صفحة 1
الكتاب: العقيدةُ الإسلاميةُ " عقيدتِي "
المؤلف: أَبُو بَلْعَرَب سُلْطَانُ بنُ سَعِيدٍ الهنَائِي
29 / شوال / 1424هـ
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الحمدُ للهِ الواحدِ الأحدِ الفردِ الصمدِ، المنزهِ عنِ الوالدِ و الولدِ، سبحانَك يا اللهُ " عرفَك المؤمنُ و لم يركَ و أنكرَك الكافرُ و وجودُه شاهدٌ على وجودِك كيفَ تخفى و الشمسُ بعضُ آياتِك أمْ كيفَ تُرى و الروحُ بعضُ أسرارِك " و أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ؛ كلمةٌ قامتْ بها الأرضُ و السماواتُ و سبحتْ بها جميعُ الكائناتِ و فطرَ اللهُ عليها جميعَ المخلوقاتِ فهيَ فطرةُ اللهِ التي فطرَ الناسَ عليها و الكلمةَ التي دعَا الأممَ على ألسنِ رسلِه إليها، و أشهدُ أنّ محمداً عبدُ اللهِ و رسولُه و صفوتُه منْ خلقِه و خليلُه " شمسُ الحقائقِ و ضياءُها و لفظُ الرسالةِ و معناها و ينبوعُ الفضائلِ و مجراها " أنقَى الناسِ سيرةً و أصفاهم سريرةً و أقواهم اعتقاداً و أرسخُهم إيماناً و أعلاهم إحساناً صلى اللهُ و سلمَ عليه و على آلِه و صحبِه و كلِّ من اهتدى بهديه و سارَ على نهجِه و دعا بدعوتِه إلى يومِ الدينِ.
أمَّا بعدُ: يسُرني أخي المسلمُ أنْ أجعلَ بينَ يديكَ هذه الصفحاتِ المتواضعةَ في جانبٍ أساسيٍّ منْ حياتِك ألا و هوَ جانبُ الاعتقادِ الذي ينبني عليه صلاحُك في الدنيا و سلامتُك في العقبى، و لا أزعمُ أخي العزيزُ أني أتيتُك بجديدٍ لأنّ غايةَ جهدي و قصارى بذلي أخذٌ مما كتبَه أعلامُنا الأجلاءُ، و أنوارُنا العلماءُ عليهم الرحمةُ و الرضوانُ معَ صياغةٍ مبسطةٍ – في نظري - علَّها تصلُ بسلاسةٍ و يُسْرٍ إلى القارئِ المبتدئِ فإنْ وصلتُ إلى الهدفِ فهو غايةُ المنى، و إنْ أخطأتُ المبتغى فأسألُ اللهَ الرضى .. و اللهُ منْ وراءِ القصدِ، و عليه الاتكالُ هوَ حسبي و نعمَ الوكيلُ.
أَبُو بَلْعَرَب سُلْطَانُ بنُ سَعِيْدٍ الهنَائِِي (1/1)
صفحة 2
29/ شوال / 1424 هـ
العقيدةُ الإسلاميةُ " عقيدتِي "
أخي العزيزُ: إنَّ عقيدتَنا تنبني على أسسٍ متينةٍ لا تزعزعُها الأحداثُ، و قواعدَ قويةٍ لا تتغيرُ بمعطياتِ الزمانِ تُسمَّى: " أركانُ الإيمانِ " فالعقيدةُ الإسلاميةُ تندرجُ تحتَ هذهِ الأركانِ الستةِ و هيَ:
1 - الإيمانُ باللهِ تَعَالى
2 - الإيمانُ بالأنبياءِ و المرسلينَ
3 - الإيمانُ بالكتبِ
4 - الإيمانُ بالملائكةِ
5 - الإيمانُ بالقضاءِ و القدرِ
6 - الإيمانُ باليومِ الآخرِ
أخي العزيز: إنَّ الإنسانَ بدونِ الإيمانِ الحقِ بهذه الأركانِ يعيشُ في الدنيا كالريشةِ في مهبِّ الريحِ تتقاذفُه ذاتَ اليمينِ و ذاتَ الشمالِ فيتخبطُ فيها تخبطَ عشواء؛ ذلكَ لأنَّه يسيرُ إلى غيرِ هدفٍ و يسعى إلى غيرِ غايةٍ ... حتى تكونَ النهايةُ.
أخي المسلمُ: إنَّ اللهَ تعالى بيَّن لنا أهميةَ العقيدة و أثرَها على صاحبِها: (1/2)
صفحة 3
1 - فاللهُ تعالى أرسلَ رسلَه تَتْرى و أنزلَ كتباً تُتْلى تدعو الناسَ إلى توحيدِه وإفرادِه بالعبادةِ وحدَه لا شريكَ له " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ "الأنبياء25.
2 - و اللهُ عزّ و جلّ يبينُ أنَّ البرَّ هو ما كانَ مبنياً على أركانِ الإيمانِ يقولُ تعالى: " لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ... "البقرة 177.
3 - قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ بعثتِه ثلاثَ عشرةَ سنةً في مكةَ المكرمةِ لا همَّ له خلالهَا إلا أنْ يخرجَ الناسَ منْ براثنِ الشركِ والوثنيةِ إلى نورِ التوحيدِ والعبوديةِ و منَ العقائدِ الفاسدةِ إلى العقيدةِ الصافيةِ و منَ العبوديةِ للأصنامِ و الأوثانِ إلى عبادةِ الرحيمِ الرحمنِ؛ فاستمرَّ كلَّ تلكَ الفترةِ يرسخُ العقيدةَ السليمةَ في قلوبِ المؤمنينَ ويثبتُ في نفوسِهم الإيمانَ، و عندَما هاجرَ إلى المدينةِ المنورةِ واصلَ بناءَ العقيدةِ و ترسيخَها معَ بيانِ التشريعاتِ الأخرى منْ عباداتٍ و معاملاتٍ .. و حلالٍ و حرامٍ .. لأنّ النفوسَ كانتْ مستعدةً لقبولِ كلِّ ما يدعو إليه و مهيأةً لاجتنابِ جميعِ ما ينهى عنه بسببِ ما وقرَ في القلوبِ من الإيمانِ و رسخَ في النفوسِ من الاعتقادِ الصحيحِ.
آثار العقيدة الصحيحة
إنَّ العقيدةَ الإسلاميةَ السليمةَ تظهرُ آثارُها واضحةً جليةً على معتقدِيها فهيَ تتجسدُ واقعاً ملموساً في أمورٍ منها:
1 - الاستقامةُ في السلوكِ. (1/3)
صفحة 4
إنّ منْ أعظمِ الآثارِ التي تظهرُ على صاحبِ الاعتقادِ السليمِ استقامةَ سلوكِه قولاً و عملاً، ظاهراً و باطناً، في جميعِ نواحي الحياةِ فلا يستقيمُ في جانبِ العباداتِ مثلاً دونَ المعاملاتِ، أو في جانبِ الأوامرِ دونَ النواهي، أو في جانبِ اليُسْرِ و السهولةِ دونَ الصعوبةِ و المشقةِ، و قدْ ضربَ الصحابةُ الكرامُ أروعَ الأمثلةِ على استقامةِ السلوكِ نتيجةً لصحةِ المعتقدِ؛ فعمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه الذي كانَ يئدُ ابنتَه و هيَ حيةٌ من غيرِ شفقةٍ و لا رحمةٍ هو الذي يقولُ: " لو أنَّ بغلةً عثرتْ بالعراقِ لخشيتُ أنْ يسألَني اللهُ عنها لِمَ لَمْ تسوِ لها الطريقَ يا عمرُ " ما أعظمَ هذه العقيدةَ التي غيرتْ قلبَ رجلٍ لا تعرفُ الرحمةُ طريقاً إلى قلبِه على ابنتِه التي منْ صلبِه ليشفقَ على دابةٍ تتعثرُ بالعراقِ خشيةَ أنْ يسألَه اللهُ عنْها.
و الخنساءُ التي عاشتْ في الجاهليةِ فضُربَ بها المثلُ في رثاءِها أخاها الذي بكتْه طلوعَ الشمسِ و غروبَها و لطمتْ لأجلِه الخدودَ و شقَّتِ الجيوبَ .. هي نفسُها التي اعتقدَتْ عقيدةَ الإسلامِ فاختلطتْ بعظمِها و لحمِها و سيطرتْ على كلِّ مشاعرِها و أحاسيسِها فعندَما خرجَ أربعةٌ من أبناءِها في معركةِ القادسيةِ مجاهدين في سبيلِ اللهِ و وصلَها نبأُ استشهادِهم جميعاً فرحَتْ فرحاً شديداً و قالتْ: " الحمدُ للهِ الذي شرفَني باستشهادهم جميعاً " ... لذا على المسلمِ أنْ يعلمَ أنّ كلَّ معتقدٍ يدعو إلى الانحرافِ في السلوكِ هو معتقدٌ فاسدٌ بينما المعتقدُ الذي يسدُّ أبوابَ الانحرافِ و يدعو للاستقامةِ في القولِ و العملِ هو المعتقدُ الإسلاميُ الصحيحُ، و لو تسائلَ المؤمنُ هل الاعتقادُ بأنّ الكبيرةَ التي يموتُ عليها الإنسانُ منْ غيرِ توبةٍ مغفورةٌ و معفوٌّ عنها يدعو إلى استقامةِ السلوكِ أو يدعو إلى الانحرافِ فإنْ كانَ يدعو إلى الانحرافِ فهو لا (1/4)
صفحة 5
شكَّ عقيدةٌ باطلةٌ، و إنْ كانَ يدعو إلى استقامةِِ السلوكِ فهو عقيدةٌ صحيحةٌ، و أيضاً هل الاعتقادُ بشفاعةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - لأهلِ الكبائرِ يدعو الناسَ إلى استقامةِ السلوكِ أو يدعو إلى الانحرافِ لأنهم يرتكبونَ المعاصي متعلقينَ بتلكَ الشفاعةِ المزعومةِ ... و هكذَا.
2 - العبادةُ الصحيحةُ.
إنّ الاعتقادَ السليمَ الخالصَ للهِ تعالى يحببُ للإنسانِ العباداتِ و الطاعاتِ فيدفعُه إلى أنْ يعبدَ اللهَ عزّ و جلّ و يتقربَ إليه بما أمرَه منَ العباداتِ و إنْ كانتْ تلكَ العبادةُ فيها نوعٌ من المشقةِ و العناءِ.
و لا يخفى أنّ المسلمَ الذي يعلمُ العقيدةَ الثابتةَ و ترسخُ في نفسِه يسعى سعياً حثيثاً ليتعلمَ كيفَ يعبدُ ربَّه حقَّ العبادةِ؟ و تدفعُه نفسُه المليئةُ بالإيمانِ للطاعاتِ بينَما النفسُ الخاويةُ منَ الإيمانِ تثبطُ صاحبَها منَ الاجتهادِ في فعلِ العباداتِ و قدْ يدعوه المعتقدُ الفاسدُ مثلاً إلى عبادةٍ باطلةٍ تتعارضُ معَ التوحيدِ الخالصِ؛ كالذي يعتقدُ الشفاءَ منْ غيرِ اللهِ فإنّه يلجأُ إلى غيرِه تَعَالى.
3 - الطمأنينة و السكينة.
إنّ العقيدةَ الإسلاميةَ السليمةَ تعمقُ الطمأنينةَ في قلبِ الإنسانِ، فيعيشُ في راحةٍ و سكينةٍِ لا يرهبُ أحداً و لا يخشى بأساً، و لا يحزنُ على شيءٍ فاتَه منْ متاعِ الدنيا لأنّه يعتقدُ فنائَها و بقاءَ الآخرةِ فلا يسعى إلا إليْها، بينَما يعيشُ صاحبُ الاعتقاداتِ الفاسدةِ في اضطرابٍ نفسيٍّ، و قلقٍ دائمٍ، و خوفٍ منَ القدرِ، و خشيةٍ منَ المستقبلِ، يحزنُ لفواتِ الدرهمِ و الدينارِ، و يتوقعُ المضرةَ منَ البشرِ في كلِّ لحظةٍ و لهذا كانَ الذاكرونَ للهِ تَعَالى في (1/5)
صفحة 6
طمأنينةٍ لأنّهم متصلونَ بأساسِ العقيدةِ و هو الإيمانُ باللهِ عزّ و جلّ " ألا بذكر الله تطمئن القلوب ".
الله
•• (1/6)
صفحة 7
تَمْهِيْدٌ
هل قرأتَ قصةَ التاريخ؟ إنها قصةٌ شيقةٌ تستهوي القلوبَ و تجذبُ السامعَ، و الحديثُ عنها حديثٌ شائقٌ.
بدأتْ قصتُنا بعد خلق اللهِ آدمَ - عليه السلام - و زوجَه حواءَ فعاشا في الجنة يتنعمَّان بخيرِها إلى أنْ حانَ الابتلاءُ والاختبارُ حينَ أمر اللهُ تعالى الملائكةَ أنْ تسجدَ لآدمَ - عليه السلام - وكان معهم إبليسُ وشمله الأمرُ" وإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ"البقرة 34 هذه هي نتيجةُ الامتحان امتثل الملائكةُ لأمر اللهِ وعصى إبليسُ ربَه حسداً لآدمَ - عليه السلام - وأسكنَ اللهُ آدمَ وزوجَه الجنةَ وأخرج إبليسَ منها عقوبةً لعصيانه .. وزادَ بغضُ إبليسَ لآدمَ - عليه السلام - وتوعده وذريتَه بالإضلالِ والإغواءِ ومن هنا بدأ الشيطانُ العداوةَ فبذل ما في وسعِه من طاقاتٍ حتى تمكنَ من إخراجِ آدمَ - عليه السلام - وزوجِه من الجنة إلى الأرض التي بدأ فيها الابتلاءُ الحقيقيُ لبني آدمَ .. عاش آدمُ - عليه السلام - في الأرض والشيطانُ يتربصُ الدوائرَ ببنيه " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً "الإسراء60 - 65 (1/8)
صفحة 8
أيها القراء الأعزة: منذُ ذلك الزمنِ إلى يومنا هذا والشيطانُ يشتغلُ في بني آدمَ ويتفننُ في أنواع الإضلالِ ويزينُ العصيانَ ويعرضُه على الناس في أثوابٍ براقةٍ وأشكالٍ منمقةٍ وقد حققَ هدفَه معَ الملايينِ منَ البشرِ الذين أطاعوه واتبعوا طريقَه وقلّدوه في الخروجِ عن دينِ اللهِ، ومنذُ ذلكَ الزمنِ أيضاً كانَ الصراعُ بينَ الحقِّ والباطلِ وبينَ الكفرِ والإيمانِ .. أخي المسلم: لعلك تسمعُ و تشاهدُ الكثيرَ عن أولئك الذين استحبوا الكفرَ على الإيمان إذْ إنهم أشركوا معَ الله آلهةً أخرى فعبدوها منْ دونِ الله فهم كالدوابِ والأنعام بل هم أضلُّ لأنهم اختاروا دربَ الشيطان والعياذُ بالله.
- • -
أولاً: كَيْفَ نُؤْمِنُ بِاللهِ؟
أخي المسلم: يجبُ علينا أنْ نؤمنَ إيماناً صادقاً بالله تعالى ويتحققُ ذلك بما يلي:
1 - أنْ نعتقدَ اعتقاداً جازما أنَّ اللهَ سبحانَه و تعالى واحدٌ في ذاتِه (1) لا شريكَ له ولا شبيهَ (2) و لا مثيلَ (3) ولا نظيرَ (4) و لا ندَّ (5).
__________
(1) 1 - الذات: هي حقيقته الخاصة التي لا يعرفها أحد من خلقه، و إنما غاية ما يمكن التوصل إليه معرفة صفاتها / جواهر التفسير/العلامة المحقق أحمد بن حمد الخليلي – حفظه الله - 1/ 195.
(2) 2 - الشبيه: هو المساوي في أغلب الوجوه. المشارق/العلامة السالمي - رضي الله عنه - 216.
(3) 3 - المثيل: هو المساوي في جميع الوجوه. المرجع السابق 216.
(4) 4 - النظير: هو المساوي و لو في بعض الوجوه. المرجع السابق 216.
(5) 5 - النِدُّ: هو المساوي المضاد / شرح غاية المراد / الشيخ أحمد بن حمد الخليلي – حفظه الله - / ص24. (1/9)
صفحة 9
2 - أنْ نعتقدَ أنَّ اللهَ تعالى واحدٌ في صفاتِه " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ"الشورى 11،" لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" الأنعام103؛ " فهو مباينٌ لمخلوقاتِه في كلِّ أوصافِه فلا يوصفُ بشيءٍ من صفاتِ خلقِه قطُّ لأنه خالقُ الخلقِ ".
3 - أنْ نعتقدَ أنَّ اللهَ تعالى واحدٌ في أفعالِه لا يقدرُ أيُّ مخلوقٍ أنْ يفعلَ كأفعالِه و لا أنْ يشابهَه في خلقِه و بديعِ صنعِه؛ فهو يقولُ للشيءِ كنْ فيكون.
4 - أنْ نعتقدَ أنَّ اللهَ تعالى واحدٌ في العبادةِ فلا معبودَ بحقٍّ غيرُ اللهِ جلَّ و علا؛ فكلُّ ما يُعْبَدُ من دونِ المولى تبارك و تعالى عبادتُه باطلةٌ.
يقول العلامةُ السالميُ - رضي الله عنه- (1):
نَدِيْنُ أنَّ إِلهَ العَرْشِ لَيْسَ لَهُ • شِبْهٌ وَ لَيْسَ لَهُ نِدٌّ وَ لا مَثَلا
وَ أَنَّهُ لَيْسَ جِسْمَاً لا وَ لا عَرَضَاً• لَكِنَّهُ وَاحِدٌ في ذَاتِهِ كَمُلا
وَ وَاحِدٌ في الصِفَاتِ وَ العِبَادَةِ وَ الأَ • فْعَال ِطُرَّاً فَلا تَبْغُوا بِهِ بَدَلا
أخي المسلمُ: إنَّ الإيمان َباللهِ تعالى يقتضي أنْ نجزمَ بوجودِ اللهِ وأنَّه لا يَحِلُّ في مكانٍ؛ لذلك لا يجوزُ وصفُه بأنَّه فوقٌ ولا تحتٌ ولا أمامٌ ولا خلفٌ لأنَّ هذه ألفاظٌ تدلُّ على المكانِ واللهُ كانَ قبلِ خلقِ المكانِ فلا تتغيرُ صفاتُه أبداً لا في الدُّنيا ولا في الأخرى، ولا يجوزُ أنْ نقولَ إنَّ اللهَ في السَماء، ولا يصحُّ أن نقولَ إنَّ اللهَ في كلِّ مكانٍ، ولكن نقولُ: كان اللهُ قبلَ خلقِ الزمانِ والمكان وهو الآنَ على ما عليه كانَ.
__________
(1) 1 - قصيدة غاية المراد للإمام السالمي - رضي الله عنه -. (1/10)
صفحة 10
يقول العلامةُ السالميُ - رحمه اللهُ - (1):
سُبْحَانَهُ لَيْسَ لَهُ مَكَانُ - يَحْوِيْهِ جَلَّ لا وَ لا زَمَانُ
لَيْسَ لَهُ فَوْقٌ وَ لا تَحْتٌ وَلا - قَبْلٌ وَ لا بَعْدٌ فَكُلٌّ حُظِلا
كَذَا يَمِيْنٌ وَ شِمَالٌ وَالذِيْ - إِلَيْهِ تُعْزَى حَادِثٌ بِذِيْ احْتَذِي
أخي العزيز: يجبُ علينا أيضاً أنْ ننزهَ الله تعالى عن جميعِ صفاتِ المخلوقين لأنها صفاتُ نقصِ واللهُ لا يوصفُ إلا بصفاتِ الكمالِ انظرْ مثلاً:
صفاتُ اللهِ ... صفاتُ المخلوق
أزليٌّ قديمٌ ... حادثٌ
اللهُ لا إلهَ إلا هوَ الحيُّ القيومُ لا تأخذُه سنةٌ و لا نومٌ ... كلُّ منْ عليْها فانٍ، يغفلُ و ينامُ
يعلمُ خائنةَ الأعينِ و ما تخفي الصدورُ ... و ما أوتيتُم منَ العلمِ إلا قليلاً
لا تدركُه الأبصارُ و هو يدركُ الأبصارَ ... يُدْرَكُ بالعيون و يُرَى
إنّ اللهَ هو الرزاقُ ذو القوةِ المتينِ ... محتاجٌ إلى منْ يتفضلُ عليه بالرزق
• اخترْ صفةَ الكمالِ التي تليقُ بجلالِ اللهِ تعالى:
يَقدِر و يُقدَر عليه ... (نقص) ... يَرَى ويُرَى ... (نقص)
__________
(1) 2 - منظومة أنوار العقول للإمام السالمي - رضي الله عنه -. (1/11)
صفحة 11
لا يَقدِر ولا يُقدَر عليه ... (نقص) ... يَرَى ولا يُرَى ... (()
لا يَقدِر و يُقدَر عليه ... (نقص) ... لا يَرَى ولا يُرَى ... (نقص)
يَقدِر ولا يُقدَر عليه ... (() ... لا يَرَى ويُرَى ... (نقص)
- • -
ثانيًا: صفاتُ اللهِ تعالى و أثرُها على المسْلِم؟
أخي القارئُ: لعلَّك توافقُني أنَّ الإنسانَ إذا لمْ يفهم الشيءَ فهماً صحيحاً فإنَّه لا يتأثرُ بالمراد منه، و المسلمُ إذا لم يفهمْ معاني صفاتِ اللهِ تعالى فإنَّه لا يتأثرُ بها، ولا يمكنُ أن نتحدثَ عن جميعِ صفاتِ الله تعالى لأنها كثيرةٌ ولكن نتفكرُ في بعضِها ولتعلمْ أخي أنَّ صفةً واحدةً تكفي ليتعلقَ الإنسانُ بربه جلّ وعلا.
أيها المسلمُ الكريمُ: لا يكفي أنْ يحفظَ الإنسانُ صفاتِ اللهِ تعالى منْ غيرِ أن يكونَ لها أثرٌ في نفسِه، ولكنْ يتعلمُ الصفةَ ليستعينَ بها على طاعةِ ربِّه وليتقيَ ربَّه في كلِّ فعلٍ أو قولٍ وبذلك يستطيعُ المسلمُ أن يحققَ الإيمانَ باللهِ تعالى على الوجهِ المشروعِ.
البَصِْيرُ
- هل تعلمُ أخي أنَّ اللهَ يرى كلَّ شيء؟
- أليسَ يلزمُنا أنْ نعتقدَ أنَّ اللهَ بصيرٌ بكلِّ شيء؟
- هل تعرفُ أنَّ اللهَ يراك في أيِّ مكانٍ وفي كلِّ زمانٍ وعلى أيةِ حالةٍ؟
- هل علمتَ أنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أنْ يستخفيَ من الله؟
- هل ترضى أن تعصيَ اللهَ وأنت تعلمُ أنَّه يرَاك؟
- أليسَ عيباً أنْ نخالفَ اللهَ وهو يبصرُنا؟ (1/12)
صفحة 12
أخي المؤمن: إنَّ اللهَ تعالى يرانا على أيِّ حالٍ وينظرُ إلينا ويبصرُنا ونحنُ نفعلُ الخيرَ أو الشرَّ، نعملُ الطاعةَ أو المعصيةَ ... كيفَ لا وهو يرى النملةَ السوداءَ على الصخرةِ الصماءِ في الليلةِ الظلماءِ.
أيها الأخُ العزيزُ: إذا أردتَ أنْ تفعلَ أيَّ شيءٍ فاعلمْ أنَّ أولَ منْ يراكَ ويطلعُ على فعلِك هو اللهُ تعالى ربُك الذي خلقَك.
وأحبُّ أنْ أطرحَ عليكَ سؤالاً ـــ هل تحبُّ أنْ يراك أحدٌ وأنت تفعلُ منكراً أو تعملُ عملاً محرماً أو تتركُ واجباً شرعياً؟
اخترْ: ... نعم ( ... ) ... لا ( ... ).
أ- إذا كانَ الجوابُ نعم ـــ فهذا الشخصُ لا يستحي، لماذا؟ لأنَّه لو استحى ما عملَ المعصيةَ والمنكرَ والناسُ يرونه أليسَ كذلك؟!
ب- و إذا كانَ الجوابُ لا ــ فهذا الإنسانُ يتصفُ بصفةِ الحياءِ المحمودةِ في الإسلام يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: " الإيمانُ بضعٌ و ستونَ شعبةً .. والحياءُ شعبةٌ من الإيمانِ " (1).
أخي المسلم: هلْ تستحي منَ اللهِ؟ ... نعمْ ( ... ) ... لا ( ... ).
إذا كنتَ تستحي منَ اللهِ فلا تصنعْ شيئاً ولا تعملْ عملاً لا يرضي اللهَ ... لماذا؟ لأنّه يراكَ ويشاهدُكَ ويطلعُ على أفعالِك يقولُ حبيبُنا صلى الله عليه وسلم: (الإحسانُ أنْ تعملَ للهِ كأنَّك تراه فإنْ لمْ تكنْ تراه فإنَّه يراكَ) (2)، أخي العزيزُ: يجبُ أنْ تعملَ الخيرَ وأنْ تفعلَ البرَّ وأن تتصفَ بالإحسانِ حتى يراك اللهُ حيثُ أمركَ ولا يراكَ حيثُ نهاكَ.
__________
(1) 1 - رواه البخاري في صحيحه / ك: الإيمان؛ ب: أمور الإيمان.
(2) 1 - رواه الإمام الربيع - رضي الله عنه - في مسنده من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك برقم (56). (1/13)
صفحة 13
أيها القارئُ النجيبُ: لعلَّك تشاهدُ بعضَ المسلمينَ - هداهم اللهُ - يعصونَ اللهَ تعالى وينسونَ أنَّ اللهَ بصيرٌ بهم ويراهم فلا تكنْ معَ هؤلاءِ .. لماذا؟ لأنَّ هؤلاءِ لا يستحونَ من ربِهم ولذلك يعصونَه .. يقولُ الرسولُ الكريمُ صلى الله عليه وسلم: " إنَّ مما أدركَ الناسُ منْ كلامِ النبوةِ الأولى إذا لمْ تستحِ فاصنعْ ما شئتَ) (1).
وَقَفَاتٌ وَ تَنْبِيْهَاتٌ
- شخصٌ لا يصلي أو لا يحافظُ على الصلاةِ أو يسرعُ فيها أو لا يصلي جماعةً أو ينامُ عن صلاةِ الفجرِ حتى تطلعَ الشمسُ أو يستمرُّ في اللعبِ حتى تغربَ الشمسُ وهوَ لم يصلِ العصرَ هلْ يستحي منَ اللهِ؟ كلا لأنَّه عصَاه وهوَ يرَاه " بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا"الانشقاق 15.
- إنسانٌ لا يصومُ أو يفطرُ في نهارِ رمضانَ أو يفعلُ فيه المحرماتِ هل يبصرُه أحدٌ؟ نعم يبصرُه اللهُ الذي لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرضِ ولا في السماءِ " إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا"الإسراء 30.
- فئةٌ من الشبابِ يسهرونَ الليلَ لمشاهدةِ الأفلامِ الخليعةِ، والمسلسلاتِ الماجنةِ و المسرحياتِ الهابطةِ واللهُ يبصرُهم ويراهم "وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيرًا"
الإسراء17.
- هناكَ بعضُ الشبابِ - هداهم اللهُ - ينسون أنَّ اللهَ يراهم ويبصرُ ما يفعلون فيشربون الخمرَ أو يدخنون أو يسرقون أو يغشون أو يأكلون الرِّبا أو
__________
(1) 2 - رواه البخاري في صحيحه، ك: الأدب، باب: إذا لم تستح فاصنع ما شئت. (1/14)
صفحة 14
يضيعون الأوقاتِ في ارتكابِ المنكراتِ هل يراهم الناسُ؟ قدْ لا يراهم أحدٌ من الناسِ ولكنْ يراهم ربُّ الناسِ أفلا يستحونَ منه؟! " اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "فصلت 40.
- هل يستحي من اللهِ ذلكَ الذي يضربُ أباه أو أمَّه أو يعقُهما ولا يطيعُهما؟ بالطبعِ لا لأنَّه لو يستحي منه ما عصاه و هو يعلمُ أنَّه يراه "وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا"الفتح 24.
- توجدُ فئةٌ من الفتياتِ - هداهنَّ اللهُ - لا يلبسْنَ اللباسَ الشرعيَ الذي فرضَه اللهُ تعالى عليهنَّ بلْ ربما تخرجُ الواحدةُ منهنَّ في زينتِها كاسيةً عاريةً مائلةً مميلةً تفتنُ الناظرين و تسلبُ عقولَ الفاسقين لا همَّ لها إلا أنْ يراها الناسُ و هي على ذلك الحالِ و قدْ فاتَ هذه المسكينةُ أنها تتقلبُ في غضبِ اللهِ و تتمرغُ في سخطِه و هو يراها و يبصرُها! "إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ "الملك 19
- هناكَ من الناسِ إذا أرادوا أنْ يعصوا اللهَ تعالى قفلوا الأبوابَ وأغلقوا النوافذَ كي لا يطلعَ عليهم أحدٌ وهم يرتكبون الفواحشَ .. ولكن هل علموا أنَّ اللهَ يبصرُهم لا تمنعُه الأبوابُ ولا ألفُ بابٍ؟! " إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "سبأ 11.
توارى بجدران ِالبيوتِ عن ِالورَى - وأنتَ بعين ِالله ِلو كنتَ تشعرُ
و تخشى عيونَ الناس ِأنْ ينظروا بها - ولمْ تخشَ عينَ الله ِواللهُ ينظرُ
أيها المسلمُ العزيزُ: يجبُ علينا أنْ نعتقدَ اعتقاداًً جازماً أنَّ اللهَ بصيرٌ بعباده مطلعٌ على كلِّ شيءٍ لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرضِ ولا في السماءِ ومن اعتقدَ ذلك عقيدةً جازمةً وراقبَ اللهَ قبلَ أنْ يفعلَ فإنّه لنْ يرتكبَ المعصيةَ و لنْ يقعَ في المحرمِ و لنْ يتركَ الواجبَ بإذنِ اللهِ تعالى. (1/15)
صفحة 15
- يُروى أنَّ أستاذاً كان عنده طلابٌ وكان يقربُ طالباً صغيراً منهم ويعتني به كثيراً فقال الآخرون لماذا أيها الشيخُ تقربُ علينا فلاناً؟ فسكتَ ولم يجبْ، وفي اليوم الثاني جاء بمجموعةِ عصافيرَ وأعطى كلَّ طالبٍ عصفوراً وقال له اذبحْه في مكان لا يراك فيه أحدٌ.
ذهب بعضُ الطلابِ إلى المنزل وأغلقَ الأبوابَ وذبح العصفورَ وبعضُهم إلى غارٍ وبعضُهم في الظلامِ أو غيرِها من الأماكن وذبحوا العصافيرَ وجاءوا في اليوم الثاني وقد ذبحوها ولكنَّ الطفلَ الصغيرَ لم يذبحْ عصفورَه فسأله الشيخُ لماذا لم تذبح العصفور؟! فقال: لم أجدْ مكاناً لا يراني فيه أحدٌ لأنَّ اللهَ يراني في كلِّ مكانٍِ.
انظرْ أخي كيفَ يتذكرُ هذا الولدُ الصغيرُ أنَّ اللهَ يراه؟ وكيف يراقبُ اللهَ تعالى قبلَ أن يعملَ الشيءَ؟
- • -
السَمِيْعُ
أيُّها القارئُ الكريم: هلْ تعتقدُ أنَّ اللهَ تعالى يسمعُ كلَّ شيءٍ؟ نعم يجبُ عليكَ أنْ تعتقدَ ذلكَ فاللهُ تعالى من صفاتِه الواجبةِ السمعُ يقولُ اللهُ تعالى:"وَكَانَ الله ُسَمِيْعَاً بَصِيْرَاً"النساء134.
تصوَّرْ: أنّ اللهَ تعالى يسمعُ دبيبَ النملةِ الصغيرةِ وهي تمشي على صخرةٍ ملساءَ، و لا شكَّ أبداً أنَّ اللهَ يسمعُ كلَّ كلمةٍ تقولُها ويسمعُ كلَّ حديثٍ تتحدثُه ويسمعُ كلَّ شيءٍ تسمعُه.
أخي العزيزُ: هلْ تحبُ أنْ يسمعَك أحدٌ وأنتَ تقولُ قولاً فاحشاً أو تتحدثُ بكلامٍ باطلٍ أو تستمعُ إلى شيءٍ محرمٍ؟ (1/16)
صفحة 16
إنَّ الإنسانَ إذا نطقَ بخيرٍ أو شرٍّ فإنَّ أولَ من يسمعُه هو السميعُ العليمُ وإنْ قالَ حقاً أو باطلاً فإن أولَ من يسمعُه هو المولى جلَّ وعلا.
أخي العزيزُ: هلْ من الأدب:
- أنْ يكذبَ الإنسانُ في كلامِه واللهُ يسمعُه؟ " إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ"الإسراء 1.
- أنْ يغتابَ أو ينمَّ في حديثِه واللهُ سميعٌ به؟! "وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ"الأنفال 42.
- أنْ يسبَّ أو يشتمَ أو يلعنَ واللهُ يسمعُ كلامَه؟! "وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"النور 21.
- أنْ يقذفَ الناسُ بالفاحشةِ أو يشهدَ شهادةَ كذبٍ واللهُ يسمعُ ذلك؟! "إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم ُ"الشعراء 220.
- أنْ يفتيَ بغير علمٍ أو يحللَ ما حرمَ اللهُ أو يحرمَ ما أحلَّ اللهُ والمولى جلَّ وعلا يسمعُ ذلك؟! " وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا"النساء 134.
- أنْ يمزحَ مزاحاً فيه كذبٌ أو يذكرَ نكتاً ليستْ صحيحةً ليضحكَ الآخرين واللهُ يسمعُ ويغضبُ؟! " وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيماً "النساء 148.
- أنْ يرفعَ صوتَه على والديه أو يسبَهما أو يلعنَهما وقدْ حرمَ اللهُ ذلك وهو يسمعُه؟! "إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ "لقمان 28.
- أنْ يطعنَ في الدينِ أو يستهزئَ بالصالحين واللهُ تعالى يسمعُه؟! " إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ "سبأ 50.
- أنْ يخالفَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في القولِ ولا يخفى ذلك على الله؟! " وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "التوبة 98. (1/17)
صفحة 17
- أنْ يستمعَ إلى شيءٍ حرمَ اللهُ سماعَه كالأغاني و الموسيقى والقولِ الفاحشِ؟! تعلَّمْ أخي أنَّ فعلَ هذه الأشياءِ ليسَ من الأدبِ معَ اللهِ ولا معَ الناسِ فلا تكنْ من الذين يقولون ما لا يرضي اللهَ كي لا يحلَّ بكَ عذابُه وغضبُه وينزلَ بك سخطُه فقد جاءَ في الحديثِ عنه صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الرجلَ ليتكلمُ بالكلمةِ من رضوانِ اللهِ ما كان يظنُّ أنْ تبلغَ ما بلغتْ فيكتبُ اللهُ له بها رضوانَه إلى يومِ يلقاه وإنَّ الرجلَ ليتكلمُ بالكلمةِ من سخطِ الله ما كان يظنُّ أنْ تبلغَ ما بلغتْ فيكتبُ اللهُ بها له سخطَه إلى يومِ القيامة) (1).
أخي العزيز: إذا كنتَ فعلاً تريدُ أنْ تتخلصَ من آفاتِ اللسانِ فاجعلْ صفةَ السميعِ لله تعالى بيَن عينيك فقبلَ أنْ تقولَ .. تذكَّرْ أنَّ اللهَ يسمعُ قولَك .. و قبلَ أن تسمعَ تذكَّرْ أنَّ اللهَ أولُ سميعٍ لما (تسمع) و هكذا ... نسألُ اللهَ العافيةَ و السلامةَ و أنْ يجعلَ آخرَ كلامِنا من الدنيا لا إله إلا اللهُ محمدٌ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
- • -
الَعلِيْمُ
ما أعظمَ صفاتِ اللهِ تعالى كيفَ لا وهو يتصفُ بصفة ِالعلمِ فيعلمُ كلَّ شيءٍ ... يعلمُ ما كانَ وما يكونُ وما سيكونُ وما لم يكنْ لو كانَ كيفَ يكونُ، يعلمُ مثاقيلَ الجبالِ ومقاديرَ الرمالِ وعددَ قطرِ الأمطارِ وعددَ ورقِ الأشجارِ وعددَ ما أظلمَ عليه الليلُ وأشرقَ عليه النهارُ قالَ تعالى: " وَعِندَهُ
__________
(1) 1 - رواه الإمام الربيع - رضي الله عنه - في مسنده الصحيح برقم (724). (1/18)
صفحة 18
مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ "الأنعام59، سبحانَه سبحانَه " يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ"غافر19، يعلمُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ وما بينهما يقولُ تعَالى: " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " المجادلة7.
أيها القارئُ النبيهُ: إنَّ اللهَ هو الذي خلقَنَا بعدَ أنْ لمْ نكنْ شيئاً مذكوراً " هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا"الإنسان1؛ فلذلك يعلمُ كلَّ شيءٍ عنَّا يعلمُ ما ينفعُنا وما يضرُّنا ... يعلمُ ما نقدِّمُ وما نؤخرُ ... يعلمُ ما نقولُ وما نعملُ قال اللهُ تعالى:" نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ "طه 104، و قالَ:" قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ " الشعراء188 ... يعلمُ الظاهرَ والباطنَ ... يعلمُ ما في العلانيةِ وما في السريرةِ قالَ تعالى:" وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ "الممتحنة1 ... يعلمُ ما تخفيه القلوبُ و تكنُّه الصدورُ ... " قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "لقمان23، يعلم كلَّ شيء يقول تعالى: " لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا"الطلاق12.
أخي العزيزُ: إذا كنتَ تعلمُ وتعتقدُ أنَّ اللهَ يعلمُ كلَّ شيءٍ سواءً كانَ ظاهراً أو باطناً أفلا تستحي أنْ تعصيَه وتخالفَ أمرَه؟!
لذلك تعالَ لنتساءلَ معاً وبصراحةٍ أليسَ خطئاً و ظلماً:-
- أن نُعْجَبَ بأنفسِنا ومالِنا وجمالِنا ونسبِنا وحَسَبِنَا وذكائِنا وغيرِ ذلك؟ (1/19)
صفحة 19
- أنْ نعملَ الأعمالَ رياءً وسمعةً لا إخلاصاً للهِ تعالى؟
- أنْ نتستَّرَ عندَما نفعلُ المعصيةَ حتى لا يعلمَ بنا أحدٌ؟
- أنْ نغترَّ بما آتانا اللهُ عزَّ وجلَّ من نعمِه ولا نراقبُه؟
- أنْ نتكبَّرَ على شرعِ اللهِ ورسولِه وعلى الناس؟
- أنْ نحسِدَ الناسَ على ما آتاهم اللهُُ منْ فضلِه؟
- أنْ نكْرَهَ المسلمين و نبغضَهم ونحقدَ عليهم؟
بلى إنَّ هذا كلَّه ظلمٌ عظيمٌ وغفلةٌ كبيرةٌ لأنَّه إنْ لمْ يعلمِ المخلوقونَ بما نفعلُ و ما نقولُ و بما نسرُّ و نعلنُ فإنَّ ربَّ المخلوقينَ يعلمُ ذلكَ أفلا نستحي منْه وهو الذي خلقَنا ورزقَنا وحفِظَنا ورعانا وعافَانا وأنعمَ علينا بكلِّ شيءٍ؟!
إذا مَا خَلَوْتَ الدَهْرَ يَوْماً فَلا تَقُلْ - خَلَوْتُ ولكنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيْبُ
ولا تَحْسَبنَّ اللهَ يَغْفُلُ سَاعَةً - ولا أنَّ مَا تُخفي عليهِ يغيبُ
أيُّهَا الأخُ العزيزُ: انتبهْ واعلمْ أنَّ اللهَ عليمٌ بكلِّ ما نأتي وما نذرُ ويُحْصِي علينا كلَّ شيءٍ ولو كان مثقالَ ذرةٍ فيجبُ علينا أنْ نعتقدَ اعتقاداً جازماً أنَّ اللهَ يعلمُ كلَّ الأمورِ والأشياءِ فلنجعلْ مراقبَتَه أمامَ أعيننا قبل أن نقول أو نعمل أو نقدم أو نؤخر" إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ "الأنعام117.
- • -
الرَّازِقُ
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لابنِ عباسٍ يوماً:" يا غلامُ إنّي أعلمُكَ كلماتٍ، احفظِ اللهَ يحفظْكَ، احفظِ اللهَ تجدْه تجاهَكَ، إذا سألتَ (1/20)
صفحة 20
فاسألِ اللهِ، وإذا استعنتَ فاستَعِنْ باللهِ و اعلمْ أنّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أنْ ينفعوكَ بشيءٍ لمْ ينفعوكَ إلا بشيءٍ قدْ كتبَه اللهُ لكَ ولو اجتمعوا على أنْ يضروكَ بشيءٍ لمْ يضروكَ إلا بشيءٍ قدْ كتبَه اللهُ عليكَ رفعتِ الأقلامُ وجفتِ الصُحُفُ " (1).
أيها القارئُ العزيزُ: يجبُ عليك أنْ تعلمَ أنَّ الرازقَ هو الله تعالى وحدَه فهو الذي خلق الإنسانَ وكتبَ له رزقَه سواءً كان قليلاً أو كثيراً " إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ"الذاريات58.
لقد رزقَنا اللهُ الحياةَ ورزقَنا الصحةَ ورزقَنا المالَ و رزقنَا السمعَ و البصرَ والعقلَ و الحفظَ والذكاءَ والقوةَ والأهلَ والأمنَ والأكلَ والشربَ والهواءَ والماءَ والعلمَ والقراءةَ والكتابةَ والوظيفةَ وكلَّ شيءٍ " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَالَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ "الزخرف10 - 14.
إنَّ اللهَ تعالى رزقنا كلَّ نعمةٍ نتقلبُ فيها ولا نحسُّ " وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ"إبراهيم34 .. فهلْ تعلمُ أخي هذا وأنَّ اللهَ هو الرازقُ و لا رازقَ سواه قالَ سبحانَه:" وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ"النحل53؟
اِسْأَلْ نَفْسَكَ ...
__________
(1) 1 - رواه أحمد في مسند ابن عباس، و الترمذي / ك: صفة القيامة و الرقاق و الورع. (1/21)
صفحة 21
• هلْ يستطيعُ أحدٌ أنْ يسقيَك جرعةَ ماءٍ إذا كانَ اللهُ لا يريدُ ذلك؟
• هلْ يقدرُ أحدٌ أنْ يعطيَك قطعةَ خبزٍ إذا لم تكنْ من رزقِك؟ " كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللهِ "البقرة60.
•هلْ يستطيعُ الناسُ أنْ يعيدوا لك الصحةَ إذا مرضتَ إذا لم يردِ اللهُ؟ " وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ"الشعراء80.
• هلْ يقدرُ الناسُ أجمعون أنْ يعطوك المالَ واللهُ لم يكتبْه لك؟
•هلْ يقدرُ الخلائقُ جميعاً أنْ يرزقوك الجاهَ والمنصبَ والوظيفةَ إذا لمْ يشأ اللهُ؟ إنَّ كلَّ ما سبقَ لا يرزقُك إياه أحدٌ غيرُ اللهِ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ" فاطر3، " قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قلِ اللهُ"سبأ24، إذاً ما حقُّ هذا الخالقِ الرازقِ؟:
هلْ حقُّه أنْ تعصيَه وتخالفَ أوامرَه وأوامرَ رسولِه صلى الله عليه وسلم؟!
هلْ حقُّه أنْ يقولَ لك لا تفعلْ كذا وأنتَ تفعلُ؟!
هلْ حقُّه أنْ تطيعَ غيرَه وتعصيَه؟!
هلْ حقُّه أنْ تخشَى غيرَه ولا تخشاه؟! فتتعدَّى على حرماتِه.
تعلَّمْ يا عزيزي أنَّ الجزاءَ يكونُ منْ جنسِ العملِ فيجبُ عليك أنْ تتقيَ اللهَ تعالى ولا تخالفَه ولا ترتكبَ ما حرَّمه عليك وأنْ تقنعَ بالحلالِ عن الحرامِ " كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ "البقرة172.
يقولُ الإمامُ السالميُ - رحمه الله- (1):
__________
(1) 1 - منظومة أنوار العقول للإمام السالمي - رضي الله عنه -. (1/22)
صفحة 22
ولمْ يمُتْ قبلَ انقضَا العُمْرِ أحدْ - و قبلَ رزقهِ الذي لهُ يُحدّْ
كانَ حلالاً أو حراماً حُجِرَا - أو شُبْهَة ًو اللهُ كُلا ًقدَّرا
أيْ أنَّ الإنسانَ لا يموتُ حتَّى يستوفيَ جميعَ رزقِه الذي كتبَه اللهُ له بدلالةِ حديثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم " إنَّ روحَ القدسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نفساً لنْ تموتَ حتّى تستكملََ رزقَها ألا فاتقوا اللهََ و أجملوا في الطلب " (1)، وجاءَ في روايةٍ أخرى " ... و لا يحملنَّكمْ استبطاءُ رزقٍ أنْ تطلبُوا بمعاصي اللهِ فإنَّه لا يدركُ ما عندَ اللهِ إلا بطاعةِ اللهِ " (2)، و الإنسانُ مخيرٌ في طريقِ الكسبِ (من حلالٍ أو حرامٍ أو شبهةٍ).
توضيحٌ: إذا قدَّرَ اللهُ لزيدٍ في حياتِه مليونَ ريالٍ فإنَّه لنْ يموتَ حتَّى يرزقَه اللهُ المليونَ، وزيدٌ مخيرٌ بينَ أنْ يأخذَه من حلالٍ أو حرامٍ و لكنْ لا يستطيعُ أنْ يزيدَ في رزقِه ريالاً واحداً ولو تعاملَ بالربا والغشِّ والسرقةِ ... ولنْ ينقصَ عليه ريالٌ واحدٌ إذا تركَ ذلك وتعاملَ بالحلالِ ... ولو قدَّر اللهُ لسالمٍ في حياتِه ألفَ ريالٍ فهو أيضاً لا يقدرُ أنْ يزيدَ في رزقِه ولا أن ينقصَ منه، ولو جاءتْ الأمةُ كلُّها تريدُ أن تزيدَه أو تنقصَه عمَّا كتبَ اللهُ له من الرزق فإنها لنْ تستطيعَ وهكذا " وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَأَىدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ"النحل 71، لذلك تعلمْ يا أخي المؤمنُ أنَّ الرزقَ يصلُ إلى الإنسانِ بقدرةِ اللهِ ولا يلزمُ أنْ يتعاملَ الإنسانُ بالحرام ... " أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ
__________
(1) 2 - رواه البغوي في شرح السنة ك: الرقاق، ب: التوكل على الله عز و جل. (روعي: خلدي و نفسي).
(2) - رواه البغوي في شرح السنة، و ابن عبد البر في التمهيد. (1/23)
صفحة 23
نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم معيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ "الزخرف 32.
تَأَمُّلٌ وَ اعْتِبَارٌ
- منْ يرزقُ الطفلَ الصغيرَ في حضنِ أمِّه؟ إنَّه الله " وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم "الإسراء31.
- منْ يرزقُ الأعمى الذي لا يبصرُ شيئاً؟ إنَّه الله " وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ" البقرة 212.
- منْ يرزقُ الطيرَ في الهواء؟ إنَّه الله.
- منْ يرزقُ الأسماكَ في البحار؟ إنَّه الله.
- منْ يرزقُ الدودَ في الأحجار؟ إنَّه الله.
" وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا "هود 6، " وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ "العنكبوت60.
• يروى أنَّ أحداً دخلَ كهفاً ووجد فيه رجلاً قُطعتْ رجلاه ويداه ولا يستطيعُ أنْ يتحركَ ولا يوجدُ معَه أحدٌ من الناس أبداً فاستغربَ كيفَ يعيشُ هذا الإنسانُ ومنْ يساعدُه؟ قرَّر في نفسِه أنْ يبقى لينظرَ كيفَ يتلقَّى ذلك الإنسانُ رزقَه وطعامَه ليعيشَ و في وقت الغداءِ سقطتْ رمانةٌ فتناثرَ حبُّها فخرجَ الذَرُّ (النمل) وأخذَ تلك الحباتِ وبدأ يصعدُ على جسدِ ذلك الشخصِ ويرميها في فمِه وهو يأكلُها، فسبحانَ الخالقِ الرازقِ سبحانَه.
• هناك فئةٌ من الشباب ينسون أنَّ اللهَ هو الرازقُ فيسعون إلى رزقِهم من طرقِ الحرامِ ولو أنهم صبروا عوضَهم اللهُ وفتح لهم أبوابَ الرزقِ الحلالِ وهناك من الشبابِ من يبيعُ دينَه بدنياه لكي يحصلَ على الدرهمِ والدينارِ (1/24)
صفحة 24
ولا يخافُ اللهُ ولا يراقبُه ولا يتقيه ولا يخشاه فاحذرْ أخي أنْ تكونَ معَ هؤلاء" وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ"الطلاق2 - 3
•أتى رجلٌ إلى أحدِ الصالحين فقال له: إني مسرفٌ على نفسي، فاعرضْ عليَّ ما يكونُ لها زاجراً ومستنقذاً!
فقال الرجلُ الصالحُ: إنْ قبلتَ خمسَ خصالٍ، وقدرتَ عليها لمْ تضرَّك معصيةٌ.
قال: هات.
قال: أمَّا الأولى فإذا أردتَ أنْ تعصيَ اللهَ فلا تأكلْ رزقَه!.
قال: فمنْ أينَ آكلُ؟! وكلُّ ما في الأرضِ رزقُه؟!.
قال: يا هذا! أفيحسنُ بك أنْ تأكلَ رزقَه وتعصيَه؟!
قال: لا، هاتِ الثانيةَ!
قال: إذا أردتَ أنْ تعصيَه فلا تسكنْ شيئاً من بلادِه؟!
قال: هذا أعظمُ! فأينَ أسكنُ!
قال: يا هذا! أفيحسنُ بك أنْ تأكلَ رزقَه، وتسكنَ بلادَه، وتعصيه؟.
قال: لا، هاتِ الثالثةَ!.
قال: وإذا أردتَ أنْ تعصيَه، وأنتَ تأكلُ رزقَه، وتسكنُ بلادَه، فانظرْ موضعاً لا يراكَ فيه فاعصِه فيه؟!
قال: ما هذا، وهو يطلعُ على السرائرِ؟!
قال: يا هذا! أفيحسنُ بك أنْ تأكلَ رزقَه، وتسكنَ بلادَه، وتعصيَه وهو يراكَ ويعلمُ ما تجاهرُ بهِ؟!
قال: لا، هاتِ الرابعةَ! (1/25)
صفحة 25
قال: فإذا جاءك ملكُ الموتِ ليقبضَ روحَك، فقلْ له: أخِّرْني حتى أتوبَ توبةً نصوحاً وأعملَ للهِ صالحاً!.
قال: لا يقبلُ مني!.
قال: يا هذا! فأنتَ إذاً لا تقدرُ أنْ تدفعَ عنك الموتَ لتتوبَ، وتعلمُ أنَّه إذا جاءك لم يكنْ له تأخيرٌ، فكيفَ ترجو وجهَ الخلاصِ؟.
قال: هاتِ الخامسةَ!
قال: إذا جاءَك الزبانيةُ يومَ القيامةِ، ليأخذوكَ إل النارِ فلا تذهبْ معهم؟!
قال: إنهم لا يدعوني، ولا يقبلونَ مني؟!
قال: فكيفَ ترجو النجاةَ إذاً؟!
قال: حسبي، حسبي! أنا أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه.
فكان لتوبتِه وفياً، فلزمَ العبادةَ، واجتنبَ المعاصي حتى فارقَ الدنيا.
- • -
الغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ
أخي العزيزُ: أَعلمُ أنكَ لا يغيبُ عن بالِك تذكرُ هاتينِ الصفتينِ لربِّ العزةِ والجلالِ و ذلك أنَّ الناسَ كثيراً ما يرددُونهما قياماً و قعوداً ذهاباً و إياباً قلَّمَا تغيبُ عن لسانِ واحدٍ من المسلمين فالحمدُ للهِ حقَّ حمدِه ..... و لكنْ هلْ فهِمَ المسلمون معنى الصفتينِ اللتينِ تلوكُهما الألسنُ صباحَ مساءَ؟ أخي العزيزُ لعلَّك توافقُني أنَّ الكثيرَ من الناسِ جهلوا المرادَ من الصفتين و تجاهلَ آخرون ذلك فسخّروا (غفورٌ رحيمٌ) لارتكابِ المحرماتِ و اتخذوها بريداً ليصلوا إلى الموبقاتِ و جعلوها سفينةً يعبرون بها إلى الشهواتِ و تحقيقِ الملذاتِ لذلكَ ليسَ غريباً أنْ تسمعَ من المصرِّ على الذنوبِ (اللهُ غفورٌ رحيمٌ) (1/26)
صفحة 26
و ليسَ عجيباً أنْ يرددَ المتلبسُ بالمعصيةِ المستمرئُ لها (اللهُ غفورٌ ... رحيمٌ) و لا تعجبْ من مقيمٍ على الخطَايا و الآثامِ يُخْرِجُ من طرفِ اللسانِ (اللهُ غفورٌ رحيمٌ) ... لا تخفى على عاقلٍ رحمةُ اللهِ تعالى بعبادِه الشاملةُ لمخلوقاتِه التي عمَّتْ المؤمنَ و الكافرَ، الطائعَ و العاصيَ، الصالحَ و الطالحَ، فمنْ صورِ رحمتِه في الدنيا إنزالُ الغيثِ " و هوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ"الشورى28 و منْ رحمتِه تسخيرُ منافعِ الكونِ للناسِ " وَمِن رحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"القصص73 و منها رفعُ الحرجِ و دفعُ البلاءِ و منها إرسالُ الرُّسلِ و إنزالُ الكتبِ و منها قبولُ توبةِ التائبِ " فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "المائدة 39 و هكذا، و من رحمتِه في الآخرِةِ أنَّه يعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه " يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"آل عمران106 - 107، و اللهُ تعالى غفارٌ لذنوبِ المذنبينَ " وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى"طه82، غافرٌ لسيئاتِ المسيئينَ " غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ"غافر3، يقبلُ توبةَ التائبينَ " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ"الشورى 25.
و يا تُرَى لِمَنْ تَكُونُ رَحْمَةُ اللهِ؟ و لِمَنْ تَكُوْنُ مَغْفِرَتُه؟ هَلْ لِلَّذِي:
- يشربُ المحرماتِ ـــ و يقولُ: اللهُ غفورٌ رحيمٌ؟!.
- يزني ـــ و يرددُ: اللهُ غفورٌ رحيمٌ؟!. (1/27)
صفحة 27
- يسرقُ ـــ و ينادي: اللهُ غفورٌ رحيمٌ؟!.
- يكذبُ، يغتابُ، ينمُّ، يتقوّلُ على اللهِ بغيرِ علمٍ ــ مردداً: اللهُ غفورٌ
رحيمٌ؟!
- تفسخُ الحجابَ و تتخلَّى عن الآدابِ ــــ قائلةً: اللهُ غفورٌ رحيمٌ؟!.
- يتركُ الصلاةَ، ينتهكُ الصيامَ، يضيعُ الزكاةَ ـــ لأنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ؟!.
كلا يا أخي العزيزُ هي ليستْ لهؤلاءِ و أمثالِهم و إنَّما لمنْ تابَ و أنابَ و عملَ صالحاً ثمَّ اهتدَى؛ فاللهُ تعالى غفورٌ رحيمٌ للتائبِ المنيبِ و الراجعِ إليهِ المستغفرِ من خطيئتِه المقلعِ عن معصيتِه قالَ تعالى:" وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيم ٌ"الأعراف153 و قالَ:" وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ"آل عمران 135، اللهُ غفورٌ رحيمٌ لمنْ سارعَ إلى التوبةِ قبلَ فواتِ الوقتِ " إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا"النساء17 - 18.
أمَّا منْ أصرَّ على العصيانِ و اتبعَ سبيلَ الشيطانِ و ماتَ على خطيئتِه منْ غيرِ توبةٍ خالصةٍ نصوحٍ؛ فإنَّ مصيرَه الخسرانُ و لا يستحقُ رحمةَ اللهِ تعالى و لا مغفرتُه و لكنَّه يستحقُ غضبَ اللهِ و سخطَه و شدةَ عذابِه و أليمَ بطشِه قالَ تعالى: " وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ " النساء14. (1/28)
صفحة 28
أخي المسلم: يجبُ عليكَ أنْ تجعلَ بينَ عينيكَ و أمامَ ناظريكَ صفةً أخرَى للهِ تعالى غابتْ عن الأذهانِ و أنسَى الناسَ ذكرَها الشيطانُ و هي " شديدُ العقابِ " و قدْ أكَّدَ اللهُ عليها في آياتِ كتابِه " اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ"المائدة98 و يقولُ:" وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ"الأنفال 25، و قالَ: " إنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ"الأنفال52.
- - -
ثالثاً: آثارُ ومظاهرُ الإيمانِ باللهِ
أيها الإخوةُ الأعزةُ: إنَّ الإيمانَ الحقيقيَ باللهِ تعالى ليسَ مجردَ كلماتٍ ترددُها الألسنُ ولكنْ هو كلامٌ يصدقُه العملُ، ويدلُّ على صدقِ ما في القلبِ السلوكُ الظاهرُ ويا ترى ما علاماتُ الإيمانِ باللهِ تعالى؟ أخي الكريمُ: منْ علاماتِ صدقِ الإيمانِ باللهِ تعَالى مَا يأْتي:
1 - الاعْتِقَادُ القَاطِعُ أَنَّ المُشِرِّعَ هُوَ اللهُ وَحْدَه.
فعليك أنْ تعتقدَ أنَّ اللهَ هو المشرعُ الحقُّ لا شريكَ له في ذلكَ ودليلُ الإيمانِ ألا تقدمَ تشريعَ البشرِ على تشريعِ اللهِ في جميعِ مجالاتِ الحياةِ، و أنْ تعتقدَ أنَّ قوانينَ اللهَ تعالى صالحةٌ لكلِ زمانٍ و مكانٍ.
2 - حُبُّ اللهِ تَعَالَى.
أخي العزيزُ: منْ أعظمِ الأدلةِ على الإيمانِ باللهِ هو الحبُّ العظيمُ المطلقُ للهِ تعالى الذي يكونُ من أعماقِ القلبِ بحيثُ لا يقدمُ حبَّ أيِّ شيءٍ آخرَ على حبِّه لربِّه جلَّ وعلا، فلا يقدمُ حبَّ الآباءِ ولا الأبناءِ ولا الإخوانِ ولا الأزواجِ ولا العشيرةِ ولا الأموالِ ولا الدنيا على حبِّ اللهِ " قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ (1/29)
صفحة 29
وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ "التوبة /24، ويقولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم: " ثلاثٌ منْ كُنَّ فيهِ وجدَ حلاوةَ الإيمانِ أنْ يكونَ اللهُ و رسولُه أحبَّ إليهِ ممَّا سواهمَا، و أنْ يحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا للهِ، و أنْ يكرهَ أنْ يعودَ في الكفرِ كمَا يكرهُ أنْ يقذفَ في النارِ " (1) و هذا هو شأنُ المؤمنينَ " وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ"البقرة165.
أخي العزيزُ: إنَّ حبَّ اللهِ تعالى يقتضي الطاعةَ المطلقةَ و الاستسلامَ الكاملَ لأوامرِ اللهِ تعالى بحيثُ يتفانى المؤمنُ به في إرضائِه، و يسابقُ في طاعتِه و لو وقفتْ أمامَه الدُّنيا و منْ فيها .. فهلْ يحبُّ اللهَ رجلٌ يعصيه جلَّ و علا ليرضيَ زوجَه؟ و هلْ تحبُّ اللهَ امرأةٌ تطيعُ زوجَها في معصيةِ اللهِ تعالى كتركِها الحجابَ، و خروجِها كاسيةً عاريةً في تمامِ زينتِها إرضاءً له؟ كلا و اللهِ .. و هلْ يحبُّ اللهَ منْ يقدِّمُ هوى نفسِه و رغباتِها على أوامرِ اللهِ عزَّ و جلَّ؟ و هلْ يحبُّ اللهَ منْ ينتهكُ محارمَه و يتعدَّى حدودَه؟.
3 - دُعَاءُ اللهِ تَعَالَى وطَلَبُ العَوْنِ مِنْهُ.
أخي العزيزُ: يدلُّ على إيمانِنا بربِنا سبحانَه دعاءُنا له آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ فليسَ منَ الإيمانِ أنْ يدعوَ الإنسانُ غيرَ اللهِ ويستعينَ بغيرِ اللهِ فلا يطلبُ المالَ ولا العيالَ ولا الشفاءَ ولا أيَّ شيءٍ آخرَ منْ غيرِ اللهِ تعَالى " وَإِذَا
__________
(1) 1 - رواه البخاري في صحيحه / ك: الإيمان، ب: حلاوة الإيمان. (1/30)
صفحة 30
سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"البقرة 186 و دعاءُ اللهِ تعالى صفةُ المؤمنينَ " تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"السجدة16، و لا يجوزُ للمؤمنِ أنْ يدعوَ غيرَ اللهِ " قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ"الأنعام71، و الذي يقعُ فيه بعضُ الناسِ من طلبِ الأحجارِ و الأشجارِ، و دعاءِ العيونِ و القبورِ و الأنهارِ، و سؤالِ الشفاءِ من الكهنةِ و المنجمينِ الفجارِ لا يجوزُ بحالٍ من الأحوالِ لأنَّه يتنافى معَ عقيدةِ الإسلامِ.
4 - الخَوْفُ مِنَ اللهِ و رَجَاءُ ثَوَابِهِ.
أيها المسلم: منْ أدلةِ الإيمانِ باللهِ تعالى أنْ يكونُ المسلمُ خائفاً منَ اللهِ بحيثُ إذا همَّ بمعصيةٍ أو ذنبٍ تذكَّرَ اللهَ تعالى فتركَ ما همَّ بفعلِه " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى"النازعات40 - 41 و إذا وقعَ في معصيةٍ سارعَ إلى التوبة خوفا من الله تعالى " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ ... يَعْلَمُونَ "آل عمران135، و أنْ يكونَ راجياً ثوابَ اللهِ تعالى و دليلُ الرجاءِ فعلُ الطاعاتِ و التقربُ بالعباداتِ آناءَ الليلِ و أطرافَ النهارِ؛ فالمسلمُ يعيشُ بينَ الخوفِ الذي يبعدُه عن المعاصِي، و بينَ الثوابِ الذي يشجعُه على الطاعةِ .. عن علي بنِ أبي طالبٍ – كرَّمَ اللهُ (1/31)
صفحة 31
وجْهَه – قالَ: " منِ اشتاقَ إلى الجنةِ سارعَ إلى الخيراتِ، و منْ خافَ منَ النارِ نهى نفسَه عنِ الشهوةِ و منْ تيقنَ الموتَ هانتْ عليهِ اللذاتُ" (1).
5 - التَوَكُلُ عَلَى اللهِ وتَفْوِيْضُ الأَمْرِ إِلَيْهِ تَعَالَى.
أخي المؤمنُ: اعلمْ أنَّ سعادةَ الإنسانِ في الدُّنيا والآخرةِ تكونُ في التوكلِ على اللهِ في كلِّ أمرٍ وفي أيِّ عملٍ لذا تجدُ المسلمَ دائماً يعتمدُ على اللهِ تعالى " فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ "آل عمران 159" وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا "الطلاق3، و يفوضُ أمرَه إلى اللهِ " قُل لن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ "التوبة5؛ فالتوكلُ على اللهِ هو الثقةُ به عزَّ و جلَّ و بما عندَه، و عدمُ الاعتمادِ على ما عندَ الناسِ ... و لا يعني ذلكَ إهمالُ الأسبابِ و عدمُ الأخذِ بها، فإنَّ ذلكَ ليسَ من التوكلِ في شيءٍ بلْ هو عجزٌ و جهلٌ، و أمَّا التفويضُ هو الرضَا بخِيَرَة اللهِ تعالى له؛ لأنَّه العالمُ بمصالحِ خلقِه (2).
6 - إِخْلاصُ العِبَادةِ للهِ تَعَالَى.
أخي الطالبُ: ما أعظمَ الإخلاصَ الذي يتميزُ به الأتقياءُ الصلحاءُ عن غيرِهم منَ الذينَ يكتفونَ بالمظاهرِ في العبادةِ ولا يعتنونَ بروحِها وهو الإخلاصُ للمولى جلَّ وعلا " وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ "البينة5، و لْتَعْلَمْ أخي أنَّ اللهَ لا يقبلُ عملَ عاملٍ يشركُ معَ اللهِ غيرَه قالَ
__________
(1) 1 - مكاشفة القلوب / محمد بن محمد الغزالي / ص31، ط: دار الكتب العلمية.
(2) 1 - شرح غاية المراد / الشيخ العلامة الخليلي - حفظه الله - ص99 (بتصرف بسيط). (1/32)
صفحة 32
تعالى:" فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا"الكهف110؛ فالمقصودُ بالآيةِ " ألا يقصدَ بأيِّ عملٍ من الأعمالِ التي يتقربُ بها العبدُ إلى اللهِ عزَّ و جلَّ سواء كانَ هذا العملُ فيما بينَه و بينَ ربِّه كالصلواتِ و الصيامِ و الحجِّ أو كانتْ فيه منفعةٌ للعبادِ كالزكواتِ و الصدقاتِ و عونِ الضعيفِ و إغاثةِ الملهوفِ و نصرةِ المظلومِ و برِّ الوالدينِ و صلةِ الرحمِ .. و ما إلى ذلك، و كذلكَ اجتنابُ المنهياتِ أنْ لا يكونَ ذلكَ كلَّه إلا لأجلِ وجهِ اللهِ " (1)؛ فمَنْ عملَ عملاً قصدَ به مراءاةَ الناسِ فقدْ جعلَ للهِ شريكاً، و مَنْ أتى بعبادةٍ يقصدُ بها الناسَ فقدْ أشركَ أحداً معَ اللهِ في عبادتِه "؛ فطالبُ العلمِ مثلاً إذا تعلَّمَ ليقالَ فلانٌ متعلمٌ فقدْ جعلَ للهِ شريكاً في عبادتِه يقولُ اللهُ تباركَ و تعالى:" منْ عملَ عملاً أشركَ فيه غيري فهوَ لهُ كلُّه و أنَا أغنى الشركاءِ عنِ الشركِ " (2)، فالحذرَ الحذرَ منَ الشركِ الخفيِّ الذي يقضي على الأعمالِ و يهدمُ ما بُنيَ من صالحاتِ الأفعالِ و الأقوالِ يقولُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: " الرياءُ يحبطُ العملَ كمَا يحبطُه الشركُ " (3).
(
__________
(1) 2 - الإخلاص روح العبادة /الشيخ أحمد بن حمد الخليلي – حفظه الله - /ص15.
(2) 1 - رواه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده الصحيح برقم (60).
(3) 2 - رواه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده الصحيح برقم (60). (1/33)
صفحة 33
تَمْهِيْدٌ
أيها الإنسانُ: خلقَكَ اللهُ و حددَ الهدفَ و الغايةَ التي خلقَكَ لأجلِها قائلاً: " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم من رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ "الذاريات56 - 57 فالعبوديةُ للهِ عزَّ و جلَّ هي الهدفُ من خلقِ اللهِ تعالى للإنسانِ .. ولكنْ كيفَ يحققُ الإنسانُ هذا الهدفَ تحقيقاً ناجحاً؟
تعلَّمَ أخي: أنَّ اللهَ تعالى عندَما خلقَ الناسَ لم يخلقْهم هملاً ولم يتركْهم سُدى ولكنَّه بعثَ إليهمْ أنبياءَ ورسلاً يهدونهمْ إلى الطريقِ القويمِ وإلى الصراطِ المستقيمِ، ويوضحونَ لهم السبيلَ وينيرونَ لهمُ الطريقَ، ويأخذونَ بأيدِيهم إلى دربِ السعادةِ وبرِّ الأمانِ والسلامةِ و يبينونَ لهمُ الخيرَ من الشرِّ و النافعَ من الضارِّ و الطاعةَ من العصيانِ.
أولاً: حُكْمُ الإيمانِ بالأنبياءِ والمرسلينَ
أخي المسلمُ: أوجبَ اللهُ تعالى على كلِّ واحدٍ منَ الناسِ أنْ يصدِّقَ بأنبياءِ اللهِ وأنْ يؤمنَ برسلِه، وأنْ يقتديَ بهمْ، ويتَّبِعَ سبيلَهم، وجعلَ هذا التصديقَ ركناً منْ أركانِ الإيمانِ بحيثُ لو أنكرَ الإنسانُ الإيمانَ بالأنبياءِ والمرسلينَ بعدَ قيامِ الحجةِ بهمْ لكانَ مشركاً وليسَ مؤمناً بلْ لوْ أنكرَ واحداً منهمْ لكانَ منَ المشركينَ.
ثانياً: الدليلُ على وجوبِ الإيمانِ بهمْ (1/36)
صفحة 34
لقدْ بينَ اللهُ تعالى وجوبَ الإيمانِ بهمْ في كتابِه منْ غيرِ تفريقٍ بينَهم يقولُ تعالى: ... " قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن ربهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ منْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ "البقرة 136وقالَ:" آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَ مَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"البقرة285، و قالَ تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"النساء150 - 153وعندَما قالَ جبريلُ - عليه السلام - لرسولِنا الكريمِ صلى الله عليه وسلم أخبرني عنِ الإيمانِ قالَ له: " أنْ تؤمنَ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليومِ الآخرِ و تؤمن بالقدرِ خيرِه وشرِّه " (1).
ثالثاً: صفاتُ الأنبياءِ والمرسلينَ
لا يخفى أخي المسلمُ أنّ الإنسانَ يجبُ عليهِ أنْ يعلمَ صفاتِ الأنبياءِ و المرسلينَ و هيَ ثلاثةُ أقسامٍ:
1 - الصفاتُ الواجبةُ و منها: - الصدقُ قالَ تعالى:" وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا" مريم50، - الأمانةُ، - العقلُ، - تبليغُ ما أُرسلوا بهِ قالَ تعالى: "الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللهَ وَكَفَى باللهِ حَسِيبًا"الأحزاب39، - ضبطُ ما أخبرَهمْ اللهُ بهِ، - الفِطَانَةُ.
__________
(1) 1 - رواه مسلم في صحيحه؛ ك: الإيمان، ب: بيان الإيمان و الإسلام و الإحسان. (1/37)
صفحة 35
2 - الصفاتُ المستحيلةُ عليْهِمْ (أيْ التي لا يجوزُ أنْ يوصفوا بها) مثلُ: - الكذبِ، - الخيانةِ - الجنونِ، - ارتكابِ المحرماتِ وتركِ الواجباتِ، - الاتصافِ بصفاتِ النقصِ.
- اختلفَ العلماءُ في عصمةِ الأنبياءِ و الصحيحُ أنهمْ معصومونَ عنِ الكبائرِ و الصغائرِ في حالِ النبوةِ و قبلَها، و ما وقعَ منهمْ محمولٌ على الخطأِ و النسيانِ و سُميَ عصياناً و غياً بالنظرِ إلى علوِّ قدرِهم و سموِّ منزلتِهم كيفَ و قدْ اصطفاهمْ اللهُ تعالى واختارَهم لحملِ رسالتِه إلى خلقِه (1).
3 - الصفاتُ الجائزةُ (يجوزُ أنْ يفعلوهَا أو يوصفوا بها) مثلُ: - الأكلِ والشربِ ... - الزواجِ - البيعِ والشراءِ ودخولِ السوقِ وغيرِها.
رابعاً: الإيمانُ بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -
أيها القارئُ العزيزُ: تعلَّمْ أنَّ الإنسانَ يجبُ عليهِ أنْ يخصصَ محمداً صلى الله عليه وسلم بالإيمانِ وأنْ يعرفَه باسمِه وأنْ يقرَّ بلسانِه أنَّه رسولُ اللهِ ونبيُه قالَ تعالى:" وَمَن لمْ يُؤْمِن بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا "الفتح13، و يقولُ صلى الله عليه وسلم: " أمرتُ أنْ أقاتلَ الناسَ حتى يقولوا لا إلهَ إلا اللهُ، محمدٌ رسولُ اللهِ ... " (2) إذاً يجبُ عليكَ أخي أنْ تعتقدَ أنَّ محمداً رسولُ اللهِ إلينا وأنْ تصدِّقَ ذلكَ قولاً وعملاً و لا يسعُ الإنسانُ الجهلَ بالنبيِّ الكريمِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، و لا يكفِي أنْ نؤمنَ به إيماناً مجملاً معَ سائرِ المرسلينَ لذلكَ جعلَ أصحابُنا (الإباضية) الإيمانَ بمحمد صلى الله عليه وسلم الجملةَ الثانيةَ، بلْ لا يعدُّ الإنسانُ في ملةِ الإسلامِ إلا بعدَ الشهادتينِ.
__________
(1) 1 - جواهر التفسير/ الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله 3/ 127) بتصرف.
(2) 2 - رواه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده الصحيح من طريق ابن عباس برقم (464). (1/38)
صفحة 36
خامساً: كَيْفَ نُؤْمِنُ بِالأنبياء و الرُّسُلِ؟
إذا كانَ واجباً علينا أنْ نؤمنَ بالأنبياءِ و المرسلينَ؛ فالسؤالُ كيفَ يستطيعُ المرءُ أنْ يحققَ الإيمانَ بهمْ على أكملِ وجهٍ و أتمِّه، و الجوابُ: ... بما يلي:
أ – التصديقُ بهمْ.
يجبُ علينا أنْ نصدقَ بالأنبياءِ والمرسلينَ ونعترفَ بأنَّهم صفوةُ اللهِ منْ خلقِه وأنَّ اللهَ بعثهمْ بتوحيدِه وعبادتِه ليخرجُوا الناسَ منْ الشركِ إلى الإسلامِ ومنْ ضيقِ الدُّنيا إلى سعةِ الدُّنيا والآخرةِ قالََ تعالى: " اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ"الحج75.
ب- الاتباعُ والاقتداءُ.
أخي العزيزُ: لعلَّك تعلمُ أنَّ التصديقَ بالأنبياءِ ليسَ مجردَ كلامٍ باللسانِ ولكنَّه قولٌ باللسانِ معَ العملِ، ويكونُ ذلكَ بالاقتداءِ بهمْ واتباعِهم في كلِّ ما يدعونَ إليهِ وتقليدِهم في التوحيدِ والعبادةِ والأخلاقِ والتعاملِ واستغلالِ الوقتِ والعمرِ في رضا اللهِ تعالى.
ج- الحبُّ.
إنَّ الإيمانَ بالأنبياءِ والمرسلينَ يقتضي أنْ نحبَهم حبَّاً عميقاً و نخصَّ الرسولَ محمداً صلى الله عليه وسلم منْ بينِهم فهو يقولُ: " لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليهِ منْ والدِه و ولدِه والناسِ أجمعينَ " (1) لماذَا؟ لأنَّ حبَّهم يدعو الإنسانَ إلى تطبيقِ تعاليمِهم و الاقتداءِ بهمْ واتباعِ طريقتِهم و إنْ خالفَهم منْ خالفَهم.
__________
(1) 1 - رواه البخاري في صحيحه؛ ك: الإيمان، ب: حب الرسول من الإيمان. (1/39)
صفحة 37
د- عدمُ التفريقِ بيَن أحدٍ منهمْ.
يجبُ علينا أنْ لا نفرقَ بينَ أحدٍ منهمْ في الإيمانِ وأنْ نؤمنَ بهمْ جميعاً قالَ تعالى:" آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِه ِ"البقرة285، وقالَ تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالله ِوَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"النساء150 - 153
قالَ العلامةُ الخليليُ: " و معنى ذلكَ أنَّ التفرقةَ بينَ رسولٍ و آخرَ في أصلِ الإيمانِ تهدمُ الإيمانَ منْ أساسِه، و تجعلُ منْ اتصفَ بذلكَ في عدادِ الكافرينَ حقاً الذينَ توعدَهم اللهُ بالعذابِ المهينِ، و أنَّ الإيمانَ بجميعِهم منْ غيرِ تفرقةٍ بينهمْ ينتظمُ به المؤمنُ في سلكِ المؤمنينَ الذينَ وعدهمْ اللهُ أنْ يوفيَهم أجورَهم، و هذا لا ينافي وجوبَ تعيينِ نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم منْ بينِهم في الإيمانِ، معَ الاكتفاءِ بالإيمانِ الإجمالي بسائرِهم إلا منْ قامتْ الحجةُ بمعرفتِه بعينِه، ممنْ نصَّ عليهِم الكتابُ أو عرفتْ نبوتُه و رسالتُه بالتواترِ القطعيِّ عن المعصومِ – عليه أفضلُ الصلاةِ و السلامِ – " (1).
سادساً: مظاهرُ الإيمانِ بالأنبياءِ والمرسلينَ
__________
(1) 1 - شرح غاية المراد /العلامة الخليلي حفظه الله (ص70). (1/40)
صفحة 38
أخي العزيزُ: هذه علاماتٌ تبينُ الإيمانَ الصادقَ من الكاذبِ بأنبياءِ اللهِ ورسلِه؛ فلكلِّ شيءٍ أدلةٌ تدلُّ على صدقِه أو كذبِه ويا تُرى ما الأدلةُ على صدقِ الإيمانِ بالأنبياءِ والرسلِ عليهم الصلاةُ و السلامُ؟
1 - دَعَا الأنبياءُ والرسلُ إلى توحيدِ اللهِ تعالى وأنَّه ليسَ كمثلِه شيءٌ فهلْ يعدُّ مؤمناً بهمْ الذي لا يُوَحِدُ اللهَ أو يجعلُ له مثيلاً أو نظيراً أو شبيهاً؟ كلا.
2 - كانَ الأنبياءُ والمرسلونَ يدعونَ الناسَ إلى عبادةِ اللهِ وحدَه قالَ تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ "الأنبياء25
فهلْ يعتبرُ مؤمناً بهمْ الذي يعبُدُ غيرَ اللهِ؟ بالطبعِ لا.
3 - يتحلَّى الأنبياءُ والمرسلونََ بالأخلاقِ الفاضلةِ و الصفاتِ النبيلةِ كالصدقِ والأمانةِ والعدلِ والاستقامةِ والكرمِ والحياءِ واحترامِ الناسِ وتوقيرِ الكبيرِ والإحسانِ إلى الضعيفِ ومساعدةِ الفقيرِ والتواضعِ والصبرِ وغيرِها، ويتخلونَ عن الأخلاقِ القبيحةِ الذميمةِ كالكذبِ والخيانةِ والظلمِ والجورِ والشحِِّ والكبرِ والنفاقِ وعدمِ الوفاءِ بالعهدِ والاعتداءِ على الضعفاءِ والمساكينِ والكلامِ القبيحِ كالسبِّ والشتمِ واللعنِ وغيرِ ذلك،،، والسؤالُ / هل يعدُّ مؤمناً حقاً بالأنبياءِ و المرسلين الذي يتصفُ بالأخلاقِ القبيحةِ؟ الجواب: لا ... لأنَّ الإيمانَ بهم يقتضي أنْ نتأسّى بهمْ في أخلاقِهم الحميدةِ " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا" الأحزاب21 "قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ "الممتحنة4. (1/41)
صفحة 39
4 - إنَّ الأنبياءَ والمرسلينَ لا يعصونَ اللهَ تعالى ولا يرتكبونَ المحرماتِ ولا يضيعونَ الواجباتِ فهلْ يعدُّ مؤمناً حقاً بالأنبياءِ والمرسلينَ الذي لا يقتدي بهم؟ أخي: لعلَّكَ ترى كثيراً من الناسِ وهمْ يفعلونَ ما حرَّمَ اللهُ وما نهى عنه أنبياءُ الله وهذا ليسَ من الإيمانِ في شيءٍ فعليهم أنْ يتقوا اللهَ، و يُثبِتوا صدقَ إيمانِهم برسلِ اللهِ.
5 - إنَّ الإيمانَ بالرسولِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم يوجبُ علينا طاعتَه وامتثالَ أوامرِه في كلِّ شيءٍ أليسَ كذلك أيها المسلمُ العزيز؟ يقولُ اللهُ تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً "النساء59 و لا شكَّ أنَّ معصيتَه صلى الله عليه وسلم ضلالٌ مبينٌ قالَ تعالى:" وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا "الأحزاب 36 توجبُ عقوبةَ اللهِ تعالى في الآخرةِ قالَ تعالى:" وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا "الجن23 فطاعةُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم فيمَا جاءَ بهِ مظهرٌ منْ مظاهرِ الإيمانِ بهِ يقولُ تعالى:" وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ"الحشر7، وقدْ جاءَنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم بأشياءَ كثيرةٍ يجبُ علينا أنْ نطيعَه فيها .. ألا توافقُني أخي المسلمُ على هذا؟ وإليكَ أمثلةً على ذلكَ - و قِسْ عليها غيرَها -: (1/42)
صفحة 40
أ- قالَ صلى الله عليه وسلم: " آيةُ المنافقِ ثلاثٌ إذا حدَّثَ كذبَ وإذا وعدَ أخلفَ وإذا أؤتمنَ خانَ " (1) فالإيمانُ به يوجبُ علينا طاعتَه في البعد عن الكذب و الخيانة و إخلاف الوعد.
ب- قالَ صلى الله عليه وسلم: " إزرةُ المؤمنِ إلى أنصافِ ساقيهِ ولا جناحَ عليهِ فيما بينَه وبينَ الكعبينِ وما أسفلَ منْ ذلكَ ففي النارِ " (2) والإيمانُ بهِ - عليه السلام - يقتضي أنْ نمتثلَ أمرَه في لباسِنا بحيثُ لا يكونُ ثوبُ الرجلِ منَّا أسفلَ الكعبينِ (الجوزتين).
ج- قالَ صلى الله عليه وسلم: " لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عبادَ اللهِ إخواناً ولا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يهجرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ " (3) يدعونا النبيُّ الكريمُ صلى الله عليه وسلم إلى تركِ هذه الصفات واستجابتُنا له دليلٌ على إيمانِنا به.
6 - يقتضي الإيمانُ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم تحكيمَه في كلِّ شيءٍ و قدْ نفى اللهُ تعالى الإيمانَ عن الذي لم يحكِّمْ رسولَه الكريمَ صلى الله عليه وسلم حيثُ أقسمَ بنفسِه قائلاً:" فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"النساء65
__________
(1) 1 - رواه البخاري في صحيحه؛ ك: الإيمان، ب: علامة المنافق.
(2) 2 - رواه الإمام الربيع - رضي الله عنه - في مسنده الصحيح من طريق أبي سعيد الخدري برقم (272).
(3) 3 - رواه الإمام الربيع - رضي الله عنه - في مسنده الصحيح من طريق أنس بن مالك برقم (696). (1/43)
صفحة 41
وأخيراً هلْ تحبُّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم؟ إنْ كنتَ تحبُّه فعلاً وصدقاً فيجبُ عليكَ أنْ تتبعَه في كلِّ شيءٍ و أنْ تترسمَ خطاه و تقتفيَ أثرَه لتكونَ منْ حزبِ اللهِ المفلحينَ. (1/44)
صفحة 42
تَمْهِيْدٌ (1/45)
صفحة 43
سبقَ إخوتي أنَّ عبادةَ اللهِ لا بدَّ أنْ تكونَ بالطريقةِ التي شرعَها اللهُ لا بالكيفيةِ التي يختارُها الناسُ وقدْ بينَها اللهُ على ألسُنِ الأنبياءِ والمرسلينَ و في كتبِه التي أنزلَها عليهِم.
أيُّها الإخوةُ الكرامُ: ما أعظمَ إكرامَ اللهِ تعالى لبني البشرِ؛ إذ إنَّه جلَّ و علا تولى توجيهَهَم و إرشادَهم بنفسِه، و بيَّنَ لهمُ الحلالَ و الحرامَ، و النافعَ و الضارَ، و الخيرَ و الشرَّ؛ فيمَا أنزلَه من كتبٍ على خيرِ خلقِه و صفوةِ رسلِه.
أولاً: حكمُ الإيمانِ بالكتبِ
طالبَ العلمِ الشريفِ: افترضَ اللهُ تعالى على عبادِه أنْ يؤمنوا بالكتبِ التي أنزلَها وجعلَ ذلكَ ركناً منْ أركانِ الإيمانِ لا يعتبرُ الإنسانُ مؤمناً حتى يعتقدَ ذلكَ يقولُ اللهُ تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا "النساء136 هكذا قال ربنا جل وعلا وحكم بالكفر على من لا يؤمن بالكتب التي أنزلها و قال تعالى: " فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللهُ مِن كِتَابٍ"الشورى15
ثانياً: ما الكتبُ التي يجبُ أنْ نؤمنَ بها؟
أخي المؤمنُ: تعلَّمْ أنَّه يلزمُنا أنْ نؤمنَ بجميعِ الكتبِ التي أنزلَها اللهُ من غيرِ أنْ نحصرَها في عددٍ معيٍن سواءً علمْنا أسماءَها أو لم نعلمْ أسماءَها، والكتبُ التي عرفْنا أسماءَها يجبُ أنْ نصدقَ بها بعينِها وهيَ: 1 - التوراةُ (1/46)
صفحة 44
2 - الإنجيلُ .. يقو لُ اللهُ تعالى: " نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ "آل عمران3، 3 - الزبورُ قالَ سبحانَه: " وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا "، 4 - صحفُ إبراهيمَ وموسَى يقولُ تعالى: " إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى "الأعلى18 - 19،5 - القرآنُ الكريمُ يقولُ جلَّ و عَلا: " شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ "البقرة185.
- تنبيهٌ: أيُّها القراءُ الأعزةُ: يجبُ أنْ نعلمَ أنَّ اللهَ أنزلَ هذهِ الكتبَ ولكنَّ القومَ الذينَ أنزلتْ إليهمْ تصرفوا فيها وحرَّفوها وزادوا فيها ونقصوا منها فأثبتوا فيها الكفرَ والشركَ والخرافاتِ وغيرَها، فنحنُ نؤمنُ أنَّ اللهَ أنزلَها ولكنْ لم تبقَ كما أُنزِلتْ ويُستثنى منْها القرآنُ الكريمُ فهوَ محفوظٌ برعايةِ اللهِ تعالى القائلِ: " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ "الحجر 9.
ثالثاً: تخصيصُ القرآنِ بالإيمانِ
أخي المسلمُ: تعلَّمْ أنَّنا نحنُ المسلمينَ يجبُ علينَا أنْ نخصَّ القرآنَ الكريمَ بالإيمانِ لماذا؟ لأنَّه هو كتابُ الهدايةِ الذي أنزلَه اللهُ تعالى إلينا وخصَّنا به دونَ غيرِنا منَ الأممِ السابقةِ وهو الدستورُ الأعظمُ الذي يحوي كلَّ جوانبِ الحياةِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والسياسيةِ والدينيةِ والأخلاقيةِ والروحيةِ وغيرِها يقولُ تعالى:" مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ"الأنعام38، " مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" يوسف111.
جمعَ القرآنُ الكريمُ كلَّ خيرٍ لذلكَ جعلَه اللهُ إلى كلِّ خيرٍ منهجاً ومنْ كلِّ شرٍ مخرجاً يكفي في وصفِه ما رواه الإمامُ عليٌ بنُ أبي طالبٍ كرمَ اللهُ (1/47)
صفحة 45
وجهَه قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: " ستكونُ فتنٌ كقطعِ الليلِ المظلمَِ " قلتُ: وما المخرجُ منها يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: " كتابُ اللهِ تباركَ وتعالى فيهِ نبأُ منْ قبلَكم وخبرُ ما بعدَكم وحكمُ ما بينَكم هو الفصلُ ليسَ بالهزلِ منْ تركَه منْ جبارٍ قصمَه اللهُ ومنِ ابتغى الهدى في غيرِه أضلَه اللهُ هو حبلُ اللهِ المتينُ ونورُه المبينُ والذكرُ الحكيمُ وهو الصراطُ المستقيمُ وهوَ الذي لا تزيغُ بهِ الأهواءُ ولا تلتبسُ بهِ الألسنةُ ولا تتشعبُ معَه الآراءُ ولا يشبعُ منْه العلماءُ ولا يملُّه الأتقياءُ ولا يَخْلَقُ على كثرةِ الردِّ ولا تنقضي عجائبُه وهو الذي لمْ تنتَه الجنُّ إذ سمعتَه أنْ قالوا إنّا سمعْنا قرآناً عجباً منْ علمَ علمَه سبقَ ومنْ قالَ بهِ صدقَ ومنْ حكمَ بهِ عدلَ ومنْ عملَ بهِ أجرَ ومنْ دعا إليهِ فقدْ هديَ إلى صراطٍ مستقيمٍ " (1).
هذا هو القرآنُ " لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ"فصلت42، يقولُ العلامةُ أحمدُ بنُ حمدٍ الخليليُ: " والإيمانُ بما أنزلَ على النبيِّ يجبُ أنْ يكونَ إيماناً تفصيلياً، بحيثُ يقصدُ المؤمنُ بإيمانِه الكتابَ المنزلَ إليهِ للإعجازِ والهدايةِ الذي رقمَ في المصاحفِ وتناقلتْه الألسنةُ بالتواترِ، أمَّا الإيمانُ بما أنزلَ منْ قبلُ على سائرِ الرسلِ فيكفي أنْ يكونَ إيماناً إجمالياً، بلْ هذا هو الواجبُ نظراً إلى أنَّ المنزلَ إليهمْ لم يبقَ كما هو بلْ دخلَه التحريفُ والتبديلُ ... وثاني السببينِ أنَّ القرآنَ تعبدْنا بالعملِ بهِ بخلافِ تلكَ الكتبِ، فقد انتهى أمدُها وهيمنَ عليها جميعاً هذا الكتابُ
__________
(1) 1 - رواه الترمذي في سننه، و أحمد في مسنده؛ قال العلامة الخليلي حفظه الله: و مهما قيل في إسناد الحديث فإن البريق الذي يلمع من عباراته دليل على تألقه من مشكاة النبوة ... جواهر التفسير 1/ 4. (1/48)
صفحة 46
الخالدُ الذي لا أمدَ لأثرِه وهدايتِه، ولا يمكنُ العملُ بهِ إلا بعدَ تشخيصِه في الإيمانِ" (1).
رابعاً: كيفَ نؤمنُ بالقرآنِ؟
أخي العزيزُ: يجبُ على الإنسانِ أنْ يحققَ ثلاثةَ أشياءَ حتى يؤمنَ إيماناً صحيحاً بالقرآنِ الكريمِ و ذلكَ أنَّ الإيمانَ قولٌ و عملٌ و اعتقادٌ، و هيَ:
1 - أنْ يعتقدَ اعتقاداً جازماً صادقاً أنَّ القرآنَ كتابُ اللهِ تعالى أنزلَه على محمدٍ صلى الله عليه وسلم و أنَّه لا يأتيه الباطلُ منْ بينِ يديهِ و لا منْ خلفِه، و ليحذرِ الإنسانُ إنكارَ شيءٍ من آياتِه أو حروفِه و كلماتِه؛ لأنَّ ذلكَ مخرجٌ من الإيمانِ إلى الكفرِ.
2 - أنْ يصدقَ هذا الاعتقادَ بلسانِه وذلكَ يكونُ بتطبيقِ كتابِ اللهِ تعالى في كلِّ ما يقولُ، فلا ينطقُ بكلمةٍ تخالفُ القرآنَ أو بيَّنَ اللهُ تعالى حرمةَ الكلامِ بها في كتابِه، فلا يكذبُ ولا يغتابُ ولا ينمُّ ولا يفتي بغيرِ علمٍ ولا يقولُ أيَّ شيءٍ حرمَه اللهُ في القرآنِ.
3 - أنْ يصدقَ اعتقادَه بأفعالِه لأنَّ الإيمانَ بالقرآنِ يقتضي العملَ بهِ فالذي لا يعملُ بهِ ليسَ مؤمناً بهِ إيماناً كاملاً حقيقياً أليسَ كذلكَ أخي العزيزُ؟ يقولُ تعالى:" وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ "المائدة44 و قالَ:" وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ "المائدة45 و قالَ:" وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ "المائدة47؛ فيجبُ أنْ نمتثلَ كلَّ شيءٍ أوجبَ اللهُ فعلَه في كتابِه وأنْ نتركَ أيَّ شيءٍ حرّمَه اللهُ في كتابِه، وهلْ يكفي أنْ نعملَ ببعضِه دونَ بعضٍ؟ لا .. لأنَّ اللهَ حذرَ منْ ذلكَ قائلاً
__________
(1) 2 - جواهر التفسير /الشيخ العلامة الخليلي حفظه الله 3/ 200 - 201. (1/49)
صفحة 47
:" أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ"البقرة85.
خامساً: مظاهر الإيمان بالقرآن
إخوتي الكرامُ: يجبُ أنْ نعلمَ أنَّ العملَ جزءٌ منَ الإيمانِ بحيثُ لو انعدمَ العملُ بطلَ الإيمانُ يقولُ تعالى:" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ "الأنفال2 ... و الإيمانُ بالقرآنِ يجبُ أنْ يكونَ اعتقاداً وقولاً وعملاً ... فما علاماتُ صدقِ الذينَ آمنوا بالقرآنِ؟.
1 - العنايةُ بتعلُّمِ القرآنِ الكريمِ و تعليمِه امتثالاً لقولِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم: "علِّموا أولادَكمْ القرآنََ فإنَّه أولُ ما ينبغي أنْ يتعلمَ منْ علمِ اللهِ هوَ " (1).
أخي المسلمُ: ما رأيُك في المسلمِ الذي لا يعرفُ أنْ يتلوَ القرآنَ تلاوةً صحيحةً؟ أليسَ مقصراً في كتابِ اللهِ؟! و العجبُ منْ طالبٍ أنهى المرحلةَ الإعداديةَ وهوَ لا يحسنُ قراءتَه!.
2 - تلاوةُ القرآنِ الكريمِ وترتيلُه آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ قالَ تعالى:" أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا "الإسراء78 - 79.
__________
(1) 1 - رواه الإمام الربيع - رضي الله عنه - في مسنده الصحيح برقم (3). (1/50)
صفحة 48
3 - الاستماعُ إلى القرآنِ الكريمِ بإنصاتٍ و تدبرٍ يقولُ تعالى:" وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ "الأعراف204.
4 - الغيرةُ على كتابِ اللهِ تعالى منْ أنْ تمسَّه أيدي العابثين أو تقعَ فيه ألسنةُ الكافرينَ.
5 - التفكرُ و التدبرُ في آياتِه ومعانيه قالَ جلَّ و علا:" كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ"ص29، وقدْ أنكرَ اللهُ على الذينَ لا يتدبرونَ آياتِه قائلاً:" أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرً"النساء82
أخي المسلمُ: يروى أنَّ السلفَ الصالحَ كانوا إذا مرَّ أحدُهم بآيةٍ فيها ذكرُ الجنةِ بكى شوقاً إليها وإذا مرَّ بآيةٍ فيها ذكرُ النارِ شهقَ شهقةً كأنَّ زفيرَ جهنمَ في أذنيه، فالتفكرُ عندَ القراءةِ دليلٌ على اليقينِ والتصديقِ بما جاءَ في القرآنِ.
6 - تحكيمُ كتابِ اللهِ تعالى في كلِّ شؤونِ الحياةِ بحيثُ لا يقدمُ الإنسانُ حكماً على كتابِ اللهِ لأنَّ حكمَ القرآنِ هوَ حكمُ اللهِ" وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ "المائدة44، وقدْ وبخَ اللهُ سبحانَه الذين ادعوا الإيمانَ بالقرآنِ ثم همُّوا بأنْ يتحاكموا إلى غيرِه حيثُ قالَ: " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا"النساء60، وقدْ كانَ السلفُ الصالحُ لا يقدمون حكماً على حكمِ اللهِ، كما كانوا يعدون مجانبةَ شيءٍ من هديه منافياً للإيمانِ به كما قالتْ أمُّ المؤمنين عائشةُ ـ رضي الله عنها ـ عندما أبصرتْ امرأةً عليها (1/51)
صفحة 49
ثيابٌ رِقَاقٌ: " ما آمنَتْ بسُورَةِ النُّورِ امرأةٌ لبِسَتْ هذهِ الثِّيَابَ " قالَ الشيخُ العلامةُ الخليليُ ـ حفظه اللهُ ـ: " فأَعْجَبُ لأولئكَ الذينَ يَزعُمُونَ أنَّهمْ منْ أمةِ القرآنِ وهم يرتعونَ في المعاصي غيرَ مبالينَ بخُلُقٍ و لا فضيلةٍ و لا شرفٍ ما قيمةُ إيمانِ هؤلاءِ بالقرآنِ؟! " (1).
7 - التسليمُ المطلقُ لأحكامِ القرآنِ في جميعِ مجالاتِ الحياةِ يقولُ العلامةُ الخليليُ ـ حفظه اللهُ ـ: " إنَّ القرآنَ الكريمَ مليءٌ بأوامرِ اللهِ الموجهةِ إلى عبادِه منها ما يتعلقُ بالحياةِ الفكريةِ ومنها ما يتعلقُ بالشعائرِ التعبديةِ ومنها ما يتعلقُ بالشؤونِ السياسيةِ ومنها ما يتعلقُ بالنظمِ الاقتصاديةِ ومنها ما يتعلقُ بالواجباتِ الاجتماعيةِ ومنها ما يتعلقُ بالأحكامِ القانونيةِ و الواجبُ على منْ آمنَ به أنْ يسلمَ تسليماً لذلكَ كلِّه وينقادَ له بفكرِه ومشاعرِه وجوارحِه " (2).
أخي المسلمُ: لعلَّك سمعتَ عن الصحابةِ الكرامِ عندَما أنزلَ اللهُ تحريمَ الخمرِ في قولِه:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَ الأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "المائدة90 كيفَ سلموا لأمرِ اللهِ منْ غيرِ نقاشٍ ولا جدالٍ معَ أنَّ الخمرَ كانتْ جزءً منْ حياتِهم وهكذا في كلِّ ما دعاهمْ إليه القرآنُ.
أخي العزيزُ: انتبهْ: ما رأيُك لو جعلْنا الميزانَ في الحياةِ القرآنَ، والمقياسَ في الأمورِ كتابَ اللهِ، ألا نسعدُ في الدنيا و نفوزُ بنعيمِ الآخرةِ؟
أيها المسلمونَ الأعزةُ: هلْ تعلمون أنًّ سببَ ضعفِ هذه الأمةِ وهوانِها على الناسِ و ذلتِها بينَ الأممِ هو ابتعادُها عن كتابِ ربِها؟ يقولُ المفكرُ
__________
(1) 1 - جواهر التفسير / العلامة المحقق أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله 2/ 203.
(2) 2 - المرجع السابق 2/ 204. (1/52)
صفحة 50
الإسلاميُ العملاقُ أحمدُ بنُ حمدٍ الخليلي ـ حفظه اللهُ ـ: " وعندَما أخذَ المسلمون وفي مقدمتِهم العربُ ينأون عن القرآنِ وهدايتِه ويتبعون السبلَ المتفرقةَ كانتْ النكسةُ الأليمةُ التي أصيبتْ بها الإنسانيةُ كلُّها إذْ أخذتْ الجاهليةُ الحديثةُ بزمامِ قافلةِ البشريةِ تقودُها إلى حافةِ الانتحارِ والمسلمون أنفسُهم منْ ضمنِ الركبِ " لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً " بل المسلمون صاروا بانحرافِهم عن طريقِ القرآنِ منْ أشدِّ الناسِ شقاءً و أتعسَهم حالةً وألبسَهم للذلِّ و أوغلَهم في التخلفِ ولا غروَ فقدْ أفلتوا سببَ العزِّ منْ أيديهم وتفرقتْ بهم السبلُ بضلالِهم عنْ سبيلِ اللهِ واستولتْ على عقولِهم الظلماتُ لتعامِيهم عنْ نورِه المبينِ فاختلتْ نتيجةُ ذلكَ عندَهم الموازينُ وتبدلتِ المقاييسُ فأصبحَ المعروفُ عندَهم منكراً والمنكرٍُ معروفاً والحقُّ باطلاً والباطلُ حقاً والفضيلةُ رذيلةً والرذيلةُ فضيلةً والعزُّ ذلاً والذلُّ عزاً لأنهم لم يأخذوا بموازينِ القرآنِ ولم يستخرجوا منه موازينَ الأمورِ وإذا تليَ عليهم القرآنُ و ذكِّروا بآياتِه خرُّوا عليها صماً وعمياناً واستعاضوا عنْ صوتِ القرآنِ أصواتَ القيانِ ومزاميرَ الشيطانِ ... " (1).
أخي العزيزُ: نصيحتي إليكَ أنْ تجعلَ كتابَ اللهِ دستورَ حياتِك ونورَ هدايتِك ومصباحَ ظلامِك " الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ"إبراهيم1؛ فكنْ أخي منَ الذينَ أخرجَهم القرآنُ من الظلماتِ إلى النورِ و منَ الغيِّ إلى الرشدِ.
(
__________
(1) 1 - جواهر التفسير / بدر الدين الخليلي حفظه الله 1/ 10. (1/53)
صفحة 51
تَمْهِيْدٌ
أيها القارئُ العزيزُ: يقتضي الإيمانُ الصحيحُ أنْ يسلمَ الإنسانُ لكلِّ ما أخبرَ اللهُ عنه سواءً كانَ في عالمِ الشهادةِ أو عالمِ الغيبِ ولا يؤمنُ بعالمِ الغيبِ إلا منْ استسلمَ استسلاماً مطلقاً للهِ سبحانَه وتعالى.
إنًّ اللهَ تعالى دعانَا أنْ نؤمنَ بعالمِ الملائكةِ وجعلَه ركناً منْ أركانِ الإيمانِ لا يصحُّ الإيمانُ إلا به إذا قامتْ الحجةُ على المكلفِ.
أولاً: حكمُ الإيمانِ بالملائكةِ.
طالبَ العلمِ الشريفِ: تعلَّمْ أنًّ الإيمانَ بالملائكةِ أساسٌ من أسسِ الهدايةِ و واجبٌ على كلِّ مسلمٍ أنْ يعتقدَ اعتقاداً جازماً بوجودِهم وأنهم خلقٌ للهِ تعالى (1/55)
صفحة 52
وأنْ يقرَّ ويصدقَ بهمْ يقولُ اللهُ تعالى:" آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ... "البقرة285 وبين تعالى أن جحدهم و الكفر بهم ضلال مبين:" وَمَن يَكْفُرْ بِالله ِوَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا"النساء136.
ثانياً: صفاتُ الملائكةِ.
إنَّ الملائكةَ منْ أعظمِ مخلوقاتِ اللهِ تعالى و قدْ جاءَ في الحديثِ ما يدلُّ على أنهم مخلوقون من نورٍ (1)، لهمْ قدرةٌ على التشكلِ كما قالَ تعالى عنْ جبريلَ - عليه السلام - عندَما أتى مريمَ عليها السلامُ " فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا"مريم17 و قالَ النبيُ صلى الله عليه وسلم: " و أحياناً يتمثلُ لي الملكُ رجلاً فيكلمُني فأعيْ ما يقولُ " (2) و قولِه في جبريلَ - عليه السلام -:" لم أرَه في صورتِه التي خلقَه اللهُ عليها إلا مرتينِ، رأيتُه منهبطاً منَ السماءِ ساداً عظمَ خلقِه ما بينَ السماءِ و الأرضِ " (3).
- إخوتي الكرامُ: إنَّ الملائكةَ خلقٌ عظيمٌ لهمْ أجسادٌ عظيمةٌ، وطاقاتٌ هائلةٌ ولهمْ أجنحةٌ، يقولُ اللهُ تعالى:" الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "فاطر1.
__________
(1) 1 - رواه الإمام مسلم في صحيحه، ك: الفتن، ب: في أحاديث متفرقة.
(2) 2 - رواه الإمام الربيع - رضي الله عنه - في مسنده من طريق عائشة برقم (2).
(3) 1 - رواه البخاري / ك: التفسير؛ ب: سورة النجم، و مسلم / ك: الإيمان؛ ب: معنى: و لقد رآه نزلة أخرى. (1/56)
صفحة 53
- يتصفون بالقوةِ يقولُ تعالى عنْ جبريلَ - عليه السلام -:" إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ "الشمس19 - 20، ولعلًّك سمعتَ أخي العزيزُ ما جاءَ في الحديثِ عن مسروقٍ قالَ: كنتُ عندَ عائشةَ فقلتُ: أليسَ اللهُ يقولُ: " ولقدْ رآه بالأفقِ المبينِ" " ولقدْ رآه نزلةً أخرى " قالتْ: أنا أولُ هذه الأمةِ سألَ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ فقالَ: إنَّما ذلك جبريلُ لم يرَه في صورتِه التي خلقَ عليها إلا مرتين، رآه منهبطاً من السماءِ إلى الأرضِ ساداً عظمَ خلقِه ما بينَ السماءِ والأرضِ " (1) سبحانَ اللهِ ... ملكٌ واحدٌ بهذه العظمةِ يسدُّ عظمُ خلقِه الفضاءَ ويملأُ ما بينَ الأرضِ و السماءِ إنَّ هذا أيها الإخوةُ يدعو إلى التفكرِ والاعتبارِ في قدرةِ الجبارِ كيفَ لا وهذا الملكُ معَ هذه العظمةِ خاضعٌ طائعٌ لا يعصي اللهَ تعالى في أمرٍ ولا يخالفُه في شيءٍ.
أخي العزيزُ: إنَّ الإنسانَ من أضعفِ المخلوقاتِ والعجبُ أنه يخرجُ عنْ طاعةِ اللهِ تعالى ويستكبرُ عنْ عبادتِه ويعصيه ولكنْ لنتعظَ بما عليه الملائكةُ المقربون.
- تعلَّمْ أن الملائكةَ لا يوصفون بذكوريةٍ ولا أنوثيةٍ وقد أنكرَ اللهُ على الذين قالوا بأنهم إناثٌ قائلاً:" أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا"الإسراء40.
- ومن صفاتِهم أنهم لا يأكلون ولا يشربون و لا يتعبون و لا ينامون و لا يفرزون الفضلاتِ الطبيعيةَ و لا يتناكحون و لا يتناسلون.
- يتصفُ الملائكةُ بطاعتِهم المطلقةِ لأوامرِ اللهِ وعدمِ مخالفةِ أمرِه " لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ "التحريم6.
__________
(1) 2 - رواه البخاري في صحيحه ك: التفسير، و مسلم في صحيحه ك: الإيمان. (1/57)
صفحة 54
- منْ صفاتِ الملائكةِ أيضاً الخوفُ من اللهِ " يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"النحل50.
ثالثاً: خصائصُ الملائكةِ وأعمالُهم
أيها القراءُ الأعزةُ: إنَّ اللهَ تعالى خلقَ كلَّ شيءٍ لغايةٍ وهدفٍ أليسَ كذلكَ؟ وكلفَ كلَّ مخلوقٍ بعملٍ معينٍ حتى يسيرَ الكونُ سيراً معتدلاً ويا تُرى ما أعمالُ الملائكةِ التي أوكلَها اللهُ إليهم؟
1 - عبادةُ اللهِ تعالى وتسبيحُه والثناءُ عليه يقالُ بأنَّ منهم الساجدَ ومنهم الراكعَ ومنهم غيرَ ذلك يقولُ تعالى:"وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"الزمر75 وذكرَ اللهُ عنهم بأنهم لا يفترون عن عبادتِه و تسبيحِه " يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ "الأنبياء20.
2 - تعلَّمْ أخي أنَّ من أعظمِ المخلوقاتِ العرشَ و أنَّ حملةَ العرشِ من الملائكةِ الكرامِ يقولُ تعالى: " وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ "الحاقة17.
3 - تصورْ أخي العزيزُ أنَّ أحداً من الملائكةِ المقربين يستغفرُ لكَ أو يدعو لك إنّه لشرفٌ عظيمٌ ولكنْ لا بدَّ من الإيمانِ يقولُ تعالى:" الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ "غافر7.
4 - أخي العزيزُ: هلْ تعلمُ أنَّ خزنةَ النارِ من الملائكةِ الشدادِ الذين لا يعصون اللهَ تعالى و يكرهون كلَّ منْ يخالفُه؟ يقولُ تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ (1/58)
صفحة 55
آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ" التحريم6، وقدْ بينَ اللهُ تعالى أنًّ أهلَ النارِ يستغيثون بخزنةِ جهنمَ ولكنَّهم لا يلتفتون إلى نداءِهم " وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ "غافر49 - 50.
5 - واعلمْ أنَّ هناكَ ملائكةً خزنةٌ للجنةِ وهم يختلفون عن الملائكةِ السابقين حيثُ إنهم يستقبلون المؤمنين بالبشرى والكلامِ الحسنِ يقولُ تعالى:" وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ "الزمر79.
6 - أخي الكريمُ: هلْ تعلمُ أنَّ هناكَ من الملائكةِ منْ يكونُ معَك في أيِّ مكانٍ وكلِّ زمانٍ لا يفارقُك أبداً يكتبُ كلَّ حركاتِك و سكناتِك ويدوِّنُ جميعَ أقوالِك و أفعالِك؟ قالَ اللهُ تعالى:" عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد ٌ"ق17 - 18 وقال:" وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ "الإنفطار10 - 11.
7 - أوكلَ اللهُ إلى فئةٍ منهمْ قبضَ أرواحِ المخلوقاتِ ومن بينِها أرواحُ بني البشرِ ويعاملون الإنسانَ حسبَ استقامتِه وإيمانِه:
أ- الكافرُ أو الفاسقُ ـــ ينزعون روحَه بقسوةٍ وعنفٍ قالَ تعالى:" وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ"الأنفال50.
ب- المؤمنُ الصالحُ ـــ يأخذون روحَه بلطفٍ ولينٍ قالَ تعالى:" الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ (1/59)
صفحة 56
تَعْمَلُونَ"النحل32 ... 8 - هلْ تعلمُ أخي أنَّ الملائكةَ همْ صلةُ الوصلِ بينَ الأرضِ والسماءِ؟ إنَّ جبريلَ - عليه السلام - كانَ صاحبَ هذه الوظيفةِ قالَ تعالى:" وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ"الشورى51؛ فهو الذي ينزلُ بخبرِ السماءِ على الرُّسلِ و الأنبياءِ.
رابعاً: آثارُ الإيمانِ بالملائكةِ
أيها الإخوةُ الكرامُ: إن الإيمانَ بالملائكةِ إيمانٌ بالغيبِ وتصديقٌ للهِ تعالى الذي أخبرَ بذلكَ، والإنسانُ الضعيفُ يتأثرُ سلوكُه إذا آمنَ صدقاً بالملائكةِ ويكونُ ذلك إذا علمَ ما يلي:
1 - أنَّ الملائكةَ لا يعصون اللهَ معَ ما آتاهم من القوةِ والقدرةِ و هذا يدعو الواحدَ منا إلى الخشيةِ من اللهِ تعالى والخوفِ من أليمِ بطشِه وعقابِه؟ فيكونُ بعيداً عن المعاصي والسيئاتِ.
2 - أنَّ الملائكةَ يذكرون اللهَ ولا ينقطعون عن عبادتِه وهذا يشجعُ المؤمنَ أنْ يقتديَ بهم ويسعى إلى تربيةِ نفسِه على ذكرِ اللهِ ليلَ نهارَ.
3 - أنًّ الملائكةَ يطبقون جميعَ أوامرِ اللهِِ وهذا يحثُّ المسلمَ على فعلِ كلِّ ما أوجبَه اللهُ ودعا إليه.
4 - أنَّ الملائكةَ معَ طاعتِهم المطلقةِ لربِهم أمرهم اللهُ أنْ يسجدوا لآدمَ أبي البشرِ - عليه السلام - فلم يترددوا في امتثالِ أمرِه وهذا يبينُ للإنسانِ مكانتَه عندَ اللهِ تعالى إذا التزمَ بمنهجِ اللهِ أما إذا انحرفَ عن الاستقامةِ فهو في أسفلِ سافلين. (1/60)
صفحة 57
5 - إنَّ الإيمانَ بالملائكةِ يقتضي مراقبةَ النفسِ و محاسبتَها على كلِّ دقيقةٍ و جليلةٍ لأنَّ الملائكةَ تلحظُه في كلِّ أوقاتِه، تسجلُ جميعَ أعمالِه، و إذا كانَ الإنسانُ من شأنِه أنْ يرهبَ و يخشى مراقبةَ مخلوقين مثلَه كمراقبةِ أصحابِ المخابراتِ فكيفَ وهو يشعرُ بمراقبةِ الملائكةِ الكرامِ الكاتبين الذين لا يخفى عليهمْ شيءٌ مما يأتي؟ لأنَّ اللهَ تعالى مكنَهم منْ ذلكَ، فجديرٌ بالإنسانِ أنْ يستشعرَ معَ إيمانِه بالملائكةِ الخوفَ من هذه المراقبةِ الدقيقةِ، و أن يحرصَ ألا ينقلبَ الملائكةُ إلى اللهِ تعالى إلا بصحائفَ بيضاءَ من أعمالِه الصالحةِ (1).
6 - قالَ اللهُ تعالى على لسانِ الملائكةِ:" قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ "البقرة32؛ ما أعظمَ هذا الموقفَ إذْ إنَّ الملائكةَ الكرامَ لم يتجرءوا أن يقولوا ما لا يعلمون؛ فأينَ أولئكَ الذين يُفتونَ بغيرِ علمٍ و يفترونَ على اللهِ ما لا يعلمون؟
7 - أخي العزيزُ: لعلًّك رأيتَ الكثيرَ من الأعمالِ يكونُ للإيمانِ بالملائكةِ دورٌ في أدائِها والمحافظةِ عليها منْ ذلكَ:
أ- طلَبُ العلمِ يقولُ النبيُ صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها لطالبِ العلمِ رضاً لما يطلبُ" (2).
ب- التَبْكِيْرُ يومَ الجُمُعَةِ إلى المسجدِ يقولُ النَّبي صلى الله عليه وسلم: " إذا كانَ يومُ الجمعةِ كانَ على كلِّ بابٍ منْ أبوابِ المسجدِ ملائكةٌ يكتبونَ الناسَ على منازلِهم الأوَّلَ فالأوَّلَ فإذا خرجَ الإمامُ طويتْ الصُحُفَ و استمعُوا الخطبَ " (3) .. إلخ، فالإيمانُ بالملائكةِ يبعثُ على العملِ الصالحِ.
ج- حضورُ مجالسِ الذكرِ يقولُ النبي صلى الله عليه وسلم:" و ما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ منْ بيوتِ اللهِ يتلونَ كتابَ اللهِ و يتدارسونهُ بينهمْ إلا نزلتْ عليهمُ السكينةُ و غشيتْهمُ الرحمةُ و حفتْهمُ الملائكةُ و ذكرهمُ اللهُ فيمنْ عندَه " (4).
__________
(1) 1 - جوهر الإيمان / الشيخ العلامة الخليلي حفظه الله / ص15 (بتصرف).
(2) 2 - رواه الإمام الربيع - رضي الله عنه - من طريق أنس بن مالك برقم (19).
(3) 3 - رواه البخاري؛ ك: الجمعة؛ ب: الاستماع إلى الخطبة، و النسائي في السنن؛ ك: الجمعة؛ ب: التبكير.
(4) 4 - رواه أبو داود في السنن؛ ك: الصلاة؛ ب: في ثواب قراءة القرآن. (1/61)
صفحة 58
تَمْهِيْدٌ
أخي المسلمُ: تعلَّمْ أنه يجبُ علينا أنْ نؤمنَ بالغيبِ و أنْ نستسلمَ لكلِّ ما أخبرَ اللهُ عنه استسلاماً مطلقاً وأنْ نجزمَ بصدقِ ما بينَه اللهُ تعالى لنا في كتابِه أو على لسانِ أحدِ أنبيائِه لأنَّ الإيمانَ بالغيبِ صفةٌ من صفاتِ المتقين " الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ (1/62)
صفحة 59
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ "البقرة1 - 3، و لا يخفى أنّ القضاءَ و القدرَ أمران متعلقان بالغيبِ؛ فالإنسانُ لا يعلمُ ما قضى اللهُ له في حياتِه و لا ما قدرَ له بعدَ وفاتِه.
أَوَّلاً: ما مَعْنَى القَضَاءِ وَالقَدَرِ؟
أ) المعنى اللغويُّ:
- القَضَاءُ: يأتي لعدةِ معانٍ منها الخلقُ كقولِه تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) فصلت12 ويردُ بمعنى الحكمِ مثلُ قولِه تعالى:" إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"يونس93 ويأتي بمعنى الأمر " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا"الإسراء23
- القَدَرُ: وردَ القدرُ لمعانٍ منها الخلقُ كقولِه تعالى:" وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى"الأعلى3 ومنها التقديرُ كقولِه:" وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ"المؤمنون18.
ب) المعنى الاصطلاحيُّ:
- القضاءُ: هو عبارةٌ عنْ وجودِ المكوَّنات في اللوحِ إجمالاً، أو هو إيجادُ جميعِ الكائناتِ إجمالاً في اللوحِ المحفوظِ وفي علمِ اللهِ تعالى (1)، أو هو إثباتُ الأشياءِ في اللوحِ إجمالاً (2).
- القدرُ: هو "عبارةٌ عنْ وجودِ المكوَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّناتِ في الموادِ تفصيلاً، أو إيجادُ جميعِ الكائناتِ تفصيلاً في الموادِ الخارجيةِ واحداً بعدَ آخرَ قال تعالى:" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ "الحجر21 " (3)، أو هو "إيجادُ الأشياءِ في الموادِ تفصيلاً " (4).
ثانياً: حُكْمُ الإيمَانِ بِالقَضَاءِ والقَدَرِ
أخي المسلمُ: اعلمْ أنَّ الإيمانَ بالقضاءِ والقدرِ ركنٌ من أركانِ الإيمانِ يجبُ أن يؤمنَ به الإنسانُ ويجزمَ أنَّ كلَّ شيءٍ بقضاءِ اللهِ وقدرِه وأنه لا يحدثُ شيءٌ في الوجودِ إلا بإرادةِ اللهِ ومشيئتِه وأنَّ الإنسانَ لا يصابُ بخيرٍ و لا شرٍّ إلا بقضاءِ اللهِ وقدرِه.
ثالثاً: الأدلةُ على وجوبِ الإيمانِ بالقضاءِ و القدرِ
سُئِلَ النبيُ صلى الله عليه وسلم عن الإيمانِ فقالَ: " الإيمانُ أنْ تؤمنَ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليومِ الآخرِ والقدرِ خيرِه وشرِّه أنَّه من اللهِ " (5).
و روى الإمامُ الربيعُ بنُ حبيبٍ ـ رحمَه اللهُ ـ عنْ عبادةَ بنِ الصامتِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إنكَ لنْ تجدَ ولنَ تؤمنَ وتبلغَ حقيقةَ الإيمانِ حتى تؤمنَ بالقدرِ خيرِه وشرِّه أنه من اللهِ " قالَ قلتُ يا رسولَ اللهِ: وكيفَ لي أنْ أعلمَ خيرَ القدرِ وشرَّه؟ قالَ: تعلمُ أنّ ما أصابَك لم يكنْ ليخطئَك وما أخطأَك لم يكنْ ليصيبَك فإنْ مِتَّ على غيرِ ذلكَ دخلتَ النارَ " (6) قالَ الإمامُ السالميُ رضي الله عنه: قولُه (ولنْ تؤمنَ وتبلغَ حقيقةَ الإيمانِ) أيْ لنْ تصلَ إلى حقيقتِه الواجبةِ شرعاً إلا بذلكَ لأنّ الإيمانَ بالقدرِ
__________
(1) 1 - شرح الجامع الصحيح /الإمام السالمي - رضي الله عنه - 1/ 122.
(2) 2 - شرح غاية المراد / الشيخ أحمد الخليلي – حفظه الله - / ص78.
(3) 1 - البهجة /الإمام السالمي - رضي الله عنه - /114.
(4) 2 - شرح الغاية/العلامة المحقق الخليلي حفظه الله (78).
(5) 3 - سبق تخريجه ص33.
(6) 4 - رواه الإمام الربيع - رضي الله عنه - في مسنده من طريق عبادة بن الصامت برقم (72). (1/64)
صفحة 60
جزٌْ من الإيمانِ الكلي وإذا انتفى جزءُ الحقيقةِ انتفتْ الحقيقةُ كلُّها، (وقولُه حتى تؤمنَ بالقدرِ خيرِه وشرِّه) أيْ حتى تصدقَ أنّ ذلكَ كلَّه من اللهِ تعالى وأنّه ليسَ للعبدِ فيه إلا الكسبُ فبالكسبِ يثابُ وعليه يعاقبُ " (1).
رابعاً: ارتباطُ القضاءِ والقدرِ بالإيمانِ باللهِ تعَََالى
أخي المسلمُ: إنّ الإيمانَ بالقضاءِ والقدرِ عقيدةٌ من العقائدِ التي أسسَها الإسلامُ على الإيمانِ باللهِ عزّ و جلّ وبناها على المعرفةِ الصحيحةِ لذاتِه العليا، والإيمانُ بالقضاءِ والقدرِ جزءٌ من الإيمانِ بالغيبِ و" مفهومُ الغيبِ يصدقُ على كلِّ ما غابَ عن الحواسِ سواءً اهتدى إليه الإنسانُ بعقلِه أو دلَّه عليه دليلُ الوحي" (2).
أخي المسلمُ: اعلمْ أنّ قوةَ الإيمانِ بالقضاءِ والقدرِ تتعلقُ بقوةِ الإيمانِ ببعضِ صفاتِ اللهِ تعالى لذا فمن أدرك حقيقة هذه الصفات ووعى معناها وصل إلى الإيمان بقضاء الله و قدره و هي:
1. العلمُ الواسعُ ... 2. الإرادةُ المطلقةُ ... 3. القدرةُ الكاملةُ 4. الخلقُ
•العلمُ الواسعُ
إنَّ اللهَ تعالى يعلمُ ما كانَ، وما يكونُ، وما لم يكنْ لو كانَ كيفَ يكونُ فمثلاً: يعلمُ أنّ زيداً سيكونُ طائعاً فيقدرُ له أسبابَ الطاعةِ ويعلمُ أنّ عمراً سيكونُ عاصياً فيقدرُ
له أسبابَ ذلك من غيرِ إكراهٍ لأحدِهما و لكنْ بناءً على ما سبقَ من علمِه الشاملِ
__________
(1) 1 - شرح الجامع/الإمام السالمي - رضي الله عنه - 2/ 124.
(2) 2 - جواهر التفسير/العلامة الخليلي حفظه الله 2/ 134. (1/65)
صفحة 61
بما سيكونُ عليه كلٌّ منْهما.
•الإرادةُ المطلقةُ
اللهُ عزَّ و جلَّ يحكمُ ما يريدُ و يفعلُ ما يشاءُ لا رادَّ لحكمِه و لا معقبَ لقضائِه لذلك فإنّ كلَّ عملٍ يفعلُه الإنسانُ من خيرٍ أو شرٍّ لا يخرجُ عن إرادةِ اللهِ تعالى المطلقةِ.
•القدرةُ الكاملةُ
إنّ اللهَ تعالى قادرٌ على كلِّ شيءٍ " إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"البقرة20 فلا يمكنُ أنْ يعملَ الإنسانُ عملاً بقدرتِه المستقلةِ ولكنْ بقدرةِ اللهِ تعالى التي تخلقُ الفعلَ و تهيأُ الأسبابَ للإنسانِ لما يريدُ أنْ يعملَه قبلَ كسبِه.
•الخلقُ
إنّ اللهَ تعالى خالقُ كلِّ شيءٍ حتى الحركاتِ و السكناتِ و الأقوالِ و الأفعالِ و الطاعاتِ والمعاصي ثم يكتسبُها بنو البشرِ فيترتبُ على اكتسابِهم الاختياري الثوابُ والعقابُ؛ و لذلكَ لا يتصورُ أنْ يكونَ الإنسانُ خالقاً لأي شيءٍ.
خامساً: الإنسانُ بينَ الجبرِ والتخييرِ
أيها المؤمنُ العزيزُ:
- هل الإنسانُ مجبرٌ على كلِّ شيءٍ؟ أمْ هو مخيرٌ في كلِّ شيءٍ؟ أمْ هو بينَ الجبرِ والتخييرِ؟
- هل الإنسانُ مخيرٌ بينَ الإيمانِ والكفرِ؟ أمْ هو مجبرٌ على أحدِهما؟
- هل الإنسانُ مجبرٌ على فعلِ المعاصي وارتكابِ الذنوبِ؟ أمْ هو مخيرٌ في فعلِها أو تركِها؟ (1/67)
صفحة 62
- هل الإنسانُ هوَ الذي خلقَ أفعالَه (أفعالَ الخيرِ وأفعالَ الشرِّ)؟ أمْ أنّ اللهَ هوَ الذي خلقَها؟
إذا كانَ الإنسانُ خالقَها فهل هناكَ خالقٌ غيرُ اللهِ؟! وأينَ الإرادةُ المطلقةُ والقدرةُ الكاملةُ للهِ تعالى؟! وإنْ كانَ خالقَها اللهُ سبحانَه وتعالى فلماذا يعاقبُ الإنسانَ عليها؟!
أخي العزيزُ: لعلّكَ حدثَتْكَ نفسُك عن الأسئلةِ السابقةِ أو عنْ شيءٍ منها فلذلكَ لنكنْ معاً مستعينينَ باللهِ تعالى في الجوابِ عليها.
أخي القارئُ: اعلمْ أنّ القضاءَ والقدرَ يتعلقانِ بوقائعِ الحياةِ وأحداثِها وأعمالِ الناسِ وتصرفاتِهم على نوعينِ واضحينِ متميزينِ لكلِّ نوعٍ منهما حكمُه الخاصُ وآثارُه المترتبةُ عليه وهما:
1 - قضاءُ اللهِ وقدرُه الجبريُ الذي لا اختيارَ لأحدٍ من الناسِ فيه.
2 - قضاءُ اللهِ وقدرُه الذي جعلَ الاختيارَ فيه للإنسانِ ورتبَ عليه الثوابَ والعقابَ.
أولاً: قضاءُ اللهِ وقدرُه الجبريُ الذي لا اختيارَ لأحدٍ من الناسِ فيه و يظهرُ في أمورٍ منها:
- العقولُ وتفاوتُ القدراتِ (منْ حيثُ الذكاءُ و الغباءُ، والحفظُ والفهمُ وغيرُها).
- الطولُ والقصرُ.
- الهدوءُ والعنفُ.
- الجمالُ والقبحُ.
- زمانُ الولادةِ والنهايةِ ومكانهُما. (1/68)
صفحة 63
- الجنسُ (ذكرٌ أو أنثى).
- الحياةُ والموتُ، الصحةُ والمرضُ، السعةُ والضيقُ وهكذا.
ويدلُّ على هذا النوعِ من القضاءِ والقدرِ القرآنُ الكريمُ كقولِه تعالى" إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم ُ"آل عمران5 - 6 وقولِه تعالى: " وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ "القصص68؛ فيجبُ على المؤمنِ أنْ يجزمَ ويعتقدَ أنّ هذهِ الأمورَ مسلمٌ بها مفرقةٌ على أصحابِها منْ قديمٍ .. جفتِ الأقلامُ بها فلا رادَّ لها واللهُ وحدَه هو الذي ينفذُها في خلقِه كما يشاءُ و كما يريدُ لا قدرةَ لهمْ و لا اختيارَ (1).
ثانياً: قضاءُ اللهِ وقدرُه الاختياريُ (أيْ جعلَ الاختيارُ فيهِ للإنسانِ).
أخي المؤمنُ: تعلّمْ أنّ حكمةَ المولى جلّ وعلا اقتضتْ أنْ يجعلَ للإنسانِ الاختيارَ في أمورٍ- و هيَ لا تخرجُ عن قضاءِه وقدرِه - منْها:
- الإيمانُ والكفرُ.
- الطاعةُ والعصيانُ.
- الاستقامةُ والانحرافُ.
- أكلُ الحلالِ أو الحرامِ.
- الجدُّ والاجتهادُ أو التقصيرُ والإهمالُ.
- اختيارُ الزوجِ ....... وغيرُها.
__________
(1) 1 - عقيدة المسلم / الغزالي / 107، بتصرف. (1/69)
صفحة 64
وقدْ ثبتَ هذا النوعُ بالدليلِ القرآني أيضاً فاللهُ تعالى يقولُ:"فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ"الكهف29، و يقولُ:" قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ"يونس108 و يقولُ تعالى: " منْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ"النساء80 و يقولُ:" وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِين ٌ"النساء14، و يقولُ: " وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى"فصلت17 و قالَ:" لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ "التكوير28.
أخي المسلمُ: لو تأمَّلتَ في الآياتِ السابقةِ لعلمتَ أنّ اللهَ تعالى قدْ جعلَ اختيارَ الإيمانِ والكفرِ و الهدايةِ والضلالةِ والطاعةِ والمعصيةِ بيدِ الإنسانِ فيجبُ علينا أخي المسلمُ أنْ نؤمنَ بذلكَ.
نتائجُ لمَا سبقَ
- القضاءُ والقدرُ نوعان جبريٌ واختياريٌ.
- يعيشُ الإنسانُ بينَ الجبرِ والاختيارِ.
- الإنسانُ ليسَ مجبراً على الإيمانِ أو الكفرِ و لا على الطاعةِ أو العصيانِ ولكنّه مخيرٌ بينَها.
- يترتبُ الثوابُ والعقابُ على النوعِ الثاني منَ القضاءِ والقدرِ و هوَ الذي جُعلَ الاختيارُ فيه للإنسانِ، أما النوعُ الأولُ فلا يترتبُ عليه ثوابٌ ولا عقابٌ فمثلاً لا يعذبُ الإنسانُ على طولِه أو قصرِه ولا يعاقبُ على الزمنِ الذي خلقَ فيه وهكذا، و لكنّه يعاقبُ على تركِ الواجباتِ و فعلِ المحرماتِ لأنّها مسرحٌ للاختيارِ.
أخي العزيزُ: هل الإنسانُ هوَ الذي خلقَ أفعالَه؟ والجوابُ لا وإنّما خالقُها اللهُ سبحانَه وتعالى لأنّه لا خالقَ سواه فهوَ القائلُ: " قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ"الرعد16 و قدْ بينَ اللهُ تعالى أنّه خالقٌ للإنسانِ وأعمالِه:" و اللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ "الصافات 96 و بذلكَ نقطعُ أنّه لا خالقَ غيرُ اللهِ جلّ وعلا ..... و لذلكَ لا يحدثُ شيءٌ في الكونِ إلا بقدرةِ اللهِ وإرادتِه و لا يقعُ فعلٌ إلا وربُنا له مقدرٌ.
و هنَا يتبادرُ إلى الذهنِ سؤالٌ ــ إذا كانَ خالقُ أفعالِ الإنسانِ (الخيرِ أو الشرِّ، الطاعةِ أو المعصيةِ ... إلخ) هوَ اللهُ تعالى فلماذا يعاقبُه عليها؟!
أخي المؤمنُ: علمتَ فيما سبقَ أنّ الإنسانَ مخيرٌ بينَ الطاعةِ والعصيانِ اللَّذينِ يترتبُ عليهما الثوابُ والعقابُ وذلكَ أنّ كلَّ فعلٍ تتعلقُ بهِ قدرتانِ و إرادتانِ (1):
1 - قدرةُ اللهِ تعالى وإرادتُه،،، و همَا اللتان تُهيئانِ أسبابَ الكسبِ للعبدِ وتخلقانِ له الفعلَ إذا أرادَ اللهُ تعالى وقوعَ الفعلِ منه؛ متى؟ عندَما يريدُ اكتسابَه (الفعل) سواءً كانَ حقاً أو باطلاً منْ غيرِ إكراهٍ للعبدِ عليهِ، و قدْ لا يريدُ وقوعَه فيجعلْ له من الموانعِ ما يصرفُه عنْه.
2 - قدرةُ العبدِ وإرادتُه،،، و هما متعلقتان بكسبِ الفعلِ و لا تستقلانِ ... بإيجادِه ــ و هذا الذي يعاقبُ عليه الإنسانُ ويثابُ.
مثلاً (أ): ضربَ زيدٌ يتيماً تأديباً.
•فِعْلُ الضربِ ..... خلقَه اللهُ تعالى.
• اكتسابُ فِعْلِ الضَرْبِ ..... زيدٌ باختيارِه.
__________
(1) 1 - جواهر التفسير / العلامة المحقق الخليلي حفظه الله 2/ 253، بتصرف. (1/70)
صفحة 65
• يثابُ زيدٌ لأنه ضربَ اليتيمَ لمصلحةٍ.
مثلاً (ب): ضربَ زيدٌ يتيماً ظلماً.
• فِعْلُ الضربِ ...... خلقَه اللهُ تعالى.
• اكتسابُ فعلِ الضربِ ...... زيدٌ باختيارِه.
• يعاقبُ زيدٌ لأنّه ضربَه ظلماً وعدواناً.
قاعدةٌ:
- كلُّ فعلٍ ينسبُ إلى اللهِ تعالى فالمقصودُ بهِ ــ خلقُ اللهِ لذلكَ الفعلِ مثلاً " مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا "الكهف17 فيقصدُ بـ (يهد) و (يُضلل) خلقُ الهدايةِ وخلقُ الضلالِ و تهيأةُ أسبابِهما ... وهكذا.
- و كلُّ فعلٍ ينسبُ إلى الإنسانِ فالمرادُ به ـــ اكتسابُ الإنسانِ لذلكَ الفعلِ، مثلاً " من اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا "الإسراء15فالمرادُ بالهدايةِ هنَا اكتسابُ الهدايةِ منْ قبلِ الإنسانِ ... وهكذَا.
سادساً: آثارُ و مظاهرُ الإيمانِ بالقضاءِ والقدرِ
أخي المسلمُ: اعلمْ أنّ للإيمانِ الصحيحِ بقضاءِ اللهِ وقدرِه مظاهرَ و آثاراً يسمو بها المؤمنُ به ... منْها:
1 - أنْ يكونَ معتقداً اعتقاداً جازماً أنّ كلَّ شيءٍ يحدثُ أو يقعُ في هذا الكونِ ــ خيرا أو شرا ضرا أو نفعا ــ إنما هوَ بقضاءِ اللهِ وقدرِه.
2 - أنْ يرضى بقضاءِ اللهِ و قدرِه ويسلِّمَ لذلكَ تسليماً مطلقاً بنفسٍ راضيةٍ مطمئنةٍ. (1/71)
صفحة 66
3 - أنْ يرضى بما قدرَ اللهُ له منْ خيرٍ ويعلمَ أنّ ذلكَ ليسَ منْ صنعِه ولكنْ بقدرةِ اللهِ تعالى.
4 - أنْ يقولَ إذا أصابتْه مصيبةٌ (إنّا للهِ و إنّا إليهِ راجعونَ، أو لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ) .. " الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ"البقرة156.
5 - تجدُ المؤمنَ بقضاءِ اللهِ وقدرِه لا يخشى على رزقِه ولا يخافُ على حياتهِ فيكونُ شجاعاً مقداماً لا يرهبُ أحداً إلا اللهَ تعالى يجعلُ بينَ عينيهِ قولَ المولى سبحانَه:" قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ "التوبة51 و قولَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " واعلمْ أنّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أنْ ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلا بشيءٍ قدْ كتبَه اللهُ لكَ و لو اجتمعُوا على أنْ يضروكَ بشيءٍ لم يضروكَ إلا بشيءٍ قدْ كتبَه اللهُ عليكَ رفعتِ الأقلامُ وجفتِ الصحفُ " (1).
6 - يعيشُ المؤمنُ بالقضاءِ والقدرِ في طمأنينةٍ وسكينةٍ و هدوءٍ.
7 - لا يتنافى الأخذُ بالأسبابِ معَ قضاءِ اللهِ تعالى و قدرِه كما أنّه ليسَ فراراً من قضاءِ اللهِ و قدرِه بلْ هوَ مشروعٌ و مأمورٌ بهِ فلا يخرجُ المسلمُ مجرداً من السلاحِ ليلقى العدوَّ قائلاً " كلُّ شيءٍ بقضاءٍ و قدرٍ " و لكنْ يعملُ بقولِ اللهِ تعالى:" وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ "الأنفال60.
- (-
__________
(1) 1 - سبق تخريجه ص18. (1/73)
صفحة 67
تَمْهِيْدٌ
أخي المسلمُ: " اقتضتْ مشيئةُ اللهِ سبحانَه أنْ تكونَ الحياةُ في الدارِ الدنيا حياةً محدودةً حتى لا يُشَارَكَ الخالقُ في صفةِ البقاءِ، و لم يخالفْ في ذلكَ أحدٌ من الناسِ لأنَّ تناهِي الأعمارِ فيها أمرٌ لا يتفاوتُ الناسُ في معرفتِه، و قدْ جعلَها اللهُ سبحانَه مرحلةً منْ مراحلِ العبورِ التي يجتازُها الإنسانُ، و الناسُ فيها متفاوتونَ في الراحةِ و التعبِ و النعيمِ و البؤسِ، و لا يعودُ تفاوتُهم هذا إلى قدرِ تفاوتِهم في النفعِ و الضرِّ، و الاستقامةِ و الانحرافِ، و الطاعةِ و العصيانِ، فرُبَّ ذي سريرةٍ طاهرةٍ و خلقٍ مستقيمٍ و مسارعةٍ إلى الخيرِ يقضي حياتَه كلَّها في نكدٍ و بؤسٍ و معاناةٍ و حرمانٍ و رُبَّ ذي سريرةٍ خبيثةٍ و شراسةٍ في الأخلاقِ و سوءٍ في المعاملةِ يتسنَّى له ما يريدُه و تتوفرُ له أسبابُ الراحةِ و تجتمعُ له أنواعُ الملاذِّ، و في هذا ما يجعلُ الإنسانَ يعتقدُ اعتقاداً جازماً أنَّ النعمةَ و البؤسَ في الدنيا ليسا جزاءً على ما يقدِّمُه العبدُ منْ خيرٍ أو شرٍّ معَ القطعِ بأنَّ الناقدَ بصيرٌ و الحاكمَ عدلٌ فلذلكَ كانتْ النفوسُ تتطلعُ بفطرتِها إلى حياةٍ بعدَ هذه الحياةِ يجني فيها كلُّ عبدٍ ما (1/76)
صفحة 68
غرسَ و يحصدُ ما زرعَ و يجدُ ما قدَّمَ و قدْ تعاقبتْ الرسالاتُ مبشرةً و منذرةً بتلكَ الحياةِ و لم يختلفِ المؤمنونَ بها في كونِها حياةً تختلفُ عن الحياةِ الدنيويةِ المنصرمةِ فهيَ حياةُ خلودٍ و دوامٍ ... " (1).
أ- مُقَدِمَاتُ اليَوْمِ الآخِرِ
- المَوْتُ - القبْرُ - السَّاعَةُ
-
أولاً: المَوْتُ
أخي المسلمُ:" عُمُرُ الفردِ على هذا الكوكبِ الأرضيِّ قصيرٌ، و أيامُه في هذا العالمِ الفاني محدودةٌ، و رغبةُ الفردِ في أنْ يعيشَ رغبةٌ فطريةٌ، و حاجاتُه على الأرضِ لا تنقضي، و آمالُه غيرُ محدودةٍ وَ َلكِنَّهُ يَمُوْتُ!! " (2).
إنَّها حقيقةُ النهايةِ .. الزوالِ .. الفناءِ .. الانتقالِ .. المغادرةِ .. انتهاءِ مدةِ الإقامةِ على الأرضِ ... (الموت)،،، و الموتُ: هو مفارقةُ الرُّوحِ للجسدِ؛ لأنَّ حياةَ الجسدِ إنما هي بسببِ ممازجةِ الروحِ له (3)، و هو سبيلُ الانتقالِ من الدنيا إلى الآخرةِ، و من الفناءِ إلى الخلودِ، و منَ العملِ إلى الجزاءِ (4).
تَأَمَّلْ و اعْتَبِرْ
__________
(1) 1 - الحق الدامغ / الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله / 188.
(2) 1 - مشاهد القيامة في القرآن /سيد قطب / 13.
(3) 2 - بهجة الأنوار/ الإمام السالمي - رضي الله عنه - /97.
(4) 3 - شرح غاية المراد / العلامة الخليلي حفظه الله (49). (1/77)
صفحة 69
- الموتُ حكمَ اللهُ بهِ على جميعِ المخلوقاتِ:" كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ "الرحمن27،26.
- الموتُ محكومٌ بهِ على كلِّ ذي نفسٍ: " كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ "آل عمران185.
- الموتُ لا رادَّ له، و لا مانعَ منْه، يستحيلُ دفعُه إذا حانَ " قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ "الجمعة8، و قالَ تعالى: " قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ "آل عمران168.
- الموتُ يُدْرِكُ الإنسانَ حيثُما كانَ و أينمَا حلَّ لا تمنعُه القلاعُ و لا تحولُ دونَه الحصونُ " أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ "النساء78.
- الموتُ ينزلُ على الإنسانِ فجأةً في أيِّ مكانٍ منْ غيرِ سابقِ إنذارٍ أو بيانٍ " وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "لقمان34.
- الموتُ يأتي الإنسانَ في الوقتِ المحددِ و الأجلِ المرسومِ " وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلاً "آل عمران145، " اللهُ يَتَوَفَّى الأنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ "الزمر42.
- الموتُ ينغلقُ بهِ بابُ التوبةِ قال تعالى: " وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا"النساء18. (1/78)
صفحة 70
- الموتُ ينتهي بوقوعِه العملُ قالَ تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُم مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"المنافقون9ــ10.
- الموتُ نهايةٌ للحياةِ الأولى قال تعالى: " حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَاءِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ "المؤمنون 99.
- الموتُ له سكراتٌ و غمراتٌ و الناسُ يتفاوتونَ في شدتِها و آلامِها يقولُ تعالى: " وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ "ق19، و قالَ: " وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ "الأنعام93.
أخي العزيزُ: هلْ أعددتَ العدَّةَ لحقيقةٍ لا مفرَّ منْها و لا محيصَ عنهَا؟ ما شعورُكَ لوْ وقفَ ملَكُ الموتِ بينَ ناظريكَ؟ ماذا ستتمنَّى عندَما يطلُعُ عليكَ قابضُ الأرواحِ؟ كيفَ بكَ إذا بلغتِ الروحُ الحلقومَ " فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لا تُبْصِرُونَ "الواقعة83 - 85؟ و كيفَ حالُكَ إذا وصلتِ الحشرجةُ الصدرَ" كَلا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ"القيامة26 - 30، ما فائدةُ جسدٍ لا روحَ فيهِ؟ و ما فائدةُ روحٍ لا إيمانَ فيهَا؟
تَعِسَ امرؤٌ نَسِيَ المعَادَ و ما دَرَى - أَنَّ المنُوْنَ إِليْهِ بالمرْصَادِ (1/79)
صفحة 71
ثانياً: القبر
لقدْ كَرّمَ اللهُ تعالى بني آدمَ أمواتاً كمَا كرَّمَهم أحياءً فشرعَ دفنَ ميتِهم في الأرضِ حفاظاً عليهِ و إكراماً له " فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ "المائدة30 - 31 " مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى "طه55.
أخي المسلمُ: اعلمْ أنَّ بينَ الحياةِ الأولى التي تنتهي بالموتِ و الحياةِ الثانيةِ التي تبدأُ بالبعثِ مدةً زمنيةً تُسمَّى " البرزخُ " يقضيْها الإنسانُ في حفرةٍ ضيقةٍ هي روضةٌ منْ رياضِ الجنةِ أو حفرةٌ منْ حفرِ النارِ يقولُ سبحانَه:" حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَاءِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ "المؤمنون99، 100، و قدْ ثبتَ ذلكَ بأدلةٍ منَ الكتابِ و منْ سنةِ النبيِّ الأوابِ صلى الله عليه وسلم.
- فَمِنَ الكتابِ: قولُ اللهِ تعَالى:" النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ "غافر46 نجدُ أخي القارئُ أنَّ اللهَ تعالى ذكرَ أولاً أنَّهم يعرضونَ على النارِ غدواً و عشياً ثمَّ ذكرَ تعذيبَهم في الآخرةِ.
- و قالَ أيضاً:" سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ "التوبة101ذكرَ أنهم يعذبونَ ثلاثَ مرارٍ فالأولى بإقامةِ الحدودِ و الثانيةُ في القبرِ و الثالثةُ بعدَ البعثِ كذَا قيلَ (1).
__________
(1) 1 - المشارق/الإمام السالمي - رضي الله عنه - / 356. (1/80)
صفحة 72
- ومنها قولُه:" قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ " غافر11.
- و منَ السنةِ الأحاديث الآتية:
1 - أبو عبيدة عن جابر قال: بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي القَبْرِ، فَقَالَ: «يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ بِكَبِيرَةٍ! أَمَّا أَحَدُهُمَا فَقَدْ كَانَ لا يَسْتَبْرِئُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فََقَدْ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ بِالنَّمِيمَةِ».
أبو عبيدة: وَكَانَ جَابِرٌ مِمَّنْ يُثْبِتُ عَذَابَ القَبْرِ.
قال الإمام السالمي رضي الله عنه:" و الحديث يدل على ثبوت عذاب القبر و الأحاديث في ذلك كثيرة متوافرة متواترة معنى و إن اختلفت ألفاظها فإن مؤداها واحد و لا سبيل إلى العدول من مقتضاها إلى محض القول بالرأي و ليت شعري أي مدخل للرأي فيما غاب عنا علمه و لم تصل إليه عقولنا بل الواجب في هذا و نحوه التسليم لأخبار الشارع فيه و قبول ما جاء فيها من لسانه فمن بلغه التواتر في ذلك وجب عليه القطع بوقوعه على حسب الأخبار و من لم يبلغه التواتر فلا أقل من التصديق بالأخبار لأنها جاءت من طرق صحيحة ... " (1).
2 - أبو عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها سَمِعَتْ أَنَّ عَبْدَاللهِ بنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الأَحْيَاءِ. قَالَتْ عَائِشَة: يَغْفِرُ اللهُ لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن؛ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ! وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، أَوْ لَعَلَّهُ إِنَّمَا
__________
(1) - شرح الجامع /الإمام السالمي /ج (1/81)
صفحة 73
سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا قَالَ حِينَ مَرَّ بِيَهُودِيَّةٍ مَاتَتْ وَأَهْلُهَا يَبْكُونَ؛ فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا».
قال جَابِرٌ: قالَتْ عَائِشَةٌ رضي الله عنها: وَلا يُعَذَّبُ أَحَدٌ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ، وَإِنَّمَا يُعَذَّبُ بِعَمَلِهِ السُّوءِ.
3 - حديثُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنه قالَ: مرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقبرينِ قالَ:" إنَّهما ليعذبانِ، و ما يعذبانِ في كبيرٍ، أمَّا أحدُهما فكانَ لا يستنزِه منَ البولِ، و أمَّا الآخرُ فكانَ يمشي بالنميمةِ " (1).
-4حديثُ أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إنَّ أحدَكم إذا ماتَ عرضَ عليهِ مقعدُه بالغداةِ و العشيِّ؛ إنْ كانَ منْ أهلِ الجنَّةِ فمنْ أهلِ الجنةِ، وإنْ كانَ منْ أهلِ النارِ فمنْ أهلِ النارِ، فيقالُ هذا مقعدُكَ حتى يبعثَك اللهُ إليهِ يومَ القيامةِ " (2). قال الإمام السالمي رضي الله عنه:" و في الحديث إثبات عذاب القبر ... " (3).
5 - قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الشَّهِيدُ يُغْفَرُ لَهُ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ».
6 - أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشةَ أمِّ الْمُؤْمِنِينَ أنَّها قالت: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ مَاتَ وَلَدُهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَقَامَ وَأَطَالَ القِيَامَ. قَالَ جَابِرٌ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلاةِ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمَدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ
__________
(1) 2 - رواه الإمام الربيع بن حبيب - رضي الله عنه - في مسنده بلاغاً برقم (487).
(2) 3 - رواه الإمام الربيع بن حبيب - رضي الله عنه - في مسنده الصحيح برقم (484).
(3) - شرح الجامع / الإمام السالمي /ج2ص354. (1/82)
صفحة 74
الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ بَشَرٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذالِكَ فَادْعُوا اللهَ وَكَبِّرُوهُ وَتَضَرَّعُوا وَتَصَدَّقُوا». ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ؛ وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». قَالَتْ عَائِشَةُ: وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ.
•قَالَ الرَّبِيعُ: وَكَانَ جَابِرٌ مِمَّنْ يُثْبِتُ عَذَابَ القَبْرِ.
قال الإمام السالمي رضي الله عنه في شرحه للحديث:" قوله و أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر " أي يلتجئوا إلى الله تعالى و يسألوه أن ينجيهم من عذاب القبر قال الربيع: و كان جابر ممن يثبت عذاب القبر أي لهذا الحديث و غيره من الأحاديث الدالة على ذلك صريحا ... " (1)
فعذابُ القبرِ و نعيمُه ثابتٌ بالقرآنِ الكريمِ و السنةِ النبويةِ فيجبُ الإيمانُ بهِ قالَ الإمامُ السالميُ:
ثمَّ عَذَابُ القبرِ مِمَّا جَاءَ بِهْ - تَوَاتُرُ الأَخْبَارِ معْنَى فانْتَبِهْ
وَ اعْتَقِدَنَّ صِدْقَهُ و لا تُحِلْ - تَعْذِيْبَ مَيْتٍ لِوجُوْهٍ تحَتْمَِلْ (2)
و قدْ كانَ رسولُنا الأمينُ صلى الله عليه وسلم يستعيذُ بربِه منْ عذابِ القبرِ قائلاً:" اللهُمَّ إني أعوذُ بكَ منْ عذابِ القبرِ و أعوذُ بكَ من عذاب جهنم و أعوذ بك منْ فتنةِ المسيحِ الدجالِ و أعوذُ بكَ منْ فتنةِ المحيا و الممات ... " (3) فيجدرُ بنا أنْ نقتديَ برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) - شرح الجامع / العلامة السالمي /ج1ص287.
(2) 1 - منظومة أنوار العقول / الإمام السالمي - رضي الله عنه -.
(3) 2 - رواه الإمام الربيع بن حبيب - رضي الله عنه - في مسنده الصحيح برقم (490). (1/83)
صفحة 75
-
ثالثاً: السَّاعَةُ
تستمرُّ سنةُ اللهِ في قبضِ أرواحِ الناسِ كما هي حتى تأتيَ الساعةُ فعندَها يختلُّ النظامُ الكوني و ينفخُ في الصورِ نفخةً واحدةً فتموتُ جميعُ المخلوقاتِ إلا منْ شاءَ اللهُ " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ "الزمر68 والقرآنُ الكريمُ يصورُ أهوالَ ذلكَ اليومِ تصويراً كاملاً يشدُّ الانتباهَ و يلفتُ النظرَ و يفتتُ القلوبَ و يبعثُ على العظةِ و العبرةِ و الحذرِ ... قالَ تعالى:" إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ"الشمس1 - 13 و قالَ:" إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الأرضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنبَثًّا"الواقعة1 - 6 و هكذا يستمرُّ القرآنُ في تصويرِ أهوالِ القيامةِ في كثيرٍ منَ الآياتِ.
عظةٌ و عبرةٌ
- الساعةُ علمُها عندَ اللهِ تعالى " إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ"لقمان34.
- الساعةُ أمرٌ غيبيٌ لا يعلمُ زمنَها أحدٌ منَ المخلوقينَ " يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ" الأعراف187.
- الساعةُ آتيةٌ قطعاً لا شكَّ فيها " وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ "الحج7. (1/84)
صفحة 76
- الساعةُ قريبةُ الوقوعِ " اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ"القمر1.
- الساعةُ يستعجلُ وقوعَها الذينَ لا يؤمنون و يشفقُ منها المؤمنون قالَ تعالى:" اللهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ"الشورى17 - 18.
- الساعةُ تقعُ فجأةً " حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ"الأنعام31.
- الساعةُ كلمحِ البصرِ " وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "النحل77.
- الساعةُ فيها أهوالٌ عظيمةٌ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ "الحج1.
- يُصلى المكذبُ بالساعةِ سعيراً و عذاباً أليماً " بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا "الفرقان11.
أخي المسلمُ: تعلَّمْ أنكَ يجبُ عليك أنْ تؤمنَ إيماناً صادقاً لا شكَّ فيه بالساعةِ و أنْ تستعدَ لذلكَ فهي واقعةٌ لا ريبَ فيها ... و منْ ماتَ قامتْ قيامتُه.
ب- بدايةُ اليومِ الآخرِ
يبدأُ الإنسانُ رحلتَه في عالمِ الغيبِ ثم عالمِ الأرحامِ ثم يمرُّ بالدنيا و يدخلُ الاختبارَ و بعدَه ينتقلُ إلى عالمِ القبرِ ليدخلَ مرحلةً جديدةً تبدأُ ببعثِه ثم حشرِه ثم يحاسبُ على نتائجِ الاختبارِ فإنْ نجحَ منحَ شهادةً يدخلُ بها جنةً عرضُها السماواتُ و الأرضُ و إنْ فشلَ كانتْ الخسارةُ الأبديةُ و الخلودُ المقيمُ في العذابِ الأليمِ. (1/85)
صفحة 77
محطاتُ اليومِ الآخرِ
- البعثُ - الحشرُ - الحسابُ - الميزانُ
- الشفاعةُ - الجنَّةُ - النَّارُ
-
أولاً: البَعْثُ
أخي العزيزُ: منْ الحقائقِ القطعيةِ التي لا يجوزُ للإنسانِ أنْ ينكرَها حقيقةُ البعثِ منَ القبورِ و الإحياءُ بعدَ الإماتةِ " إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ " الأنعام36
فبعدَ أنْ يُنفخَ في الصورِ النفخةُ الأولى و يموتُ الخلائقُ أجمعونَ ينفخُ فيه النفخةُ الثانيةُ ليقومَ الناسُ لربِّ العالمينَ " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ إِلا مَن شَاء اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ " الزمر68 " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ " يس 51، 52.
- البعثُ: ردُّ الأرواحِ للأجسادِ لتعودَ إلى خالقِها.
- البعثُ: المحطةُ الأولى منْ محطاتِ الدارِ الآخرةِ.
- البعثُ بأمرِ اللهِ تعالى الذي لا يعجزُه شيءٌ في الأرضِ و لا في السماءِ " أَيَحْسَبُ الإنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ"القيامة3 - 4. (1/86)
صفحة 78
- أنكرَ اللهُ تعالى على أولئكَ الذينَ ينكرون البعثَ و أنَّ اللهَ لا يبعثُ الموتى " وَأَقْسَمُوا بِاللهِِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ"النحل 38.
- البعثُ دليلٌ على قدرةِ اللهِ تعالى " ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ"لقمان28.
-
ثانياً: الحَشْرُ
أخي العزيزُ: اعلمْ أنَّ اللهَ تعالى يحشرُ الخلائقَ جميعاً و يجمعُهم في موقفٍ واحدٍ بعدَ أنْ يبعثَهم منْ قبورِهم و قدْ صورتْ ذلكَ الموقفَ العصيبَ الآياتُ القرآنيةُ لتمكينِ العظةِ به في القلوبِ و تعميقِ الخشيةِ منه في النفوسِ.
- فالحشرُ يعمُّ الجميعَ " وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ"الأنعام22.
- يحشرُ المجرمونَ على وجوهِهم عمياً و بكماً و صماً " وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا"الإسراء97.
أخي العزيزُ: ماذا أعددتَ ليومٍ يحشرُ فيه الخلائقُ و أنت أحدُهم؟ منهم المهتدي و منهم الأعمى الأصمُّ الأبكمُ، صوِّرْ لنفسِك ـ و أنت تقرأُ هذا الكلامَ ـ خروجَك منْ قبرِك و سيرَك إلى موقفِ الحسابِ حيثُ يحشرُ الجميعُ.
ثالثاً: الحِسَابُ (1/87)
صفحة 79
قالَ الإمامُ السالميُ رضي الله عنه:
أمَّا الحسابُ فهوَ تمييزُ العملْ - خيراً و شراً ليراهُ منْ فعلْ
خُصَّّّ به مقصرٌ ليَعلمَا - أو فاسقٌ ليُكثرَ التندُّمَا (1)
أخي العزيزُ: هلْ حاسبتَ نفسَك قبلَ أنْ تحاسبَ؟
هلْ أعددتَ جواباً لكلِ فعلٍ أو قولٍ صدرَ منكَ؟
هلْ تعلمُ أنَّ السائلَ لا تخفى عليه خافيةٌ؟ " فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ"الحجر 92 - 93.
هلْ تدري أنَّ نتيجةَ الحسابِ يترتبُ عليها الثوابُ الدائمُ أو العقابُ الدائبُ؟
هلْ تستطيعُ التدليسَ أو المراوغةَ عن الإجابةِ؟ كلا " ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ"التوبة94.
هلْ تعلمُ أنَّ جوارحَك تشهدُ عليكَ؟ " يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"النور24.
هلْ تعرفُ أنَّ كلَّ إنسانِ يُخرجُ له كتابٌ يقرأًُ فيهِ أعمالَه؟ " وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا"الإسراء14،13.
هلْ تريدُ أنْ تأخذَ كتابَك بيمينِك أمْ بشمالِك؟ " فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ ... وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ"الحاقة 19 - 26.
__________
(1) 1 - منظومة أنوار العقول للإمام السالمي - رضي الله عنه -. (1/88)
صفحة 80
و ذَكِّرْ
- الحسابُ يُوفَّى فيه كلُّ إنسانٍ ما فعلَ و ما اكتسبَ " لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَاب"إبراهيم51.
- الحسابُ قريبٌ و الناسُ عنه غافلونَ " اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ"الأنبياء1.
- الحسابُ يختلفُ في شدتِه منْ شخصٍ لآخرَ " فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا"الإنشقاق7 - 12.
أخي المسلمُ: تذكَّرْ قولَ البشيرِ النذيرِ صلى الله عليه وسلم:" لا تزولُ قدما ابنِ آدمَ يومَ القيامةِ منْ عندِ ربِّه حتى يُسألَ عنْ أربعٍ عنْ عمرِه فيما أفناه و عنْ شبابِه فيما أبلاه و عنْ مالِه من أينَ اكتسبَه و فيما أنفقَه و عنْ علمِه ماذا عملَ فيما علمَ " (1).
-
رابعاً: الِميْزَانُ
دلَّ الكتابُ العزيزُ على ثبوتِ وزنِ الأعمالِ يومَ القيامةِ فاللهُ تعالى يقولُ:" وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ"الأعراف8 - 9 و قالَ:" وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ"الأنبياء47.
__________
(1) 1 - رواه الترمذي في سننه. (1/89)
صفحة 81
أخي المسلمُ: هلِ الميزانُ ميزانٌ حسيٌ حقيقيٌ أمْ معنويٌ؟ و كيفَ يتمُّ وزنُ الأعمالِ؟ و هلْ هيَ محسوسةٌ حتى توزنَ؟
تعلّمْ أخي أنّ الميزانَ ليسَ ميزاناً حسياً و لكنّه معنويٌ يرادُ به القسطُ و الحقُّ منَ اللهِ تعالى قالَ سبحانَه:" وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ "الأعراف8، و اللهُ تعالى العليمُ بكلِّ شيءٍ ليسَ في حاجةٍ إلى ميزانٍ حسيٍّ " حقيقيٍّ " لينظرَ في أعمالِ عبادِه، و يبينَ الصالحاتِ و السيئاتِ كما أنّ الأعمالَ من حسناتٍ و سيئاتٍ ليستْ بأجسامٍ و لكنّها أعراضٌ، و الأعراضُ لا توزنُ بمعاييرَ ماديةٍ.
قال الإمام السالمي رضي الله عنه:
و إنما الميزانُ في الُحسبانِ - عدلٌ و إنصافٌ منَ الرحمنِ (1)
و ما هنالكَ ميزانٌ يقامُ كمَا - قالوا عمودٌ و كفاتٌ لما عُملا
و إنَّما الوزنُ حَقٌ منْه عَزَّ ألمْ - تَسْمعْ إلى آيةِ الأعرافِ محتفِلا (2)
" فالميزانُ إذاً كنايةٌ عن فرزِ الأعمالِ و تمييزِ خيرِها و شرِّها، و بيانِ مقبولِها و مردودِها " (3).
أخي العزيزُ: يتصورُ البعضُ من الناسِ أنّ هناكَ ميزاناً حسياً حقيقياً توضعُ فيه الحسناتُ و السيئاتُ فمنْ رجحتْ حسناتُه دخلَ الجنةَ و منْ رجحتْ سيئاتُه دخلَ النارَ و هذا تصورٌ خاطئٌ لأنّه يخالفُ النصوصَ القرآنيةَ و الأحاديثَ النبويةَ التي تثبتُ أنّ المعصيةَ الكبيرةَ إذا ماتَ عليها الإنسانُ من
__________
(1) 1 - قصيدة أنوار العقول / للإمام السالمي - رضي الله عنه -.
(2) 2 - قصيدة غاية المراد / للإمام السالمي - رضي الله عنه -.
(3) 3 - شرح غاية المراد / الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي – حفظه الله - (52). (1/90)
صفحة 82
غيرِ توبةٍ ـــ أحبطتْ كلَّ الأعمالِ و هدمتْ جميعَ الحسناتِ و قضتْ على كلِّ الصالحاتِ.
-
مسألةُ الإحباطِ
أخي المسلمُ: يحذِّرُ اللهُ تعالى عبادَه المؤمنينَ أنْ يبطلوا أعمالَهم قائلاً:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ "محمد33، و بينَ اللهُ تعالى في كتابِه العزيزِ و على لسانِ رسولهِ صلى الله عليه وسلم أنّ الكبيرةَ التي يموتُ عليها ابنُ آدمَ من غيرِ توبةٍ تؤدي إلى إحباطِ أعمالِه الصالحةِ و إنْ كانتْ تعدلُ موازينَ الجبالِ و تساوي عددَ حباتِ الرمالِ.
- أولاً: الأدلةُ منَ القُرْآنِ:
1 - قالَ اللهُ تعالى مخاطباً عبادَه المؤمنينَ:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ"الحجرات2.
- الخطابُ: للمؤمنين جميعاً.
- المعصيةُ: رفعُ الصوتِ فوقَ صوتِ النبي صلى الله عليه وسلم (كبيرة).
- النتيجةُ: إحباطُ جميعِ الأعمالِ من حيثُ لا يشعرُ الإنسانُ.
2 - و يقولُ سبحانَه:" وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا"النساء93.
- الخطابُ: للمؤمنين و لغيرِهم، فمنْ صدقَ عليه بأنّه قاتلٌ استحقَ العقوبةَ. (1/91)
صفحة 83
- المعصيةُ: قتلُ مؤمنٍ عمداً بغيرِ حقٍّ شرعيٍّ.
- النتيجةُ: دخولُ النارِ و الخلودُ فيها، معَ أنّ القاتلَ قد تكونُ له حسناتٌ من صلاةٍ و صيامٍ و حجٍّ و زكاةٍ و غيرِها لكنَّ اللهَ أحبطَها بجريمةِ القتلِ عمداً.
3 - و قالَ عزَّ و جلَّ:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ"البقرة264، فاللهُ تعالى يحذرُ عبادَه المؤمنين أنْ يبطلوا ما يتصدقون به بالمنِّ و الأذى معَ أنّ المنَّ و الأذى معاصٍ دونَ الشركِ لكنّها تحبطُ الأعمالَ.
- ثانياً: منَ السُنةِ النَبَوِيةِ:
1 - حديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: " خَرَجْنا معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عامَ خيبَرَ، فلمْ نغنمْ ذهباً و لا فضةً إلا الأموالَ و الثيابَ و المتاعَ، فوجّهَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نحوَ وادي القِرَى و قدْ أهدى رفاعةُ بنُ زيدٍ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم غلاماً أسودَ يقالُ له مدعمُ، فبينما مدعمُ يحطُّ رَحْلَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذْ جاءَه سهمٌ غَرَبٌ فقتلَه، فقالَ الناسُ هنيئاً له الجنةَ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " كلا و الذي نفسي بيدِه إنَّ الشملةَ التي أخذَها يومَ خيبَرَ منَ المغانمِ لمْ تصبْها المقاسمُ لتشتعلُ عليه ناراً ... " (1).
- المعصيةُ: سرقةُ شملةٍ.
__________
(1) 1 - رواه الإمام الربيع و البخاري و مسلم و مالك و النسائي و أبو داود و ابن حبان و البيهقي و البغوي في شرح السنة و في التفسير (ينظر الطوفان للعلامة المحقق القنوبي حفظه الله ج3 / ق2 / ص673). (1/92)
صفحة 84
- النتيجةُ: اعترضَ النبيُ صلى الله عليه وسلم حكمَ الصحابةِ له بالجنةِ و حكمَ عليه بالنارِ و رتبَ الحكمَ على سرقةِ الشملةِ؛ فأينَ أعمالُه الأخرى؟! لقد أحبطَها اللهُ تعالى بالسرقةِ فلم ينظرْ إليها النبيُ صلى الله عليه وسلم في الحكمِ.
2 - حديثُ عمرَرضي الله عنه قالَ: " لما كانَ يومُ خيبرَ أقبلَ نفرٌ منْ أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلانٌ شهيدٌ .. فلانٌ شهيدٌ؛ حتى مروا على رجلٍ فقالوا: فلانٌ شهيدٌ. فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " كلا، إني رأيتُه في النارِ في بردةٍ سلبَها أو عباءةٍ " ثم قالَ: " يا ابنَ الخطابِ، اذهبْ فناد في الناسِ: إنّه لا يدخلُ الجنةَ إلا المؤمنون ... الحديث " (1).
- المعصيةُ: سلبُ بردةٍ أو عباءةٍ.
- النتيجةُ: أنّه من أهلِ النارِ كما حكمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأينَ أعمالُه و حسناتُه؟ لقدْ أحبطَها اللهُ فذهبتْ هباءاً منثوراً.
3 - حديثُ حذيفةَ بنِ اليمانِ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " لا يدخلُ الجنةَ نمامٌ و في روايةٍ قتاتٌ " (2).
- المعصيةُ: النميمةُ.
- النتيجةُ: لا يدخلُ الجنةَ، معَ أنّ النمامَ قد تكونُ له حسناتٌ من صلاةٍ و صيامٍ و صدقةٍ و غيرِها، و لكنّه صدقَ عليه وصفُ نمامٍ فأينَ حسناتُه؟.
__________
(1) 2 - رواه مسلم و أحمد و الترمذي و الدارمي وابن حبان و غيرهم (الطوفان/ المحدث القنوبي ج3 /ق2/ص672).
(2) 1 - رواه البخاري في صحيحه ك: الأدب؛ ب: ما يكره من النميمة. . (1/93)
صفحة 85
4 - حديثُ ابنِ عمرَ - رضي الله عنهم - عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: " لا يدخلُ الجنةَ عاقٌ و لا مدمنُ خمرٍ " (1).
- المعصيةُ: عقوقُ الوالدين أو أحدِهما، أو إدمانُ الخمرِ.
- النتيجةُ: لا يدخلُ الجنةَ معَ أنّه قد تكونُ له حسناتٌ و صالحاتٌ و لكنّها هُدِمتْ بموتِه على كبيرةٍ من الكبائرِ.
5 - حديثُ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " من اقتطعَ حقَّ مسلمٍ بيمينِه حرمَ اللهُ عليه الجنةَ و أوجبَ له النارَ "قالَ له رجلٌ و إنْ كانَ شيئاً يسيراً يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: " و إنْ كانَ قضيباً من أراك " (2).
- المعصيةُ: اقتطاعُ حقِّ مسلمٍ بالحلفِ الكاذبِ، و إن كانَ قضيباً من أراكٍ.
- النتيجةُ: من صدقَ عليه هذا الوصفُ حرمَ اللهُ عليه الجنةَ و أوجبَ له النارَ فأينَ الأعمالُ الأخرى؟
6 - حديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " صنفان من أهلِ النارِ لم أرهما قومٌ معهم سياطٌ كأذنابِ البقرِ يضربون بها الناسَ و نساءٌ كاسياتٌ عارياتُ مائلاتٌ مميلاتٌ رؤوسُهن
__________
(1) 2 - رواه أحمد و البزار و النسائي و الحاكم.
(2) 3 - رواه الإمام الربيع - رضي الله عنه - برقم (660). (1/94)
صفحة 86
كأسنمةِ البختِ المائلةِ لا يدخلْنَ الجنةَ و لا يجدْنَ ريحَها و إنّ ريحَها ليوجدُ من مسيرةِ كذا و كذا " (1).
- المعصيةُ: جلدُ الناسِ و ضربُهم بغيرِ حقٍّ و لكنْ إرضاءً للجبابرةِ، و المعصيةُ الثانيةُ: التبرجُ و السفورُ.
- النتيجةُ: إحباطُ حسناتِهم و إنْ كانتْ بعددِ الرمالِ فيحرمون دخولَ الجنةِ.
- أخي العزيز: ~ انتبهْ ~ انتبهْ ~ لهذه القاعدة:
- دخولُ الجنةِ: لا يترتبُ على كثرةِ الأعمالِ الصالحةِ و لكنّه يترتبُ على نقائِها منْ كلِّ كبيرةٍ و صفائِها منْ جميعِ الكبائرِ التي إنْ ماتَ الإنسانُ على واحدةٍ منها أحبطتْ جميعَ أعمالِه الصالحةِ.
- درجاتُ الجنةِ: يتفاوتُ فيها الناسُ و يتمايزون بالحسناتِ قلة ًو كثرة ً.
- المعصيةُ التي تحبطُ عملَ الإنسانِ: هي الكبيرةُ التي يموتُ عليها منْ غيرِ توبةٍ، و أمّا الكبائرُ التي يتوبُ منها الإنسانُ توبةً نصوحاً فلا تؤثرُ على أعمالِه، و كذلكَ الصغائرُ لا تؤثرُ على الأعمالِ و هي مغفورةٌ بشرطين؛ أحدُهما: اجتنابُ الكبائرِ قالَ تعالى: " إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا "النساء31، و ثانيهُما: عدمُ الإصرارِ على فعلِها لأنّ الإصرارَ على الصغيرةِ كبيرةٌ قالَ سبحانَه في وصفِ المتقين: " وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ "آل عمران135.
- - -
__________
(1) 1 - رواه الإمام مسلم في صحيحه / ك: اللباس و الزينة؛ ب: النساء الكاسيات العاريات ... . (1/95)
صفحة 87
خامساً: الشَفَاعَة
أخي المسلمُ: لقدْ جاءَ الإسلامُ بأسلوبٍ دعويٍّ عظيمٍ يعيشُ المؤمنُ خلالَه بينَ الترغيبِ و الترهيبِ، و بينَ الخوفِ و الرجاءِ، و إكراماً لعبادِه المتقينَ خصَّهم بالشفاعةِ يومَ القيامةِ.
فما الشفاعةُ؟ و منْ يستحقُها؟ و ما الدليلُ على ذلكَ؟
- قالَ العلامةُ المحققُ أحمدُ بنُ حمدٍ الخليليُ حفظه اللهُ: الشفاعةُ اصطلاحاً: " درجةٌ يمنحُها اللهُ لمنْ يشاءُ من عبادِه يومَ القيامةِ، فيأذنُ له أنْ يطلبَ لغيرِه غفرانَ ذنبٍ أو رفعَ درجةٍ أو تعجيلَ دخولِ الجنةِ، و هي للنبيين و قد تكونُ لغيرِهم كالشهداءِ، و لكنَّ الشفاعةَ العامةَ هيَ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وحدَه، فإنّه يشفعُ إلى اللهِ في الموقفِ العظيمِ بأنْ يعجلَ لعبادِه الفرجَ فيدخلَ المؤمنينَ الجنةَ ". (1)
- أخي العزيزُ: اعلمْ أنّ الشفاعةَ لا يستحقُها إلا المؤمنون الموفون، المتقون المخلصون، الذين زكوا أقوالَهم و أعمالَهم من المحبطاتِ، و الكبائرِ الموبقاتِ فهي ليستْ للمصرين على الذنبِ، المستمرئين للمعصيةِ الذين ماتوا عليها و إنما هي للتائبين من ذنوبِهم المنيبين لربِهم قبلَ وفاتِهم.
يقول الإمام السالمي رضي الله عنه:
و ما الشفاعةُ إلا للتقيِّ كمَا - قدْ قالَ ربُّ العُلا فيها و قدْ فصَلا (2)
__________
(1) 1 - شرح غاية المراد /العلامة الخليلي حفظه الله /ص61.
(2) 2 - غاية المراد/للإمام السالمي - رضي الله عنه -. (1/96)
صفحة 88
شفاعةُ الرسولِ للتقيِّ - منَ الوَرَى و ليسَ للشقيِّ (1)
- أدلةُ إثباتِ الشفاعةِ للمؤمنينَ:
• قالَ اللهُ تعالى:" وَاتَّقُوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ"البقرة48، ففي الآيةِ نفيٌ عامٌ للشفاعةِ، و هكذا في قولِه تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ"البقرة254.
• و قالَ سبحانَه:" وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى"الأنبياء28 " و وجهُ الاستدلالِ بها أنّ اللهَ تعالى نفى شفاعةَ الملائكةِ إلا لمن ارتضى من عبادِه و كذا الأنبياءُ لعدمِ الفارقِ بينَهم، و اللهُ لا يرتضي إلا الأبرارَ دونَ الفجارِ " (2).
• و يقولُ سبحانَه:" مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ "غافر18، و وصفُ الظالمِ يصدقُ على المشركِ و الفاسقِ فلا شفيعَ لهم.
• و جاءتْ السنةُ النبويةُ بنصوصٍ صريحةٍ في نفي الشفاعةِ عن مرتكبي الكبائرِ إنْ ماتوا على غيرِ توبةٍ رويَ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن رسولِ صلى الله عليه وسلم قالَ: " لا ألفينَّ أحدَكم يومَ القيامةِ على رقبتِه بعيرٌ له
__________
(1) 3 - أنوار العقول /للإمام السالمي - رضي الله عنه -.
(2) 1 - جواهر التفسير/الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله / 3/ 271. (1/97)
صفحة 89
رغاءٌ أو شاةٌ لها ثغاءٌ أو رقاقٌ تخفقُ، فيقولُ أغثني، فأقولُ قدْ أبلغتُك لا أملكَ لكَ من اللهِ منْ شيءٍ " (1).
• و جاءَ من طريقِ سهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " أنا فرطُكم على الحوضِ، من وردَه شربَ منه، و من شربَ منه لم يظمأْ بعدَه أبداً، و ليردنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفُهم و يعرفونني، ثم يحالُ بيني و بينَهم " (2) و جاءَ في روايةِ أبي هريرةَ رضي الله عنه:" فأناديهم ألا هلُمَّ فيقالُ إنهم بدلوا بعدَك فأقولُ فسحقاً فسحقاً " (3) فاحذرْ أخي المسلمُ الاعتمادَ على الأمانيِّ، و اعملْ ليومٍ لا ينفعُ فيه مالٌ و لا بنونَ " ليس بأمانيكم و لا لأماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به و لا يجد له من دون الله وليا و لا نصيرا ".
سادساً: الجَنَّة
أخي المسلمُ: هلْ منْ رحلةٍ بالفكرِ معَ العملِ إلى جنةٍ عرضُها السماواتُ و الأرضُ، أعدتْ للمتقين منْ أنبياءِ اللهِ و رسلِه، و سائرِ المتقين منْ عبادِه؟ ألستَ تتمنى أنْ تلقى محمداً و صحبَه؟ ألا ترجو أنْ تلقى خليلَ الرحمنِ، و نوحاً و هوداً و صالحاً و اسماعيلَ و إسحاقَ، و يعقوبَ و يوسفَ، و موسى و عيسى، و غيرَهم من الأنبياءِ و المرسلين، و الصالحين المخلصين في قصورِ الجنانِ؟ " وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ"الطور25 - 28.
فَرِيْقُ الجنَّة
انقسمَ الناسُ في الدنيا إلى فريقين منهم الطائعُ و العاصي، المؤمنُ و الكافرُ، الصالحُ و الفاسقُ، المستقيمُ و المنحرفُ و هكذا، و هم في الآخرةِ فريقان " فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ"الشورى7، أخي المسلمُ: لعلّك لا يخفى عليك أنّ فريقَ الجنةِ سيكونُ بقيادةِ أنبياءِ اللهِ و رسلِه و في مقدمتِهم محمدُ بنُ عبدِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، و لكنْ يا تُرى منْ سيرافقُهم في نعيمِهم ذلك؟ و منْ سيحضى بصحبتِهم هناكَ؟ لا شكَّ يا أخي أنّ أصحابَهم و رفقائَهم المؤمنون الموفون، المتقون المخلصون، الذين ماتوا على ذلكَ، و صفتْ أعمالهُم من الشوائبِ و المحبطاتِ، و لا نصيبَ للمفرطين، و لا حظَّ للمصرين يقولُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم - منْ حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه -:" أنا فرطُكم على الحوضِ، منْ وردَه شربَ منه، و منْ شربَ منه لم يظمأْ بعدَه أبداً، و ليردنَّ عليّ أقوامٌ أعرفُهم و يعرفوني، ثم يحالُ بيني و بينَهم " (4) و في روايةِ أبي هريرةَ رضي الله عنه " فأناديهم ألا هلُمَّ فيقالُ إنهم قدْ بدلوا بعدَك فأقولُ فسحقاً فسحقاً " (5).
نعيمُ الجنةِ
__________
(1) 2 - رواه البخاري في صحيحه، ك: الجهاد و السير، ب: الغلول.
(2) 3 - رواه البخاري و مسلم و أحمد و الطبراني و ابن أبي شيبة (الطوفان /المحدث القنوبي ج3/ق2/ص670)
(3) 1 - رواه الإمام الربيع - رضي الله عنه - برقم (43).
(4) 1 - رواه البخاري و مسلم و أحمد و الطبراني و غيرهم (الطوفان/العلامة المحدث القنوبي ج3، ق2، ص670)
(5) 2 - رواه الإمام الربيع - رضي الله عنه - في مسنده الصحيح برقم (43). (1/98)
صفحة 90
سمّى اللهُ تعالى الجنةَ بأسماءٍ لطيفةٍ محببةٍ إلى النفسِ ترغيباً فيها و في نيلِ ثوابِها و منْ تلكَ الأسماءِ:
• عدنٌ قالَ تعالى:" جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ"البينة8.
• الفردوسُ قالَ تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا"الكهف107.
• جنةُ الخلدِ قالَ تعالى:" قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا"الفرقان15.
• جنةُ المأوى قالَ تعالى:" عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى"النجم15.
• جنةُ النعيمِ قالَ تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ " لقمان8.
• دارُ السلامِ قالَ تعالى:" لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"الأنعام127.
• دارُ المقامةِ قالَ تعالى:" الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ"فاطر35.
- أخي المؤمنُ: إنّ المولى جلّتْ قدرتُه و تعالتْ عظمتُه أعدَّ لعبادِه المؤمنين الطائعين جنةً عرضُها كعرضِ السماواتِ و الأرضِ " وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ"آل عمران 133.
•فيها ما لا عينٌ رأتْ و لا أذنٌ سمعتْ و لا خطرَ على قلبِ بشرٍ" فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"السجدة17. (1/99)
صفحة 91
و قدْ بيَن اللهُ تعالى كثيراً منْ نعمائِها حظاً لعبادِه على طلبِها، و العملِ من أجلِها منْ ذلكَ:
• أنهارٌ منْ ماءٍ و عسلٍ و لبنٍ و خمرٍ قالَ تعالى:" مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ"محمد15.
• يقدمُ لهم في آنيةٍ جميلةٍ و كؤوسٍ مغريةٍ جزاءً بما كانوا يعملون قالَ تعالى:" يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"الزخرف71، و قالَ سبحانَه:" يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ"الواقعة17 - 18.
• وصفَ اللهُ الطائفين بهم بقولِه:" وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا"الإنسان19.
• أكُلٌ دائمٌ حسبَما تشتهي الأنفسُ من اللحومِ و الثمارِ و الفواكهِ كالرمانِ و الأعنابِ قالَ تعالى: " وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ"الطور22 و قالَ: ... " وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ"الواقعة 21 - 22، و قالَ أيضاً:" وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ"محمد15، و يقولُ سبحانَه:" فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ"الرحمن68، و قالَ:" وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ وَمَاءٍ مسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ "الواقعة27 - 33، هذا بما أسلفوا في الأيامِِ الخاليةِ. (1/101)
صفحة 92
• لباسٌ منْ سندسٍ و إستبرقٍ و أساورُ من ذهبٍ و لؤلؤٍ قالَ جلّ و علا:" أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ و إِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا"الكهف31، و قالَ جلَّ شأنُه:" جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ"فاطر33، و يا تُرى هلْ سيحضى بهذا النعيمِ المقيمِ منْ عصى اللهَ في لباسِه؟ و هلْ سَيُكْسَى امرأةً متبرجةً خالعةً لحجابِها؟ .. كلا كلا.
• " متعةُ الشبابِ في الحورياتِ، و كلُّهن أترابٌ شوابٌّ، و هنَّ معَ هذا قاصراتُ الطرفِ لا يتطلعْنَ إلى إعجابِ الآخرين منَ الرجالِ تطلّعَ الشّوابِّ! " (1) فيهنَّ منْ حسنِ الهيئةِ و صفاتِ الجمالِ ما لا يخطرُ على بالٍ قالَ تعالى في وصفِهن:" وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ "الصافات48 - 49، و يقولُ جلّ و علا:" فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ"الرحمن56 - 58، و قالَ أيضاً:" وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "الواقعة22 - 24، " وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لأَصْحَابِ الْيَمِينِ "الواقعة34 - 38، هؤلاءِ لمنْ غضَّ البصرَ و حفظَ الفرجَ و اتقى اللهَ في القولِ و الفعلِ لذلكَ يتمتعون معَ أزواجِهم من الحورِ العينِ في الجنةِ قالَ تعالى:" إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ على الأرائك مُتَّكِؤُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ " يس55 - 58.
__________
(1) 1 - مشاهد القيامة في القرآن / سيد قطب / 98. (1/102)
صفحة 93
• مساكنُ طيبةٌ و غرفٌ مبنيةٌ تجري منْ تحتِها الأنهارُ قالَ اللهُ تعالى:" وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ منَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"التوبة72، و قالَ:" لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ"الزمر20، و قالَ تعالى:" وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ" آل عمران195.
• وصفَ اللهُ تعالى متكأََهم في الجنةِ فقالَ:" مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ "الطور20، و قال:" مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ
دَانٍ " الرحمن54، و قالَ:" مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ "الرحمن76.
• راحةٌ دائمةٌ لا نصبٌ فيها و لا تعبٌ، و لا خوفٌ و لا حزنٌ قالَ ربُّ العزةِ و الجلالِ:" وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ"فاطر33 - 34، و قالَ تعالى:" يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ"الزخرف68 - 69، و قال:" لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"يونس26، و قالَ: " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ (1/103)
صفحة 94
تُوعَدُونَ"فصلت30 هذا أخي المسلمُ لمنْ خشيَ ربَه، و أتعبَ نفسَه في طاعةِ اللهِ، و أفناها في مرضاتِه جلَّ و علا.
• تتلقاهم الملائكةُ بالبشرى و السلامِ قالَ تعالى:" وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِين َ"الزمر73، و قالَ:" لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ"الأنبياء103.
• خلودٌ دائمٌ و سعادةٌ أبديةٌ و نعيمٌ سرمديٌ لا ينقطعُ أبداً قالَ تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ"البينة7 - 8 و قالَ:" وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ"إبراهيم23، هذه الجنةُ فهلْ ترغبُ فيها أخي العزيزُ؟ إنْ قلتَ نعم فاعلمْ أن ذلك بالجدِّ و العملِ لا بالتمني و التسويفِ.
سابعاً: النَّار
أخي العزيز: قلْ معي: " اللهمَّ إنّي أسألُك الجنةَ و أعوذُ بكَ منَ النارِ " " ربَنا آتِنا في الدنيا حسنةً و في الآخرةِ حسنةً و قِنا عذابَ النّارِ "
معَ العقلاء
أخي القارئُ: لقدْ حذرَ اللهُ تعالى الناسَ منْ نارٍ تلظى و جحيمٍ تلتهبُ و سعيرٍ لا يطاقُ و من عذابٍ لا ينقطعُ فبعثَ الرسلَ مبشرين و منذرين و بينَ في كتبِه ما أعدَّه للطائعين من النعيمِ المقيمِ، و ما توعّدَ به العاصين من العذابِ الأليمِ " تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا (1/104)
صفحة 95
الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ "النساء13 - 14؛ فمنْ أصدقُ من اللهِ قيلاً؟! و منْ أصدقُ منَ اللهِ حديثاً؟! هلْ تشكُّ أخي المسلمُ في وعدِ اللهِ تعالى أو في وعيدِه؟ و هلْ يتوعدُ اللهُ الناسَ بالنارِ عبثاً؟ كلا و اللهِ.
أخي العزيزُ: إذا كنتَ تصدقُ البشرَ في أخبارِهم و تتخذُ أسبابَ السلامةِ و النجاةِ من تحذيرِهم و إرشادِهم، و تعملُ بوصفِ الطبيبِ محافظةً على الصحةِ فكيفَ إذا كانَ التحذيرُ من ربِّ البشرِ العالمِ بكلِّ شيءٍ الذي يقولُ و قولُه الحقُّ " قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِّلْعَبِيدِ"ق28 - 29.
فَرِيْقُ النَّار
يقولُ ربُّ العزةِ و الجلالِ:"فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ "الشورى7 و يا تُرى منْ سيمثلُ فريقَ النارِ - و العياذُ باللهِ-؟ سيمثلُ هذا الفريقَ الكفارُ و المنافقون " إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا" النساء140، الفسقةُ و المجرمون " وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا" مريم86، الشيطانُ و حزبُه " إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ " فاطر6، و كلُّ منْ ماتَ على كبيرةٍ من كبائرِ الذنوبِ قبلَ أنْ يتوبَ" وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ " النساء14.
أهوالُ جهنَّم
- سمّى اللهُ تعالى النارَ بأسماءٍ شنيعةٍ تخويفاً للناسِ منها، و منَ الأعمالِ المؤديةِ إليها منْ ذلك: (1/105)
صفحة 96
• جهنَّمُ قالَ تعالى: " وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا " النساء93.
• الحطمةُ يقولُ سبحانَه: " كَلا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ"الهمزة4 - 5.
• السعيرُ قالَ تعالى: "فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ"الشورى7.
• سقرُ يقولُ اللهُ تعالى: "يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ"القمر48.
• لظى " كَلا إِنَّهَا لَظَى"المعارج15.
- و قدْ بيّن اللهُ تعالى صنوفاً من عذابِ النارِ، و ألواناً من نكالِها و أهوالِها منْ ذلك:
• جعلَ لها سبعةَ أبوابٍ " وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ"الحجر43 - 44.
• بينَ أنها شديدةُ الحرِّ قالَ تعالى:" قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُون" التوبة81، نارٌ محرقةٌ قالَ تعالى:" فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَ لَهُمْ عَذَابُ الحَرِيْقِ " البروج10.
• تحيطُ بأهلِها منْ كلِّ جانبٍ قالَ تعالى: " وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ" العنكبوت54
• أعدَّ اللهُ لأهلِها سلاسلَ و أغلالاً قالَ تعالى:" إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكَافِرِينَ سَلاسلَ وَأَغْلالا وَسَعِيرًا"الإنسان4، يقرَّنون في الأصفادِ" وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ"إبراهيم49 - 50، و لهم مقامعُ منْ حديدٍ قالَ تعالى:" وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ"الحج21. (1/106)
صفحة 97
• يبدلُ اللهُ جلوداً لأهلِها كلما نضجتْ جلودُهم قالَ تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا"النساء63.
• يسمعُ أهلُها تغيضَها و زفيرَها قالَ تعالى:" إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا"الفرقان12.
• طعامُ داخليها الزقومُ قالَ تعالى:" إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيم ِ"الدخان43 - 46، و قالَ تعالى:" إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا"المزمل12 - 13، و قالَ تعالى:" فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِؤُونَ"الحاقة35 - 37.
• و شرابُهم ماءٌ صديدٌ و حميمٌ يقطِّعُ الأمعاءَ؛ قالَ تعالى:" لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا"عمّ24 - 25، و قالَ سبحانَه:" وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ "محمد15، و قالَ عزّ و جلّ:" إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا"الكهف29، و قالَ تعالى:" منْ وَرَأَىئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَأَىئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ "إبراهيم16 - 17.
• و لباسُهم ثيابٌ مقطّعةٌ من النّارِ قال تعالى:" فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ"الحج19 - 20 (1/107)
صفحة 98
• و حُرَّاسُها ملائكةٌ غلاظٌ شدادٌ قالَ تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ "التحريم6، لا تعرفُ الرحمةُ طريقاً إلى قلوبِهم بأهلِ النارِ قالَ تعالى:" وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا منَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ "غافر49 - 50
الخلودُ فيها
أخي المسلمُ: بينَ اللهُ تعالى في كتابِه العزيزِ بنصٍّ صريحٍ لا جدلَ فيه أنّ منْ دخلَ النارَ فهو خالدٌ مخلّدٌ فيها أبداً، و أنكرَ على اليهودِ اعتقادَهم الخروجَ من النارِ بعدَ دخولِها " وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون"َالبقرة80 - 81، فاحذرْ أخي التعلقَ بالأمانيِّ التي تشبَثَ بها أهلُ الكتابِ " لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا"النساء123.
• و قدْ نصَّتْ آياتُ القرآنِ على خلودِ أهلِها فيها جميعاً سواءً كانوا من الكفرةِ و المشركين أو من العصاةِ الموحدين فاللهُ تعالى يقولُ:" وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ"النساء14، فهذا مصيرُ منْ عصى اللهَ تعالى في أمرٍ أو نهيٍ، أو عصى رسولَه صلى الله عليه وسلم في حكمِ من أحكامِه. (1/108)
صفحة 99
• و قالَ تعالى:" وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا"النساء93 فاللهُ تعالى توعدَ قاتلَ المؤمنِ عمداً بالخلودِ في النارِ معَ أنّ القتلَ كبيرةٌ دونَ الشركِ إلا أنها تحبطُ العملَ.
• و قالَ تعالى:" إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ"الإنفطار13 - 16 و معلومٌ أنّ مرتكبَ الكبيرةِ ليسَ من الأبرارِ و إنما من الفجارِ و أخبرَ اللهُ تعالى أنّ الفجارَ في الجحيمِ.
- و إذا نظرتَ أخي المسلمُ في سنةِ الحبيبِ صلى الله عليه وسلم وجدتَ الأحاديثَ الكثيرةَ المتفقةَ معَ آياتِ الكتابِ، من ذلك ما رواه البخاريُّ و مسلمُ من طريقِ أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " منْ قتلَ نفسَه بحديدةٍ فحديدتُه في يدِه يتوجأُ بها في بطنِه في نارِ جهنمَ خالداً مخلداً فيها أبداً، و منْ قتلَ نفسَه بسمٍّ فسمُّه في يدِه يتحسَّاه في نارِ جهنمَ خالداً فيها أبداً، و منْ نزلَ منْ جبلٍ فقتلَ نفسَه فهو ينزلُ في نارِ جهنمَ خالداً مخلَّداً فيها أبداً "، و ما رواه مسلمٌ في صحيحِه عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:" صنفان من أهلِ النارِ لم أرهما، قومٌ معهم سياطٌ كأذنابِ البقرِ يضربون بها الناسَ، و نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ رؤوسُهن كأسنمةِ البختِ المائلةِ لا يدخلْنَ الجنةَ و لا يجدْنَ ريحَها و إنّ ريحَها ليوجدُ من مسيرةِ كذا و كذا " و الأحاديثُ في ذلكَ كثيرةٌ و متعددةٌ (1)، لمنْ كانَ له قلبٌ أو ألقى السمعَ و هو شهيدٌ.
أسماءُ مرتكبِ المعصيةِ
__________
(1) 1 - ينظر الحق الدامغ /للعلامة المحقق الخليلي - حفظه الله- 224. (1/109)
صفحة 100
• كافرٌ كفرَ نعمةٍ • فاسقٌ • عاصٍ • فاجرٌ • مجرمٌ • مخالفٌ • منافقٌ •ضالٌّ • ظالمٌ • منْ حزبِ الشيطانِ • خاسرٌ.
أخي المسلمُ: إنَّ تلكَ الألفاظَ يمكنُ إطلاقُها على مرتكبِ الكبيرةِ و الواقعِ في المعصيةِ ما لمْ يتبْ إلى ربَِّه.
• انظرْ مثلاً: الكذابُ ـــ هوَ كافرٌ كفرَ نعمةٍ، و منافقٌ، و فاسقٌ، و عاصٍ لأنّه عصى اللهَ و رسولَه، و مجرمٌ لأنّه ارتكبَ جريمةَ الكذبِ، و ظالمٌ لأنّه ظلمَ نفسَه و غيرَه لفعلِه ذلكَ، وضالٌ لأنّه غيرُ مهتدٍ، و فاجرٌ، و مخالفٌ لأنّه خالفَ ما أُمرَ بهِ، و معاندٌ لما جاءَ في الكتابِ و السنةِ، و منْ حزبِ الشيطانِ لأنّ حزبَ اللهِ لا يفعلونَ ذلكَ؛ وهذهِ الأوصافُ تصدقُ على العاقِّ لوالديهِ أو الزاني أو شاربِ الخمرِ أو آكلِ الربا أو السارقِ أو الحاسدِ أو المتكبرِ أو غيرِ هؤلاءِ.
• فالكذبُ و عقوقُ الوالدينِ و الزنى و شربُ الخمرِ و أكلُ الربا و السرقةُ و الحسدُ و الكبرُ و غيرُها من الذنوبِ لا يمكنُ أنْ تسمّى إيماناً أو إخلاصاً أو طاعةً أو هدايةً أو تقوى أو رشاداً أو منْ حبِّ اللهِ و رسولِه أو استسلاماً لتعاليمِ القرآنِ.
الحكمُ القرآنيُّ على الأوصافِ السابقةِ
• الكافرُ قالَ تعالى: " فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ "الطور11 - 14.
• المنافقُ قالَ تعالى:" يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ (1/110)
صفحة 101
بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ "الحديد13 - 15.
• المجرمُ قالَ تعالى:" إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ "الزخرف74 - 77.
• العاصي قالَ تعالى:" وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ "النساء14.
• الفاسقُ قالَ تعالى:" وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ "السجدة20 - 21.
• المفسدُ قالَ تعالى:" فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ " الفجر12 - 13.
• الفاجرُ قالَ تعالى:" وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ "الانفطار14 - 16.
• الضالُّ قالَ تعالى:" ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ "الواقعة51 - 56. (1/111)
صفحة 102
• الظالمُ قالَ تعالى:" إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا "الكهف29.
• الخاسرُ قالَ تعالى: " وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ "المؤمنون103 - 104.
• حزبُ الشيطانِ قالَ تعالى: " إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ "فاطر6.
أخي العزيز: ما مصيرُ منْ صدقَ عليهِ أكثرُ منْ وصفٍ منَ الأوصافِ السابقةِ؟ كيفَ يرجو وجهَ الخلاصِ؟ و كيفَ يحلمُ بالسعادةِ الأبديةِ؟ و أنّى له أنْ يفكرَ في جنةٍ عرضُها السماواتُ و الأرضُ؟!
أخي: لا تحزنْ يمكنُ ذلكَ بيسرٍ و بساطةٍ و سهولةٍ فبابُ التوبةِ مفتوحٌ ليلَ نهارَ يستقبلُ وفودَ التائبينَ المنيبينَ فقدْ جاءَ في الحديثِ " إنَّ اللهَ يبسطُ يدَه بالليلِ ليتوبَ مسيءُ النهارِ و يبسطُ يدَه بالنهارِ ليتوبَ مسيءُ الليلِ حتى تطلع الشمس من مغربها" (1) بلْ يبدلُ سيئاتِهم حسناتٍ" ... إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا "الفرقان70.
قواعد التوبة
إن الله تعالى خلق العباد و لم يكتب لهم العصمة من الذنوب و الوقوع في المعاصي و لم يخرج من هذا العموم سوى المصطفين الأخيار الذين اصطفاهم
__________
(1) 1 - رواه مسلم في الصحيح: ك: التوبة؛ ب: قبول التوبة من الذنوب. (1/112)
صفحة 103
الله بعلمه و حكمته ليكونوا مبشرين و منذرين و لتبليغ رسالة الخالق إلى الخلق و هم الأنبياء و الرسل الذين حفظهم الله من مقارفة العصيان و عصمهم من الوقوع في الذنوب كبيرها و صغيرها،، يقول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم:" كل بني آدم خطاء و خير الخطائين التوابون ".
أخي المسلم: كما جعل الله الماء لغسل الأدران و الأوساخ المادية كانت التوبة هي المطهر لأدران القلب و الجوارح و المغسل لأخطاء الإنسان القولية و الفعلية و العقدية،،، لذا يحكم الله تبيان مفهومها و إيضاح قواعدها في كتابه المحكم الخالد دفعا للخلاف بين البشر و الاختلاف بين الناس.
قواعد التوبة من القرآن الكريم
القاعدة الأولى: التوبة واجبة و فريضة يقول تعالى:" وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون " و يقول:" يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم و يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار " فهي كالصلاة و الصيام و غيرها من الواجبات،، وقد تكون مندوبة و مستحبة لمن لا يعلم معصية ارتكبها أو ذنبا اقترفه.
القاعدة الثانية: الله تعالى يتقبل توبة التائب و يغفر ذنب المستغفر أيا كان ذنبه و معصيته و خطئه يقول تعالى عن نفسه:" غافر الذنب و قابل التوب " و يقول:" و هو الذي يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيئات " ويقول:" قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم " و الآيات تنص على قبول الله توبة التائب بألفاظ نتيجتها واحدة.
وقفات مع الآيات (1/113)
صفحة 104
•الذنب: اسم جنس معرف بأل ... يشمل كل ذنب " الشرك، الكبائر، الصغائر "
* يغفر الذنوب: الذنوب جمع معرف بأل يدخل فيه كل الذنوب حتى الشرك.
• لا تقنطوا من رحمة الله: تحذير للعاصي و المذنب أن ييأس من قبول الله لتوبته و إنابته الصادقة مهما عظمت ذنوبه و كثرت.
القاعدة الثالثة: إن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر لذا يجب على كل إنسان أن يدخل في الإسلام و يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله فالله يقول:" إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء " فتوبة المشرك الدخول في دين الله الإسلام،، لذلك من يموت على الشرك فلا غفران لذنبه و لا قبول لسائر عمله و إن كان حسنا " و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا " أما من دخل في الإسلام فقد حقق توبة تمحو الشرك و الكفر و تنقله إلى حضيرة المسلمين بل يتكرم الله عليه بقوله:" و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء " أي أن الله يغفر له من غير توبة " ما دون ذلك " -الكبائر و الصغائر -،،، و مثل هذه الآية قول الله سبحانه:" قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " المعنى: قل يا محمد للكافرين إن ينتهوا عن كفرهم بالدخول في الإسلام يغفر لهم ما قد سلف من سائر الذنوب و المعاصي.
و ربما تتساءل أخي قائلا: من الذي يشاء الله له التوبة و المغفرة؟! فهو يقول:" و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء " و الجواب في قول الله:" و إني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدى ". (1/114)
صفحة 105
القاعدة الرابعة: كبائر الذنوب و المعاصي كيف تغفر للإنسان؟ و كيف تكفر عنه و لا يعاقب عليها في الآخرة؟ مثل:" الزنى و السرقة و أكل الربا و الكذب و عقوق الوالدين ... " يقول الله تعالى:" إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا" النساء 17 - 18
وقفات مع الآيات
• يقطع الله عهدا على نفسه بقوله:" إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ " بأن يقبل توبة من يعمل سوءا ثم يتوب منه من قريب.
• السوء: يشمل كل الذنوب، وذكره الله مفردا ليبين أن فاعله غير متماد في فعل المعاصي فهو عندما يقع في المعصية و السوء لا يستمر عليه و إنما يتوب مباشرة و يراجع نفسه قبل الموت " ثم يتوبون من قريب " و تكون التوبة بالندم و الإقلاع عن الذنب و العزم الأكيد على عدم الرجوع إليه مرة أخرى.
• ينفي الله تعالى قبو ل توبة فريقين:
الأول: بقوله: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ " ... و الذين يعملون السيئات: هم الذين يرتكبون كبائر الذنوب و يستمرون على فعلها و اقترافها حتى يقف أمامهم ملك الموت و تبلغ الروح الحلقوم يقولون " إني تبت الآن "
الثاني: وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ " ... الكفار هم الذين يموتون على الشرك.
القاعدة الخامسة: التوبة من صغائر الذنوب. (1/115)
صفحة 106
يقول الله تعالى:" إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا" النساء31.
ينص الله تعالى على شرط غفران الصغائر من الذنوب (سَيِّئَاتِكُمْ) بقوله:" إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ " و معنى الآية إن تتركوا ما نهى الله عنه من كبائر الذنوب ينتج " نكفر عنكم سيئاتكم " و مفهوم الآية: إن لم تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه لا نكفر عنكم سيئاتكم.
و الذي توحي به الآية أن من مات على صغيرة من غير توبة فإنها تمحى و تكفر عنه بشرط أن لا يموت مرتكبا لكبيرة من غير توبة و لكن لا بد من شرط آخر و هو ألا يكون مصرا على الصغيرة لأن الإصرار يحولها إلى كبيرة فيكون حكمها حكم الكبائر و ليس الصغائر. (1/116)
صفحة 107
-
- - -
تمََّ بحَمْدِ اللهِ
الفهرس العام
الموضوع ... الصفحة
مقدمة ... 1
أهمية العقيدة ... 2
آثار العقيدة الصحيحة ... 3
الإيمان بالله .... ... 6
تمهيد ... 7
1 - كيف نؤمن بالله؟ ... 8
2 - صفات الله تعالى. ... 10 (1/117)
صفحة 108
* البصير ... 11
* السميع ... 14
* العليم ... 16
* الرازق ... 18
* الغفور الرحيم ... 23
3 - آثار و مظاهر الإيمان بالله. ... 26
الإيمان بالأنبياء و المرسلين .... ... 31
تمهيد ... 32
1 - حكم الإيمان بالأنبياء و المرسلين. ... 32
2 - الدليل على وجوب الإيمان بهم. ... 32
3 - صفات الأنبياء و المرسلين. ... 33
4 - الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. ... 34
5 - كيف نؤمن بالأنبياء و المرسلين؟ ... 34
6 - مظاهر الإيمان بالأنبياء و المرسلين. ... 36
الإيمان بالكتب .... ... 39
تمهيد ... 40
1 - حكم الإيمان بالكتب. ... 40
2 - ما الكتب التي يجب أن نؤمن بها؟ ... 40
3 - تخصيص القرآن بالإيمان. ... 41
4 - كيف نؤمن بالقرآن؟ ... 42
5 - مظاهر الإيمان بالقرآن. ... 43 (1/118)
صفحة 109
الإيمان بالملائكة .... ... 47
تمهيد ... 48
1 - حكم الإيمان بالملائكة. ... 48
2 - صفات الملائكة. ... 48
3 - خصائص الملائكة و أعمالهم. ... 50
4 - آثار الإيمان بالملائكة. ... 52
الإيمان بالقضاء و القدر .... ... 54
تمهيد ... 55
1 - ما معنى القضاء و القدر؟ ... 55
2 - حكم الإيمان بالقضاء و القدر. ... 56
3 - أدلة وجوب الإيمان بالقضاء و القدر. ... 56
4 - ارتباط القضاء و القدر بصفات الله.
5 - الإنسان بين الجبر و التخيير.
* نتائج
* قاعدة ... 63
آثار و مظاهر الإيمان بالقضاء و القدر. ... 63
الإيمان باليوم الآخر .... ... 65
تمهيد ... 66
مقدمات اليوم الآخر.
* الموت
* القبر (1/119)
صفحة 110
* الساعة
بداية اليوم الآخر.
* البعث
* الحشر
* الحساب
* الميزان
* مسألة الإحباط
* الشفاعة
* الجنة
* فريق الجنة
* نعيم الجنة
* النار
* فريق النار
* أهوال النار
* الخلود فيها
* أسماء مرتكب المعصية.
* الحكم القرآني على الصفات السابقة.
الفهرس العام. (1/120)