صفحة 1
الكتاب: المسيح وأمه
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] المسيح وأمه ( عليهما السلام )
معالم وبراهين
محاضرة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
موقع واحة الإيمان
www.waleman.com
info@waleman.com
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، الذي هو على كل شيءٍ قدير،سبحانه ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، ما اتخذ صاحبةً ولا ولدا، أحمده بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدّر فهدى وله ما في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله على فترة من الرسل مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، فبلغ رسالة ربه وأدى أمانته ونصح هذه الأمة وانجابت عنها بطلعته الظلمة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد،،،، فالسلام عليكم أيها الإخوة الحضور ورحمة الله وبركاته،،،
بادئ ذي بدء أهنئ نفسي وأهنئكم بهذه المناسبة الطيبة الكريمة التي نتفيأ ظلالها، مناسبة الشهر الكريم الذي جعله الله سبحانه وتعالى شهر بر ورحمةٍ وإحسانٍ ومغفرةٍ ورضوان تُفتَّ فيه أبوابُ السماء وتُوصد فيه أبواب النار وتُصفد فيه مردة الشياطين، فالحمد لله على هذه النعمة الكبيرة. (1/1)
صفحة 2
ثم إني أعتذر إليكم لأنني لا أجد عندي بضاعةً أقدمها بين يديكم، فقبل كل شيء لم أستعد للحديث وكما قيل من قبل ( إن أبا بكر وعمر ليُعدان لمثل هذا المقام مقالا )، ولئن كان ذلك في أمثال أولئك فكيف بحال مثلي؟!! وهل يمكن أن يُقرن بين الذبالة والغزالة؟!! أو يُجمع ما بين الضراح والضريح؟!! وإنما هي بضاعةٌ مزجاة، فقبل كل شيء لم أعد لهذا المقام شيئاً من المقال لأن الذي نما إلى علمي أنني سأكون مُعقِّبا، والمُعقِّب يمكن أن يلتقط من هنا كلمة ومن هناك أخرى ليلفق بينهما ثم يتقدم بما يلتقطه إلى الناس المستمعين. أما وقد وضعت أمام الأمر الواقع فإنني سأستعين الله تبارك وتعالى وكفى بالله معيناً.
أولاً قبل كل شيء مما لا يحتاج إلى تأكيد أن القرآن الكريم هو كتاب الله سبحانه وتعالى الذي لم تطله أيدي المحرفين والمبدلين، فقد صانه الله سبحانه وتعالى كما وعد فيه بأن يحفظه " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ، ولذلك كل ما فيه إنما هو حقائق، ولا يمكن أن يُقال إن ما في القرآن نظريات لأن النظريات إنما تأتي من قبل البشر وما في القرآن إنما هو من عند الله، فكل حرفٍ من حروف القرآن هو من تنزيل الله سبحانه الذي نزله على قلب خاتم النبيين – عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم -. وقد جاء القرآن الكريم بالحقائق التي لا تحتاج إلى مزيدٍ من الدلالة فقبل كل شيء جاء ليوقظ هذه الفطرة الإنسانية، ثم ليأخذ بهذا العقل البشري ويطوف به في آفاق الكون من أجل أن يتبصّر وأن يتدبّر الآيات العظمى آيات الله التي تتجلى في الأنفس والآفاق حتى يتبين للناس أنه الحق. (1/2)
صفحة 3
ومن القضايا التي طرحها القرآن الكريم قضية وحدانية الله سبحانه وتعالى، فقد جاء بها بأدلتها الواضحة المشهورة التي لا يحتاج المرء بعدها إلى أي برهانٍ آخر، فقد أثبت القرآن أن الله تبارك وتعالى إلهٌ واحدٌ، وهو واحدٌ في ذاته وواحدٌ في صفاته وواحدٌ في أفعاله، " ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير "، " لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد *". وقد قرن القرآن الكريم الحقائق التي يعرضها بالأدلة العقلية، فعندما ذكر وحدانية الله سبحانه وتعالى بيّن الشواهد التي تتجلى في هذه الآفاق للناس بأن الله تبارك وتعالى إلهٌ واحدٌ، فقد قال : " وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم "، ثم أتبع ذلك قوله : " إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابةٍ وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآياتٍ لقوم يعقلون "، فأثبت من خلال هذه الآيات التي عرضها أن الله تبارك وتعالى إلهٌ واحدٌ، إذ الكون بأسره بكل ما فيه يعبر عن ذلك بلسان حاله، فإنه وحدةٌ متكاملةٌ كل جزء من هذه الوحدة مكمل لبقية الأجزاء، فلا يمكن مع كونه وحدةً متكاملةً أن يكون صادراً إلا عن مكونٍ واحدٍ، إذ لو كان هنالك أكثر من مكوِّن لكان كل واحدٍ منهم إرادةٌ مستقلةٌ، وعند تعدد الإرادات لا بد من الاختلاف في المراد. (1/3)
صفحة 4
ثم إن القرآن الكريم بين أن الله سبحانه وتعالى بما أنه إلهٌ واحدٌ لا شريك له في ملكه ولا منازع له في سلطانه ولا مشابه له في ذاته ولا في صفاته فإنه – ولا ريب – أنه ما اتخذ صاحبةً ولا ولداً، وعندما رد على أولئك الذين زعموا أنه سبحانه وتعالى اتخذ ولداً بيّن أنه له ما في السماوات وما في الأرض، يقول الله سبحانه: " وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل له ما في السموات وما في الأرض كلٌ له قانتون "، وهذا يعني أنه يستحيل أن يكون شيءٌ مما في السماوات أو ما في الأرض ولداً له سبحانه إذ كل ما في الكون إنما هو ملكٌ له، والولد هو من جنس أبيه، ومن المعلوم أنه لو كان له ولدٌ – سبحانه – لكان ذلك الولد مجالساً له، ومعنى ذلك أنه يكون إلهاً رباً مثله وهذا يتنافى مع كون كل ما في الكون ملك له سبحانه، فلو كان هنالك ولد كيف يكون هذا الولد من جانبٍ ملكاً لله ويكون من جانبٍ آخر هو مثلاً له سبحانه وتعالى؟!! هذا، ومن المعلوم أن نفوس المخلوقين تطمح في الذرية بسبب أن المخلوق ضعيف، فالإنسان قبل كل شيء وهو في مقدمة هذه المخلوقات شرفاً ومزيّةً يجد نفسه ضعيفاً ويريد أن يستعين بغيره وأقرب من يستعين به هو ولده الذي هو بضعةٌ منه، فلذلك كان الإنسان من بين هذه المخلوقات التي تتوالد أحرص ما يكون على أن يكون له ولد، فمن كان لا ولد يحس بالحرمان ويحس أنه فقد أعظم شيء يُعتز به في هذه الحياة. (1/4)
صفحة 5
على أن الإنسان بقاؤه في هذا الوجود بقاء محدود وقدرته هي قدرة محدودة، فالحياة كلها محدودة،ولكن الكائنات تتفاوت في هذه الحياة، فمن الكائنات ما يُنسأ له في أجله ومنها ما يكون قصير الأجل، وما كان قصير الأجل يكون أكثر توالداً من غيره وما يكون طويل الأجل قد لا يكون متوالداً كالملائكة الكرام فقد أنسأ الله سبحانه وتعالى في أعمارهم وأمد في آجالهم فلذلك لم يجعلهم يتوالدون. ومع كون الإنسان قصير العمر،هو أيضاً المرحلة التي يتمتع فيها بالفتوة والقوة هي مرحلة قصيرة، وبما أنه قصير العمر ويعلم أنه ينتقل من هذه الحياة إلى موت فإنه يحرص دائما على أن يكون له وجودٌ بعد حياته هذه يتمثل هذا الوجود في الذرية التي تستمر من بعده، كما أنه يحرص على أن يشاهد الفتوة والقوة تنتقل عنه إلى ولده عندما يبلغ من الكبر عتيّأ ويكون ضعيفاً يعجز عن تحمل أعباء هذه الحياة، وهذا كما يقول الشاعر التهامي:-
وقلت شباب ابني شبابي وإنما ...... تنقّل شطر العمر مني إلى شطر
فهو يرى شبابه في شباب ولده ويُسرّ بذلك لأنه كأنما لم يفقد الشباب. والله تبارك وتعالى وهو الأزلي الذي لا أول له وهو الأبدي الذي لا آخر له، فهو سبحانه وتعالى وجوده سابقٌ على وجود غيره وهو غير محدود بأمد لا في البداية ولا في النهاية فوجوده غير مسبوق بعدم ولن يأتي من بعده عدم، إذن كيف يكون الله تبارك وتعالى بحاجة إلى الولد؟!!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. (1/5)
صفحة 6
فالقرآن الكريم نفى عن الله تبارك وتعالى اتخاذ الصاحبة والولد، وفي معرض النفي – نفي اتخاذ الولد – بيّن أنه كيف يكون له ولد ولم تكن له صاحبة – سبحانه وتعالى. والمسيح عليه السلام هو عبدٌ من عباد الله، هو من جنس البشر تسلسل من آدم عليه السلام إلى مريم العذراء، فهو – عليه السلام – كسائر البشر. على أن الذين قالوا بأن الله سبحانه وتعالى اتخذه ولداً زعموا بأنه اتخذه ولداً وأنزله إلى الأرض وجعل مريم تحمله ثم تلده من أجل أن يكون سبباً لتكفير خطيئة البشر التي ارتكبها آدم عليه السلام. ولننظر، قبل كل شيء ما هي هذه الخطيئة؟ هذه الخطيئة التي يزعمونها إنما هي أكل آدم وحواء – عليهما السلام – من الشجرة التي نهاهما الله سبحانه وتعالى أن يقتربا منها، ولا ريب أن في أكلهما مخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى، ولكن قبل كل شيء نجد أن القرآن الكريم يثبت أن آدم عليه السلام نسي عندما أقدم على هذا الشيء " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً "، فالله سبحانه وتعالى برّأه من التعمد لارتكاب الخطيئة إذ قال بأنه نسي ولم يكن ما ارتكبه عمداً منه. فهذه الخطيئة إن سميت خطيئة إنما ذلك من باب أن يُقال بأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ذلك لأن آدم هو صفي الله وقد كان حريّاً بأن يكون ذاكراً لعهد ربه حريصاً على تذكره باستمرار، وقد حذره الله سبحانه وتعالى من مكائد الشيطان ونهاه عن قربان تلك الشجرة. هذه الخطيئة عندما تُقرن بقتل النفس ماذا عسى أن يكون قدرها؟! وعندما تكون هذه النفس هي نفس ابن الله سبحانه وتعالى، كيف يكون قتل ابن الله سبحانه وتعالى وصلبه كفارةٌ لتلك الخطيئة التي ارتكبت عن غير عمد؟!! هذه قضية يدركها العاقل من أول وهلة لأنها مرفوضةٌ فطرةً وعقلاً. (1/6)
صفحة 7
على أن أولئك الذين زعموا أن المسيح عليه السلام هو ابنٌ لله سبحانه وتعالى يعترفون أحياناً يعترفون أحياناً بأنه عبد ويعترفون بأنه إنسان من الجنس البشري، ويدّعون مع ذلك تارةً أنه ابنٌ لله وتارةً أخرى يقولون هو الله. والأناجيل الأربعة المحرفة جاءت بهذا التناقض العجيب، ففي أحدها هو عبد وفي الثاني هو إنسان وفي الثالث هو ابنٌ لله وفي الرابع هو الله. ثم في تقديم المقدم لهذه الأناجيل جاء بأنه لا تناقض ما بين هذا الذي قيل فيها، فهذا العبد هو ذلك الإنسان وهو ذلك الابن وهو الله تعالى الله عن ذلك، فكيف يكون هذا الإنسان هو الله أو ابنٌ لله؟!!! وكيف يكون هذا العبد هو الله سبحانه وتعالى أو هو ابناً لله؟!!! وعرضت هذه القضية على الأساقفة من النصارى وطلبت منهم الإجابة عن هذه المشكلة وقد حاولوا أن يلفوا ويدوروا حول ذلك ولكنهم ما استطاعوا أن يأتوا بشيء وقالوا بأن العقل يقف حائراً أمام هذا الأمر وما على العقل إلا أن يستسلم لما جاء به الدين.. ولكن كيف يكون هذا الدين مناقضاً للعقل؟!!!. (1/7)
صفحة 8
ونحن عندما نقلب صفحات القرآن الكريم لنتأمل الآيات الكريمة، آيات الله تعالى المنزلة، نجد أن الله سبحانه وتعالى يقرن الحقائق التي يعرضها فيما يتعلق بجانب الألوهية بالأدلة العقلية بما تستسيغه العقول وتقبله الفِطَر ولا تجد إلا أن تُسلّم له تسليماً. والقرآن الكريم جاء بالوسطية فهو لم يغالي في المسيح وأمه حتى يصفهما بصفات الألوهية وهو أيضاً لم يغمطهما حقهما ولم يرمهما بالتهم حتى يجعلهما شيطانين من البشر، فالقرآن الكريم كرّم المسيح عليه السلام وكرّم أمه عليها السلام ونزلت في القرآن الكريم سورة سميت باسم مريم عليها السلام تخليداً لذكراها وتنويهاً بعفتها وبياناً لقدرها. كذلك نجد في هذه السورة وفي سورٍ متعددة في القرآن الكريم ذكر المسيح عليه السلام بأحسن الأوصاف ولكن مع ذلك لم يخرج المسيح في وصف القرآن عن كونه عبداً لله تعالى ولم تخرج مريم العذراء عليها السلام عن كونها أمةً لله سبحانه وتعالى. فاليهود جعلوا مريم بغيّة – كرمها الله ونزهها -، وجعلوا المسيح عليه السلام ابن زنى – كرمه الله تعالى ونزهه عن ذلك -. والنصارى غالوا فيهما حتى جعلوا المسيح ابناً لله أو جعلوه أنه هو الله، ورفعوا منزلته إلى مقام الألوهية ووصفوه بما وصفوه به من الصفات التي لا تليق بالإنسان، مع أنهم في ذلك – كما قلت – متناقضون، فقبل كل شيء كيف يمكن أن يكون هذا الذي يُوصَف بصفات الألوهية كيف يمكن أن تجتمع فيه صفات الألوهية وصفات البشرية معاً؟!! والنصارى هم مختلفون بأنفسهم في هذا الأمر .. (1/8)
صفحة 9
هل صفات الناسوتية ذابت في صفات الألوهية في المسيح عليه السلام حتى لم تبق فيه صفة الناسوتية أو أنها ازدوجت صفات الناسوتية وصفات الألوهية فكان ناسوتياً لاهوتياً في نفس الوقت؟ هذا أمر اختلفوا فيه، وقد أدى الخلاف في الكنائس النصرانية إلى الصراع بين طائفتين مختلفتين في الاعتقاد في هذا الأمر، أدى الأمر إلى صراعٍ ليس صراعاً جدلياً فحسب بل كان صراعاً دموياً عسكرياً دام فترةً من الوقت.
ومما طرحته على بعض هؤلاء الذين ينتسبون إلى هذا الدين من الأسئلة: هل المسيح عليه السلام عندما حملته مريم كان بشراً خالصاً أو أنه كان متصفاً بصفات الألوهية في نفس الوقت؟ فأثبتوا أنه كان متصفاً بصفات الألوهية. وسألتهم: هل كان المسيح عليه السلام قبل ذلك موجوداً قبل أن تحمله مريم عليها السلام أو أنه خُلِق خلقاً جديداً؟ فادّعوا أنه كان موجوداً من قبل.وهذا من التناقض العجيب، كيف يكون هذا الذي فيه صفات الألوهية والذي تحمله امرأة في رحمها ثم تلده كما تلد سائر النساء بمخاض كيف يمكن أن يكون متصفاً بصفات الألوهية؟!! هذا أمرٌ عجيب.
القرآن الكريم أثبت قبل كل شيء أن الله سبحانه وتعالى كرّم المسيح عليه السلام بالرسالة وأنه قد خلت من قبله الرسل فهو ليس بدعاً من الرسل وأن مريم عليها السلام هي صدِّيقة، فهي وفية قائمة بأمر الله من أولياء الله تعالى المتقين الأبرار، يقول الله سبحانه وتعالى : " ما المسيح بن مريم إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام "، فهما كسائر البشر كانا يأكلان الطعام، كانا بحاجة إلى الغذاء بل لم يكونا كالملائكة الذين هم ليسوا بحاجة إلى غذاء مادي، وإنما كانا بحاجة إلى غذاء مادي، فكيف يكون الذي بحاجة إلى غذاء مادي كيف يكون إلهاً أو ابناً لله ومعنى كونه ابناً لله أنه جزءٌ من الله انفصل عنه سبحانه وتعالى عن ذلك؟!!. (1/9)
صفحة 10
والله سبحانه وتعالى يبين في كتابه الكريم أن المسيح عليه السلام تبرأ نفسُه مما وُصِف به من صفات الألوهية، فقد قال الله تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز : " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح عيسى بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة "، نجد أن المسيح هنا يتبرأ مما نُسِب إليه ويدعو بني إسرائيل إلى أن يعبدوا الله الذي هو ربه وربهم، ثم يخيفهم عاقبة الإشراك ويبين أن من أشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار. ويقول الله سبحانه وتعالى : " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً "، فلو أراد الله سبحانه وتعالى إهلاك المسيح بنقمةٍ منه أو إهلاك أمه أو إهلاك من في الأرض جميعاً لو أراد تعذيبهم من يملك دفع ذلك؟!! بهذا يتبين أن المسيح عليه السلام ما هو إلا عبدٌ لله تعالى خاضعٌ منيبٌ، وأنه عليه السلام هو بحاجة إلى رحمة الله تعالى وبحاجة إلى عفوه – عز وجل -، وبحاجة إلى لطفه، فمن الذي يدفع عنه المكروه إلا الله؟!! ولو كان هو إلهاً لكان قادراً على دفع المكروه عنه بنفسه، ولو كان هو ابناً لله سبحانه وتعالى لكان متصفاً بصفات الألوهية لأن الابن يكون من جنس أبيه، فبما أن الأب إله وله ابن – تعالى الله عن ذلك – لا بد من أن يكون الابن أيضاً متصفاً بصفات الألوهية، ومن كان متصفاً بصفات الألوهية فهو قادرٌ على كل شيء لا يحتاج إلى غيره لدفع المكروه عنه. (1/10)
صفحة 11
وما يتشبثون به من كونه خُلق من غير أب وكان حمله بطريقةٍ لا بالطريقة المألوفة عند البشر جاء القرآن الكريم بما ينقض ذلك إذ الله سبحانه وتعالى أثبت أنه عليه السلام إنما كان بكلمة من الله، فالله سبحانه وتعالى يحكي بشارة الملائكة لمريم العذراء عليها السلام " إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمةٍ منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين * ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين *"، وهي بنفسها تعجبت من ذلك كيف يكون لها ولدٌ ولم يمسها أحد من البشر " قالت أنّى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشرٌ قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون "، فهو كان بهذه الكلمة الإلهية، كلمة " كن " التي أوجدته من عدم كما أوجدت هذا الكون الذي لم يكن له أصلٌ من قبل في الوجود وإنما حدث بأمر الله سبحانه وتعالى بقوله: " كن "، " إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون "، ذلك أمر الله سبحانه. فهو كلمة، عُبِّر عنه بالكلمة لأن خلقه كان بسبب هذه الكلمة من الله تبارك وتعالى، وإلا فهو بشر ولكن خلقه لم يكن بطريقةٍ طبيعيةٍ مألوفةٍ عند البشر وإنما كان بما يخرق نواميس هذا الكون، والله سبحانه وتعالى هو الذي أوجد هذه النواميس وعندما يريد خرقها فإن ذلك مقدورٌ عليه، إذ هو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، فمن قدر على إيجاد هذه النواميس الكونية هو قادرٌ على تبديلها متى شاء بما يريد عز وجل. (1/11)
صفحة 12
وبيّن أن ذلك ليس ببدعة، فلئن كان خُلِق بغير أب فآدم عليه السلام خُلق من غير أبٍ ومن غير أم، يقول الله تعالى: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون "، فعيسى عليه السلام خُلق كما خُلق آدم عليه السلام من غير أن يكون خلقه بطريقةٍ طبيعية بتلاقي الخليتين: الخلية الذكرية والخلية الأنثوية، وإنما كان بمجرد كلمة " كن "، فهو مشابهٌ لآدم من حيث الحيثية، أما من حيث كونه حملته أمه ووضعته أمه فهو يختلف عن آدم في ذلك.
والله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه أن عيسى عليه السلام تنصل وتبرأ مما نسبه إليه هؤلاء الذين ألصقوا به من الصفات ما لا يليق بالبشر، فالله سبحانه وتعالى يقول: " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما نفسي ولا أعلم ما نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن يعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيءٍ شهيد * "، فقد تبرأ من ذلك وبيّن أنه ما قال لهم إلا " اعبدوا الله ربي وربكم "، وأنه ليس له الحق أن يدعي ذلك، وأنه لو كان قال ذلك لعلمه الله تعالى، فإنه يعلم ما في طوايا نفسه وما في خفايا ضميره، بينما هو لا يعلم من علم الله شيئاً إلا ما علمه سبحانه وتعالى، وهذا مما يدل أيضاً على أنه عبدٌ، فمن كان لا يحيط بكل شيٍ علماً إنما هو متصفٌ بصفات العبودية وليس متصفاً بصفات الربوبية إذ الربوبية تقتضي الإحاطة بكل شيءٍ علماً. (1/12)
صفحة 13
والله سبحانه وتعالى أقام الحجة في كتابه على أهل الكتاب الذي غلوا في المسيح عليه السلام، فقال لهم : " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قومٍ قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل "، وقال: " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرٌ لكم إنما الله إلهٌ واحد "؛ نجد أن الله سبحانه وتعالى خاطب أهل الكتاب بما يدحض ما كانوا يزعمونه من أن المسيح عليه السلام هو ابنٌ لله سبحانه وأن الله ثالث ثلاثة وينهاهم عن الغلو..قبل كل شيء ينهاهم عن الغلو في الدين ويأمرهم أن لا يقولوا على الله إلا الحق ويبين أن المسيح عليه السلام إنما هو رسولٌ من عند الله، فهو جاء ليبلغ رسالة الله كما جاء من قبله من الرسل بتليغ رسالة الله، وأنه كلمةٌ من الله ورحٌ منه، ويأمرهم أن يؤمنوا برسله الإيمان الصحيح الذي لا يرفع هؤلاء المرسلين إلى درجات الألوهية، فإن المرسلين إنما هم عبادٌ لله وإن تميزوا بما تميزوا به من رجحان العقل وصفاء النفس وطهارة السريرة وقوة البصيرة ونفاذ العقل، إلا أنهم لا يتعدون طور العبودية ولا يتصفون بشيءٍ من صفات الألوهية. يأمر الله سبحانه وتعالى أهل الكتاب أن يلتزموا المنهج الصحيح وأن لا يقولوا على الله إلا الحق، فالمسيح بن مريم إنما هو رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، كلمة " كن " التي وُجد بسببها وكان ذلك بما شاء الله سبحانه وتعالى أن يكون من نفخ رسول الله الذي جاء إلى مريم وهو روحٌ منه سبحانه وتعالى أرسله رسولاً إلى مريم من أجل أن ينفخ فيها حتى تحمل بعيسى عليه السلام كما أراد الله تبارك وتعالى. (1/13)
صفحة 14
فإذن يتبين من ذلك كله أن ما جاء به القرآن الكريم من الاعتقاد الصحيح في عيسى عليه السلام إنما هو القول الحق وهو القول الوسط فهو لم يحط من قدره وقدر أمه حتى يجعله زنيماً ويجعل أمه بغياً كما قالت اليهود، وهو أيضاً لم يرفع قدره إلى مرتبة الربوبية أو لم يصفه أنه ابنٌ لله كما زعم أولئك الزاعمون. على أن الإنسان العاقل عندما ينظر في هذه المزاعم يجد أن هذه المزاعم انتقلت إلى هذه الديانة التي نُسبت إلى المسيح عليه السلام والمسيح براءُ منها ومن اعتقادها من الوثنيات التي كانت من قبل، وحتى ما يقال من أن ميلاده كان في اليوم الخامس والعشرين (25) من الشهر الثاني عشر (12) في فصل الشتاء قبل أكثر من عشرين عاماً كتاباً يتحدث عن هذه الديانة وما فيها من التناقضات العجيبة وعن ارتباطها بالديانات الوثنية، وقال مؤلف الكتاب بأنه مما ثبت أن البوذيين كانوا يعتقدون في بوذا أيضاً أنه ولد في اليوم الخامس والعشرين من هذا الشهر، وكذلك عقيدة التثليث كانت موجودة عند البوذيين، وكذلك عقيدة الفداء كانت موجودة عند البوذيين، فهذا خليطٌ جاءوا به من هنا وهناك. (1/14)
صفحة 15
وقبل فترةٍ من الزمن، قبل أكثر من عشرين عاماً وبالتحديد في عام 1977م، كتب أحد علماء النصارى العرب اللبنانيين وأدبائهم وصية نشرتها مجلة الرسالة اللبنانية، هذا العالم الأديب هو الشاعر المعروف بالشاعر القروي وكان معروفاً أيضاً بالخوري، قال في وصيته هذه: ( لقد أثبتت المصارد التأريخية أن يسوع المسيح عليه السلام كان يعبد الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، واستمر على ذلك أتباعه إلى نهاية القرن الثالث الميلادي عندما تنصر قسطنطين عاهل الروم، فأدخل في النصرانية بدعة التثليث، ومالأه على ذلك بعض الأساقفة وعلى رأسهم مكاريوس الذي لقب نفسه أرثوذكس – أي مستقيم الرأي -، وقد عارضه سائر الأساقفة وعلى رأسهم آريوس، وعُقدت مجامع للحوار فاز فيها آريوس بالحجة القاطعة والحق اليقين، ولكن السلطة التي هي مصدر البلاء وضعت ثقلها في الميزان فأسكتت صوت الحق وظل الحق يتململ في قيده منتظراً آريوساً جديداً )، ثم يقول: ( وكم أتمنى وأنا الأرثوذكسي المولد أن يكون هذا الآريوس بطريركاً بطلاً ينفي عن ديننا وصمةً ألصقها به غرباء غربيون، وكثيراً ما كان الغرب مصدر بلاءنا الديني والسياسي معاً..)، ثم أتبع ذلك قوله : ( وتصديقاً مني برسالة نبينا العربي وإيماناً مني بمعجزته القرآن أردت أن أكون قدوةً لإخواني أدباء النصرانية فأدخل في دين الله، ولكنني رأيت إصلاح ديننا الأول خيرٌ من الانتقال عنه إلى دين جديد، وكخطوةٍ في هذا السبيل أُعلن عن عزوفي عن أرثوذكسيتي المكاروسية إلى أرثوذكسيتي الآريوسية...) إلى آخر ما جاء في وصيته هذه، وقد كتب هذه الوصية بعدما بلغ من العمر تسعين عاماً. ونجد في كلامه ما يدل: (1/15)
صفحة 16
أولاً أن الديانة النصرانية وعقيدتها الثالوثية إنما هي بعيدة عما جاء به المسيح عليه السلام، وأن المسيح عليه السلام إنما جاء بعقيدة الوحدانية، كان يعبد الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
ثانياً: أن هذه العقيدة – عقيدة التثليث – إنما جاءت من الغرب الوثني عندما تنصّر قسطنطين بعدما كان أباطرة الروم ضد هذه الديانة، ضد ديانة المسيح عليه السلام وما جاء به من الحق من عند الله، حتى أنهم كانوا ينكلون بأتباع هذه الديانة تنكيلاً، ونقل هذا الإمبراطور المتنصر إلى النصرانية مخلفات ديانته الأولى من الوثنية.
ثالثاً: أن أصحاب البصائر من أتباع المسيح عليه السلام عارضوا ما جاء به هذا الحاكم المتنصر وما وافقه عليه الذين مالأوه بسبب طمعهم ورغبتهم فيما عنده من المال، وأن الحجة وضحت للناس عندما عُقدت مجامع للحوار، وكان فيما أحسب المجمع الذي أُلِّه فيه المسيح هو مجمع نيقيّه وهذا المجمع كان على رأس القرن الثالث أو بعد القرن الثالث، هذا يعني أن مدة ثلاث قرون مضت والمسيح عليه السلام لم يُألَّه عند أتباعه. والذين عارضوا، وعلى رأسهم آريوس، فازوا بالحجة القاطعة والحق اليقين إذ أبلجت حجتهم وأفلست حجة أولئك الذين مالأوا من مالأوه من هؤلاء الذين نقلوا إلى هذه الديانة ما كان في دياناتهم الأولى من عقائد الوثنية. (1/16)
صفحة 17
ولكن السلطة قد كانت هي مصدر البلاء لأنها هي التي نقلت هذا المعتقد إليهم وضعت ثقلها في الميزان وأسكتت أصوات أولئك الذين كانوا يعارضون ما جاءوا به من هذا الهراء الوثني وظل الحق يتململ ينتظر من يدافع عنه ومن يبلج حجته، وقد أبلج الله تبارك وتعالى حجة الحق ببعثه عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ليقيم الحجة على الناس، فانتظار آريوس جديد يأتي من أجل أن تنبلج الحجة ومن أجل أن يظهر الحق ومن أجل أن يقوى صوت الإيمان إنما هو انتظارٌ مفروغ منه، فقد سبق الحق ظهوره بمجيء عبد الله ورسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن الكريم عليه حجة قاطعة وآية بينة كما يعترف بذلك هذا الموصي نفسه.
ثم أننا نجد أن في هذه الوصية اعترافاً بأن دين الإسلام هو دين الله، فهو مما قاله: ( وقد كنت أود أن أكون قدوةً لإخواني أدباء النصرانية فأدخل في دين الله )، وهذا ما جعلني أطمع في ذلك الوقت في إسلام هذا الرجل، وقد كنت أود أن أكتب إليه رسالة أدعوه فيها إلى الإيمان والإسلام وأقيم عليه حجة الحق بأنه لا داعي إلى انتظار آريوس بعد مجيء محمدٍ صلى الله عليه وسلم بالحجة القاطعة والحق اليقين الذي تعترف به، ولكن وجدت له بيتاً من الشعر ثبطني عن ذلك وهو أنه يدعو إلى وحدة بين العرب جميعاً مسلمهم وكافرهم من غير أن يلتفتوا إلى الدين وكان مما قاله:
فيا مرحباً بالكفر يجمع بيننا.........وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
فلعل الله أراده أن يكون من حصب جهنم والعياذ بالله.
هذه معالم من الحقائق التي برزت من خلال ما جاء في القرآن الكريم ولا بد من الرجوع إليها من أجل استلهام الحقيقة في هذا الأمر، فالقرآن الكريم هو – كما قلت من قبل – كتاب الله الذي لم تطله يد من أيدي المحرفين المضللين، وقد صانه الله تعالى مما وقع على الكتب السابقة " إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون "، ليكون حجة قائمة إلى أن تقوم الساعة. (1/17)
صفحة 18
وأعتذر إليكم مرة أخرى من هذا الحديث المتناثر الذي ربما لا يربط بين أطرافه رابط، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير، وأهنئكم مرة أخرى بالشهر الكريم داعياً لي ولكم بالتوفيق لصيامه وقيامه، إن الله على كل شيءٍ قدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
انتهت المحاضرة (1/18)