صفحة 1
الكتاب: المعصيةُ وأثرُها الأخروي على عمل الموحّد من خلال آثار الإمام السالمي
المؤلف: مامة بنت قاسم بن حمو بهدِّي / أم سلمة بنت حمودة بن عبد الله لعساكر
مراجعة: مصطفى بن محمد شريفي
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
الطبعة: الأولى
تاريخ الطبع: ربيع الأول 1437هـ / جانفي 2016م
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
[أصل الكتاب بحث مقدم استكمالا لمتطلَّبات التخرُّج، في كلِّية المنار للدراسات الإسلاميَّة، مركز بريان، غرداية، الجزائر أجيز بعد المناقشة بتاريخ:
18 شعبان 1430هـ / 9 أوت 2009م، وبعلامة: 16.66 وتقدير: مشرِّف]
[العدد (5) ضمن سلسلة بحوث الشباب] سلسلة بحوث الشباب (5)
المعصية ُ وأثرُها الأخروي
على عمل الموحّد
من خلال آثار الإمام السالمي (:)
تأليف:
مامة بنت قاسم بن حمو بهدِّي
أم سلمة بنت حمودة بن عبد الله لعساكر
مراجعة:
الدكتور مصطفى بن محمد شريفي
الإيداع القانوني رقم:
6186 - 2015
ردمك ( ISBN):
6 - 10 - 553 - 9931 - 978
الهاتف/فاكس: 213 29 26 22 58 {
Email : ettourath@gmail.com
(
بسم الله الرحمن الرحيم
إهداء الطالبة الأولى
إلى من أرضعتني لبن الإيمان، وعلَّمتني أنَّ الحياة تضحية وصبر وجهاد: أمِّي العزيزة.
إلى من سقاني وأشربني كؤوس العلم والإيمان، وعلَّمني أنَّ الحياة علم وعمل: أبي الحنون.
إلى رفيق الدرب وشريك العمر سندي في الحياة: أبي رحمة.
إلى مهجة روحي وقرَّة عيني وزهرة حياتي: بنيَّتي الغالية رحمة.
إلى جدَّيَّ الكريمين، وجدَّاتي العزيزات، بارك الله في أعمارهم.
إلى إخوتي وأخواتي وأبنائهنَّ، وكلِّ أهلي وأقاربي.
إلى صديقاتي المخلصات اللواتي ساندنني في مسيرة العلم، وأخصُّ بالذكر صديقتي الوفيَّة التي حملت معي أعباء البحث بكلِّ صدق وإخلاص:
أختي مامَّة.
إلى كلِّ من علَّمني حرفا في الحياة، وكلِّ مسلم غيور، فكَّر في تعليم المرأة المسلمة وشجَّع في ذلك. وإلى كلِّ طالب علم ينشد الحقَّ، ويسعى إليه.
إلى كلِّ هؤلاء أهدي هذا الجهد المتواضع.
* أم سلمة *
إهداء الطالبة الثانية
إلى روح أستاذي الأوَّل، الذي علَّمني ببساطته أنَّ الفلاح يكون بالعلم والعمل: أبي العزيز.
إلى نبع المحبَّة والحنان، يا من علَّمتني معنى الصبر والتضحية في سبيل تحقيق الهدف: أمِّي الحنون.
إلى رفيقة دربي وشريكة أفراحي وأحزاني: أختي الغالية مريم.
إلى من ساندني في مشوار الحياة ودرب العلم: إخوتي الأعزَّاء: سعيد، سليمان، حمُّو، إبراهيم، يحيى، محمَّد، عيسى، دمتم لنا عزًّا وفخرا. (1/1)
صفحة 2
إلى من قدَّمن النفيس من وقتهنَّ، وضحَّين من أجل وصولي إلى هذا اليوم، قربانا لله: أزواج إخوتي.
إلى أزهار إخوتي، كلٌّ باسمه، وأخصُّ بالذكر منهم: باية، والبراعم الناعمة عمر الفاروق وهاجر.
إلى أوَّل معلِّم ساعدني في إمساك القلم لأخطَّ أوَّل حرف، ومن واصل مشوار تعليمي من بعده إلى هذا اليوم، وفَّقكم الله وتقبَّل منكم.
إلى من شاركتني لذَّة البحث وتحمَّلت معي مشاقَّه وكانت لي نعم المعين: الأخت الوفيَّة: أمّ سلمة.
إلى من ساندنني في مشوار التعليم خالتيَّ: لالَّة، وعَشُّو، وزميلات التعليم في جمعية ملتقى التنوير، وإلى زميلات الدراسة، وأخصُّ بالذكر منهنَّ: آمنة ب، فاطمة س، خديجة ف، آمنةع، كريمة ب، فاطمة م، زليخاء أ.
إلى كلِّ هؤلاء أهدي ثمرة جهدي. ... * مامة *
شكر وعرفان
بعد أن وصلنا إلى تمام آخر خطوات البحث، لا يسعنا إلاَّ أن ننحني إجلالا وتعظيما للكبير المتعال على ما منَّ به علينا من النّعم، فالحمد لله على ما أنعم، والشكر له على ما أعطى.
واعترافا منَّا بهذه النعم الجليلة، لا بدَّ لنا من تقديم الشكر إلى من كان له الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في إتمام هذا البحث، فنتقدَّم بالشكر الجزيل للأستاذ الفاضل: يوسف بن باعلي تمزغين الذي أشرف على البحث بكلِّ صدق وإخلاص، متتبِّعا الخطوات بكلِّ صبر وأناة. مقدِّما الإرشادات والتوجيهات لتذليل الصعوبات. (1/2)
صفحة 3
كما لا ننسى أن نتقدَّم بجزيل الشكر إلى من ناب المشرف أثناء غيابه، وخصَّص لنا النفيس من وقته، الأستاذ الكريم: سليمان بن يوسف حريزي، على المجهود الذي بذله وعلى النصح الذي قدَّمه، جزاه الله عنَّا كلَّ خير. وإلى كلِّ أستاذ قدَّم لنا يد العون بإرشادٍ أو توجيهٍ، ونخصُّ منهم الأستاذين الكريمين: مصطفى بن محمد شريفي، والأستاذ عيسى بن سليمان أولاد داود، بارك الله فيهم. كما نشكر كلَّ من فتح لنا مكتبته، وكلَّ من سعى جاهدا في توفير المراجع والمصادر لنا، والشكر موصول إلى طاقم كلِّية المنار التي أنارت لنا درب العلم، ويسَّرت لنا طرق البحث والمعرفة، ونخصُّ بالذكر منهم مديرنا الفاضل الأستاذ صالح بن محمَّد علي دبُّوز على المجهود المبذول من قِبَله، وعلى المساعي الحثيثة التي قام بها. وإلى كلِّ من شجَّعنا بالكلمة الطيِّبة وأيَّدنا بالدعاء الصالح، ونخصُّ بالذكر منهم عائلتينا الكريمتين، وزميلات الدراسة.
مقدمة
ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (الكهف 1 - 3) والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، مخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومحرِّرِهم من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، صلوات ربِّي وسلامه عليه.
وبعد:
إنَّ من أجلِّ العلوم قدرا، وأهمِّها مكانة، علم العقائد. إذ هي القلب النابض الذي بصلاحه تصلح الأمم، وبفساده تفسد وتفنى. ولنا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبصرة وذكرى، وفي سحرة فرعون آية أخرى.
من هذا المنطلق أوقدت فكرة البحث في هذا المجال، رغم صعوبته علينا وتخوُّفنا منه. إلا أنَّ رغبتنا الملحَّة للولوج فيه وخوض غماره طغت على تخوُّفنا وتوجُّسنا لما نرى من غياب آثار هذا العنصر الهامِّ في الحياة الواقعيَّة، إلاَّ من رحم ربُّك. (1/3)
صفحة 4
والمتأمل لطبع الإنسان يجده يعيش بين متنازعين: بين فطرته التي تدعوه إلى الاستقامة على منهج الحقِّ، ونفسه الأمَّارة بالسوء التي تهوى ما يزيِّن الشيطان لها، قال الله تعالى: ژ S S ? ? ? ? ? ژ (الشمس 7 - 8)، وهو محاسَب ومجازًى على السبيل الذي يختاره، ژ? ? ? ? ? ? ?ژ (الإنسان 3). ومن رحمته تعالى أن هيَّأ له ما يذكِّره بهذا كلِّه: وحيَهُ المنزَّل على رسله، وكونَهُ المسبِّحُ بحمده، ولا يصل الإنسان إلى إدراك الحقائق؛ إلاَّ بالتفكُّر والتدبُّر والتعلُّم، ووسائل العلم كثيرة، ومن أهمِّها البحث. لذا جاء هذا البحث ليتناول موضوعا فيه من الأهمِّية ما فيه؛ لتعلُّقه بالمصير الأبديِّ لكلِّ امرئ، والذي هو بعنوان: «المعصية وأثرها الأخرويُّ على عمل الموحِّد». وحدِّد بالأثر الأخرويِّ ليخرج منه الأثر الدنيويُّ والأحكام المتعلِّقة به. وخصِّص بالموحِّد ليخرج غيره من المشرك والملحد.
وحفزنا للبحث في هذا الموضوع ما يأتي:
- انتشار المعاصي والمنكرات في واقع الأمَّة الإسلاميَّة في جرأة وتحدٍّ عجيب! -إلاَّ من رحم ربك-.
- اختلاف الآراء في الحقِّ الذي يجب أن لا يتعدَّد.
- غفلة كثير من الناس عمَّا يتعلَّق بمصيرهم الأخرويِّ.
- اهتمام أغلب الدعاة بالقضايا الفقهية والتاريخيَّة وفضائل الأعمال ... الخ وإهمال الجانب العقديِّ، أمام حزم التيارات المعادية وعزمها على هدم العقيدة الإسلامية.
وقد حاول البحث أن يجيب عن الإشكالية الآتية:
إن المتأمل في واقع الأمَّة الإسلاميَّة المنضوية تحت راية التوحيد لَيَقِفُ حائرا مشدوها لما يراه من تفشٍّ للمعاصي، والآثام، وانزلاق في مهاويها، بدل المسارعة إلى الخيرات، والتسابق إلى الطاعات، ورجاء دخول الجنان ونيل الرضوان. فيا ترى هل لتلك المعاصي أثر أخرويٌّ على هذه الأعمال؟
وتتفرع من هذه الإشكالية أسئلة هي كالآتي: (1/4)
صفحة 5
ما مفهوم المعصية؟ وهل المعاصي متفاوتة فيما بينها؟ وهل تقتصر على سلوك المرء فقط، أم حتَّى على اعتقاده؟ وإن كانت المعصية تؤثِّر على العمل فإلى أيِّ مدى؟ وبم تُكفَّر هذه المعاصي؟
ونرمي من خلال الإجابة على هذه الإشكالية إلى ما يأتي:
- السعي إلى تبيين الرؤية الصحيحة فيما يتعلَّق بالمصير الأخرويِّ.
- استشعار مدى خطورة المعصية على المصير الأبديِّ.
ولتحقيق الهدفين لا بدَّ من الرجوع إلى المنبع الصافي، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، للنهل منه: كتاب الله، والسنَّة العطرة، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام لقوله: «تركت فيكم أمرين لن تضلُّوا ما تمسَّكتم بهما: كتاب الله وسنَّة نبيِّه» (1).
ولا ريب أنه قد سبقنا في هذا المجال علماء أجادوا النظر، وثقبوا الفكر، لتكون لهم الرؤية الصحيحة، وليقيموا الحجَّة على الناس، وليمكِّن الله بهم دينه في الأرض. فحريٌّ بنا أن نطَّلع على جهودهم في ذلك، لتتَّسع مداركنا، ويستقيم فهمنا. ولرغبتنا الملحَّة في معرفة الحقِّ، كان البحث في بادئ الأمر واسعا يشمل آراء وأقوال كلِّ العلماء في هذه المسألة. لكن تبيَّن أنَّ ذلك واسع جدًّا، فخصَّصناه في آراء علماء المذهب الإباضي، وبعد استشارة ذوي الاختصاص ظهر لنا أنه من الصعوبة لمبتدئ مثلنا أن يستوفي كلَّ تلك الآراء. واهتدينا بفضل الله وتوجيه الأساتذة إلى حصره في عَلَم من أعلام الإباضيَّة. فوقع اختيارنا على الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي. - عليه شآبيب الرحمة والرضوان - لما له من دور فعَّال في تجديد الفكر الإسلاميِّ، في قرنه الرابع عشر.
__________
(1) مالك بن أنس، الموطأ، تخريج وتعليق وترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي. (ط2، 1413هـ/1993م. دار الحديث القاهرة). كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر، رقم3، ص185. (1/5)
صفحة 6
ولا نزعم أنه لم تسبقنا أيُّ دراسة في هذا الموضوع، فهناك عدَّة دراسات تطرَّقت إلى المسألة وطرحتها في ثنايا البحث، ولم تكن المسألةَ الرئيسيَّة، منها:
- البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية: لفرحات بن علي الجعبيري.
- آراء الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش العقديَّة: لمصطفى بن الناصر وينتن.
- الفكر العقدي عند الإباضيَّة حتَّى نهاية القرن الثالث الهجري: لـ مصطفى بن محمَّد ابن ادريسو.
- دراسات عن الإباضيَّة: لعمرو خليفة النامي.
ودراسات أخرى تناولت المسألة هي:
- الكبيرة: مفهومها وعقوبتها، دراسة مقارنة في الفرق الإسلاميَّة، لمسلَّم بن سالم بن علي الوهيبي. ومع جودة هذه الدراسة إلاَّ أنها تناولت جانب الحكم الدنيويِّ والأخرويِّ لمرتكب الكبيرة دون الاهتمام بأثرها.
- العلاج الربَّانيُّ للمعصية: صالح بن بكير سيوسيو وآخرون. ومع أهمية هذه الدراسة، واحتوائها على أغلب النقاط التي تناولها البحث إلاَّ أنها لم تتطرَّق إلى أقسام المعصية ومجالاتها، ولم تورد أقوال العلماء واستدلالاتهم، ولا الأحاديث النبويَّة.
- الإصرار وأثره على العمل: مقال للدكتور مصطفى بن الناصر وينتن، أمَّا هذه الدراسة فقد اهتمَّت بقضيَّة الإصرار أكثر من المعصية ومفهومها، ثمَّ إنها لم تفرِّق بين الكبيرة والصغيرة في مسألة الإصرار.
وأمَّا الدراسات عن فكر الإمام السالمي، فإنَّ أغلب الدراسات كانت تاريخيَّة وسياسيَّة واجتماعيَّة ... وأمَّا الجانب العقديُّ فعلى حسب اطلاعنا لم يهتمَّ به ما عدا مبارك بن سيف الهاشمي في أطروحة بعنوان: الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيَّات. إلاَّ أنَّ هذه الدراسة كانت عامَّة بالنسبة لموضوعنا. (1/6)
صفحة 7
وقد أتى هذا البحث ليبرز مفهوم المعصية، ومجالاتها، وأحوال العاصي أثناء ارتكابه لها، وخطورة أثرها الأخرويِّ على عمل الموحِّد، من جهة، ومن جهة أخرى إبراز فكر السالميِّ في هذه المسألة، تنبيها للغافلين وتذكرة للمتَّقين.
وللوصول إلى حقيقة هذا الأثر تتبَّعنا المنهج الوصفيَّ الاستقرائيَّ، قدر المستطاع، للإلمام بأقوال الإمام وآرائه، واستدلالاته، ومناقشته لبعض الآراء وعرضها.
ولعرض ذلك قسَّمنا هيكل البحث إلى فصلين وخاتمة، مصدَّرًا بنبذة عن الإمام السالمي.
الفصل الأوَّل: كان بعنوان: المعصية، تعريفها وأقسامها، ويتفرَّع منه مدخل ضمَّنَّاه تعريف المعصية، ومبحثين: الأول يتناول أقسام المعصية باعتبار فحشها: صغيرة أو كبيرة، كما يتناول أيضا تقسيم المعصية باعتبار مجالها ظاهرة وباطنة، والمبحث الثاني تحدث عن أحوال المرء حين مقارفته للمعصية وأحكامها؛ لأن المرء حين اقترافه للمعصية قد يكون جاهلا بها، أو عالما إياها، أو مكرها عليها ... الخ.
الفصل الثاني بعنوان: الأثر الأخرويُّ للمعصية على عمل الموحِّد، يضمُّ مدخلا وثلاثة مباحث. احتوى المدخل: على توضيح لمفهوم الموحِّد والأثر الأخرويِّ، والمبحث الأوَّل: تناول حكم المعصية وأثرها. والمبحث الثاني: عرضنا فيه مناقشة السالميِّ لبعض الآراء في المسألة. والمبحث الأخير: تحدَّث عن أثر التوبة من المعصية على العمل، وبيَّن شروط التوبة وأركانها. وجاءت الخاتمة لتعرض أهمَّ نتائج البحث.
وأمَّا عن مصادر البحث، فقد اعتمدنا على مؤلَّفات الإمام السالميِّ؛ لأنَّ البحث منحصر في آرائه، واعتمدنا أساسا على مصدري: مشارق أنوار العقول، وبهجة الأنوار، إذ يعتبران أساس ما ألَّفه الإمام في أصول الدين. ومراجع أخرى مساعدة.
كما لا يخلو البحث من صعوبات اعترضتنا أثناء الطريق وأهمها:
- عدم توفُّر كلِّ ما كتبه الإمام بين أيدينا، ولاسيما الرسائل والمخطوطات. (1/7)
صفحة 8
- وجود بعض الغموض في بعض النصوص، ولاسيما ما يتعلَّق بالضمائر إذ يُشكِل علينا أحيانا إلى ماذا تعود. فنخاف أن ننسب قولا إلى الإمام وهو ليس له. كما وجدنا إبهاما في بعض العبارات ولا ندري أسَقْطٌ وقع فيها، أم خطأ مطبعيٌّ أم غيرهما.
وفي الأخير إن أصبنا فبتوفيق من الله وعون منه، وإن أخطأنا فحسبنا أننا اجتهدنا، واللهَ نسأل التيسير والسداد في درب العلم والمعرفة.
ژ ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ (سورة هود: 88)
تمهيد: نبذة عن الإمام السالمي
• أ) اسمه ولقبه وكنيته:
هو عبد الله بن حميد بن سلوم بن خلفان بن خميس السالمي، لُقِّب بألقاب عديدة أشهرها: نور الدين. وتذكر المصادر أنَّ أول من أطلق عليه هذا اللقب هو قطب الأئمَّة: الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش. كما أطلق السالميُّ لقب القطب على الشيخ اطفيَّش. أمَّا كنيته فيكنَّى بأبي محمَّد نسبةً إلى أكبر أولاده. وله كنية أخرى هي أبو شيبة، وشيبة هو اسم ثان لابنه محمَّد. ولم تشتهر هذه الكنية الأخيرة (1).
• ب) مولده ونشأته:
__________
(1) ينظر: مصطفى بن محمد شريفي، الشيخ نور الدين السالمي حياته وآثاره، ومواقفه الإصلاحيَّة، والسياسيَّة. (رسالة ماجستير، كلية أصول الدين، الخروبة، جامعة الجزائر، 1421هـ-1422هـ/2000م-2001م)، ص58 - 60. السالمي عبد الله بن حميد: معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، تحقيق: الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز، وآخرون. (ط1، 2008م، دار الراشد، بيروت، لبنان)، ج1، ص11. (1/8)
صفحة 9
ولد الإمام السالمي في بلدة الحوقين بمدينة الرستاق بعمان. واختلفت الروايات في تحديد تاريخ ولادته. ورجَّح بعضهم سنة 1284هـ/1867م، وكانت أسرته في بداية نشأته ميسورة الحال. لكن دوام الحال من المحال، فقد نشبت فتنة في بلدته، أدَّت إلى سيطرة إحدى القبائل عليها، وسلبت أملاك العائلة وأموالها، ممَّا جعلهم يخرجون منها إلى الرستاق هروبا من الفتنة، تاركين أموالهم وراءهم للمعتدي، وانقلب حالهم من اليسر إلى العسر.
ورغم قساوة تلك الظروف فإنَّها لم تؤثِّر على أخلاقه، حيث نشأ نشأة سويَّة، في بيئة طاهرة عفيفة، متَّسمة بالنقاء والصفاء، وشاءت أقدار المولى أن يمحِّص هذا الفتى منذ صغره، فابتلي بفقد أمِّه وهو صغير، وخلَّفته هو وأخته وراءها، وتولَّى الوالد الحاني رعايتهما، فهو الذي يتَّسع صدره عند الشدائد إذ كان ذا شخصية قويَّة، متحلِّيا بالأخلاق الكريمة، والسلوك القويم.
من هذا النبع الصافي نهل النور السالميُّ تلك الخصال والصفات الحميدة، وبعد أن ابتلي بفقدان أمِّه هاهو يُبتلَى بفقد بصره في الثانية عشرة من عمره، وقد عوَّضه الله عن ذلك ذكاء حادًّا، وفهما ثاقبا، وحافظة قوَّية (1).
• ج) مسيرته العلمية:
بدأ الإمام السالميُّ مشواره العلميَّ على يد والده (2)، حيث كان يحفِّظه القرآن، وذلك في بلدة الحوقين، ورغم صفاته الخارقة التي تؤهِّله لطلب العلوم الأخرى، إلاَّ أنه رغب عن ذلك، رغم محاولة أبيه لإلحاقه بالحلقات العلميَّة آنذاك.
__________
(1) ينظر: شريفي، المرجع السابق، ص62، 63، 66، 67. د/ مبارك بن سيف بن سعيد الهاشمي: الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيات، (د. ط، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عمان)، ص61.
(2) هو حميد بن سلوم السالمي، كانت له مدرسة لتحفيظ القرآن بالحوقين، ثمَّ رحل إلى الخبة ثمَّ الرستاق، وتوفي في الرابع من محرَّم سنة 1316هـ/ 1898م. ينظر: شريفي، المرجع السابق، ص88 - 89. (1/9)
صفحة 10
وبعد هجرة أسرته إلى الرستاق أعاد الوالد محاولة ترغيب ابنه في طلب العلم، فصادف الطلب رغبة الابن في ذلك لعوامل منها:
- رؤيته لشغف أبناء الرستاق بطلب العلم.
- ازدهار المدينة بفطاحل العلماء.
وكان ذلك دافعا له للالتحاق بحلقات العلم. ولضرورة التعلُّم طلب الابن من والده توفير كتاب الآجرُّومية في النحو، لكنَّ الوالد لم يتمكَّن من تلبية الطلب في حينه للحالة المادِّيَّة التي وصلوا إليها. وبعد أن توفَّر لديه المبلغ لبَّى طلب ابنه، ومن المفارقات العجيبة أنه لما كان في رغد العيش ويسر الحال عزف عن العلم. ولما عسر حاله وضاق عيشه تولَّدت رغبته للعلم وتأجَّجت في داخله؛ فسبحان مغيِّر الأحوال! (1/10)
صفحة 11
رغم كلِّ ذلك واظب الإمام (1) في حضور الحلقات، وكان الشيخ راشد بن سيف اللمكي (2) من أوائل شيوخه، وهو من كبار علماء الرستاق، وكانت له حلقة علم في مسجد قصرى، ولم يكتف الإمام بهذا الشيخ فقط، بل كان ينتقل من حلقة إلى أخرى لشيوخ آخرين منهم: الشيخ عبد الله بن محمَّد الهاشمي (3)، وماجد بن خميس العبري (4).
__________
(1) ملاحظة: مهما وجدت أيها القارئ لفظة الإمام أو الناظم فالمقصود به هو الإمام السالمي.
(2) هو الشيخ راشد بن سيف بن سعيد اللمكي، ولد سنة 1262هـ بمحلَّة قصرى من الرستاق، كان عالما ومعلِّما ومفتيا ومؤلِّفا ورئيسا للقضاة. توفي سنة1333هـ بالرستاق. ينظر: أبو بشير محمَّد شيبة بن نور الدين عبد الله بن حميد السالمي: نهضة عمان بحرية أهل عمان، مطابع دار الكتاب العربي بمصر محمد حلمي المنياوي، القاهرة.
(3) هو عبد الله بن محمَّد الهاشمي حيث يُعتبر من أفاضل شيوخ السالمي، كان واليا وقاضيا ومعلِّما ومتعلِّما. وقد اهتم هذا الشيخ بالسالمي اهتماما بالغا تربية وتعليما. وكانت وفاته بين سنة 1300هـ/1883م وسنة 1308هـ/1891م. فالمصادر شحيحة عن شخصية هذا الشيخ كما أشار إلى ذلك شريفي في رسالته. ينظر: شريفي، مرجع سابق. ص90 - 91.
(4) ولد الشيخ ماجد بن خميس العبري رحمه الله في شهر رجب سنة 1252هـ وقيل: 1254هـ ببلد الحمراء من كدم، كان من أكبر فقهاء عُمان في زمانه. اشتغل في غالب حياته واعظا ومدرِّسا، قاضيا ومفتيا. توفي في فجر يوم 24 محرَّم سنة 1346هـ ببلد الحمراء. ينظر: أبو بشير: نهضة الأعيان، ص71 - 73. (1/11)
صفحة 12
وبذلك نبغ في علم المنقول والمعقول. واشتهر أمره بكثرة طلب العلم، حتَّى أصبح يلاحق شيوخه في كلِّ الأوقات وفي كلِّ مكان. وشهد له شيوخه بالنبوغ والذكاء والفطنة، وكان محلَّ إعجابهم، وذا مكانة عالية في قلوبهم، ما جعلهم يتفرَّسون فيه الشأن العظيم في مستقبل أيامه (1). ومن ذلك ما حدث في إحدى حلقات شيخه اللمكي، حيث صادف مرَّة حضور أحد المشايخ إلى الحلقة، وكان الإمام السالمي موجودا فيها، فجلس الشيخ على باب المسجد يتفقَّد أحوال الطلاَّب، فلاحظه الشيخ اللمكي، وبعد فترة سأله عن سبب وقوفه عند الباب فقال: «وقفت أتفرَّس في طلابك أيُّهم يكون له شأن، فقال له: ومن وجدت في ذلك؟ قال له الشيخ: ذاك الغمش، ويعني بذاك الإمام السالمي؛ لأنه كان في عينيه ضعف. فقال له: وكيف عرفت ذلك؟ قال: رأيت الطلاَّب كلَّما تغافلت عنهم ينصرفون إلى شؤونهم، وهذا لا يفارق كتابه. فقال له الشيخ: وقع اختيارك على من توقَّعته أنا» (2). وهكذا سار في مشواره العلميِّ، إلى أن ارتقى إلى العلا، وشارك شيوخه في التأليف والتعليم.
__________
(1) ينظر: الهاشمي، الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيَّات، ص61، 63.
(2) الهاشمي: مرجع سابق، ص64 - 65. أخذا من مقابلة مع الشيخ عبد الله ابن الإمام سالم الخروصي. (1/12)
صفحة 13
وفي سنة 1306هـ/1888م، خرج إلى نزوى ليواصل السير في دربه العلميِّ، وتعلَّم على يد الشيخ محمد بن خميس السيفي (1)، ثم سار إلى الفيقين بمنح، فتعلَّم هناك على يد الشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي (2). ومضى النور السالمي عازما مُقْدِمًا على التعلُّم والتفقُّه في الدين، لا يثنيه عن عزمه ذلك شيء، إلى أن وصل إلى الشيخ صالح بن علي الحارثي (3)، هذا الذي سيكون له أثر كبير في شخصيَّة الإمام، واستقرَّ المقام به بجانب شيخه بالشرقيَّة، فكانت هذه المرحلة بالنسبة له هي بمنزلة الانتقال من النظريِّ إلى التطبيقيِّ (4).
__________
(1) ولد الشيخ محمَّد بن خميس بن محمَّد السيفي سنة 1241هـ/1826م كان عليه مدار القضاء بنزوى، ولديه مؤلفات. توفي سنة 1333هـ/1915م بعد أن كفَّ بصره. ينظر: شريفي، الشيخ السالمي حياته وآثاره، ص92 - 93.
(2) السالمي، معارج الآمال، ج1، ص15. الشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي عالم جليل من كبار علماء أهل زمانه، والمصادر شحيحة عن شخصية هذا العالم. ينظر: شريفي: المرجع السابق، ص93 - 94،
(3) هو الشيخ صالح بن علي بن ناصر الحارثي ولد بالقابل سنة 1250هـ. كان أعلم أهل زمانه بالحلال والحرام. متواضعا للحقِّ، يقظا حازما، كثير الشفقة والرحمة على الضعفاء والأرامل، مجاهدا للبغاة والجبابرة، وله مؤلَّفات. وأصيب في إحدى الغزوات سنة 1341هـ، فكانت سببا في وفاته. ينظر: أبو بشير: نهضة الأعيان، ص 71 - 73.
(4) ينظر: الهاشمي، مرجع سابق، ص67. (1/13)
صفحة 14
في هذه المرحلة ساند الإمامُ أستاذه عليَّ بن صالح الحارثي في التدريس، وأقاما مدرسة علميَّة، تدرِّس شتَّى العلوم، منها: اللغة، والتفسير، والحديث، والفقه وأصوله، والعقيدة والكلام. ومع اهتمامه بتعليم الأجيال اهتمَّ أيضا بالتأليف، فصنَّف مصنَّفات عديدة وفي شتَّى المجالات، وكلُّ ذلك كان بتشجيع من شيخه. وفي أوج نشاطهما ابتُلي السالمي بفقد شيخه الحارثي سنة 1314هـ، فعظم هذا المصاب في نفسيَّة الإمام، لكن رغم ذلك لم يتراجع إلى الوراء، بل تقدَّم لحمل مشعل العلم بعد شيخه، فأصبحت مسؤوليَّة التدريس والفتوى منوطة بعاتقه، وازدادت مدرسته شهرة، وذاع صيتها في الآفاق.
ومن الرحلات المهمَّة في مسيرة الإمام، رحلته إلى الحجِّ في سنة 1323هـ، أدَّى فيها فريضة الحجِّ، وقابل خلالها علماء أجلاَّء، وحدثت بينهم مناظرات ومداولات، كما اغتنم فرصة وجوده هناك لاقتناء كتب المذاهب الأخرى للاطلاع عليها، وبعد رجوعه ازداد نشاطا وقوَّة في التأليف والتحصيل العلميِّ، وهمَّة في نشر العلم الصالح (1).
• د) مسيرته العَمَليَّة:
__________
(1) السالمي: المعارج، ج1، ص16. (1/14)
صفحة 15
ولم يكن همُّ الإمام منحصرًا في التأليف والتدريس فقط، بل تعدَّى ذلك إلى مشاركته السياسيَّة والاجتماعيَّة، لإصلاح أحوال أمَّته ورفع مستواها الفكريِّ والدينيِّ، حتَّى تدفع الضرَّ عن نفسها وتحقِّق المنفعة. ومن ذلك سعيه إلى توحيد الأمَّة تحت إمام واحد يرجع إليه المسلمون، فكان يقوم بمراسلات ومقابلات مع أعيان البلدة وأمراء البلاد، يبيِّن لهم هدفه المنشود في الإصلاح، وكانت الاستجابة منهم ضعيفة في بادئ الأمر، ومن ثَمَّ بدأ يكتب قصائد يوقد بها همم الناس، ويستنهضهم ويلفت نظرهم إلى ما فيه صلاح الدين والدنيا، بخطابات مؤثِّرة بليغة، يخاطب فيها كلَّ طبقات المجتمع، فلم تكن دعوته مقصورة على فئة دون أخرى، كان يخاطب السلطان، ويحثُّه على إقامة العدل، وجمع الشمل تحت راية واحدة، ويشيد بأمجاد أسلافه، ويحثه على مشاورة أهل العلم والدين.
وبعد جهود مضنية، ومشاقّ صعبة، وصبر طويل، أتى نصر الله باستجابة الناس له، من علماء وغيرهم، ولبَّوا النداء باختيار زعيم بايعوه إماما لهم، وفرحت الأمَّة العمانيَّة بهذا النصر العظيم، وما إن سمعت المدن المجاورة بالخبر حتَّى هبَّت ملبِّية ومعلنة المبايعة، وبعون الله وتوفيق منه تحقَّق للسالمي مراده بعد جهد جهيد (1)؛ فاسمعه يقول: «خشيت معالجة الموت قبل اجتماع العمانيِّين على إمام يجمع شملهم، ويقيم العدل، فلمَّا تمَّ ذلك خشيت معالجة الموت قبل أن يكون لهم مأوى يرجعون إليه، ومركز يأوون إليه، ثمَّ خشيت أن أموت قبل أن أرى الإمام يصلِّي الجمعة بالمسلمين، ثمَّ خشيت أن أموت قبل أن أرى الإمام يقيم حدًّا من الحدود الواجبة، أمَّا الآن فقد كان ذلك كلُّه فالحمد لله على تمام النعمة» (2).
__________
(1) ينظر: الهاشمي، الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيات، ص68 - 79.
(2) الهاشمي، المرجع نفسه، ص80. نقلا من نهضة الأعيان، للشيخ محمد السالمي، ص133. (1/15)
صفحة 16
هكذا كانت جهود الإمام في إصلاح أمَّته وتغيير المنكر، ونشر العلم، إلى آخر لحظات عمره. فقد حدث أن وقع خلاف مع شيخه ماجد بن خميس العبري حول مسألة أوقاف القبور، إذ الإمام يرى أنها لا تصحُّ؛ لأنَّ الناس هجروا قراءة القرآن في المساجد وعمروا به القبور، وأمَّا شيخه فكان يرى أنَّ ما هو وقف يبقى وقفا إلى يوم القيامة، ولا يبطل. فعزم السالميُّ الذهاب إلى شيخه في حمراء العبريِّين، لإقناعه بوجهة نظره حتَّى لا يقع الخلاف ويطول النزاع وتحدث الفرقة، وفي يوم 18 صفر 1332هـ، توجَّه إلى مقابلة شيخه، وفي طريقه صدعه جذع شجرة، فأرداه من فوق ناقته، فسقط على ظهره. ثمَّ حُمل على الأكتاف إلى بلدة تنوف في يوم 26 صفر 1332هـ. ولم يهدأ بال الفقيه المصاب حتَّى رأى شيخه العبريَّ فأقنعه برأيه، فرجع العبريُّ عن تخطئة قول الإمام السالمي، فارتاح بال الإمام بذلك، فمكث مدَّة قليلة، ثم توفي رحمه الله في ليلة الخامس من شهر ربيع الأوَّل عام 1332هـ، الموافق له 21 يناير 1914م. ودفن في بلدة تنوف وقبره معروف بها (1).
وبعد هذا المشوار العظيم وما فيه من الأعمال الجليلة توفِّي -رحمه الله- عن عمر يناهز الثامنة والأربعين، وترك بعده ثروة علميَّة عظيمة تزخر بها الأمَّة، وعلماء أجلاَّء تخرَّجوا في مدرسته، وحملوا بعده لواء العلم والإصلاح.
ومن أهم مؤلَّفاته ما يأتي:
1) بلوغ الأمل في شرح المفردات والجمل، منظومة في النحو، تربو على 300 بيت، ألَّفها سنة1301هـ.
2) غاية المراد في علم الاعتقاد، قصيدة لامية تتكوَّن من 76 بيتا.
3) أنوار العقول، منظومة في علم الاعتقاد، تربو على 300 بيت، أنشأها سنة 1312هـ. وقام بشرحها مرَّتين: الشرح الأوَّل مختصر سمَّاه: «بهجة الأنوار» بدأ به أوَّلا، ثمَّ نقَّحه سنة 1314هـ، والثاني مطوَّل سماه: «مشارق أنوار العقول»، فرغ منه سنة 1313هـ،
__________
(1) ينظر: السالمي، معارج الآمال، ج1، ص16 - 17. (1/16)
صفحة 17
4) شمس الأصول، منظومة في أصول الفقه تربو على ألف بيت، وضعها في حدود سنة 1314هـ. ثمَّ شرحها شرحا متوسِّطا سمَّاه: «طلعة الشمس»، في السنة نفسها.
5) مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، منظومة مطوَّلة في الفقه، تربو على ألفي بيت، أنشأها سنة 1316هـ، ثمَّ شرحها شرحا موسَّعا سمَّاه: «معارج الآمال على مدارج الكمال»، ابتدأ شرحها سنة 1319هـ، ووافته المنيَّة قبل إتمامها.
6) فاتح العروض والقوافي، منظومة متوسِّطة في علمي العروض والقوافي، أنشأها سنة 1321هـ، ثمَّ شرحها وسمَّى شرحه: «المنهل الصافي على فاتح العروض والقوافي».
7) حلُّ المشكلات: أجوبة على أسئلة لتلميذه أبي زيد الريامي، شرع فيه أواخر سنة 1321هـ.
8) اللمعة المرضية من أشعَّة الإباضيَّة، رسالة صغيرة في التعريف بالمذهب، حرَّرها سنة 1323هـ.
9) شرح مسند الربيع بن حبيب، بدأ فيه سنة 1324هـ، وأكمله سنة 1326هـ.
10) بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود. فرغ منه سنة 1328هـ.
11) تحفة الأعيان في تاريخ عمان، فرغ منه مطلع سنة 1331هـ.
12) جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام. أرجوزة واسعة في العقيدة والفقه والآداب، تربو على 14 ألف بيت، شرع في نظمها في رحلة الحجِّ سنة 1323هـ، وأتمَّها سنة 1329هـ.
فهذه بعض مؤلَّفات الإمام، والمتأمِّل فيها يجد أنَّ السالميَّ كان بحرا من العلوم والمعرفة،
ومن بين تلاميذه:
الإمام سالم بن راشد الخروصي، الإمام محمَّد بن عبد الله الخليلي، الشيخ عامر بن خميس المالكي، الشيخ أبو زيد عبد الله بن محَمَّد بن رزيق الريامي، الشيخ ناصر بن راشد الخروصي، الشيخ حمد بن عبيد السليمي، الشيخ عيسى بن صالح بن علي الحارثي، الشيخ أبو الخير عبد الله بن غابش النوفلي، الشيخ سيف بن حمد الأغبري، وغيرهم كثير ... (1).
الفصل الأول
المعصية
تعريفها، أقسامها، أحكامها
الفصل الأول:
__________
(1) ينظر مؤلفاته وتلاميذه: السالمي، المعارج، ج1، ص18 - 23. (1/17)
صفحة 18
المعصية، تعريفها، أقسامها، أحكامها
• المبحث الأول: أقسام المعصية:
المطلب الأول: أقسام المعصية باعتبار فحشها: كبائر، صغائر.
المطلب الثاني: أقسام المعصية باعتبار مجالها: ظاهرية، باطنية.
• المبحث الثاني: أحوال المرء حين مقار فته للمعصية.
المطلب الأول: المعصية بعلم.
المطلب الثاني: المعصية عن خطأ.
المطلب الثالث: المعصية بجهل.
المطلب الرابع: المعصية عن إكراه.
المطلب الخامس: المعصية عن نسيان.
المطلب السادس: الوسوسة وحديث النفس.
الفصل الأول:
المعصية تعريفها وأقسامها
أطلق القرآن الكريم مصطلحات عديدة تدلُّ على الخروج عن طاعة الله عزَّ وجلَّ. أهمُّها: المعصية، السيِّئة، الذنب، الإثم، الخطيئة، الفاحشة، الظلم، الفسق، الكفر، وما إلى ذلك. وبما أنَّ موضوع البحث هو المعصية، فسيتناول هذا الفصل ما يلي:
- مدخل: يشمل التعريف اللغويَّ والتعريف الاصطلاحيَّ للمعصية.
- المبحث الأول: أقسام المعصية.
- المبحث الثاني: أحوال المرء حين مقارفته للمعصية وأحكامها.
مدخل:
التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي للمعصية
• أ) تعريف المعصية لغة: (1/18)
صفحة 19
«يقال: عصى وهو عاصٍ، والجمع عُصاة وعَاصون. والعَاصِي: الفصيل إذا عصى أمه في اتِّباعها» (1). وجاء في تاج العروس: «لفظة العِصيان بالكسر خلاف الطاعة يقال: عصاه يعصيه عَصْيًا (بالفتح) وعصيانا ومعصية؛ فهو عاص: خرج عن طاعته، وعصى العبدُ ربَّه: خالف أمره. وعصي: لم يطعه ... واستعصى على أميره امتنع عليه ولم يطعه» (2).
ومما يلاحظ من هذا التعريف أنَّ المعصية تشمل عدَّة معانٍ، وهي: مخالفة الأمر، الخروج عن الطاعة، الامتناع عن الامتثال، عدم الاتِّباع. وقد أجملها الإمام في قوله: «العصيان بحسب اللغة هو المخالفة لمطلق الأمر، لا المخالفة للأمر التكليفيِّ خاصَّة، يرشدك إليه قول عمرو بن العاص لمعاوية: أمرتك أمرا جازما فعصيتني» (3).
• ب) تعريف المعصية اصطلاحا:
__________
(1) ابن فارس أبو الحسين أحمد، معجم مقاييس اللغة، وضع حواشيه: إبراهيم شمس الدين. (ط1، 1420هـ/1999م. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان). ج2، ص274 - 275.
(2) الزبيدي محمد مرتضى، تاج العروس، (د. ت، منشورات مكتبة الحياة، بيروت، لبنان).، ج 10، ص245. ينظر ابن منظور أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، (ط4، 2005م؛ دار صادر، بيروت، لبنان). مج15، ص63. ابن فارس، المرجع نفسه، ج2، ص275.
(3) السالمي أبو محمد عبد الله بن حميد، مشارق أنوار العقول، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة (ط1، 1409هـ/1989م، دار الجيل، بيروت، لبنان).، ج1، ص141 - 142. (1/19)
صفحة 20
قال الإمام في مشارقه: «والذنب والمعصية كلاهما اسم لفعل محرَّم يقع المرء عليه عن قصد فعل الحرام، بخلاف الزلَّة، فإنَّه اسم لفعل محرَّم يقع المرء عليه عن قصد فعل الحلال، يقال زلَّ الرجل في الطين، إذا لم يوجد منه قصد الوقوع، ولا إلى الثبات بعده. ولكن وجد القصد إلى المشي في الطريق، كما وجد في الزلَّة قصد الفعل لا قصد العصيان، وإنَّما يعاقَب لتقصيرٍ منه كما يعاتَب من زلَّ في الطين، وقد تسمَّى الزلَّة معصية مجازا. ويستعمل الذنب فيما يكون بين العبد وربِّه وفيما يكون بين إنسان وإنسان وغيره». ومن خلال هذا التعريف الذي أورده الإمام يلاحظ أنَّ لفظة الذنب جُعلت مرادفة للمعصية. وقد عرَّف الإمامُ الذنبَ أثناء تعريفه للإثم فقال: «الإثم وهو الذنب الذي يستحقُّ العقوبة عليه، ولا يصحُّ أن يوصف به إلاَّ المحرَّم، سواء أريد به العقاب أو ما يستحقُّ به من الذنوب». ثمَّ فرَّق بين الذنب والإثم فقال: «الذنب مطلق الجرم أكان عمدا أم سهوا، بخلاف الإثم فإنَّه ما يستحقُّ فاعله العقاب فيختصُّ بما يكون عمدا. ويسمَّى الذنب تبعة باعتبار ذَنَب الشيء، كما أنَّ العقوبة باعتبار ما يحصل من عاقبته ... » (1).
من خلال ما جاء في اللغة والاصطلاح لمفهوم المعصية وتوضيح هذه المفردات، يتبيَّن أنَّ المعصية هي الخروج عن طاعة الله بمخالفة أوامره، والامتناع عن الاتِّباع، فمَن فَعَلَ المحرَّم لا يكون إلاَّ مخالفا لأمر الله، والعبد لا يستحقُّ العقوبة إلاَّ إن خالف الأوامر أو امتنع عن الطاعة والامتثال. ولا يأتي ذلك إلاَّ بفعل المنهيَّات وترك الواجبات (2)، وكلُّ هذا محرَّم.
} - - {
الفصل الأول
المعصية تعريفها، أقسامها، أحكامها
المبحث الأول
أقسام المعصية
__________
(1) السالمي، المشارق، ج1، ص140 - 141.
(2) ملاحظة: ربما يتبادر إلى الذهن أن من ترك السنن لايعتبر عاصيا. وهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل. ولم نتطرق إليها خوفا من الإطالة. (1/20)
صفحة 21
المبحث الأول:
أقسام المعصية
بعد توضيح مفهوم المعصية، نتساءل: هل المعاصي كلُّها على درجة واحدة، أم هناك تفاوت فيما بينها؟ وما هي مجالات المعصية؟ هل تقتصر على سلوك المرء فقط، أم حتَّى على اعتقاده؟ هذا ما سيحاول المبحث الإجابة عنه من خلال مطلبين. وتندرج عناصر تحت كلٍّ منهما.
• المطلب الأول: أقسام المعصية باعتبار فحشها: كبائر صغائر:
ذهب كثير من العلماء إلى أنَّ المعاصي متفاوتة، منها ما هو صغير وما هو كبير. في حين يرى البعض الآخر أنَّ المعاصي كلَّها كبيرة، وليس فيما يُعصى به الله صغير، إذ النظر إلى كِبَر من عُصيَ، لا إلى صِغَر الذنب، واستند كلٌّ منهم إلى أدلَّة، وأمَّا ما اختاره الإمام فهو القول الأوَّل حيث قال:
والذنب قسمان كبير وجبا به حد والباري منه غضبا
فأوجب اللعن عليه أو سخط أو قبح الرسول من به سقط
وعكسه الصغير مثل الكذب إن خف والرقص ومثل اللعب (1)
وسنورد الأدلَّة التي اعتمدها في رأيه هذا.
1) الأدلة التي اعتمدها السالميُّ في تقسيم المعصية إلى كبيرة وصغيرة:
أ- قول الله تعالى: ژگ گ گ گ ? ? ? ... ? ? ? ? ?ژ (النساء: 31)، على أنَّ السيِّئات المكفَّرة المقصودة من الآية هي الصغائر (2).
ب- قول الله تعالى: ژ? ں ں ? ? ? ??ژ (النجم: 32)، وأمَّا اللمم ففسَّره أنَّه ما عدا الكبائر من الإثم والفواحش (3).
__________
(1) السالمي أبو محمد عبد الله بن حميد، بهجة الأنوار، (ط2، 1411هـ/1991م، مكتبة الاستقامة).، ص16.
(2) ينظر: السالمي، معارج الآمال، ج1، ص574.
(3) ينظر: السالمي، المصدر نفسه. (1/21)
صفحة 22
وأمَّا ما روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما من قوله: «كلُّ معصية يُعصى الله بها كبيرة»، فقد علَّل السالمي هذا القول بما يأتي: «أنَّ هذا الإنكار منه رضي الله عنه إنَّما إنكار لتسمية الصغيرة صغيرة، لا إنكار لحكمها، فإنَّ حكمها ثابت بنصِّ الكتاب والسنَّة ليس لأحد ردُّه» (1). وقال: «بأنَّ هذا الإنكار من ابن عبَّاس قد يكون استعظاما للذنب فسمَّاها كلَّها كبائر، من غير أن يستلزم نفي حكمها المذكور في القرآن. فقد روي عنه أنه قال: (الكبير ما أعدَّ الله عليه حدًّا أو عقوبة)» (2).
2) تعريف الكبيرة:
الكبيرة هي: «الذنب الذي ثبت لفاعله بسببه حدٌّ في الدنيا، كالسرقة والزنا وشرب الخمر، أو وعيد في الآخرة، وهو ما أشار إليه الناظم بقوله: (والباري منه غضبا)، وذلك مثل: العقوق والربا. ويدخل تحت هذا النوع ما ترتَّب على فاعله بسبب فعله اللعن كالشرك، في قوله تعالى: ژچ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ s s ک ... ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ?ژ (آل عمران: 86 - 87).
وكذا ما اقترن بسَخَطٍ من الله تعالى، فوصفه بأنه كبير أو عظيم، وذلك مثل قوله تعالى: ژ? ? ?? ? ? ? ?? ? چ چ چ چ? ? ? ? ?ژ (النساء: 2)، وقوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ژ (النور: 16)، وكذا يدخل تحت هذا النوع أيضا الذنب الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”قبَّح الله فاعل كذا“، فإنَّ التقبيح ونحوه لا يصدر من الشارع إلاَّ على ما كان كبيرا من الذنوب» (3).
ومن خلال هذا التعريف نستنتج أنَّ للكبيرة ضوابط وهي:
1) ما اقترن بوعيد، مثل: أكل الربا في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ? ?S S S S ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? چ چ چ چ ?? ? ? ?ژ (البقرة: 275).
__________
(1) السالمي، المصدر نفسه، ص143.
(2) ينظر: السالمي، معارج الآمال، ج1، ص 574.
(3) السالمي، بهجة الأنوار، ص142، 143. (1/22)
صفحة 23
2) ما ثبت لفاعله بسببه حدٌّ في الدنيا، مثل: الزنى في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ? ? ?? ? ? S S S S ? ? ? ... ? ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ (النور: 2).
3) ما اقترن بلعنة الله، وذلك مثل: النمص والوصل والوشم، في قوله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله النامصة والمتنمِّصة، والواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والمتفلِّجات للحسن» (1).
4) ما اقترن بغضب الله، كالفرار من الزحف في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ?ژ (الأنفال: 15 - 16).
5) ما وصفه الله تعالى بالكبير، مثل: أكل أموال اليتامى ظلما، وذلك في قوله تعالى: ژ? ? ?? ? ? ? ?? ? چ چ چ چ? ? ? ? ?ژ (النساء: 2)، أو وصفه بالعظيم كالبهتان، وذلك في قوله: ژں ? ? ? ? ... ? ? ہ ہ ہ ہ ... ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ژ (النور: 15 - 16).
6) ما أطلق عليه صلى الله عليه وسلم لفظ قبح.
__________
(1) الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، ترتيب: أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، (ط1، 1388هـ، دار الفتح للطباعة والنشر بيروت. مكتبة الاستقامة، مسقط، عمان)، كتاب الأشربة من الخمر والنبيذ، باب المحرَّمات، رقم: 637، ج2، ص168. (1/23)
صفحة 24
وقد وردت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث تصرِّح بأنَّ بعض المعاصي كبائر، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «الكبائر ثلاثة: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس» (1)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقول الزور». ثمَّ استوفز صلى الله عليه وسلم وقال: «اليمين الغموس، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، وأكل الربا، وأكل أموال اليتامى ظلما» (2). علَّق الإمام على هذه الأحاديث وأمثالها بأنها لم ترد لحصر الكبائر، وإنَّما تمثيلا لها، أو تنبيها على أنَّها أكبر من غيرها (3).
وقد يجد المرء بعض المعاصي لا توجد فيها هذه العلامات، ولكن قد يكون ضررها أكثر من هذه أو مثلها فما حكمها حينئذ؟
للإمام قول حسن في هذا يزيل اللبس وهو «إنَّ ما أشبه الكبيرة أو قاربها من الذنوب فالكبيرة أولى به، وقد أنزله المسلمون بمنزلته، وإذا عذَّب الله قوما على شيء، عذَّب من هو أعظم منه جرما وإن لم يأت فيه بوعيد» (4).
3) أقسام الكبيرة:
قسَّم الإمام الكبيرة إلى قسمين: كفر نعمة، وكفر جحود؛ لأن مرتكب الكبيرة مهما كانت يسمَّى صاحبها كافرا، وإليهما أشار بقوله:
والكفر قسمان: جحود ونِعَمْ وبالنفاق الثاني منهما وُسِم
__________
(1) البخاري أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل، صحيح البخاري، مراجعة وضبط وفهرسة: الشيخ محمَّد علي القطب والشيخ هشام البخاري، (ط2، 1418هـ/1997م، مكتبة العبيكان)، كتاب الأيمان والنذور، باب اليمين، رقم: 6675. ج4، ص2084.
(2) أبو الحسين مسلم بن الحجَّاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، (ط1، 1374هـ/1955م، دار إحياء الكتب العربية)، كتاب الأيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، رقم: 88، ج1، ص91، بلفظ قريب.
(3) ينظر: السالمي: معارج الآمال، ج1، ص574 - 575.
(4) السالمي، المصدر نفسه، ج1، ص 576. (1/24)
صفحة 25
وامنعه في الأوَّل حتما وهو ما لِرَدِّ تنزيلٍ ومُرسَلٍ نَمَا (1)
أمَّا الكبائر التي تتعلَّق بكفر الجحود فتكون: إمَّا بجحد الصانع المختار، أو نفي صفاته، أو إنكار شيء من كمالاته أو أفعاله الثابتة بالبرهان القاطع (2)، أو برد تنزيل من عند الله، أو إنكار رسول، أو نبيء، أو ملك من الملائكة، وسواء أكان الإنكار لجميعهم أو لواحد منهم، أو إنكار آية أو حكم من التنزيل، فجميع ذلك يكون شركا (3).
وأمَّا التي تتعلَّق بكفر النعمة فهي: «ما نشأ عن تأويل الخطأ، كاستحلال ما حرَّمه الله تعالى بتأويل الخطأ من فاعله أو قائله، كخلاف جميع من خالف المسلمين (4)، وبراءتهم منهم بتأويل الخطأ، وما فُعل انتهاكا، كمقارفة شيء ممَّا أوعد الله على فعله النكال في الدنيا والعذاب في الآخرة، أو عذَّب به أمَّة من الأمم الماضية، كالقتل، والزنا، والربا، والسرقة، وبخس المكيال والميزان، وإتيان الرجال، وعقر الناقة، والاعتداء في السبت لأهل ذلك الزمان، وغير ذلك ... » (5). ويطلق هذا القسم على المنافق أيضا، «يعني أنَّ الكافر كفر نعمة يسمَّى منافقا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ”آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدَّث كذب، وإذا اؤتمن خان“ (6). فالمنافق يطلق عندنا على من كذَّب بقلبه وآمن بلسانه، وعلى من ارتكب شيئا من الكبائر» (7).
__________
(1) السالمي، بهجة الأنوار، ص17.
(2) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص312.
(3) ينظر: السالمي، بهجة الأنوار، ص150 - 151.
(4) هذه المسألة قد تمَّت مناقشتها في أطروحة الدكتوراه للباحث مصطفى بن محمد شريفي، ورجَّح أن المسائل الخلافية الكلامية بين الفرق الإسلاميَّة المعتدلة لا يوجب تكفيرًا ولو مجرَّد كفر نعمة. (المراجع).
(5) السالمي، المشارق، ج2، ص 313.
(6) البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، رقم: 33، ج1، ص35.
(7) السالمي، المشارق، ج2، ص314. (1/25)
صفحة 26
وقد اختلف العلماء في إطلاق الكفر على مرتكب الكبيرة غير كبائر الشرك. وأمَّا الإمام فله حججه في تسميته كافرا، لأدلَّة كثيرة منها:
• من الكتاب:
1) قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?ژ (آل عمران: 106)؛ فإنَّ الكفر بعد الإيمان هو ارتكاب الكبائر.
2) قوله تعالى: ژھ ھ ے ے ? ... ? ? ? ?? ? ? ... ? ? ? ? ?ژ (آل عمران: 97)، فإنَّه أطلق اسم الكفر على تارك الحجِّ.
3) قوله تعالى: ژ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھژ (المائدة: 44)، فإنه أطلق اسم الكفر في هذه الآية على تارك الحكم بما أنزل الله.
• من السنة:
1) قوله صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا صلاة له» (1)، ومن انتفى عنه الإيمان دخل في الكفر.
2) قوله صلى الله عليه وسلم: «بين الرجل والكفر ترك الصلاة» (2).
3) قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (3).
«وقد ورد من هذا الجنس أشياء كثيرة لا يمكن الخصمَ دفعُها ولا حملها على غير كفر النعمة» (4).
هذه بعض الأدلَّة التي استند إليها الإمام في تسمية صاحب الكبيرة غير الشرك كافرا (5)؛ وعلى هذا نرى من الكبائر ما يوصل العبد إلى الشرك، ومنها ما يخرجه من الإيمان إلى الكفر، ولكن لا يوصله إلى درجة الشرك. والفرق بينهما إنَّما في الأحكام الدنيويَّة خاصَّة، أمَّا الحكم الأخرويُّ فهما مشتركان فيه. وسيأتي بيانه.
4) تعريف الصغيرة:
__________
(1) الربيع، الجامع الصحيح، الصلاة ووجوبها، باب جامع الصلاة، رقم: 302، ج1، ص78.
(2) المصدر نفسه، رقم: 303، ج1، ص78.
(3) المصدر نفسه، باب الحجَّة على من قال: إنَّ أهل الكبائر ليسوا بكافرين، رقم: 756، ج3، ص200.
(4) السالمي عبد الله بن حميد، جوابات الإمام السالمي، تنسيق ومراجعة: د. عبد الستار أبو غدَّة. إشراف: عبد الله السالمي. (ط2، 1419هـ/1999م، مكتبة الإمام السالمي)، ج6، ص155 - 157.
(5) ملاحظة: تفصيل هذه الأدلَّة بشكل أوسع في المشارق، ج2، ص309 - 311. (1/26)
صفحة 27
أشرنا فيما سبق إلى اختلاف العلماء في وجود الصغائر، بين من ينكرها ومن يثبتها.
وكما اختلفوا في وجودها فقد اختلفوا أيضا في تعيينها، فذهب الإباضيَّة من أهل المغرب وبعض أهل المشرق إلى أنَّها موجودة لكنَّها غير معيَّنة، إذ ليس في تعيينها حكمة، لأنها لو عُيِّنت وهي مغفورة كان تعيينها إغراء بارتكابها، والغرض أنها حرام منهيٌّ عنها فيناقض تعيينها النهي عنها (1).
وردَّ الإمام بـ «أنَّ غفرانها موقوف على اجتناب الكبائر، ولا يدري المرء هل يموت على كبيرة أم لا؟ فليس في تعيينها إغراء» (2).
وذهب جمهور المشارقة وجمهور غير الإباضيَّة والنكَّار إلى أنَّها موجودة في الخارج ومعلومة للعلماء (3). وسلك السالميُّ هذا المسلك في تعيين الصغيرة فقال:
وعكسه الصغير مثل الكذب إن خف والرقص ومثل اللعب (4)
فلمَّا ضَبَطَ الكبيرة، جَعَلَ الصغيرةَ عكسَهَا. وقال: هي «ما لم يثبت لفاعله حدٌّ في الدنيا ولا وعيد في الآخرة» (5)، ولفظة عكس هنا تقتضي مطلق المخالفة. وقد سبق ذكر الضابط الذي اختاره الإمام للكبيرة، والعلامات التي تُعرف بها. فما لم يكن فيه إحدى تلك العلامات أو نصٌّ يدلُّ عليها أو ما أشبهها فهي صغيرة.
أما عن الأمثلة التي مثَّل بها فهي:
1) الكذب الخفيف، وعرَّفه بأنه ما لم يُبطَل به حقٌّ، أو يُعطَّل به حكم، فإن ترتَّب عليه أحد هذين المذكورين فليس بالخفيف (6).
2) الرقص.
3) اللعب، ومراده ما لم يقترن بالحرمة، كلعب الشطرنج ونحوه، وما لم يقترن بالإباحة كملاعبة الرجل عِرْسه وفرسه ورمية قوسه (7).
__________
(1) ينظر: السالمي، المشارق، ج2 ص 271.
(2) المصدر نفسه.
(3) ينظر: المصدر نفسه.
(4) السالمي، بهجة الأنوار، ص16.
(5) السالمي، المصدر نفسه، ص 143.
(6) السالمي، المصدر نفسه، ص143. ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص272.
(7) السالمي، المشارق ج2، ص273. (1/27)
صفحة 28
وذهب بعضهم إلى «أنَّ من أخذ مال غيره، حبَّة أو حطبة، أو خلالا، أو نباتة، أو لبس ثوبه، أو ركب دابَّته، أو استعمل خادمه عملا يسيرا أو كثيرا، أو استعار شيئا فاستعمله بغير ما استعاره له، أو وطئ في حرثه، أو قعد على سرير غيره، أو حصيره، أو كتب من دواته أو قلمه ... فكلُّ هذا وما أشبهه ممَّا أصابه من المعروفين بالمنع من صغائر الذنوب. وإنَّما يكفر فاعلها بالإصرار عليها لا بركوبها، وهي من حقوق العباد، وعليه الخلاص والخروج منه إليهم، إلاَّ ما كان من إدلالٍ بين الأصدقاء أو الإخوان في الله، أو تعارُفٍ بين الناس؛ فإن الإدلال والتعارف أمارة للرضا» (1).
قال السالمي في ذلك: «قلتُ: والظاهر أنَّ ارتكاب هذه الأشياء بغير إدلال ولا تعارف من كبائر الذنوب؛ لأَنَّهَا ظلمٌ للغَيْر، وهو موجب للنار، وما أوجب النار لفاعله فهو من كبائر الذنوب» (2).
ولكن ما نلاحظه أنَّ الصغائر ليست شيئا مضبوطا ولا متَّفقا عليها عند العلماء. فمثلا: الكذب، ذكر الإمام أنَّه إن خفَّ فهو صغير، ومن العلماء من عدَّه كبيرة مطلقا. وكذلك اللطمة إن لم تؤثِّر فهي صغيرة، كما أشار إليها الناظم بقوله:
مثاله اللطمة وهي إن لزم أرش بها كبيرة جزم (3)
وذهب بعضهم إلى أنها كبيرة مطلقا. وكثيرا ما يمثِّل بعضهم ببعض المعاصي أنها من الصغائر ولكن يراها البعض الآخر من الكبائر (4). فيبقى الإشكال في تعيين الصغائر قائما يحتاج إلى مزيد نظر.
• المطلب الثاني: أقسام المعصية باعتبار مجالاتها:
قسَّم الإمام المعاصي إلى قسمين: ظاهريَّة وباطنيَّة.
1) المعاصي الظاهرية:
__________
(1) السالمي، معارج الآمال، ج2، ص277.
(2) المصدر نفسه.
(3) السالمي نور الدين عبد الله بن حميد، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، علَّق عليه: أبو إسحاق اطفيَّش، وإبراهيم العبري، (ط12، 1413هـ/1993م)، ج1، ص28.
(4) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص272 - 273. (1/28)
صفحة 29
هي ما كان ظاهرا في سلوكات المرء وأقواله، «وهي عمل معصية بدنيَّة» (1). ومثَّل لها الإمام بأمثلة منها: والزنا، والربا، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وقتل النفس، وقطع الطريق، وظلم العباد، والسرقة، وإيذاء المسلمين وتخويفهم، والسعي بالفساد في الأرض، ونصرة الباطل، ومكابرة الحقِّ ومعاندة أهله، وشرب الخمر وجميع المسكرات، ولبس الذهب والحرير [للرجال]. إلى غير ذلك من الأفعال المحرَّمة بنصِّ الكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة (2). وقد عدَّ هذه المعاصي كلَّها من الكبائر.
2) المعاصي الباطنيَّة:
«وهي المعاصي القلبية» (3). وتنقسم إلى قسمين: ما يتعلَّق بجانب الاعتقاد، وما يتعلَّق بجانب الأخلاق.
أ- ما يتعلَّق بجانب الأخلاق:
ومثَّل لها بالعُجْب، والكِبْر، والحسد، والرياء، وما تولَّد من الأخلاق الرديئة. وكذا العزم على الفسوق (4). وكثيرا ما يغفل الإنسان عن هذه المعاصي؛ لذا نجد الإمام فصَّل فيها كثيرا، حيث عرَّفها وبيَّن سببها، وأرشد إلى علاجها؛ حتَّى يكون المسلم في حذر منها. ونحاول أن نعطي لكل منها تعريفا بسيطا ممَّا بسطه الإمام.
__________
(1) السالمي، المشارق، ج2، ص351.
(2) السالمي نور الدين عبد الله بن حميد، تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان، وغاية المراد في الاعتقاد. (د. ت، مكتبة الإمام نور الدين السالمي)، ص110.
(3) السالمي، المصدر نفسه، ج2، ص351.
(4) ينظر: السالمي، المصدر نفسه، ج2، ص351. السالمي: تلقين الصبيان، ص108. (1/29)
صفحة 30
1) العُجْب: وهو استعظام النعمة مع قطع النظر عن إنعام المنعم لها، حيث يرى لنفسه الفضل في الحصول على تلك النعمة. وتكون إمَّا مالا أو جمالا أو علما ... وذلك من كبائر الذنوب (1)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه» (2): العجب. وزاد الإمام في نظمه:
وقيل: لا شكَّ من الآداب ترك الفتى للفخر والإعجاب
فالعجب بالصفات والأحوال ونحوها مُحبطٌ للأعمال
وأنه فيها كمثل النار في أكلها لِخشب الأشجار
سألت ربَّ العرش أن يقينا ذاك وأن يزيدنا يقينا
وقارئ القرآن مهما أعجبا بصوته لإثم ذلك استوجبا (3)
2 - الكِبْر: «هو ردُّ الحقِّ ودفعه واحتقار الناس وازدراؤهم. وهو من أعظم الكبائر» (4)؛ لقوله تعالى: ژ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک ک گگ گ گ ? ... ? ? ? ?ژ (الأعرف: 146)، وقوله تعالى: ژ? ... ? ? ? ? ... ژژ (غافر: 35) وغيرها كثير. وجاء في الجوهر (5):
تبًّا وقبحا لذوي الإعجاب والكبر والويل من العذاب
لا يدخل الجنَّة من تكبَّرا على الورى كذاك من تجبَّرا
فالكبرياء لله لا للبشرْ فمدَّعيها دونه في سَقَرْ
لو كان كالذرَّة في القلب مَنَعْ ذاك دخولَ الجنَّة إذا وقعْ
من كان أصله منيٌّ قذِرُ وجيفة آخرُه لا يفخرُ
__________
(1) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص 354.
(2) مسلم، كتاب التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار، رقم: 2748. مج9، ص 75. بلفظ قريب.
(3) السالمي، جوهر النظام، ج4، ص330.
(4) السالمي، المشارق، ج2، ص355.
(5) السالمي، جوهر النظام، ج4، ص331. (1/30)
صفحة 31
3 - الرياء: هو إرادة العامل بعبادته غير وجه الله تعالى. وهو محرَّم بشهادة الكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة (1). ومن الأدلَّة التي تبيِّن ذلك قوله تعالى: ژ? ? ... ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ... ?? ? ? ? ... ? ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ? ژ (الكهف: 110)، وقوله تعالى: ژ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ژ (الماعون: 4 - 7). ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أخوف ما أخاف على أمَّتي: الإشراك بالله، أمَا إنِّي لست أقول: يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا، ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفيَّة» (2). فهذه بعض من الأدلَّة وغيرها كثير.
4 - الحسد: «فهو أن يتمنَّى زوال نعمة الغير التي أنعم الله بها عليه فيتمنَّى هو زوالها عنه. وهو كبيرة من الذنوب» (3)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ... » (4).
5 - العزم على الكفران: والكفر نوعان - كما مرَّ - جحود ونعم. فأمَّا العزم على كفر النعمة -أي الكبائر غير الشرك- فصاحبه عاص. كما قال السالمي، وأمَّا العزم على الشرك فمن العلماء من قال بأنَّه شرك (5).
ب- ما يتعلَّق بجانب الاعتقاد:
__________
(1) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص360 - 362.
(2) ابن ماجه أبو عبد الله محمَّد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجه، تحقيق وترقيم وتعليق: محمَّد فؤاد عبد الباقي، خرَّج أحاديثه وفهرسه: د. محمد مصطفى حسين الذهبي. (ط1، 1419هـ/1998م)، كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة، رقم: 4205، ج3، ص504.
(3) السالمي، تلقين الصبيان، ص109.
(4) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحسد، رقم: 4210، ج3، ص504.
(5) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص363. (1/31)
صفحة 32
حسب اطِّلاعنا على أقوال الإمام نجد أنَّ المعصية الاعتقاديَّة تكون إمَّا بترك فرض من فروض الاعتقاد، أو مخالفة نصٍّ قطعيٍّ في القضايا الاعتقاديَّة. وأمَّا عن تعريف الاعتقاد فقال: «هو وصول النفس إلى معنى يحتمل النقيض لو ذكر، وهو حقٌّ إن طابق الواقع، وباطلٌ إن لم يطابق» (1)؛ فالاعتقاد يقتضي الجزم بالشيء، فإن لم يكن هناك جزم فليس باعتقاد. وعرَّفَ الفروض الاعتقاديَّة بـ «أنها ما تعبَّدنا الله باعتقادها». ويحسن بنا ذكرها في هذا الموضع وهي:
• معرفة الله تعالى وكمالاته، وأنَّه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، بمعنى أنه لا يشبهه شيء في جميع ذلك، ولا يشبهه أحد؛ لقوله تعالى: ژ? ? ... ?? ? ... S S ژ (الشورى: 11).
• اعتقاد حقيقة الموت؛ لقوله تعالى: ژچ ? ? ?? ? ? ?ژ (العنكبوت: 57)، والساعة حقٌّ؛ لقوله تعالى: ژ? ? ? ... ? ? ژ (لقمان: 34)، والبعث حقٌّ لقوله تعالى: ژے ے ? ? ? ?? ? ? ? ... ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ?ژ (التغابن:7)، والحساب حقٌّ؛ لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? چ چچ چ ? ?ژ (الأنبياء: 47). وحساب الله تعالى مخالف لحساب الخلق؛ لأنَّ حسابه فصل وتمييز لأعمال العباد، فيبيِّن للمطيع طاعته، وللعاصي معصيته، ويميِّز بينهما.
• اعتقاد أنَّ الله تعالى له ثواب اسمه الجنَّة، أعدَّه الله للمتَّقين هم فيها خالدون، وعنها غير منتقلين؛ لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ?? ? ? ?ژ (الزخرف: 71). وأنَّ لله عقابا لا يشبهه عقاب اسمه النار، أعدَّه الله للكافرين، وأنَّهم فيه مخلَّدون لقوله تعالى: ژ? ? ... S S ... S S ?? ? ? ? ژ (البقرة: 39).
• اعتقاد أنَّ لله ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأنَّ لله جملة من الأنبياء من بني آدم عليهم السلام. قال الله - عز وجل -: ژ? ? ? ? ? ? ? ںں ? ... ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ژ (البقرة: 285).
__________
(1) السالمي، المشارق، ج1، ص 117. (1/32)
صفحة 33
• الإيمان بالقضاء والقدر. ومعرفة الشرك وما يترتَّب عليه من الأحكام. ومعرفة التوحيد وما يترتَّب عليه.
• اعتقاد الخوف والرجاء؛ لقوله تعالى في الخوف: ژ? ? ?? ? ? ?ژ (آل عمران: 28)، وقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ?ژ (التوبة: 13)، وقوله تعالى في الرجاء: ژپ پ پ ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ژ (يوسف: 87) ... وغيرها من الآيات التي توجب على الإنسان أن يكون متوازنا بينهما؛ لأنَّ رجحان أحدهما على الآخر قد يؤدِّي إلى الأمن من مكر الله أو الإيَّاس من رحمته (1).
• «اعتقاد الولاية والبراءة والوقوف: فيجب على كلِّ مؤمن أن يولِّي جميع أولياء الله من الأوَّلين والآخرين، ويبرأ من جميع أعداء الله من الأوَّلين والآخرين، جملة وأفرادًا، ويقف عمَّن جهل حاله.
• المنُّ والدلائل: فيجب على المكلَّف أن يعلم النعمة التي أنعم الله بها عليه، ومن جملتها وجوده بعد العدم، وصحَّته من السقم، وأعظمها نعمة الإسلام، إلى غير ذلك من نعمه تعالى» (2). فهذه هي الفروض الاعتقاديَّة التي تعبَّدنا الله باعتقادها.
ومما يُستفاد في خاتمة هذا المبحث أنَّ الإمام لم يجعل المعاصي على درجة واحدة، بل متفاوتة فيما بينها، فمنها ما هو صغير، ومنها ما هو كبير، ولا يعني من تقسيمه هذا الاستهانة بالصغائر، بل الكلُّ فعله محرَّم. وتبيَّن أنَّ المعصية لا تكون في سلوك المرء فقط، بل تتعدَّى إلى ما يعتقده، وما يجول في خاطره أيضا.
} - - {
الفصل الأول
المعصية تعريفها، أقسامها، أحكامها
المبحث الثاني
أحوال المرء عند مقارفته للمعصية وأحكامها
المبحث الثاني:
أحوال المرء عند مقارفته للمعصية وأحكامها
__________
(1) ينظر: السالمي، المشارق، ج1، ص291 - 295.
(2) ينظر: السالمي، تلقين الصبيان، ص13، 14. (1/33)
صفحة 34
مر علينا فيما سبق تعريف المعصية مع أقسامها، ولكنَّ أحوال المرء حين مقارفته للمعصية تختلف، فقد يرتكبها وهو عالم بحكمها أو يُقدِمُ عليها وهو جاهل بها، وقد يُكره على ارتكابها، كما أنه قد يتلبس بها وهو ناسٍ، أو مخطئ، أو يحدِّث بها نفسه. فهل يعتبر المرء عاصيا في كلِّ هذه الحالات؟ أم هناك اختلاف في الحكم؟ هذا ما سيبيِّنه هذا المبحث عبر ستَّة مطالب وهي:
• المطلب الأول: المعصية عن علم أو عمد:
تعريف العمد لغة:
«يقال فعلت ذلك عمدا على عين، وعمْدَ عينٍ أي: بجدٍّ ويقين ... وكذلك: تعمَّده وتعمَّد له وعَمَده يعمده عمدًا ... : قَصَدَه» (1).
من خلال هذا التعريف يتبيَّن لنا أنَّ العمد والتعمُّد هو فعل الشيء عن قصد وعلم به؛ لذا فإنَّ المراد من فاعل المعصية بعمد هو: الذي يرتكبها قاصدا لها وعالما بحكمها. فما هو الحكم في هذه الحالة يا ترى؟
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، مج10، ص275. (1/34)
صفحة 35
قال صلى الله عليه وسلم: «ويل لمن لم يعلم مرَّة، وويل لمن يعلم ولم يعمل مرَّتين» (1). ففي الحديث دلالة على عِظَم إثم من يعصي على علم. فمن ارتكب معصية وهو عالم بها فله ويلان: الأوَّل لأنه ضلَّ على علم، والثاني لأنه خالف مقتضى العلم (2). وقد سئل الإمام عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «العينان تزنيان» (3) هل فيه دليل على أنَّ النظر كبيرة لأنه من الزنا؟ فأجاب: إن النظر عمدا إلى العورات من كبائر الذنوب، وكذلك المشي إلى الحرام، ومن ترك غضَّ البصر عمدا فصادف محجورًا دخل في معنى الحديث (4). وأشار إلى ذلك في الجوهر فقال:
ومن لم يغضَّ عن حرام بصره تعمُّدًا فتلك حال مكفِّرة (5)
من خلال أقوال الإمام هذه يتبيَّن لنا أنَّ مَن فَعل محجورا عالما به، متعمِّدا له. فهو آثم وعليه التوبة والإنابة إلى الله، ولا يكفَّر ذنبُهُ إلاَّ بها (6).
• المطلب الثاني: المعصية عن خطأ:
تعريف الخطأ:
عرف الإمام الخطأ بـ «أنه القصد لفعل شيء يجوز فعله فيخطئ في غيره، كما إذا قصد أن يضرب طيرا مباحا فأصابت الضربة إنسانا مثلا، أو يقصد أن يقول لزوجته أنت بارٌّ أو أنت جالس، فيقول لها: أنت طالق مثلا. أو يقصد أن يقول لعبده: أنت صالح فيقول له: أنت حرٌّ ... ونحو ذلك» (7).
__________
(1) الربيع، الجامع الصحيح، باب طلب العلم لغير الله عز وجل، رقم: 32، ج1، ص15.
(2) ينظر: السالمي نور الدين عبد الله بن حميد، شرح الجامع الصحيح، (2004م، مكتبة الإمام السالمي، السيب، الحيل الجنوبية)، ج1، ص71.
(3) رواه أحمد في مسنده، كتاب باقي مسند المكثرين، رقم: 10490. (قرص الكتب التسعة).
(4) ينظر: السالمي، العقد الثمين، (د. ت، دار الشعب القاهرة)، ج1، ص410.
(5) السالمي، جوهر النظام، ج1، ص28.
(6) ينظر: السالمي، العقد الثمين، ج1، ص420.
(7) السالمي، المشارق. ج2، ص409. (1/35)
صفحة 36
وهذا ليس غريبا فقد وقع في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة بدل أن يقول: «اللهمَّ أدخلني الجنَّة»، قال: «اللهمَّ أدخلني النار»، فاشتدَّ ذلك عليه حتَّى قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا بأس، لك ما نويت» (1). فقد يقع الإنسان في حالات مثل هذه ويسقط في محجور خطأً، مثل ذلك الشخص الذي أراد أن يضرب طيرا فأصابت الضربة إنسانا، فهل يكون عاصيا آثما بذلك؟ ويلزمه ما يلزم العاصي المتعمِّد من التوبة؟
إن الخطأ الذي قد يصدر من المرء نوعان، بينهما الإمام فيما يأتي:
1) خطأ غير محاكم فيه، لكونه بينه وبين نفسه، مثل الحديث المذكور أعلاه.
2) خطأ محاكَم فيه، كأن يقصد إلى تجديد كلمة التوحيد فيخطئ منها إلى كلمة الشرك، أو يقصد أن يقول لزوجته: أنت بارَّة فيخطئ إلى قوله: أنت طالق ... الخ.
ففي كلتا الحالتين المرء غير مؤاخذ بينه وبين الله، ولا يكون بذلك آثما، ولا تلزمه التوبة من ذلك؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله تعالى تجاوز لي عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (2)، إلاَّ أنَّ النوع الثاني الذي يكون المرء فيه محاكما فإن ألزمه الإمام (3) حُكْمًا فعليه الانقياد (4). وهذا ما أشار إليه الناظم بقوله:
ورفع الإثم لدى الخطا ومن ألزمه الظاهر حكما يسلِّمَنْ (5)
__________
(1) لم نعثر على هذا الحديث في المصادر التي بين أيدينا.
(2) الربيع، الجامع الصحيح، باب الحجَّة على من لا يرى الصلاة على موتى أهل القبلة، رقم: 794، ج3، ص206. بلفظ قريب.
(3) المقصود بالإمام هنا حاكم المسلمين.
(4) ينظر: السالمي، بهجة الأنوار، ص168 - 169.
(5) السالمي، بهجة الأنوار، ص19. (1/36)
صفحة 37
ثمَّ إنَّ حقوق الله تسقط بالخطأ، أمَّا حقوق العباد فلا تسقط بذلك، ولا بدَّ من ضمانها رغم أنَّ إثمها مرفوع عنه (1).
وقد يرتكب المرء محجورا بفتوى عالم مخطئ؛ ففي هذه الحالة هل يأثم أم لا؟ وكذا العالم إن أفتى بخطأ فما حكمه؟
إنَّ الخطأ الذي قد يصدر من العالم نوعان:
- الخطأ في مسائل الدين (2).
- الخطأ في مسائل الرأي (3).
أما النوع الأوَّل فينقسم إلى قسمين:
أ- أن يخطئ العالم في إصدار الفتوى وهو معتقد للصواب، وإنَّما زلَّ لسانه فأفتى خطأ؛ وقد مثَّل له الإمام بما يأتي: «الأمُّ ترث السدس عند وجود الأولاد أو الإخوة، فقصد إلى ذلك وزلَّ لسانه فقال: لها الثلث، فلا إثم عليه ولا ضمان، وإنَّما الإثم والضمان للَّذي قَبِلَ فتواه» (4)؛ لأن العامل بفتوى العالم المخطئ في هذه المسائل –مسائل الدين- غير معذور، وهو هالك، ولا ينجيه من ذلك إلاَّ التوبة؛ لأن العلماء حجَّة في الحق لا في الباطل (5).
ب- أن يعتقد أنَّ ما أفتى به هو الصواب، وهو في الحقيقة باطل مخالف للحقِّ، فصاحبه غير معذور، لا الذي أفتى ولا الذي قبل الفتوى (6).
__________
(1) ينظر: السالمي نور الدين عبد الله بن حميد، طلعة الشمس، تحقيق: عمر حسن القيام. (ط1، 2008م، مكتبة الإمام السالمي، ولاية بدية، سلطنة عمان)، ج2، ص412.
(2) مسائل الدين هي ما ورد فيه نصٌّ قاطع من الكتاب أو السنَّة أو الإجماع نصًّا متَّفقا عليه. ينظر: السالمي، الجوابات، ج6، ص364.
(3) مسائل الرأي هي: ما لم يَرِد فيه قاطع من الكتاب أو السنَّة أو الإجماع. ينظر: المصدر نفسه. ج6، ص365.
(4) السالمي، المشارق، ج1، ص201.
(5) ينظر: السالمي، بهجة الأنوار، ص49.
(6) السالمي، المصدر نفسه، ص 48. تنبيه: للمسألة زيادة بيان في المشارق، ج1، ص201 - 207. لمن أراد التفصيل أكثر. (1/37)
صفحة 38
أمَّا النوع الثاني - الخطأ في مسائل الرأي - فصاحبه معذور؛ لأنَّ الخلاف فيه رحمة بالمؤمنين؛ لذا فلا إثم على الذي أخطأ في الفتوى فيه ولا الذي قبل فتواه (1).
• المطلب الثالث: المعصية عن جهل:
تعريف الجهل لغة:
الجهل لغة: «نقيض العلم، وقد جهلَ فلان جهلاً وجهالةً. وتجاهل: أظهر الجهل ... وفي كلام العرب: جهلت الشيء إذا لم تعرفه، تقول: مثلي لا يجهل مثلك ... وفي الحديث ”إنَّ من العلم جهلا“ (2)، قيل: وهو أن يتعلَّم ما لا يحتاج إليه، كعلم النجوم وعلم الأوائل، ويَدَعَ ما يحتاج إليه في دينه من علم القرآن والسنَّة» (3).
تعريف الجهل اصطلاحا، وأقسامه:
قسَّم الإمام الجهلَ إلى قسمين: مركَّب وبسيط. وعرفهما بما يأتي:
البسيط: «هو عدم العلم بالشيء ممَّا من شأنه العلم، حتَّى لا يُتصوَّر في باله شيء مما جهل به ولا يخطر بعقله شيء من صفاته» (4).
المركَّب: «هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، وإنَّما سمِّي هذا القسم مركَّبا لتركُّبه من عدم العلم بالشيء، واعتقاد أنه عالم؛ فصاحبه يظنُّ أنه عالم بالشيء وهو جاهل به» (5).
من هنا فإنَّ المراد بالمعصية عن جهل هو مفهومان:
- المفهوم الأوَّل: أن يرتكب المرء محجورا في حين لا يعلم ولم يخطر بباله أصلا أنَّ ذلك الشيء محجور، ولا يعتقد حلَّه، وهذا ما يتعلَّق بالبسيط.
- والمفهوم الثاني: هو أن يرتكب المرء محجورا ويظنَّ أنه حلال، جهلا منه بذلك، وهذا ما يتعلَّق بالجهل المركَّب.
__________
(1) ينظر: السالمي، المشارق، ج1، ص201.
(2) أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، مراجعة وضبط وتعليق: محمَّد محيي الدين عبد الحميد، (د. ت، دار الكتب العلميَّة، بيروت، لبنان)، كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر، رقم: 5012، ج4، ص303.
(3) ابن منظور، لسان العرب، مج3، ص228.
(4) السالمي، بهجة الأنوار، ص 53.
(5) المصدر نفسه. (1/38)
صفحة 39
هذا هو المراد من اقتراف معصية عن جهل. وأمَّا عن حكمها فينقسم بحسب انقسام تعريفهما:
حكم الجهل البسيط: صاحبه معذور؛ لأنه جهل قبل قيام الحجَّة، ولا تكليف إلاَّ بعدها (1).
حكم الجهل المركَّب: وهذا النوع قسمان: قسمٌ صاحبه معذور، وآخر صاحبه غير معذور.
1) القسم المعذور صاحبه: هو علم ما يسع المكلَّفَ جهلُهُ؛ فهو معذور ما لم يرتكبه. فإن ارتكبه ضاق عليه جهله ولزمه علمه (2). ومثال ذلك كمن جهل حِرمة أكل لحم الخنزير، فإنَّه لا إثم عليه أن يجهل الحكم ما لم يسقط فيه، فإن اقترفه ضاق عليه جهله، ولزمه أن يعلم الحكم حينئذ، ويأثم إن اقترفه.
2) القسم الذي لا يُعذر صاحبه: هو علم ما لا يسع للمكلَّفَ جهلُهُ، وصاحبه غير معذور؛ لأنه جهل ما لزمه العلم به (3). ومثال ذلك كمن جهل وجود الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه وسلم أو جهل البعث والميعاد ... الخ.
ويستفاد من هذين الحكمين أنَّ من ارتكب محجورا عن جهل منه، سواء ممَّا يسع جهله أو ممَّا لا يسع فهو غير معذور؛ لأنَّ سعة جهله مقيَّدة بعدم الاقتراف، فإذا اقترف ضاق عليه ذلك، وأثم به، وهذا ما أشار إليه الناظم بقوله:
والجهل قسمان: بسيطٌ سَلِمَا صاحبُهُ، والثاني: فهو ما انتمى
إلى مركَّب وليس يسلم صاحبه بفعله بل يأثم (4)
فالجاهل غير معذور ما دامت الحجَّة قائمة كما أشار إليه الناظم قائلا:
وبعد فالدين لا عذر لجاهله إن كان من بعد تكليف جهلا (5)
ويستثنى من هذا الحكم بعض الحالات التي يُعذر فيها الجاهل، ولا يلحقه بذلك إثم، مثل:
__________
(1) ملاحظة: قال الإمام: لا يوجد هذا النوع في معرفة الله تعالى إلاَّ فيمن لم يكمل عقله. المشارق، ج1، ص213.
(2) السالمي، بهجة الأنوار، 53.
(3) المصدر نفسه، ص54. ملاحظة: تفصيل ما يسع جهله وما لا يسع مبسط بشكل أوسع في المشارق لمن أراد الاستزادة. ج1، ص251 وما بعدها.
(4) السالمي، المشارق، ج1، ص212.
(5) السالمي، غاية المراد، ص116. (1/39)
صفحة 40
«جهل الوكيل عزله عن الوكالة، أو جهل الشفيع شفعته، أو جهل المتزوِّج أنسابه، أو جهل لحم الخنزير المقطَّع فَأَكَلَه من يد من تجوز ذبيحته ونحو ذلك» (1).
وأرشد الإمام إلى السلامة من الجهل بما يأتي:
وحرِّم ارتكاب ما لم يعلم ومن يكن موافقا لم يأثم (2)
«إذا قامت الحجَّة على المكلَّف، بأنَّ في دين الله حلالا وحراما، كان عليه أن يترك المحرَّم، وله أن يأتي المحلَّل، وعليه أن يُمسك عمَّا لا يعلم حلَّه ولا حِرمته حتَّى يسأل أهل الذكر عن ذلك؛ لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ? ? ... ? ?ژ (الإسراء:36). ولقوله صلى الله عليه وسلم: «أمرٌ بَانَ لك رشْدُه فاتَّبعه، وأمر بَانَ لك غيُّه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فقف عنه» (3)، وهو حديث مستفيض تلقَّته الأمَّة بالقبول، حتَّى صار كالمثَل السائر في ألسنتهم. فإذا عرفت هذا ظهر لك أنَّ ارتكاب ما لا يعلم حلُّه ولا حجره محجور» (4).
فالمرء مطالَب بالعلم حتَّى ينفي الجهل عن نفسه؛ فإذا ارتكب محجورا بجهله وكان يعتقد السؤال عن كلِّ ما يلزمه والتوبة من جميع ما فعله، إلاَّ أنه لم يهتد إلى ذلك المحجور بعينه، فتجزيه التوبة مجملة؛ لأنه يدين لله بكلِّ ما يلزمه، ويستغفر من كل ما لزمه الاستغفار منه، وهو يجتهد في ذلك (5).
• المطلب الرابع: المعصية عن إكراه:
تعريف الإكراه:
الإكراه لغة: «أكرَهْته: حملته على أمر وهو له كاره» (6).
__________
(1) السالمي، طلعة الشمس، ج2، ص400.
(2) السالمي، بهجة الأنوار، ص6.
(3) ابن ماجه، المقدمة، باب اجتناب الرأي والقياس، رقم: 55، ج1، ص53. بلفظ قريب.
(4) السالمي، المشارق، ج1، ص262.
(5) ينظر: السالمي، الجوابات، ج6، ص360 - 361.
(6) ابن منظور، لسان العرب، مج13، ص58. (1/40)
صفحة 41
نقل السالمي معنى الإكراه عن العلقمي (1) فقال: «الإكراه أن يهدِّد قادرٌ على الإكراه بعاجلٍ من أنواع العقوبات، يؤْثِر العاقلُ لأجله الإقدامَ على ما أُكره عليه، وقد غلب على ظنِّه أنه يفعل به ما هدَّده به إن امتنع ممَّا أُكره عليه، وعجز عن الهرب والمقاومة والاستغاثة بنحوه وغيرهما من أنواع الدفع. ويختلف الإكراه باختلاف الأشخاص والأسباب المكرَه عليها» (2).
فقد يُكره المرء من قِبَل جبَّار على ارتكاب محظور شرعا، ولا يستطيع الخلاص منه، فكيف يكون حكمه حينئذ؟ وهل يكون آثما إن ارتكبه؟
أنواع الإكراه وأحكامها:
تختلف أنواع الإكراه، وباختلافها تختلف أحكامه. فأمَّا اختلاف الأنواع فقد يكون الفعلُ قابلاً للإكراه، كالتلفُّظ بكلمة الكفر وقتل النفس، وقد يكون غير قابل للإكراه كالزنا.
وأمَّا اختلاف الأحكام فهي:
- مباح: وهو ما ليس فيه ضرر بالغير، ومثال ذلك: التلفُّظ بكلمة الكفر، أو شرب الخمر، أو أكل الميتة، أو كمن أكرهه جبَّار على ترك الصلاة والصيام، وكان قائما عليه لا يفارقه حتَّى مضى وقت الصلاة؛ فله أن يترك منها من الأركان ما يخشى على نفسه الهلاك. فمثل هذه الأشياء ونحوها لا يؤاخذ المرء على تركها في هذه الحالات (3).
__________
(1) عثرنا على ثلاث تراجم لعلماء يحملون نفس اللقب، ولا ندري أيًّا منهم هو المقصود. ينظر: معجم المؤلفين.
(2) السالمي، المشارق، ج2، ص399.
(3) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص400 - 402. السالمي، طلعة الشمس، ج2، ص412 - 414. (1/41)
صفحة 42
- حرام: وهو ما فيه ضرر بالغير، ومثال ذلك: إذا أُكرِهَ على قتل إنسان آخر، أو على قطع عضو من أعضائه، فهاهنا يبقى الفعل على حرمته الأصليَّة؛ لأنَّ نفْسَه ليست أولى من نفس غيره. وأمَّا إن تعلق الأمر بالمال لا بالنفس فقد اختلف العلماء في جوازه، وذهب بعضهم إلى الجواز مع اعتقاد الضمان؛ لأن المال لا يقاوِمُ النفس، وإليه ذهب الإمام. وكذا يتعلَّق بالحرمة الفعل الذي لا يقبل الإكراه ولو لم يكن فيه ضرر بالغير (1).
وخلاصة القول: إنَّ مسألة المعصية عن إكراه تختلف أحكامها بحسب أحوال الإكراه والمكره به. فما كان متعلِّقا بالغير، فمنه ما هو جائز، ومنه ما هو حرام. فالأوَّل هو ما كان متعلِّقا بالمال لكن قُيِّد باعتقاد ضمانه. وأمَّا الثاني فهو محرَّم لأنه إضرارٌ بالغير.
وأمَّا ما كان متعلِّقا بالشخص نفسه، كأن يُكره على ترك عبادة أو أكل أو قول ما أبيح عند الضرورة؛ فالمرء لا يؤاخذ بذلك ولا يأثم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله تعالى تجاوز لي عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه» (2).
• المطلب الخامس: النسيان:
تعريف النسيان:
عرَّف الإمام النسيان فقال: «النسيان هو: إمَّا نسيان ذهول، وهو ما يتنبه له بأدنى منبِّه، كنسيان الرجل بعض أعضائه، وهذا لا بأس به. وإمَّا نسيان جهل، وهو ما لا ينتبه صاحبه لِمَا نسيه إلاَّ بتنبيه عليه» (3). والنوع الثاني هو المراد، وهو الذي أشار إليه الناظم بقوله:
ورُفِضَ الوزر لدى النسيان ...
فقد تأتي على المكلَّف أوقات ينسى ما أوجب الله عليه، أو ينسى حكم الله في محرَّم فيقترفه؛ فما حكمه حينئذ؟ هل يعدُّ عاصيا أم لا؟
__________
(1) ينظر: السالمي، بهجة الأنوار، ص166. ملاحظة: مثَّل الإمام بالزنا في هذا الموضع وأدرجه ضمن ما لم يكن فيه ضرر بالغير، ونستغرب ذلك؛ لأنَّ الزنا في اعتقادنا فيه ضرر بالغير.
(2) سبق تخريجه.
(3) السالمي، المشارق، ج2، ص412. (1/42)
صفحة 43
إنَّ الله تعالى بمنِّه وفضله رَفَعَ عن المكلَّف إثم النسيان؛ لأنه لا طاقة له به، وقول الإمام كان مبنيًّا على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم المذكور سابقا: «إنَّ الله تعالى تجاوز لي عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه» (1)، فلم يُلزم الناسيَ التوبةَ بناء على هذا الحديث (2). كما ذكر جبر النسيان بالحسنات؛ لقوله تعالى: ژ? ? ? ?? ? ? ?ژ (هود: 114)؛ فالطاعات تُذهِب الصغائر، فاستَعمَلَ القياس وقال: «إذا ذهبت الصغائر فجبرها للخطإ والنسيان أولى» (3).
ولكن هل كلُّ نسيان يشمله هذا الحكم؟ أم هنالك تفصيل آخر؟.
لَمَّا نتتبَّع أقوال الإمام نجد أنَّ هذا العذر ليس على إطلاقه، وإنَّما هناك حالات لا يُعذَر فيها الناسي وهي:
1) إذا كان النسيان في الأمور التي يَلزَمُ العلمُ بها، كمعرفة الله تعالى، ومعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعرفة ما جاء به، فصاحبه هالك اتِّفاقا؛ لأنه بمنزلة من جهل هذه الأشياء بعد قيام حجَّة العلم عليه.
2) وإذا كان النسيان فيما يجب العمل به، فإمَّا أن يتعلَّق بحقوق الله أو حقوق العباد. فإن تعلَّق النسيان بحقوق الله فلا إثم عليه، ما لم يكن مقصِّرًا. وإن تعلَّق الأمر بحقوق العباد فيلزمه غرمه، ولا يسقطه النسيان. وهذا ما أشار إليه الناظم بقوله:
ويُسقط النسيانُ حقَّ الله ... إن لم يكن مقصِّرًا ذا الساهي
وإن يكن مقصِّرا يلزمه ... ومطلقا حقُّ الورى يَغْرِمه (4)
• المطلب السادس: الوسوسة وحديث النفس:
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) ينظر: السالمي، بهجة الأنوار، ص169.
(3) السالمي، العقد الثمين، ج1، ص240.
(4) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص413. السالمي، طلعة الشمس، ج2، ص380. (1/43)
صفحة 44
عرَّف السالمي الوسوسة بأنها: «القول الخفيُّ لقصد الإضلال. مِنْ وَسوَسَ إليه ووسوس له، أي: فَعَلَ الوسوسةَ لأجله. وهي حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير ... يقال لِمَا يقع في النفس من عمل الشرِّ وما لا خير فيه: وسواس، ولِمَا يقع من عمل الخير: إِلهام، ولِمَا يقع من الخوف: إيجاس، ولِمَا يقع من تقدير نيل الخير: أمل، ولِمَا يقع من تقديرٍ لا على إنسان ولا له: خاطر» (1).
فكثيرا ما يتعرَّض الإنسان لمثل هذه الخواطر والهواجس والوساوس، وتسوِّل له نفسه بما لا خير فيه؛ فهل أمثال هذه الأشياء القلبيَّة يحاسَب المرء عليها ويعدُّ عاصيا؟
استحسن الإمام تفصيل السبكيِّ (2) في هذه المسألة، وأورده في مشارقه، وحاصله: «أنَّ الذي يقع في النفس من قصد المعصية على خمس مراتب، وهي:
- الهاجس وهو: ما يُلقى في النفس.
- الخاطر وهو: الذي يجري فيها بعد الهاجس.
- حديث النفس وهو: ما يقع فيها من التردُّد هل يفعل ذلك أو لا؟
- الهمُّ وهو: ترجيح قصد الفعل.
- العزم وهو: قوَّة ذلك القصد والجزم به.
وأمَّا عن حكم كلِّ واحد منها فقال: إنَّ حديث النفس مرفوع عن الأمَّة بالحديث الصحيح؛ فالهاجس والخاطر مرفوعان من باب أولى لأنهما قبله.
أمَّا الهمُّ: فإنْ صحبه عمل من أسباب المهموم به فهو مؤاخَذ عليه، فإن انفرد فلا يؤاخذ به.
أمَّا العزم: فأغلب المحقِّقين ذهبوا إلى أنه يؤاخذ به» (3).
__________
(1) السالمي، المشارق، ج2، ص412.
(2) هو تقيُّ الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي الأنصاريُّ الخزرجيُّ السبكيُّ الشافعيُّ. عالم في الفقه والتفسير والمنطق والأدب والنحو واللغة وغيرها. له مصنَّفات كثيرة من أهمِّها: الدرُّ النظيم في تفسير القرآن العظيم. ولد بسبك سنة 683هـ/1284م، وتوفي سنة 756هـ/1355م. ينظر: معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة، ج2، ص461.
(3) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص 365 - 366. (1/44)
صفحة 45
من هنا يتبيَّن أنَّ الهاجس والخاطر وحديث النفس إثمها مرفوع. وأمَّا الهمُّ بالمعصية فإنْ صاحَبَهَا عَمَلٌ فالمرء مؤاخذ عليه، أمَّا العزم فمؤاخذ عليه.
ولذا قال الناظم:
ورفض الوزر لدى النسيان وهكذا وسوسة الشيطان
من بعد أن جاهده بما قدر إذ لم تكن أشدَّ من رؤيا البصر (1)
فعدم المؤاخذة على حديث النفس مقيَّد بدفع تلك الخواطر والهواجس، وعدم الاسترسال معها؛ فإن كان المرء يجاهد ما يلمُّ في قلبه ويدفعه من غير أن يقرَّه أو يحبَّه فالله تعالى يعفو عنه بفضله (2)؛ وذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله تعالى تجاوز لأمَّتي عمَّا حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلَّم به أو تعمل» (3). قال الناظم في جوهره:
ورُفع الخطَا لدى النسيان مع حديث النفس للإنسان
إذ لم يكن ذلك ممَّا يقدر على ذهابه فثَمَّ يُعذر (4)
وأمَّا العزم على المعصية فقد صرَّح الإمام أنه معصية، كما أشرنا في المبحث السابق.
وأمَّا النيَّة للمعصية، أو الرضا بها، أو حبُّها، فقد قال الإمام: «والنية للمعصية والحبُّ والرضا بها، ما لم يفعلها المأمور، فهذا ومثله إنَّما يَكْفُر صاحبُه بالإصرار عليه، ولا يكفر [بـ]ـفعله» (5).
نستشفُّ من قوله هذا أنه عَدَّ هذه الأعمال من الصغائر؛ لأنَّ الصغيرة هي التي يَكْفُر فاعلها بالإصرار عليها.
وإن نوى المرءُ وقصد بفعله مخالفة الحقِّ فهو هالكٌ بذلك القصد (6).
__________
(1) المصدر نفسه، ج2، ص413.
(2) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص414. العقد الثمين، ج1، ص429.
(3) السيوطي جلال الدين، شرح سنن النسائي، تحقيق وترقيم وفهرسة: مكتبة تحقيق التراث الإسلامي. (ط4، 1418هـ/1997م، دار المعرفة، بيروت، لبنان)، كتاب الطلاق، باب من طلَّق في نفسه، رقم: 3435، ج6، ص469.
(4) السالمي، جوهر النظام، ج4، ص 333.
(5) السالمي، معارج الآمال، ج1، ص 577.
(6) ينظر: السالمي، بهجة الأنوار، ص63. (1/45)
صفحة 46
وفي خاتمة هذا الفصل يتبيَّن أنَّ المعصية عند الإمام تكون إمَّا بفعل محرَّم أو بترك واجب، كما تنقسم إلى صغائر وكبائر، والكبيرة بدورها تنقسم قسمين: كفر جحود وكفر نعمة، والمعصية قد تكون ظاهرة في سلوك المرء، وقد تكون باطنة، أو اعتقاديَّة، وكذلك تختلف حالة المرء أثناء ارتكابه للمعصية، ولا يعدُّ عاصيا في كلِّ الحالات، فإن ارتكبها عن عمد فهو آثم بها، وأمَّا إن ارتكبها عن جهل فإن كان بسيطا فهو معذور، وإن كان مركَّبا فصاحبها آثم. وإن ارتكب المرء معصية عن خطأ أو إكراه أو نسيان فلا يعدُّ عاصيا إلاَّ في بعض الحالات كما سبق تفصيلها، وكذلك حديث النفس.
هذا فيما يخصُّ المعصية، أمَّا عن حكمها وأثرها الأخرويِّ على العمل، فهذا ما سيبيِّنه الفصل الآتي.
} - - {
الفصل الثاني
الأثر الأخروي للمعصية
على عمل الموحد
الفصل الثاني:
الأثر الأخرويُّ للمعصية على عمل الموحِّد
المبحث الأوَّل: حكم المعصية وأثرها الأخرويُّ على عمل الموحِّد:
مدخل: تعريف الموحِّد والأثر الأخروي:
المطلب الأوَّل: الحكم الأخرويُّ لمرتكب الكبيرة.
المطلب الثاني: أثر الكبيرة على العمل.
المطلب الثالث: الحكم الأخرويُّ لمرتكب الصغيرة.
المطلب الرابع: أثر الصغيرة على العمل.
المبحث الثاني: مناقشة الإمام لبعض الآراء الواردة في المسألة:
المطلب الأوَّل: موازنة حسنات العاصي وسيِّئاته.
المطلب الثاني: شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومقام العاصي منها.
المطلب الثالث: مشيئة الله وأثرها على العاصي.
المطلب الرابع: الخلود وعدمه بالنسبة للعاصي.
المبحث الثالث: أثر التوبة من المعصية على العمل:
المطلب الأوَّل: التوبة أركانها وشروطها.
المطلب الثاني: أثر التوبة على العمل.
الفصل الثاني:
الأثر الأخرويُّ للمعصية على عمل الموحِّد (1/46)
صفحة 47
بعد أن بيَّن الفصل الأوَّل مفهوم المعصية وأقسامها، يتبادر إلى الذهن سؤال: ما حكم مقترف المعصية؟ وهل لها تأثير على عمله؟ فإن كان لها أثر فما مصير الطاعات التي اكتسبها؟. وقبل أن ندخل في تفصيل هذه المسألة ارتأينا أن نستهلَّ هذا الفصل بمدخل نوضِّح فيه مفهوم الموحِّد والأثر الأخرويَّ. ويلي المدخلَ ثلاثةُ مباحث وهي:
1) حكم المعصية وأثرها الأخرويُّ على العمل.
2) مناقشة الإمام لبعض الآراء الواردة في مسألة الأثر.
3) أثر التوبة من المعصية على العمل.
مدخل:
تعريف الموحد والأثر الأخروي
1) تعريف الموحِّد:
• لغة: «وحَّد: الواو والحاء والدال أصل واحد يدلُّ على الانفراد. من ذلك: الوحدة. وهو واحدُ قبيلَتِهِ إذا لم يكن فيهم مثله» (1).
ويقال: «وحَّده، وأحَّده، كما يقال: ثنَّاه وثلَّثه. ابن سيده: ورجل أحدٌ، ووَحَدٌ، ووحْدٌ، ووحيدٌ أي متفرِّد ... والموحِّدُ كالمثَنِّي والمثَلِّث» (2).
ويفهم من التعريف أنَّ الموحِّد لغة: هو مُفْرِدُ الشيءِ عن غيره.
• اصطلاحا: أطلق السالميُّ اسم الموحِّد «على المقرِّ برسالة محمد صلى الله عليه وسلم الدائن بحقيقة ما جاء به عليه الصلاة والسلام» (3). وما جاء به هو شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وما جاء به حقٌّ من عند ربِّه. فمن أقرَّ بهذه الجملة وما تحتها كان موحِّدًا.
2) تعريف الأثر:
__________
(1) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج2، ص623.
(2) ابن منظور، لسان العرب، مج15، ص165.
(3) السالمي، المشارق، ج2، ص393. (1/47)
صفحة 48
• لغة: «الهمزة والثاء والراء له ثلاثة أصول: تقديم الشيء، وذكر الشيء، ورسم الشيء» (1). «والأثر بقيَّة الشيء. والجمع: آثار وأثور ... والأَثَر بالتحريك ما بقي من رسم الشيء ... وأثَّر في الشيء: ترك فيه أثرًا، والأثر: سِمَةٌ في باطن خُفِّ البعير يُقتَفَى بها أثره» (2).
اختلفت معاني الأثر في اللغة إلاَّ أنها كانت متقاربة نوعا ما. وأمَّا المعنى الأقرب الذي نقصده هو الذي جاء بمعنى التأثير.
• والمقصود بالأثر الأخرويِّ هو: ما يتعلَّق بقبول الأعمال أو بطلانها، ونجاة العاصي أو هلاكه.
وبالتالي فالمراد من عنوان هذا الفصل هو: الموحِّد الذي يقرُّ بوحدانيَّة الله ويتقرَّب إليه بالطاعات ولكنَّه ارتكب المعاصي ومات دون توبة منها، فهل تلك المعاصي تؤثِّر على طاعاته أم لا؟ هذا ما ستجيب عنه المباحث الآتية.
الفصل الثاني
الأثر الأخروي للمعصية على عمل الموحد
المبحث الأول
حكم المعصية وأثرها الأخروي على عمل الموحد
المبحث الأوَّل:
حكم المعصية وأثرها الأخرويُّ على العمل
يتناول هذا المبحث قول السالمي في حكم المعصية وتأثيرها على العمل. فكما أنه قسَّم المعصية إلى قسمين: كبيرة وصغيرة. فكذلك بالنسبة للحكم والأثر، لذا سيشتمل المبحث على أربعة مطالب وهي:
• المطلب الأول: الحكم الأخرويُّ لمرتكب الكبيرة:
«إنَّ حكم مرتكب الكبيرة فيما بينه وبين ربِّه يؤخذ من تعريفه، وهو ثبوت الوعيد في الآخرة أو العقوبة في الدارين؛ لذا فمن ارتكب كبيرة هلك في النار والعياذ بالله إلاَّ إن تاب» (3).
ومن الأدلَّة التي تبيِّن ذلك قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ ... پ ? ... ? ... ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ... ? S ... S S S ? ... ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ ... چ چ چ? ? ? ? ? ژ (الفرقان: 68 - 70).
• المطلب الثاني: أثر الكبيرة على العمل:
__________
(1) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج1، ص35.
(2) ابن منظور، لسان العرب، مج1، ص 52 - 54.
(3) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص275. (1/48)
صفحة 49
ذهب الإمام السالميُّ إلى أنَّ الموحِّد العاصي إذا ارتكب كبيرة ومات عليها دون توبة منها فعمله محبَط. وقبل أن نستعرض الأدلَّة التي استند إليها لا بدَّ من تعريف الإحباط لغة، ومفهومه عند الإمام.
تعريف الإحباط:
لغةً: «الْحَبَطُ: وجع يأْخذ البعيرَ في بطْنه من كَلإٍ يسْتَوْبِلُه. وقد حَبِطَ حَبَطًا ... قال الجوهريُّ: الْحَبَطُ أَن تأْكلَ الماشيةُ فتُكْثِرَ حتَّى تَنْتَفِخَ لذلك بطونُها ولا يخرج عنها ما فيها ... وقيل: الْحَبَطُ الانتفاخ أيًّا كان من داء أو غيره ... و حَبِطَ حَبْطًا و حُبوطًا: عَمِلَ عَملاً ثمَّ أَفْسَدَه، واللَّه أَحْبَطه ... وقال الجوهريُّ: بَطلَ ثوابُهُ وأَحبطه الله ... قال الأَزهريُّ: ولا أَرى حَبْطَ العَمل وبُطْلانَه مأْخوذًا إِلاَّ مِنْ حَبَطِ البطنِ؛ لأَن صاحب البطن يَهْلِكُ، وكذلك عملُ المنافق ... وقال أَبو عمرو: الإِحْباطُ أَن تُذْهِب ماءَ الرَّكيَّة فلا يعود كما كان» (1).
ممَّا مر نجد أنَّ لفظة الإحباط أتت في اللغة بمعانٍ مختلفة، منها: الوجع، وانتفاخ البطن، الفساد والبطلان، ذهاب الماء. وأمَّا السالمي فقال: «أصل الحبط أن تأكل الإبل شيئا يضرُّها فتعظم بطونها فتهلك. وفي الحديث: ”إِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ“ (2)، فسمِّيَ بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسِدِ عليه (3).
والمتأمِّل في هذا التعريف يدرك أنَّ الموحِّد غير التائب من كبائره، وُصِفَ عملُه بالمحبَط لأنه أَدخَلَ عليه ما يفسده، فتلك الكبيرة أفسدت العمل فلم يبق له أيُّ نفع ولا أيُّ تأثير.
أدلَّة الإحباط:
أمَّا عن الأدلَّة التي بنى عليها الإمام حكمه فهي:
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، مج 4، ص17 - 18.
(2) مسلم، الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا. رقم: 1052. مج4، ص152.
(3) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج1، ص102. (1/49)
صفحة 50
1) قوله تعالى: ژے ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?ژ (الزمر: 65).
2) قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھژ (البقرة: 217).
3) قوله صلى الله عليه وسلم: «من أشرك ساعة حَبِطَ عمله، فإن تاب جُدِّد له العمل» (1).
فالحديث مطابق لما في الآيات، حيث دلَّ كلٌّ منهما على إحباط العمل، لورود المفسد عليه وهو: الشرك والارتداد. ولفظة الإحباط صريحة في الأدلَّة حيث دلَّت على ذهاب الثواب وعدم الانتفاع به (2). قال تعالى: ژ? ? ... ? ? ? ? ? ? چژ (الفرقان: 23).
ونقل السالميُّ كلام قوم أنكروا ثبوت الإحباط بالمعنى المذكور، وأنَّهم زعموا أنَّ المراد من الإحباط هو ذلك العمل الفاسد. مثلا في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھژ (البقرة: 217) قالوا: إنَّ الردَّة هي العمل المحبَط، وليست سببا لإبطال العمل، وعلَّتهم في ذلك أنَّ الآتي بالردَّة كان يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحقُّ به ثوابا، فإذا لم يأت بذلك العمل الجيِّد، وأتى بدله بذلك العمل الرديء الذي لا يستفيد منه نفعا بل ضرًّا فيقال: أتى بعمل باطل ليس فيه فائدة، بل فيه مضرَّة.
وردَّ عليهم الإمام بأنَّ هذا كلَّه باطل؛ لأنَّه تكلُّف بلا داع ولا برهان؛ فالأدلَّة السابقة تدلُّ على أنَّ المُحبَط غير الارتداد والشرك (3).
ومن الأدلَّة التي تدلُّ على إحباط العمل بالكبيرة غير الشرك والارتداد. ما يأتي:
1) قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ... ھ ھ ھ ھ ... ے ے ? ? ? ? ? ... ?ژ (الحجرات: 2).
2) قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (البقرة: 264).
__________
(1) الربيع، الجامع الصحيح. باب ذكر الشرك والكفر. رقم: 59، ج1، ص22.
(2) ينظر: السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج1، ص135.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ج1، ص135 - 136. (1/50)
صفحة 51
فهاتان الآيتان دليل على إحباط العمل بالكبيرة؛ لأنَّ رفع الصوت والجهرَ بالقولِ، والمنَّ والأذى ليست من خصال الشرك إجماعا (1).
ومن الأحاديث التي استند إليها الإمام في إحباط العمل بالكبيرة:
1) قوله صلى الله عليه وسلم: «الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك» (2). وقد تقدَّم في مبحث أقسام المعصية أنَّ الرياء من كبائر الذنوب؛ لذا فهو من محبطات الأعمال.
2) قوله صلى الله عليه وسلم: «من تعلَّم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لقي الله يوم القيامة وهو خائب من الحسنات» (3). قال الإمام في شرحه لقوله عليه السلام: «وهو خائب الحسنات»: «لاشيء له منها؛ وذلك أنَّ قصد المباهاة أو المماراة من كبائر الذنوب فهي تحبط العمل» (4).
3) رواية: «ستَّة أشياء تحبط الأعمال: الاشتغال بعيوب الخلق، وقسوة القلب، وحبُّ الدنيا، وقلَّة الحياء، وطول الأمل (5)، وظالم لا ينتهي» (6). وفي هذا الحديث تصريح بإحباط العمل بالكبائر؛ لأنَّ كلَّ هذه المعاصي التي ذُكرت ليست من الشرك حتَّى يكون وحده مبطلا للعمل (7).
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه ج1، ص136. السالمي، المشارق، ج2، 383.
(2) الربيع، الجامع الصحيح، باب ذكر الشرك والكفر، رقم: 66، ج1، ص24.
(3) الربيع، الجامع الصحيح، باب طلب العلم لغير الله عزَّ وجلَّ وعلماء السوء، رقم: 33، ج1، ص15.
(4) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج1، ص72.
(5) في الأصل: «طول الأمر»، وصححناه من كتب الحديث الأخرى. (المراجع).
(6) عزاه المناوي إلى الديلمي في الفردوس، عن عديِّ بن حاتم وضعَّفه. وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الموضوعة. ينظر: فيض القدير، ج4، ص126. سلسلة الأحاديث الضعيفة: مختصرة، باب أوَّل الكتاب، رقم: 3694. ج8، ص196. (المكتبة الشاملة).
(7) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص383. (1/51)
صفحة 52
فهذه النصوص دالَّة على إحباط العمل بالكبيرة إن لم يتب منها صاحبها؛ كما في قوله تعالى: ژ? ں ںژ (البقرة: 217) فإنَّه يدلُّ على أنَّ إحباط العمل مشروط بالموت على الكفر، ومفهومه أنَّ من تاب فلا إحباط.
ويدلُّ على ذلك أيضا قول عائشة رضي الله عنها: «أبلغي زيدًا أنه أبطل غزوه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطل حجه وصلاته وصيامه إن لم يتب» (1).
ذكر الإمام أنَّ مسألة إحباط العمل مبنيَّة على مسألة القطع بتعذيب الفسَّاق؛ فَمَن قَطَعَ بتعذيبهم قال بإحباط عملهم، ومن لم يقطع قال: إنَّما الإحباط بالشرك لا بغيره (2).
وقال السالميُّ بإحباط عمل الموحِّد وذهاب ثوابه بالكبيرة التي لم يتب منها، بناء على الأدلَّة الواردة في ذلك، وعلى الأدلَّة الواردة في القطع بتعذيب أهل الكبائر، وقد ذكر هذه الأدلَّة في معرض حديثه عن الوعد والوعيد قائلا:
ومن عصى ولم يتب يخلَّد في النار دائما بهذا نشهد (3)
وقال: «أي من عصى بكبيرة ولم يتب منها حتَّى مات عليها فهو مخلَّد في النار دائما، نشهد بذلك لإخبار الله إيَّانا بها» (4). وفيما يلي بعض الأدلَّة التي اعتمدها الإمام في مسألة الخلود، وردوده على الاعتراضات التي جاء بها المخالفون لهذا الحكم:
1) قوله تعالى: ژ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ?ژ (الجنّ: 23).
الاعتراض: أنَّ المراد: مَن عَصَى اللهَ ورسوله في التوحيد.
ردَّ الإمام بأنَّ اللفظ عامٌّ ولا مخصِّص.
2) قوله تعالى: ژ? ? ? ں ں ? ? ? ? ?? ہ ہ ہژ (البقرة: 81).
الاعتراض: لا نسلِّم أنَّ صاحب الكبيرة أحاطت به خطيئته من كلِّ جانب؛ لأنَّ له حسنات لا يُظلَم إيَّاها.
__________
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج1، ص103.
(2) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص383.
(3) السالمي، بهجة الأنوار، ص12.
(4) السالمي، المشارق، ج2، ص144. (1/52)
صفحة 53
ردَّ الإمام بأنَّه أحبط حسناتِهِ بإصراره على الكبيرة، فلم يُظلم شيئا؛ لأنه قد أُخبر أنَّ الله إنَّما يتقبَّل من المتَّقين، ولا شكَّ أنَّ صاحب الكبيرة ليس بمتَّقٍ؛ فلم يتقبَّل شيئا من حسناته مع إصراره على الكبيرة، إذا مات عليها غير تائب منها.
3) قوله تعالى: ژگ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ... ? ?ژ (النساء: 93).
الاعتراض: أنَّ المراد من قتل مؤمنا على إيمانه، ولا يَقتُل مؤمنًا على إيمانه إلاَّ مشركٌ.
ردَّ الإمام بأنَّ سياق هذه الآية ينفي هذا التعليل؛ لأنه ذَكَرَ أوَّلاً حُكم قاتل المؤمن خطأً، ثمَّ ذكر حكم قاتله عمدًا، والمحكوم عليه في كلا الموضعين واحد.
4) قوله تعالى: ژژ ژ ... s s ک ک ک ... ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ?ژ (الانفطار: 13 - 16).
وَجْهُ استدلالِ الإمام بهذه الآية أنَّه لو كانوا يخرجون منها لَلَزم أن يغيبوا عنها، والفجور شامل للمشرك وغيره.
الاعتراض: أنَّ المراد بالفجَّار هنا الكاملون في الفجور، كما في قوله تعالى: ژ? ? ? ?ژ (عبس: 42).
ردَّ الإمام بأنَّه خلافُ الظاهر من غير دليل.
5) قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ?ژ (الجاثية: 21).
واعترض عليه من وجهين:
- الاعتراض الأوَّل: أنَّ المراد بمجترحي السيِّئات هم المشركون.
ردَّ الإمام: أنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ.
- الاعتراض الثاني: أنَّه ليس في الآية دليل إلاَّ على نفي مساواتهم للمؤمنين، في المحيا والممات، ونحن نقول: إنَّ من عُذِّب وأُخرِج ليس كمن لم يُعذَّب أصلا.
ردَّ الإمام بأنَّ التسوية بينهما منفيَّة مطلقا، فمن دخل الجنَّة من مكتسبي السيِّئات كان يومئذ كالذين آمنوا (1).
ومن الأحاديث التي استند عليها وتعضد هذه الأدلَّة القرآنيَّة ما يأتي:
__________
(1) المصدر نفسه، ج2، ص 144 - 145. (1/53)
صفحة 54
1) قوله صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حقَّ مسلم بيمينه حرَّم الله عليه الجنَّة وأوجب له النار»، قال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإن كان قضيبا من أراك» (1)؛ فالله حرَّم عليه تلك الجنَّة لتلك الكبيرة التي لم يتب منها، وهو قطع مال المسلم بحلف كاذب، ففيه حجَّة على القطع بتعذيب أهل الكبائر (2).
2) قوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف يمينا على مال امرئ مسلم ليقطعه، لقي الله وهو عليه غضبان» (3). «المراد بلقاء الله: لقاء ما وعد الله به العباد، وهو البعث بعد الموت، وما وراء ذلك في الأحوال. والمراد بالغضب: إيصال الشرِّ إليه. وفي الحديث القطع بتعذيب أهل الكبائر» (4).
3) قوله صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النار» (5). قال السالمي: «هذا الحديث يدلُّ على القطع بتعذيب أهل الكبائر وتخليدهم، وهو حجَّة على مَن خالفنا في ذلك» (6).
4) قوله صلى الله عليه وسلم: «القليل من أموال الناس يورث النار» (7).
__________
(1) الربيع، الجامع الصحيح، الأيمان والنذور، رقم: 660، ج2، ص174.
(2) ينظر: السالمي، شرح الجامع، ج3، ص405.
(3) الربيع، الجامع الصحيح، الأيمان والنذور، رقم: 35، ج2، ص174.
(4) السالمي، شرح الجامع، ج3، ص401.
(5) الربيع، الجامع الصحيح، الأيمان والنذور، باب إثم من كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رقم 738، ج2، ص191.
(6) السالمي، شرح الجامع، ج3، ص572.
(7) الربيع، الجامع الصحيح، الأيمان والنذور، باب في الوعيد والأموال، رقم: 690، ج2، ص181. (1/54)
صفحة 55
ومن الأدلَّة الشاهدة على ذلك أيضا ما رواه الإمام أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ خَيْبَرٍ وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً إِلاَّ الأَمْوَالَ وَالْمَتَاعَ، فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ يُقَالُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غُلاَمًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ، فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى وَادِي الْقُرَى، حَتَّى إِذَا كُنَّا بَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ رِحَالَ (1) رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ سَهْمٌ غَرْبٌ فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ! فَقَالَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم: «لاَ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّ الشَّمْلَةَ التِي أَخَذَهَا مِنَ الْمَغَانِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا». فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذَلِكَ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنَ النَّارِ» (2).
ومن العبر التي استخلصها الإمام من هذا الحديث ما يأتي:
1) أنَّ تلك الشملة التي أخذها العبد كانت سببا في دخوله النار، أو هي التي لتشتعل عليه في النار.
2) تهويل شأن الغلول وإن قلَّ.
3) ليس كلُّ مقتول في الجهاد شهيدًا، وإنَّما الشهيد هو الذي مات دون إصرار على معصيته.
4) هذا الحديث حجَّة على المخالفين في تعذيب صاحب الكبيرة (3).
__________
(1) (*) ... في نسخة: «رحل».
(2) الربيع، الجامع الصحيح، كتاب الجهاد، باب جمع الغزو في سبيل الله، رقم: 470، ج2، ص128.
(3) السالمي شرح الجامع ج2، ص 444. (1/55)
صفحة 56
إنَّ كلَّ هذه الأدلَّة التي مرَّت علينا لتدلُّ على أنَّ صاحب الكبيرة سيلقى مصيره الذي توعَّده الله به إن لم يتب من معصيته. وإن مات أثناء عمله طاعة دون توبة على ما قبلها، فسينفِّذ الله وعيده فيه؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى صادق في كلامه، ولا يُتصوَّر غير ذلك منه سبحانه، ألم يقل في محكم تنزيله: ژھ ھ ... ھ ھ ےے ? ? ?? ? ? ?ژ (الأنعام: 115)، وقال: ژ? ? ? ? ? ? ? ... ?ژ (ق: 29). هذا ما ذهب إليه الإمام حيث قال: «لا يدخل الجنَّةَ من مات مصرًّا حكما إلهيًّا ووعدا سماويًّا» (1)، وهو موافق لما جاء في الكتاب والسنَّة ولما عليه الإباضيَّة.
فمن أدرك هذه الحقيقة وقطع بها فَهِمَ جيِّدًا سبب إحباط عمل الموحِّد؛ فالله لا يتقبَّل عملا مختلطا بكبيرة، وإنَّما يتقبَّل من المتَّقين.
__________
(1) ينظر: السالمي، شرح الجامع، ج3، ص474. (1/56)
صفحة 57
ومسألة الإحباط هذه لم تكن مذهب الإمام وحده، وإنما هو موافق لما عليه سائر الإباضيَّة؛ وهذا ما نجده في قول الشقصي الرستاقي (1): «قال أصحابنا: إنَّ كلَّ من عصى الله بصغير (2) من الذنوب أو كبير، وهو عالم به وأصرَّ عليه ولو على حبَّة ممَّا ظلم، فقد وجبت له نار جهنَّم خالدا فيها، وبطل عنه جميع إحسانه، ولم ينتفع بسالف إيمانه، ولو أذاب بدنه في عبادة الله وأتعبه، وأنفق ماله في سبيل الله وأذهبه، لم يقبل الله من عمله حتَّى يقلع عن تلك الذنوب والمعاصي السالفة ويتوب منها» (3).
__________
(1) هو الشيخ العلاَّمة الفقيه خميس بن علي بن مسعود بن عبد الله بن زياد الشقصي، ولد سنة 990هـ، وتوفِّي سنة 1070هـ، أصله من نزوى واستوطن في الرستاق. ومن أهم مؤلَّفاته: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، وهي موسوعة فقهيَّة. ينظر: منهج الطالبين.
(2) حكم الإصرار على الصغيرة مسألة تحتاج إلى مزيد تأمُّل وبحث، من حيث ثبوت النصوص فيها، ودلالتها، والاجتهادات فيها، ومن حيث ضبط المصطلحات وتحديد مفاهيمها، فما معنى الإصرار؟ أهو التمادي أم الاستخفاف أم التكرار؟ ... وما هو الحدُّ الدقيق الفاصل بين الصغيرة والكبيرة؟ ... وقد فصَّلنا في بعض جوانبها في بحثنا حول الأسماء والأحكام عند الإباضية، ص472 - 479. كما تناول من قبلُ جانبا منها الأستاذ الباحث مصطفى ابن ادريسو في دراسته القيِّمة: الفكر العقديُّ عند الإباضيَّة، ص394 - 447. (المراجع).
(3) الرستاقي خميس بن سعيد بن علي بن مسعود الشقصي، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين. (ط1، 1427هـ، 2006م)، ج1، ص668. (1/57)
صفحة 58
وأمَّا ما ورد في الأثر عن جابر بن النعمان رحمه الله أنَّه قال: «اختلف المسلمون من أهل صُحار (1) في الذي يعمل الحسنات والسيِّئات، فقال قائلون منهم: إنَّها تُحصى عليه حتَّى يموت ثمَّ يُنظر في حسناته وسيِّئاته أيُّهما أكثر جُزي به. وقال آخرون: إذا عمل حسنة ثمَّ عمل سيِّئة محت السيِّئةُ الحسنةَ. قال جابر: فخرجنا من صحار إلى سمائل، فسألت هاشم بن غيلان (2) -رحمه الله- عن ذلك فقال: كُفُّوا عن هذا! فقد وقع هذا بصحار وكتبوا إلينا فلم نجبهم» (3).
لَمَّا وردت هذه المسألة اختلف المسلمون في تأويلها، حيث قال بعضهم: إنَّ هذه المسألة ليست من مسائل الدين؛ لأنها لو كانت كذلك لما وَسِعَ هاشما السكوت عنها. ومنهم من اعتبر هذه السيِّئات هي الصغائر غير المستخَفِّ بها، فعدَّ أنَّ المسألة ليست من مسائل الدين بهذا الاعتبار (4).
أما السالميُّ فقد أعطى لهذه المسألة تعليلا لا يعارض القطعيَّ الذي ذكر وأحسن الظنَّ بهاشم حيث قال: «هذا المقام ليس محلاًّ للخلاف، والقائل بأنَّ السيِّئة تمحو الحسنة إذا جاءت بعدها هو المصيب لكن بشرطين:
- أحدهما: أن تكون كبيرة؛ لأنَّ الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر.
- وثانيهما: أن يموت عليها؛ لأنَّه إذا تاب منها رُدَّ إليه ثواب حسناته.
__________
(1) مرفأ في عمان على خليج عمان. ينظر: منجد الأعلام، ص 344.
(2) من علماء وفقهاء عمان في القرنين الثاني والثالث الهجريَّين. كان أوسع العلماء في عصره. ينظر: السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، ص36.
(3) السالمي، المشارق، ج2، ص384
(4) ينظر: ابن ادريسو مصطفى بن محمَّد، الفكر العقديُّ عند الإباضيَّة حتَّى نهاية القرن الثالث الهجري، (1424هـ/2003م، جمعية التراث، القرارة، غرداية)، ص443 - 344. (1/58)
صفحة 59
وناهيك بسكوت هاشم عن الجواب عليها بقوله: وعند هذا ومثله تقع الفرقة، تنبيها على أنها من مسائل الدين. فإن قيل: لو كانت من مسائل الدين لَمَا وسع هاشمًا السكوتُ عنها لحديث ”إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله“ (1)، قلت: فهم هاشم أنَّ المراد من الحديث شيئان:
- أحدهما: إلزام المبتدع الحجَّة.
- وثانيها: إنقاذ المسلمين من هلكة البدعة.
فعلم أنَّ الحجَّة قد لزمت هذا المبتدع بظهور العلم على لسان خصمه ولا يلزم تكرار العلم، ورأى أنَّ المصلحة في إنقاذ المسلمين من تلك البدعة، هي السكوت عن الخوض في تلك المسألة أصلا، فإنَّها لو طال الكلام فيها لاتَّسع الخرق واستطارت الفتنة، فيعمُّ ضرُّها أقطار الأمصار، ومتى كُفَّ عن الخوض فيها خمدت نارها ولم يتعدَّ ضررها. فلله درُّ هاشم ما أغزر علمه وأثقب فهمه!» (2).
__________
(1) الربيع، الجامع الصحيح، باب الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد-رحمه الله-، ج4، ص268، 269. بزيادة.
(2) السالمي، المشارق، ج2، ص484. (1/59)
صفحة 60
ولله درُّ السالميِّ ما أعمق فكره! فقد حاول أن يؤوِّل هذه المسألة دون معارضتها للقطعيِّ. والعجب فيمن ردَّ عليه بأنَّ هذا لا يكفي عذرا حيث قال: «لو رأى هاشم أن المسألة ممَّا يُقطع فيه العذر وأنها من البدع ما سكت عن جواب أهل صحار، ولم يأمر جابرا بالكفِّ فقط بل أظهر له وجه الحقِّ» (1). وقد علَّل الإمام خلفان بن جميَّل السيابي (2) في كتابه «فصل الخطاب» قول الإمام بأنه أراد بذلك قطع الخلاف السابق وسدَّ الذريعة، خوف الفتنة، كما فهم من سكوت هاشم عنها وأمره إيَّاهم بالكفِّ، ثمَّ قال: «الكفُّ عن مثل هذا أولى والسلامة عن الخوض فيه أسلم، ونَكِلُ أمره إلى الله» (3).
والجانب الذي يكون السكوت عنه أسلم هو الخلاف فيمن يفعل السيِّئات الصغائر مع الحسنات، هل توزنان أم تمحو إحداهما الأخرى؟. وأمَّا الخطورة فتكمن فيمن يرتكب الكبائر ويصرُّ عليها، ويزعم أنها لا تُحبط حسناته، ولاسيما في هذا الوقت والفتنة قد اشتدَّت في هذه المسألة، وعمَّ خطرها كلَّ الأقطار الإسلاميَّة. ونحسب أنَّه من الحكمة توضيح ذلك للناس في هذا الزمان، فقد دلَّت النصوص القاطعة على تعذيب من مات مصرًّا على كبيرته.
__________
(1) الغيثي الشيخ سعيد بن ناصر، إيضاح التوحيد بنور التوحيد، وهو شرح لنور التوحيد لمصنِّفه العلاَّمة: علي بن محمَّد المنذري. تحقيق: محمَّد بن موسى باباعمي ومصطفى بن محمَّد شريفي. (ط1، 1417هـ/ 1996م، سلطنة عمان معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد)، ج2، ص393.
(2) هو الشيخ العلاَّمة المحقِّق أبو يحيي خلفان بن جميَّل بن مهيّل السيابي السموءلي. كان من فحول العلماء وجهابذتهم وقد عاصر الإمام السالميَّ ونهل من بحره الفيَّاض، وتوفِّي سنة 1392هـ. ينظر: السيابي خلفان بن جميل، فصل الخطاب في المسألة والجواب، (1428هـ/ 2007م، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان). ج1، ص 5 - 7.
(3) السيابي خلفان بن جميل. المرجع السابق. ج1، ص36. (1/60)
صفحة 61
وصدق الناظم إذ قال:
وإنَّما الطاعات والمعاصي لا يجمعان أبدًا لعاصي
إذ الكبير يحبطنَّ العملا بذلك القرآن حقًّا نزلا
إنَّ الأذى والمنَّ والرياء للصدقات محبطات جاء
كذا رفع الصوت فوق صوته يبطل أعمالا لمن قد يأته
والكلُّ من كبائر الذنوب ونحوه في سنَّة الحبيب (1).
• المطلب الثالث: الحكم الأخرويُّ للصغيرة:
للصغيرة حكمان:
- «أوَّلا: أنَّها مغفورة بفعل الحسنات، بشرط اجتناب الكبائر؛ لقوله تعالى: ژہ ھ ھ ھ ... ھ ے ... ے? ? ? ? ?? ? ? ? ژ (هود: 114)، وقوله تعالى: ژگ گ گ گ ? ? ? ... ? ? ? ? ?ژ (النساء: 31)، والمراد بالسيِّئات هنا الصغائر. وقوله تعالى: ژ? ں ں ? ? ? ??ژ (النجم: 32) والمراد باللمم الصغائر من الذنوب.
- ثانيا: الإصرار عليها كبيرة» (2).
فمن اقترف صغيرة وأصرَّ عليها فحكمه حكم من ارتكب الكبيرة، وهي الهلاك إن لم يتب. وهذا ما أشار إليه الناظم بقوله:
ومن أصرَّ لصغير فكَمن أتى الكبير في الكتاب والسنن (3)
وسيأتي بيان الإصرار إن شاء الله.
__________
(1) السالمي نور الدين عبد الله بن حميد، كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، (ط2، 1423هـ/ 2003م، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع). ص40 - 41.
(2) السالمي، المشارق، ج2، ص273.
(3) السالمي، بهجة الأنوار، ص16. (1/61)
صفحة 62
ربَّما يتبادر إلى الأذهان أنه ما دامت الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر وفعل الحسنات فلا ضير إذن في ارتكابها؟ وقد لا يكون نهيها نهي تحريم؟ أجاب الإمام على هذا إذ قال: «لم يبح الله شيئا من الذنوب لا كبيرا ولا صغيرًا، ولكنَّه عفا بفضله عن الذنب الصغير مع اجتناب الكبير وعدم الإصرار على الصغير؛ فإنَّ الإصرار على الصغير من كبائر الذنوب» (1). وقال أيضا: «قد قيل: إنَّ مناهي القرآن للتحريم فقط، وذلك لا يستلزم الكبيرة؛ لأنَّ الصغيرة محرَّمة أيضا لكن وقع العفو عنها باجتناب الكبائر، فلا عفو له إلاَّ إن تاب» (2)؛ إذن فالصغيرة أيضا فعلها محرَّم ولا يجوز اقترافها.
• المطلب الرابع: أثر الصغيرة على العمل:
من خلال ما مرَّ تبيَّن أنَّ العلماء ذهبوا إلى أنَّ الإصرار على الصغيرة يكون كبيرة؛ لأدلَّة منها ما يأتي:
أوَّلاً: الأدلَّة على أنَّ الإصرار على الصغيرة كبيرة:
أ- من القرآن:
قوله تعالى: ژچ ? ? ? ? ? ?ژ (آل عمران: 135)، وقد ذكرت هذه الآية بعد قوله تعالى: ژ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?ژ (آل عمران: 135)، فالله تعالى عطف الاستغفار على الذنب بعد الفاحشة وظلم النفس؛ لأنَّ الإقلاع والتوبة منهما واجب، ثمَّ إنَّه مدحهم بعدم الإصرار، وفي مدحه تعالى لهم ذمٌّ للإصرار؛ فمن هنا أُخذ أنَّ الإصرار كبيرة. ولكنَّ الإمام مع ذكره لهذا الاستدلال لم يجعل الآية معوَّلا في تحريم الإصرار على الصغيرة؛ وذلك لأنَّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ذكر الإصرار بعد الفاحشة وظلم النفس وهما كبيرتان؛ لذا عوَّل على السنَّة وإجماع الأمَّة (3).
ب- من السنَّة:
__________
(1) السالمي، معارج الآمال، ج1، ص578.
(2) السالمي، الجوابات، ج6، ص382.
(3) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص، 273 - 274. بهجة الأنوار، ص144. (1/62)
صفحة 63
- ما روي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صغيرة عند إصرار، ولا كبيرة مع توبة واستغفار» (1).
- ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: «هلك المصرُّون قُدُمًا إلى النار» (2).
__________
(1) عز الدين بليق، منهاج الصالحين من أحاديث وسنَّة خاتم الأنبياء والمرسلين، (ط2، 1402هـ/1982م، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت). باب الدعاء والاستغفار، رقم: 1685، ص935. رواية عن البخاري والطبراني.
استَدَلَّ به الرستاقي في منهج الطالبين، 2/ 212. قال العجلوني: «رواه أبو الشيخ والديلمي عن ابن عبَّاس رفعه، وكذا العسكريُّ عنه في الأمثال بسند ضعيف لا سيما ورواه ابن المنذري في تفسيره عن ابن عبَّاس من قوله، والبيهقي عن ابن عباس موقوفا، وله شاهد عند البغوي، ومن جهة الديلمي عن أنس مرفوعا، ورواه إسحاق بن بشر في المبتدأ عن عائشة لكنَّ حديثه منكر، وأخرجه الطبرانيُّ عن أبي هريرة وزاد في آخره:} فطوبى لمن وجد في كتابه استغفارا كثيرا} لكن في إسناده بشر بن عبيد الفارسي متروك، ورواه الثعلبي وابن شاهين في الترغيب عن أبي هريرة». كشف الخفاء، رقم 3071، 2/ 490. وينظر تخريجات أخرى للرواية: الشِّمَّري: الكبيرة وآثارها، ص35 - 37. (الْمُراجِع).
(2) لم نعثر على هذه الرواية. وإنَّما وردت بلفظ: «هلك المتنطِّعون». مسلم، العلم، باب هلك المتنطعون، رقم: 2670. مج8، ص190.
ذكره عدَّة علماء من الإباضيَّة دون زيادة: «قدما إلى النار». ينظر: محَمَّد الكندي: بيان الشرع، 3/ 25، 187؛ 5/ 44، 74. الجيطالي: قواعد الإسلام، 1/ 306. الرستاقي: منهج الطالبين، 2/ 22، 211، 219. القطب: تيسير التفسير، تح. طلاي، 11/ 449؛ 12/ 238. شرح النيل، 16/ 159. شرح عقيدة التوحيد، ص148. السالمي، معارج الآمال، 2/ 279. ولم أقف على تخريجه فيما بين يديَّ من المصادر. وفي تفسير الطبري كلام شبيه به مرويٌّ عن قتادة: «فإيَّاكم والإصرار، فَإِنَّمَا هلك المصرُّون الماضون قدما، لا ينهاهم مخافة الله عن حرام حرَّمه الله عليهم، ولا يتوبون من ذنب أصابوه حَتَّى أتاهم الموت وهم على ذلك». تفسير الطبري، 4/ 97. وأورده ابن الجوزي حديثا لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ولم يعزه. ينظر: زاد المسير، 4/ 204. (1/63)
صفحة 64
علَّق الإمام على هذه الأحاديث بـ «أنَّها وإن كانت آحاديَّة الإسناد فمعناها مستفيض في الأمَّة وعليه أطبقت كلمة العلماء فلا تجد فيهم من يحلِّل الإصرار، ولا من يقول: إنَّ الإصرار صغيرة» (1).
والمصرُّ على الصغيرة هو مرتكب للكبيرة. ولا يفهم أن الصغيرة هي التي تتحوَّل فتصبح كبيرة، وإنما كما قال الإمام (2):
ومن أصرَّ لصغير فكمن أتى الكبير في الكتاب والسنن
والمراد من تشبيه المصرِّ بفاعل الكبيرة هو أنَّ الكثير من العوامِّ يعتقدون - بجهلهم - أنَّ الإصرار على الصغيرة صغيرة، فخاطبهم بما وقع في أذهانهم، فشبَّه لهم المصرَّ بفاعل الكبيرة، مراعاة لمقتضى حالهم، ومقتضى الحال مراعًى في البلاغة (3).
فما مفهوم الإصرار لغة وما مراده اصطلاحا؟
ثانيا: معنى الإصرار لغة واصطلاحا وحكمه:
أ- الإصرار لغة:
أصل الصرِّ الجمع والشدُّ، يقال: أصرَّ الفرسُ وذلك إذا جمع أذنيه وعزم على الشدِّ. وأصرَّ على الأمر: عزم عليه. يقال: أصرَّ على فعله يُصِرُّ إصرارا: إذا عزم على أن يمضي فيه ولا يرجع، أو أصرَّ على الشيء إذا لزمه وداومه وثبت عليه. الصَّرُّ: الحبس والمنع. وناقة مصرَّة لا تدرُّ (4).
إنَّ المتأمِّل في هذه التعريف اللغويِّ يجد اللفظة متنوِّعة المعاني، فقد جاءت بمعنى العزم على الشيء، وبمعنى المضيِّ في الأمر وعدم الرجوع عنه، كذلك تعني ملازمة الشيء والدوام عليه والثبات فيه، كما دلَّت على الحبس والامتناع. وأمَّا عن أصل معناها فهو الجمع والشدُّ.
فيا ترى ما معنى الإصرار في اصطلاح العلماء؟ خاصَّة الإمام. وهل كلُّ هذه المعاني تعدُّ إصرارًا، أم أنَّ فِعْلَ أيِّ واحد منها يسمَّى صاحبه مُصِرًّا؟
ب- الإصرار اصطلاحا:
__________
(1) السالمي، بهجة الأنوارص144.
(2) السالمي، المصدر نفسه، ص16.
(3) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص274.
(4) ابن منظور، لسان العرب، مج6، ص225 - 226. (1/64)
صفحة 65
للإصرار معانٍ متعدِّدة منها: الاستخفاف بالذنب واستحقاره. وهذا متَّفق فيه بين العلماء. وهناك معان أخرى اختلفوا فيها، منهم من فسَّره بعدم الندم، وعدم الرجوع، وعدم التوبة، ونُسب هذا إلى أبي عبيدة. ومنهم من فسَّره بتأخير التوبة، ونسب هذا إلى بشير. ومنهم من عرَّفه بالسكوت عن التوبة، والتمادي فيه، ونسب هذا إلى السُّدِّيِّ. ومنهم من فسَّره بالإقامة على الذنب، أو اعتقاد المعاودة إليه، وأنَّه لا يحكم عليه بالإصرار حتَّى يصرِّح بعدم التوبة، ونسب هذا إلى القطب (1). ولعلَّ مردَّ اختلافهم هو اختلاف المعاني اللغوية للفظة أصرَّ، وإلى هذا الاختلاف أشار الناظم بقوله:
والخلف في الإصرار هل إذا مضى ولم يتب من العمل
أو إن يكن أتاه باستخفاف والثاني عندهم بلا خلاف (2)
ج- حكم الإصرار على الصغيرة:
والسؤال هو: هل المصرُّ في كلِّ هذه الأحوال يعطى حكم مرتكب الكبيرة؟
ذهب الإمام إلى أنَّه لا يمكن أن نُنزِّل العاصي منزلة اختلف فيها العلماء (3)؛ لذا فإنَّ المصرَّ الذي يعطى حكم الكبيرة، هو الذي أتى الذنب مستخفًّا به ومستحقرا له. ففي هذه الحالة إن مات دون توبة، فإنَّ تلك المعصية تؤثِّر على عمله، إذ تحبطه، ويذهب ثوابه ولا ينتفع به.
ويبقى السؤال فيمن أقام على الصغيرة دون استخفاف أو استحقار لها، فهل يُعطَى حكم الكبيرة ويتأثَّر عمله بذلك؟ هذا ما لم يستطع البحث الإجابة عنه.
__________
(1) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص278 - 280. المعارج، ج5، ص578 - 579.
(2) السالمي، المشارق، ج2، ص281.
(3) ينظر: السالمي، بهجة الأنوار، ص146. (1/65)
صفحة 66
في خاتمة هذا المبحث وبعد عرض أقوال الإمام في مسألة الحكم الأخرويِّ للمعصية وأثرها على العمل تبيَّن أنَّ ما ذهب إليه الإمام أنَّ المصرَّ على معاصيه عمله محبط ولا ينتفع به، وجزاؤه الخلود في النار - والعياذ بالله -. وقد أبرز الإمام الحقيقة الربَّانيَّة لأثر المعصية على العمل من خلال الأدلَّة التي اعتمدها. والإنسان لَمَّا يدرك خطورة المعصية على عمله، فإنَّه لن يقترب منها، ولن يحوم حول حماها، وحتَّى وإن وقع فيها فلن يصرَّ عليها، بل يبادر بالمسارعة إلى التوبة.
} - - {
الفصل الثاني
الأثر الأخروي للمعصية على عمل الموحد
المبحث الثاني
مناقشة الإمام لبعض الآراء الواردة في المسألة
المبحث الثاني:
مناقشة الإمام لبعض الآراء الواردة في المسألة
يرى البعض أنَّ المعصية لا تؤثِّر على عمل الموحِّد ما دام موحِّدًا. فمهما اقترف من المعاصي فإنَّه سيُجزى بأعماله، ولن يضيع ثوابها. متمسِّكين في ذلك بأدلَّة من الكتاب والسنَّة. وسيحاول هذا المبحث الكشف عن هذه الآراء وتبيين صحَّتها من بطلانها، من خلال مناقشة الإمام لها، وليست كلُّ الآراء ستُعرَض (1)، وإنَّما ما تطرَّق إليه السالمي ووضَّحه، وذلك من خلال المطالب الآتية وهي:
• المطلب الأول: موازنة حسنات وسيِّئات العاصي.
ذهب الأشاعرة إلى أن أعمال العاصي توزن له فأيهما رجحت كفته جزي به. إن رجحت كفة حسناته دخل الجنة وإن رجحت كفة سيئاته دخل النار. ودليلهم على ذلك:
- قوله تعالى: ژ? ? ?? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ... ھ ھژ (الأعراف: 8 - 9).
- قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (المؤمنون: 102 - 103).
__________
(1) قد يجد القارئ في ثنايا هذه الآراء لفظة «البعض» أو ما شابهها؛ لأنَّ السالميَّ في بعض الأحيان لا ينسب القول إلى صاحبه بل يشير بلفظة: «قالوا» أو «آخرون»، لذا يستشكل علينا نسبها. (1/66)
صفحة 67
- قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (القارعة: 6 - 10).
وذكر السالميُّ أنَّهم استندوا إلى أحاديث لم تثبت عندنا؛ ففسَّروا الموازين المذكورة في هذه الآيات على أنَّها عبارة عن ميزان مادِّيٍّ ذي عمود وكفَّتين توضع فيه الأعمال وتوزن. ثمَّ اضطربوا في الشيء الموزون:
1) قال البعض: إنَّ الشيء الموزون هو الكتب، حيث إنَّ الحسنات تنفرد بكتاب والسيِّئات كذلك.
2) وذهب آخرون إلى أنَّ الأعمال تنقلب إلى أجسام حسنة وقبيحة ثمَّ توزن.
3) وذهب آخرون إلى أنَّ الموزون أنوار وظلمات.
4) وذهب آخرون إلى أنَّ الموزون هو العامل نفسه (أي الإنسان).
هذا ما ذهبوا إليه. وخالفهم الإمام السالمي في ذلك والإباضيَّة وجمهور المعتزلة، إذ يرون أنَّ الميزان المذكور في الآيات السابقة ميزان معنويٌّ لا مادِّيٌّ. وإليه أشار الناظم بقوله:
وإنَّما الميزان في الحسبان عدل وإنصاف من الرحمن
لا مثل قول ذي الخلاف إذ غدا يؤوِّلنه كفَّة وأعمدا (1).
فهم يرون أنَّ الموازين المذكورة في الآيات هي عبارة عن ثبوت السعادة لقوم والشقاوة لآخرين، على سبيل الاستعارة التمثيليَّة؛ فشبَّه ثبوت العمل الصالح بثقل الموازين والعمل السيِّئ بخفَّتها، على وجه لا يُظلم فيه أحد؛ فمن ثبت له عمل صالح لا ينقص منه شيء، ومن ثبت له عمل سيِّئ لا يظلم منه شيء. وهذا هو مراد الناظم من قوله: «عدل وإنصاف»؛ لأنَّ العدل هو: «وضع شيء في موضعه من غير اعتراض على فاعله. والإنصاف هو معاملة الغير بالعدل والقسط» (2)، مستندا في ذلك إلى قوله تعالى: ژ? ? ... ? ? ... ? ? ? ? ??ژ (الأنبياء: 47)؛ فاعتبر القسط هنا بدلا من الموازين لا صفة له، كما في قوله تعالى: ژ? ? ??ژ (الأعراف: 8)، وفسَّر الوزن بأنَّه الحقُّ، وإلى هذه الآية أشار بقوله:
__________
(1) السالمي، بهجة الأنوار، ص12.
(2) السالمي، المشارق، ج2، ص127. (1/67)
صفحة 68
وما هنالك ميزان يقام كما قالوا: عمود وكفَّات لِمَا عملا
وإنَّما الوزن حقٌّ منه عزَّ ألم تسمع إلى آية الأعراف محتفلا (1).
وذكر الإمام أنَّهم إن كانوا يعتقدون بأنَّ هنالك وزنا يقام كما وصفوه، فالله سبحانه وتعالى يقول في آية أخرى: ژ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ?ژ (الكهف: 105) فهذه الآية تدلُّ على أنَّه لا وزن للكافر يوم القيامة. وقد اتَّضح في أقسام الكبيرة مفهوم الكفر وعلى من يطلق؛ لذا قال الإمام: إنه يلزم القائلين بالميزان أن يقولوا: إنَّه مختصٌّ بما عدا الكافر وهم لا يقولون بذلك.
هذا ما ردَّ عليهم الإمام من الآيات القرآنيَّة، ثمَّ استدلَّ أيضا بكلام العرب؛ إذ إنَّهم كانوا يعبِّرون بثقل الميزان لمن علا شأنه، وبخفَّته لمن كان عكس ذلك. وإليه أشار الشاعر بقوله:
لو يضعوا أباي في ميزانهم رجحوا وشال أبوك في الميزان
ومن الأدلَّة التي جعلت الإمام يستبعد الموازين المذكورة بمفهومها المادِّيِّ قضيَّة الاختلاف في الشيء الموزون؛ فكلُّ الاحتمالات التي أوردوها رآها باطلةً لا أساس لها من الصحَّة، وأنَّ حمل الميزان على حقيقته المشهورة محال، وأنَّ أعمال العباد أعراض ووزنها محال. وردَّ عليهم بقوله: إن كانوا يقولون إنَّ الموزون هو الكتب، فإنَّهم يزعمون من جهة أن الموزون هي الأعمال ومن جهة يقولون: هي الكتب، والكتب هي محلُّ الأعمال لا بيانها.
وأمَّا عن قولهم: إنَّ الموزون هي أجسام حسنة وقبيحة، فقد ردَّ بأنَّ هذا من قلب الحقائق، وهو ممتنع عقلا، فمن المحال قلب الأعراض أجساما. وردُّوا عليه بأنَّ المحال متوقِّف على القسمة العقليَّة فلا ينقلب الواجب مستحيلا ولا العكس، وأمَّا فيما عدا ذلك فلا استحالة. وأجابهم بأنَّه لم يصحَّ أنَّ الأعراض ستقلب أعيانا، والقول بذلك تحكُّم بلا دليل.
__________
(1) السالمي، تلقين الصبيان وغاية المراد، ص117. (1/68)
صفحة 69
وعن قولهم: إنَّ الموزون هو العامل نفسه، أجابهم بأنَّه يحتاج إلى شيء يوازنه في الكفَّة الأخرى فما هو؟ (1)
من خلال ما سبق نلاحظ أنَّ ما ذهب إليه الإمام أقرب إلى نصوص الوحي؛ فإنَّ اختلافهم في الشيء الموزون يضعِّف أنَّ الميزان المقصود من الآيات هو مادِّيٌّ. فلو كان كذلك فعلى الأقلِّ أن تقترب آراؤهم في الشيء الموزون أو تتَّفق.
إلاَّ أنَّ الإمام لم يحكم بضلال هؤلاء، ولم يعتبر هذه المسألة من المسائل الدينيَّة التي لا يجوز فيها الخلاف. وقال بذلك لأنَّ من اعتقد الميزان المادِّيَّ برجحان العمل الصالح في حقِّ السعيد ورجحان العمل السيِّئ في حقِّ الشقيِّ، يحتمل أن يكون العمل المختوم به سائر الأعمال هو المجازى به، كمن يعمل السيِّئات والمعاصي طيلة عمره، ثمَّ يموت على التوبة والوفاء فيجزى بتلك التوبة، أومن أفنى عمره في طاعة الله ثمَّ في نهايته اقترف الكبائر ومات عليها فإنَّه يجزى بها (2). وعدَّ الإمام المسألة مما يجوز فيه الخلاف من هذه الناحية. وأمَّا إن كان اعتقاد أنَّ ما يوزن هي الكبائر التي لم يتب منها، مقابل أعماله فهذا ممَّا يعارض القطعيَّ المذكور سابقا.
• المطلب الثاني: شفاعة الرسول ومقام العاصي منها.
ذهب الأشاعرة، إلى أنَّ مرتكب الكبيرة الموحِّد لا تؤثِّر كبيرته على عمله وإنما يشفع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فيدخل الجنَّة (3). واستندوا في ذلك إلى رواية عنه عليه السلام: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمَّتي» (4).
وقبل الشروع في تفصيل المسألة يجدر بنا تعريف الشفاعة.
أوَّلا: تعريف الشفاعة لغة واصطلاحا:
__________
(1) ينظر: المشارق، ج2، ص125 - 127. بهجة الأنوار، ص104، 105.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ج2، ص127.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ج2، ص 133.
(4) الترمذي، صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. باب ما جاء في الشفاعة، رقم: 2435. ج4، ص539. (1/69)
صفحة 70
عرَّفها الإمام فقال: الشفاعة «لغة: الوسيلة والطلب.
عرفا: سؤال الخير من الغير للغير.
اصطلاحا: طلب تعجيل دخول الجنَّة، أو زيادة درجة فيها من الربِّ عزَّ وجلَّ لعباده المؤمنين» (1) وتكون للأنبياء والصالحين، وخصَّ بها سيِّدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم. حيث جعله الله أوَّل الشافعين (2).
اتَّفق العلماء على وجود شفاعة في الآخرة، واختلفوا فيمن يستحقُّها فذهبت الأشاعرة إلى ثبوتها لأهل الكبائر استنادا على الحديث المذكور آنفا. وهناك من تأوَّل قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ژ (الإسراء: 79) وقوله تعالى: ژ? ? ? ?ژ (الضحى: 5). وأمَّا الإمام فذهب إلى أنَّ الشفاعة تثبت للمؤمن دون الشقيِّ حيث قال:
شفاعة الرسول للتقيِّ ... من الورى وليس للشقيِّ (3)
واستند في ذلك إلى أدلَّة من الوحي، منها قوله تعالى: ژ? چ چ چ چ ? ? ? ? ژ (الأنبياء: 28)، وقوله تعالى: ژک گ ... گ گ گ ... ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ?ژ (البقرة: 123) وقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ?ژ (غافر: 18)، واستدلَّ على أنَّ هذه الآيات عامَّة، فالأولى فيها تصريح أنَّ الشفاعة مقصورة على من ارتضاه الله، وفي الثالثة دليل على نفيها للظالم وهو اسم لكلِّ من ظلم نفسه، أو ظلم غيره فلا تخصُّ المشركين كما زعموا. وإن كان سبب نزولها فيهم فلا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ (4).
كما عضَّد هذه الآيات بقوله صلى الله عليه وسلم: «ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمَّتي» (5).
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمَّتي» (6).
__________
(1) السالمي، المشارق، ج2، ص131.
(2) ينظر: المصدر نفسه.
(3) بهجة الأنوار، ص12.
(4) المشارق، ج2، ص132، 133.
(5) الربيع، الجامع الصحيح، باب الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد رحمه الله. رقم: 1004، ج4، ص279.
(6) الربيع، الجامع الصحيح، باب الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد رحمه الله. رقم: 1002، ج4، ص279. بلفظ آخر. (1/70)
صفحة 71
ومن الأدلَّة أيضا ما رواه جابر بن زيد رضي الله عنه عنه قال: لَمَّا نزلت هذه الآية: ژ? ? ?ژ (الشعراء: 214) جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يتفخَّذ أفخاذ قريش فخذا فخذًا، حتَّى أتى إلى بني عبد المطَّلب فقال: «يا بني عبد المطَّلب، إنَّ الله أمرني أن أنذركم، فإنِّي لا أغني عنكم من الله شيئا، ألا إنَّ أوليائي منكم المتَّقون، ألا لا أعرفن ما جاء الناس غدًا بالدين فجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم. يا فاطمة بنت محمَّد ويا صفيَّة عمَّة محمَّد اشتريا أنفسكما فإنِّي لا أغني عنكما من الله شيئا» (1). فإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يغني شيئا عن أقرب الناس إليه فماذا عمَّن دونه؟. لذا فإنَّ هذه الأدلَّة تدلُّ على أنَّ الشفاعة للتقيِّ لا لغيره.
ولَمَّا استند الإمام على هذه الأدلَّة الواضحة الصريحة في نفي الشفاعة لأهل الكبائر. ردَّ على مذهبهم بما يلي: فأمَّا الحديث الذي رووه على ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر ردَّ عليهم بثلاث وجوه:
1 - «أنَّه خبر واحد لا يعارض القطعيَّ.
2 - أنَّه لو لم يعارض القطعيَّ لما أوجب العلم (2).
3 - أنه عارضته رواية مثلها ونصها: «لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمَّتي» (3)، فهذه بتلك، على أنَّ هذه قد عضدها الكتاب وتلك قد خالفته» (4). وذكر الإمام ما ذهب إليه المحقِّق الخليليُّ، وهو أنَّ الرواية موضوعة، حيث قال: «لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر لتقرَّب إليه المتقرِّبون بالكبائر» (5).
__________
(1) الربيع، الجامع الصحيح، باب الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد رحمه الله. رقم: 1005، ج4، ص281 - 282.
(2) المراد أنَّه حتَّى ولو لم يعارض القطعيَّ فهو خبر آحاد لا يفيد العلم.
(3) سبق تخريجه.
(4) السالمي، المشارق، ج2، ص133.
(5) المصدر نفسه، ج2، ص133. (1/71)
صفحة 72
وأمَّا عن تأويلهم لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ژ (الإسراء: 79)، وقوله تعالى: ژ? ? ? ?ژ (الضحى: 5)، فقد ردَّ عليهم بقوله: «إنَّه ليس في الآيتين دليل على ثبوت الشفاعة أصلا، فضلا أن يقال: إنَّها ثابتة لأهل الكبائر. أمَّا الأولى ففيها ذكر البعث؛ لأنَّه في مقام محمود. فلِخَصْمِ هذا المتأوِّلِ أن يَتَأَوَّلَ ذلك المقامَ بغير الشفاعة تأوُّلَه هو بالشفاعة، فيصار إلى الأدلَّة الخارجيَّة». أمَّا عن الآية الثانية فقال: «الشفاعة معنًى، ولا يوصف المعنى بالإعطاء وإنَّما يوصف بالجعل، كأن يقال: جعلت لك الشفاعة، أو جعلت لك أن تشفع لمن شئت. ثمَّ سياق الآية غير دالٍّ على أنَّ المعطى هو الشفاعة» (1)؛ لقوله تعالى: ژ? ... ? ? ? ?ژ (الضحى: 4)؛ لذا فإنَّ هذه الأدلَّة قد بيَّنت أنَّ الشفاعة ليست للعاصي إلاَّ أن يتوب، كما أشار إليه الناظم بقوله:
فإن يتوبوا غفر الذنوبا وإن يصرُّوا أوجب التعذيبا
وقولكم: شفاعة النبيِّ منها نصيب يعطى للشقيِّ
ليس من الصواب، إنَّ الحقَّا ليس شفاعة لمن يشقى
جاء بذاك محكم الكتاب وسنَّة المختار والأصحاب
لا يشفعون أبدا إلاَّ لمن قد ارتضى تمنعهم وتحرمن
ووردت صحائح الأخبار بمنعها فلا تماري (2)
هذا وقد حكم الإمام بضلالة من اعتقد الشفاعة لأهل الكبائر قائلا:
ومن يقل بغير ذا فقد كفر كفر نعيم إن تأوُّلٌ ظهر
وإن يكن بغير ما تأوُّل فذاك شرك أي أشدُّ منزل
لأنه مخالف الكتاب وسنَّة الرسل والألباب
كليس للظالم من حميم ولا شفيع من لظى جحيم (3)
__________
(1) المصدر نفسه. ص133 - 134.
(2) السالمي، كشف الحقيقة، ص43، 44.
(3) السالمي، بهجة الأنوار، ص12. (1/72)
صفحة 73
فمن اعتقد أنَّ العصاة ناجون بشفاعة شفيع تأوُّلا سقط في كفر النعمة. ومن اعتقد ذلك بغير تأويل سقط في الشرك. هذا لأنَّهم عارضوا القواطع القرآنيَّة ونصوص السنَّة النبويَّة الدالَّة على نفيها عندهم. وأمَّا قصده من ذوي الألباب فإنَّ العقول السليمة تأبى أن تخالف نصًّا صريحا. ثمَّ لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر لما جاز لأحد أن يسأل أن يكون من أهل الشفاعة؛ لأنَّه بذلك يسأل أن يكون من أهل الكبائر (1).
• المطلب الثالث: مشيئة الله وأثرها في مرتكب الكبيرة:
ذهب الأشاعرة إلى أنَّ الموحِّد المرتكب للكبيرة في مشيئة الله، إن شاء عفا عنه بلا تعذيب، وإن شاء شفَّع فيه من شاء، وإن شاء عذَّبه بقدر معاصيه ثمَّ ينجيه بعد ذلك إلى جنَّة النعيم. ومن الأدلَّة التي اعتمدوها في ذلك ما يأتي:
قوله تعالى: ژک ک ک ک گ گگ گ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ںژ (الأنعام: 160)، وقوله تعالى: ژ? ? ? ?ژ (فصلت: 46)، وقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ??ژ (آل عمران: 195).
وأجاب عليهم الإمام بأنَّ الحسنة المضاعفة هي حسنة المؤمن، لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ژ (النمل: 89)، ولا يأمن من فزع يومئذ إلاَّ المؤمنون. وأمَّا الفسَّاق فإنَّ أعمالهم لا تقبل لأنَّهم ظلموا أنفسهم بإفسادها فبطلت، ولم يظلمهم الله شيئا (2).
__________
(1) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص134 - 137. بهجة الأنوار، ص108.
(2) ينظر: المشارق، ج2، ص151، 152. (1/73)
صفحة 74
ومنها قوله تعالى: ژ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ ژ (الزلزلة: 7 - 8)، قالوا: إنَّ الآية دالَّة على أنَّ من عمل خيرا رآه، ومن عمل شرًّا رآه. وأجاب عليهم بأنَّهم إن حملوا الآية على ظاهرها فهي لا تفيد إلاَّ العلم بالأعمال، لا الجزاء بها؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ ذكر في آية أخرى أنَّه يُري الكافرَ أعمالَه لا ليجزى بها، إنَّما لتكون عليه حسرة، كما في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ (البقرة: 167) وإن حملوها على الجزاء فيجب أن يدخل فيها حتَّى المشرك وهم لا يقولون بذلك. وإن قالوا: إنَّ المشرك خرج بأدلَّة أخرى دلَّت على إحباط عمله، فالجواب هو أنَّه حتَّى الفاسق نصَّت الأدلَّة على أنَّ عمله غير مقبول؛ لقوله تعالى: ژ? ... ? ? ? ?ژ (المائدة: 27)؛ لذا فيجب حمل الآية على العمل، لا على الجزاء بها (1).
ومن الأدلة قوله تعالى: ژ? ژ ژ s s ... ک ک ک ک گ گگ گ ? ? ?ژ (التوبة: 102) قالوا: إنَّ «عسى» من الله واجب إجماعا.
وردَّ عليهم الإمام بأنَّ الله وعد المعترفين بالمغفرة من السيِّئة، ومن عمل سيِّئة ثمَّ اعترف بها فهو تائب، ومن لم يتب فليس بمعترف بها. ثمَّ إنَّهم إن لم يتوبوا للزم أن يقطعوا بغفرانهم لأنهم يقولون: «عسى» من الله واجب، ولا يصدر منه الشكُّ، ولكن هم يجعلونهم في المشيئة، ويرجون لهم الغفران. وإن قالوا: إنَّ «عسى» في الآية للرجاء كما هي في اللغة، وإنَّ الله تعالى خاطب الناس على لغتهم مع علمه بما يؤول إليه أمرهم، وأبهم الأمر لنكتة، فإنَّه على هذا المعنى لا تعلُّق لهم بالمشيئة؛ لأنَّه متى كان «عسى» للرجاء عُلِم منها أنَّهم لم يوعدوا بل رجوا، فإنَّ ذلك الرجاء معلَّق بما إذا تابوا (2).
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ج2، ص151.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ج2، ص155. (1/74)
صفحة 75
ومن أدلَّتهم أيضا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُّشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ} (النساء: 116)، مع قوله تعالى: ژ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ... ھ ےے ? ? ? ... ? ... ?? ? ... ? ? ... ?ژ (الزمر: 53)، ووجه استدلالهم بهاتين الآيتين أنَّ الثانية فيها غفران الذنوب جميعا، ثمَّ خصِّصت بقوله تعالى: ژ? ? ? ? ہ ہ ہژ فخرج منها الشرك، فهو غير مغفور. وأمَّا ما عدا الشرك من الكبائر فتدخل في قوله تعالى: ژہ ھ ھ ھ ھ ےےژ؛ فالله تعالى يغفرها بمشيئته.
وردَّ عليهم السالميُّ بأنَّ الآية فيها غفران الذنوب جميعا، وإن كان الشرك يخرج منها على زعمهم فيجب أن يكون صاحب الكبيرة مغفورا له قطعا بذلك، ولكن لا ينفعهم تعلُّقهم بالمشيئة في ذلك؛ لأنَّ الله تعالى علَّق أشياء أخرى بالمشيئة وهم قطعوا بثبوتها، مثل قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ... ? ?ژ (الأحزاب: 24)، فهم يخصُّون اسم المنافق بمن أخفى الشرك وأظهر الإسلام، ويقطعون بتعذيبهم وتخليدهم. وكذلك قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? S S S S?ژ (المائدة: 18)، وهم قد قطعوا بتعذيبهم، فلم لا يعلِّقون تعذيبهم بالمشيئة؟.
وإن قالوا: إنَّ الله أخبر بأنَّه لا يغفر أن يشرك به، ويخرج غير المشرك من الآية ويكونون في المشيئة. فالجواب: إن كان المقصود من الشرك هو الشرك اللغويُّ، فإنَّ اليهود والنصارى لا يدخلون فيهم؛ لأنَّ منهم الموحِّد لغة، والقرآن نزل بلغة العرب لا على الاصطلاح الثاني. (1/75)
صفحة 76
وإن قالوا: إنَّ الشرع وضع اسم المشرك لكلِّ من أنكر كتابا أو كذَّب رسولا فيخرج اليهود والنصارى مع من خرج. فالجواب هو أنَّه حتَّى الفاسق خرج بآيات أخرى قَطَعت بتعذيبه، مثل آية آكل أموال اليتامى ظلما، وقاتل المؤمن عمدا، وغيرها؛ لذا فإنَّ المغفور له هو التائب الذي شاء الله أن يغفر له، لورود الأدلَّة في تعذيب المشركين وأخرى في تعذيب أهل الكبائر. وأما الفائدة من قوله تعالى: ژ? ? ? ? ہ ہ ہژ إنَّما لتعظيم كبيرة الشرك على غيرها حتَّى ينفر منها السامع ولا يحوم حولها. والفائدة من تعلُّق التوبة بالمشيئة ففيها دليل على أنه ليس كلُّ تائب مغفورا له، وإنَّما من أتى بكلِّ شروطها فالمشيئة موقوفة عليه لا مثل ما قالوا (1).
وإن سلَّم هؤلاء بتعذيب العصاة إلاَّ أنهم يقولون بانقطاع عذابهم بمشيئة الله، متأوِّلين في ذلك آيات منها:
قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ (هود: 106 - 107) قالوا: بأن الخلود في الآية ليس بأبدي. وإلا فما معناه؟
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ج2، ص152 - 154. (1/76)
صفحة 77
فأجابهم الإمام: إنَّه لا دلالة في الاستثناء على الخروج، فيصحُّ أن تكون المدَّة المستثناة هي ما بين خروج أرواحهم ودخولهم النار، بناء على من قال: إنَّ من مات فقد حضرت آخرته، وقامت قيامته. واستدلَّ في ذلك بمثل من يقول: نقعد غدًا مع زيد إلاَّ ساعة نصنع فيها كذا ... فيصحُّ أن تكون المدَّة المستثناة هي قبل القعود مع زيد. كما أنه يحتمل أن تكون المدَّة المستثناة هي مدَّة أراد الله فيها تعذيبهم بغير النار وهو الزمهرير، وعرَّفه الإمام بأنَّه واد في جهنَّم، كما رأى أنَّ حكمة الله من ذلك هي تنويع عذابهم؛ فهم خالدون فيها بالنظر إلى أنه وارد فيها، وجزء منها، ومخرجون منها بالنظر إلى أنَّ نوع عذابه يخالف عذابها. ولو دلَّ الاستثناء على الخروج للزم أيضا خروج المشرك؛ لأنَّ اسم الشقيِّ شامل للفاسق والمشرك، ثمَّ لو لزم الخروج بهذا الاستثناء فإنَّ ذلك يقتضي خروج أصحاب الجنَّة؛ لأنَّ الاستثناء وارد فيهم أيضا، في قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ?ژ (هود: 108)، ولا يقال: إنَّ في آية السعداء أنَّ الله ذكر ژ? ? ?ژ أي: غير منقطع، ولم يذكر ذلك في آية الأشقياء.
ومراد الإمام من هذه المقارنة هي ورود الاستثناء في كلتا الآيتين؛ لأنَّ تعلُّقهم في آية الأشقياء كان بذلك الاستثناء فيلزم أيضا في آية السعداء (1).
كما أنهم عضدوا هذه الآية بقوله تعالى: ژ? ? ?ژ (النبأ: 23)، قالوا: إنَّ الأحقاب ثمانون سنة، وأكثر جمع القلَّة عشرة، فتكون هذه الأحقاب ثمانون سنة عشر مرَّات.
وأجابهم الإمام: إنَّ هذه الآية وردت في المشركين خاصَّة، لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (النبأ: 27 - 28)؛ فيلزم عدم تخليدهم، وهم لا يقولون بذلك، والكتاب يردُّه؛ فوجب حمل الأحقاب على عدم الغاية، أي: مدَّة غير متناهية (2).
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ج2، ص154 - 155.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ج2، ص151. (1/77)
صفحة 78
لذا يتبيَّن لنا جليًّا أنَّ مشيئة الله تعالى بالغفران متعلِّقة بالتوبة والرجوع إلى الله. ومشيئته بالعذاب متعلِّقة بالعصاة المصرِّين، لورود الأدلَّة القاطعة في قبول توبة التائب المنيب، وتعذيب العاصي المصرِّ والمشرك، قال الإمام في نظمه:
فإن يشأ يرحمنا بفضله ... وإن يشأ عذَّبنا بعدله (1)
«فإن عذَّبنا فإنَّما يعذِّبنا باستحقاقنا للعذاب لا بظلم منه، وإن رحمنا فإنَّما يرحمنا بمحض فضل منه تعالى» (2).
• المطلب الرابع: مسألة خروج العاصي من جهنَّم:
__________
(1) السالمي، بهجة الأنوار، ص7.
(2) السالمي، المشارق، ج1، ص313. (1/78)
صفحة 79
سبق الذكر أنَّ أهل الكبائر مقطوع بعذابهم إن ماتوا دون توبة منها، إلاَّ أنَّ هناك من يعتقد أنَّ العاصي حتَّى وإن عُذِّب فإنَّما يكون ذلك بمقدار ذنوبه، ثمَّ ينجَّيه الله إلى الجنَّة، ولا يُحكم عليه بالخلود الأبديِّ في النار، وينسب هذا القول إلى الأشاعرة (1)، متأوِّلين في ذلك آيات سبق الذكر لبعضها في المشيئة، منها قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ (هود: 106 - 107)، وقوله تعالى: ژ? ? ?ژ (النبأ: 23)، فتشبَّثوا بهذه الآيات مؤوِّلين الخلود بأنَّه ليس أبديًّا (2). واستدلُّوا من الأثر برواية عن مالك بن أنس الأصبحيِّ: «من مات على كبيرة فلا يخلو من أحد ثلاثة أمور: إمَّا أن يغفر الله له بعفوه، أو يشفع فيه الرسول، أو يعذَّب مقدار عمله ثمَّ يخرج، فيدخل الجنَّة. وفي قول الشافعيِّ: إنَّه يكتب على جباههم ”هؤلاء جهنَّميُّون“ فيعيِّرهم أهل الجنَّة على ذلك، فيسألون الله زواله، فيمحوه الله عنهم، ويبدلهم مكانه نورا يتلألأ؛ فيودُّ أهل الجنَّة أن لو عملوا كعملهم» (3).
وهؤلاء حتَّى وإن سلَّموا بتعذيب العاصي إلاَّ أنَّهم لا يرون تأثيرا لهذه المعاصي على العمل، فيعتقدون أنَّ الأعمال محفوظة للعاصي، فيعذَّب بقدر معاصيه ثمَّ ينجِّيه الله من الجحيم إلى النعيم. ويا للعجب! كيف يعقل هذا وكتاب الله ناطق بعكس ذلك! ثمَّ إنَّ الآيات التي استدلُّوا بها ليس فيها دليل على الخروج من النار. وإلاَّ للزم منها عدم تخليد المشرك أيضا، وهم لا يقولون بذلك. كما سبق بسط هذه الآيات في مطلب المشيئة.
__________
(1) ينظر: السالمي: المشارق، ج2، ص132.
(2) ينظر: السالمي، المصدر نفسه، ج2، ص150 - 154.
(3) السالمي، بهجة الأنوار، ص109. أورد السالمي هذه الروايتين في بهجة الأنوار ولم نعثر عليهما. في المصادر التي بين أيدينا. وإنَّما وجدنا روايات قريبة اللفظة إليها ولكن ليست للإمامين الشافعيِّ ولا مالك. (1/79)
صفحة 80
وأما ما رووه عن الإمام مالك والإمام الشافعيِّ - إن صحَّ - فهو «رأس الضلال وعين المحال»، كما عبَّر عنه الإمام؛ لأنَّهم جعلوا العاصي أشرف من الطائع، والله تعالى يقول: ژے ے ... ? ? ... ? ?? ? ?ژ (السجدة: 18)، وقال أيضا: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ?ژ (الجاثية: 21)، كما سبق ذكر هذه الآيات في القطع بتعذيب أهل الكبائر.
ومن الأدلَّة التي استدلَّ بها السالميُّ في ذلك قوله تعالى: ژ? ? ? ? ? پ پ پ ... پ ? ... ? ... ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ... ? S ... S S S ? ... ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ ... چ چ چ? ? ? ? ?ژ (الفرقان: 68 - 70) فهذه الآية صريحة في أنَّ قتل النفس بغير حقٍّ موجب للتخليد، وكذلك الزنا، ومن يدعو مع الله إلها آخر.
واعترضوا على الإمام بوجهين:
1) قالوا: إنَّ المقصود من الآية فعل هذه الأشياء كلِّها: القتل، والزنا، والشرك، وليس واحدا منها فقط.
فردَّ عليهم بأنَّ الأمَّة مجمعة - وهم كذلك - على أنَّ الشرك وحده موجب للتخليد، فهذا الاعتراض يبطل هذا الإجماع، فيلزم من ذلك أنَّ المشرك لا يُخلَّد إلاَّ إن قتل وزنا، وإن ثبت أنَّ المشرك يخلَّد حتَّى وإن لم يرتكب شيئا من ذلك فما الفائدة من ذكر هذه الكبائر إلاَّ ليبني عليها حكم التخليد. فكما أنَّ الشرك وحده موجب للتخليد، فكذلك من انفرد بالقتل وحده، أو الزنا ...
2) قالوا: إنَّ الآية لم تدلَّ على الخلود الأبديِّ، فلم لا يطلق الخلود على طول المكث من غير تأبيد. (1/80)
صفحة 81
وردَّ عليهم: إنَّ هذا خلاف الظاهر من غير دليل، وإن لزم ذلك فحتَّى المشرك لا يخلَّد، لأنَّ التخليد يشمله أيضا. ولا يقال: إنَّ القرآن استعمل اللفظة في معنييها: الحقيقيِّ والمجازيِّ؛ فيكون الخلود على التأبيد للمشرك، وعلى طول المكث للقاتل والزاني؛ لأنَّه لا يمكن استعمال اللفظة في معنييها المذكورين مع إرادتهما معا في نفس السياق، وإن جاز ذلك فلا يكون ذلك الجواز لغويًّا، والله تعالى خاطبنا بلغتنا. ولو سلَّمنا أنَّه لغويٌّ لقلنا: إنَّه مجاز محتاج إلى قرينة ولا قرينة. ولو قيل: إنَّ القرينة في حقِّ المشركين هي قوله تعالى: ژ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ? ? ?ژ (الجن: 23)، فالجواب: إنَّ هذه الآية عامَّة لكلِّ المعاصي، ولا تخص المشرك دون غيره (1).
فهذه الآية وما سبق ذكره من الأدلَّة في القطع بتعذيب أهل الكبائر، لم تدلَّ على تعذيبهم فقط، بل على التخليد في النار كذلك، وما يعضدها من نصوص السنَّة الدالَّة على ذلك أيضا، وقد تلقَّتها الأمَّة بالقبول، كقوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بحديدة ... » (2)، وحديث: « ... لا يجد ريح الجنَّة ... » (3) ونحوهما، لكنَّهم تأوَّلوها بمن فعل ذلك مستحلاًّ؛ فيكون مشركا باستحلاله ما حرَّم الله. لكنَّ الإمام ردَّ عليهم بأنَّ هذا التأويل صارف لتلك الأحاديث عن نصوصها وزائد فيها ما لم يكن منها. وأشار إلى الأحاديث التي بنوا عليها حكمهم، وعلَّق عليها دون ذكر نصوصها، قال: إنَّ خبر الخروج من النار إنَّما هو خبر آحاد يعارض القطعيَّات، ولا يثبت به العلم في الأمور الاعتقاديَّة (4)؛ ولهذا قال:
__________
(1) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص145 - 147.
(2) مسلم، الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، رقم: 109، مج1، ص359.
(3) البخاري، الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس، رقم: 1364، ج1، ص 405. بلفظ قريب.
(4) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص147. (1/81)
صفحة 82
ومن عصى ولم يتب يخلَّد في النار دائما بهذا نشهد (1)
وقال أيضا:
لكنَّه في النار قطعا يخلَّد فهو بها معذَّب مؤبَّد
خروجهم في الذكر قد نفاه ربِّي فيا ويل لمن يلقاه (2)
فلو صحَّ عدم القطع بتعذيبهم وعدم تخليدهم، فما الفائدة من تشريع الشرائع، بما فيها من أمر ونهي ووعيد لمن لم يلتزم بهما؟! فإنَّه يلزم أن يكون فعل ذلك وتركه سواء (3) وصدق الله تعالى إذ قال: ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (القلم: 35 - 36).
وبناء على الأدلَّة الواردة في تخليد أهل الكبائر، الذين ماتوا دون توبة، حكَمَ الإمام على معتقدي خروج عصاة الموحدين من النار بكفران النعم (4)؛ لأنهم تأوَّلوا الأدلَّة المتشابهة مع وجود الأدلَّة القاطعة، وإليه أشار بنظمه:
وكافر بنعمة من فرَّقا ما بين ذي شرك ومن فسقا
__________
(1) السالمي، بهجة الأنوار، ص12.
(2) السالمي، جوهر النظام، ج1، ص15.
(3) ينظر: السالمي، اللمعة المرضية من أشعَّة الإباضية، (ط2، 1426هـ/2005م، د. ن)، ص11.
(4) دأب أغلب علماء الإباضيَّة القدامى عن هذا الحكم على المخالف في هذه المسألة، وفي مثلها المسائل الخلافيَّة الكلاميَّة، وكما لا يخفى على المطَّلع على تراثهم فإنَّهم يعنون بكفر النعمة كفرًا غير مخرج من الملَّة، بحيث يحتفظ المخالف بكلِّ حقوقه، باعتباره موحِّدًا، مثل: المناكحة، والموارثة، والصلاة خلفه، والصلاة عليه إن مات، والسلام عليه، وتشميته إن عطس ... الخ. إلاَّ الولاية. والحركة الإصلاحيَّة بزعامة الشيخ بيُّوض قد تجاوزت هذا الحكم، ومنعت تكفير المخالف ولو مجرَّد كفر نعمة، إذ العبرة بالالتزام بالأوامر والنواهي، بناءً على قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (سورة النازعات: 37 - 41). (المراجع). (1/82)
صفحة 83
أعني لدى الخلود والفرق نشا لدى منازل العذاب وفشا (1)
في خاتمة هذا المبحث، وبعد استعراض مختلف الآراء وردود الإمام عليها في مصير العاصي الموحِّد، تبيَّن أنَّ أصحاب تلك الآراء لا يرون للمعصية أثرا، فهم يعتقدون أنَّ الموحِّد يجزى بأعماله، وذلك إمَّا بوزن حسناته وسيِّئاته، أو بشفاعة سيِّد المرسلين فيه على توحيده، أو بعفو الله تعالى عن سيِّئاته بمشيئته تعالى، أو يعذَّب بقدر سيِّئاته ثمَّ يجزى بجنَّة النعيم. وتمسَّكوا كلُّهم بأدلَّة غير صريحة، أو أحاديث آحاديَّة، وكلُّ ذلك لا يثبت به العلم. ثمَّ إنَّه من خلال أحكامهم يلاحظ اضطرابهم في تفسير الاستدلالات؛ فظهر بذلك أنَّها كلَّها أدلَّة ضعيفة، عارضتها النصوص القاطعة.
} - - {
الفصل الثاني
الأثر الأخروي للمعصية على عمل الموحد
المبحث الثالث
أثر التوبة من المعصية على العمل
المبحث الثالث:
أثر التوبة من المعصية على العمل
بعدما رأينا الأدلَّة الواردة في هلاك العاصي الموحِّد الذي لم يتب، يتولَّد هنا سؤال: إذا كان هذا هو مصيره مع إحباط أعماله وذهاب ثوابها، فما مصير أعمال التائب التي عملها حين إصراره على المعصية أو قبلها؟ وهل يردُّ له ثوابها أم لا؟ وهل كلُّ توبة تقبل من صاحبها أم لا؟ وللجواب على هذه الأسئلة قسَّمنا المبحث إلى مطلبين:
- الأوَّل: في التوبة، أركانها وشروطها.
- الثاني: في أثر التوبة على العمل.
• المطلب الأوَّل: التوبة، أركانها وشروطها:
__________
(1) السالمي، بهجة الأنوار، ص12. (1/83)
صفحة 84
ذهب الإمام السالميُّ إلى أنَّ كلَّ ما عصي به الله من صغير أو كبير فالتوبة منه واجبة على الفور؛ لقوله تعالى: ژ? ? ... ? ? ? ? ? ?ژ (النور: 31)، وأمَّا الفوريَّة، فلِمَا في تأخيرها من الإصرار المحرَّم قطعا. وفصَّل الإمام بين التوبة من الصغيرة والكبيرة، إذ التوبة من الصغيرة تكون بالإقلاع عنها وعدم الإصرار عليها، فإن توفَّر هذان الشرطان مع اجتناب الكبيرة، كُفِّرت عنه. كما أنَّ التقرُّب بالطاعات يكفِّرها أيضا مع وجود ما ذكر.
وأما الكبيرة فلا تكفِّرها إلاَّ التوبة النصوح المستوفية لأركانها الأربعة وهي:
1) الندم: وهو حزن يصيب الإنسان، ويكون ذلك بغمٍّ في قلبه، حيث يتمنَّى أنَّ ما وقع منه لم يقع أصلا، ولا بدَّ من هذا الركن؛ لأنَّه هو الأصل في التوبة.
2) طلب الغفران من الرحمن؛ لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?ژ (آل عمران: 135)، ويكون إمَّا بالقلب أو باللسان أو بهما معا.
3) العزم على عدم الرجوع: والقصد هو عدم الرجوع إلى الذنب نفسه أو مثله في المستقبل. وأدرج الإمام تحت هذا الركن ردَّ المظالم والحقوق إلى أهلها، فإن بقيت له مظلمة وهو قادر على ردِّها ولم يردَّها فهو مصرٌّ.
4) الرجوع بانكسار: وهو الإقلاع عن الذنوب حالاً، بتذلُّل لله وانكسار نفس له (1).
لذا فإنَّ المعاصي لا تكفَّر إلاَّ بالتوبة النصوح المستوفية للشروط والأركان كما مرَّ علينا. ولا بدَّ أن تكون في وقتها المشروط لها. وذكر الإمام أنَّ وقت التوبة هو العمر كلُّه (2)، إلاَّ في حالتين لا تقبل التوبة فيهما، وهما:
__________
(1) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص342 - 346. بهجة الأنوار، ص156، 157.
(2) لا يفهم من هذا التناقض مع وجوب التوبة على الفور، وإنَّما قد يعيش المرء في غفلة وبعد سنين يتفطَّن لمعاصيه، فلا يقال له: قد فات أوان التوبة، ما دام في عمره فسحة. (1/84)
صفحة 85
1 - «الغرغرة بالموت ومشاهدة أسبابه: فإنَّ التائب في ذلك الوقت لا تقبل توبته؛ لأنَّها حينئذ تكون عن اضطرار منه، لا عن اختيار، حيث تيقَّن من حضور الموت وانقضاء الدنيا عنه؛ لقوله تعالى: ژک ک گ ... گ گ گ ? ? ? ? ... ? ? ? ?ژ (النساء: 18)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (1).
2 - وقت طلوع الشمس من مغربها؛ لأنَّ طلوعها من مغربها إنَّما هو علامة لقيام الساعة، وهو بعض آياتها. وقد قال تعالى: ژ? ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الأنعام: 158)، وقال صلى الله عليه وسلم: «التوبة مقبولة حتَّى تطلع الشمس من مغربها» (2)، وإنَّما كانت التوبة غير مقبولة في هذا الوقت لأنَّ ذلك يدلُّ على انقضاء الدنيا وفنائها وقدوم الآخرة وبقائها؛ لذا تصبح التوبة في ذلك الوقت اضطرارا لا اختيارا» (3).
وذهب السالمي إلى أنَّ كلَّ توبة استوفت الأركان، وكانت في وقتها، قُبلت بمشيئة الله تعالى، إذ الآيات الواردة في قبول التوبة عامَّة لكلِّ ذنب (4). وإلى ذلك أشار بقوله:
فقاتل المؤمن عمدا تقبل توبته وهكذا المضلِّل
من بعد موت من أضلَّ وإذا آلى ليبطلنَّ حقًّا فكذا
وقيل أن لا توبة لهم وفي قول أبي نبهان أن ليس اصطُفِي
لكن على المضلِّ أن يبلِّغ من أضلَّه بما دعا ومن فتن
إن كان في مقدوره وإلاَّ فهو حريٌّ بمتاب المولى (5)
__________
(1) ابن ماجه، الزهد، باب ذكر التوبة، رقم: 4253، ج3، ص518.
(2) أبو داود، الجهاد، باب ما جاء في الهجرة وسكنى البدو، رقم: 2479، ج3، ص3. بلفظ قريب.
(3) السالمي، بهجة الأنوار، ص159.
(4) ينظر: المشارق، ج2، ص372 - 376.
(5) السالمي، بهجة الأنوار، ص18. (1/85)
صفحة 86
فإن أتى التائب بمثل هذه التوبة المذكورة قُبلت، وحُطَّت عنه الأوزار والآثام، ورُجي له الجنَّة والغفران. لكن يبقى السؤال المطروح: هل يثاب بأعماله التي عملها حين إصراره على المعصية أو قبلها أم لا؟ هذا ما سيجيب عنه المطلب الآتي:
• المطلب الثاني: أثر التوبة على العمل:
اختلف العلماء فيمن فعل الطاعة وهو مصرٌّ على معصيته هل يعطى له ثوابه بعد التوبة أم لا؟ ذهب أبو عبد الله محمَّد بن محبوب وأبو نبهان وبشير والزاملي إلى أنَّه يُعطَى ثوابَه. وذهب الفضل بن الحواري إلى أنَّه لا ثواب له، مستدلاًّ بأنَّ التقوى من شروط قبول الأعمال (1)؛ لقوله تعالى: ژ? ? ... ? ? ? ?ژ (المائدة: 27).
أما الإمام في هذه المسألة فذهب إلى أنَّ التائب يجدَّد له العمل، سواء الذي كان أثناء الإصرار أو قبله، مستدلاًّ في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «من أشرك ساعة من نهار حبط عمله، فإن تاب جُدِّد له العمل» (2)؛ لأنَّ الإحباط مشروط بالموت على الإصرار، لقوله تعالى: ژ? ں ںژ (البقرة: 217) وهو مات تائبا، فلا إحباط له. وكذلك قوله تعالى: ژ? چ ... چ چ چ? ? ? ? ?ژ (الفرقان: 70)، وقوله تعالى: ژ? ? ? ?? ? ? ? ژ (هود: 114). وأمَّا قوله تعالى: ژ? ? ... ? ? ? ?ژ (المائدة: 27) فذكر الإمام أنَّ هذه الآية لا تعارض قوله بتجديد العمل بعد التوبة؛ لأنَّ قبول الأعمال لا يكون حين الإصرار على المعصية، وإنَّما بعد التوبة منها (3).
من هذا يتبيَّن رحمة الله بعباده وعفوه عن ذنوب التائب المخلص.
__________
(1) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص381.
(2) سبق تخريجه.
(3) ينظر، السالمي، المصدر نفسه، ج2، ص382. السالمي: شرح الجامع، ج1، ص136. وهذه الأحكام متعلِّقة بالموحِّد أما المشرك فله تفصيل آخر. ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص381 - 382. (1/86)
صفحة 87
وفي ختام هذا الفصل نلاحظ عدم تساهل الإمام في المعصية ومرتكبها، حيث أظهر خطورتها التي تتمثَّل في إبطال العمل وذهاب ثوابه. كما أنكر على من رجا لمرتكب الكبيرة النجاة بأيِّ حال من الأحوال، سواء بشفاعة أم بعفو وغفران. لكن لم يغضَّ الطرف عن رحمة الله للعاصي التي تتمثَّل في تشريع التوبة، وبها ترجى له النجاة من النيران، والخلود في الجنان.
الخاتمة
E
الخاتمة
بعد هذه الجولة العلميَّة حول آثار الإمام السالمي في مسألة: المعصية وأثرها الأخرويِّ على عمل الموحد. نخلص إلى النتائج الآتية:
• المعصية هي مخالفة أمر الله، بترك واجب أو فعل محرَّم.
• المعاصي متفاوتة فيما بينها، منها ما هو صغير، ومنها ما هو كبير. ومرتكب الكبيرة هالك إلاَّ إن تاب. وأمَّا الصغيرة فتكفَّر بفعل الطاعات بشرط عدم الإصرار عليها، واجتناب الكبائر.
• تكون المعصية إمَّا ظاهرة في سلوك المرء، أو باطنة. وكلتاهما محرَّمتان، والتوبة منهما واجبة.
• تختلف حال العاصي حين ارتكابه للمعصية من حال إلى أخرى، وتنفرد كلُّ حال بحكمها، فمنها ما يُعذر صاحبه، ومنها ما لا يعذر.
• مرتكب الكبيرة عمله محبط إن مات دون توبة منها.
• المصرُّ على الصغيرة آتٍ بكبيرة، في رأي الإمام، وعموم الإباضيَّة، وبها يحبط عمله إن مات على تلك الحال.
• الموحِّد المرتكب للكبيرة إن مات دون توبة منها، لن ينجِّيه من مصيره ميزان، ولا شفاعة، ولا مشيئة، ولا أيُّ شيء آخر، وسيخلَّد في النار خلودا أبديًّا.
• النجاة تكون بالتوبة النصوح، والإنابة إلى الله، بها يزحزح المرء عن النيران، ويخلَّد في الجنان.
هذه أبرز النتائج التي توصَّل إليها البحث، وليست هي النهاية. فنأمل أن تتفتَّق أفكار الباحثين لمواصلة الجهود في تحقيق قضاياها؛ فثمَّة مسائل كثيرة تتعلَّق بالموضوع لم نتطرَّق إليها، وأهمُّها: (1/87)
صفحة 88
• ضبط مفاهيم المصطلحات القرآنيَّة التي تدلُّ على الخروج عن طاعة الله؛ فقد تنوَّعت المدلولات واختلف سياقها.
• البحث في النصوص التي تدلُّ على المعصية، فقد ترد بدليل قطعيٍّ، وقد ترد بدليل ظنِّيٍّ، فهل حكمهما واحد، أم هناك اختلاف بينهما؟
• دراسة الأثر الدنيويِّ للمعصية على الطاعة.
ونختم بهذه التوصيات التي نرغب في تحقيقها ميدانيًّا، وهي:
• نشر العلم، وتعزيز الوازع الدينيِّ. فإنَّ أغلب ما يجرُّ المرء لارتكاب المحظورات هو الغفلة والجهل، ولا عذر للمرء في كلتا الحالتين.
• اهتمام الدعاة والباحثين بالجانب العقديِّ، لنشر العقيدة الصحيحة، وتنويع الأساليب وتجديد الخطاب فيها لمحاربة الأفكار الدخيلة عليها.
• القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حتَّى تندثر المعاصي من واقع المسلمين.
وكلُّ ذلك لتغيير ما بالأنفس، وحتَّى يتحقَّق وعد الله بالنصر والتمكين في الدنيا؛ لقوله تعالى: ژ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? چ چ چ چ ? ... ? ? ? ? ? ? ?? ? ... ژ ... ژs s ک ک ک ک گ گژ (النور: 55)، ويتحقَّق وعد الله بالفوز بالجنَّة في الآخرة؛ لقوله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ sژ (هود: 23).
تم بحمد الله
Y
Y
1. ابن فارس أبو الحسين أحمد: معجم مقاييس اللغة، وضع حواشيه: إبراهيم شمس الدين، (ط1، 1420هـ/1999م، دار الكتب العلميَّة، بيروت، لبنان).
2. ابن ماجه أبو عبد الله محمَّد بن يزيد القزويني: سنن ابن ماجه، تحقيق وترقيم وتعليق: محمَّد فؤاد عبد الباقي، خرَّج أحاديثه وفهرسه: د. محمد مصطفى حسين الذهبي، (ط1، 1419هـ/1998م).
3. ابن منظور أبو الفضل جمال الدين محمَّد بن مكرم: لسان العرب، (ط4، 2005م، دار صادر، بيروت، لبنان).
4. أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري: صحيح مسلم، (ط1، 1374هـ/1955م، دار إحياء الكتب العربيَّة). (1/88)
صفحة 89
5. أبو بشير محمَّد شيبة بن نور الدين عبد الله بن حميد السالمي: نهضة الأعيان بحرِّيَّة عُمان، (د. ت، مطابع دار الكتاب العربي، محمد حلمي المنياوي، القاهرة مصر).
6. أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، مراجعة وضبط وتعليق: محمَّد محيي الدين عبد الحميد، (د. ت، دار الكتب العلميَّة، بيروت، لبنان).
7. البخاري أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل: صحيح البخاري، مراجعة وضبط وفهرسة: الشيخ محمَّد علي القطب، والشيخ هشام البخاري، (ط2، 1418هـ/1997م، مكتبة العبيكان).
8. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، ترتيب: أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، (ط1، 1388هـ، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عُمان).
9. الرستاقي خميس بن سعيد الشقصي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، (ط1، 1427هـ/2006م).
10. الزبيدي محمَّد مرتضى: تاج العروس، (د. ت، منشورات مكتبة الحياة، بيروت، لبنان).
11. السالمي أبو محمد عبد الله بن حميد:
- بهجة الأنوار، (ط3، 1423هـ/2003م، مكتبة الاستقامة).
- تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان وغاية المراد في الاعتقاد، (د. ت، مكتبة الإمام نور الدين السالمي).
- جوابات الإمام السالمي، تنسيق ومراجعة: د. عبد الستَّار أبو غدَّة. إشراف: عبد الله السالمي، (ط2، 1419هـ/1999م، مكتبة الإمام السالمي، بديه، المنترب، سلطنة عُمان).
- جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، علَّق عليه: أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش، وإبراهيم العبري، (ط2، 1413هـ/1993م. نشر: سعود بن حمد بن نور الدين السالمي، المطابع الذهبية، رُوي، مسقط، سلطنة عُمان).
- شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، (د. ت، مكتبة الإمام نور الدين السالمي، السيب، الحيل الجنوبيَّة، مسقط، سلطنة عُمان). (1/89)
صفحة 90
- طلعة الشمس شرح شمس الأصول، تحقيق: عمر حسن القيام، (ط1، 2008م، مكتبة الإمام السالمي، بديَّة، سلطنة عُمان، دار الراشد، بيروت، لبنان).
- العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين، تصميم وتحقيق وتعليق وترتيب: سالم بن حمد بن سليمان بن حميد بن عبد الله الحارثي المضيربي، تصحيح: الشيخ محمَّد محمَّد الدهَّان، (د. ت، دار الشعب، القاهرة).
- كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، (ط2، 1423هـ/2003م، مكتبة الضامري، السيب سلطنة عُمان).
- اللمعة المرضية من أشعة الإباضيَّة، (ط2، 1426هـ/ 2005م، د. ن).
- مشارق أنوار العقول، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، (ط1، 1409هـ/1989م، دار الجيل، بيروت، لبنان).
- معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، تحقيق: الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز، وآخرون، (ط1، 2008م، مكتبة الإمام السالمي، بدية، سلطنة عُمان، دار الراشد، بيروت، لبنان).
12. السيابي خلفان بن جميل: فصل الخطاب في المسألة والجواب، (ط2، 1428هـ/2007م. وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان).
13. السيوطي جلال الدين: شرح سنن النسائي، تحقيق وترقيم وفهرسة: مكتبة تحقيق التراث الإسلامي، (ط4، 1418هـ/1997م، دار المعرفة، بيروت، لبنان).
14. شريفي مصطفى بن محمد: الشيخ السالمي حياته وآثاره، ومواقفه الإصلاحيَّة، والسياسيَّة، رسالة ماجستير، كلية أصول الدين، الخروبة، جامعة الجزائر، (1421هـ-1422هـ/ 2000م-2001م).
15. الغيثي سعيد بن ناصر: إيضاح التوحيد بنور التوحيد، وهو شرح لنور التوحيد لمصنِّفه العلاَّمة: علي بن محمَّد المنذري، تحقيق: محمَّد بن موسى باباعمِّي، ومصطفى بن محمَّد شريفي، (ط1، 1417هـ/1996م، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، سلطنة عُمان).
16. مالك بن أنس: الموطَّأ، تخريج وتعليق وترقيم: محمَّد فؤاد عبد الباقي، (ط2، 1413هـ/1993م. دار الحديث، القاهرة). (1/90)
صفحة 91
17. النووي أبو زكرياء يحيى بن شرف الدمشقي: شرح صحيح مسلم، تحقيق وتخريج وفهرسة: عصام الضبابطي وآخرون، (ط3، 1419هـ/1998م. دار الحديث، القاهرة).
18. الهاشمي مبارك بن سيف بن سعيد: الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيَّات، (د. ت، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عُمان).
k
قائمة المحتويات
إهداء الطالبة الأولى 5
إهداء الطالبة الثانية 6
شكر وعرفان 7
مقدمة 9
تمهيد:
نبذة عن الإمام السالمي 17
أ) اسمه ولقبه وكنيته: 17
ب) مولده ونشأته: 17
ج) مسيرته العلمية: 18
د) مسيرته العَمَليَّة: 23
الفصل الأول:
المعصية، تعريفها، أقسامها، أحكامه 29
مدخل: التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي للمعصية 30
أ) تعريف المعصية لغة: 30
ب) تعريف المعصية اصطلاحا: 31
المبحث الأول: أقسام المعصية 35
المطلب الأول: أقسام المعصية باعتبار فحشها: كبائر صغائر: 35
1) الأدلة التي اعتمدها السالميُّ في تقسيم المعصية إلى كبيرة وصغيرة: 36
2) تعريف الكبيرة: 37
3) أقسام الكبيرة: 40
4) تعريف الصغيرة: 44
المطلب الثاني: أقسام المعصية باعتبار مجالاتها: 47
1) المعاصي الظاهرية: 47
2) المعاصي الباطنيَّة: 47
أ- ما يتعلَّق بجانب الأخلاق: 48
ب- ما يتعلَّق بجانب الاعتقاد: 51
المبحث الثاني: أحوال المرء عند مقارفته للمعصية وأحكامها 56
المطلب الأول: المعصية عن علم أو عمد: 57
تعريف العمد: 57
المطلب الثاني: المعصية عن خطأ: 59
تعريف الخطأ: 59
المطلب الثالث: المعصية عن جهل: 62
تعريف الجهل لغة: 62
تعريف الجهل اصطلاحا، وأقسامه: 63
المطلب الرابع: المعصية عن إكراه: 67
تعريف الإكراه: 67
أنواع الإكراه وأحكامها: 67
المطلب الخامس: النسيان: 69
تعريف النسيان: 69
المطلب السادس: الوسوسة وحديث النفس: 71
الفصل الثاني:
الأثر الأخرويُّ للمعصية على عمل الموحِّد 77
مدخل: تعريف الموحد والأثر الأخروي. 79
1) تعريف الموحِّد: 79 (1/91)
صفحة 92
2) تعريف الأثر: 80
المبحث الأوَّل: حكم المعصية وأثرها الأخرويُّ على العمل 83
المطلب الأول: الحكم الأخرويُّ لمرتكب الكبيرة: 83
المطلب الثاني: أثر الكبيرة على العمل: 84
تعريف الإحباط: 84
أدلَّة الإحباط: 85
المطلب الثالث: الحكم الأخرويُّ للصغيرة: 100
المطلب الرابع: أثر الصغيرة على العمل: 101
أوَّلاً: الأدلَّة على أنَّ الإصرار على الصغيرة كبيرة: 101
أ- من القرآن: 101
ب- من السنَّة: 102
ثانيا: معنى الإصرار لغة واصطلاحا وحكمه: 104
أ- الإصرار لغة: 104
ب- الإصرار اصطلاحا: 105
ج- حكم الإصرار على الصغيرة: 105
المبحث الثاني: مناقشة الإمام لبعض الآراء الواردة في المسألة 108
المطلب الأول: موازنة حسنات وسيِّئات العاصي. 109
المطلب الثاني: شفاعة الرسول ومقام العاصي منها. 114
أوَّلا: تعريف الشفاعة لغة واصطلاحا: 114
المطلب الثالث: مشيئة الله وأثرها في مرتكب الكبيرة: 119
المطلب الرابع: مسألة خروج العاصي من جهنَّم: 125
المبحث الثالث: أثر التوبة من المعصية على العمل 134
المطلب الأوَّل: التوبة، أركانها وشروطها: 135
المطلب الثاني: أثر التوبة على العمل: 139
الخاتمة 141
قائمة المراجع 147
قائمة المحتويات 153
تم بحمد الله (1/92)