صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: عقيدة - فقه
------------------------------------------
العنوان: الفتاوى العقيدة
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
الإعداد والمراجعة: قسم الفتوى بمكتب الإفتاء، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1434ه/ 2013م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 2
------------------------------------------
مصدر النسخة الرقمية للكتاب (PDF) من موقع:
الجزء الأول:
https://elibrary.mara.gov.om/alwzartt-mktbtt/almnshwrat/arshef-alwzartt/ktab/?id=54
الجزء الثاني:
https://elibrary.mara.gov.om/alwzartt-mktbtt/almnshwrat/arshef-alwzartt/ktab/?id=55
ملاحظة: هذه النسخة الرقمية (PDF) يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 14 رمضان 1446ه/ 14 - شهر 03 - 2025م. الفتاوى
الجزء الأول (1/1)
صفحة 2
حقوق الطبع محفوظة
1434 هـ - 2013 م (1/2)
صفحة 3
الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاوى الفتاويا
الفتَاوَى
العقيدة
لسَمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخلياي
المفتي العام لسَلْطَنَةِ عُمَانَ
الإعداد والمراجعة
قسم الفتوى بمكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الجزء الأول (1/3)
صفحة 4
[صفحة فارغة] (1/4)
صفحة 5
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين:
أما بعد:
فهذا هو الكتاب السابع من سلسلة فتاوى سماحة الشيخ العلّامة / أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله ـ المفتي العام لسلطنة ويحوي هذا الكتاب فتاوى العقيدة وبعض القضايا المتعلقة
عُمان
بجانب الإيمان والفكر.
ولا ريب أن العقيدة هي الموجّه الرئيس لأفعال الإنسان وهي التي تربط مسيره بمصيره ومبدأه، بمنتهاه، وتربطه بخالقه جل وعلا
لذلك
كي
هي
عني
الإسلام ببناء الجانب العقدي والمنظومة الفكرية للمسلم
على منهج يسير
الله ويحقق معنى العبودية الحقيقية الله وعمل التي
الغاية من خلق الإنسان؛ يقول المولى جلَّ وعلا: {وَمَا خَلَقْتُ
الجنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (1/5)
صفحة 6
6
الفتاوى العقيدة
وقد قام مكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان بالتنسيق مع الأجيال للتسويق التي تفضلت مشكورة بإعداده وكان العمل في هذا الكتاب جريا على القاعدة السابقة في ترتيبه وتنسيقه ومراجعته وعرضه على سماحة الشيخ حفظه الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا هذا العمل وأن يعيننا على إخراج بقية الفتاوى وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم إنه هو ولي ذلك والقادر
عليه ..
والله الموفق لما فيه الخير والصلاح ..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
قسم الفتوى
بمكتب الإفتاء (1/6)
صفحة 7
مدخل
إلى علم العقيدة (1/7)
صفحة 8
8
الفتاوى العقيدة
ما حكم التقليد في في العقيدة؟ الأصل في العقيدة أن يَتَّبع الإنسان الدليل، اللهم إلا إذا كان عاجزاً عن معرفة الدليل وسأل من يُبصره به وقد نصب الله تعالى الأدلة على المعتقدات فمنها الأدلة العقلية كما نَبَّه القرآن عليها في مواضع متعددة كقوله تعالي: أَفِي اللَّهِ شَتُ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [إبراهيم: 10]، وقوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا عَالِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: 22]، وقوله بعد إثبات توحيده تعالى بقوله:
وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 163 - 164]، ومن غيرها من الأدلة النصية من الكتاب العزيز ومن السنة المتواترة عن وهي أدلة واضحة على العقيدة، ويُسْتَأنَسُ بما كان دون المتواتر
النبي صلى الله عليه وسلم
على إثبات الشيء الذي دل عليه دليل متواتر.
فأمر العقيدة أصعب من أمر الفروع، فيجب على الإنسان أن يَتَثَبَّت فيه أكثر مِمَّا يَتَثَبَّت في الفروع والله أعلم.
ما هو الدليل على أنَّه لا تقليد في الأصول؟ وما هي الأصول؟
الأصول هي أصول الدين، فالقضايا التي تكون الأدلة فيها شاهرة والحق فيها ظاهر لا يجوز لأحد أن يقلد فيها، أي ما كان منصوصا عليه نَصَّا قطعيا في كتاب الله أو ما كان دلالة العقل عليه واضحة جلية فلا يجوز للإنسان في ذلك أن يرجع إلى التقليد ويتعامى عن النص القرآني أو البرهان العقلي، وكذلك ما ثبت بالتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت الدلالة عليه دلالة نصية فإنه
لا يجوز التعامي عن هذه الدلالة وتقليد غير المعصوم في ذلك، والله أعلم. (1/8)
صفحة 9
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
عن قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِيَ إِلَيْهِمْ فَسَتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَتِ وَالزُّبُرِ} [النحل: 43 - 44] من هم أهل الذكر؟ هم الذين عندهم علم من الكتاب وبإمكانهم أن يبينوا الحقيقة والله أعلم. عما يروى عن النبي أنه كان مع أصحابه فسمعوا جلبة أو صوتاً قوياً فقال: أتدرون ما ذلك الصوت؟ فأجابوا بالنفي. قال: هذا صوت ألقاه الله في جهنم منذ سبعين خريفا وقد وصل الآن.
حجر
نحن نؤمن بأن النبي الله لا يقول إلا حقا ولكن هذه الروايات وصلتنا من طرق أحاديّة لا يقطع بها، والعلماء المحققون يقولون: إن الرواية الأحادية توجب العمل (1) ولا تفيد العلم)، ولا تبنى الأمور العقدية على الروايات الأحادية والله أعلم.
هل يجوز لي أن أعتقد ما أراه في المنام من حقائق وأمور الآخرة، فمثلاً رأيت ذات ليلة قبراً من القبور تشتعل منه نار شديدة، ورأيت أن لهذا القبر مدداً أو طريقاً إلى جهنم يستمد منه العذاب، كذلك هل يجوز لي أن أعتقد بمصير ناس رأيت أن عاقبتهم النار، فمثلاً أحضر لي في المنام ذات ليلة إنسان قد مات قريباً، فسألته عن مصيره فأخبرني أنه في النار. وسألته عن فرعون وأمثاله فقال إني أجدهم في النار، فهل يجوز لي أن أعتقد بما رأيت؟ الاعتقاد ثمرة اليقين وإذا كان الاعتقاد لا يثبت بالنقول غير المتواترة، أو بالنقول التي هي غير ناصة على مدلولاتها، فلا يسوغ أن يستنتج منها
(1) توجب العمل: أي حديث الآحاد مقبول غير مردود يفيد العمل في جميع أبواب الشريعة إلا في باب العقائد.
(2) لا تفيد العلم: يراد بذلك الأمور العقدية والتي لا تثبت إلا بنص قطعي الدلالة والثبوت لأن العقائد ثمرة اليقين فيعقد القلب على الثبات الذي لا يطرأ عليه خطأ ولا وهم. (1/9)
صفحة 10
الفتاوى العقيدة
المعتقد بطريق الاستنباط، فكيف يعول في الاعتقاد على ما يشهده الإنسان في النوم، ومن المحتمل أن يتصور له الشيطان فيلقي عليه ما يلقيه من الشبهات التي هي بمنأى عن الحقيقة فكيف مع ذلك يعول على هذه الشبهات فيجزم بذلك، نعم يمكن للإنسان إذا رأى خيراً في النوم أن يتفاءل بذلك الخير، فإذا رأى ميتاً في النوم يخبره بأنه سعيد وأنه من أهل الخير وأن الله لالالالها أكرمه بحسن الخاتمة، وأن الله الا الله أكرمه بالتوبة والمغفرة، يرجو له الخير، ولكن بجانب ذلك لا يقطع بأن هذا الميت من أهل السعادة، وكذلك إذا رأى العكس يعتبر بهذه الرؤيا ويخشى الله، ويسأل الله حسن الخاتمة، وأن يجيره من النار، ولكنه لا يعتقد اعتقاداً جازماً بأن الواقع كما رأى والله أعلم.
الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل معاذاً لله إلى اليمن، وهو واحد يعلمهم أمور دينهم، فلم يرفضوا ذلك بحجة أنه واحد، فدل هذا على وجوب قبول خبر الآحاد، فكيف يرد على مثل هذا القول؟
نعم
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً الى إلى اليمن، ليبلغ أهل اليمن ما استقر وثبت من الدين الذي عرف بقواطع الوحي، وذلك لأنهم كانوا يعرفون أن مرسل من عند الله سبحانه، وقد قامت عليهم الحجة بالقرآن الكريم،
النبي
وهو لم يتلق من طرق آحادية، فمعاذ لا يعلمهم أمور دينهم الفرعية، أما
عنه
العقيدة فقد استقرت مما وصلهم من كتاب الله له الله، والأحاديث الآحادية يعول عليها في الأمور الفرعية بشرط ألا تكون متعارضة مع النصوص القطعية، ناهيك أن الصحابة كانوا حريصين على التدقيق عندما يتلقى بعضهم من بعض رواية عن النبي مع كونهم خير القرون وأبعد الناس عن الكذب، وقد سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم من كذب علي متعمداً فليتبؤا مقعده من (1/10)
صفحة 11
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
? ?
والعدالة،
النار)، إذ هو من المتواتر القطعي فقد قيل بأنه رواه نحو ثمانمائة صحابي، وهذا قدر عَالٍ في التواتر، ولذلك يضرب به المثل في متواتر الخبر، ولا ريب أنه بتواتره رسخ معناه في نفوس جميع الصحابة، فكانوا أبعد ما يكونون عن الافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ريب أنهم كانوا قمة في الثقة ومع ذلك كان أحدهم - وهم في ذلك العصر ـ إذا تلقى رواية يشم منها مخالفة لكتاب الله له ولم يبال، بردها مع وثوق بعضهم ببعض وتبرئة بعضهم بعضاً من الكذب، ولكن يحمل ما سمعه على الوهم، كما روي عن عائشة الى أنها ردت رواية ابن عمر لها عندما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه»، وقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكن ليكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه لعله سها أو وهم، عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في اليهودية التي مر على أهلها وهم يبكون عليها: «إنها ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها ثم قالت: حسبكم القرآن وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)
[الأنعام: 164 (2) وكذلك كان موقف عمر له من حديث فاطمة بنت قيس فقد قال: لا نترك كتاب الله لقول امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت» (3)، ولا ريب أنها كانت امرأة صحابية عدلة، وقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم حكما يتعلق بها، لكن عمر الله لم يأخذ بروايتها هذه لأنه شم منها مخالفة للقرآن الكريم، وهكذا كان موقف ابن عباس ما من حديث الحكم بن عمرو الغفاري في تحريم الحمر الأهلية)، مع أن هذا تخصيص لعموم، ونحن نقول بأن حديث الآحاد يخصص عموم القرآن، غير أن ابن عباس ما كان له موقف آخر من
(1) رواه الربيع (738) والبخاري (104) ومسلم (4).
(2) رواه مسلم (1543).
(3) رواه مسلم (2719).
(4) رواه البخاري (5103). (1/11)
صفحة 12
12
الفتاوى العقيدة
ذلك، فقد قال: لا نترك كتاب الله لروايته، وذكر الآية الكريمة {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145]، ولم يعرف نكير لهذا المنهج من الصحابة، وهو يدل على أنهم تواطأوا عليه وإذا كان ذلك مسلك خير القرون مع قرب عهدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشار الأمانة والصدق بينهم فكيف صلى الله عليه وسلم بالعصور المتأخرة وقد تطاولت القرون وتنوسيت العهود وغشيت هذه الأمة غواش من الأهواء والفتن والعياذ بالله، وتعرضت لما تعرضت له من البلاء، واندس في صفوفها من اندس من المغرضين كيف مع ذلك كله يمكن أن يكون الحديث الآحادي حجة تعارض القرآن؟!!! والله أعلم.
هل توجد فلسفة إسلامية؟
توجد فكرة إسلامية وعقيدة إسلامية وإن سميت بالفلسفة، فهي لا تعدو أن تكون ـ كما قلت - فكرة إسلامية وعقيدة إسلامية والله أعلم.
ما هي الفلسفة وهل تتعارض مع العقل؟
كلمة الفلسفة دخيلة على الإسلام وهي في الأصل منهج تفكير من أجل إبراز الشيء على حقيقته، فنفس هذا التفكير موجود، ولا ريب أن منهج التفكير السليم جاء به الإسلام من غير أن يسميه فلسفة فلذلك ما كانت هذه التسمية معهودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الصحابة ولا في القرون الأولى، فلا نجدها في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في أقوال السلف الصالح.
غير أن هذا التفكير لا يلزم أن يكون بنفس الطريقة التي يفكر بها الفلاسفة، فالفلاسفة ضلت عقولهم وهاموا وبلغ بهم ـ والعياذ بالله - تفكيرهم الفلسفي إلى الإلحاد؛ فمنهم من كان لا يؤمن بوجود الله، (1/12)
صفحة 13
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
13
فلان؛
ويقول: إن الطبيعة هي الخالقة المبدعة المصرفة، وقد مضى على هذا من مضى من الفلاسفة حتى جاء سقراط. وهو الذي حاور أستاذه في هذه القضية، إذ سأله هل أعجبت بأحدٍ من الكتاب أو الأدباء أو الصناع أو المفكرين؛ قال له: نعم؛ فقال له: بمن أعجبت؛ قال: أعجبت بفلان وأعجبت بفلان وفلان وأخذ يذكر أسماء رجال من المبدعين؛ فقال له: ماذا صنع قال: صنع كذا وفلان صنع كذا وفلان صنع كذا؛ قال له: هل أحرى بك أن تعجب بمن صنع الجسم الميت الذي لا حراك له ولا إرادة له ولا وعي فيه ولا إحساس، أو الأحرى بك أن تُعجب بالذي صنع هذا الإنسان العاقل المدبر المفكر البصير؟ فقال: لو ثبت عندي أن الإنسان صنعه صانع لكان أن أُعجب بمن صنعه؛ قال: وإذا أقمت عليك شاهداً من نفس الإنسان على أنه مصنوع مخلوق؟؛ قال هات هذا الشاهد؛ قال له فكر في الإنسان وأحواله تجده بحاجة إلى غذاء يمده بالطاقة وتستمر به حياته إلى أُعد هذا الإنسان إعدادا لاستعمال هذا الغذاء واستهلاكه، فقد
أحرى
حين، وكيف
جعل الله الله فيه معدة تطحن ما يلقى إليها من الغذاء، وجعل له إفرازات لإخراج الفاضل منه عن حاجة الجسم، بينما جوهره يبقى في الجسم وهو الخلاصة التي يحتاج إليها وهي تتطور من طور إلى آخر حتى تصلح الجسم وتنميه وتعوضه عما يحترق من خلاياه، وجعل وسيلة إيصال هذا الطعام إلى المعدة الفم والأسنان، وجعل طبيعتها متلائمة مع هذه الوظيفة التي خلقت من أجلها حيث جعل الأسنان في الأمام كالسكاكين التي تقطع اللحم، ثم جعل الأضراس الخلفية كالرحى التي تطحنه، ثم أوجد له منفذاً حتى يصل إلى المعدة، وهكذا ثم فكر في سمع الإنسان؛ فالإنسان يسمع من خلال هاتين الأذنين ما لا يحصى من الأصوات، وهما على صغرهما لا تلتبس عليهما الأصوات وإن تباينت وتعددت ولا تمتلئان بكثرة ما تسمعان، وفكر (1/13)
صفحة 14
14
الفتاوى العقيدة
في بصره الذي يُبصر به؛ فإنه يبصر بعينية وهما جارحتان صغيرتان ولكن لا تلتبس عليهما المرئيات على اختلافها، ولا تَكّل عن إبصار المرئيات على
كثرتها، أما يكفيك ذلك كله دليلاً على وجود الخالق للإنسان.
فدخل الفلاسفة من ذلك التاريخ منعطفاً جديداً ولكنهم ما اهتدوا إلى الإيمان الصحيح لأن العقل - كما قلت ـ لا يكفي وحده لأن يرشد الإنسان إلى الحق، وإنما الإنسان بحاجة إلى وحي الله ولذلك كان تكليف الله تبارك وتعالى منوطاً بالوحي، لا بالعقل فحسب، فالله تعالى يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] وحكى الله عن أهل النار ـ والعياذ بالله - أنهم يُسألون يوم القيامة عن سبب تعذيبهم وجوابهم على هذا السؤال، يقول تعالى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} [الملك: 8]، فيكون جوابهم: بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبَنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ} [الملك: 9]، وهو دليل على أن التكليف مرتبط بالوحى وإنما العقل شرط من شروط صحة التكليف، لأنه وسيلة من وسائل إيصال هداية الدين أو هداية الحق إلى الإنسان، فغير العاقل غير مكلف، والعاقل لا بد من أن يؤدي الواجبات التي فرضها الله عليه لأنه عقل أحكام الله تعالى.
في
والعقل أيضاً يوصل إلى بعض الحقائق ولكنه لا يقضي في ذلك حكماً، فهو يوصل إلى معرفة الله وإلى معرفة صفاته تعالى لأن الإنسان إذا فكر هذا الكون وأمعن فيه النظر لرأى أن هذا الكون صادر عن إرادة وقدرة وهيمنة، فلا بد من أن يكون وراءه من يصرفه ويدبره بعد أن خلقه وقدره، وخلقه هذا الكون وتقديره ثم تصريفه وتدبيره أدلة قاطعة على أنه متصف الكمالات، ومنزه عن جميع النقائص، وهذا سبيل إلى معرفة أن هذا الخالق الذي خلق هذا الكون لا بد من أن يكون عليماً بكل شيء، فلو كان يفوته شيء من العلم لما أمكنه أن يسيطر على هذا الكون، وأن ينظمه هذا
بجميع (1/14)
صفحة 15
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
15
التنظيم الدقيق، ويجعله متناسقاً بجميع أجزائه، وأنه لا بد أن يكون قديماً، لأنه لو كان محدثاً لافتقر كغيره إلى محدث أحدثه وهكذا في معرفة سائر صفاته كالحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر فالعقل إذا يهديه إلى معرفة الله وصفاته. ولكن لا يوجب عليه حكما وإنما الحكم بوجوب اعتقاد ذلك يعود إلى الشرع، كما قال نور الدين السالمي حمدالله:
فحاكم الشرع قضى بما جرى لا العقل يا ذا فاتركن عنك المرا أشيا وأشياء لها يستهجن
فإنه وإن يكن يستحسن
فذاك باعتبار ما للطبع ملائم لا باعتبار الشرع
على أن العقول تتأثر بمؤثرات شتى، لذلك لا يصح أن يكون الاحتكام إليها، فإن التربية لها أثر على صناعة الفكر الذي يفرزه العقل، وكذلك البيئة لها أيضاً أثر كبير في توجيه عقل الإنسان، ولذلك نجد أناساً كثيرين يستحسنون أشياء بينما آخرون يستقبحونها وذلك قد يعود إلى اختلاف بيئاتهم التي نشأوا فيها واستمدوا منها تصوراتهم وقد تجد هذا الاختلاف بين فردين ناشئين في بيئة واحدة على أنه قد يكون ذلك بين الأخ وأخيه، فتجد أحدهما يستحسن ما يستقبحه الآخر نتيجة المؤثرات النفسية المتفاوتة وترى كثيراً من العادات مستحسنة عند طائفة من الناس، وهي أخرى مستهجنة، وذلك لأن العقول تتأثر بمؤثرات مختلفة، وإنما الشرع الشريف هو الذي وحد هذه الاتجاهات وواءم بين هذه العقول، وبصرها جميعا بالحق الذي يجب أن تتبعه.
عند طائفة
أما بالنسبة إلى الفلسفة اليونانية فهناك طائفة من العلماء شددوا في دراستها ومنعوها منعاً باتاً، لأنها تؤدي إلى الضلال، وطائفة أخرى أجازتها، ولكن منهم أيضاً من غلا وبالغ في قبول هذه الفلسفة حتى أصبح يقيس (1/15)
صفحة 16
17
الفتاوى العقيدة
القضايا الإيمانية بمقاييسها اليونانية والذي أراه يجوز للإنسان أن يتعلم الفلسفة إذا كان متمرساً بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيرا بأمر دينه،
متمكنا في عقيدته حتى يرد الباطل بمثل منطقه، والله أعلم.
هل يجب علينا الإيمان بكل ما يذكره العلماء من أجرام وأفلاك ونجوم وحجمها وسرعتها وحرارتها وما إلى ذلك إيمانا يقيناً؟
يجب ذلك إذ لم يأت بذلك نص شرعي، ولا دلت عليه ضرورة العقل، وإنما هذه أشياء اكتشفها العلماء المتخصصون فتحدثوا عنها، وحديثهم يحتمل الصدق والكذب، وإنما يترجح الصدق بالشواهد التي تدل عليه، ويقال مع ذلك لعل وراءها ما لم يفهموه، فالتصديق إنما هو من باب الاطمئنان فحسب، والله أعلم.
ذكر الإمام السالمي الله في مشارقه)، أن الاعتقاد هو: «وصول النفس إلى المعنى الذي يحتمل النقيض» .. إلخ، فهل عقيدة المرء تحتمل النقيض؟ وما الفرق بين العقيدة والاعتقاد؟ وإن لم يكن هنالك فارق فكيف لنا أن نجزم بصحة معتقد وفساد آخر؟
مراده بهذا أن الاعتقاد في أصله يمكن أن يكون صحيحاً ويمكن أن يكون فاسداً، وذلك بالنظر إلى مفهوم الاعتقاد لا إلى عين الْمُعْتَقَد، فإنه عرفه بأنه: «وصول النفس إلى المعنى الذي يحتمل النقيض لو ذكر»، إذ لو لم يكن محتملاً للنقيض لما اختلف الناس في معتقداتهم، حتى جعل كثير من الناس من الباطل حقاً ومن الحق باطلاً، فإن وصول النفس - أياً كانت - إلى معنى من المعاني لا يعنى ذلك أن ذلك المعنى هو الحق، حتى
(1) مشارق أنوار العقول للإمام عبد الله بن حميد السالمي (17/ 1 دار الجيل). (1/16)
صفحة 17
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
17
يتأيد هذا الوصول بالأدلة العقلية أو النقلية القاطعة فعندئذ يكون الْمُعْتَقَد لا يحتمل النقيض وإن ادعى من ادعى أن نقيضه هو الحق، وقد بين الإمام السالمي هذا بقوله على أثر تعريفه هذا: «وهو حق إن طابق الواقع وباطل إن لم يطابق» وهذا كما عرّف من عرف من أهل العلم الخبر أنه: ما كان من الكلام محتملاً للصدق والكذب لذاته، مع أن من الكلام الخبري ما لا يحتمل الكذب بحال، وذلك هو كلام الله وكلام رسوله وسائر رسله عليهم الصلاة والسلام، ولكن ليس ذلك لصيغته الخبرية وإنما ذلك لكون مصدره لا يصدر عنه إلّا الحق ومن الأخبار ما لا يحتمل أن يكون صدقاً، وذلك ما علم بطلانه بنص الشرع أو بدلالة العقل، والله أعلم.
يعزف بعض الطلبة عن التعمق في دراسة قسم العقيدة، وذلك لما يرونه من عدم أهمية هذا القسم في الحياة الدينية والعملية، ومن بين استدلالاتهم على ما يرون أن كثيراً من العلماء في معرض حديثهم يهيبون بالتعمق في دراسة الفقه، حتى وصل الحال إلى وجود أفكار تنبعث من بين الطلبة داعية للابتعاد عن التخصص في هذا القسم، بين لنا جزاكم الله خيراً تلك المكانة التي يحتلها هذا القسم بين أقسام الشريعة الإسلامية دامغاً تلك الأفكار، مع إيماننا بأن الدين الإسلامي الحنيف كل متكامل يكمل بعضه بعضا؟
العزوف عن دراسة العقيدة خطأ كبير؛ فإن العقيدة هي قاعدة العمل وأساس الاستقامة، ومصدر كل خير يأتي به العبد، وحسبكم أن القرآن الكريم عُني بالعقيدة أكثر مما عُني بالفقه، فما تَحَدُّثُه عن آيات الله في الأنفس وفي الآفاق إلا لترسيخ العقيدة وتعميق جذورها، وكثيراً ما تتخلل آيات الأحكام آيات ترتبط بالعقيدة، بل نجد نفس آيات الأحكام كثيراً ما (1/17)
صفحة 18
18
الفتاوى العقيدة
تختم بفواصل عقدية، وما ذلك إلا لأهمية العقيدة، كيف والإيمان هو أهم سبب من أسباب النجاة كما يدل عليه تصديره على العمل فيما لا يحصى
من آيات القرآن، فلينتبه أولئك الذين يَزْهَدُون أَو يُزَهّدُون في هذا وليرجعوا إلى صوابهم، والله أعلم.
العلم،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رآني في المنام فكإنما رآني في اليقظة فإن
الشيطان لا يتمثل بي» (1)؟
وقال: «من رآني في المنام دخل الجنة» (2)
وقال: من رآني في المنام فلن يدخل النار (3)
وقال: «من رآني في نومه رآني يوم القيامة، ومن رآني يوم القيامة تشفعت له، ومن تشفعت له شرب من حوضي ومن شرب من حوضي الله جسده على النار». هل يحكم بالظن على أن رائي النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم في المنام أنه من أهل الجنة للبشارات السابقة الذكر بالأحاديث الواردة أعلاه؟
حرم
من رآه بحالة مبشرة رجي له الخير، ولكن لا يقطع له بأنه من أهل الجنة، إذ القطع بذلك يتوقف على الأدلة القطعية، والله أعلم.
ما معنى ما علم من الدين بالضرورة؟
ما علم من الدين بالضرورة هو الأمر الشائع الذي أصبحت معرفته ضرورية، لأن الناس جميعا اشتهر عندهم ككون فريضة الظهر أربع ركعات،
(1) رواه البخاري (107) ومسلم (4206).
(2) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. (3) رواه ابن عساكر وإسناده واه. (1/18)
صفحة 19
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
19
وفريضة العصر أربع ركعات وفريضة المغرب ثلاث ركعات، وفريضة العشاء أربع ركعات وفريضة الفجر ركعتين والله أعلم.
ذكرتم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحكم على المسلمين في عهده إلا بالظاهر، وهذه الطريقة التي اتبعها عند المنافقين فلماذا أخبر أصحابه أن مدعماً قد سرق الشملة التي لم تصبها المقاسم، رغم أن الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم - كانوا يحسنون به الظن بدليل قولهم فيه عند وفاته هنيئاً له الجنة؟ النبي يوحى إليه وأراد بذلك أن يقطع كلام القائلين بغير علم فيما لم يأذن به الله فلا يشهدوا لأحد بالجنة إلا بحجة، ولا يشهدوا على أحد بالنار إلا بحجة، فليس للإنسان أن يخوض في هذا الأمر لأنه من أمور الغيب والله أعلم.
ما هي
الأمور المعلومة من الدين بالضرورة؟ وهل هي متفق عليها، أم
مختلف فيها؟
الأمور المعلومة من الدين بالضرورة هي كل ما كانت الدلالة عليه دلالة قطعية لا تَحُوم حولها ريبة قط، ومن ذلك الإيمان بوجود الله، والإيمان بصفاته التي دلت عليه آياته التنزيلية والتكوينية، وكذلك الإيمان بالمعاد: أي بيوم القيامة وبمثوبة المطيع وعقوبة العاصي. فإن كل ذلك من الأمور التي علمت من الدين بالضرورة، والله أعلم.
ما أهمية السؤال؟
إنّ الإنسان مطالب بأن يكون على بينة من أمره، وبصيرة من دينه بحيث لا يتقدم خُطوة في شيء جاء فيه شرع الله تعالى إلا وهو على بينة من كون تلك الخطوة التي يخطوها صوابا، ذلك لأنّه لم يُخلق هملا، ولم يُترك سدى، يقول الله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدى} [القيامة: 36]، فالإنسان خُلق (1/19)
صفحة 20
الفتاوى العقيدة
ليضطلع بأمانة كبرى، لا يستطيع أن يقوم بواجباتها ويؤديها حق الأداء إلّا إذا كان على معرفة وبصيرة، وإذا كان النظام البشري الذي ينشئه بشر مثلنا هذه الأرض لا بد لمن أراد تطبيقه من دراسته حتى يكون على بينة من خطأ أمره لئلا يقع في في شيء ء منه، فإنّ النظام الرباني هو أؤلى بالدراسة،
في
وأجدر بأن يعكف الإنسان عليه حياته كلها ذلك لأن الحياة تتجدد، وأطوارها تتقلب، وهي مع كل هذا لا تخرج عن إطار حكم الله، فحكمه يتناول الكليات والجزئيات والدقائق والجلائل من أعمال الإنسان، وقد فرض الله السؤال بقوله: {فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] والنبي صلى الله عليه وسلم عندما أقدم قوم على أمرٍ خالفوا فيه الشرع وبخهم على ذلك ثم قال: (هلا سألوا؟! فإنّ شفاء العِيّ السؤال) (1)، فالإنسان مأمور بالسؤال عن دينه حتى لا يتخبط في مسلكه.
ولا ريب أن الإنسان خُلق جاهلاً بطبعه، فالله تعالى يقول: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78]، وإنما الجهل يتبدد بالسؤال، وطلب المعرفة، وقد أجاد الشاعر عندما قال:
إذا أنت لم تدر ولم تك بالذي يسائل من يدري فكيف إذن تدري فالسؤال أمر لا بد منه من أجل الوصول إلى استجلاء حكم الله تعالى فيما يقدم عليه الإنسان أو يدعه، وفي استظهار ما يغمض ويشكل من الأمور؛ وبقدر حال المسؤول عنه يكون حكم السؤال، فإن كان المسؤول عنه واجبا فعله أو واجبا اتقاؤه، وقد كان ذلك أمرا حاضرا، فالسؤال من الفرائض اللازمة أو الواجبة - على حسب اختلاف العلماء هل الفرض هو الواجب أو الواجب أعم من الفرض؟ وذلك بأن يحمل الفرض على ما ثبت بدليل قطعي،
(1) رواه أبو داود (284). (1/20)
صفحة 21
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
21
والواجب أعم منه بحيث يشمل ما ثبت بالدليل الظني، وإن كان المسؤول عنه الأمور التي هي أوسع من كونها واجبا فعلها أو واجبا اتقاؤها فذلك من
من
الأمر المندوب إليه إن كان مما يتعلق بجانب الدين؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.
هذا
هناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أعظم الناس جُرما من سأل عن شيء ليَحْرُم»)، نريد إطلالة مختصرة حول ماهية السؤال، ومعنى الحديث. يرجع إلى التنطع المذموم شرعا، وذلك أن يأخذ الإنسان في السؤال عن شيء لم يأت به حكم من الله - تبارك وتعالى ـ في كتابه أو على لسان رسوله ويتعمق في السؤال حتى يَرِد شرع بتحريمه، فإن هذا من التنطع، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إشفاقا على أمته يأمرهم أن يتركوه ما تركهم، بحيث لا يسألون عن أشياء لم يرد فيها حكم بتحريمها؛ فالأصل فيما خلقه الله تبارك وتعالى ـ، وجعل فيه منافع للعباد أنه مباح لهم، إلا إن دَلَّ الدليل الشرعي على رفع هذه الإباحة بتحريم، ثم من ناحية أخرى إنّ الأمور التي حُرمت في الإسلام هي غالباً أمور محدودة يسيرة، بخلاف الحل، فإنّ الحِلَّ الأصل، ولذلك كان الجل لا ينضبط ولا يتقيد بقيد والحرمة هي
تتقيد وتنضبط.
التي
فالله - تبارك وتعالى ـ عندما ذكر المطعومات استثنى أربعة أنواع من حكم الحل في المطعومات، ثم جاءت نصوص أخرى في القرآن الكريم تدل على تحريم بعضها، وجاءت أيضاً نصوص قليلة من السنة النبوية على
(1) رواه البخاري (6745) ومسلم (4349). (2) من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (رواه البخاري (6744)). (1/21)
صفحة 22
22 الفتاوى العقيدة
صاحبها ـ أفضل الصلاة والسلام: تدل على تحريم بعضها، وإلا فالأصل أنّ كل مطعوم نافع، هو حلال ولا يحرم.
كذلك المنكوحات من النساء، فالله - تبارك وتعالى - بعدما بين ما يحرم نكاحه منهن أطلق الإباحة بقوله: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] وإنما جاءت السنة بتحريم البعض اليسير مما لم يذكر في القرآن منه، وهو مخصص لهذا العموم.
كذلك أيضاً أنواع اللباس أباح الله - تبارك وتعالى ـ الانتفاع بما خلقه في هذه الأرض: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] ومن ذلك الملبوسات، وإنما جاء تحريم الذهب والحرير على الرجل وتحريم لُبْسَة الخيلاء وهو مما يؤكد أن المحرَّمات من جميع الأجناس معدودة،
بين
والأصل في الحِل الإطلاق بخلاف الحرمة فالأصل فيها التقييد.
فلذلك يُمنع الإنسان وهو يرى هذه الأدلة التي تدل على إطلاق الحل وتقييد الحرمة أن يأتي ويأخذ في التنقير والبحث حتى يترتب على سؤاله أن يرد نص شرعي بتحريم ما لم يكن حراماً من قبل، فهذا هو الممنوع؛ والله تعالى أعلم.
كيف نوفق بين أهمية السؤال وبين ما ورد في بعض الأحاديث من التحذير من كثرة السؤال والنبي يقول في حديث آخر مبينا أن هلاك بعض الأمم إنما كان بسبب كثرة سؤالهم.
يجب علينا أولاً أن نعرف معنى «السؤال» لغة وشرعا، فإنّ الشّرع كثيرا ما يستخدم الألفاظ في أصولها اللغوية، وذلك كالصَّلاة مثلا، فـ «الصلاة» نُقلت في الشرع إلى معنى أخص من المعنى اللغوي، ولكن مع ذلك قد (1/22)
صفحة 23
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
23
تُستعمل شرعا في المعنى اللغوي، كما في قول الله تبارك وتعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] .. فالمقصود بالصلاة هنا الدعاء، وهو الأصل في معنى الصلاة لغة كما يدل على ذلك قول الشاعر:
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي جفنا فإنّ لجنب المرء مُضطجعا
ونجد كثيرا من النصوص الشرعية استعمال الألفاظ التي نقلها الشرع إلى معاني أخص من معانيها اللغوية تسعتمل في معانيها الأصلية، كما في قول الله - تعالى - في قصة مريم: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26]. {و «السؤال من حيث اللغة هو الطلب، يقال: «سأل» بمعنى طلب، ولذلك نجد في القرآن الكريم الأمر بإعطاء السائلين، وجعل ذلك من جملة ما شرعه الله من البر في قوله:
وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَيْكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّينَ وَعَالَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) [البقرة: 177]، فإنّ «السائلين هم الذين يطلبون المال لسد عوزهم وجبر كسرهم، وقول النبي: (إنّ الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال)) يجوز أن يُحمل على هذا المعنى؛ كما حمله على ذلك بعض الشرّاح؛ ويجوز أن يكون المراد بذلك السؤال الذي فيه تنطع، كما كان من بني إسرائيل عندما أُمروا أن يذبحوا بقرة حيث قال لهم موسى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] فأخذوا يدققون في السؤال عن وصف تلك البقرة تدقيقا عجيبا، فضيق عليهم بقدر ما ضيَّقوا على أنفسهم، فلو أنهم عندما قيل لهم: «اذبحوا بقرة» تناولوا أيّ بقرة كانت فذبحوها لكان ذلك مجزيا وكافيا، ولكنهم تنطعوا كما
(1) رواه البخاري (1383) ومسلم (3236) ونحوه عند الربيع (567). (1/23)
صفحة 24
24
الفتاوى العقيدة
حكى الله ـ تعالى ـ عنهم بقوله: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيْن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضُ وَلَا بِكْرُ عَوَانُ بَيْنَ ذَلِكَ فَأَفْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} [البقرة: 68]. ولم يكتفوا بهذا فقالوا:
قَالُوا أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ، يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ
فَاقِعُ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} [البقرة: 69].
ولم يكتفوا بهذا أيضاً فقالوا:
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيْن لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا} [البقرة: 70]؛ وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره مثل هذه الأمور، كسؤال بعض الناس عندما سأله: «الحج واجب علينا في كل عام؟» فاشتد النبي وغضب حتى احمرّ وجهه؛ لأنه لو قال: «نعم» لكان ذلك واجبا، وهم لا يقدرون على أن يفعلوا ذلك)، والله أعلم.
هل يصح للإنسان أن يسأل عالماً عن مسألة ما ثم يسأل عنها غيره؟ إن كان يلتمس الرخصة فلا ينبغي له ذلك، لأنه يبحث عن الرخصة ولو كانت بزلة لسان. والله أعلم.
ما هي آداب السؤال؟
إنّ السائل إنّما يطلب مِمَّن يُجيبه عن سؤاله أن يوضح له حقيقة ما غَمَض على فهمه، وهذا يعني أنه يطلب بسؤاله هذا أن يمنحه المجيب علما في القضية التي يسأل عنها، لذلك كان الواجب أولا أن يكون سؤاله بأسلوب يدل على تواضعه وعلى حرصه على الاستفادة، لا أن يكون سؤال
(1) رواه الإمام الربيع (394). (1/24)
صفحة 25
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
25
متعالم، ولذلك قال الإمام أبو علي موسى بن علي رحم الله: «إِنّ العالِم لَيَسأل سؤال الجاهل ويفهم فهم العاقل». أي من أدب السؤال ـ حتى ولو كان
-
السائل من أهل العلم ـ إذا سأل من هو أعلم منه أن يكون سؤاله كسؤال الجاهل الذي لا يعرف شيئا من تلك المسألة لا أن يكون سؤاله سؤال متعالم وسؤال تَقَعُر وتَنَطُّع، وقد نَظَم هذا المعنى الإمام السالمي الا في
قوله:
من أدب السؤال للعفيف أن يسأل العالم كالضعيف وعلى السائل أن يتفادى ما يؤدي بسؤاله إلى السقوط وعدم الاعتداد به کالتناقض في نحو قوله: ما الدليل على أن العرض جرم والحركة جسم؟! مع أن الحقيقة هي خلاف ذلك فالعرض ليس من الأجرام، والحركة ليست من الأجسام، وآخر السؤال ينقض أوله، وكذلك الاضطراب وذلك أن يُدخِل الأعمّ في الأخص، كأن يسأل عن العلة في كون الحادث جسما والعرض حركة؟ مع أن الحادث يصدق على الأعراض والأجسام، والعرض تدخل فيه الحركة وغيرها، أو أن يكون السؤال فيه إثبات لشيء ينفيه المجيب، كأن يسأل عن الحجة في إثبات قدم العالم، مع أن المجيب لا يقول بقدمه، أو أن يجمع عن سؤالين معا، كأن يقول - مثلاً -: ما الدليل الذي صار من أجله العرض عرضا وصار من أجله الجسم جسما؟ بحيث يجمع السؤالين ويطلب لهما إجابة واحدة أو أن يثبت السائل في سؤاله ما ينفيه المجيب، كأن يسأل عن الحجة على استقلال الإنسان بخلق أفعاله مع أن المسؤول لا يقول ذلك! فإن هذا كله مما يؤدي إلى إسقاط سؤاله؛ وكذلك إن كان سؤال تعنت بحيث لا يريد السائل إلا أن يوقع المجيب في حرج حتى يشمت به، فمثل هذه الأسئلة لا إجابة عليها، والله ـ تعالى ـ أعلم. (1/25)
صفحة 26
26
الفتاوى العقيدة
الذي يردد أن الاختلاف بين العلماء رحمة هل الاختلاف في المسائل الفقهية أم - أيضاً - يشمل المسائل العقائدية؟
الاختلاف في المسائل الفقهية هو اختلاف رحمة، وإن كانت بعض المسائل العقدية لا تصل إلى القطع لعدم وجود دليل قطعي يدل على ما هو الحق، كالاختلاف في الجنة التي كان فيها آدم هل هي جنة الخلد أو جنة الأرض؟ وإنما كان القول الأمثل يتأيد بحجج ظنية لا تصل إلى درجة القطعية، فإن الاختلاف في ذلك لا يعدو أن يكون من باب الاختلاف في الرأي الذي يحمد ويعد رحمة، أما إن كان الأمر بخلاف ذلك بحيث يَرُدُّ
في
المخالف دليلا قطعيا ثابتا في كتاب الله - تعالى - أو في سنة رسوله المتواترة وكانت دلالته على الحكم نصية فإنّ هذا الاختلاف مذموم ولا يعد رحمة بل هو نقمة، وذلك حتى في المسائل الفقهية لو رَدّ أحد من الناس حكما فقهيا منصوصا عليه في كتاب الله ـ تعالى ـ أو في السنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يعد ذلك الاختلاف رحمة .. فالاختلاف الذي هو رحمة إنما هو الاختلاف في فهم الأدلة إذا كانت ليست نصية، وكذلك يكون الاختلاف رحمة عندما يكون في ترجيح دليل على دليل آخر إذا كانت هذه الأدلة في نفسها ظنية من حيث ثبوتها وذلك كالأحاديث الأحادية أو تكون ظنية من حيث دلالاتها، وذلك في الأدلة غير النصية؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.
يقول
الله تعالى: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ} [الإسراء: 36] ما حدود هذه الآية؟ هل يقف المسلم عند كل حركة فلا يقدم على أي أمر حتى يسأل عنه؟
إن أشد ما يكون حرمة أن يقدم الإنسان على القول بغير علم، فإن الإقدام على القول بغير علم أمر قرنه الله تعالى بالإشراك به عندما قال سبحانه: {قُلْ (1/26)
صفحة 27
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
27
إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، وبين أن ذلك مما يدعو إليه الشيطان لعنه الله والعياذ بالله من شره ومن دعوته فقد قال سبحانه: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169]، وجاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع رحمةالله في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن خر من السماء إلى الأرض فصادف بئراً لا قعر له ولو أنه أصاب الحق» (1) وإذا كان هذا فيما لو وافق الحق فكيف إذا خالف الحق، لذلك كان التقول على الله بغير علم أمراً محرماً؛ أما الفعل فإن كان الإنسان في نفسه ريبة من الأمر، وحرج من الإقدام عليه فليس له أن يقدم حتى يسأل ليتبينه قبل أن يقدم عليه، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك» (2). وفي الحديث عنه: «البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر» (3)؛ وفي الحديث ـ أيضاً ـ «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (4). فليس للإنسان أن يقدم على شيء من غير أن يكون على بينة منه أو تكون في نفسه ريبة منه، أما إن لم تكن في نفسه ريبة وأقدم على شيء وهو لا يعلم حكمه ووافق الحق ولم يخالفه ففي هذه الحالة لا يكون مسؤولاً أمام الله لأنه وافق الحق وإن كان الأولى له أن يتعلم، غير أنه لا يستطيع أن يحيط علما بحكم كل ما يقدم عليه الأعمال فإن ذلك أمر عسير فما لم تكن هنالك ريبة وكانت النفس مطمئنة ترجى له السلامة إن وافق الحق؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.
من
(1) رواه الإمام الربيع (35).
(2) رواه أحمد (17320) بنحوه.
(3) رواه أحمد (17320) ونحوه عند مسلم (4632).
(4) رواه الترمذي (2442). (1/27)
صفحة 28
28
الفتاوى العقيدة
هو
في بعض الأحيان يتعرض الأبوان لأسئلة محرجة من الأبناء فيما يخص العقيدة وكذلك فيما يخص الحياة الأسرية والحياة الجنسية فربما يسأل الولد أباه أين الله؟ ولماذا لا نراه؟ وكيف شكله؟ وهلم جرا ـ تعالى الله ـ وربما يسألهما من أين أتيت أنا؟ وهلم جرا .. فكيف يتعامل الوالدان مع هذه الأسئلة المحرجة؟
بالنسبة إلى السؤال عن الله تبارك وتعالى فالجواب ينبغي أن يكون بقدر عقليّة هذا الطفل بحيث يُغذَّى بالعقيدة السليمة، ويقال له بأنّ الله تعالى أجل من أن تكتنفه الأقطار، وأسمى من أن يَحُلُّ في مكان، فهو تعالى كان قبل خلق الزمان والمكان وإن كنتَ أيها الطفل لا ترى عقلك ولا ترى روحك وأنت ترى هذه الروح يسري أثرها في جسمك وهو هذه الحياة التي تدبّ في أوصالك فأنّى لك أن تستطيع أن تتوصل إلى إدراك خالقك العظيم؟! فالعجز عن الإدراك هو الإدراك، فينبغي أن يُلقن هذه العقيدة بقدر المستطاع؛ أما من أين أتيت؟ فيعرف بأنّ الذي خلقه إنما هو الله، ولكن ولدته أمه وأبوه هو الذي يرعاه، ولا يُخبر بالأمور الجنسية التي قد تكون فوق مستوى عقله وتفكيره، وإنما يتدرّج في إخباره بالحقائق التي كانت خافية عليه شيئا فشيئا بقدر نمو مداركه واستيعاب، ذهنه، حتى يتوصل إلى دَرْك الحقيقة؛ والله ـ تعالى ـ الموفّق.
في كثير من الأحيان يرتكب الآباء أخطاء فادحة في مسألة العقيدة نفسها، فعندما يريد بعض الآباء أن يُصوّر لابنه يوم القيامة وأن يبين له أنّ هناك جنة وأنّ هناك نارا، وهلم جرا من هذه الأمور .. يستغل هذا في التربية، فيزجر الولد بالنار ويقول له: «إن فعلت هكذا فإنك ستصطلي بالنار والعياذ بالله .. فدائما ما يُخوّف الولد بالنار، حتى صارت هذه عادة عند الأطفال، فإذا رأى طفلا يُخالفه في الأمر يقول له: «إنك ستكون (1/28)
صفحة 29
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
29
من أهل النار والعياذ بالله فانكسر حاجز الخوف من النار بسبب هذه الأمور التي تتردد على ألسنة الآباء مع أطفالهم حتى غدت العملية سهلة .. فإذا أراد الوالد أن يبيّن لولده صورة الجنة والنار ويوم القيامة، ما هي الطريقة المثلى حتى تبقى هذه الأمور مخوفة عند الولد في جانب النار ـ والعياذ بالله - ومرغوبة في جانب الجنة؟
مما ينبغي أن يغرس في نفس الطفل أنّ الجنة ونعيمها أجلّ من أن يستطيع تصور ما فيها من السعادة أحد، وهذا هو الواقع، فإنّ الله تعالى يقول: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ هُم مِّن قُرَةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] فإذا انغرس في نفس الطفل أنّ هنالك نعيما أعظم من مدارك البشر، وأسمى من أن تَكْتَنِهَهُ عقول الناس يكون دائما متشوّقا إلى ذلك النعيم، ويغرس في نفسه بأنه لا أحد يستطيع أن يقطع لنفسه بالسلامة والنجاة من النار والفوز بالجنة، ولا أن يحكم عليها بأنها من أهل الشقاء وأنها من أهل الحرمان، وذلك لأجل أن يكون هنالك توازن بين الخوف والرجاء .. بين خوف العقاب ورجاء الثواب وبالنسبة إلى عذاب النار فيُذكِّره بضَعْفَ القوى البشرية عن احتمال الأذى ولو كان يسيرا، فالإنسان يتأذى بلسعة بعوضة، ولا يحتمل بحال لَفْح نار الدنيا ولهيبها، فكيف لو صلي نار يوم القيامة، وهي وعذابها أكبر، ومن دخلها خُلّد فيها: {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَايبين} [الانفطار: 16] كل ذلك مما يجعله يعيش بين التعلق بالجنة والرغبة في نعيمها والخوف من النار والإشفاق على نفسه من جحيمها مع غرس العقيدة الصحيحة فيه، وهي أنه أحد لا يُقطع في بعينه ـ من غير نص قطعي - بأنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار، وبهذا يعتاد أن لا يُهدّد غيره بأنه من أهل النار، لأنّ ذلك تدخل سافر في أمر الله تعالى، إذ الله - تعالى - وحده هو الذي يعلم خواتيم عباده، وهو وحده الذي يعلم السعداء والأشقياء منهم، والله أعلم.
أشد، (1/29)
صفحة 30
30
الفتاوى العقيدة
ما هو السنّ الأمثل الذي يكون فيه الطفل قادرا على استيعاب التربية العَقَدِيَّة؟ ذلك يختلف باختلاف مدارك الأطفال، فمن الأطفال من يكونون مهيئين في مرحلة مبكرة لإدراك مثل هذه القضايا، ومنهم من يكونون بليدي الأذهان فتراعى هذه المدارك وتفاوتها، فمن كان المعيّا قادرا على الاستيعاب يُغذَّى بالمعارف في مرحلة مبكرة، ومن كان بخلاف ذلك يراعى فيه ـ أيضاً ـ هذا
الجانب ويعطى من الجرعات بقدر ما تحتمله مداركه والله أعلم.
نعم،
كيف يكون اختلاف علماء المسلمين رَحْمَة للأمة الإسلامية؟ اختلاف عُلَماء المسلمين هُو رَحْمَة بالأمَّة الإسلامية فيما إذا كان هذا الاختلاف في الفُرُوع، أيْ لَم يُصَادِم نَصا قَطْعِي الدلالة والمتن، أمَّا إِن صَادَمَ نَصا قطعي الدَّلَالَة والمَتْن ففي هذه الحالة يكون هذا الاختلاف منشأ للنّقْمَة لأنَّه لا يجوز لأَحَدٍ أيا كَان أن يُخَالِف أمر الله، أو أن يُخَالِف أَمْرَ رسوله، فالله تعالى يقول:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، وقد أمر الله تعالى عباده بأن يُطِيعُوه وأن يُطِيعُوا رسوله، ثم أن يُطِيعُوا أولياء أُمورهم، ولكن مع ذلك تبه أنه عند الاختلاف والتنازع يَجب أن يُرَدَّ الأمر كُلُّه إلى الله وإلى رسوله، فقد قال الله سبحانه:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] فأمر الله ـ تعالى ـ إنَّما هو أَمْرُ رَبِّ السَّمَاوَات وَالأَرض خَالِقِ الكَوْن ومُصَرِّف الوُجُود الذي أَسْبَغَ على العَبْدِ نِعْمَه ظَاهِرَة وَبَاطِنَة وَمِنْهُ مَبْدَؤُه وإليه مُنْتَهَاه، (1/30)
صفحة 31
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
31
فهو جَدِير أن يُطَاع ولا يُعْصَى، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم إِنَّما هو أَمْرُ المُبَلِّغ عن الله، المَعْصُوم مِن الخطأ والزَّلَل الذي وَصَفَه الله تعالى بقوله:
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4]، وقد جَعَل الله طاعته من طاعته سبحانه فقال: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80]، فلا يَجُوز أن يرد أحد أياً كان حكماً جاء عن الله تعالى أو جاء عن رسوله مع ثبوت ذلك الحكم وصحته.
وهذا ـ كما قلنا - عندما يكون النَّص قطعي الدلالة والثبوت، أما عندما يكون غير قطعي الدلالة كَأَنْ يكون عاماً فإنَّه قد يختلف العلماء في تخصيصه بالمخصصات المُتنوّعة، فهناك مخصصات كثيرة تُخصص العمومات حتى قيل: «ما من عُمُوم إلا وقد خُصِّص ما عَدَا الأشياء التي لا يَجُوز أن تُخَصَّص
وهي التي يَقْتَضِي العقل استحالة تَخْصِيصها، كقول الله تبارك وتعالى: وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبّنَا مَا اتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًا} [الجن: 3)، فلا يجوز أبداً أن يُخَصَّصَ هَذَا العموم بحال، وكقوله سبحانه: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * [الإخلاص: 3]، فَلَا يَجُوز - أيضاً - أن يُقَال بِأَنَّ هَذَا العموم مخصوص وأنَّ الله ـ تعالى ـ وَلَد أحداً أو وَلَدَه أحد تعالى الله عن ذلك، وكذلك قوله:
* وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4]، وكذلك قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]، إلى غير ذلك من الآيات التي يقتضي العقل استحالة تخصيصها.
أما العمومات التي تَتَعلَّق بأفعال العباد فإن هذه هي التي خُصصت، ونجد القرآن يُخصص القرآن، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يُخصص ـ أيضاً ـ عمومات القرآن حَتى وَلَوْ كان أحادياً لأن دلالة العام دلالة ظنية. (1/31)
صفحة 32
32
الفتاوى العقيدة
وقد يختلف العلماء في تخصيص المخصصات لهذه العمومات وذلك بأن يرى بعضهم أن هذا المخصص جاء لِسَبَب، وأن هذا السَّبَب قد زال وَلا يعد مخصصاً للعموم، ويرى بعضهم أنَّه لَم يَأت لسبب خاص وأنَّه لا يَزَال على تخصيصه للعموم .. مثال ذلك أن الله تعالى قال:
قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِهِ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا
مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرِ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]،
هذا عام وقد جاء تَخْصِيصُه بكثير من المخصصات كتحريم الصيد على المحرم وتحريم الخمر لأن الخمر من ضمن المطعومات، فهما مُخَصِّصان لِهَذَا العموم، ولكن مَعَ هَذَا كُلِّه هناك مُخَصِّصات اختلف العلماء فيها، كتخصيصه بتحريم الحُمُر الأهْلِيَّة لأنَّه وَرَدَ النَّهي عنها، ولكن كثيراً من العلماء قالوا بأن هَذَا النَّهِي إِنَّما هو لأَجْلِ حَمْلِهَا متاع الناس وحاجة الناس إليها وإلا لَمَا نُهِيَ عنها، وكذلك تَخْصِيصه بتحريم ذوات النَّاب مِن السَّبَاع والمَخَالِب مِن الطَّير. ومثل هذه المخصصات - أيضاً - المخصصات التي طرأت على قول الله تبارك وتعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، هنالك مُخَصَّصَات مُجْمَع عليها لَا يَجُوز الخلاف فيها بأي حال من الأحوال، كتخصيصه بتحريم كل ما هو حرام من قبل النَّسَب إذا كان تحريمه من جهة الرَّضاع، بناء على إلحاق الرضاع بالنسب فقد جاءت بذلك أحاديث أُجمع عليها وبسبب هذا الإجماع عليها لا يَسُوعُ لأحد أن يُخَالِف ما دلت عليه.
وما كان الاختلاف فيه بسبب الرُّجوع إلى الأدِلَّة الظَّنية فإنَّه لا يَسُوغُ التفسيق فيه، وفي هَذَا تكون الرَّحْمَةِ بالعِبَاد أمَّا أنْ يُخَالِفَ أحد نصاً قطعياً كتاب الله أو ما تواتر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوى الاجتهاد والنظر فَذلك مِمَّا لا يَسُوعُ أبداً، والله - تعالى - أعلم.
في (1/32)
صفحة 33
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
33
هناك مَن يَتَمَسَّكَ بِهذه المقولة وهي أن اختلاف العلماء رَحْمَة، ثم يُرْدِف هذه المقولة بمقولة أخرى: «من أخذ بقول من أقوال المسلمين فهو سالم»، ألا ترون أنَّ هذه المقولة مَعَ تلك تُؤَدِّي إلى نوع من الانسياب في سلوك المسلم؟
لا ريب أن اختلاف العلماء رَحْمَة، وَلَكن لا يَعْنِي هَذَا أَن تَتَسَيَّبَ الأُمَّة، بِحَيْث تَتَتَبَّع الرُّخَص فيأخذ المسلم تارة بهذا الرأي وتارة بهذا الرأي وأخرى بالرأي الآخر، حَتى يُرَكَّبَ مِن عَمَلِهِ مَجْمُوعَة مِنْ آرَاء لا تعود هذه الآراء إلى قول أحد من علماء الأمة .. فَهَذَا مِمَّا لا يَسُوعُ، ولذلك ضبط كثير من العلماء مثل هذه الأحوال، بِوُجُوب أن يَرْجِع العامي الجاهل الذي لا يستطيع أن يُرجّح رَأْياً على رَأي إلى رأي العالم المعاصر القادر على الترجيح والنظر والاستدلال، حتى يُوَجِّهَهُ إلى الأخذ بالدليل الرَّاجح فَلَعَلَّه يُبَيِّن لَه الدَّليل، فيكون بذلك العامي قد أخذ بالدليل مُتَابَعَة لذلك العالم الذي بَيَّنه له، أما أن يُترك الحبل على الغَارِب ويُفْسح المجال لأي أحد يأخذ بما شاء من الآراء، ويَدَعُ ما يشاء، فقد يُفْضِي هذا الأمر إلى الفوضى في العبادات والأعمال، بحيث يجمع الإنسان شَتِيتاً من الآراء فيتّبع هذا العالم فيما ترخص فيه ويترك تشَدُّدَاتِه، ويأخذ بِرُخصة العالم الآخر وَيَدَعُ ـ أيضاً ـ تَشَدُّدَاتِه، ويأخذ بِرُخْصَة العالم الآخر في المسألة الأخرى وَيَدَع تَشَدُّ دَاته، فيجمع مزيجاً غريباً وخليطاً عجيباً من الآراء الشَّاذة التي لا ينبغي لأحد أن يُعوّل عليها، فإن كان هذا العامي مقلّداً لعالم فليأخذ بقوله في المسائل الفَرْعِيَة مِن غير أن يخرج عَن رَأيه هكذا ينبغي؛ والله - تعالى - أعلم. (1/33)
صفحة 34
34 الفتاوى العقيدة
ما حكم مَن يَهْزَأَ مِن آراء من خالفه في الرأي في المسائل الفرعية بحجة أن الصواب والسُّنَّة مع العالم الذي يتبعه؟
مسائل الرأي يجب ألا يَهْزَاً أحد فيها من رأي غيره، ما دام كل ذي رأي منها ينشد الحق ويحرص على اتباع ما يراه أرجح، وليست أدلة شيء من تلك الأقوال قطعية حتى يقطع عذر من خالفها، فإن الاختلاف فيها اختلاف محمود، وعلى الإنسان أن لا يَدَّعِيَ العصمة لنفسه، بل عليه في مسائل الرأي أن يقول: قولِي صَوَاب يَحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يَحْتَمِل الصَّواب» لأنَّه يَرَى أَن قَوْلَه صَوَاب بسبب ما ترجح عنده من الدليل، ويرى قول غيره يرى الدليل يعضد غير ذلك القول، ولكن صَوَابه الذي يراه يَحْتَمِل الخطأ، وَمَا خَطَأ يَرَاه عند غيره مِن يحتمل الصواب فهكذا مسائل الرأي)، ليس للإنسان أن يَهْزَأَ فِيها مِن رَأي غَيْرِه، أو أن يسفهه، والله - تعالى - أعلم.
بسبب
أنَّه
الثوابت الإسلامية والمبادئ الرَّصِينَة، هل تَخْضَع لظروف الزمان والمكان ثابتة لا يجوز للمسلم أن يتَخَلَّى عنها؟
هي
عقيدة المسلم يجب أن لا تتزعزع لأي شيء كان، لأن العقيدة المتَزَعْزِعَة ليست من الحق في شيء، ولا تعد إسلامية، فإن عقيدة المسلم أرسخ من أن تزعزعها الزعازع أو تعصف بها الأعاصير فضلا عن أن تجتثها.
وقد بيّن الله تعالى أن المسلم يجب أن يكون راسخ الإيمان، فهو تعالى يقول وهو أصدق القائلين: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَينُ بِالْإِيمَنِ} [النحل: 106] يعني الذين يتوعَدُهُم الله الذين بَدَّلُوا
هم
(1) مسائل الرأي: هي المسائل التي لم تُبن على دليل قطعي وإنما بنيت على دليل ظني قابل للنظر والاجتهاد ولذلك تختلف نظرة العلماء إليه. (1/34)
صفحة 35
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
35
إيمانهم كفرا، ولكن من أُكْرِه وقلبه مطمئن بالإيمان بحيث لم تتزعزع عقيدته وإِنَّما صَرَفَ الشر عنه بتَلَفْظِهِ بِما يَتَنَافَى مَعَ هَذِهِ العَقِيدَة فِي حَالَة الضغط الشديد عليه عندما يَخْشَى من عَدُو بَطْشَه فَإِنَّه يَدْرَأَ عن نفسه هذا البطش بما يقوله بلسانه مع طمأنينة قلبه بالإيمان ثم يقول تعالى: {وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ} [النحل: 106] يعني أن مَن شَرَح صدره بالكفر فإنه مغضوب عليه من قبل الله تعالى.
والمسلم يجب أن يعيش بالمبادئ التي يؤمن بها في عالم الواقع بحيث تَتَجَسَّد في تَصَرُّفَاته وأعماله، ويدل على هذا ما وصف الله تعالى به الإيمان من خلال وصف المؤمنين: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ وَايَتُهُ، زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ أَوَلَيْكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا قَمْ دَرَجَتْ عِندَ رَبِّهِمْ
وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2 - 4]، ويقول تعالى:
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوةِ فَعِلُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (3) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَيكَ. الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأُمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (3) أُولَيكَ هُمُ الْوَرِثُونَ) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 - 11]، ويقول تعالى أيضاً: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَهَدُوا بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوَلَبِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ} [الحجرات: 15]،
وبين - تعالى - ما هو الإيمان الحق الذي ينجي صاحبه عند الله تعالى في قوله: {إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةً يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ (1/35)
صفحة 36
36
الفتاوى العقيدة
وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ، وَذَلِكَ
هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 111).
ثم أتبع ذلك بيان أوصاف أولئك المؤمنين بقوله: {التَّبِبُونَ الْعَبدُونَ الْحَمِدُونَ السَّبِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَجِدُونَ الْأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112].
والنبي الله يقول: «الإيمان بضع وستون شُعْبَة أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شُعْبَة مِن الإيمان»؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مثل للعقيدة وللقول وللعمل وللأخلاق، فتمثيله للعقيدة بذِكْرِ كلمة «لا إله إلا الله» لإنَّها تُجَسّد العقيدة الصحيحة والكَلِم طَيِّبَات القَوْل، وتَمْثِيلُه لِلعَمَل بقوله: «وَأَدْنَاهَا إماطة الأذى مِن الطريق وهذا مِن أَهْوَن الأعمال التي يقوم بها المؤمن، وتمثيله للأخلاق خلال قوله: «والحياء شُعْبَة مِن الإيمان» (1)؛ وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاث مَن كُنَّ فيه وَجَدَ حَلاوَة الإيمَان أَنْ يَكُون الله ورسوله أحَبَّ إليه مِمَّا سواهما، وأن يُحب المرء لا يُحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقْذَفَ في النار (2) ويقول - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أَحَبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين» (3) ويقول: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده» (4)، ومن المعلوم أنّ المُحِبَّ يُسارع في هوى مَحْبُوبِه، ومن
من
(1) رواه مسلم (51) ونحوه عند الإمام الربيع والبخاري (8).
(2) رواه البخاري (15) ومسلم (60).
(3) رواه البخاري (14).
(4) رواه البخاري (13). (1/36)
صفحة 37
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
37
شأن المُحِب أن يحرص على اتباع مَحْبُوبِه وتَرَسُّم خُطُوَاته والاقتداء به وإيثار رضاه على هَوَى نفسه فمن أحب الله - تعالى - ورسوله كان ذلك داعياً له إلى طاعتهما، وداعياً إلى أن يَقْتَدِي بالرسول صلى الله عليه وسلم من غير أن يفرّط في شيء من أمر دينه.
هذا ونجد أن حديث أنس الذي سَبَقَ فيه وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله» وهو يشير إلى التواد ما بين المؤمنين وأن يُحب أحدهم أخاه المسلم لا يُحبه إلا الله، وفيه ـ أيضاً ـ «أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» وذلك بأن يكره معصية الله لأن المعصية هي بريد الكفر هذا من ناحية، ثم إن الكفر هنا يتناول كفر النعمة أيضاً، وكفر النعمة هو الإصرار على معصية الله تعالى أياً كانت فإن الإصرار داخل في كفر النعمة والعياذ بالله، فمن شأن أن يحرص على طاعة الله وتَجنُّب معصيته، وأن لا يُفرّط في أمر الله كيف ما كانت الظروف وكيف ما كانت الأحوال، والله أعلم.
المؤمن
ما قولكم في الفرضية القائلة إن الأرض كانت جزءا من الشمس
فانفصلت عنها؟
هذه نظرية والنظرية غير الحقيقة العلمية، وبعض المفسرين فسروا
بموجب هذه النظرية قول الله - تعالى -: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا} [الأنبياء: (30)، ثم جاءت بعدها نظرية دالاس التي تقول: بأن الكون كله كان سديما ثم انفصلت أجزاؤه فتكونت الأجرام، وهذه النظرية أقرب إلى مدلول قوله - تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ} [فصلت: 11]، وهذه كلها نظريات وليست حقائق ثابتة يقينية، فلربما تناسخت النظريات فحلت واحدة مكان الأخرى، لذلك لا يمكن التعويل عليها في تفسير آيات القرآن ولا في تقرير حقائق الاعتقاد لئلا يعرض الإيمان أو (1/37)
صفحة 38
38
الفتاوى العقيدة
القرآن لما يزعزعهما، أما الحقائق اليقينية الثابتة كالجاذبية التي تربط بين الأجرام الفلكية فلا تتحول، والله أعلم.
هل يجوز الإيمان قطعا بوصول الإنسان إلى سطح القمر؟
هذه أشياء لا تعود إلى نصوص من الكتاب حتى نقول بوجوب الإيمان بها، فهي أمور ترد إلى أهلها، فترد إلى التجارب وإلى الخبرات من ذوي الاختصاص، والله أعلم.
رجل قال الجنة تحرم على من ضاغنه أخوه أو جاره؟
الجنة والنار أمرهما إلى الله، لا يتصرف فيهما أحد من خلقه، فلا معنى لأن يتجاوز الإنسان ما ورد به النص في أمرهما، والله أعلم.
ذكر الشيخ السالمي «الرحمن الرحيم: ليسا بعلمين لأن كل واحد منهما كلي ينحصر فيه فرد» من بهجة الأنوار.
ما معنى هذه العبارة؟
الظاهر أن الصواب من العبارة: لأن كل واحدٍ منهما كلى ينحصر في فرد. والمراد بها أن هذا وصف مشتق بحيث يصلح من حيث الوضع اللغوي أن يطلق على كل ما كان فيه أصل ذلك الوصف المشتق ولكنه بسبب الدلالة الشرعية ينحصر في فرد وهو الله تعالى، والله أعلم.
ما هي الكتب التي تنصحوننا بمطالعتها؟ وتعود علينا بالنفع؟ في مجال أصول الدين والفقه؟
هي
عقيدة التوحيد وشروحها ونونية أبي نصر وشروحها ومشارق
الأنوار ومعالم الدين والموجز وما أشبهها وفي الفقه الوضع والقواعد (1/38)
صفحة 39
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
39
والإيضاح وحواشيها والنيل وشرحه وجامع ابن بركة وجامع أبي الحسن وجامع ابن جعفر والمعارج ونثار الجوهر وما أشبهها ومن كتب قومنا بداية المجتهد وما أشبهه من الكتب المؤصلة للمسائل التي تقرنها بأدلتها، والله أعلم.
نسمع
الله؟
ونقرأ بأن عقيدة الإسلام واضحة لا غموض فيها ومع ذلك حينما نسأل الكثيرين من أهل المذهب للتعليم عن مكان وجود نجدهم يقولون بأنه فوق في السماء وتصدر أحياناً منا حركات لا إرادية عند ذكر الله سبحانه حيث تشخص أبصارنا إلى أعلى وكذلك حينما نسأل العوام عن الميزان يصفونه بميزان محسوس به کفتان وهذا هو الذي يترسم في عقولنا حينما نقرأ كلمة (ميزان) في القرآن الكريم بل حينما نسأل بعض مدعي المعرفة عن رجل ـ مثلاً ـ مات ومعه عشر حسنات وسيئة واحدة أين يكون مصيره في اعتقادك يجيب بأنه في الجنة مستشهداً بقوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8] وغيرها من الآيات والخلاصة أن عقيدتنا أي أهل الاستقامة - لا يدركها إلا كبار العقول وذوو الإطلاع حيث أننا نجد لا يدخل مذهبنا أحد إلا بعد كثير تفكير وطويل بحث والعكس من جهة أهل مذهبنا المندرجين حيث أنهم لا يندرجون إلا عن جهل؟ الهداية لا يتوصل إليها إلّا بجهاد فإن الله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] وكفى بذلك شاهداً على أن النظر والاعتبار من الأمور الضرورية في مثل هذا، والله أعلم. (1/39)
صفحة 40
40
الفتاوى العقيدة
الجملة وتفسيرها
نرجو أن تحدثنا عن مصطلح جملة التوحيد» فقد أشكل علينا؟ مصطلح «جملة التوحيد لا يوجد في الكتب الكلامية وغيرها من الكتب التي ألفها غير الإباضية، فهو مصطلح خاص بالإباضية، وعندهم
للجملة أحكام ولتفسيرها أحكام، وتفسير الجملة ينقسم إلى قسمين تفسير اعتقادي وتفسير عملي.
فجملة التوحيد هي شهادة «ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، هذه أول ما يطالب به الإنسان لأنها تفصله عن أهل الشرك وتخرجه
الجملة.
هي
6
من متاهات الكفر وعليها يبنى الدين كله كما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله»)، وبعد أن تقوم عليه حجتها لا ينفس له أن يسأل عنها، لأن الإنسان إذا قامت عليه الحجة عليه أن يؤمن ويشهد «ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإيمان بـ «ألا إله إلا الله» إنما هو إيمان بالله - تعالى - الحق فليس هنالك معبود يعبد بحق إلا الله، وسائر المعبودات كلها تعبد بباطل، سواء كانت هذه المعبودات من جنس البشر أو كانت ملائكة أو جنا أو أحجاراً أو أشجاراً أو أوهاماً وأساطير، فهذه المعبودات كلها تعبد بباطل، وإنما كانت عبادة الله سبحانه هي الحق وعبادة غيره باطلة لأن الله - تعالى - هو المنفرد بالربوبية، فتوحيد الألوهية مبني على توحيد الربوبية، فاستحق الله - تعالى - العبادة دون غيره من الكائنات
(1) رواه البخاري (24)، ونحوه عند الإمام الربيع. (1/40)
صفحة 41
مدخل إلى علم العقيدة
بأسرها لأن
جميع
الجزء الأول
41
الكائنات مخلوقة لله والله - تعالى - وحده هو الرب، فما
هي
من شيء في هذا العالم ظاهراً كان أو باطناً دقيقاً كان أو جليلاً، صغيراً كان أو كبيراً، عاقلاً كان أو غير عاقل إلا وهو مربوب الله، لأن الله هو الذي خلقه وهو الذي يربيه التربية التكوينية بحسب نواميس الكون التي سنها الله وعل، ولما كان كل شيء مربوبا الله فإن كل ما سوى الله لا يستحق أن يعبد، وإنما العبادة الله، فالإله بمعنى المألوه ككتاب بمعنى المكتوب، والعماد بمعنى المعمود، ومعنى المألوه أي المعبود، وألة بمعنى عبد، ومن هذا الباب ما روي عن ابن عباس لأنه قرأ: {وَيَذَرَكَ وَعَالِهَتَكَ) [الأعراف: 127] أي وعبادتك، فإذا اعترف الإنسان بأن الله وحده هو الإله الحق وأن ما عداه مما يعبد إنما هو باطل آمن بصفات الله، ومنها القدم والبقاء المطلق الذي لا يقيد، والقدرة والإرادة وجميع الصفات التي تليق بجلال الله رجل، والتي تخالف صفات المخلوقين. وإذا آمن بأن محمدا رسول الله فقد آمن أن محمداً جاء برسالة حقة من عند الله - سبحانه وتعالى ـ، وهي مشتملة على أركان الإيمان فالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه جاء بالحق من عند الله سبحانه هو إيمان بالمعتقد الصحيح كله.
والإنسان إذا لم تقم عليه الحجة بمعرفة شيء من تفسير هذه الجملة فهو في فسيح العذر، فإذا قامت عليه الحجة بتفسيرها فقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال بأنه ينفس له في السؤال حتى يتأكد ومنهم من قال لا ينفس له، هذا إذا كان ما قامت عليه الحجة بمعرفته عرفه بخاطر البال وأما إذا كانت حجته قامت بطريق السمع من خلال ما سمعه من قبل غيره من الناس الذين اطمأن إلى صدقهم، فعليه أن يؤمن مباشرة، لأن الحجة قائمة عليه بما وعاه من كلامهم، وبعض العلماء فرق بين ما يتعلق بصفات الله وما يتعلق بالمرسلين وصفاتهم والملائكة وغير ذلك، فجعل خاطر العقل (1/41)
صفحة 42
42 الفتاوى العقيدة
حجة فيما يمكن أن يدركه بالعقل إذا فكر، وذلك أن يفكر مثلا في كون الله الذي خلقه هل هو عالم، فجعل هذا الخاطر حجة فيما يتعلق بصفات الله لاستحالة أن يبدع هذا الكون ويدبره إلا من هو عالم؟ أما إذا كانت الخواطر هذه أدته إلى أن يفكر في المعاد ففي هذه الحالة ينفس له أن يسأل لأن المعاد لا يمكن أن يجزم فيه الإنسان من غير أن تقوم عليه الحجة من طريق السمع، وكذلك سائر أفعال الله - سبحانه ـ التي لا تتضح ولا تتبين من التفكير بمجرده، والله أعلم.
هل يعتبر كل من نطق بالشهادتين من إخواننا المسلمين وما هي حقوقهم علينا، وإن حدث خلاف فما المرجع الذي يدحض هذا الخلاف، ومع وجود هذا الخلاف هل يعد الدعاء لهم جائزاً إن كانوا في محنة أو في قتال ضد أعداء الله والإسلام؟
من نطق بالشهادتين فقد خلع ربقة الشرك من عنقه، وتزين بطوق الإيمان إلا إن نقضهما بإنكار أمر علم من الدين بالضرورة، أو جهله أو الشك فيه بعد قيام حجته، ففي هذه الحالة ينتقل من واحة الإيمان إلى فيفاء الكفر المخرج من الملة ويحكم عليه بالارتداد فيفرق بينه وبين زوجه ولا يبقى توارث بينه وبين أهل التوحيد حتى يعود إلى حظيرة الإيمان فيقر ما أنكره أو يعلم ما جهله أو يوقن بما شك فيه.
وقد يكون نقضهما بعمل مجانف لهديهما وذلك بارتكاب المحظورات، أو ترك المفروضات من غير إنكار لأصل حكمهما، أما إن أنكر حكماً قطعياً دل عليه دليل قطعي المتن والدلالة فإنه يخلع بذلك أيضاً ربقة الإسلام من عنقه، ويخرج من حظيرته رأساً، وإن خالفه عملاً ولم ينكره اعتقاداً، فهو في حكم الفساق ويعد منافقاً نفاقاً عملياً لا اعتقادياً، ويسمى كافر نعمة، (1/42)
صفحة 43
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
43
ولا ينفصل بذلك عن الأمة فيبقى بينه وبين قرابته حكم التوارث، وكذلك لا يفرق بينه وبين زوجه إذ العلاقة الزوجية لا تنفصل بذلك، وإنما يحرم من الولاية التي هي اصطفاء لا يستحقه إلا من استوفى خصال الخير، ولم يصر على شي من الباطل، بدليل قوله تعالى:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، فإن الولاية إنما تمنح من جمع بين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطاعة الله ورسوله في كل ما أمرا به أو نهيا عنه.
هذا؛ وإذا خالف مخالف ما دلت عليه أدلة قطعية متأولاً لم يخرج بذلك من حيز الأمة وإن كان ينفصل عن منظومة الاصطفاء الذي تترتب عليه الولاية في الدين.
وعند الاختلاف والتنازع فإنما يجب الرجوع إلى الكتاب العزيز والسُّنَّة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، على أن هؤلاء ببقائهم في حيز الأمة تبقى لهم حقوق الأمة العامة، فهم يستوجبون المناصرة إن اعتدى عليهم معتد، كما يستحقون الدعاء بالنصرة والتأييد هم فيها غير معتدين، والله أعلم.
عندما يصطدمون بحرب مع
أعداء الأمة
من دخل حديثاً في الإسلام هل يلزم أن يُغَيَّر اسمه السَّابِق إلى اسم أو نحو ذلك، فهناك من ينظر إلى مثل هذا السلوك الذي يكون
عربي
عادةً فيمن يقومون بإدخال الناس في الإسلام ومن قبل المسلمين على (1/43)
صفحة 44
44 الفتاوى العقيدة
أَنه اجْتِنَاث للشخص وقطعه عن كل ما كان له من سابق عهد وينظرون إلى أن هذا الموقف يعتبر موقفاً سلبياً؟
النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يُغيّر أسْمَاء الناس الذين دَخَلُوا في الإسلام إلا أن تكون هذه الأسماء تُوحِي بِكُفر كـ «عبد العُزَّى» و «عبد اللات» وأمثال هذه الأَسْمَاء التي توحي بالكفر والعبودية لغير الله تعالى، فإنَّه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - كان يُغيّرُهَا ولا يُقِرُّهَا، أمَّا مَا كان مِن بَقِيَّة الأَسْمَاء فقد أَبْقَاها كما كانت ما لم يكن فيها قُبح أو تنفير.
ثم الإسلام ليس عربياً فحسب حتى يَلْزَم أن يكون التَّسَمِّي بالأَسْماء العربية، وهناك شعوب كثيرة دَخَلَت في الإسلام ومنها عُلَمَاء بَارِزُون، وقد كان هؤلاء العلماء لهم أسْمَاء أعجَمِيَّة ليست عربية فمثلاً «سِيبَوَيْه» ليس هو اسْماً عربياً، وكـ «الشَّلَوْبِين وأمثالهما فهي أسْمَاء غير عربية، فالإسلام ليس عنصُرِيّاً ولا ينحصر في العرب وحدهم ولا يُخضع الإسلام الشعوب من أجل العرب بل الإسلام للكل.
اللُّغة
نعم يَجِبُ أن ندرك أن اللغة العربية لغة جميع المسلمين لأنَّ القرآن نزل بها وقد خاطب الله بها جميع عباده وأمَرَهُم أَن يُخَاطِبُوه بِها لأنَّ الكل يقِفُون أمام الله لِيَقُولوا بلسان واحد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فإذن العربية ينبغي بل يجب أن يُعتَنَى بِهَا ويُحافظ عليها إذ لا يتوصل إلى فهم القرآن إلا بها، ولكن ذلك لا يعني أن تكون هنالك عُنصُرِيَّة عربية، فإن العنصرية لا يُقيم لَهَا الإسلام وَزْناً، بل جاء بِمَبْدَأ المساواة ما بين جميع الشُّعُوب، وأنَّه لا تَفَاصُلَ إلا بالتَّقْوَى فالله تعالى يقول:
يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، والله أعلم. (1/44)
صفحة 45
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
45
ما الحكمة في تشبيه كلمة التوحيد بالنور والنار؟ في كلمة التوحيد الخير والرحمة وهي بمثابة الشجرة الطيبة أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 24 - 25] هذه هي الكلمة الطيبة كلمة «لا إله إلا الله» إذ يَنْبَنِي عليها كل خير من الصلاح والاستقامة والرشد وجميع أعمال الخير، وكذلك بالنسبة إلى تشبيه نور الله تعالى في قوله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَوة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ
مُبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [النور: 35]. فهذا التشبيه من أجل التقريب إلى الأفهام وإلا فنور الله تعالى أجَلُّ من ذلك، نوره هذه الهداية التي بَسَطَهَا لِخلقه من خلال آياته التي تَتَجَلَّى في الأنفس والآفاق حتى أن أحد العلماء قال بأن كل ذرة من ذرات الوجود من كلمات الله ناطقة بتوحيده - سبحانه - وما زاد عليها فهو بمثابة الشرح لتلك الكلمة، فكل ذرة من ذرات هذا الكون تشع نورا يملأ آفاق الوجود لأنها هادية إلى الله، فلذلك شبه الله وحل نوره الذي يتجلى في هذا الكون بما شبهه به حيث قال:
كلمة
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَوةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} [النور: 35] لأجل التقريب إلى الأفهام، والله أعلم.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس ... » (1) الحديث فكيف يمكن الأخذ بظاهر الحديث على حرمة أموال المسلمين؟
نعم، جاء في هذه الرواية «فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم
(1) رواه البخاري (24). (1/45)
صفحة 46
46 الفتاوى العقيدة
إلا بحقها»، وفي الرواية الأخرى فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله فهاتان الروايتان تدلان على أن الأموال تصبح معصومة بكلمة التوحيد كما أن الدماء تصبح معصومة بها، وإنما يستثنى من دماء الموحدين ما يبيح الإسلام سفكها وذلك فيمن زنى بعد
إحصان أو ارتد عن الإسلام أو قتل النفس المحرمة بغير حق، والله أعلم.
إذا ادعى رجل الإسلام زوراً، فما هو الحد الفاصل بين معاملته بأحكام المسلمين ومعاملته بأحكام غير المسلمين؟
إذا تظاهر بالإسلام فإن ذلك يكون عاصماً لماله ولدمه ولذريته، كما يعطى أحكام المسلمين في الموارثة وفي المناكحة، وفي دفنه في مقابر المسلمين والصلاة عليه إن مات إلى غير ذلك من الأحكام، بخلاف ما إذا تبين منه الشرك، وثبت عليه بحجة واضحة لا غبار عليها ففي هذه الحالة يعامل بأحكام غير المسلمين.
ذلك لا
أنه
وما قيل بأن من ينضم إلى لواء هذه الأمة يعامل معاملة المسلمين، فإن يعني يتولى الولاية الاصطفائية، فإن ذلك خاص بأهل الصفوة المتقين الأبرار، الذين تعرف منهم الاستقامة كما قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَبِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} [التوبة: 71] فمن استجمع هذه الخصال كان حقيقاً بالولاية وإلا فلا، والله أعلم.
ما الكيفية التي يُعلَّم بها الأبكم المسائل التي لا يَسَعُه جَهلها فِي الشَّرع؟ إن كان يُمكن أن يستوعب تعاليم الإسلام بالإشارة أو بالكتابة إِنْ عُلِّمَ الكتابة فتعلَّمها فإنَّه يُشار إليه أو يُكتب له حتى يتمكن من فهم المراد، (1/46)
صفحة 47
مدخل إلى علم العقيدة
الجزء الأول
47
وكَثيرٌ مِن البُكم هُم مِن الفِطنة والذَّكاء بحيث يفهمون الإشارة، وَكَثِيرٌ مِنهم يتمكنون مِن مَعرفة الكِتابة فَمَن كان مُتَمكنا من معرفة الكتابة فإنَّه يُكتب له حتى يتبين ما يجب عليه، ومن كان يفهم الإشارة ولم يتمكن من تعلم الكتابة فإنَّه يُشار إليه بالواجب عليه؛ والله أعلم.
من المعلوم أن الأمور العقائدية لا يجوز الاجتهاد فيها فكيف نوفق بين هذه القاعدة وبين الاختلاف الموجود بين العلماء في بعض العقائد كمسألة الصراط ونظيراتها؟
الأمور العقدية القطعية لا يجوز الاجتهاد فيها ويقطع فيها عذر المخالف لأجل مخالفته نصا صريحا قطعي المتن والدلالة في آن واحد، أما إذا كان بخلاف ذلك بأن لم يكن النص قطعياً في ثبوته أو في دلالته فإن من اجتهد فيه لا يعنف ولا يضلل، نعم يعتبر مخطئا إذا خطأ غيره ممن لم يقل بقوله لأنه هنا تجاوز الحدود؛ فنَصَبَ الرأي ديناً ومسائل الرأي لا يجوز أن تُنصب يقطع فيه عذر المخالف، ولهذا كانت العقيدة ثمرة اليقين لأنها لا تبنى إلا على الدليل القطعي ثبوتاً ودلالة، والله أعلم.
ديناً (1/47)
صفحة 48
[صفحة فارغة] (1/48)
صفحة 49
الإسلام والإيمان (1/49)
صفحة 50
50
الفتاوى العقيدة
مدلول الإيمان
هل يجوز أن يطلق على غير المستقيم مؤمن بحجة أنه يؤمن بالله واليوم
الآخر؟
لا مانع من ذلك، وفي القرآن ما يدل عليه كقوله تعالى: {وَإِن طَابِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] غير أن هذا الإيمان لا يعدو أن يكون إيمانا عرفيا مبنيا على مفهوم الإيمان اللغوي، أما الإيمان الشرعي الذي تترتب عليه النجاة من النار والفوز بالجنة فهو الوفاء بأمر الله تعالى، وقد دلت عليه نصوص كثيرة منها قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ وَايَتُهُ، زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَيْكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فَهُمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2 - 4] وقوله:
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) إلى قوله: التَّبِبُونَ الْعَدُونَ الْحَمِدُونَ السَّبِحُونَ الرَّكِعُونَ السَّجِدُونَ الْأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 111 - 112] وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوةِ فَعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَبِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأُمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَبكَ هُمُ الْوَرِثُونَ) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [المؤمنون: 1 - 11] وتؤكد هذا نصوص كثيرة من السُّنَّة النبوية والله أعلم. (1/50)
صفحة 51
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
51
كيف يكون الرد على من يدعى بأن الإيمان في قلبه وليس في تطويل اللحية وتقصير الثوب والامتناع عن سماع الأغاني ومشاهدة المسلسلات التي تظهر النساء فيها مفاتنها؟
هذه إيحاءات من الشيطان ومخادعة للنفس، فإن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فمن كان مؤمناً حقاً فلا بد له من التكيف مع مقتضي
إيمانه والله أعلم.
ما علامات إيمان المرء؟
أن يؤثر طاعة ربه على هوى نفسه، وآخرته على دنياه، وأن يزين سريرته
للحق كما يزين علانيته للخلق والله أعلم.
الفرق بين الإيمان والإسلام
ما المعنى الصحيح لقوله تعالى الذي ورد فيه لفظ الإيمان والإسلام في قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ امَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمنُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلتَكُم مِّنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحيم} [الحجرات: 14]؟
الإسلام والإيمان من حيث المدلول اللغوي مختلفان؛ إذ الإسلام يدل على الاستسلام والانقياد والإيمان يدل على التصديق، ولكنهما من حيث المدلول الشرعي متحدان فهما يدلان على الالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه، ولا إشكال في استعمال القرآن الكريم واستعمال السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام الألفاظ في مدلولاتها اللغوية وإن نقلت شرعا إلى مدلولات أخرى، كاستعمال الصوم بمعنى مطلق الإمساك مع أن (1/51)
صفحة 52
52 الفتاوى العقيدة
الشارع نقل الصوم إلى إمساك مخصوص وهو الامساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من لدن طلوع الفجر إلى الليل، ومع ذلك جاء لفظ الصوم في القرآن الكريم بمعنى مطلق الإمساك وذلك قوله تعالى حكاية عن: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِمَ الْيَوْمَ إِنسِيَا} [مريم: 26) كذلك
مريم
بمعنى التغطية كما في قول الشاعر:
لغة كلمة الكفر هي يعلو طريقة متنها متواترا في ليلة كفر النجوم غمامها إنما أطلق لفظ الكافر شرعاً على المصر على مخالفة أمر الله سواء كان كفره مليا وهو من أنكر ما علم من الدين بالضرورة من غير تأويل أو كان کفره عملياً وهو من أصر على كبيرة لأنه في كلا حاليه هو مغط للحقيقة، ونجد في كتاب الله وعمل إطلاق الكافر على غير المدلول الشرعي، فالله تعالى يقول: {أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد: 20] والمراد بهم الزراع لأنهم يكفرون البذر أي يغطونه في الأرض، وكذلك الصلاة نقلت شرعا إلى هذه الكيفية المخصوصة التي فيها مثول العبد بين يدي الله ابتغاء مرضاته مع أن الصلاة لغة بمعنى الدعاء كما في قول الشاعر:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي عينا فإن لجنب المرء مضطجعا فقوله: «عليك مثل الذي صليت أي مثل الذي دعوت، والقرآن استخدم الصلاة في المدلول اللغوي في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] إذ الصلاة من المؤمنين دعاء للرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام -.
وكذلك جاء الإيمان والإسلام في الآية الكريمة ملاحظاً فيهما المعنى اللغوي، من حيث إن الإيمان الذي هو التصديق ما دخل في قلوب هؤلاء (1/52)
صفحة 53
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
53
فلذلك نفي عنهم وأثبت لهم الإسلام وهو الاستسلام الظاهر بقوله تعالى: سبحانه: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] وعند التحقيق في مدلولهما الشرعي نجد أنهما شيء واحد غير أن له صورة ظاهرة وحقيقة باطنة، وعليه فإن الإسلام هو الصورة الظاهرة للإيمان والإيمان هو الحقيقة الباطنة للإسلام والله أعلم.
ذكرتم أن للإسلام معنيين معنى شرعيا وآخر لغوياً، لماذا لا يكون
المعنى اللغوي هو المعنى المراد من الإسلام في الشرائع السابقة؟ المعنى اللغوي هو مجرد الانقياد؛ فإذا أسلم أحد لأحد فقد انقاد له، ولكن هل هذا هو المطلوب أو أن المطلوب أن يكون الإنسان خاضعا لله لا يتلقى إلا منه ولا يعمل إلا بأمره ولا يحكم إلا بشرعه، وبذلك يكون مسلما وجهه الله تبارك وتعالى كما قال إبراهيم:
إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمَ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131) والله أعلم.
كيف نستطيع أن نوفق بين قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] وبين قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ)
[الذاريات: 35 - 36]؟
ذكرت من قبل بأن قول الله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا) [الحجرات: 14] ملتفت فيه إلى معنى الإيمان اللغوي، وقوله:
وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِي قُلُوبِكُمْ) ملتفت فيه إلى معنى
الإسلام اللغوي أيضاً وهو الإسلام الظاهري)، بينما قوله:
فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} (1/53)
صفحة 54
54
الفتاوى العقيدة
[الذاريات: 35 - 36] الوصفان فيه للذين آمنوا إيمانا حقيقيا امتلك مشاعرهم وأحاسيسهم ووجدانهم فأسلموا الجسم والروح والعقل والوجدان الله تعالى والله أعلم.
كانا
أيهما أرفع مرتبة مرتبة الإيمان أم مرتبة الإسلام؟
الإيمان والإسلام ليسا بمختلفين فإنهما من حيث الجوهر متحدان وإن من حيث اللفظ، مختلفين فإن مؤداهما واحد وهو الاستقامة الظاهرة والباطنة، وإن كان الإسلام أدل على الظاهر والإيمان على الباطن، وإنما هما مختلفان باعتبار معنييهما اللغويين، ويدل على ذلك أن الله تبارك وتعالى يقول في قرية لوط:
فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35 - 36] فأولئك المسلمون هم المؤمنون، وقول الحق تبارك وتعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ وَآمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) الحجرات: 14] فيه التفات إلى مدلول الإسلام من حيث اللغة وهذا كثيراً ما يقع في القرآن الكريم فالله تعالى يقول: أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد: 20] والمقصود فيه بالكفار الزراع، ويقول الله الله حكاية عن مريم علي: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26] أي إمساكاً عن الكلام، والله أعلم.
زيادة الإيمان ونقصانه
هل من فرق في المعنى الشرعي بين قولنا إن الإيمان يزيد ولا ينقص وقولنا يقوى ويضعف فهل الزيادة والنقصان غير القوة والضعف؟
الإيمان يزيد ولا ينقص باعتبارين؛ باعتبار كون الإيمان عقيدة، وباعتبار (1/54)
صفحة 55
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
55
معه
كونه عقيدة يجسدها العمل، أما كون الإيمان يزيد ولا ينقص باعتباره عقيدة فلأن الإنسان مطالب بأن يأتي بالجملة فإن جاء بها من غير أن يخل بشيء منها وكانت نابعة من سويداء قلبه وملامسة لشغافه فإنه يعد مؤمنا كامل الإيمان غير ناقص لأن هذا أقصى ما وصل إليه علمه وغاية ما وجب عليه حكمه، أما إذا قامت عليه الحجة بمعرفة شيء من تفسير هذه الجملة الاعتقادي فإن ما قامت عليه الحجة به عليه أن يعتقده ولا يرخص له ولا يتسامح في ترك الإيمان به فإذا قامت عليه الحجة مثلاً بمعرفة صفات الله أو معرفة أفعاله فعليه أن يعتقد ذلك وكذلك إذا قامت عليه الحجة بسائر ما جاء في القرآن أو أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمور الآخرة وسائر قضايا الغيب فعليه أن يؤمن ذلك، أما إذا رجع فجحد ما آمن به فإنه يكون هادما لعقيدته إذ لا يمكن أن تكون العقيدة مرقعة تجمع بين الإيمان والكفر، فلا يمكن أن يؤمن بشيء يجب الإيمان به ثم ينقلب بعد ذلك ويجحده مع بقائه مؤمناً إذ جحد ما آمن
بجميع
به من قبل يهدم إيمانه، فلذلك كان الإيمان بهذا الاعتبار يزيد ولا ينقص. أما بالاعتبار الآخر وهو كون العقيدة تحتاج إلى أن تتجسد في الواقع؛ فالإيمان أيضاً يزيد ولا ينقص؛ لأن الإنسان يطالب أولاً بأن يؤمن بهذه الجملة، فإن آمن بها فيما بينه وبين ربه ولم يخل بشيء منها كان مؤمنا صحيح الإيمان، ولكن إن طولب بالنطق بالشهادتين لدفع الريب عنه فإن عليه أن ينطق بهما، ونطقه بالشهادتين لدفع التهمة عنه يعد إيمانا فينضم النطق إلى الاعتقاد في إيمانه فيزداد بذلك إيماناً، فإذا حضر وقت فريضة من الفرائض العملية كالصلاة أو الصيام وجب عليه أن يأتي بما فرض الله تعالى عليه ولا يسعه أن يخل بشيء منه، إذ لو أخل بأي شيء من العمل يكون هادماً لإيمانه لأنه بإخلاله بالعمل ينقض ما صدق به في قلبه فيزداد بالامتثال والطاعة إيمانه ولا ينقص؛ لأنه إن أخل بما فرض عليه انتقض (1/55)
صفحة 56
56
الفتاوى العقيدة
إيمانه من أساسه (1)؛ إذ الإيمان الشرعى المطلوب لا بد أن يكون عقيدة يجسدها العمل.
أما القوة والضعف فبالنظر إلى ثمرات الإيمان لا بالنظر إلى جوهره فالإيمان يثمر الصبر والعلم والأناة والتوكل على الله والتسليم لأمر الله، وقد يحصل فيها جزر ومد في الإنسان الواحد بحسب ما يطرأ له من أحوال فبهذا الاعتبار يمكن أن يقال أيضاً بأنه يقوى ويضعف ويمكن أن يقال بأنه يزيد وينقص، والخلاف لا يعدو أن يكون لفظياً والله أعلم.
الإكراه على الدين
هل يوجد فرق بين الآية الكريمة: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] والحديث الشريف: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» (3) ألا يوجد تعارض بين الآية والحديث؟ لا تعارض بين الآية والحديث لأمرين:
الأمر الأول: أن الآية الكريمة إنما نزلت في أهل الكتاب كما جاءت به الروايات، فقد كان بعض رجال قبيلتي الأوس والخزرج سلموا أولادهم إلى اليهود في أيام الجاهلية فنشأوهم على عقيدة اليهود وعندما أكرم الله الأوس والخزرج بالإسلام شق عليهم أن يكون أولادهم على غير الدين الذي آمنوا
(1) الوقوع في الكبائر هادمٌ للإيمان لكونه فسوقاً وعصياناً وكفر نعمة وليس شركاً ودليله هدمه للإيمان قول النبي علي «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... الحديث. فهو لا ينتفع بعمله الصالح إلا إن تاب قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ... (2) رواه الإمام الربيع (464). (1/56)
صفحة 57
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
OV
به فوحدهم بعد الشقاق وألف بينهم بعد النفرة فأرادوا أن يحملوهم على الإسلام كرهاً، وكثير منهم رفضوا وأصروا على البقاء على يهوديتهم، وهو مما شق على آبائهم حتى جاء أحدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار؟ يريد أن يفرض على ولده أن يدخل في الإسلام، فأنزل الله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ
بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].
وهذا السبب - وإن كان من حيث التقعيد لا يخصص عموم لفظ الآية كما يقال: «لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ - إلا أنه اقترن بدلائل وشواهد من القرآن الكريم دلت على أن أهل الكتاب يعاملون معاملة خاصة دون غيرهم من المشركين فهم إن وافقوا أن يكونوا مسالمين تحت ظل الدولة الإسلامية ورضوا بأن يؤدوا الجزية فإنهم يتركون وما يعتقدون إكراما لما بيدهم من بقايا هداية الله تعالى التي أنزلها على أنبيائه، فالله تعالى يقول {قَتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ} [التوبة: 29] بينما قال في غيرهم: {وَقَتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39].
فاتضح بهذا ما ذكرته من أن لأهل الكتاب حكماً خاصاً يختلفون فيه عن غيرهم، ومَنْ عداهم من أهل الملل هم الذين يصدق عليهم مدلول الحديث الشريف: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله».
الأمر الثاني: أن قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة: 256] يمكن أن يحمل على أنه لا يملك أحد من الناس أن يكره غيره (1/57)
صفحة 58
??
الفتاوى العقيدة
فيغرس فيه الهداية غرسا ويحوله من الكفر إلى الإسلام أو من الفسوق إلى الطاعة، بل الله تعالى وحده هو الذي يهدي القلوب ويصرفها كما قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
[القصص: 56] وقال: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99].
هذا وهنا قضية شغلت بال كثير من الناس في العصور الأخيرة وكان فيها الأخذ والرد وأدت إلى ردة فعل عند كثير من المسلمين؛ وهي قضية استعمال القوة لنشر الإسلام وإرغام الناس بالسيف على اعتناقه فقد حصلت إشاعة عند المستشرقين الكفرة بأن دين الإسلام دين إرهاب يشيع الخوف بين الناس وتفرض عقيدته فرضا عليهم؛ وما كان انطلاق الجيوش الجرارة للجهاد إلا من أجل نشر هذه العقيدة بالإكراه والمسلمون بسبب هذه التهمة الظالمة وُجد فيهم من ضعفت نفسه وتمنى أن يجد ما يبرئه ويبرئ دينه من هذا الاتهام، وما هي إلا فترة من الزمن حتى ظهر من المستشرقين أنفسهم من ينادي بنظرية أخرى وهي أن هذا الدين هو دين سلام وأن الإسلام لا يُشرع فيه الجهاد أبدا إلا لأجل الدفاع فحسب، وهذه النظرية جاء بها بعض المستشرقين كتوماس أرنولد صاحب كتاب الدعوة إلى الإسلام وقد تلقفها أولئك الضعفاء برحابة الصدور وظنوا أنهم وجدوا ضالتهم المنشودة وفرحوا بثبوت براءة الإسلام مما ألصق به من الاتهام بإقرار المستشرقين أنفسهم الذين وصفوه بخلاف ما وصفه به أسلافهم، فأشاعوا هذه الفكرة وروجوا لها.
وقد غلا بعض المحسوبين على الفقهاء فيها غلوا أدى إلى هدم قواعد الدين وتعطيل الأحكام الشرعية حتى وجدنا من بين هؤلاء من ألقى محاضرة أمام حاكم من الحكام الذين أخذوا على عاتقهم مسئولية نقض صرح الدين فزعم فيما أتى به في محاضرته: «أن الإسلام لم يشرع الجهاد (1/58)
صفحة 59
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
59
قط إلا لتأمين حريات الناس في معتقداتهم وسلوكهم». تملقاً لمن ألقاها بين يديه وتقرباً إليه.
وما أعظمها من فرية على الإسلام فلو كان الإسلام كما زعم ما شرع الجهاد إلا لأجل تأمين حريات الناس في معتقداتهم ولو زاغت وفي سلوكهم ولو انحرف لكان معنى ذلك أن الإسلام إنما يشرع الجهاد لأجل تأمين حرية الناس في الإلحاد والفسوق إن شاؤوا ذلك؛ فلا جناح على أحد إن ألحد أو سرق أو زنى أو أتى بأي كبيرة من الكبائر لأن الإسلام - حسب هذا الزعم - يحفظ له حريته فيما يعتقد ويعمل، ويجاهد من أجل ذلك، وهل ذلك إلا تعطيل لشريعة الله تعالى ومصادرة لأحكام الإسلام التي جاء بها القرآن كقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] وقوله:
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُوا لَهُمْ
شَهدَةٌ أَبَدًا وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْفَنسِقُونَ} [النور: 4].
وقوله: {وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38] وليت شعري لماذا شرع الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان لكل أحد أن يعتقد ما يهوى ويفعل ما يريد؛ فما معنى قوله تعالى:
وَلتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَأُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وقوله:
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ وَآمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]. (1/59)
صفحة 60
60
الفتاوى العقيدة
ولو كان الإسلام شرع الجهاد من أجل تأمين حرية الإنسان في سلوكه ومعتقده كما زعم فلا معنى للدعوة إلى الإسلام لأن الدعوة إليه ـ بلا ريب - تزعج الكافر؛ كما أن الدعوة إلى الاستقامة على التقوى تزعج الفاسق، وهو معاكس لتأمين حريتهما المطلقة في السلوك والاعتقاد؛ وإنما ينبغي أن يوفر له المناخ الحر الذي يمارس فيه هوايته حسبما تسول له نفسه، وليس إشاعة مثل هذا القول وترسيخ مفهومه في نفوس الحكام من أجل كسب مودتهم إلا نقضا لعرى الإسلام وطمسا لمعالمه وإعداما لصورته ومعناه، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلّا كذباً.
ومهما يكن فالحق أن الإسلام انتشر بالإقناع بالكلمة الهادفة والقدوة الحسنة، فإن كل عقيدة تفرض بالقوة لا بد أن تتلاشى عندما تتلاشى تلك القوة التي فرضتها، ولا أدل على ذلك مما حصل في البلاد التي فرضت عليها الشيوعية بقوة الحديد والنار فإنها عندما تلاشت القوة التي فرضتها تلاشت الشيوعية نفسها فأصبحت أثراً بعد عين ثم خبراً بعد أثر، والإسلام دين الفطرة والنفوس نفسها تدرك أن طمأنينتها في الإسلام وخيرها فيه ولكن لا بد أيضاً من قوة تحفظ سير الدعوة إلى الإسلام تذلل الصعاب بين يديه، لذلك شرع الله تبارك وتعالى الجهاد في سبيله من أجل نشر دينه. والصحابة الذين انطلقوا في أرجاء الأرض ينشرون دعوة الله تبارك وتعالى ما كانوا يصدون بذلك هجوما من أعداء الإسلام يشنونه عليهم وعلى أرضهم ولكنهم كانوا يكتسحون القوى التي كانت تقف في طريقهم لتصد دعوتهم حتى لا ينتشر الإسلام في أرجاء الأرض، وإلا فما كان الداعي لأحد من المسلمين عندما وصل المحيط أن يخوض عباب المحيط بقوائم فرسه ويخاطبه: «والله لو علمت أن أرضا وراءك لخضتك مجاهدا في سبيل الله يا ترى هل كان بهذا يصد هجوما مروعاً بدا لهم من هنالك من قبل (1/60)
صفحة 61
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
1 ?
أعداء الله فأقض مضاجعهم وأقلق بالهم؟ أو أنه يريد أن يذلل الصعاب حتى يمتد نور هذا الدين إلى أرجاء الأرض كما وعد الله أن يظهره على الدين كله، والله المستعان.
لا تزر وازرة وزر أخرى
الحديث الذي يقوله صلى الله عليه وسلم «ما نبت من سحت أو حرام فالنار أولى به)، فما الحكم في الأولاد الذين ينبتون على الربا الذي يتعامل به آباؤهم؟ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 16]، فهؤلاء الأولاد لا يتحملون شيئاً من وزر آبائهم أو وزر أمهاتهم، إنما الوزر على من قارف الإثم، والأولاد قبل تكليفهم غير مخاطبين بشيء، فلذلك لا ينطبق عليهم هذا الحكم والله أعلم.
كيف يكون الرد على من قال - ما ذنب ذرية آدم في الخروج من الجنة إذا كان آدم هو المخطئ وليس ذريته .. ؟ إن كانت جنة آدم المذكورة في القرآن هي جنة الخلد ـ كما هو رأي أكثر العلماء ـ فإن خروج الذرية منها لم يكن خروجاً ذاتياً، إذ لم يكونوا موجودين
أنه
فيها آنذاك بأعيانهم، وإنما كان آدم منطوياً على عناصر وجودهم، مع من المعلوم أن آدم لم يخلق ليبقى في الجنة بل خلق ليكون خليفة في الأرض، وما إدخاله في الجنة إلّا مرحلة تربوية اختبارية علم الله أنها لا تدوم، ولم تحس ذريته بنعيم تلك الجنة حتى تحس من بعد بألم الحرمان منها، وإنما أدركت وجودها من أول الأمر في هذه الأرض، وما خلقه تلك الذرية إلّا لتحمل أمانة الخلافة في هذه الأرض، فلا يعد ما وقع على أبويها عقوبة لها والله أعلم.
(1) رواه الحاكم (7162). (1/61)
صفحة 62
62
الفتاوى العقيدة
العمل الصالح وأهميته
تحدثتم عن وعد الله الله المؤمنين بالنصر على أعدائهم وبالتمكين في الأرض؟ وقد تحقق كما أخبر تبارك وتعالى حيث قال الله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ} [الحج: 39] ونرى اليوم أسباب نصرة الله موجودة في أكثر من مكان في عالمنا الإسلامي، كثير من الظلم والاضطهاد والتعذيب والتشديد والإخراج من الأوطان والتقتيل وغيرها من الأحوال فما هو السبب في عدم تحقيق النصر للمؤمنين على أعدائهم في رأيكم؟ نرجو توضيح ذلك.
نعم وعد الله عباده المؤمنين بالنصر، ولكن يجب على المؤمنين أن يحققوا إيمانهم حتى يكونوا مؤهلين لنصر الله، فإن الإيمان ليس مجرد دعوى، وإنما ما وقر في القلب وصدقه العمل، فهو عقيدة راسخة وتفان في سبيل الله وإخلاص الله الله في الأقوال والأعمال، يقول تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ} [الحجرات: 15] ويقول تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ وَايَتُهُ، زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَيْكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2 - 4] وقد بين الله سبحانه لنا أن المؤمنين الذين يستحقون وعد الله هم الذين يجمعون محامد الصفات ويتفانون في سبيل الله، وإذا أردتم مصداق ذلك فانظروا إلى سورة التوبة وسورة المؤمنين كيف وصف الله الله فيهما عباده المؤمنين، ففي سورة التوبة يقول تعالى: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةً يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ (1/62)
صفحة 63
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
63
وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَكَةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التَّبِبُونَ الْعَبدُونَ الْحَمِدُونَ السَبِحُونَ الرَّكِعُونَ السَّجِدُونَ الْأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [التوبة: 111 - 112]، وفي سورة المؤمنين يقول: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوة فَعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (3) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَيكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُوَ
لأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 1 - 9]. وانظروا إلى وصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين استحقوا النصر سورة الفتح وفي سورة الحشر وفي غيرهما من السور. يقول الله وعل: تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَتْهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَيةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كزرعٍ أَخْرَجَ شَطْهُ فَتَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَاعَ لِيغِيظُ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: 29] ويقول ال: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ
وء و
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ هُمُ الصَّدِقُونَ * وَالَّذِينَ الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8 - 9] هذه هي الصفات الإيمانية التي جسدها المهاجرون والأنصار الله فنصرهم الله على أعدائهم طهرت قلوبهم من الغل والحسد والحقد ومن الرياء والعجب والكبر ومن كل السخائم والأحقاد، (1/63)
صفحة 64
?
الفتاوى العقيدة
كانوا لا يطمحون إلا إلى رضوان الله الله، وعندما واجهوا القوى الكبرى
6
واجهوها بسلاح الإيمان وحده ولم يواجهوها بسلاح مادي وإلا فإن العدو عدداً وعدة، وما أروع تلك النصيحة التي وجهها عمر له
كان أكثر منهم إلى جنده عندما جند الأجناد لمقاومة القوة الكسروية المتفوقة من ناحية العدة والعدد فقد وجّه خطابه إلى قائد جنده قائلاً: «أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة في الحرب، وأقوى المكيدة على العدو، وأوصيك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم الله، فإن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا، فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم كما سلط على بني إسرائيل إذ عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم أسأل الله
ذلك لي ولكم». وقد اختلطت هذه النصيحة بعقولهم وقلوبهم وأفكارهم ووجدانهم وبدمائهم ولحومهم كانت تسري فيهم كما يسري الدم في العروق، وطبقوها تطبيقاً دقيقاً، فعندما خرج قائد الجند سعد بن أبي وقاص له من عند عمر الله إلى مقاومة عدو الله وعدوهم أمره ألا أمره عمر يقدم على شيء إلا بعد استشارة سلمان الفارسي، وكان هذا الخروج لمقاومة دولة الفرس والمستشار فارسي النسب، غير أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول: «سلمان منا (1/64)
صفحة 65
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
65
آل البيت (1) لأن اللحمة التي تصل بينهم هي لحمة العقيدة، وليست لحمة النسب، فلما وصل الجيش الإسلامي إلى المدائن وأراد سعد أن يقدم بجنده على مقاومة العدو استشار سلمان في ذلك، فرد عليه سلمان أمهلني هذه الليلة فأمهله، وفي اليوم التالي أتى إليه وقال: أقدم على بركات الله فإني طفت بالجند فوجدتهم بين راكع وساجد ذلك لأن خروجهم كان في سبيل الله، لذلك تجدهم قد جمعوا بين وضعين عظيمين فهم رهبان بالليل وفرسان بالنهار، إذا جن الليل رأيتهم قائمين بين يدي الله ترتجف قلوبهم من خشيته وتزدحم في نفوسهم عوامل الخوف والرجاء، وإذا أشرق النهار انطلقوا إلى ميادين المعركة فرساناً كالأسود التي لا ينهنهها اللقاء لا يرهبون الموت ولا يحرصون على الحياة فاستحقوا نصر الله ول، والمسلمون لا بد أن يختبروا فإن نجحوا في برنامج هذا الاختبار خرجوا ظافرين ومن الله الله عليهم بالنصر والتمكين
من
أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ} [العنكبوت: 2 - 3] لذلك تجد أن المسلمين عندما كانوا في المدينة المنورة في ذلك المجتمع النظيف الطاهر الذي يتجسد فيه الإيمان والإسلام، والذي طهره الله الله من الغل والحسد والفحشاء والكبر والإثم، وكانت قلوب المؤمنين فيه كقلب رجل واحد، بحيث يفتح الأنصاري داره للمهاجر ويأتي إلى ماله ويشطره شطرين ويقول للمهاجر اختر أي الشطرين شئت في ذلك المجتمع الطاهر أنزل الله الله على النبي صلى الله عليه وسلم ما يدعو إلى توطين النفوس على اختبار الله وعل، فالله وعل يقول: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَهُمُ
(1) رواه الحاكم (6541). (1/65)
صفحة 66
??
الفتاوى العقيدة
الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قرِيبُ} [البقرة: 214] فالمسلمون في المدينة المنورة كانوا يعانون من الشدائد ما يعانون فالجزيرة العربية رمتهم بأفلاذ كبدها وضرب عليهم طوق من
6
الحصار، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة الرهيبة كان ينظر إلى نصر الله الله، وكان يبشر نفسه ومن حوله من المؤمنين بأن الله الا الله سيفتح ممالك فارس والروم لأمته فقد قال كلمته المشهورة لسراقة - إبان هجرته -: «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ (1) وكذلك عندما أحدق المشركون بالمدينة المنورة وأحاطوا بها إحاطة البحر الطامي بالجزيرة الصغيرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربط نفوس المسلمين بوعد الله، ففي حال حفر الخندق اعترضتهم صخرة وعجزوا عن طرقها فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المطرقة وطرق تلك الصخرة طرقة حتى تطاير منها شعاع وقال: «الله أكبر فتحت لأمتي ممالك الروم كأني أنظر إلى قصور الشام» ثم طرقها طرقة ثانية وطار أيضاً منها شعاع، وقال: «الله أكبر فتحت لأمتي ممالك فارس كأني أنظر إلى قصور المدائن (2) هكذا كان يربط المؤمنين بوعد الله الله الذي لا يتبدل مع أن المسلمين في ذلك الوقت يقاسون ويعانون أشد الشدائد.
وأنتم إذا نظرتم إلى سورة الأحزاب رأيتم الشدة التي واجهها المسلمون
وو
تتمثل أمام أعينكم فالله الله يقول: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنتَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12] فقد وجد المنافقون سبيلاً للطعن في وعد الله سبحانه ووعد رسوله عندما أبصروا تلك الزحوف من العرب تزحف عليهم من كل مكان ولكن الله سبحانه حقق للمؤمنين النصر والتمكين كما
(1) رواه البيهقي في السنن (13414). (2) روي في زوائد مسند الحارث (692). (1/66)
صفحة 67
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
67
وعدهم فانقلب أعداؤهم صاغرين، فالواجب أن تطهر القلوب من الأدران؛ لأن الله تعالى لا ينظر إلى الظواهر وإنما ينظر إلى السرائر، ويجب أيضاً أن تكون صلتنا بالله سبحانه صادقة متينة وأن تكون علاقتنا فيما بيننا علاقة إيمانية، بحيث ينظر العربي إلى الأعجمي والأعجمي إلى العربي نظرة الأخ إلى أخيه ما دام الإيمان يوحد ما بين الاثنين كما قال مصعب بن عمير عندما مر على أخيه يُجَرُّ أسيراً وكان الذي أسره من الأنصار فقال له: شد وثاقه فإن أمه غنية وسوف تفتديه منك، فعاتبه أخوه على تحريض آسره عليه إذ أمره بأن يشد وثاقه مع أنه أخوه ولم يأمره بالتلطف أو الرفق به، فرد عليه مصعب بن عمير: إنه أخي دونك، أي إن هذا الأنصاري أخي دونك ولو كنت أنت أخي من النسب، فإن هذه الإخوة لا أعتبرها شيئاً بسبب ما فرق بيني وبينك من إيماني وكفرك بينما آسرك هذا جمعني به الإيمان. ولذلك وهب الله له هؤلاء النصر والتمكين بسبب هذا التآلف والترابط بين قلوبهم حتى غدت كقلب رجل واحد كما أنهم كانوا خاضعين لله منقادين له في أمره ونهيه نابذين الأهواء والمطامع وراء ظهورهم فلم يكونوا ينظرون إلا إلى طاعة الله وتقواه ويتطلعون إلى نصره وتمكينه والله أعلم.
سماحة الإسلام
الرسول صلى الله عليه وسلم أُرسل رَحْمة للعالمين لكن هناك من يرى أنَّ حق المساواة هو مَكْفُول لِمَن اعتنق هذا الدِّين من عرب وعَجَم وأَنَّ مَن لَم يؤمن به كان حقهم الإجحاف وعدم المساواة، ما قولكم في هذا؟
أعوذ بالله من مَقَالَة أهل الضلال، ومِن افْتِئَات أهل الباطل. يجب أن ندرك أنه لا يُمكن أن يتساوى الناس مُبْطِلُهم ومُحِقُهُم وبَرهم (1/67)
صفحة 68
68
الفتاوى العقيدة
وفَاجِرُهم في أمر مَعَادِهِم ولا في أَمْرِ الوَلاية فهي حق لِمَن أَطَاع الله ورسوله وانتظم في سِلْك المؤمنين، فإنَّ الله تعالى يقول: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ امَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55]، فهؤلاء هم الذين تَحِقُّ لهم الولاية، أمَّا أن يتولى الإنسان الكَفَرَة فذلك غير جائز: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 73]. أما الحقوق الأخرى فهي مُشْتَرَكَة، ولا ريب أنَّ المسلم يَتَمَيَّزُ بِحقوق بِسَبب إسلامه لأنه أطاع الله ورسوله وانْقَاد لأمر الله وأَذْعَنَ لِحُكمه فهو أولى بأن يُبر، ولكن إن كان غير المسلم جَاراً لِمُسلم ـ مثلاً ـ فإنَّ على المسلم أن يُقَدِّر حق الجوار، وأن يَصْرِفَ أَذَاهُ عن جَارِه ولو كان غير مسلم.
وكذلك بالنسبة إلى الوَالِد إن كان غَير مُسْلِم فإِنَّ حَقَّه يَجب على ولده، فالله يقول: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهَنَّا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَى الْمَصِيرُ وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَى ثُمَّ إِلَى مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 14 - 15] فقد أَمَرَ الله ـ تعالى ـ
بِمُصَاحَبَتِهِما بالمعروف.
وأمّا إن كان ذَا رَحِم ففي هذا خلاف، هل لذي الرحم غير المسلم حق أو لا يجب له حق الرحم بسبب عدم إسلامه؟، والذي نأخذ بِهِ أنَّ ذا الرَّحِم ولو كان غير مسلم حقه واجب كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّكُم سَتَفْتَحُون بلادا يُذْكُر فيها القِيرَاط فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خيرا فإِنَّ لَنَا فيهم رَحِماً وصِهْراً» (1)، ويُشير إلى الرَّحم الذي بينه وبين أهل مصر من قبل جده إسْمَاعيل فإِنَّ أُمَّه هَاجَر من مصر، مع أنَّ أولئك لم يكونوا على الإسلام
(1) رواه مسلم (4614). (1/68)
صفحة 69
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
69
عندما وَصَّى بِهِم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك إذا جئنا إلى حديث: «أَلا إِنَّ آل أبي فلان ليسوا لي بآل» إلى أن قال: «وَلَكن لَهم رَحِماً سَأَبُلُهَا بِبَلالِهَا)، فهذا
نعم
دليل على أنَّ مَن كان على غير مِلَّة الإسلام يبقى حق الرحم واجباً له. لا يُمكن أن يتساوى البر والفاجر والمسلم والكافر في الحقوق، أنَّ النَّاس يتفَاصَلُون بِقَدْرِ تَفَاصُلهم في الأعمال وبِقَدْرِ تَفَاصُلهم في البر والصلاح والإخلاص فالله تعالى يقول: {يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13]، فتقوى الله هي ميزان التَّفَاضُل بين الناس، ويجب الأخذ بذلك في الاعتبار؛ وإنما يحفظ في الإسلام حق الكافر والفاجر كاملا غير منقوص؛ فإن ما هما عليه من الكفر والفجور لا يسوغ الحيف عليهما، وحرمانهما من العدالة التي يستظل بظلها الوارف كل من كان في حمى الدولة الإسلامية فقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَنتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] وقال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوْمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8].
منهم
الاستقامة - كما يظُنُّها - البعض طريق صعب، وأنَّ التوبة إلى الله تَتَطلَّب ندما شديدا، وتتطلب منهم أن يكونوا ملتزمين التزاما كاملاً، كما يرون ـ مثلاً ـ كثيرا من الملتزمين، فلا بد أن يُقلدوهم في حركاتهم وفي كل أفعالهم، فكيف يُوضح هذا الأمر؟
الاستقامة
هي أن يَسْتَقِيم الإنسان على مَنْهَج الحق، وأن يَتَّبع أوامر
الله، ويَزْدَجِر عن نواهيه فلا يُقارف شيئا من حُرُماته، ولا يقع في شيء
(1) رواه البخاري (5531). (1/69)
صفحة 70
70 الفتاوى العقيدة
من مَكْرُوهاته، وليس ذلك أمرا عسيرا، إنَّما ذلك أمر مُيَسَّر لِمَن يَسَّره الله تعالى له، فالله لم يطلب من العباد ما فيه كُلْفَة وما فيه مشقة عليهم، إنَّما ما فيه يُسر لهم يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185 (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} [الحج: 78] فليس في دين
أراد منهم
ـ
حرم
الله
- تعالى - حرج، فالله - تعالى - لَم يُحرِّم على الناس شيئا مما تتوق إليه نفوسهم إلا وأباح لهم في مُقابله ما يُغْنِيهم عما فكما حرم، الزنا أباح الزواج الشرعي لما فيه من الألفة، ولما فيه من التقريب ما بين قلوب الأسر وقلوب الأفراد، إذ ليس الزواج ارتباطا ما بين الزوجين فحسب بل هو
ـ أيضاً ـ ارتباط بين الأسرتين، ففيه مصالح كثيرة بينما الزِّنا بخلاف ذلك. وكذلك عندما حرم الله الخبائث من الميتة والدم، ولحم الخنزير، وما أُهِلَّ به لغير الله، والخمر أباح الله - تعالى - لعباده الطيبات من المطاعم والمشارب وما أكثرها، وإذا نظرنا إلى المحرمات وجدناها أشياء قليلة يسيرة
بالنسبة إلى ما أباح الله - تعالى - من الطيبات الكثيرة التي لا تخصيها.
وكذلك عندما حرَّم الله قول الهجر من الغيبة والنميمة والكذب وغير ذلك أباح القول الطيب، فقد أباح المزاح الذي لا يؤدي إلى الكذب، ولا يؤدّي إلى إثارة الأَضْغَان والأحقاد وأباح الكلام الذي يُريح النفوس، ويُقرّب ما بين القلوب، ويُؤلّف بينها، وهكذا كُل ما أباحه الله ـ تعالى ـ ودعا إليه إنَّما هو موافق للفطرة ومصاحب للغريزة ودَاعِيَة للألفة والتقارب بخلاف
ما حرم
فطريق الاستقامة إنَّما هو طريق الفطرة يقول الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، والخروج عن منهج (1/70)
صفحة 71
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
71
الاستقامة إنَّما هو خروج عن منهج الفطرة، فليس الأمر كما يتَصَوَّر كثير من الناس من أنَّ طريق الاستقامة وَعْر شَائِك صعب، وإنَّما هو طريق في مُنْتَهى اليُسر، ولكن شأن الفِطر إذا تعفَّنَت، والعقول إذا أظلمت، والنفوس إذا تكدَّرَت أن تتصوّر الأمور بعكس حقيقتها، فتتصور الطيب خبيثا والخبيث طيبا، وتتصوّر الصعب سهلا والسهل صعبا، فقد يرتكب الإنسان الصعوبات الكثيرة في سَبِيل إرضاء شهوته، وفي سبيل إرضاء شيطانه غير مُبَالٍ بِما يترتب على ارتكاب هذه الصعوبات من المخاطر، بينما هو يرى من الصعب على نفسه أن يقوم بالواجب بينه وبين الله فيجتنب محارمه، ويقوم بفرائضه لأنه ألِفَ المعصية حتى رانت على قلبه فصار أسيرا لها غير قادر على الانفكاك عنها، فمَن أَطْلَق للسانه العنان، بحيث يَلِعُ في أعراض الناس ويُمزّقُها تَمزيقا يرى من الصعب عليه أن يضبط لسانه، فيقول الحق بدلاً من الباطل، وكذلك من اعتاد الزنا ـ والعياذ بالله - يرى من الصعب عليه أن يستغني بالحلال عن الزنا، وكذلك من الشرقة، ونهب أموال الناس يرى من المشقة أن يكتفي بالحلال الذي أحله الله ـ تعالى ـ له من المال عن الطرق المحرمة في كسبه، وهذا كُلُّه دليل انحراف الفطرة، أما عندما تكون فطرة الإنسان سَوِيَّة فإنَّه لا يرى في ذلك شيئا من الصعوبة. أما العبادات التي فرضها الله - تعالى ـ على عِبَادِه فهي كُلُّها ميشرة، فالصلوات الخمس يقيمها الإنسان في أوقات محدودة، لا تكون أبدا على حساب عَمَلِه ولا على حساب، راحته، بل في هذه الصلاة الراحة والطُّمَأْنِينَة والخروج مِن هُمُوم هذه الدنيا، واللجوء إلى الله ـ تعالى ـ فكيف تشُقُ على العباد؟! كذلك الصيام الذي فَرَضه الله - تعالى - إنَّما هو شهر في العام ولم يفرض الله على عباده أن يصوموا طوال العام، أو نصفه أو ثلثه أو ربعه،
اعتاد (1/71)
صفحة 72
72
الفتاوى العقيدة
فأي مشقة في هذا الصيام؟! مَعَ أنَّ في هذا الصيام راحة للبدن، كما جاء في الحديث عن النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، وقد ثبت أن الصيام سبب لتنقية الجسد من تَرَسُبَات الكثير من الأطعمة وآثارها ومُخَلَّفَاتِهَا فِي
هذا الجسم.
وكذلك الزكاة، فإذ نظرنا إلى أعلى نسبة تجب منها في المال وجدنا ذلك في الزروع والثمار وهي إما أن تكون عشر الثمرة أو نصفه، وإذا جئنا إلى زكاة النَّقدَيْن وزكاة التّجارة وجدناها لا تعدو أن تكون اثنين ونصف في المائة، فأيُّ كُلْفَة في هذا؟! أنَّ الإنسان قد يُنفق النفقات الكثيرة مع في سبيل إرضاء شيطانه ولا يبالي بها، فقد يُنْفِق في الخمر، ويُنفق على طاولات القمار، ويُنفق في أنواع المُجُون والفساد الأموال الطائلة، حتى مفلسا بين عشية وضحاها، فطريق الاستقامة طريق سهل ميسر
يصبح
لا كما يتصوّر هؤلاء، وإنَّما يعود ظنهم في صعوبة الاستقامة وخوفهم منها إلى عدم تصورهم الحقيقة بسبب ما ذكرته من انحراف أفكارهم وانطماس عقولهم، والله أعلم.
من كان
ورد عن النبي أنه قال: دعوني ما تركتم، إنما أهلك قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء اجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). ومن المعلوم أن العلماء ورثة الأنبياء، وأنّ المسلمين يأخذون منهم أحكام الدين فهل ما سكت عنه العالم يسع المسلمين السكوت عنه، فلا ينبغي السؤال، فعلى سبيل المثال إذا نزلنا إلى بعض فتاواكم، كفتوى لبس
(1) رواه البخاري (6744). (1/72)
صفحة 73
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
73
المرأة للجوارب في الصلاة، فإن هذه المسألة لم تكن مثارة من قبل بالشكل الواسع، وكنتم لا تذكرونها بالصورة الملفتة، لكن عندما وجه إليكم السؤال عن هذا الموضوع أفتيتم بالفتوى المعروفة، التي انتشرت بشكل واسع فهل هذه المسألة وغيرها ينطبق عليها الكلام الذي قلناه من أنّ ما سكت عنه العالم لا ينبغي السؤال عنه، والسكوت عنه واسع؟
لا ليس الأمر كذلك فأنا لست بشارع، وإنما الشارع هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أخذت ما أفتيت به من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الإسبال وشدّد فيه وقال في إزرة المؤمن إنها إلى نصف ساقيه، فسألته أم سلمة هنا عن المرأة، فقال:
ترخى شبرا)، قالت له: إذن ينكشف عنها؟»، فقال: (ترخي ذراعا) (1)؛ فلذلك أخذنا من هذا الحديث وجوب ستر المرأة لقدميها، إذ لو لم يكن ثُمَّ محذور من انكشاف قدمي المرأة لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة أن ترخي ذراعا بعدما أذن لها أولا أن ترخي شبرا فقط؛ فهذا مما لا يدخل في النهي المذكور فالمسألة المشكلة يُسأل عنها؛ ولا حرج، ولكن مثال ذلك أن يجيب العالم أو العلماء جوابا عاماً، وهذا الجواب العام تندرج تحته أنواع الخصوصات المتعددة، ومع ذلك يأخذ أحد من الناس ينقر، ويسأل عن كل خصوص بعينه، وهل كذا أيضاً حكمه كذا؟ وهل كذا مثلاً ينطبق عليه الحكم ذاته؟ فمثل هذا هو من باب التكلف ومن باب التنطع الذي لا ينبغي أن يحصل من أحد والله أعلم.
(1) رواه الربيع (273). (1/73)
صفحة 74
74 الفتاوى العقيدة
شبهات حول الإسلام
في فترة من الفترات الماضية غزت بعض النظريات عقول المسلمين، لكن التهمة الموجهة إليها هي أَنَّهَا نظرية وليست حقيقة ذلك ومع أحدثت أثرا في نفوس بعض المسلمين الهَشَّة، الآن بعض هذه النظريات تحول إلى حقيقة، فاستنساخ بشر من بشر أو حيوان من حيوان ممكن في علم «الجينيوم» أو علم الهندسة الوِرَاثِيَة، وفي الأيام الأخيرة ـ أيضاً ـ تمكن فريق ياباني من تلقيح بيَيْضة أُنْثَى فَأَر بِبُيْضة أنثَى فاستطاعوا بذلك أن تحمل تلك الأنثى بعشرة فئران.
والمسلم - طبعا - لديه تَصَوُّر واضح عن قدرة الله تَعَالَى:
) وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} [لقمان: 34]، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتارُ} [القصص: 68] كَيف يَفْهَم المسلم هذه التطورات والحقائق العلمية في ضوء ما يؤمن به من قدرة الله - تعالى -؟
المسلم يدرك تمام الإدراك أن كل ما في الكون إنَّما هو مَخْلُوق الله سبحانه، وأن أي أَحَد لَا يستطيع أن يخلق أي شيء: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْتُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73]، فكل ما في الكون إنَّما هو مَخْلُوق لله تعالى، وهؤلاء الذي قاموا بالاستنساخ هَل هُم أَحْدَثوا عنصراً لم يَكُن مَوْجُوداً مِن قَبل؟ أو أنَّهم استخدموا العُنصر الموجود وطوروه من طور إلى طور؟ فمن الذي أوجد هذا العنصر؟ إنَّما أوجده الله تعالى، وهم إنَّما طوروا ما طوروه بِمَا آتاهم الله تعالى مِن دِرَايَة بطبيعة هذه العناصر الموجودة في هذا الكون فاستطاعوا أن يتوصلوا إلى ما توصلوا إليه، والله - تعالى - وَعَدَ عباده أن يَكْشِف لَهُم أَسْرَارَه قَال سبحانه (قُلْ أَرَوَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ (1/74)
صفحة 75
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
Vo
(or)
((53)
ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِن لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ تُحيط) [فصلت: 52 - 54]، فهذا مِمَّا يدخل في وعد الله تعالى بأن يُجَلِّي للناس آياته التي لم تكن معروفة من قبل ولم تكن متصورة على ما هي عليه في الأنفس وفي الآفاق، كذلك نجد أن الله ـ تعالى ـ يقول: {خُلِقَ الْإِنسَنُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) [الأنبياء: 37]، ويُشِير و إلى انطواء القرآن على عَجَائِب الكون، وذلك عندما يقول: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكُ افْتَرَبَهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُ و ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِمًا} [الفرقان: 4 - 6] وهو ظاهر بداهة في الدلالة على انطواء القرآن على أسرار السموات والأرض.
صلے
ولا تزال الآيات تُكتَشَف يوماً بعد يوم، والحقائق تتجلى للناس على ما هي عليه ونحن نؤمن بأن كل ما في الكون من أدق شيء إلى أوسع شيء إنَّما هو مَخْلُوق الله ولا دخل لِقُدرة العبد فيه اللهم إلا عندما يريد الله وكل أن يُظهر للناس شيئاً من أسراره ويُمكنهم منه والله أعلم.
سؤال ذكره دكتور غير مسلم لطلبة كلية الطب حيث سألهم: كيف تثبتون أن الإنسان ليس أصله قرداً؟
هو رضي لنفسه أن يكون قرداً ابن قردة وهو أهون من ذلك وأخس ما دام كافراً بالله سبحانه صاداً عن سبيله إنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [الفرقان: 44] بخلاف المؤمنين الذين آمنوا بالله، وكل من رضي بأن الإنسان أصله قرد فقد أنزل نفسه منزلة القردة ويكفي هذا الجواب له. هذا ولا يطالب (1/75)
صفحة 76
76 الفتاوى العقيدة
بالحجة الذي ينفي الشيء وإنما يطالب بالحجة الذي يثبته، فهؤلاء الذين يقولون إن أصل الإنسان قرد عليهم أن يأتوا بالدليل على ذلك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهؤلاء اعترفوا بأنفسهم بأن النظرية الداروينية ليس لها أي نسبة من الصحة إلا بنسبة واحد في المليار، ولكنهم فراراً منهم من الإيمان يرددونها ضلالاً وعناداً واقرأوا إن شئتم كتاب «النشوء والإرتقاء» للسيدة منيرة علي الغاياتي التي كتبت كتابها هذا لأجل ابنها عندما كان يدرس في الولايات المتحدة الأمريكية وتأثرت أفكاره بهذا الهراء فألفت هذا الكتاب باللغة الإنجليزية؛ لأنها رجعت إلى المصادر الإنجليزية والفرنسية وأرادت أن تقنع ابنها الذي كان يدرس باللغة الإنجليزية، ثم ترجمه زوجها إلى اللغة العربية.
والحفريات الجديدة أيضاً أثبتت بطلان هذه النظرية، ومن الذين اعتنوا بهذه الحفريات عالم الآثار الإنجليزي ريتشارد ليكي، وأثبت أن هذه النظرية خاطئة لأن الاكتشافات الأثرية دلت على أن الإنسان كان إنساناً قبل الوقت الذي زعم هؤلاء المهرجون أنه كان فيه قرداً، وقد ألغوا اليوم هذه النظرية بأنفسهم فأصبحت مقبورة فيما باد من النظريات الفاسدة والحمد لله والله أعلم.
من المؤسف جداً أن هناك كتبا تشكك في القرآن وتدعي بأنه من كلام العرب، ومن بينها كتاب (قالت العرب أدرج فيه المؤلف آيات الله وذكر أنها مأخوذة من حكم العرب وشعرهم فكيف نرد على مثل هؤلاء المشككين؟ هذا هراء لا يلتفت إليه
لو كل كلب عوى ألقمته حجرا لأصبح الصخر مثقال بدينار (1/76)
صفحة 77
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
77
فهؤلاء لا يلتفت إليهم لأنهم ما جاءوا بشيء يستحق أن يرد عليه، وإنما هي مجرد دعوى جاءوا بها من خلال مقارنتهم القرآن بكلام العرب وشتان بينهما، ويذكر أحد المفكرين الإسلاميين أنه ألقى خطبة أو درساً في باخرة وكانت هذه الباخرة تضم المسلم وغير المسلم العربي وغيره فجاءت إليه امرأة إيطالية غير مسلمة وقالت أنا ما فهمت من درسك شيئا أبدا لأنه بلغة غير اللغة التي أعرفها، ولكن مع ذلك أحسست بأنك تدخل في كلامك كلاما آخر له طبيعة أخرى تختلف عن طبيعة كلامك فما هو هذا الكلام؟ قال لها: هو کلام الله القرآن الكريم الذي أنزله الله الله على نبيه، ولا يشبه كلام البشر، وإن أشبهه من حيث الحروف ومن حيث الكلمات، ولكنه لا يشبهه من حيث روحه، قالت: أنا أحسست بأن في هذا الكلام الذي ترويه روحاً لا توجد في كلام آخر، هكذا أدركت هذه المرأة غير المسلمة وغير العربية أن لكلام الله الله روحاً تختلف عن روح كلام البشر، وكفى بذلك حجة عليهم والله المستعان.
يقول بعض المفترين على الإسلام بتناقض القرآن ومثل لذلك بقوله تعالى: قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} [التوبة: (51) وقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ} [البقرة: 195]. أين التناقض في مثل هذا؟! فالله سلام الله ينهانا عن معاطاة الشر، ولكنه علم من سيخالف أمره وسيقارف الشر، وينهانا عن ركوب الخطر، وقد علم من سيقع في الخطر، فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا لأن ما كتبه لنا علم وقوعه منا أو علينا، وإنما أمرنا أن نفر من قضائه إلى قدره، إذ الأمر المكتوب لا بد منه، وكل شيء مقضي في الأزل لا بد أن يقع فيما لا يزال حسب ما قضي، وإنما أمرنا أن نأخذ بالأسباب التي تنجينا ولا تردينا، فإنا نأخذ بالأسباب فلن تكون لنا حياة، فلو لم نأخذ بالأسباب ـ بحيث لم
إن لم
هو
ما (1/77)
صفحة 78
78
الفتاوى العقيدة
نأكل ولم نلبس ولم نتق الحر والقر ولم نتق النار وغيرها من المهلكات ـ هل نعد في هذه الحالة من العقلاء؟!، فالإنسان مأمور أن يأخذ بالأسباب المؤدية إلى سلامته في الدنيا وسعادته في العقبى، وهذا لا ينافي أن كل شيء مكتوب عند الله بحسب ما علم والله أعلم.
توصل العلماء مؤخرا إلى أنه بإمكان الرجل أن يحمل جنيناً في أمعائه أو في الكلية ثم تتم الولادة بعملية قيصرية، فما مدى تعارض هذه الحقيقية العلمية مع عقيدة المسلم، وما حكم الأطفال الذين يولدون بهذه الطريقة؟
هذه نظرية، والنظرية شيء والواقع شئ آخر، وعلى الإنسان ألا يسابق الزمن في الحكم للشيء أو عليه، لأن هذه حالة غير طبيعية، والحالة الطبيعية معروفة، فقد أراد الله الا الله للرجل أن يكون رجلاً، وأراد الله للمرأة أن تكون امرأة فكل منهما له خصائصه التكوينية وخصائصه التشريعية، ولعل الذين قالوا بهذه الإمكانية بلغت بهم شطحات الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل إلى القول بأن بإمكانية أن يحمل الرجل، وهم في كلا الحالين في دعواهم المساواة في الأحكام التشريعية، وفي دعواهم المساواة في الطبيعة يعارضون حكم الله وحل، ويعاكسون الفطرة الإنسانية التي فطر الله تعالى عليها الناس فالله خلق الرجل ليكون ذكرا وخلق المرأة لتكون أنثى، لأن كل واحد منهما خصصت له وظائف معينة من حيث التكوين ومن حيث التشريع، فلا يمكن أن ينسلخ الرجل من خصائص الذكورة، أو تنسلخ المرأة من خصائص الأنوثة، أما ما حدث أخيراً مما بالجنس سمي الثالث فما هو إلا تمرد على الفطرة ومبالغة في مكابرة أمر الله تعالى، وأنا لا أشك أن مثل هذا ـ لو حاول الناس أن يكون ـ فإن منتهاه الفشل، (1/78)
صفحة 79
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
79
فكل شئ يخرج عن الطبيعة منتهاه الفشل فمن أين للكلية أو للأمعاء مثل المغذيات التي في الرحم وهي التي تغذي الجنين.
هذا لو سلمنا بأنه يمكن أن يكون لقاح، وإلا فكيف يكون هذا اللقاح، فهل هناك بييضة في هذا الرجل حتى يتم اللقاح ما بينها وما بين الحيوان المنوي من الماء الدافق الذي يسيل من الرجل الآخر عند العملية الجنسية، فهذا عمل مهما كان ـ هو معاكس للفطرة، وإني وإن كنت لا أريد أن أسابق الزمن في الحكم على الأحداث، لا أشك بأن هذه العملية فاشلة، كما أنني أيضاً أرى أن الطفل الذي يولد بهذه الطريقة طفل غير شرعي، نعم يمكن أن يولد إنسان يبدو أنه ذكر أو أنثى، ثم تنكشف الحقيقة بخلاف ذلك عند النمو، وهذه تعد من الخنوثة التي أفرد لها الفقهاء حكما في أبواب المواريث وغيرها، فقد تكون الخنوثة باجتماع الآلتين آلة الذكورة وآلة الأنوثة في الإنسان، وقد تكون بظهور إحدى الآلتين وخفاء الآلة الأخرى بحيث تكون الآلة الظاهرة ساترة للآلة الباطنة حتى تتجلى وتبرز مع مرور الزمن، وتحتاج مع ذلك إلى عملية جراحية وقد حدث ذلك مراراً وسجل الأطباء كثيراً من مثل هذه الأحداث، وآخر ما علمت عنه ما حدث في مدينة الطائف من المملكة العربية السعودية، حيث تحولت فتاة فيما قيل إلى شاب، وليس الأمر كذلك، وإنما هناك آلة خفية لم تكن منكشفة، تبينت فيما بعد مع نمو الجسد والله أعلم.
تدور على ألسنة خصوم الإسلام شبه منها يقولون بأن في الحج بقايا من الوثنية من حيث تقديس الأحجار والطواف حولها والازدحام من أجلها، فكيف يرد على مثل هذه الشبهة؟
أعوذ بالله .. هذه شبه أهل الجهل .. فإن هذه مقالة قالَها مَن قالَها مِن الملاحدة وتلقفها أمثال «زويمر» من النصارى الذين حاولوا أن ينتقدوا (1/79)
صفحة 80
80
الفتاوى العقيدة
الإسلام بسبب ما كان يعتمل بين جوانحهم من حقد على الإسلام والمسلمين، وكان زويمر يطمح إلى تنصير الجزيرة العربية بأشرها والقضاء على الإسلام في مهده فكان من ضمن ما انتقد به الإسلام أنّ الإسلام لا تزال فيه بقايا وثنية، ومن بين هذه البقايا تعظيم البيت الحرام. هذا ولا ريب أن تعظيم البيت الحرام ليس ناشئا من فكر الإنسان القاصر المحدود فهنالك فارق بين أن يكون الإنسان معظما لشيء أُمر بتعظيمه من قبل ربه وبين أن يكون معظما لشيء اخترع تعظيمه ول من تلقاء نفسه؛ فإنّ الله تعالى تَعَبَّد عبادَه بِأمور يعرفون غاياتها ويعرفون حِكَمَها وأبعادها، وهي التي يُعبّر عنها العلماء بـ «معقولة المعنى»، لأنّ حِكَمَها واضحة، ونتائجها وثمارها ظاهرة، وهنالك أمور أخرى هي بخلاف ذلك تعبّدنا الله تعالى بها من غير أن نعرف الحكمة منها وذلك مثل الصلوات الخمس، والصلاة من حيث العموم هي معقولة المعنى والغاية، لأنَّها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولأجل هذا أمرنا بإقامتها: وَأَقِمِ الصَّلَوةُ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45]، ولكن هل معنى هذا أنّ كل ما تنطوي عليه هذه الصلاة هو معقول المعنى نُدرك أبعاده وغاياته؟ لا، فهنالك فارق بين صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب وصلاة العشاء وصلاة الفجر، ففَرْض الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات وفَرْض المغرب ثلاث ركعات، وفَرْض الفجر ركعتان .. لماذا كان ذلك؟ ذلك أمرٌ لا ندريه .. كذلك بعض الأعمال تتكرّر في الصلاة في كل ركعة، وبعضها لا تتكرّر .. فالركوع يتكرّر في كل ركعة ولكن مرّة واحدة، بينما السجود يتكرّر في كل ركعة مرتين، وتكبيرة الإحرام لا تتكرر أبداً، وإن كان التكبير يتكرّر في جميع الانتقالات، ولكن هو غير تكبير الإحرام، (1/80)
صفحة 81
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
81
وكذلك التشهد يتكرّر مرتين في الرباعية والثلاثية ويكون مرة واحدة في الصلاة الثنائية .. لماذا ذلك؟ هذه أمور لا ندريها .. إنَّما علينا أن نُسَلّم لأمر الله تبارك وتعالى، لأننا لو حاولنا أن نتكلم فيها فإنَّما ننطلق في حديثنا عن التخمين والظن، وليس لنا أن نقطع في هذه الأمور بمجرد ما يَعْتَمِلُ في نفوسنا من ظنون، لأنّ هذه الظنون كثيراً ما ينتابها الخطأ، فهذه أمور تعبّدية علينا أن نتقبّلها ولو كنا لا نعرف الحكمة منها، فليس لنا أن نتساءل: «لماذا يتكرّر السجود ولا يتكرّر الركوع؟» بل علينا أن نمتثل أمر الله، وبهذا يتبيّن الفارق بين المطيع والعاصي وبين المؤمن والكافر وبين البر والفاجر. وكذلك بالنسبة إلى أعمال الحج فأكثرها غير معقولة المعنى، وإنَّما أعمال تُعبّدنَا بِها، فعلينا أن نمتثل أمر الله وحل، وقد تكون هنالك أسباب نتصوّر ونعتقد أنها هي من وراء مشروعية بعض هذه الأحكام ولكن ليس لنا أن نقطع بها لعدم وجود الدليل النصي القاطع، مثال ذلك الشعي بين والمروة فقد قيل بأنّ سببه ما كان من قصة هاجر لا ولكن لماذا خلد الله تعالى هذا الأمر وجعله عبادَة تَجِب على العباد؟ ذلك أمر لا ندريه وكذلك الهرْوَلَة التي تكون في السعي لا نستطيع أن نقطع بسببها، وإن قيل بأننا تهرول حيث كانت هاجر تُهرول، وكذلك بالنسبة إلى الوقوف بعرفات، لماذا خُصَّ باليوم التاسع دون غيره من الأيام؟ وكذلك بالنسبة للبقاء في منى لمدة ثلاثة أيام ورمي الجمار فيهن، كلّ ذلك من الأمور التي علينا أن نسلّم تسليما لَها مِن غير أن نخوض في أعماقها.
هي
الصفا
أما بالنسبة إلى تعظيم الكعبة وتعظيم الحجر الأسود فإنّ هذا أمر فَرَضَه الله تعالى علينا ونحن نرى فيما جعله الله تعالى من أعراف العباد (1/81)
صفحة 82
82 الفتاوى العقيدة
ما فيه مَقْنَع لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد فإن قطعة من قماش تعلّق فيكون لها شأن عند الناس بسبب أنَّها عَلَم دولةٍ مِن الدول، وأصحاب تلك الدولة يحرصون على ألا تُمَسَّ بسوء مع أنَّها مجرد خِرْقَة ليست لَها مِيزَة دون غيرها من الخرق، ولكن صارت رمزا لتلك
الدولة.
قط
فالكعبة البيت الحرام إنَّما هي رمز لامتثال دين الله والانصياع لأمره، وهنالك تلتقي وفود الله تعالى التي تأتي من بقاع الأرض، كما قال سبحانه لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ} [الحج: 28] ومن بين هذه المنافع ما يحصل ما 28] بينهم من التعارف والتآلف والانسجام والتعاون على البر والتقوى، فإنّ وفود الحق سبحانه تأتي من بقاع الأرض إلى تلكم الأماكن المقدسة على اختلاف أحوالِها وَهُم كلهم يؤمون تلكم الكعبة ويُردّدون شعارا واحدا قائلين جميعا لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك»، والكل - أيضاً - يَتَجَرَّد في ثوبين مع ما يكون بينهم من التمايز في لباسهم العادي، ومع هذا ـ أيضاً ـ يحصل تلاقي ـ أصحاب المهارات وأصحاب الخبرات على اختلاف أنواعها، وفي هذا ما يَجعلُهم يتعارفون ويبحثون قضاياهم ومشكلاتهم المتنوعة، ويعطون الحلول فييتحقق التعاون على البر والتقوى بمشيئة الله وينطلقون من هنالك بعد أخذ كلّ واحدٍ منهم شحْنَة إيمانية في نفسه، يتمكن من خلالها من شق طريق الخير داعيا إلى الله تعالى مُمْتَثِلا لأمره متجردا من جميع ما يعوقه عن السعي إلى الخير والدعوة إليه، فهذا كله من حكمة مشروعية الحج، كما قال سبحانه:
لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَةٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم
مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ} [الحج: 28] والله أعلم. (1/82)
صفحة 83
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
83
الردة عن الإسلام
بَرَزَتْ في الآونة الأخِيرَة في الغَرْب ظاهِرَة التعدي والتهجم على الإسلام ومقدساته الدينية، وقد بَلَغَتْ هذه الهجمة ذروتها بالتعدي على شخص الرسول صلى الله عليه وسلم مما أدى إلى سخط كبيرٍ في أَوْسَاطِ الأمة الإسلامية:
ما حُكْمُ الشرع في مَن سَبَّ الرسول صلى الله عليه وسلم من غير المسلمين؟ مَن سَبَّ أَيَّ نَبِي من الأنبياء وأي رسول مِن الرسل فقد خَلَع رِبْقَةَ الإسلام من عنقه إن كان في الأصل مسلماً، وصار في عِدَادِ المُرْتَدِّين، يُحكم عليه بأحكامهم فَيُسْتَبَاح دمه من أجل انتهاكه ذلك.
وإن كان من غير المسلمين ولكن بينه وبين المسلمين عهد فإنَّه يُعد فاسخا لهذا العهد ومعلنا للحرب على الإسلام فَحُكْمُه حكم المحارب
للمسلمين.
ولا ريب أن قدر النبي الأعظم وأجَلّ وأرفع من أقدار جميع الأنبياء لِمَا أَكرمه الله به، وَنَحن مُطالبون بأن نَغَار على جميع أنبياء الله ورسله، ولكن ذلك غَيْرَتُنا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أشد وأعظم، فيجب عدم التَّسَاهل
مع
تجاه هذا الأمر والله أعلم.
هناك
هي
من النَّاسِ مَن لا يَترك مجالاً للحِوَار فَكُلَّما قيل لهم: «قال الله» أو «الرَّسول» أَعْرَضُوا مع أنه تم اتخاذ الوسائل من الحكمة والموعظة الحسنة إِلا أَنَّ كُلَّ ذلك لَم يُجْدِ؟
أمَّا الذي لا يُؤْمِنُ بِقَوْلِ الله ولا يُؤْمِن بِقَول الرسول صلى الله عليه وسلم فليس هو من الإيمان في شيء، لأنَّ الله تعالى هو العليم بمصالح الخلق وهو العليم بما (1/83)
صفحة 84
84 الفتاوى العقيدة
فَطَر عليه البشر: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، وقد أنزل شَرْعَهُ الكَريم مُنْسَجِماً تمام الانسجام مع الفطرة التي فَطَرَ البشر عليها.
والنبي صلى الله عليه وسلم مُبلغ عن الله، لا يَنطِق عن هوى في نفسه وإنَّما يَنْطِقُ
بوحي يُوحِيه الله - تعالى - إليه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 3 - 14، فإذن لَم يَبْقَ هُناك مجال للمُؤمِن في أن يتردَّدَ فيما جاء عن الله أو جاء عن الرسول: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، والله - تعالى - يقول:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64]، ويقول: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
والإعراض عن حُكْم الله وحُكْم رسوله يعني عدم الإيمان بهما ومن كان غير مؤمن بالله ولا مؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم فهو ليس من الإسلام في شيء، بل يُعَدُّ في عِدَادِ الكافرين المشركين الخارجين مِن مِلَّة الإسلام، لا يَجُوز أن يُنَاكَح ولا أن يُوَارَث ولا أن يُدفن في مَقَابِر المسلمين ولا أن يُعَامَلَ مُعامَلَة مَوْتَى المسلمين، وإن كان لا يجهر برفض ما أنزل الله في كتابه أو نطق به رسوله من سنته وإنما يصد عنهما فإن تلك هي شيمة أهل النفاق الذين يخشون أن يعلنوا الكفر الذي ينطوون عليه في دخائلهم؛ لأنهم اجتمع فيهم الكفر والجبن الحائل دون إعلانه، فقد بين الله سبحانه أن هذا من ديدنهم في قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} [النساء: 61] والذي يجاهر بذلك إن كان في الأضل مسلماً ثُمَّ انْقَلَب إلى هذه الحالة فإنَّه يُعَدُّ مُرتَداً عن الإسلام فَيُعَامَل معاملة (1/84)
صفحة 85
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
??
المُرْتَدِّين والعياذ بالله، وعليه فإن أراد أحد أن يدعُو هؤلاء فعليه أولاً أن يُقيم عليهم الأدلة على وجود الله، ثُم يُقيم عليهم البراهين والحُجَج على ثُبوتِ رسالة الرسول محمد الله أنها من عند الله، ويُخاطِبُهم خِطَاباً يَدْعُوهُم صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام لأن هؤلاء في الأصل غير مسلمين ما داموا لا يُؤْمِنون بالله ولا بالرسول صلوات الله وسلامه عليه والله أعلم.
ما الحكم فيمن يستهزئ بالدين وأهله، حيث إن هؤلاء الناس ينتمون
للإسلام ومع من سخر من شيء مما ثبت في الدين فهو مرتد عن الإسلام، ولا حظ له فيه، والسخرية من الملتزمين ليست من شأن أهل الإيمان، فإن الله تعالى أخبر أن ذلك من ديدن المجرمين إذ قال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَرُونَ * وَإِذَا أَنقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ أَنقَلَبُوا فَكِهِينَ) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُونَ} [المطففين: 29 - 32] والله أعلم.
هذا فهم يسخرون ببعض تعاليم الدين وبالملتزمين؟
كتابي يدين بأن الخمر حلال فشربها، وفي حال سكره دخل الإسلام، وبعد الصحو أراد الرجوع عن ذلك، على اعتبار أن سبب السكر حلال في دينه هل ينطبق عليه قول الإمام السالمي حمد لله: ويجبر الكافر مهما أسلما وشاء بعد الصحو ألا يسلما بما أنه أسلم يجبر على الإسلام، فإن أبى طبق عليه حكم المرتد والله أعلم.
امرأة عمرها اثنتا عشرة سنة (12) توفي أبوها فكتبت في القرآن في سورة القيامة (أليس الله (لا) بقادر على أن يحيى الموتى) لا يا ربي (1/85)
صفحة 86
86 الفتاوى العقيدة
إنك لا تحيى الموتى إن كنت تحيى الموتى فأحي أبي الآن، وتلمس المصحف وهي حائض، وتنجس المصحف أي ظهرت عليه آثار الدم، وعندما عقلت تلك المرأة تابت إلى الله فهل تصح لها التوبة
فقط؟
هذه ارتدت عن الإسلام فعليها أن ترجع إليه صادقة مخلصة، ومن تاب تاب الله عليه، والله أعلم.
ما حكم من يعارض أحكام الدين كالحجاب وغيره؟
من عارض الحجاب ونحوه من أحكام دين الله فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36) والله أعلم.
سب دين جمادٍ من الجمادات أو حيوان من الحيوانات كأن يقول شخص مثلاً: يلعن دين، البقر، هل يُعتبَر مِن سب الدين الذي يُؤدِّي إلى
الارتداد؟
هناك إنسان وحيوان ونبات و جماد، فالجماد كالجبل والصخر والتراب مما لا حراك له ولا ينمو فهو جماد.
بقي الكلام فيما يتعلق بسب دين الحيوان والجماد الحيوان والجماد غير مكلفين، ولكن مع ذلك دلَّ القرآن الكريم على أن هذه الأشياء كلها تنقاد لأمر الله وتسبح بحمده وتسجد لجلاله سبحانه، فالله تعالى يقول في وصف نفسه: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44] ويقول عز من قائل:
سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 1]. (1/86)
صفحة 87
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
87
ويقول سبحانه: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحديد: 1] ويقول: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدِيرُ} [التغابن: 1]، وكذلك دلَّ القرآن الكريم على أنها تسجد فإن الله تعالى يقول:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَاتُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18]، فلما كانت هذه مُسبّحة وساجدة وإن كنا لا ندري كيفية سجودها فإنها مُنْقَادَة الله تبارك وتعالى، ويؤكد ذلك قوله الله: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83] وعليه فإن من يسب ويلعن إسلام هذه الكائنات الله تبارك وتعالى فمعنى ذلك أنه يسبُّ مَن جعل هذا الدين فطرة في هذه الحيوانات وفي هذه الكائنات، لذلك يكون له حكم المرتد؛ والله - تعالى - أعلم.
صفات المؤمن
ما معنى عِبَارَة المسلم لا يُسَاوِمُ على دِينِه»؟
في
نَفْسِه،
نعم المسلم لا يَقْبَل المُسَاوَمَة على دِينِه، لأنَّ الدِّين أَغْلَى ما فهو أغلى من عِرْضِه وروحه فضلاً عن أن يكون أغلى أن يكون أغلى من ماله، فبه يتم الحفاظ على العِرْض والحياة، وبه سلامة الدنيا وسعادة العُقْبَى، وبه الشَّرَف في الدارين جميعاً، فكيف يرضى المؤمن أن يُساوم على دينه هذا كله؟ بل على المسلم أن يَقِف في وَجْه مَن يُريد أن يساومه على دينه.
مع
وقد سبق للكفرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أَن عَرَضُوا عليه بأن يُنْكِحُوه أجْمَل النساء، وأن يُعْطُوه من المال ما أَغْنَى قومه، وأن يؤمروه
يصبح
به (1/87)
صفحة 88
88
الفتاوى العقيدة
على أنفسهم على أن يتخلى عن دعوته، ولكنه أبى ذلك ووقف تلك الوقفة الصامدة التي زعزعت موقف أهل الكفر، ولَم يَرْضَحَ لِشَيْءٍ مِن
مطالبهم.
وعندما حاول المشركون منه بأن يَعْبُد آلِهَتهم عاماً ليعبدوا إلهه عاماً أنزل الله تعالى ما يقطع دَابِرَ هذه المسَاوَمَة حيث قال: {قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدُ مَا عَبَدتُمْ وَلَا أَنتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 1 - 6].
ومِن المسَاوَمَة أن يقْبَلَ المسلم ترك بعض فُرُوضِ دِينِه أو ارتكاب بعض المحارم في الدين من أجل أن يُرْضِي الآخرين، فهذا كله مِمَّا لا يكون من المسلم الذي آمن بالله واليوم الآخر؛ فإنَّ الله جعل طاعته فَوْق كل شيء وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
والله تعالى لم يتَرَكَ الناس هَمَلاً، ولَم يَخلُقهم ليعيشوا عيشة الأنعام، بل شرفهم وكَرَّمهم تكريما كما قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَتَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، فلأجل هذا صَانَ حياة الإنسان بهذه الشريعة المحكمة المتقنة التي فيها توجيه الإنسان إلى ما هُو خيرٌ له في الدارين، وفيها العبادات الواصلة بين العباد وبين ربهم، وفيها الأَحْكَام التي تَحْفَظ مَصَالِحَ العباد، والأخلاق التي تصل الإنسان المسلم بالمسلمين وبِغَيْرِ المسلمين.
فالمسلم لا يَرْضَى أَن يُسَاوِم على شيء مِن ذلك من أجل إرضاء أحد أو من أجل نيل شيء من عرض الدنيا من جاه أو مَنْصِب، والله أعلم. (1/88)
صفحة 89
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
89
عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبا للغرباء من أمتى» (1)؟
الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان غريباً لأن قومه كانوا يستنكرون عبادة الله، ويعتقدون أن هذه العبادة الخالصة لله أمر بدع غريب؛ إذ ما كانوا يعهدونه من قبل؛ لأنه مخالف لما كان عليه آباؤهم المتقدمون {أَجَعَلَ الآلهة إلَهَا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٍ عُجَابٌ) [ص: 5] فاعتبروا توحيد الله تعالى وعدم عبادة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى إلى غيرها من الآلهة التي تعبد من دون الله تعالى أمرا عجاباً واستنكروه أيما استنكار، ولكن شاء الله تبارك وتعالى أن يظهر الإسلام، وأن يكتسح نوره جميع ظلمات تلك الوثنيات والعبادات المنحرفة عن الحق والصواب.
وقد عاد الإسلام غريبا كما بدأ ففي فترة من الفترات بلغ الأمر أن كثيراً من الناس كانوا يستنكرون تعاليم الإسلام ويرون الإلحاد رمزا للتقدم والمدنية، والتمسك بقيم الإسلام كان معدوداً من خصائص الرجعية، وكان هذا على المستوى الشعبي والرسمي في كثير من بلاد الإسلام، والآن والحمد لله قامت يقظة إسلامية داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها، ولكن بجانب هذا أيضاً كثير من الناس يعتبرون الإسلام الذي يحكم الشعوب ويوجهها أمرا خطيرا يهدد السياسة العالمية فلذلك يستنكرون كل الاستنكار أن تكون هناك دعوة لتطبيق شريعة الإسلام ودعوة إلى تحكيم أمر الله تعالى وإلى التخلص من علاقات المسلمين مع الأفكار والنظم الجاهلية المستوحاة من مستنقعات الأفكار اليهودية والصليبية والإلحادية، بل يستنكرون أن يطلب عاقل تحكيم الإسلام في وقتنا هذا، إذ يعجبون كيف
(1) رواه مسلم (208). (1/89)
صفحة 90
الفتاوى العقيدة
يحكم بالإسلام في القرن العشرين وفي مطلع القرن الحادي والعشرين؟! كأنما الإسلام جاء لفترة من فترات التاريخ ولت ولا يصلح حسب معاييرهم لكل عصر من العصور، فأحد الطواغيت الذين طواهم الزمن عندما قيل له إن الناس يرغبون في تحكيم شريعة الله تعالى قال: هذا عصر أوسع من تتسع له الشريعة، وهكذا تجد هؤلاء المتآمرين يحاولون أن يجعلوا من أوهامهم ومن ضلالاتهم قرآنا يتلى ما بين الناس وشريعة تحكم ما بين البشر، فهذا مما يفسر كون الإسلام غريباً بين الناس.
أن
وكثير من الناس يفهمون هذا الحديث فهما خاطئا ويظنون معناه أن يستسلم المسلم لهذا الواقع، وأن لا يدعو إلى العودة إلى الإسلام، لأن الإسلام كتب عليه أن يكون الآن غريبا، وإذا كان غريبا فلن تجدي فيه دعوة ولن تقوم به نهضة وهذا خطأ، ففي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بدأ الإسلام غريبا ما استسلم الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الغربة وما سكت عن ذلك الوضع، وإنما كافح الجاهلية وتصدى لتحدياتها، وكذلك كان شأن صحابته رضوان الله تعالى عليهم حتى ظهر الإسلام، فعلى المسلم أن يدرك أن من واجبه أن يقوم بالدعوة إلى الإسلام حتى تتحول البشرية من منهج الجاهلية الباطل إلى منهج الإسلام الحق.
وقد أحسن الشاعر محمد إقبال عندما قال: إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية ويفرض على البشرية اتجاهه ويملي عليها إرادته، لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، إن مقامه مقام الإمامة والقيادة مقام الإرشاد والتوجيه مقام الأمر الناهي، وإذا تنكر له الزمان وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة لم يكن له أن يخضع ويضع أوزاره ويسالم الدهر بل (1/90)
صفحة 91
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
91
عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره، إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والاقزام أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد فهكذا المؤمن القوي لا يستسلم لغربة الإسلام بل يكافح حتى يظهر ويدحر الجاهلية المعاصرة في كل جوانبها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: (21]، {وَلَيَنصُرَتَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزُ الَّذِينَ إِن مَّكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلوةَ وَعَاتَوُا الزَّكَوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 40 - 41] والله أعلم.
تلے
هذه
سؤال عن خيرية هذه الأمة المذكورة في قول الله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، هل هذه الخيرية موجودة في الأمة الآن، أو أنها انتهت بانتهاء ذلك العهد الذي كان فيه أولئك القوم الخيّرون الطيبون الصالحون، الذين تنزّلت هذه الآية بين ظهرانيهم؟ إن خطاب الله الا الله لهذه الأمة لا يتقيد بقيود الزمن، فهو خطاب يشمل كل جيل وعصر؛ لأن القرآن لم ينزل ليكون محصوراً في ذلك الجيل الذي بُعث فيه الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، وإنما هو خطاب هذه الأمة منذ أن بعث الله عبده ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حتى تنتهي هذه الأمة بتوقف عجلة الزمن، وهذه الأمة ـ بحمد الله. هي مهما وُجد فيها من انحراف عن المسلك الذي كان عليه السلف، فهذا الإنحراف لا يوجد في جميع يوجد في جميع أفراد الأمة، وتعد هذه ميزة لهذه الأمة، أن الانحراف في الأمم السابقة كان يأتي عليها ما عدا أفرادا قليلين كما قال سبحانه تعالى
يعم
أمة خير
مع (1/91)
صفحة 92
92
الفتاوى العقيدة
وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 15]، بينما هذه الأمة ظل فيها الخير باقيا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخير في وفي أُمتي إلى يوم القيامة».
ومن ناحية أخرى فالكتب السابقة جميعا حُرفت وبدلت؛ لأن الله الله جعل رسالات أولئك الرسل ـ الذين بعثوا في تلك الأمم ونزلت عليهم تلك الكتب - رسالات، موقوتة فلذلك كانت تنطفئ شعلها بانتهاء زمن تلك الرسالات، وهذه الأمة - والحمد لله - أبقى الله لها الكتاب العزيز محفوظاً بنصه ومعناه، وأبقى لها سنة النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، والمتعمقون في البحث يمكنهم أن يعرفوا ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديث وما لم يثبت عنه، والقرآن الكريم فيه تبيان كل شيء، وإنما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تفصل مجمله، وتوضح مبهمه، وقد تكفل الله الله بحفظ هذا الكتاب؛ حيث قال عز من قائل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: 9] فلم يزل هذا الكتاب محفوظاً، وسيظل محفوظاً إلى أن
هذه الحياة.
وهذه الأمة أمة وسط ما بين الأمم، فإن الله تعالى يقول:
ينتهي
أمد
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] وهذا الخطاب ليس محصوراً في أولئك القوم الذين كان فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدهم، فإنا لو قلنا بحصر خطابه فيهم لضاعت جميع أحكام الله كل؛ فالله تعالى يقول: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ} [البقرة: 43] وهو خطاب يتوجه إلى كل فرد من هذه الأمة وليس مخصوصاً بجيل من الأجيال، ويقول الله تبارك وتعالى: {وَآتُوا الزَّكَوةَ} [البقرة: 43) وهو أيضاً خطاب موجه إلى كل فرد من أفراد هذه الأمة؛ وليس محصوراً في صدر هذه الأمة، ومثله قول (1/92)
صفحة 93
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
93
الله: وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَكُمْ} [المنافقون: (10) وقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] وقوله تعالى:
به
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278] فلو لم يكن خطاباً لأول الأمة وآخرها لساغ للناس الآن أن يأكلوا الربا وأن يزنوا ويرتكبوا جميع المنهيات؛ متعللين بإن الخطاب موجه إلى جيل سابق قبل هذه الأجيال، ولكن أنَّى ذلك، وهو دين كلفنا كما كلف به من قبلنا، كما جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»)، فعلينا جميعاً أن نُدرك أننا أمة وسط بين الأمم، وأن هذه الوسطية إنما تتحقق إذا أخلصنا الله وعك واتبعنا هذا الخير الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نعم لا ننكر أن هذه الأمة تدنّت عن المستوى الذي كانت عليه، ذلك المستوى الذي بلغ فيه إيمان أهله مبلغاً عظيماً، لأنه قد تربى في مهد النبوة، وبين يدي خير خلق الله تعالى محمد ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، ولذلك انغرست فيه المبادئ القيمة، فكانت الأخلاق التي يتحلى بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تجسيداً للقرآن الكريم ومبادئه، فإن أخلاقهم كانت من خلقه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد كان خلقه القرآن كما قالت أم المؤمنين عائشة، ثم أخذت هذه الأمة تتدنى عن ذلك المستوى سالى، حتى وصلت إلى هذا الحضيض.
مستمدة
ولكن بجانب ذلك لا يزال الخير موجودا في هذه الأمة، فعليها أن تسعى أمة وجماعات وأسراً وأفراداً لاستعادة هذا المجد حتى تكون ممسكة
(1) رواه البيهقي (21439). (1/93)
صفحة 94
94
الفتاوى العقيدة
بزمام قافلة البشرية تسير بها إلى الخير، وذلك إنما يتم لها إذا كانت تجسد مبادئ الإسلام وتخلص في الدعوة إليها كما قال تعالى:
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] فلا بد من الجمع بين هذه المقومات وهي: الإيمان الراسخ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تتبوأ الأمة هذه المكانة، ولا يكون أحد آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر حتى يكون هو نفسه مؤتمراً بما يأمر به منتهياً عما ينهى عنه؛ أما إن لم يكن مؤتمراً بما به يأمر ولم يكن منتهيا عما عنه ينهى فإن أمره ونهيه لا يجديان شيئاً. وما أحسن قول الشاعر: -
وإنك إذ ما تأتي ما أنت آمر به تلف من إياه تأمر آتيا فأنت إذا أمرت بشيء وأتيت به ألفيت الذي تأمره مؤتمراً بأمرك، أما إن كنت تأمر بشيء وأنت لا تأتيه فإن ذلك يسبب الريبة في قولك والشك في صدقك، بل هو مما يورث الشك والريبة فيما تدعو إليه من الحق. فأرجو أن يجعل الله الله الخير في هذه الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها والله أعلم.
كيف يمكن أن يوفق ما بين الحديث الشريف ـ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (1)، وقوله تعالى: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوا بِإِثْمِي
وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ} [المائدة: 29].
هذا الرجل جاء معادياً لأخيه، وخارجاً عليه مناوئاً له فلا يمكن أن يحمل هو والأخ المخلص الوفي على حكم واحد، فشتان ما بين الأمرين
والله أعلم.
(1) رواه البخاري (12). (1/94)
صفحة 95
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
95
المدرسين
تكلمتم في بعض دروسكم عن الأخلاق التي ذكرها القرآن الكريم. ونحن الطلبة نحضر في قاعات الدرس وكثيراً من الأحيان بعض أثناء إلقائهم الدرس يخرج عن موضوعه إلى موضوع آخر يثير الغريزة الجنسية كمقدمات الجماع مثلاً، وكما تعلمون أن الصف مختلط من الجنسين فنرجو الإجابة على هذا، وتوجيه النصيحة للكل أن هذا لا يتنافى مع الأخلاق الإسلامية؟
إن الإسلام من خُلقه الحياء، فالحياء لا ينفك عنه المسلم، كيف والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان»؟، فلا بد من أن يكون المسلم حيياً، والنبي صلى الله عليه وسلم كان المثل الأعلى في ذلك؛ فقد بلغ من الحياء مبلغاً عظيماً، حتى أنه كان أشد حياءً من البكر في خدرها، كما جاء في حديث عائشة ـ رضى الله عنها ـ ولذلك عندما جاءته امرأة تستفتيه ماذا تصنع إذا طهرت من الحيض، علمها النبي صلى الله عليه وسلم كيف تصنع في تنقية الموضع من آثار الدم، وحاولت تلك المرأة أن تبالغ في الاستفسار، فكان النبي يعرض عنها، حتى جذبتها عائشة لها وأخبرتها بالمراد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم - وهو مبلغ عن الله ومبين لشريعته سبحانه ـ كان يمنعه الحياء عن الاسترسال في القول مع تلك المرأة حتى يفصح لها عما يستحيى من ذكره، فيجب أن يكون في وجه كل أحده من الحياء ما يمنعه من قول الفحش والعمل المنكر، لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء والكبار والصغار، والمدرسين والطلبة، ويجب أن الطلبة والطالبات على الحياء والعفة والنزاهة،
هم
يربي
والأساتذة أن يكونوا أشد حياءً وأكثر عفة وأبعد عن سفاسف القول، وما هو الداعي لذكر مثل هذه الأمور الحرجة؟ خصوصاً في المجالس أو في القاعات التي
القدوة، لأن أخلاقهم تنعكس على أخلاق طلابهم، فعليهم (1/95)
صفحة 96
96
الفتاوى العقيدة
تجمع الجنسين، إن ذلك الأمر عنه ألف بد وبد، فعلى هؤلاء المدرسين أن يتقوا الله الله، وأن يراعوا الحقوق الواجبة عليهم للطلبة والطالبات، وأن ينموا الحياء في نفوسهم، وأن لا يعودوهم هجر المقال ولا يجرئوهم على سفاسف الأفعال والله أعلم.
بين
أو
ألا يمكن الاعتقاد بنصر الله المسلمين الآن في فلسطين على أعداء الله؟ لا بد من التمييز بين خبر الله الا الله وخبر البشر، فالله الله عندما يخبر بخبر قد يكون هذا الإخبار بطريقة محددة، فالله أخبر في كتابه بأن الروم سينتصرون على الفرس في بضع سنين، والبضع عند العرب يتراوح الثلاثة والعشرة، ومن منا يستطيع الآن أن يقول بأنه ستفتح فلسطين، وسيدخلها المسلمون وينتصرون على أعداء الله في ظرف سنة أو سنتين ثلاث سنوات أو عشر أو عشرين أو ثلاثين أو أربعين، فمنذ وطئت أقدام أعداء الله اليهود أرض فلسطين وإلى اليوم العرب لا يزالون يرددون كلمة عائدون»، ولكن هل عادوا؟ أو أن أرضهم تؤخذ قطعة بعد أخرى، ونحن موقنون بأننا إذا استمسكنا بالعروة الوثقى - الإسلام - فالله الله سينصرنا على القوم الكافرين من اليهود والشيوعيين وغيرهم في أي مكان، فإذا صدقنا الله فإن الله سيصدقنا، أما ونحن ندعي الإسلام فقط، ونأخذ منه القشور من غير أن تلامس حقيقته شغاف قلوبنا فالنصر منا أبعد من كل بعيد. فالله الله وعد عباده المؤمنين بالنصر فقال: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، فلا بد أن يكون إيماننا حقاً حتى نكون حقيقين بنصر الله الله، والله سبحانه يقول:
6
ولينصرتَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ عَزِيزُ الَّذِينَ إِن مَّكَنَّهُمْ فِي وَلَيَنصُرَنَ الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلوةَ وَعَاتَوُا الزَّكَوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عقبة الأمور} [الحج: 40 - 41]، فالذين وعدهم الله سبحانه بالنصر هم
عَقِبَةُ
-
الذين (1/96)
صفحة 97
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
97
يجمعون بين هذه الخصال، فهم ينصرون الله ولا يبتغون بجهادهم ولا بأي شيء من أعمالهم إلا رضوان الله، فلا يريدون حظاً دنيوياً من وراء أي شيء من ذلك، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، وإنما يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وأن يعبد الله في الأرض، الصلاة وتؤتي الزكاة، ويُؤمر بالمعروف ويُنهي عن المنكر. أما إذا
وأن
تقام
كان المسلمون على عكس ذلك، فكانوا بأنفسهم يتركون الصلاة ويتبعون الشهوات ويمنعون الزكاة ويأكلون الربا ويتآمرون بالمنكر ويتناهون عن المعروف ويقلدون أعداء الله فكيف ينتصرون؟! وفي الحديث القدسي «إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني (1) فنصر الله لعباده مرهون بنصر العباد لربهم، ونصر العباد لربهم إنما يكون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والجهاد في سبيله لأجل إعلاء كلمته، لا لأجل منصب ولا مال ولا شهرة، ولا لأجل أي غرض من أغراض الحياة الدنيا، والمسلمون الذين انتصروا في الرعيل الأول إنما انتصروا بالتمسك بأهداب هذا الشرع الحنيف، وانتصروا بصدقهم الله الله فيما وعدوه به فصدقهم الله وكل فيما وعدهم به فقد خرج المسلمون فى وقت واحد لمقاومة الدولتين الكبريين في ذلك الوقت الروم والفرس، وما كانوا عندما قاوموا الفرس يسندون ظهورهم إلى الروم، ولا العكس، وكانت الصفات التي يتحلون بها تبهر أعداءهم بما يطلق ألسنتهم بالتعبير عما تكنه ضمائرهم من إكبارهم فقد ذكر الطبري في تاريخه أن هرقل عندما كانت جيوشه تتقهقر وإمبراطوريته تتساقط أمام الزحف الإسلامي اجتمع مع قادة جيشه لتدارس أسباب هذه الهزائم المتلاحقة التي كانوا يُمنَوْنَ بها، فسألهم ما حالة هؤلاء الناس الذين لقيتموهم فهزموكم هذه الهزائم المنكرة، فقال له أحد القادة هم رهبان
(1) الأماني الشجرية ج 1 صفحة (243). (1/97)
صفحة 98
98
الفتاوى العقيدة
بالليل وفرسان بالنهار، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام يقضون على من حاربوا حتى يأتوا عليه. وقال آخر: أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان پريشون النبل ويروونها، ويثقفون، القنا، لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر.
فإذا وجدت هذه الصفات في المؤمنين المؤمنين الآن انتصروا على أعدائهم. وعندما كان الجيش الفارسي ينهار ـ أيضاً ـ أمام سيوف المسلمين ويتقهقر يوماً بعد يوم ضاق يزدجرد ذرعاً من هذا الأمر، فكتب إلى إمبراطور الصين يستنجده على المسلمين، ولعل الإمبراطور الصيني في ذلك الوقت هو الذي كان معاصراً للرسول صلى الله عليه وسلم ويسمى «ته تسونغ» وكان - حسب ما يقال - يعد من أذكى أباطرة الصين ومن أعمقهم فكراً، وأدقهم نظراً ـ كتب الإمبراطور الفارسي إلى إمبراطور الصين طالباً أن ينجده على هؤلاء المسلمين، وأرسل إليه رسولاً حاملاً هذه الرسالة، فأذن للرسول ودخل عليه، وقرأ كتاب كسرى الفارسي، ثم أخذ يسأله عن أشياء. فكان فيما سأله عنه: هل هؤلاء القوم الذين خرجوا عليكم هم أكثر عدداً منكم أم أقل عدداً منكم، قال: أقل عدداً، قال له: هل هم أوفر عدة منكم أو أقل عدة؟ قال: بل هم أقل عدة (يعني العدة المادية). قال له: أخبرني عن حالتهم؟ قال له هم رهبان بالليل وفرسان بالنهار، قال: أخبرني عن حالتهم فيما بينهم؟ قال له قلوبهم كقلب رجل واحد، قال له: أخبرني عن طعامهم، قال يأكلون بقدر ما يعيشون، قال له: أخبرني عن لباسهم؟ قال هم يلبسون بقدر ما يستترون ويقولون ولباس التقوى ذلك خير»، وأخذ يسأله أسئلة والرسول يجيب عليها، ثم قال له: لم ينتصروا
هم
عليكم مع قلتهم وكثرتكم إلا بهذه الصفات. (1/98)
صفحة 99
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
99
وكتب رسالة جوابية إلى إمبراطور فارس يقول له فيها: قد وصلني كتابك، وفهمت ما عند رسولك، ولا يمنعني من إرسال جيش أوله بمرو وآخره بالصين إلا أن أولئك القوم الذين خرجوا عليكم لا يقاومهم شيء، فلو وقفت في سبيلهم الجبال لاقتلعوها، ولو أرادوني لأزالوني من مكاني هذا، فإن شئت أن تسلم فاستسلم لهم.
إن السلف الصالح لم يهزم تلك القوى العاتية بتفوقه في العدة، وإنما هزمها بهذه المزايا التي سجلها التاريخ وبهرت الألباب.
فعندما يكون المسلمون متخلقين بهذه الأخلاق ومتحلين بهذه الصفات وعندما تكون شعلة الإيمان تتوقد بين جوانحهم، والغيرة على حرمات الله لا تملأ، كيانهم سوف ينتصرون على أعدائهم اليوم كما انتصروا عليهم من قبل، أما إن كانوا هم وأعداؤهم سواء فأعوذ بالله من شر المآل ولقد جاء قبل ما يزيد على سبعة عشر عاماً أحد المفكرين الإسلاميين إلى هذا البلد، وألقى محاضرة عن غزوة بدر الكبرى، وقد سئل بعد المحاضرة عن أسئلة شتى، ومن بين هذه الأسئلة قيل له: إن المسلمين انهزموا في غزوة أحد ونكبوا بما نكبوا به، والعرب في عام 67 نكبوا بهذه النكسة فما الفارق ما بين النكبتين؟ أليس المسلمون الذين نكبوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين؟ وكيف يقال في هذه العصر إن عدم رسوخ الإيمان في القلوب كان هو سبب النكبة، فكان من جوابه أن المسلمين نكبوا بما نكبوا به في غزو أحد لأنهم خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت هذه اللطمة تأديباً لهم، كيف وقد جندلت منهم سبعين رجلاً من خيارهم، ليمتثلوا بعد ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه وليتلقوا درساً لا ينسونه حتى لا يخرجوا عن أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء أبداً، وأما النكبة التي كانت من بعد فقد كان المسلمون الذين خرجوا للقتال لاهين بأغاني شادية وأم كلثوم - وذكر عدداً (1/99)
صفحة 100
الفتاوى العقيدة
من المغنين - فأنى لهم أن ينتصروا؟! إنما انتصر المسلمون لما انتصروا عندما كانوا يعيشون بأحلام الجنة، فكان أحدهم يأكل تمرات ويسمع قول
ذلك،
رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن من قاتل من المسلمين مقبلاً غير مدبر فيقتل في فإن موعده بذلك جنة عرضها السماوات والأرض، فيقول: بخ بخ أأبقى حتى آكل هذه التمرات، فيستطيل المدة شوقاً إلى هذا الوعد فيلقي بالتمرات من يده، وينطلق إلى الجهاد ويقتل في سبيل الله) والله أعلم.
الخوف والرجاء
هل للإنسان أن يتفاءل في مصيره الأخروي كأن يتفاءل بدخوله الجنة أم أن التفاؤل فقط متعلّق بالدنيا؟
على الإنسان أن يكون خائفاً، راجياً، لا بد من الخوف ولا بد من الرجاء، فلا يجوز له أن يأمن من مكر الله، فإنّ الله - تعالى - يقول: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ} [الأعراف: 99]، ولا يجوز له أن ييأس من روح الله، فالله - تعالى - يقول {وَلَا تَأْيْتَسُوا مِن زَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأْيْتَسُ مِن زَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ} [يوسف: 87]، ومهما عمل من الصالحات عليه أن يستقل ذلك في جنب الله ـ تعالى ـ، فالله ـ تبارك وتعالى ـ حقه عظيم، وعلى الإنسان أن يشعر بالتقصير دائماً، وإن شعر بأنه مطمئن إلى عمله فذلك غرور منه، ولا يغتر بعمله إلا الجاهل، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن نفسه بأنه لا يدخله عمله الجنة إلا أن يتغمده الله بواسع رحمته (2) فكيف بغيره ـ عليه أفضل
الصلاة والسلام ـ؟
(1) رواه مسلم (3520).
(2) رواه الربيع (736) والبخاري (5241). (1/100)
صفحة 101
الإسلام والإيمان
الجزء الأول
والعمل مهما كان صالحا على العبد أن لا يغتر به لأن له محبطات من بين هذه المحبطات الرياء، فإنه إذا راءى فى عمله فعمله لا يكون خالصاً لوجه الله، وكلّ أحد عليه أن يخشى من الرياء، وعليه أن يخشى من النفاق، وإذا كان الفاروق عالى يستحلف بالله حذيفة لله صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبره النبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - ببعض المنافقين؛ يستحلفه عمر هل هو منهم أو لا؟ فكيف بغيره؟! كيف بنا نحن؟! ما لنا وللثقة بأنفسنا بأننا مبرءون من هذه الأوصاف القبيحة علينا أن نكون خائفين من الله، ذلك علينا أن نرجو رحمة الله، فالعبد يتعلّق برحمة الله، ولا يتعلّق ومع بعمله، وإنما يرجو رحمة الله مع حرصه على إصلاح العمل.
والخشية من الله - تعالى - هي سبب الخير فإنها تدفع إلى العمل الصالح وتصون النفس عن المعاصي، فالحق ناط الدعوة والتذكير بالخشية، فقد قال: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرِ كَرِيمٍ} [يس: 11]، ويقول: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14]، ويقول - تعالى -: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق: (33)، ويقول عَ: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى {[الأعلى: 10 - 11]، ويقول النبي: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل» (1).
فلا بد من الخوف من الله مع كونه يرجو رحمة الله، والرجاء لرحمة الأمن من مكره، والخوف من الله لا يعني اليأس من رحمته
يعني
الله لا
والله أعلم.
(1) رواه الترمذي (2374). (1/101)
صفحة 102
102
الفتاوى العقيدة
كيف نوفق بين الرجاء والخوف؟
نوفق بين الرجاء والخوف بأن يتصور أحدنا أنه ماش في طريق، تفترق إلى اتجاهين أحدهما إلى ذات اليمين والآخر إلى ذات الشمال، ولا يدري إلى أيهما ينتهي به السير هل يوفق فيسلك ذات اليمين أو يخذل والعياذ بالله - فيسلك ذات الشمال؟ فهو يرجو ويأمل أن يوفقه الله الا الله لأن يسلك الطريق التي تؤدي به إلى رضوان الله ويخشى كل الخشية أن يخذل فيسلك الطريق التي تؤدي به إلى سخط الله، وإذا كان الإنسان في هذه الدنيا إذا وعده وتوعده حاكم من حكامها، قادر على إنفاذ وعده ووعيده فيه، فإنه يتقي ويحذر وعيده ويحرص على الفوز بوعده، ويبقى مشغولاً بما زاحم في نفسه من رجاء الوعد وخوف الوعيد، فكيف والواعد المتوعد هو الله، الذي لا تبديل لكلماته ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا إخلاف لميعاده، فجدير بالإنسان أن يكون في هذا الموقف جامعا بين الخوف والرجاء، ثم لينظر الإنسان حاجته إلى النعيم، فمن منا لا يحتاج إلى الشربة الباردة، أو إلى الهواء الصافي، أو إلى الغذاء الطيب، وكلنا نخشى مما يؤذينا في هذه الحياة الدنيا، فكل منا يخشى حتى لسعة البعوض وقرصة النمل، فما بالكم والنعيم الموعود به هو نعيم الجنة، ومن منا لا يحتاج إلى الجنة التي أعدت للمتقين، ولا يبلغ تصور العبد وخياله إلى كنه ما أعده الله لهم فيها {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ هُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] تبشرهم ملائكته قبل دخولها بقولهم: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيَ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 31)، وإذا كان هذا هو وعد الله فإن وعيده إنما هو بعذاب النار - والعياذ بالله - وهولها لا يكتنه ولا يتصور، فمن الذي لا يكون ـ إذا راجع نفسه - موازنا بين خوفه ورجائه في مثل هذه الحالة والله أعلم. (1/102)
صفحة 103
مكانة الإسلام (1/103)
صفحة 104
104
الفتاوى العقيدة
النفس الإنسانية
هل هناك فرق بين الروح والنفس؟ إذا كان نعم فما هو؟
تكلم بعض العلماء الإسلاميين في الفرق بينها وممن بسط القول في هذا الشيخ ناصر ابن أبي نبهان فقد تحدث عن الفرق بين الروح والنفس والعقل والقلب في نحو أربعين صفحة أو أكثر ولكني لا أستطيع ان أقول شيئاً لأن هذه الأمور تحتاج إلى استناد إلى أدلة واضحة والله أعلم.
ما معنى النفس اللوامة؟ النفس اللوامة هي التي تَلُوم الإنسان على فِعْلِه السُّوء، لأنَّ النفوس
ثلاث:
نفس مطمئنة: وهذه نفس عاملة بأمر الله تتجنب محارمه وتتَّبع أوامره. ثُم النفس اللوامة: وهي التي إذا صَدَرَت من صاحبها هَفْوَة أخذت تَلُومُه على ما صدر منه حتى يتوب إلى الله.
والنفس الثالثة - والعياذ بالله -.
الفطرة
هي
الأمارة بالسوء والله أعلم.
في ظِلٍّ مَا يُرَى مِن الواقع الذي عليه المُسلِمون مِن تَأخُرٍ في الجانب الاقتصادي والتقني والعلمي وفي ظِلّ ما نَراهُ مِن تَشْويه لِلمُسْلِمِين بِسُلُوكِيَّاتِهِم صُورة الإسلام والتَّشْوِيه المُسْتَهْدَف مِن قِبل غير المسلمين للإسلام نفسه نَرَى خَطَّاً آخَر في المقابل يُبَيِّن تَزَائِداً كَبيراً في انتِشَار دُخُول غَيْرِ المُسْلِمِين في الإسلام بل نَرَى طَلباً واسعاً على الإسلام (1/104)
صفحة 105
مكانة الإسلام
الجزء الأول
1.0
ومَا كُتِبَ عن الإسلام وربَّما بيعَ في إحدى الدول الأوربية أربعون ألف
نسخة من ترجمة المُصْحَف الشريف فبماذا تُفسِّرُون ذلك؟ إنَّ الإنسان بِطَبْعِه يُحِسُّ بافْتِقَارِ من أعماق نفسه إلى الاتصال بِمُبْدِع هَذا الوجود ووَاجِبِ الوُجُود لِذَاتِه الذي أَخْرَج العَالَم من العدم إلى الوجود، والذي له مُلْكُ السماوات والأرض وبِيَدِهِ تَصْرِيف الوُجُود كله.
ولا ريب أنَّ الإنسان مُكَوَّن مِن رُوح وجسم وعقل وقلب ومَشَاعر بَاطِنة وظَاهِرة، ولِكُلِّ مِن هذه مطالب مختلفة متنوّعة، وقد جعل الله تعالى فيما شرع من الدين تنسيقاً بين هذه الجوانب بِأَشرها ومُعَادَلة بين الجانب الرُّوحي والجانب الجسدي، وبين مطالب القلب والعقل، والرُّوح والجسم، وبين جميع جوانب هذه الحياة، وأَرْسَل الله تعالى رُسُله وأنزل كُتُبه من أجل هذه المُعادلة ومن أجل وَصْل الإنسان بِعَالَمِ الْغَيْبِ، إذ عَقْلُه وَحْدَه لا يَكْفِيه لِذَلك لِمَا يُؤَثّر عليه مِن المُؤثِّرَات الكثيرة في أَحْوَالٍ مُختَلِفَة.
والإنسان دائماً يشعر بأنَّه مُفْتَقِرُ إلى الدِّين، وكما يقُولُ بَعض من العلماء: الدِّينُ ضَرُوري للسَّعَادة والنظام»، إذ بدون الدِّين لا يُمكن أن يكون هناك نظام في هذه الحياة، وبدون الدين لا يُمكن أن تَكُون سَعَادة للنفس البشرِيَّة، ولكن أيُّ ذلك؟ دِينِ
إن الله تعالى لم يكَل الناس إلى عُقُولِهم وأَفهَامِهم وتَضَارُب رُؤَاهُم لِهذه الحياة بل أَرسَل رُسُلَه وأنزل كُتُبه لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَى عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42]، ولَم يُرْسِل الله رُسُلَه بِعَقَائِد مُتَنَاقِضَة وأفكار مُضطَربة وإِنَّما أَرْسَلهم جميعاً بعقيدة واحدة عقيدة التوحيد التي تصل العباد بالله، ولذلك يقُول الله تعالى (1/105)
صفحة 106
106 الفتاوى العقيدة
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا نَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنيبُ} [الشورى: 13]، ومع گون هؤلاء الرُّسُل جميعاً كانوا يدْعُون إلى هذه العقيدة السَّويَّة التي تَصِلُ العباد بِرَبِّهِم وتربط ما بين الدنيا والآخرة وتصل بين العمل وجزائه وتصل بين الفناء والخلود جاء أولئك الرسل ـ أيضاً ـ بِعِلاج لمشكلاتٍ مُتنوّعة كانت تَرْزَحُ تَحتَهَا تِلْكُمُ المُجْتَمَعَات التي بُعِثَ فيها أولئك المُرْسَلُونَ كَمَا هُوَ وَاضِح في قصة شعيب وقصة لوط وغيرها من القَصَص، فإِنَّ كُلَّ واحدٍ كان يعالج مُشكلةٌ مُتَعَيَّنَة بِجَانِب مُعالَجَتِهِ لِمُشْكِلة العَقِيدَة وبِجَانِب حِرْصِه على أن يكون الناس جميعاً عَابِدِينَ الله سبحانه.
وبعث الله تعالى عبده ورسوله برسالة مُهَيْمِنَة على الرسالات السابقة ومُصدّقة لها، وقد جاءت دَعَوَات النَّبِيِّين من قبل تَوْطِئَة لهذه الرسالة وتمهيداً لَهَا، ولذلك أُخِذَ المِيثَاقِ عَلَيْهِم بِأَنْ يُؤْمِنُوا به:
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِشَقَ النَّبِيِّنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ وَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ} [آل عمران: 81].
فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم جامِعَة لِمَا تَفَرَّق في الرسالات الأخرى، وهي تتناول جميع مشكلات الحياة تناولاً جذرياً عميقاً، وهي تغُوصُ في أعماق هذه الحياة سواءً ما يتعلق بالجانب الرُّوحِي أو ما يتعلق بالجانب المادي، وتُبَوِّى كل شَيءٍ مُبَوَّأَهُ، فهي استجابةُ لِنِدَاءِ الفِطْرَة الذي يَتَجَلْجَلُ مِن أعماق النفس البشرية، ولذلك قال الله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]. (1/106)
صفحة 107
مكانة الإسلام
الجزء الأول
107
والناس عندما تَتَقدَّمُ بِهِم الحياة بما يتجدد فيها مِن تَطورات وما يَحدُث فِيهَا مِن اختلاف أَحْوَال البشر وانْتِقَالِهِم مِن وَضْع إِلى وَضْع تَتَبَيَّنُ حاجتهم إلى الدين، بل العالم بِأَسْرِه مع هذه المادية الطَّاغية بحاجة إلى الدين، وليس هنالك دين يسُدُّ حاجة الناس غير هذا الدين الذي بعث الله به المرسلين من قبل، وأنزله على أَتَمّ وُجُوهِهِ على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم لِيُقِيمَ حَياة الناس على منهج سوي فيه استجابة لِمَطَالِبِ الحياة وإرضاء الله تعالى، بحيث تكون الحياة بِأَسْرِهَا مُسخَّرَة لأمر الله، فَلِذلك نرى الناس اليوم يَتَسَارَعُون إلى اعْتِنَاقِ هذا الدِّين، لأنَّ الحاجة الملحة في أعماق نُفُوسِهِم
دَلَّتْهُم على الدِّين.
والناس بِفِطرتِهِم يُدْرِكُون ما في هذا الدين من خير وأن العدل الذي جاء به الإسلام لا يُسَاوِيهِ عَدْلٌ في الحياة وأنَّ حَلَّ المشكلات الفكرية أو العقلية في الإسلام لا يُوَازِيهِ حلٌّ آخر، فَلو أنَّ أحداً أَخذ يَعْرِض الفلسفات التي في الأَدْيَان الأخرى والمُعتقدات الأُخرى على العقل لَوَجَد أَنَّه يَنْبُو عنها وهي تَنْبُو عنه ولا يمكن أن يكون بينها انسجام بينما ما جاء به الإسلام الحنيف ينْسَجِمُ تَمَام الانسجام مع العقل.
فالعَقْلُ البَشرِي يَقُود الإنسان إلى هذا الخير، ولكنَّ تُؤثّر عليه مُؤثّرات بعضها بيئي وبعضها نفسِي، ومَعَ اسْتِعْلاء الإِنْسَان عَلَى هذه المُؤكِّرَات يَقُودُه العقل إلى الخَيْر، فكان بسبب ذلك كل أحدٍ بحاجة إلى أن يُعرَضَ عليه هذا الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يُعرض عليه مَنْهج القرآن، ولا ريب أن النفس البشرية تستجيب لهذا الأمر.
عاماً
وقبل نحو ستين من الآن سافر أَحَدُ الناس إلى بعض البلاد الغربية
وكان في بَاخِرَة يُلْقِي دروساً على المسلمين وكانوا يَجتَمِعُون من حوله (1/107)
صفحة 108
108 الفتاوى العقيدة
امرأة
وكانت الدروس التي يليقها تتعلق بالجوانب الدِّينِيَّة والفكريَّة، وربَّما حَضَر هذه الدروس أو وقف معها بعض الناس من غير المسلمين، وفي يوم من الأيام وقفت امرأة وأَصْغَت إلى الحديث الذي يتحدث به الرجل، وهي غربيَّة لا تُحْسِن شيئاً من العربية وكان الدرس باللغة العربية وفيه شَواهِدِ مِن آيات الله ـ تعالى ـ فقالت للرَّجُل بأنَّني سَمِعْتُ كلامك ولكن كان يتَخَلَّلُه کلام آخَر يَختلِفُ فيما تبَيَّنَ لِي عَنْ كَلامك إذ له رُوح غير الرُّوح التي في كلامك، فَرَدَّ عَلَيها بأنَّ ذلك هو كلام الله الذي اسْتَشْهِدُ به.
هذه
فَتَرَى أن أولئك هَدَتْهُمُ الفِطرة إلى أنَّ هذا القرآن فيه رُوح ليست في بَقِيَّة الكلام العربي وإن كانت الكلمات هي الكلمات والحروف هي الحروف والجُمَل هي الجُمَل، ولكن مع ذلك يَتفاوَتُ القرآن عن غَيْرِه، لأنَّ أسلوب القرآن لا يرقى إليه أيُّ أسلوب آخر، فإذن الفطرة هَدَتْهُم إلى هذا. ولا ريب أنّ الإنسان يُدْرِك أنَّه يَختَلِف عن الكائنات المُختَلِفَة الموجُودَة في هذه الأرض، إذ تُشَارِكُه كائنات متعددة الوجود في الأرض والحياة عليها، فهناك من الحيوانات ما هو أَطْوَل عُمُراً من الإنسان، وهناك ما هو أَقْوَى جسماً منه، وهناك ما هو أَشْجَع منه، ولكن ذلك كُلِّه يتميز الإنسان عليها بما آتاه الله من هذه النَّفْخَة الغَيْبِيَّة وهذا مع السر الإلهي الذي أُودع في تكوينه وهو العَقْل، ذلك السر الذي تَمكَّن بِه من تسخير بَقِيَّة الكائنات الأخرى لِمَصلَحَتِه، ولم تتمكن هي من تسخيره لِمَصْلَحَتها، فنجد أنَّ من الحيوانات ما يَفُوقُ الإنسان في قُوَّة جسمه وطُولٍ عُمُره وجُرْأَتِه ومِن هذه الحيوانات ما يُسَخَّرُه الإنسان لمصلحته، بينما أي منها لم يتمكَّن من أن يُسخّر الإنسان لِمَصْلَحَتِه، فوُجُودُ الإنسان يَختلف عن وُجُود بقية الكائنات، فلِمَاذا مُيّزَ بِهَذِهِ النَّفْخَةِ الغَيْبِيَّة وبِهَذَا
السر الإلهي؟! (1/108)
صفحة 109
مكانة الإسلام
من
الجزء الأول
109
إِنَّما هذا التَّمْيِيز لأنَّه يتحمَّل مسؤوليَّة عظيمة فوُجُودُه يَختلف عن وُجُودِ بَقِيَّةِ الكائنات الأخرى، وُجُودُه في هذه الأرض وُجُودُ سِيَادَة وخِلافَة، فهو ناحية سيد في هذا الكون بما آتاه الله تعالى مِن التَّمْكِين فيه وبِمَا سَخَّر له من مَوْجُودَاته، ومن ناحية أخرى هو خليفة في هذه الأرض مسؤول عن عمارتِها بِكَلمة الله والخليفة ليس لَهُ أن يتَصَرَّف فيما استُخْلِفَ فيه إلا بِإِذْنِ مِن مُسْتَخْلِفِهِ، فَلذلك كان الإنسان بِحَاجَة إلى نظام يَسِيرُ عليه في هذه الحياة، هذا النظام هو الدين.
ثُم إِنَّنَا نَجِد أَنَّ البَشَر جعلهم الله تعالى مجتمعات، فقد يكون هنالك مُجتَمَع يَتَميَّز على بقيَّة المُجتَمَعات بسيادة وبنظام وبقانون، فكُلُّ حَاكِم يَحكُم مُجتمعه بحسب ما يتَرَاءَى له مِنَ النظام الأَمْثَلُ الذي يَتَّفِق ويَنْسَجِم حَسْبَ مَا يَرَى مع ذلك المُجتمع الذي يَحكُمُه، ولا يُمكن لِحَاكم أَن يُهْمِلَ شَعْبَه أو أن يُهمل الأرض التي يحكمها بحيث لا يَجعل القانون سَيِّداً يَحكُم فيها، فَلَئِن كان هذا بالنسبة إلى الحُكّام الذين هم من البشر فكيف بالحاكم الأعظم الذي له الوُجُود بِأَسْرِه الذي لَه السَّماوات والأرض ومن فيهن وما فيهن؟! {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَنَهُمْ وَعَدَّهُمْ عَذَا وَكُلُّهُمْ وَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 93 - 195 فلا يُمكن أن مَمْلَكَته من غير أن يكون هنالك نظام يَحكُمُها؟! والإِنسان بِمَا أَنَّه في الأرض وهو مركب من عقل وشهوة تتنازعه وتتجاذبه دوافع وَجَوَاذِب مِن عقله وشَهوته ورغباته ونَزَوَاته ولا بُدَّ مِن أن يكون لهذا الإنسان نِظام رَبَّانِي يَحكُمُه فِي هَذِهِ الأرض ويُوَجِّهه الوِجْهَة المَرْضِيَّة ولا يُمْكِن أن يُوكل إلى عقله وغَرَائِزِه وإرادته بنفسه.
يُهمل
مُسْتَخْلَفْ
والذين يستَجِيبُون لِهَذَا الدِّين إنَّمَا يَستجِيبُون لهذه الفطرة التي تدفعهم
إلى البحث عن النظام الإلهي الذي يُسْعِدُ الإنسان، وأنَّى للإنسان أن يَجِد هذا (1/109)
صفحة 110
110 الفتاوى العقيدة
النظام في غير دين الله تعالى، فنَحنُ لو جِثْنَا إلى العالم المادي نجد بِأنَّه قبل بَعْث النبي صلى الله عليه وسلم كانت هنالك فلسَفَات في الأرض، ولكن هذه الفلسفات لم تُجدِ الإنسانية شيئاً، بل الحضارات التي كانت قائمة في هذه الأرض كانت على حساب مصلحة البشر، لأنَّها كانت تُمَكِّن للبَعْض من الكُلّ، وتُسَخّر الجماهير للأفراد من غير أن يكون هنالك رَادِع من إيمان أو مِن دِين، فلذلك كانت الضرورة داعِيَّة إلى الدِّين، وهَكَذا نَجِد الحضارة المُعَاصِرَة بِدُونِ وَازِعِ دِينِي مَيَّتة، ولننظر إلى هذه الحضارة كيف دفعت الإنسان إلى الفَتْكِ بالإنسان والانْتِقَام منه وتدمير الحياة الإنسانية والعدوان عليها في الأرض، ومعنى ذلك أنَّ الدِّين وَحدَه هو الذي يُهَيِّئُ المَنَاحَ المُلائِمَ للبشر حتى يَكُونُوا إِخْوَة في ذَاتِ الله تعالى متساوية أقدامُهُم بين يَدَيْهِ، لا يتفاضَلُون إِلا بِقَدْرِ ما يَقْتَرِبُون من الله تعالى بالعمل الصالح والتَّقوى والله أعلم.
هل الفطرة دائماً تدرك الحقيقة؟
لا، الفطرة لا تدرك الحقيقة دائماً، لأن الفطرة محدودة، ثم بجانب ذلك تتكدر بمكدرات وتتأثر بمؤثرات تحول بينها وبين انطباع الحقائق فيها على ما هي عليه، ولذلك جاء الدين بصقل هذه الفطرة لتصفيتها من الأكدار وتخليصها مما لحق بها من الآثار والله أعلم.
الوسواس
ما حقيقة الوسواس؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على
سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (1/110)
صفحة 111
مكانة الإسلام
الجزء الأول
فالوسواس والوسواس بالفتح والكسر مصدر وَسْوَسَ يُوسْوِسُ، كما يقال زَلْزَلَ يُزَلْزِلُ زَلزالاً وزلزالاً، وهكذا كل ما كان على هذا الوزن فإنه يأتي الفتح والكسر في فاء كلمته.
ووسوسة الإنسان هو أن يفكّر تفكيراً يؤدي به إلى أن يفقد الاتزان في التفكير؛ بحيث ينعدم ضبط هذا الفكر عنده إلى أن يتصور تصورات باطلة، ويصل به الأمر إلى أن يعتقد الحق باطلاً أو الباطل حقاً، أو أن يشك في أمر لا يقتضي الشك، فكل ذلك من الوسواس الذي يجب على الإنسان أن يستعيذ بالله تعالى منه.
على أن الوسواس قد يطلق أيضاً نفسه على الشيطان الذي يوسوس للإنسان والعياذ بالله؛ لأنه مصدر هذه الوسوسة، فالإنسان مطالب بأن يستعيذ بالله - تبارك وتعالى - من شرّ هذه الوسوسة التي تكون من الشيطان للإنسان بتزيين الباطل له وتحبيبه إليه، وتقبيح الحق في عينه وإبغاضه إليه، وقد أمر الله - تبارك وتعالى - بالاستعاذة منه في قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَلَيفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 200 - 201] ويقول له: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [فصلت: 36]:
وقد أنزل الله تعالى سورة بأسرها، تدل على ضرورة التعلّق بالله ـ تبارك وتعالى ـ واللجوء إليه فراراً من هذا الذي يزيّنه الشيطان في نفس الإنسان أو يثيره في نفسه من الشكوك والأوهام حتى يكون هذا الإنسان أسير وهمه، أنزل الله - تبارك وتعالى ـ سورة تنبئ الإنسان بضرورة اللجوء إلى الله فراراً
من هذه المكائد الشيطانية، فقد قال عز من قائل: (1/111)
صفحة 112
112 الفتاوى العقيدة
بسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)) مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ (5)
الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [سورة الناس]:
6—
ولذلك
فعلى الإنسان دائماً أن يكون ملتجئاً إلى الله - تبارك وتعالى -. أما بالنسبة إلى الشعور بالتقصير في أداء الطاعات والقيام بالواجبات فهذا مما يجب أن يكون في خلد الإنسان دائماً، إذ الإنسان مهما قام بالحقوق الواجبة عليه، واضطلع بالأمانة الملقاة على عاتقه فإن التقصير ديدنه، إذ لا يستطيع إنسان قط أن يوفي حق الله - تبارك وتعالى. نجد في كتاب الله و ما يدل على أن المؤمنين الصالحين يفعلون ما يفعلون من خير، ويسارعون إلى الطاعات ويتجنبون المعاصي، ولكن مع ذلك تبقى نفوسهم في خوف من الله - تبارك وتعالى، فالله والله يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَهُ أَنَّهُمْ إِلَى رَتِهِمْ رَاجِعُونَ أَوَلَيْكَ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ} [المؤمنون: 60 - 61، فهؤلاء مع كونهم يعملون الصالحات، ويُؤتون ما آتوا من أموالهم طيبة بذلك نفوسهم، فإن قلوبهم تظلّ وجلة من خشية الله - تبارك وتعالى -، شاعرة بالمنقلب إليه الله، وهم بهذا الوجل والخوف من الله الله يزدادون قرباً إليه، ومسارعة إلى طاعاته وابتعاداً عن معاصيه، ولذلك كانوا دائماً يسارعون في الخيرات كما قال سبحانه: {أُولَيْكَ يَسُرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ} [المؤمنون: 61] هذا؛ ومن المعلوم أن الإنسان ضعيف أمام عواصف الأفكار المختلفة التي تلم به، وأمام التحديات المتنوعة التي يواجهها، وأمام تقلبات الأحوال من حوله بحيث قد يكون في نعمة فينقلب إلى ضدها، وقد يكون في أمر يحبه فإذا هو يصادف ما يكره، وهكذا تحديات الزمن وصروف الدهر، فالإنسان إذاً عرضة لهذه التقلبات، ولكن مع ذلك فإن المؤمن الواثق
بالله - تبارك وتعالى - يلجأ إلى الله ويتوكل عليه. (1/112)
صفحة 113
مكانة الإسلام
الجزء الأول
113
والله ـ تبارك وتعالى ـ لم يكلّف الناس عسيراً، إنما كلّفهم يسيراً، ووعدهم خيراً كثيراً وأجراً كبيراً، وهو الله ما جعل عليهم في الدين من حرج، فقد قال تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وهو الله بين أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها حيث قال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، فطبيعة الإنسان أن تكون نفسه عرضة للكثير من التقلبات، ولكن المؤمن مهما واجه من هذه الظروف والأحوال والتقلبات،
بسبب
ومهما كان من طبيعة نفسه ما يلقاه من شدة أو عكسها إلا أنه دائماً يكون موصولاً بربه كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) [الأعراف: 201]، هكذا شأن المتقين، فلذلك مهما ألمت بهم الوساوس فإنهم يقاومون هذه الوسوسة ويستعيذون بالله - تبارك وتعالى - من الشيطان الرجيم، ويستعيذون بالله الله مما يلم بهم، فتصبح الصورة واضحة، والحقيقة بينة، ويتغلبون على هذه العوارض كلها والله أعلم.
الوسواس هل هو مرض عضوي أم هو فقط مجرد وسوسة شيطانية؟ هو ضعف في النفس والعياذ بالله، ولا ريب أنه مرض، يستغله الشيطان، إذ يُزيّن لأصحاب هذه الأمراض الاسترسال في هذه الحالة إلى أن يصبح الإنسان أسير هذه العادة السيئة والله أعلم.
امرأة مصابة بالوسواس القهري، وهذا الوسواس يجعلها تشك في الصلاة وتوسوس ولا تدري هل صلت أم لم تصل، وقال لها من قال بأنَّ لها أن الصلاة؛ لأنها لا تستطيع حتى الخروج من البيت لأنها تخشى أن
تجمع
تفوتها الصلاة، فهل لها أن تجمع الصلاتين؟
كل ما كان محرجاً للإنسان يسوّغ له أن يجمع بسببه الصلاتين، (1/113)
صفحة 114
114 الفتاوى العقيدة
والمرض من جملة الإحراج، فالنبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الصحيح صلى الظهر والعصر معاً، والمغرب والعشاء الآخرة معاً، من غير خوف ولا سفر، ولا سحاب ولا مطر (1). وقد جاء في رواية الشيخين وغيرهما لهذا الحديث أن راويه ابن عباس لما سئل ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. ومعنى ذلك أن أوقات الحرج يسوغ فيها للإنسان أن يجمع الصلاتين دفعاً لهذا الحرج، ولا ريب أن مثل هذا المرض مرض الوسوسة حرج كبير، فما على هذه المرأة أن تصلي بمشيئة الله الظهر والعصر معاً، وأن تجمع أيضاً بين المغرب والعشاء معاً، جمعاً
من
غير قصر، إلا إذا كانت في حال السفر فلتقصر والله تعالى يتقبل منها
والله أعلم.
هل للوسواس أنواع؟ وما هي أعراض كل منها؟
،
لا نستطيع أن نحصي جميع أنواعه، فالوساوس تختلف باختلاف أحوال الناس، من الناس من يشك في الناس بحيث يظن أن كل الناس يضمرون له الشر، فإذا أبصر اثنين يتحدثان وقع في نفسه أنهما يريدان الوقيعة به، وإذا خطا أحدهم خطوة تصوّر أن تلك الخطوة هي ضده، وإذا كلّمه أحد كلاماً حسناً جميلاً تصوّر أنه يضمر خلافه، هذه طبيعة توجد في الناس، وهي سوء الظن، وهذه من الوسوسة الشيطانية التي تدعو إلى سوء الظن ونظر السوء إلى الناس، وهذا مما دعا القرآن الكريم إلى تجنّبه فالله ـ تبارك وتعالى ـ يقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا} [الحجرات: 12]، ونجد أن الحديث الشريف يقول: «إياك والظنّ؛
(1) رواه الربيع (251) والبخاري ومسلم (1147). (1/114)
صفحة 115
مكانة الإسلام
الجزء الأول
110
فإن الظن أكذب الحديث (1)؛ أي سوء الظن أكذب ما يتلقاه الإنسان، قد يظنّ الظنون بغيره ويفضي به سوء الظن إلى أمور تؤدي به إلى عواقب خطيرة جداً كما يقول الشاعر: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم وعادي محبيه بقول عداته وأصبح في ليل من الشك مُظلم فالإنسان كثيراً ما يوقعه سوء الظنّ في ضروب من المحن وأنواع من الفساد، وهو ينشأ عن وسوسة الشيطان؛ لأنّه يُخيّل إليه أنّ كلّ أحد يضمر له الشر، والحقيقة خلاف ذلك.
وقد تكون هذه الوسوسة فيما يتعلّق بأداء الواجبات، فكثيراً ما تكون الوسوسة في الطهارة بحيث يشك الإنسان في طهارته، ويتصوّر أنه لم يقم بالواجب في تطهيره نفسه، ويتصوّر دائماً أنه متلبس بالنجاسات، فيحرص على أن يغسل جسده، وثيابه، وفراشه، وأن يغسل كل شيء من حوله، فالإسلام قطع دابر ذلك إذ جعل الأمور محمولة على أصلها، والأصل في الأشياء الطهارة، وكذلك قد يكون الإنسان شاكاً. في الطهارة من الحدث بحيث يرى أنه لو قام بما قام لم يوفِ الطهارة حقها، فيتوضأ المرات الكثيرة، ويغتسل الغسل الواجب مكرّراً له المرة بعد الأخرى وهو يرى أنه لم يوف الطهارة حقها، وهذا أيضاً مما قطع الإسلام دابره، فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لبدء الوضوء شيطاناً يسمى الولهان، يولع الناس بالإسراف في استعمال الماء (2)، وقد يتصور الإنسان في كل حين أنه أحدث وأنّ وضوءه، انتقض وما هذه إلا وسوسة، وقد دلّ الحديث
6
(1) رواه الربيع (698) والبخاري (5604) ومسلم (4646).
(2) رواه الإمام الربيع (129). (1/115)
صفحة 116
116 الفتاوى العقيدة
الشريف على معالجة ذلك بحمل الشيء على أصله، ففي الحديث عن
حتى
النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن أن ينفلت الإنسان من صلاته إذا شك في الحدث يسمع صوتاً أو يشم ريحاً (1)، وهكذا كل ما كان من هذا القبيل، فإنّ الإسلام الحنيف جعل له علاجاً.
وقد تكون الوسوسة أيضاً في صلاة الإنسان بحيث يشكّ، وهذا أمر قطع دابره بعدم العودة إلى الركن بعد أن جاوز محله، فإذا تجاوز الإنسان حدّاً من حدود الصلاة، ثمّ شك هل فعل ذلك الشي أم لم يفعله؛ فإنّه لا يعود إليه بعدما جاوزه بحد، وهكذا كلّ ما كان من هذا القبيل، فالشك يُقطع دابره باليقين، وذلك باستصحاب الأصل، بعدم الالتفات إلى هذه الشكوك بعد مجاوزة أماكنها، والله تعالى أعلم.
أَلا
يقع هذا الموسوس ـ أيضاً ـ في الحرام، فمثلا عندما يتوضأ يكرر الوضوء عدة مرات ولربَّما يستمر في وضوئه لنصف ساعة .. وكذلك عندما يغتسل من الجنابة ربَّما يستمر ساعة كاملة لأجل هذه الوسوسة، ففعله هذا ألا يُوقِعُه في مَحْظور كالإسراف في المياه؟
يُوقِعُه في أكثر من محظور، يوقعه في الإسراف والإسراف مُحَرَّم، والماء ثَرْوَة للجميع لا يَختَصُّ به أحد دون أحد، ولذلك كان الناس شُركاء في ثلاثة ومن بينها الماء، فما يَفْضُلُ عن حاجة الإنسان ينتفع به غيره، ولا ينبغي
أنَّ
للإنسان أن يسرف في استعمال الماء، وإنَّما يأخذ من الماء كفايته، على في كثير من الأقطار كقُطرنا هذا المياه قليلة شحيحة، فعندما يُكْثِر الإنسان من صب الماء سواء في غسله من الجنابة أو غسل المرأة من الحيض مثلاً
(1) رواه الإمام الربيع (106) والبخاري (134). (1/116)
صفحة 117
مكانة الإسلام
الجزء الأول
117
هذا النوع
أو في حال الوضوء أو في حال تغسيل الثياب أو أي شيء من فإِنَّ ذلك مِمَّا يُعَدُّ مِن الإسراف غير الجائر، والوسوسة تدفع الإنسان إلى أن يُولَعَ بالإسراف حتى لا يُبالي، وهذا مما يجب أن يتفطَّنَ له الإنسان وأن يتَجَنَّبَه، كذلك من المَحَاذِير والمَحَاظِير التي تترتب على الوسواس أن الإنسان يتوضأ ثُم يشك في وضوئه، ثُم يتوضأ ثم يشك في وضوئه وقد تفوته صلاة الجماعة، بل ربَّما فاته الوقت بحيث يستمر استمراراً طويلاً، ولذلك الفقهاء رأوا علاج مثل هذه الأشياء بأن يُحْمَل هؤلاء الموَسْوِسُون على الأخذ بأرخص الأقوال، حتى يتجنبوا هذه الوسوسة ويتمكنوا من علاجها ومقاومتها والله أعلم.
امرأة تعيد الصلاة أكثر من مرة وحاولت التخلص من ذلك، وكذلك عندما تقرأ الفاتحة تقرأها أكثر من مرة، وعندما تسمع صوتاً وهي في
الصلاة توسوس وتعيد الصلاة مرة أخرى، فما هو علاجها؟
عليها أولاً أن تتفقه في الدين بحيث تعرف أنّ العمل إذا دخله الإنسان ليس له أن يبطله؛ لأنّ إبطال العمل منهي عنه بنص القرآن الكريم فالله ـ تبارك وتعالى ـ يقول وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ} [محمد: 33]، ولذلك كان الخروج من الصلاة بعد الدخول فيها من غير موجب للخروج أمراً محرماً، فلا يجوز للإنسان أن يُقدم عليه لما في ذلك من التشديد في حكم الله الله.
ثم من ناحية ثانية تكرار الفاتحة الشريفة أمر غير جائز، بل تكرار الفاتحة في الركعة الواحدة مبطل للصلاة؛ لأنّ الفاتحة ركن، والركن إنما يقتصر الإنسان في حال تأديته على التأدية المشروعة من غير أن يزيد شيئاً عليها، فلا يجوز للإنسان أن يزيد شيئاً على الركن المشروع بتكراره ولا يتكرر (1/117)
صفحة 118
118 الفتاوى العقيدة
شيء منه، فكما لا يجوز له أن يكرّر الركوع في الركعة الواحدة بحيث يركع مرتين أو ثلاث مرات، وإنما يقتصر على القدر المشروع وهو مرة واحدة؛ فكذلك الفاتحة لا يجوز أن يكرّرها بحيث يقرأها المرة تلو المرة في الركعة الواحدة، فإن هذا أمر مؤد إلى بطلان الصلاة.
فعليها أن تتغلب على هذه الوساوس، وأن تستعين بالله وأن تكثر من ذكر الله، وقبل قيامها إلى الصلاة لتقرأ آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين، ولتستعذ بالله الله من الشيطان الرجيم، ولتقرأ هاتين الآيتين من آخر سورة الأعراف:
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَلَيفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 200 - 201]. ولتقبل على الصلاة بإرادة وبصمود بحيث لا تزعزعها الأحداث، ثم بجانب هذا عليها أن لا تبالي بالأصوات التي تسمعها، فإنها لا يعنيها من تلك الأصوات شيء، فلو أنها سمعت صوت طفل أو صوت صغير أو صوت كبير فلا يشغلنها ذلك عن الصلاة، ولو حصل أن اشتغلت فعليها أن تتجاوز ذلك حتى تعتاد عدم الاشتغال بذلك؛ لأنها لو أبطلت الصلاة كلما سمعت صوتاً فإن ذلك يتسارع في صلاتها حتى لا تستطيع أن تقرأ شيئاً من الصلاة قبل أن تبطلها، وإنما عليها أن تستمر مهما كانت هذه الأصوات، وبهذا تتغلب إن شاء الله على هذه العادة الخطرة، والله تعالى الموفق والله أعلم.
مع
رجل عنده وسواس شديد عندما يصلي في المسجد الجماعة يأتيه الشيطان فيوسوس له بأنه سيموت الآن، أو سيصاب بالجنون، وهذا الأمر لا يجعله خاشعاً في الصلاة، وربما يدفعه في بعض الأحيان إلى (1/118)
صفحة 119
مكانة الإسلام
الجزء الأول
119
أن يخرج من الصلاة، وعندما يصلي في البيت لا يحدث له هذا الأمر،
فما هو العلاج؟ نسأل الله - تبارك وتعالى - له العافية والصحة وزوال البأساء والضراء ومع ذلك نرجو منه أولاً أن يكابر هذه الأوهام والشكوك، وأن يتغلب عليها بتقوية إرادته، فإن هذه الشكوك إنما تقوى على الإنسان عندما تضعف إرادته، ثم بجانب ذلك عليه أن يلجأ إلى الله، وأن يكثر من ذكر الله الله في الصلاة وخارج الصلاة، فالله تعالى يقول:
أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، فبذكر الله يطمئن قلبه، وقبل أن يقوم إلى الصلاة ليذكر الله ـ تبارك وتعالى ـ، وليستعذ به من الشيطان الرجيم، وليتلُ ما أمكنه من الآيات المعوذة كسورة الفاتحة الشريفة وآية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين، وليكثر من قول لا إله إلا الله فإنها كلمة الإخلاص، وكلمة الإخلاص تدفع الوسوسة، وهكذا كل ما كان من هذا القبيل، ليكثر من ذكر الله - تبارك وتعالى ـ، والله الله ينزل السكينة على قلبه، وليكثر من الدعاء بإخلاص مع اليقين بالإجابة، فإنّ الله - تبارك ـ وتعالى - يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] والله أعلم.
هل الذي يوسوس هو الشيطان أم النفس؟ القرآن الكريم يدل على أنّ الشيطان له أثر إلا أن النفس بسبب ضعفها يتمكن الشيطان من السيطرة عليها، فالنفس تضعف، وهذا الضعف قد يكون بسبب تأثيرات من الشيطان نفسه؛ لأنه يخيّل للإنسان خيالات، وإذا بهذه النفس تضعف شيئاً فشيئاً، وهو يستغل هذا الضعف، والله - تبارك
وتعالى ـ يقول: (1/119)
صفحة 120
120 الفتاوى العقيدة
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَيفُ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 200 - 201]
وقد دلّ القرآن الكريم أيضاً على أنّ الوسوسة تكون من الشيطان، قال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (3) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [سورة الناس فالإنسان مطالب بأن يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وفي هذه الاستعاذة ما يدفع هذه الوسوسة إن شاء الله والله أعلم.
ما هو واجب الأسرة والمجتمع في مساعدة المريض بالوسواس؟ الأسرة والمجتمع لهما أثر كبير في إعطاء المريض دفعة إيمانية؛ بحيث يقال له بأن شخصيته شخصية قوية، ولا ينبغي أن يضعف أمام هذه العاصفة من هذه الوسوسة، بل يجب عليه أن يصمد ويقوى ويدفع ما يطرأ لنفسه من أسباب الضعف.
فإن المرض النفسي يعالج بمثل هذا العلاج النفسي، وقد يقوى الإنسان على مقاومة هذه الوساوس عندما يكون هنالك علاج نفسي، فقد سمعت بأن رجلاً من الناس كان دائماً يُخيّل إليه أن في رأسه مسماراً رأسه مسماراً من الحديد وكان دائم الصراخ والعويل، يقول بأنه يحسّ بوجع شديد بسبب وجود هذا المسمار الحديدي في رأسه، ويذهب إلى الأطباء، والأطباء يقولون له يوجد فيك شيء، ويطلب منهم أن يعرضوه على الأشعة حتى يكتشفوا هذا المسمار، ويردون عليه بأنّ الأشعة دلّت على أنّ رأسه خالٍ من كلّ شيء، ولكن مع ذلك كانت هذه الوسوسة ملازمة له، كان ذلك داء مكيناً سيطر على عقله وفكره فما كان يصدق أبداً مقالة طبيب، ويقول بأن هؤلاء
لا (1/120)
صفحة 121
مكانة الإسلام
الجزء الأول
121
الأطباء جميعاً لا يعرفون شيئا، إلى أن جاء إلى طبيب وعرف حقيقة أمره، فقال له: نعم المسمار موجود، وإن شاء الله سوف أخرجه، فخدره فنام، ثمّ شطبه قليلاً وضمّده، ثمّ ذبح ديكاً، وأتى بمسمار فطلاه بالدم، ثم قال له: انتزعنا المسمار وهذا هو، فاطمأنت نفسه وسكنت وزال عنه كل ما يشكو، وبعد حين قال له أحد بأن الطبيب إنما فعل كذا، فعندئذ قال: ولذلك أنا لا أزال أحسّ بالوجع، وأخذ يصرخ مرة أخرى، ويردد ما كان يقوله من قبل، فإذا المجتمع عليه أن يكون حكيماً في معالجة مثل هذه الأمراض، وكذلك الأسرة، والله تعالى الموفق، والله أعلم.
هل هناك رابط بين الوسواس وبين عصيان الإنسان الله تعالى بحيث يكون هذا الوسواس عقاباً له؟
قد يكون ذلك فالله - تعالى - يبتلي من يشاء بما يشاء، ويعاقب من يشاء بما يشاء، الأمر أمره سبحانه، وعندما يتعرَّض الإنسان لأي ضيق في هذه الحياة عليه أن يُحاسب نفسه، فإنَّه قد تَضِيق نفس الإنسان بسبب معصية ارتكبها، والأدلة من القرآن الكريم شاهدة على ذلك:
فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ
ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَضَعَدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125].
فهكذا يُبتلى الإنسان بسبب معصيته التي يرتكبها، وجدير بالإنسان أن يُحاسب نفسه كثيرا والله أعلم.
هل معنى هذا أنَّ الوسواس يعمل في اتّجاهين قد يكون عقاباً للإنسان
وقد يكون اختباراً له؟
نعم والله أعلم. (1/121)
صفحة 122
122 الفتاوى العقيدة
محاسبة النفس
ما هو برنامج المحاسبة الذي تقترحونه على الإنسان كي يجعل نفسه دائما في حالة نقص وتقصير؟
الإنسان عليه أن يستشعر أَوَّلاً عظم حق الله - تعالى - عليه، لأنَّ الله خلقه من عدم وهو ملك لله تبارك وتعالى، وقد أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فمَنَّ عليه بهذه الحياة، ومَنَّ عليه بما تزخر به الحياة من نعم.
ولو أنَّ الإنسان أَمَدَّ الله - تعالى - في عمره وعاش عمر نوح وقضى حياته كلها من أول عمره إلى آخر عمره في شُكر أَدْنَى نعمة من هذه النعم لما وفي بشكرها، فكيف بعظام هذه النعم.
كيف لو أنَّ هذا الإنسان انقطع عنه النفس، ولو ارتفع الأكسجين الذي جعله الله تعالى في هذا الجو الذي يعيش فيه الإنسان وضاق به الخناق، كيف تكون حالته، فالله - تعالى - مَنَّ عليه بهذا النفس الذي يتنفسه، وأوجد في نفسه جهاز التنفس، ثم مع ذلك هيأ له هذا الجو الطيب اللطيف الذي يستنشق منه الأكسجين في نومه وفي يقظته في حركته وفي سكونه، في ذكره وفي غفلته، في فرحه وفي ترحه وفي جميع أحواله.
ولو أنَّه انقطع عن الإنسان وكانت الدنيا كلها بيده فإنَّه يبذل هذه الدنيا من أجل هذا الأكسجين.
8111
كما هيأ الله - تعالى - له الغذاء والشراب: قُتِلَ الْإِنسَنُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَتِي شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَذَرَهُ ثُمَّ السَبِيلَ يَسَرَهُ ثُمَّ أَمَانَهُ، فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَيْنَا الْمَاءَ صَبَّا ثُمَّ شفَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتَنَا فِيهَا جَبَّا وَعِنَبا وَقَضَبَا وَزَيْتُونَا وَنَخَلا وَحَدَابِقَ غُلَبَا) (1/122)
صفحة 123
مكانة الإسلام
الجزء الأول
123
31
وَفَيْكِهَةً وَأَيَّا * مَنَعَا لَكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ} [عبس: 17 - 32] بأي قدرة يُمكن للإنسان أن يفعل ذلك لو أنَّ الله تعالى أمسك قطر سمائه أو أمسك نبات أرضه وكيف يُمكنه أن يستخرج النبات أو يستنزل الماء.
ولو أنَّ الماء لم توجد فيه خاصية الإنبات، والأرض لم توجد فيها خاصية النبات كيف كان الأمر؟
ثم إنَّ الإنسان لو لم يهيئ له الحق سبحانه جهاز الهضم بأي وسيلة كان يمكن أن يستمرئ الطعام؟
كل ذلك مما يدعو الإنسان إلى أن يفكر في أمره، وأن يذكر حق الله تعالى عليه.
ثم إنَّ الله أمره بواجبات ونهاه عن مناه أمره بأن يعبده حق عبادته، وأن يطيعه في سره وعلانيته فعليه أن يحاسب نفسه في هذه العبادة، وفي هذه الطاعة، وفي امتثال أوامر الله وفي الازدجار عن نواهيه والله ـ تعالى ـ المستعان.
بما أن الله الله يعلم خفايا البشر، فهو يعلم نوايا القلب. فهل الله سبحانه يحاسب الناس ويثيب ويعاقب على نية الإنسان، وإن لم يَقُلْهَا؟
يقول الله تعالى في معرض التحذير لنا لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله) [البقرة: 284]، وإنما من فضل الله على عباده أن من نوى حسنة ثم لم يعملها لسبب من الأسباب يكتبها الله تعالى له حسنة، والذي ينوي سيئة ثم يتراجع عن ارتكابها خوفاً من الله وعمل فإن الله يتجاوز عنها، وأما الفجرة الذين ينوون في قرارة نفوسهم الفجور فإنهم مجزيون بنواياهم الخبيثة، فإنهم لا يصدهم عن فجورهم إلا العجز عن ممارسته والله أعلم. (1/123)
صفحة 124
124 الفتاوى
خلق الإنسان
العقيدة
يبين الحديث أن الجنين إذا بلغ أربعة أشهر أرسل الله إليه ملكاً يكتب رزقه وعمله وقد اكتشف أن الجنين في هذه الفترة تظهر
خطوط في جبينه ثم تتغطى بطبقة دهنية فهل تلك الخطوط
ملك أم لا؟
الله أعلم، إن الله على كل شيء قدير.
هي
كتابة
ما معنى قوله تعالى: {مَا خَلْقَكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28]؟ معنى ذلك أنَّ خلق الله لالالالالاله الناس جميعاً كخلقه لنفس واحدة. فإن الله يسير عنده كل شيء، ليس فعله بتكلف ولا بمحاولة ومزاولة كفعل المخلوق، فخلق جميع الخلق جميعاً بقدرته تعالى المحيطة بكل شيء كخلق نفس واحدة، وبعث جميع الخلق كلهم أجمعين كبعث نفس واحدة من غير فرق والله أعلم.
كثيراً ما نسمع أو نقرأ عن ولادة إنسان بلا رأس أو برأسين، أو ولادة طفلين متلاصقين أو ما شابه ذلك من العجائب، السؤال ما هو رأي الإسلام في ذلك، وإلى أي مدى يمكننا أن نتوصل من خلال ذلك إلى قدرة الله في خلقه؟
قدرة الله ظاهرة في كل شيء، إنما هذا يكون أحياناً بتلاصق التوائم، إذ يخلق الله الا الله توأمين متلاصقين ليس بينهما فكاك، وكذا الحال بالنسبة لإنسان برأسين، فهذا - فيما يظهر - توأم لم يكتمل، وكذلك أن يكون المولود لا رأس له، فهو مخلوق غير مكتمل، والله الله في خلقه شؤون، يخلق ما يشاء ويختار، ذلك لأجل العبرة والموعظة، لنعلم أن الله أكمل خلقنا بفضله
وإنما يصنع (1/124)
صفحة 125
مكانة الإسلام
الجزء الأول
125
وبمنته، وعلى الذي يولد له مولود كامل الخلقة أن يشكر الله على هذه النعمة، فيثاب على هذا الشكر، وعلى الذي يولد له مولود بهذه الكيفية الشاذة أن يصبر على هذا البلاء، فيثاب على هذا الصبر، والله أعلم.
ما معنى قوله تعالى {وَلَيْسَ الذَّكَر كَالْأُنثَى} [آل عمران: 36]؟
هذا القول حكاه الله الله لا عن امرأة صالحة من نساء بني اسرائيل، وهي امرأة عمران التي هي أم مريم، وهي التي نذرت ما في بطنها محرراً، فلما وضعتها أنثى قالت رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى} [آل عمران: 136 تعتذر بذلك، لأن الله الله جعل الأنثى من ناحية التكوين تختلف عن الذكر والذكر من ناحية التكوين يختلف عن الأنثى، وكذلك الأعمال التي نيطت بالأنثى غير الأعمال التي نيطت بالذكر، والأعمال التي نيطت بالذكر ليست كالأعمال التي نيطت بالأنثى، فلكل واحد خصائصه، ولكل واحد تكاليفه الخاصة به التي ينوء بها، بجانب التكاليف العامة المشتركة ما بين الذكر والأنثى، والله أعلم.
حياة الأمم السابقة
في رُقْعَةِ الأرض الواسعة تَهْبِطُ أقدارُ مُوجِعَة تَخْطف الأرواح بالجملة ولا تَسْتَثْنِي طائفةً دون أخرى بَيْدَ أَنَّ المسلِم بِسَبَبِ تَضَارُبِ أَو تَنَاقُضِ الخطاباتِ المُفَسِّرَة لِما يَحْدُثُ هنا وهناك يَحْدُثُ لديه سوءُ تَصُورٍ لِمَا يَحدُث ولا يَسْتَطِيع أن يُفَسِّر أيضاً هذه الأقدار، فكيف يَفْهَم المسلم هذه الأقدار عموما؟ وكيْف يُفَسِّرُها بحيْثُ تَتَوَاءَمُ وتَتَّفِقُ مع عَقِيدَتِهِ التي
يُؤْمِنُ بِهَا؟ (1/125)
صفحة 126
126 الفتاوى العقيدة
هذه
المسلم أوْلَى بِأن يُفَسِّر ذلك، لأنَّ العالَمَ كُلَّه بِأَحْداثِه وتَصارِيفِه وما يَمُوجُ بِه هو لُغُزّ مُعَمَّى بِالنسبة إلى الإنسان وحَلٌّ هذا اللُّغْزِ بِيَدِ المُسلِم لأَنَّ مفتاحه بِيَدِه، فالله تعالى بَيْنَ في كِتابه الكرِيم كَيْفَ شَأْنُ القَدَرِ مع خَلْقِ الله، إذ يُخبِرُ عَمَّا أَصابَ الأُمم الغابِرَة لِيَذَّكِرَ الإنسان ولِيَأخُذُ العِبْرَة في الحياة، فالله تعالى يقول: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّتَهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ تُمَكِّن لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [الأنعام: 6] فهكذا بَادَت القُرون قَرْنا بَعْدَ قرن سواء كان هذا الإهلاك بِمَا أَخَذَهُم بِه مِن العذاب أو كان بالموت الطبيعي الذي يَشرِي في الناس، ولكن ربَّما كان الهلاك العام الذي يَأْتِي على جمهور الناس أَكْثَرَ مَوْعِظَةٌ وأَكْثَرَ زَجْراً لِلإِنسانِ عن الوُقُوع في مَحارِمِ الله، ويَقُولُ الله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَنَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَ تَهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9].
ونَحنُ نَرَى كيْف عُمِرَتْ الأَرْضِ قَبْلَ هذه الأُمة عبر الأُمم السابقة، فآثارُ العُمْران قائمة إلى الآن، فهذه الأهرامات التي بقيت هذه القرون الطويلة، وهذه البِنَايَات التي عَمَرَتْها الأيدي القوية لا تَزالُ قائمة في أَمَاكِنَ مُتعَدِّدَة مِن الأرْض شَاهِدَة على أنّ الله بَسَطَ لأولئك من القوة وآتَاهُم ما لَم يُؤْتِهِ مَن بَعْدَهم، ولكن مع ذلك أُهلِكُوا وبَادُوا، وفي ذلك عِبْرَة إِذ يَقولُ الله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَنِكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنَ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 58]، وهذا ما نشاهده في هذه المساكن التأريخية التي يُعَبَّرُ عنها بالمساكن الأثَرِية التي مَرَّتْ بِها القُرُون السابقة
وارْتَاحَتْ فيها وعَاشَتْ بِرَاحَة وبِنِعْمَة وبِتَمَتُّع ولكن مع ذلك بَادَتْ وفنت. (1/126)
صفحة 127
مكانة الإسلام
على
الجزء الأول
127
أنَّ الله يُبَيِّنُ لَنَا في كتابه الكريم بطريق الإشارة كيف كانت تلك القُرُون تَعِيشُ عِيشَةً طويلة، إذ ذَكَرَ أنَّ نُوحا لَبِثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عاما، ومعنى ذلك أنّ تلك القُرُونَ الغَابِرَة كانتْ تَعِيش عيشَةً طويلة. وهذا ما دَلَّتْ عليه الحَفْرِيَّات والآثار الموجُودَة تَحْتَ الرُّكام من أَنْقَاضٍ مَبَانِيهِم، فقد دلَّتْ على أنّ الأُمم السابقة كانتْ تَعِيشُ عِيشَةً طويلة، فهناك أحد الإمريكان اكتَشَف قَبْلَ سِنِين أنَّ هناك مَمْلَكَة قامتْ في بِلادِ ما وَرَاءَ النّهْر تُسَمَّى «مَمْلَكَة تُشِيشِي الأُولَى تَعَاقَبَ على حُكْمِها ثلاثةٌ وعِشْرُون حاكما لمدة أربعة وعشرين ألفا من الأعوام ومعنى ذلِك أَنْ نَصِيبَ كلّ واحِدٍ من هؤلاء الثلاثة والعشرين أَكْثَر مِن ألف عام، ثُم قامَتْ بَعْدَ ذلِك «مَملكة أُورُوك الأولى التي أيضاً استمرت مدة طويلة، وكان نَصِيبُ كل حاكم فيها أكْثَر من مائتي عام، فمعنى هذا أنَّ أولئك كانوا يَعِيشُون عيشَةً طويلة، فكم هذه؟! اسْتَمْتَعُوا في مَعائشِهم وكم تَسَلَّطُوا على رقاب الناس؟! وكم عَاثُوا في الأرض فساداً؟! وإذا بهم الآن تمتحي آثارهم ولا يَبْقَى لَهُم ذِكْرِ إِلا مِن خلال هذه الحفريات التي هي شَاهِدَة على أحوالهم.
فإذن المؤمِن يَعتَبر بهذا، ويَعرِف أَنْ كلَّ ما يَجْرِي إِنما يجري بِقَضاءِ الله وقَدَرِه، فقَد يُؤَاخَذ المسلم أحيانا لِتَقْصِيرِه كأن يهمل واجب الدعوة إلى الله
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّ الله تعالى يقول:
وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16] فقد يكون هنالِك جَماعة غَيْرُ مُجْرِمِين في الظَّاهِر ولكن إِجْرَامُهم حيْثُ السكوت عن تَفَشّي مَعاصِي الله وعن ظُهُورِ المُنكَرات ولَم يُبَالُوا بها، فكانت العاقبة تلك التي أَخْبَرَ الله تعالى بها وهي أنَّ فساد أولئك المُتْرَفِين يَنعَكِس أَثَرُه على غَيْرِهم ـ قال الله تعالى:
من (1/127)
صفحة 128
128 الفتاوى العقيدة
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: 14] تَنْتَشِرُ بِسَبَبِه العقوبة في أَوْساطِ جميع الناس الذين سَكَتُوا عنهم ولَم يَقْبِضُوا
على أَيْدِيهِم لِيَرُدُّوهم إلى طريق الحق.
وكذلك نجد أن الله - تبارك وتعالى ـ يُخْبِرُنا عن قصة العدوان في السبت وما كان من بني إسرائيل .. يَقولُ: {وَسْئَلَهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163 - 165]، فـ {الَّذِينَ ظَلَمُوا} وَصْفٌ يَصْدُقُ على الجانِبَيْن جانب الذين اعْتَدَوْا وجانب الذين سَكَتُوا عن
(164
هذا العدوان، بدليل أن الله - تعالى - يَقول لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسراءيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [المائدة: 78]، فهذا مِمَّا يَدل على أنَّ العُقُوبة قَد تَنْتَشِر حتى في غيْرِ الذين يُبَاشِرُون الإجرام ذلك بِسبَب سُكُوتِهم أو عدم الأخذ بأيدي أولئك الذين أَسَاؤُوا وَرَبِّهِم إِلى مَهْيَع الحق وطَرِيق السَّدَاد فيَنْقَلِبُ أَثَرُ معصية أولئك على الجميع والله أعلم.
البعض يقول بأنَّ إعجاز نوح إنَّما هو في طول عمره وأنَّه لم يعمر أحد
مثله، وما ذكرتموه يدل على خلاف ذلك هل تذهبون إلى هذا القول؟ كون نوح عُمرَ عُمُراً طويلاً لا ريب فيه، فإنَّ الله ـ تعالى ـ يقول: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: (14]، وقد اختلف الناس في (1/128)
صفحة 129
مكانة الإسلام
الجزء الأول
129
عُمر نوح، منهم من قال بأنه عُمّر ألف سنة، ومعنى ذلك أنَّ عُمره الذي هو خارج هذه الدعوة التي كان يدعو فيها قومه إنَّما هو خمسون عاماً قبل الدعوة وبعدها، ومنهم من قال بأنَّ عمره كان ألفاً وخمسمائة عام، ومنهم من قال بأنَّ عُمره كان ألفاً وستمائة عام، وهذه الأقوال لا نعرف دليلاً عليها، وإنَّما الذي نستطيع أن نقطع به بأنَّه ظل يدعو قومه مدة ألف سنة ألا خمسين عاماً كما دل القرآن الكريم على ذلك، وهذا يدل على أن أعمار الناس كانت في تلك المدد السابقة أطول مِمَّا هي الآن هذا مِمَّا يدل على ذلك، والآيات القرآنية تُشير إلى أنَّ أولئك أوتوا بسطة في الجسم، وأوتوا من القوة ما أوتوه، واستطاعوا أن يعمروا الأرض بما لم يستطع به من بعدهم كما قوله تبارك وتعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَنَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} [الروم: 9] يعني عمروها أكثر مما عمرها من بعدهم وهذا ما اطلعنا عليه، فإن آثار ذلك لا تزال باقية منها الأهرامات، فمن يستطيع الآن أن يبني مثل الأهرامات، وكيف حَملوا تلك الصخور، وأقاموها، وإذا كان هذا في المباني وهي مقابر، فكيف بالقصور.
في
هذه
وقد وجدنا في بعض الآثار القديمة في بلاد الشام من العمران ما يحار منه العقل مثل جَرَش ومثل البَتْرَاء ومثل عِرَاق الأمير وفيها قصر أنا بنفسي نظرت إلى صخرة واحدة من صخوره فإذا بارتفاعها قدر قامة وبسطة وطُولُها سبعة أمتار ونصف وعرضها متران، أي قوة هذه، لا شك أنها قوة عجيبة، وليس ذلك بالنظر إلى الوسائل الحديثة، ولكن بالنظر إلى قوة العمران لأنه استمر في أعقاب هذه القرون التي مضت إلى وقتنا هذا والله أعلم. (1/129)
صفحة 130
130
الفتاوى العقيدة
يقول السائل هلا حدثتمونا عن مدائن کسري وقيصر؟
إن مدائن كسرى كانت عاصمة الإمبراطورية الفارسية التي كانت باسطة أجنحتها على جانب كبير من المعمورة وعاصمة الإمبراطورية الرومانية كانت القسطنطينية وكانت أيضاً باسطة أجنحتها على جانب كبير من المعمورة وقد بادت الإمبراطوريتان جميعاً وتلك سنة الله في خلقه والله
المستعان.
أنحاء
من المعروف أن الفلسفة اليونانية بها من المعنويات والروحانيات الشيء الكثير، فكيف كانت سبباً في طغيان المادية عند قوم المسيح عيسى بن مريم حسب ما يراه الشيخ أبو زهرة؟
الفلسفة اليونانية هي مبنية على نظريات مادية ليست مبنية على فكر صحيح جاء من عند الله الا الله، لأنها لم تتلق من رسالات النبوات، إنما تلقيت من أفكار البشر الذين يقيسون الأمور بهذه المحسوسات التي يشاهدونها، فلا تقوى هذه الفلسفة على حل الألغاز الروحية، لأنها فلسفة مبنية على النظرة المادية البحتة، فعندما تحدثوا في الإلهيات عجزوا ووصفوا الله تعالى بخلاف ما يجب أن يوصف به، حتى أنهم وصفوه بالنقص، قالوا: إن الله الا الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات، يعلم أي بوجود زيد أو محمد أو عمر أو سعيد مثلاً، ولكن لا يعلم أنه موجود
أنه
داخل البيت أو خارجه، لأنه لو علم أنه موجود داخل البيت ثم علم موجود خارج البيت لكان في ذلك تناقض بين علم الله والتناقض في علم الله مستحيل، وهذه فكرة غريبة وكلام عجيب لا يقبله العاقل أبداً، ومن ضلال الفلاسفة قولهم بقدم العالم وقد فسروا نظرتهم هذه بجدليات عقيمة ينقض بعضها بعضاً والله أعلم. (1/130)
صفحة 131
مكانة الإسلام
الجزء الأول
131
هل يعتبر الصراع ما بين الفرس والروم تمهيداً للفتح الإسلامي، ونشر الدين الإسلامي في بلاد الشام؟
الصراع مع التجاور من طبيعة البشر طلب الاستعلاء في الأرض والتمكين فيها وزحزحة الآخر عن مكانه والانتصار عليه، ولا يقنع الناس شيء، فكلما تجدد لأحدهم فتح تمنى المزيد منه والله سبحانه هيأ الأسباب المختلفة لظهور الحق، لكن ذلك لا يعني أن الجيشين الرومي والفارسي كانا ضعيفين عندما قاومهما المسلمون، بل كان كل واحد منهما ضارباً في القوة وشدة المراس. وكان لكل واحد منهما رصيد من خبرات لا تقل عن ثلاثمائة عام والله أعلم.
بعيدا عن المعجزة في سورة النمل عندما قالت النملة: {ادْخُلُوا مَسَكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 18]، فهل الحيوانات والحشرات والطيور تعرف أسْمَاءنا إلى الآن أم أنها تعرف سيدنا سليمان فقط؟
هذا أمر غيبي لا نستطيع أن نقول فيه شيئاً، وسليمان سُخّر له الجن والإنس والطير وحُشر له جَميع ذلك، فجعل الله تعالى ذلك خاصية خاصة به، فلذلك قالت النملة: ادْخُلُوا مَسَكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 18]، والله قادر على كل شيء فهو قادر أن يُلْهِم بعض الحيوان معرفة بعض الأفراد، ولكن هذا غير ظاهر وهذا لا يتنافى مع الأصل الذي عليه الحيوان وهو عَدَمُ العقل والله أعلم. (1/131)
صفحة 132
[صفحة فارغة] (1/132)
صفحة 133
قيام الحجة (1/133)
صفحة 134
134 الفتاوى العقيدة
التكليف الشرعي وأحكامه
ما الأثر السلوكي الإيجابي أو السلبي المترتب على معرفة أن الله يكلف بما لا يطاق أو لا يكلف بذلك؟
الأثر السلوكي الإيجابي الذي يترتب على اعتقاد أن الله تعالى لا يكلف بما لا يطاق؛ أن يسعى كل أحد إلى امتثال أمر الله معتقدا أن كل ما أمر به الله و لا بد أن يكون في مقدور المأمور أن يأتي به، وهذا يدفعه إلى أن يحرص كل الحرص على امتثال أمر الله معتقدا أنه لا بد أن يكون في مقدوره امتثاله، أما إن اعتقد أنه يكلف بما لا يطاق فقد يتصور بعض الأوامر التي كُلف بها أنها غير داخلة في قدرته وطاقته وهذا مما يقعد به عن امتثال كثير من الأوامر والله أعلم.
عن
هذه
ما صحة القول بأن المقصود من قول الله تعالى: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} [البقرة: 286] هو دفع التكلفة الأمة بقتل النفس عند التوبة كما كتب ذلك على بني إسرائيل بدليل قوله (اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء: 66]؟ حط الله تبارك وتعالى عن هذه الأمة الآصار التي كانت على الأمم السابقة وفك عنها الأغلال التي كانت عليها، مع أن تلك الآصار والأغلال لم تكن أبداً في حدود ما لا يطاق، ولو كانت في حدود ما لا يطاق أو في حدود المحال لأدى ذلك إلى تعذر امتثالها، فالله الله كلف بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم وقد وقع ذلك فعلا فقتلوا أنفسهم امتثالا لأمر الله ثم تداركتهم عناية الله الله، وقيل: إن المقصود بقتل أنفسهم أن يقتل بعضهم بعضا وهو قول طائفة من المفسرين، وهذا أيضاً داخل في مقدورهم ولو لم يكن كذلك
6 (1/134)
صفحة 135
قيام الحجة
الجزء الأول
135
لما أمكنهم فعله، على أن التكليف بهذا الأمر كان تكليفاً وقتياً من أجل تحقيق توبتهم من إثم ارتكبوه وجريرة أتوها، وذلك أنهم نكثوا عهدهم عندما خرج موسى إلى ميعاد ربه فعبدوا العجل من دون الله، فكانت هذه ضريبة دموية يقدمونها لأجل الحصول على توبة نصوح من عند الله، وقد علم الله وعل غلظ طباعهم وقسوة قلوبهم وأنه لن يرقق هذه القلوب القاسية ولن يرهف مثل هذه الطباع الغليظة إلا مثل هذه الضريبة الفادحة التي يدفعونها ليتذكروا نعمة الله عليهم بقبول توبتهم إليه، والله أعلم.
هل هناك علاقة بين التكليف بالمحال عند القائلين به وبين القضاء والقدر؟ قضية القضاء والقدر قضية أخرى غير التكليف بالمحال والله أعلم.
هل تكليف إبراهيم بذبح ابنه من باب التكليف بما لا يطاق؟ لا، إذ لو لم يكن داخلاً في طاقة الإنسان لما حاول تنفيذه والله أعلم.
في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم أمرا فأتوا منه ما استطعتم» (1) هل يعتبر دليلا على عدم التكليف بما لا يطاق؟ هذا مما يستأنس به على أن الله تعالى لا يكلف إلا بما هو في
نعم،
مقدور العبد والله أعلم.
لقد سمعنا من كتاب الله و ما يدل على أن الله تعالى لا يكلف بالمحال ولا يكلف بما لا يطاق فما الأدلة على ذلك من الأحاديث النبوية
الشريفة؟
(1) رواه الإمام الربيع (394). (1/135)
صفحة 136
136 الفتاوى العقيدة
النبي
من
الأدلة «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»، وكذلك غضب
عندما سئل هل الحج واجب علينا في كل عام والله أعلم.
لسائل يسأل عن قوله تعالى: {فَأَنطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ، قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} [الكهف: 74] وما ولي ذلك من بعد من حكاية عن الخضر في جوابه لموسى: {وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا} [الكهف: 80] يرى من هذه الآية أن هذا الغلام قد كان طاغياً في الدنيا. فهل هذا الطغيان سيحدّد مصيره إلى النار ونحن نعلم أن الغلام لا يطلق إلا على السن قبل
البلوغ؟ كلمة غلام مدلولها لا ينحصر فيما قبل البلوغ، فالغلام قيل من الاغتلام حالة تكون عند البلوغ ومن ناحية أخرى نجد في شواهد كلام العرب ما يدل على أن لفظة الغلام تطلق على البالغ فليلى الأخيلية عندما وصفت الحجاج قالت:
وهي
غلام إذا هز القناة سقاها
مع أن الحجاج كان بالغاً ولم يكن صبياً، ويبعد كل البعد أن يجتري أحد من الصالحين على قتل من لم يبلغ الحلم، وليس في الآية الكريمة ما يدل على أن هذا المقتول كان عندئذ لم يبلغ سن التكليف، والله أعلم.
هل للحيوانات نصيب من هداية العقل بناء على تصرفاتها خاصة الأليفة
منها؟
إن الله تبارك وتعالى ميز الإنسان بالعقل دون سائر الحيوانات، وقد قال العلماء إن الإنسان يشترك مع الملائكة ويشترك مع الحيوانات، فهو يشترك (1/136)
صفحة 137
قيام الحجة
الجزء الأول
عقله
137
الملائكة بعقله، ويشترك مع الحيوانات بشهوته، فمن غلب مع شهوته كان خيراً من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله كان شراً من البهائم، وهناك إدراك في الحيوانات لا نستطيع أن نسميه عقلاً، وإنما نسميه إدراكاً، وهو الذي يجعلها تتصرف ذلك التصرف الذي يحفظ لها سلامتها بحيث تتقي الأخطار وقد تعلم فتتعلم وتوجه فتتجه نتيجة إدراكها، أما العقل فإنه نور أودعه الله في بصيرة الإنسان، وقد خص الله تعالى به الإنسان من بين المخلوقات الموجودة على هذه الأرض، وهو مناط التكليف، ولذلك كان الإنسان وحده هو المكلف بأن يطيع الله ولا يعصيه، وأن يعبده ولا يجحده ويؤمن به ولا يكفرَه، نظراً إلى ما يترتب على هذا التكليف من الثواب والعقاب ومثله في ذلك الجن، أما كون الحيوانات تسبح بحمد الله كما في قوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الحشر: 1]، وقوله سبحانه تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} [الإسراء: 44] وقوله جل شأنه: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ، وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]. فهذا التسبيح وإن كان عبادة ـ والكون كله مشترك في هذه العبادة ـ، ولكن هذه عبادة لا يتعلق بها وعد ولا وعيد فليس من ورائها ثواب ولا عقاب لأنها أقرب إلى الجبلة والاضطرار منها إلى الكسب والاختيار والله أعلم.
الهداية
عن قوله تعالى: تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا * [الإنسان (3) وقوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) [البقرة: 272] هل يوجد تعارض بين الآيتين؟
القرآن ليس فيه تعارض أبدا، ولو وجد هناك تعارض بين آياته لطار (1/137)
صفحة 138
138 الفتاوى العقيدة
أحداً
من
العباد
بذلك أعداء الإسلام فرحاً وشرقا وغربوا ولحاولوا أن يشوهوا سمعة القرآن بحسب ما يمكنهم، وإنما غاية ما في الآية الأولى وهي قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا أن الله تبارك وتعالى بين للناس طريق الخير وطريق الشر. وهذه هداية البيان، وأما قوله تعالى: لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ} [البقرة: 272] فهو كقوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ} [القصص: 56] يقصد به هداية، التوفيق فالله الله هو وحده القادر على توفيق من شاء من عباده للإيمان والطاعة، وليس بمقدور المخلوق أن يوفق لامتثال أمر الله تعالى وإنما الله تعالى وحده هو الذي ينعم بالتوفيق على من يشاء، وقد أسندت الهداية إلى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52 ولكن هذه الهداية المسندة إليه هنا ليست الهداية المنفية عنه في قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} [البقرة: 272] وفي قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وإنما هي هداية البيان فحسب، فهو يهدي الناس بتبصيرهم بالحق ودعوتهم إلى الرشد وترغيبهم في ثواب الله وتحذيرهم من عقابه، وإن كان ليس بمقدوره أن يوفقهم لفعل الخير واجتناب الشر والله أعلم.
أيهما ترجح الهداية الوهبية أم الكسبية بالنظر إلى الاعتبارين؟ لا بد من كلا الأمرين، فالعمل الصالح هو سبب للاستزادة من الهدى، وتوفيق الله تعالى ووهبه للعبد ما يهبه من مزيد الهداية هو فضل من الله تعالى على هذا العبد، ومن أجل ذلك يرجح الجانب الوهبي على الجانب الكسبي والله أعلم. (1/138)
صفحة 139
قيام الحجة
الجزء الأول
139
ما الفرق بين هداية العقل وهداية الدين؟
الفرق كبير جداً، فعقل الإنسان ليس هو منشأ الأحكام الشرعية، وإنما
6
منشأ الأحكام الشرعية هو وحي الله الله، نعم عقل الإنسان يدرك بعض القبائح ولا يدركها جميعاً، وقد يدرك ـ أيضاً ـ بعض المحاسن، والناس بحسب اختلاف عقولهم مختلفون في تصور القبيح والحسن؛ فقد يكون القبيح عند أحد حسناً عند غيره، وهذا راجع إلى اختلاف اعتباراتهم لاختلاف تصوراتهم واختلاف تصوراتهم راجع إلى اختلاف المؤثرات النفسية والاجتماعية على عقولهم، فقد يستحسن أحد ما يستقبحه غيره من الأفعال بحسب طبع الإنسان وقد يرجع ذلك إلى تأثير بيئته عليه.
أما في حكم الله تعالى فالقبيح ما قبحه الشرع والحسن ما حسَّنه فليس التقبيح والتحسين عائدين إلى العقل إلا عند المعتزلة.
الشرع،
هذا والمعتزلة لهم مواقف خاصة في ثلاث قضايا خالفوا فيها جمهور الأمة: الأولى: أنهم يقولون بالتقبيح والتحسين العقليين، أي أن العقل هو الذي يحسن ويقبح فهو عندهم مصدر الأحكام وموئل الاحتكام والشرع لا يكون عندهم إلا بياناً للعقل أو تأكيداً له.
الثانية: قولهم بوجوب مراعاة الصلاحية والأصلاحية على الله تعالى، أي أنَّ الله تعالى يجب عليه أن يراعي مصلحة، عباده، فإذا تعارض أمران في أحدهما مصلحة وفي الآخر، مفسدة، وجب عليه أن يفعل للعبد ما فيه مصلحة، وإذا تعارض أمران أحدهما صالح والآخر أصلح فعليه أن يراعي الأصلح، ونحن لا نقول بذلك، لأن الله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ولا معترض عليه في أمره، فلا وجوب على الله الله لذلك لا يسأل عما يصنع. (1/139)
صفحة 140
140 الفتاوى العقيدة
الثالثة: قولهم باستقلال الإنسان بإيجاد أفعاله استقلالاً تاماً، هذا ومن الأدلة على أن الذي يستقبحه العقل لا يلزم أن يكون مستقبحاً في الشرع، ذبح الحيوانات وأكل لحومها فلو رجع الإنسان في ذلك إلى عقله لوجد العقل لا يستحسن هذا التصرف لأن في الذبح إيلاماً وتفويتاً للحياة ثم بعد ذلك يتنعم الإنسان بهذا المذبوح على حسابه، ولكن بما أن الشرع أباح لنا ذلك، فنحن لا نتحرج من ذلك، لأننا نعتقد أن هذا الحيوان هو ملك الله، والله أن يتصرف في ملكه كما يشاء، وعندما نذبح هذا الحيوان نقول باسم الله، إعلاناً بأن هذا الذبح إنما كان بإباحة شرع الله، وليس من تلقاء أنفسنا واتباعاً لشهواتنا، فهداية العقل لا يمكن أن تحيط بمصالح الإنسان ومنافعه بخلاف هداية الدين التي هي من الله تبارك وتعالى، والله أعلم.
هل يمكن الاستشهاد بقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82) على أن الهداية كسبية وليست وهبية؟ ا
من الذي يقول هذا؟ هل التوبة إلا بتوفيق الله وهل الإيمان إلا بتوفيق من الله كذلك؟ وقل مثل ذلك في العمل الصالح والهداية فكل ذلك من فضل الله وبتوفيقه والله أعلم.
نحن نعلم أن الإنسان قد كتب له إن كان شقياً أو سعيداً في الجنة أو في النار قبل أن ينزل في الدنيا كيف نوفق بين هذا القول وبين هداية الدين التي شملت الناس جميعاً؟
علم الله تعالى الذين يقبلون هذا الدين ويعملون به والذين يرفضونه ويأبونه فكان ما كتبه في الأزل وفق ما علمه من أحوال الناس واختيارهم
والله أعلم. (1/140)
صفحة 141
قيام الحجة
الجزء الأول
141
من يقول إن الهداية كسبيّة، فكيف يرد على هذا السؤال: إذا كان الإنسان يكتسب الهداية بأعماله الصالحة أليست هذه الأعمال الصالحة هداية من
الله تعالى؟
نعم
الأعمال الصالحة هي هداية من الله الذي وفق العبد فعمل هذه الأعمال الصالحة، ولكن الله تبارك وتعالى يجزي العبد الصالح على أعماله الصالحة بتوفيقه لمزيد من الأعمال الصالحة فهذا التوفيق داخل ضمن ثواب الله تعالى له على ما قدم من خير والله أعلم.
من يقول إن الهداية وهبيّة فكيف يرد على هذا السؤال: كيف يهب الله تعالى الهداية لبعض الناس دون آخرين ثم بعد ذلك يعذب من لا يهبه إياه؟
لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 23] الهداية من الله تبارك وتعالى من وفضل على من اختار من عباده فمن وهبه الهداية وهبه الله ما وهبه مناً منه تعالى، وفضلاً ومن حرمه الهداية لم يحرمه من شيء هو له وإنما حرمه من فضله سبحانه وقد علم الله تبارك وتعالى في هذا المحروم ما علم من اختيار الشر فلذلك حرمه هذه الهداية وكفى بذلك والله أعلم.
ما يسع جهله وما لا يسع
إذا فعلنا أموراً لا نعرف أن الله تعالى قد أمر بها، فهل نحن غير طائعين الله؟ إن الله تعالى يُعبد بالعلم ولا يُعبد بالجهل، وقد أمرنا بالسؤال عما لا نعلم قبل أن نقدم عليه فعلاً أو تركاً، وأن نرد كل شيء إلى الله والرسول، والرد إلى الله بالرجوع إلى كتابه، والرد إلى رسوله بالرجوع إلى (1/141)
صفحة 142
142 الفتاوى العقيدة
سنته الله، وعندما لا يتضح الأمر لعدم وجود النص الدال على حكمه في كتاب الله أو في سنة رسوله، فهناك العلماء المتفقهون القادرون على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وعلى حمل ما جهل حكمه على ما علم حكمه بطريق القياس الشرعي، فيجب الرجوع إلى هؤلاء العلماء، كما يجب على كل أحد عدم الإقدام على ما لا يعرف حكمه لقوله تعالى: وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَيْكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]. أما إن كان متحرياً للحق مع عدم إمكان توصله إلى الاستفهام والسؤال لتعذر اتصاله بأهل العلم واجتهد في ذلك وسعه ووافق الحق فالحمد لله على التوفيق، فيعد في هذه الحالة مطيعاً لربه حيث تحرى الحق ووفق له، وأما إن خالف الحق وكان متحرياً له فإن التوبة الإجمالية (1) فيما خفي بطلانه عليه تكفيه كما قال العلماء والله أعلم.
إذا تحدثت إلى رجل من العامة بشيء عجيب أو مفزع يقول (لا إله)، فما حكم ذلك؟
الظاهر أنهم لا يفهمون كلمة التوحيد، فيجب أن يعلموا والله أعلم.
ما حكم الإسلام في الذين لم يصلهم الإسلام ولم يسمعوا به، والذين قد سمعوا به بطرق مشوهة وغير كافية، وما حكم أطفالهم يوم القيامة؟ قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، فما كانت حجته سمعية يرجى لهم أن يعذروا فيه - ما لم تقم عليهم الحجة به ـ، وما
(1) معنى التوبة الإجمالية: التوبة العامة من كل الذنوب والمعاصي. (1/142)
صفحة 143
قيام الحجة
الجزء الأول
143
كان حجته عقلية كمعرفة الله وما يجب إثباته له ونفيه عنه فلا يعذرون فيه، وأما الأطفال فهم على الفطرة، والله لا يؤاخذهم بجريرة غيرهم والله أعلم.
الحاكم هو الشرع
ذكرت أن الكل يقول بالتسليم للشرع، ووقع خلاف في الحاكم هل هو الشرع أم العقل؟ فما هو الفرق؟
لا يخالف أحد أن شرع الله يجب التسليم له. ولكن الخلاف في كونه هو الأصل، وأن العقل هو طريق لاستلهام بعض الحقائق فقط، أو أن العقل هو الأصل والشرع إما مبين له أو مؤكد؟ فالمعتزلة يقولون إن العقل هو الأصل، والجمهور يقولون إن الشرع هو الأصل، والعقل إنما هو طريق لاستلهام بعض الحقائق وإن بدا تعارض بينهما وجب الرجوع إلى الشرع، والمعتزلة لا يقولون بنبذ الشرع ولكنهم يقولون إن الحاكم هو العقل والشرع إما مؤكد له أو مبين. وهذا ليس له أثر في المذاهب الفقهية لأنها لم تكن متقيدة بهذه القيود، فالمعتزلة - أنفسهم - ليس لهم مذهب فقهي فكثير منهم كالزمخشري يتبعون في الفروع المذهب الحنفي، وبعضهم شافعي في المذهب الفقهي كالقاضي عبد الجبار، بل كان أحد كبار المعتزلة حنبلي المذهب ولكن هذا الاختلاف هو اختلاف عقدي، لأنهم لا يقولون بأن الشرع ورد بما يخالف العقل، إلا أنهم يقولون إن العقل هو الأصل ولو قدر أن يرد الشرع بما يخالف العقل لكان الواجب أن يصار إلى العقل والله أعلم.
قد يُحسّن العلم والطب ما قد يكون مثار جدل وخلاف عند أهل الشرع بين محسن ومقبح أو مكره ومحلل ومحرم. كيف ينبغي ان يكون موقف المرء من أمر كهذا؟ (1/143)
صفحة 144
144 الفتاوى العقيدة
لا يلتفت إلى الناس واختلافهم، وإنما يتبع الدليل في ذلك، فإن اقتضى الدليل التحليل كان ذلك سائغاً، وإن دل على التحريم كان ممنوعاً والله أعلم.
السائل يقول: قلتم بأن الحَسَنَ ما استحسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع - على رأي الجمهور - والسؤال يقول إن الكذب في بعض الأحوال مباح، فهل يكون من الأشياء التي يستحسنها الشرع؟
نعم،
برئ،
قد يكون الكذب أحياناً واجباً، وذلك بأن تتوقف عليه سلامة وإنقاذ روح من الهلكة ولا ريب أن ذلك مستحسن شرعاً لا لذاته ولكن لما
يؤول إليه والله أعلم.
يقال: إن العقل له دخل في تثبيت العقيدة الصحيحة، مع أنه قيل: إن العقل يجب عليه الاستسلام لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في مجال الاعتقاد، وليس له أن يؤول أو يعطل نرجو الإفادة؟
هذا السؤال يجر في الإجابة إلى سؤال هل الرسول يأتي بشيء ينافي العقل؟ والحقيقة أن الذي ينافي العقل لا يمكن أن يأتي به الرسول صلى الله عليه وسلم. والله الله أنزل آيات كثيرة في القرآن الكريم فيها ذكر العقل وأثنى عليه فهو يقول: {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] ويقول: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 230] ويقول لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] وقد تعبدنا وجعل فينا أسباباً لفهم هذه العبادة التي فرضها علينا، فهو خاطب العقلاء ولم يخاطب المجانين، ولو كان الأمر بخلاف ذلك لكان الله الا الله يكلف المجانين، فالعقل السليم يوضح ما جاء في القرآن الكريم، لأن العقل من جملة مصادر بيان مجملات القرآن، فالله تبارك وتعالى يقول لَوْ كَانَ فِيهِمَا الهَهُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: 22] فهذه الآية مجملة، فما الذي يبين إجمالها، عندما يفكر الإنسان ويدقق نظره يعرف (1/144)
صفحة 145
قيام الحجة
الجزء الأول
145
أنه لو كان في الكون آلهة متعددون لاختلفت إراداتهم، إذ لا يمكن أن تتحد إراداتهم إلا إذا كانت هناك قوة فوق قوتهم بحيث توحد هذه الإرادات، ولئن كانت هناك قوة فوق قوة هؤلاء الآلهة، فإنه يجب أن يكون صاحب هذه القوة أولى بالألوهية منهم، وهذا يعود إلى حصر الألوهية في. إله واحد، ويفكر الإنسان أيضاً فيما لو كان هناك تنظيم بين هذه الإرادات بأن تتولى إحداها شيئاً والأخرى شيئاً آخر فيدرك تعذر ذلك، فإن هذا يتنافى مع ما نراه ونعلمه من طبيعة الكون أنه كله وحدة متكاملة، فلا يمكن أن تكون هناك إرادات متعددة تصالحت على أن يستقل صاحب كل إرادة بخلق جانب منه، فلو قدرنا أن هذا يريد أن يخلق هذا الجانب كذا، وهذا يريد أن يخلق هذا الجانب كذا فلا يتناسق الخلق، ويحصل الخلاف المشار إليه في قوله تعالى تعالى لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَهُ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: 22] ثم إذا نظرنا في قول السائل وليس له أن يعطل أو يؤول فالتعطيل غير سائغ، أما التأويل فالعقل يرشد إليه، والكتاب العزيز يرشد إليه، والسُّنَّة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - ترشد إليه، فالله الا الله يقول وَلَقَدْ جِئْنَهُم بِكتب} [الأعراف: 52] فهل جاء الله الله إليهم بذاته أم جاءهم رسوله؟! ويقول الله تعالى:
فَأَنَنهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: 2] فهل جاءهم بنفسه أو جاء أمره؟! والله كل يقول تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] فالذي لا يؤول ويزعم أن الله تعالى محصور في الجهة العلوية كيف يقول في هذه الآية، نجد هؤلاء الذين ينكرون التأويل اضطروا إلى التأويل فيها، وقد اختلف في المقصود بهذه الآية فقيل: فثم الجهة التي أمر الله تعالى بأن يتجه إليها، وقيل: فثم قصد رضوان الله الله، ويقول الله له أيضاً: {مَا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَآخِذُ بِنَاصِيَنِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [هود: 56] هل يمكن لأحد
أن يفسر آخذ بناصيتها، بأنه ممسك حقيقة بناصيتها؟! وقوله سبحانه (1/145)
صفحة 146
146 الفتاوى العقيدة
إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [هود: 56] هل يمكن لأحد أن يفسر ذلك بأنه جالس أو واقف على الطريق المستقيم؟ هذا شيء غير معقول، والله الله
خاطبنا بلسان عربي مبين.
والعرب في لغتهم الحقيقة والمجاز والصريح والكناية، وأتى القرآن الكريم بالمصطلحات التي اعتادوا أن يستعملوها، فإذا كان في لسان العرب الحقيقة والمجاز والكناية والصريح، فالقرآن الكريم فيه هذه الأشياء، والله تبارك وتعالى يقول: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 17] فإذا فسرنا جميع الرمي هنا بمعنى واحد لتناقضنا، ولكن المعنى وما سددت الرمية إذ رميت، ولكن الله هو الذي سدد الرمي، ونحو هذا في القرآن الكريم كثير، ففي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ارشاد إلى التأويل في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن طريق أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ولا يقول للعبد يوم القيامة يا عبدي استطعمتك فلم تطعمني) فيقول له: وكيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول: «استطعمك عبدي فلم تطعمه ولو أطعمته لوجدت ذلك عندي» (2) فأسند الله تعالى الاستطعام إلى نفسه، ثم أسند الاستطعام إلى عبده، ثم يقول يا عبدي مرضت فلم تزرني. فيقول كيف أزورك وأنت رب العالمين فيقول مرض عبدي فلان ولم تزره ولو زرته لوجدتني عنده (3) ففيه إسناد المرض إلى الله تعالى ثم يقول: «يا عبدي استسقيتك فلم تسقني فيقول العبد: كيف أسقيك وأنت رب العالمين فيقول
(1) رواه مسلم (4661). (2) رواه مسلم (4661). (3) رواه مسلم (4661). (1/146)
صفحة 147
قيام الحجة
الجزء الأول
147
التأويل
استسقاك عبدي فلان فلم تسقه ولو سقيته وجدت ذلك عندي»، إذاً لماذا يقال في قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] أنه يأتي بذاته، وأن التأويل غير جائز، بينما في {وَلَقَدْ جِثْنَهُم بِكِتَابِ} [الأعراف: 52] في هذه الآية جائز، فإذا كان كل شيء يؤخذ بظاهره فلماذا هذا يحجر ولا يؤخذ بظاهره، وفي الحديث القدسي الصحيح: (ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) (2) فلا يمكن أن يكون هو عين اليد وعين السمع، وعين الرجل؟ فإذاً التأويل هنا ضروري.
الله
على أن التأويل موجود في كلام العرب، فالشاعر يقول:
وغداة
ريح قد كشفت وقرة إذ أصبحت بيد الشمال زمامها (3)
وأين يد الشمال، وكم وكم في أسفار العرب من مجاز والله أعلم.
ذكر الإمام نور الدين السالمي العالى في مشارقه خلافاً بين أصحابنا رحمهم الله تعالى في كيفية قيام الحجة فقال الجمهور إن الناصب للأحكام كلها الشرع وقد قسم العبادات إلى قسمين قسم تدرك معرفته بالعقل وهو وجود الصانع سبحانه وقسم تدرك معرفته بالسماع كوجوب الصلاة والصيام وما شابه ذلك بينما قال فريق إن العقل بنفسه أثر في بعض العبادات وهل هو في معرفة وجود الخالق كما هو مذهب أبي يعقوب وقطب الأئمة أو في كل ما يخطر بالبال كما هو مذهب الإمام أبي سعيد وأبي بركة.
فما
هي
حتى
فائدة الخلاف بين الذين أوجبوا معرفة وجود الخالق بالشرع
(1) رواه مسلم (4611) (2) رواه البخاري (6137).
(3) البيت للشاعر لبيد. (1/147)
صفحة 148
148 الفتاوى العقيدة
وقسموه إلى قسمين وبين الذين أوجبوها بالعقل فمثلاً لو إن إنساناً عاش في جزيرة وانقطعت عنه الأخبار أليست تجب عليه معرفة وجود الخالق حتى مع الذين يقولون إن سبيل ذلك الشرع لأن التوحيد لا ينسخ وهذا مكلف بشريعة آدم ونوح لأنهما رسولان إلى العامة وهذا من أبنائهما وكذلك هل يتصور عدم وجود الشرع أو وصوله إلى بعض منهم
فقد
رأيت الإمام نور الدين السالمي الله ذكر في المعارج الفرق بين قول هذه الجماعة وأصحابنا وبين قول المعتزلة إن هذه الجماعة تقول بتحكيم العقل عند عدم الشرع بخلاف المعتزلة فإن كان يمكن عدم وصول الشرع أفلا يقال بعذر صاحب الجزيرة عند الجمهور، فإن قيل إن الإمام نور الدين رحم الله إنما يريد بقوله ذلك في الأشياء العملية ليس في معرفة وجود الخالق بدليل قوله ويمكن أن يأتي الشرع بخلاف حكم العقل عند هذه الجماعة بخلاف المعتزلة ومن المعروف إنه لا يصح ذلك في معرفة وجود الخالق ولكن الإمام رحم الله عمم في قوله وذكر منهم أبا يعقوب وقطب الأئمة وهما لا يقولان بتحكيم العقل إلا في معرفة وجود الخالق فقط. وكذلك هل يمكن أن ينفس له بعد عند الذين يقولون إن معرفة وجود الخالق تكون
بالعقل إذ ذلك لا يكون إلا بعد زمن من التفكير والتدبر في الغالب.
أوضح لنا ذلك كله وبيّن لنا أرجح هذه الأقوال والله يوفقكم لما فيه خير الإسلام والمسلمين؟.
رحمهم
علمائنا إن جمهور الله يرون أن الحكم في جميع الأمور للشرع وليس للعقل، وهو وإن كان طريقاً من طرق العلم إلا أنه لا يترتب على كل علم حكم فالشمس عادة مضيئة والليل مظلم بهيم والشتاء بارد والصيف حار وهذا مما يدركه كل إنسان بالتجربة والعقل ولكن لا يترتب حكم عقائدي (1/148)
صفحة 149
قيام الحجة
الجزء الأول
149
على هذا الإدراك نفسه فكذلك إدراك أن لهذا الكون مكوناً من الأمور المدركة بالعقل ولكن وجوب معرفة هذا الصانع أمر يتوقف على ورود الشرع: إذ ليس كل ما يصح علمه يكون واجباً علينا حكمه كما هو واضح من الأمثلة التي ذكرتها من قبل، وذهب الإمامان أبو يعقوب والقطب رحمهما الله في هذه المسألة خلاف مذهب الجمهور فرأوا أن معرفة الله تجب بنفس العقل ولو لم يرد بإيجابها شرع ولعلهما بنيا رأيهما هذا على أن معرفته تعالى أمر مقطوع بعدم عذر أحد فيه إن قامت حجتها وهذا مما أجمع
عليه وعليه فليست فى الخلاف بينهما والجمهور فائدة حقيقية بل اعتبارية. أما أبو سعيد وابن بركة فهما يريان تحكيم العقل في الأمور العملية عند عدم وجود حكم شرعي لدى العامل بسبب تعذر وصوله إليه وعندما يتبين له حكم الشرع وجب رجوعه إليه والله أعلم.
أصحاب الفترة (1)
سؤال عن قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] فهل نفهم من الآية الكريمة أن الذين لم تصلهم الهداية غير معذبين؟
حجة الله تعالى قد قامت ببعثه الرسل وبإنزاله الكتب، وبالسماع الذي وصل إلى الناس بأن هناك ديناً تعبد الله به عباده فعلى هؤلاء الذين علموا بأن هناك ديناً يلزمهم اتباعه أن يبحثوا عن الدين ومعرفة الله تبارك تعالى تقوم حجتها من قبل العقل، أما جزئيات الأحكام الشرعية فهي لا تقوم إلا بالسمع، فمن لم تبلغه هذه الجزئيات، ولم يكن في وسعه الوصول إلى من
(1) أصحاب الفترة هم الذين كانوا بين نبيين من أنبياء الله ولم تبلغهم دعوة الإسلام. (1/149)
صفحة 150
150 الفتاوى العقيدة
يبلغه ويُعرّفُهُ بها تُرجى له السلامة، والله تعالى أعلم وأرحم بعباده من أن يؤاخذهم بما لم يقم عليهم الحجة فيه والله أعلم.
كيف نوفق بين قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ} [النحل: 93]، وقوله: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 119،118] وبين الآيات الأخرى
التي تثبت الكسب للإنسان، نحو قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286) وكذلك قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وما وَرَدَ من الأحاديث التي تدل على عذاب بعض أهل الفترة كحاتم الطائي، وكيف نرد على من يقول إنما يعصي العبد المولى
سبحانه، لأن الله تعالى خلق فيه قوى الشر بوجه تفوق قوى الخير؟
قول الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَلَتَسْلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93] يدل على أن الضلالة التي تقع للعبد إنما تقع بإرادة من الله، ولا يكون الله ولا مُكْرَهَاً على وقوعها من غير أن تكون منه مرادة له سبحانه. وكذلك قوله: {وَلَا يَزَالُونَ مُختَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 119،118]. وأما الآيات الأخرى فتدل على أن مؤاخذة العباد بالعقاب على الشر والأجر الذي ينالونه بفعلهم الخير إنما هو نتيجة الكسب، وبه يتعلق الوعد والوعيد لا بخلق الله والله لا يخلق فعل الخير أو الشر إلّا عندما تكون نفس العبد منصرفة إلى ذلك الفعل إما بداع من هواه أو من شيطانه عندما يكون ذلك شراً، وإما بداع من فطرته أو سبب آخر عندما يكون ذلك خيراً، فيخلقه الله تعالى له عندما تتهيأ له نفسه ويريد الله تبارك وتعالى وقوعه من العبد. وقول الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] إنما يدل على أن الله (1/150)
صفحة 151
قيام الحجة
الجزء الأول
151
تبارك وتعالى لا يؤاخذ الناس بشيء مما عملوه حتى يقيم الحجة عليهم والحجة قد قامت ببعثة الرسل وإنزال الكتب، أما الذين لم تبلغهم أخبار بعثة
بعينه
الرسل وإنزال الكتب فهم في مأمن من العذاب لا يؤاخذهم الله بما عملوا. هذا وقد اختلف في أهل الفترة فمنهم من قال هم مؤاخذون لأن الحجة قامت عليهم بالرسالات السابقة، وَلئِنْ صَحَ حديثُ حاتم الطائي ونحوه من الأحاديث فيحمل على ذلك، ومنهم من قال بأنهم لا يؤاخذون وهؤلاء أخذوا بعموم هذه الآيات، والمسألة دقيقة لأنها مسألة اعتقاد، فهي لا تنبني على الظنيات، ولذلك لا يؤخذ فيها بالأحاديث الأحادية ولا بعمومات القرآن وإنما يوكل أمرها إلى الله الله، ونحن لا نستطيع أن نقطع لأحد بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا إذا ورد فيه نص صريح صحيح على أن يكون بلغ مبلغ المتواتر، لأنه يكون بذلك قطعياً وما هو إلا النص القرآني والحديث المتواتر عن النبي، وطاقات الخير في الإنسان تنمو بكسب الخير وطاقات الشر كذلك تنمو بكسب الشر، فإن الله تبارك وتعالى يطبع على قلوب الكافرين والعاصين والفاسقين بما اقترفوه من أعمال سيئة، فقد يجعل الله من عقوبة الأعمال السيئة أن يقع العاصي في معصية أخرى، بحيث تجره معصيته إلى غيرها ليتراكم، وزره وقد يجعل الله من مثوبة عباده المؤمنين أن تجرهم طاعتهم إلى طاعة أخرى وهكذا يتدرجون في مدارج الطاعة ويرتقون في معارج الزلفى فيتضاعف أجرهم والله أعلم.
وما القول في أهل الفترة؟
هم كغيرهم فيهم الصالح وفيهم الطالح فيهم من توصل إلى الإيمان بالله الله وآمن بأن الله تعالى هو وحده مبدع الوجود وعبد الله كما اهتدى إليه من العبادة، كقس بن ساعدة وغيره، وهؤلاء جاء في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما (1/151)
صفحة 152
152 الفتاوى العقيدة
يدل على أنهم مرتضون، وكذلك ورقة بن نوفل وغيره، وفيهم من كان معاندا في جاهليته مصرا على كفره مكابرا لعقله، فهذا حكمه يختلف عن حكم الصالح والله أعلم.
ما حكم الكافر الذي لم يسمع عن الإسلام ولم يخطر على مخيلته أن هناك ديناً اسمه الإسلام؟
يعذر في الأمور الجزئية العملية حتى تقوم الحجة بها، وكذلك القضايا العقدية السمعية، وأما ما تقوم به الحجة من طريق العقل، كوجود الخالق ووحدانيته، فلا يعذر إذا اعتقد فيه غير الحق، والله أعلم.
ما حكم الإسلام في الذين لم يصلهم الإسلام ولم يسمعوا به، والذين قد سمعوا به بطرق مشوهة وغير كافية، وما حكم أطفالهم يوم القيامة؟ قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، فما كانت حجته سمعية يرجى لهم أن يعذروا فيه - ما لم تقم عليهم الحجة به، وما كان حجته عقلية كمعرفة الله وما يجب إثباته له ونفيه عنه فلا يعذرون فيه، وأما الأطفال فهم على الفطرة، والله لا يؤاخذهم بجريرة غيرهم والله أعلم.
عبارات عقدية شائعة
ما حكم التلفظ بـ: «عباد الشمس» و «قوس قُزح»؟
الله تعالى يقول: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]، فلا يُسمَّى شيء مِمَّا خلقه الله (1/152)
صفحة 153
قيام الحجة
الجزء الأول
153
عن
- تعالى - من هذا النوع من أنواع الجمادات أو أنواع النباتات «عباد الشمس»، إنَّما هو يعبد الله وعل: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ والنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَاتُ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ} [الحج: 18]، فكثير من الناس يسجدون وكثير منهم لا يسجُدُون، أما بقية الكائنات فهي تسجد لله، ومعنى ذلك أن عبادة الله سبحانه تنتَظِمُها جميعا، وقد يشُذُ ذلك الإنسان الذي يتمرد على طاعة الله ولا يرضى بأن ينقَادَ لِحُكم الله سبحانه، أما المنقادون لحكم الله فإنهم يسيرون في هذا النظام الذي يسير الكون، فما من شيء يعبد الشمس من هذه الكائنات نعم هناك عُبَّاد الشمس من البشر، ولعل هناك عُبَّاد الشمس ـ أيضاً ـ من جنس الجن الذين تمرَّدوا على طاعة الله وهم من الشياطين طبعاً، أما هذه النباتات والجمادات فإنَّها تعبد الله وكل كما يدل على ذلك القرآن الكريم.
فيه
وكذلك «قَوْسُ قُزَح» إِنَّما هو قَوْسُ الله لأن قُزح هو شيطان كما جاء في الحديث، وجاء النهي عن تَسْمِيته بهذا الاسم، فلا يُسمى كذلك. والله أعلم.
ما مَعْنَى حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]؟
معني
حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] كافينا الله تعالى،
فالحسب هنا بمعنى الكافي .. وبمعنى الحسيب، فالله ـ تعالى ـ حسيب بمعنى هو كافٍ لعباده .. وأصل حسب بمعنى الكفاية ولكن استعمل بمعنى
الحسيب.
وهذه كلمة قالها المؤمنون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عندما حاول المشركون أن يَزِيدوهم خوفاً ورُعْباً مِمَّا حَدَث في غزوة أحد، فَأَشاعوا
وأن يُرْجِفُوا بِهم. أنَّهم أعَدُّوا العدة المرعِبَة لِمُواجهة المسلمين، فقال المسلمون مُتَوَكِّلين
عنهم
على الله: (1/153)
صفحة 154
154 الفتاوى العقيدة
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] وذهبوا إلى حمراء الأسد كما المشركين وأيَّدَهُم الله سبحانه ونَصَرهم وألقى الرعب في قلوب أعدائه .. يقول الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} [آل عمران: 173] جَمَعُوا
تَوَاعَدُوا مع
1173)
لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَأَنقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ
ت
وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَنَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ الله إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ، فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 172 - 175] فهكذا كان شأن أولئك، وهكذا من يتوكَّل على الله ويستمسك بِحَبْله ويَأْوِي إلى رُكْنِه فالله - تعالى - يَحْمِيهِ ويُعِيدُه مِن كُل شر والله أعلم.
ما حكم ما يقوله بعض الناس مِن سَبِّ الزَّمَان، «هذا الزمان غدار»، «هذا زمان سوء»، «هذا منك يا زمن أو نحوها من العبارات؟
لا ريب أنهم لا يعنون الزمن، وإنَّما يعنون أصحاب الزمن، فإن كانوا يعنون أصحاب الزمن فليس في ذلك حرج إن كان الواقع كما قال؛ وأما إن كانوا يعنون الزمن فالزمن خلقه الله تبارك وتعالى، وما يأتي به الزمن إنَّما هو من عند الله، فلا يجوز سَبُّ الزمن لأنَّ الزمن من عند الله والله أعلم.
هل يجوز قولنا «لولا الله وفلان»؟
لا يسوغ ذلك، وإنما يسوغ العطف بثم الدالة على المهلة، والله أعلم.
ما يلحق من يقول لا إله» وهو موحد من قوله هذا، وهل يلزمه إكمالها في الجهر أم في السر، وهل يلزمه إكمالها إن قالها غيره؟
قيل: يشرك بذلك، وقيل: حتى يقصد معناها، ويجب إتمامها جهراً على
من قالها جهراً، وعلى من سمع أن يتمها لبيان التوحيد، والله أعلم. (1/154)
صفحة 155
قيام الحجة
الاجتهاد
الجزء الأول
100
متَى يُثاب المجتهد إذا أخطأ؟
المُجتَهد يُتَاب إذا أخطأ إن كان ذلك في مسألةٍ من مسائل الرأي)، بحيث يجوز الخلاف في تلك المسألة، ولَم يَأْلُ جَهْداً في اسْتِفْرَاغِهِ الوُسْع مِن أجل الوصول إلى الرأي الأرجح، بحيث استعرض الأدلة، فتبين له رُجحان أحد الدليلين، أو دليل أحد القولَيْن، أو أحد الأقوال على بَقِيَّةِ الأَدلة الأخرى، فَعَوَّل عليه مع أنَّه لَو أَمْعَن نظره فيه لَكَان الدليل الآخر أَرْجَحَ مِن ذلك الدليل، فَإِنَّه هذه الحالة يكون معذوراً، لأنَّ المسألة مسألة رأي، أمَّا أَن يَجتَهِدَ في مسائل الدين فإن ذلك لا يجوز {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
في
وَعَلَيْنَا أَنْ نُدْرِك الفَرْق ما بين الأدِلَّة، لأنَّ مِن الأَدِلَّة ما هو قَطْعِي، ومِن الأدلة ما هو ظَنّي، والقطعِيَّة والظنيَّة تختلف - أيضاً - الدلالة
تلَقَّاهُ
-
بحسب
وبحسب
المَتْن، فالمَتْنُ القطعِيّ هو ما كان متواتراً وذلك هو القرآن الكريم وما تَوَاتَرَ مِن السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فذلك قطعِيُّ المَتْن لأنَّه قد ثبت تَلَقَّي القُرآن عن النبي والنبي تَلَقَّاهُ عن جبريل، وجبريل عن رَبِّ العالمين أو عن إسرافيل عن ميكائيل عن رَبِّ العالَمِين كما قيل، ذلك أمرٌ لاشك فيه، وكذلك السنة المتواترة الثابتة عن النبي بالتواتر ذلك أمر ـ أيضاً ـ لا شك فيه، فَتُبُوت مَتْن كُلِّ واحدٍ مِنهُمَا ثُبوتٌ قَطَعِي، أَمَّا السنة الأحادية فإنَّ ثُبوت مَتْنِهَا ثبوت ظنّي لاحتمال الخطأ من حيث الرواية ولأجل وُجُود كثير من الأحاديث المُخَالِفة للرواية الأحادية أحياناً أُخرى.
(1) هي التي يستدل لها بأدلة ظنية لا يقطع عذر المخالف فيها. (1/155)
صفحة 156
156 الفتاوى العقيدة
وأما الدلالة القطعية فهي دلالة النّصّ، فدَلالَة النَّص دلالة قطعِيَّة، ودَلالة الظن هي دلالة الظاهر كَدَلالة العام .. فإنَّ العام ظَنّي الدلالة وذلك في الأمور التشريعية التكليفية التي تتعلق بأفعال العباد، لكثرة المُخصصات التي وَرَدَت على العُمُومَات.
الخطأ،
فيجب على المجتهد أن يكون مُتفَطَّناً لذلك كله، ولئِنْ وقع في فأَخَذَ بالمَرْجُوح مع وُجُود الدليل على رُجْحَان الراجح، لا يكون آثِماً بذلك بل يكون مأجوراً بمشيئة الله بسبب اجتهاده إن اسْتَفْرَغَ الوُسْعَ في ذلك، وأَدَّاه اجْتِهَادُه إِلى مَا أَذَاهُ إليه؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.
سماحة الشيخ قد يقول البعض أصبح الآن معرفة الأحكام أمراً متاحاً لكل أحد من خلال الرجوع للقرآن والسُّنَّة ما داما المصدرين الشرعيين لاستنباط الأحكام، لماذا لا يتاح لأي مسلم إشغال عقله واستثمار هذه المصادر المتاحة أمامه الآن ليستنبط الحكم منه؟
ليس كل أحد قادراً على الاستنباط، فالاستنباط يتوقف على فنون شتى، فمن المعلوم أن الله - تبارك وتعالى - أنزل القرآن بلسان عربي مبين، واللغة العربية هي أوسع اللغات، فلذلك هيأها الله ـ تعالى ـ لتكون وعاء لكلامه، فأنزل بها كتابه، وجاءت السُّنَّة النبوية على صاحبها ـ أفضل الصلاة والسلام ـ: بلسان عربي مبين أيضاً، ولكن اللغة العربية دخلها الكثير من العجمة بسبب دخول أمم في دين الله، فلذلك احتاجت اللغة إلى فنون شتى، وقد تسابق الناس إلى خدمتها، وكان العجم أكثر من العرب عناية بها، فنحن نجد أن الذين اعتنوا باللغة العربية ودرسوا، فنونها، وبحثوا اشتقاقاتها، ووضعوا اصطلاحاتها معظمهم من العجم، وهذا راجع إلى رغبتهم في معرفة القرآن الكريم، ثم بجانب ذلك هناك طرق للاستنباط، وهذه الطرق قد تكون (1/156)
صفحة 157
قيام الحجة
الجزء الأول
157
صعبة إلا على من يسر الله - تبارك وتعالى - ذلك له؛ بحيث تمكّن من الوسائل التي تُسهل له هذه المهمة.
والصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم - لسلامة فطرهم، ولأنهم صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، وعايشوا نزول القرآن الكريم على قلبه - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، وعرفوا كيف كانت الآيات تتنزل، ولأي مناسبة كانت تأتي أحكامها، وعرفوا كيف السُّنَّة النبوية ترد؛ كانوا أقدر الناس على الاستنباط، وهم وإن تفاوتوا من حيث الفقه إلا أن ثَمَّ قدراً مشتركاً بينهم جميعا في الفقه، فكلهم فقهاء، وكلهم قادرون على استنباط الأحكام من أدلتها، ثم جاءت طبقة التابعين وكانوا أقل من الصحابة في ذلك، فلذلك كانوا بحاجة إلى أن يرجعوا إلى الصحابة، وأن يمارسوا هذا الأمر، ثم جاءت طبقة من بعدهم، واحتاج الناس إلى وضع المصطلحات احتاج الناس إلى أن يفهموا اللغة فهماً دقيقاً فأخذ الناس يدرسون فنون هذه اللغة بعدما وضعها المصطلحون، ثم احتاج الاستنباط أيضاً إلى دراسة الطرق والوسائل، فإن الأدلة الشرعية منها ما هو مجمل، ومنها ما هو محكم، ومنها ما هو ناسخ، ومنها ما هو منسوخ، فلذلك كان دراسة الفن الذي يمكّن من ذلك أمراً ضروريا، فنحن نجد أن العلماء بعد تلك الفترة وضعوا فن أصول الفقه، والصحابة - رضوان الله عليهم - وإن لم يصطلحوا على تسمية هذا خاصاً وهذا عاماً، وتسمية هذا مطلقاً وهذا مقيداً، وتسمية هذا مجملاً وهذا مفصلاً؛ إلا أنهم كانوا على قدر من الذكاء والفطنة، فلذلك كانت الأحكام تجري على ألسنتهم وفق مراد الله - تبارك وتعالى - من غير وجود هذه المصطلحات. ولكن بعدهم أنى للإنسان الآن وهو يرى الدليل العام أن يأخذ به على أي حال من الأحوال، ولو كان ثَمَّ مخصصات خصصت هذا الدليل العام، فكم من مخصص خصص العموم، حتى أن العلماء قالوا إنه ما من عام إلا (1/157)
صفحة 158
158
158 الفتاوى العقيدة
وقد خصص ما عدا بعض العمومات التي لا يجوز تخصيصها، وهي لا تتعلق إلا بجانب العقيدة لا تتعلق بجانب العمل، وكذلك نجد أن المطلقات قيدت، وأن المجملات بينت، وأن هناك منسوخاً وثَمَّ ناسخا، فلا بد من فهم ذلك، ولا بد من فهم كيفية التخصيص للعمومات، وكيفية التقييد للمطلقات وكيفية البيان للمجملات، هذه أمور لا يتمكن منها إلا الحاذقون الفاهمون الذين درسوا هذا الفن، وهو فن أصول الفقه.
فأنّى للعامي أن يأتي إلى القرآن الكريم وهو يجد في تضاعيف كتاب الله - تبارك وتعالى - أحكاماً شتى هذه الأحكام جاءت عامةً، ولكنها خصصت بمخصصات متعددة، مثال ذلك قول الله - تبارك وتعالى - {سُورَةُ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَتِ بَيِّنَتِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ} [النور: 1 - 2]، جاء حكم الزاني والزانية في كتاب الله أنه الجلد، ولم يفرّق القرآن بين محصن وغير محصن، ولكن السنة النبوية التي أجمع على صحتها وأخذت بها الأمة جميعا خصصت هذا العموم، ودلّت على أن هذا الحكم إنما هو خاص بالبكر، وأما المحصن فلا بد من رجمه، كذلك نجد أن الله - تبارك وتعالى - في تعداد المحرمات من النساء قال بعد ذلك: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَالِكُمْ} [النساء: 24]،
إلا أن السُّنَّة النبوية بينت أن ثم محارم لم يذكرها القرآن الكريم، فلا بد من تخصيص عموم قوله: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)
بتلكم المخصصات التي وردت عليه من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها، لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى). كذلك القرآن الكريم عندما تعرّض للمحارم
(1) رواه أبو داود (1768) والترمذي (1045). (1/158)
صفحة 159
قيام الحجة
الجزء الأول
159
من قبل الرضاع إنما ذكر الأمهات والأخوات فقط، ولكن السنة النبوية على صاحبها ـ أفضل الصلاة والسلام بينت أن المحارم تتعدى ما ذكر القرآن إلى كل ما يحرم من قبل النسب، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ()، وثبت عنه: «يحرم من الرضاع يحرم من الولادة» (2)، وثبت عنه الا للهلال: «إنما الرضاع مثل النسب» (3)، إلى غير ذلك، فكان في هذا تخصيص للعموم.
ما
كذلك نحن نجد في القرآن الكريم قوله الله: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]، نجد أن الله - تبارك وتعالى - ذكر هنا أربعة أصناف من المحرمات، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول بأنه لا يجد فيما أوحي إليه محرماً إلا ما ذكر هنا، ولكن جاءت مخصصات بعضها من القرآن نفسه، وبعضها من السُّنَّة النبوية.
فمن المخصصات ما جاء في القرآن الكريم، وذلك أن الله ـ تبارك وتعالى - حرّم الخمر وهي من جملة المطعومات فهذا تخصيص لهذا كذلك حرم الحق الله الصيد على المُحرم، وهذا من جملة
العموم، المخصصات، كذلك جاءت السُّنَّة التي خصصت هذا العموم، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الحمر الأهلية، وقال أيضاً أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام)، فدل ذلك على أن هذه الآية خُصص عمومها
بمخصصات متعددة.
(1) رواه الربيع (425) والبخاري (2451).
(2) النسائي (3251).
(3) الربيع (523).
(4) رواه الإمام الربيع (387). (1/159)
صفحة 160
160 الفتاوى العقيدة
فلو أخذ الإنسان بالعموم الذي يجده في القرآن لوقع في أمر مريج، ولقي من الإشكال أمراً لا يكاد يتصور، ولكن لا بد من النظر في المخصصات والمقيدات والمطلقات وأسباب النزول، فكل ذلك مما يضطر الإنسان إلى أن يدرس فن أصول الفقه فضلا عن حاجة الإنسان إلى معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسُّنَّة ومعرفة مقاصد الشريعة الإسلامية لينزل كل شيء منزله، وليعطي كل شيء حكمه، فمن هنا كان التقول على الله - تبارك وتعالى ـ بغير علم من أكبر المحرمات، فالله ـ تبارك وتعالى - قرن ذلك بالإشراك عندما قال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].
واللغة العربية لا بد من أن يكون الدارس للفقه متمكناً منها حتى ينظر في دلالات الألفاظ من حيث اللغة العربية، فنجد أن المجتهد هو بحاجة إلى النحو، وبحاجة إلى الصرف، وبحاجة إلى البلاغة، وبحاجة إلى أصول الفقه، وبحاجة إلى علوم الحديث، بحاجة إلى فنون مختلفة ليتمكن من الاجتهاد، ونجد كثيراً من الاختلاف بين الفقهاء يُبنى على النظر في بعض الحروف في العربية، وهذا الاختلاف إنما مرجعه إلى النظر في شيء قد يراه الإنسان أمراً بسيطاً، ولكنه في الحقيقة ليست ببسيط، مثال ذلك أن العلماء اختلفوا في التيمم بغير التراب هل التيمم مقيد بالتراب أو يمكن أن يكون بغير التراب من أجزاء الأرض؟ الذين قالوا بأنه يتيمم بأي شيء كان بالتراب وغير التراب قالوا بأن من التي في (منه) في قول الله ـ تبارك وتعالى ـ: فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة: 6]، هي لابتداء الغاية، والذين قالوا لا بد من أن يكون تيمماً بتراب يلتصق بالكفين عند ضربهما عليه قالوا بأن (من) هنا للتبعيض. كذلك مثال ذلك الواو في قوله ـ تعالى ـ: (1/160)
صفحة 161
قيام الحجة
الجزء الأول
?1 ?
وَإِنَّهُ لَفِسْقُ} [الأنعام: 121]، اختلفوا فيها هل هي للحال أو هي للعطف؟ وبناء على هذا الاختلاف وقع الاختلاف في حكم أكل ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه، والله تعالى أعلم.
إذا كانت فتوى المفتي تحمل عدة أقوال بدون أن يرجح رأياً من الآراء، فهل يجوز للمستفتي أن يعمل بأيها شاء؟
علينا أن ندرك التفرقة بين مسائل الرأي ومسائل الدين، فمسائل الرأي مجال الاختلاف فيها واسع، ذلك لأنه من المعلوم أن كل واحد يتشبث بدليل ولو اختلفوا، ومسائل الرأي إنما هي فيما لم يرد فيه نص قطعي الدلالة وقطعي المتن، قطعية المتن إنما تكون بتواتر النص، ومعنى كونه متواترا أن يتلقاه عدد كبير لا يمكن أن يتواطأ مثلهم على الكذب عادة، يتلقونه عن مثلهم فعن مثلهم هكذا حتى ينتهي تلقي هذا النص إلى المعصوم الله، فمثل هذا النص هو قطعي المتن، ولكن إن كانت دلالته دلالة ظاهرة وليست دلالة نصية كالعام؛ فإنه يكون ظني الدلالة، ولذلك يقولون في العام مثلاً (العام) ظني الدلالة ولو كان قطعي المتن)، فإن كان قطعياً من حيث الدلالة ومن حيث المتن؛ ففي هذه الحالة لا يجوز أن يخالف هذا النص القطعي من حيث الدلالة ومن حيث المتن، فلا يؤخذ بأي دليل آخر يخالفه نظراً إلى أن الأدلة الظنية لا تقاوم الأدلة القطعية، وذلك كتحريم الربا، مثلا، أو تحريم الخمر، أو تحريم أي شيء من هذا القبيل، هذا الأمر أصبح من المعلوم من الدين بالضرورة، فلا يجوز الاجتهاد في ذلك، أي لا يسوغ أن يقول قائل مقالاً يخالف النص الشرعي القطعي من حيث الدلالة ومن حيث المتن، وأما ما عدا ذلك فإن المجال واسع للاختلاف، إذ الأدلة تتعارض أحياناً، فبعضهم يأخذ بهذا الدليل لأنه يترجح عنده على (1/161)
صفحة 162
162 الفتاوى العقيدة
الدليل الذي يخالفه، وبعضهم يأخذ بذلك الدليل لأنه يترجح عنده على الدليل الذي يخالفه، وهكذا، فلذلك تتعدد الآراء في النظر إلى مخصصات العمومات، وفي النظر إلى تقييد المطلقات وفي النظر إلى كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلة نظراً إلى أن هذه الأدلة أدلة غير نصية، فلذلك يقع الاختلاف بين العلماء في المسائل التي تدل عليها.
والمسائل التي هي معدودة من مسائل الرأي، وهي التي يستدل لها بأدلة ظنية؛ لا يقطع فيها عذر المخالف، ولكن مع هذا كله فإنه من الواجب على الإنسان إن وجد عالماً مجتهداً قادراً على الترجيح أن يرجع إليه، ذلك لأن العالم شأنه كشأن الطبيب، فالطبيب قد يعطي لهذا جرعة، ويعطي لآخر جرعة أخرى مع أن علتهما واحدة إلا أنه ينظر في كثير من الأحوال في الطبائع، فطبائع الناس تختلف هذا طبعه حار يابس، وهذا طبعه حار رطب، وهذا طبعه بارد رطب، وهذا طبعه بارد يابس فيكون علاج هذا يضر ذلك، وبجانب ذلك أيضاً ينظر الطبيب أحياناً إلى الفصول، وينظر إلى المناخات، وذلك أن المناخ الاستوائي غير المناخ البارد وهكذا، فلذلك يحتاج الطبيب إلى النظر في طبائع الناس، وفي طبائع المناخات، وفي طبائع الفصول والأزمنة، فيكون العلاج بمقدار ذلك، وهكذا شأن العالم أيضاً، مثال ذلك أن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما - جاء إليه رجل، وسأله عن تقبيل الرجل لزوجته وهو صائم، فأباح له ذلك، وجاءه رجل آخر وسأله نفس السؤال فمنعه من ذلك، وقد لاحظوا أن الرجل الذي أباح له أن يقبل امرأته وهو صائم كان شيخاً؛ أي رجلاً متقدماً في السن، ومن المعلوم أن الشيخوخة مظنة ضعف الشهوة، والآخر الذي منعه من ذلك كان شاباً، والشاب إنما هو مظنة فوران الشهوة، فلذلك منعه لئلا يجره التقبيل إلى ما هو أعظم منه، وهكذا. (1/162)
صفحة 163
قيام الحجة
الجزء الأول
163
ثم مع يشرع ويكون لمصلحة يعلمها الله - تبارك وتعالى، ولا يستطيع أن يطلع على تلك المصلحة إلا الربانيون من العلماء، ولذلك كان عمر الى ينظر في بعض الأحوال، فيحكم بأحكام قد يتبادر أنها مخالفة للتي حكم بها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أبي بكر، مثال ذلك أنه منع المؤلفة قلوبهم ما كانوا يُعطونه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر، وسهم المؤلفة قلوبهم منصوص عليه في القرآن الكريم، على أن اجتهاد عمر إنما كان في تطبيق حكم القرآن لا في أصله فهو لم يقصد مخالفة القرآن، ولم يقصد مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقصد مخالفة ما أجمع عليه المسلمون في عهد أبي بكر، ولكن رأى أن سـ سبب ذلك الحكم في القرآن إنما هو لأجل مراعاة غاية، هذه الغاية كان لا بد من ملاحظتها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر له، ولكن بعد ذلك أصبحت أمراً لا داعي إليه؛ لأن الزمن، تبدل، فسهم المؤلفة قلوبهم إنما شرع من أجل كف شر هؤلاء المؤلفة لما لهم من مكانة اجتماعية عند قومهم فشرع إعطاؤهم من أجل استدرار خيرهم وكف شرهم، والإسلام بعدما قوي وأصبح يغزو الروم والفرس في عقر دارهما لم تكن هناك حاجة إلى أن يعطي هؤلاء مما كانوا يعطونه من قبل، فلذلك منعهم، وقال: (إن ذلك لما كان الإسلام ابن لبون، وأما الآن فقد بزل)؛ أي صار قويا ليس هو بحاجة إليهم، فهكذا كان اجتهاده مبنيا على أصل أصيل في الحق، فأين هؤلاء الذين يستطيعون أن يفرّقوا بين هذه الدقائق؟ لا ريب أن ذلك أمر لا يقدر عليه كل أحد، وإنما يقدر عليه العلماء الربانيون المتمكنون من العلوم القادرون على النظر في الأحكام الشرعية وإنزال كل شيء منزله، ولأجل هذا كانت الضرورة داعية إلى أن يتقيد الإنسان برأي العالم المجتهد في عصره إن وجد العالم المجتهد القادر على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، والله تعالى أعلم.
ذلك قد تختلف الظروف، وتختلف الأحوال، فنجد الدليل الشرعي (1/163)
صفحة 164
164
الفتاوى العقيدة
أنتم ذكرتم أن العالم الرباني الذي لديه العلم الواسع هو يفتي للناس، لكن نعود مرة أخرى، هذا العالم الرباني في بعض الأحيان عندما يستفتى يسرد في أقواله عدة آراء لا يرجح شيئا منها، هل يصح للمستفتي أن يأخذ بأيها شاء؟
عليه أن يسأله إن كان يعرفه قادراً على الترجيح ما القول الراجح من هذه الأقوال، فإنه مأمور أن لا يأخذ بأي رأي كان حتى يتبين رجحانه إن وجد سبيلا إلى ذلك، والله أعلم.
الرخصة موجودة في الكثير من الأحكام الفقهية وهي تتناسق مع قول
النبي
: «يسروا ولا تعسروا) (1)، وأنه ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما (2)، لكن العلماء لا يظهرون هذه الرخصة بل ينفرون من تتبعها، ويزجرون من يسأل عنها، ألا يتناقض هذا الحديث الداعي إلى اليسر؟
مع
ما هي الرخصة في عرف الفقهاء؟ إنما الرخصة هي القول العاري من الدليل، والقول العاري من الدليل ولو قاله من قاله فإنه لا يعتد به، إذ لا يعدل طالب الحق عن الدليل إلى غيره، قد نجد من الفقهاء من يقول ورُخّص، ولكن في مصطلحهم أن هذه الرخصة هي قول لم يقم عليه دليل، ومن المعلوم أن الإنسان متعبد باتباع الدليل مع وجوده فإن كان الدليل قطعياً فتعبده به أمر قطعي، وإن كان ظنياً فتعبده به أيضاً أمر ظني، وهو وإن كان لا يُقطع عذره إن خالف الدليل الظني إلا أنه إن كان ذلك تبعاً لهواه فلا ريب أنه لا يجوز له اتباع الهوى؛ إذ ليس للإنسان أن يعرض عن الدليل مع قيام الحجة به.
(1) رواه البخاري (67) ومسلم (3264). (2) رواه البخاري (3296) ومسلم (4294). (1/164)
صفحة 165
قيام الحجة
الجزء الأول
165
سنة
ولا ريب أنه مع وجود الدليل الشرعي من كتاب الله أو من سوله سواء كان هذا الدليل نصياً أو كان ظاهراً؛ لا يجوز للإنسان أن
يعدل عنه؛ لأن الله - تعالى - يقول:
فَإِن تَنَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، ويقول تعالى:
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، ويقول ـ سبحانه ـ: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]،
فليس للإنسان مع وجود الحجة في كتاب الله أو في سنة رسوله سواء كانت هذه الحجة نصية أو كانت ظاهرة أن يقوم باعتصار ذهنه من أجل أن يصل إلى قول يخالف الدليل الشرعي أو يسلس قياده لمن أتى بقول من عنده بغير دليل.
كما أنّ الأدلة أيضاً تتعارض، وقد يكون الدليل الذي استدل به العالم هو الدليل الأقوى، وليس للعالم أن يعدل عن الدليل الأقوى إلى الدليل الأضعف؛ لأنه مطالب أن يقارن بين الأدلة وينظر المرجحات ما بينها، فقد يكون هنالك دليل ولكن هنالك ما يدل على أنه منسوخ، أي نسخه دليل آخر، فلا تكون الحجة في المنسوخ وإنما في الناسخ، كذلك إن كان دليل الرخصة عموماً ودليل العالم الذي لا يترخص خصوصاً، فإن الخصوص يقدم على العموم، كذلك إن استدل أحد بالإطلاق مع وجود ما يقيد فإنه لا يعدل إلى المطلق مع وجود المقيد؛ إذ المطلق يجب أن يحمل على المقيد، كما أن العام يحمل على الخاص، وهكذا، فهذه الأشياء لا بد من النظر فيها، وقد يكون الدليلان متكافئين من حيث (1/165)
صفحة 166
166 الفتاوى العقيدة
قوتهما، ولكن مع ذلك فإن أحد الدليلين يتفق مع مقاصد الشرع فيترجح بذلك، والآخر قد يكون لا يتفق مع مقصد الشارع، فلا بد من مراعاة ذلك، فلذلك من الواجب على الإنسان أن يتفطن لهذه الدقائق، وهي طبعاً لا يدركها العوام.
على أن الذين يأخذون بالرخص هم يريدون التلفيق ما بين آراء أهل العلم؛ ليخرجوا برأي لم يقله أحد من أهل العلم قط؛ بحيث يأخذون من هذا العالم الترخيص في مسألة كذا، ويأخذون من قول الثاني الترخيص في مسألة ثانية، ويأخذون من العالم الثالث الترخيص في مسألة ثالثة، وإذا بما يأتونه خليط من الآراء لم يقله أحد من أهل العلم قط، وفي هذا ما يؤدي إلى فساد الدين، وإلى الميوعة، وهذه أمور لا يرضاها الإسلام قط، والله
تعالى أعلم.
المرأة إذا بلغت مبلغاً من العلم، وتأهلت للفتيا إذا ما تصادم قولها مع قول عالم من الرجال، فبرأي من يؤخذ؟ إذ المعروف بأن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل.
يؤخذ بالرأي الذي يترجح بالدليل، والنساء قد يبلغن في العلم مبلغاً لا يقل عن مبلغ الرجال، فأمهات المؤمنين - رضي الله تعالى عنهن ـ عندما كان الصحابة من يختلفون في الكثير من المسائل لا سيما المسائل التي تتعلق بالنساء أو المسائل التي اطلعت أمهات المؤمنين على موقف للرسول صلى الله عليه وسلم فيها فإن أولئك الصحابة كانوا يأخذون بعد الاختلاف بينهم بما يصلهم من قبل أمهات المؤمنين من آراء وروايات، كم من مسألة وقع فيها الاختلاف بين الصحابة، ولما رفعوا الأمر إلى أمهات المؤمنين فسألوهن فأبدين لهم ما كان غامضا عليهم، فهذا عمر بن الخطاب الى يرجع إلى (1/166)
صفحة 167
قيام الحجة
الجزء الأول
167
أمهات المؤمنين في الكثير من المسائل، بل ربما رجع إليهن حتى في الأمور التي لم يكن فيها نص عن النبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، مثال ذلك أنه مرّ بامرأة في الليل وهي تقول:
ألا طال هذا الليل واسود جانبه وليس إلى جنبي خليل ألاعبه إلى آخر الأبيات ....
اشا
فطلب المرأة، وسأل عن شأنها، فإذا بزوجها في الغزو وهي بحاجة إلى معاشرته، فسأل ابنته السيدة حفصة الى عن الزمن الذي يمكن أن تصبر فيه المرأة عن زوجها؟ فقالت له إنها ينتهي صبرها بمضي أربعة أشهر، فأمر أن لا يبقى غاز في غزوته أكثر من أربعة أشهر إن كانت له امرأة.
وكذلك عندما وقع الخلاف بين ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما ـ وأبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو من التابعين، وليس من الصحابة، ولكن وقع بينهما خلاف في المعتدة إن كانت حاملاً ووضعت حملها قبل مضي أربعة أشهر وعشر؛ أي إن كانت مميتة، فقال ابن عباس: تعتد بأبعد الأجلين، وقال أبو سلمة ابن عبد الرحمن: بل بوضعها حملها تنتهى عدتها فجاء أبو هريرة فعرضا عليه الأمر، فقال: مع ابن أخي؛ أي مع أبي سلمة ابن عبد الرحمن، فأرسلوا رسولاً إلى أم سلمة الى، فأجابتهم بأن سبيعة الأسلمية وضعت حملها بعد موت زوجها بليال، وأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح من شاءت (1)؛ إذ اعتبر عدتها قد انتهت هذا مما يدل على أن الصحابة كانوا يرجعون إلى
أنا
أمهات المؤمنين.
(1) رواه الإمام الربيع (540) والبخاري (3691). (1/167)
صفحة 168
168 الفتاوى العقيدة
فإن نبغت امرأة وكانت من الفطنة والذكاء والإدراك، والقدرة على فهم الأدلة والترجيح ما بينها في مكانة لم يصلها عالم من علماء زمانها القادرين على الاستنباط من الرجال؛ فلا ريب أن قولها يقدم على قولهم
والله أعلم.
العقل ومكانته في التشريع الإسلامي
هل يؤخذ بالأدلة العقلية دائما، مع العلم أن عقل الإنسان نسبي؟ هناك قضايا تفهم من طريق العقل، فإن العقل يدرك أن كل صنعة تفتقر إلى صانع، والله الله ذكر العقل في القرآن الكريم، وجعله مناط قيام الحجة ووضوح المحجة، فقد قال الله في كثير من الآيات: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] و لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الرعد: لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 98] وقال تعالى: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ} [العنكبوت: 43] فعلينا أن لا نتجاهل العقل وقضية العقل وقع فيها خلاف شديد بين العلماء المتكلمين والأثريين، فنجد الأثريين يهملون هذا الجانب العقلي، ويفسرون النصوص بحسب ظاهرها من غير رجوع إلى العقل في استلهام حقائق معانيها ونجد المتكلمين بخلاف ذلك، ولربما بالغ بعضهم حتى قدم العقل على النقل ومن هؤلاء المعتزلة القائلون بتحكيم العقل، ونجد الإمام الفخر ـ وهو من غير المعتزلة ـ بلغ به الأمر في تفسيره بأنه اعتبر الأدلة النقلية كلها ظنية ونص على ذلك أيضاً في «محصوله».
وبناء على هذا فإنها لا تقوم بها حجة في الأمور العقدية، وقد نص على ذلك في تفسير قول الله تعالى: {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى (1/168)
صفحة 169
قيام الحجة
الجزء الأول
169
أَبْصَرِهِمْ} [البقرة: 7] وما قاله كلام غريب يتناقض مع تطبيقاته، فهو نفسه يستدل في الأمور العقدية القطعية بمفاهيم المخالفة، وقد احتج لما ذهب إليه من ظنية السمعيات بأن الأدلة السمعية تحتاج إلى دراسة اللغة، ونقلة آحاد فإذا ما دلت عليه اللغات لا تتجاوز حجيته أن تكون
اللغة هم ظنية، وتعقبه الإمام السالمي في طلعة الشمس، وقال بأن الأسماء المشهورة التي لا تقبل التشكيك كالأرض والسماء والماء والهواء والشمس والقمر والليل والنهار وأمثال ذلك، لا تحتاج إلى دراسة أو رجوع إلى مراجع اللغة والكتب التي تعنى بفنونها، ثم لا نسلم أن جميع آحادية، لأن كثيرا من نقلة اللغة جابوا الصحراء والتقوا
النقول
هي
بالبدو، فتم نقلها من طريق جماعة عن جماعة ولا يعد مثل هذا أحادياً، ونجد الأمام الفخر ينتصر كل الانتصار للمسلك الكلامي، ففي تفسيره سورة البقرة في معرض ذكر العقل أطال في تأييد الاستناد إلى المناهج العقلية في القضايا العقدية، وأيد مسلك الكلاميين، وأخذ يرد على الأثريين رداً عنيفاً.
وأقول بأنه لا بد من التوسط بين الأمرين فالجانب العقلي لا يهمل، وكذا الجانب النقلي، ولو تعارض العقل والنقل فلا نقول بأنه يعتمد على العقل ويترك النقل، ولكن العقل يستند إليه في استلهام مقاصد النقل من غير تكلف، فالقضايا العقلية مثل دلالة الكائنات على وجود الصانع سبحانه لا بد أن يمعن الإنسان فيها عقله وتفكيره، ولذلك نوه الله الله بالعقل وبالتفكر، وعندما احتج الله الله على عباده الذين ضلوا السبيل احتج عليهم من طريق العقل، فقال له: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الروم: 8]، وقال الله سبحانه: (1/169)
صفحة 170
170
170 الفتاوى العقيدة 30
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] وكان ذلك بعد تقرير توحيده لك في قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 163] فلا بد أن يتفكر الإنسان في هذه الأشياء، والله أعلم. (1/170)
صفحة 171
الإيمان بالله (1/171)
صفحة 172
172 الفتاوى العقيدة
أدلة
الله وجود
أنتم استمعتُم سماحة الشيخ إلى الكلمة التي تحدثت عن العقيدة الإسلامية وبينت أنها مجانبة للعقل كما أنها تحدثت عن نبينا وذكرت بأنه جاء بما هو سيء، هذه الكلمة أثارت ضجة في العالم الإسلامي واستمعنا واستمعتُم إليها، فنود أن نسمع كلمتكم فيها أيضاً؟ وفي تَعبِ مَن يُنكِرُ الشمسَ ضَوءَها ويجهد أن يأتي لها بِضَرِيب فمَن تَطاول على الإسلام إنما هو:
کناطح صخرةً يوما لِيُوهِنَها فلم يَضِرُها وَأَوْهَى قَرْنَه الوَعِلُ الإسلام دين الله - تعالى - الحق الذي جاءت الرسالات من عند الله حاملة هدايته، وقد أتمه الله على أكمل وجه وأدَقِّ الأحكام وأوسع المداخل والمخارج في هذه الرسالة الخاتمة التي بُعِثَ بها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت رسالات النبيِّين مِن قَبل مُبَشِّرَةً بها وداعيةً إلى الإيمانِ بها: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيِّينَ لَمَا وَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ وَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ} [آل عمران: 81].
على أن كل النبيين جاؤوا دُعاةٌ إلى تَوحِيدِ الله سبحانه، وإنما ضَلَّ مَن ضل وانحرفَ مَن انحرفَ عن هذا المنهج السوي بتأثيرات مُتَعَدِّدَة كان لها في انحراف العُقول وطَمْس بَصائِرِها، وإلا فَالرُّسُل كلُّهم جاؤُوا بِدعوة
أَثَرُ
التوحيد، وهذا ما يُؤَكِّدُه القرآن، فالله - تعالى - يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وقال: {وَلَقَدْ
بَعَثْنَا فِي كُلِ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُونَ} [النحل: 36]. (1/172)
صفحة 173
الجزء الأول
173
ان بالله
الإيمان
أنهم
وقد حكى الله تعالى عن كلِّ مِن نوح وهود وصالح وشعيب قالوا لقومهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ} [الأعراف: 85]. وحكى عن المسيح أنه قال: (اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 72]. الرسالة التي جاء بها المرسلون.
فهذه هي
والنبي صلى الله عليه وسلم قد أُرسل برسالة التوحيد التي تَهدِي إلى الحق وتميز ما بين الحقيقة والوهم، والتي تُقِيمُ الإنسانية على طريقة سواء بحيثُ يَكونُ الخضوع الله تعالى وحده، ويَكونُ الانقيادُ لِحُكمه والإذعانُ لِطاعته، لأنه مالِكُ المُلْكَ، فكلُّ مَن في السماوات والأرض إنما هو عبد الله: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا وَإِنِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَهُمْ وَعَدَّهُمْ عَذَا وَكُلُّهُمْ عَاتِي
عَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْدًا} [مريم: 93 - 95].
هذه
هي
رسالة التوحيد التي يقوم عليها الإسلام والتي دعا إليها النبي لا لا لا لا. وكان يُعلِنُها بين قومه، فالإسلام يقوم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله مع التصديق بجميع وبجميع الكتب، كما يقول الله سبحانه آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَيكَيْهِ، وَكُتُبِهِ
النبيين
وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} [البقرة: 285]، ويقول سبحانه: {قُولُوا وَآمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136]، ويقول: قُلْ آمَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84]. وهذه العقيدة أيضاً مبنية على العقل السليم. فنحن نرى في كتاب الله تعالى كيف أنّ القرآن يُرشد العقول إلى النظر في هذا الكون، والفهم الصحيح (1/173)
صفحة 174
174 الفتاوى العقيدة
174
للواقع، وإدراك أنّ كل ذرّةٍ من ذراتِ هذا الكون هي كلمة من كلمات الله ناطِقَة بِالاعترافِ بِوُجُودِه وبوحدانيته، فكلُّ ما فيه إنما يُعْرِبُ عن هذه الحقيقة، والقرآن الكريم يُفتَّحُ بَصائِرَ الناس لإدراكِ هذه الحقيقة، ويَأخُذُ بِعُقُولِهِم للتطوافِ في هذا الكون الفسيح الأرجاء - الذي جَعَلَهُ اللَّهُ مَعْرِضاً رَبَّانِيا يَقِف الإنسان في جُزءٍ منه على ما يَدُلُّه على الله تعالى.
فالله - سبحانه ـ عندما عَرَّفَ عِبادَه بنفسِه عَرَّفَهم بما يدل عليه وعلى وحدانيته مِن خِلالِ الآيات الكثِيرَة المُنْبَيَّة في الكون والتي جاءَ القرآن الكريم ليَعْكِسَها، حتى صار القرآن الكريم هو المرآة الصافية التي تَعْكِسُ حَقَائِق هذا الوُجُود، فالله تعالى يقول: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21 - 22]، ويقول سبحانه:
صلے
اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنَهَرا وَمِن كُلِ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي أَلَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَمٌ مُّتَجَوِرَاتٌ وَجَنَّتُ مِنْ أَعْتَبٍ وَزَرْعُ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُل إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 2 - 4]، ويقول: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَوَاتَنكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 32 - 34]،
ويقول: (1/174)
صفحة 175
الإيمان بالله
الجزء الأول
175
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمَّى} [لقمان: 29] كلُّ هذه الآيات مِن أجْلِ تَعرِيف
الإنسان بربه.
وفي معرض تعريف الإنسان بوخدانِيَةِ الله - سبحانه ـ نَجِد القرآن يَقرِنُ ذلِكَ بِآيَاتِ الله التي تدل على أنّ هذا الكون وحْدَةٌ مُتَكَامِلَة كلُّ جُزءٍ منه مُكَملٌ لِبَقية الأجزاء، فالله تعالى عندما قال: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163] أَتْبَعَ ذلِكَ قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] فالإنسان يَرَى الدَّلائِلَ الواضحة على وحدانية الله فمع هذه الآيات الكونية الظاهرة لا يمكن أن يكونَ هذا الكون صادرا عن أَكْثَرَ مِن إرادة واحدة؟!
عن
لو كان هنالك عَدَدٌ مِن الخالِقِين لكان لكل واحدٍ منهم إرادة إرادة مُسْتَقلَّة إرادة الآخر، وتَعدُّد الإرادات يؤدي إلى الاختلاف في المراد، والاختلافُ في المراد يؤدي إلى فساد الكون، وهو الذي أَعْرَبَ عنه القرآن، إذ قال الله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا وَالِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: 22] فلو كان هنالك أكثر من إله
لأدى ذلك إلى فسادٍ في هذا الكون وتصادم ما بين هؤلاء الآلهة، لأنّ كلَّ واحد منهم يريد أن يُنفّذ إرادته على حساب إرادة غيره، وهذا مما يؤدي إلى تَشتُتِ حال الكون، ولكنّ الكونَ مُنتَظِم انتظاما غريبا من ذرّاته الدقيقة إلى مجرّاتِه الواسعة .. كلّ شيء منه بمقدار، كما يقول الله سبحانه: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقدِيرًا} [الفرقان: 2] وقال: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8] وقال: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]. (1/175)
صفحة 176
176
176 الفتاوى العقيدة
ويقول الله سبحانه مُبَيِّنا أيضاً دلائِلَ وحدانيته في مقام الاحتجاج على الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَى اللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُون أَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَوَلَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمُ يَعْدِلُونَ أَمَن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَوَلَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (3) أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَعِلَهُ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَرُونَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيحَ بُشرا
قلے
بَيْنَ يَدَى رَحْمَتِهِ أَلَهُ مَّعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَن يَبْدَوُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَوَلَهُ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُم صدقين} [النمل: 59 - 64] كلُّ هذه الآيات تدل على ارتباط هذه العقيدة ارتباطا وثيقا بالعقل، ولذلك نَرَى في كتاب الله تعالى أن الله سبحانه يُكرّم العقل ويُشرِّفه ويَدعُو إلى استعماله، ويدعو إلى التفكر والعلم والفقه والنظر، فالله تعالى يقول: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 12] ويقول: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَكَرُونَ} [النحل: 13] ويقول: {إِنَّ فِي ذَلِك لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَبِ} [الزمر: 21] فهي دائما تجعل المستمع أو المفكّر أو الناظر بنفسِه حَكَما في هذا الأمر.
أحدها
هو
الله،
وقد سلكت التصورات الأخرى طريقاً مناقضاً لهداية العقل فلهذا نَرَى الأناجيل الأربعة قد اضطَرَبَتْ في أمر المسيح اضطرابا كبيرا، ففي إنسان وفي الآخر هو خادِم، وفي الثالث هو ابن الله، وفي الرابع هو ويَأتِي المقدّم لهذه الأناجيل ويقول: لا اختلاف في ذلك فهذا الخادم هو الإنسان، وهو ابن الله، وهو الله! كيف يكون الإنسان هو الله؟! (1/176)
صفحة 177
الإيمان بالله
الجزء الأول
177
وعندما سألت المختصين من أصحاب هذه الديانة وأردتُ لهذه المشكلة ردّوا عليّ بأنّ هذا أمر لا تصل إليه العقول.
اتَّخَذَ
إذن كيف يَخضَعُ الإنسان لما لا يُستساغ في عقله؟!
حَلَّا
منهم
كيف يكون الإنسان هو الله؟! وكيف يكون الله رب السماوات والأرض ولدا؟! مع أنه تعالى وجوده وجود أبدي، كما أنه وجودٌ أَزَلِي، فهو لا يُرِيدُ ولدا لِيُعَوِّضه، ولا ليُعِينَه، لأنه هو القوي القاهر، ولا يريد ولدا لِيَتَسَلَّى به أو لِتَقَرَّ به عينه تعالى الله عن ذلك، ولذلك يَرُدُّ الله تعالى على هؤلاء الذين قالوا: اتَّخَذَ الله وَلَدًا رَدَّ عليهم بأنه هو الغني سبحانه ولا يَحتاجُ إلى الآخرين.
فالقرآن يُعلِّمُ الطفل الصغير أن يقول: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4]، هذه هي عقيدة القرآن، فهل في هذا ما يَرُدُّه العقل، وما يتصادم مع الفكر السليم؟! وإنما هذا الذي تمجه أفواههم من الإفك وتقيئه قرائحهم من الباطل يدل على ما في هذه النفوس من المرض، وما في هذه الصدور من الحقد، وما في هذه البصائر من الانطماس، وإلا فالإسلام أَعْظَم وأَجَلٍ مِن أَن تَمتَدَّ إِليه انتقاداتُ المنتَقِدِين، لأنّ كلَّ جزئيةٍ مِن جزئياته - فضلا عن كلياته - قائمة
على العقل الصحيح السليم، ولذلك كَرَّمَ العقل أيَّما تكريم، والله أعلم.
امرأة في بعض الأحيان تتفكر في خلق الله - تعالى - وتشعر بعظمة الله لكنها في أَحْيَان أُخْرَى يَتَدَاخَلُهَا وَسْوَاسِ ويَغْزُوها الشيطان فيبعدها عن التفكر في هذه العظمة؟ الكَوْن كُلَّه مَسْرَح لاعْتِبَار الإنسان فإن كل ذَرَّةٍ مِن ذراته ـ كَمَا يَقول (1/177)
صفحة 178
178 الفتاوى العقيدة
أَحَد عُلَمَائنا - هي كلمة من كلمات الله، ناطقة بوُجُوده دَالَّة على شهود عظمته سبحانه، وما عداها فهو كالشَّرْح لتلك الكلمة، فَكُل ذرة مِن ذَرَّاتِ الكَوْن فِيهَا دَلَائِل شَتَى على وجُودِ الله ودَلائل مُتعددة على وِحْدَانِيَتِه وعَظَمَتِه وقدرته وجلاله وعلمه، وذلك أن الإنسان يَرَى أن كُلَّ ما في الكَوْن مَصْنُوع حادث كان بعد أن لم يكن فالذرة بِتَراكيبها: النواة والالكترونات التي تدور من حولها وفيها من النيوترونات وغيرها ما هو مقدر تقديراً عجيباً، ذلك كله شاهد على أن الله تعالى هو الذي أوجد هذه الذرة وهو الذي خلقها فهي مُغْرِبَة بِلِسَان حَالِهَا عن افْتِقَارها إلى واجب الوجود لذاته سبحانه الذي تجلى في كل موجود وُجُوده وغمر الكَوْن كُلَّه شُهُودُه.
العَنَاصِر
وعندما ينظر الإنسان - أيضاً - إلى ما فوق هذه الذَّرَات وهي التي تتكون من هذه الذَّرَّات كيف تَلْتَئم وتتحد بِمَشِيئَة الله سبحانه، وينظر بعد ذلك إلى المركبات وإلى الأجسام وإلى الأجْرَامِ الفَلَكَية وغيرها يأخذه العَجَب وَيَرَى قوة الرباط الذي يربط ما بين هذا الكون المترامي الأطراف، الأرجاء بحيث إنه مع هذه الشعة التي تَفُوت مَدَارك البَشَرِ لا يَخرج
6
الواسع عن كونه وحدة مُتَكَامِلة كل جزء منها مُكَمِّل لِبَقِية الأجزاء، وفي ذلك دلالة وَاضِحَة على وحدانية الله وجَل، لأن وحدة نظام الكون دليل على أنه صادر عن مكون واحد، ولذلك عندما وَصَفَ الله نفسه بالوحدانية حيث قال: وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163] أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، فكل ما ذُكر في هذه الآية الكريمة إنَّما يدل على
وحدانية الله سبحانه (1/178)
صفحة 179
الإيمان بالله
الجزء الأول
179
ومثل ذلك ـ أيضاً ـ قوله تبارك وتعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى اللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُون أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَلَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)) أَمَن جَعَلَ الْأَرْضَ فَرَارًا وَجَعَلَ خَلَلَهَا أَنْهَرا وَجَعَلَ لهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِرًا أَوَلَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَعِلَهُ مَّعَ اللهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَرُونَ أَمَن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ
ملے
الريح بشرا بين يَدَى رَحْمَتِهِ أَوَلَهُ مَعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59 - 63]، فإذن الكَوْنُ كُلُّه إنَّما هو مَسْرَح لاعتبار الإنسان، إذْ تَتَجَلَّى له من خلال نظرته إلى نظام هذا الكون عظمة المعبود تبارك وتعالى، ووحْدَانِيته وعِلْمُه وقُدْرَتُه وحياته وإرادته ومَشِيئَتُه سبحانه لأن ذلك كلَّه مِمَّا يدل على أن مكون هذا الكَوْن قَد أَحَاطَ بِكُل شيء عِلْماً وقدرَةً، وأَنَّهُ لَا يَخْرج شيء مِن هَذَا الكون عن إرادته سبحانه
فالإنسان من خلال نَظْرَته إلى هذه الكائنات تَتَجَلَّى له الحقائق الغَيْبية كما هي، وبهذا يكون موصولاً بالله وعجل.
أَمَّا الوَسْوَسَة التي يُمْلِيها الشَّيطان على الإنسان فإن على المؤمن أن يَسْتَعِيذ بالله - تعالى - منها مَهمَا طَرَأت عليه وأن يُغَالَبَها، فالله - تعالى - يَقُول: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَيْنِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَيفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 200 - 201] فهكذا شأن المتَّقِين إذا ألَمَّ بهم شيء من الشيطان يَتَذَكَّرون وَيَتَرَاجَعُون ويدركون وَسْوَسَة الشَّيْطَان وشَرَّه ومَكَائِدَه وما يريد بهم، فهذا كله مِمَّا يَجب أن يَتَفَطَّن لَه الإنسان. (1/179)
صفحة 180
18 الفتاوى العقيدة
ومهما يكن فإن الإنسان الذي يُحس بعظمة الله تعالى من خلال نظرته إلى الكائنات ويُحِس بِنِعْمَتِه سبحانه تَغْمُره من خلال نظرته إلى ما سَهَّل له في هذا الكون يكون مَوْصُولاً بِرَبِّه، والإنسان مطالب أن يُمْعِن فِكْرَه فِي هذه الحقائق ليُدرك أنَّه أفقر ما يكون إلى الله تعالى في جميع أحواله فهو تعالى يقول مُذَكَّراً لِعِبَاده قُتِلَ الإِنسَنُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَبِيلَ يَسَرَهُ ثُمَّ أَمَانَهُ, فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ
(19
مهين
أَنشَرَهُ كَلَّا لَمَا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَيْنَا الْمَاءَ صَبَا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقَان فَأَبْتَنَا فِيهَا حَبَّا وَعِنَبا وَقَضَبَا وَزَيتونَا وَنَخَلَا وَحَدَابِقَ غُلْبَا وَفَكِهَةٌ وَأَبَا مَّنَعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ} [عبس: 17 - 32، ففي هذه الآيات يذكر الله الإنسان أولاً بنعمة خلقه إياه، فَقَد خُلَق مِن عدم، مِن أَمْرِ في منتهى المهانة، من خَلِيَّة وهي المُعبَّر عنها بالنُّطْفَة وَهِي مِن دِقَتِهَا وَحَقَارَتِهَا تُنظّر بِالمِجْهَر ولا تَكَاد تُبْصَر، ثم طَوَّرَه الله تعالى بَعْدَ أن خلقه منها طوراً بعد طور حتى كانت هَذِه الملايين من البشر، وفي جسم الإنسان ملايين الملايين من الخلايا، وَهِي مُتَنَوِّعة ولَهَا وظائف متعددة بقدر حاجة الإنسان إليها.
ثُمَّ مع هذا وُجد ـ أيضاً ـ في الإنسان ذلِكم السِّر الغَيْبَي وهو نَفْخُ الله تعالى فيه من رُوحِه بِحَيْث تَحَوَّل إلى كائن آخر فَصَار فيه الإحساس والمدارِك، وَبَعْد ذلك خَرَجَ إِلى هَذَا الكَوْن وأَخَذَ يَتَدَرَّج في مَدَارِج الرُّقي شَيئاً بَعْد شيء، فنمت حَوَاتُه الظاهرة والبَاطِنَة ومَدَارِكُه وقَوَاهُ، فإذا به بَشَرٍ سَوِيٌّ سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَليمٌ قديرٌ يتصرَّفُ بإرادة ويَستَطِيع أن يُحكم الأمور التي يَحْتَاج إلى إحكامها في حياتِه، وهكذا، فهذا مِمَّا يدعوه إلى الاعتبار، وفي خضم هذه التطورات تدور على الإنسان دورة الحياة فيأخذ في انتكاس أَطْوَارِه الأخيرة، كما قال تعالى: (1/180)
صفحة 181
ا بالله
الإيمان
الجزء الأول
181
وَمَن تُعَمِّرُهُ نُنَكِسْهُ فِي الْخَلْقِ} [يس: 68)، ثم يموت بعد ذلك ثم يقبر. في سياق الآيات يُذكّره الله بنعمة الغِذَاء الذي يسره الله ـ تعالى ـ له، فالإنسان بحاجة إلى الغذاء، وهو مُيَسَّر للإنسان بقدر حاجة الجسد، فما كانت الحاجة إلَيْه أَدْعَى كان أكثر يُسْراً، فنحن لا نستغني في جَمِيع الأَحْوَال عن الهَوَاء، وَقد جَعَل الله - تعالى - الهواء مُيَسَّراً يسْتَنْشِقُه الإنسان في نَوْمِه يَقَظَتِه فِي ذِكْرِه وفي غَفْلَتِه في حركته وفي سكونه من غير أي عناء ومن
وفي
غير أي ثَمَن.
29
ثم تأتي بعد ذلك الحاجة إلى الماء والحاجة إلى الطعام الذي ذكره الله به في قوله: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ} [عبس: 24] كيف يُسِّر هَذَا الطعام؟ وكيف مَرَّ بِمَرَاحِل كثيرة: {أَنَا صَبَيْنَا الْمَاءَ صَبَّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقَا فَأَنْتَنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبا وَقَضَبَا وَزَيْتُونَا وَنَخَلا وَحَدَابِقَ غُلَبَا وَفَكِهَةً وَأَبَا) * مَنَعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 24 - 32]، فمَن الذي يسّر ذلك، ومن الذي أنزل هذا الماء، فلو أن الله سبحانه أمسك قطر سمائه من يستطيع أن يُنْزِل ما أمْسَكه ـ تعالى؟ ولَوْ أن الله - تعالى - جَعَل هذه الأرض تَتَشَقَّق وَتَغُورُ المياه التي فيها إلى أبعاد لا يُمكن أن يتوصل إليها الإنسان من الذي يستطيع أن يَسْتَرِدها {قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَعِينٍ}
[الملك: 30].
-
فهَذَا كلُّه مِمَّا يدعو الإنسان إلى أن يكون كثير الاعتبار شاكراً لنعم الله ـ تعالى ـ عليه، يُحس ويشعر بها تغمره في جميع أحواله وَلَوْ وقف حياته كلها وعبادته من أولها إلى آخرها على طاعة الله - تعالى - فكان لسانه ذاكراً دائماً لِرَبِّه، وكانت كل جارحة من جوارحه تعمل بطاعة الله، لما استطاع مع هذا كله أن يَفِيَ بِشُكْر أَقَلِّ نعمة بل أقل جزء من أقل نعمة من هذه النعم العظيمة؛ والله - تعالى - المستعان، وهو أعلم. (1/181)
صفحة 182
182 الفتاوى العقيدة
لقد قارنت بين صنعة الله وصنعة الإنسان فما علاقة صنعة الله بالإيمان به؟ صنعة كل شيء دالة عليه، فهذا المسجد يدل على الصانع الذي صنعه، وما دمنا نستدل بذلك على أن أحدا صنع المسجد، ولا يقبل عقلنا أن يكون قد تصنع بنفسه من غير صانع صنعه، فكذلك صنعة الله تدل عليه، والله أعلم.
بماذا يمكن أن يرد المرء على نفسه التي كلما انفرد بها أخذت تسأله هل كان الله موجودا قبل خلق السماوات والأرض وذلك بقوله: {هُوَ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4]؟
صل الله
هذه الخواطر يمليها الشيطان إملاءً على الإنسان، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن للملك لمة بابن آدم وإن للشيطان لمة» (1) فإذا أحس الإنسان بمثل هذه الخواطر الشيطانية فعليه أن يقول: «آمنت بالله» وليتأمل مظاهر الكون فإنه يجد فيها أدلة قاطعة بأن الله الا الله كان قبل خلق كل شيء، لأنه لو كان وجوده مسبوقاً بعدم لاحتاج إلى موجد، وهو مما يؤدي إما إلى الدور (2) وإما إلى التسلسل (3)، وكلا الأمرين، مستحيل، فلما استحال الأمران معاً ثبت من ذلك بأن الله الله كان قبل خلق كل شيء وهو الآن على ما عليه كان، فالزمان والمكان، حادثان، وقد كان الله الله قبل خلقهما، وهو الآن على ما عليه كان ـ تعالى الله عن مشابهة خلقه علواً كبيراً.
هذا ولا بد من التنبيه على ما يدل عليه قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) حتى لا يبقى في النفوس
(1) رواه الترمذي (2988).
(2) الدور: هو توقف كل من الشيئين على الآخر من جهة واحدة.
(3) التسلسل: هو توقف شيء على شيء آخر، ويكون الآخر متوقفاً على شيء ثالث، والثالث
على رابع وهكذا إلى غير نهاية. (1/182)
صفحة 183
الجزء الأول
183
ا بالله
الإيمان
شيء من اللبس في معناه، بسبب عطف الاستواء على العرش على خلق السموات والأرض «بثم» وهي تقتضي المهلة والترتيب؟ نعم إن «ثم» تقتضي المهلة، ولكن هذه المهلة تكون مهلة رتبية كما تكون مهلة زمنية فترتيب «ثم يكون ترتيباً رُتبياً أحياناً كما يكون ترتيباً زمنياً في بعض الأحوال، وقد قال بعض العلماء بأنها إذا عطفت الجمل فلا تكون إلا للترتيب الرتبي وحده، وممن قال به من المفسرين المتأخرين الشيخ الطاهر بن عاشور، ونحن وإن كنا لا نقول ذلك بالإطلاق إلّا أنا نقول بأن «ثم» كثيراً ما تأتي للمهلة الرتبية حال عطفها للجمل، والشواهد على ذلك كثيرة في القرآن الكريم، ومنها هذه الآية في قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) فالله لا ذكر أولاً خلق السماوات والأرض، وذلك مما يستدعي أن يكون عقل الإنسان مفكراً في أطوار هذا الخلق وأحواله، ثم ينتقل به الحديث إلى شئ آخر يعد بعيداً جداً بحيث يقطع العقل في الانتقال إلى التفكير فيه مسافات، فبسبب قطع العقل لهذه المسافات الفكرية استحقت تلك الجملة الآتية العطف بـ «ثم». أمثلة ذلك قول الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتَيكَةِ ومن أسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف: 11] فبدأ بالخلق أولاً والتصوير ثانياً، والتصوير مترتب على الخلق، فكونه متأخراً على الخلق زماناً هذا مما لا شك فيه، وبعد ذلك قال: {قُلْنَا لِلْمَلَتيكة) أن آيات «ص» و «الحجر» تدلان على أن أمر الله مع الملائكة بالسجود سابق على الخلق فقد قال تعالى في «الحجر»: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَكَةِ إِنِّي خَلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَيْتُهُ، وَنَفَحْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 28 - 29] وقال في سورة ص: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَيْكَةِ إِنِّي خَلِقُ بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَجِدِينَ} [ص: 71 - 72]، فالأمر المحكي في كل منهما سابق على الخلق، ويوحي - أيضاً - أن الله الله أذن الملائكة ـ كما جاء في سورة البقرة ـ بأنه جاعل في
بذلك (1/183)
صفحة 184
184
184 الفتاوى العقيدة
الأرض خليفة وذلك قبل أن يجعله، قطعاً فـ «ثم» في كل منهما للمهلة الرتبية
وليست للمهلة الزمنية.
ونحوها في قول الله قال: {وَيَقُولُ الْإِنسَنُ أَءِ ذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيَّا أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنزِعَنَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنْيًّا) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيَّا} [مريم: 66 - 70] فقوله سبحانه:
أن
ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيَّا) (مريم: 70] عطف بـ «ثم»، مع مدلولها سابق على وقوع ذلك، فالله الله هو أعلم بالذين هم أولى بها صليا قبل أن يحدث أي شيء مما أخبر عنه أنه سيقع في المستقبل، بل علمه بذلك أولي، ولكنه عطف ذلك بـ «ثم» من أجل المهلة الرتبية التي ذكرناها، ذلك لأن العقل يقطع مسافة ما بين تفكيره في الأمر الأول المذكور في الجمل المعطوف عليها وتفكيره في الأمر الثاني المذكور في الجملة المعطوفة.
وجاء مثل ذلك - مع التصريح بالبعدية في غير العطف بـ «ثم» - فالله الله يقول: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَافٍ مَهِينٍ هَمَّارٍ مَشَاءٍ بِنَمِيمٍ مَّتَاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} [القلم: 10 - 13] فالبعدية هنا ليست بعدية زمنية فكونه عتلاً وزنيماً سابق على كونه حلافاً مهيناً همازاً مشاءً بنميم إلى آخره، والله أعلم.
طالبة بالمرحلة الثانوية كانت نصرانية فأسلمت ولم تظهر إسلامها خوفا من أبيها المتعصب ولكن أمها تميل إلى الإسلام وهي نصرانية ـ أيضاً ـ والأمّ تقرأ القرآن وتتابع البرامج الدينية، فماذا تقول للأم؟ وبماذا تنصح البنت التي تخاف إظهار إسلامها؟ وماذا عن الحجاب، ما نصيحتك لها، هل تلبسه أم لا حذرا من معرفة أبيها لإسلامها؟ (1/184)
صفحة 185
الإيمان بالله
الجزء الأول
185
بالنسبة إلى الأم عليها أن تتقي الله وأن تتبع الحق، فإنّ الإنسان لا يُسمح له أن يبقى على غروره وضلاله وقد تبيّن له الحق، إذ هو مسؤول عن عقله الذي منحه الله تعالى إياه، فما لهذا الإنسان واتباع المسالك الملتوية والمعتقدات التي لا تستسيغها العقول السليمة، كاعتقاد أن الله ثالث ثلاثة، وأن الله هو المسيح بن مريم مع أنّ المسيح حملته أمه وولدته كسائر البشر، فأنّى للإله أن يكون محمولا؟! وأنّى للإله أن يكون مولودا؟! ومن الذي كان يصرف هذا الكون ويدبّر هذا الوجود عندما كان هذا الإله جنينا في رحم أمه؟! ليت شعري أي عقل يستسيغ مثل هذه المقولة؟! وهذا يعني أنها عليها أن تترشم طريق الحق وأن تتبعه؛ بينما هذه الفتاة عليها أن تجد لنفسها المناخ المناسب من أجل أن تشهر إسلامها، ولعلها تستطيع أن تقترن بالرجل الصالح الذي تجد عنده الكنف الذي يأويها، وتجد عنده الضمان لاستمرار هدايتها واستمرار راحتها وطمأنينتها، ويجعل الله تعالى على يديه يسرها بعد عسرها إن شاء الله؛ وأسأل الله تعالى لها التوفيق والله أعلم.
ما هي وحدة الشهود ووحدة الوجود؟
لا ريب أنّ الله تعالى هو الواحد الأحد الفَرْد الصَّمَدِ الذِي لَم يَلِد وَلَم يُولد ولم يَكُن لَه كُفُواً أحد، والكَوْن بِأَسْرِه ما هو إلا صَفَحَات مُشْرِقَة بأنوار رُبُوبِيَتِه تعالى من حيث إن رُبُوبِيَتَه تَتَجَلَّى في كل ذَرَّةٍ مِن ذَرَّات الوُجُود، ولذلك قال بَعْض العُلَماء الرَّبَّانِيين: كلُّ ذرة مِن ذَرَّات الوُجُود إِنَّمَا هي كلمات الله ناطقة بتَوْحِيده وتنزيهه - سبحانه ـ، وما عداها فهو
كَلِمَةٌ مِن
كالشَّرح لتلك الكلمة».
وَهَذَا مَا يَدُل عليه القرآن الكريم لأن الله تعالى أحال في القرآن على النظر في آيات الله تعالى في الأنفس وفي الآفاق، فقد قال: {أَفِي اللَّهِ شَتُ (1/185)
صفحة 186
186 الفتاوى العقيدة
فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [إبراهيم: 10]، أيْ كَيْفَ يَشُكُ الإِنسان في وُجُود الله مَعَ أنَّ دَلَائِل هذا الوُجُود بأسره دَالّة على وجوده ويقول سبحانه: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163)، ثم أتبع ذلك قوله:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُل دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، ومعنى ذلك أن الله ـ سبحانه ـ بعدما ذَكَر أنَّه الإله الوَاحِد لا إله إلا هو الرَّحْمَنِ الرَّحيم، وأنَّ كل مَا يُعْبَد سَوَاهِ لَيْسَ هو مِن الأَلُوهِيَّة في شيء بين أدلة ذلك مِن خِلال ما يَتَجَّلَى للإنسان وَيَتَرَاءَى لَه في هذا الوُجُود، المُتَرَامِي الأطراف الوَاسِع الأَرْجَاء، فإن هَذَا الكَوْن كُلَّه على تباعد أطرافه وتَرَامِيها هو وحدة مُتَكَامِلَة، كل جزء مِنْه مُكَمِّل لِبَقيَّة الأجزاء، فلا يُمكن أن يصَدَرَ عن أكثر مِن مُكَوّن واحد، لأَنَّهُ لَوْ كان هُنَالِكَ أَكْثَر مِن خَالق لاستقل كُلُّ وَاحِد مِنْهُم بإرَادَتِه، وإذا اسْتَقَلَّ كل واحد مِنْهُم بِإِرَادَتِه فلا بد من أن يكون مُسْتَقِلاً بِمُرَادِهِ، فيُريد كل منهم الشَّيْء بِخِلَاف مَا يُرِيدُه الآخر، يُريدُه أَحَدُهُمَا طويلاً وَيُريده الآخر قصيراً، ويريده أحدهُمَا أبْيَض وَيُرِيدُه الآخر أَسْوَد، ويُرِيده أحدهما ليناً ويريده الآخر صلباً، ويُريده أحدهما ناعماً ويُريده الآخر خشناً، وهَكَذَا تَخْتَلِف، الإرادات، وباختلافها يَخْتَلِف المراد، وهذا مِمَّا يؤدي إلى التَّنازُع وإلى عدم انتظام هذا الوُجُود وَذَلك الذي دل عليه قوله: لَوْ كَانَ فِيهِمَا عَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: 22]، ويَتَجَلَّى في شهود هَذَا الوجود كُلِّه أن الله - تعالى - إله واحد وذلك لأن هَذَا الوجود بأسره منتظم مُتَنَاسِق مُتَسَاوِق كُل جزء منه - كما قلت - مُكَمِّل لِبَقِيَّة الأجزاء فَلَا نِشَازَ وَلا اضطراب ولا تناقض، وهذا دليل واضح عَلى وَحْدَانِية خَالِقِه، فوحدة الشُّهود هَذَا، لأن الله تعالى يَتَجَلَّى وجوده في كل ذَرَّة من ذَرَّات الوُجُود.
تَتَجَلَّى في (1/186)
صفحة 187
ا بالله
الإيمان
ولكن
الجزء الأول
187
مع ذلك هذا التَّجَلِّي ضَلَّ به قوم زَعَمُوا أن الخالق والمخلوق هو حقيقة واحدة، فلم يُفَرِّقُوا بين الخالق والمَخْلُوقِ فَأَعْطُوا مَا للخَالِقِ للمَخْلُوق، وَوَصَفُوا المخلوق بصفة الخالق، حتى أَنَّهُم ذَهَبُوا إِلى الشَّك والاضطراب بحيث قال: أحدهم ـ والعياذ بالله ـ:
الرَّب عبد والعبد رب فليت شعري أين المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب فأنى يُكَلَّف
وذُكر عن بعضهم أنه قال: «سبحاني سبحاني ما أعظم شَأْنِي وَقَال الله» أيضاً: «ما في هذه الجبَّة غير بعضهم يعني أنه هو الله، إلى آخر ما قيل مِن أمثال هذه التُرَّهَات وَهِي التِّي يُعبر عنها بفلسفة وحدة الوجود.
وهذه فلسفة كانت وجدت في بعض الدَّيَانَات المنْحَرِفَة بسبب بعد أصحابها عن سَوَاءَ الصِّرَاط في تَصَوُّرَاتِهِم لِنَظَامِ هَذَا الكَوْن، وَلَكِن بِسَبَبٍ الاحتكاك الذي حَصَلَ بين بعض المسلمين وبعض فلاسفة الهنود الوَثَنِيِّين وغيرهم انتَقَلَت فِكْرَة وحدة الوُجُود إلى بعض صُوفية المسلمين فَعَبَّرُوا بمثل هذه التعبيرات البعيدة عن الحق وهي لا تُقَرُّ أبداً، ولا يَجُوز أَن يُصَوِّبَها أَيُّ أحد وَلَوْ كانت صادِرَة في شَطَحَاتِهم وفي أحوالٍ هُم فيها بَعِيدُونَ عَن الصَّوَاب.
فإذن فلسفة وحدة الوُجُود بهذا المعنى لا يُمْكِن أَن تُقَرَّ أبداً، إِذْ وُجُودُ الخالق لَيْسَ كَوُجُود المَخْلُوق، فالمَخْلُوق وُجُودُه وُجُود جَائِز في الأصل، وأمَّا وُجُود الخالق فهو وُجُود واجب، إِذْ لَا يُتَصَوَّر أن يكون غَيْر مَوْجُود بأي حال من الأحوال أزلاً وأبداً، أما المخلوق ففي الْأَزَلِ لَم يكن مَوْجُوداً، ثُم إن وُجُودَهُ يَنْتَهِي إلى أن يشاء الله تعالى أن يُجدد له الوجود، ولئن كان الله تعالى كتب الخلود لعباده: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي (1/187)
صفحة 188
188 الفتاوى العقيدة
188
السَّعِيرِ} [الشورى: 7]، فإن ذلك الخلود إنَّما هو بِتَخْلِيد الله تعالى لهم، فليس بِقَاؤُهُم إِلا بِإِبْقَاء الله - سبحانه - إيَّاهُم، أمَّا بَقَاءُ اللَّهُ - تَعَالَى - فهو بَقَاء ذَاتِي ليس كَبَقَاء المخلوق، ولا يُمْكِن أنْ تُقاس صِفات الخلق على صفات الحق.
نعم هناك صفات كَمَالِيَّة الله تعالى يَتَّصف المخْلُوقُون بِمَعَانِيها مِن غَيْرِ أن يَكُونُوا مُشَارِكِين الله تعالى في حقيقتها، فالإنسان قد يُوصَفُ بالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر؛ ولكن عَلَيْنَا أنْ نُدْرِكَ الفَرْقَ الكبير بين علم المخلوق وعلم الخالق، فعلم المخلوق عِلْم جُزْئِي نِسْبِي مَحْدُود جداً لا يُسَاوِي شيئاً أَبَداً بِجَانِب مَا يَجْهَلُه، بينما علم الخالق الله علم محيط بكل شَيْءٍ لَا يَعْزُب عَنْه شَيْء في الأرض ولا في السَّمَاء، وكل ذَرَّةٍ مِن ذَرَّات الكَوْنَ وما هو أدَقُ منها أحاط الله تعالى بتَرَاكِيبه وخصائصه وطَوَايَاهَ وَأَبْعَادِه، عَلَى أَنَّ عِلْمَ المخلوق علم حادث، لأنه حادث مثله، وكل أسراره وَهُو لَا يعلم شيئاً، ويَتَجَدَّد العلم فيه وينمو شيئاً فشيئاً: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78]، أمَّا علم الله فَعِلْم أَزَلِي ليست له بداية بحال من الأحوال.
وكذلك المخلوق قَدْ يَعِيشُ حَتَّى يُنْكِرَ مَا كان يعلمه كما يقول له: لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5]، بينما الله تعالى عِلْمُه بَاقٍ، أَزَلِيٌّ أَبَدي، لا يَتَجَدَّد وإِنَّما تتجدد المعلومات، إذ يَعْلَمُ الكَائِنَات كُلَّهَا فِي الأَزل قبل وُجُودِها، كما يَعْلَمُها فيما لا يزال بعد وجودها.
وهكذا بالنِّسْبَة إلى القُدْرَة، فإن المخلوق ولو وُصِف بالقُدْرَة إلا أن قُدْرَتَه قُدْرَة نِسْبِيَة مَحْدُودَة لَا تُوَازِي شيئاً بجانب مَا يَعْجِزُ عنه، بينما الله تعالى أحاط بكل شيء قدرة، ولا أدل على ذلك مِن خَلْقِهِ هَذَا الكَوْن (1/188)
صفحة 189
الإيمان بالله
الجزء الأول
189
بِأَسْرِه مَعَ تَرَامِي أطرَافِه وبعد مَسَافَاته: {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ
خَلْقِ النَّاسِ) [غافر: 57].
وكذلك بالنسبة إلى الشمع والبَصَر وإلى أيّ صِفَة مِن هَذِهِ الصَّفات لا يُمْكِن أن تُقاس صِفَة المَخْلُوق بِصِفَة الخالق، إِنَّمَا صِفَة الخالق صِفَة مطلقة، وصفة المخلوق نسْبِيَة مَحْدُودة جداً .. فكمالات المخلوق إنَّما هي كمالات مَحْدُودة، أفَاصَها الله تعالى عليه، بينما كمالات الله تعالى ذَاتِيَّة لَم يُفضها عليه غيره، والله أعلم.
ما هو تفسيركم للآية: {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام: 75]؟ وما هي أبعادها العقدية؟ إنَّ الله تعالى أَلْهَم عباده ما ألْهَمَهم من الخير، وأقام عليهم الحجة من خلال آياته في هذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف، لأن هذا الكون كما يقول أحد علمائنا وهو الشيخ ناصر بن أبي نبهان: «كل ذَرَّة من من كلمات الله، ناطقة بمعرفته ـ سبحانه ـ وما عداها
كلمة ذرات الوجود هي فهو كالشرح لتلك الكلمة».
يعني
بذلك أن كل ذرة من ذَرَّات الوجود بأسره إنَّما تعرب بلسان حالها
عن افتقارها إلى واجب الوجود لذاته.
فالذرات الدقيقة في تراكيبها العجيبة تُوحِي بأنه لا يمكن أن تكون وُجدت هكذا إلا من قبل صانع خبير عليم بكل شيء، محيط بكل موجود في هذا الكون، وما زَادَ على تلك الذرّة من العناصر والجزيئات والمركبات كُلها في تناسقها وترابط بعضها مع بعض تدل على وجود الله
سبحانه. (1/189)
صفحة 190
190 الفتاوى العقيدة
190
فإبراهيم أَرَاهُ الله - تعالى - مَلَكُوته في السماوات والأرض، وقد كان على مَقْرُبَة من قوم يُقَدِّسُون النار ويعبدون الأجرام السماوية، فأراد الله تعالى أن يُجرِيَ على لسانه من دلائل الحق على أنَّ هذه الكائنات التي يعبدونها من دون الله سبحانه ليست هي من الألوهية في شيء، يقول الله وعلا فيما يحكيه عنه: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَهَا كَوْكَبَا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الافلين} [الأنعام: 76] فهو ل لما رأى الكوكب قال هذه الكلمة لا لأنَّه يعتقد أن الكوكب هو الإله، ولكنه أراد أن يُقيم بذلك الحجة على هؤلاء بأنَّ الكوكب يظهر ويختفي وما كان كذلك فليس باله إذ لا يُمكن للإله أن يكون بهذه الحالة بحيث تعرض له العوارض وتَمر به الحالات وتختلف معه الأعراض، بل الإله هو ثابت سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، ثم بعد ذلك قال سبحانه: {فَلَمَّا رَمَا الْقَمَرَ بَازِغَا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَإِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام: 77]، كيف يمكن أن يكون القمر هو الإله مع أنَّه يَأْفُل كسائر الأجرام السماوية، أي تعرض له الحالات بحيث يظهر ثم يختفي، ثم بعد ذلك عندما بَزَغَت الشمس: {قَالَ هَذَا رَبِّي هذا أَكْبَر فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78 - 79] فإبراهيم أراد بهذا كُلّه عندما قال: {هَذَا رَبّي) في رؤيته للكوكب وفي رؤيته للقمر وفي رؤيته للشمس أن يُقيم الحجة على قومه.
هذا
هو التفسير الصحيح، وإن ذَهَب آخرون إلى غير ذلك، ولكن هذا التفسير هو الذي يتَّفق مع دلائل العقل، فإنَّ إبراهيم على الفطرة السليمة، وهي تتنافى مع نسبة الربوبية لغير الله سبحانه، ودليل ذلك
قوله: (1/190)
صفحة 191
الإيمان بالله
الجزء الأول
191
إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79]، فهو يعلم أن هنالك فاطِراً للسماوات والأرض، وما السماوات إنَّما هي هذه الأجرام الفلكية وما يلفها من الفضاء السحيق، فهو يعلم أنَّ لهذه السماوات والأرض فَاطِراً، هو المعبود بحق، وكل ما يُعبد مِمَّا عَداه إنَّما يُعبَد بغير حق.
هي
وفي هذه القصة دلالة للإنسان بأنَّ عليه أن يلتمس الحق من طريقه، وأن يسلك إلى الحقيقة نهجها الذي يُؤدِّي إليها، فالله تعالى جعل ما في هذا الكون بأشره بكل ما فيه شاهداً على وحدانيته تعالى.
والله وعل عندما خاطبنا ببيان أعظم حقيقة في هذا الوجود وهي وحدانيته وذلك في قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163]، أتبع ذلك ما يُؤكّد هذه الوحدانية ويدل عليها من دلائل هذا الكون حيث قال إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164].
نعم في هذه الكائنات بأشرِها آيات لقوم يعقِلُون، كيف والإنسان يرى أنَّ هذا الكون الواسع الأجرام المترامي الأطراف هو وحدة متكاملة، كل جزء منه مُكَمِّل لِبَقِيَّة الأجزاء لأنه في تَناسُقِه البديع وترتيب نظامه العجيب يُكمل بعضه بعضاً، فكان بمثابة الجسم الواحد الذي له أعضاء متعدّدة، كل عضو منها مكمّل لسائر الأعضاء، فلذلك كانت في ذلك آيات لقوم يعقِلُون، لأن الإنسان من خلال هذا يتوصل إلى أنَّ هذا الكون وحدته تدلُّ على وحدانية خالقه سبحانه، فلو كان له أكثر من إله لأدَّى ذلك إلى أن يَكُون لِكُل إِله مِن (1/191)
صفحة 192
192 الفتاوى العقيدة
هؤلاء الآلهة إرادة مستقلة دون إرادة الآخر، وفي هذا ما يؤدي إلى التنازع والاختلاف والتنافر فيما بينهم وذلك يؤدّي إلى أن تتغير هذه الصنعة عما
هي
عليه بحيث لا تكون متناسقة هذا التناسق العجيب، وهذا ما يعنيه قول الله سبحانه: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا الهَهُ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: 22] .. فالسماوات والأرض هي عبارة عن هذا الكون الذي نَرَاه والذي لا نراه فهو من حيث تناسقه وترابطه هو بِمَثَابَة البناء الواحد كما قال جَل: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} [البقرة: 22].
وكذلك ما يجري في هذا الكون، فإن الله جل شأنه جعل أحوالاً نشاهدها في هذا الكون كلها تدل على وحدانيته تعالى، فالله سبحانه يُنْزِل من السماء ماء، فيقع على الأرض وفي الماء خاصية الإنبات وفي الأرض خاصية النبات، وعندما تجتمع الخاصيتان يحصل النبات وهذا مِمَّا فيه مصلحة البلاد والعباد: {وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 164] وكذلك {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ} [البقرة: 164] .. كُلِّ مِن ذلك يُؤدِّي إلى إدراك الإنسان أنَّ لهذا الكون مُكوّناً واحداً، هذا الذي رآه إبراهيم من خلال رؤيته لملكوت السماوات والأرض، فهو ما كان مشركاً وإنَّما أراد أن يقيم الحجة على المشركين الذين كانوا يتَّخِذون مع الله آلهة أخرى. وإن كان من المفسرين من يذهب إلى آراء أخرى في تفسير الآية الكريمة:
منهم من يقول بأنَّ هذه مراحل للتوصل إلى الحقيقة.
ومنهم من يقول بأنَّ الكلام إنَّما هو على تقدير أداة استفهام أي: «أَهَذا
ربي؟».
ومنهم من يقول غير ذلك. (1/192)
صفحة 193
الإيمان بالله
الجزء الأول
193
وهذه أقوال ما عليها من دليل، وإنَّما القول الحق هذا الذي ذكرناه. لا ريب أن كل عاقل يدرك أن وراء كل صنعة صانعا، والكون بأسره هو من ضمن الصنعات بل هو الصنعة الكبرى فلا بد له من صانع، ومن شواهد افتقار الكون إلى الصانع علامات حدوث الكون، فإن العلامات الدالة على حدوثه بارزة في كل شيء منه، فتراكيبه كلها دالة على أنه حادث، كما أن تناقص الحرارة الديناميكة فيه تدل على أنه سينتهي، وعلى أنه لو وجد قبل الفترة التي وجد فيها بملايين من السنين لكان قد انتهى، وهذا يعني أن الكون منته وكل ما كان منتهيا فله بداية فإن كل ما ثبت قدمه استحال عدمه، وإذا كان الكون حادثا فلا بد له محدث أحدثه. من
بين
هذا وقد تكلم الناس بحسب عقولهم المحدودة في حدوث الكون ودلائل وجود محدثه، وقد بحثوا في إثبات المحدث بوسائل مختلفة، من هذه الوسائل الطرق الفلسفية التي نهجها كثير من الفلاسفة وتبعهم عليها جماعة من علماء الكلام وهي وسائل معقدة، وهناك وسائل مبسطة جدا، جاء بها القرآن الكريم، فإن القرآن الكريم خاطب العقل البشري ليقيم عليه الحجة بوجود خالقه تعالى، من خلال وجود الإنسان نفسه، خلال ومن البيئة التي يعيش فيها، فالله سبحانه يقول: {أَفِي اللَّهِ شَكُ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10]، ويقول الحق - تبارك وتعالى -: {وَفِي الْأَرْضِ آيَتُ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20 - 21]، ويقول ـ سبحانه ـ:
اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِن السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ)
(32
صلے
و اتنكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ (1/193)
صفحة 194
194 الفتاوى العقيدة
لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 32 - 34]، ويقول: (يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (2) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} [البقرة: 21 - 22)، ويقول سبحانه: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (3) هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 28 - 29].
البيئة
جداً
في هذه الآيات وأمثالها يقيم الله سبحانه الحجة من أنفسنا ومن التي نعيش فيها ومن طبيعة الكون الذي نقلب الطرف في جزء صغير من أجزائه الواسعة على وجوده تعالى وعلى صفاته العظيمة، وهذه الطريقة
ميسرة للفهم، ولذلك عندما سئل أعرابي: بم عرفت ربك؟ قال: «البعرة تدل البعير وأثر القدم يدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة أما يدلان على الصانع الخبير؟»، هذه الإجابة من أعرابي لم يدرس في جامعة بل لعله لم يفتح عينيه على صفحة مكتوبة، وهذه الطريقة اهتدى إليها بعض الفلاسفة وهو سقراط عندما كان يقيم الحجة على أستاذه الذي كان ينكر أن يكون لهذا الخلق خالق ولهذا الكون مكون، فقد تحدث إلى أستاذه في يوم ما حديث الطالب المتأدب أمام أستاذه فقال له: يا أستاذ، هل أعجبت ببعض الناس الذين ابتكروا شيئا من الصناعات؟ قال له: نعم، قال له: بمن أعجبت؟ قال له أعجبت بفلان وأعجبت بفلان، وأعجبت بفلان، فأخذ يحدث عن جماعة من الصناع، قال له: ما صنع هؤلاء؟ قال له: هؤلاء صنعوا كذا وكذا؟ قال له: من ترى أولى بالإعجاب أهذا الذي صنع سم الميت الذي لا حراك له ولا إرادة ولا حياة، أم الذي صنع الإنسان الحي المتكلم الذي يعبر عن إرادة ويتحرك بإرادة ويتصرف بإرادة، وله حياة تنبض ومشاعر تحس وعقل يفكر؟ قال له: لو ثبت عندي أن الإنسان صنعه (1/194)
صفحة 195
الجزء الأول
195
الإيمان
بالله
صانع لكان الذي صنع الإنسان أولى عندي بالإعجاب من الذين صنعوا هذه الأشياء التي ذكرتها لك، قال له: وإذا أقمت لك الشاهد من الإنسان نفسه على أن صانعا صنعه؟ قال له: ائتني بهذا الشاهد قال له: انظر إلى عيني الإنسان كيف يلتقطان الصور المبصرات المختلفة ذوات الألوان المتنوعة، ولا تشتبه عليهما هذه الصور، وتميزان ما بين صورة وصورة، وانظر إلى أذنيه اللتين تتلقيان الأصوات المتنوعة المتعددة ولا تتخافت عليهما هذه الأصوات ولا تمتلئان بها مع صغرهما وكثرة الأصوات، وانظر إلى طعام الإنسان كيف يطعمه؟ فإن هذا الخالق الذي خلقه جعل له أسنانا في المقدمة كالسكاكين تقطع هذا الطعام ثم يلقيه الفم إلى الأضراس الخلفية التي هي کالرحى تطحن هذا الطعام، أما يكفيك ذلك شاهدا على أن للإنسان خالقاً، ولهذا الكون كله خالقا؟ قال له بلى فسلم لهذا المنطق الذي خاطبه به
تلميذه».
وفي العصر الحديث شاعت بين الناس فكرة الإلحاد، واعتبروا إنكار وجود الله سبحانه والاعتماد على الاعتراف بما أبصرت الأعين وسمعت الآذان، فكرة تقدمية، والاعتراف بوجود خالق وراء هذا الكون والإيمان بحقائق غيبية من الخرافات التي يترفع عنها العقل الواعي المتفتح، كما تحدثوا كثيرا عن طبيعة حدوث الكون، ومن النظريات الجدلية العقيمة التي جاؤوا بها أنهم قالوا بأن الكون حدث بطريقة المصادفة، لأن ذرات الكون كلها تتحرك، فبتحركها وقع التلاقي فيما بينها فتركبت ووجد منها الكون، وقد ردّ أحد الفلاسفة الفرنسيين من الذين تفتحت عقلوهم على فهم الحقائق التي هي وراء المحسوسات فقال: يلزم هؤلاء الذين يقولون بهذه النظرية أنه لو جاء أحد فكتب الحروف الهجائية مقطعة في أوراق متقطعة كل حرف في ورقة صغيرة ثم جمع بينها في صندوق وأخذ يهزه هزا، (1/195)
صفحة 196
196 الفتاوى العقيدة
يلزمهم أن تتولد من هذه الحروف قصيدة عصماء أو خطبة بليغة أو كتاب في الفلسفة أو في علم من العلوم لأن جميع العلوم التي تكتب إنما تكتب من هذه الحروف كما أن الكون تكون من هذه الذرات، فإذا كانت المصادفة العمياء يمكنها أن تجمع ما بين هذه الحروف فتوحد بينها حتى يتكون منها كتاب أو تتكون منها قصيدة أو خطبة كذلك يمكن أن تكون هي التي سببت تلاحم هذه الذرات حتى وجد منها هذا الكون الفسيح الذي ترتب ترتبا دقيقا والذي هو وحدة متكاملة بحيث يكمل كل جزء منه سائر الأجزاء، وإذا استحال ذلك في الحروف استحال أن يكون الاهتزاز بذاته ألف بين الذرات حتى انتظم منها هذا الوجود، وهذا المنطق وإن كان سليما إلا أن منطق القرآن أبلغ م منه فانظروا كيف يخاطبنا الله بما يثلج الصدور ويقنع الفكر والوجدان من آياته الدالة عليه، حيث يقول: {قُتِلَ الْإِنسَنُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدْرَهُ ثُمَّ السَبِيلَ يَتَرَهُ ثُمَّ))) أَمَانَهُ, فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ كَلَّا لَمَا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَيْنَا الْمَاءَ صَبَّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتَنَا فِيهَا جَبَّا وَعِنَبا وَقَضَبَا وَزَيْتُونَا وَنَحْلاً وَحَدَابِقَ غُلْباً * وَفَكِهَةً وَأَبَا) مَنَعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ} [عبس: 17 - 32] انظروا إلى منطق القرآن هو يقيم الحجة على الإنسان بوجود خالقه من وجود نفسه ومن خلق هذا الكون الذي سخره له، فالكون مسخر للإنسان ويعلم أن كل مسخَّر لا بد له من مُسخّر وكل مدبَّر لا بد له من مُدبّر، وكل محدث لا بد له من محدث وكل مصنوع لا بد له من صانع، فإن أحدنا لو جاء مثلا إلى هذا المسجد فألقى عليه نظرة من أول الأمر لم تسبقها نظرة لعلم قطعا أنه بنته يد صانعة، وأنه لم يصنع نفسه هكذا، أن المواد التي تكون منها كانت موجودة من قبل، فالإسمنت والرخام والرمل، والحديد، والألمنيوم والأخشاب كلها كانت موجودة قبل أن يتكون المسجد، لكن
((ra)
25
مع
جميع (1/196)
صفحة 197
الجزء الأول
197
الإيمان
بالله
لا يصدق عقل أحد أن هذه المواد يمكنها تجتمع بنفسها حتى تتصنع فيتكون منها هذا المسجد، وهكذا كل جهاز من الأجهزة فإن كل مركباته كانت موجودة من قبل ولكن لا يمكن لعقل أحد أن يصدق بأنها جاءت بنفسها والتأمت من غير أن تكون هنالك إرادة دبرت صنعها ويد تولت جمعها، فكيف بالإنسان الذي لم يكن شيئاً مذكوراً؟! فإن الذي بلغ من العمر ثلاثين سنة لم يكن شيئا مذكورا قبل 30 سنة، وهكذا، فكيف يمكن لهذا الإنسان الذي كان عدما أن يخرج نفسه من عالم الغيب إلى عالم الشهود ومن عالم العدم إلى عالم الوجود، كل عقل يدرك تعذر ذلك، ثم
لينظر الإنسان إلى المادة التي خلق منها، والتي سماها الله سبحانه نطفة. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِي يُمْنَى} [القيامة: 37] هذه النطفة ـ أو كما يعبر العصريون عنها بالحيوان المنوي أو بالخلية المنوية - هي من الحقارة والدقة بحيث لا تكاد تبصر حتى بأشعة المجهر، فإن الإنسان يتكون من حيوان منوي واحد من مائتي مليون حيوان منوي يقذفها الإمناء في المرة الواحدة، والنطفة تجتمع فيها فيها جميع الخصائص البشرية مع صغرها، وليست الخصائص البشرية العامة فحسب بل كذلك الخصائص البشرية الخاصة أيضاً، فإن الخصائص الوراثية تكون مجتمعة فيها ولذلك يشابه الإنسان أباه وعمه وجده وأبا جده إلى ما وراء ذلك، سواء كانت هذه الخصائص الوراثية جسمية وهي الخصائص الظاهرة أو نفسية وهي الخصائص الباطنة، فكيف هذا الحيوان الصغير بين هذه الخصائص الوراثية الواسعة مع الخصائص البشرية العامة، ثم لا يلبث هذا المصنوع أو المخلوق الجديد المهين كما وصفه الله - سبحانه، أن يتطور من طور إلى طور، وفي سلسلة هذه الأطوار يمر بمراحل مختلفة كل مرحلة منها يتكون تكونا عجيبا حتى يخرج من رحم أمه خلقا آخر غير الخلق الأول؛ لأنه يخرج وهو إنسان كامل
جمع (1/197)
صفحة 198
198 الفتاوى العقيدة
جمع
تبرز فيه معاني الإنسانية الظاهرة والباطنة ثم يتدرج شيئا فشيئا حتى يبلغ نموه إلى منتهاه، ثم يتدرج بعد ذلك في النقص شيئا فشيئا، هذا الإنسان الله سبحانه فيه من عجائب صنعه الشيء الغريب العجيب، فإن تركيب الإنسان تركيب معقد إلى أقصى حدود التعقيد وصفاته مستغربة إلى أقصى حدود الغرابة، فقد جعل الله سبحانه في جسم كل إنسان ملايين الملايين من الخلايا، ومن عجيب أمر الله سبحانه أن الطعام الذي ييسره للإنسان يأتي إلى المعدة فيتوزع على هذه الخلايا كلها ويسد حاجتها من الغذاء.
ومن عجائب الأمور أن هذه الخلايا المتعددة جميعها لها طابع صاحبها، فخلايا الذكر عليها طابع الذكورة، وخلايا الأنثى عليها طابع الأنوثة، وهي مقدرة في جسم الإنسان تقديرا دقيقا، فالدماغ يتكون من أربعة عشر مليارا من الخلايا، وقد جعل الله سبحانه خلايا الدماغ مركز الجسد كله، فجميع خلايا الجسد تؤدي إلى هذه الخلايا الدماغية لأن أنسجة من هذه الخلايا تمتد إلى الجسد كله يعبر عنها بالأنسجة العصبية فبواسطتها نسمع ونبصر ونحس بالحرارة والبرودة ونتذوق ونشم ونحس بالتعب أو بالألم، فإذا انعكس في شعاع البصر شيء فإنما تلتقط صورة ذلك المرئي من كل عين مائة وثلاثون مليون خلية تؤدي إلى الدماغ فتميز خلايا الدماغ ما بين مبصر وآخر، وما بين الألوان والمقادير في الصغر والكبر والعرض والأصوات تلتقطها عشرة آلاف خلية لتؤديها أيضاً بدورها إلى الدماغ، وكذلك البرودة فإن البرودة عندما تؤثر على الجسد هذه البرد خلايا تقدر بربع مليون تؤدي حس هذا البرد إلى
تلتقط
حس
الدماغ، وعندما يشتد البرد تحصل الرعشة وتتنفس الشرايين بحيث تزيد هذه الشرائين قدرا من الدم بقدر ما يسد ذلك الفراغ الحاصل فيها، وكذلك أحد بالحرارة فإن عدداً من الخلايا تنقل أثر هذه الحرارة إلى
عندما
يحس (1/198)
صفحة 199
الإيمان بالله
الجزء الأول
199
الدماغ كما أن هناك الغدد العرقية التي تتوسع ليتصبب العرق في هذا الجسم ويقدر عدد هذه الغدد بثلاثة ملايين غدة.
يري
سبحانه
وهذه الأمور ميسرة للإنسان تيسيرا لا يحس به ولألفته هذه الأشياء يراها هيئة، ولا يعرف مقدار نعمة الله تعالى فيها، بل لألفة الإنسان للنطق أن النطق أمر هين؛ فلذلك لا يكترث بنعمة النطق، بينما الله تعالى يذكرنا هذه النعمة العظيمة عندما قال الرَّحْمَنُ عَلَمَ الْقُرْآنَ) {خَلَقَ الْإِنسَنَ عَلَمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 1 - 4]، فذكر أولا إنزال القرآن ثم ذكر ثانيا خلق الإنسان ثم ذكر ثالثا تعليمه البيان لأن نعمة البيان نعمة عظيمة، فكيف يمكن لأحدنا أن يعرف ما في ضمير صاحبه لولا أن الله يسر لنا النطق ويسر لنا فهم مقاصد صاحب النطق، فكل واحد يستمع من غيره ويؤدي أيضاً ما في نفسه إلى غيره بما آتاه الله سبحانه من البيان والنطق ليس بالأمر الهين فإنه يمر بحلقات متعددة ولكن مروره بها مرور سريع ولذلك لا يهتم الإنسان به فالإنسان عندما ينطق يستوحي النطق من الدماغ وما وراء ذلك لا يعلمه إلا الله سبحانه وهنا يرتفع من الطاقة الهوائية الموجودة في الرئتين بمقدار ما يقدر الله سبحانه لأداء هذا الحديث فيرتفع في الشعب ثم إلى الحنجرة وهناك يمكن للإنسان أن ينوع الصوت حسبما يريد إن أراده مديدا أو منقطعا، وإن أراده رفيعا أو نازلا، وتشترك مع ذلك الأضراس واللسان والحنك والشفتان والهواء فيمر النطق هذا المرور السريع في هذه الحلقات كلها بأمر الله سبحانه من غير أن يشعر الإنسان بعظم هذه المنة العظيمة عليه قُتِلَ الْإِنسَنُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس: 17] ومع هذا كله يتطاول الإنسان المهين الحقير على رب العالمين الذي أقام عليه شاهدا من نفسه بأنه سبحانه موجود فينكر وجوده. (1/199)
صفحة 200
200
الفتاوى العقيدة
فواعجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد والله في كل تحريكة وتسكينة أبدا شاهد كل ــل شيء له آية تدل على أنه واحد
وفي
ـ.
فكل ما في الإنسان آيات دالة على وجود الله - سبحانه ـ، وهناك ما هو أدق من الخلايا، وما هو أدق من الجسيمات يمكن أن نعبر عن كل واحد منها بأنه لسان ناطق بتسبيح الله سبحانه وتمجيده، وإن من أعجب ما قرأته ما كتبه الإمام العلامة الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي الى في إحدى قصائده النورانية، قبل نحو مائة وخمسين عاما من وقتنا هذا أو ما يزيد على ذلك قال في هذه القصيدة:
أعاين تسبيحي بنور جناني
فأشهد مني
ألف ألف لسان
وكل لسان أجتني من لغاته إذن ألف ألف من غريب أغان
ويهدى إلى سمعي بكل لغية هدي ألف ألف من شتيت معان وفي كل معنى ألف ألف عجيبة يقصر عن إحصائها الثقلان ولم أذكر الأعداد إلا نموذجا كأني في أوساطي ميططران وإلا ففوق العد أمر منزه عن الحد يفنى دونه الملوان ولا تتعجب إن عجبت فإنها حقائق صدق ليس بالهذيان
هذه حقائق موجودة في الإنسان هدى الله إليها العلماء النورانيين الذين يبصرون بنور الله تعالى قبل أن يكتشفها العلم، ومثل هذه الهداية أنني في الأيام القريبة قرأت كتابا في مضار التدخين فوجدت أن كثيراً من الأطباء يظنون الآن بأن التدخين يؤثر على الصحة الجنسية، ثم وجدت بعد ذلك كتابا آخر كتبه الدكتور محمد علي البار وهو من الأطباء الكبار في المملكة العربية السعودية، في مستشفى الملك عبد العزيز قال بأنه (1/200)
صفحة 201
الإيمان بالله
الجزء الأول
201
ثبت بأن التدخين يؤثر على الصحة الجنسية، وهذا كلام قاله بعض علمائنا منذ وقت طويل، فالإمام السالمي حمدالله يقول في جوهره: «يضعف الشهوة في الجماع ... ».
حقائق يهدي إليها الله سبحانه من يختار من عباده، فهذا جزء صغير من العجائب الموجودة في الإنسان.
ثم إن الله سبحانه جعل في الإنسان العقل الذي نرى أثره ولا نعرف حقيقته ونسلم الأمر فيه الله سبحانه، كما جعل الله سبحانه في الإنسان الروح، التي قال فيها: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85]، فالإنسان ينطوي على عوالم لا على عالم واحد، فعجائب تكوينه عالم وأفكاره عالم، ومشاعره عالم والروح التي هي من أمر الله سبحانه عالم غيبي، فجدير بالإنسان الذي خلقه الله سبحانه وأسبغ عليه هذه النعم ويسر له هذه المطالب أن يكون موصولا بالله سبحانه في عقيدته وفي عمله.
ثم لننتقل إلى المناخ الذي هيأه الله سبحانه للإنسان وهو الأرض، فالأرض فيها ما لا يحصى من آيات الله وَفِي الْأَرْضِ وَايَتُ لِلْمُوقِنِينَ} [الذاريات: 20] بل نستطيع أن نقول في هذه الأرض وفي الكون بأسره ما قاله الإمام ابن أبي نبهان حيث يقول: «كل ذرة في هذا الكون هي بوجود د الله، وما بقي فكالشرح لتلك الكلمة»، فما
كلمات الله ناطقة
في
كلمة من
من ذرة
كلمة هذا الكون إلا وهي سبحانه، وكل ذرة هي سجل حافل بآيات الله ـ سبحانه ـ، وقد هيأ الله الأرض لأن تكون قرارا للإنسان، فخلق هذه الأرض بكل طبائعها تمكيناً للإنسان لأن يستقر فيها، فقد جعل الله سبحانه كل شيء فيها بمقدار ما
تعبر عن افتقارها إلى الله وعن وجود الخالق
ينفع الإنسان، فجعل حجمها بمقدار وحرارتها التي تصل إليها من الشمس (1/201)
صفحة 202
بود
202
الفتاوى العقيدة
بمقدار، وجعل المسافة التي بينها وبين الشمس بمقدار وجعل المسافة التي بينها وبين القمر بمقدار وجعل دورتها حول نفسها بمقدار، وجعل الغلاف الهوائي الذي يحيط بها بمقدار، وجعل حرارة الأكسجين فيها بمقدار، فإن الأرض بمقدارها الحالي فيها من الجاذبية بقدر ما يتمكن الإنسان من الاستقرار عليها من غير معاناة تعب فالضغط الهوائي على كل وصة منها بمقدار خمسة عشر رطلا، والإنسان يحمل من الهواء مقدار اثنين وعشرين ألفا وثمانمائة وأربعين رطلا ولو كانت هذه الأرض أكبر حجما مما هي عليه بحيث لو كانت في حجم الشمس مثلا لكان الضغط الهوائي على كل بوصة بمقدار طن، ولما أمكن أن تنمو الأجساد في الأرض، ولو كانت الأرض في حجم القمر، لانعدمت الجاذبية التي تمكن الإنسان من الاستقرار عليها. وكذلك جعل الله تعالى الغلاف الهوائي بمقدار خمسمائة ميل، وهو يحيط بالأرض من كل ناحية، ولو كانت الأرض أكبر من هذا المقدار لتلاشى هذا الغلاف، وهنا تحل الكوارث بالأرض ومن فيها، لأن الله سبحانه جعل هذا الغلاف الهوائي كقبة مضروبة على الأرض، تقيها وتقي من فيها وما فيها الشهب المترامية في هذا الفضاء هذه الشهب التي تفوق سرعة الواحد منها سرعة الرصاصة بتسعين ضعفا، ثم إن الله سبحانه جعل الأكسجين فيها بنسبة %21 فكيف يكون الأمر لو كانت هذه النسبة بمقدار 50%، إن شرارة واحدة مع هذه النسبة تكفي لأن تشعل غابة بأسرها بمجرد لمعان، برق، ولو كانت هذه النسبة منخفضة إلى مقدار 10? لتعسر على الإنسان أن يجد النار التي يطبخ بها طعامه. ومن ذلك دوران الأرض حول نفسها، والذي يساوي ألف ميل في الساعة، هذا الدوران السريع جعله الله - تعالى - بمقدار، فلو كان الدوران (1/202)
صفحة 203
ا بالله
الإيمان
أسرع من
الجزء الأول
203
ذلك لكان الإنسان في اضطراب، ولو كان الدوران أقل سرعة من
ذلك بحيث تدور الأرض مقدار مائتي ميل في الساعة لتجمدت الأرض في الليل وانصهرت في النهار؛ ثم إن المسافة التي بين الأرض والقمر هي أيضاً مسافة مقدرة تقديرا فإن القمر له أثر على حركة الجزر والمد، فلو كان القمر أقرب إلى الأرض لطغت المياه على الأرض ولو أن القمر كان أبعد لنضبت، وكذلك المسافة بين الأرض والشمس جعلها الله تعالى بمقدار، فلو كانت الشمس أقرب إلى الأرض من هذا المقدار لانصهرت الأرض، فالطاقة الحرارية التي تصلنا من الشمس هي بمقدار نسبة واحد من مليونين هذه الطاقة جعلها الله سبحانه بقدر ما تتزود الأجسام بالطاقة الحرارية وبقدر ما يكفي لنمو النباتات في الأرض، تلك هي مشيئة الله
ـ سبحانه.
، ومن
ذلك
حجم
الشمس الذي جعله الله ـ تعالى ـ أيضاً
بمقدار، فلو أن نجماً آخر من النجوم الضخمة كان حالا محل الشمس لتصدعت الأرض وتبخرت، فإن من النجوم ما هو أكبر من الشمس بكثير فالشعرى اليمانية أكبر من الشمس بعشرين ضعفا، ومن العلماء من يقدر الشعرى بأنها أكبر من هذا المقدار بكثير، مع أن الشمس يبلغ مليون الأرض والسماك الرامح ضعف الشمس ثمانين مرة، ونوره
ضعف
حجم
حجم
أقوى من نور الشمس بثمانية آلاف، ضعف وسهيل أقوى من الشمس بألفين وخمسمائة ضعف، وجعل الله سبحانه أيضاً الرباط ما بين هذه المجموعة الشمسية كلها بمقدار وكذلك رباط ما بين المجموعات المختلفة المتعددة التي تنتسب إلى هذه المجرة التي تنتسب إليها هذه المجموعة، جعله الله سبحانه بمقدار ما يحفظ سنة الجاذبية، فلو أن شيئا من ذلك زاد أو نقص لكانت كارثة على الكون، وقد بين الله سبحانه لنا أن نهاية الكون يكون معها انحلال هذا الرباط الذي يربط بين أبعاده، حيث (1/203)
صفحة 204
204
الفتاوى العقيدة
هذا
يقول لنا: {إِذَا السَّمَاءُ أَنفَطَرَتْ) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَنشتَرَتْ} [الانفطار: 1 - 2] وتقدر أبعد مجرة عن الأرض بأنها تبعد عشرة آلاف سنة ضوئية، والسنة الضوئية ستمائة مليون مليون ميل هذا الرباط الذي يربط ما بين هذه الأجرام كلها هل يمكن أن يكون نتيجة المصادفة؟ أو من قبل طبيعة عمياء ميتة لا حس لها ولا حراك؟ ولقد اعترف العلماء الماديون بأن لهذا الكون مكونا وأنه لا يمكن أن يوجد بدون مكون أبدا، ففي عدد من أعداد صحيفة تايمز الأمريكية طرح هذا السؤال: هل تعتقد أن لهذا الكون إلها؟ فأجاب السؤال اثنان وثلاثون من العلماء الماديين كل واحد أجاب بحسب تخصصه العلمي، فأثبت وجود الله سبحانه من العلم الذي تخصص فيه، أن أحدهم تحدث عن وجود الله - تعالى - من خلال دراسته لشجرة الورد، وقد جمعت مجموعة من مقالاتهم في كتاب عنوانه: «الله يتجلى في عصر «العلم وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية وهو في متناول أيدي الطالبين، والحمد لله، والله أعلم.
حتى
عن
لو قال ملحد: مَنْ خلق الله؟ ـ تعالى الله - بناء على أن لكل موجود واجد، فكيف نرد عليه؟
الله سبحانه وجوده غير مسبوق بعدم، فلو كان وجوده مسبوقاً بعدم لاحتاج إلى موجد أوجده، والموجود الذي يحتاج إلى موجد هو موجود جائز الوجود، وأما الحق - تعالى - فهو واجب الوجود لذاته؛ فهناك فارق ما بين جائز الوجود وواجب الوجود والله - تعالى - وحده هو واجب الوجود لذاته؛ فلذلك هو متصف سبحانه بالقدم لأنه لا يمكن أن يكون غير موجود.
والله أعلم. (1/204)
صفحة 205
الإيمان بالله
رؤية الله تعالى
الجزء الأول
205
السؤال: سماحة الشيخ المفتي أحمد بن حمد الخليلي: ماهي الأدلة العقلية والنقليه على عدم رؤية الباري في الدنيا والآخرة؟
سم
الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإنه من المعلوم أن الله الله مخالف لجميع المخلوقات في جميع صفاته، فلا تشبهه في شيء ولا يشبهها في شيء. فلا يوصف الحق سبحانه: بأنه جوهر، أو عرض أو جسم، ولا يوصف رجل بأنه حال في مكان أو حادث في زمان فالأمكنة لا تحويه ولا يوصف بأنه متصل بشيء منها أو أنه منفصل عنها والأزمنة لم يؤثر تعاقبها عليه شيئا لأنها لا تلابس ذاته، وهو تعالى كان قبل خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان لا يدرك بعين ولا يطلب بأين، فجميع صفات الخلق مستحيلة عليه، ولا يمكن أبدا أن يشخص بعين ولا بأية حاسة من حواس الإنسان أو أي مخلوق آخر كما أنه لا يدرك بفكر، وإنما قصارى إدراك الإنسان لمعرفته إقراره بالعجز عن الإدراك كما روي عن الصديق الى أنه قال العجز عن الإدراك هو الإدراك».
عنه
والأمة اختلفت في رؤيته تبارك وتعالى، والقول الحق الذي لا مرية فيه أنه لالالالا لا أن يصح يوصف بأنه يرى في الدنيا ولا في الآخرة فذلك هو الذي أخبر به عن نفسه، ولا يمكن أن يرد ما أخبر الله تبارك وتعالى به عن نفسه ولا عن غيره، فقد قال رجل: في وصف نفسه: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103].
والذين أثبتوا رؤية الله تعالى في الآخرة أو في الدنيا والآخرة تأولوا الإدراك هنا بمعنى الإحاطة وذلك ما لا يصح أبدا ذلك لأن الإدراك لا يفسر (1/205)
صفحة 206
206
الفتاوى العقيدة
بالإحاطه، فنجد في كتب اللغة الدرك: «اللحاق وذلك موجود في الصحاح والقاموس وشرحه وفي لسان العرب.
وجاء أيضاً في لسان العرب: أدركته بعيني: بمعنى رأيته، فكيف يقال إن الإدراك هو بمعنى الإحاطة؟!
ويقال أيضاً: أدركت حياة فلان مع أن القائل لم يحط بحياته من أولها إلى آخرها.
ويقال: أدركه السهم، إذا وقع عليه ولحقه، ولا يقتضي ذلك الإحاطة، ثم إن العرب تصف المطر إذا تلاحق بالمطر المتدارك، ولا يقصد من ذلك: أن كل ديمة تحيط بغيرها من الديم فإن ذلك متعذر، والله الله يقول، في أهل النار:
حَتَّى إِذَا أَذَارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا} [الأعراف: 38] بمعنى تلاحقوا.
ثم إننا نجد أم المؤمنين عائشة لا تنفي اللبس بتفسيرها هذه الآية الكريمة. فقد أخرج الإمام الربيع والشيخان (1) وغيرهما عنها لنا أنها قالت: «ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية: «من قال إن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال مسروق: وكنت متكئا فجلست وقلت يا أماه: أمهليني ولا تعجليني: ألم يقل الله تعالى {وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى} [النجم: 13]، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ذلك جبريل لم أره
في صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين ثم قالت أو لم تسمع أن الله يقول: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] فهل يخفي على أم المؤنين عائشة المعنى الإدراك لو كان معناه الإحاطة؟
(1) رواه الربيع رقم (824) والبخاري رقم (4574 و 4855) ومسلم رقم (177). (1/206)
صفحة 207
ا بالله
الإيمان
وهي
الجزء الأول
207
عربية اللسان وقد نشأت في مهد النبوة ورضعت من لبان الوحي، وعرفت معاني القرأن ومعاني كلام العرب.
كيف يمكن أن يخفى على هذه العالمة الخبيرة معنى الإدراك ويعرفه من جاء بعدها لو كان معناه الإحاطة؟!.
فالآية الكريمة نافية للإدراك مطلقا وهو في كل شيء بحسبه، فإدراك اليد قبضتها وإدراك العين رؤيتها، وإدراك الأذن سماعها، وإدراك السلاح إصابته، وهكذا يقال في مطلق الإدراك بأنه بمعنى اللحاق كما دلت على ذلك كتب اللغة العربية. وزعم بعضهم بأن هذه الآية الكريمة يراد بها نفي الرؤية في الحياة الدنيا دون الأخرى.
والجواب عن ذلك: أن صفات الله تبارك وتعالى لا تتبدل فالله الله قد امتدح نفسه بكثير من الصفات الكمالية التي يستحيل أن تتحول إلى أضدادها كما نفى عن نفسه كل ما لا يليق بجلال قدسه وكمال صفاته، من ذلك،
قوله: في نفي السنة والنوم عنه: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255].
وقوله في نفي الظلم عنه: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49].
وقوله في نفي الصاحبة والولد عنه: {وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبَّنَا مَا اتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا
وَلَدًا} [الجن: 3].
وقوله في نفي الوالدية والمولودية: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3 - 4].
فهل يمكن أن يقال بأن هذه المنفيات تنتفي عنه تعالى في الدنيا دون الآخرة، فيقال بجواز أن يتصف الله تبارك وتعالى في الآخرة بأنه يلد وأنه (1/207)
صفحة 208
208 الفتاوى العقيدة
يولد وأنه تكون له صاحبة في الآخرة أو أنه يتصف فيها بالظلم أو أنه يجوز أن يكون له فيها شريك أو ندّ أو كفؤ وما وراء ذلك مما نفاه الله عنه؟!!. فهذا كله يدل دلالة جازمة على أنه الله أراد بقوله: {لَا تُدْرِكُهُ
الْأَبْصَرُ} [الأنعام: 103 نفي الرؤية عن ذاته العلية في الدنيا والأخرة.
وزعم بعض اللذين يثبتون الرؤية بأن الله سبحانه لا يتمدح بنفي محض وإنما كل ما نفاه عن نفسه إنما نفاه لما يتضمنه النفي من كمال ثبوتي له تعالى، فقوله:
لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) يتضمن وصفه بالقيومية.
وقوله: {وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبَّنَا مَا اتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًا} [الجن: 3]، يتضمن وصفه بالوحدانية ونفي الظلم عنه يتضمن وصفه بالعدل، وهكذا كل نفي يؤدي إلى إثبات كمال له تعالى.
أما الرؤية فلا يوجد معنى ثبوتي يتمدح الله تبارك وتعالى بإثباته لنفسه من خلال نفيها هكذا قال ابن تيمية وتبعه تلامذته وأتباعه.
والجواب عن ذلك: أن هذا أمر مردود فإن الله تعالى هو أعلم بنفسه وبصفاته وإثبات ما نفاه عن نفسه يعد اجتراء عليه وانتهاكا لربوبيته، وهو لا يقل ضلالة عن نفي ما أثبته لنفسه، على أننا لو سلمنا لما ادعوه لقلنا بأن نفى الرؤية تضمن أيضاً إثبات معنى ثبوتيا يعود إلى كماله تعالى وهو اتصافه بالكبرياء لأن إثبات الرؤية ينافي كبرياءه تعالى. وحسبك شاهداً على ذلك ما رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري مرفوعا: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه (1/208)
صفحة 209
ا بالله
الإيمان
الجزء الأول
209
في جنة عدن (1) فإن الحديث دال على أن كبرياءه تعالى مانعة من رؤيته، صفة ذاتية لو انتفت عنه تعالى لكان موصوفا بضدها، وذلك عين
وهي
المحال.
على أن النبي عندما سئل عن رؤيته لربه كان رده صريحا في امتناعها عليه تعالى، فقد روى مسلم من طريق أبي ذره أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك يوم القيامة؟ فقال: «نور أني أراه» (2) وهو إنكار لأن يمكن أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات الحق تبارك وتعالى، وكما قلنا فإن صفاته الذاتية لا تتغير
ولا تتبدل كما أن ذاته لا تتغير ولا تتبدل، وهذا يعني أنه تمتنع رؤيته في الدنيا والآخرة.
وثم أدلة كثيرة دلت على امتناع أن يرى الله منها أدلة عقلية، فإن الرؤية تستلزم كثيراً مما يستحيل عليه سبحانه، فهي تتوقف على سلامة باصرة الرائي وأن لا يكون المرئي ملتصقاً بها ولا بعيدا عنها جدا وأن لا يكون لطيفا جدا ولا دقيقا جدا، وأن يكون بنفسه نورانيا أو أنه يغشاه النور من غيره، وأن يكون مقابلا للرائي أو في حكم المقابل له.
أما ما تمسك به القائلون بالرؤية من أنه تعالى موجود وكل موجود يجوز أن يرى فهو مدفوع بأن كثيرا من الموجودات تستحيل رؤيتها كالروح والأثير والطاقة الكهربائية والطاقة الذرية والنطق والعقل والإيمان والكفر والحب والبغض والرضى والسخط وسائر أعراض النفس.
در
أما ما استدلوا به من قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)
القيامة: 22 - 23].
(1) رواه البخاري (4500) ومسلم (265).
(2) رواه مسلم (261). (1/209)
صفحة 210
210 الفتاوى العقيدة
فلا دليل فيه ... فقوله: {وُجُوهٌ يَوْمَيذٍ نَاضِرَةٌ» وصف لوجوه السعداء بالنضاره بالضاد وهي الحسن والبهاء وقوله: {إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ: يعني أنها منتظرة لرحمته ودخول جنته، ويدل على ذلك التقابل بين أوصافهم وأوصاف أضدادهم الذين وصف وجوههم بقوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَذِ بَاسِرَةٌ} [القيامة: 24] أي كالحة وذلك الذي يقابل قوله نَاضِرَة، ثم قال: تظن أن يفعل بها فاقرة أي تتوقع أمرا يقطع فقار ظهورها وهذا هو الذي يقابل قوله الا الله إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةُ) فلو كان المراد: بقوله وعل إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) أنها ترى ذاته تعالى لقيل في الوجوه الأخرى (ووجوه يومئذ باسرة عن رؤية ربها قاصرة أو نحو هذا الكلام الذي يفيد المقابلة ما بين وصف هؤلاء ووصف هؤلاء، وادعى الذين قالوا بأن الله يرى واستدلوا بهذه الأيه الكريمة بذلك. أن النظر إذا كان بمعنى الإنتظار لا يعدى بإلى وإنما يعدى بإلى إذا كان بمعنى الرؤية. وخصوصا إذا اسند إلى الوجوه والجواب عن ذلك: بأن كلام العرب يرد ذلك فهذا حسان بن ثابت يقول: وجوه يوم بدر ناظرات إلى الرحمن يأتي بالفلاح
وهل كان وجوه المؤمنين يوم بدر تنظر إلى ذات الله الله ويقول الشاعر: وإذا نظرت إليك من ملك والبحر دونك زدتني نعما ويقول الآخر:
كل الخلائق ينظرون سجاله نظر الحجيج إلى طلوع هلال ولو كان النظر لا يعدى بإلى إلا إذا كان بمعنى الرؤية، للزم أن يكون الله الله لا يرى الفجار يوم القيامة لأنه رجل يقول:
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَبِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ
[آل عمران: 77]. (1/210)
صفحة 211
ا بالله
الإيمان
الجزء الأول
211
فهل المقصود بقوله ولا ينظر إليهم يوم القيامة لا يراهم، فيكون الله الله يرى البعض من خلقه ولا يرى البعض الآخر؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما المقصود بقوله ولا ينظر إليهم يوم القيامة: لا يسبغ عليهم رحمته»، ثم إن الرؤية إنما تكون للأبصار ولا تكون للوجوه، فكيف تسند ها هنا إلى الوجوه، وهل إسنادها إلى الوجوه حقيقة أو مجاز ولماذا خصت الوجوه دون سائر الأعضاء بالإسناد إليها أن النظر إلى الشيء المحبوب يتمتع مع القلب قبل أن يتمتع به الوجه، وينعكس أثر هذا التمتع على الجسم كله فلماذا تخص الوجوه بذلك؟
به
على أن الوجوه كثيرا ما يراد بها أصحابها فيسند إليها ما هو عائد إليهم كما في قوله تعالى في هذا السياق هنا (وَوُجُوهٌ يَوْمَيذٍ بَاسِرَةٌ) تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرة} [القيامة: 24 - 25] فإنهم هم الذين يظنون ذلك وهو من فعل قلوبهم لا من فعل وجوههم ومثل ذلك قوله تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا راضية} [الغاشية: 8 - 9] إذ لا خلاف في كونهم هم الذين ينعمون ويرضون، ومثله وصف أضدادهم بقوله:
وُجُوهٌ يَوْمَيذٍ خَشِعَةٌ) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةٌ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ، انِيَة) الغاشية: 2 - 5] فإن هذا كله إنما يعود على أصحاب الوجوه وعليه فلا يشكل أن يسند النظر إليها وهو بمعنى الانتظار مع تعديته بإلى.
واحتجوا أيضاً لمعتقدهم هذا بقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَدٍ مَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] وهو استدلال ساقط لأن حجبهم عن الله تعالى لا يعدو أن يكون بمعنى حرمانهم من ألطافه وفضله على أن استدلالهم بالآية من باب الاستدلال بمفهوم المخالفة، فإنهم قالوا بأن الله تعالى كما يحجب الفجار عن رؤيته يتجلى للأبرار فيرونه ومفهوم المخالفة اختلفوا في حجيته في
6. (1/211)
صفحة 212
212 الفتاوى العقيدة
القضايا الفرعية، فكيف يكون حجة في العقيدة وهي لا تبنى إلا على اليقين القطعي؟، على أن هذا المفهوم هو أقرب إلى أن يكون مفهوم لقب وهو أضعف المفاهيم باتفاق ولا يعول عليه عند الجمهور حتى في الظنيات، ولا ريب أن مفهوم الوصف أقوى منه بكثير وأنت تدري أن حجب حجب أولئك عن الله تعالى كما تدل الآية إنما يكون في ذلك اليوم، بدليل قوله: «يومئذ»، ولو فسر الحجب بمنع الرؤية لكان معنى ذلك أنهم يرونه في سائر الايام. واستدلوا أيضاً بأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رويت في الصحيحين وغيرهما منها: أنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - قال: سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر (1) وهي قبل كل شيء أحاديث أحادية، والأحادي يوجب العمل ولا يفيد العلم) فلا تبنى عليه المعتقدات لأنها تنشأ عن الحجج اليقينية القطعية ولا تنشأ عن الحجج الظنية فضلا عن كون هذه الأحاديث تعارض
الحجج القطعية من القرآن ومن السُّنَّة المتواترة وإجماع السلف الصالح. على أن هذه الأحاديث جميعاً بوضعها في محك النقد لا يبقى منها ما يمكن أن يعول عليه في أمر ظني فضلاً عن إعتماده في ما لا يبنى إلا على اليقين فإن أسانيدها جميعاً عندما تختبر حسب القواعد التي وضعها أئمة الحديث أنفسهم تتكشف عن عيوب تنزل بها عن درجة ما يمكن أن يعول عليه في الفقه فضلاً عن الإعتقاد وأقواها سنداً الحديث الذي يحتجون به كثيرا الذي جاء فيه «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر» وهو من حيث متنه مضطرب اضطراباً حار فيه شراحه فذهبوا مذاهب متباينة ليتفادوا مشكلاته وقد أخرجه الشيخان من رواية أبي هريرة وأبي
(1) رواه البخاري (521) ومسلم (1002).
(2) معنى يفيد العلم يفيد القطع. (1/212)
صفحة 213
ا بالله
الإيمان
الجزء الأول
213
سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما بألفاظ، مختلفة، منها ما نصه «أن ناساً قالوا لرسول الله: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله وعجل في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه. فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا. فيتبعونه» (1). ولا يخفى على متأمل ما في هذا الحديث من الإشكال الذي لا يمكن
أن يجاب عنه إلا بتكلف بالغ، وإليك صوراً من هذا الإشكال: أولها: أنه يدل على أنهم سبقت لهم رؤية لذات الله تعالى قبل هذا الموقف بصورة غير الصورة التي يرونه بها عند بعثهم ولذلك ينكرونه عندما يأتيهم في صورة غيرها حتى يقولوا له: «نعوذ بالله منك»، وليت شعري متى سبقت لهم هذه الرؤية مع أنهم متفقون على عدم رؤيتهم له في الدنيا إلا من شذ وقد ألجألهم هذا الإشكال إلى القول بأنهم رأوه عندما أخرجوا من ظهر آدم كأمثال الذر، ولا يخفى ما فيه، فهو من ناحية دعوى لم تقم على حجة، ومن ناحية أخرى، فإنه يتعذر أن يكونوا في هذه الحالة أقدر على تحمل رؤيته من موسى بعد
السلام
اصطفائه وتكليمه، ودعوى أنهم عرفوا صورته بوصفه لنفسه ووصف
(1) رواه البخاري رقم (6088) ومسلم (267). (1/213)
صفحة 214
214 الفتاوى العقيدة
نبيه محمد صلى الله عليه وسلم له من غير سبق رؤية منقوضة بأنهم كان يمكنهم لو كان هذا صحيحاً أن يحددوا هذه الصورة في الدنيا بحسب ما عرفوه من وصفه لنفسه وصف النبي صلى الله عليه وسلم له، على أن ذلك يتعذر على ما جاء في ألفاظ الحديث من طريق أبي سعيد الخدري ونصه: «فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي رأوه بها أول مرة.
بعض
ثانيها: أن الحديث تضمن أنه تعالى يتحول من صورة إلى صورة والمتحول حادث والحادث ليس بإله، وقد أبطل إبراهيم الألوهية الأجرام الفلكية بسبب انتقالها من حالة إلى حالة فكيف يكون الله تعالى موصوفاً بذلك؟!
ثالثها: أن الحديث دال على أن رؤيتهم له يشترك فيها المؤمن والمنافق مع أنهم يقولون بأن رؤيته أعظم ثواب يفوز به المؤمنون، حتى أن الجنة تتضاءل أمامه فكيف ينالها المنافق؟!
قطعا،
رابعها أن الحديث دال على رؤيته في الموقف وذلك قبل دخول الجنة وهم يقولون بأن الرؤية زيادة في الثواب ويحملون على ذلك قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، والزيادة تكون بعد المزيد عليه لا قبله!، وهو مقتضى حديث صهيب الذي فسر الزيادة بالرؤية.
يصور
خامسها أن الصورة نفسها مستحيلة على الله لأنها مأخوذة من التصوير وهو صنع لا يكون إلا من صانع ويستحيل على الله تعالى أن نفسه كما يصور مخلوقاته لأنه يستلزم أن يكون محدثا لذاته وإذا استحال ذلك من نفسه فهو من غيره أشد استحالة لامتناع أن يكون لغيره أثر على ذاته. (1/214)
صفحة 215
الإيمان بالله
الجزء الأول
215
وتأويل الصورة بالصفة مشكل لأن صفات الله الذاتية لا تتبدل، ثم إن الصفة لا ترى ولا يمكن أن يحمل معنى رؤيتها إلا على المعرفة، وهذا يؤدي إلى أن تكون رؤيته تعالى لا يراد بها إلا مزيد معرفته.
هذا وقد بنوا اعتقادهم في رؤية الله تعالى على أصل أنها جائزة في حقه سبحانه واستدلوا لجوازها بأمرين:
أولهما: أن موسى سأل الله تعالى أن يراه، كما جاء ذلك صريحاً في
ذاته
قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَيْنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ, قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143]، وأكدوا ذلك بما في الآية نفسها من تعليق رؤيته له تعالى باستقرار الجبل، وذلك في قوله: {قَالَ لَن تَرَينِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مكَانَهُ, فَسَوْفَ تَرَكَنِي} [الأعراف: 143]، وذلك أن استقرار الجبل في ممکن والمعلق على الممكن ممكن، وقالوا بأنه يستحيل على موسى وهو أحد المصطفين الأخيار ـ أن يجهل ما هو مستحيل عليه تعالى لو كانت غير جائزة في حقه والجواب: أن موسى لم يسألها لنفسه وإنما سألها لقومه ليكفكف غلواءهم في التعنت والعناد وليريهم آية تدل على امتناعها، وقد اختار الله أن يريهم من الآيات ما فيه قطع لمطمعهم وهو
ـ
اندكاك الجبل.
قال:
واعترض على ذلك بأنه لو سألها لهم لقال أرهم ينظروا إليك، ولكنه
أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ، ثم لو سألها لنفسه لم يتب من سؤالها. والجواب: أنه إنما طلبها بصيغة تدل على أنه سألها لنفسه ليكون ذلك أبلغ في إقناعهم فإنها إن امتنعت عليه كان امتناعها عليهم أولى، وأما مبادرته (1/215)
صفحة 216
216 الفتاوى العقيدة
إلى التوبة مع أنه هدف بسؤالها إلى أن يقنعهم بالحق وهو استحالتها، لأنه سألها قبل أن يستأذن ربه، وقد شمله الصعق معهم، لهول أمرها، ولذلك قال عندما أفاق: سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143]، أي أنك لا تُرى، ويدل على أنه لم يسألها لنفسه ولا كان موافقاً لهم على سؤالها تنصله مما كان منهم وعزوه إلى سفههم كما هو واضح في قوله تعالى: وَأَخْنَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَيْنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِتَنى أَهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَئُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ
وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ أَنتَ وَلِتُنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ} [الأعراف: 155].
وأما تعليقها على استقرار الجبل، فهو دليل على امتناعها لأن الجبل لم يستقر، وقد علم الله أنه لن يستقر ولا يمكن أن يكون إلا كما علم الله على أنه سبحانه رد على موسى بقوله: {لَن تَرَينِي، ولن تدل على تأكيد النفي ويدخل فيه تأبيده.
وأما دعوى أنها لا تدل على التأبيد فهى مردودة بكثير من الشواهد منها قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ} [البقرة: 24]، فلو لم تكن للتأبيد لكان بإمكانهم أن يفعلوا، وقوله: لَن نَدْعُوا مِن دُونِهِ إِلَهَا} [الكهف: 14]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا} [الحج: 73]، على أنها قد ينفى تارة بها وتارة بلا في الأمر الواحد كما في قوله تعالى: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 95]، وقوله: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [الجمعة: 7]، وإنما تأبيد كل شيء بحسبه، فلا يقاس ما يتعلق بذات الله تعالى التي لا تتبدل صفاتها على ما يتعلق بالمخلوق الفاني
ثانيهما اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في كونه رأى ربه ليلة الإسراء ولو لم تكن جائزة لما اختلفوا فيها. (1/216)
صفحة 217
الإيمان
بالله
الجزء الأول
217
والجواب بأن هذا الاختلاف لم يثبت بل حكى غير واحد من معتقدي الرؤية إجماع الصحابة على أنه لم يره ليلة الإسراء، والذي روي عنه إثباتها، هو ابن عباس ا، وقد ثبت عنه نفيها على الإطلاق، وقد روي عنه أنه رآه بفؤاده مرتين)، كما في صحيح مسلم: ولا يعني ذلك إلا أنه ازداد معرفة به، وعلى ذلك يحمل ما روي عنه أنه رآه، فإن المطلق يرد إلى المقيد، على أن هذه الروايات جميعاً، لا تخلو أسانيدها من وهاء، كما بين ذلك في غير هذا الموضع.
والقول في الرؤية طويل الذيل عريض الحاشية، وقد بسطت القول فيها، في غير هذا المقام)، ولا يتسع هذا الجواب لأكثر من هذا الشرح، فنقتصر على هذا القدر، والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما يجوز على الله وما لا يجوز
السائل يسأل عن قوله تعالى: حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] هل عبارة حَقًّا عَلَيْنَا} [الروم: 47] تحمل معنى الفضل من الله أم ماذا؟
هذه العبارة تدل على تحتم وقوع النصر، فهو مشبه بالواجب من هذه الناحية، وإن لم يكن واجباً على الله تعالى، لأنه لا يجب عليه شيء، ويدل على تأكيد الوقوع لأن الله تعالى وعد به والله أعلم.
(1) رواه مسلم (258).
(2) راجع الحق الدامغ لسماحة الشيخ. (1/217)
صفحة 218
218 الفتاوى العقيدة
لقد ذكرت أن قبول التوبة ليس واجباً على الله. فما تكون على الله واجبة لعباده؟
الأفعال التي
لا يجب على الله شيء لعباده، {لَا يُسْلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 23]، فالله تعالى غير مكلف. إنما يتحقق الوجوب على من كان مكلفاً، بحيث لو لم يفعل ما فعله لكان ذلك مؤدياً به إلى الذم أو إلى المؤاخذة - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً فمن ذا الذي يحاسب الله تعالى؟! إنما الله وحده هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا اعتراض عليه في فعله، فلذلك لا يجوز ـ بأي وجه ـ أن نقول إن هذا واجب على الله، وإنما نقول هو محض فضل منه سبحانه
والله أعلم.
لقد ذكرتم فرقاً بين أن نقول يجب على الله أو يجب في حق الله، فنرجو توضيح هذا الفرق مع بيان الفرق بين ما يقال في حق الله وحق الإنسان؟
معنى يجب في حق الله من الوصف ما لو لم نصفه به لكنا آثمين ولكنا مخالفين لأدلة العقل والنقل فيجب في حق الله عقلاً ونقلاً أن يُوصف بالكمال، ومن ذلك أن يكون موصوفاً بأنه لا تبديل لكلماته، ولا إخلاف لميعاده، ويجب في حقه أن يكون أصدق من كل قائل إذ لا يمكن إلا أن يتصف بهذه الصفات لاستحالة أضدادها في العقول وفيما دلت عليه نصوص
الشرع. أما أن يكون شيء من ذلك واجباً على الله فلا، وأما ما جعله الله من حق للإنسان عليه، كما في قوله: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، فذلك مما تفضل به الله عليه ووعده، به والله لا إخلاف لميعاده لذلك كان حقاً لا ريب فيه، والله أعلم. (1/218)
صفحة 219
الإيمان
بالله
الجزء الأول
219
قلتم بأن الله لا يجب عليه فعل شيء ولا يُسأل عما يفعل، ولكن ماذا عن قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، هل من الواجب في حقه أم ماذا؟
6
هذا واجب في حقه وليس واجباً عليه، فهو محض فضل منه سبحانه، فقد أخبر أنه لا يعذب حتى يبعث رسولا ولا تبديل لكلماته فلا يكون إلا ما أخبر به سبحانه ولو شاء تعالى لفعل خلاف ذلك ولعذب من غير بعث رسول، ولكان ذلك عدلاً منه تعالى كما كان هذا منه فضلا، ولكن بفضله على عباده لم يُعذب إلا بعد أن يقيم عليهم الحجة ببعثه الرسل والله أعلم.
ألا يمكن الرد أيضاً على القول بوجوب ثواب على الله للطائعين بدليل عقلي من واقع الحياة مثل ولله المثل الأعلى أن العبد المملوك لسيده بأداء أوامره وإذا أراد سيده إعطاءه أجراً على ذلك فذلك تفضل منه أم لا يصح الرد بهذا؟
يقوم
إذا كان الإنسان شأنه مع الإنسان هكذا، فالله تبارك وتعالى أعظم شأناً، وإنما ما يهبه لعبده من أجر لا يعدو أن يكون مجرد فضل منه تبارك وتعالى والله أعلم.
قوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] هل حقاً تعني فرضاً على الله؟
الله لا يلزمه شيء فهو لَا يُسْلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 23] وإنما من فضل الله الله على عباده ومنته على خلقه أنه ينجز لهم ما وعدهم به، ولا يتبدل وعده، فلذلك كان هذا الإنجاز بمثابة الحق الواجب، وإلا فالله الله لا يجب عليه شيء، فمن الذي يستطيع أن يفرض على الله شيئا وهو سبحانه له الخلق والأمر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولو كان سبحانه تفرض (1/219)
صفحة 220
220
الفتاوى العقيدة
عليه الفروض لكان خاضعاً لأنظمة ولقوانين يسنها غيره تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا والله أعلم.
هل كان سوار كسرى الذي لبسه سراقة من الذهب أم من الفضة؟ وإذا
كان من الذهب فكيف جاز لبسه مع أن الذهب حرام على الرجال؟ هذا السوار ـ فيما أحسب - لم يكن ذهباً ولا فضة وإنما كان من الجواهر، إذ كانت عند كسرى مجوهرات هائلة جيء بها إلى عمر ه فرأى المسلمون منها شيئاً عجباً ما ألفوه أبداً، ومع هذا فإن الإلباس لم يكن بقصد اللبس، وإنما كان بقصد تحقيق الوعد الذي وعده الرسول صلى الله عليه وسلم سراقة عندما طلب منه كتاب الأمان والله أعلم.
الآيات الكونية
من الناس من يرى أن في القول بأن وقوع الكوارث عقوبة من الله غضاً للطرف عن التفسيرات العلمية، إذ لا يرى ارتباطاً بين الكارثة والعقوبة؟ مهما كان هُنَاكَ مِن تَفْسِير للظَوَاهِر الكَوْنِية بالنظريات أو بالحقائق العلمية فإنه مِمَّا ينبغي أن لا يَعْزُب عن بالنا أن وَرَاء هَذِهِ الظَّوَاهِرِ كُلَّهَا أَمر الله تعالى، الذي يأتي بالليل والنهار، ويُصرّف هذا الكون، فالليل والنهار والأجرام الفلكية جميعاً تَتَحَرَّك وفق حكمة الله تعالى وأمره، ولكن لا يعني ذلك أن هذه الحالة حالة طبيعية بدون أن يَكُون أحد صَرَّف هذا الكون وعاقب بين الليل والنهار.
في
وأنتم تعلمون أن الليل والنهار يَتعاقبان باستمرار بدون اختلال مَوَاعِيدِهما بِخَلافِ مِثْلِ هَذِهِ الكَوَارِث الطبيعية فَلِمَاذَا تَقَع هَذِهِ الكَارِثَة في
وَقْت كَذا؟ ولماذا تَقَعُ في مَوْقِع كذا؟ إنما كل ذلك بِتَدْبِير من الله سبحانه (1/220)
صفحة 221
ا بالله
الإيمان
الجزء الأول
221
الذِي يُدَبِّر مِثل هَذِه الأمور ويُصرف هَذِه المخْلُوقَاتِ كَيْفَمَا يَشَاء، فَلَيْس للإنسان أن يَغُضُّ الطَّرف عن جانب القَدَر والتَدْبِير الإلهي لِمَجْرِيَات هَذِهِ الأحداث وَوُقوع مثل هذه الكَوَارِث.
حسبكم أن القرآن الكريم كثيراً ما يَرُدنَا إلى الله تعالى مِن خِلال النظر أَمْرُ من
في مِثْل هذه الحوَادِث، ولِذَلِكَ نَحْنُ نَرَى أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يقع الظَّوَاهِر الطَّبيعية المألوفة المعروفة يأمر بالرجوع إلى الله فيَقُولُ: «إن الشمس والقَمَرَ آيتان مِن آيات الله لَا يَخْسِفان لموت بَشَر ولا لِحَيَاته فإذا رأيتم ذلك فَاذْكُرُوا الله»، وقد صلى الله صَلاة الكُسُوف كَمَا هُوَ مَعْلُومٍ لأَجْلِ وَصْل هَذه النُّفوس بِبارئها. فكَيْف مع وُقُوع مِثْل هَذِهِ الأمور التِي هِي خَارِجَة عن المألوف يَغُضُّ الإنسان نَظَرَه عن الالتفات إلى جانب القُدْرة الإلهية والتصريف والقدر الإلهي، والله المستعان.
كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يَعِيش تَغَيُّر الأحوال الطبيعية كَتَغَيّر المناخ والرياح، الأمطار، ونَحْو ذلك؟
كان النبي شَدِيد الحَسَاسِيَة مِن هَذه الناحية، كان إِذا هَبَّت الريح يَدْعُو الله تعالى وَيَتَضرَّع إِلَيْه ويَدْخُل ويَخْرُج.
وإذا رأى ـ أيضاً ـ سحابة يَبْقَى في خَوْفٍ وفي قَلَقٍ حتى يَأْتي الله تعالى بِالغَيْث وعندئذ يَشْكُر الله تعالى على نَعْمَتِه، وعندما تسأله أُمُّ المؤمِنِين السيدة عائشة لنا عن سَبَبِ تَغَيُّر لَوْنه ودَخُولِه وخُروجه وتأثره يَقُول: «وما يُؤَمِّنُنِي أَن يَكُون ذلك كما قال الله ـ سبحانه ـ في قَوْمٍ عاد: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضَا
(1) الربيع (194). (1/221)
صفحة 222
222 الفتاوى العقيدة
مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضُ تُمْطِرُنَا (1) [الأحقاف: 24] فهو شَدِيد الحساسية من هذه الناحية لأنَّه يَسْتَحضر العقوبات التي أصابت الأمم، ومن أجل ذلك كان يدعو دائماً إلى الاستِمْسَاك بِأَمْرِ الله والنَّظَر فِي عَوَاقِب الأمُور بِوَزْن تَصَرُّفَات الإنسان بِمَوَازِيين الله تعالى مَعَ الإِذْكَار بما يَحْدُث مِن أمثال هَذِهِ القضايا. وعنما كَسَفَت الشمس خَرَج يَجُر ردَاءَه مِن كثرة هؤل الموقف حَتَّى صلى بهم وأطال الصلاة كما هو معروف ومألوف مِن هَدْيِه. فما كان يَشْغَلَه شَيْء عَن النظر في جانب القَدَرِ الإلهي والقُدْرَة الإلهية
الربانية التي تُصرّف هَذا الوُجُود، والله أعلم.
ما قَوْلُكم في المبهور بِالعِلْم بالحديث ويَجْعَلُه في المقام الأول دون ما جاء في من حقائق في القرآن الكريم؟
لَا رَيْب أن العِلْمَ الحديث كَشَفَ كثيرا من الأمور التي كانت غَامِضَة بِالنِّسْبَة إلى الناس، ونَحْنُ لَسْنا مع الجامدين الذين يُغْمِضُونَ أَبْصَارِهِم عَنْ مُعْطَيَات العلم الحديث بَلْ نُؤَيد الانتفاع بهذا العِلم دينياً ودُنْيَوِياً، ولكن مع ذلك كله لا نأخذ مِن هَذا العلم الحديث قُشُورَه وندع لُبَابَه، فالعلم الحديث وسيلة لتعميق الإيمان في النُّفُوس، فالله تعالى عندما يُخَاطِب عِبَادَه بِتَرْسِيخ عقيدة التَوْحِيد في نُفُوسِهم يأخذ بِبَصَائِرِهِم وأَبْصَارِهِم ليَطُوف بها في هذا العالم الفسيح مُعرّفاً الإنسان بَأَن وَرَاءَ هذا العالم تَدْبِيراً وتَقْديراً مِن لَدُن عَزيز حكيم لا تَخْفَى عليه خَافِيَة في الأرض وَلَا فِي السماء، فقد قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163]، ثم أتْبَعَ ذلك قَوْلَه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ
(1) رواه النسائي في السنن ونحوه عند البخاري (3206) ومسلم (899). (1/222)
صفحة 223
الإيمان بالله
الجزء الأول
223
وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَاءِ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] هذه الآيات وأمثالها إنَّما تصل بالإنسان إلى تَعْمِيق مَفْهُوم الاعتقاد الحق اعتقاد وَحْدَانِية الله لأن الكَوْنَ كُله وِحْدَةٌ مُتَكَامِلَة، نِظامُه نِظَام مُتَوَحِّد، يَجْمَع مَا بَيْن أَطْرَافِه المترامية، وهَذَا يَدُل على أن مُكَوِّنه، واحد، إذ لَوْ كان هنالك أكثر مِن مُكّون لكان لكل واحد منهم إرادة مُسْتَقِلَّة عن إرادة الآخر وذَلِكَ مِمَا يُؤَدي إلى الاختلاف في المراد كَمَا يُؤذن به قوله ان: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا وَالهَهُ إِلَّا اللهُ لفسدتا} [الأنبياء 22]، وكذلك الآيات الكَثِيرَة.
كذلك نجد أن الله تعالى يَعِد عباده بأن يَكْشِف لَهُم حَقَائِقِ الوُجُود لِيَتَبَيَّن لَهُم مِن خِلال هَذَا الكَشْف - سَوَاء كَانَ في آياته في الأَنْفُس أو في الآفاق - ـ أن القرآن حَق مِن عِندِه فقد قال تعالى (قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)
[فصلت: 52 - 53]
من
(or
فَنَحْنُ نُؤَيّد التَقَدُّم في مَجَالات العِلم مع الاستمساك بالعَقِيدَة وتَرْسِيخها خلال النظر في آيات الله - تعالى - في الأنفس والآفاق حتى لا نكون نَعْلَم ظَاهِراً من الحياة ونَحْنُ عن الآخرة غَافِلُون، بل علينا أن نَتَوَصّل بِهذا العلم إلى تَعْمِيق إيمانِنَا بِالله تعالى وإيماننا باليوم الآخر.
أما بالنسبة إلى هذه الظَّوَاهِر الكونية فَمَهْمَا كانت مُرْتَبِطَة ـ كما قلت ـ بِأَسْبَابِ إلا أن تِلْكُم الأَسْبَاب لَا تُفْضِي إِلى مُسَبَّباتِهَا بِنَفْسِهَا وإِنَّما تُفْضِي إلَيْها بِتَأْثِير قُدْرَةِ مُسَبّب الأسباب الذي هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير. (1/223)
صفحة 224
224 الفتاوى العقيدة
وهَذَا نِدَاء إلى العالم بِأَسْرِه أَن يَسْتَبْصِر ويَدَّكِر فإن هَذِه آية لِجَمِيع الناس فندعو المؤمِنِين إلى مزيد من الإيمان، وإلى الاستمساك بحبل الإيمان من نَاحِيَة العمل والتطبيق، بحيث لا يَكُون إيماننا نَظرياً مَعَ الغَفْلَة والتطبيق، بل يجب أن يَكُون إيماناً حيا واقعيا يَتَجَسَّد في والتصرفات بحيث تكون جميعاً مُسْتَوْحَاة من عند الله تعالى.
عن العمل
الأعمال
ونَدْعُو غَير المؤمنين إلى أن يُراجعوا حِسَابَاتِهم، وأن يَفكَّروا في المنقلب، فهذه آية تُصوّر لَهُم مَشَاهِدَ القِيَامة (1)، مِمَا أَخْبَرَ الله تعالى بِهِ عِندَ قيام الساعة من اختِلَالِ نِظَامِ هَذَا الكَوْن وتَهَاوِي الْأَجْرَامِ وَوُقُوعِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْض حَتى تدك هذه الأرض دكا دكا، وتُسيَّر جِبَالُهَا تَسْياراً بتأثير اندكاكها. ونَدْعُو هَؤُلَاء إلى أن يَسْتَبْصِرُوا، وأن يراجعوا وأن يَنْظُرُوا فِيمَا وَصَلُّوا إليه من الحقائق العِلْمِيَة مَعَ مَا جَاءَ فِي كتاب الله ـ تعالى ـ المعجز الذي لا يَأْتِيه البَاطِل من بين يديه ولا مَن خَلْفِه مِمَّا يَدُل دَلالَة قَاطِعَة عَلَى أَنَّه حَق مِن عِند الله تعالى، فَعَلَيْهم ألا يُفَوِّتوا هَذِه الفُرْصَة، هَذَا مَا نَدْعُوهُم إِلَيْه، والله - تعالى - المستعان والله أعلم.
ما لوحظ من سلامة بعض الحيوانات من هذه الكارثة وكذا الرضع من الأطفال في نَظَرَكُم بِمَاذَا يُفَسَّر؟
هذا يُفسر بأن الأسْبَاب لَا تُفْضِي إلى مُسَبَبَاتِها إِلا بِتَقْدِير مَن مُسَبِّب الأسباب، فإن السبب وحده لا يُمكن بنفسه أن يَكُون مُؤَثّراً فِي المُسَبِّب إلا بِإِرَادَة مِن مُسَبب الأسباب وخالقها، وعِنْدَمَا يُرِيد تعالى أَلَّا يُفْضِي السَّببُ إلى المُسَبَب فإِن السَّبَبَ يَعْجِز عن التأثير في المُسَبَّب كما كان مِن قِصَّة
(1) يشير بهذا إلى زلزال تسونامي، فقد كان الحديث عنه والذي حدث عام 2004 م في تايلند. (1/224)
صفحة 225
الإيمان
بالله
من
الجزء الأول
225
إبراهيم عندما أُلقي في النَّار أنَّه المعتاد أن النَّارِ مُحْرقة وأَنَّها تَأْكُل مع الأجساد ولكن الله تعالى أَراد أَلّا تَكُون هَذِهِ النّار آكِلَة لِجَسَدِ إِبْرَاهِيمَ فَقَد
كانت مُحْرمة على جَسَدِه الشريف وَلَم تُؤَثّر فيه شيئا.
كذلك قصَّة الذي أمَاتَه الله - تعالى - مائة عام ثُم بَعَثه، وقصة أصحاب الكهف وغَيْر ذَلك مِن القصص العَجِيبَة التي في كتاب الله، كُلُّ ذَلِكَ دَلِيل على أنَّ الأسباب لا تُفْضِي إلى مُسَبَباتِها إِلا بِتَقْدِير مِن الله تعالى، وعِنْدَما يُريد الله الله ألّا يُؤَشِّر السَّبَبَ في المُسَبَب فإن ذلك واقع لا محالة، والله أعلم.
كيف يقرأ المسلم أحداث الكوارث الطبيعية من عواصف وأعاصير من منطلقات آيات القرآن الكريم؟
المسلم يشده كل موقف إلى الإيمان، فإنَّه يرى يَدَ الله تعالى تُصرّف هذا الوجود، فقد يطرأ أمر بدون أن يكون له سبب، وإذا بالإنسان يُفاجأ به بين لحظة وأخرى، وفي هذا تذكير للناس جميعاً بأنَّ الأمر إنَّما بيد الله، وليس بيد العباد، فالناس مهما كانت قُوتُهم ونفوذهم وعتادهم، ومهما أوتوا في هذه الدنيا فإنَّهم لا يسوون شيئاً عند الله تعالى إلا عندما يكونون على إيمان وصلة به تعالى - وتقوى واستمساك بحبله المتين وإلا فإنَّ الله تعالى يُدمر عليهم كما دمر على من قبلهم من الأمم، يقول تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَيْلكَ مَسَكَنُهُمْ لَمْ تُسْكَنَ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 58]، ويقول سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمُ تَجمُوعُ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود: 102 - 103]، ويقول تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا} [محمد: 10] وفي هذا ما يدعو المؤمن إلى الاعتبار والإدراك بأنَّ كل ما يجري في هذا (1/225)
صفحة 226
226 الفتاوى العقيدة
الكون إنَّما هو بتصريف الله، فلا تخرج ذرة من ذراته عن أمره تعالى، ولا يُمكن أن يقع فيه إلا مُراد الله - سبحانه ـ له الخلق والأمر، وأنَّ أمره تعالى أمر سَريع {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50].:
فالكوارث من الزلازل والأعاصير وغيرها إنَّما تَرد المؤمن إلى الله تعالى، وتذكره بالله وباليوم الآخر، بينما الآخرون يغرقون في لهوهم ويغترون بقواهم ويجبروتهم وببطشهم، وفي هذا ما يجعل عاقبة أمرهم خسرا والعياذ بالله، والله أعلم.
هناك ظواهر كونية تحدث في العالم ولها أسباب علمية ربما استطاع عَدَدٌ مِن العلماء أن يَتَوَصَّلَ إليها والمؤمِنُ - بطبيعة الحال ـ يَعتَقِدُ ويُؤْمِنُ أنّ كلَّ ما يَحدُثُ في الكون بأمر الله - تعالى - وبتصريف منه لحكمة يَعلَمُها تعالى لكن هذا الاعتقاد وهذا الإيمان التركيز عليه كثيرا على اعتبار أنه سيكون ردَّة فِعْل للكثير من الخطابات التي تَعْزُو كلَّ ما يَحْدُثُ إلى الطبيعة يُخْشَى أَن يُؤدِّي مُستَقْبَلا إلى تجاهل المسلم للأسباب العلمية التي تَحْدُثُ من جرائها هذه الظواهر، فربما يَفْهَم البعض أنّها تَعنِي بِالضّرُورَة قطع صلة هذه الظواهر عن الله وتَصْرِيفِه ولكن هناك سوء فهم بين مسألة الأسباب العلمية ومسألة الطبيعة فلا بد من تحديد المفهوم حتى يفهم الإنسان ولذلك قد لا يُلام السامع عندما يفسر هذا الموضوع أنه عَزْوٌّ إلى الطبيعة، فكيف يُوَازِن المُسلِم بين اعتِقادِهِ أَنَّ كلَّ ما يَحْدُث مِن الله سبحانه وبين مُطَالَبَتِه بِتَعَرُّف هذه الأسباب العِلمية ومُعالَجَةِ مِثل هذه الظواهر في المستَقْبَل؟ المسلِم يَنظُرُ إلى الأشياء ببَصِيرَتِه الإيمانية فَيَنْفُذُ مِن الأسباب إلى مُسَبِّب الأسباب كما أن المسلم لا ينحصر في الأسباب المادية، إذ نَظْرَتُه (1/226)
صفحة 227
الإيمان بالله
الجزء الأول
227
يُؤْمِن
لَيْسَتْ نظُرَةً مادية إلى حَقَائِقِ الوُجُود، بل نَظْرَة حقيقية نابعة من إيمانه، فهو أنَّ هذا الكونَ بِأَسْرِه مَحْكُومٌ بِأَمْرِ الله تعالى لا تَخْرُجُ ذَرَّةٌ مِن دَرَّاتِهِ عن إرادة الله ولا يُمكنُ أن تَتَحَرَّكَ ذَرَّة مِن ذَرَّاتِ هذا الكون إلا بِقَدَرٍ مِن الله ـ سبحانه ـ سواء كانتْ حَرَكَتُها خيرا أو شَرًا، ولا يُمكِن أَن يَخْرُج هذا الكون في نظامه عن ما قَدَّرَه الله، إذ إنه تعالى جَعَلَ لِكُلِّ شيءٍ سَبَبا، على أَنَّ الأسبابَ بنفسها لا تُفْضِي إلى مُسَبَّبَاتِهَا إلا بإرادة الله تعالى فقد تكونُ الأسبابُ قَائِمَة ولكن مع ذلك لا تَصِلُ إلى المُسببات، لأنَّ الله ـ سبحانه ـ أَرَادَ أَلَّا تَصِلَ إلى المُسَبَّبات، ولِهَذَا شَوَاهِد كثِيرة.
فعلى سبيل المثال في هذه الأيام القريبة كُنتُ بِبِلادِ الشام وكنتُ في جَلْسَة حَضَرَها أحد الشعراء وقَرَأ علينا قصيدة يَحْكِي فِيهَا قِصَّة رَجُل هُوَ أَخُو زَوْجِ ابْنَتِه وكان هذا الرَّجُل طبيباً ومُوَظَّفاً في الجيش وخَطَب فتاةً صَيْدَلانِية واتَّفق معها على الزواج وقبل عَقْد الزواج اكتُشف أنَّ في الرَّجُل مرضا خبيثا، وقرَّرَ الأطباء أنَّه لن يَعِيشَ إِلا سِتَّةَ أَشْهُر فحَسْب فما أراد أن يُضَيِّع مُستقبل تلك الفتاة فَذَهَبَ إليها لِيَتَحَلَّلَ منها ولِيُنْهِي الخطبة التي بَيْنَه وبَيْنَها، ولكن رَفَضَتْ ذلك وأَصَرَّتْ على إِثْمَامِ الزَّواج ولو بَقِيَا يَوْماً واحِداً، وخوَّفَتْه بالله ـ تعالى ـ أن يَلْقاه وهو أَعْزَب، وأُنْهِيَتْ خَدَمَاتُ الرجل بِسَبَبٍ كَوْنِهِ أُصِيبَ بهذا المرض فرأى أن يُعَالِجَ نفسَه بِالصَّدَقَة فَأَكْثَرَ مِن الصَّدَقَة والدعاء وتَزَوَّجَ الفتاة وعاشا في سَعادَة وعِندَهُمَا الآن ثَمانية من الأولاد وذَهَبَ عنه المرض كأنْ لَم يَكُن، فأسباب الهلاك كانتْ قائِمَة ومَوْجُودة حتى قَرَّرَ الأطباء أنَّه لن يَعِيشَ إِلا سِتَّةَ أَشْهُرٍ مِن خِلالِ نظرهم إلى الأسباب ولكن الله - تعالى - أَرَادَ ألّا تَصِلَ هذه الأسباب إلى مُسبَّبَاتِها فلم تَصِل وعاشَ الرَّجُل.
فعندما يكون المسلم رَاسِخَ الإيمان وتَكونُ عَقيدته عقيدةً قرآنية مؤصولة بالله تعالى يرى يده جل وعلا تُصرِّفُ هذا الوجود، فلا يَنْحَصِرُ نَظَرُه في هذه (1/227)
صفحة 228
228 الفتاوى العقيدة
الظواهِرِ الكوْنِية وإِنَّمَا يَنْفُذ إلى ما وراءَها فيرى أن الله هُوَ الذي يُدبِّرُ الوجود، وقد خَلَق الكون ولَم يَتَخَلَّ عنه بعد خلْقِه، فكلُّ الذي يَجْرِي في الكون يَجْرِي بِقَضَائِهِ وقَدَرِه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].
ويؤمر المسلم أن يدرس هذه الظواهر الكونية من حيث الطبيعة مع. إيمانه الجازم بأنَّ وراءها أمْرَ الله تعالى، وأن أمْرَه نَافِذ ولو أَخَذَ الإنسان في الاحْتِيَاط: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكَكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78] فلا يُمكن للإنسان أن يَعْصِمَ نفْسَه مِن أَمْرِ الله لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ} [هود: 43]، ولا يُمكن أن يُرَدَّ أَمْره - تعالى - عن أَحَدٍ مِن الخلق، ولكن ذلِك يَأخُذُ بِالأسباب المشروعة دون الأسباب التي لم تُشرع، والله أعلم.
مع
12]
يقول الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12]، أين مكان هذه الأرضين؟
نحن نُؤمِن بأنَّ هناك سبع سماوات، ونُؤمِن بأنَّ هذه السماوات طباق، ولكن لا نستطيع أنْ نُحدّدَ هذه السماوات ومقاديرها وأبعادها.
الآن وقد اكتشف الكثير الكثير من المجرَّات البعيدة، وفيها الأجرام الكثيرة التي لا يمكن أن تدخُل تحت الحضر، حتى أنَّه وَصَلَ الأمر ببعض المكتشفين أنْ قالوا بأنَّ أبْعَد المجرات التي اكتشفت تبعد عن الأرض بمقدار عشرة آلاف مليون سنة ضوئية، بحيث لو انطلق الشيء بسرعة الضوء - والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلومتر - أي مائة ألف وستة وثمانين ألف ميل وثلاثمائة ميل لما وصل إلى هذه المجرَّة إلا بعد عشرة آلاف مليون سَنَة، واكتشف بأنَّ وراء هذه المجرات إشعاعات، وأقصى ما استطاعوا اكتشافه هو مقدار عشرين مليار سنة ضوئية، بحيث لو انطلق شيء من هنا إلى هناك بسرعة الضوء لما وصل إلا بعد عشرين مليار من (1/228)
صفحة 229
الإيمان ا بالله
الجزء الأول
229
السنين، والعالم عالم عظيم ويدل على عظمة الله الذي خلقه ودبَّرَه والذي يُحصِي ذراته الدقيقة وما هو أدق هذه الذرات: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ
من
بمقدار} [الرعد: 8]، سبحانه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
ونحن نُرَجّح أنَّ الأَجْرَامِ كُلَّها إِنَّما هي في السَّماء الدنيا بدليل قول الله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةِ الكَوَاكِبِ} [الصافات (6]، وأنَّ فوق ذلك سماوات أخرى هي السماوات السبع كما أخبر الله تعالى، ولكن هي طبقات، لا ندري الفاصل ما بين طبقة وطبقة، ولا ندري نوع هذه السماوات، فإن ذلك مِمَّا خَفِيَ علينا، وإنَّما علينا أن نُؤمن بما أخبرنا الله به، ولا ندخل في تفاصيل ما لم يُخبرنا بتفاصيله.
وقد أخبر الله عن الأرض أنها مثل السماوات: {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) [الطلاق: 12] فهل هناك أجرام فيها استقرار هي سبعة أجرام مثل هذه الكُرَة الأرضية التي نحن مستقرُّون عليها بحيث تكون فيها حياة كهذه الحياة في ضمن هذه السماوات الشبع؟ أو أنَّ هذه الأرض نفسها طبقات، إن من المحتمل أن تكون هذه الأرض نفسها طبقات كطبقات السماء، وهذه
الطبقات هي سبع، ومن المحتمل أن تكون الإشارة في ذلك إلى القارات.
وكل ما كان من نَحو هذا نَكِلُه إلى الله، ولا ندخل في تفاصيله، ونُؤْمِن بأن الله على كل شيء قدير، وأنَّ الله - سبحانه - لم يُخبرنا بكل ما أحاط به علمه، فقد أحاط علمه بكل شيء، ووَسِعَ علمه كل شيء، وهو يدبر كل شيء، فالكون كله تحت قهره وقبضته تعالى يصرّفُه كيفما يشاء، وإنَّما علينا أن نخضع الله - سبحانه - القاهر الذي يُصرّف هذا الوجود، ولا يَؤُوده حفظ هذا العالم بأسره: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَبِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر: (41)، من الذي يستطيع أن يُمسك هذا العالم (1/229)
صفحة 230
230
الفتاوى العقيدة
بأشره إلا الله تعالى الذي هو على كل شيء قدير، فلو أنَّ الله تَخلَّى عن هذا الكون ولَم يُمسكه لهوى إلى غير قرار والله أعلم.
انزعج الهدهد من عبادة الشمس عند بعض الأقوام الذين نَزَلَ عندهم، فهل الطيور تَعْلَم عبادتنا ويزعجها ما عليه البشر من انحراف؟
نَحن علينا أن نعتقد ظاهر ما دل عليه القرآن، ولا نتجاوز هذا الظاهر إلى ما وراءه، فالله تعالى أخبر عن كل شيء أنه يسبح بحمده يقول سبحانه: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِجَهْدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، ويقول جل شأنه: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الحشر: 1]، ويقول تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [الجمعة: 1]، ويقول ول: {سَبَحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الحديد: 1]، ويقول سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18]، فهذه كلها تسبح بحمد الله وتسجد له، ولكن ما هو هذا التسبيح؟ وما هو هذا السجود؟ ذلك غَيْبٌ لا يُمكن أن نكيفه لأنه لم يأتنا دليل يدل عليه.
أما ما قاله بعض المفسرين مِنْ أنَّ المراد بذلك دلالة هذه الكائنات على وجود الله ـ سبحانه ـ وعلى قُدسِيَّتِه ونزاهته عَنْ كل النقائص التي يَتَّصِفُ بِها
مخلوقاته فهو غير مُسَلَّم لأنَّ هذا معروف لكل أحد والله - تعالى - يقول:
لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]، فهذا التسبيح غَيْرُ مَفْقُوه عندنا، وإذا كانت هذه الحيوانات تسبح بحمد الله تعالى فلا ريب أنَّها تَنْزَعج من كل مظاهر الشرك بالله، لأنَّ ذلك مِما يَتَنَافَى مع ما فُطِرَت عليه من تسبيح
وحَمْدِه، وفي بعض المناطق يوجد طائر يُسَمُّونَه المصلي لأنَّه
في
الله
أوقات (1/230)
صفحة 231
الإيمان
بالله
الجزء الأول
231
الصلوات الخمس يأخذ يُغَرّد وفي تغريده هذا ينْحَنِي كانحناء الساجد، وحدَّثَنِي أحد مِنَ الناس بأنه رأى هذا الطائر في النوم يفعل ذلك ويقول: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِجَدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]، فهذا مما يدل على أنَّ هذه الكائنات تجري وفق الفطرة التي فَطَرَهَا الله تعالى عليها وهي الصلة به ول ولو كانت هذه الكائنات جَمَادَات، فإن علَيْنَا أن نُوقِنَ بأنَّها تُسَبِّح بحمد الله، وأنها تسجد لجلاله وِفْقَ الكيفية التي أرادها الله ـ تعالى ـ ولو كنا لا نعلم تلك الكيفية، والله أعلم.
هل الحيوان مخلوق من تراب؟ وهل له حياة في البرزخ؟
الحيوان يتغذى بما يتغذى به الإنسان .. فلا يختلف عن الإنسان، والإنسان يتغذى بالحيوان أيضاً، فالحيوان ـ نفسه ـ موجود فيه العنصر الترابي. ولكن هل تتعرض لحياة البرزخ (1)؟ أخبرنا الله يا الله بأن الحيوانات غير مكلفة، وأخبرنا بأن كل شيء هالك إلا وجهه، فالحيوانات تهلك، أما كونها تحيا في البرزخ فهذا لا دليل عليه والظاهر عكسه، وكونها تحيا في الآخرة جاءت روايات به غير أنها لا تفيد العلم فنكل أمر ذلك إلى الله، والله أعلم.
ما وجه التوفيق بين ذكر الله له عن الشمس أنها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: 86) وبين ما يقول العلم إن الشمس تدور حول الارض أي عندما يكون عندنا ليل فليس معنى ذلك أن الشمس غربت بل الأرض دارت فما هو تفسير القرآن لغروب الشمس؟ حينما يراها الإنسان يواريها الأفق في عين حمئة ـ وذلك في أقصى نقطة
(1) معنى حياة البرزخ: هو الحد الفاصل بين حياة الإنسان في عالم الدنيا الآخرة.
نشأته وبين في عالم (1/231)
صفحة 232
232 الفتاوى العقيدة
معمورة في الغرب - يبصرها واقعة في تلك العين الحمئة، وقد أخبر الله عن ذي القرنين أنه وجدها كذلك ولم يقل بأنها تقع في عين حمئة ونحن في هذا الوقت نقول: غربت الشمس مع أنا نعلم أن الشمس تغرب عندنا وتطلع عند قوم آخرين فليس هناك منافاة أبداً بين الأمرين وأما كروية الأرض وعدم ارتفاع الليل والنهار عنها فقد دلت عليهما آيات متعددة في القرآن كقوله تعالى {يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ} [الحج: 61]، وقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} [الأعراف: 54]، وقوله: {يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ} [الزمر: 5]، بل في قصة ذي القرنين ذاتها ما يدل على هذا حيث تغلغل في مغرب الشمس فانتهى إلى مشرقها، والله أعلم. السائل يقول قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا الهَهُ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: 22] ما المقصود بـ «فيهما»؟ وإن كان معنى ذلك السماء والأرض فلماذا خصهما يوجد في هذا العالم الفسيح الكثير من
الله له بالذكر فقط أنه مع
الكواكب؟
السماء لغة كل ما علاك يقول الله الله: أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) إبراهيم: 24] فأين فرعها هل هو في كوكب من هذه الكواكب؟ ويقول الله الله: أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الأنعام: 99] وهل هذا الماء ينزل من الكواكب أو أنه ينزل من جهة علوية، فإذا كانت كلمة السماء تدل على كل ما كان أعلى فكل ما كان أعلانا فهو سماء مما لا يحيط به إلا الله الا الله وقد امتن الله على عباده بخلق السماوات كما امتن بخلق عدد من الأجرام الفلكية وسكت عن غير
هذا العدد.
هذا؛ وقد اختلف المفسرون في القديم والحديث في المقصود (1/232)
صفحة 233
الجزء الأول
233
الإيمان
بالله
بالسماوات السبع فمن المتقدمين من ضيق مدلول السموات كالفخر
أنه
الرازي إذ حصرها في المجموعة الشمسية وذكر منها القمر مع لا دليل بأن كلاً من القمر أو الشمس سماء بذاتها أو أن القمر أو الشمس هما أحد السماوات، ثم جاء بعض المفسرين بعد ذلك فقالوا إن المقصود بالسموات السبع هي المجموعة الشمسية بكاملها وأن الشمس منها، أما القمر فهو تابع صغير للأرض فلا يعد من المجموعة الشمسية وكذا الأرض لا تحسب منها. فبالنظر إلى هذه الأجرام قالوا هي السماوات السبع بينما كلمة بناء في الآية الآتية تدل على معنى أوسع من ذلك بكثير، فالله الله يقول: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً * [البقرة: 22] إذ رابط الجاذبية الذي يربط ما بين هذه الأجرام الواسعة في هذا الفضاء السحيق بكل مجراته المترامية يدل على أن كل ذلك داخل في مدلول السماء لأنها مربوطة بعضها ببعض بسنة الجاذبية، على أنه لا يبعد أن تكون هذه الأجرام تشكل السماء الدنيا، وبقية السماوات فوق ذلك، وإن كنت لا أستطيع أن أجزم بهذا وإنما أكل أمره إلى الله لكن أقول هناك احتمال كبير بأن يكون كل ما اكتشف من هذه الأجرام الهائلة والمجرات الواسعة غير خارج عن السماء الدنيا، وأستأنس لذلك بقوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ} [الصافات: 6] وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَاةَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ} [الملك: 5]، فقد بيّن الله أنه زين السماء الدنيا بالكواكب فلعل خارج هذه الأجرام الفلكية سماوات أخرى تعد السماء أوسع مما يمكن أن يتصوره البشر ولا ندري طبيعة هذه السماوات على أن الاكتشافات العلمية دلت على أن وراء المجرات وأجرامها اشعاعات هائلة بلغ بعد ما اكتشف منها عن الأرض مقدار عشرين ملياراً من السنين الضوئية، والله أعلم.
مع (1/233)
صفحة 234
234 الفتاوى العقيدة
السائل يقول: {يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ} [الزمر: 5] وقال أيضاً: {يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ} [الأعراف: 54] فما وجه تقديم الليل على النهار في الآيات القرآنية هل معنى ذلك أن الليل خلق قبل النهار؟
الليل هو الأصل، لأن الظلمة هي الأصل والضوء يطرأ عليها يسري فيها ويبددها ولما كان الضوء يأتي بعد الظلمة فالليل سابق على النهار فلذلك ذكره الله الا الله قبل النهار، وقد شبه الله تعالى الضوء الذي يلف الفضاء المظلم بالجلد الذي يحيط بجسم الدابة، ولذلك عبر عن فصل الضوء عن الفضاء بالسلخ في قوله «وَآيَةٌ لَهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} [يس: 37] فكأنما هو جلد يحيط بهذا الليل ثم يسلخ منه فإذا الفضاء يبدو مظلما على طبيعته، والله أعلم.
أيهما أسبق الليل أم النهار؟ وهل يعني قوله تعالى: {يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ} [الزمر: 5] وقوله أيضاً: {وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل: 1 - 2] بأن الليل هو الأسبق؟ الذي يفهم أن الليل هو الأسبق لقول الله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} [يس: 37) فالنهار بمثابة الجلد لأن الظلمة هي الأصل والنور طارئ على هذه الظلمة، فعندما يغشى النهار الليل يبدد هذه الظلمة ثم يحل الليل محل النهار ومن هنا يتبين أن الليل هو الأسبق، والله أعلم.
عندما ينحسر
الضوء
يقول السائل: قلت: إن الأرض كروية وقرأت أحد الكتب التي فيها قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا} والدحو في كلام العرب هي البيضة إذاً الأرض ليست كروية تماماً؟
المقصود بكونها كروية أنها مدورة من جهات مختلفة ولا أنها متساوية من كل هذه الجهات، والله أعلم.
ذلك يعني (1/234)
صفحة 235
الإيمان بالله
الجزء الأول
235
ذلك؟
السائل يقول: قال الله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيحَ لَوَقِحَ} [الحجر: 22] يقول ذكرتم أن المقصود بالتلقيح هو تلقيح السحاب كيف يتم الآية تدل على ذلك فالله الله يقول: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيحَ لَوَقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ} [الحجر: 22] فكما ترى عطف الله إنزال الماء من السماء على إرسال الرياح لواقح بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب، فالله وكل يجعل حرارة الشمس تؤثر على المياه في المحيطات وفي البحار وفي الأنهار فتتبخر وترتفع حتى تتكون هذه الطبقة بما يتفاعل من آثار الحرارة والبرودة ثم تتبعها عوامل من الرياح تؤثر على هذه البرودة فيذوب الماء الذي كان جامداً وينزل من الجهة العلوية إلى الجهة السفلية والله أعلم.
ما موقفنا من الاكتشافات العلمية وتفسير القرآن بها؟
هناك حقائق ثابتة وهناك نظريات قابلة للتغيير والتبديل، فالحقائق الثابتة التي تدل عليها الآيات دلالة صريحة لا حرج في تفسير ما يدل عليها من القرآن بل ذلك يتعين بعدما وضح الصبح لذي عينين، أما النظريات فلا يمكن أن نفسر القرآن بها مع أنها قد تتصادم أحياناً مع الواقع، وقد تتصادم النصوص أيضاً، ومما يؤسف له أن من المفسرين من بلغ به إعجابه بكل جديد أنه حاول أن يجعل في قصة البقرة التي في سورة البقرة وضرب القتيل بجزء منها دليلاً على ما روج له في العصر الأخير من أن الإنسان يتمكن من تحضير الأرواح وقال إن الآية شاهدة على قضية تحضير الأرواح، بينما الآية لا تدل على ذلك من قريب ولا من بعيد.
مع
وقضية تحضير الأرواح هي دجل وتضليل فالله الله يقول: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكزا} [مريم: 98) فكيف يمكن لا أن تعاد روح الإنسان الذي هلك ويتحكم فيها؟ (1/235)
صفحة 236
236 الفتاوى العقيدة
أن الله الله يخاطب نبيه بذلك الخطاب. مع
أن الله مال
اللهم إلا إذا كانت معجزة نبي بأن يجري الله بعض الآيات على يديه الله كما كان ذلك لعيسى لتتحقق بذلك معجزته وتثبت نبوته، أما أن يأتي شخص من إنجلترا أو فرنسا أو من بلاد أخرى فيدعي أنه يستطيع أن يحضر الروح فتلك دعوى باطلة وبأي طريقة يتوصل إلى تحضيرها. مع يقول: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] فيستحيل أن يستطيع أحد تحضير روح ميت وأن يسأل تلك الروح أسئلة وتجيب هي عنها، والله الله يقول: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [الزمر: (42) فإذا كانت الروح يمسكها الله له فمن الذي يستطيع أن يفلتها من يد الله لك بعدما صارت في قبضته حتى تعود إلى مخاطبة الناس؟ والذين يقومون بهذه العمليات التضليلية لهم صلة بالشياطين والمردة فيتعاونون معهم على التحدث إلى الناس فيغتر الناس ويظنون أن هذا المتحدث هو روح فلان الميت أو روح فلان الحي، وقد حدثني أحد مشايخ العلم بأن هذه الظاهرة شاعت في وقت من الأوقات في بلاده فكان يأتي أحد هؤلاء بزنبيل يمسكه طفل أو طفلة ويتمتم بكلمات ويتحرك الزنبيل، قال: حتى أني يوماً من الأيام قلت لمن يتولى هذه العملية أحضر روحي فتمتم بكلمات وتحرك الزنبيل فإذا بالروح - كما يزعمون ـ حضرت فوجهت أسئلة إلى هذه الروح عن أشياء لا يعرفها غيري فإذا بها تجيب عن كل ما سألتها عنه بدقة كما أنا مطلع عليه، ثم بعد ذلك سألت عن بعض الأشياء فتلعثمت في الإجابة، فقلت له: أنت لست بفلان أي صاحب الروح قال: نعم، قلت له: من قلت له: من أنت؟ قال «أنا قرينك من الجن فهو الذي اطلع على ما اطلعت عليه وأخذ يحدثني بذلك، وهو دليل على أن الجن يتلاعبون بعقول الناس ويدعون أنهم أرواح
لي:
الموتى تحضر إليهم فتحدثهم بالمغيبات والله المستعان، والله أعلم. (1/236)
صفحة 237
الإيمان
ا بالله
الجزء الأول
237
يقال إن الشمس باعتبارها أحد النجوم سوف تموت بعد فترة محددة من الأخرى فهل يمكن أن نعتبر هذه حقيقة علمية أو مثل هذه
النجوم
الأشياء من علم الغيب؟
الكون كله سيفنى إذ الله لا ينشئ الكون نشأة أخرى بعد فنائه يقول الله: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 488، ويقول تعالى: {اللَّهُ يَبْدَوا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الروم: 11]، والله أعلم.
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتّرًا} [الكهف: 90 هل تصح أن تكون هذه الآية تفسيرا لما وجد من أن طول اليوم ستة أشهر في بعض المناطق القطبية؟ يحتمل أن يكون هذا هو المراد من غير جزم بذلك والله أعلم.
ذكرتم بأن الكواكب تجرها الشمس باعتبارها الأم وذكرتم أيضاً بأن بعض هذه الكواكب أكبر بكثير من هذه الشمس وكيف تجرها وهي
أكبر منها؟
لم أقل بأن الشمس تجرها وإنما قلت إن الشمس تجري وإن المجموعة الشمسية التي هي حول الشمس تدور حول أمها الشمس كالأرض وعطارد وزحل والمريخ والمشتري، وهي جميعاً تسعة كواكب ومعها توابع واحد وثلاثون قمراً وثلاثون ألفاً من النجيمات وآلاف من ذوات الأذناب وأعداد هائلة من الشهب هذه كلها تنتسب إلى المجموعة الشمسية، وبجانب هذه المجموعة الشمسية هناك مجاميع أخرى متعددة وكل مجموعة من المجاميع تدور حول أمها بحسب هذه السُّنَّة التي تدور عليها هذه المجموعة الشمسية، والله أعلم.
هذه (1/237)
صفحة 238
238 الفتاوى العقيدة
يقول السائل: تحدثتم عن دوران الأرض حول نفسها بمقدار ألف ميل في الساعة ما السر في عدم سقوط الأشياء الموجودة على ظهرها من العمران وغيرها في نظركم؟؟ هذا سؤال غريب فإن الطائرة ـ مثلاً ـ في حركتها لا يشعر الراكب بسرعتها مع أنها محدودة الحجم وهي لا تساوي شيئاً من حجم الأرض مع أنها تسرع سرعة مذهلة من غير أن يشعر بها ركابها، وتماسك ما على الأرض إبان دورانها إنما يرجع إلى قوة الجاذبية الأرضية، فانظر كيف ترفع هذه الورقة إلى أعلى فتنزل بنفسها إلى الأسفل ما الذي يجذبها إلى الأسفل؟! إنما تجذبها الجاذبية التي جعلها الله له في هذه الأرض لتمسك ما عليها سواء كان ملتصقاً بها أو غير ملتصق. وقد جعل الله سبحانه هذه الجاذبية بمقدار حجم الأرض فلو كان حجمها صغيراً لما أمسكت الماء ولا أمسكت الهواء وإنما جعل الله لا قوة جاذبيتها بمقدار الضغط الهوائي المتكون من الغلاف المحيط بها بحيث يضغط على كل بوصة من الأرض مقدار عشرة أرطال من الهواء، والله أعلم.
يقول السائل بما أن المجموعة الشمسية تدور حول الشمس ألا يمكن أن تكون هناك مجموع رعة شمسية غير مجموعتنا؟
هناك ما لا يحصى من المجموعات الأخرى وهي جميعها على نفس نظام مجموعتنا هذه، والله أعلم.
يقول السائل: قال الله تعالى: {يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَنِ} [الرحمن: 33] هل هذا التحدي يكون يوم القيامة حيث لا مجال للناس للفرار أم مقصود به فتح المجال للمسلمين إلى عالم الفضاء؟ (1/238)
صفحة 239
ا بالله
الإيمان
الجزء الأول
239
معنى الآية الكريمة أنه لا قدرة للإنس والجن على أن ينفذوا من أقطار السماوات والأرض، وهذا الذي يذهب إلى الفضاء لا يخرج من أقطار السماوات وإذا كانت المجرات البعيدة عن الأرض تقاس بملايين السنين
الضوئية فكيف يمكنهم الخروج من حدود السماوات المحيطة بها، فالآية تحد للإنس والجن بأنهم لا يمكنهم أن يخرجوا من ملكوت الله
إنما
هي ويدل على ذلك قوله:
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُوَاظٌ مِن نَّارٍ وَنُحَاسُ فَلَا تَنتَصِرَانِ} [الرحمن: 35] والله أعلم.
سمعنا عن مشاريع دفن الأموات في الفضاء فما رأيكم في ذلك؟ الأرض ما ضاقت بأهلها حتى يدفن الموتى في الفضاء، والله أعلم.
السائل يقول: لماذا لا تصطدم الكواكب مع بعضها البعض مع سرعتها
الكبيرة؟
لأن الله هو الذي يسيرها وقد أحاطت قدرته بكل شيء وا
والله أعلم.
هل يمكن أن تكون هناك أرض غير هذه الأرض بما أن هناك مجموعات
شمسية كثيرة؟
الا الله
ذكر الله سبع سماوات ثم قال: {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12] وجاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم من ظلم شبراً من الأرض حمل يوم القيامة سبع أرضين فالله أعلم ما المراد بتلك الأرضين ذلك محتمل، والله أعلم.
لماذا عبر القرآن بالمشرقين والمغربين وتارة بالمشارق والمغارب؟ المشرقان والمغربان يقصد بهما مشرق في الشتاء ومشرق في الصيف، ومغرب في الشتاء ومغرب في الصيف وعبر بالمشارق والمغارب، لأن مشرق (1/239)
صفحة 240
240 الفتاوى العقيدة
قوم يكون مغرب قوم آخرين فالمشارق والمغارب تتعدد لأن الأرض كروية، فإذا طلعت علينا الشمس، فالأفق الذي طلعت علينا منه هو مشرق لنا والأفق الذي تغيب منه بالنسبة إلينا، مغرب، ومَنْ بعدنا من جهة الغرب مشرقهم يتأخر عن مشرقنا، ومغربهم يتأخر عن مغربنا، وهكذا تتعدد المشارق والمغارب ويجوز أن يكون المشرقان والمغربان مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما، والمشارق والمغارب مشارق النجوم والكواكب ومغاربها، والله أعلم.
نقرأ ونسمع عن مسألة الأطباق الطائرة، وقد اختلف فيها ما بين مصدق ومكذب فما حقيقتها، وإذا كانت تدل على وجود عالم من العوالم هل تعتبر دليلاً على من ينكرون وجود الملائكة وغيرها من العوالم الغيبية؟ سمعت كما سمعتم، ولا أدري حقيقة الأطباق الطائرة، ولا أعرف هل حقيقة واقعة أو أنها نسيج من الخيال؟ وهل هي من صنع البشر أو من العوالم الغيبية؟ الله أعلم بذلك، والله أعلم بكل شيء.
هي
ما قولكم في الفرضية القائلة إن الأرض كانت جزءاً من الشمس فانفصلت عنها؟
هذه نظرية والنظرية غير الحقيقة العلمية، إذ لا يلزم أن تكون النظرية متفقة مع الواقع، وبعض المفسرين فسروا بموجب هذه النظرية قول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا * [الأنبياء: 30] ثم جاءت بعدها نظرية دالاس، التي تقول إن الكون كله كان سديماً ثم انفصلت أجزاء تكونت منها الأجرام، وهذه النظرية أقرب إلى مدلول قول الله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ} [فصلت: 11]، وإن كنا لا نستطيع القطع بذلك ما لم تقم عليه أدلة قاطعة، وغاية ما يمكننا هو الترجيح، والله أعلم. (1/240)
صفحة 241
الإيمان بالله
الجزء الأول
241
يقول الله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيحَ لَوَقِحَ} [الحجر: 22)، فهناك من فسر هذه الآية بأن الرياح هي التي تقوم بعملية التلقيح حيث تنقل حبوب اللقاح من نبات إلى آخر. ولقد رجحتم تفسيراً مخالفاً للتفسير السابق، فهل معنى هذا أن التفسير السابق تفسير خاطئ، أم نبتعد عن ذكره للحيطة والحذر في تفسير ما لا نعلم؟
نحن لا نمانع أن تكون الرياح هي التي تنقل حبوب اللقاح، فذلك محتمل، ولكنا نقول إن هذه الآية - بالذات - نزلت في تلقيح السحاب ولم تتعرض لتلقيح الشجر بإثبات ولا نفي، فإذاً لا نحمل ما ثبت من أن الرياح تنقل تلقيح الشجر على أنه تفسير لهذه الآية، بل نحمل الآية على ما دل عليه لفظها، لأن محاولة إخراج الألفاظ العربية من مدلولها الذي تدل عليه محاولة خاطئة، «فالفاء» تقتضي الترتيب وتقتضي السببية. والآية تقول وَأَرْسَلْنَا الرِّيحَ لَوَقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الحجر: 22]، وذلك يدل على أن نزول المطر على أثر التلقيح، والله أعلم.
يقول العلم الحديث إن سبب نزول المطر هو نتيجة التقاء سحابتين إحداهما تحمل شحنة موجبة والأخرى تحمل شحنة سالبة، وعند التقاء السحابتين المختلفتين في الشحنة يحدث التلقيح، مما يسبب حدوث الرعد والبرق ونزول المطر، فما قولكم في ذلك في ضوء قوله سبحانه تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيحَ لَوَاقِحَ} [الحجر: 22]؟
هذا لا ينافي أن تكون الرياح من العوامل في تلقيح السحاب، وهذا أمر معروف بالتجربة، فبعض الناس من ذوي الخبرة - حتى الذين لم يدرسوا شيئاً من العلوم ـ عندما تحدث رياح معينة يتفاءلون بها، فهم يتفاءلون بالصبا ونحوها وهذا أمر معروف عند العرب قديماً بالعادة لا بالدراسة، والله أعلم. (1/241)
صفحة 242
242 الفتاوى العقيدة
استمعت إلى محاضرة للعالم اليمني عبد المجيد الزنداني قال فيها بأن تفسير قوله تعالى: {يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَنِ} [الرحمن: 133 إن الجن تقدموا بالصعود إلى طبقة معلومة وهي طبقة استراق السمع، فأهلكهم الله كما قال في سورة الجن والعلماء حديثاً وصلوا إلى القمر وسمعوا أصواتاً غير مفهومة فيحاولون الصعود إليها، فهل يصيبهم ما أصاب الجن كما هو مبين في سورة الجن؟
الآية لا تشير إلى هذا إنما الآية الكريمة في يوم القيامة، فالله تعالى يخاطب الثقلين الإنس والجن خطاب تحد، إن كنتم تستطيعون أن تنفلتوا من قبضة الله تعالى وتخرجوا من ملكوته فاخرجوا، ثم هؤلاء هل استطاعوا الخروج من أقطار السماوات وأقطار الأرض؟ وأين هم من أقطار السماوات التي بقدر ما اكتشف من أبعادها بعشرات المليارات من السنوات الضوئية؟!
والله أعلم.
لا
هل هناك أجرام أخرى تقع في غير السماء الدنيا؟ وإن كان الجواب بالإيجاب فما هو الدليل على ذلك؟
يعني
الله أعلم. فإن الآية تحدثت عن السماء الدنيا، وإثبات شيء لشيء نفيه عن غيره، فالله سبحانه قال: {إِنَّا زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ) [الصافات: 6] فالسماء الدنيا مزينة بهذه الأجرام الفلكية، وأما ما هو أعلى من هذه السماء الدنيا فالله أعلم به، وقد تكون هذه الأجرام المكتشفة كلها في هذه السماء الدنيا، وقد تكون في غيرها، والله أعلم. (1/242)
صفحة 243
ا بالله
الإيمان
الجزء الأول
243
إن بعض النظريات التي ابتدعها علماء الغرب على الرغم من إنها تتنافى مع كل ما جاء به الإسلام مثل نظرية الخلق التلقائي، إلا أنها تدرس في
المناهج العربية. ما حكم الإسلام في دراسة مثل هذه النظريات؟ أما إذا كانت تدرس للانتقاد والرد ولبيان أنها باطلة فلا مانع من هذه الدراسة. أما أن تدرس على أنها حقائق فلا، والله أعلم.
صفات الله
في قول الله تعالى: {أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16]، هذه الآيات كيف يفهمها القارئ وهو يَمُر عَليها، ما المقصود - من) هل هو جبريل أو هو الله سبحانه والله سبحانه ـ كما هو معلوم ـ لا تَحُدُّه الأمكنة ولا الأزمنة أو أنَّه يَمر عليها بدون تأويل هكذا؟
الله تعالى خَاطَب عباده خطاباً حَشب ما هو مَأْلُوفٌ عندهم، ومن المَعْلُوم أنَّ الناس ألِفُوا التعبير بالحقيقة والتعبير بالمجاز وهذا من أسباب وُجُودِ التَّشَابه في القرآن الكريم، وهذه الكلمات إِنَّمَا أُرِيد بِهَا دَفْعِ مَا عَسَاهُ أن يكون مِنْ اعْتِقَادِ عدم وُجُود الله تعالى ذلك لأنَّ الإنسان لو أُخبر عن
6
وُجُودِ الله وقيل له بأنَّه تعالى لا يُعَبَّر عنه بأنَّه داخل الكون ولا خارج الكون فلَرُبَّما تصور أنَّ هَذا مُسْتَحيل، ذلك لأنَّ الإنسان من أول الأمر لا يكتَشِفُ هذه الحقائق إلا عندما يتَرَقَّى عَقْلُه، فلذا جاء القرآن الكريم بهذا الأسلوب الذي فيه الحقيقة والمجاز
ونحن لو نظرنا إلى قول إبراهيم: إِنِّي مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّي) [العنكبوت: 26] إلى أي مَكَان ذَهَب؟ إِنَّمَا هَاجَر مِنْ أَرْضِ العراق إلى الأرض في كنعان فليس وُجُودُ الله - تعالى - هناك وُجُودُ حُلُول، وكذلك
المُقَدَّسَة (1/243)
صفحة 244
244 الفتاوى العقيدة
القول قوله: إِنِّي ذَاهِبُ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99]، وكذلك نجد أيضاً أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان أحدُكُم يُصلّي فلا يبْصُق أمام وَجْهِه فَإِنَّ الله بينه وبين قِبْلَتِه (1) فليس معنى «فإنَّ الله بينه وبين قِبْلَتِه أن وُجُودَ الله ـ تعالى ـ في هذا المكان وجود حُلُول.
فالله
هي
نسبة بحسب
في السماء بمعنى أنَّه مُهَيْمِن على السماء ومُصَرِّف لها، والسماء يتَنَزَّلُ منها الأمر، وكُل ما أحاط بالأَرْض فهو سَماء والأرض ـ كما هو مَعلُوم - كُرَة وهذه الكرة نسبة الفوقِيَّة والتحْتِيَّة فيها إِنَّمَا اعتبار حال مَن كان في جهةٍ من جهَاتِهَا، فإذن السماء مُحِيطَة بِهَذِه الأرض والأرض كُرَة مُحَاطَة بِالسَّماء، لأنَّ كلمة «سَماء» تَشْمَل الفَضَاء وتَشْمَل الأجرام وما وراء ذلك، الله تعالى يقول في النَّخْلَة: {أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء [إبراهيم: 24]، ويقُول: {وَيُنَزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الروم: 24] مع أنَّ الماء إِنَّما يُنْزِل مِن طَبَقَة قَرِيبَة جدّاً من الأرض وهو السَّحاب الذي هو حول الأرض، فإذن كلمة السَّماء تشمل الجميع، فَمعنَى أَمِنهُم مَّن فِي السَّمَاءِ) [الملك: 16] مَن أَحَاط بكم من كُلِّ ناحيةٍ من النواحي، فلذلك عبر هذا التعبير، والإنسان إن جَاءَته أفكار من هذه الناحية عليه أن يَعْتَقِدُ أَنَّ الله مُحيط بكلِّ شيء وأنَّه مُهَيْمِنٌ على كل شَيْء والله أعلم.
نعلم أن بعض المناطق من الأرض يكون فيها نهار دائم فهل يكون فيها
نصيب من الرحمة كما في حديث يتنزل الله في الثلث الأخير .. »؟ هذا الحديث من الأحاديث المتشابهة، والمتشابه يرد إلى المحكم لأن الله الله قال: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ وَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتُ} [آل عمران: 7] فكون المحكمات أم الكتاب ني أنها أصل
(1) رواه البخاري بلفظ مقارب (397) ونحوه عند الربيع (261). (1/244)
صفحة 245
الإيمان بالله
الجزء الأول
245
الكتاب - ويعنى ضرورة رد المتشابهات إليها، إذ الله والله ليس كمثله شيء، فليس معنى النزول هنا نزول ذاته وعجل وإنما هو نزول أمره الله، ومما يدل على ذلك دلالة قاطعة هذا الاختلاف الذي ذكر في هذا السؤال في طبيعة الأرض، فبما أن الأرض كروية يكون في بعض أجزائها الليل وفي بعض أجزائها النهار، والله سبحانه ينزل أمره إلى أهل كل جزء من هذه الأجزاء بما يحضهم على الدعاء وعلى التهجد، فكل من قام في الثلث الأخير من الليل في أي جهة من جهات الأرض فقد وافق أمر الله الله الذي ينزل وهناك يُرفع دعاؤه ويستقبل عمله، بمشيئة الله تعالى إن كان مخلصاً لله رب العالمين، والله أعلم.
في الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر (1) ما تفسير هذا الحديث؟ إن قلنا بظاهر الحديث ولم نؤوله، وقلنا بأن النزول نزول حقيقي أي ينتقل الله بذاته من العرش إلى السماء الدنيا - كما يقول الذين يرفضون التأويل ويحصرون الله في العرش، فأي ليل هذا بالله عليكم؟!! فنحن هنا موجودون في هذه المنطقة والوقت الآن عندنا هو وقت العشاء، وهو في المناطق الغربية من الولايات المتحدة الآن وقت الصباح، ولعل جزر هاواي لم ينبلج فيها الصبح عندهم، وفي المناطق الشرقية النائية مثل أستراليا واليابان الآن قد انتصف الليل أو جاوز الانتصاف، فإذاً ينزل في أي ليل، هل ليل اليابان أم أستراليا أم الصين أم الهند أم عمان أم ليل المناطق الغربية، فالكرة الأرضية لا تخلو في أي لحظة من هذا الثلث الأخير؟!! فالحق أنه ينزل أمر الله ولا ينزل الله تعالى بذاته، وقد خاطب الله العباد العقلاء: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ) [العنكبوت: 43] فليس من المعقول أن يأخذ الإنسان كل شيء بظاهره، والله أعلم.
(1) رواه البخاري (1145) ومسلم (758). (1/245)
صفحة 246
246 الفتاوى العقيدة
كيف كان كلام الله وكل لموسى هل كان مباشراً أم وحياً أم غير ذلك من الطرق، حيث قال عز من قائل: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}
[النساء: 164]؟
الله له كلم موسى بأن أسمعه كلاماً بغير واسطة، فلم ينزل عليه ل ملك بذلك الكلام الذي كلمه الله به، وبما أن ذلك الكلام منشؤه من الله الله وقد أراد الله به إيصال خطابه لموسى أسند إلى الله وجل، والله أعلم.
رور
ما القول في من يقول إن الله له أذن ولكن ليست كآذاننا، وله عين وليست كأعيننا، وله يد وليست كأيدينا، ويستدل بآية (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]؟ يلزم من ذلك أن يكون الله الله متجزئاً، لأنه إذا كانت له أذن فيلزم أن تكون هي غير العين وإذا كانت له عين فيلزم أن تكون غير اليد وهلم جراً. والله لا لا لا لا يتجزأ، وإنما هذه الصفات تُحمل على ما يُراد بها. فإن الله الله أنزل القرآن الكريم كتاباً عربياً. والكلام العربي فيه الحقيقة والمجاز، وجاء في كلام العرب قديمه وحديثه إطلاق الألفاظ على غير حقائقها التي وضعت لها، ومن أمثلة ذلك إطلاق اليد على القدرة أو على القبضة فإن الشاعر يقول:
وغداة
ريح قد كشفت وقرة إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
وليست للشمال يد وليس للغداة، زمام وإنما ذلك من باب المجاز،
أن
ويقول الله الله وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] مع الحبل معروف فهو جسم مفتول يصل ما بين جانبين، ولكن بما أن دين الله سبحانه يصل العباد بالله ول، ثم يصل بين العباد أنفسهم بعضهم ببعض، هذا الدين حبلاً. سمي (1/246)
صفحة 247
الإيمان بالله
الجزء الأول
247
ويقول الله الله في القرآن الكريم لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: 42]، ومن المعلوم قطعاً أن القرآن الكريم ليست له يدان، ويقول له: وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَى رَحْمَتِهِ} [الأعراف: 57] مع أن الرحمة - أيضاً - ليست لها يدان، والشاعر يقول:
کتاب
وفي يدك السيف الذي امتنعت به صفاة الهدى من أن ترق فتخرقا فوصف الهدى بأن له صَفَاة، وأنها تحمى بالسيف لئلا ترق فتخرق وهل للهدى صفاة حسية؟!. فإذا وجدنا في القرآن الكريم وصف الله تعالى باليد فالمقصود بذلك أن الله الله قدير أو أن الله سبحانه منعم. فاليد تفسر بالقدرة وتُفسر بالنعمة، وهكذا يجب أن نحمل ما نجد من ذلك في الله وعمل على هذا التأويل. فالله سبحانه قال تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14]. ومن المستحيل أن تُحمل العين هنا على الجارحة. فهل الجارحة هي القائد الذي يقود هذه السفينة أو هي المجرى التي تجري عليه السفينة؟! لا ريب أن ذلك مستحيل. ويقول الله في موسى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]، فهل صنع الله؟ فوق عين مع أن (على) تفيد الاستعلاء ولا يمكن أن يكون المراد بمثل هذا الكلام في هذه الموطن ظاهره، فتبين من هذا كله أن العين بمعنى الحفظ، وكذلك أمثالها، والله أعلم.
يوصف الإنسان بالحياة بكل ما أودع الله الله فيه من أسرار وهي الروح فإذا ما أخذ الله هذه الروح وُصف ذلك الإنسان بأنه ميت. فهل الله روح،
حيث قال بعد فراغه من خلق آدم {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} [السجدة: 9]. التجرؤ على مثل هذا الاعتقاد يؤدي إلى ما أدت إليه عقيدة النصارى من اعتقاد أن عيسى هو ابن الله، وأنه اصطبغ بالصبغة الربانية. فالروح إنما أُضيفت إلى الله لأنها سر من أسرار الله فيضاف إلى اسمه ما كان (1/247)
صفحة 248
248 الفتاوى العقيدة
مختصاً به تشريفاً له وتكريماً، وإن كان كل ما في السماوات ملكاً الله، فيقال في الكعبة بيت الله، فهل معنى ذلك أن الكعبة البيت الحرام مسكن لله سبحانه - تعالى الله عن ذلك ويقال أيضاً في الفقراء إنهم عيال الله، وذلك لأن الله الله يرعاهم، أوجب على عباده أن يحرصوا على رعايتهم، فلذلك سموا عيال الله. وهكذا كل ما يوجد من أمثال هذه الأمور، فإضافة الروح إلى اللهِ وَل في قوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: (29)، وفي قوله: {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) وأمثال ذلك إنما هي لأجل أن الله الله جعل الروح سراً من أسراره، فأضيفت إليه لأجل هذا الاختصاص، ودليل اختصاصها بالله سبحانه قوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85)، وإلا
فالروح نفسها مخلوقة والله سبحانه حياته لا تتوقف على ما تتوقف عليه حياة البشر، فلا تشابه بين حياة الله وحياة البشر والله أعلم.
من
أدلة الذين يقولون إن صفات الذات (1) هي غير الذات قياس الغائب على الشاهد، فالغائب هو الله، فما
الشاهد هو المخلوقات، والله أعلم.
كيف تسمع
الملائكة كلام الله عل؟
هو الشاهد؟
الله الله أخبرنا أنه يكلم الملائكة ونحن نؤمن بذلك، ولم يوقفنا له على كيفية سماع الملائكة لكلامه ول، وإنما ذكر المفسرون في ذلك ما ذكروا اجتهاد منهم، ومن المفسرين الذين تعرضوا لهذه المسألة العلامة ابن عاشور
(1) معنى صفات الذات
هي
الصفات التي لا يتصف الله بأضدادها كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر. وهنا الشيخ يبين بطلان القول بأن صفات الذات هي غير الذات لأن في
ذلك وصفه سبحانه بصفات المخلوق. (1/248)
صفحة 249
ا بالله
الإيمان
الجزء الأول
249
وقد أجاد في الحديث عنها، قال: بأن ذلك يمكن أن يكون بفهم يخلقه الله الله في الملائكة يُدركون به مُراد الله وعل، ويمكن أن يخلق الله تعالى لهم تاً يسمعون منه مراده، والله أعلم.
صو
ماذا نفهم من قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]؟ نفهم بأن الله تعالى كلّم موسى بدون واسطة. أي لم يرسل إليه ملكاً في بهذا التكليم كما أرسل إليه عندما أوحى إليه التوراة، وكما أرسل الملائكة إلى أنبياء الله،، ونسكت عما وراء ذلك من كيفية هذا التكليم فإن الله تعالى هو العليم به، ونحن نعتقد أن الله ليس كمثله شيء، ونعتقد بأنه على سمعه من كل جانب والله لم يوقفنا
كل شيء قدير، وقد قيل
بأن موسي
على ذلك فيمكن أن يسمعه من جانب أو من جوانب متعددة ونستحب عدم
الخوض فيه، والله أعلم.
من صفات الله الكلام فهل كلام الله أزلي أم هو حادث؟
أما بالنسبة للكلام الذي يقصد به نفي الخرس فهو صفة ذاتية قديمة، وأما بالنظر إلى إحداث الكلام، فمن المعلوم أن كل شيء يأتي في وقت وفي زمن معين فذلك حادث والله أعلم.
ما هو السلوك السلبي الذي يتكون باعتقاد أن صفات الله غير ذاته؟ الله الله والله أعلم.
يخشى من ذلك أن يجر إلى اعتقاد تعدد القدماء
كيف يُرد على من يقول: هل يرى الله ذاته؟
مع
الله على كل شيء قدير، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ويكفينا أن نعتقد ذلك ونسكت عما زاد عليه، والله أعلم. (1/249)
صفحة 250
250
الفتاوى العقيدة
لقد قلتم أن صانع الصنعة قدير عليها، ولكن نرى أن الإنسان صنع السيارة أو البندقية أو القنبلة الذرية مثلاً ولا يملك القدرة المطلقة عليها فكيف ذلك؟
هذه القدرة التي عنيتها هي قدرة جزئية بحسب قوة هذا الإنسان، فلو لم يكن الإنسان قادراً على صنع السيارة لما صنعها، ولا يلزم من كونه قديراً على صنع ذلك الشيء أن يكون قادراً على صنعه بدون واسطة. فإن الإنسان يصنع بالواسطة، وأما الحق تبارك وتعالى فإنه يصنع ما يصنع بدون واسطة: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [النحل: 40] فقدرة الإنسان قدرة جزئية محدودة، وقدرة الخالق تبارك وتعالى قدرة كلية مطلقة لا يخرج عنها أي شيء في الأرض ولا في السماء.
فالصنع يدل على القدرة، وإنما تختلف قدرة عن قدرة. فالمخلوقون أنفسهم متفاوتة قدراتهم والإنسان - نفسه - قدرة الضعيف من جنسه غير قدرة القوي، وكذلك سائر المخلوقات، فهل قدرة العصفور كقدرة الصقر أو كقدرة النعامة؟ وهل قدرة النملة كقدرة الفيل؟ لا وإنما هي قدرات متفاوتة، فالنملة أعطاها الله قدرة تسحب بها حبة الطعام إلى جحرها. ولولا أن الله مكن لها من ذلك بما وهبها من قدرة لما استطاعت أن تجتلب تلك الحبة ولكنها قدرة ضعيفة جداً بالنسبة إلى قدرة ما هو أقوى منها كالفيل، وإذا نظرنا إلى قدرة الإنسان أو قدرة المخلوق أياً كان ـ حتى الملأ الأعلى ـ، وحتى جبريل الذي يمكنه أن ينسف الأرض نسفاً في لحظة واحدة بما آتاه الله تعالى من قدرة نجدها بجانب قدرة الله لا لا تساوي شيئاً أبداً، ولا تصلح أن تسمى حتى قدرة نسبية، لأن قدرة المخلوق ليست ذاتية وإنما هي بإقدارٍ من الله، وهي أيضاً مسبوقة بالعجز وقدرة الله الذاتية غير مستمدة الا
من شيء، وهي أزلية أبدية غير مسبوقة بالعجز ولا يعتريها العجز. (1/250)
صفحة 251
الجزء الأول
251
الإيمان بالله
وهذا الإنسان الذي آتاه الله الآن ما آتاه من خصائص التطور الذي لم
هي
التي
يكن يحلم به من قبله هل يتيسر له كل ما يريده؟ لا، إنما قدرة الله تمده بالمعونة فيما يريد الله أن يحققه له ولننظر إلى هؤلاء الذين تطورا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه وبلغوا ما بلغوه هل يستطيعون أن يردوا عن أنفسهم المرض، فضلاً عن أن يردوا عن أنفسهم الموت، فإن أحدهم يمرض مرضاً ثقيلاً من غير أن يستطيع أن يفرَّجَ عن نفسه كربة ما هو فيه من المرض، ويذكر أن رئيس إحدى الدول كان يُرْهَبُ في دولته، ويُحسب له ألف حساب، وحساب وكان وزراؤه ترتعد فرائصهم منه، فشاء الله أن يلقيه في فراشه مريضاً لمدة أربعين يوماً، مختلف أنحاء العالم، فما أمكن لهؤلاء الأطباء الماهرين - مع تطور الطب وتقدمه ـ أن يحققوا له ولذويه أدنى أمنية، وهي أن يفتح عينه فقط. وما هذا إلا دليل على العجز الذي يحيط بالبشر:
واجتمع
أكابر الأطباء من
إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يسلبهم سلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ عَزِيزٌ} [الحج: 73 - 74]. فالله هو الذي سخر: - الله هذه الأجرام الفلكية وهي تجري بمقادير وبمقاييس معينة وبمدد محدودة وهو الذي سخر السماوات والأرض جميعاً، وسخر هذه الطاقات الروحية التي لا يحيط بها الإنسان علماً، وهو بكل شيء قدير، فما هي قدرة الإنسان بالنسبة إلى جانب قدرة الخالق العظيم؟ وكيف يتطاول هذا الإنسان ـ الذي يتردد كل يوم وليلة على المرحاض عدة مرات - على ربه، فهل تذكر قدرته بجانب قدرة من تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ
وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44] والله أعلم. (1/251)
صفحة 252
252
الفتاوى العقيدة
تاماً
نَصِفُ الله بأنه عالم وكذلك الإنسان بأنه عالم إذا كان لديه علم، وكذلك نصف الله بأنه عليم، فهل الإنسان عليم؟
إنه يجب علينا أن نعلم أن علم الله سبحانه يختلف عن علم المخلوقين تمام الاختلاف، فعلم الله وعمل غير مسبوق بجهل أبداً، وهو علم ذاتي ليس بواسطة بينه وبين المعلوم، وإنما ذاته تتكشف لها المعلومات تكشفاً وتتجلى لها تجلياً من غير احتياج إلى واسطة ما بين هذه الذات العلية وبين المعلومات، أما الإنسان فبخلاف ذلك، فعلمه حادث لأنه يعلم ما لم يكن يعلمه من قبل، وقد يجهل ما كان يعلمه: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [النحل: 70]، فالإنسان الذي كان عالماً فطناً ذكياً إذا رُدّ إلى أرذل العمر ينقلب إلى جهل ما كان يعلمه من قبل، ثم إن علم الله يا الله محيط بكل شيء، أما الإنسان فإن علمه علم نسبي محدود جداً. فهو لا يعلم ما في طوايا نفسه وتضاعيف تكوين جسمه من أسرار خلق الله الباهر إلا النزر اليسير الذي لا يساوي شيئاً بجانب ما يجهله بل لا يحيط بأسرار نطقه وإن كان ينطق متى أراد، فنحن نعلم أن الكلام يأتي من الدماغ، فتتنفس الرئتان ويصعد الهواء المختزن فيهما بواسطة القصبة الهوائية ثم بواسطة الشعب إلى الحنجرة، ثم تتفاعل مع ذلك الآلات المتنوعة كالأضراس والحنك واللهاة واللسان والشفتين بجانب الهواء ويخرج هذا الصوت المعبر عن قصد قائله المفهوم عند سامعه ولكن تبقى الحلقات مجهولة عند الناطق نفسه فمن أين يستوحي الدماغ هذا الكلام؟ ذلك شيء لا نعلمه. كذلك سِرّ الإبصار نحن لا نعلمه إنما ذلك من علم الله. والروح التي هي فينا - وهي سِرُّ حياتنا ـ لا نعلم كنهها وإن أدركنا آثارها، فضلاً عن أن نحيط علماً بما في ملكوت السماوات والأرض، فإذا كان الإنسان لا يحيط علماً بما في طوايا نفسه، فكيف لهذا المخلوق الضعيف أن يحيط علماً بدقائق الكون (1/252)
صفحة 253
الإيمان بالله
الجزء الأول
253
وأسرار الوجود، بينما الله تعالى محيط علماً بدقائق الكون، فقد بين الله تعالى أن ما هو أدق من الذرات كله في حيطة علمه، وقد مضت القرون الخالية قرناً بعد قرن والناس ما كانوا يعتقدون أن الذرة تنقسم أو يمكن انقسامها وإنما كانوا يعتقدون أنها أدق شيء في الوجود، وقد دل القرآن على خلاف ذلك فقبل تفجير الذرة بأكثر من ثلاثة عشر قرناً أنزل الله تعالى قوله: عَلِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْرُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ} [سبأ: (3) فالأصغر من ذلك الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات التي تحتويها الذرة، وقد يكون هناك ما هو منها مما لا نعلمه وقد أحاط الله به علما.
أدق
فليس علم الله كعلم المخلوق وليست بينهما نسبة إذ لا نسبة بين المطلق والمحدود، نعم يُقال بأن الإنسان عليم تجوزاً.
ومن الحكم الصوفية البالغة قول بعضهم من عرف نفسه عرف ربه» وقد وجدنا الناس فيها مختلفين، فمنهم من عزاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لم توجد رواية عنه الله لها سند بهذا اللفظ وقد تردد فيها الغزالي، فتارة قال إنها حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعول على ذلك الفخر في تفسيره، وتارة قال إنها مما أنزله الله في كتب السابقين - ونحن لا نعلم ما في الكتب السابقة ولكن لا نعزي إليها شيئاً إلا بدليل - وتارة قال غير ذلك.
واختلف العلماء في تفسيرها على ثلاثة أقوال، فقال بعضهم المراد بهذا أن من عرف نفسه بصفات النقص عرف ربه بضدها. فأنت أيها الإنسان جاهل عاجز ضعيف ميت - أي ستموت - حادث فقير محتاج محدود من كل الجوانب الحسية والمعنوية إلى غير ذلك من الصفات الخلقية المختلفة الظاهرة في الإنسان فإذا عرفت هذه الصفات من نفسك عرفت ربك (1/253)
صفحة 254
254
الفتاوى العقيدة
بأضدادها
وهي
أنه عليم قدير قوي حي لا يجوز عليه الفناء، قديم لا يجوز عليه الحدوث، سميع بصير جامع لكل صفات الكمال.
ومنهم من فسرها بأن المقصود منها أن من عرف نفسه بالصفات الكمالية البشرية عرف ربه بما هو أبلغ منها من باب الأولوية، فالإنسان على طريق المجاز عليم قدير سميع بصير حي متكلم، متصف بكثير من الصفات التي هي من مظاهر الكمال البشري، فإذا عرف نفسه بها عرف أن ربه هو أولى بالكمالات فإذا اتصف الإنسان بمجازاتها المحدودة فالله موصوف بحقائقها المطلقة.
وقيل: بأن النفس هنا بمعنى الروح، أي إذا كانت هذه الروح التي بها قوام جسدك وجوارحك وبها استمرار حياتك وإحساسك وشعورك، وهي بين جنبيك وأنت لا تتوصل إليها فتمسها بيديك، ولا تبصرها بعينيك، ولا تسمعها بأذنيك، ولا تشمها بمنخريك، ولا تمصها بشفتيك، فما بالك بالله سبحانه الذي خلقك وخلق هذه الروح ونفخها في جسمك فكانت مظهراً لسره وشاهدة على أمره فهو الا الله أولى وأجدر بأن يكون، لا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأفكار ولا تكتنهه العقول، ولا تتصوره معارف البشر، وكل هذه التفاسير محتملة، وقد تبين بهذا أن اتصاف الإنسان بهذه الأوصاف إنما هو بطريق المجاز وهو نسبي محدود وأما الكمال المطلق فهو الله تعالى والله أعلم.
ما الفرق بين العلة والسبب؟
العلة يترتب عليها المعلول وجوداً وعدماً كطلوع الشمس الذي هو علة لانتشار الضوء، أما السبب فقد يترتب عليه المسبب وقد لا يترتب، فالزاوج سبب للولادة ولكن قد لا يحصل الولد بالزواج، وتناول الدواء سبب
لحصول الشفاء ولكن قد لا يكون به الشفاء، وطلب الرزق بأسبابه هو (1/254)
صفحة 255
ا بالله
الإيمان
الجزء الأول
لحصوله وقد لا يحصل وهلم جراً ويظهر بهذا أن السبب العلة من
أخص منه، والله أعلم.
255
وهي
هل يمكن القول بأن ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ مندرج تحت
كلمة
علم الله؟
هو من علم الله، فما في اللوح المحفوظ هو بعض معلومات الله، إذ معلومات الله أوسع فقد أحاط الله علماً بالقضاء والمقضي والقدر والمقدور فعلمه تعالى أحاط بما كان وما هو كائن وما لم يكن أن لو كان كيف يكون،
والله أعلم.
السائل يسأل عن اختلاف أصحابنا في اتصاف الله بالصفات الفعلية في الأزل، حيث قال المغاربة بذلك، فيجوز معهم أن يقال لم يزل
الله خالقا وما شابه ذلك بمعنى الأصح عندكم؟
أنه سيخلق، ومنع
ذلك المشارقة، فما
الخلاف لفظي، فيقال: «فلان حاج بمعنى سيحج، ويقال: «هو حاج»، حج، فمعنى لم يزل خالقاً أنه سوف يخلق، أما أنه قد خلق فلا،
بمعنى
أنه
والله أعلم.
عن قول الإمام السالمي رحمه الله:
لم يزل الله قديرا عالما ونحو هذا جائز كن فاهما فعبر بالجواز، ومن المعلوم بأن ذلك واجب؟
يعني
بذلك أن مثل هذا التعبير جائز شرعاً، ولا يعني بذلك أن اتصافه
بالقدرة جائز، لأن اتصافه بكل الكمالات واجب، والله أعلم. (1/255)
صفحة 256
256 الفتاوى العقيدة
نرجو توضيح قول أبي بكر الله العجز عن الإدراك إدراك»؟ معنى ذلك أنه إذا شعر الإنسان بأنه عاجز عن إدراك حقيقة ذات الحق الله فقد أدرك معرفة الله الله الله الواجبة عليه، والله أعلم.
سماحة الشيخ .. لقد رزقني الله تعالى بولد (ذكر) فسميته الوارث تيمناً باسم أحد أئمة عمان الأخيار الأبرار الإمام الوارث بن كعب الخروصي الله - رحمه ورضي الله عنه وعليه سألني أحد الأصدقاء: ماذا سميت الولد؟ قلت له: أسميته الوارث قال: هذا اسم من أسماء الله الحسنى فلا يجوز تسميته بذلك، قلت له: تيمناً باسم أحد أئمة عمان الوارث بن
كعب. فطلب مني التوجه بالسؤال إلى سماحتكم للإفادة؟.
الوارث صفة من صفات الله، ولكن لا يعني ذلك حرمة التسمية باسم
وارث، كما
يسمى
مالك أن المالك مع
هو الله، ولذلك توسع السلف في
التسمي بذلك، والله أعلم.
نجد كتب العقيدة تقسم صفات الله تعالى إلى ذاتية وفعلية، ويحصرون صفات الله الذاتية دون أن يذكروا معها بعض صفات الله المنصوص عليها المنطبق عليها تعريف صفات الذات مثل: العظيم والعزيز والمهيمن والقدوس وغيرها فما حكم مثل هذه الصفات؟
أما العظيم والعزيز والقدوس فمن صفات الذات، وأما المهيمن فصفة فعل، لأن المراد به أنه مهيمن على خلقه - أي مؤمن لهم أو قاهر، وذلك وصف فعل إلا مع التأويل، والله أعلم.
ينسب إلى سماحتكم أنكم تقولون إن عدد أسماء الله واحد فقط وهو (1/256)
صفحة 257
الإيمان بالله
الجزء الأول
257
لفظ الجلالة (الله)، إن صح نسب هذا القول إلى سماحتكم فما تفسيركم للآيات والأحاديث التي يذكر فيها أسماء الله الحسنى مثل قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف: 180]، وما رأيكم في (الرحمن) هل هو اسم من أسماء الله تعالى أم صفة من صفاته؟ ففي الآية: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} [الإسراء: 110]؟
قال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا} [مريم: 65] فأسماء الله تعالى لا يشارك فيها، ويجوز إطلاق الاسم على الصفة، وهو معنى قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، فالمراد بذلك صفاته، والفارق بين الاسم والصفة أن الاسم يوصف ولا يوصف به والصفة يوصف بها، وكل ما عدا اسم الجلالة يوصف به فيقال الله الرحمن الرحيم المالك العليم القدير السميع البصير المريد القهار .. إلخ)، والله أعلم.
امرأة تُكْثِر التوبة وتكثر الاستغفار وتبكي دائما ولكنَّها لا تَسْتَشْعِر العبادة، ولا تُحِس بطعمها، فبِمَاذَا يُفَسَّر هذا؟
ذلك سر بينها وبين ربها، ونحن لا نستطيع أن نعرف ما في نُفُوسِ الناس، ولكن على الإنسان دائما أن يستَشْعِر عظمة الله ـ تعالى ـ المعبود، وأن يستَشْعِر حاجته إليه، وأن يستَشْعِر غِنَى المعبود عنه، وأن يستَشْعِر أنَّ كُل ما يفعله من عبادة لا يزيد في مُلْك الله شيئا، فلو كان أهل السماوات والأرض على قلب أَبَرّ رجل لَمَا زاد ذلك في مُلْكِ الله شيئا، ولو كانوا جميعا على قلب أَفْجَرِ رجل لَمَا نَقَصَ ذلك من ملكه شيئا، وإنَّما الفضل لله ـ تعالى ـ أولا وآخرا. على أنَّ وقوف الإنسان بين يَدَيْ ربِّه يُعَدُّ شَرفا عظيما ليس فوقه شرف، (1/257)
صفحة 258
258 الفتاوى العقيدة
258
وإن كان الإنسان الضعيف عندما يقف بجانب من آتاه الله نُفُوذا وسُلطانا في هذه الأرض يشعُر أنَّ ذلك شرف بحسب المقاييس المعروفة عند البشر، فكيف إذا كان يَتَّصِل اتصالا مباشرا بعالم الغيب والشهادة ملك الملوك الذي تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِعَهْدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، أولا يستشعر الشرف العظيم، لأنه ضعيف بين يَدَيْ القوي العظيم الذي لا قوي غيره، ولأنه فقير بين يدي أغنى الأغنياء الذي لا غَنِي في الحقيقة سواه، ولأنَّه مخلوق وهو يقف بين يدي الخالق، ولأنَّ الله - تعالى - مَالِك أمره ومُصَرِّف هذا الوجود بأسره، ولأنَّه بوقوفه هذا يشارك الوجود كُله التسبيح بحمد ربه السجود لجلاله، فجدير إذن أن يستشعر نعمة الله - تعالى - عليه الذي شرَّفَه بالتوفيق للوقوف بين يديه، وأن يستشعر أن هذه النعمة يجب أن تُشْكَر، ومِن شُكْرِها أَن يُحِسَّ بِقَدَرِها وعِظَمِها وجلال أَمْرِها، وهذا ـ فيما أحسب ـ سوف يكون سببا لاستشعار هذه المرأة لذة العبادة ولَذَّة الوقوف بين يدي الله؛ والله - تعالى - الموفّق.
في منهج الصف الرابع الابتدائي في المدارس النظامية قسم العقيدة فيه دروس لصفات الله وأسمائه كالسميع والبصير، فكيف يتم تدريسها مع الخوف على التلميذ من تشبيه الله تعالى بأحد مخلوقاته؟
ليس في هذا تشبيه قط، فإنّ الله تعالى متصف بجميع الكمالات، فيُعرَّف الطفل بأنّ الله تعالى تتجلى له جميع الأصوات على حقيقتها تجليا تاما، كما تتجلى له جميع الكائنات فيراها سبحانه كما هي من غير أن يكون سبحانه مُشابِها لخلقه .. إن الإنسان يحتاج إلى سلسلة من الوسائط بينه وبين المرئيات، وكذلك يحتاج إلى سلسلة من الوسائط بينه وبين المسموعات، فالباصرة تلتقط الصور وتنتقل عبر أسلاك معيّنة إلى الدماغ والدماغ هو الذي يميز بينها، (1/258)
صفحة 259
الإيمان بالله
الجزء الأول
259
وكذلك بالنسبة إلى الأصوات تلتقطها آلة السمع بعد مرورها عبر الذبذبات الصوتية ثم تمر ـ أيضاً ـ بأسلاك حتى تصل إلى الدماغ بينما الله تعالى لا يُشبه شيئا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه، فهو الغني عن كل شيء، تتجلى له الأشياء على حقائقها من غير وساطة بينه وبينها؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.
كيف يكون رد متشابه آي الله تعالى إلى محكمها؟
رد متشابه القرآن إلى محكمه إنما يتم بجعل المحكم هو الأصل الذي يفهم منه المراد من المتشابه، وذلك كآيات التنزيه الله الله نحو قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقوله: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، وقوله وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4]، فإنه يجب رد كل ما أوهم ظاهره التشببيه من الآيات المتشابهات إلى الأصل الذي دلت عليه هذه المحكمات واقتضته براهين العقل، مع تأويل تلك المتشابهات تأويلاً ينسجم الأسلوب العربي في التعبير، إذ العربية كغيرها من اللغات فيها الحقيقة والمجاز، ويصار إلى المجاز مع تعذر الحقيقة، فيحمل على ذلك نحو قوله تعالى: {تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14]، وقوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]، وقوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: (88)، وقوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، لما عهد في كلام العرب من إطلاق العين على الحفظ والوجه على ذات الشيء وحقيقته، واليد على النعمة أو على القدرة، وقد يكون
مع
المحكم نصاً في منع حمل المتشابه على ما يدل عليه ظاهره كقوله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيا} [مريم: 64]، وقوله: {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [طه: 52]
فإنهما ناصان على امتناع حمل قوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، على ما يفيده ظاهره والله تعالى أعلم. (1/259)
صفحة 260
260 الفتاوى العقيدة
حب
الله ورسوله
كيف نربي أولادنا على حب الله ورسوله؟
تربية الأولاد على حب الله - تعالى - من حيث تذكيرهم بنعمه وتذكيرهم بجلاله، فإنّ الإنسان يعظم غيره ويحبه ويقدره لأحد أمرين، إما لكونه متفوقا عليه، وإما لأنه أسبغ عليه يدا بيضاء.
وعلى كلا الاعتبارين فإنّ الله تعالى يجب أن تفوق محبته محبة كل شيء، فهو تعالى يتجلى جلاله في كل ذرة من ذرات هذا الكون، وهذا مما أن يُعرَّف الأطفال إياه، فكل ذرة من ذرات هذا الكون يتجلى فيها
ينبغي جلال الله، فالشمس تطلع وتغرب وما هي في طلوعها وغروبها إلا مسخّرة بأمر الله وكل من أجل ما فيه مصلحة العباد ومن أجل إذكاء الحياة في هذا الكون الذي تشرق عليه، وكذلك نزول الأمطار ونبات النباتات وخروج الثمار على اختلافها وما هيَّأه الله سبحانه من أسباب الرزق، وتسخير هذا الكون بأسره كل من ذلك يتجلى فيه جلال الله.
وكل من ذلك ـ أيضاً ـ نعمة من الله تعالى أنعمها على هذا الإنسان، فما أحراه أن يكون عبدا محبا لله تعالى، ومعنى حبه إياه أن يفنى هواه في الله، بحيث يُؤثر طاعة الله على هوى نفسه، ويقدم أمر الله تعالى على أمر كل
من عداه.
طاعة
وكذلك حب الرسول صلى الله عليه وسلم يرجع إلى ذَيْنِك السببين نفسيهما، فمن حيث تفوقه هو أعظم البشر، كيف وقد أثنى الله عليه في كتابه بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ} [الأنبياء: 107] وهي شهادة الخلاق العليم بأنه أعظم من كل مخلوق كيف وهو الله رحمة أهداها الله تعالى للعالمين، (1/260)
صفحة 261
ا بالله
الإيمان
الجزء الأول
261
والعالمون جمع «عالم»، والعالم كل ما كان علامة ودليلا على وجود الخالق سبحانه، فيشمل ذلك جميع أجزاء الكون، ومعنى ذلك أنّ كل ذرة من ذرات الكون مشمولة بهذه الرحمة ومغمورة بهذه النعمة، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القَدَر فإنه أولى أن تكون محبته تفوق محبة الناس أجمعين، ثم من ناحية أخرى هو الذي اهتدت على يديه الجماهير، وقد كان حريصا على هداية الناس أجمعين، كما وصفه الله تعالى، عندما قال {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوك مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رحِيمُ} [التوبة: 128] فهو حريص على هدايتنا وحريص على إنقاذنا من الضلالة وعلى أن يأخذ بِحُجَزِنَا عن النار ـ والعياذ بالله ـ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فمع هذا كله لا ينبغي أن يكون أحد من خلق الله أعظم محبة في نفس أي أحد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا تَنْغَرِسُ محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم في نفوس الأطفال، والله أعلم.
حسن الظن بالله
ما معنى قول الله - تعالى - في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي
فإن ظَنَّ بي خيراً وجد خيرا (1)؟
نعم يظن بالله - تعالى - خيراً مع عمله الخير وخَشْيَتِه مِن الله، والله أعلم.
(1) رواه البخاري (6970) ومسلم (6981). (1/261)
صفحة 262
[صفحة فارغة] (1/262)
صفحة 263
الإيمان بالملائكة
وى (1/263)
صفحة 264
264 الفتاوى العقيدة
الإيمان بالملائكة
من هم الملائكة وما هي صفاتهم نرجو أن تبينوا لنا ذلك؟
الله
يقول الله سبحانه: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَيْكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّنَ} [البقرة: 177]، في هذه الآية ذكر الله اليوم الآخر قبل الملائكة إلا أن الغالب هو ذكر الملائكة بعد ذكر الإيمان بالله سبحانه لأن الإيمان بالملائكة بداية الإيمان بالعالم الغيبي، والإيمان بالغيب نقطة الافتراق ما بين أهل الإيمان وأهل الكفر، فالمؤمنون يؤمنون بكل ما أخبر الله ـ تعالى ـ به لأنهم بعد أن آمنوا بالله ـ سبحانه - أدركوا تمام الإدراك أن كل ما جاء من كلام لا يخرج عن دائرة الحق ولا يمكن أن يوصف بباطل، فلذلك يؤمنون بالحقائق الغيبية التي هي وراء هذه الحقائق المشاهدة المحسوسة، بينما الفريق الآخر على العكس من ذلك، فهو لا يؤمن إلا بما وقعت عليه حواسه من هذا العالم الكوني المادي الذي تقع عليه الأبصار وتصدق عليه الحواس. والملائكة ذكروا في كتاب الله - تعالى - في مواضع متعددة، فالله سبحانه
يقول في وصفهم: بَلْ عِبَادُ مُكَرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ {يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنَّا إِلَهُ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 26 - 29]، ويقول الله تعالى في وصف ملائكة النار: عَلَيْهَا مَلَتَبكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] ويقول: (جَاعِلِ الْمَلَيْكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ) [فاطر: 1] وقد جاء في كتاب الله أيضاً وصف هؤلاء الملائكة بالقدرات الخارقة، منها أنهم يتشكلون في صور مختلفة فالله تعالى يقول في قصة مريم: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا ا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] يعني تصور في صورة بشر، وكلمها كما يكلمها (1/264)
صفحة 265
الإيمان بالملائكة
الجزء الأول
265
الإنسان، وذكر الله تعالى أيضاً الملائكة في مقام الجهاد في سبيل الله، وذكر أنهم يشاركون المؤمنين من البشر في جهادهم، فقد قال الله: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلَيْكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَأَضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ} [الأنفال: 12].
وجاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الملائكة لهم هذه القدرات الخارقة، فقد جاء في وصف الوحي وكيفية نزوله عليه صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة عندما قالت لى: «سأل الحارث بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي يا رسول الله، فقال: يأتيني أحيانا مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي يقول» (1)، فهذا يعني أن الملك يتمثل في الصورة التي يريد أن يتمثل فيها
ما
وبها، ويأتي في صورة إنسان، ويكلم الإنسان كما يكلمه إنسان مثله، ودل حديث الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - أن رؤيته لجبريل عند نزول الوحي عليه لم تكن على صورته التي خلقه الله ـ تعالى ـ عليها إلا مرتين فحسب، ومعنى هذا أن جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة غير صورته الطبيعية التي فطره ـ تعالى ـ عليها، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الربيع والشيخان من طريق عائشة الى أنها قالت: «ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله، الفرية من قال إن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال مسروق راوي الحديث عن عائشة: وكنت متكئا فجلست وقلت يا أماه أمهليني ولا تعجليني، ألم يقل الله:
وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى) [النجم: 13) وَلَقَدْ رَوَاهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 23]، فقال: ذلك جبريل لم أره في صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين رأيته
(1) رواه الإمام الربيع رقم (2). (1/265)
صفحة 266
266 الفتاوى العقيدة
منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض»)، فالحديث يدل على أن جبريل كان ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم في صورة غير صورته التي فطر عليها، وقد وصف الله تعالى جبريل في سورة «النجم» بقوله: {عَلَمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَنَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ *) أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 5 - 10] أي أوحى جبريل إلى عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى.
من هذا كله نستفيد أن الملائكة لهم كيان خاص من بين سائر الخلق، فهم لهم حقائق تختلف عن حقائق سائر المخلوقات ولا يمكن أن يعدوا مجرد سر من أسرار المخلوقات الأخرى، كالبشر والنباتات وسائر الأشياء، ويؤكد ذلك أن الله تعالى وصف بعض وظائفهم، من هذه الوظائف أنهم يشرفون على أعمال البشر ويسجلونها، فقد قال ما: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (3) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ كِرَامًا كَيْبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 9 - 12]، وقال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: (18)، كما وصفهم الله سبحانه 18]، بكونهم يثبتون الذين آمنوا في المعارك، ويشاركون المؤمنين في الجهاد كما تقدم - ووصفهم بأنهم يتوفون البشر سواء المؤمنين أو الكفار فقد قال: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَيْكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ) [الأنفال: 50]، وقال في المؤمنين: الَّذِينَ نَتَوَفَّهُمُ الْمَلَيْكَةُ طَيِّبِينَ} [النحل: 32]، وقال: {قُلْ يَتَوَفَّنَكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وَكَلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11] وجاء في حديث عائشة: عند مسلم أن الملائكة خلقوا من نور (2)، وقد أخذ الناس من ذلك قولهم: «إنهم أجسام نورانية، فهم مخلوقون من النور
(1) رواه الإمام الربيع رقم (824) ومسلم رقم (259). (2) رواه مسلم (7687). (1/266)
صفحة 267
الإيمان بالملائكة
الجزء الأول
267
عكس الشياطين الذين خلقوا من نار والجانب الروحاني يقوى فيهم، ولذلك يتمكنون من التشكل، ويتوفر لهم الانتقال من صورة إلى أخرى، والظهور في صورة وفي غيرها، لأن أجسامهم ليست كبقية الأجسام، وبما أنهم مخلوقون من النور كانوا غير محتاجين إلى ما تحتاج إليه الأجسام المخلوقة الأخرى من الغذاء المادي، كما أن أجسامهم لا تفرز الفضلات الطبيعية التي تفرزها الأجسام الأخرى، وهم أيضاً لا يتعبون فقد وصفهم الله - تعالى - بقوله:
من
يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: (20]، وقد أخذ علماء التوحيد هذا كله ما يصفون به الملائكة من أنهم أجسام نورانية قادرة على التشكل، وقد فهمنا أن الملائكة من عالم الغيب الذي لا يمكن أن نحكم فيه وعليه بمقاييس عالم الشهادة، لأن لعالم الغيب طبائع خاصة تختلف عن طبائع عالم الشهادة، والله تعالى الذي طبع عالم الشهادة بما طبعه عليه من السنن والنواميس قادر على أن يطبع العوالم الأخرى بسنن أخرى ونواميس أخرى بحيث يختلف ذلك العالم صورة وحقيقة عن هذا العالم المشهود، وهذا الذي يفهم من وضع الملائكة، فإن قدرات الملائكة قدرات خارقة لا يتصف بها أي جنس من أجناس عالم الشهادة، فالجانب الروحاني يغلب عليهم، وللروح طاقات وقوى، فلذلك كانت عندهم المقدرة على التأثير في هذا العالم، هذه المقدرة ليست لأي جنس من أجناس المخلوقات الموجودة هذا العالم المحسوس.
في
والناس الذين نشأوا على عقيدة الإيمان بما وراء هذا العالم المحسوس سلموا لهذه الحقائق التي جاء بها كتاب الله وجاءت بها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يماروا، واستمروا على ذلك قرونا متطاولة، وما كانوا (1/267)
صفحة 268
268 الفتاوى العقيدة
يشكون ولا يمارون فيما وصف به الملائكة من هذه الصفات ولكن حدث في العالم الإسلامي ما حدث من الاحتكاك بالعالم المادي الجاهلي الذي يحمل الفكر الجاهلي الحديث الغربي، واستوردت ثقافته إلى البلاد الإسلامية، ولا شك أن المقاييس التي عند الغربيين كلها مقاييس مادية، فهم ينظرون إلى الأشياء من منظار مادي، وقد ذهبت البعثات الطلابية إلى العالم الغربي في الفترة السابقة في أواخر القرن الثالث عشر الهجري وفي أوائل القرن الرابع عشر، وكان احتكاك هؤلاء الطلبة بعالم له مفاهيمه ومقاييسه الخاصة، لأنه كفر بما وراء المحسوس ولم يقس الأشياء إلا بالمقاييس المادية، كان هذا الاحتكاك سببا للتأثر، ومن شأن الإنسان أن يسرع إليه التأثير من هنا وهناك، فجاؤوا من هناك وهم ينظرون إلى أن الدين ألغاز لا يمكن أن تفهم، وأن الإنسان عليه أن يعيش بالمقاييس والمفاهيم التي يمكنه أن يتصورها، ويمكنه أن يجيب على أي شيء منها، فلذلك جاؤوا بفكرة نقض عرى الدين عروة عروة.
وفي المقابل كان هناك ما يمكن أن يسمى بتيار الجمود في البلاد الإسلامية، وهم قوم فهموا الدين من خلال عادات موروثة، ومفاهيم مألوفة في وسطهم من غير أن يرجعوا في تحليل هذه الحقائق الدينية إلى الأصول التي ينبني عليها الدين وهي وحي الله - تعالى - الظاهر والباطن، الظاهر القرآن الكريم والباطن سنة الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، وقد استغل أولئك الفتية الذين جاؤوا من العالم الغربي ذلكم الوضع في المجتمع الإسلامي فأرادوا أن يصوروا الإسلام في تلكم الصورة الشوهاء صورة الإيمان بالخرافات والتصديق بالأوهام، وجعلوا الحقائق التي جاء بها القرآن الكريم، وجاءت بها سنة الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم من هذا القبيل. (1/268)
صفحة 269
الإيمان بالملائكة
الجزء الأول
269
وفي ذلكم الظرف نشأت المدرسة الإصلاحية في العالم الإسلامي، وكانت بداية نشأتها بمصر على يد السيد جمال الدين الأفغاني وتلميذه العملاق الشيخ محمد عبده، وكانت هذه المدرسة تريد أن تدفع الشبه التي تثار حول الإسلام وعقيدته، وتسعى في الوقت ذاته لمواجهة خرافات هؤلاء الجامدين بالحقائق النافعة التي جاء بها القرآن وجاءت بها السنة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، إلا أن أساطين هذه المدرسة باصطدامهم بذلكم الواقع المرير، وما تعرضوا له من نقد لاذع، ومن تشويه لحالهم من قبل العلماء المحسوبين على الإسلام، تأثروا بردة فعل عنيفة فأخذوا يحاولون أن يضيقوا نطاق الغيبيات فسروها بالتفسير القريب إلى أولئك الذين لا يؤمنون بما وراء هذا العالم المحسوس، فنشأت من ذلك فكرة تفسير هذا العالم الملائكي بأنه عبارة عن الخاصية الموجودة في الكائنات في العالم المادي، فالعالم المادي ينطوي على أسرار هذه الأسرار يمكن أن تسمى روحا باعتبار خفائها ويمكن أن تسمى طبيعة وخاصية باعتبار تأثيرها، ففسروا الأرواح وفسروا الملائكة بهذا التفسير، فعلى سبيل المثال: البذرة التي تحمل خصائص الشجرة التي تتكون منها، كيف تتطور هذه البذرة من طور إلى طور وتتحول إلى أن تكون شجرة باسقة تؤتي ثمارها كل حين بإذن ربها؟ هذه البذرة لها خصائص غيبية، هذه الخصائص يمكن أن تسمى روحا ويمكن أن تسمى ملكا حسبما فسر أولئك الذين حاولوا أن يضيقوا نطاق الغيبيات، ويفسروا الملائكة تفسيرا يمكن أن
مفاهيم
تستسيغه عقول الماديين الذين لا يؤمنون بما وراء هذا العالم المحسوس. وبما أن هذا التفسير بعيد عن المفاهيم الدينية التي تناقلتها الأمة جيلا بعد جيل، وبعيد عما توحي به الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في وصف أولئك الملائكة، فإنه تعرض لنقد شديد من قبل الجماعة المضادة (1/269)
صفحة 270
270
الفتاوى العقيدة
واعتبروه مروقا من الدين وكفرا بما أنزل الله - تبارك وتعالى ـ، وقد أدى ذلك إلى مزيد من الإصرار من قبل هؤلاء القائمين على المدرسة الإصلاحية على رأيهم، وتحدي الآخرين فكان بسبب هذه المعارضة ما حصل من رد عنيف من قبل الإمام محمد عبده على معارضيه، هذا الرد كان بعيدا عن الموضوعية، وإنما هو مصطبغ بلون من تأثير العاطفة الجياشة، ومن تأثير الورطة في إبراز الفكرة التي تبناها في صورة الحقيقة المقبولة التي لا يمكن أن ترد، وقد نشر رده برمته في تفسير المنار لتلميذهِ السيد محمد رشيد رضا.
وجاء في هذا الرد أن التفسير الشائع للملائكة وهو أنهم أجسام نورانية قابلة للتشكل، أو قادرة على التشكل تفسير لا يفهم له معنى وإن قبله الناس واستساغوه، وجاء فيه أن الملائكة إن كانوا أجساما نوارنية ـ كما يقال ـ مع أن على كل إنسان ملكين يحفظانه ويسجلان أعماله فأين تحديد مكان هذين الملكين؟ وأين شعاع هذا النور الذي يتلألأ من جسميهما النورانيين؟ وأين أثره؟ هل يضيء الظلام في حنادس الليل؟ إلى غير ذلك من العبارات التي تدل على مدى التأثر بهذه الردة الفعلية العنيفة، وبالعاطفة الجياشة التي جعلته بعيدا عن المنطق العقلي وبعيدا عن الحجة الواضحة من القرآن ومن حديث الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ.
ومن هذه الاحتمالات التي ذكرتها هذه المدرسة في تفسير الملائكة أن ما يقع ويحدث من الخواطر الخيرية نفسها يمكن أن يعبر عنها بالملائكة، ذكر ذلك الإمام محمد عبده وأتبعه السيد رشيد رضا بنقل كلام عن الإمام الغزالي فيه شيء من التعلق لأصحاب هذا القول، ولكن إذا استقرينا كلام الإمام الغزالي نجده لا يدل على ذلك، فإنه يتكلم عن أسباب الإيحاءات الخيرية وأسباب إيحاءات الشر وهو ينسب أسباب إيحاءات الخير إلى (1/270)
صفحة 271
الإيمان بالملائكة
الجزء الأول
271
الملائكة، وينسب أسباب إيحاءات الشر إلى الشياطين الذين هم ضد الملائكة، ومن المعلوم أن الملائكة عالم مستقل، فلا يمكن أن نجعل هؤلاء هذه الأرواح التي في جسم الأحياء من البشر وغيرهم، أو أن
الملائكة
هم
نجعل الملائكة أسرار الطبيعة في الكائنات الموجودة في هذا العالم.
وما استبعده أصحاب المدرسة الإصلاحية من تعريف غيرهم من
أن
العلماء للملائكة بأنهم أجسام نورانية قادرة على التشكل، وما قالوه من هذا التعريف صار مألوفا وإن لم يكن مفهوما، وأن العقيدة يجب أن تكون مستقرة في النفس ولن تستقر في النفس حتى يتم الإذعان التام لها من قبل الفكر والوجدان وهذا لا يتحقق إلا بعد الفهم للمقاصد، إلى آخر ما قالوه من ذلك، والذي يمكن أن يلحظ فيه بأنهم قد أبعدوا النجعة في محاولة تفسير هذا التعريف، وأنهم حاولوا أن يصوروه لغزا من الألغاز التي أنه لا يمكن أن تفهم مع في الحقيقة تفسير واضح وتعريف قريب جدا، فكون الملائكة خلقوا من نور أمر دل عليه حديث عائشة الى عند مسلم، وهو وإن كان حديثا آحاديا والأمور العقائدية لا تبنى على الروايات الأحادية إلا أنه يستأنس بها، لصحة القول المشهور، فإن حديث عائشة يدل على أنهم خلقوا من نور ولا إشكال في كونهم خلقوا من نور من حيث إن النور نفسه لا يتجسد، كما قال الإمام محمد عبده «النور لا يتجسد وإنما يقوم بجزء من غيره،» فهي كالأجسام التي تتلألأ عليها الأضواء الكهربائية، في مقابل هذا أيضاً يقال إن النار لا تقوم بنفسها، وإنما تقوم بجسم تشتعل فيه، ومع ذلك فإن الله تعالى أخبرنا عن الجان أنهم خلقوا من نار، فالله ـ تعالى ـ الذي خلق الجان مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ، قادر على أن يخلق الملائكة من نور وأن يحول هذا النور إلى جسم كما حول تلك النار التي خلق منها أولئك الشياطين والجان إلى أجسام أيضاً، وهذا أمر غير مستبعد، (1/271)
صفحة 272
272 الفتاوى العقيدة
وما قالوه من أن هؤلاء الملائكة لو خلقوا من النور ـ وأنهم أجسام نورانية وأن هذا النور يمكن أن يتشكل من شكل إلى آخر ـ للزم من ذلك أن يحس الإنسان بشعاع هذا النور بين يديه إذا كان في الظلام من الملكين اللذين هما بجنبيه، هذا أيضاً مقابل بأنه لو لزم ذلك للزم في اتصال الشياطين بالبشر أن يحس البشر بحرارة النار في أولئك الشياطين، فكيف يقال بأنه يلزم هنا أن يحس أحد بهذا الضياء النوراني المشتعل ولا يلزم في الجانب الآخر.
هذا والتشكل الذي استنكروه لا يستنكر، لأن الأدلة من القرآن دالة عليه، فالله تعالى يقول: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ مَرْيَمَ إذ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيَّا) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 16 - 17]،
هذا التمثل هو نفس التشكل، جاءها الروح وهو جبريل في صورة بشر. وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً يدل على ذلك، عندما قال في إجابته للحارث ابن هشام عندما سأله كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ قال: «يأتيني أحيانا مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول»)، وحديث عائشة لنا أيضاً عندما قالت: ثلاث من تلكم بواحد منهن فقد أعظم على الله الفرية، من قال إن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال مسروق راوي الحديث عن عائشة: وكنت متكئا فجلست وقلت يا أماه أمهليني ولا تعجليني ألم يقل الله: {وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى} [النجم: 13].
وَلَقَدْ رَوَاهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 23]، فقال: ذلك جبريل لم أره في صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما
(1) رواه الإمام الربيع رقم (2). (1/272)
صفحة 273
الإيمان بالملائكة
بين
الجزء الأول
273
السماء والأرض» (1)، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول إنه لم ير جبريل على صورته الطبيعية التي خلقه الله عليها إلا هاتين النظرتين فمعنى ذلك أنه رآه في سائر المرات في صورة غير تلك الصورة الطبيعية.
ويدل على هذا أيضاً حديث جبريل فإنه جاء فيه أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة رجل حسن الوجه عليه ثياب بيض طيب الرائحة، فدل على أن جبريل يأتي متشكلا في صورة إنسان.
والآيات القرآنية تدل على أن الملائكة لا يمكن إلا أن يكونوا نوعا من
الخلق مستقلا لهم كيان خاص فعندما يقول الله - تعالى -: بَلْ عِبادُ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ)
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26 - 28] لا يمكن أن نفهم من ذلك إلا أنهم نوع من الخلق لهم كيان خاص، فلا يمكن أن يفسروا بأنها الأسرار الطبيعية الموجودة في سائر الخلق، فإن هذه الأسرار لا يطلق عليها لفظ العباد، لأن لفظ العباد تطلق على كل العقلاء واللغة العربية عندما تستعمل، تستعمل فيها ألفاظ خاصة دالة على جنس العقلاء وألفاظ تدل على غير جنس العقلاء، فكلمة «عباد» لا تطلق إلا على جنس العقلاء في اللغة العربية.
بَلْ عِبَادُ مُكْرَمُونَ)، وصيغة مُكْرَمُونَ) صيغة جمع المذكر السالم لا تطلق أيضاً إلا على جنس العقلاء الذكور وإن لم يكن تذكيره حقيقيا، كالملائكة فإن ذكورة الملائكة ليست ذكورة حقيقية إذ هم ليسوا ذكورا ولا إناثا، ذلك تطلق عليهم صيغة التذكير عندما يوصفون بأمر {بَلْ عِبَادُ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ» و «الواو» في {يَسْبِقُونَهُ} [ضمير لا يلحق إلا على
ولكنهم مع
(1) رواه الإمام الربيع رقم (824) ومسلم رقم (259) والبخاري (4574) (1/273)
صفحة 274
274 الفتاوى العقيدة
جنس العقلاء]، وَهُم بأمره يعملون وكذا «هم» والواو في يعملون، إذ هذان الضميران لا يطلقان إلا على جنس العقلاء، وكذلك قول الله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28] هذه الضمائر تدل على أن هؤلاء الملائكة هم من جنس العقلاء.
جميع
ثم بجانب ذلك أيضاً يقول الله - تعالى -: {جَاعِلِ الْمَلَيْكَةِ رُسُلًا أُولِى أَجْنِحَةِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ} [فاطر: 1] و {أُولى) صيغة لا تطلق إلا على جنس العقلاء فلا تطلق على الخاصيات، وقوله: {أُولِي أَجْنِحَةِ، إخبار بأن لهم أجنحة مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ، ويقول الله - تعالى - في ملائكة النار: {عَلَيْهَا مَلَيْكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] ويقول: وَالْمَلَيكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 93]، ويقول وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَيْكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ} [الأنفال: 50].
نفهم من هذا كله أن الملائكة لا يمكن أن يكونوا خاصية طبيعية في الكائنات ولا يمكن أن يكونوا الأرواح التي يطلق عليها أهل الديانات كلمة «الأرواح»، ويطلق عليها الآخرون «الأسرار الطبيعية» لأن تلك الأشياء التي يطلق عليها اسم الروح، أو يطلق عليها اسم «السر الطبيعي» ليس لها كيان خاص حتى توصف بهذه الأوصاف وإنما هي جزء من حقيقة.
هذا، والله تعالى يقول في جبريل عَلَمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَنَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) [النجم: 5 - 10].
هذا اللفظ يدل أيضاً على ما ذكرت من استقلال جنس الملائكة وأنهم خلق لهم كيان خاص ولا يقال بأنهم جزء من الطاقة المنبثة في الكائنات أو
نحو ذلك. (1/274)
صفحة 275
الإيمان بالملائكة
الجزء الأول
275
هذا ومما يتعجب منه كثيرا أن العلامة السيد رشيد رضا ـ الذي تبنى رأي أستاذه الإمام محمد عبده، وحاول أن يدافع عنه، وبذل جهده أن ينقض آراء الذين خالفوه، وأن يصف القول الشائع بأن الملائكة أجسام نورانية قابلة للتشكل بأنه كلام مألوف غير مفهوم - نجده يقع فيما أنكره بنفسه، بل يأتي بكلام ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا من الأدلة العقلية، وإنما هو وهم مرفوض شرعاً، ففي كتابه «الوحي المحمدي» ذكر قصة لا تعد إلا خرافة لا يجوز تصديقها شرعا، وهي أن رجلا حضر في باريس في مجلس تحضير الأرواح، فحضرت روح امرأة فرنسية في صورة ضباب أو دخان، ثم تكثفت وصارت جسما جميلا عليه ثياب بيض، رقاق، فأراد هذا الرجل منها أن تسمح له بقطعة من ثوبها، فسمحت له بقطعة وأخذها وذهب بها إلى إحدى دور الأزياء في باريس، وسأل هل يوجد مثل هذا الثوب المهلهل فردوا عليه لا، إلا أن يبتكر صنعه، فهو أولا وقع فيما أنكره من حيث إنه أثبت أن هذه الروح انتقلت من شكل إلى آخر، فهذا هو التشكل الذي أنكره، وذلك أنها كانت في صورة ضباب أو في صورة دخان ثم بعد ذلك تشكلت في صورة جسم جميل عليه ثياب مهلهلة بيضاء.
ومن ناحية أخرى وقع أيضاً في إثبات أمر غير سائغ شرعا ولا عقلا ذلك لأن الروح من أسرار الله وهي من أمره الذي لا يشاركه فيه غيره فلا سلطان لأحد عليه، فهذه الروح التي ادعى تحضيرها إما أن تكون صاحبتها حية وإما أن تكون ميتة فإن كانت حية فكيف تنتقل عنها الروح وتبقى على قيد الحياة، وإن كانت ميتة فمن الذي له السلطان على أرواح الموتى؟ والله - تعالى - يقول: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى [الزمر: 42]،
ويقول: (1/275)
صفحة 276
276 الفتاوى العقيدة
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) [مريم: 98]، فإن ذلك دليل قاطع على أنه لا يسمع صوت لأحد ممن مضى من القرون الخالية، فلا يمكن أن تكون هذه الروح انفصلت عن حي ولا يمكن أن تكون أيضاً روح ميت عادت إلى الجسد أو عاد إليها الجسد. وذكر في نفس الكتاب قصة أخرى وهي أن قضيب البان ـ وكان صوفياً - طلب من قبل بعض السلطات ولما جاءت إليه الشرطة لإخراجه من بيته وجدوه قد عظم جسمه حتى ملأ البيت، بحيث لا يمكن إخراجه بحال، ثم صغر فخرج منه، فبغض النظر عن صحة هذه القصة أو عدم صحتها، فإن فيها ما ينقض ما قاله في امتناع أن تتشكل الملائكة وتتحول أجسامها من حال إلى حال، فقد أثبت بنفسه لقضيب البان أنه انتقل جسمه عن حالته الطبيعية التي كان عليها إلى حالة أخرى، أوليس هذا هو التشكل؟! وإذا كان يثبت ذلك في إنسان ـ مع أن الناس طبعوا بطبائع خاصة - فكيف بالملائكة الذين لهم طبائع تختلف عن طبائع البشر، والقوة الروحانية هي الغالبة عليهم، فكون الملائكة يتصلون بالإنسان في إيحاءات الخير ككون الشياطين تتصل بالإنسان في إيحاءات الشر، وهذا الاتصال لا يعدو أن يكون سلطة روحية وليس هو اتصالا جسميا حتى يحس الإنسان باتصال الملائكة به أو باتصال جسم الشياطين، وإذا كانت القوة الروحية لها تأثير في البشر من البشر أنفسهم بحسب ما أودع الله تعالى الطاقات الروحية من عجائب، بحيث يستطيع الإنسان ـ ولو على بعد أحيانا - أن ينوم الآخر تنويما مغناطيسيا حتى قيل بأنه يمكن ذلك بواسطة الهاتف - وما هذا إلا تأثير روحاني - فكيف بتأثير الملائكة، وهم لهم طاقات روحانية تفوق ما يتصور البشر، كما أن إيحاءات الشياطين لا يلزم أن يترتب عليها إحساس الإنسان بحرارتهم الملتهبة من حيث إنهم مخلوقون من نار، لأن اتصالهم ليس اتصالا جسميا وإنما هو اتصال روحاني.
في
جسم (1/276)
صفحة 277
الإيمان بالملائكة
الجزء الأول
277
على أن هذه الحرارة لا يلزم أن تبقى حسية كما كانت من قبل، فالله
ـ تعالى ـ خلق الإنسان من تراب وللتراب خاصيات معروفة، ولكن خاصية
الإنسان تختلف عن ذلك، فالله تعالى قد يخلق كائنا من عنصر
ما
ولكن بما يمر على هذا الكائن من أطوار التكوين بمشيئة الله سبحانه ينتقل
منهم
ملائكة
طبعه عن طبع ذلك العنصر الذي خلق منه، وهكذا، فإذن علينا أن نؤمن بأن عالم الملائكة عالم غيبي وأن الملائكة لهم وظائف متعددة، الرحمة ومنهم ملائكة العذاب - والعياذ بالله -، منهم الذين يقبضون الأرواح، ومنهم الذين يحفظون أعمال البشر ويسجلونها، ومنهم الذين يسيرون أمور هذا الكون بمشيئة الله سبحانه، ولا يخرجون عن أمره سبحانه، فهم كما قال تعالى: بَلْ عِبَادُ مُكَرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26 - 28]، وكما قال لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
يؤمرون} [التحريم: 6].
(26)
فالملائكة عالم غيبي كسائر العوالم الغيبية التي لا تخضع للمقاييس التي في عالم الشهادة، ولا يمكن أن نتصورهم بحسب عقولنا القاصرة، وإنما نقف عند حدود الوحي في تُعرُّفنا عليهم، ومعرفتنا بهم، والله تعالى
أعلم.
ما أثر الإيمان بالملائكة في سلوك الإنسان؟
إن إيمان الإنسان بالملائكة يفضي إلى أن يؤثر على سلوكه أثرا واضحا بارزاً فالملائكة هم من عالم الغيب ولهم صفات تختلف عن صفات سائر الخلق ولهم وظائف متعددة ومن خلال الإيمان بذلك كله يمكن للمؤمن (1/277)
صفحة 278
278 الفتاوى العقيدة
أن يتزود زادا ينفعه في سلوكه، لأن هؤلاء الملائكة أوتوا من الطاقات ما لم يؤت غيرهم، كما يفهم ذلك مما وصفهم الله تعالى به ومما وصفهم به رسوله الأمين عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، فالله تعالى يقول: {تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ المعارج: 4] فإن هذه طاقة لا تكون لسائر المخلوقين، والله تعالى وصفهم بأنهم يتوفون البشر المؤمنين منهم والكافرين كما أشار الله - سبحانه ـ أيضاً إلى كونهم ذوي قدرة على التشكل من حالة إلى أخرى، وذلك فيما وصف به الروح الأمين جبريل عندما جاء إلى مريم فتمثل لها بشرا سويا، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما وصف جبريل قال: «لم أره على صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين والأرض (1)) فإذا كان هؤلاء الملائكة الكرام ـ مع ما أوتوه من قوة وما أوتوه من عظم بحيث إن أحدهم ليسد ما بين السماء والأرض عظم خلقه ـ هم
مع ذلك.
السماء
يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ}، {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50]، {لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، فجدير مَا بالإنسان الضعيف الذي لم يؤت شيئا من هذه الطاقات العظيمة التي أوتيها هؤلاء الملائكة الكرام أن يكون خائفا من ربه وجلا من عقوبته، مشفقا على نفسه متمسكا بحبل التقوى عاضا بالنواجذ على أوامر الله تعالى ونواهيه بحيث لا يخالف أمر الله سبحانه ولا نهيه.
ذلك فإن لهؤلاء الملائكة وظائف متنوعة من هذه الوظائف مراقبة ومع
البشر في أعمالهم، فالله تعالى يقول:
(1) الربيع (824) ومسلم (259). (1/278)
صفحة 279
الإيمان بالملائكة
الجزء الأول
279
ويقول
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ كِرَامًا كَبِينَ (2) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10 - 12]، الله - سبحانه: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، وجاءت الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم تؤكد ذلك، وتفيد أن الملائكة الكرام الكاتبين يسجلون أعمال الإنسان، ولا يغفلون عن شيء مما يأتيه أو يذره، وإذا كان من شأن الإنسان أن يلحظ مراقبة إنسان، مثله، وأن يحرص على ألا يطلع من هو أقوى منه من جنسه على ما ينزل بقدره عنده أو يؤدي به إلى أن يسخط عليه أو إلى أن يعاقبه فكيف والرقيب الأعلى هو الله ـ سبحانه، وبجانب ذلك فالكرام الكاتبون يسجلون أعماله في ليله ونهاره، في بروزه وخلوته، بل في جميع أحواله، لا يغفلون عن شيء مما يأتيه أو يذره، فمن شأن الإنسان أن يخشى من هو أقوى منه، وإذا كان الإنسان العادي - عندما يحس بمراقبة من حاكم عليه، ويشعر بأن للحاكم عيونا عليه يتطلعون إلى ما يأتيه وما يذره ـ يحرص كل الحرص على أن يأتي من الأعمال ما يرضي الحاكم عنه، ولا يسخطه عليه، فكيف وهذه الأعمال يعلمها الله قبل أن تعلمها الملائكة، والرقباء هم الملائكة الكرام الكاتبون فجدير بهذا الإنسان أن يراقب الله تعالى في سريرته وفي علانيته، وأن يحرص على ألا يكتب هؤلاء الكرام الكاتبون عليه إلا ما يسره عند الله ـ سبحانه ـ يوم القيامة. وبجانب ذلك يلحظ الإنسان أن من وظائف هؤلاء الملائكة الكرام أن يتوفوا بني آدم عند حضور آجالهم، وثم فارق بين من تتوفاهم مرضيين ومن تتوفاهم مسخوطا عليهم، فالله تعالى بين أن المؤمنين عندما يتوفون، تتوفاهم الملائكة بالبشرى وبالسلام والتحية المباركة من عند الله التي تؤذن بحسن الخاتمة وبالسعادة الأبدية، الَّذِينَ نَتَوَفَّهُمُ الْمَلَيْكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَهُ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]، بينما الفريق الآخر على العكس
من
ذلك، فقد قال تعالى: (1/279)
صفحة 280
280 الفتاوى العقيدة
الَّذِينَ تَتَوَفَّتْهُمُ الْمَلَيْكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ} [النحل: 28 - 29] وقال تعالى:
وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الأنفال: 50]
وقال: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَبِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ، فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ} [محمد: 27 - 28] فإن الإيمان بهذه الحقائق يتغلغل أثره في أعماق النفس فتنبعث فيها عزائم الخير وتكبح فيها عزائم الشر، فإن كل عاقل يحرص على أن يكون عندما تتوفاه الملائكة من الذين يتوفون بالتحية المباركة الطيبة التي تلقيها إليه ملائكة الرحمة، وتكون هذه التوفية مقرونة بالبشرى من عند الله تعالى على ألسنتهم ويتوقى أن يكون من الفريق الذي يتوفى بالإنذار الشديد، وبالوعيد والتهديد، وبالعذاب المؤلم عندما تضرب الملائكة وجهه ودبره كما جاء في
الكتاب العزيز.
ومع
هذا أيضاً فإن الناس ينقسمون في استقبال الملائكة لهم يوم القيامة
إلى قسمين، من تستقبله ملائكة الرحمة، ومن تستقبله ملائكة العذاب، فقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَيْكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيَ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت: 30 - 32]. هؤلاء ملائكة الرحمة يستقبلون المؤمنين ألا تخافوا ولا تحزنوا، ويبشرونهم يوم القيامة ببشرى النعمة العظيمة والنعيم الدائم، بينما الفريق
(31) (1/280)
صفحة 281
الإيمان بالملائكة
الجزء الأول
281
الآخر بخلاف ذلك، فإنهم يستقبلون بالتعنيف والتوبيخ، يستقبلون بتغليظ الوعيد، وتأكيده، فشتان بين الحالين، وهذا أمر يدعو إلى مراقبة النفس، والحرص على العمل الصالح، والبعد عن الأعمال السيئة، والوقوف عند
حدود الله سبحانه حتى يكون من أهل الوعد ولا يكون من أهل الوعيد.
وهكذا عند الانتقال إلى دار القرار، هناك فارق ما بين الملائكة الذين يدخلون على المؤمنين من كل باب يبشرونهم بالخير، ويأتونهم بالتحايا من قبل الخالق ـ سبحانه - {سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبِّ رَّحِيمٍ} [يس: 58]، بينما الفريق الآخر الذي يكون في النار ـ والعياذ بالله هناك يتلقى العذاب الشديد على أيدي هؤلاء الملائكة الذين يصفهم الله تعالى بقوله:
عَلَيْهَا مَلَيْكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)
[التحريم: 6]، كما يصف الله تعالى عذاب أهل النار بقوله:
{وَهُم مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ} [الحج: 21] تقمعهم بها ملائكة العذاب يوم القيامة، فإن رسوخ ذلك في النفس يدع الإنسان حريصا دائما على أن يكون من الفريق الذي يسعد بدخول ملائكة الرحمة عليه من كل باب يبلغونهم سلام الله سبحانه سَلَمُ قَوْلًا مِّن رَّبٍ رَّحِيمٍ، لا من الذين تأتيهم ملائكة العذاب بالويل والثبور وبمقامع الحديد وأنواع العذاب.
والإنسان يشعر بأنه إن وَحدَّ الله سبحانه وأحسن عبادته، واتقاه في سريرته، وعلانيته انسجم مع هذه الطائفة من الخلق، الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، مع العباد المخلصين لله سبحانه الذين يخشون ربه من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون، فيشعر بالانسجام مع الملأ الأعلى الذي يسبح بحمد الله وهذه نعمة عظيمة، فينقاد لأمر الله، ويذعن لطاعته، بخلاف ما إذا صار في المسلك الآخر، فإنه يكون والعياذ بالله مع الشياطين الذين أبعدهم (1/281)
صفحة 282
282 الفتاوى العقيدة
الله تعالى عن ساحة الرحمة، وكتب عليهم اللعنة، وجعلهم مدعاة لسخطه، سبب لوقوع الناس في معصيته، والإنسان يشعر بالفارق الكبير ما بين الملائكة، وبين انسجامه الشياطين - والعياذ بالله. مع
لأنهم
انسجامه
مع
وهم
والملائكة عندما أمرهم الله تعالى بالسجود لأبي البشر الذي كان مشتملا على العنصر الذي تكونت منه ذريته انقادوا لأمره وأذعنوا لطاعته، بينما الشيطان - الذي هو أصل هؤلاء الشياطين تكبر وأبي وأنذر وتوعد بأنه الله، ليضلن هذا الكائن، وليغوينه وليردينه في جهنم، إلا من عصم عباد الله تعالى المخلصون، قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ وَقُلْنَا يَتَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقَرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) فَأَزَلَهُمَا الشَّيْطَنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) [البقرة: 34 - 36]، فالملائكة تفاعلت مع وجود الإنسان عندما خرت ساجدة له انقيادا لأمر الله وإذعانا لطاعته، والشياطين متمثلة في إبليس اللعين أخزاه الله وأرداه كان على العكس من ذلك، فإن أصل الشياطين وهو إبليس، أقسم بعزة الله قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْنَنِي لَأُزَيْنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 39 - 40]، فأعلن الحرب على هذا الجنس من الخلق الذي شرفه الله تعالى بحمل الأمانة، وبتبوء منصب الخلافة في الأرض، وكان حسودا مفاخراً بعنصره الناري، حيث قال: {خَلَقْنَى مِن نَّارٍ وَخَلَقْنَهُ مِن طِينٍ} [ص: 76]، وقد ظن أن عنصر النار خير من عنصر الطين، لما في النار من الإنارة، وما درى بأنه لا عبرة بالعنصر وإنما العبرة بالعمل، ثم إن عنصر النار لا يفاخر به، لأنه سبب العذاب ـ والعياذ بالله فكيف يفاخر سبب العذاب، فما بال هذا الإنسان ينساق وراء الشيطان، ويتبع خطواته، ويترك التأسي بالملائكة الكرام الكاتبين الملائكة الذين يلهمون الإنسان
--درو (1/282)
صفحة 283
الإيمان بالملائكة
الجزء الأول
283
الخير، فإن الخير الذي يأتيه إنما هو بإيعاز من الملائكة، فقد جاء في
الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة بابن آدم فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإبعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان» (1)، فحري بهذا الإنسان الذي آمن بهؤلاء الملائكة الكرام وآمن بوظائفهم وآمن بما وهبهم الله تعالى من طاقات وما ميزهم به على سائر الخلق من قدرات أن يكون منسجما مع الملائكة الكرام الكاتبين، ومع سائر الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأن يكون شأنه شأنهم في الإشفاق على نفسه من عذاب الله، فأولئك الملائكة يخشون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون، فجدير به أن يخشى الله سبحانه وأن يذعن لأمره، لأن هذه الخشية من الله إنما تتمثل في حسن الانقياد لأمر الله وحسن الطاعة له الله، وإخلاص العمل كله لوجهه - تبارك وتعالى، هكذا يؤثر الإيمان بالملائكة في نفس المؤمن فيكون متساوقا الخير منقادا لأمر ربه مباعدا لنهج الشيطان الرجيم واقفا عند حدود الله تعالى في جميع تصرفاته وفي جميع أعماله، وبهذا يكون عضوا بناء في مجتمعه، أماراً بالمعروف نهاءً عن المنكر، مسارعاً إلى أوامر الله مجانبا لنواهيه، والله أعلم.
مع
البعض يسمي ابنته باسم «ملك»، فهل يصح هذا؟
أما إذا كان يقصد أنَّها ملك من الملائكة فلا، إذ الملائكة جنس آخر من غير جنس البشر، ولا يشبهون البشر، ولا يُشبَّه بهم البشر؛ نعم لا حرج أن يوصف أحد بالصفات الملكية عندما يكون متلبساً بالخصائص
في
(1) رواه الترمذي رقم (2914). (1/283)
صفحة 284
284 الفتاوى العقيدة
الروحانية كما هو الراجح في تفسير قول الله تبارك وتعالى {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُونَ} [البقرة: 102]. فهذان كانا ـ على الراجح - من جنس البشر، ولم يكونا من جنس الملائكة، بدليل قوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} [البقرة: 102]، ولم يقل: «وما نزل به الملكان»، فهذا دليل على أنَّهما وصفا بالملكية لتلبسهما بالصفات الروحانية التي هي من خصائص الملائكة أو التي هي الصفة الظاهرة في الملائكة ونسبتها في البشر قليلة إذا ما قيست بنسبتها فى الملائكة، ويدل على ذلك أنَّه قراءة وإن لم تكن هي من القراءات السبع بكسر اللام: «وما أنزل على
الملكين».
في
البعض يسمي
الممرضات ملائكة الرحمة؟
هذا لا ينبغي الملائكة يُنزهون عن ذلك، فلا يُشَبهون بالممرضين ولا بالممرضات، والله أعلم.
هناك أدلة عقلية ونقلية لوجود الملائكة فهل نقدم الدليل النقلي على الدليل العقلي، على رغم أننا بحاجة إلى الدليل العقلي لإثبات وجود الملائكة لغير المسلمين؟
الدليل العقلي هو دليل تجويز وجود الملائكة والدليل النقلي هو دليل إثبات وجودهم فنحن لا نستغني عن الدليل العقلي ولا عن الدليل النقلي. ونؤمن بالنقل حقاً من عند الله، ولكنَّ هذا النقل لم يأتِ أبداً مصادماً للعقل فكل ما جاء في كتاب الله وفي السُّنَّة الصحيحة الثابتة عن رسوله هو منسجم تمام الانسجام مع العقل السليم - وليس مع كل العقول، فالعقل الباقي على الفطرة يستسيغ كل ما أخبر الله تعالى به وما أخبر به الصادق (1/284)
صفحة 285
الإيمان بالملائكة
الجزء الأول
285
الأمين ـ عليه أفضل الصلاة والتسليم، ونحن عندما نحاور الذين لا يؤمنون بعالم الغيب يجب أن نبدأ حوارنا معهم في القضية الكلية العظمى قبل أن ندخل في الجزئيات، فنقيم عليهم الحجة المقنعة بأن هناك عالماً غيبياً لا يقع تحت طائلة الحواس، وذلك يستلزم أولاً وجود الله له بأدلة وجود الله هذا الخلق، ووجود هذا الكون بأسره الذي تنطق كل ذرة من ذراته بأن لها خالقاً مبدعاً واحداً مكوناً لكل شيء ليس كمثله شيء، ذلك لأن كل ما يفتح عليه الإنسان عينه يجد عليه آثار الصنعة بارزة وكل صنعة لا بد لها من صانع، ثم بعد ذلك ندخل في إثبات النبوات وبعد إثبات النبوات نتحدث عما جاءت به النبوات من أخبار عالم الغيب إليهم، ونبين لهم أن كل ما جاء من أخبار النبوات لا يصطدم مع العقل أبداً والله أعلم.
منهم
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لك} [البقرة: 30] قرأتُ في بعض التفاسير: أن الملائكة كانت تطمع بأن تكون لها الخلافة، وذلك بحكم عبادتها الله وطاعتها له. فهل هذا
صحيح؟ هذا لم يكن اعتراضاً من الملائكة على الله، وإنما كان استطلاعاً وعل للحكمة، فهم يريدون أن يعرفوا حكمة الله وعجل في اصطفائه الإنسان لحمل أمانة الخلافة في الأرض، لأنهم عرفوا طبيعة هذا المخلوق، فقد أدركوا من طبيعة تكوينه أن له إرادة وفيه شهوة، وتتجاذبه نوازع متعددة، وتدفعه دوافع مختلفة، وذلك يقتضي أن يكون من شأنه أن يتمرد ويعصي الله رحل، فلما أدركوا ذلك أرادوا أن يعرفوا حكمة الله في اختياره دونهم مع أنهم يسبحون بحمده ويقدسون له فقالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا؟ لا على سبيل (1/285)
صفحة 286
286 الفتاوى العقيدة
الاعتراض ولكن على طريق الاستطلاع إلى حكمة الله. فأجابهم الله إنّي أَعْلَمُ مَا مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 430، ولم يدل دليل على أنهم كانوا طامعين في الخلافة. وقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} أي نحن نسبحك وننزهك عن خلو أفعالك عن الحكمة، وننزهك يا ربنا عن تقدير شيء الحكمة، فمن هنا نريد أن نعرف ما هي الحكمة فيما أخبرتنا به
لا يتفق مع
والله أعلم.
ذكرتم أن الملائكة قصدوا من سؤالهم ربهم بقولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30] معرفة الحكمة من هذا الخلق، وأنهم عرفوا طبيعة هذا الخلق. فهل الملائكة يعلمون شيئاً من الغيب؟
الملائكة لا يعلمون الغيب، ولكن يمكن أن يكون الله تعالى ألهمهم بأن هذا الكائن بما يُودِعُ فيه من الطاقات المتنوعة والطبائع المختلفة لا بد من أن يتمرد على أمر الله تعالى، فقالوا ما قالوه ولم يقولوا ذلك رجماً بالغيب. والله أعلم.
أين مصير الملائكة الحفظة للإنسان بعد موته، وهل هم الذين يشفعون له إن كان ممن ارتضاه الله بعد موته أم غيرهم، ثم هل هؤلاء الحفظة
يلازمون الإنسان في كل أوقاته وفي كل حركته وسكناته؟ في هذا كلام كثير، وما لم يدل دليل قطعي على شيء منه فلا يمكن أن نجزم فيه بشيء، ونرد العلم في ذلك إلى الله ول، والله أعلم.
من المعلوم أن الله أمر الملائكة وإبليس بالسجود لآدم كما ذكر ذلك في القرآن الكريم، فإذا كانت الملائكة ليست أجساماً كيف يتم
وكيف تعذب الشياطين إن كانت ليست لها جسم؟
هذا السجود (1/286)
صفحة 287
الإيمان بالملائكة
الجزء الأول
287
الملائكة والشياطين أجسام فالملائكة أجسام نورانية لطيفة والشياطين أجسام نارية، أما الذين قالوا بأن المراد بالشياطين قوة من قوى الشر، وأن المقصود بالملائكة طاقات الخير قالوا إن خضوع طاقات الخير للإنسان وتسخيرها له، واستعصاء هذه الطاقة الشريرة بحيث ما استطاع الإنسان أن يسيطر عليها هما المقصود بالسجود والإباء، وهذا تفسير بعيد والله أعلم.
يُقال أن أحد الصحابة تُوفي في أحد المعارك في ليلة عرسه، فقال الرسول رأيت الملائكة تُغسله بين السماء والأرض (1)، فهل هذا من مهام الملائكة؟ ما جاء به الحديث قبلناه، وما أُسند إلى الملائكة في الحديث أسندناه إليهم والله أعلم.
قسم بعض العلماء الملائكة إلى روحانيين وگروبيين، فهل هذا التقسيم له مستند من الكتاب والسنة؟ الله أعلم، وما رأيت له مستنداً، والكتاب والسُّنَّة يدلان على أن الملائكة أقسام وأن أعمالهم مختلفة، والله أعلم.
كيف تكتب الملائكة الأعمال، وبماذا، وأين يكون مقعدهم من الإنسان؟ الله أعلم وهو شيء ما تعبدنا بمعرفة تفصيله، فعلمه لا ينفع وجهله لا يضر، وإنما علينا أن نحذر أن يكون نصيبنا من قرب الملائكة تسجيل الخطايا علينا، فكما يراقب أحدنا من يراقبه وينقل عنه أفعاله علينا أيضاً أن نراقب ملائكة الله تعالى الذين يسجلون جميع أعمالنا وذلك بحرصنا على الخير واتقائنا الشر والله أعلم.
(1) رواه البيهقي رقم (6606). (1/287)
صفحة 288
288 الفتاوى العقيدة
رأيت في منامي ذات ليلة ملك الموت بعد فناء كل مخلوق، ثم سمعت قول الله له أمت نفسك، فقال: يا رب كيف أميت نفسي؟ أي نفى عن نفسه القدرة على ذلك، ولكن أجد في بعض التفاسير قصة غير ذلك، وإن الله يأمره بإماتة نفسه فيميت نفسه بقدرة الله فما صحة هذا التفسير؟
نعم، هو يميت نفسه بقدرة الله، وإن نفى القدرة عن نفسه فلا يستغرب ذلك، لأنه لا قدرة له إلا بإقدار الله وع، فكل مخلوق لا يستقل بالقدرة، إنما قدرة كل أحد. هي بإقدار الله سبحانه والله أعلم.
ما حقيقة الكلام الذي يصدر من الملائكة عند الاحتضار، هل هو كلام يخرج من الأفواه مثل كلامنا، وكيف يسلم الملائكة على أهل الجنة،
هل يرونهم عياناً أم يسمعون مجرد صوت فقط نرجو الإفادة؟
يخاطبونهم يتحدثون به، فيخاطبونهم بنفس آلة الحديث التي يتحدثون بها، وأما تسليم الملائكة على أهل الجنة، فالله قال عنه:
خطاباً بحسب ما جعل الله الله في ما جعل الله له في الملائكة من سبب
وَالْمَلَيْكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}
[الرعد: 23 - 24]، وهذا دليل على أنهم يرونهم والله أعلم.
كيف نرد على من قال إن الملائكة عبارة عن الأجرام السماوية؟ أعوذ بالله من الضلال. فإن هذا كلام لا يتفق أبداً مع الواقع، فالله الله أخبرنا أنه ينزل الملائكة حيث قال: {نَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} [القدر: 4]، فهل
الأجرام السماوية هي
التي تنزل في تلك الليلة؟ والآيات القرآنية كلها تدل
على خلاف هذا، والله أعلم. (1/288)
صفحة 289
الإيمان بالملائكة
الجزء الأول
289
الملائكة الموكلة بمراقبة الإنسان هل ملكان ملازمان للإنسان أم
يتبادلون؟
الحديث يدل على التبادل (1)، فهناك ملائكة بالليل وملائكة بالنهار يتعاقبون على الإنسان، والله أعلم.
كذلك «ميكائيل» ورد بقراءة ميكال فهل ورد «جبرال» و «جبرائيل»؟ نعم، ورد جبرائيل بثلاث عشرة صيغة مثل «جبرين» و «جبرال» و «جبرائيل» و «جبرائل» و «جبرائيل، ولكن لغة أهل الحجاز «جبريل»
والله أعلم.
(1) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار».
رواه البخاري رقم (7486). (1/289)
صفحة 290
[صفحة فارغة] (1/290)
صفحة 291
الإيمان
بالكتب السماوية (1/291)
صفحة 292
292 الفتاوى العقيدة
الكتب السماوية
من أركان الإيمان الستة الإيمان بكتب الله تعالى، فالله تعالى يقول: قُولُوا آمَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة 136] ويقول تعالى:
قُلْ عَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّون مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84]، ويقول تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَيكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رسُلِهِ} [البقرة: 285]
فالإيمان بما أنزل الله تعالى واجب على الناس فإن لم يؤمن أحد بذلك انتقضت عقيدته؛ لأن العقيدة منبنية على هذا الركن كغيره من سائر أركان
الإيمان.
ولم يأت نص صريح في الكتاب ولا في السُّنة الثابتة المقطوع بها يبين عدد هذه الكتب فعلينا أن نعتقد أن كل هذه الكتب من كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فكتب الله سبحانه جاءت من عنده لإبلاغ هدايته إلى الخلق، والناس مطالبون بأن يؤمنوا بها، وأن يتفاعلوا مع الإيمان بها، ويكفينا أن نؤمن إيمانا إجماليا بهذه الكتب من غير أن نشخص كل كتاب منها بعينه إلا القرآن الكريم فإننا مطالبون بتشخيصه في الإيمان نظرا إلى أننا مطالبون بأن نعمل بمحتواه، ولا يمكننا أن نعمل بمحتواه ونحن نجهل هويته، وكذلك إذا قامت علينا الحجة بمعرفة أي كتاب من الكتب الأخرى فعلينا أن نؤمن به، فإذا قامت (1/292)
صفحة 293
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
293
علينا الحجة بمعرفة التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو صحف إبراهيم، أو صحف موسى فعلينا أن نؤمن بذلك، ولكن هنالك فارق ما بين إيماننا بالقرآن الكريم وإيماننا بتلكم الكتب من حيث إننا أولا مطالبون بأن نعمل بما في القرآن لأن القرآن مهيمن عليها جميعا، ومن ناحية أخرى فإن القرآن لم تمتد إليه يد التحريف والتبديل بخلاف تلكم الكتب فقد لحقها كثير من التحريف والتبديل، فنحن نؤمن بالتوراة ونؤمن بالإنجيل، ولكن إذا قدم إلينا أهل الكتاب كتابا على أنه التوراة علينا أن نقول: آمنا بما أنزل الله، من غير أن نعتبر كل ما في ذلك الكتاب هو الحق الذي جاء به موسى من عند ربه، كما أنه إذا جاءنا أحد من أهل الكتاب وقدم إلينا كتابا على أنه الإنجيل فعلينا أن نؤمن بما أنزل الله من غير أن نعتبر أن كل ما في ذلك الكتاب من الحق الذي جاء به عيسى عن الله سبحانه، وذلك لما لحق الكتابين من التحريف والتبديل بينما القرآن الكريم لم تمتد إليه يد التحريف والتبديل، فالله تعالى يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: 9] فالله تعالى قد حفظ كتابه الكريم القرآن المبين من بين سائر الكتب فهو كتاب ثابت بالقطع كل حرف منه هو من عند الله فلا يجوز لنا أن نشك في حرف مما احتواه بل كل بين دفتيه هو من عند الله سبحانه وعلينا أن نقطع بذلك.
ما
وكما يتميز القرآن الكريم من بين هذه الكتب بكونه محفوظا بأمر الله سبحانه بحيث لا تمتد إليه يد التحريف والتبديل ولا يمكن بحال من الأحوال أن يلحق به ما ليس منه أو يحذف منه ما هو منه، كذلك يتميز القرآن الكريم بإعجازه من بين سائر تلكم الكتب فإنه معجز من حيث لفظه، ومعجز من حيث محتواه فهو معجز بسلاسة أسلوبه، وجمال عرضه، وحسن ترکيبه کتاب عجزت البلغاء عن أن تحاول الإتيان بشيء من مثله (1/293)
صفحة 294
مع
294 الفتاوى العقيدة
أن الله تعالى تحداهم أن يأتوا بمثله، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله، وتحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله فوقفوا عاجزين، وكما أن القرآن الكريم معجز من حيث لفظه فإنه معجز أيضاً من حيث معناه واحتوائه على العلوم التي لا يحتويها غيره من كتاب مع أنه أنزل على نبي أمي كان يعيش في بيئة بدائية في المجتمع العربي وفي جزء لم تمتد إليه يد إمبراطورية فتطوعه للنظام، ولم يمتد إليه شعاع حضارة في ذلكم الزمان، ومع ذلك فإن الله تعالى أنزل هذا القرآن على قلب نبيه بتشريع رباني يكفي البشر لحل مشكلاتهم وتنظيم أمورهم وتصوير حياتهم منذ نزول القرآن وإلى أن يرث
الكون مكونه.
هذا
مع أن الدراسات التشريعية تحتاج إلى سبق دراسات في الأحوال النفسية والقضايا الاجتماعية، وقد تتطاول هذه الدراسات قرونا عديدة، ومع ذلك فإن هذه الدراسات سرعان ما تبوؤ بالفشل، ولا يمكن أن تستوعب مشكلات الإنسانية، فالقانون الروماني - على سبيل المثال ـ وليد دراسة دامت زهاء ثلاثة عشر قرنا توارد عليها كبار رجال القانون وعلماء الاجتماع، ومع. ذلك فإن هذا القانون لم يف بحاجة الناس ولا تمض على شيء منه فترة من الزمان إلا ويحتاج إلى التعديل والتبديل، بينما شريعة الله تعالى التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تتمثل فيما جاء به هذا القرآن، لا تحتاج إلى التعديل أو التبديل في أي وقت من الأوقات، بل هي صالحة لكل زمان ومكان مع تميزها بالاستيعاب والشمول والدقة التي لا توجد في أي نظام
آخر، وهذا ما لا يمكن أن يكون إلا إذا كان تنزيلا من عند الله الله ومن صور إعجاز القرآن الكريم أيضاً احتواؤه على الأخبار الغيبية التي لم تكن معهودة أو معروفة في المجتمع المكي في ذلك الوقت، وما سيحدث من الأمور مع أن واقع الأمر جاء مصدقا لما في القرآن، وكذلك (1/294)
صفحة 295
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
295
اشتماله على العلوم الكونية التي لم تكن تدور ببال أحد في ذلك الوقت، وجاء الاكتشاف العلمي تفسيرا لمحتوى القرآن الكريم، كما وعد الله تعالى بقوله: {سَنُرِيهِمْ وَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)
المؤمن مع
[فصلت: 53] كل ذلك أيضاً مما يعد من ضروب إعجاز هذا القرآن الكريم. والإيمان بكتب الله تعالى ليس هو كالنظريات التي تصدق أحيانا ويتناقلها الناس جيلا بعد جيل، وإنما هذا الإيمان يجب أن يكون عقيدة راسخة في النفس مستولية على جميع جوانب الحياة، فلا بد أن يتفاعل هذا الإيمان، ويدل على ذلك أن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِنَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبِّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ} [السجدة 15 - 16] فالإيمان بالقرآن الكريم يقتضي أن يتجسد هذا القرآن في سلوك المؤمن به، وذلك بأن يُعرف المؤمن بالقرآن الكريم من خلال معاملاته للناس، وأخلاقه وعبادته وجميع شؤون حياته؛ لأن القرآن الكريم تتمثل هدايته في سلوكه أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن، كما جاء في حديث عائشة أم المؤمنين لها، وقد انعكس هذا الخلق العظيم من الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام - على صحابته فكان كل واحد
(10)
ـ
منهم يجسد هداية هذا القرآن في تصرفاته وفي أعماله، بحيث لا يخرج فيما يأتيه وفيما يذره عن هداية القرآن الكريم وهكذا كان السلف الأول، كانوا يعدون مخالفة تعاليم القرآن الكريم خروجا عن مقتضى الإيمان به، وهذا يعني تزلزلا في قاعدة الإيمان نفسها؛ فلذلك كانت عائشة الى تقول لنسوة رأتهن عليهن ثياب رقاق: «ما آمنت بسورة النور امرأة تلبس هذه الثياب»، يعني أن ما نزل في سورة النور من وجوب الاحتشام على النساء بلبسهن اللباس السابغ الساتر يتنافى مع تلكم الملابس التي لا تستر البشرة (1/295)
صفحة 296
296 الفتاوى العقيدة
سترا كاملا كما شرع الله تعالى وذلك لرقة تلك الملابس، والله تعالى نعى على بني إسرائيل الذين طبقوا بعض تعاليم التوراة وأعرضوا عن بعضها، نعى عليهم صنيعهم هذا وعده من باب الإيمان ببعض ما أنزل الله والكفر ببعض منه، يقول الله - تبارك وتعالى ـ:
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِن دِيَارِهِمْ تَظْهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة 84 - 85].
1311
فجعل سبحانه قبولهم بعض ما في التوراة وتطبيقه، والإذعان له، والإعراض عن بعضه إيمانا ببعض الكتاب وكفرا ببعضه، وكذلك المؤمنون أيضاً الذين أنزل الله تعالى عليهم القرآن إن لم يأخذوا تعاليم هذا القرآن
هذه
الكريم بحذافيرها من غير أن يفرقوا بين شيء وآخر، فيجعلوا شيئا من التعاليم من باب جوهر الدين، وشيئا آخر من باب شكله، ويقولوا نحن متمسكون بالجوهر ولا نبالي بالشكل فإن ذلكم يعد من باب الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، ولا يقبل إيمان ببعض مع الكفر ببعض؛ لأنه نقض لعرى الإيمان عروة عروة، والإيمان متكامل لا يمكن أن يقوم على بعض أركانه دون بعض فتلكم الأركان كلها يجب أن تكون متوفرة في بناء هيكل
الإيمان.
ولا يمكن أن تستقر أوضاع هذه الأمة إلا بتطبيق القرآن الكريم لأنها لن تكون على شيء إلا إذا أقامت القرآن كما أن أهل الكتاب ليسوا على (1/296)
صفحة 297
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
297
شيء إلا بإقامة الكتاب كما قال الله تعالى: {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ} [المائدة: 68]، وكذلك أهل القرآن، ليسوا على شيء حتى يقيموا القرآن الكريم، وإقامة القرآن الكريم تكون فردية بحيث يحاسب كل أحد نفسه في تطبيقه تعاليم القرآن، وتكون جماعية بحيث يتعاون المجتمع بأسره على أن يكون قائما على تطبيق تعاليم القرآن وذلك بتعاون أفراده على إنشاء المجتمع الصالح القائم على حكم القرآن، وتكون أيضاً سياسية بحيث تقوم الدولة على تعاليم القرآن، وتأخذ بكل ما فيه من تعاليم سياسية وتشريعية وثقافية واجتماعية وإعلامية واقتصادية بحيث لا يخرج شيء من نظامها عن إطار القرآن الكريم الواسع، فالقرآن ليس فيه تفريط مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، بل فيه كل ما يحتاج الناس إليه، فقد جاء بقواعد يمكن أن ترد إليها جزئيات شؤون الحياة المختلفة، والسُّنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام جاءت موضحة لما انبهم منه، ومفصلة لما أجمل فيه فإليها المرجع في ذلك، والله تعالى يقول مخاطبا عبده ورسوله محمدا: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، فالعودة إلى القرآن الكريم هي العودة الصحيحة إلى الإيمان والإعراض عن القرآن الكريم إعراض عن الإيمان ومن المعلوم قطعا أن من أخذ بحجزة القرآن، ولم يفرط في شيء من تعاليمه فقد أخذ بالعروة الوثقى، وأخذ بهدايات الكتب السابقة جميعها، لأن حصيلة ما في الكتب السابقة من هداية مجتمعة في هذا القرآن، والقرآن الكريم مهيمن على كل كتاب نزل من قبل، فقد أقر ما ينبغي إقراره مما تقتضي المصلحة البشرية، إقراره، ورفع ما ينبغي رفعه مما تقتضي المصلحة البشرية رفعه وإن بعض الأحكام التي جاءت في تلكم الكتب السابقة كانت أحكام آنية تعالج مشكلات وقتية، فإذا انقضى ذلكم (1/297)
صفحة 298
298 الفتاوى العقيدة
الوقت اقتضى الحال أن يؤخذ بغيرها من الأحكام، أما القواعد التي يقوم عليها الدين، وهي العقيدة والأمور الغيبية التي أخبر الله تعالى بها في تلكم الكتب والأخلاق الفاضلة التي دعا إليها جميع المرسلين فهذه كلها مما لا يقع فيها النسخ، لأن النسخ إنما هو في الأحكام التشريعية أما العقيدة فلا يمكن أن يقع فيها، نسخ، إذ النسخ فيها يعني التضارب في الأقوال، ويفضي - والعياذ بالله إلى الكذب، إذ لا يمكن أن يأتي كتاب من عند الله تعالى داعيا إلى اعتقاد الوحدانية مع أن كتابا آخر يدعو إلى اعتقاد التثليث أو التثنية أو وصف الله تعالى بأنه والد أو نحو ذلك مما ينزه الله الله عنه، فجميع الكتب تواردت على تنزيه الله تعالى عن صفات الخلق، وإنما جاءت في تلكم الكتب عبارات متشابهة كالعبارات التي نزلت في القرآن الكريم، والذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه، فأقبلوا على المتشابه وأعرضوا عن المحكم، وما استطاعوا أن يردوا هذه المتشابهات إلى المحكمات ولذلك وقعوا فيما وقعوا فيه من التحريف والتبديل، فإن القرآن الكريم فيه آيات محكمات هن أم الكتاب من حيث إن المتشابهات تعتبر متفرعة عنها ترد إليها، كما يرجع الولد إلى أمه، ولا يمكن أن تجعل أصلا بنفسها، وكذلك الأخبار عن المغيبات، لا يمكن أن يخبر بشيء ثم يخبر بخلاف ذلك الشيء فإن ذلك هو الكذب الذي يتنزه الله تعالى عنه ويتنزه عنه رسله فلا يمكن أن يكون كلام الله مشتملا عليه، وكذلك الأخلاق الفاضلة فإن جميع دعوات المرسلين جاءت بترسيخ الأخلاق الفاضلة في أممهم ولا يمكن أن يدعو أي رسول من رسل الله سبحانه إلى ما يعاكس هذه الأخلاق الفاضلة، فمن أخذ بالقرآن الكريم فقد أخذ بما في الكتب السابقات من هدايات، فإن حصيلة ما في تلكم الكتب اجتمعت في القرآن الكريم. (1/298)
صفحة 299
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
299
نحن مطالبون بأن نُؤمن بالتوراة والإنجيل، فهل يجوز أن نقرأ هذه
الكتب؟
التحريف والتبديل في التوراة والإنجيل واضح، وكفى بأن في التوراة أنَّ
يعقوب خرج ولقي الله - تعالى - وتصارع معه حتى صرع الله تعالى، ولم
يستطع الإنفلات منه فضربه على حُقِه، ولذلك كان يعقوب يخمع وكان بنو إسرائيل لا يأكلون عرق النسا لأجل هذا، ومع ذلك لم يفلته حتى طلب منه
المباركة وباركه
فأي عقل يقبل مثل هذا الكلام، وأي ذوق فضلاً عن عقل سليم يتقبل مثل هذا.
وكذلك في التوراة المحرفة وليست المنزلة على موسى من العظائم في حق الأنبياء ما تقشعر منه الجلود، فالأنبياء وصفوا في التوراة كأنهم قطيع من اللصوص السراق المجرمين السفاكين للدماء الزناة الذين لا هم لهم إلا شهواتهم، فَمِن ذلك ما وصف به لوط أنَّه شرب الخمر وزَنَى بابنتيه وحملتا منه، وما وصف به يعقوب من كونه كان مُجرماً وكان يعتدى على حرمات الناس وينهب أموالهم نَهباً.
وفي الإنجيل من أمثال هذه الأمور التي يدل العقل السليم على عدم تقبلها مِمَّا لا يتسع المقام الآن لبسطه.
فنحن نُؤمن بالتوراة المنزلة على موسى، وبالإنجيل المنزل على عيسى، ولكن نقول بأن ما بيد اليهود والنصارى ليس هو المنزل على موسى وعيسي بل نصوص القرآن دالة على تحريفهما، قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79]. (1/299)
صفحة 300
الفتاوى العقيدة
أسماء الكتب المنزلة
ما هو المدلول اللغوي لكلمة القرآن؟
القرآن مأخوذ من قرأ، يقرأ، بمعنى جَمَع، قال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ
على
أَفْعَال -
وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 17]. ومنه سمي كل من الحيض والطهر قزءاً، ولذلك يجمع القُرء على أقراء باعتبار ضم القاف، لأن فعل قلة، ويُجمع القرء على قُروء باعتبار فتح القاف. وتسمية الحيض
جمع
يجمع
قرءاً من باب تسمية المفعول بالمصدر، لأنه مقروء أي مجموع، وتسمية الطهر بهذا الاسم نفسه لأن في وقته يجتمع الحيض في الرحم، فهذا من باب تسمية الزمان بالمصدر، والقرآن مأخوذ من قرأ يقرأ ـ كما ذكرت ـ فتسميته بذلك لأنه مجموع، فحروفه وكلماته وجمله وآياته وسوره كلها مجموعة، والله أعلم.
ما هو الفرق بين مَن يَقول: يا فارق الفرقان ومنزل القرآن وبين من يقول: «يا فارق القرآن ومنزل الفرقان أيُّهما الأصوب وهل هنالك
فرق؟
القرآن، فرقان، والفرقان أعَمُ مِن القرآن لأن يوم بدر يسمى يوم الفرقان لأنه فرق بين الحق والباطل، وقد آتي الله موسى وهارون الكتاب والفرقان كما جاء في القرآن وكل ما فرق بين الحق والباطل فهو فرقان، والقرآن هو على رأس الفرقان لأنه فارق بين الحق والباطل، فبذلك لا حرج على مَن قال هذا أو قال ذلك؛ والله ـ تعالى ـ أعلم. (1/300)
صفحة 301
الإيمان بالكتب السماوية
المعجزة
الجزء الأول
301
بماذا تفسرون عناية بعض غير المسلمين بالقرآن الكريم دراسة وتفسيراً وترجمة لبعض آياته أو للمصحف نفسه ثم بعد ذلك يصلون إلى مرحلة الإعجاب، ومنهم من يستغل مثل هذه الثقافة للتشكيك، غير أنَّ مِنهم مَن يدخل الإسلام من منطلق هذه الثقافة التي اكتسبها في تِطْوَافِه مع آيات الكتاب العزيز؟ اقتضت حكمة الله تعالى البالغة أنْ يَقرن دَعوات أنبيائه بمعجزات تُثبت أنَّ هذه الدعوات ليست من تلقاء أنفسهم، وإِنَّما هي وحي أوحاه الله تعالى. فكل نَبِي يَقرن الله تعالى دعوته بمعجزة، أي قضية خارقة للعادة خارجة عن مألوف البشر بحيث تعجز عنها ملكاتهم. وقد كان ذلك ملائماً للأمم الذين كانت فيهم نبوات هؤلاء الأنبياء، فكل نبي تكون معجزته منسجمة مع البيئة التي كانت فيها رسالته؛ فَنَبِي الله تعالى - موسى كانت مُعجزته آيةً بَيِّنةً مِن عند الله تعالى تدل على أنَّها ليست من سحر السَّاحِرين لأنَّ الناس كانوا خَبَرُوا السحر وعرفوه ودرسوه واهتموا به فعندما جاءهم بهذه الآية تبيَّن أنَّها خارجة عن نطاق السحر، وأنَّها ليست من مقدور البشر، فلذلك آمن السحرة: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ} [الأعراف: 121 - 122]، وسجدوا الله تعالى.
ونبي الله - تعالى - عيسى بعث في أرض الشام، في جزء من الأرض التي كانت تمتد إليها سُلطة الإمبراطورية الرومانية، وكانت تَشِعُ عليها حضارة الرومان؛ ومن المعلوم أنَّ الرومان هم وَرَثَة الحضارة الإغريقية، فهم وَرِثُوا حُكماء اليونان، وكان مِمَّا وَرِثُوه الطب، وكانوا مُتَقَدِّمين فيه، فلذلك كان الناس على عِلم بالطب وما يقدر عليه وما يعجز عنه، وعندما (1/301)
صفحة 302
302
الفتاوى العقيدة
جاء عيسى بإبراء الأَكْمَةِ والأَبْرَص وإِحْيَاءِ المَوْتَى عرفوا أَنَّ ذلك ليس مِن مقدور طبيب أن يأتي بمثله.
وهذه الدعوة التي بعث بها رُسول الله صلى الله عليه وسلم لَم تكن دعوة موقوتة بزمان، ولا محدودة بمكان ولا كانت لِشَعب دون آخر، وإنما كانت للإنسانية بأسرها بل كانت للعالمين لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1].
وكانت هذه الدعوة ولا تزال دعوة مستمرة في أَعْقَابِ الأَجْيَالِ التي جاءت بعد عهد النُّبوَّة جيلاً بعد جيل، فجميع هذه الأجيال مخاطبة بهذه الدعوة إلى أنْ يَرث الله الأرض ومن عليها.
منسجمة
وقد شهدت الساحة البشرية كثيراً من التطورات في خلال هذه القرون الغابرة، ولا ريب أنَّ المعجزة التي بُعث بها رَسُول الله كانت معجزة متلائمة هذه الظُّرُوف المختلفة المتباينة. مع فالقرآن الكريم أنزله الله تعالى على قلب هذا النَّبِي الأُمِّي الذي لَم يَكن يقرأ من كتاب ولا يَخُطُّه بيمينه، ومع ذلك اشتمل على ما اشتمل عليه من العجائب التي حارت مِنها مَلَكات البشر.
وإذا كانت رسالات المرسلين من قبل ثقرن بمعجزات كونية تنقضي بانقضاء زمنها فإنَّ هذه المعجزة كتب الله تعالى لها البقاء لأنَّ هذه الرسالة - أيضاً - مهيمنة على كل الرسالات السابقة، وهي لا تنحصر في إقليم من هذه الأرض ولا في شعب من شُعوبها، ولا في زمن معين مِن الأزمان التي تتعاقب بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإِنَّما هذه رسالة مُمتدة عبر القُرون إلى أن يأتي أمر الله تعالى يَشْعُ شُعاعها على العالم بأسره.
وقد نزل القرآن الكريم بين قوم من العرب كان اللسان عندهم هو أسمى مفاخرهم التي يُفاخرون بها، فبقدر ما يكون الإنسان بليغاً في قوله سواء كان (1/302)
صفحة 303
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
303
شعراً أو نثرا تكون مكانته بين الناس مرموقة، فإنَّ العرب لأجل وَلَعِهم بالفصاحة والبلاغة كانوا يقتادون من ألسنتهم، فجاء القرآن الكريم ليَقُود العرب من ألسنتهم.
وحي
وجاءهم بهذه المعجزة الباهرة التي أدرك العرب من خلالها أنَّها لا يُمكن أحد أن تكون مِن نَسِيج من البشر أو مِن نَسِيج جماعة منهم، وإنما هي من الله تعالى الذي هو على كل شيء قدير والذي هو واهب القوى والقُدر؛ فإذا بهذه المعجزة تَتَحَيَّرُ مِنها أَلْبَابُ العَرب من حيث البلاغة، إذ جاء القرآن الكريم بأساليب لم تكن من مألوف العرب أن يأتوا بمثلها، وعجزوا عن مُحَاكَاتِها رَغم مُحاولتهم ذلك، واسْتِنْفَار طاقاتهم، ومحاولتهم أن يصدوا عن هذا الوحي بأي وسيلة من الوسائل.
على أنَّ هذا الأثر الإعجازي من حيث التعبير القرآني لا يزال صداه في هذا العالم بأسره سواء عند من نشأوا على اللغة العربية أو عند مَن دَرَسوا هذه اللغة فإنَّهم جَمِيعاً يُدركون أن هذا الأسلوب القُرآني هو فوق أساليب جميع البشر، ولا يستطيع إنسان أن يأتي بمثله.
وإنما مثل هذا القرآن - والله المثل الأعلى - في كونه متركباً من حيث الكلمات ومن حيث الحروف من نفس الكلمات والحروف التي تستخدمها العرب كمثل صنع الإنسان وصنع الله تعالى.
فالمادة التي يصنع منها البشر ما يصنعونه من الآلات التي تتكون من مادة التراب معروفة، فهي مادة جامدة، فقد يُجيد الإنسان صنع إناء ـ مثلاً ـ من مادة التراب ويُجيد نقشه ويُجيد أنْ يُزوّقه بما يُزوّقه به حتى يلفت الأنظار ويَسْتَهْوِي القلوب، ولكن مع ذلك يظل جَمادا لا حَرَاك له ولا إرادة ولا إحساس، بينما الخالق تعالى صنع الإنسان من هذا التراب ـ أيضاً ـ وإذا (1/303)
صفحة 304
304
الفتاوى العقيدة
به سبحانه ينفخ فيه نفخة غيبية من روحه فيخرج الإنسان عن طبيعة التراب وطبيعة المصنوعات من التراب بحيث يكون بَشَراً سَوِيّاً سَمِيعاً بَصِيراً عَاقلاً
من
مفكراً مُدبراً يُؤتى من الملكات ما يُؤتاه، فكذلك القرآن الكريم فيه نفخة الله ـ تعالى ـ مع كونه متركباً من هذه الحروف التي يتركب منها الكلام
العربي، وجُمله مركبة من المفردات التي تستعملها العرب في كلامهم، ذلك فيه مِن السِّرِّ الغَيْبِي ما ما حَيْرَ الأَلْبَاب، وهذا الذي اعترف به
ولكن مع
غير المسلمين.
فنجد من المستشرقين من درس القرآن وأدرك السِّرَّ الغَيْبِي الذي في القرآن الكريم بأنَّه سِرٌ لا يُمكن لملكات البشر أن تصل إلى مثله في
كلامهم
أبداً.
فقد تعقب أحد المستشرقين ما قاله البعض بأنَّ النبي لم يأت بآية مثلما جاء الأنبياء من قبل بالآيات، بقوله: (لقد كان محمد يتلو القرآن والهاً مُدَلَّها فيأتي بما لم تأت به آيات الأنبياء من قبل بحيث يُؤثر على الناس تأثيراً لَم تؤثره آيات الأنبياء من قبل).
معناه
وكذلك عندما طلب من أحد المستشرقين الفرنسيين أن يُترجم اثنتين وستين سورة من سور القرآن، وكان ذلك بتكليف من قبل وزارتي الخارجية والتربية الفرنسيتين، وكان هذا قبل نحو قرن من الزمن أو ما يُقارب ذلك، كتب مُقدمة لهذه الترجمة جاء فيها بأن القرآن لا يُمكن أن يستوفي أسلوب إلا أسلوبه الخاص، ولا لغة إلَّا لُغته الخاصة لأنَّ أُسلوبه أُسلوب إلهي فلذلك أعجز البشر بسحر بيانه. ونجد العرب الأوائل تحدثوا بما تحدثوا به عن عجبهم من هذا القرآن وتأثيره عليهم، كما نجد أيضاً من المتأخرين من تحدث بإعجاب (1/304)
صفحة 305
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
305
عن القرآن الكريم مثل «شِبْلِي شُمَيّل» الذي وصف النبي فقال في
وصفه:
دع من محمد في سدى قرآنه ما قد نحاه للحمة الغايات إنِّي وإن أَكُ قد كفرت بدينه هل أكفرن بمحكم الآيات
الألفاظ
أو ما حوت في ناصع من حكم روادع للهوى وعِظَات وشرائع لو أنَّهم عقلوا بها ما قيَّدوا العُمران بالعادات نعم المدبر والحَكِيم وإنه رَبُّ الفَصَاحَة مصطفى الكَلِمات رجل الحِجَا رَجل السَّياسة والدُّهَى بطل حليف النَّصر في الغارات ببلاغة القُرآن قَد غَلب النُّهى وبسيفه أَنْحَى عَلى الهامات
عاماً
وكذلك الشاعر العربي النصراني القروي الذي كان معروفاً بالشاعر: «الخُوري» كتب وصية قبل نحو ما يقارب ثلاثين من الآن عندما بلغ تسعين عاماً جاء في وصيته هذه: «وتصديقاً مِنّي بنبوة نبينا العربي وإعجاباً مني بمعجزته القرآن أردت أن أكون قدوة لأخواني أدباء النصرانية فأدخل في دين الله»، هكذا يعترف بأنَّ هذه المعجزة معجزة تمتلك ألباب البشر.
هذا من حيث الأسلوب أو بتعبير آخر من حيث الشكل.
أما من حيث المضمون فحدث ولا حرج عن إعجاز القرآن، فإنَّ القرآن الكريم حَيَّرَ الألباب من حيث إخباره عن الحقائق الكونية التي لم تكن تتصور من قبل، وهذا ما وعد به الله تعالى في آياته حيث يقول {قُلْ أَرَعَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدُ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِن لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
[فصلت: 52 - 54].
or (1/305)
صفحة 306
306
الفتاوى العقيدة
فالقرآن وعده ظاهر بأنَّ هذه الآيات ستتكشف للناس في أنفسهم وفي آفاق هذا الكون ووقع ذلك فعلاً، حتى أنَّ الذين لم يكونوا من قبل على الإسلام وقفوا مبهورين أمام هذه الآيات مثل الدكتور «موريس بوكاي» الذي كان على غير الإسلام وتَحَيَّر مِمَّا قرأه في القرآن الكريم من الآيات التي تدل على الحقائق الطبية التي لم تكن تتصور للناس من قبل، ولم يكتشفها البشر إلا بعد مضي ثلاثة عشر قرناً فصاعداً من تاريخ نزول القرآن الكريم، وألف كتابه الذي سَمَّاه: «العلم في التوراة والإنجيل والقرآن» وكان ذلك قبل إسلامه، وذكر أنه من خلال دراسته ـ الدراسة العملية للقرآن الكريم ـ تبين له أنَّ هذا القرآن هو الكتاب الوحيد الذي لم تمسه يد التبديل والتغيير، وأنَّه ظل باقياً كما هو إلى الآن. أما من ناحية التشريع والأخلاق فإنَّ جميع ملكات البشر تعجز عن تأتي بمثل شيء من تشريع القرآن الكريم؛ فمهما كانت تجارب البشر والدراسات النفسية والاجتماعية التي تمر بها الدراسات القانونية حتى تُخرج للناس كل ذلك إنَّما يبقى في حدود طاقات البشر وقدراتهم وعقولهم ثم ينكشف عوارها ويصبح الناس في حيرة من أمرهم وإذا بتشريع القرآن الكريم يظل صامداً أمام التحديات الإنسانية والأطوار البشرية واختلاف موجات العقول بين حين وآخر.
ولكن
أن
غلفا،
مع ذلك فإنَّ الله تعالى غالب على أمره يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، بيده الخير، فهو تعالى يهدي للإسلام قلوباً كانت من قبل وأبصاراً كانت من قبل عمياً وأسماعاً كانت من قبل صُمَّا؛ وهناك من يتفتح
على الحقائق الكونية والدراسات القرآنية، ويجد ما في الكون ينطبق تمام الانطباق على ما أخبر عنه القرآن الكريم مع أنَّ البشر لم يكونوا يتصورون ذلك، ويصل إلى قناعات من ناحية التشريع والأخلاق ومن كل ناحية من (1/306)
صفحة 307
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
307
النواحي التي تضمنها القرآن الكريم؛ ولكن مع ذلك يظل هؤلاء مستمسكين بما كانوا عليه غير قادرين على أن يُؤمنوا بهذا الحق الذي أبصرته عُيونهم ووعته عقولهم وأدركته مشاعرهم وحواسهم. ومِمَّا يُؤسف له أن نجد مع هؤلاء يندفع جماعة مِمَّن ينتسبون إلى الإسلام، ويدعون أنهم ينحدرون من أصول إسلامية، وإذا بهم يرددون كالببغاوات ما عسى أن يكون صدر من هذا أو من ذاك، فتارة يقولون بأن القرآن إنَّما هو من نسيج البشر، وتارة يقولون بأنَّ هؤلاء الأنبياء ما كانوا إلا فلاسفة ... الخ، وهم بهذا الكلام يريدون أن يظهروا بمظهر المتطور عندما يقلدون الآخرين والقرآن يظل صامداً أمام هذه التحديات إلى أن يأتي أمر الله تعالى، والله أعلم.
يتعامل البعض مع حادثة الإسراء والمعراج من خلال الحسابات الفلكية، والبعض الآخر من خلال الرجوع إلى القوانين الفيزيائية بغرض إثبات صحتها، الأمر الذي يرى فيه البعض خروجاً عن موضوع المعجزة أو الكَرَامَة - وهو الأمر الخارق للعادة - إذ كيف يُمكن أن يكون أمراً خارقاً للعادة إذا استَطَعْنا تَنْزِيله وِفْقَ الحسابات البشرية وَوِفْقَ النَّوَامِيس الكونية،
ما هو رأيكم؟ ينبغي يشاء ويفعل ما يُريد، ونحن علينا أن نؤمن بأن الله ل وإِنْ أَوْجَدَ للكون نُظُماً وسُنَناً ونَوَامِيس إلا أنَّه عندما يريد خَرْقَ هذه النواميس وتبديل هذه السنن لا بد من أن يقع ذلك، بأن تكون هنالك جزئيات تحدث فيها حوادث خارقة من هذا النوع وإن كان النظام العام يسير وفق تلك النواميس والسُّنَن التي طَبَعَ الله تعالى عليها الوُجُود، ولذلك شَوَاهد من
أن تحدد ما يُقصد بالمعجزة لا ريب أنَّ الله تعالى يخلق ما (1/307)
صفحة 308
308 الفتاوى العقيدة
القرآن الكريم منها قِصَّة أصحاب الكهف، إذ لا يُعقَل حسب نَوَامِيس الوُجُود وسُنَن الحياة أن يبقى أُناس على قَيْدِ الحياة لمدة ثلاثمائة وتسع سنوات مع أنَّهم لَم يَتَغذوا بشيء في خلال هذه المدة، هذا أمر غير مألوف بحسب عوائد البشر التي اعْتَادُوهَا، وكذلك قِصَّة الرَّجُل الذي أَمَاتَه الله ـ تعالى ـ مائة عام ثُم أَحْيَاه وقد نَصَّ على ذلك القرآن، وكذلك بالنسبة إلى نقل صرح ملكة سبأ إلى سليمان، كل ذلك مِمَّا لا يدخل في مقاييس البشر، فعلينا أن نؤمن بأنَّ الله تعالى على كل شيء قدير، يُصَرِّف الوُجُود كما يشاء، ويُقدِّم ويُؤخّر في هذا الوجود كما يريد.
ومعجزات الأنبياء هي أمور خارقة للعادة، غير مَقْدُورٍ للبشر أن يأتوا بِمِثْلِها، وعلينا أن نؤمن بأنَّه بِجانب هذه المعجزات فإنَّ هؤلاء الأنبياء قد يُكْرِمُهُم الله تعالى بأمور تكون خارجة عن سُنَن هذه الحياة.
وبالنسبة لحادثة الإسراء والمعراج هي خَارِجَة عن سُنَنِ الحياة، ولكن هل نقول بأنَّها معجزة؟ هذه نقطة يجب أن نقف عندها، نحن نؤمن بأنَّ رُسُل الله تعالى قَرَنَ الله وَ دَعواتِهِم بِمُعجزات خارقة للعادات، خارجة عن مألوف البشر، وعن السُّنَن التي عَهِدُوهَا في هذه الحياة، إلا أنَّ ذلك إنَّما كان في مَقَامِ التَّحَدِّي، ففي مقام التحدي كانت معجزة ال في إِبْرَاء إبْرَاء الأَكْمَه والأبرص وإحياء الموتى، وكانت معجزة العَصا التي لَقَفَت كل ما جاء به سَحَرة فرعون، وكانت معجزة إبراهيم إذ لم تُؤثر النار عليه احتراقا، هذا كله إنَّمَا كان في مقام التحدي.
موسي
وهي
أما بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنَّ الله تعالى أراد أن تكون مُعجزته معجزة أَنْ أبدية باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها، لأنَّ رسالته ل لم تكن (1/308)
صفحة 309
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
رسالة مَوْقُوتَة كرسالات المرسلين من قبل، فلذلك كانت معجزته من ضمن رسالته، بل هِيَ وِعَاءَ رِسالته لأنَّ رِسَالَتَه اشْتَمَلَ عليها القرآن الكريم، فإذا بهذا القرآن معجز لجميع طبقات الناس، معجز بالنسبة إلى العرب الذين نزل بين ظَهْرَانِيهِم وهم قد بلغوا في ذلك الوقت شواً بعيداً في الفصاحة والبلاغة بحيث كانوا لا يُشَقُ لَهم غبار في الكلام نَظْمِه ونَثْرِه وسَجْعِه ومُرْسَلِه، ومُعجز ـ أيضاً ـ للأُمم الأخرى، فهو مُعجِز لأهل الكتاب بِمَا كَشَفَ من أحوالهم، وبِمَا عَرَّاهُ من دَخَائِلِهِم التي كانوا يَكتُمُونَها، وَهُوَ مُعجز للأُمم الأخرى إلى قيام الساعة بما فيه من أنباء بِمُغَيَّبات لم تكن تدورُ بِبَالِ أحد فإذا بالواقع يَأْتِي طِبق ما دَلَّ عليه القرآن، وكذلك هو مُعْجِز بالنسبة إلى التشريع المُتقن الدقيق، وهو مُعْجِز بالنسبة إلى الكشف عن مُخَبَّاتِ هذا العالم التي كانت لا تدور بحسبان أحد، فَمِن كُلِّ هذه النواحي القرآن الكريم معجز، وفي مقام التحدّي نجد أنَّ الناس عندما كانوا يَطْلُبُون الآيات يُرَدُّون إلى القرآن الكريم، فالله تعالى يقول: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِتَايَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى} [طه: 133]، ويقول أيضاً: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51]،
ويقول سبحانه: {وَمَا مَنَعَنَا أَن تُرْسِلَ بِالْاَيَتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59]، فالله كل ما أراد أن يَسْتَأْصِل هذه الأُمَّة بِسَبب تكذيبها، بل أراد أن يكون لها امْتِدَاد، وأن يكون لها عَقِب صالح يؤمن بالله ويحمل رسالة الإسلام فَلِذلك جعل هذه المعجزة معجزة تبقى لا تُستأصل، ليكون بها التحدّي في أَعْقَاب الزمن إلى أنْ يَرِث الله الأرض ومن عليها، معجزة متنوّعة في تحدّيها للخلق بِحَسْبِ تَنَوُّع ثَقَافَاتِهِم وتَنَوُّع وَعْيِهِم وتَطَور إِدْرَاكِهِم. (1/309)
صفحة 310
310
الفتاوى العقيدة
وهناك أمور كانت خَارِقَة للعادات وَقَعَت للنبي الله، ولكنها لم تكن في مَقَام التحدّي، فَقَضِيَّة الإسراء والمعراج هي خارقة للعادة، إذ لم تكن من مألوف البشر ولكن فيها ترويح لشخص النبي الله الذي أثقل كاهله بالهموم لما أصاب هذه الدعوة من قبل خصومها، وفيها إكرام للنبي صلى الله عليه وسلم وتعريف بِقَدْرِه، وفيها ـ أيضاً ـ تنبيه على أنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ جاء لِيُوَرِّثَ هذه الأُمَّة مواريث النُّبُوَّات السابقة، ولِيُوَرِّثَها مُقدَّسَاتها، فكان الإسراء به الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى من أجل التنبيه بأنَّ هذه الأمة وَرِيثَة الأمم في مقدَّسَاتِهَا، فعليها أن تحافظ على هذه غير أن تُفَرِّط في أي شيء منها، وهذا لم يكن في مقام التَّحَدِّي، ولو كان في مقام التَّحَدِّي لَطُلب من قريش ـ مثلاً ـ ومن معهم ومَن كانوا في صَفْهِم أن يكْتُبُوا - مثلاً - إلى أهل القدس الشريف أو أن يذْهَب وَفْدٌ مِنْهُم إِلى هناك ليجد هل النبي صلى الله عليه وسلم انتقل فعلاً إلى القدس، فهذه الحَادِثَة حدثت في غيبة منهم، بحيث غَيْبَةٍ منهم، بحيث لم يكونوا على اطلاع على ذلك قط، وإنَّما كان اطلاعهم بإخبار النبي الله لا غير، فبهذا يَتَبَيَّن أنَّ هذا مِمَّا لا يدخل في ضمن الإعجاز، وإن كان هو مِمَّا يدخُل في ضِمْن خَوَارِقِ العادات، والله أعلم.
المقدسات
من
سؤال عما قاله العلماء إنه لو جاء رجل يدعي النبوة وقال: إن أن ينطق الجدار أو الجهاز فنطق وقال: كاذب فإن ذلك
معجزته هي
دليل على تكذيبه، وأن العلماء استثنوا من ذلك ما لو قال: إن
معجزته أن يحي
الميت وعادت الحياة للميت وقال كاذب، فما
سبب هذا الاستثناء؟
سبب هذا الاستثناء هو أن الإنسان من شأنه إذا دبت فيه الحياة ورجع (1/310)
صفحة 311
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
311
إليه الوعي أن يتكلم باختياره فلا يبعد أن يختار الباطل على الحق، بخلاف الجدار، وبخلاف الشيء الذي ليس من شأنه أن يتكلم فإنه لو تكلم لكان كلامه بياناً من الله لحقيقة أمر والله أعلم.
هل تعتبر الكرامة خارقة للعادة كالمعجزة وهل يعد الذي وقع للرسول صلى الله عليه وسلم من نبع الماء خارقاً للعادة لأنه خارج من الدم والدسم؟
هي
الأمر الخارق للعادة في مقام التحدّي المقرون بدعوى
-
المعجزة النبوة، وهي نازلة منزلة قول الله ـ لو أسمعنا الله الله قوله: «صدق عبدي في كل ما أخبركم به عني، وضرب القرطبي لذلك مثلاً ـ والله المثل الأعلى ـ: ما لو إن تحدث أحد باسم ملك من ملوك الدنيا تحدث باسمه، وقال إن الملك يأمركم بكذا ويأمركم بكذا .. إلخ، وآية تصديقه لي فيما أقول لكم أنه بعد انتهائي من هذا الكلام سيخلع خاتمه من إصبعه، فخلع الملك الخاتم من إصبعه، فقد دل هذا الخلع على أنه مصدق لذلك فيما قاله عنه، وكذا قَرْنُ الله الله الدعوة نبي من أنبيائه أنه مبعوث بالحق من عند الله بمعجزة خارقة للعادة دليل على أن الله تبارك وتعالى قد صدقه فيما يقول، وذلك بمثابة قوله لنا «صدق عبدي
هي
المعجزة.
فصدقوه»، هذه وإذا كان الأمر الخارق للعادة قبل النبوة فهو إرهاص، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أظله الغمام والإرهاص بمثابة وضع أسس لنبوة ذلك النبي حتى يعلم الناس شأنه، وذلك كنطق عيسى في المهد، وإذا كان أمراً أكرم الله تعالى به أحد عباده الصالحين من غير النبيين فذلك يسمى كرامة، وإذا كان أمراً أجراه تعالى على يد أحد من عامة الناس فهو معونة، وإذا أجراه على يد كافر، فإن كان أمراً يعتز به ويفتخر به ويظهر به أمام الناس (1/311)
صفحة 312
312 الفتاوى العقيدة
بمظهر يتمناه فذلك استدراج، وإن كان بعكس ذلك فإهانة، كما ذكر بأن مسيلمة بصق في بئر لِيَغزُر ماؤها فجف الماء الموجود فيها، وتفل في عين عوراء لتبصر فعميت الأخرى.
بين
وهذه الآيات الخارقة للعادات التي وقعت للرسول صلى الله عليه وسلم كنبع الماء من أصابعه هي معجزات، لأنها تدل على صدقه ومكانته عند الله، لكنها لم تأت في مقام التحدي، أما المعجزة التي أتت في مقام التحدي فهي القرآن الكريم، والمفسرون والقصاصون ذكروا أشياء كثيرة فأقلوا وأكثروا، ومعظم ما ذكروه لا يمت بصلة إلى الصحة، ومن ذلك ما قالوه إن القمر جاء بعدما انشق في حجم الكرة ودخل في كم النبي وخرج من الكم الآخر وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهذا ما لم يقع أبداً، أما انشقاق القمر فهو حقيقة واقعة لأن الله تعالى أخبرنا بها بينما المشركون فقد جعلوا ذلك ظاهرة سحرية حيث قالوا إن محمداً، سحرنا، كما أخبر الله له بذلك في قوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌ) [القمر: 1 - 2]، والله أعلم.
؟! المعجزات التسع ما هي
هي
الآيات التسع، فالله الا الله يقول: فِي تِسْع وَايَةٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} [النمل: 12] .. وذكر الله الله منها العصا واليد، وذكر أيضاً الطوفان والجراد والقمل والضفادع، والدم من الآيات التي حلَّ رجزها بالقوم الكافرين فرعون وآله فقط، أما بنو إسرائيل فقد كانوا بمنأى عن رجزها، وقد قيل: إن الإناء يضع فيه الإسرائيلي الماء فيجده ماء، ويضع فيه القبطي الماء فيجده دماً، هذه الآيات التي ذكرها وهي الآيات التسع التي أرسل الله ل بها موسى إلى فرعون
الله الا الله
وملائه والله أعلم. (1/312)
صفحة 313
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
313
الإعجاز القرآني
ما رَأَيْكُم في ربط الأحداث بالآيات؟ بمعنى أن يقع حدث ثُم يُقال بِأَنَّ هذا الحدث جاء في سورة كذا، فيقال مثلاً بأنَّ رَقم المُنْتَج الدانماركي هو 57 أشير إليه في سورة الأحزاب من نفس الآية، أو ما وقع في الحادي عشر من سبتمبر أُشير إليه في سورة التوبة، مثل هذا الكلام ما رأيكم فيه؟
هذا كلام يجب أن يُنَزَّهَ القرآن عنه تَنْزِيهاً، فالقرآن الكريم جاء بلسان عربي مبين هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، لا ينبغي أن ننظر فيه إلى الأرقام، أو ننظر فيه إلى مثل هذه الترهات، فهي أمور علينا أن ندعها جانباً، وأن لا نَزُج بالقرآن الكريم فيها، وأما الربط المعنوي بأن يبقى الإنسان موصولاً بآيات الكتاب العزيز وعبره فهو أمر مطلوب.
ففي كل آية من آيات القرآن الكريم التي تذكر أحوال الأمم عِبْرَة للمعتبرين، قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِن قَرْنٍ مَّكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِن لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِي مِن تَحْنِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [الأنعام: 6]، وعندما ذَكَر الله تعالى هلاك فرعون
ومن معه قال:
و إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبَرَةُ لِمَن يَخْشَى} [النازعات: 26]، فهذا مِمَّا يحدث ويتكرر، وعِبَر القرآن تتجدد، والله أعلم.
ما الحكمة من ذِكْر آيات الصوم عَقِبَ آيات الوصِيَّة؟
ينبغي قبل الإجابة عن هذا توضيح قضية مُهمة كان فيها أخذ ورد بين أهل التفسير، فلا ريب أن القرآن الكريم أبلغ الكلام، فقد تحدى الله تعالى (1/313)
صفحة 314
314 الفتاوى العقيدة
به جميع البشر، وفي مقدمتهم العرب وهم في أوج البلاغة وفي ذِرْوَة الفَصاحة لا يُشَقُّ لَهُم غُبار ولا يُصْطَلَى بِنَارهم، وطالبهم بأن يأتوا بمثله فعجزوا، وطالبهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا، وطالبهم بأن يأتوا بشورة من مثله فعجزوا، كما أن هذا القرآن الكريم نَزَل في ظروف مُتباينة وفي أحوال مختلفة، وترتيبه لم يكن بحسب نزوله، لأنَّ في الترتيب قد يأتي المَكِّي بعد المدني، وقد يأتي المتأخر قبل المتقدم، فلذلك كان هذا الترتيب وفق حكمة أرادها الله.
لكن بقي هل هذا الترتيب يَنْتَظِم آيات القرآن وسوره بحيث يكون هنالك تناسب بين آيات القرآن أو ليس هنالك تَناسُب؟
من المفسرين من قال بأنَّه لا يوجد تناسب بين آيات القرآن، فنحن لا نبحث عنه لأنَّ القرآن الكريم قد تنزل الآية من آياته في ظرف من الظروف، ولكن في الترتيب تُقْرَن بآيةٍ أخرى لم تنزل في ذلك الظرف ولا في تلك البيئة ولا لأجل تلك المناسبة ولَم تنزل في زمن يُقارب هذا الزَّمن، فقد تُوضع الآية التي نزلت متأخّرة بعد الهجرة بزمن طويل مع آية مكية متقدّمة نزلت أول الدعوة الإسلامية، فلذلك قالوا لا حاجة إلى النظر في أمر التناسب بين آيات القرآن، ومِمَّن قال هذا الرأي وأيده الشوكاني في
تفسيره.
الآية.
وهناك جماعة كثيرة من العلماء قالوا بأنَّه يُوجد تناسُب يشُدُّ الآية إلى
فالذين قالوا بالقول الأوّل نظروا إلى أنَّ القرآن نَزَلَ في ظروفٍ مُختَلِفَة ولأسباب متباينة في السلم والحرب، والسفر والحضر، وفي مكة والمدينة وما إلى ذلك. (1/314)
صفحة 315
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
315
مَثَلُه - والله
أما الذين قالوا بالتَّناسُب فإنَّهم قالوا بأن القرآن الكريم المَثَلُ الأعلى - كمثل القصيدة الواحدة التي سَبَكَها الشاعر تتناول جوانب متعدّدة، وقد يُسْتَشهَد بالبيت من أبيات هذه القصيدة لِمُنَاسَبَة ما ويُسْتَشهد بِبَيْتِ آخر لِمُناسبة أخرى، لكن ذلك لا يمنع أن يكون هنالك تناسب بين هذه الأبيات، وأن يكون رباط ما بين كلمات هذه القصيدة، فكذلك القرآن الكريم آياته مُترتِّبة مُنتَظِمة وكلماته مَرْصُوفَة متناسِبَة، وهذا من أسرار إعجاز القرآن الكريم، وقالوا بأنَّ القرآن الكريم هو في عِلْم الله قبل أن يَنْزِل إلى الناس حسب هذا الترتب والتَّدوين الذي دونه والانتظام الذي انتظمت سُوَرُه، آياتِهِ، فَهو لَم يَخرُج عن هذا في عِلْم الله تعالى، وقد أَنزَلَه الله بِحَسْب الوقائع فجاءت آياته شفاءً لِمَا في صُدُور الناس وجواباً لتساؤلاتهم، على أنَّه جاء في الرِّوَايات أنَّ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يأمرُ بأن تُوضَعَ الآيات في مَواضِعِهَا من السُّوَر، وهذا يدل على أن القرآن مُتَرَتِّب في عَهْدِ الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهناك من عُلماء القرآن المتأخّرِين مَن كانت نظرَتُه أَعْمَق مِن نَظْرة التناسب وهي نظرة النظام، وهذا ما بَحَثَه الدكتور دراز في كتابه «النبأ العظيم وبحثه أيضاً الأستاذ الفراهي فهؤلاء قالوا بأنَّ القرآن الكريم ليس بَيْنَ آياته تناسُب فَحَسْب بَل بين آياته نِظام، ومعناه وجود سر لتقديم أمر على غيره أو تأخره عليه؛ وكذا في تسلسل الآيات في
ترتيبها.
ونَحن نُؤْمِن ونُوقِن بأنَّ الله عليمٌ بالقرآن وقد أنزله على عبده ورسوله علمه محمد صلى الله عليه وسلم بِحَسْب وبحسب الترتيب الذي أراده تعالى، فجاء مُترتِّباً بعد إنزاله على النبي في ظروف مُختلِفَة حَسْبَ مَا أَرَادَ الله لَه مِن الترتيب، الذي لا بُدَّ من أن يكون لحكمة علمها الله، فالتناسب حَاصِل، (1/315)
صفحة 316
316 الفتاوى العقيدة
ولَكِن مَع هَذا لا نرى أن نتكَلَّفَ البحث عن وُجُوهِه، بل نتحدث عمَّا
انْكَشَف لَنَا مِن وُجُوهه.
وقد اختلف العلماء في التناسب فمِنهم مَن حَصَره بين آيات الشورة
الواحدة.
ومِنهم مَن رَبَط حتَّى بَيْن السور بِهَذَا التَّناسُب وبهذا النظام الذي
أشرنا إليه.
لأن القصاص
ونحن نرى أنَّ آيات الوصِيَّة جاءت بعد ذِكْرِ القِصاص، إيذان بالموت، إذ يعني قتل أحدٍ استَحَقَّ القتل، وهذا الذي هو مُستحق للقتل لا بد له من أن يستعِدَّ لِلقَاء الله تعالى بأن يتوب ويتَجَرَّد من مَعاصِيهِ التي ارتكبها وأن يُذْعِنَ لأَمْرِ الله وينقاد لحكمه ويسير في دَرْب طاعته، ومِنْ ذَلك أن يُوصِيَ بِمَا عليه من التَّبِعَات ويؤدي الحقوق التي هي واجبة عليه لِذَوِي قَرَابَتِه، فلذلك شرعت الوصية في هذا المقام وبينت أحكامها.
أما كون آيات الوصية تُلِيَت بآياتِ الصّيام فلأن الوصية هي مِنْ ضمن الانقياد لأمر الله والإذْعَان لِطَاعَته، والوصية يُطالب بها كل إنسانٍ في أي حالٍ من الأحوال فكل واحدٍ مُطالب بأن لا تمر عليه ليلتان إلا ووصيَّته مكتوبة عند رأسه استعداداً للقاء الله، ومعنى الاستعداد للقاء الله أن يلزم العبد تقوى الله تعالى والصيام من أسباب الاستمساك بالتقوى، وقد قرن الله تعالى ما بين الأمر بالصيام وما بين ذكر التقوى، وبيَّن الغاية من مشروعية الصيام التقوى إذ قال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]،
والله أعلم.
أن (1/316)
صفحة 317
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
317
وجدت من الكتابات ما يوجه انتقاداً صريحاً لِمُشكِلَة مِن مُشكلات
انه
العصر ثُم يَطرَح فيها الكِتَاب حَلا يَنْبَثِقُ مِن مبادئ القرآن الكريم مع ربَّما لَم يطلع على القرآن الكريم أو لَم يَستَنِد على شيء من الرؤى التي أتى بها القرآن الكريم ومع ذلك يأتي بحل أو بطرق للخلاص من هذه المشكلة، وهذا يُلاحظ باستمرار بين الفينة والأخرى، ما هو تفسيركم لمثل هذا الحال؟
إنَّ القرآن الكريم هو أُعْجُوبَة الدَّهر، والكتاب الخالد الذي لا تَبْلَى حِدَّتُه ولا تَفْنَى عجائبه ولا تنقَضِي عَطَايَاه، فهو يتجدد بتجدد العصور، ولا يعني ذلك أن القرآن الكريم ينزِلُ من جديد بِما لَم ينزل به من قبل، وإنما مع كونه اختُتِمَ إنزاله باختِتَام نُبُوَّةِ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عندما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا أن عجائبه تسع الحياة بأَسْرِهَا وعطاياه تَسَعُ أَطوار الزمن وحُلُوله تَسْتَوْعِبُ مُشكلات الدهر، فَكُل مُشكِلَة من مُشكلات الدهر يكون حلها في القرآن، وهذا من إعجازه، ذلك لأنَّ الله تعالى أراد له الخُلُود، وأراد أن يكون عطاؤه غير محدود بزمن دون زمن ولا بأمة دون أُمة ولا بمحيط من الأرض دون غيره، بل عَطاء القرآن الكريم يَتَّسِع للعالمين، لأنَّ الله أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليكون للعالمين نذيراً، وقد وصفه بأنه ذكر للعالمين: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرُ لِلْعَالَمِينَ} [ص: 87]، {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرُ لِلْعَالَمِينَ} [القلم: 52] {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 90]، فالقرآن الكريم كتاب عالمي وإعجازه متنوّع من حيث الشكل ومن حيث المضمون.
فَمِن حيث الشكل كونه نزل باللسان العربي الذي كان لساناً دَارِجاً عند العَرَب مَألُوفاً سواء من حيث مفرداته أو من حيث جُمله أو من حيث حروفه، ذلك خاطب العرب بِهَذا اللسان فجاءهم بِما لَم يَأْلُفُوه من القول،
ولكن مع
وقد كانوا يَنْقَادُون الأَلْسِنَتِهم فاقْتادَهُم من ألسنتهم، مع أن اللسان العربي
قد (1/317)
صفحة 318
318 الفتاوى العقيدة
صَقَلَتْهُ الأجيال التي مرَّت جيلاً بعد جيل قبل نُزُول القرآن حتى وصل إلى ذروة سنام النَّصَاعَة والوضوح وقوة التعبير وصار لا يَرْقَى إِلَى شَأْوِهِ أَيُّ لسان آخر تهيئة لأن يكون هذا اللسان وعاءً لِكَلام الله المُنَزَّل للتحدّي والإعْجَاز، فلما نزل القرآن بهذا اللسان بَزَّ بلاغة البلغاء وتحداهم أن يأتوا بمثله فَعَجَزُوا، وتَحدَّاهم أن يأتوا بِعَشْر سُوَر من مثله فعجزوا، وتحداهم أن يأتوا بشورة من مثله فعجزوا، واستَنْفَر هِمَمَهم وَأَرْخَى لَهم العِنان بِحيث وَسَّع لَهم المجال أن يستَعِينُوا بِمَن شَاءوا مِن ظُهَرَائِهِم وأَن يُجرِّبُوا مَلَكَاتِهِم بكل حماس حتى يأتوا بما يُشْبِه القرآن الكريم، ولكن مع ذلك وَقَفُوا حَيَارَى، ولا رَيْب أنَّ هذا التحدّي مُستَمِر في كل عصر، فلا يُمْكِن أَن يَأْتِيَ أَحَدٍ بِمِثل
جميع
ومع
القرآن الكريم في عِبَارَاتِه وفي حُسْن أَدَائِه في أيّ عصر من العصور. ذلك فإن التطورات لم تقف عند حد، بل تتجدد معارف وأحوال وتنكشف أمورٌ لَم تكن ظاهرة من قبل، ورغم ذلك فالقرآن الكريم يسبق هذه الاكتشافات ويَسْبِق جَمِيعَ هَذِهِ الأطوار. وهو من حيث التشريع بَلَغ الأَوْج في مَتَانَته وعُمْقِه وقوته، فالقرآن جاء بِمَا يَعْجِزُ عنه جميع الناس ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، فلا يمكن للبشر كيفما كانوا أن يأتوا بمثل هذا التشريع الذي جاء به القرآن القرآن الكريم نَزَل في بيئة بِدَائِيَّة أُمِّية مَحدُودَة قَبَلِيَّة، لَم
الكريم
الكريم، مع
أنَّ
تكن ذات نظام سُلْطَانِي، أو أَمِيرِي، إذ لم يكن هنالك أمير أو سلطان فضلاً عن أن يكون إمبراطوراً يحكم جزءاً كبيراً من العالم، وهذه البيئة التي نَزَل فيها القرآن ما كانت خَاضِعَة لِنظام من هذه الأنظمة المدنية المعروفة آنذاك، والرَّجُل الذي نَزَل عليه القرآن لم يكن يَتولَّى أُمُور الناس إذ لم يكن مُتَأمّراً على الناس يرجعون إليه في مشكلاتهم وحَلْهَا، وإِنَّمَا كان من هذه الناحية
كَسَائِر الناس. (1/318)
صفحة 319
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
319
ولكن مع ذلك نَزَل القرآن الكريم بِمَا يَسَع العالم ومشكلاته التي تتجدد مع تطورات الزمن إذ كل طَوْر من هذه الأطوار التي تَمُرُّ بها الحياة يُفْرِزُ مشكلات عِدة، إلا أنَّ القرآن يَسْتَوْعِبُ هذه المُشكلات بِأَسْرِهَا، ويَحُلُهَا حَلاً جذرياً لا مَثِيلَ لَهُ قَطَّ، فهناك مُشكلات حَدَثَت في هذه القُرُون المُتَأَخَّرَة بعدما نزل القرآن بنحو اثني عشر قرناً أو ثلاثة عشر قرناً أو أربعة عشر قرناً وإذا بِحُلُولِ هذه المُشْكِلات في هذا القرآن الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ.
ونَحن إِنْ جِئْنَا إلى أيّ مُشكلةٍ مِن المُشْكِلات الاجتماعية أو الاقتصادية أو التربوية أو غيرها من المُشكلات نَجِد حلَّها في القرآن الكريم، ومَعَ أطوار الحياة ومع ما يكتشف الناس من أسرارها من خلال التجارب التي تَمُرُّ بِهِم في أطوارها يَتَبَيَّنُونَ أنَّ القرآن الكريم هو حق من عند الله سبحانه، ولا يُمكن أن يكون صُنْعَ بَشَر، وقد أنزل الله تعالى كتابه وِفْقَ مَا أَبْدَع عليه نظام هذا الوجود.
ونحن نرى أنّ التشريعات البشرية تَمُرُّ بِأطوار طويلة المدى، فيها دراسات نفسية واجتماعية وتتضافر عليها جهود الكثير من الخُبَرَاء ذوي التخصصات المُتنوّعة النفسية والاجتماعية، وغيرها ولكن مع. هذا كُلَّه فَإِنَّ هذه التشريعات سُرْعَان ما يتَكَشَّفُ عُوَارُهَا ويَتَبَيَّنُ خَلَلُها ويبدو أنَّها لا يُمْكِن أن تكون حلاً لِمُشْكِلات هذه الإنسانية بخلاف التشريع القرآني. فلو جئنا إلى التشريع الرُّومَانِي نجد أنه نتيجة تجربة ظَلَّت زُهَاءَ ثلاثة عشر قرناً تَضافرت عليها جهود كثيرٍ من الخبراء النفسيين والاجتماعيين، ومع ذلك يحتاج هذا التشريع بين حين وآخر إلى أن يُطوّر ويُبدَّل ويُعدل بخلاف تشريع القرآن الكريم، وعندما حَدَثَت الثورة الصناعية الكُبرى في العالم الغربي تَمَخْضَت هذه الثورة عن ميلاد نظام مالي جديد وهو النظام (1/319)
صفحة 320
320
الفتاوى العقيدة
الرأسمالي الذي كان مُشكلة المشكلات في العالم، وعانى منه العالم الكثير الكثير من الويلات، وكانت الطَّبَقَات الكَادِحَة الفَقِيرَة تُجْهَدُ نَفْسَهَا وتَصُبُّ عَرَقَهَا مِن أَجل أن يكون جَهدُها ثَمرةً سَائِغة لأولئك الذين كان المال دولة بينهم، وهذا مما أدى إلى الثورات التي تَمَخَّضَت عن النظام الشُّيوعي الذي ظَنَّ الناس أَنَّهُم سَيَجدون فيه مُشْتَهَاهُم وأنَّه الفردوس الذي يَحلُمُون به، ولكن لَم تَمْضِ فترة من الزمن إلا وتكشف عُوَارُ هذا النظام وأصبح جحيماً لا يُطاق، وسعيراً يأكل الأخضر واليابس ويَلْتَهِمُ الطَّارِف والتَّلِيد ويُهلك الحَرْثَ والنسل، وقد فشل فشلاً ذريعاً، وهذا يعني أنَّ النظام المالي الذي
يصلح لحياة الناس إنَّما هو النظام الإسلامي الذي جاء به القرآن الكريم. وحَسْبُنَا أَنْ نَجِد أنَّ مشكلة الاقتصاد محلولة في جزء آية من كتاب الله، هذه الآية اشتملت على حلّ الكثير من المُشكلات سواء في الجانب الفكري أو الجانب الاجتماعي أو جوانب أخرى في هذه الحياة، ومن بين هذه المشكلات المشكلة الاقتصادية، فقد جاء حل هذه المشكلات جميعاً في آية واحدة وهي قَوْلُ الله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّينَ وَعَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآلَى الزَّكَوةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَبِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَيكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، فعندما ننظر إلى هذه الآية الكريمة نَجِد في بدايَتَها حَلَا لِمُسْكِلَة التَّصَوُّر الضَّال المُنْحَرِف الذي كان عند الناس سابقاً، ذلك التصور الذي جَعَلَهم يتَّخِذُون مع الله آلِهَة أخرى، وجَعلهم مَقطوعِين عن عالم الغيب، فجاء حَلٌّ هذه المشكلة في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَيْكَةِ
وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّينَ. (1/320)
صفحة 321
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
321
ثم أتبع ذلك حل المشكلة الاقتصادية عندما قال: {وَآلَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ، وهذه حُقُوق مِن غَير الزَّكاة بِدَليل أنَّ الزكاة عُطِفَت على هذه الحقوق الماليَّة مع الصَّلاة عندما قال الله - تعالى - على أَثَرِ ذلك وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآلَى الزَّكَوْةَ.
وهذا يعني
أنَّ هَذِه الحقوق مِن غَير الزكاة، ولذلك قال العلماء المُحقِّقُون بأنَّ في المال حقاً مِن غَيْر الزكاة يختلف عن الزكاة من حيث إنه لا يَنْحَصِر في نصابِ مُعيَّن ولا في أصنافِ مُعيَّنَةٌ ولا يَحتاج إلى أن يَمُرَّ عليه وقت مُعيَّن، وإنَّما هو بِحَسْب الحاجة، فعندما يَجِدُ الإنسان مُضطَراً من إخوانه عليه أن يُوَاسِيَه بِما عنده من المال، ومن وجد مضطراً إلى الطعام وعنده فضل منه فعليه أن يُعْطِيَه منه بِقَدْرِ ما يَسُدُّ ضَرُورَتَهُ، مَن وجد مُضطراً إلى الكِسْوَة وعنده فَضل مِنَها فعليه أن يَكْسُوَه، كذلك عندما يكون الإنسان في مُجتَمَع لا يَجِدُ فيه سَكَناً لِنَفْسِه وهُناك من الناس من عندهم فضل في السُّكْنَى فَعَلَيهم أن يؤوه ولا يجوز لَهم أن يَترُكُوه في العراء وهكذا، فهذا هو الحل الإسلامي لِمُشْكِلَة الاقتصاد، ولا ريب أنَّ الإنسان يُدْرِك أنَّ هذا الحل حَلٌّ رَبَّانِي جاء لتربية النفوس على الأخلاق الحسنة في المُعَامَلة.
والمال الذي بِيَدِ الإنسان مَالُ الله تعالى لا يُخَوَّلُ الإنسان أن يتصرَّف فيه كما تشتهيه نفسه وإنَّما يتصرف فيه وفق المعايير التي أنزلَها الله سبحانه، فالمال مال الله بِدَليل أن الله تعالى يقول:
وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِى آتَنكُمْ} [النور: (33)، والإنسان مستخلف فيه، ومعنى الاستخلاف أنه مسؤول عنه، وعليه أن يتصَرَّف فيه وِفْقَ أوامر ربِّه الذي استخْلَفَه فيه ومَكَّنَهُ منه، فالله - تعالى - يقُول: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمُ مسْتَخْلَفِينَ فيه} [الحديد: 7] ولأجل ذلك حَرَّمَ الله تعالى أن يُحَاوِلَ الإنسان (1/321)
صفحة 322
322 الفتاوى العقيدة
الإثْرَاء على حساب الآخَرِين، ولذلك حُرّم الغِش في الإسلام، وحُرِّم الرَّبَا والشرقة والاحتيال والمُخَادَعَة وضُرُوبُ الغَرَر ومن بينها المُقَامَرَة، لأنَّ كل سبيل غير شريف لأخذ المال مُحرَّم في الإسلام، وإِنَّمَا يُكتَسَب المال بِالطُّرُق المشروعة التي أذِنَ الله تعالى أن يُكتسب منها المال.
والإسلام الحنيف نَجِدُهُ وَسَطاً بين أَمْرَين، فهو يختلف عن الرأسمالية التي تُبِيحُ للإنسان أن يُثْرِيَ على حِسَاب الآخرين ولو شَبعَ على حساب البطون الجائعة أو اكْتَسَى على حساب الأجساد العارية ولو تَوفَّر له المال على حِسَاب الطَّبَقات الفقيرة الكَادِحَة، فالإسلام لا يُبيحُ ذلك بل يأمر الإنسان أن يكون في اكتسابه للمال على منهج ربَّانِي يَرْعَى حُرُمات الله - تعالى - ويرعى حقوقه فيما يكتسبه من المال، وهو أيضاً يختلف عن الشيوعية التي حرَّمت التملك، مع أنَّه أمرٌ فِطْرِي، والإنسان بحاجة إليه، بينما الإسلام لَم يُبحْ للإنسان أن يَمْنَع غيره من التَّمَلُّك، بل لِكُلِّ أحدٍ الحق في أن يتملك، لكن على أن يكون تملكاً شريفاً مُؤَطَّراً في إطار الفضيلة والأخلاق.
وبَيَّن حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الإنسان مسؤول عن مَالِهِ سُوَّالَيْن سؤالا عَن گشبِه وسؤالا آخر عن إِنْفَاقه، فليس للإنسان أن يَتَصَرَّف في المَالِ كَمَا تَهْوَى نفسه، بل يتَصَرَّف وفق المنهج الذي رَسَمَهُ الله تعالى لعباده، وهو منهج يَصُبُّ في مَصَبِّ الأخلاق، فالله تعالى يُحِبُّ من عباده الأخلاق الفاضلة، ولذلك وصف النبي الله بالخلق عِنْدَمَا قَالَ {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].
فالإسلام يدعو الإنسان إلى إنفاق المال في إطار الفضيلة والأخلاق، فليس له أن يتصرف كَمَا تُمْلِي عَلَيه شَهْوَةُ نَفْسِه، بل حتى في الخير عليه أن يكون وسطاً بين طرَفَيْ التَّبْذِير والتَّقْتِير، وإِنَّما يُنْفِقُ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُ شَأْنَ (1/322)
صفحة 323
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
323
الآخرين ولا يَضُرُّ بِنَفْسه، فالله - تعالى - يُوَجِّهُ إلى هذا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وهو توجيه لجميع عباده إذ قال: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَعْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الإسراء: 29 - 30] والحق تعالى يأمر في إيتَاءِ ذَوِي الحقُوقِ حُقُوقَهُم أَن يَكُون ذَلكَ مِن غَيْر خروج عن حُدُودِ الاعتدال إذ يقول الله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26 - 27].
وفي نفس الوقت نَجِدُ أنَّ تناول الإنسان لِقُوتِه وشرابه إِنَّمَا يكون في حدود الاعتدال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف 31] ولا يَجُوز أن يَخرُجَ الإنسان عن حُدُودِ الاعتدال في مَلْبَسِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَأْكَلهِ وأي نفقةٍ يُنفقها على نفسه، فالإنسان يُسأل سؤالين عن المال، مِن أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟، وهذا ما دَلَّ عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «لا تَزُولُ قَدَما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسْأَل عن خمس: عن عمره أَفْنَاه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا
فيم
عَمِلَ فيم عَلِم».
ونَحنُ إذا جئنا إلى التشريعات القرآنية والنبوية فيما يتعلق بحياة الناس الاجتماعية نجد أنها تشريعات لا يُمكن أن تُعادَلَ بأي تشريع آخر، ولا تُدَانُ بِعَدم تطبيق المسلمين لها، فإذا كان هنالك تقصير فليس في الإسلام وإنَّما هو تقصير في المَحْسُوبين على الإسلام.
ولو جئنا إلى قضية المرأة فالقرآن بَوَّأَهَا المُبَوَّأُ اللائِقَ لَهَا مِن غَيْرِ إِفْرَاطٍ ولا تفريط، وأنزلَهَا المُنْزَلَ اللائِقَ بِهَا وكَرَّمَها تكريماً لم تُكرَّم مثله في أيّ
(1) رواه الترمذي (2601). (1/323)
صفحة 324
324 الفتاوى العقيدة
نظام، فبالنسبة إلى العلاقة الزوجية جَعَل الحقوق مشتركة بين الزوجين سواءً بِسَواء إلا قضية القِوَامَة مراعاةً لِفِطْرَة المرأة وطَبيعَتِها، فالله - تعالى - يقول: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةُ} [البقرة: 228)، وهذا إِنْصَافُ لَم تجد المرأة مثله في أي نظام آخر، وجعل العلاقة الزوجية علاقة اندماج ما بين الزوجين كأنما يُشكلان جَميعاً حقيقةً واحدة عندما قال تعالى:
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَقًا غَلِيظًا} [النساء: 21] فكأَنَّمَا اختلط الزَّوْجَان وصَارًا حقيقة واحدة الرجل بعض هذه الحقيقة والمرأة هى البعض الآخر.
كذلك لو جئنا إلى حُقُوق الأبوين وإلى حُقُوق الأرحام والجوار وبقية الحقوق المشروعة في الإسلام نجد أنَّ هذه الحقوق لَم يُوجَد مِثلُها في أَيِّ نظام آخر.
فإن وُجِدَ الآن مَن يُنَادِي بِمِثْل هذه الحلول التي جاء بها القرآن فذلك لأنَّ الفطرة تَسُوقُ الناس سَوْقاً إلى القرآن رَضُوا بذلك أم أبوا، والله تعالى يُبيّن أن هذا الإسلام إنَّما هُو فِطْرَة الله إذ يقول: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30)، والله أعلم.
هَلا بَيَّنْتُم لَنَا الإعجاز التشريعي فيما يتعلق بالحفاظ على الأُسْرَة والسَّعي لِدَيْمُومَتِها في ظل الأمان والاستقرار؟
إن التشريع القرآني من جَميع وُجُوهه معجز، فهو معجز لأنه يأتي على المُشكلة البشرية فَيحُلَّها حَلاً جذرياً، إذ يتَغَلْغَلُ في أعماقِهَا فَيُبَدِّدُهَا تَبْدِيداً
بعلاجه الشافي. (1/324)
صفحة 325
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
325
والإسلام أعطى الأُسْرَة مكانتها لأنَّها نواة للمجتمع، فالإنسان مدني بِطَبْعه، ومِن مَدَنِيَّته الترابط الأسري بحيث إنَّ أفراد الأسرة الواحدة تشد بعضهم إلى بعض رابطة متينة فيشكلون في ترابطهم سلسلة محكمة الحلقات، كما أن الأسر في المجتمع تغدو كل أسرة في سلسلته حلقة موصولة بأخواتها بإتقان وإحكام.
وقيام الأسرة هو الزَّواج الشرعي الذي رَغْب الله تعالى فيه وامْتَنَّ به على عباده عندما قال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72]، وقال أيضاً:
يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] وقد امتَنَّ بِهَذِهِ النِّعْمَة العَظِيمَة وجَعَلَها مِن آياته الدَّالَّة عليه عندما قال سبحانه: وَمِنْ عَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
نعم القرآن الكريم شَجَّعَ عَلَى هذه العلاقة الطَّاهِرة المُقدَّسَة التي تكون بين الرجل والمرأة لِئَلا ينْزِل الإنسان - الذي شرَّفَه الله تعالى بالعقل ومَيَّزَه بِمَا آتَاه مِن المَلَكَاتِ الظَّاهِرَة والباطِنَة، وبَوَّأَهُ مُبَوَّةَ التَّكْرِيم إِذ جَعَلَه خليفةٌ في هذه الأرض - مُنْزَلَة الحيوانات العجم التي يَنْزُو بَعضُها على بعض من غير نظام ولا رباط، إذ جَعَل الله تعالى قضاء الوَطَر ما بين الرجل والمرأة مُؤَطَّراً في إطار الفَضِيلَة وفي إطار العلاقة الاجتماعية التي لا تَشُدُّ الفَرْدَ إلى الفَرْد فَحَسْب ـ بحيث تشُدُّ الرجل إلى المرأة وتشُدُّ المرأة إلى الرجل - وإنَّما بجانب ذلك تشُدُّ الأسرة إلى الأسرة إذ تُوجد الرّباط بين أسرة الرجل وأسرة المرأة، فيكون بينهما الترابط والوئام والرحمة والحنان. (1/325)
صفحة 326
326 الفتاوى العقيدة
ونجد أن القرآن الكريم أعطَى كُل ذي حق حقه، فأعطى المرأة حقها كاملا غير مبخوس كما أنَّه أعطى الرجل أيضاً حقَّه وافرا، فقد أعطى المرأة حقَّها إِذ جَعَلَهَا مَصُونَة مُكرَّمة، وجعل هذه العلاقة مقدسة، على الرجل أن يَرْعَاهَا وأن يُحَافِظَ عليها، وقد أعطى المرأة في الحقوق الزوجية ما أَعْطَاه الرَّجُل من غير تمييز ما عدا القِوَامَة التي تَتَناسب مع طبيعة الرجل وفِطْرَتِه التي فَطَرَهُ الله ـ تعالى ـ عليها، فالله ـ تعالى ـ يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) [البقرة: 228]، فلَهن من الحقوق على أزواجهن ما عليهن من الحقوق لأزواجهن بالمعروف، وإنَّما هنالك درجة القوامة التي جعلها الله ـ تعالى ـ للرَّجل بسبب أنها هي التي تتناسب أَنَّهَا فِطْرَتِه، إذ المرأة مع مع تقلبات فكرها وتأثرات عاطفتها لا تستطيع أن تقوم بهذه القِوَامَة المشروعة فلذلك كانت القوامة من شَأْنِ الرجل ولكن الحقوق مشتركة ما
بين الجانبين.
وليس ذلك فحسب بل الإسلام دَلَّ على أنَّ هذه العلاقة ما بين الزوجين هي شركة يَشْتَرِكَان فيها ويَمْتَزِجَان مَعاً بحيث إِنَّ مَشَاعِرَهُمَا وَأَحَاسِيسَهُما وأهدافهما تكون واحدة، وبينهما التداخل والامتزاج الذي لا يحصل ما بين غيرهما، فالله تعالى يقول: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 21] فقد قال كيف تأخُذُونَه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ولم يقل: «وقد أَفضَيْتُم إليهن» للإيماء إلى هذه الشركة التي تحصل ما بين الزوجين وتَجْمَع ذَواتَهُما حتى تكون كأنَّها ذات واحدة تجمع الأحاسيس والمَشاعِر والأهداف والتَّوَجُه بِحيث يكونَانِ بِمَثَابَة الشَّخص الواحد، ومَعَ هذا يُشِير إلى وُجُوبِ مُرَاعَاةِ ذلك المِيثَاقِ الغَلِيظ الذي أخذته المرأة على الرجل، وقد قال كثير من المفسرين إن الميثاق الغليظ هو مَا دَلَّ عليه قول الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، أو (1/326)
صفحة 327
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
327
مَا دَلَّ عليه قوله: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنٍ} [البقرة: 229]، وأن ذلك مِمَّا يُذكر في عقد الزواج فيُجعَل مِن الميثاق المأخوذ على الرجل.
ولكن من المفسرين المُحققين من ذهب مذهباً آخر في تحديد هذا
في
الميثاق الغليظ، وهو أنَّه ميثاق فِطْرِي، ذلك لأنَّ المرأة تنْشَأ أول ما تنْشَأ كنف أسرة كريمة بين أبوين حانييْن رؤوفَيْن عطوفين يرعَيَانِها ويحرصان على مصلحتها، حتى إذا بلغت أشُدَّهَا نَازَعَتْها فطرتُها إلى الانتقال إلى كَنَفِ شخص آخر لا تكون على معرفة به من قبل فقد يكون من بلد غير بلدها، أو من شعب غير شعبها، أو مِنْ أَهلِ لُغَةٍ غير لُغَتِهَا، ولكن مع ذلك تُؤْثِر الارتباط به وتراه من الضرورة، فتخرج من عُشْها الذي نشأت فيه ومن الأَبَوَيْن الحانِيَيْن الرَّؤُوفَيْن الرَّؤُومَيْن إلى شخص آخر لَم يَكن لَهَا بِهِ عَهْدٌ مِن قبل، وما ذلك إلا لأجلِ نَوَازِع الفطرة التي في نفسها، فإِسْلاسُهَا قِيَادَهَا له واتِّباعها له وقبولها بأن تكون في كَنَفِه وأن تنتقل إليه هو ميثاق فطري بينه وبنيها، فيجب عليه أن يرعاه وأن يُحافظ عليه.
كنف
والحق أن الميثاق المأخوذ على الرجل للمرأة هو مركب من ميثاق فطري وميثاق شرعي وكلا الميثاقين في غاية القوة ومسؤليته من أعظم المسؤوليات.
6
والإسلام مِن كُلِّ ناحية من النَّواحِي يراعي عواطف المرأة وأحاسيسها ومشاعرها، فالله تعالى مَنَعَ وَلِيَّ المرأة أن يعضُلَها مِنْ أَن تَنْكِحَ الزوج الذي اخْتَارَتْهُ لِنَفسها، فالله - تعالى - يقول: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ بالمعروف} [البقرة: 232]، والآية وإن كانت نَزَلَت في المُطلَّقَات اللواتي يُرِدْن أن يَرْجِعن إلى أزواجهن الذين طلَّقُوهُنَّ بعد انقِضَاءِ العِدة مع عَضْلٍ أَولِيائِهِنَّ لَهُن إلا أنَّ هذا الحكم ينطبق على كل امرأة تزوجت من قبل أو لم تتزوج، إذ لَها الحق في أن تَخْتار شريك حياتها، فلا تُجْبَر المرأة على (1/327)
صفحة 328
328 الفتاوى العقيدة
28
التي
الزواج بِمَن لا تُريده، إذ رِضَاهَا شرط من شروط صحة العقد لأنَّهَا هي تُعاشِر الزوج، وتنتَقِلُ إِلى كَنَفِه، وتُشَارِكُهُ الحياة والآمال والآلام، فَجَديرٌ بهذه الشركة أن تكون عن رضا منها وطَواعِيَّة لا أن تكون بِإِكْرَاه، فليس لِوَلِيُّهَا أن يَجبُرَهَا على مَن لا تُريده، وإنَّمَا يَرعَاهَا بِحيث يَمْنَعُها مِن أن ترتبط بالشخص الذي ربَّما لا تحمد عاقبة الأمر عندما ترتبط به، لأنَّ المرأة ذات عاطفة جَيَّاشَة وقد تدفع بها إلى أن ترتبط بشخص لا تحمد عاقبة أمره في الحياة الزوجية، فلذلك جُعِلَ لِوَليّها الحق في توجيهها وفي تَسْديدها إلى ما هو خير لها من غير أن يقف في سبيل رَغْبَتِهَا.
وجُعِل لَهَا حقُّ الصداق الذي هو رَمْزُ القِوَامَة، فالرجل يُعْطِيهَا الصَّداق لَهَا وليس لِوَلِيّها قال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِتَا مَرِيئًا} [النساء: 4]، فليس للولي أن يتدخل في ذلك، على أنَّه يجب أن يكون أمراً مُيَسَّراً لا أن يكون أمراً مُعسَّراً يُثْقِلُ كَوَاهِلَ الذين يريدون الزواج حتى يقف حائلاً بينهم وبين تحقيق هذه الرغبة في نفوسهم وفي نفوس الفَتَيَاتِ اللَّواتِي يَتَطَلَّعْنَ إليهم بأن يَكُونُوا شُرَكَاء حَيَاتِهِن، فالصداق هو رمز القوامة التي للرَّجُل، كما قال تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34].
ولَيْسَ للرَّجُل أن يَرْزَأَ المَرأة شيئاً من صداقها لو أراد أن يُطَلِّقَها لسبب من الأسباب فالله - تعالى - يقول: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا اتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا أَفْنَدَتْ به} [البقرة: 229] ويقول: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) [النساء: 19]، ويقول سبحانه: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مكَان زَوْجٍ وَعَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ (1/328)
صفحة 329
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
329
بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينا (2) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 20 - 21]، ومعنى ذلك أنه لا يحل له أن يسترد منها شيئا مما آتاها كيف ما كان قدره إلا أن تكون المرأة كَارِهَة للرجل كُرْهاً مُتَغَلْغِلاً في أعماق نفسها مع رَغْبَة الرجل في استمرار العِشْرَة الزوجية بينه وبينها ولكن بِسَبب نَكَدِهَا وشِقَاقِهَا تَعُود الحياة بينهما جحيماً لا يُطاق فَفِي هذه الحالة أبِيحَ له أَن يَأْخُذَ مَا آتَاهَا أَو بعضَ
مَا آتَاهَا لِئَلا يَفْقِد المرأة والمال معاً.
ونَجِد أنَّ الله تعالى استجابة لِدَاعِي الفطرة ولحاجة الناس إلى حلّ مُشكلاتهم أباح الطلاق، ولكن مع ذلك أَطَّرَه في إطار من الأحكام التي تجعله لا يقع إلا في حالات الضرورة، فنجد أنَّ الله تعالى رَغْبَ في عدم الطلاق، وذلك بما شرعه من الأحكام ودل عليه من الحلول التي تسبق قرار الطلاق حتى يكون الطلاق هو الحل الأخير الذي يلجأ إليه الرجل.
زَوْجِه
فقد وجه إلى أن يكون الرَّجل هو الذي يَحُلُّ المُشكلة بينه وبين بِحَيث يُوجِّهها ويَعِظُهَا ويُرْشِدُهَا ويهجرها في المضجع وإذا جاوز الأمر جميع الحدود فله أن يُعاقِبَها عِقَاباً بسيطاً لا يضُرُّ بها ولكن يُوَجِّهها إلى الخير كما قال تعالى {وَالَّنِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي
الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء: 34].
فإِنْ لَم يُقِد هذا العلاج وتَعسَّر الوفاق بينهما فإِنَّ الأسرتَيْنِ تَتدخلان لحل شقاقهما كما قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35] فَتَحْكِيم الحكمين لأجل تَفَادِي مُشْكِلَة الشَّقَاق ما بين الزوجين حتى لا يُؤَدِّيَ إلى الطلاق. (1/329)
صفحة 330
330
الفتاوى العقيدة
فإن لم يُجْدِ ذلك كله وتعذَّر الوفاق بينهما فَهُنَا يُشْرَع الطلاق، ولكن الطلاق المَشْرُوع ليس كما يتصرَّفُ النَّاس بحيث يُطلقها بالثلاث أو بالمئة أو بالألف أو بغير حساب، وإنَّما يشرع له أن يُطَلِّقُها طَلْقَةً واحدة رجعِيَّة، على أن تكون في طُهْرٍ لَم يُبَاشِرُهَا فيه، ذلك لأن الطلاق إبَّانَ الحيض قَد يَكُون لِدَافع يَدفَعُ الإنسان إليه مع أنَّه في غير مَصْلَحته، ففي ذلك الوقت لا يَنْتَفِع من المرأة بِمُرَادِه، فلذلك مُنِعَ من الطلاق، وبعد أن يَقْضِيَ وَطَرَهُ مِنها قد تكون نَفسُهُ شَبِعَتْ منها فَيُطلِّقُها لأَنْفَهِ الأَسْباب، ولكن عندما تَكُون طَاهِراً ولَم يُبَاشِرُها تكون نفسه تَوَّاقَة إليها فلا يُطلقها هذه في الحالة إلا لضرورة، وعندما يُطلِّقُها لا ريب أنَّه يُعطَى فُسْحَة لإمكان ردّ العلاقة بينهما وهي فترة العِدَّة الشرْعِيَّة، ففي هذه الفترة يُرَاجِعُ كلٌّ منهما نفسه، ويُجَرِّبُ حَيَاتَه مُنْفَرِداً عن الآخر هل يُطِيقُ هَذَا الإنفراد عمن كان شريكه في الحياة؟.
فإنْ كان الشَّقَاقِ مِنهَا رُبَّما تَرَاجَعَت وطلبت من الزوج أن يَرْجِعَ إليها وتَعَهَّدَت له بأن لا تُشَاقَّه، وإن كان الشَّقَاق من الزوج رَاجَعَ نفسه وجَرَّب حَيَاة الوحدة عن هذه المرأة التي كانت شَرِيكَة حَيَاتِه، وقد أُبيح له في فترة العِدَّة أن يُرَاجِعَها، أمَّا بعد العِدَّةَ فَبِعَقدِ شَرْعي مع جميع شروطه الشرعِيَّة، فإنْ طَلَّقَها بعد ذلك كان له أن يُرَاجِعَها، أمَّا إذا طَلَّقَها الثالثة فهنا يواجه من الحكم الشرعي صرامة في أمره لِئَلا تُصبح المرأة عُرْضَةً لِتَلاعُب الرجل بحياتِها وبمشاعرها وبمستقبلها لذلك يمنع أن يَرْجِع إليها ويحال بينه وبين ذلك ولو ذاب من شوقه إليها إلا بعد أنْ تَتزوّج زوجاً آخر زواجاً شرعياً لا لأجل التحليل ولكن لأجل إنشاء حياة زوجية ورَبْطِ المَصير بِالمَصِير كَمَا هو شَأْنُ الزَّوَاج، فإن طَلَّقَهَا أو خَرَجَت مِنْهُ بِوَفَاة بعد أن بَاشَرَهَا ودَخَل
بِها وانتهت عدته منه تَحِلُّ للأَوَّل بِعَقْدٍ جديد مع جميع لوازمه الشرعية. (1/330)
صفحة 331
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
331
فهذه صور دالة على عمق التشريع القرآني وهي لم تأت من فراغ، وإنَّما جاءت من خبير عليم بِفِطَرِ البشر ومَصَالِحِهم فلذلك أُطّر الزواج في هَذا الإطار، الذي لَم تَرْقَ إليه أي تشريعات بشرِيَّة حتى تُحْفَظ كرامة المرأة وتُحْفَظ العلاقة الزوجية ما بين الزوجين، فَهَذَا مِن إِعْجَاز القرآن في التَّشْرِيع،
والله أعلم. ما رأيكم في الإعجاز العددي للقرآن الكريم؟
إن إعجاز كتاب الله تعالى إعجاز يتجدد، بحيث إنه يُكتشف في كل حين جانب منه، وهكذا شاء الله سبحانه أن يظل القرآن على مدى التاريخ منارة يسترشد بها العَالَمُون لتظل حجته قائمة ومعجزته ظاهرة، بحيث لا تؤثر عليها المؤثرات من تطورات الحياة البشرية وإنَّما هذه التطورات يتجدد بها إعجاز كتاب الله، إذ البشرية في كل حين تكتشف جوانب من هذا الإعجاز، والله تعالى قد أشعر العباد بذلك عندما قال عز من قائل: {قُلْ أَرَعَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ. يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِن لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
(or)
[فصلت: 52 - 54].
(or)
وبالنسبة إلى تجلي الإعجاز العددي نجد من العلماء من بحث بعضاً من هذه الجوانب قبل قرون كثيرة، فالزمخشري ـ مثلاً ـ في تفسيره «الكشاف» بحث هذا الجانب في تفسيره لأوائل السور أي لفواتح السور في تفسيره لسورة البقرة وذلك عندما ذكر الوجه الذي يحمل فواتح السور على أنها إنما سيقت هذا المساق من أجل قرع العصا وتنبيه الغافلين بأن هذا القرآن نزل على نبي أمي لم يكن يقرأ من قبله من كتاب ولا يَخُطَّه بيمينه (1/331)
صفحة 332
332
الفتاوى العقيدة
ومع
من
ذلك فإنه أتى بهذه الكلمات في فواتح سور منه بطريقة لم يألفها إلا كان يقرأ ويكتب، أما الأميون وهم الدهماء من العرب وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم فما كانوا يعرفون هذه الكلمات أي أسماء الحروف التي ينطق بها للتهجي، ففي هذا تنبيه على أن القرآن جاء بغرابة لأنه نزل على نبي أمي في بيئة أمية وهؤلاء ما كانوا مشغولين بمثل هذه الكلمات، وإنما كان يُشغل بها من قرأ وكتب وقليل ما هم.
وذكر الزمخشري مع ذلك ما مفاده أن السور التي افتتحت بهذه الفواتح إنما هي تسع وعشرون سورة بعدد حروف المعجم، والحروف المذكورة فيها أربعة عشر حرفاً أي ما يُقارب نصف حروف المعجم لا ينقص إلا نصف حرف فقط، ثم مع ذلك قسمت تقسيماً غريبا بحيث إنها وُزّعت فيها حروف المعجم بحسب صفاتها، فمن الحروف الحلقية نصفها ومن الحروف الرخوة نصفها ومن الحروف الشديدة نصفها ومن الحروف المهموسة نصفها ومن الحروف المجهورة نصفها ومن حروف القلقلة نصفها وهكذا جاءت هذه الحروف موزعة هذا التوزيع الدقيق.
ومع
هذا كله أيضاً فإن السورة التي تفتتح بشيء من هذه الحروف يكون ذلك الحرف أكثر تكراراً فيها من غيره، كالألف واللام مثلاً.
هذا الذي ذكره الزمخشري، وقد قال السيد الجرجاني في حاشيته على «الكشاف» بأنه لعله لم ينتبه له قبل المصنف - أي الزمخشري ـ أحد من حذاق العلماء المتبحرين ولكن وجدنا من العلماء من سبق الزمخشري إلى ذلك فمن بينهم القاضي الباقلاني الذي سبق في كتابه الذي يبحث عن إعجاز القرآن البياني بحيث بين مثل بيان الزمخشري، وإن كان الزمخشري توسع أكثر منه. (1/332)
صفحة 333
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
333
وذكر بعض العلماء بأن الباقلاني أيضاً قد سبق إلى هذا، مما العلماء المتقدمين بحثوا هذا الجانب.
يعني
أن
يرصد
ولكن جاء رجل في عصرنا ببحث شغل به الناس حيث تعاطى هذا الجانب بأسلوب فيه غرابة وزعم أنه لم يكتشفه غيره، وأنه استطاع أن من خلال الحاسوب هذه الحروف ويحسبها بدقة، وتوصل إلى أن فاتحة تسعة عشر حرفا ومعنى ذلك أن القرآن كله يدور وهي على هذا الرقم، رقم تسعة عشر، وأن عدد خزنة النار أيضاً تسعة عشر كما
القرآن
هي
البسملة
قال الله تعالى:
عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 30، وذكر أمثلة أخرى، ولكن العقلاء تفطنوا أن هذا الرجل ـ في الحقيقة - متلبس بما يدعو إلى الارتياب منه لأن تركيزه على هذا العدد إنما هو يتبع فيه طائفة خارجة عن الإسلام في تقديس عدد
تسعة عشر.
ثم مع ذلك أخذ يُظهر من الضلالات الشيء العجاب، فقد حضرت في مؤتمر حضره هو بنفسه وأتى بأفكار غريبة عجيبة إذ أعلن إنكار ما علم من الدين بالضرورة، وقد انبرى الناس في التعقيب على كلامه، وكنت ممن تعقبه أيضاً، ثم بعد حين كشف عن حقيقة أمره حيث زعم أنه رسول من عند الله، وأنه يطالب الناس بأن يؤمنوا برسالته، وزعم أنه هو المشار إليه في آية 81 من سورة آل عمران وهي قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِثَقَ النَّبِيِّنَ لَمَا وَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ وَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ} آل عمران: 81 وادّعى أن معجزته تتمثل في هذا الاكتشاف الذي اكتشفه إذ قرن هذه الدعوة التي نشرها بين الناس بهذه الدراسة العددية التي يزعم من خلالها أنه توصل إلى ما لم يتوصل إليه غيره من علم أسرار القرآن. (1/333)
صفحة 334
334
الفتاوى العقيدة
ولكن شاء الله تعالى أن تُطوى صفحته، وأن ينتهي أمره، وأن يكفي المؤمنين فتنته، فقد بعث الله إليه من اغتاله في مأمنه، والحمد الله. لذلك نحذر من الاغترار بمثل هذه النظريات التي تُلابِسُها الرِّيب، وإِنَّما على الناس أن يرجعوا إلى الحقائق، فالقرآن الكريم لا يتجلى إعجازه من حيث النظريات التي قد تكون مُصيبة وقد تكون مخطئة، والتي دائماً ما تدخلها التعديلات والتغييرات فلذلك يجب أن لا يُفسر القرآن بها، وإنما يفسر القرآن بالحقائق العلمية، فنحن نؤمن أن القرآن اشتمل على حقائق الوجود التي لم تكن معروفة من قبل وقد وعد الله أن يجليها للناس كما قال: سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] وقد تبين من خلال نظر الناس واكتشافهم لآيات الله - تعالى - في الأنفس وفي الآفاق أن القرآن هو الحق من عند الله، واضطر غير المؤمنين إلى الاعتراف بهذا، وألفوا في هذا كتبا قبل أن يعلنوا إسلامهم كالدكتور موريس بوكاي الذي ألف كتاباً بعنوان «العلم في التوراة والإنجيل والقرآن»، وأثبت أن القرآن الكريم هو الكتاب الذي بقي كما أُنزِل لم تطله أيدي المحرفين والمبدلين، وأن ما فيه من الآيات العلمية هي دالة بالقطع على أنه لا يمكن أن يكون ناتجاً عن فكر بشر، وإنما هو تنزيل من عند العليم الحميد الذي يعلم السر وأخفى، وقد انتشر كتابه هذا بلغات متعددة قبل أن يعلن إسلامه، ثم بعد حين أعلن إسلامه، وكذلك ألف كتاباً آخر بعنوان «الإنسان في القرآن» بيّن فيه إعجاز القرآن الكريم من حيث خلق الإنسان وبيانه لحقيقة الإنسان ومغاوره النفسية، فهذا من إعجاز القرآن الذي لا يُمَارَى فِيه. ولكن ليس لنا أن نستجيب لكل ناعق، وأن نسارع إلى قبول النظريات التي قد تكون صادرة من أقوام لهم مقاصد ومآرب في إفساد هذه الأمة وطمس هداية كتابها، فعلينا أن نتنبه لذلك. (1/334)
صفحة 335
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
335
ونظراً إلى ما انكشف من أمر الرَّجل الذي زعم أنه توصل إلى ما توصل إليه من أمر الإعجاز العددي في القرآن الكريم وآل إلى إعلانه الضلالات التي تتنافى مع قطعيات هذا الدين ثم بجانب ذلك أعلن ـ أيضاً ـ أنه رسول من عند الله تكذيباً لكون النبي صلى الله عليه وسلم لا نبي بعده كما نص عليه القرآن بأنه خاتم النبيين، نحذر من التعلق بهذه النظريات، وندعو إلى الدراسة المتأنية لكل نظرية منها حتى تمحص وتثبت صحتها أو زيفها.
وهناك وجوه متعددة يتجلى فيها إعجاز القرآن من غير هذا الوجه، منها الإعجاز العلمي والإعجاز التشريعي والإعجاز الأخلاقي والاجتماعي والإعجاز البياني والإعجاز الخبري وهذا واضح لمن تأمل كتاب الله تعالى،
والله الموفق.
معجزة القرآن الكريم هي معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الخالدة، فهل معجزة القرآن تتغير في إعجازها بحيث تُناسب كل عصر بإعجاز معين فيه أكثر من غيره، فقد ظهر في هذه الفترة من الإعجازات ما لم يكن معروفاً من قبل؟ لا شك أن رسول الله أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق وأيد دعوته بمعجزة تختلف عن معجزات النَّبِيين من قبل، لأنَّ مُعجزات النبيين من قبل كانت موقوتة كما أنَّ رِسالاتِهم كانت موقوتة.
فَكُلُّ نَبِي جاء بمعجزة كونية كان لها أثرها في حياته ثم انتهى ذلك الأثر من بعده، إذ بإمكان الذي يأتي من بعده أن يدفع دعوى وقوع تلكم المعجزة بتكذيبها، ولكن عندما تكون المعجزة قائمة أنّى يكون التكذيب؟
والنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان أكرم من قبل الله بمعجزات أُخرى كانت بمثابة الكرامة له ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - كنبع الماء من بين أصابعه كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وغير ذلك مِمَّا وقع، إلا أنَّها لم تكن في مقام التحدي. (1/335)
صفحة 336
336 الفتاوى العقيدة
أما في مقام التحدي فإنَّ الناس كانوا يُرَدّون إلى القرآن الكريم، فالله تعالى قال: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِنَايَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيْنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) [طه: 133]، ويقول تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51]، {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِن كَانُوا صَدِقِينَ} [الطور: 34] {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: (13)، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ} [البقرة: 23]؛ كل ذلك إنَّما كان في مقام التحدي، ذلك لأنَّ الله تعالى أراد أن تكون هذه المعجزة معجزة خالدة كخلود هذه الرسالة التي كتب الله - تعالى - لها البقاء إلى أن تنتهي
دورة الحياة في هذا الكون ويُعيد الكون إلى العدم ثم يُنشئه نشأة أخرى. ولما كانت هذه المعجزة معجزة تتحدى جميع الأمم وتتحدى جميع العصور فإنَّها كانت صالحة لجميع العصور، فما من عصر من العصور إلا
ويتجدد بروز إعجاز هذا السر الذي أنزله الله - تعالى - على نبيه.
ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان أبرز ما ظهر من هذا الإعجاز البيان، ذلك لأنَّ اللغة العربية هَيَّأها الله - تعالى - لأن تكون وعاء لكلامه المعجز، فارتقت إلى أوج البلاغة الشامخ، إذ هذبتها الألسن التي طورتها طوراً بعد طور، وبلغ العرب من البلاغة شأواً بعيداً لَم يبلغوه من قبل ولم تبلغه أي أمة من الأمم في بيانها.
ونزل القرآن وجزيرة العرب كانت طافحة بالعدد الهائل من الخطباء المَصَاقِع والشعراء البلغاء الذين لا يُشق لهم غُبار في ميدان الشعر والنثر، وإذا بهذا القرآن الكريم يقتادهم من ألسنتهم، فقد نزل بنفس هذا اللسان العربي وبنفس الحروف التي يُرَكَّبُون منها كلماتهم، وبنفس الكلمات التي يركبون منها حديثهم، ولكن مع ذلك كانت فيه نَفخة غيبية من سر الله تعالى حولته إلى شيء آخر فلذلك لم يستطيعوا أن يأتوا بحديث مثله،
مع
أَنَّهُم (1/336)
صفحة 337
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
337
رخي لهم العِنان، فقد تُحدوا بأن يأتوا بمثله فعجزوا، وتُحدوا بأن يأتوا
بعشر سور من مثله فعجزوا، وتُحدوا بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا. هذا مع إفساح المجال لهم لأن يستعينوا بمن أرادوا من شهدائهم الذين يشهدون بشهادتهم ويدعون أن هذا القرآن باطل، ومع ذلك عجزوا جميعا، وجاء التصريح القرآني بأنَّ البشر جميعاً بل الإنس والجن جميعاً لو حاولوا أن يجتمعوا على أن يأتوا بحديث مثل هذا القرآن الكريم لعجزوا:
قُل لَّبِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].
وهذا أمر عجب، فإنَّ إعجاز القرآن الكريم حارت فيه الألباب حتى وصل الأمر ببعض الناس أن يقولوا بأنَّ إعجازه بالصَّرْفة)، وهؤلاء ـ كما يقول عنهم العلامة السيد رشيد رضا في تفسيره «المنار» ـ عجزوا عن إجالة قدح الفكر في هذا الأمر فلذلك اكتفوا بأن يقولوا بأن إعجازه بالصَّرْفة، وكذلك يقول أبو حيان المفسر الشهير في أمثالهم.
ومن العلماء من يرى أن قولهم كان من أجل حب الإتيان بشيء جديد، فهؤلاء فهموا أنَّ القرآن الكريم كما تقول البراهمة في «فيدا» وهو الكتاب المقدس عندهم بأنَّهم بإمكانهم أن يأتوا بمثله ولكن «بَرَاهُمَا» منعهم من ذلك، وهل هذا المنع تكويني أم تشريعي؟ رَبَّحَ العلامة أبو زهرة ـ الذي أنَّ هذا هو منشأ فكرة الصَّرْفَة - بأنَّ هذا المنع عند أولئك تكويني، فأخذ بهذه الفكرة من اتبعها من هذه الأمة كالنَّظَّام من المعتزلة وابن حزم الظاهري من الظاهرية.
يري
(1) تعني: صرف الله تعالى العرب عن معارضة القرآن. (1/337)
صفحة 338
338 الفتاوى العقيدة
ومن العجيب أن تجمع هذه الفكرة بين مُعتزلي يعتمد على مقاييس العقل في كل شيء، وظاهري يرى تعطيل العقل والأخذ بظواهر النصوص فحسب؛ فقد كان اجتماعا ما بين طرفين متناقضين على فكرة عجيبة كمثل
هذه الفكرة.
ذلك
والباحثون في بلاغة القرآن اختلفوا منهم من قال بأن السر في ذلك أنَّ المعاني انقادت للكلمات، ومنهم من قال لا بل الكلمات انقادت للمعاني؛ وهذا إنَّما يرجع إلى ترددهم ما بين المعاني والكلمات فكل من بَهَرَهُم؛ فهم عندما ينظرون إلى المعاني يبهرهم إعجازها، وعندما ينظرون إلى الكلمات ينسيهم ما يرونه من إعجازها ما بهرهم من غيرها.
والحقيقة أن إعجاز القرآن في نظامه الذي لم يستطع البشر أن يأتوا بمثله، فهو منسجم انسجاماً عجيباً سواءً من ناحية المعاني أو من ناحية العبارات. فلو جئنا إلى عباراته فإنَّ حروف القرآن الكريم ركبت تركيباً عجيباً، يراعي ما في تلك الحروف من خصائص سواءً من حيث المخارج، أو من حيث النوع كأن تكون حروفاً شديدة أو رخوة، أو مستفلة أو مستعلية، أو من حيث الإيحاءات بحسب اختلاف أنواع هذه الحروف وتنوع أجراسها واختلاف تأثيراتها، وجاءت كلماته مُنسجمة بحسب تراكيب حروفها ودلالات إيحاءاتها انسجاماً عجيباً، فلو حاول أحد أن يقلد القرآن بأن يأتي بمثل هذا الكلام بحيث تكون الحروف مُنسجمة هذا الانسجام من حيث المخارج والأنواع والإيحاءات الصوتية والإيحاءات النفسية فسيؤدي به الأمر إلى أن يُهمل المعاني ولا تكون لكلماته والحروف التي تتركب منها أَيَّةُ معان؛ أما الجمع بين المعاني وبين هذه الخصائص الصوتية فإنَّه متعذر في غير كلام الله تعالى. (1/338)
صفحة 339
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
339
ونحن نرى كيف جاءت الحروف حتى من حيث تراكيبها موحية بالمعاني التي تشتمل عليها الكلمات التي تركبت منها في القرآن الكريم، فنجد مثلاً في قول الله تعالى فيما يحكيه عن إخوة يوسف: {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَوا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ} [يوسف: 85]، كيف اجتمعت الحروف الشديدة هذا الاجتماع مما يوحي بانزعاجهم من تحسر أبيهم على يوسف، فمثل هذا لا يُمكن أن يجتمع في كلام آخر فلذلك حار العرب في بيانه.
أما لو جئنا من ناحية مضامين هذه الكلمات لوجدنا أمراً عجباً، فإنَّ القرآن الكريم اشتمل على التشريع المتقن العجيب مع أَنَّه نزل على أُمِّي لَم يكن يقرأ من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فكيف ذلك جاء بهذا التشريع الذي يسع العالم بأسره، ويسع أطوار الحياة لولا أنه من عند الله الذي يعلم الخفايا كالظواهر ويحيط بالدقائق كالجلائل مع أنَّه من المعروف في تاريخ التشريع البشري أن التشاريع البشرية تمر بمراحل كثيرة وبتجارب مختلفة وبدراسات متنوعة: نفسية واجتماعية، ومع ذلك تكون هذه التشريعات دائماً فاشلة بحيث لا يمر عليها زَمَنٌ إلا ويتبين عُوَارُها وينكشف خللها. وحسبكم أن التشريع الروماني كان تجربة زُهَاء ثلاثة عشر قرناً، واجتمع على وضعه الخبراء المتخصصون وصحبت ذلك دراسات نفسية واجتماعية، وأين هو من التشريع القرآني الذي عجزت ملكات البشر جميعاً أن تأتي بمثله، سواء من الناحية الاجتماعية أو الاقتصادية أو السلمية أو الحربية، أو من أي ناحية من النواحي، بل الناس جميعاً يُضطرون إلى أن يرجعوا إلى القرآن وأن يعترفوا به، حتى أن كاسترو الشيوعي الراديكالي المتعصب قال قبل بضع سنوات: «ما بقي أمام العالم الآن إلا النَّمُوذَجُ القرآني»، وهذا اعتراف بالحقيقة، ولذا يُنادي العقلاء في كل مكان بضرورة الاستفادة من القرآن. (1/339)
صفحة 340
340 الفتاوى العقيدة
نجد أيضاً أن الإعجاز الخبري تحار منه الألباب، بل نجد أنَّ الله تعالى أخبر بأشياء لم تكن تدور بِخَلَد أي أحد من الناس وإذا بالأمر يأتي طبق ما أخبر به القرآن، ناهيكم بما أخبر الله ـ تعالى ـ به مما يُنبئ عما وصل إليه الصدام المسلح بين الروم والفرس، وأنَّ الروم هُزموا أمام جحافل الفرس، ولكن ستنقلب الموازيين في خلال بضع سنين حتى يتحول الغالب إلى مغلوب والمغلوب إلى غالب كما قال تعالى (غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ وَيَوْمَذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ
اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ} [الروم: 2 - 5]، وهذا
كان في العام الخامس من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، عندما تمكن إمبراطور فارس من إمبراطور الروم حتى ما بقي عند إمبراطور الروم إلا العاصمة القسطنطينية فقط وإذا بالأمور تنقلب رأساً على عقب، فيتمكن هِرَقْل أن يخرج من عاصمته بعد حيلة احتال بها فاستطاع أن يُلَمْلِمُ مِن الديار التي احتلت منه جيشاً ويذهب إلى عاصمة الفرس «المدائن» ويدخلها ويغرز علم النصر على قصورها، ويأخذ ابن کسرى ويحلق رأسه، وكانت هذه إهانة كبيرة عندهم، وإذا بالأمور تنقلب كلها رأساً على عقب؛ فهذا لا يُمكن أن يكون من حديث البشر، إنَّما ذلك كما يقول أحد المفكرين: هذا الحديث لَم ينزل إلا مِمَّن يُولج الليل في النهار ويُولج النهار في الليل، فهو القادر على أن يُحوّل الغالب إلى مغلوب والمغلوب إلى غالب. ونحن نرى في عصرنا هذا أصحاب الخبرات المختلفة والدراسات المتنوعة والإمكانات التي بهرت العالم نراهم يتحدثون بحديث ويأتي القدر بعكس ذلك تماماً، وأذكر أنَّه لما كانت المعارضة في إيران ضد الشاه أدلى كَارْتَرْ الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت بتصريح قال فيه بأن المؤشرات تدل على أنَّ الشَّاه سينتصر على المعارضة، ولم يأت شهر بعد هذا التصريح إلا وخرج الشاه مهزوماً على حسب ما هو معروف. (1/340)
صفحة 341
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
341
فهذا دليل على أنَّ البشر لا يُمكن أبداً أن يتحدثوا عن المستقبل حديث الجازم القاطع وأن يكون الواقع كما يتحدثون، لأنَّ الغيب الله تعالى وحده، فهذا من أسرار القرآن الكريم. ثم
أخذ اكتشاف الناس لإعجاز القرآن يتطور طوراً بعد طور، فمع تطور المعارف - وزيادة الاكتشافات العجيبة التي اكتشفها الناس من حقائق هذا الوجود وأسراره التي لم تكن تدور ببال أحد من قبل ـ انتصب نوع آخر من إعجاز القرآن تجلى للناس فظهرت به منارة القرآن الكريم شاهقة، وهذا ما أَنْبَأ الله تعالى به عندما أنزل القرآن حيث قال: {قُلْ أَرَعَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِن لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ تُحيط) [فصلت: 52 - 54]، فالله - تعالى - يعد هنا بأنه سيكشف آياته للناس في الآفاق وفي الأنفس حتى يتبين لهم أن هذا القرآن حق من عند الله، وهذا الذي وقع فعلاً
المعترفون به.
فرنسي
واعترف
فقبل عقود من السنين ظهر أحد الأطباء الفرنسيين بكتاب سماه: «العلم في التوراة والإنجيل والقرآن»، وهو الدكتور موريس بوكاي وهو جَرَّاح أراد أن يدرس العربية فدرس القرآن الكريم، وهاله ما وجده في القرآن من الإعجاز فأراد أن يعرف هل مثل ذلك يُوجد في ما نزل من الكتب السابقة، فرجع إلى العهدين: العهد القديم والعهد الجديد ودرسهما واستعان بالخبراء في شتى المجالات، فقد اعتمد على خبرته الطبية لأنه طبيب، واعتمد في بقية المجالات على خُبراء الفلك والجيولوجيا والزراعة وغيرهم، ووجد ما في القرآن يتفق تمام الاتفاق مع معطيات العلم الحديث واكتشافاته، وعندما رجع إلى العهدين: تبين له أنَّ ما فيهما من الحديث عن (1/341)
صفحة 342
342 الفتاوى العقيدة
الحقائق الكونية قليل، ومع
هذه القلة فإنَّه يتصادم مع هذه الحقائق المكتشفة وهذا أوصله إلى قناعة بأنَّ القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي بقي كما أنزله الله، لم تطله أيدي المحرفين والمبدلين وصرح. بذلك في كتابه هذا الذي سماه: «العلم في التوراة والإنجيل والقرآن»، وقد ألفه باللغة الفرنسية ثم تُرجم إلى الإنجليزية ثم تُرجم إلى العربية وانتشر هذا الكتاب انتشاراً كبيراً، وألف كتاباً آخر بعنوان «الإنسان في القرآن» وكان ذلك قبل إسلامه، ثم أسلم بعد سنين من هذا.
ونحن يكفينا أن نشير إلى أن الناس ما كانوا يتصورون قبل نحو قرنين من الزمن أنَّ الجنين يتكون من نطفة الرجل ونطفة المرأة، حتى أنَّهم كانوا يتصورون قبل نحو ثلاثة قرون من السنين أن نطفة الرجل التي يقذفها تشتمل على إنسان مصغر في هذه النُّطفة بكل جوارحه، ثم ينمو بعدما يُقذف في الرحم، والقرآن بَيَّن خلاف ذلك قبل أربعة عشر قرناً أو أكثر من الآن، وقبل اثني عشر قرناً من هذا الاكتشاف.
فالقرآن الكريم بيَّن أنَّ الإنسان خُلق من نطفة أَمْشَاج، يقول الله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجِ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2] ومعنى أَمْشَاج أخلاط، أي هو مختلط فيه من ماء الرجل وفيه من ماء المرأة، وهو أصله الذي تتكون منه الخلية الأولى ثم تتبعها الخلايا التي تتكون من ماء الرجل ومن ماء المرأة فيتكون هذا الإنسان أَمْشَاجاً. كذلك من حيث الإخبار عن المراحل التي يمر بها الجنين، فالله تعالى
يقول:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينِ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا (1/342)
صفحة 343
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
343
الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا وَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَلقِينَ} [المؤمنون: 12 - 14]؛ مَن كان يعرف هذه الأطوار التي يمر بها الجنين؟ بل من كان يستطيع أن يتصور الرحم كما هو بحيث إنَّ الله - تعالى - وصفه بأنَّه قرار مكين، فالقرار مكان الاستقرار والمكين من المكانة وهكذا طبيعة الرحم سواء من حيث
أن
ما جعله الله تعالى محيطاً به من طبيعة تمنع إصابة الجنين بما عسى يُصيب الأم من اللكمات أو الهزات، وما على باب الرحم من إفرازات
تقضي على الجراثيم التي لولاها لتسربت إلى داخل الرحم وأودت بهذا الجنين، فهذه من الأسرار الغريبة.
وكذلك أمر التمييز بين العلقة، والمضغة، وهو ما حار منه لتُ الدكتور «مُوريس بوكاي أوَّل الأمر فإنَّه عجز عن تصور التفرقة بين العلقة والمضغة، ورجع إلى كتب اللغة فلم تشف له غليلا ورجع إلى التفاسير فلم تشف له غليلا، ولكن عندما رجع إلى فقه اللغة الذي فيه الإخبار عن أسرار اللغة، وجد ما يدل على أنَّ العلقة مشتقة من العُلوق والمضغة من حيث الأصل هي بمعنى الممضوغ، فوصل إلى الحقيقة من خلال ذلك أن الجنين في مرحلة كونه علقة يكون لاصقاً بجدار الرحم، لأن باب الرحم يكون مفتوحاً، فلو لم يلتصق بجدار الرحم لأدى به ذلك إلى الخروج، وبعد ذلك ينسد الباب وعندئذ يكون بمثابة المضغة أي اللقمة التي تُمضغ لأنه يتردد بين جوانب، الرحم فتوصل إلى هذا السر العجيب وهذا كله من دلائل إعجاز القرآن.
وهي
كذلك من حيث الإخبار عن نظام هذا الوجود وأسراره، فالله تعالى أخبر عن الكون بأسره في كلمات قليلة عندما قال: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرًا} [الفرقان: 2]، وقال: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، وقال: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بمقدار} [الرعد: 8]، هذه الآيات تشتمل على نظام الكون من الذرات الدقيقة (1/343)
صفحة 344
344 الفتاوى العقيدة
بل مِمَّا تشتمل عليه الذرات من الالكترونات والنيترونات وغيرها، فإن كل شيء من ذلك إنَّما هو بمقدار، فالذرات مقدرة تقديراً عجيباً، ولذلك تختلف العناصر باختلاف المقادير ما بين هذه الأجزاء الدقيقة، ثم الجزيئات ثم العناصر ثم المركبات كل ذلك يكون بتقدير عجيب، حتى أنَّ الكون بأسره جعله الله تعالى متناسقاً هذا التناسق العجيب بسبب هذا التقدير الذي يبدأ من ذراته الدقيقة إلى مجراته الواسعة؛ فهذا من إعجاز القرآن الكريم حيث إنَّه أخبر بحقائق لم تكن تتصور للأفهام، ولذلك عندما اكتشف المكتشفون هذه الحقائق وجدوا من ذلك أمراً عجبا، والله أعلم.
هناك من ينادي بضرورة البحث عن معجزة رقمية تتناسب مع هذا العصر وهو عصر التكنولوجيا الرقمية ما رأيكم في مثل هذه النداءات التي تسعى في مثل هذا النوع من البحث للوصول إلى إقناع الآخرين؟ هذا الأمر فيه خطورة كبيرة، ولذلك ينبغي للناس أَلَّا يَغْتَرُّوا به وأَنْ يقفوا منه موقف الحذر حتى يَسْبُرُوهُ مِن جميع نواحيه، فقد وَصَلَ إليَّ بَحْث فيما يتعلق بإعجاز القرآن من حيث الأرقام ذكر فيه الباحث أن القرآن أينما ذكر «قوم لوط» يذكرهم بهذا اللفظ إلا في قول الله: {وَإِخْوَانُ لُوطٍ} [قَ: 13] وذلك لأجل المحافظة على عدد القافات في سورة «ق» بحسب ما يتلاءم مع فاتِحَتِها «ق»، والناس أُعْجِبوا كثيرا بهذا الذي وصل إليه، والتقيت بهذا الرجل في أحد المؤتمرات قبل عقود من السنين وقد أَبَانَ في هذا اللقاء عن مَكْنُونِ نفسه بحيث حاول نقض كثير من الأحكام الشرعية والاعتراض على السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ وكان في كلامه خطورة بالغة وقد رَدَّ عليه الرَّادُّون ولَم تَمُر فترة من الزمن حتى كشف الرجل عن خَبِيثَة أمره إذ ادعى فيما بعد بأنه رسول من عند الله ووَزَّعَ رسالة اطلعت (1/344)
صفحة 345
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
345
عليها بنفسي زعم فيها أنه رسول الله وأَنَّ معجزته هو ما اكتشفه الأرقام في القرآن الكريم فلكل نَبِي معجزة وهذه هي معجزته.
من
هذه
وذكر أنه هو المعني بقوله تعالى في سورة آل عمران: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيِّنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81] وقال إنه هو الرسول المُبَشِّر به الذي يَجب أن يُؤْمَنَ به وأن يُنَاصَر وهذا كلام يُعَدُّ خروجا عن الإسلام وارتدادا عنه وكفرا بالنبوة الخاتمة ومهما وجد في كلامه شيء مما يُوَافِق الحقيقة
لكن يجب أن يكون التعامل مع هذه البحوث والاكتشافات على حذر.
يَتَّفِق
مع
ذلك
ونحن نرى أن كثيرا من الناس بسبب عاطفتهم الجَيَّاشَة في نفوسهم يَحْرِصون على أن يُخْضعوا كل نظرية علمية لدلالة قرآنية أو بالأحرى أن يخضعوا دلالات القرآن للنظريات العلمية بحيث يفسرون آيات القرآن بِمَا هذه النظريات، وأنا لا أُنْكِر أنَّ القرآن من معالم إعجازه الجانب العلمي وهو جانب مُهِم في بيان إعجاز القرآن الكريم ولكن يجب أن يكون التعامل مع هذا ببصيرة وبوعي لا بعاطفة جياشة تدفع الإنسان إلى أن يندفع اندفاعا يؤدي به إلى الترَدِّي في مهاوي لا يدري غايتها وسُحْقَها إلا الله تبارك وتعالى، فلذلك كان من الضرورة بمكان أنْ يقف الإنسان موقف المستبصر.
مع
وهنالك فرق ما بين الحقائق العلمية التي لا تقبل الجدل ولا تقبل الشك والتي هي واضحة للعيان بِحَيْث تُوُصِّل إلى يقين فيها مع الدلالة الظاهرة للقرآن عليها كمثل كروية الأرض فما من أحد الآن عرف حقيقة الأرض أو سافر في هذه الأرض إلا ويعرف أنَّ الأرض كروية، والقرآن الكريم دل على ذلك فما علينا من حرج أن نفسر قول الله تعالى: {يُغْشِي أَلَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ (1/345)
صفحة 346
346 الفتاوى العقيدة
حَثِيثًا} [الأعراف: 54] بأن الليل يسعى وراء النهار أو النهار يسعى وراء الليل كل واحد منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا لأنّ الليل يَحِل محل النهار بدورانه المستمر على الكرة الأرضية، وكذلك قول سبحانه الله تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ} [فاطر: 13] فإنه يدل على أن كل واحد منهما يَلِجُ مَوْلج الآخر فالليل يدخل في النهار عندما يحل بدلا منه والنهار يلج في الليل أيضاً عندما يحل بدلا منه وكذلك قول الله تعالى: {يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ} [الزمر: 5] ومعنى ذلك أنَّ هذا التكوير كَكُورِ العمامة يجعل كل واحد منهما يُكَوّر فوق الآخر فهذا مما يدل على كروية الأرض. وقصة ذي القرنين أيضاً تدل على ذلك إذ لا يعقل بأنّ ذا القرنين يذهب إلى أقصى الغرب ثُمَّ يعود بعد ذلك إلى أقصى الشرق ثُمَّ ينتقل بعد ذلك إلى مكان السد وإنَّما ذهب إلى الغرب ولَفَّ على الكرة الأرضية حتى طلع من الشرق فقصة ذي القرنين تدل أيضاً على هذه الحقيقة.
ولكن قد تكون هنالك نظريات تتناسخ فإن فسّرنا القرآن بنظرية من النظريات قبل الاستيقان من ثبوتها علميا وحملنا عليها النص القرآني ثم جاء بعد ذلك ما ينسخ تلك النظرية وَقَعْنَا في أمر مريج، ومن ذلك ما شاع عند كثير من الناس أن قول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كانَتَا رَتْقًا} [الأنبياء: 30] بأنّ هذا دليل على أنّ المجموعة الشمسية كانت شيئا واحدا ثم تَفَتَّقَتْ هذه المجموعة بحيث استقلتِ الشمس بنفسها وكذلك سائر الأجرام ومن بينها الأرض فالأرض منفصلة عن الكتلة الشمسية. ثم جاءت بعد ذلك النظرية الأخرى التي هي عكس هذه النظرية وهي أنّ الكون كان سَدِيما وجميع هذه الأجرام الفلكية خُلقت من السديم الذي تَوَزَّعَ إلى هذه الأجرام التي استقل كل واحد منها بنفسه ولعل هذه النظرية (1/346)
صفحة 347
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
347
أقرب إلى مدلول الآية الكريمة، إذ نجد أيضاً في آية أخرى أنّ الله ـ تعالى ـ يقول: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ} [فصلت: (11) فوصف السماء بأنها دخان لكنه ليس هو دخان نار وإنما المراد به السديم لأنه يشبه الدخان، فإذن هذه النظرية أقرب إلى تفسير الآية والقرآن يفسر بعضه بعضا وإن كنا لا نقطع بذلك، فلا ينبغي للإنسان أن يحمل الآيات القرآنية بحسب النظريات التي قابلة للتعديل والتبديل والتغيير، أما بالنسبة إلى الإعجاز الرقمي وغيره فهذه أمور ليست مقطوعا بها فلذلك يجب على الإنسان أن يتعامل معها بحذر، والله أعلم.
هي
يحكي الله عن فرعون في سورة يونس: {الْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس: 91 - 92] وقد ذكر بأن هناك من يقول أن فرعون موجود في أحد المتاحف المصرية، ما قولكم في هذا؟
هذا ليس كلام فرعون وإنما المحكي عن فرعون قوله: {آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إسرءيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90، وما ذكره السائل كان ردا على هذا القول من فرعون، حيث وبخ على فساده من قبل، والله أعلم.
مما لفت انتباه المترجم إيرونيه الذي ترجم القرآن للإيطالية أن القرآن استخدم ست وظائف للغة هي: الإخبارية والعاطفية والأمرية والانتباهية
في تحويل الضمائر والإيضاحات اللغوية للمصطلحات والجمالية، وذكر
إعجابه بمستوى الدمج بين الإخبارية والعاطفية بحيث لا يطغى الإخبار
أن
على العاطفة ولا العاطفة على الإخبار ولكن في ذكره الجمالية يرى الجمالية أشبه ما تكون بالنقوشات التي لا أثر لها على صلب المفهوم (1/347)
صفحة 348
348 الفتاوى العقيدة
بقدر ما تشكل جمالا، فهل هذا ما يعبر عنه أهل اللغة تأدبا مع القرآن بأنه صلة وهل توافقون وجود هذه الوظيفة في القرآن الكريم؟
من ميزة القرآن أنه يخاطب العقل والعاطفة معا، أما كلام الناس فقد يكون فيه خطاب العقل وحده أو خطاب العاطفة وحدها فحكمة الحكماء إنما هي خطاب للعقل الذي يستوعب هذه الحكمة ولا أثر للعاطفة في ذلك وشعر الشعراء هو خطاب للعاطفة، فالحكماء يقولون مثلاً: «الحكم على الشيء فَرْعُ تصوره» وهذا كلام مُسَلَّم وكل ذي عقل يتقبله ويؤمن به ويراه أنه هو الذي ينبغي أن يُعول عليه ويؤخذ به ولكنه لا يَهزُّ أوتار العاطفة ولا يَشُدُّها بخلاف شعر الشعراء فنجد ـ مثلاً ـ قول امرئ القيس «قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل هذا الشطر مِنَ البيت يهزُّ أوتار العاطفة هزاً فإنه يلج إلى أعماق القلب ويُؤثر على النفس البشرية تأثيرا بالغا، ولكن مع كله لو فتّش العقل عن غذاء له من خلاله فإنه لن يجد شيئاً.
ذلك
أما القرآن الكريم فقد جاء بالدَّمْج ما بين الجانب العقلي والجانب العاطفي في الخطاب، فخطاب واحد يهز أوتار النفس هزاً وفي نفس هذا الخطاب إقناع للعقل مثال ذلك قول الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ اَرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23 - 24] فيجد العقل هنا بُغْيَتَهُ معَ كَوْنِ
-
العاطفة تتأثر تأثرا بالغا بهذا الخطاب.
ومثل ذلك قول الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوْمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8] فهذا خطاب للعقل وللعاطفة معا لأنه خطاب الله الذي خلق عاطفة (1/348)
صفحة 349
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
349
البشر وخلق عقولهم فهو يخاطبهم من خلال ما يتأثرون به في الجانب العقلي والجانب الوجداني.
كذلك بالنسبة إلى عبارات القرآن الكريم من حيث النظر إلى الحروف وإيحاءاتها والتناسق الذي بينها باعتبار مخارجها وباعتبار أوصافها، وهذا لا يكاد يوجد في أي كلام آخر وهو مِمَّا يدخل فيما ذكروه من أنه أشبه بالنقوش - ولله المثل الأعلى - فنحن نجد كيف اجتمعت الحروف الشديدة فيما يحكيه الله تعالى عن إخوة يوسف أنهم قالوا في مقام الإحراج الذي أُخْرِجُوا به في مُخَاطَبَة أبيهم لهم عندما يسألهم عن يوسف: {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَوُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ) [يوسف: 85] وهذا من جملة ما يُعتبر بمثابة النقوش الجمالية للتعبير القرآني،
والله أعلم.
مع
ما ذكره القرآن على لسان الكفار عندما يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: {أَنتِ بِقُرْآنِ غَيْرِ هَذا أَوْ بَدِلْهُ} [يونس: (15)، ماذا يقتضي مثل هذا الطلب؟
لقد جاء القرآن للكفار بما لم يألفوه بحيث إنَّهم كانوا يتخذون آلهة الله سبحانه، فجاء القرآن ليسفه أحلامهم، ويبدد شُبههم التي كانوا يستمسكون بها، وجاء بالحجة الدامغة التي تدحض ما كانوا عليه من كفر وضلال فلذلك قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أنتِ بِقُرْآنِ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِلْهُ} يونس، لأنَّه شَق عليهم هذا القرآن بما فيه مِمَّا ينقض الأسس التي كان عليها آباؤهم الأقدمون فلذلك شق عليهم أن يُسفهوا ويسفه آباؤهم وأقوامهم الذين كانوا يعبدون هذه الآلهة، فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وهو من ضروب التحدي التي قابلوا بها الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، والله أعلم. (1/349)
صفحة 350
350
الفتاوى العقيدة
في سورة طه يقول الله تعالى: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ} [طه: 70)، ما الحكمة في تقديم هارون على موسى في هذه الآية؟
في
هذه الآية رعاية الفاصلة التي تُزين الكلام فجيئ بها حتى تنسجم الآيات القرآنية في فواصلها في هذه السورة المباركة وفي هذا الموضع بالذات جيء بذكر هارون قبل موسى:
ما المقصود بالإعجاز التشريعي في القرآن الكريم؟
الإعجاز التشريعي هو بيانُ كوْنِ الشريعةِ التي أَنْزَلَها الله تعالى في هذا القرآن شريعة مُنسَجمَة تَمامَ الانسجام مع المصالح البَشَرِية.
فالتشريع عندما يكون ناتجا عن عقول البشر يكون ناتجا عن تجاربهم، وممارستهم للحياة، ودراستهم لها من جوانبها كلّها سواء من الناحية النفسية أو من الناحية الاجتماعية فهي تَمر بسلسلة من الدراسات البشرية النفسية والاجتماعية.
فالتشريع الروماني هو نتيجة تجربة دامت زُهاء ثلاثة عشر قرنا تَضَافَرَ عليها الكثير من ذوي الخبرات المختلفة، ومع ذلك يَتَكَشَّفُ عُوارُه في كل وقت، وفي كلِّ حين يحتاج إلى التبديل والتغيير والترقيع، بينما القرآن الكريم نزل في ظرف ثلاثة وعشرين عاما على نَبِي أُمي لم يكن يقرأ من كتاب ولا يخطه بيمينه، وفي بيئة أمية بدائية قبلية، إذ لم يكن النظام الدولي معروفا في المجتمع الذي نَزَلَ فيه القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تكن تَحكُمُ مكة المكرمة دولةٌ من الدول حتى يَكونَ لها نظام تسير عليه في حياتِها وتَشرِيعٌ تَعتَمِدُ عليه في أحكامها، وإنما كانت كسائر البيئات العربية الضيقة البَدَوِية التي لا تَعْدُو أن تَكونَ بيئات قبلية فحسب. (1/350)
صفحة 351
الإيمان بالكتب السماوية
ومع
الجزء الأول
351
ذلك
هذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لَم يُمارس إمارةً مِن قبل، إذ لم يكن أميرا في قومه ومجتمعه، وإنَّما كان ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كسائر الناس، ولَم تكن نفسُه تَطْمَح إلى البُرُوز والسيادَة والمشارَكَة في القرارات القبلية التي كانت تُتَّخَذُ في مجتمعه، إذ لم يُشارك - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ إلا في حِلْفِ الفُضُول لِما دَعاه إليه من خدمةِ مَصالح المستضعفين في المجتمع، فلذلك كان بعيدا كل البعد عن الإطلاع على الأنظمة الدولية ومجريات أمور الناس وما تَتَطَلَّبه حياتهم الاجتماعية والتشريعية، ومع نَزَلَ هذا القرآن عليه صلوات الله وسلامه مُوَفِّيا لحاجة الإنسانية فوَضَعَ كَلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَه وَبَوَّأَه مُبَوَّاه، فأقامَ العلاقات الاجتماعية، ووَضَعَ نِظاما ماليا لم يَرْقَ إِليه فِكْرُ بَشَرٍ قَط، إذ لَم يَصِل فِكْرُ بَشَرٍ إلى مثل هذا النظام الذي جاء به
ذلك
القرآن الكريم، وهو دَليلٌ على أنَّه من عندِ الله الذي يَعلَمُ السِّرَّ وأَخْفَى. فنحنُ إذا جئنا إلى نظام القرآن المالِي نَجِد العَجَب العُجاب، فهو يَنسَجم تَمامَ الانسجام مع الفِطْرَةِ البَشَرِية، إذ لَم يَحْرِم الفَرْد مِن التَّمَلُّك ولكن جَعَلَ هذه الملكية مُقَيَّدَة غَيْرَ مُطْلَقَة فهو يُخالِفُ بهذا النظام الاشتراكي الذي يُذِيبُ الفَرْدَ في بوتقة المجتمع، ويُخالِفُ أيضاً النظام الرأسمالي الذي يُعْطِي الفَرْدَ مراده ولو كان ذلك على حساب المجتمع.
فالقرآن الكريم أثْقَل الإنسان بِالتكاليف المالية مع إطلاقِ يَدِه للاكتساب بل دعاه إليه وزاد ذلك تأكيدا إذ قَرَنَ بين الاكتساب والعبادة، كما في قوله
تعالى:
فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]، وقَرَنَ ـ أيضاً ـ بين الاكتساب وبين عبادةِ الحج في قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 198]، وقَرَن ما بين
الاكتساب وبين الجهاد في سبيل الله، حيث قال: (1/351)
صفحة 352
352
الفتاوى العقيدة
فهذا
وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل: 20].
كله
هذا كله مع
دليل على أنَّ القرآن الكريم يَحُث الناس على الكشب ولكن جَعَلَ هذا الكشب مُؤَطَّرًا في إطارٍ سليم، إذ ليس للإنسان أن
يَكتَسِب المال مِن أيِّ وَجْهِ كان.
فقد حَرَّمَ الله تعالى جَميعَ الوسائل غير النظيفة في اكتساب المال، من الربا والرشوة والاحتيال والشرقة، وفرض على صاحب المال أنواعاً من التكاليف المالية.
فقَدْ فَرَضَ حُقوقا في المال لِذوِي القُربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كما في قوله تعالى: {وَعَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177]، وهذه الحقوق من غيْرِ الزكاة، بدليل قوله: {وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَالَى الزَّكَوةَ} [البقرة: 177]. كذلك إذا جئنا إلى العلاقات الاجتماعية، سواءً كانت بين الزوجين أو كانت بين الأقارب.
فالحقوق الزوجية شُرِعَتْ مُؤَطَّرَة في إطارٍ مِن العدالة بحيثُ أُعْطِيَ كلُّ واحد من الزوجين حقه: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) [البقرة: 228] .. أي درجة القوامة، نظرا إلى أنَّ الفِطْرَةَ تَقتَضِي ذلك. وكذلك يقولُ الله تبارك وتعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ
إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا} [النساء: 21].
وجَعَلَ الله تعالى الطلاق مشروعا في الإسلام لأجل القضاء على المشكلات عندما تَنجُم بين الزوجين وتَتَحَوَّل حياتهما إلى جَحِيمِ لا يُطاق، ولكن مع ذلك يُتَفادَى الطلاق بكل الوسائل التي يُمكِنُ مِن خِلالِها عِلاج (1/352)
صفحة 353
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
353
المشكلات الزوجية سواءً كان ذلك فيما بين الزوجين نفسيهما أو كان ذلك
فيما بين أُسْرَتَيْهما، كما قال تعالى:
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّلِحَاتُ قَيْنَتُ حَفِظَتُ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّنِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا
تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) [النساء: 34 - 35] والطلاق أيضاً أُطْرَ بإطار في مُنتَهَى الدَّقَّة ولَم يُبَحْ لِلإِنسَانِ أَن يُطَلِّق في أي وقت يقول تعالى:
يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} [الطلاق: 1) فلَم يُبَحْ لِلرَّجُلِ أن يُطَلَّقَ امرأته في حيضها، ولا في طُهْرٍ باشرها فيه، وإنَّما يُطَلِّقُها في طُهْرٍ لَم يُباشِرُها فيه، وهذا لِحِكْمَة، وهي أنَّ فترة الحيض تَكونُ المرأة فيها عَصَبِية لا تَحْتَمِل الرَّجُل بِسبَب ضيْقِها النفْسِي، ومن جانب آخر فإنَّ هذه الفترة قد تكون دافعةً لِلرَّجُل إلى أن يَزْهَدَ في المرأة بسبب عدم انتفاعه بما يُرِيدُه منها إبان حيضها وإن كانت في طُهْرٍ باشَرَها فيه قد تَكونُ نفسُه بَشِمَتْ منها، إذ قَضَى منها وَطَرَه وأَصابَ نهمَتَه، فلذلك منع في هاتين الحالتين من الطلاق، وإِنَّما أُبِيحَ الطلاق في طُهْرٍ لَم يُباشِرُها فيه، لأنَّ النفْسَ تَكونُ تَواقَةً إليها في هذه الحالة مع إمكانه أن يَنْتَفِعَ بما يُرِيدُه منها.
طَلْقَة
ومع هذا كله لم يُتْرَكُ لِلرَّجُل أن يَتَلاعَب بالطلاق كما شاء، وإنَّما يُطَلِّقُ من غير أن يُضِيف إليها طَلْقَةً أخرى، فإذا انْتَهَت العِدَّة كانتْ أَمْلَكَ بنفسها، وفي أثناء العدة له أن يُراجِعَها، ثم بعد ذلك إذا تَكَرَّرَ الطلاق مرّةً (1/353)
صفحة 354
354 الفتاوى العقيدة
أخرى فكذلك، وإذا طَلَّقَها الثالثة عندئذٍ يُمنَع مِن أن يَعُودَ إِليها حتى يَتَزَوَّجَها زوج آخر ويَدخُلَ بِها، كل ذلك لأجلِ تَأْدِيبِ هذا الرَّجُل الذي يَتَلاعَب
هِيَ
بالطلاق إن كان سببه ناشئا عن هَوَاه، ولأجل تَأْدِيبِ المرأةِ إن كانَتْ السبب في إِلْجَاءِ الرَّجُل إلى أن يُطَلَّقَها عندَما تَنْتَقِلُ إلى لؤنٍ آخَر مِن الحياة
في كنف زوج آخر غير الزوج الأول، وبعد أن يُطَلِّقَها ذلك الزِّوْج يُمكن أن تَعُودَ إلى الزوج الأَوَّل بِعَقْدٍ جدِيدٍ مع جَمِيع لوازمه الشرعية.
كذلك إذا جئنا إلى الأحكام نَجِد أن الأحكام في القرآن هِيَ فِي مُنتَهَى تَسُد حَاجَةَ الناس وتُضفي عليهم الطَّمَأْنِينَة والاستقرار والأمن
العدالة،
فهي
في حياتهم.
ولا أَدلَّ على ذلك مِمَّا كان عليه الوضع في إِبَّانِ تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في عهد الخلافة الراشِدَة، فقد كانتْ الدّولة الإسلامية تَحْكُم جُزْءاً كبيراً من الأرض مِن أَقْصَى أَرْضِ فارِس في الشرق إلى شمال إفريقيا في الغَرْب ولكن مع ذلك كانت النفوس مُطْمَئِنة، وكان الأمنُ ضافيا على جميع الناس، ولا يَجِدُ الإنسان ما يُقْلِقُ أَمْنَه في ليْلِهِ ونَهارِه بل يَطْمَئِن بِسَبَبٍ عدالةِ الحق الذي أَنزَلَه الله تعالى بشرط ألا تُحَكَّمَ العواطف في أَمْرِ الأحكام، وإنَّما يُحَكِّمُ العدل كما قال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النساء: 135]، و كذلك ـ يَقولُ الله تعالى:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوْمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].
فهذا كله من التشريع القرآني العادِل، فكيف يَرْقَى إِلَيْهِ فَهُمُ إِنسَانٍ عَاشَ في بيئة بدائية لم يَكُن فيها نظام يَحكُمُها؟! بل نَجِد التشريعات البشرية (1/354)
صفحة 355
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
355
لا تَرْقَى بحال إلى هذا مع كَوْنِها مَرَّتْ بِسِلْسِلَةٍ من التجارب والدراسات النفسية والاجتماعية التي تَضَافَرَتْ عليها جُهود الكثير من الخبراء وإذا بها يَتَكَشَّفُ عُوارُها بين حين وآخر، والله أعلم.
ما حقيقة الإعجاز العددي في القرآن؟ وهل يصح القول به؟ الذي قال بالإعجاز العددي في القرآن الكريم ونشر هذه المقالة رجل أفاك خبيث مكذب برسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد سمعت بأنه كان في خطبه يحط من قدره بل يتهجم عليه هذا سمعته من بعض الناس الذين أثق بكلامهم، وقد سمعت منه شخصياً إنكار الرجم، وقال: من قال بالرجم فقد كذب القرآن الكريم، لأنه خلاف ما دل عليه قول الله تعالى:
سُورَةُ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَتِ بَيِّنَتِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 1 - 2، وبناءً على ذلك زعم أن من قال بالرجم فهو منكر أن تكون هذه السورة منزلة مفروضة وأن آياتها بينات كم زعم: بأن المسلمين بسبب قولهم بالرجم وتكذيبهم بالقرآن الكريم ـ حسب زعمه - أصيبوا بما أصيبوا به من استيلاء اليهود على مقدساتهم، وكان هذا القول منه علناً في مؤتمر فيه الألوف من الناس، وقد رددت عليه: بأن المسلمين عندما كانوا يطبقون حد الرجم وغيره من الحدود الشرعية لم يتغلب عليهم اليهود ولم يستولوا على مقدساتهم، ولكن عندما أضاعوا الرجم وأضاعوا سائر الحدود الشرعية ـ التي فرضها الله الله ـ مكن الله اليهود منهم، وبما أن هذا الضال المضل هو أساس هذه الفكرة فلا يؤخذ بالإعجاز العددي فإنه لا أصل له ولا نعتمد عليه، ناهيك أن هذا القائل بالإعجاز العددي تمادى في القول بخلاف نصوص القرآن حتى وصل به الأمر إلى تحديد السنة التي تقوم فيها الساعة بالتاريخين الهجري (1/355)
صفحة 356
356
الفتاوى العقيدة
والميلادي، والله الله يقول: لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْنَةَ} [الأعراف: 187]، فأني لأحد أن يعلم وقت قيام الساعة وقد طوى الله علمها عن الناس وجميع الخلق واستأثر به وحده فهذا نفسه تكذيب بالقرآن الكريم، ثم إن نظرية «تسعة عشر التي بنى عليها هذا الأفاك زعمه هي مستمدة من البهائيين، لأنهم هم الذين يقدسون رقم تسعة عشر، فإن شهرهم تسعة عشر يوماً وعامهم تسعة عشر شهراً فهم يقدسون هذا الرقم، فما لنا ولمعتقداتهم والله أعلم.
هل الله الله هو الذي أعجز الناس أن يأتو بمثل القرآن، أو أن الإنسان بطبيعته عاجز؟
الإنسان هو من صنع الله وقد خلقه الله عاجزاً إلا على ما منحه القدرة عليه، والعجز طبيعة بشرية وذلك راجع إلى أمر الله، لأن الطبيعة هي من صنع الله، وهو تعالى لم يجعل الإنسان قادراً على ما لم يمنحه الله سبحانه القدرة عليه والله أعلم.
الله
ذكر الله تعالى في كتابه العزيز كثيراً من الآيات على لسان بعض خلقه، ومنها ما ذكر عن إخوة يوسف من قولهم لأبيهم: {تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ} [يوسف: 485، فهل هذا التركيب بعينه جاء بألسنتهم، أم هو من
عند الله؟
الله له حكى في كتابه أقوال الناس على اختلاف لغاتهم، فمنهم العبرانيون والسريانيون وغيرهم ممن تحدثوا بلغات متعددة وبأساليب الله لا كلامهم في كتابه الكريم، بهذا الأسلوب البليغ، وحتى العرب - أنفسهم - الذين حكى الله سبحانه عنهم ما حكى، إنما حكى عنهم ما حكاه بأبلغ أسلوب، فهذه العبارة ليست عبارة
مختلفة، ولكن مع
ذلك جمع (1/356)
صفحة 357
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
357
إخوة يوسف، وما كانت لغتهم العربية وإنما كانوا يتحدثون بلغة أخرى، ولذلك تجد في قصص القرآن عبارات مختلفة ألفاظها متحدة معانيها مع أن المحكي واحد، والله أعلم.
سؤال عن قوله تعالى: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} [يوسف: 111] فأمثال هذه الآيات كثيرة في كتابه العزيز، هل يمكننا من هذه الآيات أن نفهم أن العلوم سواء منها الإنسانية أو العلمية موجودة في القرآن الكريم
جميع
سواء علمناها أو لم نعلمها؟
من
القرآن الكريم لم ينزله الله الا الله ليكون كتاباً علمياً يتناول جانباً جوانب العلوم، كعلم الهندسة أو علم الفلك أو علم الأحياء أو علم التاريخ، فما جاء القرآن الكريم لأجل أن يعلم الناس هذه العلوم، فإنها علوم تجريبية، لأنها تتوقف على الدراسة، وقد هيأ الله الا الله لخلقه أسباب هذه الدراسة، وقد أخبر الله الله عن وظيفة القرآن ورسالته إلى البشر بقوله:
هدًى لِلنَّاسِ} [البقرة: 185]، فالقرآن إنما جاء ليهدي هذه العقول الضالة الشاردة ويردها إلى بارئها، ولكنه يخاطب الفطرة الإنسانية، والفطرة لا ريب أنها متلبسة بأحوال الكون ولذلك فهو في معرض خطابه لهذه الفطرة يوقظها من سباتها بهذه اللمسات التي يضعها على هذه العلوم المختلفة المتعددة، ولا يعني ذلك أن القرآن الكريم جاء ليدرسنا علم الهندسة بدقائقه وبجزئياته، أو ليدرسنا علم الطب بدقائقه وجزئياته، أو علم الفلك أو غيرها، فإن الإنسان ابن بيئته ويخاطب من خلال ما يعرفه في
هذه البيئة.
وقد جعل الله الله هذا الكون بأسره مسرحاً لاعتبار الإنسان، ومعرضاً لنظره وتفكيره، وبذلك يقيم الله الله على العبد حججه من خلال هذه الآيات (1/357)
صفحة 358
358 الفتاوى العقيدة
الموجودة في نفسه، وفي هذا الكون من حوله، أما كون القرآن الكريم فيه تفصيل كل شئ، فلا يعني ذلك هذه الإحاطة الدقيقة التي قد يبالغ بعض الناس فيها عندما يزعمون أن القرآن الكريم ينطوي عليها جميعاً، ولكن فيه تفصيل كل شيء فيما يعني الإنسان ويحتاج إليه، واللفظ العام يخصص بمخصصات مختلفة - ومنها مخصص العقل ومخصص الحس وذلك معهود في كتاب الله تعالى، فإن الله و قال في ريح عاد: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ * [الأحقاف: 25]، مع أنها لا تدمر الكون بأسره فلم تدمر السموات والأرض والجبال، وقال الله وعمل في بلقيس: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23]، مع أنها لم تؤت من العوالم كلها، فلم تؤت شيئاً من السماوات، ولا شيئاً العالم العلوي، وإنما ذلك في حدود ما يقتضيه هذا الخطاب، وفي حدود ما يوحي به المقام من معنى الخطاب، فكذلك تفصيل كل شيء، إنما هو بالنسبة إلى الذي نحتاجه من هداية الله، والله أعلم.
من
هل هناك ترابط بين فن البلاغة والسجع الذي يستعمله الكهان، فإن كانت هناك علاقة فلماذا كُره السجع وجوزت البلاغة؟
السجع ليس هو عين البلاغة ولا تتوقف هي عليه، فقد يكون الكلام مسجعاً وهو غير بليغ، وإنما البلاغة ترجع إلى أمرين، هما: عمق التصور، ودقة التصوير، فإن عمق التصور هو الذي يجعل المعبر يستحضر المعاني البليغة وتترتب في نفسه من غير تنافر ولا تضاد وإنما تتجانس وتنسجم كالماء السلسال، غير أن ذلك لا يكفي فلا بد معه من توفر ملكة بيانية يعبر بها عن هذه المعاني البليغة بأبلغ العبارات التي تتلاءم مع سمو هذه المعاني، وإنما مما يجب علينا أن ندركه بأن العبارات مهما كانت متانتها وجزالتها وسلاستها فهي تقصر بالنسبة للإنسان عن استحضاره للمعاني، فإن (1/358)
صفحة 359
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
359
المعاني التي يستحضرها غالباً تكون أعمق من العبارات التي يُصور بها تلك المعاني، فالدقة في التصوير لا يملكها الإنسان كما يملك التفكر في المعاني البليغة التي يدركها بعقله، ومن هنا كان كلام الله له الا الله متميزاً عن سائر الكلام، فإن كلام الله الله صادر عمن يعلم السر وأخفى، ولا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، لذلك جاء شاملاً لكل ما يخطر في النفوس من خواطر، بحيث لا تكون هناك خاطرة من الخواطر التي تطرى على الذهن إلا وقد استوفتها عبارة القرآن، أما كلام البشر فإنه مهما رقى في أوج البلاغة وازدان بجمال التعبير يظل قاصراً عن استيفاء الخواطر فقد تكون لسامعه خواطر متعددة لم يستوفها، وذلك راجع إلى القصور الذي جبل عليه البشر، فالسجع ليس هو من البلاغة، فقد يكون الكلام بليغاً بلا سجع، وقد يكون السجع مذموماً، عندما يؤدي إلى الملل، وأحياناً يكون فيه تكلف. تشمئز منه النفس، فكلام الكهان سجع بلا بلاغة وهو مذموم والله أعلم.
سؤال عن قول الله تعالى حكاية عن مريم: {أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيَّا} [مريم: 18 ما المقصود بكلمة التقوى في الآية؟ وكيف يستعاذ بالرحمن ممن كان تقياً؟ وما وجه الإعجاز البياني لورود كلمة التقوى الآية دون غيرها من الكلمات؟ كلمة «تقي» هنا تحتمل معنيين، قيل ـ وهذا ما لم أجد دليلاً عليه ـ بأن جبريل جاءها في صورة شاب كان يسمى تقياً، وقيل: تعني بقولها إن
في
هذه
كنت تقيا، إن كنت تخشى الله، فإن الذي يخشى الله عزوجل إذا سمع الاستعاذة بالله الا الله من فعل السوء، تثور في نفسه مشاعر التقوى، فتحول بينه وبين الوقوع في المحارم، وفي هذا ما يكفي الإنسان دليلاً على أن هذه الكلمة وضعت، موضعها فإن للتقوى معنى واسع لشمول معناها الشرعي (1/359)
صفحة 360
360 الفتاوى العقيدة
فعل كل خير وتجنب كل شر، فإنها وإن كانت في أصلها اللغوي دالة على الاجتناب والترك، لأن اتقى مطاوع وقي يقال: وقيته أقيه فاتقاه أي جنبته أجنبه فتجنبه، لأن فاء الكلمة، واو والفعل الذي فاؤه واو أو ميم أو نون أو راء يأتي مطاوعه على افتعل:
وفعل افتعلت قد يطاوع وحيث لم نرو بفاه شائع إذا كان حرف من الحروف الخمسة التي يجمعها قول القائل «لم نرو» هو فاء الكلمة فإنه يكون المطاوع على وزن افتعل، كوقيته أقيه فاتقاه ولأمته فالتأم ونظمته فانتظم، ومحقته فامتحق ورميته، فارتمى، فمدلول كلمة التقوى من حيث اللغة سلبي، لأنها موضوعة للترك، إلا أنها من حيث المفهوم الشرعي تدل على جانب سلبي وهو ترك المحارم وجانب إيجابي وهو إتيان الفرائض، لأن في كل ذلك اتقاء لسخط الله، فاتقاء سخط الله تعالى هو المراد بتقوى الله، لأن ذات الله الله لا تتقى أي لا تجتنب وتترك، وإنما يتقي سخطه بفعل الواجبات واجتناب المنهيات فالكلمة جاءت في موضعها إذ لا تسد مسدها كلمة أخرى، والله أعلم.
لقد احتوت آيات القرآن الكريم كثيراً من القصص القرآنية، ومع تكرر بعض هذه القصص في عدة سور إلا أن الأسلوب التعبيري أو البياني يختلف من سورة إلى أخرى فما السر في ذلك؟
نحن لا نقول بالتكرار في القصص القرآنية، فالقصة الواحدة تُعرض في سور متعددة بأساليب مختلفة، لأن القرآن الكريم ليس كتاباً قصصياً، ولم ينزل للتسلية بذكر القصص الماضية أو القصص الخيالية المفتعلة لا والله، وإنما هو كتاب أنزل ليكون هدى للناس، وأنزل للعظة والعبرة، فتأتي الآية القرآنية في مقام التذكير، وفي مقام الأمر وفي مقام التخويف، (1/360)
صفحة 361
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
361
في
نزلت من
وفي مقامات متعددة، فيُعرض من كل قصة من هذه القصص جانب منها السورة بحسب ما يتلاءم مع جو السورة، وبحسب ما يتلاءم مع ما أجله السورة من أمر أو نهي أو تخويف أو تذكير أو ردع عن شئ أو نحو ذلك. فالقصة هي واحدة ولكن تعرض في مقامات متعددة، ويعرض في كل مقام من هذه المقامات جانب منها، ولا تعرض كلها مثلاً جاءت في الكثير من السور القرآنية، ولكن مع
فقصة
موسي
ذلك ما جاءت على وتيرة واحدة وليس المعروض في جميع هذه السور شيئاً واحداً، وإنما عُرض جوانب منها، فيعرض جانب في سورة بحسب هذه السورة، وجانب آخر في سورة أخرى بحسب ملاءمة جو تلك السورة الأخرى أيضاً، وقد يذكر في هذه السورة شيء مما ذكر في السورة الأخرى لأجل اقتضاء المقام ذكر ذلك، ولا يعد ذلك تكراراً،
ملاءمة
جو
والله أعلم.
نجد في كثير من آيات القرآن الكريم تقديم صفة السمع على صفة البصر، وكذلك السمع يذكر مفرداً والبصر يذكر بصيغة الجمع. فهل صفة السمع أنفع للإنسان من صفة البصر؟
كثير من الناس فضلوا السمع على البصر، ونسأل الله العافية في السمع والبصر، والله الله هو الذي أنعم علينا بموهبة السمع وبموهبة البصر، وكلُّ نعمة يدري الإنسان قيمتها إذا فقدها، وإذا أردتم أن تعرفوا قيمة السمع فاسألوا الصم، وإذا أردتم أن تعرفوا قيمة البصر فاسألوا العُمي، ومجيء السمع مفرداً في القرآن مع جمع الأبصار في كثير من الآيات، لأن السمع يأتي على وتيرة واحدة بخلاف المبصرات فإنها تتنوع، ولذلك يُجمع البصر ويفرد السمع والله أعلم. (1/361)
صفحة 362
362 الفتاوى العقيدة
صالحاً
يقال الأرض كروية، فهل ورد في القرآن الكريم ما يثبت ذلك؟ نعم، ورد في القرآن ما يشير إلى ذلك، لأن الله تعالى جعل خطاب القرآن لكل زمان ومكان وعلى تحول الأحوال واختلاف البيئات والثقافات والأفكار فالله لا قال: {يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ) [الحج: 61]، أي يدخل الليل في النهار ويدخل النهار في الليل، فهذا إنما يكون مع دوران الأرض، فالليل يلج إلى حيث كان النهار والنهار يلج إلى حيث كان الليل، والله سبحانه يقول: {يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} [الأعراف: 54] فكل من الليل والنهار يغشى أحدهما الآخر ويسعى وراءه سعياً حثيثاً، وقال تعالى: يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ} [الزمر: 5]، وكما قالوا ككور العمامة، وهذه الحالة تناسب الكروية، فالنهار أشبه ما يكون بالقاعدة تحت الليل والليل يكون أعلى منه، والنهار يكون فوق الليل أيضاً ككور العمامة والليل يكون أسفل من النهار وذلك باعتبار الجهات وتقدير الأسفل والأعلى فيها إذ هو أمر لا يعدو أن يكون اعتبارياً نظراً إلى طبيعة الأرض الكروية، فهذه الآيات كلها تدل على كروية الأرض، وأكثر شيء دلالة على ذلك قصة ذي القرنين، فإن ذا القرنين أخبر القرآن عنه أنه أتبع سبباً حتى حتى بلغ مغرب الشمس ـ أي أقصى بقعة معمورة تجاه الغرب، ثم كذلك أتبع سبباً حتى بلغ مشرق الشمس، ومعنى ذلك أنه واصل السير إلى الغرب، حتى خرج من الشرق، ثم بعد ذلك واصل السير حتى وصل إلى بين السدين، وليس معنى ذلك أنه عاد من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، والله أعلم.
في قوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] هل تشير هذه الآية إلى ما نجده من مبتكرات جديدة في العصر الحاضر؟ تدل على كل ما يحدث مما لا يعلمه الإنسان سواء في ذلك الوقت أو بعد ذلك الوقت، فتدخل جميع المبتكرات والله أعلم. (1/362)
صفحة 363
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
363
هل يفسر القرآن في ضوء الحقائق أم الحقائق تفسر في ضوء القرآن الكريم، وهل يمكن اعتبار القرآن كتاباً علمياً بحتاً؟
القرآن الكريم هو منهاج هداية، وصراط، رشد وميزان قسط، أنزله الله سبحانه ليقوم انحراف الإنسان، ولم ينزله لأجل البحث عن حقائق علمية معينة، أو لأجل التوسع في البحث العلمي، وإنما هذه أشياء جانبية تأتي في القرآن وليست هي المقصودة به أصالة وإذا خاطب القرآن الناس من خلال هذه الحقائق العلمية فإنما يخاطبهم لأجل إقامة الحجة عليهم، ولأجل بيان ما يسترشدون به في فهم حقائق هذا الكون المسخر بأمر الله، الذي تسبح كل ذرة منه بحمده وتخضع ساجدة لجلاله. فلا يمكن أن نعتبر القرآن الكريم كتاباً علمياً ولا نقول إن كل حقيقة علمية يجب علينا أن نعرضها على القرآن الكريم. هل توجد آية تدل عليها أو لا؟ فإن لم تكن هناك آية تدل عليها نقول بأنها، مرفوضة، فإن هذا يؤدي بنا إلى أن نرفض الحقائق العلمية هكذا بدون حجة. ولكن الذي نقوله إن الحقيقة العلمية الثابتة لا تتصادم مع القرآن الكريم.
أما النظريات فهي قد تتصادم مع القرآن لأن الحقائق العلمية تكشف عن نواميس الله في هذا الكون والقرآن منزّل من عند الله، فلا يمكن أن يكون
هذا الكون الذي خلقه الله يتصادم مع ما دل عليه كلامه تعالى، والله أعلم.
تحدثتم عن موضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بشكل عام، وقد تعرضتم في حديثكم لذكر المفسرين في القديم والحديث الذي تحدثوا عن تفسير الآيات العلمية في القرآن الكريم؟ فهل تعتبر كتب التفاسير القديمة حجة، ويجب الاعتماد عليها مثل تفسير القرطبي والطبري وغيرهما، نرجو توضيح ذلك وشكراً. (1/363)
صفحة 364
364
الفتاوى العقيدة
لا يكون كلام أحد من الناس حجة إلا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم المعصوم، الذي براه الله تعالى من الخطأ في تبليغ الدعوة إلى الناس، فالرسول صلى الله عليه وسلم وحده
کلامه
هو
الحجة، أما
من عداه فكل في كلامه مقبول ومردود، وفي رأيه صواب وخطأ، وأولى ما يفسر به القرآن الكريم القرآن نفسه، فإذا وجد تفسير آية من كتاب الله تعالى ضمن آية أخرى اعتمد على ذلك. والرسول صلى الله عليه وسلم - أيضاً - يبين مجملات القرآن، وبما أن نصوص القرآن نصوص قطعية لا شك فيها كان بيان القرآن مقدماً، ثم بعد ذلك أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن هناك روايات عن الرسول الله و لم يصح إسنادها إليه، فلذلك مرتبة السُّنَّة تأتي بعد مرتبة القرآن، ثم كلام الصحابة يأتي بعد ذلك فهو أولى من غيره من کلام سائر الناس بالاعتبار والاعتماد في فهم ما غمض من معاني القرآن الكريم، ولا يعني ذلك تقليد الصحابة فيما لم يجمعوا عليه، فإنهم أنفسهم اختلفوا في تفسير القرآن كما اختلفوا في غيره، فنجد لابن عباس رأياً ولابن مسعود رأياً آخر، وهكذا سائر الصحابة رضوان الله عليهم لأن كل واحد كان يجتهد ببذل وسعه، فإذا وجدنا دليلاً أقوى من قول الصحابي
منهم
اعتمدنا عليه.
أما هذه التفاسير الأخرى ففيها الكثير الكثير من الإسرائيليات التي ما ثبتت نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فنجد مثلاً من جملة ما في تفسير الطبري بأن هذا السحاب غربال للماء الذي يتنزل من السماوات، وذكر الاختلاف في هذا الماء هل هو ينزل من شجرة من تحت الجنة أو ينزل من مكان آخر، ثم ينزل بعد ذلك في حجم الجمال فيقع على السحاب ويتفرق هناك فينزل إلى الأرض. قطرات. فهذا الكلام في تفسير الطبري، ولا يبعد أن يكون هناك كلام مثله في تفسير القرطبي، وكذلك ذكر القرطبي في حديثه عن هذه الأرض بأنها مستقرة على قرن دابة، وهذه الدابة وسوس لها الشيطان بأن (1/364)
صفحة 365
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
365
تقذف بهذه الأرض ومن عليها وما عليها، فأرسل الله سبحانه طائراً صغيراً فدخل في منخرها فآذاها، فتراجعت عن اتباع الوسوسة التي وسوسها الشيطان لها، وكان ذلك الطائر لها بالمرصاد يحاول أن يدخل في منخرها كلما حاول الشيطان أن يوسوس لها ... إلخ ما قاله فهذا كلام غير مقبول أبداً، فإذاً من غير المعقول أن نجعل تفسير البشر كله صواب، سواء كان من المتقدمين أو المتأخرين فكل أحد معرض للخطأ والصواب إلا المعصوم، ولا عصمة إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
الحقيقة والمجاز في القرآن
يَتَفَاوَت الناس في تعاملهم مع القرآن الكريم فمِنهم مَن يَتَمَسَّكَ بِظَاهِرٍ النصوص ومنهم مَن يُوغِل أيضاً في إعطاء اللفظ القرآني معاني قد تَكون أَكبَر مِمَّا يَتَّسِعها ذلك اللفظ في مفهومه، فما هو المنهج الذي تَرَوْنَه مُناسِبا في تَعامل الناس مع القرآن الكريم؟
القرآن الكريم نَزَلَ بِاللّسان العربي الذي فيه الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، وجاءتْ كلماته منسجمةً مع هذا الأسلوب العربي في التعبير، فمن کلِماتِهِ ما يَجِبُ أن يُحمَلَ على حقِيقَتِه لِعَدَم إمكانِ صَرْفه عن الحقيقة إلى المجاز، ومن كلماته ما يَتَعَيَّنُ أن يُحمَلَ على المَجاز لأَجْلِ وُجُودِ القَرائِنِ التي تَمنَع مِن إرادة الحقيقة.
والجمود على ظواهِرِ الألفاظ دونِ غَوْص في المعاني حتى يَصِلَ الإنسان إلى مُرادِ هذه العباراتِ القرآنية يُعَدُّ فى الحقيقة تَجَنّيا على القرآنِ الكريم، بل قد يُؤدِّي بالإنسان إلى أن يظن أن في القرآنِ تَناقُضاً تَقَدَّسَ
القرآن عن ذلك. (1/365)
صفحة 366
366 الفتاوى العقيدة
فمن ذلك إذا قَرَأَ الإنسان قَوْلَ الله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِن اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] .. ماذا عَسى أن يقول إن جَمَدَ على ظَواهِرِ الألفاظ، ففي أَوَّل هذه العبارة نَفْي الرّمي عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي وَسَطِها إِثْبات الرَّمْي له وفي آخِرِها إِسنادُ الرَّمْي إلى الله تعالى فيجب أن يُحْمَلَ كل لفظ على معناه الذي أُرِيدَ به فقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْت} أي ما سَدَّدْتَ الرَّمْي وقوله تعالى إِذْ رَمَيْتَ} أي إذ قُمْتَ بِالرَّمْي بحشب ظاهِرِ الفعل، وقوله تعالى: وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) أي أن الله تعالى هو الذي سَدَّدَ هذا الرَّمْي.
كذلك نحو قول الله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] وقوله: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنَسَنَكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الجاثية: 34] ففي هاتين الآيتين
إسناد النسيان إلى الله - تعالى الله عن النسيان وهو سبحانه يقول في آية أخرى فيما يحكيه الله ـ تعالى ـ عن موسى: لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [طه: 52]، ويَقولُ الله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيَّا} [مريم: 64] فلا ريب أنَّ النسيان بالمعنى الحقيقي مُستَحِيلٌ على الله تعالى إذ كيف يكون الله - تعالى ـ ناسيا وهو سبحانه الذي لا يَعزُبُ عن عِلمه شيء؟! كما أن علمه تعالى عِلمٌ ذَاتِي إِذ يَعلَم كَلَّ شيء، وإنما المراد بقوله: {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَنكُمْ} [الجاثية: 34) أي «اليَوْمَ يُهْمِلُكُمْ»، وكذلك: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] يُرادُ به أَهْمَلَهُم الله تعالى وخَذَلَهُم ولَم
يُوفِّقْهُم لِلْخَيْر، فإذن لا بد من أن تُحْمَلَ الألفاظ على معانيها الصحيحة. كما أن إعطاء الكلمات القرآنية معاني لا تَحتَمِلُها تَجَنَّ على القرآن الكريم أيضاً.
ولا بد من الاستهداء بِأَمْرينِ اثْنَيْنِ فِي فَهُم مَعانِي القرآن: الأول: الاستهداء بالعقل الذي يُرْشِدُ الإنسان إلى المعنى الصحيح، ولِذلِك نَجِدُ في القرآن الكريم أنَّ الله تعالى يُبيّن أنَّ هذه الآيات التي أَنْزَلَها (1/366)
صفحة 367
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
367
إنَّما هِيَ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون فالله تعالى سبحانه يَقُول: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ} [العنكبوت: 43]، وكثيراً ما قال: {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، و: {لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [النحل: 65]، و: لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 98]، و: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3]، و: {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13]، فلا بد من إعمالِ الفِكْر واستِخْدامِه لِلوصول إلى حقيقةِ مَضامِين مَعانِي كلمات القرآن الكريم. هذا نَجِد أن كثيرا من الناس يُغَلِّفُون عُقولهم، ويحرصون على تعاميهم عن حقائقِ معاني القرآن، بحيثُ لا يَأخُذُونَ إِلا الظَّواهِرٍ مِن غَيْرِ أَن يَغُوصُوا في الأعماق.
ومع
والعقل لا يُعْطَى أَكْثَرَ مِن حَجْمِه إذ هو كسائر الطاقات البشرية إذ إن طاقته مَحْدُودَة، وكما أنَّ الإنسان لا يَنْفُذ بِبَصَرِه إلى ما وراء الحُجُب، فكذلِك العَقْل لا يَنْفُذُ به إلى ما وراءَ الحُجُب المَعْنَوِية، وهو يَتَأَنَّرُ بالمُؤشّرات الكثيرة النفْسِية والاجتماعية.
والثاني هو اللغة العربية فالقرآن نَزَلَ بِاللّسانِ العربي، فلا يُحَمَّلُ مِن المعاني إلّا مَا تَحْتَمِلُه هذه اللغة العربية التي نَزَلَ بِها والله أعلم.
وجوب الإيمان بالقرآن
هل الكلام الموجود في القرآن هو عين كلام الله؟
نعم هو كلام الله فقد قال تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ} [التوبة: 6]
ولا إشكال في ذلك والله أعلم.
الزيادة في القرآن أو النقص منه كفر. فهل الذي ذهب إليه بعض العلماء من أن البسملة ليست آية من القرآن، يعتبر كفراً؟ (1/367)
صفحة 368
368 الفتاوى العقيدة
هناك غلط وقع فيه بعض المفسرين وغيرهم من الكتاب، فقد رووا عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: بأن البسملة ليست قرآناً؛ وهذا غير صحيح، فهو ينفي أن تكون آيةً من الفاتحة ومن السور التي كتبت قبلها، ولا ينفي قرآنيتها، لأن البسملة جاءت في سورة النمل، فلم يقل أحد بأن البسملة ليست قرءاناً؛ وإنما قال من قال بإنها ليست من الفاتحة وهذه المسألة فيها شبهة، فلأجل الشبهة لا يصل الأمر إلى التكفير ولا إلى التفسيق، وقد ذكرت ذلك في التفسير (1) مع بيان أن الصحيح بأنها آية من الفاتحة الشريفة، والله أعلم.
ما المراد بالإيمان بالقرآن الكريم؟
أن يؤمن الإنسان بأن القرآن هو كلام الله المنزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه اختتم الله - تعالى - به وحيه المنزل على أنبيائه كما اختتم أنبياءه ورسله بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن كُلَّ ما في هذا القرآن إنَّما هو حق من عند الله، على أن هذا الإيمان يجب أن يتجسد في الواقع بحيث تكون الأعمال مُتَنَاغِيَة ومُتَجَاوِبَة معه، فلا يَعْمل أي عمل مِن الأعمال إلا وهو تَجْسِيد لهذا الإيمان كما يدل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِنَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكَرُوا بِهَا خَرُوا سُجَّدًا وَسَبِّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [السجدة: 15 - 16] و ـ كذلك ـ يَدلُّ عليه أن الله تعالى قال في بني إسرائيل الذي أخذوا ما حلا لَهم مِن التَّوراة وأعرضوا عما لَم يَحلُّ لَهم: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85]، والآية الكريمة وإن كانت في بني إسرائيل إلا أن معناها ينطبق على هذه الأمة
(1) جواهر التفسير لسماحة الشيخ، ج 1. (1/368)
صفحة 369
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
369
عندما تُعْرِض عما لَم يَحلُّ لَهَا مِن القرآن الكريم، ويدل على هذا ـ أيضاً ـ حديث أم المؤمنين عائشة الى عندما أبصرت امرأة وقد لبست الرقيق من الثياب فقالت: «ما آمنت بسورة النور امرأة تلبس هذه الثياب»، فهذا كله يدل على أن الإيمان الحق بالقرآن يجب أن يتجسد في حياة المؤمن؛ والله
ـ تعالى ـ أعلم.
مِمَّا
مكانة القرآن
صدر كتاب باسم «الفرقان الحق وسَلَّطَت بعض المجلات الضوء عليه وبَيَّنَت هيكلته وما يتعرض له، فقد جاء في طرحه بأسلوب لجمع الأديان الثلاثة ويسمى مصحف السلام الذي يُمكن أن يجمع الأديان الثلاثة، ولعله يشير إلى الإسلام والنصرانية واليهودية فهو يبتدئ بالفاتحة وأيضاً فيه سورة اسمها المحبة وأخرى المسيح وأخرى الثالوث وأخرى الزنا والماكرين والإنجيل ونحو ذلك، وفيه آيات يُطلق عليها لفظ آيات ومنها ما هو مُجْتَزَئ في بعضه من ألفاظ القرآن، يا أيها الناس لقد كنتم أمواتا فأحييناكم والذين اشتروا الضلالة وأكرهوا عبادنا بالسيف ليكفروا بالحق ويؤمنوا بالباطل ... ونحو ذلك، ما هو تعليقك على مثل هذه الإصدارات التي تُحاكي في مضمونها وفي مَظْهَرها كتابا مقدسا كالقرآن؟
هذا تَصَرُّف غني عن التعليق، فإنَّه لا يدل إلا على حماقة الذين صَدَرَ منهم مثل هذا الكتاب فهم يُحارِبُون الله من خلال مُحَاوَلَة لَبْس الحق بالباطل، والدمج بين الهدى والضلال والجمع بين الرُّشْدِ والغَيّ، وهذا أمر
مستحيل. (1/369)
صفحة 370
370 الفتاوى العقيدة
كتاب الله هو كلامه الذي صَانَهُ تعالى من أيدي المُحرّفين وضلالات المضللين وفساد المُفْسِدِين، يقول الله تعالى:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: 9)، نَزَّلَهُ اللَّهُ لِيَبْقَى مَصُوناً مِن أَيْدِي العابثين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد حاول من حاول عبر التاريخ أن يَخْلِطَ ما بين القرآن وغيره، وأن يُثير الشبه حول القرآن الكريم ذلك كله ارْتَدَّ هؤلاء خَاسِئِين.
ولكن مع فعلى الذين يُحاولون الآن مثل هذه المحاولات أن يُوَفِّرُوا مالَهم، لأنه جهد ضائع، وهذا المال الذي يَصْرِفُونَه في هذا الأمر مال ضائع، إنَّما هو كما قال الله تعالى: {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [الأنفال: 36]، فهم ينفقون الأموال الطائلة من أجل
وجهدهم،
الصَّد عن سبيل الله، ومن أجل مُحاربة الله ومحاربة دينه ورسوله وكتابه الحق وعباده المؤمنين، ولكن مع ذلك فإنَّ هذه النفقات الطَّائِلَة التي ينفقونها لن تعود عليهم بالجدوى وإنَّما ستعود عليهم بالخسارة وهكذا سَيَظُلُّون يتحسَّرُون، بِسَبب أنَّ الإسلام يمتد أنَّ الإسلام يمتد شُعَاعه وينفُذُ نوره، وينتشر خيره في أَرْجَاء الأرض، يهدي الله به قلوباً غُلْفا، ويُبَصّر به عُيُوناً عُمْيا، ويُسمع به آذاناً صُمّا، ويُخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ومن الباطل إلى الحق ومن الضلال إلى الهدى فكم مِن إِنسَانٍ يَسْتَبْصِرُ بالإسلام الآن في هذا العالم بعدما صار هذا الضجيج ضد الإسلام وضد المسلمين وألصق ما أُلصِقَ بكتاب الله وبِنَبِيَّ الإسلام محمد ـ عليه وعلى وصحبه أفضل الصلاة والسلام - وبتعاليم الحق التي جاءت مِنَ الله فقد ألصق بذلك كله من الشُّبَه والأكاذيب ما يهد الجبال ويزلزل الأرض ذلك كله فالإسلام ينتشر والحق يتَجَلْجَلُ صوته لا يُخْفِتُه ضجيج
آله
ومع (1/370)
صفحة 371
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
371
الجاهلية الحديثة العمياء التي تريد أن تُخْرج الناس عن منهج الحق، وأن تَصدَّ الناس عن سبيله، فصَوْته يَصِل إلى أَعْمَاق فِطَر الناس لأنَّه في الحقيقة صوت الفطرة: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].
وقد ذَكَر الله مُحَاوَلات هؤلاء في سورة التوبة في قوله: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ) هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32 - 33]، وقال في سورة الصف: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ (3) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 8 - 9]، فمهما كان كُرْهُهُم ومُحاولاتهم وعزيمتهم وإرادتهم فإنَّهم لا بد من أن يرْتَدُّوا خاسئين، ونحن نَرَى في تاريخ الأمم التي حاربت الإسلام إلى أين وصلت هذه المحاربة التي قامت بها، ويكفي ما حدث أخيراً من مُحاوَلَة صَدّ الناس فقبل ما يَقْرُب من قرن من الزمن كانت محاولة زويمر (1) ومن معه أن يُنَصِّرُوا المسلمين في مدة خمس وعشرين سنة، وأن يَقْضُوا على الإسلام في أي بقعة من الأرض، وكان قد تعهد بذلك، واجتمعوا في مصر في منزل عَرَابِي بَاشَا في باب اللوق في عام 1906 م، من أجل محاولة القضاء على الإسلام في مدة خمس وعشرين سنة، وإذا بهذا الإسلام يَنْبَعِث من جديد، وإذا بِزْوِيمر يمتد به العمر حتى يرى نُور الله تعالى يَسْطَع في بقاع الأرض، ويرى نفسه قد
(1) صموئيل زويمر أمريكي 1867 - 1952 اطلق عليه اسم الرسول إلى الإسلام وقد اعترف بفشله في التنصير في الجزيرة العربية خلال ربع قرن في مؤتمر القدس عام 1935 م. (1/371)
صفحة 372
372 الفتاوى العقيدة
خَسِر خُسْرَاناً مُبِينا وضاعت جُهوده، وهكذا هؤلاء سَتَضِيع جهودهم بإذن الله مهما ضوعفت ومهما أُنْفِق فيها من مال، وستَتَفَطَّرُ مِن ذلك أكبادهم وتَذُوبُ قلوبهم عندما يَرَوْنَ دِين الله يَسْطَعُ في أرجاء الأرض ويُجَلْجِلُ صَوْتُه في
جنبات الوجود، والله الموفق.
كيف يكون القرآن معجزة للعامة وقد جاء بلسان عربي مبين وفي الأمة مَنْ لا ينطق بهذا اللسان؟
إِنَّ الله تعالى أرسل رُسُله تَتْرَى وأنزل كُتُبه تُتْلَى ليهلك مَنْ هلك عن بيِّنَة ويَحْيَا مَنْ حَيِيَ عن بَيِّنَة وقد اقْتَضَت حِكْمَتُه تعالى مِنْ أجل البيان أَنْ يُرسل كل رسول بلسان قومه ليبين لهم فقد قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ هُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] فقد أرسل موسى باللسان العبري وهكذا كانت دعوة عيسى وكذلك الرسل المُتقدمون مِنْ قبل إنما كانت ألسنتهم ألسنة أقوامهم، ولكن هذه الدعوة التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقة لدعوات المرسلين من قبل لم تكن محصورة في أمة بعينها، وإنما هي شاملة لجميع الناس على اختلاف ألسنتهم وعلى اختلاف أجناسهم وعصورهم منذ تِلْكُم البعثة الشريفة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالناس جميعا مخاطبون بهذه الرسالة.
وقد هَيَّأ الله سبحانه اللسان العربي لأن يكون لسانا يشتَمِلُ على هذه الرسالة المقدَّسَة إذ كان وعاء لها حيث كان وعاء لكتاب الله الذي أنزله الله بلسان عربي مبين، وهذا اللسان هُذّبَ بالأطوار التي مرت به طؤرا بعد طور حتى ارتقى إلى هذا الأوْج الشامخ وَوَصَل إلى هذه الذِّرْوَة الرفيعة إذ كان هو اللسان المُتَهَيِّئ لأن يشتمل على هذه الرسالة المقدسة أبعادها بجميع (1/372)
صفحة 373
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
373
وجميع لفهمه بحسب ما أراد الله أن يُيَسِّر القرآن لعباده وقد قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِكرِ} [القمر: 17] فتيسير القرآن للذكر يعني تيسيرا للسان العربي ونحن نَجِد أنّ الذين عُنُوا بالعربية عناية بالغة مُعْظَمهم كانوا مِنْ غير العرب حيث إنهم كانوا هم الذين فتَشُوا عن أسرار اللغة العربية وسَبَرُوا أَغْوَارَهَا و دخلوا في مَكَامِنها وعرفوا ما تشتمل عليه من حكم بالغة وما تَنْطَوِي عليه أبعاد سحيقة فجاؤوا بالخير الكثير.
أسرارها ومزاياها فقد تميز بهذه الخصائص وقد هَيَّةَ الله تعالى الناس
من
أن
أن
ونَجد غير العرب يُشَرِّفُهُم أنْ يكون هذا اللسان لسانهم حتى الزمخشري وهو أعجمي يقول في فاتحة كتابه المفصل (الله أحمد على شَرَّفَنِي بأن جعلني من علماء العربية) فهو يحمد الله ـ تعالى ـ على هذه النعمة نعمة تشريفه بِأَنْ جَعَلَهُ مِنْ علماء العربية من أجل الحفاظ على القرآن الكريم، وقد تيسر لهم حفظ القرآن ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من فهم معانيه وإدراك، أسراره، فكان كثير من المفسرين بل أكثر المفسرين عجما فالطبري والرازي والزمخشري والنيسابوري وغيرهم من أئمة العربية إنما
كانوا من بلاد العجم سواء كانت أصولهم عربية أو من أصل أعجمي. هذا كله فإنّ الله تعالى يَسَّرَ أيضاً لغير العرب إدراك كثير من ومع أسرار القرآن - وليس جميع أسرار القرآن - من خلال ترجمة معاني القرآن الكريم وإن كانت في الحقيقة لا تَفِي بِمَعاني القرآن أيُّ لغة إلا اللغة الخاصة به التي أنزله الله تعالى بها ولذلك عندما كُلّف أحد المستشرقين الفرنسيين بأنْ يُترجم اثنتين وستين سورة من سور القرآن الكريم مِن قِبَل وزارتي التربية والخارجية في وقته وعُني بهذه الترجمة كَتَبَ مقدمة لترجَمَته جاء فيها ما معناه: «إنّ القرآن لا يُمكن أن تَفِيَ (1/373)
صفحة 374
374 الفتاوى العقيدة
بمعانيه لغة مثل لغته الخاصة ولا أسلوب إلا أسلوبه الخاص فهو أسلوب إلهي ولذلك أعجز البشر بسحر بيانه».
وهذا يَدُلُّ على أنّ الإنسان إذا حاول أن يَسْبُرَ معاني القرآن الكريم مِنْ خلال ترجمة هذه المعاني إلى اللغات الأخرى لا يَتَوَصَّل إلى ما يتوصل إليه عندما يدرس اللسان العربي أولا ثم يدرس القرآن بهذا اللسان العربي، ولكن مع ذلك اتَّضَحَ للناس مع هذه الترجمات الكثير الكثير من إعجاز القرآن الكريم وفهموا ذلك ولذلك نجد الكاتبين الذين كتبوا في إعجاز القرآن الكريم قد يكون بعضهم غير مُتَضَلّع في علوم العربية وغير قادر على استيعاب المعاني من خلال هذه اللغة بنفسها من غير ترجمة إلى اللغات الأخرى ولكن مع ذلك كله وصلوا إلى أسرار القرآن التي وصلوا إليها واعترفوا بذلك وتَحَدَّثوا به وكم من كاتب كتب عن هذا السر الغيبي في هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل مِنْ بَين يديه ولا من خلفه، والله أعلم.
يقول الله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْهَانَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30]، هل يمكن أن يُستنتج من هذه الآية أنَّ الناس قد هجروا القرآن الكريم؟
أنزل القرآن الكريم ليتلى وليعمل به، لا ليتلي فحسب، فإن تركت تلاوته كان ذلك هَجراً له، وإن تُرك العمل به كان ذلك هجراً له أيضاً، والله تعالى يقول لأهل الكتاب: قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَنَةَ والانجيل} [المائدة: 68]، وإذا كان أهل الكتاب ليسوا على شيء حتى يُقيموا التوراة والإنجيل فإنَّ أمة القرآن ليست على شيء حتى تقيم القرآن. والله تعالى يقول: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا التَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِنَايَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (1/374)
صفحة 375
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
375
[الجمعة: 5]، وهذه الآية تنطبق على هذه الأمة عندما لا تتحمل أمانة القرآن التي حُمِلَتها؟.
وقد بين الله ـ سبحانه ـ في آيات الكتاب العزيز وجوب الحكم بما أنزل، والعمل به، فالله تعالى يُخاطب بَنِي إسرائيل فيقول: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيتَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظْهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 82 - 85] فجعل الإعراض عما لم يتحملوه من وصايا الله تعالى كفراً بالكتاب الذي أنزل إليهم، فكذلك هذه الأمة عندما لا تطبق أحكام القرآن الكريم تكون غير به، ولذلك عندما رأت أم المؤمنين عائشة الى امرأة عليها ثياب
مؤمنة حقاً
رقاق قالت ما آمنت بسورة النور امرأة تلبس هذا».
ويقول الله سبحانه: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ} [المائدة: 44]، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَبِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [المائدة: 45] وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَبِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ} [المائدة: 47]، ثم يقول: أَفَحُكْمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمَا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]، ويقول
خطاباً لنبيه: (1/375)
صفحة 376
376 الفتاوى العقيدة
وَأَنِ أَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ} [المائدة: 49]، هكذا يُخاطب الله نبيه والأمة المسلمة فرطت في هذا الكتاب العزيز، وقد كان الواجب عليها أن يكون نصب عينيها ومصدر أحكامها وعباداتها وعقيدتها وفكرها وأخلاقها ومصدر جميع تصرفاتها في حياتها، وعندما تحتكم إلى القرآن احتكاماً تاماً تكون مستمسكة به حقا غير هاجرة له والله أعلم.
هل يجوز إعطاء المصحف المترجم إلى اللغة الإنجليزية للهندوس؟ المترجم ليس هو عين القرآن فالقرآن أنزله الله تعالى بلسان عربي مبين، هذا المترجم لا يمكن أن نقرأه في الصلاة، ولا نضفي له صفة القداسة الموجودة في القرآن وإنما هي ترجمة للمعاني وليس ترجمة للنصوص، إذ نصوص القرآن لا يمكن أن تترجم قط، وإنما تترجم معانيه لأجل تقريبها إلى الأفهام، والله أعلم.
بعض أصوات التنبيه في الهواتف لاستقبال المكالمات عبارة عن أذان أو آيات قرآنية ويضطر مُتَلَقِّي المكالمة حتى يباشر الحديث معها أن يَقْطَع هذا الأذان أو هذه الآية، فهل يصح وضع مثل هذه المنبهات في
الهواتف؟
ينبغي
أن يُصان القرآن وأن يُصَان ذكر الله تعالى عن مثل هذه الأشياء، نعم لذكر الله - تعالى - مجالات لكن أن يكون وسيلة للتنبيه على وصول بحيث يقطع الإنسان الآية ولربما قَطَعَها في مكان وقف قبيح فذلك
مكالمة
مِمَّا ينبغي
أن يُصان القرآن عنه والله أعلم. (1/376)
صفحة 377
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
377
يزعم بعض النحاة أن هناك بعض الزيادات في القرآن الكريم في الحروف، مثلاً في قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 79] يقول: إن الباء هنا زائدة، وقوله تعالى (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} [البقرة: 259] والكاف هنا زائدة، فما منشأ هذه الأقوال وكيف الرد عليهم؟
هذه الزيادة إنما هي زيادة اصطلاحية - أي في مصطلح النحاة ـ؛ فهم يعترفون أن لهذه الباء في قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} معنى زائداً على ما لو ركب الإسناد دونها، فهي تؤكد نسبة المسند للمسند إليه، وإن كانت لو لم تأت في التركيب لكان الكلام سليما، فلذلك قالوا بأنها زائدة، مع كونها تفيد معنى لولا وجودها ما أستفيد، فهي من حيث المعنى غير زائدة، وإن اصطلحوا على وصفها بالزيادة، وهكذا يطَّرِد هذا الحكم في كل الحروف التي وصفوها بالزيادة والله أعلم.
يقول أناس: إن القرآن مناقض بعضه بعضاً، فما حكم هؤلاء، هل هم باقون على ملة الإسلام؟
لا، ليسوا باقين على ملة الإسلام، فمن ادعى التناقض في القرآن فقد كذَّب القرآن. فالله تعالى نفى عنه التناقض حيث قال: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، فالقرآن منفي عنه التناقض بالعقل والنقل. لأن العقل يقتضي أنه لو تناقض لكان ذلك مشككاً في صحة نسبته إلى الله، إذ يقضي العقل باستحالة أن يتناقض ما جاء من عند الله الله فإن الله وعجل لا يخفى عليه شيء في وقت من الأوقات، فيقول فيه شيئاً، ثم يتبين له غيره فيقول فيه شيئاً آخر يخالف ما قاله من قبل، لأن علم الله علم ليس بحادث ولا فان والتناقض إنما هو نتيجة الجهل أو النسيان
أزلي قديم وكلاهما مستحيلان على الله وعل.
6 (1/377)
صفحة 378
378 الفتاوى العقيدة
وأما اختلاف الأوامر وذلك بأن يؤمر بشيء تارةً ثم يؤمر بما يخالفه تارةً أخرى فهو نسخ، وليس هذا بتناقض ولا هو ببداء، فالبداء مستحيل على الله الله، لأن الله لو كان تبدو له البدوات لكان كالخلق في جهلهم
6
بالمآلات. أما النسخ فلأجل المصلحة التي هي معلومة الله تعالى أزلاً وأبداً، فهو يعلم صلاحية كل من الناسخ والمنسوخ في ميقاته، وقد قال تعالى: مَا نَنسَحْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} [البقرة: 106]، فتبين بهذا أنه لأجل رعاية مصلحة العباد، فقد تكون مصلحة العباد منوطة بحكم، ثم تكون في وقت آخر منوطة بحكم آخر مخالف لذلك الحكم، ولذلك تختلف الشرائع مع اتفاق العقيدة التي بعث بها المرسلون، أما الأخبار فلا يمكن أن تختلف أبداً، وأما الدليل من النقل على عدم تناقضه فهو ما تقدم من قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} والله أعلم.
قراءة القرآن وتدبره
يسأل عن النسيان الذي ورد في قوله - تعالى - في سورة طه: {قَالَ كَذَلِكَ أَنَتَكَ ايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنَسَى} [طه: 126].
النسيان هُنا هو الإعراض فالله تعالى يقول:
(124)
(125
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَنتَكَ وَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه: 124 - 126] أي أعرضت عنها ولم تعمل بها، لأنَّ الذِّكْر جاء من الله تعالى ليُعمَل به ولِيُؤخَذ به في كل شئون الحياة،
وما جاء لِمُجَرَّد التلاوة. (1/378)
صفحة 379
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
379
ولا ريب أنَّ الإنسان مأمور بأن يتَعَهَّد القرآن، بالعمل وبالحفظ لأنَّ الحديث عن النبي: من تعلم القرآن ثُم نَسِيَه حُشِرَ يوم القيامة أَجْذَم»)،
وجاء في تفسير الأجْذَم بأنَّه مقطوع اليد أي مقطوع الأطراف.
واختلف العلماء في المراد بالنسيان: منهم من قال المراد بالنسيان هو نسيان ألفاظه وذلك بأن يهمل تلاوة القرآن حتى ينساه فلا يستطيع أن يتْلُوه كما كان يتلوه من قبل، فهذا النسيان
يتوعد عليه هذا الوعيد.
وقيل: المراد بالنسيان هو ترك العمل به بدلالة الآية السابقة. ومنهم من قال بأنَّه إِنْ نَسِيه من غير ترك لتلاوته، وإِنَّمَا كان نسيانه لِمَرضِ طَرَأَ عليه فلا حرج.
ومنهم من قال بأنَّه إن كان يُفرّق بينه وبين الشعر فلا حرج، وقال قطب الأئمة رحم الله بأنَّ الأَولَى أن يُقَال: إن كان يُفَرِّقُ بينه وبين غيره.
والعلماء بين
مُشدّدٍ وبين مُرخّص في هذا، لكن إذا تَقادَم حفظه للقرآن
الكريم من غير قصد لترك تلاوته فَنَسِيَ شيئاً منه لا يُحمل نسيانه على هذا الوعيد، وإنما مع ذلك يُؤمر بأن يُحاول جهده بأن يَسْتَذكر ما نَسِيَ من القرآن، وأن يستمر على تلاوته، فنسيان القرآن لا ينبغي لأنَّه يُعد إعراضاً عن القرآن، وإن كان الإعراض بترك العمل به هو أعظم من الإعْرَاض بِتَرك تلاوته فحسب؛ والله - تعالى - أعلم.
كيف يمكن أن يُربِّي المسلم نفسه على الارتباط بالقرآن الكريم بحيث
يستشعر الوجود بين شطور آياته؟
(1) رواه الربيع (6). (1/379)
صفحة 380
الفتاوى العقيدة
ذلك عندما يتعمق إيمانه بالقرآن فإنَّ القرآن الكريم ليس كسائر الكلام، إنَّما هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فعلى المسلم أن يشعر بأنَّ القرآن الكريم هو مصدر هدايته، وأنه هو الترجمة الصادقة لنظام الكون ونواميسه، وأنه المرآة الناصعة التي تنعكس عليها حقائق هذا الوجود، وأنه المنهج السليم الذي من سلكه وصل إلى سلامة الدنيا وسعادة العقبي.
فعندما يتغلغل هذا الإيمان في أعماق النفس، ويقرأ الإنسان القرآن بتدبر وإمعان بحيث يقف عند آياته فيتأمل وعده ووعيده وأمره ونهيه وحكمه وأمثاله وحكمه وإرشاده لا ريب أنه يتفاعل بذلك القرآن تفاعلاً مع ينغرس معه القرآن في نفسه حتى يَتَكَيَّف وفق تعاليمه في أخلاقه وفي معاملاته وفي كل تصرفاته وأحواله والله أعلم.
المتأمل يجد أحاديث كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم تبيّن فضل تلاوة القرآن الكريم، من ذلك ما ورد أنّ الحرف بعشر حسنات .. هل هذا الثواب هو للتلاوة المجرّدة أم للتلاوة بشرط التفكر؟
لا ريب أنّ الإنسان لا يُطلب منه أن يتلو القرآن لاهيا غافلا فإن هذه التلاوة ليست لها قيمة وليست فيها روح، وهي بمثابة الجسم المتعفّن الذي لا حراك له ولا أثر له بل ربما يضرّ ولا ينفع لأن تعفنه يؤدي إلى نتن رائحته وإضراره بالناس، فكذلك شأن العبادة الفاقدة للروح، كالصلاة التي تفقد الخشوع، وكذلك تلاوة القرآن عندما لا يكون هنالك تدبّر وإمعان ولا ريب أنّ كل أحد تعتريه الوسوسة، وتعتريه الغفلة، ويُحاول الشيطان أن يَلْبِسَ عليه أمره وأن يُبعِدَه عن التفكر والإمعان لكن عليه (1/380)
صفحة 381
الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
381
مغالبة ذلك وأن يحرص على أن يعالج نفسه ويداوي أدواءه بهذا القرآن
الكريم
عندما يتلوه والله أعلم.
كيف يكون هجر القرآن الكريم .. ؟!
هجر القرآن الذي ذكره الله في قوله (وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30] يصدق على ترك العمل به، كما يصدق أيضاً على الإعراض عن تلاوته فإن كلا من ذلك هو هجر للقرآن، والذين يعملون بالقوانين والأنظمة والتشريعات المخالفة للقرآن الكريم اتخذوا هذا القرآن مهجوراً والله أعلم.
ما هو التغني بالقرآن وهل هو جائز مع العلم بأني قرأت حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اذا قرأت القرآن فرتله ترتيلاً ولا تغنوا به فإن الله يحب أن الملائكة أن تسمع لذكره)، ولكني قرأت حديثاً لا أعلم صحته جاء فيه عن أبي لبابة بشير بن عبد المنذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يتغن بالقرآن فليس
منا (2)، فما الفرق بين الحديثين أرجو من سماحتكم الإجابة؟
التغني الممنوع في حديث أبي هريرة عند الربيع محمول على تلاوة القرآن بالتطريب كألحان الغناء، فإن القرآن الكريم يجب تنزيهه عن ذلك، أما التغني به في الحديث الآخر فهو محمول على الاستغناء، لأن تغنى واستغنى يترادفان كتكبر واستكبر كما نص عليه الجوهري والهروي وغيرهما أئمة اللغة، وعلى هذا حمله القرطبي في تفسيره، والله أعلم.
من
(1) رواه الربيع (4). (2) رواه البخاري (7089). (1/381)
صفحة 382
[صفحة فارغة] (1/382)
صفحة 383
الإيمان بالرسل (1/383)
صفحة 384
384 الفتاوى العقيدة
الإيمان بالرسل وأثره في حياة المسلمين
الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان حسب تسلسلها في حديث جبريل، والإيمان برسل الله - سبحانه ـ واجب بنصوص الكتاب أحدا التردد في ذلك، فالله يقول:
العزيز فلا
يسع
قُولُوا آمَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ [البقرة: 136]، ويقول ـ سبحانه ـ:
ذلك
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَيكَيْهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} [البقرة: 285]، ورسل الله ـ سبحانه ـ المعنيون هنا هم الذين اصطفاهم لحمل رسالته وهم من جنس البشر تنتظمهم الصفات البشرية العامة، فهم موصوفون بما يوصف به غيرهم من البشر، من الهم والحزن والفرح والسرور، والنوم واليقظة، والأكل والشرب، والمشي في الطرق وجميع الصفات البشرية العامة، ولكنهم مع يختلفون عن سائر البشر من حيث إن الله - سبحانه ـ جعل صفاتهم أرقى من صفات البشر، فهم أوفر البشر عقلا وأحسنهم سيرة وأصفاهم سريرة، وأنورهم بصيرة، وأحسنهم سلوكا وأقومهم طريقا، لأن الله صنعهم على عينه وهيأهم لحمل أمانته واصطفاهم لأن يكونوا وعاء لنوره وهداة لخلقه، هؤلاء الرسل أرسلهم الله - سبحانه ـ للدعوة إلى توحيده وعدم إشراك أحد في عبادته قال له وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُونَ} [النحل: 36]، فكل الرسل جاؤوا يدعون إلى عبادة الله سبحانه ـ وعدم إشراك غيره في هذه العبادة ورسالاتهم تختلف من حيث
معه (1/384)
صفحة 385
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
385
سعتها وضيقها، فقد يرسل الرسول إلى قومه خاصة وقد يرسل إلى ملأ أوسع
نبي
من قومه، وقد تكون رسالة الرسول تعالج مشكلة بعينها بجانب مشكلة العقيدة كما هو معروف من شأن الله ـ تعالى ـ لوط الذي كان يعالج مشكلة خلقية اجتماعية بجانب دعوته إلى عبادة الله - سبحانه - وعدم إشراك غيره في العبادة، وكذلك نبي الله شعيب كان يدعو قومه إلى عدم تطفيف المكاييل والموازين بجانب دعوته إياهم أن يعبدوا الله وحده وألا يشركوا معه أحدا من خلقه، ولا ريب أن أوسع هذه الرسالات جميعا من حيث انتظامها للبشر جميعا ومن حيث اشتمالها على حلول جميع المشكلات البشرية كلها رسالة محمد ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ الذي بعثه الله - تعالى - على فترة من الرسل خاتما للنبيين ومصدقا لما جاؤوا به من قبل، فالإيمان بما جاء به محمد ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ يعني الإيمان بما في تلك الرسالات السابقة كلها، لأننا تعبدنا باتباعه ونحن وإن كنا يجب علينا أن نؤمن بجميع أولئك الرسل من غير أن نفرق بين رسول وآخر منهم، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض فإنه يجب علينا أن نشخص رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم من بينهم في إيماننا حيث لا يسعنا أن ندرجه معهم في الإيمان الإجمالي، وإنما علينا أن نخصه من بينهم، وإذا قامت علينا الحجة بمعرفة أحد بعينه من سائر الرسل علينا أيضاً أن نشخصه في إيماننا، كما إذا قامت علينا الحجة بمعرفة الرسل المذكورين في القرآن الكريم كنوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى وغيرهم من الرسل، فإن علينا أن نؤمن بهؤلاء الرسل أنهم أرسلوا حقا من عند الله، ولكن الاتباع إنما يجب علينا أن نتبع نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه وإن كان بعث بما بعثوا به من قبل من الدين وهو توحيد الله وعدم إشراك غيره في العبادة إلا أن شريعته نسخت شرائعهم فلربما كانت هناك أشياء مشروعة في (1/385)
صفحة 386
386 الفتاوى العقيدة
رسالاتهم من قبل وكان ذلك تشريعا آنيا موقوتا، أما التشريع الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما استقر على ما هو عليه فهو تشريع ثابت لا يأتي من بعده ما يرفعه من الشرائع الأخرى، وإيماننا برسل الله وبعلو قدرهم ورفعة منزلتهم لا يعني أن نخرجهم من طور البشرية أو من صفات المخلوقين، فلا يجوز أبدا أن نصف أي أحد منهم بصفات الألوهية والربوبية، كما لا يجوز أبدا أن نعتقد أن أي أحد منهم ابن الله، فإن الله ما اتخذ صاحبة ولا ولدا، فرفعة قدرهم لا تخرجهم عن طور العبودية، بل هم عباد الله {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] وقد وصف الله عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو خير الرسل وأفضلهم بإجماع الأمة بصفة العبودية في مواضع متعددة، فقد قال الله - تعالى -: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا} [الإسراء: 1]، وقال سبحانه:
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1]، وقال: وَأَنَّهُ لَمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن: 19]، فرسالات هؤلاء المرسلين لا ترفعهم إلى مستوى فوق مستوى العبودية لله - سبحانه ـ، ولكنهم عباد أكرمهم الله بما أسبغه عليهم من النعم وبما خصهم به من المزايا وبما وهبهم من المنايح.
هذا، وإيماننا بأولئك المرسلين ليس هو إيمانا شكليا صوريا وإنما هو إيمان جوهري عميق يستولي على مشاعر النفس ويجعل الإنسان يحبهم محبة تفوق محبته للناس أجمعين لأنهم مؤهلون لهذه المحبة من حيث إنهم جاؤوا بالهداية من عند الله، ومن شأن الإنسان أن يحب من أسبغ عليه نعمة ومن شأنه أيضاً أن يحب من يراه يفوقه في المنزلة والرفعة، ورسل الله - تعالى - يفوقون الناس جميعا في المنزلة والرفعة (1/386)
صفحة 387
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
387
كما أنهم أيضاً جاؤوا بنعمة كبرى وقاموا بجهد كبير حتى وصل إلينا هذا الدين الحنيف ورسخت عندنا هذه العقيدة فيدهم يد بيضاء على الإنسانية كلها ولذلك كانت محبتهم أمرا يقتضيه الإيمان بالله واليوم الآخر، وبدون محبة هؤلاء الرسل لا يرقى الإنسان إلى أوج الإيمان، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) (1) ويقول أيضاً: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) (2)، فالإيمان الحق يقتضي حب رسل الله ومن بينهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حبا جما يجعل الإنسان يترسم خطواتهم ويتبع آثارهم ويقفو نهجهم ولا يخرج عن شريعتهم، ثم لا بد من أن يتجسد هذا الحب وهذا الإيمان في السلوك، فإن الإيمان والحب ليس مجرد دعوى، بل يقتضي اتباع المؤمن من آمن به، والحب يقتضي أيضاً تفاني المحب في هوى من أحب، ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم تعني اتباع سائر الرسل لأنه جاء بما جاؤوا به على أحسن الوجوه وأوسع الأبواب، وأشمل الأحكام فمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم من مقتضيات الإيمان برسالته، والله ـ تعالى ـ يقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
فمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والتأسي به من مقتضيات الإيمان بالله واليوم الآخر، ويقول الله وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] فجميع رسل الله بعثوا بوجوب الطاعة لهم حيث إنهم يبلغون عن الله
سبحانه ـ، ويقول تعالى:
(1) رواه البخاري (15).
(2) رواه البخاري (14). (1/387)
صفحة 388
388 الفتاوى العقيدة
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: (36]، ويقول عل: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا ممَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، هذا هو الإيمان الحق بالرسل وهو أن ينقاد الإنسان لرسل الله كما ينقاد الله وعل، لأن الرسل مبلغون عن الله، فهم لا ينطقون عن هواهم وإنما ينطقون عن وحي الله، ولا يصل الإنسان إلى حقيقة الإيمان حتى يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم تحكيما مطلقا ثم لا يجد أي حرج فيما قضاه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - لأن ذلك من قضاء الله، فلا بد من التسليم التام لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحكام والإذعان لها كما قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] ويدل على هذا قول الله ـ سبحانه -: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 463، وهذا وعيد ليس بعده وعيد وتهديد ليس من بعده تهديد فهو ينذر الذين يخالفون أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، وكثير من الناس ممن يدعي الإيمان بالله واليوم الآخر وبكتبه وبرسله إذا خوطبوا بشيء مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون ليس هذا في القرآن، وهات دليلا من القرآن عليه، ومن أين لكم أن هذا أمر لازم مع أن القرآن لم ينص عليه، أوليس في كتاب الله تعالى وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا فما معنى قوله عل: وَمَا ءَ الكُمُ الرَسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7] وما معنى قوله - سبحانه -: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، وما معنى قوله (1/388)
صفحة 389
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
389
- تعالى -: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وذكر الله كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] وفي تقديم الجار والمجرور وهو قوله: {في رَسُولِ) إيذان بأن القدوة المطلقة لا تكون إلا في شخص الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - لأنه معصوم من عند الله ـ سبحانه ـ فأفعاله لا تخرج عن كونها تشريعا لأمته بخلاف أفعال غيره، فقد تؤثر على غيره المؤثرات الكثيرة بينما هو عليه أفضل الصلاة والسلام بخلاف الناس لأن أفعاله بلاغ عن الله كأقواله، وهي بيان لهذه الأمة فيما يأتون وما يذرون، ومن أجل ذلك وجب عليهم أن يتأسوا به، أما التأسي بغيره فهو فيما وافق منهجه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، إذ أفعال غيره لا تكون تشريعا لهذه الأمة بخلاف أفعاله - عليه أفضل الصلاة والسلام، والرسل السابقون وإن كانوا أيضاً مبلغين عن الله وأفعالهم لا تخرج عن دائرة الحق والصواب فإن شريعتهم أو شرائعهم قد نسخت بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك لم نتعبد باتباعهم إلا فيما جاء النص بوجوب اتباعنا لهم فيه، كما في قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة: 4]. يعني الله ـ سبحانه ـ بهذا أن فيما كان من إبراهيم تجاه أبيه وتجاه قومه من البراءة من أعمالهم المخالفة للحق أسوة حسنة لنا يجب أن نتأسى به في ذلك، إلا في قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، فإن هذا الاستغفار لمن كان على غير ملة الإسلام لا يجوز لنا، وإنما كان استغفار إبراهيم لأبيه عن مو عدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم، ثم أتبع الله ذلك قوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُم فِيهِمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الممتحنة: 6]. تأكيداً لنا على وجوب هذا التأسي بهم ومعنى ذلك أن من لم يتأس بهم في ذلك ليس هو ممن (1/389)
صفحة 390
390
الفتاوى العقيدة
يرجو الله واليوم الآخر، ثم أكد ذلك بقوله: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحديد: 24] أي من أعرض عن ذلك وانصرف عنه ولم يتأس بهم في ذلك فإن الله تعالى غني عنه، وهو كلام خارج مخرج التهديد كما في قوله - تعالى -: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَلَمِينَ} [آل عمران: 97]، فالتأسي بأولئك الرسل السابقين قبل محمد صلى الله عليه وسلم إنما يجب علينا فيما بين الله - تبارك وتعالى - مشروعية التأسي بهم فيه وإلا أعمال وصفات وأحوال، لا يمكن أن نكون مثلهم فيها لنسخ شرائعهم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد قص الله - تعالى - علينا بعض الأنباء التي لا يمكننا أن نتأسى بهم فيها كمحاولة إبراهيم الذبح ابنه إسماعيل عندما رأى في المنام أنه يذبحه، وكذلك ما أخبرنا الله ـ تعالى ـ به من قصة يونس أنه ساهم فكان من المدحضين فلا يجوز لأحد منا أن يساهم
فلهم
السلام
على نفسه ويرمي بنفسه في البحر فتلك شريعة لسنا متعبدين بها وإنما حكى الله - تبارك وتعالى - ما حكى من شأنهم على سبيل القصص للاعتبار وأخذ الزاد الفكري من أحوالهم ومما كانوا عليه، فلا يجوز لنا أن نتأسى بهم في كل ذلك، فلا يجوز لأحدنا إذا رأى في المنام أنه يذبح ولده أن يحاول ذبحه ولا أن يساهم على نفسه كما كان من نبي الله يونس علي، أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فنحن متعبدون باتباعه في جميع أحواله إلا فيما قامت الحجة الشرعية على أنه مخصوص به، فإن للرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً خصوصيات لا يجوز لنا أن نتأسى به فيها، كجواز زواج أكثر من أربع نساء، فتلك خصوصية له صلى الله عليه وسلم بالإجماع، أما ما لم تقم الحجة فيه بأنه مخصوص به صلى الله عليه وسلم فإننا متعبدون بالتأسي به، إذ أفعاله - عليه أفضل الصلاة والسلام - لا تخرج عن كونها مشروعة إما أن تكون واجبة وإما أن تكون مندوبة وإما أن تكون مباحة، فيجب علينا أن (1/390)
صفحة 391
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
391
نتأسى به في الواجب ويندب لنا أن نتأسى به في المندوب ويباح لنا أن
نتأسى به في المباح وهو خير لناوالله أعلم
الإيمان بالرسل
لماذا قُرنت دعوة النبي إبراهيم بدعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك ابتداء الدعاء له مع أنَّ كل الأنبياء متساوون في الدعوة؟
في
هل يعني السائل بهذا الدعاء، وهو الصلاة على محمد وعلى إبراهيم كما جاء في الحديث: (قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)).
أو يعني بالدعوة هنا الدعاء الذي جاء في قول الله تعالى فيما يحكيه عن إبراهيم وإسماعيل: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ عَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [البقرة: 129] إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال عليه أفضل الصلاة والسلام: (أنا دعوة أَبِي إبراهيم) (2)؟
فإن كان مراده الصلاة على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وعلى إبراهيم وهي الصيغة المعروفة بالصيغة، الإبراهيمية، فإنَّه قُرن بينه وبين إبراهيم ل لأنه من أجداد النبي صلوات الله وسلامه عليه من ناحية، ولأنَّ الدعوة التي دعا بها النبي وقام بها إنَّما هي امتداد من حيث الأصول ومن
(1) رواه الربيع (505) والبخاري (3189) ومسلم (934).
(2) رواه ابن حبان (6404). (1/391)
صفحة 392
392 الفتاوى العقيدة
حيث كثير من الفروع للدعوة التي قام بها إبراهيم، وإن كانت دعوته أَعَمّ ومهيمنة على دعوات المرسلين من قبل إلا أنها كانت تتفق في كثير من الفروع فضلاً عن الأصول مع دعوة إبراهيم.
أما الأصول فمن حيث المعتقدات فإنَّ جميع الأنبياء جاءوا بمعتقد واحد، إذ لم يكن هنالك تناقض بين دعوات الأنبياء، فكل رسول دعا قومه إلى عبادة الله كما يقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، ويقول: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ ولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: (36]، وحكى الله ـ تعالى ـ عن نوح وهود وصالح وشعيب أنهم جميعاً قالوا لقومهم: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ} [الأعراف: 465، وحكى الله - سبحانه ـ عن المسيح لأنَّه قال: (اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 72].
فمن حيث الأصول تتفق الدعوات، ولكن هناك اختلاف في الفروع، فعبادات المرسلين يختلف بعضها عن بعض، فالمرسلون الذين سبقوا تعبدوا بالصلاة وتُعبدوا بالزكاة، ولكن تختلف صلاتهم عن صلاتنا، وقبلتهم عن قبلتنا إلا إبراهيم فقد تُعبد بأن يتوجه إلى هذه القبلة، ولذلك تجدد بناء البيت الحرام في عهده ونادى في الناس بالحج إلى بيت الله الحرام، فالمناسك التي تُطبقها هذه الأمة هي من مواريث هدي إبراهيم، فلذلك تميز
بأن كان يُصلى عليه مع نبينا صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما. هذا أيضاً فإن إبراهيم دعا بقوله: {وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} ومع [الشعراء: 84]، وقد استجاب الله دعاءه فجعل الله له هذا اللسان لسان الصدق بحيث يُذكر مع نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام استجابة لدعائه، وكل ذلك إنَّما كان من المزايا التي كانت من خصوصيات إبراهيم (1/392)
صفحة 393
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
393
أما إذا كان من حيث إنه دعا مع ولده إسماعيل عن أن يبعث الله في ذريتهما نبياً فهذا لأنَّ كل أحد يريد الخير لذريته وينظر إلى أن حياته تمتد بعده في حياتها لذلك يحرص على صلاحها وهداها إن كان من أهل الصلاح والهداية، فهو تطلّع منهما إلى أن يغمر الله تعالى عباده بخير يكون هذا الخير على يدي أحد من ذريتهما وكان ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
ما الفرق بين النبي والرسول؟
هو
الفرق بين النبي والرسول - حسب ما هو شائع ـ أنَّ النبي من أوحي إليه بشرع ولو لم يُؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، وعلى هذا فالفرق بينهما أنّ الرسول أعم من النبي، إذ كل رسول نبي، وليس
كل نبي رسولا.
ومنهم من لم ير فرقاً بينهما، وجعل كل رسول نبيا وكل نبي رسولا
والله أعلم.
عزير هل هو نَبِي أو رسول أو ولي؟ في نبوة عُزير خلاف، وإنَّما أعاد الله تعالى على يديه التوراة إلى بني إسرائيل بعدما افتقدوها، وبذلك رُفع من شأنه ومُجد حتى غلا فيه من غلا إلى أن قال بأنه ابن الله - تعالى الله عن أن يكون له ولد أو تكون له صاحبة
والله أعلم.
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} [الأنعام: (38) معناها جماعات ولكن لماذا لم يكن معنى وَإِن مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرُ} [فاطر: 24] جماعات أيضاً؟ (1/393)
صفحة 394
394 الفتاوى العقيدة
القرائن هي التي تميز معاني الألفاظ بحسب اختلاف سياقها وللأمة معان وقد دلت القرينة على أن المقصود بالأمة هنا الطائفة من الناس التي تمر عليها فترة من الزمن، فهذه الطائفة لا بد من أن يرسل إليها نذير يذكرها لتبقى دعوة الله إليها دائبة وحجته قائمة على العباد والله أعلم.
السائل يقول: ـ أنت قلت إن العقل محدود مثل باقي الحواس الأخرى، فهل عقل الرسل محدود؟ وعليه فهل تكون الرسل حجة لنا بعقولهم، أم بما أتوا به من شريعة من عند الله؟
الرسل هم مخلوقون كسائر الخلق، ولا ريب أن علمهم محدود وعقلهم محدود وطاقاتهم كلها محدودة وليست هناك صفة مطلقة إلا صفات الله تبارك وتعالى، فالله تعالى هو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وبكل شيء محيط، أما المخلوق - أياً كان - فجميع طاقاته محدودة، وإلا لكان هناك شبه بين الخالق والمخلوق ـ تعالى الله عن ذلك .. فالرسل عقولهم محدودة، لا يدركون بها كل شيء ناهيك بما أمر الله به من كان أرفعهم قدراً وأجلّهم رتبة في قوله: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188]، فالله الله يأمر رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم ـ في هذه الآية - أن يعلن أنه لا يعلم الغيب، فلا يمكن أن تكون هناك طاقة مطلقة في مخلوق أبداً، وليست هناك صفة مطلقة ـ كصفة العلم أو صفة القدرة ـ في المخلوق، ولكن بجانب ذلك فإن الرسل هم أوفر البشر عقلاً، وأسلمهم، فطرة، وأطهرهم سريرة وأنورهم بصيرة، وأقومهم سيرة، لأن الله تعالى أعدهم لحمل هذه الرسالة فهم لو قيسوا بسائر الخلق لكانوا أسمى من جميع الناس، إلا أنهم لا يمكن أن يقاسوا بالله تبارك وتعالى الذي لا حد له في ذاته ولا في صفاته والله أعلم. (1/394)
صفحة 395
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
395
هل بعث الله رسلاً خلال الفترة بين النبي موسى والنبي عيسى وكذلك بين سيدنا عيسى وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟
عيس
بعد نبي الله موسى ل أرسل الله الأنبياء من بني إسرائيل يؤدون إلى بني إسرائيل نفس الرسالة التي جاء بها موسى، ويدعون إلى العمل بالتوراة قال تعالى يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} [المائدة: 44]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ
لي
وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَتِ [البقرة: 87، وأما بعد سيدنا عيسى فليس هناك ما يدل على أن الله تعالى أرسل رسولاً قبل نبينا الله، وإنما رسوله كان عيسى، وبين المسيح والنبي صلى الله عليه وسلم ما يقارب ستة قرون، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولد حسبما يقول الكثير من الكتاب في شهر إبريل عام 570 للميلاد، ومنهم من قال بأنه ولد صلى الله عليه وسلم عام 771 للميلاد، وبالمقارنة يتبين أنه ولد في عام 572 للميلاد، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بُعث في عام 611 بدليل أن الله الله أنزل عليه - صلوات الله عليه وسلامه ـ في العام الخامس للبعثة قوله غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ا سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الروم: 2 - 5]، كما ذكر ذلك المفسرون وغيرهم، وكان هذا بعد الانتصار الساحق للفرس على الروم، وكان هذا الانتصار سنة 616 للميلاد فإذا بعث النبي صلى الله عليه وسلم في العام الحادي عشر بعد الستمائة للميلاد، وبعث الله الا الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على رأس الأربعين من السنين القمرية، فيترتب على هذا أن يكون عمره آنذاك من السنين الشمسية كما هو معهود في التفاوت بين السنين الشمسية والقمرية، فتبين من هذا أنه مولود عام 572 للميلاد
تسعة وثلاثين
عاماً
والله أعلم. (1/395)
صفحة 396
396 الفتاوى العقيدة
هل شيت و دانيال نبيان؟
قال ذلك بعض المفسرين، ولكن ليس لدينا نص قاطع نعتمد عليه، والنبوة إنما تثبت بالنصوص القطعية، والله أعلم.
السائل يسأل عن القراءة التي في الآية «لقد جاءكم رسول من أَنفُسِكُم»؟ قرئ بذلك. وهي تعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم من أنْفَس البطون في الشرف
والله أعلم.
عندما يذكر النبي - محمد صلى عليه وسلم - يقال: «صلى الله عليه وسلم»، بينما عندما يذكر أحد الأنبياء يقال: «عليه السلام»، ما السبب في ذلك؟
وهل من حرج إذا قيل: صلى الله عليه وسلم» عند ذكر أحد الأنبياء؟ يجوز الكل في الكل (1)، وإنما خص نبينا. بذلك للأمر به في القرآن ولعظم منزلته، والله أعلم.
معلوم أن الأنبياء والمرسلين جاءوا مبشرين ومنذرين، وقد علمنا من خلال بعض الكتب ما قيل عما أصاب النبي أيوب من مرض وصل به إلى أن يأكل الدود من لحمه ومعلوم أن هذا منفر ولا يتفق مع كونه مبلغاً، وقد رد هذا بعض العلماء وقالوا إنه من الإسرائليات فما قولكم في ثبت بنص الكتاب ابتلاء أيوب، وشكواه إلى الله من الشيطان أنه أخذه بنصب وعذاب، وشكواه إلى الله أنه مسه الضر، كما ثبت في الحديث أن أشد الناس بلاء الأنبياء، وأن المؤمن يبتلى بقدر إيمانه (2)، فلا عجب في
(1) يجوز قول عليه السلام في ذكر النبي محمد والأنبياء والرسل جميعاً كما يجوز أن تقول عند ذكر بقية الأنبياء صلى الله عليهم وسلم.
(2) رواه النسائي (7481). (1/396)
صفحة 397
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
397
أن يصاب نبي من الأنبياء بما يثقل على النفوس، وليس في ذلك تنفير لمن كان ذا لب، على أننا لا نحدد نوع البلاء الذي ابتلي به أيوب وإنما نوقن أنه بلاء جسماني أرهقه، وقد ابتلي يعقوب بفقدان ولده وذهاب بصره وطول حزنه وأسفه، وهو مما نص عليه القرآن، فهل يقال إنه من الإسرائليات؟ والله المستعان
ما حكم تصوير الأنبياء في بعض الكتب، بقصد ترسيخ قصة النبي والأحداث للأطفال، ولتعليم الأمي بقصص الأنبياء؟
يجب تنزيه الأنبياء عن تصويرهم أو تمثيلهم، ولذلك نجد فتاوى العلماء مطبقة على أن تصوير الأنبياء الحرام وكذلك تمثيلهم، ومن المعلوم
أن الطفل عندما تعرض عليه صورة على أنها صورة أحد الأنبياء يرسخ في أن تلك هي صورة ذلك النبي، وفي هذا من المحاذير ما لا يخفى، وكفى بما فيه من الزور، فمن الذي أخبر المصور أن تلك هي صورته؟ والله تعالى أعلم.
هل يجوز تمثيل السيدة مريم أو الصحابة والصحابيات؟ وما حكم النظر إلى مثل هذه المسلسلات؟
هذه قضية خطيرة جداً نظراً إلى أن هذه المسلسلات يراها العاقل والجاهل، والفطن والغبي، والكيس والأحمق، والكبير والصغير، ومن المعلوم أن الطفل الصغير أو الشخص الذي ليست فيه كياسة ونباهة عندما يرى هذه المسلسلات ترتسم في مخيلته تلك الصورة ويحسبها هي عين صورة الممثل، فقد يظن أن تلك الممثلة هي مريم علي نفسها، وقد يتصور عندما يشاهد تمثيل الأنبياء أو الصحابة أن ذلك الممثل هو نفس النبي نفس الصحابي اللذين يمثلهما، فلذلك ننصح بترك هذا النوع من التمثيل،
أو (1/397)
صفحة 398
398 الفتاوى العقيدة
ولو وقع ذلك فإنا ننصح بعدم متابعته والنظر إليه خشية أن يؤثر ذلك في الأطفال أو غيرهم، والله ـ تعالى ـ المستعان.
يقول الله سبحانه في وصف نبيه الله النَّبِي الْأُتِيَ} [الأعراف: 157]، فهل معنى أن الرسول أمي أنه لا يقرأ ولا يكتب أم أنه مجرد لقب للرسول لأنه أرسل إلى قوم أميين لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّنَ رَسُولًا منهم} [الجمعة: 2].
وو
الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ولا يكتب، ودليله من القرآن قوله تعالى: وَمَا كُنتَ نَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَبٍ وَلَا تَخْطُهُ بِيَمِينِكَ إِذَا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) بَلْ هُوَ عَايَتُ بَيِّنَتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 48 - 49]، فهذا نص على أمية النبي صلى الله عليه وسلم وبيان لهذه الأمية بأن معناها عدم القراءة والكتابة، وتواترت الأخبار بذلك، وأجمعت الأمة عليه بلا خلاف، إلا من ظهر من الزنادقة من الذين أخذوا يدجلون على الناس، ويزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب ويقرأ، ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ أو يكتب شيئاً لأحتفظ بشيء من كتابته، مع كل شيء له علاقة بالرسول صلى الله عليه وسلم ما زال يُحتفظ به، حتى شعره ما يزال يحتفظ به، فكيف لا يُحتفظ بكتابته، والله أعلم.
أن
هل سيدنا إبراهيم ولوط لا بُعِثَا في زَمَن واحد، وإذا كانا كذلك فهل
هُمَا في مَكَانٍ مُتَقَارب؟ كان بَعْثُ إبراهيم سابقاً عَلَى بَعْثِ لوط، وبَعْثُ لُوط في وقت
نعم،
إبراهيم، بدليل أن الحق له الا الله عِندَمَا ذَكَر دعوة إبراهيم قَوْمَه أَن يَنْبُذُوا عبادة الأصنام، وأن يَتْرُكُوا ما كانوا عليه من أمر الجاهلية، أتبع ذلك قوله: فَتَامَنَ لَهُ, لُوا} [العنكبوت: (26)، وَمَعْنَى ذلك أن لوطاً قبل أن يُشرف (1/398)
صفحة 399
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
399
بالرسالة آمن بإبراهيم، ثُمَّ يدل على ذلك قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَلِمِينَ ال قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ، وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِرِينَ} [العنكبوت: 31 - 32، فإبراهيم ذَكَرَ أَنَّ فِي تِلْكُم القَرْيَة لُوطاً وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اتِّحاد زَمَنِهما وَتَقَارُب مَكَانِهِما، والجميع كانوا ببلاد الشام،
وإبراهيم كان في الأرض المقدَّسَة، و لو لو كان في جانب منها وتدل علي ولوط
الشواهد على أن قريته طمى عليها البحر الميت والله - تعالى - أعلم.
وجوب طاعة الرسول
هل يُعتبر عمل العالم حُجّة؟
6
ليس عمل أحدٍ حُجَّة إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، فالله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: 21) فقدَّم فِي رَسُولِ) على {أَسْوَةٌ، ومعنى ذلك أن التأسي يجب أن يكون بالرسول وحده.
نعم يُستأنس بفعل العالم إذا كان ورعا نزيها متيقظا مُتبيِّنا عندما يقدم على فعل، أمَّا أن يكون حُجَّة فلا لأن الحجة في فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو المَحْفُوفُ بالعِصمَة الذي لا يَنطِق عن الهوى إن هو إلا وحي يُوحَى، لذلك يَجب أن تُحصَر الأُسْوَة فيه وحده كما يُؤذن بذلك تقديم المعمول في الآية الكريمة.
ونَحن نجد أنَّ الله عندما أراد أن يَحُثُّ الأمة على التأسي بإبراهيم ومن معه بَيَّن الأمر الذي يتأسى فيه بإبراهيم لأَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بعدما بعث بهذه الملة الحنيفية كانت شريعته هي التي يجب تطبيقها، وعمله هو الذي يجب أن يُقتدى به، فقد قال سبحانه: (1/399)
صفحة 400
40 الفتاوى الفتاوى العقيدة
قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَىؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} (الممتحنة: 4]. أي إلا هذا الاستغفار الذي استغفره إبراهيم لأبيه ليس لنا أن نتأسى به فيه، فلا نستغفر لأحدٍ من الكفار، كيف ونبي الله - تعالى - نوح الذي لَيث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يَدعُوهُم إلى الله ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُبين لهم معالم الحق ويُقيم لهم دَلائل التوحيد، عندما قال كلمة واحدة في ابنه: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود: 45]، عُوتِبَ على ذلك، ورَدَّ عليه ربنا تعالى بقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِيحٍ} [هود: 46]، فَلِكَوْنِهِ عَمِل عملاً غير صالِحٍ لَم يَجز أنْ يَجعله من أهله وأن يستغفر له مع أن استغفار نوح بمجرد التعريض لا بكلمة صريحة حيث قال:
كان
إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، وقرأ الكسائي مِن القُرَّاء السَّبْعَة: (إنه عَمِل غير صالح)، وهذه القراءة قرأ بها أربعة من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - وهم علي وعائشة وأبو هريرة وأنس بن مالك، وفي هذا إيذان بأنَّ صاحِب العمل غير الصَّالِح يُترك وشأنه فلا يُستغفر له، لذلك قال: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الممتحنة: 4 - 5] ثم قال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَنَوَلَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الممتحنة: 6] على أن استغفار إبراهيم لأبيه إنما كان لسبب بينه تعالى في قوله: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّاً مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَهُ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]، فالاستغفار لَا كان لأجل الحرص على أن يُوفي بوعده وأن لا يُخلف أباه ما وعده، فَلِذَلك استغفر له، ولَمَّا تَبيَّن له أنَّه عدو الله تبرأ منه: (1/400)
صفحة 401
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
401
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]، فالتأسي إنَّما هو بالرسول في كل دقيقة وجَلِيلة إلا ما تبيَّن أنَّ ذلك خاص به - عليه أفضل الصلاة والسلام - بحيث دل الدليل الشرعي على أننا لسنا مثله في أننا لسنا مثله في حكمه الله في ذلك الأمر خاصة؛ والله أعلم.
هل يعتبر الإنسان ناقص الإيمان إذا كان لا يعمل بسنة رسول الله ويقول إنه سنة والسُّنَّة غير واجبة؟ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أن تبين أمراً واجباً أو تفرض على الإنسان أمراً جازماً، وذلك أن تدل على مؤاخذة تارك امتثالها أو حرمانه من الخير فهذه سنة لا بد من اتباعها؛ لأن الله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: (63) فالرسول صلى الله عليه وسلم إذا قال: افعلوا كذا ولم تكن هناك قرينة تصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب أو غيره، أو قال: لا تفعلوا كذا ولم تكن هناك قرينة تصرف هذا النهي من التحريم إلى غيره فهنا يجب الامتثال أما في الفضائل فإذا تركها ولم يقصد الإعراض عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذا
تصيبهم
فلا حرج عليه، ولا يقال إنه خلع ربقة الإيمان من عنقه أو إنه نقص إيمانه. وقد بين الرسول الله أشياء كثيرة واجبة على الناس، فمثلاً نص على مخالفة المشركين في أمور كثيرة، وبعض الأعمال فرضها على المسلمين وجعلها من السمات التي يتميز بها المسلم عن غيره، فهنا لا بد من امتثال
ذلك، ولكن الناس انجرفوا وراء التيارات انجرافاً، مع أن الله له يقول: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاهُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةُ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ} [المائدة: 51 - 52] فبين الله في هذه الآيات أن الذين (1/401)
صفحة 402
402 الفتاوى العقيدة
يوالون هؤلاء مصابون بمرض نفسي، ومن هذه الموالاة الاتباع والتقليد، وقد بلغ الأمر بالرسول من الدقة في هذه الناحية أنه كان يأمر أصحابه بمخالفة الكفار حتى في الأمور العادية، فقد مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يهودي وهم كانوا في حال دفن ميت وكانوا قياما، فقال اليهودي: هكذا أحبارنا، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الرسول أصحابه بالقعود مخالفة
تصنع
لليهود (1) والله أعلم.
ما هو السبب في تأخر المسلمين عن الحلق في غزوة الحديبية؟ تأخر المسلمين عن الحلق للتحلل من عمرتهم عندما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك لا يعتبر شكاً في أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن تلك جبلة بشرية، فقد كانوا يتطلعون بكل لهفة وشوق إلى رؤية بيت الله الحرام، وقد صدوا عنه وحيل بينهم وبين اکتحال مآقيهم برؤيته وما بينهم وبينه إلا أميال، وقد عدوا هذه مصيبة عظيمة على حسب ما كانوا يأملون فغلبتهم في هذه الناحية الطباع البشرية، وبقوا منتظرين بسبب هذا التلهف ولا يعني هذا شكاً في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أبداً والله أعلم.
عصمة الرسل
يَضُرُّ العالم الإسلامي استِنْكَاراً على ما صَدَرَ مِن إحدى الصُّحُف النرويجية مِن رَسْم صُوَر تُخِل بِمَكَانَةِ النبي وتَوَدُّ تَعليقكم حِيَال هذا الأمر.
إِنَّ مَقَامَ النبوَّة مَقَامٌ عَظيم فهو مقامُ اصْطفاء من الله تعالى، الذي اصطَفَى مِن خَلْقِه أولئك الصَّفْوَة الكرام الذين حَمَّلهم أمانته، وجَعَلَهم مستودعاً
(1) رواه أبو داود (378) الترمذي (1036). (1/402)
صفحة 403
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
403
لرسالته، وجعلهم هداةً للعالمين، يُخرِجون الناس من الباطل إلى الحق، ومن الضلال إلى الهدى ومن الظلمات إلى النور ومن الفساد إلى الصلاح، ومن
الغَيِّ إلى الرُّشْد، ومن
التشتت إلى الاجتماع.
وقد أَتَمَّ الله على عباده النعمة، وأكمل لهم الدين إذ بعث فيهم عبده ورسوله محمداً مُصدّقاً لِرِسالات جَمِيع المرسلين من قبله ومُهَيْمِناً عليها جَميعاً بما أنزل عليه من رسالة جامعة لكل ما تَفَرَّق في تلكم الرسالات من خير، وقد كانت رسالته مُتميّزة بِمَزَايا متعدّدة، من بينها الشمولية والدَّوَام، وأَنَّ مُعجزتَها تَكْمُن فيها، فهي المعجزة التي لا ترقى إليها أيَّة معجزة من المعجزات، كما أنّها مُعْجزة خَالِدَة خُلُود هذه الرسالة نفسها.
ومن المعلوم أنَّ الإسلام يَجْعَل أَي اجْتِرَاء يُخِلُّ بِمقام هؤلاء الصَّفْوَة الذين اصطفاهم الله تعالى مُخِلا بالعقيدة ومخرجاً للإنسان من الإيمان إلى الكفر ومن الحق إلى الباطل، فالإنسان المسلم يُطالب أن يُعلِّم جَميع رُسل الله فكيف بالرسول محمد - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام - الذي اصْطَفَاه الله واختاره لحمل هذه الرسالة الجامعة المانعة التي جاءت رحمة للعالمين كما قال تعالى:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وأيُّ اخْتِرَاء من أي أحد في أي بقعة من العالم على هذا المقام العظيم مقام النبوة يعني ذلك اجتراء على الأمة الإسلامية كُلّها في أعظم مُقَدَّسَاتِها، ولا يجوز للأمة المسلمة أن تَسْكُت على هذا الأمر، إِنَّ جَميع المسلمين مطالبون بأن يقفوا وقفة واحدة تِجَاهه، وأن يُعْلِنُوا سَخَطَهُم على هذا الواقع، وأن يُواجهوا هذا التحدّي العظيم الذي تحدوا به في أَقْدَس معتقداتهم، ثُم إِنَّه مِنَ المَعلُوم أن المسلم يرضى بمثل هذا في أي نبي من الأنبياء، إذ عقيدة الإسلام إنَّما تقوم على
لا (1/403)
صفحة 404
404 الفتاوى العقيدة
الإيمان بجميع النبوات والرسالات النُّبُوَّات والرسالات وبجميع ما أُنزل على أولئك المرسلين من غير تَفْرِقَة، فنحن نؤمن بالتوراة المنزلة على موسى التي لا تَحْرِيف لية فيها ولا تبديل ونؤمن بالإنجيل المنْزَل على عيسى من غير تحريف ولا تبديل، ونؤمن بصحف موسى وإبراهيم، وكل ما أُنْزِل على المرسلين قبل النبي صلى الله عليه وسلم ولا نُفَرّق بين هؤلاء المرسلين، فلا يجوز أبداً أن نؤمن ببعض ونكفر ببعض، فإنّ الله تعالى يقول:
قُولُوا آمَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136]، ثم يقول: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا
وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137].
ويقول سبحانه: {قُلْ آمَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84]، ويقول تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَكَيْهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ} [البقرة: 285]، فالمسلم يؤمن بجميع هذه الرسالات من غير أن يُفرّق بين رسول ورسول بحيث يؤمن ببعض ويكفر ببعض، لأنَّ الكفر بأحَدٍ من أولئك النبيين كالكفر بالجميع، والكفر ببعض ما أنزله الله على أي نَبِي من الأنبياء يعتبر كفراً بجميع ما أنزله الله على جميع المرسلين، لذلك يقول الله سبحانه:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ
10.
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا)
أُوْلَيكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 150 - 151]. (1/404)
صفحة 405
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
405
وإذا كنا نحن نُقدّس جميع هذه الرسالات ولا نَجْتَرِئُ على رِسالة سَماوِيَّة من رسالات الله تعالى، ونُؤمن بجميع أولئك المرسلين ونعتبرهم لنا أَئِمَّة في الهُدَى وقدوة في الاهتداء فإنَّ على كل من آمن برسالة سَمَاوِيَّة فيما يزعم أن يُشَارِكَنا في هذا الأمر، وألا يَجْتَرى على أي شيء من مقدَّسَاتِنا،
وألا يَجتَرِئ على النَّيْل من مَقَام هذه الرسالة التي بعث بها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا مِن قَدْرِ المُرسَل عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام. ثُم مع ذلك نحن نجد أن هذا الكتاب الخاتم الذي أَنزَلَه الله على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام - جعل لأهل الكتاب مَكَانَة خاصة، فالله - تعالى - يقول: {وَلَا تُحَدِلُوا أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 446، بل وصل الأمر إلى أن يفْرَحَ المسلمون بانتصار الروم النصارى على الفرس المَجُوس عندما كانت الحرب الضروس تدور بين الإمبراطوريتين الكُبْرَيَيْن اللتين كانتا تتقاسَمَان مُعظم العالم المتحضر في ذلك الوقت، فقد حزن المسلمون عندما هزم الروم النصارى بِسَبَبٍ كَوْنِهِم أهل كتاب، وقد أنزل الله في ذلك ما يدلُّ على أنَّ المقاييس ستنقلب، وأن الموازيين ستتبدل، وأنَّ الغالب سيكون مَغْلُوبا، والمنتصر سيكون منتصرا عليه، والمنتصر عليه سيكون منتصرا وذلك في قوله: {غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يشاهُ} [الروم: 2 - 5]، فهذا مِمَّا يَجب أن يعتبر به الآخرون، وأن يُدْرِكُوا أَنَّ الإسلام لا ينال من أي رسالة من رسالات الله بل يَفْرِضُ الإيمان بها جَميعاً على أتباعه، فَمِن هُنَا كانت المعاملة بالمثل ضرورة ملحة، ولا نرضى
بالاجْتِرَاء على أي شيء من مقدَّسَاتِنا، ولا نقر ذلك أبداً والله المستعان. (1/405)
صفحة 406
406 الفتاوى العقيدة
هُنَا بَعضُ المقولات مِن كُتَاب وفَلاسِفَة مِنها مَقُولة لدكتور من النمسا إذ يقول: «إنَّ البشرية لتفتخِر بِانتساب رَجُلٍ كَمُحمد إِليها إِذ إِنَّه رغم أمِّيته استطاع قبل بضعة عشر قرنا أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوربيين أَسْعَدَ ما نكون إذا تَوصَّلْنا إلى قِمَّتِهِ»، وَوِيلز ـ البريطاني - يقول في كتابه «معالم تاريخ الإنسانية»: «كلُّ دين لا يَسِير مع المدنية فاضرب به عُرْضَ الحائط ولَم أَجِد دِينا يَسِير مع المدنية أنَّى سارَتْ سِوى دين الإسلام»، وآخر رُوسي وهو الفيلسوف تُولِسْتوِي يَقول: «ومِمَّا لا ريبَ فيه أن النبي محمدا كان مِن عِظام الرّجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني خِدمةً جليلة، ويكفيه فخرا أنه هَدَى أُمَّةً بِرُمَّتِهَا إِلَى نور الحق وجَعَلَها تَجنَحْ لِلسكينةِ والسلام وتُؤْثِر عِيشَةَ الزُّهد ومَنَعَها مِن سَفْكِ الدماء وتقديم الصَّحايا البَشَرية وفَتَحَ لَها طريق الرقي والمدنية، وهو عَمَلٌ عَظِيمٍ لا يَقُومُ به إلا شخص أُوتِيَ قُوَّة، وَرَجُلٌ مثل هذا جَدِير بالاحترام والإكرام»، ما تعليقكم على مثل هذه الكتابات والانطباعات في مُقابل ما نجد من التصريحات الحالية؟
هذه الكتابات لا ريب أنها تَصْدر من قوم أدرَكُوا بِعُقولهم مكان النبي صلى الله عليه وسلم
وعِظَم الرسالة التي جاء بها والدين الذي بعثه الله تعالى به.
فالنبي صلى الله عليه وسلم ما اختاره الله ـ تعالى ـ لِحَمْلِ هذه الرسالة العُظمى التي اجتمع فيها ما تَفَرَّق في الرسالات الأخرى من خَير، والتي كتب الله ـ تعالى ـ لَها الخلود إلى قيام الساعة؛ وذلك لأنَّ الله أَهلَه لأن يكون الرسول الذي اجتمعت فيه خصائص المُرسلين جميعاً، فهو يتميز بما فَطَره الله عليه من خير، وما آتاه من مواهب وما رَفَعَه إليه من مَكَانَة، وحَسبُكُم أَنَّ الله تعالى يقول في وصفه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فهذا وصف تتقطع دونه الألسن، وتَجِفُ دونه الأقلام، فلا يستطيع أحد أن يأتي (1/406)
صفحة 407
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
407
بمثله في وصف أحد من خلق الله أيّاً كان، وهذا يعني عِظَمَ شَأْن الرسول صلى الله عليه وسلم إذ رسالته رحمة للعالمين جَمِيعاً، والعالمون جمع عالم، والعالم يصدق على كل ما كان علامةً ودليلاً على وجود الله تعالى.
ثم إنَّ الذي وصف النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الأوصاف أَدْرَك كيف كان تأثير الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - في حَيَاة البَشَر، إذ أَخْرَجَ هذه الأمة مِمَّا كانت فيه وعليه من الضلالة والفساد والانْحِطَاط والجهل إلى مَا انْتَقَلت إليه من الهدى والرُّقَي والعلم والاجتماع والمعرفة حتى صارت خير أُخرجت للناس.
إنَّ تاريخ البشرية يدلُّ على أنَّ المصلحين الذين يحاولون إصلاح جوانب من حياة الناس يظَلُّون فترة طويلة وهم يعالجون مشكلات البشر التي يَنُوؤُون بعلاجها، ثم يَخلُفُهم من بعدهم مِمَّن يسير على خطواتهم، وبعد قُرُون وقُرُون تكون النتيجة فيحصل شيء من التحول في حياة الناس إلى شيء من الخير.
من
وانتقال أمة بأسرها في ظرف عِقْدَين من السنين مِمَّا كانت فيه وعليه الانحطاط والفساد والضلال إلى ما انْتَقَلَت إليه من الرقي والصلاح والهدى ليس بالأمر اليسير بل هو أمر عسير، وكما يقول أحد علماء الاجتماع الغربيين: «ما عَرَف التاريخ فاتِحا َ أَرْحَم مِن العَرَب نَعم مَا كَان العرب كذلك، إِنَّما كانوا في مُؤخّرة الأمم، فهم كما يصفهم الأستاذ الرافعي في كتابه: «كانوا بين راع للغنم، ودَاع للصَّنَم، وعالم على وهم، وجاهل على فهم، وإنسان كأنه من شره آلة لِفَنَاء الإنسان، وشيطان كأنه من خُبْثِه مادة لِوُجُود الشيطان» ولكن تَحوّلوا إلى أمة أخرى بتأثير هذه الهداية وتأثير هذا الكتاب الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم، وتأثير الشريعة السَّمْحَة، والعقيدة الصافية النقية التي جاء بها (1/407)
صفحة 408
408 الفتاوى العقيدة
عليه أفضل الصلاة والسلام، فجدير بشخص هكذا أن يُوَقِّرَه أصحاب العُقُول، بل جدير بكل من أراد لنفسه الخير أن يُؤْمِن به ويتَّبِعَ رُشده ويستمسك بالحبل الذي استمسك به ويُقَدِّسَ دِينَه الذي بُعِث به حتى يَحْشُرَه الله تعالى في زُمْرَة أتباع النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام. وكما قال من قال بأنَّ دين الإسلام إنَّمَا يسير مع المدنية، بل المدنية
تسير معه، لأنَّ دين الإسلام هو دين الفطرة كما يقول تعالى:
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]. ولا يعني هذا أنَّ مَا جَاء به المرسلون من قبل كان مخالفاً لهذا الدين الذي بعث به عليه أفضل الصلاة والسلام، فإنَّ الله - تعالى - يقول:
ج
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا نَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنيبُ} [الشورى: 13] وبين سبحانه - في آيات كثيرة أنَّ المرسلين كانوا على هذا الدين، فقد قال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمُ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [البقرة: 130 - 131] ثم بَيَّن أنَّ هذا الدين كان وَصِية إبراهيم ويعقوب لأولادهما، فقد قال له: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الَّذِينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وَإِلَهَ بَابِكَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 132 - 134]، (1/408)
صفحة 409
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
409
وقال تعالى قبل ذلك فيما يحكيه عن إبراهيم وإسماعيل يس من دُعَائِهما عندما كانا يرفعان قَوَاعِد البيت العتيق قال تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةٌ لَكَ} (البقرة: 128]، وكذلك حكى عن نوح
أنه قال:
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72] وقال في أهل الكتاب الذين استمسَكُوا بالكتاب ولَم يُفرّطوا فيه ولم يجيدوا عنه ولَم يُبدِّلُوه ولَم يُحرّفوه: الَّذِينَ آنَيْنَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص: 52 - 53]، وكذلك يقول في التوراة: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} [المائدة: 44]، وقال في قرية لوط: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35 - 36] وحكى عن موسى أنه قال لقومه: {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس: 84]، وكذلك حكى عن سَحَرَة فرعون أنَّهم دعوا الله وقالوا: {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 126]، وحكى عن فرعون نفسه أنَّه ادَّعَى الإسلام عندما أدركه الغرق حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90]، وهكذا تتكرر الآيات لتدل على هذا المعنى، والله أعلم.
ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فما هي الذنوب التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مطهر ومنزه عن ارتكاب الذنوب؟
مقام النبي و مقام عظيم وقدره قدر، رفيع، وبقدر علو القدر يحاسب المرء، فالحاكم مثلاً يحاسب من كان أرفع عنده منزله من رعاياه الذين
يختصهم بشؤونه أكثر من محاسبة غيرهم من بقية الرعية، وبما أن النبي (1/409)
صفحة 410
الفتاوى العقيدة
أرفع الناس قدراً، فقد يعاتبه الله الا الله على شيء لا يعاتب عليه غيره، ومع ذلك فإن الله الا الله له أن يعبر كيفما أراد، فقد يعبر الله لي الله عن مخالفة الأولى بالذنب، ونحن لا نستطيع من تلقاء أنفسنا أن نسمي ذلك في حق الرسول صلى الله عليه وسلم
ذنباً، ولكن نقول كان منه ترك ما هو أولى فعاتبه الله تعالى على ذلك، كما
6
كان من خطاب الله لرسوله في أسارى بدر والله أعلم.
ذلك
ما الذي جعل العقيدة الإسلامية تتقبل ما يأتي به الآخرون الذين دخلوا في الإسلام وحملوا أفكاراً مختلفة من عقائدهم السابقة، هل يعني أن العقيدة الإسلامية فيها فراغات وفيها هوامش لم يملأها المسلمون جيداً، أم ماذا ذلك؟ يعني
الله العقيدة الإسلامية لم تكن مستوحاة من المسلمين، وإنما هي وحي تعالى، والله تعالى ما فرط في الكتاب من شيء، ولكن بدأت الأمور بتفاسير لنصوص الكتاب من حيث إن الكتاب العزيز تحدث عن كثير من أخبار الأمم السابقة وعن كثير من أحوال الكون، وهناك من دخل في الإسلام وهو يحفظ بعض القصص عن بعض الأمم السابقة وعنده بعض التصورات عن نظام هذا الكون فألحق بتفسير القرآن ما ألحق من أمثال هذه الأشياء، وبدأ الغزو من هذه الناحية شيئاً فشيئاً يدب في هذه الأمة مع أن هذا الغزو متصادم مع الكتاب العزيز ومع السُّنَّة النبوية الصحيحة الثابتة التي لا يحوم حولها أي ريب.
ولكن مع ذلك عجبنا كيف وجد من يروج لمثل هذا الفكر حتى راج في أوساط الأمة، فنجد مثلاً من التحريفات الموجودة في التوراة المحرفة وصف الأنبياء بأفحش الصفات كوصفهم بأنهم كانوا قساة قتلة وأنهم شهوانيون حساد وأنهم وأنهم إلى آخره، فقد وصف لوط بأنه سكر (1/410)
صفحة 411
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
411
وزني بابنته وحملتا منه، أعوذ بالله من هذا الكفر؛ كيف يوصف نبي من أنبياء الله بهذه الفحشاء العظيمة؟! والله المستعان.
ونجد مع
الأسف الشديد أن هذه الأفكار انتقلت إلى تفسير كتاب الله فنجد مثلا في كتاب الله تعالى آيات هي بحاجة إلى ما يبينها، وبيانها واضح من نفس الكتاب ومن الروايات الصحيحة، كما يؤخذ بالمقارنة والنظر في الأدلة، ولكن مع ذلك أسلس الناس القياد للروايات الباطلة الضعيفة التي دسها من دسها، وأهملوا النظر في الأدلة الشرعية الدالة على زيف تلكم الروايات. وذلك كما تجد في التفاسير من أنواع الخيالات التي حبكها الشيطان وأوحاها إلى من أوحاها فتلقاها كثير من المفسرين مع ما فيها الإفك البين الذي ألصق بأنبياء الله تعالى، وهم عباده المصطفون الذين صنعوا على عينه وزكوا بعنايته، ناهيك بما نسب إلى يوسف الذي برأه الله سبحانه حتى من الحوم حول الفاحشة في قوله تعالى:
كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}
[يوسف: 24]، وقد حكى الله تبارك وتعالى عنه قوله:
مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَنْوَاى إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّلِمُونَ} [يوسف: 23]
وقوله الالله:
قَالَ رَبِّ السَجْنُ أَحَبُّ إِلَى مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 433، إلى غير ذلك من الأدلة التي تدل على براءته.
لكن وجدنا من المفسرين من يقول بأن يوسف عندما دعته امرأة العزيز إلى نفسها وعرضت عليه الوقوع في الفحشاء استجاب لها حتى جلس بين رجليها مجلس الرجل من امرأته وحل تكة سراويله ولم ينهنهه عنها إلا رؤيته آية تردعه عن مقارفة ما دعته إليه، فقد ذكر بعضهم أنه رأى كفاً مكتوباً (1/411)
صفحة 412
412 الفتاوى العقيدة
عليها كيف تصنع فعل السفهاء وأنت معدود في الأنبياء؟ ومنهم من قال إنه رأى يعقوب عاضاً على يده إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الأكاذيب التي حشيت بها التفاسير، وهي جميعا من افتراءات بني إسرائيل الذين كانوا من ديدنهم وصم الأنبياء بأفحش عيوب السفهاء.
وقد أجاد الفخر الرازي عندما قال بأن من قال مثل هذا الإفك في يوسف فقد كذب الله تعالى، وكذب يوسف، وكذب امرأة العزيز، وكذَّب النسوة، وكذَّب إبليس، أما تكذيبه الله تعالى فإن الله تعالى برأه مما عزوه إليه حيث قال: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]، وأما تكذيبه ليوسف فإنه يحكى الله تعالى عنه قوله تعالى: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَاكَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّلِمُونَ) [يوسف: 23]، وقوله: {قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33]، وأما تكذيبه لامرأة العزيز فإنها قالت:
وَلَقَدْ رَوَدلَّهُ عَن نَّفْسِهِ فَأَسْتَعْصَمَ} [يوسف: 32] ومعنى استعصم امتنع، وأما
تكذيبه للنسوة فإن الله الله حكى عنهن أنهن قلن
حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ} [يوسف: 51]، وأما تكذيبه لإبليس فإن الله
ذكر عنه أنه قال:
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82 - 83)، ويوسف بشهادة الله تعالى هو من عباد الله المخلصين، فأنى تصل إليه هذه الغواية!!!
وما قيل من أن المراد بقول الله تعالى {وَهَمَّ بِهَا} [يوسف: 24].
أنه هم بفعل الفاحشة فهو غير صحيح، فإن الهم هنا لا يعني قصد ارتكاب الفحشاء، وإنما لما عرضت عليه ما عرضت امتنع امتناعاً آيسها من نيل مرادها منه فكبر عليها ذلك لأنه لا يعدو أن يكون غلاماً مملوكاً، وقد جاء به سيده (1/412)
صفحة 413
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
413
إليها وجعله تحت تصرفها، وهي تعرض عليه ما جبلت النفوس على الميل إليه، وليس في ذلك ما يشق عليه من حيث الطبيعة البشرية التواقة إلى الورد من مثل هذه الموارد ومع ذلك أصر على الإباء بعد بوحها له بمطمعها فيه وشغفها به فهمت أن تعاقبه بالضرب، وهم أن يرد عليها بمثل ما همت به لولا أن رأى من البرهان ما يمنعه منه؛ إذ لو فعل ذلك لظهر عليها أثر الضرب وكان ذلك مما يقوي دعواها عليه فولى هارباً فاجتذبته من قميصه فقدته من دبر فكان ذلك حجة له عليها كما شهد به شاهد من أهلها.
هذا
هو التفسير الصحيح الذي يتلاءم مع الأدلة العقلية والشرعية، كما الدلالة اللغوية لكلمة (الهم لأن المرأة لا تهم بالمجامعة إذ هي
يتلاءم مع مفعول بها، وليست فاعلة فهي لا تقوم بدور فعلي في المعاشرة، وإنما دورها التمكين ليفعل الرجل ما يريد بها، أما الرجل فهو الذي يقوم بعملية المعاشرة، وهو دليل على أن همها به إنما هو هم عقاب لرفضه ما عرضته عليه، وقد ساق القدر الإلهي هذه الأحداث في سياقها الذي أراده الله لتتحقق بذلك براءته ولتتكشف الحقيقة حتى تضطر امرأة العزيز إلى الاعتراف بها، وهكذا ينصر الله أولياءه فتتجلى للناس براءتهم مما عسى أن يلصق بهم من الإفك ولو بعد حين، والحمد لله.
نزول عيسى وخروج الدجال
سؤال عن معنى قوله تعالى في المسيح: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شبه هم} [النساء: 157]،
إن الله سبحانه صان المسيح أن تصل إليه أيدي خصومه لتبطش به وتناله بالسوء، وإنما شبه لهم غيره فقتلوا من اشتبه به وظنوا أنهم بلغوا من (1/413)
صفحة 414
414 الفتاوى العقيدة
ذلك المراد، ففاخروا بقتله، وقد اختلف العلماء في الذي اشتبه به فقتل دونه، قيل هو أحد حوارييه اشترى الجنة بفدائه لعيسى فألقي عليه شبهه فقتل، وقيل هو الذي دلهم عليه في مقابل دراهم معدودة أخذها منهم، وقد نص بعضهم على أنه يهوذا الأسخريوطي، وقيل إن المراد بقوله تعالى: وَلَكِن شُبِّهَ هُمْ} أنه اشتبه عليهم الأمر فظنوا أنهم قتلوه ولم يفعلوا شيئا، وهذا رأي بعض المتأخرين من المفسرين، وهذه الآراء منها ما بني النظر، ومنها ما نبي على الدلالة اللغوية كهذا القول الأخير، ومنها ما على روايات لبعض أهل الكتاب، وبما أنه لم يتبين الراجح منها بدليل يمكن أن نعتمد عليه نكل علم ذلك إلى الله تعالى. والله المستعان.
على
بني
السائل يسأل عن المسيح وما رُوي من روايات أنه سيأتي ويقتل المسيح الدجال هل ذلك صحيح؟
الروايات في نزول المسيح متضافرة يشد بعضها بعضاً غير أنها لم تصل إلى التواتر القطعي، وقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أن الله الله رفعه إليه، وجاء ما يشير إلى أنه من أعلام الساعة وذلك في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمُ لِلسَّاعَةِ} [الزخرف: 61]، وكل من ذلك يحتمل وجوهاً من التأويل، ونحن نؤمن بكل ما أخبر به الله وأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكل تفصيل إجماله إلى الله والله أعلم.
قد تلقيت بيد الشكر والتقدير رسالتكم الكريمة المتضمنة سؤالين: أحدهما عن نزول المسيح هل من دليل يدل عليه من الكتاب العزيز؟
ثانيهما عن الدجال هل من دليل يدل على ظهوره؟
وإليك الجواب عنهما بحسب ترتيبهما: (1/414)
صفحة 415
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
415
1 - ليس في القرآن نص على نزول المسيح وإنما تأول ذلك بعض المفسرين في بعض ما أنزل الله من الآيات، وحمل ذلك غيرهم على محامل أخرى، ومن ذلك قوله سبحانه تعالى: {وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء: (159]، فإن في الضمير الموصول بموته قولين، قيل يرجع إلى عيسى نفسه، ومعنى ذلك أنه ينزل إلى الأرض فيؤمن به أهل الكتاب جميعا سواء اليهود منهم والنصارى، إذ يمحو كل ملة إلا ملة الإسلام، وهو مروي عن ابن عباس ها وعن جماعة من التابعين منهم الحسن وقتادة، وقيل يرجع إلى أهل الكتاب أنفسهم، ومعناه: أن كل كتابي يؤمن به قبل أن يموت بما يراه من الآيات التي تضطره إلى الإيمان به، وهو أيضاً مروي عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وروي عن الحسن وابن سيرين وعكرمة ومجاهد وجويبر، وروي عن أبي رضى الله عنه أنه قرأ «قبل موتهم».
وقيل بأن الضمير يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى ذلك أن كل كتابي يضطر إلى الإيمان به قبل موته وهو مروي عن عكرمة.
وذهب العلامة صاحب «المنار» إلى ترجيح القول بعود الضمير إلى الكتابي وعززه بكثير من الأدلة، وإليك ما قاله بنصه: «وإن من أهل الكتاب أي: وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به: أي: ليؤمنن بعيسى إيمانا صحيحا، وهو أنه عبد الله ورسوله، وآيته للناس قبل موته أي قبل موت ذلك الأحد الذي هو نكرة في سياق النفي، فيفيد العموم. وحاصل المعنى أن كل من أهل الكتاب، عندما يدركه الموت ينكشف له الحق في أمر عيسى وغيره من أمر الإيمان فيؤمن بعيسى إيمانا صحيحا فاليهودي يعلم رسول صادق غير دعي ولا كذاب، والنصراني يعلم أنه عبد الله ورسوله، فلا
أحد
هو
إله، ولا ابن الله.
أنه (1/415)
صفحة 416
416 الفتاوى العقيدة
ويوم
القيامة يكون عليهم شهيدا يشهد عليهم بما تظهر به حقيقة أمره معهم، ومنه ما حكاه الله عنه في آخر سورة المائدة {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبِّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} [المائدة: 117]، وقد يشهد
للمؤمن منهم، في حال الاختيار والتكليف بإيمانه، وعلى الكافر بكفره: لأنه مبعوث إليهم، وكل نبي شهيد على قومه كما قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41]، وذهب بعضهم إلى أن المراد أن كل أحد من أهل الكتاب يؤمن بعيسى قبل موت عيسى، وهذا مبني على القول بأن عيسى لما يمت، وأنه رفع إلى السماء قبل وفاته، وهم الذين أولوا قوله سبحانه تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَى} [آل عمران: 55]. وهم على هذا يحتاجون إلى تأويل النفي العام هنا بتخصيصه بمن يكون منهم حيا عند نزوله فيقولون: المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب الذين ينزل المسيح من السماء إلى الأرض وهم أحياء، إلا ليؤمنن به، ويتبعنه، والمتبادر من الآية المعنى الأول، وهذا التخصيص لا دليل عليه، وهو مبني على شيء لا نص عليه في القرآن حتى يكون قرينة له، والأخبار التي وردت فيه لم ترد مفسرة للآية. أما المعنى الأول الذي هو الظاهر المتبادر من النظم البليغ، فيؤيده ما ورد من اطلاع الناس قبل موتهم، على منازلهم في الآخرة، ومن كونهم يبشرون برضوان الله وكرامته، أو بعذابه وعقوبته، ففي حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين: إن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، وإن
الكافر إذا حضر، بضم الحاء أي حضره الموت بشر بعذاب الله وعقوبته. أحمد، والنسائي من حديث أنس وغيرهما من حديث عبادة بن
وروي
الصامت. وعن عائشة زيادة في حديث: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، و من كره لقاء الله كره الله لقاءه الذي في الصحيحين وغيرهما، وهي
أنهم (1/416)
صفحة 417
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
417
قالوا: يا رسول الله كلنا نكره الموت فقال: «ليس ذلك كراهية الموت ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من الله بما هو صائر إليه، فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب لقاءه، وإن الفاجر إذا حضر جاءه البشير من الله بما هو صائر إليه من الشر فكره لقاء الله فكره الله لقاءه (1)».
وروى ابن مردويه و ابن منده بسند ضعيف عن ابن عباس: «ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة أو النار وروى مثله ابن أبي الدنيا عن رجل لم يسم، عن علي مرفوعا فهذه الأحاديث تؤيد ما روي عن ابن عباس وغيره في تفسير الآية من كون الملائكة تخاطب من يموت من أهل الكتاب قبل خروج روحه بحقيقة أمر المسيح، مع الإنكار الشديد والتقبيح، ومما يؤيد هذه الحقيقة النص في سورة يونس على تصريح فرعون بالإيمان حين أدركه الغرق. ولها دلائل أخرى كالأحاديث الواردة في عدم قبول التوبة عند الغرغرة. والله أعلم. اهـ
واختار العلامة ابن عاشور أن الضمير في «موته» يعود إلى الكتابي، وأن الضمير في «به» يعود إلى الرفع المفهوم من قوله تعالى: {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وهاك نص قوله: «عندي أن ضمير به راجع إلى الرفع المأخوذ من فعل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، ويعم قوله أهل الكتاب اليهود، والنصارى، حيث استووا مع اليهود في اعتقاد وقوع الصلب.
فلا
والظاهر أن الله يقذف في نفوس أهل الكتابين الشك في صحة الصلب، يزال الشك يخالج قلوبهم ويقوى حتى يبلغ مبلغ العلم بعدم صحة الصلب في آخر أعمارهم تصديقاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حيث كذب أحبارهم فنفى الصلب عن عيسى». اهـ
(1) رواه البخاري (6507) ومسلم (6996). (1/417)
صفحة 418
418 الفتاوى العقيدة
وأنت إذا تأملت دلالة الآية الكريمة على نزوله آخر الزمن وجدتها بعيدة عن النصية، بل لا تقوى على أن تكون ظاهرة في ذلك، لأن احتمالات أخرى تزاحمها، ومنها ما هو أقوى منها في دلالته.
واستدل أيضاً لهذا بقوله: {وَإِنَّهُ لَعِلْمُ لِلسَّاعَةِ} [الزخرف: 61]، حيث جعلوا الضمير راجعا إليه سلام الله عليه لتقدم ذكره قبل ذلك في قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْتَهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَاءِيلَ} [الزخرف: 59]، وممن روي عنه هذا القول ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك وابن زيد والسدي وحملوا ذلك على معنى نزوله بين يدي الساعة.
وأنت تدري أن هذه الدلالة بعيدة عن النصية على أنه قيل بأن الضمير يعود إلى القرآن وهو أيضاً معزو إلى قتادة، والحسن، وعزاه قتادة إلى ناس، ومعناه بناء على هذا التفسير أن القرآن فيه علم الساعة بما تحدث به عن أحوالها وأهوالها.
وهذا القول صدره العلامة ابن عاشور في تفسيره الآية الكريمة، وقواه بما ذكره من دلائل تعززه وهذا نص كلامه وضمير المذكر الغائب في قوله: {وَإِنَّهُ لَعِلْمُ لِلسَّاعَةِ مراد به القرآن وبذلك فشره الحسن وقتادة وسعيد بن جبير فيكون هذا ثناء ثامناً على القرآن فالثناء على القرآن استمر متصلاً من أول السورة آخذاً بعضه بحجز بعض متخللاً بالمعترضات والمستطردات ومتخلصاً إلى هذا الثناء الأخير بأن القرآن أعلم الناس بوقوع
الساعة.
ويفسره ما تقدم من قوله: {بِالَّذِى أُوحِيَ إِلَيْكَ} [الزخرف: 43] ويبينه قوله بعده هَذَا صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٌ} [الزخرف: 61] على أن ورود مثل هذا الضمير في القرآن مرادا به القرآن كثير معلوم من غير معاد فضلاً على وجود معاده». (1/418)
صفحة 419
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
419
ثم قال: «ومعنى تحقيق أن القرآن علم للساعة أنه جاء بالدين الخاتم للشرائع فلم يبق بعد مجيء القرآن إلا انتظار انتهاء العالم. ورود مثل هذا الضمير في القرآن مراداً به القرآن كثير معلوم من وهذا معنى ما روي من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «بعثتُ أنا والساعة كهاتين، وقرن بين السبابة والوسطى مشيراً إليهما» (1)، والمشابهة في عدم الفصل بينهما
قال: «وإسناد «علم للساعة» إلى ضمير القرآن إسناد مجازي لأن القرآن سبب العلم بوقوع الساعة إذ فيه الدلائل المتنوعة على إمكان البعث ووقوعه. ويجوز أن يكون إطلاق العلم بمعنى المُعْلِم من استعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل مبالغة في كونه محصلاً للعلم بالساعة إذ لم يقاربه في ذلك كتاب من كتب الأنبياء».
قال: «وقد ناسب هذا المجاز أو المبالغة التفريع في قوله:
فَلَا تَمْتَرنَ بِهَا لأن القرآن لم يُبقِ لأحدٍ مِرية في أن البعث واقع». وقال بعد هذا: «وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن الضمير لعيسى وتأولوه بأن نزول عيسى علامة الساعة، أي سبب علم بالساعة، أي بقربها، وهو تأويل بعيد فإن تقدير مضاف وهو نزول لا دليل عليه ويؤكده إظهار اسم عيسى في قوله: {وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى: الخ. ويجوز عندي أن يكون ضمير (إن) ضمير شأن، أي إن الأمر المهمّ لَعِلم الناس بوقوع الساعة». اهـ ومما يوهن إعادة الضمير على عيسى في الآية الفصل بين ذكره وبينها بأجنبي لا مناسبة لذكره بناء على أن المراد به عيسى، وهو قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَيْكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} [الزخرف: 60].
(1) رواه البخاري (6504) ومسلم (2951). (1/419)
صفحة 420
420 الفتاوى العقيدة
وبهذا يتبين أنه لا دلالة في آيات القرآن يمكن أن يعتمد عليها في إثبات نزول المسيح عند قيام الساعة، وإنما عول القائلون به على الروايات وهي - وإن تعددت - لم تبلغ مبلغ التواتر حتى يعول عليها في إثبات قضية عقدية كهذه مع ثبوت النص القطعي بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، وهو مما يتبادر معه أنه لن يأتي من بعده نبي سواء كان مبعثه من جديد أو أنه
والسلام
أوحي إليه من قبله الله، لأن ختام النبوة إنما هو سد لبابها، وإن ذهب الذين أثبتوا نزوله إلى أنه لا يحكم بشرعه وإنما يحكم بشرع النبي الخاتم.
لهذا كان أصحابنا المشارقة بين ناف لنزوله عل أو واقف عن إثباته،
بخلاف المغاربة منهم، فإنهم أثبتوه كما أثبته الأمة. جمهور
على أننا عندما نرجع إلى نصوص القرآن نجد نصين صريحين دالين
على وفاته:
أولهما قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللهُ يَعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَى
[آل عمران: 55].
ثانيهما: قوله تعالى حكاية عنه فيما يرد به على سؤال الله تعالى إياه يوم القيامة عن عبادة الناس له فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117].
ومن الواضح أن المختلفين في هذا نظروا إلى جانبين، إلى جانب التوفي الذي يعزز أنه مات كما مات غيره من الأنبياء، وجانب الرفع الذي قد يتصور منه أنه نقل حسي له بجسمه وروحه من الأرض إلى الملأ الأعلى ولما كان جمهور المفسرين تأثروا بالروايات الكثيرة الدالة على أنه الآن الملأ الأعلى وقد طبع بطبعهم، وأنه سينزل إلى الأرض بين يدي الساعة
مع (1/420)
صفحة 421
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
421
ليحكم فيها بالقسط ويجدد فيها ما أبلته أيام الجور والضلال من العدل والهدى، فإنهم تأولوا توفيه بأنه وفي ما كتب له أن يعيشه في هذه الأرض وكان رفعه إلى السماء في حكم التوفي لغيره بإماتته.
وذهب آخرون من المفسرين على حمل التوفي على ما يدل عليه ظاهر لفظه، من أنه توفاه الله أجله وقبضه كما قبض من قبله من الأنبياء، وأن رفعه إليه إنما هو رفع مقامه وقدره، وهذا الذي عول عليه الإمام محمد عبده وتلميذه العلامة السيد محمد رشيد رضا والعلامة ابن عاشور.
أما الإمام محمد عبده والسيد رشيد رضا فقد تضمن موقفهما من هذه القضية ما جاء في «تفسير المنار»، وإليكه بنصه: «والتوفي في اللغة: أخذ الشيء وافيا تاما، ومن ثم استعمل بمعنى الإماتة قال - تعالى -: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: 42]، وقال: {قُلْ يَنَوَفَّنَكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ * [السجدة: 11] فالمتبادر من الآية: إني مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان رفيع عندي كما قال في إدريس:
وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم: 57] والله - تعالى - يضيف اليه ما يكون فيه من عالم الغيب قبل البعث وبعده كما قال في الشهداء {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ} آل عمران وقال إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيلٍ مُّقْتَدِرٍ}
[القمر: 54 - 55].
وأما تطهيره من الذين كفروا فهو: إنجاؤه مما كانوا يرمونه به أو يرومونه منه ويريدونه به من الشر. هذا ما يفهمه القارئ الخالي الذهن من الروايات والأقوال: لأنه هو المتبادر من العبارة وقد أيدناه بالشواهد من الآيات، ولكن المفسرين قد حولوا الكلام عن ظاهره لينطبق على ما أعطتهم الروايات من
كون عيسى رفع إلى السماء بجسده، وهاك ما قاله الأستاذ الإمام في ذلك: (1/421)
صفحة 422
422 الفتاوى العقيدة
يقول بعض المفسرين: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ، أي: منومك، وبعضهم: إني قابضك من الأرض بروحك وجسدك {وَرَافِعُكَ إِلَى) بيان لهذا التوفي، وبعضهم: إني أنجيك من هؤلاء المعتدين فلا يتمكنون من قتلك، وأميتك حتف أنفك ثم أرفعك إلي، ونسب هذا القول إلى الجمهور، وقال: للعلماء ها هنا طريقتان إحداهما ـ وهي المشهورة ـ أنه رفع حيا بجسمه وروحه، وأنه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفاه الله تعالى. ولهم في حياته الثانية على الأرض كلام طويل معروف، وأجاب هؤلاء عما يرد عليهم من مخالفة القرآن في تقديم الرفع على التوفي بأن الواو لا تفيد ترتيبا.
أقول: وفاتهم أن مخالفة الترتيب في الذكر للترتيب في الوجود لا يأتي في الكلام البليغ إلا لنكتة، ولا نكتة هنا لتقديم التوفي على الرفع إذ الرفع الأهم لما فيه من البشارة بالنجاة ورفعة المكانة.
هو
(قال): والطريقة الثانية أن الآية على ظاهرها، وأن التوفي على معناه الظاهر المتبادر وهو الإماتة العادية، وأن الرفع يكون بعده وهو رفع الروح، ولا بدع في إطلاق الخطاب على شخص وإرادة روحه، فإن الروح هي حقيقة الإنسان، والجسد كالثوب المستعار فإنه يزيد وينقص ويتغير، والإنسان إنسان لأن روحه هي هي.
(قال): ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان
تخريجان
أحدهما: أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي لأنه من أمور الغيب، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي لأن المطلوب فيها هو اليقين، وليس في الباب حديث متواتر. (1/422)
صفحة 423
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
423
وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس، وهو ما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها والتمسك بقشورها دون لبابها، وهو حكمتها وما شرعت لأجله: فالمسيح لم يأت لليهود بشريعة جديدة، ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسى، ويوقفهم على فقهها والمراد منها ويأمرهم بمراعاته وبما يجذبهم إلى عالم الأرواح بتحري كمال الآداب، أي ولما كان أصحاب الشريعة الأخيرة قد جمدوا على ظواهر ألفاظها بل وألفاظ من كتب فيها معبرا عن رأيه وفهمه وكان ذلك مزهقا لروحها ذاهبا بحكمتها كان لا بد لهم من إصلاح عيسوي يبين لهم أسرار الشريعة وروح الدين وأدبه الحقيقي، وكل ذلك مطوي في القرآن الذي حجبوا عنه بالتقليد الذي هو آفة الحق وعدو الدين في كل زمان.
فزمان عيسى على هذا التأويل هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين والشريعة الإسلامية لإصلاح السرائر من غير تقيد بالرسوم والظواهر. هذا ما قاله الأستاذ الإمام في الدرس مع بسط وإيضاح، ولكن ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك تأباه، ولأهل هذا التأويل أن يقولوا: إن هذه الأحاديث قد نقلت بالمعنى كأكثر الأحاديث والناقل للمعنى ينقل ما
فهمه» اهـ.
وأما ابن عاشور فقد أبان عن موقفه بقوله:
وقوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) ظاهر معناه: إنّي مميتك، هذا هو معنى هذا الفعل في مواقع استعماله لأنّ أصل فعل توفّى الشيء أنه قبضه تاماً واستوفاه. فيقال: توفاه الله أي قدر موته، ويقال: توفاه ملك الموت أي أنفذ إرادة الله (1/423)
صفحة 424
424 الفتاوى العقيدة
بموته، ويطلق التوفّي على النوم مجازاً بعلاقة المشابهة في نحو قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّنكُم بِأَلَّيْلِ} [الأنعام: 60].
وقوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) [الزمر: 42]. أي وأما التي لم تمت الموت المعروف فيميتها في منامها موتاً شبيهاً بالموت التام كقوله: وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّنكُم بِالَّيْلِ، ثم قال: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) [الأنعام: 61]، فالكل إماتة في التحقيق، وإنما فَصَل بينهما العرف والاستعمال، ولذلك فرع بالبيان بقوله: {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى، فالكلام منتظم غاية الانتظام، وقد اشتبه نظمه على بعض الأفهام. وأصرح من هذه الآية آية المائدة: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» لأنه دل على أنه قد توفّى الوفاة المعروفة التي تحول بين المرء وبين علم ما يقع في الأرض، وحملها على النوم بالنسبة لعيسى لا معنى له؛ لأنه إذا أراد رفعه لم يلزم أن ينام؛ ولأنّ النوم حينئذ وسيلة للرفع فلا ينبغي الاهتمام بذكره وترك ذكر المقصد، فالقول بأنها بمعنى الرفع عن هذا العالم إيجاد معنى جديد للوفاة في اللغة بدون حجة، ولذلك قال ابن عباس، ووهب بن منبه: إنها وفاة موت وهو ظاهر قول مالك في جامع العتبية، قال مالك: مات عيسى وهو ابن إحدى وثلاثين سنة قال ابن رشد في «البيان والتحصيل»: «يحتمل أن قوله مات وهو ابن ثلاث وثلاثين على الحقيقة لا على المجاز».
ثم قال: «الوجه أن يحمل قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} على حقيقته، وهو الظاهر، وأن تؤوّل الأخبار التي يفيد ظاهرها أنه حي على معنى حياة كرامة عند الله، كحياة الشهداء وأقوى». اهـ (1/424)
صفحة 425
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
425
وقال في تفسير قوله فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 117]: «أي: فلما قضيت بوفاتي، لأن مباشر الوفاة هو ملك الموت والوفاة الموت، وتوفاه الله أماته، أي قضى به وتوفاه ملك الموت قبض روحه وأماته». اهـ
وأنت تدري أن انتظار المسيح عقيدة لها جذور عند أهل الكتاب فيما سبق، فاليهود ينتظرون مسيحا غير المسيح ابن مريم!!؛ لأنهم كفروا به عندما أتاهم، والنصارى ينتظرون عودته إلى الأرض مرة أخرى ليحقق ما لم يحققه من قبل في وجوده الأول بها!!.
ولا ريب أن من أسلم من أهل الكتاب كان لهم أثر في تكييف منهجية الرواية عند المسلمين وفق الأفكار التي سيطرت عليهم، فلا غرو أن نجد كما هائلا من الروايات يغلب عليها هذا الاتجاه، وإنما يجب في تمحيص هذه الروايات وتأويلها أن لا ننسى الجانب القرآني الذي فيه تبيان كل شيء. وبالرجوع إلى القرآن نتبين أن الأقرب إلى الحقيقة هو ما ذهب إليه الإمام محمد عبده وتلميذه السيد محمد رشيد رضا والعلامة ابن عاشور، وهو الذي يفهم من كلام من تقدم من علمائنا المشارقة وهو أن المسيح كغيره من الأنبياء الذين أناروا الأرض بهدايتهم ثم قبض الله أرواحهم، وأنهم يبعثون يوم البعث كما يبعث جميع الموتى، وإنما اختصهم الله تعالى بالتكريم ورفع الدرجات ولهم في عالم البرزخ نوع حياة أرقى مما أكرم الله به الشهداء، ويعزز ذلك قوله تعالى لنبيه: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِّتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ} [الأنبياء: 34].
مع
السلام
على أننا هذا لا نخطئ من يخالف هذا الرأي ويتأول رفع المسيح إلى الله على أنه بمعنى رفعه رفعا حسيا بجسمه وروحه إلى السماء، ويعتقد نزوله بين يدي الساعة إلى الأرض تعويلا على الروايات التي جاءت بذلك (1/425)
صفحة 426
426 الفتاوى العقيدة
ما دام يعتقد أنه لا يأتي بشرع جديد ولا يحكم بشريعة سابقة، وإنما يتبع شريعة نبينا فيكون كواحد من أمته، والله تعالى أعلم.
2 ـ أما الدجال فقد جاءت به روايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها ما رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» (1).
من
وما رواه من طريق ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أراني الليلة عند الكعبة فرأيت رجلا آدم كأحسن ما إن يرى من آدم الرجال له لمة كأحسن ما إن يرى من اللمم قد رجلها وهي تقطر ماء متكئا على عواتق رجلين يطوف بالكعبة فسألت هذا فقيل لي المسيح بن مريم ثم إذا أنا برجل جعد قطط أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية فسألت من هذا فقيل لي المسيح الدجال» (2). وقد استفاضت الروايات الدالة على ظهور المسيح الدجال عند أهل الحديث حتى جاوزت المائتين وخلاصتها أنها دالة على ظهوره، أما ما زاد على ذلك مما جاء في كثير منها من أنه يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، وتنفعل له الأشياء انفعالا تاما فإنه يحتاج إلى تمحيص وبحث، ولا نقوى على إقراره وإنما نؤمن بظهور دجال من الدجاجلة حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا ندري أظهر فيما مضى من الزمان أم أنه سيظهر في المستقبل، وعلينا أن نستعيذ بالله من شره وشر أتباعه، ولا ندري أكثر من هذا، ونسكت عما ذكره أهل الحديث في وصفه ونكل علمه إلى الله تعالى.
(1) رواه الربيع (45).
(2) رواه الربيع (54). (1/426)
صفحة 427
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
427
وفي هذا غنية عن التكلف والبحث عما لم يفرض علينا بحثه، والله
تعالى ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى
أجمعين.
آله
وصحبه
هل في كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم دليل على ثبوت نزول عيسى؟ نزول عيسى لم ينص عليه القرآن وإنما أشير إليه ـ على رأي جماعة من المفسرين في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمُ لِلسَّاعَةِ} [الزخرف: 61]، وقد استفاضت بهذا الروايات، والله أعلم.
هل صحيح بأن المسيح عيسى لم يمت؟ وأنه سيأتي في آخر الزمان؟ وكيف تأوّل الآيات التي تبين أنه مرفوع والآيات التي تبين أنه متوفى لتتوافق مع بعضها؟ مثل قوله تعالى: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} [المائدة: 117] إنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: 55] قَبلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} [النساء: 157]؟ الأدلة على حياته ضعيفة، ولا يمكن القطع بها ولا بأضدادها، والله أعلم.
ما مدى صحة القول الذي يقول بنزول سيدنا عيسى في آخر الزمان؟ جاءت به أحاديث كثيرة، ولكنها لا تصل حد التواتر، فنكل علم ذلك إلى الله، والله أعلم.
سماحة الشيخ .. ورد في تمهيد قواعد الإيمان قول الشيخ ناصر بن أبي نبهان رحم الله في أشراط الساعة بما يلي: -
«أما ما ذكره في أشراط الساعة من طلوع الشمس من مغربها وخروج (1/427)
صفحة 428
428 الفتاوى العقيدة
صل الله
الدجال وغير ذلك ما خلا ما ذكره الله تعالى في كتابه في فتح يأجوج ومأجوج وخروج الدابة فلم يأت به تنزيل ولا قامت الحجة بصحته عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينعقد فيه إجماع يلزم قبوله إلا بصحة الرواية أو صحة تأويل التنزيل، ولم يصح إجماع بذلك، وأما إجماع اجتماع على صحة ذلك بغير دليل إلهي ولا صحة رواية نبوية فلا ينعقد إجماع
لأنه لا ديني
مخرج له عن الظن إلى اليقين» (1).
العلماء
وقد وافقه الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي رحمة الله على أنه لم يقم الإجماع من الأمة على ذلك.
قال الشيخ عبد العزيز الثميني رحمه الله: اعلم أن أشراط الساعة، كثيرة ونذكر منها العشرة التي تضافرت الأحاديث الصحاح عليها، ورواها
موافق ومخالف فيجب الإيمان بها لما أنها أخبرها الصادق .. » (2) أ. هـ.
واستدل الشيخ الثميني الله بالحديث الذي رواه حذيفة بن أسيد الغفاري قال: «اطلع النبي علينا ونحن نتذاكر الساعة فقال: «ما تذكرون فقلنا نذكر الساعة قال: إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر: الدخان والدجال والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من
اليمن تطرد الناس إلى محشرهم
(1) تمهيد قواعد الإيمان ج 1 ص
(2) معالم الدين ج 1 ص 170.
(3) رواه مسلم (5162).
ص
90 (1/428)
صفحة 429
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
429
أما بالنسبة لحجة الإسلام الشيخ أبي طاهر الجيطالي فقد أسهب في شرح بعض هذه الأشراط في قناطره وأورد الأحاديث الكثيرة بشأنها، من هنا وقفت أمام هذه الآراء فمنهم من يأخذ بالأحاديث الواردة باعتبارها صحيحة ومنهم من لا يأخذ بها؟ أشراط الساعة بعضها مما يدخل في التواتر القطعي، وأهم ذلك ما
هو
نص عليه القرآن الكريم وهو فتح يأجوج ومأجوج والدابة، ومنه ما مشهور كقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عندما سأله عن أشراطها: «أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الأعراب الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان (1)، ومثله أحاديث الدجال ونزول عيسى بن مريم علي، ومنها ما جاءت به روايات أحادية وربما كانت غير خالية من الضعف كحديث نار عدن والخسف، فالقسم الأول يجب الإيمان به وجوباً قطعياً بحيث لو أنكره أحد من غير تأويل كفر كفراً مِلّياً، والقسم الثاني هو دون ذلك بحيث لا يضلل منكره لعدم وصول الروايات الواردة به إلى درجة التواتر، فهو أحادي الأصل وإن اشتهر من بعد، وأما القسم الثالث فهو مما يجوز التصديق به من غير دينونة، لأن الدينونة لا تبنى على الظن، والروايات الأحادية أقصى ما تفيده الظن، ولذلك قال المحققون من علماء الأمة إن الروايات الأحادية تفيد وجوب العمل دون العلم، وذلك أن العلم ثمرة اليقين، فشدّ يدك على هذا الأصل تصل إلى بر الأمان - إن شاء الله ـ والله أعلم.
(1) رواه مسلم (9). (1/429)
صفحة 430
430 الفتاوى العقيدة
الوحي والنبوة وأقسامها
عن قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعرِشُونَ} [النحل: 68] ما المقصود بالإيحاء؟
الإيحاء هنا هو الإلهام، والله أعلم.
في الرؤيا والأحلام، ما الذي يحكيه الإنسان لمن يثق فيه، هل إذا رأى رُؤيا يُخبر بها كل أحد أم يقتصر في إخباره على أشخاص معينين، وهناك برامج في قنوات متعددة تعنى بتفسير الأحلام والرؤى فتنشر أمام الناس جميعاً، فهل ذلك جيد؟
عسى
أن
الرؤيا تختلف، فإن كانت بشارة لجميع المسلمين فينبغي للرائي يعلنها لأنها بشارة تعود على الكل بالخير، والمسلمون شركاء فيها، وإن كانت خاصة بالرائي فإنَّه يتخير من يتحدث إليه بها حتى يتجنب ما أن يحدث، فرُبَّما يُحسد وهذا كما حدث من قبل يعقوب عندما نصح ابنه يوسف ألا يقص على إخوته ما رآه في منامه من سجود الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً له، والله أعلم.
هي
هل الرُّؤيا إشارة وقوع أم إشارة تحذير؟
أؤمن أنَّ الرُّؤيا حق، وهي جزء من النُّبُوَّة على اختلاف الروايات هل جُزْء مِن ستة وأربعين جزءاً أو أقل مِن ذَلِك أو أكثر كما جاء في الروايات الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وليست هي النبوة بالمعنى المفهوم إذ لا نُبُوَّة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أبقاها الله تعالى كَرَامَة لهذه الأمة يرى الإنسان في منامه ما يُفتح له آفاق المستقبل، ومع هذا إنَّني أعترف
بحيث (1/430)
صفحة 431
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
431
بأنني لست خبيراً في أمر الرُّؤْيا، وإن كنت أحياناً قد أرى الرُّؤْيا واستبشر بها ويتحقق الخير الذي استبشر به فالرُّؤيا تُفَتّح للإنسان آفاقاً يَنْفُذ منها إلى معرفة المستقبل وإن لم تكن قطعية، إذ التعبير لا يَلْزَم أن يكون قطعياً، ولكن مَعَ ذَلك كلّه فإن الإنسان يطمئن إلى الرؤيا الصالحة التي تُبشر بمستقبل صالح، والله أعلم.
يوجد
ابنة تركت مبلغاً قدره ألف ريال عماني عند والدتها، وتركت الأم مبلغاً وقدره ثلاثة آلاف عند ابنها ليضعه في البنك في حسابه أمانة، ومن ضمنه مبلغ ابنتها، وتوفيت الوالدة فجأة وكان الابن يعلم بأنه لأخته مبلغ ألف ريال عماني من ضمن المبلغ الموجود عنه لوالدته، وأنكر بأن والدته قد تركت مبلغ ثلاثة آلاف ريال وأقر بوجود خمسمائة ريال عماني عنده فقط هنا تسأل الابنة تقول بأن أمها تزوروها في المنام عدة مرات وتطلب منها أن تأخذ حقها من أخيها، هل والدتها في هذه الحالة تعذب في قبرها بسبب المال الذي لها عند أخيها؟
الغيب الله تعالى، فهي في عالم الغيب ونحن لا نخوض في أمر عالم الغيب ولانستطيع اقتحامه وإنما نعلم ما كان ظاهراً لنا، والإنسان إذا مات أفضى إلى ربه سبحانه، وهو العليم بسعادته وشقاوته، والعليم بنعيمه وعذابه، وليس للإنسان أن يخوض في ذلك، ولا يستدل بالرؤى على شيء معين فيقطع به، وإنما قد يستأنس ببعض الرؤى بحيث تدل على أن الميت ينعم أو يعذب، ولكن من غير أن يقطع الإنسان بالحالة التي تدل عليها رؤياه؛ والله - تعالى - المستعان. (1/431)
صفحة 432
432 الفتاوى العقيدة
الأولياء والصالحون
جرت العادة عند بعض الناس على زيارة القبور والدعاء لها وقد يصحب ذلك تدافع فيه اختلاط بين الجنسين، فما هو توجيهكم؟
6
زيارة القبور لا يُتَّخذ لَها مَوْسِم، لأنَّ زيارة القبور فإنَّما شرعت للعظة وللعبرة، وليست عبادة، ولذلك نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، وقال: (لعن الله اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (1)، وقال: (لا تجعلوا قَبْرِي عيدا) (2)، وشدَّدَ النبي صلى الله عليه وسلم أول الأمر في زيارة القبور مطلقاً حيث منعها لأجل قرب الناس بعهد الجاهلية، ثم لما استقرت العقيدة وقوي الإيمان وصار الناس مؤصولين بالله تعالى أباح لهم زيارتها، وقال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها ولا تقولوا هُجْرا) (3)، فزيارة القبور لا تُتَّخذ عادة في يوم مُعيَّن كأيام العيد ونحوها، وإن كان قصد الناس بزيارتها في أيام العيد أن يكونوا مُدَّكِرِين بحيث يستشعرون أنهم وإن كانوا في فرحة فإنّ الموت بالمرصاد لهم فلا حرج في ذلك ولكن مع ذلك يجب أن يتجنبوا كل ما فيه حُرْمَة، ومن ذلك أن لا تتخذ زيارة القبور وسيلة لأمر مُحَرَّم كدعاء الميت واستِغَاثَتِه والتَّضَرُّع إليه، فإنَّ الله تعالى وحده هو قاضي، الحاجات ولا يُمكن لأحد في الأرض ولا في السماء أن يقضي حاجة أحد، فالله تعالى يقول: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107]، ويقول:
(1) رواه البخاري (4087).
(2) رواه أبو داود (2044).
(3) رواه الربيع (481). (1/432)
صفحة 433
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
433
وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17]،
مرد
ويقول سبحانه: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّامَتُ وَالنُّور أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ) [الرعد: 16]، ويقول جل شأنه: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: (2]، ويقول سبحانه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اللهُ قُلْ أَفَرَءَ يْتُم مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38]، فَمِنْ صَلال العقول أن يأتي الإنسان إلى قبر لأجل طلب قضاء حاجة من صاحب القبر، مع أن صاحب القبر لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا فقد أصبح في حكم الجماد الذي لا حراك له، وعندما كان
حياً ملء ثيابه لم يكن قادراً على تحقيق منفعة ولا دفع مضرة إلا بإذن الله.
والله تعالى يُخاطب عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق جميعا وأعظمهم منزلة وأجلهم مكانة ورسالته رحمة للعالمين كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَك إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، ومع ذلك يُخاطبه بقوله: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188]، فكيف بغيره؟ بل كيف بالأموات في قبورهم أنَّى لَهم أن يُحققوا منفعة أو أن يدفعوا مضرة؟
ومن المنكرات التي يجب تفاديها هذا الاختلاط بين الرجال والنساء فإن في الاختلاط فتنة لأنه يؤدي إلى إسقاط الحُرَم التي أمر الله تعالى
بالمحافظة عليها. (1/433)
صفحة 434
434 الفتاوى العقيدة
ومع
هذا كله فإن نفس ذهاب النساء ولو وحدهن إلى زيارة القبور أمر فيه ريب، لأنَّ النبي نَهى النساء عن زيارة القبور، وذلك لأنَّ المرأة تتأثر بسرعة، إذ سرعان ما تهيج عاطفتها، فقد تأتي بالأمر الذي لا يُحْمَد كالعويل وغيره، أو تنوح بتأثير حضورها إلى المقبرة، وشهودها قبور الذين يعزون عليها، فلذلك مُنِعت مِن زيارة القبور، لئلا تكون مهيجة لعاطفتها ودافعة لها إلى ارتكاب ما لا يُحمد، وهذا لا ينافي ما كان من أمّ المؤمنين عائشة تعالى من زيارتها لقبر أخيها لأنها كانت واثقة من نفسها أنَّها لن يَصْدر منها ذلك، وقد أدركت الحكمة من نهي للنساء عن زيارة القبور، فَهُن منهيات عن زيارة القبور لأجل هذه العلة، والمعلول ينتفي بانتفاء علته، ولما كانت واثقة من نفسها استباحت أن تزور قبر أخيها لأنَّها لم تكن لتفعل شيئاً مِمّا يُحَرِّمه الله تعالى عليها كالعويل ونحوه.
النبي
ويجب تفادي هذا الاندفاع الذي يجمع بين الرجال والنساء وهم يتدافعون جميعاً إلى القبور في ذلك اليوم، وعليهم أن يتقوا الله، وأن يقولوا قولاً سديداً؛ والله - تعالى - أعلم.
قد يرافق في بعض الأحيان هذه العادة عادة أخرى وهي أنهم عندما يزورون القبور يأخذون معهم باقة من الورود يضعونها على ذلك القبر؟
أعوذ بالله .. هذه من عادات أهل الجاهلية المعاصرة، ومن المنكرات التي يجب النهي عنها، وماذا ينفع الميت أن تُوضع على قبره هذه الزهور وهذه الورود؟! مع أنَّه لا ينفعه إلا العمل الصالح الذي عمله، والله أعلم. (1/434)
صفحة 435
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
435
ما الكرامة عندنا؟ وما حكمها؟ وهل هي تأييد وامتداد لمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما حدودها؟ الكرامة شأن يكرم الله به أولياءه من خلقه، وقد تخرج عن معهود البشر من نواميس الكون كالقصة المحكية عن عمر الله أنه كوشف بحال جيش المسلمين في فارس وهو بالمدينة، وخشي إحاطة العدو به فنادى من هناك قائده: يا سارية الجبل الجبل) فأسمع الله صوته سارية فلجأ إلى الجبل. ومثل هذه القصة قصص جمة تحكى عن الصالحين، وناهيكم ما حكاه الله سبحانه في كتابه من نقل الذي عنده علم من الكتاب عرش بلقيس من مقره إلى حيث كان سليمان في لحظة عين ولم تكن تلك معجزة لسليمان، لأنها لم تضف إليه، وإنما أضيفت إلى الذي عنده علم من الكتاب.
والحق
أن عدم استساغة العقول لخوارق العادات ناشئ عن كون تلك العقول ألفت تلك العادات إلى أن أصبحت لا تعي من أمر الحياة إلا ما يتفق معها، ولأنها لم تطلع على أسرار هذا الوجود، وإلا فإن نواميس الوجود نفسها لو أخبر بها من لم يعهدها لوجدها أمراً يخرج عن حدود عقله، فخلق الإنسان من طين وما يتبعه من نقله من طور إلى آخر إلى أن تنفخ فيه الروح ويتحول إلى خلق آخر فيه من عجائب الصنع وغرائب الفعل ما لا يدخل تحت الحصر، وهذه كلها أمور لو لم يشهدها الإنسان بنفسه لكانت بعيدة عن مدارك عقله. على أننا مع معايشتنا للتطور العلمي والصناعي ندرك كثيراً من الحقائق التي لم نكن نتصورها من قبل، ولم تكن عقولنا قابلة لتصورها فهل كنا نتصور في سالف عهدنا إمكان نقل رسالة من أقصى مشارق الأرض إلى أقصى مغاربها في أسرع من لحظة عين، بمجرد أن توضع في آلة هنا لتظهر صورتها في مثل تلك الآلة هناك، ويتم الإرسال والاستقبال في ثواني معدودة من غير إخلال بشيء من (1/435)
صفحة 436
من
436 الفتاوى العقيدة
حروفها، فهل كانت العقول تصدق مثل ذلك من قبل؟!. فضلاً عن نقل الأصوات والصور لمشاهد نائية كأنها في مجلس المشاهد، إلى غير ذلك الأمور التي لم تكن العقول تستسيغها في القرون الخالية بل وفي قرننا الذي عشنا فيه وناهيكم أن أحد مشايخنا عندما سئل عن العمل بخبر الإذاعة والهاتف كان من جوابه فيما بلغني: لا، لا يعقل أن يتحدث أحد بالمشرق فيسمعه من بالمغرب اللهم إلا أن تكون تلك معجزة نبي أو كرامة ولي. فهل تراه لو عاش في هذا العصر وشاهد هذا التقدم العلمي كان يقول ذلك؟!. كلا وألف كلا، وإنما الواقع كما قال الشاعر:
والجهل بالشيء في عين البصير عمى
ولا ريب أن مرد ذلك كله إلى قدرة الخالق العظيم، فمن أيقن أن قدرته وسعت كل شيء وأنه يختص من يشاء من خلقه بما يشاء من مواهبه لم يشكل عليه فهم ذلك، وتصديقه، ففي الغيب عجائب لم تصل إليها عقولنا
القاصرة، والله أعلم.
الإسراء والمعراج
قُلتُم بأنَّ الإسراء ثبت بِنَص الكتاب العزيز أما بالنسبة للمعراج فثبت بإشارة القرآن الكريم، ما هو البُعْد العَقَائِدِي لحادثة الإسراء والمعراج، بمعنى هل تقع حادثَنَا الإسراء والمعراج ضِمْنَ دَائِرَة المعلوم من الدين بالضرورة؟
أما الإسراء فهو مما علم من الدين بالضرورة لأجل النَّصَّ القَطْعِي في سورة الإسراء، وأما المعراج فلا يصل إلى هذا الحكم وإنما هو مما اشتهر وعلم بالتأويل من الإشارة إليه التي تكاد تكون صريحة في سورة النجم، (1/436)
صفحة 437
الإيمان بالرسل
مَعَ
الجزء الأول
437
الأحاديث المُسْتَفِيضَة، ولذلك قالوا بأنَّ مَن أنكر الإسراء فهو كافر كفر شرك ومَن أنكر المعراج فهو فاسق، والله أعلم.
ما هي أوصاف دابة البراق؟ وهل صحيح أنها طلبت من الرسول
الشفاعة؟
هذه الأوصاف إنما تتوقف على الأدلة الصحيحة الثابتة، وهذه أمور هي من الغيبيات التي نحن لم نكلف تفاصيلها، فلا داعي إلى التساؤل عنها أو الخوض فيها، إذ الإنسان في هذه الأمور الغيبية لا يتحدث إلا بدليل قاطع يعتمد عليه أما الأدلة الضعيفة بل حتى الأدلة الصحيحة التي هي غير قطعية لا يعوّل عليها في مثل هذه القضايا، إنما يُعوّل على الأدلة القطيعة؛ لأنها أمور غيبية.
هل كانت رحلته بالروح أو بالروح والجسد؟
أما الإسراء فهو بالجسد والروح، ولذلك لو كان بمجرد الروح لما كان هنالك داع لتعجب قريش وإنكارهم وضجيجهم، ولكان ذلك مثل الرؤيا المنامية التي يراها، ولكن هذا الضجيج الذي أثاروه بسبب أنه قال بأنه انتقل، وانتقاله يعني بنفسه وجسده، وهذا ما يؤذن به قوله: الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1]، فالعبد يشمل الجسد والروح معاً، ولا يكون خاصاً بالروح دون الجسد.
أما بالنسبة إلى المعراج فمن المحتمل أن تكون هذه الرحلة روحانية فحسب، ومن المحتمل أيضاً أن تكون روحانية جسدية، فالله ـ تعالى ـ على كل شيء قدير، ولا ريب أن في مثل هذه الحالات - عندما يكون العروج بالجسم والروح - تكون الشفافية للروح ويغلب الجانب الروحاني على (1/437)
صفحة 438
438
الفتاوى العقيدة
الجانب الجسماني حتى يكاد يتلاشى الجانب الجسماني في الجانب الروحاني، فيخفّ الجسم ويعرج حيث يريد الله ـ تعالى ـ عروجه وا والله أعلم.
من الكتب التي يستقي بعض المسلمين تصوراتهم منها عن ليلة الإسراء والمعراج وما حدث فيها من أحداث والمشاهد التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم كتاب (المعراج) لابن عباس، وهو كتاب مليء بالقصص الخرافية مما وضعه القصاص بقصد جذب انتباه السامعين بالقصص الغريبة والأحاديث العجيبة هل من كلمة تودّون قولها حول هذا الكتاب؟ وهل تصح نسبته إلى ابن عباس؟
الدين (1)،
نسبة هذا الكتاب إلى ابن عباس لا لا تصح، ولا يمكن لابن عباس أن يقول مثل ذلك الكلام السخيف، فابن عباس هو ترجمان القرآن، وهو حبر الأمة الذي دعا له النبي ربه أن يعلمه التأويل وأن يفقهه في فليس من المعقول أن ينحدر ابن عباس وهو بهذا القدر العظيم عند ربه وعند رسوله إلى هذا المستوى السخيف حتى يقص من الأنباء ما هو في مستوى الجهلة العوام الذين لا يفرّقون بين الذئب والحمل، ولا بين التمرة والجمرة، إنما ابن عباس هو أسمى من ذلك بكثير، فهو حبر هذه الأمة و ترجمان کتاب ربها الله، فكيف ينحدر إلى هذا المستوى.
ثم مع هو عقلي، ومنها ما هو نقلي، والله - تبارك وتعالى ـ منح عباده عقولاً، هذه العقول يمكنهم بها أن يميزوا بين الكثير مما يقال بين صحيحه وفاسده، بين ثابته وغير الثابت ذلك لأن الله يا الله جعل العقل هادياً إلى كثير من
ذلك الأمور يجب أن تعرض على الأدلة والأدلة متنوعة منها ما
(1) رواه الحاكم (6280). (1/438)
صفحة 439
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
439
الحقائق، أنا لا أقول بأن العقل هو كل شيء وأنه يعتمد عليه في كل شيء؛ لأن العقل هو طاقة محدودة، ولكن بقدر ما أعطى الله - تعالى - عباده هذه الطاقة وجعلها محدودة؛ جعل فيها من القدرة على اكتناه كثير من الحقائق، ولذلك نجد أن الله - سبحانه تعالى - يبيّن أن هذه الآيات إنما هي لقوم يعقلون ولقوم يتفكرون، فيُطلب من الإنسان أن يستعمل فكره، وأن يستعمل عقله في كثير من القضايا.
أما لو تصادم العقل مع الدليل القطعي من الكتاب أو السُّنَّة المتواترة فلا مجال هنا لجعل العقل يرد النص القطعي لأن هذا كلام لا يقبل، ففي هذا المقام يتهم العقل، ولكن بالنسبة إلى الروايات التي تأتي من الناس من غير أن تثبت فإن العقل يُرجع إليه فيها.
وأما لو جئنا إلى النقل الذي هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإننا نجد أن هذه الروايات تتعارض تمام التعارض مع ما جاء في كتاب الله ومع ما ثبت في سنة رسول الله، فكيف يُعوّل عليها؟!
على أنه كما يقول بعض العلماء المحققين لئن كان من أسباب الحكم على الحديث بالضعف وحطه من مرتبة الصحيح معارضته لما هو أقوى منه من الروايات فكيف إذا عارض الحديث النص القطعي من القرآن أو الحديث المتواتر، كيف يمكن لهذه الرواية أن يحكم بصحتها؟! وهكذا بالنسبة إلى ما يروى عن الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم ـ أو يروى عن
غيرهم من التابعين وغيرهم مهما كانت منزلة من يروى عنه ذلك.
ثم إنه ليس كلّ ما يُروى عن أحد بثابت عنه فضلاً عن كون المرويّ عنه ـ إن كان غير معصوم - عرضة للنسيان وغيره، فهذا مما يجب أن يتفطن له. (1/439)
صفحة 440
440 الفتاوى العقيدة
والناس مطالبون بأن يعتبروا بالقصص التي في القرآن، وأن يعتبروا بالقصص الثابتة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وفي سيرته ـ عليه أفضل الصلاة والسلام لا أن يُعوّلوا على الخرافات، فإن بناء الدين على الخرافة يؤدي إلى عدم إيمان الناس بهذا الدين عندما تنكشف هذه الخرافة عن حقيقتها والله المستعان.
البعض يشكك في الروايات التي حول حادثة المعراج ويقول إنها بعيدة عن التصديق من خلال تحليل متون تلك الروايات، فما حكم من أنكر المعراج استناداً إلى مثل تلك التحليلات؟ نحن كما ـ قلنا سابقاً - نعوّل على قول من قال بأن من أنكر المعراج يُفسق؛ لأن الإشارة إليه واضحة في القرآن الكريم، ومن أنكر الإسراء يُشرك. أما بالنسبة إلى الروايات فليست متونها كلها متساوية، فقد يكون في بعض المتون ما يدعو إلى النظر ويدعو إلى التأمل، ولكن هي في مجموعها قوية وتدل على ثبوت ما جاءت دالة عليه بمجموعها فيعوّل على مثل هذه الرواية مع استفاضة هذه الروايات وشد بعضها أزر بعض.
يرى بعض العلماء أن المعراج حدث مرتين ويستدلون على ذلك بقول الله: وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى) [النجم: 13 - 14]، فما هو {رأيكم سماحة الشيخ؟
هذا كلام من لم يطلع على الحديث أو من تجاهل الحديث؛ لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول بأن ذلك جبريل لم أره في صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض» (1)
(1) رواه الترمذي (3347) ومسلم (457). (1/440)
صفحة 441
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
441
فالمرة الأولى التي رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم جبريل كهيئته التي خلقه الله
- تعالى - عليها إنما كانت في بداية الوحي عندما ناداه من السماء فرفع بصره إليه فرآه في السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ترجف بوادره (1) مما ألم به من الخوف الطبيعي الذي ينتاب كل أحد عندما يرى أمراً كهذا الأمر الذي هو خارج عن المألوف، فهذا بطبيعة الحال روع النبي صلى الله عليه وسلم ورجع إلى أهله وقال: «زملوني زملوني» (2) كما ثبت ذلك، وأنزل الله - تعالى - فيه: {يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ} [المدثر: (1)، والْمُزَمَلُ} [المزمل: 1] إلى آخره.
والمرة الثانية هي هذه المرة التي وقع فيها هذا الحدث كما أخبر الله - تعالى - فيها بقوله: {وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةٌ المَأْوَى إِذْ يَغْشَى السَدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكبرى) [النجم: 13 - 18]. فهذا مما دل عليه القرآن والسنة جاءت موضحة لما أجمله القرآن الكريم، فيعوّل على ذلك.
(17
أما أن يقال بأن الحدث تكرر مرتين فالمرة الثانية متى كانت؟! هل بعدما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة؟! أو عندما سار في عمرة القضية بعدما صد عن الحديبية؟! لا، فإن كان هذا الحدث قد وقع قبل الهجرة فليس هنالك دليل على وقوعه مرة أخرى، فالقرآن لم يذكر ذلك إلا مرة واحدة، في سورة النجم التي هي سورة مكية، وفي سورة الإسراء التي هي أيضاً سورة مكية، فكيف يقال بأن هذا الحدث وقع مرة بالمدينة ومرة بمكة؟! ليس هنالك من دليل على هذا قط والله أعلم.
(1) البوادر: جمع بادرة، والبادرة من الإنسان وغيره اللحمة التي بين المنكب والعنق. (ابن
منظور، لسان العرب، مادة بدر).
(2) رواه البخاري (3) ومسلم (422). (1/441)
صفحة 442
442 الفتاوى العقيدة
هل صلى النبي بالأنبياء إماماً؟ وهل معنى ذلك أنهم أحيوا؟ ورد ذلك في بعض الروايات، وإن كانت هذه الروايات لم تبلغ مبلغ التواتر، ولذلك لا يُقطع بهذا الأمر، ولكن مهما يكن فإنه لا يجوز لأحد أن يقدم على ردّ ذلك، فمن المحتمل أن يكون الله ـ تبارك وتعالى مثل له أرواحهم، والأنبياء لا بد أن يعتقد الإنسان أن منزلتهم فوق منزل الشهداء، والله لا يقول: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، فمنزلة النبيين أكبر من هذه المنزلة، هم ماتوا بطبيعة الحال كما قال الله ـ تعالى ـ لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] وقال: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ} [الأنبياء: 34] لكن هذا لا يمنع أن يكون هنالك لهم إحساس، وأن يكون لهم شيء من الطبيعة التي هي تتميز عن طبيعة غيرهم، فالله - تعالى ـ قادر على كل شيء، كما أخبر ـ سبحانه ـ أنه أحيا الذي أماته مائة عام، أليس قادراً على أن هؤلاء، وأن يجمعهم بالنبي، أو أن تتمثل له أرواحهم وهم يصلون صلى الله عليه وسلم وراءه؟ إن الله على كل شيء قدير، والقدرة الإلهية قدرة مطلقة، قدرة لا يحدها شيء، وصفات الله - تعالى - صفات مطلقة، فكما أن علم - تعالى - مطلق أحاط بكل شيء فإن قدرة الله الا الله قدرة مطلقة أحاطت بكل شيء، فهو على كل شيء قدير، كما أنه الله بكل شيء عليم.
يحيي
الله
فليس هنالك ما يمنع من هذا، ولا يجوز لأحد أن يردّ مثل هذه الأخبار لمجرد خيال في نفسه بأن هذا يتصادم مع الواقع أو يتصادم مع المألوف عن الموتى، فالله الله أخبر عن المسيح السلام أنه أنه كان يحيي الموتى، هذا مما نص عليه القرآن الكريم، وأمر الله - تعالى ـ أعظم شأناً، وما كان على يدي المسيح إنما هو من باب رفع قدره وإعلاء شأنه والدلالة على
من معجزته
صدق قوله فيما يبلغه عن ربه، فكيف بالقدرة المطلقة الله الله؟! والله أعلم. (1/442)
صفحة 443
الإيمان بالرسل
الجزء الأول
443
ما هو المعراج؟
المعراج يقصد به العروج إلى المقامات العلى، وأصل معراج مفعال، ومفعال يُطلق على الآلة، ولكن يراد به هنا العروج والله أعلم.
ما
هي
وسيلة المعراج؟
نحن نعلم أن الله - تعالى - يصنع ما يشاء ويفعل ما يريد، فالله ـ تبارك وتعالى ـ يدبر هذا الكون كما يريده ينقل الشمس من مكان إلى مكان، وكما يقول العلماء الآن بأنها تقطع في الثانية الواحدة اثني عشر ميلاً، والشمس هي أكبر من الأرض بمليون ضعف ومع ذلك تقطع هذه المسافة، هي الوسيلة؟ إنما هي قدرة الله - تعالى - التي أحاطت بكل شيء، فضلاً عن الأجرام الفلكية الأخرى التي هي أكبر من الشمس بكثير، وهي بكثير، وهي أسرع من الشمس بكثير، كل ذلك مما يدل على أن الله على كل شيء قدير.
فما
فهل الله الله يعجزه أن
يعرج بعبده ورسوله من غير وسيلة؟! وهل هو
بحاجة إلى الوسيلة؟! إنما علينا أن نسلّم الأمر الله ـ تبارك وتعالى وأن
لا نخوض في ذلك والله أعلم.
ما حكم من أنكر المعراج؟
من أنكر الإسراء فإنكاره للإسراء يعتبر ردّة عن الإسلام، أما من أنكر
المعراج فإنكاره للمعراج إنما يعتبر فسوقاً، ولكن مع هذا كله نقول إن تأوّل عروج بالروح فإنه لا يفضي به الأمر إلى أن يقال بأنه فاسق
المعراج
والله أعلم.
بأنه (1/443)
صفحة 444
[صفحة فارغة] (1/444)
صفحة 445
الفهرس
مقدمة
مدخل إلى علم العقيدة
الجملة وتفسيرها
الإسلام والإيمان مدلول الإيمان
الفرق بين الإيمان والإسلام زيادة الإيمان ونقصانه
الإكراه على الدين
لا تزر وازرة وزر أخرى
العمل الصالح وأهميته
سماحة الإسلام
شبهات حول الإسلام الردة عن الإسلام
صفات المؤمن
الخوف والرجاء
مكانة الإسلام
النفس الإنسانية
الفطرة
الوسواس
محاسبة النفس (1/445)
صفحة 446
الفتاوى العقيدة
خلق الإنسان حياة الأمم السابقة
قيام الحجة
التكليف الشرعي وأحكامه
الهداية
ما يسع جهله وما لا يـ
الحاكم هو الشرع
أصحاب الفترة.
عبارات عقدية شائعة
الاجتهاد
يسع
العقل ومكانته في التشريع الإسلامي
الإيمان بالله
أدلة وجود الله
رؤية الله تعالى
ما يجوز على الله وما لا يجوز
الآيات الكونية
صفات الله
حب الله ورسوله
حسن الظن بالله
الإيمان بالملائكة
الإيمان بالملائكة (1/446)
صفحة 447
الجزء الأول
الفهرس
الإيمان بالكتب السماوية.
الكتب السماوية
أسماء الكتب المنزلة
المعجزة
الإعجاز القرآني
الحقيقة والمجاز في القرآن وجوب الإيمان بالقرآن
مكانة القرآن
قراءة القرآن وتدبره
الإيمان بالرسل
الإيمان بالرسل وأثره في حياة المسلمين
الإيمان بالرسل
وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم
عصمة الرسل
نزول عيسى وخروج الدجال
الوحي والنبوة وأقسامها الأولياء والصالحون
الإسراء والمعراج
الفهرس (1/447)
صفحة 448
الفتَاوَى
العقيدة
لسَمَاحَة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسَلْطَنَةِ عُمَانَ
الإعداد والمراجعة
قسم الفتوى بمكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الجزء الثاني (2/1)
صفحة 449
حقوق الطبع محفوظة
1434 هـ - 2013 م (2/2)
صفحة 450
الإيمان
بالقضاء والقدر (2/3)
صفحة 451
الفتاوى العقيدة
القضاء والقدر
ما الفرق بين القضاء والقدر؟ وما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما مر تحت جدار مائل فقال: «أفر من قضاء الله إلى قدره؟
اختلف العلماء في تعريف القضاء والقدر، اختلافاً كثيراً، منهم من قال: القضاء هو اجتماع الحقائق الكونية في العقل الأول ـ حسب تعبير الفلاسفة - اجتماعاً إجمالياً والقدر هو اجتماع هذه الأشياء في اللوح المحفوظ ويعبر عنه عند الفلاسفة بالنفس الكلية تفصيلاً. ومنهم من قال: القضاء هو إثبات الله تبارك وتعالى الأشياء إجمالا كإثباته و أن كل نفس ذائقة الموت، وأما القدر فإثبات ذلك تفصيلاً الأسباب والأزمنة والأمكنة، كأن يثبت الله الله مع
بأن فلاناً سيموت في موضع كذا لسبب كذا في زمن كذا فذلك هو القدر. ومنهم من قال: بأن القضاء هو إثبات الأشياء في اللوح المحفوظ إجمالا، والقدر هو إثباتها في المواد تفصيلاً - أي إنشاؤها في المواد تفصيلاً ـ وهذا معنى قول القطب رحم الله في الذهب الخالص حيث قال: القدر خلق الأعراض والأجسام، والقضاء إثبات ذلك في اللوح، فخلق أجسامنا والأعراض التي تحدث فينا هو القدر وإثبات ذلك في اللوح المحفوظ هو القضاء وهذا التفسير هو الذي يتفق مع ما ذكروه من قول: «أفر من قضاء الله إلى قدره» (1) أي أفرّ من الأمر المقضي في اللوح المحفوظ إلى القدر أي إلى الأمر الذي لا بد أن يحصل لي أو عليّ كما هو مقضي عند الله في اللوح، ولكن هذا لم يثبت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا موقوفا على أحد من صحابته، وإنما المروي من قول عمر لأبي عبيدة له: «نفر من قدر الله إلى قدر الله» ومعنى
(1) الحديث لفظه (نفر من قدر الله إلى قدر الله) قاله والبخاري (5288) ومسلم (4114).
عمر لأبي عبيدة، رواه الربيع (641) (2/4)
صفحة 452
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
ذلك أن فرار العبد عن القدر لا يدفع القدر، فلا بد من وقوعه في ميقاته المحدد في علم الله، والله أعلم.
قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ} (البقرة: 195] وقوله صلى الله عليه وسلم: «أفر من قضاء الله إلى قدره يوحيان بأن الإنسان له يد في صنع قدره أو تأخيره على الأقل فإذا كان هذا صحيحاً فكيف يمكننا التوفيق بينه وبين حقيقة
أن القدر ما هو إلا القضاء مفصلاً مكاناً وزماناً والقضاء محقق وقوعه؟ سبق التفريق بين القضاء والقدر ومن ضمن ما قلناه في التفريق بين القضاء والقدر أن القضاء هو إثبات الأشياء في اللوح إجمالا، والقدر هو إيجادها في المواد تفصيلاً بحسب ما قضيت فالقدر هو فعل الله تعالى وليس للعبد كسب في قدر الله، وإنما له كسب في المقدور، والمقدور هو فعل العبد وهو الذي يتعلق به الثواب والعقاب أما القدر فلا يتعلق به ثواب ولا عقاب لأنه فعل الله، والأثر المروي إنما هو بلفظ: «نفر من قدر الله إلى قدره»، وهو يعني: أنني أفر إلى الشيء الذي قدر لي أو علي أي أفر إلى ما قدره الله تعالى لي من نجاة أو عدمها، فإنه لا مخلص لي مما قدره الله تبارك وتعالى فإن كان قدّر لي عدم النجاة فلا مخلص لي من ذلك، وإن كان قد قدر لي النجاة فإن تلك النجاة ستتاح لي ولا يحول بيني وبينها حائل، وإنما عليّ أن أعمل وليس لي أن أختبر ربّي فإن الله أن يختبر عبده وليس للعبد أن يختبر، ربّه، بل عليه أن يستسلم لأمره ويذعن لطاعته، فإذا كان الأمر هكذا فليس للإنسان أن يدع الأمور تجري بنفسها من غير أن يأخذ بالحيطة والحذر ويقول: أنا أفعل ما بدا لي وأن هذا بقضاء وقدر، فليس للإنسان نفسه في بئر ويقول: هذا بقضاء وقدر!! فقد هدى تعالى الإنسان
أن
يرمي
النجدين وبصره بما يأتي وما يذر، فليس له أن يأتي الشيء مما ويقول بأن هذا بقضاء الله وقدره.
حرم
الله (2/5)
صفحة 453
?
الفتاوى العقيدة
فالمؤمن يجب أن يعمل عملاً صالحاً نافعاً، يصلح به الأمة، ويرتقي به إلى أوج الكمال وأن لا تني به همته وتقعد به عزيمته متعللاً بالقضاء والقدر فإن أقدار الخير تجتلب بحسن النوايا وتتساوق مع عزائم الإيمان، فإن الله لا يضيع عمل عامل، وبالله التوفيق.
ما حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر؟
أما الفَرْق بين القضاء والقَدَر فإِنَّ القضاء - كما قيل - إيجاد الله - تعالى - الأشياء في اللوح إجْمَالاً، ومعنى ذلك إثباته ما يكون في اللوح المَحْفُوظ
فذلك أمرٌ مقْضِيّ لا بُدَّ مِنْ أن يكون مَا قَضَاهُ الله تعالى قَبْلَ أَن يَكُون. ومِنْهُم مَن قال بأن إثبات ما سَيَقَع وما سَيَحْدُث في اللوح هو القضاء. بَيْنَمَا القَدَر وُقُوعُ ذَلك، أي إيجَادُ الله - تعالى ـ للأشياء التي قضى أن تُوجَد في اللوح المَحْفُوظ، ولذلك قال من قال بأنَّ القدر هو خَلْقُ الله الأجساد والأغراض، والقضاء هو إثبات ذلك في اللوح فهذا هو الفرق بين
القضاء والقدر.
أما الأخذ بالأسباب مع كَوْنِ كل ما يقع في الوُجُود مَقْضِيا ولا بد من أن يقع كما قَضَاهُ الله تعالى، فإنَّ الأخذ بها مِن سُنة الحياة، فالمسلم مع إيمانه بقضاء الله - تعالى - وقَدَره وأنَّه لن يُصِيبَه إلا ما كتب الله له كما قال
الله تعالى:
قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].
وقال: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام 17] وقال: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ (2/6)
صفحة 454
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
V
إلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ} [يونس: 107].
هو مَأمُورُ بأن يأخُذ بأسبابِ الخَيْر مِن ناحية عَمَلِه بِنَفْسه في حياته وعليه أن يَتَّقِيَ الله بحيث يَمْتَثِلُ أَمْرَه ويَزْدَجِرُ عن نَهْيه ويقِفُ عند حُدُودِه
عن
ويُحكِّم شَرْعَه ويُذْعِن لِطَاعته في كل جزئية من الجزئيات فضلاً. الكُلّيات، حتّى تكون حَيَاتُه كُلُّها تَجْسِيداً لأَمْرِ الله، فهو وإن كان لا يدري بالخواتم إنما عليه أن يحرص على حسن الطاعة الله في سره وجهره ويتكل على الله في إحسان خاتمته.
وكذلك في أَمْرِ دنياه يجب عليه أن يَتَّقِي شُرُورها بتفادي أسبابها ويجتلب خيرها بالتعرض لأسبابه، فليس له أن يهمل أسباب هذه الحياة بل عليه أن يتداوى من سقمه وإن كان يعلم أن الدواء لا يدْفَع المَنُون فإن كان ذلك المَرَض سبباً لِوَفاته في علم الله وقضائه فإنَّه سَيَمُوت قطعاً بسببه وَلَن يَقِف العلاج حَائِلاً بَينه وبين المَوْت، وكذلك إن كَانَ مَقْضِيّاً بأن يتضَرَّرَ بِشيءٍ فلا بد من أن يتضرر به ولَكِن يأخُذُ بالأسباب فيَدْفَع الضرر بِقَدْرِ المُسْتَطَاع وقد يُصَادِفُ الإنسان خَطَراً في طَرِيقِه فعليه أن لا يقول: «إن كان هذا الخَطَر مَقْضِيّاً أن يُصِيبَنِي فَلا بد من أن يُصِيبَنِي وأنا لا أُخْتَرِزُ منه»، بل عليه أن يَحْتَرِزَ مِنه وعليه أن يأخُذَ في كل أمرٍ بأسباب السلامة، فليس له إن رأى سيارة مقبلة أن يتعرض لها، ويقول: «لا أُبَالِي لأَنَّ المُقَدَّر كَائن» وإِنَّمَا عليه أن يَحْتَرِز ويَبْتَعِد عن الاصطدام بها، كذلك عندما يرى سَبْعاً مُقبِلا نَحوه عليه أن يَحْتَرِزَ ويَبْتَعِد مِنْه وأن يأْخُذَ بأسباب الدّفاع عَن نَفسه، ولا يَقُولُ بأنَّه لا بد مِن أن يُصِيبَنِي مَا كُتِبَ عَلَيّ، فإنَّ القضاء أَمْر والأخذ بالأَسْبَاب أَمرٌ آخر لا بُدَّ منه فالقضاء أمرٌ غَيْبِيُّ والأخذ بالأسباب أمرٌ تَكْلِيفِي لا بد منه، والله أعلم. (2/7)
صفحة 455
8
الفتاوى العقيدة
ما قولكم فيما يعتذر به بعض الناس عندما ينصحون بعدم السرعة من أن الشوارع مؤهلة للإسراع وكل شيء بقضاء وقدر؟
الذين يجيبون هذه الإجابة جهلة وإلا فمن رمى نفسه من جبل ومن شرب سماً
ومن رمى نفسه في بئر كل هؤلاء لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم، وكلُّ ما يَجْرِي في هذا الكون إنَّما يَجْرِي بِتدْبِيرِ مِنَ الله الذي أَوْجَدَ الأسباب واقْتَضَتْ حِكمتُه أَن تَكونَ مُفْضِيَةً إِلى مُسَبَّبَاتِها، فالإنسان عليه أن يَأخُذَ بأسباب الخير وأن يَدَعَ أَسبابَ الشر، فلو كان هذا الذي يَقُولُونَه عُذرا لهم في الإسراع لكان أيضاً في ذلك عُذر لِمَن رَمَى نفْسَه مِن شاهِق أو في بئر أو مَن شَربَ سما أو أَطْلَق على نفسه الرصاص أو فَعَلَ أيَّ شيءٍ هذا القبيل، لأنَّ كلَّ ذلك إنَّما تَكونُ الإصابة فيه بِقَدَرٍ مِن الله تعالى، فلَن يُصِيبَ أحدا إلا ما كَتَبَه الله - تعالى - لَه، ولكنَّ الله - تعالى - أَوْجَدَ العقول في البَشَر، وجَعَلَ الإنسانَ أَمِيناً على نفسه: {بَلِ الْإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) القيامة: 14] فهو مأمورٌ أن يَتَّقِيَ كلَّ ما يُؤدِّي به إلى الهلاك، وكلَّ ما يُؤدِّي بِه إلى الضَّرَر، وليس هو أمينا على نفسه إن كان لا يُبَالِي بِأن يُورِدَهَا مَوارِدَ الهلاكِ والعَطَب، والله أعلم.
من
ما الفرق بين القضاء والقدر؟
قال كثير من العلماء إنَّ القضاء هو إيجاد الأشياء في اللوح إجمالا، والقدر هو إيجادها في المواد تفصيلا.
فالله تعالى قضى في اللوح المحفوظ كل ما وقع في هذا الكون، فحركاتنا وسكناتنا وأعمالنا وفرحنا وترحنا وكسبنا وعطائنا وكل ما يصدر منا وما يقع علينا إنَّما هو مقضي في اللوح المحفوظ، ووجود ذلك في اللوح المحفوظ القضاء، ولكن إيجاد ذلك في الحياة التي نعيشها هو القدر، ولذلك عَرَّف
هو (2/8)
صفحة 456
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
قطب الأئمة رحم الله القضاء والقدر تعريفاً مُبسطاً وابتدأ بالقدر فقال: القدر خلق الله الأجسام والأعراض، والقضاء إثبات ذلك في اللوح والله أعلم.
كيف يكون آخِرُ رمضان عِتْقاً من النار مع أنّ الله تعالى قَضى أَنْ مَن كان من أهل النار فَهُوَ في النار؟
بسبب
لا تبديل لكلمات الله تعالى ولا مُعَقِّبَ لِحُكمِه ولا رَادَّ لِقَضائِهِ، يَقولُ الله تعالى: {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ} [يونس: 64] ويَقُولُ: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَى وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 29] ولكن هذا لا يُنَافِي أن يَكتُبَ الله تعالى لأَحَدٍ نَجَاةٌ ما، فَهَذَا الذي يُعْتِقُهُ الله تعالى في شهر رمضان مِن النَّارِ عَلِمَ اللهُ أَنَّه سَيَصُومُ شهر رمضان إيمانا واحتسابا مُخْلِصاً في عمله لوجه الله ـ سبحانه ـ ومُتَنَصلا من ذنوبه تائبا منها فَيَكتُبُ الله تعالى له عِتْقاً من النار في مِيقَاتِ أنَّ الله عَلِم أنه سَيُعْتِقُه مِن النار، وهذا كَمَا يَكتُبُ الله تعالى لِعِبَادِهِ الأعمال التي يَعْمَلُونَها، وكما يَكتُب ـ أيضاً ـ الهَلَكَة لِمَن
مُعَيَّن مع
النَّجاة
بسبب
كَتَبَ عليه الهلاك بِسبب الأعمال التي يَعمَلُهَا، فَكَوْنُ كلّ شيء عندَ الله تعالى بِمِقْدار وكُلّ شيءٍ معلوماً ومُقَدَّراً تقديرا لا يُنَافِي أَن يَجْعَلَ الله تعالى للسعادة وللشَّقاوة أسباباً عندما يُمارِسُها الإنسان تُفْضِي بِه إِلى أَحَدِ الْأَمْرَيْن، فعندما يُمارس أسباب السعادَة تُفْضِي به إلى السعادة، وعندما يُمَارِسُ أسبابَ الشَّقَاوة تُفْضِي به إلى الشقاوة والعياذ بالله والله أعلم.
القضاء والقَدَر لُغَةٌ يَتحدّث بها مَن يقع في المخالفات الشرعية، فيماذا
يجاب على هؤلاء؟
كل شيء بقضاء وقدر، فلو قَتَلَ إنسان إنساناً فإنه لم يقتله إلا بقضاء وقدر، ولو زني الزاني - والعياذ بالله - فهو لم يَزْنِ إلا بقضاء وقدر، ولو (2/9)
صفحة 457
في
الفتاوى العقيدة
شَرِبَ أحد الخمر فإنه يَشربُها بقضاء وقدر، وآكل الربا إنما يأكله بقضاء وقدر، وكل معصية يرتكبها الإنسان يرتكبها بقضاء وقدر، لكن لا يعني ذلك إعفاء الإنسان عن مسؤوليته، فالله تعالى الذي خَلَقَ هذا الوجود هو خبير بكل ما يجري، وبكل ما سيقع في هذا الكون، لا تخفى عليه خافية الأرض ولا في السماء، فهو سبحانه يعلم طوايا النفوس قبل أن تُخلق، ويَعلَم الدوافع التي تدفعها إلى الخير والتي تدفعها إلى الشر، ويعلم مدى استجابتها للخير واستجابتها للشر، ولكن مع هذا كله فإنّ الله تعالى آتى الإنسان اختياراً، وكلُّ
أحدٍ يرى الفرق بين حركته الاختيارية والحركة الاضطرارية، فعندما يُحرّك يَده باختياره يَجِد أنّ تلك الحركة مخالفة للحركة التي تَقَعُ لليد اضطراراً كحركة الرَّعْشَة مثلاً، والإنسان مؤاخَذْ بِكَسْبِه، فالزاني - مثلاً - ليس مُعاقَباً بقضاء الله وقدره، وإِنَّما هو مُعَاقَبٌ بِكَسْبِه الزنا وقد كان کسبه باختياره بنفسه، وقد علم الله تعالى هذا الاختيار وهو في الأزل فلذلك
قضي
أنه
ذلك، لأنه سيقع عَلِم أن العاصي سيختار الشَّر على الخير وسيُؤْثِر هَوَى نفسه على طاعةِ ربِّه سبحانه فحَكَمَ الله تعالى بِما حَكَمَ به عليه في الأَزَل لا لأجل أنّه مُصَرَّفٌ كما هو الشأن في الميت الذي لا حِرَاك له وإنَّما هو مُتَصَرِّفُ بِاختياره، وقضاء الله - تعالى - وقَدَره جَرَى حَسْبَ علمه وعَل مِن اختيار هذا العبد، فليس للإنسان أن يَتَخَلَّصَ مِن أيَّةِ مسؤولية بدعوى قضاءِ الله ـ تعالى ـ وقدره، ولو كان الأمر كذلك لما بقيت مسؤولية على أي أحد، فلا تثريب على قاتل النفس أن يُقتَل ولا يلزم مَن سَرَقَ أَن تُقطَع يَدُه بِحَسب الحكم الشرعي وأن تُردَّ السرقة إلى أهلها، ولا يلزم أن يُؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر بل المفروض لو كانت المسؤولية على القضاء والقدر أن يُترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويُخَلَّى كلُّ أحدٍ يَرتكِب ما يَرتكِب لأنّ كل ما يجري إنَّما هو بقضاء وقدر، ولكن أنَّى يكون ذلك. ونحن نعلم (2/10)
صفحة 458
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
11
أنّ الله - تعالى - لا يُعصى بإكراه فإن عصاه العبد فإن تلك المعصية لا تكون خارجة عن إرادة الحق تعالى ولكن إرادته أن يُعْطِيَ النَّاسَ القدرة على الاكتساب وأن يُؤاخذهم بِما كَسَبوا ويُثيبهم على اكتسابهم الخير ويعاقبهم على اكتسابهم الشر والله - تعالى - المستعان، والله أعلم.
،
هل يمكن أن نصف الحالات التي نعيشها من فقر وغنى ونجاح وفشل أنها أقدار كتبت علينا أم أنها أقدار نكتبها بأيدينا؟
سبحان الله ما أعجب هذا السؤال وما أغرب هذا التفكير فمن الذي يغني
يريد
أو يسعد؟ ومن الذي يكتب لنفسه النجاح أو الفشل؟ أترون أن أحداً لنفسه الفقر أو الفشل أو المرض أو العقم أو البؤس أو الخمول، أو أن تلك بين عباده وهو أحكم الحاكمين!؟.
هي
قسمة الله
إن بعض الناس كثيراً ما تكون عندهم نوادر في الآراء والأفكار، وقد يطوعون آيات القرآن الكريم أو نصوص الحديث النبوي الشريف لما يعتمل في نفوسهم من أفكار وما ينقدح في أذهانهم من تصورات، سوءاً أمكن حملها على ما أرادوا أو تعذر، وقد يدفعهم أحياناً حبُّ الظهور إلى مخالفة الجمهور والخروج عن المشهور بناءاً على قاعدة: «خالف تعرف»، ومن ذلك أن أحد المفسرين المعاصرين فسر قول الله تعالى: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} [آل عمران: 129] بما معناه يغفر لمن يشاء المغفرة بسلوك الأسباب الموصلة إليها، ويعذب من يشاء العذاب بسلوك الأسباب المؤدية إليه، فجعل المشيئة مشيئة العبد في العذاب والمغفرة وسلبها عن الله تبارك وتعالى إذ جعل فاعل فعلها «يشاء» ضمير العبد المغفور له أو المعذب.
وقد وجه إليه - إبان تأليفه هذا التفسير - شيخنا العلامة إبراهيم بن سعيد العبري رسالة حافلة بالأدلة المقنعة بيَّن له فيها أن النصوص القرآنية (2/11)
صفحة 459
12
الفتاوى العقيدة
لا تطاوعه على هذا التفسير، لأنه لا يمكن أن يُجعل فاعل يشاء في هذه الآية ضميراً راجعاً إلى العبد المغفور له أو المعذب مع أن فاعل المشيئة في نصوص كثيرة مشابهة لا يمكن أن يكون غير الله من ذلك قول الله تعالى: يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَنَا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَنَا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرُ} [الشورى 49 - 50].
فهل من شاء الإناث يوهب الإناث ومن شاء الذكور يوهب الذكور، وهل من أحد يشاء بنفسه أن يكون عقيماً، ولئن قدرنا هناك من يشاء بنفسه أن يكون عقيماً فهل هذه المشيئة يتفاعل الواقع معها، فيكون الذي يختار العقم بنفسه عقيماً، والذي يريد لنفسه الذكور يوهب الذكور، والذي يريد الإناث يوهب الإناث والذي يشاء الذكران والإناث يوهب الذكران والإناث معاً وذلك أن يوهب كما يشاء، أو أن ذلك كله راجع إلى مشيئة الله.
معاً
وسرد له غالب آيات المشيئة، ومنها الآيات التي فيها خطاب الله تبارك وتعالى، وإسناد المشيئة إليه كقوله:
قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن نَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]
أوليس في وإلا فكيف يتصرف في هذه الآيات بحسب الهوى فتجعل المشيئة تارةً لله وتارةً للعبد وهل يعقل أن أحدا مهما كانت شقاوته يشاء لنفسه العذاب ولكن شهوته هي التي تدفعه إلى ارتكاب الأعمال التي تؤدي به إلى العذاب، وما أشبه هذا السؤال وما ينم عنه من تفكير سائله بما ذكرته من هذا التفسير الشاذ المصادم للنصوص والعقل والله أعلم.
هذا ما يكفي دليلاً على أن مشيئة المغفرة والعذاب لله وحده (2/12)
صفحة 460
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
13
إذا كان الله عالماً بما سيصدر من العبد، فلم كان هناك إرسال الرسل، والأمر بالدعوة إلى غير ذلك من أسباب هداية الشخص، مع علم الله الله بأن تلك الأسباب لن تهدي ذلك الشخص؟ إن الله تعالى أرسل رسله وأنزل كتبه ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيَّ عن بينة فالحجة تقوم بإرسال الرسل وبإنزال الكتب، فمن أعرض عما أنزل الله من ذكر بعد قيام الحجة عليه ووضوح المحجة له فقد سلك سبيل الغواية بنفسه فلا يلومن إلا نفسه إن أفضى به عناده إلى هلكته، حتى لا تكون هناك حجة لأي أحد على الله وعل.
فَلِلَّهِ الْحَجَّةُ الْبَلِغَةُ) [الأنعام: 149] وحتى يقطع عذر كل جاحد ومعاند لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُ بَعدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] على أن رسالة هؤلاء المرسلين وحجة هذه الكتب اهتدى بهما كثير من الذين كانوا على ضلالة، ثم إن الله تبارك وتعالى أراد أن يرسم طريقة لعباده في الدعوة إليه، فقد أمر رسوله بإبلاغ جميع الناس الدعوة، مع علمه الله أن كثيراً من الذين يدعونه لا يؤمنون، كما قال سبحانه: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [يس: 7] وقال فيهم: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ وَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [يس: 10] وقال فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ وَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] ولكن مع ذلك لم يحرمهم الله الا الله دون سائر الناس عن هداية البيان التي تقوم بها الحجة عليهم، ولم يأمر رسوله أن يتجاوزهم في الدعوة وأن يخص بها غيرهم، وإنما شملتهم الدعوة مع غيرهم لأسباب منها: أن تقوم الحجة عليهم فلا يكون لهم عذر في تركهم اتباع الحق، ومنها رسم منهج الدعوة إلى الله تعالى للعباد، فالداعي إلى الله عليه أن يبلغ دعوته إلى الناس، ولا يبالي أقبلوا ما يدعوهم إليه أم رفضوا، أما إن أخذ على نفسه أن يهدي الناس إلى الحق ويزحزحهم عن الباطل فسينتهي به عمله إلى طريق (2/13)
صفحة 461
14
الفتاوى العقيدة
مسدود، وعندئذ تنقلب النتيجة عكسية، عندما يصطدم بإعراض الناس عما يدعوهم إليه.
أن
فلا يعني أمر الله الله الرسل أن يبلغوا رسالاته إلى الناس أن عليهم يهدوا قلوبهم ويحولوا حياتهم من الشر إلى الخير ومن الشقاء إلى السعادة، وإنما يعني ذلك أن يعرفوهم بالله وما له عليهم من حق الإيمان والطاعة، هذا ما سبق في علمه سبحانه بأن كثيراً منهم لا يسلمون ولا يصح أن يعد ذلك من العبث، تعالى الله عن العبث والله أعلم.
مع
يقول الله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ} [الرعد: 39] فهل هناك سبب يغير به الله ما قضاه في الأزل؟
أما ما قضى في الأزل فلا، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [الرعد: 31] وقوله: {لَا نَبِدِيلَ لِكَلِمَتِ اللهِ} [يونس: 64] ويقول سبحانه: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَى وَمَا أَنَا بِظَلَمٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 29) فالتبديل مستحيل على الله، ولكن قدر الله تعالى في اللوح أموراً مطلقة اختباراً لملائكته، وهي في علمه سبحانه مقيدة بأمر يعلم الله عدم وقوعه، وعندما يأتي المقدور قد يتبادر بادي الأمر أن الواقع كان بخلاف ما هو مكتوب في اللوح، وقد يُؤدي ذلك إلى تساؤل الملائكة حتى يكشف الله تبارك وتعالى لهم ما هم جاهلوه، فعلى سبيل المثال يقول العلماء «قد يكتب الله تعالى بأن فلاناً يعيش مدة كذا ولكن في علم الله أن عيشه هذه المدة مقيد بما إن لم يفعل كذا، فإن فعل كذا فسوف يعيش مدة أخرى فوق ما هو مكتوب، وقد علم الله أنه سيفعل ذلك، ففي علم الله أن عمره سيطول أكثر مما هو مكتوب وهذا مجرد تمثيل فقط، ولا يلزم وقوع ذلك، وهذا مبني على أن المقصود بالمحو هنا هو المحو من اللوح المحفوظ.
ومن العلماء من يرى أن المقصود به أنه يمحو ما يشاء من الآيات التي (2/14)
صفحة 462
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
15
يبعث بها رسله ويثبت ما يشاء منها، بحيث إن الرسول قد يقرن بمعجزة من المعجزات وعندما ينتهي أمَدَ هذه الرسالة تمتحي تلك المعجزة بانتهاء أثرها، ثم تأتي معجزة أخرى عندما يبعث الله رسولا آخر فتتجدد المعجزات بتجدد الرسالات، وهكذا فآية موسى انتهت بانتهاء وقته وقد كانت آيته العصا ثم أرسل الله تبارك وتعالى رسولاً آخر وهو عيسى وقرنه بآيات أخرى كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، فالله يمحو ما يشاء من هذه الآيات ويثبت وقيل: يمحو الله ما يشاء ويثبت من الأحكام الشرعية وذلك بتناسخ الشرائع في رسالات الله حتى استقرت شريعة النبي صلى الله عليه وسلم على ما هي والله أن يصرف الأمر كما يشاء، أما المقضي في الأزل فلا مناص عن
عليه.
وقوعه ولا يأتي عليه من يحول دون وقوعه، وقيل يمحو الله ما يشاء من الفرائض والنوافل بنسخ أحكامها، ويثبت ما يشاء بإبقاء أحكامها، وقيل يمحو ما يشاء من القرون بإبادتها ويثبت ما يشاء بإنشائها، وقيل غير ذلك، والله أعلم.
نحن نعلم أن الإنسان يولد وقد كتب في علم الغيب جنسه وعمله وهل هو شقي أم سعيد وأجله ومصيره. فكيف نوفق بين إرادة الإنسان، وبين تدخل الله في أعماله، وموضع الإنسان بين كونه مخيراً أم مسيراً فيما يأتيه من أعمال؟
للإنسان إرادة، ويترتب عليها كسبه ومنه كل ما يأتيه وما يذره مما يعد طاعة أو معصية. وكل أحد يدرك الفرق ما بين الحركة الفطرية الاضطرارية في جسمه، وما بين الحركة الكسبية الاختيارية التي تنشأ عن إرادته. فالحركات الاضطرارية لا مناص للإنسان عنها. كنبضات القلب وخلجات الجسم والرعشة التي تكون بسبب برد أو خوف فكل ذلك لا يملك الإنسان دفعه أو منعه بوجه من الوجوه، أما الحركة الكسبية الاختيارية فإنه يقدم (2/15)
صفحة 463
16
الفتاوى العقيدة
عليها بدافع من نفسه، وهذا الدافع يُحس به لأنه أمر وجداني سواء كان غضباً أو شهوة، فالذي يقتل أحداً يحمل السلاح مختاراً ويفتك بالمقتول من غير إكراه ولا اضطرار، لأنه يدرك عندما يفعل ذلك أنه قادر على منع نفسه من هذا الفعل، والله الله عندما قضى في الأزل ما قضاه من أعمال الإنسان، علم ما سيصدر عن كل واحد بمجرد اختياره وقصده، فقضى أن يكون ذلك باختيار هذا الإنسان لا بإجبار من الله، ولكنه هو في الحقيقة مقضي عند الله، لأن الله تعالى علم أن ذلك سيكون ويستحيل أن يكون شيء على خلاف ما علمه الله، وبهذا يوفق ما بين كون الإنسان كتبت تصرفاته في الأزل، وبين كونه مخيراً في هذه التصرفات، والله أعلم
ما تعني الآية {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30]؟ تعنى الآية أن الإنسان لا يمكنه أن يحقق مشيئته بنفسه إلا أن تكون هناك مشيئة من الله تعالى تسند مشيئته فمشيئة العبد لو كانت بنفسها لما استطاعت أن تحقق شيئاً، فأنت ترى أن الإنسان قد يكون مصمماً على أمر ما ولكن تحول بينه وبين ما هو مصمم عليه حوائل، فلا يمكنه أن ينفذ إرادته وإن كان منه قاب قوسين أو أدنى، فما الذي يحول بينه وبين مراده؟، لا ريب أن ذلك راجع إلى أن مشيئة الله لا إلى مشيئة الإنسان والله أعلم.
ما المقصود بقولكم «إن إرادة الله فيما أمر به وليست فيما نهى عنه»؟ أنا لم أقل هذا ولم يكن هذا معتقدي أو قولي كذلك، وإنما ذكرت قول المعتزلة أن الله عندما يأمر بفعل الطاعات وينهى عن المعاصي، فإن إرادته هي وفق ما يقتضيه أمره ونهيه. أما جمهور الأمة فيقولون: إن إرادة الله تكون بحسب ما كان من طاعة أو معصية. إذ الله تبارك وتعالى لا يُعصى (2/16)
صفحة 464
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
17
مغلوباً، كما أنه تعالى لم يجبر العبد على المعصية. والقول بأن الإنسان يستقل بإيجاد فعله استقلالاً تاماً، وأن الله يريد منه الطاعة ولكن هو يفعل المعصية بخلاف مقتضى إرادة الله، فذلك يعني أن تكون إرادة الإنسان غالبة على إرادة الله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً والله أعلم.
نعلم أن الله قد كتب ما سوف يفعله الإنسان من خير أو شر لعلم الله تعالى بما سوف يقصده هذا الفاعل. لكن هل يقال بما أن الله تعالى قد كتب ما سوف يكون للإنسان أن يفعله بأنه لا بد أن الإنسان سوف يسلك هذا المكتوب لا غير؟ ألا هذا تسييراً لا تخييراً؟ يسمى
نعم، لا بد من أن يقع هذا الذي كتبه الله لأنه لو لم يقع لتبدل علم الله، تعالى الله عن ذلك، والله تعالى لا تبديل لكلماته، وعِلمَ الله لا يتغير بحال من الأحوال وإلا لجاز أن يتحول جهلاً، فما عَلِمَ اللهُ تعالى أنه سيصدر من أي أحد من خير أو شر لا بد من صدوره منه، ولكن علينا أن ندرك أن صدور ذلك منه لم يكن بإكراه بل هو بإرادته واختياره ولم يكن مدفوعاً إلى هذا الذي صدر عنه والله أعلم.
هل يصح قولنا إن الكافر يدخل النار لأن الله لم يهده؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فهل لنا أن نقول بأنه لا ذنب لهذا الكافر لدخوله النار، لأنه أصلاً لم ينل الهداية ليعبد ربه وبعدها يدخل الجنة؟
يقال إن الكافر يدخل النار لأنه عصى الله تعالى وكفر به فکفره هو السبب لدخوله النار، وكون الكفرُ مسبباً عن عدم هداية الله الله له، لا يعني ذلك أن عدم الهداية سبب لدخوله النار، لأن عدم الهداية راجع إلى الله، الله
ودخوله النار راجع إلى فعل نفسه، ففعل نفسه هو الذي سبب له دخول
6 (2/17)
صفحة 465
18
الفتاوى العقيدة 30
النار. ولا يصح أن يقال إن الكافر لا إثم عليه، لأنه اختار الكفر على الإيمان أنه لم يحرم من هداية البيان التي تقوم بها الحجة عليه وإنما حرم
بنفسه مع
هداية التوفيق والله أعلم.
ما معنى قوله تعالى: {مَا أَشْهَدتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} [الكهف: 51] واستشهاد من قال بأن الفعل غير المفعول أو عينه في هذه الآية والحق من ذلك؟
هذه الآية دليل على أن الفعل غير المفعول والقضاء غير المقضي والخلق غير المخلوق. فإن قوله تعالى: {مَا أَشْهَدتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} [الكهف: 51] يدل على أن هؤلاء الناس ما أشهدهم الله خلق أنفسهم، ولكن أشهدهم أنفسهم، فهم غير شاهدين على خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وإنما هم شاهدون على السموات والأرض وعلى أنفسهم، ولو كان الخلق هو عين المخلوق لكان الله تعالى قد أشهدهم خلقهم لأنه أشهدهم أنفسهم وكذلك السموات والأرض، فالخلق إذن غير المخلوق، وهذا ما تدل عليه الآية الكريمة، أما الذين قالوا بأن الخلق هو المخلوق نفسه فإنهم قالوا لو كان غير المخلوق لكان الخلق مفتقراً إلى خلق آخر لأنه حادث، والخلق الآخر يكون مفتقراً إلى خلق آخر أيضاً لأنه حادث وهكذا يتسلسل الخلق خلقاً بعد خلق إلى ما لا نهاية له، فقرروا فراراً من ذلك بأن الخلق هو المخلوق، وإنما يجاب عن ذلك بأن الخلق فعل يحدث بإحداث الله له ولا داعي إلى التسلسل في الخلق فإن كل فعل يحدث معه مفعوله ولا ريب كل أحد يدرك بأن الزجاجة هي غير صنعها، فالصنع هو فعل الفاعل بها والزجاجة حصلت بصنع صانعها وقد توقف فعله، ولكنها ظلت باقية بعده لأنها أثره والله أعلم. (2/18)
صفحة 466
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
19
السائل يقول: - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ} [الإنسان: 30] فإذا كان كل شيء جرى في الدنيا بمشيئة الله فلماذا يحاسبنا؟
الحساب إنما هو على أفعال العباد فالله تعالى يشاء وقوع المعصية مع کراهته لها، والإنسان نفسه قد يكره الشيء ويشاء وقوعه، فلو أراد أن يقيم الحجة على أحد من أتباعه الذين تلزمهم الطاعة أنه مخالف لأمره فمع کراهته لمخالفته قد يأمره أمام الناس بفعل أمر وهو يريد في ذلك الوقت ألا يفعله ليقيم الحجة عليه أنه مخالف لأمره، فالله تعالى يحاسبنا على أفعالنا التي كسبناها باختيارنا لا على مشيئته هو. وهو سبحانه الذي خلقها لنا ولم يخلقها إلا بمشيئته ولو كان خلقها بغير مشيئته لكان خلقها اضطراراً - تعالى الله عن ذلك - ولو لم يكن هناك خلق لكنا مستقلين بإيجاد الأشياء استقلالاً تاماً. ونحن نرى أفعالنا كلها تأتي بعد تهيئة الله تعالى الأسباب لها ونجد الأسباب بعضها آخذاً بحجزة بعض حتى تصل إلى مسببها وهو الإتيان بهذه الأعمال، فمثلاً لو أراد أن يقتل إنسان غيره فإن قتله له لا بد أن تسبقه أسباب تتسلسل حتى يتم له مراده، ومن جملة الأسباب وجود السلاح، والله تعالى يعلم أن هذا السلاح يوصل إلى القتل، ولكنه سبحانه هيأه له، إذ هيأ أولاً من يصنعه، كما هيأ المادة التي يصنع منها ثم هيأ وصول السلاح إلى القاتل، وبجانب ذلك هيأ الأسباب لأن يلتقي القاتل والمقتول في المكان الذي يتمكن فيه القاتل من المقتول فيقتله، وعندما يريد الإنسان ارتكاب مثل هذا الجرم وكان ذلك غير مراد الله سبحانه في الأزل فإنه لا يمكن أن يتهيأ له ما أراده إما بباعث من نفسه بحيث يحس بما يثنيه عن مراده، أو لانقطاع الأسباب التي توصله إلى ذلك الفعل، فقد يصرف الله ذلك الذي يريد قتله عن الحضور في المكان الذي يتهيأ له فيه قتله، وقد يكون السلاح عن الفتك فلا يقوى القاتل على تحقيق، مراده وهذه الأمور كلها تدل
عاطلاً (2/19)
صفحة 467
الفتاوى العقيدة
على أن الله تعالى هو الذي يهيئ الأسباب وتهيئة الأسباب إنما هي بمشيئته تعالى لأن أفعال الله تعالى لا تكون كرهاً ـ تعالى الله عن ذلك والله أعلم.
كيف تسنى لنا أن نسند فعل الخير إلى الله ونسند الشر إلى أنفسنا وإلى الشيطان، مع أن خالق الخير والشر هو الله؟
مع
أنه
نسند الخير إلى الله خلقاً لا كسباً، ونسند الشر إلى أنفسنا تنزيهاً وتقديساً لله وحل، لأننا اكتسبنا الشر، ونسنده إلى الشيطان لأن الشيطان هو الذي وسوس به لنا، أما أن نسند الشر إلى الله بمعنى أن هذا الشر قد كان كَسْبه من الله - تعالى الله عن ذلك فذلك غير جائز. والخلق نثبته الله إلا أننا علينا أن نتأدب مع الله، فالله تعالى خالق كل شيء، ولكنه عندما ندعوه لا نقول يا خالق الشر، كما لا نقول يا خالق الخنزير ويا خالق القردة ويا خالق القبائح، أو يا خالق الخمور أو يا خالق المعاصي، كل ذلك تأدباً مع الله، خالق كل شيء، وإنما يقال يا خالق الخير ويا إله الخير ويا خالق كل شيء فكونه خالق كل شيء هو عين الحقيقة التي أذنت الشريعة بأن يوصف الله بها على طريق الإجمال أما من حيث التفصيل فإن الحقيقة وإن كانت شاهدة على أنه خلق الشر كما خلق الخير وخلق القبائح كما خلق المحاسن إلا إن الشريعة منعت وصف الله تعالى بذلك تأدبا مع مقام الربوبية وهذا كما يمتنع فيما بين الناس التنابز بالألقاب ووصف بعضهم لبعض بما هم منطوون عليه من الدنايا الفطرية التي لا مناص لهم عنها كالانطواء على العورات وتلبيتهم للضرورات الطبعية بنحو إفرازهم الفضلات المعهودة من أجسادهم فإنه لا يعد من الأدب أن ينادي بعضهم بعضا بهذه الأوصاف ولو كان ذلك هو عين الحقيقة، وتتحتم مراعاة ذلك على الأولاد في خطابهم لوالديهم إذ لو أخذوا ينادونهم بمثل هذه الأوصاف لكان ذلك عقوقا منهم. (2/20)
صفحة 468
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
21
وهذا مثال لبيان وجه الافتراق بين الشريعة والحقيقة في هذا وإن كان يفرق بين أحوال العباد وشأن الله سبحانه بأن ما بالعباد إنما هو عيوب يبتغى سترها ونقائص لا مناص لهم عنها أما شأن الله سبحانه فكله كمال إذ لا يعد
في
خلقه للشر أو لدنايا الأمور نقيصة أو عيبا وإنما هو كمال وعظمة كما خلقه الخير وعظائم الأمور وإنما تنزيهه عن إضافتها إليه بالتفصيل لتجريد أسمائه سبحانه عن كل ما يشي بالقبح، كيف وقد وصفها الله بالحسنى في قوله: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] والله أعلم.
هل القدرة والمشيئة والإرادة كلمات مترادفة؟
لا. فالقدرة ضدها العجز، كما أن العلم ضده الجهل، وأما الإرادة والمشيئة فهما كلمتان مترادفتان على الصحيح، وإن فرق بعض الناس بينهما تفريقاً جزئياً بسيطاً، وضد الإرادة الإكراه، كأن يكره الإنسان على فعل شيء وهو
لا يريد فعله، والله تعالى لا يكون مكرهاً ـ تعالى الله عن ذلك ـ والله أعلم
انشق أبو الحسن الأشعري عن المعتزلة وخالفهم في عدة مسائل ومنها مسألة القدر، فهل يعتبر رأيه رأياً وسطاً؟
الاتفاق
ويتفق أيضاً
نعم، موقف أبي الحسن الأشعري في قضية خلق الأفعال يتفق تمام مع الأدلة الصريحة التي تدل على أن الله تعالى خالق لأفعال العباد، بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك وموقف سلف الأمة من المهاجرين مع والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من هذه القضية، وهو عين موقف أصحابنا منها وإن كانت له في العقيدة آراء غير مسلمة لمنافاتها الأدلة القاطعة كما أن أصحابه منهم من جنح إلى القول بالجبر في هذه القضية وهو باطل قطعا
والله أعلم. (2/21)
صفحة 469
22 الفتاوى العقيدة
لو فرضنا أن رجلاً يقود سيارة مع الالتزام التام بقوانين السير والمرور في ذلك الطريق، وفجأة اصطدم بسيارة عن طريق شخص آخر، هل نستطيع أن نصف ما حدث لذلك الرجل هو اكتساب لقدرة الله وكذا قيادة سيارته في ذلك الطريق أم قضاء مباشر من الله؟
لا نقول اكتساب لقدرة الله فقدرة الله لا تكتسب، وإنما يكتسب الفعل الذي يفعله العبد وهو كائن بقدرة الله وقدره كما قال تعالى (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]. فهذا الحدث كان بقضاء من الله، ولا يؤاخذ غير المتعمد بالخطأ وإنما يلزم في الخطأ الضمان في الأنفس والأموال سد الذرائع لئلا يتعمد الناس فعل شيء مما فيه ضرر بالغير ويلبسوا ذلك ثوب الخطأ والله أعلم.
لأجل
السائل يسأل ذكرت أن خلق الخير والشر ليس لتمييز الصالح من الطالح والخبيث من الطيب إذا فما معنى قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ يبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 22؟
الظاهر أن السائل ما فهم ما قلته أنا قلت بأن إرسال الرسل وإنزال الكتب ليس كما تقول الجهمية أنه لمجرد تعيين السعيد من الشقي، وإنما هو ابتلاء من الله وتكليف للعباد. وليس في ذلك تعيين للسعيد من الشقي، فإن السعادة والشقاوة أمرهما إلى الله وعل، والله يختم لمن يشاء بما يشاء والله أعلم
بماذا تفسرون أنه قد يقضي الله لإنسان أفنى حياته في عبادته وطاعته ثم يختم له بخاتمة سيئة فيكون من أصحاب النار أو العكس؟
نقول ذلك من مشيئة الله الله، وله أن يفعل ما يشاء، لا يُسأل عما يفعل
6
وهم يسألون، أما بالنسبة للصالح الذي يختم له بخاتمة سيئة: فقد يكون (2/22)
صفحة 470
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
23
السعادة
الله
ذلك عقوبة على انطوائه على شيء يعلمه الله في قرارة نفسه وإن لم يكن ذلك بادياً للعباد، وهذا الذي يختم الله له بالأعمال الصالحة ويجعله من أهل أنه يقضي عمره في الشر، قد يكون ذلك مجرد فضل من تعالى عليه، وقد يكون ذلك جزاء حسناً من الله له على خير فعله في حال عصيانه والله لا يظلم أحداً. والله أعلم.
مع
الله خالق الأفعال والإنسان مكتسبها، فهل اختيار الإنسان خَلَقَهُ الله بالنظر إلى أن الله عالم بما سيختاره الإنسان؟
نعم، اختيار العبد هو مخلوق الله لأن ذلك الترجيح الذي يقع في نفسه إنما هو بداع خلقه الله وأما ما وراء ذلك فسرّ ينتهي دونه طور العقل البشري
والله أعلم.
هل صحيح أن الله قد قدر كل ما سيفعله الإنسان في حياته؟ وأنه قدر له السعادة أو الشقاء؟ وإذا كان هذا صحيحاً فكيف سيكون الإنسان على
هذا النحو مخيراً؟
نعم
هذا
صحيح، فالله تعالى يعلم من سيكون من أهل الجنة من عباده
لاختياره العمل الصالح، ومن سيكون من أهل النار لاختياره العمل الطالح، فالسعادة والشقاء مقضيان عند الله بحسب ما علم الله من أفعال العباد، وهذا لا ينافي الاختيار، والإنسان يدرك بفطرته أن له اختياراً، فهناك فارق بين حركتيه الفطرية الاضطرارية والكسبية الاختيارية، فاختياره للأعمال الصالحة أو السيئة يكون من قبل نفسه، والكل معلوم الله تعالى والله أعلم.
هناك بعض الآيات القرآنية التي تدل على أن النار لا بد أن تكون جزاءً كقوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119] وهذا (2/23)
صفحة 471
24
الفتاوى العقيدة
يعني
أنه لا بد من وجود أناس يعصون باختيارهم أو بغير اختيارهم
فتكون النار جزائهم؟
يعصون باختيارهم لا بإلجاء إلى هذا العصيان والله أعلم.
ما الرد على من يقول إن النساء أطول عمرا من الرجال، أو أن بعض التصرفات كالضحك مثلا يطيل العمر؟
الله تعالى يُعَمِّر من يشاء من النساء والرجال، وقد تكون النساء غير معرضات لما يتعرض له الرجال فتكون نسبة المعمرات منهن أكثر، وقد يقع العكس وكل ذلك بمشيئة الله، وأما كون الضحك يطيل العمر فذلك بمشيئة الله فكم من مرح وهو في حالة مرحه يموت وكم من عابس حزين ينسأ له في عمره والله أعلم.
إذا كان الإنسان يعلم أنه عند فعله لعمل ما كالسرقة مثلاً فإنه سيجد العقاب، فهل يعد بذلك الإنسان مخيراً؟! فعل الإنسان له جانبان جانب هو مخير فيه وهو اختياره ما يريد أن يفعله من خير وشر، والجانب الآخر هو تمام ذلك الفعل وهذا أمره إلى الله عز وجل فالحاجز النفسي الذي يردعه عن فعل المعصية وهو خوف العقاب هو بقدر الله وقد كان يكون العائق من تمام الفعل أمراً خارجياً والكل قدر إلهي والله أعلم.
ما رأيكم في القول عند حصول بعض الحوادث: إنها حدثت صدفة؟ هي صدفة بالنظر إلى علم الإنسان المحدود القاصر الذي لا يحيط بكل شيء بل لا يعلم الا ظواهر الأمور وأما بالنظر إلى علم الله تعالى وقدره فذلك لم يحدث صدفة أبداً، فكل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس (2/24)
صفحة 472
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
25
وكل ما يحدث في هذا الكون إنما يحدث بقضاء وقدر، ولو كانت الأشياء تحدث بالصدف من غير أن يكون هناك دخل للقضاء والقدر لكان الله تعالى قد تخلى عن هذا الكون بعد خلقه، والأمر ليس كذلك فإنه لم يتخل عن شيء بعد خلقه والله أعلم.
كيف يكون الإنسان مخيراً في عمل قد قدره الله عليه من قبل خلقه؟ قدر الله تبارك وتعالى للإنسان قبل خلقه ما سيعمله، ولكن قدر الله تعالى كان ناشئاً عن علمه عزوجل باختيار الإنسان لأن الله عليم في الأزل بما سيختاره من خير أو شر وقد قضى عل بأنه سيحقق له الخير إن أراده بتوفيق الله له وقدر أيضاً أن هذا الإنسان سيكسب الشر ويميل إليه بطبعه من غير إكراه، اللهم إلا إذا أراد الله و أن يصرف الإنسان عن الشر فيحول بينه وبين ممارسته إياه بما يشاؤه من الأسباب لطفاً منه تعالى والله أعلم.
هل القضاء والقدر يصدق على الأعمال أم على الاعتقاد أيضاً وإذا كان يصدق على الاعتقاد فكيف يولد الإنسان موحداً؟
الفطرة التي يولد عليها الإنسان هي التوحيد ثم بعد ذلك عندما تنمو الأجواء التي ينشأ فيها يتأثر برغبات نفسه وتأثير
الملكات فيه وينشأ في الشيطان ـ والعياذ بالله وشياطين الإنس عليه فيُصَدَّ عن الفطرة إن لم يكن موفقاً للمضي قدماً في سبيلها والله أعلم.
قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. إن الله قادر على أن يكون الجميع في جنته، فهل هناك حكمة أو سبب في وجود أناس في الجنة وآخرين في النار؟ (2/25)
صفحة 473
26
الفتاوى العقيدة
النبي
أمر القدر هو سر من أسرار الله، وقد جاء فى بعض الروايات عن الأمر بالإمساك عند ذكر القدر (1)، فنحن لا نستطيع أن نكتنه حِكَمَ الله تعالى كما هي ولكن نعلم أن الله تبارك وتعالى أعطى الإنسان الاختيار وهداه النجدين كما قال: {إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] فما أصاب الإنسان من شر فإنما أصابه من نفسه وما أصابه من خير فهو بتوفيق الله تبارك وتعالى وبكسب نفسه أيضاً، حيث اختار بنفسه الخير ووفقه الله تعالى له فانقلاب قوم إلى الجنة وآخرين إلى النار أمر سبق في علم تعالى في الأزل واقتضته حكمته ولا نستطيع أن نخوض فيما لم يجعل الله تبارك وتعالى لنا الخوض فيه والله أعلم.
الله
ما دام كل شيء بقضاء الله وقدره حتى العجز فهل الإنسان محاسب على ما يترتب على عجزه؟ هناك فرق ما بين عجز وعجز؛ عجز هو تكاسل عن فعل الخير مع وجود الطاقات في النفس، فهذا يحاسب عليه الإنسان أما العجز الذي عدم القدرة والاستطاعة أصلاً فلا يحاسب عليه والله أعلم.
هو
إذا سألني شخص وقال لي: إذا كان الله قد كتب علي الشقاء فَلِمَ يعذبني؟ كيف يمكن الرد على هذا التساؤل؟!
الرد عليه بأن يقال له: إنما يعذبك بعملك الشر وكسبك الإثم فهو يعذبك على عملك ولا يعذبك على علمه ولا على قضائه وقدره وإنما على مقضيه ومقدوره وهو عملك والله أعلم.
(1) رواه الطبراني. انظر مجمع الزوائد (11851). (2/26)
صفحة 474
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
27
إذا سأل شخص آخر وقال: هل ستأتي معنا؟ فيقول المسؤول: إن شاء
الله، يمكن. فما قولكم في جواب المسؤول؟!
نعم، يعني إن شاء الله أن يقع هذا الشيء مني سيقع، أي إن شاء الله أن آتيك فسآتيك، وإن شاء الله عدم مجيئي فلن آتيك فكل شيء معلق بمشيئة
الله والله أعلم.
ندرس في الجغرافيا البشرية أن متوسط الأعمار في الدول الفقيرة منخفض مقارنة بالدول الغنية أو المتقدمة، ونحن نؤمن أن الأعمار بيد الله .. فهل قاعدة متوسط الأعمار مخالفة لتعاليم الإسلام؟
جعل الله الله الأمور مرتبطة بأسبابها، ولكن ذلك هي مقدرة تقديرا، لأن الله إذا أراد أمرا هيأ، أسبابه وهذه الأسباب ليست مؤدية إلى مسبباتها بطبيعتها، بل لأن الله له الا الله جعلها أسباباً وأذن لها بأن تؤدي إلى مسبباتها، وعليه فلا مانع من أن تكون هناك أسباب لطول العمر وأسباب لقصر العمر، ولكنها أسباب غير مطردة، فإن الدول المتقدمة قد يوجد فيها قصار العمر، بل يوجد فيها من لا يعيش إلا لحظات ويوجد فيها من يعيش أياماً، ومن يعيش شهورا، ومن يعيش أعواما، والدول النامية قد يوجد فيها المعمرون الذين يعيشون عمراً مديداً، وهذا لا ينافي أن تكون هناك أسباب لطول العمر وقصره، ولكن مع ذلك فإن إرادة مسبب الأسباب فوق تلك الأسباب والله أعلم.
يقال: إن الإنسان مسير ومخير فهل الهداية إلى طريق الحق والتوبة هي من الإنسان نفسه، أم أن الله جعل له الهداية وقدر له السير في طريق الصواب رغم كل التيارات الدنيوية والشيطانية، ولقد قال تعالى في (2/27)
صفحة 475
28
الفتاوى العقيدة
كتابه العزيز {أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] فهل دخول الإنسان الجنة أو النار بقدرة الله أم لا؟! نرجو ألا تعتبروه سؤالا ليس في محله أو أنه سؤال غير مناسب؟
الله عندما خلق هذا الكون لم يتخلَ عنه، ولم يتركه تحت تصريف غيره، بل كل ما يجري فيه إنما هو بقضاء وقدر، والله الله هو المقدر، فلا تتحرك ذرة إلا بقدر سابق من الله، ولكن الطريق في معرفة الصواب في هذا طريق شائك، ولذلك تورطت في هذا الأمر طائفتان طائفة أفرطت وأخرى فَرَّطت، فالطائفة المُفرطة هي التي نسبت كل شيء إلى الله الله، ولم تجعل
هي
6
للعبد كسبا لأعماله، وقالت إن الإنسان كالخيط في الهواء تحركه الرياح حيث شاءت، والمفرطة التي قالت: إن الإنسان يستقل بإيجاد أفعاله استقلالا تاما من غير حاجة إلى تدخل القدر فيما يفعل أو يترك، فالإنسان ـ بناءاً على معتقدهم ـ خالق لأفعاله، والله الله لا تتعلق له إرادة بفعل العبد، وعليه فقد جعلته تعالى عاجزاً عن رد ما يكره وإن لم تكن صرحت بذلك تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ـ والذي دفعهم إلى ذلك أنهم أرادوا تنزيه الله عن المعصية غير أنهم أخطأوا فجعلوا إرادة خلقه النافذة هي في أفعالهم دون إرادته، والطائفة الأولى فرّطت حيث قصرت في تنزيه الله، إذ نسبت
المعاصي إليه وهو منزه عن ذلك.
والمسلك السليم هو وسط ما بين مسلكي التفريط والإفراط، وهو اعتقاد أن كل ما يجري في هذا الكون هو بمشيئة الله، ولكن للإنسان كسب وإرادة واختيار كما قال تعالى {إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان 3] فالإنسان مخير بجانب كونه مسيرا، ويدرك الإنسان بفطرته وبعقله الفارق بين حركتيه الاختيارية والاضطرارية، فالرعشة التي تكون في جسمه بغير اختياره أو الحركة الفطرية التي تكون في بدنه كنبضات قلبه ليس للإنسان (2/28)
صفحة 476
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
29
فيها كسب، إذ لا يستطيع أن يوقف ذلك من تلقاء نفسه، والحركة التي يريدها فيأتيها باختياره هي من كسبه، ولا يمكن أن تكون الحركتان جميعا من باب واحد.
فإن قيل كيف تتعلق بالفعل الواحد الذي يفعله العبد إرادتان إرادة الخالق وإرادة المخلوق؟ فالجواب أن الله الا الله عليم بكل شيء قبل حدوث الأشياء، فهو في الأزل عليم بما سيكون كيف يكون، وقد علم الله الله اختيار كل عبد من عباده، فهو يعلم اختيار الطائع للطاعة واختيار العاصي للمعصية، وقد هيأ الله الا الله لكل منهما ما يختاره، فيكون خلق الفعل مع اختيار العبد له وتوجهه إليه، وقد قضى الله في الأزل ما يكون من فعل الطائع أو العاصي بحسب ما علم من اختيارهما، ومع ذلك قد يحول الله وعل بين العبد وما يختار، فقد يختار الإنسان المعصية ولكن الله الله اللطفه به يحول بينه وبين ارتكابها بموانع لا يريدها الإنسان، وأحيانا يريد الإنسان أن يأتي بالطاعة وتحول بينه وبين الإتيان بتلك الطاعة حواجز وموانع ولا ريب أن تلك الموانع عندما تكون خارجة عن كسب الإنسان لا تكون مانعاً من أن يكتب له أجر نيته فعل تلك الطاعة التي أرادها، فإن لكل امرئ ما نوى. فإذاً قدرة الله الله تتعلق بكل ما يكون وبكل كائن وقدر الله يتعلق بكل كائن فالله بقدرته وإرادته وقدره يدخل من يشاء الجنة ويدخل من يشاء، النار، ولا يعجز الله وعل شيء، والمقصود بالقدر هنا القدر المصحوب بالمقدور، وليس القدر الإلهي وحده هو السبب في استحقاق العبد دخول الجنة أو النار، بل المقدور ـ وهو فعل العبد ـ هو الأصل الذي يستحق به العبد المصير الذي يؤول إليه من الجنة أو النار والله أعلم.
6 (2/29)
صفحة 477
الفتاوى العقيدة
ما الفرق بين قدرة الله تعالى وعلمه؟ حيث التبست أذهان بعض الناس فظنوا أن علم الله الأزلي اقتضى حتمية مصير الإنسان للجنة كان أو النار، فمنهم من لج في المعاصي، ومنهم من سلك طريق العبادات، فيرون واقعون تحت قدرة جبرية لا يد لهم فيها؟
أنهم
أما الفرق بين قدرة الله تعالى وعلمه، فواضح فمدلول القدرة شيء ومدلول العلم شيء آخر، فالقدرة هي ضد العجز فالله بقدرته المطلقة يُوجد المعدوم ويُعدم الموجود، بحيث تنفعل له الأشياء انفعالاً تاماً، من غير بطء ولا عسر، أما علمه تعالى فهو انكشاف جميع المعلومات أو انكشاف الحقائق الله تعالى انكشافاً تاماً فهو ضد الجهل، وقد عَلِمَ الله سبحانه ما يختاره كل واحد من العباد ولذلك كتب الله تعالى ما كتب في سابق علمه بأن فلاناً من أهل الجنة أو من أهل النار بحسب اختيار كل أحد لنفسه الخير أو الشر وموته على ما اختار لأنه علم الذي هو من أهل الجنة أنه سيختار الخير ويموت عليه، وأن الذي هو من أهل النار سيختار الشر ويموت عليه والعياذ بالله، فلم يكن في ذلك شيء من الجبر. ـ
والإنسان بنفسه يدرك الفارق ما بين حركتيه الحركة الفطرية الاضطرارية والحركة الكسبية الاختيارية، فالإنسان تعتريه الرعشة فلا يستطيع أن يمتنع عن الارتعاش، وكذلك دقات قلبه لا يستطيع أن يوقفها ويمنعها عن قلبه، وكذلك لا يستطيع منع نبضات العروق النابضة في جسمه، فكل حركة اضطرارية فيه لا يمكنه أن يمنعها، ولكن بجانب ذلك يتحرك بنفسه حركات اختيارية، فيرفع يده إذا أراد، ويضعها إذا أراد، ويتناول الشيء الذي يريده، فهو يشرب الماء، ويتناول الغذاء متى أرادهما ويسعى بقدميه إلى حيث يريد
ويشيح بوجهه ويصرف نظره إلى حيث أراد. (2/30)
صفحة 478
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
31
من
الله
والإنسان يشعر أن هنالك فارقاً ما بين فعله الذي يضطر إليه اضطراراً بحيث لا يكون له فيه كسب وبين الفعل الذي يكسبه باختياره، فالفعل الذي له فيه كسب إنما يخلقه الله له عندما يريد أن يكتسبه، فالخلق والكسب من العبد وكسب العبد هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، وخلق الله سبحانه تعالى الفعل لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، لأن الإنسان غير مجبور على ما اكتسبه والله أعلم.
الذي يُسرع في سوق السيارة حتى يؤدي به الإسراع إلى حادث يقضي على حياته هل هذا من جملة الأشياء المقضية؟
نعم، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس)، فما من شيء إلا وهو مقضي عند الله، فالله خلق أفعالنا، وإنما نحن نكتسبها، وقد أعطى الله الإنسان إرادة وقدرة، والإنسان بعقله يفرّق ما بين حركتيه الاختيارية والاضطرارية فعندما تعتريه رعشة لا يستطيع أن يدفعها عن نفسه، لكنه في المقابل يملك إرادة في أن يضع يده هنا أو يضع قدمه هناك، فهو يتصرف في ذلك وفق مقتضيات إرادته ويتحرك كما تملي عليه، رغبته وهذه الحركة التي يتحركها هي حركة اختيارية وليست حركة اضطرارية، إلا أنها مع ذلك مقضية عند الله فلا مناص للإنسان عنها، وإنما قضاها الله بحسب ما عَلِمَ من اختيار الإنسان نفسه، فالسكران الذي يسكر ذنبه مقضي، وقد علم الله الله أنه يسكر، ومكتوب في الأزل بأن هذا الإنسان يكون من السكارى، والذي يموت قاتلاً نفسه كأن يئد نفسه بحديدة، أو يتحسى سماً عمله معلوم عند الله، ولكن مع ذلك هو مؤاخذ به، لأنه اكتسبه، فالإنسان
مؤاخذ بفعله الذي يفعله باختياره لا بخلق الله الله لأفعاله.
(1) رواه الإمام الربيع (72). (2/31)
صفحة 479
32
الفتاوى العقيدة
ومن هنا نقول: إن الإنسان منهي عن الإسراع في السير لأنه مظنة الهلكة وقد قال سبحانه: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء: (29) على أن هذه السرعة إما أن تؤدي به إما إلى قتل نفسه أو إلى قتل غيره وحسبك من أمرين أحلاهما مر. ذلك لأن المسرع لا تمكنه السيطرة على السيارة، وأحياناً ينفلت طفل فيقطع الطريق خصوصاً عندما تكون السرعة في الطرق الآهلة بالسكان، أو يخرج إنسان على غير قصد، أو تخرج سيارة أخرى من غير أن يُحس سائق تلك السيارة بأن سيارة آتية من بعيد بسرعة، لأنه لا يرى في القرب شبح سيارة. وهذا كله يدعو الإنسان إلى أن يفكر ويحاسب نفسه، وهو مؤاخذ بتعرضه للأسباب التي تؤدي به إلى الموت، فإن الله تعالى يقول: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 29 - 30] والله أعلم.
إن الله الله خلق الإنسان وقدّر له أعماله، فيقول قائل: كيف يحاسب الله الله الإنسان بعد أن قدّر له أعماله وهو يعلم ما ينوي على فعله؟
ومنهم
انقسم الناس في هذه القضية إلى ثلاثة أقسام: منهم من أفرط من فرط ومنهم من اعتدل. أما من أفرط فقد حرص على تنزيه الله ولكن تجاوز حدود الاعتدال حتى وقع في العكس، إذ حاول أن ينزه الله فانقلب إلى ضد ذلك وهم المعتزلة، الذين قالوا بأن كل ما يعمله الإنسان ليس مقضياً عند الله، وإنما يعمل الإنسان ما يعمل باختيار بنفسه من غير أن يكون لله قضاء وقدر في ذلك الأمر، فليس هنالك قدر هؤلاء أرادوا أن ينزهوا الله عن المعصية، ولكن وقعوا فيما هو أشد، إذ سلبوا الله نفاذ الإرادة والقدرة. والفئة الأخرى - وهي التي تسمى بالجبرية وهم أصحاب جهم بن صفوان - قالوا إن الله الا الله هو الذي يفعل كل شيء، والعبد لا يفعل شيئاً، (2/32)
صفحة 480
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
33
فالعبد مثله عندما يواقع المعصية أو يأتي بالطاعة كالخيط في الهواء تقلبه الرياح، في حين أن الإنسان يدرك بفطرته أن هناك فرقا ما الأعمال بين التي يأتيها اختياراً، والأعمال التي يضطر إليها، فهو يتحرك مختاراً ويتحرك مضطراً ولكن ما بين الحركتين الاختيارية والاضطرارية فرق واضح، فحركة الرعشة التي تحدث لليد أو أي عضو تحدث بدون إرادة، ومثلها نبضات قلبه وخلجات جسمه، ولكن حركته عندما يريد أن يتناول شيئاً حركة مصحوبة بإرادة وناشئة عن اختيار فشتان ما بين الحركتين والله الله لا يعاقب على القدر الذي هو فعله ولكنه يعاقب على المقدور، الذي هو فعل العبد، لأن العبد فعل ما فعل من اختياره ولم يفعل ذلك جبراًاء والله عليم منذ الأزل بالذي سيختاره الإنسان هل سيختار الخير أو سيختار الشر؟ وقد جرى القلم بحسب ما علم الله الا الله من اختيار العبد، فقد يختار الإنسان بادئ ذي بدئ مسلك الحق ويستمر عليه طويلاً، والله عالم بأنه لا يموت على ذلك بل يموت شقياً، وأنه سيختار آخر العمر معصية الله، فيكون في علم الله من الأشقياء، وكذلك قد يعمل الإنسان عملا سيئا يعد من كبائر الإثم، وقد يكون ملحداً لا يدين بشيء من الأديان، ومع ذلك فهو في علم الله من السعداء، لأن الله الا الله علم بأنه سيختار آخر ما يختار نهج الحق، وسيسلك الصراط المستقيم ويستمسك بالدين القويم فالله لا يؤاخذ الناس بقدره، ولكنه يؤاخذهم بما هو مقدور - أي ما يصدر منهم - والله أعلم.
هل القدر هو فعل العبد واختياره وخلق الله تعالى للفعل؟ وهل يقال مشيئة العبد من مشيئة الله تعالى؟
القدر خلق الله الأجسام والأعراض، والقضاء هو إثباتهما في اللوح،
ومشيئة الإنسان منوطة بمشيئة الله وليست عينها، والله أعلم. (2/33)
صفحة 481
34
لي
الفتاوى العقيدة
تسأل فتاة فتقول إن الله تعالى خلقها معوقة في رِجْلَيْهَا، ولكن بعض إخوتها أو بعض الذين يكونون حولَها يُعَيّرُونَهَا بِإِعَاقَتِها ويقولون إِنَّ الله كان يعلم أنَّك لو خُلِقْتِ سليمة ستكونين جائرة في الأرض، فتريد
نصيحة.
بِئْسَ ما يَقُولُون، فهذا الكلام لا يَصْدُرُ إلا عن جهل وعَنْجَهِيَّة وعَدَم فهم للواقع، وعدم معرفة بحكمة الله تعالى، فإنَّ الله - تعالى - يَبْتَلِي مَن يشاء مِن عِبَاده بما يشاء من البلاء، وأعظم النَّاس بلاءاً الأنبياء ثم الذين يَلُونَهُم ثُم الذين يَلُونَهم، وإنَّما البلايا تتنوع، فقد يُبْتَلَى الإنسان بِمُصِيبَة فِي بَدَنِه، وقد يُبْتَلَى بِمُصِيبَة فِي مَاله، وقد يُبتَلَى بِمصيبة فِي عِرْضِه، وقد يُبتلى بمصيبة في أهله وذُرِّيتِه، وقد يُبتلى بمصيبة فِي عِزّهِ وَفِي شَرَفِه، فكل ذلك مِمَّا يَبتلي الله ـ تعالى ـ به من يشاء، وكل مصيبة تصيب الإنسان تَرفَعُ مِن قدره، وتُعْلِي شأنه عند الله عندما يَحْتَسب أجره عنده، ولا يجد في نفسه غَضَاصَة مِمَّا
من
أصابه.
ويجب على النَّاس أنْ يُخفِّفُوا عن أصحاب المصائب، لا أن يُضَاعِفوا المصائب عليهم بِجَعْلها سَبَبا للسخرية منهم والاستهزاء بهم، والاستخفاف بأقدارهم، والتنكيت عليهم، فإنَّ هذا شأن الجهلة الذين لا يُفَرِّقُون بين الضَّبِّ والنُّونِ، ولا بين التَّمْرَة والجَمْرَة، وعلى العاقل أن يترفع عن مثل هذا التصرُّف، وأن يكون حَلِيما في تَصَرُّفه، وَدُوداً إلى النَّاس، يُحب لهم الخير، ويَسْتَعْطِف النَّاس بأخلاقه وبحُسن معاملته، ويتلَطَّف بالضعفاء كما كان ذلك شأن الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ وكان ذلك شَأْن السَّلَف الصالح، فَهَذه المعاملة من الآباء والأمهات أحيانا، ومن الإخوة والأخوات أحيانا أخرى، ومن المجتمع في بعض الأحيان في حَقِّ المصابين إنَّما تدلُّ على تَحَجر العقول وعدم الإدراك لحكمة الله تعالى وإلا فما على الإنسان
من (2/34)
صفحة 482
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
35
إلَّا أَنْ يَشكر الله - تعالى - على نعمة العافية إن كان مُعَافَى، كما أنَّ على المُبْتَلَى أن يصبر على البلاء إن كان مُبْتَلَى؛ والله تعالى يُؤْتِي فضلَه مَن يشاء
والله أعلم.
جاء في كتاب «بأنه إذا تمّ أمر لإنسان فهو قضاء وقدر لا يمكنه أن يدعو من أجل إصلاحه، فإذا انكسرت يد الإنسان فإنه لا يصح له أن يدعو الله ـ تعالى ـ ليبرئها، نظرا لأنّ ذلك قضاء وقدر وقد فات أمره وانتهي منه»، ما رأيكم في هذا الكلام؟
لا ريب أنّ كل شيء بقضاء وقدر، كما دلّ على ذلك حديث الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، ذلك لأنّ الله تعالى الذي خلق هذا الوجود هو الذي يُصرّفه، فما يحدث في هذا الوجود إنما يحدث بقضاء وقدر من الله تعالى.
والفرق بين القضاء والقدر أنّ القضاء - كما يُفسّر ذلك بعض العلماء - هو إيجاد الأشياء في اللوح المحفوظ إجمالا، والقدر إيجادها في المواد تفصيلا؛ وفي هذا يقول قطب الأئمة رحمه لله: «القدَر خَلْق الأجسام والأعراض، والقضاء إثبات ذلك في اللوح»؛ ومؤدى ذلك واحد.
وقدره
ولكن لا يعني هذا أنّ الإنسان لا يطلب من ربه جل وعلا أن يدفع البلاء، وأن يكشف الضراء، وأن يأتى بالسراء؛ ولو كان قضاء الله يقتضي الاستسلام المطلق من الإنسان لما يجري من غير أن يحاول إصلاح ما فسد، أو يحاول معالجة مرض، أو يحاول تقويم ما اعوج، لأدى ذلك إلى فساد نظام الكون بأسره، ولكن الإنسان - وإن كان يصاب بأنواع البلايا بقضاء وقدر من الله - فإنه يعمل جهد المستطاع من أجل دفع الضراء عنه وتحقيق السراء له، فلربما كان دعاء الإنسان سببا لتحقق القدر السعيد له، (2/35)
صفحة 483
36
الفتاوى العقيدة
ولربما كان امتناع الإنسان عن دعاء الله تعالى سببا لنزول البلاء به، فعلى الإنسان أن يسعى، وأنتم تعلمون أنّ الله تعالى هو عليم بأهل الجنة وبأهل النار، ومن علمه الله أنه من أهل الجنة لن يتحول ويكون من أهل النار، ومن علمه أنه من أهل النار فلن يتحول ويكون من أهل الجنة، ولكن مع ذلك على الإنسان يدعو ربه أن يجيره من النار وأن يغفر له خطاياه ويدخله الجنة، فقد أمرنا الله بالدعاء وحثنا عليه وذكر عن المرسلين أنهم يدعونه رغبا ورهبا، وحكى عن عبده إبراهيم أنه قال: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِينِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82] وكذلك نجد أنّ الله يُعلّم عباده في كتابه العزيز أن عوه ويُعلّم نبيه أن يدعوه بالخير وأن يصرف عنه الشر، من ذلك قوله سبحانه تعليما له وهو تعليم لجميع المسلمين: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِي مِن لَّدُنكَ سُلْطَنَا نَصِيرًا وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء 80 - 81] فما معنى هذا الدعاء إن كان قضاء
يدعوه
الله - تعالى - وقدره يقتضيان ألّا يسعى الإنسان في إصلاح أمره؟!. وما معنى ذهاب الإنسان إلى الطبيب من أجل طلب العلاج منه مع أنّ ما قضي لا بد من أن يقع عليه؟! ذلك إنما هو تحرك للإنسان في عالم الواقع بحسب ما جعل الله - تعالى - في هذا الكون من نواميس وسنن، ولا يتنافى ذلك مع قضاء الله ـ تعالى ـ وقدره. وقد أمرنا الله تعالى أن نتجه إليه بالعبادات وأن نحذر من الوقوع في محظوراته رغبة وطمعا في حسن ثوابه وحذرا وإشفاقا من التعرض لعقابه أنه تعالى يعلم مصير كل أحد إلى الجنة أو إلى النار والأعمال بخواتيمها مع وقد جعل الله كل أحد ميترا لما خُلق له، فلذلك على الإنسان أن يعمل الصالحات قدر، مستطاعه وأن يتجنّب السيئات وأن يحرص على كل ما يقربه إلى الله. (2/36)
صفحة 484
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
37
ولو كان الإيمان بالقضاء والقدر يقتضي ألّا يدعو الإنسان بالخير لم يكن هنالك معنى لأن يدعو الإنسان بالرحمة للأموات الصالحين، وبالرضا والمغفرة عنهم، فما معنى قولنا في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفي الصالحين من عباد الله تعالى: رضي الله - تعالى - عنهم»، «ورحمهم الله»، «وغفر الله - تعالى - لنا ولهم»؟! وقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَالإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ امَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10].
ونحن نرى أنّ الله - تعالى - يُعلّمنا الدعاء كثيرا في كتابه المحكم من ذلك قوله سبحانه {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَتِ لِأُولِي الْأَلْبَبِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَما وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْنَهُ، وَمَا لِلظَّلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ اللَّه رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَن أَنْ وَامِنُوا بِرَبِّكُمْ فَامَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَعَائِنَا مَا وَعَدَتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران: 190 - 194] وقوله تعالى:
((193)
رَبَّنَا لَا تُرغ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}
[آل عمران: 8] وقوله:
رَبَّنَا عَائِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
[البقرة: 201].
وقوله رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ
لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَسْنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ} [البقرة: 286]. (2/37)
صفحة 485
38
الفتاوى العقيدة
هذا
أن نصر الله - تعالى - من جملة الأمور المقضية والمقدّرة؟! مع
فالدعاء إنما هو لجلب المصلحة ودفع المضرة، وقد يكون ذلك مقضيا ولكن الله - تعالى - جعل لكل شيئا سببا، وجعل من أسباب تحقق المصلحة للإنسان أن يدعو ربه تبارك وتعالى، ولذلك يقول الله تعالى {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].
فليَحْذَر الذين يتحدّثون عن هذه القضايا العَقَدية من الخوض فيها بدون
علم وبصيرة.
والناس الذين يعتقدون أنّ من أصيب بشيء ودعا الله ـ تعالى ـ أن يكشف البلاء عنه كان دعاؤه منافيا للقضاء والقدر إنما هم يجهلون حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر، فما على الإنسان إلا أن يتحرك وسعه في الخير وأن يُصلح من أمره. والله أعلم.
وردت بعض الأحاديث تبيّن بأنّ الإنسان إذا عمل أعمالا صالحة فإنّ ذلك يزيد في عمره كزيارة الأرحام ووردت أحاديث أخرى تبين بأنّ
عمر الإنسان محدّد في اللوح المحفوظ، فكيف التوفيق بين هذا وذاك؟ العمر محدد إذ الله تعالى يقول: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34] فالأجل لا يتقدم ولا يتأخر عن ميقاته المحدّد، وقد دل الحديث الشريف على أنّ الله تعالى يبعث الملك عندما تنفخ الروح في الجنين ليكتب كل شيء ومن جملة ما يكتبه أجله المحدد؛ فلا يزيد أجله عن ذلك ولا ينقص. ولكن ما ورد من الأحاديث بأنّ بعض الأعمال تزيد في العمر وفي مقدمتها صلة الأرحام معناها أنّ الله - تعالى - يجعل البركة في هذا العمر (2/38)
صفحة 486
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
39
لا
بمعنى
بحيث يوفقه الله ـ تعالى ـ فيه للأعمال الصالحة وتتحقق فيه المصالح له، أنّ العمر يكون أكثر مما قدر على أنّ من أهل العلم من يقول بأنه يحتمل أن يكون معنى ذلك أن الله تعالى يكتب أنّ فلانا عمره كذا ولكن إن عمل العمل الفلاني فإنه سيكون عمره أطول من ذلك بمقدار كذا والله تعالى ـ عليم بأنه سيعمل ذلك العمل، والذي نميل إليه أن زيادة العمر إنما هي زيادة بركته لا غير والله أعلم.
كيف يتقبل الإنسان تجليات الله تعالى بالقبول والجمال والرضا من غير انفعال أو من غير رفض أو ضجر؟
المؤمن يرى كل ما يأتيه من قبل الله تعالى حسنا، لأنَّ الله تعالى لا يسئل عما يفعل، فلا يجري عليه حكم من قبل أحد، بل هو الذي يحكم على غيره، ثُمَّ إِنَّ الله تعالى هو العليم الخبير السميع البصير الذي أحاط بكل شيء وخبرة، فتأتي أفعاله وفق حكمة يعلمها سبحانه وإن كنا
علماً
لا نعلمها. وعلينا أن ندرك أنَّ ما يأتي من قبل الله تعالى إن تلقيناه بالقبول والرضا كان ذلك سبباً للوصول إلى استقرار الحال، وطمأنينة النفس وهدوء البال، ذلك لأنَّ الله تعالى يختبر من يشاء من عباده بما يشاء من أفعاله، فهو يختبر عباده بالشدة ويختبرهم بالرخاء، ويختبرهم بالبؤس ويختبرهم بالنعيم، ويختبرهم بالراحة ويختبرهم بالتعب، وكل من ذلك لحكمة يعلمها سبحانه. وعلينا أن ندرك بأنَّ الله تعالى مهما لقينا من قضائه وقدره من شدة وتعب فإِنَّ أَلطَافه هي أعظم من أن تُحصى، فهو اللطيف بعباده، خلقهم وَهَيَّأَ لَهم أسباب الحياة، ووهب لهم هذه الحياة نفسها، وجعل لهم مناخ الاستقرار في هذه الأرض، ومَن الذي يقدر على فعل ذلك غيره؟ (2/39)
صفحة 487
40
الفتاوى العقيدة
وقد من الله تعالى على الإنسان بإخراجه من العدم إلى الوجود، ثم غَمَرَهُ بأنواع ألطافه منذ بداية وجوده في الحياة الدنيا، وهو ضعيف لا يستطيع أن يرد عن نفسه ضراً ولا أن يجلب لها نفعا، يسر الله تعالى له من يقوم بأمره ومن يرعاه في طفولته حتى بلغ إلى حيث بلغ، ومع ذلك كله فإنه الله تعالى جعل الطبيعة متوائمة مع الإنسان وخِلْقَته وفِطْرَته فهي تخدم فطرته.
وقد شد الله و انتباهنا إلى ذلك في آيات كثيرة من كتابه العزيز كقوله سبحانه: {قُتِلَ الْإِنسَنُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ))
8111
IV
در
السَّبِيلَ يَسرَهُ ثُمَّ أَمَانَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَنَا الْمَاءَ صَبَّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْتَنَا فِيهَا جَبَّا وَعِنَبا وَقَضَبَا وَزَيْتُونَا وَنَخَلا وَحَدَابِقَ غُلَبَا وَفَكِهَةً وَأَبَا مَّنَعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ
[عبس: 17 – 32].
فقد خلق الإنسان من نطفة مهينة حقيرة، بل من خلية من خلايا هذه النطفة، ثم تدرج هذا الكائن في مدارج الأطوار التي مر بها حتى خرج بشراً سوياً سميعاً بصيرا، ثم أخذ بعد ذلك ينمو شيئا فشيئا وتنمو معه مداركه وقواه ومشاعره وأحاسيسه إلى أن انتهى إلى حيث انتهى.
ثم إنَّ الله تعالى يسر له العلم فعلمه مالم يكن يعلم، وهَيَّأ له الرزق الذي يقتات به وهو يمر عبر حلقات كثيرة فقد قدَّر الله تعالى نزول الأمطار، وجعل في الأرض خاصية النبات، وجعل فيما ينزل عليها من الغيث خاصية الإنبات، فتنبت الأرض بمشيئة الله تعالى ثم إنَّ هذا النبات يُسخر الله تعالى ـ له أيديا تخدمه حتى يتحول إلى طعام مهيئ ليتناوله الإنسان بعد أن يمر بسلسلة من الحلقات التي لا تحصى أعدها الله لإصلاح هذا الرزق وإحضاره إلى أن يكون طعاماً صالحاً لتغذية
جسم
الإنسان. (2/40)
صفحة 488
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
41
هذا ونجد أنَّ الله ـ سبحانه ـ يَسَّر للإنسان ما كانت حاجته إليه أدعى بدون كلفة ومشقة؛ فالإنسان أحوج ما يكون إلى التنفس، وهذا الأوكسجين مهيأ له في جميع أحواله، يستنشقه في حركته وفي سكونه وفي يقظته وفي نومه وفي راحته وفي تعبه وفي شدته وفي رخائه وفي فرحه وفي حزنه وفي جميع أحواله، فلو أنَّ الله - تعالى - قطع عنه الأوكسجين من الذي كان
يأتي به؟
ومع
ذلك لا يكلفه أي مؤونة أو مغرم فهو يستنشقه في نومه كما
يستنشقه في يقظته.
وتلي ذلك حاجته إلى الماء فإن حاجة الإنسان إليه أقل من حاجته إلى الهواء، وقد جعل الله ـ تعالى ـ الماء ميسراً أكثر من الطعام، ولكنه أقل يُسراً من الهواء، فهو ليس كالأكسجين في يسره، بل يحتاج إلى بعض العناء حتى يتناوله الإنسان، ثم يأتي بعد ذلك الطعام، ثم يأتي بعد ذلك الدواء وهكذا. وقد جعل الله - سبحانه - ما في هذه الأرض مخلوقاً لمصلحة الإنسان، وامتن عليه بذلك عندما قال سبحانه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جمِيعًا} [البقرة: 29] وقال: {وَسَخَّرَ لَكُمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) [الجاثية: 13) فالكون بأسره يخدم هذا الإنسان فلذلك كان جديراً به أن يذكر هذه الألطاف التي تغمره من قبل الله تعالى، وبذلك يكون راضياً عن تجليات الحق من خلال أفعاله سبحانه التي تتعلق بهذا العبد نفسه، فلا يسخط على الله - سبحانه - لأجل أي شدة يلقاها بل يكون دائم الرضا، وهو الذي يجعله قرير العين، ولعل هذه الشدة مع رضاه بها، وعدم استنكاره لما جاءه من قبل الله تكون عاقبتها حسنة، وتنقلب بعد ذلك إلى رخاء، ولطف، «وعند الصباح يحمد القوم السرى» والله أعلم. (2/41)
صفحة 489
42 الفتاوى العقيدة
ما حكم ما يقوله بعض الناس مِن سَبِّ الزَّمَان، «هذا الزمان غدار»، «هذا زمان سوء»، «هذا منك يا زمن أو نحوها من العبارات؟
لا ريب أنهم لا يعنون الزمن، وإنَّما يعنون أصحاب الزمن، فإن كانوا يعنون أصحاب الزمن فليس في ذلك خرج إن كان الواقع كما قالوا؛
به
وأما إن كانوا يعنون الزمن فالزمن خلقه الله تبارك وتعالى، وما يأتي الزمن إنَّما هو من عند الله، فلا يجوز سَبُّ الزمن لأنَّ الزمن من عند الله
والله أعلم.
العين وتأثيرها
ازداد عدد الناس الذين يشعرون أنَّ سبب أمراضهم مردها إلى العين أو الحسد أو الجان فازدحموا على بيوت المعالجين، هل كل هذا العدد الهائل - من وجهة نظركم - مرده إلى هذه المسببات أو أنَّ الجانب النفسي له دور في شيوع مثل هذا النوع من الأمراض؟ نحن لا ننكر أنَّ الحسد له أثر، ولذلك أمر الله تعالى بالاستعاذة من شر حاسد إذا حسد وعلمنا ذلك في قوله سبحانه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (3) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَثَتِ فِي الْعُقَ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 1 - 5]. وكذلك نجد أنَّ الله ـ سبحانه ـ يحكي عن عبده يعقوب أنه قال لبنيه: {يَبَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِلُونَ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَيْهَا} [يوسف: 67 - 68]، وقالوا إنَّ هذه الحاجة هي أن لا يُصابوا (2/42)
صفحة 490
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
43
بالحسد من قبل أحد عندما يراهم إخوة سويي الفطرة قويي البنية متكاملين من كل ناحية؛ وبذلك يتقون الحسد.
وقد جاء في الحديث عن النبي: العين تدخل الرجل القبر والجمل
القدر)، فنحن لا ننكر أن يكون للحسد أثر في مثل هذه الحالات.
أَنِّي
كما لا ننكر أن يكون أيضاً للشياطين والمردة أثر في بعض الأشياء التي تحدث لأن الله - تعالى - حكى عن عبده أيوب أنه نادى ربه: أني مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبِ وَعَذَابٍ} [ص: 41) لكن لا يعني أنَّ هذا الكم الهائل وهذه الأعداد الوافرة كلها أصيبت بسبب حسد حاسد، أو بسب بسبب سحر ساحر، أو
بسبب نَفْث من الشيطان أو نحو ذلك.
أنَّ الإنسان ينشأ من ضعف ثم يتحول إلى قوة ثم يعود إلى ضعف
على مرة أخرى كما قال تعالى:
اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفِ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفِ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم: 54] فالإنسان يبدأ بالضعف وينتهي إلى الضعف إن أنسئ له في عمره كما قال تعالى: {وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِسْهُ فِي الْخَلْقِ} [يس: 68]. ويصعد شيئاً فشيئاً في هذه الحياة، إذ يولد وهو غير قادر على شيء حتى أنه لا يستطيع أن يَذُبَّ الذباب عن عينيه أو عن أي شيء من جسده، ثم يتدرج في مدارج القوة والنمو شيئاً فشيئاً حتى يتكامل عندما يبلغ نحو سن الأربعين، ثم يبدأ بعد ذلك في الانحدار مرة أخرى ويأخذ الضعف يدب إليه شيئاً فشيئاً، ويتسارع الضعف فيه لأنه في حالة إدبار بعدما يتجاوز العمر الذي جعل الله تعالى فيه اكتمال قواه ومداركه وطاقاته.
(1) أخرجه ابن عدى (407/ 6) ترجمة 1890 معاوية بن هشام القصار)، وأبو نعيم في الحلية (90/ 7)، والخطيب (244/ 9)، والقضاعي (140/ 2، رقم 1059). (2/43)
صفحة 491
44 الفتاوى العقيدة
هذه هي
طبيعة الإنسان، ولكنَّ الناس بسبب ما تراكم على نفوسهم من
هذه الأخبار التي لا أساس لها من الصحة، وبسبب إخلادهم إلى الخرافات صاروا يعتقدون أن كل ما يصيبهم بسبب حسد حاسد، وسحر ساحر، أو مس من الجان، حتى أن أحداً لو أصيب بوجع في رجليه لاعتقد أنَّ ذلك بسبب الجن أو الحسد أو نحو هذا.
فتراكم الأوهام ولد هذه الأحاسيس، وصار الإنسان عرضة للوساوس النفسية، والوساوس هي نفسها مرض فتاك، لأنَّ الإنسان عندما يعتقد شيئاً ما ويتصوره تصوراً قاطعاً يؤدي به إلى أنْ يُحس به إحساساً كأنَّما هو مَاثِلٌ أمامه، هذه قضية مُسَلّمة، فَرُبَّما أدى الوسواس الوهم بالإنسان إلى أن يتصور أنَّه أنَّه شُق جسده مع لم يشق شيء منه لكنه يتصور هكذا، أو أنه أصيب بداء معين وما به ذلك الداء، ولكنه يُحس بالإحساس الذي يُحس به صاحب
الداء.
أخبرني أحد أنه ذهب إلى أحد الأطباء من أجل فحصه وغلط الطبيب قال له: إِنَّكَ مُصاب بالسكري، فصار يتردد إلى بيت الماء في كل ليلة عدة مرات، وصار يشرب الماء كثيراً، كما هو شأن من أصيب بالسكري، ثم بعد ذلك فحص عند طبيب آخر فإذا به ينفي ما قاله الطبيب الأول ويؤكد له سلامته من هذا الداء، فعاد إلى طبيعته كأن لم يكن يعاني شيئا.
فإذن الوهم له أثره في نفس الإنسان، فإذا تصور الإنسان أنه أصيب بمرض ما فإنه لا بد من أن يحس بعوارض ذلك المرض كأنه نزل به؛ فهؤلاء الذين يعتقدون مثل هذه المعتقدات بسبب ما تراكم عليهم من هذه الأوهام يتصورون تصوراً جازماً أنّهم مصابون بعوارض هذه الإصابات، وبقدر ما تمضي الأيام تترسخ هذه الأوهام في النفس فتصبح جزءاً منها بحيث لا يستطيع الإنسان الفكاك عنها، والله المستعان. (2/44)
صفحة 492
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
45
قال العلماء بأنه لا يجوز أن يأتي شخص قبراً أو شجرة أو حجرة يطلب المعافاة - فما قولك في عين الإنسان إذا أصابت طفلاً وأصابت هذا الطفل بنوع من التشويه الخلقي - وهذا بإذن الله ولا شك ـ، فهل يجوز أن يُذهب به إلى أحد الصالحين ليتعوذ عليه لتزول عنه تلك العين بإذن الله؟ هذا دعاء، والدعاء غير ممنوع والرقية غير ممنوعة إذا كانت بالقرآن الكريم، وبالكلمات التي يرضاها الله. أما أن يأتي أحد إلى قبر أو شجرة أو حجرة طالباً قضاء حاجة من الحاجات فهذا من الشركيات. فإن الله تعالى علمنا أن نفرده بالاستعانة كما نفرده بالعبادة حيث قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] والله أعلم.
المالد والزار وحكم الشرع فيهما
رجل مريض ذهب إلى المستشفيات للعلاج ولكنه لم يكتب له الشفاء، وأخيراً تبين أنه به مس من الجن وتكلموا بأنفسهم فيه، فتتورم رجله من الركبتين إلى الخفين ولا يستطيع الحركة لفترة طويلة، وعندما تكلموا فيه قالوا لن يذهب عنك هذا المرض حتى تلعب لنا الزار كما يسمى (أي دق الطبل)، فهل يجوز له الإقدام على هذا العمل علماً بأن الرجل ليس عنده من يعوله إلا امرأته؟ الزار من عمل الشيطان، فلا يجوز بحال، وإن اعتصم بالله كفاه الله والله أعلم. امرأة ذهبت إلى الزار أو المالد وأنت تعرف فضيلة الشيخ أن بلاء هذين الشيئين قد انتشر مع أصحاب البدع والخرافات أخزاهم الله. هل تحرم
عليه زوجته؟
إن اعتقدت شيئاً من الشركيات حرمت عليه وإلا فلا، والله أعلم. (2/45)
صفحة 493
46 الفتاوى العقيدة
سماحة الشيخ .. لقد سبق أن اطلعنا على فتوى سماحتكم المتعلقة
ما بتحريم واختلاط النساء بالرجال وضرب الدف وغيره من الآلات المؤدية إلى
يسمى بالمالد القائم على استحضار الجن والشياطين
تمايل الرجال على النساء والنساء على الرجال على نغماتها، والذبائح التي تذبح لغير الله تعالى، وشرب بعض الممسوسين الدم اعتقاداً منهم أن ذلك يجلب لهم الشفاء، وما ينتج من ذلك من مفاسد في الدين، ولا سيما في عقيدة المسلم وإيمانه بقرارات القضاء والقدر، وتفسخ في القيم والأخلاق وغيرها من المفاسد الاجتماعية التي حرص الإسلام على
القضاء عليها.
ولعلمنا وما عهدنا من سماحتكم من محاربة مثل هذه الحفلات والتجمعات، فإنني أؤكد لسماحتكم أن بعض الناس أخذ يتفنن في دعوة الناس إلى مثل هذه الحفلات، حيث يقوم بتوزيع المنشورات التي تفيد دعوة للمشاركة فيما يسمى بالمالد على المنازل وبيوت الجيران وإنني ألتمس من سماحتكم كتابة تحذير للمسلمين كرد على تلك الدعوة يفيد خطورة إقامة مثل هذه الحفلات والمشاركة فيها، وعواقب ذلك في الدنيا والآخرة، ليتسنى لنا توزيعها على الناس؟
ما أضل هذه العقول الزائفة! وما أطمس هذه البصائر! أيتوافد الناس على الباطل هكذا ضاربين عرض الحائط بجميع نصوص الكتاب والسنة، التي تحذر من الضلال والبدعة والتعلق بغير الله سبحانه، فالله تعالى يقول: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَسْنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51] ويقول: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [الأنعام: 17] ويقول: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ
فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَأَىدَ لِفَضْلِهِ} [يونس: 107] ويقول: (2/46)
صفحة 494
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
47
قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَأَتَخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرَّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ
خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ} [الرعد: 16]، فكيف يحضرون مجلساً يدعى فيه غير الله وتنتهك فيه محارمه بما يكون من الاختلاط بين النساء والرجال؟ إن هذا إلا زيغ وضلال، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (1)، ويقول «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) (2) إلى غير ذلك، ولا ريب أن حضور هذه الحفلات من الكبائر المهلكات فكل من شارك فيه يبوء بلعنة الله وعقابه، والله المستعان.
النذر وتقديم القرابين لغير الله
خرج رجل وزوجته للنذر لمسجد أو لعين جهلاً منهما فهل تحرم
زوجته؟
عليه
إن سارا معاً معتقدين نفعاً من العين أو قدرة على رفع الضراء فهما معاً مرتدان عن الإسلام وإن عادا إلى الإسلام فقيل يبقيان على زواجهما بالعقد السابق وقيل: يجددان العقد، وأما إن أسلم أحدهما وظل الآخر على ردته فينحل بينهما عقد النكاح، وكذلك إن كان المسير من أحدهما استمساك مع الآخر بالإسلام، فإن المرتد لا يحل للمسلمة ولا العكس والله أعلم.
موقع يسمى الراشدي ينذر عليه ويذبح له الأغنام والإبل سابقاً. والآن بعض الناس الذين يعرفون ذلك المكان إذا مات عليهم شيء من
(1) رواه الإمام الربيع رقم (49) ومسلم (4590). (2) رواه أبو داود (4609). (2/47)
صفحة 495
48
الفتاوى العقيدة
أغنامهم وإبلهم يظنون في أنفسهم أن الذي يصيبهم من ذلك المكان الذي ينذر عليه، وإذا أتى ذكر اسم الموقع يقولون (الراشدي يذكره الله بالخير). فما حكم ذلك؟
ذلك من الشركيات وبقايا معتقدات الجاهلية، فمن اعتقد النفع أو الضر، أو العطاء أو المنع، أو الرفع أو الخفض أو الإحياء أو الإماتة، من قبل شيء من خلق الله، فقد جعل الله تعالى نداً وكفى به ضلالاً مبيناً، والله المستعان. هل يجوز قراءة كتاب (أهل بدر) وكتاب (البرزنجي) وجمع الناس، وذلك بمناسبة مولد النبي صلى الله عليه وسلم وذكرى الإسراء والمعراج، علماً بأنه بعد الانتهاء من قراءة الكتاب يقومون بتناول الحلوى والفاكهة؟ أما قراءة أسماء أهل بدر للشكوى إليهم وطلب قضاء الحاجات ودفع المضرات من قبلهم فهو من مظاهر اللوثات العقدية، إذ لا يأتي بالسراء ويدفع الضراء إلّا الله سبحانه، ومن اعتقد أن غير الله سبحانه يستقل بالنفع أو الضر أو استعان بغيره سبحانه فهو ممن اتخذ الله آلهة أخرى، وأمّا مع البرزنجي فكتابه الذي يقرءونه فيه كثير من الأخبار التي لا تصح، مع بعض المخالفات العقدية، لذلك أرى عدم قراءته أولى، والله أعلم.
يوجد في منطقتنا ضريح لأحد الموتى، يزعم أنه لولي من أولياء الله تعالى، ويقصده الكثير من الناس بدافع التقديس ولأداء النذور عليه، حيث يضعون عليه البخور والعطور، وهذا الضريح محاط ومشيد ببناء ويوجد تحت شجرة علق فيها الكثير من الأقمشة والأعلام وقد كان سؤالي هل يجوز لي قطع تلك الشجرة وهدم البناء؟ وقد تفضلتم سماحتكم فأجبتم بأنه يجوز لي قطع الشجرة وهدم وهدم البناء
لأن في ذلك تغيير المنكر باليد؟
مع
الإمكان (2/48)
صفحة 496
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
49
وقد اشتبه هذا الأمر واختلط على بعض الناس فقالوا: - إن الإسلام نهى عن قطع الشجر، لأن الناس ينتفعون بظله، كما أنه يكره التبول والتغوط تحته فكيف بقطعه؟ أما عن البناء فإنه يحمي القبر من عبث العابثين؟ كذلك فإن الشجر على القبر يؤانس الميت بتسبيحه الله
تعالى؟
البناء على القبور بدعة، وتغيير البدعة واجب على القادر، والشجرة إن كانت منشئاً لضلال الناس فقطعها دفع للباطل وإحقاق للحق، وعمر له قطع شجرة الرضوان التي بايع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيهم لا تحتها بيعة الرضوان، عندما رأى الناس يتبركون بها، فهل هذه الشجرة أقدس وأعظم حرمة من شجرة الرضوان؟! والله المستعان.
ادعاء علم الغيب
ما قولكم في علم الرمل وهل يؤثم فاعله؟
هو من تعاطى الغيب وهو باطل، قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ} [النمل: 65] والله أعلم.
الآن بعض المعالجين يحكمون - ولا أدري ما أداة حكمهم ومن أين استفادوا ذلك ـ على المصاب ـ مثلاً ـ بأنَّ فيه جنِّي أو جنّية أو ما شابه ذلك ويبدؤون في القراءة بصوت عال ويهددون بالحرق، فما رأيكم في هذا التصرف؟
ينبغي للمعالج أن يكون عارفاً بعلاج المريض، فقد يكون المريض عنده أزمة نفسية، ولا ينبغي أن يتسرع ويقول هذا المرض من الجان، فإن القول (2/49)
صفحة 497
50
الفتاوى العقيدة
بغير علم حرام بنص القرآن، فقد قال تعالى: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ} [الإسراء: 36] وأنكر على الذين يتبعون الظنون حيث قال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28) وهؤلاء الأطباء الروحانيون عليهم أن يعالجوا المرضى علاجاً صحيحاً سليماً، وذلك بأن يُعالجوا عقولهم بتجريدها من هذه الأوهام، ويعرفوهم بأنَّ الأمر كله بيد الله، وأنَّ مِن سُنَنِ الله تعالى في خلقه أن يبتلى المبتلى وأن يُصاب الإنسان بأنواع من الأمراض والأسقام والبلاوى والمحن، ولا يعني هذا أن كل ما يصيب الإنسان إنَّما هو من قبل الجان، ثم من أين للإنسان أن يحكم بأنَّ هذه العلة هي من الجن؟ قد يقول أحد من هؤلاء لشخص ما أصبت في المكان الفلاني» .. فمن أين علم والله تعالى وحده هو الذي يعلم الغيب يقول: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65]، ويقول سبحانه: {عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} [الجن: 26 - 27] أي أنَّ الرسول من خلال وحي الله - تعالى - الذي ينزل عليه يتوصل إلى معرفة الغيب وإلا فما له من قدرة على معرفة الغيب قط، وكذلك نجد أنَّ الله تعالى يقول لنبيه: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ
ذلك؟
أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188] .. فالنبي على علو قدره مع كونه يُوحى إليه لم يكن يعلم الغيب إلا أن يأتيه من قبل الله رجل في وحيه إليه، أما أن يطلع على الغيب بنفسه فلا، والله المستعان.
ذكرتم الآن أنَّ المعالج لا يجوز له أن يقطع بأنَّ جنِّياً معيناً أو لبساً معيناً قد حصل لهذا الإنسان وهذا ما يحصل كثيراً .... نعم، هذا من ادعاء الغيب، وأشد من ذلك أن يقول أحد بأنَّ هذا من سحر وأنَّ الساحر فعل كذا كذا، فإن هذا من تعاطي الغيب، فمن أين له أن يعلم (2/50)
صفحة 498
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
51
أن أحداً سَحر هذا المصاب حتى أصيب بسبب ذلك السحر؟ وكيف توصل إلى هذه الحقيقة الغيبية، مع أنَّ الغيب لا يعلمه إلا الله؟ ولربما أغرى بعض الناس ببعض من خلال هذا الكلام، فلربما أغرى القريب بقريبه، وأشد من ذلك ما بلغني أنَّ أحداً من هؤلاء جاء إليه أحد عنده ابنه الصغير يشكو إليه من أمراض تُصيبه ومن بلاوى تأتيه، فقال له بأنه أصيب من خلال سحر، وأن الساحر امرأة عجوز في بيتكم صفاتها كذا وكذا، فخيل إلى الرجل بحماقته وتأثير الشيطان عليه أن هذه الصفات أقرب ما تنطبق على أمه، وعندما عاد إلى بيته جاءت الأم تستقبله بحنانها وتريد أن تسأله عن ابنه، فدفعها دفعاً ودعها دعاً بتأثير كلام ذلك الدجال الذي استخف بعقله.
فالأمر يُؤدي إلى أن تكون قطيعة ما بين الوالد وولده وما بين القريب وقريبه، وهذا من الخطورة بمكان فعلى هؤلاء أن يتقوا الله، وأن لا يقولوا إلا قولا سديدا يرضي الله تعالى وأن يدعوا ادعاء معرفتهم بالغيوب، وأن يحذروا كل ما يؤدي إلى الفساد في الأرض والقطيعة ما بين الأقربين بل إلى عقوق الأبناء والبنات لآبائهم وأمهاتهم، والله المستعان.
يقول بعض الناس إنّه يستطيع أن يكشف مكان المفقودات، فإذا ذهبت عن بعضهم غنمة أو فقد شيئاً معيناً حدد مكانها، ما حقيقة هذا الأمر؟ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]، عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} [الجن: 26 - 27]، فلا يُمكن للإنسان أن يطلع على الغيب، نعم قد يكون للإنسان حدس بحيث يتصور الأمر بسبب تجربة أو خبرة عنده أو بسبب معرفته بالقِيَافَة، وهذا من باب العلم وليس من باب ادّعاء الغيب، كما روي في التاريخ القديم بأنَّ نزار بن معد بن عدنان عندما حضرته الوفاة أوصى أولاده الأربعة ـ وهم إياد ومضر (2/51)
صفحة 499
52
الفتاوى العقيدة
وربيعة وأنمار - عندما يختلفون أن يحتكموا إلى ملك مِن جُرْهُم اسمه الأفعى، ليفصل بينهم، وبعد وفاة أبيهم وقع بينهم من الشقاق ما دعاهم إلى أن يذهبوا إلى هذا الملك عملا بوصية أبيهم، فذهبوا وفي طريقهم وجدوا رجلاً ينشد ضالة له، فسألهم عن بعيره الذي فقده، فقال له أحدهم: أهو أزور (1)؟ قال له: نعم، قال له الآخر: أهو أعور؟ قال له: نعم، قال له
تلك الضيافة مع
الآخر: أهو أبتر (2)؟ قال له نعم قال له الرابع أهو نفور (3)؟ قال له: نعم؟ قالوا: ما وجدناه، فقال: عجباً تصفون بعيري هذا الوصف الدقيق ثم تدعون أنكم لم تروه، فأم الملك الذي كانوا قاصديه، فوجدوا الملك الأفعى طواه الأجل وحل محله ابنه فقدّم الرجل شكواه إلى الملك الجديد فور وصولهم، فبادرهم الملك بالضيافة قبل الفصل بينهم وبين غريمهم، فكانت لهم في الملك قصة عرف من خلالها عمق فهمهم وحدة ذهنهم وما أوتوه من الاقتدار على استنتاج الحقائق ثم استمع إلى غريمهم صاحب البعير الذي اتهمهم في أمر بعيره لمعرفتهم بأحواله ودقتهم في وصفه، واستنطق ضيوفه ليردوا على هذا الاتهام، فقالوا: نعم، عرفناه بآثاره، أما الذي قال له: «أهو أزور» فإنَّه رأى آثار مَنَاسِمه في الأرض متفاوتة وهذا دليل زوره، وأما الذي قال: هو أعور، فأجاب بأنه عرفه بأنه أعور لأنه يرعى من الشجرة جانباً ولا يرعى الجانب الآخر، والذي قال: «هو أبتر» قال: عرفت ذلك منه باجتماع بعره فإن عادة البعير أن يفرق ذنبه بعره ولا يجتمع إلا بعر الأبتر، والذي قال له هو نفور قال عرفت ذلك من رعيه - أيضاً - لأنَّه يرعى الشجرة ثم يدعها ويدع ما حولها إلى شجرة أخرى بعيدة ولا يوالي
(1) الأزور الذي ينظر بمؤخر عينيه مأخوذ من الأعراف.
(2) الأبتر: مقطوع الذنب.
(3) كل شيء فزع فهو نفور. (2/52)
صفحة 500
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
53
رعيه من الشجر القريب وهو دليل، نفوره فهذه خبرة تكون عند الناس بسبب ممارستهم، وليس ذلك من ادعاء علم الغيب فمن ادّعى شيئا من ذلك بتأثير الممارسة فهو يُمكن أن يكون صحيحاً أما من غير مُمارسة فلا.
هذا فيما يتعلق بالبهائم والحيوانات لكن فيما يتعلق بالأموال كأن يقول له: إنَّ مالك سرقه فلان أو سُرق في المكان الفلاني فهو من ادعاء علم الغيب، ولا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً قط، اللهم إلا إن عرف السارق باعتياده السرقة، فإن هذا من الحدس الذي يختص به بعض الناس، والله أعلم.
التفاؤل والتشاؤم
ضرب الفأل في القرآن الكريم، هل له أساس شرعي؟ علينا أن ندرك أن الغيب لا يعلمه إلا الله وعجل، يقول تعالى:
عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ) [الجن: 26 - 27] ويقول سبحانه أيضاً: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا
الله وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65].
سنة
فاستشراف الغيب من خلال اطلاع على آية ودلالتها أمر لم تأت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا دل عليه دليل شرعي قط. أما كون الإنسان يتفاءل بأن يسمع آية مبشرة، أو يطلع على آية مبشرة لأن فإن هذا سائغ النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفأل الحسن من كل شيء، سواءً كان من أسماء البشر أو من غيرها، فكيف إذا كان هذا الفأل آية من كتاب الله، فإن في سماع الإنسان ما يبشره بالخير من القرآن الكريم ما يشجعه على سبيله إن كان في حدود طاعة الله وأن لا يتردد في ذلك.
قدماً المضي
في (2/53)
صفحة 501
54
الفتاوى العقيدة
والنبي صلى الله عليه وسلم بقدر ما كان يتفاءل كان لا يتطير أي لا يتشاءم، ولذلك قال فيما وصى به أمته وإذا تطيرتم فلا ترجعوا»، ثم قال بعد ذكر وصاياه: «وذلك آية ما بين المؤمن والمنافق» (1)، فالمؤمن لا يتطير وإنما ويحب الفأل الحسن كما كان شأن الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرضى بقسمة الله، ويحرص على أن لا يكون متردداً عندما يريد الإقدام على خير، فهذا هو الذي أراه فيما يتعلق بالتفاؤل بسماع آيات الله تعالى أو رؤيتها
يتفاءل
والله أعلم.
دائماً
هناك مَن يَتَشَاءَم ويجعل هذه الخصْلَة تُصَاحِبه، فبعضهم يتشاءم مِمَّا يَقَع على المسلمين، وبعضهم يَتَشَاءَم من بعض الأيام أو الليالي فلا يَقْرَبُ فيها أهله، فما قولكم؟ التَّشَاؤُم ليس مِن شِيمَة المؤمن فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإذا تطَيَّرْتُم فَامْضُوا وعلى الله فَتَوَكَّلُوا»، فإن ذلك هو الفارق بين المؤمن وغير المؤمن، ذلك أنَّ المؤمن إذا تَطَيَّرَ مَضَى قُدُماً ولَم يَلْتَفِت إلى التَّطَيُّر، وغير المؤمن هو الذي يَتَرَاجَع ولا يُمْضِي قُدماً.
وقد خلق الله الأيام كُلها وأباح الاتصال ما بين الرجل وأهله في جميع الأيام والليالي إلا الوقت الذي تَكُون فيه حائضاً أو نفساء وإلا الوقت الذي يَحْرُمُ فيه الاتصال من أجل عبادة شرعية كأن يكونا أو أحدهما في صيام أو اعتكاف أو إحرام بحج أو عمرة، أما فيما عدا ذلك فلا يُمْنَع، ولا يَلْتَفِت إلى أيام مُعَيَّنَة بدعوى أنها يُمْنَع فيها الاتصال، وكُل ما رُوِيَ في ذلك لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
(1) رواه الإمام الربيع (701). (2/54)
صفحة 502
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
55
المسلم يعيش محدوداً بما يسمع ويشاهد ويحلل بحسب مقتضيات عقله ويبقى الغيب الله تعالى، كيف يوظف ما يشاهد ويسمع من واقعه الأليم ليكون انطلاق فأل وخير في حياته إذا كان واقعه بخلاف ذلك؟ المسلم يحرص من خلال إيمانه بالله أن يكون موصولاً به سبحانه، وأن يرى إرادة الله تتجلى في كل ما يقع في هذا الكون من خير وشر ونفع وضر وعطاء ومنع ورفع وخفض ووَهْب وسلب إلى غير ذلك، وهذا الإيمان نفسه يجعله قرير العين مطمئن، البال، وإنَّما يُحاسب نفسه على تقصيرها، فقد يكون ما يصيبه بسبب تقصيره في حق الله تعالى، والمؤمن شديد المحاسبة لنفسه.
على أنَّه يكون دائماً مُتفائلاً خيرا، فمهما رَأى مِن مِحن ينظر مِن أعماقها إلى ما تنطوي عليه من المنح الربانية، فكم من محنة تتحول إلى منحة بين عشية وضحاها بسبب طمأنينة قلبه وقرار عينه بما يأتيه من قبل الله تعالى مع إيمانه بقضائه - سبحانه ـ وقدره.
ثم مع ذلك ينظر المؤمن إلى الوعد الرباني الذي وعد به عباده المؤمنين، فكم من وعد في كتاب الله ـ تعالى ـ يُثلج الصدور ويُريح النفوس ويُحيي الضمائر، فعلى المؤمن أن يكون مُتفائلاً دائماً؛ والله - تعالى - المستعان.
كيف يُرَبِّي الإنسان نفسه على التفاؤل؟ إِنَّ المؤمن يَصِل كُل شيء بالله تعالى الذي خَلَق هذا الوجود وصرفه والذي بيده مَلَكُوت كل شيء، وإليه يُرجَع كل شيء، سبحانه له الخلق وله الأمر وله الحكم وله القهر إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [يوسف: 40]، وعقيدة التوحيد تَدْعُو الإنسان دائماً إلى أن ينظر إلى الأمور كلَّها بمنظار الإيمان بالله وعل، ومن خلال ذلك يرى الإنسان يد الله سبحانه (2/55)
صفحة 503
56
الفتاوى العقيدة
تُصرّف الأشياء فتأتي بما لم يكن في الحسبان، فالله تعالى قد يَمُنُّ باليسر بعد العسر، وقد يَمُنُ بالفَرَج بعد الشدة، وقد يَمُنُّ بالسعة بعد الضيق، وهكذا تنقلب الأحوال من حال إلى حال، ودوام الحال
من
المُحال
والنبي صلى الله عليه وسلم وهو إمام المؤمنين جميعاً علمنا كيف نتفاءل حتى في حالات الشدة، فإنه - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ـ كان كثير التفاؤل ولم يكن يتشاءم، بل كان يَمْضِي قُدماً مع ما يواجهه من التحديات وما يَلْقاه من الصعاب، وعندما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بعدما أظلمت الدنيا في وجهه وتنكَّر له المجتمع وبعُدَ عنه القريب ونفاه الحميم، فخرج من بلد فيه مَرتَعُ طفولته ومَسرَح أحلامه وسجل ذكرياته لينتقل إلى بلد آخر بينه وبينه نَحو خمسمائة كيلومتر أو نحو ذلك، وكان الرصد مِن أمامه والتَّبْعُ من خلفه يريدون به صلى الله عليه وسلم كُلَّ شَر ويضمرون له كل كيد، في الحالة عندما تعرَّض له سُرَاقة طمعاً في أن ينال الجائزة التي وعدت قريش بها من يَرُدُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم حياً أو ميتا وهي مائة ناقة، حدثت آية من آيات الله تعالى حيث سَاحَت قَوَائِم فرسه في الأرض الصلبة ورأى من آيات الله ما رأى وطلب الأمان من النبي - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة
الصلاة
هذه
والسلام - فما كان من رسول الله الله بعدما مَنَحَه الأمان إلا أن قال له: «كيف
والسلامة
بك إذا لبست سِوَارَيْ كِسْرَى؟!» (1) فقد كان صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف الصعب ينظر إلى مستقبل هذه الأمة وإلى وعد الله - تعالى - الآتي بلا ريب وإلى اليوم الذي يُعِزُّ الله تعالى فيه المؤمنين ويُذِلَّ فيه الكافرين وينتصر فيه الحق على الباطل وينزل فيه الجبَّارُون من عَلْيَائِهِم بحيث إِنَّ أحداً من عامة الناس يلبس
سِوَارَيْ كِسْرَى وتَاجَه لِيَتحقق وعد الله تعالى لهذه الأمة بالنصر والتمكين.
(1) رواه البيهقي (13414). (2/56)
صفحة 504
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
OV
وقد تَحقَّق هذا الوعد، فأَنْجَز الله - تعالى - لِنَبيه الله وعده ونصر عبده وأعزّ جُنده وهزم الأحزاب وحده، فجاء اليوم الذي خرج فيه كشرى طريداً شريداً من ملكه وقد خلف وراءه كل ما كان يملك، وإذا بِخَزائنه يُؤْتَى بِها إلى
الفاروق الفيدعُو سُرَاقة ويُلْبِسُه تاج كِسْرَى وسِوَارَيْه كما وعد النبي صلى الله عليه وسلم. ويتكرر المشهد في غزوة الأحزاب عندما جاء المشركون بقضهم وقَضِيضِهم وعَدِّهِم وعَدِيدِهِم لِيَنْسِفُوا هذه الأُمَّة بغزوها في عُقْرِ دارها، فشرع
المؤمنون في حفر خندق ليتحصنوا من وراءه من الجيوش الغازية وكان معهم فاعْتَرَضَتْهُم صخرة فما استطاعوا أن يُفتتُوها فَأَخَذ النبي الله المطرقة من أيديهم وطَرَقَها طَرْقَة شَعَ منها شعاع فقال: «الله أكبر فُتِحَت لأُمَّتِي مَمَالك كسرى كأني أنظر إلى قُصُور المدائن»، وطرَقَها طَرْقَة ثانية فشع منها شعاع فقال: «الله أكبر فُتِحت لأمَّتِي مَمالك الروم كأني أنظر إلى قصور الشام)، وقد تحقق ذلك فعلاً.
فهكذا يجب على المؤمن أن يكون شديد التَّفَاؤل وأن لا يدخُل التشاؤم للإنسان أمل وهو يواجه تحديات الدهر
قلبه، ولولا الفَأْلُ الحسن لَما بَقي ومشكلاته وصعابه، والله أعلم.
ما يدور في هذا العالم - وخاصة في صفحة العالم الإسلامي - يفهمه البعض على أنه القدر الأخير وعلى أنَّه نَفَق ستكون نهايته يوم القيامة، فيَنْدبُون حظوظهم ويُبَرْمِجُون عقولهم على هذا الأساس وكأنهم آمنوا بِنَظرية فُوكُويَامَا نِهاية التاريخ»، فهل لهذا أثر في جمود العقل المسلم وتوقفه عن النشاط والعَطَاء؟ وهل لاحظتم أنتم ذلك؟
(1) رواه نحوه النسائي (3176). (2/57)
صفحة 505
??
الفتاوى العقيدة
عندما يكون المسلم متشائماً لا يبقى عنده شيء من الأمل للعمل بل يتواكل، وهذا الذي وقع فيه كثير من الناس مع الأسف الشديد، وحقيقة الأمر ليست كذلك، ونحن متفائِلُون أيَّما تفاؤل بأن تنقلب الأمور من الشر إلى الخير ومن الصَّيْق إلى السَّعَة ومن العُسر إلى اليُسر:
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (الشرح: 5 - 6]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «لن يغلِبَ عُسر يُسْرَيْن (1) فالله - تعالى - ذَكَرَ العُسر هنا بصيغة التعريف، وذكر اليسر بصيغة التنكير، والمعرَّف إذا كُرِّرَ كان الثاني هو الأول، والمنكر إذا كُرِّرَ كان الثاني غير الأوَّل، فَمعنى ذلك أنَّ هناك يُسْرَين يَكْتَنِفان عُسراً واحدا، ولا بد أن يغلب اليسران العسر الواحد، والله أعلم.
أنتُم مثال حَيٌّ لهذا التفاؤل، فهل يُمكن أن تقدموا لنا صورة واحدة فقط من الصور التي كنتم متفائلين فيها وكان غيركم متشائما؟
كثير من الناس في فترةٍ مِن الفترات كانوا ينظُرُون إلى أنَّ الدِّين قد مات، وأنَّ الساعة قد أَزِفَت وهي لا تقوم إلا على شِرَارِ الناس، فكانوا ينظُرُون إلى المستقبل أنَّه مستقبل مُظْلِم، وأنَّ الناس كفروا بما آمنوا به من قبل، وأنَّ الإسلام سَيَنقلب من ضَيْقٍ إلى أضيق ومن شدة إلى أشد ومن غُربَة إلى غُربَة أوحش، وكانوا دائماً يُرَدِّدُون ما رُوِيَ عن النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - أنَّه قال: «بدأ هذا الدين غريباً وسيعود غريباً كما بَدَأ» (2)، وبحمد الله تعالى انقلبت الأحوال إلى خلاف ما كانوا يتصوَّرُون، وكُنا نَأْمَل بأن تُؤْتِيَ الدعوة ثِمَارَها وأن يرجع الناس إلى دينهم وأن يُفيقوا من سَكْرَتِهم، وأن يعودوا إلى رُشدهم وصوابهم، وبحمد الله حصل ذلك فعلاً فكثير من الناس بعدما غرقوا
(1) رواه الحاكم (3950).
(2) رواه مسلم (389). (2/58)
صفحة 506
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
59
في سكرة الهوى وكانوا لا يَلتَفِتُون إلى هذا الدِّين انقلبوا إلى خلاف ذلك، فكأين من أحد كان شُيُوعِي المبدأ مُلْحِداً في تصوره وعقيدته وفكره لا يؤمن بالله تعالى وَوُجُودِه فضلاً. عن أن يُؤمن بالرسول أو يؤمن بالقرآن أو يؤمن بأحدٍ من رسل الله وإذا به يتحول من الضلال إلى الهدى ومن الكفر إلى الإيمان فيتجرد من إلحاده كما يخلع الثوب ليلبس آخر، وفي أحد الأيام كان أحد الدعاة الذين يستشرفون المستقبل يتحدث عن انهيار الشيوعية واضمحلالها، في الوقت الذي كانت فيه لا يتصورها أحد إلا صاعدة نامية تمتد أجنحتها لتغطي أرجاء الأرض، وتنتشر قواتها لترعب البشر وتهلك الحرث والنسل، فكان حديث ذلك الداعية مثار سخرية واستخفاف من أحد سامعيه حتى كان يعده مثالا على ضيق أفق الدعاة وجهلهم بحقيقة الأمر وغبائهم عن تصور الحياة، ولم تلبث الشيوعية حتى تَهَاوَت إلى غير قرار، ودفنت أشلاؤها الممزعة المنتنة في مزبلة التأريخ، وأعلن غُورْبَاتْشُوف في إحدى الفضائيات في بريطانيا عن نهايتها المحتومة عندما سُئل: «هل يُمكن أن تستمر الشيوعية في فيتنام وفي الصين؟»، فقال: «كلا» قيل له: «وما البديل؟» قال: «لا أعتقد أن البديل يَكْمُن في الرأسمالية ولا في الاشتراكية ولا في الديمقراطية وإنَّما هو في نظام آخر فعلينا أن نَتَكَيَّف وفق حضارة جديدة»، ما الجديدة التي يشير إليها؟ لا ريب أنها حضارة الإسلام، وهذا أمر مقطوع به، وإلا فأيُّ حضارة يُمكن أن تُقدّم لهذه الإنسانية التعيسة حلا لمشكلتها وعلاجا لِمُعْضلتها؟!، وهذا ما صرح به فيما بعد كَاسْترُو مع ما عُرِفَ به من كَوْنِه ملحداً مغاليا في إلحاده عنيفا على خصومه شديد التمسك بشيوعيته، ولكنه صرَّح بأنه لم يبق أمام العالم إلا النموذج القرآني أو المنهج القرآني، ومعنى ذلك أنَّ المستقبل لهذا الدين كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9].
هي
هذه الحضارة (2/59)
صفحة 507
60
الفتاوى العقيدة
هل هناك تَفَاؤُلُ مَذْمُومٍ؟
نعم إذا كان يتفاءل بأنه سَيَتَمَكَّن في هذه الأرض ويَعِيثُ فيها فساداً ويظلم الخلق ويَجُورُ في البشر ويطغى في الحكم، فإن تفاؤله هذا يعد من قبيل التفاؤل المذموم، وإلا فالتفاؤل بالخير هو محمود على أي حال، لكن لا يعني هذا أن يتَوَاكَل الإنسان ولا يعمل، بل عليه أن تفاؤله، وأن يكون التفاؤل مَبْعَثاً لعمله لا مبعثاً لأمله فحسب، مع
يَجِدٌ
والله أعلم.
من يقول حينما يرى شخصاً مُعَيَّناً: «أنا أتفاءل بك» أو «أنا أتشاءم منك»، هل يصح هذا؟
أمَّا التشاؤم فلا يسوغ ففي الحديث إذا تَشاءَمْتُم فلا تَرْجِعوا» (1) هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم وجعل ذلك آية ما بين المؤمن والمنافق، فمِن جملة ما يُميّز المؤمن عن المنافق أنَّ المؤمن إذا تشاءم لا يرجع.
أما التفاؤل فهو مطلوب فالإنسان يتفاءل بالفأل الحسن، ويُعْجِبُه، وقد يتفاءل بالشخص لأجل استقامته أو بالاسم الحسن منه كأن يكون اسمه محمودا أو سعيداً أو فائزاً أو فلاحا أو أن تكون امرأة اسمها سُعَاد أو سَلامَة أو مثل هذه الأسماء التي تدعو إلى التفاؤل أما الأسماء غير الطيبة فلا يتشاءم بها، وكذلك يتفاءل بالأشخاص الطيبين ولا يتشاءم بالأشخاص غير الطيبين، والله أعلم.
(1) رواه الإمام الربيع (701) بلفظ ومن تطير فلا يرجع ... ». (2/60)
صفحة 508
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
1 ?
فأما
اعتقاد تأثير الكواكب والأجرام
وماذا عما يقول البعض من أنَّ الأجرام السماوية والكواكب لها علاقة في بعض الأحداث والوقائع التي تحصل فيوقتون لحدوث أمر معين بناء على معرفتهم بهذه الأجرام والكواكب، هل هذا صحيح؟
هذا أمر مردود، وهو ـ فيما يظهر لي ـ دخيل على المسلمين بسبب احتكاكهم بالذين أسلموا من المجوس، وقد كانت عندهم بقية من معتقداتهم السابقة ومن مألوفاتهم المتقدمة، فنقلوا هذه المعتقدات إلى المسلمين وألصقوها بالإسلام، وإلا فالأصل أنَّ المسلم يعتقد أنَّ الأجرام السماوية هي مسخرة بأمر الله، تجري في مداراتها بحكم الله تعالى وإرادته وقهره، ليس لها أي تأثير على هذه الحياة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يُبين لنا أنَّ الله تعالى يقول على أثر مطر نزل بالأرض: «أصبح من عبادي مؤمن وكافر، من قال مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب» (1)، فربط الأحداث التي تحصل في هذه الأرض ـ وهي أحداث طبيعية - بالأجرام الفلكية هو لوثة في الاعتقاد واتباع للوهم وتعام عن الحق، ولو كانت تلكم الأجرام الفلكية في وضعها الطبيعي تقترن بها أحداث تقع الأرض بحيث تنزل الأمطار أو تهب الرياح أو يشتد الحر أو البرد في حال ظهور بعضها أو اختفاء بعض، إذ من المعلوم أنَّ الله سبحانه جعل مواسم للغيث الذي ينزل على عباده، وهذه المواسم ربما كانت تظهر مع ظهور بعض الأجرام الفلكية، ولكن مع ذلك لا يجوز أن يقول الإنسان شقينا بنوء كذا، بحيث يربط الشقيا بالنَّوء، لأنَّ الأَنْوَاء إِنَّما هي هي مخلوقة
في
(1) رواه الربيع (62) والبخاري (810) ومسلم (240). (2/61)
صفحة 509
62
الفتاوى العقيدة
ومسخرة وموجهة، والله تعالى هو الذي يدبرها، فالسقي إنَّما هو بحكمته وبفضله ولطفه، وليس للإنسان أن يخرج عن هذا الحد الذي رَسَمه الدين
لنا، والله أعلم.
لعل مِمَّا انتشر في أوساط العامة في هذا الزمان أمر قد يعتبر ضرباً من ضروب الشعوذة أو نوعاً من أنواع التكهن وهو الاهتمام بقراءة الأبراج في الصحف والمجلات، وقد قرأت في بعض الكتب أنَّ مَن يقرأ الأبراج يعتبر مشركاً حتى ولو كان قصده التسلية، فهل هذا صحيح
؟
التسرع في الحكم على الإنسان بالإشراك أمر فيه صعوبة كما قال المحقق الخليلي رحم الله: «إياك ثم إياك أن تحكم على أهل القبلة بالإشراك قبل المعرفة بذلك، فإنَّه موضع الهلاك والإهلاك».
فالإنسان ليس له أن يحكم على من قال لا إله إلا الله بالإشراك إلا إذا نقض مفهوم لا إله إلا الله بإنكار ما عُلم من الدين بالضرورة من غير تأويل، هذه الحالة يكون مُرتداً عن الإسلام.
ففي
فلذلك لا نستطيع أن نقول بأنَّ مَن قرأ لأجل الاطلاع، والتسلي بأنَّه مشرك، لكن يُخشى على الإنسان أن يَنْزَلِق عندما يقرأ مثل هذه الأشياء بحيث ربَّما تولد له الوهم ونَما حتى يُسيطر عليه، فإنَّ الإنسان بقراءته دائماً بأنَّ البرج الفلاني له تأثير في كذا، وأنه يرتبط بالبرج الفلاني، وأنه عليه أن ينشد حظه من موافقته لحركات فلكية معينة، قد تؤثر عليه هذه الأوهام وتزيغ به عن سواء الصراط، حتى يعتقد أن لهذه الأفلاك تأثيراً في حياة
الإنسان وموته وسعده ونحسه ورقيه وانحطاطه وغناه وفقره وصحته ومرضه وعندما يعتقد ذلك اعتقاداً جازماً لا ريب أنه يكون قد خرج عن معتقد الإسلام وخلع ربقته عن عنقه، والله أعلم. (2/62)
صفحة 510
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
63
البحث عن اسم للولد عن طريق التنجيم، ما حكمه؟ الذي يظهر لي أن التَّنْجِيم دخل في أمة الإسلام من قبيل المجوس الذين كانوا يُقدسون الأجرام السماوية وينوطون بها ما يقع في هذه الأرض الأحداث ويُؤَلِّهونَها من دون الله وعمل إذ بقيت عندهم هذه المعتقدات حتى بعد دخولهم في الإسلام فنقلوها إلى المسلمين وألصقوها بهذا الدين
من
والله أعلم.
السحر والجن
مسألة الجن والاستعانة مَثَار جدل كبير وربما أحياناً تسبب شقاقاً بهم الأسر أن يُقال بأنَّ هَذا مُتلَبَّس بالجن فيقول بأنَّ الضر جاءه
بين
بسبب
من فلان، وهل فعلاً ما يُرَى هو تلبس حقيقي بالجان؟
وقع
بين
في هذه المسألة، والذي يتبين بأن الجني
أخذ ورد العلماء لا يدخُل في جسم الإنسي وإنَّمَا يُوحِي إليه إيحاءات فَيَقَع تَحتَ تأثِيرِه، لأَنَّ قوة الجن قوة رُوحَانِيَّة شِرِّيرَة كما أنَّ قُوَّة المَلَك قوة رُوحانية خَيْرة، فالملك يُوحِي بالخير والشيطان يُوحِي بالشر، فعندما يكون أحد واقعاً تحت تأثير الجان أو تحت تأثير الشيطان يُوحِي إليه فيتكلم بلسانه مع أنَّ المُتكلّم هو الإنسان نفسه هذا الذي يبدو، ولا يبدو أنَّ هنالك دُخُولاً في جسم الإنْسِي،
والله أعلم.
هناك كثير من الناس يؤمنون بالسخر، ومن أمثلة ذلك ظهور الميت بعد وفاته. بل يؤمنون بها كل الإيمان، وربما تكون القصة التي ذكرها محمد رشيد رضا عن الشخص الذي أحضر روح المرأة بحيث جعلها (2/63)
صفحة 511
?
الفتاوى العقيدة
بعد ذلك على صورة إنسان جميل هي من فعل السحر، الذي يستخدم فيه الشياطين. نرجو توضيح هذا الأمر؟
•
السحر الثابت هو سحران، فقد تحدث القرآن الكريم عن السحر الذي كان من سحرة فرعون في مواجهة دعوة موسى علي وهي التخييل، وذلك في قوله: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: (66]، وهذا السحر موجود إلى الآن وقد شاهدته بنفسي، فقد شاهدت أنواعاً من السحر الخيالي عندما كنت في الصين، شاهدت إنساناً جاء بورقة وطواها ثم صب في طيتها حليباً من إناء، وكان الصب ظاهراً، ثم قلبها فإذا بطائر يطير إي تحول الحليب إلى طائر في رأي العين، كما شاهدتهم أيضاً جاءوا بصندوق كبير وغطوا به مذياعاً كان على طاولة بعد تشغيله وسماع البرامج منه، وبعدما غطي ارتفع صوته، ثم كشفوا الصندوق فإذا بفتاة تقفز وهناك نوع آخر من السحر تحدث عنه القرآن الكريم وهو تأثير روحاني، يمكن للساحر به أن يفرق بين المرء وزوجه فقد أخبر الله تعالى أنهم يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، أما أن يتسلط أحد على أحد فيخفيه عن الأبصار ويظهر للناس أنه ميت وما هو بميت فهذا خيال ما دل عليه دليل أبداً، وكل القصص التي تقال من هذا القبيل هي هذا القبيل هي قصص خرافية لا أساس لها من الصحة أبداً، وقد تتبعت قصتين مما قيل في ذلك، وما وجدت لأي من الصحة، وقضية تحضير الأرواح هذه من جملة الخيالات التي يصورها الدجالون للناس ولا يسوغ تصديقها لأن الروح من أمر الله كما قال تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] فليس لأحد عليها سلطان حتى يستحضرها وروح الميت إنما يمسكها الله كما قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [الزمر: 42]، وأي أحد يقوى على أن يرد ما
منهما أساساً. (2/64)
صفحة 512
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
65
أمسكه الله، وقد دل القرآن الكريم على أن من رحل إلى الآخرة لا يحس أحدهم ولا ولا يسمع لهم ركز فقد قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزا} [مريم: 98)، ولا حجة لمدعي ذلك في قصة الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، ولا في قصة الذين خرجوا من ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، ولا في إحياء
درياهم وهم المسيح للموتى لأن تلك خصوصيات لا تتكرر، والله أعلم.
ما معنى الخلاف في ثواب الجنّ، وعلى ماذا استند القائلون بأن ثوابهم فقط هو النجاة من النار وهذا رأي أبي حنيفة والليث بن سعد ومن وافقهما فيما أحسب، وقد ذهب الشافعي ومالك إلى أن الجنّ المؤمن يدخل الجنة فما رأي سماحتكم في ذلك؟
القول الصحيح أن الجن كالإنس مجزيون على الإحسان بالجنة وعلى الإساءة بالنار لدخولهم ضمن المكلفين وقد استدل لذلك بقول الله تعالى في الحور: {لَمْ يَطْعِتُهُنَّ إِنسُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 74]، والقول بأنهم لا يدخلون الجنة لا أجد دليلاً عليه إلا عدم النص على دخولهم الجنة، وهو دليل سلبي، لأن السكوت عن الشيء لا يدل على انتفائه، وقد نص القرآن الكريم على أن الذين سعدوا في الجنة، وذلك يشمل الجن كالإنس، وكذلك قوله تعالى:
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7] هو شامل للإنس والجن وإن
من أقوى الأدلة على ذلك قوله تعالى:
يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلُ مِنكُمْ يَقُضُونَ عَلَيْكُمْ وَايَتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الأنعام: 130]- إلى أن قال - {وَلِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا ربُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 132] والله أعلم. (2/65)
صفحة 513
??
الفتاوى العقيدة
هل الجن يعلمون الغيب؟
القرآن تكفل بالرد على ذلك، فالله تعالى يقول: {فَلَمَّا خَرَّتَبَيِّنَتِ الْجِنُّ أَن كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14]، والله أعلم.
ما حقيقة السحر؟ وما مدى تأثيره على الناس؟ وهل سُحِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟ يجب علينا أن يكون في قرارة نفوسنا جميعاً أن هذا الكون بأسره سماءه وأرضه، علويه وسفليه ملكه وملكوته، ظاهره وباطنه، روحه ومادته هو ملك الله الله، وأن كل ما في هذا الكون إنما هو مملوك لله، فلا يملك أحد لأحد نفعاً ولا ضرا، لا يستطيع أحد مهما كان أن يحقق مصلحة لنفسه، أو أن يدفع مضرة عن نفسه إلا بإذن الله سبحانه.
6
ج
وإذا كان الحق - تبارك وتعالى - يخاطب خيرة رسله وصفوته من خلقه سيدنا محمداً عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، فيقول له: {قُل لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرُ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188]، فكيف بمن عداه؟! كيف يتصور الإنسان أن الخلق يملك بعضهم لبعض تحقيق منفعة لم يُرِدْها الله - تبارك وتعالى -، أو دفع مضرة شاء الله تعالى وقوعها.
والآيات القرآنية تصل الإنسان بالله الله، وتعرّفه أن الكون هو ملك الله،
6
وأن الإنسان هو مملوك لله، فما عليه إلا أن يتجه بروحه وجسمه، بعقله وقلبه،
بضميره وغرائزه، بحواسه ومشاعره إلى الخالق العظيم الله، يقول وعلا:
:
قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَأَتَخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ} [الرعد: 16]، (2/66)
صفحة 514
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
67
ويقول: (وَلَن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اللَّهُ قُلْ أَفَرَهَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَّلُونَ} [الزمر: 38]، ويقول تعالى: {مَا يَفْتَح اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [فاطر: 2]، ويقول سبحانه:
،
وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [الأنعام: 17]، ويقول - تبارك وتعالى -: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107].
الأمة
كل ذلك من أجل أن تصفو عقيدة الإنسان، ويخلص إيمانه، ويتوجه بيقينه إلى ربه، موقنا أن الخلق أجمعين لا يملكون شيئا من تحقيق المنافع ولا دفع المضار، فلا يتعلق بالجن ولا بالشياطين، ولا بالسحرة، ولا بأي شيء، إنما يتعلق بالله، فإذا سأل فإنه يسأل ربه سبحانه، وإذا دعا فإنه يتجه بدعائه إلى الله - تبارك وتعالى ـ وهكذا علّم النبي وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ا إذ قال له: «يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، واعلم أن أهل السماوات والأرض لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك» (1).
ولكن مع
هذا فإن الله تعالى يبتلي بعض عباده ببعض، ويبتلي بعض
مخلوقاته ببعض لحكمة يعلمها الله الله، فهو يسلط من يشاء على من
(1) رواه الترمذي (2706) وأحمد (2721). (2/67)
صفحة 515
68
الفتاوى العقيدة
يشاء، ويقي من يشاء شر من يشاء، كل ذلك لأنه مدبر هذا الوجود ومصرّفه، ويفعل في خلقه ما يريد لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا تبديل لكلماته، وذلك لابتلاء العباد عندما يصابون بمثل هذه المواقف هل يصبرون أم يجزعون؟ فإن الإنسان مجزي بصبره خيرا عظيما، وقد
بشر الله الله الصابرين في آيات كثيرة، منها قوله لا: وَبَشِّرِ الصَّبِرِينَ [البقرة: 155]، ويقول تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]، وهذا لأجل أن يوطن الإنسان نفسه لجميع الشدائد التي يلقاها، والمحن التي يكابدها ويواجهها؛ حتى لا يجزع عند وقوع شيء من ذلك، بل يكون أشد صلة بالله وأشد إيماناً به الله.
والسحر الذي ذُكِرَ في القرآن الكريم إنما هو نوعان:
1 - سحر تخيل، بحيث يخيل الإنسان للإنسان ما ليس بواقع أنه واقع، وهذا أمر معهود، أنا شاهدته بنفسي، كنت في الصين، ورأيت كيف يتصرف الساحر، فيخيل للناس أشياء غريبة، رأيت أحداً من الناس جاء بورقة من الورق ولواها، ثم أخذ يصب فيها حليبا، وبعد حين نفض هذه الورقة، وإذا بها بدلاً من أن ينسكب منها حليب يسقط منها منديل، ثم بعد ذلك غطى على المنديل بشيء، وبعد ذلك كشف هذا الغطاء فإذا ببطة ـ تسمى هناك عندهم ببطة بكين تطير من هناك، وهذا كله من السحر وليس هو من الحقيقة في شيء، والله ذكر ذلك في قصة موس فرعون عندما قال: موسى مع يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]، فالخيال هذا أمر واقع، وهو مشاهد، وكثير من الناس تحدث به.
2 ـ والنوع الآخر الذي تحدث عنه القرآن الكريم هو السحر الذي يكون بإلقاء العداوات والكره في النفوس؛ بحيث تكره نفس نفسا أخرى، وهذا (2/68)
صفحة 516
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
69
أيضاً يقع، والله - تبارك وتعالى - يقول: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102]، ولكن مع هذا يقول: {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ 102]، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَن اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَةٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102]، فهم لا يملكون أن يُوقعوا المضرة إلا عندما يريد الله - تبارك وتعالى - وقوعها ابتلاء منه سبحانه.
فالسحر لا ينفعل بنفسه، وإنما ينفعل بأمر الله تعالى، فإذاً هذان النوعان هما المذكوران، أما ما شاع وذاع في أوساط الكثير من الناس من أن السحرة يأكلون لحوم البشر، وأنهم يخفون البشر ويظهرونهم للناس أنهم موتى، وقد يُخيَّلُ لبعض الناس أن فلاناً ميت وليس هو بميت، وإنما أخفي من قبل الساحر، ويُخيَّلُ إليهم أنه يُغسل غسل الموتى والذي يُغسل في الحقيقة هو جماد وليس ذلك الرجل الذي يخيل إليهم أنه مات، فكل من ذلك لم يقع، وكل من ذلك لم يدل عليه دليل قط لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله، فهذا إنما هو من الأوهام والأساطير التي تعشش في الأدمغة المريضة، والتي يُروّج لها في المجتمعات الساقطة المجتمعات التي شاع فيها الجهل وانحسر عنها العلم.
وأنا بنفسي تابعت قضيتين اثنتين قضية واحدة سمعت الكثير من الناس أن شاباً مات ودفن، ووقف أبوه على قبره، ودفنه بنفسه، وواراه في التراب، ثم بعد سنين ظهر، وشاع ذلك حتى وجدت أحد المشايخ مع الأسف الشديد دوّن هذه القصة بقلمه، وبعد هذا جاء أبو الشاب وأمه إليّ، وذكرا أن ابنهما وجداه بعينه، وأن كل العلامات التي كانت في ابنهما ظهرت في هذا الذي وجد، ولكن قالا بأنه استولى على عقله الساحر، ولا يعترف بأبوة أبيه له ولا بأمومة أمه، بل أصبح ينتمي إلى ذلك الساحر، والقضية وصلت إلى (2/69)
صفحة 517
70 الفتاوى العقيدة
الشرطة، وإذا بي في نفس اليوم ألقى ذلك الشاب وقد كان هذا من قدر الله تعالى المقدور، لقيته في عزاء، وحضر أمامي، وعُرضت عليّ قضيته؛ لأنه طلق امرأته وهو في حالة يرثى لها بسبب فقدانه الوعي والنباهة، فسألت عنه أهو الذي يقال بأنه مسحور؟ فقيل لي نعم، وقد وصل الأمر إلى حد أن بعض الجهات الرسمية صدقت بهذا الأمر، حتى قالوا لذلك الذي يدعي أنه ابنه خذه إليك؛ لما جاء به هو وامرأته من العلامات التي ظهرت فيه، ولكن في نفس الوقت هنالك جماعة من الناس يشهدون بأن هذا ابن فلان وأنهم عرفوه منذ ولد إلى ذلك الوقت، وابن خالته شخصية بارزة، شخصية لها مكانة اجتماعية ومكانة سياسية في الدولة والمجتمع، ولذلك كان وجود هذه الشخصية سببا للحيلولة دون هذا التصرف الأهوج.
هذه
هي
القضية الأولى على أن أخواتها من القضايا إنما هي شبيهة بها
ولا تخرج عنها، وأما القضية الأخرى التي روّج لها فإنه قد أشيع عن رجل بأنه ظهر بعد اختفاء مدة طويلة، وبعدما ظهر لأبويه أنه مات، وجاء إلى
6
المجتمع الذي كان يعيش فيه الشاب الميت الذي تقمصه بعد حين، وجاء إلى أم ذلك الشاب وقال أنا ابنك، وأظهر لها العلامات التي تعرفها في ابنها، وأخذ يحدثهم عن قصص ذلك الشاب وعن أخباره وماذا كان من أمره، هذا الرجل رُوّج لقضيته هذه حتى جيء بصورته في بعض الصحف المحلية ونشرت قصته وصارت قصة شائعة تحدث عنها الصغير والكبير، ثم تورط مع امرأة خائنة، واتفق هو وإياها على التخلص من زوجها، وفعلا وقع هذا التخلص قتلاه جميعا لأجل أن يتزوجها فيما بعد، وبعد هذا كله القضية رُصدت في الجهات الأمنية باسم ذلك الذي قالوا عنه بأنه مسحور، أي باسم ذلك الشاب الذي توفي قبل سنين، وكان قد غرّر بأم ذلك الشاب، وأكد لها بأنه ابنها وصدقته كل تصديق، وعندما عرضت القضية علينا في اللجنة
بعلاقة (2/70)
صفحة 518
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
71
الشرعية، سألت هذا الرجل ما اسمك الحقيقي؟ فاعترف بكل الحقيقة، وقال: اسمي فلان بن فلان الفلاني، وأبي هو فلان بن فلان الفلاني، وأمي فلانة بنت فلان الفلانية فاندهشت منه حتى تلك العاهرة التي شاطرته الجريمة، وقالت له: ألا تقول بأن أمك فلانة؟ قال ليست بأمي، ولكنني ابتليت بها، فقلت له: بل هي التي ابتليت بك والرجل اتضحت حقيقته قبل أن يُعدم، ووضحت صورته كما هي، وتبين أنه لعب بعقول الناس، فإذاً كل هؤلاء إنما
من
هم شياطين، وهم يلعبون بعقول الناس، ويجدون في المجتمع المنحط من يساندهم، فعندما سألته أخبرك بقصص ذلك الشاب الذي توفي قبل سنين حتى تقمصت شخصيته وأخذت تحكي قصصه التي تحكيها كأنك شاهد عيان، وكأنك أنت صاحب هذه القصص التي تحكيها؛ أجابني بأن أخاه أي أخا ذلك الشاب من أبيه هو الذي علّمه تاريخه جميعا وحفظه إياه حتى استطاع أن يغرّر الناس بما يحكيه منه، فهكذا شأن هؤلاء.
أما السؤال عن سحر النبي عليه وعلى آله وصحبه ـ أفضل الصلاة والسلام - فلا ريب أن ذلك مما ورد في الصحيحين، وتقبله الكثير مع
:
الأسف الشديد، ودوّن في الكتب، ولكن عندما نرجع إلى التحقيق نجد أنه ليس كل ما ثبت سنده ثبت متنه، فالروايات يجب أن تنقد من حيث المتون
كما يجب أن تنقد من حيث الأسانيد، فالنقد من حيث الإسناد لا يكفي. ومما هو معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما، وحالة السحر التي حكيت حالة لا يمكن أن تصيب النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ بحيث يُخيَّل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله، يخيل إليه أنه يأتي نساءه وهو لا يفعل ذلك، هذه حالة لا يمكن بحال من الأحوال أن تصيب المعصوم - صلوات الله وسلامه عليه ـ الذي ينزل عليه الوحي من عند الله؛ لأن هذا مما يجعل المجرمين يشككون في الوحي؛ إذ بناء على هذا يكون غير مأمون أن يصاب بالتحريف (2/71)
صفحة 519
72
الفتاوى العقيدة
ومن
والتبديل من جراء هذا الذي يزعم هؤلاء الزاعمون أنه أصيب به النبي خلال ذلك روّج لقصة الغرانيق التي روّج لها المروجون، وما هي من الحقيقة في شيء، إنما هي خيال في خيال، ولكن تلقفها المتلقفون، وأظهروها في صورة مزوّقة تغري النفوس بقبولها، وليست هي من الحقيقة في شيء، فعلينا أن نوقن بأن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من عند الله، وأن كل ما ينطق به إنما هو وحي من عند الله تعالى فلا يمكن أن يؤثر عليه سحر الساحرين، كما لا يمكن أن تتدخل الشياطين في الوحي الموحى إليه من رب العالمين؛ حتى يخيل للناس ما يمليه أولئك الشياطين أنه من جملة الوحي. والله تعالى المستعان.
هل يستطيع الساحر أن يخفي إنساناً عن الأنظار من دون أن يميته؟ قد يُخفي نفسه، إذ يمكن للساحر بسبب ما يُخيّل للناس من سحره أن يخيل لهم أنه حيوان يمر كما يمر الحيوان بين أيديهم، ويمكنه أن يُخيّل للناس غير الواقع أنه واقع، ويخيل لهم ما هو واقع ليس بواقع مجرد خيال، يخفي عن الأبصار ما هو، ظاهر لكن أن يتصرف بحيث ينقل أحداً من مكان إلى مكان، ويخفيه عن الأنظار، ويأتي بخشبة مثلا فيصورها في صورة إنسان، فهذا أمر مستحيل لا يُصدق.
أنا امرأة ولله الحمد ملتزمة بديني من فروض وتطوع، وأعتني ببيتي وأولادي، وقبل فترة من الزمن تزوج زوجي علي زوجة أخرى، وكانت على خلق، و دين ولكن طرحت عليّ إحدى القريبات مني فكرة (عمل)؛ أي تفريق بين زوجي وزوجته، فقمت بهذا العمل وتم التفريق بين زوجي وزوجته، وزوجي في الحقيقة لا يؤمن بهذا، ولا يشك في أبدا، فماذا علي؟ من تعامل مع السحرة فقد كفر، وعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله توبة نصوحا، وأن ترجع إلى حظيرة الحق التي خرجت منها، وأن تطلب من
6 (2/72)
صفحة 520
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
73
زوجها العفو عما أجرمته في حقه، وأن تطلب من تلك المرأة التي تسببت للفراق بينها وبين زوجها أن تسامحها، وعليها أن تصلح ما أفسدته بقدر المستطاع، بحيث إن كانت دفنت شيئا من هذا العمل الخبيث في مكان أو استعملت شيئاً من ذلك عليها فإن عليها أن تنتزعه وتتلفه بمشيئة الله تعالى وأن تطلب من الله سبحانه أن يقضي على أثر هذا السحر الخبيث، وبهذا تكون ذمتها بريئة وتوبتها مقبولة والله تعالى المستعان.
ألا يجب عليها أيضاً أن تخبر عن ذلك الرجل الذي عمل لها
التفريق حتى تتبعه السلطات ويلحق به العقاب؟
إن كان بحيثُ يمكن أن تناله السلطات فنعم، ولكن إن كان في مكان قاص بعيد بحيث لا يمكن أن تمتد إليه يد العدالة، بحيث يكون في دولة أخرى فماذا عسى أن يقال في مثله والله أعلم؟!
هنالك من يعالج بالقرآن الكريم، وهو حسب الظاهر من الثقات، وهذا المعالج يخبر المريض بأنه مسحور، أو أن أحداً من الناس وضع له عملا، فكيف استدل المعالج على ذلك؟ وما الحكمة من سؤال المعالج عن اسم أم المريض؟ أما السؤال عن سؤال اسم أم المريض فذلك مما يدخل في التنجيم، والتنجيم باطل وهو حرام حرام حرام، لا يجوز لأحد من الناس أن يفعله، ولا يجوز لأحد من الناس أن يأتي من يفعله، فإن التنجيم إنما هو من بقية المعتقدات الضالة، معتقدات الذين يعتقدون أن لهذه النجوم تأثيراً في حياة الناس، فيجب على الناس أن لا يصدقوا هذا الذي يدعي علم الغيب؛ لأن القرآن صريح في أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فالله تعالى يقول: {قُل لَّا يَعْلَمُ (2/73)
صفحة 521
74 الفتاوى العقيدة
مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65]، فلا يجوز لأحد أن يصدق قط أن هنالك من خلق الله تعالى من يعلم الغيب في السماء ولا في الأرض، هذا ما يجب أن يكون في قرارة نفوسنا جميعاً فإن معرفة البشر بالغيب من غير وحي يوحي إلى أمر مستحيل، ومن كان في قرارة نفسه خلاف ذلك فقد كفر بما أنزل على محمد؛ لأنه كفر بصريح هذه الآية الكريمة.
ونحن نطلب من أولئك الذين يتورطون ويذهبون إلى هؤلاء العرافين أن يعودوا قبل كل شيء إلى عقيدة الإسلام وأن يستلهموا الحقائق من القرآن الكريم، وأن لا يقعوا أسارى لأولئك الذين يروّجون بينهم هذه الأوهام، فإنهم بهذا تعمى عليهم السبل، ولا يجدون الطريق الذي يؤدي إلى الحقيقة، فليتقوا الله تعالى وليرجعوا إلى رشدهم، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أتى عرافا فسأله فقد كفر بما أنزل على محمد (رواه أحمد والبيهقي في السنن
الكبرى)، والله تعالى المستعان.
ما مدى صحة استخدام المعالج للأخوة المسلمين من الجن في إبطال الأعمال والأمراض من الجسم؟
الجن لا يعلمون الغيب فالله - تبارك وتعالى - يقول وهو أصدق القائلين: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14]، ثم إن الله له بين في سورة الجن أن تشبث الإنس بالجن وتعلقهم بهم من أجل دفع الضرر أو من أجل تحقيق المنافع أمر لا يزيد هؤلاء المتشبثين إلا رهقا {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَمُوذُونَ بِرِجَالِ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6]، فالتعلق بالجن من أجل دفع شيء من هذه المضار أو تحقيق شيء من المكاسب لا يعدو أن يكون من الأمور التي هي وليدة الأوهام والجهل والخرافة، فلا يجوز لأحد أن يصدقها. (2/74)
صفحة 522
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
Vo
وأنا أتعجب من تصديق هذه الأشياء من قِبَل أحد يتلو كتاب الله تعالى
ويصلي وفي صلاته يقرأ سورة الفاتحة الشريفة، وهذه السورة فيها ما يبين أن الاستعانة لا تكون إلا بالله كما أن العبادة لا تكون إلا له، فالله تعالى يعلمنا
كيف نستعين وكيف نعبد؛ بحيث لا نستعين إلا به ولا نعبد إلا إياه، فيقول:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فكما أن العبادة لا يجوز أن تكون إلا لله فالاستعانة أيضاً يجب أن لا تكون إلا بالله الا الله ولا يملك المخلوق إلا العلاج الذي هو سبب للشفاء، هذا في الأمور التي لم يجعل الله تعالى التعاون فيها بين الناس من سنن الحياة ونواميس الوجود، أما الأمور التي جعل الله تعالى التعاون فيها بين الناس من سنن الحياة ومن نواميس الوجود فلا مانع من استعانة أحد بأحد؛ فللإنسان أن يأتي إلى غيره من الناس ليقول له أعني بإقراض مبلغ من المال، ولكن ليس له أن يقول له أعني فاجعلني من الأغنياء، وله أن يقول له: أعني بحيث تعالجني من هذا المرض، ولكن ليس له أن يقول له: أعني بحيث تشفيني من هذا المرض؛ فإن الشافي إنما هو الله الله، وللإنسان أيضاً أن يقول لغيره: أعني بحيث تحمل معي هذا الحمل، أو تحمل هذا الحمل، ولكن ليس له أن يقول له: أعني بحيث تجعلني قوياً قادراً
عني على حمل هذا الحمل، فإن ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله - تبارك وتعالى -. ولما كان ذلك من مقدور الله تعالى وحده فليس لأحد أن يستعين عليه بأحد إلا به تبارك وتعالى، فليس له أن يستعين بإنسي أو بجني عليه، فالإنس والجن جميعا لا يملكون دفع ضرر ولا يملكون تحقيق منفعة إلا بأمر الله تعالى، والله تبارك وتعالى ـ يعلمنا من خلال ما يحكيه عن إبراهيم أن الشفاء إنما هو بيد الله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80]، ولكن بما أن الله تعالى جعل لكل داء دواء فالطبيب المعالج إنما يستعمل الدواء النافع سواء كان هذا الدواء حقنة أو شرابا أو كان هذا الدواء من خلال عملية يجريها ويستأصل بها العلة،
6 (2/75)
صفحة 523
76 الفتاوى العقيدة
أما أن يكون ذلك الطبيب هو نفسه يملك بأن يشفي أحداً فلا، وإلا لكان هذا الطبيب قادراً على أن يدفع الموت عن الناس، وكم من أحد يعالجه الطبيب وهو يتماثل للشفاء وإذا به يموت وهو على تلك الحالة، فالله - تبارك وتعالى- وحده هو الشافي، وهو الذي يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، والله المستعان.
قال الله تعالى: {وَجَاءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمِ} [الأعراف: 116]، ما المقصود بسحر
عظيم؟
جاءوا بسحر عظيم؛ لأنهم خيلوا لموسى علي أنه من أرسخ الناس مع عقلا، وأحياهم نفساً، وأكثرهم بصيرة - أنها تسعى وما هي بساعية، فهذا سحر عظيم والله أعلم.
الناس يلصقون بمن يتهمونه بالسحر بعض الصفات، فيقولون بأن الساحر لا يمكن أن يقرب مسجداً، ولا يمكن أن يذهب إلى الحج، فإذا
وجدوا شخصية من هذا النوع اتهموه بالسحر، فهل هذا صحيح؟ لا الساحر قد يأتي المسجد وهو في حقيقته ساحر وقد يحج أيضاً وهو ساحر، والله أعلم.
هل يُعد الساحر كافرا؟
نعم، هو كافر لأنه يستمد من وحي الشياطين، وليس هو من الإيمان في شيء، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «اقتلوا الساحر والساحرة»).
(1) روي
هذا
من قول عمر بن الخطاب الله رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (3195) ويشهد له حديث: «حد الساحر ضربة بالسيف رواه الترمذي (1380) والبيهقي في السنن الكبرى
(16277) (2/76)
صفحة 524
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
VV
ما
هي عقوبة الساحر في الآخرة؟
عقوبته في الآخرة عذاب جهنم خالداً فيه مخلدا والله أعلم.
الإنسان الذي لا يعتني بنظافته ولا يكون نظيفاً في ملابسه وفي مظهره، هل يكون معرضا للسحر؟
الشياطين تألف الخبيث، فإن كان لا يتقي النجاسات فلربما كان ذلك سبباً لقرب الشياطين منه بسبب عدم اتقائه هذه النجاسات، وقد يكون أيضاً الخبث المعنوي سبباً لأسر الشياطين لأولئك كما قال تعالى:
أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيْطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَنَّا} [مريم: 83]، فقد يكون الخبث المعنوي - وهو أن يكون هذا الإنسان خبيث النفس عاصيا الله الله مجانباً لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصيام والحج وسائر العبادات وسائر الأعمال بعيداً عن ذكر الله ـ مما يؤدي أيضاً إلى أن تتلبس به الشياطين، والله تعالى أعلم.
امرأة كان لها زوج شديد وقاس ويعمل الأعمال السحرية ليضر بها الناس وكان يجبرها أن تدفع تلك الأعمال السحرية في أماكن معينة تشاهد بنفسها المقصودين بالسحر يتضررون وهي الآن مطلقة وتائبة ولكنها تسأل عما يمكن أن تُكفّر به عن ذلك الذنب؟
ثم
إن الله تعالى لم يترك الناس شدى، ولم يخلقهم هملا، بل كل إنسان محاسب على ما قدم وأخر، ومسؤول عن فعله:
أَيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِي يُمْنَى (3) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (3) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحْتى الموتى} [القيامة: 36 - 40] بلى، وإنه سبحانه سوف يحاسب كل أحد بعد إحيائه على ما قدم وأخر في هذه الحياة الدنيا، لهذا كانت طاعة من تحق لهم الطاعة من البشر مؤطرة في (2/77)
صفحة 525
78
الفتاوى العقيدة
حدود طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، فما كان لأحد أن يطيع أحداً من الناس أيّاً كان - زوجاً أو والداً أو أي أحد له شأن وقدر ورفعة ـ في معصية
الله وعمل، فإنّ معصية الله وعل أمر عظيم، ومن شأن المؤمن ألّا يتردد في طاعة الله وفي طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
لأنه اجترأ على الله ذي الشأن العظيم والذي له الحق في أن ينقاد له كل أحد من أعماق نفسه.
هذا والسحر هو أكبر الكبائر، لأنه يتضمن الإشراك بالله، والشرك بالله هو أكبر الكبائر، لأن السحر فيه طاعة للشيطان، وتجاوب مع عمله، وانقياد له، وإيثار لطاعته على طاعة الله، وكفر بما أنزل الله تعالى، لذلك كان السحر معدوداً من جملة الإشراك، ولذلك جاء في الحديث عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام: «اقتلوا الساحر والساحرة»، فالساحر والساحرة حكمهما أن يُقتلا، بسبب ردَّتهما عن الإسلام .. على أنَّ السحر مهما كان إنما يضر من كتب الله تعالى عليه التضرر به فالله تعالى يقول: {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102]، ولكن مع ذلك هو من أعظم الكفر، 102]، ولذلك تجد التصريح بما يدل على أنّ السحر داخل في ضمن الكفر في قول الله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تكفر} [البقرة: 102]، ومعنى ذلك أن من تعلم السحر فهو كافر، أو من سعى وراء ضلالات السحر فهو كافر، فما كان لهذه المرأة أن تطيع زوجها فيما يأمرها به من الكفر ومخالفة الحق، وعليها - بطبيعة الحال ـ مع التوبة إلى (2/78)
صفحة 526
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
79
الله و أن تتخلص إلى أولئك الذين تضرروا، وذلك بأن تضمن لهم ما لحقهم في أنفسهم أو في أموالهم إلا أن ينزلوا عن حقهم ويعفوا عنه، فإن ذلك أمر سائغ؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.
مع
لأنهم
ولكن
قضية تلبس الجن بالإنس، هل هي حقيقة أم هي أمور نفسية؟ هذه القضية بحثها العلماء ووقفوا منها موقفين منهم من قال بدخول الجن في جسم الإنس لأنّ أجسامهم أجسام لطيفة، أي هم أقرب إلى الروحانية فلذلك يتمكنون من الدخول؛ ومنهم من قال بعدم دخولهم ولو كانت أجسامهم لطيفة إلا أنهم أجسام فلا يتلبس جسم بجسم وا هذا هنالك تأثير من حيث الإيحاء فقد يتكلم الإنسان كلاماً يوحيه إليه الجني الذي تلبس به بطاقته الروحانية لا بدخوله في جسمه حسب ما يبدو، وإنما يؤثّر عليه تأثيراً حتى يتحدث بما يتحدث به؛ وهذه القضية لا ننكر وقوعها إلا أنّ ذلك قد رُوّج له ترويجاً عجيباً عند الناس، وهذا الذي جعل الناس يتأثرون تأثراً نفسياً عجيباً، وتترادف عليهم الأمراض النفسية، وتكثر عندهم الأوهام، وتشيع عندهم الخيالات حتى يتحدث الإنسان بأنه رأى كذا ورأى كذا وأنه يحس بكذا في حالة نومه أو مه أو في حالة انفراده أو في غير ذلك من أنواع الحالات وهذا في الغالب ناشئ عن حالات نفسية، ولقد وصل الأمر بالناس أن أحداً إذا أحس حشرجة في حلقه قال: «هذه من أثر الجن»، أو أوجعته أذنه قال هذا من الجن»، أو وجعه رأسه قال: «هذا من الجن»، أو أصابه أيّ شيء قال: «هذا من الجن» .. كأنما الإنسان ليس عرضة للبلاء، فمثل هذه الإشاعات أوحت إلى الناس إيحاءات غريبة، وأثرت عليهم تأثيراً نفسياً فلذلك كان من الواجب أن تكافح ويُؤمر كل أحد أن يستعيذ بالله من
الشيطان الرجيم، وعندما شكا عبد الله بن عمرو بن العاص إلى النبي عليه (2/79)
صفحة 527
80 الفتاوى العقيدة
أفضل الصلاة والسلام أنه عندما ينام يرى أهوالاً علمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون» (1)؛ فالمسلم يؤمر أن يتقي الله في جميع في جميع أحواله وأن يتقي الله عندما ينام فلا ينام إلا على طهارة، وأن يستيقظ على نية خالصة لوجه الله تعالى، وأن يذكر الله قبل نومه وعند يقظته، وفي جميع أحواله، فإن استجابة المسلم لذكر الله تعالى في أحواله المختلفة سبب لوقايته من هذه الشرور، ومن هذه الأوهام، فإن الله تعالى يقول: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَينُ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]؛ والله - تعالى - الموفّق.
نجد من خلال تفحصنا لواقع الناس أن مشكلة أيضاً وقعت في هذا الموضوع فقد تنشز زوجة أحدهم عليه فيبقى حائراً هل ذلك النشوز هو بسبب السحر، أم بسبب أنها لا تحبه أو لا ترغب فيه فيرتبك ويضطرب فلا يدري كيف يتصرف .. هل هنالك علامات معينة تدل على أن الزوجة إنما تأثرت بفعل السحر؟
نحن لا ننكر أن يكون هنالك سعي من بعض السحرة والدجالين للتفريق بين المرء وزوجه، كما قال الله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102) ولكن مع هذا لا يقع ذلك إلا بقدر من الله كما 102] قال تعالى: {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102] .. فالضرر إنما يقع إذا كتبه الله تبارك وتعالى وإلا فإن سحر الساحر لا يؤثر حتى يكون ذلك أمراً مقدراً من قبل الله سبحانه؛ وكثير من الناس ربما يتوهمون أنّ ما يقع بينهم من خصومات وما يقع بينهم من خلاف إنما هو بسبب سحر الساحرين، ولا يلزم أن يكون ذلك صحيحاً، بل لعله من النادر أن يكون
(1) رواه الترمذي رقم (3451) وأحمد (6409). (2/80)
صفحة 528
الإيمان بالقضاء والقدر
ذلك
في
الجزء الثاني
81
بسحر السحرة فإنّ كُره المرأة لزوجها، وكراهة الرجل أحياناً لامرأته قد تحصل بدون أن يكون هنالك سحر، والخلاف ما بين الزوجين يقع حتى أطهر البيوت بيت النبوة فالنبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام كان أحياناً يقع خلاف بينه وبين أهله، حتى أنه اعتزل نساءه لمدة شهر؛ وما ذلك إلا بسبب ما يقع من خلاف فيما بينهم، فلا يُعد هذا أمراً خارجاً عن الطبيعة، وعن المألوف، والله أعلم.
الكثير من هذه العلاجات التي يَدَّعِيها بعض الناس ـ أو يقولونها - مبنية على أفكار معيَّنة وعلى حقائق كما يعتبرونها هم، وأول هذه الأفكار حقيقة تلبس الجن بالإنس - كما يسمونها هم ـ هذه المسألة دار حولها جدل كثير .. بعضهم ينفيها وبعضهم يثبتها، حتى أن بعضهم يعيب على المسلمين أنَّهم يؤمنون بهذه الفكرة - أو بهذه المسألة ـ على الرغم من أنّ العالم الآخر الذي يُحيط بهم لا يُوجَد لديه شيء من هذا فلماذا الجن تأتي إلى المسلمين فقط فتتلبس بهم ولا تأتي إلى غيرهم؟! ما حقيقة هذا الموضوع؟ إنَّ مِن الواجب على المسلم أن يكون في قرارة عقيدته وملء نفسه الكون كله إنَّما هو ملك الله، فالإنس والجن إنَّما هم مخلوقون خَلَقَهم الله
الله،
أنَّ
وهم مُصرَّفون مِن قِبَله فلا يملك أحدهم أن ينفع أحدا أو أن يَضُرَّه إلا بأمر ولا يملك أحدهم أن يدفع عن أحد ضرّاء ـ أيضاً ـ إلا بأمر الله تعالى، فالتعلق بالجن إنَّما هو تعلّق بوهم من الأوهام، إذ الله تعالى يقول: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالِ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6]، فأولئك الذين كانوا يعوذون برجال من الجن كانت نتيجته أنَّهم زادوهم رهقا، ولعل كثرة اشتغال الإنسان بهذا الجانب، والتَّعَلُّق بهؤلاء الذين يعتقد أنَّهم يُصرفون الأمور (2/81)
صفحة 529
82 الفتاوى العقيدة
ويُقدِّمون ويُؤخِّرون ويكونون سببا للبلاء وسببا للعافية مِمّا يُؤدِّي إلى هذا
الرَّهَق الذي أصاب الكثير من الناس.
هذا
مع أَنَّنَا علينا أن نكون، وَاقِعِيِّين، لا أن نكون مغالين لا في هذا الاتجاه ولا في الاتجاه الآخر، فنحن لا يُمكن أن تُنكر أن يكون هناك ضرر من قبل بعض الجن ببعض الإنس وهذا ما يدلُّ عليه القرآن الكريم، فإنَّ الله تعالى يقول حكاية عن عبده أيوب:
أَنِي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبِ وَعَذَابٍ} [ص: 41]، فقد يكون الشيطان سببا لهذا النُّصب ولهذه المشقة ولهذا البلاء، ولكن ذلك إنَّما هو بتسليط من الله، إما ابتلاء لِمَن يُريد أن يَبْتَلِيَه، وإما عُقوبةً ونَكالاً لِمَن كان حائداً عن طريق الحق، كما يقول الله تبارك وتعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيْطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَذًا} [مريم: 83]. أَنَّا وهذا ليس هو عند المسلمين فقط بل حتى في العالم الغربي، فقد ذكر لي بعض الناس أنه اطلع على «فلم» جاء من العالم الغربي خصيصا يَكشِف هذه الناحية التي وُجِدَتْ عندهم، فلا يقال بأنَّ هذه الحالة أو هذه الأفكار عند المسلمين فقط، بل هي موجودة حتى عند غير المسلمين، ولها شواهد. ولكن كيف نوع هذا التأثير؟
هل بدخول الجنّي في جسم الإنسي؟ وهذا رأي طائفة من أهل العلم. أو أنَّ للجان قوةً روحية، يمكن من خلالها أن يكون تأثيرهم على نفوس الإنس الضّعاف أو المبتلاة فيُؤدِّي ذلك إلى أن يَنجذب الإنسان انْجِذَابا لما يمليه عليه هذا الجان، وهذا أوضح، فإنَّ الحديث الذي هو خارج عن المألوف الذي ربّما كان من الإنسان عن أمور بعيدة عن المحيط الذي هو فيه أو كان بلغةٍ غيرِ اللغة التي ألِفَها وعرفها، كأن يتحدث الأعجمي (2/82)
صفحة 530
الإيمان بالقضاء والقدر
بالعربية مع بالأعجمية
الجزء الثاني
83
أنَّه ما تحدث في حال صخوه بالعربية قط أو أن يتحدث العربي أنَّه ما كان يعرفها ولربَّما كان لا يَختلط بأصحاب تلك اللغة مع وهذا مِمَّا يَحصُل فهذا إنَّما الأقرب فيه أنه يكون بإيحاء، لأنَّ تأثير الشيطان على الإنسان إنَّما هو تأثير رُوحاني، فمن خلال الطاقة الروحانية التي جعلها الله تعالى في الشياطين يُمكن أن يكون هذا الإيحاء.
بمجرد
هي
وهذا لا يستغرب، فنحن نرى أنَّ الطاقة الروحية تفعل العجب العجاب، حتى ما بين الإنسي والإنسي، فلربما كانت رُوح أحد أحد من الناس أقوى فيكون لذلك الشخص تأثير غريب على شخص آخر تكون روحه أضعف، ومن هذا الباب التنويم المغناطيسي، فإنَّه رُبَّما ينام الإنسان د نظرة من إنسان آخر يفتح عليه عينيه وينام، وأنا قرأتُ في بعض الصحف أنَّ التنويم المغناطيسي قد يكون حتى من خلال الاتصال بالهاتف، وهذا لا يُمكن أن يكون مُجرّد طاقة كلامية عادية، وإنما طاقة روحانية مؤثّرة، فهذا ما لا يُمكن أن نُنكِره إلا أنَّ الناس أفرطوا وتجاوزوا الحدود، فصاروا كأَنَّهم خُلِقوا بَرِيئين من كل الأمراض فلا يُصاب أحدهم بعِلّة قط ولا يُبتلى بأي مرض حتى يدعي أن ذلك من طريق الجان، مع أنّ المرض أمر معهود في البشر، فالإنسان يتقلب في حياته بين الصحة والمرض وبين البؤس والنعيم وبين الراحة والتعب وبين الحزن والفرح، فالإفراط الذي يُؤدِّي بالناس إلى أن يعتقدوا أن كل أنَّ ما يُصيبهم إنَّما هو من تأثير الجنّ أمر مذموم، فلو أن أحدا أصيب بوجع في رأْسه أو ضِرْسه أو أُذُنه أو أنفه أو رجله أو أي نوع من أنواع الأوجاع قال بأن ذلك من تأثير الجان، وهذا كلام خارج عن المعقول، فالله تعالى يبتلي من يشاء بِما يشاء، وقد ابتلى الله تعالى النبيين الا بما أصابهم من الأمراض والبلاء والحزن فيعقوب ابتُلي بالحزن بسبب ولده (2/83)
صفحة 531
???
84 الفتاوى العقيدة
يُوسف حتى وَأَبْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84]، علي وكذلك ابتلاء أيوب الله وإن كان هو بنفسه قال:
أَن مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبِ وَعَذَابِ} [ص: 41] ولكن مع ذلك فإن البلاء في الأصل أن يكون من الله تبارك وتعالى، وإبراهيم قال: {وَإِذَا مَرِضْتُ علي فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 480، ولننظر كيف جاءت هذه العبارة بما يدلُّ على القطع بوقوع المرض، فإنَّه لم يقل: «وإن مرضتُ»، فإنَّ «إنْ» تُفيد الشك بين الوقوع وعدمه، بينما «إذا» تُفيد اليقين بالوقوع فلذلك قال: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] .. ومعنى ذلك أنَّ المرض أمر معهود في النبيين الصالحين، فكيف بغيرهم.
فالإنسان يُبتلى بالكثير الكثير من الأمراض والبلاوى المتنوعة، ولا يلزم أن يكون ذلك كله من جانّ أو من إنس.
والناس الآن يعتقدون أنّ كلَّ ما يصيبهم إنَّما هو بسحر ساحر أو بأثر من
التلبس بالجان، وهذا خطأ كبير.
ومع
الطبيعية،
هذا ـ أيضاً ـ نجد أنّ الكثير من الناس تركوا العلاج بالوسائل أنَّه لابد من العلاج بالوسائل الطبيعية، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر
مع
بالتداوي، وقال: «تداووا عباد الله، فإنَّ الذي أنزل الدَّاءَ أنزل الدَّوَاءَ» (1)، وقال: لكلِّ دَاءٍ دَواء إلا الموت» (2)، فلكل داء دواء عَلِمَه الناس أو جهلوه موجود
في هذا العالم الذي نعيش فيه إلا الموت فإنه لا دواء له، حتى الأمراض التي لم يُكتشَف لَها دَواء إلى الآن كأنواع من السرطان ـ مثلاً ـ لا بد من
(1) رواه أبو داود (3376) بلفظ قريب.
أن
(2) رواه مسلم (4084) بلفظ (لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله وكل) ورواه
الحاكم (8220). (2/84)
صفحة 532
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
85
يكون لها دواء، لأنه دل على ذلك الحديث الشريف عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.
فالناس مأمورون أن يأخذوا بالوسائل، وقد روي أنَّ داود ل ابتُلي بمرض فدعا الله - تعالى - أن يُعافِيَه فأمره الله أن يأخذ بالأسباب وأن يتداوى، وهذا لئلا تَتَعَطَّلَ سُنن الوجود ونواميس الكون، وإلا فإنَّ الله ـ تعالى ـ قادر على شفائه من غير علاج.
ومِمّا يذكره العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسيره «المنار» أنَّ شيخه الأستاذ الإمام محمد عبده كان أصيب بإسهال واستعصى على العلاج فرأى في منامه أحدا يقول له: اشرب من عين كذا» وهي عين معهودة أمره أن يَشرَب منها فشرب منها فعُوفي وتوقف الإسهال الذي ابتلي به فاكتشفوا من بعد أن تلك العين ماؤها يجري على عروق وهي علاج للإسهال. فالله تعالى أوجد هذه الأسباب وهو قادر على أن يكشف ذلك لبعض عباده مِن خلال رُؤى مَنَامية يرونها تدلّ على خيرهم وعلاج أمراضهم، وهو قادِر ـ أيضاً ـ على أن يجعل في الشيء البسيط الذي لَم يُعْتَدْ أن يتداوى به الناس علاجا وشفاءً لبعض الناس، لأن الله تعالى على كل شيء قدير.
وإنَّما رُكونُ الناس إلى مثل هذه الأفكار الخاطئة والتعلّق بهذه الأوهام
أن
هو ناتج عن جهلهم بالعقيدة الصحيحة، فإنَّ العقيدة الصحيحة تقتضي يكون الإنسان واثقا بربه مُتوكِّلا عليه مُنِيبا إليه معتقدا أنَّه وحده بِيَدِهِ النَّفع والضر، وأنه لو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن ينفعوا أحدا بشيء يكتبه الله ـ تعالى ـ له لم يستطيعوا نفعه، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لَم يَكتبه الله عليه لم يستطيعوا ضره، وهذا الذي دلّ عليه القرآن، فإنَّ
الله وعل يقول: (2/85)
صفحة 533
86
الفتاوى العقيدة
وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [الأنعام: 17]، ويقول سبحانه: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرِ فَلَا رَأَىدَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [يونس: 107]، ويقول جل شأنه: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].
فالإنسان المسلم يتعلَّق بهذه العقيدة الصحيحة، ويثق بمضمونها، وبأنَّ الله تعالى وحده هو الذي بِيَدِهِ النَّفع والضر، ولكن مع ذلك يأخذ بالأسباب، فيتعالج العلاج الطبيعي المعروف، وهو ـ أيضاً ـ يأخذ بالأسباب الروحانية فيَعُوذُ بالله سبحانه من شر البلاء، فإنَّ الإنسان قد يتعرض لأهوال وأزمات نفسية ولكن عندما يَعُوذُ بالله وعَل يَكشِف الضراء عنه، فإنَّ الله سبحانه يقول: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، والنبي صلى الله عليه وسلم كان عندما ينام يقرأ آية الكرسي والمعوّذَتَيْن ويَنفُتُ في يَدَيْه ويمسح على جسده، بجانب ما يقرؤه من الأوراد والأذكار والآيات والسور الأخرى، وعندما جاءه أحد أصحابه وشكا إليه الأهوال التي يراها في منامه أمره أن يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شرّ عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون»، والله ولي التوفيق.
أنتم ذكرتم الآن أنَّ التأثير الذي يكون من الجن في الإنس إنَّما هو تأثير كيف يكون هذا التأثير؟ هل يسلب عقل الإنسان؟ وهل يجعله - مثلاً - يتكلم بكلام غريب جدا بعيد عن الحقيقة؟
روحي،
نعم، قد يتكلم بكلام لا يَشعُر به وهذا لا يُستغرب، فتأثير الشيطان تأثير غريب، كتأثير الملك، فالله تعالى منح الملائكة طاقة روحانية، فهم نفوس روحانية طيّبة، بينما الشياطين نفوس روحانية خَبيثة، وهم يتصرفون بموجب (2/86)
صفحة 534
الإيمان بالقضاء والقدر
هذه الطاقة،
الجزء الثاني
87
ومن ذلك التأثير بالوسوسة بحيث يُملي على الإنسان ما يصدّه
به عن الحق، ويُزيّن له الباطل ويُغريه بالفحشاء والمنكر، بل ويُغريه أحيانا
طاقة
بالجرائم المتنوعة كل ذلك بما جعل الله سبحانه في الشياطين من روحانية خبيثة، وقد جاء في الحديث عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: «إنَّ للملَك لَمَّةً بابن آدم، وإنَّ للشيطان للمة» .. يعني أن كل واحد من الملك والشيطان له لَمَّة هذا يُلِمُّ وهذا يُلِمُّ، فالشيطان يتوعد الإنسان بالشر ويأمره بالفحشاء، والملك يأمره بالحق وبفعل الخير
ويَعِدُه بالخير. هذا هو الذي يظهر لي، أما دخول الجسم في الجسم فهذا مِمَّا يُستبعد،
والله أعلم.
البعض يقول: إنَّ هذه الأمور كلها لم تكن موجودة في العصر الذهبي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الراشدين ـ وإنما جاءت فيما بعد، فهل يعني ذلك أنَّ الناس تنازلوا عن بعض الأمور الشرعية أو ارتكبوا أشياء ... ؟
لا نستطيع أن نقول أنها لم تكن موجودة قط، فالنبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان يعوذ بالله من الشيطان، وكما ذكرنا أن أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان تأتيه أهوال في منامه، وسأل النبي فأرشده إلى ما أرشده إليه من الذكر، كما روى ذلك الإمام مالك في الموطأ (2)، وكذلك المرأة التي كانت تصرع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وسألت النبي أن يدعو لها فقال لها إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت ولك الجنة، فرأت أن تصبر على
(1) رواه الترمذي (2914). (2) رواه مالك في الموطأ (1704). (2/87)
صفحة 535
88
الفتاوى العقيدة
البلاء، ولكن شكت إليه أنَّها يُصيبها التعري عندما يأتيها الصرع، فدعا لها النبي صلى الله عليه وسلم أنْ لا يَبِين شيء من جسدها (1)، والله أعلم.
بيَّنتم
أنَّ التأثير إنَّما يكون روحانيا أما دخول الجني في الجسم فمِمَّا
اختلف فيه ...
أنا استبعده، ولا أقطع عذر من قال به، ولا أخطئه، والله أعلم.
الرقي والتمائم
المعالجة بالقرآن الكريم مع إدخال كلمات غير مفهومة، هل هذا من
الجائز؟
مَن يُعالج بالقرآن يُعالج بآيات الله تعالى، ولا يُقحِم كلمات هي بالطَّلاسم والأَلْغَاز في هذا، وإنَّما يأتي بالدعاء مع القرآن، والله أعلم.
أَشْبَهُ
ما حكم الحجاب المُتَضَمِّن لآيات من القرآن الكريم، هل تعليق الحجاب يعتبر من التوكل على غير الله؟
إذا كان يَرَى أَن ذلك الحجاب هو الشَّافِي والنافع والرافع للبلاء فهو من باب التوكل على غير الله، أما إذا كان يتَبَرَّكُ بِآيات الله ـ تعالى ـ البينات كما يتبرك بِتِلاوتِها فقد أَبَاحَ جَماعة من العلماء ذلك، والله أعلم.
،
(1) رواه البخاري (5220) ومسلم (4673). (2/88)
صفحة 536
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
89
سؤالي: إني قرأتُ مقالا في جريدةٍ عن الشيخ الشعراوي يقول فيه: «إنّ قراءة آيات الشفاء التي في القرآن تَنفَعُ في علاج المريض مثل قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءُ} [الإسراء: 482، فهل هذا صحيح؟
إن الله تعالى جَعَلَ القرآن الكريم مصدر الخيْرِ كلِّه.
ولا ريب أنّ القرآن الكريم هو شفاء للقلوب وعلاج للأمراض النفسية وعلاج لِلأَدْوَاءِ البَشَرِيَّة، لأنّ الله تعالى أنزلَه لِيَكُونَ هُدًى لِلناسِ وَبَيِّنَاتٍ من الهدى والفُرْقَان، فهو يَشْفِي مِن كل ناحيةٍ من النواحي، يَشفِي مِن الناحية الفكرية، لأنه يُنيرُ البصائر بالفكر الصحيح والعقيدة السوية والإيمان
الخالص.
وهو مع
من
ذلك شفاء ناحية العبادة، لأنه يُوَجِّه النُّفوس إلى أن تَعْبُدَ الله وَحْدَه وأن تتعلَّق به بحيثُ لا تَتعلَّق بغيره.
وهو شفاء - أيضاً - من حيثُ العلائق الاجتماعية بما يَأْمُرُ بِه مِن الخير ويَأْمُرُ بِه مِن التَّرَابط بين عباد الله المؤمنين.
وهو شفاء من حيث التشريع حيث التشريع، لأنه أعطى كلَّ ذِي حق حقه وأقامَ الناس على سواء الصراط.
وهو شفاء أيضاً من ناحية الأمراض الحِسّية المَعْرُوفة، لأنّ الله ـ تعالى ـ جَعَل فيه البَرَكَة، وقد كان النبي ـ عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام - يَستشفي به، لأنه صلى الله عليه وسلم كثيرا ما كان يستعمل الرُّقْيَة، يَرْقِي بالقرآن الكريم، وعندما يتألم ويُصاب بمرض يَقرأُ مِنَ القرآنِ فِي كَفَّيْهِ ثُم يَنْفُتْ فيهما ثُم يَمسَحُ بهما جسده الشريف، وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يرقي بالقرآنِ الكريم لغيره من الناس وقد أقر بعض الصحابة على الرقية عندما رَقَى سَلِيماً أي مُصاباً بِلَدغَةِ أَفْعَى بِالفاتحة الشريفة وقالَ لَه: «مَن أَنبأَكَ أَنَّها (2/89)
صفحة 537
الفتاوى العقيدة
رقية»، وهكذا، فهذا كُلُّه يَدلّ على أنّ القرآنَ كلَّه شفاء، فمن قرأه على نفسه وطَلَبَ مِن الله تعالى الشفاء شفاهُ الله بِبَرَكَةِ القرآن الكريم، هذا لأنّ القرآن الكريم كلام الله تعالى الذي لا يَأتِيهِ الباطل من بين يديه ولا مِن خَلْفِه كما قال تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حميد} [فصلت: 42]، ولأنّ تلاوته عبادة وقُرْبَة إلى الله، فالذي يقرأُ القرآن ويَتَقَرَّب إلي الله بِتلاوَتِه ثم يَسأَلُ الله تعالى أن يُعَافِيَه، فإنه اتَّخَذَ القرآن وسيلةً لاستجابة دعائه مِن قِبَل الله تعالى الذي يستجيب دعاء الداعين فهو حري أن يَشْفِي الله عِلَّتَه بِفضلِه وتوفيقه وهو على كل شيء قدير، وهو وحده الشافي، فكلُّ علاج يَسْتَشْفِي بِه الإنسان إنَّما يَتَّخِذُه مُجرَّدَ وسيلَةٍ فقط وإلا فالشافي الحقيقي هو الله، لأنه هو الذي يقدر تأثير الدَّوَاءِ في الداء حتى يقضي عليه أو حتى يُخَفِّفَ منه، وإلا فالدواء لا يُؤثّر تلقائيا الداء بغير أمر الله تعالى، كما يقولُ إبراهيم الخليل: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يشفين} [الشعراء: 80]، وهكذا يَشْفِي الله سبحانه عباده باستعمالهم الأدوية عندما يُرِيدُ ذلك، ويشفيهم عندما يسألونه ويتضرعون إليه، والقرآن من وسائل إجابة الدعاء فلا مانع من الاستشفاء به، والله أعلم.
في
هناك من يشتهر بكونه معالجاً عن طريق كتابة الحجب أو قراءة بعض الأوراد فيتهافت الناس عليهم، ويبقى المريض كالغريق يحاول أن يتشبث بما يمكن أن ينقذه من هذا الغرق فلا يدري كيف يقيم العالم هل هو معالج يصح الذهاب إليه ليس دجالاً أو لا، فكيف يمكن أن يعرف هذا المريض ذلك؟
هذا
الرُّقية بالقرآن الكريم مشروعة، وكان النبي يستعملها لنفسه ولغيره،
(1) رواه البخاري (2115) ومسلم (4080). (2/90)
صفحة 538
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
91
فلا مانع من الرقية بالقرآن؛ أما الطلاسم والحجب التي هي خارجة عن القرآن الكريم، وما كان نحو ذلك فإنَّه لا يجوز للإنسان أن يعتمد عليه، إذ
هذه الطلاسم لا ندري ما هو مغزاها، وما هي حقيقة أمرها الخفية عنا. وكذلك بالنسبة إلى الحجب التي تُشبه الطلاسم من حيث خفاء معانيها، أما لو كانت مجرد دعاء أو مجرد سورة من القرآن تكتب مع اعتقاد أن كتابة القرآن وحدها لا تشفي، وأنَّ كتابة الدعاء وحدها لا تشفي، وإنما الشافي الله تبارك وتعالى كما قال:
هو
وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17]، وقال: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [يونس: 107]، وقال:
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80]،
ج
فلا يُمنع أن يستعمل الأنسان مثل هذه الوسائل مع الاختلاف في كتابة القرآن ونحوه إذا كانت هذه الكتابة على هيئة حجاب لأنَّ مِن الناس من يخشى أن يكون ذلك يؤدي إلى اعتقاد أنَّ الكتابة نفسها هي النافع أو هي الشافي أو هي الدافع للمصائب والبلاوى، فعندما يعتقد الإنسان ذلك يكون اعتقاده هذا مخرجاً له عن سواء الصراط، وزَائِغاً به عن عقيدة الحق، فلذلك يكون استعمال مثل هذه الوسائل في العلاج
أمراً محرما.
هذا
مع أنَّ الدعاء وقراءة المعوذات من سور القرآن الكريم وقراءة الرقى المأثورة عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام لا يمنع ذلك كله أن يتداوى الإنسان بالعلاج العضوي الطبيعي، فالإنسان يؤمر أن يتعالج (2/91)
صفحة 539
92
الفتاوى العقيدة
بالعلاج العضوي الطبيعي، فالنبي، احتجم وتداوى وأمر بالتداوي، وأخبر أنَّ الله ـ تعالى ـ الذي أنزل الداء أنزل الدواء، وأن لكل داء دواء إلا الموت.
فأمره بالتداوي إنَّما هو حَقٌّ منه صلوات الله وسلامه عليه على تناول الدواء العضوي الطبيعي.
فيؤمر أن يأخذ بالأسباب ولا يتواكل فالعلاج نعمة، ولذلك قال من قال في العلم بأنه علمان: علم الطب للأبدان، وعلم الفقه للأديان، الطب فكونه للأبدان لأنه سبب لصحة الأبدان، وكون علم الفقه للأديان لأنه سبب لاستقامتها، وما زاد على ذلك فبلغة مجلس،
أما
علم
والله أعلم.
هل يصح لمن يُعالج بالقرآن أن يأخذ أجراً على معالجته للناس؟ يجب على الإنسان ألا يتخذ القرآن الكريم وسيلة لاكتساب المال ولا أرى أولئك الذين يُحددون مبالغ يتقاضونَها مِمَّن يُعالجونهم بالقرآن الكريم إلا محتالين همهم ما يكسبونه من مال.
أما لو أنَّ أحدا رقى مريضا بآيات من القرآن الكريم وأعطاه المريض شيئاً هدية له أو صدقة عليه إن كان فقيراً فلا مانع من أن يقبل الصدقة إن كان مُستحقاً لها وذلك بأن يكون من الفقراء، أو أن يقبل الهدية إن كان ممَّن
يهدى إليه.
أما أن يشترط للعلاج مبالغ مالية فهذه من التدجيلات التي يقوم بها المحتالون الذين يُريدون من وراء القرآن الكريم اكتساب المال والاستكثار منه، والله أعلم. (2/92)
صفحة 540
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
93
حديث: «يدخل الجنة تسعون ألفاً بغير حساب» (1)، فهل مفاد هذا الحديث أن الإنسان لا يأخذ بالأسباب؟
لا، فالأخذ بالأسباب مِمَّا يُؤمر به، والنبي صلى الله عليه وسلم حَضُّ على العلاج ورقى عليه أفضل الصلاة والسلام نفسه وغيره بآيات قرآنية، وأخذ بالأسباب في كل شيء، والقرآن يأمرنا بذلك، فكيف مع ذلك يُقال بأنَّه لا ينبغي للإنسان أن يأخذ بالأسباب، والله أعلم.
امرأة تلبس في عُنقها عقدا فيه زئبق ونُصِحَتْ مِن قِبَلِ أبنائها بِنَزْعِه ظنا منهم أنَّ هذا هو نوع من لبس التمائم وعندما لبسته كان في نيتها طلب الشّفاء. أنا ما أَدْرِي ما تَأثِيرُ الزِّثْبَق هل له أَثَرٌ في العِلاج من ناحية طبيعية؟ وهل لَه أَثَرٍ إِذا اسْتُعْمِلَ طعاما. فالإنسان لا يُمنَع مِن أن يَسْتَعْمِلَ العِلاج بل رُبَّما أُبِيحَ لَه أَن يُعالِجَ نفْسَه يما كان في الأصْلِ حَراما لضرورة العلاج، كما أَباحَ النبي صلى الله عليه وسلم لِلزِّبَيْر أن يَلْبِسَ ثَوْبَ حَرِيرِ مِن أَجْلٍ حَكَّة آذته (2).
فهكذا يُباحُ لِلإنسان أن يُعالج نفسَه بِأَيِّ طَرِيق كان، سواء بطريق الطعام أو طريق الحقن أو طريق اللبس أو أي شيءٍ آخَر إن كان ذلك علاجا طبيعيا. أما إن كان يَعتَقِدُ اعتقادات خارجة عن الحق بِحَيْثُ يَعتَقِد أَنَّهُ لَو لَبِسَ شيئا ما فذلك الشيء بِعيْنِه يَكونُ له أَثَرُ عليه حتى يُحَوِّلَه مِن المَرَضِ إِلى الصحة ومِن البَلاءِ إلى العافية فإنَّ هذا الاعتقاد نفسَه حَرام، إذ هو لَوْثَةٌ عَقَدِية تَخْرُجُ بِالإنسان عن التَّوحِيدِ الصَّحِيح الله تعالى الذي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْء.
(1) رواه البخاري (5270) ومسلم (317).
(2) رواه البخاري (703). (2/93)
صفحة 541
94
الفتاوى العقيدة
بل لَو اعْتَقَد أَنَّه لَو تَنَاوَل دَواءٌ شُرْباً أو أكلاً أن هذا الدواء يَشْفِيه بِنَفْسِه ولَم يَعْتَقِد أن الله - تعالى - هو الشّافِي لكانَتْ هذه العقيدة مُخْرِجَةً له عن التَّوحِيدِ الصَّحِيح الذي يُطالَبُ بِهِ المُؤمِن، والله أعلم.
البعض من هؤلاء المعالجين يذكر أنَّ الصبي الذي جاءه مريضاً بأنَّ فيه «أم الصبيان»، ويظل يُعالجه ويقرأ عليه وربَّما يموت ذلك الطفل، و «أم الصبيان» التي يذكرها بعض المعالجين إنَّما هي تشنج يُصيب الطفل بسبب الحمى ويتعالج بسرعة، فإذا توفي ذلك الطفل ما ذنب هذا المعالج الذي ادعى أنَّ فيه «أم الصبيان»؟
أما إذا كان حال بينه وبين العلاج الصحيح حتى أدى الأمر إلى وفاته إذ
منعه من العلاج الصحيح فهو مُتسبب في قتله، والله المستعان.
هناك بعض ما يثيره الناس حول هذه المواضيع أو حول علم الأسرار أو حول امتلاك الجن عن طريق كتب مُعينة تُنسب إلى علماء مشهورين، وهذه الكتب يَدَّعِي مَن يقول عنها أنَّه مَن يقرأها سيصاب بلوثة في عقله أو سَيُصاب بشيء إن لَم يَمتلك القوة الروحية الكافية والطاقة الكافية لقراءتها،
كالكتاب الذي ينسب إلى الغزالي ـ مثلاً ـ وغيره، ما حقيقة هذه الكتب؟ هذا الشيء لم ندخل فيه، ومِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فلا يستطيع الإنسان أن يحكم على الشيء ببطلان ولا بصحة ولا بقبول ولا برفض إلا بعدما يكون متصوراً له لأن الحكم على الشيء فرع تصور.
نعم نحن نُوقن أنَّ الله تعالى له ألطاف بعباده، وقد قال سبحانه: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، فأمرنا أن ندعوه بأشمائه الحسنى، والدعوة التي تكون من المسلم باسم من أسمائه تعالى سواء كان (2/94)
صفحة 542
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
95
أن
ذلك باسم الجلالة أو ببقية الأسماء الحسنى لا ريب أن لها تأثيرا، ولا ريب خُلوص النّية وصفاء الطوية والصلة القوية بالله وحل لها أثر ـ أيضاً ـ في عالم الإمكان وذلك يُؤذن به الحديث القدسي الرباني فإذا أحببته كنت سمعه
))
الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» (1)، ومعنى ذلك أن الله ـ تعالى ـ يُهيئ له ما يُهيئه من الألطاف التي تكون خارجة عن المألوف، وذلك من فضل الله تعالى على عباده، والله أعلم.
يقول البعض أنَّ الأحجار الكريمة فيها أسرار معينة وتعمل على التأليف بين القلوب، ويستخدمها البعض - أيضاً - لتخفيف حرارة الإنسان إذا ما أصيب بالحمى، ما هي حقيقة الأحجار الكريمة؟
الأحجار الكريمة هي جمادات لا تعي ولا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا حراك لَها ولا تأثير لها، فإن كان الله تعالى جعل في طبيعتها ما يخفض حرارة الحمى ـ مثلاً ـ فذلك كاستعمال الدواء، ولا ندري لعل كونَها تَمَسُّ الجلد يؤدي ذلك إلى تخفيض درجة الحرارة، وأنا لا أعرف ذلك، والحكم على الشيء إنَّما يكون بعد تصوره، والتجربة هي
برهان.
أصدق
أما أن تكون هذه الأحجار سبباً للألفة بين الزوجين أو الألفة بين الأصدقاء أو سبباً لزيادة الهيبة أو نحو ذلك فهذه من الأمور التي لا يُمكن أن تقبل عقلاً ولا علماً.
ومن أراد الألفة بينه وبين امرأته فليحسن، معاشرتها، وليسأل الله تعالى أن يَجمع بين قلبيهما وأن يؤلف بين نفسيهما ويجمعهما على خير، لا أن يعول
(1) رواه البخاري (6137). (2/95)
صفحة 543
96
الفتاوى العقيدة
على حجر كريم، وكذلك بالنسبة إلى بقية الأشياء الجمادية التي لا تملك شيئا، فأنَّى للجماد أن يملك دفع مضرة أو تحقيق منفعة؟! نعم الدواء الذي يستعمله الإنسان شرباً أو أكلاً أو دهناً لجسده هو ـ أيضاً ـ جماد ولكن الله جعل فيه هذه الخاصية، فإن كانت هذه الخاصية في الأحجار الكريمة وثبت ذلك فذلك من هذا القبيل لا من قبيل الأسرار، والله أعلم.
والخواتم التي بها فصوص هل تدخل ضمن هذا الكلام؟ نفس الشيء والله أعلم.
هل هذا يدخل ضمن التمائم؟
أما إذا قصد الإنسان استعمال الخاتم أنَّه يدفع به عن نفسه مضرة أو يُحقق له بذلك منفعة فهذا من باب التميمة لا فرق بينه وبينها، والله أعلم.
بعض طلبة العلم ينصرفون عن طلب العلوم الشرعية وعن التفقه والتعمق فيها إلى دراسة هذه العلوم وهذه الأسرار كعلم الرمل ويقومون بعد ذلك بمعالجة الناس وكشف ما فما بهم هي نصيحتكم لهم؟ نحن ننصح هؤلاء أن يشتغلوا أَوَّلاً بتصفية نُفوسهم، والاعتماد على الله تعالى وحده، وتصحيح المعتقد بأنَّه لا نافع ولا ضار إلا الله، وأنَّه لا يعلم أحد مِمَّن في السماوات والأرض الغيب إلا الله وحده، فهو الذي يعلم الغيب، وكل من عدا الله فهو لا يعلم من الغيب شيئا.
وندعوهم إلى التَّفقه في دين الله والحرص على ذلك فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«مَن يُرد الله به خيراً يُفقهه في الدين»).
(1) رواه الربيع (26). (2/96)
صفحة 544
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
97
وندعوهم إلى الاستمساك بالكتاب العزيز والسُّنَّة النبوية الطاهرة، والإعراض عن كل محدثات الأمور التي لا تتفق مع ما جاء به الكتاب وما جاءت به السنة، والله أعلم.
هل هناك آيات معينة تنصحون بها؟ إذا قرأها الإنسان يكون بإذن الله
- تعالى - في حرز وفي مَأْمَن مِن الشياطين وغيرهم من الجن المردة.
ذكرنا بأنَّ من الصحابة له من ذكر عشر آيات من سورة البقرة، وهذا مروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهي أربع آيات من أول السورة إلى قوله تعالى: {الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5]، وثلاث آيات في أثنائها والآيتان بعدها إلى قوله تعالى: خَلِدُونَ} [البقرة: 25]، والثلاث
أثنائها وهي
آية
الكرسي الآيات الأخيرة من السورة من قوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [البقرة: 284] إلى نهاية السورة، وكذلك قراءة المعوذتين وقراءة الفاتحة - أيضاً - فهي مجمع الخير كله لأنَّها أُمُّ القرآن فيها تقديس الله ـ سبحانه ـ وتنزيه له، وفيها وصل ما بين العبد وربه ووصل ما بين الدنيا والآخرة، فجدير بالإنسان أن يقرأ الفاتحة الشريفة، وأن يسأل الله تعالى بركتها.
وهكذا سائر القرآن فإنه فيه خير وفيه بركة، ولكن السور التي فيها التنزيه الله تعالى بركتها، أظهر ومثلها الآيات الخاصة بذلك كخواتم سورة الحشر والله أعلم.
ما صحة التداوي بأَسْمَاءِ الله الحسنى؟
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَيهِ} [الأعراف: 180]، فالإنسان يدعو الله بأسمائه الحسنى ويسأله تعالى الشفاء والرحمة ورفع البلاء
والله أعلم. (2/97)
صفحة 545
98
الفتاوى العقيدة
هناك من يتحدث عن بدعة لبس الحجاب الذي تكتب فيه الآيات على اعتبار أنَّه ـ أيضاً ـ له علاقة بما يُسمى بالطلاسم وما شابه ذلك؟
أما القرآن الكريم فهو يختلف تمام الاختلاف عن الطلاسم، هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن نختار أن يكون العلاج بالطريقة التي سُنّت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهي التلاوة مع النفث في الكفين الجسد، فإنَّ هذه مسح هي الطريقة المأثورة عن النبي، أما الكتابة فلم يأت في السنة ما يدل على إثباتها ولا ما يدل - أيضاً - على ردها، ولذلك اختلف العلماء فيها، منهم من توسع نظر إلى أن القرآن كما نتبرك بتلاوته لا مانع من أن نتبرك بكتابته وحمله، ومِنهم مَن رَفض ذلك نَظَراً إلى أنَّ هذه الطريقة محدثة، وهذا الذي مال إليه الإمام السالمي الله تعالى في جوهره عندما قال:
ثم الكتابة التي قد ظهرت لا أعرف الوجه لها لو شهرت حادثة في جمعنا المعهود وأصلها قد كان في إليهود والله قد أغنى العباد عنها بأدعيات يستجاب منها
وتعجب الإمام السالمي مِمَّن يلجأ إلى هذه الكتابة ويحترس بها، وقال بأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يعتنون بهذه الكتابة، بل كانوا يدعون الله - تعالى - ويعولون عليه سبحانه، والله أعلم.
امرأة تعلق الحروز والتمائم، وهي عبارة عن حجرة صغيرة، وأحياناً بعض أوراق وثمار بعض الأشجار في يد ابنها عندما يمرض، فهل تشرك بهذا وماذا عليها لو ماتت على هذا؟ مع العلم أنها تقول أحياناً أنا لا أعتقد فيه الشفاء ولكني أتماشى مع العادات والتقاليد الموروثة؟ إن كانت تعتقد أن هذه الحروز تشفي المرضى وترفع البلاء وتحقق
المطلوب فذلك عين الشرك، وإلا فهي بدعة دون الشرك، والله أعلم. (2/98)
صفحة 546
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
99
قبل فترة من الزمن حصلت على كتاب يُقَال له: «الدائرة» أو «الدويرة»،
بسم
وأقرأ لكم بعض منه: «وإنَّه من سليمان وإنَّه أَلا الله الرحمن الرحيم تَعْلُو عَلَيَّ وأتوني مسلمين - مكتوب هنا ـ اللهم بأسْمَاء الآلهة ساتونة أجري أيتها الحجارة الجامدة إلى حيث منفعك عن النظر إلى الجبل فتحرَّك فَخَرَّ موسى صعقا ومكتوب بعد ذلك: «اللهم هذه الأسماء والآيات أسألك أن تُحرِّك ما تحت يَمِينِي بِحق لا إله إلا الله محمد
رسول الله وبحق ملائكتك وحملة عرشك ومكتوب بعد ذلك ياهو ياهو ولا أعرف هذه الأَسْمَاء على ماذا تدل؟
ما
في ذلك الكتاب إنَّما هو شِرْك، إذ ليست هُنَالِكَ آلِهَة إلا الله، فقوله: «بِحَقِّ الآلِهَة» أو «بكذا» إنَّما هو إشراك، إذ مَا مِن إله إلا الله: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4] وهذا فيما أعتقد أنَّه مِن دَسَائِس اليهود فإنَّ كُلمة «يَا هُو» إنَّما هى كلمة يهودية فيجب تَجَنُّبُ ذلك؛ والله - تعالى -
أعلم.
ما حكم «الحورة»؟ وهي شيء متعارف عليه، فإذا فقد الإنسان شيئا يذهب إلى شخص لِيَصنع له شَيئا يدله على ذلك المفقود.
لا يُمكن أن يكون ذلك دليلا على المفقود قط، وإنَّما يُمكنه أن يسأل الله ـ تعالى ـ بأسمائه الحسنى وبصفاته العلى بأن يكشف له ما خَفِي عليه، وأنْ يرد إليه ما فقده، وأما ما عدا ذلك فلا يجوز؛ والله - تعالى - أعلم. (2/99)
صفحة 547
الفتاوى العقيدة
الخرافات والشعوذة
المشعوذ رجل يأتي المنكر عندما يأتي الغيب، ما هو واجب المسلمين
تجاه؟
الواجب ردعه بقدر المستطاع أما أولياء الأمر فإنَّهم يردعونه بما يرونه من الوجوه الشرعية الرادعة لمثله، لكن الذين لا يملكون من الأمر شيئا عليهم أن يُقاطعوه وأن يُحاولوا منع الناس من الاتصال به، والله أعلم.
شَاعَ في الأيام الأخيرة تبادل رسائل عبر الجوال ونَصُّها: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنا النُّور ومن تبعني فلن يعيش في الظلام» ودَمَجُوا مَعها جملة أخرى: «أرسِلْهَا وسَتَرى السرور»، فهل هناك حديث بالنص السابق؟
هذا شيء لم أطَّلع عليه، ولا ينبغي للإنسان أن يتقول على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام - فيَنْسِبَ إليه ما لم يقُله، لأن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أمر عظيم، وليس هو كالكذب على غيره من الناس، وإنَّما هو يأتي بعد الكذب على الله تبارك وتعالى، فلذلك يجب على الإنسان أن يَحْتَرِز من أن يُسند إلى النبي الله ما لَم يَقُله، والله أعلم.
سؤال عما يَتَدَاوَله الناس بأن انْهِيَار البرجين في أمريكا نصت عليه الآية في سورة التوبة: {أَفَمَنْ أَسَسَ بُنيَنَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرُ أَم مَنْ أَسَسَ بُنينَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَأَنْهَارَ بِهِ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ} [التوبة: 109) وتطورت المسألة إلى أن أصبحت هذه الآية توزع على الأوراق ثُم تَطوَّرت إلى أن أصبح يُطَالب كل مَن يَقْرَؤُها أن يطبعها وأن يُوزعها على المسلمين وأن مَن لَم يوزعها سَيُصيبه مرض أو ستصيبه خسارة وما شابه ذلك، فما صحة هذا الكلام؟ (2/100)
صفحة 548
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
هذا من الكلام العقيم، ما أشبه هذا بما لا يزال يُتداول مِن قِصة الشيخ أحمد حَامِل مفاتيح حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه القصة أنا سمعت والدي قبل ثلاثة وخمسين عاماً يذكر أنه اطلع عليها قبل عام 1350 للهجرة، أي قبل أكثر من ثلاثة وسبعين عاماً اطلع على هذه القصة ولا تزال تتداول إلى الآن كأنَّما هي غَضَة طَرِيَّة حَصَلت الآن، والناس لِقِلَّة إدراكهم يُصَدِّقون هذه الأوْهَام ويقعون فريسة لها، نعم المسلم يحرص على الدعوة إلى الحق، وإلى التمسك بآداب الإسلام وقيمه، ولكن على أن لا يكون ذلك بِطُرُق الأوهام. فإن الدعوة إلى الحَق بِطُرق الأوهام تنقلب رأساً على عقب على هَذِه الدَّعْوة نَفْسِها لا على أصحابها فحسب والإسلام جاء بتحريم الكذب، وتحريم الغش والتدليس ولبس الحق بالباطل لأن الحق حق والباطل باطل، الحق ثابت والباطل غَيْرُ ثابت، فأنَّى للحق أن يُقَرَّ ويُؤيد بطريق الباطل، فلا يُمكن أن يَكُون لِلحق سند من الباطل، إنَّما سَند الحق حق، فالأوهام هذه كُلها يَجب أن نَتْرُكَهَا جانباً، وأن نحرص كل الحرص على أن نَدعُو إلى الإسلام بحجة واضحة ودليل يقين، وما أكثر الحجج والأدلة التي تدل على صدق الإسلام، وَحَقِّه، فلسنا بحاجة إلى التلبس بهذه الأَوْهَام.
وهذا إنَّما أخذه النَّاسِ مِن مَسْلِك دُعَاة النصرانية فإنهم كثيراً ما يُشِيعُون مثل هذه الأوهام وَيُروجون لها ويقولون من فعل كذا فإن عاقبة أمره أن يَنَالَ مِن الرّبح وأن ينال الخير الكثير وأن يُشفى من مرضه وأن ... وأن ... وأن ... إلخ، ومن فعل خلاف ذلك حلت عليه اللعنة ووقع عليه البوار وأصيب في ماله وفي نفسه وفي أهله وفي ولده .. إلى غير ذلك مما يروجون له، وضعاف المسلمين الذين لا يملكون الحجة عندما يريدون الدعوة إلى الإسلام يسلكون هذا المَسْلَك نفسه. وهَذَا مسلك خطأ لأنَّه لم يقم على منهج صحيح، فعلى الناس أن يتجنبوا مثل هذه الأشياء، ومثل هذه الأوراق (2/101)
صفحة 549
102
الفتاوى العقيدة
يجب إتلافها، وأنا بِنَفْسِي أُتلفها وأُخرقها أمام الناس حتى يقتنعوا بأن أي ضرر لن يُصِيبَهم من خلال عَدَم تطبيق ما فيها، فنحن لا نُصَدِّق بهذا أبداً، وإنَّما نستمسك بالحق الذي أنزله الله تبارك وتعالى، والله أعلم.
أشخاص يعانون من بعض الأمراض فيقول: لهم البعض بأن هذا ربما من الاسم فيطلبون منهم أن يغيروا الاسم حتى يتحقق لهم الشفاء، فهل
يجوز هذا؟
أريد أن أنبه أن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65].
والنبي صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق على الله ورسوله الذي اصطفاه ـ سبحانه ـ لأن يحمل الرسالة الخاتمة، الرسالة العالمية التي تبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والله تعالى أنبأ عن فضله العظيم وقدره الجسيم إذ قال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
ذلك كله أمره سبحانه أن يعلن للناس أنه لا يملك لنفسه نفعاً ومع ولا ضرا، وأنه لا يعلم الغيب، فقد قال ـ تعالى ـ له: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءِ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188].
ذلك
والله سبحانه بين أنه لا يظهر على غيبه إلا من ارتضى من رسول وذلك بوحي يوحيه إليه، لا أن الرسول يعلم الغيب، ولكن الله - تعالى - عندما يريد أن يطلع أحداً من الرسل على غيبه يوحي إليه وحياً لينبئه بما في الغيب، وإلا فعلم الغيب لا سبيل لأحد إليه، فكيف هؤلاء يدعون الغيب، على أن الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم شدّد في أمر هؤلاء، فقد قال عليه (2/102)
صفحة 550
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
103
أفضل الصلاة والسلام: «من أتى عراف (1) فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد (2) لأن مما أنزل على محمد كما ذكرنا من قبل قوله تعالى: {قُل لَّا
يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65]. فمن صدقه في ادعاء الغيب فقد كفر بما أنزل على محمد من هذا البيان القطعي، فلا يجوز لأي أحد أن يذهب إلى أحد من هؤلاء، وعلى الكل أن يعتقد بأن الله هو وحده رافع الضر، يبتلي من يشاء بما يشاء، ويرفع الضر متى يشاء عمن يشاء، يقول سبحانه: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [الأنعام: 17].
صلے
ويقول سبحانه: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرِ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107]، ويقول سبحانه: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَأَتَخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّور أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ) [الرعد: 16] ويقول سبحانه: {مَا يَفْتَح اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [فاطر: 2] ويقول: {وَلَن سَأَلْتَهُم مِّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اللهُ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].
م
ج رور
ويقول جل شأنه: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَنَا وَعَلَى
اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].
(1) المقصود بالعراف ما
يعبر عنه بالباصر عندنا.
(2) رواه البيهقي (16938) والحاكم (15). (2/103)
صفحة 551
104 الفتاوى العقيدة
فالآيات الكريمة ناصة على أنه لا يكشف الضر إلا الله، فهؤلاء الذين يذهبون إلى هؤلاء طالبين منهم كشف الضر إنما هم في الحقيقة أصيبوا بلوثة في عقيدتهم، إذ العقيدة الصحيحة تقتضي أن لا يتعلق الإنسان إلا بالله، والله تعالى يعلمنا في كتابه أن نفرده بالاستعانة كما نفرده بالعبادة حيث علمنا الله أن نقول في صلاتنا وغيرها إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5 أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا إياك، فكما أن العبادة لا تكون إلا الله فكذلك الاستعانة يجب ألا لا تكون إلا بالله وعل.
وهذا لا ينافي أن يتعالج الإنسان علاجاً طبيعياً عند أحد من الأطباء، فذلك لا يخرج عن كونه استعانة بالحق سبحانه، لأنه الله جعل لهذا الكون نواميس وسننا، والأخذ بالأسباب والدخول على الأشياء من أبوابها إنما هو من باب الاستعانة بالله لأن الله تعالى هو الذي سبب هذه الأسباب وهو الذي هيأها وهو الذي جعلها تفضي إلى مسبباتها، وجعل الوسائل مؤدية إلى الغايات المطلوبة، فطلب الأمور من أبوابها ومن وسائلها الطبيعية لا يخرج عن كونه استعانة بالله بخلاف أن يأتي أحد إلى أحد يدعي علم الغيب فيطلب منه رفع ضر أو تحقيق منفعة إذ لا يكون ضر ولا نفع إلا من قبل الله - سبحانه - الذي له ملك السماوات والأرض والذي يصرف الكائنات كما يشاء.
على أن الأسماء لا تأثير لها في المسميات، وإنما كل شيء منوط بقضاء وقدر ولربما حصل شيء من انتفاع بعض الناس ظاهراً باتباع مثل هذه النصائح، ولكن يجب علينا أن ندرك أن ذلك لا يعدو أن يكون استدراجا فإن الله - تعالى -:يقول: (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) وَأُمَلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ} [الأعراف: 182 - 183] فهذا استدراج من الله تعالى فعلى المسلم أن يتيقظ لذلك؛ والله المستعان
(182) (2/104)
صفحة 552
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
1.0
الورقة التي تنسب إلى الشيخ أحمد حَامِل مَفاتيح حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطلب من الذي يقرأ هذه الورقة أن ينسخها وأن يوزعها وإلا أصابته أمراض، وأنتم قد تحدثتم عن هذا ولكن السائل تَوَهَّم أنَّها تنسب إليكم، فهلا تفضلتم علينا بتوضيح حقيقة هذا الأمر؟ هذه الأباطيل والأوهام والأكاذيب والافتراءات بدأت منذ أمد بعيد قبل ولادَتِي، فقد سمعت من أبي يقول بأنها وقعت في يده منذ نحو ثمانين عاماً من من الآن ولا تزال تتكرّر إلى الآن، ومعنى هذا أنه مضى عليها ما يقارب القرن من الزمن حتى الآن، والناس لا يزالون يعيشون في هذه الأوهام، وأنا أعجب ممن يصوّر مثل هذه الأوراق ويوزّعها، وقد صرحت أولاً تصريحاً نُشِر فيما أعتقد في جريدة عمان وفي جريدة الوطن بأن هذه أكاذيب، وأن هذه شخصية وهمية غير معروفة، والإسلام لا يدعى إليه بمثل هذه الأكاذيب، وإنما يُدعى إليه بوسيلة إيجابية لأن الأكاذيب ليست وسائل للدعوة إلى الاستقامة والطاعة وحب الله - تعالى - ورسوله، وبعض الناس نسبُوا إليَّ ما وُجد في هذه الأوراق أنَّ هذه الأوراق ـ كما قلنا ـ كانت مع قبل ولادتي بأمد بعيد؛ والله - تعالى - المستعان.
يُقال إنّ هنالك شجرة تُسمى شجرة «الأقدار تُنفض في الخامس عشر من شعبان، فهل لهذه حقيقة؟
أمَّا إذا كانت شجرةً مَحْسُوسَة تُرَى بالأبصَار فأنا لَم أُبْصِرْهَا ولَم أرها ولم أسمع أحداً يذكر أَنَّهُ رآها، وإن كانتْ مِمَّا هو في عالم الغيب فعالم الغيب لا يُنْفَذُ إليه ولا يُتَوَصَّل إلى مَعْرِفَتِه إِلا بنص من كتاب الله أو حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولَم يَأْتِ بِذلك نَضٌ في كتاب الله ولا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب رفض مِثل هَذِه الأقاويل، والله أعلم. (2/105)
صفحة 553
106 الفتاوى العقيدة
الكهانة والعرافة
مَن قَالَ بأنَّ فلانا شُفِيَ بِسبب فلان، هل هذه اللَّفْظة تُخالِف مُقْتَضَى ما
يعتقد الإنسان؟
لا ريب أنَّ الشافي هو الله سبحانه، الذي يَبْتَلي من يشاء بما يشاء، ويرفع البلاء عمن يشاء، سبحانه هو الذي يبتلي بالأمراض والأسقام وهو الذي يَشفِي منها: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] وإِنَّما الإنسان يتسبب كتسبب الطبيب، والله تعالى نَاطَ المسببات بأسبابها وعلينا أن نعتقد أنَّها لا تفضي بنفسها إلى مسيَّبَاتِها وإنَّما تُفضي إليها بِأمر الله، فَوَراء كل شيءٍ وَقَع قَدر الله، هو الذي يُدَبِّر هذا الكون ويُسَيّر هذا الوُجُود ويُصَرِّف هذه الأشياء، وبه يَشْفَى المريض من مرضه، وبه يُبتلى الصحيح بالمرض، وبه يموت الحي، وبه يحيا الميت وذلك عندما يشاء الله نُشُور عباده، فكل ما يقع في الوجود إنما هو بقضاء الله وقدره.
أما أن يعتقد الإنسان أن أحداً من الناس له تأثير على الناس صحةً وشِفاء وحياةً ومَماتاً فَذَلك من المعتقدات المُبَايِنَة لعقيدة الإسلام وقد يَخْرُج الإنسان بذلك مِن مِلَّة الإسلام.
وأنت ترى أنَّ الله تعالى ضرب الأمثال في كتابه لمن وعى فقال:
قُلْ أَفَرَعَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38] لأَجْلِ النَّأْي بالناس عن هذه المعتقدات الجاهلية، وكثير من الناس يَعتقدون أنَّ لِلجِن تأثيراً في حياة الناس وموتهم وصحتهم ومرضهم وبلائِهِم وعافيتهم، وهذا كُلُّه من المعتقدات الجاهلية لأن الجن خَلْقٌ مِن خَلْقِ الله (2/106)
صفحة 554
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
107
لا يُمكن أن يضرُّوا أحداً أبداً إلا بإذن الله، والعياذ بالجن إنَّما هو عِيَاذُ بغير الله وذلك مِمَّا يزيد الإنسان رَهَقا كما قال الله تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالُ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِحَالِ مِنَ الْجِنَ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6]، والله أعلم.
مني
أنا امرأة متزوجة ولدي ثلاثة أولاد وكلهم، مرضى، ومرضهم لا علاج له، من هذا المنطلق جاء أبي بشخص وأخبرني عن امرأة قد تُساعدني على علاجهم أو على الأقل تُخفف من آلامهم وأقنعني أن أذهب لرؤيتها، وبعد ذلك جاءت هذه المرأة إلى بيتي وقامت ببعض الأعمال، وكانت هذه الأعمال عبارة عن كتابة بعض الآيات القرآنية وتضعها في ماء وتطلب أن أعطيها لأولادي ليشربوا منه،، ولَم أعارض لأنها آيات قرآنية ولكن بعد ذلك ذهبت هذه المرأة لتقوم ببعض الأعمال في القبور حيث قامت بدفن بعض الأشياء التي لا أعرف ما هي مع العلم أنني علمت بذهابها إلى هنالك، ولا أعرف ما الذي جعلني أوافق على مثل هذا الشيء فأنا امرأة لا أصدق ولا أؤمن أبداً بالشعوذة وأعمال السحر ولكن مرض أولادي هو الذي جعلني أقوم بهذا ما حُكم تعاملي مع هذه المرأة أما الاستشفاء بكتاب الله سبحانه فلا مانع منه، لأنَّ الله - تعالى - يقول: وَنُنَزِلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82] فالقرآن الكريم شاف للأرواح والقلوب، وأيضاً جعل الله تعالى فيه شفاء للأجسام بما جعل فيه من البركة، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشفي بالقرآن الكريم، فكان يتلو ما يتلو من القرآن الكريم كالمعوذتين وآية الكرسي وينفث في يديه ثم يمسح بعد ذلك على جسده لأجل الاستشفاء. وأقرّ عليه أفضل الصلاة والسلام الرُّقية بالفاتحة الشريفة وبغيرها من القرآن الكريم، وفي هذا ما يدل على جواز الاستشفاء بالقرآن الكريم، مع
؟ (2/107)
صفحة 555
108 الفتاوى العقيدة
اعتقاد أن الله تعالى هو الشافي، لا شافي غيره: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] ولكنَّ الله وعجل جعل بركة في كلامه المنزل على خاتم النبيين عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، فلذلك يكون به شفاء هذه الأجساد المريضة كما أنَّ الله تعالى يشفي به القلوب العليلة والأرواح
السقيمة.
وأما الذهاب إلى القبور ودفن أشياء فيها فذلك مِمَّا يتنافى مع التوجيهات الربانية والتوجيهات النبوية الشريفة، فإنّ الإنسان عليه أن يعتقد أنه لا ضار ولا نافع إلا الله، فالقبر لا يُمكن أن ينفع أحداً أو يضره، وكذلك صاحب القبر، إذ هو أحوج ما يكون إلى الأحياء لأنه بحاجه إلى دعوة صالحة تلحقه مِن حَيَّ مؤمن يؤمن بالله واليوم الأخر، وهو بحاجة إلى عمل صالح يعمله الإنسان ويقصد ثوابه له كالصدقة والحج والعمرة مثلاً، أما أن يكون قادراً
على شفاء أحد أو دفع بلاء عن أحد فذلك ما لا يجوز اعتقاده قط.
من
والله تعالى علمنا في كتابه الكريم أن نتعلق به وحده، وأن لا نتعلق بأحد خلقه، فهو سبحانه يقول: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَا تَخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ} [الرعد: 16].
ويقول جل شأنه أيضاً: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [الأنعام: 17]، ويقول تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَأَىدَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107] ويقول سبحانه: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51] (2/108)
صفحة 556
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
109
ويقول وحل: {مَا يَفْتَح اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ
ج رور
هِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [فاطر: 2].
بعده
وإذا كان الله - تعالى - يُخاطب عبده ورسوله وهو أفضل الخلق على الإطلاق بقوله تعالى: {قُل لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءِ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] فكيف بغيره بل كيف بالجمادات كالقبور أو الأموات في قبورهم، أنَّى لأولئك أن يملكوا لأحد دفع مضرة أو تحقيق منفعة، وأنَّى لشجرة أو حجرة أو نهر أو أي شي من هذه الأشياء التي يتقرب الناس إليها بالنذور والقرابين من أجل الاستشفاء أو من أجل تحقيق المنافع أو من أجل دفع
المضار، أنَّى لشيء من ذلك أن يدفع شيئاً من الضرر عن أي أحد كان. كذلك التعلق بالجن أو غيرهم من عالم الغيب فإنَّ ذلك ـ أيضاً ـ مما يجوز قط، فإنَّ الله تعالى يقول: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ ادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] فهم ما زادوهم إلا رهقا بسبب زيغ عقيدتهم وعدم تعلقهم بالله سبحانه.
و
وإذا كان الإنسان يؤمن بالله تعالى وحده أنَّه هو النافع الضار، وأنه هو الذي يبتلي من يشاء بالمرض، ويَمُنُّ على من يشاء بالعافية، وهو سبحانه الذي يُصَرِّف هذا الكون بأسره، ولا تصريف لأحد فيه، إذ لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا تبديل لكلماته، فإنَّ عليه أن يقطع صلته بغير الله تعالى، وعليه أن يكون تعلقه بالله وحده لا أن يجمع بين التعلق بالله والتعلق بغيره.
فالجمع بين الاستشفاء بكلام الله - تعالى - المنزل على خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والتسليم - وبين هذه الأَوْهَام والتُّرْهَاتِ مِمَّا يَجب أن يصرفه الإنسان عن باله. (2/109)
صفحة 557
110
110 الفتاوى العقيدة
ونحن ندعو الناس إلى أن يتعلقوا بالله بحيث يدعونه مخلصين له الدعاء، لأنَّ الإنسان مطالب بأن يحصر استعانته في الله تعالى بحيث
لا يستعين بغيره كما يحصر عبادته في الله، فالله ـ تعالى ـ علَّمنا كيف نجمع بين التعلق بالله - تعالى - في العبادة والتعلق به في الاستعانة، فلا نستعين بغيره ولا نعبد غيره، يقول سبحانه في السورة التي نُكررها في كل ركعة من ركعات صلاتنا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا إياك.
فلا تجوز الاستعانة في مثل هذه الأشياء إلا بالله؛ نعم الاستعانة في الأمور التي جعل الله تعالى التعاون فيها من سُنن الحياة ونواميس النظام أمر الكوني أن مشروع، فلا مانع من يستعين أحد بأحد ليرفع عنه حملاً ثقيلاً مثلاً، أو يستعين أحد بأحد من أجل أن يُخاطب مسئولاً ليخفف عنه شيئاً من المغرم أو ليحقق له شيئاً من المنفعة لا مانع من ذلك كله، بل هذه الاستعانة في الحقيقة داخلة في الاستعانة بالله، عند من أبصر وتأمل، لأنَّ الله - تعالى - هو الذي أوجد هذه الأسباب، والاستعانة بهذه الأسباب التي أوجدها الله إنَّما هي في الحقيقة استعانة بالله الذي خلق هذه الأسباب وهيأها؛ والله - تعالى - أعلم.
أخت تقول إنَّ لَها أخاً يُعانِي مِن ألم في أذنيه ولم يجدوا له علاجاً في المستشفيات، واستخدموا معه الكي، فهل ذهابهم إلى العرافين من أجل
معرفة مرضه جائز؟
أما العَرَّافُونَ فلا، ففي الحديث: «مَن أَتَى عَرَّافاً فصدقه فقد كفر بما أُنزل
على محمد» (1)، والقرآن الكريم قطع دابر ذلك عندما قال:
(1) رواه البيهقي (16938) والحاكم (15). (2/110)
صفحة 558
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65] والله أعلم.
كيف يمكن للمسلم أن يعرف المشعوذ والساحر من الذي له علم السر كما يقال؟
الحق واضح وبينته هي أظهر من الشمس في رابعة النهار، والباطل
داحض كيفما ادعاه صاحبه فالشعوذة هي باطل، والله تعالى يقول:
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ) [الأنبياء: 18] ويقول تعالى: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 8] فالله ـ سبحانه ـ أنزل موازيين القسط وبيّن الهدى من غيره، وصراطه واضح لا غبار عليه، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) الأنعام: 153] فكل ما حاد عن صراط الله الذي جعله منهجاً لعباده يصلهم برضوانه معدود من الباطل، فالذي يدعي علم الغيب مردود عليه، لأن هذه هي عين الشعوذة، والله أعلم. كذلك إذا طالب أحد هؤلاء بشيء يتنافى مع تعاليم الإسلام كأن يطلبه بأن يذبح لغير الله، كأن يذبح لقبر أو لشجرة أو لنهر أو من أجل التقرب إلى الجن أو إلى غير ذلك مِمَّا يُتقرب إليه من دون الله تعالى فذلك بَيِّنُ أنَّه من الشعوذة لأنَّ الذبح لا يكون إلا لله فإنَّ الله الله يقول: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] فقرن ما بين الصلاة التي هي أقدس عبادة وما بين النحر، كما قرن ك أيضاً بين الصلاة والنسك عندما قال: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (2/111)
صفحة 559
112 الفتاوى العقيدة
[الأنعام: 162 - 163] فلذلك إذا ادعى مُدَّع بأنَّه يستطيع أن يوصل أحداً إلى مراده شفاء أو غيره بطريق الذبح لغير الله سبحانه فهذا من الشعوذة.
من
أما ما قيل من معرفة السّر فإنَّ ذلك أمر بين العبد وبين ربه، والله تعالى يختص من يشاء من عباده بما يشاء مِن أَلطَافِه تلكم ألطاف يختص بها سبحانه من يشاء، ومن ذلك ما حكاه الله وحل في كتابه من قصة الذي كان عنده علم من الكتاب وقد استطاع أن يُحضر عرش بلقيس من مكانه إلى حيث كان سليمان، فهذا أمر غريب إذ كيف انتقل ذلك العرش في عين من مكانه الذي كان فيه إلى مكانه الذي انتقل إليه، فإن هذا من سر الله تعالى في خلقه، والله أعلم.
لحظة
في سياق الحديث عن المنجمين علم الفلك وعلم الرمل اللذين ينهجهما بعض الناس في التعرف على التعرف على سبب المرض هل في ذلك مخالفة للدين؟ ذلك مخالفة وأي مخالفة فإن الغيب الله سبحانه وحده، قال تعالى: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65] فالغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه ولا يجوز لأحد أن يعتمد على التنجيم ولا على الرمل لاستكشاف الغيب، وعباد الله سبحانه لم يطلعوا على شيء من غيبه تعالى إلا ما أطلع الله سلام الله عليه المرسلين بواسطة الوحي، يقول تعالى لعبده ورسوله:
قُل لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188] فقد قيل: إن هذه الآية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم عندما حفر المنافقون له حفرةً ليقع فيها فوقعت دابة النبي فأنزل الله وعن تثبيتاً لقلوب المؤمنين هذه الآية الكريمة لئلا (2/112)
صفحة 560
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
113
تتزلزل بما أصاب النبي. والرسول صلى الله عليه وسلم بشر يطرقه ما يطرق البشر، وإنما هو أصفى البشر سريرة وأطهرهم قلباً وأنقاهم فطرة ومع ذلك لا يطلع على
نعم
الغيب إلا ما أطلعه الله عليه كما قال: عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} [الجن: 26 - 27] فالمغيبات التي أخبرنا الله الله بها نعلمها من خلال الأخبار التي جاءت من طريق الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم، أما أي غيب آخر لم يوح الله تعالى به إليه فلا يمكننا أن نخوض فيه أبداً، ما أخبر الله الله به واقع لا محالة وقد أخبر الله عن أشياء كثيرة في القرآن الكريم فوقعت كما أخبر سبحانه وكذلك أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً ـ بما أوحاه الله إليه - بأخبار غيبية وكان ذلك بوحي خفي غير القرآن الكريم الذي هو ظاهر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق في هذه الجوانب إلا عن الوحي الذي يوحيه الله تعالى إليه، ومن أمثلة ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من الغيب ما جاء في حديث جبريل عندما سأله عن الساعة فقال صلى الله عليه وسلم ما المسؤول بأعلم من السائل، ثم سأله عن أشراطها فقال له: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الأعراب الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان (1) وهذا ما رأيناه رأي العين فالأعراب الحفاة الرعاة رعاء الإبل والشاء أصبحوا يتطاولون الآن في البنيان بما لم يكن يتصور، ومن أمثلة ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من الغيب أيضاً ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تتحول جزيرة العرب إلى مروج وأنهار (2) فقد بدأت تظهر المروج الخضراء في الجزيرة العربية من خلال استخراج المياه من أعماق الأرض أو بتحلية مياه البحر والغرس والزرع واستصلاح الأرض بوسائل شتى، والله أعلم.
(1) رواه مسلم رقم (102). (2) رواه مسلم رقم (2386). (2/113)
صفحة 561
114 الفتاوى العقيدة
أصيب رجل باحمرار في عينيه ودامت الحمرة في مقلتيه، فأخذوه إلى الباصر (1) فقال لهم: الولد به مضرة من دم أم الصبيان ونظرة من الإنس، فهذا حرز لعله يبخر بلبان ويلبس إياه في رأسه، ويبخر بهذه الطلاسم يوم الخميس مرتين ظهراً ومغرباً، ويوم الجمعة ثلاث مرات صباحاً وظهراً ومغرباً، ويهدى له مغبار من البيت جانب السهيل ويؤخذ بثلاث أصابع تراب من الطريق من تحت الأصابع غفلة الناس ويتبخر به. فما قولكم في كلام الباصر؟ وما الحكم في الذهاب إلى هؤلاء البصار؟
ما قاله - المدعو بالباصر - بدعة وضلالة وكفر، لأنه مناف للعقيدة النقية التي يقوم عليها الإسلام، وهي أن لا يعول إلا على الله في طلب نيل السراء ودفع الضراء، قال تعالى:
وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرِ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107].
فاحذروا هذه الترهات، والله المستعان.
ما الحكم في امرأة وقعت في شرك عن جهل بذهابها إلى العرافين، أيجب عليها شيء أم لا؟ وما الحكم إن كانت قد أُخبرت بعدم جواز الذهاب إلى العرافين ولكن أصرت بالذهاب؟
عليها الرجوع إلى الإسلام، والتوبة وإلّا انهدم إيمانها وأصبحت في عداد المرتدين والله أعلم.
(1) هو العراف أو الكاهن أو الدجال الذي يدعي علم الغيب. (2/114)
صفحة 562
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
115
الإمام الذي يصلي بالناس إذا ثبت عنه أنه أتى عرافا فقد ورد أنه لا تقبل منه الصلاة أربعين يوما، فهل يصلى خلفه؟
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتى عرافا فصدقه فقد كفر بما أنزل
على محمد»؛ ذلك لأنّ الله تعالى أنزل على عبده ورسوله قوله: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65] فالإنسان أيا كان لا يمكن أن يعلم الغيب اللهم إلا أن يوحى إليه من قبل الله، ولذلك استثنى الله تعالى رسله، وبين أن ذلك بطريق الوحي لا لأنهم بأنفسهم يعلمون الغيب، قال تعالى:
عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26 - 27] والنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الرسل جميعا وقد وصفه الله تبارك وتعالى بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ) [الأنبياء: 107] أمره الله تعالى أن يعلن أنه لا يعلم من الغيب شيئا، فقد قال الله تعالى له: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188] فالآية الكريمة نص صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم الغيب، وإذا كان هو كذلك فسائر الرسل أيضاً لم يكونوا يعلمون الغيب، والله أعلم.
رجل تحدث في بيته أمور غريبة كأن يكون التلفاز مشغلاً فيزداد صوته دون سبب، أو أنَّ الأواني تسقط من خزانة المطبخ أو تنكسر دون سبب، وأمور كثيرة عجيبة تحدث لهم في المنزل، ذهب هذا الرجل إلى بعض الذين يقولون بأن لهم علم الحكمة فأمره أحدهم أن يأتي بشاة ويضع فيها بعض الأمور بعد ذبحها ثم يدفنها في بستان متصل بالبيت، ففعل
ذلك وذهب ما كانوا يجدونه في البيت من العجائب، فما حكم ذلك؟ (2/115)
صفحة 563
116 الفتاوى العقيدة
نقول هذا من التقرب إلى غير الله، ول، ولا يجوز للإنسان أن يذبح لغير الله، لأنَّ الذبح لغير الله - سبحانه ـ كالصلاة لغير الله، إذ الذبح عبادة: {فَصَلَّ
لِرَبِّكَ وَانْحَر} [الكوثر: 2] {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 - 163) ولذلك أُمر بذكر اسم الله تعالى على الذبح لأجل الإيذان بأنَّه يقدم على هذا الشيء بحكم من
الله
ـ سبحانه ـ الذي هو مالك هذا الحيوان والذي أباح ذَبحه مِن أجل الانتفاع به بهذه الطريقة.
أما أن يُذبح الحيوان ويُحمل إلى قبر ليدفن حوله أو إلى بستان ليدفن فيه،
من أجل ميت أو من أجل جني أو شيطان فذلك من التقرب إلى غير الله. وقد كان هؤلاء أحرياء أن يلجأوا إلى الله تبارك وتعالى، بقراءة كتابه الكريم وبدعائه بأسمائه الحسنى فإن الله - تعالى - يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].
لا أن يلجأوا إلى العرافين والكهنة والدجالين الذين يأمرون بهذه الأشياء. أما ما حصل فإنَّ ذلك من الإملاء الذي يحصل للإنسان وهو يُجانب طريق الحق، فقد يُملى لمن يجانب طريق الحق ويُستدرج، والناس قد قالوا بأنه قد تحصل أشياء تعد خوارق للعادات لغير المستقيمين، ولا يعدو أن يكون ذلك استدراجا، ولا تسمى كرامة، فالله تعالى يقول:
سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] والاستدراج متنوع، قد يكون الاستدراج بأن يُمهل للإنسان في حياته وهو على الخطأ، وقد يكون بأن يكثر رزقه وهو على الخطأ، وقد يكون بمثل هذه الأمور التي يطمئن الإنسان فيها إلى خطئه، ويركن إلى ضلاله ويميل إلى غيّه. (2/116)
صفحة 564
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
117
وقد كان هؤلاء أحرياء - كما ذكرنا سابقاً - بأن يذكروا اسم الله تعالى، وأن يتلو كتابه، كأن يتلوا آية الكرسي والمعوذتين وسورة الإخلاص، وكذلك ما جاء في بعض الروايات عن ابن عمر لها وعن غيره من تلاوة عشر آيات من سورة البقرة في مثل هذه الأحوال أربع من أول السورة إلى قوله تعالى: الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] وثلاث آيات هي آية الكرسي والآيتان بعدها إلى قوله تعالى: {خَلِدُونَ} [البقرة: 257] والثلاث الأخرى هي آخر السورة من قوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 284] إلى نهاية السورة؛ فينبغي للإنسان أن يستمسك بهذا، وأن يدع عنه هذه الأوهام، والله المستعان.
الدعاء وصلته بالقدر
إذا كان الله تعالى قد خلق أفعال العباد فما فائدة الدعاء؟ هي
الأزل
فائدة الدعاء كفائدة العبادة، فإن الله تبارك وتعالى قد يقضي في بأن فلاناً يصيبه مكروه. إن لم يدعُ، وقد علم الله تعالى بأنه سيدعو، فيكون ذلك الدعاء سبباً لتفريج تلك الغمة. فعلينا أن نفعل ما أمرنا به، ونكل أمر الله عمال إليه، وليس لنا أن نبحث عما جرى به قلم القضاء في
الأزل والله أعلم.
كيف يرد
الدعاء القضاء، والقضاء هو إرادة الله؟
القضاء الذي علم الله تعالى أنه سَينْفُذُ لا يمكن أن يرده الدعاء، ولكن قد يقضي الله أن فلاناً يصيبه كذا إن لم يدعني وإن دعاني صرفت عنه ذلك، وقد علم الله تعالى أنه سيدعوه، فهذا الدعاء نفسه بقضاء منه تعالى، وهو يصرف القضاء الذي سيقع لو لم يكن الدعاء، والله أعلم. (2/117)
صفحة 565
118 الفتاوى العقيدة
ما الحكم في قول بعضهم «لا قدر الله ذلك» أو «لا الله» عندما
يذكرون حادثة لا يريدون وقوعها؟
سمح
لا مانع من ذلك لأن المراد به دعاء أن لا يقع ذلك، والله أعلم.
هل يجوز التوسل بالنبي أو بجاه النبي صلى الله عليه وسلم؟
في ذلك خلاف وتركه والاقتصار في الدعاء على أسماء الله الحسـ أولى، والله أعلم.
ورد في السُّنَّة أنه مادام الإنسان ذا دين وعلم فإنه مؤكد أن الله سوف يقبل دعاءه وطلبه. هل يجوز أن نستخدم كلمة مؤكد؟
يستجيب الله تعالى لدعاء الداعين ولكن قد يعلم سبحانه أن الخير للعبد في عدم استجابة دعاء معين من أدعيته، فالداعي ببر بير إما أن يعجل الله له الإجابة فيستجيب دعاءه، وإما أن يكف عنه من الشر بقدر ما دعا، وإما أن يَدْخِر له دعاءه في الآخرة فيثيبه عليه ما هو خير، وقد يستجيب الله دعاء غير الدين - أي الكافر أو الفاجر - وذلك لحكمة علمها سبحانه والله تعالى أعلم.
هل يجوز أن نقول أطال الله عمرك؟
نعم، ذلك جائز كما نقول أغناك الله وكما يدعو الإنسان لنفسه أن يكون من أهل الخير وأن يميته الله على السعادة ويجعله من أهل الجنة مع أن أهل الجنة وأهل النار يعلمهم الله ومصير كل واحد معلوم عنده ول ولكن ذلك أخلص في دعائه الله كان ذلك مظنة الاستجابة من
لا ينافي
الدعاء ومن
الله
سبحانه والله أعلم. (2/118)
صفحة 566
الإيمان بالقضاء والقدر
الجزء الثاني
119
هل لعن اليهود والنصارى عامة يمنع من الدعاء لهم بالهداية خاصة، أو تحديد أحدهم بدعاء للهداية إلى الإسلام (كالمغنين منهم مثلاً) أم لا؟ لا مانع من الدعاء بالهداية ولو لمشرك، فقد دعا) النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين، والله أعلم.
سلامية
ما تأويلكم في قوله الله من طريق عائشة قالت: قال الله لا يغني حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيتعالجان إلى يوم القيامة» (2)؟ القدر لا يقى الحذر منه، وإنما يلطف الدعاء ما ينزل به القدر من البلاء بمشيئة الله، والله أعلم.
امرأة تقول إنها أثناء الدعاء تشعر بخشوع تام وبعد الدعاء تشعر ببرودة خفيفة في يديها تصاحبها رعشة في الجسد، فهل يدل ذلك على إجابة الدعاء؟
نرجو من الله تعالى أن يكون ذلك دليلا على صدق إيمانها فإن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ عَايَتْهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ أُولَيْكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمُ) [الأنفال: 2 - 4] فخشوع القلب عند ذكر الله - تعالى - في الصلاة وفي الدعاء وفي
(1) قدم طفيل عمرو الدوسي وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن دوساً عصت وأبت فادع الله عليهم، فقيل هلکت دوش، قال: (اللهم اهدِ دوساً وأتِ بهم) رواه
البخاري رقم "
2937
(2) رواه الحاكم رقم (1813). (2/119)
صفحة 567
120 الفتاوى العقيدة
مطلق الذكر مما يبشر بالخير هو أيضاً مما قد يدل على إجابة الدعاء، فإن الله تعالى يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]، واتصال القلب بالله تعالى عندما يدعو الإنسان مؤذن بإجابة الدعوة وهذه الانفعالات والآثار التي تبدو على الإنسان عندما يذكر الله - تعالى - دليل هذه الصلة والحمد الله. (2/120)
صفحة 568
الإيمان
باليوم الآخر (2/121)
صفحة 569
122
الفتاوى العقيدة
أصحاب الأعراف
ما معنى الأعراف؟ وما المقصود بأصحاب الأعراف؟
أصحاب الأعراف فيهم خلاف كثير بين أهل العلم:
فمنهم من قال: هم قوم استَوَتْ حسناتهم وسيئاتهم» وقد نَصَّ المفسرون على أن المراد بذلك الصَّغَائِرِ لا الكَبَائِر، كما في تفسير القرطبي» وغيره من كلام المفسرين، وجاءتْ بذلك روايات إلا أنَّ هذه الروايات لم تصل إلى درجة الصحة التي يُعْتَمَد عليها، ومع هذا ـ أيضاً ـ فإنَّه من المعلوم أنّ الحديث الآحادي لا يؤخذ به في القضايا العَقَدِية، لأنّ الاعتقاد ثمرة اليقين واليقين لا يكون إلا بدليل قطعي والدليلُ القطعي لا يكون إلا نَصا متواترا، وذلك إما أن يكون نَصّا في كتاب الله أو في روايةٍ متواترة عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.
ومنهم من قال: هم الأنبياء.
ومنهم من قال: هم الملائكة؛ ولَكِنّ القول بأنَّهُم ملائكة بَعِيد، لأنَّ الله
ـ تعالى ـ وصَفَهم بِأَنَّهُم رِجَال.
ومنهم من قال هم الشُّهُود الذين يشهدون على الخلق يوم القيامة.
ومنهم من
قال:
هم
شُهُودُ الأنبياء الذين يشهدون لهم بالتبليغ.
والآراء فيه متعدّدة تصل إلى اثني عشر قولاً.
ولعلَّ أقْرَبَ هذه الآراء إلى التَّرْجِيح قولُ مَن قال بِأَنَّهُم شُهُودٌ يَشْهَدُون
على الناس، لأنَّهم يُخاطبون أهل الجنة ويُخاطبون أهل النار جميعا، وهذا دليل على أنَّهم شهود. (2/122)
صفحة 570
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
123
فلو كانوا كما قيل: «قوم اسْتَوَتْ حسناتهم وسيئاتهم وأنَّهم مَحبُوسُون عن دخول الجنة ثم يُؤْذَن لَهم بدخولها فإنّ الموقف يقتضي أن يكونوا مشغولين بأنفسهم، لا أن يكونوا مشغولين بمخاطبة هؤلاء تارة ومخاطبة أولئك تارةً أخرى.
والأصل في «الأعراف أنَّها الأماكن المرتفعة، فـ «العُرْفُ» هو المكان النَّاتِي المرتفع الذي هو فوق غيره، ولذلك سُمِّي عُرْفُ الدِّيكِ «عُرْفا» بسبب ارتفاعه. فهذا دليل على أنهم في مكانٍ مُرْتَفِع ويُشْرِفُون على هؤلاء وهؤلاء، فلا يَبْعُد أن يكون القولُ الصحيح أنَّ أصحاب الأعراف هم الشهود الذين يشهدون يوم القيامة على الناس بما عملوه، هذا مِنْ غيرِ قَطع، لأنّ القطع ثَمرةُ الدليل القطعي ولا يُوجد دليل قطعي كما ذكرنا، وإِنَّما نَقُولُ ذلك مِن باب التفسير بِمَا يَتَبَيَّن من القرائن مِن غير أن نقطع به؛ والله - تعالى - أعلم.
هل نستطيع أن نقول إن أصحاب الأعراف لم يطبقوا الجملة عمليا ولذلك كانت تلك حالتهم؟
نحن لا نقول ذلك، ولكن نقول ربما حصل عندهم تقصير غير متعمد في التطبيق العملي هذا بناءً على قول من قال بأنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، ودليلهم في هذا رواية ضعيفة ولذلك اختلف المفسرون فيهم على أكثر من اثني عشر قولاً، والذي أراه أن أصحاب الأعراف هم الشهود الذين يشهدون على الأمم بدليل مخاطبتهم للسعداء والأشقياء، ولو كانوا كما قيل بأنهم قوم محبوسون بين الجنة والنار لكانوا مشغولين بأنفسهم عن مخاطبة الفريقين، ويشهد لهذا وصفهم بأنهم على الأعراف، والأعراف جمع عرف، والعرف ما ارتفع من أي شيء فهم في مكان رفيع يرون فيه الأمم ويشهدون عليهم بأعمالهم، والله أعلم. (2/123)
صفحة 571
124 الفتاوى العقيدة
الحشر وقيام الساعة
يسأل سائل عن الجمع بين قوله تعالى: {يَوْمَا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) [المزمل: 17]، وآيات أخرى تَذْكُر أَنَّ المُؤْمِنِين في هَذَا اليوم يَكُونُون في أَمَان لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} [الأنبياء: 103]، ومَعْلُوم أَنَّ الصغار هم غير مُكَلَّفين .. أَشْكَلَ عليه ما ورد في الآيتين؟
لا إشكال في الجمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْن .. بَيْنَ قَوْلِهِ تعالى:
يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَى أُوْلَيْكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِدُونَ لَا
)
يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} [الأنبياء: 101 - 103]، وكذلك قول الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَيْكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [فصلت: 30 - 31)، والجمع ما بَيْنَ تِلْكَ الآية وما بين هذه الآيات جَمْعُ مُيَسَّر بمشيئة الله تعالى، فإن قَوْل الله تعالى: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) إِنَّما هُو لِبَيَان هَوْلِ هذا اليوم، فهو كناية عن شدة هذا اليوم وفَطَاعَتِه، فهو لِهَوْلِهِ لَوْ صَادَفَ الوِلْدَان في هذه الدنيا لحولهم إلى شيب من شدة هَوْلِه. وأسلوب الكناية مألوف عند العرب، فإنَّهم يقولون في وَصْفِ الكريم هو «جبان الكلب» ولو لم يكن له كلب، وإنما المقصود بذلك الكناية أنّه لكثرة ما يطرقه الزوار لو كان له كلب لَكَان جَبَاناً لَا يَنْبَحُ الطَّارِقِين لكثرة ما ألِفَهم ويقولون فيه كثير «الرَّماد ولو لَمْ يكن في بَيْتِهِ رَمَاد بل ولو كان يطبخ الطعام في غير بَيْتِهِ ولكن هذه كناية عن كثرة إعْدَادِه الطعام للضيوف، ويقولون للطويل - كناية عن طوله -: طويل النجاد وإن لم يكن
مثلاً
له نجاد قط. (2/124)
صفحة 572
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
125
فإذن هذه كِناية عن هَوْلِ ذلك اليوم، أي هَوْلُ ذلك اليوم هَوْلٌ عظيم بِحَيْثُ لو صَادَفَه أولاد وهُمْ في مُنْتَهَى الفُتُوَّة والصِّغَر لأدَّى ذلك إلى أن
يَشِيبُوا مِن هَوْلِهِ.
وأما قول الله تعالى: لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ فَهَذَا وضفٌ لِحال
المؤمنين.
هذا والأولاد الذين ماتوا وهُم صِغَار فإنَّهُم مَاتُوا على الفِطْرَة لحديث «كُلُّ مَوْلُود يُولد على الفطرة ... )، فهم لا يَحْزُنُهُم هَوْلُ ذلك اليوم، والله أعلم.
ما صحة الحديث ولدتُ يوم الجمعة وأبعث يوم الجمعة وتقوم الساعة يوم الجمعة؟
هذا حديث لا يصح، نعم ثبت في حديث أبي هريرة عند الإمام الربيع وعند الشيخين وعند غيرهم من أئمة الحديث أن قيام الساعة يوم الجمعه أما ولدت يوم الجمعة فلم يثبت. وقد اشتهر عند الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين، وقد دلّ على هذا الحديث الذي رواه مسلم وفيه ... وسئل عن صوم يوم الاثنين قال ذاك ولدت فيه ... » (3)، والله أعلم.
يوم
قلتم باستحالة تصور مشهد من مشاهد البرزخ أو أي مرحلة من ذلك فما القول فيمن كلفوا طباعهم وكتبوا عن الحشر مستدلين على كل تصوراتهم بما ورد في الذكر الحكيم؟
قلت بأن الإنسان الحي لا يستطيع أن يتصور تمام التصور الإحساس الذي
(1) رواه البخاري (1270) ومسلم (4803).
(2) روي بنحوه مسلم 1162. (2/125)
صفحة 573
126 الفتاوى العقيدة
أحدنا
يحسه الميت وهو في البرزخ، ونحن لا نستطيع أن ندرك حقيقة الحلم الذي يراه في منامه فلا ندري هل الروح هي التي ترى؟ وهل ما نراه هو انعكاس لأشياء خيالية يجعلها الله دلالة على حقائق تنعكس على إدراك الإنسان ووعيه؟ فكيف يمكن لأحدنا أن يدرك الإحساس الذي يحس به الميت وهو في القبر؟!. أما الذين يستندون إلى القرآن الكريم في بيان حقيقة ما، فهم على صواب فلا يعول إلا على القرآن وعلى السُّنَّة التي هي امتداد للقرآن، وإنما مقدار ما يحس به الميت في البرزخ أمر يعلمه الله وحده والله أعلم.
في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامُ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68] نريد توضيح قوله: إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ.
منهم من
قال:
الآية أجملت ولم تبين وقد اختلف المفسرون في المراد بالاستثناء هم الأنبياء، ومنهم من قال بعضهم، ومنهم من قال: هم الأنبياء والصديقون ومنهم من قال الحور العين. ولم أجد عليها دليلا يمكن أن أستند إليه، وأقول إن الله على كل شيء قدير فيمكن أن يكون هناك طائفة من الملائكة وغيرهم يجعل الله الله لهم القوة على سماع دوي النفخ في الصور ويمكن أن تكون طائفة من البشر والله أعلم.
السائل يسأل عن قول الله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 22 - 23] لماذا أشرك الأزواج
مع الذين ظلموا والله يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]؟ كلمة الأزواج لا يلزم أن يكون المراد منها الاقتران المعهود بين رجل وامرأه، فكلمة «أزواج» في الآية قيل هم قرناؤهم من شياطين الجن، وقيل (2/126)
صفحة 574
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
127
قرناؤهم من شياطين الإنس أي يبعثون يوم القيامة مقترنين في العذاب، كما كانوا مقترنين في الكفر بالله والإصرار على معصيته والإخلاد إلى محارمه تعالى في هذه الدنيا، ولو قدرنا أن المقصود بالأزواج أولئك الذين كانوا مقترنين بالعلاقة الزوجية في الدنيا فيحمل ذلك على ما إذا ماتوا مصرين على ما يخالف الحق فإنهم عندئذ يكونون سواء في الإثم كما كانوا سواء في العمل، ولا يراد بذلك أبداً أن يحمل أحد الزوجين إثم الزوج الآخر، وناهيكم أن امرأة فرعون ذكرها الله سبحانه بالخير في كتابه الكريم مع أنها كانت مع شر زوج في الدنيا كيف وهو الذي جعل من نفسه إلها يعبد من دون الله، والله أعلم.
سؤال عن قول الله تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَابِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَدٍ
تمنيةٌ) ما تمييز العدد المحذوف أهي ثمانية ملائكة أم صفوف؟ الله أعلم بذلك، هل ثمانية ملائكة أو ثمانية صفوف أو ثمانية آلاف، وما علينا إلّا أن نكل علم ذلك إلى الله، وقد قال بعض العلماء إن هذه الآية داخلة في باب المتشابه، والله أعلم.
ذكرتم أن الأرض التي يرتكب عليها الإنسان المعصية تشهد عليه يوم القيامة، وقبلها ذكرتم الآية {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْحَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّنَا دَكَةً وَاحِدَةً} [الحاقة: 13 - 14] فما دامت الأرض تدك وتتلاشى
علاماتها، فكيف تشهد على الإنسان يوم القيامة؟ الأرض ينشئها الله له الا الله نشأة أخرى لتكون أرضاً غير هذه الأرض، ولا مانع من أن تشهد تلك الأرض التي أنشأها الله بما ارتكب العبد، ولعل الله ينشئها من نفس هذه الذرات وتعود بطبيعة غير الطبيعة
السابقة، والله أعلم. (2/127)
صفحة 575
128 الفتاوى العقيدة
نظام
ما معنى قوله تعالى {فَإِذَا انْشَقَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرَدَةً كَالذِهَانِ} [الرحمن: 37]؟ جعل الله له انشقاق السماء أو انفطارها إيذاناً بقيام الساعة إذ يختل هذا الكون فتتساقط أجرامه ويرى الأفق أحمر كالوردة ولا يبعد أن يكون ذلك - والله أعلم بحقيقة الأمر - بسبب الغبار الذي يكون حول الأرض حيث يراه من على الأرض كمثل وردة حمراء، وهذا الانفطار الذي ذكره الله تعالى يشير إلى الجاذبية؛ فالكواكب التي جعلها الله الله بعضها مشدوداً إلى بعض عندئذ يختل توازنها وتتساقط ويقع بعضها على بعض بسبب انعدام الرابطة التي تربط ما بينها، والله أعلم.
أشراط الساعة
انتشر عن طريق البريد الإلكتروني بَعْضُ المعلومات وكذا أيضاً عن طريق الرسائل القصيرة في الهواتف أنَّ ما حَدَث مِن نَكَبَات أو كوارث في جَنُوب شرق آسيا (1) هو بدَايَة اضطرابات في هذه الأرض، وأنَّ هَذه الاضطرابات آخذة في الاستمْرَار حَتَى تَصِل بالأرض إِلى أَن تَدُورَ دَوَرَاناً عَكْسِياً يَقْتَضِي طُلوع الشمس من مَغْرِبِها، وأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُؤذِن باقترابَ السَّاعة، مَا تَعْلِيقُكُم عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الرَّسَائِلِ؟
نَحْن لَا نَسْتَطِيع أن نَقُولَ فِي أَمرٍ مَا بِغَيْر بَيِّنة من الله تعالى، فإن الإنسان لَيْسَ له أن يَتَقَوَّل على الله بغير علم فالله تعالى يَقُول: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] فقد قرن تعالى التَقَول عَلَيْهِ بِغَيْرِ علم بالإِشْرَاكِ به وهو مِما يَدُل عَلَى خُطُورَته.
(1) التسونامي عام 2004. (2/128)
صفحة 576
الإيمان باليوم الآخر
نَعَم
قد
الجزء الثاني
129
به
يَنقَدِحُ في ذهن الإنسان مَعنى مِنَ المعاني ويُريد أن يبوح فلَا يُمنع من ذلك كأن يَقُول: «هَذَا الذي انقدَح في ذهني وهذا تَصَوُّرِي» وإلا فالأمرُ الله.
ونَحْن نُدرك أن الساعة آتية لا ريب فيها، والإنسان مأمور بأَن يَنتَظِرها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [الشورى: 18] فالذين آمَنُوا دَائِماً عَلَى إِشْفَاق مِن قِيَامِ السَّاعَةَ وَهُم مدركون أنَّها لا بد مِن أَنْ تَقُومَ، على أن النبي صلى الله عليه وسلم ذَكَر للساعة عَلَامَات فَعِندَمَا سُئِل - كما في حديث جبريل عن علامات الساعة قال عليه أفضل الصلاة والسلام: «وأن تَرَى الأَعَرَاب الجفَاة العُرَاة رِعَاء الشاء يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَان»)، فمن علامات الساعة أن يصبح الناس الذين مَا كَانُوا يَحْفِلُونَ بِمظَاهِر المدنية والرقي، وما كانوا آخذين بحظ من عِمَارَة هَذِهِ الأرض مَتَطَاوِلين في البنيان. ومَن الذي يُنْكِر الآن التَطَاوُل في البُنْيَانِ! فهذه العمارات الشاهقة التي يُعبَّر عنها بِنَاطِحات السحاب أليست هي مِن مَظاهر التطاول في البنيان .. وهذا مما وقع حتى عند أولئك الذين وصفوا في الحديث الشريف بِما وُصِفُوا من أَنَّهم كانوا من قبل على تِلْكم الحالة، فَهَذَا مِمَّا يُؤذِن بِقِيَام الساعة. على أننا نَسْتَطيع أن نَقُول بأن القرآن الكريم يُشير إلى ذلك، وإن كَانَ المفسرون لم يَحْملوه في بالذات على هذا المَحْمَل في قوله تعالى: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَيَّنَتْ وَظَنَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَعْنَ بِالْأَمْس كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] فلا أستبعد أن تَكُون في ذلك إشارة إلى هذا المعنى،
(1) النسائي رقم 5005.
هَذَا المَوْضِع
به
به (2/129)
صفحة 577
130 الفتاوى العقيدة
وهذا مما قَالَه أحد العُلماء قبل سنين - فيما رأيت ـ وهو الشيخ إبراهيم عبد الباقي في كِتَاب له يُسمى: «الدين والعلم الحديث» .. فقد تحدث عن دلالة الآية على ما يحدث في آخر الزمان من اهتمام الناس بعمارة الأرض وزخرفها وتشييد مبانيها مع اغترارهم بما أوتوا من القدرة على التحكم في شؤونها حتى يظنوا أنهم قابضون على ناصيتها متحكمون في أمرها فيفاجئهم أمر الله بقيام الساعة ليلا أو نهارا، وهذا ما فهمه من الشطر الأخير من الآية، بينما أَطْبَق المفسرون عَلَى أنّ الله تعالى أراد أن يَضْرِب فيها مثلاً لهذه الحياة الدنيا في زَهْرَتِهَا ونَضرتها واختلابها القلوب ومثل الناس إليها ثم كيف تنقلب بعد ذلك إلى عكس ما كانت عليه، فهي كَمَاء يَنزِلَ مِنَ السَّمَاء فَيَخْتَلِطُ بِهِ نَبَات الأرض وتَزْدَهرُ به الأرض ثُم يَأْتِيهَا أَمْر مِنَ الله ـ كإعْصَارٍ مُدَمِّر أو بركان محرق أو عاصفة ماحقة - ليْلاً أو نَهاراً فَتُصْبِح يَبَاباً بَعْدَمَا كانت رَوْضاً نَضِيراً، قَوْلُ المفسرين فِيمَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ وَلَم اطَّلِع عَلَى غَيْر ذَلكَ مِن أقوالهم.
هَذَا
هو
ولكن الشيخ إبراهيم عَبْدَ الباقي - كما ذكرت - قَالَ بِأن الآية تُشِيرُ إلى نهاية الساعة حيث يَكُونُ في الأرض ازدِهَار وعُمْرَان وغُرورٌ بِحيث يَظُن الناس أنَّهم سيْطَرُوا على هَذِه الأرض وتَمَكَّنُوا فِيها بما أوتوه من قوة وما أحدثوه من أسباب التمكين، وهَذَا مَا يَتَصَوَّرُه الكَثِير الآن مِن خِلَالِ الآلات المستحدثة ومِن خِلال القوى التي بأيدي هَؤُلاء فَإِنَّهُم يَتَصَوَّرُون أَنَّهُم أحاطوا بالأرض مِن قُطْرَيْهَا وسَيْطَرُوا عَلَيها من كل جانب، وهَذَا هُوَ مَنْشأ الغُرور، فَهُنَا يَأْتي أمر الله تعالى ليلاً أو نهاراً وذكر بأن: «أو» هنا لا تدل على الشك ـ تعالى الله عَن الشك وإِنَّما هي للدلالة على تنوع الوقت باختلاف جهات الأرض، فإن الساعة عِندَمَا تَقُوم تَقُومُ لَحظة واحدة كما قال تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةُ كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50] وحيث إن الأرض كرة يلزم أن يكون ذلك الزمن ليلا في نصف الأرض ونهارا في نصفها الآخر، فتقوم (2/130)
صفحة 578
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
131
تتسع
الساعة على ليل عند قوم ونهار عند آخرين، ومن المحتمل أن تكون العِبَارة لكلا التفسيرين مراعاة لجانب التشبيه بحيث يدخل هذا الشطر من الآية فيه أو أن يكون مقصودا به المشبه لا المشبه به، لأن مِن أُسْلُوبِ القرآن أن لعباراته من الاحتمالات ما تتسع به معانيه لأجل أن تستحضر هذه المعاني كلها في تلاوته أو تفسيره، فلا يبعد أن يكون قوله سبحانه: حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَيَّنَتْ وَظَنَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا} [يونس: 424، تصويرا لِحَال الدنيا ومآلها عند انتهائها.
الكريم
ويُمْكِن أَن يَكُون ذَلك داخلا في المثل بِحيْثُ يَكُون جزءًا منه. فالآية بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَاه لَا يَبْعُد أن تَكُونَ مُومِية إلى هَذا الذي حَصَل مِن الازدهار والعُمْرَان والتَّقدم العِلْمي والتقني وغير ذلك مِمَا ظَنَّ النَّاسِ بِسَبَبِه أنَّهم مُتَمَكِّنُونَ حتى أصبحوا يتحدثون عما يحصل من الأعاصير والزلازل ومن الأمطار والرياح وغَيْر ذلك قَبْل وقوعه، ولكن مع ذلك ما استَطَاعُوا أن يَمْنَعُوا شَيْئاً، فهذا الزلزال نَفْسُه ما استطاعوا أن يَتَصَوَّروه قبل وقُوعِه بهذا المقْدَار بل لَمْ يَتَصَوَّرُوا قط أن كَارثة تَحُل بهذه السرعة، وَهَذَا يَعْني أنَّه ـ مَهْمَا تقدم الإنسان وأوتِي مِن وَسَائِل التمكين والاستخلاف في هَذِه الأرض - يَبْقَى قَاصِراً وقدرة الله تعالى هي التي تُحيط بكل شيء، وَهِيَ التي تُدبِّر كُل شَيْء، فَمَا عَلى العبد إلا أن يكون عبداً خاضعاً ذليلاً بين يدي الله سبحانه حريصاً على طاعته، مُسَارعاً إلى مَرْضاتِه، مُتَحَرِّياً لامتثال أمره، ما أمر به أو في مَا نَهَى عَنْه.
لا يخرج عن
طَاعَتِه في
كيف نوفق بين كون الساعة لا تأتي إلا بغتة ولا يعلمها إلا الله، وبين ظهور علامات الساعة سواءً الكبرى أو الصغرى، خصوصاً وأنها تأتي على الترتيب والتدرج؟ (2/131)
صفحة 579
132
الفتاوى العقيدة
يحدد
نعم الساعة لا يعلمها إلا الله، ولا تأتي إلا بغتةً، فنحن الآن رأينا كثيراً من العلامات الصغرى، ولكن مع ذلك لا نستطيع أن نحدد ميقات الساعة، فالمرأة الحامل يعلم أنها ستضع حملها، ولكن لا يستطيع أحد أن الساعة أو اليوم الذي تضع فيه حملها، وقد أخبرنا الله تعالى أن الساعة أزفت، ولكن متى تقوم؟ علم ذلك إلى الله تبارك وتعالى وحده، ومن ادعى ويستطيع أن يحدد ميقات قيام الساعة فقد ادعى على الله الله
أنه يعلم ذلك ما ليس له به علم وتقوّل على الله بغير علم، فدخل في الوعيد الذي جاء به قوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] فظهور العلامات لا ينافي جهلنا بالساعة واليوم والشهر والعام الذي تقوم فيه القيامة، فذلك أمره إلى الله الله والله أعلم.
جاء في حديث جبريل عندما سأل رسول صلى الله عليه وسلم عن أشراط الساعة،
فقال له: أن تلد الأمة ربتها)، نرجو أن تزيدونا توضيحاً شافياً؟
أما من ناحية الحكم الشرعي فليس من المعقول أن تلد الأمة ربتها التي تملكها ويقر ذلك الشرع، لأن كل واحد من الوالدين يعتق بمجرد ملك الولد له، فلو وقع والد في ملك ولده فإنه يعتق تلقائياً من غير أن يعتقه ولده، وكثير من العلماء زادوا على ذلك ذا الرحم المحرم، كأن يملك الأخ أخته أو الأخت أخاها أو الأخ أخاه أو الأخت أختها أو العمات والأعمام وأبناء الإخوة وبنات الإخوة بعضهم بعضاً، وكذلك الأخوال والخالات وأبناء وبنات الأخوات كل من هؤلاء يدخلون في الحرية بمجرد أن تفضي الملكية إلى ذوي محارمهم، فليس من المعقول
(1) رواه مسلم (9). (2/132)
صفحة 580
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
133
أن يقر في الشرع ملك الولد لوالده، فلذلك كان الحديث بحاجة إلى
التأويل.
وقد سلك العلماء مسالك متعددة في التأويل، منهم من قال: بأن التسري يكثر فيتسرى أحد الأمة وتلد له، مولودة، ثم بعد ذلك يتجاسر على بيع أم ولده ويشتريها غيره ويجهل أمرها ثم تعود إلى ابنتها بطريق البيع أو غيره، وكل واحدة منهما تجهل الأخرى، أو أن الوالدة تُسرق ثم بعد ذلك تباع وتشتريها ابنتها، وهي لا تعلم أنها والدتها ولكني نظراً إلى اختلاف ظروف الناس بين الأمس واليوم لا أستبعد أن يكون الحديث يشير إلى تحول الناس من وضع إلى وضع آخر، بحيث يكون الجيل الآتي إذا ما قيس حاله بحال الجيل الذي سبقه بينهما من التفاوت كالذي يكون بين الخادم والمخدوم أو المالك والمملوك، فلربما امرأة كانت بالأمس تعيسة تعاني الويلات وتكابد لأواء الفقر والضعف وإذا بابنتها بعد زمن تنقلب إلى وضع آخر حتى تكون كالسيدة المالكة لأمها، فتكون كأنها ولدت، ربتها هذا الذي انقدح في ذهني وأرى أنه لا يبعد أن يكون هو المراد في الحديث، والله أعلم.
أرجو بيان الجمع بين أن الساعة لا تأتي إلا بغتة، وإخباره صلى الله عليه وسلم بعلاماتها، ألا تعتبر هذه العلامات إعلاماً بوقوعها؟
الساعة لا تأتي إلّا بغتة، وإنما لها أشراط تدل على قربها، وذلك لا ينافي
جهل الناس بتحديد زمنها، والله أعلم.
هل يلزم ظهور العلامات الكبرى لقيام الساعة؟
ما ثبت بالدليل القاطع فهو مقطوع بأنه لا بد من وقوعه، وما كان
بخلاف ذلك فلا يقطع به، والله أعلم. (2/133)
صفحة 581
134 الفتاوى العقيدة
أين موقع ومكان يأجوج ومأجوج وسدهم الذي ذكره القرآن في سورة الكهف وهل هم هؤلاء الجنس التواراني الذين يسكنون في شرق آسيا كما ذكر الشيخ أبو إسحاق في تعليقه على الذهب الخالص؟
كما
الله أعلم والأقرب أن مكانهم هو في بعض مناطق الاتحاد السوفيتي ذكر ذلك العلامة السيد رشيد رضا صاحب المنار في بعض فتاواه لأن صفات سدهم المذكورة في القرآن تنطبق على السد الموجود هناك حسب وصفه ولأن من حول السد المذكور يطلق عليهم ياقوق وماقوق حسبما قيل،
والله أعلم.
هل من الصحيح خروج المهدي المنتظر وما رأي فضيلتكم في كتاب الدكتور مصطفى محمود الذي تكلم فيه عن الشفاعة؟ الأحاديث التي دلت على خروج المهدي في آخر الزمان لم تثبت، وقد تكفل علماء الحديث ببيان عللها واستقصاء عدم ثبوتها، ومن بين هؤلاء الشيخ المحدث د. عداب بن السيد محمود بن السيد إبراهيم بن الشيخ محمد الحمش، فقد أفرد لها مؤلفاً في مجلد كبير.
أما الدكتور مصطفى محمود فقد بحث موضوع الشفاعة بحثاً موضوعياً غير متأثر بما تراكم من الأفكار التي عششت في أدمغة كثير من الناس، فتناسوا بسببها نصوص الوحي وأهملوا النظر في تحذير الله تعالى هذه الأمة التعلق بالأماني التي تعلقت بها الأمم قبلها، فلذلك استنكروا قوله لأنهم أسلسوا قيادهم الفكري لتلك التراكمات التي توارثوها وإلا فالحق في ذلك بين، فقد قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 48]، وقال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُها شَفَعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 123]، وقال: {يَأَيُّهَا (2/134)
صفحة 582
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
135
الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمُ لَا بَيْعُ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ
وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 254] وقال:
لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبٍ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدُ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123]، وهذا ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر أقرب قرابته وأخص خاصته حتى فلذة كبده فاطمة لها من التعلق بأماني الشفاعة وإهمال العمل، فقد قال: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية بنت عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا» (1)، وكفى بهذا قاطعا لحبال الأماني التي ألهت الناس عن الأعمال وجعلتهم يسرحون في عالم الأوهام ضاربين عرض الحائط بكل دليل شرعي يصدهم عن هذه الأماني،
والله المستعان.
الموت
ما هو تفسيركم للموت؟ وكيف يمكن للإنسان توظيفه في إصلاح
نفسه؟
اليوم الآخر يعني الموت فما بعده، فالإيمان بالموت يدخل في الإيمان باليوم الآخر، والناس كلهم موقنون بالموت وإن لم يشتغل الكثير منهم به،
وصحيح
(1) صحيح البخاري رقم: 2602، 4493، وصحيح مسلم رقم: 206، 205، 204، ابن حبان رقم: 12428، 12429، وسنن النسائي الكبرى رقم: 6471، 6472، 6473،
06475،6474 (2/135)
صفحة 583
136 الفتاوى العقيدة
فإنهم يشاهدون قوافل الأحياء تخرج من هذه الدار إلى الدار الآخرة، وكل أحد يشاهد إخوانه وخلانه وأقرباءه الذين تقرضهم أنياب المنايا، فيغادرون هذه الحياة بعدما كانوا من أهلها يسرون ويتمتعون معهم وينافسونهم فيما جعل الله الله فيها من أمور تدفع أهل هذه الدنيا إلى التنافس فيها، فبهذا
لا يبقى مجال للريب في الموت فالله - تبارك وتعالى قال: خطاباً لرسوله إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّسْتُونَ} [الزمر: (30) فما من أحد يبقى في هذه الدنيا، وقال - سبحانه -: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِن قَبْلِكَ الْخَلَدٌ أَفَإِيْن مِتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ} [الأنبياء: 34] ويقول عز من قائل: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]، ويقول سبحانه: {تَبَرَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك: 1 - 2] فالآيات ناصة على الموت وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ناصة عليه، ووضع الناس هذه الدنيا شاهد عليه، فكل أحد يعلم أن الليل والنهار يتنقصان عمره
في
باستمرار:
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
فما من شك في الموت وإنما هناك اشتغال عنه والتهاء بشؤون الحياة دونه، فالناس جبلوا على حب هذه الحياة حبا جما، وقد عزب عنهم ذكر الموت فما بعده فلذلك يستنفذ أحدهم طاقته فيما يعود عليه بالمنفعة الموهومة في هذه الحياة، التي لا يدري أحد من الناس أنه سيتحقق له نيلها، لأنها منفعة قد تقطع الآجالُ بينه وبينها فصوارم المنايا تقطع حبال الآمال في هذه الدنيا، ولكن الناس مع ذلك متشبثون بهذه الحبال، ولا ينظرون إلى من تخطف المنايا من حولهم من إخوانهم وخلانهم وأقاربهم وعشائرهم، كل ذلك بسبب الرغبة الملحة في الدار الدنيا والتعلق بها إنما هو تعلق بأوهام. (2/136)
صفحة 584
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
137
شر الغرور سكون ذي بصر إلى عيش تمزقه يد الأخطار عبر تلونها الصروف وأنفس تفنى وآثار على آثار هل زاد عيشك ذرة عن هذه لو كنت في الدنيا على استبصار هلا اعتبرت ففي حياتك عبرة مما تصرفه يد المقدار لا تستمر لك السلامة لمحة وغوائل الأيام في استمرار ما بالنا نبكي الفقيد ونحن من حب الذي أرداه في استهتار شغف النفوس بما يراقبه الفنا أثر الهوى ومحبة الأوطار جسر المنون أمام وجهك عابر ولسوف تعبره مع السفار شمر لتعبره مخفا سالما من ثقل ما أوقرت من أوزار ليس العظات بما يقول مذكر مثل العظات بمصرع الأعمار كم للمنون لو اعتبرنا من يد في سلبها الأرواح بالتذكار ما الحزم ألفتنا لمقصود الردى يغتال في الإيراد والإصدار أترى يجد البين فينا هازلا ويريحنا بمصارع الأخيار كلا ولكن الحياة بهيمة تجري عليها مدية الجزار مزمومة نير القضاء يقودها مربوبة لمشيئة المختار كتب البقاء لنفسه مستأثرا بإماتة الأحياء والإنشار وإذا اعتبرت حياتك الدنيا تجد أن الحياة مظنة الإعذار ما بين معركة وأخرى يبتغي أملا لباقية ذوو الأبصار لو كان يشترط البقاء لغادرت غيل المنية أنفس الأبرار هذا هو شأن هذه الحياة فهي مجرد ظل زائل وخيال عابر، يصبح الإنسان على ظهر الأرض ويمسي في بطنها، فرب غاد غير رائح ورائح غير غاد، وهكذا تتخرم المنايا أعمار الناس باستمرار، فإيمانهم بالموت هو (2/137)
صفحة 585
138 الفتاوى العقيدة
على
الإيمان الحق الذي يجعلهم يكيفون حياتهم حسب هذا الإيمان بحيث يتزودون من هذه الدار للدار الآخرة، فرحم الله امرءا تزود من يومه لغده، ومن حاضره لمستقبله، ومن حياته لموته، ومن شبابه لهرمه، ومن صحته لسقمه ومن دنياه لآخرته، فالكيس ـ كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أعطى نفسه هواها وتمنى الله الأماني)، وقد سمى الله ـ سبحانه ـ هذه الحياة «متاعا» والمتاع الشيء القليل الذي يستمتع به، وقد أضاف الله ـ تعالى ـ هذا المتاع إلى الغرور في قوله وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]، ونفس كلمة المتاع تدل على سرعة انقضاء هذا الاستمتاع بهذه الحياة التي سماها الله ـ تعالى ـ بهذه الاسم، فإن المتاع هو كل ما يستمتع به من مجالسة المحبوب أو النظر أو الارتياح إليه أو قضاء وطر منه، فقد سليمان بن عبد الملك وقف على قبر ولد له صغير بعدما دفن وقال: وقفت على قبر غريب بقفرة متاع قليل من حبيب مفارق هذا، وحقيقة الموت لا يمكننا أن نتصورها فنحن نؤمن أن الموت الذي يعقب الحياة هو من خلق الله - سبحانه - لقوله - تعالى -:
:-
روي
أن
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ} [الملك: 2]، وإنما أثر الموت أن تتوقف حركات
الجسم ويفقد الإحساس الطبيعي فيه ويعود الجسم جثة هامدة لا تتلاحم خلاياه، كما كانت تتلاحم من قبل من أثر الحياة والحياة نفسها سر من أسرار الله ـ سبحانه ـ وهي تكون بنفخة الروح في الجسم، ولكن أثر هذه النفخة يتلاشى بحلول الموت بمشيئة الله - سبحانه، فنحن لا نستطيع نفسر الموت تفسيرا ماديا كما ذهب إليه الأطباء وقد وافقهم جماعة من
(1) رواه الترمذي (2647).
أن (2/138)
صفحة 586
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
139
المفسرين فقالوا: إن الموت هو اختلال حركة هذا الجسم اختلالا يؤدي إلى وقوف نبضات القلب وتعطل الدورة الدموية ويؤدي أيضاً إلى عدم تلاحم الخلايا كما هو معهود في الحياة، وهذا الذي ذكروه أثر من آثار الموت وأما الموت نفسه فهو أمر غامض لأن الله - سبحانه - هو الذي يتوفى الأنفس، وقد بين وعلى أن هذه الوفاة تكون بمشيئته وبحكمته وإرادته وقدرته، بواسطة ملك من الملائكة يقدره الله - تعالى - على ذلك، {قُلْ يَتَوَفَّنَكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وكل بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11]، ويقول ـ سبحانه ـ: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَيْكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [الأنفال: 50]، ويقول في المؤمنين: (الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَيْكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَهُ عَلَيْكُمْ} [النحل: 32] والموت يكون بقبض الروح، والروح من أسرار الله
ـ تعالى ـ أودعه في هذا الجسم فلا يدري الإنسان حقيقته.
س
وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، فقول جماعة من المفسرين: إن الروح لم يخبر عنها في ذلك الوقت لعدم احتمال قوى الناس العلمية معرفتها ولكن حقيقتها تكشفت بواسطة الاكتشافات العلمية إلى آخر ما قالوه كلام مرفوض، فإن الله الله أخبر عن الحقائق الغيبية التي لم يكن الناس يتصورونها آنذاك، فقد أخبر عن البعث الذي لم يكن المشركون يتصورونه بل كانوا يجحدونه وكانوا يعدونه من الخرافات التي لا تقبل فهم أيسوا من الدار الآخرة لأنهم يعتبرون أن هذه الدار هي كل شيء ومتعتها هي متعة الحياة كلها فلا متعة بعدها، ولا وجود بعدها، ومع ذلك فإن الله - تعالى - ضرب لهم الأمثال وأقام عليهم الحجج وأحالهم على ما سبق من خلقه إياهم ليعرفوا من خلال ذلك قدرته سبحانه - على إعادتهم مرة أخرى، وقد أخبر تعالى عن الجنة وما فيها من نعيم وأخبر عن النار وما فيها من عذاب، وأخبر عن التخاطب الذي يقع بين (2/139)
صفحة 587
140 الفتاوى العقيدة
أهل الجنة وأهل النار مع بعد ما بين الدارين والناس في ذلك الوقت ما كانوا يألفون شيئا من هذه الأمور، هذا مع احتواء القرآن من حيث الإشارات التي فيه على عجائب صنع الإنسان وعجائب تكوين هذا الخلق بأسره ووجود آيات تكاد تكون صريحة في بيان حقائق غيبية لم تكن تتصور آنذاك، فكيف يقال إن الروح رد الله - تبارك وتعالى كشف حقيقتها إلى ما بعد نزول القرآن ليتم هذا الكشف بواسطة الاكتشافات العلمية، ولم يحدث عنها في ذلك الوقت بسبب أن قوى الناس العلمية وطاقاتهم الفكرية ما كانت تحتمل هذه الحقيقة هذا كلام مرفوض من أساسه فحقيقة الروح وقبض الملك الموكل بقبضها لها وكيفية الانتقال وأين تكون هذه الروح من بعد ذلك شيء نعجز عنه وإنما جاءت هناك روايات عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر ترعى في الجنة وهذه الروايات تحتمل معاني، فهي تحتمل أن تكون نفس تلك الأرواح متشكلة في صورة طيور خضر وتحتمل أن تكون تلكم الأرواح في طيور خضر، فالله أعلم بها، {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)، وإنما علينا أن نؤمن بما أخبر الله ـ تبارك وتعالى به، من أن ملك الموت يتوفى هذه الأنفس وهو الذي يقبض هذه الأرواح، ويظهر أثر ذلك كما ذُكر في تعطل وظائف الجسم من دماغ وقلب وكبد، ورئتين ثم بعد ذلك الانتقال إلى البرزخ، وقد أشارت الآيات إلى وجود ما يمكن أن يسمى حياة في البرزخ، ولكن هذه الحياة تختلف عن الحياة التي نحياها الآن حياة يمكن أن يحس معها من كان في البرزخ إما بنعيم إن كان من أهل السعادة، وإما بعذاب إن كان ـ والعياذ بالله من أهل الشقاوة، وقد جاء في الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر بالاستعاذة من عذاب القبر وجاءت الروايات أيضاً بالإخبار عن سؤال الملكين للميت في قبره، وجاءت في عذاب القبر روايات استفاضت حتى قال بعض العلماء (2/140)
صفحة 588
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
141
إنها متواترة تواترا معنويا وقد جاءت الإشارة إلى ذلك في مثل قول الله تبارك وتعالى -: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]، فإن هذا العرض كما قال العلماء المفسرون هو عرض في البرزخ، قبل أن تقوم الساعة، وهل هذا العرض على الأجسام والأرواح أو على الأجسام فقط، أو على الأرواح فقط، أو هناك صلة بين الأجسام والأرواح، وإن كانت هذه الأرواح انفصلت عن الأجسام إذ لا يبعد أن تكون لها صلة وتأثير على هذه الأجسام بقدر ما تحس هذه الأجسام إما بالنعيم وإما بالعذاب ذلك كله أمر غيبي نكله إلى الله الله، وإنما على المؤمن الذي آمن إيمانا عميقا بالموت فما بعده أن يتزود من هذا الإيمان ما يقوي عزيمته على الخير، فالإنسان يعيش في رحاب هذه الحياة عيشة النعيم يتقلب فيها من نعمة إلى أخرى ويتنقل حيثما يريد، ثم بعد ذلك ينتقل إلى مكان ضيق إلى حفرة محدودة المساحة طولا وعرضا بقدر ما يتسع طولها وعرضها لطول جسمه وعرضه فجدير به ألا يغتر بمتع هذه الحياة وألا يركن إليها وأن يتزود منها ما ينفعه في ذلك الوقت.
أو
وإن الذي لا يدري متى يفجؤه المنون في ليله أو في نهاره في نومه يقظته، في سفره أو في حضره في آنه ذاك أو في مستقبله وهل هو في المستقبل البعيد أو في المستقبل القريب جدير بأن يكون في كل لحظة من لحظاته مستعدا للقاء الله، وأن يعد هذه الأنفاس التي تتساقط منه خطواته إلى تلك الدار الآخرة، فإن كل نفس يتنفسه لا يمكن أن يعود إليه أبدا، وعليه أن يحاسب نفسه وأن يجعل نفسه في كل لحظة من لحظاته أقرب إلى الله - تعالى - بالطاعة وبحسن العمل منه في اللحظات السابقة، هذا ما يستفيده الإنسان المؤمن من إيمانه بالموت ومن إيمانه بالقبر، وبنعيمه وبعذابه، بخلاف أصحاب الشهوات الذين جعلوا الدنيا فرصة للتسابق في مضمارها (2/141)
صفحة 589
142 الفتاوى العقيدة
وإحراز أكبر قدر منها فإن هؤلاء يرون أن متعة هذه الحياة هي كل شيء ولذلك لا يعملون لما بعدها من الحياة الآخرة، فنسأل الله الا الله العفو والعافية.
الله يقول: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِن قَبْلِكَ الْخُلُدُ أَفَإِيْن مِتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ} [الأنبياء: 34] كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] إذاً فما حجة الذين يقولون بعدم موت الخضر؟
أنا أطالب أيضاً بهذه الحجة لأني لا أدري ما هي الحجة التي تدل على ذلك وإلى أي شيء استندوا. وهذه الأمور الغيبية يجب أن يستند فيها إلى الأدلة القطعية لا إلى الروايات الأحادية، فكيف إذا كانت هذه الروايات لا تخلو من مقال؟ فما علينا إلّا أن نكل الأمر في ذلك إلى الله عل، ونؤمن بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ) والله أعلم.
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] هل يعني أن النائم يموت حتى يستقيظ؟
النوم
أخو الموت، والله الله يمسك روح النائم إلى أن يستيقظ من غير أن تفارق الجسد وإنما يمسكها الله الله كما شاء والله أعلم.
ذكرتم أن المقتول ميت لأجله فما مدى علم الإنسان بهذا الأجل؟ أقصد إذا كان القاتل يريد تنفيذ حكم الإعدام على هذا الشخص خصوصا
عندما يحدد السنة والشهر واليوم والساعة بل قد يحدد الدقيقة والثانية؟ يؤتى به ليقتل ويوقف لينفذ
ذلك لا يعني أنه يعلم
أجله، فكم من
أحد.
فيه حكم الإعدام ولكن الله سبحانه يتداركه فينجو من الموت وقد لقيت
بنفسي رجلاً أخذ للإعدام
ظلماً
مع جماعة من المواطنين الجزائريين، وذلك
إبان الاستعمار الفرنسي وقد أطلقت العيارات النارية على أكثرهم وترك (2/142)
صفحة 590
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
143
منهم القليل فنجوا وكان هو من بينهم ولا يزال حياً مع أنه مضى على هذا الحدث نحو خمسين عاماً أو أكثر. وذكر الإمام السالمي الله في تحفة الأعيان أن رجلاً من أهل عمان أخذه أحد جبابرتها ليقتله بالسيف فاستجار به الرجل مرتين فلم يجره ولمّا حمل عليه الثالثة استجار بالله فسقط السيف من يد الضارب وخرَّ ميتاً ونجى الله الرجل فعاش بعد الجبار عمراً والله
المستعان.
كيف نوفق بين قوله تعالى في الآيات التالية:
قال تعالى: - {قُلْ يَتَوَفَّنَكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11] وقوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِها} [الزمر: 42]، وقوله: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَيْكَةُ} [الأنفال: 50]؟
علينا أن نعلم أن نسبة الإثبات والنفي تكون تارة حقيقية وأخرى مجازية، فالله يقول: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، فأول الآية فيه نفي الرمي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ووسطها فيه إثبات الرمي له، وفي آخرها إسناد الرمي إلى الله الله. فلو أخذنا بظاهر اللفظ من غير أن نفرق بين ما ريد به هنا وما أريد به هناك لقلنا بالتناقض، ولكن المراد بقوله: {وَمَا رميْتَ إِذْ رَمَيَتَ):أي ما سددت الرمي حينما رميت، ولكن الله هو الذي سدد الرمي، وكذلك التوفي فالمتوفي في الحقيقة هو الله وعل، وإنما الله الله خلق هؤلاء الملائكة وأعطاهم من التمكين ما يقبضون به أرواح الناس، فهم صاروا بحكم مباشرتهم لقبض الروح متوفين. وإلا فالمتوفي الحقيقي هو الله، وقد جعل الله لملك الموت أعواناً من الملائكة. فلذلك قال: {وَلَوْ وعل تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَيكَةُ) فهؤلاء الملائكة هم أعوان لملك الموت، والله أعلم. (2/143)
صفحة 591
144 الفتاوى العقيدة
هل يشعر الإنسان بدنو أجله وإذا كان كذلك ألا يتنافى ذلك مع علم الغيب؟
لعله يرى رؤيا منامية تدل على ذلك والله أعلم.
نعيم القبر وعذابه
ما القول في عذاب القبر وقول الإمام الربيع فيه؟
الإمام الربيع كغيره من أئمة السلف يثبتون عذاب القبر، وهو المروي عن الصحابة والتابعين، وهناك إشارات من القرآن الكريم تدل على ذلك فإن الله تعالى يقول: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: 46]، في هذه الآية إشارة إلى عذاب القبر، وهناك إشارات متعددة من آيات أخرى بجانب الأحاديث الكثيرة التي قالوا بأنها متواترة تدل على أن الكافر والفاسق يعذبان في قبريهما والعياذ بالله.
المعنى وهي
هل عذاب القبر يكفر للمسلم سيئاته في الدنيا ليدخل الجنة طاهرا؟ الله أعلم. وإنما جاءت روايات تدل على أن شدة نزع الروح أحيانا تكون تكفيرا للإنسان، فقد تكون ميتة شديدة على الصالح لأجل تكفير خطاياه وأما هل يعذب المؤمن في القبر شيئاً لتكفير خطاياه؟ فإن ذلك لا نعلمه إذ لم تنص عليه الآيات القرآنية ولا الأحاديث النبوية ولا تدل على ذلك بل تدل على أن الصالحين ينعمون في قبورهم والله أعلم.
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث أصحابه عن قادة مؤتة حيث كان يقول إنه رآهم في مواضع في الجنة، فهل هذا من قبيل الجزاء في القبر أم أنهم حقا في الجنة؟ هم من الشهداء فيحتمل أن يكون معناه بأن أرواحهم في الجنة مثلت (2/144)
صفحة 592
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
145
الضبيب يسمى
لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرآها ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم رأى ما يدل على سعادتهم وأنهم في الجنة. والنبي صلى الله عليه وسلم قد أطلعه الله تعالى على مصير بعض أهل السعادة أو الشقاوة كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه عدد كبير من أئمة الحديث عن أبي هريرة قال: «سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والمتاع فأهدى رجل من بني رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما أسود يسمى مدعما فوجه النبي صلى الله عليه وسلم نحو وادي القرى فبينما مدعم يحط رحال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء سهم غرب فأصابه فقال الناس: هنيئا له الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا)، وهذا أيضاً من أدلة عذاب القبر وظاهر الحديث أن نفس الشملة صارت نارا تشتعل عليه، لكن الحقيقة أن الشملة ليست هي المشتعلة بذاتها وإنما المراد أن الله جعلها سبباً لإيقاد النار وإحساسه بعذابها والعياذ بالله والله أعلم.
رور وو
السائل يسأل عن «السين في قوله تعالى: سَنُعدِ بهم مرتين} [التوبة: 101] هل هي للاستقبال؟ وإذا كانت للاستقبال فهل يحتمل أن يكون عذابه في الحياة الأخروية؟
هذا وعيد نزل في ناس كانوا فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكذبون وكانوا آنذاك أحياء وقد توعدهم الله الله بهذا الوعيد بأنه سينزل بهم عذابا مرتين ثم يردون بعد ذلك إلى عذاب عظيم والله أعلم.
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وقف على قبرين وقال: «هذان يعذبان في قبريهما وما يعذبان في كبير أما الأول فكان لا يستبرئ من بوله، وأما
(1) رواه الربيع (470) والبخاري (3993) ومسلم (325). (2/145)
صفحة 593
146 الفتاوى العقيدة
الآخر فكان يسعى بين الناس بالنميمة» (1)، ألا يستشهد بهذا الحديث على عذاب القبر؟ وهل عدم الاستجمار من البول يورث عذاب القبر؟ لأن الاستبراء من البول واجب، ومن لم يستبرئ أدى ذلك إلى عذابه في القبر والعياذ بالله والله أعلم.
نعم،
إذا مات ميت حرقا بالنار وانتهت جثته رمادا فهل تعاد جثته لمقابلة الملكين أم ماذا يكون حكمه؟
إذا مات الميت وتحول رمادا فإن الله الذي هو قادر على أن يجعل الإنسان المخلوق من تراب يحس ويسمع ويبصر ويعقل، قادر على أن يجعله في حالة كونه رمادا يجيب على الأسئلة ويحس بالنعيم أو العذاب، والله أعلم.
كيف يكون حال من يموت غرقاً أو حرقاً أو من تشتت أجزاؤه حول سؤال الملكين وما بعده من عذاب أو نعيم؟ الله تعالى قادر على أن يجعل في هذه الأشلاء الممزعة والأوصال المقطعة حياة لا نعرف كنهها، بحيث تتمكن هذه الأوصال من الإجابة على هذا السؤال، أو أن الروح هي التي تتولى الإجابة، ونحن نؤمن أن الله قادر على كل ذلك، ونكل علم ذلك إليه سبحانه والله أعلم.
ما صحة الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضمة القبر، وأنه لو نجا منه أحد لنجا سعد بن معاذ؟
الحديث الذي ورد بذلك هو عند الربيع مروي عن طريق ابن عباس
(1) رواه الربيع (487) والبخاري (215). (2/146)
صفحة 594
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
147
بغير إسناد) وهو في بعض نسخ المسند موقوف على ابن عباس، وهبه حديثاً صحيحاً ثبت رفعه بإسناد صحيح فإنه لا يعدو أن يكون أحادياً، وقد قلت غير مرة بأن الحديث الأحادي يترتب عليه وجوب العمل لا وجوب الاعتقاد، وذلك لأجل الاحتمالات المتعددة التي تطرقه، فمن المحتمل أن يكون أحد الرواة - ولو كان ثقة أميناً - سَهَا ونقل خلاف ما سَمِعَه، ومن في معنى الحديث بأن ضمة القبر للمؤمن إنما هي ضمة شفقة وحنان كضمة الأم لولدها، ونحن نسلم الأمر لله تعالى وحده ونقف عما ليس لنا به علم، والله أعلم.
العلماء
من
قال
هل مسألة عذاب القبر من المسائل العقدية؟
هي
ذلك لا نفسق من
قضية عقدية ليست من الأمور العملية، ولكننا مع أنكره إن تمسك بما يتأوله أو خالف في ذلك ما لم يعتقد أو يقل بتكذيب
الرسول صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
هل صحيح روي ذلك عن عبد الله بن عمر الى ولما بلغ ذلك أم المؤمنين عائشة الى أنكرته، وقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسى أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكى عليها فقال إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب فى قبرها، ثم عززت عائشة الى إنكارها بقول الله: وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (2)، ولن الذين عوّلوا على هذه الرواية قالوا بأن الرواية تحمل على أن الميت يعذب ببكاء أهله إن كان يقر
أن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه؟
(1) رواه الربيع (813).
(2) رواه الربيع (483) والبخاري (1227) ومسلم (2199). (2/147)
صفحة 595
148 الفتاوى العقيدة
ذلك البكاء ويأمر به في حياته لينعى ويبكي بعد موته، كما الجاهلية، كما قال قائلهم:
هي
عادة أهل
فَإِن مُتُّ فَانعِينِي بِما أَنا أَهلُهُ وَشُقّي عَلَيَّ الجَيبَ يا ابنَةَ مَعِبَدِ
وكما يقول آخر آمر ابنتيه أن تبكيا عليه حولاً كاملاً
إلى الحَولِ ثُمَّ اسمُ السَلامِ عَلَيكُما وَمَن يَبكِ حَولاً كاملاً فَقَدِ اعْتَذَر فيحمل الحديث - إن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله على هذا المعنى، وليس هنالك لبس كما قالت عائشة، فلا ريب أنه إن أقر الإنسان بكاء أهله عليه وأوصاهم به فهو موص بمعصية، والموصي بمعصية عاص والعاصي يعذب والله أعلم.
هل يلحق عذاب القبر الأمم السابقة؟
ولماذا لا يلحقهم؟! فإن الأمم السابقة أيضاً مخاطبة ومكلفة، فهم مثابون ومعذبون. فآل فرعون الذين قال الله سبحانه تعالى فيهم {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا عُدُوا وَعَشِيَّا} [غافر: 46] هم من الأمم السابقة وهذا ما أخبر الله به عنهم
والله أعلم.
أرجو بيان كيفية عذاب القبر، هل تعذب الروح والجسد أم الروح؟ وأين تكون أرواح الكفار والمجرمين عندما تغادر الجسد؟
الله أعلم بذلك، وهو على كل شيء قدير، ومن جعل الإحساس في الجسد والروح إذا اجتمعا، قادر بأن يجعله في أحدهما إذا افترقا، والله أعلم.
هل في القبر عذاب، وهل يوجد للإنسان الذي قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله عذاب؟ (2/148)
صفحة 596
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
149
عذاب القبر ثبت من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قيل: إنها بلغت مبلغ التواتر المعنوي، وقد أشارت إليه آيات قرآنية كقوله تعالى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 246، لذلك ذهب جمهور الأمة إلى اعتقاده، وقد دلت الروايات على أنّ كل شقي يعذب في قبره ولو كان موحداً، إن لم يكن موفياً بمقتضيات توحيده، والله أعلم.
قول الله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامُ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68].
وقد جاء في تفسير قوله تعالى: {إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ} [الزمر: 68] هم: «جبريل واسرافيل وميكائيل وعزرائيل أو هم حملة العرش وقيل هم رضوان
والحور أو هم مالك وخازن النار والزبانية أو موسى).
بما أن النفخة الأولى خاصة بالأقوام الذين سيعاصرونها فقط، وبما أن ملائكة القبر (منكر ونكير) سيكونون ممن تشملهم تلك الصاعقة، فهل ستسأل تلك الأقوام سؤال القبر، وهل سيصيبها من عذاب القبر شيء؟ إن كان الجواب بنعم، فمن سيقوم بسؤالها؟
سؤال منكر ونكير مما اشتهرت به الروايات، ولم تبلغ حد التواتر، ولكن تلقيت بالقبول ولعلها أقبل عليها الجمهور لما فيها من الوعظ والتخويف، وربما كان السؤال خاصاً بحيث لا يسأل بعض الموتى، ولعل أولئك منهم والله أعلم.
(1) كتاب التفسير للعلامة (محمد) أطفيش) الجزء (11) ص 300، كما ذكر نفس التفسير في كتب التفسير الأخرى. (2/149)
صفحة 597
150 الفتاوى العقيدة
الحياة البرزخية
كثر الكلام حول شريط صوتي يتحدّث عن حفريات «سيبيريا» وعذاب القبر حيث تم تسجيل أصوات من أعماق الأرض فعندما حولت لذبذبات تستطيع الأذن سماعها سمعوا أصواتا آدمية تصرخ من العذاب، فما رأيكم في هذا الخبر؟
شدّة
إنّ المؤمن عليه أن يكون مؤمنا بما وراء هذا العالم المحسوس المشاهد، فهناك عالم الغَيْب، ونَحن هنا في عالم الشهادة فنُؤمن بأن وراء هذا العالم الذي نشاهده ونُحِسُّ به عالما آخر، إذ وراء عالم الأجسام عالم الأرواح ووراء العالم الظاهر عالم خفي.
ونُؤمن بأنّ اطلاع الإنسان على أحوال ذلك العالم موقوف على النص الشرعي، فلا يُمكن للإنسان لا بعقله ولا بتجربته أن يطلع على أحوال ذلك العالم، ولذلك كان الإيمان بالغيب طريق أهل الإيمان والحق الذين يؤمنون بعالم الغيب بل يؤمنون بكل ما جاء به الشرع، لأنَّهم آمنوا بأنّ الشرع إنَّما تُلُقي من قبل أمين الأرض وهو تلقاه من قبل أمين السماء وقد تلقاه
تعالى.
عن
الله
فنؤمن بكل ما أخبرنا به الشرع من أنّ هذه الحياة تليها حياة أخرى، وأنّ هذه الحياة ليست نهاية كل شيء، وأنّ الراحة والسعادة فيها ليست هي السَّعادة المنشودة، إذ وراءها سعادة أخرى لأهل العمل الصالح، ونؤمن أن ما يُكَابِدُه الإنسان مِن مَشَاقٍ وَصِعَاب في هذه الحياة ليس أقصى ما يكون من الصعوبة والمشقة والعنت وإنَّما وراء ذلك عنت ومشقة وعذاب شديد لِمَن
أعرض عن ذكر الله، كما قال سبحانه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا)
(125 (2/150)
صفحة 598
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
151
قَالَ كَذَلِكَ أَنتَكَ ايَتُنَا فَنَسِينَها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنَسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ بِشَايَتِ) رَبِّهِ، وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 124 - 127]، فالإنسان عليه أن يكون مؤمنا بذلك، وبِهَذَا يستطيع أن يُسيطر على نَزَغَاته ونزعاته ويوجه حياته في الطريق السليم الذي يؤدي إلى سلامة الدنيا وإلى سعادة العُقبى، وبهذا يُمكن أن يُوَازِن بين جوانبه المُتَعَدِّدة.
ولكن مع إيمانِنَا بِهذا كُلَّه فإننا إنَّما نتَلَقَّى هذه الحقائق من عالم الغيب والشهادة من وحي الرَّحمن الرّحيم، ولا يُمكن أن نكون عاطفيين نندفع وراء جميع التيَّارات ونسمع كل ما يُلقى إلينا من هنا وهناك، فعلينا أن نتبصر في
هذه الأمور.
هذا ونَحن لا ننكر أنّ الله تعالى يُعذب الكفرة الفَجَرَة بعذابه بعد أن ينتقلوا من هذه الدار الدنيا بوفاتهم، فالله - تعالى - يقول في فرعون وآله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا عَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]، فهم يُعرضون على النار بالغُدُو والعشي وهم في البَرْزَخ، والله ـ تعالى ـ قادر على أن يعذبهم في البرزخ كما أنه قادر على أن يعذبهم في الدنيا والآخرة، إذ قدرة الله - تعالى - لا تُحد.
ونحن توصلنا إلى ما توصلنا إليه من فهم طبيعة المشقة والعنت والعذاب الذي يُقَاسِيه الإنسان في هذه الدنيا من خلال مُمَارَسَتِنَا لِهذه الحياة وتجربتنا فيها، ولكن لا يُمكن أن تُحدد كيفية العذاب يوم القيامة أو في البرزخ، فذلك أمر خارج عما هو معهود عندنا.
ولا ننكر أن يهيئ الله تعالى أسبابا للتَّوَصُّل إلى إدراك شيء مما يدور هناك من خلال كشف الله بعض الحقائق لبعض الناس، فذلك أمر راجع إلى الله، ولكن لا يعني هذا أننا نندفع وراء تصديق كل ما يُلْقَى إلينا. (2/151)
صفحة 599
152
الفتاوى العقيدة
فحسب ما سَمِعتُ أنّ هذه الحفريات وصلت إلى مكان بالغ الحرارة، بحيث إنّ الحرارة هنالك تصل إلى قدر ثلث حرارة سطح الشمس، فهل يمكن لآلات التسجيل أن تصل إلى ذلك المكان وتبقى من غير أن تذوب؟!.
ثم مع
ذلك أين هؤلاء الثقات الأمناء الذين سجلوا هذه الأصوات
فنقلوها إلينا؟!
ومما يؤسف له أن نرى كثيراً من الناس يندفعون وراء كل ما يَتَصَوَّرونه أو يَتَرَاءَوْنَه لأجل أن يثبتوا إعجاز كتاب الله - تعالى - وإعجاز دين الله تعالى، وهم مشكورون على هذه العاطفة الإيمانية ولكن لا يعني ذلك أنهم مُبَرَّؤون من الخطأ بسبب هذا الاندفاع، فقبل فترة عندما حدثت الأحداث التي عُرفت بـ «أحداث سبتمبر» قال كثير من الناس بأنّ هذه الأحداث مشار إليها في كتاب الله ـ تعالى ـ في قوله: {لَا يَزَالُ بُنْيَتُهُمُ الَّذِى بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 110] مِن أين لهم أنّ المراد بـ «البنيان» العمارات التي اشتعلت فيها النار، وذابت فهذا من محاولة حمل كتاب الله تعالى على معاني لا يمكن أن يتحمّلها ولا يمكن أن ينسجم معها، فلذلك يجب التحفظ ذلك. في فأنا لا أستطيع أن أنكر بأنّ هذه الأصوات أصوات المعذبين كما أنني لا أستطيع أن أُثبت ذلك فالإثبات والإنكار يتوقفان على الدليل، ولكن أقول بأن الواجب على المسلم ألا يندفع، لأنه لو بني عقيدته ودعوته على هذا وحاول أن يجعل من ذلك حُجّة على صحة الإسلام ثم انكشف بعد ذلك أنّ هذا الأمر من افتراءات بعض الناس أو من تلبيسات من أراد أن يُلبس على الناس الحقيقة فسوف يُفهم أنّ الإسلام مجرّد تلبيس وأوهام وخرافات، وهذا مِمّا يجب أن نُبعد عنه ساحة الإسلام.
ونحن نرى أن الله تعالى في كل دقيقة وجليلة عندما يتحدى القوم (2/152)
صفحة 600
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
153
المشركين يردّهم إلى كتاب الله فعندما طلبوا الآيات ردّهم تعالى إلى كتابه العزيز، فقد قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِنَايَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى} [طه: 133]، وقال: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَتُ مِن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْأَيْتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 50 - 51]، ردّهم إلى هذا الكتاب الكريم الذي فيه آيات بينات دالة على صدق النبوة، وتُحدّيَ بهذا الكتاب مَن تُحدّي فعَجِزَ عن الإتيان بمثله أو بسورة من مثله أو بعشر سور من مثله، ولا يزال هذا التحدي قائما، وتتجلى آيات الكتاب بين حين وآخر، وتبرز دلائله وحُجَجُه مِن خلال الاكتشافات العلمية وغيرها ولكن هذا كله فإننا يجب علينا أن نكون مع موضوعيين لا أن نكون عاطفيين نَندفع وراء العواطف ونصدق كل ما يقال مما يراد به الموعظة أو تقوية جانب الإيمان.
فنحن نؤمن بأن الله على كل شيء قدير، ونؤمن بأن الله ـ سبحانه ـ يُعذِّب أعداءه ويُكرم أولياءه ولكن ذلك عالم آخر غير هذا العالم الذي نحن
فيه، والله المستعان.
بعد معركة بدر كلم الرسول صلى الله عليه وسلم قتلي کفار قريش ولما سأله أصحابه عن ذلك كان جوابه: ما أنتم بأسمع منهم (1) فكيف يسمع الميت وهو مفارق للحياة؟
الله قادر على كل شيء فلعل الله اللهم أراد لأولئك بصفة خاصة أن يسمعوا هذا الصوت من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أحيا الله الموتى لعيسى وأحيا الرجل الذي أماته مائة عام، فالله قادر على كل شيء فلا يمكن أن نقول بتعذر ذلك
أما الكيفية التي تم بها ذلك فالله وحده هو الذي يعلمها، والله أعلم.
(1) روي نحوه البخاري رقم 1304 (2/153)
صفحة 601
15 الفتاوى العقيدة
ذكرتم من قبل أن بعض ذرات الغبار كانت بعض أجزاء الأجداد، ومن المعلوم أن الشجر يستفيد من هذه الذرات، فقد تكون بعض الذرات مشتركة
بين بعض الأجساد فلمن تكون مع علمنا أن الله على كل شيء قدير.
ليس نفس تلك الذرة تكون في الجسم وإنما العنصر، إذ الجسد يستمد من الجسد أيضاً فجسد الولد يستمد من جسد الوالد لأن الخلية التي تكون منها الولد استمدت من كل العناصر الموجودة في جسم الأب وكذلك الأم وهذا لا يعني أن تلك الذرات تكون مشتركة أو أن الخلايا تكون مشتركة، والله أعلم.
ما معنى أن الميت يتأذى بجاره السيء؟
قد يجعل الله له في الحياة البرزخية تأثراً جزئياً كما يجعله في الحياة الدنيا، ودلت على هذه الأشياء أمور منامية، ولكن كما قلنا أن المنامات لا يمكن أن نقطع بها، فقد روي عن أحد الصالحين أنه رئي في المنام وقد دفن بجوار بعض الظلمة فلما أبصره الرائي في منامه قال له كيف حالك؟، قال له: إنني بخير والحمد لله إلا أن الرائحة الكريهة تأتيني من هذا الكنيف أي (المرحاض) والعياذ بالله من الشر، وفسرها الرائي بأنه يشير إلى الجار السيء، فقد تكون هناك تأثيرات جزئية بحيث يتأذى الميت من تعذيب جاره والله أعلم.
قوله تعالى: {فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [الروم: 52] في هذه الآية الكريمة شبه
أن
الله الله الكفار بالموتى في عدم استجابتهم للإسلام، فهل يصح يستدل بهذه الآية الكريمة على عدم سماع أهل القبور من يناديهم؟ وما درجة صحة الأحاديث المروية في سماعهم لمن يكلمهم كقوله «ما أنتم بأسمع منهم». نعم روي عن النبي أنه قال بعدما ألقي صناديد قريش الذين قتلوا (2/154)
صفحة 602
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
100
في معركـ ركة بدر في القليب مخاطبا لهم: «يا أهل القليب لقد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فتعجب منه الصحابه رضوان الله عليهم كيف يخاطبهم، فقال: «ما أنتم بأسمع منهم» (1)، فيحتمل أن يكون الله وعن جعل في أولئك الكفار خاصة في تلك الحالة بالذات قدرة على السماع فسمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم ليكون ذلك أنكى لهم
والله أعلم.
قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ} [الروم: 56] فما المقصود باللبث في هذه الآية هل لبثتم في القبور أم في هذه الدنيا الفانية؟
ظاهر اللبث إلى يوم البعث» إنما هو في القبور وعليه فهو الذي يعتمد ويعول عليه، والله أعلم.
من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ميت؛ فكيف يسلم الناس عليه في موسم الحج ويحملون سلاما من الناس فهل يرد النبي صلى الله عليه وسلم على الرغم أنه متوفى أم أن الروح ترد؟
جاء في الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من أحد يسلم عليه إلا ردّ الله تعالى عليه روحه فيرد السلام (2)؛ وجاء في روايات أخرى أن ملكاً من الملائكة موكل برد السلام وكلا الأمرين محتمل ونكل علم ذلك إلى الله، وهذا لا يتوقف على موسم الحج فقط، والله أعلم.
(1) رواه البخاري (1304).
(2) رواه أبو داود (2043). (2/155)
صفحة 603
156 الفتاوى العقيدة
(1)
ما القول فيما يحصل للميت من أنه يرى مقعده في الجنة والنار فإن كان سعيداً يقال له: انظر شمالك فيرى مقعده من النار، فيقال له: لو كنت عصيت الله فذاك مكانك من النار ولكن بما أنك اتبعت أوامر الله ولم تعصه فانظر إلى يمينك فيرى مقعده في الجنة وهكذا الشقي هذه روايات جاءت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وجاءت الروايات على أن الإنسان يفتح له باب إلى الجنة في قبره إن كان من أهل السعادة ويفتح له باب إلى النار - والعياذ بالله في قبره إن كان من أهل الشقاوة. لكن بما أنه من المحتمل أن يكون هذا تصويراً، بحيث تمثل له الجنة والنار فإن هذا لا يدل بالقطع على أن الجنة والنار موجودتان الآن وإنما هو من مرجحات وجودهما والله على كل شيء قدير، والله أعلم.
الجنة
كيف تكون حياة الشهداء في قبورهم؟ عالم البرزخ عالم آخر، تختلف طبيعته عن طبيعة العالم الذي نعيش في أكنافه، فلا يمكننا أن نتحدث عن حياة هؤلاء الشهداء أو نتصورها، نعم جاء في روايات عن الرسول أن أرواحهم في حواصل طير خضر تطير في وتأكل من ثمارها (2)، وجاء أيضاً أن أرواح الشهداء طيور خضر، فالله أعلم هل المقصود بتلكم الحياة حياة الأرواح فقط، وبالرزق ذلكم الرزق الذي تستمد. الأرواح، أو أن تلك الحياة حياة حقيقية في القبور أو في البرزخ لكننا نؤمن إيماناً جازماً بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، ويحتمل أيضاً أن تكون أجساد الشهداء لا تبلى، ففي مسقط قبل سنين اكتشف قبر قريب من القنصلية البريطانية مقر السفارة الآن، وظهر فيه إنسان كأنما هو حي نائم، وفيه طعنة وكان الدم
منه
(1) روي نحوه الربيع (484) والبخاري (1313) ومسلم (7390).
(2) رواه الترمذي (1742). (2/156)
صفحة 604
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
157
لا يزال يفور من تلك الطعنة، والظاهر أن ذلك شهيد، وما أدرانا لعله استشهد في مقاومة البرتغال، وقد أخبرت أيضاً أن امرأة اكتشف قبرها عندما كان أحد يحفر أرضاً فاكتشف قبراً فإذا هو قبر إمرأة، والكفن يتطاير من بلاه، ولكن جسم تلك المرأة لم يتغير وكأنما هي عروس ولا تزال نضارة جسمها كما هي للعيان لم تتغير، ولا غرو في ذلك فإن الله على كل شيء قدير، والله أعلم.
بادية
هل صحيح أن كل أعضاء جسم الإنسان تتحلل وتصير تراباً ماعدا عجب
الذنب؟ نعم: جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «كل ابن آدم تأكله التراب إلا عجب الذنب فمنه يركب» (1)، وقد اختلفوا في تأويله فقال بعض العلماء: الاستثناء متصل، وعلى هذا فإن عجب الذنب لا يبلى، ومنهم من قال: هو منقطع، فيكون المعنى ولكن عجب الذنب منه يركب وبموجب هذا المعنى هو يبلى كما يبلى سائر الجسم، والله أعلم.
سؤال عن تسليم النبي على الموتى بعد ما قبروا ودفنوا في الأرض، فهل الموتى يعلمون بصاحب الزيارة أو صاحب السلام الذي زارهم وسلم عليهم؟ يحتمل ذلك، ويحتمل أن يكون الموتى ينتفعون بهذا السلام وبهذا الدعاء والله أعلم.
ما حكم نبش القبور القديمة التي مر عليها زمن طويل، وتحويلها إلى أرض صالحة للسكن وللمرافق العامة، كما هو حادث في كثير من بلاد الإسلام وغيرها، أو نقل رفات الموتى من مكان دفنهم إلى مكان آخر، وذلك لإفساح المجال للقادمين من غيرهم؟
(1) رواه مسلم (2292). (2/157)
صفحة 605
158
الفتاوى العقيدة
ثبت من قول النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على وجوب صون القبور من الانتهاك، وجاء التشديد في ذلك حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ـ كما في حديث أبي هريرة عند مسلم وأبي داود وغيرهما ـ لأن يقعد أحدكم على جمرة من نار فتحرق ثوبه حتى تفضي إلى جسمه خير له من أن يجلس على قبر» (1) وناهيك أن يكون إحراق الجمرة للثوب حتى تفضي النار إلى الجسم خيراً للإنسان من أن يجلس على قبر تحذيراً من كل ما يمس القبر بسوء، فلا تنتهك حرمة القبور، وإنما ينبغي أن تكون دارسة فخير القبور دوارسها»، فإذا درس القبر ولم يعلم أنه قبر، فما على الذي بنى عليه أو غرس فوقه من بأس، فهذه المساكن التي بنيت والناس يسكنونها كم يكتشف بعد قرون أنها بنيت على قبور، كذلك تأتي الرياح وتذرو الرمال على هذه القبور وتغطيها حتى تكون طبقات من التراب فوقها ثم تكتشف القبور بعد قرون في أثناء الحفر في عمق الأرض، أو تأتي الأمطار وتسيل منها الأودية فتلقي الأتربة على القبور، وتتعاقب أجيال بعد أجيال وهي لا تدري عن هذه القبور شيئاً، وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم استأصل قبور موتى وبنى في مكانها مسجده الشريف، فذلك لأن أولئك الموتى هم من أهل الجاهلية ليست لهم حرمات المسلمين، والله أعلم.
ذكرتم في محاضرة أن الله قد يُسمع أنين الميت المخلوقات إلا الثقلين، فإذا كان المقصود بهذا الاستثناء الإنس والجن، فكيف سمع الرجلان أنين أحد الأموات كما ذكرتم في القصة؟
الغالب في الثقلين عدم السماع، وإذا شاء الله له الا الله إسماع من يشاء فذلك يقع كما أراد، أما النادر فلا حكم له فالله تعالى إن شاء أسمع وإن شاء لم
يسمع والله أعلم.
(1) رواه مسلم (971). (2/158)
صفحة 606
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
159
ما رأيكم في الروايات التي يقولها الناس عن الأنوار المشاهدة على القبور، وعلى بعض الصالحين الأحياء؟
أقول إن ذلك استفاض ونقله الثقات الأمناء الذين تقوم بهم الحجة، والله
على كل شيء قدير والله أعلم.
الحوض
هل يشرب المؤمنون من الأمم السالفة من حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أنه خاص بهذه الأمة؟
الأدلة التي وردت عن الرسول صلى الله عليه وسلم تدل على أن الحوض يُسقى منه الأوفياء المؤمنون من أمة الرسول ()، وجاء في رواية أن لكل نبي حوضا صلى الله عليه وسلم)، (2) ولكن لا تعدو هذه الرواية كونها أحادية والله أعلم بصحتها، فالله الله يعطي الأنبياء الآخرين أيضاً حياضا يشرب منها الذين آمنوا بهم على قدر قلتهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أكثر الأنبياء اتباعاً، والله أعلم.
وكثرتهم
مصير أطفال الكفار
ما هو مصير أطفال الكفار الذين ماتوا قبل البلوغ؟
أمرهم.
إلى الله وعل، ولكن الذي تطمئن إليه النفس ويسكن إليه القلب أنهم على الفطرة، لقوله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (3) وجاء في بعض الروايات ما يدل على أنهم من
(1) رواه الربيع (43) والبخاري (2238) ومسلم (607).
(2) رواه الترمذي (2631).
(3) رواه البخاري (1292) ومسلم (6926).
أهل (2/159)
صفحة 607
160 الفتاوى العقيدة
الجنة وفي بعضها ما يدل على أنهم خدم لأهل الجنة ()، والله الله قادر على أن يجعلهم من السعداء وفضل الله تعالى واسع على أنهم لم ينقضوا الميثاق الذي أخذه الله عليهم والقول بأنهم معذبون في النار لا نقول به ولا نقره، فإن الله تبارك وتعالى يقول: {وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] فما عليهم شيء من أوزار آبائهم وأمهاتهم كُلُّ أَمْرِي بِمَا كَسَبَ رَهِينُ} [الطور: 21] وهؤلاء ما كسبوا شيئا من الشر، وقوله له: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَنِ الحَقْنا. بهم ذريتهم وما أَلَنَتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} [الطور: 21] لا يدل على أن ذرية غير المؤمنين لا تكون كذلك، وإنما غاية ما فيها أن الله سلام الله يلحق ذرية المؤمنين إن ماتوا صغارا بآبائهم، وكذلك من اتبعهم من ذرياتهم على الإيمان من الذين ماتوا كبارا، والاستدلال بالآية على أن ذرية غير المؤمنين تكون بخلاف ذلك استدلال بالمفهوم، وهو استدلال بدليل ضعيف، والقضايا العقدية تحتاج إلى أدلة قطعية لا إلى أدلة ظنية خصوصا في مثل هذا الموقف لأنه قطع بمصير طائفة من البشر فهو من الغيب الذي لا يستفاد من الظنون، والله أعلم.
الورود على النار
يسأل عن الورود في قول الله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ {
حتْمًا مَّقْضِيّا} [مريم: 71].
في الوُرُود كلام لأهل العلم:
منهُم مَن قال: الوُرُود لا يعني الدخول وإنما يعني الإشراف على الدخول كما في قول الله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَن} [القصص: 23]، فليس معنى ذلك
دخول مَاء مَدين وإنَّما المقصود بذلك الإشراف.
(1) رواه الطبراني في الكبير (219). (2/160)
صفحة 608
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
?? ?
وقيل بأنَّ الوُرُود هنا هو بمعنى الدخول، ولكنه إنَّما هو للكافرين لا للمؤمنين بدليل سياق الآيات، وهذا القول من القُوَّة بمكان، ذلك لأنَّ الله تعالى قال في هذه الآيات: {وَيَقُولُ الْإِنسَنُ اَءِ ذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (أَوَلَا يَذْكُرُ الإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَازِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنيَّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيَّا وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا)
[مريم: 66 - 71].
فأصل السياق «وَإِن مِّنهُمْ»، ولكن التفت وبعدما كان يتحدث عن هؤلاء حديث الغيبة صار الحديث معهم حديث الخِطاب، ذلك لأنَّ الخطاب مثل هذا المقام يكون أقوى، وإنَّما وُجّه هذا الخطاب إليهم بأسلوب
الالتفات.
في
والالتفات معروف في كَلام العَرَب، وهو يكون مِنَ الغَيْبَة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغَيْبة، ومن التكلُّم إلى الغيبة أو الخطاب، ومن الغَيْبَة أو الخطاب إلى التكلُّم، كما هو معروف عند علماء البلاغة، وله مزيَّة وهي تَطْرِيَّة الكلام وتجديده، وهذه مَزيَّة عامة للالتفات، وقد يكون الالتفات لأسباب أخرى منها اقتضاء المقام ذلك كما في قول الله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] حيث وُجّه الخطاب إلى الله تعالى بعد وَصْفِه بِصِفَاتِه العظيمة وآخر تلكم الصفات قوله: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] فإنَّ ذلك الوصف يقتضي توجه الإنسان بكُلِّيته إلى الله فلذلك كان توجيه الخطاب إلى الله تعالى هو الأليق هنا، وكذلك قوله:
وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: (71) أُريد فيه تأكيد الوعيد بتوجيه الخطاب إلى الذين أَعْرَضُوا عن الله تعالى وجادلوا في البعث، وقالوا كيف يُبعث (2/161)
صفحة 609
162 الفتاوى العقيدة
الإنسان بعد موته؟!، واحتج الله عليهم بما احتجّ به من خلقهم من عدم وإخراجهم من العدم إلى الوجود.
وإِنَّمَا
ثم جاء بعده قَوْلُه: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 72] وحتى نفهم المراد منه لا بد أن ندرك بأن «ثُمَّ» هنا ليست هي للمَهْلَة الزَّمَنِية، هي للمهلة الرُّثْبِيَّة، والأصل في ثُمَّ أن تكون للمهلة الزمنية، ولكن عندما تعطف الجمل بعضها على بعض غالباً ما تكون للمهلة الرتبيَّة، حتى من النحويين من قال بأنَّها في عطف الجمل بعضها على بعض لا تكون إلا للمهلة الرتبيَّة فحسب.
أنَّ
والمَهْلَة الرُّتْبِيَّة هي أنَّ ما بين الكلامين بُعْداً، فالرَّبط ما بينهما يَقْتَضِي أن يكون «ثُمَّ» التي تدلُّ على المَهْلَة، ولهذا أمثلة كثيرة من ذلك قول الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف: 11]، فإِنَّنا لو نظرنا إلى «ثُمَّ» وحملناها على المهلة الزمنية لقلنا بأنَّ قول الله تعالى: أَسْجُدُوا لِآدَمَ} إِنَّما كان بعد الخلق وبعد التصوير، بينما ما في سورة الحجر وما في سورة ص يدلُّ على أنَّ الأمر بالسجود كان قبل الخلق، فالله تعالى يقول في سورة الحجر: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَكَةِ إِنِّي خَلِقُ بَشَرًا مِّن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَةٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَجِدِينَ} [الحجر: 28 - 29]، هذا الأمر كان قبل تَسْوِيَّتِه وقبل النفخ فيه من روح الله، وكذلك في سورة ص: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَيكَةِ إِنِّي خَلِقُ بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سجِدِينَ} [ص: 71 - 72].
ومن شواهد ذلك قول الله تعالى: {فَلَا أَقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَنكَ مَا الْعَقَبَةُ) فَكُ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَمُ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمَا ذَا مَقَرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ) مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 11 - 17]، فَكَوْنُه من الذين آمنوا (2/162)
صفحة 610
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
163
هي
مهلة
لا بد من أن يكون سابقاً على ما تقدَّم، لكن ذكر متأخراً معطوفاً «بِثْم» التي تقتضي المهلة، ولكنها هنا ـ كما قلت ـ ليست مهلة زمانية وإنَّما رتبيَّة، لأن الأمر أمر عظيم جَلَل اقتضى أن يُعطف على ما قبله «ثُمَّ» للدلالة على عِظَم شَأْنِهِ ومَكَانَتِهِ وقَدْرِه، والله - تعالى - أعلم.
السائل يسأل عن قول الله تعالى: {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيّا} [مريم: 71] هناك من يفسر هذه الآية بأن كل إنسان سيدخل النار ثم يخرج الله الله المؤمنين منها، هل هذا صحيح؟ وإذا لم يكن صحيحاً فما معنى قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)
[مريم: 72]؟
هل يقال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو وغيره من أنبياء الله تعالى على رأس المؤمنين سيدخلون النار؟! معاذ الله مع أن الله نص على بعد المؤمنين عنها كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُولَبِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِدُونَ} [الأنبياء: 101 - 102]، أما قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا) فإن (ثم) هذه ليست للمهلة الزمنية وهي التي تعطف المتأخر على المتقدم زمنا لأن المعطوف عليه والمعطوف هنا كلاهما جملة و (ثم) إذا عطفت جملة على جملة فكثير من النحويين ومنهم الرضى قالوا بأنها لا تكون إلا للمهلة الرتبية دون المهلة الزمنية، ونحن وإن كنا لا نقول بذلك على الإطلاق في كل موضع عطفت جملة على جملة إلا أننا نقول: إن ذلك هو الغالب في عطف الجمل.
ومن شواهد ذلك ما جاء في نفس هذه الآيات فالله تبارك وتعالى يقول قبل هذه الآية الكريمة: {وَيَقُولُ الْإِنسَنُ أَءِ ذَا مَا مِتُ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) (2/163)
صفحة 611
164 الفتاوى العقيدة
أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَجْزِعَنَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ) عَلَى الرَّحْمَنِ عِنيَّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيَّا} [مريم: 66 - 70]، فهل علم الله تعالى بالذين هم أولى بها صلياً متأخر عما تقدمه؟ كلًا بل هو سابق لأنه علمه أزلي، ولكن ثم» هنا كما سبق هي للمهلة الرتبية، وذلك لأن الفكر يقطع مسافة بين تصور المعطوف عليه وتصور المعطوف. وهذا البعد ما بين تصورهما هو الذي يقتضي العطف بـ «ثم» مع أن المعطوف عليه قد يكون متأخراً عن المعطوف ويكون المعطوف سابقاً على المعطوف عليه، فعندما نقول:
إن من ساد ثم ساد أبوه ثم ساد قبل ذلك جده
لا
يعني
ذلك تقدم سيادة الابن على أبيه وجده.
وليست لفظة «ثمّ» فقط تأتي لهذا المعنى بل كلمة «بعد» تأتي لهذا المعنى نفسه فالله تعالى يقول: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَافٍ مَّهِينٍ هَمَّارٍ مَشَاءٍ بِنَمِيمٍ) مَنَاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} [القلم: 10 - 13]، وكونه عتلاً وزنيماً سابق على الصفات السَّابقة في الذكر، لأنهما صفتان ذاتيتان، فهما متقدمتان على ما تقدمها؛ لأن كونه همازاً مسبوق بكونه زنيماً، والزنيم هو من لا يعرف أبوه، وكذا هو سابق على كونه حلافاً وعلى كونه مشاء بنميم إلى غير ذلك من الصفات المذكورة فيما قبل فكذلك «ثم» هنا هي للمهلة الرتبية مراعاة لما ذكرناه، والله أعلم. (2/164)
صفحة 612
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
165
ما ينفع الميت بعد موته
فيمن يُهْدِي خَتْمة القرآن للميت؟
قَضِيَّة إهْدَاء قراءة القرآن إلى الميت، أو إهداء عمل من الأعمال إلى الميت أمر ازْدَحَمَت فيه أقوال العلماء وتضَارَبَت:
فمِنَ العلماء من يرى بأن الميت لا ينتفع بما يُقدَّم إليه اللهم إلا ما دل النص الشرعي عليه، وهؤلاء يستدلون بأدلة منها قول الله تبارك وتعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ، سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَنَهُ الْجَزَاءَ الْأَوْلَى) [النجم: 39 - 41]، فالإنسان مَجْزِي بِسَعْيِه، وليس مَجْزِياً بسعي غيره، على أنَّ العمل يفتقر إلى نية فلا بد من إخلاصه لوجه الله، والميت لا نيَّة له في عَمَل غيره، فكيف يُجْزَى به مع أنَّ المخلِص هو الذي يُجْزَى بعمله الذي عَمِلَه وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البيئة: 5].
ومنهم من رأى بأنه يُقْبَل نَحو هذا العمل كقراءة القرآن وغير ذلك بناء على حمل مثل هذه الأعمال مَحْمَل الأعمال المنصوص عليها كالحج والصَّدَقَة فإنه مِمَّا دلَّ الدليل الشرعي من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بأن من تصدَّقَ عن مَيِّتِه فإن الله - تعالى - يَقْبَل تلك الصدقة ويَجْزِي بِها الميت خَيْرا)، بِحَيْثُ يكون ثوابها للميت، ولا يُحْرَم المتصدق نفسه من الثواب، وكذلك إن حج عنه والعمرة حكمها حكم الحج.
والذي نذهب إليه بأنَّ هذا أمر يتوقف على الدليل الشرعي، ولا يكفي في ذلك القياس لأنَّه من الأمور المُغَيَّبَة، ولَمَّا كان من الأمور المُغَيَّبَة فلا يُمكن
(1) راه الربيع (678) بلفظ جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (نعم تصدق عنها). (2/165)
صفحة 613
166 الفتاوى العقيدة
أن نَقِيس ما لَم يُنَصَّ عليه على ما نُصَّ عليه، وإنَّما نقتصر في الحكم على ما
عنه
نُصَّ عليه، وقد دَلَّ الدليل الشرعي على أن الميت ينتفع بالحج الذي يُحَج وينتفع بالصدقة التي يتصدق بها عنه فنقتصر على ذلك، وفيما عدا ذلك نَبْقَى عند عموم قول الله تعالى: (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى) [النجم: 39] وإِنَّما دل حديث عائشة الى بأنه إن مات أحد وعليه صيام فَوَلِيُّهُ يصوم عنه، والله أعلم.
ما حكم قراءة سورة الفاتحة على قبر الميت؟
هذه ـ أيضاً ـ من الأمور التي اختلف فيها، ونحن نرى بأن زيارة القبور ليست للعبادة، وإنما هي للاتعاظ والذكرى، فالإنسان يُشْرَع له أن يزور القبر بعدما كان النبي صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عن زيارة القبور في أوّل عهد هذه الدعوة لقرب الناس بعهد الجاهلية، ولكن بعد ذلك أباح لهم أن يزوروا القبور من غير أن يقولوا هجرا، وهذه الزيارة إنَّما هي لأجل الاتعاظ، فَقَد دلت الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم على النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وقال: «لَعَنَ الله اليهود اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وهذا معناه أنَّه لا يجوز للإنسان أن يتَّخذ القبر مسجداً أي مكاناً للصلاة أو العبادة وقد نهى الله عن الصلاة في المقبرة وهذا دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يأتي بالعبادات في المقابر، وكذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه أمر بأن يُقرأ القرآن في البيوت وقال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ومعنى ذلك أن القبور ليست مكاناً لقراءة القرآن، فالقرآن إِنَّما يُقْرَأ في المساجد وفي البيوت، وفي سائر الأماكن دون القبور، لذلك نَرَى أن الزيارة إنَّما تكون للدعاء للميت، وللاتعاظ من قِبَل الحي كما أنَّ فعل النبي، وهذا ما قاله الإمام السالمي رحمه الله إذ قال: أتُعْمَرَن قُبُورُنا الدَّوَارِسُ ويَتَرَدَّدَن إليها الدَّارِس وهذه المساجد المُعَدَّة نتركها وهي لذاك عُدة (2/166)
صفحة 614
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
167
والمصطفى قد زراها وما قَرَا إلا سلاماً ودَعَا وأَدْبَرَ حسبك أن تتبع المختار وإن يقولوا خالف الآثار فنحن نأخذ بهذا، والله - تعالى - أعلم.
ـ
هل العمل له دخل في تغيير القدر بعد موت الإنسان، مما يلحقه من عمل صالح أو طالح من غيره ولم يعمله هو في حياته، مثل الحج عنه أو الصوم عنه؟
أما العمل الطالح من غيره فلا علاقة له به، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: 164] إلا إذا كان هو السبب له، فإن «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)، فالذي يكون سبباً في الشر يعاقب أو سبباً في الخير يثاب وأما إن كان رجلاً صالحاً تقياً وعمل له أحد عملاً من الأعمال التي تجوز فيها النيابة كالحج والعمرة رجونا أن يتقبل الله ذلك ويضاعف من حسناته، أما أن يتحول من حالة إلى حالة كأن يكون كتب الله عليه الشقاء ثم يتحول بعد ذلك إلى النعيم، فلا لأن الله يقول: {مَا يُبَدِّلُ الْقَوْلُ لَدَى وَمَا أَنَا بِظَلَم لِلْعَبِيدِ) [ق: 29] والله أعلم.
إذا أَرادَ أَحَدٌ أن يَحْتِمَ القرآنَ عن والده أو والِدَتِه ويُهدِي ثَوابَ ذلِك لَهُما، فهل يجوز له ذلك؟
القضية ليست قضية جواز أو عَدَمه بل القضية هل هذا ينفع الميت أو لا يَنفَعُه؟ والأصل أنَّ الإنسانَ إِنَّما يَنتَفِعُ بِعَمَلِه .. لا بِعَمَلِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الله - تعالى - يَقُول: {وَأَن لَيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] ولكن جاءت السنة
(1) رواه مسلم (1017). (2/167)
صفحة 615
168 الفتاوى العقيدة
النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - لِتُخَصَّصَ بعض الأمور بِحَيثُ يَكونُ عَمَلُهَا عن الميت نافعا له بعد موته، ومن ذلك الحج والعمرة والصدقة، والأُمُورُ الغَيْبِيَّة لا يُمكِنُنَا أن نَتَوَصَّلَ إليها إلا مِن نَافِذَةِ الوحي، وليْسَ لَنا أَن نَحَكَمَ فيها بِالقِيَاس؛ لأنَّ القياسَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأُمُورِ التي يُمكِنُ أن تُعَلَّل، أمَّا الأُمُورُ الغَيْبية فهي لا تُعَلَّل، إذ الله ـ تعالى ـ يقضي ما يَشاءُ ويَحكُمُ ما يُرِيد، لذلك فإن مَن أَرادَ أن يَعمَلَ شيئا عن الميت فَلْيَقْتَصِرْ على ما وَرَدَتْ بِه السنة من الصَّدَقة أو الحج أو العمرة أو الصدقة الجارية كأن يَقِفَ وَقْفا خيْرِيا عنه، أمَّا ما عدا ذلك فإنَّه ليس هنالك من دليل يدل على أنَّ الميِّتَ يَنتَفِعُ بِه، والعمل الذي يَعمَلُه الإنسان مِن غَيْرِ أَن يَكونَ مُوقِنا بِأَنَّه يَعُودُ بِالمصلحةِ التي يَنْشُدُها يُعَدُّ عَمَلا ضائعا؛ والله - تعالى - أعلم.
الروح وأسرارها
هناك مُصْطَلحات أربع هي الروح والوجدان والضمير والنفس يجمع بينها الخفاء في مقابل الجسد المادي، ولذا يجعلها البعض بمعنى واحد ويبدو أنكم تفرّقُون بينها كما ورد ذلك في قولكم في «جواهر التفسير» الجزء الأول الصفحة الأولى: (ومن المعلوم أنّ تكوين الإنسان تكوين عجيب فهو يجمع بين الروح والجسم والعقل والقلب والضمير والغريزة
ولكل منها طَبْعُه وخَصَائِصُه وضَرُورَته»، نرجو التكرم بتوضيح ذلك. الروح هي التي بها الحياة، فالله تعالى عندما ينفخ الروح في هذا الجسم الميت يحيا، ويتحول إلى خلق آخر كما قال: {ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاآخَرَ) [المؤمنون: 14]، أي: بِنَفْخ الروح فيه، لأنَّهُ يُضبح مِن جِنْسِ الأَحْياء، وَكَذلك إذا فُصِلت الرُّوح عن الجسم مات، ونحن لا نعرف كيفية اتصال هذه الروح (2/168)
صفحة 616
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
169
بالجسم، وكيفية انفصالها عنه، لأن الله نسبها إلى نفسه فهو العليم بها: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85).
وأمَّا النَّفس فهي المُدْرِكَة الواعية التي يكون بها الإدراك والتمييز وإن كان ذلك مرتبطاً بالروح، ولكن ليس كُلُّ ذِي رُوحٍ مُدْرِكاً، فالنَّفس جَعَلها الله تُميّز ما بين المسموعات وما بين المبصرات وما بين الوجدانيات.
أما الوجدان: فهو الإحساس كأن يَجِدَ الإنسان شَوْقاً إلى شيء، أو كراهة له، أو حباً فيه، أو أن يجد في نفسه حُزْناً أو فرحاً أو مثل هذه الأشياء فهذا كله يعود إلى الوجدان
وأما الضمير: فهو الإحساس الذي يدفع الإنسان إلى محاسبة نفسه، لأنَّ الضمير الداخلي قد يَرضَى بِشَيء ولا يرضى بآخر، فهو الذي يدفع الإنسان إلى محاسبة نفسه على ما قدَّم، وأخَّر، فنفس هذه المحاسبة إنما مبعثها ضمير في نفس الإنسان.
والغَرِيزَة هي ما ركز في الإنسان من الأمور الفطرية كغريزة حُبِّ الأكل وحُبِّ الشرب في حَالَ العَطش وغريزة الاتصال الجنسي وغير ذلك من الغرائز. هل في قوله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] دلالة على أن البشر سيقفون يوما من الأيام عند الرُّوح فقط، وأما ما دون الروح فسيستطيعون استكشافه؟
الله أعلم، وهذه أمور لا نستطيع أن نَجْزِم بها، ولا نستطيع أن نتعجل الأحداث قبل وقوعها والله أعلم.
هل المصير الذي تذهب إليه روح المسلم والكافر واحد بعد الموت في الحياة البرزخية؟ (2/169)
صفحة 617
170 الفتاوى العقيدة
لا، لا يكون المصير واحداً، فمصير أرواح المؤمنين إلى عليين وأرواح الكفرة إلى سجين والعياذ بالله، والله أعلم.
هل جزاء الصالحين بالجنة والعاصين بالنار يبدأ من أول خروجهم من هذه الدنيا بالموت أم يبدأ الجزاء من قيام الساعة؟
أما الأرواح فقد جاءت الروايات بأن أرواح الشهداء وفي بعض الروايات أرواح المؤمنين تكون في حواصل طير خضر تطير في الجنة وتحط في شجرها وتأكل من نباتها، وأرواح الأشقياء والعياذ بالله تكون في سجين، وعلى هذا فنعيم الروح في الجنة وعذابها في النار منذ وفاة الإنسان؛ أما
انتقال الأجساد إلى الجنة والنار فذلك إنما يكون يوم القيامة والله أعلم.
هل أرواح الموتى تتلاقى في عالم البرزخ وتتزاور، سواء كانت هذه الأرواح من المنعمين أو من المعذبين؟
ذكر بأن هذه الأرواح تتلاقي، وإقرار ذلك يعتمد على دليل قطعي وبما أن الدليل غير قطعي ما علينا إلا أن نقف عن ذلك فهذه من الأمور الغيبية نكلها إلى الله، والله أعلم.
التي
بعض الناس يعتقدون أن الشيطان يتمثل في صورة ابن آدم أربعين يوما، فهل في هذا حقيقة؟
كثير من القضايا إنما هي من وحي الشياطين، حتى ما يسمى الآن بتحضير الأرواح إنما هو من وحي، الشياطين وليس ذلك من الحقيقة في شيء، وأنا أخبرني أحد من الناس قبل ما يقارب ثلاثين عاما من الآن؛ لأنني كنت أتابع هذه القضية وأسأل عنها لما أشيع عند الناس من أن هنالك من يحضر الأرواح، مع أن
القرآن الكريم يدل على أن تحضير الأرواح من المستحيل؛ فأن الله تعالى يقول: (2/170)
صفحة 618
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
171
وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85]، ويقول سبحانه: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْرًا} [مريم: 98]، ويقول ل: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيَمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [الزمر: 42]، فلئن كانت الروح التي ماتت يمسكها الله فمن الذي يستطيع أن يطلقها من يد الله تعالى لتعود وتتحدث إلى الناس.
تابعت هذه القضية، وسألت بعض المشايخ الذين جربوا هذا الأمر، فذكروا بأن رجلاً من الناس كان يزعم أنه يحضر أرواحاً بطريقة معينة، يقول: كان الناس يلتفون من حوله، فهذا يقول له حضّر روح فلان، وذلك يقول له فلان، وإذا بي - يعني الشخص المتحدث ـ أقول: أرى أنني
حضر روح
فلان
أنا
فعجبت
أرغب أن أسمع من روحي بعض الحديث، فقلت له: حضر روحي بن فلان، فوافقني على ذلك، وكان هنالك «زنبيل» (1) عندما تحضّر الروح حسب ما يزعمون يتحرك، فتحرك الزنبيل، فسُئل: من أنت؟ فقال: فلان؛ باسم الرجل الذي طلب تحضير روحه، يقول محدّثي: فطرحت على أسئلة هذا الذي حضر عن أشياء لا يعلمها غيري فأجابني كما هي، من هذا الأمر، ولكن سألته عن بعض الأمور؛ كحفظ القرآن وغير ذلك فإذا به ليس على صفتي التي أعلمها من نفسي، فقلت له: من أنت؟ واصدقني في ما تقول، فقال لي أنا قرينك؛ أي هو القرين من الجن، هو الذي يتحدث بهذا ليضلل الناس، فإذاً هؤلاء إنما يحضرون الشياطين الذين يريدون أن يضلوا الناس، ولهم صلة بهؤلاء الشياطين من خلال خبث النفوس؛ لأن الشياطين تألف النفوس الخبيثة كما تألف الملائكة الأرواح الطيبة ..
(1) الزِّنْبيل الجراب وقيل الوعاء يُحمل فيه، ويجمع على زنابيل، وقيل الزِّنْبِيل زبيل وجمعه زُبُل وزُبلان) ابن منظور، لسان العرب؛ مادة زبل).
خطأ وإنما هو (2/171)
صفحة 619
172 الفتاوى العقيدة
الوعد والوعيد
عمومات الوعيد في الآيات هل تشمل من لم يتب؟
عمومات الوعيد إنَّما هي في مَن لم يتب، لأنَّ الله تعالى قيدها بعدم التوبة، فالله - تعالى - يقول: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَيْهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحَا فَأُولَيكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70] ويقول أيضاً: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، وهذا مقيد بما إذا لم يتب الإنسان، أما مع التوبة فإنَّ الله يتقبل توبته؛ وآيات الوعيد وأحاديثه إنَّما تجري فِي عُمومها إلا في مَن تاب فقط، أما غير التائب فإنه يجري عليه
عموم
وهذا
الوعيد.
ء؛ لأنه
أن الله
وقول من قال بأنَّ الله تعالى يُنجز وَعْدَهُ وَيُخْلِفُ وَعِيدَهُ ليس بشيء؛ يترتب عليه أنَّ الله عندما يَتَوَعَّدُ على أمر ما إما أن يكون عالما بأنه سيخلفه، يعني الكذب في كلام الله - تعالى الله عن ذلك، وإما أن يعني يبدو له فيما بعد أن يُخلف هذا الوعيد بعد ظنه أنه سينفذه وهذا يعني الجهل، والجهل منتف عن الله، لأنَّ الله - تعالى - يَعلم ما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون، فكل من ذلك معلوم له سبحانه، فهو بكل شي عليم، عليم، كما أنه على كل شيء قدير.
وجاءت الآيات القرآنية تدل على أنَّ كلمات الله - تعالى - لا تبديل لها، وأنَّ الوعيد لا يتبدل، فالله يقول: {قَالَ لَا تَختَصِمُوا لَدَى وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَى وَمَا أَنَا بِظَلَمٍ لِلْعَبِيدِ) [ق: 28 - 29]، ويقول أيضاً: {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ (2/172)
صفحة 620
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
173
الله} [يونس: 64] ويقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، فالقول بأنَّ الله يُنجز وعده ويُخلف وعيده هو في منتهى الخطورة.
على أنَّ هذا الادعاء هو الذي يدفع إلى انتهاك الحرم، والوقوع في المعاصي، وارتكاب الموبقات، فإنَّ الله ذكر عن بني إسرائيل الوقوع في هذا الأمر، وهذه الأمة حذرت أن تتبع سَنَن مَن قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، وقد وقعت في ذلك والعياذ بالله، فالله يقول في بني إسرائيل: {فَخَلَفَ مِنْ بَعدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} [الأعراف: 169] وهذا هو نفس الاعتقاد الذي يعتقده أولئك الذين يقولون بأن الله يُنجز وعده ويُخلف وعيده، فهم إنَّما يتعلقون فيه بأماني المغفرة، على أنَّ هذه الأماني قد اجتثت بالنصوص القاطعة في كتاب الله، فإنَّ الله تعالى يقول: ـ وهو أصدق القائلين - {لَيْسَ بِأَمَانِيَكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123].
أما كون هذه الأدلة أدلة عامة، وأن العُمومات قد خُصصت، وما مِن عَامٌ إلا وقد خصص، فإنَّ ذلك ليس على إطلاقه، إذ ليس كل عموم يكون في دلالته ظنيا، إذ من العُمومات ما لا يحتمل التخصيص بحال من الأحوال، فمن العمومات ما لو قيل بتخصيصه لأدَّى ذلك ـ والعياذ بالله تعالى ـ إلى الكفر، ومن ذلك قول الله في وصف نفسه: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ {يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3 - 4]، فقوله: لَمْ يَلِدْ) نفي لأن يكون الله تعالى والدا لأي أحد كان لأنَّ المنفي هنا فعل والفعل حكمه حكم النكرة، فيعم في النَّفي كعُموم النكرة في النفي؛ وكذلك قوله: {وَلَمْ يُولَدْ * هو نفي للمولودية عنه، فهو لا يتصف بها بالنسبة إلى أي أحد كان، فلا يجوز بأن يقال: إنَّ هذا العُموم خُصِّصَ، وأنَّه مولود لبعض الخلق دون بعض، فهو تبارك وتعالى لا يتصف بالمولودية، كما أنه لا يتصف بالوالدية. (2/173)
صفحة 621
174
174 الفتاوى العقيدة
وكذلك قوله سبحانه بعد ذلك: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) فهو على عمومه، ولا يمكن أن يقال بأنَّه خصص، وأنَّ أحدا من الخلق يُمكن أن يكون كُفؤا له تبارك وتعالى فإنَّ الله لا يُكَافِئه شيء من خلقه.
ومثل ذلك قول الله سبحانه: {وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبَّنَا مَا اتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًا [الجن: 3]، فلا يجوز تخصيصه بتاتاً، لأنَّ تخصيصه يؤدي إلى بطلان التوحيد، ذلك لأنَّ القول باتخاذ الله بعض الصواحب يناقض أصل الإيمان فمعنى ذلك أنه تبارك وتعالى صار مفتقرا إلى الصاحبة، تعالى
الله
عن
ذلك.
ومثله قوله: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] فإن بقاء هذا العام على عمومه أمر قطعي، ولا يمكن أنْ يَشُك فيه أحد، إلَّا مَن أراد أن ينسب إلى الله تعالى ما هو بريء منه من الظلم؛ ومثله قوله: {فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]، فنفي الألوهية غيره تعالى على عمومها والدلالة على ذلك دلالة قطعية، إذ لو كانت هذه الدلالة دلالة ظنية لسَاغَ الشك في وجود إله غيره تبارك وتعالى؛ وكذلك قوله: {لَا تَخفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18]، فإن قوله ذلك على عمومه، وإلا لكان هنالك مجال للشك في أن بعض الأشياء تخفى على الله سبحانه؛ ومثل هذا كثير.
وضابط ذلك أن يكون تخصيص هذا العموم يؤدي إلى أمر لا يقره العقل، لأنَّه يُؤدي إلى نقص في حق الله تعالى؛ ومسائل الوعيد تعود إلى هذا الأمر، لأنَّ الله تعالى متصف بالعدل فهو لا يُحابي أحدا، فالنَّاس كلهم سواء، ليست بين أحد من خلقه تبارك وتعالى وبينه صلة نسب، ولا صلة سبب إلا التقوى فالصلة التي بين العباد وبين ربهم جل وعلى صلة التقوى، فلذلك كانت مُحاباة بعض النَّاس بأن يتهاون في حقهم
هي (2/174)
صفحة 622
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
175
وأن يُشدد على الآخرين أمر يستحيل على الله تعالى، لأنَّه يُنافي العدل الذي هو متصف به سبحانه فلذلك كانت هذه الأدلة أدلة قطعية؛ والله - تعالى - أعلم.
ما معنى قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]؟ ربما البعض تمسك بهذه الآية وسوّل لنفسه الآثام والمعاصي كالربا ونحوها.
قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء: 48]، سيق في موضعين من كتاب الله من سورة النساء، وفي كلا الموضعين جاء في مقام الدعوة إلى الإسلام والتحذير من الكفر، فالله تعالى يقول في الموضع الأول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَامِنُوا بِمَا نَزَلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهَا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ
(47
[النساء: 47 - 48] وفي الموضع الثاني مسبوق بقوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، ثم جاء من بعده: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 116]، فيستخلص من هذا أن توبة المشرك من جميع معاصيه الأخرى مع بقائه على شركه لا تنفع، أما إن كان على ملة من ملل الشرك كالوثنية أو النصرانية أو غيرها ثم تاب من شركه ذلك فإن معاصيه جميعاً تغفر بتوبته من الشرك، إذ الإسلام جب لما قبله، فلذلك لو قتل النفس أو نهب المال أو فعل ما فعل من المنكرات فإنه بتوبته من شركه بالله تعالى تغفر تلك السيئات ولا يجب عليه أن يرد المال ولا أن يتخلص من تبعات الدم ولا من أي تبعات أخرى. (2/175)
صفحة 623
176 الفتاوى العقيدة
وهذا الذي قلناه تدل عليه دلائل متعددة فالله تعالى حذر هذه الأمة من الاغترار بالأماني والتشبث بها فقد قال سبحانه: {لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ} [النساء: 123] أي يا معشر المسلمين، وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبٍ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123]، وقوله مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ به} [النساء: 123] أي منكم يا معشر المسلمين أو من معاشر أهل الكتاب وغيرهم الذين اغتروا بهذه الأماني، كما أنكر الله - تعالى - على أهل الكتاب قولهم: سَيُغْفَرُ لَنَا) في قوله سبحانه: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} [الأعراف: 169].
وكذلك يقول سبحانه محذراً لهذه الأمة من الاغترار بالأماني الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْتَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]، فحدّرهم من الاغترار بالأماني وأمرهم بالاستعداد لذلك اليوم الذي لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، ويقول الله وعجل: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَيْكَ هُمُ الْخَسِرُونَ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَدَفَ وَأَكُن مِّنَ الصَّلِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون: 9 - 11]، وقال تعالى: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعِ يَوْمَيذٍ عَامِنُونَ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 89 - 90]، وقال: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84]، و «أل» في الحسنة وفي السيئة هنا للجنس، وكذلك يقول سبحانه: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160]، فيجب على الإنسان أن يحذر وأن لا يتعلق بالأماني، والله أعلم.
عشر (2/176)
صفحة 624
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
177
كان
ما هو الفكر الإحْدَاثِي والفكر الإرْجَائِي؟ وما أثرهما على عقيدة
المسلم؟
أما الفكر الإحداثي فلم أسمع عنه، ولعلّه يعني الفكر الحَدَاثِي، فإن يعني ذلك فهو فكر دَخِيل على الإسلام ولا يَمُتُّ إليه بصلة، وقد ألَّف
كثير من العلماء فيه وانتقدوه وفَنَّدُوه وبَيَّنُوا عُوَارَه وكَشَفُوا مَخَازِيَه. وأما الإرجاء فهو عقيدة يهودية، لأن الله تعالى نسب إليهم عقيدة الإرجاء، يقول تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} [الأعراف: 169]، وذلك أنَّهم يُقْدِمُون على ارتكاب مَحَارِمِ الله تعالى أملهم في المغفرة بلا توبة، وكذلك خُيّل إليهم أنَّ عذابهم إلى أمدٍ محدود موقوت، وأنَّهم بعد ذلك يُخْرَجُون مِن دَار العذاب ويُنَعَّمُون كما يُنَعمُ
مع
صلے
المؤمنون المتقون، وهذا ما دَلَّ عليه قوله تعالى فيما نقله عن اليهود: وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَسَامَا مَعْدُودَةٌ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [البقرة: 80 - 81]، وهو جل شأنه يُبَيِّنُ أن هذه العقيدة لَزَّت بهم إلى الفساد، ودفعت بهم إلى ارتكاب الحرم، وأوقعتهم في المعاطب، فالله - تعالى - يقول: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ يُدْعَونَ إِلَى كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 23 - 25]، وقد حَذَّر الله ـ تعالى ـ هذه الأمة من التعلق بهذه والتشبث بهذه الآمال فقد قال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيَكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123]، وقال: مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ. مِنْهَا وَهُم مِّن فَزَعَ يَوْمَيذٍ عَامِنُونَ (3) وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي
الأماني (2/177)
صفحة 625
178 الفتاوى العقيدة
النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 89 - 90]، ويقول سبحانه: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84]، وقال تعالى: مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160]؛ فحر الله تعالى من التعلق بهذه الأماني الفارغة، وبيَّن أن كل أحد مجزي بعمله الذي عمله، فهو
يُجزَى بالإحسان إحسانا ويُجزَى بالسيئة مثلها.
والأمة وقعت فيما وقع فيه من قبلها تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتَتَّبِعُن سَنَنَ من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو أنَّهم دخلوا جُحْرَ ضَب لَدَخَلتُمُوه» (1) ففي الأمة مَن يقول بأنَّ الله - تعالى - إذا وَعَدَ وَفَى وإذا تَوَعَّدَ عَفَا، أين ذلك مِن قوله سبحانه: {قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَى وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ لا مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَى وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 28 - 29] وقوله تعالى: {لَا نَبدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ} [يونس: 64] وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]؟!، والله أعلم.
هناك من التصورات ما تشجع للوقوع في المعاصي قد لا تكون مقصودة بصفة مباشرة مثل بعض التصورات أن الإنسان يكتفي من عقيدته بلا إله إلا الله وإن سرق وإن زنى، فما هو قولكم؟
المسلم يستمد عقيدته وتصوره أولاً من نصوص الكتاب العزيز، ثم من المتواتر من السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام؛ ولا يترك المتواتر من أجل روايات أحادية، قد يكون فيها كثير من الاختلاف وكثير من التناقض، وهي مُجرد ظنون والعقيدة لا تُبنى على ظن، والله تعالى يقول: لَّيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن
(1) رواه البخاري (3269) ومسلم (6952). (2/178)
صفحة 626
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
179
کو
دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123]، ويقول سبحانه: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرُ مِنْهَا وَهُم مِّن فَرَعَ يَوْمَيذٍ عَامِنُونَ (3) وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكَبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 89 - 90]، ويقول وجل: مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84] ويقول: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160] إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة، فهل يعقل أن تهمل هذه النصوص من أجل رواية؟!.
مع
النصوص
وما المانع من أن نحمل هذه الرواية الأحادية على ما يتفق القطعية، وذلك بأن نقول من قال لا إله إلا الله بعد إشراكه بالله تعالى دخل الجنة وإن كان زَنَى أو سرق في شركه، فإنَّه لا يؤاخذ بما كان منه الأعمال من المنحرفة في حال شركه إذ الإسلام جب لما قبله وهذا الذي يدل عليه قول الله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38].
الحساب والميزان والصراط
بين
ما هو الحساب؟ وما كيفيته؟ وما أثر الإيمان به في سلوك الإنسان؟ الله سبحانه في كتابه العزيز أنه يحاسب العباد على أعمالهم التي قدموها في الدنيا، والحساب عندما يذكر في كتاب الله وعجل كثيرا ما يقترن ذكره بذكر أهوال يوم القيامة، وتداعي هذا الكون واختلال نظامه وتساقط أجرامه وما يكون مع ذلك من هول شديد تشيب له الولدان، وذلك كله لأجل تهويل أمر الحساب وبيان أن أمر الحساب ليس بالأمر اليسير، وإنما هو أمر صعب تقترن به هذه الأهوال العظيمة، فالله تعالى يقول: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْحَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّنَا دَكَةً وَحِدَةً فَيَوْمَيذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)
10 (2/179)
صفحة 627
180 الفتاوى العقيدة
وَأَنشَقَتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَدٍ وَاهِيَةٌ) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَابِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَدٍ ثَنِيَةٌ يَوْمَذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كَتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُ وَا كِتَبِيَهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنْ مُلَقٍ حِسَابِيَّة) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِشَبَهُ بِشِمَالِهِ، فَيَقُولُ يَلَيْنَنِي لَمْ أُوتَ
)
لا
(11
كتبية وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَّة يَلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةً مَا أَغْنَى عَنِي مَالِيَةٌ هَلَكَ عَلَى سُلْطَنِيَة) خُذُوهُ فَعَلُوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَأَسْلُكُوهُ} [الحاقة: 13 - 32] ويقول تعالى: {فَإِذَا بَرَقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنسَنُ يَوْمَيذٍ أَيْنَ المفرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيذٍ الْمُسْتَقَرُ يُنَبِّوا الْإِنسَنُ يَومَينِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَرَ} [القيامة: 7 - 13]، ويقول سبحانه: {إِذَا الشَّمْسُ كُورَتْ وَإِذَا النُّجُومُ أَنكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيَرَتْ) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجَرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوجَتْ) وَإِذَا الْمَوْءُ دَةُ سُبِلَتْ بِأَتِي ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ كَشِطَتْ) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعَرَتْ) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسُ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 1 - 14]، ويقول جل: إذَا السَّمَاءُ أَنفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجَرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعِثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسُ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (3) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّنَكَ فَعَدَ لَكَ فِي أَي صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَبَكَ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ كِرَا مَا كَئِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} (الانفطار: 1 - 12]، ويقول عز من قائل: {إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَتِهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ يَتأَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبُهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا تُبُورَاتِ وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} [الانشقاق: 1 - 15]، فعلى العبد أن يعد له عدته وأن يعد لكل سؤال جوابا صوابا حتى يلقى الله - سبحانه - وقد أخذ العدة لذلك
اليوم، فإن حوسب كان حسابه يسيرا وانقلب إلى أهله بمشيئة ربه مسرورا
(14) (2/180)
صفحة 628
الإيمان باليوم الآخر
(19
وقد بين
الجزء الثاني
181
الله - سبحانه ـ أن الحساب يكون بإشهاد على الإنسان بجانب
علم الله تعالى بكل ما يقع في هذا الكون فلا يخفى عليه ما يصدر من الإنسان هذا الإشهاد يكون بالملائكة الكرام الكاتبين ويشهد الإنسان على نفسه، فالله تبارك وتعالى يقول: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ) كِرَامًا كَئِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 9 - 12]، ويقول: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدُ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَابِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَ كَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 16 - 22]، فالعبد في غفلة مما يقع في ذلك اليوم ولكنه يوم يكشف فيه الغطاء ويتجلى للإنسان الأمر وينكشف له ما كان متواريا عنه، ومن الشهود الذين يشهدون على الإنسان جوارحه، تشهد بمباشرتها المعصية وإتيانها الفحشاء وتسخيرها للآثام، فالله تبارك وتعالى يقول: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (3) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [فصلت: 19 - 22]، فهذه الجوارح التي باشرت المعصية تشهد على العاصي يوم القيامة، وإذا أراد أن يكذبها بلسانه ختم عليه كما يدل على ذلك قول الله تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65]، ولكن نلاحظ بجانب ذلك أيضاً أن القرآن الكريم يشير إلى أن المعصية التي يباشرها العبد إن كانت معصية قولية فإن اللسان تنطلق بالشهادة عليه، فالله ـ تعالى ـ يقول في الذين يرمون المحصنات: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي (2/181)
صفحة 629
182
182 الفتاوى العقيدة 0
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور: 23 - 24].
هذا وقد يجادل الناس الذين ختم الله - تعالى - على أبصارهم وعلى قلوبهم، وطمس بصائرهم في نطق الجوارح التي لم تكن تنطق من قبل وهذا ينم عن عقم تفكيرهم وتعفن طباعهم وإلا فإنهم لو فكروا في نطق اللسان، لأدركوا أن هذا النطق ليس بالأمر الهين فالله - تعالى - الذي أعطى لسان الإنسان القدرة على النطق قادر على أن يسلب هذه الصفة عنه ويجعلها في سائر أعضائه والله - سبحانه - الذي جعل النطق في الحياة الدنيا أمرا اختياريا هو قادر على أن يجعله في الدار الآخرة امرا اضطراريا، فكما لا يملك الإنسان أن يوقف نبضات قلبه ونبضات عروقه في جسمه كذلك لا يمكن أن يوقف هذا النطق، فإنه نطق بمشيئة الله سبحانه، وهو وإن كان نطقا غير إرادي إلا أنه كاف في كون الإنسان يحس بعظم ما ارتكبه وبفداحة ما أتاه ويحس بأمانة الشهادة وصدقها لأنه يتصور الواقع، وما أدرى الإنسان الذي يرتكب أي خطيئة في هذه الدنيا ويباشر أي منكر من المنكرات لعل معصيته تصور فيرى نفسه وهو يباشر المنكر ويأتي الخطيئة ثم يعرض عليه يوم القيامة فيرى كيف كان ارتكابه للخطايا رأي العين فإني لا استبعد أن يكون ذلك كذلك، وإن لم أجده منصوصا عليه لأنني أجد الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: {يَوْمَيذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18]، فإن قوله - سبحانه -: {يَوْمَذٍ تُعْرَضُونَ} أدل على أنهم يعرضون بأعمالهم التي كانوا يباشرونها فيرونها رأي العين، ولا يقتصر على عرض الأعمال وحدها مسجلة في الدواوين إذ لم يقل تعالى: «اليوم تعرض أعمالكم وإنما قال: {يَوْمَذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخفَى مِنكُر خَافِيَةٌ» فما يدرينا لعل هذا العرض يكون بالصورة والصوت، ليكون ذلك أقوى بينة وأدعى إلى الحسرة وأقوم للشهادة، وكل ما يكون من الله - سبحانه ـ هو حق، ولكن (2/182)
صفحة 630
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
183
لا يريد الله وعمل أن تبقى للفجار يوم القيامة حجة يتشبثون بها، فالحساب حق، والناس يومئذ يأخذون كتبهم منهم من يأخذ كتابه بيمينه وهو المتقي السعيد الذي ينقلب إلى جنة عالية، ومنهم - والعياذ بالله من يأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره وهو الشقي المفتون الذي أبعده الله - سبحانه ـ عن ساحة الرحمة
وباعد بينه وبين الطاعة فكتب له ـ والعياذ بالله في الحياة الآخرة الشقاء. وإذا كان من شأن الإنسان أن يخشى حساب مخلوق مثله حتى ولو لم
يكن يفوقه في القدرة، فالشريك يحسب حسابه لمحاسبة شريكه له، والمرؤوس يحسب حسابه لمحاسبة رئيسه له، وكل ذي عمل يحاسب عليه يحسب حسابه لمحاسبة من يحاسبه على ذلك العمل، فإنه أحرى به أن يحسب كل حسابه لحساب العزيز العليم السميع البصير، الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم يعلم ما يتلجلج في الصدور وما يخطر في القلوب، وما تشتمل عليه حنايا الضمائر وبجانب ذلك يشهد الشهود العدول، فتشهد الملائكة وتشهد جوارحه، وتشهد الأرض التي باشر عليها المعصية بما قدم وعمل في هذه الدنيا ويشهد كل شيء من حوله، وكما أن المجرم الذي يرتكب السيئات تشهد عليه هذه الجوارح بسوء ما ارتكب وشر ما أتى فإن الذي يعمل الصالحات يشهد له أيضاً كل ما حوله بما أتاه من العمل الصالح، لذلك أمر الرسول الراعي صاحب الماشية الذي في البادية إذا كان في ماشيته وباديته وأذن أن يرفع صوته بالأذان لأن كل ما سمع ذلك الصوت من شجر وحجر وغيرهما من أنواع الخلق يشهد له يوم القيامة، وما أدراكم أن يودع الله - تعالى - هذه الكائنات المختلفة التي نحسها الآن بأنها غير واعية إحساسا بقدر ما تحفظ هذه الشهادة وتؤديها يوم القيامة، وإذا كان الإنسان الآن يسمع صوت نفسه في آلة التسجيل، ويشاهد على الشاشة صورته على ما هي عليه عندما يباشر أمرا ما أو يسمع صوت غيره ويشاهد (2/183)
صفحة 631
184 الفتاوى العقيدة
صورته ولو من بعد فما أدراكم أن تكون هذه الكائنات المختلفة مستودعات بأصوات بني آدم وصورهم التي تمثل جانب الحق وجانب الباطل، فإذا جاءت يوم القيامة شهدت للمطيع وشهدت على العاصي.
والإيمان بالحساب جدير أن يجعل صاحبه يراقب الله ـ سبحانه ـ في خلوته، فإذا ما خلا يوما فلا يطلق لنفسه هواها ولا يرخي لها العنان لترعى حيثما شاءت بل يزجرها ويذكرها بأن عليها رقيبا ومن وراء كل رقيب رقيب، والرقيب الأعظم هو الله ـ سبحانه ـ الذي يعلم كل شيء لا تخفى عليه خافية، فجسم الإنسان نفسه رقيب عليه لأن أعضاءه تشهد عليه إن باشر المعصية - كما تقدم -، والملائكة الكرام الكاتبون الذين لا تحجبهم الحواجب ولا تحول بينهم وبينه الحوائل هم أيضاً رقباء عليه، يسجلون كل ما يأتيه وما يذره، مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] والأرض التي هو عليها والجدر التي تواريه عن الأبصار أن تراه هي أيضاً رقيبة عليه وستؤدي الشهادة عليه يوم القيامة، وما حوله من أثاث ومتاع مما يستخدمه في المعصية قد يكون أيضاً شاهدا عليه يوم القيامة وهكذا كل ما انطوى عليه وكل ما هو حوله قد يأتي ليشهد عليه يوم القيامة إن لم يؤد الطاعة ويعمل الصالحات، فحري بهذا الإنسان أن يكيف نفسه مع هذا المعتقد وأن يجعل أعماله كلها ناشئة عن هذا الفكر الأصيل النابع من إيمانه المنغرس في وجدانه؛ حتى تكون أفعاله كلها ترجمة لهذا الإيمان وتصديقا له، ويكون في كل ما يأتيه في خلواته أو جلواته متفاعلا مع إيمانه بالحساب في يوم القيامة. وقد بين الله سبحانه في كتابه العزيز أن العبد مسؤول في ذلك اليوم عن كل شيء فهو مسؤول عن النعيم الذي يتقلب في أعطافه في هذه الحياة الدنيا ويلامسه برده يقول تعالى: (2/184)
صفحة 632
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
185
م الله الرحمن الرحيم
الهَنكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) لَتَرَوُنَ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرُونَهَا عَيْن الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْلُنَّ يَوْمَبِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 1 - 8]، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تبيان لما يسأل عنه العبد يوم القيامة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا
الله
تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس، عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وماذا عمل فيما علم»)، فالعبد يسأل أول ما يسأل عن العمر الذي هو كبرى النعم، لأن النعم الأخرى تترتب عليها، فحياة الإنسان من أكبر نعم الله عليه لأنه لو لم يكن حيا لما أحس بنعمة من النعم الأخرى ولا بلذة من لذات الحياة ولا بشيء من راحاتها فالحياة جوهرة ثمينة وكل لحظة تمر منها هي محسوبة على العبد إذ لا تعود أبدا، فالأنفاس التي يتنفسها الإنسان هي خطواته إلى الدار الآخرة والأيام التي يقضيها هي مراحل يجتازها في هذه الرحلة، فعليه أن يغتنم فرصة الحياة ليعود بالخير، وعليه أن يكون في كل لحظة من لحظاتها أقرب إلى الله بصالح العمل والتقوى منه في اللحظة التي تقدمتها لأن كل لحظة تدنيه من لقاء الله - سبحانه ـ، وفي هذا يقول الشاعر:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته على السن خيرا لا يزال يزيد يرجى الخير للإنسان إذا كان كلما تقدم به العمر وسارت به السنون ازداد من الخير وكان أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد.
ويسأل العبد عن الشباب سؤالا خاصا بعد السؤال عن الحياة كلها، لما في الشباب من نعمة، لأنه ريعان العمر وربيعه فهو تاج هذه الحياة،
(1) رواه الترمذي (2416). (2/185)
صفحة 633
186 الفتاوى العقيدة
وجدير بالشاب أن يغتنم فرصة شبابه ليزداد من العمل الصالح ما يقربه
إلى ربه ويصله به.
والشاب الصالح ليس هو الذي يلهث وراء شهواته ويسعى إلى ملذاته، ضاربا عرض الحائط أوامر ربه ونواهيه ولا يغرن أحد نفسه فيقول إنه سيجتاز مرحلة الشباب وسيتوب إلى الله بعد اجتيازها وفي العمر فسحة، وفي الحياة مهلة، إذ لا يدري الإنسان متى يفجؤه ريب المنون، فكم من شاب اخترمه ريب المنون وهو في ريعان شبابه وفي زهرة عمره، فذوى عوده بعدما كان نضيرا على أن الإنسان إن شب على شيء شاب عليه، فإن شب على الشر وعلى البعد عن الله شاب على ذلك، لأن العادة مستحكمة في حياة المعتاد.
ويسأل العبد عن المال سؤالين سؤال يتعلق بالكسب وسؤال يتعلق بالإنفاق لأن المال هو مال الله والعبد مؤتمن عليه ومستخلف فيه كما قال تعالى: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7] وقال: {وَآتُوهُم مِّن مَالِ اللَّهِ الَّذِى آتَنكُمْ} [النور: 33]، فعلى المستخلف أن يرعى حكم المستخلف، فبما أن المال مال الله ليس للإنسان أن يتصرف فيه كما شاء، وكسب المال من أي وجه كان يفضي إلى خطر عظيم، فقد قيل: «من لم يبال من أي باب دخل عليه الدرهم والدينار لم يبال الله به من أي باب أدخله النار»، وفي الحديث: «كل لحم نبت من سحت» وفي رواية: «من حرام» فالنار أولى به» (1)، وقد بين الله ـ تعالى ـ لنا خطورة التعامل بالحرام في المال، حيث يقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةٌ عَن تَرَاضِ مِنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ
(1) رواه بنحوه الترمذي (617). (2/186)
صفحة 634
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
187
كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 29 - 30]، ويقول - سبحانه ـ: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]، ويقول سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، ويحذر الله الإنسان من جمع المال من أي طريق كان، حيث يقول:
و الله الرحمن الرحيم
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ تُمَزَةٍ) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَدَهُ, يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) وَمَا أَدْرَنكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ} [الهمزة: 1 - 9)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «القليل من أموال الناس يورث النار» (1)، ويقول: «من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار قيل له: يا رسول الله وإن كان شيئا قليلا يسيرا؟ فقال: وإن كان قضيبا من أراك» (2)، وجاء في بعض الروايات عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحل لأحد أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه» (3)، ويقول المحذرا من الغلول: ردوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة» (4)، وجاء أيضاً في الحديث الصحيح عن هريرة قال: «سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والمتاع، فأهدى رجل من بني الضبيب يسمى رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما أسود يسمى مدعما، فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو وادي
(1) رواه الربيع 690.
(2) رواه الربيع (660) ومسلم (370).
(3) رواه ابن حبان (5978).
(4) رواه الربيع (694).
أبي (2/187)
صفحة 635
188 الفتاوى العقيدة
يعني
القرى، فبينما مدعم يحط رحال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء سهم غرب فأصابه فقال الناس هنيئا له الجنة فقال: «لا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا)، وهذا أن العبد محاسب على المال فعليه أن يتحرى تقوى الله ـ تعالى ـ في كسبه، بحيث يتجنب في كسبه الربا والغش والخيانة والاختلاس والغرر وكل ما حرمه الله - سبحانه الله ـ سبحانه ـ، وجاء أيضاً التحذير من إنفاق المال في غير الطرق المشروعة، لأن المال أمانة، فالعبد مسؤول عن إنفاقه وعليه أن يكون إنفاقه قصدا فيما يرضي الله - سبحانه - لا فيما يسخطه، وقد حذر الحق ـ تبارك وتعالى من الترف، وفضول العيش التي تؤدي إلى نسيان اليوم الآخر، فقد توعد الله - تعالى - المترفين بكل شر في الدنيا والآخرة في كتابه العزيز عندما ذكر أصحاب الشمال ووعيدهم الشديد وصفهم بقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُترفين} [الواقعة: 45]، وقال ـ سبحانه ـ مبينا ما ينتظر المترفين من عذاب الدنيا: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ، وقال: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَ اخَرِينَ فَلَمَّا أَحَشُوا بِأَسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أَتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَنَكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 11 - 13]، وبين أن شيوع العذاب في الناس منشؤه ترف المترفين وفسادهم إن لم يقبض الناس على أيديهم ويردوهم إلى الحق طائعين أو كارهين، قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، أن تكذيب المرسلين ينشأ عن الترف فقد قال: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ وبين الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتَرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [المؤمنون: 33]، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ} [سبأ: 34]، وبين أن معارضة المصلحين تأتي من الترف أيضاً، فقد
(1) رواه الربيع (470) والبخاري (3993). (2/188)
صفحة 636
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
189
قال ـ سبحانه ـ: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} [هود: 116]. والسؤال الأخير يتعلق بالعلم، لأن العلم إما أن يقود صاحبه إلى طاعة الله ورضوانه وإما أن يقوده إلى سخط الله ومعصيته فالعلم أمانة عند العلماء وعليهم أن يتقوا الله تعالى في أمانتهم وأن يتحروا مرضاته وأن يريدوا به وجهه، فالعلم قد يكون وبالاً على صاحبه إن لم يكن لوجه الله، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لقي الله وهو خائب من الحسنات» (1) والله أعلم.
في
قال الله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} [يونس: 45] هل المقصود من هذا التعارف هو ما بين الأرحام أم المقصود به التَّعارف بين أصحاب الحقوق لأخذ الحق من الظالم إلى المظلوم؟
التعارف يوم القيامة يكون بين الناس بقدر ما كان بينهم من معاملات هذه الدنيا، وينصف الله - تعالى - للمظلوم من الظالم في ذلك اليوم، هذه هي الحقيقة التي أَشَارَ إِلَيْهَا القرآن وصَرَّحَت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فعدل الله - تعالى - اقتضى أن يُبْعَثَ النَّاس وأن يَتَعَارَفُوا يوم القيامة وأن يُوَفي كُلُّ ذي حق حقه يَوْمَئذ بِحُكم الله ـ تعالى ـ العادل؛ والله - تعالى - أعلم.
السائل يسأل عن قوله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفَدَا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [مريم: 85 - 86) وقوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى
(1) رواه الربيع (33). (2/189)
صفحة 637
190 الفتاوى العقيدة
الْجَنَّةِ زُمَرًا} [الزمر: 73] وقوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا) الزمر: 71] ألا تدل الآيات السابقة على أن المؤمنين يدخلون الجنة مباشرة
دون المرور على الصراط وأن الكفار يدخلون جهنم مباشرة أيضاً؟ ليس ذلك نصا في الموضوع، فلا مانع من أن يحشر المؤمنون إلى الرحمن وفدا ويُمرّ بهم على طريق معين، وكذلك سوق المجرمين إلى جهنم، ولكن لعدم وجود الدليل القطعي في هذه المسألة لا نقطع فيها بشيء أخذ بظواهر الأحاديث وإن كانت لا تبلغ حد التواتر واطمأن إليها قلبه واعتقد ما فيها من غير قطع لعذر المخالف فإنه لا يعنف والله تعالى أعلم.
ومن
هل يخطأ القائل بأن الصراط هو الطريق الذي هو أحد من السيف؟ لا يخطأ من قال ذلك والله أعلم.
ما هو تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَى أُولَيكَ عَنْهَا
مبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101]؟
من سبقت لهم من الله تعالى الحسنى فهم مبعدون عن النار فلا يردونها، ولا يدخلونها ولأجل بعدهم عن النار لا يسمعون حسيسها كما قال عل ولا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَلِدُونَ} [الأنبياء: 102] والله أعلم.
استدل على الصراط بالآية {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيّا) [مريم: 71] وببكاء عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة وعندما سُئل قال: تذكرت هذه الآية فهل ذلك دليل على الصراط؟
هذه الروايات كلها روايات أحادية لا يجزم بها، والاستظهار الذي
يستظهره الصحابي من النص أيضاً لا يقطع به، والله أعلم. (2/190)
صفحة 638
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
191
السائل يسأل يقول: يسجل مخ الإنسان كل ما يحدث في حياته من خير وشر فهل نستطيع أن نقول أن عقله يكون هو كتابه الذي يعطى يوم
القيامة؟
هذا تأويل بعيد، فإن الله الا الله بين أن الملائكة يكتبون الأعمال في هذه الدنيا كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (3) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ كِرَامًا كَذِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 9 - 12] فكيف يقال بأن المخ هو السجل الذي يحفظ هذه الأعمال وهو الذي يقدم إليه يوم القيامة ثم إن الله ما بين أن الناس متفاوتون فمنهم من يعطى كتابه بيمينه ومنهم من يعطى كتابه بشماله ولا يكون ذلك في العقل لذلك أرى أن هذا تأويل بعيد جداً والله أعلم.
لقد
قلتم إن على المسلم أن يسكت عن طبيعة مادة الكتاب الذي يعطى إياه الإنسان يوم القيامة، عندما يذكر الكتاب في القرآن أو غير ذلك من المصادر فإننا نتخيل ونتصور في عقلنا شكل الكتاب وهو على صورته المعروفة حاليا فهل يجوز لنا ذلك أم لا؟
يكفي الإنسان أن يؤمن بأنه سيعطى كتابه أما أن يتخيل شكله هل هو أبيض؟ أو أسود؟ وما هي مادته هل هو من ورق أو من جلد أو هو من شيء آخر؟ فذلك أمر نقف عنه ولا نتجاوزه وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم [الإسراء: 36] والله أعلم.
لقد ذكرتم أن الإنسان إذا أطلق لنظره العنان في النظر إلى الحرام فإن عينيه ستكونان حجة عليه يوم القيامة، والله الا الله يقول: {كِرَامًا كَيْبِينَ} [الانفطار: 11] أي ملك عن اليمين وملك عن الشمال يسجلون أعماله في كل ساعة ودقيقة وثانية فالسؤال هنا هو إذا كان عمل هذا الإنسان عن (2/191)
صفحة 639
192 الفتاوى العقيدة
عمد منه وقصد ثم تاب إلى الله تعالى توبة نصوحاً، فهل يرى ذلك العمل السيء في كتابه ويحاسب عليه وتشهد عليه عينه؟ لا مانع من أن يراه ليستشعر نعمة الله عليه، وقد غفر الله تعالى له تلك الخطيئة منه تلك التوبة، ومحا عنه أثر تلك السيئة، وأما الشهادة فإن الملائكة - كما قيل - ينسيهم الله الله هذه الخطايا، ويمحوها من صحائفهم والله أعلم.
وتقبل
في الدنيا لغات متعددة فعلى أي لغة سوف يحشر الناس، وعلى أي لغة سيحاسبون وما هي لغة أهل الجنة؟
الذي تدل عليه الدلائل أنهم سيحشرون وسيحاسبون باللغة التي اختارها الله ال ال لا لأن تكون لغة أهل الجنة، واختارها لأن تكون وعاء لكلامه الخالد ـ القرآن الكريم - وهي اللغة العربية، وإن كان هذا ليس بالقطعي إلّا أن النفس تميل إليه، والله أعلم.
هل في يوم القيامة يُسأل كل والد عن ولده فإنه من المعلوم أن كل إنسان يوم القيامة سيكون في ذلك اليوم بالغا وسيحاسب عن نفسه، فهل سيحاسب الأب عن ولده في ذلك اليوم؟
نعم، يحاسب على تربيته لأولاده، لأنه إن انحرف الولد نتيجة تربية الأب الفاسدة فإنّ ذلك مما يُسأل عنه الأب، فإنّ من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فكل أحد مسؤول عن نتائج أعماله .. فمن كان قدوة صالحة كان ثواب صلاح غيره يعود مثله إليه، وكذلك من كان قدوة سيّئة لغيره فعاقبة انحراف الآخرين يعود ـ أيضاً ـ عقابها عليه بقدر ما يعاقب أولئك لأنه كان السبب في انحرافهم، والله أعلم. (2/192)
صفحة 640
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
193
الأمم كُلها ستمثل أمام الله جل وذلك أمر لا مرية فيه، فما هو مصير الأمم الأخرى غير المسلمة؟
أوّلا نُرِيد أن نُبَيِّن أن كلمة الإسلام لا تَعْنِي هذه الأمة التي بُعِثَ فيها الرسول، فأتباع المرسلين السابقين الذين لَم يُبَدِّلُوا وَلَم يُحَرِّفُوا وَلَم يُغَيّروا وَلَم يَكْفُرُوا برسول جاء من بعد رسولهم هم من المسلمين، لأن الله تعالى حكى عن نوح له أنَّه قال: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72]، وذكر الأنبياء ووصفهم بالإسلام، وذكر الأمم السالفة التي استقامت على الطريقة ووصفها بالإسلام فالكل من أولئك كانوا مسلمين وهم ناجون - بمشيئة الله - ما داموا، ملتزمين أمَّا مَن كَفَر برسالة رسول بعدما كان متبعاً لِرَسُول ففي هذه الحالة يكون من الكفرة المُتَوَعَّدِين، إِذْ الله ـ تعالى ـ يقول في النبي صلى الله عليه وسلم وفيما أنزل عليه: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17]، ويقول: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَوَلَيْكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6]؛ والله - تعالى - أعلم.
هل يعتبر انتشار الصحف يوم القيامة من الميزان؟ على قول أصحابنا بأن الميزان تمييز العمل لا يبعد هذا التأويل والله أعلم.
اختلف أصحابنا في مسألة الصراط فمنهم من قال هو الطريق المستقيم وهو طريق الحق والصواب وهو ما عليه جمهور أصحابنا، يقول نور الدين السالمي: -
وما الصراط بجسر مثل ما زعموا وما الحساب بعد مثل من ذهلا
واتفق آخرون مع بعض المذاهب الإسلامية بأن الصراط جسر على جهنم (2/193)
صفحة 641
194 الفتاوى العقيدة
تمر عليه الخلائق بعد الانتهاء من الحساب وينجو أهل الجنة ولا يوفق العاصي ولا الكافر في عبوره فيهوى به في نار جهنم فما هو الرأي المعتمد في المذهب وما هو مدلول قوله تعالى {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 71 - 72] ثُمَّ 71 - 72] وذلك عند الذين يرون بأن الصراط هو طريق الإسلام الطريق المستقيم؟
الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وعلى كل من اهتدى بهديه ورشد برشده أما بعد: ـ
فإن أصحابنا رحمهم الله تعالى اختلفوا في الصراط، منهم من قال: بأنه هو الهدى الذي جاء به رسل الله تعالى إلى خلقه، وهو دين الإسلام فهو
الصراط المستقيم، وهو الحق المبين، وهذا القول هو قول جمهورهم. واستدلوا لذلك بأن الله الا الله و وصف الصراط في القرآن الكريم وصفاً يدل على أنه هو الدين الحنيف فقد قال عز من قائل: {قُلْ إِنَّنِي هَدَيْنِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينَا قِيمَا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} [الأنعام: 161 - 163] ويقول الله سبحانه: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7] هذا الصراط قطعاً هو صراط معنوي، وهو الحق الذي جاءت به رسل الله إلى خلقه تعالى، وفسره بعض العلماء بالقرآن لأن القرآن الكريم شامل لهداية الدين، ويدل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف هذا القرآن الكريم ستكون من بعدي فتن كقطع الليل المظلم قيل له وما المخلص منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله هو حبل الله المتين (2/194)
صفحة 642
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
195
ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم والله الله يقول أيضاً: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] فالصراط المستقيم هو طريق الحق هو دين الله الإسلام، والسبل التي حذر الله تعالى منها هي مسالك الأحاديث التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف الصراط بأنه جسر على متن جهنم يعبره العابرون فمنهم الناجي، ومنهم الهاوي من ذلك الجسر والعياذ بالله في نار الجحيم، حملوا هذه الأحاديث على التمثيل تمثيل شأن هذا الدين الحنيف وذلك أن الإنسان في هذه الحياة يسلك طريق هذا الدين وهو يتخطى حواجز متنوعة من شهواته ورغباته ومن الملابسات المختلفة التي تكتنفه في سيره لترديه والعياذ بالله في مهواة الضلالة، فمن تمسك بحبل الله نجا ومرّ مروراً سريعاً إلى جنة النعيم ومن لم يتمسك بحبل الله سقط في مهواة الجحيم والعياذ بالله أي سقط في الأسباب التي تؤدي إلى النار ويدل لهذا التأويل الذي أولوا به هذه الأحاديث ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن النواس بن سمعان له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبتى الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تتعوجوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعى من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم قال ابن كثير بعد ما أورد أسانيد الحديث (وهو إسناد حسن صحيح) فالتمثيل في هذا الحديث الشريف يقرب ذلك التأويل الذي حمل عليه (2/195)
صفحة 643
196 الفتاوى العقيدة
أصحابنا ما ورد في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من وصف الصراط الذي مثله رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه جسر على متن جهنم، وذهبت طائفة قليلة من أصحابنا منهم الشيخ إسماعيل في قناطره، والشيخ هود بن محكم الهواري في تفسيره والإمام القطب رحم الله في هيميانه وجوزه أيضاً في تيسير التفسير إلا أنه قال: لا يجوز أن يحمل عليه قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] ذهب هؤلاء رحمهم الله إلى أن الصراط جسر على متن جهنم كما ذهب سائر أصحاب المذاهب الإسلامية، وليس الخلاف في ذلك خلافاً دينياً (1) وإنما هو خلاف في الفهم والرأي، فأصحابنا القائلون بأن الصراط المقصود في تلك الأحاديث هو الحق الذي جاء به رسل الله تعالى إلى خلقه وعمل يسلمون بصحة تلك الأحاديث وإنما يرون الحمل على هذا المعنى الذي حملوا عليه لأجل أن الله الا الله ذكر الصراط في آيات كثيرة في كتابه العزيز ولم يقصد به فيها إلّا الدين الحنيف والذين قالوا بخلاف ذلك يسلمون أن المقصود بالصراط في تلك الآيات الدين الحنيف، ولكنهم يرون حمل ما جاء من الأحاديث عن رسول الله على ظاهرها لأن الأصل الحمل على الظاهر ويصار إلى التأويل مع القرينة الصارفة عن الحقيقة إلى المجاز، وأصحاب الرأي الأول يقولون في قول الله لا {وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيّا [مريم: 71] بأن الخطاب موجه فيها إلى الكفار لأنهم هم الذين عنوا من قبل وذلك أن هذه الآية سبقها آيات وهي قوله: {وَيَقُولُ الْإِنسَنُ أَءِ ذَا مَا مِتُ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيَّا أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَجْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنيَّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيَّا} [مريم: 66 - 70] وبعد
(1) أي ليس خلافاً يفسق المخالف فيه بل يعذر في اجتهاده ولو أخطأ. (2/196)
صفحة 644
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
197
هذا الحديث المسهب عن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث ويتمردون على الفطرة وجه إليهم الخطاب لأن حقيقتهم صارت مستحضرة في ذهن سامع هذا الخطاب، فوجه إليهم الخطاب بقوله الله: (وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيّا * وهذا يسمى التفاتا في عرف علماء البلاغة وله نكتة عامة وتصحب أحياناً هذه النكتة العامة نكت خاصة فنكتته العامة تطرية الكلام لأن شأن من
السامع أن يمل الكلام إذا استمر على أسلوب واحد، ويتجدد نشاط السامع كلما تجدد الأسلوب والنكت الخاصة متنوعة بحسب المقامات والنكتة هنا أن بعدما وصف هؤلاء بما وصفوا به وذكروا بما ذکروا به استحضرت حقيقتهم عند السامعين فكانوا جديرين بأن يوجه إليهم الخطاب من قبل والالتفات معهود عند العرب وللقرآن الكريم منه النصيب الأوفر بل جاء في سورة الفاتحة التي هي أم الكتاب والتي تعد من حيث كثرة الكلمات والحروف من قصار السور، فالله الا الله يقول فيها: بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 1 - 5] لقد كان السياق يقتضي أن يقال إياه نعبد وإياه نستعين ولكن عدل عن ذلك إلى هذا الأسلوب أسلوب الخطاب بعد الوصف الغيبي لأن الأذهان تستحضر عظمة هذا الموصف
فكان جديراً بأن يوجه إليه الخطاب بهذا الطريق والله تبارك وتعالى أعلم.
ما رأيكم في الدكتور أحمد الكبيسي وهل نصدقه في كل ما يقوله
بالنسبة للموت والعذاب والجنة؟
كلام أي أحد كان لا يقبل ولا يرد جزافاً، وإنما يجب عرضه على الكتاب العزيز والثابت من السُّنَّة فما وافقهما قبل وما خالفهما رفض، والله
الموفق. (2/197)
صفحة 645
198 الفتاوى العقيدة
سَيِّئَةٍ
الجنة ونعيمها وأهلها
نرجو أن تحدثنا عن وصف الجنة ووصف النار؟
تحدث القرآن كثيراً عن المصير النهائي الذي ينتظر الناس، فريق في
صلے
الجنة وفريق في السعير فالله تعالى يقول: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ فَتَرُ وَلَا ذِلَةٌ أُولَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَنتَ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَةٌ مَا لَهُم مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعَا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَيْكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [يونس: 26 - 27]، ويقول: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَرَعَ يَوْمَدٍ عَامِنُونَ (3) وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 89 - 90]، ويقول عز من قائل: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 484، ويقول: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمِ وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي جَمِيمٍ) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَايِبِينَ} [الانفطار: 13 - 16]، فالمصير إما إلى جنة عالية وإما إلى نار حامية، والجنة سماها الله تعالى بهذا الاسم للإيحاء بما فيها من الظلال، واكتظاظ الأشجار بعضها على بعض فهي حديقة مكتظة الأشجار يتخللها جريان الأنهار، وقد وصف الله تعالى الجنة بما وصفها به من الخير إذ فيها النعيم الدائم، كما قال تعالى:
14
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأَتُوا بِهِ مُتَشَبِهَا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجُ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [البقرة: 25]، وكذلك يصف الله تعالى أهل الجنة بأنهم لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فما من شيء مما يميل إليه الخاطر ويهواه القلب وتأنس إليه النفس إلا وهو موفر في هذه الجنة، وبجانب ذلك فإن الله تعالى كتب لأهلها الخلود، فالحياة التي فيها (2/198)
صفحة 646
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
199
حياة غير منصرمة كما أن شباب أهلها شباب لا يبلى وصحة أهلها صحة لا تنقطع وغناهم غنى لا ينفد ويقول تعالى في وصفها: {فِيهَا أَنْهَرُ مِن مَّاءٍ غَيْرِ عَاسِن وَأَنْهَرٌ مِّن لَّبَنِ لَّمْ يَنَغَيَّر طَعْمُهُ، وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُصَفّى) [محمد: 15]، فقد وفر الله تعالى فيها أنهاراً من ماء لا يكدره شيء، فهو ليس کالمياه التي تتكدر وتتعفن وإنما هو أصفى المياه وفيها أنهار من لبن لم يتغير طعمه وفيها أنهار من عسل مصفى وفيها أنهار من خمر ليست كخمر الدنيا (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ} [الواقعة: 19] أي لا يصيب شاربها صداع ولا أذى ولا يؤدي شربها إلى اللغو كما يؤدي شرب خمر هذه الحياة الدنيا، لَّا لَغْرُ فِيهَا وَلَا تَأْثِيرُ} [الطور: 23).
هذه الجنة جاءت أوصافها فى كتاب الله تعالى متكررة تشويقا للناس إليها وقد وعد الله تعالى بها عباده المتقين الذين يخشونه بالغيب {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} [الرحمن: 46 - 48] والأفنان جمع فنن، والفنن يعني الأغصان الكبيرة، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ فَبِأَيِّ وَالآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَكَهَةٍ زَوْجَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَابِهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَحَلَى الْجَنَّتَيْنِ دَانِ فَبِأَيِّ عَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فِيهِنَّ قَصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) كَأَنَهنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِبَانِ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ فَبِأَيِّ وَالآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُدْهَا مَتَانِ} [الرحمن: 49 - 64] يعني الإخضرار الذي بهما يصل إلى حد الدهمة لأن الخضرة إذا كانت بالغة تكاد تظهر كأنها سواد {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَاخَتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخَلُ وَرُمَانُ فَبِأَيِّ وَالآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ خَيْرَاتُ حِسَانٌ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ الحُورٌ مَّقْصُورَاتُ فِي الْحَيَامِ فَبِأَي الَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 65 - 73] (2/199)
صفحة 647
200
الفتاوى العقيدة
بالنساء
كما أن نساءها، مطهرة من كل الأرجاس الحسية سواء ما كان منها خاصا في هذه الدنيا أو ما كان مشتركا بينهن وبين الرجال وطهرن أيضاً من الأرجاس المعنوية كالغل والحسد والكراهية وأمثال هذه الأشياء مما يكون في الرجال والنساء في هذه الدنيا فهن كما قال الله: {أَزْوَاجُ مُطَهَّرَةٌ) [البقرة: 25]، وقلوب أهل الجنة كقلب رجل واحد فليس هنالك غيرة تؤدي بهم إلى النفرة والشقاق والخلاف والنزاع كالذي يحدث في هذه الدنيا، فقد طهر الله تعالى تلك القلوب كلها من كل رجس معنوي كما طهر الله تعالى أبدان أهل الجنة من كل رجس حسي، وهم فيها خالدون لا ينقطع أمد
بقائهم فيها.
بقوله:
وفي المقابل أهل النار يصف الله تعالى ما هم فيه وعليه من العذاب
هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُطْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُم مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ)) [الحج: 19 - 21]، كما أن وجوههم تغشاها النار، وقد حدثنا الله عن ذلك في قوله: {وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [إبراهيم: 50 - 51، وجمع الله تعالى لهم في هذه النار كل أنواع العذاب ـ والعياذ بالله ـ، إذا استسقوا سقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم، وما
6—
أدراك ما هذا الماء الحميم إنه من عصارة أهل النار أنفسهم ـ والعياذ بالله ـ، يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29] إذا أدني من الأفواه شوى الوجوه من حراراته، وتتقطع منه الأمعاء فهم في ظمأ زائد وفي سغب (1) مستمر وفي عذاب لا ينتهي يتنوع عذابهم من حال إلى حال
(1) السغب الجوع، قال تعالى: «في يوم ذي مسغبة» أي يوم ذي جوع. (2/200)
صفحة 648
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
201
تغشاهم الأفاعي والعقارب ولهم - كما أخبر الله - مقامع من حديد تقمعهم بها زبانية النار فالعاقل يفكر في المصير الذي يريده لنفسه، ولا شك أن كل من يشفق على نفسه ويحبها لا يريد لها إلا مصير السعادة دون مصير الشقاوة، هذا وطريق الجنة يسلكه الصالحون الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالله تعالى يقول: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ كُلَمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَبِها وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجُ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [البقرة: 25] فلا بد من الجمع بين رسوخ العقيدة وصلاح العمل (الاستقامة)، أما الطريق الآخر ـ والعياذ بالله فهو للذي أعطى نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، وقد حذر الله ـ سبحانه ـ هذه الأمة من أن تتعلق بالأماني كما تعلقت به الأمم من قبلها فقال عز من قائل: {لَيْسَ بِأَمَانِيَكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدُ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123]، وفي هذا ما يحفز الناس إلى التوبة النصوح من الأعمال السيئة ويحفزهم إلى الأعمال الصالحة لأجل أن يتبوؤوا مقاعد الهناء والسعادة في جنة عرضها السماوات والأرض، فهي ليست بمقدار الأرض، ولا بمقدار المجموعة الشمسية التي تدور حولها الأرض، ولا بمقدار مجرة من هذه المجرات وإنما هي جنة عرضها السماوات والأرض، وما أدراك ما عرض السماوات والأرض، لا يمكن أن يتصور أحد من خلق الله عرض السماوات والأرض فإن ذلك مما يعلمه الله تعالى وحده، وما يكتشف الناس من هذا الكون الذي يدور في الفلك الأعظم، إنما هو زاوية صغيرة، ومع ذلك تقدر هذه الزاوية بعشرات الملايين من السنوات الضوئية هذه الجنة أعدت للمتقين ولم تعد للفجار قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ
(133) (2/201)
صفحة 649
202
الفتاوى العقيدة
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
[آل عمران: 133 - 135]، ويقول الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذلك متع الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَتَابِ قُلْ أَو نَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانُ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 14 - 15]، من هؤلاء
المتقون؟ {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصّابِرِينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} آل عمران: 16 - 17] هؤلاء هم الذين جعل لهم الله تعالى هذه الجنة، فالجنة ليست تدرك بالأماني وإنما تدرك قبل كل شيء بتوفيق الله وفضله ثم بعد ذلك بالجهد الجهيد الذي يبذله العبد في طاعة الله ـ سبحانه ـ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُسَرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) * فَسَنُسَرُهُ لِلْعُسْرَى) الليل: 5 - 10 مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن تُرِيدُ 10]، {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَيْكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا} [الإسراء: 18 - 19] فلا بد من أن لها سعيها مع إيمانه (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَيكَ الَّذِينَ لَيْسَ هُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَطِلٌ ما كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15 - 16]، فقد هيأ الله تعالى الجنة لمن أراد حرث الآخرة وسعى سعي الآخرة بحسن العمل والاستقامة على طاعة الله الله في السريرة والعلانية، وخشي الله ل ونهى النفس عن الهوى، فعلى العاقل أن يذل نفسه بأن يحملها على طاعة الله ويذللها في سبيله حتى تكون منقادة في كل صغيرة وكبيرة لأمر الله، وأما الأحمق فهو الذي يعطي نفسه هواها ويتمنى
يسعى (2/202)
صفحة 650
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
203
على الله الأماني كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أعطى نفسه هواها وتمنى على الله الأماني»، والله أعلم.
هل أبناء الزنا يكونون عبيداً في الجنة؟
أبناء الزنا كغيرهم من الناس لا فرق بينهم وبين غيرهم، فالصالحون منهم لا يعلق بهم شيء من أوزار آبائهم وأمهاتهم {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وغير الصالحين منهم يحاسبون على أعمالهم فقط ولا يحملون أوزار غيرهم، فالصالحون منهم لا يكونون عبيداً ولا أرقاء، بل لهم منزلة عالية عند الله بسبب صلاحهم واستقامتهم وسيتبوؤون الدرجات العلى في جنته
والله أعلم.
السائل يسأل يقول: ذكر أن هناك اتصالاً بين أهل الجنة وأهل النار وأنهم أي أهل الجنة - قد يرونهم ويرون العذاب الذي هم فيه، والمعلوم أن في الجنة نعيماً خالداً فكيف يكون التوفيق بين ذلك؟
طبيعة الناس يوم القيامة تختلف عن طبيعتهم في هذه الحياة الدنيا، فالله الله بين لنا في كتابه العزيز ما يكون من تقاول بين أهل الجنة وأهل النار، وقد يستعظم ذلك الإنسان ويستكبره لقصور عقله وعدم إدراكه، والمبتكرات التي ابتكرها الناس في هذا الوقت جعلها الله تعالى حجة على عقول أولئك الذين يلحدون في آياته، فقد أصبح الإنسان يرى المشاهد من أماكن شاسعة جداً ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل بجانب رؤيته لتلك يتحدث المتحدثون بها عن قرب، وهذا دليل واضح يقطع شبهة أولئك الذين يحاولون أن يجادلوا في آيات الله.
المشاهد
الاصوات كأنما يسمع (2/203)
صفحة 651
204 الفتاوى الفتاوى العقيدة
أما كون أهل الجنة يرون أهل النار فالله تبارك وتعالى بين ذلك في قوله: فَاطَّلَعَ فَرَاهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 55] ولكن لا ندري، هل الذي يرى المعذبين في النار يحس بمقدار ما يصلونه من العذاب أو لا يحس بذلك؟ فإن علم ذلك إلى الله الا الله وإنما نحن نؤمن بأنه يطلع عليهم ويعلم أنهم معذبون، ولعل الله كل يطبع أهل الجنة يومئذ بطبائع مختلفة تجعلهم لا يتأثرون بمثل هذه المشاهد وهو الأقرب والله أعلم.
هل يمكن أن يكون دليل القائلين بأن جنة آدم موجودة في السماء قوله تعالى: {وَقُلْنَا أَهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] مخاطباً إبليس
عليه اللعنة؟
نعم
استدل بذلك من قال بأن الجنة التي أخرج منها آدم هي جنة الخلد، ولعل الذي قال بأنها جنة في أحد الأجرام الفلكية استدل بالآية نفسها غير أن دلالتها على هذا غير قطعية فإن الله لا عبر بالهبوط عن الانتقال من مكان إلى مكان كما في قوله: {اهْبِطُوا مِصْرًا} [البقرة: 61] فلا يفيد قوله: أهْبِطُوا القطع بأن هذه الجنة كانت في الجهة العلوية.
وهنا لي ملاحظة على كلام السائل حيث نسب الخطاب في الآية الكريمة إلى إبليس فقد رأيت المفسرين قالوا إن المخاطب بـ (أهْبِطُوا) آدم وحواء وإبليس وأن المراد بالضمير في قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) آدم وحواء وإبليس فآدم وحواء عدوان لإبليس وهو عدو لهما، ومنهم من أضاف إليهم عنصراً رابعاً لم تشر إليه الآية الكريمة من قريب ولا من بعيد وهو الحية تعويلاً على روايات إسرائيلية لم يثبت منها شيء، مفادها أن إبليس عليه لعنة الله عندما أراد ان يغوي آدم حار في الوصول إليه لإغوائه وعرض نفسه على الدواب التي كانت تدخل الجنة أن تحمله (2/204)
صفحة 652
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
205
فرفضت موافقته على طلبه حتى عرض ذلك على الحية فوافقت وأدخلته بين أنيابها، ودخلت به إلى الجنة في غفلة من رضوان خازن الجنة ـ هكذا قالوا ـ وبسبب ذلك مسخ الله الله الحية عقوبة لها، وقد كانت لها من قبل قوائم تمشي بها فجعلها تزحف على بطنها وجعلها الله شديدة العداوة للإنسان والإنسان شديد العداوة لها عقوبة لها على فعلتها، وهذا لا دليل عليه، أن الآية الكريمة اختتمت بقوله تعالى: {فَإِما يَأْتِيَنَّكُم مِّنِي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38) ثم وليها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِنَايَتِنَا أُوْلَيْكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [البقرة: 39].
مع
وهذا الخطاب لا يمكن أن يكون موجهاً إلى إبليس ولا إلى الحية، لأن الدعوة إلى الهدى والوعد على اتباعه لا نصيب فيهما لإبليس ويستحيل اندراجه في عموم هذا الخطاب بعدما حكم الله و سلام الله عليه بالطرد واللعنة الله والإبعاد من رحمته وعداوته المستمرة الله وأمهله إلى يوم القيامة؟ وكيف يتبع إبليس الهدى الذي يأتي من قبل الله ليبلو البر والفاجر من
أن يتصور
عباده ولتترتب على ذلك سعادة السعيد وشقاوة الشقي؟
والحية أيضاً يتعذر أن تكون مخاطبة بهذا الخطاب لأنها غير مكلفة، وإنما الخطاب في قوله: أهْبِطُوا) لآدم وحواء مع ذريتهما، وإنما خوطبا خطاب الجمع لأنهما مشتملان على عناصر هذه الذرية، وقد جعل الله تعالى من طبيعة هذه الذرية أن بعضها لبعض عدو بحسب انقسامهم في السلوك فمن سلك طريق الحق فهو عدو الذي سلك طريق الباطل ومن سلك طريق الباطل عدو للذي سلك طريق الحق هذا بجانب ما يكون من بينهم من التعادي بسبب تجاذبهم وتدافعهم في هذه الحياة.
أما خطاب آدم وحواء في سورة طه بصيغة التثنية: {قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَكُم مِّنِي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا (2/205)
صفحة 653
206
الفتاوى العقيدة
يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: 123 - 124] فلأنهما هما المخاطبان أصالة والذرية تبع لهما، ولا يستنكر أن يخاطب المعدوم مع الموجود فإن التكاليف الشرعية التي جاءت في كتاب الله تعالى ما كانت محصورة في الموجودين في وقت نزول الوحي بهذه التكاليف؛ فقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ} [البقرة: 43] لا ينحصر الخطاب فيه في الذين كانوا موجودين أحياء عقلاء في وقت نزول هذه الآية بل هو خطاب مستمر لهم ولمن يأتي من بعدهم إلى أن تقوم وكذلك قوله: {وَآتُوا الزَّكَوةَ} [البقرة: 43]، وقوله: {وَلَا نَقْرَبُوا الزِنَى} [الإسراء: 32]، وقوله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا} [البقرة: 278]، فكل خطاب فيه أمر أو نهي في كتاب الله لا ينحصر في الأمة الموجودة إبان
الوحي. وقد اطلع أحد المشايخ المتنورين على ما ذكرته في التفسير وعلى هذا الوجه الذي ارتأيته واعتمدت عليه وهو أن الخطاب في سورة البقرة لآدم وحوّاء مع ذريتهما، فوجّه إلي سؤالاً خلاصته بأنه يتعذر أن يكون الخطاب للذرية معهما لأن خطاب المعدوم غير جائز وأنه يترتب على هذا أمور عدة ... فأجبته عن هذا بأن نظريات العلماء ومصطلحاتهم يجب أن تكون تبعاً للأدلة وألا تكون الأدلة تابعة لها فما دمنا نقرأ في كتاب الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ * ونقرأ: {وَآتُوا الزَّكَوةَ * ونقرأ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}
ونقرأ النهي عن قتل النفس وعن الزنا ونعلم أن ذلك كله يتوجه إلى هذه الأمة جميعها حاضرها وغائبها إلى أن تقوم الساعة؛ ولا يمكن لأحد أن يعتذر بحال من الأحوال بدعوى عدم شمول الخطاب له لأنه لم يكن موجوداً إبان نزول الخطاب، فيجب علينا أن نعتقد شمول خطابه التكليفي للجيل الذي عاصر الخطاب ولمن بعده. (2/206)
صفحة 654
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
207
على أن آدم وحواء مشتملان على عناصر الذرية، وما يدرينا ما الذي حدث عندما وجّه الله هذا الخطاب إلى آدم وحواء فإن الله تبارك وتعالى يقول: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] فما يدرينا أن الله لا أشعر هذه الذرية من خلال هذا الخطاب: أهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} [البقرة: 38] بما سيقبلون عليه من التكاليف من خلال وحيه الذي ينزله على رسله، فإن ذلك من الغيب المحتمل، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير ولكن لعدم الدليل على ذلك يجب علينا الوقوف وعدم التكلف في طرح الاحتمالات التي نبرر بها خطاب المعدوم من هذه الناحية، وإنما يكفينا أن نقول: بأن نفس خطاب الأصل يكون خطاباً للفرع، ولا يمتنع أن يخاطب المعدوم بالتبعية للموجود.
هي
التي
أعانت إبليس
هذا وأما ما قاله كثير من المفسرين: بأن الحية بإدخاله الجنة لإغواء آدم فهو لا يعدو أن يكون من أساطير الإسرائيليين، ونحن نؤمن بأن تأثيراً من إبليس عدو الله على صفي الله آدم وزوجه أمنا
أن
حواء أدى بهما إلى نسيان عهد الله ومخالفة أمره، لكن لا يلزم نبحث عن الوسائل التي اتخذها إبليس لهذا الغرض، ولا ريب أن القوة الشيطانية هي قوة روحانية شريرة يمكن التأثير بها من بعيد كما أن القوة الملكية قوة روحانية خيّرة، والملك له تأثير في الإلهام وغيره، مع أننا لا نستطيع أن نعرف كيفية اتصاله بالإنسان فيؤثر عليه؟.
وإذا كان الإنسان الآن يجد في الطاقة الروحانية البشرية التي اختفت عن الناس ولم يستطيعوا تفسيرها أمراً عجباً كالتأثير المغناطيسي الذي يستطيع الإنسان من خلاله أن يخاطب إنساناً فى الهاتف فينومه كما ذكرت ذلك الصحف، فقد جاء في بعضها: أن من عنده هذه القوة قد يكلّم إنساناً في (2/207)
صفحة 655
208 الفتاوى العقيدة
الهاتف ويؤثر عليه من خلال المكالمة فينومه تنويماً مغناطيسياً، فكيف بهذه القوة التي أودعها الله الله في الشياطين؟.
وهناك دلائل على أن الناس في القرون الغابرة قد استطاعوا أن يستخدموا هذه الطاقة الروحانية استخداماً غريباً يعجز الموجودون ـ مع تقدمهم في المجال المادي - أن يأتوا بمثله، ومن ذلك ما ذكره الله سبحانه بقوله: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمُ مِنَ الْكِتَبِ أَنَا عَانِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40] فبأي قوة جاء بالعرش من مكان بعيد إلى حيث كان سليمان في أقل من طرفة عين؟
لا ريب أن المتبادر أن القوة الروحانية هي التي استخدمها في تحقيق هذا الغرض، وما يدرينا أن يكون ما نشاهده الآن من عجائب البنايات القديمة كالأهرامات وغيرها استخدم فيها نوع من هذه الطاقات، والله أعلم بذلك.
السائل يقول: ألا يكون هناك رد على الاستدلال بأن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: {عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 14 - 15]، لأن الجنة المذكورة هي جنة آدم جنة آدم ليست بالقطع هي جنة المأوى فيحتمل أن تكون إياها وأن تكون جنة أخرى والله أعلم.
نعلم بأن الرجل جزاؤه في الجنة الحور العين، فما جزاء المرأة مقابل
ذلك؟
قال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِى هُم مِّن قُرَةٍ أَعْيُنِ} [السجدة: 17] وهي ولا ريب تستمتع بالنصيب الأوفر من زوجها والله أعلم. (2/208)
صفحة 656
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
209
أردنا منك ـ أيضاً ـ أن تشرح الآية القرآنية التي تصف أهل الجنة عندما يدخلون الجنة يقول تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلَّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُنقَبِلِينَ} [الحجر: 47] هل يكون بين المسلمين الذين يدخلون الجنة غل؟ قد يبقى في النفس شيء من الكدر لسبب أو لآخر، أو قد يلحق المسلم من المسلم شيء من الأذى، ويستمر على كدره ذلك بسبب ما لحقه من الأذى حتى يموت، ثم يتوب ذلك الذي صدر منه الأذى بعد ذلك، فيكون من أهل الجنة بل من المحتمل أن يقتل أحد أحدا من الناس عُدوانا، ولا ريب أن ذلك المقتول يكون في نفسه حرج على هذا القاتل، ولكن إن تاب القاتل وسلم نفسه للقود وماله للدية يكن من أولئك الذين يُبدل الله سيئاتهم حسنات، وعندما يلتقيان يزول ما بينهما من الكدر فالله تعالى يقول: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَها آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحَا فَأَوْلَيكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70]، والله أعلم.
(79
الشهادة في سبيل الله
وَرَد في بعض الأحادِيث أَنَّ مَن يَمُوت بِسَببِ فِعْل خارج عن إرادَتِهِ ـ بِسَبَبِ قَدَرٍ سَماوي كالغَرِيق والحَرِيق والمَبْطُون والذي وَقَصَتْهُ دَابَّتُه بِأَنَّه شَهِيد،
فهل يَدخُل مع هؤلاء مَن يَمُوتُون بِسَبَبِ الزلازل والبراكين وغيرها؟
كلُّ أَحَد يَكونُ في قَرَارَةِ نفسه الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ويحرص على أن تكون كلمةُ الله هي العُلْيَا وكلمة الذين كفروا السُّفْلَى فإنَّه إن مات على ذلك فهو شهيد، والله أعلم. (2/209)
صفحة 657
210 الفتاوى العقيدة
كَلمة الله
يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن مفهوم الموت في سبيل الله: «مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ هي العُلْيَا فهو في سبيل الله (1) والكثير من المسلمين يفهمون الشهادة عَلَى أنَّها الميتة التي تكون في معركة مع أعدائهم لكن يَحْصل من الأطراف الأخرى في بعض الأحيان أن يدفعوا المسلم إلى الشهادة مِن غَيْر أَن يَكُون بَيْنَهُ وَبَيْنهم مُوَاجَهَة، فَهَذَا التَّصَرُّف مَع المسلم وَدَفْعُه إلى الشَّهادة بهذه الطريقة ما حكمه؟ وما تَقُولُون فيه؟
إِنّ الله تعالى قَد كَتَب عَلَى عِبَادِهِ جَمِيعاً أن يَمُوتُوا، وهو وحده المُتَفَرّد بِالبَقَاءِ كُلُّ نَفْسٍ ذَايَقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]، وقد حَبَّ سبحانه عِبَادَه عَلَى الجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيله وجَعَلَه مِن أَعْظَم القُرُبَاتِ إِلَيْهِ وَوَعَدَ عَلَى ذلك خير الدنيا والآخرة فالله - تعالى - يقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى تِجَرَةٍ تُجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِي مِن تَحِيهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرُ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10 - 13، ففي الآخرة يعدهم بِمَغْفِرَة الذُنُوبِ وَدُخُول جَنَّة أَعَدَّها الله تعالى لِعِبَاده المؤمنين المتقين وَمَسَاكِن طَيِّبة في جَنَّات عدن، وَمَعَ ذَلِكَ يَعِدُهُم بِخَيْر الدنيا وهو أن يُمَكِّن لَهُم فِي أَرْضِهِ، وأَن يَمُنَّ عَلَيْهِم بِفَتْح لَدُنْه ونَصر قَرِيب، فذلك كلُّه مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضْلَ الجِهَادِ.
من
وَحَصَّ عِبَادَهُ عَلَى الرَّغْبَة في الاستشهاد في سبيله إِذْ ذَكَرَ ـ جل شأنه ـ مَا يُشَوقُهم إلى ذَلِك حينما قال سبحانه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ
(1) رواه البخاري (123) ومسلم (5029).
(179) (2/210)
صفحة 658
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
211
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
[آل عمران: 169 – 170].
والشَّهادة في سبيل الله لا تعني فقط أن يكون الإنسان أمام عَدُوٌّ يُوَاجِهُهُ وَجْهَا لِوَجْهِ، بَل لَو كَان أَحَد نَذَرَ حَيَاتَه جِهَاداً في سبيل الله وَاغْتَالَه العَدُوُّ من خَلْفِه فإن ذلك مِمَّا يُعَد شَهَادَة في سبيل الله مَا دَامَ مُخْلِصاً لله - تعالى - نيَّته رِضْوَانه يسعى لأن تكون كَلِمَة الله هي
قاصداً بعمله وجهاده وجهه مُبْتَغِياً العُلْيا وكلمة الذين كفروا السُّفْلَى.
على
هِيَ
هذه
أنَّ مِن كَوْن كلمة الله ـ تعالى ـ العُلْيَا أَن يُنصف للنَّاس في الأرض، فإن الله تعالى يُحِب العَدل بين عباده فانتزاع الحقوق المغتصبة بالسَّعي إلى الجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ يُعد من أعْظَم القُرُبَات التي تُقرب إلى الله زُلْفَى، والإنسان لا يَتَحَسَّر لِمَواكب الشهداء التي تَتَوَافَدُ إلى الله الله موكباً إثر مؤكب أو شهيداً إثر شهيد، وإنَّما الحشرَة مِمَّا وَصَلَت إِلَيْه هذه الأمَّة مِن كَوْنِها أصبحت مُسْتَخْذِية ذليلة مهينة لا تَمْلِكُ لِنَفْسِها أَن تَتَصَرَّف أيَّ تَصَرُّف يَرْتَفِع بِهَا من كَبوتِها هذه ويَنْهَض بِها مِن عَثَارِهَا، فلذلك يَجِب على الأمَّة أَمَام هَذَا العُدْوَان الغاشم مِمَّن يُرِيد بِهَا السُّوء ويُرِيد بِهَا الشَّر أن تُحاسِب نفسها وأن تعرف واجبها وأن تعمل من أجل ما فيه عِزُّها وما فيه شرفها في الدنيا والآخرة، والله الموفق.
في الحديث: «مَن قَاتَل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» هناك حديث آخر: «من قاتل دون عرضه وماله فهو شهيد» (1)، هل هذا الحديث استثناء من هذه القاعدة أم تفسير لها؟
(1) رواه الترمذي (1421) بلفظ (من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد). (2/211)
صفحة 659
212 الفتاوى العقيدة
لَيْس في ذَلِكَ اسْتِثْنَاء لأن الإنسان الذي يُقَاتِل دُون مَالِهِ ودون عِرْضِه إنَّما يُقَاتِل لِتَكُون كَلِمَة الله هي العُليا وكلمة الذين كفروا السفلى، إذ الله تعالى لا يُرْضِيه أن تُنتهك حُرُمَات الأعراض والأموال ولا أن تُنتهك أي حُرْمَة من حُرُمَات عبَادِه، فقد جعل الله تعالى لكل أحد حُزمة، فَمَن قاتل لأجل الذَّب عَن حُرْمَة من هذه الحرم فهو مقاتل في سبيل الله ومقاتل لتكون العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، والله أعلم.
كلمة الله
هي
ذكرتُم الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 4169، هل الشهيد في هذه الحالة ينتقل مباشرة إلى الجنة بجسده وروحه وتبقى صورته فقط؟
علينا أن نُدرك أن حياة البَرْزَخ هي حياة غيبية، وأن نؤمن بعالم الغَيْب بقدر ما وصلنا إليه مِن الفَهم من خلال النصوص التي جاءت في كِتَاب الله - تعالى - والتي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال نصوص الكتاب ومن خلال نصوص السُّنة الثابتة الصحيحة، والآية الكريمة أخبرتنا بأن الذين استشهدوا في سَبِيل الله هُم أحياء عند ربِّهم يُرْزَقون وأنَّهم فَرِحُون بِمَا آتاهم الله من فضله، فعلينا أن نؤمن بذلك، أما الزيادة على ذلك فلسنا مكلفين بها، مع أن هنالك أحاديث جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن أرواح الشهداء تكون في طير خضر تمرح في الجنة وتأكل من ثمار الجنة وهي وإن لم تبلغ مبلغ التَّواتر ولكنها مما تطمئن النفس إليه في بيان هذا المعنى فلعل هذا هو الرزق الذي يشير إليه القرآن
الكريم في قوله تعالى: {عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) ومع هَذَا أَيْضاً لا ريب أن جسد الشهيد لا ينتقل فوراً إلى الجنة بل يبقى مدفوناً، ولذلك عندما يموت الشهيد لا بد من أن يُدفن جَسَدُه ولا بد من أن تُؤَدى له حقوق (2/212)
صفحة 660
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
213
الموتى فَهُو لو كان ينتقل فور استشهاده إلى الجنة لما بقيت جثته بين الناس، ولكن مهما كان فإن للشهيد حياة تَخْتَلف عن حياة غيره، من
الأموات، والله أعلم.
البعث والنشور
من خلال تأملنا لكتاب الله - تعالى - نلاحظ أنَّ الكفار يُكَذِّبُون بالبعث أكثر من تكذيبيهم بالخالق سبحانه.
نعم هم يعتقدون وُجُودَ الله ولكنهم يُشركون معه آلهة أخرى، فلذلك يسلبونه ولا ما هو خاص به وحده ومن هُنَا يُقيم الله تعالى عليهم الحجج في كتابه فهو يقول: {وَلَين سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اللهُ قُلْ أَفَرَهَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هن مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].
أما بالنسبة إلى المَعَاد فَهم يتجاهَلُون آيات الله تعالى الكبرى التي تدل على المعاد، وإنَّما الفطرة دَعَتهم إلى الاعتراف بوجود الله، لأن الإنسان الذي يُنكر وجود الله - تعالى - إنَّما يُكابر فطرته ويُغالب عقله، إذ كل ما في الكون يدل على وجوده سبحانه، ولذلك قال سبحانه تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٍّ فَاطِرِ} السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [إبراهيم: 10] يعني أنَّ كل ما في هذا الكون من أجزاء السماوات والأرض دال عليه سبحانه، فكل ذرة من ذرات الوجود إِنَّما هي من كلمات الله ناطقة بتَوْحيده وعجل وبتسبيحه ودالة على وجوده، كما قال الأعرابي عندما سُئل: «بِمَ عرفت ربك؟ فقال: «البَعْرَة تَدلُّ على البَعِير، وأثر القدم يدل على المُثير، فَهَيْكَل عُلْوِيِّ بِهذه اللَّطَافَة، ومركز سُفْلِيّ بِهذه الكثافة ألا يُدلان على الصانع الخبير؟!»
كلمة (2/213)
صفحة 661
214 الفتاوى العقيدة
VA
وبالنسبة إلى يوم القيامة فإنَّ الله تعالى أقام عليهم الحجج لأنهم لقصور عُقُولِهم استبعدوا أن يُبعث الإنسان بعد أن يموت وتتحول خلاياه إلى ذرات ترابية مُتَبَعْثِرَة تتلاشى في هذه الأرض وتغيب فيها، فَرَأَوا من المُستَبْعَد أن يَجمع الله سبحانه هذا الشتات وينفخ في الإنسان هذه الرُّوح مرة أخرى، ولذلك ضَرَبَ الله ل لهم الأمثال وبَيَّن لهم آياته الدالة على أن ذلك ليس عسيراً ولا شاقاً بل هو هين في حقه جل شأنه ـ وكل شيء هين في حقه - وإنَّما هذا أهْوَن من نشأة الكون الأولى، فقد قال تعالى {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ, قَالَ مَن يُحْي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمُ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ الَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَنَ الَّذِي بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [يس: 77 - 83] فالله - تعالى في هذه الآيات ضَرَبَ هنا مثلاً لهؤلاء الذين يكابرون في حقيقة البعث ويُمارُون فيه، إذ بَيَّن أن الإنسان خُلِق وهي جزء حقير، بلغ في حقارته أنَّه يُنظر بالمجهر ولا يَكَاد يُبْصَر، ومع ذلك توجد فيه جميع خصائص البشرية العامة التي يشترك فيها البشر، وتوجد ـ أيضاً ـ فيها جميع الخصائص الأسرية الخاصة التي تتوارث من أسرة إلى أسرة، ولذلك يكون الشَّبَه حتى إلى جُدُود بعيدين بسبب الخصائص المتوارثة التي تنطوي عليها تلك الخلية. ثم مع ذلك طور الله تعالى هذا الإنسان أطوارا حتى أخرجه إنساناً بهذا القدر، فجعل هذه الخلية تتولد منها ملايين الملايين من الخلايا المتنوعة، ومع ذلك نَفَخَ فيه مِن رُوحِه، وجَعل له السَّمع والبصر والمشاعر والحواس والعلم والقدرة ... إلخ.
من
نطقة،
هذه (2/214)
صفحة 662
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
215
وكل من ذلك دليل على أنَّ الله ولا ليس بعزيز عليه أن يُعِيد هذا الإنسان
مَرَّة أخرى كما خَلَقه أول مَرَّة.
وبَيَّن ـ سبحانه
-
مع ذلك أن الذي يُحْيِي العظام وهي رميم هو الذي
أنشأها أوّل مرة بهذه الحالة، وأنَّه هو الذي خلق السماوات والأرض، فمن خلق السماوات والأرض لا يُعْجِزُه أبداً أن يُعِيد خلق الإنسان كما كان أول مرة لأن السماوات والأرض لم تكن موجودة من قبل وقد أخرجها من العدم بل كل الكون أخْرَجَه الله تعالى من عدم وإذا كان أخرج هذا الكون المترامي الأطراف كله من العَدَم فكيف بالإنسان فإن لم يكن شيئا مذكورا وقد انتزعه الله من العدم وشرفه بالوجود فجعله سميعاً بصيراً أولا يقدر الله تعالى الذي أوجد هذا الكون من عدم على إعادته مرة أخرى؟! بل ذلك أهْوَن والكل في حق الله هَيِّن؛ والله - تعالى - أعلم.
الشفاعة الأخروية
من هم المستحقون للشفاعة يوم القيامة؟
الإيمان باليوم الآخر إنما هو إيمان بالغيب، والإيمان بالغيب لا يتوصل إليه إلا بالنصوص القاطعة التي جاءت في كتاب الله ـ سبحانه ـ أو التي نطق بها الرسول الأمين الذي لا ينطق عن الهوى، وفي هذا المقام نتحدث عما أخبر الله ـ سبحانه ـ به في كتابه العزيز من طبيعة العلاقات بين الناس ـ التي تكون عند البعث فإن العلاقات والوشائج التي تكون في هذه الدار الدنيا سواء كانت سببية أو نسبية تتقطع يومئذ ولا تبقى علاقة إلا علاقة التقوى بين عباد الله تعالى المتقين، فالله ولا يقول في كتابه: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَبِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}، ويقول: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَينِ (2/215)
صفحة 663
216 الفتاوى العقيدة
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67]، فلا يستفيد يومئذ أحد من عمل غيره إنما يستفيد من عمله إن عمل صالحا كما لا يؤاخذ أحد بجريرة غيره، فالله - سبحانه - يقول: {وَأَن لَيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، ويقول تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، وقد حذر ـ سبحانه ـ جميع الأمم من ذلك اليوم، فقد قال في معرض خطاب أمة الرسول صلى الله عليه وسلم: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، ووجه الخطاب الله إلى المؤمنين بقوله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 254] وخاطب بني إسرائيل فقال عز من قائل: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 48]، ثم أعاد هذا الخطاب أيضاً فقال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٍ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلُ وَلَا تَنفَعُها شَفَعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 123]، وقال سبحانه في وصف هذا اليوم: {وَمَا أَدْرَنكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَنكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَيذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 17 - 19]، وقال - تعالى - أيضاً في وصف هذا - ـ اليوم وما يلقى فيه العبد من الجزاء: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِّن فَرَعَ يَوْمَيدٍ عَامِنُونَ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [النمل: 89 - 90]، وقال ـ سبحانه ـ في هذا المعنى نفسه: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ الله [القصص: 84] هذه الآيات وغيرها مع الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم تدلنا على أن ذلك اليوم كل أحد فيه رهين عمله، فلا يوفى أحد ذلك اليوم إلا جزاءه، فيجزى الذين عملوا الصالحات بالحسنة ويجزى الذين عملوا السيئات بالسيئة. (2/216)
صفحة 664
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
217
ولا ريب أن قوارع القرآن إنما يستفيد من نذرها أولئك الذين لم يغتروا بأماني الشفاعات، فإنهم باعتقادهم الجزاء على الأعمال يحرصون على التكيف وفق أوامره وزواجره، فلا تخدعهم أنفسهم فيرتكبوا زواجره ويدعوا أوامره، وهذا صريح في قوله تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيُّ وَلَا شَفِيعُ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 51]، فأنت ترى أن الله تعالى وجه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى إنذار هذا الصنف من الناس لأنهم هم الذين ينتفعون بالنذر، إذ لا يرتجون أن ينجيهم من عذابه ما يمتون به من صلة إلى ولي ولا شفيع وناط تعالى باعتقادهم هذا ترجية تقواهم.
،
هذا وإذا جئنا إلى ما يتعلق به الناس من الأماني فإننا نجد كتاب الله سبحانه تجتث آياته هذه الأماني وتقطع حبالها، يقول سبحانه: {لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: (123) فيحذر سبحانه من التعلق بالأماني التي تعلق أهل الكتاب بها، فليس لأحد أن يغتر بسبب أو بنسب، فإنه لا نسب بين أحد وبين الله - تعالى ـ، ولا سبب إلا التقوى، فمن اعتصم بحبل تقوى الله ووصل نفسه به - سبحانه - من خلال العمل الصالح واجتناب العمل السيء كان عندئذ مقبولا عند الله - تعالى -، ويوفى جزاءه بدون حساب، أما فرط في ذلك فلا يلومن إلا نفسه، فقد أعذر الله إليه بهذا الخطاب الذي وجهه إليه في هذه الآيات الكثيرة.
من
وإذا جئنا إلى باب الشفاعة نجد أن من الآيات ما جاء نافيا للشفاعة نفيا مطلقا، كقول الله ـ سبحانه - خطابا للمؤمنين: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ} [البقرة: 254]، وكذلك قول الله - سبحانه ـ لبني إسرائيل: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسُ عَن نَّفْسٍ (2/217)
صفحة 665
218 الفتاوى العقيدة
شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48]، وكذا قوله ـ سبحانه ـ
أيضاً لبني إسرائيل: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُها شَفَعَةٌ) [البقرة: 123]، ونجد في آيات أخرى إثبات الشفاعة مشروطة بشروط، فالله - سبحانه ـ يقول: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]، ويقول عز من
قائل:
مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، فاستثنى في الآية الأولى
هذه
من ارتضى وفي الآية الأخرى الإذن، وقبل أن نتحدث عن الجمع بين الآيات وما بين الروايات المروية في الشفاعة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، نلقي الضوء على معنى الشفاعة، فالشفاعة من حيث أصل الدلالة اللغوية هي تعزيز الغير بجعله شفعا بعد أن كان فردا، ثم استعملت في شد أزر الغير بالتوسط له عند آخر ليتقبل حسنته أو يعفو عن سيئته، وهذه الشفاعة تدل على منزلة الشفيع عند المشفوع لديه، وينتفع بها المشفوع له.
وقد تحدث العلامة الكبير السيد رشيد رضا صاحب المنار في تفسير قول الله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمَا لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلُ} [البقرة: 123] من تفسيره المنار حديثا مطولا حول الجمع ما بين هذه الآيات، فقال ما
نصه:
«كان اليهود المخاطبون ببيان هذه الحقيقة كغيرهم من أمم الجاهلية وأهل الملل الوثنية، كقدماء المصريين واليونان يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا، فيتوهمون أنه يمكن تخلص المجرمين من العقاب بفداء يدفع بدلا وجزاء عنه - كما يستبدل بعض حكامهم منفعة مالية بعقوبة بدنية - أو بشفاعة من بعض المقربين إلى الحاكم يغير بها رأيه ويفسخ إرادته. ولقد (2/218)
صفحة 666
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
219
اكتسح الإسلام هذه العقائد وآثارها العملية بالتوحيد الخالص، وأتى بنيانها من القواعد، ولكن المسلمين لم يسلموا منها فقد دخل في الإسلام أقوام يحملون أوزارا مما كانوا عليه من الوثنية، ولم يلقنوا الدين من القرآن ولا كما أرشد القرآن، ولكنهم تقلدوه ممن لا يعرفه حق المعرفة، ولقنوه كما ترشد إليه كتب التقليد من مصطلحات مبتدعة فكانوا على بقية مما كان عندهم وعلى جهل بالإسلام، وجاء قوم آخرون تعمدوا الإفساد فجعلوا بالتأويل الباطل حقا، والكذب صدقا.
وذكر الأستاذ الإمام هنا بعض العادات المصرية التي لا تزال يعمل بها باسم الدين وهي من إرث قدماء الوثنيين كإعطائهم لغاسل الميت شيئا من النقد يسمونه «أجرة المعدية أي أجرة نقله إلى الجنة. وغير ذلك مما يعملونه للأموات، ولمن يعتقدون فيهم الولاية والقرب من الله، ومثله أكثر تقاليدهم في بناء المقابر واحتفالاتها.
ثم ذكر المكفرات التي يعتقدها اليهود كقربان الإثم، وقربان الخطيئة، وقربان السلامة والمحرقة والاكتفاء ممن لم يجد القربان بحمامتين يكفر بهما عن ذنبه، وقال: وكانوا يفهمون أن هذه الأشياء تكفر الذنوب بذاتها، والحق أنها عقوبات لا مكفرات فإن من فهم التوراة حق فهمها يعلم أن المكفر الحقيقي هو التوبة والإقلاع عن الذنب، ثم تقديم القربان يكون تربية وعقوبة. وقد أخبرهم الله - تعالى - في هذه الآية بأن يوم القيامة لا يقبل فيه عدل يفتدي الإنسان به. قال: وكانوا يعتقدون أنهم بانتسابهم للأنبياء لا يدخلون النار أو لا تمسهم إلا أياما معدودة؛ لأن لهم الجاه والتأثير يوم القيامة، ولا يرضون أن يتركوا أبناءهم في العذاب، ثم زادوا على ذلك شفاعة الأحبار لمن ينتسب إليهم. ومتى ضعف الدين يوجد من رؤسائه من يروج هذه العقائد في العامة لما تسوق إليهم من المنافع. (2/219)
صفحة 667
220 الفتاوى الفتاوى العقيدة
وكذلك كان اليهود حتى جاء الإسلام بهذه الآية وأمثالها فمحا هذه العقيدة ليعلم المؤمنون به أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة إلا مرضاة الله - تعالى - بالإيمان الخالص والعمل الصالح».
ثم قال: «في القرآن آيات ناطقة بنفي الشفاعة مطلقا، كقوله ـ تعالى ـ في وصف يوم القيامة: {يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ} [البقرة: 254] وأخرى ناطقة بنفي منفعة الشفاعة، كقوله: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّيْفِعِينَ} [المدثر: 48] وآيات تفيد النفي بمثل قوله: {إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] وقوله {إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28) فمن الناس من يحكم الثاني بالأول، ومنهم من يرى أنه لا منافاة بينهما فنحتاج إلى حمل أحدهما على الآخر؛ لأن مثل هذا الاستثناء (أي الاستثناء بالإذن (والمشيئة معهود في أسلوب القرآن في مقام النفي القطعي للإشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته ول، كقوله - تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى} [الأعلى: 6] وقوله: {فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} [هود: 107] فليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث بإثباتها،
فما معناها؟
الشفاعة المعروفة عند الناس: هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك أمر كان أراد غيره - حكم به أم لا ـ فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة، وفسخها لأجل الشفيع.
فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان إرادة أو حكم به؛ كأن كان أخطأ ثم عرف الصواب، ورأى أن المصلحة أو العدل في خلاف ما كان يريده أو حكم به.
وأما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشيء، وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه، ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه (2/220)
صفحة 668
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
221
بالشافع المقرب منه على العدالة وكل من النوعين محال على الله - تعالى؛ لأن إرادته ـ تعالى ـ على حسب علمه، وعلمه أزلي لا يتغير». اهـ وهو كلام جيد تحرر فيه مما استولى على فكر أهل زمانه من معتقدات ورثتها هذه الأمة من الأمم السابقة فألهتها عن النظر في القرآن والاستبصار به في استكشاف الغيب ومعرفة أحوال يوم القيامة، وما أجدر الناس أن يرجعوا إلى القرآن ويستلهموا منه الحقيقة ويستبينوا به الحق، ويدعوا تقليد الآباء الأولين فإنهم لن يغنوا عنهم من الله شيئا.
الشفاعة
ثم نقل السيد رشيد رضا رأي شيخه الإمام محمد عبده في فقال: قال شيخنا فما ورد في إثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات وفيه يقضي مذهب السلف بالتفويض والتسليم، وأنها مزية يختص الله بها من يشاء يوم القيامة، عبر عنها بهذه العبارة «الشفاعة» ولا نحيط بحقيقتها مع تنزيه الله جل جلاله عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفي. وأما مذهب الخلف في التأويل فلنا أن نحمل الشفاعة فيه على أنها دعاء يستجيبه الله - تعالى والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا، ففي رواية الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم يسجد يوم القيامة ويثني على الله ـ تعالى ـ بثناء يلهمه يومئذ فيقال له: ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع» (1) وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع وإنما هي إظهار كرامة للشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقيب دعائه، وليس فيها أيضاً ما يقوي غرور المغرورين الذين
صل الله
(1) رواه البخاري (3182) ومسلم (193). (2/221)
صفحة 669
222 الفتاوى العقيدة
يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادا على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله الله، وأنه لا ينفع أحدا في الآخرة إلا طاعته ورضاه {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّيْفِعِينَ (5) فَمَا هُمْ عَنِ التَّذَكرَةِ مُعْرِضِينَ} [المدثر: 48 - 49] و {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28». اهـ
هذا؛ وقد يعترض معترض بأن التوبة نفسها ماحقة للأوزار مستأصلة للذنوب، فالتائب لا حاجة له إلى أن يشفع له شفيع عند الله، والجواب عن ذلك بأن التوبة وإن كانت مقبولة عند الله بفضله - سبحانه ـ وبمنه، وقد وعد جبل أن يقبل توبة التائبين، ولكن ذلك لا يمنع بأن تكون هنالك شفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن النبيين والملائكة وأولياء الله تعالى الصديقين لهؤلاء التائبين بأن يتقبل الله تعالى توبتهم ويرفع درجتهم، وقد حكى الله وعل في كتابه العزيز عن ملائكته الذين يحملون العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للذين آمنوا، يقولون في استغفارهم {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: 7) فهم يستغفرون للتائبين، فإن قيل بأن في سورة الشورى إخباراً من الله ـ تعالى ـ عن الملائكة بأنهم يستغفرون لمن في الأرض فالجواب أن ذلك الإجمال محمول على هذا البيان الذي في سورة غافر، فإجمال القرآن الكريم يحمل على بيانه، وإلا لو حملنا ظاهر ذلك الإجمال على عمومه بأنهم يستغفرون لمن في الأرض لدخل في ذلك الملاحدة والمشركون على اختلاف طوائفهم واليهود والنصارى وغيرهم، وكثير من الناس قالوا بأن الآيتين اللتين خوطب بها بنو إسرائيل للتحذير من مغبة ذلك اليوم، لا يدخل في وعيديهما أحد من هذه الأمة لأن ذلك خطاب اليهود لليهود، وهؤلاء قد عزب عن أذهانهم أن هذا الخطاب وإن كان لليهود ولكن جاء في بيان صفة ذلك اليوم، {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 48] هذا شأن ذلك اليوم مع جميع
الناس. (2/222)
صفحة 670
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
223
أنه
ومما يدعو إلى الاستغراب أن نجد عالما كبيرا كالإمام الفخر الرازي يناقض كلامه في هذا فبعد أن سجل الحقيقة التي دل عليها القرآن في هذا بقلمه حيث قال ما نصه: «إن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم لا خلاص له إلا بالطاعة فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذراً خائفاً في كل حال والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك
اليوم». اهـ
جاء بعد هذا الكلام بصفحات قليلة بما ينقضه إذ ادعى أن ما وصف به هذا اليوم إنما هو خاص بمن عدا الموحدين فجعل الموحدين بمنأى عما تفيده الآية من التحذير وما فيها من الوعيد، فهو خاص ببني إسرائيل، ولم يكتف بذلك بل ضم إليه أن قوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ} [البقرة: 254] لا تدخل فيه هذه الأمة، فيا سبحان الله!!، كيف لا تدخل فيه هذه الأمة والخطاب موجه فيها إلى المؤمنين فإن نص الآية كلها: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْتَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعُ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَهُ} [البقرة: 254]، وكيف يقال إن ذلك الوعيد الذي في قوله تعالى وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 48] لا تدخل فيه هذه الأمة؟!! فإن كان ذلك لأجل كونه سيق خطابا لبني إسرائيل وهو يعنيهم وحدهم فيلزم ألا يدخل فيه أيضاً الملاحدة، ولا النصارى ولا الوثنيون، ولا غيرهم من طوائف الكفار لأنهم لم يشملهم
خطابه. (2/223)
صفحة 671
224 الفتاوى العقيدة
وأنت تدري أن ما في الآية الكريمة إنما هو وصف وبيان لشأن ذلك اليوم، وكما جاء وصفه بهذا في خطاب الله تعالى لبني إسرائيل جاء مثله في خطاب هذه الأمة في الآية التي قبل آية الكرسي: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ) [البقرة: 254] وفي الآية التي اختتمت بها آيات الربا (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: (281]، وجاء مثله في خطاب الناس جميعا في قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَنَكُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغْزَنَكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: (33) فلا معنى للقول بأن هذا الخطاب الذي وجه إلى بني إسرائيل هنا وفيه بيان صفة ذلك اليوم يختص ما فيه من التحذير والوعيد ببني إسرائيل وحدهم، بل هو وصف لطبيعة ذلك اليوم وبيان لهوله، فلا يختص التحذير من هوله وسوء المغبة فيه بنوا إسرائيل وحدهم وإنما هو شامل لهم ولمن عداهم.
وذكر صاحب «الانتصاف من الكشاف أن تنكير اليوم يؤذن بأن هذا الوصف إنما هو خاص ببعض أوقات القيامة فيمتنع قبول الشفاعة فيه وتقبل في سائر الأوقات؛ لأن يومها يمتد نحو خمسين ألف سنة، فلطوله تتباين أحواله بحيث ينتفي الأمر في بعضه ويقع في بعضه الآخر، كما ذكر الله تعالى عدم التساؤل فيه بين الناس في قوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101]، مع أنه أثبت التساؤل فيه بين 101]، المجرمين {أنفسهم في قوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصافات: 27]، وقد عول على الذي قاله صاحب الانتصاف كثير من المفسرين وغيرهم من المتكلمين، وعدوه حجة قاطعة تستأصل شبهات المعاندين، مع أن هذا الجواب إذا فكرنا فيه وجدناه لا يعدو أن يكون كسراب بقيعة يحسبه الظمآن (2/224)
صفحة 672
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: عقيدة - فقه
------------------------------------------
العنوان: الفتاوى العقيدة
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
الإعداد والمراجعة: قسم الفتوى بمكتب الإفتاء، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1434ه/ 2013م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 2
------------------------------------------
مصدر النسخة الرقمية للكتاب (PDF) من موقع:
الجزء الأول:
https://elibrary.mara.gov.om/alwzartt-mktbtt/almnshwrat/arshef-alwzartt/ktab/?id=54
الجزء الثاني:
https://elibrary.mara.gov.om/alwzartt-mktbtt/almnshwrat/arshef-alwzartt/ktab/?id=55
ملاحظة: هذه النسخة الرقمية (PDF) يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 14 رمضان 1446ه/ 14 - شهر 03 - 2025م. الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
225
ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، فإن الله ـ سبحانه ـ لم يخبرنا بأن القيامة تتعدد أيامها، بل يوم القيامة هو يوم واحد لا يعقب نهاره ليل، يبدأ ببعث الناس من قبورهم ويستمر إلى استقرار أصحاب السعادة في دار السعادة، وأصحاب الشقاوة في دار الشقاوة، ولو كان يقع في وقت من أوقات ذلك اليوم وفي موقف من مواقفه ما نفاه الله - سبحانه - من الشفاعة للمصرين المخلدين إلى المعاصي للزم أن يقع كذلك ما نفاه الله ـ سبحانه ـ في الآية نفسها من قبول العدل والفدية والنصرة.
هذه
في
ثم لو كان يقع شيء من هذا في ذلك اليوم لما كان هنالك داع إلى التهويل والتخويف، ذلك لأن كل أحد سيمني نفسه بأنه إن فاتته الشفاعة موقف سيدركها في موقف آخر يؤذن فيه بالشفاعة وكل من خوفوا هنا بأنهم سيحرمون الشفاعة سيفوزون بها في موقف آخر وسيتخلصون من هذا الحرمان، وأما التساؤل المنفي في سورة المؤمنون فهو غير المثبت في سورة الصافات، ذلك لأن التساؤل المنفي إنما هو تساؤل تواد وتراحم وتعاطف، فلا يسأل يومئذ حميم عن حميمه ولا قريب عن قريبه: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرَهُ مِنْ أَخِيهِ) وَأَتِهِ، وَأَبِيهِ وَصَحِبَيْهِ، وَبَنِيهِ لِكُلِّ أَمْرِي مِنْهُمْ يَومَيذٍ شَأْنُ يُغْنِيهِ} [عبس: 34 - 37]، {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِينِ بِبَنِيهِ وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُنْوِيهِ وَمَن فِي)) الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ} [المعارج: 11 - 14]، وأما التساؤل المثبت فهو تساؤل تلاوم وتدافع بحيث يحاول كل أحد أن يتخلص من المسؤولية ويلقيها على غيره كما يدل عليه نص الآيات، فقد قال تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} [الصافات: 27 - 28] أي تأتوننا لتغرونا، قَالُوا بَل لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَنٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَعِينَ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَابِقُونَ فَأَغْوَيْنَكُمْ إِنَّا كُنَّا غَرِينَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} [الصافات: 29 - 434، فكل فريق يحاول التخلص من المسؤولية (2/225)
صفحة 673
226 الفتاوى العقيدة
وإلقاءها على الفريق الآخر، كما يتبرأ الشيطان يومئذ من حزبه، وكذلك شياطين الإنس يبرأ يومئذ بعضهم من بعض ويبرأ يومئذ الأقوياء من الضعفاء والضعفاء من الأقوياء، فالضعفاء يحملون الأقوياء المسؤولية لأنهم كانوا السبب في التغرير بهم وفي إضلالهم وإبعادهم عن الحق، فلذلك يشتكون إلى الله ما كان منهم حيث يقولون (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعَنَا كَبِيرًا} [الأحزاب: 67 - 68] فالتساؤل المثبت إنما هو تساؤل تلاوم وتدافع وليس في الآية ما يدل على إثبات التساؤل المنفي في الآية الأخرى في موقف من المواقف ينفى تساؤل وفي موقف آخر يثبت التساؤل. ومن الأدلة الأدلة التي استدل بها القائلون بأن شفاعة الله ـ سبحانه ـ للتائبين من الذنوب لا للمصرين عليها قول الله - سبحانه {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفيع يُطَاعُ) [غافر: 18] والمصر على الكبيرة ظالم لنفسه، فإن الله تعالى سمى المعصية ظلما، فقد قال في القتال في الأشهر الحرم فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36] فجعل القتال فيها ظلما، وحكى ـ سبحانه ـ عن آدم وحواء لا أنهما قالا: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} [الأعراف: 23] مع أن المعصية التي صدرت منهما لم تكن كفرا وإنما هي معصية كسائر المعاصي، وحكى - سبحانه ـ عن عبده موسى علي أنه قال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) [القصص: 16]، وحكى رحل عن عبده يونس أنه قال: {إِلَّا أَنتَ سُبْحَنَكَ إن كُنتُ مِنَ الظَّلِمِينَ} [الأنبياء: 87].
وقد اعترض على هذا الاستدلال الفخر الرازي بأن الآية لسلب العموم لا لعموم السلب، والمقصود بسلب العموم نفي العموم، أي ليس لجميع الظالمين حميم أو شفيع يطاع، ولا يعني ذلك نفي أن يكون أي ظالم له حميم أو شفيع يطاع، فالنفي لا ينسحب على أي واحد، ويجاب على هذا (2/226)
صفحة 674
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
227
هي
الاعتراض: بأن الذي يفهم من الآية الكريمة أنها ليست لسلب العموم وإنما لعموم السلب أي عموم النفي، فإن الجموع التي يدخل عليها النفي يراد به نفي أي فرد من الأفراد التي تدل عليها تلك الجموع، ولو كان الأمر كما يقول بأن المقصود هو سلب العموم وليس عموم السلب للزم من ذلك جواز الكون مع بعض الكافرين، لأن الله ـ سبحانه - يقول: {وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَفِرِينَ} [هود: 42]، وهكذا كل نفي أو نهي يدخل على جمع لزم منه أن يراد به البعض لا الجميع، فيلزم من ذلك أن الله الله يحب بعض الظالمين ـ تعالى الله عن ذلك ـ، إلى ما وراء ذلك مما نفي بأمثال هذه الصيغة، على أن الآية الكريمة جاءت وعيدا، وتحذيرا، وهذا التحذير لو كان يراد منه نفي العموم لا عموم النفي لجاز لكل أحد أن تسول له نفسه بأنه غير داخل في هذا النفي، فيتعلق بالأمل بأن يكون من الذين لم يشملهم هذا النفي فينتفع بالشفاعة ولو ارتكب ما ارتكب على أن هذه الشفاعة كل أحد من الناس يتمناها فكلنا نسأل الله ـ سبحانه ـ بأن يجعلنا من أهل الشفاعة المستحقين لها وأن يشفع لنا الرسول يوم القيامة، ولكن لا يجوز لنا أبدا أن نتمنى أو أن نسأل الله بأن نكون من المصرين على كبائر الإثم، فلو كان أمر الشفاعة في الذين يقترفون الكبائر ثم يصرون عليها ثم لا يتوبون منها لكان كل أحد يتمنى أن يكون
من هؤلاء، مع أن تمني الإنسان أن يكون من هؤلاء غير جائز.
ومن
الأدلة أيضاً قول الله - سبحانه -: {وَمَا لِلظَّلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [البقرة: 270]، ويتوجه الإيراد الذي توجه إلى الاستدلال السابق والجواب عنه هو نفس الجواب.
ومن الأدلة أن الله - سبحانه - قال: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)
[الأنبياء: 28]، مع
أن المصر على قتل النفس المحرمة بغير حق أو على
الزنا أو السرقة أو شرب الخمر أو أكل الربا أو غير ذلك لا يدخل في (2/227)
صفحة 675
228 الفتاوى العقيدة
الذين يرتضيهم الله - سبحانه - فإنه يرتضي المتقين لأنه يرتضي التقوى، ويأمر {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَاي ذِي الْقُرْنَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل: 90] فمادام ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي فهو لا يرتضيها، وقد اعترض على ذلك بأن المصر على الكبيرة مادام موحدا هو مرتضى، لأن نفس التوحيد الذي هو متلبس به مرتضي عند الله - سبحانه، والجواب عن هذا الاعتراض بأنه لو كان التوحيد وحده كافيا لأن يرفع الإنسان إلى مستوى ارتضاء الله ـ سبحانه ـ مع نقض الإنسان لقاعدة التوحيد بالعمل المخالف لها للزم من ذلك أنه لا يطلب من الإنسان إلا أن يوحد فقط من غير أن يلتزم بشيء من الواجبات، مع أن كتاب الله ـ سبحانه ـ صريح في غير هذا، فالله ـ تعالى ـ يقول: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [الأحقاف: 13] كما استثنى سبحانه من الخسر الذي سجله على عباده (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، وقد جاء في كتاب الله - سبحانه ـ ما يدل على أن المصرين على الذنوب مغضوب عليهم عند الله وملعونون، فالله تعالى يقول: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّلِمِينَ} [هود: 18]، فالظالم واقع في اللعنة إن لم يتب من ذنبه ويقول تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، فقاتل النفس لا يمكن أن يكون مرتضى عند الله ـ سبحانه ـ مع كونه متعرضا للعنة الله عل.
وقد جاء في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يؤكد هذا المعنى، فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام: «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهده)،
(1) رواه مسلم بلفظ لعن رسول الله ... » رقم (4177). (2/228)
صفحة 676
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
229
وقال صلى الله عليه وسلم: «لعن الله المحلل والحلل له» (1) وفي رواية أخرى: «لعن الله التيس
المستعار» (2).
ألا
في
هذا وقد ثبت أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام كان يتبرأ كل البراءة من الظالمين الذين يصرون على ظلمهم ولا يقلعون عنه، فمن ذلك ما جاء في حديث الحوض وليذادن رجال عن حوضي ألا هلم أناديهم هلم، فيقال لي: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقا فسحقا» (3)، وجاء أيضاً الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ألفين أحدكم يوم القيامة شاء لها ثغاء يناديني: يا رسول الله، فأقول له: لا أملك لك من الأمر شيئا قد بلغتك» (4)، وجاء أيضاً في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن أعان أمراء الظلم أنه قال: «ليس مني ولست منه وأنا خصمه وأنا خصمه يوم القيامة» (5)، ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: «ثلاثة القيامة، ومن أكن خصمه فقد خصمته، رجل أخذ بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه فلم يوفه أجره (6)، كما تبرأ من الذي يقتل الذمي الذي أعطي عهد الله وعهد رسوله، وكذا قوله: أنا بريء ممن تكهن أو تكهن له أو تطير أو تطير له إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة، على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خاطب فلذة كبده السيدة فاطمة سالى وعمته صفية بنت عبد المطلب عالى بقوله: «يا
أنا
خصيمهم يوم
(A)
(7)
(1) رواه أبو داود (2078).
(2) روي نحوه ابن ماجه (2011).
(3) روي نحوه الربيع (43) والبخاري (2238).
(4) رواه البخاري (2908) ومسلم (4839). (5) روي نحوه ابن حبان (723).
(6) رواه البخاري (2114).
(7) رواه البخاري (995).
(8) روى نحوه في زيادات مسند الربيع (747). (2/229)
صفحة 677
230
الفتاوى العقيدة
من
صفية عمة محمد ويا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما فإني لا أغني عنكما الله شيئاً (1)» هكذا يخاطب الرسول الأخص خاصته وأقرب قرابته معلنا لهم أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، فكيف يتشبث بعد ذلك أحد بأمل أن النبي سيشفع له مع إصراره على كبائر الإثم.
هذا وأما أدلة المثبتين للشفاعة لأصحاب الكبائر فمنها ما حكاه الله تعالى عن عبديه الخليل والمسيح، إذ حكى الله ـ سبحانه ـ عن عبده الخليل لأنه قال تعالى: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِني وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
صلے
ورد دود
[إبراهيم: 36]، وحكى ـ سبحانه ـ عن عبده المسيح أنه قال: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]، قال الفخر: «هذه شفاعة من النبيين الكريمين والله - سبحانه - يستجيب دعاءهما، وقد علمنا أن هذه الشفاعة ليست في التائب وليست في المشرك فهي فيمن ارتكب كبيرة دون الشرك ولم يتب منها، وإذا كان الله - سبحانه - يشفّع هذين النبيين الكريمين فأحرى أن يشفع ـ سبحانه ـ عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته لعظم منزلته عليه أفضل الصلاة والسلام ولخيرية هذه الأمة»، والجواب عن ذلك: أنا إذا نظرنا في المحكي عن النبيين الكريمين لم نجد فيه ما يدل على أنهما كانا بذلك يشفعان للذين يعنيهم خطابهما، وإنما ذلك تسليم منهما لأمر الله - سبحانه ـ ووقوف عند حدهما، فإن الإنسان وإن ارتقى في أوج الاصطفاء الإلهي ليس له أن يتدخل في شؤون الله تعالى، وليس له أن يقول عن الله شيئا من تلقاء نفسه وإنما يفوض الأمر إليه وعَل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وإذا أخبر ـ سبحانه ـ بأمر وجب التسليم لما أخبر به، وعدم تجاوز ذلك إلى غيره، ولو قلنا إن هذه شفاعة فللنظر من هو المقصود في كلام الخليل وفي كلام
(1) روى بنحوه البخاري رقم 4771. (2/230)
صفحة 678
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
231
-
الآية
عيسى؟ إن المعني في كلام الخليل هم الذين عبدوا الأصنام، وسياق علي الكلام يدل على ذلك فإن الله ـ سبحانه ـ قال في سورة إبراهيم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ عَامِنَا وَأَجْنُبْنِي وَبَنِى أَن نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِني وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 35 - 36] فالسياق إنما هو في عبدة الأصنام فلو استفيد من هذا المحكي في الكريمة عن الخليل أنه بذلك شافع فإن هذه شفاعة يجب أن تكون في عبدة الأصنام، والمحكي عن المسيح إنما هو في الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، فإن هذا المحكي مسبوق بقول الله - سبحانه {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُتِيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقِّ إن كُنتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبِّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ لا إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: 116 - 118]، فلو استفيد من هذا المحكي عن المسيح لأنه شفاعة للزم من ذلك أن تكون هذه الشفاعة للذين كانوا يعبدونه من دون الله - سبحانه، ولو سلمنا أن هذه شفاعة فمن أين لنا أنها قبلت، وقد حكى الله ـ سبحانه ـ عن إبراهيم أنه استغفر لأبيه ولكن مع ذلك هذا الاستغفار لم يقبل، وقد بين ـ سبحانه ـ سبب هذا الاستغفار في قوله: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114]، فسبب الاستغفار ذلك الموعد الذي وعده إبراهيم أباه في قوله:
(117)
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بي حَفِيَّا} [مريم: 47]، والإنسان مطالب بأن يفي بوعده، ولذلك فإن الله - سبحانه - أمرنا أن نقتدي بإبراهيم والذين معه إلا في هذا الأمر، {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا (2/231)
صفحة 679
232 الفتاوى العقيدة
بر وا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاهُ أَبَدًا) [الممتحنة: 4] إلى أن قال - سبحانه -: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة: 4] أي كانت لكم فيهم أسوة حسنة إلا في هذا الدعاء، ليس لكم أن تتأسوا بإبراهيم فيه فتستغفروا للذين كفروا لأن هذا الاستغفار كان منشؤه هو ذلك الوعد الذي وعده الخليل أباه.
ومن الأدلة التي عولوا عليها قول الله رجل: {وَإِذَا حُمِّيتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَبُّوا أَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86]، وقد أمرنا الله - تعالى - أن نحيي النبي صلى الله عليه وسلم بقولنا: اللهم صل وسلم عليه يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56]، فإذن لا بد أن يكون من النبي صلى الله عليه وسلمرد، وليس رد النبي صلى الله عليه وسلم إلا الدعاء لنا بالرحمة وهذا الدعاء مستجاب.
والجواب: بأن الرد هو أعم من أن يكون دعاء بالرحمة أو دعاء بالهداية،
على أن الرحمة تكون رحمة في الدنيا كما تكون رحمة في الآخرة. ومن الأدلة التي عولوا عليها قول الله - سبحانه -: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [النساء: 64] وذلك أنهم قالوا إن هذه الآية الكريمة في غير التائب، ممن ظلموا أنفسهم وقد وعد الله - سبحانه ـ أولئك بالتوبة وبالرحمة.
والجواب: أن الآية الكريمة نفسها تدل على أنهم تابوا، فإن الله ـ سبحانه ـ يقول فيها: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ} [النساء: 64] واستغفارهم الله طلبهم المغفرة منه والاستغفار الذي يعول عليه ويعتد به هو ألا يكون مجرد لقلقة باللسان فحسب بل مع ندم القلب، واستغفر لهم الرسول بناء على استغفارهم، لأنهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تائبين، فكيف
يقال
مع
ومن
ذلك بأن هؤلاء لم يتوبوا.
الأدلة التي عولوا عليها أن الله - سبحانه - قال في الذين كفروا: (2/232)
صفحة 680
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
233
فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ} [الشعراء: 100] وإذا كانت الشفاعة منفية عن الذين كفروا
فهي مثبتة للذين آمنوا.
والجواب: أن هذا استدلال بمفهوم المخالفة،
المخالفة اختلف ومفهوم
العلماء في كونه حجة في الأمور الفرعية، فكيف يعول عليه في الأمور العقائدية القطعية، مع أن العقيدة ثمرة اليقين فلا يعول فيها إلا على النص المتواتر دون الظواهر ولو تواترت ودون الاحاديات ولو كانت نصا، ومع القول بالاستدلال المخالفة في الأمور الفرعية لا في العقائدية القطعية فإن هناك شروطا تشترط، من هذه الشروط ألا يكون المنطوق واردا مورد الأغلب المعتاد، وألا يكون مسوقا مساق الامتنان، وألا يكون جيء به جوابا لسائل، ولا تعليما لجاهل،
بمفهوم
فإذا كان هذا الشأن في الفرعيات فكيف يعول على هذا المفهوم في القطعيات. الأدلة التي عولوا عليها أيضاً قول الله - تعالى -: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ومن وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7]، وذلك
أنهم قالوا إن مرتكب الكبيرة مؤمن فهو مستغفر له بموجب هذا النص. ويجاب عن ذلك بأن الإيمان المعتد به عند الله - سبحانه ـ هو الإيمان الذي يجعل صاحبه إذا ظلم نفسه فارتكب شيئا مما يخالف أمر الله راجع نفسه ورجع عن ذلك، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ عَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ أَوْلَيكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا قَمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال: 2 - 4]، على أن في الآية نفسها حكاية الاستغفار الذي يستغفرونه للمؤمنين: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: 7] فاستغفارهم لِلَّذِينَ تَابُوا لا للذين أصروا، وللذين اتبعوا سبيل الله وليس من اتباع سبيل الله - سبحانه ـ أن يصر العبد على معصية الله (2/233)
صفحة 681
234 الفتاوى العقيدة
متحديا لربه، وما قيل من أن هذه الآية الكريمة جيء فيها بعموم ثم جيء بشيء من أفراد هذا العموم، والإتيان بفرد من أفراد العموم بعد الإتيان بالعموم لا يخصص العموم كما هو معروف عند غالب الأصوليين مردود بأنه ليس هنا تخصيص لعموم وإنما هو حكاية للذي تقوله الملائكة المستغفرة للذين آمنوا. واستدلوا أيضاً بالروايات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم منها قوله فيما روي عنه: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (1) وقوله: «ما ادخرت شفاعتي إلا لأهل الكبائر من أمتي» (2)، والجواب عن هذه الروايات أنها روايات أحادية، وقد ذكرنا غير مرة أن العقيدة تستقى من النصوص المتواتر لا من الروايات الأحادية، ثم بجانب ذلك هذه الروايات محتملة لمعان يمكن بالنظر إلى هذه المعاني أن يجمع ما بينها وبين النصوص القرآنية، وبالجمع ما بينها وبين النصوص لا يحصل أي تناف، بخلاف ما إذا أخذ بظاهرها، فلا تترك النصوص المتواترة القطعية لأجل ظواهر آحادية، ولو كانت نصوصاً أحادية لما كانت تقاوم النصوص المتواترة، فكيف وهي ليست نصوصاً إذ لها احتمال للمعنى الذي يتفق مع تلك النصوص القطعية المتواترة وقد قيل: «الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أي إذا تابوا يشفع لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليقبل توبتهم، وكذلك قوله: «ما ادخرت شفاعتي إلا لأهل الكبائر من أمتي» أي ما ادخرتها إلا للتائبين من أهل الكبائر، ولو أخذ بظاهر الحديث لكان فيه إغراء على ارتكاب الكبائر ـ والعياذ بالله وحاشا لرسول الله أن يغري الناس على ارتكاب الكبائر، ما كان للرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله لينقذ الناس من الضلالة
(1) رواه أبو داود (4741).
(2) رواه أبو يعلى (2928). (2/234)
صفحة 682
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
235
الخطأ ومن بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، والإغراء على مخالفة أوامر الله ـ سبحانه - مخالف لذلك وإنما في هذا ترغيب للذين يقارفون كبائر الإثم أن يتوبوا إلى الله وألا يقنطوا من رحمته ـ سبحانه ـ فالله و قد فتح لعباده من فضله عليهم باب التوبة فما عليهم إلا أن يلجوا من هذا الباب، وهذا نجد له نظيرا في كتاب الله - سبحانه ـ، فإن الله - سبحانه ـ يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: (53)، ولكن الآيات التالية بينت الذين يغفر لهم في قوله: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [الزمر: 54]، فأمرهم ـ سبحانه ـ بالإنابة وباتباع أحسن ما أنزل إليهم: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسُ بِحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَتَ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 55 - 58) وهنا أذكر كلمات غراء قالها العلامة السيد رشيد رضا في «المنار» فيما يتعلق بالذين يسوغون لأنفسهم ارتكاب الموبقات على أمل أن يغفر الله ـ سبحانه ـ لهم، ويشفع لهم النبي الله و الصالحون، يقول ما معناه: إن مثل هؤلاء كمثل الذي يتعرض للمخالفات، ويتعرض لإلقاء الشرطة القبض عليه وتقديمه إلى المحاكمة، والحكم عليه بالعقوبة رجاء أن يعفو عنه الأمير أو السلطان، فإن أحد لا يشك في حماقة أمثال هؤلاء لأن هذا الرجاء ليس في موضعه،
ومن مخالفة أوامر الله ليغريهم على هذه المخالفة، إنما بعث
أي ثم ذكر بعد ذلك الآيات التي تدل على الترجية، وبين لمن هذه الترجية فذكر قول الله - تعالى -: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَن وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحَا فَأَوْلَتَبكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَإِنَّهُ
قلے (2/235)
صفحة 683
236 الفتاوى العقيدة
يوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان: 70 - 71] وذكر قوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]، وقبل أن يأتي بهذا الكلام ساق كلاما
أن
لأستاذه الإمام محمد عبده في نفس هذا الموضوع مقتضى هذا الكلام كثيرا من الناس يعولون على أذكار تقال في الصباح وفي المساء اعتقادا منهم بأن هذه الأذكار تقضي على الذنوب ولا يبقى معها ذنب ويغفلون عن السبب الذي يقضي على الذنوب ويغفرها الله - سبحانه - من أجله، وهو التوبة إلى الله التي تستلزم الإقلاع عن الذنب وعدم الإصرار عليه، وذكر أن هؤلاء يسوغون لأنفسهم الكذب ويغفلون عن حكم الله - سبحانه ـ في الكاذبين بأن عليهم اللعنة: {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ} [آل عمران: 61]، ويرتكبون ما عدا الكذب أيضاً من الكبائر الأخرى بحجة أن هذه الكبائر تتساقط بهذه الأدعية وهذه الأذكار وهم غافلون عن السبب الذي يمحو الله به الخطايا ويبدلها من أجله إلى حسنات وهو التوبة النصوح، فليس لأحد أن نفسه الأماني وهو مع ذلك يصر على معصية الله ولا والله أعلم.
يمني
قال تعالى: {يَوْمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفَدًا (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 85 - 487؟ ما معنى العهد في الآية الكريمة؟
العهد هو جملة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك ميثاق بين العبد وربه، فالذي يأتي بها معترفاً بلسانه ومعتقداً بقلبه اعتقاداً جازماً أنه لا معبود بحق إلا الله ومعنى ذلك أنه يعاهد الله الله بأن يكون عابدا له، وعبادة الله تعني منتهى الخضوع لأمره والانقياد لحكمه والإذعان لطاعته بفعل أوامره والازدجار عن نواهيه فقد اتخذ هذا عهداً عند الله الله فهو حري بالشفاعة والله أعلم. (2/236)
صفحة 684
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
237
الذين يقولون بالشفاعة لأهل الكبائر يقولون بأن أهل الكبائر هم أحوج ما يكونون لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف المؤمنين المتقين، فأولئك تشفع لهم أعمالهم الصالحة فما الجواب؟ جاء في رواية عن النبي ما يدل على أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله وبعمل صالح وبشفاعته، فكل واحد هو بحاجة إلى شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ولو روعيت الحاجة بقدر التلبس لكان المشركون هم أحوج إلى من يشفع لهم، لكن القضية ليست قضية حاجة المشفوع له بسبب إفلاسه من العمل الصالح، ولكن الذي يتوب إلى الله هو بحاجة إلى من يشفع له حتى تقبل توبته والله تعالى قد حكى عن الملائكة أنهم يقولون رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: 7] فأنت تراه لم ينقل عنهم أنهم يقولون «فاغفر للذين أصروا»، وإنما حكى عنهم قولهم:
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} [غافر: 7]؛ فالتائبون هم بحاجة إلى هذه الشفاعة
لتقبل توبتهم والله أعلم.
هل الشفاعة التي وعد بها الرسول صلى الله عليه وسلم تكون للمؤمنين تخفيفاً لهم من
هي
شدة الهول في الموقف يوم القيامة أم هي لقبول توبة التائبين؟ لكلا الأمرين فإن هناك شفاعة عامة وفائدتها إنهاء الحساب يوم القيامة بمشيئة الله، وهذه هي المقام المحمود الذي يرجوه النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك شفاعات خاصة في قبول توبة التائبين وزيادة أجورهم، والله أعلم.
قال الشيخ أحمد القطان بأن شفاعة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام تشمل الموحدين في النار فتخرجهم منها إلى الجنة واستدل (2/237)
صفحة 685
238 الفتاوى العقيدة
بقوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] فهل هذا
صحيح؟
مع
النصوص
من أين للقطان وغيره ما يثبت أن الله أذن بالشفاعة للعصاة القاطعة الدالة على خلاف ذلك فالله تعالى يقول: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ} [غافر: 18] وقال سبحانه: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] وهل المصر على الكبيرة مرتضى عند الله كلاً بل هو ظالم لنفسه وإنما يغفر الله ذنبه ويأذن بالشفاعة له إن تاب قال الله: {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] فهذه شروط المغفرة وقد نص عل على أن يوم القيامة لا تنفع فيه الشفاعات أي لمن لم يتب فقد قال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلُ وَلَا تَنفَعُها شَفَعَةُ} [البقرة: 123] وحذر المؤمنين من التعلق بأماني الشفاعات عندما قال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمُ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ} [البقرة: 254] وقال في العصاة: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: (23) وبين أن عقيدة الخروج من النار هي 23] عقيدة يهودية عندما قال: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَا مَا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 80]
صلے
واتبع ذلك بيان مصير العصاة حيث قال: بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] فليت شعري هل للقطان وغيره عهد عند الله أن يخرج أحداً من النار بشفاعة الشافعين بعد هذه الزواجر من كتاب الله عن التعلق بهذه الأماني، والله أعلم.
هل لأهل كبائر الذنوب شفاعة في الآخرة إذا هم ماتوا على ذلك؟ أفيد السائل وغيره بأن القرآن الكريم ينص في آيات كثيرة على أن كل من عمل صالحاً جوزي بما عمل، ومن عمل سيئاً جوزي بما عمل، وقد (2/238)
صفحة 686
الإيمان باليوم الآخر
الجزء الثاني
239
حذر الله الله هذه الأمة من الاغترار بالأماني فقد قال عز من قائل: {لَيْسَ بِأَمَانِيَكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبٍ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123] وفي ذكر أماني أهل الكتاب مع أماني هذه الأمة إشارة إلى أن بعض أفراد هذه الأمة سوف يغترون كما اغتر أهل الكتاب وسوف يتعلقون بالأماني كما تعلقوا راجين الله له أن يغفر لهم ذنوبهم بمجرد انتمائهم إلى هذا الدين الحنيف وتصديقهم بالنبي - عليه أفضل الصلاة والسلام -
وفي ذكر أماني أهل الكتاب مع أماني هذه الأمة تحذير لهذه الأمة عن مسلك أهل الكتاب ليأخذ كل واحد حذره وليعمل جهده في طاعة الله الله.
(89)
وقد جاءت آيات كثيرة تؤيد ما جاءت به هذه الآية من أن كل أحد سوف يجازى بعمله من ذلك قوله في سورة النمل مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِّن فَزَعَ يَوْمَدٍ وَامِنُونَ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 89 - 90] وقوله سبحانه في سورة القصص: مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84].
وهذه نصوص صريحة لا تقبل الجدل أن الله الله يجزي كل أحد بعمله خيراً كان أو شراً.
وقد بين الله أنه يغفر ذنوب التائبين لا ذنوب المصرين فقد قال: عز من قائل في سورة طه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] وبين الله إنه يغفر سيئات الذين يجتنبون الكبائر أي يغفر صغائرهم دون كبائرهم ولا يغفر الصغيرة إلا مع اجتناب الكبائر ـ شريطة عدم الإصرار عليها - وذلك في قوله: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ (2/239)
صفحة 687
240 الفتاوى العقيدة
•
سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلَا كَرِيمًا} [النساء: 31] وإذا أدرك الإنسان ذلك فهم معنى قوله: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) فيغفر الشرك لمن يشاء أما بالتوبة والإقلاع عن الكبائر والرجوع إلى الله، وأما باجتناب الكبائر مع صدور بعض الصغائر من غير قصد الإصرار عليها ومن غير الاستمرار على ارتكابها وهذا هو المقصود بقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء: 48] فقد بين سبحانه في آيات أخرى من يشاء لهم المغفرة وهم الذين يجتنبون الكبائر ولا يصرون على الصغائر ونص الحق سبحانه على أن مغفرته إنما هي للأوابين وذلك في قوله: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25] وتقديم المعمول يدل على الحصر وعليه فمعنى الآية أنه يغفر للأوابين وحدهم دون المصرين، والأوابون هم التوابون الذين يرجعون إلى الله عند مقارفة كل معصية ليلا أو نهارا سرا أو علانية.
مخاطباً
وكما أنه لاله حذر من أماني الغفران وبين أن كل أحد سوف يجزى بما كسب، حذر أيضاً من أماني الشفاعة، وقد وجه هذا التحذير إلى هذه الأمة، فقد قال مخاطباً المؤمنين: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْتَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 254] وقال سبحانه بني إسرائيل: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلُ} [البقرة: 48] وفي هذا أيضاً تحذير لهذه الأمة ولغيرها من التعلق بأماني شفاعات الأنبياء وغيرهم بالتخلص من عذاب يوم القيامة، وقد بين سبحانه الذين يستحقون شفاعة الأنبياء وغيرهم في قوله: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَن ارتضى} [الأنبياء: 28] فالشفاعة ينالها الرضي دون غيره، وإن كان الرضي يستحق دخول الجنة فقد يجعل الله الشفاعة أيضاً من ضمن الأسباب التي تؤدي إلى دخوله الجنة فقد يجعل الله الشفاعة سببا لقبول توبة العاصي أما المصرون على الكبائر فلا شفاعة لهم بهذه النصوص القاطعة. والله أعلم. (2/240)
صفحة 688
الكفر والنفاق (2/241)
صفحة 689
مِلَّة
242 الفتاوى العقيدة
الكفر وأقسامه
مَن يُبْدِي فِي مَقَالاتِه وكِتَابَاتِه أنَّه لا يُصلِّي أو أنه لا يُؤْمِن بالله كيف يَتعامل معه المسلم؟ وما نَظرة الإسلام إليه أصلاً؟
القضية تتعلَّق بأمرين: ترك الصلاة، وعدم الإيمان بوجود الله. أمَّا ترك الصلاة فلا ريب أنَّ تَارِكَها كافر، ولكن أي كفر هو؟ هل هو كُفر بحيث يخرج مِن مِلَّة الإسلام أو كفر نعمة؟ الحديث دَلَّ على كفر تارك الصلاة عندما قال - عليه أفضل الصلاة والسلام -: «ليس بَيْنَ العبد والكفر إلا تركه الصلاة)، وفي رواية: «بين العبد والكفر ترك الصلاة» (2)، وفي الحديث الآخر: «العهد الذي بَيْنَنَا وبينهم الصلاة فَمَن تَرَكَهَا فَقَد كَفَر» (3)، لكن هل هو كُفر مِلة أو هو كُفْر نعمة؟
ذهب فريق من العلماء إلى أنَّه كُفر مِلَّة وأن تارك الصلاة خارج من مِلَّة الإسلام. ولكن فريقاً آخر يرى التمييز بين تركها استحلالاً وتركها انتهاكا، فإن تَرَكَها استحلالاً وذلك بأن يكون مُنْكِراً لِوُجُوبِها جَاحِداً لفَرْضِيَّتِهَا فإنه يكون خارجاً من مِلَّة الإسلام وحكمه حكم المرتدين إن كان من قبل على مِلَّة الإسلام، وإن تَرَكَها انْتِهَاكاً بحيث يَدِين بِفَرْضِيَّتِها أي يعتقد اعتقاداً جازماً بأنَّها فريضة ويعتقد في قَرَارة نفسه بأنَّه مُخَالِف لأمر الله وأنَّه صَال بهذه المخالَفَة عندما يَدَعُ الصلاة فهذا كفره كفر نعمة وليس كُفر مِلَّة، فهو غير خارج مِن
ملة
الإسلام إذ لَم يَجْحَد شيئاً مِمَّا عُلِم من الدين بالضرورة، وإنَّما كفر نعمة الله
(1) رواه الإمام الربيع (303). (2) رواه البيهقي في السنن (6288).
(3) رواه الترمذي (2545) والنسائي (459). (2/242)
صفحة 690
الكفر والنفاق
الجزء الثاني
243
تعالى بإعْرَاضه عن هذا الواجب المقدَّس الذي فرضه الله سبحانه وهذا القول
هو الذي نَعْتَمِده.
الضلال ومن
أمَّا بالنظر إلى مَن جَحَد وُجُود الله فهذا بَلغَ مِن الشخف ومن العمى مبلغاً عظيما، لأنَّه يَجْحَدُ ما يَدُلُّ وُجوده هو على وجوده، فهو يَجْحَد وُجُود الله أن وجوده هو شَاهِد على وجود الله، بل كل خَلِيَّة من مع خلايا جسمه وما هو أَدَقُّ منها من تراكيبها العَجِيبَة كُلِّ مِن ذلك نَاطِقِ بِلِسَان حَالِهِ يُعْلِنُ افْتِقَارَه إلى واجب الوُجُود لِذَاتِه، إذ لا يُمْكِن بِحَال من الأحوال أن يَخْرُج شيء من العدم إلى الوُجُود إلا بِمُخْرِج، فالله تعالى يتجلى وجوده في كل ذرة مِن ذَرَّات الكون، وفي كل خَلِيَّة من خلايا الإنسان، بل فيما هو أَدَقُ مِن الخلايا مِن حُسَيْمَات ومِمَّا هو أدَقُ مِن هذه الجسَيْمَات، فكُلِّ مِن ذلك شاهد على وُجُود الله، فكيف مع ذلك يَجْحَد هذا الإنسان خَالِقَهُ العظيم
سبحانه؟!
من
وقد سمعت أحد الدُّعَاة يقول في خطابه الله ـ تعالى ـ ووصفه إيَّاه: عَرَفَك المؤمن ولَم يَرَك، وجَحَدَك الكافر وَوُجُودُه ناطق بِوُجُودِك، كيف تَخْفَى والشمس بعض آيَاتِك؟! أم كيف تُدْرَك والروح بعض أسرارك؟!»، فعلى الإنسان أن يُفَكِّر في نفسه، هل هو خَلَق نفسه؟ وهل أَخْرَجَ نفسه العدم إلى الوجود؟ وهل طَوَّرَ نفسه عندما كان خَلِيَّة واحدة مهينة حَقِيرَة لا تَكَاد تُبْصَر حتى بِأَشِعَّة المجهر مِن طَوْر إلى طَوْر حتى تكونت منه ملايين الملايين من الخلايا؟ هل هو نفسه الذي طَوَّر نفسه في هذه الأَطْوَار فَوَهَبَ نفسه السمع والبصر والقوة ودَرَّجَ نفسه في مَدَارِج أَطْوَار هذه الحياة حتى وصل إلى ما وصل إليه؟ كل ذلك شاهد على وُجُود الله تعالى، فمن أَنْكَر وُجُوده لم يكن كافراً مُشْرِكاً بالله فحسب بل يَتَجَاوَز ذلك إلى ما هو (2/243)
صفحة 691
244
الفتاوى العقيدة
أَعْمَقُ من الشرك وهو الإلحاد لأنَّه أَنكر أهم ما يتوقف عليه الإيمان، بل أنكر معرفة الله تعالى وأنْكَرَ وُجُودَ ذاته سبحانه وذلك أعظم ما يتوقف عليه الإيمان إذ الإيمان بكل شيء إنَّما هو موقوف على الإيمان بالله تعالى، والله المستعان.
ما حكم تكفير تارك الصلاة؟
دلت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم على كُفْرِ تارك الصلاة، فهو الله يقول: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تَرَكَها فقد كفر» ويقول الله: «ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة وفي رواية أخرى: «بين العبد والكفر تَركُهُ الصلاة إلى غير ذلك من الروايات، ولكن هل هو كفر نعمة أو كفر ملة؟ الذي نأخذ به ونعوّل عليه أنه إن كان لَم يَجْحَد الصلاة وإنَّما تركها تَهاوناً فَكُفره كفر نعمة وليس كفر ملة، بِحيث لا يُخرج مِن ملة المسلمين ويبقى التوارث بينه وبينهم ولا تحرم عليه امرأته وإن كان لا ينبغي للمرأة المسلمة المُصلِّية المحافظة على دينها أن تكون حَلِيلَة لتارك الصلاة كيفما كان الأمر، ولكن مع ذلك لا نقول بأنَّها تحرم عليه، وإنَّما يُطالب بالاستقامة والمحافظة على الصلاة، وإن مات فهو يُدفن في مقابر المسلمين ويصلى عليه ـ على القول الراجح - عملاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلاة على موتى أهل القبلة المقرّين بالله ورسوله واجبة فمن تَرَكها فقد كفر) والحديث الآخر أيضاً: «الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر وصلوا على كل بر وفاجر» (2)، فلا يُحرم من حقوق موتى المسلمين وغيرهم، ولكن مع ذلك هو مرتكب كُفر
نعمة لأنه كفر نعمة الله بتركه الصلاة.
6
(1) رواه الإمام الربيع (777).
(2) رواه الإمام الربيع (776). (2/244)
صفحة 692
الكفر والنفاق
الجزء الثاني
245
بينما تاركها جُحُوداً يكون كافراً كُفر مِلَّة، فيحكم عليه بأنه مرتد عن الإسلام .. ويُطبق عليه حد الردة ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يستحق شيئاً من حقوق موتى المسلمين ولا يكون بينه وبين المسلمين توارث، والله أعلم.
ما الفرق بين الفسوق وكفر النعمة؟
نحن لا نفرق بينهما، ولذلك لا نقول كما تقول المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين، فالمعتزلة يخصون كافر النعمة باسم الفاسق، مع أن الفسوق في الحقيقة قد يطلق على جميع المخالفات الشرعية حتى على القضايا العقدية التي تفضي إلى الشرك، فالفسوق في اللغة هو بمعنى الخروج، يقال فسقت الرطبة إذا خرجت ويقال فسق عن الطريق إذا حاد عنه، ففسق کجار بمعنى
خرج
كما قال الشاعر:
فواسقاً عن قصدها جوائرا
والآيات الكريمة تدل على التساوي ما بين الفسوق وكفر النعمة، فالله لا قال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَتبكَ هُمُ الْكَفِرُونَ} [المائدة: 44] وقال وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [المائدة: 45]، وقال: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ} [المائدة: 47]، فإذاً الفسوق وكفر النعمة سيان لا فرق بينهما، نعم الكفر قد يطلق على كفر النعمة وكفر الشرك، والفسوق قد يطلق على المخالفة العملية، ويطلق على المخالفة العقدية التي تفضي إلى الشرك، كفسوق المنافقين كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]، والله أعلم.
هل من يكفر كفر النعمة تحرم على المسلمين غيبته والتجسس عليه؟ تحرم غيبة البر الصالح التقي دون غيره، أما التجسس فيحرم التجسس (2/245)
صفحة 693
246 الفتاوى العقيدة
على كل أحد، فقد قال تعالى: وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا} [الحجرات: 12]، فمنع
أن يغتاب بعضنا بعضا ولكن قال في التجسس:
وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات 12 فمنع مطلق التجسس حتى على المشرك، إلا أن هناك فرقاً بين المجاهر بمعصيته وبين من يرتكب معصية خاصة بنفسه لا يضر بها أحداً من الناس ولا يجاهر بها، فهذا الأخير قد أسدل على نفسه ستراً فلا ينبغي أن يهتك ستره إلا إذا كانت هناك مضرة على الأمة مستورا، فلا مانع أن يذكر بعمله في هذه الحالة لأجل الحذر من كيده واتقائه، لا لأجل التلذذ بذكر مساوئ الناس، لأن التلذذ بذلك حرام، والله أعلم.
من بقاء حاله
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (1) إلى من يعود الضمير في «بينهم»؟
إلى الناس - وإن كانوا غير مذكورين، فمن ترك الصلاة من الناس فقد كفر كفر نعمة إن كان غير مستحل لتركها، وكفر شرك إن كان مستحلاً لتركها، والله أعلم.
في قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَتَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ} [المائدة: 44]، هل هو كفر مِلَّة، أم هو كفر دون كفر؟
إن كان راداً لحكم الله وذلك بأن يعتقد أنَّ ما أنزله الله ـ تعالى ـ باطل وأنَّ ما كان من شرعة الطاغوت هو الحق، ففي هذه الحالة يكون راداً لنص قطعي، ويكون كفره كفر، ملة، وبهذا يَخرج مِن مِلَّةِ الإسلام، أما إن كان يرتكب المخالفة إيمانه بأنَّ ما أنزله الله تعالى هو الحق وأن ما خالفه هو مع
الباطل ففي هذه الحالة يكون كفره كفر نعمة؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.
(1) رواه النسائي (329) وابن ماجه (1069). (2/246)
صفحة 694
الكفر والنفاق
الجزء الثاني
247
هناك كلمات يظهر أنها كلمات كفر، وقد جاءت نتيجة عدم فهم المسلمين لعقيدتهم الإسلامية، فمثلاً البعض يقول: «لا حول الله»، ولا يكملها، والبعض يسمي الشبشب وهي النعل المعروفة ببعض الصفات، يسميها «زنوبة»، ويقول البعض إن هذا اسم يهودي، والبعض يقول راعي السباق، فراعنا التي وردت في القرآن ربما ينطبق عليها هذا الكلام، فهل من نصيحة تقدمونها لهؤلاء؟
هي
على الناس أن يتقوا الله - تعالى - في عباراتهم فلا يتحدثوا عن الله إلا بما فيه تعظيم الله وتقديس وتنزيه له بحسب ما أذن به الله له من غير أن ينحرفوا عن ذلك، وليلزموا ما أُمروا أن يقولوه، فهم عليهم أن يقولوا لا إله إلا الله، لا أن يقولوا لا إله؛ لأن كلمة لا إله كلمة إلحاد تعني نفي الألوهية - تعالى الله عن ذلك ـ، وكذلك عليهم أن يقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله، لا أن يقولوا لا حول ويسكتوا، أو يقولوا لا حول الله، ومثل هذه الكلمات كفر وأيّ كفر، وكذلك سائر الكلمات الكفرية التي لا يعذر قائلها وإن كان جاهلا، فعليهم أن يتقوا الله وأن يقولوا قولا سديدا.
وكذلك الحال في الكلمات التي ربما تثير شكوكاً في معانيها أو يترتب عليها شيء من المفاسد، فعلى المسلمين جميعاً أن يتقوا الله وألا يقولوها، فإنّ سد الذرائع باب من أبواب الشريعة الإسلامية، جاء به القرآن الكريم، وجاءت به السُّنَّة النبوية على صاحبها - أفضل الصلاة والسلام، والله ـ تعالى ـ المستعان.
امرأة زوجها يسكر ولا يصلي ولا يصوم، كيف يكون موقفها معه؟ مِمّا يُؤسف له أنَّ كثيراً من الناس وكثيراً من الأسر لا يُقيمون وزناً للدِّين كما ينبغي في قضية العلاقات الاجتماعية، ولذلك عندما يأتيهم خاطب يريد (2/247)
صفحة 695
248 الفتاوى العقيدة
الارتباط بموليتهم لا يبالون بدينه فلا يسألون عن عبادته، ولا عن أمانته،
ولا عن صدقه، ولا
عن
أخلاقه، إنَّما يُعنون بجانب المال وأصالة المحتد
والمنصب وترف هذه الحياة الدنيا، وهذا مما يُنافي ما يوجهنا إليه القرآن الكريم، وما توجهنا إليه السُّنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم، فإِنَّ الله تعالى يُبين لنا أنَّ معيار التفاضل بين الناس إنَّما هو الدين فقد قال له: يَأَيُّها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ} [الحجرات: 13]، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر ما تنكح من أجله المرأة قال: فاظفر بذات الدين تربت يداك» (1). وقال: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» (2). وهذا كله مما يدل على أنَّ الدين هو المحور الذي يجب أن يرتكز عليه اهتمام جميع الناس في العلاقات الاجتماعية وفي غيرها. هذا ومن المعلوم أن تارك الصلاة لا نَصيب له في الإسلام، فإنَّ الله تعالى يقول: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَآتَوُا الزَّكَوةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]، ويقول أيضاً: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلوةَ وَعَاتَوُا الزَّكَوةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]، فجعل تميز المسلم واستحقاقه حقوق الإسلام إنَّما هو بتوبته مما كان عليه من قبل إن كان على مِلَّة الجاهلية مع إقامه للصلاة وإيتائه للزكاة. وهذا ما تدل عليه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً ـ، فالنبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - يقول كما في حديث ابن عمر عند الشيخين وغيرهما: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأَنِّي رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مِنّي دماءهم وأموالهم إلا بحق
الإسلام وحسابهم على الله» (3).
(1) رواه البخاري (4700).
(2) رواه الترمذي (1004).
(3) رواه البخاري (24) ومسلم (29). (2/248)
صفحة 696
الكفر والنفاق
الجزء الثاني
249
فالصلاة لها مكانة عظيمة، ولذلك نرى دائماً أنها تتصدر الأعمال عندما تذكر في القرآن الكريم، فالله تعالى يقول: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَا رَزَقْهُم يُنفِقُونَ} [البقرة: 2 - 3]، ويقول سبحانه: {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} النمل: 2 - 3) ويقول جل شأنه: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [لقمان: 3 - 4] وكذلك الحال في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذ نجد أن الصلاة هي التي تتصدر الأعمال الصالحة وذلك في أحاديث كثيرة لسنا الآن بصدد استعراضها، فلذلك كان من الضرورة بمكان أن يُسأل عن المرء أَوَّل ما يُسأل عن صلاته، هل هو محافظ عليها؟ وهل هو قائم بحقها؟.
ومن ترك الصلاة لا نصيب له في الإسلام كما قلنا، ففي الحديث عن النبي: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فَمَن تركها فقد كفر)، ويقول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام: ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة» (2)؛ أهم الأعمال التي يجب أن تراعى في هذا الجانب.
فالصلاة
هي
:-
وتارك الصلاة لا يخلو إما أن يكون تاركاً لها مع إنكاره إياها، وفي هذه الحالة يكون في عداد المرتدين، ولا يجوز أن تبقى هذه المرأة عنده لحظة واحدة، لأن زواجه بها زواج فاسد ذلك لأنَّه لا يجوز إنكاح المشركين، فالله تعالى يقول: {وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقرة: 221]، وعليها أن تخرج من بيته وأن لا تبقى عنده، وهكذا الحكم إن أنكر علم من الدين بالضرورة كأن يُنكر اليوم الآخر أو يُنكر
(1) رواه النسائي (329) وابن ماجه (1069). (2) رواه الإمام الربيع (303). (2/249)
صفحة 697
250
الفتاوى العقيدة
صفة من صفات الله - تعالى - التي نص عليها القرآن الكريم، أو يُنكر الزكاة المشروعة، أو يُنكر شيئاً من أحكام الله - تعالى ـ التي نص عليها القرآن أو نصت عليها سُنةٌ متواترة عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل
الكريم
الصلاة والتسليم.
مع
أما إن كان لا يُنكر وجوب الصلاة ويدين الله - تعالى - بوجوبها ولكنَّه ذلك متهاون بها فإنه يكون كافراً كفر نعمة، ولا خير في بقائها عنده، ولكن لا نقول بأنَّه يحرم عليها أن تبقى عنده، وإن كان من الأفضل للمرأة المسلمة أن لا تبقى مع تارك الصلاة.
ومهما يكن فإنَّنا نوصي النساء أن لا يرضين بالارتباط إلا بمن يُرتضى دينه وخلقه، ونوصي أولياء أمورهن أن لا يرضوا بربط مصير مولياتهم إلا بمصير من يرتضى دينه وخلقه؛ والله ـ تعالى ـ ولي التوفيق.
ما هي أقسام النفاق؟
ينقسم النفاق إلى قسمين لأنه إما أن يكون نفاق عقيدة، وإما أن يكون نفاق عمل، فنفاق العقيدة هو أن يُبطن عقيدة الكفر في حنايا ضميره وبين طوايا نفسه ويُظهر عقيدة الإسلام، وهذا الذي كان عليه معظم المنافقين في عهد النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، ومما يدل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ} [المنافقون: 1] وكذلك قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8].
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} [البقرة: 14]؛ وأما النفاق العملي فهو ما دل عليه الحديث الشريف: «ثلاث (2/250)
صفحة 698
الكفر والنفاق
الجزء الثاني
251
من كن فيه فهو منافق ... ) وفي رواية: «أربع ... (2) إلى آخره؛ والنفاق العقدي هو وإن كان في حقيقته كفرا بالله سبحانه وإشراكا من حيث الطوية التي ينطوي عليها هذا المنافق إلا أنه تجرى عليه جميع أحكام المسلمين في الظاهر. والله أعلم.
هل يعتبر خُلْف الوعد لسبب طارئ من علامات النفاق؟ أما إذا كان فيما لا يملك الإنسان دفعه فلا يعد من علامات النفاق، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والله أعلم.
هل يستباح دم المنافق إن كان ينقل أخبار المسلمين إلى أعدائهم كما قال الإمام جابر حين سئل عن أفضل الجهاد فقال: قتل خردلة؟
هذه
إن ثبت ذلك عليه، ولم تكن هناك ريبة فدمه يباح، لأنه يكون في الحالة محارباً للمسلمين بتآمره عليهم وخدمة أعدائهم ضدهم ولو لم يحمل عليهم السلاح، والله أعلم.
لماذا خص الرسول صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان بأسماء من عرف من المنافقين؟ هذا الأمر يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، فهو يصطفي من أصحابه لما يصطفيه له من أمره، ولا دخل لنا في ذلك، والله أعلم.
كيف يجمع بين حديث: «أذيعوا بخبر الفاسق» (3) وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقين؟
في
كان ستر الرسول الأعيان المنافقين وعدم البوح بأسمائهم لحكمة، وذلك حتى يبقى هذا الحكم سارياً في المنافقين من بعده ـ عليه أفضل
(1) رواه البخاري (32) ومسلم (89) بلفظ «آية المنافق ثلاث ... ».
(2) رواه البخاري (33) ومسلم (88).
(3) رواه ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة بلفظ اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس». (2/251)
صفحة 699
252 الفتاوى العقيدة
الصلاة والسلام - فلو ظهروا للناس فلربما كانت هناك عداوات ظاهرة ما بين المسلمين وبينهم، ولربما أفضى الأمر إلى ما هو أكبر من ذلك، والله أعلم.
إذا كان جزاء المنافق نفاقاً عقدياً هو أنه في الدرك الأسفل من النار، فما جزاء المنافق نفاقاً عملياً؟
هو بحسب ما عمل، فالنار والعياذ بالله دركات فإن تاب إلى الله قبل الله توبته، وإن لم يتب إلى الله باء بسوء المصير ـ والعياذ بالله - {لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبْ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]، ولكن هذا الجزاء إنما هو بقدر العمل والله أعلم.
هل تجتمع صفة النفاق العقدي والعملي؟
نعم تجتمع، فقد يكون منافقاً نفاقاً عقدياً ذلك يخل بالأعمال الواجبة ومع عليه، والله أعلم.
هل يقال للذي خطب على خطبة أخيه منافق؟ وما هي توبته؟ هذا نفاق عملي وليس نفاقاً عقدياً، وتوبته أن يترك السبيل لذلك الخاطب الأول، والله أعلم.
ما حكم معاملة المنافق نفاقاً عملياً؟
إن ثبت ذلك عليه فهو في براءة المسلمين إلا أن يتوب والله أعلم.
الشرك وأحكامه
هل يطلق على من أنكر وجود الله وعل - كالملاحدة ـ أنه كافر كفر شرك أو لفظة مشرك فإن كان كذلك فما وجهه مع أنه لا يؤمن أصلاً
بوجوده؟ الشرك ينقسم ـ كما قال العلماء ـ إلى قسمين: شرك جحود وشرك مساواة: (2/252)
صفحة 700
الكفر والنفاق
الجزء الثاني
253
فشرك الجحود يشمل إنكار وجود الله، فمن جحد وجود الله الله فقد أشرك بالله من حيث إنه سوى الله الا الله وهو الواجب الوجود بغيره مما هو ليس بموجود، وكذلك من جحد صفة من صفات الله، كأن يجحد كون الله الله عليماً، أو يجحد كونه قديراً، أو كونه خالقاً، أو كونه رازقاً، أو أي صفة من صفاته سبحانه سواء كانت هذه الصفات فعلية أو ذاتية، وكذلك من جحد رسولاً من رسل الله، أو جحد كتاباً من كتب الله، أو جحد حكماً من أحكام الله، كأن يجحد حكم الخمر، فيدعي أن الخمر حلال، أو يجحد حكم الزنا، فيدعي أن الزنا حلال، أو يجحد حكم الربا فيدعي أن الربا حلال، أو يجحد أي حكم من نحو هذه الأحكام فهو مشرك شرك جحود، وكذلك إنكار أي شيء مما أخبر الله تعالى به كإنكار ملائكته سبحانه أو إنكار اليوم الآخر أو شيء منه، كإنكار مجازاة المؤمنين بالجنة، ومجازاة المشركين بالنار فإن ذلك كله يعد جحداً بما أخبر الله تعالى به، فهو أيضاً من شرك الجحود.
وأما شرك المساواة فهو من حيث التسوية بين الله تعالى وبين غيره، وذلك كأن يجعل المشرك الله تعالى نداً، فيعبد غير الله مع الله، فإن هذا الشرك هو شرك مساواة إذ سوى الله بغيره وسوى غير الله به، وكذلك لو اعتقد أن غير الله تعالى خالق، أو رازق، أو باعث للأموات، أو أن الله الا الله من يعينه على أعماله، كأن يعينه على خلقه أو على بسط الرزق أو على بعث الناس يوم القيامة وهكذا، والتحقيق أن كل واحد من النوعين يمكن أن يؤول إلى النوع الآخر، وأما
حكمهما فهو متحد بالإجماع فلا فارق بينهما هذا النوع وذاك، والله أعلم.
مَن يَرَى أَن هَذِهِ الكَوَارِث هي مِن نَشج الطبيعة منفصلة عن إرادة الله، هَلْ يُؤَثر مِثْل هَذَا عَلَى عَقِيدَتِهِ وإسلامه؟
الذي لا يُؤْمن بأن هَذَا الكَوْنَ مُدَبَّر مِن قِبل الله تعالى فإن إسلامه يَتَلَاشَى (2/253)
صفحة 701
254 الفتاوى العقيدة
مَعَ هذا المُعْتَقَد إذ الله - تعالى - وَحْدَهُ هُوَ الذِي يُدَبِّر الكون، والآيات القرآنية تدل عَلَى أنَّ القرآن الكريم يصل إلى جَمِيع الظُّوَاهِر الكَوْنِيَة بِأَمْرِ الله تعالى يقول: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى اللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ (3) أَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ما كَانَ لَكُم أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَوَلَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمُ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِرا أَعِ لَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمَن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَعِلَهُ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَرُونَ) أَمَن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَى رَحْمَتِهِ أَوِلَهُ مَّعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عمَّا يُشْرِكُونَ (3) أَمَن يَبْدُوا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَعِلَهُ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ} [النمل: 59 - 464، فالذي يَتَعَامَى عَن هَذِهِ الحقائق، ويعزو ما يَجْرِي فِي هَذَا الكَوْن إِلى أُمُورٍ طَبِيعية مَفْصُولَة عَن إرادة الله تعالى وتَقْدِيرِه وتدبيره مَعْنى ذلك أَنَّهُ جَعَل مَعَ اللهُ شَرِيكاً فِي تَدْبِيرِ هَذَا الكَوْن، أو أَنَّه جَحَدَ وُجُودَ الله وجَعَلَ غَيْر الله تعالى هو الذِي يُدَبِّر هَذَا الكون،
والله المستعان
الله
ملے
فيمن شك لفترة مؤقتة في إحدى صفات الله الذاتية واعتقد بعكسها تعالى عن ذلك هل يخرجه ذلك من الإسلام؟ نعم، إن شك الإنسان في الله هل عالم أو لا؟ فإن شكه هذا يخرجه من أو اعتقد أن الله تعالى جاهل أو عاجز أو ميت أو بخيل أو لئيم ـ تعالى
الإسلام
الله عن ذلك كله ـ فإنه يخرج بأي شيء من ذلك من ملة الإسلام والله أعلم. (2/254)
صفحة 702
الولاية والبراءة
الولاية (2/255)
صفحة 703
256 الفتاوى العقيدة
الولاية والبراءة
رحمهم
الله
إن الناس لا زالوا يتساءلون عن الأصل الذي عول عليه أصحابنا في قولهم بوجوب البراءة من مرتكب الكبيرة - إن لم يتب منها - وإن كان من جملة الموحدين، وعدم استغفارهم له وترحمهم عليه، ولربما جعل بعض الناس هذا مما يعاب به المذهب، فقد انتقد أكثر من واحد ما ذكرتموه في كتابكم الحق الدامغ» عن أبي حمزة الشاري الله أنه قال: «الناس منا ونحن منهم إلا مشركاً بالله عابد وثن، أو كافرا من أهل الكتاب، أو إماماً جائرا» حيث قالوا: كيف يقرن الإمام الجائر بالمشرك عابد الوثن والكافر من أهل الكتاب، مع أن الإمام الجائر من أهل التوحيد والمشرك والكتابي خارجان عن ملة الإسلام، فكيف يُلز معهما في قرن فيتبرأ منه كما تبرئ منهما؟! أولا يكفي أن يتبرأ من الكبيرة وحدها من غير البراءة من مرتكبها؟ وبما أن هذا الأمر التبس على كثير من الناس رأينا من الضرورة، بيانه، ليكون الناس على بينة من أمرهم وبصيرة من دينهم، لذلك نرجو الإجابة عن ذلك بما يشفي الغليل؟
الحمد لله الذي يحتكم إلى كتابه في كل شقاق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي جعل الله هديه مصدر الألفة والوفاق، وعلى آله وصحبه أئمة الهدى، وعلى كل من اتبع نهجهم فاتقى مسالك الردى.
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة. في النار، واعلم الله لم يذهبوا إلى ما ذهبوا إليه اعتباطاً، ولم يدينوا بما دانوا به عن هوى، وإنما عولوا فيما قالوه ودانوا به على بينة
أن أصحابنا رحمهم (2/256)
صفحة 704
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
257
من كتاب ربهم وهدي من سنة نبيهم عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، ومن عابهم فيما قالوه ودانوا به من هذا فقد عاب القرآن وعاب السُّنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وحسبك من أمرين أحلاهما مرّ، فإن هؤلاء إما أن يكونوا جاهلين بحكم الله وبهدي رسوله، فهم يقولون على الله ما لا يعلمون وكفى به إثما مبينا، فإن الله قرن ذلك بالإشراك به في قوله:
قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] وذكر أن ذلك من أمر الشيطان حيث قال:
إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169] وإما أن يكونوا متعمدين مكابرة الحق، ومغالطة الدليل فيصدق عليهم قوله تعالى: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] فهم على كلا الحالين لا يخرجون عن قول الشاعر:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم ذلك لأن الله سبحانه أخبر في كتابه الكريم أنه لا يرضى عن الفساق، حيث قال في الذين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن الجهاد وهم أغنياء، رضئ منهم بأن يكونوا مع الخوالف:
فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96] والآية عامة لكل فاسق وإن نزلت لسبب خاص، فإنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ ولحكمة يعلمها الله كانت العبارة على خلاف مقتضى الأصل حيث إن حكم هؤلاء لم يسلط على ضمير يرجع إليهم وإنما جرى على اسم ظاهر مع إمكان أن يقول مع إمكان أن يقول: «فإن (2/257)
صفحة 705
258 الفتاوى العقيدة
الله لا يرضى عنهم ولكن بدلاً من ذلك قال: {فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ} [التوبة: 96] للإشعار بأن فسوقهم هو علة هذا الحكم، فإن الحكم على المشتق يؤذن بأن أصل ذلك الاشتقاق علة لذلك الحكم، فحيثما وجد الفسوق كان هذا حكم من تلبس به، والفسق يصدق لغة وشرعاً على كل خارج عن على كل خارج عن طاعة الله وطاعة رسوله، فإنه لغة بمعنى الخروج، ولذلك يقال في الرطبة إذا خرجت عن بقية الرطب فاسقة، وقد دل القرآن على فسق مرتكب الكبيرة فقد قال تعالى في أكل ما لم يذكر اسم الله عليه وَإِنَّهُ لَفِسْقُ} [الأنعام: 121] وقال في الذين يرمون المحصنات:
فَأُولَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ} [النور: 55] وقال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِرُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَب بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنِ} [الحجرات: 11] ومعنى هذا أن الله تعالى لا يرضى عن أي فاسق ما دام مصراً على فسوقه، غير مقلع عن غيه، وإذا كان الله لا يرضى عنه كما أخبر بنفسه، فكيف يتولى في الدين مع الحب في الله تعالى؟!.
الولاية هي
أن
ومما يدل على وجوب البراءة منه قوله تعالى في المؤمنين: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّةَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات: 7] ثم بين أن هذا هو الرشد حيث حصر الراشدين في هذا الصنف من الناس بقوله: {أَوَلَيْكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7] وليس من المقبول عقلاً ولا شرعاً أن يكره أحد الكفر والفسوق والعصيان ثم لا يكره الكفار والفساق والعصاة، فإن كراهة الفعل تقتضي كراهة فاعله، وحبه يقتضي حب فاعله، فعدم كراهة هؤلاء، تعني عدم كراهة ما يصدر منهم من الكفر والفسوق والعصيان، وهذا يتنافى مع الرشد والإيمان. (2/258)
صفحة 706
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
259
سنة إلا خمسين
عاماً
وإن من أقوى الأدلة وأقطعها للسان كل مشاقق في هذا قوله تعالى: وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ, فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَكِمِينَ قَالَ يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِحٍ فَلَا تَسْتَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ} [هود: 45 - 46] فهذا نوح لبث في قومه ألف يدعوهم إلى الله صابراً على أذاهم، محتملاً كل عنت وشقاق لأجل دعوة ربه، يتلطف في هداية قومه بها فيجهر بها تارة ويسر بها أخرى، وظل على ذلك حتى قيل أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ} [هود: 36] فأيس من رشدهم ودعا الله أن يستأصلهم لقطع دابر كفرهم واستئصال شأفة شقاقهم، فحمل أهله ومن آمن معه على السفينة، ورفض ابنه الركوب معهم مؤثرا الإيواء إلى جبل يعصمه من الماء، فكان من المغرقين، وقد تلطف نوح في خطابه لربه بشأنه، فلم يزد على قوله:
مع
وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَكِيمِينَ} [هود: 45] فجاء رد ربنا الله مسكتا للسانه عن أي قول في هذا إلّا التسليم لأمر الله، إذ قال له الله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] أنه ابنه بشهادة وحي الله تعالى وعلل هذا الحكم بقوله {إِنَّهُ عَمَل صَلِحِ * ومعنى ذلك أنّ علة منعه من هذا القول ما صدر عن ابنه من عمله غير الصالح، وهو الذي أوبقه فكان مع الهالكين، ولتأثير هذا العمل عليه، وإحاطته به لأنه لم يتب منه حتى مات كان كأنه ذات العمل غير الصالح فأخبر عنه بنفس العمل في قراءة الجمهور برفع «عمل»، على أنه خبر (إن) ونعته (بغير) المضاف إلى (صالح)، وقرأ الكسائي ـ وهو أحد القراء السبعة المعتمدين - (عَمِل غير صالح) بكسر ميم «عمل» وفتح لامه على أنه فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى ابن نوح و «غير» مفتوح الراء لأنه مفعوله فهو منصوب به وقد قرأ بها أربعة من الصحابة وهم علي وعائشة
هو (2/259)
صفحة 707
260 الفتاوى العقيدة
وابن عباس وأنس، وروتها عائشة وأم سلمة ما عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أدل على تعليل منع نوح مما قاله فيه لربه بما عمله ابنه من العمل غير الصالح، فكيف يسوغ مع هذا أن يدعى لفاجر - يغدو ويروح على معاصي الله الموبقة - بالرحمة والمغفرة؟
فإن قيل: بأن ابن نوح لم يؤمن برسالة أبيه، بل كان كافراً بها، فلذلك منع نوح أن يتولاه، أو يدعو له، فلا يقاس عليه من أسلم وآمن بما جاءت به الرسل ولكنه فسق بارتكابه الكبائر.
قلنا: ليس في القرآن ما يشير قط أنه كان جاحداً لرسالة أبيه، أو صاداً عن الإيمان بها، وإنما قصارى أمره المذكور أنه كان في معزل عن أبيه ومن معه عندما ركبوا في السفينة، وأن نوحاً ناداه بأن يركب معهم، وأن لا يكون مع الكافرين بهلاكه معهم، فاعتذر إليه بأنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء، فكانت هذه معصية منه استحق بها الهلاك، واستحق بها براءة أبيه والمؤمنين منه، بل مما يتبادر أن نوحاً لو علم منه أنه مكذب برسالته لما دعاه إلى الركوب معه، كيف وقد أخبر أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، على أنه مهما يكن من أمره فإن هذا الحكم إنما نيط بعمله غير الصالح، وهو دليل على أن من كان كذلك فلا تحق له الولاية في الدين وإنما تجب البراءة منه، ومما يستبعد جداً أن يذكر ـ في مقام الرد على أبيه وتبصيره بأنه ليس من أهله - أدنى جرائمه ـ وهو عمله غير الصالح - ويسكت عما هو أشد وهو جحوده لرسالة أبيه وكفره بالله تعالى لو كان ذلك هو سبب وجوب براءته منه.
منه
هذا والقراءتان في الآية الكريمة دالتان على أن براءة نوح التي أوجبها الله عليه بقوله: {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) ـ مع كونه ابنه والابن من (2/260)
صفحة 708
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
261
أقرب الأهلين إلى أبيه لأنه بضعة منه ـ إنما هي معللة بما عمله من غير الصالحات، أما قراءة الكسائي فهي واضحة في ذلك، وأما قراءة الجمهور فهي لا تدل إلا على ذلك، وإنما فيها مبالغة في وصفه بالعمل غير الصالح. ومثل هذا التركيب في الكلام إن تبع جملة تتضمن حكما أو مسألة لا يفيد إلا تعليل ذلك الحكم أو تلك المسألة بما دلت عليه (إن) وما وليها ومن استقرأ ما جاء من ذلك في القرآن وجد من الشواهد على هذا ما يتجاوز الإحصاء، من ذلك قوله تعالى: {قَالُوا سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32] تعليل لقولهم: لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) وقوله: فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37] فإن قوله {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) تعليل لقوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ) وقوله تعالى فيما يحكيه عن إبراهيم وإسماعيل علي:
رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةٌ لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 127 - 128] فإن قولهما: {إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) تعليل لقولهما: {رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّا) وقولهما: إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) تعليل لقولهما: وَتُبْ عَلَيْنَا) وقولهما: مَن إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [البقرة: 129] تعليل
لقولهما: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ} [البقرة: 129].
وقوله وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 143] فإن قوله: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمُ) تعليل لقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ
إيمَنَكُمْ) وقوله: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةُ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ} [البقرة: 153] فإن قوله: {إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّبِرِينَ) تعليل لقوله: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ) وقوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينُ} [البقرة: 168) فإن قوله {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ (2/261)
صفحة 709
262 الفتاوى العقيدة
مبين
} [البقرة: 168] تعليل لقوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ} وقوله: {فَمَنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمُ) فإن قوله: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ رحِيمُ} [البقرة: 173 تعليل لقوله: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) وقوله: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) فإن قوله:
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) تعليل لقوله: {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) وقوله (فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ) فإن قوله: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ) تعليل لقوله: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) وقوله: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] فقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} تعليل لقوله:
وَلَا تَعْتَدُوا) ومثل ذلك قوله: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] وقوله: {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] وقوله: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] وقوله رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٌ طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38) وقوله: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119] وقوله: {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155] وقوله فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ} [آل عمران: 159] وقوله: {وَلَا تُخزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الميعاد) [آل عمران: 194] وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] وقوله: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كبيرًا} [النساء: 2] وقوله فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 16] وقوله: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 24] وقوله: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34] وقوله: {إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35) وقوله: {فَقَتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَنِ (2/262)
صفحة 710
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
263
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76] وقوله: {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 106] وقوله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّي الصّيدِ وَأَنتُمْ حُرُمُ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة: 1] وقوله: {وَأَنَقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [المائدة: 4] وقوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13] وقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 39] وقوله: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ} [المائدة: 51] وقوله: {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِي إِسْرَاءِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72] وقوله: {وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَمُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 116] فإن وما بعدها في هذه الآيات كلها تعليل لما سبقها من حكم تضمنته الجملة التي قبلها ونحو هذا في الآيات الكثيرة التي
لم أذكرها.
وقد أدرك هذا السر في التعبير فرسان البيان فوظفوه في كلامهم كما أدركه رادة فن البلاغة فأوسعوه بحثاً، قال إمام البلاغة عبدالقاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز»: روي عن الأصمعي أنه قال: كنت أسير مع أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر، وكانا يأتيان بشاراً فيسلمان عليه بغاية الإعظام ثم يقولان: يا أبا معاذ ما أحدثت فيخبرهما وينشدهما، ويسألان ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الزوال ثم ينصرفان، وأتياه يوماً فقالا له: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في مسلم بن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكم. قالوا بلغنا أنك كثرت فيها من الغريب قال: نعم بلغني أن مسلم بن قتيبة يتباصر بالغريب
فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف قالوا فأنشدناها يا أبا معاذ: فأنشدهما: بكرا صاحبي قبل الهجير إن ذاك النجاح في التبكير
حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان (إن ذاك النجاح (2/263)
صفحة 711
264 الفتاوى العقيدة
في التبكير) «بكرا فالنجاح في التبكير كان أحسن فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية فقلت: إن ذاك النجاح في التبكير».
كما تقول الأعراب البدويون ولو قلت بكرا فالنجاح كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذاك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة. قال: فقام خلف فقبل بين عينه. وقال الجرجاني على أثر هذه القصة فهل كان هذا القول من خلف والنقد على بشار إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟ قال: «واعلم من شأن «إن» إذا جاءت على هذه الوجه أن تغنى غناء الفاء العاطفة مثلا، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمراً عجيبا، فأنت ترى الكلام بها مستأنفا غير مستأنف مقطوعاً موصولاً معاً، أفلا ترى لو أسقطت إن من قوله إن ذاك النجاح في التبكير» لم تر الكلام يلتئم ولو رأيت الجملة الثانية تتصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل حتى تجئ
ثم
أن من
بالفاء فتقول: بكرا صاحبي قبل الهجير فذاك النجاح في التبكير
أنك
ومثله قول بعض العرب
لك الفداء
إن غناء الأبل الحداء
فغنها وهي فانظر إلى قوله: «إن غناء الإبل الحداء وإلى ملاءمته الكلام قبله وحسن تشبثه به ثم انظر إذا تركت إن وقلت فغنها وهي لك الفداء غناء الإبل الحداء. كيف تكون الصورة؟ وكيف ينبو أحد الكلامين عن الآخر؟ وكيف
يشئم هذا ويعرق ذاك حتى لا تجد حيلة في ائتلافها حتى تجتلب لها الفاء فتقول فغنها وهي لك الفداء فغناء الإبل الحداء؟» اهـ.
وبهذا يتبين لك ما وضحته من إفادة قوله تعالى: إنه عمل غير صالح
تعليل الحكم الذي سبقه في قوله: إنه ليس من أهلك ذلك لأن إسقاط (2/264)
صفحة 712
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
265
«إن» من مثل هذا التركيب لا يؤدي إلَّا إلى تنافر الكلامين وتفكك الجملتين حتى يفقد الكلام انسجامه ولا يعوض «إن» في مثل هذا إلا الفاء الدالة على ما يكون في ذلك انحطاط التعبير عن ذروته كما قال بشار من
مع
السببية وأنت تدري ما بين السببية والتعليل من التآخي والتوأمة.
فإن قيل: إذا سلم لهذا كله فلا يسلم أن هذا الحكم مشروع لنا فإن هذا الخطاب إنما خوطب به رسول آخر غير الرسول الذي تعبدنا بشرعه، وشرع من قبلنا ليس بشرع لنا. قلت: كلا، بل هذه من الأصول الثابتة التي تشترك فيها جميع شرائع الأنبياء، وهي مما تضمنه أمر الله لنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله: أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَتْهُمُ اقْتَدِهُ} [الأنعام: 90] فإن التوحيد والأخلاق لا يطرأ عليهما النسخ والغيرة على دين الله والغضب له تعالى من قواعد الدين التي لا تتزعزع في أي شرع وهذا ما أكده قوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] ومحادة الله كما تكون بالقول والاعتقاد تكون بالعمل والسلوك فتندرج فيها كبائر الأثم إذا أصر عليها صاحبها كيف وقد قال الله تعالى:
فليس
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36] ويعضد هذا موقف نبينا الله من أصحاب الكبائر فإنه إن لم يكن صريحاً في البراءة منهم يصح في الأذهان شيء، وقد أمرنا الله بالتأسي به في قوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]
وهاكم صوراً من مواقفه الله من أهل الكبائر. (2/265)
صفحة 713
266
الفتاوى العقيدة
1 - روى الربيع في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا ومن غشنا فليس منا ومن لم ما
يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا فليس منا وقد أخرج الجماعة إلا البخاري والنسائي عن أبي هريرة الله أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعاماً فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال: «من غشنا فليس منا» وفي رواية لمسلم «من غش فليس مني».
2 ـ أخرج الشيخان والترمذي والنسائي عن ابن مسعود صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى
-
الجاهلية».
روى البخاري وأبو داود عن أبي هريرة قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن وحمل التغني هنا على الاستغناء كما نص عليه الجوهري والهروي من اللغويين وأطال في الانتصار له القرطبي في تفسيره، ذلك لأن تفعل واستفعل يترادفان، كتكبر واستكبر.
4 - روى أبو داود عن أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبداً على سيده».
روى مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد وأبي بردة بن أبي موسى قالا: أغمي على أبي موسى، وأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة قالا: ثم أفاق، قال: ألم تعلمي - وكان يحدثها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا بريء
ممن حلق وسلق وخرق. ورواه مسلم أيضاً عن عياض الأشعري عن امرأة أبي موسى عن أبي موسى، وعن صفوان بن محرز عن أبي موسى، وعن ربعي بن خراش عن (2/266)
صفحة 714
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
267
أبي موسى، غير أن في حديث عياض ليس منا ولم يقل «بريء» ومؤدى
اللفظين واحد.
ورواه أبو داود عن يزيد بن أوس قال دخلت على أبي موسى وهو ثقيل، فذهبت امرأته لتبكي أو تهم به فقال لها أبو موسى: أما سمعت ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت، بلي فسكتت فلما مات أبو موسى قال يزيد لقيت المرأة فقلت لها: ما قول أبي موسى لك: أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سکت؟ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من حلق ومن سلق ومن خرق» وهذا هو لفظ عياض الأشعري عند
- V
_9
مسلم.
روى أحمد قال حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من حلف بالأمانة، ومن خبب على امرئ زوجته أو مملوكه فليس منا».
روى مسلم عن أياس بن سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سلَّ علينا السيف فليس منا» وأخرجه من طريق
بلفظ «من
حمل علينا السلاح فليس منا ومن طريق أبي هريرة بلفظ: «من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا».
- أخرج الطبراني في كبيره عن ابن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من حمل علينا السلاح».
روى البيهقي في الآداب عن جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية». (2/267)
صفحة 715
268 الفتاوى العقيدة
10 ـ أخرج الطبراني في كبيره عن عمران بن حصين ه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له
- أظنه قال ـ أو سحر أو سحر له».
11 ـ أخرج الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس منا من انتهب أو سلب أو أشار بالسلب» قال: وهذا حديث صحيح ولم يخرجاه.
12 - روى الطبراني في كبيره عن ابن عباس قال: شكا رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم العزوبة فقال: ألا أختصي؟ فقال: «لا، ليس منا من خصى أو اختصى ولكن صم ووفر شعر جسدك».
13
-
-
14
15
-
روى أبو يعلى من طريق ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس منا من أجلب على الخيل يوم الرهان وليس منا من خبب عبدا
علي سيده وليس منا من أفسد امرأة على زوجها».
في مسند الشهاب للقضاعي بإسناده إلى عائشة ما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله وهم يرون ريح
القتار من الجيران ويرونهم يكسون ولا يكسون.
أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت روي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال وفي إسناده رجل مجهول ولكن متنه صحيح لاعتضاده بالأدلة الصحيحة. (2/268)
صفحة 716
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
269
16
17
-
روى الترمذي من طريق أنس له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا».
أيضاً
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: روي
«ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالأكف وهو وإن أعل بابن لهيعة وما قيل في روايات عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فإن معناه صحيح لاعتضاده بالقرآن الكريم والأحاديث الصحيحة. وأمثال هذه الروايات كثيرة وهي جميعاً تدل على براءة النبي صلى الله عليه وسلم ممن فعل كبيرة فأي ريبة تبقى من موقف أصحابنا من المصرين على الكبائر المجاهرين بانتهاك حرم الله تعالى؟!.
أما أولئك الذين عابوا أبا حمزة الشاري والمعالى بسبب براءته من الإمام الجائر وإلحاقه إياه بالمشرك عابد الوثن والكافر من أهل الكتاب في البراءة منه فإن عيبهم إياه لا يدل إلا على جهلهم، بالإسلام، لما ران على قلوبهم من ممارسة الظلم واستولى عليهم من حب الظالمين الذين مقتهم الله ورسوله والمؤمنون، فقد بلغت بهم ألفتهم للظلم أن كانت ولاية الظالم وتأييدهم إياه وتبكيتهم لمن خالفه وبراءتهم ممن فارقه جزءاً من عقيدتهم التي بها يدينون، مع أن الله تعالى توعد بالنار على مجرد الركون إلى الذين ظلموا في قوله: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [هود: 113] والركون هو ميل النفس كما فسره ابن عباس، وفسره السدي وابن زيد بالمداهنة، وقال سفيان في معنى «ولا تركنوا لا تدنوا إلى الذين ظلموا، وقال أبو العالية: «لا ترضوا أعمالهم» (2/269)
صفحة 717
270 الفتاوى العقيدة
ومنهم من قال: لا تجالسوهم وهذه التفاسير وإن اختلفت ألفاظها فإن معناها واحد، لأنها تؤدي إلى غاية واحدة، وهي مجانبة أهل الظلم، وكراهة ما يصدر عنهم، وليت شعري أيكون مبايناً لهم من امتلأ قلبه غيرة عليهم حتى استنكر البراءة منهم، وعدها من معالم الضلال؟!.
فإن قيل: بأن الظلم في الآية لا يصدق على فعل أئمة الجور، وإنما هو الإشراك بالله.
قلت: هذه أدهى وأمر، فإن حصر الظلم في الإشراك بالله وهم ناشئ عما تشبعت به هذه النفوس من حب الجور والفساد، وقد أدى ذلك إلى انقلاب موازينها حتى رأت البطش بالناس وغمطهم حقوقهم وسلبهم كرامتهم الإنسانية لا ينطبق عليه وعيد الظلم، وكذلك انحراف الأخلاق، والخروج عن سواء الصراط في السلوك والمعاملات، وهذا مما أدى إلى الاستهانة بكبائر الأثم والفحشاء على أن خير ما يبين مجملات القرآن نصوص القرآن التفصيلية، وكم فيها مما يدل على أن الظلم لا ينحصر في الإشراك، وإنما يصدق على ظلم العبد نفسه بعصيانه وظلمه لغيره بسلبه حقه الشرعي.
ومن ذلك أن الله تعالى حكى عن آدم وحواء لا أنهما:
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ} [الأعراف: 23] وقال عن يونس فَنَادَى فِي الظُّلُمَتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّلِمِينَ} [الأنبياء: 87] وحكى عن موسى أنه قال بعدما قتل القبطي قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16].
ولا يدعي أحد من ذوي العقول أن هؤلاء أرادوا الاعتراف بالإشراك هم لو أرادوا ذلك لكانوا في قولهم كاذبين فإن من المعلوم قطعاً أنهم (2/270)
صفحة 718
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
271
لم يشركوا بالله طرفة عين فآدم وحواء ما كانا بأكلهما من الشجرة مشركين، ويونس لم يشرك بالله بذهابه عن قومه مغاضباً، وموسى ما كان بقتله القبطي مشركا، وإنما أرادوا الاعتراف بالخطيئة وقد سموها ظلما، فعلم أن الظلم ينطبق على الخطايا جميعاً، ويؤكده أن الله تعالى قال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُم ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36] ومن المعلوم أن المراد بالظلم هنا القتال في الأشهر الحرم وهو ليس بشرك قطعاً.
وقال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِرُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنْ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأَوَلَيْكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11) ومن المعلوم أنه لا يعد شيء مما ذكر هنا شركا وقال: {تَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1) والآية خطاب لأمة الإسلام في شخص نبيها الله ولا تعنى الشرك بحال. ومما يدل على أن وصف الذين ظلموا في الآية الكريمة يصدق على غير المشركين أنها مسبوقة بقوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112] إذ لا يخفى على ذي بصيرة أن الأمر بالاستقامة في الآية يعنى الاستقامة على الدين بفعل أوامره وترك نواهيه والتزام حدوده كما قال الزمخشري: «فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق غير عادل عنها وقال ابن عطية: «أمر بالاستقامة وهو عليها وهو أمر بالدوام والثبوت والخطاب للرسول وأصحابه الذين تابوا من الكفر ولسائر الأمة فالمعنى وأمرت مخاطبة تعظيم وقد اقترن ذلك (2/271)
صفحة 719
272 الفتاوى العقيدة
الطغيان
بالنهي عن الطغيان والمراد به العصيان كما فسره ابن زيد بقوله: «لا تعصوا ربكم» وقال الزمخشري: «لا تخرجوا عن حدود الله» وأتبع ذلك بقوله: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ليفيد أنهم ـ كما أمروا بالاستقامة وعدم مأمورون بمفارقة الذين لم يستقيموا على منهاج الحق فظلموا أنفسهم بالوقوع في معاصي الله والإصرار عليها، وذلك بتحذيرهم من مجرد الركون إليهم ووعيدهم بالنار إن لم يمتثلوا.
فإن جادل في هذا مجادل زاعماً أن الآية لا تنطبق على غير المشركين بدليل قوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظَامُ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] وقوله: {وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254].
فجوابه أن قوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلُهُ عَظِيمٌ} لا يدل بحال من الأحوال على انحصار الظلم في الشرك وإنما قصارى ما يدل عليه أن الشرك هو أعظم الظلم، ولا خلاف في هذا فإن كل عاقل يدرك أن أقبح الظلم وأشنعه وأسوأه وأرداه أن يجعل العبد الله تعالى شريكاً مع أنه الذي خلقه فسواه وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، ولكن أين الدليل في هذا على أن ما دون الشرك لا يعد ظلما ولا ينطبق عليه الوعيد على الظلم؟ بل الآية نفسها دليل على أن ما دون الشرك من ضروب الشرّ يكون ظلما أيضاً، فإن الشر دركات كما أن الخير درجات وما مثل ذلك إلا كمثل قوله:
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] فإنه يدل على أن من الرقاب
المملوكة التي يجري فيها العتق رقابا غير مؤمنة ولكن لا يجزي عتقها في كفارات القتل، ومثله قوله تعالى: {وَجَاه و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 116] فإنه يدل على أن من السحر ما هو دون ما جاؤوا به وإلا فما فائدة وصفه بأنه
عظيم؟!. (2/272)
صفحة 720
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
273
وبهذا يتبين لك أن محاولة رد كل ظلم إلى الشرك ليست هي إلا فراراً من الواضح إلى المشكل ومن البصيرة إلى العمى، ناهيك بالأدلة الصريحة الواضحة الدالة على أن ما دون الشرك يصدق عليه وصف الظلم أيضاً وقد مضى ذكر بعضها وكفى.
أما قوله تعالى: {وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 254] فإنا إن سلمنا إفادتها الحصر ـ لا نسلم أن الكفر فيها هو كفر الشرك، فإن الكفر كفران «كفر (شرك وهو المخرج من ملة الإسلام الذي يترتب عليه عدم التوارث، وعدم جواز تزويج من اتصف به بمسلمة وعدم دفنه في مقابر المسلمين، وعدم مواراته على الطريقة الإسلامية، وكفر نعمة»: وهو لا يخرج من اتصف به من الملة، ولا يترتب عليه حرمانه من حقوق المسلمين في حياته ولا في مماته إلا الولاية التي هي اصطفاء موقوف على الوفاء بالواجبات واجتناب المحظورات، ذلك لأن أصل الكفر التغطية كما قال تعالى: أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ} [الحديد: 20] أي الزراع أي الزراع لأنهم يغطون البذر بالتراب، وقال الشاعر:
يعلو طريقة متنها متواتراً في ليلة كفر النجوم غمامها
وقال آخر:
ألقت ذكاء يمينها في كافر
وذكاء ـ بضم تحتجب وراء الأفق الساتر لها، وقد دلّ على هذا النوع من الكفر دلائل
بضم الذال ـ الشمس، وإلقاؤها يمينها في كافر غروبها لأنها
در
كثيرة من القرآن الكريم وأحاديث الرسول الله، فمما دل عليه في القرآن قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَلَمِينَ} [آل عمران: 97 فالمراد بمن كفر هنا من ترك الحج مع
استطاعته، (2/273)
صفحة 721
274 الفتاوى العقيدة
وهو ليس بمشرك إجماعاً إن لم يجحد فرضيته، وقوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأَوَلَتَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ} [المائدة: 44] مع أن الحاكم بغير ما أنزل الله لا يخرج من ملة الإسلام إن كان مقرا بحكمه سبحانه، وقوله:
{إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] وقوله في سليمان بن داود: {قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِى أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل: 40] وأما الأحاديث فهي كثيرة يطول بها المقام، وقد ذكرت جانباً منها في الجزء الثاني من جواهر التفسير فراجعه وهو في مصطلح أهل الحديث كفر دون كفر وبذلك ترجم له البخاري في صحيحه، وأفرد له مسلم في صحيحه خمسة أبواب وقد نص عليه عدد كبير من أهل الحديث ومحققي المفسرين والفقهاء وسائر علماء الأمة.
هذا وقد نص على أن المراد بقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]. كفار النعم السيد العلامة محمد رشيد رضا في تفسيره المنار، وهو الحق لأن التحذير من التهاون والتفريط في الإنفاق موجه في صدر الآية إلى الذين آمنوا وذلك قوله سبحانه: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 254) ثم قال: {وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} فدل ذلك على أن المراد بالكافرين الذين لا ينفقون مما رزقهم الله وإلا ذهب الترابط والانسجام بين أول الآية وآخرها على أنا لو سلمنا لمن قال بخلاف هذا فإن مثل هذا التركيب وإن كان أصله دليلاً على الحصر قد يكون لقصد التأكيد والمبالغة في الوصف كما يقال: «الرجل زيد» مع أن وصف الرجولة لا ينحصر فيه وقد يكون هذا حتى مع وجود «إنما» المفيدة (2/274)
صفحة 722
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
275
للحصر كما في قول النبي: إنما الربا في النسيئة» مع نهيه عن بيع أصناف مخصوصة بجنسها متفاضلة ولو مع القبض.
وبهذا تدرك أنه لم يبق متعلق لمن حصر الظلم في الشرك، وأي ظلم بعد الإشراك بالله أسوأ من ظلم من استرعاه الله رعية فلم يرعها بنصحه ولم يحطها بعدله، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ ممن غش في سلعة يبيعها بإظهار جيدها وإخفاء رديئها حيث قال: «من غش فليس مني» أو «من غشنا فليس منا (2) فما بالك بمن غش الأمة بأسرها بجوره وظلمه؟! أوليس من كان كذلك أولى بالبراءة والمقت؟
بلى ولكن أكثر الناس لا يعلمون فلذلك يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق. على أن في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على فداحة ظلم الإمام الجائر، ففي صحيح البخاري من حديث معقل بن يسار له أنه قال لعبيد الله بن زياد إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة» (3) وفي لفظ «ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة» (4) ورواه مسلم بألفاظ مختلفة ففي بعض الروايات: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» وفي بعضها «لا يسترعي الله رعية يموت وهو غاش لهم إلا عليه الجنة وفي أخرى: «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم
وينصح إلا لم يدخل الجنة (5).
(1) رواه مسلم (1596)
(2) رواه مسلم (146). (3) رواه البخاري (6617).
(4) رواه مسلم (203). (5) رواه مسلم (381).
معهم
حرم
الله (2/275)
صفحة 723
276 الفتاوى العقيدة
فإن قيل: سلمنا لذلك كله فما باله يقرن بالمشرك عابد الوثن والكافر من أهل الكتاب مع أنه قد باينهما بإسلامه، أما تكون لإسلامه حرمة تمنع من لزّه معهما في قرن؟
قلت: إنه هو الذي لز بنفسه في قرنهما، إذ رضي لنفسه مصيرهما وهو الحرمان من رحمة الله تعالى والعياذ بالله، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ـ ولا يعني ذلك إخراجه من ملة الإسلام إن لم ينكر ما علم من الدين بالضرورة - فرب ذي كبيرة يقرن بالمشرك وهو لا يعد في المشركين، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَنهَا وَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ
--
{(TA)
مهانا} [الفرقان: 68 - 69] حيث قرن قاتل النفس بغير حق والزاني بمن أشرك بالله في الوعيد، ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم: مدمن الخمر كعابد وثن» رواه ابن ماجه وابن أبي شيبة من طريق أبي هريرة الله.
على أن المدمن والزاني والقاتل - وإن قبحت كبائرهم وانتشر في الأرض فسادهم ـ هم دون الإمام الجائر فإنه - بما آتاه الله من نفوذ ومنحه من قوة وسلطان ـ هو أساس كل فساد في الأرض عندما يغوى ويؤثر الضلال على الهدى والجور على العدل، وهو سبب كل انحراف عن الإسلام، ومصدر كل بلاء على الأمة، لأن انحرافه يتبعه انحراف من لا يحصى من الناس، وضلاله منشأ انقلاب موازين الأمور ومعايير الأعمال حتى يرى الناس الحق باطلاً والباطل حقاً والصلاح فساداً والفساد صلاحاً والعلم جهلاً والجهل علما فتكون الحياة كلها عفونة ونتنا، وذلك ما أنكره أبو حمزة حمدالله بلسانه ويده. هذا ولم يكن أصحابنا وحدهم الذين قالوا بالبراءة من أصحاب الكبائر فإن في غيرهم من علماء الأمة من تنبه لهذا كما نجد هذا فيما قاله الفخر
هو (2/276)
صفحة 724
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
277
الرازي في «المحصول في معرض حديثه عن الإيمان وبيانه للتنافي بين الإيمان والفسوق وقد استدل لذلك بثمانية أوجه نقتصر منها على الثالث
والرابع.
فقد قال: «الثالث: قوله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [النور: 62) إلى آخر الآية ثم إن الله تعالى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر هذه الآية أن يستغفر لهم والفاسق لا يستغفر له الرسول حال كونه فاسقاً بل يلعنه ويذمه فدل على أنه غير مؤمن.
الرابع: أن قاطع الطريق يخزى يوم القيامة والمؤمن لا يخزى يوم القيامة فقاطع الطريق ليس بمؤمن، أما الأول فلأن الله يدخله النار يوم القيامة، وكل من كان كذلك فقد أخزى، أما الأول فلقوله تعالى في وصفهم: {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114].
اخريته
وأما الثاني فلقوله تعالى حكاية عنهم: رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ} [آل عمران: 192] ولم يكذبهم فدل على صدقهم فيه، إنما قلنا إن المؤمن لا يخزى يوم القيامة لقوله تعالى: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيِّ وَالَّذِينَ امَنُوا مَعَهُ} [التحريم: 8] اهـ. وأقره على هذا الاصفهاني في شرحه المسمى «الكاشف عن المحصول».
صلے
وأنت ترى كيف نص على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستغفر للفاسق حال كونه فاسقا بل يلعنه ويذمه وما اللعن والذم إلا عين البراءة.
هذا ومما يجب أن لا يفوتنا ذكره أن البراءة من صاحب الكبيرة لا تعني بحال إخراجه من ملة الإسلام ولا حرمانه من حقوق المسلمين، ما عدا الولاية في الدين إلى أن يتوب، فهو معصوم الدم لا يستباح قتله إلا بإحدى (2/277)
صفحة 725
278 الفتاوى العقيدة
ثلاث، وهي: الردة عن الإسلام، أو الزنى بعد الإحصان، أو قتل النفس المحرمة بغير حق، وهو معصوم المال فلا يستباح ماله؛ وإن زنى أو قتل من أجل مراعاة حرمة التوحيد، ولا يمنع التناكح والتوارث بينه وبين أهل الإسلام ويبادل، السلام ويشمت إذا عطس، ويدفن إن مات في مقابر أهل التوحيد، ويوارى بطريقة المسلمين، وإنما تبقى البراءة منه إن لم يتب، فرضا لازماً، أداء لحق الله تعالى، وحفاظاً على نظام الدين، وغيرة على حرمات الحق، وتمييزاً بين البررة والفجرة.
وهنا أمسك عنان طرف البيان بعد هذا السبح الموفق في ميدان العرفان سائلاً الله تعالى أن يلهمني وجميع المسلمين الحق ويوفقنا لاتباعه، ويجنبنا الباطل ومزالقه إنه على كل شيء قدير وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هناك من يرى إشكالا في هذا الأمر من حيث إِنَّ الإنسان المسلم مُطَالَب بأن يكون مُتَوَلِّيا لأولياء الله مُتَبَرِّنَا مِن أَعْدَاء الله، فَكَيف يُكِن في نفسه بَرَاءة تِجَاهَ مَن يعصي أو لا يُسْلِم أصلا وفي نفس الوقت هو يُظهر له الود أو يظهر له حُسن المعاملة أليس ذلك نوعاً من النفاق وهو يُجَانِب الخلق أصلا؟
ليس هذا نِفَاقاً بل هو خُلُق، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يَبشُ في وُجُوهِ أُناس ومع
ذلك كان يُدْرِك ما يَنْطَرُونَ عليه من الشر وما يَكِيدُون له مِن الكَيْد، فهو يَكْرَهُهُم ويُبْغِضُهم لأجل ما يَنْطَرُون عليه من الكَيْد ولكنه يُعَامِلهم المعاملة الحسنة، ولننظر كيف كان يُعامل المنافقين مع ما كانوا يَنْطَوُون عليه من النّفاق ويُضمِرُونَه له من الحقد ويُكنون له من عداوة، ومع ذلك كان يُعاملهم المعاملة الطيِّبَة الرَّقِيقَة اللطيفة، وقد استأذن عليه رجل وهُوَ في بيت (2/278)
صفحة 726
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
279
من
عائشة فقال: «بِئْسَ أَخُو العشيرة هو (1) فلما جاء بَشَّ فِي وَجْهِهِ فَتَعَجَّبَت ذلك عائشة فأخبرها بأنَّه أُمِرَ أَنْ يُخَالِقَ الناس بالخلق الحسن، وهذا لا يُنَافِي ما في القلب مِن التَبَرُّؤ مِن أعداء الدين الذين يُصِرُّون على معاصي الله واتباع الهوى والرُّكُون إلى الباطل والله أعلم.
من الناس من يكون بَراً في تعامله ومنهم من يكون فاجراً، فعن فعن عائشة أنَّ رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اقْذَنُوا له فَلَبِئْسَ رجل العشيرة»، فلما دَخَل عليه ألان له القول فقالت عائشة: يا رسول الله قلت الذي قلت ثُم أَلَنْتَ له القول»، كيف يمكن للمسلم أن يستفيد من هذا الضياء في تعامله مع من يكون عَاصِيا ومَحِلُّهُ أَن يُكْرَه؟
قضية البراءة من المُصِرّ على مُحَادةِ الله ورسوله، بإتيان الكَبَائِر، والإعْرَاض عن أَمْرِ الله، والصُّدُودِ عن حكمه هي شيء و ء والخُلُق شيء آخر، فالخلق يَعْنِي أَن يُقَابِلَ الإنسان النَّاس جميعاً باللطف وبالمعاملة
الحسنة.
وكثير من الناس لا يدركون هذا، بل يَظُنُّون أنَّ من البر والتقوى والإحسان والزهد في الدنيا والرَّغْبَة في الآخرة أن يُقَابَل المُسِيء بِالغِلْظَة والشدة والفَطَاظَة وبِعُبُوس الوجه واكْفِهْرَارِه، وهذا إِن دَلَّ على شيء فإنَّما يدلُّ على الجهل، وهؤلاء جَهَلَة بالإسلام ومحاسنه، ومَهمَا يكن من وجوب البراءة من أهل الكبائر فإنه يُؤمَر الإنسان أن يتلطَّف بالناس كيفما كانت أحوالهم؛ إذ اللطف هو الذي يُقَرّب البعيد ويُدنيه، وهو الذي يؤدي إلى انتزاع السَّخَائِم والأحقاد من الصُّدور، وهو الذي
(1) رواه البخاري (5572). (2/279)
صفحة 727
280 الفتاوى العقيدة
چلے
يؤدِّي إلى قبول الموعظة، كيف ونحن نرى القرآن الكريم يأمر بالتلطُّفِ في المعاملة والموعظة في الدعوة إلى الله سبحانه، فالله تعالى يقول: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ ربَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، ويقول الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] والحق تعالى أيضاً يأمرنا في مُجَادَلَة أهل الكتاب أن نُجَادِلَهم بالتي هي أحسن إلا في حال ظلمهم: {وَلَا تُحَدِلُوا أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] فهكذا يُعَلِّمُنا الله تعالى أسلوب الحوار والمجادلة مع الناس، فمعنى ذلك أنَّ الإنسان مطالب أن يُعامِلَ الناس بالرفق، وهَبْ أن هذا الشخص الذي دَخَل عليك عدو لدود عَنيف يُضمِرُ لك الحقد ويُكِن لك البَغْضَاء وهو صاد عن سبيل الله مُعْرِضُ عن أمره ولكن لا يعني ذلك أن تُقَابِلَه بِعُبُوس الوجه واكْفِهْرَارِه وأنت مُقَطَّبُ الجَبِين غير لاو على شيءٍ مِن حَدِيثِه أو مِن تَعَامُلِهِ معك، وإِنَّما مُقَابَلَتك إياه بالتي هي أحسن يُمكن أن تُحَوِّلَه من الشر إلى الخير، فكم من ناس تَحوُّلُوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من البغضاء إلى المودة ومن الضلال إلى الهدى ومن الفساد إلى الصلاح ومن الصُّدُود إلى القبول، هذا كله إنَّما كان بِحُسن المعاملة التي كانت من الرسول صلى الله عليه وسلم للناس،
والله أعلم.
هل يدعو المسلم لأحد أبويه إن كان أحدهما مهملاً في أداء فرائض الله تعالى بقوله: (وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24].
ينوى بذلك الصالح منهما دون الطالح، والله أعلم. (2/280)
صفحة 728
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
281
سماحة الشيخ .. هل يدعى لغير المتولى بدعاء كان قد حصل له في حياته وذلك مثل رجل توفي وهو في الوقوف (1) أو البراءة، وكان في حياته قد رحمه الله تعالى بالصحة والعافية أو صانه الله عن السجود للصنم قبل إسلامه، وبعده أو نصره الله في معركة ما. فهل يجوز أن يقال لهذا الرجل بعد وفاته رحم الله، أو نصره الله، وذلك باعتبار ما كان في حال حياته؟ إن أريد به الخبر لا الدعاء فنعم مع أمن اللبس، والله أعلم.
ما قولكم في رجل عاشر امرأة ذات مال وحسب، وكانت العشرة على زنى، وهي زوجة لرجل آخر ثم مات زوجها وبعد انتهاء عدتها تزوجها بمهر وولي وصداقين وظلت في عصمته سنين طويلة، وتولى مالها وأكل غلته وباع بعضه، ثم ماتت المرأة وورثها وبعض مالها في يده وبعضه انتقل عنه، ما تقولون في حكم هذا الرجل هل هو في حكم الولاية أم البراءة أم الوقوف؟ وماذا يلزمه إن أراد أن يتوب؟ وهو لا يعرف ما أخذه من غلة الأموال والعقارات؟
إن اعترف بصنيعه هذا، أو شهد على زناه أو اعترافه به أربعة شهود فهو فى البراءة قطعاً، وتجب عليه التوبة إلى الله من صنيعه كله، وعليه أن يحتاط في رد قيمة ما أكله من مالها إلى ورثتها، والله أعلم.
قال شخص لآخر إن فلاناً عندي في البراءة، فقال له إنه وليي فما يلزم
كل واحد؟
على القائل أن يتوب، فإن لم يتب فليتبرأ منه المتولي لذلك الشخص إن كانت ولايته له مبنية على أساس شرعي، والله أعلم.
(1) أي ليس في الولاية لعدم ظهور صلاحه ولا في البراءة لعدم ظهور فسقه. (2/281)
صفحة 729
282 الفتاوى العقيدة
هل تجب البراءة ممن يتعامل بالربا ومن يستمع للأغاني إذا كان مصراً
على الاستماع وكذلك المسبل؟
كل كبيرة توجب البراءة ممن أصر عليها والله أعلم.
هل تجب البراءة ممن يشاهد ويستمع إلى المسلسلات والتمثيليات والأغاني والموسيقى كما هو الآن؟
البراءة من المصر، فمن أصر على مشاهدة أو سماع ما هو حرام بين الحرمة فالبراءة واجبة منه بعد إقامة الحجة عليه، والله أعلم.
هل الضعيف مطالب بولاية الأشخاص؟
الضعيف (1) تكفيه ولاية الجملة وبراءة، الجملة إلا فيمن شاعت ولايته أو براءته بين الأمة وقامت حجتها عليه، والله أعلم.
هل تجب البراءة ممن يدخن أو يعبث بلحيته. وهل فرق بين حلقها كلها أو تقصيرها؟
المدخن وحالق، اللحية بل ومقصرها مرتكبون للكبائر، وكل من ارتكب كبيرة فحكمه البراءة إن لم يتب، والله أعلم.
قال شخص لشخص آخر وليك عندي في الوقوف .. هل يتبرأ من
القائل؟
لا
يتسرع إلى البراءة ما لم يتأكد موجبه ولعله لم يثبت عنده مو
الولاية فلذلك لم يتوله، والله أعلم.
(1) الضعيف هو من لم يكن يملك من العلم الشرعي ما يميز به موجبات هذه الأحكام. (2/282)
صفحة 730
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
283
بالنسبة للقائلين من أصحابنا بأن الضعيف تكفيه ولاية الجملة وبراءة الجملة كما في «الشمس الشارقة»، هل يكون على هذا القول أن كل من يرونه من أهل الصلاح أو من أهل الطلاح يكون في الوقوف؟ وهل ترون - شيخنا - هذا الرأي؟ أما من اشتهر بالصلاح والتقوى عند الخاص والعام فتجب ولايته على الضعيف الذي بلغته هذه الشهرة، ووعاها وكذلك من اشتهر بالفساد أو راه بنفسه يرتكب ما علمت حرمته بالضرورة، كشرب الخمر وقتل النفس المحرمة بغير حق، أو ترك ما علم بالضرورة وجوبه من غير شبهة كالصلاة والصيام، وإنما يتوقف فيما بين ذلك، والله أعلم.
كيف يمكن الجمع بين مبدأ الولاية والبراءة وما جاء في حديث لا تصحب إلّا تقياً .. إلخ» (1)،الحديث وبين وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واختيار الأساليب الحسنة لدعوة الآخرين، والتي قد تسوق المرء إلى المجاملة والمصاحبة؟ البراءة من الفاسق لا تنافي معاملته بالحسنى لأجل التأثير عليه، للإقلاع عن غيه والثوب إلى رشده، فالله تعالى يقول: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83]، وقد كان صلى الله عليه وسلم يظهر البشاشة حتى في وجوه اليهود، أما البراءة فهي اعتقاد بغض الفاسق وإلى الله تعالى جزاء فسقه وفجوره، والله أعلم.
كيف العمل في وقتنا الحالي حول مسألة الولاية والبراءة؟ يعمل فيها مثل ما كان معمولاً به من قبل عند السلف، فإن أحكامهما لم تتبدل والله أعلم.
(1) رواه أبو داود (4192) بلفظ (لا تصاحب إلا مؤمنا ... الخ) .. (2/283)
صفحة 731
284 الفتاوى العقيدة
ما حكم مشاهدة مباريات الكرة، مع العلم بأن المشاهد لا يقصد النظر إلى عورات اللاعبين وإنما يقصد التسلية بمشاهدة المباراة؟ وما مدى صحة حديث «لعن الله الناظر والمنظور إليه» (1)؟ وهل ينطبق هذا الحديث على مشاهدة مباريات كرة القدم - إن كان الحديث صحيحاً؟ - مع رجاء توضيح معنى اللعن هنا. وإن كان الحكم في السؤال السابق بالحرمة، فهل تجب البراءة من مشاهد مباريات الكرة؟
إن كان المتبارون كاشفين لسوآتهم الواجب عليهم سترها فلا يحل النظر إليهم، ولو كان الناظر ما قصد إلّا التسلي، فإن التسلي بغير الجائز غير جائز، وفي المباحات والمندوبات ما يكفي لتسلية أرباب العقول المبصرة، والحديث صحيح، واللعن هو الطرد من رحمة الله ومن أصر على معصية الله فلا ريب أنه من أهل البراءة، والله أعلم.
كيف تكون تحية المقابر حيث إن فيها المتولى وغير المتولى؟ تحيّاً المقابر بما حياها به النبي صلى الله عليه وسلم، إذ قال السلام عليكم دار قوم مؤمنين إلخ» (2) وينوى بها المؤمنين دون غيرهم إن كانوا أخلاطاً والله أعلم.
ما مصير الإنسان الذي كفر كفر نعمة؟
الذي كفر كفر نعمة يعامل في الدنيا معاملة هذه الأمة في كل شيء إلا في الاصطفاء والولاية، فلا يُصطفى بسبب خروجه عن طاعة الله الله، وإصراره على معصيته فلا يستحق ولاية المسلمين له، أما الولاية العامة التي هي الترابط فيما بين الأمة بالتعاون فيما بينهم والتآزر فلا بأس بها،
(1) رواه البيهقي (13344).
(2) رواه الإمام الربيع (43) ومسلم (367). (2/284)
صفحة 732
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
285
ولكن الولاية الاصطفائية التي يترتب عليها الدعاء له والرضا عنه وغير ذلك من الأحكام التي هي ليست إلا للبر التقي الرضي فلا تكون لهذا الذي ارتكب عملاً يكفر به كفر نعمة، وأما من حيث إقامة الأحكام الرادعة فإنه يردع بقدر عمله الذي عمله، فإن كان عمله هذا يوجب عليه حداً فإنه يقام عليه الحد، مع عدم وجود الشبهة التي تدرأ عنه الحد، أما مع الشبهة فإن الشبهات تدرأ، الحدود، كما جاء ذلك في الحديث.
وأما في الآخرة فهو إن مات مصراً على ذلك فهو من الفجار، وقد بين الله تعالى مصير الفجار حيث قال: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمِ وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي جَحِيمٍ) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَايِبِينَ} [الانفطار: 13 - 16] هذا هو المصير الأخروي (3) - الذي أخبر الله تعالى عنه، وقال تعالى {لَيْسَ بِأَمَانِيَكُمْ وَلَا أَمَانِي الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ أَهْلِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123]، وقال سبحانه: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: 23]، وقال سبحانه:
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَنهَا وَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحَا فَأُولَبِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70]، وقال عز من قائل: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، فهذا هو مصيره الذي ينتظره في الدار الآخرة، والله أعلم.
سائل يسأل عن الحب في الله وما جاء في الرواية عن الإمام جابر بن
زيد مع أم المؤمنين عائشة، فهل هذه الرواية صحيحة وعلى تقدير
6 (2/285)
صفحة 733
286 الفتاوى العقيدة
صحتها هل التلفظ أو الإفصاح بحب المرء امرأة في الله خاص بأمهات المؤمنين، أو للمرء أن يفصح لأي امرأة بهذا الشعور؟
أما
من حيث الرّاوية فهي مذكورة في آثار أهل العلم وهي مِمَّا أَصَافَه الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني رحمه الله إلى مسند الإمام الربيع بن حبيب من رواية أبي سفيان بن الرحيل رحمه الله، ولكنها لم يتَّصِل سَنَدُها ذلك ليس بِمُسْتَبْعَد أن يقول الإمام أبو الشعثاء جابر بن ومع زيد رحم الله لأم المؤمنين عائشة لنا بأنه يُحِبُّها في الله أَو أَنَّه يُحِبُّها ثُم يَلُوم من المعلوم أن هَذا الحب لن يكون إلا في الله فيُصَرِّح بأن حُبَّه
نفسه، لأنَّه
إياها إِنَّما هو في الله.
21
وثانياً لا يُمْنَع المسلم أن يصرّح لمسلمة أنه يُحبها في الله ولا تُمنع المسلمة أن تصرح لمسلم أنها تُحبه في الله، ذلك لأن المودة بين المؤمنين والمؤمنات مشتركة، فالمودة هي تجسيد للولاية التي تجب بين المؤمنين والمؤمنات، والله تعالى بَيَّن أن هذه الولاية ليست خاصة بين المؤمنين وحدهم أو بين المؤمنات وحدهن بل قال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] فالتواد في الله مشروع بين هؤلاء جميعا من المؤمنين والمؤمنات الذين التزموا أوامر الله، وانقادوا لحكمه، وأَذْعَنُوا لطاعته، ووقفوا عند حدوده، فصاروا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، ونَحن نُوَالِي كل رجل متصف بهذه الصفات ونُوَالي كل امرأة مُتَّصِفَة بهذه الصفات، فلا يُمْنَع أن نُصَرِّح للرجل المؤمن بأننا نُحِبه في الله، وأن نُصَرِّح للمرأة المؤمنة بأننا نُحبها في الله؛ صفاء مع النفوس وانتفاء الريب، والله ـ تعالى ـ أعلم. (2/286)
صفحة 734
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
287
بعض النصارى الذين أسلموا يدعون لآبائهم بالجنة ويحتجون بآية من القرآن الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَرَى وَالصَّبِعِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62].
أولاً علينا أن ندرك معاني القرآن الكريم، وأن نقف عند حدود الله تعالى .. فالله سبحانه نص في مواضع متعددة أن الذين لم يسلموا ليس لهم نصيب من رحمته تعالى فقد قال سبحانه وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وقال عَزَّ من قائل: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19) وقال الله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أُوْلَيْكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البيئة: (6)، وقال: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي نصت
على وعيد هؤلاء.
أما قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَرَى وَالصَّبِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]، فالمفسرون اختلفوا في المراد بهذه الآية الكريمة، هل المراد بها الذين كانوا موجودين أثناء نزولها، وعليه فقيل معنى الآية {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، {وَالَّذِينَ هَادُوا} هم اليهود، وَالنَّصَرَى وَالصَّبِئِينَ مَنْ آمَنَ} بعد كفره فتخلى عمّا كان عليه وتحول إلى الهدى فرسخ في نفسه الإيمان بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ومعنى ذلك أنه اتبع الحق واستمسك بالهدى وأعرض عن الباطل الذي كان عليه.
أو أن المراد بـ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا (هذه الأمة، أمة النبي، ووصفهم بأنَّهم (2/287)
صفحة 735
288 الفتاوى العقيدة
الَّذِينَ آمَنُوا (إنَّما هو وصف تغليبي، وإلا فوصف الإيمان يصدق على كل من كان مستمسكا بحبل الله، {وَالَّذِينَ هَادُوا} هـ أمة
أمة
سم عيسي وَالصَّبِئِينَ
هم
موسي،
ما اختلف على حسب
وَالنَّصَرَى فيهم، ولأهل العلم فيهم كلام كثير منهم من قال بأنَّهم الحَنِيفِيُّونَ، ومنهم من قال هم غيرهم مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} أي من كان مستمسكا بالإيمان بالله واليوم الآخر ومتبعا لشريعته التي جاءت من عند الله تبارك وتعالى من غير تفريط فيها ومن غير أن يكذب رسالة من رسالات الله فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ومعنى ذلك أنهم كانوا على ما هم عليه قبل أن تأتي الرسالة الخاتمة التي بعث بها الرسول، هذه الرسالة الخاتمة لا يسع أحدا إلا اتباعها؟؛ فهؤلاء ليسوا على شيء من الحقيقة عندما يدعون لآبائهم الذين أخلدوا إلى الكفر فعليهم أن يدركوا معانى، القرآن والقرآن الكريم لا يؤخذ بعضه ويترك بعضه، إنما يؤخذ به جميعا، ومتشابه القرآن يرد إلى محكمه؛ والله تعالى أعلم.
وبعد مجيء
من كان الحكم فيه بالبراءة لِتَخَلَّفه عن الجماعة وتركه الجمعة كما نعتقد وكما بينتم حفظكم الله ورعاكم إن كان الحكم عليه هكذا في الحياة فما البال عند الممات، خصوصاً إن كان كالأب أو الجد فكيف يكون الدعاء له والتَرَحم عليه وطلب المغفرة له من الله وما هو الواجب على ذُرِّيَتِه نَحْوَه؟ مَن كَان مُجَاهِراً ومُعَائِداً في تركه الجماعة ـ كما هو شأن كثير من الناس ـ فحكم البراءة يُطَبَّق عليه، ولا ريب أن موقف علمائنا في هذا واضح وظاهر وهو أنه لا يُدعَى لَه بِخَيْر الآخرة، ودليلهم على ذلك قول الله تعالى في ابن نوح: إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِح} [هود: 46]، فقد قرأ الكسائي وهو من القراء السَّبْعَة وَقِرَاءَتُه مشهورة (عَمِل)، وهذه القراءة قرأ بها أربعة من الصحابة (2/288)
صفحة 736
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
289
- رضوان الله تعالى عليهم، وهي تدل على أن العمل غير الصالح هو الذي يُوجب البَرَاءَةِ وَيَمْنَع مِن الدُّعاء، كيف ونوح لا لَمْ يَزِد على قوله: {وَنَادَى نُوحُ رَبَّهُ، فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَكِمِينَ} [هود: 45] فَرَدَّ الله ـ تعالى ـ عليه بقوله:
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46]، وَعَلَّل ذلك بقوله {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَلِح،
والله ـ تعالى ـ أعلم.
هل يجوز قول كلمة «بالتوفيق لمن يجاهر بالمعصية، وهل يجوز الدعاء على من يتحدى بالمعاصي وربما يلحق ضرره بالصالحين قولاً أو فعلاً، أم يترك وشأنه، والخالق يمهل ولا يهمل؟
إن أريد بذلك الدعاء له بالتوفيق للتوبة وعمل الخير ففي ذلك خلاف والراجح الجواز، ولا مانع من الدعاء على من أضر بالإسلام أو المسلمين
والله أعلم.
موالاة الكفار والتشبه بهم
مات شخص من أهل الكتاب وكان معروفاً بمستوى كبير جداً، وكانت له أعمال خيرية، وبعد موته أصبح حديث عامة الناس حتى منا نحن المسلمين، وعندما أعلمناهم بأنه لا يجوز الترحم لميت من أهل الكفر زعموا بأنه من أهل الكتاب، وأن له من الأجر ما يدخله الجنة ونحن نوالي ذلك الميت، فبماذا نرد على هؤلاء المفتونين؟
131
الرد عليهم بما أنزل الله في كتابه، فقد قال {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ} [آل عمران: 85] وقال: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ (2/289)
صفحة 737
290 الفتاوى العقيدة
الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَوَلَيْكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6)، وحذر سبحانه
من موالاة اليهود والنصارى حيث قال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا نَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ} [المائدة: 51]، والله تعالى المستعان وهو ولي التوفيق.
لقد ذكرتم في حديثكم عن أوضاع المجتمع الغربي المعاصر، وما يعانيه من تفسخ وغيره .... إلخ. وأصبحت هذه الأوضاع التي يعاني منها المجتمع الغربي تغزو المجتمع العَرَبِي والإسلامي، فما هو الحل في نظركم للحيلولة دون انتشارها، والرجوع إلى المجتمع الإسلامي النظيف الذي كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الصحابة والتابعين؟ الحل ميسر، فهو يكمن في الإيمان، فإذا وجد الإيمان وُجد الخير كله، وإذا فقد الإيمان فقد الخير كله والإيمان ليس دعوى، ولكنه ما وقر في القلب وصدقه العمل. فأين الإيمان الذي يدل عليه قول الله الله:
6
لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] فكيف بموادة الذين حادوا الله ورسوله من الأبعدين الذين هم ليسوا بآباء ولا أبناء ولا إخوان ولا عشيرة ولا لنا صلة بهم؟؟، والإيمان ينبهنا على خطورة اتباع مسالك القوم الكافرين. فالله الا الله يقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوّى وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدَا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة: 1 - 2] (2/290)
صفحة 738
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
291
فهذه الآيات فيها تحذير تلو تحذير عن موالاة القوم الكافرين، وبيان لما ينطوون عليه، فإن جميع الكافرين ينطوون على حب أن يكفر المسلمون ككفرهم فيكونوا مثلهم في الكفر {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} تلك حالة الكافرين، فنحن إن ترسمنا خطواتهم، واتبعنا آثارهم، واقتفينا طريقهم فيما يأتون وفيما يتركون، أصبحنا مثلهم ـ والعياذ بالله ـ.
جميع
كما حذرنا الله سبحانه في سورة المائدة من موالاة اليهود والنصارى، وبيّن لنا أن هذه الموالاة - والعياذ بالله - هي مفتاح باب الردة ـ والعياذ بالله تعالى، قال تعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَفَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ} [المائدة: 51] ثم بين أن هذه الموالاة ناشئة عن مرض نفساني حيث قال: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ} [المائدة: 52] إلى أن قال: يَنَاهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] فأتى بالتحذير من الرّدة في سياق التحذير من موالاة الكفار، وفي هذا ما يدل على أن هذه الموالاة ـ والعياذ بالله ـ هي سبيل الارتداد عن دين الله الله نسأل الله العافية والسلامة، ثم بيّن بعد ذلك من تجب على المؤمن موالاتهم فقال: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (3) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ} [المائدة: 55 - 56]، فالموالاة يجب أن تكون الله بطاعته واتباع أوامره وحب الطائعين له، وكراهة الذين ينبذون أوامره، ويُعرضون ويصدون عن سبيله، وإيثار طاعة الله تعالى على كل طاعة، وإيثار طاعته تعالى على هوى الأنفس وعلى هوى الناس، وكذلك يجب أن تكون الموالاة لرسوله، وذلك بحب الرسول صلى الله عليه وسلم محبة تمتلك شعاب النفس وتسيطر على التفكير والسلوك، حتى يغدو المؤمن يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأتيه وما يذره قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ (2/291)
صفحة 739
292 الفتاوى العقيدة -
292
أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] ثم تكون
للذين آمنوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55].
ومما يؤسف له أن الناس الآن أصبحوا يدعون الإيمان والواقع يكذبهم، لأنهم تركوا الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وأخذوا يقتدون بأنذال الغرب، فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بأوامر، والبروتوكول الغربي يأتي بأوامر معاكسة فيتبع البروتوكول الغربي ويخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليأكل أحدكم بيمينه وليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (1).
ونجد الناس ـ الآن ـ لا سيما أولئك الذين يريدون أن يظهروا أنفسهم بمظهر التقدم والمدنية والرقي تجد أحدهم يمسك الكأس بيساره ويشرب بشماله، ويمسك الشوكة بيساره والسكين بيمينه فيأكل بشماله كما يأكل الشيطان بشماله ويشرب بشماله مخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وإمعاناً في اتباع السادة الغربيين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى» (2)، ولكن الناس يخالفون ذلك فلم تعد للحية عندهم قيمة، وليت شعري من أين جاءنا حلق اللحية؟ إنما جاءنا من أنذال، الغرب، فعندما كنا أقوياء كنا نؤثر، ولكن لما ضعفنا صرنا نتأثر ولا نؤثر.
لقد اعترف الغربيون - أنفسهم - أن المسلمين عندما كانوا أقوياء أثروا حتى على الأخلاق وعلى العادات وعلى نفس مقومات الدين في المجتمع الغربي، حيث صدرت مراسيم في الغرب تنص على اعتبار التماثيل مظهراً مظاهر الوثنية المنبوذة وذلك في القرن الثالث الهجري، والآن تجد في
من
(1) رواه مسلم (3764).
(2) رواه البخاري (5442) ومسلم (380). (2/292)
صفحة 740
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
293
جهدهم
بلاد الإسلام تعظم التماثيل، فعندما تدخل في بيت المسلم تجد التفنن في إعداد التماثيل، مخالفةً لأمر الله ولأمر رسوله، وعندما كان المسلمون أقوياء وكانوا يحكمون الأندلس كان شباب الأسبان وفتياتهم الذين يحاولون أن يظهروا أنفسهم بمظهر التمدن والرقي كانوا يُطعمون كلامهم بكلمات عربية، من أمثال السلام عليكم وعليكم السلام، ومع السلامة، أما الآن فالذي يريد أن يظهر نفسه أنه متحضر أو متمدن يقول: (ok. yes, hello) ومثل هذه الكلمات التي يلتقطونها من أفواه الغربيين تقليداً لهم وإعجاباً بشأنهم، وما هذا إلا دليل على الهزيمة النفسية التي أصابت المسلمين، فلذلك يأتي التأثر شيئاً فشيئاً، بحيث يكون أولاً في الأمور الشكلية ثم تليها القضايا الجوهرية.
على أن التذرع بأن ما يأتونه من الأمور الشكلية أدى إلى نقض كثير من أساسيات الدين فكثير من الناس عندما تقول لهم عن أمر فيه تشبه بأعداء الإسلام يقولون هذا أمر شكلي، فحجاب المرأة عندهم أمر شكلي ولا داعي للبسه لأن العبرة بما في القلب. هكذا يقول كثير من المفتونين، مكذبين قوله: (يَنسَاءَ النَّبِي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]، فالله أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر ليأمر نساءه بالستر والصون، وهن أمهات المؤمنين، وأعف النساء أجمعين وأرفعهن منزلة وأعلاهن قدراً، وقد كن في وسط المهاجرين والأنصار، وفي بيئة يتنزل فيها الوحي على خير النبيين وخاتم المرسلين - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فهل نساء اليوم أعف وأشرف من أمهات المؤمنين؟ وهل رجال اليوم أعف وأشرف وأطهر من المهاجرين والأنصار، الذين كانوا بجنب النبي يتلقون عنه التعليمات والتوجيهات، ويتلون القرآن غضاً طرياً؟ (2/293)
صفحة 741
294 الفتاوى العقيدة
أنه
وإذا قيل لهم عن اللحية قالوا هذه قضية شكلية وهكذا، في حين عندما كان المسلمون يعضون بالنواجذ على تعاليم دينهم ما كانوا يفرطون
في جزئية من جزئيات الإسلام، وقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمة على مخالفة القوم الكافرين في كل شيء، حتى في الأمور العادية، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حالة دفن ميت وكانوا وقوفاً، فمر عليهم يهودي فقال: هكذا تصنع أحبارنا، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالقعود مخالفة لطريقة اليهود). وهنا كلمات من ذهب قالها أحد رجال الفكر الإسلامي وهو الشاعر الإسلامي محمد إقبال، وهي مما ينبغي أن تطبق يقول فيها: -
أن تحفظ ويجب
«إن المسلم لم يُخلق ليندفع مع التيار، ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خُلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية، ويفرض على البشرية اتجاهه ويملى عليها إرادته لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين، فهو المسؤول عن العالم وسيره واتجاهه، فليس مقامه مقام التقليد والاتباع وإنما مقامه مقامُ الإمامة والقيادة مقام الإرشاد والتوجيه، مقام الآمر الناهي، وإذا تنكر له الزمان وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة لم يكن له أن يخضع ويضعَ أوزاره ويسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه وينازله، ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره، إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة والاعتذار بالقضاء والقدر شأن الضعفاء والأقزام، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد».
من
وبسبب الهزيمة النفسية التي أصابت المسلمين أصبحت العلاقات باردة ما بين الآباء والأمهات وأولادهم، وكذلك ما بين الأقربين، وأصبحت
(1) رواه أبو داود (378) والترمذي (1036). (2/294)
صفحة 742
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
295
الصلات متقطعة ما بين الجيران وأنا أذكر كلاماً جاء في كتاب «حياتي» لأستاذ الأدب الشهير أحمد أمين. ذكر أنه كان يعيش في حي صغير من أحياء القاهرة يتكون من ثلاثين بيتاً، وكان يحيط به سور، وعلى السور باب، وكان الوضع الاجتماعي في ذلك الحي متفاوتا فقد كان الناس في تلك الحارة منقسمين إلى ثلاث طبقات طبقة عليا وهي تتمثل في بيت واحد، كان فيه شيخ من الترك، وطبقة وسطى تتمثل في تسعة بيوت، والطبقة الدنيا تتمثل في عشرين بيتا ويقول: بالرغم من ذلك الفارق الطبقي، فإن أصحابَ ذلك الحي كانوا يعيشون كأسرة واحدة، فإذا مَرِضَ طفل في أقصى الحي عرف عنه جميع الحي، وذهب كل أحد إلى عيادته، هذا يحمل دواء والآخر يحمل هدية، ثم قال بعد ذلك: ولقد شاء الله أن يمتد بي العمر حتى رأيت الناس يعيشون في شقق متجاورة في عمارة واحدة، ولا يعرف بعضهم بعضا.
وهذا الذي وقعنا فيه الآن - خصوصاً في العواصم ـ فأصبح الناس لا يعرف بعضهم بعضا، ولا يؤدي بعضهم حق بعض فلا يُؤَدَى حق الجوار ولا حق الأرحام، إذ أصبحت الصلات بين الجيران والأقارب باردة تقليداً للحياة الغربية والله المستعان
شاع عندنا تسمية المرأة «نصرى» فهل هذا من باب فعلان فعلي، فعليه ففي هذه التسمية كراهة لما قد تفضي به من التشبه بالنصارى؟ لا لبس في ذلك، إذ ليس من القياس أن يقال في الأنثى النصارى نصري، فهذا اللبس غير، حاصل، وبناءً على عدم حصول اللبس فلا مانع من هذه التسمية، ويعلم قطعاً أن منشأ هذه التسمية ليس هو التشبه بالنصارى
والله أعلم.
من (2/295)
صفحة 743
296 الفتاوى العقيدة
الكثير من الشباب المسلم يُقلّد غيره في اللباس، ويتخذهم قدوة، فيحاول أن يُلغي لباسه الذي اعتاده والذي اعتاد عليه أهل مجتمعه، فما
هي
نصيحتك لهم؟
أن
هذا أمرٌ يُؤسف له كثيرا، وهذا إن دَلَّ على شيء فإنَّما يدل على الموالاة العمياء التي حذر الله تعالى مِنْهَا، إذ الموالاة وإن كانت في أعماق النفس إلا أنَّها تظهر على سطح الحياة من خلال تصرُّف الإنسان، فتتَجسَّد في مُحاوَلَة تقليده للذي يُوَالِيه ويُكْبرُه، ونَحن نرى أنَّ الله تعالى حذر المسلمين من تذوب شخصيتهم في تقليد غيرهم، وأن يكونوا تبعاً لهم: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ} [المائدة: 51) ثم قال: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةُ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرِ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ (3) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَهِمْ إِنَّهُمْ لَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَسِرِينَ} [المائدة: 52 - 53].
قلے
ثم بعد ذلك حَذَّر من الارتداد، وفي هذا التحذير ما يُشعر بأنَّ هذه الموالاة عندما يَنْجَرُّ المسلم وراءها شيئا فشيئا لا تقف به عند حد، حتى تصل به إلى الانسلاخ من الإسلام تماما يقول تعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَا بِمِ ذَالِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54] ثم يقول: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] فيُبَيِّن وجوب حصر المؤمن ولايته في ربه ونبيه وفي المؤمنين، وليس له أن يُوَالِي الآخرين، ثُم يُبَيِّن كيف تكون العاقبة إذا اهْتَمَّ المسلم بموالاة ربه ونبيه وبموالاته إخوانه المؤمنين إذ يقول: {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ (2/296)
صفحة 744
الولاية والبراءة
الجزء الثاني
297
الْغَلِبُونَ} [المائدة: 56] وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر حساساً جدا، ولذلك كان يترك الأمر الذي يفعله من أجل مُخالفته لأولئك الذين يخشى أن يتأثر المسلمون بعاداتهم وأخلاقهم وما أَلِفُوه من الأمور، فالنبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - كان واقفاً في حالة دفن ميت، وكان أصحابه وُقوفاً معه فَمَرَّ بهم يهودي وقال: تصنع أخبارنا» فقعد النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، وأمر أصحابه بالقُعُود، حتى لا يتأثروا بعادات اليهود، فما لهذا المسلم وهو يَنْجَرُّ وراء ما عند الآخرين، بحيث يلبَسُ لَبُوسَهُم، ويتحدَّث بِحَدِيثِهم؟! .. هذا إن دل على شيء فإنَّما يدل على الهزيمة النفسية التي لحقت هؤلاء الناس.
«هكذا
ولا ريب أنَّ الضعيف دائما يُحاول أن يقلد الأقوى، فعندما كان المسلمون أقوياء وكانت سَطْوَتُهم تُرجف الأرض في ذلك الوقت كان الآخرون يحاولون أن يُقلّدوهم، ويرون في هذا التقليد مظهراً من مظاهر المدنية والتقدم، فلذلك كان شبابهم يُقَلِّدُون المسلمين، وكانت فتياتُهُم تُقلّد المسلمات، وهذا مِمَّا عُهَد في التاريخ كثيرا، فعندما كانت الأندلس عربية مسلمة كان القُوطُ النصارى من حول الأندلس والذين يتَعَايَشُون مع المسلمين يحرصون على تقليد المسلمين، فعندما يَلْقَى الشاب زميله يقول له: السلام عليكم أو نحو هذا الكلام، وعندما يُوَدِّعُهُ يقول له: «في أمان الله» أو «مع السلامة» أو «في حفظ الله» ولو كان هو لا يَعِي مَعْنَى هذه الكلمات، ولننظر الآن كيف انْقَلَبت الأمور رأسا على عقب، فالمسلم الآن عندما يُريد أن يُظهر نفسه بمظهر المتقدم ومظهر المدنية لا بد من أن يُطَعّم كلامه بالكلمات الأجنبية فيقول مثلا: (ok, yes, hello) وهذا يدل على مدى ما أصاب هذه النفوس من الهزيمة النفسية، فلا بد من تربية النفوس على الاعْتِدَاد بالقيم والأخلاق والعقيدة والمواريث الفكرية التاريخية من غير تَفْرِيطِ في شيء مِنْ ذلك فهذا الذي يرتفع بهذه النفوس وإلا ظلت هَامِدَة ذَلِيلَة خَانِعَة خاضعة لِهَؤُلاء الكافرين والله أعلم. (2/297)
صفحة 745
298 الفتاوى العقيدة
هل يصح الحكم على شخص بأنه من أهل النار أو أنه من أهل الجنة بناءً على ولايته أو البراءة منه، وما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ويل للمتألين من
أمتي
) أي الذين يحكمون على الله بقولهم فلان في الجنة وفلان في النار وهل لهذه المسألة علاقة ببعض الأحاديث التي ذكر صلى الله عليه وسلم فيها بعض الأشخاص بأنهم من أهل النار وبعضهم الذين بشرهم بالجنة، فضلاً منك
ببيان الجواب وكشف المستراب والله هو العزيز الوهاب؟
لا يحكم في أحد بعينه أنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار، مهما كانت حالته في البر أو الفجور، إلّا إن كان ولياً بالحقيقة أو عدواً بالحقيقة، وولاية الحقيقة وعداوة الحقيقة لا تثبتان إلا فيمن نص عليه القرآن أو حديث متواتر عن النبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - بأنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار، أو أنه سعيد عند الله أو أنه شقي عنده، أو أنه وليّ له أو عدو له، ولا يكفي أن يرد بذلك حديث أحادي، لأن حجة الأحادي ظنية، كما لا يكفي أن يرد الثناء على أحد أو ذم لأحد ولو في رواية متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي يتولى ويتبرأ بحكم الظاهر، حسب ما ينكشف له من سيرة المرء إلا فيمن أوحي إليه فيه بعينه، بدليل حديث الحوض الذي جاء فيه «وليذادن عن حوضي رجال أعرفهم ويعرفونني فأقول أصحابي أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك (2)، هذا وبدون ولاية الحقيقة أو براءة الحقيقة بطريقهما الشرعي يكون الحكم لأحد أو عليه أنه من أهل الجنة أو النار تألياً على الله ـ والعياذ بالله ـ والله أعلم.
(1) رواه البخاري في «التاريخ» عن جعفر العبدي مرسلًا. (2) رواه الإمام الربيع (43) والبخاري (2194). (2/298)
صفحة 746
الإسرائيليات (2/299)
صفحة 747
الفتاوى العقيدة
وَرَدَ فِي كِتَاب «العَرَائِس» أَنَّ حَوَاء غَرَّرَت بآدم ونتيجة لذلك تَحَمَّلَت خطيئة، وَهَذِهِ الخطِيئَة تسبَّبَت فى أن تُبْتَلَى المَرْأَة بالحيض؟
هذه من الإسْرائيليات، ومما يُؤْسَفُ لَه أنه أثبتها كثير من المفسرين في تفاسيرهم ونقلُوهَا على أنَّها مسلَّمَة مع مناقضتها لدلالة الكتاب العزيز نفسه، فالله تعالى لم يذكر في كتابه الكريم بأنَّ آدم دُفِع من قبل حواء أو غرر به مِن قِبلها وإِنَّما قال: {وَعَصَى عَادَمُ رَبَّهُ فغوى} [طه: 121]، وفي أكثر آيات الكتاب ذُكر آدم وحده، وفي بعضها ذُكِرَ مع زوجه وحُمّلا معاً تَبِعَة خَطَيْهِمَا، وهذا مِمَّا يَدُلُّ على أنَّ الخطأ كان منهما معاً ولم يكن بتأثيرها عليه.
فذلك أما كَوْنُ المرأة تُفْرِزُ هذا الدم الطبيعي في كل شهر مَصْلَحَة من جسمها، لأنَّ حكمة الله تعالى اقتضت أن تكون في الأجسام إِفْرَازَات، سم المرأة مُتَمَيّز بهذه الرُّطُوبة الزائدة المتمثلة في هذا الدم الذي يَتَخَثّر ويُؤَدِّي إلى الضَّرَر بِجِسْمِها فاقْتَضَت حكمته تعالى أن تُفرز المرأة هذا الدَّم في هذه الدَّوْرَة لتتخلص من ضررها، كما أنَّ جسم كُلِّ وَاحِدٍ من الرجل والمرأة يُفرز إفرازات طبيعيَّة أخرى، فهذه من طبيعة الحياة ولا يُقال بأنَّ ذلك بسبب ارتكاب خطيئة، ثم لو كانت هذه خطيئة فمَا هوَ وِزْرُ بَنَات جِنْسِهَا مِن ذُرِّيتِها إلى أن تقوم الساعة؟! فهذا لا يجوز التعويل عليه وإنما جاء ذلك في التوراة في سفر التكوين، فقد ذكر فيه أنَّ إبليس غَرَّرَ بحواء بواسطة الحية، ثم إِنَّ حوّاء بدورِها غَرَّرت بآدم وبعدها أكَلَت من الشجرة وأَعْطَت رَجُلَها ليأكل منها، وفي هذه التوراة من العظائم ما تَشِيب مِنه الوِلْدَان، فلا يجوز التعويل على ذلك ولا يجوز اعتقاد مثل هذه المعتقدات ما دَامَت لَم تَثْبت بِصِحَّة النقل من كلام الله تعالى أو كلام المعصوم ل، والله أعلم. (2/300)
صفحة 748
الإسرائيليات
الجزء الثاني
301
يقول تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةٌ مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ
النَّاسَ كَانُوا بِنَايَتِنَا لَا يُوقِنُونَ} [النمل: 82]، فما معنى الدابة وما وصفها؟ هذه الآية نُؤمِن بها كما جَاءَت، ولا ندري هل ظهرت هذه الدابة لأنَّ الدابَّة وصف يصدق على كل ما يَدُبُّ على الأرض، فالإنسان دَابَّة لأنَّه يَدُبُّ على الأرض، والحيوان دَابَّة لأنَّه يَدُبُّ على الأرض، حتى هذه الآلات التي تَدبُّ دَبِيباً على الأرض هي دَوَاب لأَنَّها تَدُبُّ عَلَيْهَا، فلا نَدْرِي حقيقة هذه الدابَّة؟ نعم وَرَدَ في بعض الروايات وصفها ولكن هذه الروايات فيها ريبة لأنَّ مِمَّا وَرَد فيها أنَّ هذه الدَّابَّة تكون عندها عَصَا موسى وخاتم سليمان، وما يُدْرِينَا أنَّ هذه من الإسرائيليات التي يُريد من خلالها بنو إسرائيل أن يُرَوِّجوا لأفكارهم، لأنَّهم يزعمون أنَّ النبيَّيْنِ الكريمين من أنبيائهم، وليس الأمر كما يقُولون، وهم وإن كانوا من أنبياء بني إسرائيل إلا أنَّ المؤمنين أَحَقُّ بِهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أَوْلَى منهم بِمُوسى بن عِمْرَان» (1)، وإن كان انْتِسَابُهما إليهم من حيث النَّسَب فإِنَّنَا مَعاشِر المؤمنين أَوْلى بهؤلاء النَّبِيِّين غير أنَّ لهؤلاء دَسَائِس، فلعل
هذه مِن دَسائسهم؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.
(1) رواه البخاري (1865). (2/301)
صفحة 749
[صفحة فارغة] (2/302)
صفحة 750
الإنسانيات (2/303)
صفحة 751
304
الفتاوى العقيدة
حقيقة الشياطين
يقول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) [البقرة: 34] هل كان إبليس من الملائكة؟
دخل إبليس في خطاب الملائكة لوجوده بينهم، وإلا فقد أخبر الله عنه أنه من الجن)، وبتعبده مع الملائكة خوطب بخطابهم، لأنه دخل فيهم
ضمناً، والله أعلم.
جاء في القرآن الكريم بأن الشيطان قد خلقه الله تعالى من نار، وتوعده الله بأن يعذبه فيها، فكيف يُعذب بالنار وهو قد خلق منها؟
روي
أن أحد الملاحدة الذين يكذبون بالقرآن قال مثل هذا القول: كيف يعذب بالنار من خلق من نار. فأخذ أحد العلماء حفنة من التراب ورماها في عينيه، فقال: كيف ذلك؟ فقال: أنت مخلوق من التراب وتألمت من التراب. فإذن الذي خلق من نار يتألم من النار والله أعلم.
هل يجوز للإنسان أن يدعو الله أن
يهدي شيطانه؟
لا، فإن الشيطان لا يهتدي، وإن اهتدى فما هو بشيطان، والله أعلم.
هل قرين النبي صلى الله عليه وسلم أسلم فعلاً، أو معنى الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم يسلم من شره فلا يأمره إلا بخير، وهل مسألة القرين هذه وإسلامه لكل إنسان أم هي خاصية للرسول صلى الله عليه وسلم؟
القرين ليس خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن قرينه أسلم دون سائر القرناء كما جاء في الروايات (2) والله أعلم.
(1) إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [سورة الكهف: 50].
(2) رواه مسلم (5034). (2/304)
صفحة 752
الإنسانيات
الصحابة ومكانتهم
الجزء الثاني
305
ما موقف المسلم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل يجوز الاعتماد في هذه القضية (1) على قوله تعالى:
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
[البقرة: 134]؟
لم نكلف البحث عما مضى، وإنما علينا أن نصلح الحاضر ونبدأ بأنفسنا، وعجلة الأيام لا تعود إلى الوراء، فلا يمكن استدراك ما فات وإصلاح ما فسد فما لنا وللاشتغال بالماضي عن الحاضر
فما مضى قبلك لو بساعة فدعه ليس البحث عنه طاعة (2)
والله أعلم.
أحكام البغاة
إذا تعاون البغاة الموحدون مع المشركين لحرب المسلمين، فاختلطت أموال البغاة بأموال المشركين وغنمها المسلمون ولم يعرفوها لأيهم فما حكم هذه الأموال؟
ما وجد في يد الموحد فلا يجوز أخذه من أول الأمر، وما وجد في يد المشرك فيحل غنمه، وما كان مجهولاً فالأصل فيه أنه مجهول الأرباب، ومجهول الأرباب يصرف إلى فقراء المسلمين، أو يعود إلى بيت مال المسلمين، والله أعلم.
(1) يراد من السؤال عما وقع من الفتن والاختلاف في زمنهم. (2) كشف الحقيقة. لمن جهل الطريقة للإمام السالمي الله. (2/305)
صفحة 753
306
الفتاوى العقيدة
الإشاعة
شَاعَ في الأيام الأخيرة تبادل رسائل عبر الجوال ونَصُّها: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنا النُّور ومن تبعني فلن يعيش في الظلام ودَمَجُوا مَعها جُملة أخرى: أرسِلْهَا وسَتَرى السرور»، فهل هناك حديث بالنص السابق؟
هذا شيء لم أطلع عليه، ولا يجوز للإنسان أن يتقول على الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - فيَنْسِبَ إليه ما لم يقُله، لأن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أمر عظيم، وليس هو كالكذب على غيره من الناس، وإنَّما هو يأتي بعد الكَذِب على الله تبارك وتعالى، فلذلك يجب على الإنسان أن يَحْتَرِز من
الصلاة
أن يُسند إلى النبي الله ما لَم يَقُلْه، والله أعلم.
أثر المعاصي والتوبة منها
مَن نَقَل مَسألَةً وأَخطَأ في النَّقل، كيف تكون تَوْبَتُه؟
إذا نَقَلَ مسألة وأخطأ فهَذَا الخطأ إما أن يكون زلة لسان وإما أن يكون
سببه الجهل.
فإن كان سببه الجهل فلا ريب أن خَطَأه خطأ كبير، ذلك لأن الإنسان ليس له أن يقول بدون علم، فالله تعالى قَرَن ذلك بالشرك عندما قال: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا
بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلُ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]،
وبَيَّن أن ذلك من أمر الشيطان عندما قال:
إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169]، وجاء في مسند الإمام الربيع بن حبيب من طريق جابر بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم (2/306)
صفحة 754
الإنسانيات
الجزء الثاني
307
قال: من أفتى مسألة أو فَسَّر رُؤْيَا بِغَير علم كان كمن خَرَّ من السماء إلى الأرض فصادَفَ بئراً لا قَعْرَ لَها ولو أنَّه وَافَق الحق» (1)، هذا لأن التقول على الله - تعالى - فيه خطورة كبيرة، والله ـ تعالى ـ يقول:
وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَيْكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].
وأمَّا إن كان هذا الخطأ زَلَّة لسان وذلك بأن يُريد أن يُفتِي بحق فتَزِل لسانه وتقول غير الحق ففى هذه الحالة هو معذور، ولكن إن تنبه فعليه أن يُبَيِّن لِمَن سَمعه، وأمَّا إذا لم يتبيَّن له ذلك واستمر في غفلته فهو غير مأخوذ بما قال، لأنَّ هذه زَلة لسان من دون أن يَقْصِد بقلبه أن ينطق بذلك. والجاهل عليه أن يتوب إلى الله تعالى مِمَّا يقوله بغير علم، وأن يُبين للناس بأنه كان على جهل، وأنَّ ما قاله غير حق وأنَّ الحق في خلاف ذلك، وعليه أن يُبصر من تأثر بكلامه أو من أخطأ خطئه، والله أعلم.
بِسَبب
النَّبِي صلى الله عليه وسلم لم يكن لَمَّاناً ولا فَعَّاشاً، فما مَعنَى أَنْ نَجِد بعض الأحاديث التي يرد فيها لعن النبي لبعض الناس نظراً لوقوعهم في شيء من المعاصي كالربا والتبرج ونحو ذلك؟
إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله بشيراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين، وكلمة الكُفْر ـ كما هو معلوم ـ تَشْمَل الكُفر المِلّي المُخْرِج من ملة الإسلام وهو الكفر الأكبر الذي يُعبَّر عنه بالشرك وتشمل ـ أيضاً ـ كُفْر النعمة، فالنَّبِي صلى الله عليه وسلم كما جاء داعياً إلى الطاعات والاستقامة عليها واتِّبَاعِها جاء أيضاً مُحذِّراً مِن مَعَاصِي الله سبحانه، لأنَّ جُرْأَة العاصِي هي جُرْأَة عظيمة عندما يُصِرُّ على
(1) رواه الربيع (35). (2/307)
صفحة 755
308 الفتاوى العقيدة
معصيته، إذ يعصي بذلك الله الذي خلقه وأَخرَجَه من العدم إلى الوُجُود وأفاض عليه نِعَمَهُ ظاهرة وباطنة ويَسَّر له سبيل هذه الحياة ومهد له وُجودَه فيها، وجَعَل نظام الكون وطَبِيعَتَه مُتَوَائِمَيْنِ مع فِطْرَته التي فَطَره عليها، فإقْدَامُ الإنسان على هذه المعصية عن إصرار وقصد مع نَهْيِهِ تعالى له وتوعُدِه على ذلك ليس بالأمر الهين، فلذلك لعن النبي صلى الله عليه وسلم الذين أصَرُّوا على المُجَاهَرة بالمعصية وأصروا على الإعراض عَن أَمْرِ الله تعالى وأَخْلَدُوا إلى هوى
}
نفوسهم، والله تعالى وَعَدَ البررة وتوعد الفجرة حيث قال في كتابه: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمِ وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي حَمِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَايِبِينَ) الانفطار: 13 - 16]، فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما يَلْعَن ـ مثلاً ـ أكلة الرِّبَا أو النساء - المُتَبَرِّجَات أو المُحَلَّلَ والمُحَلَّلَ له أو من أَحْدَث في الإسلام حدثاً أو آوَى مُحْدِثاً إِنَّما كُلُّ ذلك لأجل أن يكون الناس على معرفة بهول الأمر ويخشوا الله ويتقوه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فالإنسان دُعِيَ إلى الخير
وحذر - ـ من الشر، وقد بَيَّن الله - سبحانه - أنَّ وعده ووعيده نافذان إذ قال:
لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ} [يونس: 64]، وقال: {قَالَ لَا تَعْتَصِمُوا لَدَى وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَى وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 28 - 29] فلذلك كان مِنَ الضرورة بمكان أن يكون الإنسان في هذه الحياة حذراً من الانزلاق في مهاوي هوى النفس وشهواتها.
ومَهُمَا يَكُن مِن حشنِ ظَنّ الإنسان المُسْلِم بالله إِلا أَنَّ ذلك لا يَدْعُوهُ إلى التّهاون أو التجروء على الله تعالى، فقد بَيَّن سبحانه لِمَن تَكون مَغْفِرَته حيث قال:
وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] كما أنه تعالى
حصر مغفرته في الأوابين عندما قال: (2/308)
صفحة 756
الإنسانيات
الجزء الثاني
309
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُوا صَلِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا *
[الإسراء: 25].
ذلك لأن تقديم المعمول على عامله يؤذن بالحصر، فالآية دليل على أن المغفرة إنما تكون للأوابين لا المصرين، والأواب هو كثير الأوبة إلى الله بالتوبة إليه مما يقع فيه من الخطايا، لذلك دَعَا الله ـ سبحانه ـ أصحاب الكَبَائِر الذين أَسْرَفُوا على أنفسهم بارتكابهم المُوبِقَات وبِفِعْلِهِم مَحارم الله - سبحانه ـ إلى أن يُسَارِعُوا إلى التَّوبة إذ يقول سبحانه: {قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ بِحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَيْنِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ
(54)
حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 53 - 58].
ولا ريب أنَّ في الحياة جَوَاذِب ودَوَافِع تَجْذِبُ الإنسان إلى الشَّر وتدفعه عن الخير، ولكن مَعَ ذلك عَلَيْهِ أن يَصْبِر وأن يُصَابِر في استمساكه بأمر الله تعالى، وقد بين الله - سبحانه - أنَّ الدنيا تَجْذب الإنسان إليها وتُغْرِيهِ بِبَهْرَجَتِهَا وزَخْرَفَتِهَا وزِينَتِها وبِمَا أَوْدَع الله في طبيعتها مِمَّا يَمِيل إليه الإنسان عادة، ولكن مع ذلك بَيَّن - سبحانه - أنَّ الآخرة في مُقَابِل هذه الدنيا إذ يقول
تعالى: مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَبِكَ
(A)
كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [الإسراء: 18 - 19]، (2/309)
صفحة 757
310
الفتاوى العقيدة
ويقول تعالى أيضاً:
مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَتَكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَطِلُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15 - 16]، ويقول تعالى:
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20]، ويقول: {فَأَمَّا مَن طَغَى ا وَاثَرَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 - 41].
ولا ريب أنَّ الإنسان الذي يتَهَالَك على معاصِي الله ويُعطي نفسه هواها ولا يُنَهْنِهُهَا عن الشر إنَّما آثَر الحَيَاةِ الدُّنيا على الآخرة، ونجد أنَّ الله حكم على الجنس البشري بالخسران إلا من استثناهم وذلك عندما قال: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3]، فالإنسان مطالب أن يَحْرِص على هذه الأُمور الأربعة وهي الإيمان الراسخ في النفس الذي يتَغَلْغَلُ في أعماق القلب ويُحرّك أَوْتَارِ النَّفْس ويُثيرُ مشاعرها وأحاسيسها ويُحَرِّك جَوَارِحَهَا لأعمال الخير والعَمَل، الذي يُترجم الإيمان، فالإيمان ليس دَعْوَى يدَّعِيها الإنسان: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (3) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ} [العنكبوت: 2 - 3]، وهذا العمل لا بد ـ أيضاً ـ من أن يُحاط بِسِيَاج، وذلك أنَّ الله ـ تعالى ـ قال: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} فالتَّواصِي بالحق مِدْعاة لاستمرار الإنسان على العمل الصالح، لأن المُجتمع من حوله يُعِينه على الأعمال الصالحة إذ يُوصِيهِ بها، وكذلك التَّواصِي بالصبر إذ بُعْدُ الإنسان عن مَعَاصِي الله وحَمْلُهُ (2/310)
صفحة 758
الإنسانيات
الجزء الثاني
311
نَفسَه على طاعة الله يَسْتَوْجِبَان الصَّبر على المَكَارِه، لأنَّ النفس مَيَّالَة إلى المعاصي غير رَاغِبَة في الطاعة، ولكن بِمَا أنَّ إيمان الإنسان يَجْعَلُه مُسْتَعْلِيّاً على رَغَبَات نفسه فإنَّه لا بد مع هذا الإيمان ومَعَ هَذَا العَمَل أن يكون هنالك تواص بالصبر بجانب التواصي بالحق، والله أعلم.
شخص كان يفعل المعاصي وكلما ارتكب المعصية تاب وهكذا استمر يفعل المعصية ثم يتوب ثم إنه طلب من ربه ألا يقبل منه توبة إن هو عاد إلى تلك المعصية ثم عاد مرات ثم تاب بعد ذلك توبة نصوحا ولم يرجع، هل تقبل توبة هذا؟
هذا رجل أَحْمق، ولو كان فيه شيء من العقل لما سأل الله ـ تعالى ـ هذا السؤال، وكان جديراً به أن يسأل الله تعالى بأن يوفقه للتوبة النصوح التي يُقلع فيها عن كل غَيَّ، ويزدجر فيها عن كل معصية، ويستقيم فيها عن كل اعوجاج، هكذا كان الواجب عليه، ولم يكن حرياً به أن يسأل الله - تعالى - بأنَّه إن عاد إلى تِلْكُم المعصية أن لا يقبل منه توبة، ما باله تبلغ به الحماقة إلى هذا القدر.
والتوبة مقبولة من كل عاص مهما كان عصيانه إن نصح في توبته الله سبحانه، وذلك بأن يتوب توبة صادقة من أعماق نفسه ويلتزم بكل ما تستوجبه التوبة، فالله عَل بَيَّن أنَّ مَغفرته للتائبين حيث قال تعالى {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]، وبسط فضله لعباده حيث دعاهم إلى أن يتوبوا من معاصيهم ولو أغرقوا في هذه المعاصي، وأسرفوا على أنفسهم في ارتكابها، وأَوْعَوا جُيُوبِهم من الموبقات ما أَوْعَوا، فالله مع ذلك كله فتح لهم أبواب التوبة ودعاهم إليها، ورحب بهم إن
تعالى
تابوا عندما قال: (2/311)
صفحة 759
312 الفتاوى العقيدة
(or)
قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسُ بِحَسْرَكَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَيْنِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 53 - 58]
فالعبد يؤمر بأن يتوب إلى الله تعالى توبة نصوحا، وأن يسارع في هذه التوبة، وألا يتلكأ عنها مهما كانت خطاياه وإن تاب توبة صادقة نصوحاً فإنَّ
الله يقبل توبته. هذا؛ وبهذه المناسبة أرى أن نذكر هنا أركان التوبة التي لا بد منها، فالتائب يؤمر بأشياء:
أولاً: أن يندم، إذ التوبة الندم، فإن من لم يندم فليس بتائب، فالندم هو الركن الأعظم من أركان التوبة، وذلك بأن يتمنى أن لو استقبل من أمره ما استدبر حتى لا يقع فيما وقع فيه.
ثانياً: أن يقلع عن المعصية، فإنَّ مَن كان مصراً على معصيته مرتكباً لها
ليس بتائب.
ثالثاً: أن يعقد العزم على عدم العودة إليها كما لا تعود الألبان إلى ضروعها التي خرجت منها.
رابعاً: أن يستغفر الله تعالى لأنَّ الله أمر بالاستغفار، فالله تعالى حَضَ على الاستغفار في مواضع عديدة من كتابه الكريم وذلك مما يدل على وجوب الاستغفار كيف وقد قرن الله بالاستغفار الخير كله، وتوعد على تركه (2/312)
صفحة 760
الإنسانيات
الجزء الثاني
313
العقاب، فقد قال تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعَكُم مَّنَعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلِ فَضْلَهُ، وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3] وحكى عن نوح أنه قال: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10]، وعن هود أنه قال: {وَيَقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52]، وعن صالح أنه قال: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ تُحِيبُ) [هود: 61] وعن شعيب أنه قال: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمُ وَدُودُ} [هود: 90]، وهو دليل على أنه من أركان التوبة التي لا بد منها على الصحيح.
وو رووو
وما يقوله أغلب المفسرين والفقهاء - من أن الاستغفار باللسان غير واجب على العاصي وإنما يكفي منه الندم بجانب أركان التوبة الأخرى، وأن الأمر بالاستغفار في هذه الآيات هو عين الأمر بالتوبة التي هي الندم - ليس بشيء، لأن الاستغفار هنا ذكر مقرونا بالتوبة فقد عطفت عليه بـ «ثم» في أربع آيات من سورة هود، والعطف يدل على التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو هنا من باب عطف الكل على الجزء، فلا تغني التوبة دونه والحكمة من مشروعيته - وإن كان الله يعلم ما في طوايا النفوس ـ أن الإستغفار تذلل وانكسار من العبد واعتراف بالخطيئة، وذلك هو اللائق بمقام التوبة وحال التائبين على أن الاستغفار المطلوب ليس هو كَلِماً يردده اللسان مع فراغ البال منه، وإنما يجب أن يكون ترجمة عما وقر في القلب واستقر في النفس من الندم على الوقوع في المعصية وعقد العزم على عدم العودة إليها مع تصديق الجوارح لذلك بالإقلاع عنها، وبدون ذلك لا تكون له قيمة. (2/313)
صفحة 761
314 الفتاوى العقيدة
فإن تاب الإنسان هذه التوبة فيما بينه وبين ربه فإن توبته مقبولة، أما إذا كان ذنبه فيما بينه وبين عباد الله بحيث ظلم الناس فيما يتعلق بأموالهم أو بدمائهم أو بأعراضهم فلا بد من أن يتخلص فيما بينه وبينهم؛ والله - تعالى - أعلم.
من أراد أن يكفّر عن سيئاته بصيام شهرين متتابعين، هل تكفيه التوبة؟ وما القول في صيامه؟
التوبة في الأصل تتوقف على أركانها فالركن الأول الندم وهو
أركانها.
أهم
والركن الثاني الإقلاع عن المعصية، فإنَّ من استمر على المعصية فهو
ليس بتائب.
والركن الثالث هو عقد العزم على عدم العودة إلى المعصية.
والركن الرابع طلب المغفرة من الله تبارك وتعالى.
هذا
وهذه الأركان لا بد منها حتى تكون التوبة صحيحة مقبولة؛ ومع لا بد من النظر في المعصية التي وقع فيها الإنسان فإن كانت هذه المعصية أَخْذَ مال بغير حق من أحد، أو سَفك دم، أو انتهاك عرض أو نحو ذلك مِمَّا يتعلق بالناس فلا بد من التخلص إليهم.
فإنَّ الذنب ذنبان: ذنب بين العبد وربه من تاب منه كان كمن لا ذنب له،
وذنب بين العبد وصاحبه لا توبة منه حتى يرد المظالم إلى أهلها.
وإن كان ذلك فيما بينه وبين ربه فينظر هل هو ترك واجب أو فعل محظور، فإن كان فعل محظور وليس فيه حق لأحد فعليه أن يتوب بينه وبين
ربه وكفى. (2/314)
صفحة 762
الإنسانيات
الجزء الثاني
315
وإن كان تركاً لواجب كأن يكون تاركاً للصلاة أو للصيام فعليه مع التوبة
أن يقضي هذا الفرض الذي تركه.
وإن كانت هنالك كفارة فعليه أن يكفر ككفارة الصيام المشروعة، وككفارات الأيمان، والظهار وقتل الخطأ، وإن كان الأصل في قتل الخطأ أنَّه غير مؤاخذ به فيما بينه وبين ربه لكنَّ الله تعالى فرض بجانب الدية كفارة لأجل حماية النفوس وصون الدماء ليحذر الناس الإهمال لئلا يُؤدي إهمالهم إلى سفك شيء من دماء الناس وإزهاق شيء من أرواحهم.
أما إلزامه أن يكفّر بصيام شهرين من أجل أي معصية كانت فهذا لا أساس له في الشرع وإن رآه بعض علمائنا ولعلهم قالوه قياسا على وجوب كفارة الظهار الذي أخبر الله عنه أنه منكر من القول، وزور، فحكموا على كل منكر وزور بهذا الحكم نفسه قياسا، وأنتم تدرون أن القياس لا بد فيه من مراعاة أن يكون المقيس فيه العلة التي أوجبت الحكم في المقيس عليه، والحكم في الظهار ليست له علة ظاهرة يسري حكمها حيث وجدت، والله - تعالى - أعلم.
ما صحة القَوْل إِنَّ بعض المعاصي تُعَجّل عُقُوبَتُها في الدنيا؟ وهل على
ذلك دليل؟ كم مِن مَعاصِيَ تُعَجَّلُ عُقوبَاتُها في الدنيا، فالله تعالى يذكر الأمم التي بَادَتْ وهَلَكَتْ وكانتْ عاقِبتُها مُرَّة وذكر أنَّ ذلِكَ كان بِسَبَبِ مَعاصِيها، قال
تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ تُمَكِّن لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَ اخَرِينَ} [الأنعام: 6]، فنرى هنا أنَّه ينص على أن سبب الهلاك هو
الذنوب. (2/315)
صفحة 763
316 الفتاوى العقيدة
كذلك يُبيِّنُ لنا تعالى أنّ العقوبات العامة التي تُصِيب الأُمم وتُصِيب الشعوب سَبَبها فسادِ المُتْرَفِين وانْحِرافِهِم عن جادَّةِ الحق وسُكُوتِ الآخَرِين عنهم يقول الله سبحانه تعالى:
وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَهَا
تدميرًا} [الإسراء: 16]. فالتَّرَف سَبَب لِمِثْلِ هذه الأمور، لأنه يَدفَعُ بِالإِنسانِ إِلَى مَعصية الله المُبالاة بأوامره ونواهيه، ويقول:
وعدم
حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْرُونَ} [المؤمنون: 64]، ويقول: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَشُوا بِأَسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أَتُرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 11 - 13] فهذا كله مِمَّا يَدُل على أنَّ التَّرَف يُؤدِّي ـ والعياذ بالله ـ إلى البَطَر وارتكاب مَعاصِي الله وعدم المبالاة بحُرُمات الله وأوامره ونواهيه، ومما يؤيد هذا قوله - سبحانه
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَيْكُنُهُمْ لَمْ تُسْكَنَ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِثِينَ} [القصص: 58]، فبَيِّن أنَّ البَطَر يُؤدِّي إلى هذه الغاية السيئة، وهي الهلاك والعياذ بالله، والله أعلم.
تُصاب البلاد بِجَدْبِ ومَحْلٍ شديد فما هو الخلاص؟ وكيف يتضرع الناس إلى ربِّهم؟ وماذا يصنعون حتى يأتيهم الغيث؟
نسأل الله - تعالى - أن يُغِيثَ العباد والبلاد، وكُل ما أصاب الناس فيما كسبت أيديهم قال تعالى: {وَمَا أَصَبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 130، فعلينا أن نتوب إلى الله ونستغفره، لأن (2/316)
صفحة 764
الإنسانيات
الجزء الثاني
317
الاستغفار سبب للغيث فالله تعالى حكى عن نوح قوله: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتِ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا} [نوح: 10 - 12]، فالناس مطالبون بأن يستغفروا الله، على أن يكون هذا الاستغفار ليس مُجرَّد لَقْلَقَة باللسان وإنَّما هو استغفار نابع من القلب بحيث يكون معه ندم على المعاصي وإقلاع عنها وعقد العزم على عدم العودة إليها، ففي هذه الحالة يغيث الله تعالى عباده ويَرْحَمُهم ويلطف بهم ويرفع عنهم الشدائد، هذا مع التصدق على الفقراء والمساكين بجانب دفع الزكاة الواجبة، فإنَّ مَنْعَ الزكاة هو الذي أدَّى إلى حبس القطر ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: وما مَنَعُوا زكاة أموالهم إلا حُبِسَ عنهم القطر، ولولا البهائم لم يُمْطَروا»).
ومِمَّا يؤسف له أن الناس منعوا حقوق الله وحقوق الناس الواجبة في أموالهم، وهم يريدون مع ذلك من الله - تعالى - أن يُسبغ عليهم نعمه مع كفرانهم، ولا يقومون بواجب طاعة المنعِم جل جلاله، ولا يحرصون على التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر. والله تعالى أَنْذَرَنا شر المعاصي في كتابه الكريم وقص علينا أنباء الأمم التي قبلنا حيث قال:
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِن قَرْنٍ مَكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ تُمَكِّن لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِي مِن تَحْنِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قرنًا وَاخَرِينَ} [الأنعام: 6]، وقال:
وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَهَا تَدْمِيرًا}
[الإسراء: 16].
(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان (3042). (2/317)
صفحة 765
18 الفتاوى العقيدة 3
ثم قال بعده {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بصِيرًا} [الإسراء: 17]، فعلى الناس جميعاً ـ ونحن معهم ـ أن يتقوا الله وأن يُخْلِصوا عبادتهم له وأن يتوبوا إليه توبة نصوحاً، ونسأل الله أن يتقبل توبتنا وإنابتنا، والله أعلم.
ما هي آثار معصية الفرد على الأمة؟
أما إن أمسكت الأمة بيده وأَمَرَته بالمعروف ونهته عن المنكر فإن هذه المعصية أثرها ينعكس على نفسه ولا يُصيب الأمة منها شيء، وكذلك إن كانت معصية خفية لم تطلع عليها الأمة.
أما إن جاهر بالمعصية ولم تنكر الأمة عليه فمن أَبْصَر ذلك واطلع عليه وكان قادراً على الإنكار وتمادى في ترك الإنكار فهو مسئول عن هذه المعصية وشريك لهذا العاصي لأنَّ الله تعالى يقول:
لعن الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ
VA
بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا
كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78 - 79]، ويقول جل شأنه:
وَسُلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163].
فمن لم يأمر بالمعروف ويَنْة عن المنكر مع ظهور المنكر وقدرته على تغييره يكون شريكاً لصاحب المنكر وعقاب الله تعالى يشمل الجميع كما
وقع لبني إسرائيل؛ والله ـ تعالى ـ المستعان. (2/318)
صفحة 766
الإنسانيات
الجزء الثاني
319
يظن البعض أنَّ إصابته بمرض الإيدز يعني أن باب التوبة قد أغلق عنه
لأنَّه أصبح في عداد من ينتظر الموت، فما قولكم في ذلك؟ إنَّ الموت هو منتظر بالنسبة إلى كل حَيّ، فما من حَيَّ إلا وبين يديه وأمام ناظريه الموت، لأنَّ الله - تعالى - حكم به على جميع العباد، فقد قال عَزَّ مِن قائل: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، وقال سبحانه لخير خلقه: إِنَّكَ مَيتُ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر: (30)، وقال وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ} [الأنبياء: 34]، فكون الإنسان منتظراً للموت لا يعني ذلك أنَّ باب التوبة مغلق في وجهه، بل باب التوبة مفتوح إلى أن يصل إلى حد الغرغرة كما يدل على ذلك حديث الرسول: إن الله ليقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (1)، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارُ أُوْلَبِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18].
نعم الإنسان مأمور أن يبادر إلى التوبة عندما يقع في أي معصية، ولا يؤخر التوبة من حال إلى حال، لأنَّ الآجال صوارم لحبال الآمال، فالإنسان قد يتأمل أنه سيتوب بعد حين، ويرخي لنفسه العنان لتقارف المعاصي وتقع فيما تقع فيه من محظورات الله تعالى وإذا بالأجل المحتوم يجتث هذا الأمل مِن أساسه ويأتي على حياة الإنسان؛ هذا بجانب كون المعصية عندما يستمر عليها الإنسان ويردفها بأخواتها يكون على قلبه الران، كما يدل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن وابن جرير وآخرون من طريق أبي هريرة لها إلى أنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ قال: «إنَّ العبد إذا أَذنب الذَّنب نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإنْ
(1) رواه الترمذي (3460).
هو (2/319)
صفحة 767
320
الفتاوى العقيدة
نَزَع وتَاب واستغفر صُقَل، وإِنْ هو عاد زادت حَتى تَملأ قلبه فذلكم الرَّان»، ثم تلا الآية الكريمة: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14].
هي
ونحن نرى أنَّ الله تعالى عندما بَيَّن توبته للتائبين ذكر أنَّ التوبة إنَّما لمن يتوب من قريب، وذلك لأنَّ الذي يتوب من قريب يُعاجل الأجل بتوبته قبل أن يفجأه الأجل ويحول بينه وبينها هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الإنسان عندما يتوب فإنَّه يُنظّف نفسه ويتخلص من أَسْرِ المعصية لأنَّ المعصية عندما تتراكم على القلب يصدأ هذا القلب ويكون من الصعب بعد ذلك أن ينجلي فيعود كما كان أول مرة، ولذلك قال الله تعالى:
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَبِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17]، فذكر السوء بصيغة الإفراد، وذكر أنَّ التوبة تأتي من قريب أي قبل أن يصدأ القلب حتى ترين عليه المعصية، وفي مقابل ذلك قال:
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} [النساء: 18]، بصيغة الجمع، حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَنَ} [النساء: 18]، وذلك لأنَّ استرسال الإنسان في أعماله القبيحة يجعله أسيراً لها.
والقلب هو أهم شيء بالنسبة إلى الإنسان لأنه ملاكه، فالله وكل في كتابه العزيز بَيَّن أن الفوز أنَّ الفوز يوم القيامة إنَّما هو لمن جاء بقلب سليم، وذلك في قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89]، كما أنَّه سبحانه - وعد أيضاً بالجنة من جاء بقلب منيب ومعنى الإنابة الرجوع إلى الله، وذلك بأن يرجع إلى الله إِذا ما قَارَفَ أي معصية فلا يستمر عليها، ولكن أنَّ معصية من المعاصي كيف ما كان عظمها تحول بين العبد وبين
هذا لا يعني التوبة إن أراد التوبة بإخلاص النية وصفاء الطوية فالله جل شأنه يقول: (2/320)
صفحة 768
الإنسانيات
الجزء الثاني
321
قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن
(or)
يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَأَتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسُ بِحَسْرَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ} [الزمر: 53 - 56]، فالإنسان مأمور بأن يُبادر قبل أن يُفجع بنفسه ويُفجأ بِرَيب المنون ينتزع نفسه منه، والله أعلم.
مَن يعتقد مُضاعفة الذنب في نهار رمضان دون ليله، هل يؤثر مثل هذا الاعتقاد على صحة صيامه؟ هذا خطأ لا يؤدي إلى انتقاض صومه، ولكن يجب عليه أن يحتاط لنفسه، وأن يمتنع من الوقوع في معاصي الله في ليله وفي نهاره، لأنَّ لرمضان حرمات سواء في الليل أو في النهار، وبقدر ما تكون حُرمة الزمان والمكان يُضاعف الثواب ويُضاعف العقاب، فمن أصاب سيئة في حرم الله الآمن ـ مثلاً ـ ضوعف، وزره، ومَن أتى بحسنة هنالك ضوعف أجره، وكذلك بالنسبة إلى الزمان لأنَّ لمزية الزمان تأثيراً في مُضاعفة الأجور وفي مضاعفة الأوزار، فهذا الاعتقاد خطأ، ولكن لا يُؤاخذ به بحيث يقال بأن صومه باطل، والله أعلم.
بعض الأشخاص في لحظة احتضارهم يحضر أهاليهم شخصاً من الصالحين يقرئه التوبة، فهل هذا مقبول في حكم الإسلام؟ وإذا كان مقبولا فهل تقبل توبة المرء في تلك الساعة؟
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الله توبة العبد ما لم يغرغر»، فإذا حصلت الغرغرة حينئذ يغلق - والعياذ بالله ـ باب التوبة، نسأل الله تعالى حسن الخاتمة ونعوذ به من سوء الخاتمة، ولا يشترط في التوبة أن يُتَوبَ (2/321)
صفحة 769
322 الفتاوى العقيدة
العاصي
أحد أو أن يكون من يتوبه من الصالحين وإنما يكفيه أن يتوب بينه وبين ربه، إذ ليس بين الله الله وبين عبده. واسطة فالإنسان ـ من فضل الله الله عليه ـ فتح له باب الاتصال بربه، والذي يرتكب السيئة ويأتي المنكرات إذا توجه إلى الله بقلب خاشع وسأل الله تعالى أن يغفر له، وعقد العزم على ألا يعود إلى المعصية كما لا تعود الألبان إلى ضروعها فلا ريب أن الله يقبل
توبته ..
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25] ولا تتوقف
التوبة على واسطة بين العبد التائب وربه، والله أعلم.
هل يوجد فارق بين التوبة والاستغفار وإذا كان فما حقيقة التوبة؟ الاستغفار هو طلب المغفرة فهو جزء من التوبة، ولا يكون وحده التوبة، فالتوبة هي الإقلاع والاستغفار والندم وعقد العزم على عدم العودة إلى المعصية. والله أعلم.
ما
يرجع
هي نصيحتكم لرجل يقترف المعاصي وهو يعلم أنها معاص، وعند اقترافه معصية من المعاصي يتوب منها، مع العزم على عدم العودة لكنه ثانية ويقع في الذنب؟ يقبل الله تعالى توبة عبده - كما جاء في الحديث ـ ما لم يغرغر، ولكن على أن يعقد العزم على عدم العودة، وعندما تنزع نفسه إلى الشر مرة أخرى فليحاول أن يصدها عنه، وليستعن على ذلك باستحضار الموت وغصته، والقبر ووحشته، والموقف يوم القيامة، وهوله، ونعيم الجنة وعقاب النار ـ والعياذ بالله من النار، فإن ذلك مما يعين الإنسان على كبح جماح النفس
وعدم استرسالها في شهواتها المهلكة ورغباتها المردية والله أعلم. (2/322)
صفحة 770
الإنسانيات
الجزء الثاني
323
هل للاستغفار صيغة معينه أم تكفي النية بالقلب، ونرجو توضيح نقطة ترديد الناس للأذكار، خصوصاً وقد سمعنا أن بعض هذه الأذكار مكتوبة من بعض الناس، وقد يأخذونها كغرض من الأغراض التي لا يعلمها إلا الله فما قولكم في ذلك؟
أنت ربي
كانت
الاستغفار لا ينحصر في صيغة معينة، وإن كان قد ورد في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصيغ نحو أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه من كل ذنب وجاء أيضاً أن سيد الاستغفار هو: «اللهم لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء بنعمتك علي وأبوء بك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»، لكن لا يعني ذلك أن هذه الصيغة وحدها يقتصر عليها المستغفر. هذا وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: أحدث لكل سيئة توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية» (1)، فمن معصيته سرية فتوبته أيضاً منها سرية، وقد يكون استغفاره بقلبه عند بعضهم ولو لم ينطق لسانه بذلك مجزياً له، إذا عقد العزم على عدم العودة، وكان قلبه ضارعاً إلى الله الا الله بأن يغفر له. ولكن ينبغي هذا الذي في قرارة نفسه بنطقه، وإذا كانت المعصية ظاهرة بحيث يعلم الناس بها فإن يجهر بتوبته، كما جهر بمعصيته، ليمحو تلك الصورة القاتمة السوداء التي انطبعت في أذهان الناس عنه، إلى صورة معاكسة لها، صورة مشرقة بيضاء، وهذا لأن الناس متعبدون بولايته إن استقام على الحق قولاً وعملاً ومتعبدون بالبراءة منه إن انحرف إلى الباطل قولاً أو عملاً ولا يحل
عليه أن
له أن
نفسه: البراءة من يبيح
أن يترجم
(1) المعجم الكبير (374). (2/323)
صفحة 771
324 الفتاوى العقيدة
ومن يبح براءة من نفسه فهالك وهو حر بخسه. وأما الأذكار فإنها مطلوبة على كل حال فذكر الله تعالى حياة للقلوب من
مواتها (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. ويقول تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ
ذِكْرًا} [البقرة: 200]. ويقول الله الله:
فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ
كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] ويقول أيضاً:
فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَنَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103]، فينبغي للإنسان أن يذكر الله على أي حال، ولا يقتصر في ذكر الله له على صيغ معينة، وإنما أفضل الصيغ ما جاء في كتاب الله، وما روي عن كالإتيان بالباقيات الصالحات والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ففي كل من ذلك خير كبير، والأهم من ذلك أن يكون المقصود بهذا الذكر تزكية النفس وتطهيرها من أرجاس المعصية، حتى تكون خاشعة الله تعالى تخشاه الله وتتقيه، وتتجنب نواهيه وتسارع إلى أوامره والله أعلم.
النبي
التائب من أخذ الربا ماذا يفعل بالزيادة التي تدرها أمواله، هل يتركها للبنك مع العلم إنه قد يستغلها في أعمال مضادة للإسلام، مثل بناء الكنائس، أم أنه يتصرف بها وذلك يكون مضاداً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم
معنى الحديث أي لحم نبت من شحت فالنار أولى به (1)؟ المرء مأمور أن يكون دائما في معاملاته متقياً الله الله، ومن تقوى الله وعل أن يختار عندما يريد أن
أمانة
يستودع التقي العفيف، فقد قيل: «كفى بالمرء
(1) الحاكم (7163)، الترمذي (558). (2/324)
صفحة 772
الإنسانيات
الجزء الثاني
325
خيانة أن يكون أميناً لخائن أو يكون أمينه خائنا»، والمقصود بالخيانة مخالفة أوامر الله، فمما يجب على الإنسان ألا يستودع نقوده حيث تستغل في الربا، ويتصرف فيها بمعصية الله سبحانه، بل عليه أن يختار لها المستودع الأمين غير المخالف لأمر الله رسول الله، ذلك ألا
6
ويعني يودع نقوده المؤسسات التي
تتعامل بالربا أو التي تشجع على المنكر، والتي تستغل هذه الأمانة في محاربة الدين فما للإنسان وتركه نقوده في البنوك التي تتعامل بالربا؟ سواءً كان يأخذ مما تدره هذه النقود من الزيادة في هذه المعاملة، أو لا يأخذ من ذلك شيئاً، فما دام هو منهياً عن التعاون على معصية الله سبحانه، فالأخذ من هذه النقود يعني مقارفة منه للربا ورضى به، والله الله يقول:
وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279]، فليس للإنسان أن يأخذ شيئا من الزيادة فإن وقعت هذه الزيادة في يده فعليه أن يدفعها إلى فقراء المسلمين تخلصاً لا تصدقاً فإن الصدقة لا تكون إلّا من المال الطيب كما جاء في الحدث «لا يقبل الله صدقة من غلول» (1) والله أعلم.
هل التوبة لمرتكب الكبيرة تامة الأركان حتى إذا لم يطبق الحد الشرعي، وهل يكون طاهراً لو تاب التوبة الصدوق، استنادا إلى حادثة ماعز والغامدية عندما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ليطهرهم؟
فتح
الله سبحانه باب التوبة بدون اشتراط إقامة حد، وذلك من فضل الله الله على عباده والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص كل الحرص على أن يتوب الإنسان بينه وبين ربه من غير أن يعرض نفسه لإقامة الحد عليه، فقد أصاب منكم شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن
قال:: «من
(1) رواه مسلم (329). (2/325)
صفحة 773
326 الفتاوى العقيدة
من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله»)، فمن ستر نفسه بستر ربه وأخلص التوبة إليه كان الله به رؤوفاً رحيماً ومن أبى إلا أن يهتك ستره ويفشي أمره فلا بد من إقامة حد الله تعالى عليه لأن القائم بالأمر متعبد بإقامة حدود الله حال استيفاء جميع الشرائط، ومع ذلك فلو جاء إلى الحاكم معترفاً بما يوجب الحد عليه فإن الحاكم يؤمر أن يردده كما ردد النبي ما عزاء لعله يتوب بينه وبين ربه، فإن من شأن المؤمن الرحمة والنبي صلى الله عليه وسلم هو في قمة الإيمان فكان أكثر الناس رحمة وأعظمهم شفقة، وليس من الرحمة في شيء أن يحب أحد لغيره ما يكرهه لنفسه ـ وإن كان في إقامة حدود الله الله أيضاً رحمة بالعباد، غير أن التائب الذي اقترف الحد إذا تاب بينه وبين ربه فقد أمن شره، ولذلك كان يوجب شأن من أئمة المسلمين إذا جاءهم أحد يطلب منهم أن يقيموا عليه الحد الشرعي ألا يتسارعوا إلى ذلك من أول مرة حتى يتتبعوا أمره ويتكرر اعترافه بما الحد الشرعي، فالتوبة مقبولة ولو لم يقم الحد الشرعي
ما
يوجب
التائب، والله أعلم.
على
رجل زنا وأراد أن يتوب إلى الله ماذا يفعل في هذا الزمن الرديء الذي
لا تطبق فيه الحدود؟
التوبة لا تتوقف على إقامة الحد على التائب ومن تاب بينه وبين ربه
من
هذه
قبل الله منه توبته، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى ذلك بقوله: «من أصاب شيئاً القاذورات فليستتر بستر الله، فإن من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله» (2)
والله أعلم.
(1) رواه مالك في الموطأ (3048).
(2) رواه الحاكم (8/ 330). (2/326)
صفحة 774
الإنسانيات
الجزء الثاني
327
جاءنا أحد المشايخ من الجزيرة العربية فقال لنا: إن المرأة التي زنت ولديها ابن الزنى توبتها أن تجلد ثمانين جلدة، فما قولكم؟ يقبل الله توبة التائب وإن لم يقم عليه الحد، إذ الحد ليس شرطاً في صحة التوبة وحد الزاني والزانية ليس ثمانين جلدة وإنما هو مائة جلدة إن كانا بكرين، وإن كانا محصنين فالرجم، ولا فرق في ذلك بين أن ينتج عن الزنى حمل أو لا والله أعلم.
رجل بعد عزمه على التوبة والنية بعدم العودة لارتكاب المعاصي، ظلت المرأة التي ساعدته على الفواحش تلاحقه باتصالاتها وتهديده بافتعال المشاكل له ولزوجته وأولاده، بل ووعدت بأن تتعدى محيط أسرته إلى العمل بحجة حبها الشديد له وعدم تحمل بعده عنها، وأنها عانت الكثير من المشاكل لأجله، وأنه خانها بزواجه من غيرها، مع العلم بأنها متزوجة ولديها أولاد، وقد نصحها وأوضح لها بأنه تاب إلى الله ع وأنه عليها التوبة مثله، فردت عليه بأن الله الله لن يغفر له لأنه تسبب في إيذائها وأولادها وإيذاء الكثير من الناس، ولأنها الآن تعاني من الكثير من المشاكل ورجوعه إليها يحل لها
تلك المشاكل.
ماذا
يجب عليه أن يفعل لتكون توبته خالصة لله عل؟ وماذا عليه ليصلح من خطئه تجاه تلك المرأة؟ وهو يعلم أن رجوعه إليها معصية الله وعل؟
يجب عليه أن يبتعد عن تلك المرأة مهما كلفه ذلك، ولا يلتفت إلى إغراءاتها وتهديداتها، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق: 2 - 3] والله ولي التوفيق. (2/327)
صفحة 775
328 الفتاوى العقيدة
كيف يتوب من ارتكب كبيرة الزنى مع كثير من الزانيات مرات لا تحصى وفترة طويلة من عمره؟ وهل يجب عليه شيء من الكفارات؟ وهل يجب عليه الجهر بتوبته؟ الزاني يتوب إلى الله وعل بإخلاص التوبة له، والله يقبل توبته ويغفر حوبته، فإنه القائل:
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا وَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَن وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُولَتَبكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ} [الفرقان: 68 - 70]، وفي الحديث الذي رواه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جماعة من الصحابة الله أن النبي الله قال: «الذنب ذنبان، ذنب بين العبد وربه وذنب بين العبد، وصاحبه فالذنب الذي بين العبد وربه من تاب منه كان كمن لا ذنب له والذنب الذي بين العبد وصاحبه لا توبة منه حتى يرد المظالم) وعليه فإن كان زنى بنساء عاقلات بالغات حرائر مختارات فعليه التوبة، وكفى، وإن كان زنى بمجنونة أو صبية أو أمة أو مكرهة فعليه مع التوبة العقر كله في كل مرة، وهو نصف عشر دية الثيب وعشر دية البكر، وإن كان زناه معلوماً فعليه إعلان التوبة، وإلا تاب سراً، والله أعلم.
كيف يتوب من ارتكب كبيرة قوم لوط مع كثير من الرجال مرات تحصى فترة طويلة من عمره فهل يجب عليه شيء من الكفارات؟ وهل يجب عليه الجهر بتوبته؟
توبته كتوبة الزاني سواءً بسواء، إلا في العقر فإنه كعقر الثيب سواء كان المأتي صغيرا أو كبيرا والله أعلم.
(1) رواه الربيع (691). (2/328)
صفحة 776
الإنسانيات
الجزء الثاني
329
شخص عمل عمل قوم لوط لسنوات عديدة وأراد التوبة، فهل عليه كفارة مغلظة واحدة عند التوبة؟ أم بقدر عدد الذين عمل فيهم هذه الفاحشة؟ القول بوجوب الكفارة على من ارتكب كبيرة إنما هو رأي لأهل المغرب أصحابنا، والمشارقة لا يأخذون بذلك، لأن الكفارات كالحدود لا تثبت من إلا بالنصوص، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم تائباً بالتكفير إلا في مواضع خاصة منه كالفطر في رمضان، والله أعلم.
رجل كثير الذنوب والمعاصي، ولكن يحج ويعتمر ويفعل الخير ومواظب على الصلاة، ولكن يمارس عمل قوم لوط ويتوب ثم يرجع عدة مرات، ولكن الآن تاب توبة يعلم الله أنها صادقة، فما قولكم فيما مضى عليه والله من وراء القصد؟
إن تاب إلى الله قبل توبته، ولكن إن كان مارس اللواط مع صبي أو مجنون أو مملوك أو مكره فعليه لمن مارس معه مهر الثيب من النساء، والله أعلم.
رجل بلغ مبلغ الرجال في سن الرابعة عشر، وقام بنكح الدواب وعمل قوم لوط، ولكنه بعدما بلغ العشرين من العمر تاب توبة نصوحة ولم يعمل من هذه الخبائث شيئاً، فماذا عليه الآن بعد التوبة والاستغفار
والندم؟
عليه التوبة إلى الله وكل، وعليه ضمان تلك الحيوانات التي فجر بها لأربابها، فإن لم يعرفهم فلفقراء المسلمين، وعليه إن كان الذين لاط بهم صبياناً أو مجانين أو مماليك أو أكرههم على ذلك ولم يكونوا راضين به أن يدفع إلى كل من هؤلاء العقر، وهو مهر الثيب، ويقدر بنصف عشر ديتها،
والله أعلم. (2/329)
صفحة 777
330
الفتاوى العقيدة
ما قولكم في شخص ذكر شخصاً آخر به عيب ما أو ارتكب كبيرة في
غيبته؟
تلك غيبة، ولا تجوز في حق المسلم، إلا إن جاهر بمعصية الله والله أعلم.
هل يجب على من ظلم أحداً بغيبة أو بهتان أو قذف وقد علم المظلوم
بذلك ما يلي: - خطأه يبين
أ ـ أن
في حق المظلوم عند كل من سمعه ينطق به ويصححه
ويعلن توبته منه؟
ب ـ أن يبين للمظلوم خطأه في حقه على وجه التفصيل، أي ما قاله فيه حرفياً دون نقصان ويعلن توبته عنده ويطلب منه العفو والصفح؟
1 - على من ظلم أحداً في عرضه بغيبة أو نحوها أن يدرأ آثار هذا الاغتياب وهذا الظلم، سواء علم المظلوم بذلك أو لم يعلم، وذلك بأن يبين للناس الذين سمعوا منه أن ما سمعوه ليس من الصحة في شيء وأنه كان إفكا، وأن عليهم أن يصححوا الصورة التي تصوروها خطأ. عن المظلوم من جراء هذا الظلم، والله أعلم.
2 ـ عليه أن يستبرئ المظلوم وأن يجعله في حل، وقيل: لا يلزمه ذلك إن لم يعلم به، وإنما يستغفر له إن كان من أهل الولاية، وإلا دعا له بأن يوفقه الله للتوبة وحسن العمل، والله أعلم.
لقد سمعت أن أحداً إذا سرق حبة تمر فإن الله الله لن يعطيه ثواباً لمدة أربعين يوماً، حتى إذا تصدق بماله أو إذا صام شهراً كاملاً؟ هل هذا الكلام صحيح أم لا؟ إن تاب ورد المسروق إلى أهله تقبل الله منه أعماله وتاب عليه، والله أعلم. (2/330)
صفحة 778
الإنسانيات
الجزء الثاني
331
إذا حَلَفَ رجلٌ حَلْفَ يمين غموس من أجل أخذ أموال الناس ظلماً ليس له حق فيها، هل يقبل الله صلاته وصيامه وحجه، وماذا عليه أن يفعل؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]، فإن تاب واتقى ورد المظالم إلى أهلها قبل الله منه، وإلا فلا، والله أعلم.
ما قولكم عن رجل شهد شهادة زور وبعد فترة راجع نفسه لأنه شهد
شهادة زور؟
عليه التوبة إلى الله،، وعليه ضمان ما أتلفته شهادته من حقوق العباد، إلا إن أبرأوه مما لهم عليه من حق بسبب ذلك، والله أعلم.
امرأة توفي ولدها وقد حزنت عليه حزناً شديداً، وأخذت تزور قبره أسبوعياً، وامتنعت عن الطيب وعن لبس الثوب الجديد منذ وفاة ولدها حتى الآن، بل إنها امتنعت عن ذلك حتى في العيد الماضي وعقدت العزم على فعل الشيء نفسه في عيد الأضحى، هذا على الرغم من تدخل عدد من أفراد أسرتها بمن فيهم زوجها لمحاولة إقناعها بالعدول عن رأيها - لا سيما أثناء العيد وبينوا لها عدم جواز ذلك وذكروا لها ما ورد في الأثر عن الصحابيات - رضوان الله عليهن - من تطيبهن بعد مضي ثلاثة أيام من وفاة أقاربهن من غير أزواجهن لا رغبة في الطيب بل امتثالاً لأمر الله تعالى واتباعاً لهدي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أنها وللأسف الشديد رفضت
6
ذلك كله وضربت بكلامهم عرض الحائط واستمرت في عنادها.
فما قولكم في كل ما فعلته هذه المرأة، وماذا يجب على أقاربها أن يفعلوا تجاهها، لا سيما أفراد أسرتها وبشكل أخص زوجها؟
هي
على
خطأ
في
ذلك، وتجب عليها التوبة منه، والله أعلم. (2/331)
صفحة 779
332
الفتاوى العقيدة
أخذها
ما الحكم في رجل كان في صغره أي قبل بلوغه سن التكليف) يدخل بيوت الناس دون إذن منهم، ودون علم منهم، فيأخذ ما راق له من الأدوات والأشياء والثمار وغيرها، ويتلف ويحطم ما راق له كذلك، وهو لا يعلم في ذلك أي حرمة إذ كان لا يعرف شيئاً من الأحكام الشرعية، ثم لما بلغ سن التكليف سلك طريق الاستقامة بعد الانحراف، وأراد أن يتوب إلى ربه من جميع ذنوبه، ولم يبق في حوزته شيء من تلك الأشياء التي من أولئك الناس، فكيف تكون توبته؟ وكيف يتخلص من تبعاته؟ أهو مطالب بالغرم وتعويض ما أخذه من أولئك الناس، أم أن حكمه يكون كحكم المستحل لأنه لم يأخذ ما أخذ حين أخذ إلا وهو لا يعرف عن الحلال والحرام ولم يكن في سن التكليف؟ قال العلماء: إن على الصبي ضمان ما أكله في بطنه أو انتهكه بفرجه، وعليه فإن على هذا الرجل أن يتخلص إلى أصحاب هذه الحقوق مما أصابه في أموالهم إبان صباه، فإن جهلهم وجهل ورثتهم ـ إن كانوا قد ماتوا ـ فليتخلص بدفع ما لهم من الضمان إلى فقراء المسلمين، ففي ذلك مخلص المال الذي جهل ربه، وإن حاللهم فرضوا بذلك سقط عنه الضمان، وليس حكم ذلك كحكم الاستحلال (1)، لأن المستحل لا بد من أن يكون متأولاً (2)، والله أعلم.
له
شيئاً
من
كيف يتوب العبد إلى ربه؟ وما شُروط التوبة حتى تقبل عند الله تعالى؟ إِنَّ مِن فضل الله تعالى على عباده أنَّه لم يجعل الصلة بينه وبينهم تنقطع بِمُجرَّد وقوع الإنسان في الزلة، بل لهذا الإنسان طريق يرجع من خلالها إلى
(1) هو
اعتقاد أن ما يفعله حل له.
(2) المتأول: هو من تمسك بدليل على فعله وإن كان ذلك الدليل لا يصح. (2/332)
صفحة 780
الإنسانيات
الجزء الثاني
333
ربَّه سبحانه، وذلك عندما يُراجع نفسه ويتوب إلى رُشدِهِ، ويَلومُ نَفْسَه على ما قارفت وارتكبت، وتلك هي طريق التوبة النصوح التي جعلت طُهْرَة للمُذنِبِين مِمَّا وَقَعُوا فيه من الآثام، والحق - سبحانه ـ بَيَّن أنَّ المعاصِي كُلَّها تُغفر بِهذه التوبة، وقد دعا عباده إليها وحثهم عليها، ورغبهم فيها، وبيَّن سبحانه أنَّه لا يَحُول بينهم وبين وُقُوعهم في أي معصية كانت وذلك أنه ـ تعالى ـ قال: قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (5) أَن تَقُولَ نَفْسُ بِحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ (3) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَتَ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 53 - 58].
(54)
فَهُنا يَدعو الله سبحانه عباده إلى أن يُقلعوا عن المعاصي مهما كانت هذه المعاصي، فإنَّها ولو كَبُرت وعَظُمت فالله ـ تعالى ـ أعظم منها وأجلُّ وأكبر. عَظِيم الذَّنب يَغْفِرُه العظيم ويَحلُمُ عن مُنَاوِنِه الحليم فالله أعظم من كل عظيم، ولذلك لا يعظُمُ عنده ذنب أن يَعْفِره إذا جاء صاحبه تائبا إلى ربه سبحانه، والله أعلم.
ولكن كيف تكون هذه التّوبة؟ ومتى تكون؟
إنَّ العبد يُؤمر أن يتوب إلى الله توبةً عاجلة، لأنَّ للمعصية أثرا على النفس الإنسانية، وهذا الأثر خطير جدا، وقد دَلَّ عليه حديث أبي هريرة الذي رواه الإمام أحمد وأصحاب السُّنَن وغيرهم من طريقه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «إنَّ العبد إذا أذْنَب الذَّنْب نُكِتَت في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سوداء، فإِنْ هو نَزَع (2/333)
صفحة 781
334 الفتاوى العقيدة
وتاب واستغفر صقل، وإنْ هو عاد عَادَت حتى تملأ قلبه فذلكم الرَّان» ثم تلا قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] فالرَّأن هو أثر المعصية الذي يُغَطِّي على القلب حتى يَطْمِسَ نُوره، ويُكَدِّر صفوه، ويُحوّل بياضه إلى سواد، وضياءه إلى ظُلمة وأثر هذا الرَّأن أثر خطير جدا، ومن هنا نَجِد أَنَّ الله - تعالى - يُبيِّن أن توبته إنَّما هي للذين يتعجَّلُونَها لا للذين يُصرون على ما هم عليه ويُسَوِّفون التوبة من حال إلى حال، فقد قال تعالى إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَبِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17].
فالله جعل التوبة هنا كأنَّما هي حق واجب عليه ـ سبحانه ـ مع أنه ـ تعالى ـ لا يجب عليه شيء، ولكن بما أن وعده مُنْجَز وأَنَّه تعالى وَعَد أنَّ قبول هذه التوبة صار ذلك بِمَثَابَة حُكْم الحق الذي لا بد من الوفاء به، وبيَّن تعالى أنَّ هذه التّوبة للذين يعملون السوء فَذَكَر السوء بصيغة الإفراد ثم قيَّد عَمَل هذا السُّوء بِقَوله: {بِجَهَلَة} [النساء: 17] ومعنى ذلك أنَّ الإنسان يأتي هذا السوء وهو ليس مُعَانِدا لربّه، ومُكابرا له، ومُتحدّيا له، فإنَّ من يتحد الله يَخْذُلْه الله سبحانه، فباب التوبة وإن كان مفتوحا للجميع إلا أن التحدّي يؤدي بالعبد إلى الخذلان - والعياذ بالله - إلا قليلا مِمَّن كَتب الله لهم النجاة بعد الوقوع في هذه الورطة العظيمة، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} [النساء: 17] فهؤلاء الذين يتوب الله عليهم يأتون السوء بجهالة، ثم بعد ذلك يتوبون من قريب بحيث لا يستمرون على ارتكاب المعصية.
والمعصية إن اسْتَحْكَمَت في نفس صاحبها تَحكَّمَت في هَوَاه، وصرَّفَت إرادته وملكت عليه أمره، وكان أسيرها ـ والعياذ بالله ـ، واسْتِنْسَارُ الإنسان للمعصية يؤدي به إلى مخاطر كثيرة، على أن قلب الإنسان مَثَلُهُ كَمَثَل الثوب، فالثوب يتأثر بأي دَنَسٍ مِن الأَدْنَاس ولكن إن تعجل صاحبه بتنظيفه (2/334)
صفحة 782
الإنسانيات
الجزء الثاني
335
زَالَ أَثرُ ذلك الدَّنَس، وإن تركه مُهْمَلا وتَرَاكَمَت عليه هذه الأدنَاس صار من الصعب جدا أن تزول آثارها عنه، ومَثَلُ قلب الإنسان ـ أيضاً ـ كَمَثل المرآة، فعندما تَصْدَأ وتُهمَل يَتَراكم عليها الصَّدَأ، ويكون من الصعب أن يُزال أثر هذا الصدأ، فلذلك كان الذي يتعجل تنظيف نفسه وتصفية مرآة قلبه بالتوبة النصوح حَرِيّا بأن يُوَفِّقه الله - تعالى - وأن يتوب عليه، وأن يُصلح شأنه، وأن يُبْدِله بالمعصية توبة، وبالفجور برا، وبالخذلان توفيقا.
أمَّا الذي يُخْلِد إلى هواه، ويُصر على معصيته، فهو ينطبق عليه ما في الآية الثانية وهي قوله: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} [النساء: 18] فإنَّ السيئات هنا ذُكِرت بصيغة الجمع لا بِصِيغَة الإفْرَاد بِخِلاف السوء في الآية السابقة؛ لأنَّ هذه السيئات تتراكم على نفس الإنسان سيئة بعد سيئة، وتتراكم آثارها فَتَطْمِسُ نور القلب، وتأسر هواه حتى يكون
الإنسان متصرفاً بموجب ما تُمليه عليه هذه السيئات ويُمْلِيه شيطانُها. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْتَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَبِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18] فالتوبة ليست لأولئك الذين يُسَوِّفُون مِن حال إلى حال، ويُصِرُّون على المعصية، حتى إذا حَضَر أحدهم الموت حاول أن يتخلص وأنَّى له ذلك والله قد فتح له باب التوبة فيما مضى ولكنه أعرض ونأى بجانبه؟ فإذا حَضَر الموت كانت التوبة عندئذ توبة مغلوب على أمره غير مختار، والتوبة إنَّما هي توبة من يستطيع أن يُصِر على المعصية، ولكنَّه يُؤْثِر رضا الله ـ تعالى ـ على هَوَى نفسه، فيتراجع عن هذا الهوى، ويعود إلى رُشْدِه، ويَسْتَمْسِك بِحَبْل ربِّه، ويستمر على تقوى الله، ثم أتبع قوله:
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُون وَهُمْ كُفَّارُ} [النساء: 18]. (2/335)
صفحة 783
336
الفتاوى العقيدة
كلمة «كفار» هنا ـ كما حقَّقَها المفسّر الكبير السيد محمد رشيد رضا في تفسيره المنار ـ هي بِمَعنَى كُفْرِ النعمة لِتَشْمَل المصرين على المعاصي من الطائفتين جميعا، طائفة الكفار كُفرا مِلّيّا والكفار كفر نعمة، {أُوْلَبِكَ أَعْتَدْنَا هُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18].
هو
فمن هنا كان من الضرورة بمكان أن يُسارع الإنسان إلى التّوبة.
تلك
وحقيقة التوبة ترتكز على أربعة أركان - أولها الندم، فإنَّ الندم هو أساس التوبة فإن مَن لَم يندم لم يتب، والنَّدَم أَنْ يَتَمَنَّى الإنسان أَنْ لَوْ استقبل مِن أمره ما اسْتَذْبَر حتى لا يقع في المعصية التي وقع فيها، ويتمنَّى أن لو أَمْكَنه بأي وجه من الوجوه أن يتفادى ما وقع منه من المعصية، ولكن بما أنَّ ذلك أمر فات ولا يُمكِنه تَفَادِيه، فإنه يحرص على تفاديه في المستقبل ويندم عليه ندما شديدا.
ثانيها الإقلاع عن المعصية، فمَن كان مُصِرا على معصيته ليس هو من التائبين قط، والله - تعالى - وصف المتقين بقوله: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا
وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].
ثالثها هو
أن يكون في قرارة نفسه عازماً على ألا يعود إلى معصيته التي ارتكبها كما لا تعود الأَلْبَان إلى ضُرُوعِهَا، بحيث ينوي أنه تائب إلى ربه توبة نصوحا وأنَّه مُقْلِعٌ عن كل معصية وقعت منه، مع عزمه على عدم العودة إلى شيء من هذه المعاصي.
رابعها هو الاستغفار والاستغفار وإنْ قال من قال مِن أهل العلم بأنَّه لا يلزم فإنَّ الآيات القرآنية صريحة في وجوبه، فالله ـ تعالى ـ يقول: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا} [نوح: 10 - 11] وهذه وإن كانت دعوة من نوح لقومه إلا أن مثل هذه الأمور لا تختلف فيها (2/336)
صفحة 784
الإنسانيات
الجزء الثاني
337
شرائع الأنبياء، فلا يُمكن أن يُقَال فيها بأنَّها منسوخة، إذ إن ما كان من علاقة بين العبد وربه لا تأتي الشرائع لِتَنْسَخ شيئا منه، وكذلك حكى الله ـ تعالى ـ مثل ذلك عن هود وصالح وشعيب، ونجد ذلك أيضاً فيما يَذْكُرُه الله ـ تعالى ـ من أمر التوبة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 64] فالله - تعالى - نَاطَ التوبة والرحْمَة بالاستغفار، بل أمر به وتوعد على تركه في قوله:
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعَكُم مَّنَعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي
فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3].
وكذلك الحديث الشريف دَلَّ ـ أيضاً ـ على الاستغفار، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم ... فإن هو نَزَع وتاب واستغفر صُقِلَ قلبه ... »)، فإن صَقْلُ القلب مَنُوطٌ بالتوبة والاستغفار، ونجد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه يقول: «إنَّه
لَيُغانُ على قلبي فأستغفر الله في اليوم مئة مرة» (2) وقد كان الصحابة يُخصون عليه استغفاره في الجلسة الواحدة نحو سبعين مرة أو نحو مئة مرة (3)، وإذا كان الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر يحرص على الاستغفار إلى هذا الحد فكيف بأمثالنا؟! مَا بَالُنَا لا نستغفر الله - تعالى - مِن خَطَايَانَا؟! على أَنَّ الاستغفار طَلَب المغفرة وطَلَب المغفرة هو دَاخِل في صميم التَّوبة؛ والله
- تعالى - أعلم.
(1) رواه أحمد (7611) وابن ماجه (4234).
(2) رواه مسلم (4870).
(3) رواه الترمذي (3356) وأبو داود (1259). (2/337)
صفحة 785
338 الفتاوى العقيدة
ما حكم مَن عَصَى الله - تعالى - بِجَهالة، أي أنَّه لا يعلم أنَّ فِعله هذا حرام أو لا يعلم أنَّ فِعله يترتب عليه من الأحكام كذا وكذا، والآن عَلِمَ ذلك وأراد التوبة بعد النَّدَم؟
نعم تجب التوبة على مَن وقع في مَحَارِم الله سواء كان ذلك يعلم أو كان بجهل، إذ الجهل ليس عُذرا للجاهل، ولو كان الجهل عُذرا لصاحبه لَكَان أَوْلَى بالتكريم من العِلم، لأنَّه مَنَاطُ السلامة ومَعْقِدُ النجاة، ولكن أبى الله ـ تعالى ـ ذلك، والله قد أرسل رُسله وأنزل كُتُبه ليهلك من هَلَك عن بَيْنَة، ويحيا من حَيِيَ عن بَيِّنَة، والإنسان مأمور أن لا يُقدِم على شيء إلا ببينة من أمره وبصيرة من ربِّه، حتى يكون في طريق السلامة ويتجنَّب الوقوع في المهاوي والمزالق وقد قال ـ تعالى ـ في هذا: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَبِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] ولذلك يجب على الإنسان أن يتَعَلَّم حُكم الشيء الذي لا يعرف حُكْمَه قبل أن يُقْدِم عليه لِئَلا يتورط، ومَن وقع في شيءٍ من محارم الله - سبحانه - فإنَّ عليه التوبة من ذلك.
فإن كان ما وقع فيه أمراً خاصاً بينه وبين ربه فإن عليه التوبة فقط وهي تمحو الخطايا، ومَن تاب من معصية بَيْنَه وبين ربِّه كان كَمَن لا ذنب له كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام الربيع حمدالله عن أبي عبيدة قال: سمعت جماعة من الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «الذَّنب ذنبان: ذنب بين العبد وربه، وذنب بين العبد وصاحبه فالذنب الذي بين العبد وربه من تاب منه كان كَمَن لا ذنب له، والذنب الذي بين العبد وصاحبه لا توبة منه حتى يرُدَّ المظالم» (1)، إلا أنَّ هنالك حقوقا ـ أيضاً ـ فيما بينه وبين الله قد تكون واجبة، منها الكفارات فلا بد من أدائها، لأنَّ مِنها ما نَصَّ عليه القرآن الكريم،
(1) رواه الربيع (691). (2/338)
صفحة 786
الإنسانيات
الجزء الثاني
339
في
حال
ومنها ما نص عليه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فَلَو حَيْثَ فِي يَمِينه أو وَقَع فيما يُوجب الكفارة المغلظة، كأن يُجامع في حال صيامه أو يفطر بأكل أو شرب صيام رمضان عمدا من غير عذر شرعي، ففي هذه الحالة عليه الكفارة بنَضٌ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك نجد ـ أيضاً ـ أنَّ على المُظَاهِر وقاتل الخطأ كفارة بِنَص القرآن الكريم، والكفارة لا بد منها لأنَّها أمرٌ فَرَضَه الله، وكذلك لا بد له من قضاء صَوْمِه وقضاء ما ضَيَّع مِن فُرُوضِه، أمَّا فِيما عدا ذلك فإنَّ توبته بينه وبين ربه تمحو خطيئته، فلا يبقى لهذه الخطيئة أثر بحيث يكون كأنَّه لم يقع في معصية قط.
أما إن كانت هنالك حقوق للعباد، فإنَّ هذه الحقوق لا بُدَّ مِن الوفاء بِهَا، فإن كان هذا التائب سَرَق مِن أحدٍ مِن الناس مالَه، أو اعْتَصَبَهُ، أَو وَقَع في معصية أدت إلى انتهاك عِرْض، فلا بُدَّ مِن أداء الحق إلى صاحبه، إلا إن تَنَازَل له صاحب الحق عن حقه، فهنا يكون ذلك عَفُوا منه، والله ـ تعالى ـ يتَقَبَّل منه، والله أعلم.
كيف يفعل الإنسان اذا نسي العهد الذي بينه وبين ربه فوقع في الذنوب والمعاصي؟
النسيان غير بدع بالنسبة إلى الإنسان؛ لأن آدم نسي، ولقد أجاد من قال:
فإِنْ نَسِيتُ عُهودا مِنكَ سَالِفَة فاغْفِر فَأَوَّل نَاسِ أَوَّل النَّاسِ فأول ناس هو آدم الذي هو أوّل الناس، والله بين الفرق ما بين منهج المتقين ومنهج غيرهم، فَمَنهج المتقين هو منهج التراجع والادكار، إذ الله - تعالى - يقول: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَلَيفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] فالمتقي إذا مسَّه طائف من الشيطان سواء اسْتَزَلَّه حتى أخرجه عن سواء الصراط، أو أنَّه كان في محاولته لإخراجه عن سَواءِ (2/339)
صفحة 787
340 الفتاوى العقيدة
الصراط، يتذكر فيرجع من أول الأمر، أو يرجع بعدما ينحرف شيئا قليلا، ويَتُوبُ إِلى رُشْدِه.
إلا أنَّ هنالك فرقا ما بين الإصرار وما بين الادكار والتوبة، فالمصرون إنَّما يقْتَدُون بإبليس لعنه الله، فإبليس هو إمام المصرين، لأنَّه أصر على ما انْطَوَى عليه مِن خُبث وسوء سريرة وسوء نيَّة، فلذلك استحق اللعنة والطرد من عند الله، بينما الذين يتوبون إلى الله ويتراجعون هم يَقتَدُون بِصَفِيّ الله آدم الذي هو إمام التائبين، لأنَّ آدم أوَّل مَن تاب، فآدم وحواء قالا: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ} [الأعراف: 23] فاعترفا بِخَطِيئَتهما وذَنْبِهِما، وطلبا من الله - تعالى - العفو، ونعمة الله - تعالى - على عباده وفضله الواسع يَقْتَضِيان أن يعفو عنهم، لأنَّه عَفُوٌّ كريم يُحب العفو، فلذلك يعفو عن التائبين، وهكذا شأن الإنسان الذي يخشى الله ـ تعالى ـ عندما تَزِلُّ قَدَمه، وينحرف عن الجادَّة سرعان ما يتراجع ويرجع أن إلى منهج الحق، وهذا يعني باب التوبة مفتوح ولا يُسَد إلا عندما تكون التوبة توبة اضطرار، وذلك في موضعين الموضع الأول في حَالِ شُعُور الإنسان بانتهاء آمده في هذه الحياة، وقِيَام قيامَتِه، وذلك بوصول رُوحه إلى
الحلقوم، ففي ذلك الوقت لا يُنفّس للإنسان في التوبة، قال الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْكَانَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارُ أُوْلَبِكَ أَعْتَدْنَا هُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18] والموضع الثاني أن تقوم قيامة الدنيا ويرى الإنسان علامات، انتهائها، وذلك إنَّما يتحقَّق بِتَبَدل نظام هذا الكون، فالشمس عادتها أن تطلع من المشرق، وتغرب في جهة الغرب، فإذا انقلب الأمر فطلعت من جهة المغرب أُغلق باب التوبة، لأنَّ هذا الأمر يدلُّ على انتهاء الدنيا، فتوبة
التائبين في ذلك الوقت إنَّما هي توبة اضطرار وليست توبة اختيار. (2/340)
صفحة 788
الإنسانيات
الجزء الثاني
341
ولأجل هذا كله يُؤْمَر الإنسان أن يُسارع إلى التوبة في جميع أحواله، وأن يُجَدِّد لِكُل معصية توبة، السر بالشر والعلانية بالعلانية، لأنَّ الإنسان عندما يَزِلُ وينحرف عن الحق لا بد من أن يُنْزَل منْزِلَته التي أنزل نفسه فيها، وَرَفْعه عن هذه المنْزِلَة إِنَّما يكون برجوعه إلى الله، فلذلك كان لزاما عليه أن يُعلن هذه التوبة إن كانت معصيته بارِزَة ظاهرة حتى يُرْفَع عن المنزلة التي أنزل نفسه فيها، وهي منزلة الخِسَّة والدَّنَاءة بحيث يكون في عداد الفساق العصاة الخارجين عن أمر الله، والله أعلم.
هل الله يغفر كل الذنوب عندما يَتُوب إليه عبده؟
نعم
أن
هذا مِمَّا نَصَّ عليه الحق ـ تعالى ـ إذ قال: {قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53] فهذا النَّص الصريح من الله ـ تعالى ـ يدل على الذنوب كُلها يغفرها الله - تعالى - للتائبين، فكيف نُضَيِّق ما وسعه الله؟! إِنَّ الله ـ تعالى ـ هو التواب الرحيم وحِلمُه وفضله وكرمه كُلِّ مِن ذلك يقتضي أن يكون سبحانه غفورا لكل ذنب عندما يتوب إليه التائب، والله أعلم.
هل يجوز أن يحلف الإنسان على التوبة .. يقول: «أقسم بالله أنني أتوب
عن كذا؟
التوبة لا تحتاج إلى تأكيد بِقَسَم، لأنَّ التوبة إنشاء والإنشاء لا يحتاج إلى تأكيد إنما الذي يحتاج إلى تأكيد هو الخبر، فالعبد عندما يتوب يُنشئ التوبة، ولا يُخبر عنها، إذ قول الإنسان: «أستغفر الله - تعالى ـ وأتوب إليه» ليس هُوَ طلبه المغفرة وعن توبته، وإنَّما هو إنشاء لهذا الطلب نفسه، وإنشاء
إخبارا عن لهذه التوبة، ولكن لو وقع ذلك لا يُقال بأنَّه عصى بهذا القسم، والله أعلم. (2/341)
صفحة 789
342 الفتاوى العقيدة
رجل أراد أن يتوب إلى الله مِن معصيته، فهل يلزمه أن يذهب إلى عالم مُعيَّن ليتوب أمامه أو لِيُلَقِّنه التوبة؟
ـ ـ
لا كَهَنُوتِيَّة في الإسلام، إنَّما الإسلام يفتح الباب بين العبد وربه من غير أن يكون هنالك واسطة من الخلق، فليس هنالك واسطة بين الله - تعالى - وبين عباده إن أرادوا التوبة، وإِنَّما يُؤمَر الإنسان أن يُعْلِن توبَتَه إِن كان أَعْلَن معصيته، أما إن كان اسْتَتَر بِسِتْرِ الله، وارتكب معصيته من غير أن يطلع عليها الناس، فكذلك تكون توبته - أيضاً - سِرا بينه وبين ربه، ولذلك جاء في الرواية: «أَحْدِثِ لِكُل معصية توبة الشر بالسر والعلانية بالعلانية)، والنبي يقول: «مَن أصاب شيئا من هذه القاذورات فَلْيَسْتَتِر بِسِتر الله فَإِنَّ مِن يُبْدِ لَنا صفحته نُقِم عليه كتاب الله» (2)؛ والله - تعالى - أعلم.
قال الله تعالى {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} [الرعد: 22]، وقال الرسول: «وأتبع السيئة الحسنة» (3)، وقال ال: مَن قال إثر صلاته: «سبحان الله والحمد الله» حُطَّت خَطَايَاه وإن كانت مثل زَبَدِ البحر» (4) في ضوء هذه الآية وآيات أخرى وهذه الأحاديث ما الفرق بين المعصية والسيئة والذنب والخطيئة
والإثم؟
الإثم والذنب والخطيئة والمعصية والسيئة كلمات متقاربة، السيئة سميت سيِّئة، لأنَّها تَسُوء صاحبها عندما يلقى جزاءها، وهي ـ أيضاً ـ تَسُوؤُه إن تاب إلى الله ـ تعالى ـ واستغفره، لأنَّه يُحس بالندم تجاهها، وأمَّا كَوْنُهَا خطيئة
(1) المعجم الكبير (374).
(2) رواه الحاكم (8/ 330).
(3) رواه الترمذي (1910).
(4) رواه الربيع (507). (2/342)
صفحة 790
الإنسانيات
الجزء الثاني
343
فلأنها خطأ، ولا يعني هذا أنَّها لا تكون عمدا، وإنما الخطأ هو الخروج عن نهج الصواب، وتُسمى المعصية خطأ، وهذا هو الشائع فيها، وهي معصية لأنَّ فاعلها خالَف أمر ربه، فَعَصاه فيما أمره به من طاعته، وفيما نَهَاهُ عنه من معصيته، بحيث ترك الطاعة وارتكب المعصية، فكان بذلك عاصيا لربه، وسُمِّي الإثْم إثْما والذنب ذنبا لما يترتب على ذلك من استحقاق العقاب، وكُلٌّ مِن ذلك يُطلَق على الصغير، ويُطلق على الكبير، فالسيئة قد تُطلق على الصغيرة عندما تكون هنالك قرينة تدلُّ على هذا، ومن ذلك قوله:
إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُدْخَلا كَرِيمًا} [النساء: 31) فقوله: {نُكَفِّرْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31) يعني الصَّغَائِر؛ لأنَّ ذلك مَشْرُوطٌ باجتناب الكبائر، فهذه السيئة هنا إنَّما هي الصغيرة، وكذلك الخطايا المشار إليها في الحديث إنَّما هي الصغائر، وقد تُطلق السيئة على الكبيرة كما في قول الله تبارك وتعالى:
بلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ
فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] ...
وكذلك قول الله: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِّن فَرَعٍ يَوْمَيدٍ عَامِنُونَ (3) وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 89 - 90] وقوله تعالى: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْرَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84]، وقوله: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160]، ففي كل هذه الآيات السيئة هنا بمعنى الذنب الكبير.
وكذلك نجد ما يدل على أنَّ المعصية تُطلق ـ أيضاً ـ على الذنب الكبير، كما في قول الله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا (2/343)
صفحة 791
344 الفتاوى العقيدة
أبدا} [الجن: 23]، وكذلك قوله: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ} [النساء: 14]، إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة، وهذا يعني أنَّ القرائن هي التي تُشخّص المراد، هل المراد بالمعصية الذَّنب الكبير؛ أو المراد بها الذنب الصغير؟
ولا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح، ولذلك فإنَّ الإنسان إنْ وَجَد آية أو حديثا فيه إطلاق شيء من هذه الألفاظ على معنى عليه أن لا يكون مُسْتَدِلا بذلك في سائر الأدِلَّة على إطلاق نفس هذا اللفظ فيها على نفس المعنى الذي هو في التي تُشخّص المراد في كل موضع
استدل الآية التي والله ـ تعالى ـ أعلم.
لأَنَّ بها؛ القرائن هي
رَجُل تاب إلى الله ثم أراد أن يرجع المظالم إلى أهلها، لكنه وجد أحد الذين يؤدي إليهم مظالمهم قد توفي فماذا يصنع في هذه الحالة؟ الحق ينتقل إلى الورثة فيموت من له الحق ينتقل حقه إلى ورثته؛ لأنَّ حُكمه أي ذلك الحق حُكم التركة فعليه أن يُسلم إليهم ما كان لموروثهم، أمَّا إِنْ تَعذر عليه الوصول إلى ورثته بأن كانُوا غَير معروفين،
مالا
ولَم يُمكن إيصال ذلك الحق إليهم بسبب جهلهم، فإنَّ ذلك يصبح مجهولا، ربه وكل مال جُهل ربه ففقراء المسلمين أولى به؛ والله - تعالى -
أعلم.
هناك مَن يُهوّن من ظاهرة رُجوع المسلمين بعد قضاء رمضان الكريم إلى المنكرات والمفاسد ويُؤكد بأنَّها ظاهرة طبيعية لا تُثير القلق ويقول هذا الرجل بأن هناك نصوصا نبوية تدفع الناس إلى ـ مثل - هذا السلوك فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنْ لَم تُذنبوا لأتى الله بقوم يذنبون ثم (2/344)
صفحة 792
الإنسانيات
الجزء الثاني
345
يتوبون ثم يغفر لهم» (1) فهل هذا الحديث صحيح وهل هذا الكلام من الصحة بمكان؟
هذا الحديث ليس فيه تشجيع قط على إتيان المعصية، وإنَّما هو دليل على أن الحق سبحانه يقبل توبة التائبين، فهو يحثنا على عدم اليأس من رحمة الله، بل يتقي المؤمن دائما متشبثا بأذيال فضل الله - سبحانه - راجيا رحمته مع خشيته من عذابه وليس معنى ذلك أن يكون الإنسان مطمئناً لا يخشى عذاب الله فإنه مهما فعل مِن بِرٌ وفعل من إحسان عليه أن يكون من الله وبدون الخوف من الله لا يستقيم عمل الإنسان قط، فالله تعالى يقول: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى} [الأعلى: 10]، ويقول الله: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ
خائفاً
وَعِيدِ} [ق: 45].
ويقول تبارك وتعالى: {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ (3) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءُ عَلَيْهِمْ وَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (2) إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِكرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} [يس: 6 - 11]، فخشية الله تعالى لا بد منها، كما أنَّ الرجاء لا بد منه، ولا بد - أيضاً - للإنسان من أن يُوازن بين الخوف والرجاء.
وليس معنى هذا أن يسترسل في المعصية بل يؤمر أن يخشى الله تعالى وهو يُؤدي طاعة الله فضلاً عن تجنبه معصية الله كيف والله تعالى يقول: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَتِهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60]، فهم يفعلون ما يفعلون من الخير، ويدفعون ما يدفعون من الفضل، ويقدمون ما يقدمون من الأعمال الصالحة ولكنهم مع ذلك قُلوبُهم وجلة أنَّهم إلى رَبِّهم راجعون
(1) رواه مسلم (4936). (2/345)
صفحة 793
346 الفتاوى العقيدة
المؤمن
ولذلك عندما سألت أم المؤمنين عائشة ـال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أَيَخشى الله عندما يأتي المعصية؟ أَجابَها بأنَّه يخشى الله وهو يأتي الطاعة
بدليل هذه الآية: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}
[المؤمنون: 60].
هَذا ولا ريب أن صيام شهر رمضان إنَّما شُرع من أجل التقوى فالله تعالى يقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] أي لتتقوا. فالغاية من الصيام إنَّما هي تقوى الله، كما أنَّها الغاية من أي عبادة من العبادات، وهذه الغاية لا تتحقق للإنسان إلا عندما يُؤدي الصيام على النحو الشرعي، ذلك لأنَّ الصيام الشرعي يُعود الإنسان الانضباط في حركاته وسكناته وأعماله وخواطر نفسه وجميع تصرفاته وحركات جسمه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في مسند الإمام الربيع من رواية ابن عباس له: ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله» (1)، وكذلك جاء في الصحيحين من رواية أبي هريرة له أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن لَم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (2)، وهذا الكلام خرج مخرج التهديد لأولئك الذين ليس لهم نصيب من صيامهم إلا أن يدعوا الطعام والشراب وهم مع ذلك يقعون في معاصي الله غير متحرجين ولا مبالين، فالإنسان إذاً يتعود في الشهر الكريم على الانضباط بأوامر الله ويحرص على المسارعة إلى طاعة الله وإلى تَوَقّي معصيته سبحانه بحيث يتجنب الوقوع في أي معصية من المعاصي، وعندما يفرّط في هذه المكاسب بعدما ينتهي الشهر الكريم بحيث يَرتَمي في حضن الشيطان الرجيم مُسترسلاً في معصية الحق سبحانه، متابعاً لهوى نفسه، معرضاً عن التذكير الذي جاء
(1) رواه الربيع (91). (2) رواه البخاري (1770). (2/346)
صفحة 794
الإنسانيات
الجزء الثاني
347
في كتاب الله وجاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في عمله خاسرا، وأي خسران أعظم من هذا الخسران حيث حرص على الصيام على النحو الشرعي في شهر رمضان ومع ذلك لم يُحرز مكاسب هذا الصيام حتى يكون في جميع عامه متقيداً بقيود الحق منضبطاً بضوابط الشرع.
ولا ريب أن الإنسان الإنسان تقع مِنه الهَفَوَات والزَّلات، ولكن من هو المؤمن التقي؟ نَحن نَجد أنَّ الله سبحانه وعد الجنَّة المتقين ولم يعدها الفجار .. فالله تعالى يقول: {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَر هُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30 - 31]،
ويقول:
وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].
ويقول تعالى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيَّا} [مريم: 63].
والمتقون وصفوا بصفات بينها لنا كتاب الله فالله تعالى أخبرنا أن التقوى عقيدة في النفس تسيطر وتهيمن عليها، وتتغلغل في أعماق مشاعرها، ثم تنعكس هذه العقيدة في تصرفات الإنسان وأعماله حتى تكون هذه التصرفات والأعمال ترجمة لهذه العقيدة فالله تعالى يقول:
هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 2 - 4]
ويقول سبحانه عندما ذكر البر لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَيكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّينَ وَعَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ (2/347)
صفحة 795
348 الفتاوى العقيدة
وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَآتَى الزَّكَوةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَيكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَيكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]
كذلك يقول الله تعالى
قُلْ أَو نَبتُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجُ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 15 - 17]، ثم نجد أنَّ الله - تعالى يقول أيضاً:
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
(134)
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 133 - 135]، فهم وإِنْ وَقعوا في المعصية يتراجعون ويتوبون إلى الله ويندمون على معصيتهم، كذلك يقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201]، فهم سرعان ما يذكرون ويعودون إلى الله وينقلبون عن المعصية إلى الطاعة تاركين الهفوات التي وقعوا فيها. فشأن المتقي أن يكون حريصاً على أن لا يسترسل في هواه، فلو وقع في معصية سُرعان ما يتوب إلى الله، ولا يستلذ المعصية ويستمرئها ويستمر عليها إنَّما يتراجع عنها ويرى أنَّ سعادته في تركها، والذي يستمرئ المعصية ولا يُبالي بها هو المصر على معصية الله تعالى.
فوقوع المعصية من شأن الإنسان، وليس ذلك بِغَريب عليه لأنَّه جُبل على النسيان وعلى الضعف وتَيَّارات كثيرة تُؤثر عليه ولكنَّ الله من فضله (2/348)
صفحة 796
الإنسانيات
الجزء الثاني
349
ولا يعني
فتح له باب التوبة، وهي لا تكون إلا بتراجع الإنسان وندمه على ما فرط، ذلك أن يستمرئ المعصية ويستمر عليها فإنَّ هذا مِما يَتنافى كُل التنافي مع ما يتصف به المتقون، بل ذلك مما يتنافى مع الإيمان الذي ركيزة التقوى، وهو ركيزة النَّجاة فإنَّ الله تعالى قال في المؤمنين:
هو
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَتُهُ، زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]، فهؤلاء هم المؤمنون الذين توجل قُلوبُهم من هيبة الله تعالى ومن خشيته لا يُمكن أن يستمروا على معصيته،
والله أعلم.
أنا شخص لم أكن مُهْتَماً بالدِّين كثيراً، فكنت أقوم بعبادتي على أساس التقليد دون التحري، وفي بعض الأحيان أهمل فيها، وأنا الآن أتثبت في أموري، وتبت إجمالاً عما بدا مني سابقاً ما علمته ومَا لَم أَعْلَمُه، سائلاً الشَّرع عما ارتبت فيه سابقاً دائناً بالتوبة عما لم أعلمه لو علمته، هل يكفي لي هذا أم يجب عليّ أن أتتبع أبواب الفقه بِفُرُوعِها لَعَلَّنِي أَلْتَقِي بما اقترفته سابقا مع ما في ذلك من الصعوبة والحرج؟
هذه المعاصي إما أن تكون فيها حقوق للبشر، وإما أن تكون حقوقاً الله تبارك وتعالى، فما كان من حق الله الله فإن الله أولى بالعفو، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع من طريق أبي عبيدة أنه قال: سمعت ناساً من الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «الذَّنب ذنبان، ذَنْب بَينِ العَبدِ وَرَبِّهِ، وذنب بين العبد، وصاحبه فالذنب الذي بين العبد وَرَبِّه مَن تَابٍ مِنْه كان كمن لا ذنب له والذنب الذي بين العبد وصاحبه فلا توبة منه حتى يَرُدَّ المظالم،
(1) رواه الربيع (691). (2/349)
صفحة 797
350
الفتاوى العقيدة
الله
وما كان من حق للبشر فلا بد من أن يَسْأَل عنه حتى يَتَخَلَّص من تبعته لئلا تكون هنالك مَظْلَمَة يَجْهَلُهَا، فإن كان يَحفظ قَضِيّة بعينها ولا يعرف حكم فيها فعليه أن يَتَثَبَّت من الحكم لعل عليه تبعة من ذلك.
وأيضاً فإن حقوق الله تعالى لا بد من أدائها، فإنه إن كان قارف أموراً فإنَّه إن تاب منها تقبل الله توبته ولكن هنالك أمور لا بد من مُرَاعَاتِها منها أنَّه إن تَرَك الصيام فعليه قضاؤه مع الكفارة الواجبة وكذلك إن ترك الصلاة فلا بد القضاء، وكذلك إن كانت هنالك أيْمَان حنث فيها فلا بد من من
كفاراتها، وسائر الكفارات الواجبة والله - تعالى - أعلم.
أداء
أحكام التقية
شاب أسلم وعمره خمس عشرة سنة، والأبناء في هولندا لا يكتسبون حريتهم إلا بعد ثمانية عشر سنة، والابن في هذه الحالة ـ أو الشاب - يواجه مشكلة مع أهله، فعندما يريد أن يسمع القرآن الكريم يرفضون وعندما يريد أن يأكل الحلال يرفضون ويؤكلونه لحم الخنزير، كيف يتعامل معهم في هذا العمر؟
عليه أن يتقي الله تعالى حسب استطاعته، وعلى المسلمين هنالك أن يوجدوا له المأوى والكنف بقدر الاستطاعة، ولا يكلفون ما لا يطيقون فعليه أن يخرج في بعض الأحيان ـ ولا بد من أن يجد فرصة للخروج ـ إلى المراكز الإسلامية أو إلى جماعة المسلمين الموجودين هناك من أجل اللقاء بهم والارتباط بهم وتنفس هواء الحرية في كنفهم، والله تعالى يفتح له: وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] والله أعلم. (2/350)
صفحة 798
الإنسانيات
الجزء الثاني
351
إذا أكلوه لحم الخنزير رغما عنه؟
عليه أن يتجنب ذلك قدر استطاعته، وإن أكلوه فعليه أن يقيء إن قدر على ذلك، والله أعلم.
في بعض الأحيان المسلم في غير البلدان المسلمة قد يتعرض لضغوط مُعَيَّنَة ويُطلب منه أن يتخَلَّى عن بعض مبادئه مقابل أن يتحصل على
شيء مادي أو خدمات معيَّنة، هنا هل يُعد هذا من الإكراه؟ لا، هَذَا لا عبرة به لأنَّه من شأن المسلم أن يُوَطِّن نفسه لجميع الشدائد والتحديات، فإن الله - تعالى - يقول: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ} [العنكبوت: 2 - 3، فلا بد للمؤمن أن يمر بمراحل صعبة وَوَعْرَة، وقد مَرَّ بها الرسول الله ومَرَّ بها النبيُّون، ومر بها الصالحون من أوائل هذه الأمة، ولكن ذلك وَطَّنُوا أنفسهم للشدائد، وهذا مما يدل على أن المؤمن يحرص على مبادئه ويتمسك بها، ويكون قابضاً على دينه ولو كان قبضُه على دينه صعباً عليه كقَبْضِهِ عَلَى الجمر، والله أعلم.
مع
ما هو الإكراه الذي يُسمح معه للمسلم أن يتخلى عن شيء من هذه
المبادئ؟
هو أن يخشى القتل أو نحوه فإنَّه لَه أن يَتَكَلَّم بالكلام الذي يُرْضِي خصمه، أما الأفعال فمن العلماء من يقول لا تَقِيَّة في الأفعال، ومنهم من يُبيح التقية في الأفعال فيما لا يَضُر بالغير ولا يُؤدي إلى هدم الأخلاق، فليس لامرأة - مثلاً - أن تَرْضَى إذا أُكْرِهَت على الزني بِها بأن تُمَكِّنَ الزَّانِي من أن يَزْنِيَ بِها، كذلك إذا أُخبر أحد أن يقتل أحداً ليس له أن يقتله بحال (2/351)
صفحة 799
352
الفتاوى العقيدة
من الأحوال، أما أَخْذُ مال الغير إن أُخبر على ذلك وإلا كان معرضاً للقتل ونحوه ففي هذه الحالة أُبيح له أن يأخذ من مال الغير أو أن يُتْلِفَه على أن
يَضْمَنَه
ما
من
ماله، والله أعلم.
نصيحتكم للمسلمين الذين يتعرَّضُون لشيء من هذا الإكراه للتخلّي عن مبادئهم سواء كانوا رجالاً أو نساء؟ وما هي الطريقة المثلى التي يتعاملون بها مع هذه الظروف؟
المسلم ـ كما قلتُ ـ شديد التمسك بالإسلام، لا يفرّط في إسلامه مهما كانت الظروف ومهما كانت الصعوبات والتحدّيات والابتلاء مِن سُنَّة الله خَلْقه، تعالى في والمؤمنون في سَالِف العصور مروا بظروف صعبة، ونجد في كتاب الله تعالى ما يدل على أن رسل الله تعالى الذين هم أرسخ الناس قدماً في في الإيمان وأقواهم عزيمة شَارَفُوا اليأس مِنْ هَوْلِ مَا لَحِقَهُم، فالله
- تعالى - يقول:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِيَ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ حَتَّى إِذَا اسْتَيْسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُحِيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي) الْأَلْبَبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 109 - 111]،
بهم
فهؤلاء الرُّسُل مع رُسُوخ إيمانِهم وقوة عَزِيمَتِهِم وشدة شَكِيمَتِهِم وصل الأمر إلى أن شارفوا اليأس لهول ما لقوا وعندئذ تداركتهم رحمة الله لطفه سبحانه وتَنَزَّلت عليهم أفضاله فنصرهم على عدوهم،
وأحاط بهم وهكذا المؤمنون في كل وقت عندما تَشْتَد
بهم
الشدائد وتضيق بهم
الحلقات (2/352)
صفحة 800
الإنسانيات
الجزء الثاني
353
ويَجِدُون من أعدائهم ما يَجِدُون من التحدّيات فإن ذلك يُبَشِّر بأن يكون المنقلب إلى خير وسعادة ونصر وتأييد من قبل الله، والله أعلم.
هل الصلاة أو الزكاة ـ مثلاً ـ تتعرض لشيء من الخطر بسبب الخصومة؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] .. الله - تعالى - يتقبل من المتقين،
وهذا مما يتنافى مع التقوى، والله أعلم.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على كل مسلم، فما هو المقصود بالمعروف؟ وما هو المقصود بالمنكر؟
إنَّ الله - سبحانه وتعالى - خلق الإنسان خلقاً سويا، وشرفه وفضله على غيره تفضيلا، وكرّمه تكريماً إذ مَنَّ عليه بِما لَم يَمُنَّ به على غيره، وجعله
الله - سبحانه - مناط تكليفه.
وقد شرف هذا الإنسان بهذه التكاليف الربانية التي ينوء بأوزارها ويتحمل تبعاتها، فإن هو قام بواجبها كان ذلك سبباً لسعادته، وإن كان بخلاف ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسه.
فالله تعالى يقول: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن
يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72].
إنَّ حمل هذه الأمانة أمر ليس هو بالأمر الهَيِّن، والإنسان بطبعه ميَّال إلى راحة نفسه في حاضره ولو كان ذلك على حساب راحته في مستقبله، وهو ميَّال إلى إيتَاءِ نفسه رَغَبَاتِها ولو كان ذلك على حساب سعادته، لذلك كان بحاجة إلى أن يأمر بالمعروف ويأتمر به، أي هو بحاجة إلى أن يُؤمر به (2/353)
صفحة 801
354 الفتاوى العقيدة
ويَأمر به، وأن ينهى عن المنكر وأن ينتهى عنه. ومعنى ذلك أن يكون ناهياً عن المنكر وأن يكون هو نفسه منتهيا عنه سواء كان ذلك بسبب نهيه عنه من الغير أو بباعث خشيته من الله وتفكيره في عاقبة أمره.
فلذلك نجد في كتاب الله ـ سبحانه ـ أنَّ الله ـ سبحانه ـ بَيَّن صفات أولئك الذين استثناهم من الخسران الذي حكم به على الجنس البشري عندما قال سبحانه: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3]، فالتواصي بالحق هو التآمر بالمعروف والتناهى عن المنكر، وذلك مِمَّا يَشُدُّ المؤمن إلى المؤمن، فالمؤمنون والمؤمنات لا بد من أن يكون بينهم رباط وتواصل وهذا التواصل لا يتم إلا من خلال التواصي بالحق الذي هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر كما نجد ذلك واضحاً في قوله تعالى:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَيْكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، ويقول الله الا:
وَلتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وليس معنى هذا أنَّ المُطالب بهذا بعض الناس دون بعض، وإنَّما الكل مُطالبون بذلك، فالمؤمنون والمؤمنات جميعاً مُطالبون بأن يكونوا يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
فالمعروف معروف، والمنكر منكر، ذلك لأن المعروف تطمئن إليه النفس، ويسكن إليه القلب، فهو ما وافق حكم الله ـ تعالى ـ المنزل، ووافق سنة نبيه المرسل، وإنما سمي معروفا نظراً إلى هذه الطمأنينة التي تحصل (2/354)
صفحة 802
الإنسانيات
الجزء الثاني
355
بفعله في نفس الفاعل وفي نفوس الآخرين عندما يرون غيرهم يفعله، فتعم ممارسته فئات الناس، فإن هذه الممارسة تفيض الطمأنينة على الجميع. بينما المنكر تأباه الفطر السليمة، وتنكره الطبائع المستقيمة، فلذلك كان منكراً بسبب هذا النكران له من قبل الطبائع والفطر، فجدير به أن يُنكر على الناس، وأن لا يُقر فلذلك منكراً. سمي
في
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للسلامة في الدنيا والسعادة العقبي والله - تعالى - المستعان.
إذا كان الأمر بالمعروف واجباً والنهي عن المنكر كذلك، فهل هما واجبان على الشخص التقي بحيث لا يصح للمرابي أن ينهى عن الربا وكذلك للزاني أن ينهى عن الزنا وكذلك لتارك الصلاة أن يأمر بالصلاة؟ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على الكل، سواء كان الإنسان فاعلاً لما به يأمر وتاركاً لما عنه ينهى أو كان بعكس ذلك، إذ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كوجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر العبادات، ولكن مع هذا كله فإن الإنسان يطالب بأن يكون هو بنفسه من أهل المعروف، فكيف يأمر بالمعروف من لم يكن من وكيف ينهي عن المنكر من كان متلبساً به؟!.
أهله؟!
لذلك نجد في كتاب الله الله النعي على أولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، فأمرهم إياهم بالبر إنما هو نصيحة، وأولى بالنصيحة نفس الإنسان، فمن لم ينصح نفسه كيف ينصح غيره، لذلك قال له خطاباً لبني إسرائيل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) {[البقرة: 44]، وهذا التقريع ليس هو على الأمر بالبر وإنما هو على ترك الائتمار ونسيان هؤلاء أنفسهم مما يأمرون به غيرهم من الخير. (2/355)
صفحة 803
356 الفتاوى
العقيدة
ومن المعلوم أن فعل الإنسان للخير مدعاة لائتمار الناس عندما يأمرهم بهذا الخير، وكذلك تركه للشر هو مدعاة لأن يترك الناس الشر عندما ينهاهم عنه، أما عندما يكون بخلاف ذلك فإن الواقع يكون عكس هذا، فأولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم إنما يجرون التهم لا إلى أنفسهم فحسب بل إلى نفس الأوامر التي يأمرون بها والنواهي التي ينهون عنها وإلى نفس المبادئ التي ترتبط بها هذه الأوامر والنواهي كما يقول بعض عمالقة الفكر الإسلامي: إن الكلمة لتخرج ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنانة رنانة إذا هي لم تخرج من قلب يؤمن بها، ولن يكون الإنسان مؤمناً بما يقول حتى يستحيل هو ترجمة حية لما يقول وتصويراً واقعياً لما ينطق، حينئذ تخرج الكلمة كلها دفعة حياة؛ لأنها تستمد قوتها من واقعها لا من طنينها وجمالها من حقيقتها لا من بريقه».
ونحن نرى أن السلف الصالح استطاعوا أن يتغلبوا على الصعاب، وأن يتحدوا جميع المشكلات، وأن يتجاوزوا جميع العقبات عندما كانوا على هذا النحو. فالسلف الصالح عندما دعوا إلى الحق وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر لم تكن لهم وسائل إعلام كالوسائل الموجودة في وقتنا هذا، إذ لم تكن عندهم وسيلة بث مباشر أو غير مباشر، ولم تكن عندهم وسيلة اتصال عبر هاتف أو عبر شبكات المعلومات أو غيرها بالناس، وإنما كانت الكلمة وحدها تخرج من أعماق القلوب فتتغلغل في أعماق القلوب، ولا تقف حتى تحوّل الناس من واقع إلى واقع آخر بسبب عمق تأثيرها؛ لأن الذي قالها هو بنفسه متأثر بها، فعندما يقول الإنسان الحق ويعمل به يكون عمله أكثر دعوة إلى هذا الحق من قوله، ويكون لعمله تأثير أبلغ من التأثير الذي يكون لقوله، فلذلك كان جديراً بمن تحمل أمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن
يكون هو مثالاً في الائتمار لما به يأمر وفي الانتهاء عما عنه ينهى. (2/356)
صفحة 804
الإنسانيات
الجزء الثاني
357
هذا
مع أن الذي يرتكب المنكرات ويترك العمل بالمعروف غير معذور بتركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أنه غير معذور بفعله المنكر وتركه المعروف، بل هو مطالب بالفرضين جميعاً، مطالب بفرض أن يأتمر بالمعروف وأن يأمر به، ومطالب بفرض أن ينتهي عن المنكر وأن ينهى عنه، فهو مطالب بكلا الأمرين بالأمر والائتمار، وبالنهي والانتهاء، والله تعالى أعلم.
العلماء،
قد يكون هناك غموض عند البعض في تحديد مفهوم المنكر خاصة في المسائل الظنية أو في المسائل التي يكون فيها خلاف بين فبعض العلماء يعدها منكراً والبعض يعدها أمراً مباحاً كاستخدام آلات اللهو أو الفنون في بعض الأحيان أو تغطية المرأة وجهها أو حتى قيادتها للسيارة، فهناك من يقوم بإنكار هذا المنكر بحيث يعتبره منكراً صارخاً،
وهناك من لا يقوم بهذا، ففي يقوم بهذا، ففي هذه الحالة كيف يتصرف المسلم؟ يجب على الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرتب الأولويات، فيُقدّم أولاً المجمع عليه قبل المختلف فيه، وما كانت مفسدته أكبر على ما كانت مفسدته أصغر، ويُقدّم ما كانت مفسدته أعم على ما كانت مفسدته أخص.
فلا ريب أن الإنسان مطالب أن ينهى عن كل المنكرات ولكن المنكرات تتفاوت بقدر تفاوت آثارها و اختلاف أحوالها، وكذلك أيضاً المعروف يتفاوت، فالإنسان عندما يأتي إلى قوم لا يعرفون من أمر العقيدة شيئا، ولا يفرقون بين الحق والباطل، ولا يميزون بين الخرافة والحقيقة؛ أولاً أن يصحح المفاهيم عندهم؛ تصحيح المفاهيم هو الذي
لأن
يؤدي إلى زوال غبش التصور، ويؤدي أيضاً إلى الاستقامة على الحق بعد (2/357)
صفحة 805
358 الفتاوى العقيدة
فهمه وإدراكه، ولذلك كانت دعوات المرسلين جميعاً تبدأ ببيان توحيد الله الله قبل كل شيء، فما من رسول من رسل الله وعمل إلا وكان داعياً إلى توحيد الله، كما يقول - سبحانه -: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] فما من نبي أرسله الله إلا وكان داعياً إلى عبادة الله - تعالى - واجتناب الطاغوت قبل كل شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما دعا قبل كل شيء إلى تصحيح العقيدة، فلما تبلورت واتضحت معالمها وظهرت للناس براهينها وتحطمت الحواجز النفسية التي كانت تحول دون الاقتناع بها أخذ يدعوهم شيئاً فشيئاً إلى جزئيات الدين وأسس الأخلاق والاستقامة على ما تقتضيه العقيدة في الفعل والترك، وهكذا تدرج بهم في مدارج الخير حتى قضى على كل ما كانوا متلبسين به من، فساد وهكذا يجب على الدعاة مراعاة الأولويات، فالداعية كالطبيب الذي يعالج كبريات العلل قبل
صغرياتها.
ثم إن المسائل المختلف فيها أيضاً تتفاوت في ترتيب أولوياتها؛ لأن الأقوال تتفاوت قوة وضعفا ورجحاناً وخفة فبعض الأقوال تدعمها أدلة واضحة قوية، فما كان مدعوماً بالدليل هو مما ينبغي أن يُعول عليه أكثر مما كان غير مدعوم بالدليل، إذ الأقوال وإن جلت منزلة قائلها لا تتعدى أن تكون دعاوى فاقدة للبينات إن لم تعضدها الأدلة، فهكذا يجب أن يكون التركيز على ما دل عليه الدليل قبل أن يكون التركيز على أشياء جانبية لم يتبين دليلها. ثم الأدلة أيضاً تتفاوت فما كان دليله قطعياً يختلف عما كان دليله ظنياً، إذ ما كان دليله قطعياً ليس هو مكاناً للخلاف، فلا يجوز الاختلاف فيه وكيف يختلف فيما دل عليه دليل قطعي.
فمثل هذه الأشياء يجب أن يكون الأمرون بالمعروف الناهون عن المنكر
متفطنين لها وواضعين كل شيء منها في موضعه، والله أعلم. (2/358)
صفحة 806
الإنسانيات
الجزء الثاني
359
هل تذهبون من خلال هذا إلى وجوب العلم والفقه لدى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر؟ لا ريب أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون مع الجهل، حتى وإن كان الجاهل غير معذور عنهما فعليه أن يتعلم الحكم فيهما، فإن العامي لا يطالب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا فيما يعلمه، فإن هناك أشياء يشترك في معرفة حكمها الخواص والعوام، فالعامي يعلم أن الخمر حرام، فلما كان هو عالماً بحرمة الخمر فهو في هذه الحالة بمنزلة العالم الرباني الفقيه المتضلع المحقق لأنه قامت عليه حجة الله بأن الخمر حرام، فلا يسوغ له أن يسكت عن شاربها ويقره على ذلك، وكذلك العامي يعلم أن الزنا حرام كالعالم، فلا يعذر في تغيير هذا المنكر إن ثبت عنده بحجة، والعامي يعلم أن السرقة حرام، فلا يحل له إقرار السرقة والسكوت عنها، والعامي يعلم أن قتل النفس المحرمة بغير حق حرام، فعليه أن يغير ذلك مع القدرة على التغيير ولا يقره، فكل ما كانت الحجة قائمة عليه بحكمه ولا لبس عنده في حرمته فإنه مطالب بأن ينكر على من مارسه، وأن يأمره بالحق فيه ... وهكذا، ولكن لا يعني هذا أن يقتحم الجاهل لجة هذا الأمر بغير علم فيقدم على تعاطي حكمه مع جهله به بحيث يقول إن هذا حلال وهذا حرام، فإن ذلك غير جائز بحال، فالله ـ تبارك وتعالى ـ شدد في هذا تشديداً بالغاً حيث قال: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وبين أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد من أن يكونا على بصيرة حيث قال: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، وأشار إلى ضرورة التفقه في دين الله بالنسبة إلى من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، وذلك (2/359)
صفحة 807
360 الفتاوى العقيدة 130
في قوله ـ سبحانه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَنَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة: 122]، فقد ناط الله الله الإنذار هنا بالتفقه في دين الله، والإنذار هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الدعوة إلى الله وحل والله أعلم.
قد يتصور شخص أنه إذا نصح شخصاً آخر ستترتب على تلك النصيحة فتنة وخصام، ففي هذه الحالة هل يلزمه النُّصح؟
إن كان ذلك سَادِراً في غَيْه مُسترسلاً في ضلاله مسارعاً إلى هواه فمن الواجب النُّصح مهما كانت خُصومته فإنَّ الله تعالى يحكي عن لقمان لا أنَّه قال في وصيته لابنه وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان: 17] فالصبر على ما يُصيبه بسبب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب بدليل هذا الأمر.
والله تعالى بَيَّن أن ضريبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يُصيب الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر من أذى، وقد وقع ذلك في الأنبياء من قبل فإنَّ الله تعالى يقول مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوَا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، ثم يقول:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِيَ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ حَتَّى إِذَا اسْتَيْسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 109 - 110].
فالمرسلون الذين هم أرسخ الناس إيمَاناً يَصل بهم الأمر إلى مشارفة اليأس لهول ما يلقون بسبب دعوتهم الناس إلى الخير وأمرهم بالمعروف (2/360)
صفحة 808
الإنسانيات
الجزء الثاني
361
ونهيهم عن المنكر، ولكن مع هذا يلزم الداعية أن يتحين الفرص لقيامه بهذه المهمة، فعندما تكون الظروف غير مواتية بحيث يؤدي تغييره المنكر إلى منكر أفظع وأشنع وأبلغ ضره وأعم شره يؤمر بالانتظار حتى تتاح له الفرصة ويتهيأ له الأمر، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يغدو ويروح بمكة المكرمة وأصنام المشركين حول الكعبة - بيت الله المحرم - فلم يقم إلى تحطيمها وإنما إلى أن آتت دعوته ثمارها، فقام عبدتها بتحطيمها بأيديهم بعدما تخلوا عن الشرك بالله، ودليل ذلك في القرآن قوله تعالى:
صبر
وَلَا تَسُبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُوا اللَّهَ عَدُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108].
أن مع
سبها نوع من تغيير عبادتها، ولكن لما كان ذلك يؤدي إلى أمر
أشنع وأفظع منعه الله تعالى، والله أعلم.
فَلْيُغَيّر
في مراتب تغيير المنكر في حديث النبي: «من رأى مِنكُم مُنكَراً ه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، التّغيير بالقلب كيف يكون تغيير للمنكر أن هذا الأمر مع يَبْقى في خَاصَّة الإنسان؟ لا ريب أن النَّاس متفاوتون في هذه الحياة بِمَا آتاهم الله ـ تعالى ـ من قُدُرَات وَمَلَكَات وما آتاهم من طاقات متنوعة، فإن كان الإنسان ذا سُلْطَة فهو قادر على تغيير المنكر بيده وفي هذه الحالة يكون لزاماً عليه أن يُغَيّر بيده ولا يكفي أن يَغَيَّره بِما دُون ذلك.
إلا إن كان مِن المُمكن أن يَتَغَيَّر بِمُجَرَّد الدَّعوة باللسان فإنه لا ينتقل إلى استعمال اليد إلا بعد استعمال اللسان لأن الأصل أن يَحْرِص المسلم
(1) رواه مسلم (70). (2/361)
صفحة 809
362 الفتاوى العقيدة
على الإتيان بالأسهل فالأسهل، فمن كان يَرْدَعُه القول لا يُعْدَل إِلى رَدْعِه
منه
باليد، فربَّما كان جاهلاً أو غافلاً، ومع ذلك ـ أيضاً ـ ليس من ظهر المنكر مِن بِداية الأمر كَمَن تكرر منه، فالذي يَتَكَرَّر منه يُغلَظُ عليه القول لعناده وإصراره، أما مَن ظَهَر منه أول فإن الواجب أن يُنَبِّه ويُقَال له بأن هَذَا منكر، وهذه هي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ
رَبِّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، ويقول سبحانه: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] أمَّا الذي يَتَصَامَمُ وَيَتَعَامَى وَيَتَعَالَى ويُصر على فعله ويستَكْبِر استكباراً فإنه يُغْلَظ له في القَوْل، وإن كان من بين الذين شاهدوا المنكر من هو من الذين آتاهم الله تعالى التمكين والاستخلاف في الأرض بحيث كان قادرا على تغيير هَذَا المُنكَر باليَد فَإِن عليه تغييره، أمَّا من لَم يَكُن قادراً على ذلك ولا على الجهر بالإنكار بالقول فإنه يجب عليه أن ينكره في باطنه بحيث يمتعض منه ومن فاعله، ويتمنى أن تكون له قدرة على الإنكار بما هو أكثر من ذلك، وهذا أمر تقتضيه الفطرة إذ من شأن المؤمن أن يضيق صدره مما يراه من المنكرات، وهو لازم لكراهة الكفر والفسوق والعصيان، فإن انشراح الصدر ممن رأى المنكر يُعد مُشَارَكة لفاعله الصَّادر من صاحب المُنكَر، فإن من انشرح صدره عندما يرى المُنكَر لا يُؤمَنُ منه أن يألف المنكر حتى يرتكبه بنفسه، ولكن إن تغيَّر قلبه وامتغض منه فإن أثر ذلك يعود أولا بالخير على نفسه، لأنه بتغييره إياه في قرارة ضميره يعوده النفرة من المنكرات والتقزز منها وعدم الانسجام مع مرتكبيها، ثم مع ذلك يكون مؤديا فريضة لازمة فيما بينه وبين الله تعالى، وهو مُنتهى مَا يَقْدِر على تَنْفِيذِه من مُقْتَضَيَات إيمانه بالله تعالى وباليوم (2/362)
صفحة 810
الإنسانيات
الجزء الثاني
363
الآخر فلذلك عُدَّ هذا مِن تَغيير المُنكر، كما عدَّ من لوازم الإيمان، ولكن لما كان ذلك أقل درجات التغيير كان هو أضعف الإيمان، والله أعلم.
هل يُمْكِنُ للشَّخص أن يستَعِين بالمَبَادِئ التي جاء بها القرآن دون أن يَجعله في مُقدِّمة كلامه بحيث قد يذكر الآية عَقِبَ ما يُقنِع من يحاوره بِمَسألة ما ويَرَى فِيهِ أنَّه اقتنع على ضَوْءِ الإعجازات العلمية أو أي أثر أيُّ
للقرآن؟
الذي لا يَقْتَنِع بِنَصٌ قُرآني ظَاهِرٍ صريح ليس هو من الإسلام في شيء، فينبغي أن تُعالَجَ عَقِيدَتُه وأن يُجَرَّ إلى الإسلام بالدعوة والإقناع وإقامة الحجة، والله أعلم.
هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخصوص بالعلماء فقط بحيث يسقط عن بَقِيَّة الناس؟
حُكّاماً
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضٌ واجب على الجميع ومَحْكُومين رجالاً ونساءً عُلماء وعَوَام فإنهما مِمَّا يَجب على الكُل، فالله
تعالى قال:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَبِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71].
فَنَرَى أنَّه عندما وَصَفَ المُؤْمِنِين والمُؤمِنات بما وصفهم به بدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل إقام الصلاة، مع أن إقام الصلاة فرض واجب على القوي والضعيف والحَاكِم والمَحْكُوم والرجل والمرأة والعالم والجاهل فالكُلّ يَجب عليهم أن يُقيموا الصلاة وأن يُؤتوا الزكاة، وكذلك (2/363)
صفحة 811
364 الفتاوى العقيدة
طاعة الله ورسوله واجبة على الجميع، فكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اللذان صُدِّرَ القول بهما قَبْل ذِكْرِ إقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
ثُم إِنَّ الله تعالى يُبَيِّن أَنَّ مِيزَة الأمة إِنَّما
عن المنكر فإذا تَخَلَّت ذلك تَخَلَّت عن
هي
الأمر بالمعروف والنهي
عن ميزتها وخصيصتِها، وذلك
عندما قال سبحانه: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
فقد صَدَّر بِذِكْرِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى قبل ذكر الإيمان، ويقول تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 104] وقوله: {وَلَتَكُن مِّنكُمْ أُمَةٌ) [آل عمران: 104] أَيْ كُونُوا أُمَّة هذا شأنها فإن مِنْ هُنَا لَيْسَت للتبعيض وإِنَّما هي للبيان أي كونوا أُمَّة شأنها أن تأمر بالمعروف وأن تنهي عن المنكر.
فالكُلُّ مُطَالَب بأن يَقُومَ بِهَذَا الفرض وحسبنا أنَّ الله تعالى جَعَل هَذه صفة المؤمنين والمؤمنات: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] وهذه المُوالاة لا تَتِمّ إلا بالأَمْرِ بالمَعْرُوف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة وإيتاء الزَّكاة وطَاعة الله ورسوله، والله أعلم.
هل المصلحة باعتُ للحكم أو أَنَّهَا غَايَة؟ إنَّ الله سبحانه لا يُسأَل عمَّا يَفعَل، فهو المُتصرّف في خلقه حسب مشيئَتِه، يَشْرَعُ لَهم ما شاء من الأحكام ويمنعهم مِمَّا يشاء ويُبيح لهم ما يشاء ويَفْرِض عليهم ما يشاء، له الحكم المُطلَق في الخلق، فله الحكم والأمر: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [يوسف: 40]، وأفعاله سبحانه قد اختلف العلماء فيها هل يُمكن أن تُعلَّل أو لا تُعلَّل: (2/364)
صفحة 812
الإنسانيات
الجزء الثاني
365
فالذين قالوا بأنَّها لا تُعلَّل نظروا إلى أنَّ العِلة هي منشَأُ الأمر، ولَمَّا كانت كذلك فلا يُمكن أن تكون أفعال الله تعالى ناشِئَةً من شيءٍ له أي تأثير عليه سبحانه، لأن جميع أفعاله إنَّما هي باختياره.
أما الذين قالوا بأنَّها تُعلَّل فإنَّهم نظروا إلى ورود كثير من النصوص الدالة على الربط بين أحكامه ـ تعالى ـ وأفعاله وبين بيان أسباب لها تنزل منزلة العلة مع اعتقاد أن هذه العلل ليست مؤثّرة في نفس الفعل، بل هي لأن جعل الله تعالى الحكم أو الفعل وفق هذا الأمر الذي أراده أن
ذلك
يكون مبنيا على ذلك السبب أو تلك العلة باختياره. فَلَو قُلنا بأنَّ أفعاله لَهَا بَواعث فمعنى ذلك أنَّ هذه البواعث مؤثرة في أفعاله، ولا يُمكن أن يكون هنالك باعث مؤثر على فعل الله تعالى. أما إن قلنا إن غاية هذا الأمر كذا فلا ريب أنَّها تتحقق بسبب الأمر، ولَمَّا كانت تتحقق من الأمر فإنَّ غاية مشروعية الأحكام التي شرعها الله - سبحانه - تحقيق مصالح العباد فضلاً من الله ـ تعالى ـ ونعمة، ولا يرتاب أنَّ العبادات تحقق غايات لها أثر كبير في حياة الناس النفسية والاجتماعية، وقد بين الله تعالى ما تحققه من الغايات في كثير من الآيات كقوله سبحانه:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي كُتب عليكم الصيام
من أجل تحقيق هذه الغاية وهي أن تتقوا الله تعالى، وكذلك قوله:
وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ إِنَّ الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]، فإنَّ الغاية من إقامة الصلاة أنها ناهية عن الفحشاء والمنكر، وكذلك يقول تعالى في الزكاة: (2/365)
صفحة 813
366 الفتاوى العقيدة
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103]، فالغاية من الزكاة الطهارة والتَّزكية الحاصلة للنفوس بسببها، فهذه الأعمال المشروعة إنَّما شرعت مَقرُونَة بهذه الغايات التي أرادها الله وهي تحقيق المصالح للعباد اءً علمنا هذه المصالح أو لَم نَعْلمها، إذ لا يلزم أن تكون المصالح معلومة وإنما علينا أن نُسلّم لأمر الله، وأن نُدرك أنَّه جل وعلا لا يَأْمُرُنا إلا بِمَا فيه مصلحتنا، ولا ينهانا إلا عما فيه مفسدَتُنا، وإنَّما مصلحتنا في الاستسلام لأمرِ الله والانقياد لِحُكْمِه والإذعان لطاعته؛ والله - تعالى - أعلم.
سوا
ما ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما هي حدوده في العصر؟
تلے
هذا
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يختلف حكمهما بين عصر وآخر، فأولياء الأمور مطالبون بأن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر بما جعل الله - تعالى - بأيديهم من السلطان والنفوذ، ولذلك قرن الله - تعالى - بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة حيث قال: {وَلَيَنصُرَنَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ عَزِيزُ الَّذِينَ إِن مَّكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَعَاتَوُا الزَّكَوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ} (الحج: 40 - 41)، ووضح ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «مَن رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإنّ لَم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (1)، فالذي مُكِّن له يأمر بيده والذي لَم يُمَكِّن له يأمر بلسانه بقدر مستطاعه، فإن تعذر فعليه أن يغير المنكر بقلبه وأن يأمر بالمعروف بقلبه إن لم يستطع ذلك بيده ولا بلسانه.
(1) رواه مسلم (70). (2/366)
صفحة 814
الإنسانيات
الجزء الثاني
367
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة جميع المؤمنين إذ يقول الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] ثم وصفهم بعد ذلك بقوله: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 71] فقدّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومعنى ذلك أن من خصائص الإيمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكذلك نجد أن الله تعالى نَعَى على بني إسرائيل وبين أنهم استحقوا اللعن بسبب تركهم تغيير المنكر عندما قال عَزَّ من قائل:
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
VA
ذالِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78 - 79]، كما نجد أن الله تعالى في كتابه يحكي عن لقمان قوله لابنه:
وَأمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان: 17] فهذا كله مِمَّا يدل على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولكن مهما يكن من أمر فإنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالرّفق وباللطف وبالإقناع مِمَّا يَجب على الداعية ألا يَغفل عنه، فإنَّهما بهذه الوسائل أجدى نفعا وأعمق أثرا، فالله تعالى يقول:
أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبِّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، ويقول تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 133، ثم أتبع ذلك قوله: (2/367)
صفحة 815
368 الفتاوى العقيدة
وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ
عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].
فالإنسان عندما يدفع بالتي هي أحسن ويُقنع من يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر لا ريب أنه يكون لوصيته ولنصحه ولدعوته ولتذكيره أَبْلَغُ الأثر في نفس المدعوين، وكثير من الدعاة ينفرون الناس بأساليبهم الجافة وباستعمال القسوة في دعوتهم إلى الخير، مع أن مهما يكن فإنَّ اللين أجدى نفعاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسبنا أنَّ الله تعالى أرشد إلى ذلك صَفْوَتَهُ مِن خلقه، فعندما أرسل موسى وهارون إلى فرعون مع قسوته قال: {فَقُولَا لَهُ، قَوْلًا لَّيْنَا لَعَلَهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44]،
وقد علم الله أنَّه لا يَتَذَكَّر ولا يخشى، ولكن القول اللين هو مئِنَّةُ التذكر
والخشية فلذلك بعث في نفوسهم رجاء تذكره وخشيته بقوله: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخشَى أي قولا له ذلك وأنتما ترجوان أن يتذكر أو يخشى، فهذا الأسلوب مِمَّا ينبغي للناس جميعاً ألا يَعْزُبَ عَنهم، والله أعلم.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه» (1) ما فائدة تغيير المنكر بالقلب بالنسبة للمسلم؟ ومتى يكون ذلك؟
يكون ذلك ـ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ـ حينما يتعذر التغيير باليد أو باللسان: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه .. »، أي إن عجز وخشي على جسمه أو عرضه أو شرفه لو أنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخشي الفتنة من ذلك، كتألب الناس
(1) رواه مسلم (70).
جهر (2/368)
صفحة 816
الإنسانيات
عليه تألياً.
الجزء الثاني
369
يؤجج ضرام الأحقاد بينه وبينهم فإنه في هذه الحالة يعدل إلى
التغيير بالقلب.
وفائدة التغيير بالقلب ألا يكون آلفاً للمنكر، لأنه لو لم يغيره بقلبه لكان آلفاً له، وعندما يألفه لا يعود عنده منكراً بل يكون معروفا، لأن المعروف هو الذي تعرفه النفوس وتألفه ويجب أن تكون المنكرات كما سماها الله تعالى منكرات لا تؤلف ولا تتقبل من قبل النفوس.
بل من لم يغير المنكر بقلبه فإنه يكون متقبلاً له ولذلك كان ملعوناً كما
قال الله تعالى:
ورج
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذالك بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا
VA
كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78 - 79]، والله أعلم.
أحياناً في رسائل الهاتف النقال يُكلَّف الإنسان بأن تَتَضَمَّن الرسالة بأن صَلّ على النبي كذا عدداً من الصلوات وأرسلها إلى كذا عدد ـ أو نحوها من العبارات - أمانة في عُنُقِك فهل مثل هذه الرسالة تكون حَمَالَة على المُتَلَقِّي؟
ما معنى الصلاة على الرسول؟ ولأي غرض من الأغراض؟ إن كانت لأجل تعظيم الرسول الله فلا يَلْزَم أن يكون ذلك بواسطة الهواتف النقالة، وإن كان لغرض من الأغراض الأخرى كأن تكون هنالك خُرَافَة بِحَيثُ يَتَصَوَّر بعض الناس أنَّ مَنْ صلى على النبي الله مقدار كذا حَصَلَ من الفائدة أو الربح مقدار كذا أو نجح في مَسْعَاه أو نَحْوِ ذلك فهذه من الأمور التي يجب أن لا يُرَوَّجَ لَها، لأن الدين لا يقترن بالأوهام، والدعوة إلى الإسلام لا تكون
الصلاة
لَه (2/369)
صفحة 817
370 الفتاوى العقيدة
بالترويج للخرافة وإنَّما تكون بالصدق وكلمة الحق، والداعية إلى الله يَجب عليه أن يكون موضوعياً جاداً فيما يقول، صادقاً في كل ما يُبَلِّغ، حتى لا يُعْثَر عليه أنَّه كَذَب قط، فإن الكذب يؤدي إلى أن يَهْزَأَ الناس به ويسخَرُوا حتى مِن دعوته ولا يَثِقُوا بشيء مِما يَصْدُرُ عنه، والله أعلم.
الآية الكريمة: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
مع
أن
قدمت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، الإيمان بالله مقدم، فلا بد أن يكون الأمر بالمعروف الناهي عن المنكر مؤمناً، لأنه إذا لم يكن مؤمناً بالله، فأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لا يجديان شيئاً؟
إن تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله تعالى
لأمرين: أولهما: أن الإيمان بالله الا الله أمر مُشترك بين جميع الأمم، فكل أمة من الأمم بعث إليها نبي واتبعت ذلك النبي إنما كانت تؤمن بالله، فما من أمة بعث إليها نبي وصدقت ذلك النبي إلا كانت مؤمنة به وإلا كانت مقطوعة عن الوصل بحبل ذلك النبي، بينما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست الأمم فيهما على قدر واحد، وإن من خصوصيات هذه الأمة أن يكون كل فرد من أفرادها مطالبا بهذا الحق كمطالبته بأن يؤمن بالله، وهذا أن الأولين ما كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكن
يرجع إلى عموم
الأمة أما هذه الأمة فكل فرد من أفرادها عليه
لا يعني قيامهم بذلك أن يوطن نفسه بالقيام بذلك في محيطه الذي يعيش فيه ويتحرك في أنحائه،
لذلك كانت هذه الأمة مميزة بهذا كما هو واضح في قوله تعالى: (2/370)
صفحة 818
الإنسانيات
الجزء الثاني
371
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} آل عمران: 110] وقد دل على وجوبهما على أفراد الأمة قوله: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] فإن «من» هنا ليست للتبعيض وإنما هي للبيان، ومعنى ذلك كونوا أمة هذا شأنها، ويؤكد هذه الدلالة اختتام الآية الكريمة بقوله: وَأَوَلَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] حيث حصر الفلاح في هؤلاء بتعريف المسند والمسند إليه وتوسيط ضمير الفصل بينهما، وكل فرد من هذه الأمة مطالب بأن يكون من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وسبيله وسبيل أتباعه مرسومة في القرآن الكريم في قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108]، فالدعوة إلى الله له أمر بعث به النبي صلى الله عليه وسلم وخُوطب به كل واحد من أتباعه، وقد قال الرسول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، فكل واحد مطالب بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حسب ما يستطيع، وليس لأحد أن يتخلى عن هذا الواجب، ويبدأ الإنسان في ذلك بنفسه فيأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر، ثم يثني بعد ذلك بأقرب الأقربين إليه، وهم أولاده وأهله في بيته يدعوهم إلى الخير ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، لهذا كله قدم ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان، لأنهما الأمران اللذان تميزت بهما هذه الأمة عن غيرها من الأمم بحيث كان جميع وحدانها مطالبين بهما.
ثانيهما: أن الإيمان قد رسخ في قلوب المؤمنين وهم يعرفون أهميته، فهم جميعا يُدركون أن الأعمال سواء كانت بدنية أو مالية، لا تُعدُّ
جميع (2/371)
صفحة 819
372 الفتاوى العقيدة
شيئاً إن لم تكن مبنية على الإيمان وناشئة عنه، إذ كل الأعمال التي يعملها الإنسان إنما ملاكها الإيمان بالله وبملائكته وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، ولا ريب أن جمهور الناس يُدركون ذلك فيعرفون قيمة الإيمان ولكنهم لا يدركون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ضرورات دينهم التي هم مطالبون بها، فلذلك نبهوا على هذا بتقديمهما في الذكر لأجل تأكيد الاهتمام بهما، ونحو هذا قول الله له: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11] وقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12] وقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنِ) وقوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ، فقد قدمت الوصية على الدين في الذكر أربع مرات لأن الناس يهتمون بقضاء الدين بدافع من ضميرهم وقد لا يهتمون بإنفاذ الوصية، فقدمت الوصية هنا في الذكر لأجل تأكيد الاهتمام بها، لئلا يتساهل فيها الناس، فالفرائض لا تُقسم ولا تُوزع بين الورثة إلا من بعد أخذ الدائن حقه، ومن بعد إنفاذ وصية الميت، ثم يأتي بعد ذلك حق الورثة في اقتسام التركة لأن التركة تكون قبل هذا مشغولة بدين الدائنين وبوصية الميت، وأصحاب الدين لهم الأولوية في دينهم، وكذلك الميت نفسه له الأولوية فيما أوصى به إذا لم تتجاوز الوصية القدر المشروع، والله أعلم.
هل يجوز مقاطعة المرأة أو الرجل الزانيين أو التاركين للصلاة؟ تجوز مقاطعة مرتكب الكبيرة من أجل ردعه عن كبيرته، والله أعلم.
هل يجب على الإنسان أن يأمر بالمعروف وأن ينْهَى عن المنكر من يعصي الله؟ اذا كانت معصيته أمراً مختلفاً فيه؟
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم مُنْكَرا فَليُغَيِّرُهُ بِيَده فإن (2/372)
صفحة 820
الإنسانيات
الجزء الثاني
373
لم يستطع فَبِلِسَانِه فإن لم يستطع فَبِقَلْبِه وذلك أَضْعَف الإيمان)، والله تعالى أمر هذه الأمة أن تكون أُمة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وذلك عِندما قال: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وقال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
هذا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمر الذي لا خلاف فيه هو واجب على أي أحدٍ إن كان قادِراً، وإن لم يستطع أن يُغيّر بيده فليُغَيّر بلسانه، وإن لم يستطع أن يُغيّر بلسانه فلْيُغيّر بِقَلبه، فإنَّ ذلك واجب على الناس جميعا وإلا كانوا شركاء في المنكر وكانوا كما قال الله - تعالى - في بني إسرائيل: لعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَةً ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78 - 79]
وبَيَّن سبحانه عَاقِبَة الأمر والنهي وعاقبة ارتكاب المحارم عندما قال سبحانه: {وَسَئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ يَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ
(163)
(164)
مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَعِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163 - 165]، فكانت عاقبة تزكِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنَّ أُخِذُوا بِعذاب بَئِيس وهو يَشْمَلُ الفريقين جَمِيعا من ارتكب المنكر ومن لم ينه عنه.
(1) رواه مسلم (70). (2/373)
صفحة 821
374 الفتاوى العقيدة
وأَمَّا ما كان مُخَتَلَفا فيه فإن كانت المسألة مسألة رأي، ولم يكن هذا الاختلاف في أمرٍ من أمور الدين، وكان الذي ارتكب ماهو مَمْنُوعٌ في رأي المُبْصِر له ـ أو في رَأي الحاضر عنده - يَرَى أنَّ ذلك غير ممنوع في اجْتِهَاد هذا المرتكب بنفسه أو في اجتهاد من يُقلّده إن كان من أهل التقليد، فإنَّه في هذه الحالة يسوغ لمن رآه أن يتركه وشأنه فإنه لا حَرَجَ عليه في ذلك؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.
هي
لكن كيف يعرف المُقلّد أنَّها مِن مسائل الدين أو من مسائل الرأي؟ يستطيع أن يسأل أهل العلم عن هذه المسائل ويُمَيِّزَ بَيْنَها، والله أعلم.
وهي
أنا من ولاة أمور مُجْتَمع انتشرت فيه بعض البدع المخالفة للسنة من المسائل الفرعية في الدين هل يجوز لي التدرج في اجتثاث تلك البدع، وأثناء ذلكم التَّدرج أتبع بعض الأقوال المرجوحة كي لا أنفُرَهم حتى نتخلص من تلكم البدع؟
الداعية عليه أن يكون كالطبيب والدَّعْوَة إِنَّما هي بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، والإنسان عله أن ينظر فإن بعض البدع تكون بدعا خطيرة جدا ربَّمَا تُزَلْزِل العقيدة وتُؤَثّر عليها، وبعضها أهون من ذلك، فلينظر الإنسان في ذلك فإن كان يَتَمَكَّن من قطع دابر البدعة بسرعة فعليه ألا يتردد في ذلك، وإن كان لا يتمكن فإنّ الله تعالى لَم يُكَلِّفه عسيرا، وإنَّما كَلَّفَه يَسِيراً يقول الله لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، ويقول: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَنَهَا} [الطلاق: 7] فعليه أن يسعى في دفع البدع بقدر مستطاعه مع مراعاة الحكمة في ذلك؛ والله - تعالى - أعلم. (2/374)
صفحة 822
الإنسانيات
الجزء الثاني
375
المذاهب الإسلامية
إنني لا أشك في جهودكم في سبيل تحقيق الوحدة الإسلامية ولكن ما هو شكل الوحدة التي من الممكن أن تَجْمَع المسلمين على اختلاف مذاهبهم، أي هل يتَّفق الجميع على مذهب واحد؟ وهذا من المستحيلات، أم أنَّ هذه الوحدة لا يُشْتَرط فيها أن يجتمع الجميع على مذهب واحد، وإذا كان لا يُشترط ذلك فكيف يمكن أن يتَّحِد اثنان والأول يتَبَرَّأ من الثاني والعكس بسبب اختلافهم في بعض الأصول، أم أن البَرَاءَة لا تَتَنَافَى مع الوحدة، والسؤال: كيف نُوَفِّق بين البَرَاءَةِ والوِحْدَة في نفس الوقت؟
إنَّ الأمة الإسلامية بِيَدِهَا ما يَجْمَع شَمْلَهَا ويَنْتَزِعَ خِلافَهَا ويُمْلِي عليها
الوفاق والانسجام فيما بينها فكِتَاب الله داعيها إلى الوحدة.
ومن فضل الله - تعالى - على هذه الأمة أنَّها لم تختلف في كتاب ربِّها قط، فإنَّها مُجْمِعَة عليه من أوله إلى آخره أنَّه كلام الله، وأنَّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهذا مما يسهل الوحدة فيما بينها، لأن الله - سبحانه - جعل لَها مَخلصاً من الخلاف والشقاق عندما تعود ـ إلى هذا الكتاب العزيز، وتعود إلى الثابت المتَّفَق عليه من السنة النبوية على
222111
صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فقد قال - تعالى -: {فَإِن تَنتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]. فالأمَّة مُطَالَبَة أن لا تَتَعَصَّبَ لآراء عُلَمَائِها، وأن لا تَجْعَل هذه الآراء فوق كتاب الله وفَوْقَ كلام رسول الله، وقد أَجَادَ الإمام السالمي الا عندما قال: ولا تُنَاظِر بكتاب الله ولا كلام المصطفى الأواه مَعْنَاه لا تجعل له نَظِيرا ولو يكون عالماً خبيرا (2/375)
صفحة 823
376
الفتاوى العقيدة
كل
ومع هذا التوجه إلى الأخذ بالكتاب العزيز وتَحْكِيمه في كل جزئية وفي كُلّية، والأخذ بما ثبت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف عنه يزول الشقاق الأمة، فبإمكان هذه الأمة أن تُراجع نفسها فيما عندها من التَّصَورَات إذ لا عصمة إلا للأنبياء، وحدهم، فمهما يكن للإنسان قَدْرُهُ وعلمه وشأنه ورفْعَتُه هو عرضة للخطأ إلا الذين عَصَمَهم الله تعالى وهم النبيُّون، فهم لا ينطقون
بين
إلا بالحق.
فالاحتكام يجب أن يكون إلى هذين الأصلين الثابتين اللذين لا شك
القضايا
فيهما وهما كتاب الله وإلى المُتَوَاتر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأصولية العَقَدِية، ويجوز الأخذ بالأحادي بل يؤمر بالأخذ به في الفروع إن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن مِنْ غير قطع عذر من لم يأخذ به إن كان تركه له غير مبني على اتباع الهوى والإعراض عن الهلاليه لالالالالام.
ونَحن نَرَى أَنَّ هُنَاكَ قَوَاسِم مشتركة تجمع بين الأمة، فالقضايا الخلافية
لَو قِيسَت إلى بالمُتَّفَق عليه لَوَجَدْنَاهَا قَليلة جداً.
فلو جئنا إلى أركان الإسلام الخمسة لوجدنا أنه لا خلاف فيها بَيْنَ الأمة، إذ لا خلاف في شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولا خلاف في إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا. وكذلك إذا جِئْنَا إلى أَرْكَان الإيمان فإنَّ الأمة مُتَّفِقَة على خمسة أركان
بلا خلاف، وإن اختلفت بعض الاختلاف في الركن السادس. فبالنسبة إلى الإيمان بالله لا خلاف بينها فيه، فإن الكُل يُؤْمِن بأن الله تعالى هو الذي خَلَقَ الخلق وأنَّه الأوّل والآخر والظاهر والباطن، وأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه تعالى هو الذي يُبْدِئ ويُعِيد، وهو (2/376)
صفحة 824
الإنسانيات
الجزء الثاني
377
الذي يفعل في خلقه ما يريد، له الملك وله الحمد، لا أوّل لأوَّلِيَّته ولا آخر
لآخِرِيَّتِه.
كذلك إذا جئنا إلى الإيمان بملائكته وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر نجد أنَّ هذه الأركان لا خلاف بين الأمة فيها.
نعم هناك بعض الاختلاف في جزئيات تتعلق بتفسير الأمور التي تعود إلى الإيمان بالله، وذلك كالإختلاف في تفسير صفات الله تعالى، وكذلك إذا جئنا إلى المعاد قد يكون هنالك بعض الاختلاف في جزئيات تتعلق بالوعد أو بالوَعِيد لا في أصل الوعد والوعيد.
كذلك ـ أيضاً ـ إذا نظرنا إلى الإيمان بالكُتُب فإِنَّ الجميع مُجْمِعُون على كُتب الله بأنَّها حَق مِن عند الله، وَأنَّ الذي بقي منها لم تصل إليه يَدُ التَّحْرِيف والتبديل هو القرآن الكريم، فهو من ألفه إلى يائه، من أول الفاتحة إلى آخر الناس كلام الله - سبحانه ـ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِنْ خَلْفَه.
وكذلك بالنسبة إلى الرسل، فالكُل مؤمنون بعضمة الرسل وفضلهم وقدرهم وعُلُوّ شأنهم، ومؤمنون بالرُّسُل المنصوص عليهم، وبأنَّ وراء هؤلاء المنصوص عليهم رُسُلاً أيضاً لَم يُنَصَّ عليهم، نؤمن بهم إجمالاً.
كذلك إذا جئنا إلى اتباع الرسول الخاتم الله فالكل مؤمن بوجوب اتباعه وأنه هو إمام الأمة الذي يجب أن تَتَّبِعَه في كل تَصَرُّف من تصرفاته إلا ما دَلَّ الدليل على خُصُوصِيته به فضلاً عن أوامره التي يأمر بها الأُمَّة، فلا مجال لمخالَفَة: أمره: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}
[الأحزاب: 36]. (2/377)
صفحة 825
378 الفتاوى العقيدة
أما الركن السادس وهو الإيمان بقضاء الله وقدره فهناك بعض الاختلاف الذي وَقَعَت فيه الأمة فيما يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الرُّكن، هل يجب الإيمان بقضاء الله وقدره في كل ما يَجري مِن تَصَرُّفَات الإنسان وأفعاله الاختيارية، أو أنَّ هذه الأفعال لا ترجع إلى قضاء الله وقدره وإنما ترجع إلى إرادة الإنسان، فمعتقدنا ومعتقد جمهور الأمة أن الإنسان لا يستقل وحده بإيجاد أفعاله وإنما له منها جانب الكسب أما خلقها فمن الله تعالى، وذهب فريق إلى أن فعل الإنسان لا يعود إلى قضاء الله وقدره وأنه مستقل بإيجاده من غير أن تتدخل إرادة الله في ذلك، وهو الذي قالته المعتزلة وتابعهم عليه الشيعة الزيدية والإمامية.
أما الأركان الخمسة الأخرى فهي مُتَّفَقٌ عليها ما بين الأمة من حيث كُلياتها، وإنَّما الاختلاف في بعض جزئياتها.
فلما كان الأمر كذلك فمن السهل أن تَلْتَقِي هذه الأمة على هذه الكليات ومن السهل أن تُناقش الجزئيات التي وقع فيها الاختلاف على ضوء كتاب الله والثابت من سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعندما تلتقي الأمة على هذين الأضلين، وتستمد منهما تصوراتها
لا يكون هنالك خلاف فيما بينها.
ومع
التي
هذا كله فإن هذه الأمة تَجْمَعُها قِبْلة واحدة في صلاتها، وهي يَحُجُون إليها جميعاً، فلا خلاف في مناسك الحج والمشاعر المقدسة التي يجب على الأمَّة أن تُحَافِظ على قُدسِيَّتِها، وهو مما يقرب الشقة بينها، وإِنَّمَا وُجِدَت عُقَد نفسية هي التي بَاعَدَت الشقة بين هذه الأمة وفصلت بعضها عن بعض. على أنه مهما كان من الاختلاف فإن الأصل الذي يجب أن تلتقي عليه (2/378)
صفحة 826
الإنسانيات
الجزء الثاني
379
الأمة جميعا وأن يكون نظر بعضهم إلى بعض مبنيا عليه هو كما قال الإمام
السالمي:
ونحن لا نطالب العباد فوق شهادَتَيْهم اعتقادا فمن أتى بالجملتين قلنا إخواننا وبالحقوق قمنا إلا إذا مَا أَظْهَرُوا ضَلالا محالا واعتقدوا في دينهم
قُمنا نُبَيِّنَ الصواب لَهمُ ونَحْسِبَن ذلك من حقهم فما رأيته من التحرير في كتب التوحيد والتقرير حَل مسائل وردُّ شُبَهِ جاء بها مَن ضَلَّ للمُنْتَبِهِ قُمْنَا نَردها وتُبْدِي الحقا بِجهدِنَا كي لا يضل الخلقا لو سَكَنُوا عَنَّا سَكَتْنَا عنهم ونَكْتَفي منهم بأن يُسَلِّمُوا فهذا الأصل لو أَخَذَ به جميع المسلمين في الأرض وجعلوا كُل مَن أتى بالشهادتين ممن تجب له حقوق الأُخُوَّة الإسلامية إلا إذا نقض هاتين الشهادتين بإنكار ما عُلِمَ مِن الدِّين بالضرورة سواءً كان متأوّلاً أو غير متأوّل
في إنكاره لذلك لو أخذت الأمة بهذا لكان من السهل الوفاق فيما بينها. ومهما يكن هنالك من مواقف تتعلق بالخلاف في تلكم الأمور التي أشرنا إليها فإننا نقول بأنَّ هذه المواقف لا تتنافى مع الدعوة إلى التسامح، وبَسْطِ هذه القضايا الخلافية على بساط البحث والمناقشة من غَيْرِ تَشَنُّج ولا انفعال، وإنَّما يَجب أن تكون النّيات خالصة، والطَّوَايَا صافية، والقلوب طاهرة، والعمل خالصاً لله تعالى لا يُراد به إلا وجهه، ويسعى الكل إلى جَمْعِ الشمل ورَأْبِ الصَّدْع ولَمَّ الشَّعْث وجمع هذا الشَّتَات تحت مِظَلَّة القرآن ومِظَلَّة السُّنَّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والله أعلم. (2/379)
صفحة 827
معه
380 الفتاوى العقيدة
هل حصلت مناقشات ومناظرات بين المعتزلة والجهمية بشأن خلق الفعل والكسب للإنسان؟
حصلت مناظرات كثيرة بين هذه الفرق وهي مدونة في الكتب، والله أعلم.
ذلك،
من هم المعتزلة؟ وما هي سبب مخالفتهم للجمهور حول مسألة التكليف؟ المعتزلة هم طائفة من هذه الأمة، بدؤا فيما بدؤوا فيه بالخوض في مسألة القدر، وقد وقع ذلك عندما وقع الحريق في الكعبة الشريفة فالتهم بعضاً منها، وذلك عندما رماها الحجاج بالمنجنيق في حربه مع ابن الزبير فاختلف الناس، هل كان احتراق بيت الله الحرام بقدر من الله أو بدون ذلك، وأخذت هذه الفكرة تتنامى وتنتشر في بعض أوساط الناس حتى تبلور هذا المذهب الكلامي على يد واصل بن عطاء الذي كان أحد تلامذة الإمام التابعي الكبير الحسن البصري، فأنكر الحسن البصري ذلك عليه وعلى من فاعتزلوا مجلسه وسائر المجالس الأخرى فسموا معتزلة بسبب ثم أخذوا بعد ذلك يعتنون بالأساليب الفلسفية التي شاعت عند فلاسفة اليونان، من خلال الكتب الفلسفية التي تُرجمت إلى العربية وكانت تحتوي على مصطلحات المناطقة عند اليونان، فأمعنوا من خلال تلك الكتب في دراسة الفلسفة، واشتغلوا بها اشتغالاً كبيراً، وكان لهم جهد كبير ـ لا ينكر ـ في الدفاع عن عقيدة الإسلام من هجمات، الفلاسفة ولكنهم تأثروا بالمنطق الأرسطي كثيراً، فأمعنوا في تحكيم العقل، ورجحوا جانبه على جانب الشرع، ولذلك كانت مدرستهم هي المدرسة العقلية في الأمة الإسلامية، لأنها أعطت العقل فوق ما يحتمل، فهم أفرطوا من هذه الناحية، كما فرط أناس آخرون أيضاً عندما لم يحاولوا أن يستخدموا العقل في فهم مقاصد النصوص الشرعية، خصوصاً في مسائل العقيدة فإن الله تبارك وتعالى خاطب (2/380)
صفحة 828
الإنسانيات
الجزء الثاني
381
العقلاء بهذا القرآن الكريم، فالعقل وسيلة لاستلهام كثير من الحقائق، وفهم كثير من مقاصد الشرع في خطابه، والله أعلم.
لقد قلت بأن المدرسة الإصلاحية جاءت في مصر لمحاربة البدع والخرافات، وكان الزعيم هو جمال الدين الأفغاني ومع سفره تبنى ذلك محمد عبده، فهل كان جمال الدين هو أساس فكرة محاربة البدع والخرافات، أم أنها فكرة محمد بن عبد الوهاب التي انتقلت إلى مصر؟ الذي أقوله الآن أنَّ جمال الدين الأفغاني هو شخصية غامضة. لأنني كنت أعتقد بأن هذا الرجل مصلح - وهو أرسى دعائم مدرسة الإصلاح، ولا يُشك في أنه قام بدور إصلاحي عندما كان في مصر - لكن تصرفاته كانت تصرفات غريبة من نوعها - وذلك بعدما خرج من مصر ـ، لأنه أحياناً ـ حسب ما قرأت في تاريخه الذي كتب بأقلام الأفغان أنفسهم ـ يريد أن يرتبط بالإنجليز لمحاربة الروس القياصرة، وتارة يتصرف خلاف ذلك ـ عندما ييأس من جدوى ذلك ـ أي يسعى للإرتباط بالروس من أجل محاربة الإنجليز، فتبين بذلك أنه كان متذبذباً غير مستقر على فكر معين، وعلى منهاج معين، أما بالنسبة إلى الفكرة الوهابية، فما أظن أنها في عهد الشيخ محمد بن عبد
بهم
الوهاب وصلت إلى مصر والوهابية وإن كانوا هم ضد تعظيم المقابر وتقديسها وتقديم النذور والقرابين إليها، ولكن هذه الدعوة غير خاصة وإنما جاء بها الإسلام من أول الأمر ونادى بها المصلحون قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولكن كثيراً ما يبعدون عن الإسلام بوقوعهم تحت تأثير الخرافات التي يعيشون في أجوائها والأوهام التي تسيطر على أذهانهم، فيذهبون لطلب الشفاء من قبر أو من عين أو من الأشجار والأحجار، وإلا فالمسلمون من أول الأمر كلهم يحاربون هذه الفكرة على أن الدعوة الوهابية (2/381)
صفحة 829
382 الفتاوى العقيدة
تلبست بكثير من الضلال كاستباحة دماء المسلمين وأموالهم، وتبني عقيدة التشببية التي هي من صميم الفكر اليهودي، والله أعلم.
(1) قامت الحركة الوهابية في نجد وسط الجزيرة العربية في أواخر القرن الثاني عشر الهجري على يد محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود حيث تحالفا لنشر «الدعوة الوهابية» وقد شنت هذه الدعوة سلسلة من الحروب كانوا يسمونها الغزوات فيها القتل والغنم لأموال المسلمين فتقسم على أنها أخماس الجهاد وغنائمه!!. قال المؤرخ السعودي عثمان بن بشر في كتابه الشهير «عنوان المجد في تاريخ نجد» في الجزء الأول في الصفحة 121 و 122: (ثم دخلت السنة السادسة عشر بعد المائتين والألف وفيها سار سعود بالجيوش المنصورة والخيل والعتاق المشهورة من جميع حاضر نجد وباديها والجنوب والحجاز وتهامة وغير ذلك وقصد أرض كربلاء ونازل أهل بلد الحسين. وذلك في ذي القعدة فحشد عليها المسلمون وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت، وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين. وأخذوا ما في القبة وما حولها وأخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر وكانت مرصوفة بالزمرد والياقين والجواهر وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك ما يعجز عنه الحصر ولم يلبثوا فيها إلا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر تلك بجميع الأموال وقتل من أهلها قريب ألفي رجل. ثم أن سعود ارتحل منها على الماء المعروف بالأبيض المعروف فجمع الغنائم وعزل أخماسها وقسم باقيها في المسلمين غنيمة للراجل سهم وللفارس سهمان ثم ارتحل قافلاً إلى وطنه. ثم في الصفحة 123:
وسار هادي بن قرملة ومعه جيش من قحطان وسار إليه غير ذلك من عتيبة وغيرهم فاجتمعت تلك الجموع عند عثمان فساروا إلى الطائف وفيها غالب الشريف وقد تحصن فيها وتأهب وأستعد لحربهم فنازله تلك الجموع فيها فالقى الله في قلبه الرعب وانهزم إلى مكة وترك الطائف فدخله عثمان ومن معه من الجموع وفتحه الله لهم عنوة بغير قتال وقتلوا من أهله في الأسواق والبيوت نحو مائتين واخذوا من الأموال من البلد اثماناً وامتاعاً وسلاحاً وقماشاً وشيئاً من الجواهر والسلع المثمنة ما لا يحيط به الحصر ولا يدركه العدو ضبط عثمان البلد وسلمت له جميع نواحيه وبواديه وجمعوا الأخماس وبعثوها لعبد العزيز فقرر ولاية عثمان للطائف واستعمله أميراً عليها وعلى الحجاز. (2/382)
صفحة 830
الإنسانيات
الجزء الثاني
383
فَتَاة على مَذهَب تزوَّجَت من شاب على مذهب آخر، فهل اختلاف
المذاهب هنا يُؤثر على الزواج؟ وما الحكم؟
حتى
الأصل في أهل التوحيد الذين يَدِينُون الله تعالى بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة ويؤمنون بالقرآن وبأصول الإيمان والإسلام ولا يُنْكِرون ما عُلِمَ من الدين بالضرورة أنَّ الزواج بينهم زواج صحيح، وإنَّما لا بد مِن رِعَايَة جانب واحد وهو ضرورة أن لا يكون هنالك ما يُخْشَى مِن حيث الفِقْه الأُسري فيما يتعلق بالمرأة نفسها، فقد يكون فقه الأسرة في مذهب الزوج أنه لو طلَّقَها ألف مرة لا تخرج من، عصمته، وله أن يُعاشرها حتى يُطَلَّقَها عالم يرجع إليه في أمر دينه، بينما المعروف عند جمهور الأمة أنَّ المرأة إن طَلَّقَها زوجها فطلاقها واقع، وفي هذه الحالة لا يحل له أن يُبَاشِرَها حتى يتزوَّجَها مِن، جديد، إن خَرَجَت عدَّتُها، أو يُراجعها مراجعة شرعية، فَبِنَاءً على ذلك ومِن حيث إنَّ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة عن النبي تدلُّ على أنَّ المرأة بمجرد تطليق الرجل إيَّاهَا تُصبح حَراما عليه لا تَحِلُّ له إلا بِرَجْعَة شرعية أو بِعَقْدٍ جديد فيما بعد، فإنَّه ولا ريب ينبغي الاحتياط في ذلك لِئَلا يُؤدِّي الأمرُ إلى اختلاط الأوراق فإنَّ هذه قضية حَسَّاسَةٌ جداً؛ والله
ـ تعالى ـ أعلم.
انتهى
كلامه.
كلمة
فانظر إلى هذه الدماء كيف تسفك وإلى هذه الأموال كيف تنتهب فلم تحجزهم التوحيد لا إله إلا الله ولم تشفع فكانت هذه المآسي في جزيرة العرب راح ضحيتها من أهل المذاهب الأربعة ومن المذاهب الأخرى والله الأمر من قبل ومن بعد. راجع عنوان المجد في تاريخ نجد تأليف العلامة المحقق عثمان بن بشر النجدي الحنبلي. الناشر: مكتبة الرياض الحديثة - المملكة العربية السعودية. (2/383)
صفحة 831
384 الفتاوى العقيدة
هل الإباضية فرقة من الخوارج؟
الخوارج هم طائفة من الأمة أفرطت في المبدأ والتطبيق فحكمت بالكفر المخرج من الملة على كل عاص وكفَّرتْ كل من لم يوافقها على هذا الحكم فأشهرت السيف في وجوه المسلمين واستباحت سبي ذراريهم وغنم أموالهم كما استباحت سفك دمائهم وذلك أبعد ما يكون عن مبدأ الإباضية وسلوكهم أما من حيث المبدأ فهذا الذي يقوله أحد أئمتهم - وهو أبو حمزة المختار بن عوف السليمي العماني المشهور بأبي حمزة الشاري الذي استشهد رحمةالله في أواخر عهود بني أمية - قال: الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة مشركاً بالله عابد وثن أو كافراً من أهل الكتاب أو إماماً جائراً).
ويقول أحد أئمتهم المتأخرين - وهو الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي رحم الله المتوفى عام 1332 هـ.
دم
ونحن لا نطالب العبادا فوق شهادتيهم اعتقادا فمن أتى بالجملتين قلنا إخواننا وبالحقوق قمنا .. إلخ (2) وأما من حيث التطبيق فإنهم لم يقدموا على سفك أحد من الأمة إلّا أن يبغى في الأرض فساداً ولم تُجدِ فيه موعظة ولم يثمر فيه نصح وفي هذه الحالة لا يقدمون على إيذاء أحدٍ من أهله أو ذريته ولا إلى أخذ شيء من ماله والشواهد في التأريخ على ذلك قائمة فأين هذا السلوك من سلوك الخوارج في حروبهم مع الآخرين؟ بل أينه من سلوك سائر الطوائف في حروبها مع بعضها البعض ومع الإباضية الذين هم أعف الناس عن أموال الناس في السلم والحرب؟ وقد تبرأ الإباضية قديماً وحديثاً من صنيع الخوارج وعدوه
(1) انظر العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي؛ ج 3 ص 296 دار مكتبة الهلال.
(2) كشف الحقيقة. (2/384)
صفحة 832
الإنسانيات
الجزء الثاني
385
مخالفاً لمنهج الإسلام وهدي النبي الله وخلفائه الراشدين وأصحابه المهديين أجمعين كما هو واضح في نصوص أئمتهم المتقدمين
- رضي الله
عنهم
والمتأخرين فيما دون منها في سير المسلمين وفي سائر الكتب.
وبالجملة فليس بين الإباضية والخوارج جامع إلا إنكار التحكيم مع
ما
كان من الإباضية من الوقوف في وجه الظلم وإنكاره على الظالمين وهو يسوغ بحال حشرهم في زمرة الخوارج والله أعلم.
لا
ما هي مصادرهم العقدية والفقهية؟
يعتمد الإباضية في عقيدتهم وفي فقههم على الكتاب والسنة والإجماع ويعولون في الفقه أيضاً على القياس والاستحسان وفي هذا يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه لله.
والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار والاجتهاد عند هذي منعاً وهالك من كان فيها مبدعاً (1) وإنما يفرقون بين العقيدة والفقه فلا يأخذون في العقيدة إلا بالقواطع ولذلك فإنهم لا يعولون فيها على الروايات الأحادية والمجملات غير واضحة المعاني بخلاف مسلكهم في الفقه فإنهم يجيزون فيه الاستنباط ويقبلون فيه الأحادي، ومن ثم أجازوا فيه القياس والاستحسان فقدان مع النص هذا ولا يفوتني أن أذكر لكم أنهم لا يهملون الجانب العقلي في استلهام معاني النصوص ولا يعني ذلك أنهم يحكمون العقل كالمعتزلة ولكنهم يستبصرون به في درك المقاصد فهم وسط بين أصحاب المدرسة العقلية كالمعتزلة وبين أسارى الألفاظ كالحشوية والظاهرية، والله أعلم.
(1) المشارق: ج 1 ص 174 - 178. (2/385)
صفحة 833
386 الفتاوى العقيدة
هل الإباضية مذهب سني؟
إن كان المراد بالسني النسبة إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم فنعم وألف نعم ولا يوجد على ظهر الأرض من هو أكثر تمسكاً من الإباضية بسنة
صل الله
النبي صلى الله عليه وسلم وأشد تفانياً في إحيائها كما لا يوجد من هو أكثر التزاماً منهم بكتاب الله وبهدي السلف الصالح من الصحابة والتابعين ولعلك من خلال ممارستك لهم تعرف ذلك بما تلمسه فيهم من صدق وأمانة وتقوى وورع، هذا من حيث عمومهم ولا ينافي ذلك أن يوجد فيهم شواذ غير ملتزمين. وإن كان المراد بالسُّنَّة شيئاً آخر فلا ينبغي الحكم فيه إلّا بعد تصوره فقد شاع في أوساط أمية قبل عمر بن العزيز لعل الله أن لعن الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه سنة وكان ينشأ عليها الصغير ويموت عليها الكبير عمر وكان أول من دعاه إلى إماتتها الوفد الإباضي الذي تكون من جعفر بن السماك العبدي وسالم بن ذكوان الهلالي وحتات بن كاتب وحيان الأعرج وأبي الحر علي بن الحصين والمعتمر بن عمارة فمثل هذه السُّنة يبرأ الإباضية إلى الله منها ولا يرضون أن ينسبوا إليها إذ لم يكونوا منها في قبيل ولا دبير.
حتى
أماتها
بني
هذا وأما ما شاع في أوساط حيكم من أن الإباضية فرقة ضالة وأنهم من الخوارج وأن جابر بن زيد زيف غير موجود في التأريخ فمنشؤه أمران الجهل والتعصب وهما داء الأمة العضال ومحنتها الكبرى، فالهدى والضلال لا يقاسان بأقوال البشر وإنما يميز بينهما بموازين الحق التي أنزلها الله في كتابه وبينها رسوله وقد أمرنا الله ولا بالاحتكام إليهما عند التنازع والاختلاف حيث قال فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] وما أبردها على كبدي وكبد (2/386)
صفحة 834
الإنسانيات
الجزء الثاني
387
كل إباضي وكل منصف من الأمة أن يحتكم الإباضية وخصومهم إلى الكتاب العزيز والسُّنَّة الصحيحة الثابتة ليتبين المبطل من المحق ويتميز المخطئ من المصيب وقد طالبت بهذا أحد (1) الذين تسرعوا إلى الحكم على الإباضية بالضلال والكفر فما كان من قبله إلّا الرفض والإعراض وهو إن دلّ على شيء فإنما يدل على الإفلاس من الحجة والعجز عن المناظرة. ودعوى أن جابر بن زيد الله لا وجود له في التأريخ لا تدل إلا على جهل فاضح وحماقة مخزية فإن جابراً أشهر من نار على علم وناهيك أن معظم أئمة الحديث أخرجوا رواياته ومن بينهم البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي والطبراني والدارقطني وقد ترجم له في كتب الرجال ومن بين الذين ترجموا له النووي في التهذيب وابن حجر في تهذيب التهذيب وابن سعد في الطبقات وغير هؤلاء كثير والكل مجمعون على أنه في مقدمة التابعين رواية ودراية وثقة وضبطاً وقد نص على إباضيته كثير منهم يحيى بن معين كما في تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر وأرجو أن تصلك مع هذه الرسالة مجموعة
من الكتب والأشرطة سترى فيها الحق رأي العين إن شاء الله، والله أعلم.
قال الدكتور فهد الرومي في كتابه اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر» ج 1، ص 355: إذا كان الإباضية يعدون من الكبائر الإصرار على ترك السُّنَّة كإحفاء الشارب وجعل طرف العمامة تحت الحلق بلا استخفاف بهذه يعدون هذا كفر نفاق (ومرجعه تفسير هميان الزادج ج 1، ص (21) ثم يحكمون على من كفر كفر نفاق أن الله لا يغفر له، وأنه خالد في النار، ولا يشفع له أبداً، فإن هذا وحده كافٍ على بطلان مذهبهم وانحراف
السنة
(1) قد طالب سماحة الشيخ بهذا ابن باز مفتي الديار السعودية السابق إلا أنه رفض ذلك متعللا بأن في ذلك إشاعة للبدعة وقد رد عليه سماحته في شريط متداول بين الخاص والعام. (2/387)
صفحة 835
388 الفتاوى العقيدة
عقيدتهم لأن الله سبحانه أرحم مما يزعمون وهو الرحمن الرحيم» اهـ. وللأستاذ الرومي وقفات ووقفات مع الإباضية في كتابه.
نرجو أن توضح الحق في هذه المسألة، ومدى صحة ما استند إليه
يعني
صاحب الهميان في أن وضع طرف العمامة تحت الحلق من السُّنَّة؟ الظاهر أن الرومي هذا ما أراد بكلامه هذا بحث الحقيقة وتمحيصها، وإنما كل همه توجيه الطعن على أهل الحق والاستقامة، وإلا فقد أخرج الجماعة إلا البخاري والترمذي عن ابن مسعود الله أنه قال: «ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم مع ثبوت قول النبي صلى الله عليه وسلم «كل ضلالة في النار» (1) فهل هذا أن ابن مسعود باطل المذهب منحرف العقيدة؟ أو أنه يرد هذه الروايات؟. وجمهور أصحابنا لا يشددون في ترك التلحي بالعمامة إلا مع قصد مخالفة السُّنَّة فقد روي عن النبي أنه أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط» والمراد بالاقتعاط ترك التلحي، وليس أصحابنا وحدهم فيه، فهذا ابن رسلان من علماء الشافعية يثبت في شرح السنن أن التلحي صار شعار الصالحين المتمسكين بالسُّنَّة، وذكر أن العمامة المقعطة إبليس وقيل عمامة أهل الذمة. وقال أبو بكر الطرطوشي: اقتعاط العمائم هو
المتشددين
هي
عمامة
مع
التعميم دون حنك، وهو بدعة منكرة، وقد شاعت في بلاد الإسلام. هذا أن في الحديث الصحيح «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار). فماذا يقول الرومي في كلام الطرطوشي هذا؟ أو أنه يعده من الإباضية؟
ومثله قول ابن حبيب في كتاب الواضحة إن ترك الالتحاء من بقايا عمائم قوم لوط. وكان طاوس ومجاهد - وهما من التابعين - يقولان: إن
(1) رواه النسائي (1560).
(2) رواه النسائي (1560). (2/388)
صفحة 836
الإنسانيات
الجزء الثاني
389
الاقتعاط عمامة الشيطان. وأقوال العلماء في هذا كثيرة، وقد نقل كثيراً منها العلامة الشوكاني في نيل الأوطار ج 2، ص 201 ـ 202 ط مكتبة الكليات الأزهرية. فراجع كلامه.
وإن كان هؤلاء العلماء يرون أن الاقتعاط من أعمال إبليس أو قوم لوط أو أهل الذمة فهل معنى هذا أنهم يجيزون التساهل فيه مع وجوب مخالفة كل من أولئك؟.
هذا، وإذا عدنا إلى نصوص علماء المذاهب الأربعة في التكفير وجدنا كثيراً منهم يتسرعون إلى التكفير في المسائل الفرعية الخلافية، كالذي ذكره السيوطي في شرحه على عقود الجمان من أنه أنشد أحد علماء المالكية قول أحد الشافعية مات ابن موسى وهو بحر كامل فهناكم جمع الملائكة مشترك يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك فرد عليه المالكي: هكذا كفر عندنا بناءً على تحريم المالكية الاقتباس من القرآن، ومما لا شك فيه أن المسألة مسألة رأي لا يسوغ فيها التكفير ولا التضليل، وأصحابنا
رحمهم
الله لتحرزهم يقولون:
قولنا في الفروع صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب. وما قول الرومي الذي رمى به أهل الحق إلا نفثة مصدور، ولكنها لن تنفس شيئاً عن صدر مليء بالحقد الدفين والبغضاء المتأصلة للحق وأهله، فقد تعامى عن هذه الحقائق كلها مع وضوحها كالشمس في رابعة النهار، لأن حقده طمس بصيرته، ومن أجل ذلك رأى أن الحق محصور في الفرقة الحشوية المجسمة التي استقت عقائدها من ضلالات اليهود بشهادة أحد
أبنائها وهو ابن الجوزي الحنبلي في درء شبه التشبيه بأكف التنزيه». (2/389)
صفحة 837
390 الفتاوى العقيدة
وبالجملة فإن ما يقوله الرومي هذا وأضرابه في أهل الحق لا يعدو أن
يكون كما قال الشاعر:
فإنا وما تلقي لنا من هجائنا لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق
والله ولى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أحكام أصحاب الملل الأخرى
ما حكم استيراد العمال المشركين إلى السلطنة وكفالتهم؟
استيراد المشركين إلى بلاد الإسلام من عوامل تقوية الشرك وإضعاف الإسلام - ولا سيما الجزيرة العربية - التي هي مهد الإسلام، وحرمه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بإخراج اليهود والنصارى منها حتى لا يبقى فيها إلا مسلم)، فجلب المشركين إليها منافٍ لهذه التوجيهات النبوية {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، والله أعلم.
في القرآن الكريم آيات خاصة باليهود ومكرهم وكيفية التعامل معهم، ولكننا نرى في هذه الأيام المسلمين يقيمون علاقات مع اليهود، برغم
دوام احتلال بيت المقدس وتقتيلهم للمسلمين في فلسطين. أرجو بيان العلاقة التي يمكن أن تقوم بين المسلمين واليهود، والأسس
التي تقوم عليها، ومتى قامت هذه العلاقة فما الحكم في ذلك؟
اليهود أهل مكر وخبث ومكيدة دلّ على ذلك القرآن، وترجمته التجارب، وليس الوفاء من شيمتهم ولا الصدق من ديدنهم، وما وصل إليه
(1) لحديث النبي «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» رواه البخاري 3168. (2/390)
صفحة 838
الإنسانيات
الجزء الثاني
391
لغلبة
المسلمون اليوم من الانحطاط والهوان حتى مدوا إليهم أيديهم ناتج عن ضعف الإيمان وانهيار القوة، بسبب التفكك وتقطع الأواصر بينهم الأهواء عليهم، ولم يغلبوا من قلة ولكنهم كما جاء الحديث «غثاء كغثاء السيل» (1)، ولن ينتشلهم من هذا الضياع إلا تقوية إيمانهم ورجوعهم إلى دينهم وإخلاصهم لربهم، وبذلك تتحد كلمتهم ويرأب صدعهم وتقوى شوكتهم، فيتمكنون من استرداد مجدهم الضائع {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزِ [إبراهيم: 20]، والله أعلم.
ما نسمعه الآن ومنذ أمد غير بعيد أن اليهود يريدون هدم المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان مكانه هل هذا صحيح؟ فإذا كان كذلك
لماذا بقي المسلمون مكتوفي الأيدي ولم يحركوا ساكناً؟
ليس ذلك ببعيد، فإن اليهود لا يؤمن شرهم ولا يرتجى منهم خير قط، أما المسلمون فهم بحاجة أولاً بأن يكونوا مسلمين حقاً، إذ الإسلام ليس هو مجرد انتماء وإنما هو منهج حياة يجب تطبيقه في كل كلية وجزئية، فإن فعلوا ذلك كانوا حقيقين بنصر الله قادرين على الوقوف في وجه عدوهم، والله المستعان.
ما الوسائل المثلى لرجع القدس وخاصة المسجد الأقصى الذي هو في أيدي اليهود؟ وهل يجب علينا الجهاد وجوباً لرجعه؟
الوسيلة الرجوع التام إلى الإسلام، وذلك الواجب الأول ثم الجهاد،
والله أعلم.
(1) رواه أبو داود (3745). (2/391)
صفحة 839
392 الفتاوى العقيدة
هل يجوز تهنئة النصارى بالاحتفال بيوم ميلاد المسيح ورأس السنة الميلادية. علماً بأن هذه التهنئة مجرد مجاملة وليس للاحتفال معهم؟ هذه المجاملة على حساب الدين، إذ تتضمن اعترافاً بما هم متلبسون به من الضلال عن الحق نسأل الله العافية.
سماحة الشيخ .. ما حكم الإسلام فيمن يتخذ صديقاً له كافراً كالنصارى مثلاً ويبادله الرسائل بعد رجوعه إلى وطنه؟
إن كانت الصداقة لمصلحة، من غير أن يتولاه، فلا مانع والله أعلم.
سائق سيارة أجرة يسأل عن حكم توصيل النصارى إلى الكنيسة؟ أما نصارى اليوم فإنهم حرب على الإسلام فلا يجوز إيصالهم إلى كنائسهم، بخلاف ما إذا كانوا أهل ذمة والله أعلم.
ذكرتم أن فئة من الصابئين - في تقسيم الموسوعة ـ يعتمدون التعميد والغطاس، فما معنى التعميد والغطاس؟
التعميد هو ما شهر عند النصارى من اغتسال من يريد أن يدخل في دينهم وينضم إلى معتقداتهم ويدخل تحت لوائهم بماء المعمودية، فهم يعمدونه بالاغتسال من ذلك الماء، وعندئذٍ يتحول من معتقداته الأصلية إلى معتقدات النصارى التي ينقل إليها، فذلك رمز الانتقال إلى معتقدات النصارى التي يميلون إليها، وكذلك أطفالهم يحملونهم إلى هنالك ينشئونهم على النصرانية من خلال تعميدهم وهكذا الغطاس فإنه مأخوذ من الغطس في الماء والله أعلم.
كيف يجمع بين قول من قال بأن الصابئين يعبدون الملائكة أو (2/392)
صفحة 840
الإنسانيات
الجزء الثاني
393
الكواكب أو ما شابهها من الأقوال، وبين قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَرَى وَالصَّبِئِينَ} [البقرة: 62].
نعم، الآية جاءت في سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَرَى وَالصَّبِعِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: (62)، وجاء ذكر الملل الست ـ كلها ـ في قول الله تبارك وتعالى في سورة الحج {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّنِينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الحج: 17] فآية الحج هذه لا إشكال فيها، وإنما قد يتصور شيء من الإشكال في آية البقرة وفي آية المائدة المشابهة لها، ولكن آية البقرة جاءت إثر صب قوارع الإنكار على اليهود، وقد اختلف العلماء اختلافاً بالغاً فيها، هل هي في المعاصرين لعهد رسول له أو هي فيمن كان من قبل، وعلى كلا القولين فإن الإتيان بهذه الآية الكريمة إنما هو لأجل الاستدراك بعد تلك القوارع التي صبت على بني اسرائيل فيما تقدم فإنه بناء على قول من قال بأن الآية هي في المعاصرين لعهد الرسول صلى الله عليه وسلم قد يذهب الوهم ببعض الناس إلى أنه لا يمكن أن تقبل توبة هؤلاء، وأنهم حقت عليهم كلمة الله، فهم واقعون في سخط الله على أي حال فأراد الله الله - بناء على هذا القول أن يأتي هنا بما يشبه الاستدراك لإفهام الناس أن باب التوبة مفتوح وأن الله الله يجزي كل من آمن وعمل صالحاً هذه الملل كلها بالمثوبة إن ترك ما هو فيه وعليه من الضلالة، وانخرط في سلك الإيمان بالله والعمل الصالح، وأما على القول الآخر بأن الآية في السابقين قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فالآية أيضاً جاءت بما يشبه الاستدراك، لئلا يذهب الوهم بأحد إلى أن هؤلاء ومن كان قبلهم من أسلافهم الماضين حقت عليهم جميعاً كلمة الله، فجاء البيان الإلهي هنا بما يثبت أن هؤلاء لم يمقتوا لعنصرهم وإنما مقتوا لصنيعهم.
من (2/393)
صفحة 841
394 الفتاوى العقيدة
ربهم
فأسلافهم السابقون الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجرهم عند ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون، وليست الآية في الذين يعبدون الأجرام الفلكية ويعبدون الكواكب ... إلخ وإنما فيمن كانوا من قبل موحدين،
والله أعلم.
إن قال قائل إنه لا يسع جهل الملل الست لكون القرآن نص عليها فبماذا
يجاب؟
نحن نقول بأن كل من قامت عليه الحجة بمعرفة أي شيء نص عليه القرآن فإنه لا يسعه جهل ذلك، لكن لو قدرنا أن أحداً من الناس قرأ القرآن وهو أعجمي اللسان لا يفقه من معانيه شيئاً إلا ما يترجم له، وهو لم يترجم له شيء من هذه المعاني، فهل يقال إنه لا يعذر بجهل هذه الحقائق التي نص عليها القرآن، أن الحجة لم تقم عليه لعدم معرفته هذه الألفاظ مع القرآنية وذلك لو أن أحداً من الناس يتحدث بالعربية ولكنه لم يرق به فهمه إلى معرفة معاني القرآن الكريم، على أن كثيراً من الأمة أميون لا يقرأون القرآن فهل هؤلاء - في جميع هذه الأحوال ـ لا يعذرون، بل عليهم أن يعرفوا معنى اليهود والنصارى والصابئين والمجوس ... إلخ؟! على أن الصابئين اختلف فيهم اختلافاً كبيراً، فتحديد هويتهم أمر صعب لا يمكن أن نتوصل إليه إلا بعد استقصاء لمعتقداتهم ومعرفة عباداتهم، وذلك يكاد يكون متعذراً، والله أعلم.
لو ادعى رجل أنه من الصابئين فكيف يمكن لنا أن نعرف صدقه من كذبه وهل نجري عليه أحكام الصابئين أم لا؟
إن ادعى أنه صابئ فالأصل أن يصدق في دعواه، وهناك قرائن يمكن من خلالها أن تعرف حقيقة أمره، ويستجلى صدقه من كذبه، فبالإمكان أن (2/394)
صفحة 842
الإنسانيات
الجزء الثاني
395
يمتحن ويسأل ماذا يعتقد وماذا يعبد وأين يتجه فتمكن المقارنة من خلال هذه الأقوال المحكية، ويعرف من خلال ما يخبر به عن نفسه أنه صابئ أو لا، والله أعلم.
هل للصابئين وجود في زماننا هذا، فإن كان لهم وجود فأين؟ نعم، لهم وجود، وقد اطلعت على استطلاع عن الصابئين في إحدى الصحف قبل عقود من السنين وهؤلاء هم صابئة العراق، ولكن يقال إن عددهم قليل جداً يتراوح بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفاً وتوجد أيضاً صائبة بحران من بلاد الشام، والله أعلم.
هل يسع جهل أحكام الملل الست لمن قامت عليه حجتها؟ من عرف هذه الملل واطلع على أحكامها وقامت عليه حجتها فلا يعذر إذا جهل ذلك، إذ لا يرجع أحد من العلم إلى الجهل، ولا من اليقين إلى الشك والله أعلم.
ألا يمكن الجمع بين الأقوال المتعددة في الصابئة ونقول إن من هذه الطائفة من آمن ووحد ومنها من أشرك وعبد غير الله تعالى، ويمكن أن نلمس ذلك من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّثِينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
[الحج: 17]؟
يحتمل، ولكن كيف يقال إن منهم مجوساً ومنهم أهل كتاب ومنهم من يعبد الملائكة ومنهم من يعبد الكواكب ... إلى آخر تلك الأقوال الغريبة ومنهم من يقول إن قبلتهم إلى القطب الشمالي فهذه أقوال متضاربة
والله أعلم. (2/395)
صفحة 843
396 الفتاوى العقيدة
هل يمكن تحديد الفترة التي بدأ فيها ظهور الصابئة؟ وإذا كانوا على أحد الأقوال ينتسبون إلى ولدي آدم، فهل هم طائفة من المجوس أم المجوس طائفة منهم؟
ذكر ابن حزم في كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل» بأن الصابئين هم أقدم ملة، ثم انحرفوا بعد ذلك عن الجادة، وبناءً على كلامه هذا فقد كانوا أهل، توحيد، لأن أسبق الملل ملة التوحيد، فآدم عندما أنزل إلى الأرض واستقر فيها كان على ملة التوحيد، وكان بنوه وأتباعه على ملة التوحيد إلى أن حصل فيهم الانحراف، ثم جميع الرسل الذين بعثوا من بني آدم هم على ملة التوحيد، فيحتمل إن كانت الصابئة انحرفت عن ملة التوحيد وشرعت لها ما لم يأذن به الله من العبادات، ودانت بما هويت أنفسها من المعتقدات يحتمل أن يكون انحراف بعض الطوائف الأخرى ناشئاً عن انحرافها، فمن المحتمل أن تكون الطائفة المجوسية استمدت شيئاً من معتقداتها وطقوسها من الصابئة، ويفهم من كلام ابن أن الصابئة كانوا على التوحيد ثم انحرفوا بعد ذلك فبعث فيهم إبراهيم، والله أعلم.
حزم
ذكرتم بأن الصابئة تعتقد بعقيدة لا إله إلا الله، فهل نستطيع القول بأن السيخ صابئة لاعتقادهم بعقيدة لا إله إلا الله.
لا نستطيع القول بذلك، لأن الصابئة بناءً على الأقوال التي قيلت فيهم لهم مزايا خاصة في المعتقدات وفي العبادات ولهم طقوس تميزهم عن السيخ، والله أعلم.
ما معنى قولكم قد يكون قوم زرادشت أهل كتاب ولكن رفع الكتاب عنهم؟ لا يلزم أن يكون الرفع رفعاً حسياً، ولكن الرفع بالتلاشي، فهم أضاعوا (2/396)
صفحة 844
الإنسانيات
الجزء الثاني
397
الكتاب ولم يحافظوا عليه، وما لم يحافظ عليه يتلاشى ويذهب، فلعل هؤلاء كان هذا شأنهم والله أعلم.
إذا اغتصب المشركون مالاً لمسلم، ثم غنم المسلمون غنائم من أولئك المشركين المغتصبين فهل يحق للمسلم أن يطالب بتعويض عن ماله المغتصب، علماً بأن ماله المغتصب ليس من ضمن الغنائم؟
ما دام ذلك المال عينه غير مغتصبة فلا والله أعلم.
هل يجوز التعامل مع المشرك فيما استولى عليه من مشرك مثله؟ إن استولى مشرك على مال مشرك، فإن لم يظهر لنا ذلك فما لنا وله، وإن ظهر لنا ذلك فإن الظلم مردود، ولا يجوز معاونة الظالم على ظلمه، والله أعلم.
إذا اشترى المسلم من المشرك المال الذي استولى عليه لكي يرده إلى صاحبه فما حكم ذلك؟
إن كان ذلك لا يقوي المشرك على شركه، وإنما هي محاولة لانتزاع ذلك المال من يده ـ بمثابة فك الأسير من الأسر ـ فلا حرج في ذلك والله أعلم.
إذا استولى كافر على مال مسلم، وأخذ يتقوى به على محاربة المسلمين، فهل يجوز إتلاف ذلك المال إن وجد إلى ذلك سبيلا؟
نعم، يتلف ذلك المال مع التعويض على الرأي الذي نختاره، أما على رأي القائلين بأنه ينتقل إلى ملكية المشرك فيتلف من غير تعويض، والله أعلم.
ما دليل أصحاب القول الوسط الذي يجوز أخذ مال المسلم بعد سيطرة الكافر عليه إذا قسم غنيمة ما بين المسلمين؟ (2/397)
صفحة 845
398 الفتاوى العقيدة
الدليل على ذلك حديث رواه الدارقطني من طريق ابن عباس جاء بهذا التفصيل، ولكن الحديث ضعيف (1) ولذلك لم نأخذ به، والله أعلم.
هل يمكن القول إن المال الله، استخلف الإنسان عليه، فإن
المسلم استخلاصه من يد الكافر فقد استخلفه الله عليه؟
لا نستطيع أن نقول بأن أخذ المسلم المال من يد الكافر يعني انتقالاً لذلك المال عن صاحبه إلى الذي استخرجه من يد الكافر بل نقول إن المال يبقى لصاحبه، وإن كان المال مال الله، ولكن الله خص منفعته بمن خصه به، والله أعلم.
إذا وقع مشرك أو منافق في شيء من المخاطر، وكان هناك بعض المسلمين، هل يجوز أن ننجيه؟
الإحسان مطلوب في كل شيء ولكل أحد، فلعل ذلك الإحسان يكون سبباً لاستقامته وصلاحه، وعليه فلا مانع من إنجائه بل هو مأمور به، والله أعلم.
من المعلوم أن المشركين في حرب على المسلمين هل تحل أموالهم؟ إن حاربهم المسلمون حربا مشروعة في الدين لأجل أن تكون كلمة الله العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فنعم ولكن إن كان المسلمون يحاربون لأجل وطن أو لأجل قومية أو أمثال هذه الشعارات التي ما أنزل الله بها من سلطان فلا، والله أعلم.
هي
(1) حديث الدارقطني من طريق ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فيما أحرز العدو فاستنقذه المسلمون منهم أو أخذه صاحبه قبل أن يقسم فهو أحق فإن وجده وقد قسم فإن شاء أخذه
بالثمن». الدارقطني السير رقم 4155. (2/398)
صفحة 846
الإنسانيات
الجزء الثاني
399
هل يجوز استجلاب الأيدي العاملة من المشركين؟ نحن نأسف كثيراً أن الغيرة الإيمانية انطفأت شعلتها في قلوب المؤمنين، ومن أجل ذلك صاروا لا يفرقون بين المسلم وغيره، فيستوردون الأيدي العاملة التي لا تجر على البلاد الإسلامية إلا الوباء والوبال، ولا تنشر في أوساط المسلمين إلا الفساد والإلحاد ـ والعياذ بالله ـ، مع أن هؤلاء يرجعون إلى منظمات كفرية من شأنها محاربة الإسلام والمسلمين، وقد عرف عنهم أن سعيهم إنما هو لتدمير عقيدة المسلمين وللقضاء على كيانهم وهم يسخرون ما يجمعونه من بلاد الإسلام لأجل محاربة الإسلام في بلاد الإسلام وفي غير بلاد الإسلام، فعندما يرجعون إلى بلادهم يضايقون المسلمين هناك، ويحاربونهم بهذه الأموال التي يجمعونها ويستخرجونها من أيدي المسلمين في بلاد المسلمين، فالقضية ليست قضية هيئة، على أن وجودهم وكثرتهم في بلاد الإسلام قد يؤدي إلى مضار تعرفونها، وهذه الأمور يجب التنبه والتفطن لها، وخصوصاً في جزيرة العرب التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: لئن بقيت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما» (1) وقال الله: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب» (2)، وقال: «لا يجتمع بجزيرة العرب دينان» (3)، فالواجب على المسلمين التنبه لذلك والله أعلم.
في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ
(1) رواه مسلم (3313).
(2) رواه البخاري (2825) ومسلم (3089) بلفظ (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) ورواه أحمد (1691) بلفظ (أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران).
(3) رواه البيهقي (11409). (2/399)
صفحة 847
الفتاوى العقيدة
عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] ألا يمكن أن يقال إنها ناسخة، فالذي يظهر منها أنها نزلت بعد عام الفتح وذلك لقوله {بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة: 28 ولفظة نجس مطلقة تشمل نجاسة الحس ونجاسة المعنى فلا بد لتقيدها من الاحتمال وما طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال؟ الآية الكريمة وإن كانت نزلت بعد الفتح فإن حكمها كان سارياً من قبل، بدليل موقف فاطمة بنت الخطاب لنا من أخيها عمر له قبل إسلامه، و بدليل موقف السيدة أم المؤمنين أم حبيبة من أبيها عندما وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما نزلت الآية مقررة لما كان معلوماً من قبل عند المسلمين، لأجل أن يبنى على ذلك النهي عن قربان المسجد الحرام من قبل المشركين وأما القول بأن هذه النجاسة نجاسة حسية ونجاسة معنوية، فإن حمل هذه النجاسة على كونها نجاسة معنوية إنما يتوقف على وجود القرينة، والقرينة عندما توجد تصرف اللفظ عن معناه الحقيقي إلى معناه المجازي بحيث لا يجمع بين المعنى المصروف عنه والمعنى المصروف إليه، ولذلك قال أكثر العلماء بأن اللفظ إن حمل على المجاز لم يحتمل الحقيقة لأن القرينة التي صرفته إلى المجاز دلت على أن الحقيقة غير مقصودة به، فلذلك كان الجمع بين الحقيقة والمجاز متعذراً في قول أكثر العلماء المحققين، والله أعلم.
قلتم: إن نجاسة من يقولون بأنهم كتابيون نجاسة حسية، فهل تنقض مصافحتهم الصوم؟ وإذا كان ذلك فما الواجب على من قام بذلك؟
من الذي يقول بأن الصيام ينتقض بملامسة النجاسة؟ فهل من أحد قال
بذلك؟ فالصوم لا ينتقض بملامسة النجاسة بلا خلاف، والله أعلم. (2/400)
صفحة 848
الإنسانيات
الجزء الثاني
401
هي
ذكرتم بأنكم سألتم بعضاً من القساوسة عن التناقض بين الأناجيل، فهل لنا أن نعرف ردهم عليه؟ نعم زارني ذات مرة أسقف من قبرص وقسيس من بريطانيا، وطرحت عليهما العديد من الأسئلة، ومن جملة الأسئلة التي طرحتها هذا التناقض الذي نراه في الأناجيل الأربعة، مع أنهم يعتقدون أن هذه الأناجيل الأربعة مقدسة، وأنها كلها، حق والحق لا يتناقض، فكيف هذا التناقض العجيب فيها في أمر يعد من أساسيات الاعتقاد عندهم، وكيف يمكن أن يكون الموصوف بأنه ابن الله هو الموصوف بأنه إنسان والموصوف بأنه عبد أن يكون هو الله؟!! فهل يمكن أن يكون الابن هو الأب وهل يمكن أن يكون العبد هو الرب ـ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً؟! فما كان من إجابتهم إلا أن قالوا بأن هذه القضايا يعرفها المتوغلون فيها والدارسون لها، وما هذا إلا تهرب فإن الدين يخاطب به جميع الناس، فلا بد أن تستوعبه عقولهم جميعا إذ هو ليس حكراً على طائفة من الطوائف، وكيف يمكن أن يكون هذا الدين مجرد اتباع من غير اقتناع، ومن غير أن تكون عقيدته مفهومة بينة حتى ترسخ في النفس، وكذلك زارني مرة أخرى قسيس آخر من بلاد أخرى ـ لا أذكرها الآن - وطرحت عليه هذا السؤال مع أسئلة أخرى، وكان من ضمن الأسئلة التي سألتهم عنها ما وجدته من صراع كبير بين الطائفة البروتستانتية والطائفة الكاثوليكية خصوصاً بعد ما قام لوثر بحركته الإصلاحية فإن البروتستانت أفضى بهم الأمر إلى أن كثيراً منهم نص على أن البابا هو طاغية وأنه ملعون وأنه ضال وأنه على غير هدى من ربه وعلى غير بصيرة من دينه فسألتهم هل تعتقدون أنتم بصفتكم بروتستانت نفس هذا الاعتقاد؟ ولكنهم حاولوا أن ينفوا ذلك، وأخبرتهم بأن هذه النصوص موجودة صريحة فيما كتبه مراجعهم الدينيون، ثم سألتهم عن معنى هذا الإصلاح، فإن كانت (2/401)
صفحة 849
402 الفتاوى العقيدة
الحركة الدينية التي كانت من قبل حركة صحيحة فما معنى هذا الإصلاح؛ وهل هذا الإصلاح استند إلى نصوص سابقة؟ وكان أيضاً من ضمن ما سألتهم عنه، متى كتبت الأناجيل الأربعة؟ فاعترفوا بأنها كتبت بعد المسيح بنحو سبعين عاماً، فقلت لهم: وإنجيل برنابا؟ قالوا: هو غير مقدس، قلت لهم تاريخه قبل هذه الأناجيل الأربعة، وهو أقرب عهداً بالمسيح لي وهو يتفق وهو يتفق مع العقل السليم، ويتفق مع النصوص القطعية من القرآن الكريم، فإن إنجيل برنابا فيه نصوص تتفق مع نصوص القرآن الكريم، أنه نص على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما جاء في سورة الصف {وَمُبَشِّرا بِرَسُولِ يَأْتِي مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحمدُ} [الصف: 6] إذ جاء صريحاً فيه هكذا، ولكنهم حاولوا أن ينفوا كونه كتاباً مقدساً مع أن نصوصه هي التي تتفق مع العقل السليم والفطرة السليمة والله أعلم.
حتى
ما هي
أوجه الشبه والاختلاف بين العقيدتين اليهودية والنصرانية؟
هؤلاء وهؤلاء ليسوا على شيء، وقد شهد بعضهم على بعض بذلك، فاليهود قالت ليست النصارى على شيء والنصارى قالت ليست اليهود على شيء، فهم جميعاً ليسوا على شيء بشهادة كل واحدة من الطائفتين على الأخرى، ولا يجمعهما جامع إلا بغض الإسلام وعداوته، فقد اجتمعوا جميعاً على عداوة الإسلام وإلا فهؤلاء أفرطوا وهؤلاء أفرطوا، فالنصارى أفرطوا في ادعوا أنه الله وأنه ابن الله واليهود - لعنهم الله - غلوا في تنقيص المسيح لنزهه الله وبرأه مما قالوا ـ إذ زعموا أنه زنيم، وإنما الأصل في ذلك أن النصارى ـ وخصوصاً البروتستانت ـ يعتمدون على العهدين العهد القديم والعهد الجديد، وإلا فمن حيث المعتقد: فمعتقد هؤلاء زائغ ومعتقد هؤلاء زائغ وإن كان المعتقدان لا يتفقان على شيء، وقد يفضي
هو (2/402)
صفحة 850
الإنسانيات
الجزء الثاني
403
الأمر بالنصارى أحياناً إلى الطعن فى موسى ولكنهم لم يطعنوا فيه كما طعن اليهود في ـ عيسى جميعاً وبرأهما مما قال هؤلاء وهؤلاء، ومما يجب أيضاً أن ندركه بأن اليهود والنصارى بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم أصبحوا جميعاً غير منتفعين ولو آمنوا بالرسالتين السابقتين، وقد أجاد في هذا أحد علماء المعتزلة عندما حاوره يهودي فسأله عن إيمانه بموسى والتوراه فقال: إن موسى الذي بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم ودعا إلى الإيمان لا شك أنني أؤمن به وكذلك التوراة المبشرة به الداعية إلى الإيمان وأما موسى الذي لم يدع إلى الإيمان به فليس هو برسول من الله وإنما هو شيطان وكذلك التوراة المنافية للإيمان بالقرآن وبمحمد الله ليست هي من وحي الله وإنما هي من وحي الشيطان والله المستعان.
عاملة كُتِبَ على بطاقتها أنها نصرانية ولكن لا يظهر في حركاتها وفي عباداتها شيء يدلُّ على أنَّها نصرانية، فكيف يمكن للمسلم أن يُمَيِّزَ بالنسبة للعاملات بين من هي نصرانية وبين مَن هي مُشْرِكة؟ وما حكم رُطُوبَاتِ كُلِّ منهما؟
إذا كانت تقرأ الإنجيل، وتَدِينُ بهذه الدّيانة فَيَحِلُّ طَعَامُها كما جاء القرآن بذلك، وإلا فهي في حكم المشركين والمشركون حكمهم كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.
من هم أصحاب الفَتْرَة، وإلى أين مأواهم؟
أصحاب الفَتْرَة هُمُ الذين كانوا بين نبيَّيْن مِن أنبياء الله، ومعنى هذا أنَّ أصحاب الفترة هم الذين سبقوا بعثة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث لم تصل إليهم دعوته، وما كانوا مُعَايِشِين - أيضاً - لِدَعْوَة نَبِيَّ مِن الأنبياء الذين هُم (2/403)
صفحة 851
404 الفتاوى العقيدة
قبله وقد اختلف العلماء فيهم هل هُمْ مَعْذُورُون أم لا؟ فالذين قالوا بأنَّهم مَعْذُورُون نَظَروا إلى قول الله تبارك وتعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15]، ومعنى ذلك أنَّه قبل أن يُبْعَث رسول إلى أمة من الأمم فإن تلك الأمة تكون معذورة بسبب جهلها وعدم معرفتها.
والآخرون اعْتَمَدُوا على روايات جاءت تدل على أن هؤلاء يُسْأَلُون يوم القيامة وَيُعَذِّبُون، وقالوا بأن المراد بقول الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] عَذَاب الدُّنيا أي لا يُرْسِل الله تعالى نِقَماً عَلَى الأمم بسبب عدم عملها بالحق إلا بَعْدَ أن يُرْسِل إليهم رسولاً فَيُكَذِّبُوا ذلك الرَّسُول، عندئذ يُرْسِل الله تعالى عليهم نقَماً بسبب هَذَا التَّكذيب، وأمَّا الأمم فإنَّها مسؤولة عن اتباع الحق الذي جاء به المرسلون مِن قَبْل، إذْ مَا مِن أُمَّة إلا وهي مسبوقة برسالة، فآدم كان رسولاً إلى بَنِيهِ كما هو شائع، ثم جاء بعد ذلك نوح فكان رسولاً، ثُم هَلم جرا فقد أرسل الله تعالى المرسلين متوالين كل واحد منهم يلي الآخر ولو بعد فترة، ولكن مواكب النُّبُوَّاتِ لَمْ تَنْقَطِع عَنْ هَذِهِ فكانت حُجَّة الله - تعالى - قَائِمَة، على أن كثيراً من الأمور التي كان
الأرض عليها أهل الجاهلية تتنافى مع العقل السَّليم ومع الفطرة السليمة فكانوا يَتَّخِذُون آلهة من دون الله، إذ كانوا يعبدون آلهة يصنعونها بأيديهم وهذا مِمَّا تَأْبَاهُ العقول السليمة، فلذلك قالوا بأنّهم غير معذورين، وحقيقة الأمر الأدلة هَذَا مُتَعَارِضة ونَحْنُ نَكِلُ الأمر إلى الله سبحانه، ولَسْنَا مسؤولين عنهم إذْ لَم يَأْتِ نَص قطعي لنكون مُتَعَبَّدِين به؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.
في
هناك عدد من المفاهيم يقول البعض بأن دعاة المسلمين يوضحونها بصورة تخالف الواقع الذي يعيشه الناس اليوم، من بين ذلك يقولون بأن هنالك عداوة محكمة بين العقيدة الإسلامية وعقيدة أهل الكتاب (2/404)
صفحة 852
الإنسانيات
الجزء الثاني
405
حيث أن الصورة المدفوع بها هو أن أصحاب هذه العقيدة لا يحملون شيئا من الخير للأمة المسلمة، ولكن الذي يشاهده الناس الآن هو أن أصحاب هذه العقيدة يندفعون بأعداد كبيرة للدفاع عن شعوب مسلمة في حين لا يُرى شيء من ذلك عند المسلمين بالطرق السلمية نفسها، فهل هذا يشكك في عقيدة المسلم؟
عقيدة المسلم عقيدة واضحة لا غبار عليها، ويجب أن نعلم أن العقيدة الصحيحة التي جاء بها الكتاب المنزل قبل القرآن الكريم لا تتصادم مع عقيدة القرآن ولا تختلف إذ لم يكن نسخ في المعتقدات أبداً، وإنما حصل لها ما حصل من التحريف، فجاء القرآن الكريم ليصوب هذا التحريف الذي حصل، وليرد الناس إلى الجادة التي كان عليها الأنبياء المتقدمون، وهو الذي يعنيه قوله تعالى:
يَتأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَ كُم من الله نور وَكِتَبٌ مُّبِينٌ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [المائدة: 15 - 16]، وقوله: {يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٌ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرُ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [المائدة: 19].
ونحن نجد القرآن الكريم ينصف أهل الكتاب فلا يعمم الحكم عليهم بالانحراف جميعاً، لأن بعض أهل الكتاب في عصر النبوة أدركوا الحقيقة وأتبعوا الحق بل كانوا على الحق من قبل أن ينزل القرآن، فالله تبارك وتعالى يقول في هؤلاء الَّذِينَ آنَيْنَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) أُولَبِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا (2/405)
صفحة 853
406 الفتاوى العقيدة
وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغَوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 52 - 55].
هكذا يصف طائفة من أهل الكتاب أنهم اتبعوا الحق، وآمنوا به وارتضوه ولم يفرطوا فيه، ويقول الله تعالى:
ملے
لَيْسُوا سَوَاءَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَابِمَةٌ يَتْلُونَ عَايَاتِ اللَّهِ وَانَاءَ الَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسْرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَبِكَ مِنَ الصَّلِحِينَ} [آل عمران: 113 - 114].
ويقول الله تبارك وتعالى:
وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَرَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا
فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ} [المائدة: 82 - 83] إلى آخر ما وصفهم الله تعالى به. فهذا ثناء من الله تبارك وتعالى على طائفة من أهل الكتاب أنزل فيهم الحق تعالى قرآناً يتلى في الصلوات وفي غيرها، وهو مما يدل على إنصاف من كان منصفاً متبعاً للحق. ونحن لا نشك أن كثيراً من الناس على الفطرة. ولو تبينوا الحقيقة لقبلوها ولو تبينوا الحق لاتبعوه ولكن هنالك ضباب حال ما بينهم وبين معرفة الحق.
ونرجو أن يكون هنالك عرض حسن للإسلام من قبل المسلمين، وهذا يتوقف كما قلت أكثر من مرة إلى أن تصوغ الأمة نفسها أولاً صياغة جديدة، تكون مستمدة من القرآن ومن السُّنَّة الثابتة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، عندئذ تكون حقيقة بأن تعرض الإسلام الحق، أما وهي على ما عليه من الانحراف في الفكر ومن الاختلاف في المناهج والمسالك،
هي (2/406)
صفحة 854
الإنسانيات
الجزء الثاني
407
ومن التفرق إلى ذات اليمين وذات الشمال وإيثار الهوى على الهدى فإن ذلك مما يجعل ظهور الإسلام عند الأمم الأخرى على غير حقيقته لأنه يظل مكتنفاً بضباب كثيف يحجب صورته وملامحه، فلذلك كان من المهم أن يبخر هذا الضباب حتى تسطع شمس الحقيقة فتتبدد الأوهام ويتبين الناس حقيقة الإسلام دين الله تعالى الحق، والله الموفق.
لا
6
رجل تزوج من هولندية وهو في مصر ووثق زواجه في السفارة الهولندية والمصرية لكن عندما انتقل معها إلى هولندا لم يرها تصنع شيئا من المسيحية ولا تؤدي طقوساً معينة تتصل بالنصرانية، وحاول أن يدعوها إلى الإسلام ولكنها لم تستجب فالآن هل يتركها أم يبقى معها؟ ينبغي للمسلم أن يكون أسير شهوته، وأن يندفع في الزَّوَاج بمن لا يرتضيها في دينها، ذلك لأن زواج المسلم من الكتابيات شُرع في الوقت السابق ليكون وسيلة من وسائل الدعوة إلى الإسلام عندما يحتك أهل الكتاب بالمسلمين ويرَوْنَ فيهم الأخلاق الفاضلة والمثل العليا والاستقامة على الطريقة، فإن ذلك مِمَّا يُؤَدِّي إلى أن يَتَفَاعل هؤلاء مع المسلمين، وقد كانت كلمة المسلمين نافذة، ودولتهم مهيمنة استخلفها الله تعالى في الأرض ومَكَّن لَها، فالمؤمن إذا تزَوَّج الكتابية ومات عنها فإنه يموت وهو قرير العين لأن أفلاذ كبده سوف ينشؤون على الإسلام في كنف الدولة الإسلامية، وأما الآن فالأمور بعكس ذلك تماماً، فكثير مِن الذين تَزَوَّجُوا غير المسلمات عَرَّضُوا أولادهم للارتداد، وعرَّضُوهم لأن يَنْشَؤُوا على الكفر، بعيدين عن الإسلام. وهذا وقع عند أُناس كثيرين أعرفهم، حتى أدى الأمر إلى أن تكون أسرة أعرفها خرج منها أربعون على غير الإسلام ـ والعياذ بالله بسبب هذا (2/407)
صفحة 855
408 الفتاوى العقيدة
التَّسرُّع في الزواج بغير المسلمات، فيما أن هذه المرأة امتنعت عن الإسلام فلا أرى أن يَتَمَسَّك بها بل خير له أن يُسَرِّحَها ولا سيما أنَّها ـ أيضاً ـ غير متمسكة بتعاليم دينها الذي هي عليه فماذا عسى يرتَضِيَ منها؟ على أنَّه لا بد مِن مُرَاعَاة أن تكون هذه التي يتزوجها محصنة، أي عفيفة والله تعالى يقول:
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ هَم وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ
اجورهن
)
[المائدة: 5].
فترون أن الله - تعالى - اشترط الإحصان، والمقصود بالإحصان هنا العفّة؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.
شخص سب الدين والعياذ بالله هل يُعْتَبَر نَجِساً نَجَاسَة حسية؟ يعني هل تتنجس ملابسه وعرقه؟
علينا أن نُدرك أن الدين إنَّما هو دين الإسلام، لأنّ الله - تعالى - قال: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وقال: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، فَسَبه سب لمن شرع هذا الإسلام، فمن سب الدين وَلَم يَتُب ولَم يُقلع عن غَيْه ولَم يَعُد إلى الشهادتين فإنه يكون في حكـ المرتد عن دين
والعياذ بالله.
الله
والمرتد هو في حكم المشرك، وقد قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]، وهذه النجاسة اختلف فيها هَل هي نَجَاسة حِسِّيَة أو أنَّها نَجَاسَة معنوية؟ ثم إن كانت حِسْيَة فهل هي نَجاسة كَسْبِيَّة لأنَّهم لا يتقون النَّجَاسَات أو هي نَجاسة ذاتية؟ هذا مِمَّا اختلف فيه، والذي يَتَرَجَّح (2/408)
صفحة 856
الإنسانيات
الجزء الثاني
409
أن هذه النجاسة حسية بدليل أن السيدة أم المؤمنين أم حبيبة ان لما جاء أبو سفيان قبل الفتح إلى المدينة المنورة طالباً تمديد صلح الحديبية بعدما حدث ما حدث مما أدى إلى قلق قريش ودخل عليها أراد أن يجلس على الفراش فطوته عنه، فعجب من أمرها فقالت له: إنَّك رَجُل مشرك نَجَس وهذا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا دليل على أن هذه النجاسة حسية وإلا لما أرادت أن تطوي الفراش عنه، هذا من ناحية.
6
ومن ناحية أخرى نجد ما يدل على ذلك في قصة عمر بن الخطاب عالى
قبل إسلامه عندما أراد أن يمسك القرآن فاشترطت عليه أخته أن يغتسل. وعند من يجعلها نجاسة كسبية يقول بأنه - أي المشرك ـ إنما هو نجس لأنه لا يتقي النجاسات وعلى هذا فلو اغتسل وأماط الأذى عنه ولم تكن فيه نجاسة فلا حرج في رطوباته، والتعبير بالنجس لا بالنجس يؤكد أن ذواتهم أنجاس؛ والله ـ تعالى ـ أعلم.
هل للمسلم أن يُشَارِك غَيْرَه في احْتِفَالات رأس السنة الميلادية إذا دُعِي إِلَيْهَا؟
لا ريب أن المسلم لَطِيفُ المعَامَلَة والمعْشَر ولكن مع ذلك أمر عقيدته لا يُمكن أن يَتَهَاوَن فيه، فَإِنَّه يَحْرِص كل الحرص على أن يَسْتَمسك بعقيدته، وهذه الاحتفالات ترتبط بمُعْتَقَدَات تَخْتَلِف تَمَام الاختلاف عن مُعْتَقَدَات الإسلام فلذلك يَتْرُك المسلم أَهْلَهَا وشَأْنَهُم ولا يُشاركهم فيها، والله أعلم.
هل يصح أن نقول إن الشريعة الإسلامية ناسخة للشرائع السماوية السابقة؟ نعم؛ الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم هي ناسخة للشرائع السابقة بل (2/409)
صفحة 857
4110 الفتاوى العقيدة
يجب علينا أن نقطع بذلك قولاً واعتقاداً، ومصدر الشرائع واحد، فكلها من عند الله تعالى ولكن الشرائع السابقة كانت موقوتة والشريعة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم بعدما استقرت على ما هي عليه هي شريعة مستمرة ثابتة لا ينسخها ناسخ والله أعلم.
لو سأل سائل لماذا لا تصلح الديانات اليهودية والنصرانية في هذا الزمان، فكيف نرد عليه؟
وهل الديانة اليهودية - بحسب ما عليه اليهود اليوم - والنصرانية - بحسب ما عليه النصارى اليوم - صلحت في عصر من العصور حتى يقال لماذا لا تصلح في وقتنا هذا. كيف وهي ديانة ليست فيها طاعة لأمر الله، حسبك ما فيها من جعل أنداد الله كما قال تعالى:
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِدًا لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَنَهُ، عَمَّا يُشْرِكُونَ)
[التوبة: 31].
وكيف تصلح ديانة يعتقد المتدين بها أن الله تعالى ثالث ثلاثة أو أن له شركاء؟! أو يعتقد المتدين بها أن الله تعالى يحسد عباده، كما يعتقد اليهود أن الله حسد عباده على العلم، وأنه منع آدم لو أن يأكل من شجرة العلم حسدا منه للجنس البشري خشية أن يتعلموا شيئا فيميزوا بين الخير والشر، ناهيك بتشبيههم الله بخلقه حتى زعموا أنه يصرع ويُصرع تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وذلك فيما نصت عليه توراتهم المحرفة أن اسرائيل صارع الله وقد تمكن من صرعه ولم يفلته حتى باركه تعالى الله عن ذلك، وقد قلت من قبل إن الديانة الصحيحة التي بعث بها جميع الرسل ديانة قائمة على عقيدة (2/410)
صفحة 858
الإنسانيات
الجزء الثاني
411
التوحيد وعقيدة التنزيه الله فلم يأت رسول من رسل الله بعقيدة التثليث ولا بعقيدة التشبيه والله أعلم.
تعددت الشرائع السماوية ولم تتعدد الأديان السماوية، فما الأديان الأخرى التي يدل عليها قول الله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]؟
أدرك الإنسان بطبيعته أنه بحاجة إلى ما يسمى دينا لأن الإنسان بدون دين يشعر بخواء فكري وفراغ روحي، فحاول أن يملأ هذا الفراغ بأي شيء كان، فلذلك أحدث الناس ما أحدثوه من الديانات التي ابتدعوها من فكرهم المحدود وعقلهم القاصر ونظرتهم الجامدة، ففشلت هذه الديانات في إسعاد الإنسان لأنها لا تدل على حقيقة من حقائق الغيوب ولا تحل لغزا من ألغاز هذه الحياة فكل العبادات والطقوس التي يمارسها الناس من منطلق تعبدهم ترجع إلى تصورات اعتقدوها ولكنها ليست من الحقيقة في شيء، بل هي أوهام باطلة لأنها لا تتفق مع أمر الله ومن يبتغ دينا من هذه الأديان غير دين الإسلام فلن يقبل منه، أما اليهودية فهي تحريف للدين الحق الذي بعث الله به موسى، والنصرانية هي للدين الحق الذي بعث به عيسى، ناهيك بالوثنية التي هي كلها أوهام وخرافات فمن يبتغ دينا من هذه الديانات الباطلة كلها غير دين الإسلام دين الله تعالى الحق فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين
والله أعلم.
تحريف
إذا كان دين الرسل هو دين الإسلام فما مصدر تسمية كل من النصرانية واليهودية إن صحت التسمية، وما الدليل على أن النصرانية هي دين
الإسلام؟ (2/411)
صفحة 859
412 الفتاوى العقيدة
أنا
موسي
لم أقل إن النصرانية هي دين الإسلام قلت إن النبيين بعثوا بالإسلام كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا نَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] أما تسمية اليهودية والنصرانية، فقيل إن اليهودية سميت يهودية أخذا من قول عالي إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] أي ملنا إليك وابتغينا ما أنت تأمر به، ومن هذا يكون هاد يهود بمعنى مال يميل، وقيل نسبة إلى يهوذا وهو سبط من أسباط بني إسرائيل، فبنو إسرائيل كانوا منقسمين إلى اثنى عشر سبطا، ورأى بعض المفسرين المتأخرين أن هذه التسمية وجدت بعد الانشقاق الذي حصل بين بني إسرائيل أنفسهم وذلك بعد ما مات سليمان فانقسمت مملكة إسرائيل إلى مملكتين؛ مملكة ابنه رحبعام ومملكة غلامه يوربعام، فكثير من الأسباط مالوا إلى الغلام وسبط يهوذا هو الذي بقي مع الابن فسمي هؤلاء يهوداً ثم حصل بعد ذلك ما حصل من الغزو البابلي فأبيد من أبيد منهم فاجتمعوا كلهم تحت لواء يهودا بعد أن فك أسرهم واجتمع شملهم فكان ذلك سبباً لأن سمو يهوداً، وعليه فهذه تسمية حادثة أطلقوها على دينهم.
وأما النصرانية فقيل أصلها المسيح ولد في قرية ناصرة على حسب ما يقولون، وقيل لأنهم قالوا له نحن أنصار الله، وعليه فالتسمية مأخوذة من النصر ولكن بعد مرور الأيام صارت علما على هذا الدين الذي لوثوه ببدعهم وضلالاتهم وتحريفاتهم على أن هذا الدين نفسه، هو متأثر تأثرا كبيرا بعقيدة الروم الوثنية، وقد كتب أحد الكاتبين من النصارى المتأخرين قبل سنوات وصية شهد فيها بهذا، وهو شاعر عربي نصراني لبناني معروف بالشاعر الخوري أو القروي وكانت وصيته بعد ما بلغ من العمر تسعين عاما سجل فيها هذه الحقيقة، إذ جاء فيها: لقد (2/412)
صفحة 860
الإنسانيات
الجزء الثاني
413
الأحد
أثبتت المصادر التاريخية أن يسوع المسيح كان يعبد الله الواحد أحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد واستمر أتباعه على هذه الملة إلى مدة ثلاثة قرون حتى تنصر قسطنطين عاهل الروم فأدخل في النصرانية بدعة التثليث ومالأه على ذلك بعض الأساقفة
وعلى رأسهم مكاريوس الذي لقب نفسه أورثوذكس ـ أي مستقيم الرأي وعارضه آخرون وعلى رأسهم آريوس وعقدت بينهما مجامع للحوار فاز فيها آريوس بالحجة القاطعة والحق المبين ولكن السلطة التي هي مصدر البلاء وضعت ثقلها في الميزان فأسكتت صوت الحق وظل الحق يتململ في قيده منتظرا آريوسا جديدا، ثم يقول هذا الكاتب: وكم أتمنى وأنا الأرثوذكسي المولد أن يكون هذا الآريوس بطريركاً بطلا ينفي عن ديننا وصمة ألحقها به غرباء غربيون وكثيراً ما كان الغرب مصدر بلائنا الديني والسياسي معا ثم أتبع ذلك قوله وإيمانا مني بصدق نبوة نبينا العربي وإعجاباً مني بمعجزته القرآن أردت أن أكون قدوة لإخواني أدباء النصرانية فأدخل في دين الله، ولكني رأيت إصلاح ديني السابق خيراً من الانتقال إلى دين جديد، وكخطوة أولى في هذا السبيل أعلن عن عزوفي عن أرثوذكسيتي المكاروسية إلى أرثوذكسيتي الآريوسية»، ثم بعد ذلك تحدث عن ما يمكن أن يجتمع عليه المسلمون والنصارى من عقيدة توحيد الله، وقال: وبهذا يكونون إخوانا على سرر متقابلين»، ثم ذكر أنه بأن يصلي عليه بعد موته شيخ وكاهن وأن يقتصرا في صلاتهما على قراءة الفاتحة الشريفة والصلاة الربانية وأن يدفن في مكان قريب من بيته خطط لدفنه وأن يوضع على قبره شاهد خشبي عليه هلال وصليب متعانقين رمزا للوحدة التي سعى إليها ... » إلى آخر ما كتب في وصيته والرجل كان قاب قوسين أو أدنى من الدخول في دين الله، ولكن
يوصي (2/413)
صفحة 861
414 الفتاوى العقيدة
غلبت عليه الشقوة والعياذ بالله، وإلا فقد اعترف بنفسه أن هذا الدين هو دين الله وهذا يعني أن الدين الذي هم عليه ليس هو من دين الله في شيء
والله المستعان.
101
مات شخص من أهل الكتاب وكان هذا الميت معروفاً. وكانت له أعمال خيرية، وبعد موته أصبح حديث عامة الناس حتى منا نحن المسلمين، وعندما أعلمناهم بأنه لا يجوز الترحم لميت من أهل الكفر زعموا بأنه من أهل الكتاب وأن له من الأجر ما يدخله الجنة ونحن نوالي ذلك الميت، فبماذا نرد على هؤلاء المفتونين؟ الرد عليهم بما أنزل الله في كتابه، فقد قال سبحانه تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ} [آل عمران: 85]. وقال: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أُوْلَيْكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) [البينة: 6]، وحذر سبحانه من موالاة اليهود والنصارى حيث قال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ} [المائدة: 51]، والله تعالى المستعان وهو ولي التوفيق. (2/414)
صفحة 862
الإنسانيات
الجزء الثاني
415
البدع
سماحة الشيخ: هنالك ضبابية في فهم حقيقة البدعة، فالبدعة مثلاً يعتبرها البعض منكراً صارخاً فيسارع إلى إنكارها سواء كانت في الصلاة أو في غيرها من الأعمال، وصار هناك زج بالكثير من الأعمال والأفعال التي لم تكن موجودة أيام النبي إلى خانة البدعة، لذلك صار هناك إنكار على البدع أكثر من الإنكار على الأشياء الظاهرية المحرمة التي يفهمها العامي كما تفضلتم، فما هو تحديد مفهوم البدعة؟ كلمة بدعة تحتمل أكثر من معنى؛ لأن بدعة من بدع الشيء بمعنى جاء بشيء لم يُسبق إليه، وهي فعلة بمعنى مفعولة بمعنى مبدوعة، فالبدعة قد تكون محرم رمة وهذه هي التي يشير إليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يقول عليه أفضل الصلاة والسلام -: «إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي
محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (1). فهنا نرى أنه يقول بأن كل محدثة بدعة ولكن في أي شيء هذه المحدثات؟ إنما هي محدثات الدين، فمحدثات الدين هي بدع؛ أي من أحدث شيئاً يتنافى مع أصل الدين، أما إن كان ما أحدثه له أصل في الدين بحيث يكون هو مرغوبا فيه بالنظر إلى كليات الدين وأصوله؛ فذلك مما يدخل في البدعة الحسنة التي عناها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، فترون أنه قال سن سنة حسنة أي طريقة حسنة. وفي المقابل يقول: من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (2)، هذا له أجر تلك السُّنَّة وأجر من عمل بها إلى يوم
(1) رواه النسائي (1786).
(2) رواه مسلم (4830). (2/415)
صفحة 863
416 الفتاوى العقيدة
القيامة، وفي المقابل الآخر عليه وزرها؛ أي وزر السُّنَّة التي أحياها، ووزر من عمل بتلك السُّنَّة إلى يوم القيامة، ذلك لأن الذي سن سنة حسنة سنته غير
خارجة عن أصل الدين، وهذا الذي سنّ السُّنَّة السيئة سنته عكس ذلك.
ونحن نرى في عهد الصحابة ولا لعل من أشياء لم تكن موجودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن لم يعتبروها بدعة ضلالة، ولم يعتبروها بدعة سيئة بل اعتبروها بدعة حسنة، من ذلك ما يتعلق بتنظيم أمور الناس في حياتهم الاجتماعية وحياتهم السياسية، فقد كانت أمور لم يكن مفتقراً إليها، ولم يكن المسلمون بحاجة إليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن مع تطور الأمور ومع انتشار الفتوح واتساع الرقعة الإسلامية وتطور حياة الأمة كانت الأمة بحاجة إليها من ذلك إحداث التاريخ، فما كان التاريخ معروفاً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما أُحدث في عهد عمر ه، واجتمع المسلمون على أن يكون هذا التاريخ بدايته من هجرة الرسول ـ عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، فهذه تعد بدعة حسنة؛ لأنها لا تتصادم مع الدين وليس فيها أي مضرة بل فيها مصلحة، والدين إنما هو قائم على مراعاة مصالح العباد، فلذلك عدوها بدعة حسنة.
ومن
ذلك أيضاً أنشاء بيت المال ولم يكن معهودا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما كان الفيء يقسم ما بين الناس فلما كان عمر الى حبس الفيء، وصار يقسم على الناس منافعه دون أصله لحاجة المسلمين إلى أصل يرجعون إليه يكون قواماً لدولتهم، وهذا مما لم يُعد بدعة سيئة، كذلك جمع الناس على مصحف واحد في عهد الخليفة الثالث وكان ذلك باتفاق الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ؛ لأجل ما في اختلاف القراءات من الشقاق والخلاف بين المسلمين، كذلك القرآن الذي كان في عهد الخليفة الأول وبمشورة الخليفة الثاني كل ذلك إنما كان من الأعمال الحادثة التي لم تكن الحاجة
جمع
داعية إليها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا كله مما يدخل في البدع الحسنة. (2/416)
صفحة 864
الإنسانيات
الجزء الثاني
417
كذلك
جمع الناس على إمام واحد في صلاة قيام رمضان بعدما كانوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم متفرقين، يصلي الثلاثة النفر والشخصان والأربعة، كل يصلون بأنفسهم، هؤلاء يصلون وحدهم، وهؤلاء يصلون وحدهم، فجمعهم عمر الى على إمام واحد، وكان في ذلك مصلحة كبيرة. كذلك أيضاً بالنسبة إلى الأذان الأول للجمعة إنما ذلك لأجل مراعاة الضرورة الداعية إلى ذلك؛ لأجل تنبيه
الناس إلى الجمعة، فهكذا هذه الأمور كلها مما يدخل في البدعة الحسنة. أما البدعة السيئة فهي التي تتنافى مع الدين، وذلك أن يبتدع الناس من أمر الدين ما لم يأذن به الله، ومن أمثلة ذلك إتيان الناس إلى المقابر ليقدموا القرابين والنذور، وليطلبوا من أصحاب القبور قضاء حاجاتهم، فإن هذه من البدع السيئة؛ لأن الإسلام جاء هادماً لمثل هذه المعتقدات، جاء ليقرر في نفوس المؤمنين جميعاً بأن الله - تبارك وتعالى ـ يجب أن يفرد بالاستعانة كما أن يفرد بالعبادة كما قال تعالى تعليما لعباده {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5]، أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا إياك، فكما أن العبادة لا يجوز أن تكون لغيره له كذلك الاستعانة في مثل هذه الأشياء لا تكون بغيره؛ لا سيما أولئك الأموات في قبورهم فأنى يستجيبون لدعوة داع أو يقضون حاجة محتاج وهم موتى، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع عظم قدره وعلو شأنه وما له من منزلة عند الله الله يقول له الله تبارك وتعالى -:
يجب
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110]، ويقول تبارك له:
قُل لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188]، فكيف بغيره؟! بل كيف بالموتى في قبورهم؟! فمثل هذه البدع تعد بدعا سيئة، وكذلك كل بدعة
جاء الإسلام بما يناقضها، فهي بدعة سيئة لا يجوز أن تقر أبدا، والله أعلم. (2/417)
صفحة 865
[صفحة فارغة] (2/418)
صفحة 866
جواب على أسئلة من الجزائر (2/419)
صفحة 867
420 الفتاوى العقيدة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فعندما كنتُ في زيارتي الأخيرة للقطر الجزائري الشقيق سُلّمْتُ رسالة من بعض من التبس عندهم الحق بالباطل والبصيرة بالعمى والرشد بالغي، فلم يدركوا المخرج من الحيرة، وظنوا أنهم أحاطوا بالحقيقة من أطرافها، وألموا بالحق من جوانبه، وقد أخفى هؤلاء أسماءهم فلم يفصحوا عنها، وأودعوا رسالتهم هذه أسئلة عسى أن يكون باعثها الرغبة في الوصول إلى الحقيقة لا التعنت عليها واستيضاح الحق لا مكابرته والتعامي عنه، وقد لخصوا أسئلتهم في نقاط.
النقطة الأولى عن موقف الإباضية من بعض الصحابة له كالخليفتين
الثالث والرابع؟
والجواب: إن تلك فتنة طهّر الله منها أسنتنا فنحرص على أن نظهر منها ألسنتنا، وحسبنا أن نعمل بما يدل عليه قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134]. وقد سبق لي أن أجبتُ جواباً مطولاً عن هذا السؤال نُشر أخيراً في كتاب عُنُونَ بـ «اللقاءات»، وها هو ذا مرسل مع هذا الجواب إلى السائلين، فليرجعوا إليه (ص 122 - 137). وسوف يجد هؤلاء أن الذي تجنّى على الخليفة الرابع ليس هو من الإباضية وإنما تجنى عليه قوم آخرون لم يحاسبوهم على جنايتهم بل برأوهم من الخطأ والوهم وأيدوهم على ظلمهم وناصروهم على بغيهم، وقد بلغ تجني هؤلاء الجناة على هذا الخليفة الشرعي أنهم جعلوا لعنه سنة ينشأ عليه الصغير ويشيب (2/420)
صفحة 868
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
421
عليها الكبير وسوف يجدون - إن شاء الله ـ في ما نقلته من نصوص أحد أئمتهم وهم ـ بلا ريب - يعدونه مجدداً لنخلتهم أنه تحامل بحقد وكراهية على هذا الخليفة الشرعي حتى شبهه بفرعون وشكك حتى في إسلامه! فهلا وقفوا أمام ذلك كله وقفة محاسبة لهذه النصوص وقائلها أخيه
ودوافعها، فما بالهم يكيلون بمكيالين؟ أيرى أحدهم القذاة في عين ولا يرى الجذع في عينه؟!
هذا
مع التباين بين الموقفين موقف من لم يَرْضَ من الخليفة الشرعي نزوله عن الحق الشرعي ورضاه بما أدى إلى هدم الخلافة الشرعية وتحويلها إلى ملك عضوض، وموقف من شن عليه من أول الأمر حرباً لا هوادة فيها وعمد إلى الخلافة فحولها إلى كسروية قيصرية؛ إذ أفقدها روح الإسلام بإماتته الشورى الشرعية التي وصف الله بها عباده المؤمنين وأمر بها نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام في أدق المواقف وأحرجها، بل حوّلها إلى ميراث يرثه الابن عن الأب ولو كان سكيراً عربيداً!! ويرغم على قبول ذلك المهاجرين والأنصار بإصلات السيوف على رقابهم، وأين الثريا من الثرى والضراح من الضريح والحق من الباطل؟
كيف تغمض العين عن هذه الجرائم كلها التي لا تزال الأمة تتجرع غصصها، وتكابد لأواءها، وتفتح بالسخط والغضب على من حرص على بقاء الحق ودوام الرشد وكبح الباغي ونصرة الخلافة واستمرار الشورى
في
الأمة؟!
ألم يأمر الله الله بالقسط حتى مع العدو حيث قال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوْمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]. (2/421)
صفحة 869
422 الفتاوى العقيدة
النقطة الثانية عن انتماء الإباضية إلى عبد الله بن وهب الراسبي؛
الخطأ.
الذي خرج عن الإمام علي - كرم الله وجهه ـ بدعوى في قضية التحكيم. وكيف يخطئ من هو معدود في الخلفاء الراشدين؛ الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بما وصفهم به في حديث العرباض بن سارية ... إلخ.
والجواب: إن هذا السؤال محير فهل السائل يعتقد عصمة الخلفاء الراشدين، وأنهم لا يخطئون قط؟! مع أننا نجد الكتب التي يزعم السائل أن الأمة مجمعة على ما فيها نسبة أفحش الخطأ وأوحش الظلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، نفسه وحسبنا من ذلك هذه القصة التي أخرجها مسلم في صحيحه قال: حدثني زهير بن حرب حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن أنس أن رجلاً كان يتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «اذهب فاضرب عنقه». فأتاه علي فإذا هو في ركى يتبرد فيها، فقال له علي اخرج فناوله يده فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف علي عنه ثم ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر». (رقم 2771، 2139/ 4).
فليت شعري؛ كيف يرضى هؤلاء أن ينسب هذا الجرم الفاحش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أبرّ الناس قلباً وأوفرهم عقلاً وأطهرهم سريرة وأحسنهم سيرة وأقومهم سلوكاً وأطيبهم أخلاقاً وأحسنهم مظهراً ومخبراً. ويرون مع أن الخطأ ومصون من الزلل، مع ذلك أن غيره معصوم من هذا الذي عزي إليه صلوات الله وسلامه عليه لو صحت نسبته إلى أحد من عامة الناس لكان حقيقاً أن يعد جباراً عنيداً وشيطاناً مريداً، حاشا لرسول الله أن يكون كذلك، إذ القتل بمجرد الاتهام جرم وأي جرم؟ لا يصدر من أي عاقل يحترم عقله فضلاً عن صدوره من النبي عليه أفضل (2/422)
صفحة 870
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
423
الصلاة والسلام، على أنه كان بشراً عادياً لكانت له في حادثة الإفك التي وقعت وحكاها القرآن عبرة تصونه من الاندفاع وراء نزعات النفس ونزغات الشيطان على أن الاعتبار بما يحدث من شيمة أهل العقول كما قال الشاعر:
من لم تفده عبراً أيامه كان العمى أولى به من الهدى
ثم إنه ولا ريب لا يمكن أن يكون أغير على أم ولده منه على زوجه أم المؤمنين حبيبته وبنت أحب الرجال إليه، فكيف لم يأمر بضرب عنق من رميت به ورمي بها في قصة الإفك؛ التي برأها الله تعالى من عارها، وطهرها من سوء أحدوثتها؟!
أما تبرير بعض شراح الحديث لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل من اتهم بأم ولده بأنه كان من المنافقين، فتلك دعوى ساقطة من عدة وجوه: أولها: أنه لم تقم بذلك حجة، ولم تأت به رواية، وإنما هو من الرجم بالغيب واتباع الظنون {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28].
ثانيها: أن الرواية تثبت خلاف ذلك، إذ نصها: أن رجلاً كان يتهم بأم ولد رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «اذهب فاضرب عنقه» إذ ذَكَرَتْ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي اذهب فاضرب عنقه» مرتباً على اتهامه بأم ولده بالفاء التي تدل على ربط ما بعدها بما قبلها برباط السببية، وذلك على دليل نصي أن الأمر بضرب عنقه هو الاتهام، وليس غيره. سبب ثالثها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بقتل أحد من المنافقين، ولو كان أمراً بقتل أحدهم لأمر بقتل عبد الله بن أبي الذي كان على رأسهم وكان حربة النفاق (2/423)
صفحة 871
424 الفتاوى العقيدة
المسنونة التي تطعن الإسلام من الخلف فلا يعقل أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنق أحد لا يؤبه له ويدع ضرب أعناق هذه الرؤوس التي تكيد للإسلام كيداً.
رابعها: أنه لو كان الباعث للأمر بضرب عنقه نفاقه لما كان لعلي الله وجهه ـ أن کرم قتله ويخالف ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب أنه
يدع
مجبوب، إذ لا فرق بين الجب والفحولة في أمر النفاق وخطورته وضرره،
فالفحل والمجبوب في ذلك سواء.
هذا؛ ولا يخفى على لبيب أن حادثة التحكيم كانت عاقبتها مرة، جرَّت على الأمة من الويلات والمصائب ما دكدك بنيانها وقوّض أركانها، إذ أدت إلى طي الخلافة وظهور الملك العضوض والتلاعب بكتاب الله ونقض عرى الإسلام عروة عروة وانتشار الظلم وتأصيل الحمية، كما
سأشير إلى بعض ذلك إن شاء الله عند جوابي على النقطة الرابعة.
وإن أبيتم إلا أن تلصقوا الجرم بعبد الله بن وهب بسبب خروجه عن عهدة خلافة علي - كرّم الله وجهه - فهو ليس بأول خارج عنه، إذ أول من خرج عنه بل عليه طلحة والزبير ومن معهما بعدما بايعاه بيعة شرعية فنكثا في بيعتهما وأخرجا معهما أم المؤمنين وشنوا جميعاً على الخليفة حرباً شفكت فيها دماء وأزهقت بسببها أرواح، فما رأيكم في
الشرعي
خروج هؤلاء؟!
ثم خرج من بعدهم معاوية الذي أجلب على الأمة بخيله ورجله وناصب الخليفة الشرعي العداء ووقف له بالمرصاد واستعان بمن استعان به على تقويض صرح الخلافة الشرعية وسنَّ لعن الإمام علي على المنابر ودعا الناس إلى سبابه، وحسبكم هذه القصة التي أخرجها مسلم في (2/424)
صفحة 872
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
425
صحيحه قال: حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد - وتقاربا في اللفظ - قالا حدثنا حاتم - وهو ابن إسماعيل - عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم ... إلخ»
(رقم: 2404، 1871/ 4).
فأنتم ترونه كيف دعا حتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سب علي بن أبي طالب، ولم يكتف بدهماء الناس الذين يستجيبون لكل داع ويسيرون وراء كل ناعق.
هذا؛ وقد جاء النص الصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم حاكماً عليه وعلى فئته بالبغي، فقد روي عن ثلاثين صحابياً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية». (البخاري رقم: 436، 172/ 1)، فما بالكم لم تروا في خروج معاوية وحزبه على علي بن أبي طالب حرجاً مع أنه خرج عليه ليستلب الخلافة من يده ويحولها إلى ما يهواه من النظام الكسروي القيصري الذي جاء الإسلام لنقض بنيانه وهد أركانه؟!
أما عبد الله بن وهب فقد كان نصيره ومؤازره ولم يخرج عنه إلا بعد التحكيم الذي رآه ناقضاً لبيعته، فبالله عليكم أين هذا من ذاك؟!
على أن بني أمية وأشياعهم لم يخفوا ما كانوا ينطوون عليه بين حنايا صدورهم من سخائم أججها قتل أسلافهم على أيدي صناديد المسلمين من المهاجرين والأنصار في بدر، وغيرها، فلذلك عدوا واقعة الحرة التي شنها يزيد بن معاوية على حرم النبي صلى الله عليه وسلم تحقيقاً للثأر ممن قتل أسلافهم فاطمأنت بذلك نفوسهم وسكنت جائشة صدورهم وقد ترجم ذلك شاعرهم عندما قال: (2/425)
صفحة 873
426 الفتاوى العقيدة
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل كيف حكت بقباء بَرْكَها واستحر القتل في عبد الأشل
أولا يعد هذا حقداً على الإسلام ومناوءة للذين آمنوا وتسفيهاً لآراء المهاجرين والأنصار؟؛ الذين شدخوا يافوخ الكفر وفجروا حيزومه وناصروا رسول الله؟! فكيف يتربع هؤلاء على دست الخلافة الإسلامية، وهذه هي طواياهم التي تملأ حناياهم؟ وهل كان لهم أن يصلوا إلى هذه الغاية التي سعوا إليها إلا بإضعاف الأمة عندما قسموها إلى قسمين بعدما طرحوا عليها قضية التحكيم؟
فليت شعري؛ أكانت تتحقق لهم غايتهم لو اتفقت كلمة عصبة الحق على رفض التحكيم وساروا قدماً تحت لواء خليفتهم الشرعي غير لاوين على هذه القعقعات التي كان الباطل يطلقها ليشغلهم بها عن المضي في سبيل الحق؟ والله المستعان.
النقطة الثالثة: جاء فيها: لقد اطلعنا على كتاب عنوانه: «الرد القويم البالغ على كتاب الخليلي المسمى بالحق الدامغ»، فكان حقاً رداً علمياً قابل فيه الحجة بالحجة والدليل بالدليل ونحسبك قد اطلعت عليه، وللأسف الشديد وجدنا فيه من التلفيق والتحريف للنصوص لإيهام القارئ بمفهوم يخالف مقصود أصحابها والاستشهاد ببعض الآيات القرآنية التي تخاطب المشركين والكفار وإيهام القارئ أنها تخاطب الموحدين بعد فصل سياقها عن لحاقها.
والجواب: إني لست أدري ما مراد هؤلاء بقولهم: «وجدنا فيه من التلفيق والتحريف للنصوص ... إلخ»، هل مرادهم أن صاحب الرد قام
بتلفيق وتحريف النصوص، أو أن المردود عليه هو الذي قام بذلك؟ (2/426)
صفحة 874
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
ومن
427
ذلك
فإن كان الثاني هو مرادهم فحسبي أن أقول بأن صاحب ذلك الرد لم يستحي من الله تعالى ولا من الناس أن يزوّر وينسب إلي ما لم أقله قوله (ص 149): «والخليلي يقول بقولهم - أي المعتزلة ـ في جميع ما يذهبون إليه في عقائدهم، ومن ذلك القول بخلق العباد أفعالهم»، وهل هذه إلا فرية جاء بها من بين يديه ورجليه فمن أين له أني أقول بقول المعتزلة بأن العباد يستقلون بخلق أفعالهم؟! مع أنني رددت على مقولتهم هذه في مواضع من تفسيري «جواهر التفسير» كما في تفسير قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى
ما
سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ} [البقرة: 7]. على أنه لو كان منصفاً يبتغي الحق في يقوله لكان حسبه تصريحاً بهذا ما وجده في الحق الدامغ نفسه حيث جاء فيه (ص 111) ما نصه: والفارق بين إحداث الله لكلامه وإحداث العبد لكلامه أمران: أولهما ما يفرق به من حيث إن العبد لا يستقل بإيجاد فعله استقلالاً تاماً، وإنما له منه جانب الكسب والله هو الخالق له» اهـ.
:
فانظر كيف تعامى عن هذه الحقيقة الصريحة في هذا الكلام، ليفتري من عنده كلاماً يلبس فيه الحق بالباطل تأسياً بالذين كفروا الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق».
ومن ذلك قوله أيضاً (ص 169): ولما كانت سنة الله في خلقه أن قول الباطل لا يثبت على ساق، فإن الخليلي ينقض غزله فيرد ما يسمى «بالكلام النفسي» الذي أثبت أنه قول الإباضية المتفقين على إثباته الأشعرية، ويثني على ابن أبي نبهان وعلى تقريره للكلام النفسي، ويستشهد له بقول الأخطل النصراني، ثم يحرّف تلك الآية الصريحة في القول المسموع وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [النحل: 40، ويخضعها للكلام النفسي غير المسموع كما تقدم.
مع (2/427)
صفحة 875
428 الفتاوى العقيدة
ولكن نجده هنا ينقض ما سماه بالكلام النفسي ويرده رداً قوياً، مبيناً أنه لا يدل على ذلك لا كتاب الله ولا سنة رسوله، وإليك نص كلامه
هنا مقارناً بكلامه السابق.
سبق الكلام عمّا جاء في كتابه هذا (ص (100) حيث قرر أن أصحابه - الإباضية - مع الأشعرية اتفقوا على أن كلام الله لك هو الكلام النفسي القائم بذات الله غير المسموع؛ لأنه مجرد عن الحروف والأصوات والجمل والكلمات - كما عرفه الخليلي - ثم يستشهد لأصحابه على ذلك بكلام الأخطل النصراني.
عن
هذا
ولكنه في (ص 103) من كتابه هذا ينقض ذلك كله ويثبت أن المسمى بالكلام النفسي لم يقم عليه شاهد لا من الكتاب ولا من السنة، فيقول (ص 103): ونحن عندما نتحدث عن خلق القرآن فإنما نتحدث القرآن المتلو بالألسن المكتوب في المصاحف، ولسنا نتحدث عن الكلام النفسي إذ لم يقم عليه شاهد من الكتاب نفسه ولا من السنة». اهـ. وهذه فرية لا تصدر إلا ممن مسخه الله تبارك وتعالى فصار لا يستحي
من الله ولا من خلقه؛ إذ لا يبالي أن يسجل عليه الكذب في كلامه، فقد زعم أني قلت بأن الكلام النفسي ليس عليه دليل من الكتاب ولا من السنة، وأنا لم أقل ذلك قط، وإنما الذي قلته أنه لا دليل على تسميته قرآناً، وهذا نص ما قلته في الحق الدامغ (103): «ونحن عندما نتحدث عن خلق القرآن فإنما نتحدث عن هذا القرآن المتلو بالألسن المكتوب في المصاحف السابق، تعريفه، ولسنا نتحدث عن الكلام النفسي، إذ لم يقم شاهد من الكتاب نفسه ولا من السنة على تسميته قرآناً، وإنما اصطلحت الأشاعرة على تسميته بذلك، ولا مشاحة في الاصطلاح، غير (2/428)
صفحة 876
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
429
أنهم لم يستندوا في اصطلاحهم هذا على شيء ثابت سماعه، فلذلك لم
نعول عليه». اهـ.
فانظروا كيف حرّف هذا الكلام وحوره بحسب هواه؛ ليتسنى له أن يجادل بالباطل ليدحض به الحق، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة: 32]، وما هذه إلا قطرة في محيط أكاذيبه التي افتراها، على أنه نسب إليّ زوراً بأنني حرّفت الكلم في نقولي وأنا أتحدى كل من يزعم ذلك أن يأتيني بدليل عليه.
ولعلكم منساقون أيضاً في تياره بقولكم: «وللأسف الشديد وجدنا فيه من التلفيق والتحريف للنصوص لإيهام القارئ بمفهوم يخالف مقصود أصحابها والاستشهاد ببعض الآيات القرآنية التي تخاطب المشركين والكفار وإيهام القارئ أنها تخاطب الموحدين بعد فصل سياقها عن لحاقها».
فإن كنتم تزعمون أني أنا الذي لفّق وحرّف النصوص فأتوني على ذلك ببينة واضحة وبيّنوا ما النص الذي حرّفته، فإن الدعاوى إن لم تعززها البينات لم تعد أن تكون في حكم الأدعياء.
وقولكم: «فكان حقاً رداً علمياً قابل فيه الحجة بالحجة والدليل بالدليل» هو من أعجب ما يقال في هذا، أن أقول بأنني في الحق وحسبي الدامغ ذكرت في مبحث خلق القرآن خمس عشرة حجة من القرآن نفسه، وست حجج من الحديث الشريف كلها دالة على خلقه، ولم يتعرض هو بشيء؛ لأنه أعيته حجتها وتلاشت أكاذيبه أمام آية صدقها، وإنما طنطن حول المقدمات، وما كان إلا مجترا لما قاله أسلافه من قبل، كما أنه كان يعتمد على روايات كاذبة في الاستدلال لموضوع الرؤية كرواية ثوير بن
لها (2/429)
صفحة 877
430 الفتاوى العقيدة
فاختة الذي قال عنه الثوري بأنه كان ركناً من أركان الكذب، وقد رفع عقيرته محتجاً بها وناهيك بعقيدة تبنى على أركان الكذب!!
ولم يكن يملك إلا السباب في دفع الحجة وهو دليل إفلاسه كما قيل: «وكل اغتياب جهد من لا له جهد، وقد غضضت الطرف عن هذا الرد السخيف عملاً بقوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]، ولم أعبأ بالرد عليه؛ لأنني واثق أن أولي البصائر إذا قارنوا بين كلامي وكلامه تبين لهم البون الذي بينهما، فإن نور الحق لا يحجبه نسيج الباطل، وهذا ما وقع فعلاً. فكم من قارئ ـ من غير أهل مذهبنا ـ قرأ الكتابين فتبين له سخف ما في هذا الرد، وعرف الحقيقة بالمقارنة، وتبين الحق بدليله فاعترف به والحمد لله.
أما الذين في قلوبهم مرض؛ الذين يستهويهم نعاق كل ناعق، وتستفزهم ضلالة كل ضليل فما لي ولهم فإنهم تصامموا عن القرآن ونذره، فقد قال الله تعالى في نظرائهم من قبل: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (3) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ) [البقرة: 6 ـ 7]، وحسبي أن يرى الحق في كلامي العقلاء وإن تجاهله السفهاء.
وأما سبابه فليس بضائري وإنما ينقلب على نفسه:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل
لذلك صرفت عنايتي عن كتابه وما فيه من سخف القول وفاضح الإفك، غير أني رأيت من الواجب عليّ أن أقدم للأمة عقيدة الإسلام الناصعة الصحيحة، المبنية على صريح القرآن والثابت الصحيح المتواتر من سنة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وما يسترشد به من العقل السليم، فشرعت في تأليف كتاب جامع مانع، يضم بين دفتيه قضايا العقيدة المتفق عليها والمختلف (2/430)
صفحة 878
من
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
431
فيها، مع استعراض جميع أدلة المختلفين، وتعزيز الحق وتزييف الباطل، ووضع الروايات على محك النقد وبيان زيف الزائف منها، وقد اضطررت إلى بيان ترهاته التي أوردها ومحقها بحجة الحق الدامغ لئلا يغتر بها سخفاء العقول؛ الذي لا يفرقون بين التبر والتراب والتمر والجمر، وقد أنجزت ـ والحمد لله ـ هذا السفر المبارك خمسة مجلدات (1) وأنا الآن أسبح في خضم السادس، وأرجو إذا وفقني الله لإتمامه أن يكون خمسة عشر مجلداً، وسميته «برهان الحق في تأصيل العقيدة الإسلامية ودفع الشبه عنها بالأدلة العقلية والنقلية»، وقد أبيت أن أشرع في طبعه رغم إلحاح الناس علي إلى أن يمنّ الله علي بإتمامه، وتوجد المجلدات الخمسة منه في بعض المؤسسات الميزابية كمؤسسة عمي سعيد ومعهد الإصلاح ومعهد الحياة ومكتبة مسجد الوادي بغرداية، وبإمكانكم أن تطلعوا عليها هناك، وسوف ترون في المجلد الخامس ـ إن شاء الله ـ الشواهد البينة على ارتباط عقيدة الحشوية - التي يدافع عنها صاحب ذلك الرد ـ بعقيدة اليهود، وأن أئمة الحشوية يَردُونَ من مستنقعات الضلالات اليهودية، منها عبا إلى حد التضلع، وذلك من خلال نقل نصوص عديدة من كلام أئمة الحشوية المتقدمين والمتأخرين، كابن قتيبة وابن تيمية وابن القيم وغيرهم.
النقطة الرابعة اعتماد المذهب في الحديث - الذي هو المصدر الثاني في التشريع - على مسند الربيع بن حبيب الذي هو كتاب مُعْضَل خالف إجماع الأمة في أكثر من مسألة، وترك الصحيحين وكتب السنة أجمعت الأمة على الأخذ منها. والجواب: ما أعجب هذا الكلام، وأغربه وليت شعري؛ أهو جهل من
التي
كاتبه أم هو تجاهل؟!
(1) كان هذا إبان كتابة هذا الجواب. (2/431)
صفحة 879
432 الفتاوى العقيدة
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ففي أي شيء خالف مسند الربيع بن حبيب إجماع الإجماع المعتد به؟
الأمة؟! وما هو
إننا نرى الحشوية كثيراً ما يتهافتون إلى نقل الإجماع عندما يعززون مواقفهم ويدعمون بدعهم وضلالاتهم، وهم أسرع الناس إلى تكذيب الإجماع ورده عندما تكون مصلحتهم التي يتصورونها في إنكاره، ولو كان مدعوماً بنصوص قطعية من كتاب الله الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومن سُنَّة نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم ودلائل العقل، بل نجد في نصوصهم إنكار الإجماع رأساً ونسبة الكذب إلى من ادعاه، فهذا إمامهم أحمد بن حنبل يقول: «من ادعى الإجماع فهو كاذب».
2
2
V
انظر إلى هذا النص وتعزيزه في المكتبة الشاملة
إقامة الدليل على إبطال التحليل لابن تيمية ج 1، ص 327. الفتاوى الكبرى لابن تيمية، ج 6، ص 286.
- المستدرك على مجموع الفتاوى، ج 2، ص 114.
إعلام الموقعين، لابن القيم، ج 1، ص 30. الصلاة وحكم تاركها لابن القيم، ج 1، ص 116. زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم - (221/ 5). شرح زاد المستقنع للشنقيطي - (220/ 16).
- شرح العقيدة الواسطية - المصلح ـ (الدرس 27). العقيدة الواسطية - صالح آل الشيخ - (273/ 2) و (281/ 2). شرح 10 - قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر ويليه كتاب مسائل الجاهلية ـ (129/ 1).
-
11 ـ كتاب الاعتصام للشاطبي - (294/ 1).
12 ـ مجموع مؤلفات عقائد الرافضة والرد عليها - (27/ 24) و (109/ 24). - موسوعة الرد على الصوفية - (53/ 100) و (100/ 54) و (273/ 168). موسوعة توحيد رب العبيد ـ (224/ 11).
13
14 (2/432)
صفحة 880
جواب على أسئلة من الجزائر
15 - سلسلة التفسير لمصطفى العدوي - (13/ 18). محاسن التأويل (تفسير القاسمي) ـ (الجزء الأول). أرشيف ملتقى أهل التفسير 2 - (1447/ 1).
17 -
18 - الإحكام في أصول القرآن ـ (ص 75). مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (280/ 1). مشكاة المصابيح مع شرحه مرقاة المفاتيح ـ (657/ 1).
19 -
- 20
21 - آداب الزفاف ـ للألباني (ص 167).
22 ـ الرد المفحم ـ للألباني (ص 32).
23 -
الجزء الثاني
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة ـ (165/ 1). 24 - توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار - دار الكتب العلمية (93/ 1) و (96/ 1).
25 - ثمرات النظر - لمحمد الصنعاني (ص 132).
26
المفصل في علوم الحديث ـ الشحود (17/ 2).
27 - أصول الفقه على منهج أهل الحديث ـ (ص 40).
28 ـ إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ـ (196/ 1).
433
29 - إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار - (ص 116 وص 159).
30 - الإحكام لابن حزم - (531/ 4) و (97/ 5).
31 - الاعتصام ـ (274/ 1).
32 ـ الخلاصة في بيان أسباب اختلاف الفقهاء ـ (487/ 1). 33 ـ المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ـ (ص 48). 34 ـ المسودة - مجموعة مؤلفين (ص 283).
35 ـ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب ـ (144/ 2). 36 ـ معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة ـ هامش (ص 163). 37 ـ من أصول الفقه على منهج أهل الحديث ـ (ص 54).
38 -
نهاية السول شرح منهاج الوصول - (79/ 2). 39 - الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ـ (183/ 1).
40 - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ص 26).
41 ـ تمام المنة في التعليق على فقه السُنَّة ـ (ص 366). موسوعة الفقه الإسلامي - (73/ 1). (2/433)
صفحة 881
434 الفتاوى العقيدة
وقد وجدت ابن تيمية يرد إجماعاً قطعياً دلت عليه نصوص الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ولم يخالف فيه أحد
من الأمة إلا من أعرض عن القرآن واتبع نهج الفلاسفة، وذلك
أنه ادعى أن العالم قديم بالنوع وهذا ما لا يقوله المسلمون، وقد حكى الإجماع على حدوثه وكفر من قال بقدمه ابن حزم في كتابه «مراتب الإجماع» (ص 167) حيث قال:
باب من الإجماع في الاعتقادات يكفر من خالفه بإجماع.
ثم قال: اتفقوا أن الله كل وحده لا شريك له خالق كل شيء غيره وأنه تعالى لم يزل وحده ولا شيء غيره معه ثم خلق الأشياء كلها كما شاء». ولكن ابن تيمية اعترضه بشدة في نقده لمراتب الإجماع (ص 303 - 306 حيث قال: «أما اتفاق السلف وأهل السنة والجماعة على أن الله وحده خالق كل شيء فهذا حق، ولكنهم لم يتفقوا على كفر من
خالف ذلك:
فإن القدرية الذين يقولون: إن أفعال الحيوان لم يخلقها الله أكثر من أن يمكن ذكرهم، من حين ظهرت القدرية في أواخر عصر الصحابة إلى هذا التاريخ والمعتزلة كلهم قدرية، وكثير من الشيعة، بل عامة الشيعة المتأخرين، وكثير من المرجئة والخوارج، وطوائف من أهل الحديث والفقه، نسبوا إلى ذلك منهم طائفة من رجال الصحيحين، ولم يجمعوا على تكفير هؤلاء، بل هو نفسه قد ذكر في أول كتابه: أنه
لا يكفر هؤلاء.
والمنصوص عن مالك والشافعي وأحمد في القدرية أنهم إن جحدوا
العلم كفروا، وإذا لم يجحدوه لم يكفروا. (2/434)
صفحة 882
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
435
أخطأ
وأيضاً: فقد ذكر في كتابه الملل والنحل» أن الصحابة وأئمة الفتيا لا يكفرون من في مسألة في الاعتقاد ولا فتيا، وإن كان أراد بقوله: «أتى المسلمون على هذا» فهذا أبلغ.
ومعلوم أن مثل هذا النقل للإجماع لم ينقله عن معرفته بأقوال الأئمة، لكن لما علم أن القرآن أخبر بأن الله خالق كل شيء، وأن هذا من أظهر الأمور عند الأمة، حكى الإجماع على هذا، ثم اعتقد أن من خالف الإجماع كفر بإجماع، فصارت حكايته لهذا الإجماع مبنية على هاتين المقدمتين اللتين ثبت النزاع في كل منهما.
وأعجب من ذلك حكايته الإجماع على كفر من نازع أنه سبحانه «لم يزل وحده، ولا شيء غيره معه، ثم خلق الأشياء كما شاء».
ومعلوم أن هذه العبارة ليست في كتاب الله، ولا تنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل الذي في «الصحيح عنه حديث عمران بن حصين لله عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كَانَ اللهُ ولَا شَيْءٍ قَبلَهُ، وَكَانَ عَرِشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وفي لفظ: «ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ».
وروي هذا الحديث في البخاري بثلاثة ألفاظ:
روي: «كان الله ولا شيء قبله».
وروي: «ولا شيء غيره».
ورُوي: «ولا شيء معه».
والقصة واحدة، ومعلوم أن النبي الله إنما قال واحداً من هذه الألفاظ، والآخران رويا بالمعنى، وحينئذ فالذي يناسب لفظ ما ثبت عنه في الحديث الآخر الصحيح أنه كان يقول في دعائه: «أَنتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ (2/435)
صفحة 883
436 الفتاوى العقيدة
شَيْءٌ، وَأَنتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْء». فقوله في هذا: «أنت الأول فليس قبلك يناسب قوله: «كان الله ولا شيء قبله وقد بسط الكلام على هذا الحديث وغيره في غير هذا الموضع.
شيء»
والمقصود هنا الكلام على ما يظنه بعض الناس من الإجماعات، فهذا اللفظ ليس في كتاب الله، وهذا الحديث لو كان نصاً فيما ذكر فليس هو متواتراً، فكم من حديث صحيح ومعناه فيه نزاع كثير، فكيف ومقصود الحديث غير ما ذكر، ولا نعرف في هذه العبارة عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فكيف يُدعى فيها إجماع ويُدعى الإجماع على كفر من
خالف ذلك!
ولكن الإجماع المعلوم هو ما علمت الأمة أن الله بينه في القرآن، وهو أنَّ خَلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، كما أخبر الله بذلك في القرآن في غير موضع، فإذا ادعى المدعي الإجماع على هذا وتكفير من خالف هذا كان قوله متوجهاً، وليس في خبر الله ـ أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ـ ما ينفي وجود مخلوق قبلهما، ولا ينفي أنه خلقهما من مادة كانت قبلهما، كما أنه أخبر أنه خلق الإنسان وخلق الجن، وإنما خلق الإنسان من مادة وهي الصلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار.
فكيف وقد ثبت بالكتاب والسنَّة وإجماع السلف ـ الذي لا يعلم فيه نزاع ـ أن الله لما خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان عرشه على الماء قبل ذلك، فكان العرش موجوداً قبل ذلك، وكان الماء موجوداً قبل ذلك. (2/436)
صفحة 884
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
437
وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله قدر مَقَادِيرَ الْخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وكان عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ».
وقد أخبر سبحانه أنه: اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَنَيْنَا طَابِعِينَ} [فصلت: 11].
وثبت عن غير واحد من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين أنه خلق السماء من بخار الماء، ونحو ذلك من النقول التي يُصَدِّقُها ما يُخبِرُ به أهلُ الكتاب عن التوراة وما عندهم من العلم الموروث عن الأنبياء، وشهادة أهل الكتاب الموافقة لما في القرآن أو السُنَّة مقبولة، كما في قوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ} [الرعد: 43].
ونظائر ذلك في القرآن.
وهذا الموضع أخطأت فيه طائفتان:
طائفة من أهل الكلام من اليهود والمسلمين وغيرهم، ظنوا أن إخبار الله بخلقه للسماوات والأرض وما بينهما يقتضي أنهما لم يُخلقا من شيء، بل لم يكن قبلهما موجود إلا الله.
ومعلوم
أنَّ خبر الله مخالف لذلك، والله قد أخبر أنه خلق الإنسان والجان من مادة ذكرها، والذين يثبتون الجوهر الفرد من هؤلاء وغيرهم يعتقدون أنَّ خَلْقَ الإنسان وغيره مما يخلقه في هذا العالم ليس هو خلقاً لجوهر قائم بنفسه، بل هو إحداثُ أعراض يُحَوِّلُ بها الجواهر المنفردة من
حال إلى حال. (2/437)
صفحة 885
438 الفتاوى العقيدة
وهذا مخالف للشرع والعقل - كما قد بسط في موضعه ـ فإن هؤلاء يقولون: إنا لم نشهد خَلْقَ عين من الأعيان، بل الرب أبدع الجواهر
المنفردة ثم الخلق بعد ذلك، إنما هو إحداث أعراض قائمة بها.
وطائفة أخرى أبعد عن الشرع والعقل من هؤلاء: «يتأولون خلق السماوات والأرض بمعنى التولد والتعليل والإيجاب بالذات، ويقولون: إن الفلك قديم أزلي معلول للرب، وأنه يوجب بذاته، لم يزل ولا يزال». اهـ.
فأنتم ترونه كيف يخالف إجماعاً دل على مضمونه القرآن الكريم وعززته السنة النبوية على صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام واقتضاه العقل السليم.
أما القرآن فقد دلّت منه نصوص كثيرة على أنه تعالى: {خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ) جاء ذلك في سورة الأنعام والرعد والزمر وغافر، وقال تعالى في سورة الفرقان: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَرَهُ نَقدِيرًا} [الفرقان: 3]، وهب أنه تعالى خلق السماوات والأرض من مادة سابقة فإن تلك المادة أيضاً هي «شيء»، وهي داخلة - بلا ريب - في عموم المخلوقية الله تعالى فيستحيل أن تكون أزلية.
وأما السنة النبوية فهي قوله: كان الله ولا شيء معه» ء معه» وفي رواية أخرى: «كان الله ولا شيء غيره»، ولا تنافي بين هاتين الصيغتين وصيغة: «كان الله ولا شيء قبله التي اختارها ابن تيمية ليدفع بها في نحر الحق، فإنه كان ولم يكن شيء قبله ولا معه في أزله قبل أن يخلق الخلق. وأما اقتضاء العقل السليم لذلك، فإنه ـ ولا ريب ـ دال على استحالة أن يكون مع الله شيء في أزله، أو أن يكون مشاركاً في قدمه، ولو جاز أن (2/438)
صفحة 886
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
439
يشاركه غيره في القدم لجاز أن يشاركه في الألوهية والربوبية!! وهو مناف
لوحدانيته.
کلام
ولم ينفرد ابن حزم برواية هذا الإجماع، فقد نقله غيره كما جاء في الحافظ ابن حجر في «الفتح» (202/ 12) حيث قال: «قال شيخنا - يعني الحافظ العراقي - في شرح الترمذي: الصحيح في تكفير منكر الإجماع تقييده بإنكار ما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس ومنهم من عبر بإنكار ما علم وجوبه بالتواتر ومنه القول بحدوث العالم وقد حكى عياض وغيره الإجماع على تكفير من يقول بقدم العالم. وقال ابن دقيق العيد وقع هنا من يدعي الحذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة فظن أن المخالف في حدوث العالم لا يكفر لأنه من قبيل مخالفة الإجماع وتمسك بقولنا إن منكر الإجماع لا يكفر على الإطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواتراً عن صاحب الشرع؛ قال: وهو تمسك ساقط إما عن عمى في البصيرة أو تعام لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل.
ويشير ابن دقيق العيد في قوله: «من يدعي الحذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة إلى ابن تيمية فهو الذي اشتهر بهذا القول وقد عزاه إليه غير واحد.
وعلق الكوثري على كلام ابن تيمية في نقد مراتب الإجماع بقوله: لا عجب في القول بإجماع الأمة على كفر من أثبت خالقاً سواه تعالى بالمعنى الذي سبق ولا في إكفار من ينكر أنه سبحانه لم يزل وحده، ولا شيء غيره معه، وإنما العجب كل العجب اجتراء ابن تيمية هنا على القول بحوادث لا أول لها والقول بالقدم النوعي في العالم، وبقيام (2/439)
صفحة 887
440 الفتاوى العقيدة
الحوادث به سبحانه، متعامياً عن حجة إبراهيم المذكورة في القرآن الكريم، ومنكراً لما يعزوه الصحيح البخاري كان الله ولا شيء معه» مع أنه هو القائل بأن ما في الصحيحين يفيد العلم - يعني اليقين إجراءً له مجرى الخبر المتواتر ـ ومخالفاً للإجماع اليقيني في ذلك وأنى يتصور قدم للنوع الذي لا وجود له إلا في الذهن؟! وعدم تناهي ما دخل بالفعل تحت الوجود لا يتصوره إلا عقل عليل، وعلى فرض وجود النوع في الخارج لا يكون موجوداً إلا في ضمن أفراده، وأنى يكون للنوع قدم مع حدوث أفراده؟!!
ودعوى أن الله لم يزل ومعه شيء توازن في البشاعة القول بقدم شيء بعينه سواه تعالى بل القول بالقدم النوعي كالقول بالقدم الشخصي في البطلان، بل ذاك أسقط من هذا، وكلاهما يستلزم نفي الإرادة الله سبحانه، ولا شأن للسلف الصالح في الخوض في مثل هذه البحوث، وأما استغلال بعض الكلمات المجملة المروية عنهم بتأويلها على معنى لا يتصور خطوره على بالهم فتقويل لهم بما لم يقولوا. اهـ (تعليق الكوثري رقم (4) على مراتب الإجماع ونقد مراتب الإجماع،
عن
ص 168 - 169).
ولم يكن تصريح ابن تيمية بالقدم النوعي للعالم في نقده مراتب الإجماع وحده، بل صرح به في كثير من كتبه، منها كتابه المسمى بـ «منهاج السنة»، وكتابه المسمى بـ «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول»، أو «درء تعارض العقل والنقل وفي «الموافقة» وفي «شرح حديث عمران بن حصين ولولا تجنب الإطالة لنقلت نصوص كلامه موثقة، وإنما أكتفي بما قاله في «درء تعارض العقل والنقل بعد أن حكى مقولة أحد متكلمي (2/440)
صفحة 888
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
441
الأشاعرة في هذا، ويظنه الكيا الطبري، وهي: «قد أطبق المليون وأتباع الأنبياء كلهم على استحالة حوادث لا أول لها، وقال ملحدة الفلاسفة بإثبات حوادث لا أول لها، فقد تعقبه ابن تيمية بقوله: «وهذا القول الذي يحكيه هذا وأمثاله من إجماع المسلمين أو إجماع المليين في مواضع كثيرة يحكونه بحسب ما يعتقدونه من لوازم أقوالهم وكثير من الإجماعات التي يحكيها أهل الكلام هي من هذا الباب فإن أحدهم قد يرى أن صحة الإسلام لا تقوم إلا بذلك الدليل وهم يعلمون أن المسلمين متفقون على صحة الإسلام فيحكون الإجماع على ما يظنونه من لوازم الإسلام كما يحكون الإجماع على المقدمات التي يظنون أن صحة الإسلام مستلزمة لصحتها وأن صحتها من لوازم صحة الإسلام أو يكونون لم يعرفوا من المسلمين إلا قولين أو ثلاثة فيحكون الإجماع على نفي ما سواها. وكثير مما يحكونه من هذه الإجماعات لا يكون معهم فيها نقل لا عن الصحابة ولا التابعين ولا عن أحد من أئمة المسلمين بل ولا عن العلماء المشهورين الذين لهم في الأمة لسان صدق ولا فيها آية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مع هذا يعتقدون أنها من أصول الدين
أحد من
التي لا يكون الرجل مؤمناً أو لا يتم دين الإسلام إلا بها ونحو ذلك. ومثل هذا الرجل وأمثاله من أهل الكلام لما اعتقدوا أن العلم بإثبات الصانع وصدق الرسول موقوف على هذا الدليل أخذ يحكيه عن جميع أهل الملل وجميع أتباع الأنبياء وهو مع هذا لا يمكنه أن ينقله عن عالم واحد لا من الصحابة ولا من التابعين ولا تابعيهم ولا معه فيه آية ولا حديث والمنصوص عن الأئمة المشهورين عند الأمة يناقض ذلك ولهذا عاد فحكى عن أهل الحديث الذين سماهم مشبهة أنهم يقولون بذلك وإن كان ذكره في معرض التشنيع عليهم ففي ذلك ما يبين أن أتباع الأنبياء تنازعوا في ذلك (2/441)
صفحة 889
في
442 الفتاوى العقيدة
وما ذكره من أن حدوث العالم لا يتم إلا بإبطاله. يقول منازعوه: إن الأمر ذلك بالعكس وإن القول بما أخبرت به الرسل من أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام لا يتم مع هذا القول ولا يتم إلا بنقيضه لأن إبطال هذا يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح وحدوث مجموع الحوادث بلا سبب حادث ويصير الفاعل فاعلاً بعد أن لم يكن بدون سبب جعله فاعلاً بل حقيقة هذا القول أنه صار قادراً بعد أن لم يكن بغير سبب وصار الفعل ممكناً بدون سبب وهذا ممتنع في بدائه العقول.
وبذلك صالت الدهرية على أهل الكلام الذين سلكوا هذه السبيل فإنهم لما رأوا فساد هذا القول في صريح المعقول وظنوا أن هذا قول الرسل وأتباعهم اعتقدوا أن الرسل صلوات الله عليهم أخبرت بما يخالف صريح المعقول ثم من أحسن الظن بهم قال فعلوا ذلك لمصلحة الجمهور إذ لم يمكن مخاطبتهم بالحق المحض فكذبوا لمصلحة الجمهور فساء ظن هؤلاء بما جاءت به الأنبياء وامتنع أن يستدلوا به على علم، وأولئك المتكلمون بجهلهم قصدوا إقامة الدليل على تصديق الأنبياء ونصر ما جاؤوا به فلما نقص علمهم بالسمعيات والعقليات أدى ما فعلوه إلى تكذيب الرسل والطعن في ما جاؤوا به.
فأما القول بما أخبرت به الرسل فلا يناقض هذا الأصل بل يبطل ما يدفع به الملاحدة أقوال الرسل. اهـ (درء تعارض العقل والنقل، ج 8، ص 95 - 98، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان 1417 هـ ـ 1997 م).
ومهما يكن من خطأ في قول المعتزلة بأنهم يستقلون بخلق أفعالهم، قال بـ «قدم العالم»؛ لأنه ينافي عقيدة
خطأ فإنه لا يتساوى مع
وحدانية الله الله.
من قال (2/442)
صفحة 890
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
443
ولست الآن بصدد مناقشة ابن تيمية في كلامه هذا وما جاء به فيه من مسالك ملتوية؛ لأجل تبرير ما يعتقده من قدم العالم، فإن موضع ذلك كتابنا برهان الحق على أن كلامه بين تهافته لا يخفى تساقطه إلا على من اتبع هواه وأعرض عن الذكر، وإنما سقته هنا ليتبين هؤلاء الذين يدعون مخالفة ما في مسند الربيع للإجماع كيف يتلاعب أئمتهم بالإجماع
نفسه، فيقرونه تارة وينكرونه أخرى بحسب ما يملي عليهم هواهم. وإذا كان هذا هو موقف الحشوية من الإجماع وهكذا تلاعبهم بما ثبت الإجماع عليه فلا أعجب إلا ممن يدعي منهم أن في مسند الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله تعالى ما يخالف الإجماع، نعم هو مخالف لإجماع هواهم لأنه معتضد بنصوص القرآن التي طالما شنوا عليها حرباً لا هوادة فيها، كما قال إمامهم البربهاري في كتابه المسمى بـ «شرح السنة» (ص 54): «إذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن فلا تشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة فقم من عنده ودعه»، فلينظر اللبيب كيف يعرضون عن القرآن مع أن الله تعالى يقول: {وَقَدْ عَانَيْنَكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْراً 5 خَلِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ حملًا} [طه: 99 - 101]، ويقول: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا) قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَ وَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنَسَى} [طه: 124 - 126]، ووصف الله تعالى القرآن بقوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، وقوله: {هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]، وقوله: (هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 2]، وقوله: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} [لقمان: 3]، وقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِى لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]، وقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 189، وقوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ
?? (2/443)
صفحة 891
444 الفتاوى العقيدة
الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102] فهذا قول الله تعالى في القرآن وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}
[النساء: 122].
وليت شعري؛ لماذا هذه الحملة على القرآن إن لم تكن لأجل الصد عنه وطمس نوره والتعمية على هداه؟!
6
هذا
وإذا كانت الأمم السابقة تمكن ضلالها من تحريف كتبها وتبديل نصوصها، فإن الله تعالى صان القرآن من أي تحريف وتبديل كما قال عز من قائل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: 9]، فقطعت عنه أيدي المحرفين وصرفت عنه مؤامرات الماكرين غير أنهم استعاضوا عن تحريف أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد اجترأوا على الكذب عليه ونسبة ما هو بعيد عن هديه إليه، كما نسبوا إلى أصحابه ما هم براء منه، وحاولوا أن يصرفوا الناس عن القرآن إلى هذه الأحاديث المزورة والأقوال المختلقة، كما نجد ذلك في كلام البربهاري هذا، وقد تسلسل ذلك فيهم جيلاً بعد جيل حتى سمعنا أحد حشوية العصر - وهو عبد الرحيم الطحان - يقول على مسمع ومرأى من مؤيديه الذين يعتقدون معتقده: «لا خير في قرآن بغير سُنَّة ولا خير في سُنَّة بدون فهم سلفنا الصالح»، وكلامه موجود بصوته يمكننا إحضاره إذا اقتضى الأمر، فما أعجب هذه الجرأة
على الله ورسوله، حيث ينفي الخير عن كتاب الله وعن سنة رسوله ويجعله موقوفاً على كلام طائفة من الناس مع أن الله تعالى يقول: {فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 459، وإن لم يكن هذا صدا عن كتاب الله وعن سُنَّة رسوله فبماذا يفسر يا ترى؟! (2/444)
صفحة 892
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
445
هذا، وقد رأيتم كيف اتخذ هؤلاء الإجماع ألعوبة يتصرفون فيها وفق هواهم، فهم يقرونه تارة وينكرونه تارة أخرى بحسب ما يبدو لهم من الأهواء!! وليس اعتذار من اعتذر منهم ـ بأن ذلك محمول على ما ينقله الخصوم من الإجماع - بشيء، فإنه لو صح أن ذلك هو مراد قائله لكان مردوداً بأن الغاية لا تبرر الوسيلة، فإن كان الإجماع في ذاته حجة فلا يسوغ أن يقال فيها هذا، على أن الكيل بمكيالين ليس من شيمة أهل العدل والإنصاف؛ الذين يتبعون الحق ويتحرون الحقيقة، ونحن نرى في ما نقلوه عن أحمد ما يخالف تأويلهم هذا للنص المحكي عنه، فكم نقل عنه أنه ذكر ذلك مقروناً بعلته حيث قال: «من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس قد اختلفوا».
منهم
ولا ريب أن قولكم إن في مسند الربيع مخالفة لما أجمعت عليه الأمة دعوى عارية من الدليل على أن إجماع الأمة الذي يعتد به هو إجماع فئاتها من غير خلاف بينهم وليس إجماع طائفة منهم، وإلا لساغ
جميع
لكل طائفة أن تدعي أن قولها هو الإجماع وقول غيرها مخالف له.
وكذلك قولكم بأن الإباضية تركوا الأخذ بما في الصحيحين وكتب السنن التي أجمعت الأمة الأخذ منها هي دعوى ساقطة، فكم اعتمد الإباضية في فقههم على ما جاء عند الشيخين وغيرهما، وكم نجد من غير الإباضية تركاً للأخذ بروايات أخرجها الشيخان وغيرهما، ولا يمكنني الآن استقصاء بيان ذلك فإن شرحه يحتاج إلى مجلدات، وما من مذهب من المذاهب الأربعة إلا وقد ترك التعويل في بعض الأمور على ما رواه الشيخان، كما بينت بعض ذلك في بعض الأجوبة التي
حررتها. (2/445)
صفحة 893
446 الفتاوى العقيدة
أما ترجيح الإباضية لما رواه الربيع على ما رواه غيره فإنما يرجع ذلك إلى عدة أمور:
أولها: أن سلسلة الربيع الذهبية خالية من وجود من يعتقد العفو عن أهل الكبائر وإن لم يتوبوا، أو أنهم يعذبون إلى أمد ثم يحولون من العذاب إلى النعيم ولا ريب أن العقل والشرع قاضيان بأن اعتقاد أن مرتكب الكبيرة - ومن بينها الكذب - لا يعفى عنه إن لم يتب وعقابه التخليد في جهنم رادع عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والاجتراء على نسبة ما لم يقله إليه.
يتصور
أما العقل؛ فمن المعلوم أن من كان يتصور أن الإقدام على أمر ما يترتب عليه العقاب حتماً، وأن عقابه خالد أبدي لا يكون جريئاً على الإقدام على ذلك الأمر، بل ينهنهه اعتقاده عن مقارفته، بخلاف من كان أنه قد يعفى عنه وإن لم يعف عنه عذب إلى عذب إلى أمد ثم انقلب إلى النعيم، إذ لا يستوي في موازين العقل أصحاب هذا المعتقد وذاك المعتقد. وأما الشرع؛ فكم من نصوص في القرآن تدل على هذا، منها قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةِ وَأَجْرِ كَرِيمٍ} [يس: (11)، وقوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ) [فاطر: 18]، وقوله: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) [ق: 45]، وقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى} [الأعلى: 10]، وبين تعالى أن اعتقاد اليهود أنهم سيغفر لهم جرأهم على أخذ عرض هذا الأدنى، فقد قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} [الأعراف: 169].
كما بين سبحانه أن اعتقادهم بأنهم لا يلبثون في النار إلا إلى أمد ترأهم على التولي عن تحكيم الكتاب الذي أوتوه، وذلك في قوله: (2/446)
صفحة 894
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
447
هو أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَونَ إِلَى كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَنَا النَّارُ إِلَّا أَيَا مَا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 23 - 24]، ومن
ملے
المعلوم أن طبائع البشر من حيث أصلها لا تختلف بين أمة وأمة، وإنما ترتقي بالأمم العقائد الصحيحة والتصورات الصادقة والصلة بالله الله بوسائل العبادات السليمة الخالصة.
ونحن نجد أن أثر عقيدة العفو عن أهل الكبائر وخروجهم من النار بعد أن يصلوها قد جرت على هذه الأمة من المصائب في الدين ما لا يقل عما جرته على من كان قبلها، وهذا بشهادة أصحاب هذا المعتقد أنفسهم، إذ لم يقتصروا على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كذبوا على الله علانية، وقالوا عليه قولاً عظيماً تكذبه نصوص القرآن وأحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، ودونكم شاهداً على ذلك هذا النص الذي ذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء (150/ 5 - 151)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (232/ 9)، حيث قالا عن ابن وهب حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم قال: لما ولي يزيد بن عبد الملك قال سيروا بسيرة عمر، فمكث كذلك أربعين ليلة، فأتي بأربعين شيخاً فشهدوا له أنه ما على الخلفاء من حساب ولا عذاب
وقد ذكر ذلك أيضاً الذهبي في «العبر في خبر من غبر» (128/ 1 - 129)، واليافعي في مرآة «الجنان» (224/ 1)، وقال ابن العماد في «شذرات الذهب» (128/ 1): «قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما استخلف ـ أي يزيد بن عبد الملك ـ قال سيروا سيرة عمر بن عبد العزيز فأتوه بأربعين شيخاً شهدوا له أن الخلفاء لا حساب عليهم ولا عذاب، فأقبل (2/447)
صفحة 895
448 الفتاوى العقيدة
على الظلم وإتلاف المال والشرب والانهماك على سماع الغناء والخلوة
بالقيان».
فليت شعري؛ ألا يعد هذا كذباً على الله تعالى الذي حذر من مجرد الركون إلى الذين ظلموا وتوعد على ذلك النار إذ قال: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [هود: 113]، فكيف يعفى عن الظالم نفسه ولا يحاسب ولا يجازي على ظلمه؟! وإذا كان الله تعالى يخاطب نبيه داود الي بقوله: {يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَأَحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص: 26)، فكيف بسائر الناس؟ كيف يكون من تسلط على رقاب الأمة مأذوناً له أن يفعل ما يملي عليه، هواه، وأن يأتي من الفسوق ما شاء، وأن يرتكب من الظلم والطغيان ما تذوب منه الجبال وتتدكدك به الأوتاد؟!
ولينظر العاقل كيف اجترأ هؤلاء الشيوخ الذين تواطأوا على هذه الشهادة الكاذبة أن يكذبوا على الله تعالى ويقولوا هذا القول لا لغرض إلا تزيين الظلم والطغيان والفجور لمن تسلط على رقاب الأمة، لأنهم كرهوا العدل والإنصاف وعافوهما وقد زين لهم الشيطان شهواتهم فلذلك لم يرق لهم ما كان من عمر بن عبد العزيزه من فطمهم عن هذه الشهوات وإقامة موازين القسط بين الناس، فليت شعري؛ أيؤمن هؤلاء وأمثالهم على نقل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سليمة من الكذب والتدليس، وكيف تقدم روايتهم على رواية الذين آمنوا بوعيد الله كما آمنوا بوعده فكانوا ناظرين في كل ما يقولونه ويعملونه إلى وعد الله ووعيده واقعين بين خوفه ورجائه بائعين لدنياهم مضحين بأنفسهم في سبيل الحق لأجل إقامة موازينه العادلة في الأرض؟! (2/448)
صفحة 896
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
449
ثانيها: أن روايات الربيع خالية مما شيبت به روايات غيره من وصف الله تعالى بما لا يليق بجلال قدسه إذ رواياته في هذا جميعاً تدور حول محور تنزيه الله تعالى عن جميع النقائص ومشابهته لخلقه، بينما نجد في الروايات الأخرى ما تقشعر منه الأبدان من وصفه تعالى بصفات خلقه، حتى إن بعضها يوحي أنه لا يعلم كثيراً مما يقع من عباده حتى تطلعه عليه ملائكته، وقد بسطت القول في هذا في الأجزاء الثلاثة ـ الرابع والخامس والسادس - من برهان الحق، ولا أجد داعياً إلى توسعة هذه العجالة ببيان هذا فإن القول في ذلك يطول.
ثالثها: أن روايات الربيع خالية من التجني على مقام صاحب النبوة الكبرى والرسالة العظمى عليه أفضل الصلاة والسلام ووصفه بصفات الجبابرة أهل الظلم والبطش، وكم نجد من مثل هذا في الروايات الأخرى ناهيك بتلك الرواية التي سلف ذكرها وفيها أنه كان يأمر بالقتل بمجرد الاتهام ولو لم تقم على مقتضاه بينة مع أن هذا يتصادم مع ما دعا إليه القرآن من التحفظ وعدم تصديق هذه الدعاوى إلا بعد قيام بينة تفوق البينات كلها في عدد شهودها وكيفية التثبت فيها، فكيف يصدق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسرع في إصدار أوامره بضرب الأعناق من أجل اتهام لم يقم عليه دليل بل كان الدليل واضحاً على بطلانه، وهو الذي وصفه الله تعالى بأنه على خلق عظيم وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم؟! مع أن الله سبحانه رسم له طريقاً مستقيماً ومنهاجاً عادلاً في التعامل مع مثل هذه الأحداث حيث قال: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُن لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ أَمْرِي مِنْهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كَبَرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكُ مُّبِينٌ لَّوْلَا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَيكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ) (2/449)
صفحة 897
450 الفتاوى العقيدة
(14)
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمُ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمُ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَتِ وَاللَّهُ حكيم} [النور: 11 - 18].
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ} [النور: 4].
فليت شعري؛ كيف يصدق أن يعدل النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا كله عن هذا المنهج الرباني إلى منهج شيطاني لا تنسجم معه الفطرة السوية؟! فكيف إذا كانت هذه الفطرة مسددة أيضاً ببصيرة الوحي وأنوار الشرع؟ أَوَلَا يكون ذلك كله ما يحمي نفس النبي عليه أفضل الصلاة والسلام من التأثر بهوى النفس ونزغات الشيطان؟
في
وكم نجد في تضاعيف الروايات التي شحنت بها أمهات كتب الحديث من أمثال هذه المسرحيات التي لا تدل إلا على خيال مأفون وخبال مستحكم في عقول مبتكريها.
وإليك نموذجاً من هذه الترهات التي سودت بها كتب الحديث لتكون دمغات سوداء في صفحة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وصفه الله بأنه رحمة للعالمين، فقد أخرج أحمد وأبو يعلى في مسنديهما والحاكم في مستدركه وصححه وتابعه الذهبي - والطحاوي في «مشكل الآثار»: عن هشام بن عروة عن أبيه قال قال لي أبي إن عائشة قالت له: «يا ابن أختي لقد رأيت من تعظيم رسول الله العباس أمراً عجيباً، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تأخذه الخاصرة فتشتد به جداً، قالت وكنا نقول أخذت رسول الله عرق (2/450)
صفحة 898
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
451
الكلية ولا نهتدي للخاصرة، فأخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخاصرة يوماً من ذلك فاشتدت به جداً حتى أغمي عليه، فخفنا على رسول الله وفزع الناس إليه، قالت: فظننا أن به ذات الجنب فلددناه قالت ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفاق، قالت: فعرف أن قد لددناه فوجد أثر اللد، فقال: أظننتم أن الله سلطها عليَّ؟! ما كان الله ليسلطها عليّ، والذي نفسي بيده لا يبقى أحد في البيت إلا لد إلا عمي، قالت عائشة: فلقد رأيتهم يومئذ يلدون رجلاً رجلاً، قالت عائشة: ومن في البيت يومئذ يذكر فضلهم، قالت: فلد الرجال أجمعين، قالت: ثم بلغنا والله اللدود أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فلددنا والله امرأة امرأة، قالت: حتى بلغ اللدود امرأة منا قالت إني والله صائمة، فقلنا لها: بئس ما ظننت أن نتركك وقد أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فلددناها والله يا ابن أختي وإنها لصائمة».
فانظر إلى هذه الرواية أتجد فيها أخلاق نبي الرحمة الذي كان يفيض قلبه بالشفقة وتتدفق نفسه بالحنان، أم أنك تجد ما وصف به فيها أشبه بخصال الجبارين؛ الذين لا يريح ضمائرهم ولا يسكن جائشة نفوسهم إلا التشفي والانتقام فما الذي عمله الذين كانوا في البيت يومئذ إلا أنهم أرادوا العافية والسلامة له صلوات الله وسلامه عليه، وذلك من الإحسان طبعاً، وقد قال تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيل} [التوبة: 91]، فكيف يعقل أن يقابل هذه الشفقة منهم بشظف الأخلاق وقسوة المعاملة وإنزال العقوبة بهم؟!
أوليست هذه الروايات وأمثالها هي التي تفتح الثغرات لأصحاب النيات السيئة للطعن في الإسلام والقدح في رسوله عليه أفضل الصلاة
والسلام؟! (2/451)
صفحة 899
452 الفتاوى العقيدة
ثم كيف يعقل ـ لو كانت هذه العقوبة مشروعة ـ أن يعفى منها العباس الله مع أنه أحد المشاركين في اللد كما جاء في كتب السيرة بأن الكل أجمعوا على ذلك وأن العباس الله هو الذي اعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: خشينا يا رسول الله أن يكون بك ذات الجنب (السيرة النبوية لابن هشام (66/ 6 أوليست العدالة تقتضي أن يشرك الكل في العقوبة لو كانت عقوبة مشروعة؟!
فليت شعري؛ كيف تنزل هذه العقوبة بكل من كانوا في البيت رجالاً ونساء، ويعفى منها العباس مع أنهم شركاء في موجبها لو كان لده من أجل ابتغاء العافية له موجباً لها؟! أولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألزم العباس يوم بدر عندما أخذ أسيراً ما ألزمه غيره من أسرى قريش من الفدية، ولم يعفه عنها مع كونه خرج فيمن خرج إلى بدر مكرهاً، ولم يكن راغباً في الخروج؟!
هذا؛ ودونك قصة أخرى هي من جنس هذه المسرحيات مروية عند الشيخين، ففي صحيح البخاري ما نصه:
سمع
حدثني محمود حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار جابر بن عبد الله، با قال لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، فخرَّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال: إزاري إزاري، فشد عليه إزاره
وقال مسلم: حدثنا زهير بن حرب حدثنا روح بن عبادة حدثنا
د الله
زكرياء بن إسحق حدثنا عمرو بن دينار: قال سمعت جابر بن عبدال يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال (2/452)
صفحة 900
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
453
له العباس عمه يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة، قال: فحلّه فجعله على منكبه فسقط مغشياً عليه، قال: فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانا.
فليت شعري؛ هل تطاوع النبي صلى الله عليه وسلم فطرته الزكية أن يحل إزاره ويبقى عارياً أمام الناس في ذلك المشهد وهو أمام بيت الله تعالى الحرام؟! وهذا وإن كان قبل بعثته يستحيل أن يكون من خلقه، كيف وقد زكى الله سبحانه خلقه وسوى فطرته؟! وهل يعقل أن يصدر مثله من سليم العقل سوي الفطرة ولو لم يكن ذا دين قط؟ فكيف يتصور أن يكون ممن هيأه الله لحمل رسالة الرحمة إلى الخلق أجمعين أيعقل أن يضل عقله حتى ينزل منزلة الحيوان الأعجم في قبول مثل هذا الأمر؟! كلا، فإن الله سبحانه قد حلاه بمكارم الأخلاق ومحاسن الخلال منذ طفولته الأولى، وهل يعقل أيضاً أن العباس يأمره بذلك، مع أنه أمر في ذاته يتنافى مع الطبيعة البشرية ويأباه الحياء الذي فطر الله تعالى عليه جميع البشر؟!
ولا ريب أن الله تعالى اختار رسوله من أطيب عنصر وأخلص معدن وأكرم ضئضئ فأنى للعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ـ الذي سبق في علم الله أنه سيكون حميمه ونصيره وسيتشرف بالإيمان برسالته والاستظلال بلوائه ـ أن يأمر ابن أخيه ـ الذي عرف بطبع الحياء والإباء من كل ما يخدش حياءه ـ بمثل هذا؟!
مع أنه كان عليه أفضل الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها، كما وصفه بذلك أصحابه. هذا؛ وكم تجد في الروايات التي عند غير الربيع ما يؤذن بأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجترئون على نبذ أوامره وتسفيهه في ما يأمرهم به حتى في (2/453)
صفحة 901
أهم
454 الفتاوى العقيدة
القضايا التي ينعقد بها مصير الأمة. ففي صحيح البخاري ما نصه: حدثنا يحيى بن سليمان قال حدثني ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: «لما اشتد بالنبي قال ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده. قال عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم
وجعه
غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط، قال قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع فخرج ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه»، فهل يعقل أن يعترض ابن الخطاب له - وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان براً في صحبته حريصاً على طاعته وتنفيذ أوامره وإحياء سننه - على أمر يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتبط به مصير الأمة اتفاقاً أو افتراقاً، ويتعلل بأنه غلبه الوجع!! وكيف يسكت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك من غير أن يوقفوا المعترض عند حده؟!
ليت شعري؛ أهان عندهم الإسلام أم هان في نفوسهم قدر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام حتى ينزلوا أوامره هذه المنزلة؟! على أنه لم يقف الأمر عند هذا الحد بل جاء في بعض الروايات أنهم وصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجر! فقد قال مسلم في صحيحه (75/ 5): حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا وكيع عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال يوم الخميس وما يوم الخميس. ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ائتوني بالكتف والدواة ـ أو اللوح والدواة - أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً». فقالوا إن رسول الله يهجر.
حاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه المقولة الباطلة وبرأ الله أصحابه أن
يقولوها أو أن يجتمعوا على خلاف ما يأمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. (2/454)
صفحة 902
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
455
على أننا نجد في الصحيحين أيضاً أنه لن ينجو يوم القيامة من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شواذ كهمل النعم!
ففي صحيح البخاري حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا محمد بن فليح حدثنا أبي قال حدثني هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم فقلت أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم».
فليت شعري؛ أيكون جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمهلكي حتى لا يخلص منهم إلا مثل همل النعم؟!
رابعها: أن روايات الربيع الله ليس فيها ما يخالف القرآن أو يخالف العقل السليم وكم تجد من الروايات التي عند غيره ما يصادم القرآن الكريم ويتنافى مع العقل السليم، كأحاديث تشبيه الله تعالى بخلقه المصادمة للنصوص القطعية كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: (11]، وقوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، وقوله وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4]، وهي بلا ريب منافية للعقول السليمة التي تهتدي بفطرتها إلى تنزيه الله تعالى عن مشابهته لخلقه، وكذلك الأحاديث التي تصف رسول الله بأنه غليظ الطبع قاسي القلب خشن المعاملة كتلك التي أسلفنا ذكرها، فإنها مخالفة أي مخالفة لما جاء في وصفه في القرآن كقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمِ} [القلم: 4]، وقوله: (2/455)
صفحة 903
456 الفتاوى العقيدة
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، وقوله: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُورٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128].
على أن علماء الحديث نصوا بأن الرواية وإن جاءت من طريق الثقة متصلة الإسناد ترد لأمور، منها: مخالفة القرآن ومخالفة مقتضيات العقول وإن لم يطبقوا ذلك ـ ومن ذلك قول البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه (ص 132 - 133): اذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رد بأمور: أحدها: أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه، لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا، والثاني: أن يخالف نص الكتاب أو السُنَّة المتواترة، فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ، والثالث: أن يخالف الإجماع، فيستدل على أنه منسوخ أو لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون صحيحاً غير منسوخ، وتجمع الأمة على خلافه، وهذا هو الذي ذكره ابن الطباع في الخبر الذي سقناه عنه أول الباب، والرابع: ينفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق، علمه فيدل ذلك على أنه لا أصل له لأنه لا يجوز أن يكون له أصل، وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم، والخامس أن ينفرد الواحد برواية ما جرت به العادة، بأن ينقله أهل التواتر فلا يقبل، لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية. اهـ.
أن
خامسها: أن روايات الربيع خالصة من شائبة آثار أهل الكتاب، وهذا ما لم يكد يسلم منه أي مجموع من مجاميع الأحاديث الأخرى، فكم تجد فيها من روايات تشم منها روائح أكاذيب أهل الكتاب لا سيما اليهود، فإن (2/456)
صفحة 904
جواب على أسئلة من الجزائر
جميع
الجزء الثاني
457
ذلك
ما
الروايات التي فيها تشبيه الله تعالى بخلقه تجد لها إذا فتشت في عند أهل الكتاب جذوراً أصيلة في عقيدتهم، وقد بينت كثيراً من في «برهان الحق، وكشفت كيف التطابق بينها وبين ما عند أهل الكتاب مما اختلقوه من الأكاذيب ودنسوا به طهر الكتاب الذي عندهم.
وكذلك الروايات التي تؤصل لعقيدة الإرجاء، فإن القرآن الكريم هو أقوى شاهد وأعظم حجة في كونها ناشئة عن فكر أهل الكتاب المنحرف، فإن الله تعالى يقول: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ نَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأَوْلَبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ) [البقرة: 80 ـ 81]، ويقول سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 23 - 24]، وقال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123]، وقال: {فَخَلَفَ مِنْ بَعدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَبِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأعراف: 169].
رودبو
سيغفر
ج
هذا؛ ولا ريب أن ما نجده في الروايات من التجني على رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفه بصفات أهل البطش والجبروت أو الميل إلى الشهوات نجد له أصلاً أصيلاً في ما افتراه أهل الكتاب على الأنبياء ومن بينهم أنبياء بني إسرائيل، فهذه توراتهم المحرفة مليئة بذلك. ففي الإصحاح الرابع (2/457)
صفحة 905
458 الفتاوى العقيدة
والثلاثين من سفر التكوين أن يعقوب احتال على أهل شكيم حتى تمكن منهم فأبادهم واستباح نساءهم.
وفي الإصحاح الحادي عشر من سفر صموئيل الثاني: «وكان عند تمام السنة في وقت خروج الملوك أن داود أرسل يوآب وعبيده معه وجميع إسرائيل فأخربوا بني عمون وحاصروا ربة، وأما داود فأقام في أورشليم، وكان في وقت المساء أن داود قام من سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر جداً، فأرسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد أليست هذه بتشبع بنت اليعام امرأة أوريا الحثي؟ فأرسل داود رسلاً وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها وحبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داود. قالت إني حبلى فأرسل داود إلى يوآب يقول أرسل إليّ أوريا الحثي، فأرسل يوآب أوريا إلى داود، فأتى أوريا إليه فسأله داود عن سلامة يوآب وسلامة الشعب ونجاح الحرب، وقال داود لأوريا انزل على بيتك واغسل رجليك، فخرج أوريا من بيت الملك، وخرجت وراءه حصة من عند الملك، ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده ولم ينزل إلى بيته فأخبروا داود قائلين لم ينزل أوريا إلى بيته. فقال داود لأوريا أما جئت من السفر. فلماذا لم تنزل إلى بيتك؟ فقال أوريا لداود: إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء، وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي. وحياتك وحياة نفسك لا أفعل هذا الأمر. فقال داود لأوريا أقم هذا اليوم أيضاً وغداً أطلقك. فأقام أوريا في أورشليم ذلك اليوم وغده، ودعاه داود فأكل أمامه وشرب وأسكره. وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده وإلى بيته لم ينزل». (2/458)
صفحة 906
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
459
وفي الصباح كتب داود مكتوباً إلى يوآب وأرسله بيد أوريا. وكتب في المكتوب يقول اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت. وكان في محاصرة يوآب المدينة أنه جعل أوريا في الموضع الذي علم أن رجال البأس فيه. فخرج رجال المدينة وحاربوا يوآب فسقط بعض الشعب من عبيد داود ومات أوريا الحثي أيضاً، فأرسل يوآب وأخبر داود بجميع أمور الحرب. وأوصى الرسول قائلاً: عندما تفرغ من الكلام مع الملك عن جميع أمور الحرب فإن اشتعل غضب الملك وقال لك لماذا دنوتم من المدينة للقتال. أما علمتم أنهم يرمون من على السور من قتل أبيمالك بن يربوشت ألم ترمه امرأة بقطعة رحى من على السور فمات في تاباص. لماذا دنوتم من السور؟ فقل قد مات عبدك أوريا
الحثي
أيضاً».
فذهب الرسول ودخل وأخبر داود بكل ما أرسله فيه يوآب. وقال الرسول لداود قد تجبر علينا القوم وخرجوا إلينا إلى الحقل فكنا عليهم إلى مدخل الباب فرمى الرماة عبيدك من على السور فمات البعض من عبيد الملك ومات عبدك أوريا الحثي أيضاً. فقال داود للرسول: هكذا تقول ليواب لا يسوء في عينيك هذا الأمر لأن السيف يأكل هذا وذاك. شدد قتالك على المدينة وأخربها، وشدده».
«فلما سمعت امرأة أوريا أنه قد مات أوريا رجلها ندبت بعلها، ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته وصارت له امرأة وولدت له ابناً. وأما الأمر الذي فعله داود فقبح في عيني الرب». (سفر صموئيل الثاني -
الإصحاح الحادي عشر). فانظر هذا الوصف الإجرامي والشهواني الذي يعزونه إلى داود (2/459)
صفحة 907
460 الفتاوى العقيدة
أهله
النبي، فهو عندهم لم يكتف بأنه تعقب أحد رجاله المخلصين في بالفاحشة حتى أمر بدفعه إلى الموت دفعاً لينال مراده من الاستيثار بحليلته.
ونجد في ما عزوه أيضاً إلى لوط ما يقشعر منه الجلد ويطير منه اللب، حيث عزوا إليه أنه زنى بابنتيه وحملتا منه بعد أن سقتاه الخمر، ففى الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين: «وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل وابنتاه معه، لأنه خاف أن يسكن في صوغر، فسكن في المغارة هو وابنتاه، وقالت البكر للصغيرة أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض، هلم نسقي أبانا خمراً، ونضطجع معه، فنحيي من أبينا نسلاً، فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، ا، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة إني قد اضطجعت البارحة مع أبي، نسقيه خمراً الليلة أيضاً فادخلي واضطجعي معه، فتحيي من أبينا نسلاً، فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة أيضاً، وقامت الصغيرة واضطجعت معه، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها فحبلت ابنتا لوط من أبيهما فولدت البكر ابنا ودعت اسمه موآب، وهو أبو الموابيين إلى اليوم والصغيرة أيضاً ولدت ابناً، ودعت اسمه بن عمي. وهو أبو بني عمون إلى اليوم» (سفر التكوين 19: 30 - 36).
فهذا قدر الرسل عندهم، أويبقى شك بعد ذلك أن ما نجده ـ في كتب الحديث عند المسلمين من المسرحيات الهزيلة والأخبار الساقطة المعزوة إلى النبي عليه أفضل الصلاة والسلام سواء ما ذكرنا منها وما لم نذكر ـ هي من دسائس اليهود التي روجوا لها بين هذه الأمة لحط قدر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ولإشاعة الفاحشة في ما بينها وترويج الظلم وتزيينه في نفوس أبنائها، ناهيك باجتماع أربعين شيخاً يشهدون شهادة واحدة أن الخلفاء (2/460)
صفحة 908
جواب على أسئلة من الجزائر
الجزء الثاني
461
لا حساب عليهم ولا عقاب وليس من وراء ذلك قصد إلا إماتة العدل
وإشاعة الجور والحيلولة دون تراجع الحكام عن غيهم وميلهم إلى الرشد. وأين هذا من منهج أهل الحق والاستقامة الذين استماتوا في طلب الحق ونشره وواجهوا الظلم والفساد بكل حزم وعزم جاعلين كتاب الله تعالى وهدي رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام نصب أعينهم وملء وجدانهم ومشاعرهم؟
لم تلههم زهرة الدنيا وزخرفها إذ همهم صالح يتلوه رضوان باعوا بباقية الرضوان فانيهم كأن لذة هذا العيش أوثان وقف على السنة الزهراء سعيهم وفي الجهادين إن عزوا وإن هانوا ما زايلت خطوة المختار خطوتهم ولا ثنى عزمهم نفس وشيطان فشتان - لعمر الحق - بين الهدى والضلال والحق والباطل والبصيرة
والعمى. هذا؛ وأرفق لكم هذا القرص الذي فيه دراسة وافية أعدها أحد المشايخ عن الربيع ومسنده، دافع فيها عن هذا المسند الصحيح وفند فيها تلبيس المشككين، وستجدون إن شاء الله فيها الرد على تساؤلاتكم حول هذا المسند، كما أنني أرفق لكم كتاب «اللقاءات» (المجلد الأول) فاقرأوه بإمعان، فإنكم ستجدون فيه إن شاء الله جواباً على بعض ما سألتم
عنه.
وأسأله تعالى أن يهدينا جميعاً ببصيرة الحق ونور القرآن وهدي النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويوفقنا لاجتنابه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (2/461)
صفحة 909
[صفحة فارغة] (2/462)
صفحة 910
الفهرس
الإيمان بالقضاء والقدر
القضاء والقدر
العين وتأثيرها
المالد والزار وحكم الشرع فيهما النذر وتقديم القرابين لغير الله
ادعاء علم الغيب
التفاؤل والتشاؤم
اعتقاد تأثير الكواكب والأجرام السحر والجن
الرقي والتمائم الخرافات والشعوذة
الكهانة والعرافة
الدعاء وصلته بالقدر
الإيمان باليوم الآخر أصحاب الأعراف
الحشر وقيام الساعة أشراط الساعة
الموت
القبر وعذابه نعيم
الحياة البرزخية
الحوض
مصير
أطفال الكفار
الورود على النار
ما ينفع الميت بعد موته الروح وأسرارها (2/463)
صفحة 911
الفتاوى العقيدة
الوعد والوعيد
الحساب والميزان والصراط الجنة ونعيمها وأهلها
الشهادة في سبيل الله البعث والنشور الشفاعة الأخروية
الكفر والنفاق
الكفر وأقسامه
الشرك وأحكامه
الولاية والبراءة
الولاية والبراءة
موالاة الكفار والتشبه
الإسرائيليات
الإنسانيات
حقيقة الشياطين
الصحابة ومكانتهم أحكام البغاة
الإشاعة
بهم
أثر المعاصي والتوبة منها أحكام التقية
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المذاهب الإسلامية
أحكام أصحاب الملل الأخرى
البدع
جواب على أسئلة من الجزائر
الفهرس (2/464)