صفحة 1
الكتاب: العقيدة .. القضية الكبرى في حياة البشر
المؤلف: عاشور بن يوسف كسكاس
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] العقيدة
القضية الكبرى في حياة البشر
بقلم الأستاذ
أبو رضوان عاشور بن يوسف كسكاس
أستاذ مدرس بمعهد القضاء الشرعي. مسقط. عمان
الطبعة الثانية:1419 هـ
تقديم (1)
... الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
... فإن دائرة الوعظ والبحوث الإسلامية لفخورة بأن تقدم للقراء الكرام حلقة من سلسلة إصداراتها المتنوعة والتي تعدها رمزا للمشاركة الوطنية الفاعلة خدمة للقارئ الكريم وإسهاما لنشر الوعي لدى الشباب الذي يعد ركيزة من ركائز المجتمع.
... هذا ودائرة الوعظ والبحوث الإسلامية ليسرها أن تتقدم بالشكر الجزيل إلى فضيلة الأستاذ: عاشور بن يوسف المدرس بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، على تفضله بتلبية رجاء الدائرة عندما طلبت منه أن يكتب في موضوع العقيدة من الجانب الذي يهم البشر جميعا، والمتصل بسلوكياتهم وتصرفاتهم اليومية. فجزاه الله خيرا.
... جعل الله هذا العمل خالصا لوجهه ...
يوسف بن محمد البراشدي ...
دائرة الوعظ والبحوث الإسلامية ...
18/12/1414 هـ - 29/05/1994م
تقديم (2)
... الحمد لله الذي لا إله غيره، والصلاة والسلام على رسوله الكريم سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه. وبعد:
... فإن العقيدة الإسلامية لم تكن مجرد شعارات ترفع، أو مبادئ تعلن، أو عبارات تقال، أو طقوس تمارس، بقدر ما هي خصائص فريدة معنوية ومادية، أفعال وسلوك ... مترابطة متكاملة لا ينفك بعضها عن بعض، تشكل في مجموعها الشخصية المتميزة للمسلم.
... لهذا نجد أن القرآن الكريم والسنة المطهرة يحرصان دائما على ربط قضايا التوحيد بمقتضياتها من الأعمال الحياتية والتعبدية، وأن كلا من الإيمان والعمل شيئان متلازمان لا يصلح أحدهما إلا بالآخر. (1/1)
صفحة 2
... والإيمان والعمل بمفهومَيهما الواسعين يشملان الجوانب الروحية، والجسدية، والفكرية، والعقلية، القولية والفعلية. لهذا كان التكامل من أبرز خصائص هذه العقيدة ـ التكامل بين مختلف هذه الجوانب ـ وما لم تتحقق هذه الخاصية فإن شخصية المسلم تبقى ناقصة، بل منفصمة.
... هذا وقد كثرت المؤلفات التي تتناول التوحيد كعلم ينبغي على المسلم تعلمه باعتباره أصلا للدِّين، إلا أن تلك المؤلفات مع أهميتها تناولت ذلك العلم من الناحية النظرية أو الجدلية، وقليل منها ما عالج التكامل المنشود في العقيدة الإسلامية.
... ومسلم اليوم، وخاصة المسلم العادي ليس كمسلم الأمس، فمسلم الأمس كان ذا شفافية إيمانية، وهو فرد في مجتمع إيماني، وأن مقتضيات الإيمان العملية بالنسبة له أمور يفطر وينشأ ويترعرع عليها، وتصبح جزءا من حياته، تلك الحياة البسيطة، التي عادة ما تكون خالية من التعقيدات، وبعيدة عن المؤثرات.
... أما مسلم اليوم فإنه يختلف كل الإختلاف، فهو ينشأ في بيئة مليئة بالمتناقضات، ويحيا حياة تغص بكثير من المؤثرات، حياة تتزاحم فيها التيارات الفكرية، والممارسات المتناقضة، وهي ـ أي الحياة ـ مسرح للأعباء الجسام والمشاكل المعقدة، ولهذا فإن الجانب النظري في الحياة العقدية إن كان ضروريا للمتخصص فإنه لم يعد كافيا للمسلم العادي، فهو محتاج إلى معرفة عقيدته بشكل مبسط مع ربطها المحكم بجوانب حياته، وبما يضمن له حصانة إيمانية من المؤثرات الخارجية التي تتزاحم عليه.
وهذا ما قام به أستاذنا الجليل، الشيخ عاشور بن يوسف كسكاس ـ حفظه الله ـ إذ استطاع بفكره المستنير أن يقدم القضايا العقدية في ثوب قشيب يتلاءم ومنهجية هذا العصر وضروراته ... حيث أبرز من خلال هذا البحث القيم الطريقة الصحيحة لفهم العقيدة، والآثار السلوكية لمبادئها في حياة المسلم. (1/2)
صفحة 3
وقد عالج بأسلوب تربوي علمي هادف عددًا من القضايا التي يعيشها المسلم وكيفية التعامل معها من منظور إسلامي منبثق عن هذه العقيدة السمحة.
هذا والله ولي التوفيق وعليه قصد السبيل.
أحمد بن سليمان بن علي الكندي
نزوى في ربيع الأول 1414 هـ
تقديم (3)
... يضطرب عالمنا الإسلامي اليوم بالتيارات العلمانية والإلحادية المتلاطمة، بعضها ظاهر جلي، عضها ماكر خفي، وكلها تهدف إلى تقويض صرح الإسلام الذي أخذت بعض أيدي شبابه المحمدي تسعى جاهدة إلى إعلانه في ظل الصحوة الإسلامية الرشيدة.
... ومن الطبيعي أن يكوِّن ذلك صراعا يشتد أحيانا إلى أن يصير عُنفًا، ويهدأ أحيانا أخرى ليكون حوارًا هادئًا، وجدالاً بالتي هي أحسن.
... ومن الطبيعي أيضا أن تظهر في الساحة الإسلامية كل هذه الأساليب استجابة طبيعية لقلق متأزم يعاني منه الشباب المسلم الذي حورب في كل ما يملك فصبر، ولكنه لم يعد صابرًا وهو يرى نار العلمانية والماسونية والتنصير تزحف إلى أعز ما يملك وهو عقيدته بالله ربا، بالإسلام دينا، وبمحمد رسولا.
... حُقَّ له إذًا أن يجاهد بالقلم، ويحاور بالكلمة الطيبة. أي حُق له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كلما وجد إلى ذلك سبيلا.
... في هذا المنظور الإسلامي النير، ومن خلال هذه الرؤية التي تأسى للحاضر وتستشرق للمستقبل تنضوي هذه الخواطر الإسلامية التي يقدمها زميلنا وأخونا عاشور بن يوسف، وهي لعمري كلمات صادقة وخواطر مستفيضة، جاشت بها نفسه فأبرزها قلمه، عاش بعضها، وعايش بعضها الآخر. واستلهم أكثرها من واقعنا المعاصر فعرضها على عقيدة الإسلام، نرجو من الله سبحانه وتعالى أن يقبل منه هذه الكلمات الطيبات ويدخرها له في ميزان الحسنات. والله ولي التوفيق.
د/ محمد صالح ناصر
مسقط في: 15/09/1993م
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1/3)
صفحة 4
... تعاني الأمة الإسلامية في هذا العصر من مشاكل جمة، ومعضلات فكرية متعددة، و لوثَاتٍ سلوكية مزعجة، يرجع السبب في ذلك كله إلى انفراط عقدها، وتشتت فكرها، وغياب التطبيق الصحيح لعقيدتها.
... وقد عمل العلماء المخلصون جاهدين على إعادة الوعي لهذه الأمة التائهة، وذلك بتصحيح المفاهيم، وتوثيق الصلة بين المسلم وربه، وربط المؤمن بدينه، وشريعة ربه، لتحقيق العزة له ولأمته، غير أن هذه الجهود اعترضتها عقبات دون تحقيق هذه الأهداف السامية.
... ولا يزال الدعاة إلى الله، والعاملون في حقل الإسلام يروِّضون النفوس لقبول مبادئ الإسلام الناصعة في خضم أمواج الظلمات المتراكمة، ويحاولون تصحيح هذه الأفكار في أذهان الناس الذين اختل لديهم التوازن الفكري، ويعدونهم الإعداد الجيد لتحمل أمانة الله تعالى في أرضه. فشهد واقع المسلمين تحسنًا وتقدما إيجابيا نحو الأفضل، وبدأت الضمائر تستيقظ داخل النفوس التي غذِّيت بمشاعر الحب لله ولرسوله ولشريعة الإسلام.
غير أن هذا التقدم لم يَرق بَعْدُ إلى مستوى الجهود المبذولة، فالحمل ثقيل، والتركة كبيرة تنُوء بحملها الجبال، وتحمّل الأمانة واجب شرعي، والطريق إلى ذلك طويل تكتنفه المخاطر والصعاب، ولا مجال هنا إلا للصبر، على تبعات الدعوة، فما على الدعاة المخلصين، والعلماء المجاهدين إلا أن يتزودوا لذلك بخير العدة والزاد { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } [ البقرة / 197 ]، وأن يتحلَّوا بالصبر الجميل على ما يعترضهم من صعاب، وإن ذلك لمن عزم الأمور.
... وفي هذا الإطار تأتي هذه المحاولة، أقدمها بين يدي القارئ الكريم، مساهمة منِّي في نشر الوعي الإسلامي في أوساط الأمة المسلمة، وتبصير المسلمين بواقعهم الذي يتعايشون معه، عسى الله تعالى أن يأخذ بأيديهم فيرشدهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا، ونجاتهم في الآخرة. (1/4)
صفحة 5
... وإني ـ قبل البدء في الكتابة ـ ترددت كثيرا لعلمي بجسامة الموضوع وعظم المسؤولية، ولكني في النهاية استعنت بالله، وبدأت أكتب ظنًّا مني أن البحث سهل المنال.
... وقد وجدت نفسي منذ البداية أدخل بحرا عميقا لا يستطيع الغوص فيه، وإخراج دُرَره إلا المَهَرة المُحترفون، فكنت لا أتناول مسألة إلا وتبرز لي من ورائها مسائل أخرى مرتبطة بسابقتها، وكلما ولجت بَابًا فتِحت أبواب أخرى، حتى خشيت أن يتسع البحث بسبب تزاحم الأفكار، وكثرة العناصر المتصلة ببعضها التي تبدو ضرورية لاستكمال الفكرة، أو تصحيح الرُّؤى والمفاهيم.
... ولكن - رغم ذلك - حاولت أن أختصر فتغاضيت عن بعض العناصر، وأرجأت البعض إلى مناسبة أخرى، فجاء البحث بهذا الشكل المقدم بين يدي القارئ الكريم مقسمًا إلى خمسة مواضيع:
الموضوع الأول: طرق الإيمان ومنطلقات الوصول إلى الحقيقة.
... تناولت فيه مسألة الفطرة والعقل بشيء من التحليل، مبرزا أهميتها في سبيل المعرفة، وكيف يمكن أن نحافظ على سلامتها؟، وما هي الأسباب المؤدية إلى اعتلالهما واختلال توازنها؟، ثم ختمته ببيان أن الوحي هو السبيل الوحيد القادر على إزاحة المعوقات عن العقل والفطرة، وهنا تبرز الحكمة البالغة من إرسال الرسل وإنزال الكتب.
الموضوع الثاني: من عرف نفسه فقد عرف ربه.
... استعرضت في هذا الفصل الأسباب المؤدية بالإنسان إلى التنكر لخالقه والإعراض عن دينه، وأهمها:
... 1 ) ـ جهل الإنسان بنفسه.
... 2) ـ جهله بدوره في هذا الكون.
... 3) ـ شدة حاجته إلى من يمده بأسباب الحياة.
... 4) ـ صلته بهذا الكون، ونوعية علاقته به.
... كلها عوامل - إن فقهها الإنسان - تؤدي به إلى التسليم لله تعالى بالخلق والأمر والحاكمية.
الموضوع الثالث: توحيد الله تعالى، وفيه:
... 1) ـ أن الله هو الحقيقة المطلقة التي يتطلع إليها الإنسان.
... 2) ـ تحليل بعض معاني الألوهية والربوبية.
... 3) - التعرض بالاسم والصفة، وكل ما له صلة بتنزيه الباري - عز وجل - (1/5)
صفحة 6
... يتلو ذلك: متممات الإيمان بالله تعالى، إذ لا يتم إيمان المرء إلا إذا صدق يقينا بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره أنه من الله تعالى.
الموضوع الرابع: عوارض في طريق الإيمان.
... كان التركيز فيه على مسألة «الشيطان» العدو اللَّدود للإنسان، وما ينتج عن وسوسته المهلكة من زيغ عن الحق وانتشار للرذيلة، أضف إلى ذلك جنوح الإنسان إلى حب الدنيا وزخارفها. والأثر السلبي لذلك على مكانته في هذه الأرض كخليفة مفوض من الله تعالى بالسير فيها بالإعمار والإنماء.
... وقد توقفت في هذا العنصر قليلا لأصحح بعض المفاهيم حول الدنيا، مفاهيم متناقضة في أذهان الناس، انغرست في رؤوسهم بسبب تأويل لبعض الآيات الكريمة أو الأحاديث الشريفة تأويلا لا يستقيم وروح التشريع الإلهي العظيم.
الموضوع الخامس: عُدة المؤمن.
... موضوع كبير جداً، اختصرته في بعض العناصر الهامة والتي لها صلة بالاعتقاد والعمل والسلوك، مع بيان مسألة التوبة وما يتصل بها من الأركان والشروط.
... هذا - أخي القارئ - جهد المقلّ. بحث صغير وتجربة أولى أقدمها بين يديك، هي مجرد خواطر تجول في النفس، أردت أن أعرضها على كل مسلم غيور على دينه، محب لربه ولرسوله، ليَّطلع عليها، ولينظر فيها نظرة الفاحص المتدبر، الناقد المتبصر، ليحدد نقائصها، ويدوِّن أخطاءها ويشخص فيها مواطن الضعف، وليسارع بها إليّ، فإني شديد اللهفة إلى النصيحة والتوجيه، ورحم الله من أهدى إليَّ عيوبي.
... أسأل الله تعالى أن ينفعني به وينفع المسلمين. كما أسأله أن يتجاوز عن زلاتي، إنه نعم المولى ونعم المعين، والله من وراء القصد، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته ومن استن بسنته إلى يوم الدين، والسلام.
... ... ... ... أبو رضوان
عاشور بن يوسف كسكاس
مسقط في: ربيع الآخر 1414هـ
30 سبتمبر 1994 م
العقيدة
القضية الكبرى في حياة البشر
بقلم الأستاذ
أبو رضوان عاشور بن يوسف كسكاس (1/6)
صفحة 7
أستاذ مدرس بمعهد القضاء الشرعي. مسقط. عمان.
بسم الله الرحمن الرحيم
... والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد صلى الله عليه وسلم.
... اللهم صِل التوفيق بقولي، والتصديق بعملي، واليقين بقلبي، ولا تكلني إلى نفسي وقوتي، ولا تحل بيني وبين ما يقرِّبني منك ويدنيني من بابك ويدخلني جنتك ويجيرني من عذابك، يا ذا الجلال والإكرام ...
إيقاظ الضمير الإيماني في الإنسان، وتعميقه في النفوس
... خلق الله - عز وجل - الإنسان فكرمه على جميع من خلق، وجعل له عقلا وسمعا وبصرًا، وميَّزه على غيره بالقدرة على اكتساب العلوم والمعارف ليسير في الأرض بتدبر وتفكُّر وتأمل ليصل بذلك إلى التعرف على خالقه وبَاريهِ والمنعم عليه.
... وحذره من الجهل والغفلة والانحدار إلى دركات الحيوان أو المخلوقات التي لا عقل لها، ونبهه إلى أنّ أخطر عدو يواجهه على هذه البسيطة إنما هو الجهل، لأنه يؤدّي به إلى اختلاط المفاهيم وغياب الرؤية الصحيحة للأشياء، ويرديه في مهاوي الشرك والباطل، ويزج به في متاهات الأهواء والضلالات، فلا يثبت على حال ولا يستقر على رأي، بل يصبح عدو نفسه، حربًا عليها؟، وبَالاً على البشرية. فهو في حال لا يجد لها استقرارا، بل مَثَلُه كمَثَلِ من يهوي من شاهق يتمزق أشلاء في طبقات الهواء، فتقذف به الريح بعيدا عن الأنظار في مكان سحيق وهوة لا قرار لها { وَمَنْ يُّشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } [الحج/ 31].
... فمن أشرك بالله تعالى، أو تخلّى عن دينه، وأصر على غلوائه وزيغه، فقد هوى من أفق الإيمان السامق (1)
__________
(1) - السامق: العالي والمرتفع. (1/7)
صفحة 8
إلى دركات الفناء والانطواء، لأنه فقد القاعدة الثابتة التي يطمئن إليها: قاعدة التوحيد المطلق، والتسليم الكامل للخالق، والأمر لله - عز وجل - { أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ } [ الأعراف / 54 ].
... والأمة الإسلامية مرت بفترات قاتمة خلال الفترات المتأخرة من تاريخها، انفصمت فيها عرى الإيمان، وأحدثت فيه ثغرات سببها الجهل بدين الله القويم، أَدَّى كل ذلك إلى افتقارها لتوازنها، وانفراط عقدها وتشتت وحدتها وكيانها.
... حُشِيَتْ أفكار العامة بالخرافات والأساطير، وعشَّشَ الكَلَلُ في العقول، فتوقف الإبداع في كل المجالات العلمية والعملية، ووهنت الأجسام عن العطاء، وأصبحت الأمة التي شرفها الله بالإسلام متأخرة عن الركب، ركب التطور الحضاري الذي يمليه عليها دينها.
... ولتعود الأمة إلى سالف مجدها وتتكامل شخصية المسلم الإسلامية اعتقاداً وسلوكاً وعملاً، فقهاً ووعياً وممارسةً، لا بد من إيقاظ الضمير الديني في المسلم وتغذية الروح الإيمانية بمبادئ الإسلام السمحة وتجلية الغوامض، و إرشاده إلى صراط الله المستقيم بالحكمة والموعظة الحسنة المنهج القويم.
... ولكي نعود بالمسلم إلى طريق النجاة، ونطهِّر قلبه وحسه من أدران الأفكار، لابد من خوض غمار العلم والمعرفة، وفتح العقول والأبصار عليها.
... إن العلم جلاء النفوس من خبث الآثام، ومبصر العقول ومنجيها من ضلالات الأفكار الزائغة، ومنقي القلوب من وساوس الأوهام وأباطيل الشيطان، لأن العلم يؤدي إلى معرفة النفس على حقيقتها في مختلف مجالاتها، في جانب ضعفها وجانب قوتها، لتكون سبيلا إلى معرفة خالقها وباريها التي تثمر المحبة لله فتطيعه وتعمل بشرعه، كما تثمر المحبة لمخلوقاته. (1/8)
صفحة 9
وقد جاء كتاب الله العزيز يسوق الناس إلى طلب العلم، ويُحرِّضهم عليه ويأمرهم أن يوطنوا نفوسهم على اكتسابه، مبينا أن بالعلم يصلح اعتقادهم، وبه تصلح عباداتهم وأعمالهم، فنزلت أول آية على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ، خَلَقَ الاِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَكْرَمُ الذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ، عَلَّمَ الاِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } [العلق/1-5].
... وقد جاءت هذه الآيات إشارة إلى طلب العلم، وإعلاناً بأن الإنسان لا يصلح أمره إلا به، كما بين القرآن الكريم أن العلم غذاء العقول، به تُدْرك الحياة، وتعقِل ما فيها وتبصِر طريق الحق فتتبعه، وقد ضرب الأمثال للناس إرشادًا لهم إلى الحقيقة المطلقة، حقيقة التوحيد، فقال سبحانه وتعالى: { وَتِلْكَ الاَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ، وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ } [ العنكبوت / 43 ]، ومدح الله تعالى المؤمنين بأنهم يخشونه حق الخشية ويسلمون له الأمر من قَبل ومن بعدُ في خشوع واعتراف له بذلك سبحانه، فقال تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ } [ فاطر / 28]. وقال أيضا: { وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ومَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الاَلْبَابِ } [آل عمران / 7 ].
... إن الإنسان لا يستنير فكره إلا بالعلم والتعلم وحسن الأدب وكثرة التجارب، ولا تحسن عبادته إلا به، وبالتالي لا تصلح حياته إذا لم يصلح إيمانه، وإذا فسد إيمانه حبط عمله وخرج من الدنيا بلا ثواب.
... وقبل أن نخوض في بيان مسألة التوحيد فهما وتأصيلا، لابد أن نبين مسالكها، ونوضح طرقها، ونحدد مفاهيمنا إزاءها على ضوء الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة النبوية العطرة التي لا يضل من يتمسك بها. (1/9)
صفحة 10
... كما نستعين في ذلك بما كتبته أقلام العلماء ورجال الفكر في هذا المجال، ونستفيد من الثروة العلمية التي خلفوها لنا، جزاهم الله عن الإسلام خيرًا.
... إن طرق الإيمان كامنة في الإنسان نفسه، وهي خصائص جوهرية ميزه الله بها عن سائر المخلوقات، فجعل فيه مقومات الإيمان ووسائل المعرفة، جعل له فطرة، وعقلاً، وسمعًا، وبصرًا، ليطل بها على العالم الذي يعيش فيه ويعرف بها ربه: { وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الاَبْصَارَ وَ الاَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ النحل / 78 ].
... وفي كتاب الله تعالى دعوة صريحة إلى تحريك هذه الوسائل نحو كشف مكنونات هذا الكون، والبحث في خفاياه عن أسرار عظمة الخالق، وقدرة المدبّر الحكيم، يقول تعالى: { وَفِي الاَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِين وَفيِ أَنفُسِكُمُ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [ الذاريات / 20-21 ].
... والقرآن الكريم حافل بالآيات التي تصف هذا الإنسان، وترشده إلى مواطن الإعجاز في خلقه، وتكشف له عن أسراره المكنونة في أعماقه: { أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ } [ الملك / 14 ].
ملف 4 غير صالح
العقل نور الهداية ومناط التكليف
... العقل: هو النقطة المركزية في الإنسان، ومقر القيادة له، وقد جاءت تعريفات للعقل، نذكر منها ما يلي:
- قيل: هو نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية (1) ، وهو جانب الإنسان الركين (2) الذي يكون به قوام التصرف والنشاط، وهو قوام الحركة والتفاهم بين الناس.
__________
(1) ـ محمد رشيد رضا، الوحي المحمدي: ص ، ط: عز الدين للطباعة والنشر، بيروت، 1406هـ.
(2) - الركين: الرميز، الوقور، الرزين. (1/10)
صفحة 11
... وكثيرا ما يعبِّر القرآن الكريم بالقلب وبالفؤاد عن مجموعة مدارك الإنسان الواعية، وهي تشمل ما اصطلح على أنه العقل (1) ، قال تعالى: { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا } [الأعراف/ 179]، وقال أيضا: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } [الحج/46].وقال أيضا: { قُلْ هُوَ الذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَالاَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } [الملك/23].
... وهذا العقل يكبر حجمه، وتعظم أهميته بحجم المعارف ونوعها وكيفيتها، حيث أنها تنمي في الإنسان القوة في الإدراك والتفكير، والسعة في الأفق والتبصير.
... وكلما كانت المعارف غزيرة في حجمها وكميتها، جليلة في
نفعها، أَضْفَت على العقل البشري فيضا من سعة الدراية ونضج الإدراك، وأعطته وعيًا ساطعًا في الذهن، يرتفع بالإنسان إلى مستوى الإنسانية التي خلق لها والمسؤولية التي أنيطت بعُهدته.
... ويعتمد العقل في معارفه اعتمادًا يكاد يكون كُليا على الحواس التي تمده بالمعلومات عن هذا العالم الخارجي، وهي بوابات يطل بها على هذا الكون يتطلع إلى الحقيقة، وأعظم حقيقة في هذا الوجود هي معرفة الله الواحد الأحد، قَيِّم السموات والأرض وما فيهن.
... وهنا لا بد من المحافظة على العقل والعناية به بطريقة سليمة تحفظه من اختلال توازنه أو انطماس نوره.
... وقد عني الإسلام عناية خاصة بالعقل، تَمثَّل ذلك في وضع التشريعات التي تضمن سلامته، كما تظهر في الدعوة المباشرة للعقل في التدبر والتفكر والتأمل. بل يُلاحظ أن القرآن الكريم ترك أمر قبول دعوة التوحيد إلى الاقتناع العقلي، إذ أنه إذا ما استُخدم العقل استخدامًا سليمًا، فإنه كفيل بأن يقود صاحبه إلى السير في الطريق الصحيح.
__________
(1) ـ سيد قطب، في ظلال القرآن، مج4، ص: ، ط: دار الشروق 1405هـ/1985م. (1/11)
صفحة 12
... فالعقل سبيل الوصول إلى إدراك عظمة الله تبارك وتعالى كما أشرنا، فلا بد إذن من تأمين مسالكه لتنكشف له الأشياء انكشافًا تامًّا تعطيه القدرة على أداء مهمته خير أداء، ولا سبيل إلى ذلك إلا باتباع الخطوات التالية:
... 1 - وقاية العقل من كل مسكر من مأكل أو مشرب، ومن كل رجس يُلَوِّث صفاءه كالخمر، وأنواع التبغ، والمخدرات، وهي أوبئة تخمر العقل وتَفقده توازنه وثباته، وقد جاء في الحديث الشريف: (إن العبد إذا شرب شربة من الخمر إسود قلبه (1) ، وإذا اسود قلب المرء، وزاغ عقله، صدَّ عن ذكر الله، ومال إلى الشيطان، وابتعد عن منهج الله تعالى: { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُّوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فيِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ } [المائدة/91].
... 2 - حفظ العقل من الأفكار الزائفة والأساطير الخيالية الباطلة. نزل القرآن الكريم ليطهر عقول الناس منها، ويبدِّلها بالقصص الحق، والخبر الصادق: { إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وَمَا مِنِ اِلَهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } [آل عمران/62].
... 3 - تزويد العقل بالعلوم الصحيحة وتلقينه أسس الاعتقاد الصحيح، ومبادئ الشريعة السمحة.
... 4 - توجيه العقل إلى الكون ينظر فيه، ويتدبر معالمه، وإلى الحياة يكتشف فيها دلائل الخلق وعظمة الخالق.
__________
(1) - نقلا من كتاب راحة السائلين للإمام الترمذي: ص20، ط: دار الفكر اللبناني 1992م. وقد أورد السمرقندي هذا الحديث في كتابه تنبيه الغافلين: ج1، ص163، ط: دار الشروق، جدة 1980م، رواية بلاغية عن الحسن البصري، وقد عدها [الشربة] فيه إلى العشرين، وفي كل مرة تتبرأ منه إحدى مخلوقاته، وآخرها الجبار فيقول: عن المتقدمة، وهذا في المرة الأولى ... وإذا شرب العشرين تبرأ منه الجبار. (1/12)
صفحة 13
... وقد وجَّه القرآن الكريم الإنسان توجيهًا صحيحًا للوصول إلى معرفة الله - عز وجل - ، وذلك بالانتقال بالتفكير من الوجود إلى معرفة خالق الوجود، فالكون كله بجزئياته وكلِّياته ينطق بوجود الله تعالى، فما على الإنسان إلا أن يوجه عقله ليتدبر ذلك الكون لتَسري بداخله في النهاية عظمة الخالق القدير، وليستشعر عظمة المدبر الحكيم.
... والله جل جلاله يملأ وجوده الكون وما فيه: { وَهُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ الَهٌ وَفِي الاَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ } [الزخرف/84]، بل كل ذرَّة في الكون تنطق بوحدانيته تعالى، وتعرب عن هيمنته المطلقة التي تحيط بأرجاء الوجود من أطرافه، ومن أقصاه إلى أقصاه، قال تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالفُلْكِ التِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالاَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [البقرة/164].
... وكثيرا ما يوصينا القرآن الكريم بالتفكر في خلق الله، والوقوف بالعقل في المجال الذي خصِّص له، ويحذرنا من التفكر في ذاته، وقد حاول بعض المفكرين من قديم الزمان التفكر في ذات الله فتاهت عقولهم، فضلوا وأضلوا.
... وكذلك الشأن بالنسبة للملحدين والدهريين، طلبوا من الأنبياء والمرسلين أن يكشفوا لهم عن ذات الله { أَوْ تَاتِيَ بِاللهِ وَالمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً } [الإسراء/92] محاولة منم الإيقاع بهم، وتحويلهم عن الهدف الذي بُعثوا من أجله، فخابوا وفشلوا، لأن هؤلاء المرسلين مُؤيَّدون بالوحي. (1/13)
صفحة 14
... (- فهذا فرعون يقول لموسى طالبا منه الكشف عن المحال: { قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ } ؟ [الشعراء/16]، فيحوِّل موسى - عليه السلام - الجواب إلى المجال الذي يدركه العقل، ويفهمه، فيقول: { قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُم مُّوقِنِينَ } [الشعراء/24].
... (- وهؤلاء بنو إسرائيل تغلب عليهم شقوتهم، وتنطمس أفكارهم، فيسألون رؤية الله جهرة، ويجعلونه شرطاً لإيمانهم { إِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً } [البقرة/55]، فينزل عليهم غضب الله، لأنهم سألوا ما لم يدرك كنهه عقل، أو تتحمله أبصار { فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } [البقرة/55].
... (- وهؤلاء المشركون في مكة يطالبون محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بالله ماثلا أمامهم، فيصرفهم ويردهم عن غيهم بقوله: { سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً } [الإسراء/93].
... فعقل الإنسان محدود الطاقة والاقتدار، وأنَّى للمحدود أن يدرك اللاّمحدود ؟(. (1/14)
صفحة 15
... والدافع إلى مثل هذه المطالبات إنما هو العناد فحسب، وإلا فإن العقل السليم إذا ما وظِّف التوظيف الأمثل فإنه لا يلبث أن يدل صاحبه على ضالته، وصاحب العقل السليم يدرك الحدود التي يقف عندها العقل ولا يستطيع تجاوزها، كما يدرك أنه ليس من حاجة الإنسان معرفة ما لا يدركه العقل، لأن خالق الإنسان أعلم بحاجته، وبالتالي فإنه أعطاه القدرات التي هو بحاجة إليها في الإطار المحدود، فوجه بصره إلى عالم الشهادة يتدبر معالمه، وقد جاء في الحديث الشريف: (تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذاته فتهلكوا (1) ، وفي رواية: (فإنه لا تحيط به الفكرة (2) .
... والنفس تحس بوجود الله تبارك وتعالى إحساسًا يقينياً، وفكرة الألوهية أعظم من أن تدركها الحواس، وبالتالي فإن العقول لا تدرك كنهها، لأنها تستمد المعرفة من بوابات الحواس التي تطل على العالم الخارجي الذي أوجدته القوة الخارقة والقدرة الإلهية المطلقة، وهذه القدرة هي خارج نطاق العقل المحدود.
... وقد حاول فلاسفة اليونان معرفة الله تعالى، واستعملوا عقولهم في الكون، فأدركوا أن هناك قوة خارقة مهيمنه على هذا الكون، ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل دفعهم فضولهم المفرط إلى ما وراء الطبيعة، وحاولوا أن يكشفوا أستار الغيب، لكنهم ضلوا عن سواء السبيل، لأن ذات الله تعالى لا تدركها العقول، وهي ذات لا تقوى الأبصار والأفكار والأذهان على إدراكها واستيعاب حقيقتها { لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ } [الأنعام/103]، و الأسلوب السليم في
هذا المجال هو البدء من القاعدة ليتسنى الوصول إلى القمة.
__________
(1) ـ أورده الهندي في الكنز، باب التفكر: ج3، ص106، رقم 5705. وقال: رواه أبو الشيخ عن أبي ذر.
(2) - رواه الربيع في مسنده (7)باب النهي عن الفكرة في الله عز وجل، رقم 827:ج3،ص311، مع اختلاف في اللفظ. من حديث أبي أمية. (1/15)
صفحة 16
... يبدأ المرء بالتفكر في ملكوت الله ليصل إلى معرفة سنن الخالق في الكون، فيعلم أن الصنعة لا بد لها من صانع، والخلق لا بد له من خالق، وأنَّ كل ذرة في الكون تدور حول محور الحاجة إلى المدبِّر الذي أتقن الصنعة { صُنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } [النمل/88].
... لذا فإن العقل يدرك أن كل صغيرة أو كبيرة في الكون قد أحيطت برعاية عجيبة، وعناية فائقة تنطق بالواحد الأحد الذي خلقها، وتُسَبِّحُ له { وَإِن مِن شَيْءٍ اِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [الإسراء/44]. { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور/41].
... وإذا فَقِهَ الإنسان بعقله حكمة الصنعة، أدرك أن مصدرها واحد، هو مصدر القوة القادرة، التي لا تحدها حدود، لا تشبه المخلوق في شيء، بل هي القدرة المطلقة، القدرة الأزلية التي تؤلف برهانًا للعقل في معرفة الله - عز وجل - ، وهذه الأزلية هي الحقيقة الأساسية التي يفهمها العقل، ويعيها، ويسلم لها، مصدِّقا بها، ومعترفا بعظمتها دون الحاجة إلى الغوص في كنهها { وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلحَيِّ القَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } [طه/111].
الوحي شفاء لما في الصدور وجلاء لما في القلوب
... إن للمعرفة مسالك -كما سبق أن بيَّنا ـ جعلها الله تعالى في الإنسان لتتعاون على تيسير الوصول إلى تحقيق حاجة الإنسان الملحة: معرفة الله تعالى، والخضوع له بالعبادة. (1/16)
صفحة 17
... والعقل على رأس تلك المسالك يقودها ويوجهها ويحدد أهدافها، والسمع، والبصر، وسائر الحواس،كلها قنوات لاكتساب المعارف وتكوين الخبرات، غير أن هذه المسالك كثيراً ما تحدث لها أعطاب، و تصاب بمعوقات تمنع عنها الرؤية السليمة، فتعجز عن أداء مهمتها على الوجه الأكمل، وبهذه العلل يختل توازنها، وتزيغ عن طريق الحق، فلا تدرك الحقائق بوضوح، فضلا عن عجزها عن إدراك الغيب، وإلا فكيف نفسر وجود الانحرافات العقائدية عبر التاريخ؟ والناس بين عابد وثن يصنعه بيده، أو خاضع لنار يتعهد اشتعالها بنفسه، أو متشبِّث ببقر لا يقوى على حماية نفسه من الأمراض وما شابهها، لولا ضياع العقل وانطماس الفكرة؟.
... وبما أن الله تبارك وتعالى خالق الإنسان، وعالم بمكنونات خفاياه ومناطق ضعفه، اقتضت حكمته أن يتعهده بالرعاية، فيرسل الرسل بالوحي، يدعون الناس إلى الله تعالى، ويزيلون عنهم تراكمات الآثام، ويعدِّلون أجهزة المعرفة فيهم، ليبصروا الحقيقة كما هي { الذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَ الاُمِّيَ الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ يَامُرُهُم بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمُ إِصْرَهُمْ وَالاَغْلاَلَ التِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ } [الأعراف/157].
... هذا هو شأن الرسل، يأمرون الناس بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، ويحلون لهم الطيبات، ويحرمون عليهم الخبائث، ويضعون الأثقال والأغلال عن كواهلهم التي كبَّلتها الآثام عن النهوض بالحق وتحمل الأمانة. (1/17)
صفحة 18
... إنه الوحي الذي يمسح غبار المعاصي عن القلوب فيحييها من جديد، ويعيد الصحوة للتائهين، والرشد للضالين { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [الشعراء /192-193].
... وإذا كانت الفطرة والعقل سبيلين إلى معرفة الله - عز وجل - ، فإنهما يبقيان عاجزين عن بلوغ قمة المعرفة دون سند الوحي ودعامته، البلسم (1) الشافي، والسند (2) الذي لا يعوج.
... جاء الوحي يعرض أمر العقيدة ويبيِّن أسسها، ويبين لكل ذي لب أن صلاح هذا الإنسان مرهون باتباع مبادئه، وأنه لا يمكن أن تفتح مغاليق النفوس إلا بمفاتيح من الله تعالى، ولا تعالج أمراضها إلا بالدواء، الشافي المنزل من الله القدير { وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلمُومِنِينَ } [الإسراء/82]، { إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء/9].
... فالوحي مع العقل كنور الشمس، أو الضوء مع العين، وإذا حُجب الوحي عن العقل والفطرة معًا شَقِيَت البشرية، وتاهت في حيرة لا تستقر إلا إذا عادت إلى تعاليم السماء التي تردها عن غيِّها وترشدها إلى سواء السبيل.
__________
(1) - البلسم الشافي: الدواء الشافي.
(2) - السند: المعتمد. (1/18)
صفحة 19
... وإذا أرادت هذه الأمة أن تعود إلى صوابها، وأن تتبوأ مكانتها العالية التي أرادها الله لها، وأن تكون أمة رائدة في الخير، قائدة إلى الصلاح، فليس لها من حَلٍّ إلا أن تعود إلى كتاب الله العزيز، تعمر به المساجد والبيوت قراءة وحفظًا، دراسة وفقهاً، ليشغل حيِّزًا من فكرها، ويُشبع مشاعرها بالإيمان الخالص لله تعالى والعبودية الصادقة له. وكثيرا ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحث المؤمنين على تلاوة كتاب الله والجلوس في حلق الدرس للفقه والمعرفة، يقول - عليه السلام - : » ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده « (1) ، وفي الحديث أيضا:» خيركم من تعلم القرآن وعلمه« (2) ،
__________
(1) ـ هذا جزء من حديث صحيح، أوله قوله - صلى الله عليه وسلم - : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ... « الخ، رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب في تواب قراءة القرآن، رقم:1455، وابن ماجة في كتاب المقدمة (17) باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم255. والترمذي في كتاب الدعاء (7) باب ما جاء في القول = = يجلسون فيذكرون الله - عز وجل - مالهم من الفضل رقم:3378 بنفس المعنى. ، ورواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (11) باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر رقم:38(2699). من حديث أبي هريرة
(2) ـ رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن (21) باب خير من تعلم القرآن وعلّمه، رقم:5027، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب ثواب قراءة القرآن رقم:1452، والترمذي في كتاب فضائل القرآن (15) باب ما جاء في تعليم القرآن رقم:2907. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. من حديث عثمان.. (1/19)
صفحة 20
وقال أيضا: » علموا أولادكم القرآن، فإنه أول ما ينبغي أن يُتعلم من علم الله هُو« (1) .
... وقبل ذلك نرى الوحي يدعو الناس إلى تلاوة القرآن، وإمعان النظر فيه بالتدبر والفهم الواعي { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ اَقْفَالُهَا } [محمد /24].
... والقرآن الكريم هو منبع كل خير، ومطلع الهداية، أخرج به الله تعالى أمة من الموت إلى الحياة، ومن الظلمات إلى النور { يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [الأنفال/24]، إنها دعوة إلى الحياة، بكل صور الحياة، وبكل معاني الحياة، إنه يدعوهم إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول، وتطلقها من أوهاق (2) الجهل والخرافة، ومن ضغط الوهم والأسطورة، و من الخضوع المذل للأسباب الظاهرة،
والحتميات القاهرة، ومن العبودية لغير الله لمذِلَّة للعبد أو للشهوات سواء (3) .
__________
(1) ـ رواه الربيع في مسنده (3) باب في ذكر القرآن رقم:03، بلاغا من حديث جابر بن زيد.
(2) ـ أوهاق: وهقه عن كذا، حبسه. يقال: عندكم موهوق، أي محبوس. المنجد في اللغة والأعلام.
(3) ـ سيد قطب، في ظلال القرآن: مج3، ص1494، ط. دار الشروق بيروت، 1405هـ. (1/20)
صفحة 21
... وبالوحي تصفو النفوس من أكدار الحياة، وتطهر من أرجاس الشهوات، وتستقيم العقول على ما يرضي الله عز وجل، فيحس الإنسان بكيانه وذاته، ويشعر بدوره في الحياة الدنيا لينال في النهاية سعادتها وعزها، والنعيم الأبدي في جنة الخلد يوم القيامة. ولقد وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - القرآن الكريم وصف العارف به: »ستكون من بعدي فتن كقطع الليل المظلم « قيل: يارسول الله، وما المخرج منها؟ قال: »كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب به الآراء، ولا يشبع معه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: { إنا سمعنا قرآنا عجبا } [الجن/1]، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعا إليه هدِي إلى صراط مستقيم« (1) .
... ففي الحديث الشريف إحاطة دقيقة بصفات القرآن الكريم، وفي وحي الله المنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - كل ما يحتاج إليه الإنسان:
... ( - من عبر يستفيد بها ممن مضى من الأمم السابقة.
... ( - وخبر يتطلع إليه من وراء حجاب المستقبل الغيبي.
... ( - وحكم يقيم عليه علاقته بِبَني جنسه.
... فوحي الله هو الحبل الذي يصل المؤمن بخالقه، والنور الذي لا يضل من استبصر به، والصراط المستقيم الذي لا يذِّل من سلكه، والعصمة لمن تمسك به، والنجاة لمن اتبعه.
__________
(1) ـ رواه الترمذي في كتاب فضائل القرآن(14)باب ما جاء في فضل القرآن رقم:2906.ورواه البيهقي في الشعب:ج2،ص326، رقم:1935، من حديث الحرث. (1/21)
صفحة 22
... وقد سبق أن أشرنا إلى أن الفطرة تدفع الإنسان إلى الشعور بضرورة التعبد، وأن العقل يعين على معرفة الحقيقة من خلال تسريحه في التأمل والنظر ليعود مؤكدًا وجود الخالق المستحق للعبادة.
... ولكن كُلاًّ من الفطرة والعقل وسائر الحواس تظل عاجزة عن تحديد صفات هذا الخالق، وكذلك عن كيفية ما يستحقه من عبادة أو ما يريده من هذا المخلوق الذي يدرك أيضا أنه لم يخلَق عبثاً. وبالوحي وحده يمكن التعرف على الخالق وعلى تشريعاته. والقرآن الكريم، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - هما مصدرَا البشرية، حيث أن المسلم يجعل منهما دستوراً لحياته، ويمكن لكل عاقل باحث عن الحقيقة أن يرجع إليهما ليصل إلى تلك الحقيقة ومستلزماتها.
... وهل يبقى بعد هذا البيان مجال للشك في أن وحي الله تعالى هو الشافي من كل داء، والعاصم من الأهواء؟ ألا هل من عودة إلى كتاب الله، وصُلحٍ مع شريعته تعالى؟(
... 1 - الإنسان مخلوق ضعيف.
... 2 - الإنسان خليفة الله في الأرض.
... 3 - الكون مسخر للإنسان.
... يقول محمد قطب: »ولنكون على وعي بالإنسان المتكامل، والإنسان الواقعي الذي يعيش بحقيقته المتكاملة في دنيا الواقع، لا بد أن نضمن لأنفسنا تصور الصورة الحقيقية لمكان الإنسان في الكون، ومكانته في الحياة « (1) .
... إن من لا يعرف نفسه، لا يعرف ربه، »ومن عرف نفسه فقد عرف ربه « (2) .
__________
(1) ـ محمد قطب، دراسات في النفس الإنسانية: ص30، ط. دار التراث العربي، ليبيا، 1972م.
(2) ـ ينسب هذا القول إلى الإمام علي (كرم الله وجهه)، وقيل: هوحديث ذكره السراج. راجع: عبد الأمير الأعم، الفيلسوف الغزالي: ص118، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع 1981م. (1/22)
صفحة 23
... وكيف يعرف ربه مخلوق يجهل هويته، ويتخبط في متاهات الجهل والحيرة، لا يجد لنفسه قراراً أو طمأنينة. إن الجاهل بنفسه يعيش متقلب الفكر، تعصف به الأهواء يميناً وشمالاً، وتكبله آثام الأفكار الزائفة ودنس الشهوات الجامحة عن كل تحرر وإبداع وإيجابية، فهو تائه كالريشة في مهب الريح، لا يقر لها قرار، ولا يجد لنفسه استقرار، فمثله كمثل صاحب «إيليا أبو ماضي» لا يدري من أين جاء، بل يتساءل: ... ... متى خُلق؟ وكيف خُلق؟ وكيف كان قبل الخلق؟ وهو لا يدري إلى أين المصير؟ وماذا سيصير؟ ولا يجد لنفسه جواباً، فيردد مقولته بلوعة وأسى:
لست أدري، ولماذا لست أدري؟ لست أدري..
أيُّ حيرة هذه، وأي قلق تجليه هذه المجاهيل للنفس الإنسانية؟
... بالإسلام وحده يصبح الإنسان يدري، ويجد لكل الأسئلة أجوبة مقنعة للعقل، شافية لما في الصدور. ومن هنا نقول: لا بدّ للإنسان أن يعرف نفسه أولاً.
أولا: الإنسان مخلوق ضعيف:
... قال الله تبارك وتعالى: { وَخُلِقَ الاِنسَانُ ضَعِيفًا } [النساء/28]. لو تدبر الإنسان في نفسه، وفكَّر في أصله، لوجد نفسه مخلوقاً ضعيفاً، أصله من تراب من صلصال من حمإ مسنون يحمل خصائصه { وَمِنَ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ } [الروم/20].
... والقلب المفتوح يشعر بهذا الضعف، وبالصلة بين الإنسان والتراب الذي نشأ منه، ثم يدرك بعدها أن الله تعالى خلقه فسواه ورفعه على تلك الذرات الأولية التي خلق منها فجعله بشرا سوياً، ويعلم أيضا أنه من نطفة من ماء مهين، يودع في قرار الرحم المكين، فتتولاه القدرة الإلهية فإذا به بشر سويّ { أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَاءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ اِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَّرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ } [المرسلات/20-23]. (1/23)
صفحة 24
... ( - ومن دلائل ضعف الإنسان أيضا أنه مخلوق شديد التحول والتقلب، من الصغر الذي يمثل الضعف بأنواعه، إلى الفتوة والشباب، وهي مرحلة القوة في قمتها وعلوّها، جسديا ونفسيا، ثم الانحدار إلى الشيخوخة والضعف والوهن، ثم إلى الموت. والله تعالى يبصر الإنسان بمختلف مراحل حياته، ويبين له أنه سيمر بها إن قُدِّرَت له الحياة وليس في الأمر يد أو ذرة من قدرة على تغيير هذا المسار المحدد له { اللهُ الذِي خَلَقَكُم مِّن ضُعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضُعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضُعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَالعَلِيمُ القَدِيرُ } [الروم/53].
... وهنا لفت الانتباه إلى الخالق الباري الذي يتفرد بالأمر والخلق، وتحذير من مخالفة أمره، أو الإعراض عنه إلى سواه.
... ( - وهو كذلك ضعيف أمام شهوات النفس، وملذات الحياة. بل حب الشهوات تعد نقطة ضعف أصيلة في كيان الإنسان، وقد عبَّر عن هذا الضعف منذ البداية، بحيث أكل من الشجرة التي نُهَي عنها، ولم يستطع أن يصمد أمام الإغراء، أو يقاوم الغواية. قال تعالى: { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا } [طه/112]. لولا أن تداركته رحمة ربه فجبر نقصه وتقبل توبته { فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ } [البقرة/36].
... ( - وهو ضعيف أمام زينة الحياة الدنيا. والله تعالى خلق الإنسان وسخر له ما في الأرض جميعاً ليختبره فيها ويقول: { وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيْرٍ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } [الأنبياء/35]. { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمُو أَيُّهُمُو أَحْسَنُ عَمَلاً } [الكهف/7].
... وقد ابتلي هذا الإنسان في حياته فضعف ولم ينجح في الامتحان، بل عبَّر عن ضعفه بأشكال متعددة. (1/24)
صفحة 25
... 1) - فهذا فرعون يؤتيه الله الملك فينسى المنعم عليه، ويسعى في الأرض فسادًا، ثم يتطلع إلى ما هو أَبعد من ذلك فيقول للناس: { أَنَا رَبُّكُمُ الاَعْلَى } [النازعات/24]، وهو تعبير عن ضعف الإنسان، أوتي ملكاً فنسي أنه جاء إلى الدنيا لا يملك شيئا، فتوهم أنه إلهٌ.
... 2) - وهذا قارون يؤتيه الله تعالى من كنوز الأرض ما تعجز العُصبة من الرجال حمل مفاتيح خزائنه، فينسى المنعم ويخرج في زينة على قومه، ويعلنها قائلا: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } [القصص/78]، وهو تعبير عن نقطة ضعفه، حيث أنه لم يستطع أن يصمد أمام المال ومتاع الحياة الدنيا.
... ومن هنا نرى أنه بقدر ما ميز الله الإنسان وكرَّمَه على كثير من خلقه، إلا أن إرادة الله شاءت أن تجعله من أضعف مخلوفاته، فهو يولد عاجزًا حتى عن الرضاع ما لم تساعده أمه على ذلك، ويبقى ينمو ببطء، وتنمو قدراته الجسدية والعقلية، ويظل ضعيفا أمام كثير من الغرائز التي جُبِل عليها. ثم يعود في التدرج في الضعف. وفي هذا ما يجعل الإنسان يعتبر.
... وإذا كان الإنسان عرضة للضعف أمام الشهوات فإنه مزوَّد أيضا بالقدرة على الإفاقة من الضعف، وذلك باللجوء إلى خالقه، وطلب الغوث منه.
إن الشعور بالخضوع إلى قوة الله وعظمته حقيقة نابعة من داخل النفس، وهي رغبة فطرية فيها، والشعور بالضعف والاعتراف به طريق إلى العودة إلى الفطرة السليمة التي لا ترى لها طمأنينة إلا في رحاب الله، بحيث أن الإنسان يشعر بداخله أنه لولا فضل الله عليه أن كرَّمَه ورفع من شأنه لما استحق أن يكون خليفة له في أرضه، فقد جاء إلى الدنيا جاهلاً لا يعلم شيئًا فعلَّمه الله وجعل له السمع، والبصر، وآتاه القدرة على اكتساب العلم والمعرفة: { وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَالاَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [النحل/78]. (1/25)
صفحة 26
... وجاء عارياً لا يملك شيئا، فأطعمه وكساه وسقاه وسخر له من يحوطه بالرعاية والحفظ { الذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالذِي هُوَ يَطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهَوَ يَشْفِينِ وَالذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ } [الشعراء/87-81].
... إن الإدراك الصحيح بحالة النفس ينشئ في الإنسان الاعتراف بخالقه الذي أنشأه وسواه، ويغرس فيه حب المنعم والتمسك به والتزام أوامره، فيسلم لله وحده بالخلق والأمر والفضل والإنعام، ويخضع له في خشوع وانكسار قائلا: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإٍِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة/5]، ويكون من الذين أخبتوا لربهم فرضي عنهم { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [الأنبياء/90].
... فالاعتراف بالضعف إعلان لعظمة الله وحده، والإدراك لقيمة النعم شكر للمنعم وحده، والشكر لله تسليم بوحدانيته وألوهيته وربوبيته، وهذا هو المسلك الأقوَم للمسلم المخلص.
ثانيا: الإنسان خليفة الله في أرضه:
... خلق الله تعالى الإنسان وبوأه مقام الخلافة وإعمار الأرض، وميزه بالعقل وشرفه، فحكم الحيوان وقهره، وساس الأشياء ودبّر، واختصه تعالى بالعلم يكتسبه، وزوده بأدوات الخلافة.
... خلقه تعالى وجعل فيه نازع الخير ونازع الشر، وجعله قادرا على الإرتقاء إلى أقصى المدى، وكذلك جعل فيه عامل الهبوط إلى الحضيض { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدَ اَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس/7-10].
... وفي نفس الوقت جعل فيه القدرة على صراع الشر ومقاومته، وهي قيمة أساسية من قيم حياته، وضرورات من ضرورات أداء دور الخلافة في الأرض (1) .
__________
(1) - محمد قطب، دراسات في النفس الإنسانية: ص31 ، ط: دار التراث العربي ليبيا، 1392هـ/1972م. (بتصرف). (1/26)
صفحة 27
... فإذا عرف الإنسان نفسه وأدرك أنه مخلوق متفرد عن سائر المخلوقات، وأدرك خطورة دوره في الحياة، استعد لذلك وتوجه لله وحده يستمد منه العون والرشاد.
... وإذا كسب الجولة في صراعه مع الشر استطاع أن يكون موحداً بحق، متوجهاً إلى الله تعالى دون سواه، مسلماً له بالخلق والأمر والطاعة والرضا.
... فلا ينسى الإنسان أن الله تعالى رفع شأنه، وأسجد له ملائكته، وجعله كائناً عظيمَ القدر، ذا أهمية بارزة في الحياة، فهو خليفة الله. احتفلت السموات والأرض بمقدمه، وتساءلت الملائكة عن حكمة خلقه واستخلافه.
كل ذلك يعطينا إيحاءً بتفرد الإنسان بالأمانة العظمى، فليس له إلا أن يعرف المنعم عليه، ويستمد منه هداه، وإلا خسر الجولة الأولى في الدنيا، وباء بغضب الله - عز وجل - في الآخرة.
جعل الله تبارك وتعالى الأرض مستقراً للإنسان يتبوأ من خيراتها ونعمها كيف يشاء، ويسعى فيها بالإعمار، فيغرس، ويزرع، ويبني، ويشيِّد، وهي تستجيب له وتطيعه قال تعالى: { هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } [الملك/15] وقال أيضا: { وَالاَرْضَ وَضَعَهَا لِلاَنَامِ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الاَكْمَامِ وَالحَبُّ ذُو العَصْفِ وَالرَّيْحَانُ } [الرحمن/10-12].
... وبهذا يعلم الإنسان أن صلته بالكون إنما صلة قربى، صلة العطاء والتسخير، صلة المحبة والتآلف، فقد خُلق من الأرض ليعيش في مناكبها، ثم يعود إليها ليخرج منها تارة أخرى { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً اُخْرَى } [طه/55]. (1/27)
صفحة 28
... إن بعض الفلسفات المادية تعد الصلة بين الإنسان والطبيعة صلة العداء والصراع المتواصل، لينتهي بهم الأمر إلى إنكار الخالق المدبر، وهذا الفكر الخاطئ نابع من قولهم: إن الحياة تقوم على الصراع عموما، فالرياح مدمرات، والفيضانات كذلك، يلزم إعداد العدة للانتصار عليها، والأمراض حرب على الإنسان، والسباع عدوة له يجب مقاومتها، وهكذا فكل ما في الكون إنما هو في صراع مع الإنسان يهدم ما بَنَى، ويفسد ما أصلح.
... غير أن الفكر الإسلامي الرباني يعطل هذه المقولة، ويفندها ويردها على أصحابها، ويبين في الوقت نفسه كيف: خلق الله الأرض وجعلها مستقرًا للإنسان { وَلَكُمْ فِي الاَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ اِلَىحِينٍ } [البقرة/36]، وجعل الله تعالى السماء سقفاً وزينةً، وجعل فيها رزق الإنسان { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [الذاريات/22]، { اَلَمْ تَرَوَا اَنْ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ } [لقمان/20].
... زين الله تعالى الكون للإنسان وجعله لوحة عجيبة مبهجة، تنطق بآيات القدرة المبدعة التي خلقت كل شيء لتدخل البهجة في قلوب الناس، ولينعموا بجمالها، ويتدبروا حكمتها، ويعلموا أن كل ذرة في الكون إنما هي في خدمة الإنسان، قائمة على سعادته وإكرامه.
... - فالسماء بجمالها، والنجوم بضيائها، تدخل الأنس في قلب الإنسان، والأرض الممتدة المنبسطة مهد للإنسان يسير فيها، ويتحرك براحة تامة ليجلب رزقه الكامن بداخلها، أو على ظهرها.
... - والأرزاق بأنواعها سبيل للعيش والحياة، وهي مقدرة في علم الله أبراها للناس حسب سنن الله في كونه. (1/28)
صفحة 29
... - والرياح تخدم الإنسان، تسوق السحب، وهي لواقح بالماء تنزل من السماء سقاء للناس. يقول المولى تبارك وتعالى: { وَلقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ اِلاَّ مَنِ اِسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ وَالاَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ، وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنَهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } [الحجر/16-22].
... والآن، نستطيع على ضوء ما بيّنا أن نجزم أن الإنسان المدرك الذي تدبر بعقله في هذا الكون، يصل إلى نتيجة عظيمة، ألا وهي معرفة الخالق المدبر، بعد أن عرف نفسه، فعلم أنه مخلوق ضعيف، ليس له يد في شيء من الخلق، وإذا به يصبح سيد الكائنات، والمتصرف في الأرض بالخلافة والتعمير.
أليس ذلك جديرًا بأن يجعله عارفًا بربه، عابدًا له، متوجهًا إليه بالحب والإخلاص، والخضوع التام في الاعتقاد والقول والعمل؟
... أولاً: الله وحده هو غاية الإيمان
... ... 1 - معنى التوحيد ومكانته في الإسلام
... ... 2 - توحيد الربوبية.
... ... 3 - توحيد الألوهية.
4 - توحيد الأسماء والصفات.
... ثانيا: متممات الإيمان بالله ولوازمه
... ... 1 - الإيمان بالملائكة.
... ... 2 - الإيمان بالكتب وبالرسل.
... ... 3 - الإيمان باليوم الآخر.
... ... 4 - الإيمان بالقدر.
أولا: الله وحده هو غاية الإيمان (1/29)
صفحة 30
... بعد أن بَيَّنا طرق الوصول إلى المعرفة الصحيحة، وروافدها التي تساعد الإنسان على بلوغ هدفه الأسمى: معرفة الله تعالى، نصل إلى نهاية المطافِ وأعظمِ الأهداف، وهو: معرفة الواحد القدير، لنتدرج بالمسلم الكريم في سُلَّم المعرفة خطوة خطوة، نسير به نحو الله تعالى، ليعرفه حق المعرفة، ولتكون صلته به تامة غير ناقصة، موصولة غير مقطوعة، بحيث يستقر القلب على توحيد الله تعالى، فيذوق حلاوة الحب، ولذة الخشوع له تعالى، فالله وحده هو غاية المعرفة، وهو غاية الإيمان، ولا بد من فهم صحيح لمعنى الألوهية، ذاتاً وصفةً وأفعالاً.
1 - معنى التوحيد ومكانته في الإسلام:
... التوحيد لغة هو: الإفراد. يقال: وحَّد اللهَ، إذا أفرده بالعبادة ولم يجعل له شريكا.
... والتوحيد شرعا: هو الإقرار بأن الله تعالى واحد لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وهو ما يعرف بالجملة. وهذا التوحيد هو الذي دعا إليه رسل الله وأنبياؤه عليهم الصلاة والسلام.
... والموحِّد: هو الذي يصف المولى تبارك وتعالى بالصفات اللائقة بمقامه، وينفي عنه تماما مشابهته للأشياء { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيُر } [الشورى/10].
... وإيمان المسلم لا يكتمل إلا من طريق توحيد الله تعالى في ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، بل ولا يصح إلا بذلك، فهو واحد لا جنس له، ولا نوع له، ولا ندَّ له، لا يشاركه في الكمال المطلق أي شيء.
... { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ } [سورة الإخلاص]. (1/30)
صفحة 31
... وللتوحيد مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة في العقيدة الإسلامية، بل هو القاعدة الأساسية لكل اعتقاد، فعبارة التوحيد، وهي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، شعار الإسلام وعلامة الإيمان، والحد الفاصل بين الإسلام والكفر، والنطق بعبارة التوحيد ينقل المرء من دار الكفر إلى دار الإسلام، ويحول الأفراد والجماعات من أعداء متناحرين إلى إخوة متحابين، معززين مكرمين، يستحقون كل التقدير والتبجيل.
2 - توحيد الربوبية. ... ... ... ... ... ... ... معنى الربوبية: أنه تعالى الخالق، الموجد لعباده، القائم بتربيتهم وإصلاحهم، المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية، هو المالك والمتصرف في الكون، قال تعالى: { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُوتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [آل عمران/26].
... وتوحيد الربوبية يقتضي الإيمان القاطع بأن الله تعالى هو المنشئ للخلق أجمعين، إليه ترجع الأمور، وهو الراعي، والحامي، والموجه، والحاكم، وهو القادر على كل شيء، والمصرف لأمور العبادة وحده دون سواه، قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالاَرْضِ أَمَّنْ يَّمْلِكُ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَمَنْ يُّخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُّدَبِّرُ الاَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلَ اَفَلاَ تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس/31-32].
... فأي شك أو تقصير في أي صفة من هذه الصفات يخرج المرء من الإسلام إلى الكفر. (1/31)
صفحة 32
... وقد اعتبر القرآن الكريم اليهود والنصارى كفاراً لأنهم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمُ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة/31].
... والربوبية تحدد علاقة الله تعالى بالإنسان من حيث الخلق والرزق والإحياء والأمانة وتصريف الأمور.
3 ــ توحيد الألوهية:
... معنى الألوهية، أو الإلهية، أي: العبودية.
... والله تعالى يتفرد بالألوهية، أي: أن العباد يتخذونه سبحانه معبودًا ويُفرِّدُونه بالحب، والخوف، والرجاء، والإخبات، والطاعة، والنذر، والطلب، والتوكل (1) .
... وكلمة {الله} لا تطلق إلا على المولى تبارك وتعالى، يختص بها دون سواه.
... أما كلمة {الإله} فتطلق على كل ما يُعبَد من طرف الخلق، سواء كان هذا المعبود وهو الله تعالى، أم الأصنام التي تعبد بالباطل، والله تعالى يقول: {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَّلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنِ اِلَهٍ اِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون/91].
... فتوحيد الألوهية يعني وصف الله تعالى المعبود بحق بكل صفات الكمال وتَنزيهه عن كل صفة فيها نقصان. والواجب أن يوصف المولى تبارك وتعالى بالصفات التي وَصَفَ بها نفسه، أو بأي صفة وردت على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، قال تعالى: {وَِللهِ الاَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف/180].
__________
(1) - هذا لأن التوحيد ثمرة حتمية وطبيعية، يؤمن بذلك كل ذي عقل سليم، و أن من آمنت به ربا خالقا رازقا قادرا، يتحمل عليك إفراده بالعبادة والخضوع والإستعانة والحب له. (1/32)
صفحة 33
... والألوهية تمثل علاقة الإنسان بالله تعالى، الإنسان المؤمن بالله، الذي يتخذه معبودًا دون سواه، ويفرده بالحب، والخضوع، والعبادة، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة/5].
4 ـ توحيد الأسماء والصفات:
... أ ـ تعريف الاسم: الاسم في اللغة: ما يعرف به الشيء ويستدلُّ به عليه.
... وفي الإصطلاح: أسماء الله تعالى، أي: المعاني الدالة عليها نحو: لفظ الله، العالم، القادر، المريد، التي هي الذات العلية، والواجبة الوجود بذاتها، والذات العالمة، والذات القادرة، والذات المريدة (1) .
... وعرِّف الاسم أيضا: ما دَلَّ على الذات من غير اعتبار معنى يوصف به الذات، وهذا معنى قول العلماء (2) إن أسماء الله تعالى هي عين ذاته، أي: ليس هناك أمر ثان غير الذات ... العلية (3) ، وذلك كيلا توصف الذات العلية بالافتقار إلى شيء آخر.
... ب ـ تعريف الصفة: الصفة في اللغة: مِن وَصَفَ، يَصِفُ، وَصْفًا، وَوُصُوفاً: أجاد السير وَجَدَّ فيه، ووصَف الشيء، أي: نعته بما فيه.
... وفي الإصطلاح: الصفة هي: اللفظ الدال على المعنى الإعتباري لإثبات الكمال لله تعالى، والصفة في غير هذا الموضع معنى قائم بالموصوف زائد عليه كالصفات البشرية (4) .
4 ـ الأدلة على التوحيد في الأسماء والصفات
__________
(1) - عمر التلاتي، شرح كتاب الديانات: ص 15/51.
(2) - أي علماء الإباضية كما وضحه الشماخي في رسالته.
(3) - أحمد الشماخي، رسالة في الأسماء: ص04
(4) ــ نور الدين السالمي، مشارق أنوار العقول: ج1، ص341، تحقيق د/عبد الرحمان أعميره، دار الجيل، لبنان، الناشر: مكتبة الإستقامة 1409هـ/1979م. (1/33)
صفحة 34
... قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى/11]. إن هذه الآيات تدل دلالة واضحة على توحيد الله تعالى في ذاته، وأسمائه، وصفاته، فهو سبحانه وتعالى لا يشابهه شيء من الأشياء جليلها وحقيرها، ضيائها وظلامها، حيِّها وميِّتها، إنسها وجنِّها وملكها، جمادها وحيوانها، شمسها وقمرها ونجومها، سمائها وأرضها، وما فيها وما بينهما، وما يكون يوم القيامة، والجنة والنار.
... كل هذه وأمثالها لا تشبه الله - عز وجل - في ذاته، ولا في شيء من كمالاته بوجه ما، ولا في حال من الأحوال، قال تعالى: {هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلاَمُ المُومِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَاَنَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الاَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [الحشر/23-24].
... فالله - عز وجل - واحد في أسمائه، لأنه يختص بأسمائه الحسنى لا يشاركه فيها أحد.
... كما أنه واحد في صفاته، فهو حيٌّ قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، فعَّال لما يريد، لا يُسْأَل عما يفعل، ولا يشاركه فيها أحد أبدًا. سبحانه ليس كمثله شيء في جلاله وجماله وكماله.
... وقد تطلق بعض الصفات مجازًا على المخلوق كالكرم، والعِزَّة، وغيرها، ولكن إطلاقها هذا على المخلوق مختلف عن إطلاقها على الخالق، فالخالق يتصف بصفات الكمال المطلق، وما من صفة تطلق على المخلوق إلا وهي محدودة بقدر محدودية قُدُرَاتِهِ، وعليه فإن إطلاقها هذا لا يعدو كونه مجازًا.
د ــ اسم الجلالة: {الله} تبارك وتعالى:
... {الله} عَلَمٌ ذات واجب الوجود المستحق لجميع المحامد (1) .
__________
(1) ـ فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية: ص220، مطبعة الألوان الحديثة، مسقط 1409هـ/1987م، كذا نقلا عن الشماخي، شرح العقيدة، ص:13. (1/34)
صفحة 35
... {الله} اسم للمعبود الذي لا يستحق العبادة إلاَّ هو (1) .
... {الله} اسم للذات المستحق للعبودية له [دون سواه] (2) ، عَلَمٌ بالغلبة، جامع لمعنى الأسماء الحسنى ما عُلم منها وما لم يُعلم، لأنه لا يستحق أن يُعبد إلا من كان خالقا رازقا، ولا يكون خالقا إلا من كان قديما، حيّا، عالما، قادرا، مريدا، مدبِّرًا إلى سائر الصفات (3) .
... واسم {الله} الأعظم لا ينبغي إلا له عز وجل، قال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم/65]، أي هل تعلم له نظيرًا؟ تعالى الله عن السميّ والنظير، وحظ العبد من اسم الجلالة الأعظم أن يكون مستغرق القلب بالله تعالى، لا يرى غيره رباًّ، ولا يلتفت إلى سواه، ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه.
هـ ــ بيان لبعض الأسماء الحسنى:
... ـ الرحمن الرحيم:
... قال الله تعالى: {وَإِلَهُكُمُ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة/163].
... الرحمن الرحيم: اسمان مشتقان من الرحمة. والرحمة في الأصل: رقة في القلب تؤدي إلى الإحسان والتفضّل.
... ولاستحالة هذا المعنى في حقه تعالى، يراد بها غايتها، وهي: توصيل الخير والثواب، ودفع الشر والبلاء.
وحظ العبد من الرحمن أن يرحم عباد الله الغافلين فيصرفهم عن طريق الغفلة إلى طريق الرشد والهداية بالنصح الرفيق والتلطف.
وحظ العبد من اسم الرحيم، ألا يدع فقيرا في جواره إلا قام بتعهده ودفع فقره، إما بالمال، أو بالسعي في الحصول على حقه، فإن عجز عن ذلك فيعينه بالدعاء له حتى يخفف الله تعالى من كربه، ويُيسِّر عسره.
... ـ الملك:
... [قال تعالى]: {فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ} [المؤمنون/116].
__________
(1) - الشماخي،شرح العقيدة: 13. راجع عثمان خليفة السوفي، كتاب السؤالات: ص4.
(2) - عبارة غير واردة في الأصل.
(3) - الشماخي شرح العقيدة: ص14. (1/35)
صفحة 36
... الملك هو: المستغني عن غيره وقد احتاج إليه غيره، وهو المالك لكل الخلائق والأكوان، وهو المتصرف في كل الخلائق والأكوان، وهو ذو المُلك والسلطان، وفي الأرض عباد ملوك، غير أن المُلك في حقهم مستمدٌّ من الله، مؤقت بزمن.
... أما معنى الملك في حقه تبارك وتعالى، فهو الملك الدائم المطلق الذي لا يعارضه أحد، ولا يشاركه فيه أحد، ولا يجرؤ عليه أحد، والله تعالى هو: {مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ} [الناس/2-3]، وهو: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة/4]، وهو: {مَالِكَ المُلْكِ تُؤتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزَعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} [آل عمران/26]، والله تعالى هو ذو الملكوت: {فَسُبْحَانَ الذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [يس/83].
... والملكوت: مبالغة في الملك، وهو بمعنى: الملك المطلق، المتعالي على مفاهيم البشر عن الملك.
... وحظ العبد من هذا الاسم أن لا يتصور الاستغناء عن الله - عز وجل - ، لأن الإنسان ما يزال فقيرًا إلى الله، محتاجًا إليه، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
... ـ القدوس
... [قال تعالى]: {هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسِ} [الحشر/ 23].
... القدوس: هو المنزه عن صفات الخلق، ومعاني النقص، أي: المنزه عن كل وصف يدركه حِسٌّ، أو يتصوره خيال، أو يسبق إليه وهم، أو يختلج ضمير، أو يقضي به تفكير.
... والقدوس، والتقديس، والقدسُ، من معاني الطهارة، وقد قالت الملائكة: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}[البقرة/30]. أي: نطهر أنفسنا لك في خشوع وخضوع.
... وحظ العبد من هذا الاسم أن يطهر نفسه بالتوبة، ويطهر إرادته بالعمل، ويطهر ماله بالزكاة والصدقة، ويطهر قلبه من كل ما سوى الله - عز وجل - . (1/36)
صفحة 37
... بهذه المعاني السامية، تسامى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ويتسامى كل مؤمن عارف برَبِّه، حريص على التخلق بروح معاني أسمائه تعالى، وعلى هذا التصور السليم، والفهم الصحيح، يتحقق المجتمع الفاضل، الذي يعيش بالله ولله.
... ومن فضل الله على العبد أن عرَّفه بأسمائه، وأمره أن يدعوه بها، فقال - جل جلاله - : {وَللهِ الاَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف/180].
... ولا سبيل للإنسان للتغلب على ما فيه من عجز وضعف أمام بقية المخلوقات إلا باللجوء إلى الله - عز وجل - ، يدعوه بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، إذ مِثْل هذا اللجوء يخرج الإنسان من غربته، ويجعله في أنس منقطع النظير.
... واستمع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كيف يناجي ربه، ويدعوه بكمالاته، ليحصل له الأنس والطمأنينة.
... يقول - صلى الله عليه وسلم - : «أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وذهاب همي، وجلاء حزني».
... وهذا يونس - عليه السلام - يشعر بالوحشة الرهيبة وهو في بطن الحوت، فيطلب الأنس بمناجاة ربه، ويرجوه الخلاص من الكرب، {فَنَادَى فِي الظُلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَالِمِينَ} [الأنبياء/87]
... وهذا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ، يشعر بالرهبة في ظلمة الغار، فيهدّئه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ويعلمه أنه في رحاب الله، وتحت رعايته، ويقول له: «ما ظنك في اثنين الله ثالثهما»، {لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللهَ مَعَنَا} [التوبة/40]، فكانت النجاة لهما من كيد المشركين، وكان النصر والظفر تحت رعاية الله وتأييده. (1/37)
صفحة 38
... غير أنه لا يتوقفُ المؤمن عند ذكر الأسماء أو حفظها عن ظهر قلب، أو تعليقُها مكتوبة، وإنما الأساس في حفظ الأسماء وإحصائها أن يتحمل أمانتها، ويتخلق بما يستوحيه من معانيها، ويتشبث بها اعتقادا وقولا وعملا.
و ـ اختلاف صفات الله - عز وجل - عن صفات المخلوق:
... إن مما يجدر التنبيه إليه هو أن المعنى المقصود باللفظ في صفات الله تبارك وتعالى يختلف اختلافا كاملا عن المعنى الذي نقصده بهذا اللفظ إذا صرفناه لصفات المخلوقين، بمعنى إذا قلنا: إن الله عالم، أو قلنا: إن العلم صفة من صفات الله تعالى، وقلنا إن فلانا عالم، أو العلم صفة لفلان من الناس. إذا قلنا هذا، وجب أن نفهم أن المقصود بعلم الله شيء يختلف كل الاختلاف عن المقصود بعلم الناس.
... فعلم الإنسان مخلوق ومكتسب، محدود وناقص، وله بداية ونهاية، عِلْم الإنسان ينمو بالتعلم، ويزداد بالتجربة واستقراء الظواهر، والنظر والتحليل، وهو كذلك معرض في كل لحظة للتغيير والتبدل والزوال.
... وعلم الله قديم وأزلي ومطلق وكامل، ليس له بتداء ولا نهاية، لا تحده حدود. وهو علم لا يأخذ منه البشر إلا بمقدار ما يأخذه طَيْرٌ غمسَ منقاره في مياه البحر.
... وعلم المخلوقين لا يعد إلا جوار علم الخالق شيئاً، وكذلك الشأن مع سائر الصفات، كالحياة، والسمع، والبصر، والقدرة، والإرادة.
... وإذا وصفنا الله تعالى بشيء من هذه الصفات، وجب أن نفهم أن المعنى ليس هو المعنى البشري المتعارف عليه بيننا.
... والله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى/11].
ثانيا ـ متممات الإيمان بالله ولوازمه: (1/38)
صفحة 39
... شاءت حكمة الله تبارك وتعالى أن تجعل الإيمان بالتوحيد مشروطًا بالإيمان بأركان أخرى، مرتبطة به ارتباطا لزوميا، لا تنفك عنه أبدا، لأن الإيمان بها يزيد الإنسان ثباتا على الحق، والتزاما بالحبل الوثيق الذي يصله بربّ العزة، والله تبارك وتعالى يقول: {كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة/285].
... وكما لا يخفى على المؤمن أن الإيمان بالملائكة، والكتب، وسائر الأركان الأخرى، يدله على جوانب عظيمة من الألوهية، ويقرِّبه إلى الله تعالى، ويشد أزره للمضي قدما في طريق الحق، بل كل ركن من أركان العقيدة يملأ جانبًا في الإنسان نفسه، ويشكل فيه اللبنات الصالحة التي تتكامل بها شخصيته.
... 1ـ الإيمان بالملائكة: أهميته وآثاره التربوية
... إن الإيمان بالملائكة متمم للإيمان بالله تعالى، أو هو من ضروراته، ومن تمام عظمة الله تعالى أن له جندًا ومُوظَّفين يعملون بأمره، وهذا يربِّي في النفس النظام والطاعة وترتيب الأمور وحسن تسييرها، فالله تعالى قادر على كل شيء، وقد نظم شؤون الكون، ووكل ببعضها بعض ملائكته، فأطاعوه وعملوا بأمره.
... كما أن الملائكة يسبحون الله بالليل والنهار ولا يفترون، ويعظمونه ولا يسأمون، وفي ذلك قدوة للبشر ليسارعوا إلى التأسِّي بهم، وكذلك هم يُؤْنسُوننا ويحافظون علينا، ويستغفرون لنا، وهذا يزيد المؤمن عزة وكرامة، واستشعاراً بعظمة منزلته عند الله تعالى.
... على أن الإيمان بالملائكة ــ وهو جزء من العالم الغيبي ــ يسمو بالإنسان المؤمن إلى درجة عليا، حيث يرتقي بسبب هذا الإيمان ليأخذ مكانته سيدًا على الكائنات فيشعر ــ عندئذ ــ بحجم مهمته في الحياة.
... والإيمان بالملائكة ينشئ في المؤمن شفافية خاصة تميزه عن غيره، ينعكس ذلك حتما على سلوكه وإيجابيته. (1/39)
صفحة 40
... والإيمان بالله وسائر المغيبات هو أحد مميزات المؤمن، بل هو من أبرزها، حيث يخرج المؤمن من دائرة العالم المشاهد الضيق إلى عالم فسيح يسمو من خلال ذلك فوق سائر المخلوقات، بل يسمو فوق بني جنسه الذين يظلون في إطارهم الضيق، وعندئذ تسمو أفكاره وهِمَمُه، وتسمو نفسه، ويسمو سلوكه.
... 2 ـ الإيمان بالكتب والرسل: وجوبه وآثاره التربوية
... إن الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله تعالى، والرسل المبعوثين من قبل الرحمن، هو المسلك الصحيح الذي ينبثق من الإيمان بالله تعالى، والإيمان بالله تعالى يقتضي الإعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله، كما صدق الرسل الذين بعثهم الله تعالى، وهنا يدرك المؤمن وحدة الأصل التي تقوم عليها كل الرسائل السماوية، وأنها منبثقة من مشكاة واحدة.
... فكل الرسل من الله والكتب أيضا، فلا تفرقة في ضمير المسلم بين الرسل، بل يشعر بأنهم موكب واحد يسير إلى وجهة واحدة إلى الله تعالى، وينادون بكلمة واحدة أن {أُعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف/65،73،85]. (1/40)
صفحة 41
... وقد انتهى الأمر في النهاية إلى الرسالة الخاتمة التي بعث بها خير البرية وخاتم النبيئين عليه الصلاة والسلام، عندئذ يشعر المسلم أنه يحمل تراث الرسالة كله، وتشعر الأمة المومنة أنها الوارثة لذلك كله، وأن الله اختارها لتكون حارسة لهذه الأمانة العظمى قائمة بأمر الله، فهي أمة لم تأت من فراغ، بل جذورها ضاربة في أعماق الزمان الغابر، إذا التَفتَت إلى الوراء رأت جذورها تنطلق من أول مخلوق على الأرض: آدم - عليه السلام - ، ومرورًا بنوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وبين هذا، وذلك، أولئك الأنبياء المصطفون من قبل الرحمن، وإذا تطلَّعَتْ إلى الأمام رأت نفسها سامقة متطلعة إلى المعالي، ساعية إلى مرضاة الله تعالى، فمَثَلها كمثل ما جاء في الكتاب العزيز {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم/24-25].
... 3 ـ الإيمان باليوم الآخر وأثره على النفس
... الإيمان باليوم الآخر مرتبط بقضية الحياة بعد الموت، وهو أكثر الأركان حساسية وخطورة، بحيث يتميز على أساسه المؤمنون من الملحدين، وهو أخطر يوم يمر بالبشر، فكيف تكشف الأعمال، وتوضع الموازين، ويتقرر مصير كل إنسان، وتحدد نهاية الرحلة الطويلة التي مرَّ بها، وهو المستقر الأخير له.
... وهذه الحقيقة الكبرى أساس من أسس التصور الإسلامي للكون والحياة، ولهذا الركن الكبير ــ بلا ريب ــ أبعد الأثر في السلوك الإنساني، فهو يربي فيه الشعور الحقيقي بالمسؤولية، لأنه ينتظر ذلك اليوم ويعلم أنه سيحاسب فيه على الصغيرة والكبيرة، فهو إذن مسؤول عن كل أعماله، لذا ينشأ فيه وازع الجد والحزم في الأعمال، ليلقى بها ربه وينال رضاه.
... والإيمان باليوم الآخر يغرس الأخلاق الفاضلة في المؤمن، فالحلم، والأناة، والتضحية، والصبر على الشدائد والسمو بالنفس عن الدناءات، كل ذلك وراءه أجر عظيم عند الله تعالى. (1/41)
صفحة 42
... والإيمان بما أعده الله تعالى من وعيد شديد لكل من خالف أمره واتّبع هواه يربي في المومن عزيمة صلبة تجعله قادرًا على ضبط دوافع النفس، وصامدًا أمام ناداءات الغريزة، فيكون ذلك حصانة له من الفواحش والموبقات، ويسامى بنفسه عليها، فيوجه طاقاته آنذاك إلى الإصلاح ونشر فضائل الأخلاق.
... وهذا أبو حمزة الشاري يصف أصحابه بالتُّقى والعفاف، مبرزا أثر الإيمان بالجنة والنار في نفوسهم التي أصبحت تتطلع إلى ما عند الله وتؤثر ذلك على زخارف الدنيا، فيقول: «كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقًا إليها، وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه» (1) .
... وهكذا فإن الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الدين، وضرورة من ضرورات الحياة السعيدة للمسلم.
... 4 ـ الإيمان بالقدر وآثاره التربوية
... الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، يجعل المؤمن يشعر بأن الأمر كله لله تعالى، فينشئ الصلة الوثيقة بين المسلم وربِّه، فيعلم أن لله صفات العلم الواسع، والإرادة الشاملة، والقدرة الكاملة، وأنه سبحانه فعال لما يريد، عالم بما يفعل. {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس/61]، كما أنه يشعر باستقلال إرادته، فيما يباشر، من أعمال في حدود إمكاناته، وبتيقظ عقله وحركة ميوله ورقابة ضميره.
... وأمام هذا الشعور بالحرية، يعرف حجمه أمام عظمة الله تعالى، فيدرك أن الله تعالى منحه حرية الإرادة ليتصرف في حدود هذا الكون بما يحقق له ذاته، ويضمن له عزته، فيتحمل مسؤولية الخلافة كاملة.
__________
(1) ـ من خطبة لأبي حمزة الشاري. الجاحظ، البيان والتبيان: ج2، ص122، ط: دار الجيل بيروت. (1/42)
صفحة 43
... وإذا علم الإنسان المؤمن أن الله تعالى خلقه ليتصرف في هذا الكون بإرادته في حدود إمكانات هذا المخلوق المحدود، لم يعد له شعور بأن قوة عظيمة تكبله عن التصرف والحركة، بل ترسَّخَ في ذهنه أن صلة العلم الإلهي بأعماله، إنما هي صلة الإحاطة التامة، والشمول الكامل، وهذا الفهم الصحيح ينشئ فيه أمورا إيجابية، منها:
... ـ مضاء العزيمة: فإذا عزم على فعل شيء، هيأ له الأسباب الكفيلة بإنجاحه، وحدد سيره طِبقًا للسُّنَنِ الكونية، ثم بعدها مضى إلى ما عزم عليه دون تردد ليقينه أن ما أصابه ما كان ليخطئه، وما أخطأه ما كان ليصيبه، والله تعالى يقول: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} [آل عمران/159].
... ـ التجلد والثبات أمام مهمات الأمور: فالمؤمن الواعي المتبصر بدينه، يتحلى بالصبر والثبات على الدعوة ليبلغ شرع الله إلى الناس الغافلين التائهين، وهو يعلم أن حمل أمر الدعوة رغم صعوبته، لا يُقَدِّم أجلاً، ولا يَعْدِم رِزقًا.
... ويتمثل قوله - صلى الله عليه وسلم - : «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقدمان أجلا ولا يعدمان رزقا».
... فلا يتشاءم من المستقبل ما دام الأمر بيد الله، ولا يخاف من مرض وهو يعلم أن المرض ابتلاء وتمحيص وتطهير للجسم من الذنوب وتكفير للخطايا، كما لا يهاب الموت وهو يدرك أنه مقدر، لا يقدم ولا يؤخر.
... وبهذا الشعور تكون شخصيته جادة ثابتة بعيدة عن التذبذب والتردد، قادرة على الصمود أمام المصائب التي قد يتعرض إليها في حياته.
الملفات رقم: 11 و12 و13 غير موجودة
فهرس البحث
تمهيد ... 16
إيقاظ الضمير الإيماني في الإنسان وتعميقه في النفوس ... 16
طرق الإيمان ومنطلقات الوصول إلى الحقيقة ... 21
... الفطرة، بذرة الإيمان في الإنسان ... 22
... معنى الفطرة ... 22
... العقل نور الهداية ومناط التكليف ... 32
... الوحي شفاء لما في الصدور وجلاء لما في القلوب ... 39
من عرف نفسه، فقد عرف ربه: ... 46 (1/43)
صفحة 44
... معرفة النفس طريق إلى الإيمان ... 46
... الإنسان مخلوق ضعيف ... 48
... الإنسان خليفة الله في الأرض ... 53
... الكون مسخر للإنسان ... 55
توحيد الله تعالى، الحقيقة المطلقة: ... 58
... الله وحده هو غاية الإيمان ... 59
... معنى التوحيد ومكانته في الإسلام ... 59
... توحيد الربوبية ... 60
... توحيد الألوهية ... 61
... توحيد الأسماء والصفات ... 63
... تعريف الاسم ... 63
... تعريف الصفة ... 63
... الأدلة على التوحيد في الأسماء والصفات ... 64
... اسم الجلالة الله تبارك وتعالى ... 65
... بيان لبعض الأسماء الحسنى ... 66
... إختلاف بعض صفات الله عز وجل عن صفات المخلوقين ... 69
متممات الإيمان بالله عز وجل: ... 70
... الإيمان بالملائكة: أهميته وآثاره التربوية ... 71
... الإيمان بالكتاب والرسل: وجوبه وآثاره التربوية ... 72
... الإيمان باليوم الآخر وآثره في النفس ... 73
... الإيمان بالقدر وآثاره التربوية ... 75
عوارض في طريق الإيمان: ... 77
... الشيطان: العدو الأول للإنسان ... 78
... ... أهداف إبليس وذريته ... 80
... ... وسائله وأساليبه ... 80
... ... ... تزيين القبيح ... 80
... ... ... الوسوسة المهلكة ... 82
كبائر الإثم والفواحش وأثرها على الفرد والمجتمع ... 86
... تمهيد ... 86
... الزنا ... 90
... الخمر ... 96
حب الدنيا رأس كل خطيئة ... 103
... مفاهيم يجب أن تصحح ... 108
عدة المؤمن ... 115
... الإخلاص ... 116
... التوكل والتفويض ... 119
... ملازمة كتاب الله العزيز: ... 123
... ... تلاوة القرآن حفظًا ومدارسة ... 123
... ... العمل الصالح ... 128
التوبة طريق الفلاح ... 132
أركان التوبة وشروطها: ... 133
وجوب المسارعة إلى التوبة ومصير التائب ... 137
الخ خاتمة ... 139
قائمة المراجع ... 140
فهرس البحث ... 141
تم وبالله التوفيق (1/44)