صفحة 1
الكتاب: العقيدة .. القضية الكبرى في حياة البشر
المؤلف: الأستاذ. أبو رضوان عاشور بن يوسف كسكاس
كتب مقدمته: بمسقط في 14 ربيع الآخر 1414هـ - 30 سبتمبر 1993م.
تقديم: الفاضل/ أحمد بن سليمان بن علي الكندي (كتب هذا التقديم بنزوى في ربيع الأول 1414هـ).
تنسيق للشاملة: هلال بن مصبح الكلباني
hilalmusabah@gmail.com
[مبوب]
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] تقديم
الحمد لله الذي لا إله غيره ، والصلاة والسلام على رسوله الكريم سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه .
وبعد ..
فإن العقيدة الإسلامية لم تكن مجرد شعارات ترفع ، أو مبادئ تعلن ، أو عبارات تقال أو طقوس تمارس، بقدر ما هي خصائص فريدة معنوية ومادية، أفعال وسلوك … مترابطة متكاملة لا ينفك بعضها عن بعض، تشكل في مجموعها الشخصية المتميزة للمسلم.
لهذا نجد أن القرآن الكريم والسنة المطهرة يحرصان على ربط قضايا التوحيد بمقتضياتها من الأعمال الحياتية والتعبدية، وأن كلاً من الإيمان والعمل شيئان متلازمان لا يصلح أحدهما إلا بالآخر..
والإيمان والعمل بمفهوميهما الواسعين يشملان الجوانب الروحية والجسدية، والفكرية والعقلية، القولية والفعلية. لهذا كان التكامل من أبرز خصائص هذه العقيدة - التكامل بين مختلف هذه الجوانب، وما لم تتحقق هذه الخاصية فإن شخصية المسلم تبقى ناقصة بل منفصمة. (1/1)
صفحة 2
هذا وقد كثرت المؤلفات التي تناولت التوحيد كعلم ينبغي على المسلم تعلمه باعتباره أصلا للدين، إلا أن تلك المؤلفات مع أهميتها تناولت ذلك العلم من الناحية النظرية أو الجدلية، وقليل منها ما عالج التكامل المنشود في العقيدة الإسلامية .
وملم اليوم - وخاصة المسلم العادي - ليس كمسلم الأمس - فمسلم الأمس كان ذا شفافية إيمانية - وهو فرد في مجتمع إيماني - وأن مقتضيات الإيمان العملية بالنسبة له أمور يفطر وينشأ ويترعرع عليها، وتصبح جزءاً من حياته - تلك الحياة البسيطة التي عادة ما تكون خالية من التعقيدات، وبعيدة عن المؤثرات .
أما مسلم اليوم فإنه مختلف كل الاختلاف، فهو ينشأ في بيئة مليئة بالمتناقضات، ويحيا حياة تغص بكثير من المؤثرات؛ حياة تتزاحم فيها التيارات الفكرية والممارسات المتناقضة، وهي - أي الحياة - مسرح للأعباء الجسام والمشاكل المعقدة. ولهذا فإن الجانب النظري في القضايا العقدية إن كان ضرورياً للمتخصص فإنه لم يعد كافياً للمسلم العادي فهو محتاج إلى معرفة عقيدته بشكل مبسط مع ربطها المحكم بجوانب حياته، وبما يضمن له حصانة إيمانية من المؤثرات الخارجية التي تتزاحم عليه.
وهذا ما قام به أستاذنا الجليل الشيخ عاشور بن يوسف كسكاس - حفظه الله - إذ استطاع بفكره المستنير أن يقدم القضايا العقدية في ثوب قشيب يتلاءم ومنهجية هذا العصر وضروراته.. حيث أبرز من خلال هذا البحث القيم الطريقة الصحيحة لفهم العقيدة، والآثار السلوكية لمبادئها في حياة المسلم.
وقد عالج بأسلوب تربوي علمي هادف عدداً من القضايا التي يعيشها المسلم وكيفية التعامل معها من منظور إسلامي منبثق عن هذه العقيدة السمحة.
هذا والله التوفيق وعليه قصد السبيل.
أحمد بن سليمان بن علي الكندي
نزوى - ربيع الأول 1414 هـ (1/2)
صفحة 3
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على رسول الله..
تعاني الأمة الإسلامية في هذا العصر من مشاكل جمة، ومعضلات فكرية متعددة، ولوثات سلوكية مزعجة، يرجع السبب في ذلك كله إلى انفراط عقدها، وتشتت فكرها، وغياب التطبيق الصحيح لعقيدتها.
وقد عمل العلماء المخلصون جاهدين على إعادة الوعي لهذه الأمة التائهة، وذلك بتصحيح المفاهيم وتوثيق الصلة بين المسلم وربه، وربط المؤمن بدينه وشريعة ربه، لتحقيق العزة له ولأمته.
غير أن هذه الجهود اعترضتها عقبات حالت دون تحقيق هذه الأهداف السامية.
ولا يزال الدعاة إلى الله ، والعاملون في حقل الإسلام يروضون النفوس لقبول مبادئ الإسلام الناصعة في خضم أمواج الظلمات المتراكمة، ويحاولون تصحيح هذه الأفكار في أذهان الناس الذين اختل لديهم التوازن الفكري، ويعدونهم الأعداد الجيد لتحمل أمانة الله تعالى في أرضه. فشهد واقع المسلمين تحسناً، وتقدماً إيجابياً نحو الأفضل، وبدأت الضمائر تستيقظ داخل النفوس التي عديت بمشاعر الحب لله ولرسوله ولشريعة الإسلام.
غير أن هذا التقدم لم يرق بعد إلى مستوى الجهود المبذولة.. فالحمل ثقيل، والتركة كبيرة تنوء بحملها الجبال، وتحمل الأمانة واجب شرعي، والطريق إلى ذلك طويل تكتنفه المخاطر والصعاب.
ولا مجال هنا إلا للصبر على تبعات الدعوة. فما على الدعاة المخلصين، والعلماء المجاهدين إلا أن يتزودوا لذلك بخير العدة والزاد.
( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى )
وأن يتحلوا بالصبر الجميل على ما يعترضهم من صعاب وإن ذلك لمن عزم الأمور.
وفي هذا الإطار تأتي هذه المحاولة ، أقدمها بين يدي القارئ الكريم . إسهاماً مني في نشر الوعي الإسلامي في أوساط الأمة المسلمة وتبصير المسلمين بواقعهم الذي يتعايشون معه، عسى الله تعالى أن يأخذ بأيديهم فيرشدهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة. (1/3)
صفحة 4
وإني - قبل البدء بالكتابة - ترددت كثيراً لعلمي بجسامة الموضوع وعظم المسؤولية، ولكني في النهاية استعنت بالله وبدأت أكتب ظناً مني أن البحث سهل المنال.
وقد وجدت نفسي منذ البداية أدخل بحراً عميقاً لا يستطيع الغوص فيه، واستخراج درره إلا المهرة المحترفون.
فكنت لا أتناول مسألة إلا وتبرز لي من ورائها مسائل أخرى مرتبطة بسابقتها. وكلما ولجت باباً فتحت أبواب أخرى، حتى خشيت أن يتسع البحث بسبب تزاحم الأفكار ، وكثرة العناصر المتصلة ببعضها التي تبدو ضرورية لاستكمال الفكرة، أو تصحيح الرؤى والمفاهيم.
ولكن - رغم ذلك - حاولت أن أختصر. فتغاضيت عن بعض العناصر. وأرجأت البعض إلى مناسبة أخرى. فجاء البحث بهذا الشكل المقدم بين يدي القارئ الكريم مقسماً إلى خمسة موضوعات.
الموضوع الأول: طرق الإيمان ومنطلقات الوصول إلى الحقيقة.
تناولت فيه مسألة الفطرة والعقل بشيء من التحليل، مبرزاً أهميتها في سبيل المعرفة.
وكيف يمكن أن نحافظ على سلامتهما؟
وما هي الأسباب المؤدية إلى اعتلالهما واختلال توازنهما؟
ثم ختمته ببيان أن الوحي هو السبيل الوحيد القادر على إزاحة المعوقات عن العقل والفطرة.
وهنا تبرز الحكمة البالغة من إرسال الرسل وإنزال الكتب.
الموضوع الثاني: من عرف نفسه فقد عرف ربه.
استعرضت في هذا الفصل الأسباب المؤدية بالإنسان إلى التنكر لخالقه والإعراض عن دينه. وأهمها:
- جهل الإنسان بنفسه.
- جهله بدوره في هذا الكون.
- شدة حاجته إلى من يمده بأسباب الحياة.
- صلته بهذا الكون ونوعية العلاقة به.
كلها عوامل - إن فقهها الإنسان - تؤدي به إلى التسليم لله تعالى بالخلق والأمر والحاكمية.
الموضوع الثالث: توحيد الله تعالى.
وفيه: أن الله تعالى هو الحقيقة المطلقة التي يتطلع إليها الإنسان.
- تحاليل بعض معاني الألوهية والربوبية.
- التعرض للإسم والصفة، وكل ما له صلة بتنزيه الباري عزوجل.
يتلو ذلك : متممات الإيمان بالله تعالى. (1/4)
صفحة 5
إذ لا يتم إيمان المرء إلا إذا صدق يقيناً بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره انه من عند الله.
الموضوع الرابع: عوارض في طريق الإيمان.
كان التركيز فيه على مسألة " الشيطان " العدو اللدود للإنسان، وما ينتج عن وسوسته المهلكة من زيغ عن الحق وانتشار للرذيلة، أضيف إلى ذلك جنوح الإنسان إلى حب الدنيا وزخارفها. والأثر السلبي لذلك على مكانته في هذه الأرض كخليفة مفوض من الله تعالى بالسير فيها بالإعمار والإنماء.
وقد توقفت في هذا العنصر قليلاً لأصحح المفاهيم حول الدنيا. مفاهيم متناقضة في أذهان الناس انغرست في رؤوسهم بسبب تأويلهم لبعض الآيات الكريمة أو الأحاديث الشريفة تأويلاً لا يستقيم وروح التشريع الإلهي العظيم.
الموضوع الخامس : عدة المؤمن.
موضوع كبير جداً ، اختصرته في بعض العناصر الهامة والتي لها صلة بالاعتقاد، والعمل، والسلوك.
مع بيان مسألة التوبة وما يتصل بها من الأركان والشروط.
هذا - أخي القارئ - جهد المقل. بحث صغير ، وتجربة أولى أقدمها بين يديك.
هي مجرد خواطر تجول في النفس. أردت أن أعرضها على كل مسلم غيور على دينه، محب لربه ولرسوله، ليطلع عليها، ولينظر فيها نظرة الفاحص المتدبر، الناقد المتبصر، ليحدد نقائصها، ويدون أخطاءها ويشخص فيها مواطن الضعف. وليسارع بها إلي، فإني شديد اللهفة إلى النصيحة والتوجيه.
ورحم الله من أهدى إلي عيوبي.
أسأل الله تعالى أن ينفعني به وينفع المسلمين. كما أسأله أن يتجاوز عن زلاتي إنه نعم المولى ونعم المعين.
والله من وراء القصد. وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء المرسلين وعلى آله وصحابته ومن استن بسنته إلى يوم الدين.
والسلام…
أبو رضوان عاشور
مسقط في 14 ربيع الآخر 1414 هـ
30 سبتمبر 1993 م (1/5)
صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
اللهم صل التوفيق بقولي والتصديق بعملي واليقين بقلبي ولا تكلني إلى نفسي وقوتي ولا تحل بيني وبين ما يقربني منك ويدنيني من بابك ويدخلني جنتك ويجيرني من عذابك.
يا ذا الجلال والإكرام…
تمهيد
- إيقاظ الضمير الإيماني في الإنسان وتعميقه في النفوس.
خلق الله عزوجل الإنسان فكرمه على جميع من خلق، وجعل له عقلاً وسمعاً وبصراً، وميزه على غيره بالقدرة على اكتساب العلوم والمعارف ليسير في الأرض بتدبر وتفكر وتأمل ليصل بذلك إلى التعرف على خالقه وباريه والمنعم عليه.
وحذره من الجهل والغفلة والانحدار إلى دركات الحيوان أو المخلوقات التي لا عقل لها، ونبهه إلى أن أخطر عدو يواجهه على هذه البسيطة إنما هو الجهل، لأنه يؤدي به إلى اختلاط المفاهيم وغياب الرؤية الصحيحة للأشياء ويرديه في مهاوي الشرك والباطل، ويزج به في متاهات الأهواء والضلالات فلا يثبت على حال، ولا يستقر على رأي، بل يصبح عدو نفسه، حرباً عليها، وإلباً على البشرية. فهو في حال لا يجد استقراراً، بل مثله كمثل من يهوي من شاهق يتمزق أشلاء في طبقات الهواء، فتقذف به الريح بعيداً عن الأنظار في مكان سحيق وهوة لا قرار لها.
( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) الحج: 31
فمن أشرك بالله تعالى، أو تخلى عن دينه، وأصر على غلوانه وزيغه، فقد هوى من أفق الإيمان السامق إلى دركات الفناء والانطواء، لأنه فقد القاعدة الثابتة التي يطمئن إليها: قاعدة التوحيد المطلق والتسليم الكامل بالخلق والأمر لله عزوجل.
( ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) الأعراف: 54 (1/6)
صفحة 7
والأمة الإسلامية مرت بفترات قاتمة خلال الفترات المتأخرة من تاريخها، انفصمت فيها عرى الإيمان، وأحدثت فيه ثغرات سببها الجهل بدين اله القويم ، أدى كل ذلك إلى افتقادها لتوازنها وانفراط عقدها وتشتت وحدتها وكيانها.
حشيت أفكار العامة بالخرافات، وعشش الكلل في العقول، فتوقف الإبداع في كل المجالات العلمية والعملية، ووهنت الأجسام عن العطاء وأصبحت الأمة التي شرفها الله بالإسلام متأخرة عن الركب، ركب التطور الحضاري الذي يمليه عليها دينها.
ولتعود الأمة إلى سالف مجدها وتتكامل شخصية المسلم الإسلامية اعتقاداً وسلوكاً وعملا، فقهاً ووعياً وممارسة لا بد من إيقاظ الضمير الديني في المسلم وتغذية الروح الإيمانية بمبادئ الإسلام السمحة وتجلية الغامض، وإرشاده إلى صراط الله المستقيم بالحكمة والموعظة الحسنة والمهج القويم.
ولكي نعود بالمسلم إلى طريق النجاة ، ونطهر قلبه وحسه من أدران الأفكار، لا بد من خوض غمار العلم والمعرفة وفتح العقول والأبصار عليها.
إن العلم جلاء النفوس من خبث الآثام، ومبصر العقول ومنجيها من ضلالات الأفكار الزائغة، ومنقي القلوب من وساوس الأوهام وأباطيل الشيطان.
لأن العلم يؤدي إلى معرفة النفس على حقيقتها في مختلف مجالاتها، في جانب ضعفها وجانب قوتها.
لتكون سبيلاً إلى معرفة خالقها وباريها التي تثمر المحبة لله فتعطيه وتعمل بشرعه، كما تثمر المحبة لمخلوقاته.
وقد جاء كتاب الله العزيز يسوق الناس إلى طلب العلم، ويحرضهم عليه ويأمرهم أن يوطنوا أنفسهم على اكتسابه مبيناً أن بالعلم يصلح اعتقادهم وبه تصلح عبادتهم وأعمالهم.
فنزلت أول آية على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( اقرأ باسم ربك الذي خلق.. خلق الإنسان من علق.. اقرأ وربك الأكرم .. الذي علم بالقلم.. علم الإنسان ما لم يعلم ) العلق: 1/5
وقد جاءت هذه الآيات إشارة إلى طلب العلم، وإعلاناً بأن الإنسان لا يصلح أمره إلا به. (1/7)
صفحة 8
كما بين القرآن الكريم أن العلم غذاء العقول، به تدرك الحياة وتعقل ما فيها وتبصر طريق الحق فتتبعه.
وقد ضرب الأمثال للناس إرشاداً لهم إلى الحقيقة المطلقة، حقيقة التوحيد فقال سبحانه وتعالى:
( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) العنكبوت :43
ومدح الله تعالى المؤمنين بأنهم يخشونه حق الخشية ويسلمون له الأمر من قبل ومن بعد في خشوع واعتراف له بذلك سبحانه فقال تعالى:
( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فاطر 28
وقال أيضاً:
( والراسخون في العلم يقولون آمنا به، كل من عند ربنا، وما يذكر إلا أولوا الألباب ) آل عمران : 7
إن الإنسان لا يستنير فكره إلا بالعلم والتعلم وحسن الأدب وكثرة التجارب، ولا تحسن عبادته إلا به، وبالتالي لا تصلح حياته إذا لم يصلح إيمانه، وإذا فسد إيمانه حبط عمله وخرج من الدنيا بلا ثواب.
وقبل أن نخوض في بيان مسألة التوحيد فهماً وتأصيلاً، لا بد أن نبين مسالكها، ونوضح طرقها ونحدد مفاهيمنا إزاءها على ضوء الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة النبوية العطرة التي لا يضل من يتمسك بها.
كما نستعين في ذلك بما كتبته أقلام العلماء ورجال الفكر في هذا المجال ونستفيد من الثروة العلمية التي خلفوها لنا جزاهم الله عن الإسلام خيراً.
إن طرق الإيمان كامنة في الإنسان نفسه وهي خصائص جوهرية ميزه الله تعالى بها عن سائر المخلوقات، فجعل فيه مقومات الإيمان ووسائل المعرفة، جعل له فطرة وعقلاً وسمعاً وبصراً ليطل بها على العالم الذي يعيش فيه ويعرف بها ربه.
( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) النحل: 78
وفي كتاب الله تعالى دعوة صريحة إلى تحريك هذه الوسائل نحو كشف مكنونات هذا الكون والبحث في خفاياه عن أسرار عظمة الخالق وقدر المدبر الحكيم.
يقول تعالى: (1/8)
صفحة 9
( وفي الأرض آيات للموقنين.. وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) الذاريات: 20/21
والقرآن الكريم حافل بالآيات التي تصف هذا الإنسان وترشده إلى مواطن الإعجاز في خلقه وتكشف له عن أسراره المكنونة في أعماقه.
( ألا يعلم من خلق وهو اللطف الخبير ) الملك: 14
1- الفطرة بذرة الإيمان في الإنسان:
خلق الله تبارك وتعالى الإنسان بإتقان وحكمة، جعل فيه سمعاً وبصراً وعقلاً، وخلق فيه الشهوة وأنعم عليه بالحياة لينعم فيها بملذاتها وبوأه الأرض مستقراً له يغترف من خيراتها، وميزه عن سائر المخلوقات بالتكليف ليكون خليفة له في أرضه فجاء مخلوقاً سوياً.
( الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين.. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين.. ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) السجدة: 7/9
فطر الله تعالى الإنسان على معرفة ربه وركبه على كيفية وافية تجعله قادراً على إستيعاب معنى الإيمان والاقبال على الإله الخالق بطبيعة راغبة وتركيب جبلي محفوز.
- معنى الفطرة:
الفطرة شعور داخلي عميق في الإنسان ينزع به إلى التدين والخضوع للواحد القهار.
وقد حاول العلماء تعريف الفطرة والكشف عن أسرارها لكنهم لم يصلوا إلى تحديد كنهها واكتفوا بإيراد تعريفات تقرب المسألة إلى الأذهان نحاول أن نعرض بعضاً منها:
أ - التوحيد: وهو قول كثير من العلماء مستدلين بالآية الكريمة:
( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) الروم: 30
ب - الابتداء: إن الله تعالى ابتدأ الخلق للحياة ة الموت. واسم " الفاطر " يعني المبتديء الذي أنشأ الخلائق والكائنات والأشياء ابتداءً من غير أن يكون له في ذلك شريك ولا ند ولا معين. (1/9)
صفحة 10
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: لم أكن أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر. فقال أحدهما: أنا فطرتها. أي ابتدأتها ولم يسبقني إليها أحد.
جـ - الخلقة: أي يولد المولود مفطوراً على التدين ومطبوعاً عليه.
قال صلى الله عليه وسلم:
" ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه.."(1)
ويعرفها بعضهم بأنها مجموعة الغرائز والحاجات والميول لدى الإنسان وهي أصيلة في الإنسان مغروسة فيه.
أو هي بمثابة الجوهر الذي يؤلف حقيقة الإنسان ليصير كائناً مفضلاً متميزاً.
وعلى ضوء هذه التعريفات يتبين لنا أن الفطرة شيء نحس به داخلنا ولكننا لا نفهم كنهه.
ومهما حاولنا أن نفسر ذلك الإحساس فإننا لا نستطيع أن نصل إلى حقيقته التي تبدأ معنا عندما نولد، وتبدأ عملها مبكرة قبل الحواس. فالحواس قد يتأخر عملها أياماً وأسابيع حتى تستقر لدى المولود غير أن الفطرة شعور باطني يبدأ منذ أن يطل المولود على الدنيا بكيفية يحس بها ولا يلمسها.
فالرضيع مثلاً عندما تناوله أمه ثديها يلتهمه بشهية بالغة وتبدو على وجهه علامات الرضا والارتياح.
كيف عرف أن في الثدي غذاءه! شيء نلمسه؟ ونحس به، ولكن لا نستطيع أن نعبر عنه لأنه عالم داخل النفس بل هو كامن في أعماقها؟
بخلاف الحواس فإننا نفهم بواسطتها العالم الخارجي، وهي التي تعطينا المعلومات الكاملة عنه، وصفاته التي نطلقها عليه فيما بعد.
والطفل الرضيع يحس بالجوع والعطش، ويعبر عن ذلك باكياً. ويحس بالدفء والحنان في أحضان أمه، ويعبر عنه بالارتياح والتبسم، كلها أحاسيس داخلية يعبر عنها الطفل بأشكال متعددة نراها على قسمات وجهه أو في حركاته.
وإذا تتبعنا هذه المشاعر الداخلية بالملاحظة الدقيقة نجد أن أقواها الاحساس بوجود الله تعالى والرغبة في الخضوع له. هذا الاحساس الداخلي في الانسان يؤكد وجود قوة بداخله تدفعه إلى أن يشعر ويحس بوجود الخالق تبارك وتعالى.(2) (1/10)
صفحة 11
وهذا الإحساس يقيني ولكن لا تدركه حواسنا لأن كلمة الله أو وجود الله فوق قدرات الإنسان المحدودة.
فالحواس تتصور وجود الله تعالى وتحس بوجود قوة خارقة أحدثت هذا العالم لكنها لا تدرك كنهه فسبحانه:
( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) الأنعام : 103
فذات الله تعدت في عظمتها وجلالها حدود العقل وهي خارج نطاق الحواس .وتبقى الكلمة لما في داخل النفس لتقول لنا: إن هذه القوة موجودة داخلها والنفس تفهم وتحس بوجودها.(3)
وهذا الإدراك أو هذا الشعور الباطني هو أصح وأدق من أي شعور بل هو يقيني في باطن الإنسان إذا لم تشبه شائبة أو يكدر صفوه مكدر.
قول أبو حامد الغزالي: إن وراء الإدراك الحسي والعقلي إدراكاً أصح وآمن وأدعى للثقة.(4)
وقد يظن البعض أن الشعور الباطني داخل النفس الكافرة قد إنطمس وانتهى أمره. وهذا خطأ. إن بذرة الإيمان يخبو نورها ويضعف فعلها داخل النفس البشرية بسبب طبقات الآثام المتراكمة عليها وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الحالة بقول الحق عزوجل:
( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) المطففين: 14
وإنك ترى أكبر الملحدين حين تنزل به النازلة لا يقوى على دفعها - من خطر عظيم يتعرض له، أو داء عضال يصيبه - لن يتردد في التطلع إلى السماء والرجوع عن غلوانه وعناده فيدعو الله من أعماقه ويرجو النجاة من البلاء مما يدل على أن التدين غريزة غي الإنسان لا يمكنه أن يتخلص منها أو يعيش بدونها، وكيف ينفصل عنها وهي تمثل جوهره الذي يؤلف حقيقته.
---------------------------------------------
1 : صحيح البخاري - الجزء الرابع - دار المعرفة - بيروت - ( باب في القدر ص 144 ).
2 : محمد متولي شعراوي: الله والنفس البشرية - دار الحكمة - بدمشق ص 8.
3 : نفس المرجع السابق- ص8 (1/11)
صفحة 12
4 : عبد الأمير الأعم : كتاب: الفيلسوف الغزالي- ط: دار الأندلس- بيروت 1981 م - ص112
---
إن الشعور بضرورة التدين أمر فطري لا مناص عنه- كما أسلفنا - ولا أدل على ذلك من الممارسات العبادية التي تمارس في عدد من البلدان كالهند مثلاً. هذا البلد الكبير الذي يصل فيه عدد المعبودات إلى الملايين... مما يدل لنا على أن الإنسان بفطرته شعر بضرورة التعبد لقوة معينة يلجأ إليها وقت الضرورة.
أما معرفته الحقة لهذه القوة فهو أمر يتوقف على عدد من العوامل، سيتم التعرض لها لاحقاً إن شاء الله تعالى.
وتأمل قوة الحق عزوجل متحدثاً عن أولئك الذين انطمس نور الإيمان من قلوبهم، ولما وقعوا في مأزق الهلاك تحركت الفطرة ملتجئة إلى باريها:
( هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ) يونس: 22
وانظر إلى فرعون الذي طغى في الأرض بغير الحق وقال:
( أنا ربكم الأعلى ) النازعات: 24.
لا يتوانى عن إعلان الإيمان بالله وحده عندما نزل به البلاء .
( حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين ) يونس: 90
تلك هي الفطرة التي تقوم على التوحيد وهي عنوان التدين الصحيح في الإنسان ومركز اليقين.
والمدارك الحسية والعقلية معاً لن تستطيع أن تكشف ما يرنو إليه المؤمن في بحثه الدائب عن اليقين.
ذلك أن معارفها نسبية . والعقل لا يستطيع أن يستوعب جميع المعارف ويفسرها، " ولن يستطيع الكشف عن جميع المعضلات " (5).
والأدلة المادية لا تسعفه ليستقر على رأي واحد والحال " إن أدلة العقل متعارضة " (6). (1/12)
صفحة 13
لذا فالمعقول في معرفة اليقين في خطواته الأولى على الفطرة ومقرها القلب، " والقلب هو باطن النفس ومكان الإرادة " (7).
ولتأمين طريق الوصول إلى الإيمان والحصول على اليقين لا بد من المحافظة على الفطرة سليمة نقية حتى لا تشوبها شائبة ولا تكدر صفوها أدران الإثم والفواحش.
وهذا أمر صعب المنال، لا يحصل للمرء بيسر، والحال أن الطريق إلى ذلك تعترضه عقبات كأداء وتحفه مخاطر جمة. فكيف السبيل إلى ذلك إذن؟
لوتتبعنا المنهج الإسلامي الذي يحرص على تربية الإنسان على التوحيد في صفاته ووضوحه لوجدناه من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، يرسم طريقاً مستقيماً للوصول إلى الهدف المنشود وفقاً للخطوات الآتية:
- الإقرار التام بالغرائز التي جبل عليها الإنسان وأصبحت جزءاً منه. ومن يستطيع أن ينكر أن الإنسان مزود بغرائز عدة وميول جمة طبع عليها تتصارع بداخله وتتدافع.
طبع الإنسان على حب المال : ( ويحبون المال حباً جما ) الفجر: 20
كما جبل على حب النساء والأولاد:
( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ) آل عمران: 14.
خلق الإنسان وبداخله نازعان يتجاذبانه: نازع الخير ونازع الشر:
( فألهمها فجورها وتقواها ) الشمس: 8.
وبهذا التدافع يتحقق الإعمار في الأرض وتنطلق الطاقات كلها في تزاحم لتثبيت ذاتها وبقاءها.
( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) البقرة: 251.
وهنا تظهر حكمة الله تعالى العليا في الأرض من اصطراع القوى وتنافس الطاقات وانطلاق السعي في تيار الحياة المتدفق الصاخب.. ولولا في طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها أن تتعارض مصالحهم واتجاهاتهم.. لتنفض عنها الكسل والخمول.. لتظل أبداً يقظة عاملة.. وليكون الصلاح والخير والنماء.. وتعرف الحق الذي بينه الله لها.. وتعرف طريقها إليه واضحاً - لولا هذه الطبيعة لتوقف الإعمار ولفنى الخلق.(8). (1/13)
صفحة 14
إن الإقرار الكامل بأصالة هذه الفكرة في الإنسان وجبلية هذه الطبائع والغرائز المتدافعة فيه بداية الانطلاق نحو الحفاظ على مقوماتها وتحقيق مطالبها المشروعة، فلا بد إذن من:
- مسايرة الفطرة بحسن التنمية والإشباع والإرضاء. وذلك بتزويدها بكل ما من شأنه أن يدعم مسيرتها نحو بلوغ الحقيقة المطلقة : حقيقة التوحيد والتصديق بالوحدانية.
وفي الإسلام منهج رائع لإحاطة الفطرة بالرعاية ، يسوقها نحو الخير سوقاً هادئاً لطيفاً.
فبمجرد مجيء المولود إلى الدنيا نسمعه كلمة التوحيد، فيؤذن له في الأذن اليمنى ويقام له في اليسرى بصوت هادئ.
والقضية هنا رمزية جداً فيها تعهد من الوالدين على تربية المولود في أحضان الطهر وتحت ظلال التوحيد، بعيداً عن أرجاس الوثنية وغواية الشيطان.
قال صلى الله عليه وسلم : " من ولد له مولود فليأذن في أذنه اليمنى بأذان الصلاة وليقم في أذنه اليسرى فإنها عصمة من الشيطان " الطحاوي.
كما يؤمر المرء بأن يتابع نمو الطفل بالمحبة والرحمة والمؤانسة والمداعبة اللطيفة .وفي الحديث:
" أحبوا أبناءكم وارحموهم، وإذا وعدتموهم فوفوا لهم، فإنهم لا يرون إلا أنكم ترزقونهم " الطحاوي.
وعنه عليه السلام أيضاً : " ومن كان عنده صبي فليتصاب له " ابن بابوية وابن عساكر.
أي فليعامله حسب عقله ويشاركه في مزاحه ودعابته. ثم يربى الطفل على حب الله وحب الرسول وعلى تلاوة القرآن.
عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته(9)، وتلاوة القرآن إن حملة القرآن في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه " الطبراني. (1/14)
صفحة 15
ولا يزال الولد يتدرج في الحياة والرعاية تحاط فطرته بالتربية الحسنة والأدب القديم وتغذى بروح الإيمان والحب لله وللرسول للمؤمنين. حتى يدخل مرحلة التكليف وقد استعمل أسباب الطهر ومقومات الإيمان فينشأ إنساناً صالحاً لنفسه ولدينه ويصير عضواً فاعلاً في الأمة يسعى إلى خيرها ويذود عن حياضها فيعز في الدنيا ويفوز بالجنة والرضوان في الآخرة.
-----------------------------------------------------------------------------
5 : أبو حامد الغزالي: المنقذ من الضلال - ص 108.
6 : عبد الأمير الأعم : كتاب: الفيلسوف الغزالي- ط: دار الأندلس- بيروت 1981 م - ص119
7 : عبد الأمير الأعم : كتاب: الفيلسوف الغزالي- ط: دار الأندلس- بيروت 1981 م
8 : سيد قطب : في ظلال القرآن- الجزء الأول- دار الشروق- بيروت 1405 هـ/1985 م- ص 270- بتصرف.
9:آل البيت بمعنى أهل البيت وقد أثنى الله تعالى عليهم بقوله ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) الأحزاب: 33.
* ويراد بآل البيت أيضاً كل من كان على نهج الإيمان والإسلام وفي الحديث " آل محمد كل تقي ".
آل النبي هم أتباع ملته ... من الأعاجم والسودان والعرب
لو لم يكن آله إلا عشيرته ... صلى المصلى على الغاوي أبي لهب
---
2- العقل نور الهداية ومناط التكليف:
العقل هو النقطة المركزية في الإنسان ومقر القيادة له.
و قد جاءت تعريفات للعقل نذكر منها ما يلي:
- قيل هو نور ريحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية(10) وهو جانب الإنسان الركين الذي يكون به قوام التصرف والنشاط، وهو قوام الحركة والتفاهم بين الناس.
وكثيراً ما يعبر القرآن الكريم بالقلب وبالفؤاد عن مجموعة مدارك الإنسان الواعية، وهي تشمل ما اصطلح على أنه العقل(11).
قال تعالى:
( لهم قلوب لا يفقهون بها ) الأعراف: 179.
وقال أيضاً: (1/15)
صفحة 16
( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ) الحج: 46.
وقال أيضاً:
( قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون ) الملك: 23
وهذا العقل يكبر حجمه، وتعظم أهميته بحجم المعارف ونوعها وكيفيتها، حيث أنها تنمي في الإنسان القوة في الإدراك والتفكير، والسعة في الأفق والتبصير.
وكلما كانت المعارف غزيرة في حجمها وكميتها، جليلة في نفعها، أضفت على العقل البشري فيضاً من سعة الدراية ونضج الإدراك وأعطته وعياً ساطعاً في الذهن يرتفع بالإنسان إلى مستوى الإنسانية التي خلق لها والمسؤولية التي أنيطت بعهدته.
ويعتمد العقل في معارفه اعتماداً يكاد يكون كلياً على الحواس التي تمده بالمعلومات عن هذا العالم الخارجي وهي بوابات يطل بها على هذا الكون يتطلع بها إلى الحقيقة، وأعظم حقيقة في هذا الوجود هي معرفة الله الواحد الأحد، قيوم السماوات والأرض وما فيهن.
وهنا لا بد من المحافظة على العقل والعناية به بطريقة سليم تحفظه من اختلال توازنه أو انطماس نوره.
وقد عني الإسلام عناية خاصة بالعقل، تمثل ذلك في وضع التشريعات التي تضمن سلامته. كما تظهر في الدعوة المباشرة للعقل في التدبير والتفكير والتأمل. بل يلاحظ أن القرآن الكريم ترك أمر قبول دعوة التوحيد إلى الاقتناع العقلي، إذ أنه إذا ما استخدم العقل استخداماً سليماً فإنه كفيل بأن يقود صاحبه إلى السير في الطريق الصحيح.
فالعقل سبيل الوصول إلى إدراك عظمة الله تبارك وتعالى كما أشرنا، فلا بد إذن من تأمين مسالكه لتنكشف له الأشياء انكشافا تاماً تعطيه القدرة على أداء مهمته خير أداء.
ولا سبيل إلى ذلك إلا باتباع الخطوات التالية:
- وقاية العقل من كل مسكر من مأكل أو مشرب، ومن كل رجس يلوث صفاءه كالخمر وأنواع التبغ والمخدرات وهي أوبئة تخمر العقل وتفقده توازنه وثباته.
وقد جاء في الحديث الشريف: " إن العبد إذا شرب شربة من الخمر أسود قلبه " (12). (1/16)
صفحة 17
وإذا أسود قلب المرء وزاغ عقله صد عن ذكر الله ومال إلى الشيطان وابتعد عن منهج الله تعالى:
( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) المائدة: 91
- حفظ العقل من الأفكار الزائفة والأساطير الخيالية الباطلة.
نزل القرآن الكريم ليطهر عقول الناس منها بالقصص الحق والخبر الصادق,
( إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم ) آل عمران:62
- تزويد العقل بالعلوم الصحيحة وتلقينه أسس الاعتقاد الصحيح ومبادئ الشريعة السمحة.
- توجيه العقل إلى الكون ينظر فيه ويتدبر معالمه ، وإلى الحياة يكتشف فيها دلائل الخلق وعظمة الخالق.
وقد وجه القرآن الكريم الإنسان توجيهاً صحيحاً للوصول إلى معرفة الله عزوجل وذلك بالانتقال بالتفكير من الوجود إلى معرفة خالق الوجود. فالكون كله بجزئياته وكلياته ينطق بوجود الله تعالى. فما على الإنسان إلا إن يوجه عقله ليتدبر ذلك الكون لتسري بداخله في النهاية عظمة الخالق القدير وليستشعر عظمة المدبر الحكيم.
والله جل جلاله يملأ وجوده الكون وما فيه!
( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم ) الزخرف: 84.
بل كل ذرة في هذا الكون تنطق بوحدانيته تعالى وتعرب عن هيمنته المطلقة التي تحيط برجاء الوجود من أطرافه ومن أقصاه إلى أقصاه.
( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) البقرة: 164.
---------------------------------------------
10: السيد محمد رشيد رضا: الوحي المحمدي _ ط: عز الدين للطباعة والنشر - بيروت 1406 هـ. (1/17)
صفحة 18
11: سيد قطب: في ظلال القرآن - المجلد الرابع - ط: دار الشروق 1405 هـ/ 1985 م.
12: نقلاً من كتاب رائعة السائلين للإمام الترمذي - ط: دار الفكر اللبناني 1992م - ص 20.
---
وكثيراً ما يوصينا القرآن الكريم بالتفكير في خلق الله والوقوف بالعقل في المجال الذي خصص له ويحذرنا من التفكير في ذاته، وقد حاول بعض المفكرين من قديم الزمان التفكير في ذات الله فتاهت عقولهم، فضلوا و أضلوا.
وكذلك الشأن بالنسبة للملحدين والدهريين، طلبوا من الأنبياء والمرسلين أن يكشفوا لهم عن ذات الله.
( أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ) الإسراء: 92.
محاولة منهم الإيقاع بهم وتحويلهم عن الهدف الذي بعثوا من أجله، فخابوا، وفشلوا، لأن هؤلاء المرسلين مؤيدين بالوحي.
- فهذا فرعون يقول لموسى طالباً منه الكشف عن المحال
( قال فرعون وما رب العالمين ) الشعراء: 24
فيحول موسى عليه السلام الجواب إلى المجال الذي يدركه العقل ويفهمه:
فيقول: ( قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ) الشعراء: 24
وهؤلاء بنو إسرائيل تغلب عليهم شقوتهم وتطمس أبصارهم فيسألون رؤية الله جهرة ويجعلونه شرطاً لإيمانهم.
( وإذا قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) البقرة: 55.
فينزل عليهم غضب الله لأنهم سألوا ما لم يدرك كنهه عقل أو تتحمله أبصار.
( فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون ) البقرة 55.
وهؤلاء المشركون في مكة يكالبون محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله ماثلاً أمامهم فيصرفهم ويردهم عن غيهم بقوله:
( سبحان ربي هل كنتُ إلا بشراً رسولاً ) الإسراء: 93
فعقل الإنسان محدود الطاقة والإقتدار وأنى يدرك اللا محدود ؟! (1/18)
صفحة 19
والدافع إلى مثل هذه المطالبات إنما هو العناد فحسب . وإلا فإن العقل السليم إذا ما وظف التوظيف الأمثل فإنه ما يلبث أن يدل صاحبه على ضالته .. وصاحب العقل السليم يدرك الحدود التي يقف عندها العقل لأن خالق الإنسان أعلم بحاجته ، وبالتالي فإنه أعطاه القدرات التي هو بحاجة إليها في الإطار المحدود فوجه بصره إلى عالم الشهادة يتدبر معالمه.
وقد جاء في الحديث الشريف:
(تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذاته فتهلكوا)
وفي رواية: (فإنه لا تحيط به الفكرة).
والنفس التي تحس بوجود الله تبارك وتعالى إحساساً يقينياً، وفكرة الإلوهية أعظم من أن تدركها الحواس وبالتالي فإن العقول لا تدرك كنهها لأنها تستمد المعرفة من بوابات الحواس التي تطل على العالم الخارجي الذي أوجدته القوة الخارقة والقدرة الإلهية المطلقة، وهذه القدرة هي خارج نطاق العقل المحدود.
وقد حاول فلاسفة اليونان معرفة الله تعالى واسعملوا عقولهم في المون فأدركوا أن هناك قوة مهيمنة على هذا الكون، ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد بل دفعهم فضولهم المفرط إلى ما وراء الطبيعة وحاولوا أن يكشفوا أستار الغيب لكنهم ضلوا سواء السبيل لأن ذات الله تعالى لا تدركها العقول ، وهي ذات لا تقوى الأبصار والأفكار والأذهان على إدراكها واستيعاب حقيقتها:
( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) الأنعام: 103
والإسلوب السليم في هذا المجال هو البدء من القاعدة ليتسنى الوصول إلى القمة.
يبدأ المرء بالتفكير في ملكوت الله ليصل إلى معرفة سنن الخالق في الكون. فيعلم أن الصنعة لابد لهامن صانع والخلق لابد له من خالق، وأن كل ذرة في الكون تدور حول محور الحالجة إلى المدبر الذي أتقن الصنعة.
( صُنعَ الله الذي أتقن كل شيءٍ ) النمل: 88
لذا فإن العقل يدرك أن كل صغيرة أو كبيرة في الكون قد أحيطت برعاية عجيبة وعناية فائقة تنطق بالواحد الأحد الذي خلقها وتسبح له. (1/19)
صفحة 20
( وإن من كل شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) الإسراء: 4
( ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صفت كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليمٌ بما يفعلون ) النور: 41
وإذا فَقِهَ الإنسان بعقله حكمة الصنعة، أدرك أن مصدرها واحد، هو مصدر القوة القادرة التي لا تحدها حدود، لا تشبه المخلوق في شيء، بل هي القدرة المطلقة، القدرة الأزلية التي تؤلف برهاناً للعقل في معرفة الله عز وجل، وهذه الأزلية هي الحقيقة الأساسية التي يفهمها العقل، ويعيها، ويسلم لها، مصدقاً بها، ومعترفاً بعظمتها دون الحاجة إلى الغوص في كنهها.
( وعنتِ الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلماً ) طه:111
3- الوحي شفاء لما في الصدور وجلاء لما في القلوب
إن المعرفة مسالك-كما سبق أن بينا- جعلها الله تعالى في الإنسان لتتعاون على تيسير الوصول إلى تحقيق حاجة الإنسان الملحة. ومعرفة الله تعالى والخضوع له بالعبادة.
والعقل على رأس تلك المسالك يقودها ويوجهها ويحدد أهدافها. والسمع والبصر وسائر الحواس، كلها قنوات لاكتساب المعارف وتكوين الخبرات.
غير أن هذه المسالك كثيراً ما تحدث لها أعطاب، وتصاب بمعوقات تمنع عنها الرؤية السليمة، فتعجز عن أداء مهمتها على الوجه الأكمل، وبهذه العلل يختل توازنها، وتزيغ عن طريق الحق، فلا تدرك الحقائق بوضوح، فضلاً عن إدراك الغيب، وإلا فكيف نفسر وجود الإنحرافات العقائدية عبر التاريخ؟ والناس بين عابد وثن يصنعه بيده، أو خاضع لنار يتعهد اشتعالها بنفسه أو متشبث ببقر لا يقوى على حماية نفسه من الأمراض وما شابهها، لولا ضياع العقل وانطماس الفطرة؟ (1/20)
صفحة 21
وبما أن الله تبارك وتعالى خالق الإنسان وعالم بمكنونات خفاياه ومناطق ضعفه اقتضت حكمته أن يتعهد بالرعاية فيرسل الرسل بالوحي يدعون الناس إلى الله تعالى ويزيلون عنهم تراكمات الأثام، ويعدِلون أجهزة المعرفة فيهم ليبصروا الحقيقة كما هي.
( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينههم عن المنكر ويُحِل لهم الطيبت ويحرم عليهم الخبئِث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئِك هم المفلحون ) الأعراف: 157
هذا هو شأن الرسل يأمرون الناس بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويحلون لهم الطيبات، ويحرمون عليهم الخبائث، ويضعون الأثقال والأغلال عن كواهلهم التي كبلتها الأثام عن النهوض بالحق وتحمل الأمانة.
إنه الوحي الذي يمسح غبار المعاصي عن القلوب فيحييها من جديد ويعيد الصحوة للتائهين والرشد للضالين.
( وإنه لتنزيل رب العالمين .. نزل به الروح الأمين .. على قلبك لتكون من المنذرين .. بلسان عربي مبين ) الشعراء: 192/193
وإذا كانت الفطرة والعقل سبيلين إلى معرفة الله عز وجل فإنهما يبقيان عاجزين عن بلوغ قمة المعرفة دون سند الوحي ودعامته، البلسم الشافي والسند الذي لا يعوج. جاء الوحي يعرض أمر العقيدة ويبين أسسها، ويبين لكل ذي لب أن صلاح هذا الإنسان مرهون بإتباع مبادئه. وأنه لا يمكن أن تفتح مغاليق النفوس إلا بمفاتيح من الله تعالى ولا تعالج أمراضها إلا بالدواء الشافي من الله القدير.
( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) الإسراء: 82
( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) الإسراء: 9
فالوحي مع العقل كنور الشمس أو الضوء مع العين، وإذا حجب الوحي عن العقل والفطرة معا شقيت وتاهت في حيرة لا تستقر إلا إذا عادت إلى تعاليم السماء التي تردها عن غيها وترشدها إلى سواء السبيل. (1/21)
صفحة 22
وإذا أرادت هذه الأمة أن تعود إلى صوابها، وأن تتبوأ مكانتها العالية التي أرادها الله لها، وأن تكون أمة رائدة في الخير، قائدة إلى الصلاح، فليس لها من حل إلا أن تعود إلى كتاب الله العزيز تعمر به المساجد والبيوت قراءة وحفظاً، وفقها ليشغل حيزاً من فكرها ويشبع مشاعرها بالإيمان الخالص لله تعالى والعبودية الصادقة له. وكثيراً ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث المؤمنين على تلاوة كتاب الله والجلوس في حلق الدرس للفقه والمعرفة.
يقول عليه الصلاة والسلام:
( وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده )(13)
وفي الحديث أيضاً: ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) (14)
وفيه أيضاً: (علموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو) (15)
---------------------------------------------
13: صحيح مسلم.
14: صحيح البخاري: الجزء الثالث-دار المعرفة- بيروت-فضائل القرآن-ص232.
15: الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب- الناشر: مكتية الإستقامة-مسقط-ص7.
---
وقبل ذلك نرى الوحي يدعو الناس إلى تلاوة القرآن وإمعان النظر فيه بالتدبير والفهم الواعي:
( أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها ) محمد:24
والقرآن الكريم هو منبع كل خير ومطلع الهداية، أخرج به الله تعالى أمة من الموت إلى الحياة ومن الظلمات إلى النور.
( يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال: 24 (1/22)
صفحة 23
( إنها دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة وبكل معاني الحياة، إنه يدعوهم إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول وتطلقها من أوهاق (16) الجهل والخرافة، ومن ضغط الوهم والإسطورة، ومن الخضوع المذل للأسباب الظاهرة، والحتميات القاهرة، ومن العبودية لغير الله والمذلة للعبد أو للشهوات سواء)(17)
وبالحي تصفو النفوس من أكدار الحياة، تطهر من أرجاس الشهوات، وتستقيم العقول على ما يرضي الله عز وجل، فيحس الإنسان بكيانه وذاته ويشعر بدوره في الحياة الدنيا لينال في النهاية سعادتها وعزها والنعيم الأبدي في جنة الخلد يوم القيامة.
ولقد وصف الرسول صلى الله وعليه وسلم القرآن الكريم وصف العارف به:
(ستكون من بعدي فتن كقطع الليل المظلم).
قيل: يا رسول الله وما المخرج منها؟
قال: (كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم ، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم.
هو الفصل ليس بالهزل، ومن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقصي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذا سمعته أن قالوا:
( إنا سمعنا قرءاناً عجباً ) الجن: 1
(من علم علِمَه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجِرْ ، ومن دعا إليه هُدِي إلى صراط مستقيم) رواه الإمام أحمد والترمذي.
ففي الحديث الشريف إحاطة دقيقة بصفات القرآن الكريم.
ففي وحي الله المنزل على رسوله كل ما يحتاج إليه الإنسان:
- من عبر يستفيد بها ممن مضى من الأمم السالفة.
- وخبر يتطلع إليه من وراء حجاب المستقبل الغيبي.
- وحكم يقيم عليه علاقته ببني جنسه. (1/23)
صفحة 24
فوحي الله هو الحبل الذي يصل المؤمن بخالقه، والنور الذي لا يضل من استبصر به، والصراط المستقيم الذي لا يذل من سلكه، والعصمة لمن تمسك به، والنجاة لمن أتبعه.
وقد سبق أن أشرنا إلى أن الفطرة تدفع الإنسان إلى الشعور بضرورة التعبير، وأن العقل يعين على معرفته من خلال تسريحة في التأمل والنظر ليعود مؤكداً وجود الخالق المستحق للعبادة.
ولكن كلا من الفطرة والعقل وسائر الحواس تظل عاجزة عن تحديد صفات هذا الخالق، وكذلك عن كيفية ما يستحقه من عبادة أو ما يريده من هذا المخلوق الذي يدرك أيضاً أنه لم يخلق عبثاً .. وبالوحي وحده يمكن التعرف على الخالق وعلى تشريعاته .. والقرآن الكريم، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هما مصدرا البشرية، حيث أن المسلم يجعل منهما دستوراً لحياته.. ويمكن لكل عاقل، باحث عن الحقيقة أن يرجع إليهما ليصل إلى تلك الحقيقة ومستلزماتها.
وهل يبقى من هذا البيان مجال للشك في أن وحي الله تعالى هو الشافي من كل داء، والعاصم من الأهواء؟ ألا هو من عودة إلى كتاب الله، وصُلح مع شريعته تعالى؟!
---------------------------------------------
16: أوهاق-وهقه عن كذا حبسه. يقال: القلب"عندكم موهوق أي محبوس"-المنجد في اللغة الاعلام.
17: سيد قطب: في ظلال القرآن- مجلد 3-ط: دار الشروق- بيروت 1405ه /1985 م ص 1494.
---
معرفة النفس طريق إلى الله تعالى
يقول محمد قطب:
" ولنكون على وعي بالإنسان المتكامل، والإنسان الواقعي الذي يعيش بحقيقته المتكاملة في الدنيا لابد أن تضمن لأنفسنا تصور الحقيقة لمكان الإنسان في الكون في الحياة " ( 18 )
إن من لا يعرف نفسه لا يعرف ربه " ومن عرف نفسه فقد عرف ربه" ( 19 ) (1/24)
صفحة 25
مخلوق يجهل هويته ويتخبط في متاهات الجهل والحيرة، لا يجد لنفسه قرارا أو طمأنينة. إن الجاهل بنفسه يعيش متقلب الفكر تعصف به الأهواء يمينا وشمالا، وتكبله آثام الأفكار الزائفة ودنس الشهوات الجامحة عن كل تحرر وإبداع وإيجابية.
فهو تائه كالريشة في مهب الريح لا يقر لهاوأسى:ولا يجد لنفسه استقرار فمثله كمثل صاحب " إيليا أبو ماضي " لا يدري من أين جاء بل يتساءل: متى خلق وكيف خلق ، وكيف كان قبل الخلق ؟ وهو لا يدري إلى أين المصير ؟ وماذا سيصير ؟ ولا يجد لنفسه جواباً فيردد مقولته بلوعة وأسى:
لست أدري ــ ولماذا لست أدري ؟ .. لست أدري.
أي حيرة هذه، وأي قلق تجليه هذه المجاهيل للنفس الإنسانية ؟
بالإسلام وحده يصبح الإنسان يدري، ويجد لكل الأسئلة أجوبة مقنعة للعقل شافية لما في الصدور.
ومن هنا نقول: لا بد للإنسان أن يعرف نفسه أولاً.
------------------------------------------------------------------
18: محمد قطب- دراسات في النفس الإنسانية- ط: دار التراث العربي- ليبيا 1392 هـ / 1972 م ص 30.
19: ينسب هذا القول إلى افمام علي كرم الله وجهه وقيل هو حديث ذكره السراج
( راجع عبد الأمير الأعم: الفيلسوف الغزالي- دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع 1981م - ص 118 ).
---
أ - الإنسان مخلوق ضعيف
قال الله تبارك وتعالى:
( وخلق الإنسان ضعيفا ) النساء: 28
لو تدبر الإنسان في نفسه وفكر في أصله لوجد نفسه مخلوقاً ضعيفاً. أصله من تراب من صلصال من حما مسنون يحمل خصائصه:
( ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) الروم: 20
والقلب المفتوح يشعر بهذا الضعف، وبالصلة بين الإنسان والتراب الذي نشأ منه، ثم يدرك بعدها أن الله تعالى خلقه فسواه ورفعه على تلك الذرات الأولية التي خلق منها فجعله بشراً سوياً. (1/25)
صفحة 26
ويعلم أيضاً انه من نطفة من ماء مهين يودع في قرار الرحم المكين فتتولاه القدرة الإلهية فإذا به بشر سوي:
( ألم نخلقكم من ماءٍ مهين .. فجعلنه في قرارٍ مكين .. إلى قدر معلوم .. فقدرنا فنعم القادرون) المرسلات: 20 / 23
ومن دلائل ضعف الإنسان أيضاً أنه مخلوقٌ شديد التحول والتقلب.
من الصغر الذي يمثل الضعف بأنواعه، إلى الفتوة والشباب، وهي مرحلة القوة في قمتها وعلوها جسدياً ونفسيا ثم الانحدار إلى الشيخوخة والضعف والوهن ثم إلى الموت والله تعالى يبصر الإنسان بمختلف مراحل حياته ويبين له إنه سيمر بها إذا قدرت له الحياة وليس له في الأمر يد أو ذروة من قدره على تغيير هذا المسار المحدد له:
( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبه يخلق ما يشاء وهو العليم القدير) الروم: 54
وهنا لفت الانتباه إلى الخالق الذي يتفرد بالأمر والخلق. وتحذير من مخالفة أمره، أو الأعراض عنه إلى سواه.
وهو كذلك ضعيف أمام شهوات النفس، وملذات الحياة. بل حب الشهوات تعد نقطة ضعف أصلية في كيان الإنسان.
وقد عبر عن هذا الضعف منذ البداية بحيث أكل من الشجرة التي نهي عنها، ولم يستطيع أن يصمد أمام الإغراء أو يقاوم الغواية. قال تعالى:
( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسىَ ولم نجد له عزماً ) طه: 115
لولا أن تداركته رحمة ربه فجبر نقصه وتقبل توبته:
( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) البقرة: 37
وهو ضعيف أمام زينة الحياة الدنيا، والله تعالى خلق الإنسان وسخر له ما في الأرض جميعا ليختبره فيها.
والله تعالى يقول: ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) الأنبياء: 35
( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) الكهف: 7 (1/26)
صفحة 27
وقد ابتلى هذا الإنسان في حياته فضعف ولم ينجح في الامتحان بل عبر عن ضعفه بأشكال متعددة فهذا فرعون يؤتيه الله الملك فينسى المنعم عليه ويسعى فساداً ثم يتطلع إلى ما هو أبعد من ذلك فيقول للناس:
( فقال أنا ربكم الأعلى) النازعات:24
وهو تعبير عن ضعف الإنسان. أوتي ملكاً فنسي أنه جاء إلى الدنيا لا يملك شيئا فتوهم أنه إله. وهذا قارون يؤتيه الله من كنوز الأرض ما تعجز العصبة من الرجال حمل مفاتيح خزانته. فينسى المنعم ويخرج في زينة على قومه ويعلنها قائلاً:
( قال إنما أوتيته على علم عندي ) القصص: 78
وهو تعبير عن نقطة ضعفه حيث أنه لم يستطع أن يصمد أمام المال ومتاع الحياة الدنيا.
ومن هنا نرى أنه بقدر ما ميز الإنسان وكرمه على كثير من خلقه، إلا أن إرادة الله شاءت أن تجعله من أضعف مخلوقاته، فهو يولد عاجزاً عن الرضاع ما لم تساعده أمه على ذلك، ويبقى ينمو ببطء، وتنمو قدراته الجسدية والعقلية، ويظل ضعيفاً أمام كثير من الغرائز التي جبل عليها. ثم يعود في التدريج في الضعف. وفي هذا ما يجعل الإنسان يعتبر.
وإذا كان الإنسان عرضةً للضعف أمام الشهوات، فأنه مزود أيضاً بالقدرة على الإفاقة من الضعف، وذلك باللجوء إلى خالقه وطلب الغوث منه .
إن الشعور بالخضوع إلى قوة الله وعظمته حقيقة نابعة من داخل النفس وهي رغبة فطرية فيها.
والشعور بالضعف والاعتراف به طريق إلى العودة إلى الفطرة السليمة التي لا ترى لها طمأنينة إلا في رحاب الله.
بحيث أن الإنسان يشعر بداخله انه لولا فضل الله عليه أن أكرمه ورفع من شانه لما يستحق إن يكون خليفة له في أرضه فقد جاء إلى الدنيا جاهلا لا يعم شيئا فعلمه الله وجعل له السمع والبصر وآتاه القدر على اكتساب العلم والمعرفة. (1/27)
صفحة 28
(والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والإبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) النحل:78
وجئ عريا لا يملك شيئا فطعمه وكساه وسقاه وسخر له من يحوطه بالرعاية والحفظ.
( الذي خلقني فهو يهدين,والذي هو يطعمني ويسقين , وإذا مرضت فهو يشفين , والذي يميتني ثم يحيين ) الشعراء:78/81
إن الإدراك الصحيح بحالة النفس ينشئ في الإنسان الاعتراف بخاله الذي أنشأه وسواه ويغرس فيه حب المنعم والتمسك بهوالتزام أوامره . فيسلم لله وحده بالخلق والأمر والفضل والأنعام ويخضع له في خشوع وانكسار قائلا: ( إياك نعبد وإياك نستعين ) الفاتحة:5
ويكون من الذين أختبوا لربهم فرضي عنهم.
( إنهم كانوا يسرعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ) الأنبياء :90
فالاعتراف بالضعف إعلان بالعظمة لله وحده والإدراك لقيمة النعم ,شكر للمنعم وحده.
والشكر لله تسليم بوحدانيته وألوهيته وربوبيته وهذا هو المسلك الأقوم للمسلم المخلص.
ب- الإنسان خليفة الله في أرضه
خلق الله تعالى الإنسان وبواه مقام الخلافة وأعمار الاراض ميزه بالعقل وشرفه فحكم الحيوان وقهره وساس الأشياء ودبر واختصه تعالى بالعلم يكتسبه وزوده بأدوات الخلافة.
خلقه تعالى وجعل فيه نازع الخير ونازع الشر وجعله قادرا على الارتقاء إلى أقصى المدى وكذلك جعل فيه عامل الهبوط إلى الحضيض.
( فألهمها فجورها وتقواها , قد أفلح من زكاها , وقد خاب من دساها ) الشمس:7/10
وفي نفس الوقت جعل فيه القدرة على صراع الشر ومقاومته وهي قيمة أساسية من قيم حياته وضرورة من ضرورات أداء الخلافة في الأرض.(20)
فإذا عرف الإنسان نفسه وأدرك أنه مخلوق متفرد عن سائر المخلوقات وأدرك خطورة دوره في الحياة استعد لذلك وتوجه لله وحده يستمد منه العون والرشاد. (1/28)
صفحة 29
وإذا كسب الجولة في صراعه مع الشر استطاع أن يكون موحدا بحق متوجها إلى الله تعالى دون سواه مسلما له بالخلق والأمر والطاعة والرضا.
فلا ينسى الإنسان أن الله تعالى رفع شأنه وأسجد له ملائكته وجعله كائنا عظيم القدر ذا أهمية بارزة في الحياة فهو خليفة الله اختلفت السماوات والأرض بمقدمه وتساءلت الملائكة عن حكمه خلقه واستخلافه.
كل ذلك يعطينا إيحاء بتفرد الإنسان بالأمانه العظمى فليس له إلا أن يعرف المنعم عليه ويمد منه هداة وألا خسر الجولة الأولى في الدنيا وباء بغضب الله عز وجل في الآخرة.
---------------------------------------------
20: محمد قطب : دراسات في النفس الإنسانية- دار التراث العربي- ليبيا 1392هـ / 1972م - ص 31 بتصرف.
---
جـ- الكون مسخر للإنسان
جعل الله تبارك وتعالى الأرض مستقرا للإنسان يتبوأ من خيرات ونعمها كيف يشاء ويسعى فيها بالأعمار فيغرس ويزرع ويبني ويشيد وهي تستجيب له وتعطيه.
(هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور ) الملك:15
( والأرض وضعها للأنام ..فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام .. والحب ذو العصف والريحان ) الرحمن:10/12
وبهذا يعلم الإنسان إن صلته بالكون إنما هي صلة قربى صلة العطاء والتسخير وصله المحبة والتآلف فقد خلق من الأرض ليعيش في مناكبها ثم يعود إليها ليخرج منها مرة أخرى.
( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ) طه:55 (1/29)
صفحة 30
إن بعض الفلسفات المادية تعد الصلة بين الإنسان والطبيعة صله العداء والصراع المتواصل لينتهي بهم الأمر إلى إنكار الخالق المدبر وهذا الفكر الخاطئ نابع من قولهم :إن الحياة تقوم على الصراع عموما .فالريح مدمرات والفيضانات كذلك يلزم إعداد العدة للانتصار عليها والأمراض حرب على الإنسان والسباع عدوة له يجب مقاومتها وهكذا الكل ما في الكون إنما هو في الكون إنما هو في صراع مع الإنسان يدم ما بني ويفسد ما أصلح.
غير إن الفكر الإسلامي الرباني يعطل هذه المقولة ويفندها ويردها على أصحابها ويبين في الوقت نفسه كيف:
خلق الله الأرض وجعلها مستقرا للإنسان.
( ولكم في الأرض مستقرا ومتاع إلى حين ) البقرة:36
وجعل الله تعالى السماء سقفا وزينه وجعل فيها رزق الإنسان. ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) الذاريات:22
( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض) لقمان:20
زين الله تعالى الكون للإنسان وجعله لوحة عجيبة مبهجة تنطق بآيات القدرة المبدعة التي خلقت كل شيء لتدخل البهجة في قلوب الناس ولينعموا بجمالها ويتدبروا حكمتها ويعلموا إن كل ذرة في الكون إنما هي في خدمة الإنسان أئمة على سعادته وإكرامه.
-فالسماء بجمالها والنجوم بضيائها تدخل الإنس في قلب الإنسان والأرض الممتدة المنبسطة مهد للإنسان يسير فيها ويتحرك براحة تامة ليجلب رزقه الكامن بداخلها أو على ظهرها.
-والأرزاق بأنواعها سبيل للعيش والحياة وهي مقدرة في علم الله أبراها للناس حسب سنن الله في كونه.
- والرياح تخدم الإنسان تسوق السحب وهي لواقح بالماء تنزل من السماء سقاء للناس.
يقول المولى تبارك وتعالى: (1/30)
صفحة 31
( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين.. وحفظناها من كل شيطان رجيم.. إلا من استرق السمع فأتبعه شعاب مبين.. والأرض مددناها وألقين فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون.. وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين.. وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم.. وأرسلن الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما انتم له بخازنين ) الحجر:16/22
والآن نستطيع على ضوء ما بينا أن نجزم أن الإنسان المدرك الذي تدبر بعقله في هذا لكون يصل إلى نتيجة عظيمة ألا وهي معرفة الخالق المدبر بعد أن عرف نفسه فعلم أنه مخلوق ضعيف ليس له يد في شيء من الخلق وإذا به يصبح سيد الكائنات والمتصرف في الأرض بالخلافة والتعمير.
أليس ذلك جديرا بأن يجعله عارفا بربه عابدا له متوجها إليه بالحب والإخلاص والخضوع التام في الاعتقاد والقول والعمل؟
- الله وحده هو غاية الإيمان
بعد أن بينا طرق الوصول إلى المعرفة الصحيحة وروافدها التي تساعد الإنسان على بلوغ هدفه الأسمى : معرفة الله تعالى، نصل إلى نهاية المطاف وأعظم الأهداف : وهو معرفة الواحد القدير لنتدرج بالمسلم الكريم في سلم المعرفة خطوة خطوة نسير به نحو الله تعالى ليعرفه حق المعرفة ولتكون صله به تامة غير ناقصة موصولة غير مقطوعة بحيث يستقر القلب على توحيد الله تعالى فيذوق حلاوة الحب ولذة الخشوع له تعالى فالله هو غاية المعرفة وغاية الإيمان.
ولا بد من فهم صحيح لمعنى الألوهية ذاتا وصفاتا وأفعالا.
معنى التوحيد ومكانته في الإسلام
التوحيد لغة: هو الإفراد.
يقال : وحد الله أفراده بالعبادة ولم يجعل له شريكا
والتوحيد شرعا : هو الإقرار بأن الله تعالى واحد لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله وهو يعرف بالجملة.وهذا هو التوحيد الذي دعا إليه رسل الله وأنبياؤه عليهم الصلاة والسلام. (1/31)
صفحة 32
والموحد: هو الذي يصف المولى تبارك وتعالى بالصفات اللائقة بمقامه وينفي عنه تماما مشابهته للأشياء.
( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) الشورى:11
وإيمان المسلم لا يكتمل إلا من طريق توحيد الله تعالى في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله بل ولا يصح إلا بذلك.
فهو واحد لا جنس له ولا نوع له ولا ند له لا يشاركه في الكمال المطلق أي شيء.
بسم الله الرحمن الرحيم ( قل هو الله أحد.. الله الصم.. لم يلد ولم يولد.. ولم يكن له كفؤا أحد ) الإخلاص.
وللتوحيد مكانه عظيمة ومنزله رفيعة في العقيدة الإسلامية بل هو القاعدة الأساسية لكل اعتقاد.
فعبارة التوحيد وهي :لا إله إلا الله,ومحمد رسول الله. شعار الإسلام وعلامة الإيمان الحد الفاصل بين الإسلام وبين الكفر.
والنطق بعبارة التوحيد ينقل المرء من دار الكفر إلى دار الإسلام ويحول الأفراد والجماعات من أعداء متناحرين إلى إخوة متحابين معززين مكرمين يستحقون كل التقدير والتبجيل.
- توحيد الربوبية:
معنى الربوبية:إنه تعالى الخالق الموجد لعباده القائم بتربيتهم وإصلاحهم المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية هو المالك والمتصرف في الكون . قال تعالى:
( قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير ) آل عمران:26
وتوحيد الروبية يقتضي الإيمان القاطع بأن الله تعالى هو المنشيء للخلق أجمعين,إليه ترجع الأمور وهو الراعي والحامي والموجه والحاكم وهو القادر على كل شيء والمصرف لأمور العباد وحده دون سواء. قال تعالى:
( قل من يرزقكم من السماء ولأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون اله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ) يونس:31/32 (1/32)
صفحة 33
فأي شك أو تقصير في أي صفة من هذه الصفات يخرج المرء من الإسلام إلى الكفر.
وقد اعتبر القرآن الكريم اليهود والنصارى كفارا لأنهم:
( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أبابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) التوبة:31
والربوبية تحدد علاقة الله بالإنسان من حيث الخلق والرزق والإحياء والإماتة وتصريف الأمور.
- توحيد الألوهية:
معنى الألوهية - أو الالهية - أي العبودية .
والله تعالى يتفرد بالألوهية أي أن العباد يتخذونه سبحانه معبوداً ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والاخبات والطاعة والنذر والطلب والتوكل .
وكلمة (الله )لا تطلق إلا على المولى تبارك وتعالى ، يختص بها دون سواه .
أما كلمة " الإله " فتطلق على كل ما يعبد من طرف الخلق سواء كان هذا المعبود هو الله تعالى ، أم الأصنام التي تعبد بالباطل .
والله تعالى يقول :
( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ) المؤمنون : 91
فتوحيد الألوهية يعني وصف الله تعالى ، المعبود بحق بكل صفات الكمال وتنزيهه عن كل صفة فيها نقصان . والواجب أن يوصف المولى تبارك وتعالى ، بالصفات التي وصف بها نفسه أو بأي صفة وردت على لسان نبيه ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال تعالى :
( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعلمون) الأعراف : 180
والألوهية تمثل علاقة الإنسان بالله تعالى ، الإنسان المؤمن بالله ، الذي يتخذه معبوداً دون سواه ويفرده بالحب والخضوع والعبادة .
( إياك نعبد وإياك نستعين) الفاتحة : 5
------------------------------------------------------------------ (1/33)
صفحة 34
** يعتبر توحيدالألوهية ثمرة حتمية وطبيعية لتوحيد الربوبية. يؤمن بذلك كل ذي عقل سليم. حيث أن من آمنت به رباً ، ورازقاً، قادراً، يتحتم عليك إفراده بالعبادة والخضوع، والإستعانة والحب.
وإن الذين يؤمنون بربوبية الله ولا يدينون له بالعبادة، هؤلاء يعيشون إنفصاماً واضحاً في أنفسهم.
- توحيد الأسماء والصفات:
- تعريف الاسم :
الاسم في اللغة ما يعرف به الشيء ويستدل به عليه . وفي الاصطلاح أسماء الله تعالى أي المعاني الدالة عليها نحو لفظ الله : العالم - القادر - المريد ، التي هي الذات العلية ، والواجبة الوجود بذاتها ، والذات العالمة ، والذات القادرة ، والذات المريدة
وعرف الاسم أيضاً: ما دل على الذات من غير اعتبار معنى يوصف به الذات ، وهذا معنى قول العلماء إن أسماء الله تعالى هي عين ذاته ، أي ليس هناك أمر ثان غير الذات العلية . وذلك كيلا توصف الذات العلية بالافتقار إلى شيء آخر .
- تعريف الصفة :
الصفة في اللغة : من وصف ، يصفُ ، وصفاً موصوفاً أجاد السير وجد فيه .
ووصف الشيء أي نعته بما فيه .
وفي الاصطلاح : الصفة هي اللفظ الدال على المعنى الاعتباري لإثبات الكمال لله تعالى . والصفة في غير هذا الموضوع معنى قائم الموصوف زائد عليه كالصفات البشرية . ( 21 )
- الأدلة على التوحيد في الأسماء والصفات :
قال تعالى : ( ليس كمثله شيء ) الشورى : 11
إن هذه الآية تدل دلالة واضحة على توحيد الله تعالى في ذاته ، وأسمائه ، وصفاته .
فهو سبحانه وتعالى لا يشابهه شيء من الأشياء ، جليلها وحقيرها ، ضيائها وظلامها ، حيها و ميتها ، إنسها وجنها ، وملكها ، جمادها وحيوانها ، شمسها وقمرها ونجومها ، سمائها وأرضها ، وما فيها وما بينها ، وما يكون يوم القيامة ، والجنة والنار . (1/34)
صفحة 35
كل هذه وأمثالها لا تشبه الله عز وجل في ذاته ، ولا في شيء من كمالاته بوجه ما ، ولا في حال من الأحوال .
قال تعالى : ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون.. هو الله الخالق الباريء المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) الحشر : 23 / 24
فالله عز وجل واحد في أسمائه ، لأنه يختص بأسمائه الحسنى لا يشاركه فيها أحد .
كما أنه واحد في صفاته ، فهو حي قيوم ، لاتأخذه سنة ولا نوم ، فعال لما يريد ، يسأل عما يفعل ، ولا يشاركه فيها أحد أبدا . سبحانه ليس كمثله شيئ في جلاله وكماله وجماله .
وقد تطلق بعض الصفات مجازاً على المخلوق كالكرم ، والعزة وغيرها ، ولكن إطلاقها هنا على المخلوق مختلف عن إطلاقها على الخالق . فالخالق يتصف بصفات الكمال المطلق . وما من صفة تطلق على المخلوق إلا وهي محدودة بقدر محدودية قدراته ، وعليه فإن إطلاقها هنا لا يعدو كونه مجازاً .
- اسم الجلالة ( الله) تبارك وتعالى .
( الله ) عَلم ذاته واجباً الوجود المستحق لجميع المحامد . ( 22 )
( الله ) اسم للمعبود الذي لا يستحق العبادة إلا هو .
( الله ) اسم للذات ، المستحق العبودية له دون سواه . علم بالغلبة ، جامع لمعنى الأسماء الحسنى ، ما عُلم منها وما لم يُعلم لأنه لا يستحق أن يعبد إلا من كان خالقاً رازقاً ، ولا يكون خالقاً إلا من كان قديماً حياً ، عالماً ، قادراً ، مريداً ، إلى سائر الصفات.
واسم ( الله ) الاعظم لا ينبغي إلا له عز وجل . قال تعالى :
( هل تعلم له سميا ) مريم : 65
أي هل تعلم له نظيراً تعالى الله عن السمي والنظير . وحظ العبد من اسم الجلالة الأعظم أن يكون مستغرق القلب بالله تعالى ، لا برى غيره رباً ولا يلتفت إلى سواه ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه . (1/35)
صفحة 36
---------------------------------------------
21: نور الدين السالمي : مشارق أنوارالعقول- الجزء الأول- دار الجيل- لبنان: الناشر: مكتبة الاستقامة 1409 هـ/ 1989 م ص 341.
22: فرحات الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة الأباضية- مطبعة الألوان الحديثة- مسقط 1408 هـ/ 1987 م ص 220- كذا نقلاً عن الشماخي: شرح العقيدة ص13.
---
- بيان لبعض الأسماء الحسنى :
الرحمن الرحيم :
قال الله تعالى : ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ) البقرة : 163
الرحمن ، الرحيم : اسمان مشتقان من الرحمة .
والرحمة في الأصل : رقة في القلب تؤدي إلى الإحسان والتفضل.
ولإستحالة هذا المعنى في حقه تعالى ، يراد بها غايتها ، وهي توصيل الخير والثواب ، ودفع الشر والبلاء .
وحظ العبد من الرحمن أن يرحم عباد الله الغافلين فيصرفهم عن طريق الغفلة إلى طريق الرشد والهداية بالنصح الرفيق والتلطف. وحظ العبد من اسم الرحيم ، ألا يدع فقيراً في جواره إلا قام بتعهده ودفع فقره ، إما بالمال أو بالسعي في الحصول على حقه . فإن عجز عن ذلك فيعينه بالدعاء له حتى يخفف الله تعالى من كربه وبيُسر عسره .
- الملك :
( فتعالى الله الملك الحق) المؤمنون : 116
الملك هو المستغني عن غيره وقد احتاج إليه غيره .
وهو المالك لكل الخلائق والأكوان ، وهو المتصرف في كل الخلائق والأكوان وهو ذو المُلك والسلطان .
وفي الأرض عباد ملوك ، غير أن الملك في حقهم مستمد من الله ، مؤقت بزمن .
أما معنى الملك في حقه تبارك وتعالى ، فهو الملك الدائم المطلق الذي لا يعارضه أحد ، ولا يشاركه فيه أحد ، ولا يجرؤ عليه أحد.
والله تعالى هو : ( ملك الناس.. إله الناس) الناس:2/ 3
وهو : ( مالك يوم الدين ) الفاتحة : 4 (1/36)
صفحة 37
وهو : ( مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ) آل عمران : 26
والله تعالى هو ذو الملكوت : ( فسبحن الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ) يّس : 83
والملكوت ، مبالغة في المُلك ، وهو بمعنى المُلك المطلق ، المتعالي على مفاهيم البشر عن الملك .
وحظ العبد من هذا الاسم ألا يتصور الاستغناء عن الله عز وجل . لأن الإنسان ما يزال فقيراً إلى الله ، محتاجاً إليه فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم .
- القدوس :
( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ) الحشر: 23
القدوس هو المنزه عن صفات الخلق ، ومعاني النقص .
أي المنزه عن كل وصف يدركه حس ، أو يتصوره خيال ، أو يسبق إليه وهم ، أو يحتاج ضمير ، أو يقضي به تفكير .
والقدوس والتقديس ، والقدس من معاني الطهارة .
وقد قالت الملائكة :
( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) البقرة : 30
أي نطهر أنفسنا لك في خشوع وخضوع . وحظ العبد من هذا الاسم أن يطهر نفسه بالتوبة ، ويطهر إرادته بالعمل ، ويطهر ماله بالزكاة والصدقة ، ويطهر قلبه من كل ما سوى الله عز وجل
بهذه المعاني السامية ، تسامى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويتسامى كل مؤمن عارف بربه ، حريص على التخلق بروح معاني أسمائه تعالى .
وعلى هذا التصور السليم ، والفهم الصحيح ، يتحقق المجتمع الفاضل . الذي يعيش بالله .
ومن فضل الله على العبد أن عرفه بأسمائه وأمره يدعوه بها . فقال جل جلاله :
( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعلمون )الأعراف : 180
ولا سبيل للإنسان للتغلب على ما فيه من عجز ، وضعف ، أمام بقية المخلوقات ، إلا باللجوء إلى الله عز وجل ، يدعوه بأسمائه الحسنى ، وصفاته العليا . وإذا مثل هذا اللجوء يخرج الإنسان من غربته ، ويجعله في أنس منقطع النظير .
واستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يناجي ربه ، ويدعوه بكمالاته ، ليحصل على الأنس ، والطمأنينة . (1/37)
صفحة 38
يقول صلى الله عليه وسلم :
" أسألك بكل إسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري ، وذهاب همي ، وجلاء حزني "
وهذا يونس عليه السلام يشعر بالوحشة الرهيبة وهو في بطن الحوت فيطلب الأنس بمناجاة ربه ، ويرجوه الخلاص من الكرب .
( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) الأنبياء : 87
وهذا أبو بكر الصديق ــ رضي الله عنه ــ يشعر بالرهبة في ظلمة الغار . فيهدئه رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ ويعلمه أنه في رحاب الله ، وتحت رعايته ويقول له : " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " . ( لا تحزن إن الله معنا )التوبة : 40
فكانت النجاة لهما من كيد المشركين . وكان النصر ، والظفر تحت رعاية الله وتأييده .
غير أنه لا يتوقف المؤمن عند ذكر الأسماء أو حفظها عن ظهر قلب ، أو تعليقها مكتوبة .
وإنما الأساس في حفظ الأسماء واحصائها أن يتحمل أمانتها ، ويتخلق بما يستوحيه من معانيها ، ويتشبث بها إعتقاداً وقولا .
اختلاف صفات الله عز وجل عن صفات المخلوق.
إن مما يجدر التنبيه إليه هو أن المعنى المقصود باللفظ في صفات الله تبارك وتعالى يختلف اختلافا كاملا عن معنى الذي نقصدة بهذا اللفظ إذا صرفناه لصفات المخلوقين0
بمعنى أننا إذا قلنا أن الله عالم أو قلنا أن العلم صفه من صفاته وقلنا أن فلاناً عالم أو العلم لفلان من الناس إذا قلنا هذا وجب أن نفهم أن المقصود بعلم الله شيء يختلف كل الاختلاف عن المقصود بعلم الناس0
فعلم الانسان مخلوق ومكتسب محدود وناقص 0وله بداية ونهاية 0علم الانسان ينمو بتعلم ويزداد بالتجربة واستقراء الظواهر، والنظر والتحليل. وهو كذلك معرض في كل لحظة للتغير والتبديل والزوال0 (1/38)
صفحة 39
وعلم الله قديم وأزلي ومطلق وكامل ليس له ابتداء ولا نهاية. لا تحده حدود. وهو علم لا يأخذ منه البشر الا بمقدار ما يأخذ طير غمس منقارة ما في البحر.
وعلم المخلوقين لا يعد إلى الجوار علم الخالق شيئا وكذلك الشأن مع سائر الصفات كالحياة والسمع والبصر والقدرة والإرادة0
واذا وصفنا الله تعالى بشيء من هذه الصفات وجب ان نفهم ان المعنى ليس هو المعنى البشري المتعارف عليه بيننا0
والله تعالى يقول: ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) الشورى 11
متممات الإيمان بالله ولوازمه:
شاءت حكمة الله أن تجعل الإيمان بالتوحيد مشروطا بالإيمان بأركان أخرى مرتبطة به ارتباطا لزومياً، لا تنفك عنه أبداً. لأن الإيمان بها يزيد الانسان ثباتاً على الحق والتزاماً بالحبل الوثيق الذي يصله برب العزة 0
والله تبارك وتعالى يقول:
( كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) البقرة: 285
وكما لا يخفى على المؤمن أن الإيمان بالملائكة والكتب وسائر الأركان الاخرى يدله على جوانب عظيمة من الالوهية، ويقربه إلى الله تعالى، ويشد أزره للمضي قدماً في طريق الحق0
بل كل ركن من أركان العقيدة يملأ جانباً في الإنسان نفسه ويشكل فيه اللبنات الصالحة التي تتكامل بها شخصيته.
---
أهمية الإيمان بالملائكة وآثاره التربوية:
إن الإيمان بالملائكة متمم للايمان بالله أو هو من ضروراته ومن تمام عظمة الله أن له جنداً وموظفين يعملون بأمره. وهذا يربي في النفس النظام والطاعة وترتيب الأمور وحسن تسييرها فالله قادر على كل شيء، وقد نظم شؤون الكون، ووكل ببعضها بعض ملائكته، فأطاعوه وعملوا بأمره . (1/39)
صفحة 40
كما أن الملائكة يسبحون الله بالليل والنهار ولا يفترون ، ويعظمونه ولا يسأمون . وفي ذلك قدوة للبشر ليسارعوا إلى التأسي بهم . وكذلك هم يؤنسوننا ، ويحافظون علينا ، ويستغفرون لنا ، وهذا يزيد المؤمن عزة وكرامة واستشعاراً بعظمة منزلته عند الله تعالى .
على أن الإيمان بالملائكة ــ هو جزء من العالم الغيبي ــ يسمو بالإنسان المؤمن إلى درجة عليا ، حيث يرتقي بسبب هذا الإيمان ليأخذ مكانته سيداً على الكائنات فيشعر ــ عندئذ ــ بحجم مهمته في الحياة .
والإيمان بالملائكة ينشيء في المؤمن شفافية تميزه عن غيره ينعكس ذلك حتماً على سلوكه وإيجابيته .
والإيمان بالله وسائر المغيبات هو أحد مميزات المؤمن ، بل هو من أبرزها حيث يخرج المؤمن من دائرة العالم المشاهد الضيق إلى عالم فسيح يسمو من خلال ذلك فوق سائر المخلوقات بل يسمو فوق بني جنسه الذين يظلون في إطارهم الضيق ، وعندئذ تسمو أفكاره وهممه ، وتسمو نفسه ويسمو سلوكه .
وجوب الإيمان بالكتب والرسل وآثاره التربوية :
إن الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله تعالى ، والرسل المبعوثين من قبل الرحمن ، هو المسلك الصحيح الذي ينبثق من الإيمان بالله تعالى . والإيمان بالله تعالى يقتضي الاعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله . كما يقتضي صدق الرسل الذين بعثهم الله تعالى.
وهنا يدرك المؤمن وحده الأصل الذي تقوم عليها كل الرسائل السماوية وأنها منبثقة من مشكاة واحدة .
فكل الرسل من الله والكتب أيضاً . فلا تفرقة في ضمير المسلم بين الرسل . بل يشعر بأنهم موكب واحد يسير إلى وجهة واحدة إلى الله تعالى ، وينادون بكلمة واحدة أن :
( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) الأعراف : 65/73/85
وقد إنتهى الأمر في النهاية إلى الرسالة الخاتمة التي بعث بها خير البرية وخاتم النبيين عليه الصلاة والسلام . (1/40)
صفحة 41
عندئذ يشعر المسلم أنه يحمل تراث الرسالة كله ، وتشعر الأمة المؤمنة أنها الوراثة لذلك كله ، وأن الله اختارها لتكون حارسة لهذه الأمانة العظمى قائمة بأمر الله .
فهي أمة لم تأتي من فراغ . بل جذورها ضاربة في أعماق الزمان الغابر . إذا التفتت إلى الوراء رأت جذورها تنطلق من أول مخلوق على الأرض آدم عليه السلام ، ومروراً بنوح وإبراهيم وعيسى وموسى ، وبين هذا ، وذلك ، أولئك الأنبياء المصطفون من قبل الرحمن وإذا تطلعت إلى الأمام رأت نفسها سامقة متطلعة إلى المعاني ساعية إلى مرضاة الله تعالى . فمثلها كمثل ما جاء في كتاب الله العزيز :
( كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء .. تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ) إبراهيم 24 / 25
الإيمان باليوم الآخر وأثره على النفس :
الإيمان باليوم الآخر مرتبط بقضية الحياة بعد الموت وهو أكثر الأركان حساسية وخطورةً ، بحيث يتميز على أساسه المؤمنون من الملحدون .
وهو أخطر يوم يمر بالبشر ، فيه تكشف الأعمال ، وتوضح الموازين ، ويتقرر مصير كل إنسان ، وتحديد نهاية الرحلة الطويلة التي مر بها ، وهو المستقر الأخير له .
وهذه الحقيقة الكبرى أساس من أسس التصور الإسلامي للكون والحياة . ولهذا الركن الكبير - بلا ريب - أبعد الأثر في السلوك الإنساني . فهو يربي في الشعور الحقيقي بالمسؤولية ، لأنه ينتظر ذلك اليوم ويعلم أنه سيحاسب فيه على الصغيرة والكبيرة . فهو إذن مسؤول عن كل أعماله . لذا ينشأ فيه وازع الجد والحزم في الأعمال ، ليلقى بها ربه وينال رضاه .
والإيمان باليوم الآخر يغرس الأخلاق الفاضلة في المؤمن . (1/41)
صفحة 42
فالحلم والأناه والتضحية ، والصبر على الشدائد والسمو بالنفس عن الدناءات ، كل ذلك وراءه أجر عظيم عند الله تعالى . والإيمان بما أعده الله تعالى من وعيد شديد لكل من خالف أمره واتبع هواه يربي في المؤمن عزيمةً صلبة تجعله قادراً على ضبط دوافع النفس ، وصامدا أمام نداءات الغريزة . فيكون ذلك حصانة له من الفواحش ، والموبقات . ويتسامى بنفسه عليها ، فيوجه طاقاته أنذاك إلى الإصلاح ونشر فضائل الأخلاق .
وهذا أبو حمزة الشاري يصف أصحابه بالتقى والعفاف ، مبرزا أثر الإيمان بالجنة والنار في نفوسهم التي أصبحت تتطلع إلى ما عند الله وتؤثر ذلك على زخارف الدنيا فيقول :
" كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقا إليها ، وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه " ( 23)
وهكذا فإن الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الدين وضرورة من ضرورات الحياة السعيدة للمسلم .
---------------------------------------------
23: من خطبة لأبي حمزة الشاري: الجاحظ: البيان والتبين. الجزء الثاني- دار الجيل- بيروت ص 122.
---
الإيمان بالقدر وآثاره التربوية :
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان ، يجعل المؤمن يشعر بأن الأمر كله لله تعالى ، فينشئ الصلة الوثيقة بين المسلم وربه ، فيعلم أن لله صفات العلم الواسع والإرادة الشاملة والقدرة الكاملة ، وأنه سبحانه فعال لما يريد، عالم لما يفعل .
( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) يونس : 61
كما انه يشعر باستقلال إرادته فيما يباشر من أعمال في حدود إمكاناته ، وبتيقظ عقله وحركة ميوله ورقابة ضميره . (1/42)
صفحة 43
وأمام هذا الشعور بالحرية ، يعرف حجمه أمام عظمة الله تعالى فيدرك أن الله تعالى منحه حرية الإرادة ليتصرف في حدود هذا الكون بما فيه يحقق له ذاته ، ويضمن له عزته ، فيتحمل مسؤولية الخلافة كاملة .
وإذا علم الإنسان المؤمن أن الله تعالى خلقه ليتصرف في هذا الكون بإرادته في حدود إمكانات هذا المخلوق المحدود ، لم يعد له شعور بأن له قوة عظيمة تكبله عن التصرف والحركة ، بل ترسخ في ذهنه أن صلة العلم الإلهي بأعماله إنما هي صلة الإحاطة التامة والشمول الكامل .
وهذا الفهم الصحيح ينشأ فيه أمور إيجابية منها :
- مضاء العزيمة :
فإذا عزم على فعل شيء ، هيأ له الأسباب الكفيلة بإنجاحه ، وحدد سيره طبقاً للسنن الكونية ، ثم بعدها مضى إلى ما عزم عليه من دون تردد ليقينه أنه ما أصابه ما كان ليخطئه ، وما أخطأه ما كان ليصيبه والله تعالى يقول :
( فإذا عزمت فتوكل على الله ) آل عمران : 159
- التجلد والثبات أمام مهمات الأمور :
فالمؤمن الواعي المتبصر بدينه ، يتحلى بالصبر والثبات على الدعوة ليبلغ شرع الله إلى الناس الغافلين التائهين ، وهو يعلم أن حمل أمر الدعوة رغم صعوبته ، لا يقدم أجلاً ، ولا يعدم رزقاً .
ويتمثل قوله صلى الله عليه وسلم :
" مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقدمان أجلاً ولا يعدمان رزقاً "
فلا يتشاءم من المستقبل ما دام الأمر بيد الله ، ولا يخاف من مرض وهو يعلم أن المرض ابتلاء وتمحيص ، وتطهير للجسم من الذنوب وتكفير للخطايا.
كما لا يهاب الموت وهو يدرك أنه أجل مقدر لا يقدم ولا يؤخر .
وبهذا الشعور تكون شخصيته جادة ثابتة بعيدة عن التذبذب والتردد ، قادرة على الصمود أمام المصائب التي قد يتعرض إليها في حياته .
عوارض في طريق الايمان (1/43)
صفحة 44
بعد أن تحدثنا عن تركيبة الانسان التي جاءت مهيأة لتلقي دلائل التوحيد ، مستعدة بفطرتها لمعرفة الله الذي خلقها وسواها ، بينا أن حكمة الله تعالى اقتضت أن يصل هذا الانسان إلى معرفة ربه باكتساب العلم وبذل المشقة في التدبير والتفكير في أرجاء هذا الكون ليحصل في النهاية على الثواب الجزيل ويرتقي إلى مصاف الصديقين ، انتهى بنا المطاف الى أن الإيمان بالله يرتبط بالإيمان بسائر الأركان الأخرى ارتباطا وثيقا. فهو- إن شئنا - نتيجة لهذا الإيمان العميق بالله ، أو هو ضرورة لا يتم الإيمان الصحيح بالله إلا بالتسليم به.
ولكن هل الطريق إلى الله سهل مفروش بالورود ؟ أم هو مليء بالاشواك محفوف بالمخاطر ؟ هل يستطيع الانسان أن يعيش في رحاب الله دون منغصات ؟ أم وراء ذلك متاهات ومهالك؟
الشيطان: العدو الأول للانسان
اقتضت إرادة الله تبارك وتعالى وحكمته أن يبقى الحق في صراع دائر مع الباطل وأن يبقى الإنسان هدفا من أهداف الشيطان ، وقد أخذ الشيطان من الحق عزوجل إذناً بحرية العمل والحركة في سبيل تنفيذ مخططاته ، وإغواء الغافلين والضعفاء.
"قال أنظرني إلى يوم يبعثون، قال فإنك من المنظرين، قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لاتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولاتجد أكثرهم شاكرين"
الاعراف 14-17
فما حقيقة الشيطان إذن ؟ أو ما هو التصور الصحيح لإبليس في المنظور القرآني؟
وللوصل إلى الحقيقة باختصار نستقصي القرآن الكريم لنأخذ منه الخبر اليقين والله تعالى يقول: " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين "
النحل:89 (1/44)
صفحة 45
الشيطان عنصر من فصيلة الجن ، وهم جزء من عالم الغيب . وقد أخبرنا الحق تبارك وتعالى أن الجن خلقوا من نار السموم ، وأن مادة خلقهم تختلف عن مادة الانسان . يقول تبارك وتعالى : " ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون، والجان خلقناه من قبل من نار السموم " الحجر 26-27
ويقول ايضا :
" إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه" الكهف :50
والشياطين هم مردة الجن ، وأشرارهم، تمخضوا للشر والغواية . وإبليس وجنوده أعداء للإنسان ، متحفزون لغوايته والإحاطة به ، والانتقام منه، لأن آدم وهو الأصل الأول للبشرية كان سبباً في خروج الشيطان من الجنة. وقد أعلمنا الله تعالى بعداوته وحذرنا منه وأمرنا بمناصبته العداء والثبات على ذلك . إذ يقول تعالى : " إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا " فاطر :6
ويقول ايضا : " ولاتتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين " البقرة :168
أهداف إبليس وذريته:
- إيقاع الإنسان في الشرك ومعادة الله ورسوله.
فهو يسعى دوما أن يخرج الناس من حدود الفطرة ،إلى الكفر والضلال . ويدفعهم إلى عبادة الطاغوت. فإذا ظفر بذلك من بني آدم برد أنينه واستراح تعبه.
( كمثل الشيطان إذ قال لللإنسان اكفر ) الحشر :16
- إشاعة الفحشاء بين الناس لتكون سبيلا إلى أن يتخذوه ولياً من دون الله ورسوله .
( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) البقرة:169
وسائله وأساليبه:
استعمل إبليس للوصول إلى هدفه ، وتدمير هذا الإنسان حسداً منه ،وانتقاما. ولم يأل جهدا في سبيل ذلك ، بل تفنن في أنواع الغواية ، والإغواء . وملأ الأرض حركة يتصيد فيها فريسته . نذكر منها :
أ- تزين القبيح: (1/45)
صفحة 46
اتخذ إبليس عهدا على نفسه أن يغوي هذا الانسان الذي كان سبا في خروجه وذريته من الجنة وسقوطه في غضب الله ودركات جهنم.
قرر أن يغويه بتزيين القبيح وتجميلهن واغرائه بزينته المصطنعه على ارتكاب ذلك المنكر والادمان عليه.قال تعالى يكشف لنا حبائل العدو:
( لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ، ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن ءاذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله) النساء:118-119
وسلاح إبليس الفتاك تزيين الشهوات ، تزيين المعاصي ، وتجميل الدنيا . فيورد الانسان الموارد. ويخيل إليه أن فيها دوام سعادته. ويدفع إلى المهالك .ويحيط به من كل جانب في حياته، فيجعله أسير شهواته وسجين نزواته ثم يتخلى عنه ويسلمه ويقف شامتا فيه ، ضاحكا عليه.
( قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ، ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ) الاعراف 16-17
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما :
لأتينهم من بين أيديهم : أشككهم في آخرتهم
_ومن خلفهم : أرغبهم في دنياهم
- وعن شمائلهم : أشهي لهم المعاصي
وعن قتادة :
_ اتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لابعث ولا جنة ولا نار.
_ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ، ودعاهم إليها.
_وعن أيمانهم من قبل حسناتهم ، بطأهم عنها.
_وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي ، ودعا هم إليها وآمرهم بها.
أتاك يا ابن أدم من كل جهة غير أنه لم يأتك من فوقك ، لم يستطيع أن يحول بينك وبين الله.
لذلك استثنى الله تبارك وتعالى المخلصين الذين يتطلعون الى رحمة الله يمسكون بالعروة الوثقى التي تصلهم برب العزة ، فقال مبينا أن لاسلطان لإبليس وجنوده على عباد الله المخلصين:
( إلا عبادك منهم المخلصين ) الحجر :40
وقال أيضا : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) الحجر :42
وقال كذلك : ( إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون ) النحل:99 (1/46)
صفحة 47
فالسعيد من أشقى شيطانه بالتيقظ الشديد . والحذر الدائم ، والامتناع عن المعاصي ، وملازمة الكره و البغض لها . والشقي من أسعد شيطانه باللهو ، وعدم المبالاة ، و الانسياق وراء نداءات إبليس ، والتطلع لكل شهوة أو لذة ولو كانت حراما .
ب- الوسوسة المهلكة:
يعلم إبليس أن القلوب إذا مالت اليه أصبحت متحيرة ليس لها قرار ، تبقى ألعوبة في يده تتقاذفها أمواج الأهواء والضلالات والملذات . لاتجد لنفسها قراراً ولا لحالها استقراراًً. يسقط الحياري والتائهون في مهاوي الرذيلة والمعاصي ، وتميل نفوسهم عن الحق ، فيتخذون الشيطان معبوداً ،يأمرهم بالشرك فيشركوا ، وهم ألعوبة في يده ، يصرفها كيف يشاء، فلا يستطيعون رداً لأوامره، أو تأخراً عن رغباته.
والوسوسة: الصوت الخفي . وهي حديث النفس ، والأفكار بايعاز من إبليس وجنده.
والوسوسة: سلاح إبليس الفتاك. يوحي إلى أوليائه زخرف القول غرورا.
قيل :إن له رأسا كرأس الحية، يجثم على القلب فإذا ذكر العبد الله خنس، وإذا ترك ذكر الله ، رجع إلى القلب يوسوس (24).
والوسوسة :إغواء على الشر يقع في صورة من الصور ، وإيحاء بارتكاب المحظور يتم في هيئة من الهيئات... وأن الايحاء وذلك الإغواء يعتمدان على نقاط الضعف الفطرية في الانسان (25).
وقد سلط إبليس سلاحه الفتاك على آدم وزوجه. وزين لهما الاكل من الشجرة. وألقى في روعها ان في ذلك سعادتهما . وأتى اليهما من كل جانب وهو يقسم لهما مبديا الصدق والاخلاص في النصيحة أن امتناعها من الاكل من تلك الشجرة يفوت عليهما الارتقاء الى مصاف الملائكة كما يحرمهما من الخلود في النعيم .وما زال يوسوس ويخفي السم في الدسم، ولم يهنأ له بال حتى أوردهما المهالك وتركهما عاريين أضحوكة أمامه وهو ينعم بنشوة الإنتصار على من رفعه الله عليه. وجعله سيداً في الوجود. (1/47)
صفحة 48
( فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوءتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ، فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) الاعراف20/22
وسوسة رهيبة من إبليس فيها تزيين للقبيح ويعاد بالعلو في الأرض والخلود في الحياة الهدف منها تعرية الإنسان من اللباس ومن التقوى وسلب خصائص فطرته التي صار بها إنسانا وإشاعة للفحشاء من وراء السوءات الجسدية والنفسية.
وإبليس اللعين إذا نصب شراكه لإنسان فلن يتركه حتى يرديه ويدمره إلا من عصم الله تعالى من عباده المخلصين.
---------------------------------------------
24: ابن منظور: لسان العرب - الجزء السادس - الشرق الأوسط - دار صادر - بيروت- ص 254.
25: سيد قطب: في ظلال القرآن - المجلد الثالث - ط: دار الشروق- بيروت 1405هـ/1985م - ص 1268.
---
قيل إن أول ما ابتدأ به إبليس من كيده لآدم وزوجه انه ناح عليهما نياحة أحزنتهما حين سماعه .فقالا له ما يبكيك قال ابكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة .فوقع ذلك في نفسهما .ثم اتاهما فوسوس اليهما مرة ثانية: ( ليبدي لهما ما وري عنهما من سوءتهما ) ويظهرها لهما ويسوءوهما ويخزيهما بانكشاف عورتهما أمام الملائكة ويجعلهم أضحوكة بين يديه.(26)
ويا عجبا فان الصهيونية وهي يد إبليس المسلطة على خلق الله ينهجون نفس المسلك للإيقاع بالأمم تحت براثنهم. (1/48)
صفحة 49
اليهود يبكون في كل مكان عما جرى لهم من تشريد عبر الزمان على أيدي الشعوب والحضارات السالفة .ويذرفون الدموع الساخنة يستعطفون القادة والسياسيين ليصلوا في النهاية إلى إخضاع الناس لكل مخططاتهم الجهنمية وليكونوا في النهاية الفيروس الفتاك بهم والإخطبوط الذي يمتص دماء الناس ويفقدهم القدرة على المقاومة .وفي هذا الزمان بالذات فإننا نرى للشيطان صولات وجولات يملا رحاب الأرض وإطرافها بضجيجه ويمد حباله ويرمي شراكه في كل زاوية وكل ركن يصطاد التائهين الغافلين ويوقع بأولئك الذين غلبت عليهم شقوتهم وضعفت صلتهم بالله وتردوا في الهاوية وإذا بهم لقمة سائغة لإبليس وأعوانه وصيد ثمين إلى جماعتهم وحزبهم.
وللصهيونية العالمية صفة هذا المجال الدور الكبير فهي سلاح إبليس الفتاك ومن ورائها الماسونية الخبيثة السرطان المردي والداء العضال على وجه الأرض.
راح جنود إبليس ينفثون سمومهم في كل مكان ويشيعون المناقير بكل الأساليب ويروجون للرذيلة يكل الوسائل المعوية ويخفون السم في الدسم فإذا بالضحايا من بني الإنسان يتساقطون على أعتاب الرذيلة تساقط الفراش على النار يغترفون منها بلا حدود وينهلون من درنها بلا توقف فيعيشون سكارى تائهين لا يستيقظون إلا بعد فوات الأوان أجساما أنهكتها الأمراض المدمرة ونفوسا اركستها الرذيلة فأفقدتها نشاطها وعزائم أوحلتها الارجاس والآثام وأعجزتها عن القيام وعقولا أصابها الكلل والسام من الحياة فتبدلت فأصيبت بالقصور عن الفكر السليم والرأي السديد لم لا؟ والشيطان يصول في كل مكان يؤذ الناس ازا ويهيج العواطف والغرائز تهيجا ويرغم النفوس على 7أعته في غياب القلوب العامرة بالأيمان والعقول العارفة بالله تعالى.
فهل من يقظة واعية في صفوف الأمة تعيد لها رشدها ؟
وهل من صلح مع الله تعالى يصلح ما تعطب ويعيد بناء ما تهدم؟
---------------------------------------------- (1/49)
صفحة 50
26: إسماعيل حقي البروسوي: تنوير الأذهان - الجزء الأول - تحقيق محمد علي الصابوني - طبعة دار القلم - دمشق ص 527.
---
كبائر الذنوب والفواحش وأثرها على الفرد والمجتمع
الفاحشة كل حركة أو عمل من الأعمال المتجاوزة لحدود الله تعالى ظاهرة أو خافية .وهي كل معصية لله عز وجل ومخالفة لامرهوالفواحش والآثام والمعاصي هي أدوات الجاهلية التي بها تسعى جاهدة في كل زمان إلى مسخ فطرة الإنسان وإفساد أذواقهم وتصوراتهم وتبديل موازينهم وقيمهم.
ويدخل في ذلك كل عمل يؤدي إلى الانتكاس عن الفطرة الإنسانية والهبوط بالإنسان إلى البهيمة والحيوانية.
وهي غاية إبليس وهدفه الأسمى الذي لا يألوا جهدا لتحقيقه وصدق الحق إذ يقول : ( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء) البقرة:268 "
( ويريد الشيطان إن يظلكم ضلالا بعيدا) النساء:60
ويقول أيضا : ( ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يأمر بالفحشاء والمنكر)النور:21
إن للآثام الوقع الشديد على النفس البشرية بل هي اشد وقعا من السياط على الحساد.والآثام تجرح الفطرة وتدميها فتفقدها توازنها وتفسد مذاقها وتزعزع العقل وترجه فتتركه مضطربا متحركا يعاني الحيرة في افظع صورها وتورث الإنسان كابوس الشعور بالضياع تتركه يهتز وينتقض:كريشة في مهب الريح لا تستقر على حال من قلق .
والمعصية أو الفاحشة جرثومة خطيرة وسرطان خبيث إذا تمكنت من إنسان أو مجتمع عششت فيه فلا تتركه حتى يسر بالوباء إلى كافة أعضاء الجسم فتفقده حركته وتتعدى إلى المجتمع فتصدع صفوفه وتهز أركانه وتقتل فيه عناصر القوة ولا تتركه حتى يصبح حثالة ل قيمة له ولقمة سائغة في يد الأعداء يتداعون عليه من كل صوب يلتهمونه وينهشونه. (1/50)
صفحة 51
وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأمة من تكالب الأعداء عليها وأوعز ذلك إلى الميل إلى الدنيا وملذاتها وكراهية الموت وملاقاة الله .يقول عليه الصلاة والسلام:
"يوشك الأمم إن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قطعتها" .
فقال قائل : من قلة نحن يومئذ ؟
فقال:"بل انتم يومئذ كثيرون ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن"
قيل : وما الوهن يا رسول الله؟
قال:"حب الدنيا وكراهية الموت"(27)
وكان عليه الصلاة والسلام يربي أصحابه على الفضيلة والطهر ويحذرهم من إن الذنوب سبب للزوال وطريق إلى الهلاك في الدنيا تكمن ورائها المذلة للامة وانفراط عقدها وهزيمتها إمام أعدائها.
يقول عليه الصلاة والسلام:"ما ظهرت الفاحشة في قوم قط يعمل بها فيهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم"(28)
طاعون التخلف والانحطاط وطاعون فقدان المناعة الذاتية واسترخاء العضلات ووهن الأجسام الذي يؤدي إلى تخلي الأمة عن القيام بدورها المنوط بعهدتها فيصبح الناس اضعف الخلق يعجزون عن تامين أسباب العيش لهم فيطمع فيهم العدو ويرهبهم الكبير والصغير وينتهك محرماتهم من علا شانه ومن سفل.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول:"يأتي على الناس زمان همتهم بطونهم وشرفهم متاعهم وقبلتهم نساؤهم ودينهم دراهمهم ودنانيرهم أولئك شر الخلق لا خلاق لهم عند الله"(29)
وماذا ينتظر المرء أو تنتظر الإنسانية من مجتمع يلفظ أنفاسه بعد إن انتشر فيه وباء الفاحشة وسرى فيه طاعون الإمراض الأخلاقية والنفسية والجسدية. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يحذرون من الرذيلة حيثما كانوا وكانوا يتحون لأنفسهم ولدينهم بحث كان الواحد منهم يترك مائة باب من الحلال خشية إن يقع في الحرام.وبهذا الفكر السليم والخلق الرفيع سادوا على الأرض ونشروا دين الله تعالى شرقا وغربا. (1/51)
صفحة 52
وقد أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه اثر المعصية في إضعاف الجند وعاقبتها الوخيمة على نفوسهم فكان يوصيهم بالتقوى ويحذرهم من المعصية .
وفي أحدى رسائله إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول:(30)
"إما بعد فاني أمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة وأقوى المكيدة في الحرب ..وأمرك ومن معك إن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم ومن عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لان عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل في القوة ...وإن لم ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا.
فاعلموا إن عليكم حفضة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا فرب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخيط الله -كفار المجوس.
( فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ) الإسراء:5
واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألوه النصر على عدوكم
"اسأل الله ذلك لنا ولكم"
ومن هنا ندرك الحكمة من حصر مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم في تزكية النفس ونشر فضائل الأخلاق إذ يقول:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وقبل ذلك كله ندرك الحكمة البالغة من تحذير القران الكريم المؤمنين من المعاصي وتعدي حدود الله تعالى .يقول الباري عز وجل : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره إن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) النور:63
---------------------------------------------
27: رواه أبو داود: أنظر سعيد حوى: من أجل خطوة إلى الأمام - دار عمارة - بيروت - عمان 1408 هـ/ 1988م ص 110.
28: أحمد وابن ماجه.
29: الديلمي.
30: أمين القضاة: الخلفاء الراشدون - ط مكتبة المنار - الأردن ص 53. (1/52)
صفحة 53
ولمزيد التفصيل يرجع إلى تاريخ الطبري: 3/ 483 وتاريخ ابن الأثير 4/ 454.
---
الزنا:
يقول الله تبارك وتعالى: ( ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا) إسراء:32
ويقول أيضا: ( إن الذين يحبون إن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) النور:19
يعلم الله تبارك وتعالى إن الأمانة العظمى التي كلف بها الانسان لا تقوم على مجتمع متفكك وأفراد اركستهم أوحال الذنوب والفواحش.وقد ربط تعالى التمكين لهذا الإنسان في الأرض بالعمل الجاد والحزم في الأمور والتوجه الخالص لوجهه الكريم والقيام بمبدأ التطهير التزكية للأفراد والمجتمع من الارجاس والمعاصي والآثام.
إذ يقول الله عز وجل: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) النور:55
ويقول أيضا : ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) الحج:41
لذلك حرم الله كل أصناف المعاصي ووجه الناس إلى الطهر والطيبات ثم سعى إلى تتبع جرثومة الفاحشة ليستأصلها من أولها فقال عز وجل: ( ولا تقربوا الزنى) الإسراء :32
ولم يكتف بتحريم الزنا بعينه بل جعل الإنسان يقف بعيدا عنه على مسافات شاسع منه فحرم كل مسبباته المؤدية إليه. حرم سبحانه وتعالى الاختلاط بين الجنسين وجعل له حدودا واضحة ومنع خلوة الرجل بالأنثى من غير المحارم وجعل له معالم مضبوطة ونهى عن التبرج وإبداء المفاتن ولعن الرسول صلى الله عليه وسلم المترجلة من النساء والمخنث من الرجال ووعدهم بالعذاب الأليم. (1/53)
صفحة 54
كما جعل الشرع الحنيف حدودا للاستئذان وآدابا لدخل البيوت ومنع مصافحة الرجال للنساء واشترط لذلك شروطا .كلها مواقف حازمة ومبادئ سامية تغني المجتمع من كل محظور ولا تترك محالا لانتشار الفواحش بل وتضيق على إبليس الدروب وتفسد عليه ألاعيبه ومخططاته.
وبعد هذا وذاك فقد انذر الله من انحلال العنصر البشري وأوعد الفاسقين والمروجين للفجور الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة: (إن الذين يحبون إن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا لهم عذاب اليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وانتم لا تعلمون ) النور:19
كما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الزنا نهيا شديدا إذ يقول:"اتقوا الزنا فان فيه ست خصال:ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة .فأما في الدنيا :فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر وأما في الآخرة :فيوجب السخط وسوء الحساب والخلود في النار"(31)
-أما أنه "يذهب البهاء" فتلك حقيقة ملموسة وهي أن الخطيئة تحرم صاحبها من صفاء النفس وجمال الروح وتحيله إلى حيوان كدر الإحساس مظلم البصيرة كما إن الزنا ينهك البدن فيظهر على وجه المصاب بهذه الآفة شحوب خطير كما تلاحظ عليها أعراض كالحمى وألم المفاصل والتهاب الحلق ثم تتطور الأعراض إلى أمراض أخرى خطيرة.(32)
0
- واما أنه "يورث الفقر" فذلك لما يضيعه الاشتغال بالذات المحرمة على الفرد وعلى المجتمع من مواهب وطاقات إذ يصرف الناس عن الجهد في العمل وعن الإخلاص في السعي إلى جانب ما ينفق في هذا السبيل المردي من أموال وما يصاحبه من مفاسد.
-وأما نقصان العمر بسبب الإقبال على الخطيئة ، فهي إشارة إلى ضياع الصحة وإنهاك البدن من متى اقبل الإنسان على هذا المورد الآسن(33) (1/54)
صفحة 55
-أما الخلود في النار ، فنابع من ضياع الأيمان من قلوب العصاه .لأن المعصية تحيط بالقلب فتغلفه بغلاف الغفلة عن الله وأمره فيصبح العوبة في يد الشيطان يصرفه كيف يشاء لذا فان الكبيرة ممهدة للأيمان تخرج الإنسان من حظيرة الله إلى حظيرة الشيطان والعياذ بالله فيدخلون النار لا يخرجون منها وفي الحديث الشريف :"إن الزناة تشتعل وجوههم نارا" (34)
يشاركون المجرمين في سقر ويجاورون عباد الوثن في جهنم.
يقول عليه السلام :"المقيم على الزنا كعابد وثن"(35)
وقد ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم ترابط المجتمع وتماسك عناصره بابتعاده عن الفاحشة ومحاربتها ومحافظته على القيم السامية ودعوته إلى الفضيلة والعفاف.
فقال:"لا تزال أمتي بخير متماسك أمرها ما لم يظهر فيهم ولد الزنا"(36)
وفي رواية :"لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا فإذا فشا فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعذاب"(37)
كما وعد الرسول صلى الله عليه وسلم انتشار الزنا في الأمة إنذار بقيام الساعة حيث يقول من حديث طويل :"ويكثر أولاد الزنا حتى إن الرجل ليغشى المرأة على قارعة الطريق فيقول أمثلهم في ذلك الزمان لو إعتزلتم عن الطريق"(38)
فماذا بقي من ذوق للحياة إذا نزلت البشرية إلى منتهى دركات الحضيض الناس يتعاطون الفاحشة على الطريق يتسافدون كتسافد الحيوانات والطيور ولا يتجرأ واحد على رد المنكر ومنع الفساد بل وأمثل الناس يكتفي بكلمات يغمغمها بين شفتيه استنكاراً ولا يكاد يبين.
نسال الله السلامة من الوقوع في الرذيلة ونسأله الحفظ من كل بلاء.
ولكن إذا رجعنا إلى واقع الناس اليوم في حياتهم نجده لم ينج من هذا الوباء-وهذه حقيقة ملموسة -إذ لا يخفى على عاقل ما تعاني منه الأمة من أمراض مزمنة من جراء هذا الوباء المبيد.وتطالعنا الدراسات العلمية يوميا والصحف المختصة بالإحصاء والنشرات العالمية بإحصاءات مخيفة لأنواع من الأمراض تنذر بالخطر الشديد. (1/55)
صفحة 56
فقد أحصى احد العلماء خمسة وعشرين نوعا من الأمراض الناتجة عن الانحلال الجنسي والتي تعد في حقيقتها عقوبة إلهية لمجتمعات الزنا ديدنا لها والإباحية سلعة رائجة تعرضها في كل أوان .فمن مرض الزهري إلى مرض السيلان وانتهاء بمرض الإيدز AIDS وهو فقدان المناعة الذاتية وما بين هذا وذاك أمراض كثيرة مسببة لهذه الأوبئة أو مساعدة لها(39) وليس من خروج من هذا البلاء ألا بالرجوع إلى شرع الله تعالى ومساعدة الشباب على الزواج الشرعي النظيف والتزام الأمة بأوامر الله ونواهيه والسير قدما على منهج السيرة العطرة فان في الإسلام نجاتها وبالإسلام عزتها وشموخها.
---------------------------------------------
31: أخرجه البيهقي.
32: لمزيد من التفصيل يرجع إلى : جبر محمود الفضيلات: كتاب الزنا- ط: دار عمار للنشر والتوزيع- عمان- ص 144 وما بعدها.
33: د. مصطفى عبد الواحد: الإسلام والمشكلة الجنسية- دار الاعتصمام.
34: أخرجه الطبراني.
35: أخرجه الخرائطي وغيره.
36: أخرجه أبو يطي.
37: أخرجه الإمام أحمد.
38: الطبراني.
39: د.جبر محمود الفضيلات: كتاب الزنا : أحكامه وأسبابه ونتائجه والوقاية منه- ط دار عمار- عمان- الأردن ص 175 .
---
الخمر:
قال تعالى : ( يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ، إنما يريد الشيطان إن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) المائدة:90/91
الخمر:ما خامر العقل أي غطاه سواء كان رطبا أو يابسا مأكولا أو مشروبا .
حرمها الله تبارك وتعالى وشدد النقير على متناولها وعدها من الارجاس التي لا تليق بالمؤمن الذي احل الله له الطيبات وحرم عليه الخبائث. (1/56)
صفحة 57
والخمر من عمل الشيطان والشيطان لا يرجى خير من عنده بل الشيطان يهدف من وراء الخمر الغواية والصد عن ذكر الله وإيقاع العداوة والبغضاء في الصف المسلم.
والخمر بما تفقده من وعي الإنسان وبما تثيره من ثوران الدم في جسمه وما تهيجه من نزوات بهيمية اعتبرها الإسلام أم الخبائث فهي سبب العربدة والتسكع وهي سبب العداوة بين القرناء تحول بين المرء وزوجته وبينه وبين أبويه وأبنائه.
فكم من بيت رفرفت في أجوائه السعادة ولم تطل بل تهدم بمفعول الخمر فطلقت الزوجة بلا سبب وتشتت أفراد الأسرة ولهم يبق لهم من مستقر بل ابتلعتهم الشوارع ومواطن الفساد فصاروا بعدها ألبا على المجتمع أعداء له.
وكم من فرد انهدم جسمه تحت تأثير الإدمان على المسكرات والمخدرات وفقد فعاليته بعد أن ترك كل عمل جاد فراح يلهث ويركض وراء علب الليل ومواطن الفساد يبحث عن الخمر يحتسيها.
وكم من جريمة للقتل تمت تحت مفعول الاسكار بين الخلان والقرناء وكم من هتك للأعراض واقتراف للآثام جر إليها الخمر والسكر.والحالات التي ينكرها الذوق السليم فضلا عن تحريم الشرع لها لا تكاد تحصى والواقع ينطق بها ولا يتجاهلها إلا معاند لدود.فضرر الخكر على الفرد في عقله ودينه ودنياه واقع مر وأمر بين تنطق به أحداث مجتمع وتنشرها للناس الصحف اليومية تكشف عن مشاكل الناس وقضايا المجتمع وتبصرهم بالبلايا الاجتماعية الخطيرة.
وضرر الخمر على الأسرة خطير من حيث رعايتها والقيام على شئونها زوجة وأولادا. فكم من مدمن خمر يبيت في الحانات يحتسي الخمر ويملا بطنه بأنواع من المأكولات وأهله في البيت بلا أكل أو لباس .وكم من سكير يبيت سكرانا غائبا عن الوجود وأبناؤه في اشد الحاجة إلى رعايته وإرشاده فلا يفيق من غيبوبته إلا بعد وقت طويل ليصبح شيطانا مريدا عدوا لأقرب الناس إليه ينظر أبناؤه إليه شزرا ويتحينون الفرصة للانتقام منه لقاء ما فرط في الرعاية والإنفاق. (1/57)
صفحة 58
وكم من امرأة عفيفة صالحة طيبة تقية نقية تقبع في بيتها تعاني عزلتها تنتظر زوجها الذي استحوذت الخمر على عقله ليعود إليها في ساعة متأخرة من الليل مزمجرا يملا البيت ضجيجا ووعيدا وهو مر تكس في أوحاله نتن في قاذوراته .
وكم من مدمن خمر يترك زوجته الطاهرة وينساق إلى بيوت الناس ليهتك الحرمات فيتسلق هذا الجدار ويطل من هذه النافذة يبحث عن بيت غاب سيده ليتعدى على حرمته أو تراه يرتمي في أحضان البغايا يسلبنه رجولته ويسرقن أمواله ثم يرمين به في الشوارع كالحثالة لا يساوي شيئا.
ولا يقف ضر الخمر عند هذا الحد بل يتعدى إلى هدم الجماعات والشعوب واستهدافها في كيانها الروحي والمادي.
أما على المستوى الروحي فتنطمس في المجتمع روح التكامل والتعاون بما تورثه الخمر من عداوة وبغضاء بين إفراده وبما تسببه من تشتت في جماعته وتفكك في صفوفه.
أما على المستوى المادي فان الخمر سبب للإدمان الذي يفقد الإنسان نشاطه وفعاليته فيضعف إنتاج الفرد أو يضمحل نهائيا.وماذا تنتظر من مدمن الخمر وهو سكران بالليل مغمى عليه في النهار لا يستيقظ من إغمائه إلا ليعود إلى الحرام ثانية.
ومن هنا فإننا ندرك حكمة الإسلام في تحريم الخمر ومنع كل مسكر من المخدرات وأشباهها.
كما ندرك سر تشديد الرسول صلى الله عليه وسلم النهي عنها شربا وبيعا وصناعة وقد اعتبرها سببا لكل خبيث ومنطلقا لكل بلاء .وهو القائل عليه الصلاة والسلام:
"اجتنبوا الخمر فأنها أم الخبائث"
وفي رواية:"فإنها مفتاح كل شر" (40)
صدقت يا رسول الله فان الخمر سبب كل بلاء ومفتاح كل شر.
وحسب الإنسان العاقل إن ينظر في المجتمع ببصيرة ووعي فيرى واقع الناس اصدق شاهد على ما تعانيه الأمة من شر هذا البلاء.لذلك وقف الإسلام من خمر موقفا حازما بل اعتبر الإسلام شارب الخمر خارجا عن حظيرة المؤمنين مائلا إلى عباد الأوثان ينهدن إيمانه بهذا الفعل ولا يعود إليه إلا بالتوبة منه والإقلاع عنه. (1/58)
صفحة 59
قال صلى الله عليه وسلم:"لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"(41)
وقال أيضا :
"من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الأيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه"(42)
وفيه:
"من شرب الخمر ممسيا اصبح مشركا ومن شربها مصبحا أمسى مشركا"
وبعد هذه الأدلة الساطعة على انهدام إيمان المدمن على الخمر والمتناول للمسكرات هل يبقى من حجة لأولئك الذين يرجون الجنة له والجزاء الحسن على ما اكتسبت يداه؟
إن الذين يرجون النجاة للمخمورين والفجار المحاربين لله ورسوله يتغافلون عن حقيقة شرع الله الذي يدعو إلى الطهر ويأمر بالمعروف ويحل للناس الطيبات.ويتجاهلون إن دين الله جد لا يقبل في حظيرته المر تكسين في أوحال الرذيلة والله تعالى يعلم إن أمانة الخلافة لا يحملها إلا رجال صدقوا الله ما عاهدوا عليه وهم يدركون جيدا إن المسلمين في الصدر الأول للإسلام لم يسودوا الابما حفظوه من شرع الله أمرا ونهيا وان سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أسوة للناس وأفضل دليل على إن الله لا يتقبل من الفستق المجرمين عملا إلا أن يتوبوا ويطهروا أنفسهم من الارجاس التي ارتكبوها ويتوجوا لله تعالى بالطاعة والولاء الكامل.
ولنستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدد مكان شارب الخمر يوم القيامة إذ يقول:
"إن على الله عهدا لمن شرب المسكر إن يسقيه الله من طينة الخبال"
قيل :يا رسول الله :وما طينة الخبال؟
قال:"عرق أهل النار أو عصارة أهل النار" (43)
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (1/59)
صفحة 60
"من شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من سم الاساودة شربة يتساقط لحم وجهه في الإناء قبل إن يشربها فإذا شربها سقط لحمه وجلده يتأذى به أهل النار .إلا وشاربها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه واكل ثمنها شركاء في إثمها ولا يقبل الله منهم صلاة ولا صوما ولا حجا حتى يتوبوا فان ماتوا قبل التوبة كان حقا على الله إن يسقيهم بكل جرعة شربوها في الدنيا من صديد جهنم إلا وكل مسكر خمر وكل خمر حرام"(44)
ولما اعتبر الإسلام شرب الخمر حراما فقد حرم أيضا صناعتها والمتاجرة بها وإهدائها للناس فالذي اعتبرها من الخبائث وحرم شربها حرم كذلك التصرف فيها المتاجرة او الإهداء.
روي إن رجلا أراد إن يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم راوية (45) خمر فاخبره النبي أن الله حرمها .فقال الرجل:أفلا أبيعها؟ قال عليه السلام:"إن الذي حرم شربها حرم بيعها"فقال الرجل: فكيف اصنع بها؟فقال عليه السلام :"شنها على البطحاء"(46)
الخمر نجسة خبيثة والمسلم طيب طاهر لا يقبل إلا طيبا ولا يهدي إلا طيبا ولا يكسب إلا طيبا فلا يحق له إن يبايع الخبيث ولو كثر أو يهديه فان له في الحلال متسعا لرزقه وكسبه.
إن الذي يجعل المؤمن ينضبط عند حدود ما احله الله تعالى إنما هو الأيمان بالله تعالى والتزين بالتقوى والعمل الصالح.إن لدى المؤمن يقينا ثابتا إن الله تعالى لا يرزق من حرام وفهما صحيحا بأحكام شرعه وحكمة تشريعاته ووعيا تاما بان الخبث مفسدة للمال الحلال يدنسه ويرفع البركة منه ويورد صاحبه موارد المساءلة عند الله تعالى ومن نوقش الحساب فقد هلك.
-------------------------------------------------------------------
40: رواه الحاكم من حديث ابن عباس وقال: صحيح الإسناد. ( انظر الذهبي: كتاب الكبائر ) - " دار مكتبة الهلال - بيروت ص 81.
41: رواه البخاري ومسلم والترمذي. ( نفس المرجع السابق )- دار القلم للطباعة - بيروت ص 93. (1/60)
صفحة 61
42: رواه الحاكم. ( نفس المرجع السابق) ص 93.
43: رواه مسلم والنسائي. ( انظر: الذهبي : كتاب الكبائر- ط دار مكتبة الهلال- بيروت ص 28 ).
44: رواه الحاكم.( نفس المرجع السابق) ص 93.
45: راوية: إناء الخمر.
46: شنها: سن السائل شناً: صبه متفرقاً.
رواه الحميدي في مسنده ( انظر القرضاوي: الحلال والحرام: الناشر مكتبة وهبة- القاهرة ص 74).
---
حب الدنيا رأس كل خطيئة :
حب الدنيا وملذاتها وشهواتها يعمي البصيرة ويصم الأذان ويغلق منافذ العقل في الإنسان وإذا بهذا الإنسان كتلة من الشهوات الهائجة الجموح تراه يلهث وراء نزوات النفس ونداءات الشهوة لتحقيق المتعة المادية دون أن تحده حدود أو تضبطه ضوابط حتى يخرج من سمته البشرية ويفقد القيم السامية التي فضل بها عن غيره من المخلوقات.
يقول الحق تبارك وتعالى : ( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ) الأنفال 22
في سياق الحديث عن كبراء قريش الذين أعمى بصيرتهم حب الدنيا واعرضوا عن الحق واستكبروا عليه واصبحوا لا ينظرون إلى الأشياء إلا من منطلق المتعة الحسية والشهوة النفسية.
وتحت تأثير حب الدنيا يتساقط كثيرون على أعتاب الرذيلة والفساد مستسلمين لشهواتهم يغترفون من المتع المادية بلا حساب ولا يزال الواحد منهم ينزل عن فطرته البشرية ويبتكر لقيمه الإنسانية حتى يتدحرج في المدركات السفلى ليصبح أخس من الحيوان حط قيمة من الأنعام.
يقول الله تعالى : ( أولئك كالإنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) الأعراف:179
لذا فقد حذر القران الكريم من إسلام النفس للدنيا ومباهجها وصورها لنا بطريقة يبقى العاقل حذرا منها وهو يعلم إنها ظل زائل ومتعة مؤقتة. (1/61)
صفحة 62
فالحياة الدنيا لعب ولهو يلهي بها الناس أنفسهم ويشغلونها عما يهمهم من الأعمال الصالحة الموصلة إلى مرضاة الله عز وجل وهي زينة للناس من ملبس فاخر ومأكل شهي ومركب مريح ومنزل حسن زينة يتزينون بها ويتجملون بها .والحياة الدنيا تفاخر بين الناس بالأنساب والاحساب والثارات الجاهلية بغية العلو في الأرض والحياة تكاثر في الأموال والأولاد بالعدد والعدد.
وصدق الله العظيم إذ يقول : ( واعلموا إن الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد) الحديد :20
صور مبهجة في ظاهرها براقة في شكلها تأخذ بالألباب وتسلب العقول وتهفو إليها النفس التي جبلت على حبها ولكنها في النهاية متعة مؤقتة وزهرة ذابلة مثلها كمثل الزرع الذي يأخذ بالباب الزارعين وإذا به يصبح حطاما هشيما تذروه الرياح بين آونة وأخرى.
( كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرً ثم يكون حطاما) الحديد :20
هذه هي بهجة الدنيا في ظاهرها البراق مغرية لأهلها متجملة للمقبلين عليها لكنها لا تبرق إلا لتذبل بعد حين ولا تقبل إلا لتدبر .
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم زاهدا في الدنيا غير مقبل عليها شديد الحذر منها لو أرادها لأقبلت عليه من كل الجهات ولخضعت تحت قدميه صاغرة ولكنها النبوة أو التطلع إلى ما عند الله تعالى لذلك نراه عليه السلام كثيرا ما يبدي حذره منها ويوصي أصحابه بذلك وينهاهم عن الإقبال عليها بل ويصغرها في أعينهم .
يقول عليه الصلاة والسلام :"لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء"(47)
وكان عليه السلام يوجه الناس إلى التعامل السليم مع الدنيا وملذاتها فكان يوصيهم بان يأخذوا منها بقدر الحاجة فلا تكن الدنيا اكبر همهم ولا مبلغ علمهم ومن كان كذلك استولت على مشاعره فهلك.
قال عليه السلام :"من أصبحت الدنيا اكبر همه فليس من الله في شئ والزم الله قلبه أربع خصال:
- هماً لا ينقطع عنه أبدا. (1/62)
صفحة 63
- وشغلاً لا يتفرغ منه أبدا.
- وفقراً لا يبلغ غناه أبدا.
- وأملاً لا يبلغ منتهاه أبدا" (48)
هذه هي حالة المقبل على الدنيا :
- هم بالليل والنهار لا ينقطع ولا يتوقف .
- شغل دون جدوى بل جري وراء ملذاتها ليبلغها وما هو ببالعها كمن يلهث وراء السراب يحسبه ماء وما هو بماء.
- وفقر في القلب وشح في الإنفاق و يلهث وراء المال ليبلغ منتهى الغنى وما هو ببالغه ما دام القلب فقيراً من الإيمان بالله.
- وأمل لا حدود له مرد في الذنوب دون توبة أو رجوع سبب كل ذلك حب الدنيا لثقة في متعتها ومتاعها دون حدود.
وقد جاء في الأثر مما قاله أهل الحكمة والمعرفة:"حب لدنيا راس كل خطيئة وسبب كل فتنة" مسكت بنواصي الناس فإمرتهم بالفجور ففجروا ودعتهم إلى الفسق فاستجابوا وساقتهم إلى الرذيلة فأطاعوا.
فكانت سبب البلايا التي تعاني منها البشرية:
- صراعات دامية يأكل القوي فيها الضعيف.
- أنانيات مفرطة تزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرا.
- مظالم يسلطها الأقوياء على الضعفاء لا تجد لها نهاية أو حدوداً.
سبب كل ذلك حب الدنيا والوقوع في شراكها.
لذلك يقول الله عز وجل: ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) الحديد :20
ويقول أيضا : ( فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ) فاطر:5
والغرور :التمادي في الضلال واتباع الهوى بغير حق واعتماد القلب على ما لا ينبغي أن يعتمد عليه كاعتماد الغني على ماله والعالم على علمه واعتماد العصاة على إمهال الله إياهم واعتماد الفاسقين على شفاعة الرسول لهم.هذا هو عين الاغترار وعين السفه وعين الحماقة
والغرور غير الرجاء لأن الرجاء إنما يتحقق بوجود أسباب الفلاح وطرق النجاح.
والراجي رحمة ربه هو من يأتي الطاعات ويرجو قبولها والمغتر هو من يطلب الخوة بغير عمل ويوخز التوبة بطول الأمل وهو مقبل على الدنيا بنفس لا تقنع وبطن لا يشبع. (1/63)
صفحة 64
يقول الحق تبارك وتعالى: ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم سآء ما يحكمون ) الجاثية:21
---------------------------------------------------------------
47: رواه الترمذي والضياء( انظر: محمد أمين الكردي - الناشر- دار التراث الإسلامي- حلب ص 473).
48: رواه الطبراني ( انظر: محمد أمين الكردي: تنوير القلوب- الناشر: دار التراث الإسلامي - حلب ص 475 ).
---
-مفاهيم يجب أن تصحح:
يحلو لكثير من الناس أن يتكلموا عن الدنيا فيسلبوها كل قيمة. تراهم يصورونها في أعين الناس شيطانا قبيحاً، وعجوزاً شريرة شمطاء . يدعون الناس إلى اعتزالها، ويحذرونهم منها ،ويحضونهم على الانسحاب منها والبقاء منعزلين بعيدا عن ضوضائها.
هذا الكلام فيه نصيب من الصواب لو أكملوا المشوار وحددوا الزوايا التي يكمن فيها الخطر أما الوقوف في منتصف الطريق فإنه مضر ومهلك ومدعاة للاستغراب .
ولو رجعنا إلى دستور الأمة لنحسم النزاع ونعدل الموقف على ضوء الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لوجدنا يصور لنا هذه الدنيا مزرعة للآخرة بحيث لا يستقيم أمر الثانية إلا بالأولى ويجعل الإنسان سيدا في هذا الكون أمره الله تعالى إن يجعلها مستقرا له يمشي فيها بالأعمار والإنماء فيزرع ويحصد ويبني ويشيد ويغرس ويجني وهو المخول للسير فيها والاستفادة من خيراتها.
يقول سيد قطب في قول الحق تبارك وتعالى: ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) الحديد:20
"لا يقصد بها العزلة عن حياة الأرض ولا إهمال عمارتها وخلافتها التي أناطها بهذا الكائن البشري إنما يقصد بها تحقيق المقاييس الشعورية والقيم النفسية والاستعلاء عن غرور المتاع الزائل وجاذبيته المقيدة بالأرض"(49)
إذا كان الباري عز وجل قال لنا : (أعلموا أن الحياة الدنيا لعب ولهو) الحديد:20 (1/64)
صفحة 65
فليحذرنا من الانسياق إلى اللهو والركون إلى مله ينسينا واجباتنا وأعمالنا.
غير أن الإسلام شرع لنا أنواعا من اللهو المشروع نروح به على أنفسنا ساعة بساعة لنقدر على مواصلة المشوار في هذه الدنيا .
وقد ظن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أن الجد الصارم والتعبد الزائد لا بد أن يكون ديدنهم ليكونوا من الفائزين.
وانطلق حنظلة ذات يوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجو منه إشفاء الغليل مما هو فيه ويحكي عن نفسه فيقول:
قلت :نافق حنظل يا رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :وما ذاك؟
قلت :يا رسول الله:نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنه رأي العين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج(50) والأولاد المرضعات ونسينا كثيراً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"والذي نفسي بيده إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظل ساعة بساعة"وكرر هذه الكلمة ساعة وساعة ثلاث مرات.(51)
وإذا رجعنا إلى سيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم وسار على نهجهم نجدهم يمزحون ويضحكون ويلعبون ويتندرون تلبية لنداء الفطرة وتمكينا للقلوب من حقها الراحة واللهو البريء.
فما المانع على المسلم أن يتفكه، ويمزح بما يشرح صدره، ويعينه على ساعة الجد .على أن لا يكون المزح ديدنه، واللهو سجيته، وألا يكون مخلاً بالمروءات أو وقعاً في الأعراض.
والإسلام جوز لنا أصنافا من الألعاب المتعارف عليها في ذلك الزمان فجوز المسابقة على الإقدام وقد روي أن علي كرم الله وجه كان عداء سريع العدو.
وأباح المصارعة. وجعلها رياضة لا تنافي الوقار، والشرف، والعلم، والفضل، وعلو المكانة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق عائشة فغلبها وغلبته وصارع ركابه(52) ثلاثا فصرعه.
كما أباح الإسلام اللعب بالسهام والتدريب على دقة التصويب واللعب بالحراب وحرض على ألعاب الفروسية . (1/65)
صفحة 66
واعتبر الإسلام كل لهو نافع جائز إذا كان فيه للإنسان متعة ورياضة واكتساب. وعلى ذلك فقس سائر رياضات العصر التي يمارسها الشباب إذا استوفت شروطها وقامت على بصيرة من شرع الله دون إضاعة واجب أو إهمال فرض.
وإذا كان القران الكريم حدثنا عن الدنيا بأنها زينة وحذرنا من الانسياق إليها و الانخداع بها فانه في نفس الوقت يشير إلى إن حب هذه الزينة جبلة في الإنسان لا يستطيع أن يتجاهلها أو يتخلى عنها لذلك حدد موقفه منها بحيث لا يمكن أن يحرم الإنسان مما فطره الله عليه فقال عز وجل:
( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ءامنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) الأعراف:32
فأباح للمؤمن أن ينعم بهذه الزينة ووضع لها ضوابط وحدد لها حدودا تكون بها نعمة على الإنسان ولا تكون نقمة.
يقول الله تعالى: ( زين للناس حب الشهوات من النساء ) آل عمران:14
إذا كانت المرأة زينة، فإن زينتها تكون في جمال أخلاقها وقوة إيمانها وقدرتها على إسعاد الأسرة والقيام بأمور البيت وخدمة المجتمع.
فالمرأة إما أن تكون زوجة ،أو أماً، أو بنتاً، أو أختاً ولا تكون زينة تحقق السعادة إلا إذا أقبلت على الله تعالى وتربت على منادى الإسلام وتخلقت بخلق خير الأنام وتأسست ببيت النبوة. آنذاك تكون فعلا من الزينة الصالحة النافعة للأمة.
ولنستمع إلى قول الحق وهو يمدح النساء اللاتي تزين بزينة الصلاح والتقوى وحققن في أنفسهن نموذج المرأة الصالحة: ( فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ) النساء 34
أما الأموال والأولاد فقد جاء التحذير في القران الكريم من تعدي الحدود في حبها لأن الأموال منزلقة إلى الطغيان وحب الاستعلاء في الأرض والأولاد مظنة التفاخر والتباهي الذي يوصل إلى الظلم والفساد.
قال تعالى تعبيراً على أن حب المال فطرة في الإنسان: ( وتحبون المال حبا جما)الفجر20 (1/66)
صفحة 67
وقال أيضا يحذرنا من فتنة المال والأولاد: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده اجر عظيم ) التغابن:15
ولكن القران الكريم لم يتوقف عند هذا بل كان له منهج واضح في الموضوع.
فالأولاد نعمة من نعم الله العظيمة إذا كانوا صالحين وفضل من الله يعجز الإنسان عن أداء الشكر مهما شكر.لذلك نرى الأنبياء والمرسلين يرجون الولد الصالح الذي يحمل راية الأيمان ويسير على نهج الإسلام.
فهذا إبراهيم عليه السلام يدعو ربه إن يهبه الولد الصالح فيستجيب له ربه ( رب هب لي من الصالحين ، فبشرناه بغلام حليم) الصافات 100/101
وزكريا يرجو الولد الصالح أيضا: ( هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) آل عمران :83
وكذلك شان المؤمن يرجو ربه إن يهبه الذرية ويرجو صلاحهم فتراه يدعو الله تعالى ( وأصلح لي في ذريتي ) الاحقاف:15.
وحسبنا إن نأخذ التوجيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحرض الأمة على كثرة التوالد والتناسل ليكثر عدد المسلمين وتقوى شوكتهم فلا يطمع فيهم العدو وليكونوا فخرا وعزا لرسول الله يوم القيامة.
يقول عليه الصلاة والسلام:" تناكحوا تناسلوا فاني مباه بكم الأمم يوم القيامة"
حب الأولاد بلا ضوابط أو حدود يعمي البصيرة ويؤدي إلى ارتكاب المحظور من اجلهم.وحب الأولاد بميزان الإسلام والأيمان يحقق العزة والكرامة للامة.
إن الله تعالى يحب أن يرى أمة الإسلام قوية عدداً وعدة ويحب أن يراهم أغنياء يطلبون المال من حله ويضعونه في محله ، ومن متممات سعادة المؤمن أن يجمع له من معاشه ما يمكنه من التوسعة به على أهله ومواساة أصدقائه وذوي الحاجة والإنفاق في سبيل الخير والصلاح.
كما يحب الله تعالى إن يرى عباده أقوياء عددا وعتادا وهو القائل: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) الأنفال:60
---------------------------------------------------- (1/67)
صفحة 68
49: سيد قطب: في ظلال- المجلد السادس- ط دار الشروق بيروت 1405هـ/ 1985م ص 3491.
50: لاعبنا الأزواج.
51: رواه مسلم ت: 373 ( انظر القرضاوي: الحلال والحرام: المكتب الإسلامي- بيروت 1405هـ/ 1985م ص 265.
52: أبو داود ت 378 ( نفس المرجع السابق ص 267 ).
---
عدة المؤمن
بعد أن عرف المسلم ربه، ووحده ونزهه عن الصفات المخلوقين، واهتدى إليه بالمعرفة الصحيحة والاعتقاد السليم وعرف رسوله صلوات الله عليه وسلامه.
وبعد التوقف أمام المشكلات وبيان العوارض والعقبات، والتحذير من المفاسد والضلالات :أصبح الطريق إلى الفلاح أمراً ميسوراً، والسير فيه هيناً، إذا ما تزود السالك فيه بالزاد يشد أزره ويقويه.
ولم يبقى له سوى :
- الإخلاص لله في الاعتقاد والقول والعمل.
- تخويف النفس الأمارة بالسوء من عذاب النار وغضب الجبار، وربطها برجاء الرحمة والمغفرة من العزيز الغفار.
- حسن التوكل على الله تعالىوصدق النية في ذلك مع اتخاذ الأسباب الموصلة إلى ذلك.
-الإقبال على مدارسة القران الكريم تلاوة وفهماً والمداولة على ذلك، مع دراسة سنة رسولنا الكريم، وسيرته العطرة، ليحصل المرء بذلك على معرفة أحام الشريعة ومقاصدها، فيلتزم بها ويعمل بمقتضاها.
- مجاهدة ميول النفس، والإعراض عن الهوى، ويتحقق ذلك بالمداومة على ذكر الله تعالى، وحس الإلتجاء إليه بالدعاء الخالص يشترك في ذلك العقل بالتدبر والتفكر، والقلب بالإخلاص والخشوع، واللسان بالتسبيح والاستغفار، والجوارح بالعمل والطاعة، وليجعل التوبة من كل ذنب عزيمة ومقصداً، والقرب من الله هدفاً ومطلباً.
وسنحاول أن نسلك هذا الطريق للمؤمن الكريم باختصاره وندعوه إلى تأمل معالمه والتحلي بها ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
والحق تبارك وتعالى يقول :
(فاتقوا الله ما استطعتم و اسمعوا و أطيعوا) التغابن:16
--- (1/68)
صفحة 69
- الإخلاص
الإخلاص هو أس الإيمان وروحه، بل هو الإيمان كله. ويتعلق موضوعه بالبواعث القلبية على الأقوال والأعمال، والحركات والسكنات . فرب عمل يكون كبيراً في حجمه، ظاهراً في شكله وصورته لكنه عند الله لا يساوي شيئاً لأنه أريد به غير الله تعالى:
( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءاً منثوراً) الفرقان 23
إن المؤمن الصادق هو الذي يتوجه بعمله إلى الله . سواء أكان هذا العمل ظاهراً أو باطناً، يرجو به رحمته ويتقي به ناره وعذابه ويطمح بهو الى القرب من مرضاته ودخول جناته .ولا يتلفت إلى مدح الناس بل لا يرجو منهم جزاء ولا شكورا .
(ويطمعون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ..إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) الإنسان:8/10
وتأتي نتيجة الإخلاص وثمرة الصدق في النية والعمل.
(فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرةً وسروراً .. وجزاهم بما صبروا جنةً وحريراً ) الإنسان :11/12
وإذا وضعت مرضاه الله فوق كل من أغراض الدنيا ،وتجرد القلب عن زخارفها بالتوجه الخالص إلى الله تعالى ،وأصبحت الدنيا صغيرة في النفوس، والأعين فقد تحقق آنذاك الإيمان وتحققت السعادة.
سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه عن حاله فقال له:
"كيف أصبحت يا حارثة"؟-
قال: مؤمناً.
قال: -" فما حقيقة إيمانك " ؟
قال: عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون، وكأني أسمع عواء أهل النار.
فقال صلى الله عليه وسلم:-" شهيداً سعيداً ".
وهو جواب رجل ذاق حلاوة الإيمان، فتضاءلت متع الدنيا في عينيه وحول وجهته إلى ما هو خير وأبقى حيث النعيم المقيم والسعادة الأبدية.
والإخلاص عمل قلبي وهو سر الله تعالى يودعه قلب من أحب من عباده الصالحين والله تعالى يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب المتقين والمحسنين ويحب المخلصين والمتوكلين. (1/69)
صفحة 70
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
سألت جبريل عن الإخلاص . قال : سألت الله عز وجل عن الإخلاص . قال : هو سر من أسراري أودعته قلب من أحببت من عبادي "(53)
وبما أن الإخلاص عمل قلبي ليس للإنسان أن يطلع عليه فليس من حقه أن يحكم على شخص ما بأنه مخلص أو هو على خلاف ذلك. غير أن المؤمن الذي يرى بنور الله لا تخفى عليه حالات الناس اليوم . فالإخلاص بذرة صالحة في القلب وهو حية فاعلة في الإنسان فلا بد إذن أن تعطي ثمرة صالحة كذلك . فلا يمكن للزارع الذي يرمي في بطن الأرض قمحاً أن يجني شوكاً .
ولقد علمنا أن القلوب مزروعة للاعتقاد وأن الجوارح تنتج الثمرة، فإن كان الاعتقاد سليماً مخلصاً، كان العمل والسلوك كذلك والعكس .
فطالب العلم اليوم يسعى إلى نيل الشهادة التي تبوئه مقاماً عالياً في مجتمعه ،وهذا أمر مطلوب وضروري ولكن ليجعل ذلك لوجه الله، أي ليقصد بعلمه وشهاداته ومركزه إرضاء الله ورسوله . والعمل بشريعته، والمساهمة في إصلاح أمته بما يعزه في الدنيا ويبوئها الجنة في الآخرة . ومثل ذلك بالنسبة للزراعة والمسؤول في الإدارة ،والمشرف على المراكز الحيوية في المجتمع، والقائد العسكري ، وعالم الذرة ، والرياضي البارز ، والسياسي المشهور . كل هؤلاء وأمثالهم إذا سخروا طاقاتهم في سبيل إسعاد الأمة بما يقربها إلى الله تعالى فإن أعمالهم تعد جهاداً في سبيل الله لأنهم جعلوا رضاه هدفهم وإعزاز الأمة مطلبهم .
---------------------------------------------
53: رواه أبو القاسم القشيري في الرسالة بسند ضعيف ورواه جمع من الحفاظ.
---
التوكل والتفويض
التوكل ثمرة من ثمرات الإخلاص . وهو الاعتماد الصادق على الله عزوجل والثقة به ، وتفويض الأمر إليه، مع الأخذ بالأسباب، واتباع السنن الكونية، ويصحبه الاعتقاد الجازم، أن من توكل على الله كفاه. ومن انقطع إليه أواه. (1/70)
صفحة 71
وهوالقائل تبارك وتعالى : ( أليس الله بكاف عبده ) الزمر: 36
والقائل أيضا : ( وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ) النساء: 45
( وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ) النساء 81
والتوكل جزء من حقيقة الإيمان . إذ لا يكتمل إيمان امرئ إلا إذا أحسن الظن بالله عز وجل ، فتوجه إليه بالدعاء ، وطلب من الله النصر وفوض إليه أمره .
وفيما يروى أن الله تعالى أوحى إلى داود :
( يا داود من دعاني أجبته ومن استغاثني أغثته ومن استنصرني نصرته ومن توكل علي كفيته ) .
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحذر الناس من الاغترار بالنفس ، والاعتماد المطلق على قوة الشباب ، دون توثيق الصلة مع الله تبارك وتعالى .
كان الصحابة رضوان الله عليهم يبكرون إلى أعمالهم بعزيمة قوية ، يسعون في الأرض بنشاط وينتشرون فيها طلبا للرزق ، يحدوهم الأمل في الله وتفويض الأمر إليه .
وأين الناس اليوم ؟ فهم على طرفي نقيض : بين التفريط والإفراط .
أما المفرطون ، فهم أولئك الذين لا ينظرون إلا بعين واحدة وتعمى العين الأخرى عن رؤية الحقيقة كاملة .
فقد وجد في المجتمع الإسلامي نوع من الشباب لا يرون من الدين إلا مظاهر الأمور . ولا يهتمون إلا بالقشور . يتغافلون عن اللباب .
فكم من مقيم في المساجد يطيل تهجده وعياله يرعاهم غيره .
وكم من شاب يمشي على الأرض مطأطئ الرأس تخاله يحمل الدنيا في عاتقه دون غيره . يطيل ليله بقراءة المصنفات وحفظ لمنظومات ، عينه بالليل ساهرة وجسمه بالنهار كليل .
كما ترى كثيرا من ضعفاء الدين والفكر والفهم ، يركبون الطائرات ويستعملون وسائل الحياة المريحة ، ويقولون إن الله سخر لنا الكفار ، يسهرون الليل في خدمتنا لننام ، ويتعبون لنرتاح ، يخترعون وسائل العيش لنهنأ بها ، لست أدري كيف يسوغ للمرء أن يحمل في ذهنه هذا الفهم الخاطئ ليبرر قصوره وضعفه ؟ (1/71)
صفحة 72
إن الشخصية الإسلامية لا تتكامل إلا إذا تكاملت فيها كل الجوانب بحيث يكون المظهر عنوان الباطن ، والسلوك ثمرة الإيمان ، والعمل نتيجة الإخلاص والصدق في التوكل .
إن الإسلام يريد شبابا يأخذون من ليلهم بقدر ما يعينهم نهارهم ، من نومهم بقدر ما يعينهم على يقظتهم ، وصحوهم ، ومن تهجدهم بالأسحار ما يكون لهم عونا على طاعة الله في النهار ، شباب في الليل رهبان في النهار فرسان ، فرسان - على الأقل - على مسرح الحياة ، وهم بين معلم مخلص في مهمته ، ينشر العلم بين الناس ليسود بينهم الحب في الله وتقوم فيهم الأخوة الصادقة ، والتكافل النافع ، وبين تاجر يصدق الله في تجارته ، فلا يروج للحرام ولا يكسب المال إلا من حله ، لينفقه في محله ، وبين مزارع يقضي أوقاته يخدم الأرض ، ويسقي الغرس ، ليأكل من عرق جبينه وكد يمينه ، ثم بعد ذلك ليصل خيره إلى الأمة المسلمة ، فتحقق إكتفاءها من حاجاتها الضرورية ، ولا تبقى عالة على غيرها يعطيها - إن شاء - منّا . ويمنعها - إن أراد - إنتقاما وإذلالا .
وعلى ذلك فقس . وإذا تحقق للأمة الفهم لمعنى التوكل ونفضت عن نفسها غبار التواكل . فستراها أمة عظيمة تحقق العزة والنصر . فتسود الطمأنينة القلبية ، وتشيع الراحة النفسية وتكون - فعلا - آنذاك جسدا واحدا مترابطا كالبنيان المرصوص ، يصعب على العدو اختراقه أو يستحيل ، لأنه مجتمع أخلص النية ، وأحسن التوكل ، وفهم معناه ، ثم فوض أمره إلى الله الذي لا يتخلى عن عباده المؤمنين .
أما الصنف الثاني فهو مفرط في اعتماده على نفسه . ضعف الحبل الذي يصله بالله تعالى ، فعظم نفسه ، وأعتمد على قدراته الجسدية والفكرية. وأصبح الدرهم هدفه الذي من أجله يستيقظ وينام ، ويرتحل ويقيم ، حتى أدى به إلى الغرور وظن في نفسه القدرة والعظمة ، فسار في الأرض مختالا ينظر أحيانا إلى عضلاته المفتولة ، وأخرى إلى عقله الكبير . (1/72)
صفحة 73
بهذا الفهم الخاطئ ، حاد الناس عن الطريق السوي ، وتجاوزوا حدود الثقة في قدراتهم المادية والمعنوية ، فغابة معها القناعة من القلوب . وأصبح الجشع المادي والإدمان على حب المال والجاه سمة بارزة بين الناس . فأقبلوا على الدنيا ونشطت لها الأعضاء ، ولسان حالهم يقول ( الحياة هي المال ) ولا ترى فيهم أحدا إلا راكضا وراءه ، ساعيا إليه ، لا يراعي لله ذمة ولا للناس حرمة . يسأل الناس عن سبل جمع المال ولا يبالي من أين يأتي ، من حلال أو حرام ، وإذا إلتفت يمينا أو شمالا فلا ترى الناس إلى كما قال أبو فراس الحمداني :
والنتيجة في نهاية المطاف ، مجتمع متفكك الأسس ، منهار البنيان ، تحكمه المصالح الشخصية ، وتسيره الأهواء الذاتية . فهو كالقارب الصغير في خضم البحر ، ترمي به الأمواج العاتية يمينا وشمالا دون أن يجد لنفسه قرارا .
وبفقدان هاتين الصفتين : التوكل على الله وتفويض الأمر إليه ، تكثر الأمراض النفسية . وتنتشر الاضطرابات القلبية ، والتشنجات العصبية . فتصبح الحياة ضيقة لا مسوغ لها . ويصبح العيش منغصاً بأنواع هذه البلايا والمصائب ، وصدق الله العظيم إذ يقول :
( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) طه: 124
والضنك أصله في اللغة الضيق والشدة . ولا سعادة لحياة تختنق فيها الأنفاس ، وتتقطع فيها الأوصال ، ويتداعى فيها البنيان وتداس فيها الكرامة .
---
ملازمة كتاب الله العزيز
تلاوة القرآن حفظاً ومدارسة:
القرآن الكريم هو كتاب الله العزيز ووحيه الذي أنزله على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، لهدي به الناس إلى صراط الله المستقيم، وليخرجهم به من الظلمات إلى النور.
( قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين.. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) المائدة: 15/16 (1/73)
صفحة 74
فإذا أوتي المرء الإيمان أوتي النور. هذا النور الذي يضيء داخله. نور بقلبه، ونور بعقله وبصيرته، ونور ببصره. يجد نفسه يعيش في النور الهادي إلى سواء السبيل بعيداً عن الظلمات، نور يملأ عليه نفسه فيرى بنور الله، ويسمع بسمع الله، ويمشي بتأييد الله وتوفيقه ورعايته.
إن المؤمن إذا أقبل على كتاب الله يتلوه بتدبر وإخلاص، يذوق حلاوته ويجد فيه سلامة ضميره وعقله، وسلامة جوارحه ووجدانه، في الوقت الذي يعاني فيه أهل الضلالة أنواعاً من الويلات. ويلات في شتى صورها، تخلف في الفكر، وهبوط في الأخلاق، وجشع مادي لا حدود له ومظالم متنوعة يذوق فيها الضعيف بأس القوي. فالقرآن الكريم زاد المؤمن في رحلته الدنيا، يعينه على مشاقها ومتاعبها. ويسدد خطاه في كل عمل يقبل عليه.
فهو دستور الحياة ، يجد فيه المؤمن العزة في الدنيا والآخرة، يتخلق فيه الفرد مع ربه، ومع نفسه، ومع أهله، ومع أمته.
فالقرآن خلق، وتعاليمه تدعو إلى مكارم الأخلاق. ولا غرابة أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم متخلقاً بخلق القرآن. فهو النبي المرسل من رب العالمين، تنزل عليه الوحي فالتزمه في نفسه قبل غيره ثم دعا إليه الناس. كان عليه السلام خلقه القرآن، بلغ بهذا الخلق ذروة البشرية واستحق أن يكون أفضل خلق الله، وأن يذكره ربه فيصفه بقوله:
( وإنك لعلى خلق عظيم ) القلم: 3
فجدير بشباب الأمة المسلمة اليوم أن تعود إلى كتاب الله تعالى يتلونه بلسان فصيح، ويتدبرونه بفكر حصيف (54) . يثنون ركبهم في حلق الدرس، يفهمون معانيه، ويحنون ظهورهم على أجزائه وسوره، يقرءونها ليزدادوا إيماناً، ويشتد عودهم، وتصلب قناتهم، فيكونوا دعاة إلى الخير، وهداة إلى الصلاح، شباب تسعد بهم ويعز بهم الفرد والجماعة.
( إنما المؤمنون إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون ) الأنفال: 2 (1/74)
صفحة 75
وإذا تلا المؤمن القرآن الكريم وجد حلاوته في نفسه، فكان له عوناً على أن يعيش القرآن فعلاً وواقعاً.
فيجد اطمئناناً في قلبه لأنه يصله بربه مباشرة دون حجاب وراحة في واقع حياته.
والأمة الحية هي التي تحيا بالقرآن. هي الأمة التي يمس واقعها القرآن في كل مجالاتها. فيغذيها بأسباب الحياة، ويبعث فيها روحها من جديد. فتستيقظ من غفوة، وتفيق من غفلة، وتنهض بعزم لأداء رسالتها، والقيام بمهمتها في الأرض.
مثلها كمثل الأرض الميتة التي أدبت من إنعدام أسباب الحياة لها. فينزل الله عليها الماء، فتتنفس الصعداء من جديد، فتنمو، وتربو ، وتصلح تربتها، لتخرج للناس من الثمرات، ومن كل زوج بهيج تبصرة للعباد وذكرى لأولي العقول والأبصار.
إن الطريقة المثلى لتربية الأمة بالقرآن، إقامة مؤسسات لخدمة كتاب الله يرتادها المسلمون ذكوراً وإناثاً، في أوقات منتظمة، وعلى مراحل متعددة، بحيث لا يحرم جيل من هذا الخير.
إن الإقبال على مدارسة القرآن عمل عظيم يجب أن يصحب المؤمن في كل مراحل حياته. يربى الصغير على حسن التلاوة وسلامة الحفظ، ويدرب الكبير على ذلك إذا كان ممن فاتتهم الفرصة في الصغر بحيث لا يرى غضاضة أن ينكب على كتاب الله يحفظه، ويدرب نفسه على حسن التلاوة. فإن في ذلك أجراً عظيماً يضاف له في سجل حسناته يوم الحساب.
يقول عليه الصلاة والسلام:" الذي يقرأ القرآن وهو ماهر فيه مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو يتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران " (55).
---------------------------------------------
54 : يقال حصُف فلان: إستحكم عقله وجاد رأيه- ( المعجم الوجيز ).
55 : البخاري ( تفسير ) - مسلم ( صلاة المسافرين ) - أبو داود ( الصلاة ) - الترمذي ( فضائل القرآن ). (1/75)
صفحة 76
وليكون العمل ناجحاً ومستمراً فإن الأمة في حاجة إلى الهمم العالية، والنفوس السخية الصادقة، التي تنفق في سبيل الخير ولا تخشى فقراً، ولا يخفى على مؤمن قيمة الإنفاق في سبيل الله وأثره في صلاح الأمة وإسعادها.
كما لا يخفى عليه ما أعده الله تعالى للمنفقين من الأجر العظيم في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فإن الله تعالى يزيدهم من فضله، وينزل عليهم من بركاته، ويوفيهم أرزاقهم بغير حساب.
( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) البقرة: 272.
وأما في الآخرة فإن الله تعالى يكرمهم بالأمن، ويضاعف الأجر والمثوبة.
( الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) البقرة: 274.
وحفظ القرآن الكريم، والمداومة على تلاوته ومدارسته، يحتاج إلى صبر كبير لا يستطيعه إلا من نظم أوقات يومه، بحيث يجعل لكل عمل وقتاً. فوقت لنومه، ووقت لعمله، وآخر لراحته، ووقت لقرآنه.
فتنظيم الوقت أمر ضروري. فإن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، ولقرآنك وزاد راحتك عليك حقاً. فأعط كل ذي حق حقه. بهذا التنظيم المحكم يستطيع المرء أن يداوم على عمل الخير.
والإيمان بالقرآن الكريم وفهمه وتعلمه وتلاوته يمثل جانباً من جوانب العمل به، وهو عمل فردي يعود تأثيره على القارئ نفسه ليصل أثره إلى المجتمع.
ومما يجب على المسلمين حيال كتاب الله تعالى:
- الإكثار من تلاوته، والتعبد بقرآته، والتقرب به إلى الله تعالى، بحيث تعمر البيوت والمساجد بتلاوة كتاب الله العزيز.
وتنتشر مراكز القرآن في كل ركن وزاوية. فيها يربى النشأ ويغذى بآي الذكر الحكيم.
- الرجوع إليه في كل الحالات ليأخذ المسلم منه ما يحتاجه في حياته الدنيا:
- من إيقاظ للروح.
- وتربية للفرد.
- وتنظيم للأسرة.
- وإحياء لمقومات المجتمع السليم. (1/76)
صفحة 77
فمن أراد أن يعرف ربه، ويهتدي إليه فعليه بالقرآن الكريم، ومن أراد أن يعرف مكانة رسول الله عند ربه تعالى، وسيرة المرسلين من لدن آدم عليه السلام، فعليه بالكتاب العزيز، ومن أراد أن يسعد في الدنيا والآخرة فعليه بالقرآن الكريم ففيه التوجيهات السديدة والتشريعات الحكيمة، وفيه الأمر والنهي، وفيه خير الدنيا والآخرة، وصدق الله العظيم إذ يقول:
( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً ) الإسراء: 9.
العمل الصالح:
لو رجعنا إلى القرآن الكريم، لوجدناه يركز على العمل الصالح، ويحرض على الخلق القويم، ويدعو الناس إلى تزكية نفوسهم بالإقبال على ما أحله الله لعباده من الطيبات، والامتناع عما حرمه الله تعالى.
ذلك أن دين الله تبارك وتعالى، هو السبيل الوحيد ليكون الإنسان إنساناً كما كرمه ربه وقدره.
فلا مجال إذن للعبث ولا التذبذب. ولا مكان فيه لأولئك الذين غلبت عليهم شهواتهم فأطاعوها، واتبعوا خطوات الشيطان.
لذلك عد العمل الصالح نتيجة حتمية للإيمان الخالص. إن لكل شيء قاعدة يقوم عليها، ولكل قاعدة نتيجة وثمرة. والإيمان بالله تعالى هو القاعدة الأساسية التي ينبع عنها العمل. بل هو المحور الثابت الذي يدور حوله كل عمل، أو خلق، أو سلوك، فلا نجاة لمن ادعى الإيمان ولم يقدم هملاً صالحاً.
ولا سعادة لمن آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه.
ولا أمن يوم القيامة لمن غالط نفسه بالأماني وغرر بها فأتبعها هواها حتى أصبح لها عبداً.
وإذا أردنا أن نتوقف برهة مع الأعمال الصالحة فهي كثيرة وعظيمة. وحقل الصالحات شاسع الأرجاء. فما على المسلم إلا أن يقطف من كل شجرة زهرة ليزين بها نفسه. (1/77)
صفحة 78
والعمل الصالح قد يكون خلقاً يتزين به المؤمن وقد يكون عملاً يمارسه. فحب الخير للمؤمنين، ومعاشرة الناس بالحسنى. وتقديم يد العون لهم. خلق رفيع يحمده الإسلام ويرضى عنه الله تعالى.
وإعمار الأرض بالخير أمر جميل. فالتاجر الصدوق في تجارته يبوئه عمله مكانة الصديقين، والزارع النشيط في مزرعته، يعد عمله صدقة يؤجر عليها.
والمعلم في حلقة الدرس وهو يخلص لطلابه النصيحة، ويجهد نفسه لأداء مهمته بهمة ونشاط يعد عمله رسالة عظيمة.
إن الأمة اليوم في أمس الحاجة إلى شباب يعملون أكثر مما يتكلمون، يعون مسؤوليتهم. ويفهمون ما يطلب منهم، ليقوموا بواجبهم بعزائم قوية، وعقول فاهمة وواعية، وأجسام نشيطة.
لا أريد أن أعرج بشبابنا لأفتح لهم نافذة على بلاد الغرب، ليطلعوا على نشاط الناس في حياتهم، ودقتهم في مواعيدهم، وإيمانهم بالمهام المناطة بهم، بل وذوبانهم في أعمالهم، فمتى يكون الغرب قدوة أو متى يتخذ أسوة.
نعم. إن الموضوعية تفرض علينا أن نعطي كل ذي حق حقه، وأن لا ننظر بعين ونغمض الأخرى. فالمسلم مستعد أن يأخذ الحكمة أنى وجدها. وأن يستفيد من كل شيء في هذه الحياة، وأن يمشي في الدنيا ببصيرة فيأخذ ما يراه خيراً ويترك ما يراه شراً.
ولكن، تاريخ الإسلام حافل بالأمجاد وصفحاته طافحة بسير الرجال الذين أثروا في الحضارات، وتركوا بصماتهم فيها. ولا يزالون إلى اليوم يذكرون، فتحمد أعمالهم، وتمجد خصالهم، وسيبقى ذكرهم زكياً، عطراً، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. ابتداء بالأنبياء والمرسلين وفي طليعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولننظر قول الحق فيهم:
( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه )
الممتحنة: 4
( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة )
الأحزاب:21
ومروراً بالصحابة الكرام إذ يقول الباري فيهم: (1/78)
صفحة 79
( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا )
الأحزاب: 23
وعلى هذا المنوال سار المسلمون الصادقون عبر التاريخ رمزاً للرجوله. وأمانة يحتذى بها في الصدق وفي العمل والإخلاص فيه. فقد كانوا يسارعون إلى الخير حيثما كانوا، ولا يتأخرون عن عمل يرون فيه صلاح الأمة وسعادتها.
( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون.. والذين هم بآيات ربهم يؤمنون.. والذين هم بربهم لا يشركون.. والذين يؤتون مآءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون.. أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون )
المؤمنون: 57/61
وعلى هذا . فإن رموز الأسوة في الحقل الإسلامي كثر، لا يحصى عددهم، ولا تحصر أعمالهم. والمسلم يكفيه عزاً وفخراً أن يكون مقتدياً بهم. يسير على نور من هديهم ويتلمس خطاهم في كل ميادين الحياة الحياة، ويقتفي آثارهم دون احتراس. بل يسلك طريقهم وقلبه مطمئن لاختياره هذا المسلك القويم.
إن عزة المسلم لن تكون إلا بشباب يخلصون في أعمالهم، ويأكلون من عرق جبينهم، ويكسبون من كد يمينهم.
فهل يعي الشباب دوره؟ ويستيقظ من غفوته؟ ليعيد للأمة عزتها، ويبني حضارتها على أسس العدل والأمانة والإخلاص تحف به رعاية الله تعالى. ويستمد قوته من الله ويتوجه بعمله إلى الله ؟ نقول: " وما ذلك على الله بعزيز ".
التوبة طريق الفلاح
رحلة الإنسان في هذه الدنيا شاقة، تحف بها المخاطر من كل جانب. لم يسلم سالكها من آثامها، وآفاتها، إلا من اصطفاه الله تعالى من المرسلين الذين عصمهم من الزلل. (1/79)
صفحة 80
ويحكم طبيعة الإنسان المركبة من نازعي الخير والشر، والتقوى والفجور، فكثيراً ما ينزلق في الخطايا، خاصة في ميعة شبابه، وفي زمان استشرى فيه الفساد، وروج للرذيلة بوسائل عدة، وبطرق متعددة. وبعد فترة من الزمن قد تطول أو تقصر، يلتفت يمنة ويسرة، فيرى نفسه مكبلاً بأنواع من الخطايا، مرتكساً في أوحالها، يريد أن يتخلص منها فلا يستطيع، فتتملكه الحيرة، ويسري فيه شعور بخيبة الأمل واليأس والإحباط. في تلك اللحظات الحرجة، يسمع نداء الرحمن يدعوه إلى ولوج باب التوبة ورحاب الرحمة والغفران:
( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاًً إنه هو الغفور الرحيم.. وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من فبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون.. واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون )
الزمر: 5/ 55
عندئذ يستيقظ المذنب من غفلته، ويعلم أن له رباً غفوراً رحيماً. وسعت رحمته السماوات والأرض، وشملت كل شيء، فينفض عن نفسه غبار الآثام، ويقوم بعد كبوته، مجدداً العزم على إخلاص النية له، وصفاء السريرة في العودة إليه، والرجوع إلى ظلال دينه الوارفة، نادما على ما فات منه، مصمماً على اغتنام فرصة ما تبقى من العمر لفعل الصالحات، يحدوه الأمل في مرضاة الله تعالى والرجاء في مغفرته ونيل جناته. وهو يتلو قول الباري عزوجل:
( يآيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار )
التحريم: 8
أركان التوبة وشروطها :
إن للتوبة شروطاً وجب على التائب معرفتها والتزامها.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
" التوبة النصوح : الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والاضمار على ألا يعود ".
وصدق الله العظيم إذ يقول لبيان ركائز التوبة النصوح: (1/80)
صفحة 81
( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى )
طه:82
ورحم الله الإمام السالمي إذ يقول:
أ- الندم:
هو غم يصيب الإنسان ويتمنى أن ما وقع منه لم يقع. وذلك حياء من الله تبارك وتعالى ، وأسفاً على عدم رعاية حقه والوقوف عند حدوده.
وليكن ذلك إخلاصاً لله تعالى، ورغبة في مرضاته، لا من أجل مصيبة أو عجز.
فالمقلع عن الخمر والتدخين خشية الإصابة بالأمراض الخطيرة ليست توبة.
والتارك للزنا خوفاً من إصابة "الإيدز"لا يعتبر شيئاً عند الله.
والإمتناع عن السرقة أو الفجور خشية الفضيحة أو السجن لا يعد توبة كذلك.
والمؤمن الصادق هو الذي يعمل العمل يريد به الله وحده.
( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا )
الكهف: 110
( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم )
الأنفال: 2
ب- الاستغفار:
هو طلب الغفران للذنب، سواء كان ذلك الطلب بالقلب والقول أو بالقلب فقط.
والله تعالى يقول:
( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم )
آل عمران: 135
ويرجع ذلك- كما قال العلماء- إلى أصل الذنب.
فالمعصية القلبية يناسبها الاستغفار القلبي.
والمعصية الجهرية يناسبها الاستغفار القولي مع النية القلبية.
وقد دعا الله عباده المذنبين إلى التوجه إليه بالإنابة والاستغفار.
( واستغفروا الله إن الله غفور رحيم )
المزمل: 20
وعن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة " (56)
فليكثر المؤمن التائب من الاستغفار، وليتحين فرص قبول الدعاء.
يروى عن لقمان أنه قال لابنه: " يا بني عود لسانك " اللهم اغفر لي "فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلاً. وقال الحسن : أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم، فإنكم ما تدرون متى " تنزل المغفرة ". (1/81)
صفحة 82
فليكن المؤمن متيقظ الضمير، منصرف الذهن إلى مرضاة الله تعالى، متوجهاًًًً بكليته إليه، يرجو جنته، ويخشى عذابه.
---------------------------
56: البخاري ( الدعوات) - مسلم ( الذكر ) بلفظ " فإني أتوب عليه في اليوم مائة مرة ".
---
جـ - الإقلاع:
هو كف المرء عن المعصية وتركها، والعزم على ألا يعود في المستقبل إليها.
والتوبة نوعان: توبة القادر، وتوبة العاجز.
أما توبة القادر فهي توبة الشاب الذي عزم على الكف عن المعصية وهو قادر على فعلها.
ولا تعد توبته نصوحاً حتى يتعرض لفتنة المعصية مرات عديدة مع توفر الأسباب الداعية لها فيمتنع عنها ويصمد أمامها.
قد يسافر الشاب إلى بلدان الإباحية. حيث يكون الزنا في متناول كل إنسان، بعيداً عن الأهل والرقباء، وهو قادر على أن يفعل كل شيء. وإذا به يمتنع عن المعصية، فلا يدخل أماكن الشبهة تحرياً لدينه، ولا يرتاد مواطن الرذيلة مستشعراً رقابة الله عزوجل إذا استطاع الثبات على هذا المسلك القويم فإنه - إن شاء الله - تائب إلى ربه مخلص له.
أما توبة العاجز فالشرط في حقه عزمه على الترك لو عادت إليه مقدرته على المعصية.
فالإنسان الذي عاش مقارفاً المعصية طوال حياته، ولما كبر سنه، ووهن عظمه، وقل ماله، وأصبح غير قادر على فعل الذنوب إذا تاب إلى الله في هذا العمر فعليه الإكثار من الطاعات ويكفيه اعتقاد التوبة وعدم العودة إلى المعصية لو عادت إليه قدرته.
د - الرجوع بانكسار:
التائب من الذنب منكسر النفس، ذليل أمام ربه، لشعوره أن ما فات من العمر لا يمكن أن يرجع. وكان كلما ذكر ما أتاه من المعاصي بكى بكل حسرة على ما فات منه.
ومقابل هذا فقد رفع الله تعالى هذا الصنف من الناس درجات ، فمن السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله (1/82)
صفحة 83
" شاب ذكر الله خالياً ففاضت عيناه بالدموع "
خشية من الله ورهبة.
ولكن صنفاً من الناس مالوا إلى التوبة في أواخر حياتهم ولم تستكمل التوبة شروطها لديهم إما جهلاً بها، أو أن النفس لا تزال تحن إلى ما فات. غير أن العجز أقعدها عن ذلك.
تراهم يجلسون حلقاً يتذاكرون ما فرط منهم، وهم شباب، يقول الواحد منهم: يا حسرة على ما فات، متمنياً أن لو عادت له قوته لعاد. فهؤلاء توبتهم مغلوطة وأوبتهم غير سليمة، إلا أن يتغمدهم الله برحمته، ويقذف كره المعصية في قلوبهم.
وجوب المسارعة إلى التوبة ومصير التائب:
التوبة واجبة، وقد أمر الله تعالى بها وحرض عليها.
وقد جاءت نصوص عديدة من القرآن الكريم والسنة العطرة تبين أن الله تعالى يقبل توبة التائبين، ويبدل سيئاتهم حسنات ويرفع درجاتهم في جنات النعيم.
والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. ناهيك أن الإسلام يجب ما قبله ( 57) . ذلك فضل الله على عباده الضعفاء الخطائين.
قال تعالى:
( غافر الذنب وقابل التوب )
غافر: 3
وقال أيضاً:
( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات )
الشورى: 25
فما على المسلم إلا أن يطرق باب التوبة ليجد الله تواباً رحيماً.
وليوطن نفسه على حب الله ورسوله، وليطهر قلبه من الأهواء، وجوارحه من لوثة الآثام. وليتوجه إلى الله تعالى بالعمل الصالح، والاجتهاد في الطاعات وليحذر المعاصي ما ظهر منها وما بطن. فإذا حصل هذا كله كانت التوبة نصوحاً، حقيقة صادقة، إن شاء الله تعالى . فإن مات على هذا المسلك مات سعيداً.
والجنة - كما جاء في كتاب الله العزيز - مبذولة لكل من أحسن وتاب من ذنبه.
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن الله تعالى يقول إذا تاب إلي عبدي أنسيت جوارحه ذنوبه، وأنسيت البقاع، وأنسيت حفظته حتى لا يشهدوا عليه يوم القيامة "( 58).
وقال تعالى :
( إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً ) (1/83)
صفحة 84
الفرقان: 70
فطوبى لمن فاز بالتوبة قبل المنية.
-----------------------------------
57: أي يبدل الله سيئاته حسنات ويتجاوز الله تعالى عما سلف منه من معصية وذنوب.
58: رواه ابن عساكر.
---
الخاتمة
وفي الختام:
هذا جهد المقل. بحث صغير وتجربة أولى، أقدمها بين يدي القارئ الكريم، هي مجرد خواطر تجول في النفس، أردت أن أعرضها على كل مسلم غيور على دينه، ليطلع عليها،، ولينظر إليها نظرة الفاحص والمتدبر، ليحدد نقائصها، ويدون أخطاءها ويشخص فيها مواضع الضعف، وليسارع بها إلي فإني شديد اللهفة إلى النصيحة والتوجه ورحم الله م أهدى إلي عيوبي.
أسأل الله تعالى أن ينفعني به وينفع المسلمين. وأسأله أن يتجاوز عما فيه من نقائص إنه نعم المولى ونعم المعين. والسلام.
والله من وراء القصد.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته ومن إستن بسنته إلى يوم الدين.
قائمة المراجع:
القرآن الكريم
أبو اليقظان إبراهيم - وباء الفجور - مكتبة الضامري للنشر والتوزيع.
أحمد بن حمد الخليلي - الحق الدامغ - مطابع النهضة- عُمان
- جواهر التفسير - الناشر: مكتبة الاستقامة.
أحمد قائد بركات - التخلف لماذا؟ والتقدم لما لا؟ - دار الفكر - سوريا.
أحمد فريد - تزكية النفوس - دار العقيدة للتراث.
أمين القضاة - الخلفاء الراشدون - مكتبة المنار - الأردن.
جبر محمود الفضيلات - الزنا - دار عمار - عمان.
الربيع بن حبيب - الجامع الصحيح - الناشر : مكتبة الاستقامة.
سيد قطب - في ظلال القرآن -دار الشروق - بيروت.
سيد سابق - إسلامنا - دار الكتاب العربي.
شاكر عبد الجبار - حقيقة الشيطان - دار ومكتبة الهلال - بيروت.
شمس الدين الذهبي - الكبائر - دار ومكتبة الهلال - بيروت. (1/84)
صفحة 85
عبدالله السالمي - مشارق أنوار العقول - ط: دار الجيل ، الناشر: مكتبة الاستقامة.
عبد الرحمن نجلاوي - التربية الإسلامية - المكتبة الإسلامية - بيروت.
عبدالله كنون - إسلام رائد - دار الكتاب اللبناني.
عبد الأمير الأعم - الفبلسوف الغزالي - دار الأندلس.
عدنان محمد زرزور - دراسات في الفكر الإسلامي - مكتبة الفلاح - الكويت .
فاروق الدسوقي - مفاهيم قرآنية - المكتبة الإسلامية - بيروت.
فرحات الجعبيري - البعد الحضاري للعقيدة - الناشر : مكتبة الاستقامة.
لوس كوليتي- ترجمة: - أفول الماركسية - دار الأمالي -بيروت.
نظير الجاهل وسعود
المولى
محمد علي ضناوي - المفهوم والتجربة - دار الإيمان.
محمد أمين الكردي - تنوير القلوب - دار التراث الإسلامي- حلب.
محمد نمر الخطيب - الإسلام دين هداية - مكتبة الحياة - بيروت.
محمد العبرة - خواطر في الدعوة.
- أيعيد التاريخ نفسه.
محمد الغزالي - الإسلام في وجه الزحف الأحمر - المكتبة العصرية - بيروت.
محمد قطب - دراسات في النفس الإنسانية - دار التراث العربي- ليبيا.
محمد متولي الشعراوي - الله والنفس البشرية - دار الحكمة - بيروت.
محمد فؤاد عبد الباقي - المعجم المفهرس لألفاظ - دار إحياء التراث العربي - بيروت.
القرآن الكريم
مسارع حسن الراوي - دراسات حول محو الأمية - المكتبة العصرية - بيروت.
مصطفى عبد الواحد - الإسلام والمشكلة الجنسية - دار الاعتصام - القاهرة.
ناجي التريكي - الفلسفة السياسية عند ابن أبي الربيع - دار الأندلس.
نبيه زكريا عبر ربه - كيف نحيا بالقرآن - دار الحرمين للنشر - الدوحة.
نور سعيد - الوسواس الخناس - دار الفكر اللبناني - بيروت.
يوسف القرضاوي - الحلال والحرام في الإسلام - مكتبة وهبة - القاهرة. (1/85)