صفحة 1
الكتاب: العقيدة الإسلامية في ضوء العقل والنقل
المؤلف: ناصر بن مطر بن سعيد المسقري
تقديم: الشيخ/ سعيد بن خلف بن محمد الخروصي (كتب هذا التقديم في 4 صفر الخير 1417هـ يوافقه 20 / 6 / 1996م).
تفضل بمراجعته: الشيخ/ سعيد بن خلف الخروصي (مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان)، والشيخ/ سليمان بن عبدالله اللويهي الغافري (قاضي محكمة الاستئناف). شكر وعرفان
أشكر كل الأخوة الذين شجعوني على كتابة هذه الرسالة وأشكر فضيلة الشيخ سعيد بن خلف الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عمان، وفضيلة الشيخ سليمان بن عبدالله اللويهي الغافري قاضي محكمة الاستئناف على تفضلهما بمراجعة هذه الرسالة، جزاهما الله خيراً في الدارين وجميع الأخوة الذين شجعوني على كتابتها.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الهادي من شاء من عباده إلى اتباع محكم آياته، لأنها أم الكتاب يرجع إليها عند ذكر متشابهاته، وصلى الله على نبيه محمد الذي آتاه جوامع الكلم، فكان ما أنزله عليه من الذكر وما فسرته سنته معجزاً للعرب والعجم، وعلى آله وصحبه الذين حملوا رسالته فبلغوها بالأمانة والنصيحة الأمم وبعد فقد عرض عليّ هذا الولد الفاضل ناصر بن مطر بن سعيد المسقري ((رسالته التي سماها العقيدة الإسلامية في ضوء العقل والنقل)) فرأيتها مختصرة جامعة ومجموعة نافعة، اختصر فيها ((الحق الدامغ)) للشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي، كما اختصر في مسائل مختصره ((مشارق أنوار العقول)) لنور الدين السالمي رحمه الله تعالى مع مراجع أخر.
وإذا بهذه الرسالة ظاهرٌ حقها، باهرٌ صدقها، مفيدة في بابها، نافعة لطلابها، جزى الله جامعها خيراً، وأثابه أجرا وكثر الله في شباب المسلمين من أمثاله، آمين وصلى الله على سيدنا محمد الأمين وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
سعيد بن خلف بن محمد الخروصي
في 4/صفر الخير/1417هـ الموافق 20/6/1996م
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وأزواجه أمهات المؤمنين وبعد ... (1/1)
صفحة 2
فقد قرأت مع بعض الأخوة الكتاب الذي ألفه شيخنا الجليل سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة كتاب ((الحق الدامغ)) وقمنا أثناء قراءته بتلخيصه شفوياً تقريباً للأذهان فطلب مني بعض الإخوة أن أكتب ذلك من أجل الرجوع إليه فوافقتهم لذلك ولكن استقر تفكيري أن أضع هذا الملخص في رسالة صغيرة أسميتها: ((العقيدة الإسلامية في ضوء العقل والنقل)) لإكمال الفائدة وقد ضمنتها ستة فصول.
? الفصل الأول: في دلالة وجود الله وبعض مدلولات صفاته ونبذة من احتجاجات الملحدين ودحر حججهم.
? الفصل الثاني: في الذات والصفات ويشمل تعريفها وبيان عجز البشر عن إدراكها وتعريف الصفات واختلاف العلماء فيها.
? الفصل الثالث: في نفي الرؤية.
? الفصل الرابع: في خلق القرآن.
? الفصل الخامس: الخلود في النار.
وكل هذه الفصول الثلاثة تشتمل على مقدمة وأدلة كلا الطرفين واعتراضاتهم ورد الاعتراضات ووقفات للتأمل في نهاية كل فصل.
? الفصل السادس: الشفاعة ويشمل مقدمة وأدلة كل القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر والقائلين بالشفاعة للمؤمنين ووقفة تأمل. وآخر الرسالة خاتمة. وحاولت قدر جهدي أن تكون قريبة المأخذ للأفهام حيث أني رتبتها في نقاط من غير سرد.
وحاولت أن أذكر الدليل القاطع في رد أي شبهة من غير تطويل حتى أنها تصلح أن تكون حواراً بين طالبين: واحد يمثل قولاً والآخر يمثل القول الآخر. والفضل يعود لله ثم إلى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة جزاه الله خيراً في الدنيا والآخرة والله الموفق لما فيه الخير والهادي إلى سبيل الرشاد.
الفصل الأول
أدلة وجود الله
وجود الله حقيقة فطرية: (1/2)
صفحة 3
أنت موجود وهذا الكون الزاخر موجود يشهد بأن له خالقاً إذن: ربك ورب هذا الكون المسير له والمسيطر عليه المتصرف فيه لا شك موجود (1) قال تعالى: { أفي الله شك فاطر السموات والأرض } .إبراهيم (1)
-نشرت مجلة "المختار" المترجمة عن مجلة "ريدازيدايجست" عن شاب يحكي قصته يقول إنه نشأ في بيئة ليس فيها من يذكر الله لا في البيت ولا المدرسة فنشأ نشأة مثل نشأة الحيوانات التي لا تعرف إلا الأكل والشرب، ولكنه لما نزل أول مرة بالمظلة من الطائرة ورأى نفسه ساقطاً قبل أن تنفتح المظلة جعل يقول: "يا الله"، "يا رب" يدعو من قلبه، وهو يتعجب من أين جاء هذا الإيمان؟ (2) إنها فطرة الله التي فطر الناس عليها.
والمسلم الصادق لا يكتفي في إيمانه بالتقليد الذي سرعان ما يزول وإنما يعتمد في إيمانه على الأدلة القاطعة التي تدحر كل زيف أو باطل.
الأدلة على وجود الله
كل مخلوق يدل على الخالق فأدلة وجود الله عددها بعدد خلقه، قال الشاعر:
لله في الآفاق آيات لعـ ... ... ـل أقلها هو ما إليه هداكا
ولعل ما في النفس من آياته ... ... عجب عجاب لو ترى عيناكا
الأدلة العقلية:
1- العدم لا يخلق شيئاً:
فمن المستحيل أن يوجد فعل بدون فاعل، ومن المستحيل أن يفعل العدم شيئاً لأنه لا وجود للعدم.
2- الفعل مرآة لبعض قدرة فاعله وبعض صفاته:
إذا شاهدنا سيارة متحركة، تسير في الطرقات المعبدة تتحرك عن اللزوم، وتتوقف في المكان المعلوم، وتدور في المكان المعد للدوران عرفنا:
- أن سائق السيارة عاقل مفكر.
- وأن له إرادة حكيمة أحكمت توجيه السيارة.
- وأن له علماً بطريقة قيادة السيارة.
- وأنه موجود فلولا وجوده لما تحركت السيارة تلك الحركات المنظمة الدقيقة.
*إذن كل شيء في المصنوع أو الفعل يدل على قدرة وصفة عند الصانع أو الفاعل.
__________
(1) {1} توحيد الخالق للشيخ عبد المجيد الزنداني -طبعة دار الخير ص20.
(2) {2} إلى الذي سأل أين الله، عبد الرحمن السنجري طبعة دار البشائر الإسلامي ص45. (1/3)
صفحة 4
3- فاقد الشيء لا يعطيه:
إذا شاهدنا قتيلاً في الشارع فلا أحد منا يدعو لإلقاء القبض على حجرة بجوار القتيل بتهمة القتل لأنها لا تملك قدرة على الفعل.
- كما لا يزعم أحد أن حيوانا أطلق قمراً صناعياً يدور حول الأرض لأن الحيوان لا يملك القدرة على إطلاق ذلك القمر.
- إذن يحكم العقل حكماً جازماً بأن الذي لا يملك القدرة على الفعل لا يفعل شيئاً.
تطبيق الأدلة العقلية السابقة:
1- إذا طبقنا الأساس الأول -العدم لا يخلق شيئاً- وشاهدنا الكون وملايين الأحداث فيه جزمت عقولنا أن له فاعلاً موجوداً لأن العدم لا يخلق شيئاً. قال تعالى: { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } . الطور 35.
2- وإذا طبقنا الأساس الثاني (الفعل مرآة لبعض قدرة فاعله وبعض صفاته) وجدنا أن هذه الأفعال والأحداث التي تحدث في الكون:
- محكمة في نظامها تشهد أنها صنع حكيم.
- موجهة في سيرها تشهد أنها من صنع مريد.
- عظيمة في تكوينها تشهد أنها من صنع عظيم.
- خاضعة لنظام موحد تشهد أنها من صنع حاكم مهيمن.
3-وإذا طبقنا الأساس الثالث (فاقد الشيء لا يعطيه) نجد أنه: لا يوجد بين المخلوقات من يتصف بأنه الحكيم، العليم، الخبير، المريد، العظيم، الواحد، الحاكم، المهيمن، الموجود (1)
*إذن خالق الكون هو غير الكون المخلوق، هو الحكيم الخبير { هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } الحشر4.
الأدلة النقلية:
إن الطريق الثاني لمعرفة الله هو ما جاءت به الرسل قال تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } الحديد 25، فما ساقه القرآن الكريم من الحجج على وجود الله لا يبقى ذرة شك على وجود الله وقدرته لمن أراد أن يحكم عقله ويتخلص من جاهليته العمياء وعبادة هواه.
بعض مدلولات صفات الله تعالى وقدرته.
1- الواحد:
__________
(1) 1( توحيد الخالق للشيخ عبد المجيد الزنداني (1/4)
صفحة 5
يقدم الوجود شهادة بأنه من صنع الله وحده فأنت ترى أن غذاءك يتوقف على عمل المعدة والأمعاء ويقول الأطباء:
- إن عمل الأمعاء يتوقف على عمل الدماء.
- ويتوقف دور الدماء على الهواء وحركة التنفس.
- ويتوقف الهواء الصالح للتنفس على عمل النباتات.
- ويتوقف عمل النباتات على وجود الشمس.
- ووجود الشمس يتوقف على وجود الكواكب المحيطة بها والنجوم الأخرى.
وهكذا نرى أن كل شيء يعتمد في وجوده على غيره من الأشياء، كما رأينا أن المعدة مرتبطة بنجوم السماء وذلك يشهد أن الجميع من صنع رب واحد (1) .
قال تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون } .
2- الحكيم الخبير:
يقول العلم:
? إن الأرض تدور حول نفسها بسرعة معينة مكونة الليل والنهار للراحة والعمل، ولو نقصت سرعتها فأصبحت مائة ميل في الساعة لأصبح النهار 120ساعة فتحترق الزروع والثمار من ذلك النهار الطويل.
? ولو كانت قشرة الأرض أكثر سمكاً لما وجد الأكسجين في الهواء.
? ولو زادت نسبة الأكسجين عن 21% لعمت الحرائق وجه الأرض.
? ولو زادت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الهواء عما عليه لاختنقت الأحياء.
فما الذي يحفظ هذا التوازن المدهش أهي المصادفة؟ ... إنه حكيم.
3- المريد:
? العلم الذي استطاع أن يصنع الطائرات وسفن الفضاء يبقى عاجزاً عن خلق حياة ولو لذبابة، لماذا؟ لأن الله اختص بخلق الحياة.
والعلم الذي استطاع أن يحدد حدوث الخسوف والكسوف بعشرات السنين بالتحديد الدقيق، نراه عاجزاً عن تحديد سقوط المطر ولو لأيام، لماذا؟ لان الله جعل حساب الشمس والقمر ممكناً عند خلقه قال تعالى: {والشمس والقمر بحسبان} الرحمن 4 ولكنه جعل وقت نزول المطر من مفاتح الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى كل شيء يمشي حسب ما رسمته إرادة الله.
غباء الملحدين
__________
(1) 1( كتاب الإيمان للشيخ عبد المجيد الزنداني وآخرون ص52. (1/5)
صفحة 6
عندما تسأل الملحدين هل خلقت أعينكم لحكمة؟ يقولون: نعم، وهل الأذن لحكمة؟ يقولوا: نعم واليد لحكمة؟ يقولون: نعم، والرجل ... وكل جزء لحكمة يقولون:نعم، وما الحكمة من الجزء؟ يقولوا خدمة الكل.
سؤال: والكل هذا خلق لحكمة؟ يقولون: لا، كيف؟ قالوا نحن خلقنا هكذا.. علاقات طبيعية وكيمائية تفاعلت وقذفت بنا في هذا الوجود.
هل الأطباء عندما يعالجون المرضى يعبثون؟ يقولون لا، من يقول هذا فهو من السفهاء، الأطباء يصلحون الخلل في قلوبكم وعيونكم إن اختلت.
نقول سبحان الله الأجزاء خلقت لحكمة والكل بزعمهم أنه خلق لغير حكمة وعلاج المريض ليس عبثاً لكن المريض وجد عبثاً فهو ينكر أن يكون خلق لحكمة ويثبت أن حتى نعلم الحكمة.
إذن هو حسب تفكيره أضعف من نعله (1) .
"تعالى الله الخالق عما يقولون علواً كبيراً"
قال تعالى { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم } المؤمنون 115-116.
أبو حنيفة يحاجج الملحدين
قال الملحدون لأبي حنيفة: في أي سنة وجد ربك؟
قال: (الله موجود قبل التاريخ والأزمنة لا أول لوجوده).
قالوا: نريد منك إعطاءنا أمثلة من الواقع.
قال لهم: ماذا قبل الأربعة؟ قالوا: ثلاثة.
قال لهم: ماذا قبل الثلاثة؟ قالوا: اثنان.
قال لهم: ماذا قبل الاثنين؟ قالوا: واحد.
قال لهم: وما قبل الواحد؟ قالوا:لا شيء قبله.
قال لهم: إذاً كان الواحد الحسابي لا شيء قبله فكيف بالواحد الحقيقي وهو الله!. إنه قديم لا أول لوجوده.
قالوا: في أي جهة يتجه ربك؟ قال: لو أحضرتم مصباحاً في مكان مظلم إلى أي جهة يتجه النور؟ قالوا: في كل مكان. قال: إذا كان هذا النور الصناعي فكيف بنور السماوات والأرض.
__________
(1) {1}- الإسلام أو الضياع، الشيخ عبد المجيد الزنداني، مكتبة القرآن ص22-23. (1/6)
صفحة 7
قالوا: عرفنا شيئاً عن ذات ربك؟ أهي صلبة كالحديد أو سائلة كالماء ؟ أم غازية كالدخان والبخار؟ فقال: هل جلستم بجوار مريض مشرف على النزع الأخير؟ قالوا: جلسنا، قال: هل كلمكم بعدما أسكته الموت؟ قالوا: لا. قال: هل كان قبل الموت يتكلم ويتحرك؟ قالوا: نعم. قال: ما الذي غيره؟ قالوا: خروج روحه. قال: أخرجت روحه؟ قالوا: نعم. قال: صفوا لي هذه الروح، هل هي صلبة كالحديد؟ أم سائلة كالماء؟ أم غازية كالدخان والبخار؟ قالوا: لا نعرف شيئاً عنها. قال: إذا كانت الروح المخلوقة لا يمكنكم الوصول إلى كنهها فكيف تريدون من أن أصف لكم الذات العلية (1) .
الفصل الثاني
الذات والصفات
أ- الذات:
ذات الله تعالى كما عرفها المحقق الخليلي هي: حقيقته الخاصة التي لا يعلمها أحد من مخلوقاته (2) ، فعلى الإنسان أن لا يفكر في الذات وإنما يفكر في مخلوقات الله سبحانه ليرى عظمة الله وقدرته بما أودع في هذا الكون من أسرار وتوازن وتوجيه محكم وصنع متقن ومن خلال هذا التفكير نعرف أن للكون خالقاً ونعرف صفات خالق هذا الكون. ولكن لماذا لا نفكر في ذاته تعالى؟ لأن عقل الإنسان محدود، حاله حال سمعه وبصره فالإنسان لا يرى كل الأشياء وإن كانت قريبة منه وكذلك لا يسمع كل الأصوات وإن كانت قريبة منه، هذا بين المخلوقات نفسها فكيف يدرك المخلوق ذات الخالق بعقله المحدود والقصة التاريخية توضح ذلك:
__________
(1) {1} إلى الذي سأل أين الله، عبد الرحمن السخري، ص97.
(2) 1( مشارق أنوار العقول، الشيخ نور الدين السالمي ص170 (1/7)
صفحة 8
مر رجل مؤمن على كافر على شاطئ البحر فدعاه المؤمن إلى الإيمان بالله فأبى الكافر أن يؤمن بالله إلا أن يرى الله أولاً. فقال المؤمن: سأريكه انتظرني حتى انهي عملي فحفر حفرة فأخذ يغرف ماء البحر ويصبه في تلك الحفرة فصاح الكافر في ضجر ماذا تفعل؟ قال له: أريد أن أنقل ماء البحر في هذه الحفرة. قال الكافر: وهل تستطيع هذه الحفرة الصغيرة أن تستوعب ماء البحر؟ لا يفعل ذلك عاقل!. قال له المؤمن: ما دامت الحفرة لا تستطيع أن تستوعب ماء البحر فكيف تستطيع أنت ذو الجسم المادي المحدود أن تستوعب ذات الله!!.
وهكذا مثل ما أن الحفرة الصغيرة من المستحيل أن تستوعب ماء البحر كذلك من المستحيل أن يستوعب الإنسان ذات الله عز وجل.
ب- الصفات الذاتية والفعلية لله تعالى:
تنقسم صفات الله تعالى إلى قسمين ذاتية وفعلية:
... فالذاتية: هي التي لا تجامع أضدادها واتصف الله بها في الأزل وما لا يزال مثل: سميع، عليم، خبير.
والصفات الفعلية: هي التي تجامع أضدادها مثل: نافع، وضار، ومحي، ومميت.
اختلاف العلماء في صفات الذات:
قال الإباضية والمعتزلة : إن صفات الله الذاتية هي عين ذاته وليست هي غير ذاته بمعنى عندما نقول الله عليم أي ذاته تعالى منكشفة لها المعلومات انكشافا تاماً غير محتاجة في ذلك الانكشاف إلى واسطة بينها وبين المعلوم كما زعم الغير.وكذلك الصفات الذاتية الأخرى.
? واعترض هذا القول: بأنه لا معنى من اتصاف الشيء بذاته لأنه عندما نقول الله قدير كأننا قلنا: ذاته ذاته.
? ورد اعتراضهم: بأنه لا يلزم من ذلك ما ذكرتموه بأن يصير تكراراً للفظ فقط لأن للذات كمالات ذاتية وللصفات معان اعتبارية لا يدل عليها نفس اللفظ فقولنا الله عليم لا يشك عاقل أنه يختلف عن قولنا ذاته ذاته. (1/8)
صفحة 9
? ولزيادة الإيضاح: فمثلاً ذات الله منكشفة لها المعلومات بدون واسطة الغير، فهذا كمال ذاتي، ونحن نعبر عن هذا الانكشاف بصفته تعالى { عليم } فالصفة { عليم } لها معنى اعتباري وهو الدلالة على ذلك الانكشاف.
? وقالت الأشعرية: إن صفات ا لله تعالى الذاتية هي شيء زائد عن الذات ليس حالاً فيها ولا بعضاً منها.
? وهذا باطل لأنه لو كان شيئاً زائداً على الذات للزم افتقار الذات إلى ذلك الزائد، ومن كان مفتقراً لغيره فليس بإله لأنه عاجز في نفسه مفتقر إلى غيره والذات العلية كاملة بنفسها غير مفتقرة إلى غيرها.
? أيضا لو كانت صفاته هي غير ذاته للزم:
- إما أن تكون مقارنة له في الوجود فيلزم تعدد القدماء وهو باطل قطعاً.
- وإما أن تكون سابقة على ذاته في الوجود فيلزم عليه حدوث الذات العلية وهو باطل أيضاً.
- وإما أن تكون موجودة بعد الذات العلية فيلزم عليه أن يكون الله عز وجل قبل حدوثها غير متصف بهذه الكمالات فيكون غير قادر وغير عالم إلى آخرها وهذا باطل قطعاً (1) .
- أن الذي يسمع بسمع ويبصر ببصر هم المخلوقون والله تعالى يقول عن نفسه: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } .
الفصل الثالث:
في نفي الرؤية (2)
مقدمة:
لقد احتدم النزاع بين فرق المسلمين في إمكان رؤيته تعالى أو عدم إمكانها فذهبت الفرق المنتسبة إلى السنة من السلفية والأشعرية والماتُردية والظاهرية إلى أنها ممكنة ولكنهم اختلفوا لعدة أقوال:
? فبعضهم يقول أنها يمكن أن تقع في الدنيا والآخرة.
? وبعضهم يقول لا تقع إلا في الآخرة ولا يراه إلا المؤمنون.
? وقال آخرون أنه يرى الله جميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم.
? وقال آخرون يراه المنافقون دون الكافرين.
والأقوال الثلاثة الأخيرة في مذهب أحمد وهي لأصحابه.
__________
(1) 1( بهجة الأنوار،نور الدين السالمي ،ط2،ص81
(2) 1( نقلاً من الحق الدامغ باختصار وبعض التصرف. (1/9)
صفحة 10
? فنسبة ثلاثة أقوال متعارضة إلى إمام واحد يدل على ضعف القاعدة التي بنى عليها هذا المعتقد وإلا فإن الحق لا يحتمل هذا الاختلاف المتناقض لوضوح حجته.
? وإذا كانت الرؤية كما يدعون أعظم نعيم ويشاركهم فيها الكافرون والمنافقون فكيف لا يشاركونهم في نعيم الجنة.
وذهب الإباضية والمعتزلة والزيدية والإمامية من الشيعة إلى عدم إمكانية رؤيته تعالى وأنها مستحلية الوقوع في الدنيا والآخرة. وسيأتي ذكر أدلة الطرفين في ذلك بالتفصيل.
أدلة مثبتي الرؤية العقلية والنقلية
أ الأدلة العقلية:
1- أن الله موجود وكل موجود يصح أن يرى.
وأجيب:
1- أنه ليس كل موجود يصح أن يرى، فالعقل والروح والأصوات لا ترى.
2- لا يصح قياس الخالق على المخلوقين لأنه تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } .الشورى الآية 11.
ب الأدلة النقلية:
1- سؤال موسى عليه السلام الرؤية بقوله: { رب أرني أنظر إليك } الأعراف الآية 3.
قالوا لو كانت الرؤية غير جائزة لما سألها موسى عليه السلام لأنه لا يمكن أن يكون جاهلاً باستحالتها، وإذا كان عالما باستحالتها فلماذا يطلب المستحيل؟
وأجيب:
بأن موسى عليه السلام لم يطلب الرؤية لنفسه وطلبها لإقناع قومه بدليل:
أن الله نسب طلب الرؤية لقوم موسى ووبخهم على ذلك:
فقال تعالى: { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة } . النساء الآية 153.
وقوله تعالى: { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون } . البقرة الآية 55
فلماذا نسب الله طلب الرؤية إلى قوم موسى إذا كان موسى سألها لنفسه؛ ولماذا وبخهم الله على هذا الطلب إذا كانوا لا علاقة لهم بالموضوع؟!
ولا شك أن موسى عالم باستحالتها ولم يقصد طلب المستحيل وإنما أراد إقناع قومه بامتناعها.
? واعترضوا بأن أولئك القوم إن كانوا مؤمنين كفاهم قول موسى عليه السلام لأنه رسول مؤيد بالمعجزات وإن كانوا كافرين فلن يفيدهم الجواب باستحالتها. (1/10)
صفحة 11
ورد اعتراضهم: بأن القوم ليسوا مؤمنين بدليل قوله تعالى: { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } البقرة 55 ، فأراد النبي موسى أن يقطع شقاقهم بجواب حاسم من قبل الله عز وجل بتجلي شيء من الآيات يقضي على كل طمع في مطلبهم المستحيل.
? واعترضوا على ذلك بأمرين:
1- أنه عليه السلام لو لم يسألها لنفسه لما تاب من سؤاله.
2- أنه لو سألها لغيره لم يضفها إلى نفسه ولقال رب أرهم ينظروا إليك ولم يقل: { رب أرني أنظر إليك } .
وأجيبوا عن الأول: أن موسى عليه السلام سارع إلى التوبة لشعوره بالتورط بما سأل وإن كانت له نية حسنة يعلمها الله تعالى وإنما المقام يقتضي الاستئذان من الله تعالى قبل الإقدام على السؤال.
وأجيبوا عن الثاني: أن إضافتها لنفسه دونهم أبلغ في إقناعهم باستحالتها فإذا تعذرت عليه فهي عليهم أشد.
2- قول الله سبحانه وتعالى: { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني } الأعراف 143، قالوا إن الله علق الرؤية على استقرار الجبل واستقراره ممكن والمعلق على الممكن ممكن مثله.
وأجيب:
بأنه بعد ما حصل الاندكاك للجبل علمنا أنه كان في علم الله منذ القدم أن الجبل مقضي عليه بالاندكاك ولا تبديل عما في علم الله. أما عدم الاندكاك كان ممكنا في نظر الناس الذين لا يعلمون الغيب. وقوله تعالى: { فسوف تراني } ليس وعداً بالرؤية لأنه سبق قوله: { لن تراني } أزال طمع سائلي الرؤية ولكن تعليق الرؤية بالجبل ليرى عجز القوة البشرية عن رؤية الله تعالى مع عدم ثبات قوة الجبل.
3- احتجوا بما روي عن بعض الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء والمعراج.
أجيبوا:
بأن هذا غير صحيح لأن السيدة عائشة قالت: ((من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية)) كما جاء ذلك في مسند الإمام الربيع ومسلم والبخاري. (1/11)
صفحة 12
4- قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } القيامة الآية 22، قالوا أن الآية دالة على أننا سنرى ربنا يوم القيامة.
أجيبوا:
بأن الآية لا تعني الرؤية لعدة وجوه:
1- إن النظر أعم من الرؤية فهو يأتي بمعنى محاولتها مثل نظرت إلى كذا فلم أره مع عدم جواز أن نقول رأيته فلم أره.
2- يأتي بمعنى الانتظار كما في قوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } . البقرة الآية 21
وفي آية القيامة يحمل النظر على انتظار المؤمنين لرحمة ربهم لعدة أسباب:
1. إبعاد القرآن عن تعارض بعضه لأن تفسيرها بالرؤية يتعارض مع الأدلة التي تدل على نفي الرؤية.
2. لكي يتفق التفسير مع الانسجام في آيات القرآن كما هو المعهود، فالآيات قسمت الناس قسمين: أناس وجوههم مشرقة ينتظرون رحمة الله، وأناس وجوههم باسرة كالحة ينتظرون العذاب، فنضارة هذه تقابل بسور تلك، وانتظار هذه لرحمة الله يقابله توقع العذاب.
3. هذا التأويل يتفق مع آيات سورة عبس في قوله تعالى: { وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة مستبشرة، ووجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها قترة } عبس 38-41.
4. تقدم المعمول على عامله يؤذن بقصره عليه، فتقديم { إلى ربها } على { ناظرة } لو فسرنا الآية لاقتضى أنهم لا يرون شيئاً إلا الله ومن المعروف بالعقل والنقل أنهم يرى بعضهم بعضاً ورؤيتهم النعيم.
? وأنكر المثبتون للرؤية تفسير النظر بالانتظار من ثلاثة وجوه:
1- أن في الانتظار تنغيصاً يتنافى مع إكرام الله لعباده المخلصين.
2- أن تعدية النظر بإلى تمنع من تفسيرها بالانتظار خصوصاً إذا أسند إلى الوجوه.
3- أن انتظار رؤية الله حاصل في الدنيا فكيف يوعدون به يوم القيامة.
? وكل ذلك مردود.
أما رد الأول: فإن الآيات تتحدث عن الموضع في الموقف قبل دخول الجنة، ومعلوم أن النعيم الذي وعد به المؤمنون في الجنة، فلا بد من انتظاره. (1/12)
صفحة 13
أما الثاني: فقد جاء تعدية النظر بإلى وهو يعني الانتظار مثل قول حسان:
وجوه يوم بدر ناظرات ... ... إلى الرحمن يأتي بالفلاح
فإن قيل إن الانتظار محله القلوب لا الوجوه محل الإبصار، وقد يعبر بالوجوه ويقصد بها الإنسان يرد بأن الرؤية لا تكون بالوجوه أيضا.
وأما رد الثالث: فالناس في الدنيا لا يعرفون مصيرهم ولكن يوم القيامة عرفوا مصيرهم بالبشائر من الملائكة.
5 - قوله تعالى: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } يونس الآية6 .
فقد فسروا الحسنى بالجنة والزيادة بالرؤية مستدلين بحديث صهيب عند مسلم :"فإذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد أن لكم عند الله موعد يريد أن ينجزكموه فقالوا ألم تبيض وجوهنا وتنجينا من النار، وتدخلنا الجنة، قال فيكشف الحجاب قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليه من النظر إليه".
وهذا الاحتجاج مردود بعدة وجوه:
أولا: أن لفظة الزيادة غير دالة على الرؤية وضعاً ولا استعمالاً.
ثانياً: أن الحديث الذي عولوا عليه في تفسيرها فدلالته ضعيفة من عدة وجوه:
أ- أن الحديث آحادي لا يحتج به في الاعتقاد ومعارض لما هو أقوى منه من أدلة نفي الرؤية.
ب- أنه يتعارض مع ما فسروا به آية القيامة من حصول الرؤية في الموقف لأنه يدل حسب تفسيرهم أنها تكون في الجنة.
ج- كذلك يتعارض مع حديث أبي هريرة وأبي سعيد -رضي الله عنهما- الذي اثبتوا إليه إسناد الرؤية في الموقف.
د- أن الصحابة منهم ابن عباس وعلي بن أبي طالب فسروا الزيادة بغير الرؤية وذلك ما رواه عنهم الربيع وابن جرير.
6 - قوله تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } . المطففين الآية 15
قالوا: إن حجب الكفار عن الرؤية دال على أن المؤمنين يرونه إذ انهم غير معاقبين مثلهم.
وهذا الاستدلال ساقط من عدة وجوه:
1- أن الآية لم تذكر الرؤية وإنما سياق الآيات يدل على أنه حرمان من رحمة الله. (1/13)
صفحة 14
2- أن الاستدلال بمفهوم المخالفة حجة ظنية اختلف العلماء في الأخذ بها في الأمور العملية فكيف يؤخذ بها في الأمور الاعتقادية.
3- لو جاز تفسير الآية بالرؤية لكانت دلالة الآية أنهم محجوبون في ذلك اليوم عن الرؤية وأما قبلها فلا، لأن الآية حددت بـ { يومئذ } الظروف لها حكم الصفات في تقيد النسبة.
7 - قوله تعالى { على الأرائك ينظرون } المطففين 23.
قالوا إنهم ينظرون ربهم:
وهذا استدلال بغير دليل لأن الآية وصفتهم بالنظر ولم تذكر المنظور إليه ومما لا شك فيه أنهم ينظرون إلى نعيم الجنة.
8 - الآيات المصرحة بلقاء الله، فسروا اللقاء بالرؤية.
وهذا خطأ لأن اللقاء أعم من الرؤية كما في وقوله تعالى: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه } .
9 -حديث ((سترون ربكم عياناً كما ترون القمر ليلة البدر)) وقد رووه عن طريق أبي هريرة وأبي سعيد قالوا إن الحديث أخبرنا بأننا سنرى ربنا.
هذا الذي استدلوا به جزء من حديث، وقبل الرد عليهم أورد الحديث بكامله. ((عن أبي هريرة أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا لا يا رسول الله، قال هل تضارون في الشمس ليس دونها حجاب؟ قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها أو منافقوها -شك إبراهيم- فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم، فيقولون هذا مكاننا حتى يأتي ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ... ... الخ)) هذه رواية البخاري ورواية مسلم فيها منافقوها من غير شك،وجاء بألفاظ مختلفة عند الشيخين.
وكل واحد يعرف أن الأخذ بظواهر هذه النصوص يكذبه العقل والبرهان. (1/14)
صفحة 15
كما هو واضح فيما يلي:
1- أنه يترتب عليه تغيير ذات الله تعالى من صورة إلى أخرى والتغيير من صفات الحدوث فيلزم منه حدوثه تعالى.
2- في رواية للبخاري بلفظ ((فيأتيهم الجبار في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة)) فمتى رأوه أول مرة وهذا أول موقف من مواقف الآخرة،فيلزم أن يكونوا رأوه في الدنيا.
3- كون رؤيته شاملة للبر والفاجر والمنافق مخالف لما قال أكثرهم حيث خصصوها للمؤمنين.
4- إذا كان الله منح المنافقين الرؤية وهو نعيم أكبر من الجنة كما يقول مثبتوا الرؤية فلماذا يحرمهم من النعيم الأقل وهو الجنة.
5- معارضته لحديث صهيب الذي زعموا أنه دال على الرؤية لأن ذلك يدل على أن تكون الرؤية في الجنة وللمؤمنين فقط وهذا في الموقف ويشمل المؤمنين وغيرهم.
6- أنهم يقولون أن الرؤية بلا كيف والحديث يشبهها بالقمر وتغيير الصور يدلان على الكيف.
ولكي يتخلصوا من هذا المأزق قالوا إن الله يبعث لهم في المرة الأولى ملكاً يقول لهم: أنا ربكم.. وهذا باطل لأنه لا يجوز الكذب على الله ولأن الآخرة ليست محل اختبار.
7- هذا الحديث آحادي لا تقوم به حجة في الاعتقاد. [راجع السيف الحاد للشيخ سعيد بن مبروك القنوبي -حفظه الله -].
أدلة النافين للرؤية العقلية والنقلية.
أ_ الأدلة العقلية:
إن رؤية الله سبحانه وتعالى من الأشياء التي لا تتصور في العقل إذ أن الله كما في الأزل ولا شيء معه ولم تتبدل ذاته وصفاته بعد الخلق فلا تتصل ذاته بشيء من مخلوقاته كما أنها لا تنفصل عنها لأن كل ذلك من صفات الحوادث. والرؤية تستلزم أشياء لا تكون إلا للمخلوقين مثل:
1- أن يكون المرئي متميزاً -أي متشخص- والله يستحيل عليه التشخيص.
2- أن يكون متكيفاً -أي ذا كيف- أي لون- وذلك محال على الله.
3- أن يكون متبعضاً لأن النظر إما أن يحيط به كله أو بعضه وكل ذلك محال على الله (1) .
__________
(1) 1( بهجة الأنوار لنور الدين السالمي. (1/15)
صفحة 16
4- الانحياز في جهة مقابلة للرائي والله لا تحويه الأمكنة.
5- أن لا يكون المرئي في منتهى اللطافة.
6- عدم الحجاب الحائل وهو الجسم الكثيف (1) .
7- أن يكون مضيئاً بنفسه أو واقعاً عليه ضوء غيره، وكل ذلك مستحيل على الله (2) .
ب- الأدلة النقلية لنفي الرؤية:
1- قوله تعالى : { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } الأنعام103 فالله امتدح في هذه الآية بعدم إدراك الأبصار له يعني أنه لا يراه أحد فتبين أن عدم رؤيته تعالى بالأبصار صفة ذاتية ملازمة له تعالى.
? واعترض المثبتون للرؤية هذا الاستدلال من خمسة أوجه:
1- إن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية،وبينهما فرق فالإدراك هو الإحاطة بالمدرك من جميع الجوانب وهو مستحيل على الله.
2- إن الآية جاءت لسلب العموم لا لعموم السلب يعني أن معنى الآية ليس كل الأبصار تدرك الله فالآية نفت الكل إذ أثبتت الرؤية للبعض.
3- لو عمت الآية في الأشخاص فإنها لا تعم في الأزمان.
4- إن الآية نفت رؤية الأبصار ولم تنف رؤية المبصرين يعني أنه ربما ينظرون بجارحة غير العين.
5- أن عموم الآية مخصص بأدلة إثبات الرؤية.
ورد الاعتراض الأول:
بأن الإدراك لم يأت بمعنى الإحاطة في المعاجم العربية بل جاء معناه اللحوق والرؤية كما جاء في الصحاح (3) أدركته ببصري أي رأيته.
ورد الاعتراض الثاني بعدة أوجه:
1- لو كان الله امتدح بأنه لا تراه كل العيون فهذا لا يصير مدحاً لأن الشمس لا تراها كل العيون لبعدها عن العوالم الأخرى.
2- لو جاز هذا التأويل لجاز أيضا في غيرها مثل قوله تعالى: { إن الله لا يحب المعتدين } البقرة الآية 190 لأن كلا الآيتين سيقت للمدح وتضمنت النفي.
3- التعريف في الأبصار بـ((ال)) سواء كانت للاستغراق أو الجنس فإنها تدل على عدم الرؤية.
__________
(1) 2( الحق الدامغ للشيخ أحمد الخليلي
(2) 1( مشارق أنوار العقول لنور الدين السالمي ص198
(3) 2( الصحاح جـ4 ص1582 دار العلم اللملايين. (1/16)
صفحة 17
ورد الاعتراض الثالث:
أنه لا أساس له لأن كل واحد يدرك أنه لو سلمنا بذلك لكان من حلف أن لا يزني وزنى في المستقبل لا يكون حانثاَ.
ورد الاعتراض الرابع:
بأن الآية نفت أن تمتد إلى الله طاقة البصر حتى لو قالوا إنهم يرونه برؤوسهم وأجسامهم كلها.
ورد الاعتراض الخامس:
إن الأدلة التي احتجوا بها على الرؤية لا تعني الرؤية كما مر سابقاً. فإن قيل عدم رؤية الله تعالى لا يعد مدحاً لمشاركته غيره فيها في ذلك كالرياح والأرواح.
الجواب: إن الله لا يرى لجلاله وكبريائه وأما المخلوقات فقد أخفاها الله ولو جاز هذا الاعتراض لجاز في قوله تعالى: { لا تأخذه سنة ولا نوم } البقرة الآية 255 لأن الأجرام السماوية لا تنام.
? قال ابن تيميه: إن الآية على جواز الرؤية أدلّ على نفيها لأن الله ساقها ممتدحاً ولا يمتدح الله بمعدوم إلا إذا تضمن أمراً وجودياً، مثل تمدحه بعدم السنة والنوم لأنه يريد أن يثبت كمال القيومية، وتمدح بنفي الموت لإثبات كمال الحياة.
الجواب: نجده هنا يريد أن يخضع النصوص لقاعدة مصطنعة من الوهم فلو سلمنا بما يقول: فإن نفي الرؤية متضمن كمال الكبرياء لله كما في حديث أبي موسى الأشعري (جنتان من فضة...).
? قال الفخر الرازي: لو لم يكن جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله: { لا تدركه الأبصار } لأنه لا امتداح بما لا تصح رؤيته مثل الروائح.
فيقال للمحتج بذلك: إن كان نفي الشيء دليل على جوازه فماذا تقول في قوله تعالى: { لم يتخذ صاحبة ولا ولداً } سور الجن الآية 3، هل دليل على اتخاذه سبحانه الصاحبة والولد؟!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
والخلاصة: إن الآية دالة دلالة صريحة قاطعة أن الله تعالى لا تراه الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة وكل الاعتراضات هي ضباب من الوهم يتلاشى بظهور شمس الحق. (1/17)
صفحة 18
2- قوله تعالى لموسى عليه السلام: { لن تراني } الأعراف 143، فإن الله نفى الرؤية نفياً قاطعاً غير مقيد بزمان، فلم يقل له لن تراني في الدنيا، لا تبديل لكلمات الله
- فلو حصلت الرؤية في أي وقت لكان تكذيباً لهذا الخبر.
- نزول الصاعقة واندكاك الجبل يقطع طمع من يطلب ما يتنافى مع كبرياء الله.
- نزول الصاعقة دليل على أن سؤال الرؤية اقتحام لحمى محجور لرب العالمين، بدليل أنهالم تنزل عليهم الصاعقة حتى على عبادتهم للعجل.
- لو كانت الرؤية نعيم للمؤمنين في الآخرة مثل الجنة لما نزلت بسؤالها الصاعقة، ألا ترى لو سأل أحدٌ ربه أن يدخله الجنة في الدنيا هل ستنزل عليه الصاعقة؟!!.
- مسارعة موسى بالتوبة وتنزيه الله وقوله: { أنا أول المؤمنين } يعني بعدم الرؤية كما روى ذلك ابن جرير عن ابن عباس دليل على عدم جواز الرؤية.
? واعترض المثبتون بأن الله قال: { لن تراني } ولم يقل لست بمرئي وهذا دليل على ضعف الرائي لأنه في دار الفناء وليس على استحالة الرؤية.
ورد عليهم أن الجواب على قدر السؤال فإذا انتفت الرؤية عن موسى وهو كليم الله فعن غيره أولى.
? وقال المثبتون إن : { لن } تفيد قلب النفي من الحال للاستقبال بدليل قوله تعالى عن اليهود: { ولن يتمنوه أبداً } البقرة 95، مع قوله تعالى: { ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك } الزخرف 77 قالوا نفى عنهم الموت في الدنيا وأثبته في الآخرة وكذلك نفى الرؤية.
ورد هذا بأنه يختلف باختلاف الأحوال فاليهود مشغوفون بالدنيا مشفقين من الموت أخلدوا إلى الراحة وفي الآخرة يتبدل حالهم. وأما الله تعالى فلا تجري على ذاته الأحوال والرؤية منافية لكبرياء الله كما جاء في الحديث : (..وما بينهم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء) وكبرياء الله أزلية أبدية لا تتبدل. (1/18)
صفحة 19
3- ما جاء في كتاب الله من الإنكار الشديد البالغ للذين سألوا الرؤية من اليهود والمشركين دليل قاطع لعدم جواز الرؤية حيث قال الله سبحانه وتعالى: { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة } النساء 153.
4- تحذير الله سبحانه وتعالى للمسلمين أن يقعوا فيما وقع فيه بنوا إسرائيل من سؤال الرؤية حيث قال الله تعالى: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل } البقرة 108.فلو كانت الرؤية جائزة لماذا يحذرهم الله من سؤالها.
5- ما رواه الإمامان البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)).
- فالحديث صريح في عدم رؤيتهم لله لان رداء الكبرياء يحول دون ذلك والكبرياء صفة ذاتية لله تعالى لا تتبدل مثل العلم والقدرة.
? فإن قيل لماذا حملتم النظر في مقام النفي على الرؤية مع حملكم إياه في مقام الإثبات على الانتظار؟ كما في آية القيامة.
الجواب: إن النظر يأتي بمعنى الانتظار وبمعنى الرؤية والقرائن تصرفه لأيهما يفسر.
? وقد تكلف ابن حجر في تفسير هذا الحديث فقال: إن في الحديث حذف تقديره: إلا رداء الكبرياء فإنه يمن عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه.
الجواب: فلو تبعنا هذه التأويلات البعيدة لما بقي نص مستقر لأنه يحتمل ا لزيادة لإثبات المنفي ونفي المثبت. وقد قال صاحب المنار: إن في هذا التأويل تكلفاً.
6- ما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عن أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال عندما سئل رؤيته لربه ((نور أنى أراه)). (1/19)
صفحة 20
- فالرسول صلى الله عليه وسلم استبعد حصول الرؤية بقوله ((أنى أراه)) فإن أني بمعنى كيف، وهو شاهد على استحالة رؤيته تعالى.
وقفة تأمل
أخي القارئ لا شك بعد هذا التجوال في أدلة كل من المثبتين للرؤية والنافين لها أدركت ضعف أدلة المثبتين للرؤية ولكمال الفائدة أذكرك ببعض النقاط.
1- فالمثبتون اعتمدوا في قولهم على أن موسى سأل الرؤية لنفسه شوقاً إلى الله، ولو تفكرت في الآية لوجدت أن الله نسب سؤال الرؤية لقوم موسى وموسى نفسه نسب سؤال الرؤية لقومه عندما قال: { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } .
2- هل من المستغرب أن يسأل النبي موسى عليه السلام الرؤية لإقناع قومه مع علمه باستحالتها ونحن نرى النبي إبراهيم عليه السلام قال عن الأجرام السماوية : { هذا ربي } مع علمه سلفاً أنها ليست رباَ وإنما اتخذ ذلك وسيلة لإقناع قومه.
3- لو تأملنا حديث (سترون ربكم) لوجدنا أنه:
? يثبت الكيفية لله، والله منزه عن الكيف.
? ويثبت تبدل صورة الله تعالى وهذا من صفة الحدوث.
? ويثبت الرؤية للمنافقين.
? ويثبت أنهم رأوه قبل ذلك الموقف مع أنه أول موقف من مواقف الآخرة إذاً رأوه في الدنيا!!
4- لو تأملنا ردهم على الاحتجاج بقوله تعالى: { لا تدركه الأبصار } لوجدناه واهياً إذ أنهم فسروا الإدراك بالإحاطة وهذا التفسير غير موجود في قواميس اللغة العربية، مثل اللسان والصحاح، بل إنه موجود حسب ما فسره النافون للرؤية كما ذكرنا سابقاً.
5- إذا تأملنا ردهم على الاحتجاج بحديث "وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء ا لكبرياء" لوجدنا ضعيفاً لأنهم صدموا بأن الكبرياء صفة ذاتية لله ولا تزول عنه حتى تحصل الرؤية فحاولوا الزيادة على الحديث.
6- لو كانت الرؤية جائزة وأنها اعظم نعيم كما يدعون لماذا لم يذكرها الله سبحانه وتعالى بالتفصيل كما ذكر الجنة؟!!.
7- تضارب الأدلة التي احتج بها المثبتون. (1/20)
صفحة 21
? فحديث أبي هريرة يثبت حسب زعمهم الرؤية في الموقف.
? وحديث صهيب يثبتها في الجنة وسياقه يدل على أنها أول مرة لو أخذ بظاهره.
? وحديث أبي هريرة يثبتها للمؤمنين والمنافقين.
? وحديث صهيب للمؤمنين فقط ...
الفصل الرابع
خلق القرآن
مقدمة:
في تعريف القرآن الكريم والفرق بينه وبين الكلام النفسي وعلم الله:
? القرآن هو كلام الله المنزل بحروفه وكلماته على النبي صلى الله عليه وسلم المعجز بتراكيبه ومعانيه، المنقول عنه بالتواتر القطعي المبدوء بسورة الفاتحة والمنتهي بسورة الناس.
? والفرق بين الكلام النفسي وبين القرآن الكريم وسائر الكتب المنزلة:
أن الكلام النفسي صفة ذاتية لله تعالى يثبت بها كماله عز وجل وينفى بها النقص وهو الخرس، كما إن إثبات العلم نفي الجهل.
? ولا خلاف في هذه الصفة الذاتية أنها قديمة.
كذلك لا يماري أحد في قدم علمه تعالى بالكتب المنزلة مثل القرآن والإنجيل والتوراة والزبور وغيرها من الكتب السماوية حيث إن الله عالم منذ القدم بالكتب المنزلة مقدارها وحروفها وألفاظها ووقت إنزالها مثل المخلوقات الأخرى.
? لكن قدم العلم لا يقضي بقدم المعلوم، فالله سبحانه وتعالى، عليم بكلام البشر علماً أزلياً كما هو عليم بكلامه وعليم بكل مخلوقاته.
? فالكتب المنزلة إنما هي في الحقيقة مدلولات علمه تعالى الذي هو من صفات ذاته تعالى، ليس هي نفس صفة العلم الذي هي صفة من صفاته القديمة، وإلا كانت التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب المنزلة قديمة موجودة في الأزل مع الله بهذه الألفاظ المخلوقة. فيكون كثير من المخلوقات قديماً موجوداً في الأزل مع الله فهذا باطل إذ لا قديم سواه.
? ونحن عندما نقول أن القرآن الكريم مخلوق لا نعني به صفة الكلام إ ذ لم يقم دليل على تسميتها قرآناً أو صفة العلم الذاتيتين فهما لا شك في قدمهما، ولكن نتحدث عن القرآن الكريم المتلو بالألسن المكتوب في المصاحف. (1/21)
صفحة 22
? وقد التبست هذه الفروق بين صفتي الكلام والعلم الذاتيتين المتصف بهما الله تعالى منذ القدم وبين القرآن الكريم المنزل عند بعض الناس فقالوا بقدم القرآن الكريم لأنه كلام الله ونسوا أن التكلم نفسه لا يعني لغة وعرفاً إلا إحداث الكلام، وقاموا بحشد الأدلة في ذلك.
أدلة القائلين بقدم القرآن الكريم.
الأول: أن الله تعالى اِمتن على عباده بتعليم القرآن لا بخلقه حيث قال: { الرحمن علم القرآن } الرحمن الآيات 1 ،2
? قالوا هذه دلالة على عدم خلق القرآن.
الجواب: هذا الاستدلال لا ينص على عدم الخلق فلو كان دليلاً على عدم الخلق لاقتضى ذلك أن يكون البيان كله غير مخلوق لقوله سبحانه إثر ذلك: { خلق الإنسان (علمه البيان } الرحمن 3،4 لأنه لم يقل خلق له البيان.
الثاني: قوله تعالى: { له الخلق والأمر } الأعراف الآية54
? قالوا عطف الأمر على الخلق وهذا يعني أن الخلق هو المخلوق والأمر كلامه تعالى الذي هو غير مخلوق وهو قوله: { كن }
الجواب: وهذا الاستدلال بما لا دليل فيه من عدة أوجه:
1- فالآية تعني أن الله أوجد الكائنات وهو المتصرف فيها.
2- العطف لا يعني التغاير، قال تعالى: { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } البقرة الآية 238 والصلاة الوسطى ليست شيئاً آخر عن الصلوات.
3- أمر الله مخلوق من قبل الله تعالى، قال الله تعالى: { وكان أمر الله مفعولاً } الأحزاب الآية 37 .. وقال : { ليقضي الله أمراً كان مفعولاً } الأنفال الآيات 42،44.. والمفعول والمقضي لا يكونان إلا حادثين.
4- كلمة ((الأمر)) تأتي بعدة معان فكيف تفسر بالقرآن، فمعناها في قوله تعالى: { حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور } هود الآية 40.. يختلف عن معناه في قوله: { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } النحل الآية 1
الثالث: قوله تعالى: { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق } الحجر الآية 85. (1/22)
صفحة 23
? قالوا :إن المراد بالحق كلمة: { كن } وهذا القول هو الذي خلق به المخلوقات فلو كان مخلوقاً لما صح أن يخلق به المخلوقات.
الجواب: إن كلمة { الحق } في الآية معناها ضد الباطل أي ما خلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً ويدل على ذلك: { ربنا ما خلقت هذا باطلاً } آل عمران الآية 191.
الرابع: الاستعاذة بكلمات الله التامة كما في الحديث "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"
? قالوا لو لم تكن قديمة لما جاز الاستعاذة بها.
الجواب: إن هذه الاستعاذة في الحقيقة استعاذة بالله ولكن أدرجت الكلمات لما جعل الله فيها من البركة. وقد وردت الاستعاذة بأفعال الله كما جاء في الحديث ((وبمعافاتك من عقوبتك)) و المعافاة فعل لله وهي حادثة.
الخامس: ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه أنكر على رجل قوله: رب القرآن.
الجواب: أن هذه الرواية تدل الدلائل على عدم صحتها لأن الله سبحانه وتعالى أضاف كلمة { رب } إلى صفة من صفاته الذاتية وهي العزة حيث قال: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } .
الأدلة العقلية القائلين بخلق القرآن
أولاً: إن القول بقدم القرآن يفضي إلى تعدد القدماء وهذا مناف للوحدانية التي هي من أخص صفاته تعالى، فلو كان مقارناً له في الأزل لجاز أن يشاركه في الألوهية.
? فإن قيل إن الكلام نفسه أحد هذه الصفات التي استحق الله بها الانفراد بالخلق والأمر.
قلنا: إن تلك الصفات غير منفصلة عنه سبحانه وكلامنا هذا في كلام حالّ في صدور أهل العلم مسموع بالآذان متلو بالألسن مكتوب بالأقلام مسطور في الألواح، مخالف لتلك الصفات.
ثانياً: القديم يستحيل أن يكون لغيره سلطان عليه إنزالاً أو رفعاً أو إبقاء أو إذهاباً والله سبحانه يقول: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } الإسراء الآية 86. (1/23)
صفحة 24
ثالثاً: آثار الصنعة ظاهرة عليه: فكل حرف يفتقر إلى آخر لتتألف الكلمة، وكل كلمة محتاجة إلى أخرى لتتركب الجملة.والتركيب للكلمات والجمل صنعة تدل على الصانع والصانع لا بد أن يتقدم المصنوع.
رابعاً: جواز تعليله كما تعلل سائر أفعاله تعالى فيقال كلم الله عباده بالقرآن ليقيم عليهم الحجة.
فلو كان القرآن نفسه صفة ذاتية لما جاز تعليله،فلا يقال قدر الله على كذا لأجل كذا.
خامساً: اقترانه بزمان قال تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } الأعراف الآية 11 فقد قال لهم اسجدوا بعد خلق آدم وتصويره، ومحال أن يقول الله أيضاً لجهنم هل امتلأت قبل خلقها ووجودها؟. وقد أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام إن الله يكلم ملائكته في الدنيا فيسألهم كيف تركتم عبدي ويكلمهم يوم القيامة، فاتضح المراد بتكليم الله هو إحداثه للكلام في الوقت الذي يكون فيه وإلا فما معنى تقييده في الدنيا أو في الآخرة.
? والفرق بين إحداث الله للكلام وإحداث العبد لكلامه هو: أن العبد لا يستقل بإيجاد فعله استقلالا تاماً وإنما له جانب الكسب والخالق هو الله.
? وأما إحداث الله لكلامه فهو أثر لصفته الذاتية وهي متكلم التي يعني بها نفي الخرس.
سادساً: أن حروف القرآن نفسها الذي ينتظم منها كلام العرب نثره ونظمه.
فإن كان القرآن قديماً لزم قدم كلام الناس لتركب كلامهم من هذه الحروف بعينها، ويلزم لذاك كون الكلام سابقاً على المتكلمين وإلا فكيف يتكون قديم من الحوادث!.
* فإن قيل إن الحروف قديمة في كلام الله وحادثة في كلام البشر.
قلنا: يلزم اجتماع في كل حرف صفتان متناقضتان.
الأدلة النقلية للقائلين بخلق القرآن الكريم
أولاً : قوله تعالى { خالق كل شيء } الأنعام الآية 102،الرعد16 الآية، الزمر الآية 62 ، غافر الآية 62
فالقرآن الكريم لا شك أنه شيء فما الذي يخرجه من هذا العموم؟. (1/24)
صفحة 25
? فإن قيل إن إجراء العموم على كل شيء يستلزم أن يكون الله خالقاً لذاته.
فجوابه: أنه استحال عقلاً ونقلاً دخول الذات العلية في هذا العموم، وقد عد الأصوليون هذا التخصيص من باب التخصيص العقلي، وصفاته تعالى كذاته في ذلك.
? فإن قيل والكلام صفة لله من هذه الصفات فلماذا لم تستثنوه كما استثنيتم الصفات من عموم الآية.
أجيب: بأنه ليس كلامنا في الكلام النفسي الذي هو صفة ذاتية لله عز وجل والذي تثبت بثبوت قدرته على الكلام. والذي عنيناه أنه مخلوق هو كلام منزل مركب من الحروف تتلوه الألسن وتسمعه الآذان وتعيه العقول فهل لذلك مثيل من صفات الله؟
ثانياً: قوله تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } الفرقان الآية 2، والقرآن مقدرة سوره وآياته وجمله وكلماته وحروفه وحركاته وتلاوته ومعانيه وأحكامه وأخباره وأمثاله.
ثالثاً: قوله تعالى { إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون } الزخرف الآية 3.
? فوصفه بأنه مجعول والمجعول المصّير من حال إلى حال وهذا لا يكون إلا في مخلوق.
والمجعول لا بد أن يكون قبله الذي جعله.الجعل إذا أسند إلى الله تعالى فمعناه الخلق كما ورد في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: { وجعل الظلمات والنور } الأنعام الآية 1، وقوله تعالى: { وجعل الشمس سراجاً } نوح الآية 16 .
? وقد اعترضوا على الاستدلال بالآية على خلق القرآن بأن الجعل قد يكون غير الخلق يكون غير الخلق كما في قوله تعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً } الزخرف الآية 119.
الجواب: (1/25)
صفحة 26
1- شتان بين الجعلين وبين الجاعلين: فالجعل للقرآن فعل ثابت مسند إلى الله من أنكره فقد كفر وهو عربية القرآن ونورانيته وهدايته، حقيقة قائمة، والجعل الذي اعترضوا به قول باطل مسند إلى الكفار وهو أنوثية الملائكة. أن الفعل إذا أسند إلى الله يكون له معنى وإذا أسند إلى غيره يكون له معنى آخر قال تعالى: { والله خلقكم وما تعملون } الصافات الآية 96، وقال: { وتخلقون إفكاً } العنكبوت الآية 17 فاختلف المعنى لنفس الكلمة.
رابعاً: قوله تعالى: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون } الأنبياء الآية 2 ، وقوله تعالى: { ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين } الشعراء الآية 5، فوصف الذكر بأنه محدث والإحداث الخلق، والذكر هو القرآن كما قال تعالى: { وما هو إلا ذكر للعالمين } القلم الآية52 .
? واعترضوا على الاستدلال بأن الإحداث هو الإنزال.
الجواب: أن حمل الإحداث على الإنزال خروج عن الظاهر لغير داع سوى تأييد فكرة في نفس القائل.
خامساً: قوله تعالى: { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } .
فالله وصف القرآن بأنه محكم ومفصل وهما أثران صادران عن مؤثر ولا بد أن يسبق المؤثر على الأثر والمسبوق حادث.
سادساً: قوله تعالى: { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم }
والاستدلال بهذه الآية من ثلاثة أوجه.
أ- أن المجيء نقل من حال إلى حال وهو مستحيل في القديم.
ب- أنه مفصل أي مؤثر فيه والمؤثر فيه حادث.
ج- أن تفصيله ناشيء عن علمه سبحانه والناشئ عن الشيء لا بد أن يكون مسبوقاً به.
سابعاً: قوله تعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } البقرة 106 فالله اخبر عن نسخ بعض آيات القرآن والنسخ هو المحو والإزالة وهو مستحيل على القديم. (1/26)
صفحة 27
ثامناً: قوله تعالى: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } البقرة الآية185 ، فوصف القرآن بأنه منزل والإنزال نقل من مكان إلى آخر وهو مستحيل على القديم لتعذر أن يكون لأحد عليه سلطان وأن يكون متغير الأحوال.
تاسعاً: قوله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } الحجر الآية 9 .
فقد أخبر الله بأن القرآن محفوظ له تعالى ولا يكون المحفوظ إلا مخلوقاً لأن القديم مستغن عن حفظ الحافظين، فلا يقال حفظ الله حياته أو قدرته.
عاشراً: قوله تعالى: { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } آل عمران الآية 7 ، فذكر أن الآيات المحكمات هي أم -أي أصل- للمتشابهات يرجع فيها التأويل، وهو مستحيل في القديم فلا يقال وجود الله أمٌ لحياته.
الحادي عشر: قوله تعالى: { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } العنكبوت49، فقدور العلماء حادثة والحادث لا يكون وعاء لقديم فلا يكون إنسان وعاء مثلاً لسمع الله وبصره.
الثاني عشر: قوله تعالى: { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } البروج الآيات 21 -22، والاستدلال بالآيتين من وجهين:
أ إن اللوح مخلوق والمخلوق لا يكون وعاء لقديم كما سبق.
ب إن هاتين الآيتين سيقتا للتنويه لبيان عظم شان القرآن الكريم وعلو قدره، فلو كان هذا القرآن المنزل هو نفسه صفة الكلام لقال بل هو قرآن مجيد قائم بالعزيز الحميد لأنه أشرف من نسبته للوح المحفوظ.
الثالث عشر: قوله تعالى: { وأنزلنا إليك الكتاب مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه } المائدة الآية 48، فهو مسبوق بغيره والمسبوق لا يكون إلا حادثاً.
ومهيمن على الكتب السابقة والمهيمن عليه حادث وإذا كان ما قبله حادث فهو حادث أجدر بالحدوث.
الربع عشر: قوله تعالى: { وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً } الإسراء الآية 106 ، إذاً فالقرآن مفروق والمفروق مصنوع والمصنوع لا يكون إلا حادثاً. (1/27)
صفحة 28
الخامس عشر: وردت أحاديث كثيرة تنص على أن بعض القرآن أعظم من بعض وأفضل وأن بعضه سنام لسائره وبعضه قلب،وهذا كله لا يجوز على القديم إذ لا تفضل صفة من صفات الله على بعض فلا يقال علمه أفضل من قدرته والعكس.
وإذا امتنع التفاضل بين الصفات ففي الصفة الواحدة أولى بالمنع فلو أن القرآن هو نفسه صفة الكلام الذاتية لله لما جاز التفاضل بينها.
* ... * ... * ... *
وقفة تأمل
إذ تأملت أقوال القائلين بقدم القرآن الكريم وجدت الضعف بادياً عليها ومن أكبر الأدلة على ضعف أقوالهم:
أ أن أقوى ما استندوا إليه في خلق القرآن أن القرآن كلام مضاف إلى الله تعالى في نحو قوله تعالى: { فأجره حتى يسمع كلام الله } التوبة الآية 6، قالوا: ما دام مضافاً إلى الله فلا يقال فيه إنه مخلوق، وقد غفلوا عن كونهم بهذا الاستدلال يعطون للنصارى حجة فيما يعتقدونه من أن المسيح عليه السلام ابن الله أو جزء منه لأنه تعالى أضافه إليه في قوله تعالى: { وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } النساء الآية 171 .
ب تضارب أقوالهم كما بسط ذلك الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في (الحق الدامغ) ولكني هنا أنقل نصين لأكبر علمائهم لتبين هذا التضارب.
1- جاء في الصواعق المرسلة ( ... وكذلك قوله تعالى : { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } الأعراف الآية11 ، وإنما قال لهم اسجدوا بعد خلق آدم وتصويره وكذلك قوله تعالى: { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني } الأعراف الآية 143 ، فكم من برهان يدل على أن التكلم هو الخطاب وقع في ذلك الوقت، وقوله تعالى: { يوم نقول لجهنم } ق الآية30،ومحال أن يقول سبحانه لجهنم: { هل امتلأت } وتقول: { هل من مزيد } قبل خلقها ووجودها، مع نصوص كثيرة أسردها في هذا الموضوع،فإذا تأملنا هذا النص وجدناه يقول فكم من برهان يدل على أن التكلم وقع في ذلك الوقت ويقول محال أن يقول الله لجهنم هلا امتلأت قبل خلقها. (1/28)
صفحة 29
وهذا الاحتجاج يدل على أن الكلام يحدثه الله في أوقات محدده وليس قديماً،ومع هذا ينكر علينا القول بخلق القرآن.
2- يقول ابن تيميه (والسلف قالوا لم يزل الله تعالى متكلماً إذا شاء فإذا قيل كلام الله قديم بمعنى أنه لم يصر متكلماً بعد أن لم يكن متكلماً،ولا كلامه مخلوق ولا معنى واحداً قائم بذاته، بل لم يزل متكلماً إذا شاء، ولم يقل أحد من السلف أن نفس الكلام المعين قديم، وكانوا يقولون: كلام الله المنزل غير مخلوق منه بدأ واليه يعود،ولم يقل أحد منهم أن القرآن قديم ... ).
ويستخلص من كلامه ما يلي:
1- إن الله كان في الأزل متكلماً -أي غير عاجز عن الكلام- وهو كذلك في ما لا يزال. وهذا أمر غير مختلف فيه فيما وبيننا وبينهم فإننا جميعاً نثبت له صفة الكلام أزلا بهذا المعنى كما تنص عليه كتبنا.
2- أن ابن تيمية وعلماء سلفه الذين يعتمد عليهم لم يقولوا في القرآن المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قديم العين وكذلك الكتب المنزلة الأخرى ولا أي كلام نسب إلى الله كتكليم موسى عليه السلام.
? كذلك لا يقولون في شيء من ذلك أنه صفة قديمة قائمة بذات الحق.
? وهذا لا خلاف بيننا فيه، إنما هو مخالف لما نص عليه كثير من الأشعرية والكلابية، أو الحنابلة أنفسهم حيث قالوا أن القرآن الكريم قديم وأنه صفة قائمة بذاته عز وجل وكذلك سائر الكتب المنزلة الأخرى ولا أي كلام نسب إلى الله كتكليم موسى عليه السلام.
3- أنهم مع اعترافهم بعدم قدم القرآن وسائر الكتب المنزلة يقولون إنها غير مخلوقة، وهنا محط العجب والاستغراب فإن الكائنات بأسرها أما أن يكون قديمه أزلية لم يسبق وجودها عدم. وإما أن تكون حادثة بعد أن لم تكن وهي بحاجة إلى من أخرجها إلى هذا الوجود وهذا هو معنى الخلق.
فكيف يكون شيء غير قديم وغير مخلوق؟!!.
الفصل الخامس
الخلود في النار
مقدمة: (1/29)
صفحة 30
اختلف المسلمون في الخلود في النار فقال الإباضية، والمعتزلة وغيرهم بأن من دخل النار لا يخرج منها أبداً، وقال آخرون من أهل المذاهب الأربعة عدة أقوال بعضهم يقول بانتهاء العذاب نهائياً وبعضهم يقول يخلد المشركون في النار وأهل الكبائر يعذبون بقدر أعمالهم ثم يخرجون وتعلقوا ببعض الأدلة.
أدلة القائلين بانقطاع العذاب:
هما طائفتان كما ذكرنا سابقاً، طائفة تقول بانقطاع العذاب بكل من في النار موحد ومشرك وطائفة تقول بانقطاعه عن الموحدين بخروجهم من النار وتعلقوا بآيات من القرآن الكريم:
1- قوله تعالى: { فأما الذي شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعّال لما يريد } هود الآيات16،17، فاحتجوا بالآية بأمرين:
أ استثناء مشيئة الله للخلود.
ب تعليق بقائهم ببقاء السماوات والأرض وهما فانيتان.
وأجيبوا عن الأول:
أن استثناء مشيئة الله يرد في كلام الله للتنبيه على أن المخبر عنه كائن بمشيئة الله فلو شاء خلافه لكان وذلك كما في قوله تعالى: { سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله } الأعلى الآية 6، مع القطع بعدم نسيانه صلى الله عليه وسلم شيئاً مما أوحاه الله إليه والآيات المصرحة باستمرار العذاب كثيرة وصريحة والعقيدة تؤخذ عن الصريح.
وأجيبوا عن الثاني:
أن السماوات المقصودة هي التي أظلتهم والأرض التي أقلتهم وهي سماء وأرض الآخرة ولا فناء لهما.
2- قوله تعالى: { لابثين فيها أحقاباً }
قالوا والأحقاب متناهية فيكون لبثهم متناه أيضاً.
وجوابه:
1- إذا كانت الأنفاس في الدار الآخرة غير متناهية فكيف تنتهي الأحقاب؟
2- إن لفظة الأحقاب مأخوذة من أحقب إذا أردف فهي أدل على الترادف.
3- الآية ناصة في المشركين فليس للقائلين بخروج أهل الكبائر من النار دليل فيها وذلك بدلالة قوله تعالى: { إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا } النبأ 27،28. (1/30)
صفحة 31
أدلة القائلين بخلود جميع مرتكبي الكبائر في النار:
وهي قسمان بعضها من الكتاب وبعضها من السنة:
الأول: قوله تعالى: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } البقرة 80،81.
فالآية دالة على الخلود في النار من وجوه:
1- أن هذه العقيدة يهودية المنبت كما هو ظاهر من النص وقد ذكرت في مساق التنديد بهم والتشهير بضلالهم.
2- ما فيه من استنكار لهذه العقيدة وأنها غير مستندة إلى عهد من الله.
3- صرحت أن من ارتكب سيئة وأحاط به -يعني لم يتخلص منها بالتوبة- فهو مخلد في النار.
* واعترض هذا الاستدلال بأمرين:
1- أن السيئة في الآية يقصد بها الشرك.
2-أنه يراد بالخلود ليس التأبيد وإنما المكث الطويل.
والجواب عن الأول:
-أن كلمة { سيئة } نكرة مطلقة تشمل أي سيئة، وحملها على الشرك خروج عما يقتضيه اللفظ.
-أنه يلزم من يفسر الخلود بالمكث الطويل أن يفسر كذلك الخلود الموعود به أهل الجنة.
الثاني: قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } آل عمران الآية24 .
والاستدلال بالآية من وجهتين:
1- هذه العقيدة من عقائد اليهود كما ذكرناه سابقاً.
2- أنها جرأتهم على معصية الله وقادتهم للإعراض عن كتابه.
فلو كان قوله الخروج من النار حقاً لما جرأ هم على معصية الله.
الثالث: قوله تعالى: { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين } . النساء الآية 14.
الآية جاءت بعد تبيان أحكام المواريث لا يعني بها الشرك وتوعدت المتعدي بالخلود في النار والمتعدي في المواريث مرتكب كبيرة. (1/31)
صفحة 32
الرابع: قوله تعالى: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون، والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } يونس الآيات26 -27.
والاستدلال بالآية من وجوه:
1- أن الله حصر أهل الجنة في الذين أحسنوا بقوله أولئك أصحاب الجنة.
2- أخبر الله عن أهل الجنة أنهم لا يصيبهم قتر ولا ذلة ولا يعقل أن يصلى أحد النار ولو لمدة ثوان فلا يرهقه قتر ولا ذلة.
3- أنه توعد الذين عملوا السيئات بالنار مخلدين فيها وهذا الحكم على من أتى أي سيئة ولم يتب منها ما عدى الصغائر التي استثناها الله بقوله: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } النساء الآية 31 .
الخامس: قوله تعالى: { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً } الفرقان الآية 65،وجاء في لسان العرب الغرام اللازم من العذاب.
السادس: قوله تعالى: { والذين لا يرجون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً } الفرقان الآيات 68-69، فقد توعد الله قاتل النفس بغير الحق والزاني بالخلود في النار مثل المشرك.
? واعترض القائلون بخروج أهل الكبائر من النار بأن هذا الوعيد خاص بمن جمع بين الكبائر الثلاث.
والجواب:لو كان كذلك لكان المشرك لا يصدق عليه هذا الوعيد إلا إذا جمع بين الكبائر الثلاث.
السابع: قوله تعالى: { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً } الجن الآية 23.
- فالله توعد بالخلود لمن اقترف أي معصية سواء كانت شركاً أو غيره.
* فإن قيل أن هذا الوعيد خاص بالشرك.
قلنا: إن لفظ الآية دال على كل عاص ولا داع لمخالفته.
* فإن قالوا الداعي ما جاء من وعيد المشركين بهذا الجزاء. (1/32)
صفحة 33
قلنا كما توعد المشركين بهذا الجزاء في نصوص توعد أيضاً أهل الكبائر في نصوص أخرى.
الثامن: قوله تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين } سورة الانفطار الآيات 13-16، فالآية قسمت الناس إلى أبرار وفجار وتوعدت الفجار بالنار وعدم الغياب عنها.
* واعترضوا بأن الفجار المقصودين هم الكاملين للفجور من كفر وغيره.
والجواب: أنه يلزمكم أن تصنفوا الزناة واللواط واكلة الربا من الأبرار لأن الآية لم تذكر إلا قسمين أبراراً وفجاراً.
ب- الأدلة من السنة:
1- روى البخاري ومسلم وغيرهما من طريق ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ((يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم يا أهل النار لا موت ويا أهل الجنة لا موت كل خالد فيما هو فيه)) وروي مثله البخاري عن طريق أبي هريرة والطبراني والحاكم وصححه من طريق معاذ رضي الله عنه. والحديث دال دلالة لا غبار عليها على خلود أهل النار جميعاً.
2- أخرج الطبراني وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا، ولو قيل لأهل الجنة إنكم ماكثون فيها عدد كل حصاة لحزنوا ولكن جعل لهم الأبد)).
3- روى أحمد والبزار والحاكم والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر)) وفي رواية ((ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق لوالديه والديوث، وهو الذي يقر السوء في أهله)).
4- روى الشيخان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من شرب الخمر في الدنيا يحرمها في الآخرة)) وهو كناية عن حرمانه من دخول الجنة لأن أهل الجنة لهم فيها ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم فلا يحرمون من شيء. (1/33)
صفحة 34
5-أخرج البخاري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من استرعاه الله رعيه ثم لم يحطها بنصحه إلا حرم الله عليه الجنة)).
6- روى الربيع في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك رضي الله عنهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار)) فقال رجل وإن كان قليلاً يسيراً يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وإن كان قضيباً من أراك)) ورواه مالك في موطئه ومسلم والنسائي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.
7- أخرج الشيخان وغيرهما من طريق أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً فيها أبداً ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً فيها أبدا ومن نزل من جبل فقتل نفسه فهو ينزل في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)).
8-روى مسلم في صحيحه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((صنفان من أهل النار لم أرهما،قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها توجد من مسيرة كذا وكذا)).
9- روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يدخل الجنة نمام، وفي رواية ((قتات))
10- روى الشيخان عن سعد وأبي بكرة رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام)).
والروايات في ذلك كثيرة تارة تعبر بالخلود والتأبيد وتارة تعبر بالحرمان من الجنة وكلها دالة على الخلود في النار لأهل الكبائر لأن الحرمان من الجنة ونفي دخولها لا يعني إلا الخلود في النار..
وقفة تأمل (1/34)
صفحة 35
عندما نتأمل آيات القرآن الكريم الخاصة بالخلود في النار نجد:
1- أن القرآن نسب قول الخروج من النار إلى اليهود.
2-أنه اعتبر هذا القول يجرئ على معصية الله.
3-القرآن صرح بالخلود في آيات كثيرة ولم يذكر الخروج من النار ولا مرة واحدة.
4- القرآن قسم الناس إلى أبرار وفجار وقال عن الفجار: { وما هم عنها بغائبين } الأنفطار الآية16، فإذا كانوا لا يغيبون عنها فكيف يخرجون منها؟!!.
والمعروف أن كلمة فجار تشمل أهل الكبائر لأننا لو أخرجناهم عن قسم الفجار لصنفناهم في قسم الأبرار ولا يمكن أن يصنف الزناة واللواط والسكارى من الأبرار.
5-كذلك قسم الله الناس إلى قسمين الذين سعدوا ووعدهم الجنة،واللذين شقوا توعدهم بالنار، ولم يذكر قسماً ثالثاً فلم يقل الذين شقوا ثم سعدوا حتى ينطبق على الذين يخرجون من النار كما يدعون.
كذلك الأحاديث النبوية الصحيحة التي رواها الشيخان وغيرهم صرحت بالخلود لجميع أهل النار وصرح بعضها بخلود أهل الكبائر.
الفصل السادس
الشفاعة
تعريف الشفاعة:
الشفاعة لغة: الوسيلة والطلب.
وعرفاً: سؤال الخير من الغير للغير.
وشرعاً: طلب تعجيل دخول الجنة أو زيادة درجة فيها من الرب عز وجل لعباده المؤمنين (1) .
اختلاف العلماء في الشفاعة:
قالت الأشعرية: إن الشفاعة تكون لأهل الكبائر يشفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ربهم فيتخلى الله عن وعيده عليهم بالعقاب ويعفو عنهم ويدخلهم الجنة.
* ويحتجون بقوله - صلى الله عليه وسلم - ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)).
* واعترض بأن الله تعالى توعد المجرمين بالنار ووعيد الله لا يتبدل قال الله سبحانه وتعالى: { ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد } ق الآية 29 .
وقال الإباضية والمعتزلة: إن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين التائبين للتعجيل بدخول الجنة أو زيادة درجات ولهم في ذلك أدلة كثيرة أوردها فيما يلي:
__________
(1) 1( مشارق أنوار العقول للشيخ نور الدين السالمي. (1/35)
صفحة 36
أدلة القائلين بأن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين:
1- قوله تعالى: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً } النساء الآية123.
2- قوله تعالى: { من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } النمل الآية 89-90.
3- قوله تعالى: { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } غافر الآية 18.
فهذه الآيات تنص نصاً قاطعاً أن من عمل سوءاً يجازى به والقول بالشفاعة لأهل الكبائر ينص على أنه يعفى عنهم فهو يتعارض تعارضاً كاملاً مع هذه الآيات،حيث إن الآيات توجب لهم النار وهم يقولون: إن لأهل الكبائر الجنة.
4- قوله تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } الأنبياء الآية 28.
فالآية تنص على أن الشفاعة تكون لمن ارتضاه الله والله لا يرتضي الزناة وشّراب الخمر وأهل الربا -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- (1) .
5- قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) رواه الربيع.
* واعترض القائلون بالشفاعة لأهل الكبائر بقولهم أنه حاجة للتائبين للشفاعة لأن التوبة كافية لمحق الذنوب.
والجواب: لا يمنع ذلك من شفاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم ليرفع الله درجتهم فالملائكة يستغفرون للتأئبين كما قال الله تعالى: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماًفاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } غافر الآية 7.
* فإن قالوا إن الملائكة يستغفرون لأهل الأرض كما جاء في سورة الشورى.
قلنا: إن ذلك العموم مخصص لهذه الآية وإلا شمل استغفارهم المشركين.
* ... * ... * ... *
وقفة تأمل
__________
(1) مشارق أنوار العقول للشيخ نور الدين السالمي (1/36)
صفحة 37
إذا تأملنا القول بالشفاعة لأهل الكبائر وجدنا مضمونه أن يأتي اللصوص والزناة والعاقون لوالديهم وغيرهم من أهل الكبائر يوم القيامة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيشفع لهم عند ربه فيسامحهم الله ويدخلهم الجنة، حاشى الله ورسوله عن ذلك.
وهذا القول مصادم لما جاءت به الآيات حيث إنها تنص أن من يعمل سوءاً يجز به ومن يعمل سوءاً لا يجزى إلا بما يعمل، وأنه ليست هناك شفاعة إلا لمن ارتضاهم الله وأن الشفاعة ليست للظالمين.
ولكن هذا القول من أماني اليهود والمشركين حيث يظنون أنهم سيكونون في الآخرة مثل ما هم في الدنيا وذلك كما أخبرت الآية: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب.. } النساء الآية 123، ولكن المسلمين الذين أخذوا دينهم بالتقليد لم يسلموا من هذا القول.
الخاتمة
أخي القارئ إن ما سطرته في هذه الصفحات لم أقصد فيه الزيادة في التعصب المذهبي الذي لا ينتج عنه إلا فرقة المسلمين، فالمسلمون هم في أمس الحاجة إلى الوحدة ولم الشمل ليواجهوا التحديات التي تأتي من أعداء الإسلام والتي اتخذت صوراً وأشكالاً مختلفة لتبعد المسلمين عن دينهم.
وإنما كتبت هذه الأسطر حفاظاً على العقيدة الصحيحة لمن أراد من المتعلمين اتباع الحق وترك التعصب والتقليد الأعمى وحرر نفسه من الحجر الثقافي الذي يفرضه أهل بعض المذاهب على أتباع مذهبهم والذي لا يرون الحق إلا في ما قالوه وما عداه بدعة وضلالة حسب زعمهم.
وحفاظاً على عقيدة من لم ينالوا قسطاً وافراً من المعرفة بالله وصفاته من الفساد الذي يتولد لديهم من خلال أتباع رؤية الله وتجلي الله سبحانه وتعالى الذي مليء به الكتب والأشرطة فيظلون يتخيلون الصورة التي سيشاهدونها للبارئ عز وجل سواء كانوا ممن يدعون بأهل السنة أو غيرهم فيشبهون الله بخلقه تعالى الله عن ذلك، وعلى كل حال فعلى المسلمين -كما يقال- إذا كان لا بد لهم أن يختلفوا فعليهم أن يختلفوا دون أن يتخاصموا لأنهم مأكولون كلهم. (1/37)
صفحة 38
****** والله الهادي إلى سبيل الرشاد *****
المراجع
1- الإسلام أو الضياع -عبد المجيد الزنداني- مكتبة القرآن - القاهرة.
2- إلى الذي يسأل أين الله؟ عبد الرحمن السنجري.
3-الإيمان - عبدالمجيد الزنداني وآخرون- المكتبة التجارية- مكة المكرمة.
4- الإيمان بالله في ضوء العلم والعقل -محمد رشدي عبيد-دار القادني- بيروت ط1.
5- بهجة الأنوار-العلامة نور الدين أبو محمد عبدالله بن حميد السالمي- مطابع النهضة- سلطنة عمان.
6-توحيد الخالق -عبد المجيد الزنداني- دار الخير.
7-الحق الدامغ -سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي- المفتي العام لسلطنة عمان -مكتبة الضامري.
8- مشارق أنوار العقول -نور الدين عبدالله بن حميد السالمي -مطابع العقيدة- سلطنة عمان.
مسرد المواضيع
الصفحة ... الموضوع:
1 ... شكر وعرفان.
2 ... تقديم الشيخ سعيد بن خلف الخروصي.
3 ... مقدمة.
5 ... الفصل الأول: أدلة وجود الله.
14 ... الفصل الثاني: الذات والصفات.
18 ... الفصل الثالث: في نفي الرؤية.
38 ... "وقفة تأمل"
40 ... الفصل الرابع: خلق القرآن.
53 ... "وقفة تأمل"
56 ... الفصل الخامس: الخلود في النار.
65 ... "وقفة تأمل"
66 ... الفصل السادس: الشفاعة.
69 ... "وقفة تأمل"
70 ... الخاتمة
71 ... المرجع
*** تم بحمد الله *** (1/38)