنكرها منه أصحابه، و توالت منه فتوالى الاستنكار، و تكررت عنه فتكرر الاستغراب، و بلغ نهاية الحد، و لذلك أثر على قلوب المسلمين، و حاج الأمر إلى القيام عليه، و استفساره عن تلك الأحوال، و استعراض نواياه عنها، و كشف مقاصده فيها، فإن منها ما يحتمل الحق، و منها ما له من غيره ممن سبق، لكن النيات و المقاصد برهان عن حقيقة نوايا القاصد.
حتى إذا تأكد منه ضد الرأي العام، و ظهر منه ما لا تقبله مناهج الإسلام، و لا محتمل له في الحق بين الأنام، تكلفوا الاعتراض عليه فيه لأنَّه من الدين، فكان منه وعوداً بالوفاء [175]، و لم يثبت وفاءه، و في الأخير شاع عنه ما أثار حفائظ المؤمنين، و استحرت من لهبه قلوب أهل التقوى، و عمدة المسلمين، و أصبح عثمان أحدوثة سمر المسلمين في جميع أقطار الأرض، فأسف عليه إخوانه، و قادهم إلى قتاله عدوانه، فتنادوا من عواصم الإسلام إذ ذاك، و جاء جنود الله من مصر و العراق و غيرهما، و إذا بأهل المدينة المنورة يرحبون بثورتهم، و يعتزون بصولتهم، فحصروا عثمان حصار الأعداء : إما اعتزالاً، و إما امتثالاً، و إما اقتتالاً.
و لعله تخيل في نفسه أن ما فعله هو له، و لا حرج عليه فيه، لأنَّه الإمام العام الذي إليه أمر الإسلام، و الأمير الجامع لأمر المؤمنين، و للنفوس أهواء و أغراض و نزوات تنزو إليه في أمانيها، و بذلك يصبح المرء في بحر من الغرور، و هو لا يدري، و يقع في هوة الضلال و هو لا يشعر، كما أشار إلى هذا حديث الحوض عند الربيع بن حبيب و غيره من رواة الحديث. (1/247)
صفحة 247
و عثمان كان محباً للإمارة، فابتلي فيها، و كل من أحب الإمارة لا بد من أن يبتلى فيها، كما جرت بذلك العادة، و قضت بهذا التجربة، كيفما كانت الإمارة صغيرة أو كبيرة فعلى قدرها.
و قد عُلم أن حب النفوس أصل شقاها، و لذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا نولي أمرنا من سألنا إياه " أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، و قال لسائل الإمارة " نفس تحيها خير لك من إمارة [176] لا تحصيها "، " وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ " (2) و عسى أن تحبوا شيئا و تتعبون فيه، و عسى أن تكرهوا شيئا فتجبرون عليه فيكن لكم فيه عون من الله عز و جل، و كم ورد في التحذير من هواء النفوس قرآنا و سنة، و من النفير من حبها و متابعة هواها :
و في ستة الشورى معتبر للعاقل، و هم خيار صحابة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، يخلو بهم عبد الرحمن بن عوف، و يحلفهم و واحداً واحداً، و لئن وَلّيتكم إياها لتفعلن و تفعلن، و لا تجد من نفر منها أو تباعد عنها، و لعلهم يردون معناها الأخروي، و ذلك الظن بهم لأنَّهم أبعد من حب الدنيا و شهواتها، و أنزه من الميل إليها مع علمهم بها.
و نحن يجب علينا أن لو أرادتنا أن نفر منها، لعلمنا بأنا منها أبعد من الشمس من الأرض، و لاعترفنا بقصورنا الذي يؤخرنا منها مسافات، و ينأى بنا عنها إلى أبعد الجهات، فقل أن يقبلها إمام من أئمة الإباضية إلا مكلفاً بها، مرغماً عليها، فإذا كان كذلك، و علم الله منه صدق ذلك أعانه على ما ابتلاه به، و وفقه لما ارتضاه له، و أحله في الآخرة بأعماله أعلى الذرى، لأنَّه قل أن يقوم إمام و يموت حتف أنفه بل يموت غالباً شهيداً ليكمل شرفه في الدار الآخرة عند الله عز و جل، فينال الشهادة التي هي أعلى المنازل عند الله.[177] (1/248)
صفحة 248
و كان أهل الشورى كل واحد منهم يرفع لها رأسه و يودها، و لذلك قصروا فيها، فقصرت بها الخطى عن واجبها.
قال القطب - رضي الله عنه - في الهميان في شرح سورة النور : " إن أول من كفر النعمة و جحد حقها عثمان بن عفان...، جعله المسلمون على أنفسهم و أموالهم و دينهم فخانهم في كل ذلك " أي في أموالهم و دينهم و أنفسهم " إذ جعلوه خليفة لهم " أي إماماً حاكماً " له منزلة صاحبيه أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - فدس على الأنفس بالقتل والسم، و في الأموال بصرفها إلى أقاربه الذين لا يستحقون شيئاً منها، و في الدين غيَّر و بدل، و عمل بما رأى في نفسه، و إن خالف الأصول التي تلقتها الأمة عن رسوله العظيم بالرضى و القبول ".
قال القطب - رحمه الله- زاد في مسجد رسول الله - صلى الله عليه و سلم - " أي عثمان زاد بناءاً في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام " و ابتاع من قوم و أبى الآخرون فغصبهم فصاحوا به فسيرهم للحبس، و قال : قد فعل بكم عمر هذا فلم تصيحوا به فنسب الظلم والبغي إلى عمر - رضي الله عنه - فكلمه فيهم عبدالله بن خالد بن أسيد فأطلقهم من السجن " أي من أبى أن يبايعه أرضه التي هي تقرب المسجد، و جبره على البيع، و غصبه فصاحوا به استنكاراً لفعله لأنَّهم كانوا تحت ظل عدل النبوة ثم تحت الخلافة الصديقية ثم الإمارة العمرية.
قلت لم يف هنا [178]خير عثمان بشره، أراد خيراً بظاهر الأمر و ركب جوراً بظلمه، فهو من الذين خلطوا عملاً صالحاً و أخر سيء، فدع عنك يا عثمان هذه الزيادة فإنها نقص في دينك، و جوراً على رعيتك و إخوانك. (1/249)
صفحة 249
قال القطب : " وقد جمع في ذلك غصب المال وقذف عمر - رضي الله عنه - حيث نسب إليه ذلك، وعزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة بلا حدث منه - رضي الله عنه -، و استعمل أخاه لأمه وهو الوليد بن عقبة، و لما نزل قوله تعالى " وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً " (3) بحضرة أبي بكر و عمر - رضي الله عنهما - و عثمان و علي أيضا، فقال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - لأبي بكر - رحمه الله- إذ سأله أين أنا ذلك اليوم يا رسول الله ؟ قال : " تحت التراب " ثم قام عمر و فقال مثل ذلك، فقال - عليه الصلاة والسلام - : " تحت التراب " ثم قام عثمان فقال مثل ذلك فقال له : " بك تفتح و فيك تنشب " ثم قام علي بن أبي طالب فقال مثل ذلك، فقال له النبي - صلى الله عليه و سلم - : " أنت إمامها و زمامها تمشي فيها مشي البعير في قيده ".
و في حديث قال - صلى الله عليه و سلم - يثور دخانها تحت قدمي رجل يقول أو قال يزعم أنه مني، و ليس مني ألا إن أوليائي المتقون "، قال القطب - رحمه الله- " و أول ما نقم المسلمون على عثمان أنه لم ينفذ ما أوصى به عمر - رحمه الله- في ابنه عبيد الله، و قد قتل جفينة و الهرمزان في السوق بخنجر، وقد أسلما وقد حسن إسلامهما، و قيل كان جفينة نصراني، و قتلهما لأمرهما أبا لؤلؤة بقتل أبيه [179] فيما قيل، فأوصى عمر الستة الذين جعل الإمامة إليهم و هم ستة الشورى، و من ولي منكم فليكلف ابني عبيد الله البينة أنَّهما أمرا أبا لؤلؤة بقتلي، و كان قتله لهما و عمر حي - رحمه اللهو رضي عنه -، و فإن لم يأت بها فليقد بهما، فجعل عثمان يقتل بعلل و عبيد الله يدعي بينة غائبة، وقد ولد عبيد الله هذا في عهد رسول الله - صلى الله عليه و سلم و آله - و لم يرو عنه، و حده أبوه في الخمر. (1/250)
صفحة 250
وقعد في مقام رسول الله - صلى الله عليه و سلم - في المنبر " أي عثمان جلس حيث كان يجلس رسول الله - صلى الله عليه و سلم - " و كان أبو بكر - رضي الله عنه - نزل درجة عن رسول الله - صلى الله عليه و سلم - إجلالاً له، و نزل عمر - رضي الله عنه - درجتين أيضا احتراماً أن يباريه و إجلالاً له - صلى الله عليه و سلم - في موقفه الذي و قف ".
===========================
(1) الأنفال : 42.
(2) البقرة : 216.
(3) الأنفال : 25.
--- (1/251)
صفحة 251
قلت : و هذا لا يقدح في عثمان فإن له أن يعتذر قائلاً كاد الناس لا يسمعون ولو نزل كصاحبيه، و ذلك النزول مستحب غير واجب، و لو وجب لا ينتهي إلى منع الوقوف المشار إليه على منبره - عليه الصلاة -، و ما كان من قبيل الاستحسان لا يقدح في الإنسان، و لا في الأديان، لكنهم ذكروا حيث من قبيل الاستحسان، و إن عثمان اقتحم حدود الاستحسان في مواد هذا من بعضها.
قال - رحمه الله- : " و أدخل الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله - صلى الله عليه و سلم و آله - و لعينه المدينة " أي أدخله عثمان بعدما طرده الرسول - صلى الله عليه و سلم -إلى جزيرة تسمى دهَلَك بالدال المهملة مفتوحة، بعدها هاء فلام مفتوحة أيضا فكاف ؛ لأنَّه هجاه [180] عدو الله بسبعين بيتاًً من الشعر، فقال " اللهم لا أحسن الشعر فلعنه بكل بيت لعنة " و قد كلم فيه عثمان الخليفة الأول أبا بكر - رحمة الله -، و معه لفيف من بني أمية في إدخاله المدينة، فأجابه أبو بكر - رضي الله عنه - بقوله " قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ " (1) أي إن فعلت " وقد رآه عظيم فلم يرده، و لما تولى عمر - رحمه اللهو رضي عنه - كلموه فيه و أغلظ لهم فيه " قلت : إذا لم يفعل أبو بكر فهيهات أن يفعل عمر، و هو أشد الناس على أهل الفساد أياً كانوا. (1/252)
صفحة 252
قال " و لما تولى عثمان أدخله المدينة، و أعطاه مئة ألف درهم، و هذه من أكبر الكبائر، التي أثار الله به الشر على عثمان، و كان عبد الرحمن - رضي الله عنه - حلّفه اليمين العظيمة إن ولاه أن يسير بسيرة صاحبيه، و تلك سيرة صاحبيه " يا للأسف على عثمان، يعطي طريد رسول الله - صلى الله عليه و سلم - مئة... درهم من فيء المسلمين، قال " وأعطى مروان بن الحكم خمس المال المجلوب من إفريقيا لما فتحت، و أعطى أخاه الحارث بن الحكم مئة ألف درهم من صدقة البحرين، و أعطى عبدالله بن خالد بن أسيد بن أبي ستة مئة ألف درهم من صدقة البصرة، و أرسل إليه أبو موسى الأشعري بمال عظيم البصرة أيضا فقسمه بين أولاده و أهلة بالصحائف، و حمى مواطن المطر من أرض البادية لأهله و خاصته، وعزل عمال عمر بلا حدث، و هم فقهاء علماء من السابقين الأولين، و استعمل السفهاء من أهل بيته و قرابته، استبدل الطالح بالصالح، و الجاهل بالعالم.
استعمل الوليد بن عبقة أخاه لأمه على الكوفة و هو طالح، و استعمل عبدالله بن عامر على البصرة و هو ابن خاله، و عبدالله بن سعد بن أبي السرح على مصر و هو أخوه من الرضاعة، [181] و استعمل يعلى بن أمية على اليمن و هو حليف لبني أمية، و أسيد بن الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة و هو ابن عمة عثمان، و لم يدع صالحاً إلا عزله، و استعمل مكانه من يرجوا نصرته و طاعته " قلت : كأنه يتوقع القيام على عزله فأراد أن يركز إمارته بهؤلاء.
قال القطب " عزل عمار بن ياسر عن الكوفة، و كان أميراً عليها و على الصلاة و على القضاء، وعزل عنها عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - و كان على بيت المال فيها، و عزل عنها عثمان بن حبيب و كان على خارجها و أرضها. (1/253)
صفحة 253
و صلى بالناس في منى أربع ركعات، و كان - صلى الله عليه و سلم و آله - و خليفتان بعده يصلون بها ركعتين، و حرق المصاحف، و كان له مندوحة عن حرقها بالنار، و حرم قراءة ابن مسعود - رضي الله عنه - و أبي بن كعب أكبر زهاد الصحابة، و أجل فضلائهم، و أمر أن يقرأ الناس على حرف واحد و من خالف مثل به، و قد قال رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها شاف كاف فاقرأوا ما تيسر منه... " الحديث، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - " من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه قراءة ابن أم عبد ".
قال القطب : " و استلف عثمان من مال الله مالاً عظيماً، و أبى أن يرده، و كان الوليد المذكور تلعب السحرة بين يديه، و يشرب الخمر، و يصلى بالناس سكران، و ما أقام عليه حداً، و لا عزله، وقتل دينارا و أجمع المهاجرون و الأنصار أن يقيده عثمان فأبى، و استخلف على الكوفة بعد الوليد سعيد بن أبي العاص بن أبيه، فعمل فيها مثل عمل الوليد لكن لم يظهر شرب الخمر، لكن كلامه خيار أهل الكوفة فعزله ". (1/254)
صفحة 254
قال : " وجاءته من إبل الصدقة فوهبها لبعض بني الحكم، فأخذها [182] عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - و قسمها بين المسلمين، و هو أول من اجترأ، و اجتمعت الصحابة - رضوان الله عيهم -، و فيهم عبد الرحمن بن عوف، و قدموه و خلعوه و كتبوا إليه كتابا " أي في الذي ينكرونه عليه " فجاءه به عمار بن ياسر - رضي الله عنه - الذي ورد فيه عن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - ما ورد مما شاع نقله عند الصحابة، فوصفهم عثمان بأنهم أعداء الله " أي وصف هؤلاء المجتمعين وهم خيار الصحابة و وجهاؤهم " و بذلك أمر غلاماً يطأ عمار برجليه ففعل " أي صرعه " فداسه بقدميه حتى فتق بطنه " أي أمعاءه " حين دخل عليه بكتاب إخوانه منكرين عليه، وليته لم يفعل، وليته قال لبيك، فإنها خلافة عالية أخلفت أعظم النبوات، و حلت محلها، وقد عاينت ما كان من عمل، و دعا عثمان علي ليعينه على أن له عير أوله بالمدينة و أخرها باليمن، فقال علي بن أبي طالب لقد أكثرت لو كان من مالك " أي هو شيء كثير و الحقيقة فإن اليمن تبعد عن المدينة بآلاف الأميال، قال " ولكنه من... أي من مال المسلمين فلا عليك أن تبذله لأغراضك الخاصة، فقال عثمان من مال من ؟ فقال له علي من مال قوم جالدوا عليه بأسيافهم.
و قال شيخ من أهل مكة لأبي ذر - رضي الله عنه - ما منزلة عثمان عندكم فقال له :أما لكم حمار تستقون عليه الماء، فقال : أي والله لقد تركته في الدار، فقال أبو ذر : و الله لعثمان شر من ذلك الحمار، و كان عمار يقول فيه الحق ويعيبه، و كان عثمان يكذبه، وينسبه إلى الكذب عن رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - و إلى طعن في الدين.
و قال لعلي إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أخذك سارقاً، و ما منعه من قطع إلا قرابتك [183] منه ". (1/255)
صفحة 255
قلت : و هذا من أعظم الافتراء و القدح في رسول الله - صلى الله عليه - حيث نسبه إلى ترك حد من حدود الله لأجل قرابته، و هو قدح في علي بن أبي طالب الذي عرف بالنزاهة و الشرف الرفيع بين رجال الإسلام المعدودين في طليعة المؤمنين، و هذا بهتان عظيم على رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - حاشاه و أعز الله السيد المصطفى من أن يتهاون بتعطيل حد من حدود الله عز وعلا، و هو القائل " والله " و في رواية " و الذي نفسي بيده " و رواية " و الذي نفس محمد بيده لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها " و هذا رد عليه و تكذيب له - صلى الله عليه و سلم -، و تخوين لمحمد صلى الله عليه و سلم، و نسبة له إلى الميل في الحكم بل إلى ترك حكم الله في السارق، و هذا من أعظم الفواحش في حق الرسول الأعظم، إنا لله و إنا إليه لراجعون، من يهد الله فلا مضل له و من يضلل فلا هاد له.
و قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم - " عثمان فرعون هذه الأمة " و كذلك قالت عائشة - رضي الله عنها -، و نفى عثمان أبا ذر بلا وطاء على جمل، و عن ابن مسعود - رضي الله عنه - ما يوزن لعثمان يوم القيامة وزن ذباب، وقال رجل وزن جناح بعوضة، و لا جناح ذباب.
و عنه وددت أنا و عثمان برمل عالج يحثى علي و أحثى عليه حتى يموت الأعجل منا، فقيل له إذا يغلبك، فقال : لا يعين الله كافراً على مؤمن، و دخل - صلى الله عليه و سلم و آله - بيتاً فيه إثنا عشر رجلا منهم ابن مسعود - رضي الله عنه - و عثمان يذكرون الدجال، فقال " والذي نفسي بيده إن في البيت مما [184] هو أضر على أمتي من الدجال " قال ابن مسعود و مضوا كلهم و لم يبق واحد منهم، و بقيت أنا وعثمان. (1/256)
صفحة 256
و أمر عبداً له أسود غليظاً طويلاً اسمه زمعه فأخذ ابن مسعود أخذاًً عنيفاًً، وضرب به الأرض، و دق أضلاعه، و ذلك في المسجد فزجرتهم عائشة- رضي الله عنها - فقال لها: اسكتي أو لأملئنها عليك سوداناًً، و كان ذلك سبب عبدالله بن مسعود - رحمه اللهو رضي عنه -.
و قال له استغفر لي " أي عثمان قال لابن مسعود لعلمه بمنزلة ابن مسعود - رضي الله عنه - عند الله عز و جل أو أن يريد أن ابن مسعود يتولى عثمان " فقال ابن مسعود : لأن كنت كما أقول فما ينفعك " أي لا يجيبني الله فيك و أنت على هذا الحال " و حبس عطاءه في كل سنة خمس آلف درهم، و روي أنه حمله فقال أنشدك الله أن تخرجه من المسجد، فلما وصل به الباب جعل يضرب الجدار بعجزه، حتى كسر عصعصه، و فلق انثييه و دق أضلاعه، وقال ابن مسعود في مرضه بحضرة عثمان و أصحابه أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - قال في مواضع ثلاثة " اللهم إني رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، و سخط لها ما سخط لها ابن أم عبد " فقالوا : اللهم نعم، فقال : اللهم لا أرضى لها خليلاً عثمان بن عفان، قال ذلك مراراً.
و قال عثمان لعمار بن ياسر، إذ دفنتموه و ما تعلموني يا ابن السوداء، فقال له عمار فأنت ابن الهاوية، فنزل إليه و جعل يضربه و يطأه، و كتب لبعض بني معيص ليأخذوا من بيت المال ما شاءوا، فدخل عليه أبي بن كعب وقال له : أنت الذي تصك إلى بيت مال المسلمين يابن الهاوية يابن النار [185] الحامية، هلكت و أهلكت، فقال له لولا أنك شيخ و ليس فيك موضع للعقوبة لعاقبتك. (1/257)
صفحة 257
و مدح لديه رجل عثمان فحثى العفر أي التراب في فيه، و رفعت عائشة - رضي الله عنها - نعل رسول الله - صلى الله عليه و سلم و آله - و قميصه، وقالت هاتان نعلا رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و قميصه لم يبليا وقد بليت سنته، إن فيكم فرعوناً أو مثله، تعني عثمان، و هو يقول إنما هذه امرأة و رأيها رأي امرأة و عقلها عقل امرأة المصحف من وراء حجابها، و عثمان يخطب على المنبر فقالت يا غادر اقرأ ما في كتاب الله إن تصاحب تصاحب غادراً، فقال لها : لتنتهين أو لأدخلن عليك سود الرجال و حمرها، يريد أن يهتك حرم رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و إنه و الله لكبير في الدين، إن لو كان.
و لكن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه و سلم - غير تاركيه يفعل ذلك، فأجابته عائشة - رضي الله عنها - لقد لعنك رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و ما استغفر لك، و رفعت قميصه على جريدة، وقالت يا نعثل هذا قميصه - صلى الله عليه و سلم و آله - لم يبل حتى غيرت سنته.
ومر عثمان بالمسجد فنادته يا فاجر يا غادر خنت أمانتك، و ضيعت رعيتك، وحل دمك، ولولا الغواة الذين يمنعوك لذبحتك كالشاة، فقال عثمان : " اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا... " (2) الآية، فقالت : كذبت يا عثمان، فقال حذيفة : و الله ما يعدو عثمان أن يكون فاجراً في دينه، أخرق في معيشته، و قال : وددت أن ما في كنانتي من سهم في بطنه. (1/258)
صفحة 258
و قذف رسول الله [186] - صلى الله عليه و سلم و آله - و الخليفتين بعده إذ قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يؤثر بني هاشم، و أبو بكر يؤثر بني تميم، و عمر يؤثر بني عدي، فوالله لأخصن بني أمية على رغم الأنوف " و لقد وقع في خطر عظيم بهذا الحال، نعوذ بالله من مثله، ولما قال لأخصن بني أمية على رغم الأنوف، قال عمار : فأنفي يزعم، قال عثمان : أرغم الله أنفك، و نزل إليه فوطئه، و مشى عليه، و فتق بطنه.
و كان عبد الرحمن بن عوف هو الذي ولى عثمان الخلافة، و هو الذي اجترأ عليه برد أفعاله عليه حين ضاق صدره، و كان عبد الرحمن بن حنبل أشد الناس على عثمان، يذكر جوره و يبرئ منه، فضربه عثمان مئة سوط، و حمله على بعير وطاف به المدينة، و حبسه موثقاً بالحديد، و ما زال علي يكلمه فيه حتى خلا سبيله، و سيره إلى خيبر.
=====================
(1) الأنعام : 56.
(2) التحريم : 10.
--- (1/259)
صفحة 259
وفي علي يقول شعره المشهور :
صفد ونفى نفراً من الكوفة إلى الشام منهم الأشتر، و ثابت بن قيس الهمداني، و حميد بن زياد، و زيد، و حنظلة بن صوحان، و أخاه صعصعة بن صوحان، و جندب بن زهير العامري، و حبيب بن كعب الأزدي، و عروة بن الجعد، و عمر بن الحمق الخزاعي، و ابن الكواء ".
قال القطب : " ولما شاعت خيانته أرسل إليه المسلمون أن يتوب، فأمر عماله بالتضيق عليهم في الرزق و العطايا، ليرجع الناس إليه، و قد عطل الحدود، و أرسل إليه المهاجرون و الأنصار تب أو اعتزل أو تقتل، فأنعم لهم بالاستقامة بعهود و مواثيق، فلم يف بها فأرسلوا إلي من بالثغور أن هلموا فقد ضيع دين محمد - صلى الله عليه و سلم - هنا، [187] فاجتمعوا فقتلوه، و قد غدر بعد العهد و كتب إلى بعض عماله اقتل فلان و فلان لأناس خصصهم منهم محمد بن أبي بكر - رضي الله عنه -، و عاقب فلان وفلان بكذا و كذا من العذاب، و ليس هذا من دين المسلمين، إنما هذا غدر وخيانة، كان عليه أن يطلب من وجب القتل بالمسلمين فإذا امتنع قام عليه بإخوانه المسلمين، و على الأقل أشهدهم على فعله لتبرأ ساحته معهم، أما على هذه الصفة التي مشى عليها عثمان لا مصاغ لها في دين المسلمين.
قال القطب : " و أمر بمعاقبة نفر من الصحابة، وقوم من التابعين بإحسان، و تطلع المسلمون على كتاب عثمان الذي فيه ذلك على جمل مع غلام له، فجاءوا بذلك كله إلى عثمان، و في الكتاب طابع خاتمه، و كتب إلى معاوية بالشام و إلى أهل الشام أن ينصروه، جعل يتأهب للقتال، وقد بدأ باب الفتنة أن ينفتح، و باب الخير أن ينغلق و الأمر لله. (1/260)
صفحة 260
واتخذ جنداً عظيماً من الحبشة و السودان بشراء وغيره، و كانت عائشة - رضي الله عنها - ترفع كل جمعة سربال رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - و تقول : هذا سربله لم يبل و بليت سنته، أي أبلاها عثمان إذ استبدل بها غيرها، بلي دينه - صلى الله عليه و سلم، و قالت : ليته في غرارتي أقذفه في اليم.
قال محمد بن مسلمة الأنصاري : ما رأيت يوماً أقر للعين، و لا أشبه ببدر قط من يوم قتل عثمان، قال حذيفة : قتل و هو كافر، و كذا قال ابن مسعود، و استغفر رجل لعثمان فحثاه عمار بتراب، و قال له : استغفر له يا كافر.
فأمَّا علي بن أبي طالب فقد قتل من قتل من المسلمين كثيراً، و قتل رجال مشهود لهم بالجنة على لسان رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، منهم حرقوص بن زهير المشهود له بالجنة، و لقاتله بالنار، و علي أمر بقتل هؤلاء " و أنا أقول كما قلت أولاً الذي أراه [188] أن علي مخدوع مغرور، و كان سليم الصدر.
قال القطب " وعن الحسن لا يرى قاتل النهروان الجنة، ومثل ذلك قالت عائشة - رضي الله عنها - ".
قال " وأما معاوية فمتهتك مظهر لا يحتاج أن يأول ما ظهر من فسقه، و قد لعنه رسول الله - صلى الله عليه و سلم - ".
قال القطب " هذا ثابت عندنا و عند من تكلم في هذا النوع من المخالفين كالنويري والقرطبي و الأبّي و غيرهم " و ساقه رداً على من قال أول من كفر قتلة عثمان، قالوا أول من كفر النعمة و فسق قتلة عثمان، لأن ذلك افتراء على الحق، و مراغمة له.
و يكفي عند أهل العقول حجة قتلهم عثمان، بين ظهراني المهاجرين و الأنصار، فهم القاتلون، و هل يقتل في بيضة الإسلام قوم إمامهم وهم جميع إلا على أمر عظيم دعا إلى قتله، لا سيما القتل على ملء و بين الناس و المسألة دينية. (1/261)
صفحة 261
و هل ترون أن قاتل عثمان الذي طعنه فقط ؟ أما الذي قام عليه و حصره، و ألَّب، و شدَّد على قتله، و دعا إليه و استجاش و جد و اجتهد، و هم خيار الصحابة من المهاجرين الأولين و الأنصار، حتى أنهم لم يتركوه أن يدفن في مقابر المسلمين لاشتداد البغضة، و نزوله من قلوب الناس منزلة عدوهم، فعائشة أم المؤمنين و قدوتهم في دينهم، و علي بن أبي طالب، و عبد الرحمن بن عوف زعيم الشورى، و رجال الأنصار، و أهل الحل و العقد منهم القائم و منهم الآمر و منهم راضي، و منهم الساكت، و كان ذلك شاهراً ظاهراً بحصار دام عهداً حتى بلغ الخبر مشارق الأرض و مغاربها، و شاع وذاع، و لم يقم أحد لدفاع عنه لأنهم كلهم على تئآمر في قتله.
و سوف ترى أن أهل العلم كلهم رأوا قتله، و حسبك [189] نداء عائشة بقتله، إذ تقول جهاراً اقتلوا نعثلاً، فقد كفر، و عنها أيضا، أبلى سنة رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم -، و سوف ترى أيضا عن أهل العلم أنه لما طلب معاوية من علي بن أبي طالب قتلة عثمان إذ مبدأ المكيدة و عنصر الشقاق الذي يروم به دخول باب شق العصا، بزعمه ظالمون له قام لهم أكثر من عشرة آلاف رجل قائلين كلنا قتله، و هو أعيان الصحابة، و أعمدتهم، و من هم الحجة فيهم. (1/262)
صفحة 262
قال في الإمامة و السياسة " ذكروا أنه اجتمع ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فكتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - وسنة صاحبيه، و ما كان من هبته خمس أفريقية لمروان بن الحكم، و فيه حق الله و حق رسوله - صلى الله عليه و سلم - و منهم ذو القربى، و اليتامى، و المساكين، و ما كان من تطاوله في البنيان حتى عدوا له سبعة دور في المدينة بناها بأموال المسلمين، منها دار لنائلة، و دار لعائشة، و غيرهما من أهله و بناته، و بينان مراون القصور بذي خشب، وعمارة الأموال بها من الخمس الواجب لله و لرسوله، و ما كان من إفشاءه العمل والولايات في أهله و بني عمه من بني أمية، أحداث و غلمة لا صحبة لهم من الرسول، و لا تجربة لهم بالأمور، و ما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة، و هي أعظم بلاد الإسلام إذ ذاك فكان يصلي بهم سكران من سكر الليل فصلى بهم ذات يوم فريضة الفجر أربعة ركعات، ثم قال لهم إن شئتم أن أزيدكم صلاة زدتكم، قبحه الله من رجل، يصلى بعباد الله فريضة الصبح و هو سكران، و تعطيله الحقوق و إقامة الحد [190] على الوليد المذكور و تأخيره ذلك عنه، و تركه الأنصار و المهاجرين لا يستعملهم على شيء، و لا يستشيرهم في شيء، و استغنى برأيه عنهم.
و ما كان من الحمى الذي حماه حول المدينة، و ما كان من إدراره القطائع، و الأرزاق، و الأعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبي عليه الصلاة والسلام، ثم لا يغزون و لا يذبون، و ما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط، و أنه أول من ضرب بالسوط ظهور الناس، ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب " أي هذا الكتاب الذي كتبوه و جمعوا فيه هذه الأشياء، و ذكروا فيه هذه الأحوال " أن يسلموه في يد عثمان " (1/263)
صفحة 263
قال :" و كان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر - رحمه الله- " قلت : وفضله أشهر من نار على علم و أكبر من أن يذكر، قال " و من جملتهم المقداد بن الأسود، و كانوا عشرة، فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان، و كان الكتاب في يد عمار بن ياسر - رضي الله عنه - جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده، فمضى حتى جاء دار عثمان، فاستأذن عليه فأذن له في يوم شات، فدخل عليه، و عنده مروان بن الحكم، و أهله من بني أمية، فدفع الكتاب إليه فقرأه، فقال له : أنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال : نعم و من كان معك ؟ قال : كان معي نفر من الصحابة تفرقوا فرقا منك، قال : من هم؟ قال : لا أخبرك بهم، قال له عثمان : علي من بينهم ؟ فقال مروان : يا أمير إن هذا العبد الأسود، و كان عمار أسود، قد جرأ عليك الناس، و إنك إن قتلته، نكلت به من وراءه، قال عثمان : اضربوه، فضربوه، و ضربه عثمان حتى فتقوا بطنه، فغشي عليه، [191] فجروه حتى طرحوه على باب الدار، فأمرت به أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه و آله وسلم - فأدخل منزلها ".
قلت : ألا تكفي هذه القضية دليل على جور عثمان ؟ و انظر بينها و بين ما يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - :" رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا "، فإن عماراً من خيار الصحابة، و زهادهم، و أهل الوفاء فيهم، و الرسول - صلى الله عليه و سلم - فيه " رحم الله عمارا تقتله الفئة الباغية " و انظر إلى تنقص مروان بن الحكم لعمار - رضي الله عنه - و مروان من شرار بني أمية، و انظر في ضربهم له حتى فتقوا بطنه، على أي جرم فعله ؟ لا و رب الكعبة لم يفعل شيء ينكر، بل أحب عثمان أن يكون كما قال الله عز و جل " وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ " (1) و أحب عمار - رحمه الله- أن يكون كما قال - صلى الله عليه و آله وسلم - " أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عن سلطان جائر... " الحديث. (1/264)
صفحة 264
قال ابن قتيبة " و غضب فيه " أي في عمار " بنو المغيرة و كان حليفهم، فلما خرج عثمان لصلاة الظهر، عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة، فقال له : و الله لئن مات عمار من ضربه هذا لأقتلن به رجل عظيماً من بني أمية، قال : فسمعه عثمان فقال : لست هناك، قال : ثم خرج عثمان إلى المسجد، فإذا هو بعلي بن أبي طالب و هو شاك معصوب الرأس، فقال له عثمان : و الله يا أبى الحسن ما أدري أشتهى موتك أم أشتهى حياتك ؟ فوالله لئن مت ما أحب البقاء بعدك أو قال ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك لأني لا أجد منك خلفاً لي، و لا بقيت لا أعدم طاغياً يتخذك سلماً و عضداً، و يعدك كهفاً و ملتجأ لا يمنعنى منه إلا مكانه منك [192]، و مكانك منه، فأنا منك كالابن العاق من أبيه، إن مات فجعه، و إن عاش عقه، فأما سلم فنسالم، و أما حرب فنحارب، فلا تجعلني بين السماء والأرض، فإنك و الله إن قتلتني لا تجد مني خلفاً، و لئن قتلتك لا أجد منك خلفاً، و لن يلي أمر هذه الأمة بادئ فتنة ".
قلت : و كأن في هذا الكلام من القدح و الطعن و التوبيخ لعلي ما فيه، و فيه تهديد لعلي بالقتل من عثمان، مزجه بشكل العتاب، فانظروا معاشر المسلمين في أعمال عثمان يعاتب علياً و يهدده ليستر بذلك جوره و بغيه السافر، و يخلق لعلي أوهاماً و خيالات ليوهمه بها أنه على طوايا و نوايا غير صافية، و يخيل إليه أنه الماهر الحكيم، و القوي القدير على ما يروم في الأمر حتى مع ذلك البطل المقدام الهاشمي. (1/265)
صفحة 265
" فقال علي : إن لي فيما تكلمت به لجواباً، و لكني عن جوابك مشغول بوجعي ؛ فأنا أقول كما قال العبد الصالح " فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ " (2) قال مروان : إنا و الله لنكسرن رماحنا و لنقطعن سيوفنا، و لا يكون في هذا الأمر خير لمن بعدنا، و أراد بذلك بني أمية، فقال له عثمان : اسكت ما أنت و هذا " أي لست كفؤاً لعلي فلا تتعاظم عليه فتثير حفيظته " قال " فقام إليه رجل من المهاجرين فقال له : يا عثمان أرأيت ما حميت من الحمى " آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ " (3)، فقال عثمان : إنه قد حمى الحمى قبلي عمر بن الخطاب لإبل الصدقة، و إنما زادت و زدت، فقام عمرو بن العاص فقال : يا عثمان إنك ركبت بالناس نهابر من الأمر فتب إلى الله، و كان ذلك دهي ابن العاص، و يعني أنك إذا قلت [193] تبت إلى الله أقنع ذلك هؤلاء المتحمسين عليك، و أنت على أمرك، ففطن لها عثمان فرفع يده إلى السماء وقال توبوا إلى الله من كل ذنب، اللهم إني أول تائب إليك، ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا عثمان ما بال هؤلاء النفر من المدينة يأخذون العطايا و لا يغزون في سبيل الله ؟ و إنما هذا المال لمن غزا في سيبل الله، انتقاداً لفعل عثمان، و كان المال لا يبذل إلا لمن غزا في سبيل الله، وقاتل عليه إلا من كان هؤلاء الشيوخ أصحاب محمد - صلى الله عليه و سلم - ".
==========================
(1) الشعراء : 130.
(2) يوسف : 18.
(3) يونس : 59.
--- (1/266)
صفحة 266
والواضح أن قلوب صحابة رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم - كلها حانقة على عثمان، و على ما يصدر منه، و كأنهم كلهم آيسون من رجوعه، و إنما هي مغالطات يغالطهم بها، و ذلك من سوء حظه الدنيوي و الأخروي، فإن الخلق شهود الله في أرضه، فمن أثنوا عليه خيراً كان أهل للخير، و إن أثنوا على أحد بشر كان أهل للشر، و بذلك تكون أحوال عثمان على نمط سيء، ثم يخلف بعده أسوأ منه من الأحاديث، و كان الرسول - صلى الله عليه و سلم - يستعيذ من سوء الأحدوثة.
قال " و لما اشتد الطعن على عثمان استأذنه على بن أبي طالب في بعض بواديه التي ينتحي إليها فأذن له، و اشتد الطعن على عثمان بعد خروج علي، و لعله أصبح حديث الناس و أقصوصة السمر، و لعلمهم لما رأوا عليا خرج آيساً من عثمان، و رجا الزبير بن العوام و طلحة بن عبيدالله أن يُميلا إليهما قلوب الناس ويغلبا عليهم قائلاً له أما بعد...، و اغتنما غيبة علي، فكتب عثمان إلى علي يستصرخه فقد بلغ السيل الزبى، و جاوز الحزام الطبيين،و ارتفع أمر الناس [194] في شأني فوق قدره، و زعموا أنهم لا يرضون دون دمي، و طمع فيمن لا يدافع عن نفسه بهذا و أمثاله.
يعلم العاقل منزلة عثمان من قلوب إخوانه المسلمين، و يدرك أن عثمان وقع في ورطة تبعده عن منصبه، كان السبب في وجودها، حيث جنى على منصبه جناية كبرى، و لو سار بسيرة صاحبيه لنال منزلتهما، و علا قدر على أمته، و لكن حرم التوفيق فوقع في المضيق. (1/267)
صفحة 267
و لما أفضى الحال بعثمان إلى هذا الحد من حنق المسلمين عليه، و رفضهم إياه، و ما ذلك إلا لأحداثه، و سوء الأحدوثة من ورائه، ألبسه لباس البغضاء، و أشاع له في الناس كراهية، فإن الله عز و جل إذا أحب عبداً وضع له الحب في قلوب عباده، كما صرح بذلك الحديث، و بضده إذا أبغضه الله، نسأل الله أن يمنحنا حبه لنا و رضه عنا.
وفي حديث حويطب بن عبد العزى كما يقول ابن قتيتة في الإمامة و السياسة " إن عثمان قال : لقد بدا لي أن أتهم نفسي بهؤلاء، فأتى علياً و طلحة والزبير فقال لهم : هذا أمركم تولوه و صنعوا فيه ما شئتم، و ذلك حين ضاق الخناق، و نفسه تجاذبه على عدم الرضا بتخلي، فإن لو تخلى عن الأمر ما كان لهم فيه غرض إلا ذلك، و لكنه لم يحصل منه، و أما العدل لم يقدر عليه لعدم التوفيق له، و لا تسمح نفسه بالخروج من إمارة المسلمين، وحب الرئاسة هو الشهوة الخفية، نعوذ بالله منها.
فإنَّه لما طاف عبد الرحمن [195] على زملائه لم يقل واحد منهم لا يريدها حتى حلفهم عبد الرحمن يميناً بالله العظيم أنه يعدل إذا تولاها، و لم يسأم منها أحد، و لم يتبرم منها واحد، و لا استعاذ بالله منها، و لا ترفع عن الرغبة فيها مع العلم بها أنها من أصول الشر، إلا من ابتلي بها فإن الله يعينه عليها، و يوفقه للقيام بأعبائها فيستعيذ العاقل من حبها.
بقي حملهم على أنهم يحبونها لكي يقوموا بحقوقها، و يمشوا بها على منهاج الخليفتين أبي بكر و عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، و كل واحد منهم يعد نفسه أنه القادر على ذلك، أو الأقدر عليه، فمن خلصت نيته وفقه الله، و من كان في نفسه غير ذلك ابتلي فيها، و عجز عنها، و لم يقدر على القيام بها، فاضطرب حبلها عليه، و سقط في يده رغم ادعاءه، و النفس أغلبها أمارة بالسوء. (1/268)
صفحة 268
و أكبر جريمة عدها المسلمون على عثمان بعد توليته محمد بن أبي بكر - رحمهما الله -، مصر و أمر بقتله إذا وصل هو و من معه، وقامت الحجة عليه بخاتمه و طابعه و خادمه الحامل للكتاب، و بعيره المركوب إلى ابن أبي سرح، يقول له : (( إذا وصل محمد بن أبي بكر و من معه فقتلهم، و قر على علمك ))، فهذه القضية هي التي أحقدت عليه الخاص و العام، فمنهم من رفض عثمان، و منهم من ألب عليه و أجلب، و منهم من سكت حتى قتل.
و كانت عائشة - رضي الله عنها - تقول جهارا اقتلوا نعثلاً فإنه قد كفر، و نعثل لقب وضعوه لعثمان، و هو في الأصل اسم شيطان [196].
و إليه يشير قول الإمام ابن النضر في لامية الولاية والبراءة :
أمَّا عثمان لأحداثه تلك، و أما أبو موسى فلسعيه في الرضى بالتحكيم و هو ضلال، و قيامه هو بذلك الضلال، و سقوطه في هوته، وتلاعبه بأمر المسلمين بما لا يحل في الدين، و أما علي فلخلعه الإمامة من عنقه و تركه الأمر في يد الرجال الذين أمر الله أن يضع ذا الفقار على هاماتهم، و لا يرفعه عنهم حتى يتحقق خصوعهم و تركهم للباطل الذي دخلوا فيه على المسلمين، و قاموا به على أهل الحق، و لم يفعل من ذلك شيئا، بل لما خلعوه قام يطالب بالإمامة قائلاً : أنه اشترط على الحكمين ألا يوليا غيره، فإن وليا غيره فهو أحق بها من ذلك الغير. (1/269)
صفحة 269
فأين ما أعطى ما أعطى من العهود و المواثيق على ذلك ؟؟!، ثم ختمها بقتل إخوانه أهل النهروان، الذين كانوا دروعه الحصينة، و سهامه المكينة، فقتلهم في مأمنهم بغير حجة و لا اقتراف ذنب، بل لخروجهم على الباطل الذي وقع فيه هو، فإنهم لما لم يرضوا ما كان من التحكيم، و لم يجدوا من الإمام إلا ارتباطه به بالعهود و المواثيق، أيقنوا أن الرجل وقع في باقعه، لا يجد الخروج إلا بالرجوع إلى الله بالتوبة العلنية ؛ فإنه إمام جامعة، و زعيم أمة، خلع إمامته بنفسه فحينئذ لا إمامة له، و علموا أن الحكمين لا يريدانه بل حاولا خدعته فاختدع، فالأمر الآن إلى المسلمين يختارون لدينهم الأصلح و الأولى، و علي يرى أنه باق على إمامته، أرادوه أو أرادوا [197]غيره، و من هنا قام مبدأ الخطأ، فأولئك يرونه خليعاً لا إمامة له، و هو يرى أنه الإمام مهما كان.
و أما عمرو بن العاص فَلِمُمَالئته و موالاته معاوية بن أبي سفيان، و مناصرته إياه على أهل الحق من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، و فتقه في الإسلام فتقاً شق على المسلمين التئامه.
و أما عثمان فقد قتل مخذولاً مدحوراً بأفعاله تلك.
و أما معاوية فقد فارق خطة المسلمين، وبنى ملك بني أمية بحجر نحته له عمرو بن العاص.
و أما علي فلم تقم له قائمة بعدما قتل أصحابه في النهروان على غير جرم، و لا أدنى مسئولية وقعت منه لهم، بل لما عبء جيشه ليتوجه إلى الشام جاءه أهل الكيد في الإسلام ليغرزوا سهام كيدهم في نحره، قائلين له إن هؤلاء أي أهل النهروان قطعوا الطريق، و سفكوا الدماء، و أفسدوا و نحن هنا، فإذا توجهنا إلى الشام جاء هؤلاء بما عندهم و أفسدوا علينا الأمر، فلا نرى لك أن تتوجه إلى الشام قبل أن تقضي على هؤلاء. (1/270)
صفحة 270
و كان ذلك خوفاً من النهروانيين، لأنهم صفوة الأمة الباقية على الوتيرة الصحيحة، و خلاصة الصحابة المؤمنين، و زعيمهم عبدالله بن وهب الراسبي أصلح رجل فيهم، و أوفى و أشجع المسلمين الباقين، في الله لا تأخذه لوم لائم، و لا يرى الدنيا بنسبة إلى الدين شيئاً، و أزهد الصحابة، و أعبدهم [198] و هو المعروف بذي الثفنات، إذ كانت ثفناته كثفنات البعير من كثرة السجود.
و كان هو و أصحابه ممن اتقدت في قلوبهم نار الغيرة على الدين، و تألموا لمصابه تألم السليم، حتى ألجأهم الحال من القرية الظالم أهلها، و أن يتجمعوا من قبائل شتى أفراداً، كان الدين و الإيمان غلب على ضمائرهم ثائرة، و ما زالوا على ذلك و هم أفراد قليلون، فجيء إليهم بأن الإمام يروم الاتصال بكم، و اللقاء بكم لتفاهم معكم، و هو يراعي حقوق إخوانه ليتفاهم معهم، فهزهم ذلك اللقاء فرحاً، و حرك من حفائظ مودتهم فرحبوا به فرحين مسرورين بمقدمه، آملين الخير في ذلك القدوم، و أعلنوا له ترحيب محب لحبيب، إذ لم يسبق لهم سوء.
فلما وصل الإمام إليهم لم يشعروا إلا و رحى الحرب تدور عليهم، و السيوف تعمل على هامتهم، أهذا جزاء من تعلق بحبل الإيمان ؟؟!، وفر من قرار الشيطان، وخرج مهاجر بدينه ؟؟!، وقد كانوا لعلي كما قال عنهم أبو مسلم - رحمه الله-:
أيفسدون في الأرض أولئك الميامين، و قد كانوا أنصار المسلمين يوم الدار، و يوم الجمل و يوم صفين، و على أي شيء يقتلون؟! على أي جريمة يهاجموا في مأمنهم يوم جمعتهم ؟! على أي شيء ترضخ [199] تلك الجباه الكريمة بالسيف؟!.
أعلى بيعتهم لعبدالله بن وهب الراسبي ليوم بأمر الله في أمته بعدما ديست شريعته بالأقدام، و لعب بأحكام الله غوغاء الأنام كالأشعث بن قيس و أمثاله. (1/271)
صفحة 271
و على كل حال إن عثمان بن عفان اتفق المسلمون كلهم على ضلاله، و نعني بأهل الحق الذين تجردوا لله من أمة الإجابة الذين هم الإباضية، فلا مقال فيه.
أما معاوية فمن أول أمره مفسد ضال باغ، وضع نصب عينيه ابتزاز الأمر ممن يتولاه أياً كان، علياً أو غيره، فاستلبه من علي و آله بالمكائد والحيل و الخدائع، أمثل هذا يكون عند الله وليا ؟! و هو أضل من الجبابرة الأول، لأنه تسمى بالإسلام و عاش تحت ظل النبوة، و إذا به مماكر في الدين، خداع للمسلمين، يراوغهم مراوغة الثعالب، و يخادعهم مخادعة سافرة، محتال للأمر، ضارب بالدين عرض الحائط.
و أما علي بن أبي طالب فلا نقول فيه إلا أنه صدوق مخدوع، و أمير متبوع، لا غائلة له في سياسة الأمور الدنيوية، و يعتقد صدق قومه وهم يكذبون عليه، هو معهم باطناً وظاهراً، و هم معه ظاهراً، و في الباطن عند غيره، و لا يظن أن الناس يكيدونه، بل يعتقد [200] أنه الوجيه المحبوب ؛ لأنه العالم الوحيد، و أنه الهاشمي المجيد، و أنه ابن عم الرسول - صلى الله عليه و سلم -، و هكذا كان حال علي بن أبي طالب، بل يعتقد أن الناس يكيدون له، و أنه الكامل في نفسه و دينه و عقيدة وعنصره، فهو هو و الناس أعوانه في الحلو و المر، و بهذا اغتر، و هذا من خدع النفس للإنسان، و لم يكن معصوماً كما يقول الشيعة، و لا عصمة لغير نبي. (1/272)
صفحة 272
و من هنا سقط عرش علي، و هو معه، ولم يقم حتى انتهى أمره إلى الحضيض، و عاش آله عيش المريض، فما كان إلا انقياد ولده الحسن لمعاوية، ملقياً إليه الأمر كله غير ناوٍ إلا ذلك، و لا همت له إلا كفاف معاوية، و وفاءه له بما شرطه عليه ليتمتع به، فكان جزائه جزاء سنمار، فإنه لم يف بشيء من ذلك كله، بل قضى عليه أيضاً، فانتهى أمر علي و آله بمعاوية بن أبي سفيان، ذلك البطل الداهية الذي رام الملك بكل وسيلة فأدركه، و إذا هو خيال أو أشبه بالحلم، و عند الله الحكم بين العباد، و إليه الحساب على مثقالي الذر في الخير و الشر، نسأل الله السلام في الدين و الدنيا.
فإنه لما قتل علي بن أبي طالب قال ابن قتيبة " ثار الناس إلى الحسن بن علي " أي لما يأملون فيه من الأهلية فإنه ابن الإمام علي، و ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، و لكن ليس الإمارة بالأنساب، و لا هي بنت أحد، و لا الكفاءة بالأصهار، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه و سلم وآله - يولي أناس بعداء الأنساب و يترك [201]، و كذلك أبو بكر - رضي الله عنه -، و كذلك عمر - رحمه اللهورضي عنه -.
===========================
--- (1/273)
صفحة 273
قال ابن قتيبة " و لما بايعوه " يعني الحسن بن علي " قال لهم : تبايعوني على السمع و الطاعة، و تحاربون من حاربت، و تسالمون من سالمت، فلما سمعوا ذلك ارتابوا، و أمسكوا أيديهم، و قبض هو يده، و أتوا الحسين أخاه، فقالوا له : ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك، و على حرب المحلين الضالين أهل الشام، فقال الحسين : معاذ الله أن أبايعكم ما كان الحسن حياً " أي لأن الحسن كان أكبر من الحسين ؛ فلذاك هو يريد تقديم الحسن، و هذا غلط لأن المراتب الدينية ليس بالسن، فإن الله عز و جل يقول لنا في كتابه " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (1) فلم يعتبر السن، و كذلك المعقول و هذا أمر مسلم بديهة.
و لعل الحسين يرى أن أخاه الحسن صالح لهذا الأمر، فهو على ما وقع في نفسه يعول، و ليس الإمامة تراث مملوكاً يتعاطونه، و يتهادونه، و يخص به قوماً دون آخرين، فإن قال لنبيه الخليل جرثومة النبيين إبراهيم - صلى الله عليه و سلم - لما قال له " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (1) فصرف الله عز و علا عهده -سواء فسر بالنبوة أو الإمامة بمعنى القدوة - عن الظالمين أيا كانوا، و الآيةالأولى التي ذكرناها مصرحة بأن أكرم الناس عند الله المتقون، و لم يقيدهم بقوم خاصين، و كان الحسين يحب تقديم الحسن.
قال ابن قتيبة في الإمامة و السياسة : " فانصرفوا إلى الحسن فلم يجدوا بداً أن يبايعوه " أي لا بدا لهم [202] من أمير يقوم بأمورهم، و النظر إلى الحسنين، ابني الإمام الراحل، و ابني الزهراء، و سيدي شباب أهل الجنة، و جدهما الرسول الأعظم خاتمة رسل الله عز و جل، فمن هذه النواحي العنصرية هما كاملان. (1/274)
صفحة 274
قال " فلم يجدوا بداً من بيعته على ما شرط عليهم " قال " فلما تمت البيعة و أخذ عهودهم و مواثيقهم على ذلك، كاتب معاوية فأتاه فخلا به، فاصطلح معه على أن الإمامة لمعاوية ما كان حياً، فإذا مات فالأمر للحسن " و كأنه بايعه إياها بيعا اقاليا، لا تفوته بعد موت معاوية " قال فلما تم صلحهما صعد الحسن المنبر فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال أيها الناس، إن الله هدى أولكم بأولنا، و حقن دمائكم بآخرنا، و كانت لي في رقابكم بيعة تحاربون من حاربت، و تسالمون من سلمت، و قد سالمت معاوية بن أبي سفيان و بايعته فبايعوه... إلخ ".
هذا ما كان من أمر الحسن، يلقي البيعة من عنقه إلى معاوية عدوه و عدو أبيه و عدو المسلمين، فكان عوناً لمعاوية على ظلمه، و عهد الله في عنقه، فبأي طريق استحل الحسن خلع عهد الله و ميثاقه، و وضع البيعة إلى ذلك الطاغية، أما كان أولى به أن لو رفض البيعة لما رأى أنها لا تمكن له و لا تتأتى.
و لا يكون عوناً لمعاوية فيكون شريكه في ظلمه، و ليته صارح الذين جاءوه للبيعة بأنه يبايع معاوية، فإن وافقوه فقد جنوا على أنفسهم، و ذلك أسلم له عند الله عز وعلا، فإن من أعان ظالماً على ظلمه كان شريكه إجماعاً.
و إن كان الحسن أراد بذلك حقن [203] دماء المسلمين كما يشير إليه قوله " و حقن دمائكم بآخرنا " فسفك الدماء المسلمين جهاداً في سبيل الله أمر مطلوب حضت عليه الرسل، و نصت عليه الكتب، و المسلمون خلقوا لافتداء الدين، و أنصارا لأوامر رب العالمين، و كأنه علم أن أخرهم هو، و لقد تحققت فراسة أبيه علي بن أبي طالب فيه إذ قال لقومه " أما الحسن فصاحب خوان، و فتى من الفتيان، و لو التقت حلقتا البطان لم يغن عنكم في الحرب حثالة عصفور ". (1/275)
صفحة 275
فصدقت فراسته فيه، و للوالد غالبا فراسة صحيحة في الأولاد كادت لا تخطأ، فكان الحسن يضع الخلافة في فم معاوية، و يشترطها من بعده، و قد عجز عنها، و المسلمون معه يبايعون له على الحرب و السلم، و كأن الخلافة ميراث.
أهكذا يقول الشرع ؟! أهكذا يقول العقل ؟! أهكذا تقول الرجولة ؟! أهكذا يقول ذو الفقار ؟! لا و الله إنما الدين قام بسيوف حمراء فظلوا أياماً لا تغسل منها الدماء، يراها الباغي تلمع في أكف أبطالها الميامين، الذين لا يعرفون الذعر عند التقاء أبطال الرجال، خصوصاً في نصرة ذي الجلال.
و لما كان من الحسن ما كان، دخل عليه سليمان بن صرد بعدما تمت البيعة لمعاوية، و انصرف راجعاً إلي الشام، و كان سليمان هذا غائب عن الكوفة، و كان سيد أهل العراق و رأسهم، فقال للحسن : السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال الحسن : و عليك السلام اجلس لله أبوك، و كان سليمان منكر لصنيع الحسن، فلذلك خاطبه بذلك الكلام، الذي تشف منه البراءة من أعماله.
وقال : إن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك لمعاوية - أي لما علمت من [204] حال معاوية مع أبيك، و أنت الآن تبايعه و الأمل فيك غير ذلك -، قال : و كيف تبايعه و حولك مئة ألف مقاتل هم معك من أهل العراق... إلى آخر ما قاله و ما حركه به، و وعده بانفعاله.
و كان سليمان سيداً مطاعاً، و أيده أيضاً أصحابه بمثل هذا الكلام، فتعلل بعلل واهية، و برد حرارته بكلام لين جعله معذرة له، و حكى حكايات يرويها عن أبيه عن أبيه لا تسمن و لا تغني من جوع، و لا يرضى بها أدنى الناس، و ينفر منها أهل الرجال. (1/276)
صفحة 276
كان منها " و أما قولك يا مذل المؤمنين، فوالله لأن تذل و تعاف أحب إلي من أن تعز و تقتل، فإن رد الله علينا حقنا في عافية قبلنا و سألنا الله العون على أمره، و إن صرفه عنها رضينا و سألنا الله أن يبارك في صرفه عنا، فليكن كل رجل منكم حلسا من أحلاس بيته، ما دام معاوية حياً، فإن يهلك و نحن و أنتم أحياء سألنا الله العزيمة على رشدنا، و المعونة على أمرنا، و أن لا يكلنا إلى أنفسنا ".
هذا كلامه و هو من التراخي لمعاوية و التهاون بحقوق الإسلام بمكان، فإن الباغي أمر الله بقتاله، و أن يرد عن بغيه، و تقطع أجنحة ضلاله، و أمراس فساده، أما تسليم الأمر إليه فأمر يحجره الشرع إلا عن عجز، و لا عجز عنها إذ معه مئة ألف سيف، و على الأقل أن يترك هو و شأنه، و لا يكون له سبباً، فيكون شريكا فيما يفعله الباغي، و كان الباغي من الذي أمر الله بقتالهم حتى يرجعوا عن بغيهم.
وقول الحسن [205] " فوالله لأن تذل و تعاف أحب إلي أن تعز و تقتل " كلام لا روح له، و ليته ما خرج من الحسن ابن البتول و أبوه من يعرف الناس، و لكن قدمنا عن علي تلك الجملة المعبرة عن الحسن، و هي عنوان و ما جاء بعدها عن الحسن ما لا يقل ضَعة عنها، و ليته عمل بما أمر الله في حرب البغاة. (1/277)
صفحة 277
قال في ضحى الإسلام عن هذه الأحوال، و ما عليه أهل الشام في الجزء الأول منه صحيفة ثمان قال : " و أما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان، و طاعة آل مروان، كما أن أهل مكة و المدينة قد غلب عليهما أبو بكر وعمر بن الخطاب " أي فهما معهم القدوة الصالحة، و أما أهل الشام فلا يرون أحدا إلا آل مروان فلذلك قادهم معاوية ابن أبي سفيان كما شاء، و ضرب بهم المسلمين على عمي قلوبهم عن الحق، و صمم آذانهم عن سماع العدل، و انقيادهم لمعاوية كما شاء و لما شاء، فكان منهم ما كان من قتال المسلمين، وشق عصى الإيمان، و قد علموا بغي معاوية، و انتهكه حرم الإسلام و المسلمين طلباً للملك، و إليك بعض ما يدلك على ما كان من أهل الشام مع معاوية.
قال في "الإمامة والسياسة" صحيفة واحدة وثمانيين لما قدم النعمان بن البشير على معاوية بكتاب زوجة عثمان و بقميص عثمان ملطخاً بالدم، و شعر لحيته في زر القميص، قام معاوية فصعد المنبر، و جمع الناس، و نشر قميص عثمان، و ذكر لهم ما صنع بعثمان، وبكى فأبكى القوم معه، و شهقوا حتى كادت نفوسهم أن تزهق، وقد أشار العلامة أبو مسلم - رحمه الله- [206] إذ قال :
قال في السياسة " ثم دعاهم للطلب بدم عثمان، وقام إليه أهل الشام فقالوا : هو ابن عمك، و أنت وليه، و نحن الطالبون به معك " و لم يقولوا إن للمسلمين إماماً، هو الذي يتولى الطلب، و إليه أمر الدماء، و هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. (1/278)
صفحة 278
و على كل حال أنه لا يرضى أن يضيع دم أحقر الناس فضلاً عن دم رجل كعثمان، إن كان له حق، إنما دمه للإمام إن كان قتل مظلوماً، و لم يسألوا أيضا عن القاتل و ما حجته ؟ و لم يحسنوا الظن بخيار المسلمين من الأنصار و المهاجرين، و لم يقولوا إن هناك من المسلمين من هم أحق بالقيام فيه منا، و هم عمدة المسلمين، وحجة في الدين، فليس لك أنت يا معاوية و لا لنا هذا الذي تقوله، أو يستصرخنا إخواننا على عدوهم، فنجيب دعوتهم، و نقوم معهم، و إذا كان القاتل هؤلاء و هم حجة الله في أرضه، و أمناءه على وحيه، و قد ارتضاهم رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و ارتضاهم أبو بمكر و عمر - رضي الله عنهما -.
لم يبق وجه للطلب بدم عثمان، بل لما قال معاوية أنه قتل مظلوماً قال هم أيضا كذلك، و لما قال أنا أطلب بدم عثمان، قالوا نحن معك، و لا يفهمون ما يرمي إليه معاوية، فخرج بهم معاوية في جحفل جرار، فقاتل بهم معاوية المسلمين، و لما رأى طاعة أهل الشام له، و انقيادهم لأمره كتب لعلي بن أبي طالب، يتهدده و ينتقص المسلمين لقصد فتح [207] باب الفتنة.
و قام ينتقص المسلمين من الأنصار و المهاجرين، و جعلهم غوغاء و طغاماً و أوباشاً و حمقى، إذ قال في كتابه الذي رواه في الإمامة والسياسة " أما بعد فإنا كنا نحن و إياكم يدا جامعة، و ألفة أليفة، حتى طمعت يا ابن أبي طالب فتغيرت و أصبحت تعد نفسك قوياً على من عادك بطغام أهل الحجاز، و أوباش أهل العراق، و حمقى الفسطاط، و غوغاء السواد.
و أيم الله لينجلين عنك حمقاها، و لينقشعن عنك غوغؤها انقشاع السحاب عن السماء.
قتلت عثمان بن عفان، و رقيت سلماً أطلعك الله عليه مطالع سوء عليك لا لك، و قتلت الزبير و طلحة و شردت بأمك عائشة، و نزلت بين مصرين، فمنيت و تمنيت، و خيل لك أن الدنيا قد سخرت لك بخيلها و رجلها. (1/279)
صفحة 279
و إنما تعرف أمنيتك لو قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام، بقية الإسلام فيحيطون بك من ورائك، ثم يقضي الله علمه فيك، و السلام. "
فانظر في هذا الكتاب الذي أسند فيه قتل عثمان إلى علي بن أبي طالب، و كان علي من المدافعين عن عثمان، و الذابين عنه بغية رجوعه إلى الحق، و ندد في كتابه بعلي بن أبي طالب، و من معه من المسلمين، و غمزه و هدده في تهديداً سافراً بقوله " إنما تعرف أمنيتك لو قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام " و سماهم بقية الإسلام، تغريراً بهم، إلى قوله " فيحيطون بك من وراءك، و يقضي الله علمه فيك " على الأقل هذا كلام يحمل الجفاء البالغ في طياته، ويعرب عن سوء ضمير لإمام المسلمين المجمع على إمامته.[208]
فقد ندد فيه بعلي بن أبي طالب وغمزه، و هدده بأهل الشام، و نسب إليه قتل عثمان، و جعل المسلمين طغاماً، و أوباشاً، و حمقى، و غوغاء، و الرسول - عليه الصلاة و السلام - يقول " سباب المسلم فسوق ".
و تره يقول لعلي إمام المسلمين " يمني نفسه الأماني " و يعني بذلك إخراجه من الشام، ونسب إليه قتل الزبير بن العوام، و هو يعلم من قتل الزبير و كذلك طلحة، وقال له : شردت بأمك عائشة و تخيلت الخيالات... أخر ما جاء في ذلك الكتاب، مما يفهمه أولى الألباب.
ونسي معاوية بل تناسى أفعاله الشنعاء، و أعماله الكبرى، و احتقاره المسلمين، و تعاظمه عليهم، و قتاله إياهم، و شق عصى المسلمين، و خداعه للحسن بن علي بن أبي طالب، و استيلاءه الأمر منه مع مواعيد خانه فيها، و قد علم خلف الوعد، و خيانة الوعد، وجعله الخلافة الراشدة سلطنة فاسدة. (1/280)
صفحة 280
و من هم المهاجرون من أهل الشام، بقية الإسلام ؟؟ الذي يحتج بهم معاوية، و يعزز بهم حتى جعلهم بقية أهل الإسلام، وهو و أبوه لم يكونا من المهاجرين، فضلاً عن أهل الشام، و قد علم معاوية أن علي بن أبي طالب ليس ممن يقعقع له بشنان، لقد عرفه خواض غمارات، و كشاف معضلات، و فكاك أزمات، ربته الحرب في أحضانها، و مرنته الوغى على شجعانها، و ألف قطع الرؤوس من أمطالها، و مطاردة الأبطال في ميدانها.
و ما معاوية عند علي بن أبي طالب إلا كثعلب عند أسد، أو كنجم عن البدر، فعلي إمام فعّال، ومعاوية أمير قوّال، لا يماثل علي في حال من الأحوال،[209] و لا يدنو منه في شيء من صفات الرجال، و إنما ذلك منه تبجح يتعاظم به في أعين أهل الشام، الذين لا يعرفون الحق، و لا يهتدون للرشد، بل يعرفون معاوية و آل معاوية، كأنهم أرباب، إذا قالوا فهم الصادقون، و إذا فعلوا فهم المحقون، أتباع كل ناعق.
فآل أبي سفيان عندهم هم المسلمون جاروا أم عدلوا، و تلك هي المصيبة الكبرى التي شقت عصى المسلمين، و مزقت شمل الدين.[210]
=====================
(1) الحجرات : 13.
(2) البقرة : 124.
--- (1/281)
صفحة 281
[المقام السابع]: بيان مبدأ الفتنة ومركز ثورتها في الإسلام
قال الإمام - رحمه الله-:
[الشرح]
اعلم أَنَّ مَبْدأ الفتنة ومركزها الموطأ في الإسلام لها، قيام معاوية بن أبي سفيان الذي خرج على الإمام العادل إذ ذاك علي بن أبي طالب، مُتَذرعاً في ذلك بطلب دم عثمان، إذ كان في هَمٍّ كبير من إمامة علي بن أبي طالب، أن يخرجه من الأعمال التي يتلاعب فيها أيام عثمان، و إن علياًَ سوف يُقْصِيهِ عن تلك الأحوال.
و ليس من همه قتل عثمان، فإن عثمان حُوصِرَ في داره تلك المدة التي عَلِمَ بها معاوية، و لم يتحرك معاوية لمناصرة عثمان، و لم يقم أحد من المسلمين مناصراً لعثمان إذ كان الطالبون لقتله الصحابة كلهم، و فيهم المهاجرون و الأنصار، و بقية المسلمين من سائر الأقطار، فإنهم كانوا بالمدينة المنورة أكثر من مئة ألف رجل يحملون السلاح، ألا يكفون للدفاع عن عثمان؟؟.
إنهم و الله ليكفون و زيادة، و لكنهم كلهم كانوا قاتلين فإن مَنْ كان راضياً كان قاتلاً، و مَنْ كان معيناً للقتل كان أيضاً قاتلاً، [211] و من مالئ، أو دَلَّ، أو حَرَّضَ، كان أيضاً قاتلاً، و بذلك تعلم أن جميع المسلمين الذين هم الحجة في الدِّين قاتلون لعثمان.
و قوله:. " و لم يعبه أحد "، أي لم يعب قتل عثمان، ولا القيام عليه، و حصارهم إيَّاه، و قتلهم له أحد بعدما قتلوه، لأن المسلمين كلهم انطبقوا على قتله، فمنهم القائم عليه جهاراً شاهراً سيفه، و رامياً سهمه، و منهم المُؤلَّبُ عليه، و الحَاضُّ علي قتاله، و منهم الراضي به، الساكت عنه، منتظراً فيه ذلك، حتى قضى الله عليه. (1/282)
صفحة 282
و لا خلاف في هذا، و من قال بغيره فهو مخادع، غَاشٍ للمسلمين، قادح فيهم، متهور بما قال، لأنه لم يُعْقَلْ أن يُحْصَرَ إمام المسلمين، و لا يعقل أن يقاتل أمير المؤمنين في قلب المدينة المنورة بين ظهراني الصحابة المسلمين، و حول الحرم المقدس بعين الأولياء المتقين، و بجوار رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، إلا أنه جَارٍ عن اتفاق، و ثابت بالاستحقاق.
و على كل حال، إذا فَكَّرْتَ في الأمر، رأيت أمراً باهراً ارتكبه الأمير الثالث حتى تغلغل الحنق من قلوب المسلمين، و تحكم بعدما استحكم حتى أثار حفائظ أهل الإيمان، و ألهب ضمائرهم، لأنه لو قتل غَيْلَةً لقائل أن يقول أن عثمان لم يظهر أمره، و لم تقم عليه حجة شاهرة، و لم يُعْرَفْ لقاتله مُصَوِّغٌ، و غير مستنكر قتل كهذا، فإنه طالما يقع الاغتيال في الأمراء، والملوك، و الزعماء و نحوهم، فبالأمس قتل عمر بن الخطاب.
إلَّا أن قتل عثمان كان بعد ثورة من المسلمين، وبعد حصار دام مدة شاع فيها الأمر، [212] و اتضح السَرُّ، و بَرَحَ الخفاءُ، حتى عرف بعدما عرف موجب القتل.
و قد سمعت ما يَعُدُّ على عثمان من الأحداث، و علمت مراجعة المسلمين له؛ ليرجع عَمَّا كان عليه، و يلتزم سيرة صاحبيه أبي بكر و عمر بن الخطاب - رحمه الله-، و أنت خبير أن المسلمين القاتلين لعثمان هم حجة الله في أرضه، و أهل الغيرة على حُرُمِهِ، و هم سور الإيمان، و هم أعمدة الإسلام، رهبان الليل، أسود النهار، مات عنهم رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - و هو عنهم راضٍ.
فهل يعقل أن يقع هذا بمرأى منهم و مسمع إلا لسبب أوجب ذلك، لم يَرَوْا عنه بُدًّا، فإنهم راجعوه مرات، و لم تكن منه إلا مواعيد فارغة لا ثمرة لها، لذلك قاموا عليه من شتى الجهات، و اجتمع عليه كل من هناك من المسلمين، و لا مخالف لهم، و لا ناقم عليهم في ذلك أبداً. (1/283)
صفحة 283
حتى إذا تحرك من معاوية عرق الرئاسة، و ثار به ثائر الملك و السلطان، قام يَتَذَّرعُ لمقصده، و غدا يخادع المسلمين بذلك، و يتخذ لنفسه حجة يتوصل بها إلى الدخول في ذلك المضيق الخطر، فبعث الفتنة و هي نائمة، و أَوْقَدَ نار الشر وهي خامدة، حتى أشعلها بين المسلمين جحيماً تتلظى، ليحرق بها ريف العدل، و لا يبالي في قضى غرضه.
و أي ظلم أعظم من ذلك ؟؟!، و أي جرم أكبر من شق عصى المسلمين ؟!، و الاستيلاء على أمرهم بالسيف و العصا، و العهد بالنبوة قريب، و بمنهج أبي بكر و عمر - رضي الله عنهما - أقرب، و تمزيق عُرَى المسلمين من أكبر الذنوب، و سفك قطرة من دماء المسلمين يَهْتَزُّ لها عرش الحقِّ، و تظلم لها الدنيا بأسرها. [213]
و لكن طالب الدنيا لا يبالي بما يلاقي، و لا يتبرم من الدماء التي تراق، لقد جعل هذا الفريق القدح في قاتلي عثمان وسيلة لجلب قلوب الناس البسطاء، و الضعفاء من المسلمين، و الجهلاء الذين هم أتباع كل ناعق، و من لا بصيرة لهم، و هم السواد الأعظم في الأمة، و خصوصاً أهل الشام، الذين كانوا لمعاوية بن أبي سفيان، كون الشيعة لعلي بن أبي طالب.
و كلا الفريقين تابع لهواه في أميره، تَبْعَةَ الأعمى لقائده، و العبد لمالكه، فهيجوا الفتنة، و اصطلوها أغماراً، خاضعين لزعماء الهوى، المنادي للباطل في صورة الحقِّ، المناوين للإمام العدل، بصورة يعرفها أهل البصائر، فأشعلوا نيران العداء بين إخوانهم، لأجل رئاسة حقيرة تمضي في أيام يسيرة، تكون عاقبتها سوء الدار و العياذ بالله.
ما كان لهم غرض ديني في قَوْمَتِهِمْ تلك إلا ذلك، و إِنَّما كان كل أمرهم، ومنتهى مرامهم الملك فقط، لله ما أقصر ذلك النظر، و ما أخطأ تلك الآراء.
و على كل حال فقد تحقق بغيهم بذلك، و تَبَيَّنَ باطلهم هنالك، و قد دَلَّتْ على عملهم الأخبار النبوية، و شهدت على فسادهم في سعيهم هذه الأدلة العقلية. (1/284)
صفحة 284
فقد ورد فيهم عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قوله الشهير:. " وَيَّحَ عَمَّارٌ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيةُ، يَدْعُوهُمْ إِلى الجَنَّةِ، و يَدْعُونَهُ إِلى النَّارِ " (1) و هذا أكبر شاهد عليهم، فثبت بَغْيُّهمُ بذلك، و اتضح جورهم هنالك، و قد عَدَّ المسلمون على عثمان أحداث ذكر بعضها الإمام البرادي - رحمه الله- في جواهره (2)، و ذكرها الإمام عبدالله بن إباض في كتابه لعبد الملك بن مروان (3).
قال القطب - رحمه الله و رضي عنه - :. " أول [214] من جَحَدَ النعمة، و كَفَرَهَا عثمان، جعله المسلمون إماماً لهم، و حكموه على أنفسهم، و دينهم فخانهم في كل ذلك " (4).
و نسبة الكُفْرِ لعثمان مع خيانة المسلمين من مثل هذا العالم الجليل لأمر عظيم تَلَبَّسَ به عثمان بن عفان، فإن المسلمين أحسنوا به الظن، و تأملوا فيه الخير لدينهم و دنياهم، حتى ظهر منه استدعاء أهل الإيمان من المسلمين على قتله.
قال القطب - رحمه الله- :." زاد عثمان في مسجد رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - وَ وَسَّعَهُ، و ابتاع من قومٍ أراضيهم، و أبى آخرون فَغَصَبَهُمْ، فصاحوا به، فسيرهم إلى الحبس، وقال قد فعل بكم عمر هذا الفعل فلم تصيحوا به " (5)، قلت : ليته لم يفعل إذا كان التوسيع بِغَصْبِ أموال النَّاس، فيكون كطاعمة الأيتام من كسب فرجها الحرام، فكان عثمان بذلك واقعٌ في كبائر متعددة منها:. غصب الناس أموالهم، و هو من أكبر الكبائر، و الثانية حبسهم بغير حَقٍّ، و هو هَتْكٌ لأعراضهم، و إهانة لهم، فإن إنزال العقاب عليهم بغير موِجب من أفحش المعاصي، ليته لم يفعل شيئاً من ذلك، و وَفَّى بما عهده إليه المسلمون، و بَرَّ اليمين التي حلّفه إيَّاها عبد الرحمن بن عوف رئيس الشورى أنه إذا وَلَّاُه الخلافة أن يسير بها سيرة صاحبيه أبي بكر و عمر - رضي الله عنهما -. (1/285)
صفحة 285
لكن خواتم الأعمال، و منتهى الأمور دليل على ما يؤول إليه أمر الإنسان، وَ سْبقُ الكتاب على الإنسان وَرَدَ به الحديث عن النبي - عليه الصلاة والسلام (6) -، و الأشياء كلها بيد الله عز و جل، و قد ثبت أن الأعمال بخواتمها، و أجمع على ذلك المسلمون.
و الثالثة[215] : قَذْفُهُ عمر - رضي الله عنه - بذلك الفعل الذي أنكره عليه المسلمون، و لم يكن ذلك و لا مثله من عمر، بل و لا قريب منه، بل كان عمر رضياً عند النبي - عليه الصلاة والسلام -، و عند أبي بكر، و عند المسلمين أجمع، و لو كان كما يقول عثمان لاشتهر ذلك عند المسلمين، و نقل إلى من بعدهم كما نقل عن غيره.
و مقام عمر أنزه المقامات في الإسلام، وَ أَعزُّ الأعمال الدينية أعماله، و أشرف أيام الخلفاء الراشدين في الإسلام أيام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، إذ كان عمر يقيم الحدود على أولاده، و كان عثمان يسترها، و يناضل عنها حين تبدوا من أقاربه و أرحامه.
=================
(1)سيق تخريجه
(2)الجواهر المنتقاة ص53-97
(3)الجواهر المنتقاة ص 156 -167
(4)هيمان الزاد ( 11/342)
(5)هيمان الزاد ( 11/ 342) (1/286)
صفحة 286
(6 ) أخرجه البخاري في (82-كتاب القدر1 - باب القدر) (4/218) رقم6594، وأخرجه مسلم في(46- كتاب القدر1- باب كيفية الخلق الآدمي) (4/2036) رقم 1(643)، وأخرجه الترميذي في(33- كتاب القدر4- باب ما جاء أن الأعمال بالخواتيم) (4/446) رقم 2137، وأخرجه ابن ماجه في (المقدمة 10- باب في القدر)،ص12 رقم76، وأخرجه أحمد في (3/517) رقم 3624 وفي(4/90) رقم3934، وأخرجه عبد الرزاق عبناه في المصنف(9/81) رقم16455، وأخرجه ابن حبان(14/47) رقم6174،وأخرجه الحميدي(1/69) رقم 126، وأخرجه البزار(4/351) رقم1551، وأخرجه الشاشي في مسنده(2/140) رقم 680، وأخرجه أبو بعلي(8/128) رقم 4668، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى(7/691) رقم 15421، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان(1/207) رقم 187،وأخرجه الطبراني في المعجم الكبي(1/296) رقم 872،وأخرجه الطبراني أيضاً في المعجم الوسيط(3/113) رقم2469، وأخرجه أيضاً في المعجم الصغير(1/204) رقم 503 وأخرجه أيضاً في مسند الشامين(1/40) رقم 29
--- (1/287)
صفحة 287
وقد أجمعت الأمة كلها على أن عمر سيد الأمراء بعد أبي بكر - رضي الله عنهما - إلا أنه أي أبو بكر لم تطل أيامه، فتعجل به داعي المنون ليلحق بسيده المصطفى - صلى الله عليه و آله وسلم - فخلفه الفاروق، و الشديد في دين الله، القوي في طاعة الله، الذي لم يَزَلْ الصخرة الراسية في الحظيرة الإسلامية، رحمه الله و رضي عنه، حتى لَقِيَ رَبَّهُ شهيداً.
ثم قام هذا الأمير الثالث مأخوذ عليه عهد الله و رسوله أن يسير بسيرة صاحبيه، و كان مرشحاً لمثل هذا المنصب العالي، حتى كان منه ما كان، مما كَدَّرَ الصفو، و خَيَّبَ الأمل، و غَيَّرَ السيرة، و لعله سَبَقَ عليه الكتاب، و إن كان من المبشرين بالجنة، فلعله تاب، وَ قَبِلَ الله توبته، و عفو الله عظيم، و كرمه كذلك.
و إن صح أنه من أهل الجنة فلا شك أنه يتوب، و يتوفاه الله تائباً، إذ لم يكن معصوماً من اقتراف المآثم، و التائب من الذنب كمن لا ذنب له.[216]
و أما حكم المسلمين فيه، فهو مبني على ما صدر منه في الظاهر مخالف لأصول الدين، و قواعد الحقِّ عند المسلمين، و ذلك واجب على كل مسلم أن ينزل أهل الحقِّ منازلهم، و أهل الباطل كذلك بباطلهم، و ليس ما يبذله الإنسان من ماله أو من أعماله ضامن له النجاة مع الله، إنما ذلك شيء آخر.
ألا تسمع رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - يقول: " إِنَّ اللهَ يُؤْيِّدُ هَذََا الدِّينَ بِرِجَالٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فيِ الآخِرَةِ، و إِنَّ اللهَ يُؤْيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجَرِ " (1) فأمر الآخرة غيب لا يعلمه إلا الله، و كذلك يدخل الله الجنة رجال لا أهمية لهم بين المسلمين، و لا كبير أعمال لهم في الدين في نظر المسلمين، فيقودهم التوفيق إلى رحمة الله عز و جل، فيخلص الأعمال و النيات في آخر أعمارهم. (1/288)
صفحة 288
و قد اتفق أهل العلم من المسلمين أن عثمان عدل عن الطريقة الصحيحة، و السيرة الرجيحة، فكان يبني دولة بني أمية على كواهل المسلمين، و يهدم دولة المسلمين بذلك، مع علمه بأحوال بني أمية، و سوء أعمالهم.
ولم يزل يستغل الأيام في مصالحهم، و يعمل على إعلاء شأنهم، فكان يئوى طريد رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - و هذا كبير في الإسلام، فإنه رَدٌّ لحكم الرسول - صلى الله عليه وسلم-.
ويمنح آل أمية المنح الطائلة، و يبذل لهم الأموال الجسيمة، فاستنكر المسلمون ذلك، واشمئزوا منه أَيَّما اشمئزاز، و نفروا عنه حتى نزلت الوحشة بعد الطمأنينة، و تَكَدَّرَ الصَفْوُ، و اندلع في المسلمين ما أوري بينهم نيران الحقد، و بدأ بذر الشقاق [217]في أرض الدولة الإسلامية ينبت، ليكون بأسهم بينهم، و تلك سنة الله عز و جل في عباده، و بتداول الأيام تارة لنا، و تارة علينا.
و أوعز الحقد الصدور حتى اتقدت نيران العداء، و طار لها شَرَرٌ اتصل بأكبر عواصم الإسلام، و تغلغل في مصر، و العراق، و الشام، و محل اتقادها الحجاز بأسره، حتى تدعى ذلك البناء الديني من أساسه، و انصدع صرح العدالة من أصله، و بقي أمر المسلمين بين أمواج تحمل و أخرى تطويه فتغرقه.
و العهد برسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - و معجزاته الباهرة، و آياته الزاهرة قريب، و رَسْمُ الإيمان في أفق الإسلام يلمع لمعان البرق، فتهافت المسلمون من جميع العواصم الإسلامية متألمين لذلك الحادث المؤسف، و كانوا يضنون أن أمرهم سيحكم منتهى الخف و الحافر، كما أخبرهم رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم -، فهم ينتظرون ذلك، و قد تَجَلَّى لهم مصدقه من عمل أبي بكر - رضي الله عنه - و أَيَّدَهُ عمل عمر، و تلاه عثمان في ستة الأول من خلافته، و إذا به الآن ينهار في عقر داره، بدلاً من أن يدوس عرش كسرى وقيصر غير ممسوس جانبه بألم، و لا مصاب عرضه بخطر. (1/289)
صفحة 289
و لكن إذا قَدَّرَ الله أمراً في أزله كان، و في الكُّلِّ حكم لا يهتدي لها إلا الأخصاء ممن فتح الله لهم أبواب الهدى، فلم نزل المسلمون المدينة المنورة، و رَأَوْا ما رأوا من أمر عثمان، وتَعَوِّجِهِ، و عناده مراغمة للحقِّ، لم يروا من الواسع إلا أن يوقفوا عثمان في المحل الذي يرآه القرآن، و يرضى به أهل الإيمان، لا حيث يحب[218] عثمان، فهاجموه في داره بعد حصار دام مدة غير مخفية حتى قضوا عليه في حال يرثى له فيها إخوانه، فتزعزع ذلك الحجر، و انهار ذلك الصرح، و انْدَّكَ ذلك الطود الذي حاوله بني أمية، فتأخر القوم في ظاهر الأمر.
فقدم المسلمون علي بن أبي طالب إمام على الناس على النهج الذي مشى عليه إخوانه، و رأى صنيعهم في من انحرف عن الحقِّ، و مال عن طريق الصدق، فكان ذلك درس في ذاكرة كل ذي نهى.
و كان علي راسخ القدم لأهليته للإمامة، إذ كان عالماً، واعياً، جليلاً، هماماً، مقداماً لا يعرف الذعر، و لا يرهب الأخطار، غير مشغوف بحب الدنيا، و لا مؤثر له، و لا راكن إليها، و لم تُعْرَفْ له هفوة في شيء مما يعيب مثله، إلا تلكئه عن بيعة أبي بكر، ثم بايع و أبدى للمسلمين العذر، الذي كان سبب تأخره عن البيعة، فقبلوا منه.
فَوَلَّوه الأمر، و ذلك غاية اجتهادهم، فقام بالأمر قيام ساء آل أمية، خيب آمالهم، و أيقنوا أنهم خارجون عن دائرة الأمر و النهي، و حب الرئاسة يَدْرُسُ لهم أعمال علي بن أبي طالب، و إنه غير تاركهم لعدم استقامتهم كما يرى الشرع، بل لهم مآرب دنيا، و هي البلاء المهلك، و الردى الذي لا يَصِحُّ معه دين. (1/290)
صفحة 290
و كان معاوية أدهى الناس، و من دهائه علمه بعلي بن أبي طالب تمام العلم، و خبرته الواسعة بأصحابه و أتباعه، و الذي يحبه، و الذي يبغضه، و ممن يؤثر عليه، و من هذه الوجهة دخل عليه، إذ دَسَّ له ناساً يحترمهم علي [219] لظواهر أحوالهم، و لا يعتقد فيهم غير الحقِّ، و هم أعوان معاوية، و أعمدة أمره، و قد ملء روعه بأمانيه، و غمرهم بآماله، و رأى النجاح له من هنا.
لقد جعل معاوية بن أبي سفيان الطلب بدم عثمان العصا التي يتوكأ عليها، فاتحاً بذلك باب الفتنة، ليقاسم علي بن أبي طالب الملك، و قد أدخل على أهل الشام جهيزة دم عثمان، و أنه قتل مظلوماً، و أن القاتلين باغون عليه، و أن لو كان معاوية المذكور موجوداً بالمدينة لما قَدَرَ أحدٌ أن يفعل في عثمان، و أنه هو المسئول عن دماء بني أمية، و السائل فيها، لكونه ابن السيد أبي سفيان الذي جعل الرسول - عليه الصلاة والسلام - الأمان لمن دخل داره يوم الفتح، إذ كان رجلاً فخوراً، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عن ذلك فجعلها مزية له، و إلى ذلك يشير القائل :
و أَنَّ معاوية يرى نفسه بتلك المنزلة، و أدخل على قلوب الشاميين ما تملكها به بدهائه، و ما كان ينفقه عليهم من الأموال، و المال فَعَّال قوي في قلوب السواد الأعظم الساذج، فإن إدراك الحقَّ لا يقدر عليه كل أحد، و بذلك خرج في مجامعهم يطوف عليهم بسربال عثمان، ملطخاً بالدم، ممزقاً بالضرب، و هو يبكي عليه بكاء الثكالى، كما قال العلامة أبو مسلم - رحمه الله[220]تعالى - ( 2 ):
وكان كلاً لا يهوى علياً، و لا يرجو خيره، فكان ذلك مؤثراً في قلوب أهل الشام، و كان معاوية أهبهم لهذا الصدد الذي ينويه.
============================= (1/291)
صفحة 291
( 1 ) أخرجه البخاري في(26 كتاب الجهاد والسير 128- باب إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر(2/266 ) رقم 3062،وأخرجه مسلم في (1-كتاب الإيمان47- باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه) (1/105) رقم 178 (111) وأخرجه أحمد في المسند (8 /163) رقم 8076 وأخرجه الدارمي في ( كتاب السير 74- باب إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) (2/ 194 ) رقم 2517، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (9/185 ) رقم 8913 وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط(4/56 ) رقم3393 وأخرجه ابن حبان (10/377-378 ) رقم4518و4519وأخرجه عبد الرزاق (5/269 ) رقم9573 وأخرجه البيهقي في السنن (8/343 ) رقم 16834 وأخرجه ابن منده في كتاب الإيمان (1/ 318 ) وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير (1/78 ) رقم 126
( 2 ) ديوان أبي مسلم ص36 وقد تقدم تخريجه
( 3 ) الظَّنْبُوبُ:. حَرْفُ السَّاق من قُدُم، ويقال قرع طنابيب الأَمر:. ذلَّله.( القاموس المحيط ص111 مادة ظ ن ب
(4 ) عَكَّ :. عطف، يقال عَكَّ عليه :. عطف (القاموس المحيط /949) مادة ع ك ك
(5) العُجْبُ:. أصل الذنب (مختار الصحاح/174) مادة ع ج ب.
(6) الوَضَرُ:. ما تشمه من ريح تجدها من طعام فاسد أو وسخ الدسم واللبن (القاموس المحيط/ 492) مادة و ض ر.
--- (1/292)
صفحة 292
وليعلم أولو الأمر أن أمثال هؤلاء ينبغي ألا توضع أياديهم في شيء من أمور المسلمين، فإنهم أعمدة بلاء، و أركان شر، لأنهم يطلبون الإمارة، و يحاولون الملك، فأي ولي أمر استعمل على أمر المسلمين كهؤلاء إلا نَدِمَ أَشَدَّ الندم، بل ينبغي أن يعطوا ثم يطردون عن الأمور طرداً، فإن الشر يأتي من قبلهم.
و لذلك لما رأى معاوية مُكْنَتَهُ من أهل الشام، و وعدهم المواعيد الكبيرة، و أفاض عليهم الدرهم و الدينار، و كانوا له نواة فعالة في سبيل صدده.
وقد كَشَفَ حقيقة الإباضية وَنَوايَاهُمْ و أعمالهم جملة من أجلة العلماء الذين فتح الله عليهم أبواب التوفيق للصالحات، فناضلوا عن الإباضية في كل ميادين الموضوعة أمام العقبات الخطرة، وحققوا عنهم كل صحيح ثابت، بما لا يرتاب فيه عاقل، وقد ذكرنا جملة منهم في كتابنا " أَصْدَقُ المَنَاهِجِ فِي تَمْيِيزِ الإبَاضِيَّةِ مِنِ الخَوَارِجِ " (1) و غيره من كتبنا في هذا الصدد،[221] فعسى الله أن يقدر نشرها على عناية صالح في الدين من أخصاء المسلمين.
كما قام بكشف المرام و تحقيق المقام، العالم الحر الغيور الصادق في قوله و فعله، الهمام محمد علي دبوز (2) صاحب " تاريخ المغرب الكبير " في غضون كتابه الجليل، أبدى فيه عن الإباضية الدرر المصون، و الجوهر المكنون، و الحقَّ الذي لا يمترى فيه أهل النهى، و قد حَلَّلَ المشاكل الموجهة ضد الإباضية تحليلاً لا مزيد عليه، و بيَّن أعمالهم الدينية والدنيوية بياناً يلجم أهل العناد بلجام القهر، و ينشر عليهم علم الحقِّ، الذي نشأت عليه نشأة الإباضية، و بَلَجَ تُرَّهَاتَ الغالين فيهم، و المتمردين عليهم من الجهلاء، والعتاة على الحقِّ، و يفتح آذاناً أغلقها التقليد، و عيوناً أعمها التضليل، و السنةً عرقلها العدوان. (1/293)
صفحة 293
و المقصود من هذا أن الإباضية هم الذين يثبتون على الحقِّ حين يحتار غيرهم و يتحير، و تلين قناته للباطل، و على الهوى المروي يعتمد، و عن النهج الحقِّ يتغير، أما الإباضية فينزلون كل أحد منزلته من الدِّين، و يتبرأون مِمَّنْ يخالف نَهْجَ المسلمين، فهم لا يحابون لأجل دنيا، و لا يخضعون لأهل الضلال، إلا ريثما يرون لوائح النصر فسرعان ما يترامون على أبوابها، و ليس لهم في عثمان ضغن أو في غيره من الناس ما وجدوا الدِّين جاري في مجاريه، و أحكام المسلمين على الصغير و الكبير لا تداريه و لا تجاريه، و للحقِّ أهل كما للباطل كذلك، فلذلك ترى الإباضية يتحاملون على من حَادَ عن الحقِّ مهما كان.[222]
واعلم أن معاوية بن أبي سفيان جعل الطلب بدم عثمان السُّلَمَ الذي يعرج عليه إلى إثارة الفتنة، و شَقَّ العصا بين المسلمين، ذلك لأن معاوية يعلم أن المسلمين اشتركوا في قتل عثمان، وعليه فهيهات الثأر لعثمان و قاتله المسلمون معاً، و علي بن أبي طالب من جملتهم، و هو إمامهم، و بهذا لا يحصل انقياد القاتلين لعثمان، فيكون سبباً لفتح باب الفتنة، ذلك لأن معاوية يطلب بدم عثمان، و علي لا يعترف له بدم ؛ لأن عثمان قتله المسلمون حين رأوه استوجب القتل، فأين الطلب بدمه ؟!.
و لو كان مثلاً قتل مظلوماً لكان دمه للإمام، و هو الذي يقوم بطلب القاتل شكا معاوية أو سكت، فمال لمعاوية يقوم طالباً حقا ليس له !!، و يعلم أنه لا يجده، لكنه قام ليفتح باباً يدخل منه للخلاف، و هو الدَّاهية الكبرى.
و بذلك كانت بين المسلمين الموقعة العظمى التي لا يكاد التاريخ يحفظ لنا مثلها، و هي في صفين سنة سبع و ثلاثين للهجرة، و فيها قتل عمار بن ياسر - رضي الله عنه - الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه و سلم -: " تَقْتُلَكَ الفِئْةُ البَاغِيَةُ " (3)، فقتل في جيش علي بن أبي طالب بصفين، و قاتله معاوية و جنوده. (1/294)
صفحة 294
و كان قتله دليلاً واضحاً على بغي قاتله بشهادة رسول الله - صلى الله عليه و سلم و آله - حيث قال فيه: " تَقْتُلَكَ الفِئْةُ البَاغِيةُ " (4)، و هو من أفاضل الصحابة و أعيانهم، و من أعينهم الباصرة لما فيه عن النبي - عليه الصلاة والسلام -، و أجمع المسلمون [223] على أن عمار من أفضل الصحابة، فإنه عذب في إسلامه، و كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يمر عليه و هو يعذب و يقول له:. " صَبْراً يا آلَ يَاسِرِ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمْ الجَنَّةُ " (5).
و كان - صلى الله عليه وسلم - يقول:. " اقْتَدُوا بِالذِيَنِ منْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ و عُمَرٍ، و اهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ " (6)، و هو دليل واضح على أن الذي يتولى الخلافة بعده - صلى الله عليه و آله وسلم - أبو بكر ثم عمر، و إلَّا لما كان لقوله - عليه الصلاة والسلام - معنى، حيث قال:. " بالذي من بعدي أبي بكر وعمر "، فإن البعدية المشار إليها لا يختص بها أبو بكر و عمر، فظهر المراد من ذلك واضحاً جليلاً.
و كان عمار سابع سبعة أظهروا إسلامهم، و لما استأذن على النبي - صلى الله عليه و آله و سلم - قال فيه الرسول - عليه الصلاة والسلام - " ائذَنُوا لَهُ مَرْحَبَاً بِالطَّيْبِ المُطَّيبِ " (7)، و فيه ورد أيضا:. " مَنْ عَادَى عَمَّار عَادَاهُ الله، و مَنْ أَبْغَضَ عَمَّار أَبْعَضَهُ اللهُ " (8)، و حسبه منقبة في الأمة، روى ذلك ابن حجر في الإصابة، و فيه أيضا يقول " و تواترت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه و آله و سلم - أن عمار تقتله الفئة الباغية، و أجمعوا أنه قتل مع علي بصفين " (9) اهـ. (1/295)
صفحة 295
و في التاريخ أن أناساً ممن كانوا حفظوا عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ما قاله في قتل عمار فلما قتل هموا بالفرار من جيش معاوية، و هم من أهل الشام، جاءهم الداهية معاوية قائلاً لهم: لسنا نحن قتلناه، و إنما قتله من أخرجه لقتالنا، فقنعوا بذلك، و سكتوا بتلك الشبهة التي لا يصغي لها من له مسكة من عقل.
قال في الاستيعاب (10) في ترجمة عمار - رضي الله عنه - الحافلة بفضائله السامية، التي لو كتبت بماء الذهب لكان قليلاً في حقه، يقول فيه رسول [224] الله - صلى الله عليه و آله وسلم - : " إِنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرِ حُشِىَ مَا بَيْنَ أَخْمَصَ قَدَميِّهِ إِلى شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِيَماناً " (11)، " مَنْ أَبْغَضَ عَمَّارَ أَبْغَضَهُ اللهُ " في أحاديث عديدة تعبر عن فضائل عمار.
و عن أحواله في صفين روى الأعمش (12) عن أبي عبد الرحمن السلمي (13) قال : شهدنا مع علي صفين، فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية، و لا وادٍ من أودية صفين إلَّا رأيت أصحاب محمد - صلى الله عليه وآله و سلم - يتبعونه كأَنَه علم لهم، و حكى ما قاله عمار في ذلك الموقف الرهيب من الكلام، و ما اطمئن إليه عمار بن ياسر وهو يرى الموت نشرة أعلامه، و حام على روح عمار حمامه، فنادى عمار رجال الإيمان و حضهم على لقاء الله قائلا :
و الله لو هزمونا حتى بلغنا أو قال حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق، و هم على الباطل (14).
و عنه - عليه الصلاة والسلام - : " عَلَيْكُمْ بِابْنِ سُمَّيْةَ، فَإِنَّهُ لَنْ يُفَارِقَ الحَقَّ حَتَّى يَمُوتَ "، و في رواية:. " فَإِنَّهُ يَدُورُ مَعَ الحَقِّ حَيْثُ دَارَ " (15)، و في هذا كفاية لتحقيق المُحِقَّ و ضلال الباغي، و لا دافع لهذا إلا إذا كان الدافع لا يعتمد إلا على هواه، أو على قوتِه. (1/296)
صفحة 296
و لما دارت رحى الحرب في صفين، تَحَيَّر معاوية، و اندهش مما رأى، و هم بالهرب، و لكن وزيره ابن العاص سَكَّنَ دهشه، فإن علي بن أبي طالب دعا معاوية بن أبي سفيان إلى مبارزته، ليصدق ما قاله في كتابه:. " لو زرتك في المهاجرين من أهلِ الشام "، و أخيراً اتقى معاوية بعمرو بن العاص حين لم يقدر على لقاء البطل الهاشمي ابن أبي طالب، و فيها كشف عمرو عن عورته في وجه علي بن أبي [225] طالب لعلمه أن علي لا يرى عمرو شيئاً يهوله، و لا ينثني عنه، و لكنه يعلم أن الحياء يرد علياً، فإن الكريم يترفع عندما يرى مثل ذلك، فكان كشف عمرو لسوئته مضرب المثل للعرب إلى أخر الدهر حتى قال في ذلك قائلهم (16) :
و ذكر التاريخ ما كان عليه عمرو بن العاص من الدهاء الفاحش، و ذكر خوف معاوية، و حيرته، و الدَّهَشَ (17) الذي استولى عليه، و اجتمع الأشعث بن قيس الكندي أحد الدعاة لمعاوية، و أحد الدهاة في جيش علي بن أبي طالب، و أحد الغواة في المسلمين، و نَصَبَ المكيدة الكبرى لعلي بن أبي طالب في جيشه الكثيف الباسل بالتحكيم، واختيار أبي موسى الأشعري الجائر الذي هو عصا عمرو، و غُصَّةُ علي بن أبي طالب، و امتناع الخاصة من قبوله نائباً عن الإمام، و قائماً عن رجال الإسلام، و عن الجهابذة الأعلام.
و قيام الأشعث بتمديد مدة الأجل لكي يتقوى جيشهم الخاسر الذي يرى لمعان ذي الفقار على الأعناق، رجوع علي بن أبي طالب بجيشه إلى الكوفة مصدع الصفوف، لا همة له إلا التأوه و التأفف من الواقع. (1/297)
صفحة 297
و قيام ابْنَيّ أُدَّية (18) في وجه، و هما جمرة حامية إيماناً، و إخلاصاً لله، و في الله، و حُزْنَ علي بن أبي طالب على ما أُجْبِرَ عليه من التحكيم من الأشعث، الذي فَكَّ هو و عمرو أزمة معاوية بن أبي سفيان، و تركاه في الرحب الوسيع حتى يجمع قوته فيضرب بها الإمام، و يُمَزِّقَ بها الإسلام حتى يجتني ثمرة دهائه و مكره، و هما معه، و لهما حظهما من ذلك.
فكانت[226] تلك الحالة ضربة قاسية لعلي بن أبي طالب الإمام، الذي يروم معاوية ابتزاز الأمر منه، و الاستيلاء عليه، و علي بمعزل عن مقاصد معاوية، و لكنه مغلوب عليه، مممكور به في الباطن، قد انْحَلَّ أساس أمره، و انهار صرح إمارته، أولاً من جهة اختلاف أمته و أهل طاعته، و خروج رجال الإيمان عن زعامته، وهذه أكبر خسارة على علي الإمام، و الثانية فسح المجال لمعاوية لإعادة قوة متوفرة يضرب بها خصمه، و كلاهما من أكبر مصالح الداهية الأموي، و علي مصمم على أن الأمر في يده، و أَنَّ النَّصْرَ حليفه، و كَأنَّه لم يكن شيءٌ يخشاه، يرى شجاعته الهاشمية، و قوته الإيمانية، و عزيمته المعروفة ينمحي بهن كل ما يبنيه معاوية و أحزابه، و لا يرى أن للسياسة فِعْلاً فوق القياس.
و كان الأشعث الخبيث متحكم على حركة علي وقوته الحربية، المبتلي به علي بن أبي طالب و جيشه، فكانت الأمور بيده، و الحركات رهن إشارته، و هو ضالٌ فاسقٌ مارقٌ من الدِّين، لا همة له إلا إرضاء معاوية و آل معاوية، و نبذ رأي المخلصين في التحكيم الذين يؤلمهم الأمر، و يهمهم وقوعه مهما كان، و بكاء الثواكل في الكوفة على القتلى في كل بيت عويل، و في كل مقام ضجيج، و في كل بقعة عجيج.
كل هذه الأشياء مما يؤثر على علي بن أبي طالب و يؤلمه، و أضف إلى ذلك شماتة الأمويين في الكوفة، إذ مَرَّ عليٌ عليهم، و هم يقولون:. " ما فعل علي بن أبي طالب شيئاً ذهب ثم انصرف " (19). (1/298)
صفحة 298
===================================
(1) من مطبوعات وزارة التراث القومي والثقافة، بتحقيق سيدة إسماعيل كاشف سنة 1979م
(2) محمد بن علي دبوز (1337هـ -1919/1402هـ -1981م) ولد بمدينة بريان من وادي ميزاب في الجزائر، تلقى تعليمه الثانوي بمعهد الحياة، ومن أستاذته الشيخ بيوض والشيخ شريفي سعيد، تخصص في دراسة التاريخ، والآداب وعلم النفس، ومن كتبه المعمة، تاريخ المغرب الكبير، ونهضة الجزائر الحديثة،وأعلام الإصلاح في الجزائر. معجم أعلام الإباضية (4/812)
(3) تقدم تخريجه
(4) تقدم تخريجه
(5) أخرجه الحاكم في المستدرك(3/432) رقم 5646 وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (2/239) رقم 1631، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير( 24/ 303) رقم 769.
(6) أخرجه الترميذي في ( 50-كتاب المناقب 38- مناقب عبدالله بن مسعود) (5/672) رقم3805 , وأخرجه الحاكم في المستدرك(3/79-80) رقم (4451-4456)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (8/264) رقم 16590 وأخرجه الحميدي في مسنده (1/ 214) رقم 449
(7) أخرجه الترميذي في (50كتاب المناقب 35- باب مناقب عمار بن ياسر ) (5/668) رقم 3798 وأخرجه ابن ماجه في ( المقدمة 3- باب فضل عمار بن ياسر) ص22 رقم146 وأخرجه أحمد بن حنبل في المسند (1/503) رقم779 وأخرجه الطيالسي (1/18) رقم 117 وأخرجه أبو يعلى(1/324) رقم 403 وأخرجه أبو نعيم في الحلية( 1/140) و(7/135) وأخرجه الحاكم في المستدرك (3/437) رقم5662 وأخرجه البزار في مسنده(2/313) وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد(1/151) وأخرجه ابن أبي شيبه (6/388) رقم 32233
(8) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند( 13/ 166) رقم 16758 وأخرجه الحاكم في المستدرك (3/441) رقم5674 وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (6/389) رقم32242 وأخرجه ابن حبان(15/ 556) رقم7081 وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ( 4/ 112) رقم 3830 و3831 و3832
(9) الاصابة في تمييز الصحابة ( 2/ 506) (1/299)
صفحة 299
(10) الاستيعاب في معرفة الصحاب (3/1135)
(11) أخرجه ابن ماجه في (مقدمة 13- باب فضل عمار بن ياسر) ص22 رقم 147 وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ( 6/389) رقم 32245 وأخرجه الحاكم في المستدرك( 3/ 443) رقم 5680 وأخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب (3/1137)
(12) سليمان بن مهران الأسدي الكوفي (61هـ -148هـ) أبو محمد، شهر بالأعمش ثقة حافظ عارف بالقراءات ورع، ولكنه يدلس، من صغار التابعين. تقريب التهذيب(1/229) وتهذيب التهذيب( 3/506) وميزان الإعتدال(3/315)
(13) عبدالله بن حَبيب بن رُبَيََعة السلمي( ت بعد 70هـ) أبو عبد الرحمن، كوفي، مشهور بكنيته،لأبيهِ صحبة، ثقة ثبت، من التابعين، محّرئ. تهذيب التهذيب (4/268) وتقريب التهذيب(1/284).
(14) الاستيعاب في معرفة الأصحاب( 3/ 1138-1139)
(15) أخرجه مرفوعاً الطبراني في المعجم الكبير (10/95) رقم 10071 وأخرجه موقوفاً الحاكم في المستدرك (3/442) عن حذيفة بن اليمان
(16) لم أتمكن من تخريجه.
(17) الدَّهَشُ:. الحيرة مختار الصحاح/ 89، مادة د هـ شَ
(18) هما :. أبو بلال مرداس بن أُدَّيَّة وعروة بن أُدَّيَّة
(19) تاريخ الطبري (3/108)
--- (1/300)
صفحة 300
وذكر التاريخ إباء القُرَّاءِ و خاصة الإمام علي بن أبي طالب للتحكيم، و احتجاجهم عليه،[227] و وَصَفَهُمْ بما يُعَطِّرُ أفاق التاريخ، و يبيَّض صفحات الشرف، و ما هم عليه من العلم و الإيمان، و حسن الصبر على البلايا المحدقة بهم، و استماتهم في سبيل الله عز و جل، و ما لهم من المزايا الحميدة، و الأعمال الرشيدة، و في مقدمتهم ذلك الهمام الكامل، و السيد الحلاحل، البطل الذي عرفه التاريخ، و لم تنكره الوغى عبدالله بن وهب الراسبي، الذي ما زال ثابتاً على الحقِّ في تلك المآزق، قائماً بالواجب تحت السيوف، و مازال قلب المعركة، و قطب رحاها، يَتَأَوَّهُ على التحكيم، و على الرجوع عن حرب معاوية الباغي عن الإمام و المسلمين، و قد سُفِكَتْ الدِّمَاءُ و هُتِكَتْ الحرم، وهلكت الأبطال في غير صالح علي و جيشه.
وقد قامت الخاصة تطالب علي بن أبي طالب بالرجوع عن التحكيم، لما يعلمون من حال معاوية و ما يقصده، و إِنَّ التحكيم في هذا مناقضٌ لحكم الله عز و جل في مَنْ بغى على الأمة، و ما كان على خلاف أمر الله عز و جل فهو فساد، و قد قاتل أبو بكر - رضي الله عنه - من منع الزكاة و لم يؤدها، مع أن الزكاة ليس للإمام بل هي لأناس مخصوصين ذكرهم الله في كتابه الكريم، و لكن لما كان الإمام قطب الأمن، و دائرة المجتمع، و إليه تؤدى الزكاة ليخرجها الإمام في مصالح المسلمين، إذا كان غير مستغنٍ عنها فإنه أحد مخارجها، و إن استغنى عنها دفعها إلى أهلها، و أجاز العلماء قتل مانعها، و هو مسلم يدين [228]بوجوبها. (1/301)
صفحة 301
فما بال من بغى على المسلمين، و شمخ بأنفه تعاظماً عليهم، و ترفعاً بالبغي على عباد الله، و قد نَصَّ الله عز و جل على وجوب قتاله:. " فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ " (1)، " إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ... " (2) الآية، " فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ " (3) الآية، و ما زال المسلمون يقاتلون البغاة على بغيهم، فما لمعاوية يكون قرين الإمام فتقع المناظرة في أي الإمامين يكون أصلح للمسلمين، و ليس معاوية بإمام، و لا ترشحه الأمة بذلك، و لا ترضاه الإمامة الحالية والياً على الشام، فكيف ترضاه إماماً لها، فما له يكون قريناً للإمام الذي صحت إمامته بإجماع الأمة المرشح له تحقيقاً لعلمه، و أمانته، و صدقه، و إخلاصه.
و ما لهذا الإمام يوافق على التحكيم، و يجعل للباغي جانب يتلاعب فيه ؟!، و يعطي على ذلك العهد و الميثاق؟، ثم يعود بعد خلعه لنفسه يطلب الإمامة؟ , و قد تلاعب بها الحكمان!، و ما كان يجهل أمر عدوه!، فماله يلوم من خرج عنه آسفاً على ما صار منه؟، فاراً بدينه أن يتلاعب به الأوغاد؟، طالبا رضى الله عز و جل ؟.
وعلى أي جريمة يقتل الإخوان المؤمنون الأبرياء ؟؟، و تضاف إلى جانبهم الشبهات التافهة، و ينسب إليهم أقبح الأعمال، فيقتلون بغير ذنب سوى أنهم لم [229] يرضوا التحكيم، وفروا بدينهم عن الوقوع في مثلها، و تعمل لهم المكائد لِسَحْقِهِمْ، و تنصب لهم شباك الردى لِمَحْقِهِمْ، فيصفو الجوّ لعدو المسلمين، و تقطع أجنحة إمامهم بذلك، إنها فادحةٌ. (1/302)
صفحة 302
و بعد ذلك أشيع عليهم أنهم خوارجٌ ضُلَّالٌ فُسَّاقٌ، ليتستر قاتلهم بذلك، و عند الله ينكشف المستور، و تتضح الجناية على جانيها، و تظهر حقائق الأمور، و ما خَفِيَ على الخلق لا يخفى على الله الذي يعلم ما في الصدور.
فَبَدَلَ أن يقام على الباغي الذي يشهد النص ببغيه يقام على أولياء الله الذين فارقوا أولادهم و أهلهم فَارِّين بدينهم، يبيتون على المحاريب يرتلون القرآن، إذا سمع أحدهم بذكر الجنة كاد أن يطير شوقاً إليها، و إِذَا سَمِعَ بذكر النار كاد أن يذوب لذكرها، و تتقطع أنفاسه خوفاً منها، أَكَلَتْ الأرضُ جباههم من طول السجود، و تقرحت ركبهم من كثرة الركوع و السجود، كأن الجنة لم تخلق إلا لهم فتجردوا لها، و كأن النار موعدهم و ليس لها إلا من يكون كذلك أبداً، و إذا بإخوانهم الذين تلاقوا هم و إِيَّاهم على حرب عدوهم، و هم تحت راية إمامهم يحملون عليهم السيوف في مواعيد لقاء بينهم، تكتب عليها سطور الود و الصفا، و هو على الحقيقة عنوان البغي و الجفاء.
إنها و أيم الله لمما يأسف له، و لكن المقدر بحكمة الحكيم لا بُدَّ من انفعاله، ولما قضي الأمر انتشر الخذلان، و أظلم وجه الحقِّ،[230] و عَمِيَ طريقه، و انْهَدَّ رُكْنُ الإسلام، و اشْتَدَّ على أهله ضيقه، حتى قام من يقتل الإمام انتقاماً، و تَجَرَّدَ له مَنْ حمله الغضب و رآه لزاماً لتتم المكيدة، و ينتصر البغي، فيدوس وجه الحقِّ، و يصفوا الجو لمعاوية و أتباعه، و يقوم الملك العضوض على جثث هداة الدِّين و قادة المؤمنين. (1/303)
صفحة 303
و قد قام المسلمون على إمامهم على بن أبي طالب يناشدونه الرجوع عن التحكيم، و أنه باطل لا يَصِحَّ، و الرجوع فيه لا يُخِلَّ بشيء من أمر الدِّين على القول بصحته، و نبذ العهد وردت به الأدلة، و الرجوع إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل، و الأولى تدارك الأمر قبل استفحال الخطب، و تعاظم الخطر، و هؤلاء القائمون هم خيار الصحابة، و أعيان التابعين لهم بإحسان، فلم يكن من ذلك شيء حتى اغتنم الملكيون الفرصة , و زَوَّقُوا أكاذيب لهم، رَوَّجُوا بها لهم سوق رغبتهم في إذلال الحقِّ، و تأييد الباطل.
حتى جاء المؤرخون الذين هم صنيعة الملوك، و أتباع الشهوات يكتبون الأكاذيب، و الأغراض الفاسدة، و يزخرفون لهم زخارف تمشي بهم في بقاع الباطل، و قد ضربوا بدينهم عرض الحائط.
حتى انحاز المؤمنون كلهم من جيش علي بن أبي طالب وضربوا معسكرهم إذ ذاك بالنهروان، معلنين استياءهم من تلك الأعمال التي وقعت لهم في بيئة إمامهم البطل المغوار، و سيدهم صاحب ذي الفقار، الذي ما زال طيلة تلك المدة، وهو مفتاح مغالق تلك الدماء،[231] و مصباح مظاهر الأرواح، و بانحيازهم عنه قام النشاط البارز لمعاوية وأصحابه، و رأوا أن المكيدة تم انفعالها، و أمور علي آن انحلالها، و سرجه عصفت بها الرياح الزعازع، و لا بد أن تطفئها، وفعلاً كان ذلك كما قصه التاريخ العام، و ذكره أيضا ذلك البطل الجليل المؤرخ المغربي الذي يعطي الحقائق حقها، و يمنح الواقع نصيبه من الصدق و الوفاء.
فساق ما دار في القضية من احتجاج، و ما لَزَقَ بها من لجاج، و ما اختص برجالها من اعوجاج، و ما عليه المنحازون من ابتهاج، و الحقُّ أَحَقُّ بالاتباع، و الباطل أولى بالاتضاع، فذكر الحق أشبه بنجوم السماء، و وضع الحائق في سلكها جواهر متلألئة تلألئ الجواهر في حسنها. (1/304)
صفحة 304
قال :. " و إمامة عبدالله بن وهب الراسبي وقعت في سنة سبع و ثلاثين للهجرة، و هنا تكاثف كيد معاوية بن أبي سفيان بإسراع، ليعاجل هذه القوة المخوفة حين رأى جمرة هؤلاء تتقد عليه، و إنها سوف تقضي عليه و على آماله، فأسرع في إخمادها " (4) كما قال العالم الهمام محمد على دبوز في تحقيق الواقع إلى أن قال:. " و كان عبدالله بن وهب الراسبي من الصحابة الزاهدين، و من العلماء في الدِّين، و كان ذكي الفؤاد، حاز ما في الأمور، قوي الشخصية، شجاعاً صارماً في مواطن الصرامة، صلباً في الأماكن التي تجب فيها الصلابة، داهية، حكيماً، يتوج هذه الصفات العقلية والخلقية كلها، ورعه و تقواه وإخلاصه، و نزهاته [232] و تمسكه كل التمسك بالدِّين، و عمله لآخرته لا لدنياه، وتفانيه لمصلحة المسلمين، و اجتهاده في خدمتهم، وكان يلقب بذي الثفنات لكثرة عبادته، و اجتهاده في صلاته، حتى أَثَّرَ ذلك في جبهته لكثرة سجوده لله. " (5)
قال : " و كان عبدالله زاهداً في الإمامة كارهاً لها،كارهاً للرئاسة، يراها فروضاً و واجبات ثقيلة، و حساباً عسيراً بين يدي الله، فنفرت نفسه عنها، و أبى على أصحابه قَبُول الإمامة، حتى وجد أصحابه من ذوي الكفاءة تدافعوها و زهدوا فيها، و خاف أن يتطلع إليها من ليس بكفوءٍ لها، فيقعون في شر كبير، و يحاسبه الله و أصحابه على ما يحدث فيها لتولي الضعيف الذي أفسحوا له المجال، و تقدم بتأخرهم إلى رئاسة المسلمين، فوجد نفسه مضطراً لِقَبُولِهَا، فقبل الإمامة، فبايعه أصحابه من الخاصة و هم من الصحابة و كبار التابعين، ثم تَوَالَتْ العامة التي أَبَتْ التحكيم فبايعته فعزز بهم جمعه، و تكاثر عدده، و صار نفوذه ينتشر في العراق، و القلوب تتجه إليه من أنحاءه، و كان ذلك في الكوفة. (1/305)
صفحة 305
ثم خرج الإمام عبدالله بن وهب الراسبي، و صحبه، و أنصاره، إلى مكان بعيد عن الكوفة بين بغداد و حلوان يسمى النهروان في غرب نهر طبرستان من أرض خراسان، و قد آثر عبدالله بن وهب الابتعاد عن الكوفة لكي لا يقع بينهم و بين علي بن أبي طالب صدام،[233] فإن العامة تسيطر عليه، و الأشعث و حزبه لا بد أن يوقعوا بينهما، فيجبرون علياً أن يقف منهم موقفاً معادياً، و هم لا يريدون بينهم و بين الإمام علي أي سوء " (6).
قال نقلاً عن ابن الأثير المؤرخ الشهير قال :" ثم إِنَّ أصحاب عبدالله بن وهب لقي بعضهم بعضاً، و اجتمعوا في منزل عبدالله بن وهب الراسبي، فخطبهم، و زهدهم في الدنيا، و أمرهم بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ثم أمرهم بالخروج من الكوفة فقال حمزة بن سنان الأزدي : يا قوم إن الرأي ما رأيتم فَوَلُّوا أمركم رجل منكم، فَإِنَّكُمْ لا بُدَّ لكم من عمادٍ و سنادٍ و رايةٍ تحفون بها، و ترجعون إليها، و هو يشير إلى الإمامة، فقال : فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبى".
قلت : و زيد بن حصين هذا هو الذي قالت فيه عائشة أم المؤمنين راوية عن الرسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم - : " إِنَّ الرُّمْحَ الذِي طُعِنَ بِهِ زَيْدَ بَنْ حُصَيْنِ لَوْ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ المَشْرِقِ وَ المَغْرِبِ لَكَبَّهُمْ اللهُ كُلَّهُمْ فِي النَّارِ " (7). (1/306)
صفحة 306
قال :" و عرضوها على حرقوص بن زهير السعدي فأبى " قلت : و حرقوص بن زهير هذا هو الذي قالت فيه عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -:. " أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آَلهِ وسَلَّمَ - لَمَّا جاءها خبر قتله، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - :. " أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ هَذَا البَابِ مِنْ أَهْلِ الجَنَّة فَدَخَلَ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرِ، ثُمَّ قَالَ فِي اليَوْمِ الثَّانِي- أي تلك المقالة-، فَدَخَلَ حُرْقُوصُ ثُمَّ قَالَهَا أَيْضاً فِي اليَوْمِ الثَّالثِ فَدَخَلَ حُرْقُوصُ." (8)
و قال:. " و عرضوها على حمزة بن سنان الأسدي و شريح بن أوفى العبسي فأبيا، و عرضوها على
عبد الله بن وهب الراسبي، فقال : هاتوها أما والله لا أخذها رغبة في الدنيا و لا أدعها فرق من الموت "، قال:. " فبايعوه لعشر خلون من شوال [234] سنة سبع و ثلاثين، " قال:. " و كان يقال له ذو الثفنات " (9) أي لأن ركبه كثفنات البعير من كثرة الركوع و السجود - رحمه الله و رحم أصحابه الميامين. (1/307)
صفحة 307
قال :. " و كان الغرض الأول الذي يَهُمُّ به الإمام عبدالله بن وهب الراسبي و أصحابه، و يشغل أفكارهم، و يستعدون له، هو الهجوم على معاوية، و إعادة الكَرَّةِ عليه، و القضاء على الملكية المستبدة، و المحافظة على الإمامة العادلة، فخرج فعسكر بالنهروان، و أرسل إلى أصحابه بالبصرة و أنحاء العراق ليلحقوا به، و تكمل عدته فيسير إلى الشام، فسمع العامة كالخاصة الذين أَبَوْا التحكيم باختيار عبدالله بن وهب الراسبي إماماً، و بخروجه إلى معسكره بالنهروان، ليتجهز للقضاء على الملكية، فابتهجوا، و استبشروا، و أسرعوا إلى اللحاق به في النهروان، فبايعوه بالإمامة، و انضووا تحت لواءه، فاجتمع لعبدالله بن وهب من أتباعه الذين لحقوا به أربعة الآلاف، فأقام بالنهروان ليتكاثر الوافدون عليه، و الذين يسرعون إليه من كل ناحية، فيتكون الجيش الكبير الذي يستطيع به منازلة معاوية بن أبي سفيان، و القضاء عليه، و كان جمعه يتكاثر، و جنده في تزايد، فأصبح قوة تهدد الشام، و يرى فيها معاوية الموت الأحمر، و الفناء الماحق، و القضاء على أطماعه و أمانيه، فجعلها داهية العرب نَصْبَ عينيه، و مَرْمَى سهامه، و أرسل إلى الأشعث بن قيس و حزبه في العراق يحثهم على أن يضربوا [235] العدو بالعدو، و يجروا الإمام لحرب أهل النهروان، فيتخلص منهما جميعا.
==============================
(1) الحجرات : 9.
(2) المائدة : 33.
(3) البقرة : 194.
(4) تاريخ المغرب الكبير (2/352)
(5) نفس المرجع (2/352)
(6) تاريخ المغرب الكبير(2/352-353)
(7) أخرجه البرادي موقوفاً عن أبي موسى الأشعري عندما سأل عن حرقوص بن زهير،جواهر المنتقاة ص142 وظاهر صنيع المصنف أنه حدث خلطاً عنده والله أعلم
(8) الجواهر المنتقاة ص142
(9) الكامل في التاريخ ( 3/ 213)
--- (1/308)
صفحة 308
وكان الإمام علي بن أبي طالب قد عَزَمَ الكرة على معاوية بعد اجتماع الحكمين، و تجديد أصحابه البيعة له، و إن كانت أجنحته قد قُصَّتْ، و قواه قد ضَعُفَتْ، و نفوذه في العراق لم يعد كما كانت في حرب صفين الأولى، فبذل كل جهده فجمع جُنْداً فسار بهم إلى الشام ؛ لكن لم يكن هذا المسير من النوع المسير الأول، حيث قد أثر في النفوس ذلك التحكيم السيئ الذي قام به أولئك الذين هم صنيعة معاوية، وكان علي أراد أن يضرب الضربة الثانية تقوى الشام التي ما زالت تؤيد معاوية جار أم عدل،"و كان ذلك في سنة 37 للهجرة.
و كان الأشعث بن قيس ورؤساء القبائل الذين اصطنعهم معاوية وأتباعهم يخذلون الناس عن علي، و كان ما وقع له من جرأة العامة عليه و قَبُوله التحكيم، و استلاب معاوية النصر من يَدِّهِ في معركة صفين، و مفارقة خاصته له ممن بايع عبدالله بن وهب الراسبي، و ما يعلمونه من عدم استطاعة الإمام أن يقف في وجه معاوية لكثرة أنصاره، و حُنكة دهائه، و قوته، و صرامته" (1).
و كان المقصود من طلب التحكيم فَكُّ تلك الأزمة التي كادت أن تَحِيقَ بمعاوية و جيشه، و كاد أن يضع معاوية رجله في الركاب، و على كل حال إنه يتوقع من علي بن أبي طالب مثلها أو أشد.
ومن البديهي أن يعتد لها معاوية عدته الكافية من المال، و الرجال، و السلاح، و الدهاء، و المكر، و اختداع الأغمار من [236] الناس، فإنه قد رأى، و سمع، و أعطته أيام صفين دروساً كافية، لا سيما و هو يحاول الملك.
"و كان هذا كله قد أضعف نفوذ الإمام في العراق، فتثاقل الناس عن السير معه لحرب معاوية، فوجد صعوبة في الحصول على العدد الكافي للحرب التي سيخوضها، فالتجأ إلى تجنيد العبيد و العامة التي لا تناصره عن حماس و دين و محبة. (1/309)
صفحة 309
قال ابن الأثير:. " فكتب علي إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - إذ كان عامله على البصرة : أما بعد فإنا خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة في ظاهر الكوفة و قد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل الشام، فأشْخِصْ إليَّ النَّاسَ ".
فقرأ ابن عباس الكتاب على الناس، و ندبهم مع الأحنف بن قيس فشخص معه ألف و خمسمائة، فاستقلهم عبدالله بن عباس، فخطبهم ثانية و قال : يا أهل البصرة أتاني كتاب أمير المؤمنين فأمرتكم بالنفير إليه، فلم يشخص إليه منكم إلا ألف و خمسمائة " (2)
قلت : هذا من أدلة تغير القلوب على علي الإمام بسبب التحكيم الذي أوقعه مراغمة للمسلمين، الذين كانوا تجردوا للدفاع عن الدِّين، وفَضَّلَ عليٌ التحكيم على تحكيم السيوف في ذلك الموقف الرهيب.
" قال ابن عباس لأهل البصرة " أنتم ستون ألفا،و يشخص إلى أمير المؤمنين منكم ألف و خمسمائة، و عدد أبنائكم و عبيدكم فوق ذلك....
ألا انفروا إليه مع جارية بن قدامة السعدي، و لا يجعلن رجل على نفسه سبيلاً، فإني مُوقعٌ بكل من وجدته متخلفا عن دعوته عاصياً لإمامه فلا يلومن رجل إلا نفسه "[237]
" و لما هددهم ابن عباس بذلك اجتمع له منهم ألف و سبعمائة" أي لم يكن ذلك التهديد مثيراً لأكثريتهم ولم يزد إلا مائتا رجل. (1/310)
صفحة 310
" فَخَرَجَ بهم جارية بن قدامة المذكور وزاد بعض العدد فكانوا ثلاثة آلف و مائتان من المجموع، فوافى بهم علياً فلم يرى علي ذلك شيئاً بالنسبة للعدو المتألب عليه، فجمع إليه رؤوس القبائل، و أهل الكوفة، و أتباع الرؤوس، و وجوه الناس فحمد الله و أثنى عليه ثم قال : (( يا أهل الكوفة أنتم إخواني، و أنصاري، و أعواني على الحقِّ، و أصحابي إلى جهاد المحلين، بكم أضرب المدبر، و أرجو تمام طاعة المُقْبِلِ، و قد استصرخت أهل البصرة، فأتاني منهم ثلاثة آلف رجل و مائتا رجل، فليكتب لي رئيس كل قبيلة ما في عشيرته من المقاتلة، و أبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال، و عبدان عشيرته، و مواليهم، و يرفع ذلك إلينا )) (3) فكتبوا إليه ما طلب، و أمروا أبناءهم و عبيدهم أن يخرجوا معه و لا يتخلف منهم متخلف، فرفعوا إليه أربعين ألفاً، و سبعة عشر ألف مقاتل من الأبناء ممن أدرك القتال، و ثمانية آلاف من مواليهم و عبيدهم، و كان جميع أهل الكوفة خمسة و ستين ألفاً سوى أهل البصرة و هم ثلاثة آلاف و مائتان.
و كتب إلى سعد بن مسعود بالمدائن يأمره بإرسال من عنده من القبائل المقاتلة، فكان عدد الجيش كاملا سبعين ألف مقاتل أو يزيد (4). (1/311)
صفحة 311
و لكن كان أكثره من العامة إذ حشروا بالرهبة، و من الفتيان الذين [238] لم يتعودوا الحرب و لا خبرة لهم، و من العبيد الذين حشروا حشراً دفاعاً للخوف الذي توقعوه من الإمام، فجمعوا جمعاً، و ليسوا بذوي البصائر الذين يثبتون معه، و يمتثلون أمره، و يملكون من أنفسهم مِرَاساً حراً، و صرامة من حماسهم للإمامة، و كراهتم للملكية، و مِنْ نُضْجِ تَحصُّنِهِم و تَعَقُّلِهِم، فإن عقلية المرء معتمده النفسي، و من احتفاظهم لسموم أنصار معاوية بن أبي سفيان أحد دهاة العرب، و مشاهيرهم، فإن أبا سفيان أحد أكابر قريش، و جاء معاوية أكبر من أبي سفيان، و قَدْ بَثَّ معاوية في جيش علي سموماً فتاكةً، و كان في جيشه الأشعث بن قيس، و رؤساء القبائل، الذين أَشَرْنَا إليهم سابقاً، و هم صنيعة معاوية.
جمهور غفير من العامة ومن سوادهم الذين لا يهتدون قبيلاً من دبير، و ليس هؤلاء ممن يلاقى بهم العدو، و لكن أرسلهم المسئولون فيهم دفاعاً عنهم، فإن القلوب الآن هي مع معاوية، تسري وتقيل في صالحه، تمتثل أوامر الزعماء الذين هم في جيش علي ظاهرهم، و في جيش معاوية باطنهم، و مثل هؤلاء خطر على زعيمهم، يسيرون وراءهم و يمتثلون أوامرهم، و ينفذون أوامرهم، و إذا كان القادة للجيش مثل هؤلاء و السواد الأعظم مَنْ وصفنا فأين يكون النصر ؟!، إنه شبيه بالمحالِ!!.
و كان ابن عباس - رضي الله عنهما - في حروب صفين القائد الأكبر، و لَّما كان القائد للجيش ابن عباس و أمثاله فهم أكبر من كل جيش، و سمعتهم هي وحدها جيش، كان ابن عباس أحد ضباط [239] الإمام إذ ذاك الكبار، و من قواده، و أركان حربه، و من الأبطال العظام في يوم الهرير، فلذلك كان جيش علي مرهوباً و مخوفاً تمام الخوف.
و في هذه المرة لم يقم ابن عباس مع ابن عمه، و قعد هو و كثير من أضرابه حين رأوا زعزعة علي عن إمامته. (1/312)
صفحة 312
و على كل حال إن ابن عباس ألقى ما عنده لعلي في القضية، و رأى وسمع، و للرجل أفكار تدرك الحواس في الملأ الأعلى، فتأخر عن الخروج مع الإمام، و ترك الإمام ليعمل عمليته بنفسه، و سيرى ما يكون من الأمر، و سيعلم علي عاقبة الأمر الذي حذره إِيَّاه إخوانه، و لم يُصْغْ إليهم، و كان يعتقد أنَّ النَّاس كلهم يُحِبُونَهُ، و أنه ناجحٌ لا محالة، و رأى ابن عباس الشؤم في جيش الإمام، و عدم ثقته باستطاعة الإمام أن يصل إلى معاوية، ويحاربه، و ينجح. معه في حربه إذا وصل إليه، لما يعرف من الخفايا في جيش الإمام، و من سوء طوايا أكثر رؤساء القبائل الذين ساروا معه.
و لا يمكن أن يكون هو الذي استبقاه لأنه لو تركه في الكوفة عاصمته لقيل أنه آثره لحفظها، و تركه وراءه كفئة وردء له و لقومه في حالة غيبته عنها، و خلافته عنه فيها لتسيير الأمور من وراءه، و حفظ العاصمة من كَيْد عدوه، و لكنه بقى في البصرة و لا أهمية لها بالنسبة للكوفة، و لم يغادر ابن عباس إلى الكوفة، فرأى الناس لوائح الخلل، و لم ينتقل إلى الأماكن التي يكثر فيها سواد أنصار معاوية الذين يمكن أن يثوروا على الإمام فيضربوه من خلفه (5).
" فخرج الإمام علي في هذا الجيش الذي كان معظم [240] رجاله المقاتلة الذين أدركوا القتال و عبدان عشيرته، و هو مُعْتمَِدٌ عليهم، و مواليهم، و هم ذوو النفوذ في جنده، و هم صنائع معاوية، الذين عزموا على الكيد للإمام، في صَرْفِهِ بكل وسيلة عن السير إلى الشام، و تسليطه على عبدالله بن وهب الراسبي، فتكونوا له في العراق دولة، و في المسلمين صولة، و يكون أحد الأعداء لمعاوية بن أبي سفيان، فإنه يستعد ليسير إليه بكل ما أوتيه من قوة يستطيع أن يقضي بها على الملكية، و يهيض بها جناح الإمام بالقضاء على خاصته. (1/313)
صفحة 313
و كلهم يتآمرون على هذه العصابة ليمزقوها، ويهجموا تحت راية علي على هذا القوة الجديدة التي يؤلفها الإيمان، و يجمع شملها الإخلاص لله عز و جل، موقنين بأنها ستكون أمضى من كل قوة تهجم على معاوية، و أكبر خطر يهدد المَلكية بالمحق.
ثم يلزموا الإمام علي بن أبي طالب قتلهم، و القضاء عليهم متسترين به، وهم ذوو النفوذ في العراق، و ذوو المكانة الثانية، و محل حُبِّ و إكبار المخلصين الذين مع الإمام علي كالأحنف بن قيس سيد تميم الذي أبى التحكيم، و لم يرضه فصار بذلك أحد أركانهم، و جارية بن قادمة السعدي، فيفسدون في الأرض بقتل هؤلاء، و يستميلون قلوب الناس عن الإمام، و يفرقون عنه أبناء قبائلهم من أتباعه، و هم كثيرون في جيش الإمام.
هذه هي الخُطَّةُ البارعة التي رَسَمَهَا معاوية الداهية لأتباعه، و رسمها معه أعوانه كعمرو بن العاص. و عزم الأشعث و حزبه من رؤساء القبائل الذين اصطنعهم معاوية.
عزموا على تنفيذها فاندسوا هُمْ و جماهيرهم [241] الكثيرة في جيش الإمام، فصاروا يرقبون الفرصة و يَتَحَيَّنُون لها الوقت المناسب لتنفيذها، و وضعوا تلك الخطة الكائدة التي تهدف لصرف الإمام على قتال أهل النهروان، إذ يضربون العدو بالعدو، فيتخلصون منهما جميعا.
حتى وصل الإمام الأنبار، و كل ما في نفسه السير لقتال معاوية، و كل ما في قلوب الآخرين القضاء على عصابة النهروان ليقوم صالح معاوية، و يهوي صالح علي في الحضيض، و لما أراد أن يدخل في طريق الشام، و يبتعد عن أهل النهروان، ولا يمكنهم إِذْ ذلك صرفه إليهم، أرغموه بإثارة العامة عليه، و بأتباعهم الكثيرين من جنده، على السير إلى النهروان و مقاتلة عبدالله بن وهب الراسبي و أصحابه. (1/314)
صفحة 314
وقد أَبَى الإمام عليهم ذلك، و كَرِهَ السير إليهم، و قال : " اتركوهم " رجاء أن يتغير رأيهم فيه فيرجعوا إليه سيما بعد أن ينتصر على معاوية و يقضي عليه، وتبرد حرارة قلوب هؤلاء فَيَسْتَرُدُّ بذلك الإمام ما فقده في جولاته الماضية، و رأى الإمام أن عدوه هو معاوية و حزبه أنصار المَلكية المستبدة، و أن عبدالله بن وهب الراسبي و صحبه لا يضرونه بشيء إذ كل أنشودتهم تأييد الدين، و رد الباغي عن بغيه، إذ هم على مذهب الإمام في سيرهم و سراهم، محافظين على الواجب الشرعي، و على التمسك بحبل الدين.
إما أن ينتصر على معاوية فتظهر كفاءته، و يسترد صَيْتَهُ فيرجعوا إليه، أو يكونوا هم أكثر كفاءة و أغزر جمعا ليمل الجمهور إليهم فيرجع هو إليهم، فيكونوا يَدَّاً واحدة، هذا هو رأي الإمام علي في أصحاب النهروان، فما كان ليعاديهم [242] و يقاتلهم على اعتزالهم له ؛ لأنَّ بيعته قد زَالَتْ عن أعناقهم، و هو أعلم القوم بالحكم فيها، لا يرضى أن يؤاخذ إخوانه الذين نصحوه بالأمس عنها، و خرجوا اليوم عنه غير ماسين بشيء من حقوقه (6).
و إن الذين نسبوا إليه قتلهم ما أراهم أدركوا فصل القضية إلا من حيث الإجمال لما كان هو الإمام، وكان القاتلون أركان حربه، ومن لهم أنه أمر بقتلهم، و أقرب الأحوال منه في تحقيق هذا القضية أن الإمام خرج مخدوعاً لقتال القوم بالشبهة متوصلاً به إلى الغرض المنويِّ، و على كل حال إِنَّ بوادر الجيش هي التي بدأت بالقتال متظاهرة له بأن القوم بدأوهم بالقتال، و هم على كل حال إنما أخرجهم إلى النهروان التباعد عن ضوضاء أعدائهم الذين حملوا الإمام على قبول التحكيم ليفكوا معاوية من الأزمة التي وقع فيها حين رأوا طلائع الهزيمة تقرب منهم. (1/315)
صفحة 315
كان خروج عبدالله بن وهب الراسبي و أصحابه إلى النهروان استعداداً لحرب معاوية حين رأوا من قواد جيش علي الانحراف عن طريق الجادة، و لم يخرجوا لحرب علي بل يتركوه على رأيه، فَلَعَلَّ الأيام تكشف له عن الأحوال فيعرف صِدْقَ الصَّادقين، و كِذْبَ المنافقين الذين عزروا به، و حاولوا إرضاء عدوه فيه، و النهروانيون مطمئنون من جانب علي بل يرون الحجة لهم عليه، فلا يخافون جانبه، و لم يحدثوا شيئاً يخالف الديِّن، فيستوجب الإمام قتالهم.
==========================
(1) تاريخ المغرب الكبير (2/ 353-355)
(2) الكامل في التاريخ (3/ 217)
(3) الكامل في التاريخ (3/217)
(4) تاريخ المغرب الكبير(2/ 355-356)
(5) انظر تاريخ المغرب الكبير ( 2/ 356)
(6) تاريخ المغرب الكبير (2/ 357_ 358) نقله المؤلف بشيء من التصرف.
--- (1/316)
صفحة 316
الدسيسة السيئة ضِدَّ النهروانيين
[243] لما تحقق عَزْمُ القوم على التصميم على حرب معاوية غير تاركين له، و لا متأخرين عنه، و قد علموا من الإمام عدم الحرج عليهم غير مناوٍ لهم بشيء من العداء، و هم يزيدون كل يوم، و يتعاهدون على حرب عدوهم، الذي فعل تلك الفعلة الشنعاء في المسلمين، وتظاهر بِشَقِّ العصا بينهم غير مبالي بما كان و لا بما يكون.
نسجوا الحيلة للأخذ على قلب الإمام و صرفه إلى حربهم، و القهر عليهم، و عَلِمُوا أَنَّ ذلك لا يمكنهم إلا بالإمام، الذي هو المتبوع في الأمة، فكان كيداً أشبه بكيد أخوة يوسف.
و مَضَى الملكِيون يقولون في دعايتهم الكاذبة أن أهل النهروان قتلوا عبدالله بن خباب، و قطعوا الطريق، وبقروا بطن امرأة، و أخرجوا منها ولدها، و أظهروهم بمظهر السباع الضارية، و اللصوص الذين يقطعون الطرق، قصداً لأن يثيروا حفيظة الإمام عليهم، و يستنهضوه بالحال البشع الذي لا ترضاه شرار النَّاس.
فانظروا في هذه المكائد التي ينصبها المسلم نحو أخيه لغرض غير كبير الشأن، إن تسنى له لم يلبث طويلاً، بل سرعان ما يضمحل، و للشيطان مكائد في الناس صَرَّحَ بها بين يدي ربه عز و جل، و هذه منها.
خرج النهروانيون عن إمامهم فارين بدينهم، و إذا بإخوانهم يكيدونهم على ذلك، لأجل حُطَام من الدُّنيا يتمتعون به قليلاً ثم إلى الله المصير. (1/317)
صفحة 317
من كذب تلك الدعاية الفاجرة، لو كان لها أصل لكان الإمام هو الذي يطلب من النهروانيين الإنصاف، و هو الذي يدعو إلى الانتصاف،[244] و كان أحرص على السير إليهم، و لرآهم خطراً يهدده، و قد عَرِفَ عنهم قبل ذلك أحوالهم، و على زهدهم، و إخلاصهم لله، و اجتهادهم إذ كانوا عمدة أمره، و محل ثقته فيهم، لم يكونوا أجانب فيجهل أمرهم، و كيف يكون ذلك منهم و هم أنضاء عبادة، و فطاحل زهادة، و جهابذ علم، أفنوا المخ و العظم، و أنهكوا الجلد و اللحم في طاعة الله عز و جل.
أيصيرون بعد ذلك لصوصاً وحشية، و نهابة قُطَّاع طرق كما يقول أعدائهم، إن لم يكونوا تقاة عدولاً فمن هم التقاة و العدول في الإسلام ؟؟
إِنَّ أهل الضلال لا يبالون بما يقولون في إخوانهم، و لا بما يفعلون، فإنا لله و إنا إليه راجعون.
فارقوا إمامهم حين تابع المنحرفين عن الحقِّ، متأثراً بأقوال قوم مجرمين، يظهرون له الحقَّ، و يكتمون الباطل، يَظُنُّ صدقهم، و يعتقد نصحهم و صلاحهم و اجتهادهم لله، إِنَّ هذا من أفحش الفحش في الإسلام، ومن أسوء السوء الذي يلصقه المجرم بأخيه المسلم لينال منه، و لن يرضى الله في عباده مثل هذا، و لن تقوم قناة قوم هذا حالهم، و لم تقم كما عرفت. (1/318)
صفحة 318
و لا يرضى الله في عبادة خلافاً لما شرعه لهم، فإن الله وضع الشرع الكريم قانونه العظيم، و له يعتمد العقل السليم، و قد قلنا عنهم في غير موضع مما كتبناه عن أولئك السادة الكرام، و القادة الغر الميامين، و هم حجة الله في أرضه، و هم مرجع عباده علماً و زهداً و طاعة و نزاهة، و ناهيك بإمامهم المعروف بذي الثفنات، و يزيد بن حصين الطائي، و حرقوص بن زهير السعدي و المرداس بن حيدر [245] و من على شاكلتهم من خيار صحابة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، و هم كالنجوم وصفهم بذلك رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم (1) -، و إن كان أكثر الناس يجهلون حقائقهم، فكم من ذي طمرين لا يعبأ به لو أقسم على الله لأبره.
و لم تقم دولتهم، ولو قامت لسجدت لهم الجباه، و أعطوا ما لهم و ما ليس لهم، و لكنهم صرفوا عن الحظوظ الدنيوية، فلذلك أصبح أعداؤهم يلصقوا بهم كل سيئة، و قديما قيل :
وهذا شأنهم في كل زمان، و لقد خَدَمَ النَّاسُ معاويةَ، و جللوه و أعزوه، و قدروه خصوصا الذين لا يرون الخروج على الأمير و إن جار، فإنهم يتهافتون على خدمته، ويعتقدونها طاعة لله، و الله بريء من الظلمة و أعوانهم، و لكن أهل الدنيا و السطحيون لا يرون إلا ظواهر الأمور، و يكتفون بقشورها، و لا يبالون بما وراء ذلك لا سيما الذين يرون أَنَّ الإسلام قولٌ، أو قولٌ واعتقادٌ، و هم السواد الأعظم في الإسلام، متعلقين بأدلة واهية، لا تفيدهم في الدِّين زنة جناح بعوضة. (1/319)
صفحة 319
و لم يَنْبُهْ ذِكْرُ النهروانيين في العالم الإسلامي حيث إن المغرضين أتباع الدرهم و الدينار، و أسارى الهوى الظالم، و عبدة الدنيا قضوا عليهم بين عشية وضحاها بطراً و طغياناً، وقضوا على ذكرهم أيضا حيث استعملوا المأجورين أتباع المَلكية، و أنصار الزعامة المتمردة، بأن يلصقوا بهم كل سيئة ويضيفوا إليهم كل سوءة، و ما زالوا يسلخونهم من كل حسن، و لا يذكونهم إلا بسيئ الأعمال، و أن يصفوهم[246] بأنهم خوارج، و لا يُفْهِمُونَ السَّوَاد معنى الخوارج، و إنما يسوقون ذلك مساق السَّبِّ، و الطَّعْنِ، والشَّتْمِ، و يطنطنون عنهم أنهم خرجوا عن الإمام علي، ويضيفون إليهم أنهم حاربوا المسلمين، و كل ذلك دعايات فارغة مغرضة تبعثها السياسة الأموية لتبرر لها موقفاً صالحاً في الإسلام باللسان، كما قَرَّرَتْ لَعْنَ علي بن أبي طالب في المجامع، و محاضر الناس لِتَشْوِّهَ مِنْ سمعته، و تأخذ المعنى الصالح لها قولاً لا فعلاً، و نسبوا إلى النهروانيين الفحش في الدين، دفعاً لعواطف النَّاس، و قطعاً لكل ما عن شأنه الرحمة لهم، لا سيما أن المغلوب تنسى حسناته، و تضاف إليه كل سوءة و سيئة طبعاً، لا سيما المأجورين لأهل الأغراض، و الغالون في حب علي بن أبي طالب، على غير الطريق الصحيح الذي أمروا بسلوكه. (1/320)
صفحة 320
فنشأت الناشئة و مضت الأمة والحال هذا، و لا يعرف عن عبدالله بن وهب الراسبي و أصحابه إلا ما ينقله المبرد، و ابن الأثير، و ابن خلدون، وهؤلاء عندهم أعمدة العلم، و رؤساء التاريخ، و جهابذة السير، و الحال قد عرفت أنهم تحت طاعة الملوك العتاة الذين يعاقبون على الحرف يَغْلُطُهُ متكلمٌ، أو قارئٌ، أو خطيبٌ، فكيف بما يكتب ؟؟،و القصد من ذلك الأخذ على أيدي العلماء حتى لا يندفعوا في ذكر الأحوال التي هم عليها، أو يتجاسروا على نشر الحقائق كما هي، فجعلوا النهروانيين لا يعرف عنهم إلا ما يدونه أهل الهوى و أتباع أعدائهم.
إِنَّ النهروانيين هم صفوة الأمة في وقتهم ذلك، قاتلوا في حرب الجمل من رام نقض البناء لعلي بن أبي طالب، وقاتلوا معه في صفين حتى إذا قرب [247] خضوع المبطل للحق قامت عوامل الدهاء تفكهم من أزمتهم الثقيلة، و اختلف الناس، و ذلك كان هو القصد، و عند التباس الأمور لا يدرك الحقائق إلا أفراداً من الناس يختصهم الله عز و جل، فقام القوم في وجه ذلك المكر، و حملوا إمامهم على وضع السيف في أعناق هؤلاء الذين ينادون بالتحكيم لكتاب الله.
و هل كان القتال إلا على تركهم أحكام كتاب الله عز و جل ؟؟، و لم يقبل أنصار الإمام الذين هم في الحقيقة أنصار معاوية، فلم يَرَ الإمام بُدَّاً من قَبُول اقتراحهم، إذ هم حجته على عدوه. (1/321)
صفحة 321
وهنا انكسرت خواطر أهل الإيمان حيث رأوا أن دعايات الأوغاد والسفهاء مقبولة، و آراء أهل الحقِّ مرفوضة، و زاد الطين بلة حين رأوا إمامهم يعطي العهد والميثاق للحكمين يحكمان ما شاء لهما هواهما في إثبات علي ونفيه، و كان من الغدر الفاحش أن خلع أحد الحكمين علي ثم صحح ذلك الخلع الحكم الثاني، و عليه فقد اتفقا على خلعه، ثم أثبت الأول معاوية، و هو كما يعلم القارئ لم يكن إماماً حتى ينظر الحكمين أي الإمامين أصلح للأمة، و تراها خدائع مكشوفة فاضحة، يمليها الهوى، و يبعثها الظلم و الفساد.
فإنهم لم يستطيعوا أن يقولوا في علي بشيء يكون سبباً للقيام عليه بخلعه، لأنه لا توجد له أمور توجب خلعه، و إذا خلع علي مثلاً أيكون الاختيار للإمامة معاوية ويترك علماء الصحابة ؟، و هداة الأمة ؟، على فرض أنها في القريشيين كما يقولون.
===================================
(1) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله(2/91)، وأخرجه ابن حزم في الإحكام(6/82) وأخرجه الخطيب في" الكفاية في علم الرواية" ص48 وأخرجه عبد بن حميد في المنتخب من المسند(1/86)، وأخرجه ابن بطة في الإبانة(4/11/2)، وأخرجه القضاعي( 2/109). وهو موضوع قاله الألباني انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (1/84) رقم 62
(2) البيت لعُمير بن شيم القطامي، ديوان القطامي ص25
--- (1/322)
صفحة 322
أليس في قريش من هو أصلح للمسلمين من معاوية بن أبي سفيان ؟؟، و الإمامة خلافة لا تبارح الشريعة في سيرها و سراها، و لا ترضى غير المؤمن الصادق الإيمان، المخلص لله البين إخلاصه و إيمانه، المعروف دينه، الذي تطمئن النفس [248] به على أنه الوحيد الذي لا مقال فيه لقائل مما ينتقد، و كيف وعند المسلمين من أهل الحقِّ لم تكن القريشية من شروط الإمامة، ففي الأنصار من هو أعلى منزلة من معاوية في جميع أحوال الدِّين و الإيمان.
اللهم إلا عند من يقول بصحة إمامة المغتصب، وهم فريقٌ من الناس، و لسنا نقول بذلك بل المغتصب عندنا ظالمٌ جائرٌ على المسلمين، هَدَّدَهُ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، و الله يقول:. " لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " (1)، و إن قيل ذلك في النُّبُوة قلنا:. الخلافة فَرْعٌ عليها، و لو أَجَزْنَا أن يكون كل ظالم تجب طاعته لم يبق في الكون من لا تجب طاعته.
و لمَّا قَرَّرَ الحكمان خلع علي، أَقَرَّ أحدهما إمامة معاوية، فَسَبَّهُ صاحبه، و أجابه أيضاً بمثل سَبِّه، و تشاترا وتلاعنا.
و أنت لا يخفى عليك المقصود من وضع الحكمين إلَّا فَكَّ معاوية وحزبه مما وقعا فيه، فيتفرغا لتأييد أغراضهما، و استمالة الناس بدهائهما، و نشر السوء فيمن هم أتباع الإمام و أنصاره، فعملت الدسائس عملها. (1/323)
صفحة 323
و عمل العاملون رغبة الزعماء، فَدَوَّنُوا لهم ما شاءوا أَن يَدَوِّنُوا فبذلك انتشرت الدعايات الكاذبة، و نشأة الناشئة عليها، و رأت سيء الأقوال فيها، وخبيث الأعمال لديها، فرفضت حديث القوم، و نودي في المجامع بضلال النهروانيين في أقوالهم و أفعالهم، و صَدَّتْ بوجوهها عنهم، و لُمِزَتْ جانبهم في صدقهم و صفائهم، و ظلمتهم حقوقهم إلا ما شاء الله من النَّاس الذين تسمح لهم الأيام بتأييد الحقِّ، و تساعدهم الظروف بنشر العدل الصحيح، والصدق الصريح في البغيض والحبيب، و هم قليلون بالنسبة إلى أولئك المشوهين الذين لا يبالون بما يقولون، أو يأخذون الأخبار عن أهل الأكاذيب [249] المغرضة، فينشرونها في العالم.
ولكن لا بُدَّ للحقِّ من ظهور، و لا بُدَّ للكذب من افتضاح، و لا بد من تهور الجور وانهياره، و الثابت على الحقِّ كالقابض على الجمر.
و القائل بالحقِّ في تلك الأيام تكاد منزلته أن تعادل المنازل العالية، لأن منهم من قتل، و منهم من جلد على الكلمة الواحدة، و منهم من حُبِسَ عليها وعوقب شر عقاب.
و لا يخفى أَنَّ الحقَّ عند أكثر الناس صعب قَبُوله، مُرُّ ذوقه، و إن أهله قليلون في كل زمان، لأن الله- عَزَّ وعلا- لم يبعث الحقَّ في الناس، و لم يقم أهله إلا حجة على الناس، و لإقامة الحق عند الله عهد مؤقت لا يزيد عن وقته، فانظر في أيام الرسول - عليه الصلاة والسلام -، بل و أيام المرسلين قبله، تجد أهل الحق فيها هم الأقلون، و أهل الباطل هم الأكثرون. (1/324)
صفحة 324
و هكذا فلا غِرْوَى إن درست مكارم المخلصين لله كعبدالله بن وهب الراسبي و أصحابه، و هم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم -، و خيرة رجاله، و فيهم من شهد له - الرسول صلى الله عليه وسلم - بالجنة، فإنهم لم يرضوا إلا الحقَّ، و لم يخضعوا إلا له، و لم يطلبوا غيره، و لو أرادوا غير الحق لكان لهم ميسوراً، ولم يحوجهم الحال إلى الخروج عن دائرة الباطل، و لم ينفصلوا عن السواد الأعظم الذي عليه معاوية و أتباعه، و لم يتركوا إمامهم علي وهم المعتمدون عنده و المقربون لديه.
وإنما فروا من ذلك كله غضباً لله و اعتماداً عليه، و طلباً لما عنده من الحسنيين، فإذا ذهبت الحياة في ذلك فنعم ما ذهبت فيه، و نعم ما بلغوا ولله ما صنعوا.
أرادوا الله فأرادهم الله، و لجأوا إليه فآواهم إلى رحمته، و احتمل وزرهم من هاجمهم في مأمنهم، و هم آمنون مطمئنون في صلاتهم ينادون ربهم : ربنا [250] اغفر لنا وارحمنا، و بلغنا رضاك غير مَاسِّين بِعِرْضِ أحد من المسلمين، و لا كان منهم في خروجهم هذا إلا فرار إلى الله عز و جل، فاستجاب الله لهم في ما دعوه، و أنالهم ما رجوه، و ذلك مما يتأسى به الصالح في الدِّين، و يتبعه المخلص لله عَزَّ وعلا، و الله الموفق للخير و حده تعالى. (1/325)
صفحة 325
قال محمد على دبوز و هو ممن يعطي التاريخ حقه قال : " فلو ارتكبوا ما نُسِبَ إليهم لكان الإمام أحرص على السير إليهم، و لرآهم خطراً يهدده في الكوفة أي و جوراً على العباد، وفساد في الأرض تجب المبادرة إلى حسمه، فيسرع إليهم ليأمن ظهره، و إنهم إذا كان أمرهم كما قيل عنهم فهم أحق بالجهاد من معاوية حيث هم قريبون منه، و العدو القريب أضر من العدو البعيد، و لم ينقل عن علي شيء من ذلك عند أهل الحقِّ، بل و لا عند خصومهم أيضاً، و إلا فكيف يسير علي لحرب الشام قبل أن يتخلص من هؤلاء الذين سيهاجمون ذراريه و رعاياه إذا تركهم وراءه، لأنهم أصبحوا قطاع طرق يظلمون و ينهبون، ويتحرج أحدهم من أكل تمرة ساقطة في الطريق خوف أن يكون لها رب يسأل عنها أو يطلبها، و إذا بهم يفعلون تلك الأفاعيل الشنعاء الخارجة عن وِسْعِ المعقول، و هم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - و فيهم كبار التابعين، و لا ينسب إليهم شيء من السوء إلا ما ألصقته بهم الملكية الجائرة من بهتان.
و إِنَّ من الناس من يزري بسلفه، و يزري بنفسه و أصحابه و إخوانه الصالحين، و أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، الذين هم زبدة الأمة، و ذروتها الشماء في العفاف، و التقوى، و في الورع " (2).[251] (1/326)
صفحة 326
وعند ابن دَبُّوز المذكور نقلاً عن ابن الأثير:. " و بلغ علياً أَنَّ النَّاس يقولون لو سار بنا إلى قتال هذه الحرورية، فإذا فرغنا منهم توجهنا إلى قتال المحِلِّين، فقال لهم : (( بلغني أنكم قلتم كَيْتَ و كَيْتَ، و إِنَّ غيرَ هؤلاء أهم إلينا فدعوا ذكرهم، و سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكاً - أي معاوية ومن معه-، و يتخذوا عباد الله خَوَلاً ))، فناداه الناس أن سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت هذا هو رأي الجند المخلص للإمام )) (3) و هذا كلام علي ينقله ابن الأثير، فلو كان القوم كما قيل فيهم، و نُسِبَ إليهم، لقال:. نعم، سيروا إليهم فهم أحق بالقتال، و قول علي : " أن غير هؤلاء أهم إلينا فدعوا ذكرهم "، كان آمناً جانبهم عالماً أنهم يطلبون الحقَّ، و أنهم على أمل التراجع بينهم و الإمام، فإن طالب الحقَّ إذا وَجَدَهُ سَكَنَ إليه و اطمئن به طبعاً، و ربما تابعهم الإمام و ما يرى المسلمون بينه و إياهم فهو أطوع الناس إلى الحقِّ، مع أن القوم لم يكونوا كثيرين بالنسبة إلى جيش الإمام، إذ هم على شهير الأقوال أربعة آلاف رجل، و جيش الإمام سبعون ألفاً. (1/327)
صفحة 327
و لما سَمِعَ القائد الأكبر الأشعث بن قيس و أتباعه كلام الإمام علي، و أنه يُعْرِضُ عن تلك العصابة، و يأمر بالمسير إلى قتال الذين يريدون أن يكونوا جبارين، أثاروا العامة على الإمام، فما زالوا به يطالبونه بالسير إلى أهل النهروان، و تشعره عيونهم المُحَمَّرة عليه بالتهديد، و يُلِوْحُون له بالثورة عليه، حتى أَرَّغَمُوه على السير إلى النهروان، فقصد عبدالله بن وهب و أصحابه لا على نية القتال كما أراد القوم، بل على نية [252] استمالتهم إليه، و اجتذابهم إلى صفوفه، لا على نية مقاتلتهم، و القضاء عليهم، فإنهم لم يقترفوا ما يستحقون به القتال، و لكن علي أهمه خروجهم عنه، وقد بايعوا لهم إماماً، و لا شك أنهم إذا لم يقفوا معه بوجه مرضي سيقاتلونه، لأنه لا إمامتين في حوزة واحدة، و هناك الهم الأكبر و هو حرب معاوية.
و أَمَّا جنود علي المغرضون يريدون فقط نفس القصد إلى النهروان، فإنهم إذا وصلوا ملكوا و بلغوا مرادهم، فكان هذا غاية القصد، فإنهم لما وصلوا وقع القتال، و اشتبك الناس فيه، ولعله لا يعرف عليٌ المعتدي فيه و المبتدي به، فماذا يقول، و لا شَكَّ أن الجيوش معروفه، فإذا قالوا لإمامهم بدأونا بالقتال، أو ما شعرنا إلا و الناس يقتتلون، فماذا يقول الإمام، وفي ذلك له عذر، و ماذا يكون من أمر أربعة آلاف رجل آمنين مطمئنين يفيض عليهم بحر من رجال يبلغون سبعين ألفاً و زيادة، فما كان إلا القضاء عليهم في لحظة، فرحمهم الله و رضي عنهم.
================================
(1) البقرة : 124.
(2) تاريخ المغرب الكبير ( 2/ 358)
(3) المرجع السابق( 2/358) وانظر الكامل لابن الأثير (3/217)
--- (1/328)
صفحة 328
علي وأهل النهروان يتفاوضون
رأى علي بن أبي طالب تبعاً لمطالب رؤساء جيشه، أن يتفاوض مع القوم، فأرسل إليهم ولده الحسن في خيل من خيله، فساءهم مجيئه على تلك الحال التي لا يأملون أن تكون من علي و آل علي، و كان ا لحسن لا يرى القوم أهل ضلالة، و لا خطأ فيما فعلوا، فلما وصلهم جرت المفاوضة بينه و إياهم، حتى أقنعوه قائلين له :" لما جئتنا على هذه الحال، هل أجرمنا ؟، هل فعلنا منكراً ؟، هل علمت عَنَّا خيانة أو ظلماً ؟ لِمَ يا حسن نُذَكِّرَك الله في دمائنا ؟، على ما تقاتلنا إلا أنا [253] سمينا أباك أمير المؤمنين فخلع نفسه و أبينا نحن ذلك، و دعوناه أن يمضي قدماً إلى قتال عدو الله و عدونا فأبى، و ثبتنا نحن على ذلك " (1).
" فنصرف الحسن عنهم مقتنعاً فلم يقاتلهم، و كان أرسل لذلك، و لعل أركان جيشه أرادوه مقدمة لهم فإذا وقع بينهم أدنى شيء يَكِرُّونَ عليهم.
و رجع حتى انتهى إلى أبيه، فقال له الأشعث : يا علي ناجز القوم، فإنهم إن كلموا الناس أفسدوهم"، وهنا يتجلى باطل القائد الخبيث، عَلِمَ أَنَّ القوم يتعلقون بالحقِّ، و التعلق به له تأثير في نفوس أهل الإيمان، فلم يَبْقَ الآن إلَّا استعمال القوة , و إلا أفسدوهم عليك، يضع دهاءه في ضمن النصح ليختدع به الإمام.
" فما زال الأشعث بن قيس و رؤساء القبائل يَلِحُّون على الإمام، و لا يخفى حال الرؤساء في كل أمة، و ما زالوا به على أن يسير إلى أهل النهروان ليقاتلهم، و يقضي عليهم، و الإمام يأبى ذلك ويرفضه، و يرى أنهم لم يأتوا شيئا يستوجبون به قتالهم، و أنهم خاصته في صفين، و هم عدو معاوية والمَلكية المستبدة، فهم من حزبه يعملون لما يعمل له هو، و يجتهدون لما يعمل هو لتحقيقه. (1/329)
صفحة 329
و لكن الأشعث بن قيس و صحبه كان في يدهم العامة، فهي السلاح الذي يجبرون به علياً على الخضوع، و يرغمونه على الامتثال، فأشهروه عليه، فلم يَسَعْ عليٌ الإمام إلا الرضوخ لهم، فسار إلى النهروان لا على نية القتال كما قدمنا، و لكن على نية مصالحة عبدالله بن وهب وصحبه، فيكونوا جميعه، فيتقوى بهم علي في جيشه، وترجح بهم كفته في جنده، و تكون القوة في جانبه، فلا يستطيع الأشعث أن يملي عليه ما يريد، و يخضعه [254] لما يشاء، فيتقوى بهم على معاوية، فينازله بالأشداء عليه، و يدحضه بهم، و يهاجم المَلكية الغاشمة في أَوْكَارِهَا، فيقضي عليها.
لذلك لما وصل علي النهروان لم يسارع لحرب عبدالله بن وهب، بل بعث إليه سفراءه يدعوه للمفاوضة، و المصالحة، والمسامحة.
أرسل علي إليهم صعصعة بن صَوْحَان، ثم أرسل إليهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، و هو أدهى رجل في الأنصار، بل وفي أنصار علي بن أبي طالب، و كان معاوية يراه لدهائه أكبر خطر يهدده لما كان على مصر للإمام والياً، فهو أحسن من يليق لإصلاح ذات البين، و يُطِبُّ للجروح فتندمل، و يقنع بدهائه أصحاب عبدالله بن وهب، فيضمهم إلى علي. (1/330)
صفحة 330
فذهب إليهم و فاوضهم فيما هم بصدده، و طال بينهم و إيَّاه الحديث، فأقنعوه لكون حجتهم واضحة، و قضيتهم مسلمة، فرجع إلى الإمام و أخبره عما جرى بينهم من حديث فيما هو بصدده، فرده الإمام إليهم ثانية، فتداولوا الحديث، و إذا بهم و هم مصرون على الحقِّ، لا يتزعزعون عن الحال الذي هم عليه، فإن الرجوع عن الحقِّ حرام إجماعاً، و في الثالثة استطاع قيس أن يقارب بينهم والإمام، فيتفاوضون مباشرة، و واعدهم أن يأتيهم الإمام بنفسه، ليعتذر إليهم عما مضى، و يعاهدهم العهود المؤكدة أن لا يلين في مواطن الصرامة، و أن لا يأتي ما يأباه الحزم والدهاء، فرضى عبدالله بن وهب و أصحابه بذلك، إذ كان الحق أنشودتهم والعدل بغيتهم، و استبشروا بذلك، و سروا بذلك سروراً كبيراً، [255] و صاروا مستعدين للقاء الإمام، و نسيان ما مضى مما مَكَّنَ لمعاوية، و أورثه قوة جمعها، و دسائس صنعها، و أحوال وضعها مما يخوله رد المعارض أو على الأقل مقابلته مثلاً بمثل، و الحرب سِجَال، و قد استعد معاوية لمواجهة هذا الخطر المهم، الذي يقدره معاوية الحساب الطويل العريض، فتقوى كما ينبغي، و رسخت جذور سياسته على أصولها، لأنه يعلم أَنَّ علياً غير تاركه على شِبْرٍ من الأرض إلا على أساس شرعي، و عليٌ يستعد لقهر الملكية التي تزاحم الجمهورية الإسلامية لتقضي عليها" (2). (1/331)
صفحة 331
ولما استقر الحال بين علي و عبدالله بن وهب على الحال الذي ذكره التاريخ، و فشا ذلك في الجانب النهرواني، خرج الأكثرية إلى لقاء إخوانهم، و زيارة أهلهم و أخصائهم، وسَرَّحُوا خيولهم، وفَكُّوا حَزْمَ انحيازهم، و زالت من وجوههم دَهْمَةَ الاستعداد للوغاء، و أشرقت بنور الإقبال و الاستعداد للمصالحة للإمام الهاشمي أبي الحسنين، و عاد الإخاء يلمع في أفق النهروانيين، و وضعوا سلاحهم، و تفرق جندهم، فاختلطوا بأقاربهم و إخوانهم، راجين جمع الشمل تحت راية عادلة، سواء كان الإمام علي أو عبدالله بن وهب.
و زالت الهواجس إذ كل واحد ممن عند عبدالله بن وهب فأخوه و ابن عمه و قريبه عند الإمام علي، و أمنت النفوس المتخوفة، التي كانت تحت الأنباء المتقدة، لا ترجو إلا السيف، و لا تنتظر إلا الجيش، و المؤمن بطبيعة الحال ينحني على أخيه، و ينعطف عليه، و يحبه و يخضع له مع الحقِّ، و يأويه و يفرح بإقباله عليه راضياً، [256] لا سيما إذ كان بينهم سابق اتحاد، فأزاله الجفاء، فإذا عاد الصفاء فقد أسرع بالقوم الالتفاف نحو بعضهم بعضاً، كهذا الحال الذي جاء به الإمام الآن.
فذهب الحذر الذي يمنع من اختلاط الجيوش، فهؤلاء النهروانيون مسرورون برجوع الإمام إليهم، للمفاهمة فيما بينهم، و لم يكن بينهم سابق شر فيخشون غدراً، أو خداعاً، أو شيئاً مما ينبغي الحذر من أجله، بل يعهدون أنهم و علياً أعداء معاوية، و ما خرجوا عن علي إلا عندما كَفَّ عن الحرب، و علق الأمر بيد الحكمين، بعدما كان هو الحكم العدل، و الأمير المجمع على إمارته، و لم يظنوا أن جيش الإمام حنق عليهم، يضمر لهم سوءاً، أيُهم بغدرهم. (1/332)
صفحة 332
و إذا بالجيش جامع عزمه على قتل هذه العصابة في سبيل نيل الرئاسة التابعة لمعاوية، المجاهدة من أجله لا من أجل علي، بل هي هَامَّةٌ لإيقاع علي الإمام في هِوْةٍ خَطِرَةٍ، قد لا يرى النجاة منها، فإِمَّا أن يقتل فيستريح منه معاوية، و يكون الأمر كله إليه كما قرر الحكمان، و إِمَّا أن تقتل هذه العصابة، و على الأقل أن يكون قتلها ضعف لعلي و تأخر في أموره، و كلا الأمرين مراد، و قد يغدر أخ بأخيه إذا لم يكن مانع ديني كما قلنا عنه في " نفحات الظهر"، و المرء قد يغره مختدع له أخوه، و به قد يبتلى.
و كان علي بن أبي طالب قلنا عنه مرات أنه كان سليم القلب، لا خبرة له بالدهاء الظالم، و لا يعرف عنه شيئاً، و لا يدرك ما يُحَاك لمستقبله الدولي من الدواهي، و يعتقد أَنَّ النَّاسَ كلهم، أو على الأقل أكثرهم معه، و لا يَوَدُّونَ غيره، و لا يَسْعَوْنَ في فساد أموره، فهو الإمام المجتهد، و المخلص للأمة، [257] و الزعيم الأكبر في تأييد الإسلام.
و بذلك الاطمئنان الذي رسخ في قلوب عبدالله بن وهب و أصحابه لم يبق إلا أن يتحرك موكب الإمام علي، و يتقدم الركب المبشرون عنه ذاهباً إلى معسكر عبدالله بن وهب الراسبي، فيجتمع بأصدقائه القدماء، و يعطف بالاعتذار قلوبهم إليه، و يَضُمُّ خاصته المخلصة إلى جانبه، و قد تفاءل الأحنف بن قيس و خاصة الإمام المخلصة بهذا العمل، و استبشر الأصفياء من جند علي بهذا الفتح المبين الذي كانوا تأثروا به. (1/333)
صفحة 333
أمَّا الأشعث بن قيس وهو كما قال العلامة أبو مسلم : " و أشعث شيطان ألد كفور "، فهو و أهل طاعته في جيش الإمام علي، و هم الأكثرون ومعهم رؤساء القبائل الذين لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، و لم يعبدوا إلا الدُّنيا، و جماهير الجند معهم تتبعهم، قد ارتاعوا من مفاوضات الصلح، و ما توصل إليه الإمام من نتيجة حسنةً مع عبدالله بن وهب، و رأت تلك الجمهورية عبدالله و علياً يوشك أن يكونا يداًً واحدة على معاوية وحزبه.
فألى الأشعث و أصحابه أن يحولوا بين الجهتين، لذا حاكا هنا الدسيس الفاسد دون وقوع ذلك الصلح، حيث يرونه شؤماًًً على معاوية ومقاصده، فهم في المقام حسدوا علياً بالاتفاق مع القوم، و حسدوا النهروانيين أن يكون لهم صوت عالٍ عند علي بن أبي طالب، و حسدوا الإسلام أن يكونوا له نصراً و استقامة.
===================
(1) كتاب السير للشماخي(1/51) وتاريخ المغرب الكبير(2/359)
(2) انظر تاريخ المغرب الكبير (2/ 359-360)
--- (1/334)
صفحة 334
ولعل هؤلاء على الأقل أن يحوزوا كلمة الإمام، و يكونوا محل رضاه في أموره التي هم يسيطرون عليها، و تقدموا أن يوقعوا الإمام في حرب مع أهل [258] النهروان، فكان ما أرادت تلك البطانة الخاطئة بطانة معاوية.
و لقد أورد البَرَّادِي (1) و الشَّمَّاخي (2) - رحمهما الله - مفاوضات الصلح التي أجراها سفراء علي مع عبدالله، و تردد قيس بن سعد بن عبادة بين الطرفيين، و إرسال علي له ثلاث مرات لما يرجوه و يرغب فيه من إصلاح ذات البَيْنِ.
وهذا دليل على أن علياً لم يقصد الحرب لما ذهب إلى النهروان، و إنما قصد الصلح والتراجع، و ضم عبدالله بن وهب وقوته الحربية الكبرى الشديدة على معاوية و أعوانه، لأن عداء علي كان يتجه إلى معاوية، و إذا تعب علي في شيء ففي كف الأشعث بن قيس وحزبه من دعاة الفتنة، الذين يدعونه إلى حرب عبدالله بن وهب الراسبي و عصابته الطاهرة، التي تتألم على هوان الحقِّ، و ذِلَّهِ في صالح عدوه، الذي تَجَرَّدَ لقتال المسلمين، و لم يبال بسفك دماء المؤمنين، في سبيل أن يكون أمير المؤمنين" (3).
و كان الأشعث بن قيس وحزبه دعاة فتنة، وهم الذي حملوا على كواهلهم ظلم المسلمين ؛ بإثارة الشر بينهم، و إيقاد نيران الفتنة في الإسلام، و علي يدافعهم و يداريهم لأنهم قوته الفَعَّالة التي لا يمكنه إبعادها في هذه الظروف الحرجة التي تضطره للخضوع لآرائهم، لا سيما أنهم يتكتمون عنه، و يكتمون ما يرومون، و أضر الناس على الأمير بطانته في كل جيل و كل عهد من عهود التاريخ، إِنْ بَسَطَ لهم تَمَرَّدُوا عليه، و رأوا أنهم هم أولو الأمر حلاً وعقداً، و إن قَبَضَ عليهم حاولوا قهره و إبعاده، وعلى هذا سنن التاريخ تأكد، و الشواهد معروفة لا تحتاج إلى إبراز. (1/335)
صفحة 335
و ما زال علي يحاول[259] أن لا تقع فتنة بينه و بين إخوانه، و لكن أعدائه بخلاف ذلك إِلَّا ما شاء الله، إذ هم دعاة و عباد الأطماع يدعونه لحرب أهل النهروان، لما يعتقدونه فيه يعتقدون مثله أو أشد منه فيهم، وما يرجونه من معاوية لا يرجونه من علي، و من أهل النهروان من باب أولى ؛ لأَنَّ أولئك لا يرون الحقَّ الناصع، و العدل الكامل في الأمة أين كانت، ويراوغون علياً على حرب هؤلاء، و يخلقون له فيهم أحوالاً هم بريئون منها، ويريدون منه أن يوقع بهم شراً، و يضمرون لهم غدراً تبعاً للشيطان الذي يُسَوَّلُ لهم.
و صَحَّ و ثَبَتَ أَنَّهم لم يرتكبوا أمراً يوجب إلا أنهم رفضوا التحكيم، و فروا عن مقتضاه، وتباعدوا عَمَّنْ إرتضاه، و بايعوا إماماً لهم يرومون به إحياء القضايا الدينية التي قاموا من أجلها على عثمان بالأمس حتى قتل، و بعده بايعوا علياً إماماً لهم بيعة علنية شاهرة أجمعوا عليها على مقتضى أوامر الكتاب و السنة، و لما رأوا بَذْرَ الشِّقَاقِ وقع في الميدان الذي هم فيه توقعوا فساد الدِّين منه فلا جرم إذا فروا بدينهم، و أرادوا إماماً لهم يحملهم على أوامر الكتاب و السنة، فيميت البدعة، و يقيم الحق على أعمدة الإيمان، ويسير بالناس سيرة الخليفتين السابقين، فهل هذا جرم أو ذنب ؟؟، بعدما خلع إمامهم نفسه، و ترك إمامته في يد الحكمين، و بقي ينتظرها هل تعود إليه أم لا؟، فلم تعد بل عادت على معاوية تؤيد جريمته في الأمة،[260] و تجمع له ما تَفَرَّقَ بها.
و هناك فريق غَطَّ الجهل على عينيه فأعماها، و غلب الهوى على قلبه فستهواه، فَضَّلَ الطريق، ولم يكفه أن سلك الجادة السوية راضياً بها سيراً إلى الغاية الرُّوحية، بل ضَلَّ ينسب إلى الحقِّ كل رذيلة، و يسلب عنهم كل فضيلة، ليكون مقبولاً عند القوم الذين عاثوا في أرض الله فساداً. (1/336)
صفحة 336
فكان بعض المؤرخين الذين يظلمون التاريخ في سبيل رضى الغير، ينقلون المفتعلات التي من شأنها الحَطُّ من شرف القوم، غير مراقبين أن للكون مكوّناً قادراً عالماً سميعاً بصيراً، و للرعية راعياً صالحاً مالكاً عادلاً، عتيداً من كل أحد، عالماً بكل ما كان، و ما يكون، " لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا " (4).
فظل هؤلاء (1/337)
صفحة 337
الكاتبون الذين أخذت عواطف العصبية و الظلم منهم مأخذها، يكتبون حتى ما تتقول به العامة التي هي أتباع كل ناعق،الذين يملون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور الإيمان، و جهلوا أن الناقد بصير.
فكان فيهم من يستولي عليه الحمق، والغضب، و قصر النظر، و يتقد حماساً على أهل الحقِّ، و ليس هو الحجة في شيء ما مِنْ أمور الدِّين، فيسترسل فيما يكتب، فيعلل حوادث النهروان بما يأباه المنطق الصحيح، و ما ينكره العقل السليم من الهوى، و يعكس النصوص الصريحة الصحيحة فيضع فيما يكتب من الإفك والبهتان ما لا يرضاه الله و لا رسوله، و لا الدِّين، و لا المروءة، فيضع رجال الحقِّ في غير موضعهم اللائق بهم، و ينسب إليهم غير الواجب فيهم، و لا يحترس من التورط في أهل ا لله و خاصته، ويتبع غير سبيل المؤمنين.[261]
فتارة يَرْمُونَ النهروانيين بما لا يقبله العقل، و تارة ينسبون إلى علي بن أبي طالب الغدر والخيانة، فيقولون أنه:. " واعد القوم عبدالله بن وهب و أصحابه بإتيانه إليهم ليعتذر إليهم و يصالحهم ليأمنوا فيفرقوا جيشهم فيهجم عليهم، و إنه كادهم بذلك "، ونسوا أن علياً أَجَلَّ، و أَرْفَعَ نفساً من ذلك أن يرتكب هذا الحال و هو عَلَمٌ في الدِّين، و رَأْسٌ في الشجاعة، لا يحارب من يحاربه إلا وهو على أتم أحوال الزعامة الصحيحة، و على أعلى أحوال الاستعداد. (1/338)
صفحة 338
ولو كان علي بن أبي طالب ممن يرضى بالغدر والخيانة، و استعمال المكائد لخصومه لكان منع معاوية و جيشه الذي خرج لقتاله في صفين، و كان علي سبق على الماء، و كان قادراً على منعهم إذ استولى هو على النهر، وقد ألحَّ عليه أصحابه أن يمنعهم الماء، و يهجم عليهم و قد قيدهم العطش، فيأخذهم قبضاً بالأيادي فلا يحتاج إلى حرب معهم، فقال لهم : " لا والله، لا أكافئهم بمثل فعلهم - و كانوا فعلوا ذلك معه، فكشفهم السيف، فأفسحوا لهم عن بعض الشريعة - ففي حد السيف ما يغنى " (5).
هذه هي نفس علي في حروبه، فانظروا في هذه العزيمة الكبيرة و النفس القوية، التي لا ترى للرجال قيمة في الحرب، و لا تعد الحياة إلا عند سقي السيف من دماء الأبطال، إن علياً تعرف شجاعته من حروبه، و مواقفه في الجهاد، و في غزواته المتعددة، فلله دره.
لا نظلم الناس بالأهواء حقهم، و لا نبال بقدح الخائر الإشر.
فعليٌ من صناديد الرِّجال الذين دَوَّخُوا الكفر، و دَكُّوا صروح الباطل، إلا [262] أنَّا لا نقول فيه ما قالت الشيعة، فإنَّ الدِّين وراءه دَيَّانٌ بصيرٌ بحقوق المصير.
و لا يكيد علي بن أبي طالب كيد الضعفاء، لكنه إذا حارب كان على أسلوب الشجعان، ومن هذا تعلم أن بعض (1/339)
صفحة 339
الكاتبين لا يتقيدون بحقوق الدِّين، و لا يبالون بالأقوال أين يضعونها من النَّاس !!.
صَحَّ أَنَّ علياً لم يكن راغباً، و لا عازماً، على حرب عبدالله بن وهب، و من ينسب إليه عزمه على ذلك يظلمه، إِنَّ علياً كان عالماً كبيراً، و ديناً شهيراً، و يعلم أن عبدالله بن وهب و أصحابه قاموا بواجب ديني، فعلى أي شيء يقاتلهم ؟، ألكونهم بايعوا إماماً بحق؟!، لا يرضى علي بذلك.
و لا شَكَّ أَنَّ المرء في المحنة عَيٌّ، فعلي بقي نادماً فيما فعل، حائراً في المصير، أهمه أمر الأمة، و أهمه أمر مصيره، و أهمه ظلم معاوية، و كان صادقاً فيما أبلغه سفيره قيس بن سعد عن عبدالله بن وهب من إتيانه إليهم للمصالحة و الاعتذار، و ما كان لعلي و هو عَلَمٌ في الدِّين، وَ ممَّنْ يضرب به المثل في الورع و التقوى أن يَخِيسَ (6) بوعده، و يكذب في قوله، و يهجم على الآمن في مأمنه، وقد وثق بعهده، و اطمئن إليه، فألقى سلاحه، و فَرَّقَ جنده، و اختلط جيشه بجيش عدوه. (1/340)
صفحة 340
" إنَّ الذين يصفون علياً بالكيد لعبدالله فَفَرَّقَ جيشه، يصفون عبدالله بأنه مغرورٌ في سذاجة الغفلة، و هو من الدُّهَاةِ الذين لهم ضياء العقول الحية الواعية، فهو وأصحابه دهاة أذكياء يتبينون الخفايا الخفية من وراء ستارها، و ينتبهون لدقائق التي لا تبين لغيرهم، و ما كان لقيس بن سعد و الأدهى منه أن يداجي عبدالله بن وهب وصحبه فيلبس غير لباسه، ويظهر بوجه غير وجهه، و يبرز [263] و يظهر في غير حقيقته، و ما كان لقيس و هو من سادات الأنصار، و من له المكانة فيهم، و في صلاحه، و اعتداده بنفسه، وفي غيرته على مكانته العالية بين أقرانه في عصره أن يفعل هذا، فيخادع أناس يشهد هو بفضلهم، و ينطوي على إجلالهم و إكبارهم، و يراهم قوة كبرى يجب جَرَّهَا إلى الإمام، و إلى أجنحته التي يقدر أن يُحَلِّقَ بها على رؤوس المعادين له، فلا ينبغي أن تخرج هذه القوة الحامية عن الإمام، بل يجب أن ترجع عليه، فتشد عضده وتؤيده.
إِنَّ العوام و الذين لا يحكِّمون المنطق في هذه الحوادث قد أراهم الغضب، و الحمق، و تحكيم العاطفة في هذه الحوادث غير الحقيقة، فتفوهوا وعللوا الحوادث تعليلاً خاطئاً، فنقل بعض المؤرخين تلك الأقوال التي يناقضها ما أثبتوه بعد ذلك، و نسبوه إلى الإمام مِنْ تَحَسُّرِهِ، وَتَأسُّفِهِ، و بُكَائِهِ على عبدالله بن وهب و صحبه، و الذين استشهدوا في النهروان، و ما وصفوه به من تحسره حين كانت المعركة دائرة، و الهجوم يقع على عبدالله بن وهب وصحبه (7).
فلو كان هو الآمر بالهجوم المشعر بالحرب لَفَرِحَ بالنصر على العدو الذي رأى قتله واجباً، و إعداماً فرضاً، و لو كان من أقرب الأقرباء له، فقد قتل من أقاربه في سبيل نصرة الحقِّ من لا يخفى بين أهل العلم، فكان هنا كذلك ينبغي على فرض ما قرره المؤرخون الذين لا يهتدون للحق كما ينبغي أن يفرح بالنصر على عدوه عبدالله و صحبه". (1/341)
صفحة 341
" و كان الأشعث بن قيس [264] وصحبه من رؤساء القبائل الذين اصطنعهم معاوية الداهية، يتحسرون و يتألمون لما وصل علي إليه من نتيجة حسنة مع عبدالله بن وهب و يقولون في أنفسهم : إن تم له ذلك فلن يبقى معاوية على كرسيه في الشام.
و عزم علي على المسير إلى عبدالله للمصالحة، فيكونوا يداً واحدة، فعزم الأشعث بن قيس أن يفسد خطة الإمام، ويمنع وقوع الصلح المطلوب إن استطاع بكل ما لديه من حيلة، فيهجم على عبدالله بن وهب و يشعل عليهم حرب ضروساً، ويجعل الإمام في الأمر الواقع الذي لا يستطيع له مَرَداً.
إن أتباع الأشعث في جند علي لكثيرون، و إن السيطرة للأشعث في الجند أكثر من سيطرة علي بن أبي طالب.
وإذا رأوا الإمام أراد أمراً يخالف مقتضى نظرهم زَيَّفُوه، و انْطَوُّوْا على خلافه، و ذلك من ابتلاء علي بن أبي طالب، فإِنَّ جنداً هذه صفته لا بد أن يكون نقمة على رئيسه".
و إن كثيراً من رؤساء القبائل الذين اصطنعهم معاوية، و أملهم الآمال، و بَسَطَ لهم من الدُّنيا، و هم رجال الدنيا، لا ثمن للدين لديهم، و معاوية هو كرسي القوم، و مقتداهم في هذا، و هم ضباط جيش علي، و هو غافل عن أحوالهم، و قد أحسن بهم الظن، و جعلهم ظهره و قوته التي يعتمد عليها، و لم يَدْرِ أن الأشعث يستطيع أن يعلن الحرب بدون إذن الإمام ؛ لأن الأمر بيده، و طاعة الجيش إليه، ويبعث الجند للقتال بغير مشيئة الإمام، وكان [265] النصر السابق وَطَّدَ للجند المقام، ونظر الإمام إليهم نظرة احترام، فهو لا يزال يعتقد فيهم ذلك.
======================
(1) جواهر المنتقاة ص119-122
(2) كتاب السير (1 /48-49)
(3) تاريخ المغرب الكبير (2/ 361)
(4) النساء : 40.
(5) انظر تاريخ المغرب الكبير (2/361)
(6) يقال خاس بالعهد يخيسُ خسيساً وخسياناً:. غدر ونكث، ( القاموس المحيط/543) مادة خ ي س
(7) تاريخ المغرب الكبير(2/362)
--- (1/342)
صفحة 342
" و كان عبدالله بن وهب الراسبي في أربعة آلاف من جنده، فلما واعده قيس بن سعد بمسير علي إليه، شرع يستعد للقاء الإمام للمصالحة، و أمن و اطمأن، لعلمه أن علياً لم يكن من أهل البغي و الفساد، و لا من أهل المكر والعناد، بل كل ما عنده إرادة الخير لأمته، و لذلك أذن لجيشه أن يَتَفَرَّقَ، فذهب أكثره لزيارة أقاربهم و إخوانهم في جيش الإمام، و ليأكدوا ما عزم عليه الطرفان من المصالحة فيما هم بصدده، و يبينوا برفع الحذر حسن نية عبدالله بن وهب، فلم يبق في معسكر عبدالله إلا ألف و ثمانمائة جندي.
فاغتنم الأشعث بن قيس الفرصة هو وصحبهَ الذين هم على رأيه خاصةَ أَمْنَ عبدالله، و تَفَرَّقَ جيشه، فهجموا عليه و أحاطوا به، و تبين له خلاف ما كان يظن، ركب هو و أصحابه الذين كانوا خاصته باقين معه في المعسكر ينتظرون وصول الإمام فما شعروا إلا وقد دارت الحرب، وقامت المعركة الرهيبة بين الأشعث بن قيس و الذين اندفعوا بجيش الإمام، و عبدالله و صحبه الآمنون المطمئنون بنيل الصلح عند مجيء الإمام، و إذا بالقتلى تتساقط و السيوف تعمل في الرقاب، و جيش الإمام كما عرفت فوق سبعين ألفاً فماذا تكون هذه العصابة القليلة في جيش كالبحر، فلم تزل القتلى تتساقط من الجانبين، وتخر على الأرض، و لم يزل المؤمنون يقتلون و أهل الأهواء يلعبون، و دامت الحرب [266] من الغداة إلى الأصيل بين إخوان مسلمين، أخذت يوماً كاملاً، و لم يملك الإمام شيئاً " (1).
و مما يدل على عدم إرادة علي قتل أولئك الرجال لم يدخل الحرب كعادته، و لا شُهِرَ عنه أَنَّه قَتَلَ أحداً بيده، و لعله قيل له إن القوم بدأوا بالحرب فيظن صدق القائل، و العهدة عليه، و لم يعلم هو من أثارها، فلم يشعر إلا و السيوف على الرؤوس، و القتلى تهوي على الأرض. (1/343)
صفحة 343
ومن حيث أنه الإمام القائد و المسئول عما يجنيه جيشه، وَجَّهَ خصمه الجريمة عليه، فقامت المحاورات و اشتدت المنازعات، و كل يعد على خصمه البغي عليه، و لكن لما كان حسب الظاهر أن المنتصر علي عَلَّقَ أهل الأهواء على النهروانيين جريمة تلك الحرب، و أخذوا يضيفون إليهم كل سوداء مظلمة، ومن طَبْعِ النَّاسِ هذا يؤيدون المنتصر ولو لم يكن محقاً، فيجعلونه المحق المخلص، و لو انتصر النهروانيون لسمعت القيل والقال في علي و جيشه.
(2)
و هذا الحال فيهم عريق، و الله يبتلي عباده بما شاء، و قد ابتلى الله المسلمين بهذه الأحوال، " لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ " (3).
فاعْجَبْ أيها العاقل كيف يلعب أهل الأهواء، و يرتكبون الشنائع، و يفعلون الأفاعيل المنكرة و لا يبالون؟!!.
و لذلك بقي الإمام حائراً لا يدري من أثار هذه الحرب، و لم يجئ هو حارباً، ورسله حجة عليه، و لم يعلم من كان السبب فيها، و لعلها مِنْ مَعَرَّةِ الجيش.
و عبدالله بن وهب و أصحابه كانوا يرتقبون الخير [267] بمجيء الإمام، و الأمن، و الاطمئنان، و اجتماع الشمل و لَمِّ الشعث، و أن يكون الرأي مداراً بين الجميع، و الوجهة واحدة وهي الاهتمام بأمر معاوية المفرق لشمل المسلمين، المستبد بحكم هواه، القائم على الإمام علي ليكون سلطاناً على المسلمين، و لعلمه أن إعطاء الناس رغبتهم هو الذي يؤيد مقاصده، كما أشار إلى ذلك بعض أهل الردة، إذ قال لعمرو بن العاص " إن العرب لا تطيع لكم على هذا، فتركوا لهم أموالهم "، و كان يشير إلى الزكاة. (1/344)
صفحة 344
فمعاوية لا يراعي أحكام الشريعة إلا في مصالحه الخاصة أو في ما لا يُخِلُّ بسياسته، فلا يزال يراوغ الشريعة من كل وجهاتها، كما في قضية قتل عمار بن ياسر - رضي الله عنه -، و قد شاع أَنَّ عماراً تقتله الفئة الباغية، و لمَّا قتلته شيعة معاوية أقلق بعض الصحابة ذلك، فأخبر معاوية، فرأى معاوية أن لا بد لهذا الخبر من أثر في قلوب كثير من أصحابه، و رأى إذا تأثر البعض سرى ذلك في الباقين فيقع الخلل في السياسة التي ينسجها هو، فلذلك قال لهم : " لم نقتله نحن و إنما قتله من أخرجه إلينا " (4) فأرضى ذلك أهل الشام، و أقنعهم، فإنهم كما قال في الإمامة و السياسة :" إن أهل العراق اختلفوا على علي، و لم يختلف عليك - أي معاوية - أحد " قال " والخلاف أشد من القتل " (5) اهـ، و هو واضح، فإن المكيدة المشار إليها وضعت لذلك، فأهل الشام كما يقول معاوية لا خلاف لديهم، و أهل العراق أهل علم و عمل و استقامة في الدين، و فيهم عمي لا يبصرون الحق، و لذلك كان الافتراق من أول [268] ساعة وقع فيها النداء بتلك المقالة الفاسدة، وعندما وقع الإصغاء إليها أنكر المسلمون ذلك، وقالوا قولتهم المشهورة وهي : " لا حكم إلا لله ". (1/345)
صفحة 345
و المعنى أنَّا قاتلناهم في الجمل على البغي، و في صفين أيضا، و في الدار حتى قُتِلَ عثمان، فما بالنا الآن نترك الحكم لعمرو بن العاصِ و أبي موسى الأشعري، ونرفض حكم الله عز و جل، إنها لمصيبة عظيمة، ومكيدة فاجرة، رضي بها الإمام و قَبِلَهَا، وعاهد القوم عليها، وخلع إمامته من عنقه، و رضي أن يحكم له بها عمرو بن العاص و أبو موسى الأشعري، و هو يعرف الرجلين تمام المعرفة، ولما خلعاه، و أثبت عمرو بن العاص معاوية بن أبي سفيان إماما سَبَّهُ أبو موسى، و رَدَّ عمرو بن العاص السَّبَّ عليه، و رجع علي بن أبي طالب يطالب بإمامته، و بالأمس رضي بخلعه ظآن أنهما لا يريان غيره، و ما دري أنها الداهية الدهياء التي جاءته، فقال له عبدالله بن وهب و أصحابه لا إمامة لك لأنك خلعت نفسك، و ليس لك أن تفعل ذلك، ثم لم يردك المسلمون لها، و إذا أرادوك لها مرة أخرى، و اتفقوا عليك بعد أن تُعْلِنَ توبتك إلى الناس مما وقعت فيه، و بقي الإمام بين هذين الفريقين، فريق يرى له إمامته و هم الجهلاء الذين لا يهتدون لسبيل الحقِّ، و فريق يرونه جارم جُرْمَاً عظيماً لا يغتفر له إلا بالتوبة منه، و هكذا يكون المبتلى بأمور الناس.
و كانت سياسة معاوية بن أبي سفيان جلب ظغام الناس و غوغائهم ليحدثوا الضَّجَّة [269]على الإمام و من معه من المسلمين، و هو السواد الأعظم الذي لا يعي و لا يعقل إلا طاعة رئيسه محقاً كان أو مبطلاً. (1/346)
صفحة 346
فترى الإمام علي جاء إلى إخوانه ليتفق معهم على المصالح، ويجتمع بهم لإعادة الألفة بينهم، ويلتزم هو و إياهم كل صالح، فلم يشعر إلا و المسلمون يقتتلون و رحى الحرب تدور بينهم، و هم بعضهم يقتل بعضاً، و لم يملك من الأمر شيئاً، و لا تعي الحيلة الأشعث بن قيس أن يقول كيت و كيت في سبيل تبرير دعواه، فلذلك لم يدخل علي الحرب بنفسه، و بقي يتأسف على الواقع، و لعل حاله تقول ما جئنا لهذا، أو ليت الأمر على غير هذا الحال، ولم يزل يتأسف ويتأفف و يبكي على الواقع، و يندب إخوانه الميامين الذين أكلت الأرض جباههم و جنوبهم من كثرة الركوع و السجود.
ومما يدلك على خيانة الأشعث لإمامه و انخداعه لمعاوية، ما رواه الهمام دبوز في الجزء الثاني من تاريخ المغرب الكبير (6) إذ يترجم له بهجوم الأشعث بن قيس على عبدالله بن وهب الراسبي، و وقوع مأساة النهروان، و ما أوقعه الأشعث على أولئك المؤمنين المخلصين الأتقياء الأبرياء فقضى عليهم في مأمنهم، و في حال اطمئنانهم، و ظهر أن علياً لم يشارك في قتالهم، إلا أنه الإمام المسئول عما يفعله جنده، و لكن الظاهر أن علياً لم يملك الأمر، ولم يعرف كيف ثارت هذه الحرب مع أنه جاء للاصطلاح، فهل أثارها النهروانيون عليه ؟، أم أثيرت عليهم ؟، وبقي حائراً، و المرء في المحنة عي، و كم وقع مثل هذا [270] في جيوش أئمة العدل. (1/347)
صفحة 347
فإن علي بن أبي طالب ندم على قتلهم، و بكى عليهم، و لا يعقل أن يبكي على قتل عدوه، وقد شُهِرَ عنه ذلك أي بكاؤه عليهم، و تأففه على الواقع، وعَضَّ أصابع الندم، و رآها بلية أحاطت به، و إنها لمن الدواهي، و هنا تحقق أنه لا يستطيع رد جماح معاوية، إذ هذه الوقعة زادت الطين بله، و أثقلت كاهل علي، وعاد إلى الكوفة، و الأفق مُغْبَرٌّ في وجهه، إِذْ سَمِعَ النوادب للأبرار الأبرياء، قتلوا على غير شيء في ضحوة من نهار، و أيقن أن أموره ستنهار، و إمامته ستضمحل.
===================================
(1) تاريخ المغرب الكبير(2/363-364)
(2) سبق تخريجه
(3) الأنفال:42
(4) الإمامة والسياسة (1/110)
(5) الإمامة والسياسة (1/112) والقول لأبي الأعور
(6) تاريخ المغرب الكبير (2/363)
--- (1/348)
صفحة 348
وكذلك ترجم دبوز بكيد الأشعث لعلي (1)، و أثر ذلك في أنصاره بوقعة النهروان، و افتراق جيشه عليه بعد الرجوع من النهروان إلى الكوفة، و ما كان عليه المسلمون مما خرجوا له من نية قتال معاوية و أهل الشام، و بعضهم خرج بنية الصلح و المراجعة بين علي و عبدالله حتى أشعلها الأشعث المتغطرس على المسلمين، و أثارها شعواء بين إخوان مؤمنين، ليستغل رضى معاوية و أهل الشام، و يكبر في أعينهم، فيسيطر على المقاصد، و يريهم أنه الرجل الوحيد , و البطل الصنديد، و الشجاع الفذ الذي إذا قال فعل، فينال بذلك المكانة السامية.
و كان الأمر كما أراد فإن علي بن أبي طالب أدرك الحقيقة، و علم الغاية، فلذلك لم يتحرك بعدها إلى معاوية، و بقي يوبخ الجند، و يذمهم و يعلن مغشتهم، و إن معاوية مطاع في أهل الشام و علي على خلاف ذلك في أهل العراق.
و إذا تحققت أَنَّ علياً لم يَرْضَ بقتل أهل النهروان، أو لم يأمر به لم تلزمه مهمتهم، و لم تَعْلَقْ به تلك الجريمة، و قد يكون المرء في نيته قاصداً خير [271]فلا يُرَى في قصده إلا شراً.
وهكذا عليٌ فيما أحسب، و أما النقل عن المؤرخين فمتباين و متناقض، و عند كل قوم ما يوافق غرضهم، و يلائم دعوتهم، و لا تلتفت إلى ما ذكره صاحب فتح الباري (2) و أمثاله، فإنه مختلطٌ، مضطربٌ، يجمع الغَثَّ و السمين، و إذا تتبعه الإنسان رآه متناقضاً من جميع نواحيه.
و العجب من مثل هؤلاء العلماء الذين لا يستعملون عقولهم، و لا يشغلون أفكارهم بالنظر إلى ما جاء في أخبارهم، فتراهم كمن يحتطب بالليل و يجمع كل ما يلاقي. (1/349)
صفحة 349
وقد حاولت تمحيص ما ذكر و مقابلة ما نقل، فرأيته ضياع وقت لا غير، و على كل حال إنا نعتبر الرجال بالحقِّ و تأييد كل محق، و إذا كان صاحب الفتح يكتفي بتلك الأقوال في العقيدة ويعتمد في الرؤية ذلك الضلال، فماذا نقول في حق غيره ؟؟.
أعني إذا كان مثل هذا العالم في الحديث لا يمحص ما جاء فساداً في العقيدة إذ كان قدحاً في الصفات الإلهية، فمن باب أولى لا يبالى بما عدا ذلك.
و لو أخذوا بمذهب زيد بن عمرو بن نفيل في طلبه الدين لهداهم الله للحقِّ المبين، و لكنهم يأخذون ما وجدوه لغيرهم تقليداً، و لا يزنون ذلك بميزان العقل، و لا يرون نقض ما وجدوه جائزاً، وإن كان خلاف الحق.
و كم في الناس من متنطع يدعي العلم، و هو منه بعيد، و يندد بالمسلمين كل تنديد ظاناً أنه العالم الذي يجب أن تطيعه العوالم، كمحشي الإسعاف (3) الذي ترك الحقَّ وراءه، و جمح إلى ما لم يكن من شؤونه، فقام يندد [272] بالإباضية، حتى في همزة وقعت في غير محلها غلطاً، فندد بأمة مسلمة عظيمة علمته و أشياخه وضع الهمزة وغيره، بخليلها بن أحمد الفراهيدي، كما علمته عروض الشعر به أي الخليل، و وضعت له سنن الأدب الصحيح بابن دريدها العلامة الفصيح، فهذا و أمثاله لا يعبأ بهم، و لا يُعَوَّلُ عليهم، و إن كثروا إلا إذا رجعوا إلى الحقِّ و سلكوا سبل الرَّشاد، فلكل درجات مما عملوا، و الله يتولى من عباده الصالحين.
نعم كم رأينا من الطعن في الإباضية تنشره المجلات و الجرائد وقد غَرَّها، و لعدم القيام عليهم بالرد لما قالوا فظن أنه الحق مغترين بذلك، و كم غَرَّتْ قبلهم أناس أنفسهم، و كم وقعوا في مهاوى الضلال، نسأل الله السلامة في الدين والدنيا.
============================
(1) تاريخ المغرب الكبير(2/366)
(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (12/351-384) (1/350)
صفحة 350
(3) طبع كتاب الإسعاف في المكتب الإسلامي لصاحبه زهير الشاويش، وعلق على الكتاب سعيد الطنطاوي وغيره.
--- (1/351)
صفحة 351
تحقيق قضية التحكيم
اعلم أَنَّه لمَّا رأى معاوية و أحزابه أن الدائرة تدور عليهم، و رأوا تحقق الغلبة للإمام عليهم، و أنهم إذا وقعوا في يده أن يحكم فيهم بحكم الله عز و جل، و تَيقَّنُوا إذ ذاك أن لا شام لمعاوية، و لا مصر لعمرو بن العاص، لجأوا إلى المكيدة، و حقيقتها حيلة إن نفعت، رأوا أن أهل العراق سريعوا الاختلاف والافتراق، وكان عمرو بن العاص من أدهى العرب، اخترع رفع المصاحف على الرَّماح، منادياً بها إنَّا نحاكمكم على كتاب الله عز و جل، فلمَّا رأى أهل العراق رفع المصاحف على الرؤوس، و النداء بالمحاكمة إليها [273] اختلفوا عليها بين قائل ارفعوا السيف فإنهم يناشدونكم حكم كتاب الله، و ليس لكم الآن قتالهم و الحال هذا، و بين قائل ضعوا السيف على أعناقهم، أو يخضعوا للحقِّ، و هل نحن قاتلناهم إلا على تركهم حكم الله عز و جل ؟!، و قد حكم الله تعالى شأنه فيهم نصاً!!، و هو قتال الباغي أو يفيء إلى أمر الله تعالى عز و جل.
بهذا وقع الاضطراب في جيش الإمام علي، و على كل حال إِنَّ الإمامَ بالجند، و إذا لم يكن جندٌ فلا إمارةً، و لا إمامة،ً و لا سلطنةً، و حينئذ بقي الإمام بين أمواج هذه الداهية الدهياء، التي أصيب بها في جيشه، الذي دَوَّخَ العدو سابقاً.
و كانت الأكثرية التي ترى ترك الحرب للمحاكمة، و بقيت الأقلية مَصِرَّة على عدم الرضى بذلك، و لكن الحكم للأكثر، و إذا اشتبهت الأمور لم يدرك الحقَّ فيها إلَّا الأقلون، و هذا أمر بديهي جربته الأمم على اختلاف أوضاعها، و في سالف تاريخها.
و إليك بيان ذلك عن علماء التاريخ : (1/352)
صفحة 352
قال في الإمامة و السياسة " هزيمة أهل الشام " قال:. " ثم أقبل الأشتر جريحاً، فقال : يا أمير المؤمنين - يخاطب عليا - خيل كخيل، و رجال كرجال، و لنا الفضل إلى ساعتنا "، هذا يعني أن إلى الآن نحن الغالبون، فعد مكانك الذي كنت فيه، فإنما الناس يطلبونك حيث تركوك...، إلى أن قال:. " فلم يقم لأهل الشام صف إلا أهمد حتى أفضى الأمر إلى معاوية و علي يضرب بسيفه، و لا يستقبل أحداً إلا ولَّى عنه، فدعا معاوية [274] بفرسه لينجوا عليه - أي يهرب - متوقعاً للهزيمة، و يومئذ استبان ذُلَّ أهل الشام، و رفعوا المصاحف، ثم ارتحلوا فاعتصموا بجبل منيف، و صاحوا لا ترد كتاب الله يا أبا الحسن، فإنك أولى به منا و أحق من أخذ به، فأقبل الأشعث بن قيس في أناس كثير من أهل اليمن، فقالوا لعلي : لا تَرُدَّ ما دعاك القوم إليه، قد أنصفك القوم، و الله لئن لم تقبل هذا منهم لا وفاء معك، و لا نرمي معك بسهم، و لا حجر، و لا نقف معك موقفا " (1) اهـ.
بنص حروفه ترى فيه التصريح بذل أهل الشام، و ترى ميلولة ابن الأشعث إلى القبول واضحةً سافرةً، وقد صَرَّحَ له بأنه الإنصاف، و ليس لك عن الإنصاف ملجأ، ثم أكد ذلك باليمين التي صارح بها إمامه، إذ قال : " و الله لئن لم تقبل هذا منهم لا وفاء معك، وزاده و لا نرمي معك بسهم و لا حجر " و لا يخفى عليك أخر قوله : " و لا نقف معك موقفاً " فهل بعد هذا مِرْيَة أو شك في غدر الأشعث بالإمام ؟ (1/353)
صفحة 353
قال : " فلما سَمِعَ عليٌ قولَ الأشعث بن قيس، ورأى حال الناس قَبِلَ القضية مُرْغَماً عليها"، كما عرفت، و لم يرى بُدَّاً من الخضوع لقوله، إذ كان مسيطراً على الحركة، قال:. " وأجاب للصلح "، قال:. " و قام إلى علي اناس وهم القراء منهم عبدالله بن وهب الراسبي في أناس كثير، قد اخترطوا سيوفهم، و وضعوها على عواتقهم، فقالوا لعلي : اتْقِ الله فإنك قد أعطيت العهد، و أخذته منا، لنفنين أنفسنا أو لنفنين عدّونا، أو يفئ إلى أمر الله، و إنا نراكَ قد ركنت إلى أمر فيه الفرقة و المعصية لله، و الذلّ في الدنيا، فانهض بنا إلى عدونا فلنحاكمه إلى الله بسيوفنا، [275] حتى يحكم الله بيننا و بينهم و هو خير الحاكمين، لا حكومة الناس " (2) انتهى.
فَدَلَّ هذا أن عبدالله بن وهب، و مَنْ يرى رأيه من أول الأمر لم يرضوا بالتحكيم، و رأوه ضلالاً، و ناصحوا علياً الإمام كما عرفت، و خَوَّفُوه الله، و إنهم عاهدوه على الموت، أو يفنى العدو، أو يفتح الله على المسلمين، لا كما قال أعداء الحقِّ، و أعمدة الباطل من أن هؤلاء حملوا علياً على قبول التحكيم، ليجدوا بذلك مَطْعَناًً في هؤلاء الأبطال المؤمنين، الذين تجردوا لنصرة الحقِّ، و باعوا أنفسهم لله لا يخافون لومة لائم، فقد أتوا علياً مخترطي سيوفهم، يناشدون الإمام القيام على العدو، و يذكرونه العهد الذي سبق بينهم على ذلك، و صارحوه بأن هذا العمل باطل لا يَصِحُّ، و لا يَقِرُّ عليه الدِّين والإيمان، و استنهضوه للحرب، و أن هذه المحاكمة فساد، فلم يبق للعقل مجال، و لا للقول مقام. (1/354)
صفحة 354
إِنَّ هؤلاء الغرَّ الميامين الذين كانوا يدعون بالقراء أي الزهاد المتجردين، و العباد المخلصين، و لذلك لما لم يجدوا من إمامهم الموافقة على مرادهم، متأثراً بما سمع من قائده الأكبر الذي بيده حركة الجيش الأشعث بن قيس، لذلك خرج هؤلاء الكرام محاولين القيام على عدوهم، آملين نصرة أهل الحقِّ لهم، متأثرين بما لقوا في سبيل السير إلى الله، لم يجدوا الموافقة من إمامهم حتى آيسوا منه، و هو أولاً متقيد بالعهد الذي أعطاه، ناظراً إصرار جيشه على عدم القيام معه، آملاً أن يحكم بإثبات إمامته، فيكون بذلك أرضى جيشه و قائده، و ما دري أنها [276] المكيدة التي تقضي على دولته.
و إليكم ما قاله عُثْمان بن حُنَيْف (3) في القضية:. " أيها الناس اتهموا رأيكم فإِنَّا والله قد كنَّا مع رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - يوم الحديبية، و لو رأينا قتالاً قاتلنا، و ذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - و بين أهل مكة، فامض على القضية، و اتهم الصلح " (4)، و المعنى أن الحكم فيه واضح، و الصلح فيها على الأقل مستراب، فامضي على حكم الله فيها، ثم جاء الأشتر و قيس بن سعد فأنكرا الحكومة، و هما ممن عرفت مقامهما، قال:. " و كان أشد الناس على علي فيها قولاً " أي كان قولهما شديد الإنكار لفعل علي، قال:. " فكان الذين عملوا في الصلح الأشعث بن قيس، و عدي بن حاتم، و شريح بن هاني، و عمرو بن الحمق، و زحر بن قيس، ومن أهل الشام زيد بن أسد، و مخارق بن الحارث، و حمزة بن مالك ".
قال:. " فلمَّا رأى ذلك أبو الأعور قام إلى معاوية فقال : يا أمير المؤمنين إِنَّ القوم لم يجيبوا إلى ما دعوناهم إليه حتى لم يجدوا من ذلك بُدَّاً، و إنهم إن ينصرفوا العام يعودوا في قابل في سنة يبرأ فيها الجريح، و ينسى القتيل، وقد أخذت الحرب منا و منهم غير أنهم اختلفوا على علي " (5). (1/355)
صفحة 355
و لما وافق الإمام على الحكمين، و أعطى العهد و الميثاق علي، و تقرر موعد المحاكمة و مكانها، و بَقِيَ النظر فيمن يكون حكم الإمام، و كذلك معاوية، وعلى كل حال أنه لا يعدو عمرو بن العاص، أما علي فقد بقي النظر بينه و بين الحاملين له، كما جاء الحديث في التاريخ [277] الإسلامي و غيره.
======================================
(1) الإمامة والسياسة (1/111)
(2) انظر المرجع السابق
(3) عثمان بن حُنَيْف بن وهب الأنصاري الأوسي ( ت بعد 41هـ) أبو عمرو،وال من الصحابة، شهد أحداً، وما بعدها، وولاه عمر السواد، ثم ولاه علي البصرة، شهد مع علي صفين، ثم سكن الكوفة وتوفي خلافة معاوية، الأعلام ( 3/205)
(4) الإمامة والسياسة (1/112)
(5) انظر المرجع السابق
--- (1/356)
صفحة 356
قال في الإمامة و السياسة :" ذكروا أن معاوية قال لأصحابه حين استقامت المدة - أي تقررت - و لكن لم يسمِ الحكمان، حيث كل فريق أصبح مختاراً لحكمه، قال معاوية : مَنْ ترون علي يختار للمحاكمة "، قال هذا الكلام على جهة التخمين، إذ يعلم أن عند الإمام رجالًا تفوق الرجال، " قال : فأما نحن - أي معاوية و رهطه - فصاحبنا عمرو - أي يعرفه أنه لها - قال عتبة بن أبي سفيان : أنت أعلم بعلي منا، فقال معاوية : إن لعلي خمسة رجال من ثقاته، منهم عدي بن حاتم، و عبدالله بن عباس، و سعد بن قيس،و شريح بن هاني، و الأحنف بن قيس، و أنا أصفهم لك : أما ابن عباس فإنه لا يُقْوَى عليه، و أما عدي بن حاتم فيرد عمراً سائلاً، ويسأله مجيباً، و أما شريح بن هاني فلا يدع لعمرو حياضاً، وأما الأحنف بن قيس فبديهته كرويته، و أما سعد بن قيس فلو كان من قريش بايعته العرب، و مع هذا إن الناس قد مَلُّوا هذه الحرب، و لم يرضوا إلا رجلاً له تقيّة، و كل هؤلاء لا تقيّة لهم، و لكن انظروا أين أنتم من رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه و آله وسلم - تأمنه أهل الشام، و ترضى به أهل العراق، فقال عتبة بن أبي سفيان : ذلك أبو موسى الأشعري (1) " هذا كلام معاوية البطل الداهية، و لكلامه هذا معان يطول شرحها، و إنه لخبير بأحوال الرجال، خبير بسياسة دنياه، يرى الأمور في غيبتها كما هي في ظهورها، و كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ. (1/357)
صفحة 357
قال:. " و ذكروا أن علياًً لما استقام رأيه على أن يرسل [278] عبدالله بن العباس مع عمرو بن العاص، قام إليه الأشعث بن قيس، و شريح بن هاني، و عدي بن حاتم، و سعد بن قيس، و معهم أبو موسى الأشعري (( فقالوا:. يا أمير المؤمنين هذا أبو موسى الأشعري)) (2) وافد أهل اليمن إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، و صاحب مغانم أبي بكر، وعامل عمر بن الخطاب، وقد عرضنا على القوم ابن عباس، فزعموا أنه قريب القرابة منك، ضَنِينٌ في أَمْرِكَ، و أيم الله لو لقيت به عمراً لأخذ بصره و غم صدره، و لكن الناس قد رضوا برجل يثق به أهل العراق - أي الذين ميلهم ميل معاوية-،فإن جد تهور، و إن هزل تبعثر، و يرضى به أهل الشام لعلمهم أن ميله ميل معاوية، و على الأقل لا يسعى فيما يضره، و كان ذا تقية - أي يتقي القريشيين و يرعى مقاماتهم - وهو رجل يماني، و أهل اليمن أرق أفئدة بشهادة الرسول صلى الله عليه و آله وسلم (3)، فتكلم شبيب بن ربعي فقال : إنا و الله و إن خفنا على أبي موسى من عمرو ما لا يخافه أهل الشام على عمرو من أبي موسى، فلعل ما خفناه لا يضرُّنا، و لعل ما رجوا لا ينفعهم، فإن قلت في أبي موسى ضعف، فضعفه و تقاه خير من قوة عمرو و فجوره - وفيه التصريح بفجور عمر - قال : فأغلق به البلاء و افتح به العافية " (4) قلت : هذا خلاف قول رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف..." (5) الحديث، و خلاف ما يقول القرآن:. " وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ.. " (6). (1/358)
صفحة 358
قال:. " ثم تكلم ابن الكواء فقال : يا أمير المؤمنين، إنك أجبت الله و أجبناك، و لكنا نقول:. الله بيننا و بينك، إن كنت تخشى من أبي موسى عجزاً [279] فشرٌّ من أرسلت الخائن العاجز، و لست تحتاج من عقله إلا إلى حرفٍ واحدٍ، أن لا يجعل حقك لغيرك، فيدرك حاجته منك "، و في هذا الكلام من ابن الكواء لعلي ما فيه.
قال:. " و إِنَّ معاوية طليقُ الإسلام، و إِنَّ أباه رأسُ الأحزاب، و أنه ادعى الخلافة من غير مشورة، فإن صدقك فقد حَلَّ خلعه، و إن كذبك فقد حُرِمَ عليك كلامه، و إن ادَّعَى أن عمر و عثمان استعملاه فلقد صدق استعمله عمر، و هو الولي عليه بمنزلة الطبيب من المريض، يحميه ما يشتهي، و يُوْجَّرَهُ (7) ما يَكْرَهُ " قلت : و هذا شأن ابن الخطاب، و إن استعمل غير الصالحين، لا يقدرون أن يكونوا غير صالحين، و ذلك توفيق من الله عز و جل لابن الخطاب في أعماله و في عماله.
قال:. " ثم استعمله عثمان برأي عمر، و ما أكثر من استعملا ممن لا يدعي الخلافة، و اعلم أن لعمرو مع كل شيء يسرك خبراً يسؤوك، و مهما نسيت فلا تنسى أن علياً بايعه الذين بايعوا أبا بكر أولاً، و عمر، و عثمان , و إنها بيعة هدى، و أنه لم يقاتل إلا عاضياً (8) أو ناكثاً (9) " ففي هذا الكلام من ابن الكواء تحقيق المقام، و تبيين للأحوال التي عليها المسلمين، و تنبيه لعلي بن أبي طالب، و تأنيب في الحقيقة على ما وقع فيه، و إيضاح لمقاصد معاوية و أعوانه، و لكن إذا وقع القدر عَمِيَ السمع والبصر.
===============================
(1)انظر المرجع السابق
(2) سقط من الأصل وأتممناها من الإمامة والسياسة (1/359)
صفحة 359
(3) أخرجه البخاري في (64- كتاب المخازي 75- باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن ) (3/108) رقم 4388و4390، وأخرجه مسلم في (1-كتاب الإيمان، 2- باب تفاضل أهل الإيمان فيه، ورجحان أهل اليمن فيه) (1/ 71و 73) رقم 82(52) و89، وأخرجه أحمد في المسند( 7/49-50) رقم 7201، وأخرجه الدارمي في (المقدمة 14-باب في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم) (1/29) رقم79،وأخرجه البيهقي (1/567) رقم 1809 وأخرجه أبو عوانة (1/63) رقم 170، وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/257) رقم2259 و2260، وأخرجه أبو يعلي(6/454) رقم3845 وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير ص212 رقم 525، وأخرجه أيضاً في مسند الشاميين (1/435) رقم 766، وأخرجه ابن منده في كتاب الإيمان (1/526) رقم433
(4) الإمامة والسياسة ( 1/113)
(5) أخرجه مسلم في (46-كتاب القدر8- باب في الأمر بالقوة وترك العجز) (4/2052) رقم34 (2664) وأخرجه ابن ماجه في( المقدمة 10- باب في القدر)ص13 رقم 79،وأخرجه أحمد في المسند( 8/420) رقم 8777، وأخرجه البيهقي(10/152) رقم20173، وأخرجه الحميدي(2/474) رقم 1114، وأخرجه أبو يعلى الموصلي(11/124) رقم6251، وأخرجه ابن حبان (13/28-29) رقم 5721و5722، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (10/296)، وأخرجه الخطيب في تاريخه(12/113)
(6) الأنفال : 60
(7) يقال تَوَجَّر الماء :. شربه كارهاً ( القاموس المحيط/491) مادة و ج ر، والمعنى يعامله بما يكره
(8) عاضياً:. مغرقاً ( مختار الصحاح/184) مادة ع ض ا
(9) الإمامة والسياسة(1/113)
--- (1/360)
صفحة 360
وإذ ذاك قرروا الاجتماع بدومة الجندل ليكون المحل، بعيد عن الكُّلِّ، و قال الأحنف بن قيس لعلي بن أبي طالب:. " يا أمير المؤمنين إن أبا موسى رجل يماني، و قومه مع معاوية، فابعثني معه، فوالله لا يَحِلُّ لك عقدة إلا عقدت [280] لك أخرى أشد منها، فإن قلت:. إني لست من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله و سلم - فابعث ابن عباس و ابعثني معه " (1) و هذا كلامٌ دالٌ على أنهم متوقعون الغدر من عمرو بن العاص، و هم متطلعون على النوايا، و يحاذرونها، و قد بذلوا نصحهم لعلي بن أبي طالب في صددهم، و لكن الرجل كان مُغْتَراً بما يظنه أنه لا يقبل المسلمون غيره، و كان هذا الغرور ملازم له منذ وفاة النبي - صلى الله عليه و آله وسلم - كما ذكرناه، و لم ينتبه أن للناس سوءاً ضده، و اعتذر علي في المقام لهؤلاء الرجال الأبطال قائلا : " إِنَّ الأنصار و القرَّاء أتوني بأبي موسى، فقالوا ابعث هذا فقد رضيناه و لا نريد سواه " و إِنَّ عذره واهٍ أوهن من بيت العنكبوت، هنا تتجلى حيرة علي، و اضطراب سياسته.
و لما تَقَرَّرَ هذا الأمر و جئ ب (1/361)
صفحة 361
الكاتب قال له علي : " اكتب.. بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، و معاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية : علام قاتلناك إذا كنت أمير المؤمنين؟، اكتب:. علي بن أبي طالب، فقال الأشعث : اطرح هذا الاسم فإنه لا يَضُّرَّك، فَضَحَكَ عليٌ، ثم قال : دعاني رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يوم الحديبية حين صده المشركون عن مكة، فقال:. يا علي اكتب هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله و مشركو قريش، فقال سهيل بن عمرو : لقد ظلمناك إذا يا محمد إن قاتلناك و أنت رسول الله، و لكن [281] اكتب اسمك و اسم أبيك، فقال - صلى الله عليه و آله وسلم - : اكتب محمد بن عبدالله، و إني رسول الله. و كنت إذا أمرني رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - بشيء أسرعت، و إذا قال مشركو قريش أبطأت به، و إذا كتبت شيئاً قال نبي الله : " امْحُهَا " أي تلك الكتابة، فتعاظمني ذلك - أي رأيت ذلك عظيما - و شق ذلك علي، فدعا بمقراض فقرضه.
و كتب:. " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان " فكان المقراض فالاً لانقراض الأمر من يده، وقد رَضِيَ بانسلاخه من إمامته بين الجمهور.
"فقال أبو الأعور : أو معاوية وعلي، وقال الأشعث لا لعمر الله، لكن نبدأ بأولهما هجرةً و إيماناً، و أدنهما من الغلبة " فكان نسج المكر في المقام ظاهراً، و علي يتابع وينقاد مقلداً لظنه أنهم لا يريدون غيري، و يرى المكر و الخدائع تمشي أمامه، و ما يقوله الأشعث يتبعه الإمام. (1/362)
صفحة 362
هنا قال معاوية حين رأى صوته يعلو الأصوات و عَلَمَهُ فوق الأعلام:. " قدموا أو أخروا " أي افعلوا، فإن هذا هو مقصدي، حينئذ تقاضوا على أن علياً و من معه من أهل العراق، و معاوية و من معه من أهل الشام، أننا ننزل عند حكم الله وكتابه، من فاتحته إلى خاتمته، ما أحيا القرآن أحييناه، و ما أمات القرآن أمتناه، و ما لم يجد عبدالله بن قيس، وعمرو بن عاص في القرآن حكما بما يجدان في السنة العادلة، غير المغرقة، وعلى عليٍّ و معاوية، و تبيعتهما وضع السلاح [282] إلى انقضاء هذه المدة، و هي من رمضان- إلى رمضان أي سنة كاملة هذا تحديدها-، و على أن عبدالله بن قيس و عمرو بن العاص آمنان على دمائهما، و أموالهما، و حريمها، و الأمة على ذلك أنصار، و عليهما مثل الذي أخذا أن يقضيا بما في كتاب الله تعالى " (2).
فانظروا معاشر المسلمين الهوة التي وقع فيها الإمام، أولاً : رَضِيَ أن يحاكم الباغي عليه و على المسلمين، و هو الإمام بإجماع المسلمين لا بالميراث، و لا بالقهر و الجبروت، فعلى أي شيء تحاكمه؟!، و إذا كان غير باغٍ في نظر المسلمين فعلى أي شيء تقاتله ؟!. (1/363)
صفحة 363
وإذا كان باغياً عليك و على المسلمين فعلى أي شيء تحاكمه ؟، و قد حَكَمَ الله عز و جل في الباغي أن يقاتل حتى يفيء إلى أمر الله عَزَّ وعلا، فأي حكم تريد بعد حكم الله عز شأنه ؟، و أي حكم يراه عمرو و أبو موسى بعد حكم الله تعالى ؟، وهل قاتلتهم أنت في الجمل وصفين إلا على البغي ؟، فمالك اليوم ترجع على العقب ؟، و تترك إمامتك التي قلدك الله إياها يتلاعب بها الحكمان يوليانك أو يعزلانك؟!، و قد عزلاك فمالك تغضب على العزل، و قد رضيت به أمس، و أعطيت عليه عهد الله و ميثاقه، ما هذه الأمور التي تتناقض من أصلها، و مالك تجعل معاوية في الإمامة نظيرك ؟، و لم تسبق أبداً له إمامه، كيف هذا ؟، وترى قائدك الأشعث يهددك و أنت كأنك أصم عما يقول؟، أين غاب عنك ذو الفقار الذي كنت تقطع به الهامات ؟! إنها أمور غريبة أوقعك أهل السوء فيها!، و لم [283] تنتبه!.
وكانت تلك الشروط التي قرروها لا وجه لها، وقد صَحَّ أَنَّ المرء في المحنة عَيٌّ، و إلا فما بال علي ذلك الإمام العَلَمُ الهاشمي المحنك يتلاعب به مثل هؤلاء، الذين هم دونه بمسافات في كل شيء، و قد بلغ معاوية من علي مراده، و تدهور بناء علي من أساسه، و أصبح ألعوبة في يد أناس يتصرفون فيه، و في إمامته كما شاءوا، إلى أن قطعوا أجنحته تماماً بقتل النهروانيين، الذين أنكروا الحكومة، و لم يرضوا بها، و رأوها ضلالاً، و راجعوا إمامهم فيها،و لم يجدوا منه إلا إعراضاً عن كلامهم،و رفضاً لمقالهم، و المأخوذ غافل، و الله المستعان.
و إليك ما حكاه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة قال بعد أن ذكر الشروط التي هي:. " الحكم بما في كتاب الله، و إلَّا فَبِمَا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - "، كأنَّ حكم هذه القضية لم ينزل في القرآن، و قد نزل، و عملوا به في الجمل و صفين، و ها هو اليوم يُلتمس. (1/364)
صفحة 364
قال:. " و عليهما أن لا يؤخرا أمرهما إلى ما يتجاوز هذه المدة، فإن أحبا أن يقولا قبل انقضاءها فلهما أن يقولا عن تراضٍ منها، على أن يرجع أهل العراق، إلى العراق و أهل الشام إلى الشام، فيكون الاجتماع إلى دومة الجندل، فإن رضيا أن يجتمعا بغيرها فلهما ذلك، و لهما أن لا يحضرهما إلا من أحبَّا، و لا يشهدا إلا من أرادا، و هؤلاء النفر من أهل العراق و أهل الشام ضامنون بالوفاء إلى هذه المدة، فكتب أهل العراق بهذا كتاباً لأهل الشام، و كتب أهل الشام بهذا كتاباً لأهل العراق [284] بخط عمرو بن عبادة كاتب معاوية، و شهد شهود أهل الشام على أهل العراق، كما شهد شهود أهل العراق على أهل الشام " قلت : ذلك لتوثيق الرباط، و إحكام الحيلة المنسوجة، ويتم النجاح من جميع جهاته في صالح معاوية.
==================================
(1) المرجع السابق (1/114)
(2) المرجع السابق (1/ 144-115)
--- (1/365)
صفحة 365
قال: " فلما كتب الكتابان أقبل رجل من بني يشكر على فرس له أبلق، حتى وقف على مكان بين الصفين فقال : يا عليٌّ أكفر بعد إسلام ؟، و نقض بعد توكيد ؟، و ردة بعد معرفة ؟ أنا بريء من صحيفتيكما، و ممن أَقَرَّ بها بريء، ثم حمل على أصحاب معاوية فطعن فيهم، حتى إذا عطش أتى عسكر علي فاستسقى فسقي، ثم حمل على عسكر علي فطعن فيهم، حتى إذا عطش أتى عسكر معاوية فاستسقى فسقي" (1) و ذلك أَنَّه رأى أن كلا الجانبين على غير هدى من الله، و لذلك أعلن البراءة من أصحاب الصحيفتين و ممن أقر بهما، و كان بدأ بعلي إذ قال له : يا علي أكفر بعد إيمان ؟، أي أتكفرون بعدما آمنتم، و نقض للأيمان بعد توكيده كل هذه المدة، و ردة بعد معرفة ؟ أي عرفتم ما وجب لكم و عليكم فما لكم تفعلون خلاف الحق ؟ وقد أدى هذا الشكري واجبه لله غير محاب ولا مداهن و هو حجة على علي فيما فعل.
وقال شريح بن هاني لأبي موسى يُحًذِّرُهُ :" إِنَّك قد نُصِّبْتَ لأمر عظيم لا يُجبر صدعه، و لا تستقال فلتته، و مهما تقل من شيء لك أو عليك يثبت حقه و يزيل باطله "، و في نهج البلاغة " يثبت حقه و يرى صحته و إن كان باطلا"، "إنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكها معاوية، و لا بأس بأهل الشام إن ملكها علي، فانظر في [285] ذلك نظر من يعرف هذا الأمر حقاً " (2) اهـ.
و لقد صَرَّحَ بعدما لَوَّحَ، ثم قال له الأحنف بن قيس : " يا أبا موسى اعرف خَطْبَ هذا الأمر، و اعلم أَنَّ له ما بعده، و أنك إن ضَيَّعْتَ العراق، فلا عِرَاقَ لك، فاتق الله "، قلت : لقد ضيعها مَنْ وافق على التحكيم، حيث جعل لمعاوية هذه المدة التي يستطيع أن يتقوى فيها مادياً و معنوياً، فيستميل قلوب الذين يتشوفون إلى الدنيا و هم الأكثر، و الذين لا يفقهون الحقائق، و لا يدركون الغوائل. (1/366)
صفحة 366
ثم قال له:. " إنك تجمع بذلك دنيا و أخرى "، قلت : و أين أبو موسى من ذلك الداهية العظيم، يحمله تحت إبطه و لا يدري!! .
قال:. " و إذا لقيت عمرو غداً فلا تبادره بالسلام، فليس من أهله "، أي لا تبتدئه تجليلاً فليس هو بأهل لأن يجلل، لكن أين عقل أبي موسى بالنسبة إلى عمرو بن العاص!، و هو يماني!، و قد شُهِرَ أهل اليمن بخفة العقول و رقتها!!.
قال:. " ولا تعطه يدك، فإنها أمانة، و إياك أن يقعدك على صدر الفراش، فإنها خدعة " قال:. " و لا تلقه إلا وحده " أي لأن من معه يشهد على ما يقع بينكما من حوار فيثبت عليك حجة.
قال:. " و إيَّاك أن يُكَلِّمَكَ في بيتٍ فيه مخدع يخبأ لك فيه رجالاً، و إن لم يستقم لك عمرو على الرضا بعلي، فخيره أن يختار أهل العراق من قريش أهل الشام من شاءوا، فإنهم إن يولوا الخيار يختاروا من يريدون، فإن أبى فليختر أهل الشام من قريش أهل العراق من شاءوا، فإن فعلوا كان الأمر بينناً " (3) هذه سياسة سيد تميم، وإنها لبالغة لو صادفت قَبُولاً.[286]
وقال معاوية لعمرو بن العاص:. " إن أهل العراق أكرهوا علياً على أبي موسى "، فيه أن علياً ما كان راضياً بأبي موسى و لكن أُكْرِهَ عليه، أي أكرهه عليه الذين لهم أغراض سيئة في علي بن أبي طالب و قد عرفتهم.
قال معاوية:. " أما أنا وأهل الشام فقد رضينا بك "، قلت : نعم لقد رضوا بعمرو إذ كانت العملية على الأمور الدنيوية.
و العجب كل العجب إِنَّ أصل الخلاف الذي دخل به معاوية على المسلمين هو الطلب بدم عثمان، ثم انقلب هنا بشأن الخلافة، و أصبح الميزان يزن قدر علي و معاوية، و لم تكن بينهما نسبة في الأصل، فأصبح معاوية يقسم المسلمين شطرين، فيرجح شطره، ويقضي على الإمام بما له من دهاء ومكر. (1/367)
صفحة 367
قال معاوية لعمرو : " و أرجوا في دفع هذه الحرب خصالاً : قوة لأهل الشام، وفرقة لأهل العراق "، و هذا من أعظم الفجور، حيث يرجوا معاوية فرقت المسلمين لصالح دنياه، والقاعدة أن المؤمن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه.
قال:. " و إمداداً لأهل اليمن " أي حيث منهم أبو موسى يريد أن يخدعهم بمعسول الكلام.
قال:. " وقد ضُمَّ إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأي "، أي عنده كلام طويل لكن لا فائدة فيه، و لا ثمرة له، فكان كما قال معاوية.
:." فدعه يقل فإذا هو قال فاصمت " أي قدمه في الكلام، فتخدعه بذلك أي حيث يراك تجلله يسلس قيادة لك.
قال:. " و اعلم أن حسن الرأي زيادة في العقل، إن خَوَّفَكَ العراق فَخوَّفْهُ بالشام، و إن خَوَّفَكَ مصر فَخَوَّفْهُ باليمن، و إن خَوَّفْكَ علياً فَخَوَّفْهُ بمعاوية " (4).
قال عمرو:. " يا أمير المؤمنين، أقلل الاهتمام [287] بما قبلي، و أرج الله فيما وجهتني له "، أي لا تهتم من قبلي فإني أدرى منك بهذه الأحوال، و هل مكيدة رفع المصاحف إلا منه، فكان السبب الوحيد لفشل علي و تأييد معاوية، و كما تراه يخاطبه بأمير المؤمنين في هذا الحال. (1/368)
صفحة 368
قال عمرو لمعاوية : " إنك من أمرك على مثل حد السيف " فكان يخوفه و يُقْلِقُهُ لتعظم مِنَّتَهُ عليه، ثم قال له:. " لم تنل في حربك ما رجوت، ولن تأمن ما خفت "، ففي هذا تأنيب لمعاوية، وغرس لشجر الامتنان الذي يغرسه عمرو الآن لمعاوية، " ثم قال له:. " ونحن نرجوا أن يصنع الله لك خيراً " ثم دَقَّهُ أيضا دَقاً آخر ليلين من صفاته، و يهز من كيانه، فقال:. " وقد ذكرت لأبي موسى ديناً، و إِنَّ الدِّين منصور، أرأيت إن ذكر علياً، و جاءنا بالإسلام، و الهجر و اجتماع الناس عليه ما أقول ؟ " و فيه الإعتراف بأن إمامة علي أجمع المسلمون عليها، و عَيَّرَهُ بالإسلام والهجرة، فعند هذا لم يجد معاوية جواباً لعمرو يقوله في مقابلة تلك الخصال، فقال له:. " قل ما تريد وترى ".
قال " فانصرف عمرو إلى منزله، فقال لأصحابه : هل ترون ما أراد معاوية من تصغير أبي موسى؟، قالوا : لا، قال : عرف أني خادعه غداً."
وقام كل فريق يُحَرِّضَ صاحبه لتكون له الغلبة على الدُّنْيَا، ومنهم شرحبيل بن الصمت يحرض عمرو بن العاص، و تهافت الناس على هذا حين تحققوا الأمر أنه لا بد منه، و أيقنوا أن الأمر زائل عن علي، و قرائن الأحوال تعبر عن ذلك، فكان [288] الأمر كم توقعه الناس، وسوف ترى تحقيق ذلك.
==============================
(1) المرجع السابق (1/115)
(2) المرجع السابق (1/115)
(3) الإمامة والسياسة (1/116)
(4) المرجع السابق (1/116)
--- (1/369)
صفحة 369
اجتماع الحكمين لإنهاء قضيتهما
تَوَجَّهَ أبو موسى إلى دومة الجندل و معه أفراد من الناس، وسار عمرو بن العاص معه جند من قومه يكفي لتنفيذ الخطة التي يسعى إليها، وهذه أول الأحوال المخالفة للموضوع، لو كان أبو موسى ممن له الدراية في مثل هذه الأمور، و لكنه لأمر ما أريد، و رَضِيَ عليٌ أن يسمع ما يقول الحكمان يعزلانه أو يوليانه، و رضخ على ذلك ليحييا ما أحيا القرآن!!، و يميتا ما أمات القرآن!!، و هل القرآن إلا سواد على ورق؟!، إنما تحي ذلك و تميته سيوف المسلمين!، و قد أخبرك القرآن عما تفعل!، فهل فعلت ؟، أم تنتظر أن يفعل لك المسلمون الذين توغَّرت قلوبهم و تألمت أذهانهم مما وافقت عليه؟!، و ذو الفقار في يدك!، ما تنتظر إلا انتصار عدوك و رفضك!! .
ولما حضر الحكماي بدومة الجندل، وهو مكان منعزل عن بيئة الطرفين، وحضر من حضر من العرب يستمعون قول الحكمين، وماذا يفعلان في شيء حكم فيه القرآن، و نفذ حكمه على الأعيان من بني الإنسان، و نَصَّ عليه سيد آل عدنان، "و لما التقيا استقبل عمرو أبا موسى، فأعطاه يده، و ضم عمرو أبا موسى إلى صدره خداعاً و مكراً، يصطاد به الرجل اليماني.
ثم قال :. " يا أخي قَبَّحَ اللهُ أَمْراً فَرَّقَ بيننا "، ثم أقعد أبا موسى على صدر الفراش، و أقبل عليه بوجهه"، و كانت هذه الأحوال هي التي نبَّهه [289] عليها الأحنف بن قيس، فلم ينتبه، و كأن الأحنف يقرأها من صحيفة وجه عمرو، و الأحنف من دهاة العرب. (1/370)
صفحة 370
وما زال عمرو يفعل بأبي موسى هكذا،" و ما زالا يلتقيان على هذا الحال، و بقي الناس منتظرين أمر الرجلين حتى ملوا، و حتى اطمئن أبو موسى إلى عمرو، و سكنت إليه نفسه، و كان أبو موسى عند عمرو آلة يقلِّبها كيف شاء، حتى إذا رأى التمكن منه، و الاطمئنان إليه، و أقبل الأشعث بن قيس، و كان مِنْ أحرص الناس على إتمام الصلح، و الراحة من الحرب، فقال : " يا هذان، إنَّا قد كَرِهْنَا الحرب فلا تَرَّدَهَا إلينا، فإنها مُرَّة الرضاع و الفطام، فَكُفَّاهَا بما شئتما "، و كلا فريقين في همة استقبال شر، و أقبل سعيد بن قيس، و كان من أصحاب علي بن أبي طالب فقال : " أيها الرجلان، إني أراكما أبطأتما بهذا الأمر، حتى أيس القوم منكما، فإن كنتما اجتمعتما على خير فأظهراه للناس، نسمعه و نشهد عليه، و إن كنتما لم تجتمعا رجعنا إلى الحرب ".
ولما رأى عمرو الفرصة متواتية غدا إلى أبي موسى فقال له : " يا أبى موسى قد عَرِفَتَ حال معاوية في قريش، و شرفه في بني عبد مناف، و إنه ابن هند، و ابن أبي سفيان، فما ترى ؟ " و كان هذا أَوَّلُ شيء فتح به باب الضَّالة المنشودة.
فقال أبو موسى : " أما معاوية فليس بأشرف في قريش من علي!، و لو كان هذا الأمر على شرف الجاهلية كان أخوال ذي أصبح " (1) [290] و في رواية " لو كان الشرف حجة في هذا الأمر لكان أحق الناس بهذا الأمر أَبْرَهَة بن الصباح، و لكني أرى وترى "، و كان هذا كلاماً حازماً تلاقَّهُ عمرو من أبي موسى، و باعده به أبو موسى.
ثم غدا عليه بعد ذلك فقال : " يا أبى موسى إن قال قائل إن معاوية من الطلقاء، و إن أباه رأس الأحزاب، لم يبايعه المهاجرون والأنصار فقد صَدَقَ، و إذا قال إن علياً آوى قتلة عثمان، و قتل أنصاره يوم الجمل، و برز على أهل الشام بصفين فقد صدق، وفينا وفيكم بقية. (1/371)
صفحة 371
و إن عادت الحرب ذهب ما بقي، فهل لك أن تخلعهما جميعاً، و تجعل الأمر لعبد الله بن عمر بن الخطاب، فقد صَحَبَ رسول الله - صلى الله عليه وآله و سلم - و لم يبسط في هذه الحرب لساناً و لا يداً، و قد علمت من هو في فضله، و زهده و ورعه و علمه".
فقال أبو موسى : " جزاك الله بنصيحتك خيراً "، و كان أبو موسى لا يعدل بعبدالله بن عمر أحداً " (2).
فجاءه من حيث يحب ليلين عريكته لمكان عبدالله بن عمر من رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - و مكانه من أبيه، لفضل عبدالله في نفسه، ثم افترقا على ذلك.
وهنا أقام خديعته ممهداً لها تمهيداً تاماً، حيث وافق أبو موسى على استخلاف عبدالله بن عمر، و ما بَقِيَ إلا النداء بخلع الرجلين معاوية وعلي، و اجتمع رأي الحكمين على ذلك.
" ثم إِنَّ عمراً غدا على أبي موسى بالغد، و معه جماعة كشهود بينهما، يَطَّلِعُونَ على ما يقال وما يكتب، و لما اجتمعا قال عمرو لأبي موسى : " ناشدتك الله من أحق بهذا الأمر، من أوفى، أو من غدر ؟ " قال أبو موسى : " من أوفى، " [291]، قال عمرو : " يا أبا موسى نشدتك الله تعالى:. ما تقول في عثمان ؟ "، قال أبو موسى : " قتل مظلوماً "، قال عمرو : " فما الحكم فيمن قتل ؟ " قال أبو موسى : " يقتل بكتاب الله تعالى " قال : " فمن يقتله؟، " قال : " أولياء عثمان "، قال : " فإِنَّ الله يقول في كتابه العزيز : " وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا " (3)، قال : " فهل تعلم أن معاوية من أولياء عثمان ؟ "، قال : " نعم "، قال عمرو للقوم الحاضرين معهما : " اشهدوا "، قال أبو موسى للقوم : " اشهدوا " فَشَهِدَ القوم على مقالهما. (1/372)
صفحة 372
فانظر في دهاء عمرو بن العاص و غباوة أبي موسى، حيث أخرجه عمرو عن الموضوع الذي هما بصدده، و ألزمه ما لم يلزمه، فإنه ألزمه دم عثمان، فاعترف أبو موسى به ظلماً، فقد ظلم أبو موسى الصحابة كلهم، و فيهم علي بن أبي طالب و آل علي، حيث إِنَّ الصحابة اشتركوا في قتل عثمان، أكثر من مئة ألف رجل، إذ منهم القاتل، و منهم الآمر، ومنهم الراضي، وبهذا أصح أبو موسى عمرو بن العاص في القضية.
ثم قال أبو موسى لعمرو : " قم يا عمرو وصرح بما اجتمع عليه رأينا، و ما اتفقنا عليه "، فقال عمرو- و هو الداهية الدهياء- : " سبحان الله أقوم قبلك وقد قَدَّمَكَ الله تعالى قبلي في الإيمان و الهجرة، و أنت وافد أهل اليمن إلى رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم -، و وافد رسول الله - صلى الله عليه و سلم - إليهم، و بك هداهم الله و عرفهم شرائع دينه، و سنة نبيه - صلى الله عليه و آله وسلم -، و صاحب مغانم أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، و لكن قم أنت [292] فقل ثم أقوم فأقول " (3).
فقام أبو موسى مسروراً بتلك الإشادة التي سَحَرَهُ بها عمرو، وقد خَبَّأ تحتها دسيسته المقصودة بالذات.
فقام أبو موسى بيمانيته !! فحمد الله و أثنى عليه ثم قال : " أيها الناس إن خير الناس للناس خيرهم لنفسه، و إني لا أملك ديني بصلاح غيري، إن هذه الفتنة قد أكلت العرب، و إني رأيت و عمراً أن نخلع علياً و معاوية، و نجعلها - أي الإمارة - لعبدالله بن عمرو فإنه لم يبسط في هذه الحرب يداً و لا لساناً ".
====================================
(1) المرجع السابق (1/117)
(2) المرجع السابق (1/118)
(3) الإسراء :33
(4) الإمامة والسياسة (1/118)
--- (1/373)
صفحة 373
ثم قام عمرو و كان قد هيأ قنبلته الكبرى! فقال :" أيها الناس هذا أبو موسى، و هو شيخ المسلمين قَدَماً، و هو حَكَمُ أهل العراق، و من لا يبيع الدين بالدنيا، و قد خلع عليا و أنا أثبت معاوية " و في رواية " وقد خلعته كما خلعه و أثبت معاوية " (1).
فاعجب أيها العاقل من هذا الحال الذي يقع بين صفوة المسلمين، وهم من يعلم كل أحد مقامهم، إن معاوية لم يكن في حال إماماً مقارناً لعلي بن أبي طالب في إمامته، و كيف تثبت إمامة رجل لم يجتمع أهل الحل والعقد عليه، و تبطل إمامة من اجتمعت على إمامته الأمة الراشدة !!!!
فأين العقول ذهبت ؟!، و علي في بيته تحت نظر هذين الرجلين يوليانه أو يوليان غيره، و لو وافق عمرو بن العاص لأبي موسى لكانا وليا عبدالله بن عمر، فماذا يقول علي وقد رضي بحكمها، و هل له بعد هذا الحال أن يقول إنه باقٍ على إمامته.
إِنَّها و أيم الله لمزلات عظيمة، ثم كانت الطامة الكبرى في قتال الأبرياء الذين فَرُّوا بدينهم.
عند هذا الحال قال أبو موسى لعمرو بن العاص : " ما لك؟ عليك [293] لعنة الله! ما أنت إلا كمثل الكلب تلهث. " فقال عمرو بن العاص :" لكنك مثل الحمار يحمل أسفاراً " و تَسَابَّا بهذا الكلام الجافي الذي لا يرضى أن يقوله شِرَارُ النَّاسِ. (1/374)
صفحة 374
قال الناقل للقضية مِنْ قَوْمِنَا : " و اختلط الناس، فقال بعضهم وهو سعد بن نصر الهمداني : " و الله لو اجتمعنا على الهدى ما زدتمانا على ما نحن عليه الآن، و ما ضلالكما بلازمٍ لنا، و ما رجعتما إلا بما بدأتما به، " و لبعضهم:. " و الله لو اجتمعنا على هذا ما حوَّلتمانا عما نحن عليه قبل أن يقع، و ما أمات قولكما حقاً و لا أحيا باطلاً، و إنا اليوم علاما كنا عليه أمس، و لقد كنا ننظر إلى هذا قبل أن يقع" (2)، أي نحن متوقعون لهذا منكما، فهو يتهمهما معاً على تواط لهذا، كما اتهمهما الهمداني سعد بن نصر حيث قال :" و ما رجعتما إلا بما بدأتما به "، و قول الأخر:. " و ما صلحكما بلازمنا "، يشير إلى ما عليه الفريق الآخر الذي لم يرض هذا الصلح ولا يراه صلحاً، بل يراه فساداً، و هم الذين تجمعوا بالنهروان - رحمهم الله و رضي عنهم -.
و بعدما تشاتم أبو موسى و عمرو بن العاص تَفَرَّقَ المجتمع على أسوء الأحوال، و انصرف عمرو بن العاص إلى معاوية، و هَرَبَ أبو موسى إلى مكة لاجئاً إليها، لا يرى مقابلة علي بن أبي طالب، فزادت تهمة الناس لأبي موسى بذلك، حيث لم يرجع إلى إمامه فيخبره بما صار، و إنه وقع ما وقع مَكْراً و خداعاً، فيكون في جيش الإمام، و لم يخاطب علي بن أبي طالب رجال الحقِّ من قومه ويعرف رأيهم في القضية، ويعتمد على ما يرون، و هل إمامته باقية أو مُنْحَلَّةٌ لأَنَّ الإمامة [294] ليست شيئا موروثاً بل هي من حقوق خيار الأمة، وهم الناظرون في مصالح العامة لأنه الحجة في الدِّين. (1/375)
صفحة 375
وفي كلام الحسن بن علي بن أبي طالب عند من يفهم معاني الكلام (3)، إذ تَكَلَّم في الحكمين، و ذكر أن أبا موسى أراد أن يولي عبدالله بن عمر، و لو كانت إمامة علي باقية لاحتج أبو موسى على عمرو بن العاص ببقائها، و لم يسعه أن يولي عبدالله بن عمر، ولكن صَحَّ أَنَّ لا إمامة لعلي باقية، فيجوز أن يولي الإمامة من هو أهل لها من رجال الإسلام، و لو فرضنا أنها لا تكون إلا في قريش لكان في قريش كثيرون، إذا اتفق عليهم المسلمون.
ثم لو كان لعلي بن أبي طالب إمامة باقية لقام الحاضرون معهم على أبي موسى، و عمرو بن العاص، و احتجوا عليهما ببقائها، ثم لو كانت إمامته باقية لقام المسلمون معه من أنحاء بلاد الإسلام محتجين له بذلك، و لا يسعهم إلا القيام، وترك الحقِّ ضلالٌ، و حاشا الأمة الإسلامية أن تجتمع على ضلال أبداً بشهادة نبيها - عليه الصلاة والسلام -.
وكان الحسن يعترف بأن الإمامة حجتها المسلمون فيمن يرضون إذ قال يذكر عبدالله بن عمر بقوله :" ولم يجتمع عليه المهاجرون و الأنصار " (4) فاعترف بأن اجتماع المسلمين شرط في صحة الإمامة.
ويَدُلَّكَ عليه أيضاً قضية الشورى فإِنَّ عمر بن الخطاب - رحمه الله- جعلها إلى من هم الحجة في المسلمين، وكانوا ستة نفر، و لم يقل إن علي بن أبي طالب أحق بها من غيره، كما يقول المتنطعون، و لا احتج علي بذلك فيما علمنا، و لو كانت له لم يَرْضَ المسلمون إخراجها عنه، و لو رضوا لكانوا اجتمعوا على ضلال و هو محال، و لكن لا يستغرب [295] اختلاق الأمور ممن يدعي أن علي بن أبي طالب رب أو شريك في النبوة باسم الوصاية، أو أنه المرسول إليه بالنبوة فخان الرسول فألقها إلى محمد - صلى الله عليه وآله وسلم -!!!. (1/376)
صفحة 376
و لما بلغ الأمر الداهية الأموي، كتب إلى أبي موسى وهو إذ ذاك بمكة يقول له : " أما بعد، فَاكْرَهْ من أهل العراق ما كَرِهُوا مِنْكَ، و أَقْبِلْ إلى الشام فإني خيرٌ لك من علي، والسلام " (5).
فأجابه أبو موسى:. " أَمَّا بعدُ: فإِنَّه لم يكن مني في عليٍّ إلَّا ما كان من عمرو فيك، غير أني أردت بما صنعت وجه الله، و أراد عمرو بما صنع ما عندك، و قد كان بيني و بينه شروط عن تراضٍ فلمَّا رجع عمرو رجعت، و أما قولك: إن الحكمين إذا حكما على أمر فليس للمحكوم عليه أن يكون بالخيار ".
و قوله لم يكن مني في علي إلا ما كان من عمرو فيك ليس كذلك، إنما كان من أبي موسى في علي خلعه من الإمامة، ولم يكن معاوية إذ ذاك إماماً، و إنما كان من عمرو في معاوية إثباته إماماً، فشتان بين الأمرين، و قول أبي موسى " إن الخيار في الشاة و البعير لا في أمر هذه الأمة، فليست تساق إلى ما تكره، و لن تذهب بين عجز عاجزٍ و لا كيد كائدٍ " و كأَنه يشير بالعاجز إلى نفسه و بالكائد إلى عمرو، و كذلك قوله:. " و لا خديعة فاجر " فهو يثبت العجز لنفسه، و الكيد، و الفجور، و الخداع لعمرو، و كان هو المبتدئ بلعن عمرو و تمثيله إيَّاه بالكلب يلهث.
و كتب علي بن أبي طالب إلى أبي موسى : " أَمَّا بَعْدُ : إنك امرؤ ضللك الهوى، و استدرجك الغرور، فاستقل الله يقلك عثرتك، فإنه [296] من استقال الله أقاله، إن الله يغفر و لا يغير، و أحب عباده إليه المتقون، و السلام " (6).
فكان في كتاب علي الحكم على أبي موسى بالتضليل و الهوى، أي فيك هوى أضلك عن الهدى، و فيك غروراً استدرجك، فهذا من علي حكم على أبي موسى، فإن كان كذلك تلزم أبا موسى منه التوبة، و إلَّا كان قذفاً من علي فيلزمه ما لزم أبا موسى. (1/377)
صفحة 377
فأجاب أبو موسى علياً : " أَمَّا بَعْدُ : فلولا أني خشيت أن يئول مَنْعُ الجوابِ إلى أعظم مما في نفسك لم أجبك، لأنه ليس عذراً ينفعني، و لا عذراً يمنعني منك، و أما التزامي مَكَّة، فإني استفسرت إلى أهل الشام، و انقطعت من أهل العراق، وأصبت أقواماً صَغَّرُوا من ذنبي ما عَظَّمْتُمْ - أي قالوا له ليس ذنبك أعظم من ذنوب من ولوك أمرهم - قال :" وعَظَّمُوا من حَقِّي ما صَغَّرْتُمْ، فأقمت بين أظهرهم، إذ لم يكن لي منكم ولي و لا نصير، والسلام " (7) فكأنه ينفي ولايته لهم، أو وليتهم له، و كلا الجانبين كبير، وقد صَدَقَ مَنْ قال إذا أقبلت الفتن قَلَّ مَنْ يهتدي للحقِّ فيها.
=================================
(1) المرجع السابق (1/118)
(2) المرجع السابق (1/118)
(3) المرجع السابق (1/119)
(4) المرجع السابق (1/119)
(5) المرجع السابق (1/120)
(6) الإمامة والسياسة (1/120)
(7) المرجع السابق (1/121)
--- (1/378)
صفحة 378
الإيقاع بأهل النهروان - رحمهم الله -
لما تَفَرَّقَ المجتمع من دَوْمَةِ الجندل، و ذهب عمرو بن العاص إلى أميره ظافراً، و هرب أبو موسى إلى مكة خائفاً من علي بن أبي طالب على ما صدر منه، مُتَهَمٌ بأنه مواطئ لعمرو بن العاص في الباطن كما يشير إلى ذلك كلام علي إذ قال في كتابه إلى أبي موسى : " إنك امرء ضللك الهوى، و استدرجك الغرور "، و قوله أيضا في صفحة 144:. " و إنما سار أبو موسى بهدي إلى ضلال، وسار عمرو بضلال إلى هدى، فلما [297] التقيا رجع أبو موسى عن هداه "، و كذلك قوله لعمرو بن العاص لما سئل عن عثمان فقال : " قتل مظلوماً "، و وجه التهمة أن عثمان لما قُتِلَ كان علي بن أبي طالب موجوداً بالمدينة، ولم يدافع عنه، و لو دافع علي عنه لقام المسلمون كلهم معه.
و أقول أيها الإمام إذا كنت تعلم أن أبا موسى سار بهدى، و كان أراد بذلك إثبات الإمامة له إلى ضلال و أنت تعلم ذلك الضلال، فما بالك ترضى لأبي موسى بذلك ؟!، و أنت الإمام الذي نصب لدفع الضلال؟!، ورفع الفساد؟!، و إن زعمت أنك أجبرت على ذلك، و جيشك سبعون ألفا تخرج بهم إلى قتل النهروان بقيادة الأشعث فمن ذا الذي يستطيع أن يعترض عليك و حالك هذا، ولكنَّ القضاء المحتوم لا بد من وقوعه.
خرج أولئك الرجال الذين تقدم ذكرهم وهم عبدالله بن وهب الراسبي، و زيد بن حصن الطائي، و حرقوص بن زهير السعدي، ومن معهم من المؤمنين، و توافوا بالنهروان كما سبق ذلك.
قام علي يُأَنِّبُ أصحابه بقوله :" قد كنت أمرتكم في هذين الرجلين،و في هذه الحكومة بأمري، و لكن أبيتم إلا ما أردتم فاحييا ما أمات القرآن، و أماتا ما أحيا القرآن، و اتبع كل واحد منهما هواه، يحكم بغير حجة و لا سنة ظاهرة ". (1/379)
صفحة 379
قلت : الحجة ظاهرة في قتال الباغي على الإمام، و السنة قائمة عمل بها المسلمون قبل هذا الإمام، فقد قاتل الصديق - رضوان الله عليه - من منع شيء من الزكاة حتى عَنَاقاً أو عِقَالاً، و أَيَّدَهُ الصحابة - رضوان الله عليهم - في ذلك.
قال :" [298] و اختلافا في أمرهما و حكمهما، فكلاهما لم يرشدا لله فبرئ الله منهما و رسوله و صالحوا المؤمنين، فاستعدوا للجهاد.... إلى أخر ما جاء عنه" (1).
وفي صفحة 150 :" أجمع رأي علي على المسير و الناس معه إلى معاوية بصفين، فتجهز معاوية، و لا شك أنه قد أَهَّبَ عُدَّةً كافيةً، واستمال قلوب الناس، و عمل كل ما استطاع، وبالخصوص في التدخل في جيش علي، و بسط الأمان للناس، و خرج فنزل بصفين، و تَجَهَّزَ عليٌ في عسكره، و كأني بظاهر الناس معه و باطنهم عليه، هنا قيل له يا أمير المؤمنين :" إنه قد افترقت منا فرقه فذهبت ".
قال " فكتب إليهم علي : " أَمَّا بَعْدُ :. فإِنَّ هذين الرجلين الخاطئين الحاكمين اللذين ارتضيتم حكمين قد خالفا كتاب الله، و اتبعا هواهما بغير هدى من الله، فلم يعملا بالسنة، و لم ينفذا للقرآن حكماً، فبرئ الله منهما و رسوله و صالحوا المؤمنين، إذا بلغكم كتابنا هذا فأقبلوا إلينا، فإِنَّا سائرون إلى عدونا وعدوكم، ونحن على الأمر الذي كنا عليه، و السلام" (2).
و معناه هو باقٍ على إمامته، و هم يرونه غير إمام، وقد بايعوا عبدالله بن وهب كما ذكرنا سابقاً، و هو هنا يرى أنه باقٍ على إمامته، و نَسِيَ العهد الذي سبق منه متقيداً به على أن الأمر للحكمين يوليان و يعزلان، وهما قد عزلا، و وليا، وتم أمرهما. (1/380)
صفحة 380
و أجابه النهروانيون في هذا الصدد : " إنَّكَ لم تغضب لله، إِنَّما غضبت لنفسك،و الله لا يهدي كيد الخائنين " و المعنى بعدما خلعت نفسك من إمامتك، و عاهدت الله [299] على ذلك، ليس لك أن تَدَّعِيَ الإمامة بعد ذلك، و نحن قد بايعنا غيرك فلا يلزمنا أمرك.
قال " و لما رأى علي كتابهم أيس منهم " (3) أي رأى لهم حجة قائمة يحجونه بها، و هو من أجلة علماء الشريعة، و لكن السياسة لها أقوام غير رجال الفقه.
قال " ورأى أن يَدَعَهُمْ و يمضي بالناس إلى معاوية وأهل الشام فيناجزهم، فقام خطيباً فحمد الله و أثنى عليه، ثم اندفع يذكر أحوال معاوية و من معه، و ذكر إلى أن قال :" و الله لو وَلَوْا عليكم لعملوا فيكم بعمل كسرى و قيصر.... إلخ " (4).
" ثم خرج علي بجيشه فعبر الجسر ثم مضى حتى نزل دير أبي موسى، على شاطئ الفرات ثم أخذ إلى الأنبار " و هنا رأى أنصار معاوية في جيش علي أن هذا الرجل لا بُدَّ له من معاوية نصبوا له مكيدة لا تتركه ينصرف عنها.
وذلك أنهم قضوا على عبدالله بن خباب بن الأرت، و بقروا بطن امرأته هي حبلى، و قتلوا ثلاث نسوة فيهن أم سنان، و جاءوا علياً يقولون هذه أفعال النهروانيين يا أمير المؤمنين، تدع هؤلاء القوم وراءنا يخلفوننا في عيالنا، و أموالنا سِرْ بنا إليهم، فإذا فرغنا منهم نهضنا إلى عدونا من أهل الشام، هذه هي المكيدة الفاجرة التي اختلقت على أولئك البررة الكرام، الذين أفنوا المُخَّ والعظم في رضا الله، و سهروا الليل في عبادة الله عز و جل، و بايعوا لهم إماماً يستخلفون به بدل إمامهم الذي خلع إمامته، و عاهد على ما يرى الحكمان، ثم قام بزعم الإمامة، ثم خلقوا لهؤلاء الرجال النهروانيين أكاذيب، و افتعلوا فيهم الأفاعيل المنكرة، التي لا [300] يحب أجهل الناس سَمَاعَهَا. (1/381)
صفحة 381
و إليك ما تقضي به العجب مما يختلقه الإنسان لأخيه الإنسان المسلم، قال في صحيفة 153 من الإمامة و السياسة قال :" مضى عليٌ إلى الأنبار - و كأنها محل افتراق الطرق - و إِنَّ الخارجة التي خرجت على علي " : يعني أهل النهروان، فقبل كل شيء، متى خرجت على علي هذه الخارجة ؟، و إنما هي خارجة عنه، فارةٌ بدينها، و إنما الخارجة عليه جنود معاوية، خرجت على علي بن أبي طالب، فما لهؤلاء القوم لا يفرقون بين الخارج عليه و الخارج عنه ؟!، كأنما عناهم من قال : " فكن فارق بين دعوى أردت و دعوى فعلت بشأو بعيد ".
إِنَّ هؤلاء القوم يغالطون الحقائق عند من لا يفقه و هم السواد الأعظم، وعلى هذا أشاعوا عليهم خوارج , و عجزوا أن يقولوا بذلك لأصحاب معاوية، حيث يرون السنان أحمر، و الدولة إليه، و إنما قالوا بذلك لهؤلاء الأبرار الذين قضوا عليهم في ضحوة من النهار انتصارا لمعاوية الذين يحاولون أن ينالوا معه مآربهم. (1/382)
صفحة 382
قال: " بينما هم يسيرون - أي أصحاب علي - وإِذَا هُمْ برجل يسوق امرأته على حمارٍ له، فعبروا إليه الفرات، فقالوا له : من أنت ؟ قال : أنا رجل مؤمن، قالوا ما تقول في علي بن أبي طالب، قال : أقول أنه أمير المؤمنين، و أول المسلمين إيماناً بالله و رسوله، قالوا : فما اسمك ؟ قال : أنا عبدالله بن خباب بن الأرت صاحب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقالوا : أفزعناك ؟ قال : نعم، قالوا : لا تخف أو لا روع عليك، حدثنا [301] عن أبيك بحديث سمعه من رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - لعل الله أن ينفعنا به، قال : نعم، حدثني عن رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - أَنَّه قال : " ستكون فتنة بعدي يموت فيها قلب الرجل، كما يموت بدنه، يمسى مؤمناً و يصبح كافراً"، فقالوا : لهذا الحديث سألنك ؟ والله لنقتلنّك قتلة ما قتلناها أحداً !!، فأخذوه وكتفوه ثم أقبلوا به و بامرأتة و هي حبلى مُتِمٌّ، حتى نزلوا تحت نخل، فسقطت رطبة منها فأخذها بعضهم فقذفها في فيه، فقال له أحدهم : بغير حل أو بغير ثمن أكلتها!!، فألقاها مِنْ فِيهِ، ثم اخترط بعضهم سيفه فضرب به خنزيراً لأهل الذمة فقتله، قال له بعض أصحابه : إن هذا من الفساد في الأرض!!!، فلقي الرجل صاحب الخنزير فأرضاه عن خنزيره، فلما رأى عبدالله بن الخباب ذلك قال : لئن كنتم صادقين فيما أرى، ما علي منكم بأس، و والله ما أحدثت في الإسلام حدثاً، و إني لمؤمن، وقد أمنتموني وقلتم لا روع عليك ".
قال:. " فجاءوا به و بامرأته فأضجعوه على شفير النهر على ذلك الخنزير فذبحوه فسال دمه في الماء، ثم أقبلوا على امرأته فقالت : إنما أنا امرأة، أما تتقون الله؟!، قال : فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاث نسوة فيهن أم سنان، قد صحبت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - " (1/383)
صفحة 383
هذه الأفاعيل المزورة على هؤلاء الكرام الأبرار الأطهار، رهبان الليل، أسود النهار، فانظروا أيها الناس ما يقوله أهل السوء في أهل الحقِّ، بحيث يجعلونهم من السباع الضارية، أو من قطاع [302] الطرق، الذين لا دِينَ لهم، و لا إيمان، يصفونهم بالزهادة، وينعتونهم بالعبادة، خرجوا من باطل وقع فيه غيرهم خشية أن يقعوا فيه، وقد بايعوا لهم إماماً من خيار صحابة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، و همتهم إحياء دين الله، و اقتفاء سنة رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم -، وتَجَرَّدُوا لله أنصارا لدينه، يتناولون رجلاً و يذبحونه حيث ذبحوا الخنزير، ثم يتناولون امرأته الحامل فيبقرون بطنها، ثم يذبحون ثلاث نسوة فيهن أم سنان!!.
===============================
(1) المرجع السابق (1/123)
(2) المرجع السابق (1/ 123-124)
(3) المرجع السابق (1/126)
(4) الإمامة والسياسة (1/126-127)
--- (1/384)
صفحة 384
قل لي بالله هل وجدت مثل هذه الأفعولة المنصوصة لبعض لصوص العرب في جاهليتهم ؟؟!، حتى تنسب هذه القضية إلى هؤلاء السادة؟؟، الأجلاء الذين لهم دَوَّيٌ بالليل كدوي النحل بذكر الله بشهادة الإمام علي نفسه، ثم صوروا هجوم علي عليهم تبريراً للدعوى، وترويجاًَ لها في أذهان الأغبياء و أهل البطالة.
و ما دروا أنهم ألصقوا أحدوثة شوهاء بإمامهم رابع الخلفاء و صفوة بني هاشم بعد محمد - صلى الله عليه و سلم -.
حاشا أولئك الكرام عن أقوال اللئام، و حاشا علي أن يكون ذلك صدر منه، و إنما هو من أعداء المسلمين أهل الأهواء الفاسدة، أضافوها مصوغة الإفتراء، مبنية الباطل لتروج، أما علي فأنا أحاشيه و أجله من ذلك، و عندي الذي يؤيده الحق هو ما سبق.
وقرروا لتصويغ القضية أن علياً لما بلغه ذلك، أرسل إليهم الحارث بن مرة لينظر فيما بلغه من قتل عبدالله بن خباب والنسوة و يكتب إليه [303] بالأمر.
فلما انتهى إليهم ليسائلهم خرجوا إليه فقتلوه، فقال الناس : يا أمير المؤمنين تدع هؤلاء القوم وراءنا يخلفوننا في عيالنا و أموالنا، سر بنا إليهم، فإذا فرغنا منهم نهضنا إلى عدونا من أهل الشام.
وهذه أخت الأولى، اللهم إِنْ صَحَّ الواقع من قتل عبدالله بن خباب، وقتل النسوة، و قتل الحارث بن مرة رسول الإمام فهذا هو نفس المكيدة التي ألهبوا بها قلب الإمام ليحمي، ويقوم لقتل هذه العصابة المنظور إليها بأعين الإكبار، التي يخشون ثورتها على معاوية و شامه. (1/385)
صفحة 385
ولا شَكَّ أَنَّ مثل هذه الأفعال متى تقع يستنكرها العقل، ويشمئز منها الذوق، فلما أوقعوا هذه المكيدة يمكن أن الإمام تحرك لخطاب هؤلاء عما يقال و للاحتجاج عليهم إِنْ صَحَّ، و كل غاية القوم توجه الإمام وجهتهم، وقد وقع من أهل السوء أعظم من هذا و هم رسل النبي عليه الصلاة والسلام، ولا تنس قضية رسوله - عليه الصلاة والسلام - إلى ثقيف و ما افتراه، و مثل هذه الأمور وقعت في عهدنا تحت راية إمامنا الخليلي - رحمه الله- فكانت مثل ما ذكرنا عن هؤلاء.
و لكن المستغرب في الأذهان، إلصاق السوء بهؤلاء الكرام، و تعزيز من كان يلعن علياً على المنابر جهاراً على رؤوس الملأ، و يقال فيه " رضي الله عنه ".
إنها لمن الأمور التي تنفطر لها الأكباد!!.
قال:. " ثم سار عليٌ إلى المدائن بِمَنْ مَعَهُ حتى نزلوا المدائن ثم خرج حتى أتى النهروان، فبعث إليهم أن أدفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أكف عنكم و أفارقكم [304] حتى ألقى أهل الشام ".
قال " فبعثوا إليه أن كلنا قتلناهم.... " إلى آخر الأكاذيب المفتعلة.
ثم عاد علي على قومه بتأنيب، و آخر الكلام ينقض أوله، إذ جاء في أوله أن :. " أكرهتموني على التحكيم " (1) و في آخره يقول :." ثم استحللتم قتالنا و الخروج من جماعتنا، أن اختار الناس رجلين " (2) ففي أوله يقول أكرهتموني أي على التحكيم، و هنا يَعْتُبُ عليهم في خروجهم عنه، وعن جماعته بسبب أن الناس اختاروا رجلين، أي هما أبو موسى و عمرو بن العاص، فاعلم أنه لو كانوا هم الذين أكرهوه لقال لهم كيف تخرجون عنا و أنتم الذين حملتمونا على هذا.
قال:. " فعند هذا رجع علي وعبأ جيشه "، قال:. " و أقبلت الخوارج حتى إذا دنو من الناس نادوا لا حكم إلا لله، ثم نادوا الرواح الرواح إلى الجنة ".... إلى أن قال " فلا و الله ما لبثوا فِوَاقاً حتى صرعهم الله كأنما قيل لهم موتوا فماتوا " (3). (1/386)
صفحة 386
قلت : لا غروى بموتهم في جيش عدده سبعون ألفاً يحيط بأربعة آلف آمنين مطمئنين ينتظرون الإمام ليتفاهموا معه في مهمتهم، فلم يروا إلا السيوف على رؤوسهم، فلمَّا قتل المسلمون بالنهروان انحطت شوكة الإمام، و تبعثر بناء الإسلام.
ورأى علي بن أبي طالب نفسه كمن تاه بمضيعة لا يدري أين يذهب، وعاد إلى الكوفة مخذولاً، منهار القوى، مبدد الأفكار، فلم يقدر على حركة إلى الشام، بل و لا إلى غيره، و قام يؤنبهم بالخطب في المجامع، و يحركهم و لا يتحركون، و يستثيرهم و لا يثورون.
و تلك خطبه المشهورة المأثورة فيهم، فلم يقدر [305] على استنهاضهم، ولولا أن المقام يطول بنا لأوردنا تلك الخطب كما هي.
و بالجملة رَجَعَ عليٌ القهقري بعد النهروان، فتبين واضحاً أن كل المقصود القضاء على أهل النهروان، و ذلك لصالح معاوية، و طالح علي، و بذلك أصبح علي يتعاطاه بالقتل أقل الناس، و ماذا ذلك إلا للخذلان الذي لاقاه الإمام بسبب قضية النهروان، وهو الواضح الجلي في نظر الذين لهم أفكار تدرك الغايات.
و مضى عبدالله بن وهب إلى الله قتيلاً في إمامته، و مضى علي بن أبي طالب إلى الله قتيلاً في خلعه، والله المستعان.
وكانت خلافة علي أربع سنيين وتسعة أشهر و الأمر لله.
=========================== (1/387)
صفحة 387
(1) أفخر في هذا المقام إلى أن أشير إلى دراستين رائعتين وهما:. "الخوارج والحقيقة الغائبة للشيخ ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي - حفظه الله- وهي في الأصل رسالة ماجستير من جامعة آل البيت الأردنية والثانية:. "الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات" للباحث علي بن محمد بن عامر الحجري -أكرمه الله- والدراسة الأولى اعتمدت في إثبات الحوادث التاريخية على القرائن لا على دراسة أسانيدها،كأن تتفق كل المصادر على حادثة ما. وأما الدراسة الثانية فقد اعتمدت في إثبات الحوادث التاريخية على دراسة الأسانيد، وقد ناقشت الدراستان معركة النهروان، وتتبعتا قضية مقتل عبدالله بن خباب وامرأته ومقتل النسوة، واليك خلاصة الدراسة الأولى "الخوارج والحقيقة الغائبة" ص409-411
1- الصواب في قضية التحكيم مع معارضي الإمام علي -كرم الله وجهه- وما ينسب إلى ابن عباس انه خصمهم في حروراء غير ثابت.
2-لم يكن أهل النهروان راضيين بمقتل عبدالله بن خباب، بل قتله أحد الذين انظم إليهم فيما بعد وهو مِسْعَر بن فَدَكِيِ التميمي، وقد طرده أهل النهروان.
3- نسبة التكفير إلى أهل النهروان غير ثابتة، وإن ثبتت فيحمل على الكفر بمعنى المعصية كما وردت بذلك نصوص القرآن والسنة النبوية.
4- هذا وقد تجلى للقارئ الكريم أن أهل النهروان ومعارضي التحكيم الذين قيل عنهم ما قيل طوال القرون الغابرة، والذين طالما شوهت حقيقتهم ونالهم من ظلم الفرق الأخرى ومن حيف كثير من المؤرخين والكتَّاب الشيء الكثير،كانوا- في الحقيقة- طلاب حق أصابوه، وإن قيل عنهم غير ذلك، بل كانوا هم أصحاب الرأي الحازم والنظرة النافذة في أعماق الأحداث، وقد جرت الأمور على ما توقعوه، والمتأمل في المجريات التاريخية يتبين له صدق هذه النتيجة. ولا غرابة في ذلك، فقد كانوا من أهل الفضل والعلم، وكان فيهم جملة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم...". (1/388)
صفحة 388
وخلاصة الدراسة الثانية: "الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات" ص295
"والمنهج الإسلامي عرض أحداث التاريخ ودراسة عقائد الأمم منهج سهل واضح المعالم بَيَّنَ المبادئ لا يحيد عنه إلا جاهل متعالم أو عالم متجاهل. والعجب كل العجب من أناس يعتبرون أنفسهم أساتذة للتاريخ الإسلامي وهم يجعلون أخبار النصارى والكذابين والضعفاء عنوانا على الدقة والتثبيت التي اطمأن إليها قلوبهم في وقت يعتبرون فيه أقوال المسلمين المعبرة عن حقيقة فكرهم هراء وزعما وادعاء.
والحقيقة التي لا يماري فيها عاقل هي أن الدقة في البحث تكون اصدق ما تكون عند الكتَّاب حين يعبرون عن حقيقة فكرهم وما تكنه قلوبهم من عقائد فحسب، وأن الأقوال والأحكام الصادرة من الكتَّاب على غيرهم من الناس فليست من الدقة في شيء حتى يتبين صدقها من كذبها.
وبعض الذين كتبوا عن أهل النهروان والإباضية سلكوا مسلكاً صعباً بعيداً عن المنهج الإسلامي وجعلوا من روايات الكذابيين والضعفاء دليلاً ومرشداً للوصول إلى الأحكام الجائرة التي قذفوا بها الأبرياء البررة....
وقد اتخذ بعض الكتَّاب من الروايات المكذوبة والضعيفة أسلحة ظناً منهم أنها لا تقاومها حجج وبراهين الإباضية على براءة أهل النهروان من كل ما نسب إليهم من أعمال يحارب بها الإسلام.
وبعد عرضنا لتلك الروايات التي احتج بها الكتَّاب على أهل النهروان وجدنا أن ما نسب إليهم من مخالفات هي في حقيقة أمرها أباطيل قصد من ترويجها تنفير الناس عن أتباعهم الذين تمسكوا بمبادئهم وساروا على نهجهم...".
(2) الإمامة والسياسة (1/127)
(3) المرجع السابق (1/127-128)
--- (1/389)
صفحة 389
بيان عن الخوارج مَن هم في الإسلام ؟
اعلم أن كلمة الخوارج في الإسلام تتناول أنواعاً من الناس حسب مصطلح أهل الإسلام، فهي في الاعتبار الشرعي ينبغي أن تطلق على الذين خرجوا على الإمام المجمع على إمامته، الصحيح الإمامة الثابت على مذهب أهل الاستقامة، وينطبق هذا في الأوائل على أهل الشام الذين خرجوا على الإمام علي بن أبي طالب، إذ كان إماماً صحيح الإمامة بإجماع من هم الحجة في الدِّين، فقاتلوا المسلمين في صفين، بل لو قيل هم الذين قاتلوه يوم الجمل لكان صحيحاً.
و الذين قتلوا المسلمين يوم النهروان بغياً وعدواناً هم الحقيقون بهذا الاسم ؛ لخروجهم على أئمة الحقِّ بغير موجب.
وأصل الخروج من اللغة معروف، و اشتقاقه واضح على أصل اللغة.
و هو أنواع خروج على الحقِّ، و خروج على الباطل، و خروج عنه.[306]
و أما الذي شاع في التاريخ فهو واقع على أناس مخصوصين عرفوا به، و أطلق عليهم، و هم نافع بن الأزرق، و نجدة بن عامر (1)، و عبدالله بن الصفار (2) و أشياعهم، و كانوا من رجال الإسلام الأشداء في الدِّين، و لهم أرهاط تؤيدهم، و كانت لهم شوكةٌ قويةٌ سيطروا بها على قسمٍ كبيرٍ من العراق، و تولوا أمر البصرة حتى كادوا يرومون الشام، ويحاولون الجزيرة العربية.
و اشتهروا باسم الخوارج حيث خرجوا عن أمر المسلمين، و جاءوا بدعوة لا تَصِحُّ في الدِّين، و لأجلها قلاهم المسلمون وطردوهم من مجالسهم وكانوا بلاءً كبيراً على المسلمين، حيث استحلوا دماء المسلمين وأموالهم بشبهة التأويل، و ليس لهم ذلك إذ لم يكن ذلك من دين المسلمين، و حكموا على مرتكب الكبيرة أنه مشرك، و لا شَكَّ أَنَّ المشرك حلالُ الدمِ و المالِ.
و بذلك استحلوا أموال أهل القبلة، و تجرأوا على الأمة بذلك، و تجاسروا على أهل القبلة بالقتل، وغنم الأموال. (1/390)
صفحة 390
وشبهة تأويلهم في قوله عز و جل : " وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ " (3)، زعموا أَنَّ معنى الآية و إن أطعتموهم في أكل الميتة فأخطئوا في تأويلهم، و الحقُّ أَنَّ معنى الآية عند المسلمين، وإن أطعتموهم في استحلال الميتة، و الاستحلال لما حرم الله شرك بالإجماع، ولما أخطأوا في التأويل لم يقتصروا على مجرد القول أو على مجرد العقيدة، بل تجاوزوا ذلك إلى الفعل، فحكموا على مرتكب المعصية بالشرك، [307] و اعترضوا أهل القبلة بالسيف، قتلاً و نهباً، و غنموا الأطفال و النساء!!، و عظمت بليتهم على المسلمين.
و كان استفحال خطبهم أيام الإمام الربيع بن حبيب صاحب المسند الصحيح، و لما بلغه أمرهم قال للمسلمين : " دَعُوهُمْ حتى يتجاوزوا قولهم هذا إلى الفعل، فإن لم يفعلوا بمقتضى قولهم هذا فالمسلمون في سلامة منهم، و جريمتهم إذا لم تتعد عقيدتهم لا تضر المسلمين، و إذا تجاوزوا ذلك فهم بغاة يجب قتالهم حتى يرجعوا عن بغيهم، و يقلعوا عن دعوتهم، و لا نقول بشركهم، ما داموا يدنون بالله و بالرسالة، و يصلون ويصومون و يزكون و يحجون البيت الحرام، فإذا أنكروا شيئاً مما ثبت من الدين بدليل قطعي فهم مشركون " (4).
هذا مذهب المسلمين فيهم و في أمثالهم ممن يذهب مذهبهم، و يدين دينهم.
و لهذا شاع ذكرهم، و بَقِيَ أُحْدُوثَة المتحدثين.
وقد أرسل الله عليهم المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني أكبر قائد في دولة بني أمية، فعاركهم معارك شهد بها التاريخ، و ارتفع لها صوت داوٍ في العالم، حتى ارتكب في حربهم اختلاق الروايات، و له في حربهم نوادر من الدهاء دونها المؤرخون، و طردهم من البصرة، ورفعها عنهم بين الثريا و الثرى، حتى أطلق عليها بصرة المهلب. (1/391)
صفحة 391
و لما كان هؤلاء الخوراج من جملة المنكرين للتحكيم، و كان الإباضية ينكرون التحكيم خلفاً عن سلفاً أدمج الإباضية في [308] هؤلاء بجامع إنكار التحكيم، و أشيع فيهم ظلماً وعدواناً، أذاعته السياسة الظالمة على خيار أمة الإجابة ؛ لقصد تشويه منهج القوم، أخزى الله من أراد بأهل الحق سوءاً.
و لقد صحت بين الإباضية و هؤلاء الخوارج فوارق عديدة معروفة، ذكرها المؤرخون في كتبهم، يطول بنا ذكرها من أرادها فليرجع إليها.
و فيما نقله العلامة إبراهيم محمد عبد الباقي من علماء الأزهر عن أبي إسحاق أطفيش (5) في تحقيق المقام غنية لمن أراد في 252 من كتابه الموسوم بعلم الحديث.
==========================
(1) نجدة بن عامر الحنفي (36هـ - 69هـ) من بني حنيفة، رأس الفرقة النجدية، نسبة إليه، من الحرورية، من كبار أصحاب الثورات في صدر الإسلام، انفرد عن سائر الخوارج بآراء، كان أول أمره مع نافع بن الأزرق، وفارقه لإحداثه في مذهبه، ثم خرج مستقلاً باليمامة. الأعلام (8/10)
(2) عبدالله بن صفار الصريمي التميمي (ت نحو 60هـ) رئيس الصفرية، من الخوارج، وفي صحة رياسته لعمر خلاف طويل. الأعلام (4/93)
(3)الأنعام : 121
(4)لم أستطع إرجاعه إلى مصدره الأصلي.
(5) إبراهيم بن محمد بن أطفيش (1305 هـ 1886 م/ 1395 هـ - 1965 م) أبو إسحاق، عالم من بني يسجن، وأديب، ولد في قرية بني يسجن بوادي ميزاب، وقرأ الفقه والنحو والتفسير على القطب، ثم انتقل إلى تونس وحضر دروس في جامع الزيتونة، شارك في الحركة الوطنية فأبعده الفرنسيون، له عدة مؤلفات منها: الدعاية إلى سبيل المؤمنين، عصمة الأنبياء.
معجم الأعلام الإباضية(2/44)، الأعلام(1/73)
--- (1/392)
صفحة 392
قال الإمام - رحمه الله- :
[الشرح ]
قوله و في حديث الحوض أراد به ما يسميه بعضهم حديث البقيع، و عند آخرين حديث الغُرُّةِ و التَحَجِيلِ، و هو ما رواه الإمام الربيع بن حبيب - رحمه الله- في المسند الصحيح، و هو قوله - صلى الله عليه و آله وسلم - [309] إذ خرج إلى البقيع، فقال : " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤمِنِينَ، إِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدَدْتُ أَنِّي رَأَيْتُ إِخْوُانِي" قالوا : يا رسول الله ألسنا بإخوانك ؟، قال : " بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَ إِنِّما إِخْوَانِي الَذِينَ يَأَتُونُ مِنُ بَعْدِي، وَ أَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الحَوْضِ " قالوا : يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من إخوانك ؟ قال : أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ في خَيْلٍ دُهْم بُهْمٍ أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟" قالوا : بلى يا رسول الله، قال :" فإِنَّهُمْ يَأَتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ، و أَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الحَوْضِ، و لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ البَعِيرُ الضَّالُّ، فَأُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ، فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ : فَسُحْقاً فَسُحْقاً " (1) رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه و سلم -. (1/393)
صفحة 393
فهذا نَصٌ وَاضِحٌ في أن الناس ليسوا كلهم على الحق المبين، لأن هؤلاء الذين يذادون عن الحوض كما يذاد البعير الضال ظاهرهم من جملة إخوانه صلى الله عليه و آله وسلم؛ لأنهم مسلمون فيناديهم رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - للورود فيحصل لهم من يطردهم عنه ؛ لأنهم أحدثوا أحداثاً استوجبوا بها الطرد، فلذلك يقول لهم- صلى الله عليه و آله وسلم - " فَسُحْقاً فَسُحْقاً "، و المراد به الطرد و البعد، وإن رسول الله - صلى ا لله عليه وسلم - يتبرأ بين يدي الله عز و جل من كل محدث في الدين، فإن الناس شهود على بعضهم البعض، والله شهيد على الكل لا تخفى عليه خافية، و الخلق دليل على الحقِّ:. " سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ " (2).
و لما رأى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - [310] الغرة و التحجيل في هؤلاء الواردين عليه الحوض، و هم يذادون ناداهم مستدلٌ على أنهم من إخوانه بذلك، إذ تلك صفة للمؤمنين رآها فيهم، فظنهم منهم، و إذا هم من أهل الأحداث الذين زاغوا عن طريق الحقِّ، و سلكوا طُرقاً أخرى تَفَرَّقَتْ بهم.
فالأحداث التي عرضت هنا عارضتهم عن الإجابة لرسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم- لذلك لمَّا أخبر عنهم أنهم أحدثوا بعده أحداثاً خالفت مقتضى مفاد غُرْتِهِمْ و تحجيلهم، قال له رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - :" سُحْقاً " أي بُعْداً لهم ؛ لأنَّ الأحداث خصوصاً الباطلة التي لا يقتضيها الدِّين، و لا يقبلها الإيمان ؛ فإنها بِدَعٌ، و كُلُّ بدعةٍ ضلاله، وكل ضلالةٍ في النَّارِ.
و لم يقل لهم رسول الله - صلى عليه و آله وسلم - ألا هلم، بعدما علم أحداثهم، و لا قال لهم : أنا لكم شفيع، و هم من أهل لا إله إلا الله، و لا توجه إلى الله عز و جل فيهم بشيء. (1/394)
صفحة 394
فافهم فإن المقام مقام خطر، يهلك فيه كثير من النَّاس، فإن هؤلاء ممن يقول لا إله إلا الله، و ظهرت لهم الغرَّة و التحجيل التي استدعاهم رسول الله - صلى الله عليه و سلم - من أجلها ظان من الحال الذي رآهم عليه أنهم من أهل الورود للحوض، و إذا هم من الذين لا مقام لهم مع أهل الحق، لذلك قال فيهم : " بُعْداً لَهُمْ "، و لا يقول رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - لمسلم هو من أهل الحق ذلك المقال، و لقد تباعد رسول الله - صلى الله عليه وآله و سلم - منهم ولم يرجع إليهم، و لا ارتضاهم، و لا تشفع لهم، كما تراه واضحاً.
و هكذا تكون أحوال أهل الباطل عند الله، و لا يخفى عليك ذلك بعد اتضاحه جلياً، يدلك أن الرسول الأعظم و النبي الأكرم لا ينظر لأهل الباطل.[311]
لا يقال أَنَّ هؤلاء كفار ؛ لذلك دعا عليهم الرسول- صلى الله عليه و آله وسلم-، فإن الكفار لا يحومون حول حمى الحقِّ، ولا يقربون من المؤمنين، و لا سيما أن للكفار سيما سوء يعرفون بها.
و هؤلاء بخلاف أولئك، فلما علم منهم ما علم ابتعد عنهم بقوله : " فَسُحْقاً فَسُحْقاً "، أي أبعدهم الله من ورود الحوض.
و كذلك أيضا تنص آية المبايعة من سورة الفتح، و هي قوله عز و جل : " إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا" (3)، فقد ذكر الله البيعة، و من يبايع فيوفي، ومن ينكث بعد ذلك فإن نكثه عليه، و من عاهد فنكث فإنما ينكث على نفسه، أي لا يعود نكثه إلا عليه، و ضرر نكثه من عمله يعود وباله على الناكث إجماعاً.
و الآية دليل على وجود من ينكث، و الله يعاقب كل عامل بعمله، و يجزي كل فاعل بفعله. (1/395)
صفحة 395
قال جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - : بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - تحت الشجرة على الموت، و على أن لا نفر، فما نكث منا أحد البيعة إلا جد بن قيس و كان منافقاً، اختبأ تحت إبط بعيره ولم يسر مع القوم (4).
و قرئ " إنما يبايعون لله " (5) أي لأجل الله، و لوجهه تعالى، و قرئ بضم الكاف و كسرها (6).
و لا يخفى أن عقوبة النكث ذكرها الله، فَدَّلَتْ أَنَّ بعض أهل الطاعة لله هم الذين ثبتوا على الحقِّ، وصبروا عليه، و التزموا أمر الله [312] عز و جل.
و الآية دليل على أن لا عصمة لهم من الوقوع في مهاوى الضلالة، و هي أيضاً شاهدة بذلك، و إذا كانت العصمة انتفت عنهم فلا جرم أن الله بالغ أمره، و الآية أيضا دليلٌ على جواز صدور الآثام من العباد، ومن تاب من ذنبه فإن الله يغفره له جميعا، و آيات القرآن شاهدة بذلك منطوقاً ومفهوماً.
==================================
(1) أخرجه الربيع بن حبيب في مسنده، ص37، رقم 43، وأخرجه مسلم في ( 2- كتاب الطهارة 12- باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء) (1/218) رقم 39 (249) وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (6/449)، وأخرجه ابن ماجه في ( 37- كتاب الزهد 36- باب ذكر الحوض) ص628 رقم4306، وأخرجه مالك في الموطأ (2- كتاب الطهارة -6-باب جامع الوضوء) ص28 رقم 28، وأخرجه أحمد في المسند (8/111) رقم 7980، وأخرجه ابن خزيمة (1/6) رقم 6، وأخرجه أبو عوانة ( 1/122) رقم 360، وأخرجه أبو يعلي (11/387) رقم 6502، وأخرجه البغوي في شرح السنة (1/322) رقم 151، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير(23/297) رقم 661،وأخرجه الروياني (2/192) رقم 1022، وأخرجه ابن أبي شيبة (7/455) رقم 37166، وأخرجه البيهقي ( 4/131) رقم 7209.
(2) فصلت : 53.
(3) الفتح: 10 (1/396)
صفحة 396
(4) أخرجه مسلم في (33-كتاب الإمارة 18- باب استحباب مبايعة الإمام الجيشي عند إرادة القتال) (3/1483) رقم 69، وأخرجه الحميدي في مسنده (2/537) رقم 1277، وأخرجه أبو يعلي ( 3/420) رقم 1908.
(5) قراءة تمام بن العباس بن عبد المطلب، انظر معجم القراءات القرآنية (6/203) ومعجم القراءات (9/47).
(6) قراءة زيد بن علي، انظر معجم القراءات القرآنية ( 6/203) ومعجم القراءات (9/47).
--- (1/397)
صفحة 397
ولا ريب فإِنَّ العصمة للنبيين - عليهم الصلاة و السلام - فقط، و إن صدرت منهم المعاصي على غير اختيار فللدليل على عجز البشر، و لا يقرون عليها إجماعاً، و إنما صدروها لحكمة هي ما أشرنا إليه.
و لئلا يظن ظَانٌّ أنهم معصومون عصمة مطلقة، فيصفونهم بصفات الألوهية، و إنما تقع منهم المعاصي على جهة الغفلة، و النسيان كما في آدم - عليه السلام - الآي" فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا " (1).
و قد دَلَّتْ آية المبايعة أيضا على أنه ليس كل المبايعين على الحقِّ، فإن فيهم من ظهر نكثه البيعة، فظهر بذلك نفاقه، ولم يقل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه يشفع لهم، و إنهم كإخوانه في الجنة، بل هددهم القرآن، و نعى إليهم فعلهم ذلك.
فالآية و الحديث شاهدان على أن بعض المسلمين على غير حَقٍّ، و هم الذين لا يثبتون على أوامر الله، و لولا ذلك لما حَاجَ الأمرُ إلى ذكر النكث في البيعة، وإعلان تهديده في القرآن و السنة، و لكن لما عَلِمَ اللهُ من عباده وقوع ذلك، أشار إليه عز و جل وعلم منهم أنهم لا يستقيمون على شروط التكليف.
فإن بعض الفرق الإسلامية بل أكثرها على الباطل، لذلك حكم عليها رسول الله [313] - صلى الله عليه وآله و سلم - بالهلاك، فقال : " كُلُّهَا هَالِكَةٌ إِلَّا وَاحِدَةٌ نَاجِيةٌ " (2).
و لم يقل كل من قال : " لا إله إلا الله " مطلقا دخل كما رووا، بل قال : " كلها هالكة " وفي رواية " كلها إلى النار ".
و قال تعالى : " وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ " (3)، أي فتكونوا مثلهم من أهل النَّار، فَإِنَّ الظالمين في النَّارِ بشهادة القرآن، و كل من خالف نهج محمد - صلى الله عليه و آله وسلم - فهو إلى النَّار. (1/398)
صفحة 398
و حديث الافتراق واضح بآيات الكتاب العزيز، التي تَحْكُمُ بِصِدْقِهِ، و تُعْرِبُ عن مقتضاه، فَدَلَّ الحديث و القرآن أَنَّ الثابتين على الحقِّ هم الناجون عند الله عز و جل، و أن غيرهم هم الذين تحت حكم المشيئة، إِما أن يتوبوا فيغفر الله لهم، و إِمَّا أَنْ يصروا ويبقوا على عصيانهم فيموتوا به.
و هم الذين وقع النزاع فيهم بيننا و بين قومنا، فنحن نقول مَنْ مَاتَ مَصِرٌّ على ذنبه مات عاصياً، و مَنْ مات عاصياً مات هالكاً عند ربه، و مَنْ مات تائباً فالله يقبل التوبة عن عباده، و يعفو عن السيئات.
وقد صَحَّتْ الأدلة الصحيحة الصريحة بصدق ما نقول، فكان معنى الآية قول لا إله إلا الله و الدخول به الجنة مُقَيَّداً بالوفاء بجميع الواجبات، و أنت تدري أن رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - لا يتبرأ من المسلم بل يدعوه إلى الطاعة لله و يرغبه فيها، و يحرص كل الحرص لأن يكون مسلماً، و إنما يتبرأ الله ممن يَصِحُّ معه باطله، ألا تراه يقول للواردين عليه الحوض من أهل الأحداث " فَسُحْقاً فَسُحْقاً "، وهؤلاء كانوا مسلمين، و لكنهم عَصَوْا الله بأحداثهم التي قارفوها، و آثامهم التي ارتكبوها، و عند ذلك يتبرأ [314] منهم رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - بقوله : " سُحْقاً لَهُمْ "، وهو يَشِفُّ عن غضبه - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- عليهم، حين عَلِمَ أنهم زاغوا عن الصِّرَاطِ السَّويِّ الذي كانوا عليه. (1/399)
صفحة 399
و اعتبر آية المبايعة، تَجد التهديد يَشِفُّ من خلالها لمن لم يثبت على بيعته، إذ قال الله تعالى فيها:. " فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ " (4)، فَدَلُّ أَنَّ منهم من يَنْكُثُ فلذلك وضع لهم ذلك التهديد في صورة الخبر على منهج الوعظ البليغ في حَدِّ ذاته، و هل جزاء النَّاكِثِ لبيعته إلا العقاب على النكث كما علمت، و فيها دليل على أن ليس كل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله على حق.
و البيعة عَهْدٌ من الله بينه و بين خلقه، و نَكْثُ العهد من أكبر الكبائر عند الله عز و جل، فمن نكث عهد الله فقد هدم دينه، ولن تنفعه لا إله إلا الله وحدها مع تضيع العمل، و هل القول دون العمل يفيد ؟، لا بل هو مقت لازم، " كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ " (5).
و اعلم أن بيعة الرضوان، أعظم بيعة بين أهل الإيمان، وقد صَرَّحَ الله فيها بِأَنَّ في المبايعين التقي و الوفي الذي بايع من صميم قلبه خالصاً مخلصاً لله عز و جل، و إن فيهم الشقي الذي ينكث ولا يفي بما عاهد عليه الله، فلا غروى أن عصى الله سائر الناس، و قد علم الله من الناس يوم خلقهم، بل و قبل خلقهم، أن منهم مَنْ يعصيه، و يكفره و لا يشكره، و لعل باحثاً يقول : لما خلق الله خلقا يعصونه و يكفرونه ؟ و يكونون له أعداء و أضداداً، و خصوماً و أنداداً. (1/400)
صفحة 400
و الجواب عن هذا واضح إِلَّا أَنَّ لَهُ مقام غير هذا، و أن الله حكيم يضع الأشياء [315] مواضعها، و يرتب الأسباب على المسببات، و يحكم الله ما يريد في قضايا الكون بحكمته الباهرة، فلا خَلَلَ، و لا بُطْلَ، و لا فَسَادَ في صنعه عز و جل : " لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ " (6)، و لله في خلقه الخلق حكمة بل حكم باهرة، و أسرار ظاهرة " و لو لم تعصوا الله فتستغفروه فيغفر لكم لأتى الله بقوم يعصونه فيستغفرونه فيغفر لهم "، " لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ... " (7) الآية.
واعلم أن الله بنى مملكة الحياة، و أعطى حرية العقل لِكُلِّ نَفْسٍ، و أمر و نهى عند ذلك، و حَدَّ الحدود، و وَضَعَ القيود، و أوضح حقوق المعبود تعالى، في حرية صحيحة حتى لا يقع على أي نفس إجباراً فتكون مظلومة.
و رَتَّبَ الثواب و العقاب على الامتثال و عكسه، و قضى بين الكل بالعدل على الأصل الذي خلق عليه الخلق بادئ بدء، و هكذا تجري الأعمال.
و إذا اعتبرت تلك الآية التي تَنُصُّ على أَنَّ المؤمنين لا يُوَادُّون من حَادَّ الله و رسوله كيف كانوا و أيا كانوا في هذا الكون المترامي الأطراف، تهتدي به إلى المنهج الحقِّ الذي أراده الله من عبادة، و ترى فاصلاً سماوياً بين أهل الرُّشد في الدِّين و أهل الغواية من المسلمين، فإن من وَادَّ المشركين لم ينفعه إيمانه، و الظاهر لم يترك من الأعمال المطلوبة إلا واحدة و هي معاداة المشركين فقط مع التزامه كل ما شرع الله عز و جل من الأعمال. (1/401)
صفحة 401
فانظروا معاشر المسلمين في قواعد الدين فإِنَّ فيها الحقُّ المبينُ، و الدليلُ المستبينُ، فإِنَّ مَوَادَّةَ المشركين واحدة من منهياته عز و جل، و تراه [316] يعلق بها هدم الإيمان، فإن النفي في أول الآية أو النهي على أحد الوجهين أي ليس من صفات المؤمنين، أي من كان مؤمناً لا تجده يُوَادَّ المشركين أصلاً، و إن من وَادَّهُمْ فقد ألقى بإيمانه، و نأى عن الحقِّ مكاناً قصياً، و زاغ عن الصراط المستقيم.
و قوله فيها لو كانوا آبائهم فإن المذكورين أقارب الإنسان، و طبعاً تكون مودتهم ثابتة، و موالاتهم راسخة، وإذا خرجوا عن دائرة الحقِّ وجبت مقاطعتهم، و خرجت موالاتهم، و إذا كان هذا في الأقارب فما ظنك بغيره من الأباعد.
و لله در إبراهيم الكريم - صلى الله عليه و على سيدنا محمد و آله وسلم - إذ تبرأ من أبيه - الذي أمر الله عباده باحترام الآباء -، وإذا بإبراهيم يعلن البراءة منه كما علمت ذلك في النص الكريم عن الرب العظيم.
و لقد نهج هذا المنهج كثير من الناس في المسلمين، و عليه فلا قرابة إِلَّا مع الحقِّ، كما لا بعد إلا مع الباطل.
وقول الإمام - رحمه الله- جاز أن يُؤثَّمُوا بتشديد الثاء المثلثة، أي جاز أن ينسب إليهم الإثم، لأنه لا عصمة إلا للأنبياء و المرسلين، فغير مستغرب أن يضاف الإثم إلى غير الموفين ببيعتهم من المسلمين، فليس كل أهل بيعة الرضوان ثبتوا على بيعتهم بشهادة تلك الآية الناصة على حكم الناكث " وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ " (8)، و لو علم [ الله أنهم] كلهم سيثبتون على بيعتهم لما ذكر النكث في سياق القضية.
[ و ليس المقام ] مقام مدح فإن الآية تعرب عن رضى الله عنهم، و لا شرف [ أشرف من ذلك ] قطعاً لأن الرضوان من الله موجب للجنة، و ليس بعدها شرف للإنسان.
و الحمد الله، نسأل الله أن يبلغنا إياها، و يرضى عنا فيها، و الله ولي كل شيء. [317] (1/402)
صفحة 402
==================================
اله(1) طه:115
(2) سيأتي تخريجه.
(3) هود : 113.
(4) الفتح: 3.
(5) الصف : 3.
(6) الأنبياء : 23.
(7) المجادلة : 22.
(8) الأنعام : 132.
--- (1/403)
صفحة 403
الحكم بالظاهر على أهل الأحداث مِن قضايا التكليف
قال الإمام - رحمه الله- :
[الشرح ]
قوله : و حكمنا... إلخ معطوف على قوله ومن يتب منهم فذاك تغفر.
و المعنى أن حكمنا بالعصيان على أهل الآثام ما داموا على جرائمهم فهم عصاة تَجِبُ البراءة منهم، و جعلهم في عداد أهل العقوبات واجب حسب الظاهر، كما أن أهل الطاعات في الظاهر محكوم له بأحكام أهل الصلاح، فيتولون و يمنحون حقوق أهل الإيمان، و لو كانوا في الباطن من أهل السوء عند الله ؛ لأَنَّ الله كَلَّفَنَا بإتباع الظاهر، و العمل بمقتضاه.
فلهذا ترانا نحكم على مرتكب المعاصي بأحكام أهل الجرائم عملاً بأوامر الله عز و جل في كتابه، و لا يخفى عليك [318] أَنّ الحُكْمَ بالظاهر هو واجب المسلمين، لأَنَّ الله كَلّفَ عباده بظاهر ما باَنَ لَهُمْ، لا بما غَابَ عنهم.
فمن مات مُصِرّاً على باطل مات هالكاً بِنَصِّ القرآن، و من تاب تاب الله عليه، و إِنّ جَلَّ ذَنْبُهُ؛ فَإِنَّ الله لا يتعاظمه ذنب عبده و إِنّ جَلَّ.
و الحكم بالظاهر هو واجب العبد المكلف، و لو كان المذنب عند الله من أهل السعادة، فالحكم بالظاهر واجب في حقه، و إلا عُطِّلَتْ شريعة الله عز و جل، و تركت أوامر الإسلام، و لا يستبعد الحكم بالعصيان فيمن تظاهر بالجرائم و الآثام، مع العلم بأنه لا يموت إلا تائباً منها، فيكون لكل مقام حكمه، و لكل حاكم علمه.
ألا ترى أن مَنْ سَرَقَ أمر الله بقطع يده تنفيذاً لحكمه تعالى فيه في هذه الحياة الدنيا، و من الجائز أن يموت طائعاً مسلماً مخلصاً، فينزله الله عز وعلا في عليين لأعمال صالحة خُتِمَ له بها، و كذلك جلد الزاني و رجمه، فإن المعصية لا تمنع من الطاعة. (1/404)
صفحة 404
ألست تعلم أن رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - قال في الزانية التي أقام عليه الحد، لما عيبت عنده بفعلها القبيح، قال: " لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتُهُمْ " (1)، و في رواية " لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَوَسِعَتَهُ " (2) أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فإقامة الحدود لا تنافي الفوز للمحدود، فإن أحكام الله عز و جل لا تتبدل، و حكمته لا تتغير، لأن الذنوب لا تكون إلا من المكلفين، و إن المغفرة لا تكون إلا للعاصين، فلو لم توجد العصاة لم توجد المغفرة : " وَإِنِّي لَغَفَّارٌ [319] لِّمَن تَابَ " (3)، " وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " (4)، " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا " (5)، في أمثالهما من الآيات في الكتاب العزيز.
و على كل حال إنَّا مكلفون بإقامة حدود اللهِ _ عَزَّ و جَلَّ - في هذه الحياة الدنيا على عباد الله ؛ إن قارفوا مقتضها، و إلا ضللنا إذا و ما كُنَّا من المهتدين، لا يقال إن أولياء ا لله لا يعصون فيحدون، بل نقول كل ما يقع في الكون لحكمة، و ليس في شيء من ذلك عبث، و كل أفعاله تعالى تقع على مقتضى حكمته عَزَّ وعلا، و للدنيا أحكام تخالف أحكام الآخرة.
انظر مَنْ هم المستغفرون، و من هم المغفور لهم، و أين مصيرهم، و الدنيا دار عمل، و الآخرة دار جزاء، فهما ضَرَّتَانِ مختلفتا الأحكام.
وإن التوب يغسل العبد من الذنب، و إن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له، و الله أسرع لقبول توبة العبد من السيل في إنحداره من أعلى إلى أسفل. (1/405)
صفحة 405
ولقد قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: " وَ اللهِ لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بنتُ مُحَمِّدٍ لَقََطَعَ مُحَمِّدٌ يَدَّهَا " (6) و هي - صانها الله و عَزَّهَا- حاشاها عن السرقة، و لكن مَثَّلَ بها رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - من حيث أنها عزيزة عنده - رضي الله عنها -.
و إذا كانت الحال كذلك فمن باب أولى من كان أبعد، و المراد أن أحكام الدنيا جارية على ظاهرها في كُلِّ أحدٍ مِنِ النَّاسِ، و كان ذلك على الفرض و التقدير أن لو أمكن أن تسرق ابنته [320] - عليه الصلاة والسلام - و هي - رضي الله عنها- عزيزةٌ عنده، و هو يعلم أنها لا تسرق - أجارها الله -، و لو سرقت لوجب تنفيذ الحد فيها كغيرها، لا يحميها منه كونها ابنة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - عملاً بظاهر التكليف.
و لقد رمى المسلمون عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - يوم الجمل، إذ خرجت على الإمام العدل إذ ذاك علي بن أبي طالب، حتى صار هودجها كشعر القنفذ من السهام و الرماح، و هم يعلمون أنها زوجة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في الجنة، فهي من أهل الولاية عندهم بالإجماع، و لكن لم تمنعهم ولايتها من تنفيذ حكم الله فيها، حسب الظاهر.
و حال ولايتها لا ينافي ظاهر ما وقعت فيه، ويبتلى المرء في هذه الحياة الدنيا ثم يتراجع عندما ينتبه لما وقد فيه، فيرى أنه المخطئ، و حكم الظاهر جار على طريقه فيمن ابتلي به مهما كان و من كان.
و لقد رماها عمار بن ياسر - رضي الله عنه - و هو يقول: " إني لأعلم أنك زوجة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في الآخرة، كما أنك زوجته في الدنيا، ولكن أمرنا بأحكام لا بد منها، و من القيام بها " (7). (1/406)
صفحة 406
و لقد وردت فيها أحاديث صحيحة صَرِيحة تبلغ حد التواتر من طرق مختلفة، ذكرها العلماء في كتبهم، و لكن من حيث هي تمشي أيضا على ظاهر ما بان لها من أحوال دنيها، و جاءها مَنْ يَخْدَعُهَا بِدَعْوَى أنك أم المؤمنين، وكلهم يحترمونك بسبب كونك زوجة النبي - صلى الله عليه و سلم -، و كون المسلمين بمنزلة الأبناء لك، و هم يقتتلون أما يجب عليك أن تقومي بينهم فيرجعوا عَمَّا هُمْ فيه الآن، و كان غَرَضُ المختدع لها أن يتظاهر [321] بكونها معه، فتعلوا حجته، و ينضم إليه من الناس مَنْ يرى أم المؤمنين معه.
و كان خدعتها لتصلح الحال بين المسلمين، فإِنَّها أمهم بِنَصِّ الكتاب والسنة، و إن المسلمين لا يخالفونها في أمر، فتحقن الدماء، و ترفع العداء، و تقطع شأفة الخلاف بين المسلمين، و بمثل هذا حَرَّكُوهَا فتحركت، و كانت حركتها لله لا غير، و هم في باطن الأمر يرومون التوصل بها إلى أغراضهم الشخصية، و أعمالهم الخصوصية، فإنه إذا كانت في جانب قويت شوكة ذلك الجانب كما قلنا.
فَيُخْيَّلُ إلى الفريق الثاني أنه مُبْطِلٌ، و أنه محجوجٌ بها، و مغلوبٌ لديها ؛ لأنه لا يقاتل أمه، و لا يخالفها، ومنزلة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قد ألبستها تاج الإجلال، و ألقت عليها رداء العز والشرف، فهي بذلك تحمل علم التوقير من المسلمين ؛ فيتوصل بها الطالب - و الحال هذا - إلى غرضه، وهذا أمر بديهي في البشر سائر الأجيال، أن الناس يتقوون بذي شرف يكون في جانبهم، و بذلك يتحصل الطالب على أوفى المطالب. (1/407)
صفحة 407
و الحرب خُدْعَةٌ، و هذه من أدهى خدائع الحرب في ذلك الوقت، و لكل وقت سياسة بحسب المناسبات، و لكن قابلها المسلمون الذين هم أعمدة الدَّين، و أركان الحقِّ، الذين يدرون المقاصد من نفس الوسائل، و يفهمون المرامي قبل وجود الرامي، و فعلوا معها ما وجب عليهم بحكم الظاهر، وعارضوها بالدليل الشاهر، و لم يقفوا بين يديها حائرين، و ناشدوها الحِّق و الدِّين حتى اقتنعت، و الحقُّ إذا قام به انهار بين يديه كل عظيم، و عندما عرفت أنها على خطأ من أمرها، رجعت عما كانت عليه حال خروجها، [322] و هي سيدةٌ عظيمةٌ في الإسلام، وقد تابت عَلَناً حين علمت أنها مخطئة، و رجعت تائبة آيبة نادمة متلومة متأسفة على ما صَدَرَ منها من الخروج، عاتبة على مَنْ غَرَّهَا، و أهل الحقِّ إذا عرفوه سرعان ما انقادوا له، و تمسكوا به، و هي إذ ذاك باكية حزينة على فعلها، متأوهة من فعل المختدعين لها.
==================
(1) - أخرجه مسلم في(29 -كتاب الحدود 5- باب رجم الثيب في الزنى ) (1324/3) رقم 24 (1696) وأخرجه الترمذي في (15 - كتاب الحدود 9 - باب تربص الرجم بالحبلى متى تضع ) (42/4) رقم 1435، وأخرجه النسائي في (21 -كتاب الجنائز 64 - باب الصلاة على المرجوم ) (63/4) رقم (957، وأخرجه أب داود في (37 -كتاب الحدود 24 - باب في المرأة التي أمر النبي برجمها من جهينة ) ص 625 رقم 4440، وأخرجه الدارمي في ( 13 - كتاب الحدود 17 - باب الحامل إذا اعترفت بالزنى ) (148/2) رقم 2325، وأخرجه الدار قطني (81/3) رقم 3135، وأخرجه أحمد في المسند (85/15) رقم 19747، وأخرجه أبو عوانه رقم 1287 و 6288 وأخرجه ابن حبان (201/10) رقم 4403، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ( 379/8) رقم 16951، وأخرجه الطيالسي في مسنده (114/1) رقم 848 وأخرجه الروياني (117/1) رقم 104 (1/408)
صفحة 408
(2 ) ـ أخرجه مسلم في ( 29 ـ كتاب التوحيد 5 ـ باب رجم الثيب في الزنى ) ( 3 / 1323 ) رقم 23، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ( 8 /379 ) رقم 16953.
(3) ـ طه: 82.
(4) - البقرة: 160.
(5) - الزمر: 53.
(6) - سبق تخريجه.
(7) - أخرجه البخاري بمعناه في (92 -كتاب الفتن 18 - باب ) (4 /344) رقم 7100 و 7101
--- (1/409)
صفحة 409
وقضية الحَوْأَب (1) حجة واضحة عضت معها على أصابع الندم حتى قامت في وجهها تلك الحجة الفاجرة، و الصفقة الخاسرة، فحلفت لها أنها الجوأب بالجيم بدل الحاء المهملة، و المغرور من غررتموه.
والعجب أن مثل هذا الأمر يقع من رجال شاهدوا الوحي، وعاصروا النبوة، و استضاءوا بنورها، و عرفوا في العالم بشرفها، و ينسون ذلك كله، حتى تدعوهم النفوس المغرورة إلى خلق أكاذيب تأخذ بهم الأهواء إلى أن يجنحوا إليها.
فيا للأسف على مثل هؤلاء الرجال، الذين عاشوا تحت ظل النبوة، و رأوا و سمعوا، و إن ذلك لعظيم في الدِّين يقدم عليه رجال مؤمنون، فإنا لله و إنا إليه راجعون، فلا بد من الباطل من تأثير :
(2)
إِنَّ أمة شاهدت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - و مشت تحت رايته، وَ تَنَوَّرَتْ بأنوار شريعته , تقترف هذه الجرائم الكبرى في سبيل رئاسة دنيوية، و أغراض ما هي إلا خيالات تترآئ كالسراب في القِيعَةِ (3)، والظل الزائل بسرعة، إن النفوس المغترة ترتكب عظائم الأمور و لا تبالي.
و لا ريب فإِنَّ أحوال الصحابة [323] تعطي الناس دروساً، و تكون أساساً يحتذيه الآتي بعدهم، و يحتج به من تعلق بالحقَّ، و من نزلت عليه النوازل البشرية، فليستعرض أحوال الصحابة يجد معهم كل ما يقابله في عهده، و ليعتبر العاقل بالجاهل، و ليكن مع الحقِّ إِنْ رأى الباطل، فإنه ليس من المستحيل انتحال المصلح أحوال مَنْ طَلَحَ، و كذا العكس. (1/410)
صفحة 410
و أعجب من ذلك ما قاله أنصاري في قضية سَيْلِ شِرَاجِ الحَرِّةِ، لما تخاصم هو و الزبير بن العوام، لما رأى رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - بخلقه العظيم المطبوع عليه، الرفق بين الخصمين، فقال :" اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ الماَءَ إِلى جَارِكَ "، فقال الأنصاري : حكم له لأن كان ابن عمته، و كان الزبير أمه بنت عبدالمطلب وهي صفية يعرفها كل أحد، فحكم له لكونه ابن عمته، لا لكونه رفيقاً بأمته يُحِبُّ تقاربها و توادها و تراحمها.
و لم ينظر هذا القائل إلى مقام رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - و أن الطعن فيه يوجب قتل الطاعن، لأن الطعن فيه صلى الله عليه و سلم كفر يحل قتل صاحبه إجماعاً، و من طعن في أحكامه فقد طعن في أحكام الله عز و جل، فهذا أعظم معتبر لأولياء الأمور، الذين يلاقون من الناس ما يسؤهم في سبيل الحقَّ، و يسمعون منهم ما يُكَدِّرُ عليهم صفو الإيمان، و يُنَغْصُّ عليهم عيش الحياة بين الإخوان و الأعوان، و بذلك أيضا تعظم منزلة القائم بذلك عند الله، و يبلغ في أهل الزَيْغِ مُنَاهُ، و الخلق الجميل لا يتغير في أهله، و إن عَصَفَتْ بهم زعازع الأهواء، و الإيمان نور يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبُلَ السَّلام، و يكفيهم عن النزعات الشيطانية [324] التي لا تزال داء عضال في بعض الرجال.
والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، و لا يترفع عليه و لا ينتقصه، و إذا صادف مثل هذه الأحوال التي تهز أركان حياته، و تزلزل دعائم إيمانه، يتلقها بجأش ساكن مطمئن، و يقبلها بصدر رحب، إذا حَلَّتْ به وجدته لا غاية له. (1/411)
صفحة 411
و الحكم بالظاهر أَمْرٌ تكليفي لا خِيَرَة لأحدٍ فيه، فعمر بن الخطاب - رحمه الله- يقيم الحدود على بنيه، و يقيمها على أقاربه و ذويه، و لا يتعلل عندها بأي عِلِّةٍ، و كذلك عمل الصحابة - رضوان الله عليهم - و قد قتلوا عثمان بن عفان إمام المسلمين، و من أخيار الصحابة و أعيانهم، و القاتلون له كذلك حين رأوه زاغ عن منهج الحقَّ، و سلك سبلاً لا يَحِقُّ له سلوكها الشرع، و قد تركوا علياً حين ترك إمامته في أيدي الرجال يتلاعبون بها، و رَضِيَ أن يكون أنظار الحكمين، و المسلمون معه يؤيدونه، و قد حَكَمَ القرآنُ في عدوه، فترك حُكْمَ القرآن و رضي بحكم فلان و فلان، وإذ ذاك لم يروا له حَقَّ الطاعة بحسب الحكم بالظاهر الذي كَلَّفَهُمْ الله به، و خرجوا عنه رافضين لعمله، إتباعاً للدليل المقتضي لذلك الوارد عن صاحب الشرع، و تبعاً للواجب في الدِّين، و هو من الجائز أن يكون مع الله في أعلى عليين و مع الشهداء المؤمنين.
وعلى هذا كان منهج المؤمنين في قضايا الدِّين، في الكبير والصغير، واليسر والخطير، و الأمير والوزير، لا تأخذهم في الله لومة لائم. (1/412)
صفحة 412
ثم ظهرت بعد ذلك أناس أشار إليهم - رحمه الله- بقوله : " وَظَهَرَتْ مِنْ بَعْدِ ذَا أُنَاس.... " البيت، اْلتَبَسَتْ عليهم الأمور، وجَهِلُوا [325] الأصول، و لم تَصِلْ إلى إدراك الحقائق منهم العقول، و رأوا أن هؤلاء كلهم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، و كلهم أهل فضل وعلم، و الرسول - عليه الصلاة والسلام - يقول فيهم " أَصْحَابِي أَصْحَابِي "، " و إِنَّهُمْ كالنَّجُوم بِأَيِهِّمْ اْقتَدَيْتُمْ اْهتَدَيْتُمْ " (4) في أمثالها من الأحاديث الدالة على فضلهم، و علو مقامهم، وكيف تصدر منهم هذه الأفعال المخالفة لمقتضى مقامهم، و كيف تضاف إليهم تلك الأعمال، وقد عَمَّهُمْ مَدْحُ الكتاب و السنة، فعظمت عليهم بذلك المحنة، و اختلط عليهم الحال، حتى أن بعضهم يعتقد لهم العصمة، و يرى مقامهم أجل من أن يتكلم فيه أحدٌ مهما كان.
فلم يُفَرِّقُوا بين الصحيح و السقيم، و المُعْوَجِّ والمستقيم، و لم يقدروا على فصل الخطاب في تلك القضايا، و لم يزالوا في لجة تلك البلية، حتى اعتمدوا على أنهم كلهم أولياء محقون، و أتقياء مجتهدون، و لا سلف لهم على هذا حتى يقلدوهم فيه، ويعتمدون على ما جاء عنهم فيه.
فعلى كل حال إنْ مَنْ وَفَّى ببيعته، وقام بمقتضى واجب دينه و شريعته كان ولياً لم تتغير حاله، و لم تُرْفَضْ أعماله، و أما مَنْ فَعَلَ ما حُجِرَ عليه وَجَبَ أن يُنْزَلَ منزلته التي أنزل نفسه فيها، و يعامل معاملة المقترف حتى يتوب، فإِنَّ الحقَّ أكبر من كل كبير، و أوجب أن يتبع، و لا عصمة إلا للأنبياء - عليهم الصلاة و السلام -.
وعلى كل من اقترف مأثماً أن يرجع و يتوب إلى الله مما أتاه، و إلاَّ فهو كغيره، و لا فرق من جهة الحقِّ، و الصحابي إذا أجرم فهو كغيره بحكم جرمه لا يخصص بشيء دون سواه. (1/413)
صفحة 413
ولولا ذلك لما قطع رسول الله - صلى الله عليه و سلم - [326] و جَلَدَ و رَجَمَ الزناة، و هم من الصحابة، و حكم الإسلام شامل لهم، و العدل بين الأمم أمر أوجبه العقل، فكيف بالنقل، و الله يهدد عباده و يزجرهم في محكم، و يَنَصُّ على عقوبتهم، و تنفيذ حكم الله عز و جل في عباده مفروغ، و ذلك كما قلنا سابقا لا ينافي السعادة عند الله، فإن من تاب رجع كيوم ولدته أمه، و بذلك ينال ما خَطَّهُ له قلمُ الغيب، و السعادة عند الله للسعيد لا تتغير، و إن اقترف المعاصي فإنه لا بُدَّ أن يتوب إلى الله التوبة التي تحُِلَّهُ في محله عند الله تعالى، فإن السعيد من وُعِظَ بغيره، و شقي من شقي في بطن أمه.
" وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (5)، وقال - صلى الله عليه و سلم - : " اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ " (6).
و لا يخفى أَنَّ الناس إِمَّا مُحِقٌّ و إِمَّا مُبْطِلٌ، و لا يجوز أن يكون المختلفان كلاهما مُحِقَيْنِ، بل من لازم الأمر المعقول أن المتقاتلين يلزم أن يكون أحدهما ظالماً، و إن اختفى حاله و تستر بالشبهة التي يخلقها لأغراضه، فيصورها للعقول في استنهاضه، و يمشي عليها متظاهرا بالحقِّ، و متعلقاً بالعدالة، و لكل ثائرة حجاج، و لكل قائلة منهاج، و ما كل ما يقوله الخصوم على أضدادهم يَصِحُّ. (1/414)
صفحة 414
إن حكم المقترف للذنب أن يتبرأ منه ؛ لأجل ذلك الفعل الصادر منه، فإن هذا هو الواجب علينا في حقه، ما كان في دار التكليف، و لسنا مكلفين بما غاب عَنَّا، فإن الغيب لله عز و جل، فلو فرضنا أنا تولينا أحداً بما ظَهَرَ لَنَا منه، وهو في الغيب عدو الحقَّ تجب البراءة منه [327] فلسنا ملومين على ولايتنا له، لعدم علمنا بما هو عليه، فإن ذلك التكليف بما لا يطاق، و حاشا لله أن يكلف أحداً بما لا يطيق.
و لأنه يعلم مقاصد الناس، و ما انطوت عليه نياتهم، ولو فعل لكان ذلك عدلاً منه، لأنه السلطان الحقيقي الذي منه المبدأ و إليه الرجعى، له ما ليس لغيره عز و جل، و العبودية المطلقة لِمَنْ عَدَاهُ، و إن رغم أنفه، فإن الله تعالى تَفَضَّلَ على عباده أن لا يكلفهم بما لا يطيقون :- " لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا " (7)، " رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ " (8)، فهذه و أمثالها تُصَرِحُ بِأَنَّ الله لا يُكَلِّفُ نفساً ما لا تطيق، و واجب الحياة يجب لا بُدَّ منه، وإن ثَقُلَ على النفس، فإن التكليف أصله إلزام ما فيه كُلْفَةٌ ومشقة على العبد.
وإن أعمال الآخرة تتفرع على الأعمال الدنيوية، فمن وَفَّّّى بواجبه في هذه الحياة الدنيا وجد ثمرة ذلك الوفاء يانعة مشتهاة حلوة، و إلا وجدها مرة تَغُصُّ بصاحبها و العياذ بالله، و ما جعل الله في خلقه باطلاً، و لا في حكمه عَبَثاً، بل كلها لحكمة يعقلها أناس و يجهلها آخرون.
و جعل الله للناس في أنفسهم براهين، و دلائل على حكمته، و معالم و صور دالة على بديع صنعته، و ربما صَحَّتْ الأجسام بالعلل، و ربما اهتدى العاقل بتلك الحوادث، فبعدما كان ضالاً فاسقاً ظالماً جائراً إنكشف له بنور الله برهان يعلم منه صدق القصد فيما أمر الله و نهى، فينزجر عن غَيِّهِ، و يرتدع عن قصده. (1/415)
صفحة 415
و كم من عبد انصلح بكلمة سمعها من واعظ، أو تلقاها من حاكم يتوعد [328] بها من شاء الله، فأصبح هذا رهين إشارتها، و أسير مفهومها و عبارتها، و كم من مجلود على خمرٍ، أو محدودٍ على عُهْرٍ، أو مقطوع على انتهاب، و نحو ذلك أصبح يُفَكِّرُ في قدرة مخلوق على مخلوق مثله، فكيف بقدرة مالك الأمر الذي لا مناص عن أمره، ولا خلاص عن قهره، فتنصلح بذلك أحواله، و يرجع إليه رشده، فيرعوي عن جهله، و يدين لله بطاعته، فيدرك بذلك مناهج الصالحين، و يرقى عند [ الله ] إلى أعلى عليين.
و حيث أن الولاية و البراءة فرضان افترضهما لله على عباده، وعَيَّنَ محلهما، فجعل المتقاتلين معاً في الولاية لا يَصِحُّ ؛ لأنَّ " قِتَالُ المُسْلِمَ كُفْرٌ، وسَبَابُهْ فُسُوقٌ " (9) و معاداته حرام شرعاً ؛ لأنه لا بد من أين يكون أحد المتقاتلين باغياً على الآخر، و إذا كان كذلك فليس من الحق في شيء جعل الباغي في منزلة المحق :- " أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ " (10)
و إن قومنا على هذا طيلة تلك القرون التي مضت، فَيَتَرَضُّونَ عن الباغي و عن المَبْغِيِّ عليه، و إنها مشكلة دينية تهتز لها أركان الإيمان.
وقوله : " إن حروب الصحابة كلها عن اجتهاد، ومن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر اجتهاده "، ليس هذا بشيء لأن الدليل ينادي المحق قُمْ بكذا و كذا، و أَعْرِضْ عن كذا وكذا، فليس مع الدليل اجتهاد إجماعاً، و اختلاف المفاهيم ليس بحجة، و محل الاجتهاد الفروع التي لم يرد فيها نص، أما عند النص فلا.
(11)
و الكتاب واضح لا غيم عليه، و مقال الرسول - صلى الله عليه و سلم - [329] شارح و موضّح للأحكام، فإن كان من نقتله نقول فيه رضي الله عنه، ضللنا إذا و ما كنا من المهتدين، حيث نقتل من رضي الله عنه، إن هذا لتناقض ينكره العقل، ويَرُدَّهُ النقل.
============================= (1/416)
صفحة 416
(1) - الحَوْأَب - بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو،وفتح الهمزة، في آخره باء موحدة - قال أبو منصور : الحوأب موضع بئر نبحت كلابه على عائشة أم المؤمنين عند مقبلها على البصرة ثم أنشد :
ما هي إلا شربة بالحوأب فصعِّدِي من بعدها أو صوَّبي
أنظر معجم البلدان ( 3/190 - 191)
وقضية الحوأب أن عائشة - رضي الله عنها - عندما خرجت مع طلحة و عبدالله بن الزبير إلى البصرة، سمعت في طريقها نباح كلاب، فقالت: ما يقال لهذا الماء الذي نحن فيه ؟ قالوا : الحَوْأَب. فقالت : أنا لله وإنا إليه يقول وعنده نساؤه : أيكن ينبحها كلاب(راجعون ردوني ردوني، فإني سمعت رسول الله يقول وعنده نساؤه : أيكن ينبحها(الحَوْأَب ردوني ردوني، فإني سمعت رسول الله كلاب الحَوْأَب ( أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلي ) وعزمت على الرجوع فأتاها عبدالله بن الزبير فقال كذب من زعم أن هذا الماء الحوأب،وجاء بخمسين من بني عامر فشهدوا وحلفوا على صدق عبدالله.
أنظر البداية والنهاية (7/242 )، والكامل في التاريخ (3/ 103 )،ومروج الذهب
( 2/367)،والإمامة والسياسة (1/60)، وجمل من أنساب الأشراف ( 3/ 24) واللفظ له.
(2) -لم أستطع تخريجه
(3) - القيعة : جمع قاع وهي أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام (القاموس المحيط / 757 ) مادة قاع
(4 ) - تقدم تخريجه
(5) التوبة : 105.
(6) أخرجه البخاري في (65 -كتاب تفسير القرآن 12 - سورة والليل إذا يغشى ) ( 3/307) رقم 4945، وأخرجه مسلم في ( 46 -كتاب القدر 1- كيفية الخلق الآدمي ) 7و8، وأخرجه الترمذي في ( 33 - كتاب القدر 3 - باب في الشقاء والسعادة ) (4/445) رقم 2136 وأخرجه أبو داود في ( 39 - كتاب السنة 16- باب في القدر ) ص 663 رقم 4694، وأخرجه أحمد في المسند ( 1/433) رقم 621.
(7) البقرة : 286.
(8) البقرة : 286.
(9) تقدم تخريجه
(10) القلم : 35
(11) طلعة الشمس
--- (1/417)
صفحة 417
دعوى المتقاتلين على بعضهم بعضا لا تَصِحُّ بغير دليل
قال الإمام :
[الشرح ]
لا يخفى على العاقل أَنَّ المتقاتلين بالتأويل كلٌ يُصَوِّبُ نفسه، ويُخَطِّئ خصمه، و إلا لم يُصَغْ القتال، و لم يَكُنْ الخلاف.
و لا شَكَّ أَنَّ فصل القضية لا بد و أن يكون الحكم على إحدى الطائفتين بالبغي، و إِنَّ الأخرى مَبْغِيٌّ عليها، فإذا ظهر ذلك علم أن الباغية تستحق البراءة حتى تتوب و ترجع عن بغيها، و إن المبغي عليها هي في الولاية للأصل الذي كانت عليه، و إن جعل الطرفين في منزلة واحدة لا يَصِحُّ مع ما إذا كان حكم البغي ظاهراً، و بيانه شاهراً، فجعلهم في منزلةٍ واحدةٍ خِلافُ حكم الله عز و جل، و حاشا الله يرضى بذلك.
و ما أنزل الله الشريعة إلا لإكرام المُحِقِّ مهما كان، و إهانة الُمبْطِلِ أياً كان، لأَنَّ ولاية المُحِقِّ غير البراءة من أهل الفسق، بل هما حكمان مختلفان، فقد أمر الله - عَزَّ وعلا - بالبراءة [330] من أهل الفسق، و أوجب ولاية أهل الحقِّ، فليس لأحد أن يُغَيِّرَ حكم الله في خلقه، فهو الحاكم الحقيقي، و الشارع للدِّين على رغم الخلق المتدينين.
و قد قال رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - : " أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ " (1)، فمن اقترف موجب البراءة وجب التبرئ منه، و كذلك العكس.
و لا يَصِحُّ أن يوضع أحد الحكمين في موضع الآخر، و لا أن يجعلا في محلٍ واحدٍ، لأَنَّ الأحكام تجري على مقتضى الأعمال، و لا شك أن الحقَّ غير الباطل، فالقتال مع التأويل ذريعة لارتكاب ما يحاوله المتقاتلون. (1/418)
صفحة 418
فمعاوية يَتَذَرَّعُ إلى الناس بأَنَّ عثمان قُتِلَ مظلوماً، و أنا أحق من يقوم على قاتله، و هو يعلم أن قاتله المهاجرون و الأنصار، و كان قتله عن تآمر و تشاور، إذ المسلمون ذلك الوقت متوافرون متظاهرون عن يد قوية، و كلمة موحدة، و تحت راية الحقِّ، و سبب القتل واضح غير مخفي، وشهرة حصاره بلغت حد لا مجال لآل عثمان في القول بشأنها أبداً، بل عليهم التسليم لأمر المسلمين،و الرضى بأحكام أهل الحقِّ، فإِنَّ معاوية نفسه علم ما يعدّ المسلمون على عثمان، و كان واجبه أن يكون للحقِّ، فإنه يعلو به في المسلمين مقاماً، و هو ابن الزعيم أبي سفيان أحد سادات قريش في الجاهلية، و ما زاده الإسلام إلا عِزَّاً على عزه، و شرفاً على شرفه.
و لكن حظوظ الآخرة شيء غير حظوظ الدنيوية.
و قول معاوية [331] أن علي بن أبي طالب لم يقم بالانتصاف من القاتلين كما يلزم، و الغرض من ذلك الدخول في حيطة الأمر، و شَقِّ عصى المسلمين، لعلمه أن علياً لا يتركه على الشام، و لا يَقِرُّهُ على عمله الحالي، و ربما لا يَقِرُّهُ على عمل من الأعمال، وإن تعلل بأن عمر استعمله فإن استعمال عمر له ينصهر به دماغه في أم رأسه، لا يقدر أن يَدَّعِي ما ليس له، أو يتعاطى أمراً لم يكن له في حال من الأحوال، فإنه إذا وصلت دعوته إلى عامل من عماله مهما كانت منزلته، و مهما كان مقامه، فإنه يكاد أن يذوب وَعْيُهُ إن كان يعهد من نفسه حدثاً، و لو لم يعلمه عمر، فيظل يسأل و يبحث حتى عن الهيئة التي يحب عمر أن يرى عليها عامله. (1/419)
صفحة 419
و لا تنسى مؤاخذته أبا سفيان عند رجوعه من زيارة ولده معاوية عما جاء به من عنده، على ملئ من الناس حتى فَكَّ خاتمه من إصبعه، و أرسل به إلى زوجة أبي سفيان باسم أبي سفيان أن أرسلي إلينا الخرجين بما فيهما، و كانت فيهما عطايا معاوية لأبيه، فأخذها لبيت المال هذا حال عمر مع عماله، فأنّى لأحد منهم الحراك في أي شيء يخالف مقتضى الشرع.
و يعلم معاوية دين علي و نزاهته، و قد رأى أعمال عمر، و أنه من الواجب السير على ذلك الدستور، و حاشا أن يرضى علي بن أبي طالب غير الحقِّ، فلهذا اتْخَذَّ معاوية طريقاً يَبسَاً، يروم منه أخذ نصيبه من الإمارة.
فستولى أولاً على قلوب البسطاء الذين لا يعرفون دين الله بل دين معاوية، و لا حق الإسلام إلا حق معاوية، فلما رأى تمكنه منهم، و انخراطهم تحت قدمه خضوعاً مطلقاً، قام على الإمام بتلك الدعاية الواهية،[332] التي يعلم أَنَّها ليس حجة مقبولة، و من ذا يقبلها من المسلمين، وقد أخرجوا عثمان من الدِّين، و لم يرضوا أن يدفن في مقابر المسلمين، بل دُفِنَ خارجاً عن البقيع، في مكان يقال له " حِشّ كَوْكَب "، و لم يشيعه أحدٌ من المسلمين إلا خدامه و خاصته، إلى هذا بَلَغَ الحال بعثمان.
و كان علي بن أبي طالب يعلم من معاوية ما يعلمه من أبي سفيان، فأراد معاوية مشاغلة الإمام متستراً بدم عثمان في أهل الشام الذين أصبحوا تحت راية معاوية، لا يسألون عما يأتي و عما يَذَر، و هو ينادي أن أمير المؤمنين قُتِلَ مظلوماً، فإذا سمعوه اندفعوا يبكون بكاء الثواكل، ويشهقون شهيق يقطع منهم الحناجر.
فإذا قال معاوية قولة في عثمان حاصوا له حَيْصَةَ (2) حمر الوحش، وهو لا يزال يردد بينهم مظلوم، وهو ولي عثمان أي الذي يقدر على أخذ الثأر من القاتل، وهم يُلَبُّونَ ما يقول. (1/420)
صفحة 420
وعلي بن أبي طالب يرى أنه الإمام المجمع على إمامته، و أن عثمان واحد من المسلمين، انتقده المسلمون فقاموا عليه، و قضوا فيه بما كَلَّفَهُمْ الله به و بأمثاله، بعدما طالبوه الرجوع عما هو عليه، فوعدهم ولم يف لهم بشيء، وفي الأخير استحلوا دمه بحكم الله، و هاجموه في عقر داره، و هو محصور علناً، شاهراً ظاهراً، حتى إذا جاءه أحد بقربة ماء تسابقوا إلى قطعها، حتى قتل بين ظهراني الأنصار و المهاجرين، بجوار قبر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -.
فماذا لآل عثمان من الحقِّ ؟، و المسلمون كلهم قاتلوه، فإن الراضي و الساكت، و القائم، كُلَّهُمْ في حَدِّ سواء، إذ لا وجه لعثمان فيما فعل من أحوال خالفت الأوامر [334] الإسلامية.
لا سيما أن لعثمان أولاداً لم يكن معاوية أحدهم، و إذا طلب أولاد عثمان مالهم على قتلتة عثمان، ففي إمكان الإمام علي بن أبي طالب أن يعطيهم مالهم بحكم الله بين ظهراني المسلمين، و حاشا المسلمين أن يرضوا بقتل إمامهم بين أظهرهم، إذا كان غير مستحق القتل، و بل لا يرضون قتل كَلْبَ راعٍ بغير حَقٍّ، فكيف يرضون بقتل الإمام عثمان، و هو على الحقِّ، فهل هذا من الحقِّ ؟، لا وربك، بل من نسب ذلك إليهم أي قتل الإمام المحق فقد نسب إليهم أكبر الذنوب، حاشا للمسلمين ذلك، و على القائل بذلك التوبة حيث طعن في أئمة الدِّين، وأعلام المسلمين.
و إنما كان قتل عثمان عن اجتماع من أهل الحق حين قامت الحجة عليه، و لم يروا بُدَّاً من ذلك، و كانوا أشداء في الدين، لم يرضوا المداهنة، و لا تقية إذ ذاك إذ هم متوافرون و متضافرون كلهم يد واحدة عليه، فلا يحل أن يقال قتل مظلوماً لأنه يترتب عليه أن قاتله ظالم، و قاتله الصحابة و حتى أزواج النبي - صلى الله عليه و آله وسلم - قد حَرَّضْنْ على قتله، و قالت عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - :" اقتلوا نعثلاً فإنه قد كفر ". (1/421)
صفحة 421
وما كان غرض معاوية طلب الثأر لعثمان، وهو يعلم أنه لا ثأر له، بل غرضه حسد علي و آله، و أخذ نصيب من الملك إن لم يكن كله، حتى على الأقل أن يكون له الشام يكفيه بدل من أن يكون والياً فقط يبقى ما أبقاه الإمام، ويزول إذا رأى زواله، وكانت له آمال طواها في ضميره، و رَمَزَ إليها بدم عثمان.
و حب الرئاسة متغلغل في نفسه، و له خبرة [335] تامة بحقيقة علي بن أبي طالب، وببني هاشم أيضاً، كخبرته بأنصار علي وهم العراقيون، و بأنصاره أيضا، و هم أهل الشام، فكان الأمر بحيث طار إلى عنان السماء، و بلغ الذروة العالية، فانْشَقَّ النَّاس كما أراد، وبلغ بانشقاقهم المراد، و ما كان مبالياً بما يلاقي في سبيله هذا، هان الخطب أم عظم.
=============================
(1) أخرجه أبو داود في ( 40 -كتاب الآداب 20 - باب في تنزيل الناس منازلهم ) ص 684 رقم 4842.
(2) حاصوا له حَيْصَةَ :- أي نفروا له نفرة ( القاموس المحيط / 616) مادة حاص.
--- (1/422)
صفحة 422
فهذا حال معاوية، و ذلك غرضه، فهل بقية له عند المسلمين ولاية - و الحال هذا - فما للقوم يترضون عنه، ويستغفرون له، و الترضي، و الترحم، و الاستغفار، هي ثمرة الولاية بنص الكتاب العزيز، إلَّا عند مَنْ لا يَفْهَمُ.
وعلي بن أبي طالب إذ ذاك الإمام المطاع، إذ كان صحيح الإمامة قبل أن يتركها يتلاعب بها الحكمان وَلَيَّاهُ أو عَزَلَاهُ، وقد خدعوه بذلك خدعة ما لها مثيل في حديثهم، و لا شبيه لها في دهاء الناس، حيث جعل معاوية وهو أحد ولاة الإمام صفاً مقابل للإمام، يباريه في إمامته، فإِنَّ معاوية ما كان في الأصل إمام حتى يكون الخيار للمسلمين في أحد الإمامين المتخالفين، حتى جعلوه بهذه المثابة.
و هنا وقع السكوت عن دعوى دم عثمان، إذ لم يكن مقصوداً بالذات، وقد رضي علي بخلعه، فخلع بذلك نفسه، و رمي بإمامته من عنقه إلى أبي موسى الأشعري و عمرو بن العاص يقضيان فيها، و كان الواجب أن يقضي في القضية ذو الفقار فتركه في غمده يبكي على إمامته المصونة، و يندب أوامر الكتاب والسنة، وبقي علي يَتَرَجَّى إمامته تعود إليه من مسرحها النائي أو يعيدها إليه [336] الحكمان، أو يعيدها إليه المسلمون الذين ولوّه إيَّاها أولاً، معتقد أن المسلمين لا يرضون غيره، و أن الأمر رهن إشارته. (1/423)
صفحة 423
هيهات لقد حنق المسلمون من ذلك الحال الذي أنت وافقت عليه مُتَبِعاً للأشعث الذي يحاول أن يقضى عليك، ثم حملوك على قتلهم فقتلتهم في ضحوة من النهار، إن كان القتل وقع من غيرك بدسيسة من الجند فأنت القاتل، و على كاهلك تلك الجريمة النكراء، و الله سائلك عما وقع، و لن يضيع دم امرئ مسلم في بقعة من الأرض إلا أنا نعتقد فيك أنك لا ترضى غير الحقِّ، ألا تتبصر في أمورك فإِنَّ الدسائس تَدُبُّ وراءك، ألا ترى أنه لما قتل النهروانيون رفضك الجند و لم يعود يقومون معك على عدوك، و تخاذلوا عنك.
و أنت تعتقد أن المسلمين لا يريدون غيرك، لقد خرجوا عنك مما رضيت به، فعهد الله الذي وقع في القضية قد حال بينك و بين ما أُمَّلْتَ، و ها ذاك أبو موسى الذي أرسلته حكماً قد هَرَبَ إلى مكة، و لم يعد إليك بعدما قضى الأمر بينه و زميله عمرو بن العاص.
فمتى كان معاوية إماماً فيثبته عمرو بن العاص على ما كان، أليس السيف يثبته أميراً، و أنت ترى و تسمع، و إذا ناقشت نفسك هل ترى بقيت لك في عنق أحد من المسلمين، فالذين حملوك على التحكيم لم يبق عليهم شيء بعد رضاك، و من نهاك عن التحكيم فمن باب أولى لا شيء عليه إذ نهاك.[337]
كان علي لا يرى اجتماع المسلمين على غيره، و على كل حال اجتمعوا أو تَفَرَّقُوا فهو مرجعهم، لكن بقي هنا أنه لم يرى أن الملك العضوض قد بدأت طلائعه، و قد أخبر عنه رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - فمتى يعود عليه المسلمون الذين يعتقد فيهم ذلك الاعتقاد، و هو قد أعطى العهد والميثاق على التحكيم، و المسلمون يرونه ضلالاً، و على أنه أجبر عليه كان واجبه رفض الإمامة، و لا يكون سبباً في عمل الباطل، كان عليه أن يقول إن كنتم لا ترون إلا ذلك فاعذروني و إليكم أمركم، اصنعوا ما شئتم، فيكون له عذر صحيح لا يلومه عليه أحدٌ أبداً. (1/424)
صفحة 424
و لكنه خُدِعَ بالأقوال الفاسدة، و انقاد تبعاً لها، وليس له ذلك شرعاً، فمن هنا فارقه المسلمون، و عالجوا الأمر بمن هو صالح غير مطعون فيه بشيء ما، و هنا أيضا حملوه على قتلهم، فكانت الطَّامَّةُ بقتله المؤمنين.
وكان علي بن أبي طالب سليم الصدر من الغوائل التي عليها معاوية و أحزابه، لطلب الإمارة لمعاويتهم، بكونه ابن أبي سفيان، و أنه ذو الخلق الواسع، و الصدر الرحب، لا يناقش عن الجليل، و لا يسأل عن الكثير، و لا يبخل عليهم بخلاف علي العابد، الزاهد، الراكع، الساجد.
و كذلك عمرو بن العاص لا يرى له نصيباً في الإمارة مع علي بن أبي طالب، لذلك يهوى زوال الأمر عنه إلى معاوية بن أبي سفيان، الذي يأمل أن ينال معه كل مرامه، و لا سيما و قد شارطه على ذلك، و الدنيا لها رجال، و للآخرة رجال آخرون، [338] و حب العاجلة غالب على قلوب الكثيرين كما هو معروف.
و كان عمرو داهية كبرى في رجال الإسلام، و هو يعلم حقيقة العلم أَنَّ علياً غير تاركه على عمله مهما كان ؛ لأَنَّ علياً يراعي العدالة، و يكون مع الحقِّ، و لا حق عند عمرو يرضاه علي.
و معاوية داهية أكبر من عمرو بن العاص، و هما يعملان على التغلب على علي بن أبي طالب الذي لا يرضيانه أميراً عليهما، لذلك شغبا عليه، و ظلا يكيدانه، فدسا في أذهان السواد الذين هم في معزل من هذه الأحوال. (1/425)
صفحة 425
و السياسة للأمير من لوازم الإمارة مهما كانت، فللدِّين سياسة كما للدُّنْيَا كذلك، و المُوَفَّقُ مِن اللهِ قد يحتوى عليهما معاً، و أي أمير لا سياسة له تلائم موقفه، و تساير وقته، فلا تقوم قناته مهما كانت، و لا أشهر أموره كما يرجو، و لا يبلغ في عدوه ما يأمل، و السياسة هي القوة الفعالة قبل كل شيء، و هي على الحقيقة الجيوش القتالة، و لا يكفي الأمير أَنَّ يكون فقط على خطة الشريعة الظاهرة السطحية، فإن العيون والجواسيس و نحوهم قوة تعضد الأمير طبعاً، فالسياسة حتى في لحظ العين، فانظر في تَوَعُّدِ النبي سليمان بن داود - عليهما السلام - للهدهد لمَّا غاب عنه بعض الوقت بغير علم، تَوَعَّدَهُ ذلك التوعد الشديد، و هَدَدَّهُ أبلغ التهديد، و لو لم يخرج بحجة وافق عليها نبي الله لكان الهدهد في الخطر الكبير بسبب غير كبير، لم يفعل فيه من الجرائم شيئاً في حق أحد من الخلق، مع أنه لم [339] يكلف فلا حساب عليه و لا عقاب.
و إِنَّما كان ذلك من نبي الله سليمان بن داود من باب السياسة في مملكته الكبيرة، التي خَوَّلَهُ الله إِيَّاها، و علي بن أبي طالب لم تكن له سياسة، و إنما كان يعتمد على قوة إيمانه، و على نفسه، و إِنَّ ظَنَّ أَنَّ لَهُ حظاً في السياسة فقد خانه ظنه، و للسياسة أناس شُهِرُوا بها جاهليةً و إسلاماً، و كان علي يعتمد على ما انطوى عليه ضميره، و يفعل ما جرى به تعبيره، و لا يمد نظره إلى شيء آخر، فهو إمام العلماء في المشكلات الشرعية، و إمام الفقهاء في الحضيرة الفقهية، و إمام أهل الإيمان في الدوحة الإسلامية، قد عُرِفَ زهده في الدنيا، وخلوه من سائر الأهواء، وبذلك اصطاده أنصاره، فقادوه لأغراضهم، و توصلوا به إلى ما تهوى أنفسهم. (1/426)
صفحة 426
و من ذلك ثورته على أهل النهروان، و إن كان هو لم يقصد قتلهم لأنه العلامة الوحيد يعلم حجتهم عليه، و لكنهم قتلوا تحت رايته، و هو بمرأى منهم و مسمع، بل كان قتلهم بين يديه، فلذلك قال المسلمون هو قاتلهم، لأن فعل جيشه معدود عليه طبعاً، و مسئول عنه شرعاً.
فإِنَّ أصحابه الدهاة المغرضين عَبَّرُوا له عن حقيقة أهل النهروان، تعبيراً رآه أمراً ضرورياً تَمَََكَّنَ من ضميره، فتقد في ذهنه اتقاداً، أشعل نيران حماسه عليهم، فهاجمهم جيشه مباغتة حتى قضى عليهم، و هم في مأمنهم، لم تبد منهم بعد بادية، و لا ظهرت منهم حركة إلا ما شاع من تجمعهم و بيعتهم لعبدالله بن [340] وهب الراسبي، وعلى ذلك ثارت عليهم عداوة خصومهم، فقضت عليهم بدل أن تشد عضدهم، و تناصرهم، إذ ترى الحقَّ معهم.
وبذلك وقع علي في بلية أخرى أحاطت بمحيطه من كل جهة، فلم تزل تهوي به في الحضيض الأسفل، و كيف لا و دماء أربعة آلاف أَوَّاب على أقل الروايات في عددهم سفكت تحت رايته بغير جُرْمِ ما، بل كانوا فروا من الباطل، و من أهل الضلال المتلاعبين بالأمر على حساب الإمام كما أشرنا إلى ذلك في " نفحات الظهر " :
وشأن الصدوق الاغترار بكل ما يسمع أو يرى، لأَنَّه يرى النَّاس كما يرى نفسه، و كم لهذا من شواهد بين أيدينا، و منه قول الإمام السالمي - رحمه الله- : " إني لأنزه البخاري عن الكذب، لكنَّهُ يأخذ عن أهل الأهواء ثقة بهم " (1) أي فلذالك روى في صحيحه ما ليس بصحيح، كما ثبت عن أهل العلم. (2)
===============================
(1) شرح الجامع الصحيح (1/57)
(2) راجع الطوفان الجارف الجزء الثالث للشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي
--- (1/427)
صفحة 427
قال شارح سُبُلِ السَّلامِ :" و المعروف من علوم الحديث و غيرها، أَنَّ ما في الصحيحين أو في أحدهما مقدم على غيره، و الجواب أَنَّّ ذلك حيث لم يكن حديث الصحيحين أو أحدهما مما انتقده الحفاظ " (3)اهـ.
فترى في كلامه ما يدل أن في حديث الصحيحين ما هو منتقد عند الحفاظ، فكان ذلك مصداقاً لكلام الإمام السالمي - رحمه الله-، فإِنَّ البخاري لا يرضى أن يروي عن رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - [341] غير الصحيح إِلَّا أَنَّه يعتقد أنه لا يوجد مسلم يكذب على رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - أو على الله فهذا أعظم.
و قد صَحَّ الكذب عليه - صلى الله عليه و سلم - في حياته كصاحب ثقيف و أمثاله، و قد أشار إليه - صلى الله عليه و سلم - بقوله : " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِداً فَلْيَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِن النَّارِ " (1)، ثم وضع رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - قاعدة قد يتبين بها الكذب عليه - صلى الله عليه و آله وسلم - و هي قوله - صلى الله عليه و سلم - : " مَا أَتَاكُمْ عَنِّي فاعَرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا وَافَقَهُ فَعَنِّي وَ مَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ مِنِّي " (2) و في رواية "فَكَيْفَ أُخَالِفُه وَبِهِ هَدَانِي رَبِّي ".
فَدَلَّ هذا أَنَّه سيأتي المكذوب عليه - صلى الله عليه وآله وسلم -، وقد تجاسر بعضهم فكذب عليه في حياته مع علمه أنه يأتيه الخبر من السماء، فكيف به بعد موته ؟!، ولذلك قام علماء الإسلام بانتقاد الأحاديث التي تروى عنه صلى الله عليه و سلم، و وضعوا لها ألقاباً و شروطاً، و حَرَّرُوا له قواعد لقصد حفظها من الدخيل. (1/428)
صفحة 428
و لكن غاية ما عملوا الظَّنَّ، و التَّخْمِينَ، فربما انتقدوا غير المنتقد، و ربما رووا الموضوع نظراً إلى كثرت رواته، و ربما أسنده الكاذب إلى أجلة العلماء، و حكاه من طرق عديدة لا يُرَّدُ بها، لقصد رواجه، وتبرير غرضه، و لا وحي بعد موت النبي - صلى الله عليه و آله وسلم -.
و من هذا القبيل جملة أحاديث جاءت عند الرواة يعتقدون صحتها و ليست بصحيحة، و للناس غوائل، فإِنَّ بعض العلماء الأجانب أيضاً وضعوا أحاديث نسبوها إلى علماء الإسلام،[342] و رفعوها إلى النبي - صلى الله عليه و سلم -، و القاعدة المشار إليها أكبر دليل في المقام عند علماء الإسلام لِرَدِّ المفترى عليه - صلى الله عليه وآله وسلم -.
فعلي بن أبي طالب يعتقد أَنَّه أحق بالأمر من كل أحد ؛ لذلك لما بويع أبو بكر - رضي الله عنه - تَبَرَّمَ مِنْ بيعته، و تَلَكًّأَ عليه، ولما بُويَعَ عمر بن الخطاب زادت حيرته في الأمر، وطال استغرابه للواقع لهذا الحال، و بقي في نفسه بعض التحرج لكنه زال بإيمانه، و لما بُويَعَ عثمان أيقن أَنَّ النَّاس على غير ما هو عليه، و أَنَّ ظَنَّهث لَمْ يَرَ عليه أحداً، و سبب ذلك الظن الذي تغلغل في ذهنه رأى نفسه في مقدمة الصحابة ديناً، و إيماناً، و عِفَّةً، و تقوى، و عِلْماً، و عَمَلاً، و شجاعة، و إقداماً، و أَنَّه ابن عم الرسول - عليه الصلاة و السلام-، و زوج البتول، فهذه الخصال كلها تناجي علي بن أبي طالب باختصاص الإمامة عن غيره من بقية الصحابة الذين لم تكن لهم هذه الأحوال التي ذكرناها.
و ذلك بديهي في الأمم كلها، أَنَّ ولد الأمير، أو أخاه، أو قريبه، يرى نفسه الأحق بخلافة الرَّاحل، و لا يعتقد غالباً أن الرأي للأمة التي سيكون الأمير عليها. (1/429)
صفحة 429
و هكذا علي كان يعتقد، و لكن شاءت الأقدار غير ما كان يظن " إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا " (3)، لذلك لمَاَّ بويع على المذكور صَعُبَ عليه إجراء الأمور في مجاريها، فإنه لما بويع انتقض عليه طلحة و الزبير، فعجز عن قهرهما بالسياسة حتى عَظُمَ الخطب أَشَدَّ ما يكون، إلى أَنَّ لَجَأَ إلى القوة، فكانت وقعة الجمل أعظم ما عرف من وقائع الإسلام، و أدهى ما عرفه التاريخ، ثم أردفتها [343] الثانية مثلها أو أعظم منها بصفين، ولم يلبث أن رجعت أموره القهقري.
فكان الأشعث بن قيس يتلاعب بالجيش كيف يشاء، حتى تَمَّتْ عمليته بقتل أهل النهروان، و بذلك انحل نظام الأمر من يد علي بن أبي طالب، فعاد إلى الكوفة، وهم بالقيام لحرب الشام، فلم يستطع علي تحريك ساكن من جيشه، و لم يقدر على فعل مما كان في نفسه، حتى لاح نجم الخلل في أموره، و بدرت بوادر سقوط هيبته، تجاسر عبد الرحمن بن ملجم المرادي عليه، و تجرد لقتله، فكان قاضياً عليه، و انتهت إمارته في ظرف أربع سنين و تسعة أشهر كانت كلها فتناً داخلية، فوقف بذلك شوط الفتوح الإسلامية الذي كان امتد حبله منذ حياة النبي - صلى الله عليه و آله وسلم - إلى أبي بكر الصديق، و عمر الفاروق، وعثمان بن عفان أيضاً.
أَمَّا أيام علي بن أبي طالب فكلها كانت داءً دفيناً بين المسلمين، تَغَلَّبَ فيها معاوية بن أبي سفيان، و تَوَلَّى الأمر عن علي و آل علي، و أصبح معاوية خليفة المسلمين رغم مَنْ يكرهه و يلعنه، إذ كانت له سياسة و مهارة تدبير، و اهتمام كبير، أما علي بن أبي طالب فمهارته الضرب بذي الفقار، و قطع الأعناق في الأزمات الحرجة. (1/430)
صفحة 430
وقد صَحَّ هذا عند أهل العلم، و لله في خلقه أسرار و حكمة، هي مصباح الاعتبار لذوي الأبصار، وقد صَحَّ عند أهل العلم، و ثبت في تاريخ الصحابة - رضوان الله عليهم - ما قلناه عن علي الإمام، و هو ما دَوَّنَهُ أهل السير، و لا شك أن كلاً ميسر [344] لما خلق له، و أهل العلم بالسير كذلك يرون في تحقيق هذه القضايا الهامة.
و استقراء أحوال هؤلاء يظهر عنهم حقائق الأعمال، و عجيب الخصال، لهذا كان التاريخ لسان تعبير عَمَّنْ مضى من الرجال، لمن يأتي من الأبطال و أرباب الأعمال، و التوفيق كرامة من الله عز و جل.
و أغلب الناس أهل أهواء، و الماضي أكبر شاهد، و الدهر عنوان على الرجال، يدل على ما تنطوي عليه ضمائرهم، ألا ترى الناس يذكرون عمر بن عبد العزيز، وهو أموي بما لا يذكرون به أحد من سائر بني أمية، و قد كان معاوية صحابياً و هل كان عمر بن عبد العزيز صحابياً ؟ لَكِنَّ التاريخ يحدثنا عن كل واحد بأعماله و أفعاله، و دينه و نواياه، و هذه هي ميزة التاريخ بين سائر العلوم.
و على كل حال أَنَّه عِلْمُ الأمراء، و سمير الزعماء، ومحدث الكبراء أحديث الملوك والوزراء، و لن يرغب عنه إلا خُلِيُّ البال، أو سافل الأعمال، أو خائر الهمم و العزائم.
و لاقتفاء آثار السلف لا يكون إلا به، و السير في الأمة لا يمكن إلا على وحيه و وعيه.
و مَنْ يراعي في الإمامة ميزان العدالة لا بُدَّ و أن يعطي كل إمام حقه من حياته، و يبرهن على صحة أعماله، بما حفظ من آثاره، و لولا ذلك لكنا نجهل كيف مشى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في الأمة حال نبوته، وكيف عمل أصحابه و خلفائه من بعده، و الإتباع للمسلم خير من الابتداع، و القدوة الصالحة هم السلف الصالح من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فنحن معشر الإباضية هذا منهجنا سلفاً و خلفاً، و الحمد لله. [345]
================== (1/431)
صفحة 431
(1) أخرجه الربيع بن حبيب في 56 - باب إثم من كذب على ص283 رقم 738، وأخرجه البخاري في ( 3 -كتاب العلم 38- باب إثم من كذب(رسول الله ) ( 1/47 ) رقم 106 و 107 و108 و109 و110، وأخرجه مسلم في (53 - كتاب(على النبي الزهد والرقائق 16- باب التثبت في الحديث ) ( 4/ 2298) رقم 72 ( 3004)، وأخرجه الترمذي في ( 24 -كتاب الفتن 70 - باب ) (4/ 224) رقم 2257، وأخرجه أبو داود في ( ) ص 524 رقم 3651 وأخرجه ابن(24 -كتاب العلم 4 -باب التشدد في الكذب على رسول الله ) ص 5 رقم 30 و31 و32(ماجة في ( المقدمة 4- باب التغليظ في تعمد الكذب على والتثبت(و33و34و35و 36و37 وأخرجه الداري في ( المقدمة 25 -باب إتقاء الحديث عن في) (1/54) رقم 231 وهو حديث متواتر لفظي فلا داعي إلى تخريجه أثر من هذا.
(2) ص 36 رقم 40.() أخرجه الربيع في 6- باب في الأمة أمة محمد
(3) يونس : 36.
--- (1/432)
صفحة 432
الخطأ في الدين خطر
قال الإمام الناظم - رحمه الله- :
[الشرح ]
اعلم أَنَّه لَمَّا كان المتقاتلون كل فريق منهم يُصَوِّبُ نفسه، التزم كُلُّ فريقٍ أيضاً أن يحكم على خصمه بالبطل، و يَسْتَحِلَّ قتاله بذلك، و ينسب إلى غيره الخطأ و الغلط، و ظَلَّ يلعن بعضهم بعضاً، و يُضَلِّل بعضهم بعضاً كذلك، و على كل حال لَا بُدَّ لبعضهم من أن يكون محقاً و بعضهم مبطلاً، و من الواجب أن يراعى جانب المحق لما معه من الحقَّ، فَيُنَزَّلَ منزلة أهل الحقِّ، فما كان له عند المسلمين من ولاية فهو باقٍ عليها، و يبرأ من المبطل المصر على بُطْلَانِهِ، المتهالك عليه لا يقبل فيه صَرْفاً، و لا عَدْلاً إِلَّا ما يَهْوَاهُ هواه.
و هذا هو الواجب الذي افترضه الله على عباده بنص القرآن، و بحكم السنة عند سيد آل عدنان - صلى الله عليه و آله وسلم -، لأنه ليس من الحق في شيء أن يجعل المحق و المبطل في مقام واحد " أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ " (1) في أمثالها.
و لا حجة لهم في قولهم إِنَّ الكل مجتهدون، و الحديث " مَنْ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَ مَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرُ اجْتَهَادِهِ " (2)، فإن ذلك فيمن اجتهد في قضية لم يَرِدْ فيها نَصٌ من كتاب أو سنة، و القضية [346] من قضايا الفروع التي هي محل الاجتهاد، فإن الاجتهاد له مقام حققه العلماء، وصَرَّحُوا فيه بتحقيق لم يُبْقِ لأحدٍ مجالاً أو مقالاً يأتي به في غير ذلك المقام.
أَمَّا الأصول الدينية فليس للاجتهاد فيها محل إجماعاً ممن يعتد بإجماعه من المسلمين، و من اجتهد فيها فهو خارجٌ عن الحقِّ، و عادلٌ عن النهج السوي، مائل إلى الهوى، كما قال الإمام -رحمه الله- في أنوار العقول (3) :
إلى أن قال : (1/433)
صفحة 433
و معنى أن الاجتهاد في الأصول التي أوجب الله عز و جل الدينونة بها موجب للهلاك فيها، تارك للحقِّ، مائل إلى الهوى، فلذلك يهلك عندهم ؛ لأَنَّ الله لم يأذن للاجتهاد فيها بعدما حكم بها، و كَلَّفَ العباد العمل بمقتضاها، و إلا كان الشرع مُبْنِيَّا على آراء الناس، فيجتهدون في كل شيء، و لا يقول بهذا عاقل، هذا هو التحقيق لحكم هذه القضية عند المسلمين.
و أين الاجتهاد في قضايا الصحابة ؟، و الحقُّ واضحٌ بَيِّنٌ مفروضٌ بالنص الصحيح، و اللفظ الصريح، و البراهين التي تُصَرِّحُ بحكم الباغي و المبغي عليه، و قد قال الله عز وعلا في كتابه : " فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ " (4) فَبَيَّنَ أَنَّ الناس في حال اختلافهم باغٍ ومبغي عليه، لا ثالث لهما، و بَيَّنَ أَنَّ حكم الباغي يقاتل حتى يرجع عن بغيه، فهل يَصِحُّ لأحدٍ تبديل هذا الحكم أو الاجتهاد فيه ؟، ولو صح لصَحَّ الاجتهاد في كل شيء كما قلنا.
و من أين لمعاوية بن أبي سفيان أن يقاتل علياً و هو إمامٌ بالإجماع، و لم يقترف إثماً يوجب القيام عليه.
و كيف يكون الكل [347] مجتهدين و الأصل الذي عليه الإمام جلي نير، كالشمس في رابعة النهار، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، بل المجتهد في الأمور الدينية متهور يجب عليه ترك الاجتهاد، و التوب إلى الله مما اقترف و إِلَّا كان هالكاً.
وتجب البراءة منه لأجل ما ارتكب من الإثم الذي لا محتمل له فيه أبداً، و لا يقبل المسلمون منه صرفاً و لا عدلاً، إلا إذا تاب إلى الله من ذنبه، و رجع إلى ربه متنصلاً ممتثلاً أمره، فمن تاب إلى الله فإن الله يقبل التوبة و يعفو عن السيئات.
و عليه أن يقوم بتصويب المُحِقِّ، و ينادي بباطله حتى يشتهر ذلك عنه عند المسلمين، الذين علموا منه ذلك الذنب الكبير و الجرم الخطير. (1/434)
صفحة 434
قال الإمام - رحمه الله- في المشارق :" و أَمَّا المجتَهَدُ فيه فهو الحادثة التي لم يوجد حكمها في كتاب و لا سنة و لا إجماع " (5) أي أن محل الاجتهاد الحادثة التي لا يوجد لها حكم في كتب الله، و لا في سنة رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و لا في ما أجمع عليه المسلمون.
قال " فإِذَا خَالفَ اجتهاده الحقَّ المجمع عليه فهو هالكٌ و العياذ بالله " (6) و أنت تدري أن إمامة علي بن أبي طالب كانت مجمعاً عليها فهل بَقِيَ شَكٌ في أن الخارج على الإمام المجمع على إمامته غير مبطل ؟، لا و الله، إن علياً كان هو الإمام الحق الذي اجتمعت الأمة على إمامته، و لزمتهم طاعته ما لم ينقضها بشيء، فالخارجون عليه في تلك الآونة مبطلون ولا محل للاجتهاد هنا، و الأمر واضح، و الحقُّ بين.
و الإمام العدل بين أظهرهم أيقال هنا : ألكل مجتهدون، و محل الاجتهاد قد عرفته، إنما هنا الواجب تضليل [348] الخارجين على الإمام الحق، و وجوب قتلهم عليه لأنهم بُغَاةٌ على الإمام، و الله أمرنا بقتال الباغي بقوله :- " فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ " (7).
و قد أجمع المسلمون على أن الاجتهاد محله فروع الأدلة، لأنها هي التي تقبل التأويل، و بها يقع التنظير، و ذلك مناط الاجتهاد، أما الأصول فهي قاطعة لمعنى الاجتهاد و النظر إجماعاً.
فافهم فقد اختلط على القوم الحابل بالنابل، والحالي بالعاطل، و ظلوا هائمين في دياجى الجهل، يتأولون للصحابة التأويلات الخاطئة إِذْ سَمِعُوا ثناء رسول الله - صلى الله عليه وآله و سلم - فضاق عليهم الوسيع، و لم يدروا قبيلاً من دبير، والحق واضح جلي، يمكن لمن يفهم عن الله و رسول الله - عليه الصلاة والسلام -. (1/435)
صفحة 435
و لا يَصِحُّ أن يقال أن الصحابة كلهم مجتهدون، وُفِّق مَنْ وُفِّق، و من لم يوفق فهو أيضاً مأجور باجتهاده، و لا تَبِعَةَ عليه فيما فعل، و لا إثم عليه فيما اجترح، فإن قضايا الصحابة كلها محكوم فيها من لدن العزيز الحكيم، و ليس لأحد منهم فيها مجال نظر، بل الواجب إتباع أحكامه عز و جل فيها، و قد بَيَّنَا محل الاجتهاد.
ومراعاة أحوال الأمة واجبة، فإن الناس يخلقون أشياء، و يختلقون أحوالاً يستترون بها، ويضعون الباطل في صورة الحقِّ، ليتوصلوا به إلى أغراضهم الخاصة، ويعكسون القضايا حسب الأهواء، و لا يبالون، و لكن على الحاكم على قضاياهم النظر الصحيح و العقل الرجيح، و أن لا تأخذ به الأهواء فيميل إلى ما تهوى، فإن الحق بذلك لا يدري، و الصحيح من السقيم [349] لا يعرف، و للناس أهواء سيئة تحملهم إلى ركوب الباطل، والاعتماد على المنهج العاطل، إذا لم يزعهم وازع ديني.[350]
==================
(1) القلم : 35-36.
(2) أخرجه البخاري في ( 76 - كتاب الإعتصام 21 - باب أجر الحاكم إذا اجنهد فأصاب او أخطأ ) (4 /401) رقم 7352، وأخرجه مسلم في( 30 - كتاب الأقضية 6 -باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فاصاب أو أخطأ ) ( 3/ 1342) رقم 15 (1716)، وأخرجه النسائي في (49 - كتاب آداب القضاء 3- باب في الإصابة في الحكم ) ( 8 /223) رقم 5381، وأخرجه أبو داود في ( 23 - كتاب القضاء 3- باب في القاضي يخطيء) ص 513 رقم 3574،وأخرجه ابن ماجه في ( 13- كتاب أبواب الأحكام 3- باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق ) ص 331 رقم 2314، وأخرجه أحمد في المسند ( 13 /490 ) رقم 17702.
(3) بهجة الأنوار شرح أنوار العقول ص 4
(4) الحجرات : 9.
(5) مشارق أنوار العقول ( 1/178)
(6) مشارق أنوار العقول ( 1/179)
(7) الحجرات : 9.
--- (1/436)
صفحة 436
الخطأ في الدين
قال الإمام - رحمه الله- :
[الشرح ]
اعلم أَنَّ الخطأ على أنواع منه خطأ بعلم أي يعلم أَنَّما فِعْلُهُ خطأٌ، و الخطأ بغير علم أي لا يعلم أنه وقع في خطأ، و الحديث " رُفِعَ عَنْ أُمْتِي الخَطَأُ و النِسْيَانُ " (1) أي رفع إثمهما أما وجودهما فلا، إذ هما موجودان في البشر، و لا يَسْلَمُ منهما أحد فيما علمنا.
فقد أخطأ الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة و السلام ونَسَوْا، و ذلك لحكمة علم الله سِرَّهَا، و رَدَّ إليه أمرها.
و منه الخطأ في الدِّين إما حكماً، و إما فتوى أي بأن يخطئ في حكمه أو في فتواه في شيء من الدِّين، أي في شيء مما يدين بتحليله فيحرمه أو يدين بتحريمه فيحلله، فإذا أخطأ المفتي في فتواه عُفِيَ عن إثم خطأه، أي لا إثم عليه في الخطأ المشار إليه. (1/437)
صفحة 437
قال الإمام - رحمه الله- في المشارق : " اعلم أَنَّ الخطأ إِمَّا أن يكون من عالم فيما علمه، أو من جاهل فيما جهله، وعلى كل حال إِمَّا أَن يكون خطأ في الدين، أي فيما لا يجوز الخطأ فيه، أو في غير الدين، والمراد به ما يسع الخلاف فيه، و على كل أيضاً فلا يخلو ذلك المخطأ فيه إما أن يتعلق به اتلاف مال الغير أو لا، فإن وقع الخطأ من العالم [351] في الدِّين، وهُوَ الذي وَرَدَ فيه دليل قطعي كتوريث الأم السدس عند وجود الأولاد أو الأخوة فقصد إلى ذلك فَزَلَّتْ لسانه فقال لها الثلث فلا إثم عليه و لا ضمان، و إنما الإثم والضمان على الذي قَبِلَ منه ذلك الخطأ الباطل وعَمِلَ به، لأَنَّ خطأ العالم مرفوع عنه، و إصابته مثاب عليها إجماعاً" لأَنَّ قوله ذلك خرج عن غير قصد منه، وقد صَرَّحَ الكتاب والسنة بعفوه من ذلك إجماعا، " و أما إن كان خطأه في غير الدين " أي في غير ما ورد النص فيه " فهو أولى بالعذر فيه، و لا ضمان عليه، و لا إثم عليه، و لا على من قبل فتواه وعمل بها، لأن المقام مقام خلاف، ألا ترى لو أن الله أظهر له ذلك بالدليل أنه يَصِحُّ له أن يقول به على قصد منه إليه، وإن خالفه من خالفه". (2)
وسُمِّي المستحل مستحلاً لاعتقاده أَنَّ ما فعله هو حلالا له فعله، أو قاله إن كان ذلك قولياً، أو أَقَرَّهُ إن كان تقريراً، فهو يدين بِحِلِّهِ، ويفعله على ذلك القصد.
و هو في الحقيقة ضالٌ بما ارتكب، فَاسقٌ بما فعل، تجب البراءة منه بعد تتويبه و تبيين الحقِّ له، و كشف ضلله الذي ارتكبه، و إيضاح الحقِّ في قضاياه التي استحلاها. (1/438)
صفحة 438
و منه القول بالرؤية، و اعتقاد خروج العصاة من النار، فإن القول بهذا حرام، لأنه مصادم للنص، ومعارض للحقِّ، فإذا بَيَّنَ له الحقَّ وتاب مِمَّا دان به من الضلال قُبِلَ منه، و إلا وجبت البراءة منه بعد التتويب إذ قامت عليه الحجة، و أَصَرَّ على باطله، فلا مقال فيه إلا البراءة منه.
قال في المشارق :- " و المستحل هو الذي يأتي الأشياء المحرمة في دين الله تعالى اعتقاداً منه أنها حلال، متمسكاً على ذلك بشبهة [352] من كتاب، أو سنة، أو إجماع، فهو جازم بتلك الشبهة و معتقد أنها الدليل القاطع، و يلتزم بها تخطئة من خالفه في ذلك ديناً (3) " أي دائناً بذلك لله حسب نظره.
قال :- " أَمَّا إذا كان بغير تلك المثابة فليس هو بالمستحل، و إن اعتقد حِلَّ ذلك المحرم، أو تحريم ذلك المحلل، فإنما هذا جاهل بقواعد الدِّين الذي هو عليه، و حكم التائب المحرم هو الذي يأتي الذنب المحرم " أي يرتكب الأمر الذي حرم الله ارتكابه على وجه يعتقد أن ذلك الذنب المحرم جائز الفعل، فإن توبته منه إجمالاً كافية مجزية، " فلا يطالب بتفصيل ذنباً ذنباً" أي كل ذنب على حدة " بل إذا قال أنا تائب إلى الله من جميع ذنوبي قبل منه.
أما المستحل لركوب ما ارتكب فعليه أن يتوب منه تفصيلاً " أي إذا كانت له عدة ارتكابات في ذنوبه، و كان يدين باستحلالها فإِنَّه لا يجزيه التوب منها إجمالاً بل عليه أن يتوب منها تفصيلاً ذنباً ذنباً، كل ذنب على حدة لأنه كان يعتقدها ديناً، فإن قال أنا تائب من جميع ذنوبي لم يدخل فيه الذنب الذي استحله إذ ليس ذلك ذنباً عنده ". (1/439)
صفحة 439
قال الإمام - رحمه الله- : " و هذا فيما بينه و بين الناس، أَمَّا بينه وبين ربه فإذا اعترف بخطأه وبضلالته فيه فَنَدِمَ على استحلاله بذلك، وارتكابه له و عَزَمَ أن لا يعود إلى شيء منه، وطلب الغفران من ربه لمجمل ذنبه فإنه يجزيه ذلك، و قيل تجزيه التوبة أيضا إجمالاً حتى عند الناس، ويقبل منه إن علم أنه راجع عن ذلك الذنب الذي استحله "، قال :- " وهو قول محمد بن محبوب (4) [353] - رحمهم الله - أفتى به في حق محمد بن عباد (5)، وقد اسْتَحَلَّ أشياء فتاب منها عند المسلمين إجمالاً، فطلبوا منه التفصيل فبقي كالجمل المحرنجم إن تقدم نُحِرَ، وإن تأخر عُقِرَ، فأفتى ذلك الإمام الرحيلي حين إذ بذلك القول و قبلوا منه إجماله " (6).
قال الإمام - رحمه الله- : " و في الأثر ما [ نصه] وسألته عمن يتوب فقال : استغفر الله مِنْ كُلِّ ما دِنْتُ به من الباطل، و من جميع ما خالفت فيه الحقِّ، أيجزيه ذلك إذا كان قد دان بشيء من الباطل أو تولى عدواً أو عادى ولياً ؟ قال : يجزيه ذلك إذا كان تَدَيُّنُهُ من جهة خطأ أو قذف، وقال مَنْ قال : لا يجزيه في هذا، وإن كان تدينه بشيء من البدع والضلال، فذلك لا يجزيه حتى يتوب من ضلالته تلك بعينها إلا أن يكون نسيه وقد تاب من جميع ذلك، فإن ذلك يجزيه فيما بينه و بين الله ".
قال الإمام : " ففي هذا الأثر تفصيل بَيْنَ ما إذا كان المستحل من أحد الفرق الضالة المعتقدة لاستحلال ما حرم الله كالأزارقة، و بين ما إذا كان أصله من أهل الاستقامة فاستحل شيئاً في دين الله هو حرام بدليل في زعمه فاجتزى بالإجمال في حق هذا الأخير بعض، ولم يجتز البعض الآخر، و أما المستحل الأول فلم يَحْكِ فيه إلا عدم الاجتزاء بالإجمال قولاً واحداً. (1/440)
صفحة 440
ومَنْ أتى شيئاً فيه حقوق العباد كأخذ المال الغير، أو ارتكاب فرج محرم غصبا، أو كان تأثير في نفس بما لا يَحِلُّ و نحو ذلك، فإِمَّا أن يأتيه ذلك الفاعل وهو معتقد حرمته فعليه مع التوبة غرمه لصاحبه، و لا تجزيه التوبة وحدها إن كان قادراً على [354] الغرم، أما إذا كان غير قادر كما إذا تَعَذَّرَ عليه وجود صاحبه، أو تَعَذَّرَ عليه وجود ما يتخلص به، فإنه يجب عليه حينئذ أن يعتقد الخلاص منه عند القدرة عليه، فإن حضره الموت ولم يَجِدْ إلى التخلص سبيلاً، و جبت عليه الوصية به، و لا شيء عليه فوق ذلك "، أي أن ذلك هو نهاية ما عليه، و ذلك المستطاع في حقه، " أَمَّا إذا كان أتاه وهو يعتقد حِلَّهُ، فحكمه بعكس من أتاه و هو يعتقد حرمته، أي فتجزيه التوبة من ذلك الشيء دون غرمه، سواء كان قائماً في يده أو كان قد أتلفه " (7) اهـ بتصرف يسير. (1/441)
صفحة 441
ولا يخفى عليك هذا الحكم وَرَدَ في الكتاب العزيز في حق المشركين قال الله عز و جل : " قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ " (8) فأثبت لهم المغفرة و العفو عَمَّا سَلَفَ مما أجترحُوه من أموال وغيرها، و عليه أيضاً قوله - عليه الصلاة والسلام - : " إِنَّمَا قِيلَ لِلجَاهِلِيةِ جَاهِلِيةٌ لِجَهَالَةِ أَهْلِهَا وضَعْفِ عِلْمِهَا، فَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ وَ هُوَ فِي يَدِّهِ فَهُوَ لَهُ " (9) فتراه - صلى الله عليه و آله و سلم - ملَّك المشرك ما أخذه مستحلاً في دينه، و لم يقل بنزعه منه، و جاء في حديث سلمان - رضي الله عنه - حين أمره رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن يستكتب و هو على دين، فباعه المشركون لليهود، فأمره - صلى الله عليه و سلم - أن يستكتب فستكتب، و كذلك حكم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في دور مكة ورباعها، و قد دخلها على أهلها عَنْوَة فهي لهم، [355] فَسَوَّغَ لهم جميع ما في أيديهم من كَسْبٍ أو غَصْبٍ، و كان للمسلمين المهاجرين فيها دور خرجوا عنها للهجرة و هي ملكهم، فخالف عليها المشركون من بعدهم و اغتصبوها فهنأها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - و لم يردها لأهلها، و لا انتزع من أيدي المشركين شيئاً مما كان ملكاً للمهاجرين، ولم يُنْقَلْ عنه أَنَّهُ رَدَّ على أحدٍ من المهاجرين داره، أو شيئاً من ملكه مما وضع عليه المشركون أيديهم. (1/442)
صفحة 442
وقد اغتصب عقيل بن أبي طالب دور رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - ودور بني عبد المطلب، وصارت دار خديجة زوج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى أبي سفيان بن حرب غصباً، وهي التي كان فيها مولد ابنته عليه السلام، وهي فاطمة الزهراء، و كذلك اغتصب أبو سفيان أيضا دار أبي أحمد بن جحش فاستعدى عليها رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - فلم يعده أي شكاه إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فلم يشكه أي لم يسمع شكايته و لم يلتفت إليها، فقال : يا رسول الله دار أبي اغتصبها أبو سفيان، فعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - فأتاه من على يمينه، فأعرض عنه، ثم أتاه من على شماله فأعرض عنه، ثم مضى و تركه، و قال أحمد بن جحش يُعَرِّضُ بأبي سفيان في ذلك :
و ابتاعت تلك الدار في غلاء دور مكة بمائة ألف دينار، فشتراها أبان بن عثمان (10) في دور كثيرة على هذا الحال.
================================
(1) أخرجه ابن ماجة في ( 10-كتاب الطلاق 16 - باب طلاق المكره والناسي ) ص 292 -293 رقم 2043، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ( 7/584 ) رقم 15094، وأخرجه أيضا في معرفة السنن والآثار ( 14 / 186) رقم 19590، وأخرجه الحاكم في المستدرك ( 2 / 216 ) رقم 2801، وأخرجه الدار قطني في سننه ( 4 / 99) رقم 4306، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ( 3/95)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (11/ 133 -134 ) رقم 11274، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ( 6/ 352 ).
(2) مشارق أنوار العقول ( 1/200 -201)
(3) مشارق أنوار العقول (2/ 386)
(4) محمد بن نحبوب بن الرحيل القرشي المخزومي ( 160 هـ -260 هـ ) أبو عبدالله أحد أئمة الإباضية في المشرق، محث، فقيه، مؤرخ، بلغ الاجتهاد المطلق، ورئاسة العلماء في عصره، له موسوعة فقهية في سبعين جزءاً، له عدة سير، منها سيرته إلى أهل المغرب، وسيرته إلى أهل حضرموت. (1/443)
صفحة 443
أنظر الإمام محمد بن محبوب حياته وآثاره بحث يخرج بمعهد العلوم الشرعية بأكمله.
(5) محمد بن عباد المدني ( ق 201 هـ ) من متكلمي الإباضية الأوائل، له كتاب ضخم في المسائل الكلامية، يعف ب " كناب ابن عباد ".
معجم أعلام الإباضية ( 4/ 807).
(6) مشارق أنوار العقول ( 2 / 387)
(7) مشارق أنوار العقول ( 2/388 -390 )
(8) الأنفال : 38.
(9) لم أتمكن من تخريجه.
(10) أبان بن عثمان بن عفان الأموي القرشي ( ت 105 هـ ) أول من كتب في السيرة النبوية، مولده ووفاته في المدينة، شارك في وقعة الجمل مع عائشة، وتقدم عند خلف بني أمية، فولي إمارة المدينة، وكان من رواة الحديث الثقات. الأعلام ( 1 / 27 ).
--- (1/444)
صفحة 444
وقال أسامة بن زيد في يوم الفتح لرسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - و كانت رجل رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - بيده أي يريد أن يركب راحلته أين [356] تنزل غداً يا رسول الله ؟ فقال - صلى الله عليه و سلم - : " وَ هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلاً أَنْزِلُ فِيهِ ؟ أَنْزِلُ بِالأَبْطَحِ " و المعنى أن منازلنا كلها استولى عليها عقيل فهي له إذ أسلم عليها، وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : " و لسنا بنازعين شيئاً في يد أحد إذا أسلم عليه " و المعنى يتملكه بنفس إسلامه عليه، إذ الإسلام جب لما قبله.
قال الإمام - رحمه الله- : " و على هذا اجتمعت الأمة المحمدية " (1) قال :- " و أما المرتد إذا أخذ شيئاً من أموال المسلمين بعد ارتداده، فإذا أسلم عليه قال أبو حنيفة : عليه رده، و المذهب لا رَدَّ عليه إذ لا فَرْقَ بينه وبين سائر المشركين "، قال : - " و كذلك الذِّمِي إِذَا أخذ شيئاً من أموال المسلمين ثم أسلم عليه رأى الزمخشري (2) رده، و صححه القطب - رحمه الله- "، قال : - " وعندنا لا رَدَّ عليه إذ لا فَرْقَ بينه وبين غيره من سائر المشركين "، قال :- " و إخراج المرتد و الذمي من عموم الدليل محتاجٌ إلى دليلٍ ". (1/445)
صفحة 445
قال :- " و كذلك ما اغتصبه المشركون من أموال المسلمين هل يكون لهم و تجوز معاملتهم فيه أم لا و الظاهر أَنَّ ذلك داخلٌ في حكم الأَوَّلَيْنِ " قال الإمام ابن بركة (3) :- " ليس لهم ذلك، و لا تجوز معاملتهم فيه "، قال الإمام :- " و عليه صاحب السؤالات (4) و الإمام أفلح بن عبد الوهاب (5) و المحقق الخليلي - رحمهم الله و رضي عنهم - "، قال :- " ولعلهم يستدلون على ذلك بقوله عز و جل :- " وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً " (6)، " قال:- " وذلك غير ظاهر، و جعلهم منزلة المشرك إذا أسلم على شيء في يده كذلك، لأن هؤلاء مغتصبون ونفس الاغتصاب لا يُحِلَّ لهم أموال المسلمين، و لو كانت أموال المسلمين تَحِلُّ للمشركين بنفس اغتصابهم [357] له كان داعياً لهم إلى الاغتصاب على هذه الأحوال يلاحظ هؤلاء الأئمة الأعلام " (7).
قلت : الواضح عدم الفرق، قال الإمام الربيع (8) و أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (9) و أهل التحقيق من علمائنا أهل المغرب - رحمهم الله و رضي عنهم - و صححه القطب ابن يوسف ليس لصاحبه أن يأخذه منهم، و تجوز معاملتهم فيه، وهذا القول سَهَّلَ من أمر أهل زنجبار في هذه الآونة التي نحن فيها إذ هجم الكفار على أموال المسلمين و اغتصبوها قهراً و قسراً، بل وقتلوا غالب أهلها، واضطر المسلمون الباقون بها إلى معاملتهم فيها، و يدل لهذا ما دل على ما قبله، و هو أن رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - أبقى المشركين على ما أخذوه من أموال المسلمين، و تركه يوم الفتح في أيديهم ولم ينزعه منهم، فَدَلَّ ذلك أنه لهم، و هذا هو بعينه الدليل بذلك، و أمره سلمان - رضي الله عنه - أن يستكتب من اليهودي، و سلمان ذو دين و كان باعه المشركون على اليهودي. (1/446)
صفحة 446
قال :"و دليل المانعين قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - :" لَاَ حَقَّ لِعِرْقِ ظَالَمٍ ولَا ثُوَاءَ عَلى مَالِ امْرِءٍ مُسْلِمٍ " (10)، و ما رواه نافع عن ابن عمر أنه قال : " ذهب فرس له فأخذه العدو فظهر عليه المسلمون فرده عليه في زمن النبي - صلى الله عليه وآله و سلم -، وأبق عبداً له فلحق بالروم فظهر عليه المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد - رضي الله عنه - بعد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - و ذلك في زمان أبي بكر - رضي الله عنه - و الصحابة يومئذ متوافرون من غير نكير منهم على ذلك " (11).
قال " و تكلموا على استدلال من استدل باغتصاب أبي سفيان بأن أباسفيان كان أسلم قبل المطالبة، و كذلك قضية سلمان - رضي الله عنه - إنما أخذه المشركون قبل أن يظهر الإسلام و هو يوم إذ نصراني، و لا يخفى ما في النصرانية من جعل عيسى - عليه السلام - ولداً [358] و جعل الإله ثلاثة، و كُلُّ شِرْكٍ، و أيضاً فاليهودي الذي استكتب منه سلمان لم يغتصب سلمان بنفسه، و إنما اشتراه من غيره فما لم تقم بينه أنه مغتصب فهو ملك لليهودي، و عند وجود هذه الاحتمالات لا يتم ذلك الاستدلال، فظهر أن الصحيح ما عليه الأولون ".
قال :- وأما الموحد المقر برسالة محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - الدائن بان ما جاء به محمد - عليه الصلاة والسلام - حَقُّ، إذا استحل بتأويل الخطأ ما كان حراماً في دين الله عز و جل كالأزارقة و من في معناهم من الصفرية في حكمهم على أهل القبلة بحكم المشركين في استحال سفك دمائهم، حِلِّ غنيمة أموالهم، متأولين تأويلاً خاطئاً من أَنَّ مَنْ خَالَف مذهبهم فهو مشركٌ حلالُ الدِّمِ و المالِ، وهم يتأولون آية المَيْتَةِ كما هو شهير مذهبهم فهل يكون حكمهم في ما استحلوا كحكم المشركين، ليس عليهم إلا التوبة منه أما لا ؟. (1/447)
صفحة 447
ذهب بعضهم إلى أن حكمهم حكم المشركين قياساً عليهم بجامع الاستحلال، وجعلوا منه أيضا خروج عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - على المسلمين فسفكت بسبب خروجها الدماء فلما تابت قبل المسلمون منها و لم يلزموها شيئا من الحقوق، وجعلوا أيضاً منه خروج علي بن أبي طالب على أهل النهروان وقتله لهم حتى قالوا لو تاب علي ما كان عليه إلا ذلك، لأنه متأول فأخطأ.
قال الإمام محمد بن محبوب - رضي الله عنهما - : و زعمت البهشمية (12) أن علياً قد تاب من ذلك."
قال :- " واختلفوا أيضاً في هذا المستحل حسب اختلافهم فيما [359] [ اغتصبه ] المشركون من أموال المسلمين هل يكون لهم قبل أن يسلموا عليه أم لا ؟، فمنهم مَنْ ذَهَبَ إلى أَنَّ ما أخذه المغتصب على وجه الاستحلال كان له و ليس لربه أن يأخذه منه، و تجوز معاملته فيه و لو لم يتب من استحلاله، و منهم من ذهب إلى أن ذلك ليس للمستحل إلا إذا تاب عليه، و لا تَحِلُّ معاملته فيه قبل التوبة، و لصاحبه أن يأخذه إِنْ قَدَرَ عليه، و قيل أَنَّ الحكم المذكور مخصوص بالمشركين، و أن الموحد المستحل لا يشابههم في ذلك الحكم، فعليه أن يرد جميع ما اغتصبه أو ضمانه إن كان قد أتلفه قبل التوبة وبعدها، و لعلهم رأوا أن علة الحكم هنا الشرك لا الاستحلال، فلم توجد العلة في الموحد عندهم فلم يثبت... وفَصَّلَ بعضهم قائلاً إن تاب هذا المستحل وفي يده شيء من المغتصبات قائم العين لزمه رده إلى أربابه، و إن تاب وليس في يده شيء قائم العين فلا غُرْمَ عليه " (13).
قال الإمام - رحمه الله- " :- و كأنهم نظروا إلى قوله تعالى : " يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ " (14) و قوله عز و جل " مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " (15). (1/448)
صفحة 448
قال " و وجه الاستدلال بهاتين الآيتين أَنَّ مَنْ كان مستحلاً لشيء لا يكاد يتوقف عند القدرة عليه فهو منهمك فيه و متهور، فإن ظهر له خطأه و أراد التوبة منه لا يكاد يتيسر له الخلاص منه لعظم ما أتلفه، فحصلت له المشقة و الحرج، و لا مشقة ولا حرج عليه في رد ما كان في يده ؛ فظهر الفرق عند هؤلاء "، قال :- " وعلى هذا المذهب " (16).
كان قد عَوَّلَ على هذا الإمام السالمي ثم ظهر له بعد [360] ذلك ضعف هذا القول.
قال :- " و وجه ضعفه أَنَّ علته هذه غير مطردة، لأَنَّ مَنْ تَهَوَّرَ في شيء وهو منتهك لزمه غرمه اتفاقاً، سواء شَقَّ عليه ذلك أم لا، فلو كان شدة عسر و وجود المشقة رافعين للضمان لرفعا عن هذا المنتهك المتهور أيضا، فظهر أن العلة الرافعة للضمان إنما هي الاستحلال مطلقاً أو مقيداً بالتوبة كما هو عند أهل القول الأول، أو الشرك مطلقاً أو مقيداً بالإسلام كما هو عند أرباب القول الثاني، و إذا دار الأمر بين ترجيح المذهب الأول أو الثاني قلنا أن الراجح أن العلة الرافعة للضمان هي الشرك بقيد الإسلام فلا يكون ما اغتصبه المشرك ملكاً له حتى يسلم عليه لما مَرَّ، و لا يشترط في المشرك أن يكون مستحلاً لما اغتصبه لما صَحَّ أن رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - قد حَطَّ ضمان ذلك عن جميع المشركين من أهل الكتاب أو غيرهم.
ولا شك أن أهل الكتاب يعرفون حقية ما جاء به محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - لقوله تعالى :- " الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ " (17)، و من عرف الحقَّ لا يعتقد حِلَّ معاندته، و لا قتال أهله، و لا يستحل أموالهم، فظهر بحمد الله أن العلة في ذلك الشرك " (18) أي بقيد الإسلام عليه، و العلم عند الله.
هذا تحقيق المقام كما تراه واضحاً جلياً، فاشدد به يدك فإنك ربما لا تجده كما هنا مفصلاً ومؤصلاً، و الحمد الله.[361]
تتمة (1/449)
صفحة 449
لقد عرفت حقيقة المستحل مما تقدم، و بيان الاستحلال في الدِّين و حكمه عند المسلمين من أَنَّه ضالٌ، فاسقٌ، منافقٌ، لا نتولاه، و لا نُصَوِّبَهُ في فعله، بل نتبرأ منه إن بَقِيَ على استحلاله لما حَرَّمَ الله، و لا عذر له في استحلاله، و لو ادعى الجهل بمعرفته لذلك، فهو باق على فسقه، ولو كان معذوراً لذلك لحكم بالنجاة للضُلَّال الذين بغوا في الدِّين، و خالفوا المسلمين، و انتحلوا لهم مذاهب اعتمدوا عليها، و أقوالاً ركنوا إليها، و لا يرضى الله عز و جل غير الحقِّ ممن كان وفي أي زمان، فإن المتقاتلين في كل زمان كل فريق يُصَوِّبُ نفسه، ويَدَّعِي الحقَّ له، والصدق معه، و بذلك يكون معذوراً :- " لاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا " (19).
فعلى من استحل شيئاً يجب عليه الإقلاع عن استحلاله، و الرجوع فيه إلى الحقِّ، ورَدُّ ذلك الشيء المستحل إلى أهله، و الاعتراف عند المسلمين اعترافاً صحيحاً شاهراً ظاهراً أنه راجع عما كان عليه، تائب إلى الله عز و جل منادياً بذلك عند كل من علم استحلاله، حتى يرجع إلى الولاية عند المسلمين، و يدخل في حضيرة المؤمنين، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، و ذلك من فضل الله علينا و على الناس، ومن عظيم رحمته.
فمن كان اعتقد استحلال دماء المسلمين أو استحلال أمولاهم بدين فعليه أن يشهر رجوعه، ويشيعه راجعا متنصلاً إلى الله دائناً بخطأ ما كان عليه، مُحَرِماً لما حَرَّمَ الله، و محللاً لما أَحَلَّهُ الله، فإِنَّ الخطأ في الدِّين لا يَصِحُّ، و لا يعذر الذي يأتيه حتى [362] يرجع و يتوب إلى الله.
=======================
(1) مشارق أنوار العقول ( 2/ 392 ). (1/450)
صفحة 450
(2) محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري ( 467 هـ - 538 ) أبو القاسم، جار الله، من أئمة العلم بالدين والتفسير، واللغة والآداب، من اشهر كتبه الكشاف، وأسس البلاغة والمفصل وغيرها. الأعلام ( 7 / 178 )
(3) عبدالله بن محمد بن بركة السليمي الأزدي البهلوي ( ت : 362 هـ ) أبو محمد،، أحد أقطاب المذهب الإباضي، وأحد المجددين في الفقه الإباضي، كان عالماُ مجنهداً محقق، أصولي، له عدة كتب أشهرها الجامع والتقييد والتعارف وغيرها. أنظر مقدمةكتاب الإمام ابن بركة السليمي ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية.
(4) عثمان بن خليفة السوفي المارتي ( ق : 60 هـ ) أبو عمرو، أحد أعلام الإباضية البارزين، أحي المذهب الإباضي بتآليفه الهامة، امتاز بمقدرته الجدالية في الدفاع عن المذهب، من أشهر كتبه السؤالات، وهو من أهم مصادر الإباضية في العقيدة، له كتاب رسالة في الغرق. معجم أعلام الإباضية ( 3/ 601 )
(5) أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ( ت258 هـ ) أبو اليقظان، ثالث الأئمة الرستميين حكم بين ( 208 هـ - 258 هـ )، كان عالماً من أكبر علماء زمانه فقيهاً وشاعراً، وقد تصدر صغيراً للتدريس، إ نفرد بآراء في علم الكلام و أعتبر لذلك إماماً، من مؤلفاته رسالة في خلق القرآن. معجم أعلام الإباضية ( 2/ 120 )
(6) النساء : 141.
(7) لم أجد في المطبوع سواء طبعة دار الجيل بتحقيق د. عبد الرحمن عمبرة أو طبعة دار الحكمة بتحقيق عبد المنعم العافي، وربما هذه المناقشة من كلام المؤلف والله أعلم. (1/451)
صفحة 451
(8) الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي ( ت : 175 هـ - 180 هـ ) أبو عمرو، محدث، حافظ، متقن، من أهل البصرة،ومن أهم آثاره الجامع الصحيح الذي رتبه أبو يعقوب الوارجلاني، ووله إجابات وفتاوى في العبادات والمعاملات، وكتاب آثار الربيع. الأعلام ( 3/ 14 ) وانظر الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده للشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي
(9) يوسف بن إبراهيم بن مناد السدراتي الوارجلاني ( و : 500 هـ - 570 هـ ) أبو يعقوب، علم من أشهر علماء الإباضية بالمغرب، ترك بصمات بارزة في التراث الإباضي خصوصاً، والمكتبة الإسلامية عموماً، رحل إلى الاندلس لطلب العلم، ثم رجع إلى موطنه ورجلان، له عدة كتب إلى أشهرها، تفسير القرآن الكريم، والدليل والبرهان لأهل العقول والعدل،والإنصاف في أصول الفقه والإختلاف، ورتب مسند الربيع بن حبيب وغيرها. معجم أعلام الإباضية ( 4 / 1010).
(10) أخرجه الترمذي في (13 - كتاب الأحكام 38 - باب ما ذكر في إحياء أرض الموات ) ( 3/662 ) رقم 1778، وأخرجه أبو داود في ( 19 -كتاب الخرج والغمارة والفتن 37 -باب في إحياء الموات ) ص 450 رقم 3073، وأخرجه مالك في الموطأ في ( 36 - كتاب الأقضية 24- باب القضاء في عمارة الموات ) ص 26.
(11) مشارق أنوار العقول ( 2/ 392 - 393 )
(12) هؤلاء أتباع أبي هاشم بن الجباني، وأكثر معتزلة القرن الخامس الهجري على مذهبه لدعوة ابن عباد وزير آل بويه، وينال لهم الذمية، لقولهم بالتحاق الذم لا على فعل، وقد شاركوا المعتزلة في أكثر ضلالاتها، وانفردوا عنهم بغضاً ثم لم يسبقوا إليها. وأنظر في شأن هذه الفرقة التبصير ص 53 وقد أدمجها الشهرستاني في الملل والنحل مع الجبانية 1/ 78
(13) مشارق أنوار العقول (2/ 393 -394)
(14) البقرة : 185.
(15) الحج : 78.
(16) مشارق أنوار العقول ( 2/ 395)
(17) البقرة : 146.
(18) مشارق أنوار العقول ( 2/ 396 ) (1/452)
صفحة 452
(19) النساء : 65.
--- (1/453)
صفحة 453
بيان حديث الافتراق عند أهل الحق يرفع الشقاق
قال الإمام الناظم - رحمه الله- :
[الشرح ]
اعلم أَنَّ حديث الافتراق الذي ثَبَتَ عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - نقله، و صَحَّ عند العلماء أصله، أَبَانَ الحقَّ، و رَفَعَ الشقاق، و أوضح تحقيق الادعاءات التي طالما ركن إليها المغترون، و يتبجح بها المخالفون، لقد خصص الحديث المشار إليه العمومات التي وردت في سعادة الأمة كقوله عز و جل : " كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ " (1)، فهذا النص عام كما تراه، و كذلك قوله عز و علا : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ.. " (2)، الآيةو نحوها من الآيات الدالة على سعادة عموم الأمة كما ترى.
واعلم أَنَّ حديث الافتراق ورد من طرق متعددة، و بألفاظ مؤداها واحد، منها قوله - صلى الله عليه و آله وسلم - : " بَلَوْتُ اليَهُودَ فَوَجَدْتُهُمْ قَدْ كَذَبُوا عَلَى أَخِي مُوسَى فَافْتَرَقُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبَعِينَ [ فِرْقَة] كُلُّهَا هَالِكَةٌ إِلَّا وَاحِدَةً نَاجِيةً وَهِيَ الِتي فِي قَوْلِهِ " وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ " (3)،[363] و بَلَوْتُ النَّصَارَى فَوَجَدْتُهُمْ قَدْ كَذَبُوا عَلى أَخِي عِيسَى فَافْتَرَقُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسْبعِينَ فِرْقَة كُلُّهَا هَالِكَةٌ إِلَّا وَاحِدَةً نَاجِيةً، وَ هِيَ الِتي فِي قَوْلِهِ تَعَالى : " ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ " (4) وسَتَفْتَرِقُ أُمْتِي عَلَى ثَلاث وسَبْعِينَ فِرْقَةِ كُلُّهَا هَالِكَةٌ إِلَّا وَاحِدَةً نَاجِيةً " فقيل له : يا رسول الله صفها لنا، فقال : " هِيَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَ أَصْحَابِي ". (1/454)
صفحة 454
وفي الربيع بن حبيب - رحمه اللهو رضي عنه - أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه و آله وسلم - قال : " إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عند فاعرضوه على كتاب الله فما وفقه فعني، و ما خالفه فليس عني " فأفاد هذا الحديث صحت الافتراق، و هو من أعلام نبوته - صلى الله عليه وآله وسلم - حيث يقول : " إنكم ستختلفون من بعدي " و كأنه يرى خلافهم بين يديه، حيث وقع كما ذكر صلى الله عليه و سلم.
و هاك الحديث الثاني عند الربيع بسنده الرفيع، و هو العمدة عند أهل الحديث، قال الربيع : أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي -صلى الله عليه و آله وسلم - قال : " ستفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة، كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية، وكلهم يدعي تلك الواحدة " (5) فافترقت الأمة بعده - صلى الله عليه وآله وسلم - كما قال - صلى الله عليه و سلم - و هذا من دلائل نبوته - صلى الله عليه وآله وسلم -.
قال الإمام في بيان هذه الفرق في شرحه للحديث : " عشرون في المرجئة و أربع وعشرون في الشيعة، و اثنتا عشر في المعتزلة، وسبعة عشر في المحكمة " قال " فتلك ثلاث وسبعون فرقه " قال " وقيل في تفصيلهم غير ذلك " قال[364] " و حديث ستفرق الأمة أخرجه أبو داود و الترمذي و قال فيه حسن صحيح، و ابن ماجه عن أبي هريرة رفعه افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقه أو اثنتين وسبعين فرقة و النصارى كذلك و ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة " قالوا من هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه و أصحابي، وهو عند ابن حبان و الحاكم في صحيحهما بنحوه، وقال الحاكم أنه حديث كبير في الأصول، وقد روى عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، و عوف بن مالك. (1/455)
صفحة 455
قال السخاوي : و عن أنس، و جابر، و أبي أمامة، و ابن مسعود، و علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، و عبد الرحمن بن عوف، و أبي الدرداء، و معاوية، و واثلة بن الأصقع و بهذا ترى له عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أربعة عشر طريقا، وترى أئمة الحديث كلهم يرويه، وعليه فتصير تلك الفرق كلها إلى النار لأنها خالفت الحق، فهو دليل على أنها ضالة مضلة، خارجة عن الإسلام، لا حظ لها فيه لأنها خالفت الحق، و ركنت إلى الباطل، و إن وافقت في شيء و استقامت لشيء من الحق فلا يغني عما بقى، و ترك بعض الحق ترك لكله، فلا يكفي شيء عن شيء مهما كان، وترك بعض الواجب يقضي على ما بقي منه.
و الناجية هي التي ثبت على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم، و سنة الخلفاء الراشدين المهدين، عملا لوصية رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم -.
فعن العرباض بن سارية قال : وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - موعظة وجلة منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا :يا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كأنها موعظة مودع [365] فأوصنا، قال : " أوصيكم بتقوى الله عز و جل و السمع والطاعة و إن تأمر عليكم عبد، فإن من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهدين عضوا عليه بنواجذ، وإياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، و كل بدعة ضلالة " رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح. (1/456)
صفحة 456
و لا يخفى أن السيرة التي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - و أبو بكر و عمر - رضي الله عنهما - اختلفت آخر أيام خلافة عثمان، وإن المنكرين عليه إنما طالبوه بتلك السيرة، فما زال يماطلهم و الأحكام مضيعة، ثم طلبوا منه أن يعتزل أو يعدل فأبى عليهم، و كلهم يداً واحدة عليه إلا ما كان من خاصته و خدامه، وكان أكثرهم من الخدام، فحاصره طويلاً و لا منكر له لما قدمنا من أنهم كانوا عليه يدا واحدة، وهم بين راض و بين آمر و بين فاعل، ثم قدموا علي إماماً على السيرة الغراء، فخرج معاوية عليه بعدما خرج عن طاعته خوفا على ولايته التي رسخت أقدمه فيها، وخشي عليها أن تسلب، و وازره عمرو على ذلك بعد أن اشترط عليه ما اشترط، ولبسوا على الناس أنهم يطالبون بدم عثمان، ثم نكث طلحة و الزبير بيعة علي بن أبي طالب، وبسبب ذلك كانت بين المسلمين وقعة الجمل أعظم وقعة عرفها الإسلام، ثم سار إلى معاوية و المسلمون له موازرون ومناصرون، فكانت وقعة صفين أخت الجمل، وفي أثنائها خدعوه بطلب التحكيم حين رأوا الدائرة تدور عليهم، وسيوف المسلمين تعمل فيهم، و زينوا له ذلك ليفتكوا من الأصر الذي وقعوا فيه، فتنازل [366] لطلبهم، وخضع لرغبتهم، فأعطى على ذلك العهود والمواثيق، وإمامته واضحة و سيرته نيرة، و طريقه صالحة، و حجته راجحة فأنكر عليه أصحابه ذلك، ورأوا أنها المكيدة الفعالة، و البالية المهلكة دينا و دنيا.
فطلبوا منه الثبات على تلك السيرة الواضحة، و الطريقة الصالحة، و أمروه بالتمسك بقوله تعالى : " فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ " (6) فأبى عليهم ظان أنه باق على إمامته، و إن المسلمين لا يرضون غيره بحال الذي هم عليه معه من سالف أيامهم، و الرجل مخدوع، ومغتر بمنزلته من المسلمين. (1/457)
صفحة 457
و لم يدري أن في المسلمين من يتبع هواه، و الصادق لا يظن أن الناس يكذبون، و لما أبى عليهم أن يقبل منهم رأوا أنها داهية أحاطت بهم، ومصيبة نزلت عليهم، و خاصموه في القضية فخصموه، فأعارهم أذنا صما، و لم يرجع إلى رأيهم، و لم يكن من الدهاء بمكان يعرف بل كان على وجهه يمضي قدماً، في كل مواقفه و مشاهده، و حينئذ تركوه آسفين عليه، رأوا دينهم يقضي عليهم بتركه، إذ رضيَ أن يخلع نفسه من إمامة، فيضعها بيد الحكمين يفعلان فيها ما شاءا، وبذلك خرجوا إلى النهروان، فقدموا عبدالله بن وهب الراسبي إماما لهم، إذ لا إمامة لعلي الآن عندهم، فهو كواحد من المسلمين فكان من أمر الحكمين ما كان مما يعرفه كل[367] [ سقط صفحتين ] بذلك و إن كان لاحظ أحوالاً تأمل أن يكف بها الشر عن المسلمين، قلنا إن هذا الأمر تحمله بأمر المسلمين، و هم مجمعون عليه فلم تحمله، ما كان له أن يضعه من عنقه إلا بعد تحقق عجزه عنه، و لا عجز هنا فإن المسلمين معه. (1/458)
صفحة 458
و إن قيل أن هؤلاء الذين خرجوا عنه هم الذين حملوه على قبول التحكيم كما يقول المدلسون عليهم، قلنا إن الأمر بيده، والمسلمون معه، وفي إمكانه إجراء المياه في مجاريها، مع أنه لم يقل عنهم ذلك، ولو كان ذلك منهم لاحتج به عليهم، ولم يرو أحد من أهل السير الصحيحة التي يمكن الاعتماد عليها في الحكم، أما أقوال أهل الأهواء فليس حجة في مثل هذا الحال، ثم أنه ليس من المعقول أن يحملوه عليه، ثم يخرجوا عنه من أجله، وهم أنصاره في مشاهده، و إخوانه في سرائه و ضرائه، و رضوا به إماماً لهم وقاتلوا معه عدوه، ولو كان الأمر كذلك لكان له أن يقول لهم أنتم حملتموني عليه بالأمس فلم تلومني عليه اليوم، و لم يكن ذلك فيما علمنا، ثم أنه لو كان ذلك منهم و هو يراه باطلا لما كان له أن يوافقهم عليه، وليس من واجبه فعل الباطل و هو الإمام القدوة، و يلزمهم أن يقاتلهم ذلك الحين الذي رأى بطلهم فيه، و لكنه لم يفعل شيئا من ذلك.
فإن مدة الأجل أربعة أشهر تتسع لهذه الأعمال كلها، و لكان في إمكانه استصراخ المسلمين من نواحي البلاد، و لكنه كما عرفت عنه قوله من زعم أن التحكيم ضلال فهو أضل، فهذه الجملة عنه ترد كل المزاعم والاحتمالات، بل هو عند النهروانيين لم يكن إماما و للمسلمين أن ينظروا لأنفسهم الأصلح في دينهم [370] و في دنياهم.
==========================
(1) آل عمران : 110.
(2) البقرة : 143.
(3) الأعراف : 159.
(4) المائدة : 82.
(5) أخرجه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح ص36 رقم 41، و أخرجه أبو داود في (39- كتاب السنة 1- باب شرح السنة ) ص 650، رقم 4596 و 4597، و أخرجه الترمذي في (41- كتاب الإيمان 18- (1/459)
صفحة 459
باب ما جاء في افتراق هذه الأمة ) ( 5/ 25 ) رقم 2640 و 2641، و أخرجه ابن ماجه في (38 - كتاب الفتن 17- باب افتراق الأمم ) ص574 رقم 3991 و 3992 و 3993، و أخرجه أحمد بن حنبل في المسند (10/471 ) رقم 212418، و أخرجه ابن حبان (14/ 140) رقم 6247، و أخرجه أبو يعلى (6/342)، و (10/317) رقم 5910، و أخرجه الحاكم في المستدرك (4/477) رقم 8325، و أخرجه البيهقي (10/351) رقم 20901.
(6) الحجرات : 9.
--- (1/460)
صفحة 460
فلذلك خرجوا لينظروا في الأمر، فرأوا أن الإمام أمر ضروري في الدين، لأن أمورا عظيمة لا يستقيم أمرها بغير الإمام، كالحدود، و حماية الحوزة، و جباية الزكاة و نحوها، و رأوا أن علياً في ذلك الحين غير إمام، ثم خافوا أن يجتمع فريق من المسلمين على رجل لا يرضون إمامته فيقعون في مشكل آخر أشكل من الأول.
و إن الإمامة أصبحت في يد الحكمين، فهو إنما قاتلهم بعدما تحقق أمر الحكمين أنهما أخرجاه من الإمامة، فأبو موسى فر منه خائفاًَ و خجلاً مما وقع، وقد صار الأمر خارج من يده، فكيف يكون أنه إمام ا لمسلمين، و الواقع أنه خلع إمامته إلا أن يعيدها المسلمون إليه مرة أخرى.
و ما لعلي بن أبي طالب و إخوانه الذين رأوه مخطئاً فينبهوه على خطائه، وذكروه ما وقع فيه فلم يلتفت إليهم، فبذلك رأوه قد ترك إمامته، وبقي يرتقبها هل تعود إليه أم لا ؟ وهم مجمعون على أنه لا إمامة له، و كان واجبه هنا أن يطلب إخوانه المسلمين ويخبرهم بالأمر الذي وقع فيه، ويتبرأ إليهم من الأمر، ويترك الأمر إليهم، وهم الناظرون للمسلمين، إن أرادوه جددوا له البيعة، و إن أرادوا غيره عليه أن يكون واحدا منهم.
وقد رأى المسلمين كيف علموا في الشورى، وكيف يشترطون للمسلمين وهو لم يكن إماماً قهرياً، و إنما كان إماماً اختيارياً من المسلمين، وعليه رد أمرهم إليهم، فتكون له السلامة معهم، وقد يخطأ المرء و لا عصمة إلا لنبي، و لكن قضاء الله وقدره إذا نزلا بالإنسان [371] يعمى معهما سمعه و بصره.
و إذا كان معاوية وحزبه لا يدينون للحق، و لا يتبعون ما يقتضيه الدين ما بال علي يتابع من لا يناقد للحق، و ذو الفقار في يده، و جنود الله محدقون به، و الرسول عليه - الصلاة والسلام - يقول : " لا طاعة لمن لا يطع الله عز و جل " رواه أحمد و الترمذي. (1/461)
صفحة 461
و عن حذيفة - رضي الله عنه - قال : كنا جلوساً عند رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - فقال : " إني لا أدري ما قدر مقامي فيكم، فاقتدوا بالذين من بعدي، و أشار إلى أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما-، وتمسكوا بهدي عمار، و ما حدثكم ابن مسعود فصدقوه " وفي رواية الآي" فتمسكوا بهدي ابن أم عبد، و اهتدوا بهدي عمار فهم عاضون على وصية نبيهم - عليه الصلاة والسلام - " فهذا دليل على أن الصواب ما عليه الأصحاب.
و اعلم أن اثنتين و سبعين فرقة في الإسلام كلها هالكة، بشهادة رسول الله - صلى ا لله عليه و آله وسلم - إلا واحدة ناجية، فحينئذ علم أن أغلب الأمة على باطل، لأن من كان على الحق لا يهلك، و إنما يهلك الضال الفاسق المهين، الذي لا حظ له عند الله عز و جل، فأين يكون قولهم من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة، و إن زنى... إلخ ؟
و أين من له شفعة رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - من أهل الكبائر ؟
و أين من قال الإيمان قولا و لا عمل و لا اعتقاد أو قول واعتقاد فقط ؟
فليضعوا حكم هذا الحديث على المحل الذي يدل عليه حتى نعلم.[372]
وقد كان لي في حديث الافتراق رسالة تبين صحته و رواته وبيان الفرق التي يشير إليها الحديث، حتى يتبين الغث من السمين، و يتضح الحق من الباطل، سميتها " رفع الشقاق بمعاني حديث الافتراق " أوضحت فيها المحق من المبطل، و بينت كل فرقة بأصولها، و ما تدعوا إليه، ثم حالت الأقدار دون النجاح، و ألفت نظري أن كثير من الناس لا يرغبون في نشرها، ومنهم من يقوم بشق العصا تعصبا للهوى و مراغمة للحق،و هؤلاء هم الأكثرية في العالم، بشهادة الحديث.
وقد أوضح الحديث ما عليه قومنا، و أن الحق لا يكون الحق إلا في واحدة، و أما سائر الفرق فكل فرقة تفسق الأخرى كما ذكرنا عنهم في " الإرشاد ". (1/462)
صفحة 462
واختلاف الأمة أمر قضى الله به في الأزل لحكمة كما قال عز و جل : " لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ " (1)، والتمسك بمقتضى الكتاب والسنة هو النجاة عند الله.
قال الإمام - رحمه الله- : " و إن رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - قد حكم بأن ما خالف الكتاب و السنة الصحيحة المتفق عليها، فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - توفي والدين كامل و النعمة بالإسلام تامة، و قد علم الناسخ من المنسوخ، والعام و الخاص، و استقرت الشريعة على قرارها المكين، و استبان الحق بعد أن كاد لا يبين، فما جاء بعد ذلك فهو مردود إلى ما صح و ثبت عنه عليه الصلاة والسلام.
و في جامع الأصول و مختصره : " عن معاوية قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - خطيباً فقال : " ألا أن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة أو ملة، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث [373] وسبعين فرقة اثنتين وسبعون في النار و واحدة في الجنة " أخرجه أبو داود، و زاد و هي الجماعة، و زاد في رواية " سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلَب بصاحبه، و لا يبقى منه عرق و لا مفصل إلا دخله.
و تجاري تفاعل من الجري أي يتغلغل فيهم و يتمكن منهم كما يتمكن داء الكلَب من صاحبه، أو المراد به الوقوع في الأهواء الفاسدة، و تداعي فيها تشبيها بجري الفرس، و الكلَب بتحريك اللام مفتوحة داء معروف يعرض للكلب إذا عض إنساناً عرضت له أعرض رديئة فاسد قاتلة يتسمم منها المحل، ثم يسري ذلك في جسده، و لا يكاد يبرء فإذا تجرى بالإنسان و تمادى به أهلكه. (1/463)
صفحة 463
و في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - : " ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية، و ليكونن في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين و سبعين فرقة أو ملة، و ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها هالكة إلا ملة واحدة ناجية " قالوا : من هي ؟ قال : " من كان على ما أنا عليه و أصحابي " أخرجه الترمذي.
فانظر أيها العاقل فإن الأمر جلل حيث حكم رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - فيه بهلاك هذه الملل الأخرى كلها إلى النار، و أن السعادة لملة واحدة فقط، فمن ادعى النجاة من أهل هذه الملل الأخرى فقد عارض رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في حكمه الصريح الصحيح.
و قال أحمد الصاوي المالكي [374] في حاشيته على الجلالين في شرح قوله تعالى : " وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ.. " (2) الآيةأي على أديان شتى " قال " و استفيد من هذا أن الاختلاف كما كان حاصلاً في الأمم الماضية لا يزال مستمر في هذه الأمة.... " إلى أن قال " و لذلك ورد في الحديث افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، و ستفترقون على ثلاث و سبعين فرقة اثنتان و سبعون في النار و واحدة في الجنة " قال " و المراد بالفرقة الواحدة أهل السنة و الجماعة " قلت : أهل السنة و الجماعة أربع فرق لا فرقة واحدة و إلا لم يتم عد الفرق فيبطل معنى الحديث. (1/464)
صفحة 464
فافهم لا سيما أن بين هذه الفرق اختلافات كثيرة مما يدل على أنها فرق لا فرقة، و الاختلاف المشار إليه في الأصول والفروع أيضا، كما هو معروف، و لولا أنه يطول بنا في هذا المقام لأوردناه لك حتى تطمأن فالحديث ينص على أن الناجية واحدة فقط، و هي ما عليه هو و أصحابه - صلى الله عليه و سلم -، وهل ما عليه هو و أصحابه عليه كل هذه الفرق ؟ ذلك ما لا يعقل، و فيه رد على الحديث الذي أوجب النجاة لفرقة واحدة، فلتعرض كل واحدة ما هي عليه، و تستعرض ما عليه الرسول صلى الله عليه و سلم، ثم تنظر هل تتحد معه ؟ لا وربك هذا لا يتأتى حتى في الفروع، والأخلاق و المعاملات اليسيرة، و لو شئت لبينت ذلك موزوناً بميزان الشريعة الغراء، و لأوضحت ذلك جليا، و لكن هيهات القبول و الرضى، و عليه فلا [375] ينبغي أن نشتغل بما لا فائدة فيه، و إن كان واضحاً إلا أن القلوب المستوئبة لا علاج لها، و الأمر لله عز و جل، وإذا رأى المخالف الحق أصر و استكبر و أعرض.
=============================
(1) الأنفال : 42.
(2) هود : 118.
--- (1/465)
صفحة 465
الأصول المتناقضة لا يمكن البناء عليها
قال الإمام الناظم - رحمه الله- :
[الشرح ]
اعلم أن التحليل و التحريم هما من الله عز و جل ليس للعقل فيهما دخل، و لم يجعل الله عز وعلا لبشر و لا لملك أن يحلل أو يحرم ؛ فإن التحليل و التحريم أمران تعبديان، لا يكونان إلا من الملك الأعلى عز و جل " وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ " (1) فسماه كذباً و نهى عنه.
فظهر أن قولهم كل فاعل لشيء مستحلاً له هو سالم عند الله فإنه لو صح هذا لكان كل من أراد أن يفعل شيئا يتعلق باستحلاله فيكون سالماً لا تبعة عليه في شيء ما ليس هنا بشيء، و لقد علمت من حديث الافتراق أن أكثر الأمة هالك، و كيف يصح الحكم بهلاكهم إلا من حيث انتهاكهم لحرم الله عز و جل، و لا يخفى أن العقل لا يقبل ما يقول هؤلاء المتقولون كما صح في حديث الافتراق.
أيحرم الله الشيء و يثيب عليه ؟ إن هذا [376] لهو الخطأ الفاحش، و الضلال الصريح، و لو كان الله يثيب المستحل لما حرمه عليه بدعوى الاجتهاد، فما الداعي إلى الأوامر و النواهي ؟ و ما فائدتها في التحريم و التحليل ؟ و الحال هذا.
إن هذا لا يقول به عاقل له مسكة يسيرة من العقل الذي يثبت به التكليف، و لو كان كذلك لتهدمت القواعد الشرعية، و كان عدمها خيراً من وجودها.
اعلم يقيناً أن الله إذا حرم شيئا أوجب على فعله عقاباً، و قد ثبت أن المفترقين كلهم هالكون إلا تلك الواحدة الناجية، و هي التي تمسكت بالكتاب و السنة، و ثبتت على ذلك، فإن رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - كما عرفته قد حكم بالسلامة لها دون باقي الفرق المخالفة لها، و المقصود من ذلك التمسك بأوامر الكتاب و السنة، و عدم الحياد عنهما. (1/466)
صفحة 466
و اعلم لو أن كل مستحل شيئاً يكون مأجوراً فيه و مثاباً عليه لنجت تلك الفرق على اختلاف مقاصدها.
و كذلك الإجماع أيد الحديث و ورد على مقتضى فحواه أحاديث أخرى، إن تلك الفرق كلها تدعي السلامة لها و الهلاك لغيرها، و بذلك ثبت الإجماع فما بال هذه الفرق إلى النار و هي تقر بالشهادتين و تصلي و تصوم و تزكي و تحج البيت، و لم يغن ذلك كله عن هلاكها ؛ حيث خالفت أوامر الله عز و جل، و استحلت ما حرم الله عليها، فكان عاقبة أمرها خسراً.
و اعلم أن الاعتقاد لحل ما حرم الله أو العكس لا يزيده ذلك الاعتقاد تحليلاً و لا تحريماً، بل لا يزال ما حرم الله حراماً أبداً و كذا العكس [377] فلا يزال الحرام على حرمته أبداً، و لا يزال الحلال حلالاً، و إن حرمته الأمة كلها فحكم الله لا يتغير أبداً، و لا يزيده المعتقد لحله شيئا، بل يزداد هو به ضلالاً ؛ لأنه لم يتغير حكم الله فيه عن أصله فهو حرام دائما، و كذلك ما كان حلالا فاعتقده حراما بغير حجة تحرمه فهو ضلالاً، و فاعل ذلك شارع من عند نفسه غير ممتثل لأوامر ربه تعالى " وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ " (2). (1/467)
صفحة 467
و التحليل و التحريم أمران سماويان لا مجال للعقل فيهما، و بهما جاءت الرسل " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ " (3)، " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " (4)، " وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ " (5)، " قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ " (6) هذا ما يقوله القرآن فمالنا و ما يقوله فلان و فلان، إنه لزورا و بهتان، و تقول على الواحد المنان، تعالى الله عن أقوال ما جاء بها من سلطان، و لا أقيم عليها أي برهان.
و اعلم أن الله هو الذي حرم و حلل، و هو الذي يكلف عباده، و لو أن الله يثيب على فعل الحرام لكان ذلك إغراء عليه، و إذا كان كذلك فلا شرع و لا دين، و إنما تكون الأشياء رهن الإرادة الإنسانية، و تبعا للأهواء النفسانية، إن الله إذا حرم شيئاً لم يحله أحداً من خلقه، و إلا كان شارع من عنده لا من عند ربه، و الله لم يفوض ذلك إلى نبي مرسل و لا إلى ملك مقرب.[378] (1/468)
صفحة 468
وقد سمعت عتابه لسيد خلقه محمد عبده و رسوله " وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ " (7) ويثيبهم عليه، و لا شك أن العقل يرد ما يقول هؤلاء القائلون أن كل مستحل معذور، و لو صح هذا لكان نجاة لكل ضال، فإن كل ذي ضلالة يعتقد أنها الحق، و أن ضدها الباطل، و لو صح ما يقولون لتداعى البناء الشرعي من أصله، و انهار الصرح الثابت بالدليل القوي، فإن كل فرقة من فرق الإسلام تعتقد أنها على صواب فلا هلاك إذاً لواحدة خلاف ما يقول الحديث، و بذلك ينحل حكم الحديث الثابت، فإن حكم بالسلامة لواحدة فقط، فيكون الأمر وهذا حاله في غاية من التعارض، و الحق لا تعارض فيه.
و إذا حرم الله شيئا ففعله المعتقد لحله يكون في حقه حلالاً، فحينئذ كل شيء حلال خلاف ما يقول القرآن، بل و على فعله الثواب، فينقلب الأمر رأساً على عقب تعالى الله و عز أمره.
و هل يقبل عاقل أن الله يرضى بهذا ؟ فيكون رضاه في مخالفته ! فإنه من الفساد بمكان، و الواقع أن الله عز وعلا إذا حرم شيئاً أوجب عليه عقاباً كلا بحسبه، و حكم على مرتكبه بعذاب أليم، و المعتقد لمحرمات الله تعالى حلالاً يضل بذلك ضلالاً بعيداً ؛ لأنه عارض ربه في حكمه، و ارتكب الإثم بفعله، فهو واقع في أمرين عظيمين.
و لا شك أن من بنى دينه على أصول متناقضة لا يزال في لجة الباطل غارقاً، و للصراط السوي مفارقاً، و لأوامر الرسول مشاققاً، فمتى يرى النجاة و الحال هذا، نسأل الله السلامة في الدين والدنيا. (1/469)
صفحة 469
اعلم علماً جازماً أن من اعتقد الحلال [379] حراماً، و الحرام حلالاً ؛ فهو هالك باعتقاده هذا، لأن اعتقاده خالف أوامر ربه، وعارض مقتضى إرادته، بل الواجب على الإنسان امتثال أوامر الله عز و جل كما هي، و اعتقاد أن ما حرم الله لا يزال حراماً أبداً، و كذلك العكس، فإن القول لا يبدل لديه، و الحق لا يصير باطلاً عنده، تعالى الله عن أقوال المبطلين علوا كبيرا " يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ" (8)، " فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ " (9) " وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ " (10).
============================================
(1) النحل : 116.
(2) الزمر : 7.
(3) التحريم : 1.
(4) الأعراف : 33.
(5) الأعراف : 157.
(6) الأعراف : 32.
(7) الزمر : 7.
(8) الأحقاف : 31.
(9) هود : 112.
(10) الأعراف : 142.
--- (1/470)
صفحة 470
الحق إذا قام قضى على الباطل بالإعدام
قال الإمام - رحمه الله- :
[الشرح ]
اعلم أن استحلال ما حرم الله عز و جل، و تحريم ما أحله الله رد عليه تعالى، و اعتراض على أحكامه، و ذلك من أكبر كبائر الذنوب، لأنه إن كان عن تأويل فهو فسق وضلال، و إن كان عن غير تأويل فهو شرك محض، و فساد كبير في الدين.
فالمستحل لما حرم الله كالعكس غارق في بحر آثام، ساكع في هوة الظلام، مخاطر بنفسه، مستهدف [380] للباطل، فإن جرمه أعظم ممن يفعل الأمور وهو يدين بأنها من الله عز و جل، و هذا راد على ربه أمره و نهيه، و معترض عليه فهذا أكبر جرماً، و أعظم إثماً، حيث تقرب إلى ربه بما لا يرضاه منه، بل أجرم على الله من جهتين، المستخف أو كالمتمرد على الله عز وعلا، غير مبال بالأمر.
و قومنا يعذرونه بهذا الحال، حيث هو مستحل أي دائن بحل ذلك الأمر، و لا شيء على من استحل إذا كان قصد صالحاً عندهم غير متعد للحدود، و لا منتهك للدين، و لا يخفى على العاقل فساد هذا الزعم من أصله، وأنه ضلال في ضلال، لم يخرج عن حكم الفساد مهما كان، و لو كان كل مستحل معذوراً لم يبق حرج على أحد أبداً.
و لا يقول بذلك أحد فيما علمنا، و إذا كان الرسول - عليه الصلاة والسلام - لا يرى الحق للأمة المتدينة إلا لفرقة واحدة منها فقط، فمن هو الأولى به في النظر الصحيح ؟
فنقول في المعقول و المنقول أن الحق أولى به من استقام في الدين، و ذهب مذهب المتقين، ولم يكن ممن استحل ما نهى عنه رب العالمين، فإن من استقام على الطريق الصحيح، و جاء بالحق الصريح " فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ " (1) " وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ " (2) المتهورين في الدين، الهاجمين على أوامر برب العالمين. (1/471)
صفحة 471
فالملازم لسيرة سيد المرسلين، ثابت على نهج الخلفاء الراشدين، الذي لم يبدل شيئاً من أمر الدين، و لم يغير شيئا من أحكام رب العالمين، و لا استحل شيئا مما حرم الله، و لا حرم شيئا مما أحله الله، و لا خان الله في سر ولا علانية، فهذا هو الذي أشار إليه رسول الله [381] - صلى الله عليه و آله وسلم -.
و حيث علمت أن العقل لا يقبل ما يقوله هؤلاء المبدلون المتهوكون الذين لا يثبتون لا على مقتضى الأوامر الإلهية، و لا يهتدون الطريقة المحمدية، و قد علمت مقتضى حديث الافتراق، و أنه حكم بالنجاة لفرقة واحدة و هي التي ثبتت على كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم، و جعل باقي الفرق كلها هالكة لمخالفتها الكتاب و السنة، و على ذلك ثبت الإجماع الصحيح الذي أيد الرسول - صلى الله عليه و سلم - فيما قال.
و إن العقل لا يقبل غيره، و لا يصح أن يحرم الله شيئاً و يثيب على فعله، و إلا كان ذلك نقضاً لقواعد الشريعة من أصلها، و تبديلاً لها عن فصلها.
ثبت أن الاعتقاد لحل ذلك الأمر لا يزيده إلا تحريماً، و لا لفاعله إلا تضليلاً، لأن المستحل خالف الشرع من جهتين : أولى استحلاله لما حرم الله عز و جل، و الثانية فعله لذلك الذي استحله، و قد حرمه الله عليه فهو مخالف له عز و جل من الجانبين، فجرمه أعظم، وفعله أكبر، و لا مناص و لا خلاص مما وقع فيه إلا برجوع عنه، و التخلي منه، و التوب إلى الله عز وعلا من جرمه. (1/472)
صفحة 472
و على كل حال أن الفاعل لما استحل مما حرمه الله متقرب إلى الله بما يبعده منه، و يزيد في ضلاله به، ومن تقرب إلى الله عز و جل بمثل ذلك فلا يزداد من الله إلا بعدى، و لا يستحق منه إلا النقمة، و العياذ بالله من عقابه، فكيف يكون له عذر بذلك، وقد سقط في تلك المهالك، و كيف يكون له بذلك حسن قصد عند الله و هو مرتكب للضلال [382] [سقط مقدار ثلاث صفحات] فهو يعتقده كذلك، و كذا سائر المحرمات من الزنا و نهب الأموال و معاملة الربا و نحوها، مما حرمه الله على لسان أحد أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام -.
فهذا على الحقيقة من الأوهام الواهية، والتخيلات الباطلة لا يعتمد عليه إلا فاقد الشعور، و لا يرضى به إلا كل ختار كفور.
فالحق لا يكون إلا مع السالك لسبيل العدل، الثابت على المنهج الصحيح، و هو الذي لم يرض أن يتبدل بالحلال حراماً بدعوى الاستحلال، فكان آثماً، و لم يسع إلى تغير سنن الله في عباده، و لا استحل ما حرم الله في سر ولا علانية، و لا غير من أمر الدين، بل جاء بأموره كلها وافية، و ثبت على ما شرع الله عز و جل هان الخطب أم عظم.
و خلاصة المقام أن مستحل الحرام أعظم إثماً، و أكبر جرماً ممن يفعله و هو يعتقد تحريمه، لأن الفاعل للحرام مستحلاً له، واقع في داهيتين الأولى اعتقاده تحليل المحرمات أو تحريم المحللات، و الثانية فعله لذلك و العياذ بالله.
اهـ 29 رمضان المعظم 1395 سالم بيده. [386]
====================================
(1) هود: 112.
(2) الأعراف: 142. (1/473)