صفحة 1
الكتاب: الملل الست وأحكامها 1
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
ديوان البلاط السلطاني
مركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية
معهد العلوم الإسلامية بمسقط
الملل الست
درس لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
إعداد:
الأزهر بن يوسف بن هلال الراشدي
النضر بن سليمان بن ناصر الخنجري
الوليد بن زاهر بن محمد الهلالي
أنس بن سعيد بن لاحج السعدي
أشرف على العمل:
أ. بدر بن سعود المعولي
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين الحمد لله الذي علم بالقلم ورزق الإنسان العقل والفهم حتى يفرق بين الغث والسمين وبين الصالح والطالح وأصلي وأسلم على مصباح الظلام الذي أخرج الناس من جاهلية جهلاء إلى نور الإسلام وعلى آله وصحبه أجمعين ...وبعد:
فها هي محاضرة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي بعنوان : (الملل الست)التي ألقاها بجامعة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ونسأل الله التوفيق والسداد في الدارين . مفرغو الشريط
المحتويات
- المحتويات....................................................2
- آراء العلماء في حكم جهل الملل الست............................3
- ملة المسلمين..................................................7
- ملة اليهود...................................................8
- ملة النصارى................................................11
- ملة الصابئين................................................13
- ملة المجوس..................................................22
- ملة المشركين.................................................25
- فقرة الأسئلة.................................................28
- الخاتمة......................................................40
- المصادر والمراجع...........................................41 (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين أحمده وأستعينه وأستهديه وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لا وأشهد أن وسيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
آراء العلماء في حكم جهل الملل الست:
فقد سبق في آخر الدرس الماضي التنبيه على أن درسنا هذا سيكون بمشيئة الله تعالى في الملل الست"1" وأحكامه ذلك لأن أصحابنا"2" رحمهم الله تعالى دَأبوا"3" في مؤلفاتهم العقدية أن يُفردوا بابا لذكر هذه الملل وذكر أحكامها وقد شددوا في ذلك تشديدا بالغا حتى أن منهم من بالغ فحكم على من جهل الملل الست بحكم الشرك _ والعياذ بالله _ على أن هناك طائفة"4" من أهل العلم رأت بأن فرز هذه الملل ومعرفة كل ملة منها هو بوسع الإنسان إن لم تقم عليه الحجة بمعرفة ذلك ولا يكلف البحث عن مثل هذه الأشياء فلو جهل أحد هذه الملل لما كان واجبا عليه أن يبحث عنها ويستقصيَ البحث عنها
(1) الملل مفردها: ملة ، وتعني: الشريعة أو الدين. الست: يقصد بها الديانات الست التي ذكرت في سورة الحج في الآية السابعة عشر وهي: المسلمين والمشركين واليهود والنصارى والمجوس والصابئون.
(2) يقصد بهم الإباضية.
(3) مفردها: دأب ، وتعني: جد وتعب واستمر عليه.
(4) طائفة مؤنث طائف ، والجمع :طوائف ، وتعني: الفرقة من الناس أو الذين يجمعهم معتقد واحد يمتازون ممن سواهم. (1/2)
صفحة 3
كسائر قضايا الدين. وهذا القول هو الذي ذهب إليه الإمام عبد الرحمن بن رستم الفارسي"1" والعلامة عمروس ابن فتح"2" والعلامة أبو الربيع سليمان ابن زَرْقون"3" والعلامة أبو خَزْر يَغْلا بن زُلْتاف"4" أو بالأحرى يَغْلا بن أيوب لأن زُلْتَاف أمه وقد نسب إلى أمه اشتهر بنسبته إلى أمه الوِسْيانيّ وعليه العلامة الكبير الإمام شمس الدين أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارِجْلاني"5" رحمهم الله جميعا وقد جنح إلى هذا الرأي الإمام القطب"6" في كل من الذهب الخالص وشرحه لعقيدة التوحيد كما ذهب إليه مرجحا إياه ومعتمدا عليه شيخنا العلامة الإمام أبو إسحاق إبراهيم إطْفَيِّش"7" رحمه الله تعالى في تعليقه على شروح عقيدة التوحيد وهذا القول هو الظاهر"8"
(1) هو عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى عالم من أكبر أعلام الإباضية أطبقت شهرته الأفاق ولد بالعراق (حكم:160هـ _171هـ) توفي سنة 171هـ/787م. (معجم أعلام الإباضية " قسم المغرب")
(2) من أبناء جبل نفوسة ولد في طريق الحج ، نشأ في قرية قطرس ، تولى القضاء في جبل نفوسة ، له مؤلفات عديدة منها: الدينونة الصافية ، استشهد في واقعة مانو سنة 283هـ/896م. (المرجع السابق)
(3) من كبار علماء الإباضية في المغرب تعلم على يديه أبو القاسم يزيد بن مخلد وأبو خزر يغلا بن زلتاف كان ذكيا مجتهدا في فنون العلم ترك ديوانا يسمى (ديوان أبي الربيع). (المرجع السابق)
(4) من كبار علماء الإباضية ، من تلاميذه: أبو نوح سعيد بن زنغيل وأبو زكريا فصيل بن أبي مسور الهيراسني من كتبه: (الرد على جميع المخالفين) ، توفي سنة 380هـ/990م. (المرجع السابق)
(5) من أشهر علماء الإباضية في المغرب ، ولد بسدراته ، من شيوخه: أبو سليمان أيوب بن إسماعيل ، من آثاره: تفسير القرآن الكريم ، الدليل والبرهان لأهل العقول ، مرج البحرين ، ترتيب مسند الإمام الربيع وغيرها توفي سنة 570هـ/1175م ، ودفن بمسقط رأسه. (المرجع السابق)
( (1/3)
صفحة 4
6) هو محمد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى بن إسماعيل بن محمد بن عبد العزيز بن بكير الحفصي المشهور بقطب الأئمة ، ولد سنة 1237هـ/1821م ، قاربت مؤلفاته الثلاثمائة مؤلف ما بين كتاب ورسالة منها: تيسير التفسير ووفاء الضمانة بأداء الأمانة وشرح النيل وشفاء العليل والنحلة في غرس النخلة وغيرها الكثير بين مطبوع ومخطوط ، توفي سنة 1332هـ/1914م.(المرجع السابق)
(7) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد إبراهيم بن يوسف إطفيِّش ، ولد سنة 1305هـ/1886م ، عالم من بني يسجن أخذ مبادئ العلم بمسقط رأسه حقق الكثير من الكتب من مؤلفاته: المحكم والمتشابه ، وموجز تاريخ الإباضية ، والفرق بين الإباضية والخوارج توفي سنة 1385هـ/1965م. (المرجع السابق)
(8) أي هو الراجح لدى سماحته حفظه الله.
حتى أن العلامة أبا نَصْر"1" في قصيدته العقدية عندما أشار إلى ما ذهب إليه أصحابنا من التشديد في هذه القضية عبَّر عن ذلك بقوله (وشَدَّدُوا) ويرى الإمام أبو إسحاق إبراهيم إطْفَيِّش أن عدم ذكر العلامة أبي عَمَّار عبد الكافي"2" لهذه المسألة في كتابه الموجز مع أنه كتاب مختص في شرح عقيدة التوحيد إلا عَرَضا وكذلك عدم ذكر العلامة تَبْغورين ابنِ عيسى"3" في كتاب التوحيد له فيه لهذه المسألة دليل على أنهما لا يريان رأي جمهور أصحابنا"4" الذين مالوا"5" إلى التشديد في هذه القضية والإمام العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارِجْلاني تعقب كلام العلامة أبي الربيع سليمان بن يَخْلُف"6" المتشدد في هذه القضية بما حاصِله أن اليهود والنصارى والصابئين هم أقلُّ وأحقر من أن يَقرِن الله سبحانه وتعالى معرفتهم بمعرفته ويجعل حكم جهلهم كحكم الجهل به في باب الإيمان وقال ما معناه بأنه لو كان هنالك تكريم لكان أولى بهذا التكريم أنبياء هؤلاء
( (1/4)
صفحة 5
1) هو فتح بن نوح الملوشائي عالم وشاعر له عدة مؤلفات منها: النونية في أصول الدين ، والرائية في الصلاة ، وديوان شعر في الأخلاق والعقيدة ، ومقامات شرحها الشيخ عبد الرحمن بكلي البكري. (معجم أعلام الإباضية " قسم المغرب")
(2) عالم شهير في القرن السادس ولد بقرية تناوت ، من أصحابه في طلب العلم يوسف بن إبراهيم إطفيِّش ، من مؤلفاته: كتاب الموجز ، وكتاب الاستطاعة ، وكتاب الفرائض. (المرجع السابق)
(3) هو تبغورين بن عيسى بن داوود الملشوطي ، سكن آجلو ، من مؤلفاته: عقيدة تبغورين ، ومرآة الناضرين في أصول تبغورين ، والأدلة والبيان. (المرجع السابق)
(4) أي كل علماء الإباضية المجتهدين.
(5) أي رغبوا أحبوا.
(6) هو أبو الربيع سليمان بن يخلف الوسلاتي المزاتي النفطي القابسي فقيه نبيه ، من تلاميذه: أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر النفوسي وتبغورين بن عيسى، من مؤلفته: (التحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعية)،(وكتاب في علم الكلام وفي أصول الفقه). (معجم أعلام الإباضية " قسم المغرب") (1/5)
صفحة 6
وهم إبراهيم"1" وموسى"2" وعيسى"3" وأمثالهم بحيث لا يوسع لأحد أن يجهل بهم وقال بأنه إن كان منشأ هذا القول النظرَ إلى خطورتهم فإن إبليس"4" أشد خطرا منهم وعليه فإنه الأحرى أن يُلْزَم المسلم معرفة إِبْلِيس وأن لا يوسع له في جهله لأجل الاحتراز منه لشدة خطورته والإمام أبو إسحاق إبراهيم إطْفَيِّش يذهب إلى أن حشر الملل الست وأحكامها في باب الإيمان أو في نهر الإيمان الصافي إنما يعود إلى اختلاط أصحاب هذه الملل بالمسلمين وقد نظر أصحابنا إلى وجوب الاحتراز منهم _ أي من غير المسلمين _ لأن الملل الست تشمل ملة الإسلام وقد نظر أصحابنا إلى وجوب الاحتراز منهم أي من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والذين أشركوا من الخمس إلى وجوب الاحتراز منهم ومن أجل ذلك قالوا بوجوب معرفة أحكامهم وإلا فهذه المسألة أَعْجز وأَخْمل من أن تحشر في ظلال رياض مسائل الإيمان الصافية النقية وهذا الذي ذكروه على أي حال لا
(1) هو إبراهيم بن تارخ - وفي القرآن ذكر بن آزر- بن ناحور بن ساروغ بن راغوا بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام وهو أبو الأنبياء وأول من سمى المسلمين باسمهم روى ابن جرير في تاريخه أن ولادته كانت في زمن النمرود بن كنعان. (قصص الأنبياء لابن كثير)
(2) هو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام وهو كليم الله ذكر اسمه في القرآن ستة وستون مرة وأشير إلى قصته في أربع وثلاثين سورة وهو من أولي العزم من الرسل أنزل عليه التوراة. (قصص الأنبياء لابن كثير) وقد ذكر الإمام السالمي في تلقينه أنه أنزل على سيدنا موسى عشرة كتب قبل التوراة وهي صحف موسى.
( (1/6)
صفحة 7
3) عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثان بن العازر بن اليود بن أخنز بن صادوق ابن رحبعام بن سليمان بن داوود عليهما السلام. وحدد ميلاده 25 من كانون الأول ، وسمي بالمسيح لأنه كان مسيحا باليُمْن والبركة أو لأنه مسح بالتطهير من الذنوب أو لأن جبريل مسحه بجناحه حين ولادته ليكون معاذا من الشيطان أو لأنه كان يمسح رؤوس اليتامى أو لأنه كان يشفي الأكمه والأبرص بالمسح ، أنزل عليه الإنجيل. (قصص الأنبياء لابن كثير)
(4) علم جنس للشيطان ورأس الشياطين ، والجمع: أباليس وأبالسة.
ريب أن له وجها وجيها من النظر فإن النبي صلى الله عليه السلام عندما كان يدعوا إلى عقيدة التوحيد ويشرح للناس معالم الإسلام ويبين لهم الحلال والحرام ما كان يبني ذلك على معرفة هذه الملل ولا كان يكلف الناس معرفتها بالدقة نعم من قامت عليه حجتها وعرفها حق المعرفة فإنه لا يسعه بحال من الأحوال أن يرجع من اليقين"1" إلى الشك"2" ومن العلم"3" إلى الجهل"4" لا بد من أن ينزل كل ملة من هذه الملل منزلتها ويبوأها"5" مكانها ويفرض عليها حكمها كما شرع الله سبحانه وتعالى على أن من هذه الملل الست ما اخْتُلِف فيه اختلافا بالغا بحيث لا يمكن أن يُقْطَع بأن معتقد هذه الملة كذا أو أن حقيقة أصحاب الملة هم هؤلاء المُعَيَّنون بأفكارهم ومعتقداتهم وذلك بسبب الغموض الذي يكتنف معتقد هذه الملة التي أشرت إليها وهي ملة الصابئين كما سيأتي الحديث عن ذلك عند ذكرهم والملل الست هي:
ملة المسلمين:
المسلمون قبل كل شيء ولفظ المسلمين يصدق على من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وآمن باليوم الآخر وصدَّق بكل ما جاء به الرسول محمد صلى الله عليه
(1) هو العلم بحقيقة الشيء مع انتفاء الريب.
(2) هو ضد اليقين وهو التردد بين أمرين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر ، والجمع: شكوك.
(3) هو إدراك الشيء وحصول صورته في العقل.
(4) هو ضد العلم وهو عدم إدراك الشيء عل صورته.
(5) أي ينزلها. (1/7)
صفحة 8
وسلم من عند ربه هؤلاء يَصْدُق عليهم وصف الإسلام وينطبق عليهم حكم الإسلام ما لم يُنكروا ما علم من الدين بالضرورة وللمسلمين أحكام سنتحدث عنها إن شاء الله عندما نعود إلى ذكر أحكام هذه الملل بعد استعراض ماهياتها.
ملة اليهود:
والملة الثانية هم اليهود وهم الذين تُعُبِّدوا بالتوراة المنزلة على موسى عليه السلام وتُعُبِّدوا باتباعه عليه السلام وقد اختلف العلماء في مصدر تسميتهم باليهود فقيل إن مصدر هذه التسمية هو ما قاله موسى عليه السلام عندما اعتذر إلى الله سبحانه وتعالى من عبادة العِجْل فقال لله سبحانه وتعالى: (إنا هدنا إليك)[الأعراف :156] وقيل بأن مصدر هذه التسمية أنهم كانوا يتهادون أي يتمايلون عندما يتلون التوراة ومن أجل ذلك سُمُّو يهودا وقيل بأن مصدر هذه التسمية نسبتهم إلى يهوذا وهو أكبر أولاد يعقوب عليه السلام وقد سمي السِّبْط الذي ينتمي إليه باسم...(كلمة محذوفة)... فقيل سبط يهوذا ويرى العلامة ابن عاشور أن هذه التَّسْمية انتشرت في الأوساط اليهودية بعد موت سليمان ابنِ داود عليهما السلام وذلك في عام
(1) هو العلامة محمد الطهر ابن عاشور ، من مؤلفاته: (التحرير والتنوير) وهو تفسير لكتاب الله العزيز.
(2) هو سليمان بن داوود بن إيشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نخشون بن عمينادب بن إرم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام وقد سخر الله له الجن والإنس والطير. (قصص الأنبياء لابن كثير) (1/8)
صفحة 9
975 (ق م) ذلك لأن المملكة الإسرائيلية بعد ذلك الوقت أي بعد موت سليمان عليه السلام انشطرت إلى مملكتين فاتَّبَع طائفة من بني إسرائيل وهم سبط يهوذا وبِنْيامين يُرْبعان ابن سليمان ابن داود عليه السلام وملَّكوه على أنفسهم بينما بقية الأسباط اتبعت رحبعام ابن مرناط غلام سليمان عليه السلام والطائفة الأولى صارت مملكتها حاضرتها عاصمة مملكة سليمان عليه السلام وهي أورْشِْليم"1" أما الطائفة الثانية فقد صارت عاصمة مملكتها السامرة"2" واستمر بنو إسرائيل منقسمين إلى مملكتين فالذين كانوا مع ابنِ سليمان عليه السلام نُسِبوا إلى يهوذا لأن غالبهم من سبط يهوذا وعُرِّب ذلك إلى هذه التسمية فقيل يهود والطائفة الأخرى غَيَّرت الديانة الموسَويَّة"3" وحرفت فيها تحريفا بالغا وأدنتها من العقائد الوثنية ولم تدم تلكم المملكة التي كانت بالسامرة أكثر من مائتين وبضع سنين وخمسين سنة هذي المملكة تسلط عليها بعد ذلك الأشوريون فدخلوا السامرة واسترقوا"4" من كان بها من بني إسرائيل"5" وحملهم إلى بلاد أشور"5" وأسكنوا طائفة من الأشوريين في بلادهم _ أي في بلاد السامرة
(1) أورشليم هي اسم لبيت المقدس بالعبرانية معناها: مدينة السلام. (تعريف بالأماكن الواردة في البداية والنهاية لابن كثير)
(2) السامرة هي مدينة نابلس ، وبها البئر التي حفرها يعقوب النبي عليه السلام وبها الجبلان المقدسان، وهما طور سينا، وطور تينا. (الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة)
(3) نسبة إلى سيدنا موسى عليه السلام.
(4) أي استعبدوا.
(5) إسرائيل يقصد به سيدنا يعقوب عليه السلام.
(6) نسبة إلى ملكها آشور بانيبال وعاصمتها نينوى.(تعريف بالأماكن الواردة في البداية والنهاية لابن كثير) (1/9)
صفحة 10
_ أما المملكة الأخرى فقد استمرت إلى ما يزيد على 700 عام بعد وفاة سليمان عليه السلام فإنها امتحت في القرن الثاني قبل الميلاد عندما تسلط الإمبراطور الروماني أدِرْيان على هذه المملكة وأباد بني إسرائيل ووزعهم في الأرض وعندئذ التحقت بهم فلول"1" بني إسرائيل الأخرى وعُرِفوا جميعا باليهود واستمرت هذه التسمية فيهم وبما أن هؤلاء جميعا عُرِفوا بعد تِلْكُمُ العهود الأولى التي استخلفهم الله سبحانه وتعالى فيها وهي عهد سليمان ابن داود وما قبله عُرِفوا بالتحريف بعد ذلك والتبديل والبعد عن سواء السبيل صار التَّهَوٌّد أو التَّهْويد يطلق على اتِّباع هذه الديانة المنحرفة عن الحق أما الذين كانوا على نفس الاستقامة التي كان عليها موسى عليه السلام والنبيون من بعده ومن اتبعهم من بني إسرائيل فلم يكونوا يوصفون بالتَّهَوُّد أو اليهودية وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه هما اللذان يُهَوِّدانه أو يُّنَصِّرانه أو يُمَجِّسانه"2" وفي هذا ما يكفي دليلا على أن اتَّباع هذه الديانة إنما هو انحراف عن الفطرة التي فطر الله تبارك وتعالى الناس عليها فإن أصول الدين الذي جاء به الأنبياء جميعا لا تختلف إذ كلها أي كل تلك الأصول
(1) أي جموع.
(2) لم أجد لفظا مماثلا للفظ الشيخ بيد أنه يقاربه ، من طريق أبي هريرة:" كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " (2579) تخريج أحاديث الإحياء ، من طريق أبي هريرة: " كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " (2719) تخريج أحاديث الإحياء.
تحوم"1" حول إفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة وتنزيهه عن الأنداد"2" وعدم التقرب إلى غيره سبحانه وتعالى من ما هو خاص به عز وجل من الخضوع والانقياد.
ملة النصارى: (1/10)
صفحة 11
وأما النصارى فهم الذين تُعُبِّدوا بالإنجيل"3" وحملوا أمانته فلم يحملوها حق حملها وقد أدَّى بهم الأمر بعد فترة من الزمن غير طويلة أن أدخلوا في ديانتهم ومعتقداتهم وعباداتهم ما لم يَأْذَن به الله سبحانه وتعالى من الإشراك حيث اعتقدوا بأن عيسى عليه السلام ابن لله عزوجل ووصفوه بصفات الألوهية وقالوا فيه عليه السلام بأن اللاهوت"4" حل في ناسوته"5" ثم بعد ذلك انشقوا انشقاقا كبيرا هل فني الناسوت بحلول اللاهوت فيه أو أنه بَقِيَ على ما هو عليه وضل هنالك صراع ما بين طائفتين مختلفتين في ذلك أدى هذا الصراع إلى التَّنَحٌّر"6" المستمر ومنهم من قال بجانب ذلك بتأليه روح القُدْس أيضا وقالوا إن الله ثالث ثلاثة هؤلاء هم الذين سُمُّوا بالنصارى واختلف في سبب هذه التسمية ووزن النصارى (فَعَالَى) ، وفَعَالى يجمع به فعلان فأصل
(1) أي تدور.
(2) مفرده: ندّ ، وهو المثل والنظير.
(3) هو الكتاب الذي أنزل على عيسى عليه السلام ، والجمع: أناجيل (يونانية معربة).
(4) اللاهوت: أي الألوهة.
(5) الناسوت: أي طبيعة الإنسان.
(6) أي التخاصم. (1/11)
صفحة 12
نصْراني إذا نصْران وقال الزمخشريّ"1" بأن هذه الياء للمبالغة وإلا فأصل نصْراني نصْران كندْمان وندَامى وسكْران وسكَارى وهكذا يجمع نصْران على نصَارى ومن أجل ذلك ذهب سِيبَوَيْه"2" إلى أن أصل نصْراني نصْران واستدل لذلك بقول أحد الشعراء: (كما سجدت نصْرانةٌ لم تَحَلَّفِ) ، إذ جعل مؤنثه نصْرانة كسكْرانة وقد رُوِيَ عن بعضهم أيضا أنه قال: (ويضحي لديه وهو نصْرانُ شامِسُ) فإذا لفظة نصْران وردت في كلام العرب بدون ياء وقيل بأن النصارى نُسِبوا إلى الناصرة"3" وهي القرية التي ولد فيها عيسى عليه السلام ثم غير ذلك بدلا أن يقال ناصِريّ قيل نصْراني ولعل ذلك من أجل المبالغة وقد جاءت في الإنجيل نسبة المسيح إلى هذه القرية فقيل يسوع الناصري ومن العلماء من قال بأن لفظة النصارى مأخوذة من قول الحواريين رضي الله تعالى عنهم لعيسى عليه السلام: (نحن أنصار الله) [الصف:14]،[آل عمران:52] فإذا هي من النصْر.
(1) أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله ، ولد بزمخشر من ضواحي خوارزم، وتوفي بقصبة خوارزم ليلة عرفة ، وكان معتزلي المذهب ، سافر إلى مكة وجاور بها زمانًا، فصار يقال له: جار الله، لذلك، وأصبح هذا الاسم علمًا عليه. (الكشاف)
(2) سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر ، ومعنى سيبويه: رائحة التفاح. (كتاب الكتاب لسيبويه)
(3) قرية بالشام على ثلاثة عشر ميلاً من طبرية، وذكر بعضهم أن فيها ولد المسيح عليه السلام، وأهل بيت المقدس ينكرون ذلك. (الروض المعطار في خبر الأقطار)
ملة الصابئين: (1/12)
صفحة 13
أما الصابئون فالناس مختلفون فيهم اختلافا بالغا سواءا المفسرون أو الفقهاء أو علماء الكلام"1" أو الكاتبون في الديانات والفرق أو سائر الباحثين فقد اختلف كلامهم في الصابئين اختلافا بالغا وأصل الصابئين من صَبَأَ يَصْبَؤ بمعنى ظهر وطلع فإذا هؤلاء سُمُّوا صابئين بسبب ظهورهم بمعتقداتهم أي تميزهم عن غيرهم بمعتقداتهم وطقوس عباداتهم وقيل بأن هؤلاء سموا صابئين أخذا من صَبَا يَصْبُو بمعنى مال يميل وذلك لأنهم مالوا عن بقية الديانات إلى ما اختاروه دينا لأنفسهم وهؤلاء الذين ذهبوا إلى هذا الرأي استندوا إلى قراءة نافع حيث قرأ (الصَّابين والصَّابون) والذي يظهر أن هذه القراءة إنما هي تخفيف لقراءة الصابئين والأصل أن يخفف المهموز لا أن يثقل غير المهموز بالهمز وبما أن قراءة أكثر القرَّاء بالهمز يتبين أن الأصل الصابئون أخذا من صَبَأَ يَصْبَؤ لا من صَبَا يَصْبَو وكلام العلماء في الصابئين كلام متعدد المسالك"2" مختلف المشاعب"3" ولا يمكن أن نجمع ما بين أقوالهم جميعا حتى تصب في مصب واحد ولعل هذا الاختلاف البعيد بين أقوال طوائف أهل العلم فيهم وما
(1) أي علماء العقيدة.
(2) مفردها: مسلك ، وهي: الطريق.
(3) مفردها: مشعب ، وهي: الطريق. (1/13)
صفحة 14
نَسَبوه إليهم وما وصفوهم به إنما يعود إلى كون هؤلاء صاروا من التحفظ وإخفاء معتقداتهم بحيث لا يمكن أن يُشَخَّصوا تشْخِيصًا دقيقا في معتقداتهم وعباداتهم وإنما يستدل عليهم بالقرائن فحسب فنجد مجاهدا مثلا من أئمة التابعين ومن كبار المفسرين يقول بأن الصابئين هم قوم ليسوا بيهودٍ ولا نصارى ولا دين لهم وهذا يعني أنهم أقرب إلى الإلحاد"1" فإن كانوا ليسوا يهودا ولا نصارى وبطبيعة الحال ليسوا بمسلمين ولا دين لهم فإنهم إذا أقرب إلى الإلحاد بل هم ملحدون على رأيه هذا وروي عنه أيضا بأن الصابئين هم قوم بين اليهود والمجوس لا تأكل ذبائحهم ولا تنكح نسائهم ومعنى ذلك أن الصابئين متوسطون بين المعتقدات اليهودية والمعتقدات المجوسية وذهب ابن زيد حسب ما روي عنه إلى أن الصابئين هم قوم يقرؤون الزَّبُور ويصلون خمس صلوات ويَتَّجهون إلى اليمن"2" في صلواتهم وقيل هم يؤمنون بجميع النبيين ويصلون خمس صلوات في اليوم والليلة ويصومون في الشهر ثلاثين يوما وبجانب ذلك يتجهون إلى اليمن في صلواتهم وقيل هم قوم ليس لهم دين قط إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله فلا كتاب لهم ولا يؤمنون بدين ولا يقومون بواجبات عملية ولا شريعة تحكمهم وإنما يكتفون بقول لا إله إلا الله وقد روي عن زياد أنه أخبر عنهم بأنهم
(1) الذي لا دين له ولا يعبد إلها.
(2) هُوَ الزَّاوِيَةُ الْجَنُوبِيَّةُ الْغَرْبِيَّةُ لِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، كَانَ مَنْبَعَ حَضَارَاتِ الْعَرَبِ الْقَدِيمَةِ. (الْمَعَالِمِ الْجُغْرَافِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ كتاب يعرف صاحبه فيه بالأعلام الواردة في سيرة ابن هشام) (1/14)
صفحة 15
يصلون خمس صلوات ويصومون شهر رمضان وأنهم يقرؤون الزَّبُور فأراد أن يضع الجزية"1" عنهم إلا أنه أُخْبِر بعد ذلك أنهم يعبدون الملائكة"2" ففرض عليهم الجزية وقد اشتهر عند الكُتَّاب اشتهارا بالغا بأنهم يعبدون الملائكة ومن الكُتَّاب من قال بأنهم يعبدون الكواكب"3" وقد ألحق أصحابنا في المعتمد عليه عندهم الصابئين من أهل الكِتَاب وهذا قول طائفة من أهل العلم منهم أبو العالية والربيع بن أنس"4" وأبو الشَّعْثَاء جابر بن زيد"5" والسُّدِّيّ والضَّحَّاك وإسحاق ابن راهَوَيْه وقد روي عن إسحاق وأبي حَنِيفَة"6" بأن الصابئين تؤكل ذبائحهم وتنكح نسائهم وهذا يعني أنهما يريان بأنهم من أهل الكِتَاب وجاء في دائرة المعارف الإسلامية وهي من تأليف المُسْتَشْرقين في المجلد الرابع عشر منها بأن لفظة الصابئين هي مأخوذة من لغة عِبْرِيِّة وأصلها صَبَحَ بمعنى غَطَسَ وقُّسِّم الصابئون في هذه الدائرة إلى قسمين القسم الأول المِنْدِلِم والصَّبْوَة وهم صابئة العراق"7" هؤلاء
(1) ما يؤخذ من أهل الذمة ، والجمع: جزىً ، جزىٌ ، جِزَاء.
(2) مفردها: مَلَك ، مخفف ملأك وهو جسم نوراني لطيف يتشكل ، وقد كان جبريل عليه السلام يتمثل بصورة الصحابي دحية الكلبي.
(3) هو جرم سماوي يدور حول الشمس ويستضيء بضوئها.
(4) الربيع بن أنس البكري ، و يقال الحنفي ، البصري ثم الخراساني توفي سنة: 140 هـ أو قبلها.
(5) هو الإمام جابر بن زيد اليحمدي الأزدي الجوفي البصري أبو الشعثاء ولد سنة(18هـ) بقرية فرق بولاية نزوى بعمان من مؤلفاته: (ديوان جابر) في سبعة أحمال وضاع ولم يبق منه شيء وغيرها الكثير من الكتب توفي سنة(93هـ). (معجم أعلام الإباضية "قسم المشرق")
(6) النعمان بن ثابت بن زوطى ولد سنة: 80 هـ ، توفي سنة: 150 هـ ببغداد.
( (1/15)
صفحة 16
7) الْعِرَاقُ هي الْأَرْضُ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا نَهَرَا دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ ، وَقَدْ يُقَالُ : الْعِرَاقَانِ ، فَيُرَادُ بِهِمَا الْبَصْرَةُ وَالْكُوفَةُ ، وَكَانَ يُقَالُ : الْعِرَاقُ : أَرْضُ بَابِلَ ، وَبَابِلُ مَعْرُوفَةٌ مِنْ الْعِرَاقِ ، وَهِيَ الْيَوْمُ دَوْلَةٌ مِنْ دُوَلِ الْعَرَبِ عَاصِمَتُهَا بَغْدَاد. (الْجُغْرَافِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ كتاب يعرف صاحبه فيه بالأعلام الواردة في سيرة ابن هشام).
يعتمدون على التعميد أو الغطاس أي هم يعمدون كما يُعمَّد النصارى ومعنى ذلك أن دينهم قريب من دين النصارى والقسم الثاني هم صابئة حَرَّان"1" وصابئة حَرَّان هؤلاء لا يكادون حسب ما جاء في هذه الدائرة دائرة المعارف الإسلامية هؤلاء لا يكادون يعرفون شيئا عن هذه الشعيرة أي شعيرة التَّعْميد أو الغطَّاس وإنما انْتَسَبُوا إلى الصابئين رغبة منهم في أن ينعموا بالتسامح الذي أظهره القرآن الكريم لأهل الكتاب وذكر العلامة ابن عاشور بأن لفظة الصابئين هي لفظة تعود إلى لغة عربية قديمة أو لغة سامِيَّة وإن كان هؤلاء أصحاب هذه اللغة عربا فهم عرب ما بين النهرين من العراق والذي جاء في مؤلفات أصحابنا أن الصابئين هم قوم أخذوا ما طاب لهم من التوراة وما طاب لهم من الإنجيل وأنهم قالوا أصبنا دينا بما جمَّعوه من هذا الخليط من تعاليم التوراة والإنجيل قالوا أصبنا دينا وعلى هذا فالذي يبدو أن في لفظة الصابئين قلبا على حسب رأي هؤلاء القائلين والأصل في ذلك صائبون ولكن هذا القلب هو بحاجة إلى دليل وقال وهب بن منبه"2" في الصابئين بأنهم قوم عرفوا الله تبارك وتعالى ووحدوه ودانوا بالحنيفية التي كان
( (1/16)
صفحة 17
1) مدينة الصابئة تقع قرب منابع نهر البليخ . تقوم عند ملتقى الطرق التجارية في شرق الفرات ولاسيما طريق الشام وطريق الجزيرة . كانت مركزا من أهم مراكز الثقافة الإغريقية السريانية قبل الإسلام ، وبقي فيه بعض الصابئة حتى ما بعد خلافة المأمون ، حكمها الآشوريون واليونان والفرس والرومان قبل أن يأخذها العرب صلحا سنة 18 هـ ( 639 ) م . هي الآن موضع المدينة المسماة (أورفة ) من بلاد تركيا. (تعريف بالأماكن الواردة في البداية والنهاية لابن كثير)
(2) وهب بن منبه بن كامل اليماني الصنعاني الذماري ، أبو عبد الله الأبناوي ولد سنة: 34 هـ وتوفي سنة: 100 و بضع عشرة للهجرة.
عليها إبراهيم عليه السلام وهذا الكلام الذي يقوله هو قريب جدا من ما ذهب إليه الأستاذ الشهيد سيد قطب في كتابه (في ظلال القرآن) وذلك أنه ذهب إلى أن الصابئين هم قوم من العرب عافوا الجاهلية وما رأوا عليه أهلها من الانحراف والضلال فوحدوا الله تبارك وتعالى وحدَه وأفردوه عزوجل بالعبادة وسُمُّوا صابئين نظرا إلى أنهم مالوا عن بقية الأديان التي كانت تدين بها العرب مالوا عن الوثنية ومالوا عن النصرانية التي كانت عند العرب أيضا وعن كل معتقدات العرب وعاداتهم وعباداتهم فاختاروا لأنفسهم الحنيفية التي كان عليها إبراهيم عليه السلام وبناءا على هذا فالصابئون إذا هم وَرْقَة بن نَوْفَل"1" وقُسُّ ابن سَاعِدة"2" وزيد ابن عَمْرو"3" الذين عُرِفوا بالحنيفيين بسبب ميلولتهم عن بقية الديانات التي
( (1/17)
صفحة 18
1) ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة بنت خُويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان قد قرأ الكتب وطلب العلم، ورغب عنِ عبادة الأصنام، وبشر خديجة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي هذه الأمة، وأنه سيؤذى ويكذبُ، ولقي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يابن أخي، اثْبُتْ على ما أنت عليه.، فالذي نفس ورقة بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولتؤذَيَن ولتكذبن ولتخرجن ولتقاتلن، ولئن أدركت يومك لأنصرن الله نصراً يعلمه، وقد اختلف فيه: فمنهم من زعم أنه مات نصرانياً، ولم يدرك ظهورَ النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتيسر له أمره، ومنهم من رأى أنه مات مسلماً وأنه مدح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يَعْفوَ يَصْفَحُ لَا يَجْزِي بِسَيِّئةٍ ... وَيَكْظِمُ الْغَيْظَ عِنْد َالشتْم وَالْغَضَبِ. (مروج الذهب- المسعودي)
(2) قس بن ساعدة الإيادي من إياد بن أد بن معد، وكان حكيم العرب ، وكان مقراً بالبعث ، وهو الذي يقول: من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، وقد ضرب العرب بحكمته وعقله الأمثال.( مروج الذهب- المسعودي)
( (1/18)
صفحة 19
3) زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك القرشي العدوي، والد سعيد بن زيد أحد العشرة، وابن عم عمر بن الخطاب، يجتمع هو وعمر في نفيل. سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يبعث أمةً وحده يوم القيامة " . وكان يتعبد في الجاهلية، ويطلب دين إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم، ويوحد الله تعالى، ويقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم. وكان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء ماء وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله تعالى، إنكاراً لذلك وإعظاماً له، وكان لا يأكل مما ذبح على النصب، واجتمع به رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسفل بلدح قبل أن يوحى إليه، وكان يحيي الموءودة. ( أسد الغابة- ابن الأثير) (1/19)
صفحة 20
كانت في ذلك الوقت ولقد كنت في وقت من الأوقات بعد اطِّلاعي على هذا الرأي أجنح"1" نوعا ما إلى هذا القول نظرا إلى مدلول هذا اللفظ اللغوي ذلك لأني كنت أنظر إلى أن صَبَأَ بمعنى مال ولكني بعد ذلك اكتشفت بأن في هذه الميلولة خطأ ذلك لأن صَبَأ ليس هو بمعنى مال ، وإنما صَبَا بمعنى مال صَبَا يَصْبُو لا صَبَأَ يَصْبَؤُ ، وصَبَأ بمعنى ظهر وطلع كما قلت وبجانب ذلك أيضا فإن وجود طائفة من الناس يقومون بطقوس"2" من العبادات خاصة ولهم مزايا خاصة تتعلق بشؤون حياتهم تُعرف بهذا الاسم دليل على أن هؤلاء ليسوا هم الحنيفيين الذين تميزوا عن العرب بما تميزوا به من الإعتقاد بتوحيد الله سبحانه والعناية بإفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة وعيافة ما كان عليه أهل الجاهلية والذين كتبوا عن الفرق وأصحاب الديانات أيضا نجدهم مختلفين اختلافا بالغا في تشخيص هؤلاء الصابئين وتشخيص معتقداتهم فمنهم من قال بأن الصابئين هم من عبدة الكواكب وبناءا على هذا فهم قريبون جدا من المجوس الذين يعبدون النيران ويعبدون الأجرام الفلكية ومنهم من قال بأنهم يعبدون الملائكة ولكن يمكن أن يُجمع ما بين هذا وذاك بأن هذا الاختلاف إنما هو ناشئ إلى النظر في توجه هؤلاء الصابئين حسب ما قيل لأن من الناس من قال بأنهم يتوجهون في عباداتهم إلى الكواكب فحسِبهم من رآهم كذلك أنهم
(1) أي أميل.
(2) أي شعائر وعبادات. (1/20)
صفحة 21
يعبدون هذه الكواكب والذين قالوا بأنهم يعبدون الملائكة أبصروا حقيقة أمرهم وعرفوا طوايا عقيدتهم وعرفوا اتجاههم إلى هذه الكواكب إلى ماذا يَرْمِز فإن الصابئين كما يقول بعض الباحثين هم قوم يعتقدون بوجود الإله الخالق الذي أخرج كل شيء من العدم إلى الوجود ولكنهم بجانب ذلك يقدِّسون الرُّوحانيين تقديسا بالغا ويتعصبون لهم تعصبا لا يقف عند حد ويعتقدون أن الرُّوحانيين قُدِّسَت فِطَرُهم ونُزِّهَت طَبَايِعُهم فهم من كل ناحية من النواحي أرقى من سائر الخلق ويعتقدون أن الوصول إلى الإله الواحد الحق أمر متعذر للحواجز التي تقف بين البشر وبين الوصول إليه ومن أجل ذلك فهم اعتقدوا في هؤلاء الروحانيين أنهم متوسطون ولا يتورعون عن وصفهم بالألوهية والربوبية فهم عندما يقومون بالشعائر الدينية إنما قصارى ما يتوصلون إليه هو توجيه العبادة إلى هؤلاء الرُّوحانيين لكونهم وسائط بينهم وبين الله سبحانه وتعالى فيما يعتقدون ، ويعتقدون أن لهؤلاء الرُّوحانيين أيضا تأثيرا في هذه الكائنات من حيث الإختراع ومن حيث الإمداد فهم يُفيضون الخير على العالم السفلي فمن خلال عبادتهم لهم يستمدون منهم الخير فإذا هؤلاء في استمدادهم الخير أيضا جعلوا بينهم وبين الله وسائط كما جعلوا في العبادة بينهم وبين الله وسائط رَأَوْا أن عبادتهم لا تصل إلى الله فجعلوا هؤلاء الرُّوحانيين وسائط بينهم وبين الله وفي نفس الوقت رَأَوْا أن دعائهم لا يصل إلى الله فهم يستمدون الخير من قبل هؤلاء الرُّوحانيين وهم أي هؤلاء الرُّوحانيين يفيضون الخير على العالم السفلي ولكل واحد منهم هيكل مستقل في فلك ونسبة صاحب الهيكل إلى الهيكل كنسبة الروح إلى الجسم فالاتجاه إلى الهيكل إنما هو في الحقيقة اتجاه إلى صاحب الهيكل بما أنهم يرون أنهم يحلون في هذه الهياكل أو أن هذه الهياكل خاصة بهم هم يتجهون إلى هذه الهياكل في عبادات بقصد أن تصل عباداتهم إلى أصحاب الهياكل الذين (1/21)
صفحة 22
اعتبروهم وسائط بينهم وبين ربهم تبارك وتعالى و ذكر بعضهم أنهم يقولون بأنهم على دين نوح"1" عليه السلام لكن المشهور عنهم أنهم ينتسبون إلى المُعَلِّمَين الأوَّلَين للصابئة وهما عادْمُون وهُرْمُز أي شيث بن آدم وإدريس"2" عليهما السلام والمشهور أنهم لا يعترفون بنبي إلا بهذين النبيين لا يعترفون بنبية نبي آخر وعندما امتد نفوذ الفرس الساسانيين المجوس إلى بلاد العراق منعوا صابئة العراق من عباداتهم وحالوا بينهم وبين ما ألفوه من طقوسهم الدينية ولعل هذا هو منشأ قول من قال بأنهم من المجوس كما روي ذلك عن الحسن البِصْري فقد روي عنه بأن الصابئين هم طائفة من المجوس وأما صابئة الشام فضلوا على ما هم عليه
(1) وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن إدريس. وقال الزبير بن بكار: نوح بن ملكان بن مثوب بن إدريس، وكان بين آدم ونوح ألف سنة، وولد نوح عليه السلام بعد وفاة آدم بثمانمائة وست وعشرين سنة. (المنتظم- ابن الجوزي)
(2) واسمه خنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم.
قال الزبير بن بكار: وهو إدريس بن اليارد بن مهلائيل بن قينان بن الطاهر بن هبه، وهو شيث بن آدم، وإنما قيل له إدريس لأنه أول من درس الوحي المكتوب. (المنتظم- ابن الجوزي) (1/22)
صفحة 23
ولكنهم بعد ذلك عندما تنصر قُسْطَنْطِين الإمبراطور الروماني اشتد عليهم وحملهم على النصرانية بالإِكراه ولعل هذا هو مصدر قول من قال بأن معتقداتهم هي معتقدات النصارى ولعل أيضا هذا مصدر رأي من ألحقهم بأهل الكّتَاب مطلقا ويقال بأن الصابئين كانوا معروفين عند النصارى باليوحَنَّاسِيَّة نسبة إلى يوحنا المَعْمَدان أي يحيى بن زكريا عليه السلام و ذكر ابن تَيْمِية"1" بأن للصابئة معبدا قريبا من جامع دمشق واتجاه هذا المعبد إلى القطب الشمالي ويفهم من كلامه فيما ذكره عنهم بأنهم كانوا على ملة التوحيد وأنهم تمسكوا بما كان عليه إبراهيم عليه السلام وعندما أنزلت التوراة على موسى تمسكوا بها وعندما أنزل الإنجيل على عيسى تمسكوا به ثم بعد ذلك حصل في طائفة منهم الانحراف فطائفة منهم تمجست وطائفة منهم ذهبت مذاهب فلسفية في تفسير حقيقة الوجود فقالوا بقدم الكون كما هو مذهب أرِسْطُو وقالوا بعدم المعاد كما مذهب الماديين ولعله يفهم من كلام ابن تَيْمِية أنه يرى أن فلاسفة أثينا كانوا من أهل الديانة الصابئية في الأصل أو أن هؤلاء الفلاسفة انحرفوا عن ما كانت عليه الصابئة إلى ما انتقلوا إليه من الأفكار وهناك قول لبعض العلماء وهو أن الصابئة هم الذين بعث إليهم إبراهيم عليه السلام بعد ما كانوا على انحراف عن سواء الصراط وهذا القول قريب مما ذهب إليه ابن
(1) شيخ الحنابلة. (1/23)
صفحة 24
تيمية وقد عرفت الصابئة بالحَرْنَانِية كانوا يُسَمَّوْن بالحَرْنانِيَّة ولعل ذلك نسب لهم إلى حَرَّان لأن حَرَّان هي حاضرتهم ولعل ذلك كان خاصا بصابئة الشام وقد يمكن أن يكون سرى ذلك أيضا إلى صابئة العراق بحيث سُمُّوا بهذه التَسْمِية على أي حال نجد هذا الاختلاف الكبير في الصابئين ولا نستطيع أن نقطع برأي من هذه الآراء لعدم ظهور ما يمكن الاستناد إليه والتعويل عليه من معتقداتهم في تشخيصهم وإدراك هويتهم على ما هي عليه وأذكر أنني اطلعت قبل عشرات السنين على استطلاع في إحدى الصحف عن صابئة العراق في هذا العصر وكانت صور لبعض كبرائهم مرسومة في بعض صفحات تلك الصحيفة التي نشرت الاستطلاع عنهم إلا أن محتوى الصحيفة أيضا من أخبارهم لا يساعد على فهم حقيقتهم وإدراك هويتهم فهم حسب ما يبدو قوم لا يزالون غامضين إلى اليوم لم يفهموا فهما دقيقا على ما هم فيه وعليه.
ملة المجوس:
والملة الخامسة هي ملة المجوس وهم المعروفون بالزِّرادَشْتِيين أي أتباع زِرَادَشْت"1" ولهم معتقدات عجيبة بحيث يعتقدون أن للكون خالقين خالق النور والخير وخالق الظلمة والشر فهؤلاء هم الثانوية الذين يعتقدون ثنائية الألوهية ولهم أيضا انحرافات كبيرة في المسلك
(1) زرادشت بن أسبيمان. (مروج الذهب- المسعودي) (1/24)
صفحة 25
الاجتماعي فإنهم يستبيحون نكاح البنات والأخوات فقد بعدوا عن الفطرة بعدا كبيرا ولكن مع ذلك وجدنا في بعض كتب أصحابنا ما يدل على أنهم كانوا في وقت من الأوقات أهل كتاب إلا أن الكِتاب رفع عنهم بتحريفهم وتبديلهم فعادوا في ظلمات نفسهم يعمهون ولا أستبعد أن يكونوا في أصلهم أهل كتاب فإن ذلك محتمل كما يُحْتَمل أيضا أن يكونوا في سابق عصورهم على اتصال ببعض علماء أهل الكتاب سواءا كان أولئك الذين نعنيهم بأهل الكتاب يهودا أو نصارى أو كانوا من أصحاب الكتب السماوية السابقة قبل هؤلاء وذلك بسبب وجود بعض النصوص في كتبهم تبشر بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد توصل الأستاذ عبد الحق إلى بعض هذه النصوص وترجمها في ما أحسب إلى اللغة الإنجليزية ثم ترجمة بعد ذلك إلى اللغة...(كلمة مجهولة)...وأوردها الأستاذ العقاد في كتابه معالم النور كما أوردها أيضا الشيخ العلامة أبو زهرة في كتابه خاتم النبيين ومما جاء في هذه النصوص الإخبار بأن أتباع زرادشت سوف ينحرفون عن دينهم ويَتَّبعون غير النهج السوي ثم عندئذ يُبْعث رجل من بلاد العرب يَتْبَعه أصحاب الخير والفطر السليمة ويكون منصورا على أعدائه ويفتح أتباعُه بلاد زرادشت أي بلاد فارس وبعد أن يكونوا عبدة للنار فإن أصحاب مدين"1"
(1) مَدْيَنُ أَوْ أَرْضُ مَدَيْنَ : تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ ( الْبِدْعِ ) وَهِيَ بَلْدَةٌ بَيْنَ تَبُوكَ وَالسَّاحِلِ عَلَى ( 132 ) كَيْلًا غَرْبَ تَبُوكَ ، وَشَرْقَ رَأْسِ الشَّيْخِ حُمَيْدٍ - عَلَى الْبَحْرِ - بِمَسَافَةِ سَبْعِينَ كَيْلًا ، وَهِيَ فِي وَادٍ بَيْنَ الْجِبَالِ (الْمَعَالِمِ الْجُغْرَافِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ كتاب يعرف صاحبه فيه بالأعلام الواردة في سيرة ابن هشام) (1/25)
صفحة 26
وطُوس"1" وبَلْخ"2" وبلاد فارس"3" يتجهون إلى قبلة إبراهيم إتباعا لهذا النبي و ينظمون تحت لواء رحمة العالمين ومع هذا أيضا جاء وصف النبي صلى الله عليه وسلم في ثنايا هذه النصوص بأنه فصيح يتكلم بالمعجزات فهذه النصوص لم تأت عن فراغ فلا يبعد إما أن تكون من ما تبقى من أيديهم من كتابهم الأصلي الذي أوحي إليهم إن كانوا من أهل كتاب كما قيل وإما أن تكون هذه النصوص ناتجة عن احتكاكهم بأهل الكتاب ولا أستطيع أن أقول بما قال به العلامة أبو زهرة فإن إطلاعه على هذه النصوص أدى به إلى القطع بأن زرادشت كان نبيا وانه كان يوحى إليه إلا أن أتباعه انحرفوا عن الديانة الصحيحة التي كان عليها وهذا أمر غامض فإن إثبات النبوة أثبات لأمر عَقَدي والأمور العَقَدية لا يمكن أن تثبت إلا بدليل قطعي فإثبات نبوة أحد ما لا يمكن يسار إليه إلا بدليل قطعي ولم نجد دليلا قطعيا يمكننا أن نستدل إليه أما هذه النصوص فكما قلت يمكن أن يكون منشؤها
(1) مدينة بخراسان بقرب نيسابور مشهورة، ذات قرى ومياه وأشجار، والمدينة تشتمل على محلتين، يقال لإحداهما طابران، والأخرى نوقان. وفي جبالها معادن الفيروزج، وينحت منها القدور البرام وغيرها من الآلات والظروف حتى قال بعضهم: قد ألان الله لأهل طوس الحجر كما ألان لداود، عليه السلام، الحديد ، خرج منها كثير من العلماء منهم: الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي ومحمد بن أسلم الطوسي ونصير الدين أبو عبدالله محمد الطوسي وغيرهم. (آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني ، تعريف بالأماكن الواردة في البداية والنهاية لابن كثير)
(2) مدينة خراسان العظمى وهي في مستو من الأرض، ودار مملكة الأتراك والملك بها لازم، وبها العساكر والأجناد والملك والقواد والعمال والأسواق العامرة والمتاجر والأموال الواسعة والأحوال الصالحة، وبناؤها بالطين واللبن. (الروض المعطار في خبر الأقطار للحميري)
( (1/26)
صفحة 27
3) فارس فالذي يحيط بها مما يلي الشرق حدود كرمان، ومما يلي الغرب كور خوزستان وأصبهان، ومما يلي الشمال المفازة التي بين فارس وخراسان وبعض حدود أصبهان، ومما يلي الجنوب بحر فارس. (المسالك والممالك- الإصطخري)
احتكاك هؤلاء بأهل كتاب سماوي فعَرَفوا من خلال احتكاكهم بهم بعض طوايا من علم الغيب الذي جاء به ذلك الكتاب وعَرَفوا عن مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم من خلال ذلك فأثبتوا ذلك في كتبهم ويمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك.
ملة المشركين:
والملة السادسة من هذه الملل الست هي الذين أشركوا وهم من لا يستند على كتاب سماوي ولا على دليل يهتدي به وليس له إمام يأتم به وإنما هؤلاء يعتمدون على ما يوحي إليهم خيالهم في تفسير حقيقة الكون وفي توجيه العبادة إلى المعبود هؤلاء هم المشركون الوثنيون سواءا كانوا من العرب الوثنيين أو كانوا أيضا من الماديين الملحدين كالشيوعيين"1" والعلمانيين"2" الذين لا يؤمنون بدين من الأديان ويدخل فيهم أيضا البوذيون"3" والهندوسيون"4" وغيرهم هؤلاء جميعا يصدق عليهم وصف الذين أشركوا وقد يسأل سائل كيف يخص هؤلاء بهذا اللقب لقب الذين أشركوا مع أن أصحاب الملل الأخرى غيرِ ملة الإسلام ممن اتخذ مع الله إلها آخر أو جعل لله تبارك وتعالى شريكا في المُلك ووليا من الذل
(1) هو مذهب فلسفي وضعي سياسي لا يعتقد بوجود إله ويعتقد بأن الكون مادة وأن وحدة العالم تنحصر في ماديته وأن المادة سابقة في الوجود على الفكر وأن الإنسان نتاج المادة؟
(2) هي إقامة الحياة بعيدا عن الدين أو الفصل الكامل بين الدين والحياة.
(3) هي أحد الديانات الوثنية يطلق عليها بالبوذية نسبة إلى بوذا مؤسس هذه الديانة والذي يطلق عليه أيضا اسم سذهاتا الأمير أو غوتاما وهذا الدين وضعي إذ أنه ينظر إلى العمل لا العقيدة ولا ينظر إلى التفكر في الإلهيات.
( (1/27)
صفحة 28
4) هي ديانة الجمهرة العظمى في الهند الآن وتسمى الهندوكية لأنها تمثل تقاليد وعادات الهنود وصور حياتهم ويطلق عليها البرهمية أو البراهمة وخاصة لرجال الكهنة الذين يعتقود في طبائعهم بالعنصر الإلهي.
يوجه إليه العبادة هم أيضا مشركون فكيف مع ذلك يَصْدق وصف الذين أشركوا على هؤلاء فالمجوس أليسوا بمشركين والصابئون مع كونهم يعبدون الملائكة أو يعبدون الأجرام الفلكية أو نحو ذلك أليسوا أيضا مشركين والنصارى الذين اتخذوا مع الله إلها آخر فعبدوا المسيح عليه السلام وعبدوا أيضا معه روح القُدُس"1" وقالوا بأن الله ثالث ثلاثة أليسوا بمشركين واليهود مع إنكارهم ما علم من الدين بالضرورة ومع ما أدخلوه من التحريف والتبديل في كتابهم ومع ما وصفوا به الله تبارك وتعالى من صفات الخلق أليسوا بمشركين فكيف مع هذا يقال في هؤلاء الذين انفصلوا عن الملل الخمس الأخرى يقال عنهم بأنهم مشركون كيف يصدق عليهم وحدهم وصف الذين أشركوا؟
والجواب بأن إطلاق لفظ الذين أشركوا على هؤلاء لا ينافي كون أولئك أيضا مشركين فإن هناك نصوصا من الكتاب العزيز تدل على إشراك أؤلئك فالله تبارك وتعالى قال في النصارى: ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله ألا هو سبحانه عما يشركون )[التوبة:31] فالضمير في يشركون راجع إلى هؤلاء النصارى أنفسهم ولكن مع ذلك قد يكون وصف ينطبق على طوائف على من بالغلبة على طائفة كوصف الذين آمنوا فإن الله سبحانه وتعالى عندما صنف أصحاب هذه الملل الست
(1) أي جبريل عليه السلام. (1/28)
صفحة 29
وذكر أهل هذه الملة الحنيفية وَصَفَهم بالذين آمنوا أي هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم أُطْلِق عليها لقب الذين آمنوا وأُطْلِق عليها لقب المسلمين مع أن أتباع الرسل من قبل كانوا جميعا على الإسلام كما تنص على ذلك الآيات التي تَحَدَّثْنا عنها غير مرة وَوَصْف الإيمان ينطبق على أتباع جميع المؤمنين وفي القرآن ما يدل على ذلك فموسى عليه السلام يقول لقومه: ( توكلوا على الله إن كنتم مؤمنين ) والله سبحانه وتعالى يقول: ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه )[غافر:28] وصفه بالإيمان ولكن مع ذلك كان لقب الذين آمنوا على من بالغلبة على هذه الأمة لأن هذه الأمة جمعت الإيمان بجميع رسل الله تبارك وتعالى ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتيَ موسى وعيسى وما أوتيَ النبيون من ربهم )[البقرة:136] (ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله )[البقرة:285] لأجل ذلك كانت هذه الأمة حرية بلقب الذين آمنوا وحرية بلقب المسلمين وبما أن أولئك أيضا وهم الذين ما كان لهم قدوة يحتذونه وإمام يتبعونه إلا مجرد أهواء أنفسهم وما ينعكس على أفكارهم من خيالاتهم المريضة بما أنهم أوغل الناس في الضلالة وأعمقهم في الإشراك صدق عليهم لقب الذين أشركوا فقيل في وصفهم وتمييزهم عن غيرهم والذين أشركوا ولذلك جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى عطفهم على الذين كفروا من أهل الكتاب ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين)[البينة:1] فمُيِّزوا عن أهل الكتاب بهذا الوصف وصف المشركين بسبب مراعاة هذا الاعتبار وهذا لا ينافي كما قلت أن يكون الذين انحرفوا عن العقيدة السليمة انحرافا يؤدي بهم إلى اتخاذ الأنداد مع الله سبحانه وتعالى أيضا في حكم المشركين والحديث عن أحكام هذه الملل نُرْجِؤُه إن شاء الله إلى الدرس الآتي ونسأل الله (1/29)
صفحة 30
تعالى التوفيق ونفتح الآن باب السؤال والجواب في مدار هذه المحاضرة نفسها.
فِقرة الأسئلة:
س/ السائل يسأل شاع عندنا تسمية المرأة نصرى فهل هذا من باب فعلان فعلى وعليه ففي هذه التسمية كراهة لما قد تفضي إليه من التشبه بالنصارى؟
ج/ على أي حال ما ورد بأن مفرد نصارى إن كان أنثى يقال فيه نصرى فهذا اللبس غير حاصل وبناء على عدم حصول اللبس فلا مانع من هذه التسمية ويعلم قطعا أن منشأ هذه التسمية ليس هو التشبه بالنصارى.
س/ السائل يقول ذكرتم أن فئة من الصابئين حسب تقسيم الموسوعة يعتمدون التَّعْمِيد والغَطَّاس فما معنى التَّعْمِيد والغَطَّاس؟
ج/ التعميد هو ما شهر عند النصارى باغتسال الذي يريد أن يدخل في دينهم وينظم إلى معتقداتهم ويدخل تحت لوائهم اغتسال بماء المَعْبُودِيَّة ماء يسمى ماء المَعْبُوديَّة فهم يُعَمِّدونهم بالاغتسال من ذلك الماء وعندئذ يتحولون من معتقداتهم الأصلية إلى معتقدات النصارى التي ينتقلون إليها ذلك رمز انتقال من معتقداتهم الأصلية إلى معتقدات النصارى التي يميلون إليها وكذلك أطفالهم يحملونهم إلى هنالك لينشؤوهم على النصرانية من خلال تعميدهم.
س/ السائل يسأل كيف يُجْمَع بين قول من قال بأن الصابئين يعبدون الملائكة أو الكواكب أو ما شابهها من الأقوال وبين قوله تعالى: ( إن الذين آمنوا والذين هادوا ...) [البقرة:62] الآية؟ (1/30)
صفحة 31
ج/ نعم الآية جاءت في سورة البقرة: ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )[البقرة:62] وجاء ذكر الملل الست كلها في قول الله تبارك وتعالى في سورة الحج :( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة )[الحج:17] هذي الآية آية الحج لا إشكال فيها وإنما قد يتصور شيء من الإشكال في آية البقرة وفي آية المائدة المشابهة لها آية البقرة جاءت إِثْْرَ صب قوارع الإنكار على اليهود وقد اختلف العلماء اختلافا بالغا في الآية هل هي في المعاصرين لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو هي فيمن كان من قبل وعلى كلا القولين فإن الإتيان بهذه الآية الكريمة إنما هو لأجل الاستدراك بعد تلك القوارع التي صُبَّت على بني إسرائيل فيما تقدم فإنه بناءا على قول من قال بأن الآية هي في المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم قد يذهب الوهم"1" ببعض الناس إلى أنه لا يمكن أن تقبل توبة هؤلاء وأنهم حقت عليهم كلمة الله فهم واقعون في سخط الله على أي حال فأراد الله سبحانه وتعالى بناءا على هذا القول أن يأتيَ هنا بما يشبه الاستدراك لإفهام الناس بأن باب التوبة مفتوح وأن الله سبحانه وتعالى يجزي كل من آمن وعمل صالحا من هذه الملل كلها يجزيه بالمثوبة إن ترك ما هو فيه وعليه من الضلالة وانخرط في سلك الإيمان بالله وفي سلك العمل الصالح وأما على القول الآخر بأن الآية في السابقين قبل مبعث رسول صلى الله عليه وسلم فالآية أيضا جاءت بما يشبه الاستدراك لأن لا يذهب الوهم بأحد بأن هؤلاء هم ومن كان قبلهم من أسلافهم الماضين حقت عليهم جميعا كلمة الله فقد جاء الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية بما يثبت أن هؤلاء لم يُمْقَتوا لعنصرهم وإنما مُقِتوا لصنيعهم
( (1/31)
صفحة 32
1) هو ما يقع في الذهن من خواطر ، والجمع: أوهام ووهوم ووهم.
فأسلافهم السابقون الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وليست الآية في الذين يعبدون الأجرام الفلكية ويعبدون الكواكب وإلى آخره لا.
س/ إن قال قائل بأنه لا يسع جهل الملل الست لكون القرآن نص عليها فبماذا يجاب؟
ج/ نعم ، نحن نقول بأن كل من قامت عليه الحجة بمعرفة أي شيء نص عليه القرآن فإنه لا يسعه جهل ذلك بعدما قامت عليه الحجة لكن لنقدر أن أحدا من الناس قرأ القرآن"1" وهو أعجمي"2" اللسان لا يفقه من معانيه شيئا إلا ما يترجم"3" له إلا ما يفسر"4" له وهو لم يترجم له شيء لم يفسر له شيء من معاني الكتاب العزيز فهل يقال بأنه لا يعذر في جهل هذه الحقائق التي نص عليها القرآن مع أن الحجة لم تقم عليه بعدم معرفته هذه الألفاظ القرآنية أو النصوص القرآنية وكذلك لنقدر أن أحدا من الناس يتحدث بالعربية لكنه لم يَرْقَ"5" به فهمه إلى معرفة معاني القرآن الكريم ولِنُقَدِّر أيضا بأن
(1) عرفه سماحة الشيخ بأنه: الكلام المنزل بحروفه وكلماته على النبي صلى الله عليه وسلم المعجز بتراكيبه ومعانيه المنقول عنه بالتواتر القطعي. (كتاب العقيدة للصف الثالث الثانوي بمعاهد العلوم الإسلامية)
(2) الأعجمي: من لا يفصح ولا يفهم كلامه.
(3) أي نقله من لغة إلى لغة.
(4) يوضح ويبين.
(5) أي يصعد ويرتفع.
كثيرا من الأمة أُمُِّيون لا يقرؤون القرآن فهل هؤلاء في جميع هذه الأحوال لا يعذرون بل عليهم أن يعرفوا معنى اليهود ومعنى النصارى ومعنى الصابئين ومعنى المجوس إلى آخره هل عليهم أن يعرفوا جميعا ذلك على أن الصابئين كما قلت اختلف فيهم اختلافا كبيرا فتحديد هويتهم أمر صعب لا يمكن أن نتوصل إليه إلا بعد استقصاء"1" لمعتقداتهم ومعرفة لعباداتهم وذلك يكاد يكون متعذرا. (1/32)
صفحة 33
س/ السائل يسأل لو ادعى رجل أنه من الصابئين فكيف يمكن لنا أن نعرف صدقه من كذبه ؟ وهل نُجْري عليه أحكام الصابئين أم لا؟
ج/ إن ادعى أنه صابيء فالأصل أن يصدق في دعواه وهناك قرائن يمكن من خلال تلك القرائن أن تُعْرَف حقيقة أمره ويُسْتَجْلى"2" صدقُه من كذبِه فبالإمكان أن يُمْتَحَن ويُخْتَبَر ماذا يعتقد وماذا يعبد وأين يتجه وكيف يعبد فتمكن المقارنة ما بين هذه الأقوال المحكية ويُعرف من خلال ما يخبر به عن نفسه أنه صابيء أو لا.
(1) أي بحث.
(2) يستوضح ويظهر.
س/ هل للصابئين وجود في زماننا هذا ؟ فإن كان لهم
وجود فأين؟
ج/ نعم لهم وجود وقد قلت بأني اطلعت على استطلاع عن الصابئين في أحدى الصحف قبل عقود من السنين وهؤلاء هم صائبة العراق هم موجودون في العراق لكن يقال بأن عددا وأظن هكذا رأيت في هذه الصحيفة الله أعلم بحقيقة الأمر أظن أنني اطلعت في هذه الصحيفة أو اطلعت في مكان آخر أن عددهم يتراوح بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفا هم عدد قليل جدا.
هذا السؤال لا نريد أن نتحدث عليه الآن لأننا سنتعرض إن شاء الله في الدرس الآتي على هذه القضية وهي قضية زواج المسلم من المرأة الكتابية ، كذلك السؤال عن المشركين هل نجاستهم نجاسة حسية أو معنوية؟ هذا مما نتحدث عنه فيما يأتي إن شاء الله.
س/ هل يسع جهل أحكام الملل الست لمن قامت عليه حجتها؟
ج/ لا من قامت عليه حجتها وعرف هذه الملل واطلع على أحكامها لا يعذر إذا جهل ذلك قلت في المحاضرة لا يرجع أحد من العلم إلى الجهل ولا من اليقين إلى الشك.
س/ ما شاء الله السائل يسأل سؤالا غريبا يرد ذكر الصابئة في بعض آيات القرآن الكريم مقرونين باليهود والنصارى والذين آمنوا فعلى ما يدل ...؟ (1/33)
صفحة 34
ج/ هذي الملل نحن حديثنا الآن يدور حول هذا لماذا قرن الله تبارك وتعالى ذكر هؤلاء لأن هذه هي الملل الست التي ذكرها الله تعالى في سورة الحج: ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين النصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد )[الحج:17].
س/ السائل يسأل عن المنافقين بين هذه الملل؟
ج/ حديثنا عن المنافقين يأتي إن شاء الله في الدرس الآتي.
س/ هل المقصود بالرُّوحانِيين هم الملائكة؟
ج/ نعم.
س/ السائل يسأل قائلا ألا يمكن الجمع بين هذه الأقوال المتعددة عن الصابئة ونقول إن من هذه الطائفة من آمن ووحد ومنها من أشرك وعبد غير الله تعالى ويمكن أن نلمس ذلك من قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين...) [البقرة:63] الآية.
ج/ محتمل لكن كيف يقال بأن منهم من هم مجوس ومنهم هم أهل كتاب ومنهم من يعبد الملائكة ومنهم من يعبد الكواكب ومنهم إلى آخره ، هناك أقوال غريبة ومنهم من يقول بأن قبلتهم إلى القطب الشمالي ومنهم أقوال عجيبة.
س/ السائل يسأل هل يمكن بالضبط تحديد الفترة التي بدأ فيها ظهور الصابئة ؟ وإذا كان على أحد الأقوال التي سقتموها بأنهم ينتسبون إلى ولدي آدم عليه السلام فهل هم طائفة من المجوس أم المجوس طائفة منهم ؟
ج/ ذكر ابن حزم"1" في كتابه الفِصَل في الملل والأهواء والنحل ذكر أن الصابئين هم أقدم ملة ثم انحرفوا بعد ذلك عن الجادة وبناءا على كلامه هذا فقد كانوا أهل توحيد لأن أسبق الملل ملة التوحيد فآدم عليه السلام عندما أنزل إلى الأرض واستقر في الأرض كان على ملة التوحيد وكان بنوه وأتباعه على ملة التوحيد إلى أن حصل فيهم الانحراف ثم جميع الرسل الذين بعثوا من بني آدم هم
( (1/34)
صفحة 35
1) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن معدان بن سفيان بن يزيد، مولى يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموي، وجده يزيد أول من أسلم من أجداده، وأصله من فارس، وجده خلف أول من دخل الأندلس من آبائه. ومولده بقرطبة من بلاد الأندلس يوم الأربعاء قبل طلوع الشمس سلخ شهر رمضان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة في الجانب الشرقي منها. (وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس)
على ملة التوحيد فيُحتمل إن كانت الصابئة انحرفت عن ملة التوحيد وشرعت لها ما لم يأذن به الله سبحانه وتعالى من العبادات ودانت"1" بما هويت أنفسها من المعتقدات محتمل أن يكون انحراف الطوائف الأخرى أو بعض الطوائف الأخرى أيضا ناشئا عن انحرافها فمن المحتمل أن تكون الطائفة المجوسية استمدت شيئا من معتقداتها وطقوسها عن الصابئة ليس ذلك ببعيد وخصوصا إذا كانت الصابئة كما يقال هم من أسبق الملل وابن حزم قال الصابئة هم أسبق الناس ويفهم من كلامه أنهم كانوا على التوحيد ثم انحرفوا بعد ذلك فبعث فيهم إبراهيم عليه السلام.
س/ ذكرتم بأن الصابئة تعتقد بعقيدة لا إله إلا الله فهل نستطيع أن نقول أن السيخ صابئة باعتقادهم بعقيدة لا إله إلا الله؟
ج/ لا نستطيع ذلك لأن الصابئة بناءا على الأقوال التي ذكرناها لهم مزايا خاصة لا أضنها توجد في السيخ"2" يعني مزايا في العبادات والمعتقدات يعني طقوس خاصة تختلف لهم ما يميزهم عن السيخ.
(1) أي خضعت وذلت.
(2) طائفة دينية في الهند.
س/ ما معنى قولكم قد يكون قوم زرادشت أهل كتاب ولكن رفع الكتاب عنهم؟
ج/ لا يلزم أن يكون الرفع رفعا حسيا بأن يرفع هكذا الكتاب عنهم لكن الرفع بالتلاش"1" فهم أضاعوا الكتاب ولم يحافظوا عليه وما لم يحافظ عليه يتلاشى ويذهب فلعل هؤلاء كانت هكذا طريقتهم وكان هذا شأنهم . (1/35)
صفحة 36
س/ السائل يسأل عن الحديث قال صلى الله عليه وسلم "وكل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ""2" فأين الإشراك من الحديث؟
ج/ يعني إذا كنا نقول بأن الأبوين لا يؤثران إلا هذا التأثير المذكور في الحديث فمعنى ذلك أننا نعتمد على مفهوم اللقب ومفهوم اللقب كما يقول الأصوليون والفقهاء لا يؤخذ به لأنه أضعف المفاهيم فإذا قلت لأحد ما بأن فلان يفعل كذا ليس ذلك يدل من قريب أو من بعيد أنه لا يفعل إلا ذلك الفعل وحده إذا قلت مثلا بأن فلانا يعتدي على جاره لا يعني ذلك أنه لا يعتدي على غير جاره لا من قريب ولا من بعيد وإذا قلت أن فلانا يفعل كذا فلانا يكرم الضيف لا يعني أنه ليس له فعل إلا هذا الفعل وإذا
(1) أي اختفى وجعله لا شيء.
(2) جاء من طريق أبي هريرة: رقم الحديث (2579) تخريج أحاديث الإحياء.
قلت جاء فلان لا يعني أن غيره من الناس لم يأت مفهوم اللقب أضعف المفاهيم فلا يأخذ به ولا يحتج به فكيف يعني هذا الذكر من باب التمثيل ذكر اليهودية والنصرانية والمجوسية من باب التمثيل فقط وإلا فالضلالات الأخرى أيضا منشأتها كثيراً ما يكون منشأها الأبوين غرس عقيدة الإلحاد غرس العقيدة الوجودية مثلا غرس العقيدة الشيوعية غرس المعتقدات الضالة في الأولاد إنما هي ناشئة عن الأبوين غالباً.
س/ السائل يقول كيف يكون الخلاص من أصحاب هذه الملل وقد أولاهم المسلمون أمور شؤون حياتهم وعلى سبيل هذا المثال من هذه الأمور التعليمية الاقتصادية والصحية والاجتماعية إلى آخره وفوق ذلك نقلوا بعض قوانينهم وحكموها في ما بينهم؟ (1/36)
صفحة 37
ج/ لو صدقت العزائم وطهرت السرائر ونارت البصائر لأمكن الخلاص من هؤلاء في أسرع وقت العرب كانوا قبل إن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم بعقيدة التوحيد أوغل الناس في الضلالة قدما ، وأعماهم على الهدى بصرا وبصيرة ولكن الله سبحانه وتعالى بعدما نور سرائرهم وطهرها من أدران الشرك وصفت فطرهم من كانت متلوثة به من عقائد الشرك ومن أدران الجاهلية كانوا خير أمة أخرجت للناس وسادوا الأمم وفتحوا الممالك وحكموا الشعوب المتحضرة حكما لم تعهده تلك الشعوب في جميع أدوار تاريخها فأذاقوا تلك الشعوب التي كانت ترزح تحت وطأة الحكام المستبدين الجائرين أذاقوها طعم العدل وعرَّفوها نعمة المساواة بين الخلق فكانوا خير قدوة ورسموا للناس ودخل الناس في دين الله أفواجا اقتناعا بمسلكهم وتأثرا بما هم فيه وعليه من العقيدة والعمل الصالح الذي يتقربون به إلى الله فلو عاد المسلمون من جديد إلى الله وصفت سرائرهم وتوثبت العزائم لكان هذا أمرا سهلا ميسورا.
ونختم الآن جلستنا هذه سائلين الله سبحانه وتعالى أن يهدينا سواء السبيل اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر الله اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم اهدنا للهدى ووفقنا للتقوى وعافنا في الآخرة والأولى وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
الخاتمة
تمت بحمد الله محاضرة الملل الست جزى الله سماحة الشيخ خير الجزاء فقد بين ووضح وفرق ورجح وبين الصواب من الخطأ .
ثم إنا نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما لم نعلم وأن يهدينا إلى الطريق الأقوم إنه هو الرب وهو الحكم فإن أصبنا فمنه تعالى وإن أخطأنا فمن أنفسنا والشيطان والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
مفرغو الشريط (1/37)
صفحة 38
المصادر والمراجع
* معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق) – أ/محمد صالح ناصر ، د.سلطان بن مبارك الشيباني – دار الغرب الإسلامي.
* معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب)- أ/محمد بن موسى باباعمي ، د.إبراهيم بن بكير بحاز ، د.مصطفى بن صالح باجو , أ/محمد مصطفى شريفي – دار الغرب الإسلامي.
*قصص الأنبياء – ابن كثير – دار مكتبة الحياة.
* التعريف بالأماكن الواردة في البداية والنهاية – لابن كثير .
* الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة – ابن شداد.
* تخريج أحاديث الأحياء – للعراقي.
* تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان – الإمام نور الدين السالمي.
* الروض المعطار في خبر الأقطار – محمد بن عبدا لمنعم الحِميري.
*الكشاف – جار الله الزمخشري.
* الكتاب – سيبويه.
* المعالم الجغرافية الواردة في السيرة النبوية لابن هشام.
* مروج الذهب ومعادن الجوهر – المسعودي.
* أسد الغابة في معرفة الصحابة – ابن الأثير.
*كتاب العقيدة للصف الثاني عشر بمعاهد العلوم الإسلامية – د.مبارك بن سيف الهاشمي ، خميس بن ساسي ، عاشور بن يوسف.
* قاموس المعتمد – جرجي شاهين عطية.
* المعجم الوسيط – مجمع اللغة العربية.
* المنتظم – ابن الجوزي.
* آثار البلاد وأخبار العباد – زكريا بن محمد القزويني. (1/38)