صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الدين
------------------------------------------
العنوان: الفكر العقدي عند الشيخ بيوض وآثاره في الإصلاح
المؤلف: حمو بن عيسى الشيهاني
تقديم: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الناشر: جمعية التراث - دار الخلدونية للنشر والتوزيع
مكان النشر: القرارة - غرداية - الجزائر - القبة - الجزائر
تاريخ النشر: 1432ه/ 2011م
الطبعة: 1
أصله: أطروحة دكتوراه
سلسلة بحوث منهجية مختارة (17)
ردمك: 978-9947-845-55-4
الإيداع القانوني: 2011/4113
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3171&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/612
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 12 شعبان 1446ه/ 11 - شهر 02 - 2025م. سلسلة بحوث منهجية مختارة (17)
الفكر العقدي عند الشيخ بيوض وآثاره في الإصلاح
الدكتور
حمو بن عيسى الشيهاني
تقديم الدكتور
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
نشر جمعية التراث
القرارة - غرداية - الجزائر
دار الخلدونية
القبة - الجزائر (1/1)
صفحة 2
الفكر العقدي عند الشيخ بيوض
وآثاره في الإصلاح (1/3)
صفحة 3
?
الفكر العمليات الشيخون
وآثاره في الإصلاح
الدكتور
من عيسى السيهاتي
تقديم الدكتور
امر مانع از دريايي
نشر جمعة التراث
المطبعة
القرية غرداية الزكتر
المارونية القبة - الجزائر (1/5)
صفحة 4
1:
جمعية التراث
ص. ب. 19. القرارة - غرداية (47110) - الجزائر
:فاکس
029 85 31 02:,
http://www.tourath.org.
حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى
2011/ 1432
التلذولية
دار الخلدونية للنشر والتوزيع
05 شارع مسعودي محمد. .. القبة القديمة - الجزائر
021.68.86.48:- 021.68.86.49: L
الإيداع القانوني رقم 4113/ 2011
ردمك: 4 - 55 - 845 - 9947 - 978: S.B.N.1
أصل هذا الكتاب أطروحة دكتوراه في النقال: 0771.52.50.50 - 0550.54.83.07
khaldou 99_ed@yahoo.fr
طبيع
افة والتراث
المطبعة العربية
11 نهج طالبي أحمد - غرداية - الجزائر
هاتف / فاكس: 029883653 المنطقة الصناعية: 029873434
العقيدة الإسلامية. نوقشت بكلية العلوم
الإسلامية - جامعة الجزائر، يوم 07 محرم
1432 هـ / 13 ديسمبر 2010 م. بعنوان: «الفكر العقدي عند الشيخ بيوض منهجه وأبعاده». إشراف أ. د. يوسف حسين.
بتقدير: مشرف جدا (1/6)
صفحة 5
رائد الرحمن الرحيم (1/7)
صفحة 6
و الاهداء؟
إلى أقرب الناس إلى قلبي بعد الحبيب الله، وأعظمهم يدا عندى والدية الكريمين
و رب ارحمهما كما ربياني صغير ما
إلى كل الذين استنهضوا همتي وآنزهروني مشايخي وأساتذتي في جميع مراحل التعليم، وإخواني الأصفياء إلى زوجتي الوفية وأولاد الأعزاء
الذين غيبني هذا البحث عنهم طويلاً، وتحملوا عناء انشغالي عنهم إلى كل العاملين على بصيرة من أجل تفعيل الإيمان والتحرك بالقرآن سعيا لوحدة المسلمين، وتمكينا للدين، ابتغاء مرضوان مرب العالمين
إلى هؤولاء جميعاً أحد سے ثمرة جهد
عرفانا ووفاء
حمو عيسي (1/8)
صفحة 7
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام
9
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام
الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض شخصية إسلامية كبيرة، وعالم متبحر في شتى العلوم، وعامل متحرك في مختلف الميادين متميّز في نشأته وتكوينه، لفت إليه الأنظار بفكره العميق المتنوع، وحير الألباب – أحيانا – بفهمه الخاص لحقيقة الحياة والدرج فيها، وجذب النفوس - أخرى - بمنهجه في العمل والنشاط، وأنزل في قلوب بعض خلق الله تقديرا له وإكبارا؛ برؤاه ونظراته وآرائه، وأدهش بعضهم باجتهاداته في مختلف المجالات والميادين والموضوعات ... وأعجز آخرين في إدراك حقيقة ما يحمله داخل نفسه، وفتح نقاشا حادًا ومستمرا حول شخصيته المتفردة
بخصائص وعلامات مميزة.
هذه علامات العظيم الذي يصعب على كلّ النّاس أن يفهموه، في آرائه وتخطيطاته، وتحركاته ونشاطه ومواقفه وعلاقاته وتدبيره وتسييره .. فالقليل من يدرك أعماق العظيم، ويقدر على سبر أغواره، ويعرف معالم شخصيته والأبعاد التي تنتهي إليها. إن الشيخ إبراهيم بيوض يتميّز بالعمق الفكري، وشمولية النظرة ووضوح الرؤية، ونجاعة المنهج والبراعة في البيان والتحليل والتبليغ، والقدرة على تحويل الفكر إلى فعل والصرامة في العمل والمرونة في التحرك، وتخرس على المحافظة على الأصول، والاجتهاد والإصرار على التطوير والتجديد ودفع عجلة. مار الأرض بقوة، وهي الأمانة التي حُمِّلَها الإنسان، كما قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم منَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مجيب) (هود: 61). (1/9)
صفحة 8
10
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام
هذه المميزات منحت الشيخ بيوض أن يحمل صفة مدرسة فكرية متميزة، في مضمونها ومنهجها، ورؤاها ... وفي معالمها ووسائلها في العمل، وفي قواعدها في رسم الأولويات والانطلاق لضمان الانعتاق، وتجنّب الانزلاق والظفر بالائتلاق ...
هذه الملاحظات التي قد تبدو غير واضحة في عقول كثير ممن لا يعرف عن شخصية الشيخ بيوض إلا القليل، ولا يتمتع إلا بالوشل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يغذي فيه ما يعينه على معرفة صحيحة وحقيقية لهذه الشخصية؛ لذا يحتاج لتحقيق ذلك إلى مفاتيح تسمح له بفتح المغاليق من الأبواب الموصدة؛ حتى يتمكن من إدراك أبعاد عمل الشيخ وما يحكم تحركه، ويسير حياته. هذه المفاتيح تدرك بالاطلاع الواعي على سيرته، وبمعرفة الخصائص التي تميز شخصيته وباستيعاب المضامين التي يحتويها فكره، وبفقه منهجه في التعامل مع من يحتك بإدراك طرق تناول ما يعرض له، وبفهم الأبعاد التي تحملها تحركاته، والغايات التي تنشدها ... وغير ذلك مما هو من خصوصيات الرّجل الكبير في فكره، والعظيم في رؤاه، والدقيق في تخطيطه، والجريء في مواقفه وآرائه ... هذه المفاتيح تعين على القيام بدراسات معمقة وموضوعية، مفيدة ومنصفة وواعية.
من
بهم،
هذه الدراسات القيمة الجادة دراسة الدكتور حمو بن عيسى الشيهاني، الموسومة بـ الفكر العقدي عند الشيخ بيوض، منهجه وأبعاده»، الذي حصل بها على درجة الدكتوراه في العلوم الإسلامية.
اجتهد الباحث في تقديم جانب مهم من شخصية الشيخ بيوض وعمله، الذي أبدع فيه وأجاد وأفاد، وأعاد النّاس إلى الجادة في فهم الشريعة، حتى يحسنوا التعامل معها، ويُتقنوا تطبيقها في الميدان والحياة. هذا الجانب هو الفكر العقدي، الذي يجهله أغلب الناس، بل كثير من الدارسين ومنهم من أصدر أحكاما متسرعة عن الشيخ بيوض في هذا الجانب، هذه الدراسة أماطت عنه اللثام، وستدفع فيه الدراسات إلى الأمام. قال حمو الشيهاني: كان اسم الشيخ بيوض مقترنا بالحركة الإصلاحية، (1/10)
صفحة 9
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام
11
وأضاف هذا البحث اقتران اسمه بالجانب العقدي، بالكشف عن الخيوط التي كان الشيخ يُحكم ربطها بين العقيدة والجانب العملي عند تحليل نصوص العقيدة حيث يسعى لتيسير عرضها، وتفعيلها لتصطبغ بها حياة الفرد والمجتمع، وعند معالجة قضايا عصره، بإحكام مرجعيتها الإيمانية، واتخاذ العقيدة القاعدة الأساسية التي تنطلق منها عمليته الإصلاحية الشاملة لمختلف مجالات الحياة».
من
مقدمة البحث نقرأ أهمية تناول هذا الجانب في شخصية الشيخ بيوض، فقد نص الباحث على ذلك، وذكر من جملة ما ذكر على الرغم من ضرورة الاستفادة من تجارب السابقين فإنّ التراث الإسلامي لا يزال بحاجة إلى دراسات المهتمين والمتخصصين لأجل ذلك رغبت في دراسة فكر أحد أعلام الإسلام المجددين، الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض رحمه الله، إضافة إلى أسباب أخرى هي: - إن الشيخ بيوض من العلماء العاملين للنهوض بالمجتمع الإسلامي: المحلي والوطني والعالمي، فهو رائد الحركة الإصلاحية بالجنوب الجزائري، وأحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وعضو لجنة إغاثة فلسطين. - إن اجتهادات الشيخ بيوض تشكل حلقة من حلقات تطور منهج عرض
العقيدة عند الإباضية، وتمثل خطوات عملية نحو تحقيق الوحدة الإسلامية». في مقدمة الدراسة توجد خيوطها. وفيها نقرأ أهمية ما عرضه الباحث، وينكشف معالم فكر الشيخ بيوض العقدي، ومنهجه في تناول مسائل العقيدة، وتبرز هذه القيمة فيما صرح به الباحث: يسعى هذا البحث إلى تحقيق هدفين:
-1 - الكشف عن جهود الشيخ بيوض في الجانب العقدي، من خلال: أ - استقراء تراثه الفكري واستخلاص آرائه العقدية وترتيبها، لعدم وجود تأليف للشيخ في العقيدة ولا دراسة خاصة بآرائه فيها.
ب - استنباط القواعد المنهجية التي اعتمدها في تقرير مسائل العقيدة، وتوظيفها في حركته الإصلاحية. (1/11)
صفحة 10
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام
2 - الإسهام في استعادة وظيفة العقيدة الإسلامية، بإخراجها من نطاق التجريدات الدهنية، وتوجيهها من مواقف دفاعية عن التراث المذهبي إلى منهج تأصيلي وعملي، بتحريك الإيمان واستثماره في تفعيل حياة الإنسان».
هذا التصريح يلفت النظر إلى مضمون دراسة الباحث، ويضع القارئ في السياق الذي أراده البحث أن يكون المسار الذي يصحبه فيه. كما يبين هذا الإعلان الغاية الكبرى والبعيدة، التي تتعدى دراسة الفكر العقدي عند الشيخ بيوض حدود العرض والتقديم ... إلى الإفادة من هذا الفكر، والاسللاق إلى استثمار العقيدة في الحياة العملية، وتوظيفها في تصحيح السلوك وترشيد المسيرة. هذه الفائدة العملية المستقاة من فكر الشيخ بيوض العقدي نبهت إليها أطروحة البحث وتبنتها: ارتكزت الحركة الإصلاحية عند الشيخ بيوض على الجانب العقدي وفق المنهج القرآني في تربية الإنسان، وبناء المجتمع المسلم المعاصر الأصيل.
لعرض هذه الأطروحة، وتحليل مضمونها، والكشف عن أبعادها، وبيان قيمتها وتقويمها تناول الباحث في هذه الدراسة العناصر الآتية: الجانب التعليمي والإصلاحي في مسيرة الشيخ بيوض، منهجه في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، خصائص هذا المنهج أصول الإيمان وأبعاده النفسية والسلوكية، ثم الجانب التطبيقي، الذي كشف فيه عن الأبعاد الإيمانية لمجالات الإصلاح عند الشيخ بيوض التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. يظهر في هذا الهيكل الإلمام بكثير من العناصر المهمة، التي تبرز معالم شخصية الشيخ بيوض بعامة، وتكشف أبعاد الفكر العقدي عنده، وتبرز منهجه، وتلفت النظر إلى الإفادة من كلّ ذلك في التعامل مع المسائل العقدية، وهو بيت القصيد في
هذه الدراسة.
الدراسة مهمة ورائدة في هذا الموضوع دليل ذلك أن الباحث خرج بنتائج مهمة، حدّدت بكثير من الدقة معالم فكر الشيخ بيوض العقدي، وكشفت (1/12)
صفحة 11
13
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام حدود منهجه في عرض هذا الفكر، وحسن توظيفه في توجيه حياة الفرد المسلم وبناء كيان المجتمع الإسلامي، واستثمار التوجيهات والتشريعات الإسلامية في الجانب العقدي لتنمية الروح الإسلامية وتحريك الطاقة الإيمانية، لتوجيه الحياة نحو الأقوم، وترشيدها نحو الأحسن، والسير بها إلى حيث الصلاح والفلاح والنجاح ...
من هذه النتائج:
• إن الشيخ بيوض لم يؤلّف في العقيدة، إلا أنه صاحب فكر عقدي واضح
المعالم، يتجلّى في منهج عرض قضايا العقيدة، وأبعاده النفسية والسلوكية ... يعد الشيخ بيوض البحث في شؤون الله الخاصة ومسائل الغيب المفتقرة إلى النصوص القطعية تكلّفاً وفضولاً، لا يثمر إلا حيرة وفرقة ... كان يركز الكلام في قضايا الإيمان المرتبطة بعمل الإنسان: تزكية وسلوكا، ويجتهد في تيسير أساليب. عرضها قصد تحريك الإيمان في القلوب وتحويله إلى قوة باعثة على العمل الصالح الشامل للجانب الروحي والمادي.
يمتاز منهج الشيخ بيوض العقدي بخصائص منها: الشمولية، الواقعية، النظرة المقاصدية، التحرر من التعصب المذهبي.
• ضبط مسائل الاعتقاد التي يتعين على المؤمن أن يعتقدها، ويكون له موقف ثابت فيها، وأخرج من مسائل الاعتقاد ما انضاف إليها واكتسب بمرور الزمن قدسيتها وأحكامها.
ائسم منهج الشيخ بيوض في تناول مسألة الولاية والبراءة بالأصالة والفاعلية، إذ أصل لتوسيع نطاق الولاية ليشمل الصالحين من الأمة الإسلامية جمعاء، وترجم موقفه إلى مشاريع ميدانية ... فَسَما بذلك من دائرة المذهبية الضيقة إلى رحابة الإسلام، ومن نطاق الكلام إلى اقتحام عقبات العمل والاستقامة؛ معتقدا أن ذلك من مقتضيات الإيمان. (1/13)
صفحة 12
14
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام
• دعا الشيخ بيوض إلى الرجوع بالدرس العقدي إلى المنهج السلفي، لاقتناعه. أن لا منهج في باب العقيدة إلا منهج الله تعالى في كتابه الكريم.
من أسباب نجاح الشيخ بيوض في تكوين المجتمع المسجدي إحكام صلة هيئاته بمرجعيتها الإيمانية، فأقنع الأمة أن سلطة المسجد سلطة شرعية، وما تصدر هيئة العزابة من نظم وتعاليم مُلزم لأفراد المجتمع، وأن هذه النظم تمثل حصن الدين ...
استثمر الشيخ بيوض الطاقة الإيمانية فاتخذها منطلقا لحركته الإصلاحية، سالكا في ذلك اتجاهين:
ا - الاجتهاد في تنزيل النّصّ العقدي على الواقع المعيش.
ب - علاج القضايا المناسكية والحياتية الراهنة بإحكام صلتها بأصولها الإيمانية، فيهتدي بذلك إلى إيجاد حلول جذرية لها، لأن سلوك الإنسان مرهون بما يضمره من تصوّر واعتقاد.
بناء على هذا البيان - يقول الباحث - نؤكد القول بأن حركة الشيخ بيوض الإصلاحية الشاملة لمختلف مجالات الحياة هي ثمرة فكره العقدي الحركي الوسطي».
تعليق الباحث الأخير يحدّد حقيقة الدرس العقدي عند الشيخ بيوض، ويقدّم فحوى منهجه في عرض العقيدة، ويبرز أبعاده ومعالمه وجدواه في تنظيم حياة الفرد المسلم بخاصة. ويجيب عن السؤال التي أطلقه بعض الدارسين: كيف كان منطلق الشيخ بيوض؟ أمن العقيدة ثمّ حط في الإصلاح؟ أم من الإصلاح بدأ ثم سار فعالجه مستنيرا بالفكر العقدي؟ الجواب: إن الشيخ بيوض دخل. معترك الإصلاح وسيجه وصبغه بصبغة العقيدة، فكان يعالج قضايا المجتمع بمنظور عقدي كلّما دعت الضرورة إلى ذلك. هذا ما يفسر عدم تأليفه في العقيدة كتبا. (1/14)
صفحة 13
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام
15
سجل الباحث للشيخ بيوض مخالفة مشهور مذهبه الإباضي في مسائل معدودة. ورأى أنّ هذا يعد جرأة من الشيخ في التصريح بما انتهى إليه اجتهاده. وقد أصل لهذه المواقف والآراء وبخاصة في مسألتي الرّضا عن جميع الصحابة، وولاية كافة الصالحين من المسلمين، من دون اشتراط الموافقة في المذهب الخاص. علق الباحث على موقف الشيخ بيوض في هذه الاجتهادات؛ لمزيد بيان منهجه في الدرس العقدي، وتوضيح أبعاده: «الأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى هذا الفكر العقدي الوسطي العالمي، الذي يحرص على وحدة الصف حرصه على وحدة الرّب. فلولا نفر من كلّ مذهب نخبة من الباحثين المنصفين لتنقد تراثها نقدا موضوعيًا من الداخل لَتَقَدَّمَ مشروع الوحدة الإسلامية خطوات ميدانية مباركة، ولوفّرت الأمة كثيرًا من جهودها الفكرية والمادية المستنزفة، وسخرتها في التعاون
على البر والتقوى، وخدمة الصالح العام للمسلمين، ودعوة البشرية الحائرة ..... هذا التعليق تسجيل لأحد الأهداف المرجوة والمنشودة من تناول منهج الشيخ بيوض بالدراسة، وعرض فكره وتحليله. وهو أيضا رسالة موجهة إلى كل ناشط في الحقل الإسلامي، وإلى كلّ داعية ومرشد وهو دعوة صريحة وصادقة وواعية للإفادة من تجارب العلماء العاملين، ونداء إلى توجيه الدراسات إلى ما يخدم الصالح العام. هذه إحدى إيجابيات هذه الدراسة.
سجل الباحث نقط ضعف في منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة، منها ما يتعلق بعدم التقيد بما دعا إليه؛ كذكره تفاصيل في مسائل غيبية، من غير أن يستدل عليها بنصوص يقينية من القرآن أو السنة المتواترة، فالنسق المنهجي للشيخ يقتضي التوقف في هذه المسائل، وإرجاع علم حقائقها إلى الله وحده».
من
ذلك تأويله النّص إلى معنى يتعارض مع ما ذهب إليه من أقوال، «مثل تأويله حديث المفلس بتفضل الله على الغرماء بمغفرة بعض الذنوب. فهذا المعنى يتناقض مع قوله بعدم حصول المغفرة إلا بالتوبة، إلا إذا كان يقصد مغفرة الصغائر، دون الكبائر». (1/15)
صفحة 14
16
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام
لاحظ الباحث - أيضا - أن الشيخ بيوض لا يعنى بتعريف بعض المصطلحات العقدية، عندما يتناولها أو يذكرها، ويقول: «إلا أنه يعذر في ذلك لكونه لم يلزم نفسه بتأليف كتاب في العقيدة، بل كان يلقي دروسه المسجدية للخاصة والعامة، فيتغاضى في بعض الأحيان عن تحديد المصطلحات، موليا عنايته الكلية لآثارها العملية، التي كانت غاية درسه العقدي. ولكنه حين يرى أن استيعاب الدرس لا يتم إلا بضبط مصطلحاته، فإنّه يخصها بتعاريف دقيقة وشروح ضافية، كما فعل مع قضيّة (شرك الأولياء)، حيث قام بصياغة قاعدة كلية في تحديد معنى الشرك، وضبط الفروق بين (التوسط) و (التوسل)، وبين اتخاذ الأسباب والاستعانة بالأولياء».
تعليقنا على هذه الملاحظات هو الآتي:
1 - يبدو الباحث متردّدًا في تسجيل بعض نقط الضعف في فكر الشيخ بيوض العقدي، وبخاصة ما لاحظه في منهجه، بدليل محاولته إيجاد مبررات لبعض ما أشار إليه، مما عده مخالفة لما كان يدعو إليه. هذه المبررات استقاها مما استنتجه هو من منهج الشيخ بيوض، وتما فهمه من عرضه الدرس العقدي عنده.
2 - إن عرض الباحث للفكر العقدي ومنهجه، وتحليل مضمونهما، وتقديم أبعادهما، والغاية المربوطة بهما، والمنشودة منهما ... كما كان يرمي الشيخ بيوض، يدعو إلى عدم التسليم بهذه الملاحظات من دون مناقشة وتأمل وتأن.
3 - ما ذكره الباحث يحمل طابع وجهة نظر خاصة، قد تكون صحيحة، وقد تكون غير ذلك، قد تنقصه النظرة الشاملة، وقد تكون ناتجة عن سوء فهم، أو قصور في التأويل. المهمّ إنّ هذه الملاحظة تفتح المجال للنقاش، ومزيد البحث في هذا
الموضوع، وفي هذا يكمن الدور المهم للحوار العلمي والدراسات الجادة الهادفة. هذه الدراسة قيمة لأنها عرضت جانبًا غير معروف في شخصية الشيخ إبراهيم بيوض، وهو الفكر العقدي، الذي نفاه بعض الدارسين عنه، وبعضهم رأى أنّ الشيخ بيوض أخطأ الطريق في تناول العقيدة. (1/16)
صفحة 15
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام
17
الدراسة مهمة لأنها وضعت معالم وصوّى في سبيل البحث في جهود
الشيخ بيوض في تأصيل الدرس العقدي، ووضع منهج سليم وناجع للتعامل مع المسائل العقدية.
الدراسة مفيدة؛ لأنها سعت إلى تقديم نموذج عملي لتطوير العمل الإسلامي على أسس صحيحة، وتصحيح بعض الممارسات غير السليمة، وردّ بعض التصرفات الخاطئة، ونقد بعض المفهومات غير المؤسسة.
الدراسة جادة؛ إذ أنها حملت رسائل كثيرة للإفادة من الدرس العقدي، وحسن استيعاب الفكر العقدي، واختيار المنهج الصحيح في التعامل مع العقيدة .. وبالنسبة لعرض فكر الشيخ بيوض العقدي، وفقت الدراسة – من خلاله – في توجيه المتلقي إلى الفهم العميق للشريعة الإسلامية، ومعرفة الطرق الصحيحة لتطبيق التعاليم الإسلامية، وامتلاك الوسائل الكفيلة بتكوين المجتمع المسلم، وحذق الأساليب الناجعة في التربية والتوجيه ... المنطلق في كلّ هذا يكون من العقيدة، التي اتخذها الشيخ بيوض الأساس في عمله الإصلاحي والتربوي ...
مع كل ما قدمه الباحث في هذه الدراسة الرائدة، يعترف بأنه لم يتمكن من تقديم الصورة الحقيقية للتعريف بفكر الشيخ إبراهيم بيوض العقدي؛ لأن هذا الفكر – في نظري - غزير وعميق ومتميز، ولأن الأبعاد التي يحملها في حاجة إلى عمل كبير ودراسات متعدّدة ومتواصلة للكشف عن منهج الشيخ الذي يحمل مؤشرات كبيرة على ضرورة تطوير الفكر الإسلامي – بعامة – في مناهجه ووسائل تقديمه واستثماره .... لتتحقق الرؤية المشيرة إلى أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ولتفيد البشريّة كلّها منه، وفي معرفة فكر الشيخ بيوض - بخاصة - ومساعدة المتلقي على استيعابه، وإقناع القارئ والمطلع على مضمونه ومكانه في سياق سيرورة الفكر الإسلامي، ودوره في تطوير الفكر الإنساني، وتفعيل الحياة الإنسانية، وتصحيح مسارها ... يتطلب جهودًا مضاعفة؛ لذا فإنّ ما قدمه الدكتور حمو الشيهاني يعد بداية البحث في فكر (1/17)
صفحة 16
18
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام
الشيخ بيوض العقدي. بل إنّ ما عرضه وحلّله هو معالم ومقدمات في هذا الفكر، وما كشف عنه وحاول بيانه وتوضيحه يفتح مجالاً لأسئلة كثيرة، ويعرض إشكالات تنتظر الدارسين الذين يواصلون البحث والتنقيب في هذا الفكر، وتطلب منهم مواصلة الدرب الذي بدأ السير فيه الباحث.
يقول الشيهاني: وفي الختام أعترف بأن هذا البحث محاولة في دراسة فكر الشيخ بيوض العقدي، وستتلوها - بإذن الله - محاولات، مني ومن غيري من الباحثين المتخصصين في درب تجديد صياغة العقيدة الإسلامية، وتفعيلها في حياة المسلمين والبشرية الحائرة، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل، {وَمَا تَوْفِيقِيَ إلا باللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنيبه (هود: 88)».
أرجو أن يُتأمل النداء الذي قدمه الباحث في ختام هذه الدراسة القيمة؛ لأنه رجاء واستشراف يلخص أحد أهداف هذا العمل الموضوعي الجاد، وهو أيضا توجيه سديد للرجوع إلى الذات، وإلى المكاسب، وإلى المخزون الفكري لاستثمار كلّ ذلك في المحافظة على خط السير والإفادة منه في التربية والتنمية والتطوير ... يقول الباحث: إذا أرادت الحركة الإصلاحية – في وادي ميزاب أو غيره - أن تحافظ على خطها الإصلاحي الحركي، فعليها أن ترتبط بالمنهج الإصلاحي، المتميّز بثبات الأهداف والمبادئ وتطوير الوسائل والتقنيات، وأن تجدد إحكام العمل الإصلاحي بالأصل الإيماني، لتضمن فعاليته وتطوره وبركته وهداه، لأن انقطاع هذه الصلة العقدية يفضي إلى التعلق بالزعامات، والاستغناء - بما حققته الحركة من منجزات - عن متابعة العملية الإصلاحية الجوهرية، التي لا تقبل التوقف ما استمرت مشكلات الحياة وزادت التحديات، فمن لم يكن في الزيادة فهو في النقصان فإنّ ما تسفر عنه العملية الإصلاحية من نتائج قد تحتاج بعد فترة زمنية إلى إصلاح وتطوير، فالإصلاح بحاجة إلى عمليات إصلاحية متجدّدة ومستمرة؛ اعتبارًا لكونه فكرًا ومنهجا، وليس مجرد هيئة وأشخاص وتراث. (1/18)
صفحة 17
19
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام ننتظر من الدارسين قراءة هذا البحث المهم ونقده، وإغناءه بدراسات أخرى، تواصل الدرب، وتستأنف السّير لاقتطاف مزيد من ثمرات البحث العلمي. ونرجو وننتظر من الدكتور حمو بن عيسى الشيهاني مزيدا من الدراسات والأعمال العلمية، والله الهادي إلى سواء الصراط، والموفق إلى الصالح من
الأعمال.
باتنة يوم الأربعاء: 20 من رجب 1432 هـ
22 من جوان 2011 م
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللغة العربية وآدابها – كلية الآداب واللغات جامعة الحاج الأخضر، باتنة (1/19)
صفحة 18
20
مقدمة
مقدمة
أسبغ الله على عباده نعمه ظاهرة وباطنة، أجلها نعمة الهداية إلى الإيمان، الذي يغمر القلوب بطاقته المباركة فتتجلى آثاره في مختلف مجالات الحياة، وأرقى نموذج لهذه التجليات تجسَّد في مجتمع الصحابة، الذين أشربوا في قلوبهم العقيدة الصافية ولم يختلفوا في شيء منها، فعاشوا حياةً طيبة في ظل الوحدة والعز والتمكين.
وبمرور الزمن واتساع رقعة الإسلام طرأت على الأمّة مستجدات وثقافات واعترى تدينها علل طالت المعتقدات، فقيّض الله لها علماء تترى يجددون لها أمر الدين، ويصلحون أوضاعها ويؤهلونها للاستخلاف والتمكين، وسلكوا لبلوغ تلك الأهداف مختلف المناهج.
- تبرز أهمية دراسة المناهج من خلال كون الاختلاف فيها السبب الموضوعي في تباين المواقف والرؤى بين الاتجاهات الفكرية والمذاهب، فالمدارس الإسلامية جميعها تستقي من الأصلين الكتاب والسنة إلا أنها تختلف في كيفية التعامل معهما. - وبما أن الإيمان بواجب تبليغ أمانة الرسالة والتمكين للدين هو دافع علماء الأمة لبذل جهودهم الإصلاحية، فإن معرفة هذه الجهود أمر ضروري للاستنارة بها في القيام بهذا الواجب.
على الرغم من ضرورة الاستفادة من تجارب السابقين فإن التراث الإسلامي لا يزال بحاجة إلى دراسات المهتمين والمتخصصين لأجل ذلك رغبت في دراسة فكر أحد أعلام الإسلام المجددين، الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض رحمه الله؛ إضافةً إلى أسباب أخرى هي: (1/20)
صفحة 19
مقدمة
21
- أن الشيخ بيوض من العلماء العاملين للنهوض بالمجتمع الإسلامي، المحلي والوطني والعالمي، فهو رائد الحركة الإصلاحية بالجنوب الجزائري، وأحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وعضو لجنة إغاثة فلسطين. - أن اجتهادات الشيخ بيوض تشكل حلقة من حلقات تطور منهج عرض
العقيدة عند الإباضية، وتمثل خطوات عملية نحو تحقيق الوحدة الإسلامية. - الرغبة في إنجاز اقتراح أوردته في خاتمة رسالة الماجستير، يتعلق بضرورة تجديد منهج دراسة العقيدة الإسلامية وتفعيلها، وهو الآتي: «بما أن للعقيدة الإسلامية دورًا فعالاً في استقامة الأفراد والمجتمعات، وأن سعادة المسلمين في الدارين متعلّقة بقدر ارتوائهم من معينها الصافي واقتباس منطلقات فكرهم ومنهج حياتهم من أصولها الصحيحة، فالمأمول من السادة الدارسين لها والمدرسين أن يحرصوا على إقناع الناشئة بتحديد الغاية من دراستها، ويتوخوا في عرضها الأسلوب الميسر والمنهج الواضح، ويسعوا إلى إخراجها من نطاق ترديد المقالات وصياغة الردود إلى تفعيل مجالات الإصلاح مع الخضوع لرب الوجود» (حمو بن عيسى الشيهاني: حاشية أبي يعقوب يوسف المصعبي على رسالة أصول الدين دراسة وتحقيق: 132).
لم يسبق الباحث إلى موضوع المنهج العقدي عند الشيخ بوض وأبعاده الميدانية، رغم كثرة ما كُتب عن جوانب من حياة الشيخ بيوض، خاصة ما دونه تلاميذه أمثال الأستاذ محمد علي دبوز والدكتور محمد صالح ناصر، والدكتور محمد ناصر بوحجام، وما أنجز من الدراسات الجامعية العديدة التي تناولت جوانب من فكر الشيخ بيوض، منها:
1 - دراسة الأستاذ نور الدين سحكال تحت عنوان: «الشيخ إبراهيم بيوض ومنهجه في الإصلاح»، تقدم بها لنيل شهادة الماجستير، بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، في السنة الجامعية 1994 - 1995 م. وسعى الباحث فيها لتبيين أمرين:
-أ- التعريف بشخصية الشيخ بيوض الإصلاحية. (1/21)
صفحة 20
22
22
مقدمة
ب- عرض التجربة الإصلاحية التي قام بها الشيخ بيوض عرضا تحليليا نقديا. 2 - أطروحة الدكتوراه للباحث نفسه، حيث واصل دراسة موضوع الحركة الإصلاحية عند الشيخ بيوض وقارنها مع حركة الشيخ عبد الحميد بن باديس تحت عنوان: «منهج الإصلاح ومجالاته بين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بيوض بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، السنة الجامعية: 1428 هـ / 2007 م -
1429 هـ/2008 م.
3 - أطروحة الدكتوراه للأستاذ عيسى، قرقب تحت عنوان: «الإمام إبراهيم بيوض رائد الحركة الإصلاحية في الجنوب الجزائري استعرض فيها جهود الشيخ في الجوانب الاجتماعية والثقافية، مركزا على مواقفه الوطنية إبان الاحتلال الفرنسي وإثر الاستقلال الوطني. ويلاحظ شمولية الدراسات السابقة لشتى مجالات الإصلاح عند الشيخ
بيوض.
4 - أما عن جهود الشيخ في حقل التفسير فقد عُنيت بها دراسة الباحثة نادية وزناجي، وأعدت بها رسالة الماجستير تحت عنوان: منهج التفسير عند الشيخين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بن عمر بيوض وناقشتها بكلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية، جامعة باتنة سنة 1998 - 1999
أبرزت الدراسة جهود الشيخين في الإصلاح بوجه عام، وفي التفسير بوجه
خاص، مع الحرص على استنباط الآليات المنهجية التي وظفها المفسران. 5 - أقرب دراسة إلى موضوع بحثي هي مذكرة الماجستير للباحث حمدي صالح، تحت عنوان: منهج الشيخ إبراهيم بيوض في عرض الإلهيات من خلال تفسيره في رحاب القرآن»، ناقشها بكلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية بجامعة باتنة، في السنة الجامعية: 1426 - 1427 هـ / 2005 - 2006 م. (1/22)
صفحة 21
مقدمة
23
ركزت المذكرة على إبراز منهج الشيخ بيوض في تناول «الإلهيات» من خلال تفسيره في رحاب القرآن، مبرزةً منهجه في بيان وجود الله تعالى،
ووحدانيته، وصفاته.
فهذا العمل أوسع من تلك الدراسة مجالاً وأبعد عمقا، حيث يشمل أركان الإيمان الأخرى، ولم يحصر مجال البحث في «التفسير»، كما أولى هذا العمل عناية خاصة بالأبعاد الإيمانية من حيث إسقاط النصوص العقدية في الحياة العملية، ومن حيث ربط القضايا الحياتية ومشاريع الشيخ بيوض الإصلاحية بأصولها الإيمانية.
هذا البحث إلى تحقيق هدفين: يسعى
1 - الكشف عن جهود الشيخ بيوض في الجانب العقدي، من خلال: أ - استقراء تراثه الفكري واستخلاص آرائه العقدية وترتيبها، لعدم وجود تأليف للشيخ في العقيدة، ولا دراسة خاصة بآرائه فيها.
ب- استنباط القواعد المنهجية التي اعتمدها في تقرير مسائل العقيدة وتوظيفها. في حركته الإصلاحية.
2 - الإسهام في استعادة وظيفة العقيدة الإسلامية، بإخراجها من نطاق التجريدات الذهنية، وتوجيهها من مواقف دفاعية عن التراث المذهبي إلى منهج تأصيلي وعملي، بتحريك الإيمان واستثماره في تفعيل حياة الإنسان.
ويعمل البحث على إثبات الأطروحة الآتية:
ارتكزت الحركة الإصلاحية عند الشيخ إبراهيم بيوض على الجانب العقدي وفق المنهج القرآني في تربية الإنسان وبناء المجتمع المسلم المعاصر الأصيل. وتوجيها لمسار البحث أطرح جملة من الأسئلة: (1/23)
صفحة 22
24
مقدمة
أسئلة أساسية:
1 - ما هو منهج البحث العقدي عند الشيخ بيوض؟ 2 - ما أثر البعد الإيماني في حركته الإصلاحية؟
أسئلة فرعية:
1 - ما هو منهج تعامل الشيخ بيوض مع نصوص العقيدة؟ 2 - ما هي خصائص منهجه العقدي؟
3 - كيف استثمر الشيخ نصوص العقيدة لإصلاح الواقع؟
4 - كيف ربط القضايا الحياتية بأصولها الإيمانية؟
5 - ما هي الأبعاد الإيمانية لمجالات الإصلاح عند الشيخ بيوض؟ وظف البحث جملة من المناهج قصد الإجابة عن الأسئلة الموجهة لمساره والبرهنة على صحة أطروحته
1 - المنهج الاستردادي للإحاطة بمناحي حياة الشيخ بيوض، وتنزيل بعض المسائل العقدية في إطارها التاريخي.
2 - المنهج الوصفي: لاستقصاء آراء الشيخ بيوض العقدية وترتيبها. 3 - المنهج المقارن: لمقارنة آراء الشيخ مع غيره وتحديد أوجه التأثر والتأثير في مجال ربط العقيدة بالتغيير. 4 - المنهج الاستنباطي: لاستخلاص فكره العقدي من تراثه الفكري
ومواقفه الميدانية.
أما عن هيكلة البحث فهو ينقسم إلى مقدمة وخمسة فصول وخاتمة: يستعرض الفصل التمهيدي معالم ومفاهيم معالم من حياة الشيخ بيوض الخاصة والتعليمية والإصلاحية، وترائه العقدي، ويحدد مفاهيم بعض المصطلحات المستخدمة في البحث. (1/24)
صفحة 23
مقدمة
25
ويبين الفصل الأول منهج الشيخ في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، ويوضح طرائق التعامل مع مصادر العقيدة القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث العقدي، ووظيفة العقل وصلاحياته وموقفه من التأويل والتفويض.
ويعنى الفصل الثاني بإبراز خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي، مثل «الواقعية» و «النظرة «المقاصدية» و «التحرر من التعصب المذهبي».
أما الفصل الثالث فيتناول بالدراسة أصول الإيمان وأبعادها النفسية والسلوكية، وهي مقسمة إلى ثلاث مباحث: التوحيد والغيب، والنبوة والرسالة، والإنسان والمجتمع.
ويمثل الفصل الرابع الجانب التطبيقي، إذ يكشف عن الأبعاد الإيمانية لمجالات الإصلاح عند الشيخ بيوض: المجال التربوي و الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وتضمنت الخاتمة أهم نتائج البحث، مركّزة على نقد المنهج وإبراز عنصر
التجديد فيه وأبعاده الميدانية، وكُلّلت بنظرة استشرافية وتوصية.
اعتمد البحث جملة من المصادر، أهمها تفسير الشيخ إبراهيم بيوض في رحاب القرآن ثم فتاواه المطبوعة والمتفرقة وسائر دروسه المسجدية وغيرها، وقد تفضل القائمون على تسجيلات الحياة باستنساخها إلى الأقراص المدمجة، أما عن حياة الشيخ وثقافته وعصره فيركز البحث على سلسلتي تلميذه المؤرخ محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة» و «أعلام الإصلاح في الجزائر كما رجع إلى كتابات غيره من تلاميذ الشيخ أمثال الدكتور محمد صالح ناصر، والدكتور محمد ناصر بوحجام. وخدمةً لعنصر المقارنة اعتمد البحث مصادر العقيدة لدى مختلف المذاهب الإسلامية: الإباضية والأشعرية والسلفية والمعتزلة.
كما رجع إلى طائفة من المراجع المهتمة بتجديد الفكر الديني وتفعيل العقيدة، مثل مؤلفات الأساتذة: عبد المجيد النجار ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي ووحيد الدين خان ومحمد إقبال. (1/25)
صفحة 24
26
مقدمة
أما الرسائل الجامعية المتخصصة في الجوانب المختلفة من فكر الشيخ بيوض، فلم يكن رجوع البحث إليها – في العادة- إلا استئناسا ..
واجهت الباحث عقبة كؤود تتمثل في الآتي:
1 - بما أن الشيخ بيوض لم يؤلف كتابا في العقيدة، فإنه يصعب على الباحث جمع المادة العلمية المتفرقة في الأشرطة والأقراص الحاوية لدروسه العامة وقسم من تفسيره.
2 - الدرس الشفوي يختلف عن التأليف من حيث تحديد المصطلحات وضبط
الصياغة، إضافةً إلى عامل الترجمة في التعبير عن حقيقة مراد كلام الشيخ.
إن اعتبرت الوضعية الحالية لتراث الشيخ بيوض تشكل صعوبة في الاطلاع عليه واستكناه محتواه، فإني أعترف بالجهود الدؤوبة المتواصلة التي يبذلها القائمون على خدمة هذا التراث خاصة تحرير التفسير وطباعته.
وما كان بحثي هذا ليتمّ لولا فضل الله عليّ بتيسيره وتذليل عقباته، وتوفيق أساتذة وهيئات لإمدادي بيد المساعدة، خاصة أستاذي المشرف الدكتور يوسف حسين الذي تفضل بقبول الإشراف وما أسدى إليّ من نصح و توجيه، ولا أنسى فضل وزارة التعليم العالي التي أوفدتني إلى دمشق لاستكمال هذا البحث، والله
الحمد والمنة.
وفي الختام أعترف بأن هذا البحث محاولة في دراسة فكر الشيخ بيوض العقدي، وستتلوها - بإذن الله - محاولات مني ومن غيري من الباحثين المتخصصين في درب تجديد صياغة العقيدة الإسلامية، وتفعيلها في حياة المسلمين والبشرية الحائرة، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل، {وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (سورة هود: 88).
والحمد لله رب العالمين
الجزائر: 12 جمادى الأولى 1432 هـ
الموافق: 16 أفريل 2011 م (1/26)
صفحة 25
الاختصارات المستعملة
27
ت: توفي. تح تحقيق.
تر ترجمة.
تع: تعليق
الاختصارات المستعملة
ج/ص: الجزء والصفحة.
ح حديث.
د. ت. ن: دون تاريخ النشر.
د. ط دون إثبات الطبعة.
ع عدد.
م. ن: المصدر نفسه، يستعمل عند تكرار المصدر على التوالي في الصفحة
الواحدة. (1/27)
صفحة 26
الفصل التمهيدي معالم ومفاهيم (1/29)
صفحة 27
3
المبحث الأول: حياة الشيخ بيوض
المبحث الأول
حياة الشيخ بيوض
أولاً: ولادته وعصره:
ولد إبراهيم بن عمر بيوض يوم 12 ذي الحجة 1316 هـ / 22 أفريل 1899 م، بمدينة القرارة (1) بوادي مزاب بالجنوب الجزائري، في عهد الاحتلال الفرنسي، الذي طبع الحياة العامة بآثاره السلبية، خاصة في الجنوب الذي استحوذ عليه الحكم العسكري، فقد كان الحكم العسكري يحكم مناطق الجنوب بلا قانون، ولا نزيد في وصف ذلك الحكم أكثر من هذه الكلمات، عزل مناطق الجنوب عن الشمال فلا دخول ولا خروج إلا برخصة خاصة حاكم التراب وبضمان شيخ العشيرة عن كل شخص يخرج من هذا البلد، وكل من ارتكب مخالفة مهما تكن تافهةً فللحاكم سجنه شهرا كاملاً بدون بحث، وكل محاكمة لفرد تنصب له محكمة عسكرية، وكل من يشتم منه تحراً أو فهم فهو مشوش، إلى آخر المأساة التي يطول وصفها ... » (2).
من
ومن الآثار السلبية للاستعمار محاولاته مسخ الشخصية الإسلامية، وإثارة النعرات القبلية التي ساعدت على تمكنها البيئة الجافة طبيعيا باعتبارها منطقة داخلية يسودها مناخ قاري، مما تسبب في ضيق موارد الرزق والمنافسة عليها، إذ كانت
(1) إبراهيم بيوض في رحاب القرآن سورة الزخرف تحرير عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، نشر جمعية التراث - القرارة، المطبعة العربية غرداية، 1429 هـ / 2008 م: 579/ 17؛ محمد علي دبوز اعلام
الإصلاح في الجزائر، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1394 هـ/ 1974 م: 1/ 153. (2) محمد صالح ناصر: في رحاب القرآن المهرجان والتأبين)، نشر جمعية التراث العطف- غرداية، المؤسسة الجزائرية للفنون المطبعية، الجزائر، 1989 م، كلمة الأستاذ إبراهيم الحاج أيوب في تأبين الشيخ
يتوض: 140.
31 (1/31)
صفحة 28
32
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
(2)
الذين
الحياة تقوم على الفلاحة والرعي)، هذا إلى جانب الجفاف الروحي من حيث قلة منسوب العلم الذي كان يحمل لواءه تلاميذ القطب الشيخ امحمد اطفيش انتشروا في قرى وادي مزاب وترأسُوا حلقات العلم (3)
لم يحظ بملازمة هذه الحلقات من شباب الأمة إلا القليل، إذ لم يكن هذا التعليم منتشرا في كل طبقات المجتمع وأجياله الناشئة، انتشار التعليم القرآني القاعدي بالمحضرة (الكتاب)، بسبب اشتغال عامة المجتمع بالكد في الابتغاء من فضل الله بممارسة الفلاحة الصعبة باستصلاح الأراضي، وحفر الآبار ونزح مياهها بالوسائل التقليدية، أو بالاغتراب للتجارة لِمُدَدٍ طويلة في ظروف أمنية عصيبة، لذلك رق حبل العلم والمحسر فاسحًا المجال لاستشراء الأمية واستئساد الأعراف والتقاليد والتعصب للمألوف التليد.
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 84/ 1. (2) امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش من بلدة يسجن بوادي مزاب ولد بمدينة غرداية عام 1237 هـ/ 1821 م حين انتقل إليها والده ونشأ عصاميا، لم يسافر للدراسة خارج موطنه، وجعل دأبه الحرص على اقتناء الكتب واستنساخها، يجتهد في طلبها واشترائها من مختلف البلدان، رغم قلة ذات اليد وصعوبة الاتصال، فتجمعت لديه مكتبة غنية تعتبر فريدة عصرها بالنظر إلى ظروف صاحبها، ويُعده عن مراكز العلوم والعمران؛ تخرج على يديه علماء مصلحون ومجاهدون انبوا في قرى وادي مزاب وفي أقطار المغرب والعالم الإسلامي، من أهم آثاره: تفسيره "تيسير التفسير" و "شرح عقيدة التوحيد“ و” شرح النيل وشفاء العليل" و"شامل الأصل والفرع". شهد له بالرسوخ في العلم علماء كثيرون منهم الشيخ محمد عبده، والشيخ زيني دحلان، وبعض علماء الحجاز، ولقبه الشيخ نور الدين السالمي مجدد العلم بعمان بـ «قطب الأئمة». واشتهر عند الإباضية بلقب "القطب". توفي ببلدته يسجن يوم السبت 25 ربيع الثاني 1332 هـ/ 1914 م. (محمد علي دبوز نهضة الجزائر، 289/ 1 - 388؛ جهلان: الفكر السياسي. عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، جمعية التراث القرارة الجزائر. د. ت. ن: 122 - 103، مصطفى وينتن آراء الشيخ احمد بن يوسف اطفيش العقدية، نشر جمعية التراث القرارة، المطبعة العربية، غرداية، 1998 م 23 - 65؛ الزركلي: الأعلام، ط 10، دار العلم للملايين، بيروت. لبنان، 1992، 32/ 8 - 33. جمعية التراث - لجنة البحث العلمي: معجم أعلام الإباضية، تراجم لأكثر من ألف علم منذ القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر، نشر جمعية التراث القرارة غرداية - الجزائر،
(849 - 835/ 4 p 1999/1420
•
(3) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر،
88/ 21979/1396 (1/32)
صفحة 29
33
المبحث الأول: حياة الشيخ بيوض المجتمع الذي نشأ فيه الشيخ بيوض كان في مجموعه أميا، لا يتعلم أبناؤه إلا سُورًا من القرآن في المحاضر المتصلة بالمساجد، ولكن هذا الشعب كان إلى ذلك متدينا حقا، وملتزما بالأوامر والنواهي، غير أنه فهم الإسلام فهما سطحيا، وغير سليم في كثير من الأوقات (1) فنتج عن ذلك ظهور أمراض عديدة طالت العقيدة، كتقديس بعض قبور الأولياء، واعتقاد أنَّ لهم تأثيرًا في الكون، وأنهم سبب النفع والضرّ للأحياء (2)، على هذه الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية ... فتح إبراهيم بيوض عينيه وترعرع في أحضان والديه اللذين توسما فيه النجابة وأولياه
عناية خاصة.
ثانيا: تعليمه:
دخل إبراهيم بيوض الكتاب (المحضرة) واستظهر القرآن الكريم قبل سن. البلوغ، فانضم إلى حلقة حفاظ القرآن (إيروان) (3).
أخذ مبادئ مختلف العلوم اللغوية والشرعية عن مشايخه: الحاج إبراهيم بن عيسى الابريكي (4)، وعبد الله بن إبراهيم أبو العلا (ة)، والحاج
(1) محمد صالح ناصر: في رحاب القرآن المهرجان والتأبين كلمة الأستاذ إبراهيم الحاج أيوب في تأبين الشيخ بيوض: 140.
(2) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ط 1، دار البعث للطباعة والنشر، قسنطينة، الجزائر،
58/ 5:1982/ 1403
(3) إبراهيم بيوض درس بمناسبة وفاة أستاذه عبد الله بن إبراهيم أبي العلا، سنة 1380 هـ / 1960 م، تسجيلات الحياة، القرارة.
(4) إبراهيم بن عيسى الابريكي، من علماء بلدة القرارة، ولد بها عام 1273 هـ / 1857 م، تخرج في معهد قطب الأيمة الشيخ اطفيش ببني يسجن، وفتح بالقرارة معهدًا للدراسات الابتدائية والثانوية، فتخرج فيه الجيل الأول للإصلاح في القرارة، منهم المشايخ إبراهيم بن عمر بيوض، وإبراهيم أبو اليقظان، وقاسم بن الحاج عيسى الشيخ بلحاج، والحاج عمر بن الحاج محمد بوحجام، توفي يوم 15 ذو القعدة 1329 هـ/ 6 نوفمبر 1911 م، (شريفي سعيد (الشيخ عدون): معهد الحياة نشأته وتطوره، ط 1، المطبعة العربية، غرداية، 1409 هـ / 1989 م: 17 - 18؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية: 502 - 51). (5) عبد الله بن إبراهيم أبو العلا، ولد في القرارة بمزاب يوم 1 محرم 1300 هـ/ 18 نوفمبر 1882 م م، ثم (1/33)
صفحة 30
34
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
عمر بن يحيى)، ثم نبغ فيها في سن مبكرة. يصرح الشيخ بيوض أنَّ هذه الفترة (الابتدائية) تلقى فيها على يد شيخه الابريكي تكوينا مركزا متكاملاً، من حيث القيم الدينية والمادة العلمية، ومن حيث المنطلقات المنهجية حيث يقول: «إنّ هذه الفترة هي التي كونتني من حيث الضمير، وغرست في الروح الدينية المتأصلة وتقدير النبيء وحبه، وحب
الصحابة رضي الله عنهم .... وهي التي زوّدتني بالعلم وكونتني في كل شي
حفظ القرآن وهو دون سن البلوغ، وتتلمذ على يد الحاج علي بن حمو، ثم على يد الشيخ الحاج إبراهيم الابريكي، ثم انتقل إلى معهد الحاج عمر بن يحيى، وكان ضمن البعثة الأولى إلى قطب الأيمة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش ببني يسجن سنة 1328 هـ / 1910 م. بعد أن حفظ القرآن وبرع في علوم اللغة والشريعة خلف الشيخ الابريكي بالمعهد سنة 1329 هـ/ 1911 م، ثم خلف الشيخ الحاج عمر بن يحيى مدرسا، وبوفاة الحاج إبراهيم بن عيسى خلفه في الإشراف على تلاميذه النجباء البارزين منهم الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، وتولى سنة 1339 هـ/ 1921 م دروس الوعظ والإرشاد في المسجد، توفي يوم 1379 هـ/ 25 ديسمبر 1960 م. أبو اليقظان: ملحق السير (مخ) 2852 محمد علي دبوز نهضة 281/ 1، 177/ 2، محمد علي دبوز اعلام الإصلاح 136/ 2، جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية:
(554 - 553/ 3
(1) عمر بن يحيى ويرو، المليكي القراري، ولد ببلدة القرارة عام 1275 هـ / 1858 م، ودخل الكتاب في مسقط رأسه فحفظ القرآن الكريم، ثم انتقل إلى دار التلاميذ فأخذ مبادئ العلوم على يد الحاج محمد بن الحاج قاسم الشيخ بلحاج. انتقل إلى غرداية سنة 1309 هـ/ 1891 م ودرس عند الشيخ بابكر بن الحاج مسعود، فاكمل دراسته العليا عند قطب الأيمة امحمد بن يوسف اطفيش ببني يسجن، وتخرج سنة 1314 هـ/ 1896 م. أسس مدرسة سنة 1314 هـ/ 1896 م، فتصدر لتعليم أبناء القرارة شتى العلوم، وكان واعظا وإماما، له دور في تربية الناس، وإصلاح ذات البين، ويُعتبر معهد الحياة امتدادا لمعهده، إذ أن مؤسسيه من كبار طلبته وعلى رأسهم الشيخ بيوض إبراهيم. وكانت للشيخ عمر بن يحيى زيارات إلى وارجلان كل عام يمكث فيها ثلاثة أشهر، واعظا ومدرسا من 1913 م إلى 1920 م. من أشهر تلاميذه: شيخ الصحافة الوطنية أبو اليقظان إبراهيم، الشيخ يوسف بن بكير حمو واعلي، والشيخ سعيد بن بلحاج شريفي (الشيخ عدون)، والشيخ إبراهيم بن أبي بكر حفار، ورائد الحركة الإصلاحية الشيخ إبراهيم بيوض، كانت وفاته بالقرارة ليلة 27 رمضان 1339 هـ/ 1 جوان 1921 م. (شريفي معهد الحياة، 19 - 21 محمد علي دبوز نهضة 2/ 162، 207 - 209، جمعية
التراث: معجم أعلام الإباضية، 654/ 3 - 655). (2) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح، 119/ 2 - 120 (1/34)
صفحة 31
المبحث الأول: حياة الشيخ بيوض
35
وكان شيخهم يحثهم على حب المطالعة والاعتماد على النفس في التكوين، ولم يغفل برنامجهم المدرسي الجانب الرياضي الحركي، فقد كانوا يتدربون على العدو والرماية وركوب الخيل (1).
ثالثًا: عوامل نبوغه ونجاحه:
حبا الله إبراهيم بمزايا عديدة كانت سببًا لنبوغه ورسوخ قدمه في العلم وبروزه لريادة المجتمع وإصلاح أوضاعه، منها:
1 قوة الحافظة والذكاء
لقد من الله على الفتى إبراهيم بحافظة قوية، فقد استظهر القرآن الكريم قبل سن البلوغ، كما حفظ متونا في معهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى، منها: عقيدة التوحيد، التي عربها الشيخ عمرو بن جميع، ومنظومة أنوار العقول للشيخ عبد الله بن حميد السالمي، ونونية الشيخ أبي ونونية الشيخ أبي نصر فتح بن نوح النفوسي
(2)
(4)
(1) إبراهيم بيوض درس تأبيني ألقاه بمناسبة وفاة أستاذه عبد الله بن إبراهيم أبي العلاء، سنة 1380 هـ / 1960 م؛ محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح، 2/ 122. (2) عمرو بن جميع (أبو حفص) من علماء إباضية المغرب في القرن السابع الهجري، أخذ العلم عن الشيخ أبي العباس أحمد الدرجيني صاحب الطبقات، كان إماماً مشهوراً متكلّما، وعالما منظورا، وكان من كبار المدرسين بجامع تيفروجين بجزيرة جربة.
قام بترجمة «عقيدة التوحيد - المنسوبة إليه - من البربرية إلى العربية التي ألفت في أواخر القرن الثاني من الهجرة، وهي أولى المتون التي كان يحفظها التلاميذ في جميع قصور وادي مزاب، ولها شروح كثيرة. الشماخي: السير، 200/ 2؛ سالم بن يعقوب: تاريخ جربة 59 الجعبيري: نظام العزابة، 254 الجعبيري: البعد الحضاري 124؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 662/ 3 - 663). (3) هو عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي، ولد سنة 1284 هـ ببلدة الحوقين، هي من أعمال الرستاق بسلطنة عمان له جهود كبيرة في مجال الإصلاح الاجتماعي، والتأليف والتعليم، كانت له علاقات مع كثير من علماء عصره، منهم الشيخ اطفيش الجزائري، وهو الذي لقب السالمي "نور الدين"، كما أن الشيخ السالمي هو الذي لقب الشيخ اطفيش "قطب الأئمة، ترك السالمي آثارا علمية قيمة في علوم الشريعة واللغة العربية والتاريخ منها: "شرح الجامع الصحيح" (مسند الإمام الربيع) في الحديث، مشارق الأنوار" شرح أرجوزته المسماة "أنوار العقول في علم الكلام، "طلعة
= (1/35)
صفحة 32
36
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
ولاعتبار ذكائه الحاد وذلاقة لسانه العربي الفصيح، كلفه شيخه الحاج عمر بن يحيى لينوبه في تدريس البلاغة والمنطق (1).
2 شغفه بالمطالعة:
إذا كان حفظ المتون يشكل العمود الفقري لطريقة التعليم في عهد تتلمذ إبراهيم بيوض فإنّ جهود الفتى في التحصيل المعرفي لم تتوقف عند حدود حفظ المقررات بل تجاوزتها لتغذية عقله بالمطالعة الجادّة المستمرة في شتى فنون العلم والحياة، لقد كان الفتى إبراهيم شغوفا بالمطالعة، وأباح بحبه لها قائلاً: «إنني مغرم بالمطالعة، أجد فيها نشوتي الكبرى (2)، فأقبل على مطالعة مختلف الكتب في مجالس شيخه وفي خلوته معترفا بأثرها العظيم في بناء شخصيته إذ يقول: «وهي أهم العوامل في تكويني (3) ومن الكتب التي طالعها في هذا العهد:
الشمس على الألفية، في علم أصول الفقه، معارج الآمال“، ”الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة"، "تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، انتقل إلى رحمة الله سنة 1332 هـ. (معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة 789، ص: 271 - 273). (4) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 146/ 2، أما أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي فهو من أعلام القرن السابع الهجري بجبل نفوسة بليبيا، أخذ العلم عن خاله أبي يحيى زكرياء بن إبراهيم، كان عالما،،واعظا، شاعرا، متكلّما، له عدة مؤلفات، منها: النونية في أصول الدين، وقد شرحها الشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي في ثلاثة مجلدات، وعمرو بن رمضان التلاتي بعنوان: اللآلئ الميمونية على المنظومة النونية»، وقاسم بن يحيى الويراني وعبد العزيز الثميني بعنوان: «النور».
•
- القصيدة الرائية في الصلاة) شرحها عدة علماء منهم: الشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي الويراني عبد الله بن زياد العماني، وعبد العزيز الثميني، ومحمد بن سليمان ابن ادريسو. - القصيدة «البائية في الأخلاق». (جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 4/ 703 - 704).
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 148/ 2.
(2) م. ن: 2/ 196.
(3) م. ن: 2/ 148.
150/ 23 (4)
م. ن: 2/ 150. (1/36)
صفحة 33
المبحث الأول: حياة الشيخ بيوض
أ في الاجتماع والسياسة:
• تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده: محمد رشيد رضا. . العروة الوثقى: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده (مقالات). • طبائع الاستبداد - أم القرى: عبد الرحمن الكواكبي.
تاريخ مصطفى كامل: علي فهمي كامل.
37
• نهضة الأمة وحياتها - نظام العالم والأمم - جواهر العلوم - ميزان الجواهر:
طنطاوي جوهري.
أريج الزهر: مصطفى الغلاييني.
ب - في الأدب:
ديوان المتنبي: أبو الطيب المتنبي.
ديوان الحماسة: أبو تمام.
ديوان البحتري البحتري
• جواهر الأدب أحمد الهاشمي.
• النظرات - العبرات - الشاعر - الفضيلة - وغيرها مصطفى لطفي المنفلو
ج - الصحف والمجلات:
ومما زاد في توسيع أفق الشيخ واضطلاعه على أوضاع العالم من حوله إضافة إلى ترقية حسه الأدبي واستفادته من علم الاجتماع والسياسة مطالعته المستمرة لصحف ومجلات رصينة متنوعة، مكنته من توسيع أفقه المعرفي ومسايرة أحداث زمانه الراهنة، مما أكسبه منهجًا واقعيا يهديه لفهم مشكلات عصره وإيجاد الحلول العملية لها، ومن هذه الصحف:
• جريدة «الفاروق لعمر بن قدور عربية إسلامية جزائرية: 1913 -
(1915 (1/37)
صفحة 34
38
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
مجلة «المنار» لرشيد رضا.
مجلة «الهلال» المصرية.
• جرائد تونسية عربية ووطنية.
كان الشيخ بيوض يطالع هذه الكتب والدوريات في معهد شيخه وفي النادي «دار القراءة» فتنفتح شهيته لإعادة مطالعتها - على انفراد عدة مرات بتمعن فيعيها ويحفظ فقرات منها، يدفعه إلى ذلك عصاميته، ورغبته في خدمة مجتمعه، موقنا أن ذلك يتأتى بالإلمام بثقافة عصره والاهتمام بقضاياه وفهم واقعه، والاستفادة من تجارب السابقين، ومن الكتب التي تأثر بها الشيخ ويعترف أنها كونته سياسيا كتاب طبائع الاستبداد للشيخ عبد الرحمن الكواكبي، فقد وجده يعبر عما في نفوس الجزائريين المستضعفين، وينفس عن صدورهم المكظومة، ويصف ما يرونه ويقاسونه، إذ يقول عنه: وكنا نقرأه ونحفظه حفظا، وَهوَ الذي كوننا سياسيا (1).
وسعت المطالعة الجادة المتنوعة آفاق الشيخ بيوض المعرفية، وزادت من خبرته بمجتمعه وبصيرة بمكائد المستعمرين، حيث رسخت فيه خاصية الواقعية، وساعدته على فهم مجتمعه وإيجاد الحلول العملية لمشكلاته ...
3 رحلاته العلمية بقدر ما أن للمطالعة من دور كبير في تثقيف العقل وتزويده بالمعارف والعلوم فإن للرحلات العلمية والزيارات الميدانية طابعها الخاص ودورها الفعال في تكوين شخصية الإنسان والاستفادة من خبرات السابقين العاملين في وادي مزاب وفي بقية القطر الجزائري وخارجه.
- أول رحلة في حياة الشيخ بيوض كانت إلى بلدة بني يزقن، عام 1910 م رفقة والده، كان الغرض منها زيارة قطب الأيمة الشيخ اطفيش، سافروا إليها على (1) في رحاب القرآن، سورة غافر: 16/ 125. (1/38)
صفحة 35
39
المبحث الأول: حياة الشيخ بيوض
الدواب وأقاموا بها خمسة أيام حضر الفتى إبراهيم خلالها كل دروس القطب
اليومية من طلوع الشمس إلى الظهر
(1)
عن
كان لهذه الزيارة أثر بالغ في نفس الفتى إبراهيم حيث تشرف بالتلقي القطب مباشرة، بعد أن سمع عنه بواسطة شيخه الحاج إبراهيم الابريكي، الذي هو من تلاميذ القطب، ولاشك أنَّ هذه العلاقة ازدادت عند انتقاله إلى معهد الشيخ
-
الحاج عمر بن يحيى، وهو أيضا من تلاميذ القطب، كما شهدت مؤلفاته حضوراً قويًا في مقررات التدريس بالمعهد والمسجد بل اعتبر الشيخ بيوض حركته الإصلاحية امتدادًا لحركة القطب، إذ يقول: «نهضتنا اليوم استمرار للنهضة الدينية والعلمية التي بدأها الشيخ يحيى بن صالح الأفضلي والشيخ عبد العزيز
(2)
الثميني) ورفع لواءها بعدهما شيخنا اطفيش رحمهم الله جميعا).
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح: 167/ 2. (2) يحيى بن صالح بن يحيى الأفضلي، باعث النهضة الحديثة بوادي مزاب هو من بني يسجن بمزاب، ولد بها عام 1126 هـ / 1714 م تلقى مبادئ العلوم في مسقط رأسه ببني يسجن، ثم قصد جربة في آخر النصف الأول من القرن 12 هـ / 18 م؛ فأخذ في البداية من مجموع مشايخها، ثم انقطع للشيخ أبي يعقوب يوسف بن محمد المصعبي المليكي (ت: 1188 هـ / 1774 م) نزيل جربة. مكث في التعليم هنالك اثنتي عشرة سنة متصلة، ثم رحل إلى مصر مستزيدا من طلب العلم. عاد إلى وطنه مزاب حوالي سنة 1157 هـ / 1744 م، فشرع في وضع أسس حركة إصلاحية شاملة، فعلم وأرشد، ووجه وسدد، وشمر عن ساعد الجد في الإصلاح والتعليم والوعظ والإرشاد بدار للتلاميذ، فتخرجت على يديه جحافل الطلبة، قادوا الحركة الإصلاحية في مواطنهم في مدن مزاب ووارجلان ووادي أريغ، أشهرهم الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني توفي يوم 25 رجب 1202 هـ / 1 ماي 1788 م (الثميني: كتاب النيل مقدمة المحقق عبد الرحمن بكلّي 9 - 12؛ محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ط 1، مطبعة التعاونية، 1385 هـ/1965 م: 1/ 254 - 262 سالم بن يعقوب تاريخ جربة، 139 - 140 الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، 78، 81 - 82، 179 جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 4/ 965 - 968). (3) عبد العزيز بن إبراهيم الثميني، يلقب بـ ضياء الدين»، من بني يسجن بمزاب، ولد بها عام 1130 هـ/ 1718 م، ونشأ بها، وحفظ القرآن ببلدته، ثم سافر إلى وارجلان ليدير أملاك والده بها حتى سن الثلاثين، وبقدوم الشيخ أبي زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي (ت: 1202 هـ / 1787 م) إلى مزاب عاود الكرة في سبيل العلم، ولازمه في حلقاته إلى أن نبغ في علوم اللغة العربية والشريعة والمنطق وغيرها. خاض مع شيخه معركة الإصلاح في المجتمع، فلاقي من أجل ذلك أذى كثيرًا، فكان ذلك العهد بداية (1/39)
صفحة 36
40
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
- كما استفاد الفتى إبراهيم من رحلاته السنوية العلمية رفقة شيخه الحاج عمر بن يحيى إلى مدينة وارجلان من سنة 1913 م إلى سنة 1920 م، وتدوم
(1)
لرحلة شهرين، يلتقي فيها الشيخ بخاصة الناس وعامتهم للتدريس والتذكير - وفي عام 1920 م سافر الشيخ إلى تونس وأقام بها مدة شهرين فتعرف
على معاهد تونس، والتقى بالكثير من علمائها، كما استمع إلى خطب ثلة من
(2).
قادتها السياسيين كما سافر سنة 1347 هـ/ 1929 م إلى الحجاز رفقة الحاج بكير العنق (3)
للحركة الإصلاحية التغييرية بوادي مزاب أثرى المكتبة الإسلامية بكثير من أمهات الكتب في مختلف الفنون، ومنها: «كتاب النيل وشفاء العليل، عمدة المذهب في الفقه و معالم الدين، في علم الكلام حققه الباحث عمر إسماعيل آل حكيم ونال به درجة الماجستير من كلية العلوم الإسلامية، بجامعة الجزائر. و «النور» مختصر شرح نونية أبي نصر في العقيدة. توفي ببلدته يسجن يوم السبت 11 رجب 1223 هـ / 1808 م. (الثميني: كتاب النيل، مقدمة الشيخ عبد الرحمن بكلي، 12 - 16؛ الثميني: معالم
الدين، 14/ 1 - 15؛ الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب،82، 84 جهلان عدون الفكر السياسي جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 5323 - 534).
(4) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ط 1، دار البعث للطباعة والنشر، قسنطينة، الجزائر،
141/ 4:1980/ 1400
(1) م. ن: 168/ 2.
(2)
م. ن: 2/ 188.
(3) بكير بن إبراهيم بن عمر بن حمو العنق من رجالات القرارة البارزين في ميدان العلم والإصلاح، اشتهر ر بـ (أسد القرارة»، ولد بها عام 1285 هـ / 1868 م، أخذ مبادئ العلم عن الشيخ الحاج بكير بن الحاج قاسم، ثم عن الحاج عمر بن يحيى، وعن الحاج محمد بن الحاج قاسم. وفي سنة 1320 هـ/ 1902 م إستظهر القرآن الكريم، وانتقل إلى معهد القطب الشيخ، اطفيش اشتغل بالتجارة في مدينة تبسة بالشرق الجزائري. ثم التحق بسلك العزابة؛ وبعد وفاة الحاج إبراهيم بن يحيى عين رئيسا للعزابة. ويعتبر من أعيان القرارة الذين استعان بهم الشيخ يتوض في حركته الإصلاحية، وكان الشيخ يقول: عندي أستاذان: أستاذ في العلم هو الحاج عمر بن يحيى، وأستاذ في السياسة هو الحاج بكير العنق». له علاقات وطيدة بزعماء النهضة خارج مزاب كالشيخ عبد العزيز الثعالبي والأمير خالد وأمير البيان شكيب أرسلان، أسس رفقة عباس بن حمانة أول مدرسة عربية عصرية في الجزائر -بتبسة - سنة 1332 هـ / 1913 م، تحت رعاية الجمعية الصدّيقية. إلا أن المستعمر سارع إلى غلقها. توفي يوم الإثنين (1/40)
صفحة 37
المبحث الأول: حياة الشيخ بيوض
41
لأداء فريضة الحج، والتقى ببعض زعماء الإصلاح في العالم الإسلامي منهم الشيخ شكيب أرسلان (1).
-4 - التربية الاجتماعية العملية
من أهم عوامل نبوغ الفتى إبراهيم تلقيه تكوينا اجتماعيا ميدانيا، يؤهله لرفع الراية بجدارة والسير بالأمة نحو الصدارة، فبعد استظهاره القرآن الكريم - في سن مبكرة - التحق بمعهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى، رأس النهضة الإصلاحية بالقرارة، وتوسم فيه النجابة فخصه بمزيد من الرعاية، وأصبح محظيا عنده بملازمته وخدمته في الحضر والسفر، حيث كان يرافقه في رحلته العلمية السنوية إلى مدينة وارجلان، إذ كان يجتمع بخاصة أهلها وعامتهم فكانت تلك الرحلات من المؤثرات القوية في تكوين شخصية الشاب إبراهيم حيث يقول: «ودام هذا السفر إلى وارجلان في كلّ خريف من عام 1913 - 1920، وكانت لي فيه فوائد عظيمة، لقد كنت خادم الشيخ أحضر مجالسة الخاصة والعامة» (2).
كما كان الفتى إبراهيم يحضر مع شيخه جلسات أعيان بلدته القرارة ويشهد محاوراتهم في معالجة أوضاعها الراهنة، فكان ذلك المدرسة الاجتماعية التي تكون فيها» (3).
فقد اكتسب إبراهيم من هذه الجلسات وفي مرافقة الشيخ الحاج بكير العنق في رحلاته إلى شمال الجزائر وخارجها، مواهب عقلية وتربية عملية، خاصةً في ذلك
23 رمضان 1353 هـ / 13 ديسمبر 1934 م. محمد علي دبوز نهضة 2/ 208، 218؛ محمد علي دبوز أعلام الإصلاح، 170/ 2؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 181/ 2 - 183). (1) محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ط 1، المطبعة العربية، الجزائر،
214/ 2 p 1971/1391
(2) محمد علي دبوز اعلام الإصلاح: 2/ 168.
(3) محمد صالح ناصر: الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض مصلحًا وزعيمًا، مكتبة الريام، الدار البيضاء، الجزائر.
د. ت. ن: 51. (1/41)
صفحة 38
42
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
الظرف الذي يشهد صراعات في مختلف الجبهات، قال الشيخ بيوض عن فضل هذه التربية الميدانية: وكان لهذا الصراع الذي شاهدته وشاركت فيه من أول شبابي أثر عظيم في إرهاف كل مواهبي العقلية والخلقية، وذلك بفضل الشيخ الحاج عمر بن يحيى الذي استخدمني وأشركني فيه، وبفضل الشيخ الحاج بكير العنق، رحمهما الله إِنَّ فضلهما عظيمٌ علي في التربية الاجتماعية التي أهلتني لرفع الراية» (1).
ففي مثل هذه المجالس يتلقى النشء تكوينا عمليا، فيتدرب فكره على المناقشة للقضايا، والتحليل الواقعي للمسائل، وإيجاد الحلول العملية للمشاكل المعروضة ... ويعرف حقيقة ما يستقبله في حياته العملية، ويتهيأ نفسيا وتربويا واجتماعيا لخوض
معترك الحياة بقوة» (2).
5 وضوح الغاية
حدد الشيخ بيوض لنفسه غاية سامية واجتهد لبلوغها، مقدرًا حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، حيث اقتنع أنَّ دوره الإصلاحي لا يقتصر على مجال التربية والتعليم - على خطورته - بل هو شامل لمختلف مجالات الحياة، لم يكن عملي خاصا بميدان التعليم ولكن يتناول جميع نواحي الأمة، وظيفتي أن أغسل العار عن الأمة وتطهيرها من أدناسها ... (3) فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، فأعد لهذا الجهاد الشامل المتواصل عُدّته من التكوين الجاد وصدق الاستعداد.
6 - الثقة في النفس والتواضع رغم المهمة الثقيلة الملقاة على عاتق الشيخ بيوض في شبابه الباكر، وبعد الغاية التي يُطالب برفع أمته إليها، ورغم الظروف السياسية والفكرية والاجتماعية الصعبة التي يعمل فيها، فإن ثقته في نفسه كانت عاملاً مهما في توفيق الله له
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح: 182/ 2.
(2) محمد ناصر بوحجام منهج الشيخ بيوض في الإصلاح والدعوة، ط 1، نشر جمعية التراث، القرارة - غرداية، الجزائر، 1429 هـ / 2008 م: 5
66:
(3) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 106/ 4. (1/42)
صفحة 39
43
المبحث الأول: حياة الشيخ بيوض بالنصر في مختلف الجبهات، حيث يقول عن نفسه: « ... وأنا أعرف الناس بنفسي! وقد حملت في شبابي الباكر، وعمري أربعة وعشرون عاما فقط، أثقل وظيفة في العزابة» حملتُ أعباء الإصلاح في هذا البلد، وأقول لا فخرا ولا تعاظما: إنني قبلت مشيخة المسجد وقيادة الإصلاح لأنني لم أجد من يستطيع أن يقوم مقامي في هذين الثغرين الخطيرين ... » (1).
لقد صابر الشيخ بيوض في ذلكم الثغر ورابط، وقاد المسيرة غير عابئ بأقوال اللائمين ولا المادحين، أما أن يستفزني المديح ويدخل إلى نفسي زهوا أو غرورا فهذا ليس من طبعي (2) بل كان همه صلاح الأمة ونهضتها، غير مبال بكونه قائدا في الحركة أم جنديًا بسيطا، حيث يقول: «أقسم بالله صادقا أني لو وجدت من يأخذ الزمام ويقود قافلة الإصلاح، ويرفع عنّي أثقال القيادة لسلّمتُ إليه الزمام ولسرتُ وراءه جنديًا من أخلص، جنوده، ولكنت تلميذه البار المطيع، أعمل حسب إرادته، وتحت نظره!» (3).
- الشعور بالمسؤولية والتوكل على الله
رغم كون الفتى إبراهيم من صغار طلبة معهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى فقد وقف موقفا تاريخيا يوم وفاة شيخهم، ينم عن مدى ثقته بالنفس واستشعاره ثقل المسؤولية، فقد دعا إخوانه الطلبة الحيارى في مستقبل المعهد، إلى الاجتماع العام بعد مراسيم الجنازة - وحرّضهم على التعجيل بمواصلة الدروس بالمعهد الذي تولى إدارته بنفسه، وعمره لا يتجاوز 22 عاما، حيث يقول: وحملت اللواء أمام الركب ومشيت قدما، لقد ربّانا لمثل هذا اليوم فاعتمدنا على أنفسنا في كل ما كان يقوم به شيخنا ... » (4).
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 4/ 249.
(2) م. ن: 4/ 98.
(3)
(4)
م. ن: 4/ 250
م. ن
100/ 4: (1/43)
صفحة 40
44
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
وبعد مدة وجيزة من تحمل مسؤولية معهد شيخه وقعت عليه مسؤولية البلدة بأكملها، فلم يتوان في حملها، بل امتثل قول الشاعر المقدام:
إذا قيل من فتى خلت أني عنيت فلم أتردد ولم أتبلد
فقوة استشعار الفتى إبراهيم بثقل المسؤولية أنسته التفكير في مورد الرزق فتوكل علَى الله فكفاه وَمَنْ يُتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق: 03) وذلك أن بعض التجار عرضوا عليه الالتحاق بعالم التجارة لإدارة تجارة والده الذي توفي عام
1921 م فكان جوابه أنه لم يُخلق لهذا، مجدّدًا عزمه على الثبات في ميدان العلم
رابعاً: محطات في مسيرته العملية:
1 - تركيز الحركة الإصلاحية على التربية والتعليم
(1)
اقتنع الشيخ بيوض، بناءً على خبرته لواقعه واطلاعه على الحركات الإصلاحية في العالم، أنَّ الدعامة الأساسية للحركة الإصلاحية الشاملة هي التربية والتعليم فتصدى لهذا الجانب وأولى له عناية خاصة، حيث يقول: «عرفنا من زمن بعيد أن لا صلاح للوطن إلا بالعلم الصحيح، فدرجنا في سبيله، وضحينا فيه بكلّ عزيز ... فعكف الشيخ على تطوير معهده وتخريج أجيال عالمة عاملة داعية ... وقد خدمت ديني وأمتي بهذا الجيش من تلاميذي الذين خرجوا إلى الميدان والذين لا يزالون في معهدنا في دور التدريب رجال متدينون مثقفون، يعرفون ما لهم وما عليهم (2). ولم يكتف الشيخ بتكوين الناشئة وإعدادها بل عمل على تعميم العلم والثقافة الواسعة كل شرائح المجتمع، فخطا بالأمة خطوة حضارية جريئة، وهي تفعيل دور
المسجد وتحويله إلى جامعة مفتوحة.
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 2/ 186.
(2) م. ن: 72/ 4.
(3) م. ن: 101/ 4. (1/44)
صفحة 41
المبحث الأول: حياة الشيخ بيوض
2 تحويل المسجد إلى جامعة شعبية:
45
التحق الشاب إبراهيم بيوض بـ حلقة العزابة»، الهيئة الدينة العليا بالبلدة، عام 1922 م، وبرز دوره فيها، وعين بعد سنتين واعظا رسميا للحلقة رغم كونه أصغر أعضائها، فقام بمهمة الوعظ والإرشاد أحسن قيام، ثم عين شيخا للحلقة عام 1940 م، وإيمانا منه بضرورة العلم لنهضة الأمة استغل منبر المسجد لتعميم التعليم جميع رواده من مختلف شرائح المجتمع، يقول عنه الدكتور محمد صالح ناصر أحد خريجي الجامعتين: أدرك بحسه الإصلاحي واطلاعه على الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي، أنه لا بد من وضع خطة عملية طويلة النفس، تحول المسجد إلى منارة إشعاع، تمدّ الناس بالنور في جميع مناحي حياتهم، الدنيوية منها والأخروية، فما كان منه إلا أن حول المسجد إلى جامعة شعبية، لا يقتصر فيها على الوعظ والإرشاد وحدهما، وإنما يقدّم فيه أطايب المعرفة الإسلامية مبسوطة على مائدة القرآن الكريم وسنة النبيء محمد (2).
3 تكوين المجتمع المسجدي: أثمرت الدروس المسجدية الواقعية نتائج ملموسة، تتجلى أحسنها في إرجاع الاعتبار للمسجد، حيث أصبح المجتمع بكل شرائحه وهيئاته مرتبطا به ارتباطا قويا، قلوبهم متعلقة به، وكلهم استعداد لتلبية نداءاته الروحية والمدنية، وأرجع الشيخ بيوض هذه النتيجة إلى أثر منهج القرآن في حياة الإنسان، وإنني والحمد لله أحمد الله تبارك وتعالى على النتيجة التي شاهدتها من أثر القرآن في نفوس العامة، ولذلك اخترت المسجد ليكون معهدًا للتفسير، يحضره الناس كلهم رجالاً ونساء، شبابًا وشيبا وكهولا ... والحمد لله رأينا من أثر كتاب الله في أمتنا الشيء الكثير، ولهذا فالأمة اليوم -ولله الحمد - مستعدة لتلبية كل طلب خيري ... (2) فلم تكن اهتمامات الشيخ بيوض مقتصرة على إصلاح الجانب التعبدي فحسب، بل كانت
(1) محمد صالح ناصر في رحاب القرآن (المهرجان والتأبين): 06. (2) م. ن، ندوة الشيخ بيوض بمناسبة ختم تفسير القرآن مع الإذاعة والتلفزيون الجزائرية وبعض العلماء: 80. (1/45)
صفحة 42
46
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
حركته شاملة لكل ميادين الحياة، فبعد أن ركز جهوده على الجانب العلمي وشهد معهد الحياة انطلاقة نوعية وتكوينا عمليا لإطارات المستقبل شفعها بالعناية بالجوانب الأخرى التي تعد من أسباب الحياة الكريمة.
4 - المشاركة في تأسيس جمعية العلماء: لم تقتصر دائرة نشاط الشيخ بيوض في بلدته القرارة ولا في وادي مزاب بل كانت لديه اتصالات مع إخوانه العاملين في حقل الإصلاح على مستوى القطر الجزائري وخارجه، مما رشحه ليكون عضوا في إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ تأسيسها عام 1931 م، حيث أسندت إليه مهمة نيابة أمين المال وكانت خطته في هذا السبيل واضحةً وهي التعاون الجاد لإحياء اللغة العربية لغة القرآن، وتربية الناشئة الجزائرية تربية إسلامية صحيحة والوقوف صفا واحدا أمام مخططات الاستعمار الفرنسي الرامية إلى تفريق الشعب الجزائري على أساس
المذهبية أو الطائفية أو الجهوية ... » (1).
5 الشيخ بيوض والعمل السياسي
اشتغل الشيخ بيوض بالجانب السياسي منذ شبابه، وكان المنطلق عقديًا، وذلك بمعارضته قانون التجنيد الإجباري، الذي كان يسوق المسلمين الجزائريين لمؤازرة طاغوت الاستعمار، والمحاربة في صفوفه، فكاد الشاب إبراهيم بيوض أن يكون ضحية هذا القانون، إلا أن الله أطلق سراحه، فكان منه التمرد ومواجهة السلطة الغاشمة، وما كان جوابه، حين حدّره أبوه وقومه من مغبة مواجهة طغيان الاحتلال، إلا أن الله ما أطلق سراحه إلا ليشتغل بالقضية ويتبناها.
أ- الشيخ بيوص في المجلس الجزائري: مثل الشيخ بيوض دائرة غرداية في المجلس الجزائري، بعد الإلحاح الشعبي فانتخب بالأغلبية الساحقة 20 أفريل 1948 م وأعيد انتخابه سنة 1951 م،
يوم
(1) محمد صالح ناصر الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض مصلحًا وزعيمًا: 19. (1/46)
صفحة 43
المبحث الأول: حياة الشيخ بيوض
47
وكان الصوت المدوّي الذي طالما دافع عن المؤسسات العربية والإسلامية في الجزائر، لا سيما في الجنوب (1)، واستقال الشيخ من عضوية المجلس مع غيره من النواب الوطنيين تأييدا للثورة التحريرية (2).
ب في ثورة التحرير:
شارك الشيخ بيوض في ثورة التحرير قبل قيامها بإعداد عدتها الروحية، وذلك بتربية النفوس ومحاربة الجهل، حيث يقول: «كنت طوال أيام الثورة كما كنت قبلها من أول عمري مجتهداً بكل ما أوتيته من قوة في نشر التعليم الإسلامي العربي بمختلف درجاته الابتدائي والثانوي، وكنت أخرج كل سنة فوجا من المثقفين أعتقد أنَّ ذلك أجل خدمة أقدمها للجزائر الجديدة ... (3) هذا إلى جانب العمل الثوري الميداني، حيث يصرّح أنَّ العمل الثوري كان منظما في مزاب تحت إشرافه، ومن المهام التي كلف بها الاتصالات والمراسلات السرية بقادة جبهة
التحرير الوطني، وإيواء كبار الثوار، وتموين المجاهدين بالمال والعتاد واللباس (4). كانت الصحافة الاستعمارية تسمّيه أسد الصحراء»، وقد وضع تحت الإقامة الجبرية أربع سنوات داخل أسوار القرارة، كما حاصرت قوات الاستعمار مدينته القرارة ثلاثة أيام بلياليها يوم 28 أكتوبر 1961 م، وكان الهدف من الحصار هو إخضاع محيطه للتفتيش، إلا أنَّ زوجته أحرقت في تلك الأثناء كل وثائقه الهامة التي
كانت بينه وبين الحكومة المؤقتة وخاصة ما جرى في قضية فصل الصحراء (5).
(1) إبراهيم بيوض: أعمالي في الثورة، إعداد محمد صالح ناصر، نشر جمعية التراث، القرارة غرداية. الزيتونة للإعلام والنشر، باتنة - الجزائر: 16.
(2) محمد صالح ناصر: في رحاب القرآن (المهرجان والتأبين)، كلمة الشيخ عبد الرحمن بكلي في تأبين الشيخ بيوض: 113.
(3) إبراهيم بيوض: أعمالي في الثورة: 39.
م. ن: 24؛ وانظر عيسى قرقب الإمام إبراهيم بيوض رائد الحركة الوطنية في الجنوب الجزائري:
187 - 182
(4)
(5) النوري، حمو بن محمد عيسى دور المزابيين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا، دار البعث، قسنطينة، د. ت.
68/ 4: (1/47)
صفحة 44
48
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
ج - قضية فصل الصحراء عن الشمال:
أبلى الشيخ بيوض في إبطال مؤامرة فصل صحراء الجزائر عن شمالها بلاء حسنًا، واعترف له منصفوه بأنه لولم ينجز في حياته إلا إياها لكفته جهادًا، فقد وظف مختلف الوسائل والمنابر لإسماع صوت الحق في القضية والدفاع عنها ضد الانفصاليين، إذ يقول: (إنَّ فكرتنا في أن مزاب والصحراء جزء لا يتجزأ من الجزائر قديمة، لم تتغير ولن تتغير، وقد دافعتُ بحرارة عن توحيد السياسة الإدارية بين الجنوب والشمال لأنهما قطر واحد بخطب ونشريات ودعايات قبل صدور الدستور الجزائري وقبل انتخابات المجلس الجزائري، ودافعت عن الفكرة ضدّ الانفصاليين من فوق منبر المجلس الجزائري حَتَّى اضطرت الحكومة الفرنسية إلى إرسال لجنة بحث إلى مزاب فكانت مظاهرات وكان لنا معها جولات (1).
ومن المعترفين بدور الشيخ بيوض الأساسي في قضية فصل الصحراء عن الشمال وزير الداخلية للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية عبد الله بن طوبال الفضل يعود إلى الشيخ بيوض في إنقاذ وحدة التراب الوطني، وبقاء الصحراء بكل خيراتها جزائرية، وبدونه كان يمكن أن تستمرّ الثورة التحريرية عقدا آخر ومرّةً أخرى أقول: إن دورَ غرداية (المنطقة) هو الذي كان حاسما في الموضوع وغرداية تعني: "الشيخ بيوض (2).
وقال عنه الدكتور عبد الكريم بوصفصاف: (كما أنه وقف كالطود الشامخ يدافع بصلابة وإيمان قوي عن الوحدة الترابية للجزائر عندما حاول المستعمر البغيض فصل الجنوب عن الشمال، وتحمّل من أجل تلك القضية الوطنية عقوبات شديدة من طرف الإداريين والعسكريين في المنطقة (3).
(1) إبراهيم يوض: أعمالي في الثورة: 33.
(2) محمد ناصر: الشيخ يتوض: 357. (3) محمد صالح ناصر في رحاب القرآن (المهرجان والتأبين): 93. (1/48)
صفحة 45
المبحث الأول: حياة الشيخ يوض
د - الشيخ بيوص في الهيئة التنفيذية المؤقتة:
49
بعد إيقاف القتال في 19 مارس 1962 م نتيجة مفاوضات إيفيان عين الشيخ بيوض عضوا في اللجنة التنفيذية المؤقتة، وأسندت إليه مهمة الشؤون الثقافية إلى يوم تسليم السلطة لأول حكومة جزائرية في شهر سبتمبر 1962 م).
-6 رئاسته لمجلس عمي سعيد
مجلس عمي سعيد) أعلى هيئة دينية واجتماعية بوادي مزاب تتكون م ممثلي حلقات «العزابة» في قصور وادي مزاب و وارجلان، فبعد مرحلة من الانقطاع أعيد بعثه عام 1963 م إثر استقلال الجزائر، وانتخب الشيخ بيوض رئيسا له إلى غاية وفاته.
7 - اهتمامه بقضايا العالم الإسلامي:
نما الحس السياسي عند الشيخ بيوض واهتم بقضايا العالم الإسلامي قاطبة، دلت على ذلك عضويته في الجنة إعانة فلسطين» وكان من بين الأربعة الممضين على برقيات التأييد ورسائله، باسم اللجنة الجزائرية الفلسطينية، لقضية فلسطين في الجامعة العربية، عام 1948 م إثر قيام الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين (3).
(1) إبراهيم بيوض: أعمالي في الثورة: 17. (2) ينسب هذا المجلس إلى الشيخ سعيد بن علي الجربي الخيري، أبي صالح، الشهير بـ"عمي سعيد“ (ت 898 هـ / 1492 م) ولد في قرية أجيم، بجزيرة جربة بتونس، وبها نشأ وتعلم، لما تفشى الجهل بوادي مزاب، استقدم سنة 854 هـ / 1450 م لإحيائه، فبادر إلى الإصلاح الاجتماعي والعلمي والديني، فأحيى وادي مزاب وكون نهضة علمية دينية. من أهم منجزاته تأسيس مجلس للفتوى سنة 855 هـ/ 1450 م، يجمع مشايخ وعلماء كل قصور وادي مزاب، وقد سمي باسمه (مجلس عمي سعيد) فيما بعد؛ وقد أضيف إليه مشايخ وارجلان في أوائل القرن 14 هـ / 20 م. دبوز نهضة الجزائر، 1/ 251؛ الجعبيري: البعد الحضاري 1/ 165 جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، تر 402.
(3) الثلاثة الآخرون هم الشيخ البشير الإبراهيمي، رئيس اللجنة، والشيخ الطيب العقبي وفرحات عباس. ر. بسام العسلي جهاد شعب الجزائر - عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثورة الجزائرية، ط 1، دار
النفائس بيروت، 1402 هـ / 1982 م: 150/ 7 - 151 (1/49)
صفحة 46
50
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
وكان الشيخ يتابع مجريات الأحداث والمستجدات في العالم ويستثمرها في دروسه فيضفي عليها حيوية ويغمرها حركية مؤكدًا أن المستقبل للإسلام الذي هو منقذ البشرية الحائرة، ومن ذلك قوله بمناسبة تفسير قوله تعالى: {هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} (الفتح: 28): «وأذكر للمناسبة يوجد بيننا الأستاذ عز الدين بليق ... جاءنا ببشارة تحقق بها ما كنا نذكره من ظهور الدين وتتمثل هذه البشارة في انعقاد المهرجان الإسلامي بلندن سنة 1976 م ونحن اليوم في سنة 1974 م، وسينعقد بسعي من الذين أراد الله تعالى بهم الخير، وأراد نشر دينه وإظهاره على الدين كله على أيديهم (1).
انه
اجتهد الشيخ بيوض في العمل للتمكين للدين معتقدا أن المستقبل له رغم كيد أعدائه، فالإسلام يكادُ له في جميع بلاد الدنيا لدحضه والتقلب عليه ... ولكن الله تعالى يردّ كيدهم في نحورهم، ولا يزال الإسلام يتمكن بقوة، وهو دين البشرية
المقبل بحول الله (2)
خامسًا: وفاته:
ختمت أنفاس الشيخ الطيبة وحياته الحافلة بالجهاد على الساعة السادسة مساءً من يوم الأربعاء 08 ربيع الأول 1401 هـ / 14 جانفي 1981 م، وهو يذكر الله تعالى، عن عمر يناهز 83 سنة (3)، أمضاه في خدمة الإسلام والنهوض بالمسلمين. وحق لكل مسلم أن يعتز به، لكن الاعتزاز بهذا الرجل العظيم المرحوم الشيخ بيوض، لا يقبله حتى هو، إذا لم يعن هذا الاعتزاز تحمل الأمانة التي. كان يحملها، فالشيخ لم يعش الخاصة نفسه بل عاش من أجل فكر ضحى
(1) في رحاب القرآن تفسير سورة الفتح، ج 19 (المسودة).
(2) م. ن: تفسير فصلت: 459/ 16.
(3) محمد بن إبراهيم بيوض مقابلة خاصة، منزل الشيخ بيوض بالقرارة يوم: 04 مارس 2009 م. (4) محمد صالح ناصر: في رحاب القرآن المهرجان والتأبين)، كلمة الأستاذ أحمد عروة في حفل تأبين الشيخ (1/50)
صفحة 47
المبحث الأول: حياة الشيخ بيوض
51
من أجله، فكر تجديد الدين ونشره والحياة في رحابه، دلّت على ذلك مواقفه وإنجازاته، وشهدت به آثاره التي سنتعرف عليها في المبحث الآتي.
يوض: 134. (1/51)
صفحة 48
52
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
المبحث الثاني
آثار الشيخ بيوض العقدية
لم يؤلّف الشيخ بيوض كتابًا في العقيدة، إلا أنه ترك آثارا عقدية متنوعة تتجلى في دروس التفسير وغيرها وسائر نتاجه الفكري الشفوي والمكتوب (1) وكان الحديث عن العقيدة حاضرًا في دروسه عَلَى اختلاف مواضيعها، لأنه علم أن الخلل الذي يطال السلوك الفردي أو الجماعي مرجعه إلى الخلل في العقيدة، إما لجهل وسوء فهم أو غفلة وضعف يقين ... وللشيخ منابر لنشر رسالته، أهمها: المسجد ومعهد الحياة والمجتمع الخارجي.
أولاً: الدروس المسجدية:
استغل الشيخ بيوض مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي عامة، ومنزلته المتميزة في المجتمع المزابي حيث كان يشكل المحور الأساس الذي تدور حوله مؤسسات المجتمع كالمحاضر ودور العشائر، فجعله المنبر الأول لحركته الإصلاحية، فوجه من خلال هيئة العزابة توجيهاته التربوية لكل طبقات المجتمع وهيئاته لإحداث الإصلاح الشامل لمختلف القضايا التربوية والاجتماعية والاقتصادية ... انطلاقاً من العقيدة التي هي أساس توجيه سلوك الإنسان وحسن استخلافه في الأرض، رابط الشيخ في ذلك الثغر أكثر من نصف قرن، يذكر قومه ويدعوهم إلى سبيل الرشاد، قال بمناسبة تصحيحه لإحدى المسائل العقدية:
وليس الكلام في هذا الموضوع جديدًا، بل هو قديم، فمنذ أن جلست على هذا الكرسي للوعظ والإرشاد من قرابة خمسين عاما وأنا أذكر وأحدر
(1) محمد ناصر بوحجام: بيبليوغرافيا عن الشيخ إبراهيم بيوض، (ما كتبه وما كتب عنه)، بحث مقون، 17 ص، تاريخ كتابة مقدمته: 11 جمادى الأولى 1409 هـ/ 21 ديسمبر 1988 م. (1/52)
صفحة 49
المبحث الثاني: آثار الشيخ بيوض العقدية
53
والقيتُ مئات ومئات من الدروس في تصحيح العقيدة ... » (4).
يتأكد تصنيف دروس الشيخ بيوض ضمن آثاره العقدية لحرصه الدائم على إحكام صلة المواضيع المختلفة بمرجعيتها الإيمانية، ولكون جرأته في تناول القضايا الواقعية وصراحته في وضع الدواء في موضع الداء ثمرة اعتقاده، فقد كان الشيخ يعتقد حرمة السكوت عن قول الحق خوفًا من غضب العامة ويصرح بأن الأمة أوتيت من هذا الجانب الذي أصيب به بعض الدعاة الذين ذكرهم بواجب الجرأة في قول الحق ابتغاء وجه الله، ومن ذلك قوله: فكان الواحد منا يخاف أن يصادم آراء العامة ويخاف قولة الحق لأن العامة لا تقبلها، ولكن قُل الحق ولا يهمك أمرُ الناس قبلوه أم رفضوه، وهذا ما ننتهجه، أما أن يكون العالم يتملّق للعامة فلا يقول إلا ما يرضيهم، أو ما يخالف آراء آبائهم وأجدادهم فهذا حرام ... وإنما علينا أن نمتثل قول الله تعالى وأمره: قُلِ اللهُ ثُمَّ دَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (الأنعام (91) فاستمسكوا بالآية وردّدوها في كل حين
امتثل الشيخ بيوض هذه الآية في مسيرته الدعوية الطويلة قدوته في ذلك رسل الله الذين لم يتركوا التبليغ إلى أن أتاهم اليقين، وأوصى الدعاة إلى الله بالمصابرة في اتباع دربهم: فكما أنَّ الرسل لم يتركوا التبليغ والدعوة بسبب كثرة المكذبين، فكذلك على خلفائهم الأ يتركوا التبليغ والدعوة إلى الله لأن الناس آذوهم، أو لم يستجب لهم أحدٌ) (3).
1 - درس التفسير
كان الشيخ بيوض يهدف من تفسيره القرآن الكريم إصلاح المجتمع وتربيته مركزا على العقيدة وتحريك الإيمان وإعداد الجيل الذي يتحرك بالقرآن، إنَّ
(1) في رحاب القرآن سورة لقمان: 200/ 11.
(2)
(3)
م. ن: 248/ 11.
م. ن: 13/ 483. (1/53)
صفحة 50
54
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
(1)
مقصدي من هذه الدروس وغيرها هو مقصد الشيخ محمد عبده، أن أخلق عقولاً تتذوّق بلاغة القرآن، ونفوسا فيها طهرُ القرآن، وتلامذة مصلحين يكونون جند القرآن (2).
فقد جعل الشيخ بيوض كتاب الله عمدته في الدعوة إلى الله، حيث يقول:
ورأيت أن أنفع شيء لذلك كتاب الله فشرعت في التفسير (3).
ونظرا لأثر درس التفسير الفعّال في تربية الفرد والمجتمع كان الشيخ يهتم به اهتماما خاصا من حيث الإعداد والإلقاء والاجتهاد، فلم يكن منهج الشيخ رواية أقوال المفسرين، بل كان يهضم مادة هذه التفاسير ويعيد صياغتها في نفسه ثم يضيف إليها ما يتبين له من فهم، ويلقي بكل ذلك تفسيرا نقيا مصفى، يلمع بالاستقلالية الفكرية ولا يظهر عليه التأثر بالغير)، فاهتدى بذلك إلى استخراج أسرار القرآن مما لم يتوصل إليه القدماء.
(1) محمد عبده بن حسن خير الله (1266) - 1323 هـ / 1849 - 1905 م) مفتي الديار المصرية، ومن كبار رجال الاصلاح والتجديد في العالم الإسلامي في العصر الحديث عمل في التعليم، وكتب في الصحف ولا سيما جريدة الوقائع المصرية" وقد تولى تحريرها، لما احتل الانكليز مصر ناوأهم، وشارك في مناصرة الثورة العرابية، فسجن 3 أشهر للتحقيق، ونفي إلى بلاد الشام، سنة 1299 هـ/ 1881 م، وسافر إلى باريس فأصدر مع صديقه وأستاذه جمال الدين الأفغاني جريدة "العروة الوثقى" وعاد إلى بيروت فاشتغل بالتدريس والتأليف. عاد إلى مصر سنة 1306 هـ/ 1888 م، وتولى منصب القضاء، ثم جعل مستشارا في محكمة الاستئناف، فمفتيا للديار المصرية سنة 1317 هـ، واستمر إلى أن توفي بالإسكندرية سنة 1323 هـ / 1905 م، ودفن في القاهرة. من مصنفاته: "تفسير القرآن الكريم"، لم يتمه و وسالة التوحيد"، و" حاشية على شرح الدواني للعقائد العضدية" و"شرح نهج البلاغة. الزركلي: الأعلام: 252/ 6.
(2) محمد علي دبوز نهضة: 74/ 3. (3) في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 1/ 33؛ محمد ناصر: الشيخ يوض: 32.
(4) مسعود فلوسي: الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض وتفسيره في رحاب القرآن، الملتقى الأول لفكر الشيخ يتوض، ص: 291. (1/54)
صفحة 51
المبحث الثاني: آثار الشيخ بيوض العقدية
2 درس الحديث الشريف
55
أولى الشيخ بيوض عناية خاصة للسنة النبوية إلى جانب درس التفسير الذي وهب له جلّ حياته، حيث شرح مسند الربيع بن حبيب، ثم شرح كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني لمدة أربعة عشر عاما
(1945/ 1364 - 1931/ 1350)
3 الدروس العامة:
من
شهد محراب المسجد دروسًا أخرى للشيخ بيوض، كان يلقيها خلال أيام السنة وفي المناسبات الخاصة، كشهر رمضان وليلة الجمعة والأعياد، عالج من خلالها قضايا المجتمع، منتهجًا أسلوب الصراحة في تبيين أمراضه محتملاً ما يعترض هذا المنهج الإصلاحي من عقبات ومعاناة ومعاداة معتقدا أن ذلك صميم مسؤوليته الشرعية، حيث يرى أنه ينبغي للواعظ «أن يتكلم عن الأمراض التي ابتلي بها مجتمعه وأصيبت بها أمته للتنبيه على خطرها والتذكير بمعالجتها للاستشفاء منها والدعوة إلى التوبة منها وهذا ما يجب، وهذا هو المقصود بالذات، حَتَّى يعتبر المصاب بما قصد من الكلام فيتوب إلى ربه، ويستغفر من ذنبه» (1).
صحح الشيخ من خلال منبر المسجد تصوّرات ومعتقدات وبين أحكام العبادات وأصدر توجيهات في مختلف مجالات الحياة، وألقى كثيرا من دروسه حلقات في موضوع واحد، منها: العلاقات الزوجية، المجتمع المسجدي، الفلسفة وخطر الإلحاد دروس الهجرة، وقد شرعت تسجيلات الحياة» في نقل هذه الدروس من الأشرطة إلى الأقراص المضغوطة، كما أن ثمة جهودًا في
تحرير بعض الدروس وطباعتها أو استخلاص مادة التأليف منها.
(1) في رحاب القرآن، سورة محمد 502/ 18. (1/55)
صفحة 52
56
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
ثانيا: معهد الحياة:
إذا كان الشيخ بيوض لم يؤلف كتبا في العقيدة فإنه كوّن في ليل الاستعمار وفترة الركود الفكري - أجيالاً من الرجال اغترفت من معين الإيمان الصافي وتسلّحت بسلاح العلم، وانطلقت لعمارة ميادين الحياة في الشمال والجنوب، فقد أسس معهد «الحياة» عام 1925 م، ولم يكن تلاميذه من بلدة القرارة فحسب بل قصدت معهده وفود من قرى وادي مزاب ومن مختلف نواحي القطر الجزائري
وخارجه، احتضنتهم دار البعثات العلمية، يطلق عليها اليوم «داخلية الحياة». حددت إدارة المعهد للمتعلم به غايةً عامة ذات بعد عقدي، وهي «طلب رضا الله، وشرف العلم نفسه، ونفي الجهل عنه) وكان الشيخ بيوض يعتز بخدمة دين الله بإعداد هذه الأجيال الصالحة الفاعلة، ومما قال عنهم: «إنهم عدة الأمة، هم لكتاب الله حملة، ولسنّة نبيه رواة، وللعلم الصحيح حملة، وللدين الصحيح الخالي من الخرافات الباطلة دعاة ... (2)
ثالثًا: خطاباته في المجتمع الخارجي:
لم يحصر الشيخ بيوض دروسه وتوجيهاته في المسجد والمعهد ولا في بلدته القرارة، بل كانت له جولات وخطابات في قرى وادي مزاب وفي مدن التل الجزائري كما كانت له كلمات في المجلس الجزائري وفي ملتقى الفكر الإسلامي ... ولم يترك الدعوة حتى في أيام محنته، ومن ذلك مناقشته وهوَ فِي
(3)
(3)
(1) شريفي سعيد: معهد الحياة نشأته وتطوره: 57. (2) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 103/ 4. ومن ذلك محاضرته في الملتقى السابع للتعرف على الفكر الإسلامي، المنعقد في مدينة تيزي وزو عام 1973 م تحت عنوان "روح" الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي" (المجلد الثاني، منشورات وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، مطبعة البعث - قسنطينة، 1395 هـ/ 1975 م، ص-
ص 753 - 787). (1/56)
صفحة 53
المبحث الثاني: آثار الشيخ بيوض العقدية
57
السجن موضوع انتقام الأولياء ممن هم تحت كفالتهم عند ارتكاب منكر: «ولقد وقع لي أيام السجن نقاش كبير مع بعض المسجونين الذين يرون هذا ... وقلت لهم: إنَّ الله تعالى لم يُبح هذا، وإنما شرع طرقًا للتأديب والتربية ... (1)
رابعا: الفتاوى:
أفتى الشيخ بيوض في مواضيع العقيدة والشريعة والحياة، وقد جمع له جزء كبير من فتاواه في كتاب تحت عنوان: فتاوى الإمام الشيخ بيوض إعداد الشيخ بكير بن محمد الشيخ بالحاج ط 1 المطبعة العربية غرداية - الجزائر، 1408 هـ/ 1988 م. ط 2 مكتبة أبي الشعثاء السيب، سلطنة عمان 1411 هـ/ 1990 م.
كما
ا جمع البعض منها في كتيب تحت عنوان: أجوبة وفتاوى بالاشتراك مع الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، منشورات دار الدعوة، نالوت ليبيا ط 1،
p 1971/1390
راعى الشيخ بيوض في فتاواه الأبعاد العقدية، خاصة مقصد توحيد الله رب
العالمين، وتحقيق وحدة المسلمين، كما سنرى ذلك في مبحث «النظرة المقاصدية»؛ ومن ذلك فتواه - مراعاة لمقصد المحافظة على إخلاص العمل الله عز وجل- بعدم جواز الوصية لغسال الموتى، معللاً أنها تفسد قلوب العاملين، المتطوعين بالقيام بهذه المهمة (2).
خامسًا: المراسلات:
كانت للشيخ بيوض مراسلات إخوانية وأخرى إدارية - غير الفتاوى التي ورد كثير منها مكتوبًا - ومنها ما حررها عن نفسه ومنها ما كتبها باسم الهيئات التي يمثلها، وهذه نماذج منها:
(1) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 11/ 503.
(2)
م. ن، سورة الشوري: 17/ 172 - 173. (1/57)
صفحة 54
58
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
1 - هذه إحدى الرسائل الرسمية التي بعثها إلى رئيس الجمهورية وإلى وزير التعليم الأصلي باسم مجلس عمي سعيد الهيئة الدينية العليا لعزابة وادي مزاب رسالة استنكار واحتجاج، مؤرخة يوم: 06 أفريل 1973.
وهي
إثر تلقي الشيخ بيوض نبأ حرق الطلبة الشيوعيين المصاحف بالمسجد الجامعي بالجزائر العاصمة رأى من الواجب تقديم احتجاج كتابي لرئاسة الجمهورية لوضع حد لهؤلاء الشرذمة، ثم قرأ الرسالة في المسجد، طلب فيها إنزال العقاب عليهم لوضع حدّ لهم وليكونوا عبرة لغيرهم، ومما يدلّ على البعد العقدي لهذه المراسلة قوله الشيخ في ختامها: «فإنَّ في إنزال العقاب عليهم رفع عقاب الله علينا» (1) ذلك لأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الدين، وقد قال تعالى عن الدعاة الصادقين: {قَالُوا مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الأعراف: 164). -2 اعتقد الشيخ بيوض أنَّ السكوت عن قول الحق حرام ومداهنة فانطلق في جرأة يصدع به، وقد كتب إليه رفيقه أبو اليقظان ليعدل عن صرامته في معالجة إحدى القضايا فراسله الشيخ بيوض (2) قائلاً: ألا يجب على الأقل شرح أدلة المسألة والدعاء إلى نقدها؟ ... فإلى متى هذا الصبر عن الإصداح بالحق؟ ... لا والله إن السكوت حرام ومداهنة وجبن، ليس في أخيك واحدة منها والحمد لله وعصمه فيما بقي بمنه وكرمه؛ أخي خل بيني وبين القوم، فإما أنتصر وإما أن يظهر الحقُّ عَلَى أيديهم فأظفر بالرجوع إليه، وما أبرده على الكبد!» (3).
3 - وقد لامه بعض إخوانه على طريقته في معالجة بعض المسائل فراسلهم يوضح لهم منهجه .... حسبنا أن يكون ما ندعو إليه حقا وأن نقيم البرهان عليه ثم لا تكره أحدًا عَلَى اتباعه، فإنما هو ئذكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ
(1) إبراهيم يتوض: "البراءة من ... ! " سلسلة دروس ألقاها الشيخ بمسجد القرارة عام 1973 م، قرص مدمج تسجيلات الحياة.
(2) الرسالة بتاريخ: 11 شوال 1354 هـ/ 06 جانفي 1936 م.
(3) محمد ناصر الشيخ يوض: 120. (1/58)
صفحة 55
المبحث الثاني: آثار الشيخ بيوض العقدية
59
سبيلاً) (المزمل: 19)، ثمَّ لا يعنينا بعد ذلك شيء من أمر المعارضة ثارت أو سكنت اشتدت أو ضعفت، فالصراع بين الحق والباطل طبيعي وقديم، ولكل منهما جولة ودولة، غير أنَّ العاقبة للحق فلا يهولنكم إخواني أمر هؤلاء، ولا تقيموا لهم وزنا لما يهرفون فأنتم أحق من صبر لهم وتغاضى عن ترهاتهم ... » (4).
سندسًا: المقالات:
اتخذ الشيخ بيوض الصحافة من منابر رسالته، وقد أهله تكوينه الأدبي وفكره الإصلاحي لتحرير مقالات رصينة حركية في صحف أخيه أبي اليقظان، من عام 1345 هـ/ 1926 م إلى 1357 هـ/ 1938 م؛ ننتقي منها الآتي:
أ نشر الشيخ بيوض ست مقالات في جريدة «الأمة» تحت عنوان: «في - الوحدة العربية (2)، أصلح بها ما نشب من خلاف بين سليمان باشا الباروني وشكيب أرسلان، بسبب سوء الظن والتسرع في الحكم ..
برز البعد العقدي واضحًا في هذه المقالات، حيث امتثل فيها الشيخ لقول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى (الأنعام: 152) فأنصف القضية ولام سليمان باشا الباروني الإباضي، وقد سُرَّ بهذه المقالات الستة علماء المغرب الكبير المصلحون وأعلام الإصلاح في الجزائر، فأثنى عليها الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ العقبي والشيخ البشير الإبراهيمي وشكروا الشيخ بيوض على تلك المقالات التي شرفت الجزائر والمغرب» (3).
قدم الشيخ أبو اليقظان صاحب الجريدة لهذه المقالات الست بمقدمة بين فيها تميّز مقالات الشيخ بيوض عن باقي المقالات - المنشورة في موضوع هذه الأزمة التي لم تسلم من الانحياز لأحد الطرفين والإسهام في إذكاء الخلاف، أما الشيخ
04:
(1) رسالة بتاريخ: ربيع الأول 1354 هـ / 06 جوان 1935 م، عن محمد ناصر: الشيخ بيوض: 300. (2) نشرت جريدة الأمة المقالات الست في أعدادها: 156 - 161، سنة 1938 م. (3) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 100/ 5. (1/59)
صفحة 56
60
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
بيوض فقد دعا إلى الوحدة وسلك إلى ذلك أسلوبًا حكيما ينم عن مهارة فائقة وحكمة عالية ودقة في النظر بعيدة ونورانية في التفكير لماعة، يجدر أن يكون أسلوبه هَذا في نظرنا مثلاً أعلى أمام كتابنا الأفاضل عند التحبير والتحرير، وقد دل من جهة أخرى عَلَى أنه لا تزال بين المسلمين طائفة من المؤمنين قوامين بالقسط شهداء الله ولو على أنفسهم، أكثر الله في الإسلام من أمثالهم (2).
ب نشر الشيخ بيوض مقالا مطولا في جريدة "المغرب" تحت عنوان
66
اعتصاب الجوع، أو السلاح المفلول شدّد فيه النكير على بعض الفة السياسيين الذين يلجأون إلى إضراب الجوع تعبيرا لرفضهم للاستعمار ومطالبة بحقوقهم، وأكد – بكل جرأة في ذلك الوقت المتقدم: 1931 م - أن استقلال الشعوب ينال بقوة السلاح والثبات في ميادين القتال، وتما جاء في المقال: « ... احفظوا أيها العظماء حياتكم، فحياة أمكم منوط بها .... احفظوا حياتكم لا جبنا ولا حبا في الحياة فقط، بل لتبذلوها في ميدان أشرف من هذا الميدان ولتبيعوها في أسواق المجد غالية، إذ تأخذون ثمنها تحرير أممكم واستقلالها، فنفوس الأبطال والعظماء تسيل على حد الظباة وليست على غير الظباة تسيل ... » (2).
ج- ونشر في جريدة "الأمة" مقالاً عن الوحدة العربية يصف حالها وشرط تحقيقها: الوحدة العربية السياسية، أو الجامعة الإسلامية حلم جميل، وغرض نبيل، وأمنية كل عربي أصيل، ومسلم له باع في العروبة طويل، تغنى بها الشعراء، ولهج بها الخطباء، ودعا إليها العلماء والحكماء، فانطبعت صورتها الجميلة الرائعة في كلّ قلب نقش فيه بأحرف من نور "لا إله إلا الله محمد رسول الله (3)، فالوحدة العربية تفقد أي معنى إذا لم تؤسس على التوحيد وأريد بها وجه الله، والوحدة
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 101/ 5.
(2) جريدة المغرب، ع: 31، يوم: 1931/ 1/6، عن محمد ناصر الشيخ بيوض 123 .. (3) جريدة الأمة، ع: 156، يوم: 1938/ 3/1، عن محمد ناصر: الشيخ يتوض: 132. وعلّق في الهامش. قائلاً: "وكاني في هذه الفقرة يتحدث عن نفسه". (1/60)
صفحة 57
المبحث الثاني: آثار الشيخ بيوض العقدية
61
الإسلامية لا تتحقق بالشعارات ولا بالنداءات المنبرية فحسب، إنما هو اعتقاد جازم
بكونها من مقتضى الإيمان والمجاهدة على تجسيدها في الميدان.
سابعا: المقابلات:
- من المقابلات التي أجراها الشيخ بيوض لقاؤه مع الأب كوبرلي، بعد أن وجّه إليه رسالة تتضمن جملة من الأسئلة في موضوع العقيدة الإسلامية، منها: الأسماء والصفات والقدر، والولاية، والبراءة والتوبة، واستعلمه عن رأي
الإباضية فيها.
حرّرت الرسالة يوم 17 جانفي 1973 م، وانعقدت المقابلة في دار الشيخ بيوض بالقرارة يوم الأربعاء 20 ربيع الثاني /1393 هـ / 23 ماي 1973 م، سجل هذا اللقاء في شريط مسموع ثم استنسخ في رسالة تحت عنوان "الأجوبة الشافية، وضع لها الشيخ حمو بن عمر فخار تقديما.
- أجرى الشيخ بيوض مقابلة خاصة مع السيد "قيشار" مستشار الرئيس الفرنسي دي غول“ ومبعوثه إلى بعض الشخصيات في صحراء الجزائر - قبيل الاستقلال - للتفاوض في شأن مستقبل الصحراء واستقلالها، وعند رواية الشيخ لتفاصيل المقابلة ختم بقوله: (وأشهد أني قمت بواجبي أمام الله وأرضيتُ ضميري، وأحمد الله وأشكره على توفيقه» (1).
يعد هذا التراث - على اختلاف أوعيته ومجالاته - المادة العلمية الخام للبحث، وقبل الشروع فيه يستحسن أن نتقدمه بتحديد مفاهيم بعض المصطلحات
المستخدمة فيه.
(1) إبراهيم بيوض: أعمالي في الثورة: 64، عن مذكرات بابا تامر بوعروة. (1/61)
صفحة 58
62
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
المبحث الثالث
تحديد مفاهيم
يشغل مدلول اس طلح دورًاً جوهريا في توجيه معنى النصوص، وإذا احتمل أكثر من وجه فللباحث أن يختار منها معنى ويعتمده)، وهذا تحديد لبعض
المصطلحات المستخدمة في البحث.
أولاً: العقيدة:
لفظ ”العقيدة" مشتق من كلمة "عقد" أي ربط وأحكم الوثاق (2)، فهي تفيد التصديق والتيقن والجزم.
تتضمن العقيدة الحقائق الكبرى التي دعا إليها القرآن، وهي الإيمان بالله والرسالة والمصير، وربط الصلة بين الله والكون والإنسان، ومصطلح العقيدة“ لم يرد في القرآن ولا في السنة ولا عند سلف الأمة من الصحابة والتابعين، بل هو مستحدث في العصر العباسي، وهو يتضمن فصل العنصر العقلي الذي هو مضمون العقيدة عن العنصر النفسي، مع أن كليهما مجموع في لفظ الإيمان المستعمل في القرآن والحديث» (4).
يلاحظ الشيخ بيوض أن اسم العقيدة" ليس مصطلحا قرآنيا، إذ إنها لم ترد في القرآن بهذا اللفظ ولو مرّة واحدة، وتساءل عن الحكمة من عدم مخاطبة الله إيانا بلفظ العقيدة، بينما تكرّرت لفظة الإيمان في القرآن 879 مرة؟ (5)، يبدو أن الجواب
(1) محمد راتب النابلسي، مقابلة خاصة دمشق يوم 10 جويلية 2009 م. (2) ابن منظور لسان العرب، ط 1، دار إحياء التراث العربي - مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان 1416 هـ/ 1995 م: 309/ 9.
(3) محمد المبارك: نظام الإسلام العقيدة والعبادة، ط 1، دار الفكر، بيروت، 1388 هـ / 1968 م: 28. (4) محمد المبارك: ذاتية الإسلام أمام المذاهب والعقائد، دار الفكر، بيروت، د. ت. ن: 28. (5) إبراهيم بيوض: درس "العقيدة الصحيحة" قرص مدمج MP 3 تسجلات الحياة، القرارة. (1/62)
صفحة 59
63
المبحث الثالث: تحديد مفاهيم عن ذلك هو كون لفظ الإيمان القرآني أعمق وأقوى إيحاء من لفظ العقيدة، لأنه يضمّ عنصري العقل والنفس معا (3)، وبمرور الزمن توسع مجال العقيدة“ وانضافت إليه مسائل بسبب الصراعات السياسية والمذهبية، وأصبح هذا المصطلح فيه إلزام للناس بأمور ليست من الإسلام في شيء (2).
""
لا مانع من استخدام مصطلح العقيدة بناء على ما تعارف عليه الناس بشرط تمييز ما استحدث فيه من مسائل والامتناع عن امتحان الناس به أما المصطلح الشرعي الأصلي فهو الإيمان، فما هو تعريفه؟ وما العلاقة بينه وبين العمل؟ وماذا عن زيادته ونقصانه وأبعاده العقدية والسلوكية؟
ثانيا: الإيمان:
الإيمان لغة:
معنى الإيمان في اللغة التصديق، ضده التكذيب (3)، ومن ذلك قوله تعالى:
وَمَا أَنتَ يمُومِن لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} (يوسف: 17).
الإيمان اصطلاحا:
يرى الشيخ بيوض أن للفظ الإيمان مدلولين:
1 - جميع ما شرعه الله
من عقيدة وقول وعمل، وهو مذهب الإباضية. والسلفية، بدليل قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
(1) عمار طسطاس: منهج المودودي في صياغة العقيدة الإسلامية، رسالة ماجستير، جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة، السنة الجامعية: 1412 هـ/ 1991 م. ص: 03 - 04.
(2) حسن بن فرحان المالكي: قراءة في كتب العقائد المذهب الحنبلي نموذجًا، ط 2، مركز الدراسات التاريخية عمان، الأردن 1425 هـ / 2004 م: 4
(3) ابن منظور لسان العرب: 1/ 223
24:
(4) ابن تيمية: الإيمان، تح محمد الزبيدي، ط 1، دار الكتاب العربي، بيروت، 1414 هـ/ 1993 م: 36؛ البيهقي: الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، تح عبد الله محمد
=
5 (1/63)
صفحة 60
64
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ... (الأنفال: 2 - 4)، فهذا نص صريح يدلّ وبطريق الحصر على أن جميع الأعمال الصالحة داخلة في مفهوم الإيمان)، كما استدل الشيخ بأن جميع ما ورد في القرآن من أوامر ونواه وأحكام، وما جاء في السنة يدل دلالة صريحة واضحة على أن الإيمان عقيدة وقول وعمل (2).
(3)
2 - تصديق القلب بأصول الدين، فيلاحظ أن الشيخ بيوض لم يشترط دخول العمل في مدلول كلمة الإيمان إلا أنه اعتبره شرطا لقبوله، «نعم هو شرط وإن لم يدخل، ولكنه شرط قبول الإيمان، وحصول الجزاء الأوفى للإيمان مشروط بالعمل الصالح).
وهذا القول الثاني هو رأي الشيخ امحمد اطفيش في تعريف الإيمان)، وهو يتفق في مبناه مع تعريف الأشاعرة والماتوريدية)، ويتفق في معناه مع القول المشهور عند الإباضية من حيث اشتراط العمل في قبول الإيمان
يلاحظ أن لتعريف الشيخ اطفيش والشيخ بيوض الإيمان بالتصديق القلبي أبعادًا عقدية وسلوكية تتمثل في شد الانتباه إلى ضرورة تجديد الإيمان وتحريكه في
الدرويش، ط 1، اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق - بيروت، 1420 هـ/ 1999 م: 287؛ السالمي:
مشارق أنوار العقول: 2/ 201.
(1) في رحاب القرآن، سورة السجدة: 107/ 12.
(2) م. ن: سورة المؤمنون: 14/ 5.
(3) م. ن: سورة الزمر: 315/ 15
(4) من سورة الكهف: 172/ 2
(5) مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: 291.
(6) الأشعري: كتاب اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع، نشر وتصحيح الأب رتشرد يوسف مكارثي اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1952 م: 75؛ الجويني: كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد 397؛ الماتوريدي: كتاب التوحيد، تح فتح الله خليف دار الجامعات المصرية. د. ت. ن: 380. (1/64)
صفحة 61
المبحث الثالث: تحديد مفاهيم
65
القلب لتصطبغ الأعمال الصالحة بصبغة الإخلاص، وليضفي عليها خاصية الشمولية لئلا تقتصر على الأعمال التعبدية والفرائض المعهودة، فإن التركيز على التصديق القلبي رجوع إلى إحياء روح الإيمان في القلوب التي كانت شبه فارغة متشبثة ببعض تقاليد وطقوس تراها هي العمل المطلوب من المؤمن، أو مكتفية ببعض الفرائض التي تراها هي كل الإيمان» (1).
علاقة العمل بالإيمان
ومن
فاتحته
لم يكن الشيخ بيوض يركز اهتمامه على القيود الموضوعة لبعض التعاريف، بل كان يهدف من درس العقيدة النفاذ إلى روح النص واستخلاص أبعاده العملية، ذلك جوابه عن إشكال وجوب دخول العمل في مفهوم الإيمان أم لا؟: «فهذا لا يهم ولو كان محل نزاع ... وإنما الذي يضرُّ، والذي لا يجوز أبدا، ويعتبر مروقًا من الملة، والشريعة أن يعتقد أحد أنه يجازى على عقيدة قلبه، وإن لم يعمل العمل الصالح الذي يجب عليه شرعًا، هذا الذي يخالف ما في القرآن من إلى خاتمته، ومخالف لكل ما ورد في الحديث» (2). يسلّم الشيخ بيوض بصحة إطلاق لفظ الإيمان على التصديق القلبي، ولكنه يشترط العمل لإثبات حقيقة هذا الإيمان، فالإيمان هو هذه الجذور التي في القلب ... ولكنَّ هذا الإيمان لا تظهر حقيقته، ولا تبرز ثمرته إلاً بالأعمال الصالحة» (3).
مناقشة من لا يشترط العمل في الإيمان:
-1
-
1 يرى الشيخ بيوض أن ورود الإيمان والعمل الصالح معطوفين في مواضع كثيرة من القرآن الكريم يدلّ على تلازمهما وعدم الاستغناء عن أحدهما، وردّ
(1) مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: 284 - 289.
(2) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 4/ 100.
101/ 4:3
(3) (1/65)
صفحة 62
66
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
على من استدل بهذا العطف على أنَّ مُجَرَّد التصديق القلبي أو النطق به يغني عن
(1)
عمل الجوارح وبما أنَّ الله لا يجازي على عمل العبد إلا إذا توفر فيه الشرطان الأساسيان الصواب والإخلاص، لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (الكهف: (110) فإن الله يعطف العمل الصالح على الإيمان أو يعطف الإيمان على العمل الصالح لتأكيد تلازمهما واشتراط اجتماعهما عند راجي ثواب الله.
ففي بعض الآيات يذكر الإيمان أولاً ويعطف عليه العمل الصالح مثل قوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... } (البقرة: 277) وقوله تعالى: {إلاً مَنَ ـ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا (سبا: (37) وفي بعض الآيات يذكر العمل الصالح ويعطف عليه الإيمان عكس الأول مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يُعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُو مِنه (طه: 112) وقوله: {وَمَنْ يُعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُومِن (النساء: 124).
فهذه الازدواجية في القرآن بين الإيمان وبين العمل الصالح دلّ على التلازم وعدم الفكاك، فالإيمان والعمل الصالح متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فيستحيل أن يجازى أحدٌ على عمل صالح وهو غير مؤمن، أو يجازي على إيمان في القلب وهو غير عامل عملاً صالحا (2)، وهذا دليل على أن الإيمان بدون إقامة الشعائر العملية لا يعد إيمانا (3).
إستدل الشيخ - أيضا - على هذا التلازم بقوله تعالى: {أَوْلَئِكَ لَمْ يُومِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} (الأحزاب: (19) ذلك أن عمل المنافقين
(1) في رحاب القرآن، 4/ 223؛ سورة السجدة: 106/ 12.
(2) م. ن: سورة الأنبياء: 218/ 4.
(3) من سورة الكهف: 356/ 2 (1/66)
صفحة 63
المبحث الثالث: تحديد مفاهيم
67
صدر عنهم رياءً أو اضطروا إليه اضطرارا، فهم لا يرجون به الير والذخر عند الله» (1).
ومثل للعمل الذي يفتقر إلى الإيمان بالأعمال الخيرية التي يقوم بها الكفرة من (المبشرين) وغيرهم كإطعام الجائعين ومداواة المرضى، فإنها لا تغنيهم من الله شيئًا لأنه ليس معها إيمان، ولو أنَّهم كانوا يرجون ذخر هذه الأعمال الخيرية عند الله ويبتغون بها رضوانه لما أساؤوا إلى الشعوب الإساءات التي تأتي على ذلك الإحسان (2).
فالإيمان شرط لقبول الأعمال «أما العمل الذي يصدر من المنافق أو الكافر أو الملحد كمواساة بعض الفقراء أو مداواة بعض المرضى فظاهرها خير ولكنه ليس هو العمل الصالح المطلوب الذي يُجازى عليه، لأنه عمل عارض وأسبابه غير راسخة في القلب» (3). مهما كثرت الأعمال وبدا منها صلاح لا تقبل عند الله إلا إذا صدرت من قلب مؤمن، كما أنَّ حقيقة الإيمان يثبتها العمل والاستسلام لأمر الله لقوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُومِن وَلاَ مُومِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنَ أمرهم) (الأحزاب: 36) (4)
يلاحظ أن الشيخ بيوض لم يكن موقفه الاستدلال على عدم إفادة "الواو“ التغاير بين الإيمان والعمل، لأنه لا يرى في ذلك ضرورة ما دام أنه لا يشترط دخول العمل في مفهوم الإيمان، إنما كان حريصًا على تأكيد ضرورة التلازم بين
الإيمان والعمل.
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 231/ 12.
(2) من سورة الأنبياء: 4/ 220.
(3)
م. ن سورة الأنبياء: 4/ 219.
(4) من سورة الأحزاب: 324/ 12 (1/67)
صفحة 64
68
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
وتمن برهن على كون العمل جزءاً من الإيمان الإمام الشافعي، فقد ناظر رجلاً فصل بين الإيمان والعمل مستدلاً بقول الله تعالى: هو إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات} (البقرة: 277) فقال له الشافعي: وعندك الواو فصل؟ قال: نعم، قال: فإذا كنت تعبد إلهين، إلها في المشرق وإلها في المغرب، لأن الله تعالى يقول: ورَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَعْرِبَيْنِ} (الرحمن: 17) (2).
2 - ردّ الشيخ بيوض على من ظنّ أنه إذا قال: "لا إله إلا الله أغنته عن العمل، أو أنه لم يُطلب منه شيء آخر حتى وإن لم يُؤدِّ ما عليه من واجبات ولم يترك ما نهى عنه من المحرمات ... (3) مبينا أن من أقرّ بكلمة التوحيد ولكنه لم يعمل بمقتضاها، فلم يتقيد بشرع الله فعلاً وتركا، سلب منه اسم "الإيمان" لقوله تعالى: أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ} (السجدة: 18) فقد فرق الله بين المؤمن والفاسق في الاسم والحكم، وهذا توكيد كبير حتى لا يجد المكلّف متعلقا يتعلّق به فيقول: أما الإيمان القلبي فأنا مؤمن وأما العمل الصالح فلا لزوم له، كما يزعم الكثيرون (4)
-3 - التصديق القلبي والإقرار به لا يغنيان عن العمل، فإن من يدعي الإيمان، انه ويزعم مؤمن بقلبه، ولكنه لا يعمل العمل الصالح كاذب في دعواه، لأن العمل هو الذي يثبت ويؤكد حقيقة الإيمان (5). وقد أخبر الله باختبار دعوى
(1) محمد بن إدريس الشافعي (150) - 204 هـ / 767 - 820 م) إليه تنسب الشافعية، ولد في غزة (بفلسطين) وحمل منها إلى مكة وهو ابن سنتين، وزار بغداد، مرتين وقصد مصر سنة 199 وتوفي بهاء وقبره معروف في القاهرة. وأقبل على الفقه والحديث وأنتى وهو ابن عشرين سنة، له تصانيف كثيرة، أشهرها كتاب "الأم" في الفقه، و "المسند" في الحديث، و "الرسالة" في أصول الفقه الأصبهاني: حلية الأولياء ط 4 دار الكتاب العربي، بيروت، 1405 هـ/1985 م: 16163؛ الزركلي: الأعلام: 6/ 26.
(2) الأصبهاني: حلية الأولياء: 110/ 9. (3) في رحاب القرآن، سورة الروم: 08/ 9 (4) من سورة السجدة: 107/ 12. (5) م. ن: سورة الأنبياء: 4/ 101. (1/68)
صفحة 65
المبحث الثالث: تحديد مفاهيم
69
الإيمان في قوله: {أَلَمْ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ؟ وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (العنكبوت: (1 - 3) والعمل بأحكام الشريعة هو أول الافتتان، وهو الذي يصدق ما في القلوب (1).
،،
،،
4 - إنَّ قول "لا إله إلا الله عقد يُمضيه العبد، يُشهد فيه ربه على التزامه بالعمل بمقتضيات الإيمان (2)، أما اعتقاد كون كلمة التوحيد تغني عن العمل فهو هدم لقواعد الشرع وإبطال لما علم من الدين بالضرورة، فعلاً للواجبات وتركا للمنهيات، فلا يكفي العبد قول لا إله إلا الله إلا مصحوبًا بالعمل، كما يُثبته القرآن (3). وإذا صح الحديث: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق) فهذا يطابق ما ورد في القرآن الكريم: قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يُنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ (الأنفال: (38) فالآية نزلت في حق الكفار الذين كانوا في عهد النبي و و و و دخلوا الإسلام، فإنّ الله تعالى يغفر لهم ما قد فعلوه قبل الإسلام من قتل وسرقة وزئى ووأد وغير ذلك من المعاصي.
(1) في رحاب القرآن، سورة العنكبوت: 20/ 9. (2) الغزالي: عقيدة المسلم: 40.
(3) في رحاب القرآن، سورة فصلت: 16/ 595.
،،
(4) رواه البخاري في كتاب اللباس، باب الثياب البيض من حديث أبي ذر له عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له: (مَا مِنْ عَبْدِ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذلِكَ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ وَإِنْ زنى وإنْ سَرَقَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قُلْتُ وَإِنْ رَبِّي وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ وَإِنْ رَبِّي وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَلْفِ أَبي ذر». وَكَانَ أَبُو دَرِّ إِذا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ أَنفُ أَبِي ذَرِّ قَالَ أبو عَبْدَ اللَّهِ هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ إِذا تَابَ وَنَدِمَ وَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ غُفِرَ لَهُ، حديث: 5379، ضبط وترقيم وتخريج مصطفى ديب البغا، ط 3 دار ابن كثير، اليمامة - بيروت، 1407 هـ/ 1987 م: 2193/ 5؛ مسلم: الصحيح، تح محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ط، د. ت. ن كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، حديث: 94، 95/ 1 (1/69)
صفحة 66
70
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
فمعنى الحديث: من قال لا إله إلا الله وقد كان كافرا يزني ويسرق ويشرب الخمر ... فإنّه في اليوم الذي يعلن فيه إسلامه فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه، ويبدأ عمله منذ ذلك اليوم، والإسلام جب لما قبله (1)
الإيمان والإسلام
الإسلام لغة: الاستسلام والانقياد)
أشار الشيخ بيوض إلى العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للإسلام منبها إلى أن الغفلة عن الأصل اللغوي للإسلام أفقدت معناه العميق الحركي حتى صار المسلم لكأنه لقب من الألقاب الجامدة، وليست كلمة متصرفة لها معنى» (3).
الإيمان والإسلام لفظان يردان مقترنين أو منفصلين، فيفهم من خلال السياق مدلول كل منهما وتحدّد العلاقة بينهما، إما الاختلاف أو الترادف أو غير ذلك، ففي حال اقترانهما يتميز كل منهما بمفهومه الخاص وتربط بينهما علاقة السببية، ذلك أن الإيمان حين يحل في قلب امرئ يثمر استسلام الجوارح لأمر الله تعالى، فإذا اجتمعت هذه العقيدة في القلب والمعبر عنها بالإيمان، ترتب عنها الإسلام في الظاهر، فيكون المرء مؤمنًا بقلبه مسلما، بظاهره، فإذا فرقنا بين الإيمان والإسلام فمعناهما هو هذا» (4).
وقد استدل الشيخان ابن تيمية (5) وإبراهيم بيوض بحديث جبريل عليه
(1) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 224/ 4.
(2) ابن منظور لسان العرب: 345/ 6 (3) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 424/ 11.
(4) م. ن: سورة الأحزاب: 315/ 12 - 316
(5) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني الدمشقي، تقي الدين ابن تيمية (661 - 728 هـ/ 1263 - 1328 م) ولد في حران وانتقل دمشق فنبغ واشتهر كان كثير البحث في فنون الحكمة، داعية إصلاح في الدين له تصانيف كثيرة، منها: "الفتاوى" خمس مجلدات، و الايمان“ و ”الجمع بين النقل والعقل" و "منهاج السنة" و"الفرقان بين أولياء الله وأولياء الشيطان“ و ”الواسطة بين
= (1/70)
صفحة 67
المبحث الثالث: تحديد مفاهيم
(1)
71
السلام على التمييز بين مفهومي الإسلام والإيمان، فحين سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإسلام أجاب بشعائر الدين الظاهرة الخمسة، ولما سئل عن الإيمان أجاب بأصوله الإيمانية الستة (2)، واستدل الشيخ بيوض بقول الله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} (الذاريات: 35 - 36) على ورود مصطلحي الإسلام والإيمان بمعنى واحد (3)، حيث إنهما إذا افترقا أفاد كل منهما معنى الدين الشامل لأصوله وفروعه العملية).
زيادة الإيمان ونقصانه
يرى الإمام جابر بن زيد) وغيره من متقدمي الإباضية أن الإيمان لا
الحق والخلق" و"السياسة الشرعية توفي سنة 728 هـ / 1328 م وهو معتقل بقلعة دمشق، فخرجت دمشق كلها في جنازته. ولابن قدامة كتاب في سيرته سماه "العقود الدرية في مناقب شيخ الاسلام أحمد بن تيمية. الزركلي: الأعلام 144/ 1.
(1) الربيع: الجامع الصحيح، تح محمد إدريس و عاشور بن يوسف، ط 1 دار الحكمة بيروت، مكتبة الاستقامة عمان، 1415 هـ حديث 769، ص: 295؛ مسلم الصحيح، کتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، حديث: 08، 37/ 1. (2) ابن تيمية: كتاب الإيمان: 35 - 36؛ في رحاب تفسير القرآن الكريم، سورة الذاريات، القرص الخامس DVD تسجيلات الحياة القرارة.
66
(3) في رحاب تفسير القرآن الكريم، سورة الذاريات، القرص الخامس DVD، تسجيلات الحياة القرارة. (4) في رحاب القرآن، سورة الحج: 4/ 165. (5) جابر بن زيد اليحمدي الأزدي، أبو الشعثاء، إمام أهل الدعوة والاستقامة، ولد بقرية "فرق ولاية "نزوى" بعمان عام 18 هـ/ 639 م، ونشأ في أحضان عائلة علم ورواية، ثم قصد البصرة، وكان يتنقل بينها وبين الحجاز، طلبًا للعلم، وروى الحديث عن ثلة من خيرة الصحابة، منهم: عائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن الزبير وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري ... وغيرهم. ويروى عن جابر أنه قال: «أدركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم إلا البحر، عبد الله ابن عباس». توفي عام 93 هـ/ 711 م. ابن سلام بدء الإسلام وشرائع الدين،26، 55، 60، 99، 108 - 110 الأصفهاني أبو نعيم: حلية الأولياء، 12/ 3؛ الدرجيني: طبقات المشايخ 81/ 1؛ 205/ 28 - 214؛ الشماخي: السير، 67/ 1 - 72؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 217/ 2 - 220). (1/71)
صفحة 68
72
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
ينقص (1)، باعتباره كلاً لا يتجزأ، إذا نقص منه بعضه انهدم كله، كما ينفي نقصان الإيمان من عرفه أنه تصديق، إلا أن هذا الحكم ليس على إطلاقه، فإن الشيخ اطفيش يعرف الإيمان بأنه تصديق" ويقول بزيادته ونقصانه، إلا أنه لا يزيد ولا ينقص في ذاته، ولكن يزداد وينقص باعتبارات أخر، هي زيادة الأعمال ونقصانها، وقوة الأدلة والبراهين، وزيادة العلم بخصال الإيمان، وبين البيجوري أن الاختلاف في المسألة لفظي، وذلك أنّ القول بأنه يزيد وينقص محمول عَلَى ما به کماله، وهو الأعمال، والقول بأنه لا يزيد ولا ينقص محمول على أصله وهو التصديق الباطني ()، ويرى الشيخ بيوض أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، إلا أن له حداً ضرورياً لا يمكن أن يسمى ما دونه إيمانا (6).
يلاحظ أن مجال نقصان الإيمان في نظر الشيخ اطفيش هو نفسه عند من اعتبر الإيمان تصديقا وقولا وعملا، ويتعلّق ذلك بالإخلال ببعض خصاله العملية التي يشملها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعَ وَسِتُّونَ شُعْبَةٌ فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأذى عن الطريق، وقد ذهب إلى
(1) مصطفى ابن ادريسو الفكر العقدي عند الإباضية: 399. (2) خميس الرستاقي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين: 574/ 1، نقلا عن الجعبيري: البعد الحضاري:
500 - 499/ 1
(3) قال أبو حامد الغزالي: إن أطلق الإيمان بمعنى التصديق البرهاني لم يتصوّر زيادته ونقصانه» (الاقتصاد في الاعتقاد عني به أنس محمد عدنان الشرفاوي، ط 1، دار المنهاج، بيروت - لبنان، 1429 هـ / 2008 م: 283)؛ الجويني: كتاب الإرشاد: 399.
(4) مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: 299.
(5) إبراهيم البيجوري: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان 1403 هـ / 1983 م: 51.
(6) في رحاب القرآن، سورة المؤمنون: 14/ 5.
(7) مسلم: الصحيح، کتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها، حديث: 35، 1/ 63؛ الترمذي: السنن، باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه، حديث 2614، تح أحمد محمد شاكر
وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ط، د. ت. ن 5/ 10. (1/72)
صفحة 69
المبحث الثالث: تحديد مفاهيم
133
73
ذلك علماء الحديث (1) وبعض الإباضية، كالشيخ أبي عمار عبد الكافي (2) والشيخ
بيوض (3).
خلاصة المسألة:
الزيادة والنقصان في الإيمان تتعلقان بخصاله العملية لا بالتصديق البرهاني، وللنقصان حد لا يسمى ما دونه إيمانا كما أشار إلى ذلك الشيخ بيوض، أما جمهور الإباضية فلا يرون نقصان الإيمان، باعتباره كلاً لا يتجزا.
أسباب ازدياد الإيمان
يزداد المؤمن إيمانا بقدر الاستزادة من براهينه ومجاهدة النفس ابتغاء وجه الله تعالى، ويتحقق ذلك بأسباب منها:
1 - تلاوة القرآن:
القرآن الكريم مصدر الهداية، فإن المؤمن يزيده تدبّر آياته إيمانا، لقول الله تعالى: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} (الأنفال: (02) وقوله: {فَأَمَّا الذينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (التوبة: 124).
-2 - معرفة أسماء الله الحسنى:
يزداد المؤمن إيمانا كلما زاد معرفة بربّه وبأسمائه الحسنى وتأمل في تجلياتها في الكون ونحن في حاجة إلى تقوية الإيمان في القلب، وتقوية التوجه إلى الله، والإيمان المطلق بقدرته وإرادته ونفاذ أمره» (4).
(1) البيهقي، الاعتقاد: 287.
(2) أبو عمار: الموجز: 97/ 2، 98.
(3) في رحاب القرآن، سورة المؤمنون: 14/ 5؛ سورة غافر: 16/ 90. م. ن: سورة القصص: 392/ 8؛ وانظر تفسير سورة طه 327/ 3
(4) (1/73)
صفحة 70
74
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
3 - التفكر في خلق الله:
دعانا القرآن للتفكر في آيات الآفاق والأنفس التي تزيد الباحث المتدبر خشية الله ربّ العالمين، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزيز غَفُورٌ (فاطر: 28) فعند استحضار علاقة هذه الآية الكريمة بسياقها نستنتج أن الآية تتضمن دعوة صريحة للبحث والتنقيب والتفكر في آيات الله الكونية، لأن الباحث كلّما سار خطوةً في سبيل هذا العلم كلما ازداد إيمانا بربه» (1).
4 - الاستزادة من خصال الايمان: القيام بالطاعات على الوجه المطلوب يثمر ازدياد الإيمان، بدليل قول الله تعالى عن فريضة الصيام مثلاً: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصَّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183) ومنها إقام الصلاة التي سماها الله إيمانا في قوله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضيعَ إِيمَائكُم} (البقرة: 143) أي صلاتكم (2)، وبصفة إجمالية، قد جعل الله المجاهدة في سبيله وزيادة التقرب إليه سببًا لازدياد الإيمان وبلوغ مرتبة الإحسان وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت: (69)، ومما يعين على ذلك معاشرة الصالحين، لقوله تعالى:
ويَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» (التوبة: 119).
أسباب نقصان الإيمان
يتعرض إيمان العبد للنقصان غفلته
بسبب عن القيام بأسباب ازدياد الإيمان فإذا لم يشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل، لأنّ المقصرين في الأخذ بهذه الأسباب لا يجدون على الحق مُعينًا فتضعف حصانتهم من أهواء النفس ووساوس شياطين الجن والإنس، فيستدرجوهم من حيث لا يعلمون وَيَصُدُّوهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
وَيَحْسِبُونَ أَنَّهُم مُهْتَدُونَ} (الزخرف: 37).
(1) في رحاب القرآن، سورة فاطر: 496/ 13.
(2) م. ن: سورة الزخرف: 374/ 17. (1/74)
صفحة 71
المبحث الثالث: تحديد مفاهيم أبعاد الإيمان الصادق
75
بين الله أن الغاية من خلق الإنسان هي تحقيق العبودية له، بالمعنى الواسع للعبادة الذي يشمل وظيفة الخلافة في الأرض التي استعمره فيها، {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي
للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: 162) فإقرار العبد بالشهادة يقتضي أن يكون عبدا الله في كل أحواله في الجانب المناسكي وفي الجانب المدني الحياتي، والمؤمن قد أعطى الله كل قوته وعقله وبدنه وكل شيء يملكه)، «وإذا كان التلفظ بالشهادتين يعطي الإنسان هوية إسلامية ويجعله عضواً مقبولاً في المجتمع الإسلامي، فإن الإيمان القلبي المترجم إلى عمل هو الذي يضعه على سكة الحضارة الإسلامية الصاعدة نحو السماء، ويمنعه من الهبوط إلى حضيض المادة ومستنقع
الدنيا ويحصنه من ارتكاب المعاصي والآثام والعدوان على أخيه الإنسان» (2). الإيمان مجموعة من الحقائق العامة لها تأثير في ضبط سلوك معتقدها وتوجيهه وتكييف حياته بكل مناحيها، أمَّا اعتقاد أنَّ الإيمان مجرد معرفة فإنه يجعل المؤمن يتصوّر الدين فكرًا خاليًا من المعاني الحقيقية التي جاء بها الإسلام كما أن عدم اعتقاد ضرورة العمل بمقتضيات الإيمان يصيره مجرد شعور داخلي لا أثر له في الحياة (3).
إنَّ العمل الصالح، الذي هو من مقتضى الإيمان، يشمل كل عمل يُرفع به الدين أو تنهض به الدنيا، وقد حدر الشيخ بيوض من خطورة واقع المسلمين المتمثل في استخفافهم بأحكام الشريعة وتقهقرهم في الجانب الحضاري وأرجع ذلك إلى الخلل في الجانب العقدي، وذلك بابتعادهم عن حقيقة الإيمان
(1) في رحاب القرآن، سورة النمل: 217/ 8. (2) أحمد الكاتب: الإيمان يتجلّى في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ط 1، دار البيان العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان 1410 هـ/ 1989 م: 22. (3) محمد إقبال تجديد التفكير الديني في الإسلام، سلسلة ذخائر الفكر الإسلامي المعاصر، مركز الناقد الثقافي دمشق - سوريا. د. ت. ن: 29. (1/75)
صفحة 72
76
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
العملية واعتباره مجرّد إقرار خال من الالتزام العملي، فتسبب هذا التصوّر الخاطئ في فصل الإيمان عن العمل بمفهومه الشامل لكل مناحي الحياة، مؤكدًا أن هذا الفصل هو مشكلة المسلمين الأساسية التي تؤثر سلبًا على جميع أحوالهم في المعاش والمعاد (1)
تترتب عن الفصل بين الإيمان والعمل نتائج خطيرة على مستوى الفرد والجماعة، وعلى مستوى الأمة الإسلامية بصفة عامة، وهذا يدل على أن سلوك من يعتقد الإيمان مرتبطًا بالقول والعمل يكون مخالفاً تمامًا لسلوك من لا يعتقد ذلك نجاته في مجرد نطقه بالشهادة أو اعتقادها في قلبه دون أن يدفعه هذا إلى تجسيده في الواقع، وما استطاع المسلمون أن يعودوا إلى نهضتهم الأخيرة بعد الانحطاط إلا بمراجعة هذا الأصل واعتبار العقيدة تصديقاً وعملاً» (2).
ويري
لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسمية من أتبع نفسه هواها بالعاجز وإن أظهر الرجاء في الله، لأنّ حسن الظن في الله يصدقه العمل، والرجاء في الله حَسَنٌ ما
دام مصحوبًا بالعمل، فالمؤمن يعمل الصالحات وقلبه واجف بين الخوف والرجاء، يرجو رحمة الله ويخاف عذابه
(3)
ثالثًا: المنهج:
(c
المنهج في اللغة هو الطريق البين إلى الحق في أيسر سبله)، ولفظة المنهج مأخوذة من النهج، وهو الطريق المستقيم الواضح المستبين، يقال: «نهج الطريق - فعل لازم بمعنى استقام ووضح واستبان (5).
(1) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 4/ 100؛ سورة الحج: 232/ 4؛ سورة السجدة: 107/ 12 - 108. (2) مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: 292.
(3) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 124
(4) المعجم الوسيط، ط 2، مجمع اللغة العربية، دار الدعوة استانبول، تركيا، د. ت. ن: 957/ 2.
(5) ابن منظور، لسان العرب: 300/ 14 (1/76)
صفحة 73
المبحث الثالث: تحديد مفاهيم
77
أما في الاصطلاح فقد عرف الأستاذ عبد الرحمن بدوي منهج البحث العلمي بأنه: «الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة» (1).
المنهج العقدي: تعددت مناهج البحث في العقيدة، كما قال الشيخ بيوض: «كل المذاهب تأخذ أحكامها من كتاب الله وسنة رسوله، لكنهم يختلفون في طرق الاستنباط (2) واشتهر في عرض عقيدة الإسلام نوعان من المناهج منهج القرآن ومنهج المتكلمين.
معالم المنهج العقدي في القرآن:
1 - عمومية المنهج لكل الناس المنهج القرآني ليس خاصا بطبقة معينة أو عصر معين، بل هو منهج صالح للعالمين.
-
مخاطبة الفطرة الإنسانية أدلة القرآن واضحة فطرية يتجاوب معها الناس من جميع الطبقات والأجناس.
3 - تهيئة ذات الإنسان لغرس الإيمان فيه: فالقرآن يوجّه الإنسان إلى طلب العلم وإلى الصدق نفسه، كما يرشده إلى التشكيك في الموروث الفاسد من المعتقدات والأساطير. 4 - إحاطة الإنسان بالمثيرات الشعورية والمنطقية: القرآن الكريم ليس كتاب لاهوت ولا كتاب قانون يحوي مواد جافّة ... بل خاطب فطرة الإنسان وعقله وربط أصول الإيمان بآثارها الواقعية في حياته ..
(1) عبد الرحمن بدوي مناهج البحث العلمي، ط 3، وكالة المطبوعات، الكويت، 1977 م: 05. (2) إبراهيم بيوض: فتاوى الإمام الشيخ بيوض، إعداد الشيخ بكير بن محمد الشيخ بالحاج، ط 1 المطبعة العربية، غرداية - الجزائر، 1408 هـ/ 1988 م: 1/ 49. (1/77)
صفحة 74
78
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
5 - آيات الآفاق والأنفس: توجيه الفكر الإنساني إلى التفكر في الكون والنفس لتثبيت حقائق الإيمان.
6 - تأكيد أصالة العقيدة في الوجود الإنساني: من حيث تجاوبها مع الفطرة السوية في أعماق النفس الإنسانية، ومن حيث توغلها في عمق التاريخ الإنساني، حيث دلّت الآيات وفصلت القصص أن التوحيد الخالص هو مفتاح دعوة الأنبياء جميعا من لدن أبينا آدم عليه السلام).
7 - الوضوح والموافقة لبداهة العقل والاستعصاء على المتناقضات والمتشابهات. يثمر المنهج القرآني إيمانا صافيا حركيا يشكل محور حركة المؤمن في كل شؤون حياته المناسكية والمدنية: قُل إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: 162) فالمؤمن يزداد بالقرآن إيمانا وتزكية لنفسه، فهذه الميزة لا تنتجها مناهج المتكلمين التي اتسمت بالتجريد والتعقيد.
يقول الزركشي: وما من دلالة وتقسيم وتحديد شيء من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلأ وكتاب الله قد نطق به لكن أورده على عادة العرب دون
دقائق أحكام المتكلمين (2).
معالم منهج المتكلمين:
لقد قام علم الكلام في عهوده الأولى بربط الأمة الإسلامية بمرجعيتها العقدية، وتعامل إيجابيا مع الفكر الوافد، وواجه التحديات الطارئة على الواقع الإسلامي، وكان فضله على الأمة عظيما، لم يكن فضل الأولين على الآخرين في أخذ ما يستحق الأخذ، ومكافحة خلافه فقط، بل في تمليك ما أخذوه لأنفسهم بأن
(1) عبد الرحمن الزنيدي: مناهج البحث في العقيدة الإسلامية في العصر الحاضر، ط 1، دار إشبيليا، الرياض، 1418 هـ/ 1998 م، ص: 335. (2) الزركشي: البرهان في علوم القرآن، تح يوسف عبد الرحمن المرعشلي وآخران، ط 2، دار المعرفة، بيروت لبنان، 1415 هـ/ 1994 م: 2/ 147. (1/78)
صفحة 75
المبحث الثالث: تحديد مفاهيم
79
مزجوه بما عندهم، وكونوا منهما علمًا مستقلاً، أسموه علم الكلام، وأقاموه مقام فلسفة الإسلام، فهذا العلم - الذي هو ملك خاص لنا مستعد للذود عن الدين تجاه كل فلسفة مضادّة له - محصول اتصال السلف من علماء الإسلام بفلسفة اليونان (1) إلا أنَّ دور علم الكلام انحسر بمرور الزمن فلفت به مخاطر منها: - إدخال العقل في مجالات لا يستطيع تحقيق قول فصل فيها لأنه نشاط خارج حدوده.
- يغلب عليه التجريد والاستنباط من مقدمات غير يقينية (2). بما أنَّ مسائله تتصل بالذات الإلهية والصفات ونحوها، فإنَّ الخطأ فيها قد يؤدي إلى المروق من الدين.
- يسبب في قسوة القلب ويورث الضغائن، لأن منهجه منهج جدل لا منهج إقناع.
- أحال العقيدة الإسلامية مزيجاً من القضايا الفلسفية والكلامية، فصار علم التوحيد بشكله هذا بعيدًا عن أن يبعث عقيدة القرآن قوية في النفوس» (3).
رابعًا: الأبعاد العقدية:
الأبعاد العقدية هي غاياتها، فالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم - مثلاً - يقتضي الإيمان بما جاء به، فكلّ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة والزكاة وسائر العبادات يعد
صلى الله عليه وسلم
عقيدة (5)، لأنها من مقتضيات أصل إيماني.
(1) مصطفى صبري: موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، ط 1، دار التربية، دمشق - سوريا، 1427 هـ / 2007 م: 2/ 109.
(2) أبو اليزيد أبو زيد، العقيدة الإسلامية عند الفقهاء الأربعة: 162.
(3) محمد عبد الكريم خيال، تقديم كتاب الحضارة الإسلامية لأبي الأعلى المودودي، دار الخلافة للطباعة
والنشر، د. ت. ن: 13.
(4) وهبة الزحيلي: مقابلة خاصة، دمشق يوم: 16 جوان 2009 م.
(3) عبد المجيد النجار: مقابلة خاصة، الجزائر العاصمة يوم 29 أفريل 2008 م. (1/79)
صفحة 76
80
الفصل التمهيدي: معالم ومفاهيم
تتجلى الأبعاد العقدية في اتجاهين:
- الاتجاه الأول: الانطلاق من النص العقدي لإنزاله على الواقع المعيش
قصد الاهتداء بنوره ابتداء.
باعتبارها ذات أصول إيمانية.
الاتجاه الثاني: علاج قضايا الواقع عن طريق إرجاعها إلى النص العقدي،
يمكن توضيح الاتجاهين بهذا الشكل: النص ?
خامساً: الفكر العقدي:
""
66
الواقع.
الفكر هو التأمل والنظر العقلي، ويعنى به إعمال العقل في الأشياء للوصول إلى معرفتها، ويطلق بالمعنى العام على كل ظاهرة من ظواهر الحياة العقلية (1).
نستنتج من هذا التعريف أنَّ الفكر العقدي“ يعني إعمال العقل في قضايا العقيدة؛ وهو يتضمن القواعد والآليات الموظفة في العمل (المنهج)، ومقاصده
وثمراته (الأبعاد).
سادساً: السلف:
،،
السلف - لغةً - هم الجماعة المتقدمون (2) بغض الطرف عن سيرتهم، ومنه قوله تعالى عن آل فرعون المغرقين: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً للآخرينَ) (الزخرف: 56 أما في الاصطلاح فيصدق اسم السلف على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وإذا قيد بمذهب معين ولكلّ مدرسة مؤسسوها وسلفها - فهو مختص بالمذهب الذي
(1) جميل صليبا المعجم الفلسفي دار الكتاب اللبناني، 1982 م: 2/ 154.
(2) ابن منظور لسان العرب: 330/ 6 (1/80)
صفحة 77
المبحث الثالث: تحديد مفاهيم
،،
81
قيد به، فمن المغالطة حصر مصطلح "السلف في أشخاص معدودين منتسبين إلى مدرسة إسلامية، واحدة وقد شهد شاهد من أهلها المنصفين على ذلك إذ يقول: «أما إطلاق هذا اللفظ ثم حصره في خمسة أشخاص جاءوا في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع ورجلين جاءا في القرن الثامن فهذه غفلة مخلوطة بجهل وتعصب» (1). وظف الشيخ بيوض هذا المصطلح وأراد به عند إطلاقه - سلف الأمة جمعاء من الصحابة والتابعين (2)، ودعا في أكثر موضع إلى التمسك بعقيدتهم، ومن ذلك قوله: والواجب علينا أن نتمسك بعقيدة السلف في كل ما يتعلّق بشؤون الله تعالى وصفاته وأسمائه الحسنى، فنفوض فيها الأمر إلى الله (3) وكان يؤكد أنَّ السلامة في مذهب السلف: .... فدعوا هَذا الجدل، وتمسكوا بمذهب السلف الذي فيه كل السلامة» (4).
-
بعد هذا الفصل التمهيدي المتضمّن معالم من حياة الشيخ بيوض الخاصة والتعليمية، والإصلاحية، واستعراض مظانّ تراثه العقدي، وتحديد بعض المصلحات الموظفة في البحث، نتعرف على منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة الإسلامية.
(1)
حسن بن فرحان المالكي: قراءة في كتب العقائد المذهب الحنبلي نموذجا: 35.
(2) في رحاب القرآن، سورة الزخرف: 17/ 465.
(3) م. ن: سورة النور: 290/ 6.
(4) من سورة القصص: 357/ 8. (1/81)
صفحة 78
الفصل الأول
هج الشيخ بيوض
التعامل من مصادر العقيدة (1/83)
صفحة 79
المبحث الأول: تعامل الشيخ بيوض مع القرآن الكريم
المبحث الأول
تعامل الشيخ بيوض مع القرآن الكريم
85
قضى الله أن لا يعبد إلا إياه وأن لا يُتقرب إليه إلا بما شرع، فهو المختص بالتشريع كما تفرد بالخلق، أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ} (الأعراف: 54) وأقام الحجة على عباده بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فالعبادة كلها اعتقادًا وقولاً وفعلاً يشترط فيها أن تستند إلى الدليل الصحيح لأنَّ الله لا يُعبد إلا بما شرع، اشترط الشيخ بيوض لحجية النص عصمة قائله وصحة نقله، إذ يقول: «الحُجَّة النَّقْلِيَّة لا بُدَّ فيها من
صحة الرواية، وكون المنقول عنه معصوما إما كتاب الله، وإما كلام النبي (1) القرآن الكريم مصدر التشريع الأول وينبوع الهداية، وأصل كل المصادر وإمامها، بدليل قول الله تعالى لنبيه المصطفى: {قُل إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَصْلُ عَلَى نَفْسِي وَإِن اهْتَدَيْتُ فَيمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي (سبا: 50) قال الشيخ بيوض: «ومن هنا نأخذ أَنَّ الأدلة التي نعتمد عليها ونستند إليها، ونستمد منها عقيدتنا وشريعتنا وسلوكنا إنَّما هي ذكر الله، وذكر الله هو هذا الكتاب المُنَزَّل) (2).
بما أنَّ قسطًا كبيرًا من تراث الشيخ بيوض العقدي يحويه تفسيره في رحاب القرآن" الذي أمضى معه قرابة نصف قرن من حياته، فسأعرض منهجه في التعامل مع آيات العقيدة من خلال درس التفسير.
أولاً: الغاية من تفسير القرآن:
للبحث العلمي مناهج متعدّدة، وموضوع البحث هو الذي يحدّد المنهج الأنسب لمعالجته، وما دام موضوع العقيدة الإسلامية هو الغيب“ الخارج عن
(1) في رحاب القرآن تفسير سورة الزخرف: 17/ 455 - 456. م. ن: تفسير سورة الزخرف: 518/ 17
(2) (1/85)
صفحة 80
86
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
المشاهدة، وأنه يشترط في سلامتها اليقين في التصور والتصديق إذ أنها ليست مسألة خاضعة للبحث العقليّ المادي كما تخضع العلوم المادية، فيرى الشيخ بيوض أنه ليس ثمة منهج يستجيب لشروط سلامة هذه العقيدة غير الوحي الصادق، وخاصة جزءه الذي تعهد الله بحفظه فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وَهُوَ القرآن الكريم، لا منهج في باب العقيدة إلا منهج الله تعالى في كتابه الكريم).
إن وضوح عقيدة المسلم لديه، وشعوره بالثقة المطلقة بها، من أهم ما يؤثر في بناء شخصيته ويؤهله لعمارة الأرض وبناء الحضارة على أسس الإسلام ومبادئه، ولن يتيسر للإنسان المسلم ذلك إلا إذا استشرف القرآن من جديد وجرد آياته من أغطيتها التاريخية، من مباحث علم الكلام المنحرفة بتأثير علم اللاهوت في الشرق والغرب، ومن مباحث ما يسمّى مباحث الفلسفة الإسلامية، ومعها أيضا ما يسمى
بالفكر الإسلامي الحديث الملتاث بثقافات الغرب وحضارته الوثنية الكافرة» (2). لقد خاطب القرآن الكريم في الإنسان الفطرة والعقل والوجدان معا، ونهج في دعوته إلى أركان الإيمان مناجاة الفطرة وتحريك بدهياتها الإيمانية، لذلك سُمّي القرآن ذكراً وذكرى، وأمر الله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن يذكر به من يخافون الوعيد، فقال: {فَذكِّرْ بِالْقُرْآن مَنْ يُخَافُ وَعِيدِي (ق: (45)، فالقرآن – كما يقول الشيخ محمد الغزالي-: «هو وحده مصدر العقائد وموطن اليقين، وأسلوب القرآن في تقرير العقائد يمتاز بالوضوح المطلق ويتسم بالموافقة لبداهة العقل، واستعصائه على المتناقضات والشبهات» (3).
من أجل ذلك جعل الشيخ بيوض غايته من تفسير القرآن الكريم تحقيق الغرض الهدائي الهادف إلى تزكية النفوس وتثقيف العقول والنهضة بالمجتمع، فلم
(1) في رحاب القرآن سورة العنكبوت: 104/ 9 - 105.
(2) محمد عبد الحكيم خيال، تقديم كتاب الحضارة الإسلامية، لأبي الأعلى المودودي: 03.
(3) محمد الغزالي: الدفاع عن العقيدة والشريعة: 82 (1/86)
صفحة 81
المبحث الأول: تعامل الشيخ بيوض مع القرآن الكريم
87
يكن يركز على تبيين الفروق اللغوية والمذهبية بل حرص على إسقاط النصوص على واقعه، وعرض أزمات عصره على كتاب الله ليهتدي بنوره إلى استنباط الحلول المناسبة، فكان كثيرًا ما يستطرد في مواضيع متنوعة تتعلق بأحداث مجتمعه وعصره التي يريد الحديث عنها، ففي هَذا الاستطراد يُخيَّل للمستمع أنه لا يسمع درسا في التفسير بل درسا في الوعظ والإرشاد، وهذا طبعا من صميم والحكمة من إنزال هذا الكتاب المقدس، وهي الهداية والإرشاد، وهو ما كان يسعى إليه المفسرون المصلحون» (1).
الغاية
فقد كان الشيخ بيوض حريصاً على استكناه هدايات القرآن الكريم وإيصالها لمدارك جميع أفراد الأمة قصد التحرك به، ويا ليت الناس يفهمون كلام الله، هذا الذي أنزله في كتابه ويا ليتهم فهموا كتاب الكون حَتَّى يعودوا إلى الله، ويؤمنوا حق الإيمان بوعد الله» (2).
تستدل
جميع المدارس الإسلامية بالقرآن الكريم فهو حمال للأوجه، وأولى الناس بالحق من وفق إلى المنهج الصحيح للاستدلال به؛ وبما أن القرآن الكريم تتوزع فيه مختلف المواضيع، حيث يفصل الله في موضع ما أجمله في غيره، فإن منهج فهم قضايا العقيدة فهما منسجما مع روح الدين ومقاصده هو طريقة تفسير القرآن بالقرآن.
ثانيًا: تفسير القرآن بالقرآن:
يرى ابن كثير أن أحسن طرق التفسير وأصحها هي "تفسير القرآن
بالقرآن،، (3)
،
، ويصرّح الشيخ بيوض بانتهاجه هذا المسلك الأثري الأصيل
(1) نادية وزناجي: منهج التفسير عند الشيخين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بن عمر بيوض بحث ماجستير، المعهد الوطني العالي للعلوم الإسلامية بباتنة، السنة الجامعية: 1998 - 1999 م: 440.
(2) في رحاب القرآن تفسير سورة الأحقاف، 18/ 263.
(3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، 1401 هـ: 04/ 01. (1/87)
صفحة 82
88
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
(2)
حيث يقول: «إن طريقتنا مع كلام الله تفسير القرآن بالقرآن (1) وكان يهدف من تتبع هذا المسلك استجلاء المعنى، واستخراج الأسرار والحكم، حيث يقول: ومن تأويلات القرآن وتفسيراته ما كان يؤخذ بتقابل الآيات في موضوع واحد، فتظهر المعاني وتظهر الحكم والأسرار ... وما فسر القرآن مثل القرآن» (3).
والسعي لاستكمال الصورة للقضية المراد تحليلها مطلب منهجي، ذلك لأنَّ أجزاءها قد تكون متفرقة في بعض سور القرآن: (وإذا جمع البعض إلى البعض تكتمل الصورة الحقيقية (4) وقد مثل الشيخ بيوض لذلك بالعجل الذي قدمه سيدنا إبراهيم عليه السلام لضيفه حيث وصفته سورة الذاريات أنه عجل سمين فَجَاءَ يعجل سمين (الذاريات: 26) ودلّت سورة هود على طريقة طبخه فَمَا لبث أن جَاءَ يعجل حنيذ (مود: 69) (5).
فلا نطلب تفسيرًا للكلمات في غير القرآن، وهكذا مواضيع القرآن لا يكتفى فيها بآية واحدة ترد في سورة معينة، وإنما لا بد من جمع كل ما ورد في القرآن حتى يُبين بعضه بعضاً، ويفسر بعضه بعضا» (6).
فقد كان الشيخ بيوض يدعو إلى الجمع بين الآيات والمقارنة بينها قصد تجلية المعنى واكتمال الصورة الواضحة للموضوع المعالج)، ويحدر من نتائج الاقتصار في الاستدلال على آية واحدة والتغاضي عن غيرها، لكون هذا النهج مفضيّا إلى
(1) في رحاب القرآن، سورة الشورى: 17/ 205.
(2) من سورة الشورى 17/ 249
(3) من سورة لقمان: 182/ 11. (4) من سورة الصافات: 14/ 365. (5) من سورة العنكبوت: 141/ 9. (6) م. ن: سورة ص: 15/ 225.
(7) من سورة النور: 315/ 6 سورة العنكبوت: 141/ 9. (1/88)
صفحة 83
المبحث الأول: تعامل الشيخ بيوض مع القرآن الكريم
89
الوقوع في الخطا)، فلا يتحقق فهم البيان الإلهي على وجه صحيح إلا في ضوء
وحدته وردّ بعضه إلى بعض
(2)
وإذا كان تجاهل الجمع بين الآيات خطأ يفضي إلى النظرة التجزيئية إلى القضايا فإن الجهل بطريقة الجمع بين الآيات خطأ كذلك، لأنه يفضي إلى القول بتناقض القرآن، ولكن التناقض في العقل القاصر الذي لم يُحمَل عَلَى التعمق في معنى الآيات وتدبرها، {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (النساء: 82).
وقد دأب الشيخ بيوض على الجمع بين الآيات المتعارضة في الظاهر، ومن ذلك قوله في قضية إثبات تساؤل العباد ونفيه يوم القيامة: «وأريد أن أبين من جهة أخرى أنه لا تناقض بين قوله في سورة المؤمنون: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاً أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} (المؤمنون: (101) وقوله هنا: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى
بَعْض يَتَسَاءَلُونَ} (الصافات: (27) ثرى لماذا نفى التساؤل في آية وأثبته في آية؟! ليس هذا تناقضا بين الآيات والسور المختلفة، وإنما هي مقامات متعددة ومراصد متنوعة تقع في يوم القيامة» (4).
- ومن ذلك جمعه بين آية الشورى وآية غافر حيث تنص الأولى عن كون استغفار الملائكة عاماً لمن في الأرض، بينما تقصره الثانية على المؤمنين، فبعد استعراض رأي بعض العلماء قال: «وَإِنَّمَا الذي نراه الأقرب أن الإطلاق أو العموم في آية الشورى يخصص أو يقيَّد بآية غافر ... {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سبيلك) (غافر: 07) (5)
(1) في رحاب القرآن، سورة يس: 39/ 14.
(2) عبد المجيد النجار: فقه التدين فهما وتنزيلاً، سلسلة كتاب الأمة، ط 1، مطابع الأخبار مصر
1410 هـ/ 1989 م: 49.
(3) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 346/ 14.
(4)
من سورة فصلت: 16/ 564.
(5) من سورة الشورى: 17/ 26. (1/89)
صفحة 84
90
احد
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
الشيخ بيوض في أكثر من موضع على ضرورة تفسير القرآن بالقرآن، كما أولى منهج الجمع بين الآيات في الموضوع الواحد (التفسير الموضوعي) عناية كبرى واشترط على من أراد أن يفهم موضوعا من المواضيع أن يجمع كل الآيات الواردة في نفس الموضوع حتى تجتمع له عناصر الفهم (1).
يعتبر تفسير القرآن بالقرآن أرضية صلبة لأسلوب حديث في التفسير، يسمى التفسير الموضوعي" وقد وظفه الشيخ بيوض في علاجه للقضايا العقدية، حيث يجمع الآيات في الموضوع المدروس ويرتبها قصد اكتمال الصورة عنده ليهتدي بذلك إلى استنتاجات مؤصلة.
للتفسير الموضوعي قسم آخر يعنى بالوحدة الموضوعية للسورة القرآنية، يرتكز على اكتشاف المحور الأساسي للسورة، وفي معرفته عون على استجلاء معاني آياتها، وعلى الترجيح الصحيح عند احتمال الآية أكثر من معنى، وقد أشار الشيخ بيوض إلى هذه الطريقة في قوله: من المعلوم أنَّ كُلَّ سورة من سور القرآن الكريم طويلة كانت أو متوسطة أو قصيرة - إلأ وتدور على موضوع يشكل وحدة السورة، حَتَّى لكأنَّ السورة كل لا يتجزاً لها وحدة تجمعها بين مختلف آياتها، من أولها إلى آخرها» (2).
الالتزام بمنهج التفسير الموضوعي في القرآن الكريم له أبعاد منها:
أ- فهم القرآن بمنهج متناسق لا تناقض فيه ولا تضارب.
ب ردّ ما خالف مقاصد القرآن.
ج - تكوين شخصية المسلم السوية، المحصنة من الانفصام بين العقيدة الصحيحة
والسلوك اليومي
(3)
(1) في رحاب القرآن، سورة القصص: 8/ 344. (2) من سورة الشورى 352/ 17.
(3) صالح حمدي: منهج الشيخ بيوض في عرض الإلهيات من خلال تفسيره في رحاب القرآن،
= (1/90)
صفحة 85
المبحث الأول: تعامل الشيخ بيوض مع القرآن الكريم
ثالثًا: تفسير القرآن بالسنة:
91
أنزل الله كتابه المبين على نبيه العربي المبين، فكلام الله مبين «وما ترك الله شيئا إلا وبينه، إما تصريحا أو تلويحا، إما في كلامه في القرآن وإما فيما أوحاه لنبيئه وأمره بتبيينه للناس، إذ قال له: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44).
(1)
في القرآن إجمال كبير وبيانه في السنّة» (2)، ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى وإنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى الله (النجم: (04) فسنته الصحيحة جزء من الوحي، فمرد الأمور كُلَّها إلى الله، وبهذا تدخل السنة في الكتاب» (3).
فسر الشيخ بيوض القرآن الكريم بالسيرة النبوية باعتبارها تطبيقا عمليا للقرآن، كما فسره بالحديث النبوي باعتباره البيان النظري، ومن ذلك تبيين معنى قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} (النحل: 77) بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ... وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلاَن ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطُويَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَن لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلاَ يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أَكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا).
=
مذكرة مقدمة لنيل درجة الماجستير في العقيدة، كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية، قسم أصول الدين جامعة الحاج لخضر - باتنة، السنة الجامعية: 1426 - 1427 هـ / 2005 -
41 - 40:2006
(1) في رحاب القرآن، سورة الشورى: 70/ 17.
(2)
(3)
(4)
م. ن: 67/ 17.
من سورة الدخان: 15/ 18
م. ن: سورة الأحقاف: 252/ 18، والحديث رواه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب طلوع الشمس من مغربها، حديث رقم 6141، 5/ 2386. (1/91)
صفحة 86
92
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
رابعا: الاجتهادات الخاصة و "بنت اللحظة“:
لم يجمد الشيخ بيوض على ظواهر نصوص الآيات، ولم يكتف بما أثر في بيانها من تفسير النبيء، لأن النصوص محدودة والنوازل متجددة، فاجتهد في إعمال العقل قصد فهم مراد البيان الإلهي، منطلقا من نصوص الوحيين، موظفا أحداث السيرة النبوية، ويرجع إلى أقوال المفسرين فيستوعبها وينقدها ثم يضيف إليها اجتهاداته، فيتميز تفسيره بالتجديد والاستقلالية الفكرية)، وهذا ما سنراه في
مبحث تعامله مع التراث، ودليل العقل.
ولم يكن الشيخ بيوض في دروسه أسير أوراقه، إذ ليس من عادته إحضار كتاب أو كراس، فامتازت دروسه الشفوية بما يفتح الله عليه - وقت الدرس - من أوجه الفهم والبيان لم تخطر بباله من قبل، ويصرّح الشيخ بأن هذه النكتة أو هي بنت اللحظة» (2)
الملاحظة
إتضح لنا من هذا العرض كيفية تعامل الشيخ بيوض مع المصدر الأول للعقيدة الإسلامية، القرآن الكريم، من حيث الغرض من تفسيره ومنهج الاستدلال بنصوصه و اعتقاد كونه قيمًا على أقوال البشر وبقية نصوص الدين من سنة سيد المرسلين، التي سيكشف المبحث الآتي عن منهج الشيخ بيوض في التعامل معها.
(1) مسعود فلوسي: الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض وتفسيره في رحاب القرآن، الملتقى الأول لفكر
الشيخ بيوض، ص: 291.
(2) النماذج على "بنت اللحظة لا تكاد تحصى، منها: في رحاب القرآن سورة الكهف: 276/ 2؛ مريم 13/ 3؛ طه: 4/ 09؛ وقد أفرد القائمون على طباعة تفسير الشيخ بيوض كلّ جزء منه بفهرس خاص بـ "بنت اللحظة". (1/92)
صفحة 87
المبحث الثاني: تعامل الشيخ بيوض مع السنة النبوية
المبحث الثاني
تعامل الشيخ بيوض مع السنة النبوية
93
حجة الله عَلى عباده قامت بإنزال الكتب وإرسال الرسل، وأنكر الشيخ بيوض أن ينسب إلى الإباضية القول بتكليف الله عباده بالإلهام من غير كتاب ولا رسول، مستدلاً عَلَى ذلِكَ بآيات منها قوله تعالى: {لَقَدَ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (الحديد: 25)، «فتمسكوا أيها الإخوان بالعقيدة الحقة الصحيحة الصريحة من أنَّ حجة الله لم يقمها على عباده إلا عنده» (1) برسله وكتبه التي جاؤوا بها من وقد اعتنى الشيخ بيوض بخدمة السنة النبوية حيث شرح في المسجد كتاب الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، ثم شرح فتح الباري شرح صحيح البخاري، الذي دامت حلقات تدريسه خمسة عشر عامًا، وكان لها أثر كبير في توجيه طلبته وتنوير الحياة الاجتماعية بأنوار السنة المحمدية، قال الشيخ عدون بمناسبة حفل اختتام شرح فتح الباري: .... بهذه الروح العالية في هذه الدروس الغالية علمهم كيف يقدسون كلام من لا ينطق عن الهوى، وكيف يقدمونه عَلَى كل كلام سواه، وعلمهم كيف يبحثون مع الباحثين ... ويستخرجون الجواهر من بحر السنة ... » (2).
وبين أنَّ الدين شامل لكل مناحي الحياة فلا ينبغي أن يصدر سلوك المؤمن إلا من الأصلين نقلاً أو استنباطا، والدين: قال الله قال الرسول، أو قال الصحابة إذا كان نقلاً من المعصوم ولا من عندهم إلا إذا أجمعوا وثبت الإجماع، وأما سوى هذا فلا يُعدُّ شيئًا» (3).
(1) إبراهيم بيوض: الفتاوى: 1/ 50 - 51.
(2) محمد ناصر بوحجام الشيخ إبراهيم بيوض المصلح المربي، ط 1، الجيل الواعد، سلطنة عمان،
104:2004
(3) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 514/ 11. (1/93)
صفحة 88
94
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
الكتاب
يبدو من هَذا الكلام أنَّ الشيخ بيوض حصر مصادر التشريع في والسنة وإجماع الصحابة إلا أنه في هَذا الموضع يركز على المصادر الأصلية،
وقد قال قبل ذلك: .... إلأ ما يستنبطه العلماء والفقهاء بناءً على القواعد والأصول التي وضعها في كتابه ... والبناء على تلك القواعد وفقا لتطورات الزمان وتغيير الأحوال أمر صحيح، ولا يُعد خروجا عن هذه الدائرة التي رسمها الله تعالى (1)
أبطل الشيخ بيوض كثيرًا من البدع المنتشرة في زمانه لافتقارها إلى أصل من الكتاب أو السنة، حيث قال في دعوته لإبطال إحداها: «فهذا ما لا أصل له، ولا وجود له في الشريعة الإسلامية، فلا نحدث شيئا لم يفعله النبيء ولم يقره ولم يأذن به» (2).
هي
فكان الشيخ حريصا على التأصيل ويبين أنَّ من أسباب نشوء البدع بناء الآراء على أقوال الرجال لا عَلَى الأصلين الكتاب والسنة، ولكن بعض المتنطعين لا يبنون آراءهم على كلام الله تعالى ولا عَلَى كلام رسوله إنما على أقوال فقهاء سبقوهم فيجعلونها أصلاً يتمسكون به، ولعمري لتلك طريقة نشوء البدع وتكونها، يبتدع أحدٌ أمرًا ويأتي آخر من بعده فيبني على بدعته فيكون أبعد عن الخط المستقيم من الأول طبعا، وهكذا ... » (3). وقد اهتدى الشيخ بيوض لتأسيس جهوده الإصلاحية على الدعوة إلى تجديد الإيمان وتركيزه في النفوس، تأسيا بما ينطلق به الرسل عليهم الصلاة والسلام، إذ يقول: «كان لزاما علينا أن نعود فنبدأ بما بدأ به الرسل إلى الدعوة
إلى الإيمان وتقريره في القلوب من جديد» (4).
(1) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 514/ 11.
(2)
(3)
م. ن: 417/ 11.
م. ن: سورة سبأ: 107/ 13.
(4) من سورة لقمان: 177/ 11. (1/94)
صفحة 89
المبحث الثاني: تعامل الشيخ بيوض مع السنة النبوية
أولا: حجية حديث الآحاد في مسائل الاعتقاد:
95
بما أن العقيدة الإسلامية لا تبنى إلا عَلَى اليقين فإن الشيخ بيوض يشترط في الحديث للاستدلال به في مسائل الاعتقاد بلوغ درجة التواتر، لإفادته العلم اليقيني، ولا مجال فيه للتكذيب، أما روايات الآحاد فظنية لا تفيد العلم، «لأن العقيدة لا تبنى إلا على خبر حقيقي يقيني من القرآن الكريم أو من المعصوم صلى الله عليه وسلم ولا شيء وراء هذا (1)
العلماء من
مختلف
يقول الشيخ السالمي: وخبر الآحاد لا يثمر اليقين وإنما يثمر الظن، فلا يجوز ترك ما يثمر العلم لأجل ما يثمر الظن)، وهذا هو رأي جمهور للمدارس الإسلامية، وجمهور العلماء على أن أحاديث الآحاد لا تفيد القطع، ولذا يجب العمل بها في العبادات والمعاملات لأنه يُكتفى فيها بالظن (3)، وحكم منكر الحديث المتواتر، الذي يفيد العلم ضرورة، هو التكفير، لأنه مشعر بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم كفر، أما الحديث الآحاد فلا يكفر جاحده (4).
وقد علل الشيخ بيوض نفي وجوب العلم القطعي بمسائل من علم الغيب،
بكون روايتها لم تبلغ درجة التواتر، فلم شرق إلى مسائل الاعتقاد، منها: 1 - مسألة نزول عيسى عليه السلام فبعد أن ذكر أقوالاً للعلماء، منهم الشيخ اطفيش، بأن المسيح سينزل بعد كذا وكذا عام)، انتهى إلى أن روايات
(1) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 2/ 226. (2) السالمي: شرح طلعة الشمس على الألفية، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،
19/ 21981/1401
(3) محمد سيد أحمد المسير: التمهيد في دراسة العقيدة الإسلامية، ط 1، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة - مصر، 2006 م: 68. (4) فاروق حمادة: المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل دراسة منهجية في علوم الحديث، ط 2، دار نشر المعرفة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط - المغرب، 1409 هـ/ 1989 م: 392، 39. (5) اطفيش: تيسير التفسير، تح إبراهيم بن محمد طلاي بمساعدة لجنة من الأساتذة، مط العربية - غرداية الجزائر، 1423 هـ/2002 م: 13/ 115. .
? (1/95)
صفحة 90
96
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
الحديث ما لم تصل درجة التواتر والقطع، فإنها لا توجب اعتقاد قول في المسألة)، وأشار إلى أنه قد أحيطت بالخضر و إلياس وكونهما أحياء على ظهر الأرض أساطير كثيرة ملئت بها بطون الكتب، ومما استدل به على انتفاء كونهما أحياء قول الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مت فَهُمُ الْخَالِدُونَ) (الأنبياء: 34). -2 - تحديد عدد الأنبياء والرسل: يرى الشيخ بيوض أن النص الوحيد الذي يحدد عدد الأنبياء والرسل هو الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذره قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم كم عدد الأنبياء؟ فقال: «مائة وأربعة وعشرون ألفا، والرسل ثلاثمائة وخمسة عشر رسولاً (2) ثم قال: «هَذا هو الحديث الوحيد الذي عليه مدار عدد الأنبياء والرسل، والحديث لا يصح الاعتماد عليه في القطع واليقين، لأنه حديث أحادي .... والحق ألأ نقصر إيماننا على عدد معين (3).
3 - معرفة المستثنون من الصعق بعد النفخة الأولى إلا من شاء الله (4). -4 ما هي الدابة التي تخرج من الأرض تكلّم الناس؟ ما هيئتها وشكلها ولونها؟ (5).
5 - تفاصيل حياة الجن الخاصة: طريقة أدائهم الفرائض واتصالهم
و تو والدهم ...
(6)
(1) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 512/ 14.
(2) رواه الإمام أحمد في المسند: 266/ 5، و خرّجه الهيثمي بلفظ آخر عن أحمد والطبراني وقال: مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف انظر الهيثمي: مجمع الزوائد، دار الريان للتراث القاهرة، دار الكتاب العربي
بيروت، 1407 هـ: 1/ 159
(3) في رحاب القرآن، سورة الحج: 4/ 521.
(4) م. ن: سورة الزمر: 485/ 15.
(5) م. ن: سورة النمل: 8/ 189.
(6) من سورة الكهف: 225/ 2 (1/96)
صفحة 91
المبحث الثاني: تعامل الشيخ بيوض مع السنة النبوية
97
فالشيخ يبين في كل مرة أنَّ البحث في هذه التفاصيل لا يعنينا، لافتقارها إلى الدليل القطعي، مؤكدًا أنه لو كان في معرفة هذه التفاصيل فائدة لأخبرنا الله بها في كتابه أو على لسان نبيه، ولو صح عنه شيء لقبلناه على الرأس والعين، لأنه خبر صادق ولا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وإذ لم يصح عليه شيء فلا يجوز أي اعتقاد في الموضوع) بل يعدّ ذلك اتباعًا للظن، فإن تطرق الظن للثبوت أو للدلالة يرفع اليقين، فلا يصبح الأمر الثابت بالظن عقيدة يتحتم الالتزام به، وتصدر على أساس منه أحكام الإيمان والكفر (3).
أبعاد هذا المنهج
1 - السلامة من
اعتقاد ما ليس بعقيدة، ونحن لا نصدق الرواية ولا نردّها» (4).
2 - الوحدة الإسلامية، بتعاون المسلمين في ما اتفقوا عليه، وعدم تكفير المخالف في الرأي و (المعتقد).
وقد صرّح الشيخ بيوض بهذا البعد الإيماني عند استعراضه لأقوال العلماء والمذاهب المختلفة في إحدى هذه القضايا، وهي مسألة التفاضل بين الرسول صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام: «وهذه المسألة خلافية يمكن فيها الخلاف، ولا يجوز فيها القطع مطلقا لأنه لا دليل يقينيا في المسألة، والخلاصة: لا يمكن للإنسان بل لا يجوز له أن يعتقد شيئًا هو الحق بغير دليل حَتَّى يُنسب إلى الجهل أو الكفر من لم يقل بقوله (5).
هل التزم الشيخ بيوض بشرط التواتر" في جميع الأحاديث التي استدل بها في مسائل العقيدة؟ هذا ما سنراه في الفقرة الآتية.
(1) في رحاب القرآن، سورة النمل: 8/ 189.
(2)
من سورة الكهف: 2252
(3) محمد سيد أحمد المسير: التمهيد في دراسة العقيدة الإسلامية: 69.
(4) في رحاب القرآن، سورة مريم: 258/ 3.
(5)
م. ن: سورة الإسراء: 49/ 1. (1/97)
صفحة 92
98
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
:ثانيا: طريقة الاستدلال بأحاديث الاعتقاد:
يستدل الشيخ بيوض بالروايات الحديثية في هذا المجال، وقد يصرح أنها متواترة، أو يكتفي بإثبات صحتها، وقد يوردها معراة من ذينك ذلك: البيانين، ومن
-
-1 قوله في سياق كلامه عن حادثة الإسراء والمعراج، ورؤية نبينا محمد لسائر الأنبياء: فنحن نعلم من الروايات المتواترة أنَّ الله تعالى بعث كل الأنبياء وصلى بهم إمامًا في بيت المقدس ... » (4).
2 - وعند حديث الشيخ عن أثر الشرك الخفي يوم القيامة ذكر أنه وردت في الموضوع آيات قرآنية وأحاديث صحيحة كثيرة، ثم ذكر حديث الثلاثة الأوائل الذين تستعر بهم نار جهنم، فاستهله بقوله: «فقد صح في الحديث أن ثلاثة هم
أول ... (2) ثم علّق عليه بقوله: (فهذا الحديث الصحيح يبين لنا خطر الرياء» (3). فيلاحظ تأكيد الشيخ على تبيين صحة الحديث، ويبدو أنه يقصد من التأكيد على ذكر درجة الحديث التأثير في المستمعين نظرًا لما يتضمنه الحديث من وعيد شديد له أبلغ الأثر في التربية.
وقال الشيخ عن جبريل عليه السلام: «ولقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبيء أنه رأى جبريل وله ستمائة جناح، وصح أنه رآه
(1) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 508/ 14 - 509. (2) نص الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُل استشهدَ فَأْتِيَ بِهِ فَعَرْفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَائِلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كتبت وَلَكِنَّكَ قَائِلت لأنْ يُقَالَ جريء فَقَدْ قِيلَ، ثمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّار ... ) إلى آخر الحديث، وذكر فيه رَجُلاً تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ وَقَارِئَ، وَرَجُلاً وَسُعَ اللهُ عَلَيْهِ وَاعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلَّهُ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ. مسلم الصحيح، باب من قاتل للرياء والسمعة
استحق النار، حديث 1905، 3/ 1513.
(3) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 202/ 11. (1/98)
صفحة 93
المبحث الثاني: تعامل الشيخ بيوض مع السنة النبوية
99
عَلَى هَذِهِ الصورة مرتين (1) (2) فلم يؤكد الشيخ على تواتر الرواية، بل
اكتفى بإثبات صحتها.
-
-3 وقال عن طول مسافة وجود رائحة الجنة وتريح رائحتها من بعيد ونجد في بعض الأحاديث عن بعض الذنوب من فعل كذا لا يريح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام (3) (4) فلم يشر إلى درجة
الحديث من
-4
الصحة.
يوجد فرق بين التأليف والتدريس في طريقة الاستدلال بالحديث النبوي من حيث التصريح بدرجة صحة الحديث، ومن حيث التحقق من درجة صحتها، فقد تخطر بذهن الشيخ أثناء الدرس أحاديث في الموضوع، فيتعذر عليه - في تلك اللحظة - التثبت من صحتها، فيعلق على صحة الحديث توجيه معناه أو تأويله، كان يقول مثلاً: «أما إذا صح الحديث ... فهذا يطابق ما ورد في القرآن الكريم (5) أو يقول: (وإذا صح الحديث يجب أن نطلب له تأويلا (6).
(1) البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب فأوحى إلى عبده ما أوحى، حديث: 4576، 4/ 1841؛ مسلم: كتاب الإيمان، باب سدرة المنتهى حديث: 174، 158/ 1
(2) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 14/ 303. (3) من هذه الأحاديث ما رواه الربيع من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسيرَةِ خَمْسمائة عام، حديث رقم: 956، وما رواه البخاري في كتاب الديات، باب من قتل معاهدًا بغير جرم، رقم: 2995، 1155/ 3؛ وما رواه في كتاب الجزية، باب من قتل ذميا بغير جرم، رقم: 6516، 25336، والروايتان بلفظ من مسيرة أربعين عاما»؛ وروى مسلم في كتاب اللباس والزينة باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات حديثا عن مسافة وجود رائحة الجنة، بلفظ "من مسيرة كذا وكذا رقمه: 2128، 1680/ 3، فلم أجد عند الشيخين عبارة "من مسيرة خمسمائة عام، إلا أن الحاكم رواها في مستدركه، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، حديث: 133، 1/ 105؛ أحمد: مسند الإمام أحمد، مؤسسة قرطبة، مصر. د. ط، د. ت. ن:
50/ 5، من حديث طويل.
(4) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 497/ 15.
(5)
(6)
من سورة الأنبياء: 4/ 103.
من سورة الكهف: 265/ 2 (1/99)
صفحة 94
100
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
وقد يورد الشيخ بعض الروايات فيفهم من سياق حديثه أنه لم يكلف نفسه البحث عن درجتها من الصحة، بل لا يرى ضرورة معرفة ذلك، طالما أنها لم تخالف محكمات القرآن ولم تتعارض وكمال صفاتِ الباري عز وجل، ومن ذلك قوله في الرواية الدالة على عدم فناء عجم الذنب: وهذه الرواية قد تكون صحيحة، فيكون عجم الذنب بمثابة البذرة التي ينمو منها الإنسان، وقد لا تكون صحيحة، والله على كل شيء قدير، إذ يستطيع إعادئنا بغير هذا العظم أو به (1)
ثالثًا: عرض الحديث على محكم القرآن:
إذا كانت الآيات المتشابهات قطعية الثبوت يُرجع في فهمها إلى الآيات المحكمات اللائي: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) فإنَّ الأحاديث المخالفة لظواهر الآيات المحكمات يثبت من صحتها - أولاً - ثمَّ يُطلب لها تأويل لتتوافق مع مقاصدها، وعند استحالته، وإثبات التناقض المعنوي (الحقيقي) يُحكم على الرواية بالبطلان، كما قال الشيخ بيوض عن الأحاديث التي يُستدل بها على خروج أهل الكبائر من النار: «أدلّة الخلود قوية جدا لأنها يقينية في القرآن بصريح العبارة، لا تقوم لها بعض الأحاديث المروية عن النبي، فهل الذين لا يخلدون في النار فريق ثالث؟!» (3).
يؤكد الأستاذ محمد الغزالي على وجوب عرض معاني الحديث على نصوص القرآن حتى لا تتعارض فيما بينها، فيحكم ببطلان الحديث المخالف للقرآن نصا
(1) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 565/ 11. (2) من هذه الأحاديث ما رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّتَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَسِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ من خير ويَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ من النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَفِي قَلْبِهِ وَزَنْ دَرَةٍ مِنْ خَيْر»، حديث: 44، 24/ 1.
(3) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 471/ 15. (4) عبد الكريم حامدي: ضوابط فهم السنة النبوية عند الشيخ محمد الغزالي آفاق الثقافة والتراث، مجلة فصلية ثقافية تراثية، تصدر عن قسم الدراسات والنشر والعلاقات الثقافية بمركز جمعة الماجد للثقافة
والتراث، السنة 16 العدد 64، محرم 1430 هـ/ يناير 2009 م، ص: 20. (1/100)
صفحة 95
المبحث الثاني: تعامل الشيخ بيوض مع السنة النبوية
101
ومعنى، لأن المظنون لا يقوى على معارضة المقطوع، ولأن الحديث قد يكون معلول المتن ولو كان صحيح السند إذ يقول: «إنَّ أي حديث يخالف روح القرآن أو نصه فهو باطل من تلقاء نفسه ... لأن قوله صلى الله عليه وسلم لا يتعارض مع القرآن بل يكون شارحًا له ومفسرًا لآياته» (1).
السنة النبوية شارحة للدستور القرآني ومفصلة له، وقد كلف الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس ما أنزل إليهم، لذلك يستحيل تناقض سنة صحيحة مع القرآن الكريم تناقضا حقيقيا، وقد بين الأستاذ يوسف القرضاوي ضرورة فهم السنة على ضوء القرآن، ذلك لأنَّ البيان النبوي يدور دومًا في فلك الكتاب العزيز، فيستحيل أن توجد سنة صحيحة ثابتة تعارض محكمات القرآن وبيناته الواضحة، وإذا ظنّ بعض الناس وجود ذلك فلا بد أن تكون السنة غير صحيحة أو يكون فهمنا لها غير صحيح أو يكون التعارض وهميا لا حقيقيا، ومعنى ذلك أن تفهم السنة في ضوء القرآن (2).
ومن الأحاديث التي عرضها الشيخ بيوض على القرآن الكريم لتوجيه معناها: أ- حديث: «من قال: "لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق ... (3)
طبق الشيخ بيوض منهجه عَلَى هَذا الحديث فرأى أن معناه يتضح بعرضه على الآيات المحكمات بعد التأكد من صحته، أما إذا صح الحديث: «من قال: "لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق .... فهذا يطابق ما ورد في القرآن الكريم وقُل للَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يُنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يُعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنةُ الأَوَّلِينَ) (الأنفال: 38).
(1) محمد الغزالي هذا ديننا، دار الشروق، 7، 2006 م: 212 - 213.:
(2) يوسف القرضاوي: كيف نتعامل مع السنة النبوية معالم وضوابط المطبوعات الجميلة، منشورات دار
الكتب، 1991 م: 95.
(3) تقدم تخريجه، ص: 69. (1/101)
صفحة 96
102
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
فمعنى الحديث: من قال: "لا إله إلا الله وقد كان كافرا يزني ويسرق ويشرب الخمر فإنه في اليوم الذي يعلن فيه إسلامه فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه، ويبدأ عمله من ذلك اليوم، والإسلام جب لما قبله وأكد الشيخ أن توجية الحديث إلى هذا المعنى المؤيد بمحكمات القرآن المتناسق مع مقاصد الشريعة هو عين الصواب، أما حمل الحديث عَلَى ظاهره فمنهجه خاطئ وأبعاده الواقعية خطيرة وساء صاحبه مصيرا، أما أن يظنّ مسلم - في وسط الإسلام- أنه يزني ويسرق ويأكل أموال الناس بالباطل ويرتكب المحرمات ... ويطمع بعد ذلك أن يريح الجنّة من غير توبة فهذا بعيد بعد السماء عن الأرض) (2).
رائحة
فخلاصة هذا التأويل أن كلمة "لا إله إلا الله" تغفر ما تقدم في الكفر، إذ أنَّ الإسلام جب لما قبله، لا كما يفهمه البعض أن هذه الكلمة تغني عن العمل الصالح وتشفع للمصرّ على الكبائر)، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حديثه: «لا يزني
عن
(3)
الزاني حين يزني وَهُوَ مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وَهُوَ مؤمن» (4). علق الدكتور مصطفى محمود على هذا الحديث بقوله: «وما ترويه الأحاديث أن محمدا عليه الصلاة والسلام سوف يخرج من النار كل من قال: "لا إله إلا الله ولو زنا ولو سرق؟؟! ولو زنا ولو سرق رغم أنف أبي ذر، هكذا يقول الحديث، وهو ما يخالف صريح القرآن، فالقرآن يقول في محكم آياته: إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (النساء: 145) والمنافقون
(1) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 224/ 4.
(2) م. ن: 4/ 225
(3) م. ن: سورة فصلت: 377/ 16: إبراهيم يتوض: فضل الصحابة والرضا عنهم: 57. (4) رواه الربيع، وتمامه: وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، رقمه: 983. والبخاري بزيادة: وَلَا يَتَهبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَتَهبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ». وَعَنْ سَعِيدٍ وأبي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبي ة مثله إلا النهبة البخاري الصحيح، کتاب المظالم والغصب باب النهب بغير إذن صاحبه، حديث: 2343، 875/ 2؛ مسلم الصحيح كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي، كماله، حديث: 57، 76/ 1. (1/102)
صفحة 97
المبحث الثاني: تعامل الشيخ بيوض مع السنة النبوية
،،
103
هم الذين يقولون: "لا إله إلا الله في كل مناسبة، وتنطق السنتهم بما يخالف سرائرهم ... وهم في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا بصريح القرآن (1) إستدل الشيخ بيوض على عدم صدق إيمان هؤلاء العصاة بأدلة منها قوله تعالى: إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكل (سبا: 21) حيث قابل الله الإيمان بالآخرة بالشك منها، ولم يقابلها بإنكارها، فالإنكار هو حال المشركين والكفرة والملاحدة، والشك هو حال المسلمين الذين يقولون "لا إله إلا الله، محمد رسول الله (2) وإن أقرّ المسلمون العصاة بإيمانهم فإنَّ أفعالهم تدل أنهم شاكون وما هم بمستيقنين، وهم كما يقول الشيخ أبو نصر: نرى الأمر عن علم اليقين تيقنا ونعمل أعمال الذي شك في الأمر (3)
ب- حديث المفلس:
روى الإمام مسلم من حديث أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِس؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِس مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاة وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أَخِدٌ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طرح في النار.
لاحظ الشيخ بيوض تعارض ظاهر هذا الحديث مع قوله تعالى: {وَلا تَزر وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (الزمر: 07 فبعد أن استحسن تفويض الأمر فيه إلى الله قائلاً:
(1) مصطفى محمود الشفاعة 02.:
(2) في رحاب القرآن، سورة سبأ: 13/ 213
(3) البيت من منظومته في الصلاة وأحكامها، مطلعها:
سما من سما بالجد والعزم والتشمر وسهر الليالي والسرى والتهجر.
ديوان الشيخ أبي نصر، المطبعة البارونية، 1304 هـ، ص 16.
(4) مسلم: الصحيح، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، حديث: 2581، 4/ 1997. (1/103)
صفحة 98
104
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
هَذا مما نفوّض فيه الأمر إلى الله ولا نتدخل فيه إذا صح الحديث (7) ذكر إمكانية تأويل الحديث أنه حالة استثنائية، أو أن هؤلاء الغرماء يتفضل الله عليهم بمغفرة بعض ذنوبهم ويقتص من الظالم بمضاعفة العذاب له.
يلاحظ على هذا التأويل أمران يتعلّقان بالنسق العقدي عند الشيخ بيوض:
1 - عدم اشتراط الشيخ تواتر الحديث، في أمر يتعلق بالعقيدة.
-2 - تأويل الحديث - يتفضل الله على الغرماء بمغفرة بعض الذنوب يتناقض مع قوله بأن المغفرة لا تكون إلا بالتوبة، إلا إذا كان الشيخ يقصد مغفرة الصغائر دون الكبائر.
رابعاً: موقفه من الروايات المتناقضة وصريح القرآن: بما أن القرآن والسنة صدرا من مشكاة واحدة فيستحيل احتمال وجود تناقض معنوي بينهما، فالله الذي أنزل القرآن الذي لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خلْفِهِ} (فصلت (42) أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ليبين للناس ما أنزل إليهم بسنته القولية والفعلية والتقريرية، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكتب - في فترة نزول الوحي - غير القرآن، أخرج مسلم من حديث أبي سَعِيدٍ الْخُدْري أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا ئكتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآن فَلْيَمْحُهُ (2).
رغم الجهود المعتبرة التي بذلها العلماء لأجل تنقية الحديث وحفظه، فإن كتب الحديث (الصحاح) لم تسلم من الروايات الضعيفة، وأشار الشيخ بيوض إلى أن الترغيب والترهيب" من أسباب وضع الحديث، تدلّ عليه المبالغات في تقدير الأجور على أعمال قليلة، مؤكدًا على أن مثل هذا لا يُقال إلا بأخبار صحيحة
يقينية (3) ومن الروايات التي أثبت الشيخ بيوض مخالفتها صريح القرآن:
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 15/ 383.
(2) مسلم: الصحيح، کتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، حديث: 3004،
2298/ 4
(3) في رحاب القرآن، سورة الدخان: 6/ 18. (1/104)
صفحة 99
المبحث الثاني: تعامل الشيخ بيوض مع السنة النبوية
105
1 - الرواية التي تنص على أن بني إسرائيل آذوا موسى عليه السلام بتهمته بمرض الأدرة فبرأه الله منها بتركه يمر عريان أمامهم!!.
ردّ الشيخ بيوض هذه الرواية لمخالفتها النصوص الصريحة وما علم من الدين بالضرورة من عصمة الأنبياء، كلاً، فهذا كلام باطل من كل جهة أتيناه، ولا يمكن أن يعول عليه أبدا، فلم يشفع لقبول هَذِهِ الرواية كونها واردة في صحيح البخاري)، ولا يغرنكم كون الرواية موجودة في بعض كتب الحديث الصحاح كالبخاري ومسلم) أو غيرهما، فقد تكون في كتب الصحاح روايات غير مقبولة مهما كان أصحابها ثقات، فقد يكونون أوتوا من قبل توثيقهم لبعض الرواة الذين تبين بعد ذلك أنهم وضاعون كذابون، ولقد وردت حقا في بعض الكتب بعض الروايات التي لا تقبل أبدا، ودلّل المحققون على أنها جاءت من طرف فيها بعض الوضاعين الكذابين» (3).
بين الشيخ بيوض منهجه في التعامل مع الحديث النبوي، فمنطلقه عدم. التسليم بصحة كل ما ورد في الكتب المعروفة بالصحاح، مؤكدا على ضرورة نقد متنها بعرضها على الآيات المحكمات من القرآن الكريم لكونها قطعية الثبوت والدلالة فما خالف من روايات تؤوّل وفق مقاصدها وإلا فيحكم
(1) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى، من حديث أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيْئًا سِتِّيرا لا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاء مِنْهُ فَادَاهُ مَنْ آدَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا مَا يَسْتَتِرُ هَذَا السَّسْتُرَ إِلا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إِمَّا بَرَصَ وَإِمَّا أَدْرَةٌ وَإِمَّا آفَةً وإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّكُهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى فَحْلاَ يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ فَلَمَّا فَرَعَ أقبل إلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُدَهَا وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ فَأَخَدَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ تَوْنِي حَجَرُ تُونِي حَجَرُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْبَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ وَأَبْرَاهُ مِمَّا يَقُولُونَ وَقَامَ الْحَجَرُ فَأَحَدَ ثَوْبَهُ فَلَيسَةً وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ فَوَ اللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثر ضَرْيْهِ ثَلاثًا أَوْ أَرْبَعًا أوْ خَمْسًا، فَدَلِكَ قَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آدَوْا مُوسَى فَبَرَّاهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ الله وجيها»، الحديث رقمه: 3223، 3/ 1249
(2) مسلم: الصحيح، کتاب الحيض، باب جواز الاغتسال عريانا في الخلوة، حديث: 339، 4/ 1841. (3) في رجاب القرآن سورة الأحزاب: 676/ 12. (1/105)
صفحة 100
106
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
ببطلانها، فما وجد في كتب الحديث ما يخالف ويناقض مناقضة صريحة ما. في القرآن الكريم، يجب أن يتوقف ويُبحث فيه حَتَّى يتحقق منه، وإنا لا نقبلُ أبدا شيئًا يُخالف صريح القرآن (1). بناءً على ذلك حكم بالبطلان على رواية إذاية موسى بتهمته بمرض الأدرة، «لذا فإننا نبطل هذه الرواية التي قيلت في موسى أنه مصاب بالأدرة، وإن الإسرائيليين كلهم كانوا يغتسلون عراةً خاصة في زمن موسى عليه السلام - وإن وجدت في الكتب المشهورة المسمّاة عند الأمة بـ"الكتب الصحاح “.
إن هذه الرواية باطلة لمخالفتها للنصوص الصريحة ولما عرف من الدين بالضرورة من عصمة الأنبياء والرسل وغير ذلك» (2).
2 - قصة الغرانيق: ردّ الشيخ بيوض هذه الرواية مبينا أنها «أكذوبة من وضع الزنادقة، وما أكثر ما كذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم بوضعهم الأحاديث ونسبتها إليه كذبًا وافتراء وزورًا (3)، وتعجب ممن يرويها من غير رد وإبطال، وقرر حرمة
حكايتها إلا للردّ عليها، وكُفر المؤمن بها لأنها طعن في الوحي وفي القرآن). رد الشيخ بيوض هذه الرواية لأنها تطعن في القرآن الكريم، وبين أنها لو صحت لانهدم الوحي وانتفت الثقة في القرآن، مؤكدا أنها تعارض آيات محكمات، منها قوله تعالى عن الشيطان الرجيم: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الذِينَ يَتَوَلَّونَهُ وَالذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ) (النحل: 99 - 100) كيف لا يكون له سلطان على المؤمن ويكون له
سلطان على النبي؟ أي ضلال هذا وأي كفر؟!! (5).
(1) في رحاب القرآن، 678/ 12.
(2) م. ن: 678/ 12.
(3) م. ن: سورة الحج: 4/ 513.
(4)
521/ 4:3
(5) م. ف. (1/106)
صفحة 101
المبحث الثاني: تعامل الشيخ بيوض مع السنة النبوية
107
وبما أنَّ قصة الغرانيق راجت روايتها لدى بعض المفسرين لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُول وَلَا نَبِيءٍ إِلا إذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أَمْنِيَّتِهِ فَيَنسَحْ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (الحج: 52) فقد نفى الشيخ بيوض المعنى المزعوم وَهُوَ أَنَّ الشيطان يجري على لسان النبي صلى الله عليه وسلم كلاما فيمزجه بكلام الله ويدخله بين آية وأخرى، وبعد أن بين خطورة اعتقاد هذا المعنى المفضي إلى الشرك أثبت التفسير الصحيح الموافق لمقاصد القرآن: «إنما معناه بسيط ظاهر واضح يشهد عليه القرآن من فاتحته إلى خاتمته، فالرسول أو النبيء- إذا قرأ على قومه آية نزلت من السماء، فإن الشيطان يلقي في قلوب أوليائه شبها وأوهاما في تلك القراءة وتلك الآية حَتَّى يتأولوها تأويلاً باطلاً عَلَى غير وجهها، ويخوضوا فيها بالطعن والاستهزاء ... » (1).
تعجب الشيخ بيوض من ورود الرواية في بعض التفاسير من غير الردّ عليها، وهي أكذوبة من وضع الزنادقة، وما أكثر ما كذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم بوضعهم للأحاديث ونسبتها إليه كذبًا وافتراء وزورا» (2)، منبها إلى أنها تشكل خطرًا عَلَى أصل من أصول الدين، ونقضا لبعض قواعده الصحيحة، وهذه الخطورة تتمثل في انهدام الوحي من أصله: «فإذا صح زعمهم وادعاؤهم ذلك، انهدم الوحي من أصله، إذن لا ثقة أبدا في هذه الآية ولا في غيرها» (3).
-3 - وتما توقف فيه الشيخ بيوض من الروايات الحديثية وطلب له تأويلا لمعارضة ظاهره لمعلوم من الدين بالضرورة، وهُوَ عصمة الرسل ما قيل في سبب سفر موسى عليه السلام مع فتاه طلبًا للعبد الصالح، فقد روي مرفوعا إلى النبيء في بعض كتب الصحاح، وكما رواه البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ... سأله بعض هل يوجد في الأرض من هو أعلم منك يا موسى؟ فقال:
(1) في رحاب القرآن، 584/ 4.
(2)
م. ن: 4/ 513.
(3) م. ن: 524/ 4. (1/107)
صفحة 102
108
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
صحة
"لا أحد أعلم مني ... ) فرأى الشيخ بيوض ضرورة التثبت من الحديث، ثم تأويله بما يليق بعصمة الأنبياء، لأن موسى في مقامه وكونه نبينا رسولاً
لا يمكن أن يظن نفسه أعلم من عَلَى ظهر الأرض، فلا بد أن يكون له غرض صحيح في مثل هذا الجواب (2).
يستفاد من هذا الرد أمران:
-1 - قول الشيخ: إذا صح الحديث إقرار ضمني بعدم التسنيم بصحة كل
الأحاديث المروية عند البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الصحاح 2 وجوب تأويل رواية الحديث لتتوافق والنصوص المحكمة وما علم من الدين بالضرورة، وإن استحال ذلك ردّت الرواية.
من الدارسين الذين سلكوا منهج عرض الأحاديث النبوية على محكمات. القرآن الأستاذ محمد الغزالي، وقد وضح أن حكمه على بعض الأحاديث بالضعف هو نتيجة حرصه (على أن يعمل الحديث داخل سياج من دلالات القرآن القريبة أو البعيدة» (3).
ومن الأحاديث التي توقف فيها الشيخ بيوض نتيجة إخضاعها لهذا المنهج أحاديث إثبات الشفاعة للمصرين على الكبائر، وأكد الأستاذ مصطفى محمود ضرورة توظيف هذا المنهج لاستحالة تناقض الوحيين، إذ يقول: « ... أما الشفاعة
(1) البخاري: الصحيح، كتاب العلم، باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فليكل العلم إلى الله، حديث: 122، 05/ 1؛ مسلم الصحيح، کتاب الفضائل، باب فضائل الخضر عليه السلام، حديث: 2380، 1874/ 4، بلفظ: عن أبي بن كعب عن النبي أنه قال: «قَامَ مُوسَى النَّبي خطيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: «أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدُ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهَ إِلَيْهِ أَنْ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنك ... »، وتناقل المفسرون هذه الرواية، منهم الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار الفكر، بيروت 1405 هـ 15/ 278؛ ابن كثير: 93/ 3
(2) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 262/ 2.
(3) محمد الغزالي: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ط 6، دار الشروق، القاهرة، 2003 م: 24. (1/108)
صفحة 103
المبحث الثاني: تعامل الشيخ بيوض مع السنة النبوية
109
بمعنى هدم الناموس وإخراج المذنبين من النار وإدخالهم الجنة ... فهي فوضى الوسائط التي نعرفها في الدنيا ... ولا وجود لها في الآخرة، وكل ما جاء بهذا المعنى في الأحاديث النبوية مشكوك في سنده ومصدره لأنه يخالف صريح القرآن، ولا يعقل من نبي القرآن أن يهدم القرآن (1)، وبما أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالقرآن فإن حديثه مبين له وليس منشئا لشرع جديد، وبالتالي فإن قبول متن الحديث الصحيح أو التوقف فيه مرهون بموافقته للقواعد والمبادئ المستخرجة من عملية استقراء النصوص (2).
خامساً: تحكيم الحديث في رواية الأخبار:
الحديث النبوي قيم على بقية الأخبار وأقوال العلماء، وقد كان الشيخ بيوض يعرضها عليه، فما جاء منها مخالفا للحديث الصحيح يحكم عليه بعدم صحته، ومن ذلك ردّه عَلَى من منع التعجب في شأن الله عزّ وجل، فما دامت الآيات والأحاديث تدلّ عَلَى جواز مثل هذا، فلا يلتفت إلى المانعين للتعجب في حق الله ... والحق هو الجواز، ولا أعلم بما يليق بجلال الله تعالى من الله تعالى، ثم من رسوله فلنسلك طريقهما» (3).
كما ردّ الرواية التي تنص على أن بين عيسى بن مريم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى العرب يقال له خالد بن سنان العبسي، لمخالفتها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نبي بيني وبين عيسى (5).
(1) مصطفى محمود الشفاعة: 03. (2) صافي لؤي العقيدة والسياسة، ط 1، دار الفكر المعاصر، بيروت - دار الفکر، دمشق 1422 هـ / 2001 م، ص: 45.
(3) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 2/ 149. (4) خالد بن سنان كان في الفترة، قيل: كان نبينا، قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: «ذلك نبيء ضيعه قومه». انظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ 219/ 1؛ الإصابة في معرفة الصحابة: 325/ 1؛ وفيات الأعيان: 1023؛ الزركلي: الأعلام: 2/ 296.
(5) في رحاب القرآن، سورة القصص: 397/ 8، ممن ذكر هذه الرواية القرطبي في تفسيره، تح أحمد
= (1/109)
صفحة 104
110
المحذور من
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
هذه الطريقة هو التسرع في ردّ الأخبار لمجرد مخالفتها لظاهر الحديث، قبل البحث في الأدلة المستندة إليها، وقد تكون رواية مرفوعة إلى النبيء فخبر نبوة خالد بن سنان العبسي الذي ردّه الشيخ بيوض -مثلاً- توجد له روايات حديثية، مما ما يروى أنّ ابنة خالد وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبسط لها رداءه وأجلسها عليه وذال: ابنة) نبي ضميته أهله، وفي حديث قال لها: «مرحبا بابنة أخي (4)، فالدقة العلمية تقتضي تتبع أسانيد الأخبار والبحث عن درجة صحتها قبل ردّها؛ لأنها قد تكون في درجة واحدة مع الحديث الذي اتخذ، سارا لقبول الأخبار أو ردّها، وقد يكون الشيخ بيوض يقوم بهذه الخطوات، ويكتفي بتقديم نتيجة بحثه في درسه الشفوي لخاصة الناس وعامتهم.
كما استند الشيخ بيوض إلى الحديث النبوي في الترجيح بين أقوال العلماء في مسائل العقيدة، ومن ذلك اختلافهم في عدد النفخات في الصور، هل هما اثنتان: نفخة الصعق ونفخة البعث؟ أم هما ثلاثة بزيادة نفخة الفزع؟ ثم رجح أنهما اثنتان لا غير، مستدلاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: نفختان بينهما أربعون سنة» (2) باعتبار نفخة الفزع نفسها نفخة الصعق
(1)
عبد العليم البردوني، ط 2، دار الشعب القاهرة، 1372 م: 46/ 11.
لم أقف على الحديث بهذا اللفظ، ورواه الشيخان وغيرهما بالفاظ مشابهه، منها: عن أبي هريرة منه قال: سمعت رسول الله يقول: «أنا أولى الناس بابن مريم، و الأنبياء أولاد علات ليس بيني وبينه نبي، البخاري الصحيح، كتاب الأنبياء، باب وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ) حديث: 3258 - 1270/ 3، وفي رواية مسلم .... ليس بيني وبين عيسى نبي»، مسلم: الصحيح، کتاب الفضائل، باب فضائل عيسى عليه السلام الحديث: 2365، 1837/ 4. (1) الزركلي: الأعلام: 2962، نقلا عن الإصابة في معرفة الصحابة: 325/ 1؛ ولم أجد الروايتين في الكتب التسعة ولا في المكتبة الألفية للسنة النبوية. (2) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَانُونَ أَفْوَاجًا)، حديث: 4651، 4/ 1881؛ من غير ذكر "سنة، ولفظه: عن أبي صالح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَا بَيْنَ النَّفْحْتَيْنِ أَرْبَعُونَ قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ أَبَيْتُ، قَالَ أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ أَيْتُ، قَالَ
= (1/110)
صفحة 105
المبحث الثاني: تعامل الشيخ بيوض مع السنة النبوية
111
يخلص هذا المبحث إلى أن السنة النبوية مبينة للقرآن الكريم ومفسره لآياته، فكلاهما مصدر لمعرفة العقائد والأحكام فلا تعارض بين المصدرين، ولا تُردّ السنة اكتفاء بنصوص القرآن، بل تشترط في التعامل معها ضوابط تحمي فهمها من الخطأ والتناقض منها ضرورة فهمها في ضوء الوحدة الموضوعية وضوء معاني القرآن؛ وهنالك مصادر ثانوية في العقيدة متمثلة في تفسير العلماء لنصوصها وتفريعاتهم لأصولها، وهذا ما يتناوله المبحث الآتي مع الكشف عن منهج الشيخ بيوض في التعامل معها.
أرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ أَبيتُ ... ورواه مسلم بلفظ قريب من هذا، في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ما
بين النفختين حديث 2955، 4/ 2270 (1) في رحاب القرآن، سورة يس: 14/ 209. (1/111)
صفحة 106
112
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
المبحث الثالث
تعامل الشيخ بيوض مع التراث العقدي
المصدر الأصلي للدين هو الوحي المتمثل في نصوص الكتاب والسنة، ونظرًا لمحدودية النصوص وتجدد قضايا الإنسان الدينية والحياتية فإن فهم المراد الإلهي من وحيه يتطلب عملاً اجتهاديًا، وقد خلّفت جهود علماء الإسلام تراثا كبيرا في مختلف فروع العلوم الإسلامية، فما هي علاقة المسلم بهذا التراث؟ وهل هو ملزم
بالأخذ به؟
يرى الشيخ بيوض وغيره من المجدّدين أن التراث الإسلامي - على أهميته وضرورته في فهم المراد الإلهي - غير ملزم للاحقين في اجتهاداتهم لفهم الدين، بل لهؤلاء حق النقض والتعديل والترجيح فيما ورد في التراث من اجتهادات سواء الاجتهادات المتعلقة بالاستنباط الفقهي، أو المتعلقة بتأويل مفاهيم العقيدة» (1).
أولاً: مصادر الشيخ بيوض:
مصادر الشيخ بيوض في العقيدة متنوعة ومتعددة المشارب، فقد كان يجمع بين القديم والحديث، كما أنه يستقي معلوماته من المصادر الإباضية وغيرها، إلا أنّ مصدره الأساس هو كتاب الله تعالى فكان يحدر أن يشكل التراث البشري حجابًا بين العبد وبين فهم مراد الله من كتابه ففي درس التفسير -مثلاً- كان يرجع إلى طائفة من المفسرين، وكان الشيخ يهضم مادة هذه التفاسير ويعيد صياغتها في نفسه ثم يضيف إليها ما يتبين له من فهم، ويلقي بكل ذلك تفسيرا نقيا مصفى يلمع بالاستقلالية الفكرية، ولا يظهر عليه التأثر بالغير» (2).
(1) عبد المجيد النجار: فقه التدين فهما وتنزيلاً 72 - 73 (2) مسعود فلوسي: الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض وتفسيره "في رحاب القرآن، أعمال الملتقى الأول لفكر الشيخ بيوض: 291. (1/112)
صفحة 107
المبحث الثالث: تعامل الشيخ بيوض مع التراث العقدي
1 التراث الإباضي
113
يعد قطب الأيمة الشيخ امحمد اطفيش أكثر من نقل عنهم الشيخ بيوض،
ومن الملاحظ أنه:
أ- كان يطلع على بعض مصادر القطب، منها: تفسير الآلوسي الذي لاحظ الشيخ بيوض أن القطب نقل عنه كثيرا في تفسيره "تيسير التفسير (1).
-
(1)،،
ب كان الشيخ بيوض يحرص على التصريح بالنقل عن القطب حين يكون بصدد إصلاح ظاهرة ما، ولسان حاله قول الله تعالى لنبيه المصطفى: قُلْ مَا كُنتُ بدْعًا مِّنَ الرُّسُل} (الأحقاف: 09)، وذلك لما للقطب من وزن وتقدير في نفوس العامة والمثقفين ومن ذلك قوله: وهذا ما نص عليه الفقهاء الأعلام ومن أواخر من تحدث في هذا الباب، وبيّن المسائل التي ذكرناها والتي سنذكرها بعد، قطب الأئمة الشيخ اطفيش رحمه الله، إذ قال بالنص: "لو قال أحدهم: باسم الله واسم محمد صلى الله عليه وسلم لكانت الذبيحة حرامًا أهل بها لغير الله (2)، وهذا ما قلناه ونقول به دائمًا» (3).
تعتبر حركة الشيخ بيوض في تجديد الدين والنهوض بمختلف الميادين مواصلة للمسيرة الإصلاحية التي رفع لواءها القطب رحمه الله، وقد صرح بذلك في قوله: نهضتنا اليوم استمرار للنهضة الدينية والعلمية التي بدأها الشيخ يحيى بن صالح الأفضلي، والشيخ عبد العزيز الثميني، ورفع لواءها بعدهما شيخنا اطفيش رحمهم الله جميعا). يلاحظ على سلسلة هؤلاء الأعلام المجددين أن الشيخ بيوض يمثل انتقال الريادة العلمية في وادي مزاب من قصر بني يزجن إلى القرارة.
(1) في رحاب القرآن سورة الزخرف: 422/ 17. (2) اطفيش: تيسير التفسير، بلفظ ... اسم غير الله من الأصنام أو غيرها فإنه حرام، ولو ذكر الله
معه: 491/ 4.
(3) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 2/ 234. (4) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح: 141/ 4. (1/113)
صفحة 108
114
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
كما نقل الشيخ عن الشيخ أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي والجيطالي وعمرو بن جميع والسالمي، وغيرهم من المشارقة والمغاربة، المتقدمين منهم
والمتأخرين.
2 التراث الإسلامي العام
يرجع الشيخ بيوض إلى طائفة أخرى من المصادر العلماء من خارج المدرسة الإباضية، منهم الشيخ محمد عبده ومحمد رشيد رضا، والرازي والآلوسي والقرطبي وسيد قطب، حيث يجد في هذه التفاسير مادته العلمية التي تخدم هدفه الإصلاحي، خاصة تفسير المنار“ و ”الظلال“ لعنايتهما بالإصلاح الاجتماعي، لذلك كان رجوعه إلى هذه المصادر أكثر من تفاسير الطبري وابن كثير والكشاف (1)
رغم كثرة مصادر الشيخ بيوض فإنّ حظه من رواية نصوصها كان قليلاً، ذلك أن طريقته في التفسير لا تعتمد السرد من الأوراق، بل كان يستوعب مادة درسه ثم يلقيه بصياغته الخاصة مضيفًا إليها اجتهاداته التي تبرز من خلال ما يفتح الله عليه أثناء الدرس، ويصرح أنه بنت اللحظة، ومن خلال ما ذكر أنه لم يجده في التفاسير التي اطلع عليها، ومن نقده من سبقه من المفسرين.
ثانيًا: نقد الروايات وأقوال المفسرين:
تعامل الشيخ بيوض مع التراث بإيجابية، فلم يلغه كلية ويحرم نفسه نفسه من تجربة بشرية ومعرفة تراكمية منذ فجر الإسلام، ولم يخلع عليه هالةً من القداسة فيحجبه عن تبين الحق والصدع به بل اعتبره ثمرة جهد بشري يصيب ويخطئ، فأخضعه للنقد البنّاء، مما يدل على أن الشيخ بيوض يتسم بعقلية متحررة، لا ترى الحق
(1) محمد صالح ناصر: في رحاب القرآن المهرجان والتأبين)، لقاء الشيخ يتوض- بمناسبة مهرجان ختم التفسير - مع الإذاعة والتلفزيون الجزائرية وبعض الأساتذة 75. (1/114)
صفحة 109
المبحث الثالث: تعامل الشيخ بيوض مع التراث العقدي
115
المطلق مع أحد، وتخالف كل ما تراه خطأ في التفسير، مهما كان قائله، مادام الحكم هو كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام» (4).
ومن
ذلك تعليقه على أقوال المفسرين في معاني الحروف المقطعة، كنموذج يمكن تعميمه على جميع أقوال العلماء في مسائل الاعتقاد (الغيب) التي لم يصح فيها نص من الوحيين: «وَكُلُّ ما تجدونه في كتب التفسير عن هذه الحروف من أقوال، فإنَّما هو فهم واجتهاد، وليس حقيقة يقينيَّة؛ ذلك لأنه لم ينقل عن النبيء أَنه فَسَّرَ هذه الحروف وقال لأصحابه: هذا مراد الله تعالى من الحروف، ولو
صح شيء عن المعصوم محمَّد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لقلنا به، ولقبلناه على الرأس والعين، ويكون من جملة ما أوحي به، ولكن هذا لم يكن، فكان الباب مفتوحا للاجتهاد، وعلى كُلِّ مجتهد أن يقول أخيرا: «الله أعلم بمراده (2)، فكان الشيخ ينقد أقوال العلماء فيأخذه ما استند إلى الدليل ويشير إلى المرجوح والمردود. وبما أنَّ العقيدة الإسلامية تشترط الصدق واليقين تصورا وتصديقا، فإن عملية فرز الأخبار يجب أن تكون دقيقة، فلا يُقبل منها في مجال العقيدة إلا ما استند إلى أدلّة قوية من حيث الثبوت والدلالة.
ومما يشترط الشيخ بيوض لقبول أخبار العقيدة بلوغ درجة التواتر وإلا توقف في اعتقادها، ومن ذلك: أ- ما يروى أنَّ أربعة من الأنبياء لم يموتوا بعد، وهم: عيسى وإدريس والخضر وإلياس ولكن ما كان ينبغي أن يعتقد هَذا لأنه لا دليل عليه يقيني، وكل ما قيل في الموضوع من روايات لا ندري مبلغها من الصحة، لا نصدقها ولا ننكرها» (3) واعتبارا لكون الأخبار التي أحاطت بالخضر وإلياس وكونهما أحياء على ظهر
(1) محمد باباعمي: التجديد في فهم القرآن الكريم عند الإمام الشيخ بيوض من خلال تفسيره، مجلة الحياة،
عدد 1، صفحة: 66.
(2) في رحاب القرآن، سورة الشورى 06/ 17.
(3)
م. ن: سورة مريم: 119/ 3. (1/115)
صفحة 110
116
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
الأرض لا أصل لها ولا دليل عليها من كتاب أو سنة، واستنادًا إلى قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر من قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} (الأنبياء: 34) رجح
الشيخ بيوض قوله بأن هؤلاء الأنبياء ميتون كغيرهم من البشر (4).
-
ب تحديد عدد الأنبياء والرسل وذكر أسمائهم، فلا يرى الشيخ بيوض اعتقاد عدد معين، حذر أن يزيد نبي أو رسول أو ينقص من هذا العدد (2) ويؤكد أن الواجب هو الإيمان بالأنبياء والرسل دون تحديد عددهم، وقد استغرب الشيخ بيوض من نقل الشيخ اطفيش أسماء 313 رسولاً، بينما يقول تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مِّن قَصَصَنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم من لَّمْ تَقْصص عَلَيْكَ (غافر: (78) فهل هَؤُلاء الذين ذكرهم الشيخ تمن قص الله خبرهم؟ إننا لا نحدد عدد 313 وإذا كان فيهم من لم يقصص الله خبرهم فمن أين يجيء بهذه الأسماء؟! (3) مسألة كما نقد الشيخ بيوض صاحب عقيدة التوحيد" عمرو بن جميع في تحديد عدد الأنبياء والرسل، فصاحب العقيدة جمع شيئًا مما كان مشهورًا في زمانه في العقيدة ... » (4).
كما لاحظ على صاحب العقيدة" إيراده للرواية التي تنص على الأنبياء الأربعة الذين لم يموتوا، ذلك لأن هذه الروايات رغم شهرتها ورواجها لا ترقى إلى مرتبة الاعتقاد، لأن ذلك لا يتأسس إلا عَلَى اليقين، وصاحب العقيدة“ رحمه الله ترخص كثيرًا وأدخل فيما سماه بـ "العقيدة" أشياء أخبر بها كعدد الأنبياء والمرسلين - مثلاً - ونحن كما قلنا مرارًا لا نؤمن بعدد معين، لأنه ربما يكون أقل أو أكثر.
(1) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 511/ 14,
(2)
من سورة الكهف: 280/ 2
(3) من سورة الصافات: 510/ 14.
(4)
م. ن: 14/ 509,
(5) م. ن: سورة الكهف: 2802792 (1/116)
صفحة 111
المبحث الثالث: تعامل الشيخ بيوض مع التراث العقدي
117
فأقوال السلف قد تكون آراء اجتهادية خاصة لا ترتقي إلى درجة العصمة، وقد تكون أقوالهم آراء لا مجال للاجتهاد فيها، ولها حكم الرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنها أدنى درجة من الرفع الصريح، ومع ذلك فهي لا تخرج عن كونها أحاديث آحاد لا تثبت بها عقيدة يترتب عليها إيمان أو كفر (1).
ج - كيفية عرض الأمانة: أخبرنا الله عن عرضه الأمانة على السماوات والأرض والجبال، ولكن تفاصيل هذا العرض من الأمور الغيبية التي لا يقال فيها بالرأي وبمناسبة تفسير الشيخ بيوض لقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَال ... (الأحزاب: (72) ذكر بعض الروايات المفصلة في كيفية عرض الله الأمانةً عَلَى السماوات والأرض والجبال فتوقف عن تصديقها قائلاً: «ولكن هذه الأمور كلّها غيبية، والأمور الغيبية لا يقال فيها بالرأي، فلو ثبت عن النبيء لا شيء صحيح لقبلناه على الرأس والعين، ونفوض الأمر فيه إلى الله، ولكن ليس هناك تفسير للنبي صلى الله عليه وسلم عن هذا العرض، ولا عن زمانه ولا عن كيفيته، فكل ما قاله النظار في القرآن والمفسرون من عهد الصحابة والله إلى اليوم كله تخمين» (2). د- كما نقد الشيخ بيوض تكلّف بعض العلماء في ذكر جزئيات وتفاصيل في مسائل الغيب لافتقارها إلى الدليل القطعي، وخاصة إذا قارنتها الدعوى بأنه ينبني صحة الاعتقاد على معرفتها وأخذ موقف منها، من هذه المسائل:
- معرفة المستثنون من الصعق بعد النفخة الأولى إلا مَن شَاءَ الله (3).
}
- ما هي الدابة التي تخرج من الأرض تكلّم الناس؟ ما هيئتها وشكلها
ولونها؟ (4).
(1) محمد سيد أحمد المسير: التمهيد في دراسة العقيدة الإسلامية: 72. (2) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 12/ 695.
(3) م. ن: سورة الزمر: 485/ 15.
(4)
من سورة النمل: 8/ 189. (1/117)
صفحة 112
118
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
- تفاصيل حياة الجن الخاصة طريقة أدائهم الفرائض واتصالهم
(1)
وتوالدهم ... يؤكد الشيخ في كل مرة أن البحث في هذه التفاصيل لا يعنينا، إذ ليس ما الله (2) هنالك ما يُعتمد عليه من كتاب الله أو سنة المصطفى، ولو صح عنه شيء لقبلناه على الرأس والعين، لأنه خبر صادق ولا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي
يوحى، وإذ لم يصح عليه شيء فلا يجوز أيّ اعتقاد في الموضوع» (3).
فموقف الشيخ بيوض كان واضحا في الموضوع، وهو بناء مسائل الاعتقاد على الدليل القطعي، ولا يرفع المسألة إلى درجة اليقين والقطع رواجُها في التراث الإباضي أو الإسلامي العام، إنَّ التأسي بالسلف الصالح محمدة وشرف، لكن التأسي لا يعني عصمتهم ولا حجية آرائهم واجتهاداتهم في عقائد الدين، وإن هناك فرقاً واضحا وجليا بين ما هو عقيدة يجب فيها القطع واليقين وما هو عمل
يكتفى فيه بغلبة الظن ورجحان الدليل).
ثالثًا: موقفه من الإسرائيليات:
إذا كان الدليل القطعي مشروطًا في قبول الأخبار المتعلقة بمسائل الاعتقاد، فإن أغلب الروايات المفصلة لهذه المسائل لا تستجيب لهذا الشرط، رغم كثرتها في التراث الإسلامي وشهرتها على الألسن، ذلك لأن مصدرها هو الإسرائيليات، ويرى الشيخ بيوض أنَّ اليهود هم علة الدنيا وسبب شقائها، وذكر أنه اطلع على كتبهم المحرفة وتعجب من أساطيرها التي لا يتقبلها العقل، وحدر من خطورة
(1) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 225/ 2
(2) م. ن: سورة النمل: 189/ 9.
(3) من سورة الكهف: 225/ 2
(4) محمد سيد أحمد المسير: التمهيد في دراسة العقيدة الإسلامية: 73.
(5) في رحاب القرآن، سورة النمل: 8/ 168. (1/118)
صفحة 113
المبحث الثالث: تعامل الشيخ بيوض مع التراث العقدي
119
الإسرائيليات على التراث الإسلامي وعلى التفسير بوجه خاص مجتهدا على تنقية تفسيره منها، حيث يقول: «والذي يقدَّم لكم في دروسنا هَذِهِ هي خلاصة حقائق، مجموعة تفاسير مختلفة، بعد نبذ الأقوال الزائفة المعتمدة على الإسرائيليات» (1).
فالإسرائيليات في أغلبها - كذبة وفرية لا دليل عليها لا في كتاب ولا سنة، وتكمن خطورتها في انطلائها على بعض المفسرين فينقلوها
في اليهود أنهم أهل كتاب وأنهم صادقون» (2) ثم يرويها عنهم يجهلون مصدريّتها وأصلها.
،،
منهم
ظنا الخلف وهم
ومن الروايات الباطلة التي تعجب الشيخ بيوض من ورودها في كتب التفاسير من غير نقد ورد قصة الغرانيق التي هي من وضع الزنادقة (3) وتتمثل خطورة تصديقها في انهدام الوحي من أصله، فلا تبقى ثقة في هذه
الآية ولا في غيرها (4).
رابعا: القرآن حكم
إذا تناقضت الأخبار واختلفت الرؤى فيما لا يجوز فيه الاختلاف فلا بد من حكم عدل يُردُّ إليه فيما اختلف فيه، ولا حكم أعدل من القرآن الكريم، لأنه كلام رب العالمين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد أرشدنا الله إِلَى ذلِكَ فِي قوله: {وَمَا اختَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} (الشورى: 10) فالقرآن الكريم هو الميزان الحق الذي تقاس عليه كل ما سواه من معتقدات البشر وأقوالهم وسلوكهم، فلو أجمع أهل الأرض على فعل شيء بعينه لا يصير ذلك الفعل حقا إلا إذا كان حقا في نفسه، لأن القرآن حجة عليهم، وليست أفعالهم
(1) في رحاب القرآن سورة الصافات: 463/ 14. (2) م. ن: 470/ 14.
(3)
(4)
م. ن: سورة الحج: 4/ 513.
م. ن: 4/ 524. (1/119)
صفحة 114
120
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
خالف
حجة على القرآن)؛ قال الشيخ اطفيش: واعلم أن الحق هو القرآن والسنة وما لم يخالفهما من الآثار، فمن قام بذلك فهو الجماعة والسواد الأعظم، ولو كان واحدا؛ لأنه نائب النبي والصحابة والتابعين الذين اهتدوا وكل مهتد، ومن ذلك فهو مبتدع ضال ولو كان جمهورا» (2). وصف الله القرآن بكونه قيما"، ومما قاله الشيخ بيوض تبيانا لشمولية قيوميته: فكل كتاب جاءنا سواء أسند إلى الله من الكتب المنزلة قديما كالتوراة والإنجيل وغيرهما، أو من وضع البشر، فإن القرآن هو القيم عليها والمهيمن، نعرضها عليه فما وافقه، قبلناه وما لم يوافقه، رددناه وضربنا به عُرض الحائط ولا كرامة، هذا معنى القيومية، فلفظ القيومية أطلق عَلَى هَدَا» (3).
فخلاصة منهج الشيخ بيوض في التعامل مع روايات الأخبار و الإسرائيليات، هو أن يعرضها على الكتاب والسنة: - فما وافق القرآن والسنة الصحيحة (4) قبلها، وإلا ردّها وحدر من اعتقادها، ولا يشفع فيها ورودها في كتب الحديث، ومن ذلك:
أ - قصة داود عليه السلام وحقيقة النعاج التي قال عنها: «ونحن نذكر القصة ونستغفر الله قبل أن نذكرها، وقد نقل القصة المفسرون الذين يحشرون القصص والأخبار بدون تمييز (5) فطريقة الشيخ بيوض مع الإسرائيليات المخالفة للمعلوم من الدين من عصمة الأنبياء وغيرها هو أن يسردها قصد ردّها «لا يجوز أن تذكر أو تروى إلأ لردّها ودحضها، لأن فيها طعنًا في النبوة والرسالة واتهاما للأنبياء والمرسلين بما لا يليق بهم كبشر معصومين (6).
(1) زكرياء علي يوسف، الإيمان وآثاره: 07. (2) مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية 84، نقلا عن هميان الزاد: 452/ 2. (3) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 23/ 2.
(4) م. ن: سورة ص: 23/ 15.
(5)
م. ن: 72/ 15.
(6) م. ن: 71/ 15. (1/120)
صفحة 115
المبحث الثالث: تعامل الشيخ بيوض مع التراث العقدي
121
سلامته
ب - رده للرواية التي تبين أنَّ إذاية بني إسرائيل لموسى هي تهمته بمرض الأدرة، ثُمَّ برّأه الله منها بتسييره أمامهم عريان، فلما رأوه تأكدوا من. فارتفعت بذلك تهمته!!، فهذه الرواية مخالفة للعصمة الثابتة للأنبياء والمرسلين وقال في بيان بطلانها ترى من أجل تهمة مرض بدني يُهين الله تعالى نبيه الوجية عنده فيدعه يمر عريان أمام بني إسرائيل حَتَّى يروه سليمًا؟!! كلاً فهذا أمر لا يقبلُ أبدا» () لذلك ردّ الشيخ بيوض هَذِهِ الرواية مستغربًا من ورودها في التفاسير وسماعها من مشايخه من غير نقد وتبيين بطلانها لمخالفتها للنصوص الصريحة ولما علم من الدين بالضرورة من عصمة الأنبياء والرسل وغير ذلك» (2).
،،
ج- إذا كان من أمة الرسول صلى الله عليه وسلم من يعتقد أنَّ مجرد قول: "لا إله إلا الله تشفع فيه فإنه تمن تربطه بالرسول صلى الله عليه وسلم رابطة النسب والشرف يعتقد أن ذنوبه لا تقع إلا مغفورة، حكم الشيخ بيوض ببطلان هذا الاعتقاد لأنه مخالف لمقاصد القرآن (3). كما كان الشيخ بيوض يعرض الأخبار وأقوال الرجال على القسم الثاني من الوحي الحديث النبوي، ويجعله ضابطًا للتمييز بين صحتها وبطلانها، وقد سبق لنا بسط كلام عن هذا الموضوع في المبحث السابق الخاص بتعامل الشيخ مع السنة النبوية.
إن الاختلاف في كيفية التعامل مع نصوص الكتاب والسنة و التراث له ارتباط مباشر بكيفية توظيف العقل، وتفاوت العلماء في مقدار إعماله وسيتناول المبحث الآتي منهج الشيخ بيوض في التعامل مع دليل العقل في
مسائل الاعتقاد وقضاياه.
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 12/ 676.
(2) م. ن: 678/ 12.
(3) م. ن: 309/ 12 (1/121)
صفحة 116
122
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
المبحث الرابع
حجية العقل في مسائل الاعتقاد
شرع الله الدين لعباده فأنزل لهم كتابا بلسان عربي مبين (الشعراء: 195) يتلوه عليهم رسول منهم وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُول إِلا بِلِسَانُ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (إبراهيم: (04) والقرآن الكريم يخاطب في الإنسان عقله وفطرته وقلبه، ويرشده في مواضع عديدة إلى إعمال العقل قصد فهم المراد من البيان الإلهي في القرآن، واستكناه أسرار الأكوان، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف: 02) وقوله: {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة: 164)، و لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (يونس: 24)، و لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (الأنعام: 97)، ولأولي الأَلْبَابِ (آل عمران: 190).
(1).
يرتكز دين الإسلام على دعامتي النقل والعقل، فمثلهما كمثل النور والعين الباصرة، فيستحيل للعقل أن يستقل بنفسه في الاستقامة على الطريقة، كما أن مثل المعرض عن العقل مكتفيا بنور القرآن كمثل المتعرّض لنور الشمس مغمض الأجفان، فلا فرق بينه وبين العميان، فالعقل من أشدّ أعوان الدين والنقل من أقوى أركانه (2)، فباعتقاد المؤمن شدّة حاجته إلى نصوص الوحي مع التسليم بعصمته، واجتهاده في إعمال العقل، مع الاعتراف بمحدوديته، ينضبط له منهج التعامل معهما، قال الشيخ بيوض: فإن العقل عين تبصر والشرع نور يضيء، وإن العين العمياء لا تبصر في النور شيئًا، والعين المبصرة لا ترى في الظلام شيئًا، ذلك هو التلازم البين بين العقل والشرع في مجال الاهتداء، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله (3)
(1) الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد: 66.
(2) محمد عبده، رسالة التوحيد، 5، مطبعة المنار، مصر،، 1346 هـ: 24.
(3) إبراهيم بيوض: روح الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي، محاضرة ألقاها بالملتقى
= (1/122)
صفحة 117
المبحث الرابع: حجية العقل في مسائل الاعتقاد
(1)
123
استعرض الشيخ أحمد الخليلي مواقف الفرق الإسلامية من حيث التعامل مع العقل في فهم النصوص الشرعية وانتهى إلى أنَّ الصواب في «منهج البحث لإدراك مفاهيم العقيدة أنَّ العقيدة الإسلامية تقوم على النص الصحيح المفهوم بالعقل السليم، لأنّ النص لابد لفهمه من استخدام «العقل وبما أنَّ «القرآن يستعمل الكلمة كما هي مستعملة في اللغة العربية، ولم يبتكر ألفاظاً جديدةً، ثُمَّ يستعملها في معان جديدة (2)، فعلى دارسه أن يوظف - لفهم نصوصه - العُرف اللغوي، من حقيقة ومجاز ... الخ؛ والحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز“ هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له العلاقة مع قرينة (3).
:أولاً: حدود الاستدلال العقلي:
لقد كرّم الله الإنسان بالعقل وجعله مناط التكليف، فالعقل السليم يدرك بفطرته وجود الله تعالى الخالق البديع، ويستنتج ضرورة التذلل له والخضوع لسلطانه، ولكن أنباء الغيب الصادقة وكيفية التقرب إلى الله عزّ وجل بالعبادة لا تدرك إلا بالوحي، ذلك لأن المكلفين من الإنس والجن، لهم عقول يمكن لهم أن يدركوا بها أنّ لهذا الكون خالقا مديرا حكيما، ولكنهم لا يعلمون الطريقة التي يتقربون بها إلى خالقهم حتى يكون الله هو الذي يشرع لهم، ثمّ إنّ الأمور الغيبية كالجنة والنار والبعث والوقوف بين
السابع للتعرف على الفكر الإسلامي تيزي وزو، 1393 هـ / 1973 م، وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، مطبعة البعث - قسنطينة، 1395 هـ/ 1975 م: 2/ 753 - 754.
(1) أحمد الخليلي، المدخل العام إلى دراسة العقيدة الإسلامية، مكتبة الاستقامة، مطابع النهضة - مسقط -
عمان، د. ت. ن، ص: 26.
(2) في رحاب القرآن، سورة ص: 15/ 199.
(3) الشوكاني، إرشاد الفحول: 21. (1/123)
صفحة 118
124
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
يدي الله للحساب، لا يمكن أن تدرك بالعقل إلا أن يكون الله تعالى هو الذي يخبرنا بها على ألسنة رسله» (1).
يعجز العقل البشري - بحكم طبيعة تكوينه واعتماده على الحواس- عن البحث في ما وراء المادة، أي في شؤون الغيب، وقضت حكمة الله أن يختص بعلمه وأن يوحي إلى صفوة خلقه ما شاء من أنبائه التي يستحيل على العقل إدراكها بالبحث والنظر.
إن البحث في قضايا الغيب بغير هدى من نور الوحي إقحام للعقل البشري في غير مجاله ومحاولة توظيفه خارج نطاقه، وإنَّ العقل النظيف - كما يقول الشيخ محمد الغزالي-: «منته حتما إلى أنَّ الله حقٌّ، وأنه متصف بكل كمال ومستحق لكل خضوع ... لكن الحديث عن الله وصفاته مرجعه إلى الله وحده ... ومعنى في جلاء أن نشاط التفكير الإنساني فيما وراء المادة باطل» (2).
هذا
إن نشاط العقل خارج مجاله لا يستفاد منه – رغم طول إجهاد - إلا الظن، بينما يشترط في العقيدة العلم اليقيني، فعلى المؤمن أن يستثمر نعمة العقل بحسن توظيفه ضمن الإطار الذي خلقه الله من أجله، وعندما نتأمل الحصيلة العملية لرجالات الإسلام نجد العقل الإسلامي تحرّك ببصر وقوة حيث يجب أن يعمل، وقنع بثمرات الوحي حيث يجب أن يستريح من عناء البحث العقيم» (3) وتبقى محكمات القرآن إمامًا لتوظيف العقل في قضايا الإيمان. لا يقال بالرأي في شؤون الغيب لأنه لا طاقة للعقل في النظر فيها، بل المعتمد في هذا المجال نصوص الوحي من الكتاب والسنة القطعية، وقد اعتبر الشيخ بيوض أقوال العلماء في مسائل الغيب - المفتقرة إلى النص القطعي-
(1) في رحاب القرآن، تفسير سورة الفتح، ج 19، نسخة المسودة (الرقمية).
(2) محمد الغزالي: دفاع عن العقيدة والشريعة: 98. (3) م. ن. (1/124)
صفحة 119
المبحث الرابع: حجية العقل في مسائل الاعتقاد
125
تخمينا واتباعًا للظن)، لذلك توقف في عدة مسائل رغم شهرتها لأن ذلك لا يغني من الحق شيئًا.
1 - العقل وأنباء الغيب
منهج الشيخ بيوض في التعامل مع نصوص الوحي الدالة على أنباء الغيب، الذي لا يدركه البشر إلا بالنقل الصحيح هو الوقوف عند حدود ما دل عليه النص، ويرى الاعتماد على غير الوحي في المغيبات خروجا عن الحق المبين (2) (2)، فكان يدعو إلى عدم تجاوز هذه الحدود وينقد المفسرين والرواة الذين يستطردون في إيراد تفاصيل معتمدين فيها عَلَى عقولهم أو على نقول بشرية للإسرائيليات فيها حظ وافر، داعيًا إلى تفويض الأمر إلى الله عند انعدام الدليل القطعي أو الظن الراجح.
من أمور الغيب التي توقف الشيخ عن رواية تفاصيلها ونقلها، إلا قصد الردّ عليها: الصور الذي ينفخ فيه (3)، واللوح المحفوظ) والمستثنون من الصعق عند النفخة الأولى (5) وكيفية شهادة الرسول الله على أمته (6) وتفاصيل حياة الجن ... ويعلل ذلك بمثل قوله: «فالأمر كبير جدا والمقام خطير، وَهُوَ مزلة أقدام، ولا يمكن أن يقال في هذه المواطن بالرأي، بل لا يجوز، لأنه غيب مطلق لا يُعتمد فيه إلا عَلَى صحيح السنة ... فلنفوض الأمر ... إلى صريح الكتاب أو صحيح الله تعالى، فنؤمن بما ورد في القرآن كما ورد ... » (8).
(1) في رحاب القرآن سورة الأحزاب: 12/ 695.
(2)
م. ن: سورة الكهف: 154/ 2؛ الفتاوى: 1/ 72.
(3) م. ن: سورة يس: 210/ 14.
(4)
(5)
(6)
م. ن: سورة الأنبياء: 4/ 279.
من سورة الزمر: 486/ 15؛ النمل: 207/ 8 - 208
م. ن: سورة الأحزاب: 12/ 409. (7) من سورة الكهف: 225/ 2؛ الشعراء: 467/ 7.
(8)
م. ن: سورة الأحزاب: 409/ 12. (1/125)
صفحة 120
126
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
استدل الشيخ بيوض على موقفه هذا بالآتي:
1 - العقيدة لا تبنى إلا على خبر يقيني:
بمناسبة حديث الشيخ بيوض عن الجن - مثلاً - ذكر أنهم مكلفون، ونفى علم البشر بتفاصيل حياتهم، التي لم يرد فيها الدليل كطريقة أدائهم للفرائض وطريقة الاتصال ببعضهم وطريقة التوالد واستدلّ عَلَى ذلِك بقوله: «ولم يصح عن النبيء شيء في هذا، ولو صح عنه شيء لقبلناه على الرأس والعين، لأنه خبر صادق ولا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وإذ لم يصح عنه شيء فلا يجوز أي اعتقاد في الموضوع» (1).
ب خطورة اعتقاد خلاف مراد الله تعالى:
لا يعبد الله إلا بما شرع، فليس من الأمر الهين أن يعتقد العبد شيئًا، وَهُوَ عند الله غير ذلك (2)، كما قال الله عن اعتقاد المشركين في الملائكة: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يُتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (النجم: 28).
ج - البحث في هذه التفاصيل لا نتيجة لها، ولا جدوى في الاطلاع عليها، ولو كانت فيها فائدة لأخبرنا الله بها (3). قال الشيخ بيوض عن المستثنين من الصعق - مثلاً -: لا نعلم شيئًا يقينًا، ولو شاء الله لبين لنا، ولكنه لم يفعل، فلنترك الأمر إليه» (4).
د- إذا كان الرسل قالوا لربهم لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلامُ الغيوب (المائدة: 109)، فلنقل نحن بدورنا كذلك: «لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلامُ الغُيُوبِ» (5).
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 486/ 15. (2) من سورة القصص: 359/ 8.
(3) م. ن: 359/ 8.
p
(4) م. ن: سورة النمل: 208/ 8
(5) من سورة الأحزاب: 409/ 12. (1/126)
صفحة 121
المبحث الرابع: حجية العقل في مسائل الاعتقاد
127
يفرق الشيخ بين نقل أقوال وتفاصيل في موضوع ما، وبين اعتقادها أنها
مالم
الحق، فالأول جائز ما لم يخالف أصلاً من أصول الدين، والثاني غير جائز ما لم يعتمد على أصل من الكتاب أو السنة، قد يُقص شيء ويُقال ويروى عن بعض أنهم قالوا ... ولكن من غير أن نعتقده، لأن العقيدة لا تُبنى إلا على خبر حقيقي من القرآن الكريم أو من المعصوم ولا شيء وراء هذا» (1).
2 بين العقل وظاهر النص: يرى الشيخ بيوض ضرورة التقيّد بظاهر النصوص المتعلقة بمسائل الغيب ويحدر من مغبة الخوض فيما لم يصح فيه الدليل، ومن ذلك قوله بمناسبة تفسير قوله تعالى: {إِذا رَأَتْهُم مِّن مَّكَان بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيْظًا وَزَفِيرًا} (الفرقان: 12): ... فهو قد أسند الجهنم الرؤية والله في خلقه شؤون، وَهُوَ أعلم بما خلق، فلا يحق لنا أن نقول: كيف ترى جهنّم؟ (2) مستدلاً على ذلك بأن الله على كل شيء قدير، فالله الذي جعل فينا الرؤية قادر على جعلها في أي مكان، كما أشار إلى أن الآية تثبت للنار كلاما وإحساسا ورغبةً في الانتقام من الكفرة، والله تعالى قادر على أن يخلق ما شاء من إحساس وإدراك ونطق في كلّ ما شاء من خلقه ... فلا ننكر إذن أن تتكلّم النار (3) فالأصل هو الالتزام بظاهر النص ما وافق الآياتِ المحكمة، فقد التزم الشيخ بظاهر هذه الآية مستندًا فِي ذلِكَ إلَى قدرة الله المطلقة، ولهذا المنهج أثر قوي في نفس السامع وسلوكه. تفويض الأمر إلى الله منهج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يبين لصحابته ما أشكل عليهم، فمما سألوه عنه عنه قوله تعالى: {الذينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ (الفرقان: 34) حيث تعجبوا عن كيفية مشي الأشقياء على وجوههم، فَقَالَ: أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ
(1) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 2/ 225.
(2) م. ن: سورة الفرقان: 64/ 7.
(3) من سورة الكهف: 236/ 2. (1/127)
صفحة 122
128
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟). علّق الشيخ بيوض على جواب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: الجواب بسيط جدا، القصد به تفويض الأمر إلى الله، ولنقل مثلَ هَدَا، ولنفوض الأمر إليه تعالى (2).
اتخاذ
ومما دعا الشيخ إلى وجوب التسليم به، ما ورد من أخبار عن عالم الغيب، وإن خالفت مألوف البشر - كتحلّي المؤمنين بأساور من ذهب - مبينا خطأ منهج المألوف من عادات البشر مقياسا وعلّةً لإنكار أخبار يوم القيامة أو إقرارها، «فلا ننكر إذن هذا لأننا لم نفهمه أو لم نألفه، وأحكام تلك الدار ليست كهذه» (3). فتفويض الأمر إلى الله لا يعني تجميد دور العقل في فهم النص على الإطلاق، إنما يعني التحذير من إعماله خارج النطاق، ذلك أنه ليس محجورًا علينا أن نقول في الآيات التي لا نقف على سرّها الحقيقي لعل الحكمة هي كذا أو كذا، ثم نفوض الأمر إلى الله، نقول: آمنا به كل من عند ربنا» (4).
تبرز فعالية هذا المنهج في إعمال العقل وإفراغ جهده في فهم المراد من الآية، فإن خفي المعنى فليعترف العقل بقصوره، لأنّ مواصلة البحث حينئذ تكون بغير علم ولا هدى، فالله تعالى يصوّر لنا أمور الغيب بحسب ما تدركه عقولنا مع قصور اللغة التي نتخاطب بها، وإلا فحقيقتها وكيفيتها لا يعلمها إلا الله
الأصل في التعامل مع النص هو الأخذ بظاهره ما لم يؤد ذلك إلى محظور، كأن يوهم التشبيه أو التجسيم، أو غير ذلك مما يتناقض وتنزية الباري عز وجل، وإلاّ فإنه يُلجأ إلى التأويل.
(1) البخاري: الصحيح: كتاب تفسير القرآن، باب قوله الذينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى
حديث: 4482، 4/ 1784.
(2) في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 193/ 1.
(3) م. ن: سورة الكهف: 175/ 2.
(4) من سورة فصلت: 367/ 16 (1/128)
صفحة 123
المبحث الرابع: حجية العقل في مسائل الاعتقاد
ثانيًا: التأويل، حكمه وضوابطه:
1 - تعريف:
129
نتقدم تحديد معنى التأويل بتعريف مصطلحين لصيقين به، هما المحكم
والمتشابه.
أ- الحكم
ما ظهر معناه، وانكشف كشفا يزيل الإشكال، ويرفع الاحتمال (1).
ب المتشابه:
""
أصل الاشتباه في الأمر هو شدة شبهه بغيره، وصعوبة التفريق بينهما، ثم أطلق على ما غمض ودق متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره (2) يفهم من هذا الكلام أنَّ المتشابه هو ما يعجز العقل عن القطع في إدراك حقيقته أو المراد منه، وقد عرف بأنه: ما تعارض فيه الاحتمال وتشابه معناه على السامع
ج - التأويل:
(3)
أصل التأويل في اللغة "الأول" من المال، وهو العاقبة والمصير، كما قال تعالى يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ} (الأعراف: (53) أي تكشف عاقبته، ويقال: آل الأمر إلى كذا أي صار إليه، وعرف في اللغة بأنه تفسير ما يؤول إليه الشيء).
(1) الأمدي: الإحكام في أصول الأحكام تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، ط 1، دار الصميعي لـ والتوزيع، الرياض - السعودية، 1424 هـ / 2003 م: 1/ 223.
(2) ابن قتيبة، تأويل متشابه القرآن، تح أحمد صقر: 102 (3) الغزالي: المستصفى من علم الأصول، تقديم وضبط وتعليق الشيخ إبراهيم محمد رمضان، دار الأرقم بن أبي الأرقم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان. د. ت. ن: 312/ 1؛ الآمدي: الأحكام: 1/ 223. (4) الزركشي: البرهان في علوم القرآن: 28422 - 285؛ الرازي: مختار الصحاح ترتيب محمود خاطر، نشر
دار الحديث دار مصر للطباعة. دت. ن: 33. (1/129)
صفحة 124
130
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
أما في اصطلاح فهو صرف اللفظ معناه الظاهر إلى معنى يحتمله» (1).
2 حكم التأويل:
عن
يسلك الشيخ بيوض لفهم النص مستويات ثلاثة:
أ- الأخذ بظاهر النص، وهو الأصل، إلا إذا أفضى ذلك إلى محذور يستوجب الصرف عنه.
ب - تأويل اللفظ إلى معنى خفي تطمئن إليه النفس، مع مراعاة ضوابط التأويل، وعدم القطع بنتيجته لأنّ علم حقيقته عند الله تعالى.
ج - تفويض الأمر إلى الله عزّ وجَلَّ. يرى الشيخ بيوض أن الأصل في الكلام حمله على الظاهر والتأويل ضرورة، فكثيرا ما كان يردّد معنى قوله: «فلا إشكال ولا غموض، ولا شيء يضطرنا إلى التأويل، أما إذا تعذر الأخذ بالظاهر، كالنصوص المتشابهة التي يوهم ظاهرها تجسيم الباري وتشبيه أفعاله بأفعال المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا، فإنه حينذاك يلجأ إلى التأويل إن أمكن، أو إلى السكوت والتفويض، كل ذلك تنزيها للباري سبحانه وتعالى الذي قال عن نفسه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير) (الشورى: 11).
وضح الشيخ منهجه هذا بقوله: «فكل ما استعمل في القرآن والحديث من الفاظ فالأصل فيها أن تحمل على معناها الحقيقي الظاهري، إلا إذا تعدر ولم يُمكن حمله على الظاهر، فحينئذ يلتمس له تأويل، كالآيات الدالة على التشبيه مثلا، كقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبِّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفا) (الفجر: 22)، فإنه من المستحيل أن يفسر مجيء الله بالمجيء الحقيقي كمجيء المخلوقين على أرجلهم، فمثل هذا يجب تأويله أو السكوت عنه، وتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى، وأشباه هذا في القرآن وفي
(1) الجرجاني: التعريفات، تح إبراهيم الأبياري، ط 4، دار الكتاب العربي، بيروت، 1418 هـ/ 1998 م: 72. (2) في رحاب القرآن: سورة يس: 14/ 174. (1/130)
صفحة 125
المبحث الرابع: حجية العقل في مسائل الاعتقاد
131
الحديث كثير، ولنحفظ هذا جيدا؛ لأنها قاعدة عامة في الآيات المتشابهات، أما أن نعدل - عن الظاهر - وهو ممكن - فلا داعي للعدول عنه (1).
ما دام المتشابه يحتمل أكثر من وجه فعلى العلماء بذل الجهد في تأويل النص الموهم للتشبيه مع اعتقاد ظنية تأويلهم، لأن حقيقة المتشابه لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى؛ ومن الألفاظ التي أولها الشيخ بما يليق وتنزية الباري سبحانه
وتعالى
اليمين والقبضة: «كناية عن قدرة الله وامتلاكه لنواصي كُلِّ شي (2)
العين: الحفظ والرعاية (3).
المعيّة: بالحفظ والتأييد والنصرة).
القرب: «قُرب منزلة ومكانة، لا قرب منزل ومكان (5).
العلق: علوّ المكانة لا علوّ المكان (6).
يعجز البشر عن إدراك حقيقة ذات الله سبحانه وتعالى، والله يريد ليبين لنا ويهدينا فأنزل القرآن وخاطبنا فيه باللغة التي نفهمها، فسمى نفسه ووصفها بأسماء وصفات مأخوذة من هذه اللغة العربية التي أنزل بها الكتاب المبين، وهذا أقصى ما يمكن أن يدركه البشر)، وليس ثمة أدنى تشابه بين صفات الخالق وصفات المخلوقين إلا في الأسماء الموضوعة لتقريب الفهم، فالتمسك بالنص وعدم تجاوز
(7)
(1) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 227/ 2.
(2) م. ن: سورة الزمر: 480/ 15 (3) م. ن: سورة الأنبياء: 4/ 113. (4) من سورة الشعراء: 7/ 313.
129/ 15. iij.p
(5) م. ن: سورة ص: 129/ 15 (6) من سورة القصص: 375/ 8
(7) م. ن: سورة الزمر: 481/ 15. (1/131)
صفحة 126
132
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
شكله عائق صارف عن فهم المراد، لذلك فالتعبير لا يؤخذ على حقيقته اللفظية أحيانا، ومن تعلّق بالألفاظ ضل» (1).
تتجلى خطورة التعلّق بالألفاظ في إثبات العبد لربه، سبحانه وتعالى، ما لم يثبته لنفسه، مما يتنزه عنه، كالتجسيم والتشبيه بالمخلوقين كأن يُسند إليه عضو كجوارح
66
الإنسان، قال الشيخ بيوض: وإذا قلنا: "إنَّ الله سميع فليس بأصمخة وأذن، وإذا قلنا: "إنَّ الله بصير" فليس بحدقة ولا جفن، وإنما المعنى أن ذاته كافية في انكشاف المبصرات لها، وانكشاف المسموعات لها (2)
هي
أرشد الشيخ بيوض إلى أن أقرب وسيلة لتنزيه الباري عن أوصاف المخلوقين وأقواها لدرء الشك عند إثبات صفات الكمال له الاكتفاء بنفي أضدادها عنه، فنقول مثلاً: الله بصير، أي: ليس بأعمى الله سميع: ليس بأصم ... ومن شك فليعتقد نفي العكس، ويكفينا هذا» (3).
التمسك بظواهر النصوص التي توهم التشبيه خطأ منهجي يفضي إلى التجسيم، لذاك أوجب الشيخ بيوض القول بالتأويل، وصرف الكلام إلى معنى يتوافق ومحكمات التنزيل، وهذا مذهب الإباضية والأشاعرة، قال الشيخ عبد العزيز الثميني: اعلم أنما يجوزه العقل، إذ أخبر الشرع بوقوعه يجب أن نؤمن به على ظاهره وندع تأويله، إذ هو مع ذلك بدعة، وأما ما أخبر به، وكان ظاهره مستحيلاً، في العقل، بأن نصرفه عن ظاهره الممتنع» (5).
وقال إبراهيم اللقاني
(6)
(1) في رحاب القرآن، 472/ 15. (2) إبراهيم بيوض: الفتاوى: 21/ 1 (3) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 481/ 15. (4) البغدادي: أصول الدين: 110.
(5) الثميني: معالم الدين: 2/ 193. (6) إبراهيم اللقاني: جوهرة التوحيد: 91. (1/132)
صفحة 127
المبحث الرابع: حجية العقل في مسائل الاعتقاد
133
وكُلُّ نَص أَوْهَمَ التشبيها أوله أو فَوِّضُ ورم تنزيها خلاصة هذا العرض أنَّ الشيخ بيوض يرى أن الأصل هو التمسك بظاهر النص ما أمكن ذلك، فكان لا يلجأ إلى التأويل إلا عند الاقتضاء، ومالم تدع إلى
التأويل دواعيه.
3 دواعي التأويل:
ليس التأويل ترفا فكريا ولا تكلّفا في توجيه النصوص ولي أعناقها لنصرة مذهب أو فكرة، إنما يكون الدافع إليه تحقيق غايات ضرورية لا يتم بلوغها إلا
باللجوء إلى التأويل، منها:
أ- تنزيه الباري عز وجل:
أوّل ما يجب على المكلف اعتقاده توحيد الله سبحانه وتعالى، وقد أخبرنا الله في كتابه الكريم بصفات يفيد ظاهرها تشبيه الله تعالى بمخلوقاته، وفي إمرارها على ذلك الظاهر إلحاق للنقص به (1) فمقتضى التوحيد صرف هذه الألفاظ عن ظاهرها إلى معان أخرى تليق بكمال الباري عز وجل وتنزيهه، وأكد الشيخ اطفيش وجوب الأخذ بالتأويل: حتى لا تعطل هذه النصوص، ولا تترك على ظاهرها الموهم للتجسيم» (2).
وقد تطرأ على المؤمن شكوك وخواطر عن شؤون الباري عز وجل تؤثر في سلامة إيمانه فيجد أجوبتها الشافية عند اعتصامه بالآيات المحكمات، ولولا ذلك لما كان ينبغي لنا أن نقتحم باب التفسير والتأويل، ولكفانا أن نعتقد ونفوض ونسلّم (3) ذلك لأن الغرض من البحث هو الوصول إلى الحقيقة، أما القضايا التي لا يسفر البحث فيها عن جواب صحيح تطمئن النفس إليه، فالواجب هو
(1) عبد المجيد النجار: الإيمان بالله وأثره في الحياة، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، 1997 م: 160. (2) وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: 131.
(3) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 481/ 15. (1/133)
صفحة 128
134
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
السكوت أو التفويض فيها، لذلك دعا الشيخ بيوض إلى عدم البحث وإجهاد الفكر في مسائل كثيرة من هذا النوع، ومن ذلك:
-
- محاولة معرفة نوعية الكلام الذي سمعه، موسى عليه السلام بالوادي المقدس هل هو صوت بحروف أو بغير حروف، وهل سمعه موسى بأذنه أو بكل جوارحه؟ هذا كله تدخل فيما لا يعني لأنهم مهما قالوا فلن يصلوا إلى الحقيقة» (1). فنلاحظ أن الشيخ بيوض لم يفتح باب التأويل على مصراعيه، فهو لا يؤول من أجل التأويل، بل استعمله بقدر الحاجة إليه مراعبًا محدودية العقل البشري، لذلك قد جمع بين التأويل والتفويض في قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (ص: (75) يعني السجود لأبينا آدم عليه السلام، فذهب الشيخ بيوض إلى أن التعبير بالأيدي مقصود مجانسة لإلف البشر، لأنهم لا يزاولون أعمالهم إلا بأيديهم، خاصة الدقيقة منها، ونظرًا المحدودية العقل البشري أعلن العجز عن فهم طريقة الخلق، أما طريقة الخلق وكيفيته فهذا مما استأثر الله بعلمه ولا مطمع لأحد في إدراكه» (2). فطريقة الشيخ هي إعمال العقل لاستكناه معنى النص وإجهاد
الذهن، فإما فهم وإما تفويض.
ب مراعاة تناسى النصوص:
بما أن القرآن الكريم منزل من عند الله، وبما أنه هو القيم على غيره من النصوص والأقوال، فيرى الشيخ بيوض ضرورة اللجوء إلى التأويل عند التعارض الظاهري للنصوص القرآنية أو الحديثية، وعند إيهامها التشبية، والاحتكام إلى الآيات المحكمات، لقوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأَخَرُ
متشابهات (آل عمران: 07).
(1) في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 37/ 1.
(2) م. ن: 30/ 1. (1/134)
صفحة 129
المبحث الرابع: حجية العقل في مسائل الاعتقاد
135
و هذان هما الداعيان الأساسيان اللذان دفعا بالمدرسة الإباضية إلى الأخذ بالتأويل (3)، كما قال تبغورين (2): ولو حمل القرآن على ظاهره لتناقض وتكاذب» (3)، وقد أمر الله بتدبّر كلامه ليرتفع عن الأذهان التناقض المتبادر إليها من ظواهر الآيات، فقال: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء: 82 فالتأويل، الذي تراعى فيه ضوابطه، سبب ذهاب هذا التناقض والاهتداء لفهم النصوص الشرعية فهما متناسقا، والقرآن لا تناقض فيه ولا اختلاف، وهو يفسر بعضه بعضا ويُردُّ متشابهه إلى محكمه (4)
4 - ضوابط التأويل: ينبغي أن تراعى في التأويل ضوابطه لتحقيق النتائج المرجوة منه، أما الذين يؤولون نصوص القرآن من غير مراعاة هذه الضوابط فينأون عن معرفة وجه الصواب منه، بل يصبح النص عندهم حمالاً لما يحملونه هم من المعاني السابقة عن قراءتهم له الناشئة من معتقداتهم أو من أهوائهم أو من جهلهم (5)، ويرى الشيخ
(1) وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: 91. (2) تبغورين بن عيسى بن داود الملشوطي من علماء ملشوطة بأريخ في ق: 6 هـ / 12 م، وله تأليف منها: أ كتاب أصول الدين المشهور بـ (عقيدة تبغورين، وقد حققه الدكتور عمرو خليفة النامي ملحقا بأطروحته للدكتوراه؛ وعليه عدة شروح وحواش منها: - حاشية أبي ستة محمد بن عمر المحشي، (مخ).
- حاشية أبي يعقوب يوسف بن محمد المصعبي، وقد حققها الباحث حمو الشيهاني، في إطار رسالة الماجستير بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1996 م.
- شرح أصول تبغورين للقطب اطفيش، وقد حققها الباحث مصطفى وينتن وأعد بها أطروحة الدكتوراه بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة سنة 2007 م (الشماخي السير، 2/ 89، 96؛ الجيطالي: قواعد الإسلام، 90/ 1 تع 1؛ الجعبيري: البعد الحضاري 116 ... ؛ حمو بن عيسى الشيهاني: تحقيق حاشية يوسف المصعبي على أصول تبغورين (مرقون)؛ جهلان: الفكر السياسي، 51؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 2/ 208 - 210). (3) يوسف المصعبي، حاشية على أصول الدين لـ تبغورين، تح: حمو بن عيسى الشيهاني: (4) إبراهيم بيوض: الفتاوى: 53/ 1. (5) عبد المجيد النجار: القراءة الجديدة للنص الديني، ط 1، مركز الراية للتنمية الفكرية، دمشق - سوريا،
373,
09:2006/ 1427 (1/135)
صفحة 130
136
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
بيوض أن تأويل القرآن بغير مراعاة ضوابطه لا يختلف في خطورته من تحريف أهل الكتاب لكتبهم، فأهل الكتاب حرَّفوا في النص والتأويل، كما حرف المسلمون في التأويل، إذ فسروا القرآن على غير ما أراد الله ليبطلوا بعض الأحكام، ذلك أنه يفترض في القارئ للنصوص أن يكون مستكشفا للمعاني لا منشئا لها.
لم يفتح الشيخ بيوض باب التأويل على مصراعيه ولم يسايره إلى منتهاه، بل كان يلجأ إليه عندما تدعو إليه دواعيه، وتتوفر فيه ضوابط، منها:
أ- رد المتشابه إلى محكمات التنزيل:
القرآن حق من عند الله لا تناقض فيه ولا اختلاف وقد شاءت حكمة الله أن تكون ومِنْهُ عَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأَخَرُ متشابهات (آل عمران: 07) فالآية تتضمن إشارة واضحة إلى المنهج القرآني الأصيل للتعامل مع الآيات المتشابهات التي اختلف فيها من يتبعها اختلافا كثيرًا، وتسببت في توسيع شقة الخلاف بين المذاهب الإسلامية وتأصيله، والقرآن لا تناقض فيه ولا اختلاف وَهُوَ يفسر بعضه بعضاً، ويردّ متشابهه إلى محكمه (2)، فالآيات المحكمات هي الأصول التي يُردّ إليها المتشابه لتضمن له مرجعيته الثابتة وتحصنه من الابتعاد عن سواء الصراط، كما قال الشيخ تبغورين (ق: 6 هـ): (وإن أولى الناس بالحق من اتبع كتاب الله وجعل محكمه إمامًا لمتشابهه» (3).
القرآن هو الحكم الفاصل فيما اختلف فيه المسلمون، فإن أولى الناس بالحق من وفق إلى الاستدلال الصحيح به، وجميع المذاهب تأخذ أحكامها من كتاب الله وسنة رسوله، لكنها تختلف في طرق الاستنباط، سلك الشيخ بيوض طريق تحكيم
(1) في رحاب القرآن: سورة الشورى: 100/ 17.
(2) إبراهيم يتوض: الفتاوى: 1/ 53 في رحاب القرآن، سورة فصلت: 367/ 16. (3) يوسف المصعبي، حاشية على رسالة أصول الدين لـ تبغورين، تح: حمو بن عيسى الشيهاني: 367. (4) إبراهيم بيوض: الفتاوى: 49/ 1. (1/136)
صفحة 131
المبحث الرابع: حجية العقل في مسائل الاعتقاد
137
الآيات المحكمات، فأخضع كلّ ما خالف ظاهرها من النصوص إلى التأويل لتتوافق ومعناها، والأثرد، ومن ذلك قوله في حكم مصير مرتكبي الكبائر: «أدلة الخلود قوية جدا، لأنها يقينية في القرآن بصريح العبارة لا تقوم لها بعض الأحاديث المروية عن النبيء، فهل الذين لا يخلدون في النار فريق ثالث؟ (1).
وبما أن الآياتِ المحكمات قطعية الدلالة فإنها تتخذ إمامًا للمتشابه من النصوص القرآنية والنبوية، فهي الضابط في صحة التأويل، والقاضية على أصحاب التأويل المخالف لها بكونهم (يتأوّلون كلام الله بغير ما أراد الله (2).
ب - الجمع بين النصوص الواردة في الموضوع الواحد:
ما دامت الشريعة الغراء، بوحييها الكتاب والسنة، صدرت من عند الله العليم الخبير، فإن نصوصها تتعاضد ويفسر بعضها بعضا: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (النساء: (82) ومن تأويلات القرآن وتفسيراته ما كان يؤخذ بتقابل الآيات في موضوع واحدٍ، فتظهر المعاني وتظهر الحكم والأسرار ... وما فسر القرآن مثل القرآن» (3).
من تأويلات الشيخ بيوض للفظ الاستواء" - مثلاً - تدبير الأمر بدقة، وحكمة، مستدلاً بقوله تعالى: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} (الأعراف: 54) وقوله: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ (السجدة: (05) وغيرها من الآيات التي لاحظ ورود الحديث فيها عن تدبير الأمر" بعد الحديث عن الخلق. فالله عندما خلق الخلق لم يتركه سدى بل أحاطه بعنايته وتدبير أمره، فسبحان ربنا الذِي أَعْطَى كُلَّ
شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (طه: 50).
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 471/ 15.
(2)
من سورة سبأ: 215/ 13
(3) من سورة لقمان: 182/ 11.
(4)
م. ن: سورة السجدة: 12/ 33 - 34 (1/137)
صفحة 132
138
الفصل الأول منهج الشيخ يتوض في التعامل مع مصادر العقيدة
لقد سلك هذه الطريقة أبو عمار عبد الكافي من علماء الإباضية في القرن السادس الهجري)، ووظفها في مسألة الاستواء" نفسها للوصول إلى المعنى المناسب، وهو استواء الملك والقدرة والتدبير، حيث جمع بين قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (طه: 05).
وقوله: {وَاللهُ خَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ (يوسف: 21).
وقوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} (الأنعام: 18).
واستنتج الآتي: وهذه الكلمات الثلاث متساوية السبك متقاربة المعنى، فإذا تأمل ذلك متأمل وجده كما قلناه، وذلك أن:
قوله: {الرحمن) مثل: قوله الله ومثل قوله: وهو.
- وكذلك قوله: استوى مكان قوله غالب ومكان قوله: القاهر.
- وكذلك قوله: العرش مكان قوله: أمره ومكان قوله: عباده.
(1) عبد الكافي بن أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل الوارجلاني، أبو عمار، عالم شهير من علماء عصر الازدهار العلمي بوارجلان - القرن السادس -- صنفه الدرجيني في الطبقة الثانية عشرة (550 - 600 ه). ولد بقرية ثناوت من قرى وارجلان وإليها ينسب، وتتلمذ في موطنه على مشايخ أجلاء منهم: أبو زكرياء يحي بن أبي زكرياء (571 هـ)، وأبو سليمان أيوب بن إسماعيل اليزماتي المزاتي، وبعد أن أتم دراسته
بوارجلان، ارتحل إلى تونس لاستكمال معارفه في معاهدها الزاهرة في تلك الحقبة من حكم الموحدين. عاد إلى وارجلان فتصدى لإحياء الدين بحلقات العلم، فقصده الطلبة من مختلف مواطن الإباضية بالمغرب، وبخاصة جربة، ومن تلاميذه أبو يحي إسماعيل بن يحي وسليمان بن محمد بن إسحاق، وسليمان بن يومر، ومن تأليفه:
- كتاب الموجز»، يقع في جزأين. ويتميز بأسلوب أدبي عال، ومنهج كلامي متماسك، مما أكسب المدرسة الكلامية الإباضية ميزة في مجال المناظرة والإقناع. وكتاب الموجز يضاهي مؤلفات الباقلاني والغزالي. وقد حققه الدكتور عمار طالبي وأعد حوله أطروحة الدكتوراه «آراء الخوارج الكلامية». وللقطب حاشية على هذا الكتاب. (الدرجيني: طبقات 1/ تقديم ص: ي، 40؛ 2/ 393، 425، 491 - 485؛ همار طالبي آراء الخوارج الكلامية 1/ 219 2922؛ إبراهيم بحاز الدولة الرستمية 32؛ الجعبيري: البعد الحضاري 119؛ جهلان الفكر السياسي 51 جمعية التراث: معجم أعلام
الإباضية 3/ 539 - 541). (1/138)
صفحة 133
المبحث الرابع: حجية العقل في مسائل الاعتقاد
139
فهذه الكلم الثلاث متشابهة في العبارة والإشارة (4)؛ فالجمع بين النصوص
الواردة في الموضوع الواحد يهدي إلى الفهم السليم.
ج - الانضباط بقانون اللسان العربي:
يشترط في التأويل أن تؤيده أساليب اللغة العربية لأن الشرع نزل بها ونصوصه تفهم بواسطتها، فبمناسبة تفسير الشيخ بيوض لقوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمُ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقُوا وَنُدَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جثِيًّا (مريم: 71 - 72) نفى كون المتقين يدخلون النار ثمَّ ينجيهم الله من عذابها: «لا، وطبيعة اللغة لا تقتضي هذا أبدا ... وإنما يَردُ المؤمن إلى قرب جهنّم ثُمَّ نمنعهم من الوقوع فيها، ومن أن ينالهم حرّها أو نتنها أو أي شيء منها» (2).
وهذا التوجيه يؤيده قوله تعالى عن أصحاب الجنة: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنا الْحُسْنَى أَوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اسْتَهَتَ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (الأنبياء: 101 - 102) وقوله: {ألاً إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ (يونس: 62).
وقد رفض الشيخ بيوض تأويل مسائل وقوفا عند حدود ما تسمح به اللغة العربية، ومن ذلك عدوله عن تأويل وفاة عيسى عليه السلام بغير الموت، إضافة إلى انعدام الدليل القطعي على أن عيسى لم يمت، ولا نؤول توله تعالى: {إني مُتَوَفِّيك) (آل عمران: 55) بمعنى متوفّي أجلك في الأرض، فالوفاة هي الموت فـ"متوفيك" يعني متوفيك كما توفيت غيرك (3).
(1) أبو عمار عبد الكافي، الموجز، تح عبد الرحمن عمر - دار النخيل، بيروت، ط 1،
128/ 11990/1410
(2) في رحاب القرآن، سورة مريم: 3/ 163.
(3) من سورة الصافات: 508/ 14. (1/139)
صفحة 134
140
و اعتقاد ظنية نتائج التأويل:
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
النصوص المتشابهة تحتمل أكثر من وجه، فهي ظنية الدلالة، فتأويلها، بترجيح أحد وجوهها، لا. فعها إلى مرتبة القطع بدلالتها، لأن حقيقة المتشابه لا يعلمها إلا الله وحده.
المتشابهة،
تقتضي محدودية العقل البشري القول بظنية نتائج تأويل النصوص التي يجتهد العلماء في توجيه معناها، فالعقل النظيف يقرّ بالقصور عن إدراك ما استأثر الله بعلمه، ويُرجع علم حقيقة الأشياء إلى الله وحده.
5 - موقف الشيخ بيوض من المخالف في التأويل:
مادامت النصوص المتشابهة - الملجئة إلى التأويل - ظنية الدلالة، فإنَّ ما ينتهي إليه التأويل من نتائج يكون ظني الدلالة، وبالتالي فإن المتأول المخالف في التأويل معذور إذا التزم بضوابط التأويل، وإذا انتهى أحدٌ إلى معنى أو حكمة فلا يجوز الاعتقاد أن لا معنى وراء ذلك (2). وتدل النصوص القديمة في المدرسة الإباضية على عدم تكفير المخالف في التأويل، قال محبوب بن الرحيل (3): ومن تأوّل فلم يبلغ به تأويله جحودًا ولا إنكارًا ولا تكذيبا لله ولا ملائكته ... لا نسميهم مشركين ولا نستحلّ منهم سبيا ولا غنيمة» (4).
(1) رفيق العجم: موسوعة مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين، طا، مكتبة لبنان ناشرون
1323/ 21998
(2) في رحاب القرآن، سورة مريم: 22/ 3.
(3) محبوب بن الرحيل بن سيف أبو سفيان، فقيه ومؤرخ إباضي، من علماء القرن الثاني الهجري (جميعة التراث: معجم أعلام الإباضية قسم المشرق، تر: 1110) (4) مصطفى بن ادريسو الفكر العقدي عند الإباضية: 296، نقلا عن سيرة ابن محبوب، ضمن السير والجوابات): 302/ 1 (1/140)
صفحة 135
المبحث الرابع: حجية العقل في مسائل الاعتقاد
ثالثًا: التفويض:
1. تعريفه:
141
التفويض في اللغة ردّ الأمر إلى الغير، قال ابن منظور: «فَوَّضَ إِليه الأمرَ صَيَّرَه
إليه وجعله الحاكم فيه» (2).
أما في الاصطلاح فيعرفه السالمي بأنه ترك اختيار ما فيه الخطر إلى اختيار المدير العالم بمصلحة الخلق (2).
2 مجاله
يصنّف الشيخ بيوض الحديث عن شؤون الله الخاصة إلى قسمين:
1 - ما لم يخبرنا الله به.
2 - ما أخبرنا الله به.
أما
عن القسم الأول فيرى الشيخ أنَّ الأصل هو الكف عن البحث فيه
والقول فيه، لأنه اتباع للظنّ، وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (النجم: 28) فذلك أصون للإيمان وأرفق بالأذهان، وأحفظ لوحدة المسلمين، فما على المؤمن إلا أن يفوّض فيه الأمر إلى الله تعالى، لأنه لا مطمع لأي بشر أن يدرك بعقله ما استأثر الله بعلمه، وأما ما أخبرنا الله به فلنا أن نبحث قدر طاقتنا واستطاعتنا للوصول إلى شيء تطمئن إليه النفس إن أمكن، وإلا فلنفوض الأمر إلى الله» (3). اتضح لنا من هذا العرض أن منهج الشيخ بيوض في التعامل مع قضايا الغيب وشؤون الله الخاصة التي لم يخبرنا بها هو تفويض الأمر فيها إلى الله بداية وعدم الخوض فيها أصلاً، أما ما جاءت به النصوص المتشابهة فيجتهد في إعمال
(1) ابن منظور لسان العرب: 210/ 7. (2) السالمي: مشارق أنوار العقول: 309/ 1. (3) في رحاب القرآن، سورة السجدة: 30/ 12 (1/141)
صفحة 136
142
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
العقل في فهمها بغية الوصول إلى تأويل صحيح تراعى فيه ضوابطه، وإلا فيلجا إلى التفويض.
مسألة ومن القضايا المندرجة ضمن القسم الثاني، الذي أخبرنا الله به، الاستواء عَلَى "مرش"، التي نرسد من خلال تتبع كيفية دراسة الشيخ بيوض لها تغير طريقته في التعامل مع الآيات المتشابهات، وذلك بميله من التأويل إلى التفويض.
-1 - عند تفسير الشيخ بيوض لآية الاستواء في سورة طه واحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (الآية: (05) لم يُبدِ تهيبه من تناول الآيات المتشابهات بالبحث بل فسّر الاستواء مباشرة بالمألوف على لسان العرب، وَهُوَ القهر والغلبة والاستيلاء على الملك كلّه، مستندًا فِي ذلِكَ إِلَى أَنَّ القرآن جاء بلسان عربي مبين يستعمل الكنايات والمجازات والاستعارات وكل ما استعمله العرب في لغتهم في تقريب المعنى (1). 2 وعند تفسيره الآية في سورة السجدة: اللهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش} (الآية: 04) نبه في البداية إلى صعوبة الخوض في تفسير الآيات المتشابهات، وكاد أن يؤثر السكوت والتفويض، إلا أنه قرر اقتحام العقبة مستأنسا بأن الله هو الذي أخبرنا بهذا الشأن في كتابه، فرأى من الأسلم محاولة الفهم استنادًا إلى جمع الآيات في الموضوع " فلنا أن نبحث قدر طاقتنا واستطاعتنا للوصول إلى شيء تطمئن إليه النفس إن أمكن، وإلا فلنفوض الأمر إلى الله ... (2).
فقد اعتمد الشيخ بيوض في تأويل الآية - بعد تهيب وتردّد على مفهوم العبارة عند أهل اللسان، وعلى بيان القرآن بالقرآن.
(1) في رحاب القرآن، سورة طه: 110/ 3.
(2) م. ن. (1/142)
صفحة 137
المبحث الرابع: حجية العقل في مسائل الاعتقاد
143
3 - والمحطة الأخرى لتناول الشيخ لمسألة الاستواء يرصدها جوابه لسؤال أحد أبنائه الطلبة عن معنى الاستواء)، حيث أوصد دونه باب البحث في هذه المسألة معللاً كونها من الغيب المطلق الذي استأثر الله بعلمه، ... فلا يجوز لنا نحن البشر أن نبحث عن معاني هذه الآيات التي هي من المتشابهات، ومن ذهب يحاول تفسيرها وفهم المراد منها ضلّ وغوى وانحرف عن سبيل الهدى، والله يقول: {وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إلا اللهُ} آل عمران: (07) وعلّمنا أن نقول: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ربنا) (آل عمران: (07) ثُمَّ نفوض الأمر في معناها إلى الله، ولذلك يقول العلماء في مثل هذه الآيات الله أعلم بمراده بها».
وبين في ردّه أنه لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء في معناها، ولم يسأله الصحابة عنها، لأن قلوبهم طاهرة ليس فيها زيغ، لذلك نصح السائل بعدم البحث في هذه الآيات معلّلاً بكون البحث لا يصل فيها إلى بيان حقيقتها، محذرًا أنه مظنة الانحراف عن سبيل الهدى ووصف الله بما لا يليق بجلاله، فعلينا جميعا نحن البشر أن نفوض الأمر إلى الله في معاني المتشابهات، وأن نقول: آمنا به كل من عند ربنا، ونقول: الله أعلم بمراده بها، ثم نسكت، كما يفعل الراسخون في العلم» (2).
الأمر أنه
والسؤال المطروح هنا هو: هل يعدّ جواب الشيخ بيوض في هذه المسألة دليلاً على رجوعه عن موقفه من قضية التأويل؟ لا أرى ذلك، وغاية ما في يرصد تغير طريقة الشيخ في تناول المسألة مراعاة لحال السائل الطالب، مبينًا له أن البحث لا يسفر عن نتيجة يقينية، بل هو مظنة الزيغ والانحراف للخائض فيها من غير، زاد فأرشده إلى تفويض الأمر في المسألة والاشتغال بما كُلّف بمعرفته والعمل به كما وجه الشيخ أحد السائلين عن مسألة كلامية أخرى بقوله: والاشتغال بغير هذا من المهمات الدينية والدنيوية
(1) حرر الجواب يوم 21 فبراير 1979 م، أي قبل أقل من عامين من تاريخ وفاته. (2) جواب الشيخ بيوض عن سؤال السيد حواش، مصطفى، 02 صفحة نسخة مصوّرة في حوزة الباحث.
10 (1/143)
صفحة 138
144
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
أولى وأحرى، لأنَّ البحث فيما سألت عنه لا يأتي بنتيجة مطلقا مهما طال وامتد فلا يعدو أن يكون تضييعا للعمر فيما لا فائدة له» (1).
وجواب الشيخ بيوض في مسألة الاستواء على العرش" قريب من جواب الشيخ أبي حامد الغزالي في كتابه "الجام العوام عن علم الكلام، من حيث التنزيه عن التشبيه والاعتراف بالعجز عن إدراك المراد، واعتقاد عدم التكليف بمعرفته، حيث يقول: «فيعلم قطعا أنه ما أراد الجلوس والاستقرار الذي هو الأجسام، ولا ندري ما الذي أراده، ولم نكلف بمعرفته» (2).
صفة
يرى الشيخ بيوض الاعتماد على غير الوحي في المغيبات خروجا عن الحق المبين، فأوجب الوقوف في مسائل الغيب عند حدود دلالات النصوص الصحيحة، مبينا أنَّ القرآن الكريم إنما نزل لنفهمه ونستهدي بنوره، «فمن فهم بما فتح الله عليه من نور الفهم فذاك، ومن لم يفهم ولم يقف على معنى المتشابه فليؤمن به ويفوض الأمر إلى الله» (4). إنَّ أولى مسائل الغيب بتفويض الأمر فيها، وقطع الأمل في إدراك حقائقها هو ما يتعلق بشؤون الله الخاصة، حيث لا يثمر الخوض في إدراكها إلا الحيرة والضلال فعلى الإنسان أن يتفكر التفكير الحقيقي في خلق الله، كما أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم إِلَى ذلك بقوله: «تفكروا في الخلق فتدركوا عظمة الخالق (6) أما التفكر في الخالق فهو
(1) إبراهيم بيوض: الفتاوى: 70/ 1.
(5)
(2) أبو حامد الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام، تقديم وتعليق محمد أمين الفاروقي، خرج أحاديثه محمد الفحام، ط 1، دار البشائر، دمشق - سوريا، 2008 م: 11 - 12.
(3) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 2/ 154: الفتاوى: 72/ 1.
(4) من سورة فصلت: 367/ 16
(5) م. ن: سورة السجدة: 30/ 12
(()) الأصبهاني: عن ابن عباس رند قال مر النبيء على قوم يتفكرون في الله فقال: «تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الخالق فإنكم لا تقدروه قدره. كتاب العظمة، تح رضاء الله بن محمد بن إدريس
المباركفوري، ط دار العاصمة الرياض 1408 هـ. 216/ 1. (1/144)
صفحة 139
المبحث الرابع: حجية العقل في مسائل الاعتقاد
145
مزلة أقدام" و"الخوض في إدراكه إشراك، فيستحيل للمخلوق أن يدرك كنة الخالق سبحانه وتعالى، فرغم إخبارنا بأسمائه الحسنى وأوصافه بلغة نفهمها إلا أنه لا يجوز أن نفهمها على معنى الأوصاف الموجودة عندنا أو التي تشابه التي عندنا وإنما تُثبت الله تعالى صفات الكمال المطلق، وأنه مخالف لكل خيال، فإنما علينا أن نفهم أن الله تعالى سميع لا تخفى عنه الأصوات، وبصير لا تخفى عنه الألوان ... وعلى هذا يجب أن نفهم أسماء الله الحسنى» (3).
فالشيخ بيوض يثبت الله ما يثبت لنفسه، سبحانه وتعالى، من صفات، من غير
تشبيه أو تعطيل، وهو يرفع القانون العام لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء (الشوري: 11) و مما استدل به الشيخ بيوض على استحالة إدراك الإنسان لحقيقة صفات الخالق سبحانه وتعالى التذكير بعجزه عن إدراك إحدى خصائص المخلوقين، وهي الروح" فإذا عجز الإنسان عن إدراك حقيقة روح المخلوق التي يعيش بها ويحيى فانى له أن يدرك حقيقة صفة الخالق سبحانه وتعالى؟ فلنقصر، وعلينا أن نعرف قدرنا وقصر عقولنا، وقلة علومنا، وأنى للمخلوق أن يدرك الخالق، وما علينا إلاً أن نصف الله بما وصف به نفسه و نسميه بما سمّي به نفسه ونكل المعنى فيها إلى الله، هذا هو الطريق الأقوم، وهذا هو الطريق المستقيم الذي سلكه النبي الأعظم وسلكه الخلفاء الراشدون والصحابة من بعده، فلنسلك طريقهم ولنتجنب هذا الجدلَ حَتَّى نضمن السلامة» (3). منهج الشيخ بيوض في تعامله صفات الباري عز وجل هو سبيل علماء الأمة المجيد، من الصحابة والتابعين، فقد اعتبرهم السلف الذين ينبغي للمؤمن أن يتمسك بعقيدتهم، والواجب علينا أن نتمسك بعقيدة السلف في كل
صدر
(1) في رحاب القرآن سورة فاطر: 432/ 13 - 433.
(2) من سورة النور: 288/ 6
(3) م. ن: 289/ 6.
(+)
م. ن: سورة القصص: 361/ 8.
(5) م. ن: 8/ 365. (1/145)
صفحة 140
146
الفصل الأول منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
ما يتعلّق بشؤون الله تعالى وصفاته وأسمائه الحسنى، فنفوض فيها الأمر إلى الله، ولا نحاول التفلسف لنفهم حقيقة الصفة، أهي عين الذات أم هي زائدة عن الذات» (1) فالواجب علينا اعتقاده أنَّ صفاتِ الله وأسماءه الحسنى مخالفة لما نعهده ونعرفه، وما وظيفة الألفاظ إلا تقريب المعنى، فعلينا نفي المثل ثم نقر ونعترف بالعجز والقصور، وهو ما يرضاه الله لنا» (2).
يلاحظ إظهار الشيخ بيوض تحرّزَه من التأويل، ولعلّه يهدف من
ذلك:
-1 - التحذير من الابتعاد عن محكمات النصوص وظواهر الألفاظ، و مصادمة أصول الدين ومقاصده (3).
2 - إرشاد الأمة وصرفها عن الاشتغال بقضايا المتشابه، التي لا يتعين عليها معرفة حقيقتها، و هي مظنة الزيغ في الاعتقاد والفرقة بين العباد، وتوجيهها إلى الاهتمام بما ينفعها في المعاش والمعاد.
ومن
يلجأ الشيخ بيوض إلى التفويض في حالة استحالة حمل النص على ظاهره وانعدام الدليل الصارف إلى المعنى الخفي محكما - في كل ذلك - الآياتِ المحكمة؛ الأمثلة على ذلك مسألة سلام الله عَلى عباده المؤمنين، فيرى الشيخ بيوض أنَّ قوله تعالى: سَلامٌ قَوْلاً مِّن رَّبِّ رَّحِيمٍ) (يس: (58) نص على أنه سبحانه وتعالى نفسه يسلّم عَلَى المؤمنين، فنفى معرفة البشر لطريقة هذا السلام وكيفيته، كما نفى عنه الشبه بتجليه لعباده) استنادًا إلى الآية المحكمة: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (الأنعام: 103). أبرز هذا الفصلُ المعالم العامة لمنهج الشيخ بيوض في تعامله مع العقيدة، أما عن خصائص منهجه فستكشف عنها مباحث الفصل القادم.
(1) في رحاب القرآن، سورة النور: 290/ 6.
(2)
م. ن: 6/ 289.
(3) صالح حمدي منهج الشيخ إبراهيم بيوض في عرض الإلهيات من خلال تفسيره: 55.
(4) في رحاب القرآن، سورة يس: 230/ 14
مصادر (1/146)
صفحة 141
الفصل الثاني خصائص منهج
الشيخ بيوض العقدي (1/147)
صفحة 142
المبحث الأول: الشمولية
149
المبحث الأول
الشمولية
الشمولية تعني اقتضاء الإيمان العمل في كل جوانب الحياة الروحية والمادية. فلا يوجد في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة، بل إنَّ غاية الوجود الإنساني في الحياة تحقيق العبودية لله، لقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونَ} (الذاريات (56) فبهذا التصوّر يفهم كمال الدين وتتجلى روحه في حياة الأمة (1).
فهم الصحابة و هذا المنهج المتكامل وجنوا ثماره الطيبة المتجلية في صلاح أمر الدين والدنيا، حيث علموا أن مقتضيات الإيمان تتسع لتشمل كل مجالات الحياة، إنَّ المنهج السليم لفهم صحيح للنصوص في ميدان العقيدة أن يكون نظره فيها، ودراسته لمسائل الإيمان منطلقاً من النظرة الشمولية - الموضوعية والمنهجية- ليقع كل عنصر من عناصر الإيمان في مقامه الصحيح، ويفهمه حسب وضعه في البنية الإيمانية المتكاملة» (2).
أولاً: تكامل البنية الإيمانية:
يشكل الدين وحدة إيمانية متكاملة، بدءًا من رسوخ أصول العقيدة في أعماق القلب إلى أقل عمل يصدر من جارحة من الجوارح»، أما التجزئة التي فصلت الاعتقاد عن العمل وحصرت معنى العبادة في التلفظ بالشهادة أو في الطقوس التعبدية، أو تجزئة الدين بالعناية بجانب عَلَى حساب جوانب أخرى ... عوارض
(1) إبراهيم بيوض: روح الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي، محاضرة ألقاها بالملتقى السابع للتعرف على الفكر الإسلامي، تيزي وزو، 1393 هـ/ 1973 م: 2/ 763.
(2) الزنيدي، مناهج العقيدة الإسلامية ... : 427
(3) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 96/ 7 (1/149)
صفحة 143
150
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
وافدة أصابت الأمة الإسلامية بسبب التجزيء الذي تراكمت عليه في عصر الضعف، متأثرة بأسلوب العرض المذهبي للإسلام، وهيمنة الغزو الفكري في حياة المسلمين، ثمّ قيض الله لهذه الأمة علماء تترى يجدّدون لها أمر دينها، ويصلون الانفصام الحاصل بين عقيدتها وسلوكها، ويبينون أنَّ الدين حياة، وأن الحياة دين واهتموا بمجموعة من القضايا الأساسية، منها:
(أ - إظهار المعاني الحقيقية للمصطلحات. ب - تنقية التراث الإسلامي مما علق به من آفات.
ج - التأليف بمنهج يجمع بين العقيدة والشريعة.
د محاربة الأفكار السلبية الوافدة.
هـ - العمل على تحقيق ما يهدفون إليه عن طريق الدعوة والتعليم
من هؤلاء المجددين الشيخ إبراهيم بيوض الذي جسد هذه الخاصية في مواقفه ودروسه، التي يبين فيها أنَّ مقتضيات الإيمان تتسع لتشمل جميع جزئيات الحياة (2)، فالإيمان ليس مجرد كلمة تقال بل هو يعني التزام المؤمن بضوابط الشرع في جميع الأوقات، وأن يكون متوجّها بكليته في كل أحواله إلى الله تعالى قلبا وقولا وسلوكًا (3)، فالدين ليس أمراً جزئياً، وكذلك ليس فكرًا مجردا فحسب، وليس شعورًا مجردًا أو عملاً مجردًا، بل هو تعبير عن الإنسان» (4).
يتجلّى مبدأ تكامل البنية الإيمانية في التناسق العقدي، حيث يحصن المسلم من التناقض بين سلوكه ومعتقده، ومن أسباب تثبيت هذا المبدأ انتهاج أسلوب التفسير الموضوعي في علاج القضايا، وقد أولى له الشيخ بيوض عنايته مؤكدًا
(1) حجيبة شيدخ: الوصل بين العقيدة والشريعة في الإسلام: 372. (2) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 327/ 12.
(3) م. ن: 149/ 12.
(4) محمد إقبال: تجديد التفكير الديني في الإسلام: 29. (1/150)
صفحة 144
المبحث الأول: الشمولية
151
على، ضرورته ذلك لأنَّ إغفال هذا المنهج يوصل إلى مثبة النظرة التجزيئية القاصرة عن إدراك الصواب، فالإنسان قد يضل فيأخذ آية من القرآن مقطوعة عن الآيات الأخرى، والقرآن كل لا يتجزأ، وكذلك الدين والشريعة يبين بعضه بعضا» (1).
تعميم منهج التفسير الموضوعي في الثقافة الإسلامية، باتخاذ القضايا محاور للبحث، يسهل فرصة للمقارنة والتأصيل ويسفر عن نتائج أكثر شمولية وأوفر حظا في إصابة الحق.
إذا كانت الشمولية تعني التكامل بين عناصر الإيمان كالتصديق والعمل، فإنها تعني من العمل مفهومه الواسع الشامل للجانب العبادي والحياتي.
ثانيًا: شمولية الإيمان لحياة الإنسان:
لا يقتصر الإسلام على التصديق القلبي ولا تتوقف آثاره عند الأعمال العبادية، بل تتعداها لتشمل كل تصرفات العبد وتحركاته في الحياة، ذلك لأن الإسلام يعتني بكل شأن من شؤون الإنسان في العلاقة التي بينه وبين الله والعلاقة التي بينه وبين الناس، لأنه يريد من عبده المؤمن أن يكون كاملاً كمالاً تتحمله طبيعة البشر: صحيح العقيدة صالح العمل، عف اللسان معتدل السلوك» (2).
أنفسنا،
فالإيمان الصحيح يثمر الدين الكامل المتمثل في العمل الصالح بمفهومه الواسع الشامل للجانب التعبدي أو المدني، فالاهتمام بالجانبين من شروط تحقيق الشهود الحضاري، فالإسلام يدخل في كل جزئية من جزئيات حياتنا في في بيوتنا في متاجرنا في مصانعنا في مزارعنا في كل جهة توجهنا إليها في كلّ ميدان خضناه، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم
(1) في رحاب القرآن تفسير سورة الفتح، ج 19، نسخة المسودة (الرقمية). م. ن: سورة لقمان: 404/ 11.
(2) (1/151)
صفحة 145
152
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
أشياء فلا تنتهكوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها»، وهذه الفرائض وهذه المحرمات وهذه الحدود دخلت في جميع الميادين» (2).
إنَّ الالتزام بضوابط الشرع في كل ميادين الحياة من ثمرات الإيمان الصحيح، كالشجرة المباركة المتميزة بالرسوخ والشموخ والأكل المتدفق في كل حين بإذن الله رب العالمين، وهو القائل: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثابت وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينِ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (إبراهيم: (24 - 25) وبما أن فروع الشريعة تطال كل جزئيات حياة الإنسان فإنّ من مقتضى الإيمان الاستقامة الشاملة المستمرة مهما كانت الظروف، فالدين هو الحياة، بناؤه متكامل شامل لكل جوانبها لا يقبل التجزئة وفصل عناصره عن الهيكل الكلي والتنسيق العام، لذلك يُعد من أكبر عوامل الانحراف في فهم أي منهج أو مذهب أو موضوع أن يبدأه الدارس من جزئياته، أو لا يدرس منه إلا بعض هذه الجزئيات ... وسبب الانحراف أنه يفصل هذه الجزئية عن موقعها من البناء الكلّي، وبالتالي يفقدها حيويتها» (3). قال الشيخ بمناسبة تفسير قوله تعالى: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كبيرا (الفرقان: 52) فلا تفاوض أو مهاودة أو تنازل في أصول الدين الثابتة ولا تقبل فيها أنصاف الحلول، فليس الدين مالاً أو تجارة أو مخاصمة دنيوية حتى يقع فيها مفاوضة ومصالحة بين طرفين).
يبرز من هذه الفقرة البعد العقدي للمناظرة في الإسلام، فدخول المؤمن المناظرة ودفاعه عن موقفه يجب أن لا يكون انتصارًا لنفس أو مذهب، إنما يكون
(1) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين بلفظ: إن الله حد حدودًا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها ... ... الحديث: 7114. تح مصطفى عبد القادر عطا، ط ا دار
الكتب العلمية، بيروت، 1411 هـ - 1990 م: 4/ 129.
(2) في رحاب القرآن سورة الأحزاب: 327/ 12 (3) الزنيدي، مناهج العقيدة: 427 (4) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 96/ 7 (1/152)
صفحة 146
المبحث الأول: الشمولية
153
انتصارًا للحق الذي أمر الله بالتمسك به والدعوة إليه، فالدين استسلام لأمر الله في كلياته وجزئياته في جميع الأوقات والأحوال، وهو الصبغة العامة لكل جوانب
الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ....
ثالثًا: لا فصل للدين عن شؤون الحياة: الإيمان الصحيح الراسخ في القلب يثمر استقامة تتجلى في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فلا يوجد في الإسلام إذن شيء لقيصر وشيء الله)، وقد خطأ الشيخ بيوض من رفع شعار "فصل الدين عن الدولة" الذي يعتبر من إفرازات المسيحية المحرفة. فليس في الإسلام فصلاً للدين عن الدولة، فهو يشرع لكل ميدان وينظم كل شيء ذلك أن الدين جزء لا يتجزأ، فحصره على الجانب التعبدي وفصله عن شؤون الحياة نظرة قاصرة وتدين مخالف لحقيقة الدين الشاملة فما الفرق بين من يستبدل تشريعات البشر بشرع الله - في شؤون الحياة أو غيرها - والذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله فالله يختص بالتشريع كما يختص بالخلق، ألا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (الأعراف: 54).
يقتضي الإيمان المجاهدة في تعميم الشريعة في كل شؤون الحياة بإحياء السنة وإبطال البدعة، وليقل الناس بعد ذلك ما يشاءون، فأقدم أيها المؤمن ولا تبال بالقادح والمادح إذا اعتقدت بأن هَذا حقٌّ تقيمه أو باطل تتركه» (3) وقد حمل الشيخ بيوض أيمة المسلمين وعلماءهم واجب الدعوة إلى الخير بالقدوة الحسنة، إذا أمروا بشيء أو نهوا عنه، وأن يكونوا أول البادئين، فيقولوا لأعمهم ما نحن أمامكم فاتبعونا).
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 327/ 12.
(2) م. ن: 150/ 12.
(3) م. ن: 337/ 12.
(4) م. ن. (1/153)
صفحة 147
154
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
وإيمان الشيخ بيوض بشمولية الدين لكل ميادين الحياة دفعه ليحمل نفسه مسؤولية التغيير الشامل، وغسل العار عن الأمة من كل نواحيها، منطلقا من النهوض بقطاع التربية والتعليم وإعداد الرجال العاملين الأكفاء، حيث يقول: «لم يكن عملي خاصا بميدان العلم، ولكن يتناول جميع نواحي الأمة، وظيفتي غسل العار عن الأمة، وتطهيرها من أدناسها بشباب صالح مثقف بالثقافة الصحيحة» ()، وبعد طول جهاد طال مختلف مناحي الحياة آتت جهود الشيخ بيوض ثمرتها متمثلة في تجسيد المجتمع المسجدي الذي ينقاد للمسجد ويستجيب طواعية لتوجيهاته وتعليماته في الجوانب التعبدية والحياتية، وكل ذلك من أثر كتاب الله، لاقتناع الشيخ بيوض أنَّ بركة القرآن الكبرى في التحرك به واتخاذه منهج الحياة، لأنه أصل السعادة في الدارين.
رابعاً: المجتمع المسجدي والعمل للدارين:
لا يعني المجتمع المسجدي حياة الرهبنة والإعراض عن العمل، إذ أنه «لا رهبانية في الإسلام بل المسلم يقتضي منه إيمانه أن يكون قويا في الجانب الروحي والمادي معا، مجتهدا في عمارة المسجد وعمارة الأرض، «لكل نشاط وقته، فعلى المسلم أن ينظم أوقاته ولا يضيّع هَذا ولا ذاك ... فعمل الدنيا والآخرة لا يتعارضان إلا عند البلداء السخفاء» (3) فالله سبحانه وتعالى قال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ ... (النور: 36 - 37) ولم يقل: "لا يتاجرون لأن الله أمر بعمارة المسجد وعمارة الأرض، فالانتقال من التجارة إلى الصلاة انتقال من عبادة إلى عبادة.
(1) دبوز أعلام الإصلاح 106/ 4. (2) محمد صالح ناصر: في رحاب القرآن المهرجان والتأبين)، ندوة الشيخ بيوض - بمناسبة ختم تفسير القرآن مع الإذاعة والتلفزيون الجزائرية: 80.
(3) إبراهيم بيوض: المجتمع المسجدي درس القي بمسجد القرارة يوم 18/ 5/ 1973، قرص مدمج تسجيلات الحياة القرارة. (1/154)
صفحة 148
المبحث الأول: الشمولية
155
تقتضي الشمولية اجتهاد المؤمن لإقامة الدين وعمارة الدنيا، فمن غلب جانبًا على حساب الجانب الآخر فقد توازنه وكان عَلَى خطر عظيم في أمر دينه ودنياه، فمن أهم أسباب تداعي الأمم على المسلمين سوء فهمهم للدين وغفلتهم عن شموليته لكل الميادين، فعمارة الأرض ليس ترفاً حضاريا بل هو من مقتضيات "لا إله إلا الله".
يرجع الشيخ بيوض سبب تغلب اليهود على المسلمين، وهم أخبث خلق الله إلى تقصيرهم في الجانب الديني والدنيوي معا، حقا إنَّ الله يَنصُرُ مَنْ يَّشَاءُ وَهُوَ العزيز الرحيم الله (الروم: 05) وهذا كله بمشيئة الله، وقد نصر علينا اليهود وهم أخبث خلق الله، وهو الذي يعلم لماذا نصرهم، وعلينا أن نتساءل ونتدبر الحكمة، ولكننا لا نستطيع أن نردّ الأمر إلا إلى تقصيرنا في الجانب الديني والجانب الدنيوي ... فعلينا أن نجمع بينهما معًا فنعد ما استطعنا من القوة، حتى القوة النووية مع الاعتماد على الله أولاً وأخيرا» (1).
شمولية الدين تستغرق تصوّرات المسلم، وقواه الروحية والمادية، وواقعه وتوقعاته، لأنَّ علةَ وجوده تحقيق العبودية لله، فالدين ليس مجرد أفكار أو شعور، بل هو يعني التحرك به في واقع الحياة اليومية، فما علاقة خاصية الواقعية بفكر
الشيخ بيوض العقدي؟.
(1) قال الشيخ هذا الكلام عام 1968 م. في رحاب القرآن، سورة الروم: 25/ 10. (1/155)
صفحة 149
156
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوضر العقدي
المبحث الثاني الواقعية
الواقعية تعني الارتباط بالواقع الإنساني في معالجة القضايا في المنهج والموضوع، بعيدا عن التجريد والافتراض، وتُعد خبرة المفكر بواقعه المعيش شرطا
أساسيا للتأثير فيه وإحداث التغيير المنشود.
أولاً: الواقعية والحركات الإصلاحية:
اتخذ رواد الإصلاح في العالم الإسلامي دراسة واقع مجتمعاتهم الإسلامية منطلقا لاقتراح مناهجهم الإصلاحية المرتكزة على جوانب معينة استجابة لحاجة واقعهم ومجتمعاتهم ذلك ما فعل جمال الدين الأفغاني حينما طوف بالعالم الإسلامي يختبر علله وأدواءه، ثم اقترح منهجه الإصلاحي السياسي، وما فعل الإمام محمد عبده في درسه للعلل الاجتماعية ثم اقترح منهجه الإصلاحي الاجتماعي، وما فعل الإمام حسن البنا حينما خبر دخائل المجتمع المصري ومن خلاله المجتمع الإسلامي ثم اقترح منهجه الإصلاحي الشامل المتقوم أساسا بإصلاح عقدي ثقافي (1).
استفاد الشيخ بيوض من تجربة هؤلاء الأعلام، إذ كانت الواقعية حاضرة في مواقفه ودروسه، وظفها لإيصال فكرته ونجاح حركته ولتحقيق التغيير المنشود، ذلك لأن فقه الواقع أسلوب أساسي في التغيير، فكان الشيخ خبيرا بواقعه الذي هو ميدان إصلاحه، وكان يرشد طلبته إلى ضرورة فهم هذا الواقع، وقد أغلظ على أحدهم القول عندما آثر الاشتغال بدروسه على حضور واقعة تاريخية في سوق البلدة، فهدف الشيخ من دروس التفسير وغيرها إصلاح أوضاع الأمة
(1) عبد المجيد النجار: فقه التدين فهما وتنزيلاً: 135. (1/156)
صفحة 150
المبحث الثاني: الواقعية
157
وتغيير طباع أفرادها، سالكا لتحقيق ذلك طريق الإقناع وتقريب المفاهيم من أذهان المخاطبين على اختلاف مستوياتهم ومداركهم، إسقاطا للنصوص الشرعية على الواقع المعيش، وسعيا لإيجاد الحلول للقضايا الراهنة بإرجاعها إلى أصولها الإيمانية، واتسم خطاب الشيخ بيوض بالواقعية من جهتين:
1 - واقعية الموضوع: فكان يركز الكلام على قضايا العقيدة التي ترتبط بها آثار عملية متعلقة بالجانب التعبدي أو الحياتي ويعالج من خلالها صور الفساد التي طالت مجتمعه الذي خبره. مستثمرا أحداث العالم وأخباره التي يسايرها وكانت لها حضور وتأثير في دروسه، قال الشيخ عن نفسه بمناسبة تطرقه إلى علاج إحدى القضايا الاجتماعية: «خذوا هَذهِ الحكمة ممن قضى نصف قرن في حل المشاكل ... » (1).
وذكر الشيخ بيوض أنه عاين طقوس القبوريين، حيث زار زاوية سيدي خالد ليلة 27 رمضان، ورأى فيها ما رأى من المنكرات والضلالات (2)، وهذه الزيارة الميدانية تقوي في الشيخ عنصر الواقعية، التي تعينه على حل مشكلات الحياة اليومية، فبقدر ما يتمكن الطبيب من تشخيص المرض ومعاينته بقدر ما يهتدي إلى وصف الدواء المناسب، و"الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكثيرا ما كان يقرر عنوان الدرس بناءً على حادثةٍ في شؤون الشريعة أو الحياة وقعت هنا أو هنالك، فكان درسته من الواقع قصد إصلاحه، ومن ذلك قوله عندما بلغه نبأ إحدى
يستوحي
،،
المشكلات: سأتحقق من القضية وأقرّر فيها درسًا إن شاء الله» (3).
يشهد التاريخ الإسلامي نماذج من الحركات الإصلاحية، لا يتهم روادها في إخلاصهم ولا بعدم انبناء حركاتهم على أصول من الحق النظري، إلا أنَّ
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 686/ 12.
(2)
من سورة سبأ: 13/ 125
(3) م. ن: سورة الزخرف: 492/ 17. (1/157)
صفحة 151
158
(1)
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
قصورهم عن فهم الواقع كان سبب فشلهم في إنجاز ما رغبوا فيه من إصلاح وتطوير، وواقع المسلمين اليوم يشهد مشكلات عقدية كالولاء للغرب والتنصير والإلحاد، إلا أن كثيرًا من الدعاة انشغلوا عن علاجها بالاشتغال بالخلافات الداخلية الوهمية، وللأسف أن كثيرًا من جهودنا نهدرها في أمور ليست ذات أهمية بل لعلّ الصواب فيها مع مخالفينا ونترك الأمور البالغة الأهمية زعما منا أنها غير موجودة) (2).
2 واقعية المنهج: يحرص الشيخ بيوض على مخاطبة الناس بما يفهمون، كاستعمال الثلاثية الألسنية وتقريب الفهم بضرب الأمثلة من الحياة الواقعية، وتوظيف علوم العصر من أسرار النفس وقضايا الاجتماع واكتشافات الكون بهذا المنهج الميسر عرض الشيخ بيوض الإيمان وأركانه، وربط به قضايا عصره؛ وهذه نماذج من واقعية الشيخ بيوض تتعلّق بمسائل الإيمان وقضايا المجتمع والإنسان:
ثانيًا: نماذج من واقعية الشيخ بيوض:
1 العمل الصالح علامة الإيمان الصادق
سلك الشيخ بيوض المنهج القرآني المبسط للدلالة على وجود الله ووحدانيته حيث دعا إلى التأمل في آيات الله الكونية، وبين أنَّ الكون كله كتاب مفتوح في كلّ، وقت قراءته ميسرة لكلّ أحدٍ للمثقف والأمّي للموسر والمعسر ... «فكتاب الكون مفتوح لدى كل واحدٍ، وليس مغلوقاً أو مخزونا، ولا يُشترى بمال فيقول أحد: لا أملك ثمن هذا الكتاب أو هو نادر الوجود، أو هو موجود عند إنسان لا يريد أن يرينا إياه، كما أن لغته مفهومة يعقلها كل أحد، فما عليك إلا أن تفتح عين
(1) عبد المجيد النجار: فقه التدين فهما وتنزيلاً: 121.
(2) حسن بن فرحان المالكي: قراءة في كتب العقائد المذهب الحنبلي نموذجا): 17. (1/158)
صفحة 152
المبحث الثاني: الواقعية
159
بصيرتك إذا بكل ما تراة أو تسمعه أو تذوقه أو تشمه يعظك ويدلك» (1). وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
والله في كُلِّ تحريكة وتسكينة أبدا شاهد (2)
فالتفكر في المخلوقات يورث تعظيم خالقها في قلب المؤمن فيثمر الاستسلام لوجهه والانقياد لأوامره، وتأكيدًا على ضرورة المحافظة على الإيمان بين الشيخ بيوض أنه يُعدّ رأس المال الحقيقي، فكما أنَّ الربح لا يكون إلا بعد المحافظة على رأس المال، فمن ضيع رأسماله يعتبر خاسراً، فإن من ضيع إيمانه بعد خاسرا خسرانا مبينًا، مستدلاً بقوله تعالى: {وَالذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِل وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (العنكبوت (52) فقد وصف الله الكافرين بالخاسرين لأنهم خسروا رأس المال، ورأس المال هو إيمانك الحقيقي الراسخ في القلب الذي تنبعث الجوارح إلى العمل بمقتضاه، وهذا هو الذي يحفظ لك بقاءك على ما تحب وتشتهي مكرّماً في دار النعيم» (3).
والمؤمن مطالب بمحاسبة نفسه، وتزكيتها وصيانة إيمانه من الأوهام والشبهات؛ لأجل تحسيس المخاطبين بضرورة هذه المراقبة الدقيقة والحرص المستمر ضرب لهم الشيخ مثالا منتزعا من حياتهم اليومية فقال: «فالمرء ينشأ وفيه طباع وأخلاق كالأعشاب الضارة التي تنبت مع النبات، فأما المنافق فيترك نفسه على الأخلاق التي الصقت به من صباه، خاصةً إذا نشأ في بيئة فاسدة، وأما المؤمن فإنه يصلح نفسه بالتهذيب وينقيها كما ينقي الفلاح فلاحته).
لا يعني الإيمان الإقرار بكلمة الشهادة، إنما ذلك مجرد دعوى تصدقها الأعمال الصالحة، فالإيمان في القلب كجذور الشجرة في باطن الأرض، لقوله تعالى: {أَلَمْ
(1) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 215/ 7.
(2) أبو العتاهية الديوان، باب: كلنا بائد، ص 122. (3) في رحاب القرآن، سورة العنكبوت: 228/ 9. م. ن: سورة المومنون: 67/ 5.
(4) (1/159)
صفحة 153
160
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةٌ طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حين بإذنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذكَّرُونَ) (إبراهيم: 24 - 25) وكلْنَا فَلاحون، نعلم أنه بقدر ما تتمكن العروق في
الأرض بقدر ما تزداد الأغصانُ وتنشأ الفروع قويّة، وتخضر وتثمر ... » (1). تتجلّى ثمرات الإيمان في الوقوف عند حدود الله والمحافظة على الفرائض والمسابقة إلى الخيرات، فكل من يدعي الإيمان ويزعم في أي مكان وزمان أنه مؤمن بقلبه، ولكنه لا يعمل عملاً صالحًا فهو كذاب عند الله وعند الناس، وزعمه الإيمان دعوى باطلة» (2).
فالإيمان المطلوب هو الذي يغمر القلب فتنشط الجوارح في القيام بالعمل الصالح، كما يأمرها بالوقوف عند حدود الله التي نهى عن تعديها وعن قربها ... يتم ذلك عند المؤمن الصادق بطريقة آلية فورية من غير أن تكون له الخيرة من أمره. وإذا حلت الهداية قلبا نشطت في العبادة الأعضاء
يبين الشيخ بيوض أن العلم اليقيني له درجة ومكانة في القلب إذا وصل إليها تبدأ الجوارح في العمل بطريقة فورية آلية (فمثلاً، قد يكون أحد في الشارع يسير، وهو مشغول البال، إذا به يرى عقربًا أو أفعى فلشدّة إيمانه الحقيقي بخطرها يقفز قفزة قد تؤدي به إلى السقوط في هوة فتتهشم رأسه أو تنكسر رجله، وهذا ما يقع كثيرًا، وإنما يفعل هذا لأن في قلبه علمًا يقينيا بضرها ... ذلك هو العلم اليقيني المرادف للإيمان» (3).
التمادي في المعاصي يكتب دعوى الإيمان، لأن العبد لو كان مؤمنًا بمصير مقترف هذه المعاصي ما تمادى عليها، وهنا تبدو النكتة الجليلة في مقابلة الإيمان
(1) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 4/ 219.
(2) م. ن: 4/ 219.
(3) م. ن: سورة سبأ: 214/ 13. (1/160)
صفحة 154
المبحث الثاني: الواقعية
161
بالشك، لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا في شك) (سبا: 21)، فالعصاة إذن ماداموا متمادين في معاصيهم فهم في ورطة الشك، ويفسر هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (1).
،،
وضح الشيخ بيوض ضرورة تلازم الإيمان والإيمان الصالح، بضرب هذا المثل كل إناء بما فيه يرشح مبينا بطلان دعوى المتمادي في المعاصي طيبة قلبه، مؤكدًا على أن معصية الله مؤشر عن الخلل في الإيمان، لأنَّ الإيمان الصحيح لا يثمر إلا الأعمال الصالحة (2)
يبتعد المؤمن عن معصية الله وينفر منها بقدر ازدياد يقينه بسوء مصيرها، أما إذا شك العبد في ذلِكَ ولَمَّا يستيقن بها قلبه فسيبقى خائضا الخائضين، «كحال إيمان كثير من المسلمين اليوم، يزعمون أنهم مؤمنون ولكنهم لا يعملون عمل المؤمن الحق، ففي قلوبهم شك وارتياب» (3).
بما أن أحوال المسلمين تتقلب من منشط ومكره ويسر وعسر ... فإنه يشترط في إيمانهم الثبات والرسوخ ليُرفع على قواعده صرح الشريعة كما ارتضاها الله تعالى، أما الإيمان الضعيفُ الواهي فلا يُطمَانُ عَلَى استقامة صاحبه، ولتأكيد هذه الضرورة وتقريرها في الأذهان وظف الشيخ بيوض القانون المادي المشهور: الحجر المتقلب لا يثبت عليه بنيان هَذِهِ قاعدة وقانون مادي، وَهُوَ قانون معنوي أيضا، فالأساس يجب أن يكون ثابتا مرتكزا حَتَّى يثبت عليه البنيان، كذلك العقيدة إذا تزلزلت وكان فيها شيء من التردّد فإنه لا يثبت عليه بناء الإسلام، وتكون أعماله كلها مشكوكا فيها، لأنها لا تنبعث عن شيء راسخ في القلب، لم يؤمن بأنه إذا لم يصل أو إذا لم يصم، أو إذا زنى وشرب الخمر فإنه يخلد في النار، مثل هذا
(1) تقدم تخريجه ص: 102.
(2) في رحاب القرآن، سورة محمد 454/ 18.
(3)
من سورة غافر: 150/ 16 (1/161)
صفحة 155
162
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
سرعان ما يزل ويصعب عليه الرجوع، أما ثابت العقيدة فإنه إذا ألم بشيء فسرعان ما يرجع (1)، كما قال تعالى: إنَّ الذينَ اتَّقُوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفَ مِّنَ الشَّيْطَان تَذكَّرُوا فَإذا هُم مُبْصِرُونَ (الأعراف: 201).
وردت نصوص في الكتاب والسنة واصفة أثر كثرة المعاصي على قسوة القلب، حيث لا ينفذ نور التذكير إليه بسبب الغشاوة السوداء التي غشته، واصطلح عليها بالران كما قال تعالى: {كَلاً بَل رَّانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (المطففين: (14) مثل الشيخ بيوض هذه الحالة بالأمراض العضوية المزمنة، وحرّض على التعجيل بالتوبة قبل الوصول إلى هذه الحالة: «مثله مثل الأمراض البدنية، منها ما يمكن علاجه ويمكن معه الشفاء، ولكن قد يشتد المرض ويتأزم حتى يبلغ درجة يعجز أمامها الأطباء، ويحكمون بفساد العضو وبعدم جدوى المعالجة له، كذلك أمراض القلب أو الأمراض الروحية، لها حالات كحالات مرض البدن فيبلغ المرض بالقلب مبلغا لا ينفع معه شيء أبدا» (2).
وبقدر ما كان الشيخ بيوض يفتح باب الرجاء للعصاة ويحثهم على التعجيل بالتوبة فقد كان يحدر من تُسوّل له نفسه اقتراف معصية أن يتخذ الأمل في التوبة سببًا يجرثه عَلَى ارتكابها، فالعبد يعتقد أنَّ المعصية تؤدي به إلى نار جهنم ولكن أمله المفرط في التوبة منها هو الذي يغريه بارتكابها، قال الشيخ بيوض: يقال لهذا حسنًا أمدُدْ يدك للأفعى اعتمادًا على كون الطبيب موجودًا، فهل يفعل هذا عاقل؟» (3).
2 الحصانة الإيمانية: إذا كان تلقيح الأجسام ضد الأمراض المتعدّدة أمسى أمرًا ضروريًا فإن ضرورة الحصانة الإيمانية أوكد لكثرة الشبهات وخطورة عدواها وسوء مصير ضحاياها،
(1) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 425/ 2.
249/ 2:. p (2)
(3) م. ن: سورة سبأ: 215/ 13. (1/162)
صفحة 156
المبحث الثاني: الواقعية
163
فكثير من الناس انحرفوا عن الصراط السوي وهاموا في سبل الغواية لسبب أنه ليس لهم حصانة في نفوسهم ولا في عقولهم، فهم كالجسم المهلهل المستعد لتقبل كل الأمراض، ومن أراد الله به خيرا يحصن قلبه بالإيمان، وعقله بالتفكير حتى يميّز بين النفع والضر، وبين الحق والباطل، وبين المعروف والمنكر، فلا تتعلّق الشبهات
(1)
بقلبه، وقبيح بأحدٍ أن يكون قلبه كما قال الإمام مالك): «لا يكن قلبك كالإسفنجة تتشرب الشبهات، وليكن كالزجاجة التي تدفع ولا ينفذ منها إلا النور (2). فتركيز الإيمان الصحيح في القلب هو الوازع الفعّال الواقي من أي فساد في العبادات والمعاملات والأخلاق، وإذا زال الإيمان، فَإنَّه لا يبقى حاجز يمنع الإنسان من ارتكاب أي فاحشة وأي جريمة، وأي معصية، إذ تنهد جميع الأسوار أمامه» (3).
وتكريسا لمبدأ الواقعية خص الشيخ بيوض الطلبة الجامعيين بتذكيرهم بوجوب تشديد الحصانة الإيمانية حذر التأثر بالشبه الإلحادية التي يتلقونها من أساتذتهم، فحصنوا أنفسكم من الشبه التي تمر عليكم بدعوى البحث العلمي، وهو في الواقع بحث عن أي سبب لتبرير الفجور والفسوق، وهدم هذا الصرح الذي لا ينهدم ولو عملت فيه معاول الدنيا كلها» (4).
وحرصاً من الشيخ على تعميم هذه الحصانة حدر من مغبة الجلوس إلى الطلبة الذين أصابتهم عدوى الإلحاد وغيرهم من دعاة السوء، كما رد مفترياتهم ضد المجتمع الإسلامي الأصيل بالآتي:
(1) مالك بن أنس بن مالك الاصبحي، (93) - 179 هـ / 712 - 795 م) إمام دار الهجرة، إليه تنسب المالكية، مولده ووفاته في المدينة من أشهر تأليفه كتاب الموطأ. محمد أبو زهرة: مالك حياته وعصره - آراؤه وفقهه، مكتبة الأنجلو المصرية - مطبعة الاعتماد، مصر، د. ت. ن.: 11 - 83؛
الزركلي: الأعلام 257/ 5
(2) في رحاب القرآن، سورة طه: 3/ 365 - 366.
(3) م. ن: سورة الأحقاف، 18/ 355 - 356.
(4) م. ن: سورة الأحزاب: 642/ 12. (1/163)
صفحة 157
164
أ- الإعراض عن الخائضين في آيات الله:
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
من القضايا التي تصدى لها الشيخ بيوض موجة الإلحاد التي أصابت بعض شباب عصره خاصة فئة الطلبة الجامعيين الذين تأثروا بأساتذتهم الملاحدة، فإلى جانب الدروس التي خصها لمحاربة هذه الظاهرة وتبيين تهافت هَذا الفكر، فإنه كثيرًا ما يسقط معاني الآيات على واقعه لاستئصال هذا الداء وتحصين المعافين منه، ومنها قوله تعالى: {وَإِذا رَأَيْتَ الذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} (الأنعام: 68) بين الشيخ أنَّ في هذه الآية عبرة، وخاصة للشباب، إذ يتعين على من جلس إلى هذا الصنف من الطلبة المتأثرين بالفكر الزائغ أن يتذكر هذه الآية، وحرام عليه أن يشاركهم في خوضهم إلا أن يكون مدافعا ليرة شبههم إن كانت له قوة أما أن يسترسل معهم ويسمع لأحاديثهم وكأنه يستحسنها، أو لا يستطيع التصريح بالإنكار فحرام عليه الجلوس، والآية في غاية الصراحة والوضوح» (3).
كما حدر الشيخ من خطر الخلان الذين يزيّنون لقرنائهم معصية الله وضرب مثالاً واقعيا من حياته الدعوية، فعندما كان ينصح شخصا بالإقلاع عن شرب الخمر، صرّح له أن سبب تناول الكأس الأولى سبب تناول الكأس الأولى هو مجالسة رفاق السوء والاستحياء منهم، فشاركهم في الشراب أخذا بخاطرهم، فحدّره الشيخ من سوء العاقبة إن لم يبادر إلى التوبة مركزا فيه عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر: وهل هناك من هو أعظم من الله وقد حرم الله عليك الخمر، أنتجرا عَلَى ربّك أخذا بخاطر من جالسته؟ ولو كان ملكًا أو رئيسا؟ وهل يعقل أن يفسق أحد أخذا بالخاطر؟ أو أن يسرق أو يشرب الخمر كذلك؟ فلتأخذ بخاطر
الزبانية إذا جروك إلى عذاب الجحيم!» (2).
(1) في رحاب القرآن، سورة الحج: 4/ 529. (2) من سورة الفرقان: 106/ 7 (1/164)
صفحة 158
المبحث الثاني: الواقعية
165
ب حدود الله والحرية الشخصية:
شكا بعض الشباب النظم الاجتماعية الملزمة للفرد في المجتمع المزابي، وادعوا أنها تتدخل في الحرية الشخصية، فحكموا على المجتمع أنه مجتمع كبت (1)، عالج الشيخ بيوض هذه البادرة بطريقة موضوعية واقعية بيّن فيها أن المؤمن له حق ممارسة حريته في إطار حدود الله، حيث أصل للنظم الاجتماعية مبينا أنما هي شرع الله، وليست مجرد تقاليد موروثة، مؤكدًا على مبدإ وجوب النهي عن المنكر: «فهل منع المنحرفين عن تجاوز حدود الله يُعتَبر كبتا؟ وَهوَ يقول: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تعْتَدُوهَا وَمَنْ يُتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة: 229).
وضرب الشيخ مثالاً واقعيا لتبيين أنَّ سَن القوانين لا يقصد به كبت الملزمين به، بل يتوخى منه حفظ مصالحهم وتنسيق شؤون حياتهم مع الآخرين، فإنّ «قانون المرور يقيد حرية السائق لمنعه من التعطيل والاصطدامات وتنظيم حركة المرور فهل ذلك يُعتبر كبنا وضغطًا وظلمًا للسائقين؟!» (2).
بما أن صاحب مقولة "المجتمع المزابي مجتمع كبت صرّح بها بعد ما قضى فترة في دولة السويد" وعاين انحلال أخلاق أهلها ... كان من واقعية الشيخ بيوض تخصيص درس عن مجتمع السويد (3) أورد فيه تصريحات مسؤوليها، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنَ أَهْلِهَا} (يوسف: (26)، وشرح قرار وزارة الشؤون
(4)،،
(3)،،
الاجتماعية بالسويد (4) الذي يتضمن إحصاءات غريبة عن نسبة الأمراض النفسية المرتفعة، ونفقات الدولة الباهظة المخصصة لها، وتزايد عدد
(1) إبراهيم بيوض: المجتمع المسجدي، إعداد محمد ناصر بوحجام، المطبعة العربية غرداية، 1989 م: 32. (2) إبراهيم بيوض: المجتمع المسجدي درس يوم 1973/ 6/01، قرص مدمج-تسجيلات الحياة،
(3)
القرارة غرداية. م ن، درس يوم 197/ 4/13.
(4) قرأ هذا القرار من جريدة " الأهرام" المصرية، الصادرة يوم: 1973/ 3/19، ويلاحظ تتبع الشيخ بيوض للأحداث، وتوظيف أحدث المعلومات. (1/165)
صفحة 159
166
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
الانتحار .... وفي الأخير توقف مليا معتبرًا بالنتيجة التي أسفر عنها قرار هذه الوزارة، وهي: "تبيّن أن دولة الرفاهية لا تُسعد الفرد كما كان متوقعا، بل الرفاهية تخلق شخصية منحلة، موضحا أن الاطلاع على هذه الفقرة ضروري، لأنها تفيدنا في ميدان التربية الاجتماعية والدينية (1).
99
،،
(2) ec
و يبدو أن الشيخ بيوض قد أفرط في واقعيته عندما أقدم على قراءة مقال من "جريدة النهار الصادرة ببيروت تحت عنوان: "امرأة بلادي للعشق والوجد والجنس ليدحض مفتريات المغرضين، ويقرّر في نفوس المستمعين أنَّ الحرية الشخصية التي ينشدها هؤلاء الغافلون ويشكون حرمانهم منها في المجتمع المزابي - إنما هي اتباع أهوائهم وإشباع نزواتهم من غير مراعاة حدود الشرع الحنيف وأعراف المجتمع النظيف ... وجوهر الحصانة الإيمانية إخلاص الله تعالى واستحضار مراقبته ومجاهدة النفس في سبيله.
الدين
3 الدين الخالص
روح الإيمان هو إخلاص العبادة الله عز وجل، وتنقيتها من أدران الشرك مهما دقت، حرص الشيخ بيوض على ترسيخ هذا المعنى في نفوس مستمعيه للتحصيل على الإيمان الفاعل المنجي، ودعا إلى التوجه إلى الله مباشرة، من غير توسل بالأولياء، وما دام با به دومًا مفتوحا فما الداعي إلى اتخاذ الوسائط؟ فتعال إلى الله مباشرةً، وهو لم يقفل بابه حتى تتخذ له وسائط أو وسيلة، إنما الإيمان به والعمل الصالح بفعل ما أمرك واجتناب ما نهاك عنه،
وسيلته هي وهذا مقتضى العقيدة الصحيحة» (3).
(1) إبراهيم يوض: المجتمع المسجدي: 43.
(2) إبراهيم بيوض المجتمع المسجدي، درس يوم 11/ 5/ 1973 قرص مدمج -تسجيلات الحياة؛ النسخة
المطبوعة، ص: 120.
(3) في رحاب القرآن، سورة مريم: 179/ 3 - 180. (1/166)
صفحة 160
المبحث الثاني: الواقعية
(1)،،
167
حقيقة الإسلام أن يسلم العبد وجهه الله خالصاً، رغم إغراءات المخلوقين أو تهديداتهم، قدم الشيخ مثالاً لاختبار هذا الاستسلام، وهو موقف المؤمن حين يتعارض أمر الله مع مشتهيات نفسه أو دعوة أي مخلوق آخر، فأي طاعة يقدم؟ ليعرف مدى حقيقة الإسلام في نفسه، فإذا كان الله قد أمرك بالصلاة وجاءك شيطان إنس وقال لك: لا تصل فاستمعت إليه فأنت إذن لم تسلم وجهك الله، وهذا أمر ظاهر، وإنما عليك أن تقول لكل من دعاك إلى ما يخالف أمر الله لا! ولا كرامة لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سواء أكانت معصية فعليه أم تركيّة هَذا هو الإسلام وهذا هو التوجيه» (2). بلوغ درجة إسلام الوجه الله هو ثمرة مجاهدة العبد نفسه ورياضتها لتستقيم على الطريقة وتستحق هداية الله وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (العنكبوت: (69) ذلك لأنَّ طريق الإيمان محفوف بالمكاره، وتحيط بالمؤمن فتن تجذبه إلى الطينية وتدعوه إلى سبل الهوى قهرا أو إغراء، يصوّر الشيخ بيوض هذه المجاهدة النفسية بمثال حسي يُعينُ المؤمن على المصابرة إلى نهاية المسار رغم طوله ووعورة مسالكه رجاء النجاة من المحذور ونيل المطلوب، ذلك أنَّ المؤمن في الدنيا كمن يصعد عقبة فيها زلق، وكلّ ما حوله يجره إلى الأسفل، وما عليه إلا أن ينجو، وقد سماها الله عقبة في قوله: {فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقبة ... فهو تعالى يقول لنا: استمسكوا واصبروا ولا تميلوا إلى الأسفل، ولا تطلقوا أنفسكم إلى المنحدر، وما هو إلا وقت قصير حتى تتنفّسوا الصعداء، وتحمدوا الله (3).
(1) رواه أحمد في المسند: 66/ 5، 1/ 131، بلفظ «في معصية الله، قال عنه الهيثمي: رواه أحمد بالفاظ والطبراني باختصار ... ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد: 226/ 5).
(2) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 423/ 11.
(3) م. ن: سورة العنكبوت: 45/ 9. (1/167)
صفحة 161
168
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
4 - محو (خرافة) الدين قال الشيخ بيوض بمناسبة تفسير قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (الأحزاب: (04) (إِنَّ لكم قلبًا واحدا، فإما أن يكون مملوءا إيمانا
بالله تعالى، وإما أن يكون محشوا بغيره، وأما أن يجتمعا، فهذا ما لا يمكن (1) ينبغي للمؤمن إدراك هذا المعنى ليخلص دينه الله ربّ العالمين، لأنه تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، وبين الشيخ أن دعاة الإلحاد أدركوا هذه الحقيقة فسعوا إلى الدعاية لتفريغ قلوب الناس من أي شكل من أشكال التدين صحيحاً كان أم باطلاً، ليسهل بعد ذلك إشرابها فكرهم وإخلاص ولائها لحاكمهم، إذ قد يكون أمره مخالفًا أو مغضبًا لآلهتهم فلا يطيعون، ولذلك يجب محو خرافة الدين من القلوب» (2).
فيتعين على المؤمن إخلاص دينه لرب العالمين، وعدم طاعة الكافرين، فالله يريد منا أن نخلص قلوبنا له وحده، وأن نأخذ منه الدين وحده فالإخلاص سرّ قبول الأعمال، والسعادة في الدارين.
5 المجاهدة بالقرآن
القرآن مصدر الهداية، فمن طلبها أو تحدث عنها دون الرجوع إلى مصدرها الحصين لم يؤمن عليه الزيغ، تعجب الشيخ ممن يتكلمون في موضوع القيم والأخلاق والسلوك دون استدلال بآية أو حديث، فاعتبر ذلك هجرانا للقرآن (3)، وإعراضا عن الحق المبين، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنى
تُصْرَفُونَ؟ (يونس: 32).
يوصي
دعاة الغواية بعدم السماع لهذا القرآن وينصحون باللغو فيه قصد التشويش على السامع وعدم تمكينه من الإنصات، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 149/ 12.
(2) م. ن: 150/ 12
(3) م. ن: سورة ص: 185/ 15. (1/168)
صفحة 162
المبحث الثاني: الواقعية
169
لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَعْلِمُونَ) (فصلت: 26) فالكفر ملة واحدة وإن اختلفت الوسائل، وكل زمان واللغو الذي يليق به، ومن لغو هذا الزمان: الجرائد الإباحية والصحف والمجلات والإذاعات والروايات والسينماءات والمسارح التي
تشوش عَلَى الناس عقولهم وتضلهم عن سبيل الله» (1).
رسالة المؤمن في هذا الواقع المتعفّن هي المجاهدة بالقرآن، {وَجَاهِذهم به جهادًا كبيرًا (الفرقان (52) سماه الله جهادًا كبيرًا لأن عملية إزالة أدران الشرك والإلحاد والشبهات يقتضي صبرا جميلاً ونفسا طويلاً، والقرآن شفاء لأدواء الصدور: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ (يونس: (57) وفي الإجمال: ما من مرض في العقائد أو الأخلاق أو الأعمال إلا وفي القرآن دواؤه وشفاؤه، دواء رخيص لا ينفد ولا ينضب، ولا يكلفنا مالاً ولا ثقلاً، إلا أنه نقرأه ونتمعن فيه ونسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم (2).
برزت واقعية الشيخ بيوض في هَذا الموضوع في تفعيل القرآن الهداية الإنسان، فلم يهتم الشيخ - مثلاً - بمسألة خلق القرآن التي اعتبرها فكرة دخيلة على الفكر الإسلامي الأصيل مركزا الحديث عن واقعه المعيش الذي يستحوذ فيه دعاة السوء على الساحة الإعلامية، حيث يبثون وينشرون ويكتبون ما يشوه صورة الحق وما يدعو إلى الباطل ويزينه، مؤكدًا أنَّ فِي القرآن شفاء لما في الصدور وقضاء على كل المفاسد والشرور، وسعى بذلك إلى توجيه الناس من خلق القرآن إلى خُلُق القرآن؛ كما ظهرت واقعية الشيخ في تحميل طلبته مسؤولية المجاهدة بالقرآن، وأنتم أيها الطلبة دعاة، كلكم مطالبون بأن تجاهدوا بالقرآن الجهادَ الأكبر، كما قال الله لنبيّه، وقد مضى
على نزول الآية 14 قرنًا، ولا تزال الآية محكمة ونحن مطالبون بها» (3).
(1) في رحاب القرآن، سورة فصلت: 16/ 451.
(2)
(3)
م. ن: سورة الإسراء: 1/ 135.
م. ن: سورة الفرقان: 177/ 7. (1/169)
صفحة 163
170
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
6 - التأسي بثبات الرسول:
يحتاج الداعي إلى الله إلى عُدة من الصبر الجميل لأن طريقه محفوف بعقبات لا يستطيع تجاوزها من لم يُخلص عمله الله ولم يتأس برسل الله عليهم الصلاة والسلام، الذين لم يتركوا الدعوة لكثرة المكذبين والمعوقين، وقد لاحظ الشيخ بيوض سام بعض دعاة عصره وعجزهم عن مواصلة جهادهم الدعوي في مختلف ميادين الحياة فحرّضهم على الثبات إلى الممات تأسيا برسل الله عليهم الصلاة
والسلام: «ألا فلتعلم أنَّ الرسل لم يتركوا التبليغ لحظة حتى لقوا ربهم (1).
وقد صبر الشيخ بيوض وصابر في درب الإصلاح متأسيًا بالنبيء: وصحابته الكرام مسليّا نفسه بأنهم قد أوذوا في الله بأكثر مما أوذي، وقال بمناسبة تفسيره لقوله تعالى: {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (فصلت: (26) مبينا أن حركته الإصلاحية قد جوبهت بهذا السلاح نفسه: ... وافهموا هذه النكتة جيدًا، لأنها تردّدت في زماننا كثيرا وبلوناها كثيرًا، ونحن لا مثل أنفسنا بالنبيء لله ولكن مهما يكن فإننا نحيي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وننصر دينه وننشر كتابه وندعو إلى الله، وما نحن إلا حثالة بالنسبة للصحابة رضوان الله عليهم، أصحاب الصدر الأول، ولكنا بلونا هَذا في زماننا في حركة الإصلاح مدى خمسين عاما، كان الناس في مدى عشرات السنين يُمنعون من الاستماع جبرا، ويُقال لهم: لا تسمعوا لفلان فإنه يسحر كم بكلامه، وما كلامه إلا هذرّ وباطل ... » (2)
7 - أفعال العباد:
نهج الشيخ بيوض لتبيين هذا الأصل الإيماني المسلك الواقعي المبسط، حيث برهن على كون الإنسان مختارًا بدليل شعور الإنسان بحريته في تصرفاته واعتزازه
(1) في رحاب القرآن، سورة فاطر: 484/ 13
(2) م. ن: سورة فصلت: 16/ 26. (1/170)
صفحة 164
171
المبحث الثاني: الواقعية بإرادته، والإنسان من طبعه دائما يفخر ويعتز بإرادته، ويقول: أنا أحب وأنا حر أفعل ما أريد، ولا يستطيع أحد أن يتسلط علي، فالذين يزعمون بأن الله أجبرهم على المعاصي هم كذابون لأنهم يشعرون في نفوسهم بقوة الإرادة وتمام الحرية» (1) فالإنسان هو الذي يختار أحد النجدين اللذين خلقهما الله وبينهما، ولكن عليه أن لا يغفل أن الدنيا دار امتحان، فإن قدر الله عَليه ما لا تشتهيه نفسه، فما عليه إلا أن يرضى بقدره، إنه هو العليم الحكيم العدل الذي لا يظلم الناس شيئا، بين الشيخ بيوض المسألة بضرب مثال واقعي مما نسمع به دائما ونزاه، وَهُوَ أن يذهب أحد إلى المطار ليستقل طائرته فلا يجد مكانا ويرجع مغضبا، وبعد حين تسقط الطائرة ويموت ركابها فيقول: الحمد الله إذ لم أجد مكانا ولم أسافر، فهو قبل قليل كان ساخطا مغضبًا على الطائرة والموظفين ولكنه الآن فرح مسرور بنجاته» (2).
فلا يجوز للمؤمن أن يضجر أو يسخط، القدر، بل عليه أن يحسن ظنه بالله فيتخذ الأسباب المشروعة ويتوكل عَلَى رب الأسباب، وإذا قدر الله عليه مصيبةٌ في الأموال أو الأنفس أو الثمرات فليتذكر أنَّ الله هو المالك الحقيقي لكل ذلك، وإنما أراد أن يبتلي بها عباده فاستودعها عندهم إلى حين، {إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة: 156) فما عليه إلا أن يرضى بما قدر له عليه، ويصبر ويحتسب كي يرقى إلى الله صابرًا كما ارتقى إليه - وقت النعمة - شاكرًا، فهذا ما يريده الله من هذا الامتحان ويحبه منك، لأنك بذلك تفسر هَذِهِ العقيدة عمليا» (3).
أورد الشيخ بيوض شبهة القائلين بأن الله لم يشأ أن يهدي الناس جميعًا، وَهوَ القائل: ... لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) (الرعد: 31) فهو إذا يريد هداية أقوام ولا يريد هداية قوم آخرين، فإذا عذبهم فقد ظلمهم، وإلا فلماذا لم يرد
هدايتهم؟!.
(1) في رحاب القرآن، سورة القصص: 8/ 428.
(2)
(3)
م. ن: سورة الأحزاب: 356/ 12
من سورة العنكبوت: 4/ 9. (1/171)
صفحة 165
172
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
ثم أجاب بأن المشكل يبدو كبيرًا ولكن جوابه بسيط للغاية، وَهوَ أَنَّ مشيئة الله اقتضت أن يترك الإنسان مخيرًا ولا يجبر عَلَى الهداية جبرًا، لأن الإنسان لو خبر على الهداية ومنع من سبل الغواية جبرًا لما كان له فضل في استقامته، ولما استحق على ذلك أجرًا، ثُمَّ ضرب أمثلة واقعية لتبسيط فهم القضية، منها:
أ- السجين الذي منعته القيود من ظلم الناس أو السرقة ... لا يجازي على عدم تعديته على الغير، لأنه مقيد.
ب- إذا أجبر أحد بقوة السلاح على إخراج شيء من ماله أو: وت- كما يقع كثيرًا في الدنيا - فهل يُعدُّ هَذا كريما يستحق مدحا وثناء؟ كلاه (ف).
مزايا الواقعية
،،
خاصية الواقعية تمكن المتلقي من استيعاب معاني العقيدة الإسلامية واكتساب آثارها العملية، فيتجاوز بذلك مرتبة رسم حدودها وصياغة الردود فيها ... ومن المؤلفات المندرجة ضمن هذا المنحى كتاب "عقيدة المسلم للشيخ محمد الغزالي، الذي علق على نتائج واقعيته أحد الدارسين قائلاً: «نتيجة لهذه الواقعية الثقافية، لا تبرز العقيدة في الكتاب - لقارئه من خلاله - عناصر محددة واضحة الأبعاد، رغم أنه عالج عامة مسائلها، ولكن تداخلات المعالجة الواقعية كانت تطغى أحيانًا، وهذا يغذي القارئ بالعقيدة مشاعر فياضة، وإن لم تتحد في فكره على شكل أنساق علمية (2).
لا تتعارض الواقعية وتحديد العقيدة في الذهن على شكل أنساق علمية، إنما غرض المؤلف من التأليف هو الذي يحدّد خطة عمله، فلم يكن غرض الشيخ الغزالي من التأليف إعداد كتاب مدرسي أو مقرّر للطلبة، بل كان غرضه إصلاح الفساد الواقعة في محيطه، مثل قضايا الفلسفة والإلحاد وسوء فهم أصل
صور
(1) في رحاب القرآن، سورة سبأ: 219/ 13.
(2) عبد الرحمن الزنيدي: مناهج العقيدة الإسلامية: 187 (1/172)
صفحة 166
173
المبحث الثاني: الواقعية القضاء والقدر أو بالتوسل بأصحاب القبور. لذلك قصد إلى تقديم الشحنة الإيمانية لتغيير الطباع من غير اهتمام بالنسق المتعارف عليه في ترتيب المسائل العقدية، وهذا هو منهج الشيخ بيوض، فهو لم يؤلف كتابًا في العقيدة ولكنه اهتم بإسقاط الآيات المراد تفسيرها على أرض الواقع، وبربط القضايا الواقعية بأصولها الإيمانية، مراعيًا في ذلك مقتضى الحال، ومستثمرًا ما أنتجه العقل الإنساني من علوم وفنون، وكان للنظرة المقاصدية دور كبير في انتهاج هذا المنحى، وهذا ما سيفصله المبحث القادم. (1/173)
صفحة 167
174
المقاصد
هي
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
المبحث الثالث
النظرة المقاصدية
(1)
على
الغايات والحكم من تشريع الباري الحكيم، فالدين ينبني مقاصد تنتظم جميع أحكامه وإرشاداته)، ولا يشرع الله إلا ما فيه مصلحة العباد في المعاش والمعاد، فالأمر بفعل شيء ما إنما هو نص في مقصدِ شرعي محققه القيام بذلك الفعل (2)، فإذا استحضر العالم مقاصد الدين العامة، وهو يتناول بالدراسة قضاياه الأصولية أو الفرعية، تخطى الرؤية الجزئية للنصوص من جانب، والرؤية الجزئية لقضايا المجتمع من جانب آخر، وتجاوزهما إلى رؤية شاملة للنصوص ولقضايا المجتمع الواقعة أو المتوقعة، وهكذا عرض الشيخ بيوض مسائل الاعتقاد، وسيتضح ذلك من خلال النقاط الآتية:
أولاً: الهدف الإصلاحي:
خلق الله الإنسان وجعله في الأرض خليفة، ومما يقتضيه هذا الاستخلاف عدم تصرف الإنسان إلأ على الطريقة التي يرتضيها مستخلفه، فحرية الإنسان في الأرض منضبطة بالحدود التي وضعها المالك الحقيقي، وقد أوصى الإنسان في مواضع عديدة من كتابه بالتزام الوقوف عند هذه الحدود، وينذره بحلول عقابه إن تجاوزها (3)، ومن ذلك قوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} (البقرة: 229)، وقوله: وَمَنْ يُعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ نُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ
(1) عبد المجيد النجار: فقه التدين فهما وتنزيلاً: 105. (2) عبد المجيد النجار: خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، ط 1، دار الغرب الإسلامي، 1407 هـ/ 1987 م: 83. (3) مصطفى سعيد الخن و محيي الدين ديب مستو: العقيدة الإسلامية أركانها - حقائقها - مفسداتها، ط 5، دار ابن كثير، دمشق - بيروت، 1427 هـ / 2007 م. ص: 507. (1/174)
صفحة 168
المبحث الثالث: النظرة المقاصدية
175
مهين (النساء: (14) فلا يستحق اسم "خليفة الله إلا من عرف الله رب العالمين وأسلم له وجهه، والتزم حدوده في محراب الصلاة وفي محراب الحياة (3)؛ وقد اشترط الله الإيمان والعمل الصالح - بمفهومه الواسع- لإنجاز وعده بالاستخلاف في الأرض والتمكين للدين، حيث يقول: {وَعَدَ اللَّهُ الذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 55).
يقصد الشيخ بيوض من الدرس العقدي صلاح الأعمال وتحقيق الاستقامة التي تعد ثمرة الإيمان الصحيح، ويتجنب المشاحة في الألفاظ- ولو خالف مشهور مذهبه الإباضي - ما لم يؤد ذلك إلى محذور مخالفة النصوص القطعية والمقاصد
العامة للدين. عندما يعرض الشيخ بيوض مسألة الإيمان وعلاقته بالعمل - مثلاً - لا يركز على نقطة اقتضاء العطف بينهما المغايرة أو عدمها، بل يركز على ضرورة تلازمهما و عدم جدوى أحدهما دون الآخر، وذهب إلى أبعد من ذلك، حيث صرح بعدم أهمية معرفة دخول العمل في مفهوم الإيمان أو عدم الدخول لأنه يرى أن المقصد هو العمل بمقتضى الإيمان، حيث يقول: «أما مفهوم كلمة إيمان“، هل يدخل فيه العمل الصالح أم لا؟ فهذا لا يهم ولو كان محل نزاع ... وإنما الذي يضر، والذي لا يجوز أبدا، ويعتبر مروقًا من الملة والشريعة أن يعتقد أحد أنه يجازى على عقيدة قلبه، وإن لم يعمل العمل الصالح الذي يجب عليه شرعًا، هذا الذي يخالف ما في القرآن، من فاتحته إلى خاتمته، ومخالف لكل ما ورد في الحديث» (3).
(1) إبراهيم بيوض المجتمع المسجدي درس: يوم: 1973/ 5/18، قرص مدمج، تسجيلات الحياة - القرارة. (2) في رحاب القرآن، سورة الكهف 2/ 356؛ الفرقان 7/ 96؛ الأحزاب /12/ 231؛ الشورى 17
270 - 269
من سورة الأنبياء: 100/ 4
12 (1/175)
صفحة 169
176
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
يركز الشيخ بيوض عنايته - في عرض العقيدة - على المسائل التي تتجلى آثارها في الصلاح والاستقامة، ودعاه هدفه الإصلاحي إلى عدم التقيد بما انضاف إلى التعريفات من قيود فلم يؤلف الشيخ كتابًا في العقيدة، لترتيب مسائلها وضبط تحديداتها وصناعة الردود على المخالفين فيها، إنما كان هدفه الإصلاح الشامل توسل إلى تحقيقه بتفعيل العقيدة وتحريك الإيمان في القلوب، ليقينه بأن ذلك أحسن طريقة لتخطي العقبات الكؤود، وتحطيم الحواجز الوهمية التي كان للتراث العقدي دور كبير في نصبها، فحالت بين العبد وبين بلوغ العديد من مقاصد الدين، منها "الوحدة الإسلامية"، وسنتعرف في الفقرة الآتية على جهود الشيخ بيوض في سبيل تحقيقها.
ثانيًا: أساليب تحقيق الوحدة الإسلامية من خلال الدرس التقدي: تحقيق مقصد الوحدة الإسلامية من أهم أهداف الشيخ بيوض من حركته الإصلاحية، دعا إليها في دروسه وجسدها في مواقفه، فهو يعتقد بوجوب وحدة الأمة امتثالاً لقوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أَمْتُكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون (الأنبياء: 92) فما دام الله متفردًا بالربوبية والألوهية فينبغي ألا يكون في الأرض إلا أمة واحدة تدين الله بالخضوع والذلة)، وكان الشيخ يحرص على توحيد الصف حرصه على توحيد الرب، فقد كان يرى أن من مكملات إيمان العبد، بل من مقوماته، لم الشعث ورأب الصدع وتأليف العناصر، ووقفته التاريخية المشهورة في سبيل وحدة الشمال والجنوب في الظرف العصيب أعظم شاهد (2).
لا يكفي الأمة أن تتحد من أجل قضاء مصالحها المادية الآنية فحسب، بل يجب أن تؤسس وحدتها على أصول الدين الثابتة، ولا شيء موحد وموحد إلا
(1) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 4/ 202. (2) محمد صالح ناصر في رحاب القرآن (المهرجان والتأبين)، كلمة الشيخ حمو بن عمر فخار في تأبين
الشيخ يتوض: 128. (1/176)
صفحة 170
المبحث الثالث: النظرة المقاصدية
177
دين الله الواحد، فهو الواحد، ودينه الواحد، يجمع المسلمين الذين يتبعون هذه الفطرة، ويقيمون وجوههم للدين حنيفا (1).
عقيدة الإسلام سبب قوي لتحقيق الوحدة الصادقة بين جميع أتباعها، وإذا حدثت عداوة بينهم باسم الدين كما هو واقع المسلمين فعلتها راجعة إلى المسلمين لسبب سوء فهمهم الدين، وليس إلى العقيدة من حيث إنها عقيدة، فدور العلماء المجددين إعادة تقديم العقيدة وتقريرها على ركيزتي العلم والإخلاص لتصنع -بإذن الله - ما صنعته في فجر هذه الأمة المجيد من الفيض الإيماني وتأليف القلوب والحركة الإيجابية في الحياة والسمو في تحقيق التدين الله.
ليس العيب أن يختلف المسلمون في الرأي، إنما العيب فيما يتولد منه من عناد وأحقاد، إذا نشب خلافٌ عَلَى مسألة ما بين علماء مخلصين فإن هذا الخلاف لن يطول أجله، وإذا قدر له أن يطول فلن يترك في النفوس حقدا، ولا في الصفوف صدعا، وإذا حدث من ذلك شيء فلا بد أن يكون لأسباب مصطنعة بعيدة عن دائرة العلم، أو عن دائرة الإخلاص، أو عن كلتيهما جميعًا.
إنَّ سعة العلم تلد رحابة الأفق، وإنّ حسن النية يلد رحابة الصدر، وإن الإيمان المحض بلد الحفاظ الدقيق على وحدة الأمة، فأنى يتسرب الشقاق إلى دين يقوم على هذه الحقائق؟!» (2).
،،
فالمحبة التي ينبغي أن تسود أفراد الأمة الإسلامية قاطبةً محبة فريدة من نوعها، فليس هو حبا متكلفا ولا مصلحيًّا إنما هو نابع من القلب العامر بالإيمان الصادق، غامر لكل من تجمعهم العروة الوثقى كلمة "لا إله إلا الله ولنفهم جيدا ولندرك تمام الإدراك فلسفة الحب في الله والبغض في الله، فالمؤمن أخو المؤمن في أي زمان وأي مكان يدعو بعضهم لبعض، وقد علمنا الله أن ندعو
(1) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 4/ 202. (2) محمد الغزالي، عقيدة المسلم: 168. (1/177)
صفحة 171
178
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
لمن قبلنا في قوله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا (الحشر: 10)) (1).
مهما اختلف المسلمون في الأمور الظنية فعلى كلّ منهم أن يعرف للآخر حق الإسلام، فالمخالف في الرأي والاجتهاد مهما اشتط في رأي لا يبلغ درجة المنافقين
الذين كان رسول الله يعاملهم بالحسنى ويضمن لهم حقوقهم الدنيوية.
يضع الشيخ بيوض مقصد الوحدة الإسلامية نصب عينيه وهو يدرس قضايا العقيدة، مؤمنًا بكون الوحدة الصادقة من ثمرات التوحيد الخالص، ويتضح ذلك من خلال الآتي:
1 - الكف عن القول بغير علم
توقف الشيخ بيوض عن الخوض في المسائل الجزئية التي لم يرد فيها دليل قطعي، معتقدا أن البحث فيها لا يخرج بنتيجة يقينية تطمئن إليها النفس، بل يفتح الباب واسعا للقول بالرأي في ما لا يدرك إلا بالوحي، فينتج البحث عن اختلاف الرؤى، ينتهي إلى التنازع والخلاف اعتبارًا لكون موضوع الجدال مسألة اعتقاد، ومن المسائل التي توقف الشيخ بيوض عن الخوض فيها معرفة حقيقة كلام الله حيث فوّض فيه الأمر إلى الله تعالى، وانتقد الخائضين فيه بقوله: «فأنتم الذين خضتم في الكلام وتنازعتم فيه، وكفّر بعضكم بعضا (2) وقتل بعضكم بعضا من أجله ... » (3). ومن تفريعات هذه القضية التي توقف الشيخ بيوض عن الخوض في تفاصيلها مسألة كلام الله عزّ وجَلَّ موسى عليه السلام، حيث رفض البحث عن كيفية
(1) في رحاب القرآن، سورة مريم: 1983 - 199. (2) القاضي عبد الجبار المجموع في المحيط بالتكليف، تصحيح الأب جين يوسف هوين اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية، بيروت لبنان. د. ت. ن: 1/ 345. (3) في رحاب القرآن، سورة القصص: 360/ 8، ولأبي الحسن الأشعري ردّ جميل على الذين يدينون بتكفير المخالف في هذه المسألة. (أبو الحسن الأشعري: رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام، مطبوعة ملحقة بكتابه " اللمع ": 95 - 97). (1/178)
صفحة 172
المبحث الثالث: النظرة المقاصدية
179
مسألة
سماعه ولغته وجهته ... معللاً أن البحث في مثل هذه القضايا اتباع للظن، وسبب لتشتيت وحدة المسلمين، معتبرًا بمحنة الإمام أحمد رحمه الله، وكل هذا دخول فيما يعني، بل لا نحترس أن نقول: إنه دخول فيما لا يجوز، فمن أين أن نعرف؟ فالعجز عن إدراكه إدراك والخوض في إدراكه إشراك، وخاصة في الكلام التي طال فيها الجدال على أيدي أناس دخلوا الإسلام لإفساد الإسلام، وخلقوا الفتنة التي ابتلي بها كثير من الناس في زمان مضى، كما ابتلي البلاء الكبير التقي الورعُ المتمسك بالسنة الإمام أحمد بن حنبل (1) رحمه الله (2) فموقف الشيخ بيوض هو النهي عن الخوض في كلام الله، والاكتفاء بالتصديق والتسليم، لأن الخوض في مثل هذا مما هو خارج عن نطاق العقل البشري لا يورث إلا الحيرة والفرقة)، «والله ما كان ينبغي ذلك الجدل، ويجب أن يُطوى ولا يذكر، لأنه ما شتت المسلمين إلا هو.
2 الاجتهاد والاعتراف باجتهاد الآخر: على المسلم أن يبحث عن أسرار التعبير القرآني ويستنبط الأحكام والحكم، وإذا انتهى أحد إلى معنى أو حكمة فلا يجوز الاعتقاد أن لا معنى وراء ذلك (5)، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (يوسف: 76).
(1) أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الله الشيباني (164) - 241 هـ / 780 - (855 م) إمام المذهب الحنبل ولد ببغداد، ونشأ منكبا على طلب العلم، وسافر في سبيله أسفارا كبيرة شرقا وغربا، وفي أيامه دعا المأمون إلى القول بخلق القرآن ومات قبل أن يناظر ابن حنبل، وتولى المعتصم فسجن ابن حنبل ثمانية وعشرين شهرا لامتناعه عن القول بخلق القرآن، وأطلق سنة 220 هـ. من أشهر مصنفاته المسند، يحتوي على ثلاثين ألف حديث، ومما صنف في سيرته "مناقب الامام أحمد لابن الجوزي، وابن حنبل" للأستاذ محمد أبي زهرة الأصبهاني: حلية الأولياء: 161 - 233، الزركلي: الأعلام: 1/ 203. (2) في رحاب القرآن، سورة القصص: 359/ 8.
(3) م. ن: سورة مريم 240/ 3؛ طه: 4/ 240؛ القصص: 8/ 359.:
(4) م. ن: سورة القصص: 360/ 8.
(5) م. ن: سورة مريم: 22/ 3.
،، (1/179)
صفحة 173
180
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
3 التأويل وعدم القطع بخطأ المخالف:
للعلماء حق البحث والاجتهاد في فهم مراد الله من كلامه، ويرى الشيخ بيوض أنه لا حرج في اختلافهم في التأويل ومحاولة الفهم بشرطين:
أولاً: أن لا يؤدي التأويل إلى تجسيم الله تعالى.
ثانيًا: «أن لا يُعتمد عَلَى قول من الأقوال، ويُعتقد اعتقادًا راسخا أنَّ هذا الحق، وغيره هو الباطل (1) فما انتهى إليه المجتهد من تأويل أمر ظنّي، يحتمل أن يكون خلاف مراد الله، فمن الحقِّ الإنصاف وعدم تخطئة المجتهد المخالف في المسألة، ولهذا المنهج أبعاد منها غلق باب عريض للفتن والنزاعات، ذلك أن قطع عذر المخالف فيما يجوز فيه الاختلاف يُعد نواة الخلاف المذهبي، والسبب الرئيس لتشتيت المسلمين.
4 - لازم المذهب ليس بمذهب
ظلما،
من أكبر أسباب الخلاف المذهبي إلزام المخالف في الرأي بما لا يُقر به ولا يدين، والمنصف المجانب لهذا الإلزام يسهم في القضاء على شقة الخلاف ويدعو إلى الائتلاف، ومن ذلك منهج الشيخ بيوض حيث يعتبر إلزام الأطراف الأخرى ومن ذلك قوله بعد تقرير موقف مذهبه الإباضي في مسألة "الاستواء على العرش“: «أما غيرهم ... فنحن لا نضلّلهم ولا نتهمهم أبدا بأنهم مشبهة، فهذا ظلم، هذا وإننا لم نر عالما من علماء أهل السنة، أو من انشق منهم كالأشاعرة لا ينزّه الله تعالى عن الأقطار والجهات، وعن الحدية والتصوير، والاستقرار في مكان، وهذا المصرَّح به في كتبهم، فهم ينزهون الخالق تنزيها عجيبًا، ويفوضون الأمر إليه في هذه الأمور الغيبية، وهذا هو الواجب» (2).
(1) في رحاب القرآن، سورة السجدة: 37/ 12.
(2) م. ن: 33/ 12. (1/180)
صفحة 174
المبحث الثالث: النظرة المقاصدية
من مزايا هذا المنريج:
181
ا الاطلاع على أقوال علماء المذاهب في مظائها مباشرة، وليس بواسطة
كتب مخالفيهم. ب تقديم التصريح عَلَى الإلزام بما لم يُصرح به.
ولو اتبع كتاب المقالات وغيرهم من الدارسين للمذاهب والفرق هذا المنهج لانسدت كثير من أبواب الفتن والخلافات الوهمية.
5 القيام الجماعي بشرائع الدين: يرى الشيخ بيوض أن من أهم أسباب جمع شمل المسلمين وتوطيد روابطهم قيامهم الجماعي بشرائع الدين كصلاة الجماعة والحج والصوم، واصطلح عليها بـ "فتنة التشريع" التي يبتلى بها صدق الإيمان، فلو فرضنا أن الإيمان هو مجرد قول لا إله إلا الله فقط من غير تشريع مطلقا فلا يمكن أن تكون جماعة مسلمة ... (1) فوحدة المسلمين وتناصرهم وتعاونهم تتجلى عند القيام بشرائع الدين، ومراعاة لهذا المقصد حرّض الشيخ بيوض المسلمين على أداء صلاة الجماعة في مساجد الله بصرف النظر عن مذهب القائمين بشؤونها.
وفي مسألة الصوم والإفطار - مثلاً - اعتبر مبدأ الوحدة الإسلامية فأفتى بجواز «الصوم والإفطار بالحساب الفلكي تأكيدا لاتحاد الأمة، ودفعا للتفرق والشقاق الذي كان يحدث في رمضان والأعياد بالاختلاف في إثبات رؤية الهلال (2)، كما أصدر مجلس عمي سعيد“ الهيئة الدينية العليا لإباضية الجزائر - في فترة رئاسة الشيخ بيوض - فتوى العمل بنداء السلطان بالصوم والإفطار.
وتندرج ضمن هذه الأبعاد فتواه بوجوب صلاة الجمعة، وإقامتها بالفعل - في وادي مزاب بعد أن تركت لعهود طويلة استنادًا إلى فتوى عدم استيفاء
(1) في رحاب القرآن، سورة العنكبوت: 25/ 9 (2) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح: 75/ 5. (1/181)
صفحة 175
182
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
شروطها، فرأى الشيخ بيوض أن استصدار فتوى في الموضوع وتبيينها للناس من أوكد الواجبات عليه أمام الله وأمام التاريخ (1)
أفتى الشيخ بوجوب صلاة الجمعة وشرع في إقامتها بمسجد القرارة يوم الفاتح من محرم عام 1391 هجري، الموافق ليوم 27 فيفري 1971 ميلادي (2)، كما أفتى للإباضية المنتشرين في المدن الجزائرية أن يؤدّوها في المساجد الجامعة - لا في مصلياتهم الخاصة - اقتداء بسنة النبيء مع صحابته من سكان الأحياء المجاورة للمدينة المنورة، وحرصا منه على كسر الحواجز الوهمية التي يفرضها التعصب المذهبي والتنافر بين أبناء الأمة الواحدة، حيث يقول: «فلنطرح عن أنفسنا الوساوس، فإنّ المسلمين اليوم في أمس الحاجة إلى ما يوحد صفوفهم ويجمع شتاتهم، والمساجد كلّها الله، وهي أشرف مكان يلتقي فيه المسلمون على محبة الله ورسوله وأخوة الدين والإيمان، هذا هو القول الفصل في هذه القضية، حتّى تكونوا مطمئنين» (3).
لاقت هذه الفتوى تجاوبًا حسنًا من قبل علماء الجزائر منهم الشيخ أحمد حماني الذي اعتبرها خطوةً شجاعة في درب الاستجابة لدعوة الله، حيث يقول عنه: «فلو لم تكن لهذا الرجل إلا منقبتان لكفاه أن نشهد له بالخير ونزكيه: يوم قال لفرنسا التي أرادت أن تفصل الصحراء عن الجزائر: "لا، الصحراء قطعة من الجزائر، وسكان الصحراء جزء من سكان الجزائر، والثاني هو إحياء صلاة الجمعة، لتكون صلاة الجمعة قائمة في مزاب كما تقام في كل القطر» (4)
(1) إبراهيم بيوض، حديث الشيخ الإمام في صلاة الجمعة وما لها من الأحكام، الحلقة الثانية، إعداد وتنسيق الشيخ محمد إبراهيم سعيد (كعباش)، مطبعة النخلة، بوزريعة- الجزائر، نشر جمعية النهضة - العطف - غرداية. (د. ت. ن). ص: 08.
(2)
م. ن: 47.
•
(3) م. ن: 52.
(4) محمد صالح ناصر: في رحاب القرآن (المهرجان والتأبين كلمة الشيخ أحمد حماني في تأبين الشيخ
بيوض: 109. (1/182)
صفحة 176
المبحث الثالث: النظرة المقاصدية
183
شرح فتح الباري في المسجد:
تجاوز الشيخ بيوض مرحلة الخطاب النظري في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية وسعى إلى تجسيدها من خلال مواقفه الميدانية ومشاريعه الإصلاحية ومن ذلك تدريسه بمعهده كتبا لعلماء من خارج المذهب الإباضي، منها "رسالة التوحيد“ للشيخ محمد عبده)، واهتداؤه إلى تدريس كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري، في المسجد لمختلف طبقات المجتمع، ودام تدريسه خمسة عشر عاما، سنة 1350 هـ/ 1931 م إلى سنة 1364 هـ/ 1945 م؛ وذلك بعد تدريس مسند الإمام الربيع بن حبيب، وكلّ ذلك موازاة مع تفسير القرآن الكريم الذي أعطى له حياته كلها.
لقد درس
،،
عاما، من
الشيخ "فتح الباري في المسجد حتى يقضي على بعض الأفكار والمواقف الجامدة المتعصبة، وليكسر الحواجز الوهمية التي تقف دون وحدة المسمين وتعاونهم من أجل الصالح العام، وقد لاقى الشيخ إبراهيم بيوض في شق طريقه
الإصلاحي هذا معارضة شديدة إلى حدّ اتهامه بالمروق من الدين ... (2)
لم يكن تدريس هذا الكتاب دورةً في روايته فحسب، بل انصب فيه جهد الشيخ خدمة للهدف الإصلاحي، فجاءت دروسه حيوية هادفة، يهدي أمته درب الوسطية ويرقى بها إلى رحابة المعرفة والتعاون العام، ولعل من بواكير هذه الخاصية في منهج الشيخ بيوض إعداد أجيال من الطلبة الفاعلين أمثال الأستاذ علي يحيى امعمر (3) الذي دعا إلى تحقيق الوحدة الإسلامية بانتهاج الثلاثية العلمية
(1) محمد علي دبوز نهضة الجزائر: 30/ 2
(2) محمد صالح ناصر: الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض مصلحا وزعيمًا: 20. (3) الشيخ علي يحيى معمر (1337 هـ/ 1919 م - 1400 هـ (1980 م) ولد بمدينة نالوت بليبيا، تقلى العلم بمسقط رأسه، ثم في جزيرة جربة وجامع الزيتونة، وفي سنة 1937 م غادر تونس ميمما وجهه شطر معهد الحياة بالقرارة بوادي مزاب في الجزائر، وبه حط الترحال في طلب العلم، وأقام سبع سنوات، تتملذ خلالها على مشايخ منهم: الشيخ إبراهيم بيوض، الشيخ شريفي سعيد، آنس منه أساتذته الكفاية العلمية، فأسندوا إليه مهمة التدريس بالمعهد، فكان طالبا ومدرّسا في آن واحد، وفي القرارة برز نشاطه في التوجيه
= (1/183)
صفحة 177
184
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
العملية: "المعرفة - التعارف - الاعتراف؛ والشيخ حمو فخار الذي يرى أن أولى الخطوات العملية لتحقيق الوحدة أن تأوي مدرسة واحدة أبناء البلدة جميعا، ليشبّوا متعارفين متاكفين ويعملوا في المستقبل متساندين متآزرين واعتبر التعدد المذهبي حاجزا وهميا دون تحقيق الوحدة، حيث يقول: «الأجل هذا الوهم تخالفنا معشر المسلمين؟ أم لأجل ابن إباض ومالك تشاققنا؟ وأي غضاضة في أن يكون قوم من
أتباع هذا وقوم من أتباع ذاك؟ (1).
ثالثًا: ضبط مسائل الاعتقاد:
توسعت مسائل العقيدة وتضخمت وتجاوزت ما كان معروفاً عند نزول قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دينا (المائدة: 03) وكان الصراع المذهبي والسياسي سببًا رئيسا في استحداث مسائل واعتبارها من العقائدِ الأساسية، فقد كانت معظم العقائد المدونة في كتب العقائد تعبر عن مراحل تاريخية من مراحل الصراع السياسي والمذهبي فحسب (2).
من خصائص المنهج العقدي عند الشيخ بيوض ضبط مسائل الاعتقاد التي يتعين على المؤمن أن يعتقدها ويكون له موقف ثابت فيها، حيث أخرج من مسائل
والإرشاد، كان ينشر مقالاته الدينية والأدبية والاجتماعية والتاريخية بمختلف الجرائد والمجلات، من أهم كتبه: «الإباضية في موكب التاريخ»، في أربع حلقات الإباضية بين الفرق الإسلامية»، طبع عدة مرات؛ سمر أسرة مسلمة»، تح محمد موسى باباعمي. علي يحيى معمر: الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، مقدمة الدكتور محمد ناصر بوحجام، 16 - 33 محمد ناصر بوحجام: الشيخ علي يحيى معمر والدعوة إلى وحدة المسلمين؛ - قاسم الشيخ بالحاج الشيخ علي معمر، أضواء عن شخصيته وفكره، ط 1، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية التراث القرارة، 1424 هـ / 2003 م. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 619/ 3 - 623).
(1) حمو بن عمر فخار كان حديثا حسنًا، تقديم د. محمد صالح ناصر، نشر جمعية التراث القرارة - الجزائر ذو القعدة 1420 هـ / فيفري 2000 م: 31 - 32.
(2) حسن بن فرحان المالكي: قراءة في كتب العقائد (المذهب الحنبلي نموذجا): 22. (1/184)
صفحة 178
المبحث الثالث: النظرة المقاصدية
185
الاعتقاد ما ليس منها، مما حفلت به كتب العقائد، فسعى إلى حصر هذه المسائل في القضايا الإيمانية التي تسند إلى أدلة قطعية الدلالة والثبوت من الكتاب والسنة، فبمناسبة حديثه عن قضية المفاضلة بين الملائكة وبني آدم -مثلاً- قال: ولا يمكن أن يعتقد في شيء من هذا إلا إذا كان هنالك دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الله تعالى في كتاب، ولا دليل قاطع» (3)؛ ونقيس على ذلك جميع الآثار والروايات مهما اشتهرت، ما لم تبلغ درجة القطع من حيث الثبوت والدلالة فهي لا تردّ من أجل انعدام هذا الشرط، ولكن لا ترقى إلى درجة الاعتقاد، وقد اشتهرت هذه الروايات، ولا يضيرنا نحن أن تكون أو لا تكون؛ لأنها ليست مسألة عقديَّة (2).
من
لا يُلزم المؤمن باعتقادِ رأي معين في مسألة - تعدم الدليل القاطع - وتخطئة اعتقد رأيا سواه، لأنَّ الأدلة التي لم تبلغ درجة القطع قابلة للنقد والرد، فيقرر الشيخ أنّ المسألة ليست مسألة اعتقاد (3)، ومن ذلك قوله في ما روي عن مقدار عذاب أبي طالب في النار، فبعد أن ذكر جهود أبي طالب في الدفاع عن الدعوة الإسلامية في مهدها، وذكر الرواية التي تنص على أنه أقل أهل النار عذابًا، وهو أنه يقف في ضحضاح من النار يغلي بها دماغه أبد الآبدين)، قال: «هذا ما ورد والعلم عند الله، وليس هذا بالعقيدة التي يجب أن نعتقدها، وإنما الذي نعتقده أن دركات وعذابهم متفاوت، كما أنَّ أصحاب الْجَنَّة درجات
أصحاب النار
هم
ونعيمهم متفاوت (5).
ولهذا المنهج أبعاد منها:
(1) في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 1/ 48 - 49.
(2) من سورة الدخان: 12/ 18.
(3)
م. ن: سورة الإسراء: 49/ 1.
(4) عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِي أَنَّهُ سَمِعَ النبي صلى الله عليه وسلم وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُهُ فَقَالَ: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فيجعل في صَحْصَاحَ مِنَ النَّارِ يَبْلُغَ كَعَتِيْهِ يَعْنِي مِنْهُ دِمَاغُهُ». البخاري: الصحيح، کتاب المناقب، باب
قصة أبي طالب، حديث رقم 3672، 3/ 1409. (5) في رحاب القرآن سورة الأحقاف، 18/ 326 - 327. (1/185)
صفحة 179
186
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
1 - بناء الاعتقاد على أصل يقيني حذر أن يعتقد في شيء أنه مراد الله وَهُوَ في الحقيقة غير ذلك.
،،
2 - المحافظة على الوحدة الإسلامية، وذلك بتضييق مجال الاختلاف وسد أبواب الخلاف، ذلك أن إدراج قول ضمن مسائل الاعتقاد يقتضي إخراج المخالف فيها من الدين، كقضية المفاضلة بين الملائكة وبني آدم التي قال الشيخ عن المختلفين فيها: ومن الغريب أنهم كفّروا بعضهم ولعن بعضهم بعضا، والمسألة
ليست مسألة اعتقاد (1)
تشدد
إنَّ مسلسل الإضافات إلى العقيدة فرق المسلمين، ذلك أن المؤلفين في العقائد (أدخلوا في العقيدة أمورًا أخرى ووسعوا جانب العقيدة مع على المخالفين فأدخلوا مباحث الصحابة والدجال والمهدي المنتظر والمسح على ذلك الخفين والجهر بالبسملة وغير ذلك ... وأصبح المخالف في شيء من مبتدعا عندهم» (2).
وقد صرّح الشيخ بهذا البعد العقدي في مناقشته القول بخلق حواء من ضلع آدم، مؤكدًا عَلَى أنها مسألة ظنية لا ترقى إلى اليقين والاعتقاد كمسألة خلق آدم من تراب التي صرّحت بها النصوص القرآنية، وفي الأخير ذكر الشيخ سبب تأكيده عَلَى أنَّ هذا القول ليس من مسائل الاعتقاد: « ... هذا ما يجب أن نقوله حتى لا يعتمد أحدٌ على بعض الروايات وإن اشتهرت ويعتقدها حتى ينكر من خالفها أو قال بغيرها، والخطر كل الخطر إذا وصل إلى حد التكفير والتفسيق والتضليل!» (3).
-3 - توفير الجهد للأيمة وسائر أفراد الأمة للبناء الفكري والحضاري بدل استنزافها في قضايا مفتعلة ومعارك كلامية نحن في غنى عنها كمسألة "خلق
(1) في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 49/ 1.
(2) حسن بن فرحان المالكي: قراءة في كتب العقائد (المذهب الحنبلي نموذجا): 27.
(3) في رحاب القرآن، سورة ص: 15/ 221. (1/186)
صفحة 180
المبحث الثالث: النظرة المقاصدية
187
القرآن التي يرى الشيخ أنها فتنة أوقدها بعض من دخل الإسلام مكرا به وإيقاعا
بين أهله (1)
لم يتعرض الشيخ بيوض للمسألة بمناسبة تفسيره للآية التي يستدل بها القائلون بخلق القرآن)، وهي قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرضينَ} (الشعراء: 05) بل اشتغل بالمطلوب، وَهُوَ تبيين الحكم في قوله: محدث ومنها: «أَنَّ هَذا ليس هو الذي نزل بالأمس، إنما هو شيء آخر وآية أخرى فاستمعوا إليها، حَتَّى وإن كان الموضوع واحدا، لكن بأسلوب مغاير معجز ... (3)، إلا أن الشيخ توقف عند هذه المسألة بمناسبة تفسيره قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الزخرف: 03) مشيرًا إلى أنّ القضية أثارت فتنة بين المسلمين منذ القديم وبيّن أن مراد القائلين بخلق القرآن هو هذا الكلام المكتوب في الصحف المقروء باللسان، وليس مرادهم الكلام الذاتي الذي هو من صفات الله الذاتية القديمة)، وبيّن - من خلال تحديد محل النزاع - أن الاختلاف لا يعدو كونه لفظيا: «وَإنَّهُ في الحقيقة لو عاد المسلمون بعضهم إلى بعض لوجدوا الخلاف لفظيا، فالقائل بأن القرآن مخلوق لا يُنكر
الكلام الذاتي، والقائل بالكلام الذاتي لا يزعم أنَّ هذه الألفاظ قديمة (5). أكد الشيخ في ختام تناوله المسألة على الكف عن إثارتها لعدم جدواها: وهذه مسألة ماتت ويجب أن تبقى في بطون الكتب، ومسائل الخلاف يجب
التغاضي عنها لأنه لا فائدة في إثارتها» (6).
(1) في رحاب القرآن سورة العنكبوت: 209/ 9؛ الفتاوى: 22/ 1.
(2) السالمي، مشارق: 58/ 2؛ الخليلي، الحق الدامغ، مطابع النهضة، مسقط - عمان، 1409 هـ: 171.
(3) في رحاب القرآن، سورة الشعراء: 300/ 7. (4) م. ن: سورة الزخرف: 422/ 17 - 423. (5) من سورة الزخرف: 423/ 17. (6) م. ن. (1/187)
صفحة 181
188
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
رابعًا: التركيز على مسائل الاعتقاد:
إنَّ الغاية من البحث تحدد طبيعة الوسائل الموصلة إليها، وقد تبين لنا أن من أولى مقاصد الشيخ بيوض تحقيق الوحدة الإسلامية، لذلك لم يول اهتمامه بمسائل الخلاف وصناعة الردود، بل ركز جهوده عَلَى استخلاص العبرة، وكثيرا ما يطرح تساؤلات واحتمالات ويعقب قائلاً: «كلّ هَذا لا يعنينا (1) إنما يعنى الشيخ بالمسائل التي يتعين على المؤمن أن يعتقدها ويكون له موقف ثابت فيها، دون الاشتغال بسواها من القضايا المحشورة في كتب العقائد، لأن البحث فيها لا يثمر إلأ حيرة وفرقة، فحين حديثه عن نار جهنم -مثلاً- تساءل عن المسافة التي تفصل بين الأشقياء وجهنّم حَتَّى يسمعوا زفيرها وشهيقها فأجاب: «إلا أَنَّ هَذا لا شأن يتعلّق
به، ولا نحن مضطرون إليه لفهم معنى الآية أو استخلاص العبرة منها (2). وعند وصف اصطراخ المجرمين في النار وهم يسألون ربهم أن يخرجهم منها ليعملوا صالحا، تساءل عن المدة التي تفصل بين سؤالهم وجواب الله لهم، وأورد قول بعض العلماء ولكن لم يتبناه لمخالفة شرطه، ثمَّ قال: «أما طول هَذِهِ المدّة فلم يصح فيها شيء عن الله له ولا عن النبيء فلا نقطع بشيء ولا نعلم مقدارها أهي بعد ساعة أو بعد يوم أو بعد عام، أو بعد ألف عام، أو مليون سنة أو أكثر من هذا، لا ندري، إنما يعنينا جوابُ الله تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَدَكَّرُ فِيهِ مَن تَدَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَدُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نصير) (فاطر: 37) (3).
ومن المسائل التي اعتبر الشيخ البحث فيها فضولاً السؤال عن كيفية وحي الله إلى أم موسى عليه السلام، هل أراها الله ذلك في المنام أم جاءها ملك فكلّمها، وهل هو جبريل أو غيره؟ وأرى أنَّ هَذا فضولاً، ولا ينبغي الدخول فيه» (4).
(1) في رحاب القرآن، سورة مريم: 559/ 3.
(2)
م. ن: سورة الكهف: 237/ 2
(3) م. ن: سورة فاطر: 518/ 13.
(4) من سورة القصص: 8/ 265. (1/188)
صفحة 182
المبحث الثالث: النظرة المقاصدية
189
- وكذلك مسألة التفاضل بين الملائكة، ولا ندخل في هذا التفضيل بينهم إلا ما ثبت من قرآن أو خبر صحيح عن النبي
- والبحث عن كيفية تشكل الملائكة والجن فنعتقد أنَّ الله أعطى لها قدرةً على التشكل، أما السؤال عن تفاصيل ذلِكَ فَـ «لا طائل تحتها مطلقا، وليس لنا فيها حظ من النظر، فلا يضيع أحدنا وقته فيها سدى، وهي ليست كالحكم التي نبحث فيها للاطلاع عليها» (2).
- وكذا مسألة البحث عن اسم مؤمن آل فرعون، الذي قال عنه الشيخ؛ «ولو علم الله تعالى فائدة في ذكر اسمه الشخصي لذكره، ولكن الله تعالى لم يخبرنا به واكتفى بقوله: {وَقَالَ رَجُلٌ مُومِنٌ مِّنَ - ال فِرْعَوْنَ وكل بحث في اسمه ليس له معنى (3)، ذلك أن القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد، وليس كتاب تاريخ وقصص فلا يرى فائدة في ذكر الأسماء.
كما توقف الشيخ عن اعتقاد ما ورد من أخبار في تفاصيل وصف العرش، بل قال: «فليس من الشيء الكثير الذي ورد في هَذا خبر يقيني يُعتمد عليه ... ولندع هذا إلى الله، وإنما الذي نتيقنه أن وصف العرش بالعظيم ... نؤمن بأن العرش خلق موجود، وأن الله تعالى جعل له حملةً، وحملته من خيار خلقه» (4)؛ فإن البحث عن التفاصيل التي سكتت عنها النصوص الصحيحة يشتت فكر الدارس ويحجبه عن إدراك مرادها والاعتبار بها.
وبما أنَّ أمور الغيب لا تؤخذ إلا من القرآن أو السنة الصحيحة، فإن منهج الشيخ يعتبر السؤال عما ليس فيه دليل قطعي تكلّفاً وفضولاً، فدأب على توجيه سائليه إلى الاهتمام بما يثمر البحث فيه إيمانا وعملاً للمعاش والمعاد، ومن ذلك
(1) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 577/ 14.
(2)
(3)
(4)
م. ن: سورة مريم: 59/ 3.
من سورة غافر: 129/ 16
م. ن: 27/ 16 - 28 (1/189)
صفحة 183
190
توجيه
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
أحد سائليه عن مسائله التي تعدم الدليل القاطع: «فجوابنا عن سؤالك هذا هو: "الله أعلم ... والاشتغال بغير هذا من المهمات الدينية والدنيوية أولى وأحرى، لأن البحث فيما سألت عنه لا يأتي بنتيجة مطلقاً مهما طال وامتد، فلا يعدو أن يكون تضييعا للعمر فيما لا فائدة فيه» (1).
وبالمقابل فإن الشيخ يركز الكلام في قضايا الإيمان التي يجب على المؤمن اعتقادها، ويطيل الحديث فيها قصد التذكير والإقناع، خاصة في القضايا التي أحس فيها من مخاطبيه الشك، تأثراً بالأفكار الوافدة، وقد يصرح الشيخ بهذه الطريقة، ومن ذلك قوله بعد طول بيان في موضوع تزيين سوء العمل للإنسان: وهكذا إِنَّمَا أط أطلت في هذا البيان لنحْذَرَ من طبقة الملاحدة وطبقة الشباب المنحرفين الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا بإنكار الألوهية وإنكار البعث، وبالسخرية من شعائر الدين ومن المتمسكين بها، ويظنون أنفسهم العقلاء وغيرهم الجهلة المغفلين، إذ يؤمنون بما لا يرون، ويصدقون بما لا حقيقة له على أنَّ الله تعالى وصف المؤمنين أول ما وصفهم بقوله: {الذينَ يُؤْمِنُونَ بالغيب} (البقرة: 2)» (2). وكان الشيخ يحدر من البحث عن الكيفية في الشؤون الخاصة للذات الإلهية، لأنها مضيعة للوقت ومظنة للشك والزيغ، ويؤكد على ضرورة الإيمان إيمانا غيبيا.
هذه إحدى خصائص المنهج العقدي عند الشيخ بيوض المتمثلة في النظرة المقاصدية التي أبرزنا بعض ملامحها، وسيتناول المبحث المقبل خاصية أخرى تتعلق باستقلاليته الفكرية، وتتجلّى في تحرره من التعصب المذهبي.
(1) إبراهيم بيوض: الفتاوى: 70/ 1. (2) في رحاب القرآن، سورة محمد 18/ 481. (1/190)
صفحة 184
المبحث الرابع: التحرر من التعصب المذهبي
المبحث الرابع
التحرر من التعصب المذهبي
191
يشهد واقع المسلمين قديما وحديثا خلافات تتأزم في بعض الفترات من تاريخهم فتسفر عن حروب كلامية أو دموية ... يعدُّ التعصب المذهبي إحدى الأسباب الرئيسة لهذه الأزمات، ويرى الشيخ بيوض أن المشكلة ليست في تعدد المذاهب، إنما هي في التعصب للمذهب، ذلك أنَّ التعصب المذهبي بدعة ظهرت في أتباع المذاهب الإسلامية، أما الأيمة فقد كان الواحد منهم يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي أو "إذا صح الحديث فاضربوا بكلامي عرض الحائط (1).
إنَّ المتفحص لتراث الشيخ بيوض العقدي يلحظ فيه ترفعا عن التعصب لمذهبه الإباضي من حيث هو مذهبه، وأنه كان يدعو إلى الحق من حيث هو حق
لقوة حجته، وبيان ذلك:
أولا: نبذ التقليد
تبرز خاصية نبذ التقليد في منهج الشيخ بيوض من خلال دروسه ومواقفه، بل كان ينهى طلبته ومحبيه أن ينصروه تقليدًا، يرشدهم إلى الروية وتحكيم العقل لقبول القضايا أو ردّها عن قناعة ولو تعلّق الأمر بشخصه، ومن ذلك قوله: إخواني وأبنائي لا أرضى ممن يكون معي أو ينصرني تقليدا، أريد أن يزن الناس كلامي بميزان العقل الصحيح الخالي من الأغراض، فإذا اقتنعوا بالحق أخذوه وحمدوا الله عليه، وإن وجدوه باطلاً ضربوا به عرض الحائط (2).
(1) إبراهيم بيوض روح الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي، محاضرة ألقاها بالملتقى السابع للتعرف على الفكر الإسلامي، تيزي وزو، 1393 هـ/ 1973 م: 2/ 820.
(2) خطبة الشيخ بيوض في غرداية شهر سبتمبر 1949 م، ر. محمد علي محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 87/ 4.
6 (1/191)
صفحة 185
192
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
فكان الشيخ ينبذ التقليد في خطاباته وسلوكه، ففي درس التفسير -مثلا- الذي يعده بالرجوع إلى مصادر متنوعة تبرز شخصيته في طريقة التحليل والنقد والعرض ... فلم يكن هذا التفسير صدى لأي فكرة سابقة أو مذهب معين، بل كان فيه المفسر حر الفكر منطلق الرأي لا ينتهي إلا إلى ما يطمئن إليه عقله وضميره» (1).
لم تكن حال الشيخ مع قومه بدءًا من حال الدعاة المجددين مع أقوامهم لأن من طبع البشر أن يتهيبوا من الفكر الجديد ويتمسكوا بالمألوف التليد، بحجة أنهم وجدوا عليه الآباء والأجداد، ويجد الداعية صعوبة في الإقناع بوجوب اتباع الحق المؤيد بالحجة والبرهان قال الشيخ بيوض: «ليس لك أن تقول: أوائلنا أو آباؤنا، وإنَّمَا ليس لك إلا حُجّة عقلية تقولها إذا قلت، أو حُجّة نقلية عن المعصوم، أمَّا كلمة: {إِنَّا وَجَدْنَا مَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ، فقد نَعَى الله تعالى عليها في كتابه في آيات كثيرة، لأنها حُجّة الضالين المتمسكين بعاداتهم وتقاليدهم، ومن العجيب أن يتمسك بها بعض من يزعم الإسلام والتمسك بالدين، فإذا دعي إلى ترك بدعة يقول: إنا وجدنا آباءنا؛ أما لو قلت: هذا كلام الله، أو سنة رسول الله، أو ما أجْمَعَت عليه الأمة، فعلى الرأس والعين أما قولك: إِنَّا وجدنا آباءنا، فَهَذا باطل.
ضرب الشيخ بيوض مثالا لتوضيح قيمة الحجة وتهافت الادعاء والتقليد فقال: «وإذا مثلنا المناظرة بميزان ذي دفتين، فضع الحجة في دفة والادعاء في الكفة الأخرى فانظر أيهما يغلب، إنَّهُ لا قيمة لقولك: «إنَّا وجدنا آباءنا»، إنَّهُ يُنسف نسفًا، أما أبوك وجدك فقد لاقوا ربهم، ولست مسؤولا عنهم، هذا ما يجب أن تفهموه، إنَّ الاعتماد عَلَى هَذِهِ المقولة لمصيبة عظمى، ولقد عانينا منها كثيرا أكثر من نصف
(1) مسعود فلوسي: الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض وتفسيره "في رحاب القرآن، أعمال الملتقى
الأول لفكر الشيخ يتوض: 307.
(2) في رحاب القرآن، سورة الزخرف: 462/ 17. (1/192)
صفحة 186
المبحث الرابع: التحرر من التعصب المذهبي
193
قرن - ولا نزال - في حركة الإصلاح ومحاربة البدع (1)؛ إنَّ نبذ التقليد والتحرر من التعلّق بالمألوف التليد يسهم في اتباع الحق بغض الطرف عمن جاء به، وهذا يُعد خطوة عملية شجاعة في سبيل تحقيق وحدة المسلمين.
إذا أشربت القلوب طباعًا يصعب على أربابها تغييرها، فما على الداعية إلا أن يتدرّع بالجرأة والصبر لإصلاح ما كان منها مخالفًا للصواب بالحكمة وقوة المنطق لا بمنطق القوة، كذلك كان الشيخ بيوض يزيل الشبهات العالقة ببعض الأذهان، مبينًا المقاصد العليا للشريعة الإسلامية أو مجيبا عن بعض الأسئلة الواردة في الموضوع بفصاحته المعهودة، وقوة شخصيته المؤثرة، غير متملق ولا مدغدغ لعواطف الجمهور تمن لا يزال يرزح تحت وطأة التقاليد، ولا ينفك عن قيود المألوف، وَهوَ الخبير بطبع المجتمع الذي يخاطبه، والحكيم في ابتهال الفرص المواتية والظروف المناسبة لإحداث التغيير دون رجة تخلخل أركان المجتمع، أو ضجة تعكر هدوءه واستقراره» (2).
ثانيًا: عدم التقيد بحرفية النص:
الألفاظ،
يتميز منهج الشيخ بيوض العقدي بالمرونة في عدم المشاحة في التنبيه إلى الفهم الخاطئ الذي قد تحتمله العبارة، وتبيين وجه الصواب وتأصيله ومن ذلك عدم اشتراطه دخول العمل الصالح في مفهوم الإيمان حيث يقول: «أما مفهوم كلمة إيمان هل يدخل فيه العمل الصالح أم لا؟ فهذا لا يهم، ولو كان محل نزاع ... كل هذا لا يضر، وإنما الذي يضرُّ، والذي لا يجوز أبدا، ويُعتبر مروقًا من الملة والشريعة أن يعتقد أحد أنه يُجازَى عَلَى عقيدة قلبه وإن لم يعمل العمل الصالح الذي يجب
(1) في رحاب القرآن، 464/ 17. (2) إبراهيم بيوض، حديث الشيخ الإمام في صلاة الجمعة وما لها من الأحكام، الحلقة الثانية، إعداد وتنسيق الشيخ محمد إبراهيم سعيد (كعباش): 55. (1/193)
صفحة 187
194
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
عليه شرعًا، هَذا الذي يخالف ما في القرآن من فاتحته إلى خاتمته، ومخالف لكل ما ورد في الحديث» (1)؛ ذلك أنّ "العبرة بالمعاني لا بالمباني، خاصة في الحالات التي تشكل فيها المشاحة في الاصطلاح حاجزا عن النفاذ إلى روح النص واستجلاء معانيه.
ثالثًا: توحيد المرجعية:
يعنى بتوحيد المرجعية - في هذا السياق - الرجوع بالمسائل إلى مصادرها الأولى قبل حدوث الخلاف المذهبي فيها، وقبل أن تعتريها التفريعات والبدع، وقد كان الشيخ في مسيرته العلمية وحركته الإصلاحية حريصًا على تأصيل المسائل والمواقف التي يتبناها على ركيزتي النص والعقل، ومن ذلك دعوته المتمسكين بتراث الأوائل أن يقتدوا بالرجل الأوّل في الأمة وهو الرسول صلى الله عليه وسلم: ونحن نقول مثل هذا الكلام للذين يتمسكون بالبدع بناء على قولهم: إنا وجدنا آباءنا، أو إنا وجدنا أوائلنا ومشايخنا، نقول لهم: إِنَّ أولكم هو النبيء، هل فعل شيئا مما تفعلون أم لا؟ فقولكم: «إنا وجدنا آباءنا» لا يقوم حجة إذا عارض آية صريحة أو سنة صحيحة، وقولكم هذا قد يُقبل ما لم يُعارض الطريق الذي سلكه السلف الأولون: النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه الله تعالى: {وَلَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: 21)، ومن بعده خلفائه وصحابته (2) من
ومن ذلك أيضا تبيينه أن اشتراط العمل لصحة الإيمان هو مذهب القرآن والسنة، حيث قال بمناسبة تفسيره لقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُومِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} (الأنبياء: (94): «أريد أن أوضح عقيدة من العقائد تعرضت لها هَذِهِ الآية، ونصت عليها نصاً صريحاً، وقد وقع فيها خلاف
(1) في رحاب القرآن، سورة الحج: 217/ 4.
(2) م. ن: سورة الزخرف: 17/ 465. (1/194)
صفحة 188
المبحث الرابع: التحرر من التعصب المذهبي
195
كبير بين الأمة، وما كان ينبغي، وأبين فيها المذهب الحق مذهب القرآن ومذهب الحديث، ومذهب علماء الحديث كلّهم (1).
وقد رجح الشيخ بيوض جواز التعجب في حق الله سبحانه وتعالى، مستندا إلى أدلة من الكتاب والسنة كقوله تعالى: {أبصر بهِ وَأَسْمِعْ (الكهف: 26)، والحق هو الجواز، ولا أعلم بما يليق بجلال الله تعالى من الله تعالى، ثم من رسوله فلنسلك طريقهما» (2).
كما كان الشيخ يحث طلبته على روح البحث والمقارنة والنقد «ليطلعوا على أقوال المذاهب الإسلامية ويقارنوا بينها فيدركوا بالأدلة القوية الأصح منها، فلا يكونوا مقلّدين، ويعلمهم فنّ البحث والنقد» (3)؛ ومن المسائل التي اتخذ فيها الشيخ بيوض موقفاً مستقلاً استنادًا إلى توحيد المرجعية:
1 موقف الشيخ بيوض فيما شجر بين الصحابة ولون اصطفى الله لنبيه صحابة أخيارًا من المهاجرين والأنصار، جاهدوا بأموالهم وأنفسهم لإعلاء كلمة الله فاستحقوا نصرته ورضوانه)، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها، وقدّر الله أن يبلو هَذا الرعيل الأول بفتن سالت بسببها دماء وزهقت أرواح ... كانت هذه الأحداث ابتلاء للأمة الإسلامية من حيث تصدع صفها ومن حيث الخوض فيها إشباعا لفضول أو انتصارًا لحزب أو تبينا قصد تطبيق الولاية والبراءة الشخصيتين.
(1) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 216/ 4. (2) م. ن: سورة الكهف: 2/ 149. (3) محمد علي دبوز نهضة الجزائر: 372/ 1.
(4) ألقى الشيخ بيوض في مسجد القرارة، عام 1975 م سلسلة من الدروس في هَذا الموضوع في ثلاث حلقات، استنسخت ثم حققت وطبعت تحت عنوان: "فضل الصحابة والرضا عنهم إعداد وتحقيق بهون بن يوسف حميد أوجانة، إشراف الأستاذ محمد بن موسى بابا، عمي معهد الحياة القرارة (غرداية) الجزائر، قسم التخصص شريعة، محرم 1417 هـ/ جوان 1996 م. (1/195)
صفحة 189
196
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
يرى الشيخ بيوض وجوب الوقوف وعدم الخوض فيما شجر بين الصحابة الكرام، مهما كان مبرّر الخوض في أعراضهم، فلن يستطيع اليوم أحد أن يقول: إن الواجب على المسلمين أن يبحثوا في تلك الفتن حتى يعلموا المحق من المبطل والظالم من المظلوم)، وحجته في ذلك:
- أولاً: إن الله تعالى لم يكلفنا أن نحكم بينهم، فلم يبتعثنا قضاةً على الناس، بل هو الذي يحكم بينهم يوم القيامة، حيث يقول: قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (الزمر: 46). ثانيا: لسنا مسؤولين عمّا شجر بينهم بل ينطبق علينا كلنا قوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (البقرة: 134) (3).
كما استدل الشيخ بطائفة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تبين فضل الصحابة رضوان الله عليهم خاصة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، منها:
1 - قوله تعالى: {وَالذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ اووا ونَصَرُوا أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} (الأنفال: 74) وركز الشيخ على وعد الله لهم بمغفرة ذنوبهم، إنَّ الأمر الذي يهمنا في معرض حديثنا عما جرى من الفتن بين الصحابة هي قضية التوبة والمغفرة التي وردت في
كثير من الآيات الكريمة السابق ذكرها» (4).
(1) إبراهيم بيوض: فضل الصحابة والرضا عنهم: 74. (2) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 420/ 15 - 421 (3) إبراهيم يوض: فضل الصحابة والرضا عنهم: 74.
(4) م. ن: 44. (1/196)
صفحة 190
المبحث الرابع: التحرر من التعصب المذهبي
197
يشترط في المتولى أن يكون موفيًا تائبا عما صدر عنه من ذنوب، وقد برهن الشيخ بيوض أنَّ السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ذنوبهم تقع مغفورة فهم مؤمنون حقا وقد رضي الله عنهم وهو يعلم أنهم سيفتنون، ولذلك فهم في الولاية وقد أمرنا الله بالاستغفار لهم، ومن قواعد الشرع الثابتة عدم الاستغفار لمشرك أو لكافر أو لمن يُبرأ منه» (1).
2 - قوله تعالى: {تُمْ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا تُمْ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النحل: 110) «فإن كانت هذه الآية
واردة في حق هؤلاء السابقين الأولين فما بقي لهم من الذنوب ياترى؟» (2). -3 - قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُومِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبهمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح: 18). إن ما حدث بين الصحابة من فتن وقع بعد نزول هذه الآيات التي يمن الله فيها عليهم بمغفرته ورضوانه إلا أنه سبحانه وتعالى علام الغيوب، فلا تتبدل ولايته ولا عداوته، وهذا ما استدل به الشيخ بيوض أنَّ ذنوب هؤلاء المؤمنين حقاً لا تقع إلا مغفورة ولتتيقن ولنعتقد كل الاعتقاد أن ولاية الله وعداوته لا تتبدلان ولا تتحولان، فهؤلاء الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه وأكد تويتهم ومغفرتهم بتأكيدات عديدة لا غرابة أن يُقال فيهم لا تقع ذنوبهم إلا مغفورة (3) ومعنى أنهم يوفّقون إلى التوبة والاستغفار، ولا يصرون على ذنب، فالمغفرة حقت لهم، وكأنها حق من حقوقهم) وما داموا قد ألزموا كلمة التقوى فيصدق فيهم قول الله عزّ وجَلَّ: {إِنَّ الذِينَ اتَّقَوا إِذا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَان تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مبْصِرُونَ) (الأعراف: 201).
(1) إبراهيم يتوض: فضل الصحابة والرضا عنهم: 49.
(2) م. ن: 35.
35:0
(3) م. ن: 67 - 68.
(4) م. ن: 17.
:0. p
ذلك (1/197)
صفحة 191
198
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
كما استدل الشيخ بيوض ببعض الأحاديث التي تبين فضل الصحابة خاصة المبشرين بالجنة، منهم الخلفاء الراشدون ولكل منهم مزايا وفضائل لا تكاد تعد، وقد حكم على إيمانهم بأنه حق وأنهم فائزون وأنه رضي الله عنهم وأنه تاب عنهم، والنبيء بشرهم واحدا واحدًا بالجنة» (1).
ومن هذه الأحاديث رواية قصة حاطب بن أبي بلتعة الذي قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حقه: «ما يدريك يا عمر لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (2) (3).
أما
من الناحية العقلية فقد استدل الشيخ بيوض على وجوب الكف عن الخوض في أحداث الفتن بموقف بعض الصحابة الذين لزموا الحياد في فتنة الدار والجمل وصفين، فإذا كان هَذا موقف بعض الصحابة زمان هذه الفتن يوم وقوعها، أنأتي نحن من بعدهم بعد مئات السنين فنخب ونضع في هذه المسألة؟! فالواجب إذن هو عدم الخوض
2 موقفه من عثمان بن عفان:
إن كان الله قد خص أهل بدر بفضل المغفرة، و من على صحابة رسوله الذين بايعوه تحت الشجرة بالرضوان فإنّه مما يستند إليه الطاعنون في حق الخليفة عثمان له كونه لم يشهد بدرًا ولا البيعة أما الغياب عن بدر فلكونه ممن حبسهم العذر، ذلك أنه رغب في أن يشهدها إلا أن زوجته رقية اشتد مرضها فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالبقاء معها لتمريضها، وقال له: (إنَّ لك أجر رجل ممن شهد بدرًا
(1) إبراهيم بيوض: فضل الصحابة والرضا عنهم: 37. (2) البخاري: كتاب تفسير القرآن باب لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاءَ) حديث: 4608، 4/ 1855؛ مسلم، کتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم وقصة حاطب بن أبي بلتعة،
حديث: 2494، 4/ 1941.
(3) إبراهيم يوض: فضل الصحابة والرضا عنهم: 55 في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 236/ 1. (4) إبراهيم بيوض: فضل الصحابة والرضا عنهم: 76. (1/198)
صفحة 192
المبحث الرابع: التحرر من التعصب المذهبي
199
وسهمه (1)، أما عن بيعة الرضوان التي قال الله عن أصحابها: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} (الفتح: (18) فيؤكد الشيخ بيوض أنها وقعت من أجل عثمان به سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريش، وقد بايع مكانه، منوها بالأدب العالي الذي يتحلّى به، إذ رفض الطواف بالبيت وقد أذن له المشركون في ذلك، وقال: «لا طواف والنبيء عنه ممنوع (2).
وخلاصة موقف الشيخ بيوض من الصحابة ل فهي الرضا والاستغفار لهم كما أمرنا الله تعالى، والوقوف فيما شجر بينهم، هذه وهذا ما أعتقده وأدين الله تعالى به» (3).
جميعا، الخلاصة،
عنهم هي
ما أحوج المذاهب الإسلامية إلى نقد داخلي موضوعي لتراثها، بتوحيد مرجعية المسائل والعودة بها إلى مصادرها الأصلية، ومراعاة المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، وفقه الواقع لحسن تنزيلها في الحياة اليومية.
رابعا: نقد التراث الإباضي: يشترط الشيخ بيوض لقبول أخبار العقيدة بلوغ درجة التواتر والا توقف في اعتقادها، كموقفه من الرواية التي تنص على أن أربعة من الأنبياء لم يموتوا بعد، وهم: عيسى وإدريس والخضر وإلياس)، وكذلك مسألة تحديد عدد الأنبياء والرسل وذكر أسمائهم، فهذا ما لا نعتقده من يدري لعل نبينا أو رسولاً يزيد أو ينقص من هذا العدد؟» (5) فإن الواجب هو الإيمان بالأنبياء والرسل دون تحديد عددهم.
(4)
(1) عبد الستار: الخلفاء الراشدون حياة ماجدة وأعمال خالدة، ط 1، دار القلم، دمشق،
268:2000/ 1420
(2) في رحاب القرآن، تفسير سورة الفتح، ج 19، نسخة المسودة (الرقمية).
(3) إبراهيم بيوض: فضل الصحابة والرضا عنهم: 02.
(4) اطفيش، شرح عقيدة التوحيد، تح مصطفى بن الناصر وينتن، ط 1، المطبعة العربية - غرداية، نشر جمعية التراث - القرارة - غرداية، 1422 هـ / 2001 م: 446 - 451.
(5) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 2/ 280. (1/199)
صفحة 193
200
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
وقد استغرب الشيخ بيوض من نقل الشيخ اطفيش أسماء 313 رسولاً (1) بينما يقول تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وَلَقَدْ اَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصَنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مِّن لَّمْ تَقْصص عَلَيْكَ) (غافر: (78) فهل هؤلاء الذين ذكرهم الشيخ تمن قص الله خبرهم؟ إننا لا نحدد عدد 313، وإذا كان فيهم من لم يقصص الله خبرهم فمن أين يجيء بهذه الأسماء؟!» (2).
(3)،،
كما نقد الشيخ بيوض صاحب عقيدة التوحيد) بتحديده لعدد الأنبياء والرسل، فصاحب العقيدة جمع شيئًا مما كان مشهورًا في زمانه في العقيدة ... ). ويلاحظ أن صاحب العقيدة ذكر الأنبياء الأربعة الذين يقال إنهم لم يموتوا، فرغم شهرة هذه المعلومات ورواجها لا يؤهلها إلى مرتبة الاعتقاد، لأن ذلك لا يتأسس إلا على اليقين، وصاحب العقيدة رحمه الله ترخص كثيرًا وأدخل فيما سماه بـ "العقيدة أشياء أخبر بها كعدد الأنبياء والمرسلين -مثلاً- ونحن كما قلنا مرارا لا نؤمن بعدد معين لأنه ربما يكون أقل أو أكثر» (3).
يذكر الشيخ بيوض أن الحديث الوحيد الذي عليه مدار عدد الأنبياء والرسل رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر)، ويرى أنه لا يصح الاعتماد عليه في القطع واليقين لأنه حديث أحادي لا يفيد القطع ولا يوجب الاعتقاد، وفي رأينا نحن أنه ما كان ينبغي أن يكون مثل هذا العدد في العقيدة لأن ما يوجد في
(1) اطفيش، شرح عقيدة التوحيد، 439 - 441. (2) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 510/ 14. (3) تنسب عقيدة التوحيد إلى أبي حفص عمرو بن جميع من علماء إياضية المغرب في القرن السابع الهجري، مترجمها من البربرية إلى العربية، ويرجع تاريخ تأليفها إلى أواخر القرن الثاني من الهجرة الشماخي: السير، 2/ 200؛ سالم بن يعقوب: تاريخ جربة: 59؛ الجعبيري: نظام العزابة، 254 الجعبيري: البعد الحضاري، 124؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 662/ 3 - 663.
(4) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 509/ 14.
(5) م. ن: سورة الكهف: 2802792
(6) تقدم تخريجه ص: 96. (1/200)
صفحة 194
المبحث الرابع: التحرر من التعصب المذهبي
201
العقيدة قد يعتمد عليه الناس ويعتقدونه الحق، فصاحب العقيدة" يقول: "الرسل
هم
66
66
ثلاثمائة وثلاثة عشر بينما المسند يقول: "ثلاثمائة وخمسة عشر فلا يتعيّن الإيمان إذن بعدد معين، وبذلك وقع خلاف كبير بين العلماء وجدال عنيف .... والحق الأ نقصر إيماننا على عدد معين (1).
كما نقد الشيخ بيوض بطريقة غير مباشرة - طريقة القطب في الاستدلال بالإلهام، إذ يقول عن نفسه: «أَلْهَمْتُ» و «رُوِّعت»، فبعد أن اعترف له بأنه قال أشياء كثيرة بطريق الإلهام وصحت نفى وقوع أمور أخرى أخبر القطب بوقت حدوثها وصرّح بأنها بلغته عن الطريق نفسه، منها تحديد وقت نزول المسيح عليه السلام، حيث يقول في تيسير التفسير: (سينزل عيسى إن شاء الله على ما أُلْهِمْتُ وروعت بعد أربعين عاما من تاريخ 1325 للهجرة (2). وقال الشيخ بيوض بعد ذلك: (ولو كان الأمر كما قال الشيخ لكان عيسى نزل سنة 1365 هـ، وها نحن في سنة 1393 هـ أي بعد 28 سنة من ذلك التاريخ، ولم نعلم بأن عيسى بن مريم نزل، إلا أن يكون في جزيرة غير معروفة (3).
يرى الشيخ بيوض على خلاف المشهور في المذهب- جواز الدعاء بالهداية لِمَن هو في براءة المسلمين، واستدل على ذلك بنصوص من السنة والسيرة النبوية، ويرى أن الحرمان من هذا الأمر تشدّدًا، حيث يقول: «فمن المشددين من منع الدعوة له بالهداية، وأنا أرى غير ذلك، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللهم اهدِ قومي، إنهم لا يعلمون» (4) (5).
(1) في رحاب القرآن، سورة غافر: 332/ 16.
(2) اطفيش: تيسير التفسير، 13/ 115.
(3) - في رحاب القرآن، سورة الزخرف: 579/ 17.
(4) المقدسي: الأحاديث المختارة، تح عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، ط 1، مكتبة النهضة الحديثة، مكة
المكرمة، 1410 هـ: 14/ 10.
(5) إبراهيم بيوض المجتمع المسجدي درس يوم 1973/ 6/19 م، قرص مدمج تسجيلات الحياة. (1/201)
صفحة 195
202
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
خامسًا: الاستشهاد بأقوال أيمة المذاهب وتثمين مواقفهم:
مما يدل على إنصاف الشيخ بيوض وتحرّره من التعصب المذهبي استشهاده - في دروسه المسجدية، لتبيين مسائل -الإيمان بأقوال أيمة المذاهب، ومن ذلك قوله في موضوع الحصانة الإيمانية والتحذير من التعلّق بالشبهات: «كما قال الإمام مالك: "لا يكن قلبك كالإسفنجة تتشرب الشبهات، وليكن كالزجاجة التي تدفع ولا ينفذ منها إلا النور (1).
فأهداف الشيخ الإصلاحية رقّته من النظرة المذهبية الضيقة إلى رحابة العمل الإسلامي الواسع، والدوران مع الحق مهما كان مصدره والتوسل بالحكمة أني وجدها، فأثناء حديثه عن موضوع الصبر - مثلاً - استعرض نماذج للصابرين من رجالات الإسلام بغض الطرف عن انتمائهم المذهبي، ومن ذلك حديثه عن الأعلام الذين وفقوا في تحويل محنهم إلى منح كابن تيمية الذي قال الشيخ بيوض عن محنته: فقد حبس ابن تيمية فقال: "ما خلوت إلى ربي ولا انقطعت
(2)
من الدنيا
أكثر من أيام السجن ذهب الشيخ بيوض إلى أبعد من هذا حيث استشهد بيقين بعض أئمة المذاهب وثباتهم في قضايا تتعارض وموقف مذهبه، ومن ذلك ثبات الإمام أحمد بن حنبل في محنته لأجل موقفه في قضية خلق القرآن (3) مركزا على الآثار الإيجابية للإيمان، وأبعاده العملية، منها الثبات في كل الأحوال والأزمات، وإن كان صاحبه مقيّد الأيدي والأرجل في سجن مظلم، حيث يقول: «وقد رويت بعض الكلمات عن بعض المسجونين، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل الذي اعتبر السجن خلوة مع الله تعالى، فحمدها وشكرها، وقال: لقد قدّموا إلي خدمة كبرى، لأنهم قطعوني عن شواغل الدنيا كلّها حَتَّى أخلو إلى الله ... ).
(1) في رحاب القرآن، سورة طه: 365/ 3 - 366.
ن: سورة الروم: 10/ 360.
(3) م. ن: سورة القصص: 8/ 359.
(4) م. ن: سورة فاطر: 477/ 13. (1/202)
صفحة 196
المبحث الرابع: التحرر من التعصب المذه
203
وثمن الشيخ بيوض موقفاً آخر من مواقف الإمام أحمد بن حنبل، ويتعلق بجوابه سائله عن قول بعض العلماء إنَّ السنة قاضية على الكتاب حيث تحرّج الإمام من هذا التعبير وقال: ما أجسر على هذا أن أقوله، إن السنة تفسر الكتاب وتبينه»، أبدى الشيخ بيوض إعجابه بهذا الجواب وعلق عليه بقوله: «هذا والله هو الفقه في الدين، وهذا هو خلق العلماء الحقيقيين، "ما أجسر على هذا أن أقوله، ما أحلاها من كلمة في ذوق المؤمن وإنها - والله - لتكشف عن سر ما وقر في صدر هذا الرجل العظيم» (3).
ذلك
كما كان الشيخ بيوض يوجه المستفتين إلى التوسع في القضايا التي يسألونه عنها إلى الإطلاع على كتب أعلام الإسلام من خارج المذهب الإباضي، ومن قوله: وعليك بالاطلاع على ما كتبه الإمام الحجة الشيخ رشيد رضا (2) في تفسير المنار ... وإن أردت توسعا أكثر من ذلك فعليك بكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية المسمى "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (3).
ومن دلائل انفتاح الشيخ بيوض على المذاهب الأخرى إدراجه في مقررات التدريس بمعهد الحياة مؤلفات لعلماء من خارج المذهب الإباضي، في مادة العقيدة عن سواها، ومن ذلك تدريسه رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده، فقد كان متفتحا منصفا يتعاون مع المنصفين، وقد قال في إحدى محاضراته بعد أن استعرض
فضلاً
(1) إبراهيم يتوض: روح الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي، محاضرة ألقاها بالملتقى السابع للتعرف على الفكر الإسلامي، تيزي وزو، 1393 هـ/ 1973 م: 2/ 783. (2) محمد رشيد بن علي رضا (1282) - 1354 هـ/ 1865 - 1935 م) أحد رجال الإصلاح في العالم الإسلامي، ولد ونشأ في القلمون (من أعمال طرابلس الشام وتعلم فيها وفي طرابلس، ثم رحل إلى مصر سنة 1315 هـ فلازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ له، ثم أصدر مجلة "المنار" لبث آرائه في الإصلاح الديني والاجتماعي، أصدر منها 34 مجلدا، ومن أشهر آثاره تفسير القرآن الكريم" لم يكمله، و "تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ثلاثة مجلدات، و الوحي المحمدي"، وللأمير شكيب أرسلان كتاب في سيرته سماه "السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة. الزركلي: الأعلام: 126/ 6.
،،
(3) إبراهيم بيوض: الفتاوى: 56/ 1. (4) محمد علي دبوز نهضة الجزئر: 30/ 2 (1/203)
صفحة 197
204
الفصل الثاني: خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
أقوال بعض العلماء المنصفين: هذه عقيدتنا وهذا ما نلقى الله تبارك وتعالى به وهذا ما ربينا عليه شبيتنا (1).
فتصريحات الشيخ بيوض ومواقفه في النقد البناء للأقربين وتثمين مواقف أيمة المسلمين تنمّ عن تحرّره من التعصب المذهبي المقيت، وهي خطوة أساسية جريئة في تحقيق وحدة المسلمين واستجابة دعوات المخلصين منهم للمعرفة والاعتراف والتعاون، أمثال عوض خليفات الذي رفع نداءه من قلب المملكة الأردنية قائلاً: ونأمل أن يقوم الإباضية في شمال إفريقية بالانفتاح على بقية المسلمين وفتح مكتباتهم للباحثين العرب والمسلمين حتى يفهم الآخرون مذهبهم ومبادئهم، وبالتالي يزول الشك ويختفي الحذر وتضيق الفجوة بينهم وبين بقية المذاهب الإسلامية الأخرى (2).
بالاعتراف بجهود العاملين في الحقل الإسلامي العام والتعاون معهم ننهي مبحث إبراز بعض خصائص المنهج العقدي عند الشيخ بيوض، التي تستحق التثمين والاستثمار، وسنطلع على مزيدٍ من تجلياتها في الفصل القادم الخاص
بعرض أصول الإيمان عند الشيخ بيوض، مع التركيز على أبعادها الميدانية.
(1) إبراهيم يتوض: روح الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي، محاضرة ألقاها بالملتقى السابع للتعرف على الفكر الإسلامي، تيزي وزو، 1393 هـ/ 1973 م: 2/ 821.
(2) عوض خليفات: النظم الاجتماعية عند الإباضية في إفريقية في مرحلة الكتمان، دار مجدلاوي، عمان - الأردن، 1982 م: 94. (1/204)
صفحة 198
الفصل الثالث
أصول الإيمان وأبعادها (1/205)
صفحة 199
المبحث الأول: التوحيد والغيب
المبحث الأول
التوحيد والغيب
207
يتناول هذا المبحث دراسة الأصول الثلاثة: الإيمان بالله والملائكة واليوم الآخر، التي يشملها مصطلح الغيب، وجاء في العنوان عطف الغيب على
التوحيد من باب عطف العام على الخاص.
تعريف الغيب:
أ- لغة: «كل ما غاب عنك» (1).
ب اصطلاحا:
الغيب عند الشيخ اطفيش هو مالا يدركه الحس ولا يقتضيه بدلالة العقل» (2).
وعرفه الشيخ بيوض بأنه كُلُّ شَيء غير موجود في عالم المحسوسات» (3).
يلاحظ أن تعريف الشيخ اطفيش أكثر دقة وتقييدا، ذلك أنه يتضمن إشارة إلى
،،
طريق إدراك الغيب، وأن قوله: "ولا يقتضيه بدلالة العقل قيد أخرج من التعريف ما كانت معرفته ممكنة بالنظر العقلي كمعرفة وجود الله تعالى، إلا أنّ تعريف الشيخ بيوض أقرب - في شموليته - إلى النظرة القرآنية التي لخصها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي بأنه كلّ ما كان غائبا عن الحواس» مشيرًا
(1) ابن منظور: لسان العرب: 151.
(2) مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: 159؛ نقلا عن اطفيش: هميان الزاد: 209/ 1.
(3) في رحاب القرآن، سورة النمل: 140/ 8
(4) محمد سعيد رمضان البوطي: كبرى اليقينيات الكونية، ط،28، دار الفكر، دمشق - سوريا، 1429 هـ /
301:2008
14 (1/207)
صفحة 200
208
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
إلى أنّ هذا التعريف يدخل فيه الإيمان بالله تعالى والإيمان بالملائكة والجن، إضافة إلى أصل "اليوم الآخر الذي لا سبيل إلى الإيمان به إلا بالخبر اليقيني.
ترتبط حياة الإنسان، معاشه ومعاده، بعالم الغيب ارتباطا وثيقا، «أما الآخرة فهي غيب مطلق، لأنها لم تأت بعد، وأما ما في هذه الدنيا فالغيب فيها
أكثر من الشهادة» (1).
أولاً: الإيمان بالله:
1 - تعريف التوحيد:
التوحيد
لغة: الإفراد، والفرق بين الواحد والأحد أن الأحد شيء بني
ما يذكر معه من العدد، والواحد اسم لمفتتح العدد (2).
التوحيد اصطلاحًا اعتقاد تفرد الله في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله (3). يرى الشيخ بيوض أنه إذا كان في الوجود حقيقة فالحقيقة هي الله تعالى أولاً وأخيرا، ولذلك سمى نفسه الحق، لأن وجوده حقيقي قطعي لم يسبقه عدم ولا يأتي بعده عدم» (4)؛ فما فما هي الأدلة التي وظفها الشيخ لإثبات وجود الله ووحدانيته؟ 2 أدلة وجود الله ووحدانيته
شرع الله لعباده الدين ليعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وقد عنى القرآن الكريم بتوحيد الألوهية أكثر من مسألة الوجود لأنَّ الوحدانية هي الغاية من التشريع ولكثرة ما يطرأ من انحراف في تصوّرها عند المؤمنين بوجود الله)، وقد سلك
(1) في رحاب القرآن سورة المؤمنون: 251/ 5
(2) ابن منظور لسان العرب: 231/ 15. (3) في رحاب القرآن سورة ص: 180/ 15
(4) من سورة المؤمنون: 154/ 5.
(5) عبد المجيد النجار: خلافة الإنسان بين الوحي والعقل: 29 (1/208)
صفحة 201
209
المبحث الأول: التوحيد والغيب الشيخ بيوض لإثبات وجود الله الطريق القرآني المخاطب للفطرة والعقل والوجدان، واعتبر منهج علماء الكلام منهجًا ظرفيا خاصا اضطر إليه علماء الإسلام للرّدّ على الملاحدة وفلاسفة اليونان، فليس الطريق المؤدي إلى معرفة الله والإيمان به هو هذا الشك، وهذا الجدال، وإنما ما سنّه الله وشرعه في كتابه من الإرشاد إلى النظر في الكون والتأمل في آياته (1) كقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي
I
الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُ الْحَقِّ (فصلت: 53) وقوله سبحانه: {وَفي} الأَرْضِ وَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ (الذاريات: 20 - 21) هذا هو
الطريق القرآني للهداية.
أ- أدلة وجود الله
دليل الفطرة:
أقرب الطرق التي توصل الإنسان إلى معرفة الله تعالى فطرته السليمة التي أودعها الله فيه ففطرة الله في القلب كافية وحدها ليدرك الإنسان من غير أن يذكره عالم أو والد أو مُرَب، فما هو إلا أن ينظر إلى الأرض وما فيها وما عليها، وينظر إلى السماء والشمس والقمر، فإذا هو يَتَفَكَّرُ ويتساءل: من خلق هذا الكون العظيم الذي لا يحد ولا يتناهى؟ من الذي يسيّره ويدبره؟ أي مخلوق يستطيع أن
يقول: أنا أو فلان؟» (2).
آيات الآفاق والأنفس:
حجة الله على عباده بسيطة وكافية لترسيخ الإيمان، وهي تقطع عذر كل إنسان، لأنها متوفرة أمام ناظريه أنى توجّه وميسورة الفهم مهما تدنى مستواه المعرفي، ويكفي هذا النوع من الأدلة - رغم بساطته - لترسيخ الإيمان في قلب
(1) في رحاب القرآن، سورة العنكبوت: 103/ 9.
(2) م. ن: سورة الشورى: 234/ 17. (1/209)
صفحة 202
210
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
المتفكر المتدبّر، فأنت حين تمشي على الأرض أنظر إليها تدلّك على الله، وارفع رأسك إلى السماء تدلك على الله، فالله تعالى يقيم الحجة بهذه الأشياء البسيطة التي يستوي فيها العالم والجاهل (1)
آيات الله مبثوثة في هذا الكون البديع، قال الشيخ بيوض عن تجلي براهين الإيمان في اختلاف ألوان الناس والثمرات والدواب والأنعام .... «فسبحان الله، أين تكونت تلك الألوان وما سبب هذا الاختلاف بينها؟ ونحن لا نقول هذا تسدية للفراغ، أو تضييعا للوقت كلاً، فكلّ كلمةٍ نقولها إلا ويزداد بها الإنسان تعظيما لله وحباً له، واعترافا بسلطانه وقدرته، وبهذا يرسخ الإيمان في القلب» (2).
أكبر دليل على وجود الله هو هذا الكون البديع علويه وسفليه، فالإنسان يعجز أن يفهمه وأن يفسره، بل يعجز أن يفهم نفسه مجردًا عن الإيمان بوجود الله، فالله هو الخالق وإليه النشور، أمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ} (الطور: 35 - 36).
ب الوحدانية وأدلتها:
(4)
الوَحْدَانِيَّة أَوَّلُ صفة تجب في حق الله تعالى، وهي الصفة الإلهية الجامعة لكل صفات الكمال (5)، فالله سبحانه واحد في ذاته وصفاته ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى: (11) وهو واحد في أفعاله يتصرف في كونه كيف يشاء، وواحد في حكمه ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (الرعد: 41) فبذلك استحق العبادة، وحده لا شريك له.
(1) في رحاب القرآن، سورة يس: 156/ 14 (2) م. ن: سورة فاطر: 495/ 13.
(3) وحيد الدين خان: الإسلام يتحدى: 53. (4) في رحاب القرآن، سورة غافر: 67/ 16. (5) م. ن: سورة ص: 180/ 15. (1/210)
صفحة 203
المبحث الأول: التوحيد والغيب
211
لا يشترط الشيخ بيوض لإثبات وجود الله ووحدانيته معرفة الأدلة الكلامية،
بل يرى أنه يُغني عن ذلك التصديق القلبي الجازم والفهم السليم، الذي يُقر بالعجز عن إدراك ذاته سبحانه وتعالى وهذا حقا هو الفهم الصحيح، وهو الإيمان النظيف النقي السليم الذي ليس فيه شائبة شرك أبدا» (1) وهذا الإيمان ليس مجرد العلم بوجود الله وسائر، صفاته، إنما معناه أن تكون معتقدًا اعتقادًا جازما بها، لا يزلزل عقيدئك شيء ولو اجتمع أهل السماوات والأرض ليغيروا من عقيدتك لا تتغير حتى تموت عليها» (2). أولى القرآن الكريم عناية خاصةً لقضية التوحيد باعتبارها القاعدة الأساسية التي تنبني عليها بقية أركان الإيمان والشرط اللازم لقبول الأعمال، ولكونها العقيدة التي كثر فيها انحراف البشر عن حقائق الفطرة المركوزة في النفوس، وعن حقائق الوحي التي هي مفتاح دعوة الرسل جميعا، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنا فَاعْبُدُونَ} (الأنبياء: 25).
دعوة الأنبياء والمجددين عبر التاريخ ترتكز على تصحيح الانحراف الواقع في أمر التوحيد، لأن صلاحه صلاح لسلوك الفرد والمجتمع، والشيخ إبراهيم بيوض - أحد رواد الحركة الإصلاحية في الجزائر - ركز في نهضته الإصلاحية على ترسيخ الإيمان في النفوس، وتيسير فهمه للعامة والناشئة بتحريره من تعقيدات علماء الكلام الذين عدّرَهم لسلوكهم ذلك المنهج مضطرين، بل اعترف لهم بفضلهم في مقاومة العناصر الفاسدة الدخيلة على الإسلام، واعتبر ذلك ظرفًا خاصا داعيا إلى ضرورة الرجوع إلى المنهج النبوي الميسر الفاعل، هذا هو الدين في يسره سره، وفي صراحته وصفاء نبعه، وهل كان النبي يلقن أصحابه هذا الجدل؟ ونحن نعذر
(1) في رحاب القرآن، سورة مريم: 91/ 3. م. ن: سورة القصص: 8/ 362.
(2)
(3) عبد الستار فتح الله سعيد، المدخل إلى التفسير الموضوعي، ط 2، دار الطباعة والنشر الإسلامية، القاهرة
مصر، 1411 هـ/ 1991 م: 104. (1/211)
صفحة 204
212
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
سادتنا العلماء الذين دخلوا هذا الجدال مضطرين لمقاومة العناصر الفاسدة التي دخلت في الإسلام، ولكن كفى هذا، فذاك دهر مضى وانقضى، وعلينا أن نتمسك بالعقيدة الصحيحة» (1).
ترتكز العقيدة الصحيحة على تدبر آيات القرآن وآيات الأكوان، فإذا اجتمع النوعان من الآيات أثمرا خشوع القلب وازدياد الإيمان، والاستسلام التام لتطبيق الأحكام، لأن التفكر في عظمة خلق الله تكسب تعظيم الخالق في القلب، فإذا عرف الأمر سهل تنفيذ الأوامر، (حتى ندرك عظمة الله تعالى نتساءل فنقول: ما الإنسان؟ وما قوته؟ وما عمره؟ بالنسبة للأرض التي هي هباءة لا ثرى وسط المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية إن هي إلأ هباءة وسط المجرة، وهذه المجرة آلاف الملايين من المجرات الأخرى ... سبحانك سبحانك ما أعز شأنك وأعظم سلطانك! ...
من
فمن هذا الرب العظيم ومن هذا الإله الذي خلق الكون العظيم نستمد ديننا وهدايتنا ورشدنا، فلا شرع إلا ما شرع، ولا دين إلا ما جعله دينًا، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا حلال إلا ما أحله ولا واجب إلا ما أوجبه» (2).
فكما أن صلاح هذا الكون - من الذرّة إلى المجرة - لا يستمر إلا باتباع النظام المحكم الذي أودعه فيه خالقه العليم القدير، وهداه إليه هداية طبيعية فطرية ربنا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (طه: (50) فإنَّ صلاح حياة الإنسان أيضا- لا يتحقق إلا باتباع شرع الله الذي هداه إليه هداية دلالة وبيان «فالواجب على البشر أن يستمدوا دينهم وشرعهم ومدنيّتهم من الله تعالى العليم الخبير، فالذي خلق هذا الكون وجعل له هذا النظام الذي يصلح به هو الذي وضع لنا كل ما يصلح بنا نحن البشر الذين جعلنا خلفاء في الأرض» (3).
(1) في رحاب القرآن سورة القصص: 8/ 363 - 364.
(2) من سورة لقمان: 414/ 11.
454/ 11 (3) (1/212)
صفحة 205
المبحث الأول: التوحيد والغيب
213
استدل الشيخ بيوض على توحيد الله تعالى بأنواع عديدة من الأدلة، منها الآيات التي استدل بها على وجوده سبحانه وتعالى، ومنها قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبِّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} آل عمران (51) على أنَّ العبادة نتيجة ضرورية للربوبية، وأنَّ الذي يستحق العبادة هو الرب ((1) وعلى حرمة عبادة غير الله سبحانه وتعالى، عبادة خضوع وركوع أم عبادة دعاء وتوسل لكونه ليس ربا حقيقيًّا، أَفَمَنْ يُخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ؟) (النحل: 17) لهذا يحرم عبادة كل من هو ليس برب، من أحجار وأشجار وقباب، وكلّ ما لا ينفع ولا يضر) (2).
3 - الصفات وأقسامها: كلف العباد بمعرفة ربهم العظيم، ويستحيل إدراك حقيقة ذاته العلية لأنه غيب مطلق، إلا أنه يُعرف بأسمائه الحسنى وصفاته العلا والنظر في تجلياتها في مخلوقاته.
يرى الشيخ بيوض أن اسم الله الأعظم الذي هو علم على الذات العلية هو لفظ الجلالة "الله"، وهو اسم غير مشتق تجري عليه الصفات (3)، فتقول مثلا: الله العزيز العليم الحكيم، ويرى أن أسماء الله الحسنى صفاته، وأنها توقيفية
(5)
هي
(4)
فمنع أن يسمى الله تعالى بما لم يُسمّ به نفسه، وإلى هذا ذهب الشيخ اطفيش (6) وجمهور الأشاعرة (7)، أما الإباضية فجوزوا ذلك شرط ورود الاسم في نص وأن يُضاف إلى ما يتم معناه، مثل فالق الحب، وتنزيها الله من صفات النقص منعوا
(1) في رحاب القرآن سورة مريم: 93/ 03
(2) م. ن: 93/ 03.
(3) م. ن: سورة الزمر: 264/ 15.
(4)
(5)
م. ن: سورة فصلت: 517/ 16.
من سورة الزمر: 305/ 15
(6) مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: 114.
(7) أبو الحسن الأشعري: اللمع: 10؛ البيجوري: تحفة المريد على جوهرة التوحيد: 89. (1/213)
صفحة 206
214
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
اشتقاق أسماء دالّة عليه ولو ذكرت أفعالها في القرآن الكريم، مثل: مكر، خدع نسي ... الخ، فلا يُصاغ منها: ماكر، خادع ناس (4)
(1)
يعجز البشر عن إدراك حقيقة أسماء الله الحسنى وفي ذلك العجز تعظيم الله وتنزيه، وكل ما يجب أن نعتقده أنَّ الله الأسماء الحسنى، وهي صفاته، ولكن لا نعرف لها حقيقة، إلا أنه اتصف بها، ويكفينا هذا» (2).
فوقوف العبد عند هذا الحد من معرفة الصفات الإلهية ليس تقصيرا منه وتفريطاً بل إنَّ عَجْزه عن إدراكه إدراك، فليس له أن يتدخل في صفاته لأنه لن يفهم شيئًا عن حقيقتها وإنما يرى أثرها (3)، ومن رام إدراك حقائق صفات الباري فلا برهان له فيؤديه بحثه إلى الحيرة والضلال لأنه لا مطمع للمخلوقين في ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)، «وما أسماء الله تعالى إلا صور صوّرها الله تعالى لندرك ونفهم بها أنه عليم بصير قادر مريد، وليس هناك عبارة تؤدي هذا الغرض سوى هذه الكلمات، ثم نقف ونعترف بالعجز والقصور وهو ما يرضاه الله لنا» (5).
أ- الصفات الذاتية
الصفات الذاتية هي كل صفة دلّت على نفي ضدّها عنه تعالى واتصف بها في الأزل (6)؛ ولم أقف على تعريف للشيخ بيوض للصفات الذاتية إلا أنه وردت له أقوال في كيفية التعامل مع الصفات الإلهية، وتبيين السبيل الأسلم لفهمها استنتجت من خلالها أنه يعني هذا القسم من الصفات، حيث بين خطورة تفسير أسمائه وصفاته بغير علم حذر الوقوع في شَرَك التجسيم والشرك، ووجه العامة
(1) الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 222، 225 (2) في رحاب القرآن، سورة القصص: 361/ 08. (3) م. ن: سورة الزمر: 298
(4) م. ن: سورة الإسراء: 164/ 01؛ سورة القصص: 361/ 8؛ سورة الزمر: 15/ 289.
(5) في رحاب القرآن، سورة النور: 290/ 06
(6) السالمي: مشارق أنوار العقول: 1/ 343. (1/214)
صفحة 207
المبحث الأول: التوحيد والغيب
215
- ضمانًا للسلامة في اعتقاد صفات الباري عزَّ وجلَّ- إلى فهم الصفات فهما سلبيا، أي بالاكتفاء باعتقاد نفي عكس الصفة، فيقال: الله حي ليس بميت بصير: ليس بأعمى سميع ليس بأصم ... ثم قال: «فلا نتمسك باللفظ فنفسره كيف نشاء، ومن شك فليعتقد نفي العكس، ويكفينا هذا (1).
ففي عبارة الشيخ دلالة على أنه يعني الصفة الذاتية" لأنّ علامتها الفاصلة بينها وبين صفات الفعل هي استحالة وصف الله بضدها، وقد بين الشيخ قبل ذلك أن اختيار الصفة السلبية لإثبات الصفة الإيجابية الله تعالى هو طريقة بعض العلماء (3)، منهم عمرو بن رمضان التلاتي (4) حيث يقول: «صفات الذات: أمور اعتبارية، أي معان لا حقيقة لها في الخارج، وإنما وصف بها تعالى نفسه ليعلمنا أن أضداد تلك الصفات منتفية عنه تعالى (5).
هي
حرص الشيخ على التمييز بين حقيقة معنى صفات الخالق وصفات المخلوق رغم تشابه العبارات، فكل من الخالق والمخلوق يوصف -مثلاً- بالسمع والبصر
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 481/ 15.
(2) السالمي: مشارق أنوار العقول: 342/ 1. (3) في رحاب القرآن سورة القصص: 361/ 08
(4) عمرو بن رمضان الجربي التلاتي، أبو حفص من علماء الإباضية بجربة في القرن الثاني عشر، ولد في جربة في حومة تلات، وإليها ينسب، وتوفي عام 1187 هـ / 1773 م. أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان الحيلاتي؛ ثم انتقل إلى مصر حيث استقر بالقاهرة، ودرس في المدرسة الإباضية بجامع ابن طولون، كما كان يلقي دروسا تطوعية بالجامع الأزهر الشريف. نبغ في مختلف الفنون من علم المعقول والمنقول. من تلاميذه: علي بن يوسف ابن محمد المليكي المصعبي، ورمضان بن أحمد الغول الجربي، وأبي زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي؛ و من أهم مؤلفاته:
- شرح النونية لأبي نصر فتح بن نوح الملوشائي، سماها: «اللآلئ الميمونية على المنظومة النونية» (مخ). - شرح أصول تبغورين سماه: «مرآة الناظرين في أصول تبغورين»، (مخ) وهو شرح مطول. - شرح آخر مختصر للسابق عنوانه: «نخبة المتين من أصول تبغورين» (مط). (الجعبيري: البعد الحضاري: 161 - 160/ 1؛ محفوظ محمد، تراجم المؤلّفين التونسيين، 242/ 1؛ عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية 65؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية تر (687). (5) عمرو التلاتي: نخبة المتين من أصول تبغورين: 146 - 147؛ وانظر عقيدة أبي سهل ورقة 06 وجه. (1/215)
صفحة 208
216
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
والعلم والتكلم لكن لا وجه للشبه بين سمع الله وبصره وعلمه وتكلمه وبين سمع الإنسان وبصره وعلمه وتكلمه، بل التشابه لا يتعدى الألفاظ والعبارات (1). ومهما حاول العلماء من صياغة تعاريف لصفات الباري عز وجل فإنها لا تعدو كونها مقرّبةً لمعانيها، أما علم حقيقتها فهو عند الله وحده.
ب - الصفات الفعلية
الصفات الفعلية هي صفات الباري عز وجل الدالة على أفعاله، ويجوز وصف الله بضدها (2)، كالإحياء والرزق والإماتة ... فهو المتصرف في ملكه كيف يشاء فعلاً وتركا، عطاء ومنعًا، بسطا وتقديرًا {قُل اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُوتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آل عمران: 26).
نفسه من
أفعال،
يؤكد الشيخ بيوض وجوب الإيمان بما أراد الله أن يسنده إلى من غير تشبيه أو تعطيل)، مع الرجوع عند أي إشكال إلى قانون الله المحكم لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى: 11).
4? علاقة الصفات بالذات
يرى الشيخ بيوض - رأي مذهبه الإباضي - أنَّ «صفات الله عينية لا غيريَّة (4)، ويلاحظ أن منهج درسه العقدي هو عدم الخوض في مثل هذه القضايا إلا عند اقتضاء ذلك، كما فعل أثناء أجوبته عن أسئلة الأب كوبرلي عن موقف الإباضية في هذه المسألة وغيرها من بعض قضايا علم العقيدة، ومعتمد الشيخ في اجتنابه الخوض في هذه التفاصيل كونها لا تستند إلى دليل قطعي، ولم يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 12/ 383.
(2) السالمي: مشارق أنوار العقول: 342/ 1. (3) في رحاب القرآن سورة القصص: 361/ 08
(4) السالمي: مشارق أنوار العقول: 346/ 1؛ إبراهيم يتوض: الأجوبة الشافية: 17. (1/216)
صفحة 209
المبحث الأول: التوحيد والغيب
217
الكرام له سلف هذه الأمة، فرأى أنّ السلامة في تفويض الأمر إلى الله في أسمائه وصفاته، والواجب علينا أن نتمسك بعقيدة السلف في كل ما يتعلق بشؤون الله تعالى وصفاته وأسمائه الحسنى فنفوّض فيها الأمر كله إلى الله، ولا نحاول التفلسف زائدة عن الذات ... » (3)؛ ولموقف الشيخ
لنفهم حقيقة الصفة أهى عين الذات أم هي) بيوض في أولويّة اجتناب الخوض في هذه الجزئيات أبعاد، منها:
أ - سلامة المعتقد، لأنَّ العقيدة لا تبنى إلا على الدليل القطعي، وهو ما تفتقر
إليه هذه التفاصيل.
ب تقوية براهين الإيمان في القلب تكون بالمنهج القرآني الفاعل، وقد ضرب الشيخ بيوض مثالا بإيمان الأمهات الصالحات المشهود لهن بقوة التمسك بالدين، مع استغنائهنّ التام عن معرفة هذه التعقيدات الكلامية، فقال: «فمن من أمهاتكم تعرف هذه الصفات أهي عين الذات أم خارجة عن الذات ... ؟!» (2). ج - المحافظة على الوحدة الإسلامية، لأنّ إثارة هذه القضايا من أقوى أسباب توسيع شقة الخلاف المذهبي.
يلاحظ أن لاختلاف الغرض من الدرس العقدي أثره في توجيه منهج عرض المسائل، فالشيخ بيوض يهدف من هذا الدرس تفعيل الإيمان وتحويله إلى قوة باعثة إلى العمل الصالح، وقد تعتريه مناسبات خاصة، مثل مقابلة الأب كوبرلي، فيكون الغرض منه العَرْض التعليمي الذي يصوّر النسق العام للمسائل العقدية من وجهة نظر معينة.
5 أبعاد مبحث الأسماء والصفات: تعتبر الأسماء والصفات من أقوى أسباب معرفة الله تعالى، وقد تبين لنا من قبل أن منهج الشيخ بيوض في التعامل مع الأسماء والصفات مرتكز على تنزيه
(1) في رحاب القرآن، سورة القصص: 359/ 08.
(2)
م. ن: سورة القصص: 362/ 8 (1/217)
صفحة 210
218
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
الخالق عن مشابهة المخلوق شعاره قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء (الشورى: 11) مؤكدًا أن لا وجه للشبه بين صفات الخالق وصفات المخلوق إلا الألفاظ ولولا ضيق اللغة لكان لصفات الله تعالى أسماء غير الأسماء التي نطلقها على أنفسنا ... والله تعالى للطفه بنا عبّر عن صفاته وأسمائه الحسنى بألفاظ نعرفها، فنتصور بها أشياء عَلَى قدر ما نؤمن به ونتيقن من قوته وجبروته وعدله وسلطانه»، مبرزا مقاصد القرآن من إثبات الأسماء والصفات وأبعاده التي هي أبعد ما يكون عن الجدل الذهني، الذي عرف به منهج المتكلمين الذي أحمد فاعلية العقيدة، قال محمد قطب: تؤدي الأسماء والصفات الواردة في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله مهمة كبيرة في هداية القلب البشري، وربطه بالله سبحانه وتعالى، ولكن المتكلمين" أفسدوا هذه المهمة حين حوّلوا الأسماء والصفات إلى قضايا ذهنية
باردة جافة يدور حولها الجدل الذهني ولا تحرّك القلب، ولا تربطه بالله» (2).
إن انطفاء فاعلية العقيدة لم يكن بسبب تعدّد الفهوم والرؤى للنصوص الشرعية، بل لا تكمن في إثبات الصفات وتأويل الجوارح ... أو في التسوية بينهما في الإثبات وعدم التأويل، ولكن المشكلة الحقيقية في نفي أثر الصفات من حياة الإنسان، أو من واقع هذه الحياة (3)، فالله أخبرنا بأسمائه الحسنى ليوجهنا إلى معرفته وترتبط قلوبنا به حتى نتبع أوامره ونتجنّب نواهيه).
أشار الأستاذ فرحات الجعبيري إلى أنه لم يقف - خلال الفترة التي درسها، القرون التاسع والعاشر والحادي عشر الهجرية، على اعتناء الإباضية ولا غيرهم باستخلاص الأثر العملي السلوكي من دراسة الأسماء والصفات (5)
(1) في رحاب القرآن، سورة السجدة: 12/ 50.
(2) محمد قطب: لا إله إلا الله، عقيدة وشريعة ومنهاج حياة 36.
(3) عدنان زرزور، نحو عقيدة فاعلة: 45.
(4) في رحاب القرآن سورة السجدة: 50/ 12
(5) الجعبيري: البعد الحضاري: 768/ 2. (1/218)
صفحة 211
219
المبحث الأول: التوحيد والغيب أما الشيخ اطفيش فقد عنى بالمسألة مبينا أن معنى إحصاء أسماء الله تعالى لا يتوقف الذكر والتعداد فحسب، بل هو التخلّق بما توحي به الأسماء من الصفات والأخلاق الحميدة» (1).
أولى الشيخ بيوض الأبعاد العملية لمسألة للأسماء والصفات عناية كبرى، فلم يكتف بالتمثيل بلفظ الجلالة، بل حرص على تبيين تجليات جميع صفاته على الإنسان والكون المسخر له، إذ يقول: «يذكرنا الله تَعَالى بجميع صفاته، ولو كُنا نستحضر كل هذه الصفات في جميع حركاتنا وسكناتنا، لاستقمنا ولصلحت أعمالنا وأحوالنا» (2).
فالغاية من معرفة أسماء الله حسن عبادته، فكلّما تعرف العبد على صفةٍ إلهية كلّما انفتح له باب لاطمئنان قلبه، وانطلاقاً في عمارة الأرض وفق منهج ربّه، وهذا بيان لبعض أبعاد الأسماء والصفات.
أ- العليم
بين الشيخ بيوض سعة علم الله المطلق وإحاطته بكلّ شيء، فهو العليم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، مركزاً عَلَى آثار هذا الاسم الرباني في نفس العبد وسلوكه، حيث يعتقد أنَّ الله يحصي كل شيء، وسيحاسب عن كل صغير وكبير، فالذي تنبهنا إليه هذه الآية هو أن نعتقد اعتقادًا جازما في دواخل نفوسنا بأنّ الله تعالى عليم بكل شيء، وسيأتي للحساب بكل شيء مهما صغر ... وإذا تمكن هذا الإيمان وارتكز في نفس المرء فإنه يعينه على هواه وعلى شيطانه، فيستقيم على الصراط ويسهل عليه عمل الخير، ويصعب عليه عمل الشر ... » (3).
(1) مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: 117.
(2) في رحاب القرآن، سورة النور: 434/ 6
(3)
م. ن: سورة لقمان: 277/ 11. (1/219)
صفحة 212
220
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
ب- الملك:
الله الملك ذو الملك الحق، لا الملك الزائف الزائل الذي يدعيه ملوك الدنيا، الذين هم في الحقيقة مملوكون الله تعالى)، القائل: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُوتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءَ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آل عمران: 26)، من تجليات هذا الاسم:
1 - الالتجاء إلى الله وحده:
على المؤمن أن يلتجئ إلى الله مخلصاً له وجهه دون غيره من الآلهة المزعومة أو القباب والأضرحة، أو إلى الموتى الذين انقطعت حياتهم، فهم لا يستطيعون نفع أنفسهم فكيف ينفعون غيرهم؟».
2 - شكر المنعم الحقيقي:
الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء ومالكه الحقيقي، فله الحمد كله لأنه خالق النعم، وخالق المنعم عليهم، والمنعمين، {وَمَا يكُم مِّن نَعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} (النحل: (53) والغافل عن هذه الحقيقة يحصر أسباب الإنعام في المخلوقين فيخصهم بالشكر ولكن عليك أن تعلم وتتيقن أن وراء ذلك الإنسان الذي صنع فيك خيرا - الله، وأنه هو الذي خلقه أولاً، ثمَّ رزقه بما أعطاك أو نفعك به من خيره، هو الذي ألقى في قلبه أن يعطيك أو ينفعك، وعليك أن تنظر إلى مَن وَراء هذا الإنسان، ولا تقصر نظرَك فقط عَلَى اليد التي امتدت إليك
من
مال
بنفع مهما كان نوعه، فما من شكرٍ وُجّه إلى أي مخلوق - عاقل أو غير عاقل - إلا ومرجعه إلى الله، أوليس أصل الأشياء كلها من الله؟» (2)، والله يدعو عباده إلى ذكر نعمه التي تفرد بخلقها، واستنكر أن يتوجه بالعبادة إلى أحد سواه، إذ يقول:
(1) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 100/ 7. (2) م. ن: سورة الصافات: 14/ 604 - 605. (1/220)
صفحة 213
المبحث الأول: التوحيد والغيب
221
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقِ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُوفَكُونَ (فاطر: 03).
ج - القدير:
الله القدرة المطلقة على كل شيء، لأنه خالق كل شيء، وشاءت حكمته أن يجعل لهذا الكون سُننا، ولكنه من حين لآخر يرينا خرق بعضها، والحكمة من ذلك أن يركز في نفوسنا وأذهاننا اعتقاد كونه فعالاً لما يريد، وأنه قادر على كل شيء، وأن أمره بين الكاف والنون، وأنه غير مقيد بهذه السنن التي سنها ووضعها نظاما وقانونا، وواضع القانون يستطيع نقضه وواضع السنة يستطيع تبديلها» (1). فإذا آمن العبد بقدرة الله المطلقة، وبكونه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} (الكهف: 45) زال تعظيم المخلوق في قلبه مهما عظمت مظاهره في عينه، فذلك الاعتقاد يحصنه من التذلّل لأي مخلوق حتى يطيعه في معصية الخالق، فالله تعالى يريد أن يركز عظمته وقوته وسلطانه في قلوب عباده، وإذا تركزت هذه العقيدة في قلب إنسان وكان يحصر الحق والعلو والكبر في ذات الله وحده، فعندئذ يقدره حق قدره ويفرده بعبادته، يطيعه ولا يعصيه، ويقدم رضاه على سخط غيره، وسخطه عَلَى رضا غيره» (2)، وأما من لم يتشرب قلبه هذه العقيدة فإنه تتلاعب به الأغراض فيتعلّق بالمخلوقين ويخزيه التملّق والتذلل لهم، حتى يمرق من الدين بسبب رضا فلان أو سخطه، وهذا الخطر الكبير (3).
كل من سوى الله مخلوق ضعيف، قد تكون له مصالح وأغراض خاصة من تقديم خدماته، ويعجز عن تلبية كل الطلبات والحاجات، وضعف الطَّالِبُ والْمَطْلُوبُ} (الحج: (73) أما الله سبحانه وتعالى الغني الكريم فعنده خزائن كل
(1) في رحاب القرآن، سورة مريم 39/ 03
(2)
(3)
م. ن: سورة لقمان: 534/ 11. م. ن: 11/ 534. (1/221)
صفحة 214
222
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
شيء، وما عنده باق مَا لَهُ مِن تَفَادِ (ص: 54) بل هو الذي يخلق ما يشاء، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء، لا يعجزه من شيء في الأرض ولا في السماء {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (يس: 82) لعله من أجل ذلك جاء التصريح بلفظ الخلق في سياق حصر الإنعام على الله سبحانه وتعالى، إذ يقول يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقِ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُوفَكُونَ (فاطر: 03).
،،
إذا تدبّر المؤمن هذه المعاني فإنَّ عقيدة تعظيم الله تعالى ترسخ في قلبه، حتى يعتقد أن كل شيء بيده، فلا يلتجئ إلا إليه ولا يستعين إلا به)، يرجو رحمته ويخاف عذابه لأنه أيقن أنه مَا يَفْتَحَ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكُ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (فاطر: 02).
د - العزيز:
سمّى الله سبحانه وتعالى نفسه العزيز فهو القوي الغالب الذي لا يُغلب وَهوَ القاهر فوق عباده، من غير أن يبغي عليهم، بل هو رحيم بهم أكثر من رحمة الأمّ الرؤوم بوحيدها المدلل، فرحماته لا تقدر، فعلى العبد أن يفكر في هذه المعاني كي يمتلئ قلبه حبا الله فيكون له طاقة للاستقامة عَلَى سبيله ولكن ما الذي يبعث محبة الله في القلب التي هي سرّ التقرب؟ إنه تذكر رحمة الله وحكمته ويسره ولطفه» (2) وسر العبادة وإخلاصها يكمنان في محبة المعبود، ومحبة المعبود تحمل المرء على الاستقامة والتقرب إليه بكل ما يرضيه والابتعاد عن كل ما يسخطه» (3).
قرن الله سبحانه وتعالى اسمي العزيز و الرحيم" في مواضع كثيرة من القرآن الكريم للدلالة على ضرورة اجتماع آثارهما في قلب المؤمن ليستقيم
(1) في رحاب القرآن، سورة فاطر: 423/ 13.
(2) من سورة لقمان: 289/ 11.
(3)
م. ن: 290/ 11. (1/222)
صفحة 215
المبحث الأول: التوحيد والغيب
223
على الطريقة، ووصف الله تعالى بالعزيز الرحيم يجعلنا نهاب الله لعزته، ونرجوه لرحمته، ويترتب عَلَى هَذا الخوف والرجاء، وهما سلطانان زاجران للعباد، الخوف يردّهم عن المعاصي خوفًا من سخط الله، والرجاء يحملهم على الطاعة طمعاً في رحمته (1)
وبهذا يعتدل السلوك في الحياة، وهذه هي الحكمة، ونحن كلّما أطلنا وأعدنا بيان بعض الحكم فلتقرير هذا المبدأ في القلوب ليتمكن تقرير الله تعالى وحبه في نفوسنا، فيترتب عليهما طاعته لمن أوتي منهما الحظ الوفير (2).
جبل الإنسان على الخطأ والنسيان، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون (3)، فإذا عصى العبد ربه فإن اجتماع صفتي العزة والرحمة خير دافع له، وأقوى سبب إلى التوبة والإنابة، فإن غابت عن العبد -وهو في غمرة المعاصي - صفة الرحمة وجد الشيطان إليه منفذا ليبعده عن الطمع في رحمة الله ومغفرته فيشعره بالقنوط منها، قال الشيخ بيوض بمناسبة تفسير قوله تعالى: {اَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّار (الزمر: 05): فهو يريد أن يقول لنا: اعتقدوا في الله صفتين اثنتين، أنه قوي غالب لا يُغلَبُ، وأنه غفار رحيم، فلا تيأس أيها المرء من مغفرة الله مهما كثرت ذنوبك، وإنما عليك أن تتوب قبل الغرغرة، قبل أن يأتي الموت (4)، فالكيس من اعتقد أن الموت له بالمرصاد، فتعجّل بالتوبة وظل دوما على اتم استعداد، {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مسْلِمُونَ (آل عمران: 102).
ومن الأبعاد النفسية لاجتماع صفتي العزة والرحمة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين المضطهدين كي يزدادوا صبرًا ومصابرة ولا يستعجلوا للظالمين لأنهم
(1) في رحاب القرآن، سورة الروم: 61/ 10.
(2)
م. ن: سورة السجدة: 60/ 12.
(3) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه». رقم:
272/ 4.7617
(4) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 274/ 15.
15 (1/223)
صفحة 216
224
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
لا يخفون على الله، فإنّ عاقبتهم الهلاك في وقت معلوم، ولكن رحمة الله اقتضت إمهالهم لعلهم يتوبون أو يُخرج من أصلابهم مَن يؤمن به، وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، لأن المسلمين يغيظهم أن يروا أنفسهم أذلاء تحت سلطة المشركين وهم أقوياء بالحق المبين» (1) وحتى إذا اسْتَيْتَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنهُمْ قَدْ كُذَّبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَتُنحِي مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف: 110)، فمما يعين المؤمنين المضطهدين على الصبر الجميل اعتقادهم أن العاقبة للمتقين (2) وطلب النصرة والعزة من الله العزيز الرحيم الذي يعزّ من يشاء ويذل من يشاء.
بين الشيخ بيوض أن سبب ذلّة المسلمين واستضعافهم طلب العزة من غير مصدرها الحقيقي رب العالمين العزيز الوهاب، الذي اشترط للاستخلاف والتمكين الإيمان والعمل الصالح، ولا يعزّ الذين يطلبون العزة من الظلمة. والجورة ولا يطلبونها من الله) إلا إذا عرفوا اسم العزيز، فإذا امتلأ قلب المؤمن بخشية ربه العزيز تحرّر من أسر شهواته، والتذلّل لغير الله فيزداد عزة وكرامة، لأنّ أولى أنواع العبودية وأقبحها استعباد الشهوات للإنسان، فإذا استحوذت عليه تذلل لكل نزوة بهيمية)، فوجد شرار الخلق لاستعماره قابلية.
هـ - الحكيم:
الله حكيم أقواله حكيمة وأفعاله حكيمة، يتنزه عن خلق الشر المطلق، إذا عرف المؤمن هذا الاسم يعيش حياة مطمئنة، فإن قدّر له في حياته - ابتلاء ببعض الرزايا فليتيقن أنها ستنفلق عن خير له في عاجل أمره أو آجله، مثل الشيخ بيوض لهذه الحقيقة المجردة بالبذرة التي تتعفن لتخرج منها العروق التي تخرج منها الزروع
(1) في رحاب القرآن، سورة الشعراء: 7/ 303.
(2) م. ن: 425/ 7. (3) م. ن: سورة فاطر: 422/ 13.
(4) إبراهيم يتوض: مجتمع السويد، درس يوم: 1973/ 4/13. قرص مدمج، تسجيلات الحياة، القرارة. (1/224)
صفحة 217
المبحث الأول: التوحيد والغيب
،،
225
والخيرات (3)، مؤكدًا أنَّ لكلّ المصائب في هذه الدنيا حكمة، قد تخفى على الناس وقت نزولها ويطلعون على ما شاء الله منها بعد حين، وضرب لذلك مثلا بالواقعة التاريخية "حادثة الإفك التي ابتلي بها بيت النبوة ومُحْص المؤمنون، وقال فيها الحكيم العليم: {إِنَّ الذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسِبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ... ) (النور: 11).
و الغني:
الله غني عن عباده، وكل ما سواه فقير إليه لن يستطيع عنه استغناء، وهو القائل: {يَا أيهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِي الْحَمِيدُ) (فاطر: 15).
بين الله لعباده أنهم كلهم فقراء إليه في كلّ شيء من شؤون حياتهم الروحية والمادية، والله وحده الغني الحميد، فمتى علمت أيها العبد أنك محتاج إلى الله تطأطئ رأسك، وإذا دعاك إلى طاعته فلفائدتك، وإذا نهاك عن المعصية فلمصلحتك حتى تنجو من النار وتدخل الجنة» (2)، فالله لا تنفعه طاعة عباده ولا تضره معصيتهم، والكيس من استغنى عن التوجه إلى المخلوقين المحتاجين إلى الله الغني، ولم يتخذ من دون الله وكيلاً.
ز الوكيل
الله
هو
الصمد، وكل ما سواه يفتقر إليه لوجوده ولاستمرار حياته، لا يقدر على فعل شيء إلا أن يشاء الله، فالمؤمن البصير يتوجه إلى الله وحده مباشرة التجاءَ الموقن بقوته، وأنه الفعّال لما يريدُ، وَمَنْ يُتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغ
أمْرَهُ (الطلاق: 03).
(1) في رحاب القرآن، سورة ص: 250/ 15 م. ن: سورة فاطر: 13/ 463.
(2) (1/225)
صفحة 218
226
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
ركز الشيخ بيوض عَلَى ضرورة التوجه إلى الله بالقلب الصادق الموقن ... ونبه إلى أنه ليس كل من قال: "حسبي الله ونعم الوكيل" يعتبر متوكلا على الله حقا، فعلى المؤمن أن يردّد هذه الكلمات مجتهداً أن تكون راسخة في القلب، نابعة عن صدق ويقين في كون الله حقا نعم الوكيل، لأن العبد إذا امتلأ قلبه بهذا اليقين الصحيح يكسبه الطمأنينة والسكينة مهما تقلبت الأحوال واشتدت لأنه متوكل على الحي القيوم الذي جعل الدار الدنيا دار ابتلاء، وستفنى بخيرها وشرها وجعل الآخرة دار الجزاء السرمدي بهذا يُسر قلبه وتطمئن نفسه، ويرضى عن الله ويرضى الله عنه ... (1)
ومن الأبعاد العملية لاسم "الوكيل" الاستقامة على الدين واكتساب الحصانة من شر وسوسة شياطين الإنس والجن، فالشيطان قد يأتي الإنسان من جهة الرزق - مثلا- ويوسوس له أنه إذا توقف عند حدود الله وراعى في كسبه الحلال والحرام فإنه سيحرم نفسه من أموال كثيرة، ويخوفه بأن ذلك الحرمان قد يكون سببًا لافتقاره وضياع عياله جوعًا ... ولا يزال يغريه ويزين له جمع المال من الطرق المشبوهة والمحرمة، إلى أن يستدرجه لاتباع خطواته، ولكنه إذا كان متوكلاً عَلَى الله قوي الإيمان، وقد أفرد ربّه بالألوهية والوحدانية، فإن هذه العقيدة تحصنه وتحفظه، فلا يجد الشيطان إليه منفدا (2).
وقد يُزيّن للإنسان مخالفة أمر الله تزلّقًا لفلان أو هيئة، بدعوى دفع الظلم عن نفسه، ويقول: أنا أتوكل على الله فهو حسبي ونعم الوكيل، يردّ عنّي كل أدى
وظلم، ويرزقني إذا افتقرت، فمثل هؤلاء ليس للشيطان عليهم سبيل (3).
عالج الشيخ بيوض ظاهرة الاستخفاف بأحكام الله - فعلاً للمحرمات أو تضييعا للفرائض - وذلك استحياء من الغير أو كراهة الاستهزاء به مركزاً عَلَى
(1) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 220/ 11
(2) م. ن: سورة الصافات: 14/ 575. (3) م. ن. (1/226)
صفحة 219
227
المبحث الأول: التوحيد والغيب ضرورة التوكل على الله، ومؤكدًا على أن المتوكل الصادق لا يصده أي شيء عن اتباع أمر الله)، ممثلاً بسحرة فرعون الذين قالوا له لَن نُّوثِرِكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضِ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه: 72) فهؤلاء غمر الإيمان قلوبهم وتوكلوا عَلَى الحي الذي لا يموت واستهانوا بطغيان من هددهم بالموت، وهذا واجب على المسلم فعله لحفظ دينه، لا أن يمرق منه أو يترك بعض فرائضه بكلمة سخرية أو استهزاء سمعها من أحد (2).
خص الشيخ بيوض الشباب بالخطاب الآتي لأنهم معرضون لظروف خاصة كمرحلة الخدمة الوطنية - يحتاجون فيها إلى استحضار معنى اسم "الوكيل" للاستعانة به على الاستقامة، حيث يقول: «حقيقة توكلك أن تعتمد على الله، وتتمسك بدينه بحيث لا ينتزعه منك شيطان إنس، أو شيطان جن وتعتمد على الله فيما خفته من ضرر، هذا إذا كان ضربا أو قتلا، لكنا أصبحنا نطلق الدين خوفا من نظرة الناس فقط، فيا سبحان الله!! أتترك الصلاة من أجل أن الناس ينظرون إليك؟» (3).
فالتوكل على الله يحصن العبد من وساوس الشياطين، فيثبت على دينه مهما أغري أو هدّد، لأن كل إغراء بالنسبة لنعيم الجنة متاع قليل، ولا يؤثر عليه أقصى تهديد إذا تيقن بأن وعيد الله أشد وأبقى؛ فعباد الله المتقون كلما زاد كربهم اشتدادًا زادهم إيمانًا {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: 172).
إن غياب حقيقة التوكل من حياة المسلمين كانت وراء ضياع دينهم ودنياهم فالتوكل يقتضي استنفاد الأسباب والاعتماد على الله رب الأسباب، يرى الشيخ بيوض وجوب اتخاذ الأسباب الضرورية قبل التوجه إلى الله بالدعاء، مبينا أن
المعرض عنها ساخر مستهزئ بالله).
(1) في رحاب القرآن سورة الشورى: 17/ 272 - 273 (2) من سورة الأحزاب: 12/ 141.
(3)
م. ن: سورة الشورى 274/ 17
(4) م. ن: 17/ 278277 (1/227)
صفحة 220
228
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
التوكل على الله للعياذ من الشهوات:
يعيش المؤمن مع الله، يعرفه في السراء والضراء، يلوذ بربّه ويتوكل عليه ليحفظه من الشرور، وينقذه من الأزمات بين الشيخ بيوض أن المصائب والمآزق التي تستدعي التوجه إلى الله ليخلّص المبتلين بها لا تنحصر في الأمور المادية كالمرض والفقر والسجن، بل هناك مشكلات أخطر منها هي المصيبة في الدين التي تنزل بسبب اتباع الشهوات باستحواذ الشيطان وتغلب وساوسه عَلَى نفس الإنسان، فإذا لم يتدارك الله أحدًا برحمته سقط في مراتع الشهوة وبراثن الهوى وإذا أدركته رحمته أنقذته من بين مخالب الشيطان الذي يجره إلى الردى، ويدعوه ليكون من أصحاب السعير (1) فإذا وجد الإنسان من نفسه اندفاعا إلى معصية الله من فسق أو ظلم أو غير ذلك فعليه أن يستعصم بالله ويستعيذ به ويستغيث برحمته لينقذه من شر الشيطان الرجيم.
يلاحظ من خلال هذا العرض حرص الشيخ بيوض على استثمار الأبعاد العملية لأسماء الله الحسنى، وتركيز عمليته الإصلاحية على الأصول العقدية فعند شرح اسم "الوكيل" مثلاً، بين ضرورة التوكل في حياة المسلم لحفظ دينه ودنياه، مشيرًا إلى أن التوكل أصل الأخلاق الكريمة وأنه ركيزة كبرى في إصلاح المجتمعات، ودعامة أساسية لنشر دين الله، وإعلاء كلمته (2). كلمته» (2).
6 - الآثار السلبية لسوء فهم أسماء الله الحسنى تبين لنا في العنصر السابق أن لأسماء الله الحسنى أبعادًا عملية متجلية في تزكية نفس متدبرها واستقامته على الطريقة، لكن هذه الأسماء إن اعترى فهمها خلل، كان توجه تأويلاً غير مستجيب لضوابطه، أسفرت عنه آثار سلبية
نفسية وسلوكية.
(1) في رحاب القرآن، سورة فاطر: 385/ 13.
(2) م. ن: سورة الشورى: 17/ 284. (1/228)
صفحة 221
المبحث الأول: التوحيد والغيب
66
،،
229
ا - قاسم الرحيم مثلاً، يدل على أنّ الله واسع الرحمة، وقد بيّن لنا أهل رحمته وحدد شروط استحقاقها في قوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلِّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَالذِينَ هُم بِنَايَاتِنَا يُومِنُونَ ... } (الأعراف: 156) حقا إنّ رحمة الله واسعة ولكن شاءت حكمته أن يخص بها عباده المتقين، حدر الشيخ بيوض من سوء فهم معنى رحمة الله بسبب الاستدلال الخاطئ بهذه الآية وصورته أن يقول شخص: «إنَّ الله يقول: "ورحمتي وسعت كل شيء وأنا شيء، إذن: رحمته تسعني، ويغفل عن قوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ والذينَ هُم بِنَايَاتِنَا يُومِنُونَ ... (1) ب- ومن الأسماء الحسنى الغفار" فالله واسع المغفرة، يبشر عباده الذين أسرفوا على أنفسهم بأنه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53)، لكن الله سبحانه يبيّن أن هذه المغفرة مشروطة بالتوبة، حيث يقول: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لَّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (طه: (82) فالآية صريحة في تخصيص التائبين باستحقاق مغفرة الله.
كما وردت في القرآن الكريم صيغتان لاستغفار الملائكة للناس، عمّت إحداهما من في الأرض وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرْضِ (الشورى: 05) وخصت الأخرى التائبين بالاستغفار فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَك (غافر: (07) استنتج الشيخ من الآيتين تأكيد شرط التوبة لاستحقاق مغفرة الله حيث يقول: «المطلق يُحْمَل على المقيد، كما هو معلوم، وهذه قاعدة مطردة، زيادة على أن الآيات الصريحة تُبَيِّنُ أنَّ مغفرة الله ليست إلا للتائبين (2) وأشار إلى خطأ من فهم هذا الاسم على إطلاقه، فاعتقد أن الله غفار لغير التائبين، وغفّار لمرتكبي الكبيرة من غير توبة (3).
(1) في رحاب القرآن، سورة فصلت: 523/ 16.
(2)
(3)
م. ن: سورة غافر: 32/ 16.
م. ن: سورة فصلت: 16/ 523. (1/229)
صفحة 222
230
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
يلاحظ أن الشيخ يوظف طريقة التفسير الموضوعي في فهم أسماء الله الحسنى، وقد أشرنا في الفصل الأول إلى تأكيده على ضرورة اعتماد هذه الطريقة للإهتداء إلى وجه الصواب، ومن ذلك قوله: «على من أراد أن يفهم موضوعًا من المواضيع أن يجمع كل الآيات الواردة في نفس الموضوع حتى تجتمع له عناصر الفهم (1).
!
إن إغفال هذه الطريقة في معالجة المواضيع يؤدي إلى النظرة التجزيئية للنصوص، فتسفر عن رؤية قاصرة في فهم المسائل، ففي موضوع الأسماء والصفات - مثلاً - يحول هذا القصور دون الفهم الصحيح لكل اسم على جده - كما مر بنا في بداية الفقرة كما يحول دون إحصاء الأسماء الحسنى، حيث يتم التركيز على قسم دون آخر، مثل التركيز على صفات الله الدالة على رحمته وعفوه ومغفرته ... فيُعوّل عليها، ويذهل من غيرها من الأسماء الدالة على قهره وجبروته وانتقامه ... وذلك يوقع في محذور الأمن من مكبر الله عزّ وجل، حيث يتمادى الغافلون في طغيانهم يعمهون و يستدرجهم الله من حيث لا يعلمون. قال الشيخ بيوض: التعلّق بمقتضى سعة الرحمة شبهة أضرت كثيرًا من الشباب الإسلامي اليوم (2)، يستنتج من هذا الكلام أن المنهج الصحيح لفهم الصفات الإلهية يقتضي عدم الاقتصار على صفة واحدة عند إرادة معالجة موضوع ما، بل ينبغي فهمها على ضوء مجموعة من الصفات المتعلقة بها، ففي موضوع الجزاء -مثلاً- تدرس صفات: العلم الحلم الرحمة-المغفرة- العدل- العزة- الانتقام ... وقد جمع الله بين اسمين (متقابلين) في مواضع من كتابه منها قوله: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنعام: 165) وقوله تعالى: نَبَى عِبَادِي أَني أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ
الأليم (الحجر: 49 - 50).
(1) في رحاب القرآن، سورة القصص: 344/ 8
(2) من سورة فاطر: 524/ 13
- (1/230)
صفحة 223
المبحث الأول: التوحيد والغيب
231
إنَّ فهم أسماء الله الحسنى مجتمعةً يجعل العبد مستقيما على الطريقة سباقا إلى الخيرات رغبا ورهبا، بسبب توازن الخوف والرجاء في قلبه، وأما من تعلّق بصفة واحدة أو صفاتِ معيّنة فإنه معرّض للإصابة بالاغترار برحمة الله أو باليأس منها، ولعله من أجل ذلك اشترط الرسول صلى الله عليه وسلم إحصاء أسماء الله الحسنى لدخول الجنة، حيث يقول: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةٌ إلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)، والإحصاء غير العد، قال الله تعالى: {لَقَدَ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عدام (مريم: 94)، أي: أحاط بهم وعد أشخاصهم وأفعالهم ... )، فمن معاني إحصاء أسماء الله الحسنى استيفاؤها وعدم الاقتصار على بعضها، ومن معانيها سلك طريق العمل بها (3).
-7 أبعاد الإيمان بالله علاج قضايا في أصل التوحيد تصدى الشيخ بيوض لمحاربة صور من الشرك، وركّز جهوده على صورتين لكونهما ظاهرتين خطيرتين في عصره، وهما -1 شرك الجحود (الإلحاد) 2 - عبادة الأضرحة والذبح لغير الله.
تبين لنا في الفصل السابق أن من خصائص الفكر العقدي عند الشيخ بيوض اتسامه بالواقعية، حيث إنه عاش عصره وخبَرَه ونزل إلى الميدان ساعيًا لاكتشاف علة أدواء القضايا الراهنة، واجتهد في إيجاد حلول عملية لها ... فعند معالجة قضية الشرك مثلاً ركز على أنواع الشرك وصوره التي تشكل خطرا على إنسان عصره، ثُمَّ اجتهد عَلَى تبيين تهافتها ودحض أباطيل دعاتها، ومن الصور الشركية شرك
(1) البخاري: الصحيح، كتاب التوحيد، باب إن الله مائة اسم إلا واحدا، حديث: 6957، 6/ 2691؛ مسلم: الصحيح، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، حديث: 2677، 4/ 2063.
(2) اطفيش تيسير التفسير: 109/ 9.
(3) محمد راتب النابلسي، موسوعة أسماء الله الحسنى، ط 1، دار المكتبي، دمشق - سوريا
10/ 1:2002/ 1423 (1/231)
صفحة 224
232
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
الأولياء وانتشار ظاهرة الإلحاد ولنعلم أن أخطر ما يُخافُ عَلَى الإنسان اليوم الشرك، إما شرك الجحود وَهُوَ إنكار الألوهية والوحدانية كما يدعو إلى ذلك الملاحدة، والشيوعيون، وإما شرك الإشراك الذي هو الشرك الخفيّ -وَهُوَ فِي الحقيقة ظاهر - وَهُوَ التقرب لغير الله، ورفع الدعوات إلى غير الله، كل ذلك شرك، وَهُوَ أخطر ما يُخافُ عَلَى الإنسان» (1).
أولا: شرك الجحود (الالحاد):
طالت موجة الإلحاد عناصر من الشباب المثقف متأثرا بالوسط الدراسي، فتصدى لها الشيخ بيوض مركزاً على خطورة عدواها التي بلغت ببعض الشباب المنبهر بما أوتي من العلم إلى أن يؤثره على شرع الله الخالد، ومن أعراض هذا الانبهار أنهم إذا ذكروا بوجوب العودة إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تنقبض نفوسهم، وإذا جيء لهم بكتب ونشريات ومجلات تذكر دساتير بعض الأمم الملحدة وقوانينها تنشرح لذلك نفوسهم وتستبشر، ويقولون: "هذا هو العلم!» (2).
عالج الشيخ بيوض هذه القضية بعقد لقاءات خاصة ودروس مسجدية عامة إلى جانب درس التفسير الذي كان يعرض فيه قضايا المجتمع على القرآن الكريم، للاستهداء بنوره المبين، ومن ذلك اغتنامه مناسبة تفسير قوله تعالى: {بَل إِنْ يُعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلا غُرُورًا (فاطر: (40) للردّ عَلى دعاة الشيوعية الذين يغرون الشباب بأن مذهبهم المادي هو الصالح وَهُوَ الذي يبقى وسيسود العالم ولكن الواقع أثبت أنه «ما مضت إلا سنوات قليلة على موت رؤسائهم حَتَّى بدلوا وغيروا فيها وبدأت في الذوبان والانهيار؛ لأنها تحمل جراثيم انهيارها وبطلانها،
وهذا نوع من الوعد المغرور» (3).
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 302/ 15
(2) م. ن: 417.
417:0
(3) من سورة طه 433/ 3 (1/232)
صفحة 225
المبحث الأول: التوحيد والغيب
(1)
233
وبمناسبة تفسيره لقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} (الأحزاب: (04) بين أنَّ الإنسان ما دام يملك قلبا واحدا فإما أن يكون مملوءا إيمانا بالله تعالى، وإما أن يكون محشوا بغيره، وأما أن يجتمعا فهذا لا يمكن)، واغتنم الفرصة للتحذير من الخطر الشيوعي في تشويه العقيدة لاقتناع دعاتها أن فكرهم لا يؤثر في الآخرين إلا بعد تجريد قلوبهم من فكرة الدين، وقد أدرك هذه الحقيقة الكفرة الملاحدة وشيوعيو هذا العهد ... فراحوا ينزعون الإيمان بالله من القلوب (2).
وبمناسبة تفسير قوله تعالى: {وَمَنَ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضنكا (طه: (124) بين ثمرات العقيدة الصحيحة في سكون النفس واطمئنان القلوب، وبالمقابل أشار إلى اضطراب حياة من ابتغى غير الإسلام مذهبًا، لذلك فالمؤمن ثابت ثبوت عقيدته، والكافر مضطرب اضطراب عقيدته، وكم من صراعات وقعت بين فئات الكفرة من أجل عقائدهم، وها نحن نرى اليوم الصراع على أشدّه بين الصين الشيوعية وروسيا السوفياتية حول عقائد ماركس ولينين، فهم لم يتفقوا حَتَّى في إلحادهم ... » (3).
حرص الشيخ بيوض على تبيين تهافت الفكر الشيوعي لما رأى من تهافت بعض شباب عصره عليه مركزا على أسباب انتشاره ووصف علاجه، مؤكدًا على أن المستقبل للإسلام، وأنّ الله متم نوره ولو اجتمعت على إطفائه ملل الكفر، ولا يزال الإسلام يتمكن بقوة، وَهُوَ دين البشرية المقبل بحول الله (5).
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 149/ 12.
(2) م. ن: 149/ 12.
(3)
من سورة سبأ: 13/ 125.
(4) م. ن: سورة الأحزاب: 642/ 12.
(5)
م. ن: سورة فصلت: 16/ 459. (1/233)
صفحة 226
234
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
1 - أسباب انتشار الإلحاد:
أ- عدم رسوخ العقيدة:
من أسباب الإصابة بعدوى الإلحاد عدم رسوخ العقيدة الصحيحة في قلوب الناشئة، ذلك أن الاكتفاء بتلقين العقيدة، وأخذها عن تقليد لا يمكنها من النفوس، وبذلك تكون كالنبتة المجتنة من فوق الأرض فتتلاعب بها التيارات التي تهب من الشرق أو من الغرب فتشككها في عقيدتها، وقد يصل بها إلى حد الإنكار، ومشركو العرب باعتبار - «خير من ملاحدة اليوم الذين ينكرون وجود الله تماما» (1) واهتدى الشيخ إلى بدء علاج المسألة بالعودة إلى ما بدأ الرسول، من الدعوة إلى الإيمان وتقريره في القلوب من جديد، وتحصين القلوب من أن يتطرق إليها شك، يتحول بعد ذلِكَ إِلَى إلحاد صريح.
(2) ,
ب التأثر بدعايات الأساتذة:
إذا كان شرك القدامي سببه الجهل فإن كفر المحدثين سببه البحث العلمي). «وَهُوَ فِي الواقع بحث عن أي سبب لتبرير الفجور والفسوق، وهدم هذا الصرح الذي لا ينهدم» (*) وذلك بتحكيم العقل في كل القضايا وإن تجاوزت مداركه، فبذلك ضلّ كثير من المعلمين وأضلوا لأنهم فرحوا بما عندهم من العلم ووجهوا طلبتهم لتحكيم عقولهم في ذات الله سبحانه وتعالى، وبما أن عقولهم قاصرة عن إدراك هذا فإنهم يسارعون إلى إنكاره (5).
(1) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 90/ 7.
(2) من سورة لقمان: 177/ 11.
(3) من سورة الكهف: 440/ 2. (4) من سورة الأحزاب: 642/ 12. (5) من سورة الكهف: 424/ 2. (1/234)
صفحة 227
المبحث الأول: التوحيد والغيب
2 علاج الظاهرة
أ- ترسيخ العقيدة:
235
ترسيخ العقيدة في النفوس هو الأسلوب الوقائي الأسلم ضد كل أنواع الانحراف الاعتقادي والسلوكي، وهو أولى خطوات علاج أي مسألة، فقد أكد الشيخ بيوض على ضرورة الدعوة إلى الإيمان وتقريره في القلوب من جديد، وتحصين القلوب من أن يتطرق إليها شك، يتحول بعد ذلك إلى إلحادٍ صريح (4). ب - التفكر في الخلق لا في الخالق:
دعا الشيخ إلى التفكر في خلق الله لا في ذاته العلية، لأن التفكر فيه سبحانه مدعاة للشك والإنكار، فيرى الشيخ أن من الواجب تحصين الشباب لئلا يصابوا بهذه الأمراض خاصة طلبة الفلسفة ومن هذه الثغرة نخشى أن يخرج الدين ويدخل الضلال (2) وجه الشيخ خطابه مباشرةً إلى هؤلاء الشباب التواق إلى الاستزادة من البحث العلمي، يدعوهم إلى التشبث بالإيمان النقي الصافي الراسخ، ويحذرهم من خطورة شبهات الملاحدة على عقيدتهم، التي تجعل ذات الله سبحانه
وتعالى موضوعًا للبحث (3).
ج- محدودية العقل البشري
أكد الشيخ بيوض في علاج ظاهرة الإلحاد على بيان محدودية العقل البشري، وإثبات عجزه عن إدراك الأمور الغيبية وما وراء الطبيعة، ومحاولة إعمال العقل في هذا المجال إقحام له خارج نطاقه، لا ينتج عنه إلا الحيرة والإنكار، وعدم المعرفة بالشيء ليس دليلاً على عدم وجوده، ومجال الغيب المتعلّق بحياة الإنسان أكثر من الشهادة، وتحكمه نواميس لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى ولا يُطلع عباده على ما
(1) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 177/ 11.
(2) م. ن: سورة الكهف: 424/ 2.
(3)
م. ن: سورة الكهف: 424/ 2 (1/235)
صفحة 228
236
(1)
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
شاء منها إلا بالوحي)، فكيف يستطيع الإنسان أن يدرك بعقله شيئًا من حقيقة الغيب المطلق؟ قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يَبْعَثُونَ} (النمل: 65)؛ ودعا الشيخ بيوض إلى الإيمان إيمانا غيبيا، مبينا عدم جواز اعتماد. بدأ الشك في إثبات العقائد.
ثانياً: عبادة الأضرحة والذبع لغير الله: أمر الله عباده بتوحيده وإفراده بالعبادة، ألا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص» (الزمر: 03) إلا أن كثيرًا من المسلمين اعترى تدينهم طقوس من العبادة والبدع، ولم تسلم الجزائر من هذه الصور الشركية، قال مالك بن نبي: وهكذا كان شأن الجزائر، فإنها كانت حتى عام 1925 م على الرغم من إسلامها - تدين بالوثنية التي قامت نصبها في الزوايا؛ هنالك كانت تذهب الأرواح الكاسدة لالتماس البركات، ولاقتناء الحروز ذات الخوارق والمعجزات غير أنه ما إن سطع نور الفكرة الإصلاحية حتى تحطم ذلك المعبد، فخرت الأوثان مع أسف عماتنا وخالاتنا اللاتي أدهشهنَّ ما رأين» (2).
""
66
أخذ رجال جمعية العلماء على عاتقهم هذه المهمة، واعتبروها من
الأولويات لأنها تمس أصل الدين، ومن هؤلاء المصلحين الشيخ إبراهيم بيوض، حيث انبرى لإصلاح هذه القضية بتبيين أسباب نشأة البدع، وتحديد معنى الشرك،
وتوضيح مداخل علاج القضية.
1 - أسباب نشأة البدع: يعرف الشيخ بيوض البدعة بأنها ما لا أصل له ولا وجود له في الشريعة» (3)
(1) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 2/ 424 - 425. (2) مالك بن نبي: شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوي و عبد الصبور شاهين ط 4، دار الفکر، دمشق
- سورية، 1407 هـ / 1987 م: 30.
(3) في رحاب القرآن، سورة العنكبوت: 230/ 9. (1/236)
صفحة 229
المبحث الأول: التوحيد والغيب
237
وقد ركزت الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي جهودها على دعوة الأمة إلى الرجوع إلى المنهج الصحيح هدي الكتاب والسنة، وتنقية الدين تما اعتراه من إضافات ويدع منذ أقدم العصور، وحركة الشيخ بيوض امتداد لهذه الجهود المباركة، ولم يكن وادي مزاب موطن الشيخ بيوض بدءًا من الوطن الإسلامي الذي طالته أنواع البدع وتمكنت من النفوس، فاستعصى القضاء عليها، بل يلاحظ أنه بقدر ما يحاول الوعاظ والمصلحون إبطال هذه العادات المحرمة إلا أن الناس لا يزدادون إلا تمسكاً بها لأنهم يرونها إرثًا من آبائهم وأجدادهم)، فعلاج هذه الأدواء المتجذرة يتطلب صبراً جميلاً ووقتا طويلا، ومنهجا متكاملاً يعتمد البحث عن الأسباب المؤدية إلى نشأة هذه البدع وتمكينها في النفوس، ومن الأسباب التي اهتدى الشيخ بيوض لمعرفتها:
-أ- تأسيس الآراء عَلَى أقوال الرجال وتقديسها: قد يتقيد الأتباع بأقوال الرجال، والإشكال هو تقديس هذه الآراء والتشبث بها وإن بدت مخالفتها للكتاب والسنة، فتُتخذ أقوال الإمام هي الأصل، ولعمري لتلك هي طريقة نشوء البدع وتكونها، يبتدع أحد أمرا وياتي آخر من بعده فيبني على بدعته، فيكون أبعد عن الخط المستقيم من الأول وهكذا ... (2) ب التساهل في الإضافات إلى العبادات:
هذا السبب قريب من سابقه، فقد تكون أمة في صدرها المجيد ملتزمة بالمحجة البيضاء، وبمرور الزمن يتساهل الناس في إضافة أي عمل إلى العبادات المشروعة، وتستقر تلك الإضافات شيئا فشيئًا إلى أن تصبح شعيرة من الشعائر بحيث يؤاخذ من لم يقم بها على الوجه المبتدع، فهذا تشريع من العباد لم يأذن به الله، فالله لا يُعبد إلا بما شرع، وهكذا يتسرب الشرك إلى القلوب بهذه الجزئيات (3).
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 12/ 335.
(2) م. ن: سورة سبأ: 107/ 13 (3) من سورة لقمان: 221/ 11. (1/237)
صفحة 230
238
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
ج - ابتكار عبادات ليست من جنس ما شرع: هذا السبب أخطر من سابقه وكلاهما مخالفة للحق، فالله هو المشرع، ويعرف ما يتقرب به إليه، عباده، وقد اختص بالتشريع كما اختص بالخلق، ألا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} (الأعراف (5) وضلال أكثر الناس الذين أشركوا بالله الشرك الأكبر أو الخفي إنما هو بسبب ابتداع أنواع من العبادات والطقوس ما أنزل الله بها من سلطان، وليس من جنس ما أمر الله به» (4).
تصدّى الشيخ بيوض لمحاربة البدع المنتشرة في عهده، فاستغل دروس التفسير وغيرها لهذه المهمة حيث يؤكد عدم جواز السكوت عن المنكر، فقال بمناسبة دعوته لإبطال إحدى البدع المستحدثة: هذه هي البدعة التي لا نسكت عنها، كما لم نسكت عن بدع أخرى أبطلناها من قريب ... (2).
فكان حريصا على إصلاح الصور التعبدية التي لا وجود لها ولا أصل في الشريعة الإسلامية (فلا تحدث شيئًا لم يفعله النبي، ولم يقره ولم يأذن به) (3). كان الشيخ يبين البدعة ويبطلها، ثم يقدّم البديل المشروع إن أمكن ذلك، فقد كان الناس - مثلاً - يأتون إلى المسجد بأواني الطعام فيضعونها أمام الإمام أو أمام مجلس القرآن، خاصةً عند قدوم الحجيج أو ليلة المولد رجاء نزول البركة فنهى الشيخ عن هذه الظاهرة قائلاً: «لا أصل أبدا في الذهاب بهذه الأشياء إلى المسجد إلا بنية الصدقة على الناس، فقد تكون هذه العادة ذريعة لنشوء بدعة فسدها الشيخ ثم قدّم البديل المشروع حيث دعا إلى الرقية الشرعية وإن شئت التبرك والرقية فخذ إناء فيه طعام أو شراب واذهب به إلى شخص تعتقد فيه الصلاح والتقوى واطلب منه أن يقرأ فيه شيئًا من القرآن ويدعو لك، فهذه رقية مشروعة
فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأقرهم عليها» (4).
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 385/ 15. (2) من سورة لقمان: 417/ 11.
(3) م. ن: سورة العنكبوت: 230/ 9.
(4) من سورة لقمان: 417/ 11. (1/238)
صفحة 231
المبحث الأول: التوحيد والغيب
239
وهكذا تجد الشيخ بيوض من العلماء المجدّدين المجتهدين في إبطال البدع وإحياء السنن، ودعوة الأمة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، مؤكدًا أن حجته في استئصال البدع افتقارها إلى أصل شرعي أو مصادمتها له، حيث يقول: «فذلك أمر باطل، إذ لا دليل له من كتاب الله أو سنة رسوله (2)
2 - تحديد مصطلحات:
حدد الشيخ بيوض معنى شرك التسوية وبين أقسامه، كما ضبط الفروق بين مصطلحات مستعملة في دراسة هذه المسألة، كالتوسط والتوسل، واتخاذ الأسباب والاستعانة بالأولياء.
أ- قاعدة كلية في تحديد معنى الشرك:
حدّد الشيخ بيوض معنى الشرك في هذه القاعدة الكلية "الإيمان بالباطل والكفر بالله (3)، مؤكّدًا عَلَى أَنَّ الإيمان بالباطل لا يقتصر على العبادة الظاهرة لغير الله من الأصنام والأوثان، إنما يدخل فيه الشرك الخفي، كالتوسل والتقرب إلى من لا يملك نفعا ولا ضرا فى الأمور الغيبية، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقال مثلاً: اشفع فينا يا رسول الله، إنما يقال: "اللهم شفّع فينا رسولك؛ وقد يتسامح في اللفظ إن لم يكن القصد المعنى الحقيقي للشفاعة ... ولا يقال أيضا: "يا رسول الله اسقنا من حوضك، وإنما يُوجه الدعاء إلى الله فيقال: "اللهم اسقنا من حوض النبي (4)
(4)،،
يقسم الشيخ بيوض شرك المساواة إلى جلي الشرك الأعظم) وخفي، وينقسم الشرك الخفي إلى:
(1) في رحاب القرآن، سورة النمل: 8/ 220.
(2)
م. ن: سورة القصص: 470/ 8
(3) م. ن: سورة العنكبوت: 229/ 9.
(4)
16
م. ن: سورة العنكبوت: 229/ 9 (1/239)
صفحة 232
240
1 - الاعتماد على غير الله في الأمور الغيبية (1).
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
2 الرياء، وهو جعل حظ للمخلوق في العبادة كحب الظهور والمحمدة (2).
عمت
صور الشرك الخفي أقطار العالم الإسلامي، وربوع الجزائر لم تكن بمنأى عنه منها وادي مزاب حيث كان العلماء يجددون للأمة أمر عبادتها ويرشدونها إلى الدين الخالص.
قال الشيخ بيوض بمناسبة تفسير سورة لقمان سنة 1968 م: وليس الكلام في هذا الموضوع جديدا، بل هو قديم فمنذ أن جلست على هذا الكرسي للوعظ والإرشاد من قرابة خمسين عاما وأنا أذكر وأحدّر، القيت مئات ومئات من الدروس في تصحيح العقيدة ووجوب الاعتماد على الله وحده دون غيره، والتوجه إليه دون سواه، وقصده وحده بالقربات سواء بما افترضه من صلاة أو صيام أو حج أو زكاة، أو ما نتقرب به إليه من صدقات أو ذبائح وقرابين، وأنه إذا أريد بشيء من هذا غير الله فهو شرك راح ...
يبدو أنَّ في كلام الشيخ اضطرابًا بين تسمية هذه الصور التعبدية شركا صراحًا كما قال آنفا وبين تسميته شركا خفيًا، حيث يقول في السياق نفسه: «فالتقرب إلى غير الله والتعلّق بغير الله رجاء النفع وخوف الضر نوع من الشرك الخفي والنوع الثاني هو الرياء» (4).
وقال في موضع آخر من تفسير السورة: والنوع الآخر من الشرك ولعله أقرب إلى الشرك الأعظم، هو التوجه بالدعاء لغير الله تعالى ... » (5).
(1) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 242/ 7.
من سورة لقمان: 203/ 11
(3) م. ن: 11/ 200.
(4)
م. ن: سورة لقمان: 200/ 11.
(5) م. ن: 207/ 11. (1/240)
صفحة 233
المبحث الأول: التوحيد والغيب
لعله
241
يسميه الشرك الخفي باعتبار عدم تصريح صاحبه به، للتمييز بينه وبين الجاهلي الذي يسجد للأصنام، علانية، ويسمّيه مرّةً أخرى بالشرك الصراح باعتبار آثار الزيغ الاعتقادي، فإن من مريدي المقامات من يُولُون الأولياء قداسة الله أو أكثر، فقد ذكر الشيخ أنَّ من الناس من يجعلون الله عرضةً لأيمانهم، ولكن يتحاشى أن يحلف بالولي الفلاني، ويقول: «أنا لم أقسم بالله فتكذبني، وإنما أقسمت لك بالشيخ صالح أو الشيخ سيدي عيسى)، وهذا يعني أنه اعتبرهما أجلّ وأعظم قوة وأعظم شرفًا من الله عد، وهذا كله كفر صراح» (2).
كتقديسهم
ب التفرقة بين اتخاذ الأسباب والاستعانة بالأولياء
بين الشيخ الفرق الدقيق بين اتخاذ الأسباب المشروعة وبين الصور الشركية، فإذا كان المستعان عَلَى قضائه في مقدور البشر فهو من اتخاذ الأسباب ووجوه البر التي شرعها الله وأمر بها في قوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (المائدة: 02)، أما إذا كان المستعان على قضائه من الأمور الغيبية فذلك تجاوز المقدور البشر إلى ما هو خالص من حق الله تعالى، لأنه لا يعلم الغيب إلا هو، وبالتالي فإنَّ طلب أي شيء من هذا النوع يدخل في باب العبادة، ولو أنَّ الذي يرجى لا يُسمّى إلها، كالقبة والقبر والضريح والولي، وكل هذا حرام» (3) هو الشرك، وهذا هو التوجه إلى المخلوق).
هذا
(1) عيسى بن إسماعيل بن موسى أبو مهدي، توفي عام 971 هـ / 1564 م، من أعلام بلدة مليكة بمزاب، أصله من عرش أعراب أولاد نايل بالجزائر، نشأ على المذهب المالكي، ثم تحول إلى المذهب الإباضي فصار من أعلامه، أخذ العلم عن شيخ زمانه بمزاب الشيخ عمي سعيد الجربي، من آثاره مجموعة من الرسائل والردود والأجوبة، منها: رده على البهلولي أبي الحسن البهلولي الذي كفر الإباضية. دبوز: نهضة 251/ 1، 290 291 الجعبيري: البعد الحضاري، 165/ 1 - 167؛ جمعية التراث: معجم أعلام
الإباضية: تر 700.
(2) في رحاب القرآن سورة ص: 08/ 15 (3) م. ن: سورة سبأ: 13/ 221 - 222
(4) من سورة لقمان: 207/ 11. (1/241)
صفحة 234
242
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
لعل المراد بالشرك هنا الشرك الجزئي الذي لا يترتب عليه أحكام المشركين،
وهو النفاق في العقائد (1).
ج - التفرقة بين التوسط والتوسل:
التوسط:
التوسط هو التوجه إلى الله بواسطة مخلوق، وَهُوَ ما كان يفعله مشركو العرب حيث كانوا يبررون عبادتهم الأصنام بقولهم مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (الزمر: 03) والله أرشدنا إلى أن ندعوه مباشرةً فقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذا دَعَانِي} (البقرة: 186) وقال: {وَقَالَ رَبِّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر: 60).
،،
بين الشيخ بيوض بطلان مفهوم التوسط مهما كانت مبرراته، واعتبره عين الشرك، ومن هذه المبررات التي فندها اعتقاد العبد أن كونه مدئا بالمعاصي مثقلاً بالأوزار يحجزه عن التوجه - مباشرةً - إلى الله تعالى، وقد فسدت العلاقة بينهما، فيسول له الشيطان أن يتوسط إلى الله ببركة فلان إنَّ توسط مثل هذا العبد الله الله لأنه بذلك لا يفكر في إصلاح ما بينه وبين
بالمخلوقين يزيده بعدا عن
والتوبة إليه (2).
وللوقاية من خطر التوسط شرع التوجه إلى القبلة في الصلاة وفي الدعاء خاصةً عند زيارة القبور، ولو كان المزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومن دعا وَهُوَ مستقبل حجرة النبي) فلا نقول إنه عصى، ولكنه أخطأ السنة، وخالف ما عليه المسلمون، ذلك كله لغرض تمحيض العبادة الله وحده» (4).
(1) السالمي: مشارق أنوار العقول: 2/ 48 - 49.
(2) في رحاب القرآن، سورة الروم: 10/ 275.
(3) زائر قبر النبي صلى الله عليه وسلم يقف بينه وبين القبلة، فإذا استقبل القبر استدبر القبلة. (4) في رحاب القرآن سورة العنكبوت: 230/ 9 (1/242)
صفحة 235
المبحث الأول: التوحيد والغيب
التوسل:
243
إذا كان التوسط شركا برمته فإنَّ التوسل يكون في حكم التوسط إذا تعلق الأمر بالأولياء، أو بغيرهم إذا قصد الاستعانة بهم في ما لا طاقة للمخلوق به، مما تعلّق بالأمور الغيبية، فالتوسل بالموتى كيفما كانت منزلتهم ممنوع مطلقا وغير جائز، فإنهم قد انقطعت أعمالهم فلا ينفعون أنفسهم ولا غيرهم بشيء ما (1)، أما إذا استعان العبد بغيره فيما يدخل في حدود الطاقة ومحيط الاستطاعة، كأن يسأل منه صالح الدعاء، أو يطلب منه عملاً بدنيا أو إعانة مالية أو إرشادا برأي، أو إذا توسل العبد بعمله الصالح فهو أمر مشروع، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ} (المائدة: 35).
بعجز
الله
بين الشيخ بيوض علة حرمة التوسل بالأولياء، بكونه اعتقادًا ضمنيًا سبحانه وتعالى عن قضاء الحاجات المطلوبة فيتوسل ببركة فلان أو علان، إنما يتوسل إلى الله بالعمل الصالح، كما فعل أصحاب الغار الثلاثة، حين التجؤوا إليه وانحطت صخرة من أعلى الجبل فسدَّت عليهم فمَ الغار
-3 مداخل علاج مسألة القباب والأضرحة:
(3)
من المجالات التي حظيت بتركيز جهود الشيخ بيوض الإصلاحية، المجال الديني حيث طالت الطقوس التعبدية كثير من البدع والخرافات فتصدى لتغييرها، ومن ذلك قوله: «وكانت عندنا في البلدة قبة تسمى ”لالة خضراء" وقد قضينا عليها، وأراحنا الله منها والحمد الله منذ سنوات» (4).
(1) إبراهيم بتوض: الفتاوى: 54/ 1. (2) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 243.
(3) م. ن: سورة الروم: 417/ 10؛ عنون الإمام مسلم في صحيحه أحد أبواب كتاب "الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار"، "باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال، وأورد فيه القصة
بتفاصيلها، حديث: 2743، 2099/ 4
(4) في رحاب القرآن، سورة الروم: 228/ 10. (1/243)
صفحة 236
244
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
نلاحظ أن الشيخ اهتدى إلى القول قضينا عليها، فلم يقل: هدمناها لأنَّ المنهج يقتضي أن تُزال من قلوب روادها قبل تحطيم هيكلها، ومن الأسباب التي وظفها الشيخ لعلاج المسألة المتجذرة في النفوس:
أ - بيان أحكام زيارة القبور وحكمها:
الميت قد أفضى إلى ربه وانقطع عمله، فلن يستطيع لنفسه نفعا فكيف لغيره؟ فعلى زائر القبر أن يتقيد بأحكام الشرع وذلك بالاكتفاء بالدعاء له مع التوجه للقبلة)، كما قال السالمي: والمصطفى قد زارها وما قرا الأسلاما ودعا وأدبرا
والحكمة من زيارة القبر هي الاعتبار وتذكر الموت، وأما اعتقاد نفع صاحب القبر للزائر، مهما يكن مقام الميت فهي ضلالات ينكرها الشرع والعقل السليم، فلا ينفعنا لا الشيخ عمي سعيد ولا الشيخ با عبد الرحمن)، ولا الشيخ سيدي عيسى، ولا الشيخ بابهون (3)، ولا حَتَّى الشيخ اطفيش رحمهم الله فقد انتهى عملهم، وهم المحتاجون إلينا، ولسنا نحن المحتاجين إليهم» (4).
(1) في رحاب القرآن، سورة سبأ: 13/ 113. (2) عبد الرحمن الكرتي المصعبي الشهير بـ "با عبد الرحمن من علماء وادي مزاب في القرن 6 هـ/ 12 م، كما يعد من المعمرين الأوائل للمنطقة، كان ينشط في مليكة، حتى صارت منارا للعلم يقصدها الطلبة من جميع قرى وادي مزاب له مصلى لا يزال قائما قبلة قرية مليكة، وفيه كانت تعقد جلسات المجلس الأعلى لمزاب، كما تقام فيه المؤتمرات الدينية النسوية المعروفة بمؤتمرات لا
إله إلا الله. الدرجيني طبقات، 2/ 488؛ جمعية التراث معجم أعلام الإباضية: تر 540. (3) الشيخ بابهون كان حيا بين 1000 - 1050 هـ/ 1591 - 1640 م، من مدينة بريان بمزاب، أثر عنه الصلاح والزهد، قام بنشر العلم في بريان، ثم انتقل إلى منطقة القرارة رفقة أولاد بالناصر الذين نزحوا من غرداية قصد إنشاء بلدة جديدة، وإحياء العلم فيها، ونشر الصلاح والأخلاق الفاضلة إليه تنسب مقبرة «بابهون بالقرارة وفيها دفن جمعية التراث: معجم
?
أعلام الإباضية: تر 145.
(4) في رحاب القرآن، سورة سورة سبأ: 111/ 13. (1/244)
صفحة 237
المبحث الأول: التوحيد والغيب
ب تبيين أسباب التوسط بالأولياء:
1 - الاعتقادات الباطلة في رجال صالحين
245
أغلب الذين تزارُ قبورهم ويتزلّف إليهم رجال عرفوا في الزمان القديم بالتقوى والورع، والله سبحانه وتعالى {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (النجم: 32) ولكن الخطر يكمن في رفع هَؤُلاءِ إلى مقام الألوهية فتبنى لهم مقامات وأضرحة يُحج إليها، كما يذكر المفسرون أنَّ الأصنام التي كان يعبدها قوم نوح وتواصوا بالصبر عليها، وَقَالُوا لاَ تَدْرُنَّ الهَتَكُمْ وَلَا تَدْرُنَّ وُدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُونَ ويعوق وَنَسْرًا (نوح (23) هذه الأصنام أسماء رجال صالحين من قوم نوح
فلما ماتوا أوحى الشيطان إليهم بوضع نصب لهم، وتقديسها وعبادتها (1). نبه الشيخ بيوض إلى عدم جواز الطعن في الشخص الذي يعبده الناس، فمثله كمثل عيسى عليه السلام الذي دعا إلى التوحيد إلى أن توفاه الله فخلف من بعده خلف أفسدوا دينهم باتخاذه وأمه إلهين من دون الله «إنما نقمتنا تنصب على أولئك العابدين المتزلّفين الذين يعتقدون النفع والضرّ في أولئك الموتى أصحاب الأضرحة والقباب ويوسمونهم بصفات الألوهية والربوبية» (2). 2 - الشعور بعدم المنزلة عند الله: كثير من الذين يستشفعون بالآلهة والقباب والقبور من الغافلين الذين أسرفوا على أنفسهم حملهم على هذا التوسط اعتقادهم أن لا مقام لهم عند ربهم وزعموا أنهم لا يستطيعون التوجه إليه مباشرةً فالتجؤوا إليه بواسطة سيدي فلان وسيدي فلان، تمن عجزوا عن سماع دعائهم فأني لهم أن يستجيبوا لهم؟ إن هي إلا أماني الشيطان ونزغاته (3)، {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسِبُونَ أَنَّهُم مُهْتَدُونَ} (الزخرف: 37).
(1) البخاري الصحيح كتاب تفسير القرآن باب وُدًا وَلاَ سُوَاعًا وَلَا يَغُوث وتعوق حديث: 4636، 1873/ 4؛ الطبري: التفسير 99/ 29 ابن كثير: التفسير: 427/ 4
(2) في رحاب القرآن سورة الشعراء: 407/ 7 - 408.
(3) من سورة الإسراء: 144/ 1. (1/245)
صفحة 238
246
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
3 - تقديس الأماكن من غير دليل:
الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلق ويختار بدليل قوله: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (القصص: (68) فلا يعلم البشر تفاضل الأماكن أو الأزمان أو الأشخاص إلا بشرع الله، لكن مريدي القباب والمقامات يزعمون أفضلية تلك الأماكن عَلَى سواها من غير دليل ولا برهان إلا أنهم وجدوا آباءهم الأولين كذلك يفعلون (1)، وقد أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم شد الرحال إلى المساجد تبركا إلا إلى المساجد الثلاثة، حيث يقول: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثلاثةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم وَمَسْجِدِ الأَقْصَى (2).
يعد تفضيل أماكن معينة بلا دليل وبرهان من أولى خطوات الشيطان الموصلة إلى الاعتقاد في غير الله سبحانه وتعالى، لأنّ تفضيل بعض الأماكن
يكسبها بمرور الزمن قداسة تنتج عنها طقوس فتتمكن في النفوس (3).
أصحاب القبور لا يسمعون
أخبرنا الله أن أصحاب القبور ولا غيرهم ممن يتوسل بهم لقضاء الحوائج لا يسمعون دعاءً ولو سمعوا ما استجابوا له، وسوف يخبرونهم يوم القيامة بالحقيقة قائلين: {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} (يونس: 29) يوجه الشيخ بيوض إلى مُريد المقامات والقبور خطابه فانظروا إلى سخرية، القدر، فهذا الذي تلهج باسمه حتى يبح صوتك وتسقط، ويظن الناس أن ذلك علامة القبول فيسارعون إلى التبرك بك، اعلم يا هذا أنه سيقول لك: "إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ والله ما سمعتك وما رأيتك، وما شعرت بك.
(1) في رحاب القرآن، سورة القصص: 470/ 8.
(2) البخاري الصحيح: باب الجمعة، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، حديث: 1132، 398/ 1؛ مسلم کتاب الحج، باب لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، حديث: 1397، 2/ 1014.
(3) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 335/ 12 (1/246)
صفحة 239
المبحث الأول: التوحيد والغيب
247
أبعد هذا يذهب أحدٌ فيقرب القرابين إلى سيدي فلان ويدعوه باسمه، ويلهج بذكره قائلاً: هذه وعدتك يا سيدي فلان! إن هذا لشيء عجيب!!» (1).
ج- إبراز التناقضات:
1 - الخوف من المصنوع:
الله سبحانه وتعالى خالق وما سواه مخلوق، وقد علم الله الإنسان صناعة الأشياء، من الملابس والمآكل والمساكن والمراكب ... فالعقل السليم يحكم أن يكون الصانع أقدر من المصنوع، فالإنسان يقدر على بناء جدار كما أنه يقدر على هدمه وَهُوَ أهون عليه، ولكن القبوريين يبنون القباب بأيديهم، ويعجزون عن هدمها أو تحويلها لأنهم يعتقدون أنها تضرهم «عجبا لك يا هذا! إنها الأحجار التي جمعتها وإنك أنت الذي بنيت هذه القبة، لكنه يخاف هدمها» (2).
2 - رجاء مغفرة الله بمعصية الله:
كثير من القبوريين غافلون مسرفون على أنفسهم، وليتهم كفوا عن ضلالهم وأنابوا إلى ربهم، بل الشيطان سوّل لهم بأن المعاصي المتمادى فيها لا تضر صاحبها ويملي له أنه إذا حضر زردة من الزردات أو وعدة من الوعدات التي تقع على الأضرحة بما يقع فيها من رقص وخمر وفسق ... - يغفر له ما تقدم من ذنبه، إنَّ هذا لهو الضلال المبين» (3).
3 - قصد العاجز وترك القادر:
يشعر الإنسان بعجزه فطريا فيحتاج إلى الاحتماء بقوة تدفع عنه الضر وتجلب له النفع والتناقض الكبير الذي يعيشه بعض الناطقين بالشهادتين هو أن يتركوا الله الخالق القادر القاهر فوق عباده الذي له الأسماء الحسنى ويقصدوا المخلوق
(1) في رحاب القرآن، سورة فاطر: 455/ 13
(2)
م. ن: سورة الصافات: 431/ 14.
(3) م. ن: سورة الزمر: 262/ 15. (1/247)
صفحة 240
248
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
العاجز، {ضَعُفَ الطَّالِبُ والمَطلُوبُ (الحج: (73)، وأعجب العجب أن يكون المطلوب أضعف من الطالب ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها!.
فيا أيها الواقف أمام هذا الضريح أو القبة ... ما تظن في الله رب العالمين؟ لماذا لا تلتجئ إليه وتسأله؟ أتظنه لا يسمعك إذا دعوت، أو لا يعطيك ما ترجوه، أو لا ينتقم لك من عدوّك، أو يقول لك: أنا عاجز أو ليس عندي ما تطلبه؟ ... (1) والله سبحانه وتعالى يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ
الدَّاعِي إِذا دَعَانِي فَلْيَسْتِجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة: 186). افترض الشيخ أن لشخص حاجة ملحة يريد قضاءها، وكان له قريب يمكن أن يقضيها له، ولكنه تركه وذهب إلى من دونه، إلى شخص بعيد لا يستطيع في الظاهر أن ينجز ولو جزءا من تلك الحاجة، فإنه يُقال لهذا الشخص ما أعماك! كيف تذهب إلى ذلك وتترك الذي أمرك بيده، فما ظنك به؟ أتراه يخدعك أو يضرك أو يردك؟! (2).
دعاء،
والله المثل الأعلى، فهو الخالق الرازق النافع الضار المتصرّف في هذا الكون كيف يشاء، وأما أصحاب القبور فلن يستطيعوا سمعًا، ولو سمعوا ما استجابوا ويوم القيامة يكفرون بمن اتخذوهم شركاء (3)، إذ يقولون لهم: ما كُنتُمُ إيانا تَعْبُدُونَ (يونس) (28) وحدر الشيخ الذين يرتادون القباب من سوء د الاعتبار بمصير مرتاد القباب والقبور
هذا المصير
(4)
أسقط الشيخ على واقعه المعيش معنى قوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخَطَّفَهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي
بهِ الرِّيحُ فِي مَكَان سَحيق (الحج: 31) مبينا أن الاستعانة بالقباب والقبور شرك، وبالتالي فإنه يتحقق في روادها وعيد هذه
(1) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 415/ 14.
(2) من سورة الصافات: 415/ 14.
(3) م. ن: سورة الفرقان 81/ 7؛ العنكبوت: 250/ 9؛ فاطر: 455/ 13؛ الصافات: 14/ 353.
(4) من سورة الكهف: 234/ 2 (1/248)
صفحة 241
المبحث الأول: التوحيد والغيب
249
الآية، مبرهنا أنَّ الواقع يشهد تحقق الوعيد الدنيوي فيهم، ولعذاب الآخرة أخزى لمن لم يعتبر ويستغفر.
فالمبتلون بمرض العقيدة الزائغة يذهبون إلى أشخاص يدعون أنهم يَشفُون المرضى بالسحر والعزائم، أو يذهبون إلى القباب والقبور والأضرحة، وهذا هو التخطف، إذ هم ينتقلون من مكان إلى مكان، وينفقون الملايين، ولكنهم يعودون كما ذهبوا أو شراً مما ذهبوا إذ يذهب الدين، ويذهب المال، ويبقى المرض» (1). هـ - التحذير من مصير الأمة:
وعد الله المؤمنين بالعزة حين يصدق إيمانهم به ويتوكلوا عليه حق توكله، إلا أنَّ شيوع شرك الأولياء في أمةٍ يضعف من عزائم أهلها فيتسلط عليهم أعداؤهم لضعف صلتهم بالله، حيث يكلهم إلى شركائهم العاجزين، فمن ابتغى العزة في غير الدين القيم أذلّهُ الله، ذلك أنَّ المسلمين حين يغفلون عن إخلاص العبادة الله رب العالمين تتوزّعهم الآلهة والمعبودات، وتذهب أفئدتهم هواء، كل يدعي التبعية لفلان أو فلان وهذا ما نراه منتشرًا في العالم الإسلامي، فكم يمكن أن نحصي ما
(2)
فيها من أضرحة وقبور وقباب!! وكلّ يسمّي معبوده باسم، فلا يستطيعون لهم
نفعا ولا نصرا.
-4 - مداخل علاج مسألة الذبح لغير الله: التعلّق بأصحاب الأضرحة والقباب له تبعات سلبية منها: الذبح لغير الله والنذر لغير الله، فالذبح منذ القديم من صُوَر التقرب إلى المعبود وَهُوَ ما يسمى بـ"القرابين، لم يسلم المجتمع الإسلامي من هذا الداء العقدي الخطير، وإن كان أصحابه يهوّنون منه ويزعمون أنهم لا يقصدون إلا فعل الخير، ولا يريدون به إلا وجه الله، لكن الشيخ بيوض بين أَنَّ هَذَا التصريح زعم لا يبرّر
(1) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 11/ 209 - 210. (2) من سورة الفرقان: 246/ 7. (1/249)
صفحة 242
250
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
هذه البدعة ولا يطهر، رجسَها وسلك في مواجهتها منهج الإقناع، ومن
المسالك التي اتبعها في ذلك:
أ- الألفاظ تابعة للنيات:
يقول تعالى عما يُتقرب به إليه من النسك: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ الله (الحج: 36) ولكن الشيخ يلاحظ أن مريدي القبور يسمون النوق التي ينوون ذبحها بنوق سيدي فلان، ورأى أنَّ هذه العبارة تدلّ عَلَى الشرك، فالله جعل البدنَ من شعائر الله ل ونحن نريد جعلها من شعائر سيدي فلان، والألفاظ تابعة للنوايا منبئةً عن مقصدها، «لا يجوز الترخص بمثل هذا في مسألة تتعلق بالعقيدة وتجري عَلَى السنتنا أبا عن جد، خلفًا عن سلف كلمة نوق" سيدي فلان والقرآن يقول: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ اللهِ} (الحج: (36)) (1).
ب - اختبار صدق النيات
يصرح أصحاب نوق ”سيدي فلان“ الذين يذبحونها في أماكن مخصوصة وأوقات، معلومة أنهم يريدون بذبحها وجه الله بالتصدق بلحمها على الفقراء والمساكين، فأراد الشيخ أن يبصرهم بخطئهم، وذلك باختبار صدق ما يصرحون به من النيات، فافترض أن يقترح عليهم ترك ذبح هذه النوق في مكانها المعتاد، بل تُذبح في المجزرة حيث يذبح جميع الناس وليتصدق بلحمها على الفقراء والمساكين، فحينئذ تقوم قيامتهم، ويرفضون هذا المقترح، وبين أنَّ الله يسمّي في كتابه ما ذبح في الأماكن المخصوصة المقدسة من مجازر بيوت العبادة القربان، ولا يطلق هذا المصطلح على ما
يأكله الناس مما يذبح في المجازر العادية (3).
(1) في رحاب القرآن سورة لقمان: 212/ 11 - 213.
(2) م. ن: 213/ 11.
(3) م. ن: 236/ 11. (1/250)
صفحة 243
المبحث الأول: التوحيد والغيب
ج - الإهلال بغير الله:
251
من المتناقضات التي يقع فيها مريدو الأضرحة والقباب ذكرهم الله عند الذبح، إلا أنهم يتبعونه بقولهم: "هذه وعدتك يا سيدي فلان!! وهذا حرام لأنه إهلال بغير الله تعالى. جمع الشيخ بيوض الآيات المحرمة لأنواع الأطعمة وانتهى إلى قوله: «فحيثما ذكر الله تعالى المحرمات يذكر ما أهل لغير الله به» (1).
واستشهد بقول الشيخ اطفيش: ولو قال أحدهم باسم الله واسم محمد صلى الله عليه وسلم لكانت الذبيحة حرامًا أهل بها لغير الله» (2)، وهذا ما قلناه ونقول به دائما» (3). إنَّ الإيمان بالله تعالى هو أول شيء وأهم ركن يجب الاعتقاد به لأن بقية أركان الإيمان فروع لهذا الأساس، فما الإيمان باليوم الآخر -مثلا- إلا لأنه يوم قضاء الله بين عباده بالقسط، وجزائهم بجنة يدوم نعيمها، أو بنار يدوم جحيمها، وما الإيمان بالملائكة إلا لأنهم ملائكة الله عبيده وجنوده ...
ثانيا: الإيمان بالملائكة:
1 - تعريفهم
يطلق على المفرد والجمع من الملائكة اسم "الملك، ويرى اللغويون أن أصله "مالك" من الألوكِ وهي الرسالة، ثمّ أخرت الهمزة فقيل: الملاك“، ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال فقيل: الملك، فلما جمعوه ردّوها إليه فقالوا: ملائكة وملائك (4).
(1) في رحاب القرآن، 215/ 11
(2) اطفيش تيسير التفسير: 491/ 4، بلفظ .... اسم غير الله من الأصنام أو غيرها فإنه حرام، ولو
ذكر الله معه».
(3) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 234/ 2.
(4) الجوهري: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تح أحمد عبد الغفور عطار، ط 1، دار العلم للملايين:1 م 1611/ 4؛ ابن منظور لسان العرب: 185/ 13 - 186.
1990 (1/251)
صفحة 244
252
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
أما في الاصطلاح فقد عرفهم الشيخ بيوض بأنهم خلق من خلق الله، وجند من جنوده، مكلفون بأمره، وكل منهم خلقه الله تعالى لشيء، وكلهم يسبح بحمده ويطيع أمره (4)، وهم مخالفون الجنس البشر وطبائعهم
(2)
وعرفهم السالمي بأنهم أجسام نورانية خلقهم الله للعبادة، وجبلتهم غير جبلة الإنس والجن فلا يوصفون بذكورية ولا بأنوثية، ولا يأكلون ولا يشربون ولا يبولون ولا يتغوطون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون» (3).
الفرق بين التعريفين هو أنّ الشيخ السالمي وصف مادة أجسام الملائكة بـ”النورانية، وقال في موضع آخر: «تضيء كالنور (4) أما الشيخ بيوض فلم يحدّد طبيعة هذه المادة، واكتفى بالقول إنها تخالف جنس البشر.
2 صفة أجسامهم: أجسام الملائكة متركبة من أجنحة متفاوتة العدد، لقوله تعالى: {جَاعِل الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا
يَشَاءُ (سورة فاطر: 01).
اقتصر الشيخ بيوض على ما ثبت بالنصوص القطعية فيما جاء في وصف الملائكة، منها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينص فيه على رؤيته الجبريل عليه السلام، مرتين، وله ستمائة جناح ()، وردّ ما تناقلته الرواة من التفاصيل المحددة لحجم الأجنحة ولونها ... وعد كلام الرواة في ذلك رجما بالغيب (6).
(1) في رحاب القرآن سورة الصافات: 303/ 14
(2) م. ن: سورة الفرقان: 44/ 7.
(3) السالمي: مشارق أنوار العقول: 1/ 294 - 295.
(4) م. ن: 47/ 2.
(5) البخاري الصحيح، کتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة، حديث 3060؛ مسلم: الصحيح، کتاب الإيمان، باب معنى قول الله عَزَّ وَجَلُ: (وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزَلَةً أُخْرَى ... ) حديث 177، 1/ 159.
(6) في رحاب القرآن سورة سبأ: 367/ 13، الشزري: 363/ 17 (1/252)
صفحة 245
253
المبحث الأول: التوحيد والغيب أعطى الله سبحانه الملائكة القدرة على التشكل بأشكال مختلفة، ومنهج الشيخ بيوض هو عدم البحث عن كيفية ذلك وغيرها التفاصيل التي لا دليل عليها ولا طائل تحتها)، وقدّم أمثلة لتشكل الملائكة على هيئة البشر، منها إرسال الله جبريل عليه السلام إلى مريم فَتَمَثَلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) (مريم: (17) وإتيانه عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم على صورة دحية بن خليفة الكلبي الأنصاري، كما قدم إلى مجلسه على صورة رجل غريب عن الصحابة الله وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الدين (3).
-3 أقسام الملائكة ووظائفهم:
الملائكة قسمان: أ- ملائكة كروبيون، وهم منقطعون للذكر والتسبيح، وقد ورد في الأثر أنَّ الملائكة في السَّمَاوَات طوائف، منهم طائفة يعبدون الله وقوفا، ومنهم قعودا، ومنهم ركوعا، ومنهم سجودا (4).
ب ملائكة روحانيون وهم مكلفون بتنفيذ أوامر الله في تدبير شؤون الكون ومصالح الإنسان كتبليغ الوحي للأنبياء والرسل، وكتابة أعمال العباد
وقبض أرواحهم
(5)
4 - حكم الإيمان بهم:
الإيمان بالملائكة فرض من أركان الإيمان، لقوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلِّ - آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ... } (البقرة: 285)
(1) في رحاب القرآن، سورة مريم: 59/ 03.
(2)
م. ن: 53/ 03، وعن دحية الكلبي أنظر الزركلي: الأعلام: 337/ 2. (3) في رحاب القرآن سورة الشوري: 362/ 17؛ والحديث مشهور بحديث جبريل، الذي رواه عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ له، أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، حديث رقم 8، 37/ 1. (4) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 338/ 11/1 - 339؛ ورد في هذا المعنى قوله: «ما في السماوات السبع موضع قدم، ولا شبر ولا كف، إلا وفيه ملك قائم، أو ملك راكع، أو ملك ساجد». الهيثمي:
مجمع الزوائد، باب احتقار العبد عمله يوم القيامة»، 358/ 10.
(5) في رحاب القرآن سورة النور: 3416؛ النمل: 2028؛ الشورى: 18/ 265. (1/253)
صفحة 246
254
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
ومنكرهم كافر كفر شرك لا كفر نفاق، لأنه كتب بما علم من الدين بالضرورة، وبما علم بالنصوص الصريحة من القرآن» (1).
5 المفاضلة بين الملائكة:
تتفاوت درجات الملائكة كتفاضل الرسل من البشر، قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض} (البقرة: 253) والله وحده يعلم التفاوت بين الملائكة، فعلينا أن نؤمن إجمالا ولا ندخل في التفاصيل إلا ما ثبت من قرآن أو خبر صحيح
عن النبي (2) أما عن المفاضلة بين الملائكة والبشر فلا دليل قاطعا يُعتمد في تفضيل طرف على آخر، ورغم احتدام الخلاف بين بعض الفرق الإسلامية في المسألة فإن الشيخ بيوض يدعو إلى عدم الخوض في الموضوع «لأنه لا يوقف فيه بالبحث المجرد والعقل المجرد (3) ورغم احتجاج كل فريق بطائفة من الأدلة إلا أنها كلها قابلة للنقد، والمسألة ليست مسألة اعتقاد» (4).
6 - أبعاد الإيمان بالملائكة:
منهج الشيخ بيوض في التعامل مع أصل الإيمان بالملائكة هو التسليم بما دلّت عليه النصوص القطعية مما يتعلّق بشؤونهم والامتناع عن الدخول في تفاصيل حياتهم مثل مادة أجسامهم وأحجامهم وكيفية خلقهم، وتعيين أسمائهم في تفسير القصص القرآني، فكان موقف الشيخ من تلك الجزئيات قوله: «وهذا لا بل كان يعنى بترسيخ مبدأ الإيمان بهم وتوظيفه توظيفا عمليا، وهذه نماذج
يعنينا» (5)
من أبعاد الإيمان بالملائكة:
(1) في رحاب القرآن سورة لقمان: 474/ 11 - 475.
(2)
(3)
م. ن: سورة الصافات: 577/ 14.
م. ن: سورة الإسراء: 48/ 01 - 49
(4) م. ن: 49/ 01.
(5) م. ن: 49/ 01. (1/254)
صفحة 247
المبحث الأول: التوحيد والغيب
أ- التقديم لليوم الآخر:
255
قال الله تعالى عن الملائكة الكرام الحافظين: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَن الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 17 - 18 فاستحضار مراقبة الملائكة الحفظة وتقييد كل أعمال العباد يجعل - المؤمن حريصا على اجتناب الخطايا ومَلء سجلات الحسنات التي يصعدون بها إلى الله الذي لا تخفى عنه خافية (1).
ضرب الشيخ بيوض مثالا واقعيا يبين فيه بعد الإيمان بالملائكة الحفظة المتمثل في اجتهاد المؤمن أن يرسل معهم يوميا طرود الأعمال الصالحة إلى. الدار الآخرة، كي يفرح بها غدًا عندما يجد ما عمل من خير محضرا، كما يقدم المسافر أمواله إلى بلده حيث ينوي الاستقرار في آخر عمره» (2).
ب - ولاية الملائكة:
ومن
الملائكة معصومون من المعاصي، تجب على المؤمنين ولايتهم، التي يرى الشيخ اطفيش أنها تقتضي حب ما يوافق طبائعهم والاجتهاد على تحقيقه، ذلك إخلاص العبادة الله تعالى وخدمة الإسلام والمسلمين، وتوبة العصاة، والتمكين للدين (3)، أما ولاية الملائكة للمؤمنين فتتمثل في إلهامهم محبة الخير والرغبة في مصاحبة أهله، فتنشط أعضاؤهم إلى الخير ولا يتكاسلون (4) لقوله تعالى على لسانهم: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وفِي الآخِرَةِ (فصلت: 31). ...
(1) في رحاب القرآن، سورة سبا/ 18/ 13.
(2)
م. ن: سورة يس: 97/ 14.
(3) مصطفى وينتن: آراء الشيخ امحمد بن يوسف الطفيش العقدية: 201، نقلا عن الطفيش: شرح
العقيدة: 350
(4) في رحاب القرآن، تفسير سورة فصلت 478/ 16.
17 (1/255)
صفحة 248
256
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
ج - تثبيت المؤمنين:
يشهد المؤمن في حياته اليومية نزاعاً بين مشتهيات نفسه وأوامر الله تعالى
6 (1)
فيذكره مك الإلهام بالوقوف عند حدود الله ويحضه على مخالفة هوى النفس ومن هنا نستطيع أن نميز بين داعي الخير وداعي الشر، فنعلم أن الذي يدعو إلى الخير ملك، وأن الذي يدعو إلى الشر شيطان (2)، فهذا الإدراك يقوي عزيمة المؤمن للاستجابة لدواعي الخير.
إذا اعتقد المؤمن أن تثبيت الملائكة للذين آمنوا ليس معجزة أو كرامة مضت في سير الأولين وانقضى عهدها، بل هو أمر ممكن لكل من سلك طريق الإيمان، كل من سار على الدرب وصل»، فإنه يحرص على اتخاذ أسباب التثبيت، وهي مجاهدة النفس ابتغاء مرضاة الله تعالى
ر - ذكر نعمة التشريف:
(3)
(5)
شرف الله آدم عليه السلام بسجود الملائكة له، وهذا تشريف له ولذريته) وزاد الله المؤمنين تكريما بجعل الملائكة يستغفرون لهم، فذكر هذا التشريف يزيد المؤمن تواضعا الله ومجاهدة في مزيد التقرب إليه، تخلّقًا بأخلاق الملائكة الذين هم - على رفعة مقامهم - لا يتكبرون عن عبادة الله يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ) (الأنبياء: 20).
هـ - التقوى أساس التفاضل:
توقف الشيخ بيوض في مسألة التفاضل بين الملائكة والبشر ورأى أنها ليست
(1) في رحاب القرآن، سورة الشورى: 18/ 265. (2) من سورة الأحزاب: 399/ 12
(3) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 397/ 12. (4) م. ن: سورة ص: 235/ 15.
(5) م. ن: سورة غافر: 33/ 16. (1/256)
صفحة 249
المبحث الأول: التوحيد والغيب
257
مسألة اعتقاد)، لافتقارها إلى دليل صحيح، إضافةً إلى عدم الجدوى في معرفتها، وركز عنايته على ما فيه ثمرة في الاعتقاد والسلوك، ومن ذلك نفيه اعتبار كون السماء الملائكة في هو سبب أفضليتهم على البشر أهل الأرض، منبها إلى أنَّ السبب الصحيح للقرب من الله عزّ وجلّ هو الإيمان به وحده وإخلاص العبادة له، في كل مكان (2).
ثالثًا: الإيمان بالجن:
1 - تعريف الجن
،،
660 99
الجنّ جملة من خلق الله غير الملائكة و الإنس، ومن العلاقات الجامعة بين الجن والملائكة صفة الخفاء، وهناك من يطلق لفظ الجنّ على الملائكة لاستتارهم، فالجن في اللغة مأخوذة من "جن" بمعنى سَتَر (3)، ومنها أخذ المجنون“ لاستتار عقله، و”الجنين لاستتاره واختفائه في بطن أمه، والجنة ذات الشجر والنخل، لسترها الأرض، والجن، سموا حنا لأنهم مستورون مخفيون لا يُرون. خلق الله الجنّ من مارج من نار، وهم عباد مكلفون، يطلق اسم "الجن“ على المؤمن منهم والكافر، لقوله تعالى على لسان الجن: {وَإِنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَالِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) (الجن: (11)، أمَّا الشيطان" فلا يطلق إلا على المتمرد العاصي (5).
ينفي الشيخ بيوض علم البشر اليقيني عن دقائق تفاصيل حياة الجن كطريقة أدائهم للفرائض وطريقة تناسلهم، ولا عن عدد النفر من الجن الذين صرفهم الله
(1) في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 49/ 01.
(2)
م. ن: سورة الزخرف: 17/ 572 - 573.
(3) ابن منظور لسان العرب: 2/ 385.
(4) مصطفى سعيد الخن و محيي الدين ديب مستو: العقيدة الإسلامية: 532
(5) في رحاب القرآن تفسير سورة الأحقاف، 18/ 381. (1/257)
صفحة 250
258
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
تعالى إلى النبيء الاستماع القرآن)، وهذا ما لم نكلف به، وكل خوض في هذا تكلف وفضول، وضرره أكبر من نفعه ... (2) والأخبار المروية في الموضوع لم تبلغ عندنا درجة الاعتقاد)، «لأن العقيدة لا تُبنى إلا على خبر حقيقي يقيني من القرآن
الكريم أو من المعصوم (4).
2 اتقاء ضرر الجن
أودع الله في الجنّ قوة خارقة وقدرةً عجيبة مما جعل فريقًا من البشر - على مرّ
التاريخ - يعوذون بهم اتقاء ضرّهم ورجاء، نفعهم، والسؤال المطروح هو: كيف يتقي بنو آدم ضرر الجن؟! هنا يتميز موقف المؤمن من غيره، أما المؤمن فيتبع ما شرع الله فير شد، أما غيره فيتبع الأساطير والأضاليل فيضل). {وَإِنَّهُ كَانَ رِجَالٌ منَ الإِنسِ يَعُودُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقا} (الجنّ: 06). فعلى المؤمن أن يعتقد اعتقادًا جازما أنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدَ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (الطلاق: (12) فلا يعلم الغيب سواه، ولا نافع ولا ضار على لحقيقة إلا هو، وهو القائل عن الشياطين: {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ} (البقرة: 102) فإنّ هذا الاعتقاد يُثمرُ عدم الالتجاء إلى غير الله في كل حين مهما تقلبت الأحوال. من القضايا التي اجتهد الشيخ بيوض عَلَى إصلاحها لمدة عقود من الزمن مسألة التعامل مع الجن والوسائل المتخذة لاتقاء شرهم بين الشيخ عدم مشروعية الطرق التي ينتهجها الناس وأكد أنها خرافات وضلالات تمس سلامة
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحقاف، 386/ 18.
(2)
من سورة الفرقان: 19/ 07. (3) م. ن: سورة الأحقاف، 386/ 18. (4) م. ن: سورة الكهف: 02/ 225. (5) من سورة سبأ: 13/ 181. (6) م. ن: سورة سبأ: 189/ 13. (1/258)
صفحة 251
المبحث الأول: التوحيد والغيب
259
المعتقد، وخاصة إذا اشترط عَلَى المريض شرط محرّم كذبح شيء موصوف في مكان مخصوص مع عدم ذكر اسم الله عليه، لأنَّ هذه الأفعال مخالفة لأصل التوحيد، وهي من وحي الشياطين، وتيقنوا بأنها محرمة، ومن يفعلها فهو عاص، لأنه تقرب إلى الجن (1)
واستعاذة الإنس بالجنّ مرض عقدي قديم، لقول الله تعالى: {وَإِنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُودُونَ برِجَالٍ مِّنَ الْحِنُ فَزَادُوهُمْ رَهَقا» (الجن: 6) فكان الواحد منهم يقول: «أنا أذبح الذبائح، وأقيم الولائم للجنّ كي لا يضروني) (2).
ذكر الشيخ بيوض أنَّ من وصفات الاستشفاء التي يقدمها المشعوذون في عصره أن يطلب من المريض وضع طعام في مكان معين ليأتي الجن الفلاني ليأكل منه، وقد يُطلب منه وضعها في المرحاض، والعجيب فِي ذلِكَ أَنَّ مَن فعل ذلك إذا رجع بعد مدة ووجد على طعامه حفرا فرح لاعتقاده قبول الجن منه، وما هو - في الحقيقة - إلا أثر أكل الدواب والهوام! ... فهذه من الصور الشركية التي كان يستعملها الوثنيون مع أصنامهم، كما فعل قوم إبراهيم قبل الخروج إلى عيدهم فخلفهم إليها إبراهيم فقال لها متهكما ألاً تَاكُلُونَ؟ مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ (الصافات: (91 - 92) ولا تزال هذه الخرافات وقد حاربناها من زمن قديم (3).
بعد أن بين الشيخ بيوض الحكم الشرعي لمسألة الاستعاذة بالجن، قدم البديل المشروع لاثقاء، ضررهم استخلصه من سنة الرسول، فقد علمنا أن نقوم ببعض الإجراءات الوقائية)، كتغطية الأواني وملازمة الذكر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم
(1) في رحاب القرآن، سورة سبأ: 186/ 13
(2) من سورة سبأ: 13/ 181
(3) م. ن: سورة الصافات: 416/ 14 - 417.
(4) من سورة سبأ: 186/ 13. (1/259)
صفحة 252
260
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
يعوذ نفسه، ويعوذ من يرقيه بالمعوذتين (3)، هَذِهِ الاستعاذة المشروعة الفاعلة، ولا يوجد أحسن منها (2)
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً في الصحراء يسأل الله تعالى أن يقيه من شرّ الشيطان وشر الجن وشرّ الدواب، كما يسأله أن يحفظه من شر الأفاعي والعقارب والحشرات المؤذية، (فلا ملح ولا رماد ولا قراءات ولا ذبح، كل هذا باطل من الاعتقاد، وباطل من العمل، وَهُوَ ضرب من عبادة الجن ومن اتخاذهم أولياء» (3). فالعلاج هو التوجه إلى الله وحده، وأما الذين يعوذون بالجن فإنهم لا يزيدونهم إلأ رهقا ذلِكَ أَنَّ الجنَّ يفقدون كل ما يزعم الغافلون أنهم يملكونه،
ومن ذلك:
أ- الجن لا يعلمون الغيب، قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إلا الله (النمل: (65) ولما مات سليمان عليه السلام لم يعلم منه الجنّ ذلكَ حَتَّى سقط على الأرض بعد أن أكلت الأرضة منسائه، ولبثوا طوال تلك المدة ينجزون الأشغال الشاقة التي كلفهم بها، فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْحِنُ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِين (سبا: 14).
-
ب الجن يستمدون القدرة والقوة من الله، لأنّ الْقُوَّةَ اللهِ جَمِيعًا (البقرة: 165)، وما الجنّ إلا كالبشر لا يعلمون الغيب مطلقا، وإن كانت لهم قدرة على الإضرار، ولكن الله الذي أعطاهم هَذِهِ القوة هو وحده القادر على أن يكف ضررهم، ولا واقي ولا ملجأ لنا غيره (4).
(1) عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات، ويمسح عنه بيده، قالت: فَلَما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم وجعه الذي تُوُفِّي فيه طفقت أنفث عَلَيْهِ بالمعوذات التي كان ينفث بها على نفسه، وأمسح بيد النبيء عنه ابن حبان: الصحيح، ذكر قراءة عائشة المعوذتين على النبيء،
حديث 6590، 14/ 555.
(2) في رحاب القرآن، سورة سبأ: 188/ 13.
(3) من سورة الكهف: 225/ 2
(4) م. ن: سورة سبأ: 13/ 189. (1/260)
صفحة 253
المبحث الأول: التوحيد والغيب "
261
ج - الجن لا يملكون ضرا ولا نفعا، فهم عاجزون عن ردّ قضاء الله وقدره، {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنَ أَحَدٍ إِلا بإذن اللهِ} (البقرة: 102) ذلِكَ لأَنَّ اللهَ يُحِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} (المومنون (88) فمن قصد الله ليعصمه من شر مخلوق مهما كان نصره وأجاره، ومن قصده الله بشر فالتجأ إلى مخلوق ليعصمه ... لم يستطع. فعلى المؤمن أن يتوكل على الله وحده {وَمَنْ يُتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ) (الطلاق: (03) إنه النافع الضار القادر الفاعل لما يريد، الذي يجير ولا يجار عليه، ويتأسى في الوقاية من ضرر الجن بالرسول صلى الله عليه وسلموآوى إلى الركن الشديد العاصم من كل البلايا، وادخل تحت سرادق العزيز الجبار الذي يغلب ولا يُغلب فلا ملجأ من الله إلا إليه، فالمتوكل على الله حق توكله ينعم في الدنيا بالحياة الطيبة، ويسعد في الآخرة بالنعيم السرمدي والفضل المبين.
رابعًا: الإيمان باليوم الآخر:
ورد الإيمان باليوم الآخر مقرونا بالإيمان بالله في سياق الأمر بالفعل أو بالترك، في مواضع عديدة من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، كقوله تعالى: إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِك (النساء: 59)، ومثل قوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر .... وذلك لأهميته ولأثره الفعال في سلوك الإنسان، وسنبدأ دراسة الموضوع بما يسبق هذا اليوم وهو قيام الساعة.
1 - قيام الساعة
تقوم الساعة في الوقت الذي قدره الله لفناء الكون، وهو قريب اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (القمر (01)، و يرى الشيخ بيوض أن لا يجوز تحديده لأنه ادعاء للغيب الذي استأثر الله بعلمه (3)، وتعجب من ورود أقوال في الموضوع عن
(1) في رحاب القرآن، 13/ 189. م. ن: 305/ 13.
(2)
411/ 20
(3) (1/261)
صفحة 254
262
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
بعض مشاهير المفسرين، وقال: فكل هذا باطل من القول لا أساس له من كتاب أو سنة لا يجوز لأن يُعمل أو يُعوّل عليه أو يقص على الناس» (1).
وللساعة أشراط كبرى منها: خروج الدابة من الأرض فتكلم الناس، وطلوع
الشمس من مغربها (2)، وهي أمارة غلق باب التوبة (3).
حكمة إخفاء الساعة
أخفى الله عن عباده وقت قيام الساعة لحكم منها:
أ- استعداد المؤمن لها في كل وقت خوفا وطمعا، ويبادر إلى التوبة قبل الغرغرة ونزول الموت، ولما كان الإنسان لا يعرف ساعة موته فعليه أن يكون مستعدا له دومًا، وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ (آل عمران: 102). ب - عمارة الأرض: الإنسان خليفة الله في الأرض يعمرها ويستخرج ما قدر فيها من أقوات، ويستكنه ما أودع الله في الكون من أسرار ونواميس، ويتسنّي له ذلك بالأمل في الحياة، والعمل لها كأنه يخلد فيها أبدا.
شاءت حكمة الله إخفاء الساعة ووقوعها بغتةً، أخبرنا عن ذلك في آيات كثيرة منها لا تاتيكُمُ إلا بغتة (الأعراف: 187) وقوله: {وَهُمْ يَحْصَمُونَ} (يس: (49) وبين الشيخ بيوض أن هذه الكلمة أغنت عن أشياء كثيرة بينها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث عديدة (7)، منها قوله: ... وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلان ثوبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 12/ 660 - 661. م. ن: سورة النمل: 1898، 193.
(2)
(3) م. ن: سورة النمل: 188/ 8.
(4) م. ن: سورة الإسراء: 240/ 1.
(5) م. ن: سورة الزمر: 274/ 15؛ سورة الشورى: 17/ 141. (6) من سورة طه 248/ 3؛ سورة الأحزاب: 658/ 12. (7) م. ن: سورة يس: 211/ 14. (1/262)
صفحة 255
المبحث الأول: التوحيد والغيب
263
لِفْحَتِهِ فَلا يَطْعَمُهُ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلا يُطْعَمُهَا).
تقوم الساعة بالنفخ في الصور ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ} (الزمر: 68)، والصور هو
،،
البوق الذي يُتخذ للنفخ، ولا يعلم البشر حقيقته «والله يصور لنا أمر يوم القيامة بحسب ما تدركه عقولنا، مع قصور اللغة التي نتخاطب بها، وإلا فحقيقتها وكيفيتها لا يعلمها إلا الله» (2).
فالشيخ اعتبر حقيقة الصور والنافخ فيه والمستثنون من الصعق غيبا مطلقا كالوقت الذي يقع فيه النفخ، ولم تصح عنده الروايات المدققة في جزئياته وتفاصيله، ويرى أنَّ أكثرها من الإسرائيليات وللوقوف في الموضوع عند حدود النصوص القطعية بعده المتمثل في:
1 - السلامة من اعتقاد خلاف مراد الله تعالى.
-2 - إفراغ الجهد وتوجيه الهمم إلى العمل للآخرة والإعداد لها، ولو علم الله في هذه التفاصيل خيرًا لأخبرنا بها (3).
2 البرزخ
البرزخ لغة هو الحاجز بين الشيئين (4).
أما في الإصطلاح فهو المدة الفاصلة ما بين موت الإنسان وبعثه، كما يطلق على المدة التي بين فناء الدنيا وقيام الآخرة، أي هو ما بين النفختين: نفخة الصعق
(1) البخاري الصحيح كتاب الرقاق، باب قول النبيء له بعثت أنا والساعة كهاتين، حديث: 6141، 2386/ 5؛ كتاب الفتن، باب خروج النار، حديث: 6704، 6/ 2605
(2) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 335/ 14.
(3) م. ن: سورة النمل 88 205 - 208؛ سورة يس: 210/ 14؛ سورة الزمر: 486484/ 15. (4) الجوهري: الصحاح: 1/ 419؛ ابن منظور: لسان العرب: 375. (1/263)
صفحة 256
264
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
ونفخة البعث)، وهي مدة لا يعلم طولها إلا الله تعالى (2). من المسائل المطروحة في هذا الطور:
أ - عذاب القبر ونعيمه
يرى الشيخ بيوض أن عذاب القبر حق ونعيمه حق (3)، مستدلاً بقول الله عز وجل عن آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا عَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (غافر: 46) فالآية تنص على أنهم يعرضون على العذاب قبل يوم القيامة).
جمهور علماء الإباضية يثبتون عذاب القبر)، وممن ينفيهم منهم أبو عمرو السوفي) صاحب كتاب السؤالات (7)، ويعتبر أبو يعقوب الوارجلاني (8) وجميل بن
(1) في رحاب القرآن، سورة الشورى: 17/ 321.
(2)
(3)
م. ن: سورة يس: 48/ 14.
من سورة غافر: 186/ 16.
(4) من سورة الشورى: 17/ 321
(5) الثميني: معالم أصول الدين: 171/ 2.
(6) عثمان بن خليفة السوفي المارغني، أبو عمرو أحد أعلام الإباضية البارزين، أصله من بلاد سوف. في القرن 6 هـ / 12 م، نشأ في عصر ازدهرت فيه الحركة العلمية بوارجلان، والتقى أبرز أعلامها فكان من شيوخه بها: أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر (ت: 504 هـ/ 1110 م) وأبو الربيع سليمان ابن يخلف المزاتي (ت: 471 هـ / 1078 م) كان كثير الرحلات في طلب العلم ونشره. الدرجيني: طبقات 2/ 483 - 485؛ الشماخي: السير، 103/ 2، 169، 170، 173؛ جمعية
التراث: معجم أعلام الإباضية تر 620
(7) مصطفى ابن ادريسو: الفكر العقدي عند الإباضية: 333. (8) يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، أبو يعقوب، علم من أشهر علماء الإباضية بالمغرب في القرن السادس الهجري، ترك بصمات بارزة في التراث الإباضي خصوصا، والمكتبة الإسلامية عموما.
ولد بسدراتة، من قرى وارجلان؛ حوالي سنة 500 هـ/ 1106 م. نشأ في موطنه سدراتة، وأخذ مبادئ العلوم على علماء وارجلان، ثم تاقت نفسه إلى الاستزادة، فشد الرحال إلى بلاد الأندلس، وأقام بقرطبة سنين عددا، وحصل منها مختلف العلوم النقلية والعقلية، توفي عام 570 هـ/ 1175 م. . ترك آثارا علمية في مختلف العلوم، منها ما حفظته الأيام، ومنها ما ضاع مع حوادث الزمان، ومن أهم (1/264)
صفحة 257
المبحث الأول: التوحيد والغيب
265
خميس السعدي (1) أنَّ المسألة ليست من الأصول الواجب الإيمان بها، فهي لا
ترقى إلى اليقين والاعتقاد لعدم وجود دليل قطعي فيها.
ب- عجم الذنب:
عجم الذنب، أو عجب الذنب، هو مثل حبة خردل يكون في أصل الصلب عند رأس العصعص يشبه في المحل محل الذنب من ذوات الأربع (3)، اختلف العلماء في بقائه بعد فناء جسم الإنسان، واستدل المثبتون ببعض الآثار التي شك الشيخ بيوض في قطعيتها، مع تأكيده على قدرة الله على إعادة الخلق بسبب العظم أو بدونه، «وهذه الرواية قد تكون صحيحةً فيكون عجم الذنب بمثابة البذرة
هذا
مؤلفاته المحفوظة: الدليل والبرهان لأهل العقول ومعظمه في أصول الدين وعلم الكلام، ولكنه في الحقيقة موسوعة مصغرة لمختلف الفنون: من كلام، وتاريخ وفلسفة ومنطق، ورياضيات، وعلوم وأخبار ... يقع في ثلاثة أجزاء، طبع أكثر من مرة، ثمّ حققه الباحث صالح بوسعيد في رسالة دكتوراه الحلقة الثالثة، ولا يزال مرقونا؛ العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف يقع أيضا في ثلاثة أجزاء، طبع بلا تحقيق ثم حققه الشهيد الدكتور عمرو خليفة النامي، ولا يزال مرقونا. وقد أجرى عليه الباحث مصطفى بن صالح باجو دراسة أكاديمية في رسالة ماجستير، قارن فيها بين الوارجلاني في العدل والإنصاف والغزالي في المستصفى، وطبعت الدراسة وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان. (أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، أبو يعقوب الوارجلاني: العدل والإنصاف وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان؛ الدرجيني: طبقات المشايخ، 1/ ي؛ 460/ 2 - 461، 489 - 495، 501، الجيطالي: قواعد الإسلام، 1؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 10141010/ 4).
(1) جميل بن خميس السعدي شيخ وعالم، وفقيه من أهل القرط، من بلدان آل سعد، من عمان. كان أبرز علماء عصره، في القرن 13 الهجري، وكان صاحب اعتناء واسع واطلاع جامع، من مؤلفاته: "قاموس الشريعة تسعين جزءا، في الفقه والأدب والحوار والجدل، وهو أشبه بدائرة معارف. (دليل أعلام عمان:
46؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، تر 148).
(2) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 653. (3) أبو البقاء الكفوي الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، ط 1، مؤسسة الرسالة، بيروت 1412 هـ / 1992 م: 658. (1/265)
صفحة 258
266
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
التي ينمو منها الإنسان، وقد لا تكون صحيحة، والله على كل شيء قدير (1) وقد بين الله قدرته على إحياء الموتى بتوجيه أنظارنا إلى حياة النبات وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً ميّنَا كَدَالِكَ الْخُرُوجُ) (ق: (11) فالناس يموتون كما ماتت الأشجار والبذور، ويحيبهم الله كما يحيي الأشجار سواء بقيت في الإنسان بذرة أو لم تبق» (2).
3 البعث هو قيام الناس من قبورهم لربّ العالمين إثر النفخة الثانية {وَنُفِخَ في الصور فَإِذَا هُم مِّنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) (3) (يس: 51) وبعث الناس يكون بأجسامهم، ولو أنَّ إنسانا مات بالحرق أو أكلته السباع فإنه يُبعث حيا بجسمه، فالله سبحانه بكل خلق عليم، كما بدأ أول خلق يعيده وهو على كلّ
الحقيقي شيء قدير.
الخروج من القبر:
تختلف حالات خروج الناس من قبورهم اختلافًا بينا، فإذا كان الكافر يخرج من قبره وهو ينادي بالويل والثبور {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا؟} (يس: 52) فإن المؤمن يخرج مطمئنا لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} (الأنبياء: 103) والآية من الأدلة القاطعة على أن المؤمنين يخرجون من قبورهم وهم آمنون (5).
4 دلائل البعث
استدل الشيخ بيوض على البعث بأدلة متنوعة منها:
(1) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 565/ 11. (2) م. ن: سورة النمل: 8/ 141.
(3) م. ن: سورة يس: 209/ 14؛ سورة الزمر: 487/ 15.
(4) م. ن: سورة طه 384/ 3
(5)
م. ن: سورة مريم: 184183/ 3؛ سورة: يس: 14/ 221. (1/266)
صفحة 259
المبحث الأول: التوحيد والغيب
267
-أ- الدليل الحسي في إحياء النبات:
الله الذي يحيي الأرض بعد موتها قادر على أن يبعث الناس من قبورهم بعد أن تبلى أجسادهم، والإنسان يشاهد عملية إحياء النبات مئات المرات، ولو شاهدها مرة واحدة لكفى بها دليلاً على إحياء الموتى (1)، قال تعالى: {وَأَختينا به بَلْدَةً مِّيْتًا كَدَالِكَ الْخُرُوجُ (ق: 11).
ب- الدليل العقلي:
1 - الإعادة أهون من الخلق الأول: لفت الشيخ بيوض انتباه الإنسان الذي يشك في البعث أن خالقه أول مرة هو القادر على بعثه من جديد، ذلك أن القادر على الإنشاء الأول أقدر على الإعادة (2) واستدل بقوله تعالى: {اَوَلَا يَذكُرُ الإِنسَانُ. أنا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) (مريم: (67).
إن الله قادر على استخلاص أجسام الأموات بعد أن تندثر في الأرض كما جمع من قبل أبانا آدم عليه السلام مِن سُلالَةٍ مِّن طين (المؤمنون: 12) وجمع ذريته في سلالة ماء من مهين من جميع الجسم ثمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء
مهين) (السجدة: 08).
(3)
2 - الفطرة والعقل: نظرة الإنسان الفاحصة إلى الوجود تؤكد وجوب يوم البعث والجزاء، فقد جعل الله الإنسان خليفة في الأرض وأعطى الدنيا للكافر والمؤمن، ولم يتحقق العدل الإلهي المطلق في الدنيا، فلا بد من حياة أخرى يظهر فيها عدل الله المطلق، استنادًا إلى قوله تعالى: (وَتَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ
الْقِيَامَةِ) (الأنبياء: 47).
(1) في رحاب القرآن، سورة فاطر: 411/ 13 - 412.
(2) م. ن: سورة مريم: 3/ 155.
(3) م. ن: سورة السجدة: 63/ 12.
(4)
م. ن: سورة طه: 250/ 3/ 251؛ سورة الروم: 83/ 10 - 85؛ سورة سبأ: 13/ 40. (1/267)
صفحة 260
268
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
5 الصراط
""
الصراط في اللغة: الطريق الواضح أصل صادِه سين سراط، قلبت مع
الطاء صادًا لقرب مخارجها (1).
(4)
أما في الاصطلاح فاختلف العلماء في حقيقته أهو حسي أم معنوي، فقالت الأشعرية والسلفية إنه جسر ممدود على ظهر جهنم)، وإلى هذا القول ذهب القاضي عبد الجبار من المعتزلة)، وبعض علماء الإباضية منهم هود بن محكم الهواري) وإسماعيل الجيطالي وأبو القاسم البرادي (3) راستدلوا بأحاديث تثبت الصراط بالمعنى الحسي)، وذهب جمهور الإباضية إلى أنه عبارة عن الحق وطريق الهداية، معتمدهم في ذلك أنَّ الصراط في القرآن الكريم يدل على الدين القويم، ومن ذلك قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (8) (الفاتحة) (05)، فمنهم من رأى تأويل الأحاديث لتوافق ما جاء في القرآن، ومنهم من استحسن إبقاءها على أصلها وتفويض الأمر إلى الله، أما الشيخ اطفيش
(8) 6 -
(1) الجوهري: الصحاح 11393؛ ابن منظور: لسان العرب: 326/ 7. (2) الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد 278؛ البيجوري: شرح جوهرة التوحيد: 180؛ (3) القاضي عبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد السيد، ط 2، الدار التونسية للنشر، تونس، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1406 هـ/1986 م 205، والقاضي عبد الجبار شيخ المعتزلة في عصره، يلقبونه "قاضي القضاة"، ولي القضاء بالري، وتوفي فيها عام 1025 م. له تصانيف كثيرة، منها: "المجموع في المحيط بالتكليف" و "شرح الأصول الخمسة" و"المغني في أبواب التوحيد والعدل. الزركلي: الأعلام: 3/ 273.
(4) هود بن محكم الهواري تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 283.
(5) السالمي: مشارق أنوار العقول: 2/ 129. (6) تصرح هذه الأحاديث بأن الصراط جسر يضرب على ظهر جهنّم وعلى حافتيه كلاليب، واختلاف أحوال الناس في عبوره البخاري: كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم، حديث: 6204، 24035؛ مسلم كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث: 195، 186/ 1.
(7) السالمي: مشارق أنوار العقول: 2/ 128.
(8) اطفيش تيسير التفسير: 06/ 1. (9) السالمي: مشارق أنوار العقول: 1302 (1/268)
صفحة 261
المبحث الأول: التوحيد والغيب
ما
269
فانتهى به اجتهاده إلى حمل الصراط الوارد في القرآن بمعناه المجازي وفهم الصراط الوارد في الحديث على حقيقته المادية، وميزة هذا الرأي هو الجمع بين ورد في الكتاب وما ورد في السنة (3)، وهذا هو مذهب الشيخ بيوض في المسألة حيث يرى أنهما صراطان، مع التفويض في صفة الصراط الحسي ومكانه (2)، ويلاحظ أن الشيخ بيوض لم يركز على هول هذا الصراط، بل عمد إلى استخلاص الحكمة من إطلاع المتقين على النار، وهي اطمئنانهم على صدق وعيد الله على الكفار والمنافقين، الذين كانوا يسخرون منهم، فتزداد
قيمة الجنّة عندهم (3)، كصاحب القرين الذي تذكّره فَاطَّلَعَ فَرَعَاهُ فِي سَوَاءِ
(الصافات: 55).
الْجَحِيمِ يرجع التردّد في اتخاذ موقف ثابت في مسألة الصراط إلى كونها ليست من أصول الاعتقاد، لافتقارها إلى الأدلّة القطعية وعدم صلتها المباشرة بأصل التوحيد.
يدل الصراط - بمعنييه الحسي والمعنوي - على ضرورة اتباع الحق المبين والثبات عليه وخطورة اتباع سبل الغواية، وإن كان تصوير الصراط بالجسر على متن جهنم له أثره النفسي الخاص في تقوية الإيمان بخطورة الحياد عن الصراط المستقيم، إلا أن الأهم هو اعتقاد أن ثمن السلامة في ذلك الموقف يجب أن يدفع في الدنيا، وهو الإيمان والاستقامة والمبادرة إلى التوبة ... مع حسن الرجاء في رحمة الله، ودعائه التثبيت على الصراط المستقيم، فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عملاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (الكهف: (110) فما مصير من خرج من الدنيا مفرطًا في جنب الله؟ وهل تنفعه شفاعة الشافعين؟
(1) مصطفى وينتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية: 182.
(2) إبراهيم يوض: الفتاوى: 68/ 1 - 69.
(3) في رحاب القرآن سورة مريم: 1613 - 162؛ الأنبياء: 97/ 4.
(4) إبراهيم بيوض: الفتاوى: 69/ 1؛ مصطفى وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية: 182. (1/269)
صفحة 262
270
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
6 - الشفاعة
الشفع في اللغة خلاف الوثر، يقال: شفَعتُ الرجل، إذا كان فردا فصرت له ثانيا، والشفاعة في عرف الناس هي سؤال فعل الخير للغير وترك الضر عنه على سبيل التضرع (2).
أما في الاصطلاح فعرفها السالمي بأنها تعجيل دخول الجنة أو زيادة درجة فيها من الرب عز وجل لعباده المؤمنين (3).
يلاحظ في هذا التعريف عدم الإشارة إلى تخليص الناس من ضيق المحشر، والاكتفاء بذكر تعجيل دخول الجنة، كأن صاحبه لا يعتبر الشفاعة إلا قسما واحدا، وهذا ما سنراه في الفقرة الآتية.
أ- قسما الشفاعة
1 - الشفاعة العامة: تخليص الناس من أهوال الموقف بفتح الحساب، وهي خاصة بالنبي دون الرسل، وهو المقام المحمود)، يدل على ذلك حديث الشفاعة الطويل، الذي رواه الربيع والبخاري وغيرهما (5).
وإن كان هذا النوع يُسمّى الشفاعة العامة لتعلقها بجميع الناس مؤمنهم وكافرهم فهي ليست شفاعة على الحقيقة إلا للمؤمن، لأن مصير غيره أشد وأعسر
تما هو عليه من هول المحشر، فالشفاعة العامة تعجيل الخير للمؤمن دون غيره.
(1) ابن دريد: كتاب جمهرة اللغة، تح رمزي منير بعلبكي، ط 1، دار العلم للملايين، بيروت - لبنان
869/ 2 p 1987
(2) مصطفى وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية: 421، نقلا عن اطفيش: شرح أصول تبغورين: 537. (3) السالمي: مشارق أنوار العقول: 131/ 2.
(4) في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 96/ 1؛ سورة الزمر: 411/ 15.
(5) الربيع: الجامع الصحيح حديث: 1004، ص: 379 - 381؛ البخاري: كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة للأنبياء وغيرهم، حديث: 7072، 6/ 2727. (1/270)
صفحة 263
المبحث الأول: التوحيد والغيب
-
271
2 الشفاعة الخاصة: زيادة الفضل والثواب للمؤمنين ورفع درجاتهم
في الجنة (1).
ب شرطا الشفاعة:
إن الشفاعة الله جميعًا يمنحها من يشاء من عباده، وقد شاءت حكمته أن يجعلها محدودة من الجهتين، من جهة الشفيع ومن جهة المشفوع له» (2).
1 - الإذن للشفيع، استنادًا إلى قوله تعالى: {مَن ذَا الذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلا بإذنه} (البقرة: 255).
وقوله: {وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنَ أَذِنَ لَهُ} (سبا: 23)، فالشفيع قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم وقد يكون غيره ممن أذن الله له (3).
استدل الشيخ بيوض بهذه الآية في ردّه على الذين يعتقدون أن أصحاب القباب والمحاريب سيشفعون فيهم، فهل وجدت في القرآن الكريم أو في سنة صحيحة متواترة مقطوع بها أنَّ فلانا يشفع فيك، أو أنَّ الله أذن له في الشفاعة؟» (4). 2 - الرضا عن المشفوع له: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى (الأنبياء: 28) فالشفاعة خاصة لمن ارتضاه الله ومات على التوبة والرضا فزحزح عن النار
وأدخل الجنة فيزداد درجات أخرى بشفاعة من أذن لهم الله في الشفاعة كالنبي ته (5)، وقد عبّر الله عن هذه الاستقامة والوفاء بـ"اتخاذ العهد حيث قال: {لاً
يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَن اتَّخَدَ عِندَ الرَّحْمَن عَهْدًا (مريم: 87) فمن لم يكن له عهد عند الله فلا مطمع له في شفاعة ولي أو نبي (6)
(6) *
(1) في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 96/ 1؛ سورة طه: 387/ 3. .
(2) م. ن: سورة سبأ: 13/ 225.
(3) م. ن: سورة سبأ: 13/ 225؛ سورة طه: 386/ 9 - 387.
(4) من سورة الزمر: 412/ 15.
(5)
(6)
من سورة سبأ: 13/ 225
من سورة مريم: 184/ 3. (1/271)
صفحة 264
272
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
أورد الشيخ بيوض رأيَ مَن أوَّل اتخاذ العهد" بقول: "لا إله إلا الله" وعلق عليه أنه تحريف لمعنى "العهد" إلا إذا أقيم حقها وعُمل بمقتضاها، وإلا فيظل الناطقون بها من الذين يقولون: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم يمُومِنِينَ} (البقرة: 08 فلا تنفعهم شفاعة الشافعين (4).
""
سؤال الشفاعة: إنَّ الدعاء عبادة فلا يُتوجه به لغير الله تعالى إنطلاقا من هذا الأصل أكد الشيخ بيوض على طلب الشفاعة من الله وحده، فمنع أن يقول السائل مثلاً: يا رسول الله اشفع فينا (2)، إذا كان يقصد من الدعاء حقيقة الشفاعة، ذلك أنه لا يُتوجه في أمور الغيب إلا إلى الله تعالى سبحانه وتعالى، إنما يقال: "اللهم شفع فينا رسولك، ولا مشاحة في الألفاظ إن كان القصد هو إخلاص التوجه إلى الله، الذي لا يعبد إلا إياه ولا يَشفَع أحدٌ عنده إلا بإذنه.
ج - الشفاعة ومرتكب الكبيرة: إختلفت أقوال العلماء في مستحقي الشفاعة بين تعميمها لكل من قال "لا إله إلا الله وإن مات مصرًا على الكبائر، وبين تخصيصها في الذين عملوا بمقتضى "لا إله إلا الله فاستقاموا على الطريقة، وبادروا إلى التوبة قبل أن يدركهم الموت.
66
د - موقف الشيخ بيوص
م
المسألة وأدلته:
يرى الشيخ بيوض أنَّ الكبائر لا تكفّر إلا بالتوبة، فمن مات مصرا عليها فمصيره النار، ولا تنفعه شفاعة الشافعين (4)، واستدل على ذلك بأدلّة من
النقل والعقل.
(1) في رحاب القرآن، 185/ 3.
(2) م. ن: سورة الزمر: 412/ 15. (3) م. ن: سورة سبأ: 13/ 221 - 222.
(4) م. ن: سورة طه: 387/ 3 (1/272)
صفحة 265
المبحث الأول: التوحيد والغيب
1 - الأدلة النقلية
273
- قوله تعالى: {لاً يَمْلِكُونَ السَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَدَ عِندَ الرَّحْمَنِ
66
عهد الله (مريم: (87) ففسر العهد بالإيمان الصحيح المثمر عملاً صالحا (1). وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُسْفِقُونَ} (الأنبياء (27) ردّ الشيخ بيوض بهذه الآية عَلَى مَن قال إِنَّ العبد الصالح لا يحتاج إلى شفاعة إنما يحتاج إليها المذنبون الذين ماتوا مصرين على المعاصي، ذلك لأنّ المذنبين المصرين ليسوا من المرضي عنهم، وأن شفاعة النبيء أو غيره لا تكون إلا لمن ارتضاهم الله (2).
- وقوله: {وَمَنْ يُعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أبدا (الجن: 23) يرى الشيخ بيوض أنَّ الآية من أقطع الأدلة على خلود عصاة الموحدين في النار، لأن المعصية عامة للشرك وما دونه ولا دليل على حملها على الشرك (3)، والخلود في النار دليل على عدم استحقاق الشفاعة. - وقوله: {أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ} (السجدة: 18) الآية فيها ردّ على عصاة الموحدين الذين يَتَعلَّقون بالشفاعة، وبرحمة الله الواسعة، إذ قابل الله الفاسق بالمؤمن، والفسق هو الخروج عن الطاعة، فتدخل فيه المعاصي مطلقا من الشرك إلى ما دونه من مخالفة أوامر الله، فحكم بعدم التسوية بين الفريقين في المصير، حيث يخلد المؤمن في الجنة، ويكون مأوى الفاسقين النار خالدين فيها و كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يُخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فيها ... } (السجدة: 20).
- وقوله: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (القلم: 35 - 36 فلا يمكن أن يكون مصير المسلمين المتقين لربهم
(1) في رحاب القرآن، سورة مريم: 3/ 175، 184.
(2) م. ن: سورة غافر: 33/ 16
(3) في رحاب تفسير القرآن الكريم، سورة الجن القرص السابع، DVD، تسجيلات الحياة- القرارة. (4) في رحاب القرآن، سورة السجدة: 105/ 12. (1/273)
صفحة 266
274
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
كالمجرمين الذين يعصون الله ويموتون على معاصيهم وعلى كفرهم، معتمدين على
شفاعة الشافعين (1).
السنة بما رواه جابر بن زيد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليست الشفاعة
واستدل من لأهل الكبائر من أمتي (2)
2 - الأدلة العقلية:
أ- لا فرق بين كفرة هذه الأمة ومنافقيها وبين أمثالهم في الأمم السابقة لأن الدين الذي حاد عنه هؤلاء جميعا دين واحد إنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ (آل عمران: 19) ولكن بحسب مقتضى الظاهر فإنهم يستحقون مضاعفة العذاب، لأنهم خالفوا أعظم رسالة جاء بها أفضل الخلق، وأعظم الأنبياء والمرسلين (3). ب - النبي يخاف عذاب الله الأليم إن عصاه فكيف بسواه؟ قُل إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم} (الزمر: 13) فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخشى هذا
الوعيد فلا يبقى لأي عاص عذر في التعلّق بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره). ج- أخرج أبونا آدم عليه السلام من الجنة بسبب معصية واحدة، فكيف يطمع المصرّ على المعاصي في الشفاعة ودخول الجنة؟ (5).
هل يعني النبي عن آل بيته؟
من أسباب استخفاف المسلمين بضوابط الشرع وتفلّتهم منها اعتقادهم شفاعة المصطفى في كافة أمته وفي أقربائه خصوصا مهما ارتكبوا من خطايا وتمادوا فيها، يؤكد الشيخ بيوض على أنّ الشفاعة لا تنال أهل الكبيرة، وإن انتسبوا إلى أهل
(1) في رحاب القرآن، سورة فاطر: 443/ 13 (2) الربيع الجامع الصحيح: رقم: 1004. (3) في رحاب القرآن، سورة سبأ: 13/ 353. (4) م. ن: سورة الزمر: 331/ 15 (5) م. ن: سورة طه: 418/ 3. (1/274)
صفحة 267
المبحث الأول: التوحيد والغيب
>
275
البيت، فالنسب - مهما شرف - لا يُبيح ارتكاب معصية ولا يضع عن صاحبه واجبا)، لأن القيمة بصالح الأعمال لا بالانتساب إلى فرقة ولا آل (2). فالانتساب
(3)
إلى بيت النبوة أو إلى "الشرفاء، لا يغني عند الله شيئًا، وقد حذر النبيء صلى الله عليه وسلم آل بيته من ترك العمل اعتمادًا على شرف النسب)، ومن ذلك قوله: يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد اشتريا أنفسكما فإنّي لا أغني عنكم من الله شيئًا).
7 - الخلود في الجنة أو النار
الخلود في اللغة دوام البقاء، خَلَدَ يَخْلُدُ خُلْدًا وخُلودًا بقي وأقام). الآخرة دار الخلود والجزاء السرمدي، العادل، وقد جاءت رسل الله تترى تنذر أقوامها هذا اليوم الحق، {وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السعير (الشورى: (07)، فالجنة دار النعيم أعدت للمتقين، والنار دار العذاب أعدت للكافرين، وَاتَّقُوا النَّارَ التِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (آل عمران: 131 - 133).
أ- الخلود في الجنة
قضى الله أن تكون جنّته خالصة لعباده المتقين وأن يصف لهم نعيمها المقيم ليزدادوا ثباتًا عَلَى الدين ويسارعوا إلى مغفرة ربهم والخلود في جنّته، حيث يقول: سَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِينَ (آل عمران: 133).
(1) في رحاب القرآن سورة الأحزاب: 12/ 294، 309.
(2) (3)
م. ن: سورة الكهف /217/ 2 - 218؛ الشوري: 63/ 17.
م. ن: سورة الصافات: 462/ 14 - 463.
(4) الربيع: الجامع الصحيح حديث 1005، ص: 381 - 382؛ أحمد المسند: حديث: 9792، 2/ 448. (5) ابن منظور لسان العرب: 171/ 4؛ في رحاب القرآن، سورة الزخرف: 601/ 17. (1/275)
صفحة 268
276
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
بين الله لنا أن أبواب الجنّة تفتح قبل مجيء أهلها استبشارا بهم وفرحا بوفدهم إذ يقول: {حَتَّى إذا جَاءُوهَا وَفُتِحَت أَبْوَابُهَا ... } (الزمر: 73) ويقول أيضا: وجَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ} (ص: (50) (1) وورد في الحديث أن المتقين يجدون ريح الجنة من مسيرة خمسمائة عام (2)
أماً عن حور الجنّة، فيرى الشيخ بيوض أنه لم يقم دليل قطعي على عدد معين يتزوجها المسلم منهنّ، وَإِنَّما يُعطى المؤمن ما يشتهي وما يُريد بإذن الله من الأزواج المطهرة (3).
ونعيم أهل الجنة من الغيب الذي يجب الإيمان به، فلا يجوز إنكار شيء منه بحجة كوننا لم نألفه، كتحلّي أهل الجنة بأساور من فضة)، أو لعدم إدراك كيفيته، وخاصة إذا تعلق الأمر بذات الله العلية كسلامه على أهل الجنّة سَلَامٌ قَوْلاً مِّن رب رحيم (يس: 58) فعلى المؤمن أن يصدق بكل ذلك من غير إعمال عقله في كيفية إمكان هذا الكلام وكيفية وقوعه، ولا دليل على إدراك هذه التفاصيل، بل هي من الغيب المطلق والإيمان به من صفات المؤمنين (5).
ونعيم الجنة غير مقطوع ولا ممنوع وأصحابها خالدون فيها أبدًا جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} (البينة: 08).
ب- الخلود في النار:
النار دار عذاب، مقيم كانت لأهلها جزاء ومصيرًا، وهي دركات متفاوتة، ذكر الله أنَّ المنافقين في الدرك الأسفل منها، ونبه الشيخ بيوض إلى أن قوله تعالى عن
(1) في رحاب القرآن، سورة ص: 165/ 15.
(2)
م. ن: سورة الكهف: 237/ 2؛ سورة الزمر: 497/ 15، والحديث رواه الربيع في الجامع الصحيح، رقم 956، ص: 367؛ والحاكم في المستدرك على الصحيحين: حديث: 133، 1/ 105 (3) في رحاب القرآن تفسير سورة الدخان: 101/ 18.
(4) من سورة الكهف: 175/ 2
(5) م. ن: سورة يس: 231/ 14. (1/276)
صفحة 269
المبحث الأول: التوحيد والغيب
قال
277
الغاوين والمغوين: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُسْتَركُونَ) (الصافات: 33) لا يفهم منه أنهم متساوون في درجة العذاب، ذلك أنّ الاشتراك لا يقتضي المساواة، لأنّ الله عن المتسبين في الإضلال: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَنْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيَسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (العنكبوت: (13) فهم يحملون أوزارهم ومعاصيهم وأوزار إضلالهم غيرهم (2)
يؤكد الشيخ بيوض على وجوب الانتباه إلى التفريق بين عذاب الضالين والمضلين، وتأكيد هذا الأمر يتجلّى بُعده في التحذير من عواقب الدعاية الفاجرة، وابتداع السنن السيئة.
(2)
أجمعت المدارس الإسلامية على خلود أصحاب الجنة فيها، وعلى خلود المشركين في النار، واختلفت في مصير الموحد الذي ارتكب كبائر ومات عليها، ويرى الشيخ بيوض أنّ من دخل النار لن يخرج منها أبدا، سواء كان مشركاً أو صاحب كبيرة، واستشهد بأدلة منها:
1 - قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أبدا (الجن: 23) يرى الشيخ أنَّ الآية من أقطع الأدلة على خلود عصاة الموحدين في النار، لأن المعصية عامة للشرك وما دونه ولا دليل على حملها على الشرك (3).
2 المتقون مخصوصون بالأمن من الخوف
-
يخبرنا الله في العديد من الآيات بأن المؤمنين يوم القيامة ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وأنه لا يَمَسُّهُمُ السُّوء ومن ذلك قوله تعالى: {وَيُنَجِّي الله الذين القوا بمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (الزمر: 61) لكن العصاة إذا علموا
(1) في رحاب القرآن سورة الصافات: 346/ 14.
(2) البغدادي: أصول الدين: 238. (3) في رحاب تفسير القرآن الكريم، سورة الجنّ القرص السابع، DVD تسجيلات الحياة القرارة؛ سورة الزخرف: 605/ 17 - 607. (1/277)
صفحة 270
278
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
بأنهم سيدخلون النار ولو لفترة محدودة، ويعلمون أنهم سيحترقون فيها حتى يكونوا كالحمم، فذلك سوء وحزن يصيبهم
(1)
أورد الشيخ بيوض رأي من قال باستثناء هؤلاء العصاة من المتقين، وردّ بأن الآية ليس فيها استثناء، وليس فيها دلالة على نفي الخوف والحزن عنهم بعد خروجهم من النار، بل هي تخص المتقين بالسلامة من العذاب، وأهل الكبائر ليسوا بمتقين، مشيرًا إلى أن في الآية ضمانا للمتقين أنه لا يمسهم السوء لا في أول الحشر ولا في وسطه ولا في آخره (2).
3 - الجنة لا يدخلها العصاة:
لما
عصى آدم وزوجه ربهما بدت لهما سوءاتهما، أمرا بالخروج منها- بعد قبول توبتهما - لأنها دار كرامة فكيف يطمع أحد أن يدخل الجنة ويسكنها وهو عاص، وهل يمكن أن يكون أحد من أولئك العاصين أكرم من آدم الذي أسجد له ملائكته؟» (3).
4 - الاستثناء ليس على الحقيقة:
قال الله تعالى عن أهل النار خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضِ إِلا مَا شَاءَ رَبِّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعالَ لِّمَا يُرِيدُ (هود: 107) فذكر الاستثناء بمشيئته كما ذكره في سياق الحكم بخلود أهل الجنة، حيث قال: {وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضِ إِلا مَا شَاءَ رَبِّكَ عَطَاءٌ غَيْرَ مجدود (هود: 108) يرى الشيخ بيوض أنَّ الاستثناء في خلود الحياة في الدارين ليس على الحقيقة، مشيرًا إلى أنّ الحكمة منه تربية المؤمنين بتذكيرهم أن ذلك الخلود إنما هو بمشيئة الله)، ولو شاء الله لأفنى إحدى الدارين أو كلتيهما، إنما مشيئته
(4)
اقتضت خلودهما.
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 470/ 15.
(2) م. ن: 15/ 441.
(3) م. ن: سورة طه: 417/ 3.
(4) من سورة الكهف: 131/ 2 (1/278)
صفحة 271
المبحث الأول: التوحيد والغيب
279
5 - لا يستوي المؤمن والفاسق:
قال تعالى: {أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (السجدة: 18) فقابل المؤمن بالفاسق، فإذا كان المؤمن هو الموفي بدين الله العامل بمقتضى الإيمان، فإن الفاسق هو العاصي مطلقا، فبعد أن نفى الله استواء الفريقين قرر مصير كل منهما، فحكم بخلود الفاسق ودوام عذابه)، وَأَمَّا الذينَ فَسَقُوا فَمَأوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أَعِيدُوا فِيهَا} (السجدة: 20).
(1)
6 - الناس فريقان: إن كان العصاة يدخلون النار ثمَّ يخرجون منها فكيف تكون وجوههم يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ (: 2106 استدل الشيخ على قطع كل أمل في الخروج من النار بعد دخولها، لأنه ليس في الآخرة إلا فريقان فريق في الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير (الشورى: (07) فكل فريق خالد في داره لا يخرج منها ولا يموت (3)
يعترف الشيخ بيوض بقوة أدلة الخلود لكونها يقينية في القرآن بصريح العبارة، لا تقوم لها بعض الأحاديث المروية عن النبي الله، فهل الذين لا يخلدون في النار فريق ثالث؟ وما دامت أدلة الخلود يقينية محكمة فينبغي تأويل النصوص المخالفة لها - إن صحت لتوافق ما في القرآن الذي هو الأصل
7 - إنفاذ الوعيد عدل:
(5)
أورد الشيخ بيوض إشكال الحكم على أصحاب النار بالخلود فيها رغم أنهم ما عصوا الله إلا مدة قصيرة، فأجاب عنه بما يأتي:
(1) في رحاب القرآن، سورة السجدة: 12/ 105. (2) م. ن: سورة الزمر: 471/ 15.
(3) من سورة الأحزاب: 662/ 12؛ الأجوبة الشافية: 36.
(4)
من سورة الزمر: 471/ 15
(5) من سورة الأنبياء: 4/ 148. (1/279)
صفحة 272
280
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
ا الله عليم بذات الصدور:
أنبأنا الله العليم الخبير أنَّ الكفار لو أرجعوا إلى الدنيا لعادوا إلى ما كانوا يأتون من المعاصي، وما قولهم وقت اصطراخهم في النار: ورَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الذِي كُنَّا نَعْمَلُ (فاطر: (37) إلا كذب وادعاء، {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (الأنعام: 28) عَلِم الله ما في قلوبهم فقضى عليهم
بالخلود في العذاب (1).
ب- العبرة بمن عصي:
يجب النظر إلى عظمة الخالق الذي تجرّأ هؤلاء على معصيته «فلا تنظر إلى المعصية ولكن انظر إلى من عصيت» (2).
يلاحظ أن منهج الشيخ بيوض في عرض هذه المسألة تجنب الخلافات الكلامية، وركز على الجانب العملي المؤسس على تزكية النفس، و سنتعرف في الفقرة الآتية على بعض أبعاد الإيمان باليوم الآخر المستخلصة من منهج الشيخ بيوض.
8 - أبعاد الإيمان باليوم الآخر
إن للإيمان باليوم الآخر أبعادًا متعددة المستويات، تبتدئ من ثبات القلب مهما تقلبت الأحوال، وتطال مختلف مناحي الحياة (3)، إلا أن تحقيق هذه الثمرات مشروط برسوخ الإيمان الصحيح وتجديده بمداومة ذكر هذا اليوم الحق، لأن ذلك سر يقظة الضمير واستقامة السلوك (4)، فإذا غفل الإنسان عن الذكر طرأ عليه النسيان فأفقده العزم على الطاعة والوقوف عند حدود الله، كما حدث لأبينا آدم
(1) في رحاب القرآن، سورة فاطر: 527/ 13.
(2)
من سورة الفرقان: 189/ 7.
(3) م. ن: سورة الحج: 4/ 360؛ سورة سبأ: 13/ 53.
(4)
من سورة القصص: 31/ 11. (1/280)
صفحة 273
المبحث الأول: التوحيد والغيب
281
عليه السلام، إذ قال عنه الله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْما (طه: (115) لذا من الله على أصفيائه المعصومين بجعل الدار الآخرة نصب أعينهم في كل أحوالهم وأخلصهم يخالِصةِ ذِكْرَى الدار» (ص: 46) لأنَّ العبد لا تسوّل له نفسه معصية الله إلا حين يغفل عن الموت والحساب، ولو تذكر مصيره لنهى نفسه عن الهوى (1).
فمن تيقن بأن الآخرة مصيره، وخاف مقام ربه، جعلها غاية غاياته في كلّ شؤون حياته، فليس أسلوب حياة من كان هذا شأنه كحال من ذهل عن جعل الآخرة في حساباته وتصرفاته، وشغله نيل حظوظ الحياة وجمع متاعها ولو كانت على حساب الدين ركز الشيخ بيوض على ضرورة اليقين باليوم الآخر في قلب المؤمن لضمان الثبات على الاستقامة، لأن الإنسان إذا شك في الأمر عجز عن ضبط نفسه، وسهل عليه تعدي الحدود، فالمسلمون جميعا يعلمون بالبعث والحساب ولكن واقعهم يشهد انحرافات في العبادات والمعاملات فهي مؤشرات دالة على أن الخلل حاصل في الشك في هذا اليوم وعدم اليقين به (3)، كما قال أبو نصر: نرى الأمر عن علم اليقين تيقنا ونعمل أعمال الذي شك في الأمر ولو أيقن المسلمون بالبعث لكان حالهم غير هذه الحال، ولذلك كان القرآن في كثير من الآيات يذكر باليوم الآخر (4)، ويربط التكاليف بالإيمان به.
لم يقف الشيخ بيوض الشيخ بيوض في عرض مسألة الإيمان باليوم الآخر عند المستوى النظري، كالاستدلال على وقوعه واستعراض مشاهد يوم القيامة، بل كان يركز على تحريك الإيمان موظفاً آلية الذكر، الذي لا يقتصر فيه على اللسان
(1) في رحاب القرآن، سورة ص: 15/ 159.
(2)
من سورة يس: 17/ 14.
(3) م. ن: سورة الدخان: 94/ 18.
(4) من سورة الأنبياء: 141/ 4. (1/281)
صفحة 274
282
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
ولا يُحصر في بعض المناسبات والأحيان إنما يكون في كل حين، كلما ذهبت لعمل شيء، لترفع قَدَمًا أو تضعها لتفتح فاك بكلمة أو لتمد يدك إلى شيء ما فتذكر يوم القيامة، وهذا هو الذكر الذي يُقابل النسيان» (1).
-أ- تركيز الإصلاح على اليقين بالمصير:
الله
علم الإنسان بالمصير له تأثير في ضبط السلوك وتوجيه المسير، ويزداد هذا التأثير قوةً وفعالية بقدر ارتفاع درجة التصديق بالبعث والحساب إلى أن يبلغ مرتبة اليقين والإيمان بالمصير من أصول الإيمان التي يجب أن تبلغ هذه المرتبة، فقد ذكر من صفات المتقين أنهم بالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (البقرة: 04) واليقين هو الإيمان المتمكن الراسخ الذي لا يعتريه شك (2)، فإذا استقر اليقين بالآخرة في قلب العبد انتظم سلوكه في الحياة، وجد في فعل الخيرات وفي ترك المنكرات رجاء رحمة الله وخوفا من عذابه (3). أكد الشيخ بيوض على ضرورة تركيز العلم اليقيني في القلب لتنشط الأعضاء في أعمال الخير بطريقة آلية لأنّ العبد لو تيقن أن العمل الذي يقدم عليه يوصله إلى النار لما اقترفه و استند في التحذير من مغبة الشك في الآخرة على مقابلة الإيمان بالشك في قوله تعالى: لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَك (سبا: (21) وما تمادي العصاة في معاصيهم إلا نتيجة الشك في البعث والحساب)، ولذلك فإنّ فكرة رعاية الآخرة والاستعداد للحساب والجزاء تقترن في القرآن مع كل أمر أو نهي ومع كل حكم من أحكام الشريعة
وكل توجيه أخلاقي (5).
(1) في رحاب القرآن، سورة السجدة: 85/ 12
(2) م. ن: سورة النمل: 11/ 8.
(3) م. ن: سورة طه 2247/ 3؛ سورة النمل: 11/ 8.
(4)
م. ن: سورة سبأ: 214/ 13.
(5) محمد المبارك: نظام الإسلام: 179. (1/282)
صفحة 275
المبحث الأول: التوحيد والغيب
283
إن إحكام صلة السلوك بالإيمان يكسب صاحبه صفة الثبات عليه، ويميزه بنظرة صحيحة إلى مختلف العلاقات والتصرفات فالمؤمن بالآخرة يقوم كل شيء بمعيار علاقته بمصيره الأخروي، وجزائه عند الله، أهو يرضيه أم يسخطه؟ وعلى هذا الأساس يتمكن من التجرّد للحق، فنقش الفاروق عمر له على خاتمه عبارة "كفى بالموت واعظا يا عمر وقولته المشهورة: "لولا الآخرة لكان غير ما ترون تبرزان الفرق بين تقييم الأشياء بمنظار المؤمن بالآخرة وبين التقييم المادي الآني (2)، فالتقييم الصحيح يولّد تصورات صحيحة، وهذه التصورات تنتج مواقف عادلة ومشاريع فاعلة.
(1)،،
من التصورات الناتجة عن تقييم المؤمن بالآخرة تحديد علاقته بالحياة الدنيا، فالإيمان بالآخرة لا يعني معاداة الحياة الدنيا، ولا يعني قتل مواهب الناس وروح الإبداع فيهم، وصرفهم عن الضرب في الأرض ابتغاء فضل الله، بل هذا المفهوم زيغ في الاعتقاد أسهم في حط الأمة عن مركزها الريادي، «فليست الآخرة التي ندعو إليها هي ترك العمل للدنيا، فالعمل للدنيا هو نفس العمل للآخرة، وفي وقت واحدٍ، سواء أكان تجارة أم صناعة أم زراعة أو أي نوع آخر من الكسب روعي فيه شرع الله (3)
زيادة على ما يثمر الإيمان باليوم الآخر من الطمانينة في قلب المؤمن فإنه يمكنه
من التصوّر الواضح للمخطط الحضاري ذي البعدين الدنيوي والأخروي. ترتكز طريقة الشيخ بيوض في الإصلاح على تحريك الإيمان في القلوب بتوظيف شتّى وسائل الإيضاح والتأثير من ذلك تصويره بشاعة الشيطان وخطورة مصير ضحاياه، فبين الشيخ للشباب - مثلاً - أنما هو يدعوهم إلى الجنّة ويجتذبهم
(1) عبد الستار: الشيخ الخلفاء الراشدون حياة ماجدة وأعمال خالدة: 237.
(2) في رحاب القرآن، سورة الروم: 88/ 10.
(3) م. ن: سورة يس: 24/ 14.
24/ 14: j.p (1/283)
صفحة 276
284
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
من بين مخالب الشيطان الرجيم، الذي يغرّ الناس ويجرهم إلى الجحيم)، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِدُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنَ أصْحَابِ السَّعِير (فاطر: 06).
إذا استيقن العبد بالمصير السرمدي فإنه يزداد استقامة على الطريقة ومجاهدةً لنفسه بمخالفتها واتقاء شهواتها مهما ازينت له، «وما فائدة المتاع القليل الذي يعقبه العذاب الغليظ؟ (2) إنه عذاب غليظ ودائم!! فلا مطمع لأحد في الجنة إلا بتوبة نصوح وعمل صالح؛ وبعد أن استعرض الشيخ بيوض قصة أبينا آدم وتوبته وإخراجه من الجنة قال: «ومن العجيب بعد هذا المثال الواضح الصريح في أبينا آدم أن يأمل أحد مات مصرا على ذنوب ومعاص ارتكبها وأموال للناس أكلها وفرائض ضيعها وأعراض انتهكها ولم يتب ولم يتنصل من التبعات، ومع ذلك يتمنّى أن يسكن دار الكرامة، أو أن يشفع فيه فلان أو فلان!» (3).
دعا الشيخ بيوض إلى الإعتبار بمصير الأشقياء يوم القيامة حين يندمون فيقولوا: {يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاً (الأحزاب: 66)، وإذن أطيعوه من اليوم فها هو ذا يذكركم ويقيم الحجة عليكم)، كما دعا إلى الاعتبار بمصير المنافقين الذين يجدون أنفسهم يوم القيامة في ظلام دامس ويطلبون من المؤمنين أن يمدوهم بقبس من نور، فيقال لهم في تهكم: ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا توراه الحديد (13) فمن منا يرضى أن يكون من هَؤُلاءِ المنافقين الذين يُقال لهم مثل هذا الكلام؟! أوليس من الواجب أن نأخذ سُرجنا معنا من هَذِهِ الدنيا؟» (5).
(1) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 314/ 11.
(2) من سورة لقمان: 429/ 11.
(3)
من سورة طه 420/ 3
(4) من سورة الأحزاب: 667/ 12.
(5) م. ن: سورة النور: 314/ 6. (1/284)
صفحة 277
285
المبحث الأول: التوحيد والغيب يلاحظ تركيز الشيخ بيوض في حديثه عن اليوم الآخر على إذكاء جذوة الإيمان بهذا اليوم الحق، حيث ينقل مخاطبيه لمعاينة مصير الأشقياء وعذابهم المقيم، ثمّ يرجع بهم إلى الدنيا وهم أكثر يقينًا ومسارعة إلى الخيرات، لأن المتيقن بالمصير يتوسل إليه بالانقياد لله والاستسلام لأوامره، ومن لم يسلم وجهه الله فإنه سيستسلم قهراً لعذاب الله يوم القيامة، بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} (الصافات (26) قال الشيخ بيوض: فليت الاستسلام كان منهم في الدنيا وإذن لنفعهم في الآخرة، وهذا محط النكتة والفائدة، فعلى الإنسان أن يستسلم لربه في الدنيا حَتَّى يَسلم في الآخرة» (3).
يؤكد الشيخ بيوض في عدة مناسبات، أنَّ الإيمان بالآخرة أصل كل استقامة وخير والغفلة عنها أصل كل بلاء وشر (2)، وقد كان تركيز القرآن الأكبر على قضية الإيمان بالله واليوم الآخر، لأنها مفتاح التغيير وسر الحضارة السليمة» (3)؛ وما دام اليوم الآخر مصير كلّ إنسان فما على الكيس إلا أن يكون دائم التفكير فيه لكي يستقيم ولا ينحرف، وإذا أخطأ مرّةً فسرعان ما يعود أما الغافل عن الآخرة فإنّ نفسه تطوّعه ترك الفروض وارتكاب المناهي، ويلهيه الأمل عن التوبة، وكفى شراً نسيان الآخرة (5).
ب الغفلة عن عن الآخرة رأس كل شر:
نفس الإنسان أمارة بالسوء، وأقوى وسيلة لدفع هذه الوساوس استحضار مراقبة الله الذي لا تخفى عنه خافية، والمثول أمام محكمته العادلة، {وَأَمَّا مَنْ
(1) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 14/ 341.
(2)
من سورة طه:247؛ سورة الفرقان،58/ 7 59،63، 70، 138؛ سورة النمل: 11/ 8، 15؛ سورة
سبا: 13/ 355؛ سورة فاطر: 472/ 13.
(3) أحمد الكاتب: الإيمان يتجلّى في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية: 14 - 15.
(4) في رحاب القرآن، سورة لقمان 11/ 266.
(5) من سورة القصص: 4138؛ سورة الزمر: 251/ 15. (1/285)
صفحة 278
286
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (النازعات: 40 - 41) وأما الغافل عن هذا اليوم فلا وازع يردّه عن الاستجابة لهوى النفس، ولا طاقة له للوقوف عند حدود الله، بل تجد كثيرًا من هذا عيبه تزداد منكراتهم كلّما زاد المنكرون عليهم، والغافل عن الآخرة هو المنكر لها تماما والمسلم الذي تتنافى أعماله مقتضى الإيمان (1).
إن الذي يوصل المشركين والعصاة إلى مخالفة أمر الله هو نكرانهم للآخرة أو الشك فيها، لأنهم لو كانوا يصدقون بها لاستقام سلوكهم وانضبطت علاقاتهم تبعًا لما يتطلبه التصديق، فيرى الشيخ بيوض أنَّ الإيمان بالآخرة هو الجهاز المنظم للحياة لا المميت لها، لأنَّ الإنسان جعله الله في الأرض خليفة لغرض تحقيق العبودية له سبحانه وتعالى، فمن أراد أن ينظم حياته كلها فليجعل آخرته نصب عينيه» (3).
وإذا كانت العدالة في الحكم من أعقد مشكلات الحياة من أقدم العصور، فإن الشيخ بيوض يرى أن علاجها الجذري لا يختلف عن علاج كل القضايا الحياتية بل هو كامن في تقوية وازع الإيمان باليوم الآخر لأن الحاكم إذا تذكر يوم الحساب فإنه يعدل حكمه لأن وقوف الخصمين أمامه ينتظران حكمه يذكرانه بوقوفه يوم الحساب أمام الله، أما إذا غفل عن يوم الحساب ولم يتذكر وقوفه بين يدي الله فإنه القضاء: يتعسف في استعمال سلطانه، فالله سبحانه قال في معرض الكلام عن إنَّ الذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (ص: 26) وقال مبينا طغيان فرعون وقومه وتكذيبهم لرسالة موسى عليه السلام وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ} (القصص: (39) إنهم كفروا بالبعث ولم يؤمنوا
(1) في رحاب القرآن، سورة الروم: 92/ 10.
(2) من سورة الفرقان: 89/ 7
(3)
م. ن: سورة الزمر: 418/ 15.
(4) م. ن: سورة ص 67/ 15. (1/286)
صفحة 279
287
المبحث الأول: التوحيد والغيب
بأنهم سيرجعون إلى الله، ويقفون بين يديه ليحاسبهم على أعمالهم ويجازيهم عليها إذ لو آمنوا بهذا لعدلوا» (1).
فإذا كان الإنسان لا يخاف ولا يرجو أي ثواب في الحياة الأخرى فإنه لا يؤمن إلا بالنتائج المادية العاجلة، فتنقلب معاييره وتجذبه طينيته إلى أسفل سافلين، إلى
درك البهائم والوحوش من أتباع الشهوات والبغي والخصومات ...
الوعيد أقوى في النفس تأثيرا:
خلق الله الإنسان فألهم نفسه فجورها وتقواها، وأنزل آيات الوعد والوعيد لتقوية سلطاني الخوف والرجاء، إلا أنَّ الله العليم بوساوس النفس وشدة تأثرها بالخوف نوع في القرآن أساليب الوعيد لأنه يدفع النفس أكثر تما يجتذبها الرجاء، والمؤمن بحاجة إلى من يُذكره بالخوف من عذاب الله). فكل من الخوف والرجاء سلطان زاجر في العباد، لكن الخوف من جهنّم يدفع الناس عن المعاصي أكثر تما يدفعها الطمع في الجنّة)، {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (النازعات: 40).
أثر عن رابعة العدوية كلام ينفي أثر الخوف والرجاء في استقامة العبد والثبات عليها، إذ سُئلت عن حقيقة إيمانها بالله فأجابت بأنها ما عبدته خوفا من ناره ولا طمعا لجته فأكون كالأجير السوء، عبدته حبا له، وشوقا إليه (4) علّق الشيخ بيوض على هذا الكلام بأنه جميل في الظاهر إلا أنه مفتقر إلى دليل من الكتاب والسنة، وعمل الأنبياء السابقين إلى الخيرات خوفا وطمعا حجة عليه (5).
(1) في رحاب القرآن، سورة القصص: 384/ 8. (2) من سورة الكهف: 415/ 2.
(3)
من سورة طه 391/ 3
::
(4) زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي: الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، الطبقات الكبرى ط 1، تح محمد أديب الجادر، دار صادر 1999 م 288 ورابعة العدوية من الناسكات القانتات، عاشت في
عهد الحسن البصري. (ص ص: 291285)
(5) في رحاب القرآن سورة الفتح: ج 19، نسخة المسودة (الرقمية).
19 (1/287)
صفحة 280
288
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
لولا الخوف من الله وحسابه لاتبع كلّ أحد هواه ومضى يقعل ما يشاء، وعلل الشيخ بيوض سبب كون اتباع الشهوات نتيجة حتمية للغفلة عن الآخرة بكون أصحابها لم يوقنوا بقانون الجزاء الرباني فحكمهم قانون "ما أشتهي وما لا أشتهي" وأيد هذه السببية بقوله تعالى: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (طه: (16) حيث جعل اتباع الهوى مقرونا بإنكار الساعة (1).
يلاحظ كثرة استعمال الشيخ بيوض لأسلوب الترهيب لما رأى فيه من عظيم الأثر في دفع الناس عن المعاصي، وإن لم يكن ذلك على حساب مخاطبة العقل، حين يقتضي الحال تنويع أساليب الإقناع، ومما زاد لهذا الوازع الإيماني توظيفا في دروس الشيخ توسيعه مفهوم مصطلح الصد عن سبيل الله ليشمل كل إشغال عن سبيل الخير كطلب العلم وعمارة المسجد، فبيّن أنّ اللهو -مثلاً- مهما كان
نوعه إذا كان يصدّ الناس عن عمل من أعمال الخير فهو صد عن سبيل الله (2). يظهر البعد العملي في توسيع هذا المصطلح، وإسقاطه على القضايا الحياتية، في دفع المسلم نجو الهمم العالية، وتحذيره مغبّةَ الإفراط في اللهو وتضييع مصالح الآخرين، حيث أضاف الشيخ إلى شرط كون اللهو مباحًا في ذاته تقييده بعدم الإشغال عن واجب موقوت، فهذه الطريقة تقوّي ميزة الإيجابية لدى المسلم وتدفعه لتحسين استثمار أوقاته وترتيب أولوياته.
9 أبعاد مسألة الشفاعة
اعتقاد الشفاعة لكل الموحدين مبطل لحكمة الأمر والنهي والوعد والوعيد، المتمثل في نهي النفس عن هواها وحملها على الاستقامة، والمسارعة إلى الخيرات خوفا وطمعاً، والمبادرة إلى التوبة النصوح، ذلك أنَّ من اعتقد أنَّ ذنوبه ستغفر القيامة بشفاعة الشافعين لمجرد انتسابه إلى أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه يفقد العزم على
(1) في رحاب القرآن، سورة طه 251/ 3 - 252 (2) م. ن: سورة لقمان: 72/ 11 - 73
يوم (1/288)
صفحة 281
289
المبحث الأول: التوحيد والغيب الطاعة والتوبة عن المعصية، فيتمادى في غيه من ارتكاب المعاصي، وتضييع الفرائض وأكل أموال الناس بالباطل، وانتهاك الأعراض؛ وواقع المجتمعات الإسلامية شاهد على ذلك (1). إنَّ اعتقاد حق الشفاعة لكل متلفظ بكلمة التوحيد يبرر به الخطاؤون ارتكاب المعاصي وإصرارهم عليها، وعدم مجاهدة أنفسهم في سبيل التوبة واتباع رضوان الله الذي تنال به الشفاعة.
يرى الشيخ محمد الغزالي أنَّ الشفاعة ليس لها هَذا النطاق الواسع، فعلى قارئ حديث الشفاعة أن لا يتجاوز به حدوده، لأن الله قد بيّن أن الشفاعة لا تنفع الكافر ولا الفاسق المثقل بالخطايا، فإذا كان من الناس من يقترف الموبقات المهلكة اعتمادًا على شفاعة موهومة فليذكر قول الحق في أهل النار: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَفَرَ قَالُوا لَمْ نَكَ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) (المدثر: 42 - 48) (2). اعتقاد حصر الشفاعة في المؤمنين الموفّين، يدفع الموحد لحمل نفسه على العمل بمقتضى "لا إله إلا الله مع الحذر من تزكيتها، ليقينه أن عمله لا يدخله الجنة إلا برحمة الله وفضله والشفاعة جزء من فضل الله، فالله تعالى أمرنا بتقواه وأن لا نموت إلا ونحن مسلمون، وحدّرنا من التمادي على عصيانه والوفاة على غير الوفاء تواكلاً على الشفاعة (3)، لأنّ ما ينتظر الإنسان من المصير حد وما هو بالهزل، إنه الخلود في إحدى الدارين الجنة أو النار.
10 - عقيدة الخلود وأبعادها العملية: إذا اعتبر الإيمان بالله واليوم الآخر السبب الفعّال في استقامة سلوك العبد، فإن سرّ هذه الاستقامة يتمثل في الإيمان بسر مديّة مصير العباد في إحدى الدارين:
(1) في رحاب القرآن، سورة مريم: 175/ 3 185؛ سورة طه 420/ 3؛ سورة الزمر: 331/ 15.
(2) محمد الغزالي، عقيدة المسلم: 224. (3) في رحاب القرآن، سورة طه: 387/ 3. (1/289)
صفحة 282
290
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} (الشورى: (07) لا سيما اعتقاد خلود أهل الكبائر في النار)، فمعتقد الخروج من النار أقل مناعة من وسوسة الشيطان الدائب على تهوين أمر الوعيد الموقوت، فالذي يعتقد بالخلود في النار فإنه يجد في نفسه حاجزا ومانعا من ارتكاب المعاصي رهبةً، ودافعا وحافزا يغريه ويدفعه إلى الطاعة رغبةً، أما إذا زال الإيمان بالخلود فإنه يضعف فيه الوازع الديني، وهذا أمر معقول، فإذا زال الإيمان بالآخرة كلّه فذلك أكبر وأخطر» (2)
يشهد الواقع أنَّ معتقدي الخلود أكثر استقامة، وأسرع إلى التوبة، وقد وضح الشيخ بيوض هذه العلاقة في إجابته الأب كوبرلي عندما سأله عن سبب استقامة أتباع المذهب الإباضي: «أكبر الفضل يرجع إلى عقيدة الخلود، لأنهم يعتقدون أن من مات مصرا على كبيرة من كبائره لم يتب منها خلّد في النار لا يخرج منها أبد الآبدين)، فهذا الاعتقاد لا يعصم صاحبه من المعاصي ولكن يرسخ في نفسه خطرها ويكرهها إليه، فقد يزل ويغوى، ولكن إذا تذكر الموت و تذكر الخلود في النار بادر إلى التوبة والاستقامة (4).
السلوك ثمرة الاعتقاد، فالإيمان بالخلود يحمل الإنسان على الطاعة ويدفعه إلى التوبة والإنابة والتنصل من كل تبعة، فسلوك صاحب هذا الاعتقاد يختلف عن سلوك من يعتقد أنه سيعدب بعض الوقت في جهنم ثم يخرج، لأن اعتقاد الخروج من النار يحمل صاحبه على نوع من التساهل في العبادات والمعاملات معتمدا على قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله ()، والانحرافات التي طالت حياة المسلمين الخاصة والعامة سببها الرئيس ضعف إيمانهم بالآخرة، والغفلة عن
(1) في رحاب تفسير القرآن الكريم سورة الجن القرص السابع، DVD تسجيلات الحياة- القرارة.
(2) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 7/ 138. (3) إبراهيم بيوض: الأجوبة الشافية: 35 - 36. (4) م. ن: 36. .
(5) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 4/ 148. (1/290)
صفحة 283
المبحث الأول: التوحيد والغيب
291
استحضار الخلود فيها (1)، وبانعدام هذا الإيمان ينفرط عقد الدين وينحل كل شيء ويسود التكالب بين الناس على جيف الدنيا ومتاعها (2).
بما أنَّ الإيمان باليوم الآخر من مسائل الغيب المطلق فإنَّ سبيل معرفته هو طريق الوحي، الذي خص الله به من يشاء من عباده وأيدهم بكتبه المتضمنة شرائعه وما شاء أن يطلع عليه عباده من أنباء الغيب، وهذا ما سيزيده المبحث القادم دراسة وتوضيحا.
(1) في رحاب القرآن، سورة النمل: 15/ 8
(2)
من سورة الفرقان: 63/ 7 (1/291)
صفحة 284
292
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
أولاً: الإيمان بالرسل:
المبحث الثاني النبوة والرسالة
يرى الشيخ بيوض أنَّ النبوَّة هبة من الله تعالى واصطفاء لمن يشاء من عباده، وليست نتيجة كسب واجتهاد)، لقوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ (الحج: 75)، فهو الذي يصطفي من يشاء لتلقي
وحيه وتبليغ رسالاته.
1 - تعريف الوحي: الوحي لغة:
قال ابن منظور: هو الكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك (2)، وقال الراغب هو الإشارة السريعة (3). يمكن استخلاص تعريف جامع للوحي في اللغة، وهو: الإعلام الخفي
السريع. الوحي اصطلاحا: عرفه الأستاذ محمد رشيد رضا بأنه «عرفان يجده الشخص
من نفسه مع اليقين أنه من قبل الله، بواسطة أو بغير واسطة» (4).
(1) في رحاب القرآن، سورة سورة القصص: 286/ 08؛ سورة الشورى 505/ 17 (2) ابن منظور: لسان العرب: 240/ 15. (3) الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، ط 1، تح صفوان عدنان داوودي، دار القلم دمشق الدار الشامية بيروت، 1416 هـ / 1996 م: 858.
(4) محمد عبده: رسالة التوحيد 88؛ محمد رشيد رضا الوحي المحمدي، ط 3 مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، 1406 هـ: 82 (1/292)
صفحة 285
المبحث الثاني: النبوة والرسالة
293
وعرفه الشيخ بيوض بأنه «شيء يلقى في الرُّوع» (1)، مستدلاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
إن روح القدس نفث في رُوعِي أَنَّ نفسا لن تموت حتّى تستكمل رزقها (2). يلاحظ على التعريف أنه عام يدخل فيه الذين يُلهمون من غير الأنبياء، الذين حدد أبو يعقوب الوارجلاني تعريف وحيهم في قوله: (وأما وحي الأنبياء فمعروف وهو مخالطة الملائكة لهم خصوصا، سرا عن الناس (3).
حصر
الله تعالى طرق تكليمه البشر في ثلاثة أنواع جمعها في قوله {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ (الشورى (51) وكلام الله لموسى عليه السلام لا يخرج من إحدى هذه الأنواع، فالله تعالى ملأ قلبه بالاعتقاد الراسخ واليقين أنَّ مكلّمه الله (4) هو
يرى الشيخ بيوض أن طرق الوحي قد تجتمع لأحد أنبياء الله كالرسول محمد، فقد أَوْحَى الله إليه، وأرسل إليه رسولاً، وكلمه من وراء حجاب، وذلك في المعراج)، حيث تأخر جبريل وتَقَدَّمَ النبيء، وكلم الله تعالى نبيه بما اقتضته حكمته (6)، إذ الوحي من المسائل الغيبية التي يُفوِّضُ الأمرُ - فيما سكت عنه - إلى الله تعالى، فبهذا المنهج يسلم اعتقاد المؤمن ويتجنب القول بغير علم.
(1) في رحاب القرآن، سورة الشوزي: 17/ 355. (2) وتمام الحديث: «فاتقوا الله وأجملوا في الطلب». القضاعي: مسند الشهاب،، تح حمدي بن عبد المجيد السلفي، ط 2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1407 هـ/1986 م، حديث: 1151، 2/ 185، وأخرجه ابن أبي الدنيا وصححه الحاكم من طريق ابن مسعود ابن حجر فتح الباري، تح محمد فؤاد عبد الباقي و محب الدين الخطيب، دار المعرفة بيروت 1379 م: 20/ 1. (3) الوارجلاني: الدليل والبرهان: 206/ 2 (4) في رحاب القرآن، سورة النمل: 24/ 8. (5) القرطبي: التفسير: 137/ 15.
(6) في رحاب القرآن، سورة الشورى: 369/ 17. . (1/293)
صفحة 286
294
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
2 تعريف النبي والرسول: لفظ النبي مأخوذ من النبأ وهو الخبر الهام، أو من النبوة وهي الرفعة (1).
وعرف الشيخ بيوض النبيء بأنه من نبئ بالوحي ولم يُرسل (2) وأما الرسول فهو من نبئ بالوحي وأرسل إلى غيره (3) لقوله تعالى: يا أيها الرَّسُولُ بَلغ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلَ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ} (المائدة: 67). من خلال التعريفين يتضح أنَّ الله اصطفى كلاً من الرسول والنبي بتلقي الوحي واختص الرسول بالتكليف بالتبليغ، وأن لفظ النبي أعم من الرسول إذ أن
(4)
كل رسول نبي. والإيمان بجميع الأنبياء والرسل واجب، من غير تفريق بينهم، ولا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِّن رُسُلِهِ} (البقرة: 285) ذلك لأن دينهم واحد وإن اختلفت شرائعهم، فكلّهم جاءوا برسالة التوحيد من عند الله إلى عباده، وقال كل منهم لقومه: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهِ غَيْرُهُ} (الأعراف: 59، 85، 73، 65) فالتوحيد مفتاح
دعوة الرسل جميعا.
3 حاجة الناس إلى النبوة
النبوة طريق الحياة الطيبة في الدنيا والسعادة السرمدية في الأخرى، فلن يستغني الناس عنها في شؤون دينهم ودنياهم، فبالنبوة تعرف طريقة العبادة التي يرتضيها الله من عباده، وبها تحدّد علاقات الإنسان بغيره، ولا تصلح أمور معاشه ومعاده إلا بالمحافظة عليها، لأنّ الأنبياء تلقوها من رب العالمين الخبير بما
(1) ابن منظور لسان العرب: 8/ 14 - 9. (2) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 2/ 282. (3) م. ن: سورة الصافات: 14/ 512. (4) من سورة سورة الشورى 93/ 17. (5) م. ن: سورة الأحزاب: 424/ 12. (1/294)
صفحة 287
المبحث الثاني: النبوة والرسالة
295
يصلح بعباده في عاجل أمرهم وآجله ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ
الخبير (الملك: 14). أهل الفترة:
يرى الشيخ بيوض أنَّ حجّة الرسل قائمة على كل البشر، ولم يستثن الأمم التي لم يأتها رسول ولا نبيء، واستند في هذا الحكم إلى قوله تعالى: {وَإن من امةٍ الأخلاً فيها نذير (فاطر: 24) ذلك أنَّ من الرسل من أرسل إلى الكافة كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام)، فهؤلاء نذرّ من رب العالمين وهنالك نذرّ غيرهم، منهم الحواريون بعد عيسى عليه السلام والعلماء بعد النبي، فإنّ النذارة لم تنقطع بانقطاع الرسالة والنبوة (2).
4 - عدد الأنبياء والرسل: يرى الشيخ بيوض وجوب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل من غير اعتقاد عدد معين (3)، لأنّ عدد الأنبياء والرسل لا يعلمه إلا الله، ولم يصح في الموضوع نص قطعي من قرآن أو سنة متواترة، أما الدليل الذي يستند إليه القائلون بالقطع بعدد الأنبياء والرسل فهو خبر أحادي لا يعتد به في العقائد، وهو ما جاء في الحديث عن أبي ذره قال: قلت: يا رسول الله: كم وفى عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا (4).
نبه الشيخ بيوض إلى الخلط بين ما يجب أن يعتقد يقينا، فنؤمن به مثل الرسل المذكورين في القرآن وبين ما نؤمن به إجمالاً دون أن نقصر الإيمان على عدد معين أو اسم معين، وأشار إلى أنَّ صاحب العقيدة عمرو بن جميع قد
(1) عمرو بن جميع مقدمة التوحيد، ط 2، 1392 هـ/ 1973 م: 117. (2) في رحاب القرآن، سورة يس: 14/ 43.
(3) م. ن: سورة غافر: 16/ 332.
(4) تقدم تخريجه ص: 96. (1/295)
صفحة 288
296
هذا
""
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
ترخص كثيرًا حينما أدخل فيما سماه بـ "العقيدة أشياء أخبر بها كعدد الأنبياء والمرسلين)، كما استغرب أن ينقل الشيخ اطفيش أسماء ثلاثمائة وثلاثة عشر رسول ويذكرهم بأسمائهم، وفيهم عدون (2) وما كان ينبغي، وليس من عند الشيخ - رحمه الله - ولكنه نقل عن غيره في عدة صفحات (3) بينما يقول الله تعالى للنبي: وَلَقَدْ اَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصَنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مِّن لَّمْ نَقْصَصُ عَلَيْكَ} (غافر: (78) فهل هؤلاء الذين ذكرهم الشيخ ممن قص الله خبرهم؟). فالآية تدل دلالة صريحة أن من الأنبياء والرسل من لم يقصصهم الله فلا نستطيع إحصاء عددهم ولا معرفة أسمائهم إلا بنص قطعي، فلم يُرو أنَّ النَّبيء له أخبر الصحابة بأسمائهم، ولذلك لا ينبغي ذكرها بله اعتقادها لأنها لا تكون إلا من الإسرائيليات (5).
بين الشيخ بيوض خطورة بناء الاعتقاد على الظنيات، وضرب مثالا بمسألة اعتقاد عدد الأنبياء والرسل، فقال: إذا آمن أحد بهذا العدد وكان أكثر فيكون قد كفر ولم يؤمن برسول، أو كان العدد أقل فيكون قد آمن بمن ليس نبينا أو رسولا ()، مشيرًا إلى أنَّ الحديث الوحيد المروي في الموضوع وقع في رواياته 315، أما اضطراب حول عدد الرسل، فالرواية التي ذكرناها تنص على أن عددهم صاحب العقيدة عمرو بن جميع فيذكر أنهم 313 رسولاً، وقد رجح الشيخ اطفيش العدد الأخير (7).
(1) عمرو بن جميع مقدمة التوحيد: 117؛ في رحاب القرآن، سورة الكهف: 2/ 279.
(2) اطفيش: شرح عقيدة التوحيد: 441.
441 - 439. (3).
(4) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 14/ 510.
(5) م. ن: سورة غافر: 364/ 16.
(6) م. ن: سورة المؤمنون: 135/ 5، وانظر: سورة الكهف: 2/ 219 - 220
(7) مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية،227، نقلا عن الشيخ اطفيش هميان اطفيش: هميان
الزاد: 149/ 13، 150. (1/296)
صفحة 289
المبحث الثاني: النبوة والرسالة
297
لأجل هذا المحذور عدل الشيخ اطفيش عن قوله ورجح الإمساك عن القطع بعدد الأنبياء والرسل، حيث يقول: والصحيح الإمساك عن حصرهم في عدد لئلا يؤدّي إلى نفي النبوة عن بعضهم أو إثباتها لمن سواهم» (1).
5 صفات الأنبياء والرسل:
أ- البشرية
الله، خالق البشر، أعلم بحكمة اصطفاء رسل من أنفسهم ليكونوا قدوةً لأقوامهم يحسون بما يحسون ويشعرون بما يشعرون، فالرسول يجوع ويمرض ويفرح ويحزن ويسافر ويكتسب الرزق ليكون الأسوة الحسنة لقومه في مختلف الحالات التي قد تعتري الإنسان (2) {وَمَا أُرِيدُ أَنْ اخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ (هود: 88)، ولا فرق بين الرسول وسائر البشر إلا أنَّ الله تعالى اصطفاه فجعله الواسطة بينهم وبينه، وعصمه من أشياء بعونه وتوفيقه (3).
ب - الموت:
الرسل بشر يعتريهم ما يعتري غيرهم من حالات الصحة والسقم والموت ... فالرسول قد مات كما مات الأنبياء والرسل من قبله، ويعتبر الشيخ بيوض القول يكون بعضهم أحياء ضربًا من الأساطير التي ملئت بها بطون الكتب، ولا أصل لها ولا دليل عليها من كتاب أو سنة (4) مستندا إلى قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإن متَ فَهُمُ الْخَالِدُونَ؟} (الأنبياء: 34).
(1) مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية 228، نقلا عن شرح عقيدة
التوحيد: 319
(2) في رحاب القرآن سورة القرقان: 47/ 7؛ سورة ص: 18/ 15.
(3) (4)
من سورة الأنبياء: 18/ 4.
من سورة الصافات: 511/ 14 وانظر تفسير سورة الكهف: 279/ 2 (1/297)
صفحة 290
298
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
قال الشيخ عن موت سيدنا عيسى عليه السلام -مثلاً-: «ولا نؤول قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيك) (آل عمران: 55) بمعنى متوفّي أجلك في الأرض، فالوفاة هي الموت، فمتوفيك يعني متوفيك كما توفيت غيرك (1).
ردّ الشيخ على من أدخل في العقيدة كونَ بعض الأنبياء أحياء، كعيسى وإلياس، لافتقار المسألة إلى أدلة قطعية، أما عن حديث نزول المسيح عليه السلام وإن اشتهرت روايته فإن الشيخ بيوض يرى أنه لم يصل درجة التواتر والقطع (3)، ودعا
إلى عدم إشغال الإنسان نفسه بهذه الأمور من غير أن يكون له دليل يعتمد عليه. بما أن روايات نزول المسيح عيسى عليه السلام، رغم كثرتها، آحادية لا توجب القطع، فإنَّ الإيمان بنزوله ليس من مسائل الاعتقاد، فمن أنكره لا يعتبر منكرا شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة مما صرح به القرآن أو تواتر في السنة، «والعقائد لا تثبت إلا بصريح القرآن وصحيح السنة المتواترة لا الأحادية، فرغم اشتهار نزول عيسى، ورويت أحاديث كثيرة في هذا الباب، وَلَكِنَّها لم تبلغ حد التواتر الذي يوجب العلم القطعي، وسواء قلنا: ينزل أو لا ينزل فالأمر سواء، وإن كان الجمهور على أنه سينزل، ومن الذين قالوا بنزوله الشيخ اطفيش رحمه الله (5) (6).
(2)
(1) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 508/ 14. من سورة الكهف: 279/ 2؛ سورة مريم: 119/ 03 (3) م. ن: سورة الصافات: 512/ 14.
(4) من هذه الأحاديث ما رواه البخاري بسنده إلى أبي هريرة أنّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي يَدِهِ ليو شكن أنْ يَنزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فيكسيرَ الصَّليب ويَقْتُلَ الخنزيرَ وَيَضَعَ الْحِرْيَةَ وَيَفيض الْمَالُ حتى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِن الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. ثَمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ: ششم: {وَإِن مِن أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا). البخاري كتاب الأنبياء، باب نزول عيسي بن مريم حديث: 3264، 1272/ 3، وما رواه مسلم عن طريق آخر. عن أبي هريرة. مسلم: كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة محمد، حديث:
135/ 1.155
(5) اطفيش: تيسير التفسير، 115/ 13.
(6) في رحاب القرآن، سورة الزخرف: 17/ 578 - 579. (1/298)
صفحة 291
المبحث الثاني: النبوة والرسالة
299
يلاحظ تفريق الشيخ بيوض بين رواية الأقوال واعتقاد أنها الحق، فشدّد في رفع النص إلى درجة الاعتقاد، ولهذا المنهج أبعاد منها عذر المخالف، وعدم تخطئته وتكفيره، طالما أنَّ الاختلاف خارج مسائل الاعتقاد، لذلك قال في مسألة نزول المسيح: (ورويت أحاديث كثيرة في هذا الباب، وَلَكِنَّها لم تبلغ حد التواتر الذي يوجب العلم القطعي، وسواء قلنا: ينزل أو لا ينزل فالأمر سواء» (1). والبعد الآخر هو السلامة من اعتقاد غير الحق، الذي لم يبلغ دليله مرتبة اليقين، كما قال مسألة عن حياة الخضر: ليس عقيدة وواجبا أن نعتقد حياة الخضر الحياة المادية التي نحياها» (2).
ولكن يلاحظ عدم التزام الشيخ بهذا المنهج، حيث ذكر تفاصيل في مسألة غيبية، من غير تقديم دليل قطعي، وذلك أنه قال عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لإخوانه الأنبياء ليلة المعراج: فهذا يتعلق بأرواحهم، إذ أراه الله تعالى أرواحهم، والأرواح تتشكل، وهو أمر يعلمه الله وحده (3) فالنسق المنهجي للشيخ يقتضي تفويض الأمر إلى الله في تشكل الأرواح ورؤيتها، وإن كان قد أرجع العلم في نهاية الأمر
إلى الله وحده.
ج - العصمة:
الأنبياء والرسل معصومون عصمةً غير طبيعية ولا فطرية، فباعتبار الإمكان الذاتي يمكن صدور الذنب منهم، إلا أنَّ الله هو الذي عصمهم وخصهم بميزة تثبيت القلوب على الإيمان) {وَلَوْلاً أَن تَبْتَنَاكَ لَقَدْ كِدَتْ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قليلاً) (الإسراء: 74) وهذه العصمة إنما هي بعد النبوة والرسالة، ويرى الشيخ
(1) في رحاب القرآن، سورة الزخرف: 17/ 578.
(2)
من سورة الكهف: 220/ 2 (3) م. ن: سورة الصافات: 08/ 14؛ الزخرف: 582/ 17.
(4)
(5)
م. ن: سورة الإسراء: 1/ 75.
من سورة ص: 230/ 15. (1/299)
صفحة 292
300
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
اطفيش أن النبيء غير معصوم من الصغائر قبل البعثة ولا بعدها)، أما الشيخ بيوض فيرى أنهم معصومون بعدها، لا يصدر منهم ذنب صغير ولا كبير، إنما قد
يتصرفون بخلاف الأولى، فذلك يعتبر في حقهم ذنبًا يستغفرون الله منه (2). واعتقادًا بوجوب العصمة في حق الأنبياء والمرسلين ردّ الشيخ بيوض روايات
تناقلها المفسرون تمس بكرامتهم وأعراضهم، ومن ذلك الرواية التي تبين إذاية بني إسرائيل لموسى عليه السلام بتهمته بعيب الآذرة، وهو انتفاخ الخصيتين، فساق الله له الأقدار ليضطره إلى المرور أمام بني إسرائيل عريان حتى تثبت سلامته وتربيع تهمته. حكم الشيخ على هذه الرواية بالبطلان لمخالفتها عصمة رسل الله وحفظ كرامتهم، ولم يشفع فيها ورودها في كتب الصحاح كالبخاري، ولا سماعها من مشايخه بدون نقد، إن هذه الرواية باطلة لمخالفتها للنصوص الصريحة، ولما علم من الدين بالضرورة من عصمة الأنبياء والرسل، وغير ذلك» (3).
عليه
كما أوجب الشيخ تأويل الرواية التي تنص على أن سبب سفر موسى السلام مع فتاه هو إعجابه بنفسه ونفيه وجودَ من هو أعلم منه على وجه الأرض، فلا بد أن يكون لموسى غرض صحيح في مثل هذا الجواب، وموسى لم يقل ما قال إعجابًا بنفسه» (4). وتأكيدا لهذه العصمة فسّر الشيخ بيوض قوله تعالى: { ... أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أمنيته) (الحج: (52) بالشبه والأوهام التي يلقيها الشيطان في قلوب أوليائه حتى يتأولوا الآيات تأويلاً باطلاً على غير وجهها، ويخوضوا فيها بالطعن والاستهزاء، ونفى نفيا قطعيا أن يُجري الشيطان على لسان النبي كلاما لم يُوحَ به إليه).
(1) مصطفي وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: 237. (2) في رحاب القرآن، سورة الفتح، ج،19، نسخة المسودة (الرقمية). (3) م. ن: سورة سورة الأحزاب: 678/ 12.
(4) م. ن: سورة الكهف: 262/ 2 - 263
(5) م. ن: سورة الحج: 527/ 4. (1/300)
صفحة 293
المبحث الثاني: النبوة والرسالة
301
وأكبر مصدر لهذه الروايات والأباطيل هي الإسرائيليات، وموقف الشيخ
بيوض منها هو عدم تجويز ذكرها وروايتها إلا قصد الردّ عليها (1).
6 - التفاضل بين الأنبياء والرسل الأنبياء والرسل يتفاوتون درجات، وامتنع الشيخ بيوض من الخوض في المفاضلة بين الأنبياء من غير دليل، لأنَّ الله وحده يصطفي الأنبياء ويفضل بعضهم على بعض)، حيث يقول: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلَى بَعْضٍ (الإسراء: 55)، ويقول أيضا: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (البقرة: 253). لم يقتصر تحفظ الشيخ في مجال التفاضل عند هذا الحد، بل اتسع لينفي معرفته
بأولي العزم من الرسل على وجه التحقيق، وعلّق على القول المشهور: أولو العزم نوح والخليل كلاهما وموسى وعيسى والنبي محمد بأن هذا ليس هذا بأمر يقيني إنما هو قول للعلماء (3)، منهم عمرو بن جميع للعلماء» (3) لا يوجد نص قطعي يصرح بأن هؤلاء الرسل هم أولو العزم، ولكن توجد إشارات في الموضوع يستند إليها هذا القول، منها ورود أسمائهم في سياق تذكير الرسول بضرورة التحلي بالصبر لإقامة الدين وتبليغه، وذلك في قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّين مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَفَرَّقُوا فيه ... } (الشورى: 13)، وفي الآية أيضا إشارة إلى تفضيل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على غيره من الرسل عليهم السلام ومما فضل به الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أرسل إلى الثقلين من الجن والإنس كافة، لما قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي:
(1) في رحاب القرآن، سورة ص: 71/ 15.
(2)
(3)
من سورة مريم 37/ 3 سورة الصافات: 14/ 544 - 545.
م. ن: سورة الصافات: 14/ 544. (4) عمرو بن جميع مقدمة التوحيد: 122.
من سورة الشورى: 97/ 17
(5) (1/301)
صفحة 294
302
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
نُصِرْتُ بالرُّعْب مَسيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أمتي أذركته الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لي الغنائمُ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وبعثتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَأَعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» (1).
أما عن التفاضل بين النبي محمد و جبريل عليه السلام فيرى الشيخ بيوض رأي الجمهور القائل بأفضلية محمد صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه السلام مذكرا أن هذه المسألة خلافية يمكن فيها الخلاف ولا يجوز فيها القطع مطلقا، لأنه لا
دليل يقينيا في المسألة» (2).
7 - معجزات الرسل
تعريف المعجزة:
(3)
المعجزة: ما أعجز به الخصم عند التحدي، والهاء للمبالغة، والمعجز في وضع اللغة مأخوذ من العجز (3) أما في الاصطلاح فعرفها الشيخ اطفيش بأنها الأمر الناقض للعادة، الظاهر على يد المتنبئ زمان التكليف مقرونا بالتحدّي من دعوى الرسالة على جهة الابتداء، متضمنا للتصديق» (4).
وعرفها البيجوري معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها «الأمور الخارقة للعادة الظاهرة على يده، سواء كانت مقرونة بالتحدي أم لا (5).
(1) البخاري الصحيح، کتاب الصلاة، باب قول النبيء جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، حديث: 427، 1/ 168؛ مسلم الصحيح، کتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث: 521، 370/ 1.
(2) في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 49/ 1. . . (3) أبو البقاء الكفوي: الكليات: 149.
(4) مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: 250، نقلا عن الشيخ اطفـ
الخالص: 22.
(5) البيجوري: شرح جوهرة التوحيد: 138.
الذهب (1/302)
صفحة 295
المبحث الثاني: النبوة والرسالة
303
والفرق بين التعريفين هو اشتراط الاقتران بالتحدي وعدمه، ولم أقف عند تعريف للشيخ بيوض للمعجزة إلا أنه يرى اشتراط اقترانها بالتحدي، وهو الفرق الفاصل بين المعجزة والكرامة، فقد أيد الله رسله بمعجزات حسية وعقلية، يجريها على يد من يشاء منهم على سبيل التحدّي لإثبات صدق رسالتهم، مثل ناقة صالح وعصا موسى، وإحياء عيسى الموتى بإذن الله ونظرا لاشتراط الشيخ بيوض في المعجزة اقترانها بالتحدّي فإنه يرى المعجزة الوحيدة للنبي صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم لأنها انفردت بالاقتران بالتحدّي دون سائر الخوارق المادية كانشقاق القمر وتكليم الحجر وتسليم الشجر، «إنه لم يتحد قومه إلا بكتابه» (1).
إن صح أن يطلق على الخوارق المأثورة في السيرة النبوية، ”معجزات فهي من باب عجز البشر أن يأتوا بمثلها، ومن باب التفريق بينها وبين ما يظهره الله من كرامات على يد من يشاء من أوليائه، لا على أساس أن النبيء أتى بها ليقيم الحجة على الناس، ولا يصدق اسم المعجزة حقيقة إلا على الأمر المعجز المقرون بالتحدي، ولم يتحد الرسول صلى الله عليه وسلم قومه إلا بالقرآن الكريم فالمعجزة الأصلية هي القرآن لا شيء غيره (2)، ومما يستدل به على ذلك قول الله تعالى عن الكفار الذين طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم الإتيان بمعجزات أخرى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن ربِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِم (العنكبوت: 50 - 51) ذلك أن القرآن يسمي المعجزة آية، وإن لم تكن ذكرًا متلوا، ومن ذلك قوله عن معجزات موسى عليه السلام: {وَلَقَد - اثينا مُوسَى تِسْعَ آيَاتِ بَيِّنَاتِ} (الإسراء: 101).
لا يعني قول الشيخ بيوض بأنَّ القرآن معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الوحيدة إنكاره الكرامات والخوارق التي أجراها الله على يده، بل هو يُقر بها ويردّ على من ينكرها ويسعى للطعن فيها أو تأويلها انطلاقا من كون القرآن معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم
(1) في رحاب القرآن سورة الفرقان: 13/ 7؛ سورة ص: 54/ 15.
(2)
م. ن: سورة الدخان: 4/ 18. (1/303)
صفحة 296
304
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
الوحيدة، واعتبر الشيخ هذا الإنكار قولاً بغير علم، بدعوى الدفاع عن الإعجاز القرآني، ومن ذلك قوله: إنَّ المعجزة هي القرآن حَقًّا، ولكن ما لكم تنكرون هذه الأشياء التي لم يدع النيء بأنها معجزة؟» (1).
8 أبعاد الإيمان بالرسول:
من الأساليب التربوية أن يُنصح المتكوّن باتخاذ نموذج ناجح في مجال تخصصه ليقتدي به ويترسم خطاه؛ أكد الشيخ بيوض أن مثل المسلم الأعلى هو الرسول وإخوانه الأنبياء، ومن سار على دربهم من الأئمة والعلماء (2).
يقتضي الإيمان بالرسول التأسي به - في كل الحالات - في العبادات والمعاملات ومختلف مجالات الحياة، ويتطلب ذلك تزكية النفس وفقه الشرع والسيرة والواقع ... الخ، قُلِ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (آل عمران: 31) ..
وبرز البعد العقدي لهذا الأصل عند الشيخ بيوض في تصديه للبدع التي يحتج أصحابها على التمسك بها بأنهم وجدوا عليها الأسلاف، فبين الشيخ بأن الرجل الأول في الأمة هو الرسول صلى الله عليه وسلم فهو السلف الأحق بالاتباع: «إنَّ أولكم هو النبيء، وهل فعل شيئا مما تفعلون أم لا؟ فقولكم: "إنا وجدنا آباءنا لا يقوم حُجَّةً إذا عارض آيةً صريحة أو سنة صحيحة، وقولكم هذا قد يُقبل مالم يُعارِض الطريق الذي سلكه السلف الأولون: النبيء صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب (21)، ومن بعده من خلفائه
وصحابته (3)
(1) في رحاب القرآن، 4/ 18. (2) من سورة محمد 485/ 18. (3) م. ن: سورة الزخرف: 17/ 465. (1/304)
صفحة 297
المبحث المبحث الثاني: النبوة والرسالة
305
و من مجالات اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة لقوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَن اتبعني (يوسف: 108) ودعوة الناس إلى الحق تقتضي صبرا جميلاً، توظف وسائل لاكتسابه منها التأسي بثبات الرسول، وقد لاحظ الشيخ بيوض سام بعض المشكلات التي اعترضت طريقهم في الدعوة إلى الله، وذكرهم بضرورة التأسي بثبات الرسل عليهم الصلاة والسلام في هذه السبيل، فقال: «ألا فلتعلم أنَّ الرسل لم يتركوا التبليغ لحظة حتى لقوا ربهم
دعاة عصره من
ثانيا: الإيمان بالكتب
1 - تعريف:
:
الكتاب لغة مصدر كتب كالكتب، و أصل الكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة (2) واستعمل عرفًا في ضم الحروف بعضها إلى بعض. أما في الاصطلاح فهو ما يتضمن الشرائع والأحكام (3)، وقد بعث الله رسلاً تترى وأنزل معهم كتبا متضمنةً شرائعه وتوجيهاته لعباده.
إنزال الكتب يدلّ على علو مكانة مصدرها الأعلى الله الحكيم الخبير، ولا يفهم منه علوّ المكان، ويطلق الإنزال على كل ما جاء من قبل الله سبحانه وتعالى، كإنزال الكتب وإنزال الأنعام وإنزال الحديد).
لا يتعين الإيمان بعدد محدد من الكتب، إنما علينا أن نؤمن بجنس الكتاب، وبما ورد اسمه بالخبر اليقيني كالتوراة والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم وموسى،
خاصة القرآن الكريم
(5)
(1) في رحاب القرآن، سورة فاطر: 484/ 13.
(2) احمد رضا معجم متن اللغة، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1380 هـ / 1960 م: 17/ 5.
(3) الكفوي: الكليات: 767.
(4) في رحاب القرآن، سورة الشورى: 17/ 137.
(5) من سورة فاطر: 481/ 13؛ سورة الشورى 17/ 137. (1/305)
صفحة 298
306
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
2 حاجة الناس إلى الكتاب السماوي:
الإنسان بحاجة ماسة إلى من ينظم شؤون حياته، لذلك عرفت البشرية دساتير وقوانين يستند إليها الأفراد والجماعات في معاملاتهم ويحتكمون إليها، ولكن قوانين البشر - مهما دقت وتنزّهت يعتريها القصور والانحياز، أما الكتاب السماوي فهو تشريع خالق الإنسان والكون والزمان، فلا يملك التشريع الصحيح لحياة الإنسان إلا خالقه، ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخبير (الملك: 14).
الكتاب السماوي منقذ البشرية الحائرة من الصراع الدائم الدائر بين العقل وهوى النفس في اتخاذ أحد النجدين سبيلاً، بل العقل- بدون نور الوحي - عاجز عن الاهتداء إلى الحق المبين كما تعجز العين السليمة عن الرؤية في الظلام الدامس، ولولا هذا الفرقان بين الحق والباطل، فمن أين نهتدي؟ ولو اعتمدنا على عقولنا لضللنا» ()، فيستحيل أن نجد في أقوال الحكماء بنجوة عن قانون السماء - صراط الهداية السويّ الذي أمرنا باتباعه، لأن العقل البشري يعتريه العجز والقصور، فقد تفرّد الله بالأمر كما تفرد بالخلق، ألا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (الأعراف: 54).
الكتاب السماوي سبب السعادة في الدارين لأنه نزل من عالم الغيب العزيز الرحيم، فلا يأمر إلا بالنافع المفيد، في شؤون المعاش والمعاد، ولا ينهى إلأ عن الفاسد الضار إنه تنزيل العزيز الرحيم الذي لا يشرّع تحت تأثير مؤثر لأنه لا أقوى منه، ولا يشرع مكرًا بعباده لأنه لا أرحم منه، وإذن لا تكون الشريعة إلا كاملة الكمال المطلق الذي لا نقص فيه (2)، إلا أن الكتب السماوية السابقة اعتراها
التبديل و التحريف و نسخت شرائعه بنزول القرآن الكريم.
(1) في رحاب القرآن، سورة القصص: 391/ 8
(2) م. ن: سورة يس 36/ 14. (1/306)
صفحة 299
المبحث الثاني: النبوة والرسالة
3 هيمنة القرآن على الكتب السماوية:
307
للقرآن فضل مبين على سائر الكتب لحفظ الله له مما اعتراها من التبديل والتحريف، ولقيوميته وهيمنته عليها ()، {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبَعَ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحق (المائدة: 48) فالقرآن قيم على سائر الكتب قيم على سائر الشرائع (2).
أنزل الله القرآن الكريم هدى للناس وتأييدا لرسالة محمد، ولقد تحدى الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن فعجزوا لذلك اعتبر الشيخ بيوض القرآن الكريم معجزة الرسول الوحيدة، أما ما يروى في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من الأمور الخارجة عن مألوف البشر فيرى أنها في الحقيقة كرامات وخوارق للعادات، فلا يصدق عليها اسم المعجزة، إذ لم يُجرها الله تعالى على يد نبيه
على طريق الإعجاز، ولم يأت بها لإقامة الحجة والدليل على رسالته» (3). وبما أن الإسلام خاتم الشرائع السماوية اقتضت حكمته أن يؤيد رسوله الأمي بمعجزة دائمة دوام الإنسان على وجه الأرض، فأنزل هذا القرآن، فإذا كانت معجزات الرسل ماديةً تذهب بذهابهم فلا يشاهدها إلا أهل ذلك الزمان، فإن معجزة القرآن متجدّدة خالدة، لا تذهب بموت النبي)
4 أبعاد الإيمان بالقرآن القرآن الكريم منهج الحياة الطيبة والسعادة السرمدية (5)، فالغاية من تنزيله ليست متوقفة في تلاوته قصد التبرك به، بل بركته الكبرى هي في التحرك به، ولا يتم ذلك
(1) في رحاب القرآن، سورة مريم: 24/ 3
(2) م. ن: سورة الكهف 23/ 2.
(3)
من سورة الشعراء: 295/ 7
(4) م. ن: 7/ 294.
294/ 7:
185/ 15: U.p
(5) م. ن: سورة ص 185/ 15. (1/307)
صفحة 300
308
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
على الوجه الصحيح إلا بتتبع منهج القرآن في تركيز الإيمان في القلوب وتحريكه، يقول الشيخ بيوض: لا منهج في باب العقيدة إلا منهج الله تعالى في كتابه الكريم وهذا هو الصراط المستقيم الذي علمنا الله أن ندعوه ليهدينا إليه»)، وذلك في قوله: واهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة: 05)، ومن أثر منهج القرآن على فكر الشيخ
بيوض العقدي اجتهاده في توجيه الناس من خلق القرآن إلى خلق القرآن (2). وأخلاق القرآن لا يُراد بها الرهبانية والزهد السلبي، إنما هي مبادئ يهتدي بها الإنسان للانطلاق الحضاري، كدعوته للتعامل الإيجابي مع هذا الكون للتمكن من حسن تسخيره ودلالته على عظمة ربه، والتعاون مع أخيه الإنسان على البر والمرحمة، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107)، «والقرآن جاء لسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة ولا يكون ذلك إلا إذا قرأناه حاديا للتقدم الروحي والمدني معا» (3)
الإيمان بالقرآن يقتضي العمل به ورد كل ما خالفه من التشريعات والقوانين وغيرها، لم يحصر الشيخ بيوض هيمنة القرآن على الكتب السماوية، بل أطلقها على سائر كتب البشر وتشريعاتهم، استنادًا إلى تعميم صفة قيومية القرآن قيما وكل من جاء بشريعة أو كتاب أو ديوان، يقول إنه من وضع فلان أو بني فلان، أو المجمع العلمي الفلاني، الفرنسي أو الأمريكي أو الإنجليزي ... قلنا له: القرآن قيم عليه ... فما وافقه، قبلناه، وما لم يوافقه رددناه، وضربنا به عرض الحائط ولا كرامة» (4).
لم يتوقف تحديد الشيخ بيوض لمعنى قيومية القرآن على ما يفد إلى الإنسان من محيطه الخارجي، بل أكد على هيمنة القرآن على المؤمنين أنفسهم، لأنهم
(1) في رحاب القرآن سورة العنكبوت: 104/ 9 - 105.
(2)
م. ن: سورة العنكبوت: 209/ 9؛ الفتاوى: 22/ 1.
(3) أبو بلال الحامد، تعليم القرآن الكريم: 161.
(4) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 23/ 2. (1/308)
صفحة 301
المبحث الثاني: النبوة والرسالة
309
مكلفون بالإيمان بالقرآن وبتلاوته وتفهم معانيه والعمل بما فيه، فهو المتحكم فيهم شاءوا أم أبوا» (1).
إن تصوّر القيومية بهذه الشمولية وإسقاطها على الحياة اليومية يضفي على المسلم قوة الانقياد لأوامر القرآن، والعمل بتوجيهاته في شؤون العبادة وقضايا الحياة، فيستغني بتشريع القرآن عن دساتير الغرب وقوانينهم، لأن الله هو المتفرد بالتشريع كما هو المتفرد بالخلق، أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ (الأعراف: 54)، فالتشريع خصوصية إلهية، والقرآن قيم على كل الآراء والروايات، وإن صح سندها إلى النبيء، لأنَّ السنة النبوية طريق ورود الشرائع، لا طريق إنشاء» (2).
لا يتوقف دور المسلم عند تزكية نفسه والاستقامة على الطريقة، بل هو مطالب بعد ذلك بدعوة غيره بهذا القرآن والمجاهدة به، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كبيرا (الفرقان: 52).
وصف الله جهاد الدعوة إليه بكونه جهادًا كبيرًا لأن إزالة أدران الشرك والإلحاد والشبهات من النفوس يقتضي صبراً جميلاً)، وأكد الشيخ بيوض أن المسلمين في كل زمان ومكان - مطالبون بهذه الآية، وحمل مسؤولية هذا الجهاد حملة القرآن وأئمة الدين، بل حمل جميع طلبته هذه الأمانة في خطاب لهم مباشر، فقال: «وأنتم أيها الطلبة دعاة، كلّكم مطالبون بأن تجاهدوا بالقرآن الجهاد الكبير). مشيرًا إلى ضرورة مواجهة الكفار بجنس سلاحهم، وتسخير وسائل الإعلام المتطورة المختلفة للمجاهدة بالقرآن.
التخلق بأخلاق القرآن والمجاهدة به سبب مباشر وفعال لاستيعاب أصول الإيمان واستثمارها في تزكية الإنسان وإصلاح المجتمع.
(1) في رحاب القرآن، 24/ 2.
(2) عبد الستار سعيد المدخل إلى التفسير لموضوعي: 44.
(3) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 177/ 7.
(4) م. ن. (1/309)
صفحة 302
310
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
المبحث الثالث
الإنسان والمجتمع
يتناول هذا المبحث دراسة المسائل الآتية: القضاء والقدر - المعاصي والتوبة
الولاية والبراءة.
:أولاً: الإيمان بالقضاء والقدر
1 تعريف القضاء والقدر
القضاء في اللغة معناه الحكم، وأصله "قضاي" لأنه مِن قَضَيْت“ إِلا أَنَّ الياء
لما جاءت بعد الألف همزت (1).
القدر هو التقدير، وهو الوجه الذي أردت إيقاع المراد عليه (2).
أما في الإصطلاح، فالقضاء هو حكم الله في الأزل قبل خلق الخلق، والقدر
(3)
هو تنفيذ قضائه في الواقع للقضاء والقدر معان قد تشترك أو تتكامل على حسب الورود في السياق، فقد يجتمع المصطلحان في السياق لإفادة كلّ منهما معناه الخاص، فالقضاء حكم والقدر تنفيذ، وقد يستعمل أحدهما فيفيد المعنيين كليهما (4).
،،
أخبرنا الله أنَّ كلّ شيء مكتوب في اللوح المحفوظ ومن هنا جاءت كلمة المكتوب التي يستعملها الناس (5)، كَانَ ذلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) (الأحزاب: 06) فلا صدفة في الكون إنما هو القدر، فعلى المؤمن اعتقاد ذلك
(1) ابن منظور: لسان العرب: 209/ 11. (2) أبو هلال العسكري: الفروق في اللغة، تح لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، ط 5، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1401 هـ/ 1981 م، ص: 185.
(3) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 355/ 12.
(4) م. ن: سورة الأحزاب: 355/ 12 - 356 (5) م. ن: سورة الأنبياء: 4/ 279. (1/310)
صفحة 303
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
311
وتفويض الأمر إلى الله في حقيقة اللوح وصورته المادة التي كتب بها ... كل ذلك
شيء مغيب
(1)
الله لا تخفى عن
العليم الخبير خافية، {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُيين (الأنعام: 59) فهو الخبير بما يفعله المكلف من خير أو شر، ولن يصدر عنه شيء خلاف ما علم الله، لذلك قضى في الأزل على صنف من عباده بالهداية وكتبهم في ديوان السعداء لعلمه بأنهم يستعملون إرادتهم وحريتهم في اتباع طريق الخير فيسعدون (3)، بينما قضى على قوم بالضلالة فأثبتهم في ديوان الأشقياء، {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ) يُومِنُونَ (يس: 07) لسبق علمه فيهم أنهم يستعملون إرادتهم ومطلق حريتهم في طريق الشر فيشقون).
فالله لا يُجبر عباده على الطاعة إذ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا (الرعد: 31) وحاشاه أن يجبرهم على المعصية «كلاً، وإنما كتب بحسب علمه الأزليّ السابق، وليس لعلمه الأزلي تأثير على الإنسان في جبره على الطاعة
أو جبره على المعصية» (5).
-2 إرادة الله وفعل الإنسان
إثبات الإرادة:
يبين الله أنه لا يقع في الكون إلا ما يريد، وذلك بمجرد تعلّق الإرادة به)،
(1) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 4/ 279. (2) إبراهيم بيوض الأجوبة الشافية: 26 - 27.
(3) في رحاب القرآن، سورة يس: 64/ 14.
(4)
م. ن: سورة الإسراء: 190/ 1 - 191. سورة يس: 64/ 14.
(5) م. ن.
(6) م. ن: سورة الإسراء: 122/ 1. (1/311)
صفحة 304
312
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْنَاهُ أَن تَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونَ (يس: 40) «وفي الحقيقة ليس هنالك كاف ولا نون، وإنما إذا تعلقت إرادة الله في شيء تحقق في اللحظة أو جزء اللحظة، وهذا سر من أسرار الله الذي يدلّ على عظمة الخالق الذي يقول: مَا خَلَقَكُمْ وَلاَ بَعثكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ (لقمان: 28) (3).
من
الإرادة والرضا:
قد أراد الله خلق أفعال الإنسان كلّها خيرها وشرها، ولكنه لا يرضى إلا ما أمر به، {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكَفْرَ (الزمر: (07) فالله لا يأمر بالمنكر ولا يرضاه، ومعنى إرادة الله لما لا يرضى من الفعل أنه لم يقع مغلوبًا على أمره» (2)، بل هو الذي سمح بوقوعه، لأنه لا يقع شيء إلا بإذنه، فهي إرادة كونية لا شرعية.
3 خلق الأفعال اجتهد العلماء في الجمع بين كون الله خالقا لكل شيء، بما في ذلك أفعال العباد ما صلح منها وما فسد (3) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: 96) وبين كونه عادلاً، فنسب المعتزلة إلى العبد خلق أفعاله)، وسلب عنه المجبرة صفة الاختيار وحكموا على أعماله، بالاضطرار، واتخذ الإباضية والأشاعرة موقفاً وسطاً فقالوا بالكسب، ذلك لأن الاختيار أساس التكليف (5)، كما قال الشيخ أبو نصر فتح بن نوح:
فأفعالنا خلق من الله كلها ومنا اكتساب بالتحرك بالبدن (6)
(1) في رحاب القرآن، سورة النمل: 81/ 8.
(2) إبراهيم بيوض: الأجوبة الشافية: 22.
(3) م. ن.
(4) القاضي عبد الجبار المجموع في المحيط بالتكليف: 356/ 1. (5) الأشعري اللمع 37؛ في رحاب القرآن، سورة الشعراء: 292/ 7. (6) البيت من قصيدته في التوحيد وما يَتَعَلَّقُ به من أصول الدين، مطلعها: سلام على الإخوان في كُلِّ موطن
بنجد وخيف والسهولة والحزن. (1/312)
صفحة 305
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
313
وقال الشيخ محمد الغزالي: «إِنَّ كل فعل اختياري يتم، فإنه يصح أن ينسب إلَى الإنسان عَلَى أنه السبب فيه، وإلى الله على أنه الخالق له» (1).
4 موقف الشيخ بيوض من المسألة:
رأي الشيخ بيوض في المسألة هو القول بالكسب، إذ يثبت نسبة الفعل إلى الإنسان، إلا أنه يؤكد على إرجاع الأمر كله إلى الله تعالى، ذلك أن إرادة الإنسان بإذن الله، ومباشرة الفعل بإذن الله، حيث يقول: «فالفعل واحد وَلَكِنَّهُ ينسب إلى الله خلقا، وينسب إلى الإنسان مباشرة لأنه باشره، ولكن لما كانت هذه المباشرة بإذن الله وخلقه وعلمه، كان الأمر كله لله» (2).
5 تعليق الشيخ بيوض على موقف المعتزلة:
تعامل الشيخ بيوض مع الآراء المتباينة في المسألة بطرائق متفاوتة، فقد جاء ردّه على المعتزلة مختصرًا مبينا زلّتهم مع الإشارة إلى حُسن قصدهم في نفي نسبة فعل العبد إلى الله، وهو تنزيهه عن خلق أفعالهم السيئة التي يقترفها العباد، مرا ادهم صحيح ولكنهم أخطؤوا في نسبة الخلق إلى العبد» (3).
ونلاحظ بالمقابل مجيء ردّ الشيخ على المجبرة مفصلاً في مواضع عديدة وأساليب متنوعة، والسبب - في نظري - أنَّ نقده لم يكن لأجل صناعة الردود، بل قصده علاج قضايا المسلمين الراهنة، فموقف المعتزلة يشبه البحث التاريخي، ولكن الفكر الجبري لا يزال يشكل علة المسلمين الصارفة عن الالتزام الشرعي والانطلاق الحضاري، فبين الشيخ تهافت هذا الفكر وخطورة أبعاده.
انظر: أبو نصر الديوان، طبعة حجرية، ص 2.
(1) محمد الغزالي: عقيدة المسلم: 109. (2) في رحاب القرآن، سورة محمد 461/ 18.
(3) إبراهيم بيوض: الأجوبة الشافية: 24. (1/313)
صفحة 306
314
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
-6 مناقشة الشيخ بيوض معتقدي الجبر
ردّ الشيخ بيوض على الذين يقولون إن أفعال العباد قضاء وقدر لا دخل لهم فيها، و أثبت للإنسان اختياره ومسؤوليته عن أفعاله من عدة جهات:
أ- الحكم على العبد بالضلالة:
بعض الآيات يوهم ظاهرها أنَّ الله يُجبر عباده بالحكم المسبق عليهم بالضلالة، منها قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُومِنُونَ} (يس: 07) فقد سبق في علم الله الأزليّ أنَّ هؤلاء لن يؤمنوا، وسيختارون بمحض إرادتهم سبيل الغواية، فأثبت لهم الضلالة، ولن تنفع هؤلاء النذر لقوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَاب الأليم (يونس: 96 - 97 (3)، فعلم الله الأزلي لا يتخلّف وليس له تأثير في الجبر). ولهذا كتب في كتابه "هذا سعيد وهذا شقي وليس معنى هذا أنَّ الله أسعد هذا وأشقى هذا جبرًا» (3) بل الضلال يأتي من النفوس البشرية، لقوله تعالى: {قُلِ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَصْلُ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي (سبا: (50) وغواية النفوس تحصل بالاستجابة لوساوس الشيطان نتيجة الغفلة عن ذكر الرحمن.
(2)
ب - الله العدل:
660
لو أجبر الله عباده على المعصية ثُمَّ عاقبهم لكان - سبحانه- ظالما، والله هو ”العدل“ القائل: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (يونس (44) وقضية الإيمان بالقدر تسمى "مسألة العدل، (5).
(1) في رحاب القرآن سورة يس: 49/ 14، وانظر سورة الكهف: 2/ 251. (2) م. ن: سورة يس: 64/ 14، وانظر سورة فصلت: 448/ 16.
(3) من سورة الإسراء: 1/ 191.
(4) م. ن: سورة سبأ: 344/ 13.
(5) إبراهيم بيوض: الأجوبة الشافية: 21. (1/314)
صفحة 307
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
315
ج- لا جبر على الهداية:
يتعلّق بعض الغافلين تبريرا لزيغهم بقول الله تعالى: وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا لله (الرعد: (31) فادعوا أن الله هو الذي لم يشأ هدايتهم، فبين الشيخ بيوض أن الآية معناها لو شاء الجبرهم على الهداية (1)، فلو كان الأمر كذلك لما استحق الطائع المدح والثواب لأنه كان ممنوعا من المعصية بالقهر، وإذا أجبر أحد بقوة السلاح على إخراج شيء من ماله أو يموت كما يقع كثيرًا في الدنيا - فهل يُعد هذا كريما يستحق مدحا وثناء؟ كلاً (2).
د - الاختيار أساس التكليف
كلف الله عباده بتكاليف عديدة وعلّق على ذلك الثواب والعقاب، وهذان مبنيان على أصل واحدٍ وهو حرية الاختيار ... ولذلك لما لم يكن للصبي والمجنون قدرة على الاختيار سقط عنهما التكليف، وكذا المجبور المكره» (3).
ولو شاء الله الجبر الناس على الإيمان وَلَوْ شِئْنَا لَأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هدَاهَا (السجدة: 13) ولكن قضت حكمته أن يُخيّرهم بين السبيلين فَمَن شَاءَ فَلْيُومِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر (الكهف: 29).
هـ - الاختيار أساس الجزاء:
يعبد الله سبحانه، طواعية، فمن عصاه مكرها لا يستحق العقاب، لما جاء
في الحديث عن ابن عباس الله أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رَفَعَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا لَمْ يَسْتَطِيعُوا، وَمَا أَكْرِهُوا عَلَيْهِ)، ومن أطاعه مكرها لا
(1) في رحاب القرآن، سورة سبأ: 218/ 13.
(2)
م. ن: سورة سبأ: 219/ 13، وانظر سورة القصص: 8/ 428 - 429.
(3) من سورة الشعراء: 292/ 7.
(4) الربيع: الجامع الصحيح حديث: 794، ص 301؛ ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين بلفظ: (1/315)
صفحة 308
316
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
يستحق الثواب والجزاء إنما يكون على العمل والعمل يجب أن يكون مبنيا
على الاختيار» (1).
و ليس للشيطان سلطان:
قد يزل الإنسان عن طريق الاستقامة ويغوى بسبب استجابته الطوعية لوسوسة الشيطان، إذ لم يمكنه الله من سلطان القوّة والجبر، حيث يقول: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانِ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَك} (سبا: 21) قال الشيخ بيوض مخاطبًا الغافلين الذين يزعمون أن للشيطان عليهم سلطانا يجبرهم به على معصية الله فلا تدعوا أنه يُجبركم، ولا تكذبوا على الله، فتقولوا: إنَّ الله أعطاه سلطانا وأعطاه قوةً علينا يجبرنا بها، وإنما مكنته من الوسواس فقط، يدعوكم به إلى الكفر والعصيان» (2).
وسيقول الشيطان لأتباعه يوم القيامة: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم (إبراهيم: 22)، فلا يُقهر الإنسان ويجبر على العصيان، بل هو الميال باختياره إلى الكفر أو الإيمان (3).
خلاصة المسألة:
ه
إن المتتبع لآراء العلماء المختلفة في الموضوع، يتوصل إلى أن مسألة بحث مصدر أفعال العباد لا تزال يكتنفها الغموض، وكأنها قد مسها شيء من سرّ القدر)، ويبدو أن المخرج هو ما توصل إليه بعض المحققين، وهو إرجاع القضية
=
تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه». حديث: 2801، 2/ 216.
(1) في رحاب القرآن، سورة الشورى: 17/ 53.
(2) من سورة سبأ: +216215/ 13؛ سورة طه: 319/ 3
(3) من سورة الشعراء 337/ 7
(4) الجعبيري: البعد الحضاري 423/ 2. (1/316)
صفحة 309
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
317
إلى أصولها الأولى، وهي الإيمان بصفات الله المطلقة، مثل اليقين بعلم الله المطلق وإرادته وقدرته وعدله، وحكمته في تكليف الإنسان وتمكينه من الفعل والترك (1)، لاعتبار أنَّ الحرية والمسؤولية متلازمتان وتمن انتهى إلى هذه النتيجة الأستاذ عبد الحليم محمود حيث يقول: «هذا الموقف هو موقف الاستسلام الله، وإذا أردنا الدقة قلنا: إنه ليس موقف الجبر، وليس موقف الاختيار وليس موقف الكسب، إنه موقف الاستسلام الله» (2)، كما انتهى الشيخ اطفيش بعد طول بحث واجتهاد إلى مثل هذا الموقف، مبينا أنَّ الله خالق أفعالنا واختيارنا ونيّاتِنا، فكل شيء يؤول إلى الله وهو في الأخير لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (الأنبياء: 23) (3). 7 أبعاد الإيمان بالقدر تتجلى الأبعاد العملية لهذا الأصل الإيماني في التحرر من العبودية للعباد بالدخول في العبودية لربّ العباد واليقين أنه الفعّال لما يريد، فلا يحدث في هذه الدنيا إلا ما قدر الله وسطر في الأزل، فيطمئن المؤمن لرزقه وصحته وحياته .... كما قال سبحانه وتعالى: لِكَيْلاً تَاسَوْا عَلَى مَا فَائكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور} (الحديد (23)، وقد مرّ بنا من قبل أن الشيخ بيوض لا يفصل الحديث فيما يتعلّق بحقيقة ذات الله سبحانه وتعالى معتقدًا أَنَّ ذلكَ. أسراره ومما استأثر الله بعلمه، وأن البحث فيه لا يثمر الأخيرة في الإيمان وخلافا بين المسلمين، ومن ذلك قوله في مسألة القدر: ولا نذهب إلى ما وراء هذا الحد، حتى لا يشكل علينا الأمر وندخل في علم الله، وما استأثر به، والذي يجب أن أنَّ الله تعالى لم يظلمهم ... » (5)، حيث أرجع المسألة إلى صفة العدل
نعلمه يقينا هو
(1) مصطفى وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية: 379.
، (4)
من
(2) عبد الحليم محمود التفكير الفلسفي في الإسلام: دار النصر للطباعة القاهرة، 1387 هـ/ 1968 م: 130.
(3) مصطفى وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية: 380 نقلا عن اطفيش: شرح الدعائم: 167/ 1. (4) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 12/ 4.
(5) من سورة الكهف: 251/ 2 (1/317)
صفحة 310
318
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
لأنها تعني انتفاء الظلم عنه سبحانه وتعالى، فتوقف عند هذا الحد واستسلم، بينما وجدناه من جهة أخرى يوسع البحث ويركز الحديث فيما له علاقة بالفعل الإنساني، لاعتقاده أن ذلك يسفر عن ثمرات عمليّة، وأبعاد ميدانية، ومن أبعاد
مسألة القدر
1 - التوكل المطلوب:
الإيمان الصحيح بالقضاء والقدر يكسب المؤمن فعالية فيجد في تحقيق أهدافه الدنيوية والأخروية آخذا بكل الأسباب المشروعة الممكنة وكأنها هي كل شيء، مع التوكل التام على ربّ الأسباب وكأنها ليست بشيء، «على كل من طلب النصر أو العلم أو الربح أو السعادة في الأخرى أن يمشي على قائمتين:
أ عمله الذي كلّف به.
ب - وتوكله على الله واعتقاده أن نجاح العمل بيد الله» (1).
فالله خالق الأسباب جعل لكلّ شيءٍ سببًا وتعبدنا بالأخذ بها، فالمؤمن يجتهد لعمارة الدارين، أما أن يعتقد أحد أنه يُرزق في الدنيا من غير كسب فهو ضال مخالف لسنة الكون (2)، فليس متوكلاً على الله من قعد عن اتخاذ الأسباب، فإنَّ تركها - اعتقادًا أن الجزاء مرتبط بالمشيئة العليا لا بعمل الإنسان- مدعاة إلى العجز الاستقامة في الدين والقعود عن التقدم الحضاري، «وهذه الفلسفة الحقيرة أدت عملها في إفساد الأمة وتلويث المجتمع وإهانة الدين وتعاليمه» (3).
عن
يقتضي التوكل الصحيح من المؤمن أن يجمع بين الأمرين: «الاعتماد المطلق على الله واتخاذ الأسباب المشروعة، وإذا اجتمعا يكون النجاح ويكون النصر
(1) في رحاب القرآن، سورة الروم: 60/ 10.
(2) م. ن: سورة فاطر: 388/ 13؛ سورة الروم: 22/ 10.
(3) محمد الغزالي: عقيدة المسلم: 219. (1/318)
صفحة 311
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
319
وتكون النجاة (1) إن شاء الله وقدر ذلك، لأنّ الله خالق الأسباب فهي لا تغير من قدر الله شيئًا، فكلما تسببت أيها المؤمن فاعتمد على الله، واعتقد جازمًا أَنَّ الأسباب وحدها لا تجدي شيئًا إذا أراد الله غير ما تؤدي إليه» (2).
يكون العبد جديرا باستجابة دعائه إذا استفرغ الوسع في القيام بالأسباب، فعلى الفلاح -مثلاً- أن يحرث الأرض ويختار أجْوَدَ البذور، ويتحين الوقت المناسب للبذر، ثُمَّ يعالج ويسقي، ويقوم بكل الأعمال التي تضمن النتاج الوافر الجيد، ثمَّ بعد ذلك يتوكل على الله ويدعوه الحفظ والسلامة والنتيجة الطيبة ... وبدون هذا لا ينفع الدعاء، بل الدعاء بدون عمل يُعد استهزاء ونقضا لسنة الله تعالى، ويُخشى على صاحبه العقاب» (3).
سنن
2 - الصبر الايجابي:
من
لا تخلو الحياة من البلايا والنكبات وخاصة سبيل الداعية إلى الله، فإذا أصابه مكروه فعليه أن يصبر الصبر الجميل، يحتسب أجره عند ربه ولا يبث شكواه إلا إليه، معتقدا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، معتبرًا بمصيبته، مجتهدا في اتخاذ الأسباب الروحية والمادية للخروج منها، فالقضاء والقدر في أذهان كثير من المسلمين استسلام للواقع وخضوع له وسكوت وضبر عليه باعتباره إرادة إلهية في حين أن الإسلام وفهم المسلمين في العصر الأول لم يكن كذلك» (4).
قد يُظهر المبتلى صبرًا، ويقر بإيمانه بالقضاء والقدر، ولكن سرعان ما تؤثر بليته في سلوكه فهذا صبر سلبي، أما الصبر الإيجابي فهو أن يثبت المرء على حاله من الطاعة والرضا واستقامة السلوك ... ) وقدوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي
(1) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 90/ 4.
(2)
م. ن: سورة الفرقان م: 24/ 10
(3) م. ن: الفرقان 7 /.
~:267 -
(4) محمد المبارك: نظام الإسلام. 12. (5) في رحاب القرآن، سورة الروم: 10/
ن.
سص: 281/ 8
IS (1/319)
صفحة 312
320
صبر
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
كما صبر أولو العزم من الرسل، ولم يقبع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته قط بسبب ما ناله من أذى المشركين ... وهو لا يزداد إلا ثبانًا ويقينا وصبرًا، حتى أظهر الله دينه (1) فالمؤمن بالقضاء والقدر لا تزيده التحديات إلأ صبرًا وتحديًا، وسباقا نحو المستقبل الأفضل، مع حسن الظن بالله، والاطمئنان إلى ما قضاه الله واليقين بأنه خير له.
3 - استحقان النصر الموعود:
الحق والباطل في صراع منذ فجر التاريخ والتدافع من سنن الكون التي لا تحابي أحدا، وقد وعد الله عباده المؤمنين بالنصر، ولكن الواقع يشهد هزائم متوالية للمسلمين، والمشكلة الكبرى استسلامهم للواقع واعتقادهم أن ذلك هو قدرهم المحتوم، لكن المؤمن بالقضاء والقدر يعتقد أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الآجال والأرزاق بيد الله، فيقتحم الصعاب ويُعدّ للنصر أسبابه- وكأنها هي كلّ شيء - متوكلين على الله نعم المولى ونعم النصير، حقا إنَّ الله و يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ} (الروم (05) وهذا كله بمشيئة الله، وقد نصر علينا اليهود وهم أخبث خلق الله، وهو الذي يعلم لماذا نصرهم، وعلينا أن نتساءل ونتدبّر الحكمة ولكننا لا نستطيع أن نردّ الأمر إلا إلى تقصيرنا في الجانب الديني والجانب الدنيوي ... فعلينا أن نجمع بينهما معًا فنعد ما استطعنا من القوة، حتى القوة النووية الاعتماد على الله أولاً وأخيرا (2) فالله يريد منا أن ندرك أنه تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه لا يبدل سنته في النصرة والتمكين (3).
أذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج: 39).
قال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 40) فالله قد وعد بالنصر من ينصره، فالآية تسلية للمؤمنين المستضعفين وبشارة لهم بالنصر
(1) في رحاب القرآن، سورة الروم: 359/ 10.
(2) م. ن: سورة الروم: 25/ 10
(3) م. ن: سورة القصص: 2628 سورة الصافات: 489/ 14. (1/320)
صفحة 313
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
321
حرب
المبين، فالواجب عليهم أن يستمسكوا بالله ويعتصموا بحبله ويعتمدوا عليه ويحسنوا الظن به فإن العاقبة لا محالة تكون لهم إن كانوا مؤمنين حقا (1)، وحر لبنان وغزة الأخيرتان نموذج رائد من تضافر القوتين الروحية والمادية. 4 - الاستسلام لأحكام الله:
مجال الإيمان بالقضاء والقدر أوسع من الرضا بما قدر للعبد من بلاء الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} (البقرة: 155) فإذا صح هذا الركن في قلب المؤمن تأهل لتقبل كل التكاليف الشرعية بكل استسلام. وليس الرضا بقضاء الله ينحصر فيما نفهمه نحن في الصبر على المصائب فقط، وإنما هو تقبل حكم الله مطلقا، فإذا حرم عليك شيئًا فلا تقربه، وإذا أوجب عليك شيئًا فلا تتركه هذا هو الإسلام الاختياري الطوعي الذي هو دليل على الإيمان (2)، إنه الإسلام الحقيقي الذي نفاه الله عن الأعراب، وأمر به خليله إبراهيم الذي رضي بقدر بلاء النار والرؤيا إذ قال له: أسلم فقال: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (البقرة: 131).
5 - الثبات على الحق:
يقتضي الإيمان بالقضاء والقدر أن يثبت أهل الحق في الدفاع عن الحق الذي معهم ويجتهدوا في الدعوة إليه مهما تكالبت عليهم الخصوم، ولا يكونوا كالذين قالوا: إن تشيع الْهُدَى مَعَكَ يُتَخَطَّفْ مِنَ اَرْضِنَا» (القصص: 57) «فلو اجتمع أهل السماوات والأرض ليضروا أحدًا أو أمّةً أراد الله لها الفوز والنجاة والبقاء ما استطاعوا ... فأي الفريقين أحق بالأمن؟ من أوى إلى الله أو من فر منه؟ (3).
(1) في رحاب القرآن، سورة القصص: 8/ 233.
(2)
(3)
م. ن: سورة لقمان: 422/ 11.
م. ن: سورة القصص: 443/ 8 (1/321)
صفحة 314
322
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
وواقع المسلمين يشهد انسلاخا من الدين ومساومات في ثوابته حذرًا
من بطش الغرب وغاراته، ولو تقرّر في قلوبهم ركن الإيمان بقضاء الله وقدره واليقين أن مَن فرّ إليه نجا ومن فرّ عنه هلك (1) لزادهم جمع الناس لهم إيمانا وثباتا.
تجاوز الأسئلة المحيرة إلى الاستسلام والعمل:
على المؤمن أن يصرف جهوده من الخوض فيما لا ينبغي السؤال عنه، ولا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء: (23) إلى حمل النفس على طرق أبواب الهداية وترك أسباب الغواية، فلا تستعمل عقلك القاصر في أسرار الله التي اختص بها، وإنما استعمله في حمل النفس على اتباع الحق وترك المعاصي والشهوات ... (2) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه صحابته الكرام إلى العمل ومن ذلك قوله: «اعْمَلُوا فَكُلِّ مُيَسرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (3).
إنَّ الخوض فيما استأثر الله به من غيب لا يُثمرُ إلا الحيرة والزيغ والضلال)، فالذي يجب علينا علمُه أَنَّ الله عدل لا يجور، وقد أرانا سبيل الرشد ورغبنا فيه وأرانا سبل الغواية وحذرنا منها، فهذا هو الحد الذي يجب أن نقف عنده حتى نحفظ عقيدتنا من الزيغ ونحفظ قلوبنا من الزلل، لأن المقام مزلة أقدام (5)؛ فمن أبعاد منهج الشيخ بيوض في تناول هذه المسألة صرف الجهود عن الخوض في الأسرار الإلهية، الذي لا يثمر إلا الحيرة والفرقة والجدال، إلى الإقدام نحو العمل
البنّاء والتعاون بالبذل مما يسر الله له عباده.
(1) في رحاب القرآن، سورة القصص: 8/ 443.
18:
(2) م. ن: 8/ 434.
(3) الربيع الجامع الصحيح: ح 792؛ ورواه مسلم القدر: باب كيفية الخلق الآدمي، ح: 2648.
(4) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 251/ 2.
(5) من سورة الإسراء: 1/ 191. (1/322)
صفحة 315
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
علاج قضايا
323
عالج الشيخ بيوض بعض قضايا عصره بإرجاعها إلى أصل الإيمان بالقدر، مركزا على تبيين تهافت مسألة الجبر التي كانت مستند بعض الناس فأصبحوا ضحايا الانسياق وراء الدعايات الفاجرة وأسرَى نفوسهم الأمارة بالسوء، ومن هذه الظواهر التي واجهها ظاهرة الإلحاد، أثناء تطرق الشيخ لرد شبهات المجبرة تصدّى لموجة الإلحاد التي تأثر بها بعض شباب عصره مؤكدا أنه ليس لأحدٍ سلطان أن ينزع من قلب إنسان عقيدته، ولذلك كان من الحد وزاغ في العقيدة واتبع الهوى لا عذر له أبدا ... (1) فكما أنَّ الشيطان ليس له سلطان على الإنسان فإنَّ ذلك ليس في مستطاع أوليائه من الإنس، فليس للعبد أن يقول: لقد قهرت أو أجبرت، فلا قهر ولا جبر إلا أن يكون ميالاً باختياره، وليس لأحد عذر في أن تزيغ عقيدته أو يشك في دين الله أو في صفة من صفاته أو يلحد كما الحد الناس» (2)، فغاية ما يستطيع أن يقوم به طواغيتُ البشر إجبار الغير على التلفظ بكلمة الكفر، وللمؤمن أن يقولها عند الإكراه تقيةً، أما أن تنبع من قلبه ويشرح بها صدره فذلك عين الكفر ()، مهما بلغت درجة الإكراه أو تعددت طرق الإغراء ومَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ اكْرَهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بِالإِيمَان وَلَكِن مِّن شَرَحَ بالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النحل: 106).
(3)
فليس للعبد عذر في الإقامة على الذنب ومحاولة تبرير معاصيه باعتبارها قدرًا محتوما عليه، أو أن يلقي باللائمة على الغير ممن أغراه باقترافها أو أجبره عليها، بَل الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوَ الْقَى مَعَاذِيرَهُ} (القيامة: 14 - 15)، فالعبد مطالب بمعرفة المعصية ليتقيها، فإن قدّر له ارتكابها فعليه بالمبادرة إلى التوبة منها، وهذا ما
سنراه في القسم الآتي.
(1) في رحاب القرآن، سورة طه: 319/ 3.
(2) م. ن.
(3) م. ن. (1/323)
صفحة 316
324
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
ثانياً: المعصية والتوبة أ- المعصية:
1 - تعريف المعصية:
المعصية اسم لفعل محرّم يقع المرء عليه عن قصد فعل الحرام بخلاف الزلّة» (1) وهي درجات متفاوتة أعظمها الشرك الأكبر)، وصنفها العلماء إلى قسمين.
2 - قسما المعصية
أ - الصغيرة: هي المعصية التي لم يشرع لها حد في الدنيا، وهي عند المغاربة غير
(7)
معينة، لأن تعيينها - وهي مغفورة باجتناب الكبائر - إغراء للناس باقترافها). ب الكبيرة كلّ ذنب يوجب الكفارة أو الحد في الدنيا والوعيد في الآخرة)، أما الشيخ اطفيش فيطلقها على كلّ ما جاء فيه الوعيد سواء جاء فيه الحد أو لا (6) والمعصية على اختلاف مراتبها ومجالاتها ظلم، ومقترفها ظالم لنفسه كما سماه القرآن الكريم، وإن اعتبر المتعدى عليه - في نفسه أو عرضه أو ماله - مظلومًا فهو أمر نسبي، إنما المظلوم على الحقيقة هو العاصي نفسه، «لأنّ وباء ظلمه عائد عليه، أما المقتول والذي أكل ماله أو هتكت حرمته فإن صبر فله أجر الصابرين فالحق هو ما شرعه الله وحكم به في أزله أنَّ المعاصي ظلم" للنفس) (3).
(1) الكفوي: الكليات: 40.
(2) في رحاب القرآن، سورة الجاثية: 202/ 18. (3) ابن سلام، شرائع الدين: 67.
(4) السالمي: مشارق أنوار العقول: 271/ 2 (5) مود بن محكم، تفسير هود محكم: 374/ 1.
(6) مصطفى وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية 401 نقلا عن اطفيش: شرح العقيدة: 386
(7) في رحاب القرآن تفسير سورة الزمر: 384/ 15؛ سورة الشورى 61/ 17.
(8)
من سورة الكهف: 245/ 2 (1/324)
صفحة 317
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
325
اعتقاد كون العاصي ظالما لنفسه - حين يتعدّى عَلَى حقوق غيره - له أبعاد نفسية وعملية تتمثل في التنفير من المعاصي ومبادرة العاصي إلى التوبة حذر أن يحق عليه وعيد الظالمين، وفيه - من جهة أخرى - تثبيت قلب المظلوم ليصبر الصبر الجميل ويحتسب الأجر الجزيل.
-3 - كفر النعمة:
الكفر هو التغطية، فـ كلّ شيء غطى شيئًا فقد كفره، ومنه سمي الكافر لأنه
يستر نعم الله» (1).
ثبت في الكتاب والسنة أنَّ الكفر نوعان:
أ - كفر عقيدة وَهُوَ كفر شرك أو جحود.
ب كفر عمل، وَهُوَ كفر نعمة، وَهُوَ مذهب الإباضية (2) والمحدثين (3) والمحققين (4) منهم الشيخ أبو حامد الغزالي والشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد
رضا)
ومما استدل به الشيخ بيوض على تسمية مرتكب الكبيرة كافرًا كفر نعمة: - قوله تعالى: مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ لِيَجْزِيَ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (الروم: 44 - 45) حيث قابل الله بين الكفر والعمل الصالح مرتين، ذلك أنه بالإمكان في غير -القرآن- أن يكتفي بذكر ثواب الذين يعملون الصالحات،
(1) الكفوي الكليات: 742
(2) السالمي: مشارق أنوار العقول: 304/ 2 الجعبيري: البعد الحضاري: 512 (3) سمّى البخاري في صحيحه أحد أبواب كتاب الإيمان بـ " باب كفران العشير وكفر دون كفر": 19/ 1. (4) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 450/ 15 (5) محمد رشيد رضا: تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسر المنار، ط 2، دار المعرفة - بيروت. د. ت. ن،
451/ 4 (1/325)
صفحة 318
326
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
المذكورين في الآية الأولى، ولكن أعاد ذكرهم في الآية الثانية ليقابل به الكافرين، واستنتج من ذلك أنَّ كلّ ما ليس بعمل صالح فهو كفر (2).
- وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانِ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُومِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبِّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظ (سبا: 21)، حيث قابل القرآن بين المؤمن بالآخرة والشاك فيها؛ ذلك لأنّ العلم لو بلغ إلى أعماق القلب حيث محل اليقين والطمأنينة لرسخ فيها، ولعملت الجوارح بمقتضاه» (2)، واستنتج الشيخ هذا التقابل أمرين:
من
أ- جعل الشاكين في الآخرة كالمنكرين لها من حيث التفريط في العمل
الصالح.
ب - عدم حمل كل وعيد للكفار على الكفرة كفر شرك.
تسمية مرتكب الكبيرة "كافرًا كفر نعمة لها أبعاد نفسية وسلوكية، منها شعوره بالإنذار الذي تتضمنه النصوص العامة في وعيد الكفار، مما يدفع به إلى التعجيل بالتوبة، أما اعتقاد كون جميع آيات وعيد الكفار خاصة بالكافرين كفر شرك فإنه يحرم المسلم من التأثر بها لاعتقاده أنها لا تعنيه أصلاً، فذلك يؤدّي به إلى أمن مكر الله.
-4 مرتكب الكبيرة ومنزلة النفاق:
أخبر الله عن منازل الناس يوم القيامة في قوله: (لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الأحزاب (73) فأين يُنزِّل مرتكب الكبيرة من بين هذه المنازل الثلاث؟
(1) في رحاب القرآن، سورة الروم: 10/ 292. من سورة سبأ: 215/ 13
(2) (1/326)
صفحة 319
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
327
مرتكب الكبيرة موحد بريء من الشرك لإقراره بكلمة التوحيد، لكنه مسلوب الإيمان حين يخل بمقتضاه، حيث أظهر من الأفعال ما خالف ما أقرّ به من التوحيد فاستحق بذلك اسم "النفاق" الذي عُرف بأنه "مخالفة الظاهر للباطن، والمنافق نوعان:
-
(1)
-1 من أضمر الشرك وأظهر الإسلام)، وإن كان المشهور عند الإباضية عدم تسمية مضمر الشرك منافقا وإن أظهر الإسلام، بل يدخلونه ضمن المشركين (2). 2 مرتكب الكبيرة، وليس المنافق هو الذي أضمر الشرك فقط، وإنما الذي تخالف أعماله أقواله، يزعم أنه مؤمن ولكنه يرتكب المنهي عنه ويترك المفروض عليه» (3).
66
فمرتكب الكبيرة يصدق عليه اسم "النفاق، كما يسمى "كافرا كفر نعمة، ويلاحظ أن القاسم المشترك بين المصطلحات الثلاث: "مرتكب الكبيرة والكافر كفر نعمة والكافر كفر نفاق هو الإقرار بكلمة التوحيد والعمل بما يناقض مقتضاها فأصحابها في منزلةٍ بين الشرك والإيمان، مدبديين بَيْنَ دَالِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إلَى هَؤلاء (النساء: 143) فقد خالفوا المشركين بإقرارهم بكلمة التوحيد وخالفوا المؤمنين من حيث السيرة والعمل بما يستلزمه منهم الإيمان، «فإذا قلت: أنا مؤمن بالله وبالرسول فلتعلم أن الله قد شرع وقنن وسن أحكامًا وما عليك إلا اتباعها، أما أن تقول: أنا مؤمن وتعرض عن شرع الله وحكمه فهذا عبث بل كذب ونفاق» (5).
(1) في رحاب القرآن سورة النور: 312/ 6؛ مصطفى وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية: 325، نقلا عن
اطفيش هميان الزاد: 7 ق 2/ 208.
(2) مصطفى بن ادريسو: الفكر العقدي عند الإباضية: 424421.
(3) في رحاب القرآن، سورة النور: 312/ 6.
(4) من: سورة النور: 374/ 6.
(5) م. ن: سورة النور: 375/ 6. (1/327)
صفحة 320
328
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
- يبدو أن الاختلاف بين المدارس الإسلامية في موضوع تسمية مرتكب الكبيرة لا يتعدى حدود اللفظ، فأطلقت عليه تسميات مختلفة، إلا أن المتفق عليه هو عدم تسميته مشركا ولا مؤمنًا حقا، بل هو في منزلة بينهما، سمت الإباضية هذه المنزلة كفر نعمة وهي بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك، وتسميه المعتزلة "منزلة بين المنزلتين، وتسميه الأشاعرة: "مؤمن، ويرى ابن تيمية أنه لا يستحق اسم الإيمان المطلق ولا يُسلبه كلية حيث يقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يُسلب مطلق الاسم» (3).
فاسق
(2)،،
(1)،،
5 - من أسباب المعصية:
أ- الغفلة عن ذكر الله:
السبب الرئيس لاقتراف المعصية هو وسوسة الشيطان الرجيم الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق، يزيّن له خطوات السوء ويأمره بالفحشاء، ذلك أنّ الشيطان جاثم على قلب ابن آدم إذا ذكر الله خنس وإذا غفل فإذا طال أمد غفلة العبد عن ذكر الله تعالى قسا قلبه وفقد مناعته
وسوس
ضد وسوسة الشيطان، فتكون له قابلية للانسياق وراء مفاتن الحياة الدنيا والاستجابة لدعاة السوء (5).
(1) القاضي عبد الجبار فضل الاعتزال: 115.
(2) الأشعري اللمع: 75؛ الجويني: كتاب الإرشاد: 397
(3) ابن تيمية، العقيدة الواسطية، مطبوع ضمن مجموع الرسائل العلمية التسع، مطابع دار الفكر
الإسلامي: 145.
(4) هذا القول مروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: «الوسواس الخناس»، ابن أبي شيبة: مصنف ابن أبي شيبة، تح كمال يوسف الحوت، ط 1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409 هـ حديث: 34774،
135/ 7؛ الطبري: 355/ 30؛ ابن كثير: 4/ 576.
(5) في رحاب القرآن، سورة فاطر: 405/ 13. (1/328)
صفحة 321
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
ب التعويل على التوبة:
329
حدر الشيخ بيوض من اقتراف المعاصي تعويلاً على أن تتبع بتوبة فتمحو أثرها، مذكرا بأن العبد لا يضمن ذلك، وتلك مغامرة خطيرة لا يقدم عليها إلا الغافلون، ضرب الشيخ مثالا واقعيا لبيان عواقب هذه الأماني الغرارة، إذ يقول: «وإذا قال أحد إنني أعلم بأن هذه المعصية تؤدّي بي إلى جهنم، ولكنني سأتوب منها، يُقال له: حسنًا، أمدد يدك للأفعى اعتمادًا على كون الطبيب موجودًا، فهل يفعل هذا عاقل؟»)، فالله شرع التوبة لعباده ليقلعوا عن المعاصي ولكن أصحاب هذه الأماني يبررون - باسم التوبة- إقدامهم على معصية الله والاستخفاف بها.
ج الاستخفاف بالذنب:
الاستخفاف بالذنب يجرّئ الإنسان على اقترافه، وما كان للمؤمن أن يحقر أي ذنب مهما بدا في عرف الناس بسيطا، ذلك لأن الأصل في المسألة أن يُرى إلَى مَن عصي ولا يُرَى إلى حجم المعصية، بل ذهب الشيخ بيوض إِلَى أَنَّ معصية الله في الأمر السهل الميسور يُعتبر - عقلاً - أكبر جرما من ترك الطاعة التي يتطلب فعلها بذل جهد وطاقة، لاحتمال عذر المشقة في امتثاله، وضرب لذلك مثالاً واقعيا: إذا عصى ولد في تنفيذ أمر ميسور يقول له أبوه: «لو أمرتك بأمر كبير شاق ربّما يكون لك بعض العذر، ولكني أمرتك بشيء سهل ميسور لا مشقة ولا تعب ولا عنت فيه وتعصني؟!» (2). يعظم شأن المعصية كلما عظم الأمر، فتعظيم الله في قلب المؤمن يصونه عن معصيته، لأنه لا ينظر إلى المعصية من حيث هي فعل أو ترك، إنما يعتبر في النظر
إليها مصدرها، وهو الله العظيم.
(1) في رحاب القرآن، سورة سبأ: 215/ 13. (2) م. ن: سورة الكهف: 252/ 2 (1/329)
صفحة 322
330
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
د - الرفقة السيئة:
رفيق السوء يصدّ صاحبه عن سبيل الله ويزين له ارتكاب المعاصي، لقوله تعالى على لسان أحد ضحايا هذه الخُلَّة يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمَ اتَّخِدْ فُلانَا خَلِيلاً لقَدَ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَدُولاً} (الفرقان: 28 - (29) وبمناسبة تفسير الشيخ بيوض لهذه الآية الكريمة ضرب مثالاً واقعيا لهذه العدوى وعالجها بعقد موازنة بين عواقب الاستحياء من الخالق والاستحياء من المخلوق، فوجه الخطاب إلى العاصي الذي استحيا من رفقائه فشاركهم في المعصية أخذا بخاطرهم: أنتجرًا عَلَى ربّك أخذا بخاطر من جالسته؟! ولو كان ملكًا أو رئيسا؟! وهل يعقل أن يفسق أحد أخذا بالخاطر، أو أن يسرق أو يشرب الخمر كذلك؟» ثُمَّ ركّز عَلَى جانب الوعيد مبينا أن عصيان الله أخذا بخاطر رفاق السوء مصيره الأخذ بخاطر زبانية العذاب يوم القيامة، فليعتبر أولو الألباب!: «فلتأخذ بخاطر الزبانية إذا جرّوك إلى عذاب الجحيم» (1).
هـ - تعطيل نعمة العقل: أكرم الله الإنسان بنعمة العقل ليميز به بين الأشياء ويمنعه عما يضره، فمن يعطل هذه النعمة يفقد حصانة ذاتية من الانحراف عن طريق الاستقامة، بين الشيخ بيوض بطلان عذر الذين يبررون اقترافهم المعاصي بتغرير الأصحاب وغوايتهم، مركزا على التذكير بنعمة العقل الذي هو حجّة على العبد للتمييز به بين الحق والباطل، وهو من النعيم الذي يسأل عنه صاحبه، أما أن تكفر بقلبك وتتبع طريق المعاصي وأنت مسرور بها، وتعتقد أنَّ ذلك صواب وحق، وبعد ذلك تقول: أغواني فلان فهذا أمر مرفوض بتانا، لأن لديك ما تستند به وَهوَ عقلك ... » (2) فكما أن العاقل لا يستجيب لمن يطلب منه أن يرتمي في النار أو أن يلقي بنفسه من
،،
(1) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 106/ 7.
(2) م. ن: سورة سبأ: 268/ 13. (1/330)
صفحة 323
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
331
شاهق فيجب عليه أن لا يستجيب لدعاة السوء إن طلبوا منه ما يجلب سخط الله والخسران المبين.
وبما أنّ الشباب أغلب من يكون ضحية هذا الإغواء وجه إليهم الشيخ بيوض هذا الخطاب: «فافهموا أيها الشباب، إنه لا عذر لكم أبدا أمام الله وأمام الناس أن يقول أحدكم فلان أغواني أو غرني ومن الغباوة والسخافة أن يقول عاقل: فلان أغواني أو غرني، أليس لك عقل أو إدراك أن تفهم ما الذي يريده بك أخير أم شرا؟ وهذا أبسط شيء يدركه كل أحد» (1).
فالتذكير بنعمة العقل يقنع العبد بتحمّل مسؤوليته الخاصة فيتمكن من التروي والموازنة وبعد النظر ... والقول لدعاة الباطل: لا، ولا كرامة.
و - تحميل الغاوين جميع الأوزار:
مما يجرى العبد عَلَى معصية الله اعتقاده أنَّ ذنوبه يتحملها عنه من كان سببًا لوقوعه في المعصية، كوالديه اللذين فرَّطا في تربيته أو أترابه الذين دعوه إليها، فالله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: 164) فإن الوالدين يتحملان وزر تضييع تربية الأبناء، ورفقاء السوء يتحملون وزر الإغواء، كما أنَّ العاصي يتحمّل وزر إتيانه الفعل المحرّم، فإياكم وهذا الخطأ، والكلمة جارية على الألسنة، وإياكم أن يقول أحدكم: "على رقبة والدي أو على رقبة من أوصلني إلى هذه الحالة“ كلاً وإنما هو على رقبتك ورقبته معا» (2).
""
تتجلّى ثمرة اعتقاد المرء مسؤوليته في تحمّل إثم معصيته في اجتنابها، وفي
المبادرة إلى التوبة منها.
(1) في رحاب القرآن، سورة سبأ: 13/ 271.
(2) م. ن: سورة لقمان: 1/ 123. (1/331)
صفحة 324
332
6 - معوقات عن التوبة:
أ- تزيين الشيطان سوء العمل:
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
من أكبر ما يصدّ المذنب عن التوبة إلى ربه تزيين الشيطان له عمله، لأنه سوء في هذه الحالة لا يشعر بأنه ارتكب معصية أصلاً، بل يرى عمله السيئ حسنا ويحسب أنه من المهتدين أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَعَاهُ حَسَنًا (فاطر: 08) وهذا من أخطر ما يصاب به الإنسان، لأنه يعتقد أنه على الحق فلا يقبل نصحا ولا إرشادا، بل يجعل ذلك مسخرة، ضاربًا بكل ذلك عرض الحائط» (1).
فتزيين سوء عمل المرء يحجبه عن الشعور بالذنب فيمنعه من التفكير في التوبة منه، بل يحسب أنه يحسن صنعا، وهو أعظم من كل المصائب المادية لأن عواقبها أخطر وأدوم، فالمرض المزمن الذي يعجز أمامه الأطباء أمده الأقصى نهاية أجل المريض فيستريح منه، أما الأمراض الروحية إن لم تُعالج قبل الموت فإنها تزداد بعده تأزما، لذلك كان الواجب الاتعاظ والاعتبار والإنابة إلى الله قبل الوصول إلى هذه الحالة» (2).
ب الشك في المصير:
الشك في المثول بين يدي الله والمحاسبة عن الصغير والكبير يجرى صاحبه عَلَى معصية الله، ولكن استحضار مخافة هذا المقام يعين عَلَى نهي النفس عن الهوى كما قال تعالى بعد ذكر وعيد المطففين وألا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ؟! ... } (المطففين: (4 - 6) وكفى شراً نسيان الآخرة» (3) فالمسلم مطالب أن يبلغ علمه بالمصير درجة اليقين، لأجل ذلك وصف الله المتقين
(1) في رحاب القرآن، سورة فاطر: 405/ 13. (2) من سورة الكهف: 2/ 249.
(3)
م. ن: سورة القصص: 4138؛ سورة الزمر: 251/ 15 (1/332)
صفحة 325
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
333
بأنهم بالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (البقرة: 04)، وربط قدرة الإنسان على كبح جماح نفسه الأمارة بالسوء باستدامة استحضار ذلك اليوم الحق فقال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ
رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (النازعات: 40 - 41). ج الاغترار برحمة الله:
من العصاة من يغتر بسعة رحمة الله ويغفل عن كونها خاصة بالمتقين)، لقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ... } (الأعراف: 156) فيسبب هذا الاعتقاد الإقامة على ذنوبهم والتمادي في غيهم فلا يستشعرون وجوب التعجيل بالتوبة واعتبارها طريق الخلاص الوحيد من سوء عاقبتهم، ومصيرهم.
د - عدم الاتعاظ بالمصائب:
جعل الله من المصائب نذرًا يذكر بها عباده، حين يغفلون عن سواء السبيل لعلهم إليه يرجعون، حيث يقول: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم: (41) فالكيس من حاسب نفسه وسعى لتطهيرها من الذنوب التي يمكن أن تكون هي سبب البلاء، فعلى المؤمن أن يرجع إلى نفسه ويفكر فيما فعل، ولعله فعل شيئًا فأصابه الله بهذا البلاء (2)، فالله يقول: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كثير (الشورى: 30) ولكن الشيطان يوسوس للمخطئين أن ينفوا عن أنفسهم كون ذنوبهم هي سبب البلايا، .... فنلقي بأسباب المسؤولية على ما هو خارج عنَّا حَتَّى نبقى مصرين على ذنوبنا ولا نتوب منها» (3).
يوم
القيامة يوم
من لم يتعظ بهذه المصائب ولم يحاسب نفسه فإنه سيندم غذا يقال للمنافقين تهكما ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا (الحديد: 13) فقد كان في
(1) في رحاب القرآن، سورة الفرقان 217/ 7
(2)
(3)
من سورة يس: 14/ 121 - 122
م. ن: 14/ 122. (1/333)
صفحة 326
334
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
وسعكم أن تأتوا بنوركم من الدنيا! فالكيس من اتعظ بالأحداث واعتبر بمصير الذين لم تنفعهم أصناف النذر، فقد قال الله عنهم أولاً يَرَوْنَ أَنْهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} (التوبة: 126) فالعبد مطالب بأخذ النور معه من الدنيا، وذلك بالاستقامة على الطريقة والتعجيل بالتوبة، واتقاء مغبة التسويف فيها، وليتكم إذ فتنتم أنفسكم بادرتم إلى التوبة» (3).
ب التوبة
التوبة في اللغة الرجُوعُ، وتابَ إِلى اللهِ يَتُوبُ ثوبا وتَوْبَةً ومَتَابًا: أنابَ ورَجَعَ عن المعصية إلى الطاعة (2).
أما اصطلاحًا فعرفها الشيخ بيوض بأنها الندم على ما فرط فيما مضى والعزم
على عدم العود في المستقبل (3)، ويلاحظ أن التعريف يتضمن ذكر شروطها. أشار الشيخ بيوض إلى الفرق بين التوبة والإنابة من حيث الباعث إلى كل منهما، فإذا كان الباعث إلى التوبة هو الخوف من العقوبة فإنَّ الإنابة «هي الرجوع إلى الله حياءً منه وتقديراً لعظمته).
1 - شروط التوبة:
أ- الندم
الندم شرط أساس في التوبة (5)، ينطلق من النفس فيلهج اللسان بالاستغفار، قدم الشيخ بيوض صوراً من واقع الناس للاستغفار الذي يحتاج إلى استغفار:
(1) في رحاب القرآن، سورة النور: 315/ 6.
(2) لسان العرب: 2/ 61؛ الجوهري: الصحاح: 91/ 1.
(3) في رحاب القرآن، سورة يس: 14/ 121.
(4) م. ن: سورة الزمر: 452/ 15.
(5) إبراهيم بيوض التوبة من جميع المعاصي، درس يوم 17 رمضان 1392 هـ/ 1975 م، قرص مدمج،
تسجيلات الحياة. (1/334)
صفحة 327
335
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
فترى الواحد منهم يكفر ويعصي ويأتي ما يشاء، ويحمل في يده سبحةً يداعب حباتها بأنامله، مردداً بعض التسابيح والأذكار، ويظنّ أنَّ الله قد غفر له كل ذنوبه، أو يردّدها وعيناه تشخصان لعله يرى صيدا هنا أو هناك من فسق أو ربا أو غير ذلك، وهذا ضلال كبير وقع فيه كثير من المسلمين» (3).
فالخلل الذي صيّر استغفار هؤلاء هيكلاً بلا روح هو افتقارهم للندم من الذنوب المكتسبة، فلو تحقق الندم لسهل تحصيل بقية الشروط بالتمام.
ب العزم على عدم العودة إلى الذنب:
على التائب أن يقلع عن ذنبه ويعقد العزم على عدم العودة إليه، وإن زلّت قدمه مرة أخرى جدد التوبة (2) فبالندم والعزم الصادق يتمكن العبد من تجديد إيمانه، لقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثم اهتدى (طه: (82) وذكر الإيمان بعد التوبة لأنّ المنهمك في المعاصي كان خارجا عن الإيمان وعندما يتوب يجدد إيمانه ويستأنف العمل» (3).
ج رد المظالم إذا تعلّق الذنب بحقوق العباد فلا تتمّ التوبة منه إلأ بردّ المظالم إلى أصحابها أو محاللتهم، أكد الشيخ بيوض وجوب مراعاة هَذا الشرط محذرًا من الاغترار بالاستغناء ببعض الأعمال المكفّرة للذنوب بدل الندم والتوبة ورد المظالم، اعتمادًا على ظواهر بعض الآيات مثل قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود: (114) وقوله: إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ (النساء: 31).
(1) في رحاب القرآن، سورة يس: 19/ 14.
(2)
م. ن: سورة يس: 14/ 121.
(3) م. ن: سورة ص: 182/ 15.
(4) م. ن: سورة يس: 20/ 14.
222 (1/335)
صفحة 328
336
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
2 - وقت التوبة
باب التوبة مفتوح للمذنب ما لم يغرغر؛ وما دام العبد لا يدري وقت أجله فما عليه إلا أن يبادر إلى التوبة: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء: 17) فالله يعمر الإنسان ما يكفيه للتذكر والإنابة، وقد حدثنا عن رفض توبة فرعون لأنه سوقها إلى وقت معاينة الموت)، إثر غلق باب التوبة.
3 - المغفرة والتوبة
من
أسماء الله الحسنى الغفار" فهو واسع المغفرة، فهل وضع شروطا لهذه المغفرة؟ وهل هي منطبقة على جميع الذنوب؟ يرى الشيخ بيوض أن صغائر الذنوب تمحى بفعل الحسنات شرط اجتناب الكبائر لقول الله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (النساء: (31) ولقول النبيء: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها (2)، أما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة النصوح تتبع الشيخ بيوض لفظي التوبة والإنابة" في القرآن الكريم فأحصى عدتهما مائة وخمس مرات، ورأى أنها كلّها أدلّة عَلَى أن مغفرة الذنوب مقيدة
بالتوبة)، ومن ذلك:
أ- تحديد شروط المغفرة:
(3)
قوله تعالى: {إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الفرقان: 70).
(1) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 14/ 540.
(2) رواه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس، وقال: (هذا حديث حسن
صحيح حديث: 1987، 4/ 355
(3) في رحاب القرآن، سورة محمد 548/ 18 - 549
(4) م. ن: سورة الزمر: 448/ 15. (1/336)
صفحة 329
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
337
فقد حدّد الله تعالى أربعة شروط لمنح مغفرته: التوبة وتجديد الإيمان والعمل الصالح والاستقامة والاستقامة تفيد معنى غير العمل الصالح، حيث استدل الشيخ بقوله تعالى: ثم اهتدى أنّ التائب من الذنب مطالب بالاستقامة فيما تبقى من عمره (1).
به شروط الفلاح الأخروي:
قوله سبحانه وتعالى: {فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يُكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} (القصص: (67) فهذه صفات ثلاثة مشروطة في الفلاح الأخروي:
توبة وإيمان وعمل صالح
(2)
ج سياق أرجى آية في القرآن:
تتبع الشيخ بيوض سياق آية سورة الزمر التي خاطبت المسرفين في ارتكاب المعاصي نافخة فيهم روح الرجاء لتنتشلهم من القنوط من رحمة الله، فانتهى إلى أنها نص صريح عَلَى تخصيص التائب بالتوبة، دل على ذلك فعل الأمر: وأنيبوا (3)، أما قوله: لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ} (الزمر: 53) فمعناه لا تظنوا أيها المسرفون أنكم إن أنبتم إلى الله وأسلمتم له لا يغفر لكم، «وهل يصح في عقل مهما بلغ من الضعف أن يقول: إنَّ الله قال للمسرفين: لا تقنطوا من رحمتي ولو بقيتم على ضلالكم أو متم عليه؟ (4).
- تقييد مشيئة المغفرة بالتوبة:
إنَّ الله القدرة المطلقة وَهوَ عَلى كل شيء قدير، وهو القائل في موضوع مغفرته للمذنبين: اِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 448/ 15.
(2) م. ن: تفسير سورة القصص: 466/ 8.
(3)
م. ن: سورة الزمر: 15/ 450.
(4) م. ن: سورة الزمر: 15/ 451. (1/337)
صفحة 330
338
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
يشاء (النساء: (48) حذر الشيخ بيوض من التمادي في المعاصي تعلقا بسعة رحمة الله وبمقتضى قدرته ومشيئته، وأنه قد وعد بمغفرة ذنوب العصاة - ما لم يشركوا به شيئا - ولو من غير توبة وندم وإقلاع ... وبيّن أن الله قيد مشيئة مغفرته بالتوبة النصوح، وذلك في قوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثم اهْتَدَى (طه: (82) كما استدل على اشتراط توبة العبد وإنابته في استحقاق مغفرة ربه بدقة السنن الكونية وعدم اختلالها وتبدلها مع اليقين بأن الله على كل شيء قدير، فكما أنَّ سنن الله لا تتبدل في الأشياء فهي لا تتبدل في المكلفين)، من عهد أبينا آدم إلى فناء العالم.
هـ - الكلمات التي تلقاها آدم من ربه:
قدر الله لأبينا آدم عليه السلام - أن يعصيه ثمّ تكرّم عليه بالتوبة والهداية، ولعلّ من حكم الله في وقوع ذلك وإيراده في القرآن الكريم أن يتعلم منه بنوه عدم الاستخفاف بالذنب وضرورة المسارعة إلى التوبة منها والإنابة إلى ربهم.
قال تعالى: {فَتَلَقَّى عَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة: (37) فالله تواب رحيم اقتضت سنته أن يتوب على عبده إذا تاب إليه وأناب، والكلمات التي تلقاها هي التي ذكرها الله تعالى في سورة الأعراف وهي قوله: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف: 23) (2).
لما أقر أبونا آدم بذنبه واستغفر ربّه وجده توابًا رحيما، فنيل مغفرة الله مشروط بتوبة العبد، والعبد التائب لربه يستحق استغفار أولياء الله له من الناس والملائكة الأطهار.
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 15/ 453.
(2) م. ن: سورة الروم: 10/ 292. (1/338)
صفحة 331
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
و استغفار الملائكة للتاثيين:
339
جمع الشيخ بيوض بين آية سورة الشورى التي ورد فيها استغفار الملائكة لمن في الأرض على الإطلاق: {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الشورى: 5) وبين آية سورة غافر التي تقصر استغفار الملائكة عَلَى التائبين: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ) (غافر: 7) واستنتج بأن استغفار الملائكة لا يكون إلا لعباد الله التائبين، والمطلق يُحمل على المقيد، كما هو معلوم وهذه قاعدة مطردة، زيادة علَى أَنَّ الآيات الصريحة تبين أن مغفرة الله ليست إلا للتائبين (1).
حوصلة منهج الشيخ بيوض في تناول المسألة:
ا تمسك الشيخ بكلام الله الصريح في هذه الآية: {وَأَنبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْل أَنْ يَّاتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} (الزمر: 54) وقال بعد ذلك: وذلك هو مراد الله بشهادة كلامه تعالى (2).
ب جمع الشيخ بين آيات الموضوع، وصرّح بهذا المنهج أثناء حديثه عن توبة أبينا آدم عليه السلام، إذ يقول: «فلا تطلب تفسيرًا للكلمات في غير القرآن، وهكذا مواضيع القرآن لا يكتفى فيها بآية واحدة ترد في سورة معينة، وإنما لا بد من جمع كل ما ورد في القرآن حَتَّى يبين بعضه بعضا، ويفسر بعضه بعضا» (3). 4 - أبعاد المسألة:
أ- اعتقاد توسيع مفهوم النفاق وإطلاقه على مخالفة الأعمال للأقوال، وعدم حصره في إضمار الشرك، واعتقاد كون المنافق مسلوب الإيمان، وبالتالي فلا
(1) في رحاب القرآن، سورة غافر: 32/ 16.
(2) من سورة الزمر: 454/ 15
(3)
م. ن: 15/ 225 (1/339)
صفحة 332
340
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
تقتصر إصابته عَلَى زلّة الجوارح فحسب، ولكنها تدلّ على مرض القلب، هذا الاعتقاد يدعو المؤمن إلى مداومة مراقبة الله في السر والعلن، وعدم الأمن من مكر الله، كما كان يفعل الفاروق عمر بن الخطاب المستعلما حذيفة بن اليمان عن وجود اسمه في قائمة المنافقين وهذا الاعتقاد يستحث الغافلين للتعجيل بالتوبة، كما أن اليقين بمصير هؤلاء المرضى يستنفر الأمة إلى تكثيف الدعوة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ب حدر الشيخ من الاغترار بقول من رأى أنَّ الله يغفر للمسرفين على أنفسهم بدون توبة، وإن كانت المغفرة والرحمة للمسرفين بدون توبة فلماذا يذكر العذاب؟ (1).
فعلى المؤمن أن يتقي ذلك العذاب بتوبته إلى الله واستقامته على الطريق السوي والمسابقة إلى مغفرة الله وجنّاته، هو مقصود البيان الإلهي من آيات الوعد والوعيد.
ج - إن لم تكن أرجى آية في القرآن دعوة للمسرفين للتوبة والإنابة فهي تحريض لهم على المعاصي والتمرد على شرع الله إذن فهما أمران لا ثالث لهما، إما هَذا وإما هَذا، فإما أن تكون الآية ترغيبا للمسرفين في الإنابة والتوبة والرجوع إلى الله، كما تصرّح، وإما أن تكون تجرئة ودفعا لهم للتمادي في معاصيهم
وتمردهم على الله، فالحق هو الأول وذلك هو مراد الله بشهادة كلامه تعالى (2). د عدم المبادرة إلى التوبة يسبب قسوة القلب، ذلك أن كثرة المعاصي صغيرها وكبيرها تسوّد القلب وتغمره بغشاوة تدعى الران“ تحجب نور الهداية عن القلب، فتسبب في سوء الخاتمة (3).
ومما يعين على اجتناب المعصية والمبادرة إلى التوبة تطبيق مبدأ الولاية والبراءة.
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 451/ 15.
(2)
(3)
م. ن: سورة الزمر: 454/ 15
م. ن: سورة الجاثية، 214/ 18. (1/340)
صفحة 333
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
ثالثًا: الولاية والبراءة:
1 تعريف الولاية والبراءة
الولاية في اللغة: المحبة والنصرة، والقرب والدنوة).
والبراءة في اللغة: البعد و التنزه (2)
أما في الاصطلاح فالولاية هي الميل بالقلب والجوارح إلى مطيع لطاعته» (3)
و البراءة هي الميل بالقلب عن عاص لعصيانه).
341
وعرفها الدكتور عمرو خليفة النامي بأنها واجب ديني يسيطر على المشاعر البشرية من الحب والبغض بموجب تعاليم الإسلام (5).
يظهر من خلال هذه التعاريف أن منطلق الولاية والبراءة هو عمل قلبي يقتضي تحديد العلاقات البشرية، وكيفية التعامل مع الناس، وتعريف النامي تضمن
حكمهما الشرعي.
2 حكم الولاية والبراءة:
أجمعت الأمة على وجوب ولاية الجملة وبراءتها (6)، إلا أنها اختلفت في حكم ولاية الأشخاص وبراءتهم، فقالت الإباضية بوجوبهما مستدلين أن العلة التي من أجلها وجبت ولاية الجملة وبراءتها هي الوفاء بالدين أو الإخلال بشيء من أوامر
(1) ابن منظور لسان العرب: 15/ 401، 404
(2)
م. ن: 1/ 356.
(3) الشماخي شرح مقدمة التوحيد: 54.
(4) م. ن: 78.
(5) عمرو خليفة النامي: دراسات عن الإباضية تر ميخائيل خوري، مراجعة د. ماهر جرار، دقق وراجع أصوله وعلق عليه د. محمد صالح ناصر د. مصطفي صالح باجو، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت،
240:2001
(6) محمد بن سعيد القحطاني: الولاء والبراء في الإسلام: 137. (1/341)
صفحة 334
342
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
الله تعالى، فإن وجدت هذه العلة في شخص بعينه وجب أن يُجرى عليه الحكم الذي أوجبته هذه العلة)، ذلك أن التفرقة في التعامل اليومي مع أولياء الله وأعدائه مبنية أساسا على حكم الله لا عَلَى اختيار النفس واتباع الهوى 3 دليل وجوبهما:
(2)
استدل الشيخ بيوض بنصوص من الكتاب والسنة على وجوب ولاية المؤمنين بعضهم لبعض، والبراءة من الكفار والمنافقين والمفسدين الذين يرتكبون الكبائر)، منها:
(3)
قوله تبارك وتعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ إِدْ
قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَىهُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ... } (الممتحنة: 4). - وقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَا مُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّةَ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 71).
- وقوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ ... ) (المجادلة: 22).
ومن
السنة ما روي عن رسول الله أنه قال: «أوثق عرى الإيمان الحب
في الله والبغض في الله).
- وما روي عنه أيضا أنه قال: من أحب الله وأبغض الله وأعطى الله ومنع
الله، فقد استكمل الإيمان (5).
(1) السالمي: مشارق أنوار العقول: 210، 213 - 214
(2) في رحاب القرآن، سورة القصص: 470/ 8.
(3) بيوض: الأجوبة الشافية: 8 - 9 فتاوي الإمام الشيخ يتوض: 28/ 1 - 29
(4) ابن عبد البر: التمهيد: 430/ 1.
(5) رواه أبو داود في السنة، باب زيادة الإيمان ونقصانه 220/ 4، وأحمد في المسند: 440/ 3، والترمذي في
القيامة: 2/ 78 ح: 2642. (1/342)
صفحة 335
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
343
كما يستدل الإباضية على وجوب الولاية بأدلّة أخرى، لم أقف عليها في تراث الشيخ بيوض، منها قوله تعالى: {فَاعْلَمَ أنهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِدَنيك وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِه (محمد: (19) حيث قرن الله الأمر بالاستغفار للمؤمنين بالأمر بمعرفة التوحيد، والاستغفار من ثمرات الولاية، فنتج عن القرن بين الأمرين وجوبهما معا، كما يستدل بالآية على وجوب الولاية على جميع المكلفين كما أن معرفة التوحيد واجبة عليهم جميعا (1).
4 - إعلان البراءة يعامل العاصي معاملة دنيوية بالبيع والشراء والأخذ والعطاء ... ويجب على من علم منه تلك المخالفة بعد تذكيره وتماديه - أن يبغضه بقلبه ويترك أمره إلى الله، أما إذا كان العاصي قد جاهر بمعصيته بحيث تحدث ضررًا في الناس ... فهذا يجب إعلان البراءة منه في المساجد (2). وظفت هيئة العزابة سلطتها الروحية لتطهير المجتمع من مظاهر الانحراف والفساد، مسخّرةً مختلف الوسائل، منها إصدار حكم البراءة على من ثبت عنه ارتكاب مخالفة شرعية، حيث يعلن شيخ المسجد براءته بعد الصلاة الجامعة، فيقاطعه جميع أفراد المجتمع فلا يتعامل معه أحد ولا يكلمه، حتى تضيق عليه الأرض بما رحبت فيندم على مخالفته ويرعوي عن غيه، ويسارع إلى الإقرار بتوبته لدى العزابة، فتعلن عن خروجه من براءة المسلمين.
يخضع جميع أفراد المجتمع لقانون البراءة، فلا يستثنى منه شخص لاعتبارات خاصة، ذلك لأنَّ العزابة يعتقدون أن تطبيق هذا المبدأ دين، ودين الله أحق أن يتبع وهو القائل: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى (الأنعام: 152) وكان الشيخ بيوض شيخ مسجد القرارة المسؤول عن إعلان البراءة.
(1) السالمي: مشارق أنوار العقول: 210/ 2 - 211.
(2) بيوض: الأجوبة الشافية: 10 فتاوي الإمام الشيخ يتوض: 30/ 1. (3) محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة: 1/ 209 210. (1/343)
صفحة 336
344
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
براءة الشيخ بيوم من ابنه:
إن معرفة مسائل الإيمان أمر سهل وميسور، ولكن البطولة أن يعيش العبدُ هذا الإيمان ويصبر على حكم الله ويرضى به، ذلك لأن الظروف الصعبة تمتحن المنتسبين إلى الإيمان فتثبت الصادقين وتكشف الكاذبين، وقد أكد الله إجراء هذا الامتحان في قوله: {أَلَمْ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الذينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت: 01 - 03) وتما امتحن به الشيخ بيوض إصابة أحد من ذريته، ابن ابنته، بعدوى الإلحاد عندما ابتعثه مع ثلة من خريجي معهد الحياة لمواصلة الدراسة في الجامعات المشرقية، ولما التقى به الشيخ وتبين مما نُسب إليه من تصريحات مكفّرة استتابه ولكنه أصر، وأبى، فتبرا منه، وأعلن براءته في المسجد.
هذه!».
استهل الشيخ بيوض الدرس المسجدي الخاص بإعلان البراءة (3)، بقسم نظري فصل فيه بيان حقيقة الإيمان وصفائه، مؤكدًا عَلَى تنزيه الباري سبحانه وتعالى أن تدرك حقائق صفاته، وبين الفرق بين الإيمان وعلم الكلام والفلسفة، ثم حدر من خطورة الفلسفة وضلال من جعل الله سبحانه وتعالى موضوعا للبحث الفلسفي، خاصة من لم يتشرب قلبه أصول العقيدة الصحيحة لعدم قدرته عَلَى ردّ شبه الفلاسفة الملحدين، ثمَّ صرّح بالحقيقة المرّة وهي تأثر بعض طلبته بالفكر الإلحادي: فعادوا مرتدين ملحدين كفرة ... والحقيقة هي أصل الشيخ لمسألة البراءة ومثل لها ببراءة سيدنا إبراهيم عليه السلام من أبيه وقومه، وبعد أن أعلن الشيخ البراءة من ابنه وبين وجوب الصبر لحكم الله وقال: «أراد الله أن يمتحنني ... فهل نتعامل مع هذا الولد كما عامل إبراهيم أباه وقومه أم نسكت عنه؟ فنحن منه براء، ونتقرب إلى الله بهذه البراءة». فالمسلمون جميعًا يقرّون بوجوب قول الحق والشهادة به ولو على النفس أو أقرب الأقربين، ولكنهم يختلفون في ذلك من حيث درجة التطبيق العملي.
(1) ألقى الشيخ يتوض هذا الدرس بمسجد القرارة، يوم 1973/ 1/17 م، قرص مدمج تسجيلات الحياة. (1/344)
صفحة 337
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
5 ـ الدعاء لأهل البراءة
345
من المشهور عند الإباضية أنَّ الشخص الذي يكون في براءة المسلمين يحرم من حق الدعاء بخير الآخرة باعتبار الدعاء له بالهداية، ولاية، ونسب الشيخ اطفيش إلى المذهب قولاً بالجواز ()، وهو ما ذهب إليه الشيخ بيوض، ورأى أن في ذلك الحرمان تشدّدًا، حيث يقول: فمن المشدّدين من منع الدعوة له بالهداية، وأنا أرى غير ذلك، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم اهدِ قومي، إنهم لا يعلمون 2 (3). وثبت في السيرة أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم دعا لقبيلة دوس بالهداية، وذلك أن الطفيل بن عَمْرِو الدوسي قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَه إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأتِ بهم، كما ثبتت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لآحاد من المشركين بالهداية، منهم والدة أبي هريرة، حيث أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يدعو لها، فقال: اللهم اهدِ أم أبي هريرة» (5).
يبدو أنَّ ثمة فرقًا بين الدعاء للمتبرأ منه بخير الآخرة في حالة الطمع في توبته، وبين الدعاء له في حالة اليأس منها، فالعاصي يُطمع في هدايته ما لم يمت على الكفر، مثل قتلى غزوة بدر والأحزاب، أولم ينزل فيه نص يقضي باستحالة هدايته، مثل أبي لهب وامرأته، فالمنهي عنه هو الدعاء لمن تبيّن أنه من أصحاب الجحيم، لقوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيءِ وَالذِينَ آمَنُوا أَنْ يُسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي
(1) اطفيش: تيسير التفسير: 156/ 6. (2) المقدسي: الأحاديث المختارة، تح عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، ط 1، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، 1410 هـ: 14/ 10.
(3) إبراهيم بيوض: المجتمع المسجدي: درس يوم 1973/ 6/1 م، قرص مدمج، تسجيلات الحياة. (4) البخاري كتاب الدعوات، باب الدعاء للمشركين، حديث: 6034، 2349/ 5؛ مسلم: کتاب فضائل الصحابة، باب فضائل غفار وأسلم ... حديث: 2523، 4/ 1957. (5) مسلم: الصحيح، کتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي هريرة الدوسي، حديث: 2491
1938/ 4 (1/345)
صفحة 338
346
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة: 113) فالتبين -كما قال الشيخ اطفيش - يكون بالموت على الكفر أو بالوحي (1).
6 - المذهبية وحق الولاية يشترط الشيخ بيوض الإيمان وحسن السيرة لاستحقاق الولاية، من غير اعتبار الموافقة في المذهب، التي يشترطها الإباضية، فالولاية عنده شاملة لجميع المسلمين الموفين للدين، يدعو إلى محبتهم ونصرتهم، ومن ذلك قوله عن حق الأخوة الإيمانية وفلسفة الحب والبغض في الله: ولنفهم جيّدًا ولندرك تمام الإدراك فلسفة الحب في الله والبغض في الله، فالمؤمن أخو المؤمن في أي زمان وأي مكان يدعو بعضهم لبعض، وقد علمنا الله أن ندعو لمن قبلنا في قوله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَان وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَا لِّلَّذِينَ آمَنُوا) (الحشر: 10)» (3)؛ وقال عن الشيخ عبد القادر الجيلاني العالم الصوفي: «هو إنسان ورغ مسلم تقي ... ونحن نظن فيه الخير والولاية» (5).
فما هي
و مستنده؟
مظاهر تفتّح الشيخ بيوض على بقية المسلمين؟ وما هي
مقاصده
من مظاهر انفتاح الشيخ بيوض على المذاهب الإسلامية إحكام صلاته بأقطاب الحركة الإصلاحية بالجزائر، أمثال المشايخ عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي والطيب العقبي، ومشاركتهم في تأسيس جمعية العلماء المسلمين
(1) اطفيش: تيسير التفسير: 156/ 6.
(2) أحمد الشماخي: شرح مقدمة التوحيد: 72. (3) في رحاب القرآن، سورة مريم: 198/ 3 - 199.
(4) عبد القادر بن موسى أبو محمد، محيي الدين الجيلاني (471 - 561 هـ/ 1078 – 1166 م)، مؤسس الطريقة القادرية، من كبار الزهاد والمتصوفين، ولد في جيلان وانتقل إلى بغداد شابا، سنة 488 م فاتصل بشيوخ العلم والتصوف وبرع في أساليب الوعظ، وتصدر للتدريس والإفتاء في بغداد سنة 528 هـ وتوفي بها. له كتب، منها الغنية لطالب طريق الحق" و " الفتح الرباني“. الزركلي: الأعلام: 47/ 4. (5) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 416/ 15. (1/346)
صفحة 339
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
347
الجزائريين، لتنسيق الجهود والتعاون على ترشيد الأمة الجزائرية والوقوف ضد مخططات الاستعمار التي تهدف إلى تمزيقها، ومناصرة قضايا المسلمين في العالم
خاصة القضية الفلسطينية التي كان الشيخ بيوض عضوا في لجنة إغاثتها (4). والوجه الآخر من مظاهر هذا الانفتاح إقدام الشيخ بيوض على شرح کتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري بالمسجد الكبير بالقرارة - لكلّ طبقات المجتمع - لمدة أربعة عشر عامًا، وذلك بعد ختم شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب كما شهدت فتاواه ومقررات التدريس بمعهد الحياة تفتحا على المذاهب الإسلامية.
ومن خطوات الشيخ بيوض الجريئة في مسألة الولاية والبراءة إعلان موقفه من الصحابة ومما شجر بينهم لخص ذلك في قوله: «أما الكلمة الجامعة في حقهم، فهي الرضا عنهم جميعا، والاستغفار لهم كما أمرنا الله تعالى، والوقوف فيما شجر بينهم، هذه هي الخلاصة، وهذا ما أعتقده وأدين الله تعالى به)
كان الشيخ بيوض يهدف من هذا الإنفتاح تحقيق مقصد الوحدة الإسلامية، فسعى إلى ذلك انطلاقاً من تجديد قضايا التوحيد، لأنه يعتقد أنه لا شيء موحد وموحد إلا دين الله الواحد، فهو الواحد، ودينه الواحد، يجمع المسلمين الذين يتبعون هذه الفطرة، ويقيمون وجوههم للدين حنيفا (3)، فقد وضع الشيخ بيوض "الوحدة الإسلامية مقصدا من مقاصده وهو يعالج مسائل العقيدة؛ لذلك يمكن أن نسيم فكره بالوسطي العالمي، ثمّ نطرح السؤال الآتي: كيف وفق الشيخ بيوض بين مواقفه الإصلاحية الوحدوية وأصول مذهبه الإباضي في العقيدة؟
اعتمد الشيخ بيوض في تحديد الموقف من الصحابة الله على آيات قطعية الدلالة، منها قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
(1) بسام العسلي: جهاد شعب الجزائر - عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثورة الجزائرية: 150/ 7 - 151. (2) إبراهيم بيوض: فضل الصحابة والرضا عنهم: 02.
(3) في رحاب القرآن، سورة الأنبياء: 4/ 202. (1/347)
صفحة 340
348
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَريبا (الفتح: 18)؛ فالآية صريحة على رضوان الله على الصحابة الكرام، وبما أن ولاية الله وعداوته لا تتبدلان، إذ هو سبحانه وتعالى لا تبدو له البدوات، وهو أعلم بما سيبتلى به الصحابة من الفتن استنتج الشيخ أن ذنوبهم لا تقع إلا مغفورة)، مستأنسا بقصة حاطب بن أبي بلتعة الذي قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حقه: ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (2).
واجتهد الشيخ بيوض على ضبط مسائل الاعتقاد وحصرها، وانتهى إلى عذر المخالفين في القضايا الخارجة عن هذه الأصول، فاعتمد القول بتعميم الولاية لجميع المسلمين الموفّين ونصرتهم والدعاء لهم (3) استنادًا لوصف الله تعالى للأتقياء الذين يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا (الحشر: 10). رجح الشيخ بيوض النص المحكم المتواتر على أقوال الرجال، خاصة إذا روعي فيها ظروف الفتن التي رويت فيها، فلم يخالف الشيخ بيوض منهج الإباضية في هذه المسائل، بل بني مواقفه على أصول المذهب في العقيدة، وهي الآيات المحكمات وما يتوافق معها من النصوص والاجتهادات.
7 - أبعاد الولاية والبراءة
تقتضي العبودية استسلام القلب الله، فما كان للعبد أن يحب إلا لله ولا أن يبغض إلا له والالتزام بهذا المبدأ له أبعاد، منها ضبط مقياس تقييم الناس، واعتبار
(2)
(1) إبراهيم بيوض: فضل الصحابة والرضا عنهم: 49، ويعني الشيخ بذلك أن الله سيوفقهم إلى التوبة منها، مثل حاطب بن أبي بلتعة. م. ن: 55؛ في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 236/ 1، و الحديث رواه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب لا تُخِدُوا عَدُوِّي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء حديث: 4608، 1855/ 4؛ ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم وقصة حاطب بن أبي بلتعة، حديث:
1941/ 4.2494
(3) في رحاب القرآن، سورة مريم: 1983 - 199. (1/348)
صفحة 341
المبحث الثالث: الإنسان والمجتمع
349
القيم الروحية في تحديد العلاقة بينهم، وإدراك مقام المؤمن عند الله، وحمل النفس
على محبة الصالحين في أي مكان والتعاون معهم
(1)
•
تطبيق أصل الولاية والبراءة وسيلة فعالة للدعوة إلى الله تعالى، خاصة أصل البراءة، الذي يتضمن قوة رادعة توظف في تغيير المنكر، والتعجيل باستئصاله قبل استفحاله، لأنّ المرض يعدي والعدوى تسري، وعقلاء أوربا وأمريكا قاموا يحاولون تدارك الوضع، ولكنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا لأن الزمام انفلت من أيديهم يوم أطلقوا العنان (2)
إن للبراءة الشخصية دورا فاعلاً في إصلاح الأفراد والمجتمعات، فرغم كونها عقوبة اجتماعية صارمة تطال بعض الأفراد، إلا أنها تعود بالنفع عليهم - أولا - وذلك بمسارعتهم إلى التوبة وإقلاعهم عن معاصيهم، وعلى مجتمعاتهم-ثانيا بتطهيرها من مظاهر الفساد والانحلال، لكون المتبرا منهم عبرة لغيرهم، فلا تسوّلهم نفوسهم بمخالفة أحكام الشرع وإن غلبوا يوما على أمرهم فسرعان ما يرتدعون ويتوبون. قال الدكتور عوض خليفات معترفا بالأبعاد العملية لتطبيقي مبدأ البراءة الشخصية: «إنّ هذه القسوة في العقاب والتوبيخ التي استخدمها العزابة، والتطبيق الصارم لمبدأ البراءة من المذنب، هما اللذان حفظا وحدة الإباضية وتماسكهم، بل وبقاءهم في بعض مناطق شمال إفريقية إلى يومنا هذا» (3).
عالج الشيخ بيوض ظاهرة فكرية بارزة في عصره، وهي انبهار الشباب المسلم بالمعسكر الشرقي رمز الإلحاد، وذلك بإرجاع القضية إلى أصل الولاية والبراءة“ مؤكدًا أنَّ مقتضى الإيمان يستلزم استسلام القلب الله وحده، فيكون حبنا الله
(1) في رحاب القرآن، سورة الفتح، ج 19، نسخة المسودة (الرقمية). (2) من: سورة النور: 6/ 329.
(3) عوض خليفات: النظم الاجتماعية عند الإباضية في إفريقية في مرحلة الكتمان: 61. (1/349)
صفحة 342
350
الفصل الثالث: أصول الإيمان وأبعادها
وبغضنا الله، وبالتالي فلا يجوز أن نحب أعداء الله ونميل إليهم بقلوبنا)، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ) (الممتحنة: 01).
ومن الآثار السلبية لانبهار المسلم بالغرب ومظاهر الولاء له أن يدعو له بالنصر على المسلمين، أفتى الشيخ بيوض بحرمة ذلك استنادًا إلى أصل "الولاية والبراءة، حيث يقول: «لا يجوز لمسلم أن يطلب النصر للمشركين على المسلمين أبدا، وليس في قلب فاعل ذلك ذرّة من إيمان كيفما كان السبب الداعي ... فاحذروا وتفقهوا معنى الولاية والبراءة» (2).
منهج الشيخ بيوض في تناول مسألة الولاية والبراءة اتسم بالأصالة والفاعلية، حيث أصل لتوسيع نطاق الولاية ليشمل الصالحين من الأمة الإسلامية جمعاء، وترجم موقفه إلى مشاريع ميدانية، وموازاة لذلك تمسّك بمبدأ البراءة الشخصية وتنفيذه على القريب والبعيد والشريف والوضيع فسما بذلك من دائرة المذهبية الضيقة إلى رحابة الإسلام، ومن نطاق الكلام والتنظير إلى اقتحام عقبات العمل والاستقامة والتعاون، معتقدًا أنَّ ذلك من مقتضيات الإيمان.
لم تكن جهود الشيخ بيوض الإصلاحية محصورة في جانب معين، بل قاد حركة شاملة طالت مختلف المجالات التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فما هي القاعدة الأساسية التي انطلق منها لتحقيق هذه الإنجازات؟ وما هي علاقة الإيمان بإحداث التغيير الشامل لهذه المجالات؟ فَهُو معارض لها أم محايد؟ أم هو يدعو إليها ويقرّر أنها من مقتضياته؟ وهذا ما سنراه - إن شاء الله - في الفصل الآتي.
(1) في رحاب القرآن، سورة الروم: 36/ 10 - 37. (2) يوض: فتاوى الإمام الشيخ يتوض: 48/ 1. (1/350)
صفحة 343
الفصل الرابع
وابعادها الإيمانية (1/351)
صفحة 344
تمهيد: أثر الاعتقاد في توجيه السلوك
تمهيد: أثر الاعتقاد في توجيه السلوك:
353
ليست غاية الدرس العقدي شحن الذهن بالمعرفة المجردة، بل يتوخى منه تزكية النفس وتنزيه الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة الشاملة لكل المجالات المناسكية والحياتية، «فإذا لم يسيطر التوحيد على القلب والجوارح، ويتحول إلى قوة باعثة إلى العمل الصالح فلا قيمة له)، ولو كانت المعرفة النظرية كافية لاستحق إبليس اسم الإيمان لإقراره بالله الواحد، وعلمه بالمصير إليه يوم يبعثون ... فالعلم النافع هو الذي يكون له أثر إيجابي في السلوك، لأنَّ العلم لو بلغ إلى أعماق القلب حيث محل اليقين والطمأنينة لرسخ فيها ولعملت الجوارح بمقتضاه، ومن مقتضيات العقيدة حسن الاستخلاف في الأرض، ذلك أن دور المؤمن لا يقتصر على عمارتها فحسب، كما يتنافس في ذلك بقية البشر، بل إن إيمانه يقتضي منه عمارتها وفق المنهج الرباني، هُوَ أَنشأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: 61).
خلق الإنسان من طين وروح، فحياته السوية تستلزم منه تغذية العنصرين والجمع بينهما، ولا يتسنّى له ذلك إلا بالتصوّر الصحيح للإيمان الذي يصله بالله صلة وفاء وير، ويربطه بالحياة ربط نشاط وعطاء (3)، وبما أن الإيمان هو القاعدة التي يرتفع عليها صرح الإسلام الذي لم يكن مجرّد طقوس تعبدية بل هو أيكة طالت فروعُها كل مجالات الحياة الفردية والجماعية، التعبدية والمدنية، فإن الإيمان يمثل جذور هذه الأيكة، وهذا يعني أن صلاح شؤون حياة الإنسان لا تتحقق إلا بصلاح الإيمان، فليس الإيمان في هَذا النظام بمنزلة عقيدة دينية فحسب، بل هو الذي يضمن لهم بصحة جملة شؤون حياتهم، وهو يحافظ على قوميتهم وحضارتهم، وهو الماء لحياتهم لمدنية والاجتماعية والسياسية» (4).
(1) محمد الغزالي، عقيدة المسلم: 136. (2) في رحاب القرآن، سورة سبأ: 215/ 13.
(3) محمد الغزالي، عقيدة المسلم: 132. (4) أبو الأعلى المودودي، الحضارة الإسلامية: 293. (1/353)
صفحة 345
354
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
سلوك الإنسان هو ثمرة تصوّره وما اعتقد من أفكار، بصرف النظر عن مدى صحتها أو بطلانها، فإذا اقتنع الإنسان بفكرة نشطت جوارحه في العمل وفقها، فالعقيدة هي القوة الموجهة لتصرفات صاحبها، وكان السلوك البشري محصلة نهائية لما يعتقده الإنسان، صوابا كان المعتقد أو خطأ)، وأحق الأفكار بالتبني، والمجاهدة في تجسيدها، هي التي تسعد الإنسان في الحال والمآل.
الاهتداء
يتخبط العالم في أزمات في شتى الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية و السياسية، عجزت الفلسفات المادية والدساتير البشرية عن تقديم حلول جذرية لها، وفاقد الشيء لا يعطيه، ذلك لأن الجهود البشرية - إن سلمت من الانحياز والتقصير - تبقى قاصرة عن الاهتداء إلى حلول جذرية لقضايا الإنسان، لأن حياته لا تنحصر في الجانب المادي بل هي مرتبطة بالغيب - الذي لا يُعلم إلا عن طريق الوحي - ارتباطاً وثيقاً، وبالتالي فإنّ صلاح أحوال البشر لا تتم بمنأى عن بنور الوحي المنزل من عالم الغيب من هنا يدرك دور الإيمان في توجيه سلوك الإنسان وعلاج قضاياه الحياتية. إذا كان الإنسان (براغماتيا) نفعيًا، يهب للبذل والتضحية من أجل إحداث التغيير إذا شعر بالألم واقتنع بخطورة الوضع الذي هو فيه، فإن الإيمان هو الإعلامية الصادقة التي تعرّف الإنسان بأصل وجوده وتنبئه برسالته في الحياة وبمصيره الأخروي السرمدي، فإذا تيقن الإنسان بهذه المعاني أحدثت فيه تغييرا داخليا سريعا ما ينتشر في مختلف جوانب الحياة صلاحًا وإصلاحا، مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (الرعد: 11). وإذا كان التغيير النفسي ضرورة لكل حركة ونهضة ناجحة فإنَّ «الإيمان هو الذي يهيئ النفوس لتقبل المبادئ الخيّرة مهما يكمن وراءها من تكاليف وواجبات وتضحيات ومشقات وهو العنصر الوحيد الذي يغيّر النفوس تغييرًا تامًا وينشئها
القناة
(1) أبو اليزيد أبو زيد العجمي: العقيدة الإسلامية عند الفقهاء الأربعة - الموقف والمنهاج،، ط 1، دار السلام، القاهرة، 1428 هـ / 2007 م: 73. (1/354)
صفحة 346
تمهيد: أثر الاعتقاد في توجيه السلوك
355
خلقا آخر» (1). وما. وما تخلّف المسلمون عن الركب الحضاري إلا بسبب ابتعادهم عن الدين، الذي يفرّق بين الإيمان الصادق والإيمان المزيف، ويدعو إلى شمولية الإيمان وتكامله في الحياة.
ركز القرآن المكي على ترسيخ العقيدة الصحيحة في القلوب، لكونها القاعدة لفروع الشريعة الشاملة لكل مناحي الحياة، ودعا الناس جميعًا إلى الإيمان برب العالمين والرسالة والبعث والحساب، وخاطبهم بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاس، وقوله: يَا بَنِي آدَمَ، فمن استجاب لهذا النداء وتلفظ بكلمة الشهادة يكون قد أمضى الله للقيام بمستلزمات الإيمان، ثم توالت النداءات الشريفة للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا تدعوهم للقيام بتبعات هَذا العقد، وتضبط لهم علاقاتهم مع الله والمجتمع والكون، فعلاقة المؤمن مع الله علاقة خضوع واستسلام، وعلاقته مع المجتمع علاقة تعارف وتعاون، وعلاقته مع ما في السماوات وما في الأرض
عقدا
علاقة تسخير ... تتضمن العقيدة الإسلامية طاقة روحيّة لها تأثير كبير في الحياة الإسلامية سواء الفردية أم الاجتماعية، ويلاحظ أنها تتخلّل جميع سور القرآن بلا استثناء وأنها تتخلل جميع أحكام الإسلام الأخلاقية والتشريعية» (2)، فحديث القرآن عن العقيدة لم ينحصر في الفترة المكية، إذ الملاحظ أن القرآن المدني لم ينتقل من العقيدة
إلى تشريع الأحكام العملية بل انتقل بالعقيدة وأحكم صلتها بجميع الأحكام. يتميّز التشريع الإسلامي في مخاطبة المكلفين عن طبيعة المواد القانونية الجافة المعروفة بالإخبار والإلزام، فهو يسعى إلى ربط الأحكام العملية بأصولها الإيمانية لتحرك في الإنسان جذوة الإيمان وتخلق فيه وازع الشعور بالمسؤولية، فقد عرضت الصلاة محاطة بنداء الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، وورد بعدها الحديث عن الكون المسبح بحمد الله حتى يشعر الإنسان أنه الكائن الوحيد الذي يعبد الله
،
(1) يوسف القرضاوي: الإيمان والحياة، ط 10 مكتبة، وهبة القاهرة - مصر 1416 هـ/ 1996 م: 307. (2) محمد المبارك، نظام الإسلام عقيدة وعبادة: 28. (1/355)
صفحة 347
356
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
اختيارا، وتثار في نفسه دواعي الغيرة حَتَّى يكون جزءاً مسبحا بحمد ربه من أجزاء هذا الكون الفسيح الذي لا يفتر عن العبادة، وكان في ذلك مشجعا بدواعي الترغيب والترهيب» (1).
أعمال الإنسان، الروحية منها والمدنية، أبعاد عقدية، لا تصلح إلا بصلاح العقيدة، فبذرة الإيمان إذا غرست في سويداء قلب المؤمن برزت ثمراتها الطيبة في أقواله وأعماله، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُوتِي أُكْلَهَا كُلِّ حِينٍ بإِذنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (إبراهيم: 24 - 25)، لأجل ذلك افتتح جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، دعواتهم بالتوحيد، فبدؤوا بترسيخ العقيدة الصحيحة وانطلقوا بها لإصلاح صور الفساد الأخرى، الذي طال مختلف مجالاتِ الحياة، كالجانب الاقتصادي في قوم شعيب، والجانب الأخلاقي والشذوذ المبتدع في قوم لوط عليه السلام. يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن مكارم الأخلاق التي بعث ليتممها، هي ثمرة الإيمان ذلك قوله: أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقا (2)، والقرآن كثيرًا
الصادق، ومن
ما يعرض الإيمان في أخلاق حسنة يتميّز بها المؤمنون من الكفرة والمنافقين (3). وروي عنه أنه قال: أَرْبَعٌ مَنْ كُنْ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ حَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَة)، فالصلة محكمة بين المعتقد والسلوك،
(1) حجيبة شيدخ: الوصل بين العقيدة والشريعة في الإسلام 371 (2) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وقال: «هذا حديث صحيح ولم يخرج في الصحيحين، وهو صحيح على شرط مسلم كتاب الإيمان، حديث: 02، 1/ 43.
(3) يوسف القرضاوي: الإيمان والحياة: 18 (4) البخاري: كتاب الإيمان باب علامة المنافق، حديث: 34، 21:1:مسلم کتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، بلفظ: «إذا حَدَّثَ كَذَبَ» بدلا من إذَا اؤْتُمِنَ خان»، حديث: 58، 1/ 78. (1/356)
صفحة 348
تمهيد: أثر الاعتقاد في توجيه السلوك
357
إن اعترى الإيمان مرض ظهرت أعراضه في الأخلاق، فكيف يتصور قوم أن الأخلاق لا صلة لها بالعقيدة؟» (1).
ينطلق المصلح الناجح من ترسيخ الإيمان ويسعى لإحكام المرجعية الإيمانية بمختلف المواضيع والمجالات التي يريد إصلاحها، لأن العقيدة هي الوازع الداخلي للوقوف عند حدود الله والاستباق إلى الخيرات ابتغاء رضوان الله، لأنَّ الإنسان قد يكون بنجوة من سلطان القانون والمجتمع فلم يبق إلا وازع الله تعالى واليوم الآخر (2)؛ ومنهج عرض العقيدة يؤثر في أبعادها الميدانية، فالصحابة و لما تلقوها صحيحة صافية وأشربت بها قلوبهم أثمرت فيهم فيضا إيمانيا غامرا وحركة إيجابية في مختلف مجالات الحياة. اجتهد الشيخ بيوض في الرجوع بالدرس العقدي إلى المنهج السلفي لاقتناعه أن لا منهج في باب العقيدة إلا منهج الله تعالى في كتابه الكريم (3)، ولهذا المنهج الحركي أبعاد منها اتخاد الشيخ بيوض من ميادين الحياة محرابا للعبادة يغشاها رغبا ورهبا، «يُقيل حيث يظن مرضاة الله تعالى ويرجو مثوبته، ويُدبر حيث يتوقع سخطه ويخشى عقابه)، فقد كان على يقين أنَّ الله سيحاسبه إن تولّى عن المرابطة في هذه الجبهات، إذ يقول: «أحس بأني ملنتُ إيمانا من مفرقي إلى قدمي بأنني خلقت لإنقاذ أمتي، وأنني إذا خرجت إلى الدنيا والعمل لنفسي عاقبني عقابًا شديدًا» (5).
(1) محمد قطب: لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة: 77.
(2). نديم الجسر: قصة الإيمان: 440.
(3) في رحاب القرآن سورة العنكبوت: 9/ 104 - 105.
الله
(4) محمد صالح ناصر: في رحاب القرآن المهرجان والتأبين كلمة الشيخ حمو بن عمر فخار في تأبين
الشيخ بيوض: 125.
(5) محمد ناصر: الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض مصلحا وزعيمًا، رسالة الشيخ بيوض إلى الشيخ أبي إسحاق اطفيش، بتاريخ: 24/ 9/ 1948 م: 112. (1/357)
صفحة 349
358
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
علاج القضايا الحياتية والأصل الإيماني:
إذا كان سلوك الإنسان ثمرة ما اعتقده من أفكار - بغض الطرف عن صحتها أو بطلانها - فإن أنجع وسيلة للتأثير والتغيير هي المرتكزة على تحريك الإيمان، كما قال: ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ()، لأجل ذلك كان التوحيد مفتاح دعوة الرسل جميعًا، فهو الأساس الذي يقوم عليه بناء الشريعة الشامل لكل مناحي الحياة، فما من خطأ صدر من عبد إلا كان نتيجة غفلته عن ذكر ربه ومراقبته، ذلك أنَّ خطيئته مهما صغرت - تعتبر مخالفة لمقتضى الإيمان العهدِ الذي أمضاه المؤمن مع ربّه ليكون له عبدا في كل أحواله، «والنجاة كل النجاة فيمن يعبد الله كأنه يراه، فعلى كل أحدٍ أن يستحضر الله في كل وقت، ويستعين به على كبح جماح نفسه في كل حال» (2).
بما أن البشر ليسوا معصومين، بل هم معرضون للغفلة والنسيان وارتكاب الأخطاء، فإن الله تعالى بمقتضى رحمته أرسل رسلا تترى لإصلاح أمور أقوامهم، كما جاء في القرآن على لسان خطيب الأنبياء سيدنا شعيب عليه السلام: إن اريد إلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ (مود: 88) كما قيض الله لهذه الأمة رجالاً يجددون للناس أمر دينهم، وأحسن وسيلة لإصلاح الأوضاع أن
يكون من الأصول، وإلا كانت العملية الإصلاحية حلولاً ترقيعية سطحية. هناك فرق بين علاج وعلاج فرق بين أن تعالج القضايا الأخلاقية أو الاجتماعية أو الاقتصادية - مثلاً - على أنها قضايا أخلاقية أو اجتماعية أو اقتصادية، وبين أن تعالج على أنها من مستلزمات الإيمان ومقتضيات "لا إله إلا
(1) البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه: حديث 52، 28/ 1؛ مسلم كتاب المساقاة، باب أخذي الجلال وترك الشبهات حديث: 1599، 3/ 1219.
(2) في رحاب القرآن سورة الأحزاب: 576/ 12 (1/358)
صفحة 350
الله
359
تمهيد: أثر الاعتقاد في توجيه السلوك التي تشمل كل مجالات الحياة، فالاجتهاد على القلوب لتحريك الإيمان الصحيح هو العلاج الجذري لكل القضايا العبادية والحياتية.
اعتمد الشيخ بيوض في عمليته الإصلاحية على تزكية القلوب داعيا إلى ربطها بربها لتمتلئ بتقواه، ومن ذلك قوله بمناسبة تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (الأحزاب: 70 - 71): ولنا في هَذِهِ وقفة لأن في الآية عبرة عظيمة لنا،
وفيها تربية خلقية تُحلّ بها جميع مشاكل الناس والخصومات التي تقع بينهم (2). وحرصا من الشيخ على تركيز اهتمامه على إصلاح القلوب قصد حل القضايا من جذورها صارح الذين يرتكبون المعاصي، ويدعون مع ذلك أن قلوبهم طيبة، بأنهم متناقضون مع أنفسهم، مخادعون الله وعباده، لأن القلب الطيب لا يجتمع مع العمل الفاسد)، بل كل إناء بما فيه ينضح، فالعمل السيئ مؤشر عن خلل في القلب، وذلك يقتضي انطلاق العملية الإصلاحية من القلب بتحريك جذوة الإيمان فيه، وفاقد الإيمان مختل الميزان لبعده عن النور الذي يمشي به المؤمن فتنقلب القيم عنده رأسًا على عقب، فمثل هَذا قد يتعدى الحدود ويحسب أنه يحسن صنعًا، أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مثلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِّنْهَا؟! (الأنعام: 122).
(4)
فالعملية الإصلاحية إذا لم تؤسس دعوتها على تحريك الإيمان في القلوب تعجز عن تحقيق التغيير العميق، وتحصل على حلول جزئية تحتاج إلى جهات خارجية لضمان تطبيقها، فقد ينضبط الإنسان تحت سلطة القانون أو المجتمع، ولكن إذا تهيأت له فرصة للانسلاخ منها لفَعَل لأنه يفقد الحصانة الإيمانية والوازع
(1) محمد قطب: لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة: 40.
(2) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 576/ 12.
(3)
(4)
من سورة الشعراء: 391/ 7
م. ن: 7/ 383. (1/359)
صفحة 351
360
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
الداخلي، ومنهج الشيخ بيوض في الإصلاح يرتكز على الدعوة إلى تطهير القلب تما يعتريه من أمراض، لضمان صلاح الجوارح واستقامتها، فالله يريد منا «أن تكون قلوبنا طاهرة، ويريد أن يقطع الفساد من جذوره، وجذوره في القلب، وإذا اجتنت من القلب إرادة الاستعلاء ومحبة الفساد صلحت الجوارح، واستمرت في الصراط المستقيم، ذلك لأن سلوك الإنسان في مختلف مجالات حياته ثمرة من ثمرات الإيمان وأبعاده.
وبما أن القلب الطيب لا يجتمع مع العمل الفاسد فقد ردّ الشيخ بيوض مزاعم العصاة الذين حاولوا تبرير مخالفاتهم الشرعية، كترك الصلاة والفسق والسرقة بكون قلوبهم طيبة، وحَكَمَ على دعواهم بالكذب والتناقض، وبين لهم أن مصلحتهم ليست في تبرير مخالفاتهم إنما هي في التوبة النصوح وإصلاح ما بأنفسهم، لعمري إن هذا لهو الضلال، والمحاداة الله تعالى، فتستح وتستغفر الله ولتب إليه أفضل لك، لا أن تحاول أن تغطي معاصيك التي لا تصدر إلا من قلب خبيث بدعوى طيبة القلب» (2).
سنطلع في المباحث الآتية على جوانب من مجالات الإصلاح عند الشيخ بيوض وعلى طريقته في علاج القضايا المتعلقة بها، محاولين إبراز العلاقة بينها وبين
أصولها الإيمانية.
(1) في رحاب القرآن، سورة القصص: 8/ 522.
(2) م. ن: سورة الشعراء: 391/ 7 - 392 (1/360)
صفحة 352
المبحث الأول: المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
المبحث الأول
المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
أولاً: معهد الحياة:
361
انحطاط
اقتنع الشيخ بيوض منذ بداية حركته الإصلاحية بضرورة النهوض بقطاع التربية والتعليم باعتباره أحسن وسيلة لإنقاذ الأمة مما تتخبط فيه من وتخلف، فسعى لإنشاء جيل متعلم مؤمن برسالته مؤهل لحمل راية الدعوة إلى الله على بصيرة، إذ يقول: «طريقتنا الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، إلى العلم الصحيح والإيمان الصادق (1)، فركيزتا العلم والإيمان ضرورتان للنهوض بالأمة، خاصة في تلك الظروف التي طال فيها ليل الاستعمار الذي يهدف إلى مسخ الشخصية الإسلامية، وقد ساعده على إحكام قبضته وتنفيذ مخططاته تردي الأوضاع من استئساد الجهل والخرافات ... «لا يحيا الدين وترتفع رايته بالدموع بل بالأعمال الصالحة، بإنشاء الجمعيات الخيرية الثقافية، والمدارس العربية الإسلامية والنوادي وخدمة الأمة بجميع الوسائل المنتجة» (2).
،،
فما على قائد الحركة إلا أن يواجه التحدّي بالتحدي، فأسس عام 1925 م ببيته "معهد الشباب الذي شهد نقلة نوعية في تطوير المناهج ثم انتقلت بناية المعهد إلى جوار المسجد الكبير في قلب المدينة، وسمّي "معهد الحياة" بعد تأسيس
جمعية الحياة عام 1937 م.
1 - أبعاده العقدية:
أسس معهد الحياة على قواعد إيمانية تتمثل في العناية بتدريس ما يبلغ إلى مرضاة الله، والجمع بين أصالة المبادئ وحداثة الوسائل، قال الشيخ عدون العضد
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 72/ 4.
(2)
م. ن، خطبة الشيخ بيوض بغرداية: 93/ 4 (1/361)
صفحة 353
362
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
الأيمن للشيخ بيوض: الغرض من التعليم في معهد الحياة ... هو التربية الدينية بأوسع معانيها، وذلك بالتركيز على معرفة الله حق المعرفة، والإيمان به إيمانا يبعث على العمل الصالح والسلوك الحسن والخلق الفاضل، فالمواد والفنون التي يزاولها الطالب ويتعاطاها إنما هي وسائل وبواعث يتدرع بها ليكون رجلاً تقيا صالحا، مؤهلاً للدخول في ميادين الحياة أيا كان نوعها، مجاهدا في سبيل الله طالبا لرضاه، وليعيش حياةً طيبة أرادها الله له في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال: 24)» (1).
وتأسيس الشيخ بيوض لمعهده في فترة الاستعمار البغيض حصن للعقيدة ورباط لمواجهة الزحف الصليبي، فهذا في نظره هو الحل الوحيد والسليم لمواجهة ومهاجمة الثقافة الفرنسية الهادفة إلى تحريف وتعقيم أصالتنا وديننا الإسلامي) (2) وحرصا من الشيخ بيوض على مقصد وحدة الأمة واجتماعها على نهج الوسطية، اجتهد على تعميم التعليم ليبلغ إشعاع المعهد أقصى مداه، فأنشأ دارا لبعثات الطلبة الوافدين من قرى وادي مزاب ومن سائر جهات القطر الجزائري وخارجه کتونس وليبيا وعمان جُهّزت الدار بالمرافق الحيوية المادية والروحية وهي الميدان التطبيقي الأوّل لما يتلقاه الطلبة من دروس وتوجيهات، و المجتمع المصغر الذي يتدرّب فيه الطالب المتمتع بالنظام الداخلي، على القيام بمختلف الواجبات الفردية والجماعية، ويتمرن على الانضباط للنظام العام، وعلى فنون التعامل مع الآخرين وأساليب القيادة الحكيمة.
بما أن القرآن الكريم أوّل ما ينبغي أن يُتعلّم من علم الله، فقد كان حفظه كله شرطًا أساسيا للالتحاق بمعهد الحياة (3)، فيتسنّى لمن اكتسب المقدار المعتبر من العلم
(1) شريفي سعيد (الشيخ عدون) معهد الحياة نشأته وتطوره، 68.
(2) أعوشت بكير: الشيخ إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي في الجزائر، ط 1، المطبعة العربي، غرداية
43.1987
(3) شريفي سعيد: معهد الحياة نشأته وتطوره، 67. (1/362)
صفحة 354
المبحث الأول: المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
363
الشرعي أن يزوّد نفسه بشتى أنواع المعارف والعلوم التي تتحقق بها عمارة الأرض وفق المنهج الرباني: وبعد أن تتحصل على علوم دينك وتروّض نفسك عَلَى الطاعة وترك المعصية اغتنم بعد ذلك ما شئت من علوم الدنيا» (1).
كان الشيخ بيوض يهدف من تأسيس المعهد إعداد شباب عملي، يتعلم ليعمل، شباب صحيح الإيمان يتحرك بالقرآن ويغشى به کل ميدان، وقد وصفهم بأنهم عُدة الأمة، هم لكتاب الله، حملة، ولسنّة نبيه رواة، وللعلم الصحيح حملة، وللدين الصحيح الخالي من الخرافات الباطلة دعاة ... ) (2).
هذه النوعية من الشباب يصنعها معهد الحياة الذي اجتهد القائمون عليه على تطويره من حيث مواد التدريس ومن حيث الطاقم التربوي، فقد كان يُعزز تباعًا بأساتذة أكفاء من طلبته القدماء الذين تخرج أكثرهم في جامعات شرقية، قال عنه بسام العسلي: «لقد شكل (معهد الحياة تجربة تربوية رائدة لا في الجزائر وحدها وإنما
في الوطن العربي الإسلامي، وهي تجربة تستحق كل اهتمام وبحث وتطوير» (3). من أهم أسباب نجاح الشيخ بيوض في مهمته التربوية وتطوير معهده اعتقاده أنَّ التدريس واجب إلهي يقوم به ابتغاء رضوانه، حيث يقول: «إنَّ المرء يشعر فيه أنه
يؤدي واجبًا إلهيًا مقدسًا فيشعر براحة الضمير وغبطة النفس برضا الله). ومما يدل على حرص الشيخ بيوض على إعداد الشباب العملي الصالح المصلح تأكيده على إبقاء المعهد بجوار المسجد، لما في ذلك من أبعاد تربوية لا يكتسبها النشء بالتربية النظرية، لأنَّ الغاية من المعهد التربية وإعداد النشء المسجدي بالقدوة والسلوك لا بالتربية النظرية فقط» (5).
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 314/ 15.
(2) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، خطبة الشيخ بيوض بغرداية: 4/ 103. (3) بسام العسلي: جهاد شعب الجزائر - عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثورة الجزائرية: 7/ 213. (4) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 197/ 2. (5) إبراهيم بيوض دروس من الهجرة 03 محرم 1392 هـ / 08/ 02 / 1972 م- قرص مدمج
تسجيلات الحياة. (1/363)
صفحة 355
364
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
كان إخلاص الشيخ بيوض في أداء واجبه التربوي من أهم أسباب نجاح رسالة معهده، وإنجاز ما كان يهدف منه من تحقيق الإصلاح الاجتماعي الشامل، قال محمد علي دبوز عن علاقة الشيخ بيوض بمعهده: إنَّ المعهد ميدان للعبادة، وأعماله كلها فيه جهاد في سبيل الله، وهي فرض واجب عليه لدينه وأمته، يؤديها في خشوع وتقديس لها كصلاته في المحراب فكان الله معه في معهده وأنواع جهاده الأخرى كما كان له فأعانه ووفقه وثبت خطاه» (1).
2 ثبات الغاية وتطوير الوسائل:
بقدر ثبات الغاية من تأسيس المعهد فإنَّ وسائله تميزت بالتطور المستمر، حيث وفق الله الشيخ بيوض إلى توجيه جهوده نحو التربية الإسلامية والعلوم العصرية بمناهج متطورة، إذ يقول: إنَّ العناية بالتربية الإسلامية الصحيحة مع التعليم الصحيح بأحسن المناهج، هو مبدئي منذ تصدّيت لمهنة التربية والتعليم في معهد شيخي الحاج عمر بن يحيى أولاً ثم في معهدي بعد ذلك» (2) واستفاد الشيخ بيوض من تجربة دعاة الإصلاح في مجال التعليم الذي يركز على نقاط، أهمها:
1 - نقد المناهج القديمة التي تميزت بالتحجر وتقديس القديم.
2 - الدعوة إلى تجنّب الخلافات والتعصب المذهبي، إذ أننا حين نراجع الكتب القديمة نجدها لا تخلو من الشتائم والتعصب، والانفتاح على المذاهب يعطي سعة الأفق ويمكن من القدرة على تجاوز الخلافات.
-3 - الاهتمام بالعقيدة الإسلامية وجعلها بمثابة الجذع المشترك لجميع العلوم الأخرى حتى تؤتي ثمارها.
-4 - الاهتمام بمقاصد الشريعة وأسرازها.
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح: 200/ 2.
(2) خطبة الشيخ بيوض بغرداية، محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 4/ 100. (1/364)
صفحة 356
المبحث الأول: المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
5 - اختيار الكتب الصالحة للتدريس (1).
365
التكوين العلمي الأصيل هو أساس التقدم في الميدان الروحي والمدني، فالأمة الصادقة في البعث الحضاري تولي هذا الجانب عناية كبرى، وما يشهده العالم الإسلامي من تقهقر في مختلف الأصعدة يُشكل ضعف التكوين العلمي سببه الرئيس، أو السبب الوحيد كما ذهب إلى ذلك الأستاذ محمد رشيد رضا، حيث يقول: «وإذا ما استقرينا أحوال المسلمين للبحث عن أسباب هذا الخذلان لا نجد إلأ سببًا واحدًا وَهوَ القصور في التعليم الديني إما بإهماله جملة كما هو الحال في بعض البلاد وإما بالسلوك إليه من غير طريقه القويمة كما في بعض آخر» (2). إنَّ الأمة المحرومة من هذا التكوين تصاب أجيالها في عقيدتها وتبرز آثارها في أنماط تفكيرها وعباداتها ومعاملاتها ... فإن كانت لهم عقائد فهي بقايا عقائد الجبرية والمرجئة، نحو أنه لا اختيار للعبد فيما يفعله، وإنما هو مجبور فيما يصدر منه جبرًا محضا فلهذا لا يؤاخذ عَلَى ترك الفرائض ولا اجترام السيئات، ومثل أن رحمة الله لا تدع ذنبًا حَتَّى تشمله بالغفران قطعا لا احتمال معه للعقاب، فليفعل الإنسان ما يفعل من الموبقات وليهمل ما يهمل من المفروضات فلا عقاب عليه، وما شاكل ذلك مما أدى إلى هدم الدين من نفوسهم (3).
المناهج التربوية والأسس العقدية:
نفى الشيخ بيوض جدوى الأساليب الحديثة في التربية وعلم النفس عند استغنائها عن نور الكتاب والسنة، لأنَّ الله خالق النفس وعلم النفس وعلماء النفس، أعلم بما يصلح بالإنسان ... كلا والله، وأقولها مجلجلة مدوية فلا تربية تنفع في إصلاح سلوك الإنسان وتحقيق سلامة قلبه إلا إذا كان مبنية على كتاب
(1) حجبة شيدخ: الوصل بين العقيدة والشريعة في الإسلام: 08 - 09. بتصرّف. (2) محمد رشيد رضا، تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ط 1، مطبعة المنار، مصر، 1324 هـ: 2/ 341.
342/ 2:- p (3)
ن: (1/365)
صفحة 357
366
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
الله وسنة رسوله، فاملأ أيها المربي المسلم قلوب ناشئتك ما استطعت بجلال الله ومحبته، والرغبة في نعيمه ورضوانه، والخوف من عذابه ونقمته، وبغير ذلك لا تجدي آية فلسفة تربوية لفلان أو علان (1) بل إنَّ الاستفادة من المناهج الغربية مشروط باكتساب الرصيد الديني وضمان الحصانة به، ذلك لأن الذي يمكن أن يستفيد من تلك العلوم في التربية وعلم النفس هو ذلك المربي، يضع كتاب الله في يمينه وسنة رسوله في شماله نبراسين ساطعين بنور الله يكشف معالم الطريق في أوله ووسطه وآخره، وهو يقوم بمهمته التربوية على أسس العقيدة الراسخة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ثم هو بعد ذلك يأخذ من التجارب الإنسانية الصادقة، ويتزوّد بكل نافع من القواعد الصحيحة والأساليب الناجحة في غرس الأخلاق الإنسانية الرفيعة لتكوين الفرد الصالح والمجتمع الفاضل» (2).
مع
فالشيخ بيوض يدعو إلى التلاقح الثقافي المتمثل في التمسك بالأصالة من التجارب الإنسانية الناجحة، ويحدر من الغزو الفكري الذي يتجلّى
الاستفادة
في الانبهار بقادة الغرب ومفكريه واتباع سنتهم ولو على حساب ثوابت الدين «أما نحن فقائدنا ومرشدنا هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدعونا إلى مغفرة الله ورضوانه، ويرسم منهجنا في الحياة (3) ويتمثل هذا المنهج في الجمع بين حسنة الدنيا وحسنة الآخرة ما لم تتعارضا، فهذا هو السبيل الذي نسلكه حَتَّى نلقى الله عليه بأن نجمع بين الحسنيين، ونعمل للدارين ما وجدنا لذلك من سبيل، وإن قدر لنا أن نخير بينهما فللآخرة خير وأبقى)، ويعني الشيخ هنا بالجمع أو التخيير الحرص على الجمع بين التعليم القرآني الحرّ والتعليم الرسمي، فإن منعت ظروف
(1) إبراهيم بيوض، حديث الشيخ الإمام ردا على بعض الشبهات والأوهام، الحلقة الأولى، إعداد وتنسيق الشيخ محمد إبراهيم سعيد (كعباش): 22
(2) م. ن.
(3) م. ن: 39. (4) م. ن: 39 - 40. (1/366)
صفحة 358
المبحث الأول: المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
367
قاهرة من الجمع بينهما فالأولوية للتعليم الحر لما يتميز به من الحصن الإيماني
الثقافة
والتكوين الشرعي. يهدف الشيخ بيوض من تأسيس معهده إلى مرامي أبعد مدى من الصرفة - إذ كان شعاره "الخلق قبل الثقافة - بل هي أبعد من تخريج شباب متخلّق صالح، إنه كان يقصد من وراء ذلك كله إعداد أجيال متواصلة مصلحة مؤهلة لقيادة الأمة والنهوض بها، معتقدا أن الخطوة الأولى هي غرس الإيمان الصحيح في قلوب الناشئة، فالقلب متى تذوق حلاوة هذا الإيمان واطمأن إليه وثبت عليه لابد مندفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب، في واقع الحياة، في دنيا الناس، يريد أن يوحد بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة» (3).
ابتكر الشيخ بيوض لبلوغ هذه الغايات آليات وأنشأ في رحاب المعهد جمعيات
""
في مختلف التخصصات، منها جمعية قدماء التلاميذ التي تعد وسيلة هامة لاستثمار جهود المعهد وتفعيل أدوار طلبته في ميادين الحياة، وأهم أنشطة هذه الجمعية عقد المؤتمرات العامة التي يدعى إليها كافة الطلبة، المتمدرسين والخريجين، فيجتمعون مع أستاذهم اجتماع القائد بجنوده المدربين لتقييم مسيرتهم، وتكليفهم بالمهام الميدانية وتسديدهم وتوجيههم، ومن أغراض هذا المؤتمر «جمع شتات الأعضاء والمحافظة على الروابط المتينة التي تكونت في زمن الدراسة، وبث تعاليم الأستاذ في نفوسهم وفي المجتمعات التي يتصلون بها، وخدمة المشاريع العلمية بجميع الوسائل والمشاركة في الإصلاح العام بقدر الاستطاعة، والنزول في ميادين الكفاح والجهاد الوطني في نظام وخطط مرسومة تحقق الغاية المطلوبة، وتضمن النتيجة المرغوبة» (2).
(1) سيد قطب في ظلال القرآن: 5/ 7. (2) محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ط 1، المطبعة العربية، الجزائر، 1389 هـ / 1969 م، خطاب الشيخ عدون في المؤتمر الأول لجمعية قدماء التلاميذ المنعقد عام 1945.
بالقرارة: 191/ 3 - 192.
24 (1/367)
صفحة 359
368
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
ومن القضايا التي تتكفل بها جمعية قدماء التلاميذ إعداد مقررات التعليم الحر في المدارس الابتدائية القرآنية التي تشرف عليها الجمعيات الإصلاحية، في وادي مزاب وفي فروعها في مدن التل الجزائري، لتتكامل والتعليم الفرنسي الحكومي؛ فقد استقبل وادي مزاب التعليم الحكومي الفرنسي في مستهل القرن العشرين بالرفض باعتباره كفرا، ومن مساعي الحركة الإصلاحية تحت قيادة الشيخ بيوض - الدعوة إلى الجمع بين التعليم الفرنسي والتعليم العربي الحر، وذلك بتطوير محتوى برنامج التعليم الحر وتوقيته الزمني، فاهتدت إلى تدريسه طرفي النهار ليتكامل مع التعليم الرسمي ولا يتعارض، وكملت المدارس الحرة تعليم الحكومة فلم يعد ناقصاً، وخصت الأبناء بدروسها في العقيدة الإسلامية وفي التاريخ الإسلامي والفقه ودروس الأخلاق ... فلم يستطع المعلمون الصليبيون
المتعصبون أن ينفذوا إلى نفوس التلاميذ فيبثوا فيها الزيغ والإلحاد ... » (1). فالبعد العقدي لهذا المنهج الإصلاحي الجامع يتمثل في عدم حرمان ناشئة الإسلام من العلوم المادية والحياتية كالمواد العلمية والرياضية واللغات الحية، إضافةً إلى رأس المال المتمثل في تحصين الأبناء من الزيغ في العقيدة والتوجيه في الأفكار، وبذلك تتوازن شخصية المسلم وينطلق لخلافة الله في الأرض.
3 معهد الحياة لكل ميادين الحياة
يهدف معهد الحياة إلى إعداد أجيال من الطلبة مستقيمة السيرة مثقفة بعلوم العصر مؤهلة لخدمة الأمة ورفع راية الدعوة إلى الله على بصيرة، يقول الشيخ عن هذه الغاية: بيوض يعمل لحياة الدين والأمة بتكوين الشباب الصالح المثقف لأنهم حياة الدين وعماد الأمة وقلبها النابض بالحياة، وقد خدمت ديني وأمتي بهذا
الجيش من تلاميذي» (2).
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 42/ 1. م. ن: 4/ 101.
(2) (1/368)
صفحة 360
المبحث الأول: المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
369
فقد عمل الشيخ على تأهيل هذه النخب رجال الدين والدنيا وذلك بإعدادهم لخدمة الأمة وقيادتها، وذلك بالجمع بين التكوين النظري والعملي الميداني في عمق المجتمع الذي يُعدّهم للنهوض به، فإذا كان الطالب الجامعي يُجبر على حضور الحصص التطبيقية داخل القاعات وإعداد المشاريع الميدانية، فإن الشيخ بيوض يُلزم طلبته بشهود الدروس العملية الميدانية في شتى دروب الحياة حيث يقول: «لا أرضى من تلميذي أن يقتصر على قراءة دروسه ومطالعتها بين الجدران، وَهُوَ منزو منكمش لا يعرف عن الحياة شيئًا، أريد من تلاميذي أن يطبقوا معلوماتهم في المجتمع الذي يسارعون لخدمته، ويختلطون به فيعرفونه حق المعرفة فيستعدون كل الاستعداد لمعالجة أمراضه» (1).
وقد عاتب أحد تلاميذه واشتد غضبه عليه لغيابه عن شهود إحدى الوقائع التاريخية في سوق القرارة، ولم يشفع فيه اشتغاله بدروسه عن حضور المشهد التاريخي، لقناعة الشيخ أنَّ التكوين النظري لا يغني عن معاينة الحوادث الواقعية والاعتبار بها، حيث يقول عن دور متابعة الأحداث في تكوين الشخصية الفاعلة: فاذهب إليها، وانظر، واعتبر، منظر واحد تتأمل فيه خير من ألف درس نظري بين الجدران!» (2).
إن تحديد الهدف ووضوحه يساعد على اختيار الوسائل الموصلة إليه، فقد اقتنع الشيخ بيوض بفكرة إصلاح مجتمعه والنهوض به فأعد لهذا الغرض طلبته وكلّفهم همه، وأقنعهم أن بأيديهم مقاليد مستقبل أمتهم وأنهم أجدر بقيادتها والتحليق بها، مؤكدًا أنَّ ذلك لا يتحقق بالتمني إنما بصدق العزم والنية، وحسن الأخلاق وفرض الوجود بالعمل الميداني المتواصل، ففي إحدى مؤتمرات جمعية قدماء التلاميذ دعا الشيخ طلبته إلى اقتحام ميادين الإصلاح الاجتماعي بالحكمة والبصيرة وبين لهم حسن عاقبة ذلك الإقدام: «فإنكم بذلك تفرضون وجودكم وتعرفون بأنفسكم
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 4/ 101. (2) م. ن. (1/369)
صفحة 361
370
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
وتحملون الناس على احترامكم، وتعلّمون الأمة كيف تنقاد للمثقفين، وهذا لا يكون إلا بصفاء القلب وطهارة الضمير، وإخلاص النية في القول والعمل، وإياكم والعنصرية فإنها الداء العضال (1)
يلاحظ تركيز الشيخ على صفة الإخلاص لأنها أساس التوفيق والنجاح، ويتجلّى ثمة البعد العقدي لمؤسسته التربوية، فرغم تحريضه الأكيد طلبته على قيادة الأمة وترأس مجالسها وإبداء سروره عندما يرى بعضهم يتصدرون المجالس ويترأسون الجماعات على صغر سنهم، إلا أنه ذكرهم بعدم جعل السيادة والقيادة الغاية، ووجههم إلى فعل الخير ابتغاء وجه الله تعالى، فإن عُرضت عليهم مسؤولية وأنسوا من أنفسهم كفاءة فعليهم بالإقدام غير هتابين ولا وكلين، وضرب لهم من نفسه مثلاً ليكون قدوتهم العملية إلى الخير، فقال لهم بعد استعراض بعض نشاطاته الاجتماعية التي كان يقوم بها موازاة مع مهمَّة التدريس: ... لا أسأل عن عمل أجرًا ولم تخطر ببالي سيادة ولا رئاسة ولا زعامة ... » (2).
هي
كان الشيخ بيوض يحمّل طلبته همه ويذكرهم برسالتهم في الحياة، ويقنعهم أنه قد حان دورهم لاستلام الراية والسير بالأمة نحو الأمام ... ومن ذلك قوله في مؤتمر قدماء التلاميذ: «أيها الشباب المتعلمون: إنَّ الدولة دولتكم وإن الدور دوركم، وأن اليوم لكم فييدكم مقاليد المستقبل، وأنتم أقدر على الناس على تحويل اتجاه الأمة إلى حيث تريدون إنكم الأيمة والأمة تبع لكم، بل إنكم أنتم الأمة لو عرفتم أقداركم أيها الشباب المثقفون: لقد آن لكم أن تنتزعوا قيادة الأمة من أيدي الجهلة الأميين ... فتداركوها وروح القدس معكم (3).
ولا يُخفي الشيخ سروره عندما يرى بواكير معهده شبابًا يافعا يسدون ثغرات في المجتمع ويتصدرون بعض المجالس في مزاب أو مدن التل: «سرني والله أن أرى
(1) محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة: 206/ 3
207/ 3:3
م. ن: 3/ 205.
(2)
(3) (1/370)
صفحة 362
المبحث الأول: المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
371
بعضا منكم رأس جماعات وتصدر مجالس ولم يطر له شارب وما ذلك إلا لحسن خلقه وحكمته ورصانته» ()، فكان الشيخ يتابع أنشطة طلبته في المجتمع الذي أعدهم للنهوض به، يوجههم ويراسلهم معبرًا لهم أن أخبار مواقفهم الإيجابية أحب إليه من حمر النعم (2).
فقد انبث مئات من خريجي المعهد في مدن الشمال الجزائري، تتجلى آثار تكوينهم الإيماني العملي في مختلف مجالات الحياة، وكانوا نماذج تحتذى في الأقوال والأعمال، فوقفوا مع جمعية العلماء" بكل ما أوتوا من قوة ... ولما اندلعت الثورة، كانوا في الشمال والجنوب جندَها المخلص وأنصارها الثابتين وكانت دكاكينهم التجارية ومساكنهم في مدن الشمال معاقل للثورة، ومستودعا لأسرارها وأموالها، وملتقى لضباطها وملاجئ لثوارها، وكانوا يعملون على دعم الثورة وتنفيذ مخططاتها بكفاءة عالية وإيمان صلب، ويعتبرون جهادهم في الثورة هو جهاد في سبيل الله، يقومون به لوجه الله (3).
وحفاظا على سلامة العقيدة واستثمارها في ميادين الحياة أكد الشيخ بيوض على ضرورة التشبث بالتعليم الحرّ مهما كان الثمن، لأن برامج التعليم الرسمي لا تعطي للمواد الدينية ما تستحقه من العناية، إذ يقول: «ولذا فإننا لا نحيد عن موقفنا من التعليم الديني، بل نتعصب له ولو ببذل الأرواح، لأننا نعتقد أن المصائب كلّها تهون إذا سلمت لنا عقائدنا واستقام ديننا ()، فهنا يتجلى البعد العقدي واضحا في تأسيس المدارس والمعاهد الشرعية، لأنه لا خلاص للأمة إلا بالاهتمام به اهتمامها ببناء المساجد.
(1) محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة: 3/ 206. (2) حمو بن عمر فخار: كان حديثا حسنًا: 79.
(3) بسام العسلي: جهاد شعب الجزائر: 7/ 219 - 220.
(4) إبراهيم بيوض، حديث الشيخ الإمام ردا على بعض الشبهات والأوهام، الحلقة الأولى، إعداد وتنسيق
الشيخ محمد إبراهيم سعيد (كعباش): 31. (1/371)
صفحة 363
372
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
تعرض التعليم الحر في وادي مزاب إلى انتقادات عدة، منها: كونه يرهق التلاميذ ويعرضهم لبعض الأمراض لتعدّر الجمع بين التعليمين الرسمي والحر، فأجاب الشيخ بيوض بأن تجربة خمسين عاما من الجمع بين التعليمين أثبتت نتائج إيجابية من حيث التحصيل العلمي والصحة الموفورة، بل نقولها كلمة حق مدوية: فيما لو تبين لنا إرهاق وضعف في أحد أولادنا، بحيث لا يستطيع أن يجمع بين التعليمين، فإننا سوف نقطعه عن التعليم الرسمي اكتفاء بما يتلقاه من التعليم الذي يحفظ عليه أمر دينه وليفعل الله ما يشاء! ... وحسبنا بذلك أننا أرضينا الله وأرضينا ضمائرنا ()، والنتائج الميدانية في التعليم الرسمي تسفر عن تفوق تلاميذه المتمتعين
بالتعليم الحرّ طرفي النهار.
ثانيا: رسالة المسجد:
لم يكتف الشيخ بتكوين الناشئة وإعدادها بل عمل على تعميم العلم والثقافة الواسعة كل شرائح المجتمع، فخطا بالأمة خطوة حضارية جريئة وهي تفعيل دور المسجد وتحويله إلى جامعة مفتوحة.
-1 تحويل المسجد إلى جامعة شعبية:
آمن الشيخ بيوض بضرورة العلم لنهضة الأمة فوظف منبر المسجد لتعميم التعليم جميع رواده من مختلف شرائح المجتمع، يقول الدكتور محمد صالح ناصر أحد خريجي الجامعتين عن الشيخ بيوض: أدرك بحسه الإصلاحي واطلاعه على الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي، أنه لا بد من وضع خطة عمليّة طويلة النفس، تحوّل المسجد إلى منارة إشعاع، تمد الناس بالنور في جميع مناحي حياتهم الدنيوية منها والأخروية، فما كان منه إلا أن حول المسجد إلى جامعة شعبية، لا يقتصر فيها على الوعظ
(1) إبراهيم بيوض، حديث الشيخ الإمام: 37. (1/372)
صفحة 364
المبحث الأول: المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
373
والإرشاد وحدهما، وإنما يقدّم فيه أطايب المعرفة الإسلامية مبسوطة على مائدة القرآن الكريم وسنة النبيء محمد م م)
استغل الشيخ بيوض مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي العام، ومنزلته المتميزة في المجتمع المزابي، الذي يشرف عليه مجلس العزابة، الهيئة الروحية ذات الأبعاد الميدانية والمهام المتعدّدة، الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية (2)، فجعله المنبر الأول لحركته الإصلاحية، من حيث الإرشاد والتعليم والتوجيه العام لكل طبقات المجتمع وهيئاته لإحداث الإصلاح الشامل في مختلف مناحي الحياة انطلاقا من تكوين الأمة في أصول عقيدتها الدينية، وقد كانت مشوية بكثير من الخرافات وإرساء قواعد تشريعها الإسلامي على الكتاب والسنة
(3)
والاجتهاد الصحيح رابط الشيخ بيوض أكثر من نصف قرن في منبر المسجد مجتهدا في تجديد دوره ليؤدّي رسالته الشاملة، فحرص على تفعيل دروسه والاهتمام بقضايا الأمة الراهنة للتمكن من إيجاد حلول عملية لها، وسعى من جهة أخرى لإحياء وظيفة المسجد التعليمية بتدريس العلوم المختلفة فيه، وتفعيل دروس الوعظ والإرشاد يجعلها تتسم بالواقعية والشمول والتجديد» (4).
2 الدروس الواقعية والمرجعية الإيمانية يبين الشيخ ما يجب أن تكون عليه الدروس المسجدية قائلاً: «ودروسنا ومواعظنا يجب أن تكون في الأمراض التي ابتلينا بها لمعالجتها، وليست كلمات عامة
(1) محمد صالح ناصر في رحاب القرآن (المهرجان والتأبين): 06.
(2) عوض خليفات النظم الاجتماعية عند الإباضية في إفريقية في مرحلة الكتمان: 43. (3) محمد صالح ناصر: في رحاب القرآن المهرجان والتأبين كلمة الأستاذ محمد الشيخ بالحاج في تأبين الشيخ يتوض: 119.
(4) سكحال نور الدين: الشيخ إبراهيم بيوض ومنهجه في الإصلاح، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في العلوم الإسلامية، جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة - الجزائر، السنة الجامعية: 1994 - 1995 م: 377. (1/373)
صفحة 365
374
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
ذلك قوله
نمر عليها دون أن نضع أيدينا على مواضع الجروح، بل يجب علينا أن نضع الهناء فوق موضع النقب (3) رابط الشيخ في ذلك الثغر أكثر من نصف قرن، يعلم الناس الكتاب ويزكيهم، ويعرض واقع المسلمين على القرآن الكريم، ومن بمناسبة تذكيره بتصحيح خطأ شائع متعلّق بالعقيدة: «ليس الكلام في هذا الموضوع جديدا، بل هو قديم، فمنذ أن جلست على هذا الكرسي للوعظ والإرشاد من قرابة خمسين عاما وأنا أذكر وأحدر، والقيتُ مئات ومئات من الدروس في تصحيح العقيدة، ووجوب الاعتماد على الله وحده دون غيره ... » (2).
كان الشيخ بيوض حريصًا على إحكام صلة مختلف المواضيع بمرجعيتها الإيمانية، جريئًا في تناول القضايا الواقعية صريحا في وضع الدواء في موضع الداء، ويعتقد أنَّ ذلك من مقتضى إيمانه، الذي يمنعه من كتمان الحق والسكوت عن المنكر، حيث يقول: .... إنما أخاف على قبري لأني مسؤول عَلَى إرشادك ... ورأيتك تفعل منكرًا واستطعت أن أنهاك فحرام علي أن أسكت، وإذا أمرت ونهيتُ فخوفًا من الله أن يعاقبني، كما قال في الذين كفروا من بني إسرائيل: لُعِنَ الذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ دَالِكَ بِمَا عَصَوا وكَانُوا يَعْتَدُونَ) (المائدة: (78) (3).
تيقن الشيخ بيوض حرمة السكوت عن قول الحق خوفًا من غضب العامة، وصرّح بأن الأمة أوتيت من هذا الجانب الذي أصيب به بعض الدعاة، الذين ذكرهم بضرورة الجرأة في قول الحق ابتغاء وجه الله: «فكان الواحد منا يخاف أن يصادم آراء العامة ويخاف قولة الحق لأن العامة لا تقبلها، ولكن قل الحق ولا يهمك أمرُ الناس قبلوه أم رفضوه، وهذا ما ننتهجه، أما أن يكون العالم يتملّق للعامة فلا يقول إلا ما يرضيهم، أو ما لا يخالف آراء آبائهم وأجدادهم فهذا
(1) في رحاب القرآن، سورة المؤمنون: 85/ 5.
(2) من سورة لقمان: 11/ 200.
(3) م. ن: سورة سبأ: 13/ 241. (1/374)
صفحة 366
المبحث الأول: المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
375
حرام ... وإنما علينا أن نمتثل قول الله تعالى وأمره: {وَقُلِ اللَّهُ ثُمَّ دَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} (الأنعام (91) فاستمسكوا بالآية وردّدوها في كلّ حين» (3).
لاقى الشيخ بيوض عدة عراقيل بسبب طريقته الجريئة في دروسه المسجدية من قبل أرباب الطريقة التقليدية، وصل صداها إلى من تقلد مناصب في السلطة بعد الاستقلال، وقال لسان حالهم ..... لا تعلم أبناءك أمور دينهم، ولا تلتزم أنت بتربيتهم على الصلاح والتقوى لأن الدولة تكفلهم، ولا تقم على بيت الله لأنك تشوش الجماهير، ولا تفسر القرآن لأنك تعرّض بالنظام وتقلق أولياء الأمور ... » (2). إمتثل الشيخ بيوض أمر الله تعالى: {قُلِ اللهُ ثُمَّ دَرْهُمْ فِي حَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} (الأنعام: (91) واستمسك به في مسيرته الدعوية الطويلة، في المسجد وفي المجتمع الخارجي، بل لم يتركها حتى في أحلك الظروف، كأيام السجن التي قدرت له (3) حيث كان يقدم التوجيهات للسجناء ويصحح لهم التصورات، ومن قوله: «ولقد وقع لي أيام السجن نقاش كبير مع بعض المسجونين الذين يرون هذا ... وقلت لهم: إِنَّ الله تعالى لم يُبح هذا، وإنما شرع طرقا للتأديب والتربية (4). تأسى الشيخ في ذلك برسل الله الذين لم يتركوا التبليغ إلى أن جاءهم اليقين، وأوصى الدعاة إلى الله بالمصابرة في هذا الدرب تأسيا بهم، فكما أن الرسل لم يتركوا التبليغ والدعوة بسبب كثرة المكذبين، فكذلك على خلفائهم الأ يتركوا التبليغ والدعوة إلى الله لأنَّ الناس آدوهم، أو لم يستجب لهم أحد (5).
ذلك
(1) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 248/ 11. (2) إبراهيم بيوض، حديث الشيخ الإمام رداً على بعض الشبهات والأوهام، الحلقة الأولى، إعداد وتنسيق الشيخ محمد إبراهيم سعيد (كعباش): 84
04
(3) كان ذلك في ظل الاستقلال الوطني الذي ناضل من أجله، فقد نقل من القرارة مسقط رأسه إلى الجزائر العاصمة يوم 13 أكتوبر 1964، وأودع سجن الحراش، وقضى فيه 88 يوما، ثم أطلق سراحه يوم. جانفي 1965 م. (في رحاب القرآن: 503/ 11، هامش: 01).
(4) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 11/ 503.
(5)
م. ن: سورة فاطر: 13/ 483 (1/375)
صفحة 367
376
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
كان الشيخ يزداد صدعًا بالحق ويرفع به صوته عند اقتضاء الأمر واشتداده: ونحن إذا صرخنا وأعلينا صوتنا فلأن الأمر خطير جدا ونخاف أن يجرفنا السيل ... ()، تتمثل دروس الشيخ بيوض المسجدية في تفسير القرآن الكريم " في رحاب الله، والحديث النبوي الشريف، وشرح بعض أمهات الكتب، إلى جانب الدروس المتفرقة التي تعالج القضايا الراهنة، يصفها الشيخ عدون بأنها «دروس حية تبعث الحياة في القلوب الميتة تدعو إلى الدين الصحيح، والخلق المتين، وإلى الإصلاح العلمي والاجتماعي والاقتصادي ... (2)
1 - درس التفسير:
كان الشيخ بيوض يهدف من تفسير القرآن الكريم إصلاح المجتمع وتربيته مركزا على تصحيح العقيدة وتحريك الإيمان وإعداد الجيل الذي يتحرك بالقرآن، إن مقصدي من هذه الدروس وغيرها هو مقصد الشيخ محمد عبده، أن أخلق عقولاً تتذوّق بلاغة القرآن، ونفوسًا فيها طهرُ القرآن وتلامذة مصلحين يكونون جند القرآن» (3).
القرآن مصدر الهداية، وبما أن أفراد الأمة كلهم في أمس الحاجة إليها لإصلاح شؤونهم المناسكية والحياتية، الخاصة والعامة، فإن تفسير القرآن لهم جميعا من أنجع الوسائل لتعميم أخلاق القرآن والتحرك به في كل مناحي الحياة، وتفسير القرآن لجميع الأمة من مزايا رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كما قال الشيخ أحمد حماني في مهرجان ختم الشيخ بيوض لتفسير القرآن الكريم: فهذا عالم الجزائر الأول عبد الحميد بن باديس ختم القرآن دراسة لجميع الأمة في الجامع الأخضر، وهذا عالم الجزائر الثاني من الراسخين يختم القرآن دراسة لهداية الأمة
(1) في رحاب القرآن سورة مريم: 132/ 3 (2) شريفي سعيد: معهد الحياة نشأته وتطوره: 46. (3) محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة: 2/ 30. (1/376)
صفحة 368
المبحث الأول: المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
377
هذه
في جامع القرارة، فهذه نكتة وملاحظة يجب أن يلاحظها كل من يتكلم عن الأمة ويدرس عظمة شعبها شعب الجزائر، فإنَّ الهداية إذا أردنا أن نطلبها ونظفر بها حقا فإنما نجدها في هداية القرآن (1).
اعتقد الشيخ بيوض أن أنجع وسيلة للتغيير هي المنطلقة من إصلاح القلوب وبما أن القرآن شفاء لجميع الأسقام النفسية والعلاقات الإنسانية، فهو العمدة في الدعوة إلى الله، وأحسن وسيلة لإحداث الإصلاح الجذري الشامل، وأشار الشيخ إلى ذلك بمناسبة الحديث عن غرضه من تفسير كتاب الله، حيث يقول: «ولما شعرت بحاجة الأمة إلى أخلاق القرآن شرعت في التفسير (2).
وجه الشيخ بيوض درس التفسير توجيها عمليا، فإضافةً إلى تبيين أحكام الله المناسكية حرص على توطيد علاقة الإنسان بالكون الفسيح الذي أودع الله فيه سننا وأسرارًا وأمرنا باكتشافها والأخذ بها، ونظرًا لأثر درس التفسير الفعال في تربية الفرد والمجتمع كان الشيخ يهتم به اهتماما خاصا فيعده أحسن إعدادٍ من أحسن المراجع، ويلقيه أحسن إلقاء، ويستعمل فيه ذكاءه الوقاد كل الاستعمال فيستخرج من أسرار القرآن ما لم يهتد إليه القدماء» (3).
-2 درس الحديث الشريف
أولى الشيخ بيوض عناية خاصة للسنة النبوية إلى جانب درس التفسير الذي وهب له جلّ حياته، حيث شرح مسند الربيع بن حبيب، ثم شرح كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني لمدة أربعة عشر عاما
(p 1945/1364 - 1931/_1350)
وكان لدرس الحديث أثر إيجابي في الوسط الاجتماعي، حيث يقول الشيخ عدون في الحفل الخاص بختم شرح كتاب فتح الباري: .... وإذا احتفلنا اليوم
(2)
(1) محمد صالح ناصر: في رحاب القرآن (المهرجان والتأبين)، كلمة الأستاذ أحمد حماني في المهرجان: 31. م. ن: ندوة الشيخ بيوض مع الإذاعة والتلفزيون الجزائرية بمناسبة ختمه تفسير القرآن الكريم: 76. (3) محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة: 74/ 3. (1/377)
صفحة 369
378
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
بختم كتاب صحيح البخاري فلأننا نحتفل بأمر عظيم، تأتي على قدره العظائم، تنتج عنه آثار كبار، وانقلابات خطيرة في الفقه والتشريع، والسلوك والأخلاق في
الدين والدنيا (1)
3 - الدروس العامة:
كان الشيخ بيوض يلقي - إلى جانب درس التفسير والحديث- دروسا في مواضيع متفرقة مستخلصة من الواقع المعيش هادفة إلى النهوض به، جاء بعضها حلقات في موضوع واحد، منها: العلاقات الزوجية، المجتمع المسجدي، الفلسفة وخطر الإلحاد، دروس الهجرة، وقد شرعت "تسجيلات الحياة بالقرارة – مشكورة في نقل هذه الدروس من الأشرطة إلى الأقراص المضغوطة.
مزايا الدرس الشفوي:
من المزايا التي كان الشيخ بيوض يستثمرها في دروسه قوة الحافظة وبراعة الاستشهاد وسرعة البداهة، ضيف إلى ذلك فقهه الواقع وأفقه الواسع، لذلك جاءت دروسه في التفسير وغيره مرتجلة مؤثرة، كما صرّح بذلك: «ليس من عادتي سرد النصوص إلا نادرا، لأنني أعتبر الكلام الموجه للمخاطبين مباشرة أشد تأثيرا، والسرد لا يُستعمل إلا لضرورة ملحة (2). فإن تحرّر الشيخ من أسر الأوراق يمكنه
من إيصال خطابه إلى المعنيين مباشرة، معززا بنظراته المؤثرة.
كما كان يخص الشباب بخطاب مباشر لتحصينهم من الدعايات الإغرائية بقطع معاذيرهم الموهومة في الاستجابة لها، وتحميلهم مسؤوليتهم كاملة ومن ذلك قوله: «فافهموا أيها الشباب أنه لا عذر لكم أبدًا أمام الله وأمام الناس أن يقول أحدكم فلانٌ أغواني أو غرني، ومن الغباوة والسخافة أن يقول عاقل: "فلان
(1) محمد ناصر بوحجام الشيخ إبراهيم بيوض المصلح المربي، خطبة الشيخ عدون 104.
(2) في رحاب القرآن، سورة يس: 05/ 14. (1/378)
صفحة 370
المبحث الأول: المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
379
غرني، أليس لك عقل أو إدراك؟! ألا تفهم ما الذي يريده بك؟ أخيرا أم شرا؟ وهذا أبسط شيء يدركه كل أحد (1).
إضافةً إلى التأثير القوي الذي يتميز به الدرس المرتجل فإنه يولّد أفكارًا جديدة في ذهن المتكلّم، وما أكثرها في دروس الشيخ بيوض، وكان يصرح بأنها "بنت اللحظة، كما يمكن صاحب الدرس من التفاعل مع المستمعين ومحاورتهم
(2)
والإجابة عن إشكالاتهم لم يحضر الشيخ بيوض رسالة المسجد على الجانب التعبدي، بل كانت الدروس المسجدية تطال كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ... - سواء كان درس التفسير أو غيره، لأن غرض الشيخ منها هو إصلاح الأوضاع وتغيير الطباع، حيث يقول عن درس التفسير ودوره في محاربة الاستعمار: جعلت كتاب الله عمدتي في الدعوة إلى الله، وكنت حربًا عَلَى الاستعمار الذي يجند شبابنا جبرًا ويمنعنا من التعليم الحرّ منعًا، ويعمل كلّ وسيلة للتعطيل، وكنت أداوره وأداريه تارةً، وأدافع عنه تارةً أخرى، ورأيت أن أنفع شيء لذلك هو كتاب الله، فشرعت في التفسير (3).
لم يكن غرض الشيخ بيوض من إلقاء الدروس تثقيف العقول فحسب، بل كان يهدف من وراء ذلك إلى المقصد الهدائي، ومن تتبعها باهتمام يستفيد علما ويزداد إيمانا وتقوى، وليست الحكمة في أن نعلم شيئًا نجهله فقط، وإنما الحكمة في جني ثمرة هذا العلم) فكان ينطلق من تفسير القرآن لخدمة قضايا الأمة الراهنة، حيث يقول: «إنني اتخلص في درس اتخلص في درس التفسير بسهولة إلى المواضيع الاجتماعية التي أريد الحديث فيها (5).
(1) في رحاب القرآن، سورة سبأ: 13/ 271. (2) م. ن: 13/ 344، 21.
(3) م. ن: سورة الإسراء: 1/ 33.
(4) م. ن: سورة مريم: 99/ 3.
(5) محمد علي دبوز أعلام الإصلاح في الجزائر، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر. (1/379)
صفحة 371
380
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
وقال عند اختتامه لتفسير إحدى السور: .... نرجو أن تترك فينا أثرًا يظهر في
سلوكنا صدقا في القول، وصلاحًا في العمل واستقامة على الطريق» (1). 3 تكوين المجتمع المسجدي يمثل المسجد في مجتمعات إباضية شمال إفريقيا المؤسسة العليا في الهرم الاجتماعي، تشرف عليه - حلقة العزابة، إلا أن سلطة هذه الهيئة على المجتمع تعتريها فترات ضعف، حرص الشيخ بيوض على أن يرجع للمسجد مكانته ومرجعيته الدينية والمدنية، فتيسر له ذلك عن طريق تفسير كتاب الله سعيا لإستماطه على الواقع لإصلاحه بنور هداياته، متوسلاً بتفعيل مختلف المؤسسات والتنسيق بينها، هذه للتعاون على القيام بمبدأ لأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الشيخ عن المؤسسات وعلاقتها بالمسجد: «مجتمعنا خيمة مبنية على كتاب الله، رأسها وركيزتها المسجد تحتها هذه المؤسسات المعهد المحاضر المدارس العشائر كذلك تتعاون مع المسجد، من عصى عشيرته يبرأ منه في المسجد، ومن دعي إلى المسجد وامتنع بدون مبرر يبرأ منه في المسجد (2).
فعل المسجد دور هذه المؤسسات، وعمل على تطويرها في إطار "الثابت والمتغير" و"الأصالة والتفتح، وتميزت حركة الشيخ بيوض بإحداث التغيير، من الداخل، بطريقة متوازنة شعاره في ذلك: «القبول المطلق ضياع، والرفض المطلق انغلاق
تتعلق قلوب أفراد المجتمع المسجدي ببيت الله، ويتجلى ذلك من خلال المظاهر الآتية:
-
1 عمارته بالذكر والصلاة، فالرجال على مختلف أعمارهم، لا يخرجون من المسجد إلا ليعودوا إليه، ومراعاة لهذا المقصد، وتعويدا للشباب والأحداث على
125/ 3 1978/ 1398
=
(1) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 606/ 14.
(2) إبراهيم بيوض: المجتمع المسجدي: 76. (1/380)
صفحة 372
المبحث الأول: المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
381
عمارة المسجد، حرص الشيخ بيوض على كون المعهد بجوار المسجد، وعلى الإبقاء على (المحاضر)، دور القرآن التابعة للمسجد مبنى وإشرافًا.
-2 عمارته بتشييد بنائه، حيث يلاحظ تسابق الناس وتزاحمهم في الأعمال التطوعية والتبرع لتوسيعات المسجد والتكفل بتجهيزاته.
-3 - الاستجابة الطوعية الفورية لنداءات المسجد وتوجيهاته في شؤون الدين والحياة.
آتت الدروس المسجدية الواقعية الهادفة أكلها، وخاصة درس التفسير الذي وهب له الشيخ بيوض جل حياته، إذ يقول: (أحمد الله تبارك وتعالى على النتيجة التي شاهدتها من أثر القرآن في نفوس العامة، ولذلك اخترت المسجد ليكون معهدًا للتفسير، يحضره الناس كلهم رجالاً ونساءً، شبابًا وشيبا وكهولا ... والحمد الله رأينا من أثر كتاب الله في أمتنا الشيء الكثير، ولهذا فالأمة اليوم -ولله الحمد- مستعدة لتلبية كل طلب خيري ... (4)
ثالثًا: علاج قضايا في المجال التربوي:
تطرق الشيخ بيوض إلى العديد من القضايا التربوية رابطا بينها وبين الأصول
الإيمانية، منها:
1 - غاية البحث العلمي:
يتحاور الناس ويتناظرون قصد البحث عن الحقيقة، فعلى الباحث المؤمن أن تكون غايته من البحث نيل رضوان الله تعالى، فهذا الاعتقاد معين له للاستسلام للحق بغض الطرف عمن جاء به، (يجب أن تكون العقيدة راسخة في القلب يكل ما يجب الإيمان به، وأن يكون الدافع من البحث أساسا هو: طلب رضا الله حَتَّى
(1) محمد صالح ناصر: في رحاب القرآن (المهرجان والتابين)، ندوة الشيخ بيوض بمناسبة ختم تفسير القرآن مع الإذاعة والتلفزيون الجزائرية وبعض العلماء: 80. (1/381)
صفحة 373
382
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
يُؤئى، واجتناب ما فيه سخطه حتَّى يُنقى، وهذا هو البحث الذي يُوصل قطعا إلى الحقيقة؛ لأن الغرض فيه شريف».
وبالمقابل حدر الشيخ بيوض من عواقب البحث من أجل البحث، لأنه يفضي إلى العناد والمكابرة والجدال بالباطل، والانبهار بمناهج الفلاسفة الداعية إلى الشك في كلّ شيء، لأنّ الشك في المسائل، التي يسلّم بها بالإيمان بها إيمانا غيبيا، يعجز البحث عن التوصل إليها بعقله فينكرها، فهذا المنهج سبب في إلحاد الكثير من شباب الإسلام، إذ يقول: «وَإِيَّاكُم أن تتورطوا فيه، ويقول أحدكم: أنا باحث وأريد أن أقتنع، فهذا الذي يوصل إلى إنكار الله، إذ يقول: ما الدليل على وجود الله؟ وهو لا يُؤمن إلا بما يَلْمَسُه بيده، ويراه بعينه، ويشمه بأنفه، ويَذوقه بلسانه، أما ما وراء هذا فلا يؤمن به، ولا يزال مثل هؤلاء يطلبون الدليل على ما لا يُمكن التوصل إليه إلا عن طريق الوحي الذي لا يؤمنون به» (4).
الإشغال عن الدراسة وعمارة المسجد:
حدر الشيخ بيوض من إشغال الطلبة عن الاعتكاف على دروسهم وعن عمارة المسجد معتبرًا من يفعل ذلك صادًا عن سبيل الله، مبينا أنَّ اللهو مهما كان نوعه إذا جعل ليصدّ الناس عن عمل من أعمال الخير فإنه يتناوله وعيد الصاد. سبيل الله (2)
2 كفران النعمة:
عن
أسبغ الله على الإنسان نعمه الظاهرة والباطنة، وتحداه أن يحصيها عدا، «إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» (إبراهيم (34) تعددت أساليب كفران الإنسان نعمة ربه، وسببها الرئيس هو الغفلة عن ذكر قيمة هذه النعم واستحضار عظيم فضل الله
المنعم عليه. .
(1) في رحاب القرآن، سورة الزخرف: 17/ 567.
(2) من سورة لقمان: 72/ 11. (1/382)
صفحة 374
المبحث الأول: المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
383
كفران النعم معناه تغطيتها بعدم ذكرها واستحضار قدرها، ويقابل كفر النعمة شكر النعمة الذي يتحقق بالتفكر في النعم فيُثمر الانقياد لطاعة المنعم المحسن، «فما بال الإنسان إذن يكفر بالله تعالى الذي سخر له وذلل له ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة؟ ... أوليس الواجب علينا أن نطيعه في كل ما أمر مهما كان شاقا؟ (1)
فلو عقدنا مقارنة بين التكاليف الشرعية وبين نعم الله السابغة لوجدنا أنها لم تكن شيئًا مذكورًا، فإذا تعطل جهاز واحدٌ في جسم الإنسان لود أن ينفق كلّ ماله مقابل إصلاحه، كما أثر عن هارون الرشيد أنه قال لابن السماك: إنه قد يضطر أن يدفع نصف ملكه مقابل شربة ماء، وأن يدفع النصف الآخر لإخراجها من جسده إن احتبست فيه فقال ابن السماك: «إن ملكا قيمته شربة ماء جدير ألا يتنافس فيه» (2)
فالإنسان فقير إلى الله في كلّ شيء، بل حتى التكاليف الشرعية جاءت لخدمة مصالح العباد في الدنيا والآخرة، فشكر العبدِ
ربَّه يتطلب منه أن يشكره لأنه وفقه إلى شكره، ويَا أيهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الحميد) (فاطر: 15) فلا تنفع الله طاعة المطيع ولا تضره معصية العاصي، بل هو الغني العزيز القائل: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (محمد: 38).
فعلى المرء العاقل أن يتعظ ويتفكر في هذا الذي سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض وغطانا بهذه النعم، ومن الواجب علينا أن نقابله بأقل ما يمكن أن نقابل به هذه النعم، وهو أن نشكره ونطيعه» (3).
(1) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 411/ 11. (2) سعدي ضناوي: موسوعة هارون الرشيد، دار صادر، بيروت، ط 1، 1421 هـ / 2001 م: 3/ 635، نقلاً عن تاريخ الطبري: 357/ 8؛ العقد الفريد: 164/ 3.
(3) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 415/ 11.
25 (1/383)
صفحة 375
384
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
فإذا غفل الإنسان عن المنعم الحقيقي وعن كون الخير والشر ابتلاء من الله ظن أن الله أحبه وفضله، أو أن نعمته أوتيها على علم عنده، فيتعالى على الناس، ومن قدر عليه رزقه أو توالت عليه المصائب ظنّ أنه محكوم عليه بالحرمان والهوان مدى الزمان فيصاب باليأس والقنوط.
اليأس والقنوط صفتان متقابلتان تدلان على ضعف الإيمان ولو علم هؤلاء أن بسط الرزق وضيقه بيد الله لما فرحوا ولما قنطوا» (3).
فالله سبحانه هو القابض الباسط المعطي المانع، يبلو عباده بالشر والخير فتنة،. فمن كان يؤمن بهذا وأن الأمر كله بيد الله ... فلا يجوز له عقلاً ولا شرعًا أن يعتمد على حالةٍ لا يضمن استقرارها، فلا تقنط إذا افتقرت فعند الله الكثير من
الخير، ولا تفرح إذا استغنيت فعند الله أنواع كثيرة من العذاب (2).
3 التطير
من القضايا النفسية التي عالجها الشيخ بيوض بإرجاعها إلى الأصل الإيماني القضاء والقدر، أسطورة جاهلية تمكنت في نفوس أهل عصره، هي مسألة السعد والنحس، فإذا أصابهم شر أو خير اعتقدوا أن سببه مناسبة ولادة أو وفاة أو زواج ... فوقعوا بذلك في الظلم العظيم وهو الشرك، وفي ظلم النفس بالإمعان في تعقيد أزمتها، وفي ظلم العباد باتهام الأبرياء بالتسبب في المكروه النازل، وقد يسفر ذلك عن قطع الرحم التي أمر الله أن توصل، وحلّ العلاقات الزوجية، فيبين الشيخ أنما ذلك قضاء الله الفعال لما يريد، وقدرُه مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن تَبْرَأَهَا إِنَّ دَالِكَ عَلَى اللَّهِ يسير (الحديد: 22) وقد وضحت الآية التالية إحدى ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر، لِكَيْلاً ناسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ (الحديد: 23)،
(1) في رحاب القرآن، سورة الروم: 264/ 10. (2) م. ن. (1/384)
صفحة 376
المبحث الأول: المجال التربوي وأبعاده الإيمانية
385
فليست المسألة مسألة نحس أو سعد كما هي عادة البشر دائما، إذا جاءهم خير ينسبونه إلى سعد، وإذا أصابهم شر ينسبونه إلى شؤم، أو ينسبون الخير لأنفسهم والشر إلى من يبغضونه (1)
4 - الانسياق وراء دعاة الباطل
إن تسمية دار الجزاء مصيرا ثوابًا كان أو عقابًا - تدل على أن العبرة بالنهاية الأبدية التي تجعل الموقن بها يقرأ لها ألف حساب في كل تصرفاته اليومية، ويستسهل كل الصعاب لأجل الفوز بالمصير السعيد.
فبمناسبة تفسير الشيخ بيوض لقوله تعالى عن جنّة المتقين: {كَانت لَهُمْ جَزَاء وَمَصيرا (الفرقان (15) قال: «فللتعبير بالمصير سر، وأي سرا فلو أن. إنسانا خير بين طريقين فقيل له: هَذا طريق مفروش بالحرير والورود، ولكن في نهايته حبل المشنقة، وذلك مفروش بالأشواك وقطع الزجاج ولكن في نهايته جنّة النعيم، فمن من الناس يسلك الطريق الأول؟!! فلينظر كل عاقل إلى المصير قبل أن يسلك الطريق (2).
فاليقين بالآخرة أحسن وسيلة للاستقامة على الطريقة، ومنكر الآخرة ينساق حتما وراء شهواته، لأنه يفقد القدرة على مقاومتها، فلا ينضبط ولا يخضع لقانون إلا قانون ما يشتهي وما لا يشتهي (3).
وما يعتمد عليه الغاوون لنشر باطلهم هو التشكيك في الآخرة، فمن ابتلي بالشك فيها فقد مناعته من عدوى الشهوات، هذه هي العقيدة التي أزاغت الملايين من شباب المسلمين اليوم، ولا يزالون يتشربونها ويسقطون في أحضانها وينكرون البعث صراحةً) (*) والحكمة ما جعل الله اتباع الشهوات مقرونا بالساعة
(1) في رحاب القرآن، سورة الشعراء: 345/ 7.
(2)
(3)
من سورة الفرقان: 71/ 7.
م. ن: سورة العنكبوت: 43/ 9
(4) من سورة الفرقان: 70/ 7. (1/385)
صفحة 377
386
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
في قوله: {فَلا يَصُدُنكَ عَنْهَا مَن لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (طه: 16) حدر الشيخ بيوض من تشكيك الملاحدة في المصير وادعاء أن المسلم يتعب نفسه في العبادة دون أي مقابل، وهذا ما كتب في الصحف وقرأته من شهور على لسان ملحد يستر من مسلم ملتزم محافظ على دينه وخلقه» (1).
فالإيمان باليوم الآخر هو الضابط لسلوك الفرد وتصرفاته، ولأجل ترسيخ ذلك في النفس شخص الله لنا مصير كل من الأشقياء والأتقياء في مواضع كثيرة ومناظر مثيرة، فصوّر لنا النار - مثلاً - كأنها حيوانات مفترسة تحس وترى، فالنار إذا رأت أعداء الله من بعيد تزداد تغيظًا وزفيرا بهيجانها واشتداد ثورانها، وهي أشبه ما تكون بأسد أو كلب، أو جمل حقودٍ مغتاظ عَلَى إنسان فهو يزفر ويأتي بحركات غريبة، ويكاد يكسر أغلاله للهجوم على عدوه الذي رآه من بعيد، وذلك ما تفعله النار شوقا إلى الانتقام من أعداء الله (2).
5 التشبث بالبدع بمناسبة تفسير الشيخ لقوله تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا ... (فاطر: (08) بين أنَّ سبب تمادي أهل البدع المنتشرة في عصره، وإصرارهم على التشبث بها، واستخفافهم من نصح الناصحين اعتقادهم أن سبيلهم هو الحق والصواب، وما ظلمهم الله بجبرهم على الغواية كلاً بَل رَّانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (المطففين: 14 فهم لم يتوبوا ولم يهتدوا بل اتبعوا خطوات الشيطان إلى أن ذهب الله بنور بصائرهم، ومن هذا كله كفر أصحاب البدع، يرتكبون أشنع أنواع الكفر، ويظنون أنها أقرب القربات إلى الله (3) فلا خلاص لهم إلا التوبة النصوح، المنبنية على الإيمان الحق وتدبر آيات الله المتلوة وآياته المجلوة.
(1) في رحاب القرآن، سورة العنكبوت: 43/ 9. (2) من سورة الكهف: 237/ 2
(3) من سورة الكهف: 420/ 2 (1/386)
صفحة 378
المبحث الثاني: المجال الاجتماعي وأبعاده الإيمانية
المبحث الثاني
المجال الاجتماعي وأبعاده الإيمانية
أولا: الإيمان والإصلاح الاجتماعي:
387
أحس الشيخ بيوض بمسؤوليته نحو مجتمعه الذي لم يسلم من أنواع الفساد الذي طال مختلف جوانب الحياة، إذ يقول عنه: وجدنا الدين مهملاً والأخلاق فاسدة والعقائد مزلزلة والأعمال فاسدة، ليست على طريقة وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، والجهل عم الدنيا في تجارة وصناعة وفلاحة)، فانبرى لإصلاح هذا الواقع معتقدا أنَّ ذلك واجب ديني عليه، يقتضيه مبدأ القيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(2)
إذا كان المبدأ الإيماني هو الدافع لقيام الشيخ بيوض بعمله الإصلاحي فإن انطلاق العملية الإصلاحية من ترسيخ الإيمان في القلوب يشكل الوسيلة الفعالة لتحقيق هذا الإصلاح، ذلك لأن إصلاح المجتمع يستلزم إصلاح أفراده، باعتبارهم لبناته التي يقوم عليها بنيانه، ومفتاح الصلاح النفسي والخلقي لهؤلاء الأفراد شيء واحد هو الإيمان (3)، وقد اهتدى الشيخ بيوض للانطلاق وقد اهتدى الشيخ بيوض للانطلاق من القاعدة الإيمانية في مختلف مجالاته الإصلاحية، معتقدًا ضرورة هذا المنهج، إذ يقول: «كان لزاما علينا أن نعود فنبدأ بما بدأ به الرسل إلى الدعوة إلى الإيمان وتقريره في القلوب من جديد)، لأن الإيمان الصحيح إذا رسخ في القلب فاض في واقع الحياة وتجلّى في
كل المجالات.
(1) محمد علي دبوز: أعلام: 146/ 4. م. ن: 11/ 4.
(2)
(3) يوسف القرضاوي: الإيمان والحياة: 318.
(4) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 177/ 11. (1/387)
صفحة 379
388
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
إذا تحرك الوازع الديني في قلب المؤمن انضبط سلوكه وأقبل على محاسبة نفسه، لما روي عن رسول الله أنه قال: «الْكَيْسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ. الْمَوْتِ وَالْعَاجِرُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ (1)، فإنَّ للوازع الداخلي في انضباط الإنسان أثراً فعالاً لا تحصله وسائل الردع المادية، لذلك يعد من أسباب عجز القوانين الأرضية عن تطوير العلاقات الإنسانية الإيجابية وتحقيق العدالة الاجتماعية اقتصارها على سلطة القانون، وغفلتها عن معالجة القضية من داخل الإنسان، أما تشريع العليم الخبير فإنه يؤسس ضوابط السلوك الاجتماعي على قاعدة الإيمان الصلبة التي تضمن حسن الالتزام
لم يكتف الشيخ بيوض بدروس نظرية، بل دفعه إيمانه بوجوب المجاهدة على إصلاح الأوضاع الإجتماعية إلى ضرورة فقه الواقع فساير أحداث عصره وسير شؤون مجتمعه، مباشرة أو إشرافًا، وخصص محلاً في داره لحل النزاعات، وفتح مكتبا بالسوق للاقتراب من معترك الحياة وتسهيل الاتصال بأفراد المجتمع، فبذلك يتمكن من التوصل إلى الحلول العملية وتقديمها للمعنيين بها في لقاءات خاصة، وفي عرضها في دروسه المسجدية، مما أكسبها واقعية من حيث اختيار المواضيع الأولى بالدراسة، ومن حيث طريقة البيان والتوضيح لتمكين جميع المخاطبين، على اختلاف مداركهم من الاستيعاب. نستخلص من هذا العرض أن الدرس الديني ينبغي أن ينطلق من الواقع بمعاينته وتشخيص علله، ثم يرجع إليه لمعالجته ووضع الدواء في موضع الداء، قال الشيخ بيوض مبينا دور هذا الدرس في إصلاح قضايا المجتمع: دروسنا ومواعظنا يجب أن تكون في الأمراض التي ابتلينا بها لمعالجتها، وليست كلمات عامة نمر عليها دون أن نضع أيدينا على مواضع الجروح، بل يجب علينا أن نضع الهناء فوق موضع النقب (3)
(1) رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق، حديث،2459، وقال هذا حديث حسن: 4/ 638. (2) حسن الترابي: الإيمان أثره في حياة الإنسان، ط 1، دار القلم، بيروت، 1394 هـ/ 1974 م: 181. (3) في رحاب القرآن، سورة المؤمنون: 85/ 5. (1/388)
صفحة 380
المبحث الثاني: المجال الاجتماعي وأبعاده الإيمانية
389
توصل الشيخ بيوض من خلال هذه الدروس إلى معالجة العديد من أمراض. المجتمع، منها ما هو في صميم العقيدة، إذ يقول عنها: «سرت إلى المجتمع المزابي ... بعض أمراض، كتقديس بعض قبور الأولياء يعتقدون أن لهم تأثيرا في الكون
وأنهم سبب النفع والضرّ للأحياء، هذه العقيدة الخرافية المنافية للدين!)، ومنها ما يتعلق بالعبادات والمعاملات والأخلاق، عالجها الشيخ بيوض بإرجاعها إلى الأصول الإيمانية، اعتبارًا لكون سلوك الفرد من ثمرات الإيمان يشهد لذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا (2).
أثمرت دروس الشيخ بيوض المسجدية أخلاق الإيمان في الجانب الروحي، كعمارة المسجد والتنافس في الأعمال التطوعية والإنفاق في سبل الخير، إذ يتضح من خلال المثال الآتي مدى استجابة الأمة لنداء المسجد والمسارعة في تطبيقه، فقد أعلن الشيخ بيوض ذات ليلة عن شراء دار لصالح المسجد، وفي الصباح قدم إليه محسن يبدي استعداده لدفع ثمنها فأخبره الشيخ بأنه قد سبق إلى ذلك أمس، بعد نهاية الدرس (3)، والجانب الآخر من أخلاق الإيمان يتجلّى في عمارة الأرض، فقد أولى الشيخ بيوض لهذا الجانب عناية معتبرة، كالمجال الاقتصادي والمجال السياسي، وذلك ما سنراه - إن شاء الله - في المبحثين الآتيين.
المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية
سمّى الشيخ بيوض المجتمع المزابي مجتمع المسجد، معللا ذلك بقوله: «لأنّ رأس مؤسساتنا ورأس أنظمتنا إنما هو المسجد، تحته دار التلاميذ، والمحاضر، والمدارس والعشائر، وجمعيات الأسر والعائلات)، فهذه المؤسسات مكلّفة. على حسب اختصاصها - بتنفيذ قرارات هيئة العزابة.
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح، 58/ 5.
(2) تقدم تخريجه، ص: 356.
(3) إبراهيم بيوض: المجتمع المسجدي: 67.
(4) م. ن: 59.
59:0 (1/389)
صفحة 381
390
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
وبما أن اللبنة الأولى لبناء صرح المجتمع هو الفرد، فقد اجتهد الشيخ بيوض على إصلاحه مركزا على ترسيخ الإيمان في قلبه وربطه بأصوله، خاصة أصلي الإيمان بالله واليوم الآخر، بذلك حمل الفرد مسؤوليته الخاصة إلى جانب تحميل الأسرة دورها في التربية) لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْأَمِيرُ رَاعٍ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)، وقد تعتري "مجلس الأسرة مشكلات يعجز عن حلّها فترفع أمرها إلى مؤسسة "العشيرة، وكانت للشيخ بيوض جهود في تفعيل دورها.
ثانيا: تفعيل دور العشيرة:
نظام العشيرة يعني ذلك المقصد الاجتماعي الفطري الذي أشار الله تعالى إليه في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13)، يشكل نظام العشيرة في الإسلام إحدى أساسيات البعد الاستخلافي، ذلك أنَّ «الإنسان جعل خليفة الله في الأرض، ولا يحقق خلافته إلا بتمدنه، إلا بتعاونه، إلا بتعاضده، إلا بتعارفه (3) فالخطوة الأولى لتتحقيق الخلافة هي التعارف"، لأنَّ ثَمة حقوقا لا يمكن القيام بها إلا به، كمعرفة اليتامى والأرامل وذوي الحاجات)، وذوي الآفات.
صحح الشيخ بيوض النظرة الشائعة نحو العشيرة، ودعا إلى تفعيل دورها مؤكدًا على أن نظام العشائر لم يتأسس على عصبية (3) لقول النبي: ليس منا
(5) --
(1) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 1/ 123. (2) البخاري: كتاب النكاح، باب المرأة راعية في بيت زوجها، حديث: 4904، 1996/ 5؛ مسلم: کتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق، حديث: 1829، 3/ 1459.
(3) إبراهيم بيوض المجتمع المسجدي، درس 27/ 4/ 1973، قرص مدمج.
(4) إبراهيم بيوض: المجتمع المسجدي: 89.
(5) م. ن: 88
88: (1/390)
صفحة 382
المبحث الثاني: المجال الاجتماعي وأبعاده الإيمانية
391
من دعا إلى عصبية (1)، وقوله: (دعوها فإنها منتنة (2)، «فقد كانت بعض النفوس تفهم العشائر انغلاقا وتحيّزاً فأصلح نظامها وأعطاها مفهومها الحقيقي الذي يريده لها الإسلام، وهي أن تكون وسيلة تعارف وتعاون، وبذلك تحولت العشائر في القرارة إلى قوى متماسكة ودوائر متصلة متشابكة حول المسجد تأتمر به وتنقاد له وتمتد أيديها من أجل الصالح العام)؛ ومما أصل به الشيخ بيوض دعوته إلى تفعيل دور العشيرة قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأفريين (الشعراء: 214) حيث إنه لم يحصر معنى نذارة الأقربين على الدعوة إلى الإسلام أو التذكير، بل وسعه ليشمل إصلاح ذات البين وتدبير أمور الضعفاء من التمدرس والتزويج ... الخ.
الأعراس الجماعية:
دعا الشيخ بيوض إلى إقامة الأعراس الجماعية، مستثيرا الروح الإسلامية الصحيحة ومستثمرًا الأخوة الإيمانية، مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات: 10)، إقامة الأعراس الجماعية فيها اقتصاد في النفقات وفي أوقات المشرفين من هيئة العزابة ولجان الفن ومرشدي العشيرة ووزراء العريس ... وقد نهى الله عن الإسراف.
ونظرا لكون العرس الجماعي يتكفل به في العادة غني واحد، حيث يتطوّع بدعوة كل من عزم على الزواج إلى الانضمام إلى عُرسه، لاحظ الشيخ بيوض استنكاف البعض من الانضمام إلى هذه الأعراس أنفة وعزة، فحرّضهم على المشاركة في الأعراس الجماعية مركزًا عَلَى الجانب العقدي، بالدعوة إلى نبذ الأنفة
(1) رواه أبو داوود في سننه: كتاب الأدب، باب في العصبية، وتمامه: (وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَيْةٍ ولَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَيَّةٍ. حديث: 5121، 332/ 4. (2) البخاري: كتاب تفسير القرآن باب قوله: لَئِن رَجَعَنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَدْل حديث: 4624، 4/ 1863؛ مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما، حديث:
1994/ 4.2584
(3) محمد صالح ناصر: الشيخ بيوض: 21. (1/391)
صفحة 383
392
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
والكبر من القلوب، والعمل وفق ما يرضي الله بصرف النظر عما يقول الناس، والاستجابة لما يقول الله)، فالله سبحانه وتعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّقْوَى (المائدة: 2).
النظم الاجتماعية حدود شرعية:
اجتهد الشيخ بيوض على إقناع الناس بوجوب التعلق بالمسجد والاستجابة الطوعية لتوجيهاته وقراراته، معتمدًا على أن استجابتهم لنداء المسجد (هيئة العزابة في كل المجالات المناسكية التعبدية والمدنية الحياتية إنما هو استجابة لأمر الله ورسوله، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنكُمْ)) (النساء: 59). فسلطة المسجد سلطة شرعية، وما يصدر من نظم وتعاليم ملزم لأفراد المجتمع، وهذه النظم تمثل حصن الدين، يعد المتفلت منها متعديا لحدود الله التي نهى عن تعديها بل عن قربها، ذلك لأن النظم الاجتماعية المستنبطة من الأصول الشرعية، الصادرة عن الهيئة الدينية (العزابة) تصبح حدودًا شرعية وليست مجرد تقاليد قومية، وقد أجاب الشيخ بيوض أحد الشباب الذين حكموا على المجتمع المزابي بأنه مجتمع كبت بقوله: «إذا كنت تقصد بالكبت المنع من الفسق والسرقة وشرب الخمر ... فتلك حدود الله، وحريتنا نحن المسلمين في إطار حدود الله (2) وقد قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} (البقرة: 229) وقال أيضا: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} (البقرة: 187).
""
وبعد أن ذكر الشيخ بيوض ببعض محاسن المجتمع المزابي، التي يصرح الدارسون والسيّاح بإعجابهم بها، حدر الشباب الغافل عنها من إفسادها، وبما أن ذلك يدخل ضمن نهي الله سبحانه وتعالى عن الفساد في الأرض بعد إصلاحها،
(1) إبراهيم بيوض: المجتمع المسجدي، 95.
(2) إبراهيم يتوض: المجتمع السويدي" درس يوم: 13/ 4/ 1973. (1/392)
صفحة 384
المبحث الثاني: المجال الاجتماعي وأبعاده الإيمانية
393
ذكرهم الشيخ بتقوى الله والكف عن معصيته، وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ)
(البقرة: 205): «اتقوا الله أيها الشباب لا تفسدوا هذا المجتمع الصالح (3).
ثالثًا: علاج قضايا في المجال الاجتماعي:
عالج الشيخ بيوض العديد من قضايا المجتمع بإرجاعها إلى أصول إيمانية، منها:
1 - الوقاية من الزنا
هلاك كثير من الناس إنما هو بالتعدي في العلاقات الجنسية بين الرجال والنساء وقد أنذرنا ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: « ... فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (2).
وللوقاية من الزنا وسائل عديدة متفاوتة المستويات، والله سبحانه وتعالى، الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وضع أحكامًا وقائية منها: قرار المرأة في البيت وعدم الخروج إلا لضرورة شرعية، فهؤلاء الذين رفعوا شعار تحرير المرأة على غرار ما حدث في أوربا، إنما يعملون من حيث يشعرون أو لا يشعرون لتنفيذ مخططات أبناء صهيون وأعوانهم في سعيهم لضرب المجتمعات المتحصنة بأخلاقها ودينها ليصيبوا منها أقوى دعامة في البناء العائلي حين روجوا لإخراج المرأة وابتذالها في أسواق الفتنة والإغراء إذ زجوا بها في ميادين الشغل دونما تخصيص ولا تمييز بينها وبين الرجل» (3)؛ فالمنهي عنه ليس هو عمل المرأة في حدّ ذاته، بل هو ظروفه المحيطة به كالاختلاط والسفور، ... وإلاّ فخبروني أيها المتحرّرون ماذا أحرزتموه من التقدّم في المجال الحضاري عندما
(1) إبراهيم بيوض: المجتمع المسجدي درس يوم 1973/ 5/25. (2) مسلم: الصحيح، كتاب الذكر والدعاء والاستغفار، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء،
حديث: 2742، 20984
(3) إبراهيم بيوض، حديث الشيخ الإمام ردّاً على بعض الشبهات والأوهام، الحلقة الأولى، إعداد وتنسيق الشيخ محمد إبراهيم سعيد (كعباش): 75 (1/393)
صفحة 385
394
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
أغويتم المرأة بالتبرج والسفور؟؟ فأصبحت بزينتها ومفاتنها فريسة للشهوات معرضة لتحرشات السفهاء إلا من رحم الله» (1).
احتجاب المرأة وعدم خضوعها بالقول، وبين الحكمة من ذلك ذالِكُمُ
أطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (الأحزاب: 53).
فالنساء السافرات - وإن يزعمن أنهن مسلمات - هنَّ كافرات مارقات من الدين، لأن الله تعالى هو الذي استثنى هو الذي بين وحدّد الذين استثناهم، وإذا كان الذين استثناهم والأجانب بمرتبة واحدة إذن تكون هذه الآيات باطلة أو منسوخة، أو ليست قرآنا، وهل أنكروا قرآنية سورة النور أو قرآنية سورة الأحزاب، أو قرآنية آيات الاحتجاب عَلَى الخصوص من هذه السور؟» وكان الشيخ بيوض يبدي عجبه الشديد من بعض المفتين الذين لم يقروا بوجوب الحجاب بل اكتفوا بالقول إنه من وضع الفقهاء .... فلا حق إلا في كلام الله تعالى، وهو العليم الخبير، وإننا لنعجب حقا من هؤلاء أين يضعون عقولهم إذا راحوا يكذبون، ويقولون: إنَّ الحجاب من وضع الفقهاء» (2).
ال
- غض البصر أمر الله كُلاً من الرجال والنساء بغض الأبصار عن الجنس الآخر لأنه أسلوب وقائي يصون طهارة القلب، ذلِكَ أَزْكَى لَهُم} (النور: 30) ف النظر بريد الزنا ولو كان الناظر لا يريد الزنا (3) ذلك لأن النظر الحرام أولى خطوات الشيطان المستدرجة للإنسان لاتباع سبل الغواية والسقوط في حماة الفاحشة، وقد حدرنا الله الخبير بما توسوس النفس - من الخطوة الأولى حذر الوصول إلى سوء الخاتمة، حيث يقول: {قُل لِّلْمُومِنِينَ يَغُضُوا مِنَ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ دَالِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (النور: 30).
(1) إبراهيم بيوض، حديث الشيخ الإمام: 79. (2) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 570/ 12. (3) م. ن: سورة الأحزاب: 546/ 12. (1/394)
صفحة 386
المبحث الثاني: المجال الاجتماعي وأبعاده الإيمانية
395
وبما أنَّ شياطين الجن والإنس يجتهدون لإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ويبدعون في تزيينها - على مر العصور وتشتد فتنتهم بازدياد تطور وسائل الإعلام - فإنّ حجة بعض المنخدعين المستجيبين أن وزر المعصية يتحمله عنهم من دعاهم إليها، بين الشيخ بيوض أنَّ اعتقاد العاصي تحمل شخص ما أوزاره عنه زعم باطل، وإياكم أن تظنوا المسألة بسيطة إنها تتعلّق بأصل "التوحيد، وبصفة من صفات الله تعالى الكبرى العليا، صفة ”العدل والله عدل لا يظلم ولا يجور (1)، بل أكد أنَّ العدل يقتضي تحمّل كل طرف ضعفًا من العذاب {قَالَ لِكُلِّ ضعْفٌ وَلَكِن لا تَعْلَمُونَ} (الأعراف: 38) ومعنى ذلك أن الله يقول للعصاة: «إنني أضاعف العذاب لمن غرك وأرداك، ولكنّني أضاعفه لك أنت كذلك، لأنك أهنت قائلاً: نفسك وأهنت عقلك الذي أودعته فيك لتميز بين الحق والباطل، وتصدع به لا! ولا كرامة، لمن دعاك إلى خمر أو فسق أو معصية أخرى، لكنك لما أطعته فعليك إثم المعصية وإثم إهانة العقل (2)
دعا الشيخ بيوض إلى تحصين المجتمع من معصية الله وتنفير الناس منها بإرجاعها إلى الأصل الإيماني حيث بين أنَّ طاعة دعاة الغواية يعد عبادة لهم من دون الله، لأنَّ الله يختص بالخلق والأمر، وإن كان الشيخ قال ذلك في معرض الحديث عن اتباع المشرعين بغير ما أنزل الله مستدلاً بقوله تعالى: الخدوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ} (التوبة: (31) ... ونحن كذلك إذا تركنا شرع الله واتبعنا شريعة البشر فقد اتخذنا أولئك المشرعين أربابا من دون الله، والقرآن شاهد عدل (3) فإنه يصدق عَلَى كل طاعة في معصية الله مصداقا لقول الله تعالى: أَلَمَ أَعْهَدِ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَن لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي
هَذَا صِرَاط مستقيم) (يس: 60 - 61) أي الأ تطيعوا الشياطين من الجنة والناس.
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 290/ 15
(2) (3)
م. ن: 291/ 15.
من سورة لقمان: 427/ 11 (1/395)
صفحة 387
396
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
إن اتخاذ هذه الاحتياطات المانعة من إقتراب الزنا ما كانت لتنفع وحدها لو لم يكن ثمّةَ وازع داخلي مضاد لوسوسة الشيطان يزداد بمراقبة الرحمن، ويمتلئ قلب العبد بالإيمان والتقوى، فالله تعالى إذن كلما أمر في كتابه بشيء أو نهى عن شيء واتخذ كل الاحتياطات التي تمنع من الوقوع في الجريمة إلا ويأمر بعد ذلك بالتقوى، ويذكر بكل ما يجعل القلب حيًا يتعظ ويذكر» (1).
فالوقاية العامة من المعاصي تكمن في استحضار مراقبة الله، كما فعل الصديق يوسف عليه السلام في محنته، وهذا يحتاج إلى ترويض نفسي ومجاهدة لعبادة الله بصفة الإحسان، والنجاة كل النجاة فيمن يعبد الله كأنه يراه، فعلى: كل أحد أن يستحضر الله في كل وقت، ويستعين به على كبح جماح نفسه في كل حال» (2)
أكد الشيخ بيوض على ضرورة تحريك الإيمان في القلب وتقويته ليسارع صاحبه إلى امتثال أوامر الله والوقوف عند حدوده، ووظف في هذا التأكيد المناسبة بين الآيات، فلاحظ أن البيان الإلهي - في سورة الأحزاب- بعدما استفاض في ذكر الأساليب الوقائية من اقتراف الفاحشة أمر عباده بالصلاة عَلَى النبيء، إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيءِ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (الأحزاب: 56) مشيرًا إلَى أَنَّ ذلك مما يزكي القلوب فتستقيم الجوارح على الطريقة، في وسط هذا السياق جاءت هذه الآية بيانا لمقام الرسول صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى ... ومن المعلوم أنه كلما عظم الله تعالى في قلب إنسان كلما كان أسرع إلى امتثال أمره واجتناب نهيه، وكذا الأمر بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم فأراد الله تعالى أن يملأ قلوبنا بتعظيم النبي ... (3)
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 576/ 12.
(2) م. ن.
597 - 596/ 12
(3) (1/396)
صفحة 388
المبحث الثاني: المجال الاجتماعي وأبعاده الإيمانية
2 المرأة والأسرة
397
حذر الشيخ بيوض من عواقب التربية الغربية التي تخرج المرأة من طبيعتها، محملاً الآباء مسؤولية تربية بناتهم تربية خلقية، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ) (التحريم: 06).
في
إهمال تربية البنات هو أخطر وسيلة لفساد الشباب، ولا تحفظهم من التردي الفاحشة إلا الحصانة الإيمانية باستحضار مراقبة الله واليقين بوعيد الفاسقين، إذن لا يعلم إلا الله تعالى مدى السخط الذي ينتظر هَؤُلاء، أعاذنا الله من شرورهم وبلائهم، فاحذروا أيها الناس هذا الخبث إنه وخيم (1) فاستحضار هذا المصير يعين المرء على مقاومة هواه وكبح شهوته مستعينًا عَلَى ذلِك بنصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَن اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوْجُ فَإِنَّهُ أَغَضِ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءَ (2). وإذا أقبل الشباب على تحصين نفسه فعليه بالمرأة الصالحة التي تسكن إليها نفسه ويحظى معها بحسن العاقبة بين الشيخ بيوض خطورة الاغترار بالمظاهر لأنه قد يفضي إلى خطبة الكوافر، ولتعلم أنَّ من تزوج بامرأة غير متدينة، فقد ألقى بنفسه وأولاده في نار جهنم (3)، مؤكدًا على انتفاء خير الزوجة التي لا تصلي، وارتفاع البركة من بيتها وانقطاع الأمل في مستقبل أبنائها ... «ثرى أترجو منها خير الدنيا أم خير الآخرة؟! أترجو منها أولادًا صالحين؟ إنها لا تلد لك إلا أولاد السعير، لأنها من أصحاب السعير، فإذا كنت مؤمنا، لا ترضى منها ذلك، فإنها تكون غصةً في قلبك، وأما إذا رضيت منها ذلك ولم يَعنك
!
(1) في رحاب القرآن، سورة الشعراء: 445/ 7. (2) البخاري: كتاب النكاح، باب من لم يستطع الباءة فليصم، حديث: 4779، 4/ 1950؛ مسلم: کتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت إليه نفسه ووجد مؤنه، حديث: 1400، 1019/ 2.
(3) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 114/ 11. (1/397)
صفحة 389
398
أمرها فأنت مثلها، وكلاكما في النار (1)
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
وإذا تم الزواج وسكن كل طرف إلى الآخر، قد تعترض حياتهم الزوجية عقبات تهدّد علاقاتهم، وتحل رباطهم، إنها قضية التفريق بين الزوجين التي يستمرئها ويزينها شياطين من الجنة والناس والخطر المحير أن يكون البطل في هذا الباطل أم الزوجة، ذكر الشيخ بيوض أن مثلَ هَذا كان موجودًا في مجتمعه، فمن الأمهات مَن تحرّض ابنتها على فراق زوجها رغم المودة الحاصلة بينهما وتهدّد بمقاطعتها إن لم تستجب لأمرها فتجد المسكينة نفسها صاغرة مرغمة على الخروج ... أكد الشيخ حرمة هذا الأمر، وحدّر الأمّ التي تفعل هذا أنها عاصية كافرة بالله كفر نفاق، وهي من أهل جهنّم، لأن التفرقة بين الأزواج من أعظم الذنوب، وقد جعله الله تعالى وصفا للسحرة، الذين ذكرهم في قوله: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَان مِنَ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاً إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنَ أَحَدٍ إِلا بإذن اللهِ} (البقرة: 102).
(2)
(3)
مما يعين على إضفاء قوة التأثير على الدرس اتسامه بالواقعية وربطه بالأصول الإيمانية، كما قال الشيخ بيوض تلك أمورٌ نراها لأنها مرت على أيدينا أمثلة كثيرة منها، فليتق النساء في السعاية للتفرقة بين الأزواج فذنب ذلك عند الله عظيم). بموضوع المرأة والأسرة نختم مبحث المجال الاجتماعي لنلج مجال الاقتصاد، فما
هو إسهام الشيخ بيوض فيه، وما علاقة ذلك بالأصول الإيمانية؟
(1) في رحاب القرآن، 115/ 11. (2) م. ن: 156/ 11.
(3) إبراهيم بيوض: دروس شهر رمضان 1392 هـ/ 1975 م، القرص الأول MP 3، تسجيلات الحياة. (4) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 158/ 11. (1/398)
صفحة 390
المبحث الثالث: المجال الاقتصادي وأبعاده الإيمانية
المبحث الثالث
المجال الاقتصادي وأبعاده الإيمانية
399
إن اعتمدت حركة الشيخ بيوض الإصلاحية في انطلاقتها على تطوير التربية والتعليم باعتباره الوسيلة التي يحيا بها الدين وتعدّ للأمة قادتها الأكفاء، فإن النهوض بالاقتصاد كان يشغل باله منذ بداية حركته فدعا في دروسه المسجدية الأولى إلى النهوض بهذا القطاع والعناية بمختلف الخدمات والمهن، منطلقا من مبدأ كون عمارة الأرض وفق المنهج الرباني- من جوهر العبادة، لا تختلف عن عمارة المسجد، ومن مبدأ تسخير الكون للإنسان الذي يدفع بالمؤمن إلى اقتحام الكون
لاستثمار مرافقه (1)
أولاً: تأسيس الشركات:
عاش الشيخ من الأوضاع الاقتصادية المزرية التي عرفتها الجزائر إبان فترة الاحتلال من ابتزاز نقابات اليهود والنصارى خيراتها، وإذلال أبنائها الأحرار واستعبادهم، ولم يكتف في دعوته إلى رفع هذا الغبن عن الأمة وتخليصها من شر التبعية بالدروس النظرية في التوعية والتبصير، بل دعا إلى إنشاء الشركات الإسلامية لتعمير البلاد الجزائرية، وإنقاذ المسلمين من استغلال واستبداد الشركات الفرنسية واليهودية الاستعمارية (2)؛ ثم قاوم من داخل المجلس الجزائري أنماط الاحتكار التي تمارسها بعض الشركات الاحتكارية الفرنسية لثروات الوطن (3)
(1) عبد المجيد النجار خلافة الإنسان بين الوحي والعقل: 43.
(2) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح: 52/ 5.
(3) إبراهيم بتوض: أعمالي في الثورة، ردّ نخبة من مجاهدي القرارة على التقرير الولائي للمجاهدين المؤرخ
يوم: 1986/ 10/09 م، ص: 97.
26. (1/399)
صفحة 391
400
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
أضاف الشيخ بيوض - إلى دعوته إلى إيجاد البديل الإسلامي المنافس - خطوةً أخرى، وهي القدوة العملية المتمثلة في إسهاماته الميدانية في إنشاء الشركات الضرورية التي تستعين بها الأمة في نهضتها، ومن ذلك إسهامه في شركة النقل
للسيد عيسى بن عمارة خبزي
(1)
ثانيًا: تطوير التجارة:
دعا الشيخ بيوض في دروسه المسجدية إلى تفعيل النشاط الاقتصادي، وتطوير أساليب ممارسة التجارة خاصة في مدن الشمال التي ينتشر بها كثير من أبناء الجنوب، أما قرى الوادي فبالإضافة إلى حرمانها من رواج التجارة المعهود في مدن الشمال لقد عانى تجارها - حينًا من الدهر - من مصاريف مكلفة يفرضها عليهم
اليهود المسيطرون على المكس
شراء مكس سوق القرارة
كان اليهود يستحوذون على مكس أسواق "مزاب، الذي يُباع بالمزاد العلني، ويتخذون من ذلك وسيلة لإذلال المسلمين وتعسفهم في إرهاق كواهلهم بتكاليفه الباهظة، ورغم احتجاجهم ورفع أمرهم إلى الإدارة الفرنسية لكنها لم تستجب لهم بل أجبرتهم على دفع رسوم المكس مهما ارتفعت قيمتها ... انفسح المجال أمام اليهود للتمكن من فرض سيطرتهم على أسواق مزاب وتعسفهم في استعمال حقهم، بسبب تحريم علماء الإباضية شراء مكس السوق، فقد تحرّجوا من تجويزه، رغم هذه المضار التي يلحقها أعداء الله بالمسلمين، ورأوا أنه يشبه عمل اليهود الانتهازيين ولكن الشيخ بيوض اعتقادا منه بأن الإسلام جاء لتحرير أبنائه رأى جواز شراء المكس لفائدة المسلمين وتحريرهم من أعداء الدين اليهود الذين يمتصون دماءهم (2)، بل تقدّم خطوة عملية فكان على رأس الجماعة
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح: 59/ 5 - 60. (2) م. ن: 72/ 5. (1/400)
صفحة 392
المبحث الثالث: المجال الاقتصادي وأبعاده الإيمانية
401
التي اشترت مكس سوق القرارة عام 1929 م، وتصرفت فيه بالعدل والإحسان،
وتنفس المسلمون الصعداء، وتحرّروا من ظلم اليهود ومكرهم واستغلالهم. من الأبعاد العقدية لشراء هذا المكس التعاون على رفع الغبن عن المسلمين وحفظ مصالحهم، لقول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى (المائدة: 02)، فقد قدم الشيخ بيوض بهذا الإجراء خدمة للمسلمين ومشاريعهم الخيرية بسبب تحريرهم من كيد أعداء الله هذا العنصر الطفيلي، وإقصائهم ما أمكن - من ميدان عام اتخذوه وسيلة لتفقير الأمة وإذلالها (1)
ثالثا: الوظيف الحكومي والتمهين:
يرى الشيخ بيوض ضرورة تولّي الوظائف الحكومية، ولو في ظل الاحتلال الصليبي، وقد صرّح بهذه الفكرة في وقت مبكر من حركته الإصلاحية حيث ألقى عام 1342 هـ / 1924 م - بعد سنة من توليه مشيخة المسجد - درسًا طويلاً دعا
فيه إلى التعليم في المدارس الفرنسية وتولي وظائف الحكومة، سيما القضاء (2). يتجلى البعد العقدي لهذا الموقف في نصرة الدين ودفع الضرر عن المسلمين، وقد لاقى الشيخ بيوض في الدعوة إليه معارضة من قومه، إلا أنه أقنع عامة الأمة بأن نضرة الدين تقتضي تولّي هذه المناصب، وأفحمناهم بقوة الحجة وجعلنا الأمة
تعتقد أن تولّي وظائف الحكومة نصرة للأمة والدين ودفع للبلاء عنهما» (3). هذا هو موقف الشيخ بيوض من الوظيف الرسمي، أما ما يتعلق بالمهن الحرة فإليه يرجع الفضل الكبير في إدخال بعض الحرف إلى القرارة، حيث قام بتوجيه ثلة من الشباب إلى التكوين في المهن التي تحتاج إليها البلدة؛ وسعى الشيخ في
(1) عبد الرحمن بكلي: مسيرة الإصلاح في جيل، إعداد وتقديم د. مصطفى صالح باجو، ط 1، نشر مكتبة البكري، العطف- غرداية - الجزائر المطبعة العربية غرداية، 1225 هـ / 2004 م: 122.
(2) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح: 52/ 5. (3) م. ن: 51/ 5. (1/401)
صفحة 393
402
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
توجيه عناية الناس بالقيام بمختلف الحرف بالتذكير بأن امتهان الحرف هو اقتداء برسل الله، كما بين ضلال من احتقر حرفةً مهما بدت للقوم وضيعة ومن ذلك قوله في تبيين فضل الحدادة التي كانت إحدى الصنائع التي استقدمها إلى القرارة: ولمنعلم أن الصنعة لا تحط من قدر الإنسان، فقد نرى الحداد مع زبرته ومطرقته وسط السواد والدخان والنار، فيبدو لنا كان الحدادة مهنة غير شريفة وليتذكر الإنسان أن داوود عليه السلام كان حدادًا، يصنع أدوات الحرب بنفسه، وهو نبي ورسول وملك، وضلّ قوم يسقطون من قدر الصناع والحرفيين)، وبين الشيخ أن الأساس الصحيح للتفاضل بين الناس لا يتعلّق بالمهنة ولا بالجنس ولا باللون، إنما هو التقوى والعمل الصالح.
التقوى أساس التفاضل
يزيد مقام العبد ارتفاعًا عند الله عز وجل بقدر ما يزداد درجات في مراقي التقوى، وما الجنس والمستوى الاجتماعي إلا موضوع للابتلاء وليس نتيجة له، ولا يجوز أن يذل أحد غيره أو يحقره من أجل مهنته أو عمله ... ولم يكتب الله الشقاء على طبقة دون أخرى إلا بالعمل، محسن أو مسيء، مطيع أو عاص، صالح أو فاسد» (2)؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ
خبير (الحجرات: 13).
تمثل دعوة الشيخ بيوض إلى اقتحام ميدان الاقتصاد والحرص على تطوير أساليبه، رغم تقلب الأحوال واشتداد ظروف الاحتلال، البعد الاستخلافي الذي تقتضيه العقيدة الإسلامية التي تفعّل كل جوانب الحياة الفردية والجماعية، وقد خلص الباحث نور الدين سحكال - بعد ملاحظته عناية الشيخ
(1) في رحاب القرآن، سورة سبأ: 101/ 13.
(2) م. ن: سورة القصص: 255/ 8 - 256 (1/402)
صفحة 394
المبحث الثالث: المجال الاقتصادي وأبعاده الإيمانية
403
بيوض الواضحة بالمجال الاقتصادي - إلى أن حركته أكثر شمولا في أعمالها الإصلاحية من حركة الشيخ عبد الحميد بن باديس، إذ يقول: «نلاحظ من الناحية العملية أن حركة الشيخ بيوض الإصلاحية كانت أكثر شمولاً في أعمالها الإصلاحية من حركة الشيخ ابن باديس، حيث كان لها جهود واضحة في المجال الاقتصادي، الذي لا نلحظ اهتمامًا كبيرًا به عند الشيخ ابن باديس من الناحية العملية، رغم تأكيده من الناحية النظرية عَلَى ضرورة امتداد أعمال المصلحين إليه» (1).
رابعا: علاج قضايا في المجال الاقتصادي:
-1 - نظرة المتلهف إلى منع الدنيا: حبب المال إلى الأنفس البشرية، إلا أن قسمته بين الناس لم يجعلها الله على أساس الكفر والإيمان، ولا على قدر إجهاد الفكر والأبدان، إنما هو مقسم بحكمة لا يعلمها إلا الله، ومن الأمراض التي يُصاب بها كثير من الناس مد العين إلى مال الغير نظرة الراغب المتلهف، وقد نهانا الله عنه، لأن في ذلك آثارا نفسية خطيرة تصل إلى عدم الرضا بقضاء الله وقسمته على عباده، وآثاراً سلوكية تصل إلى مد اليد إلى المال الحرام، وهذا ما لا يليق بالمؤمن الذي يجب أن يكون دائما مطمئنا وراضيًا بقضاء الله وقدره وليس هذا مدعاة للخمول وترك الكسب، بل الشيخ يدعو إلى استفراغ الجهد في الضرب في الأرض والابتغاء من فضل الله فاعمل بقدر استطاعتك وتوكل على الله وفوّض الأمر إليه (3).
(1) سكحال نور الدين: منهج الإصلاح ومجالاته بين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بيوض، رسالة مقدمة لنيل درجة دكتوراه دولة، جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة - الجزائر، السنة الجامعية:
2008/ 1429 - 2007/ 1428
(2) في رحاب القرآن، سورة طه: 3/ 454 (3) م. ن: سورة الأحزاب: 356/ 12 - 357
461 (1/403)
صفحة 395
404
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
2 الخيانة في التجارة:
شرع الله لعباده الضرب في الأرض وابتغاء ما كتب لهم من الرزق، بممارسة التجارة وغيرها من طرق الكسب، إلا أنه يجب على التاجر -مثلا- أن يعتقد أن تجارته أمانة على المكيال والميزان والحساب والغش .... وغيرها من المزالق التي كثيرا ما يقع فيها التجار، وخاصة إذا اعتقدوا أنها سبب الربح الوافر السريع، وأنه لا يتفطن لأساليبهم غير الشرعية الزبون ولا المفتش ... لأن الله لا تخفى عنه خافية، وقد نهى عباده أن يحملهم استبطاء الرزق أن يطلبوه من غير حلّه.
يرى الشيخ بيوض أن الطريقة المثلى لعلاج مشكل الخيانة هي تحريك الإيمان في القلوب والتذكير بتقوى الله عز وجل، وبثقل الأمانة التي حملها الإنسان، والإنذار بوعيد الله الدنيوي كهلاك قوم شعيب بسبب تعديهم في أساليب التجارة، وبالوعيد الأخروي السرمدي، يوم يقوم الناس لرب العالمين (1).
قد يلتزم المؤتمن بحفظ أمانته سمعةً أو تخوفًا أو تأدبا بالخلق المعروف، ولكن الإيمان يبلغ به مقاما رفيعا من الورع والتقوى ويورثه حرصا شديدا على حسن القوامة على مال إخوانه فيجاهد في إربائه ويتورع في حفظه (2)؛ فالفرق بين الدافعين بيّن، من حيث كيفية المحافظة والرعاية، ومن حيث استمرار المراقبة، فلا وازع يحمل العبد على حفظ الأمانة والانضباط مثل وازع الإيمان الذي ينهى صاحبه عن الهوى بدوام استحضار مقام الله وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (النازعات: 40 - 41).
-3 افتتان المسلمين وتقاتلهم على الدنيا
تنشب بين الناس فتن وحروب منافسة على قطع من الأرض أو بعض ثرواتها، كما أن الشركاء كثيرًا ما يبغي بعضهم على بعض، ومن الأشقاء من
(1) في رحاب القرآن سورة الشعراء: 452/ 7
(2) حسن الترابي: الإيمان: 241 (1/404)
صفحة 396
المبحث الثالث: المجال الاقتصادي وأبعاده الإيمانية
405
يقسطون في أنصبة ميراثهم ولا يُقسطون ... إلى غير ذلك من صور الظلم بالتعدي على حقوق الغير. ركز الشيخ بيوض في علاج هَذِهِ القضايا بالتذكير بمصير الظالمين يوم القيامة، حيث يتمنون أن يفدوا أنفسهم بما في الأرض ومثله فلا يُقبل منهم: {وَلَوَ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لأَفْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (الزمر: (47) «فلماذا لا تفدي من هَذا العذاب بقليل منها اليوم، وإنه لغريب أمر الإنسان حقا! ... فالمسلمون في المشرق يقتل بعضهم بعضا ... ولو تفكر هؤلاء وقوفهم يوما بين يدي الله لما دار هَذا القتال بين مسلمين مؤمنين بالقرآن يحفظونه ويتلون هذه الآيات» (1).
فالقرآن مصدر الهداية ومنهج حياة شامل للحياة الاجتماعية والاقتصادية
والسياسية.
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 422/ 15. (1/405)
صفحة 397
406
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
المبحث الرابع
المجال السياسي وأبعاده الإيمانية
فتح الشيخ بيوض عينيه على الحياة وبلاده يستولي عليها الاستعمار الصليبي، وكان الجنوب أسوأ حالاً لرزوحه تحت سيطرة الحكم العسكري، وكان الشيخ بيوض يعتقد أن هذا الحكم الطاغي يشكل مصيبة كبرى للأمة، إذ قال مخاطبًا وادي مزاب: ولتعلم موقفنا أن عدوّك الأكبر ومذلّك ومخزيك هو هذا الكابوس الحكم العسكري الآخذ بخناقك والقابض على مجرى أنفاسك، إنه سبب كلّ ضيم لحقك وأصل كل بلاء حلّ بك، وعلّة العلل وجرثومة الأمراض فاعمل على إزالته والتحرر منه» (1)؛ يلاحظ تعقيب الشيخ على وصف حال أمته المخزي بوجوب النضال من أجل التحرر ورفع الخزي عن الأمة.
لم تكن جهود الشيخ بيوض الإصلاحية محصورة على وادي مزاب، بل كان له اهتمام بالشؤون السياسية الوطنية والعالمية، يتخذ منها مواقف واضحة فيعلن عنها ويدعو إليها، قال الأستاذ نور الدين سكحال: «لا حظنا كذلك حرص الشيخ بيوض على التعامل مع القضايا السياسية المختلفة من منطلق وطني يتجاوز حدود المنطقة التي ركز فيها جهوده الإصلاحية، والمذهب الذي ينتمي إليه؛ وهذا التوجه عند الشيخ بيوض هو الذي دفعه إلى المشاركة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وجعله يحث المزابيين على المشاركة في العمل السياسي الوطني في الشمال، ومكنه من القيام بدور تاريخي في إبطال مؤامرات المستعمر لفصل الصحراء عن الشمال (2)؛ فهذه المواقف والإنجازات
(1) الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض كلمة الأستاذ محمد العساكر محمد: 66. (2) سكحال منهج الإصلاح ومجالاته بين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بيوض: 466؛ وانظر عيسى قرقب، الإمام إبراهيم بيوض رائد الحركة الإصلاحية في الجنوب الجزائري: 162 - 169. (1/406)
صفحة 398
المبحث الرابع: المجال السياسي وأبعاده الإيمانية
407
أبعاد عقدية، ذلك أن العقيدة هي الأساس العميق الذي ترتكز إليه وتعتمد
عليه الوحدة السياسية للأمة» (1).
أولاً: التجنيد الإجباري:
رفض المزابيون التجنيد الإجباري الذي فرضته فرنسا على الشباب الجزائري، حيث كانت تتعقبهم وتأخذهم قسراً، وكان الشاب إبراهيم بيوض ممن اعتقل في غارة فرنسيّة على بلدته القرارة، وكاد أن يكون من ضحايا هذا القانون لولا أنَّ الله سلم إذ نجاه من قبضتهم ليتحزم للجهاد ضد الحكام العسكريين وأذنابهم. رفض التجنيد الإجباري بعد عقدي، ينبثق من أصل الولاية والبراءة، الذي يقتضي حب أولياء الله وبغض أعدائه، هذا المنطلق تحرم معاونة أعداء الله ومن خاصة في حربهم ضد المسلمين.
بادر الفتى إبراهيم إلى كتابة شكاية شديدة اللهجة إلى الولاية العامة والقيادة العسكرية بالجنوب باسم أهل البلدة يصف ما حلّ بها ويحتج، ولما لاحظ إشفاق والده عليه وخوفه على مصيره قال قولته المشهورة الدالة على إيمان الفتى بالفكرة وتضحيته من أجل رفع هذا القانون لاعتقاده تحريم معاونة الكفرة، واعتقاده أن قيامه بهذا العمل واجب ديني عليه (3).
ثانيًا: الشيخ بيوض في المجلس الجزائري:
انتخب الشيخ بيوض للنيابة بالمجلس الجزائري سنة 1948 م بالأغلبية الساحقة رغم امتناعه الشديد، وقال حينها قولته المعبرة عن كون عضويته في المجلس حلقة في
(1) لؤي صافي: العقيلة والسياسة، ط 1، دار الفكر المعاصر، بيروت دار الفکر، دمشق،
1422 هـ / 2001 م، ص: 53.
(2) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح: 180/ 2.
(3) م. ن. (1/407)
صفحة 399
408
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
سلسلة جهاده المتواصل من أجل خدمة الأمة ونصرة الدين: «إنني وقفت حياتي فيما مضى على أمتي، وإنني أقف عليها ما بقي من أيامي والله حسبي (1)، فوظف هذا المنصب للدفاع عن المؤسسات العربية والإسلامية في الجزائر، كدعم نشر التعليم العربي الديني وتعميمه بواسطة المدارس والمعاهد التابعة لجمعية العلماء في الشمال والجنوب (2).
كان الدافع من دخول الشيخ المجلس الجزائري دافعا عقديًا، وذلك لنفع أمته رجاء ما عند الله تعالى، وقد تلقى انتقادات بسبب هذه العضوية، وممن عاتبه على ذلك الشيخ أبو إسحاق اطفيش لأنه ظنّ أنَّ الدافع رغبة في تحقيق غرض شخصي أو نفع مادي، فردّ الشيخ بيوض مستنكرا هذا القصد الفاسد، خاصةً ممن خدم أمته عقوداً من الزمن، وإني أرى أنَّ ذلك من أنفع ما عملته لأمتي ومن أرجى ما قدمت بين يدي لربّي (3)، ومما يدل على تسخير الشيخ بيوض عضويته بالمجلس الوطني لنصرة الحق وخدمة أمته تقديم استقالته من المجلس استجابة لنداء جبهة التحرير إثر اندلاع الثورة المباركة.
ومن القضايا التي دافع عنها الشيخ بيوض من خلال المجلس قضية فصل الصحراء عن الشمال، حيث يقول: وإنَّ فكرتنا في أنَّ مزاب والصحراء جزء لا يتجزأ من الجزائر قديمة ولم تتغير ولن تتغير، وقد دافعت بحرارة عن توحيد السياسة الإدارية بين الجنوب والشمال لأنهما قطر واحد بخطب ونشريات ودعايات قبل صدور الدستور الجزائري، وقبل انتخابات المجلس الجزائري، ودافعت عن الفكرة ضد الانفصاليين من فوق منبر المجلس الجزائري حتى اضطرت الحكومة الفرنسية إلى إرسال لجنة بحث إلى مزاب، فكانت مظاهرات وكان لنا معها جولات ... » (4).
(1) محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة: 206/ 3 (2) إبراهيم بتوض: أعمالي في الثورة، ردّ نخبة من مجاهدي القرارة على التقرير الولائي للمجاهدين المؤرخ يوم: 1986/ 10/09 م، ص: 97 - 98.
(3) محمد ناصر: الشيخ بيوض: 107؛ رسالة بتاريخ: 24/ 9/ 1948.
(4) إبراهيم بيوض: أعمالي في الثورة: 32. (1/408)
صفحة 400
المبحث الرابع: المجال السياسي وأبعاده الإيمانية
409
استمد الشيخ بيوض قوته لمواجهة الاستعمار الفرنسي من الطاقة الإيمانية التي تستصغر كل العراقيل المنصوبة في سبيل الله، كما استهان سحرة موسى بطغيان فرعون وتهديداته بعد أن استقر الإيمان في قلوبهم، قال الأستاذ العربي دماغ العتروس أحد رواد الحركة الوطنية: لا أستغرب أبدًا موقف الشيخ بيوض يوم رفع عقيرته في وجه الطغيان الفرنسي قبل الثورة وأثناء الثورة، ذلك أنه ما فتئ يصدر عن تعاليم الإسلام السمحة التي لا تساوم على الحق وعلى المبادئ أبدا (1).
ثالثًا: قضية فصل الصحراء عن الشمال:
لما كانت الجزائر قاب قوسين أو أدنى من نيل استقلالها عن ذلك على فرنسا
وعملت ما بوسعها لتقسيم البلاد طمعا في استغلال خيرات الصحراء. بعث الرئيس الفرنسي دي غول مستشاره "المسيو قيشار" إلى بعض الشخصيات في صحراء الجزائر للتفاوض معهم في شأن مستقبل الصحراء، إلا أن الشيخ بيوض اهتدى إلى القول بأنه ليس من حقه تقرير مصير شعب كامل، بل القضية تقتضي استفتاء شعبيا؛ وقال بعد ذلك: أشهد أني قمت بواجبي أمام الله وأرضيتُ، ضميري، وأحمد الله وأشكره على توفيقه» (2).
اعتقد الشيخ بيوض بأن موقفه في قضية فصل الصحراء يشكل بعدا عقديًا، مما دفعه إلى الإحساس بأن واجبه لم ينته بهذه المقابلة التي وفقه الله فيها للجواب الحكيم، فانطلق لإقناع الشخصيات الصحراوية بهذا الموقف، مؤكدًا لهم بأن ديننا وكرامتنا ووطنيتنا لا تسمح لنا مطلقاً بأن ننفصل عن إخواننا الجزائريين في الشمال، وإنه من الخير لنا ولأبنائنا أن نربط مصيرنا بمصير الجزائر كلها، وهكذا استطعت أن أقنعهم فقطعنا العهد على أنفسنا أن لا نقبل
(1) محمد صالح ناصر: في رحاب القرآن المهرجان والتأبين)، كلمة الأستاذ العربي دماغ العتروس في تأبين الشيخ بيوض: 132.
(2) إبراهيم بيوض: أعمالي في الثورة: 64؛ عن مذكرات الأستاذ بابا تامر بوعروة. (1/409)
صفحة 401
410
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
العرض الذي اقترحته فرنسا، وأن نجيب كلنا بكلمة واحدة: إننا نريد أن نكون دائما جزائرتين، ومصير الصحراء هو مصير الشمال الجزائري، لا نقبل الانفصال عنها في أي حال من الأحوال» (4).
""
لم تسلم الشخصيات الصحراوية من بعض الشواذ الذين أثروا التقسيم، فتبنوا مشروع إقامة الجمهورية الصحراوية المستقلة ذاتيا وحدّدوا موعدا لإدخاله حيّز التنفيذ، لكنّ الشيخ بيوض أجهض العملية واتصل بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية يحيطها علمًا بتفاصيل الموضوع، ويستصدر الأوامر اللازمة لإفشال مساعي التقسيم (2).
واعترف بفضل هذه الجهود السيد عبد الله بن طوبال وزير الداخلية للحكومة المؤقتة حيث يقول: دخل الشيخ بيوض بكل قواه في معركة الكفاح ضد إلحاق الصحراء بفرنسا، ووقعت بعض المظاهرات في بعض المدن الصحراوية، وهكذا استطاع الشيخ بيوض الإمام والزعيم الروحي أن يجر الصحراء الجزائرية في الحركة التحريرية .... إذا فالفضل يعود إلى الشيخ بيوض في إنقاذ وحدة التراب الوطني، وبقاء الصحراء بكل خيراتها جزائرية، وبدونه يمكن أن تستمر الثورة عقدًا آخر ... » (3).
رابعا: العمل الثوري:
اعتقد الشيخ بيوض أنَّ القضاء على الاستعمار وأذنابهم واجب ديني ديني)، فانبرى هو وإخوانه أعلام الإصلاح لإحداث التغيير من الداخل، وذلك بتحريك الإيمان في
(1) إبراهيم بيوض: أعمالي في الثورة: 80. (2) بوحجام: الشيخ بيوض وقضية فصل الصحراء عن الشمال، نشر وتوزيع شركة سوفاك، (د. ت) ص: 22، نقلا عن العربي الزبيري: ديغول الصحراء: 17.
(3) محمد صالح ناصر: الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض مصلحا وزعيمًا: 357.
(4) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح: 180/ 2. (1/410)
صفحة 402
المبحة لاج المجال السياسي وأبعاده الإيمانية
411
قلوب أفراد الأمة، فغيّر الله ما بها ومن عليها بالنصر المبين فأزال عنها أغلال العبودية والذلة والشقاء التي يكبلها بها أعداؤها المستعمرون الصليبيون).
إذا أصيبت الأمة في إيمانها كانتشار شرك الأولياء، فقدت عزئها وضعفت قوتها وتفرق شملها فيسهل على أعدائها بسط نفوذهم عليها، ذلك لآن المسلمين حين يغفلون عن إخلاص العبادة الله رب العالمين، المعز المذل تتوزعهم الآلهة والمعبودات، وتذهب أفئدتهم هواء، كل يدعي التبعية لفلان أو فلان (2)، فتكون فيهم قابلية للاستعمار، ومن هذا المنطلق يتبين دور رجال الإصلاح في الجزائر في بناء قاعدة الثورة التحريرية، فتجديد الإيمان الصحيح في القلوب نفخة من الروح في جسد الأمة تنتشلها من عالم الأموات إلى عالم الأحياء بإذن الله القائل: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِّنْهَا (الأنعام: 122) وقال مالك بن نبي عن دور هذه الروح في نهضة الأمة الجزائرية: وهكذا أتيح للإصلاح أن يمسك مقاليد النهضة الجزائرية وأمكنه أن يبعثها خلقا آخر بالروح الإسلامية التي تخلصت من كابوس الأوثان» (3).
يمثل العمل الثوري المسلّح جزءا من نضال الشيخ بيوض في محاربة الاستعمار الصليبي، فقد كان يجتهد منذ وقت مبكر في نشر التعليم الإسلامي العربي، لإعداد الرجال المؤهلين لهذه المهمة النضالية وغيرها من المسؤوليات، وكان يخرج كل سنة فوجا من المثقفين معتقدا أن ذلك أجل خدمة يقدمها للجزائر الجديدة).
يرى الشيخ بيوض أن استنفار الأمة وتحريضها على محاربة الاستعمار تستوجبه رسالة المسجد، فقام بذلك من خلال دروسه التي تطال مختلف مناحي
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح: 17/ 5. (2) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 246/ 7. (3) مالك بن نبي: شروط النهضة: 31. (4) إبراهيم يتوض: أعمالي في الثورة: 39. (1/411)
صفحة 403
412
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
الحياة، خاصة درس التفسير الذي كان يهدف منه إصلاح الأوضاع وتغيير الطباع إذ يقول: جعلت كتاب الله عمدتي في الدعوة إلى الله، وكنت حربًا عَلَى الاستعمار الذي يجنّد شبابنا جبرًا ويمنعنا من التعليم الحرّ منعًا، ويعمل كل وسيلة للتعطيل، وكنت أداوره وأداريه تارةً، وأدافع عنه تارةً أخرى، ورأيت أن أنفع شيء لذلك هو كتاب الله فشرعت في التفسير (3).
تجلّت آثار الدروس الإيمانية في الحياة العامة، كمسألة إفراد الله بالحاكمية، والولاية والبراءة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالقضاء والقدر الباعث على العمل والاستسلام بما قدره الله سبحانه وتعالى، مما يزيد المؤمن وعيا برسالته في الحياة ومجاهدة لقوة الباطل في سبيل الله، إلا أن المستعمر يقلقه هذا الوعي لأنه يرى فيه تهديدا لمصالحه، لذلك قال الحاكم الفرنسي العام لمنطقة غرداية سنة 1950 م عن الوضعية السياسية بالمنطقة: إنَّ الوضعية السياسية قلقلة مضطربة بتأثير الحركة الإصلاحية التي يتزعمها الشيخ بيوض (2).
1 - رئاسة خلية الثورة
الإيمان الفاعل يدفع صاحبه إلى العمل بمقتضاه مستنيرا في حركته بضوابط الشرع وفقه الواقع، فقد اقتنع الشيخ بيوض بضرورة العمل الثوري، وكان مسؤول خلية للثورة في القرارة جلّها من قدماء تلاميذه (3)، من مهامها التكفل بإيواء كبار الثوار، وتموين المجاهدين بالمال والعتاد والسلاح، وكان الشيخ القائد يرسل بعض تلاميذه الشباب إلى جبهات القتال، ويكلفهم بمختلف المهام ويزودهم بتعليمات ودعوات (4).
(1) في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 1/ 33.
(2) بوحجام: الشيخ بيوض والعمل السياسي، ط 1، المطبعة العربية، 1412 هـ/ 1991 م: 07، نقلاً عن
التقرير الولائي لمجاهدي غرداية، سنة 1986 م، ص: 57.
(3) إبراهيم بيوض: أعمالي في الثورة: 23. (4) م. ن: 28. (1/412)
صفحة 404
المبحث الرابع: المجال السياسي وأبعاده الإيمانية 2 مغامرة بالعمل داخل الجزائر
413
قرر الشيخ بيوض البقاء داخل الجزائر إبان ثورة التحرير، رغم تأزم الظروف الأمنية ووفرة فرص الخروج، لاعتقاده أن المصلحة العامة تقتضي ذلك، فهو يرى أنه يقدم خدمة مفيدة للجزائر سواء في حقل الثورة، حيث إنه قد وضع نفسه رهن إشارة جبهة التحرير الوطني طوال الحرب التحريرية» (3) أو في حقل العلم، لاعتقاده أن إعداد الرجال وتوجيههم من الداخل، ودفع أخطار المستعمرين الصليبيين عن مشاريع الأمة ومؤسساتها أكثر نفعا من الهروب إلى الخارج وفق الله الشيخ بيوض للتعامل مع الاستعمار الصليبي بكياسة ودهاء ومكنه. من المحافظة على المؤسسات التربوية)، التي قدم بها خدمة كبيرة للجزائر والإسلام، حيث يقول: وربحت من مكثي بالجزائر ربحاً وفيرا لا هو درهم ولا دينار، وإنما هو العدد العديد من الشباب المثقف بالعربية المتربي بالإسلام، وكفى بهذا ربحا (4).
(2)
ومن ثمرات مرابطة الشيخ بيوض داخل الجزائر بلاؤه الحسن لأجل وحدة
التراب الوطني، والمحافظة على خيرات الصحراء الجزائرية للجزائر كلها. فالعقيدة الصحيحة الراسخة هي التي دفعت الشيخ بيوض إلى تحقيق إنجازات معتبرة في مختلف مجالات الحياة، معتقدا أن جهوده الإصلاحية من أجل الأعمال التي يتقدّم بها بين يدي الله، وهي أحسن وأرجى عمل يتقرب به إِلَى الله (5).
(1) كلمة السيد يوسف ابن خدة، الجزائر، يوم: 09 مارس 1978 م.
(2) إبراهيم يتوض: أعمالي في الثورة: 43. (3) محمد علي نيوز: نهضة الجزائر: 204/ 3؛ أعمالي في الثورة، مذكرات الأستاذ بابا تامر بوعروة: 58.
(4) إبراهيم بتوض: أعمالي في الثورة: 43.
(5) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح: 104/ 4. (1/413)
صفحة 405
414
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
خامسًا: الاهتمام بقضايا المسلمين في العالم:
قضية فلسطين. نما الحس السياسي عند الشيخ بيوض واهتم بقضايا المسلمين في العالم، اهتمام فاعل لا اهتمام فضول أو مجرد انفعال، وذلك بمقتضى إيمانه بمبدأ الولاية الجميع المسلمين، الذي يعني وجوب محبّتهم ونصرتهم، يدل على ذلك عضويته في "لجنة إغاثة فلسطين وكونه من بين الأربعة الممضين على برقيات ورسائر التأييد، باسم اللجنة الجزائرية الفلسطينية، لقضية فلسطين في الجامعة العربية، عام 1948 م إثر قيام الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين (1).
نبه الشيخ بيوض إلى ضرورة النضال من أجل نصرة القضية الفلسطينية باعتبار بعدها العقدي، لا لمجرد العصبية والقومية العربية، ولا ينبغي أن يكون مبنيا على العصبية والعنصرية عربي يهودي، وإنما هي حرب مظلوم ضد ظالم، وإسلام ضد كفر، وهذه هي الحرب المقدسة» (2).
الشعر والإنشاد تحريضا على الجهاد:
يرى الشيخ بيوض أن قول الله تعالى: {وَالشُّعَرَاهُ يَتْبَعُهُمُ العاوُونَ) (الشعراء: 224) لا يدل على تقبيح الشعر من أصله، وإنما ذلك وصف الحال أغلب الشعراء، ودعا من كانت عنده ملكة الشعر أن يستعملها في الدفاع عن الإسلام لأنّ ذلك أمر مرغوب فيه ويؤجر عليه صاحبه.
ركز الشيخ على ضرورة شرط إخلاص النية لله، فالشعر والإنشاد هجاء وذما لشرذمة اليهود البغاة الذين أفسدوا العالم -مثلا- ينبغي أن لا يكون مبنيا عَلَى
(1) والثلاثة الآخرون هم: الشيخ البشير الإبراهيمي، رئيس اللجنة، والشيخ الطيب العقبي وفرحات عباس. ر. بسام العسلي: جهاد شعب الجزائر - عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثورة الجزائرية:
151 - 150/ 7
(2) في رحاب القرآن، سورة الشعراء: 7/ 468. (1/414)
صفحة 406
المبحث الرابع: المجال السياسي وأبعاده الإيمانية
415
العصبية والعنصرية، إنما يكون من أجل بغض الباطل من حيث إنه باطل، ونصرة الحق وأهله «فالإنشاد والنظم والكتابة في مثل هذا يدخل في قوله تعالى: {إلا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظلِمُوا (الشعراء: (127) (1).
سادسًا: علاج قضايا في المجال السياسي:
1 - فصل الدين عن الدولة
لقد من الله على أمة الإسلام بكمال الدين وشموله لكل مناحي الحياة، فلم يترك الله شيئًا لم يبينه ولم ينظمه، إلا أن أصحاب النظرة الضيقة نحو التشريع الإسلامي ومقاصده ظنوا أنَّ الإسلام اقتصر على طقوس تعبدية، فاعتقدوا أنه لا يفي بقضايا المدنية، قياسًا على واقع دين النصارى فراحوا يرفعون شعار "فصل بين الدين والدولة وهذا خطأ في الفهم خطير يفضي إلى التحرر من ضوابط الشرع في شؤون الحياة، فليس في الإسلام فصل بين الدين والدولة، فهو ينظم كلّ شيء و يشرع لكل ميدان (2).
- فليس معنى تجويز فصل الدين عن السياسة إلا تجويز تجزد الحكومة عن الدين، وهل يجوز في حق الحكومة هذا التجرّد الذي لا يجوز في حق الأمة؟ إلا أن الراغبين في تجريد الحكومة من الدين يسمونه فصل الدين عن السياسة، تخفيفا لخطره، وسوء تأثيره في سمع الأمة المتدينة، فهم يتوسلون إلى القضاء على دين
الحكومة بأن يعبّروا عن هذا القضاء بالفصل بين الدين والسياسة، ثم يتوسلون بالقضاء على دين الحكومة إلى القضاء على دين الأمة» (3).
(1) في رحاب القرآن، سورة الشعراء: 7/ 468.
(2)
ن: الأحزاب: 12/ 150. م.
(3) مصطفى صبري، موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين: 282/ 4.
27 (1/415)
صفحة 407
416
فالله
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
شرع للفقه والنسك كما شرع للمدنية والعمران، وتنفيذ كلا الجانبين عبادة الله، فقد عالج الشيخ بيوض المسألة علاجًا إيمانيا مستندا إلى توحيد الحاكمية، داعيًا إلى إخلاص القلب للأوامر الربانية في كل مجالات الحياة، فحدر بمناسبة تفسير قول الله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} (الأحزاب: 04) حدر من التلاعب بالدين، حيث إن هذا الاعتقاد يفضي بصاحبه إلى أن يكون داخل المسجد من الملائكة الأطهار وخارجه من الذئاب الأشرار، وليس هذا من الدين في شيء، بل المؤمن ليس له إلا قلب واحد تغمرها عقيدة واحدة يتلقاها من مصدر واحد (1)
2 الولاء للغرب
من أخطر الأمراض المؤدية إلى تأخر المسلمين وتفرقهم وذهاب ريحهم انبهارهم بالقوى البشرية الشرقية أو الغربية إلى حد التقديس، وقد عاتب الله المنافقين الذين كانوا يميلون إلى الكفار طمعا في الأمن والعزة ... وقال الذين يَتَّخِدُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جميعًا) (النساء: (139) وكانوا يتزلفون لليهود والمشركين خشية أن تصيبهم دائرة وهذه حجة الأذلاء في كل زمان ومكان ... وإذا طلبت العزة فاطلبها من بطاعته ونصره، حقق له الجندية يحقق لك العزة (2) مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جميعا (فاطر: 10).
الله
سبب انبهار المسلمين بإنجازات الغرب غفلتهم عن ذكر نعمة الله عليهم، وهو الذي يرشد عباده إلى دوام ذكر نعمه عليهم ليتيقنوا بأن مصدرها هو الله وحده فيخصوه بالشكر والعبادة، ومن ذلك قوله: {يَا أيهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى
(1) في رحاب القرآن سورة الأحزاب: 12/ 151.
(2) من سورة الصافات: 604/ 14. (1/416)
صفحة 408
المبحث الرابع: المجال السياسي وأبعاده الإيمانية
417
توفكُونَ) (فاطر: (3) فمهما انبهر الناس من قوة إنتاج هيئة بشرية أو سيطرتها على الغير فليتذكر أن مصدر تلك المزايا كلّها هو الله وحده، فعلى الكيس الفطن أن يطلب العزة من ربّ العزّة الذي له الخلق والأمر: {ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (الزمر: (6) فهل تجدون إلها أقوى من الله تسألونه أن ينفعكم أو يدفع عنكم ضركم؟ كلاً! فالله ربكم هو الحق، فما بعد الحق إلا الضلال، ومن انصرف عن الله فقد ضل (1).
دعا الشيخ بيوض إلى مداومة التفكر في خلق الله، وتأمل تجليات أسمائه الحسنى وصفاته في الكون، فإنّ ذلك يُعين عَلَى محبة الله وتعظيمه والتوجه إليه وحده، لأن القلب بقدر ما يمتلى بحب الله والالتجاء إليه بقدر ما يسقط تعظيم غيره من العباد)، فالله شرع التعاون بين عباده ابتغاء لمرضاته، لا لأجل تحقيق المصالح الذاتية الآنية فحسب ولو اقتضى تحقيقها تجاوز حدود الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (3)، أما أن يكيف المرء أعماله بحسب ميول العباد محادة لأمر الله ومخالفة له فهذا ما لا يجوز وما لا ينبغي)، وما لا تحمد عقباه في دنيا الناس وعند لقاء الله.
السبب الرئيس في ذلة المسلمين إعراضهم عن الله واستخفافهم بشريعته، «فأعرض عنهم ووكلهم إلى أنفسهم وتركهم يتعلقون بأذيال أعداء الله وأعدائهم يسعون وراءهم لاهثين يخافونهم ويرجونهم دون الله وهم يعبثون بهم ويتقاذفونهم بينهم من شرق إلى غرب ومن غرب إلى شرق ومن أفاك أثيم إلى شيطان رجيم))
(1) في رحاب القرآن، سورة الزمر: 285/ 15
(2)
م. ن: سورة لقمان: 441/ 11.
(3) تقدم تخريجه ص: 167.
(4) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 441/ 11.
(5) إبراهيم بيوض روح الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي، محاضرة ألقاها بالملتقى السابع للتعرف على الفكر الإسلامي، تيزي وزو، 1393 هـ/ 1973 م: 2/ 755. (1/417)
صفحة 409
418
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
عبر
حدر الله نبيه الكريم أن يستخفّه أعداؤه الكافرون فقال له: {فَاصْير إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفْنَّكَ الذِينَ لا يُوقِنُونَ} (الروم: 60) إلا أن دعاة الباطل العصور قد ينجحون في استخفاف الناس إما بمنطق القوة كفرعون الذي استخف قومه فأطاعوه، أو بقوة المنطق كأصحاب الفلسفات على اختلاف مذاهبها، وقد وصف الشيخ بيوض واقع مجتمعه الذي أصابته عدوى الانسياق وراء الدعاة إلى الأفكار الوافدة من غير ترو ولا وعي أو شعور، وبين تصرف المؤمن الواعي صاحب المبدأ والرسالة في الحياة المتوكل على الله في كل الأحوال: «فالواجب على الإنسان أن يكون رزينًا لا تستهويه الشبه ولا مطلق الدعوات أو الشعارات الزائفة، فينطلق وراء كل ناعق، وإنما عليه أن يتأمّل ويتدبر ويدرس العواقب ثم يُقرر، وإذا عزم فليتوكل على الله» (1).
من الآداب الإسلامية شكر الذين أسدوا المعروف لما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» (2)، ولكن المشكل يكمن في قصر الإنسان الشكر على المخلوق، الذي هو واسطة، والغفلة عن المنعم الحقيقي ربِّ العالمين خالق النعم جميعًا، وهو القائل: {وَمَا بِكُم مِّن نَّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (النحل: 53) فإنَّ طول أمد الغفلة عن شكر الله - الذي قضت حكمته أن يتخذ بعض الناس بعضا سخريا - سبب في توجيه القلوب إلى تعظيم المخلوق المنعم عليهم، كأنه هو مصدر النفع أو الضر ... «فيا هذا ما ذاك الإنسان إلا واسطة سخرها الله لك، فبعث إليك برزق على يده أو علمك علمًا أو أنقذك من بلاء، ثرى إذا ضربك أحد بالسيف وجرحك، فهل تلوم السيف أو اليد التي استعملته؟!» (3).
(1) في رحاب القرآن، سورة الروم: 354/ 10.
(2) رواه الترمذي، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ غَرِيبٌ، سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الثناء بالمعروف، حديث: 2035، 380/ 4
(3) في رحاب القرآن، سورة سبأ: 12/ 13. (1/418)
صفحة 410
المبحث الرابع: المجال السياسي وأبعاده الإيمانية
عدة
419
فعلى المؤمن أن يثبت عَلَى دينه مهما كانت الظروف المحيطة به، وإن خاف فتنة بالخير أو الشر فما عليه إلا أن يلوذ بالله، فيذكر - حين يغريه إنسان أو كيان بأي خير مهما كثر على أن يفرط في دينه - أنَّ الله قد وعده ما هو خير وأبقى، وإن هدده مخلوق بمكروه فليعلم أن الله أوعده، إن خالفه، نارا تلظى ... وهذا يحتاج إلى من الصبر كبيرة مصدرها حسن التوكل على الله واليقين بما عنده مما هو خير وأبقى، ومثل الشيخ بيوض بسحرة موسى الذين قالوا لفرعون: {لَن نُّوثِرِكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدنيا (طه: (72) فهذا هو التوكل الصحيح، وهو ما يجب على المؤمن فعله في سبيل حفظ الدين وتبليغ رسالته، لا أن يمرق منه أو يترك بعض فرائضه بكلمة سخرية أو استهزاء سمعها من أحد (1).
-3 شروط استحقاق النصر الموعود
يذكر لنا الله في كتابه الكريم صور انتقامه من الظالمين ليغرس في قلوبنا الثقة في قدرته فنتوكل عليه وحده، ونتيقن أنَّ بأسه لا يُردّ عن القوم المجرمين، ومن الناس من يستبطئ انتقام الله تعالى من الظلمة، وتنجية المظلومين فيشك في قدرة الله وحكمته، فإذا ظنّ أحدٌ هَذا فإنه مغرور غرّه الشيطان ... فإياكم والشك، ولعلّ في تأخير النجاة للمظلومين عقابًا لهم على ما كسبت أيديهم، يؤكد الشيخ بيوض أنَّ التوبة إلى الله والاستقامة على الطريقة شرط أساس لقبول الدعاء واستحقاق النصر على الأعداء، أما إذا كان (المسلمون) يتبعون غير سبيل المؤمنين ويخوضون مع أعدائهم الخائضين، ويسألون الله أن ينصرهم عليهم فانى يستجاب لهم، وهم في اتباع الأهواء سواء، بل يصدق عليهم قول الباري عز وجل: أَكْفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزَّبُرِ} (القمر: (43).
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 141/ 12.
(2)
م. ن: سورة القصص: 8/ 253 (1/419)
صفحة 411
420
الفصل الرابع: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
فلا يستحق المسلمون النصر على الأعداء إلا بنصرة دين الله، لقوله تعالى: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: 40) وقوله: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم: 47). فلا يغني انتساب إلى الإسلام ولا تكفي كلمة الشهادة، ما لم تظهر ثمراتها سلوكا وعملاً صالحاً في الجانب الروحي والمادي، (فعلينا أن نجمع بينهما معا فتُعدّ ما استطعنا من القوة، حتى القوة النووية مع الاعتماد على الله أولاً وأخيرا» (3).
(1) قال الشيخ هذا الكلام عام 1968 م. في رحاب القرآن، سورة الروم: 25/ 10 (1/420)
صفحة 412
الخاتمة
تخلص الدراسة إلى أنَّ الشيخ بيوض - رغم أنه لم يؤلف كتابا في العقيدة - صاحب فكر عقدي واضح المعالم، يتجلّى في منهج عرض قضايا العقيدة وأبعاده النفسية والسلوكية، يتضح ذلك من خلال النقاط الآتية:
01 - يعتبر الشيخ بيوض البحث في شؤون الله الخاصة، و مسائل الغيب المفتقرة إلى النصوص القطعية، تكلّفاً وفضولاً، لا يثمر الأحيرة وفرقة، فتوقف عن الخوض فيها وفوض الأمر فيها إلى الله سبحانه وتعالى؛ وبالمقابل فكان يركز الكلام في قضايا الإيمان المرتبطة بعمل الإنسان تزكية وسلوكا، ويجتهد في تيسير أساليب عرضها قصد تحريك الإيمان في القلوب وتحويله إلى قوة باعثة إلى العمل الصالح الشامل للجانب الروحي والمادي.
02 - يعرض الشيخ بيوض الحديث النبوي على محكمات القرآن، ففي حالة التعارض الظاهري يحاول تأويل الحديث ليتوافق مع مقاصد القرآن العامة وما علم من الدين بالضرورة، فإن استحال ذلك، يحكم بوجود التناقض المعنوي (الحقيقي) بين النصين ويرد الرواية الحديثية، لاستحالة أن يكذب القرآن نبي القرآن. 03 - يشترط الشيخ بيوض في الاستدلال بالحديث النبوي في مسائل الاعتقاد بلوغ درجة التواتر، لأنَّ العقيدة لا تبنى إلا على اليقين، الذي تفيده نصوص
القرآن والسنة المتواترة؛ ولهذا المنهج أبعاد منها:
أ ضبط مسائل الاعتقاد.
ب- السلامة من اعتقاد خلاف مراد الله تعالى.
ج - تضييق شقة الاختلاف المذهبي، بعدم قطع عذر المخالف في المسائل المفتقرة
إلى الأدلة القطعية.
04 - يصنف الشيخ بيوض الحديث عن شؤون الله الخاصة إلى قسمين: (1/421)
صفحة 413
422
الخاتمة
• ما لم يخبرنا الله به، وموقفه معه الكف عن البحث فيه أصلاً وتفويض الأمر
فيه إلى الله.
• ما أخبرنا الله به، وينهج في فهمه مستويات ثلاثة:
أ - الأخذ بظاهر النص، وهو الأصل، إلا إذا أفضى ذلك إلى محذور يستوجب الصرف عنه.
ب تأويل اللفظ إلى معنى خفي تطمئن إليه النفس، مع مراعاة ضوابط التأويل، وعدم القطع بنتيجته لأنّ علم حقيقته عند الله تعالى.
ج - تفويض الأمر إلى الله عزّ وجَلَّ.
05 - لم يفتح باب التأويل على مصراعيه ولم يسايره إلى منتهاه، بل كان يلجأ إليه عندما تدعو إليه دواعيه وهي تنزيه الباري عز وجل، و مراعاة تناسق
النصوص، وعند توفر ضوابطه، وهي:
أ- ردّ المتشابه إلى محكمات التنزيل.
ب - الجمع بين النصوص الواردة في الموضوع الواحد.
ج - الانضباط بقانون اللسان العربي.
د- اعتقاد ظنية نتائج التأويل.
06 - يمتاز منهج الشيخ بيوض العقدي بخصائص، منها:
أولاً: الشمولية:
تتمثل في تكامل عناصر البنية الإيمانية، كالتصديق والعمل بمفهومه الواسع الشامل للجانب التعبدي والحياتي، فاعتقاد المؤمن أن إيمانه يقتضي منه أن يكون قويا في الجانبين كليهما، يدفعه إلى الاجتهاد في عمارة المسجد وعمارة الأرض، لتحقيق البعد الاستخلاقي باعتباره ليس مجرد ترف حضاري، بل هو من مقتضيات الإيمان. (1/422)
صفحة 414
الخاتمة
423
ثانيا: الواقعية:
خاصية الواقعية حاضرة في دروس الشيخ بيوض ومواقفه، يوظفها لإيصال فكرته وتحقيق التغيير المنشود، فكان الشيخ خبيرا بواقعه الذي هو ميدان إصلاحه، وتتجلى الواقعية في درسه العقدي منهجا وموضوعًا:
أ- أما من حيث الموضوع، فكان يركز الكلام على قضايا العقيدة التي ترتبط بها آثار عملية متعلقة بالجانب التعبدي أو الحياتي ويعالج من خلالها صور انطلاقا الفساد التي طالت مجتمعه، ويسعى للنهوض به من القاعدة الإيمانية. ب وأما من حيث المنهج، فكان يخاطب الناس بما يفهمون، كاستعمال الثلاثية الألسنية وضرب الأمثلة من الحياة الواقعية، وتوظيف علوم العصر من أحدث الاكتشافات في الآفاق والأنفس، واستثمار أحداث العالم وأخباره التي يسايرها ويكون لها حضور في دروسه وتأثير كبير.
ثالا: النظرة المقاصدية: لم تكن غاية الشيخ بيوض من الدرس العقدي ترتيب مسائل العقيدة ورسم حدودها وصياغة ردودها، بل كان يهدف من خلاله استرجاع صفاء العقيدة وحيويتها ويتخذها منطلقا لتحقيق مقاصد، منها:
أ- الهدف الإصلاحي: يركز الشيخ بيوض عنايته في عرض العقيدة - على المسائل التي تتجلّى آثارها في تزكية النفس والاستقامة، معتقدا أن ذلك أحسن طريقة لتخطي العقبات الكؤود، وتحطيم الحواجز الوهمية التي كان للتراث العقدي دور كبير في نصبها، فحالت بين العبد وبين بلوغ العديد من مقاصد الدين منها تحقيق الوحدة الإسلامية.
تحقيق الوحدة الإسلامية: يحرص الشيخ بيوض على توحيد الصف حرصه على توحيد الرب، فكان يضع مقصد "الوحدة الإسلامية“ نصب عينيه وهو يدرس قضايا العقيدة، مؤمنًا بكون الوحدة الصادقة من ثمرات التوحيد الخالص، ويتضح ذلك من خلال الآتي: (1/423)
صفحة 415
424
الخاتمة
1 - الكف عن القول بغير علم.
-2 الاجتهاد والاعتراف باجتهاد الآخر.
3 - التأويل وعدم القطع بخطأ المخالف.
1
-4 لازم المذهب ليس بمذهب
5 - القيام الجماعي بشرائع الدين.
ج- ضبط مسائل الاعتقاد توسعت مسائل العقيدة وتضخمت، فكان الشيخ بيوض يفرق بين اعتقاد قول من الأقوال والاكتفاء بمجرد روايته، ويضبط المسائل التي يتعين على المؤمن أن يعتقدها ويكون له موقف ثابت فيها، فيُخرج من مسائل الاعتقاد ما انضاف إليها واكتسب بمرور الزمن قدسيتها وأحكامها؛ ولهذا المنهج أبعاد منها:
1 - بناء الاعتقاد على أصل يقيني حذر اعتقاد خلاف مراد الله. -2 - المحافظة على الوحدة الإسلامية، وذلك بتضييق مجال الاختلاف وسد أبواب الخلاف، لأن إدراج قول ضمن "مسائل الاعتقاد يفضي إلى عدم عذر المخالف فيها، وقد يُتخذ مبررًا لتكفيره ...
66
-3 - توفير الجهد للأيمة وسائر أفراد الأمّة للبناء الفكري والحضاري بدل استنزافها في قضايا مفتعلة ومعارك كلامية هي في غنى عنها، كمسألة خلق القرآن التي يرى الشيخ أنها فتنة أوقدها بعض من دخل الإسلام مكرا به وإيقاعا بين أهله، ودعا إلى الكف عن إثارتها لعدم جدواها وعظم بلواها.
د التركيز على مسائل الاعتقاد ركز الشيخ عنايته على المسائل التي يتعين على المؤمن اعتقادها واتخاذ موقف ثابت فيها، سعيًا نحو استثمار أبعادها الميدانية، دون الاشتغال بسواها من القضايا المحشورة في كتب العقائد، لإيمانه أن البحث فيها لا يثمر إلا حيرة وفرقة. (1/424)
صفحة 416
الخاتمة
425
رابعا التحرّر من التعصب المذهبي:
يلحظ المتفحص لتراث الشيخ بيوض ترفعه عن التعصب لمذهبه الإباضي، من حيث هو مذهبه، ودورانه مع الحق وجرائه في القول به والدعوة إليه، ويتجلى
ذلك في النقاط الآتية:
أ- نبذ التقليد.
ب عدم التقيد بحرفية النص.
ج - موقفه فيما شجر بين الصحابة.
د نقد التراث الإباضي.
هـ - الاستشهاد بأقوال أئمة المذاهب وتثمين مواقفهم.
07 - الدعوة إلى التمسك بمنهج سلف الأمة من الصحابة والتابعين، في أصل الأسماء والصفات، واجتناب الخوض في محاولة إدراك حقيقة الصفات، مثل
علاقتها بالذات؛ ولهذا المنهج أبعاد، منها: أ- سلامة المعتقد، لأنّ العقيدة لا تبنى إلا على الدليل القطعي، وهو ما تفتقر إليه هذه التفاصيل. ب- تقوية براهين الإيمان في القلب تكون بالمنهج القرآني الفاعل، لا بمعرفة التعقيدات الكلامية.
ج-
ج - المحافظة على الوحدة الإسلامية، لأنّ إثارة هذه القضايا من أقوى أسباب توسيع شقة الخلاف المذهبي.
08 - إبراز مقاصد القرآن من إثبات الأسماء والصفات، وأبعادها التي هي أبعد ما يكون عن الجدل الذهني، الذي عرف به منهج المتكلمين الذي أحمد فاعلية العقيدة، فيرى الشيخ بيوض أن استحضار معاني الأسماء الحسنى في جميع الأحوال سبب قوي لتزكية النفس والاستقامة ومحدرًا من كون فهمها إن اعتراه خلل، كان تُوَجّه تأويلاً غير مستجيب لضوابطه، تسفر عن آثار سلبية في
التصوّر والسلوك. (1/425)
صفحة 417
426
الخاتمة
09 - رد ما يتناقله الرواة من تفاصيل في أمور غيبية كتحديد حجم أجنحة الملائكة ولونها، ودقائق تفاصيل حياة الجن وجزئيات الصور الذي ينفخ فيه وغيرها مما لم يثبت فيها نص قطعي، ويرى الشيخ بيوض أن أكثرها من الإسرائيليات؛ وللوقوف - في مسائل الغيب واليوم الآخر - عند حدود النصوص القطعية أبعاده المتمثلة في:
أ- السلامة من اعتقاد خلاف مراد الله سبحانه وتعالى، ولو علم الله في هذه التفاصيل خيرا لأخبرنا بها.
الأمة
ب- إفراغ الجهد وتوجيه الهمم إلى العمل للآخرة والإعداد لها. 10 - اسم منهج الشيخ بيوض في تناول مسألة الولاية والبراءة بالأصالة والفاعلية، حيث أصل لتوسيع نطاق الولاية ليشمل الصالحين من الإسلامية جمعاء، وترجم موقفه إلى مشاريع ميدانية، وموازاة لذلك تمسك بمبدأ البراءة الشخصية ونقده على القريب والبعيد والشريف والوضيع، فسما بذلك من دائرة المذهبية الضيقة إلى رحابة الإسلام، ومن نطاق الكلام إلى اقتحام عقبات العمل والاستقامة، معتقدا أنَّ ذلك من مقتضيات الإيمان. 11 - البراءة الشخصية لها دور فاعل في إصلاح الأفراد والمجتمعات، فرغم كونها عقوبة اجتماعية صارمة تطال بعض الأفراد، إلا أنها تعود بالنفع عليهم -أولا - وذلك بتحريضهم على التوبة من معاصيهم، وعلى مجتمعاتهم-ثانيا - بتطهيرها من مظاهر الفساد والانحلال، لكون المتبرأ منه عبرة لغيره، فلا تسول له نفسه
مخالفة أحكام الشرع، وإن غلب يوما على أمره فسرعان ما يتوب ويرجع. 12 - إذا كان التغيير النفسي ضرورة لكل نهضة ناجحة فإنَّ الإيمان هو الذي يهيئ النفوس لتقبل المبادئ الخيّرة، وتتأهل للانضباط والعمل، لذلك اجتهد الشيخ بيوض على إصلاح ما طرأ على حياة الناس من مظاهر الشرك، محافظة على صفاء العقيدة وحيويتها لتتمكن من ضبط السلوك وإصلاح الفرد والمجتمع، وحرص على العلاج الجذري للقضايا الحياتية، بإحكام صلتها بأصولها الإيمانية. (1/426)
صفحة 418
الخاتمة
427
- منهج عرض العقيدة يؤثر في أبعادها الميدانية، ودعا الشيخ بيوض إلى الرجوع بالدرس العقدي إلى المنهج السلفي لاقتناعه أن "لا منهج في باب العقيدة إلا الله تعالى في كتابه الكريم، ومن أبعاد هذا المنهج الحركي اتخاذ الشيخ بيوض من ميادين الحياة محرابًا للعبادة، كما كان في فجر الأمة المجيد، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
منهج
-14 - حديث القرآن عن العقيدة لم ينحصر في الفترة المكية، وذلك أن القرآن المدني لم ينتقل من العقيدة إلى تشريع الأحكام العملية بل انتقل بالعقيدة وأحكم صلتها بجميع الأحكام، فالصلة محكمة بين المعتقد والسلوك، إن اعترى الإيمان مرض ظهرت أعراضه في الأخلاق.
15 - ينطلق المصلح الناجح تما انطلق منه المرسلون عليهم السلام في الدعوة إلى الله من ترسيخ الإيمان في القلوب، وإحكام المرجعية الإيمانية بمختلف المواضيع والمجالات التي يسعى لإصلاحها، لأنّ الفرق شاسع بين علاج قضايا حياتية اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية ... باعتبارها قطاعات حيوية فحسب، وبين علاجها باعتبارها من مقتضيات الإيمان، فإن الإيمان هو الوازع الفعال للوقوف عند حدود الله والمسارعة رغبا ورهبا إلى عمل الصالحات بمفهومها الواسع الشامل للجوانب المناسكية والحياتية.
-16 من أسباب نجاح الشيخ بيوض في تكوين المجتمع المسجدي إحكام صلة هيئاته بمرجعيتها الإيمانية فأقنع الأمة أن سلطة المسجد - مثلاً - سلطة شرعية، وما تصدر هيئة العزابة من نظم وتعاليم ملزم لأفراد المجتمع، وأن هذه النظم تمثل حصن الدين، يعد المتفلت منها متعديا حدود الله التي نهى عن تعديها بل عن قربها، لأنَّ النظم الاجتماعية المستنبطة من الأصول الشرعية، تصبح حدودا شرعية وليست مجرد تقاليد قومية.
-
17 خالف الشيخ بيوض مشهور المذهب الإباضي في مسائل معدودة، وهذه أقواله في بعضها: (1/427)
صفحة 419
- إطلاق اسم "النفاق" على إضمار الشرك وعلى ارتكاب الكبائر. - إطلاق الصراط على الصراط المعنوي والحسي.
- جواز الدعاء لأهل البراءة بالهداية.
- عذر المخالف في التأويل الملتزم بضرابطه.
الخاتمة
- الرضا عن جميع الصحابة. - ولاية كافة الصالحين من المسلمين دون اشتراط الموافقة في المذهب الخاص. كان الشيخ بيوض جريئًا في التصريح بما انتهى إليه اجتهاده مما يخاف مشهور مذهبه الإباضي، خاصة النقطتين الأخيرتين، اعتمادا على تأصيل مواقفه واعتبارًا لكونها تشكل القاعدة الأساسية لتحقيق مقصد الوحدة الإيمانية على المستوى الوطني والعالمي، من تجلياتها مشاركة الشيخ بيوض إخوانه أقطاب الحركة الإصلاحية في الجزائر في تأسيس جمعية العلماء المسلمين، وإسهاماته الفكرية والمادية في الحركة الوطنية، خاصة في قضية فصل الصحراء عن الشمال، واقتضى موقفه من تعميم حق الولاية لكافة المسلمين في العالم وجوب الاهتمام بقضاياهم ونصرتهم، لأنَّ ثمة فرقًا بين أن يتحرك الإنسان استجابة لمتطلبات الحياة، وأن يعتقد أنَّ ذلك من مقتضيات الإيمان.
الأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى هذا الفكر العقدي الوسطي العالمي، الذي يحرص على وحدة الصف حرصه على وحدة الربِّ، فلولا نفر من كلّ مذهب لمخبة من الباحثين المنصفين لتنقد تراثها نقداً موضوعيًا من الداخل لتقدم مشروع الوحدة الإسلامية خطوات ميدانيةً مباركة، ولوفّرت الأمة كثيرًا من جهودها الفكرية والمادية المستنزفة وسخرتها في التعاون على البر والتقوى، وخدمة الصالح العام للمسلمين ودعوة البشرية الحائرة؛ ولا تعدم الساحة الإسلامية نماذج رائدة في هذا المجال، مثل دراسة الكاتب الحنبلي حسن بن فرحان المالكي قراءة في كتب العقائد، المذهب الحنبلي نموذجاً، وهي جهود بحاجة إلى التنسيق وتعاون المنصفين ليتمكنوا من التأثير وإحداث التغيير.
428 (1/428)
صفحة 420
الخاتمة
429
-18 - لا يخلو منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة من نقاط ضعف، ومن ذلك: - ما يتعلق بعدم التقيد - أحيانا- بالمنهج الذي سطره لنفسه، مثلا:
-أ- ذكر تفاصيل في مسائل غيبية، من غير أن يستدلّ عليها بنصوص يقينية، من القرآن أو السنة المتواترة، فالنسق المنهجي للشيخ يقتضي التوقف في هذه المسائل، وإرجاع علم حقائقها إلى الله وحده.
ب تأويل النص إلى معنى يتعارض مع ما ذهب إليه من أقوال، مثل تأويل حديث المفلس يتفضل الله على الغرماء بمغفرة بعض الذنوب، فهذا المعنى يتناقض مع قوله بعدم حصول المغفرة إلا بالتوبة، إلا إذا كان يقصد مغفرة الصغائر دون الكبائر. - كما يلاحظ على الشيخ عدم تعريف بعض مصطلحات العقيدة عند التطرق إلى مواضيعها، إلا أنه قد يعذر في ذلك لكونه لم يلزم نفسه بتأليف كتاب في العقيدة، بل كان يلقي دروسه المسجدية للخاصة والعامة، فيتغاضى في بعض الأحيان عن تحديد المصطلحات موليا عنايته الكلية لآثارها العملية، التي كانت غاية درسه العقدي، ولكنه حين يرى أن استيعاب الدرس لا يتم إلا بضبط. مصطلحاته فإنه يخصها بتعاريف دقيقةٍ وشروح ضافية، كما فعل مع قضية شرك الأولياء حيث قام بصياغة قاعدة كُليّة في تحديد معنى الشرك“، وضبط الفروق بين التوسط والتوسل، وبين اتخاذ الأسباب“ والاستعانة بالأولياء".
-
،،
19 ارتبط مصطلح العقيدة بتعقيدات ذهنيّة، وبإضافات بشرية، يُرمى المخالف فيها بالابتداع والمروق، وسعى هذا البحث إلى الرجوع بها إلى معينها الصافي الذي يثمر فيضا إيمانيا غامرًا وحركة إيجابية في ميادين الحباة.
20 كان اسم الشيخ بيوض مقترنا بالحركة الإصلاحية، وأضاف هذا البحث اقتران اسمه بالجانب العقدي، بالكشف عن الخيوط التي كان الشيخ يُحكم ربطها بين العقيدة والجانب العملي عند تحليل نصوص العقيدة، حيث يسعى (1/429)
صفحة 421
430
الخاتمة
لتيسير عرضها وتفعيلها لتصطبغ بها حياة الفرد والمجتمع، وعند معالجة قضايا عصره بإحكام مرجعيتها الإيمانية، واتخاذ العقيدة القاعدة الأساسية التي تنطلق منها عمليته الإصلاحية الشاملة لمختلف مجالات الحياة.
-21 تميّزت العملية الإصلاحية عند الشيخ بيوض بانطلاقها من الداخل باعتبار الفرد والمؤسسة:
أ الانطلاق من داخل الإنسان، بإحكام صلة مختلف القضايا والمواضيع المعالجة بأصل الإيمان، باعتبار كونها من مقتضياته.
ب الانطلاق من داخل الميدان، بمشاركته الفعّالة في المؤسسات والهيئات العرفية، وإسهامه في تفعيلها وإصلاح ما اعتراها من فساد.
-
-22 استثمر الشيخ بيوض الطاقة الإيمانية فاتخذها منطلقا لحركته الإصلاحية سالكا في ذلك اتجاهين:
-أ- الاجتهاد على تنزيل النص العقدي على الواقع المعيش.
ب - علاج القضايا المناسكية والحياتية الراهنة بإحكام صلتها بأصولها الإيمانية، فيهتدي بذلك إلى إيجاد حلول جذرية لها، لأن سلوك الإنسان مرهون بما يضمره من تصوّر واعتقاد.
وبناءً على هذا البيان نؤكد القول بأنَّ حركة الشيخ بيوض الإصلاحية الشاملة لمختلف مجالات الحياة هي ثمرة فكره العقدي الحركي الوسطي ..
توصيات البحث:
01 - الأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى الفكر العقدي الوسطي العالمي، الذي يحرص على وحدة الصف حرصه على وحدة الرب، فلولا نفر من كل مذهب نخبة من الباحثين المنصفين لتنقد تراثها نقداً موضوعيًا من الداخل لتَقدَّم مشروع الوحدة الإسلامية خطوات ميدانية مباركة، ولوفّرت الأمة كثيرًا من جهودها الفكرية والمادية المستنزفة وسخرتها في التعاون على البر والتقوى، وخدمة (1/430)
صفحة 422
الخاتمة
431
الصالح العام للمسلمين ودعوة البشرية الحائرة؛ ولا تعدم الساحة الإسلامية نماذج رائدة في هذا المجال، وهي جهود بحاجة إلى التنسيق وتعاون المنصفين ليتمكنوا من التأثير وإحداث التغيير. 02 - إذا أرادت الحركة الإصلاحية أن تحافظ على خطها الإصلاحي الحركي فعليها أن ترتبط بالمنهج الإصلاحي، المتميز بثبات الأهداف والمبادئ وتطوير الوسائل والتقنيات، وأن تجدد إحكام العمل الإصلاحي بالأصل الإيماني، لتضمن استمرارية فعاليته وتطوره ..... لأن انقطاع هذه الصلة العقدية يفضي إلى التعلّق بالزعامات والاستغناء - بما حققته الحركة من منجزات عن متابعة العملية الإصلاحية الجوهرية، فإنَّ الإصلاح بحاجة إلى عمليات إصلاحية متجددة مستمرة، اعتبارًا لكونه رسالةً و فكرًا ومنهجا، وليس مجرد هيئة وأشخاص وتراث.
03 - المأمول من الكليات والجامعات الإسلامية أن تولي عناية خاصةً للجانبين الآتيين:
ا - الدراسات العقدية في ضوء النظرة التأصيلية والمقاصدية. ب - إعادة قراءة كتب التراث العقدي قراءة نقدية تهدف إلى حُسن استثمارها، وتنقيتها مِمَّا انضاف إلى العقيدة الصافية من مسائل حجبت نورانيتها وفاعليتها، فأثرت سلبًا على جوهر التوحيد، ووحدة المسلمين، والتزامهم الشرعي وانطلاقهم الحضاري.
والله ولي التوفيق.
والحمد لله رب العالمين. (1/431)
صفحة 423
432
أولا - المصادر:
!
قائمة المصادر والمراجع
قائمة المصادر والمراجع
01 - القرآن الكريم، برواية ورش عن نافع.
الآمدي، علي بن محمد (631 هـ):
02 - الإحكام في أصول الأحكام، تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي ط الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض - السعودية، 1424 هـ / 2003 م.
ط 1، دار
ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد (235 هـ): 03 - مصنف ابن أبي شيبة، تح كمال يوسف الحوت، ط 1 مكتبة الرشد، الرياض،
1409 هـ.
ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن (321 هـ):
04 – كتاب جمهرة اللغة، تح رمزي منير بعلبكي، ط 1، دار العلم للملايين، بيروت - لبنان، 1987 م.
ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر الدمشقي (774 هـ): 05 - تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، 1401 هـ.
ابن منظور محمد بن مکرم (711 هـ):
06 - لسان العرب، ط 1، دار إحياء التراث العربي - مؤسسة التاريخ العربي،
بيروت - لبنان، 1416 هـ/ 1995 م.
أبو البقاء الكفوي (1094 هـ):
07 - الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، ط 1، مؤسسة الرسالة،
بيروت، 1412 هـ / 1992 م.
أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني (241 هـ):
08 - مسند أحمد مؤسسة قرطبة، مصر. د. ط، د. ت. ن. (1/432)
صفحة 424
قائمة المصادر والمراجع
أحمد رضا
09 - معجم متن اللغة، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1380 هـ/ 1960 م.
الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل (330 هـ):
433
10 كتاب اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع، نشر وتصحيح الأب وتشرد
-
يوسف مكارثي اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1952 م.
الأصبهاني أبو نعيم أحمد بن عبد الله (430 هـ): 11 - حلية الأولياء، ط 4 دار الكتاب العربي، بيروت، 1405 هـ/1985 م.
الأصبهاني عبد الله بن محمد بن جعفر (369 هـ):
12 - العظمة، تح رضاء الله بن محمد بن إدريس المباركفوري، ط 1 دار العاصمة،
الرياض 1408 هـ.
الأصفهاني الراغب (425 هـ):
13 - مفردات ألفاظ القرآن، ط 1، تح صفوان عدنان داوودي، دار القلم دمشق، الدار الشامية-بيروت، 1416 هـ/ 1996 م.
اطفيش امحمد بن يوسف (1332 هـ):
14 - تيسير التفسير، ج 13، تح إبراهيم بن محمد طلاي بمساعدة لجنة من الأساتذة، مط العربية - غرداية - الجزائر، 1423 هـ/2002 م.
15 - شرح عقيدة التوحيد، تح مصطفى بن الناصر وينتن، ط 1، المطبعة العربية -. غرداية، نشر جمعية التراث القرارة - غرداية، 1422 هـ / 2001 م.
أعوشت بكير:
16 - الإمام إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي في الجزائر، ط 1، المطبعة العربية
غرداية، 1987 م.
البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد
الله
(256 هـ):
17 - صحيح البخاري، ضبط وترقيم وتخريج مصطفى ديب البغا، ط 3 دار ابن كثير، اليمامة - بيروت، 1407 هـ / 1987 م. (1/433)
صفحة 425
434
قائمة المصادر والمراجع
البغدادي، أبو منصور عبد القاهر (429 هـ):
18 أصول الدين، ط 3، دار الكتب العلمية، بيروت، 1401 هـ / 1981 م.
بكلي، عبد الرحمن بن عمر (البكري) (1406 هـ):
-
19 مسيرة الإصلاح في جيل 1918 - 1948 م، إعداد وتقديم د. مصطفى صالح باجو، ط 1، نشر مكتبة البكري العطف - غرداية - الجزائر، المطبعة العربية، غرداية،
2004/ 1225
البيجوري، إبراهيم بن محمد (1277 هـ):
20 تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
1403 هـ / 1983 م.
بيوض، إبراهيم بن عمر (1401 هـ):
21 أجوبة وفتاوى، بالاشتراك مع الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، ط 1، منشورات دار الدعوة، نالوت ليبيا، 1390 هـ/ 1971 م. 22 أعمالي في الثورة، إعداد محمد صالح، ناصر نشر جمعية التراث، القرارة غرداية. الزيتونة للإعلام والنشر، باتنة -الجزائر.
23 - البدعة، مفهومها، أنواعها، شروطها، إعداد وتحقيق إبراهيم بن علي بولرواح، بحث التخرج معهد الحياة القرارة - غرداية، 1417 هـ/ 1996 م.
-24 - حديث الشيخ الإمام ردًّا على بعض الشبهات والأوهام، الحلقة الأولى، إعداد وتنسيق الشيخ محمد إبراهيم سعيد (كعباش)، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية النهضة - العطف - غرداية، (د. ت. ن).
25 - حديث الشيخ الإمام في صلاة الجمعة وما لها من الأحكام الحلقة الثانية إعداد وتنسيق الشيخ محمد إبراهيم سعيد (كعباش)، مطبعة النخلة، بوزريعة- الجزائر، نشر جمعية النهضة - العطف - غرداية، (د. ت. ن). 26 فتاوى الإمام الشيخ بيوض، إعداد الشيخ بكير بن محمد الشيخ بالحاج ط 1 المطبعة العربية غرداية - الجزائر، 1408 هـ / 1988 م.
27 فضل الصحابة والرضا عنهم دروس للإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، إعداد وتحقيق بهون بن يوسف بن بهون حميد أوجانة، إشراف الأستاذ محمد بن (1/434)
صفحة 426
قائمة المصادر والمراجع
435
موسى بن محمد بابا عمي، معهد الحياة القرارة (غرداية) الجزائر، قسم التخصص شريعة: السنة الثالثة، القرارة: محرم 1417 هـ/ جوان 1996 م.
-
28 في رحاب القرآن، تحرير عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، الأجزاء: 01 - 18،
نشر: جمعية التراث، غرداية، من 1412 هـ / 1992 م إلى 1430 هـ / 2009 م. 29 - المجتمع المسجدي، إعداد محمد ناصر بوحجام، المطبعة العربية غرداية، 1989 م.
الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى (279 هـ): 30 سنن الترمذي، تح أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي،
بيروت، د. ط، د. ت. ن.
الجرجاني، علي بن محمد بن علي (816 هـ):
31 - كتاب التعريفات، تح إبراهيم الأبياري، ط 4، دار الكتاب العربي، بيروت،
1418 هـ / 1998 م.
-
جمعية التراث لجنة البحث العلمي:
32 - معجم أعلام الإباضية، تراجم لأكثر من ألف علم منذ القرن الأول الهجري إلى. العصر الحاضر، نشر جمعية التراث القرارة - غرداية - الجزائر، 1420 هـ/ 1999 م.
الجوهري، إسماعيل بن حماد (393 هـ):
33 - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تح أحمد عبد الغفور عطار، ط 1، دار العلم للملايين، 1990 م.
الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله أبو عبد الله (405 هـ): 34 - المستدرك على الصحيحين، تح مصطفى عبد القادر عطا، ط 1 دار الكتب العلمية، بيروت، 1411 هـ - 1990 م. "
دبوز محمد علي (1402 هـ):
35 - أعلام الإصلاح في الجزائر، الأجزاء: 01 - 05، ط 1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، من 1394 هـ / 1974 م إلى 1403 هـ / 1982 م.
36 - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة (ج: 01) ط 1، مطبعة التعاونية، 1385 هـ/1965 م. (1/435)
صفحة 427
436
قائمة المصادر والمراجع
37 - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة (ج: (02) ط 1، المطبعة العربية، الجزائر،
1391 هـ / 1971 م.
38 - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة (ج 03) ط 1، المطبعة العربية، الجزائر،
1389 هـ / 1969 م.
الربيع بن حبيب الفراهيدي (170 هـ):
39 الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، تح محمد إدريس و عاشور بن يوسف، ط 1 دار الحكمة بيروت مكتبة الاستقامة عمان، 1415 هـ.
شريفي سعيد بن بالحاج الشيخ عدون) (1425 هـ): 40 - معهد الحياة نشأته وتطوّره، ط 1، المطبعة العربية، غرداية، 1409 هـ/ 1989 م.
الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (310 هـ):
41 جامع البيان عن تأويل آي القرآن دار الفكر، بيروت 1405 هـ.
العسكري أبو هلال الحسن بن عبد الله (395 هـ): 42 - الفروق في اللغة، تح لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، ط 5، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1401 هـ/ 1981 م.
عمرو بن جميع، أبو حفص (ق 7 هـ): 43 - مقدمة التوحيد، معها شرحان الأول لأبي العباس الشماخي، والثاني لأبي
سليمان التلاتي. (د. ط) (د. ت. ن).
فخار حمو بن عمر (1426 هـ):
44 - كان حديثا حسنًا، تقديم د. محمد صالح، ناصر، نشر جمعية التراث - القرارة الجزائر، ذو القعدة 1420 هـ / فيفري 2000 م.
القاضي عبد الجبار (415 هـ) - أبو القاسم البلخي - الحاكم الجشمي: -45 فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة تحقيق فؤاد السيد، ط 2، الدار التونسية للنشر، تونس، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1406 هـ/1986 م. (1/436)
صفحة 428
قائمة المصادر والمراجع
437
46 - المجموع في المحيط بالتكليف، تصحيح الأب جين يوسف هوبن اليسوعي،
المطبعة الكاثوليكية، بيروت، لبنان. د. ت.
الماتريدي، أبو منصور (333 هـ):
47 - كتاب التوحيد، تح فتح الله خليف دار الجامعات المصرية. د. ت. ن.
محمد رشيد رضا (1354 هـ):
48 - تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسر المنار، ط 2، دار المعرفة - بيروت. د. ت. ن.
محمد عبده (1323 هـ):
49 - رسالة التوحيد ط 5، مطبعة المنار، مصر، 1346 هـ.
مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري (261 هـ):
50 صحيح مسلم، تح محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ط، د. ت. ن.
المقدسي، أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد (643 هـ):
51 - الأحاديث المختارة، تح عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، ط 1 مكتبة النهضة
الحديثة، مكة المكرمة، 1410 هـ
ناصر بوحجام، محمد بن قاسم (معاصر)
52 - بيبليوغرافيا عن الشيخ إبراهيم بيوض ما كتبه وما كتب عنه، بحث مرقون
17 ص، تاريخ كتابة مقدمته: 11 جمادى الأولى 1409 هـ / 21 ديسمبر 1988 م. 53 - الشيخ إبراهيم بيوض المصلح المربّي، ط 1، الجيل الواعد، سلطنة عمان
2004
54 - الشيخ بيوض والعمل السياسي، ط 1، المطبعة العربية، 1412 هـ/ 1991 م. 55 - الشيخ بيوض وقضية فصل الصحراء عن الشمال، نشر وتوزيع شركة سوفاك. د. ت. ن. 56 منهج الشيخ بيوض في الإصلاح والدعوة، ط 1، نشر جمعية التراث، القرارة غرداية، الجزائر، 1429 هـ/2008 م. (1/437)
صفحة 429
438
قائمة المصادر والمراجع
ناصر محمد بن صالح (معاصر):
57 - الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض مصلحًا وزعيمًا، مكتبة الريام، الدار البيضاء،
الجزائر. د. ت. ن.
58 - في رحاب القرآن: القسم الأول: مهرجان ختم تفسير القرآن، القسم الثاني: التأبين، نشر جمعية التراث العطف غرداية، المؤسسة الجزائرية للفنون المطبعية
الجزائر، 1989 م.
الهيثمي، علي بن أبي بكر (807 هـ):
59 مجمع الزوائد، دار الريان للتراث، القاهرة، دار الكتاب العربي، بيروت،
1407 هـ.
وينتن مصطفى بن الناصر (معاصر)
60 آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية، نشر جمعية التراث القرارة
المطبعة العربية، غرداية، 1998 م.
ثانيا - المراجع:
ابن تيمية تقي الدين أحمد بن عبد الحليم (728 هـ):
61 - الإيمان، تح محمد الزبيدي، ط 1، دار الكتاب العربي، بيرود
1414 هـ / 1993 م.
62 - العقيدة الواسطية، مطبوع ضمن مجموع الرسائل العلمية التسع، مطابع دار الفكر الإسلامي د. ت. ن.
ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني (852 هـ):
63 - فتح الباري شرح صحيح البخاري، تح محمد فؤاد عبد الباقي و محب الدين
الخطيب، دار المعرفة بيروت 1379 م.
أبو زهرة محمد (1394 هـ):
64 - مالك حياته وعصره آراؤه وفقهه، مكتبة الأنجلو المصرية - مطبعة الاعتماد،
مصر، د. ت. ن. (1/438)
صفحة 430
قائمة المصادر والمراجع
439
إقبال محمد (1357 هـ):
65 - تجديد التفكير الديني في الإسلام، سلسلة ذخائر الفكر الإسلامي المعاصر، مركز الناقد الثقافي دمشق - سوريا. د. ت. ن.
أنيس إبراهيم وآخرون: 66 - المعجم الوسيط، ط 2، مجمع اللغة العربية، دار الدعوة، استانبول، تركيا،
د. ت. ن.
بدوي عبد الرحمن:
67 - مناهج البحث العلمي، ط 3، وكالة المطبوعات، الكويت، 1977 م.
البوطي محمد سعيد رمضان (معاصر): 68 - كبرى اليقينيات الكونية وجود الخالق ووظيفة المخلوق، ط،28، دار الفكر
دمشق - سوريا، 1429 هـ / 2008 م ..
لبيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين (458 هـ): 69 - الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، تح عبد الله محمد الدرويش، ط 1، اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق - بيروت، 1420 هـ / 1999 م.
الترابي حسن (معاصر):
70 - الإيمان أثره في حياة الإنسان، ط 1، دار القلم، بيروت، 1394 هـ/ 1974 م.
جميل صليبا
71 - المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، 1982 م.
جهلان عدون (1409 هـ):
72 – الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف
اطفيش جمعية التراث - القرارة-الجزائر. د. ت. ن.
خليفات عوض محمد (معاصر)
73 - النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في إفريقية في مرحلة الكتمان، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان - الأردن، 1982 م. (1/439)
صفحة 431
440
قائمة المصادر والمراجع
الخليلي، أحمد بن حمد (معاصر):
74 - الحق الدامغ، مطابع النهضة، مسقط - عمان، 1409 هـ. 75 - المدخل العام إلى دراسة العقيدة الإسلامية، مكتبة الاستقامة، مطابع النهضة
مسقط - عمان. د. ت. ن.
الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر (666 هـ):
76 - مختار الصحاح، ترتيب محمود خاطر نشر دار الحديث، دار مصر للطباعة.
د. ت. ن.
رفيق العجم:
77 - موسوعة مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين، ط 1، مكتبة لبنان
ناشرون، 1998 م.
الله الزركشي، محمد بن عبد
: (794)
78 البرهان في علوم القرآن، تح يوسف عبد الرحمن المرعشلي وآخران، ط 2، دار المعرفة، بيروت-لبنان، 1415 هـ/ 1994 م.
الزركلي، أبو الغيث خير الدين بن محمود (1396 هـ):
79 - الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، ط 10، دار العلم للملايين، بيروت- لبنان، 1992.
الزئيدي عبد الرحمن بن زيد (معاصر):
80 - مناهج البحث في العقيدة الإسلامية في العصر الحاضر، دراسة لمناهج الفكر الإسلامي المعاصر وللعناصر المنهجية في دراسة أصول الدين، ط 1، دار إشبيليا، الرياض، 1418 هـ/ 1998 م.
السالمي، نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد (1332 هـ): 81 - شرح طلعة الشمس على الألفية، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1401 هـ/ 1981 م. (1/440)
صفحة 432
قائمة المصادر والمراجع
441
الشيخ بالحاج قاسم (معاصر): 82 - الشيخ علي معمر، أضواء عن شخصيته وفكره، ط 1، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية التراث، القرارة، 1424 هـ / 2003 م.
صافي لؤي (معاصر):
83 - العقيدة، والسياسة، ط 1، دار الفكر المعاصر، بيروت دار الفکر، دمشق
2001/ 1422
صبري مصطفى (1373 هـ):
84 - موقف العقل والعلم والعالم من ربّ العالمين وعباده المرسلين، ط 1، دار التربية، دمشق - سوريا، 1427 هـ / 2007 م.
ضناوي سعدي
85 - موسوعة هارون الرشيد، دار صادر، بيروت، ط 1، 1421 هـ / 2001 م.
عبد الحليم محمود (1398 هـ):
86 - التفكير الفلسفي في الإسلام، ط 3، دار النصر للطباعة، القاهرة،
1387 هـ / 1968 م.
عبد الستار فتح الله سعيد:
87 - المدخل إلى التفسير الموضوعي، ط 2، دار الطباعة والنشر الإسلامية، القاهرة
مصر،
1411 هـ/ 1991 م.
العجمي أبو اليزيد أبو زيد:
88 – العقيدة الإسلامية عند الفقهاء الأربعة أبو حنيفة مالك-الشافعي- أحمد)
الموقف والمنهاج، ط 1، دار السلام، القاهرة، 1428 هـ / 2007 م.
العسلي بسام:
89 - جهاد شعب الجزائر ج 7 عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثورة الجزائرية
ط 1، دار النفائس بيروت، 1402 هـ / 1982 م. (1/441)
صفحة 433
442
قائمة المصادر والمراجع
الغزالي محمد (1416 هـ):
90 - السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ط 6 دار الشروق، القاهرة،
2003
91 - عقيدة المسلم، ط 2، نهضة مصر للطباعة، القاهرة، 2004 م. 92 - هذا ديننا، ط 7، دار الشروق، القاهرة، 2006 م.
الغزالي، أبو حامد (505 هـ): 93 - الاقتصاد في الاعتقاد عني به أنس محمد عدنان الشرفاوي، ط 1، دار المنهاج، بيروت، 1429 هـ / 2008 م.
94 - إلجام العوام عن علم الكلام، تقديم وتعليق محمد أمين الفاروقي، خرج أحاديثه محمد الفحام ط 1، دار البشائر، دمشق - سوريا، 2008 م. 95 - المستصفى من علم الأصول، تقديم وضبط وتعليق الشيخ إبراهيم محمد رمضان، دار الأرقم بن أبي الأرقم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان.
د. ت. ن.
فاروق حمادة:
96 - المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل دراسة منهجية في علوم الحديث، ط 2، دار نشر المعرفة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط - المغرب، 1409 هـ/ 1989 م. القحطاني، محمد بن سعيد: 97 - الولاء والبراء في الإسلام ط 7، الفتح للإعلام العربي، القاهرة، 1417 هـ. القرضاوي يوسف (معاصر):
98 - الإيمان والحياة، ط 10 مكتبة، وهبة القاهرة - مصر، 1416 هـ/ 1996 م. 99 - كيف نتعامل مع السنة النبوية معالم وضوابط المطبوعات الجميلة، منشورات دار الكتب، 1991 م.
القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد (671 هـ): 100 - الجامع لأحكام القرآن، تح أحمد عبد العليم البردوني، ط 2، دار الشعب،
القاهرة، 1372 م. (1/442)
صفحة 434
قائمة المصادر والمراجع
443
القضاعي، أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر (404 هـ):
101
- مسند الشهاب، تح حمدي بن عبد المجيد السلفي، ط 2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1407 هـ/1986 م.
قطب محمد
102 - لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة، دار الشروق، ط 2، 1993 م.
الكاتب أحمد:
103 – الإيمان يتجلّى في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ط 1، دار البيان العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، 1410 هـ/ 1989 م.
مالك بن نبي (1393 هـ): 104 - شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوي و عبد الصبور شاهين، ط 4، دار الفكر، دمشق سورية، 1407 هـ / 1987 م.
المالكي حسن بن فرحان (معاصر):
105 - قراءة في كتب العقائد المذهب الحنبلي نموذجا)، ط 2، مركز الدراسات التاريخية، عمان، الأردن، 1425 هـ / 2004 م.
المبارك محمد
106 - ذاتية الإسلام أمام المذاهب والعقائد، دار الفکر، بيروت، د. ت. ن. 107 - نظام الإس ـلام العقيدة والعبادة، ط 1، دار الفکر بيرون
1388 هـ / 1968 م. محمد رشيد رضا (1354 هـ):
108 - تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ط 1، مطبعة المنار، مصر،
1324
109 - الوحي المحمدي، ط 3 مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، بيروت -
لبنان، 1406 هـ.
محمد محفوظ
110 - تراجم المؤلفين التونسيين، ط 1، دار الغرب الإسلامي، 1982 م. (1/443)
صفحة 435
444
قائمة المصادر والمراجع
المسير محمد سيد أحمد:
111 - التمهيد في دراسة العقيدة الإسلامية، ط 1، نهضة مصر للطباعة والنشر
والتوزيع، القاهرة - مصر، 2006 م.
المودودي أبو الأعلى (1399 هـ):
112 - الحضارة الإسلامية أسسها ومبادئها، دار الخلافة للطباعة والنشر،
د. ت. ن.
النابلسي محمد راتب (معاصر)
113 – موسوعة أسماء الله الحسنى، ط 1، دار المكتبي، دمشق - سوريا،
1423 هـ/2002 م.
النامي، عمرو خليفة (؟):
114 – دراسات عن الإباضية، تر ميخائيل خوري، مراجعة د. ماهر جرار، دقق وراجع أصوله وعلق عليه د محمد صالح ناصر. د. مصطفي صالح باجو، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2001 م.
النجار عبد المجيد (معاصر): 115 - الإيمان بالله وأثره في الحياة، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت- لبنان، 1997 م.
116 – خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، ط 1، دار الغرب الإسلامي، 1407 هـ / 1987 م. 117 - فقه التدين فهما وتتزيلا، سلسلة كتاب الأمة، ط 1، مطابع الأخبار، مصر، 1410 هـ/ 1989 م.
118 – القراءة الجديدة للنصّ الديني، ط 1، مركز الراية للتنمية الفكرية، دمشق
سوريا، 1427 هـ / 2006 م.
نخبة من مجاهدي مدينة القراراة
119 - تقرير حول العمل الثوري للشيخ بيوض، منشور ضمن كتاب: إبراهيم
بيوض، أعمالي في الثورة. (1/444)
صفحة 436
قائمة المصادر والمراجع
النوري، حمو بن محمد عيسى (1412 هـ):
-
120
د. ت. ن.
445
دور الميزابيين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا، ج 4، دار البعث، قسنطينة.
وحيد الدين خان:
121 – الإسلام يتحدى، ط 2، ترجمة ظفر الإسلام خان، مراجعة عبد الصابور شاهين، دار البحوث العلمية، 1393 هـ / 1973 م.
ثالثا - الرسائل الجامعية:
حمدي صالح بن محمد:
122 - منهج الشيخ إبراهيم بيوض في عرض الإلهيات من خلال تفسيره فى رحاب القرآن، مذكرة مقدمة لنيل درجة الماجستير في العقيدة، كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية قسم أصول الدين جامعة الحاج لخضر - باتنة، السنة الجامعية: 1426 - 1427 هـ / 2005 - 2006 م.
سكحال نور الدين 123 - الشيخ إبراهيم بيوض ومنهجه في الإصلاح (1899 هـ - 1981 م) رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في العلوم الإسلامية، جامعة الأمير عبد القادر/ قسنطينة - الجزائر، السنة الجامعية: 1994 - 1995 م.
124 - منهج الإصلاح ومجالاته بين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بيوض، رسالة مقدمة لنيل درجة دكتوراه دولة، جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة الجزائر، السنة الجامعية: 1428 هـ / 2007 م-1429 هـ/2008 م.
الشيهاني حمو بن عيسى: 125 - حاشية أبي يعقوب يوسف بن محمد المصعبي على رسالة أصول الدين“ ل تبغورين (دراسة وتحقيق بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا، جامعة محمد الخامس، الرباط - المغرب، السنة الجامعية: 1415 هـ/ 1995 م. (1/445)
صفحة 437
446
قائمة المصادر والمراجع
طسطاس عمار:
126 - منهج المودودي في صياغة العقيدة الإسلامية، بحث مقدم لنيل درجة الماجستير في العقيدة، جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة - الجزائر، السنة الجامعية:
1412 هـ/ 1991 م.
قرقب عيسي
127 – الإمام إبراهيم بيوض رائد الحركة الإصلاحية في الجنوب الجزائري، بحث لنيل شهادة دكتوراه الدولة في التاريخ الحديث والمعاصر، جامعة قسنطينة، السنة الجامعية: 1416 - 1417 هـ/ 1995 - 1996 م.
وزناجي نادية
128 - منهج التفسير عند الشيخين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بن بيوض، بحث مقدّم لنيل درجة الماجستير، المعهد الوطني العالي للعلوم الإسلامية
بباتنة، السنة الجامعية: 1998 - 1999.
رابعا - الأقراص المدمجة:
بيوض إبراهيم بن عمر (1401 هـ):
129 - البراءة من ... ! MP 3 تسجيلات الحياة القرارة - الجزائر.
130 - درس تأبيني ألقاه الشيخ بيوض لوفاة أستاذه عبد الله بن إبراهيم أبو العلا، ديسمبر 1960 م. CD AUDIO تسجيلات الحياة القرارة- الجزائر.
131 - دروس حول الصلاة وأحكامها MP 3 تسجيلات الحياة - القرارة - الجزائر. 132 - دروس شهر رمضان المعظم، سنة 1392 هـ/ 1975 م، 03 أقراص MP 3 تسجيلات الحياة القرارة - الجزائر.
133 - دروس قيمة MP 3 تسجيلات الحياة القرارة - الجزائر.
134 - فتنة ورجلان MP 3 تسجيلات الحياة- القرارة- الجزائر. 135 - في رحاب تفسير القرآن الكريم تفسير القرآن الكريم من سورة الإسراء إلى الخاتمة، 7 أقراص DVD تسجيلات الحياة القرارة- الجزائر.
136 - المجتمع المسجدي MP 3 تسجيلات الحياة القرارة- الجزائر. (1/446)
صفحة 438
29
قائمة المصادر والمراجع
447
جمعية التراث: 137 - معجم أعلام الإباضية، مدخل إلى التاريخ والفكر الإباضي، تراجم لأكثر من ألفي وخمسائة علم منذ القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر، نشر جمعية التراث،
القرارة - غرداية - الجزائر، 2005 م.
شركة البرامج الإسلامية الدولية:
138 - موسوعة الحديث الشريف - الكتب التسعة، الإصدار الثاني، 1991 -
1997 م.
مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي:
139 - المكتبة الألفية للسنة النبوية الإصدار 1. 5 عمان الأردن،
1419 هـ/ 1999 م.
دون. ناشر:
140 - المكتبة الشاملة، الإصدار الثاني. د. ت. ن.
خامسا - أعمال الملتقيات العلمية
جمعية الحياة:
140 - الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، القرارة، 8 - 9 1421 هـ / 13 - 14 أفريل 2000 المطبعة العربية، غرداية، نشر: جمعية الحياة وجمعية التراث القرارة، غرداية، الجزائر، 1422 هـ / 2002 م.
محرم
ناصر محمد بن صالح (معاصر): 141 - في رحاب القرآن القسم الأول مهرجان ختم تفسير القرآن، القسم الثاني: التأبين، نشر جمعية التراث العطف - غرداية، المؤسسة الجزائرية للفنون المطبيعية، الجزائر، 1989 م.
وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية:
142 - الملتقى السابع للتعرف على الفكر الإسلامي، تيزي وزو، 1393 هـ / 1973 م، محاضرة الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض: روح الشريعة الإسلامية (1/447)
صفحة 439
448
قائمة المصادر والمراجع
وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي، مطبعة البعث - قسنطينة، 1395 هـ/ 1975 م، المجلد الثاني، ص-ص
787 - 753
سادسا - الدوريات:
مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث
143 - آفاق الثقافة والتراث، مجلة فصلية ثقافية تراثية، تصدر عن قسم الدراسات والنشر والعلاقات الثقافية مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث الإمارات العربية المتحدة، سنة 16 عدد 64، محرم 1430 هـ/ يناير 2009 م.
معهد الحياة:
144 دورية الحياة دورية فكرية يصدرها معهد الحياة بالقرارة - الجزائر، العدد الأول، نشر جمعية التراث، رمضان 1418 هـ/ جانفي 1998 م.
سابعا - المقابلات:
145 - مقابلة مع الأستاذ د. عبد المجيد النجار، الجزائر العاصمة، يوم: 29/ 4/ 2008 م. 146 - مقابلة مع الأستاذ محمد بن إبراهيم بيوض القرارة، يوم: 04/ 3/ 2009 م.
147 - مقابلة مع الدكتور محمد راتب النابلسي: دمشق، يوم: 2009/ 7/10 م. 148 - مقابلة مع الدكتور محمد صالح ناصر، الجزائر العاصمة، يوم: 17/ 3/ 2006 م. 149 - مقابلة مع الشيخ الناصر مرموري، غرداية، يوم: 2006/ 9/20 م. 150 مقابلة مع الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي دمشق، يوم: 2009/ 6/16 م.
- (1/448)
صفحة 440
الفهارس العامة
- فهرس الآيات القرآنية.
- فهرس الأحاديث النبوية.
- فهرس الأعلام.
- فهرس الأديان والمذاهب والأقوام.
- فهرس الأماكن والبلدان.
- المحتويات. (1/449)
صفحة 441
فهرس الآيات القرآنية
فهرس الآيات القرآنية
451
الفاتحة: 05 اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
البقرة: 02 الذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغيب
البقرة: 04 بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) البقرة: 08 آمَنا بالله وبالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
البقرة: 37
البقرة: 102
308.268
190
333.282
272
فَتَلَقَى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) 338 وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ 258، وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى 261، 398 الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنَ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاً إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
البقرة: 131 أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
321
البقرة: 134 وتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا 196
كَانُوا يَعْمَلُونَ)
البقرة: 143 و وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم البقرة: 155 الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ)
البقرة: 156 وإإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
البقرة: 164 وءَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) البقرة: 165 الْقُوَّةَ اللهِ جَمِيعًا
74
321
171
122
260
البقرة: 183 هويا أيها الذينَ ءامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصَّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن 74
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَقُونَ)
البقرة: 186 و فإِذا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي 242، 248 فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُومِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)
البقرة: 187 وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا البقرة: 205 وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ
البقرة: 229
392
393
وتِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ 165،
الظَّالِمُونَ
392.174 (1/451)
صفحة 442
452
الفهارس
البقرة: 253
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
301 254
البقرة: 255
من ذا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذْنِهِ
البقرة: 277
إن الذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)
271
68.66
البقرة: 285
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُومِنُونَ كُلَّ ـ آمَنَ باللهِ 253، 294 وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ)
آل عمران: 07 ومِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأَخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ
100
136,134
آل عمران: 07 وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ مَامَنَّا بِهِ كُلُّ | 143
منْ عِندِ رَبِّنَا
274
آل عمران: 19 وإِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ آل عمران: 26 وقُلِ اللهُم مَالِكَ الْمُلْكِ تُونِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن 216، 220 تشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ
آل عمران: 31 قُل إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْيِيكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ 304
وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
آل عمران: 51 وإن اللهَ رَبِّي وَرَبِّكُمْ فَاعْبُدُوهُ)
آل عمران: 55 إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
213
298.139
آل عمران: 102 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم 223، 262
مُسلِمُونَ
آل عمران: 106
وجُوهٌ وَتَسْوَدُ وَجُوهٌ
279
آل عمران: 131 - {وَاتَّقُوا النَّارَ التي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ 275
133
تُرْحَمُونَ سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ -
وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
آل عمران: 172 وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ آل عمران: 190 الأولي الألْبَابِ)
227
122
النساء: 14 وَمَنْ يُعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ 174
عَذَابٌ مُهِينٌ
النساء: 17 إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن 336 قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (1/452)
صفحة 443
فهرس الآيات القرآنية
النساء: 31 إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ يُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) النساء: 48 وإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يُشَاءُ)
453
336.335
337
النساء: 59 يا أيها الذينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْر 392
منكم الله
النساء: 59 إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
261
النساء: 82 أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ 89، 135
النساء: 124
اختلافا كثيرا
137
66
وَمَنْ يُعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ انْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ النساء: 139 الذينَ يَتَّخِدُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمْ 416
النساء: 143
الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)
مُدَبْدَيِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ
327
النساء: 145 إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا 102 وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)
المائدة: 02
241 401.392
المائدة: 03 الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ | 184
الإسلام دينا
243
المائدة: 35 يا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسيلَةَ) المائدة: 48 وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ 307
وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبَعَ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا
جَاءَكَ مِنَ الْحق
المائلة: 67 يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلْعْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا 294
بلفت ومقالاته م
المائدة: 78 ولعن الذينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْن | 374
مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وكَانُوا يَعْتَدُونَ)
المائدة: 109 لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلامُ الغُيُوبِ) الأنعام: 18 {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ
الأنعام: 28 وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)
126
138
280 (1/453)
صفحة 444
454
الأنعام: 59 وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر | 311 وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رطب وَلَا يَابس الا فِي كِتَابٍ مُبِينٌ)
الفهارس
الأنعام: 68
وإذا رأيت الذينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى 164
يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
الأنعام: 91
و قل الله ثم دَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)
الأنعام: 97
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)
الأنعام: 103
الأنعام: 122
لا تذركُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
375.53
122
146
الأنعام: 152
مثله في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِّنْهَا؟!)
أوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن 359، 411
وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى
الأنعام: 162 {قُل إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الأنعام: 164
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
الأنعام: 165
وإن رَبِّكَ سَريعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)
343.59
78.75
331
230
الأعراف: 23 قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ 338
المخاسيرين كم
الأعراف: 38 قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَا تَعْلَمُونَ)
الأعراف: 53 {يَوْمَ يَاتِي تاويله
الأعراف: 54 ألاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)
الأعراف: 59، يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهِ غَيْ
65.73.85
395 129
153 137.85
309.306.238
294
الأعراف: 156 {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلِّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ 229، 333
والذينَ هُم بِنَايَاتِنَا يُومِنُونَ ... )
الأعراف: 164 قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)
الأعراف: 187 لا ثاتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً)
58
262
الأعراف: 201 إن الذينَ اتَّقُوا إِذا مَسَّهُمْ طَائِفَ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذكُرُوا فَإِذَا هُم | 162، 197
مبصرون (1/454)
صفحة 445
فهرس الآيات القرآنية
455
الأنفال: 02 - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الذين إذا ذكرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ 64، 73
04
اياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ....
الأنفال: 24 يا أيها الذينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُول إِذا دَعَاكُمْ لِمَا 362
يُحيكُمْ
الأنفال: 38 وقُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يُتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يُعُودُوا فَقَدْ 69، 101 مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ
الأنفال: 74 وَالذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبيل اللهِ وَالذِينَ اوَوا | 196 وَنَصَرُوا أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا لَّهُم مُغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)
395
التوبة: 31 اتَّخَدُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونَ اللَّهِ) التوبة: 71 وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ 342 وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ
وَرَسُولَهُ أَوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
التوبة: 113 ومَا كَانَ لِلنَّبِي وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يُسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا 346 أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)
التوبة: 119 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)
التوبة: 124 فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)
74
73
التوبة: 126 أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مُرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثم لا يَتُوبُونَ 334
وَلَا هُمْ يَذْكُرُونَ
يونس: 24
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
يونس: 28
ما كُتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)
يونس: 29 إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ
يونس: 32 فَمَادًا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الصَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ؟
يونس: 44
إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
122
248
246
168
314
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مُوْعِظَةً مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي 169
يونس: 57
الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ)
يونس: 62
ألا إِنْ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
277.139
يونس: 96 - 97 إن الذينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلَّ 314
آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (1/455)
صفحة 446
456
:هود: 61
الفهارس
وهُوَ أنشأكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ | 9، 353
إِنَّ رَبِّي قَريبٌ مُحِيبٌ
هود 69
فَمَا لَيتَ أَن جَاءَ يعجل حَنِيذ
:هود: 88
88
وما أريد أن اخالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا 18، 26، اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِيبُ
358.297
خالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبِّكَ إِنَّ 278
:هود: 107
رَبِّكَ فَعَالٌ لِّمَا يُرِيدُ
:هود: 108
:هود: 114
وأما الذينَ سَعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ 278 وَالأَرْضِ إِلا مَا شَاءَ رَبِّكَ عَطَاءٌ غَيْرَ مَجْدُودٍ
إن الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ
يوسف: 02 إنا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنَا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يوسف: 17 وَمَا أَنتَ بمُومِن لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ
يوسف: 21
يوسف: 26 وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا يوسف: 76 وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
يوسف: 108
يوسف: 110
قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَن اتَّبَعَنِي
335
122
63
138
165
179
305
حتى إذا اسْتَيْسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنْهُمْ قَدْ كَذَّبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنا 224 فتنحي مَن نَّشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)
الرعد: 11
وإن اللهَ لاَ يُغيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغْيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)
الرعد: 31 لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا
الرعد: 41 ولا معقب لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ إبراهيم: 04
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولِ إِلا بِلِسَان قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)
إبراهيم: 22
354
171
315.311
210
122
{وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانِ إِلا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا 316
تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم)
إبراهيم: 24 - أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةٌ طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا 152،
25
ثابت وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ أُوتِي أُكْلَهَا كُلِّ حين بإذن ربها 160، 356
وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (1/456)
صفحة 447
فهرس الآيات القرآنية
457
الحجر: 49 - 50 نى عِبَادِي أني أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ | 230
الأليم
النحل: 17
أَفَمَنْ يُخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ؟
النحل: 44
النحل: 53
213
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الدَّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ | 91
يَتَفَكَّرُونَ
ومَا بِكُم مِّن نُعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إذا مَسكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْارُونَ
النحل: 77 وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرَ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
418.220
91
النحل: 99 - إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا 106
100
النحل: 106
النحل: 110
الإسراء: 55
سُلْطَانُهُ عَلَى الذِينَ يَتَوَلَّونَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ
كَفَرَ باللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ اكْرَهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنَ بالايمان | 323
وَلَكِن مِّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ
عذاب عظيم
وثم إِنَّ رَبِّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا 197
إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغْفُورٌ رَّحِيمٌ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلَى بَعْضٍ الإسراء: 74 وَلَوْلا أَن تَبْتَنَاكَ لَقَدْ كِدتُ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً)
الإسراء: 101
وَلَقَد - اثينا مُوسَى تِسْعَ آيَاتِ بَيِّنَاتِ)
الكهف: 26 أبصر بهِ وَاسْمع
الكهف: 29 فَمَن شَاءَ فَلْيُومِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرُ
الكهف: 45
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا
301
299
303
195
315
221
الكهف: 110 فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ 66، 269
رَبِّهِ أَحَدًا
مريم: 17
فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا
مريم: 67
اوَلَا يَذكُرُ الإِنسَانُ أَنا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا)
:مريم 71 - 72 وإن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مُقْضا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ
مريم: 87
مريم: 94
القوا ونَدَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُيا
ولا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن اتَّخَدَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا
ولَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدْهُمْ عَذَام
253
267
139
273.271
231 (1/457)
صفحة 448
الفهارس
142.138
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى
458
05: ab
طه: 16
طه: 50
{فَلا يَصُدُنكَ عَنْهَا مَن لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى
ربنا الذي أعْطَى كُلِّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى
386.288
212.137
طه: 72 لَن نُوثِرِكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ | 227، 419
قاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)
229
338.335
66
281
233
256
322.317
طه: 82
وَإِنِّي لَعْفارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى)
طه: 112
وَمَنْ يُعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
طه: 115
طه: 124
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمَا وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا
الأنبياء: 20 يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ) الأنبياء: 23 لا يُسأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
الأنبياء: 25 وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنا | 211
فَاعْبُدُون
1
الأنبياء: 27 يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى 273
الأنبياء: 28
وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى
الأنبياء: 34 {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتْ فَهُمُ الْخَالِدُونَ؟
الأنبياء: 47 وَتَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) الأنبياء: 92 إنَّ هَذِهِ أُمَّتَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبَّكُمْ فَاعْبُدُونَ
271
116.96
297
267
176
الأنبياء: 94 فَمَنْ يُعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيْهِ وَإِنَّا لَهُ 194
كاتيون
الأنبياء: 101 - إن الذينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَى أَوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا 139 يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اسْتَهَتَ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ
102
الأنبياء: 103
لا يَحْزُتُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُتُمْ 266
تُوعَدُونَ
الأنبياء: 107 وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
308 (1/458)
صفحة 449
فهرس الآيات القرآنية الحج: 31
459
يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخَطَّفَهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ
248
الريحُ فِي مَكَان سَحيق
الحج: 36
وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ اللهِ
الحج: 39
الحج: 40
أذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
250
320
420.320
الحج: 52
وَآيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُول وَلا نبيء إلا إذا تمنى ألقى 107، 300 الشَّيْطَانُ فِي أَمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحكم الله
الحج: 73
وضعفَ الطَّالِبُ والمَطْلُوبُ)
الحج: 75
اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ)
248.221
292
267
261
89
المؤمنون: 12 ومن سلالة من طين
المؤمنون: 88 يُحِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ
المؤمنون: 101 | {فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)
النور: 11 إن الذين جاءوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ 225
النور: 30
خير لكم ....
وقُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَعْضُوا مِنَ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى 394
لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)
النور: 36 - 37 في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْعُدُو 154 وَالأَصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا تَبْع عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ
الصلاة تم
النور: 55 وَعَدَ اللهُ الذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخْلِفَنَّهُمْ فِي 175 الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي
ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ
بي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
الفرقان: 12 إذا رَأَتْهُم مِّن مَّكَان بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَعْبُظًا وَزَفِيرًا
الفرقان: 15 كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا
الفرقان: 28 - يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمَ اتَّخِذ فلانا خليلاً لَّقَدَ أَصْلْنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِدْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَان خَدُولاً)
29
127
385
330 (1/459)
صفحة 450
460
الفهارس
الفرقان: 34
الذينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ الفرقان: 52 فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا
الفرقان: 70
127
309.169.152
الا مَن تَابَ وَمَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأَوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ | 336
حسناتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
الشعراء: 05 وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكر منَ الرَّحْمَن مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ 187 إلا الذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا 415
الشعراء: 127
مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا
الشعراء: 195 | بلسان عربي مبين) الشعراء: 214 | وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ
الشعراء: 224 وَالشُّعَرَاهُ يَتْبَعُهُمُ الغَاوُونَ
122
391
414
النمل: 65
وقُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ وَمَا 236، 260
يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
النمل: 87 و إلا مَن شَاءَ الله
القصص: 39 وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ
القصص: 57 وَقَالُوا إِن تَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ يُتَخَطَّفْ مِنَ أَرْضِنَا
117
286
321
القصص: 67 فَأَما مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يكون من 337
الْمُفْلِحينَ)
القصص: 68 وَرَبِّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ 246
وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
العنكبوت: 01 - أَلَمْ أَحَسبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا | 69، 344 الذينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ
03
العنكبوت: 13 وَلَيَحْمِلُنْ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيَسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا 277
51.50
كَانُوا يَفْتَرُونَ
العنكيوت: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُل إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا 303 أَنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِم العنكبوت: 52 وَالذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) العنكبوت: 69 | وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ الروم: 05 يَنصُرُ مَنْ يُشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)
159
167.74
320.155 (1/460)
صفحة 451
فهرس الآيات القرآنية الروم: 41
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ 333
الذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
الروم: 44 - 45 مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ لِيَجْزِيَ | 325
الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ
الروم: 47
وكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)
الروم: 60
فاصْير إِنْ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفْنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ)
420
418
312
461
لقمان: 28 وما خلقكُمْ وَلَا بَعَثْكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ
السجدة: 04 الله الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أيام ثم 142
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)
السجدة 05 ويدبر الأمرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) السجدة: 08 ثمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مُهين)
السجدة: 13 وَلَوْ شِئْنَا وَلَا تَيْنَا كُلِّ نَفْسٍ هُدَاهَا) السجدة: 18 أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ
137
267
315
279.273.68
السجدة: 20 وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يُخْرُجُوا مِنْهَا 273، 279
أعيدوا فيها كم
الأحزاب: 04 | مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)
الأحزاب: 06 | كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) الأحزاب: 19 أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ)
416.233.168
310
66
الأحزاب: 21 {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله 194، 304
وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا
الأحزاب: 36 {وَمَا كَانَ لِمُومِن وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن تَكُونَ 67
لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
الأحزاب: 53 ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)
394
الأحزاب: 56 إنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النِّيءِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا 396
عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
الأحزاب: 66 و يا ليتنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاً
284
الأحزاب: 70 - فيا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ 359
71
أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (1/461)
صفحة 452
462
الفهارس
الأحزاب: 72 إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَال ...
117
الأحزاب: 73 ليُعَدَّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ | 326 ويتوب اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
سبا: 14
فَلَمَّا خَر تَبَيَّنَتِ الْحِنُ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي 260
الْعَذَابِ الْمُهين
سبا: 21 وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَان إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُومِنُ بالآخرةِ | 103، 161، 282، ممَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حفيظ 316، 326
سبا: 23
وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ
سبا: 37
إلا من ـ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاكم
271
60
سبأ: 50
قُل إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضَلُّ عَلَى نَفْسي وَإِن اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحي 85، 314
إلي ربي
فاطر: 01
وجَاعِل الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقَ مَا يَشَاءُ
252
فاطر: 02
مَا يَفْتَح اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكُ فَلا 222 مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
فاطر: 03
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِق غير الله | 221 222 |
يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنِّي تُو فَكُونَ)
فاطر: 06
إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنَ 284
أصحاب السعير)
فاطر: 08
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَوَاهُ حَسَنًا
386.332
فاطر: 10
مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا
فاطر: 15 يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
فاطر: 24
وإن منْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ)
فاطر: 28 إنما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
فاطر: 03
فاطر: 37
416
383.225
295
74
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقِ غَيْرُ اللهِ 416
يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُو فَكُونَ)
ربنا أخرجنا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمركم ما 188، 280 يتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَدَكْرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَدُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَصِير) (1/462)
صفحة 453
232
314.311
312
262
266
266
276.146
يس: 40
يس: 49
{وَهُمْ يَحْصَمُونَ)
فهرس الآيات القرآنية
فاطر: 40 يس 07
بَل إِنْ يُعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا)
لَقَدْ حَقِّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْنَاهُ أَن نُقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونَ)
يس: 51
يس: 52
قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مُرْقَدِنَا؟
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ)
يس: 58
يس: 60 - 61
سَلامٌ قَوْلاً مِّن رَّبِّ رَّحِيم به
يس: 82
ألَمْ أَعْهَدِ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَن لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ 395
مبينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمَ) إنَّمَا أَمْرُهُ إِذا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)
الصافات: 26 وبَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ)
الصافات: 27
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) الصافات: 33 و فإنهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُسْتَركُونَ) الصافات: 55 فَاطَّلَعَ فَرَأَىهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) الصافات: 91 - 92 | ألا تَأْكُلُونَ؟ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ؟؟ الصافات: 96. {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
222
285
89
277
269
259
312
ص: 26
يوْمَ الْحِسَاب
إن الذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا 286
ص: 46
بخالِصَةِ ذِكْرَى الدار
ص: 50
وجَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ)
ص: 54
ومَا لَهُ مِن نُفَادِ
75:00
مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيْ)
الزمر: 03
وما تعبدُهُمْ إِلا لِيُقَرَّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)
الزمر: 03
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِص
الزمر: 05
الا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفار
الزمر: 06
الزمر: 07
ذَلِكُمُ الله رَبَّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنِّى تُصْرَفُونَ)
وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ
الزمر: 07
ووَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (1/463)
صفحة 454
464
الفهارس
الزمر: 13
الزمر: 46
وقُل إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
الزمر: 47
274
وقُلِ اللهُم فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ 196 تحكُمْ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)
وَلَو أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لأَفْتَدَوْا بِهِ 405
مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
الزمر: 53 يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم الزمر: 53 ولا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ
الزمر: 54
229
337
وأنيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يُاتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثم لا 339
تُنصَرُونَ
الزمر: 61 وَيُنَجِّي الله الذينَ اتَّقَوا بمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسـ
يحزنون
وهُ وَلَا هُمْ 277 ونفخ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلا | 263
276
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا 89، 229،
الزمر: 68
مَن شَاءَ الله له
الزمر: 73
وحتى إذا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ...
غافر: 07
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ
غافر: 28
وَقَالَ رَجُلٌ مُومِن مِّنَ - ال فِرْعَوْنَ}
339
189
غافر: 46
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا عَالَ 264
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ
غافر: 60
وَقَالَ رَبِّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)
242
غافر: 78
لَّمْ نَقْصص عَلَيْكَ
296.200
وَلَقَد أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مِّن قَصَصَنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مِّن 116،
فصلت: 26 وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) 169، 170
فصلت: 31 نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ)
فصلت 42 لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)
255
104
فصلت: 53 سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ 209 وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ ألا 229، 339
الشورى: 05
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (1/464)
صفحة 455
فهرس الآيات القرآنية
465
الشورى 07 وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيق في السعيرة 275
الشورى: 10 وَمَا اختَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ) الشورى: 11 لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)
290.279
119
218.216.210.145.130
الشورى: 13 شرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّين مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصينا 301 بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَفَرثُوا فيه ....
333
الشورى: 30 وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَةٍ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير) الشورى: 51 {وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلَّمَهُ اللهُ إِلا وَحْيا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ | 293 يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحَى بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ)
الزخرف: 03 إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنَا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
الزخرف: 22
وإنا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ
الزخرف: 37 وَإِنَّهُمْ لَيَصدُّونَهُمْ عَن السبيل ويَحْسِبُونَ أَنهم مُهْتَدُونَ)
الزخرف: 56 فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِّلْآخِرِينَ)
الأحقاف: 09 وقُل مَا كُنتُ بدْعًا مِّنَ الرُّسُل)
187
192
245.74
80
113
محمد: 19 فَاعْلَمَ أَنَّهُ لا إلهَ إلا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِدنبكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) | 343 محمد: 38 وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَأَىهُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا 383 يَكُونُوا أَمثالَكُم
الفتح: 18
الفتح: 28
348.199
{لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا 197، في قُلُوبهمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ 50
الحجرات: 10 {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)
391
الحجرات: 13 يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ 390، 402
ق: 11
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ
وأحيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مِّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ)
عليم.
خبير
267.266
ق: 17 - 18 وإذ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْل | 255
ق: 45
إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)
فذكرُ بِالْقُرْآنِ مَنْ يُخَافُ وَعِيدِي)
الذاريات: 20 - 21 وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)
86
1209 (1/465)
صفحة 456
الفهارس
466
الذاريات: 26
فَجَاءَ يعجل سمين
88
الذاريات: 35 - فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُومِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ 71
36
الْمُسْلِمِينَ
الذاريات: 56 {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونَ}
149
الطور 353 - 36 أمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ 210
وَالْأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ
النجم: 04
وإِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى)
النجم: 28
الْحَقِّ شَيْئًا
النجم: 32
هُوَ أَعْلَمُ بِمَن اتَّقَى
91
وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يُتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُعْنِي مِنَ 126، 141
القمر: 01 اقتربَتِ السَّاعَةُ وَانشَقُ الْقَمَرُ القمر: 43
اكَفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أَوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةً فِي الزَّبُرِ الرحمن: 17 طورب الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَعْربَيْن)
الحديد: 13 واز حِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا
245
261
419
68
333.284
الحديد: 22 وما أصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ 384
من قَبْل أَن تُبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
الحديد: 23 لِكَيْلاً تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ 317، 384 كُلِّ مُخْتَالٍ فَخُور
الحديد: 25 ولَقَد أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ | 93
النَّاسُ بِالْقِسْط
المجادلة: 22 ولا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ 342 الحشر: 10 ورَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَان وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا 178، غلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا
348.346
الممتحنة: 01 ويا أيها الذينَ آمَنُوا لا تَخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ 350 إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ)
الممتحنة: 04 وقد كانتْ لَكُمْ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ 342 | إنَّا بُرَأَىهُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ...
الطلاق: 03 وَمَنْ يُتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغ أَمْرَهُ
225.44
261 (1/466)
صفحة 457
فهرس الآيات القرآنية
التحريم: 06
الطلاق: 12 أن اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدَ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا 258 يا أيها الذينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ 397 وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ)
الملك: 14 الا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)
467
:نوح 23
القلم: 35 - 36 أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟
295.306
273
وَقَالُوا لاَ تَدَرُنْ الهَتَكُمْ وَلاَ تَدَرُنُ وُدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَعُوث 245
ويعوق وتسرا
الجن: 06
رمقاله
الجن: 11
وَإِنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُودُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ 258، 259
وَإِنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا الجن: 23 وَمَنْ يُعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
المزمل: 19
و تذكرة فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً
257
277.273
58
المدثر: 42 - 48 وما سَلَكَكُمْ فِي سَفَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَك نُطْعِمُ 289 الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِفِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ يَوْمِ الدِّينِ
حَتَّى أَتَانَا الْيَقينُ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)
القيامة: 14 - 15 بَل الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ الْقَى مَعَاذِيرَهُ)
323
النازعات: 40 - {وَأَما مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ 286 287، 333،
41
الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى
404
المطففين 04 - ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مُبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ 332
06
الْعَالَمِينَ؟! ...
المطففين: 14 كَلا بل رانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
الفجر: 22
وَجَاءَ رَبِّكَ وَالْمَلَكَ صَفًّا صَفا
البلد: 11
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ
البيئة: 08
جنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
162.386
130
167
276 (1/467)
صفحة 458
الفهارس
468
فهرس الأحاديث النبوية
ابنة نبي ضيعه أهله أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِس؟ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِس مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاة وَصِيَامٍ وَزَكَاةِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَدَفَ هَدَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنَيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أَخِدٌ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ
110 .........
103 ..
أَرْبَعَ مَنْ كُنْ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ حَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذا خَاصَمَ فَجَرَ ......... 356 • أَعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي ...
اعْمَلُوا فَكُلِّ مُيَسِّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ
301 ........
322 ......
389.356 ..........
358 ......
152 .........
293 ........
231 .........
342 .........
72 .........
144 ........
أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا
الا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله
وهي القلب
الا وهي
إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودا فلا
تعتدوها
• إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ • أوثق عرى الإيمان، الحب في الله والبغض في الله
الإيمان يضع وَسَبْعُونَ أَوْ يَضَع وَستُونَ شَعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا
إِمَاطَةُ الأَدَى عَن الطَّرِيقِ
تفكروا في الخلق فتدركوا عظمة الخالق
حديث رؤية رسول الله الله الجبريل عليه السلام مرتين، وله ستمائة جناح ............. 99، 252
• دعوها فإنها منتنة
رَفَعَ اللهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسيَانَ، وَمَا لَمْ يَسْتَطِيعُوا، وَمَا أَكْرِهُوا عَلَيْهِ
391 .........
315 ........... (1/468)
صفحة 459
فهرس الأحاديث النبوية
469
سأله بعض هل يوجد في الأرض من هو أعلم منك يا مرسى؟ فقال: لا أحد
أعلم مني.
• فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء
قصة الغرانيق
108 ....
393 ....................
107 ............
• كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً في الصحراء يسأل الله تعالى أن يقيه من شر الشيطان
وشر الجن وشر الدواب
• كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ نفسه، ويعوذ من يرقيه بالمعوذتين
كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون
260 ..
260 .......
223 ........
كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ...
390 ............
الْكَيْسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِرُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ
388 ............
لا تشد الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى
لا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ
• لا نبي بيني وبين عيسى
246 ...........
104 ..........
109 ...........
لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن
اللهم اهدِ أم أبي هريرة
اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأَتِ بِهِمْ
اللهم اهدِ قومي، إنهم لا يعلمون
ليس منا من دعا إلى عصبية
ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي
161.102 ..........
345 .........
345 .........
345.201 ..............
391 ............
274 ..........
ه ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ..... 198، 348 • مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا ....... 96، 295
• مرحبا بابنة أخي
110 ............ (1/469)
صفحة 460
470
من أحب الله وأبغض الله وأعطى الله ومنع الله، فقد استكمل الإيمان مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ من قال «لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق
نفختان بينهما أربعون سنة
وأتبع السيئة الحسنة تمحها
الفهارس
342 ..........
418 ...........
69 ...........
110 ...........
336 .........
وَلَتَقُومَنْ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلاَن ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطُويَانِهِ، وَلَتَقُومَنْ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَن لِقَحَتِهِ فَلا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أَكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُها ..... 991، 263 يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية بنت محمد اشتريا أنفسكما فإني لا أغني عنكم
من
الله شيئاً
• يَا مَعْشَرَ الشباب من اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوْجُ فَإِنَّهُ أَغَضُ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَن لمْ يَستَطعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءَ
275
397 .... (1/470)
صفحة 461
فهرس الأعلام
471
إبراهيم عليه السلام: 88، 344
الإبراهيمي البشير: 59، 346
الابريكي إبراهيم بن عيسى: 33
فهرس الأعلام
• ابن تيمية أحمد: 70، 202 203
328
ابن حجر العسقلاني: 55
• ابن طوبال عبد الله: 48، 410
• ابن كثير: 87
أبو العلا عبد الله بن إبراهيم: 33 أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى: 58،
59
أبو تمام: 37
أبو ذر الغفاري: 96، 102، 200،
295
أبو طالب (عم الرسول، 185
• أبو عمار عبد الكافي: 73، 138 • أبو نصر فتح بن نوح: 35، 103
312.281.114
• أبو هريرة: 103
• أحمد بن حنبل: 96، 179، 200،
203.202
آدم عليه السلام: 78، 134، 185،
274 267 258 256.186 338 328 284 280 278
339
اطفيش امحمد بن يوسف: 32، 38،
116.113.95.72.64.39 213 207 201.200.133 268 255 251.244.219 302.300.298.297 296 346.345.324.317
الأفضلي يحيى بن صالح: 39، 113 • الأفغاني جمال الدين: 37، 156 إلياس عليه السلام: 96، 115،
298.199
• امعمّر علي يحيى: 183
الباروني سليمان باشا: 59 البحتري: 37
البخاري محمد بن إسماعيل: 55
183 108 107 105.93
378.377.347
بدوي عبد الرحمن: 77
• البرادي أبو القاسم بن إبراهيم: 268
بليق عز الدين: 50
• البنا حسن: 156. بوصفصاف عبد الكريم: 48 البوطي محمد سعيد رمضان: 207 البيجوري إبراهيم: 72، 302 • تبغورين الملشوطي: 135، 136 (1/471)
صفحة 462
472
الفهارس
الثميني عبد العزيز: 39، 113
• جابر بن زيد 71، 274
• جبريل عليه السلام: 70، 97، 98
302.293.253.188
الجربي سعيد بن علي: 49
الجعبيري فرحات بن علي: 218 الجيطالي إسماعيل بن موسى: 268
الجيلاني عبد القادر: 346
ه حاطب بن أبي بلتعة: 348 • حذيفة بن اليمان 340 حماني أحمد: 182، 376 خبزي عيسى بن عمارة: 400
الْخُدْرِي أبو سعيد: 104
• خليفات عوض: 204، 349 الخليلي أحمد: 123
داوود عليه السلام: 120، 402
• دبوز محمد علي: 364 • الدجال: 186
دماغ العتروس العربي: 409
• دي غول: 61، 409
• رابعة العدوية 287
الربيع بن حبيب 55، 93، 183،
377.347.270
270.252.244.141
• الشافعي محمد بن إدريس: 68
• شريفي سعيد (الشيخ عدون)، 93،
377.361
• شعيب عليه السلام: 356
شكيب أرسلان: 41، 59 الشيخ عدون ينظر: شريفي سعيد الطبري محمد بن جرير: 114
طنطاوي جوهري: 37
• عبد الحميد بن باديس 59، 346
403.376
العبري إبراهيم بن سعيد: 57 العبسي خالد بن سنان: 109
العسلي بسام: 363 العقبي الطيب: 59، 346
عمر بن الخطاب: 340
• عمر بن يحيى 34 35 36، 39
364.43.42.41.40
• عمرو بن جميع
296.295
116.114.35
عمي سعيد: ينظر: الجربي سعيد بن
علي
العنق بكير: 40، 41، 42
الزركشي: 78
السالمي نور الدين: 35، 95، 114،
عيسى بن مريم عليه السلام: 95
295 245 201.139.109
298 (1/472)
صفحة 463
فهرس الأعلام
الغزالي أبو حامد: 144، 325
الغزالي محمد: 25، 86، 100،
313.289.172.124.108
الغلاييني مصطفى: 37
ه فخار حمو بن عمر:
184.61:
• فرعون 80 189، 227، 264،
409.336.286
القاضي عبد الجبار: 268
• القرضاوي يوسف: 101
• القطب ينظر: اطفيش امحمد بن يوسف
• قيشار: 61، 409
• كامل علي فهمي: 37
• کامل مصطفى 37
الكواكبي عبد الرحمن: 37، 38 كوبرلي بيار: 61، 216 217،
290
اللقاني إبراهيم: 132
• لوط عليه السلام: 356
مالك بن أنس: 163، 202
مالك بن نبي: 236، 411 المالكي حسن بن فرحان: 428
المتنبي أبو الطيب: 37
473
• محمد رشيد رضا 37 292، 325
365
• محمد عبده 37، 54، 114، 156،
376.325.203.183
مسلم بن الحجاج: 103، 104
•
مصطفي محمود: 102، 108
• الملشوطي: ينظر: تبغورين بن عيسى. المنفلوطي مصطفى لطفي: 37 المهدي المنتظر: 186
عليه السلام: 105، 106، موسي
300 286 188.178.107
303
ناصر محمد صالح: 45، 372 الهاشمي أحمد: 37
الهواري هود بن محكم: 268 • الوارجلاني أبو يعقوب يوسف
293.264 (1/473)
صفحة 464
474
الفهارس
فهرس الأديان والمذاهب والأقوام
الإباضية 61، 63، 64، 71، 73،
135.132.114.112.93
216.213.204.140.138
325.312.268.264.218
• الماتوريدية: 64
• المشارقة: 114
المعتزلة 25، 268، 313، 328
345 343 341.328.327 400.349.348.346
الأشاعرة / الأشعرية 25، 64،
328.268.213.312
• بنو آدم: 223
السلفية: 25، 63، 268
المغاربة: 114، 324
الملاحدة: 164، 190، 209، 232،
386.235.234.233
النصارى 399، 415
اليهود 118، 119، 155، 320،
414.401.400.399 (1/474)
صفحة 465
فهرس الأماكن والبلدان
• إفريقية: 204، 349
أوربا: 349، 393 بني يزقن: 38
بيروت: 166
• تونس: 40، 362
الجامع الأخضر: 376
فهرس الأماكن والبلدان
الجزائر: 41، 47، 48، 49، 57،
211 182 181.61.59.377.376.363.240.236 413 411 409 408.399
• الحجاز: 40
زاوية سيدي خالد: 157
• سوق القرارة: 369، 401
• السويد: 165
عُمان 57، 362
• غرداية 46، 48، 57، 412
• فرنسا: 182، 407، 409، 410
فلسطين: 49، 414
475
القرارة 31، 41، 46، 47، 56،
369.347.343.182.113
407.402 401.391 377
412
لندن: 50
• ليبيا: 362
المدينة المنورة: 182
مزاب ينظر: وادي ميزاب
• المغرب: 59، 60، 68. المملكة الأردنية: 204
وادي ميزاب: 31، 32، 38، 46،
113.58.56.49 48 47.362.240.237.182.181 406.400.372.370.368
408
وارجلان 40، 41 (1/475)
صفحة 466
الفهارس
المحتويات
476
الإهداء.
تقديم الدكتور محمد ناصر بوحجام.
مقدمة
الاختصارات المستعملة.
الفصل التمهيدي
معالم ومفاهيم
المبحث الأول حياة الشيخ بيوص.
أولاً: ولادته وعصره
ثانيا: تعليمه
ثالثًا: عوامل نبوغه ونجاحه.
1 - قوة الحافظة والذكاء. 2 - شغفه بالمطالعة
أ- في الاجتماع والسياسة.
ب - في الأدب.
..
ج - الصحف والمجلات.
3 رحلاته العلمية .......
-4 - التربية الاجتماعية العملية.
وضوح الغاية ....
6 - الثقة في النفس والتواضع.
.
.......
7 - الشعور بالمسؤولية والتوكل على الله. رابعًا: محطات في مسيرته العمليّة.
1 - تركيز الحركة الإصلاحية على التربية والتعليم. -2 - تحويل المسجد إلى جامعة شعبية. (1/476)
صفحة 467
المحتويات
3 - تكوين المجتمع المسجدي .. 4 - المشاركة في تأسيس جمعية العلماء ..........
5 - الشيخ بيوض والعمل السياسي. أ- الشيخ بيوض في المجلس الجزائري.
ب في ثورة التحرير.
ج - قضية فصل الصحراء عن الشمال
د الشيخ بيوض في الهيئة التنفيذية المؤقتة
6 - رئاسته لمجلس عمّي سعيد .. 7 - اهتمامه بقضايا العالم الإسلامي.
خامسا: وفاته.
المبحث الثاني آثار الشيخ بيوم العقدية.
أولاً: الدروس المسجديّة.
1 درس التفسير.
2 درس الحديث الشريف
3 - الدروس العامة.
ثانيا: معهد الحياة.
ثالثًا: خطاباته في المجتمع الخارجي.
رابعا: الفتاوى
خامسا: المراسلات.
سادسًا: المقالات.
سابعا: المقابلات.
...
المبحث الثالث تحديد مخالفيم.
أولاً: العقيدة.
ثانيا: الإيمان.
الإيمان لغة.
الإيمان اصطلاحًا. (1/477)
صفحة 468
الفهارس
علاقة العمل بالإيمان.
مناقشة من لا يشترط العمل في الإيمان.
الإيمان والإسلام.
زيادة الإيمان ونقصانه.
......
..
أسباب ازدياد الإيمان.
1 - تلاوة القرآن.
2 - معرفة أسماء الله الحسنى
3 - التفكر في خلق الله.
4 - الاستزادة من خصال الإيمان ...
أسباب نقصان الإيمان ..
أبعاد الإيمان الصادق.
ثالثا: المنهج
المنهج العقدي.
معالم المنهج العقدي في القرآن. معالم منهج المتكلمين.
رابعًا: الأبعاد العقدية.
الفصل الأول
خامسًا: الفكر العقدي.
سادسا: السلف.
478
منهج الشيخ بيوض في التعامل مع مصادر العقيدة
المبحث الأول تعامل الشيخ بيوم مع القرآن الكريم.
أولاً: الغاية من تفسير القرآن.
ثانيًا: تفسير القرآن بالقرآن
ثالثًا: تفسير القرآن بالسنة.
رابعًا: الاجتهادات الخاصة و "بنت اللحظة“. (1/478)
صفحة 469
المحتويات
المبحث الثاني تعامل الشيخ بيوم مع السنة النبوية.
أولاً: حجية حديث الآحاد في مسائل الاعتقاد.
أبعاد هذا المنهج.
ثانيا: طريقة الاستدلال بأحاديث الاعتقاد
ثالثا: عرض الحديث على محكم القرآن
..
رابعا: موقفه من الروايات المتناقضة وصريح القرآن. خامسا: تحكيم الحديث في رواية الأخبار.
المبحث الثالث تعامل الشيخ بيوم مع التراث العقد ...
أولاً: مصادر الشيخ بيوض.
1 - التراث الإباضي.
-2 - التراث الإسلامي العام.
ثانيًا: نقد الروايات وأقوال المفسرين.
ثالثًا: موقفه من الإسرائيليات. رابعا: القرآن حَكَم.
البحث الرابع حجية العقل في مسائل الاعتقاد
:أولاً: حدود الاستدلال العقلي.
1 - العقل وأنباء الغيب. 2 - بين العقل وظاهر النّص.
ثانيا: التأويل، حكمه وضوابطه.
1 - تعريف ....
أ- المحكم. ب المتشابه
ج- التأويل. 2 - حكم التأويل
3 - دواعي التأويل.
31 (1/479)
صفحة 470
الفهارس
أ - تنزيه الباري عز وجل.
ب مراعاة تناسق النصوص.
-4 - ضوابط التأويل.
أ- ردّ المتشابه إلى محكمات التنزيل.
133 ..................
........
134 .... 135 ................
136 ........
ب - الجمع بين النصوص الواردة في الموضوع الواحد ............... 137
ج- الانضباط بقانون اللسان العربي .........
د اعتقاد ظنية نتائج التأويل
5 - موقف الشيخ بيوض من المخالف في التأويل.
ثالثًا: التفويض
1 - تعريفه.
2 - مجاله.
الفصل الثاني
خصائص منهج الشيخ بيوض العقدي
المبحث الأول الشمولية.
أولاً: تكامل البنية الإيمانية.
ثانيا: شمولية الإيمان لحياة الإنسان. ثالثًا: لا فصل للدين عن شؤون الحياة. رابعا: المجتمع المسجدي والعمل للدارين.
المبحث الثاني الواقعية.
:أولاً: الواقعية والحركات الإصلاحية.
1 - واقعية الموضوع
2 واقعية المنهج.
ثانيا: نماذج من واقعية الشيخ بيوض
1 - العمل الصالح علامة الإيمان الصادق 2 - الحصانة الإيمانية: (1/480)
صفحة 471
المحتويات
أ- الإعراض عن الخائضين في آيات الله. ب حدود الله والحرية الشخصية
-3 الدين الخالص.
4 محو (خرافة) الدين
5 - المجاهدة بالقرآن
6 - التأسي بثبات الرسول.
7 - أفعال العباد
مزايا الواقعية.
المبحث الثالث النظرة المقاصدية
أولاً: الهدف الإصلاحي.
ثانيا: أساليب تحقيق الوحدة الإسلامية من خلال الدرس العقدي ... 176
1 - الكف عن القول بغير علم.
2 الاجتهاد والاعتراف باجتهاد الآخر.
-3 - التأويل وعدم القطع بخطأ المخالف. 4 لازم المذهب ليس مذهب ....... 5 - القيام الجماعي بشرائع الدين.
ثالثًا: ضبط مسائل الاعتقاد. رابعا: التركيز على مسائل الاعتقاد
المبحث الرابع التحرر من التعصب المذهبي.
أولاً: نبذ التقليد.
ثانيًا: عدم التقيد بحرفية النص.
ثالثًا: توحيد المرجعية.
- موقف الشيخ بيوض فيما شجر بين الصحابة
موقفه من عثمان بن عفان.
رابعا: نقد التراث الإباضي ..
خامسا: الاستشهاد بأقوال أيمة المذاهب وتثمين مواقفهم. (1/481)
صفحة 472
الفهارس
الفصل الثالث
أصول الإيمان وأبعادها
المبحث الأول التوحيد والغيب
تعريف الغيب.
أولاً: الإيمان بالله.
1 - تعريف التوحيد ..
2 - أدلة وجود الله ووحدانيته.
أ- أدلة وجود الله
دليل الفطرة.
آيات الآفاق والأنفس
ب الوحدانية وأدلتها.
3 - الصفات وأقسامها.
أ - الصفات الذاتية.
ب الصفات الفعلية.
4 - علاقة الصفات بالذات.
أبعاد مبحث الأسماء .. والصفات ......
أ- العليم.
ب الملك
ج-
1 - الالتجاء إلى الله وحده.
-2 - شكر المنعم الحقيقي.
- القدير.
- العزيز.
د-
هـ - الحكيم.
و الغني ..
ز - الوكيل.
......
6 - الآثار السلبية لسوء فهم أسماء الله الحسنى. 7 - أبعاد الإيمان بالله: علاج قضايا في أصل التوحيد أولا: شرك الجحود. (الإلحاد). (1/482)
صفحة 473
المحتويات
1 - أسباب انتشار الإلحاد. أ- عدم رسوخ العقيدة.
ب التأثر بدعايات الأساتذة.
2 - علاج الظاهرة.
أ- ترسيخ العقيدة.
ب - التفكر في الخلق لا في الخالق. ج- محدودية العقل البشري.
ثانيا: عبادة الأضرحة والذبح لغير الله
ثانيا: الإيمان بالملائكة.
1 - تعريفهم.
1 - أسباب نشأة البدع.
ا - تأسيس الآراء على أقوال الرجال وتقديسها ..... 237 ب التساهل في الإضافات إلى العبادات .......... 237
ج - ابتكار عبادات ليست من جنس ما سُرِعَ.
2 - تحديد مصطلحات ..........
أ- قاعدة كلية في تحديد معنى الشرك.
ب التفرقة بين اتخاذ الأسباب والاستعانة بالأولياء 241
ج - التفرقة بين التوسط والتوسل
3 مداخل علاج مسألة القباب والأضرحة.
بيان أحكام زيارة القبور وحكمها 244
ب- تبيين أسباب التوسط بالأولياء ... 245 ج - إبراز التناقضات .........
د-
- الاعتبار بمصير مرتاد القباب والقبور ............. 248 - التحذير من مصير الأمة .. 249
4 - مداخل علاج مسألة الذبح لغير مسألة الذبح لغير الله ......
2 - ضفة أجسامهم.
1 - الألفاظ تابعة للنيات.
ب - اختبار صدق النيات ج- الإهلال بغير الله ......
3 - أقسام الملائكة ووظائفهم. (1/483)
صفحة 474
الفهارس
4 - حكم الإيمان بهم
5 - المفاضلة بين الملائكة.
6 أبعاد الإيمان بالملائكة أ- التقديم لليوم الآخر. ب ولاية الملائكة.
ج - تثبيت المؤمنين.
.......
د ذكر نعمة التشريف
هـ - التقوى أساس التفاضل
ثالثا: الإيمان بالجن.
1 - تعريف الجن ... 2 - إنقاء ضرر الجن.
رابعا: الإيمان باليوم الآخر
1 - قيام الساعة.
حكمة إخفاء الساعة .....
2 - البرزخ
1 - عذاب القبر ونعيمه الذنب ب عجم
3 - البعث.
الخروج من القبر.
-4 دلائل البعث.
....
أ- الدليل الحسي في إحياء النبات.
ب الدليل العقلي.
5 - الصراط
6 - الشفاعة.
1 - قسما الشفاعة ....
ب شرطا الشفاعة.
سؤال الشفاعة
ج - الشفاعة ومرتكب الكبيرة.
د موقف الشيخ بيوض من المسألة وأدلته. (1/484)
صفحة 475
المحتويات
1 - الأدلة النقلية. 2 - الأدلة العقلية ......
7 - الخلود في الجنة أو النار. أ- الخلود في الجنة.
ب الخلود في النار
8 - أبعاد الإيمان باليوم الآخر
أ- تركيز الإصلاح على اليقين بالمصير. ب الغفلة عن الآخرة رأس كل شر. الوعيد أقوى في النفس تأثيرًا.
-9 - أبعاد مسألة الشفاعة. 10 - عقيدة الخلود وأبعادها العملية.
المبحث الثاني النبوة والرسالة.
أولاً: الإيمان بالرسل
1 - تعريف الوحي. 2 - تعريف النبي والرسول.
3 - حاجة الناس إلى النبوة.
.
4 عدد الأنبياء والرسل. 5 - صفات الأنبياء والرسل.
أ- البشرية ..
ب الموت.
ج - العصمة.
6 - التفاضل بين الأنبياء والرسل.
7 - معجزات الرسل.
تعريف المعجزة.
8 - أبعاد الإيمان بالرسول.
ثانيا: الإيمان بالكتب.
1 - تعريف.
2 حاجة الناس إلى الكتاب السماوي. (1/485)
صفحة 476
486
-3 هيمنة القرآن على الكتب السماوية.
4 - أبعاد الإيمان بالقرآن.
المبحث الثالث الإنسان والمجتمع أولاً: الإيمان بالقضاء والقدر 1 - تعريف القضاء والقدر.
2 - إرادة الله وفعل الإنسان
إثبات الإرادة.
الإرادة والرضا.
3 - خلق الأفعال ...
....
-4 - موقف الشيخ بيوض من المسألة ...
5 تعليق الشيخ بيوض على موقف المعتزلة. 6 - مناقشة الشيخ بيوض معتقدي الجبر. ا - الحكم على العبد بالضلالة. ب الله العدل.
ج- لا جبر على الهداية. د الاختيار أساس التكليف.
هـ - الاختيار أساس الجزاء.
و ليس للشيطان سلطان. خلاصة المسألة.
7 - أبعاد الإيمان بالقدر
1 - التوكل المطلوب
2 - الصبر الإيجابي
.
3 - استحقاق النصر الموعود 4 - الاستسلام لأحكام الله.
5 - الثبات على الحق.
تجاوز الأسئلة المحيرة إلى الاستسلام والعمل.
علاج قضايا.
ثانيا: المعصية والتوبة.
1 - المعصية.
الفهارس (1/486)
صفحة 477
المحتويات
1 - تعريف المعصية.
2 - قسما المعصية.
3 كفر النعمة ..
-4 مرتكب الكبيرة ومنزلة النفاق ..
5 من أسباب المعصية.
أ- الغفلة عن ذكر الله.
ب التعويل على التوبة.
ج- الاستخفاف بالذنب.
د - الرفقة السيئة ..
هـ - تعطيل نعمة العقل.
و - تحميل الغاوين جميع الأوزار.
6 - معوقات عن التوبة ..
أ- تزيين الشيطان سوء العمل.
ب الشك في المصير ..
ج - الاغترار برحمة الله د- عدم الاتعاظ بالمصائب
ب - التوبة.
1 - شروط التوبة.
1 - الندم.
.........
ب العزم على عدم العودة إلى الذنب
ج- رد المظالم.
-2 - وقت التوبة.
3 - المغفرة والتوبة. 1 - تحديد شروط المغفرة.
ب شروط الفلاح الأخروي. ج سياق أرجى آية في القرآن .. د- تقييد مشيئة المغفرة بالتوبة. هـ - الكلمات التي تلقاها آدم من ربِّه.
و - استغفار الملائكة للتائبين.
4 - أبعاد المسألة. (1/487)
صفحة 478
الفهارس
ثالثا: الولاية والبراءة
1 - تعريف الولاية والبراءة. 2 - حكم الولاية والبراءة.
3 دليل وجوبهما. 4 - إعلان البراءة .. 5 - الدعاء لأهل البراءة.
6 المذهبيّة وحَق الولاية.
-
7 - أبعاد الولاية والبراءة
الفصل الرابع
مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
تمهيد أثر الاعتقاد في توجيه السلوك
علاج القضايا الحياتية والأصل الإيماني
المبحث الأول المجال التربوي وأبعاده الإيمانيّة.
أولاً: معهد الحياة.
1 - أبعاده العقدية
...........
2 - ثبات الغاية وتطوير الوسائل. المناهج التربوية والأسس العقدية. - معهد الحياة لكل ميادين الحياة.
ثانيا: رسالة المسجد .....
-1 تحويل المسجد إلى جامعة شعبية. 2 الدروس الواقعية والمرجعية الإيمانية. 1 - درس التفسير. 2 - درس الحديث الشريف.
3 - الدروس العامة. مزايا الدرس الشفوي.
3 - تكوين المجتمع المسجدي ..
...
.. (1/488)
صفحة 479
المحتويات
1 - غاية البحث العلمي.
.
الإشغال عن الدراسة وعمارة المسجد
2 كفران النعمة.
-3 - التطير.
-4 - الانسياق وراء دعاة الباطل.
-5 - التشبث بالبدع.
المبحث الثاني المجال الاجتماعي وأبعاده الإيمانية.
:أولا: الإيمان والإصلاح الاجتماعي.
المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية
ثانيا: تفعيل دور العشيرة. الأعراس الجماعية.
النظم الاجتماعية حدود شرعية.
ثالثا: علاج قضايا في المجال الاجتماعي
1 - الوقاية من الزنا.
2 - المرأة والأسرة.
المبحث الثالث المجال الاقتصادي وأبعاده الإيمانية.
أولاً: تأسيس الشركات
ثانيا: تطوير التجارة.
...........
شراء مكس سوق القرارة.
ثالثا: الوظيف الحكومي والتمهين.
التقوى أساس التفاضل.
رابعًا علاج قضايا في المجال الاقتصادي. 1 - نظرة المتلهف إلى متع الدنيا.
2 - الخيانة في التجارة. 3 - افتتان المسلمين وتقاتلهم على الدنيا. (1/489)
صفحة 480
الفهارس
المبحث الرابع المجال السياسي وأبعاده الإيمانية
أولاً: التجنيد الإجباري.
ثانيا: الشيخ بيوض في المجلس الجزائري ..
ثالثًا: قضية فصل الصحراء عن
رابعًا: العمل الثوري.
1 - رئاسة خلية الثورة.
الشمال
2 مغامرة بالعمل داخل الجزائر.
خامسا: الاهتمام بقضايا المسلمين في العالم.
قضية فلسطين
الشعر والإنشاد تحريضا على الجهاد
سادسا: علاج قضايا في المجال السياسي
1 فصل الدين عن الدولة
2 - الولاء للغرب ...
3 - شروط استحقاق النصر الموعود.
الخاتمة ......
قائمة المصادر والمراجع
أولاً - المصادر
ثانيا - المراجع. ثالثا - الرسائل الجامعية.
رابعا - الأقراص المدمجة.
خامسا - أعمال الملتقيات العلمية.
سادسا - الدوريات.
سابعا - المقابلات (1/490)
صفحة 481
المحتويات
الفهارس العامة .....
فهرس الآيات القرآنية ..
فهرس الأحاديث النبوية. فهرس الأعلام.
فهرس الأديان والمذاهب والأقوام.
فهرس الأماكن والبلدان.
المحتويات (1/491)