صفحة 1
الكتاب: الموجز
المؤلف: أبو عمار عبد الكافي الوارجلاني الإباضي
تاريخ الوفاة: القرن السادس الهجري.
خرج أحاديثه وعلق على نصوصه الدكتور: عبد الرحمن عميرة
الناشر: دار الجيل - بيروت
--------------------
[ملاحظة: ضبط النص وتخريجه من طبعة عميرة، ولكن ترقيم الصفحات موافق لطبعة الدكتور عمار طالبي. لذلك قد تجد اختلافات في النص والهوامش.
طبعه تحت عنوان: آراء الخوارج الكلامية. الموجز لأبي عمار عبد الكافي الإباضي
الناشر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر
التاريخ: 1398هـ / 1978م]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) من مكتبة التراث
الموجز
لأبي عمار عبد الكافي الإباضي
الجزء الأول
خرج أحاديثه وعلق على نصوصه
الدكتور
عبد الرحمن عميرة
دار الجيل
بيروت
[ضبط النص وتخريجه من طبعة عميرة، ولكن ترقيم الصفحات موافق لطبعة الدكتور عمار طالبي. لذلك قد تجد اختلافات في النص والهوامش.
آراء الخوارج الكلامية
الجزء الأول
الموجز
لأبي عمار عبد الكافي الإباضي
الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر
1398هـ / 1978م] (1/1)
صفحة 2
<1/255> [ تمهيد بقلم المؤلف]
إنَّ الحمد لله ربّ العالمين، [و] صلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، [و] الحمد لله مبطل كيد الجاحدين، والكاشف بأنوار حججه أستار المبطلين، والمبين ما طمس أهل الزيغ والعمى من سبيل المهتدين.
أمّا بعد _أيّدك الله (1) _ فإني نظرت في جميع أصول الملحدين (2) فإذا هي أربعة أصول، ثم نظرت في كل أصل منها فإذا هو محصور على ثلاثة فصول، فاقتصرت لك بذلك عن تصنيف مقالاتهم قولاً قولاً، وعن تعديد فصولهم فصلاً فصلاً، ليتيسر ذلك للناظر، ويسهل على المتعلم، ويخف على الحافظ، والله وليّ التوفيق.
أمّا الأصل الأوّل منها: فهو قول أهل الدهر المنكرين لحدوث العالم. والأصل الثاني: قول الثنوية القائلين بالنور والظلمة.
والأصل الثالث: المنكرون
__________
(1) - في (ب) لفظ "التوفيق والسداد".
(2) - لحد بلسانه إلى كذا مال. قال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه} (سورة النحل:103). من لحد وقرئ (يلحدون من ألحد، وألحد فلان مال عن الحق). والإلحاد ضربان:
إلحاد إلى الشرك بالله، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب، فالأول ينافي الإيمان ويبطله، والثاني: يوهن عراه ولا يبطله، ومن هذا النحو قوله تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد نذقه عذاب أليم} (سورة الحج:25).
وقوله تعالى: {الذين يلحدون في أسمائه} (سورة الأعراف: 180). والإلحاد في أسمائه على وجهين: أحدهما: أن يوصف بما لا يصح وصفه به، والثاني: أن يتأوّل أوصافه على ما لا يليق به.
والتحد إلى كذا مال إليه، قال تعالى: {ولن تجد من دونه ملتحدا} (سورة الكهف:27). أي التجاءً، أو موضع التجاء. (1/255)
صفحة 3
لرسالة الرسل، صلّى الله على محمد وعلى جميع المرسلين.
والأصل الرابع: هو ما يتعلّق به أهل التشبيه من هذه الأمة المنتحلين (1) لهذه الملّة (2) ، فهذه الأصول الأربعة.
فصول الأصل الأول:
الفصل الأول من الأصل الأول هو ما انتحله المنجمون، والفصل الثاني هو قول أهل الطبائع، والفصل الثالث مذهب أرسطاطاليس وأصحابه. وسنأتي على صفة كل فصل منها إذا نحن صرنا إلى موضع الرد عليهم إن شاء الله.
فصول الأصل الثاني:
أمّا الفصل الأول: منها مقالة المنانية، والثاني مقالة الديصانية، والثالث قول المرقيونية، والمنكرون لرسالة صلَّى الله على محمد وعلى جميع المرسلين على ثلاثة فصول: الأول مذهب البراهمة، والثاني مقالة المجوس، والثالث مذاهب أهل الكتاب على اختلاف مللهم، فهم جميعاً مجمعون على التكذيب لرسالة نبيّنا محمد -صلّى الله عليه وسلَّم-، وعلى جميع المرسلين.
__________
(1) - النَّحلة والنِّحلةُ: عطيّة على سبيل التبرع، وهو أخص من الهبة إذ كل هبة نِحلةٌ، وليس كلّ نحلة هبة.
والانتحال: ادّعاء الشيء وتناوله، ومنه يقال فلان ينتحل الأمر. راجع مفردات غريب القرآن: 485.
(2) - الملّة: كالدين، وهو اسم لما شرع الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء ليتوصلوا به إلى جوار الله، والفرق بينها وبين الدين: أن الملة لا تضاف إلاَّ إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي تسند إليه، نحو "اتبعوا ملّة إبراهيم"، "واتّبعت ملة آبائي"، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد أمة النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-، ولا تستعمل إلاَّ في جملة الشرائع دون آحادها، لا يقال: ملّة الله، ولا يقال: ملتي وملة زيد، كما يقال: دين الله ودين زيد، ولا يقال: الصلاة ملّة الله. وأصل الملة: من أمللت الكتاب، قال تعالى: {فليملل الذي عليه الحق فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} (البقرة: 282). وتقال الملّة باعتبار الشيء الذي شرّعه الله، والدين يقال اعتباراً بمَن يقيمه إذ كان معناه الطاعة. والله أعلم. (1/256)
صفحة 4
المشبهة: (1)
فأمّا المشبهة من هذه الأمة، فإنها تنازعت في معبودها على أقاويل يكثر تعدادها، وترجع بجملتها إلى فصول ثلاثة لا رابع لها.
الفصل الأول من ذلك: مقالة أهل التشبيه القائلين بالتجسيم على حقيقة التجسيم.
والثاني: مذهب المجردين للتجسيم بالتسمية دون التشبيه بزعمهم.
والثالث: مقالة المشبهة الغالطين في التأويل، الحائدين عن التسمية بالتجسيم، فهذا اثنا عشر فصلاً في أربعة فصول، تحتوي على جميع مذاهب القوم، وتتضمنها إن شاء الله، والله ولي التوفيق.
الرد على المنكرين لحدوث الأشياء:
نبدأ بجواب المنكرين لحدوث الأشياء من هذه الأصناف.
فإن سألنا سائل من أهل الدهر فقال: وما يدريكم بأن هذه الأشياء محدثة؟ ولعلّها قديمة لم تزل، قيل له: علمنا حدوثها ذلك من وجوه:
أمَّا أحدها: فإنَّا نظرنا في هذا العالم فوجدناه صنفين لا ثالث لهما: إمَّا جسم، أو عرض صفة له، ثمّ نظرنا في العرض فإذا هو صفات متضادة، متعاقبة في الجسم، فقلنا: لا تخلو هذه الأشياء من أن تكون قديمة أو محدثة، فبطل أن تكون قديمة،
__________
(1) - المشبهة صنفان: صنف شبهوا ذات الباري بذات غيره، وصنف آخرون شبهوا صفاته بصفات غيره، وكل صنف من هذين الصنفين مفترقون على أصناف شتى.
ومن الصنف الأول: السبئية أتباع عبد الله بن سبأ. (راجع التعريفات لأبي البقاء ص79)، ومنهم البيانيّة أتباع بيان بن سمعان: الذي زعم أن معبوده إنسان من نور على صورة الإنسان في أعضائه.
ومنهم: المغيرية أتباع المغيرة بن سعيد العجلي: الذي زعم أن معبوده ذو أعضاء.
ومنهم المنصورية: أتباع أبي منصور العجلي: الذي شبه نفسه بربه، وزعم أنه صعد إلى السماء. راجع الفرق بين الفرق ص243، 244.
ومنهم الخطابية: الذين قالوا بإلهية الأئمة وبإلهية أبي الخطاب الأسدي (ت 143هـ).
وهذه الأصناف خارجة عن دين الإسلام وإن انتسبوا إليه في الظاهر.
ومن الصنف الثاني: الخابطية: أتباع أحمد بن خابط، وكان يشبِّه عيسى بن مريم، وزعم أنه الإله الثاني. راجع الفرق بين الفرق 277.
ومنهم الكرامية: أتباع محمد بن كرام: التي ادّعت أن الله تعالى جسم له حد ونهاية، وأنه محل الحوادث، وأنه مماس لعرشه: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} (سورة الكهف: 5). راجع اعتقاد فرق المسلمين ص57، والتنبيه 25 و 148، والجور العين ص154، وشرح نهج البلاغة لابن ابن الحديد 2/309، والسفاريني 1/80، والفرق بين الفرق 226، 227. (1/257)
صفحة 5
لكونها متعاقبة في الجسم (1) آتية وذاهبة، وليس في إتيان الآتي منها أكثر من حدوثه، ولا في ذهاب الذهاب أكثر من بطلانه وفنائه، وبطل أن تكون هذه الأشياء مجتمعة مع تضادها في الجسم بحال واحدة، لبطلان الوصف له بها في حال واحدة، ولو كان الأمر كذلك لجاز أن يسمى الجسم مجتمعاً متفرقاً، ومتحركاً ساكناً، مع سائر تلك الصفات في حال واحدة، فلمّا بطل الوصف للجسم بهذه الأشياء المتضادة (2) في حال واحدة ثبت أن بطلان ما بطل منها لم يبطل إلاَّ بحدوث ضده، وإن ما حدث منها لم يحدث غلاَّ بفناء ضده وبطلانه، فلمّا كان الأمر هكذا علمنا أن تلك الأشياء بجميعها محدثة كائنة، بعد أن لم تكن، ونظرنا في الجسم فوجدناه لا يخلو من هذه الأشياء المحدثات ولا ينفك عنها، ولا يوجد قبلها ولا بعدها، ولا يوجد إلاَّ وهي معه، ولو أن متوهماً توهم الجسم غير مجتمع ولا متفرق ولا متحرك ولا ساكن كان قد توهم ضرباً من المحال فاسداً، ووجهاً من الخطأ مضمحلاً؛ لأنه إذا توهم ذلك توهم بطلان وجوده، وفساد كونه، والله وليّ التوفيق.
ثم رجعنا إلى القول في الجسم فقلنا: لمّا كان الجسم غير عار من هذه الأعراض ولا منفك عنها في حال من أحواله، ولم يوجد (3) إلاَّ وهي به، ولا يتقدمها بحال واحدة، ولا يجوز أن يتأخر بعدها حالاً واحدة، وهي بجميعها محدثة _كما وصفنا_ قضينا على الجسم بالحدوث، كما (4) قضينا على العرض بالحدوث، إذ لم يسبقها ولم يكن قبلها، ولو كان الجسم قبل هذا العرض المحدث
__________
(1) - الجسم: جوهر بسيط لا تركيب فيه بحسب الخارج أصلاً، وهذا عند أفلاطون، فإنه لم يقل إلاَّ بالصورة الجسمية، وأمّا عند أرسطو فالجسم مركّب من حال ومحل، فالحال هو الصورة، والمحل هو الهيولى.
(2) - الضدان في اصطلاح المتكلمين: عبارة عمّا لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة، وقد يكونان وجوديين كما في السواد والبياض، وقد يكون أحدهما سلباً وعدماً، كما في الوجود والعدم، والضدان لا يجتمعان لكن يرتفعان، كالسواد والبياض، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، كالوجود والعدم، والحركة والسكون. المعجم الفلسفي.
(3) - سقط من (أ) لفظ (يوجد).
(4) - سقط من (ب) لفظ (كما). (1/258)
صفحة 6
موجوداً منفكاً منه لكان ينبغي أن يكون قديماً لوجوده قبل المحدث، فلمّا بطل عن الجسم أن يوجد قبل هذا العرض المحدث _كما وصفنا_ بطل عنه عند ذلك الوصف بالقدم، وثبت أنه محدث، إذ لم يسبق العرض المحدث، ولم يكن قبله، ولعلّ قائلاً من أهل الدهر يقول: فإذا قضيتم بحدوث هذه الأعراض المتعاقبة في الجسم على حدوث الجسم فينبغي لكم أن تقضوا على أنه قد حدث في أي حال وجدتموه موصوفاً بشيء من هذه الأعراض، أو تقضوا على أنه يحدث في كل حال من أحواله، لحدوث الأعراض إليه في كل حال، وهذا ما قد بان في فساده.
قيل لهم: قد دللنا بحدوث العرض في الجسم على حدوث الجسم، وعلى بطلان قدمه حتماً، فلمّا أن ثبت حدوث الجسم، وبطل عنه أن يكون قديماً _لما ذكرنا_ كانت مسألته إيّانا في إثبات (1) حدوث الجسم، في حين ما شاهدناه لحلول الأعراض فيه، دون حال لم نشاهده فيها مسألة ساقطة، وكذلك قوله: يحدث في كل حال من أحواله لحدوث العرض فيه بكل حال قول فاسد محال، من أجل أن حدوثه في حال يبطل حدوثه في التي تليها وينفيه، كما يبطل حدوثه في الحال التي قبل حال حدوثه، وهذان القولان جميعاً ساقطان، وليس في سقوطهما سقوط مقالتنا في نفي القدم عن الجسم، وإثبات الحدوث له، وليس من قال: إن هذا الجسم لا يكون قديماً في كل حال، كمَن يقول: إن هذا الجسم يحدث في كل حال، فإن قال أيضاً: فإذا قضيتم بحدوث العرض المحدث على حدوث الجسم حين لم يسبقه الجسم ولم يتقدمه، ولم يوجد قبله، فكذلك فاقضوا بفناء هذه الأعراض وبطلانها على فناء الجسم وبطلانه، إذ كان الجسم لا يبقى بعدها ولا يتأخر عنها، فإن قلتم بذلك وجب عليكم أن تقولوا باستحالة بقاء الأجسام، وألا تجعلوا منها جسماً يجوز عليه أن يبقى أبداً، وإلاَّ بطل دليلكم (2) الذي استدللتم به (3) من حدوث العرض على حدوث الجسم. قيل
__________
(1) - سقط من (ب) لفظ (إثبات).
(2) - في (ب) بدلاً من (دليلكم).
(3) - في (ب) بها بدلاً من (به). (1/259)
صفحة 7
لهم: نعم قد يجوز في الوهم، وليس بمستحيل فيه أن يكون الجسم يفنى عند حال فناء شيء من هذه الأعراض، ويبطل عند بطلانها، ويجوز ألاّ يفنى، ويبقى إلى حال أخرى غيرها، وأخرى غير تلك الأخرى، أو حال أخرى غير تلك الأخرى، وليس ذلك مما يبطل عنه الفناء، إذ لم تكن شريطة بطلان الفناء على الشيء بقاءه حالاً أو حالتين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، فليس سبيل القدم والحدوث هكذا؛ وذلك أن وصفك للشيء بالقدم ينفي عنه الحدوث في كل حال، ووصفك له (1) بالبقاء لا ينفي عنه الفناء في كل حال، فبالجملة إنك متى ما ذكرت شيئاً بأن يبقى بعد الحدوث، ولم تنفِ عنه أن يكون يفنى، ومتى ما وصفته بالقدم فقد أحلت عنه أن يكون يحدث أبداً.
ومن الدلالة على حدوث الأشياء أنّا نظرنا إلى أدنى (2) حركات الأجسام إلينا وحركات الفلك فوجدناها آخر ما مضى منها، فعلمنا عند ذلك أن لجميع ما مضى منها أولاً، كما كان له آخر، فلمّا ثبت أن لجميع ما مضى منها أولاً، علمنا أنها جميعاً محدثة كائنة بعد إذ (3) لم تكن، وبطل بذلك قول من زعم أنها لم تزل.
__________
(1) - البقاء: هو سلب العدم اللاحق للوجود، أو استمرار الوجود في المستقبل إلى غير نهاية، وهما بمعنى كما في شرح "الإرشاد" وهو أعم من الدوام.
والدائم الباقي: هو الله تعالى بافتقار الموجودات إلى مريم، كافتقار المعدومات إلى موجد.
والباقي تعالى هو باق لذاته، خلافاً للأشعري فإنه عنده هو ببقاء قائم بذاته.
والباقي بنفسه لا إلى مدة هو الباري، وما عداه باق بغيره، وباق بشخصه إلى أن يشاء الله أن يفنيه، كالأجرام السماوية، والباقي بنوعه وجنسه دون شخصه وجزئه كالإنسان والحيوانات، والباقي بشخصه في الآخرة كأهل الجنة، وبنوعه وجنسه هو ثمار أهل الجنة كما في الحديث، وكل عبادة يقصد بها وجه الله فهي الباقيات الصالحات. راجع التعريفات للجرجاني.
(2) - سقط من (ب) لفظ (أدنى).
(3) - في (أ) أن بدلاً من (إذ). (1/260)
صفحة 8
وقد تكلّم قوم من أهل التوحيد فقالوا: إن قول أهل الدهر لم تزل الأشياء تحدث قول محال فاسد متناقض؛ لأن قولهم لم تزل يبطل الحدوث، وقولهم: تحدث يبطل لم تزل، والقول إذا كان فيه (1) إثبات شيء، وفيه صار باطلاً فاسداً متناقضاً، وقد ضرب قوم من أهل التوحيد مثلاً لقول أهل الدهر حين قالوا: إن هذه الأشياء التي تحدث شيئاً بعد شيء، وشيئاً قبل شيء، وأنه لا يقع شيء منها، ولا يحدث إلاَّ وقبله شيء آخر فقالوا: إن مثل قول (2) أهل الدهر في ذلك كمثل مَن قال: إن زيداً لا يدخل هذا الدار حتى يدخل قبلها (3) داراً غيرها، ولا يدخل تلك الغير حتى يدخل قبلها غيرها، ولا يدخل الثالثة حتى يدخل قبلها الرابعة، ولا يدخل الرابعة حتى يدخل الخامسة قبلها، إلى ما لا ينتهي، فقالوا: إنه يبطل ويفسد أن يدخل شيئاً من هذه الدور أبداً، (4) إذا كان دخول شيء منها مشروطاً معلقاً بدخول غيره، وذلك الغير مشروطاً معلقاً بدخول غيره، وذلك الغير مشروطاً معلقاً بغير آخر إلى ما لا يتناهى، لكن وقوع شيء مشروط
__________
(1) - سقط من (ب) لفظ (فيه).
(2) - في (أ) بزيادة لفظ (قول).
(3) - سقط من (ب) لفظ (قبلها).
(4) - الأبد: لا يثنى ولا يجمع، والآباد مولد الآبدين، وأبد الآبدين معناه: دهر الداهرين وعصر الباقين، أي يبقى ما بقي دهر وداهر.
وآخر الأبد: كناية عن المبالغة في التأبيد، والمعنى: الأبد الذي هو آخر الأوقات. راجع كليات أبي البقاء. (1/261)
صفحة 9
بوقوع غيره قبله إلى ما لا يتناهى بطلان وقوع شيء منها، فلو استثنينا واحداً من هذه الأشياء من هذا الشرط لكان غير مستحيل وقوع ما بعده وحدوثه، والقول في العدد أيضاً كالقول فيما ذكرنا؛ وذلك أن العدد لا يقع إلاَّ وله أول يبتدأ منه، ولولا أنه كان له أول يتبدئ منه لم يجب وقوع شيء منه أبداً، فإذا كان له أول يبتدئ منه ثبت وقوع شيء مما بعده، ولعل قائلاً منهم يقول: إن هذه الأشياء التي استدللتم بحدوثها على حدوث الجسم كانت كامنة في الجسم تظهر في حال، وتكمن في حال، وهي مع ذلك قديمة بقدم الجسم، فيقال له: كيف يجوز أن يكمن السكون في موضع هو متحرك، أو تكمن الحركة (1) في موضع هو ساكن، أو يكمن الافتراق في جزءين مجتمعين، أو يكمن الاجتماع في جزءين مفترقين، وهل يكون ذلك إلاَّ وقد حل الشيء ومضاده (2) في محل واحد، في حالة واحدة، فهذا يوجب المعنى الأول الذي أنبأنا على فساده في ماضي كلامنا في إثبات الجسم ساكناً متحركاً في حال واحدة، مجتمعاً متفرقاً في حال واحدة، وعلى أنه لو لم يجب ذلك، وكان ما زعم هذا الزاعم من كمون هذه الأعراض صحيحاً لكان الكلام قائماً والسؤال لازماً، من قبل أن هيئة الجسم في حال كمون الكامن فيه، بخلاف هيئته في حال ظهوره فيه، وإذا
__________
(1) - الحركة: هي عبارة عن كون الجسم في مكان عقيب كونه في مكان آخر، وقيل: الحركة كونان في آنين في مكانين.
والمتكلمون إذا أطلقوا الحركة وأرادوا بها الحركة الأينية المسماة بالنقلة، وهي المتبادرة في استعمال اللغة، وقد تطلق عندهم على الوضعية دون الكمية والكيفية.
والحركة لا تقع وصفاً بالذات إلاَّ للمتحيّز بالذات، والحركة أعم من النقلة لوجود الحركة بدونها فيمن يدور في مكانه.
والحركة الكمية كحركة النمو: وهو أن يزداد مقدار الجسم في الطول والعرض والعمق، وذهب الرازي إلى أن النمو والذبول ليسا من الحركة، وكلام الشريف يميل إليه، والحركة الكيفية المحسوسة كحركة الماء من البرودة إلى السخونة، والحركة الكيفية النفسانية: كحركة النفس في المعقولات، فتسمى فكراً، كما أنها من المحسوسات تسمى تخيلاً.
والحركة الوضعية: كحركة الجسم من وضع إلى وضع آخر، ككون القاعد قائماً، وكحركة الفلك في مكانه على الاستدارة.
والحركة الأينية: كحركة الجسم من مكان إلى مكان آخر، راجع المعجم الفلسفي.
(2) - الضد والضديد واحد، والأضداد، وقد يكون الضد جماعة قال الله تعالى: {ويكونون عليهم ضداً} (سورة مريم:82)، وقد ضاده مضادة وهما متضادان، ولا ضديد له: أي لا نظير له ولا كفء له. راجع التعريفات للجرجاني. (1/262)
صفحة 10
اختلفت هيئته بالظهور والكمون (1) فقد تضاد عليه أمران يوجد كل واحد منهما بعدم صاحبه، ويعدم بوجوده، فقد صار الجسم بذلك لا يخلو من هذين الحادثين ولا ينفك منهما، فذلك يوجب حدوثه إذا كان ما لم يسبق الحادث فهو حادث مثله، فقد عاد الأمر الذي هربوا منه بحاله في الدلالة على حدوث الأجسام، وقد كان بعض أهل العلم من المتقدمين سألهم في هذا الباب عن مسألة فقال لهم: أخبروني عن شيخ رأيتموه قاعداً بحضرتكم ذا شيبة، تزعمون أنه لم يزل على ما شاهدتموه عليه في تلك الحال، أم قد كان طفلاً، ثم نشأ ثم شبّ، ثم شاخ؟ فإن قالوا: لم يزل على ما شاهدناه عليه من هذه الهيئة ظهر أمرهم لكل ضعيف وقوي، وعلم كل عاقل أنهم يدفعون ما يعلمونه ضرورة، فإن قالوا: قد كان طفلاً، ثم ناشئاً، ثم شاباً، ثم شيخاً على هذه الهيئة، فيقال لهم (2) أفحدث شيء قد كان به كبيراً بعد أن كان صغيراً، أو شيخاً بعد أن كان شاباً؟ فإن قالوا: لا، قيل (3) لهم: فهو إذاً على ما كان وهو شاب وطفل، وهذا يشهد بفساده العيان والمشاهدة. فإن قالوا: وإن لم يحدث شيء فقد ظهر شيء
__________
(1) - الكمون: فإن طائفة ذهبت إلى أن النار كامنة في الحجر، وذهبت طائفة إلى أبطال هذا وقالت: إنه لا نار في الحجر أصلاً. وهو قول ضرار بن عمرو.
وضرار ينسب إلى مخالفيه أنهم يقولون: إن النخلة بطولها وعرضها وعظمها كامنة في النواة، وأن الإنسان بطوله وعرضه، وعمقه وعظمه كامن في المني.
وخصومه ينسبون إليه أنه يقول: إنه ليس في النار حر، ولا في العنب عصير، ولا في الزيتون زيت، ولا في الإنسان دم. ويقول ابن حزم: وكلا القولين جنون ومكابرة للحواس والعقول، والحق من ذلك: أن في الأشياء ما هو كامن كالدم في الإنسان، والعصير في العنب.
وذهب الباقلاني وسائر الأشعرية: إلى أنه ليس في النار حر، ولا في الثلج برد، ولا في الزيتون زيت.
يقول ابن حزم: وهذا أمرٌ ناظرنا عليه مَن لقيناه منهم. راجع الفصل 5/185 وما بعدها.
(2) - سقط من (ب) لفظ (لهم).
(3) - سقط من (ب) لفظ (لهم). (1/263)
صفحة 11
كامن له صار به شيخاً بعد أن كان شاباً، قيل لهم: فاحسبوا الأمر على ما تقولون من ظهور شيء كامن صار به شيخاً بعد أن كان شاباً. أفحدث ظهور بعد كمون، أو لم يحدث ظهور بعد كمون؟ عاد الكلام الأول، وقال لهم: فهو إذاً على ما كان قبل ظهور الكامن، وإلاَّ فلم صار شيخاً بعد أن كان شاباً؟ فإن قالوا: حدث شيء لم يكن له صار به شيخاً بعد أن كان شاباً أقروا بحدوث (1) الحدث، ودخلوا في جميع ما هربوا منه، والذي يلزم النافين للأعراض والمنكرين للحوادث أمور كثيرة، لو استقصيناها لخرج الكتاب عن اسمه، ولذهب عن معناه، والذي ذكرنا من ذلك في هذا الموضع كاف عمّا لم نذكره إن شاء الله، إذ لم يكن غرضنا ها هنا، إقامة الدليل على ثبوت الأعراض، والرد على النافين لها، وإنما ذكرنا هذه اللمع لنستشهد بها على حدوث الجسم وبطلان قدمه، والله الموفق للصواب.
فإن سأل سائل فقال: قد دللتم على حدوث الأشياء لا من شيء، فهل تقولون إن لها محدثاً أحدثها؟ ولعلّ هذه الأشياء حدثت لغير محدث، ولعلّها حدثت (2)
__________
(1) - الحدوث: الخروج من العدم إلى الوجود، أو كون الوجود مسبوقاً بالعدم اللازم للوجود، أو كون الوجود خارجاً من العدم اللازم للموجود.
وأظهر التعريفات للحدوث: هو أنه حصول الشيء بعدما لم يكن، وقول المتكلمين: هو الخروج من العدم إلى الوجود فهو تعريف مجازي، إذ العدم ليس بظرف للمعدوم ولا حقيقة فيه. والحدوث الذاتي عند الحكماء: هو ما يحتاج وجوده إلى الغير، فالعالم بجميع أجزائه محدث بالحدوث الذاتي عندهم، كما أن القدم الذاتي: هو أن يكون وجوده من الغير، وهو الباري جل شأنه. والقدم المطلق: هو أن يكون وجوده مسبوقاً بالعدم.
وأما الحدوث الزماني: فهو ما سبق العدم على وجوده سبقاً زمانياً.
(2) - سقط من (ب) لفظ (حدثت). (1/264)
صفحة 12
من تلقائها، وما دلكم على حاجتها إلى محدث يحدثها؟ قيل له: لا تخلو هذه الأشياء من وجهين لا ثالث لهما: إمّا أن تكون حدثت بمحدث أحدثها، أو حدثت من تلقائها بلا محدث، وبطل أن تكون تحدث من تلقاء نفسها؛ لأنها لو كانت كذلك لحدثت قبل وقت حدوثها أو بعده، ولكان المتقدم منها متأخراً، والمتأخر متقدماً، والمتوسط متقدماً أو متأخراً، أو متقدمة جميعاً، أو متأخرة جميعاً، فلما أن وجدناها حدثت في وقت حدوثها، دون ما قبل ذلك الوقت، ودون ما بعده، ووجدنا المتقدم منها متقدماً، والمتوسط متوسطاً، والمتأخر متأخراً علمنا أن ذلك لم يكن إلاَّ بإرادة محدث أحدثها، فقدم منها ما أراد أن يقدمه، ووسط ما أراد أن يوسطه، وأخر ما أراد أن يؤخره، وبطل عندما ذكرنا القول بأن الأشياء حدثت من تلقاء نفسها بغير محدث، وثبت القول الثاني بأن الأشياء محتاجة إلى محدث يحدثها في أوقات حدوثها، يقدم ما أراد تقديمه منها، ويؤخر ما أراد تأخيره. فإن قال: وما يدريكم لعلّ هذه الأشياء أحدثت أنفسها (1) ولعلّ المحدث لها هي بأنفسها؟ قيل له: لا تخلو هذه الأشياء بعدما ثبت حدوثها وثبت أن لها محدثاً أحدثها، وأنها غير مستغنية عن ذلك من وجهين لا ثالث لها: إمّا أن تكون أحدثت نفسها، أو أن تكون أحدثها غيرها، ويبطل أن تكون أحدثت نفسها من قبل؛ لأنها لا تخلو في حال حدوثها من أن تكون معدومة
__________
(1) - يقول الشيخ نديم الجسر: هناك ثلاثة فروض لا رابع لها أبداً الأول: أن تكون من صنع الله، الثاني: أن تكون من صنع ذي المادة، الثالث: أن تكون هذه التنوعات حدثت بطريق المصادفة. أما الفرض الأول: فيقول به المؤمنون بالله، وأمّا الفرض الثاني فلا يقول به أحداً مطلقاً لا المؤمنون ولا الماديون، بل إن هؤلاء الماديين أنكروا إنكاراً قاطعاً أن يكون لعناصر المادة إرادة وقصد وغاية.
إذاً قد أصبحنا أمام فرضين لا ثالث لهما: فإمّا أن تكون تنوعات العالم من خلق الله وصنعه، وإمّا أن تكون نتيجة للمصادفة.
ونظرة في ملكوت السماوات والأرض من الذرة إلى المجرة، وعدد ما يربط بينها في عالم الأمر من روابط وعلائق على اختلاف النواميس والأقدار، والمدد والأشكال، والحركات والأوضاع، ثم ما في هذا الكون الكبير من تقدير، واتزان وتنظيم، وترتيب وإحكام، وإتقان تنفي نفياً قاطعاً أن يكون للصدفة مكان في هذا الخلق العجيب.
قال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (سورة القمر: 49)، وقال تعالى: {وكل شيء عنده بمقدار} (سورة الرعد: 8)، وقال تعالى: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} (سورة النمل:88)، وقال تعالى: {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} (سورة الحجر: 8)، إلى غير ذلك من الآيات البيّنات التي تنفي نفياً قاطعاً أن تكون هذه الأشياء أحدثت نفسها أو حدثت عن طريق العفوية والمصادفة. راجع قصة الإيمان للشيخ نديم الجسر، باب حظ المصادفة 295 ـ 297 بتصرّف. (1/265)
صفحة 13
أو موجودة، فإن كانت معدومة فالمعدوم (1) لا يحدث شيئاً: نفسه ولا غيره، فإن تكن موجودة فما حاجتها إلى أن توجد نفسها وهي موجودة بعد؟ فلما فسد هذان الوجهان ثبت أن لها محدثاً أحدثها، وهو غيرها موجود قبل إيجاده لها، ذلكم الله ربّ العالمين.
إثبات الوحدانية:
فإن قال: وما يدريكم أن محدث هذه الأشياء واحد؟ ولعلّ محدثها اثنان أو أكثر من ذلك، قيل له: لا يخلو محدث الأشياء بعدما ثبت أنه غيرها من وجهين لا ثالث لهما: إماَّ أن يكون واحداً كما قلنا، أو أكثر من واحد، ويبطل أن يكون أكثر من واحد من قبل، أنه لا يخلو أن يكون جميعاً موصوفين بصفة واحدة متفقة، أو يكون كل واحد منهما موصوفاً بصفة غير صفة صاحبه، فإنا كانا جميعاً موصوفين بصفة واحدة متفقة فهذا معنى الواحد، وليس لذكر الاثنين أو أكثر من اثنين وجه، وإنما ذلك عبارة بلفظ الاثنين عن معنى الواحد، أو يكون كل واحد منهما موصوفاً بغير صفة صاحبه، فالخارج منهما عن صفة القديم المحدث للأشياء غير مستحق أن يحدث شيئاً، فلمّا بطل عن هذا أن يكون يحدث شيئاً ثبت أن محدث الأشياء هو الموصوف بصفة القديم الخارج عن صفة المحدث.
__________
(1) - العدم: الفقد، وضد الوجود [وهو عبارة عن لا وجود، ولا وجود نفي للوجود] والعدم المطلق: هو الذي لا يضاف إلى شيء، والمقيّد: ما يضاف إلى شيء نحو: عدم كذا، والعدم السابق: هو المتقدم على وجود الممكن، والعدم اللاحق: هو الذي بعد وجوده، والعدم المحض: هو الذي لا يوصف بكونه قديماً، ولا حادثاً ولا شاهداً، ولا غائباً.
والعدم المطلق: بمعنى لا يتحقق لا ذهناً ولا خارجاً. راجع شرح المقاصد، فصل الوجود والعدم 1/327 وما بعدها. (1/266)
صفحة 14
لقد تكلم قوم من أهل التوحيد في هذا الباب بكلام قريب من هذا المعنى فقالوا: لا يخلو الاثنان من وجهين: إما أن يكونا متفقين أو مختلفين، فإن يكونا متفقين؛ فهو الذي قلنا من إثبات الواحد، وإن كانا مختلفين؛ فالمخالف منهما لصفة الربوبية غير مستحق لأن يحدث شيئاً، وثبت أنَّ إحداث الأشياء لواحد قديم ذلك الله ربّ العالمين.
وقالوا أيضاً في فساد القول بالاثنين (1) ، أو أكثر من الاثنين: لا يخلو كل واحد منهما من أن يكون قادراً على صاحبه، أو غير قادر عليه، فإن كان كل واحد منهما قادراً على صاحبه، فهذا معنى الواحد، وإن كان كل واحد منهما غير قادر على صاحبه كانا موصوفين بالعجز، فكيف يكون العاجز مستحقاً لإحداث شيء من الأشياء؟ وقالوا أيضاً في فساد القول بالاثنين: لا يخلو كل واحد منهما من أن يكون يقدر على أن يفني صاحبه، فهذا هو الوصف بالواحد، وليس لذكر الاثنين مع هذه الصفة وجه، أو يكون كل واحد منهما لا يقدر على أن يفني صاحبه، فيكونا جميعاً قد دخلا في باب العجز؛ فالداخل في باب العجز غير مستحق أن يحدث شيئاً.
وقالوا أيضاً في فساد القول بالاثنين: لا يخلو كل واحد منهما من أن يكون يخفي عن صاحبه أمراً، أو لا يخفيه، فإن كان كل واحد منهما يخفي عن صاحبه أمراً ويستره دونه، فقد دارت القصة من حيث ما دارت إلى أن يكون الاثنان
__________
(1) - وقال الله تعالى: {لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} (سورة النحل:51)، لقد أمر الله ألا يتخذ إلهين اثنين، إنما هو إله واحد لا ثاني له، وهو كذلك مالك واحد {وله ما في السماوات والأرض} (سورة النحل:52)، (وله الدين واصباً) (سورة النحل:52)، أي واصلاً منذ ما وجد الدين، فلا دين إلاَّ دينه، ومنعم واحد {وما بكم من نعمة فمن الله} (سورة النحل:53).
وهكذا ينفرد سبحانه وتعالى بالألوهية، والملك، والدين، والنعمة والتوجه. (1/267)
صفحة 15
الموصوفان بصفة واحدة في معنى الواحد، وبطل ذكر الاثنين واللفظ بهما، أو يكون كل واحد منهما لا يخفي دونه صاحبه أمراً، كانا جميعاً موصوفين بالجهل والعجز، وفي صفة إياهما بذلك ما يخرجهما من حد إحداث الأشياء، والتدبير لها، فلما ثبت القول بما قلنا من هذا، وفسد القول بغير ذلك مما رسمناه في كلامنا هذا صح أنَّ محدث الأشياء واحد لا اثنان، ولا أكثر من ذلك، وربنا محمود.
دفع التشبيه (1)
فإن قال: وما يدريكم بأنَّ محدث هذه الأشياء غير مشبه لها؟ لعله مشبه لهذه الأشياء أو مشبه لبعضها، قيل له: لا يخلو المحدث للأشياء من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون مشبهاً لها أو غير مشبه لها، وبطل القول بأنه يشبهها من قبل أنَّه لو أشبهها للزمه من الحدوث ما لزمها، ونحن قد دللنا فيما قبل على حدوثها، ولو لزمه من الحدوث ما لزمها لكان هو أيضاً محتاجاً إلى محدث ثان يحدثه، ولكان ذلك المحدث الثاني محتاجاً هو أيضاً إلى محدث ثالث، والقول في الثالث كالقول في الثاني، والقول في الرابع كالقول في الثالث، فيكون الأمر متسلسلاً إلى ما لا نهاية له من الفساد، فلما فسد القول بهذا ثبت أنَّ محدث الأشياء غير مشبه لها، ولا مشبه لبعضها في وجه من وجوه الإشباه؛ وذلك أن هذه الأشياء دالة بجميع وجوهها على عجزها وحاجتها وحدوثها، فلو
__________
(1) - نشأ مبدأ التشبيه من مذاهب الحلولية والتناسخية، ومن مذاهب اليهود والنصارى، فقد شبهت اليهود الخالق بالخلق، وشبهت النصارى الخالق بالخلق، وسرت هذه الشبهات في أذهان الغلاة.
وقد اعتمد الغلاة التشبيه لهدم مبدأ الألوهية؛ لأنَّ التشبيه يجعل المشبه والمشبه به على مستوى واحد، وعلى مستويات متقاربة، ونتسائل: كيف يتصور الشبه بين القديم والمحدث؟ ومن زعم أنَّ الباري سبحانه في مكان، أو على مكان، أو متصل بمكان، أو يتصور على الضمير أو يتخايل في الأوهام، أو يدخل تحت الصفة أو النعت فقد أشرك. راجع الغلو والفرق الغالية ص146. (1/268)
صفحة 16
كان الذي أحدثها مشبهاً لها، أو مشبهاً لشيء منها بوجه من هذه الوجوه للزمه مما ذكرنا ما لزم ذلك الشيء، يتعالى عن ذلك رب العالمين.
انتهى الكلام في حدوث الأشياء، والدلالة على بطلان قدمها، وإثبات المحدث أنَّه واحد، وأنَّه غير مشبه للأشياء، بما هو مقنع إن شاء الله، والله وليَّ التوفيق.
النقض على الدهرية (1) :
ونحن الآن مبتدئون سؤالنا عن أهل الدهر، وناقضون عليهم في كل ما ذهبوا إليه، ولا قوة إلاَّ بالله.
اعلم _أيدك_ الله أنَّ الدهرية جميعاً متفقون على قدم العالم، وإبطال حدوثه، واختلافهم بعد ذلك في وجوه تصرف العالم في ذاته على ما سنذكره إن شاء الله.
يقال لهم جميعاً: ما الذي دعاكم إلى القول بقدم العالم؟ قالوا: لأنا وجدناه من حين ما وجدناه هكذا، متصلاً بعضه ببعض، ليس لاتصاله أول، فقضينا بما شاهدنا من ذلك على ما كان قبله مما لم نشاهده، لصحة الاستدلال بالشاهد على الغائب، وبالبعض على الكل، ويقال لهم: أو قد شاهدتم هذا العالم أو شيئاً منه، قديماً لم يحدث؟ فإن قالوا: نعم بان كذبهم؛ لأنهم
__________
(1) - الدهرية: هم فرقة خالفت ملة الإسلام، وادعت قدم الدهر، وأسندت الحوادث إليه، كما حدَّ القرآن الكريم عنهم {وقالوا ما هي إلاَّ حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلاَ الدهر} (سورة الجاثية:24). وذهبوا أيضاً إلى ترك العبادات لزعمهم أنها لا تفيد.
والدهر بما يقتضيه مجبول من حيث الفطرة على ما هو عليه، فما ثمَّ إلاَّ أرحام تدفع، وأرض تبلع، وسماء تقلع، وسحاب يقشع، وهواء يقمع، ويسمون بالملاحدة. ويمكن رد أصل الدهرية إلى مدارس الفلسفة الإغريقية. ويفرق الإمام الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال" بين الدهرية والطبيعيين.
وتقول دائرة المعارف الإسلامية: تقدم علماء المشرق تقدماً كبيراً نحو الدهرية عندما تغلغل بينهم العلم الطبيعي الأوروبي كمذهب "داروين" ومذهب المادية، وغير ذلك، وقد رد على الدهرية (جمال الدين الأفغاني) في رسالته بعنوان (رسالة في إبطال مذهب الدهريين)، ويتضح من ذلك إذن أنَّ المادية مرادفة للدهرية، ويجيز فقهاء اللغة أيضاً النطق بكلمة (الدهرية) بضم الدال عملاً بقاعدة تغير الحركة، وهو أمر مألوف في النسبة.
راجع:
1ـ دائرة المعارف للبستاني ـ مجلد 8، مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان.
2ـ مفاتيح العلوم ـ لطاش كبرى زادة، ط فان فلتن، ص 35.
3ـ الملل والنحل ـ للشهرستاني.
4ـ الحيوان للجاحظ ج2 ص50.
5ـ دائرة المعارف الإسلامية بتصرف ج9 ص338، 339، 340. (1/269)
صفحة 17
لم يكونوا قدماء فيكونوا مشاهدين لقدم ما ادعوا قدمه من ذلك، مع أنَّه لو شوهد ذلك بالعيان كما قالوا لما اختلف فيه اثنان، فإن رجعوا وقالوا: لما شاهدناه متصلاً لا غاية لاتصاله، قضينا بذلك على أنَّ لا غاية له. قيل لهم: وما في اتّصال بعضه ببعض ما يفسد حدوثه، ونحن إنما سألناكم عن الدليل (1) فجعلتم دعواكم دليلكم، بل لو رجعتم إلى ما شاهدتم من ذلك لعلمتم أنَّ هذا العالم غير قديم، ولقضيتم عليه بالحدوث؛ لأنكم لم تزالوا من حين ما شاهدتموه ترون فيه جائياً حادثاً، وذاهباً فانياً، وهل نفس الحدوث إلاَّ وجود الشيء بعد عدمه؟ أو هل نفس الفناء إلاَّ بطلان الشيء بعد وجوده؟ فإن قالوا: إنَّه يستحيل في أوهامنا أن يحدث شيء من غير شيء، قيل لهم: وكيف يستحيل في أوهامكم أن يحدث شيء لا من شيء، ولم يستحل أن يوجد شيء لم يكن قبل وجوده؟ أم كيف يستحل ما ذكرتم من حدوث شيء من غير شيء، ولا يستحيل فناؤه إلى غير شيء؟ فلما أن وجدنا شيئاً أو أشياء تفنى إلى غير شيء، ولو لم يتصور ذلك في أوهامنا علمنا أنَّها تحدث من غير شيء، ولو لم يتصور حدوثها
__________
(1) - الدليل: المرشد إلى المطلوب يذكر ويراد به الدال، ثمّ اسم الدليل يقع على كل ما يعرف به المدلول، حسياً كان أو شرعياً أو قطعياً، حتى سمي الحس، والعقل، والنص، والقياس، وخبر الواحد، وظواهر النصوص كلها أدلة.
والدليل عند الأصولي: هو ما يمكن التوصل به بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
ودلائل الشرع خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. والعقليات المحضة كالتلازم والتفاني والدوران، والثلاثة الأول نقلية، والباقيان عقليان.
ولا يخلو الدليل من أن يكون على طريق الانتقال من الكلي إلى الكلي، فيسمى برهاناً، أو من الكلي إلى البعض فيسمى استقراءً، أو من البعض إلى البعض فيسمى تمثيلاً. راجع التعريفات للجرجاني ص93. (1/270)
صفحة 18
في أوهامنا، وقد مضى القول في حدوث العالم، والدلالة على ذلك في أول كتابنا بما هو مقنع إن شاء الله، وبه الحول والتوفيق.
الرد على المنجمين (1) :
ويسأل المنجمون منهم في زعمهم أنَّ هذا العالم بما فيه متصل بالنجوم، وأنَّ النجوم هي التي تضطره إلى جميع ما يحدث فيه، ويكون منه، فيقال لهم: أخبرونا عن هذه النجوم أليست هي أجسام بمكان دون مكان؟ فلا بدَّ من بلى، فيقال لهم: كيف تضطر هذه النجوم التي هي في السماء شيئاً هو في الأرض؟ وهل يفعل الجسم في مكان ليس هو فيه، ولم يشغله؟ فما أنكرتم هذا المعنى أن يكون الإنسان في الأرض وهو يضطر النجوم ويحملها على ما كان منها، والإنسان حي والنجوم موات، فهو أولى بأن يضطرها إلى ما يكون منها، من أن تكون النجوم هي التي تضطر الإنسان، ثمَّ يقال لهم: أخبرونا عن هذه الأشياء التي في الأرض، أليست إنما تتحرك وتسكن بتحريك الأفلاك إياها وتسكينها لها؟ فيقولون: بلى، قيل لهم: والأفلاك أيضاً إنما تتحرك وتسكن بتحريك ما فوقها إياها، وبتسكينه لها، فيتصل ذلك إلى غير غاية أو إلى غاية؟ فإن قالوا: إلى غاية أثبتوا النهاية، وخرجوا من قولهم، فإن قالوا: إلى غير غاية أحالوا، وقد دللنا في غير موضع من كلامنا على فساد وجود ما لا غاية من الأشياء.
__________
(1) - إن النجوم أجسام وصور مركبات تحركها القدرة، وما كان هذا سبيله كان محدثاً، والمحدث لا يكون محدثاً للحوادث. والدليل على أنَّ النجوم حادثة: انتقالها من برج إلى برج، فإنَّ صح أنَّ النجوم محدثات لم يجز أن يكون لها أفعال؛ لأنَّ المحدث لا يفعل في غيره شيئاً، ولا يوجد عدماً، ولا يعدم وجوداً، فبطل أن يكون للنجوم تأثير في إيجاد ما يوجد، وإعدام ما يعدم. وإذا كان هذا حال النجوم فإنَّ حال المنجمين كذلك، والله أعلم. راجع كتاب النور ص36. بتصرف للعالم الفقيه بن أبي عبد الله الأصم. (1/271)
صفحة 19
الرد على أصحاب الطبائع (1) :
ويسأل أصحاب الطبائع في زعمهم أنَّ الأشياء تتكون من طبائع أربعة:
من حر وبرد، ويبس ورطوبة، فيقال لهم: أخبرونا عن هذه الطبائع أحيوان هي أم موات؟ فيحيدون عند ذلك عن الجواب، فلا يقولون حيوان ولا موات، ولا يجيبون إلاَّ بمثل هذيان وتخليط، ويقولون: إنَّ الطبائع إذا امتزجت بضرب من الامتزاج تكون عند امتزاجها صفة كذا، وإذا امتزجت بضرب آخر من الامتزاج يخالف الامتزاج الأول تكون عند ذلك الامتزاج شيء بخلاف الصفة الأولى، قيل لهم: فإنا نظرنا إلى هذه الصنائع التي تكون منا من: الحياكة، والصبغ، والصياغة، والبناء، وضرب النقش، وما يشبه ذلك فوجدناه لا يقع، ولا يكون إلاَّ ممن به حياة وعلم وقدرة، ولا تتكون عن طبيعة ما أبداً، فلم جعلتم ما هو أعجب من ذلك صنعاً من تأليف الحيوان، وتركيبه، وزيادته، ونقصانه، ونموه، وتناسله، وغير ذلك من صنوف عجائب التدبير، يكون بالطبائع، من غير حياة ولا علم ولا قدرة؟ وفي فساد تكون ما هو دون ذلك من صنائع، ووقوعه عن الطبائع بطلان تكوّن ما هو أعجب من ذلك
__________
(1) - يقول صاحب كتاب النور: الطبائع هي: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، فقالوا باجتماعها صح تركيب العالم، وهذا لا يصح؛ لأنَّ الحرارة ضد البرودة، والرطوبة ضد اليبوسة، ولا يجوز اجتماع الضدين في ذات واحدة، كما أنَّ الحركة ضد السكون، والسواد ضد البياض، فلا يجوز اجتماع هذه المتضادات، فبطل ما قالوه: إنَّ باجتماعهما تركيب العالم؛ لأنَّ الطبائع محتاجة إلى المكان، وليست بقائمة بأنفسها، فتكون غير مستطيعة على القيام بنفسها على حدثها، إذ حقيقة القديم استغناؤه عن المكان والزمان، والله تعالى أعلم. كتاب النور، ص42، للعالم الفقيه عثمان بن عبد الله الأصم. (1/272)
صفحة 20
صنعاً، وألطف منه حكماً عن الطبائع.
ثمّ يقال لهم: أخبرونا عن هذه الألوان التي توجد في الأشياء: من بياض وحمرة وسواد وصفرة وخضرة، أعن طبائع تكونت؟ فإن قالوا: نعم: قيل لهم: فما بال الأبيض منها نجده حاراً تارة، وتارة بارداً، فنجد الأسود يابساً تارة، وتارة لدناً، ونجد الأبيض حلواً تارة، وتارة حامضاً، والأسود حامضاً تارة، وتارة حلواً، وتختلف في اللون والطعم، وتتفق في الحرارة والبرودة، وفي اليبس واللدونة، فهلا كان الحامض حيث ما وجدناه رطباً أو يابساً، والأبيض حيث ما وجدناه حاراً أو بارداً؟ وفي وجودنا اتفاق هذه الألوان، وهذه الطعوم، على غير اتفاق الطبائع التي ذكرتم، ووجودنا اختلاف هذه الألوان، وهذه الطعوم على غير اختلاف الطبائع التي بنيتم عليها تكون الأشياء فساد القول بالطبائع.
الرد على أصحاب أرسطوطاليس (1) :
ويقال لأصحاب أرسطوطاليس في زعمهم أن الهيولي قديم لم يزل ومعه قوة قديمة، والهيولي غير ذي أعراض، والقوة كذلك، حتى غلبت القوة الهيولي فحدث عن تغلبها الأعراض، ويقال لهم: أخبرونا عن تغلب القوة الهيولي، أطبع هو أم اختيار؟ فإن قالوا: طبع، قيل لهم: فكيف غلبته بعدما لم تغلبه؟
__________
(1) - أرسطوطاليس: هو ابن نيوقرماقوس، من أهل "اصطخر" ولد سنة 384 قبل الميلاد في مدينة (اصطخر)، كان أبوه طبيباً للملك المقدوني "أمنتاس" الثاني جد الإسكندر، وتعلّم مع "فيلبس" أبي الإسكندر، والتحق بأكاديمية "أفلاطون" فلزمها عشرين سنة إلى أن توفي "أفلاطون"، من كلماته المشهورة: أحب الحق وأحب أفلاطون، وأوثر الحق على أفلاطون، استدعاه "فيلبس" المقدوني ليتولى تربية ابنه الإسكندر، وأنشأ مدرسة المشائين، وأنشأ مكتبة كانت الأولى من نوعها في العصر القديم، واتهم بالإلحاد، وألف كتباً كثيرة في المنطق والعلوم الطبيعية والأخلاق والسياسة، مات عام 322 ق.م (راجع الملل والنحل ج2 ص 362 هامش). (1/273)
صفحة 21
والطبع لشيء غير مفارق له، فلو كان تغلب القوة الهيولي (1) بالطبيعة كما زعمتم لكانت تغلبه فيما لم يزل، كما أنها لم تزل معه، فإن قالوا: إن تغليب القوة الهيولي اختيار ولا يقولونه، قيل لهم: وما يدريكم إذا كان تغليب القوة الهيولي اختياراً أنها لم تكن غلبته قبل ما غلبته؟ ولعلّ القوة قد غلبت الهيولي قبل ذلك ولا تعلمون به؟ ويسألون عن كون القوة في الهيولي، أعلى المماسة هو أم على غير المماسة؟ فإن قالوا: على غير المماسة أبطلوا قولهم في التغليب، وكيف يغلب شيء شيئاً ولم يُمَاسَّهُ؟ فإن قالوا: على المماسة أثبتوا معنى ثالثاً غير الهيولي، وغير القوة وهو المماسة، فبطل قولهم: إن الهيولي غير ذي أعراض، والمماسة عرض. ويقال لهم: أخبرونا عن الهيولي، أليس هو لم يزل غير ذي لون، ولا طعم، ولا حركة، ولا سكون، ولا أعراض، فإن قالوا: إنه لم يزل ليس بذي أعراض، قيل: فأنَّى حدثت فيه هذه الأعراض، وهو لم يزل ليس بذي أعراض؟ مع ما يقال لهم في القوة أليست غير ذات أعراض؟ فمن قولهم: بل فيقال لهم: فما بال القوة غلبت الهيولي دون أن يكون الهيولي غلبها، وهما بصفة واحدة؟ أم كيف سميتم القوة قوة، ولم تسموها هيولي؟ أم كيف سميتم الهيولي هيولي دون أن تسموه قوة؟ وهما جميعاً بصفة واحدة؟ (2) ولا يوصف أحدهما إلاَّ بما يوصف به صاحبه (3) مع
__________
(1) - الهيولي: لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة، وفي الاصطلاح: هو جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال محل للصورتين الجسمية والنوعية "تعريفات الجرجاني".
وقال ابن سينا: الهيولي المطلقة: فهي جوهر، ووجوده بالفعل إنما يحصل لقبول الصورة الجسمية لقوة فيه قابلة للصور، وليس له في ذاته صورة تخصه إلاَّ معنى القوة، ومعنى قولي لها: هي جوهر. راجع النجاة ص 49، للرئيس أبو علي بن سينا.
(2) - سقط من (ب) لفظ (واحدة).
(3) - في (ب) الآخر بدلاً من (صاحبه). (1/274)
صفحة 22
ما يقال لهم: أخبرونا عن الهيولي والقوة، أمختلفان هما أم متفقان؟ فإن قالوا: مختلفان أثبتوا الأعراض، (1) وليس ذلك من قولهم؛ لأن الاختلاف لا يكون إلاّ بالصفات المختلفة، فإن قالوا متفقان عاد إليهم الكلام الأول: لم سميّتم الهيولي هيولي والقوة قوة، وهما جميعاً بصفة واحدة؟
مسألة في النهايات:
يقال لأهل الدهر في نفيهم نهاية العالم، وفي زعمهم أنه منبسط غير متناه ولا محدود: اخبرونا عن هذه الأرض عن جميع هذا العالم، هل يخلو من أن يكون له وسط أم ليس له وسط؟ فإن زعموا أن ليس للأرض وسط، ولا هذا العالم وسط بان كذبهم؛ لأن هذه الأرض جزائر متفرقة، وأقاليم متباينة، فلو استحال على الأرض أن يكون لها وسط لاستحال على جزيرة من هذه الجزائر، وإقليم من هذه الأقاليم أن يكون له وسط، فلمّا ثبت عند جميع الناس أن لكل كورة من هذه الكور _كور الأرض_ وسطاً وأطرافاً ثبت أن لجميعها وسطاً وأطرافاً، وإلاَّ لبطل القضاء بالبعض على الكل.
أخرى: ويقال لهم: أخبرونا عمن هو بأرض الروم، أليس هو أقرب إلى
__________
(1) - العرض: ما لا يقوم بذاته؛ وهو الحال في الموضوع، فيكون أخص من مطلق الحال.
والعرض عندنا موجود قائم بمتحيز، وعند المعتزلة ما لو وجد لقام بالمتحيز.
وعند الحكماء ماهية إذا وجدت في الخارج كانت في موضوع أي محل يقوم لما حلّ فيه.
والمختار أن العرض هو الوجود الذي لا يتصور بقاؤه في زمانين، وفيه احتراز عن الإعدام، إذ هي غير موجودة.
والمراد من قوله: العرض ما لا قيام له بذاته ما لا وجود له بذاته لا القيام الذي هو ضد القعود؛ لأن ذلك وصف زائد على نفس الماهية. والعرض يقوم بالعرض عند بعض المتكلمين، يعني به الإنصاف، يقال: هذه رائحة طيبة، وتلك منتنة، وهذا الفعل حسن، وذاك قبيح، ويمتنع عند جمهور المتكلمين.
والعرض العام هو: إمّا لازم كالتنفس والتحرّك للإنسان، أو مفارق وهو: إمّا سريع الزوال كحمرة الخجل وصفرة الوجل، أو بطيء كالشيب والشباب، راجع كتاب النجاة 325، ومعيار العلم، طبعة مصر 1329هـ، ومفاتيح العلوم 86. والجوهر: الذات، الماهية، المقولات، والمعجم الفلسفي 2/70. (1/275)
صفحة 23
مهب الشمال ممن هو بأرض فارس؟ وعمن هو بأرض فارس، أليس هو بأقرب إلى مهب الجنوب ممن هو بأرض الروم؟ فإن قالوا: لا بان كذبهم، وإن قالوا: نعم بان فساد مذهبهم.
أخرى: ويقال لهم: أخبرونا لو أن طائرين يطيران من مهب الشمال إلى مهب الجنوب، وأحدهما يزيد على طيران صاحبه كل يوم ذراعاً، هل لمسافة ما بينهما نهاية؟ فإن قالوا: لا أبطلوا النهاية، وإن قالوا: نعم أثبتوا النهاية لجميع العالم.
أخرى: ويقال لهم: أخبرونا عمن سار من بلاد الأندلس إلى أرض الهند، هل نقص من ناحية الجنوب شيئاً، وزاد في ناحية الشمال؟ فإن قالوا:لا بان كذبهم، فإن قالوا: بل نقص من جهة الجنوب، وزاد في جهة الشمال أقرّوا بالنهاية؛ لأن ما يزاد فيه وينقص منه فله نهاية.
أخرى: ويقال لهم: أخبرونا عن الذي بين الصين وبين طنجة (1) من الأرض، هل يخلو من أن يكون بعضاً لهذه الأرض كلّها، أو ليس ببعض لها؟ فإن زعموا أنه بعض الأرض، قيل لهم: فهل يجيء ذلك في نصف الأرض،
__________
(1) - مدينة بالمملكة المغربية على مضيق جبل طارق، ترجع إلى العهد الفينيقي، ثم تعاقب عليها الرومان والبرتغاليون، والعرب والأسبان والمغاربة، وفي القرن 19 أصبحت محل نزاع بين القوى الأوروبية المتنافسة على المغرب، فأصبحت منطقة دولية، وكان يحكم المنطقة بمقتضى اتفاق عقده 1925م مجلس تمثل فيه الدول الكبرى، وجمعية تشريعية يرأسها ممثل سلطان المغرب (الخليفة)، وفي 29 أكتوبر 1956م ألغى النظام الدولي للمنطقة، وعادت جزءاً من المملكة المغربية، يبلغ عدد سكانها 200,000 نسمة. راجع الموسوعة العربية الميسرة 1164:2، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، مادة الطاء والنون. (1/276)
صفحة 24
أو في ربعها، أو في عشرها، أو في عشر معشارها، أو جزء من أجزاء الأرض بالغاً ما بلغ؟ فإن أنكروا ذلك أحالوا، وإن قالوا: بل هو بعض هذه الأرض وجزء منها أثبتوا للأرض النهاية.
أخرى: ويقال لهم: أخبرونا لو أن متوهماً توهم، هل يجوز أن يكون مثل هذا العالم، أو مثل نصفه، أو مثل ربعه، أو يزاد إليه؟ فإن قالوا: إن ذلك مما لا يتوهم بان كذبهم، وإن قالوا: بل يتوهم أن يزاد إليه مثله، أو مثل نصفه، أو مثل ربعه أثبتوا نهاية العالم، وأقرّوا بها، ويدخل عليهم في النقصان من العالم نصف، وربع، كما يدخل عليهم في الزيادة سواء، وأنت -رحمك الله- إذا تأملت دلائل نهاية حدود العالم وجدتها من دلائل نهاية حدوثه، فكذلك ما يدل على نهاية حدوثه فهو مما يدل على نهاية حدوده، إذا أنت أعملت النظر في كل ذلك وأحسنته، والله الموفق للصواب.
الرد على السّمنيّة: (1)
وأمّا السمنية من أهل الدهر، فإنهم زعموا أن هذه الأرض لم تزل تهوي
__________
(1) - السمنية: فرقة من فرق الهند، كانت تعبد الأصنام وتدين بتعدد الآلهة، وتؤمن بعقيدة التناسخ، ويقال إنهم ينكرون المعرفة، ولا يعترفون إلاَّ بالأشياء المحسوسة، ومما يروى عن الإمام أحمد بن حنبل: أنهم كانت لهم مساجلات مع جهم بن صفوان حتى أوقعوه في الشك.
ولقد تكلّم الإمام ابن تيميّة عنهم كثيراً في كتابه "الرد على المنطقيين" ص329، وراجع مجموع الفتاوى 32:5، 33.
ويرى بعض العلماء أن السمنية: دين من أديان الهند الأساسية بجانب البرهمة، وأنها دين يتديّن به أهل الصين. ويرى البعض الآخر أن السمنية فرقتان: فرقة ترى أن "البد" كان من الأنبياء المرسلين، وأخرى تزعم أن "البد" هو البارئ، ظهر للناس في صورته. راجع دائرة معارف القرن العشرين. (1/277)
صفحة 25
سفلاً، وأنها لا تزال تهوي، وبانت بهذا الأمر عن سائر الدهرية، وزعموا أن الذي ألجأهم إلى القول بذلك قالوا: وجدنا هذه الأرض جسماً ثقيلاً متكاثفاً، راسباً، ووجدنا الهواء جسماً خفيفاً خوارياً (1) ، فالجسم الراسب لا يقاوم الجسم الخفيف، إلاَّ بأن ينحدر فيه، ويرسب، وزعموا أن ما دلهم على أن الأرض في الهواء وجودهم ظاهر الأرض الذي هم عليه، ملاقياً للهواء من هذه الجهة (2) ، قالوا: فعلمنا أنها تلقى الجو من جميع نواحيها (3) ، إذا كانت تلقاه من أعلاها، فكذلك تلقاه من سفلاها، ومن جوانبها، فلما كانت كذلك علمنا أنها لا تثبت في الهواء، إلاَّ أن تكون منحدرة فيه أبداً.
__________
(1) - خار الثور (خواراً) صاح، ومنه قوله تعالى: {فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار} (سورة طه: 88). وخار الحر، والرجل يخور "خؤُورة" بوزن فعولة ضعف وانكسر. والخور: الضعف، ورجل (خوار) بالتشديد، والجمع (خور) بوزن طُورٍٍ.
(2) - الجهة والحيز متلازمان في الوجود، والجهة قسمان: حقيقية لا تتبدل أصلاً: وهي الفوق والتحت، وإنما يتبدلان بتبدل جهة الرأس والرجل في الحيوانات، كما في النملة والذباب وأشباههما؛ حيث تدب منتكسة تحت السقف وعلى مقعرها، وغير حقيقية: وهي تتبدل بالعرض؛ وهي الأربعة الباقية.
(3) - يقول صاحب كتاب الفرق: وأصحاب التناسخ من السمنية قالوا بقدم العالم، وقالوا أيضاً بإبطال النظر والاستدلال، وزعموا أنه لا معلوم إلاَّ من جهة الحواس الخمس، وأنكر أكثرهم المعاد والبعث بعد الموت، وقال فريق منهم بتناسخ الأرواح في الصور المختلفة، وأجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى حيوان وروح الحيوان إلى إنسان إلخ. راجع الفرق بين الفرق 270. (1/278)
صفحة 26
أمّا قولهم في أن الأرض لم تزل (1) ، فقد أنبأنا (2) عن فساد أقاويل أهل الدهر جميعاً، في كل ما قالوا فيه أنه لم يزل، وأبطلنا جميع ما تعلقوا به من ذلك، بما قصصنا (3) من الشواهد والأعلام، وأثبتنا حدوث العالم بما فيه من سماء وأفلاك وأرض وحيوان، بما يغني عن تكراره في هذا الموضع.
وأمّا قولهم في الأرض أنها تهوي وتنحدر، فإن بعض المتقدمين من أهل العلم سألهم في ذلك عن مسألة كشف بها عوراهم (4) ، وأفحمهم بأن قال لهم: أخبرونا عن الأرض ألستم إنما زعمتم أنها تهوي لثقلها ورزانتها؟ فقالوا: بلى، فقال لهم: أي شيء أثقل وأرزن، الأرض بجبالها وأكنافها وصخورها ورمالها وما فيها وعليها، أو ريشة من الريش؟ فقالوا: بل الأرض أثقل وأرزن من الريشة، فقال لهم: ما بال الريشة إذا ألقيت من أعلى جبل مشرف، أو من فوق سطح عال، تصل الأرض وتلحقها ولم تفتها الأرض فتسبقها، إذا كانت أرضكم هذه ترسب وتهوي؟ فسكتوا عند ذلك ولم يحيروا جواباً.
ثم يقال لهم: ألستم ترون الريح تحمل شيئاً ثقيلاً تُقِلّهُ في الهواء؟ فيقولون: بلى، فيقال لهم: ما أنكرتم مع هذا أن يكون شيء أقوى من الريح من تحت
__________
(1) - حصر ابن حزم اعتراضات القائلين: بأن العالم لم يزل، وأنه لا مدبر له في أربعة اعتراضات، ورد عليها جميعاً، وأفسد تصوراتهم، وأبطل حججهم. راجع كتاب "الفصل في الملل والأهواء والنحل" بتحقيقنا 1/47ـ55.
(2) - في (ب) أبنًّا فساد بدلاً من (أنبأنا عن فساد).
(3) - في (ب) قدمنا بدلاً من (قصصنا).
(4) - العوار: العيب، يقال: سلعة ذات عوار، والعوراء بوزن العرجاء: الكلمة القبيحة، وهي السقطة. (1/279)
صفحة 27
الأرض، يقل الأرض ويرفعها، فلم قلتم: أنها تهوي سفلاً، دون أن تقولوا: ترتفع صعوداً؟
الرد على السفسطائية (1) :
وأمّا السفسطائية المتجاهلة، فإنهم زعموا أن لا علم يثبت ولا معرفة تستقيم، فزعموا أن لا شيء موجود على حقيقة من الحقائق (2) ، ولا موصوف بصفة دون صفة من الصفات، فقالوا: إنك متى ما اعتقدت شيئاً على صفة، واعتقده غيرك على صفة أخرى تخالف الصفة الأولى، فإن ذلك الشيء موجود بكلتا الصفتين جميعاً، وليس واحدة منها أولى به من الأخرى وقالوا: إنَّا وجدنا السراب قد يراه الرائي من بعيد شيئاً موجوداً، والقريب منه لا يجده شيئاً، فعلمنا أن السراب شيء لا شيء، موجود لا موجود، ووجدنا من به صفراء يذوق العسل فيجد به مرارة، والذي ليس له ذلك الداء قد
__________
(1) - السوفسطائية: طائفة من المعلمين متفرقين في بلاد اليونان اتخذوا التدريس حرفة، فكانوا يرحلون من بلد إلى بلد يلقون المحاضرات، منهم "بروتا جوراس" كان يعلم قواعد النجاح في السياسة، و"هدباس" وكان يعلم التاريخ والطبيعة والرياضة. والمقياس الذي قامت عليه فلسفتهم هو: الإنسان مقياس كل شيء، وتكاد تكون فلسفة "البرجماتزم" التي لا تريد أن تعترف بحقيقة في ذاتها قريبة الشبه جداً بتعاليم السوفسطائين، ولسنا نخطئ إذا قلنا: إنها سوفسطائية العصر الحديث، ولا ريب أن موضوع الخطأ عند "بروتَّا جوراس" قديماً، ومذهب "البرجماتزم" حديثاً؛ وهو الاعتماد على الحواس وتجاهل العقل. راجع قصة الفلسفة اليونانية ص8، ط لجنة التأليف والترجمة والنشر 1368هـ.
(2) - راجع ما كتبه ابن حزم عنهم في كتابه الفصل 1/43 وما بعدها، حيث استعرض الكثير من آرائهم ورد عليها. (1/280)
صفحة 28
يذوقه فيجده حلواً لا مرارة فيه، فعلمنا أن العسل حلو مر في أشياء من هذا تركنا ذكرها، إذ كان عناء ذكرها أكثر من فائدة معناها. (1)
يقال لهم: أخبرونا عن قولكم هذا الذي قلتموه من زعمكم: أن لا شيء على الحقيقة، أذلك القول منكم على الحقيقة أم على غير الحقيقة؟ فإن قالوا: على غير الحقيقة خرجوا من حد المناظرة، على أنهم خارجون من حدها أولاً، وإن قالوا: على الحقيقة أثبتوا الحقائق، وأقروا بها، ونقضوا مذهبهم، وكذلك يسألون عن قول مَن خالفهم، أخطأ هو أم غير خطأ؟ فإن قالوا: خطأ قيل لهم: على حقيقة الخطأ أم على غير حقيقته؟ فإن قالوا: على حقيقة الخطأ أقروا بالحقائق وأثبتوها، وإن قالوا: على غير الحقيقة قيل لهم: فكيف تنكرون على مَن خالفكم إذا كان الذي ادّعيتم إنما قلتموه على غير الحقيقة، ولم تثبتوا خطأ مَن خالفكم على حقيقة الخطأ. وذكر أبو عيسى الوراق (2) أن رجلاً
__________
(1) - مما يحكى عن أستاذ سفسطائي أنه اتفق مع تلميذ له على أن يخرجه للدفاع في القضاء والمنازعات العامة، خلال سنتين بأجر متفق عليه، فلمّا انتهت السنتان طلب الأستاذ أجره. وقال التلميذ: بل أناقشك في هذا الأجر هل تستحقه بعملك أو تطلبه بغير حق...؟ فإن أقنعتك بأنك لا تستحقه فلا حق لك فيه باعترافك، وسكوتك حجة على هذا الاعتراف، وإن لم أقنعك فلا حق لك فيه، لأنك لم تعلمني كيف أقيم البرهان على دعواي.
وكان جواب الأستاذ ـ كمثال تلميذه مثلاً للبرهان المطلوب في هذه الصناعة. فقال له: إنني أقبل أن أناقشك؛ ولكن على غير النتيجة التي خلصت إليها، أناقشك في حقي فتعطيه مرة إذا ثبت عليك، وتعطيه مرتين إذا لم أثبته أمامك؛ لأنني علَّمت تلميذاً ما يغلب به أستاذه في صناعة البرهان. راجع التفكير فريضة إسلامية، للعقاد.
(2) - يقول الدكتور عمار طالبي: أبو عيسى الوراق: محمد بن هارون، يعتبره الشيعة من متكلمي الإمامية، ومن أقدم من ألف في فرق الشيعة ـراجع كتاب المقالات والفرق: (تحقيق الدكتور محمد جواد مشكور، مطبعة "حيدري" طهران 1963، (ص) يج من المقدمة)، أما ريتر Ritter فقد جعله من مؤلفي كتب الشيعة فحسب (الأشعري: مقالات الإسلاميين فهرست)، ونسبه الزركلي في الإسلام إلى المعتزلة، وكذلك فعل ستيرن في دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الثانية، وجزم ابن النديم بأنه من الزنادقة وبأنه ما نوى مشهور، قرنه بذكر أبي العباس الناشئ، والجبهاني محمد بن أحمد (الفهرست ص 474)، وينقل عنه أكثر مؤلفي المقالات، وآراء الفرق غير الإسلامية كالمانوية والديصانية، مثل القاضي عبد الجبار في (الفرق غير الإسلامية من "المغني")، والأشعري في المقالات، والشهرستاني في الملل وغيرهم. وقد كتب أبو عيسى الوراق في الرد على المسيحية أكمل رد في علم الكلام، ووصلنا مؤلفه في هذا عن طريق رد يحيى بن عدي في (مخطوطين في باريس رقم 113/114)، وكتابه يشتمل على قسمين أساسين: الرد على الثالوث الذي تأثر فيه بالكندي أبي يعقوب، وهذا النص محفوظ في (مخطوط رقم 169، باريس)، والقسم الثاني: موجز في الاتحاد والحلول؛ وهو الجزء الذي استفاد منه الباقلاني في كتابه التمهيد في فصل الرد على النصارى، كما استفاد منه الجاحظ في رده على النصارى أيضاً، وقد نشرت المختصرات الصغيرة ليحيى بن عدي سنة 1920م في باريس، نشرهاA. Perier ، وأغلب الظن أن أبا عيسى كان شيعياً إمامياً ثم اعتزل، رغم أن ابن النديم والقاضي عبد الجبار يزعمان أنه ثنوي، وقال الشهرستاني: إنه كان مجوسياً في الأصل، ولهذا كان ذا معرفة بالفرق والآراء، وتذكر بعض المصادر (دائرة المعارف الإسلامية 3/15 تحت كلمة إنجيل) أن يحيى بن عدي المسيحي؛ وهو تلميذ الفارابي ألف كتاباً يدافع فيه عن المسيحية، وأهداه إلى أبي عيسى الوراق يرد فيه على نقد الكندي لفكرة التثليث المسيحية، وتوفي أبو عيسى في 247هـ، 861م، وقد شك Stern في هذا التاريخ، ولأبي عيسى من الكتب: كتاب اختلاف الشيعة والمقالات، وكتاب المقالات في الإمامية، وكتاب المجالس، نقل عنه المسعودي في المروج 7/236، ونسب إليه المانورية زوراً كتاب الغريب المشرقي، وكتاب النوح على البهائم، فيما يقول المرتضى في الشافعي ص17، هذا وقد ألف المستشرق A. Abel سفراً في أبي عيسى الوراق Abu Isa al Warraq . [عمار الطالبي]. (1/281)
صفحة 29
من هؤلاء المساكين أتى إلى رجل ليناظره في هذا المعنى على بغلة له، قال أبو عيسى: (1/282)
صفحة 30
فعمدوا إلى البغلة فغيبوها، فلما أحب الانصراف دعا بالبغلة، فقيل له: لم تأت إلينا بالبغلة، فقال لهم: بل أتيتكم بها، فقالوا: بل لم تأتنا بها، فقال: بل أتيتكم بها، فقيل له: ثبت فيما قلت، لعلك أيها الرجل لم تأت على بغلة، فقال لهم: قد ثبت، وعلمت أني أتيت على بغلة بلا شك، ولا مرية، فقيل له: أعلى الحقيقة كان ذلك أم على غير الحقيقة؟ فقال: بل على الحقيقة، فقالوا: أفيكون شيء ويثبت على الحقيقة؟ قال أبو عيسى: فأقرّ عند ذلك بالحقائق، ورجع عن القول بالسفسطة. (1)
__________
(1) - ذكر بعض المتكلمين أن السوفسطائية ثلاثة أصناف: فصنف منهم نفى الحقائق جملة، وصنف منهم شكوا فيها، وصنف منهم قالوا هي حق عند مَن هي عنده حق، وهي باطل عند مَن هي عنده باطل. راجع كتاب الفصل 1/43.
ولقد ردَّ ابن حزم عليهم فقالوا: يقال للشكاك منهم _وبالله تعالى التوفيق_ أشككم موجود صحيح منكم أم غير صحيح ولا موجود...؟ فإن قالوا: هو صحيح منا أثبتوا أيضاً حقيقة "ما"، وإن قالوا: هو غير موجود نفوا الشك وأبطلوه، وفي إبطال الشك إثبات الحقائق أو القطع على إبطالها. المصدر السابق ص 44. (1/283)
صفحة 31
الأصل الثاني من أصول الملحدين وهو قول الثنوية (1) :
فأول ما نبدأ به من ذلك مقالة المنانية (2) حين زعموا أن الأشياء تكونّت من أصلين
__________
(1) - يرى ابن حزم الثنوية من المجوس الذين يرون أن الباري تعالى هو "أورمن"، و"إبليس" وهو "اهرمن"، و"كام" وهو الزمان، و"جام" وهو المكان، وهو الخلاء أيضاً، و"توم" وهو الجوهر، وهو أيضاً "الهيولي"، وهو أيضاً "الطينة"، و "الخميرة" خمسة لم تزل، وأن "اهرمن" هو فاعل الشرور، وأن "أورمن" فاعل الخيرات، وأن "توم" هو المفعول فيه كل ذلك.
ويقول ابن حزم: وقد أفردنا كتاباً في نقض كلام محمد بن زكريا الرازي الطبيب في كتابه الموسوم "بالعلم الإلهي". راجع كتاب الفصل 1/ 86.
= ويرى النهانوي: أنهم فرقة من الكفرة يقولون بأثنية الآلهة، ووافق في ذلك ما كتبه عضد الدين الإيجي في كتابه المواقف، وما كتبه الجيلي في كتابه "الإنسان الكامل". راجع ما كتبه علي سامي النشار في كتابه الفكر الفلسفي في الإسلام ج1، وكشاف اصطلاحات الفنون 1/178، 179.
(2) - أصحاب ماني بن بابك الثنوي صاحب القول بالنور والظلمة، ظهر أيام سابور بن أردشير ملك الفرس، فاتبعه قليلاً ثم رجع إلى المجوسية. ويقال: إن ماني من "همدان"، انتقل أبوه إلى بابل، وكان ينزل المدائن، فتوجه منها إلى بيت الأصنام، فسمع من الهيكل هاتفاً يقول: يا فتق لا تأكل لحماً، ولا تشرب خمراً، فدان بهذا المذهب، وكانت امرأته حاملاً "بماني"، فلما ولد نشأ على دين أبيه، وكان على صغره ينطق بالحكمة، ولما تم اثنتي عشرة سنة زعموا أن الوحي يأتيه، ودعا إلى ديانة، وتبعه خلق كثير من المجوس، فقتله "سابور بن بهرام"، وقيل إن قاتله هو "بهرام بن هرمز بن سابور". راجع الفرق بين الفرق 271، والملل والنحل للشهرستاني 2/73، ودائرة المعارف الإسلامية. (1/284)
صفحة 32
قديمين: نور وظلمة، وأنهما جميعاً فعَّالان، درَّاكان حسَّاسان، وأنهما لم يزالا مفترقين، حتى بغت الظلمة على النور فمازجته، فعند ذلك تكّونت الأشياء عند امتزاجها، فكل ما حدث من نور، وخير، وعلم، وبر فهو من أصل النور، وكل ما يحدث من ظلمة، وشرّ، وجهل، وفجور، وكل شيء قبيح فهو من أصل الظلمة (1) .
يقال لهم: أخبرونا عن مفارقة النور والظلمة قبل الممازجة (2) ، لطبيعة كان ذلك أم لغير الطبيعة؟ فإن زعموا أنها لطبيعة أبطلوا
__________
(1) - يقول صاحب كتاب الفرق بين الفرق: إن "ماني" قال في بعض كتبه: إن الأرواح تفارق الأجساد فتكون في نوعين: أرواح الصديقين، وأرواح أهل الضلالة، فأرواح الصديقين إذا فارقت أجسادها سرت في عمود الصبح إلى النور الذي فوق الفلك، فبقيت في ذلك العالم على السرور الدائم، وأرواح أهل الضلال إذا فارقت الأجساد وأرادت اللحوق بالنور الأعلى ردت منعكسة إلى السفل، فتتناسخ في أجسام الحيوانات إلى أن تصفو من شوائب الظلمة، ثم تلتحق بالنور العالي. راجع الفرق بين الفرق 271، وراجع أصول الدين، ص53، والمغني للقاضي عبد الجبار ج14 ص 15، ومقالات الإسلاميين للأشعري، ص332.
(2) - سقط من (ب) لفظ "الممازجة". (1/285)
صفحة 33
الممازجة؛ لأن ما كان لطبيعة فلا ينقلب، والطبيعة غير منقلبة، فإن قالوا: افتراقهما اختيار، قيل لهم: فكيف قلتم إنهما امتزاجاً بعد أن افترقا؟ وما يدريكم لعلها امتزاجاً قبل هذا الافتراق، ثم افترقا قبل ذلك الامتزاج، إذ كان افتراقهما اختياراً، أم كيف قضيتم بأنهما لم يمتزجا قبل الافتراق؟ وذلك كله منهما اختيار. ثم يقال لهم: أخبرونا عنهما، أليسا لم يزالا مفترقين؟ قالوا: بلى، قيل لهم: فكيف حتى قلتم: إنهما امتزجا بعد ذلك، وبطل الافتراق الذي لم يزالا به؟ وكيف يبطل ما لم يزل؟ وقد أنبأنا عن فساد بطلان الشيء إذا كان لم يزل في غير موضع، ثم يقال لهم: أخبرونا عن ممازجة النور والظلمة، أحدث عن ممازجتهما شيء أم لم يحدث شيء؟ فإن قالوا: لم يحدث شيء، قيل لهم: فكيف امتزجا، ولم يحدث عن الممازجة شيء؟ فهلا قلتم: إنهما على مفارقتهما الأولى، إذا لم يحدث لهما شيء لم يكن، فإن رجعوا وقالوا: قد حدث عن ممازجتهما شيء، قيل لهم: فما هو ذلك الشيء، أظلمة أم نور، أم شيء غير الظلمة والنور؟ فإن زعموا أن الحادث شيء ليس بنور ولا ظلمة نقضوا أصلهم الذي بنوا عليه مذهبهم، وأثبتوا حالاً ثالثة لا نور ولا ظلمة، (1) فإن قالوا: نور، قيل لهم: فقد وجدنا شيئاً من النور حادثاً، فلم لا تجعلونه كله حادثاً، إذ كان شيء منه حادثاً، وأنتم تزعمون
__________
(1) - يقول ابن حزم: لقد ناظر "ماني" أذرباذ بن ماركسفند موبذ موبذان (هو فقيه الهند ورئيس الديانة عندهم كقاضي عند المسلمين) في مسألة قطع النسل وتعجيل فراغ العالم، فقال له الموبذ: أنت الذي تقول بتحريم النكاح ليستعجل فناء العالم ورجوع كل شيء إلى شكله، وأن ذلك حق وواجب...؟
فقال له "ماني": واجب أن يعان النور على خلاصه بقطع النسل مما هو فيه من الامتزاج.
فقال له "أذربان": فمن الحق الواجب أن يعجل لك هذا الخلاص الذي تدعو إليه، وتعان على إبطال هذا الامتزاج المذموم، فانقطع ماني فأمر بهرام بقتل "ماني". (1/286)
صفحة 34
أن الشاهد يدل على الغائب، فإذا كان شيء واحد تشهدون له بالحدوث، إذا كان الشاهد يدل على الغائب، وإن كنتم تحكمون على كمال الشيء بجزئه، وعلى كثيره بقليله، أفلا حكمتم على ما لم تروه منه بالحدوث، إذا وجدتم منه شيئاً حادثاً؟ وكذلك يقال لهم: إن زعمتم أن الحادث عند المزاج ظلمة، مثل ما قيل لهم في النور، ويقال لهم: أخبرونا عن علة الامتزاج بعد الافتراق ما هي؟ فإن قالوا: إن الظلمة لم تزل في بلادها متعلقة متحركة تدنو منه الأول فالأول حتى صارت إليه فمازجته، قيل لهم: هل لتحركها أول حتى صارت إليه؟ فإن قالوا: ليس لتحركها أول ولا ابتداء، قيل لهم: فكيف أفضت إليه؟ والذي قطعت من المسافة لا يتناهى، فإن قالوا لتحركها أولاً وابتداء أثبتوا السكون قبل الحركة، قيل لهم: ذلك السكون من طبعها أم ليس من طبعها؟ فإن قالوا: من طبعها أبطلوا عنها أن تتحرك أبداً، وإن قالوا: ليس من طبعها السكون، وليس من طبعها الحركة أثبتوا الاختيار، وأقرّوا بالحادث، وانهدم جميع أساس مذهبهم، وكل ما يدخل على الدهرية في زعمهم أن الأشياء لم تزل، فهو داخل على هؤلاء الآخرين حرفاً حرفاً، ويقال لهم: أخبرونا عن قولكم في النور (1) والظلمة إنهما يتخلصان بعد هذا الامتزاج، ثم لا يعودان في الامتزاج، ما علمكم بذلك؟ ولعلهما يتخلصان مائة ألف مرة، ويمتزجان مثل ذلك، ولعلهما
__________
(1) - النور: هو الجوهر المضيء، ويطلق اسم النور على الهداية كما في قوله تعالى: {يخرجهم من الظلمات إلى النور} (سورة البقرة: 257) أي الهداية، وقوله تعالى: {أفمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً} (سورة الأنعام:122) أي هداية، وقوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض} (سورة النور: 35) أي هادي أهلهما. والنور من جنس واحد. بخلاف الظلمة إذ ما من جنس من أجناس الأجرام إلاَّ وله ظل، وظله الظلمة، وليس لكل جرم نور، وهذا كوحدة الهدى وتعدد الضلال؛ لأن الهدى سواء أكان المراد به الإيمان أو الدين هو واحد، أمَّا الأول فظاهر، وأمّا الثاني فلأن الدين مجموع الأحكام الشرعية، والمجموع واحد، والضلال متعدد على كلا التقديرين، أما الأول فلكثرة الاعتقادات الزائفة، وأما على الثاني فلانتفاء المجموع بانتفاء أحد الأجزاء، فيتعدد الضلال بتعدد الانتفاء. راجع الفرق بين الفرق ص 271. (1/287)
صفحة 35
ليس لامتزاجهما وتخلصهما مرة بعد أخرى نهاية وإن اعتلوا بالأخبار، وتركوا مشاهدة العيان، فذلك الذي سألناهم عنه من افتراقهما بعد الامتزاج أنه لم يكن لهم فيعاينوه، ولا ههنا مشاهد، فأين لهم بالأمان من عودة بعد عودة إلى ما لا يتناهى من المزاج؟ ويقال لهم في قولهم: إن الخير فعل النور، والشر فعل الظلمة، والخير هو الوفاء والصدق والبر، وجميع أفعال الخير، فذلك كله من شأن النور، ومن شأن الظلمة القتل والسرقة والزنا، وجميع أفعال الفجور، فيقال لهم في ذلك: أخبرونا عن رجل قتل رجلاً، من القاتل؟ فإن قالوا: النور تركوا قولهم، وزعموا أن النور يفعل الشر، فإن قالوا: الظلمة قتلته قيل لهم: فإن هو جاء فاعترف بأنه قتله، وتاب عن قتله، من المقر التائب؟ فإن قالوا: الظلمة قيل لهم: فقد صدقت، والصدق خير، وهذا فساد المذهب، وإن قالوا: المقر التائب هو النور، قيل لهم: أو كان النور فعل شيئاً فيقر به؟ فإن قالوا لم يقتل، وإنما أقرّ أنه قتل، قيل لهم: فقد كذب وظلم نفسه، والكذب شر، وليس ذلك من فعل النور (1) ، فلا بد من أحد أمرين: إمّا أن تقر الظلمة بالقتل
__________
(1) - من مبادئ المانوية: إنهم لا يرون الذبائح ولا إيلام الحيوان، ولا يعرفون من الأنبياء عليهم السلام إلاَّ عيسى -عليه السلام- وحده، ويقرون بنبوة "زرادشت"، ويقولون بنبوة "ماني". (1/288)
صفحة 36
وتعترف بأنها قد قتلت (1) فتصدق، والصدق خير، والخير لا يكون منها، وإمّا أن يقرّ النور بأنه قتل وهو لم يفعل، فهذا كذب، والكذب شرّ، وليس هو من فعله، ويقال لهم: ما تقولون فيمن غضب على رجل ثمّ (2) رضي عنه؟ فالذي غضب هو الذي رضي، أم الذي غضب غير الذي رضي؟ وعن الذي يعطي، أهو الذي يمنع، أم الذي يعطي هو غير الذي يمنع؟ وعن الذي يرحم غير الذي يسخط؟ فإن قالوا: الذي يفعل الخير من هذه هو الذي يفعل الشر تركوا مذهبهم (3) ، وصاروا إلى مذهب الحق (4) ، فإن قالوا: الذي يغضب غير الذي يرضى، والذي يعطي غير الذي يمنع، والذي يرحم غير الذي يسخط، فهذا من أعجب قول في الدنيا، أو ما يعلم الرجل منا أنه إذا غضب على رجل فجاءه واعتذر إليه، فرضي عنه وقبل منه، إن الذي قَبِل العذر فرضي هو الذي كان غضب عليه، وإن الذي منعه أولاً هو الذي أعطاه آخراً، والذي ضربه أولاً هو الذي رحمه آخراً.
وعن رجل أراد أن يقتل رجلاً ظلماً له، فجاءه رجل آخر فشفع إليه
__________
(1) - في (ب) قاتله بدلاً قوله (قد قتلت).
(2) - في (ب) بزيادة لفظ (قد).
(3) - تركوا مذهبهم أي أبطلوه، واعتقدوا أن ما قعدوه من القواعد، وشرعوه من الشرائع لا يوافق الواقع، ولا يتفق مع طبيعة العقل.
(4) - أي ما قعده رجال الإسلام، ويتوافق مع كتاب الله تعالى وسنّة الرسول _صلَّى الله عليه وسلَّم_، ورضيه جماعة المسلمين. (1/289)
صفحة 37
وأخبره بظلمه، فرجع عن ذلك وخلاه (1) ، أخبرونا عن الذي أراد قتله، أهو النور أو الظلمة؟ فإن قالوا: النور تركوا قولهم، وجعلوا النور قاتلاً، وإن قالوا: الظلمة، قيل: فالشفيع من هو، نور أو ظلمة؟ فإن قالوا: ظلمة جعلوا الظلمة راحمة، وإن قالوا: النور، قيل: فالذي قبل من النور فعفا، من هو؟ فإن قالوا: الظلمة فقد جعلوها تعفو، والعفو خير، وإن قالوا: الذي عفا هو النور، قيل: أوليس الذي عفا هو الذي همَّ بالقتل، فقد همَّ النور بالقتل، وذلك شر، فإن قالوا: إن الذي عفا هو النور، والذي همَّ بالقتل هو الظلمة، قيل: فكيف عفا النور؟ وهو لم يهم، ولم يرد شراً، فيخبر أنَّه ترك قوله، وهم لم يرد ذلك قط، فهذا منه كذب، والكذب ليس من شأن النور في زعمكم، وعمن قال أنا ظلام، هل صدق أم كذب؟ فإن كذب فالنور لا يكذب، وإن صدق فالظلمة لا تصدق (2) .
__________
(1) - تقول: أنا منه خلاء، أي براء، لا يثنى ولا يجمع لأنَّه مصدر، وأنا منك (خلي)، أي بريء، فيثنى ويجمع لأنَّه اسم، والخلاء: المكان الذي لا شيء به، والخلية: الناقة تطلق من عقالها ويخلى عنها، ويقال للمرأة أنت خلية: كناية عن الطلاق.
(2) - هذا والحق يقال من أنفس الأدلة العقلية، التي تفحم الخصم، ولا تترك له مجالاً أن يكابر أو يجادل، فجزى الله المؤلف عنا وعن الإسلام غير الجزاء. (1/290)
صفحة 38
الفصل الثاني من الأصل الثاني هو مذهب الديصانية (1)
وذلك أنَّ الديصانية زعمت أنَّ هذه الأشياء تكونت من أصلين قديمين: نور وظلمة، على مثال مقالة المنانية، إلاَّ أنَّ هؤلاء زعموا أنَّ النور حي، والظلمة
__________
(1) - رئيسهم يسمى ابن ديصان: فيلسوف سرياني من أصل فرئي، ويعرف باسمه السرياني "أبرديصان" كان أبوه يدعى نهامة، وأمه تدعى نهشيران، هاجر كلاهما من فارس الرهاء بعد عام 139، وولد ابنهما عام 154م، وأخذ اسمه من نهر ديصان الذي يروي الرهاء، ونشأ في بلاط الملك معنو مع ابنه أبجر، ودرس الفلك والتنجيم، وفي عام 179م اعتنق المسيحية على يد الأسقف "هستاسب" الذي ابتدع نظرية في نظام الكون تتمشى مع مذهب اللاأدرية. وتوفي ابن ديصان عام 222م، واختلف الديصانية على فرقتين: فرقة زعمت أنَّ النور خالط الظلمة باختيار منه ليصلحها، فلما حصل فيها ورام الخروج عنها امتنع ذلك عليه، وفرقة زعمت أنَّ النور أراد أن يرفع الظلمة عنه لما أحس بخشونتها ونتنها وتشابكها بغير اختيار.
وكان أصحاب ابن ديصان بنواحي البطائح جنوبي الفرات، كما كان بعضهم الآخر متفرقاً في خراسان والصين، ويعتبر ابن ديصان عادة ممهداً للمانوية، ويظهر أنَّه كان في الحقيقة منجماً.
وكان يذهب إلى أنَّ الكائنات خاضعة لقوى مدبرة أو حاكمة هي الأجرام السماوية، وأن ما يسمى بالقدر ليس إلاَّ فعل الله في الأجرام والعناصر، وهذا الفعل يؤثر في العقول في هبوطها إلى الأنفس، وفي الأنفس في هبوطها إلى الأبدان، وحياة الإنسان خاضعة للقوانين الطبيعية كما هي خاضعة للقدر، وليست حرية الإنسان إلاَّ النضال مع هذا القدر، والحد من قوته على قدر المستطاع.
راجع الفهرست 1/338، وابن حزم الفصل 1/36، والشهرستاني 194 وما بعدها، والمسعودي: التنبيه، ص130ـ135، ومطهر المقدس في المبدأ والتاريخ 1/91. [عمَّار الطالبي]. (1/291)
صفحة 39
موات، والنور هو الذي مازج الظلمة، وعلة (1) ممازجته إياه في زعمهم: أنَّه كان يلقاه منها في أشياء سخيفة، ذكروها في ممازجة النور للظلمة، وتخليط كثير، وانتشار كثير، كرهت ذكره لقذارته، وقبح التكليم به، يقال لهم: أخبرونا عن ممازجة النور والظلمة، أخير هو أم شر؟ فإن قالوا: خير، قيل: وكيف تكون ممازجة (2) الخير للشر خيراً، وإن قالوا: لأنَّه ولو مازجها بعد ما لم يمازجها هو قادر على التخلص منها فيما بعد، فلما أن كان قادراً على التخلص منها فيما بعد لم تكن ممازجته إياها شراً، وكانت خيراً، قيل لهم: أفليس أن لو لم يمازجها رأساً (3) وبقي على حاله الأولى من التخلص والمفارقة، ألم يكن ذلك أصلح له وأولى الأمرين به من ممازجته إياها، ثمَّ هو يطلب المفارقة لها،
__________
(1) - العلة لغة: عبارة عن معنى يحل بالمحل فيتغير به حال المحل، وفي التلويح: ما يثبت به الشيء، وعند الأصولي: ما يجب به الحكم، والعلة عند غير الأصولي: ما يحتاج إليه، سواء كان المحتاج الوجود أو العدم، أو الماهية عند العامة.
وقد توجد العلة بدون المعلول لمانع، وأما المعلول بلا علة فهو محال. ولا يجوز عقلاً اجتماع علتين على معلول واحد سواء عرَّفت بالمؤثر، أم المعرِّف، أو الباعث. وكلام العقلاء في جميع العلوم من المتكلمين، والأصوليين، والنحاة، والفقهاء مطابق لهذا. الكليات 3/ 222ـ 224 بتصرف.
(2) - الممازجة: المخالطة، يقال مزج الشراب خلطه، من باب نصر، ومزاج الشراب ما يمزج به، ومزاج البدن ما ركب عليه من الطبائع.
(3) - رأساً: أي أصلاً، فلم يحدث امتزاج. (1/292)
صفحة 40
والتخلص منها بعد الممازجة، وأنتم تزعمون أنَّ فعل الحكمة (1) والخير أولى به من فعل الخير والشر، فإن قالوا: إنما دعاه إلى ممازجتها الذي يلقاه منها من خشونة، ويأتيه من تلقائها من السوء، فمازجها ليدع فيها شيئاً من جنسه، فيستلذ ناحيتها، فيكون ذلك فيها، قيل لهم: وما يؤمنكم أن يتخلص ذلك الجزء الذي هو من جنسه منها حين ينفرد، فيعود مثل ما كانت عليه؟ ويقال لهم: أخبرونا عن الظلمة أليست مواتاً؟ فإذا قالوا: بلى، قيل لهم: أوليس النور حيواناً (2) وهو الفاعل لكل خير، ولكل حسن وجميل؟ فيقولون: بلى، فيقال لهم: أخبرونا عن هذه الفواحش والقبائح والظلم والجور والعدوان والكذب، ممن هو؟ من النور أو من الظلمة؟ فإن زعموا أنَّه من الظلمة، قيل لهم: وكيف جعلتم ذلك منها وهي موات لا تفعل، ولا تعقل؟ فإن قالوا: إنَّ ذلك كله من النور، قيل لهم: وكيف وصفتموه بالكذب والظلم والجور والعدوان، وهو في قولكم: صاحب خير، ولا يفعل الشر؟ ثمَّ يقال لهم: ألستم تعلمون أنَّ في العلم من كذبكم، وكذب أقاويلكم، وزعم أنَّها باطل، ومنهم من أثبت ذلك وزعم أنَّه حق، فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فمن فعل هذين الشيئين المتناقضين؟ والأشياء المتناقضة في العالم من إجازة المحال، ونفي العيان، فمن نفى العيان مرة، وأثبته مرة أخرى، ومن صدق نفسه، ومن كذبها، ومن فعل هذا الذي وصفناه كله
__________
(1) - ماذا يقصد بالحكمة في هذا الموضع..؟ أيقصد بها العدل، والعلم، والحكم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل، ووضع الشيء في موضعه، وصواب الأمر وسداده؟ أم يقصد بها ما في عرف العلماء من استعمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة قدر طاقتها..؟ أم يقصد بها معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة: وهي العلم النافع المعبر عنه بمعرفة ما لها وما عليها، المشار إليه بقوله تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}؟ (سورة البقرة: 269).
إننا نرجع أنَّ المقصود بالحكمة: هي معرفة الحقائق على ما هي عليه.
(2) - حيواناً: أي حياة، قال تعالى: {وما هذه الحياة الدنيا إلاَّ لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} (سورة العنكبوت: 64). (1/293)
صفحة 41
من التناقض (1) ؟ فإن زعموا أن الظلمة فعلته فقد نقضوا قولهم وجعلوها حية فاعلة، وإن زعموا أنَّ هذا كله من فعل النور، قيل لهم: فمن أجهل ممن قال شيئاً، وهو عنده صدق، ثمَّ أكذب نفسه؟ ومن قال: إن شيئاً هو كذب، ثمَّ أخبر أنَّه صدق؟ ومن غضب من شيء، ثمّ رضي عنه؟ ومن أثنى على شيء بالثناء الحسن، ثمَّ أساء الثناء عليه؟ وليس شيء من الجهل والخطأ، واعتقاد الباطل، ونفي الحق إلاَّ وهو منه، فكيف زعمتم أنَّ هذا حكيم، وأنتم تضيفون إليه هذه الأشياء المتناقضة، وهذا الجهل الفاحش؟
ويسألون عما سئلت عنه المنانية، فيقال لهم: أخبرونا عن مفارقة النور الظلمة أَلِِطَبْعٍ (2) هو أم لاختيار؟ فإن زعموا أنَّه لطبع أبطلوا الممازجة بعد المفارقة، فإن قالوا باختيار فيلزمهم أن يكونوا لا يدرون لعلة قد مازجها قبل تلك المفارقة، ثمَّ تخلص منها، ثمَّ مازجها مائة ألف مرة، إذ كانت الممازجة والمفارقة اختياراً لا طبعاً، في جميع ما سئلت عنه المنانية، حرفاً حرفاً، وعليهم أكثر مما ذكرنا، وفيما ذكرنا من ذلك كفاية عما لم نذكره.
__________
(1) - التناقض _عند المناطقة_: اختلاف الجملتين بالنفي والإثبات اختلافاً يلزم منه لذاته كون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة، فإن كانت القضية شخصية أو مهملة فتناقضها بحسب الكيف، وهو الإيجاب والسلب بأن تبدله، فإن كان إيجاباً فتناقضها بحسب أن تبدله سلباً، وبالعكس: كالإنسان حيوان، ليس الإنسان بحيوان، وإن كانت القضية محصورة بأن تقدمها سور فتناقضها يذكر نقيض سورها.
والتناقض: يمنع صحة الدعوى، ولهذا قالوا: إقرار مال لغيره كما يمنع الدعوى لنفسه يمنعها لغيره بوكالة أو وصاية؛ لأنَّ فيه تناقضاً، والمراد من التناقض أن يتضمن دعوى المدعي إنكار بعد الإقرار. التعريفات للجرجاني.
(2) - الطبع: قوة للنفس في إدراك الدقائق، والسليقة: قوة في الإنسان بها يختار الفصيح من طرق التراكيب من غير تكلف، وتتبع قاعدة موضوعة لذلك مثل اتفاق طباع العرب الأولين على رفع الفاعل، ونصب المفعول، وجر المضاف إليه، وغير ذلك من الأحكام المستنبطة من تراكيبهم. (1/294)
صفحة 42
الفصل الثالث مقالة المرقيونية (1) :
__________
(1) - المرقيونية: بالراء لا بالزين: نسبة إلى "مرقيون" أحد زعماء النصرانية، ولد في بداية القرن الثاني الميلادي في سينوب، وأظهر العداوة لليهودية، ويقول بالنور والظلمة، ولكنه يضيف الجامع المعدل كأمر ثالث يجمع بين النور والظلمة، ويقال: إنَّ ماني أخذ بمذهب مرقيون، وإنما خالفه في المعدل أو الجامع. والمرقيونية: قالت بتنزيه الله عن الشرور، وأنَّه خالق جميع الأشياء، واختلفوا في الكون الثالث فقالت طائفة منهم: هو الحياة، وهو عيسى عليه السلام، وللمرقيونية كتاب يختصون به ويكتبون بد دياناتهم، ولمرقيون كتاب سماه الإنجيل، ولأصحابه عدة كتب غير موجودة، وهم يتسترون بالنصرانية، وكان يوجد منهم في خراسان عدد كثير في حياة ابن النديم.
والمرقيونية: لا ترى ذبح الحيوان ولا المناكحة. ويقول عبد المسيح الكندي: إن المرقيونية هم الذين يقولون بالثالوث وآلهة ثلاثة متفرقة (عدل، رحيم، شرير)، وأن القرآن الكريم حين قال: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} (سورة المائدة: 73) إنما يرد على المرقيونية لا على النصارى.
راجع ابن النديم ص 474، والمغني للقاضي عبد الجبار 3_ 17، والملل والنحل للشهرستاني 1/252 ـ 253، ومقالات الإسلاميين ص 308/ 333 ـ 338. (1/295)
صفحة 43
زعموا أنَّ الأشياء من شيئين قديميين: نور وظلمة، وثالث متوسط بينهما وهو الإنسان، يقال لهؤلاء: أخبرونا عن الظلمة والنور، أجنسان مختلفان هما أم جنس (1) واحد؟ فإن قالوا جنس واحد قيل: وكيف سميتم بعض الجنس بالنور، وسميتم البعض الآخر بالظلمة، وهو كله جنس واحد؟ فإن قالوا: جنسان مختلفان، قيل لهم: فأيهما طلب المزاج فمازج؟ فإن قالوا: الظلمة سئلوا عما سئلت عنه المنانية، وإن قالوا: النور سئلوا عما سئلت عنه الديصانية، وإن قالوا: الإنسان المتوسط بينهما طلب أن يمازجهما، قيل لهم: فما دعاه إلى ذلك، إذا كان خبيراً حكيماً، يعرف ما له وما عليه؟ فما هي ممازجة النور الظلمة من الحكمة؟ وإن كان شريراً جاهلاً فلم جعلتموه ثالثاً بينهما، وهو
__________
(1) - الجنس _عند المناطقة_: عبارة عن لفظ يتناول كثيراً، ولا تتم ماهيته بفرد من هذا الكثير، كالجسم.
والجنس من الطبيعيات الكلية، وهي موجودة خارجية كما ذهب إليه البعض، ورجحه البيضاوي؛ حيث أشار إليه من قوله تعالى: {إن مع العسر يسرا} (سورة الشرح: 6).
والجنس الخاص: ما يشتمل على كثيرين متفاوتين في أحكام الشرع كالإنسان.
والجنس العالي: هو الذي تحته جنس وليس فوقه جنس، كالجوهر على القول بجنسيته.
= والجنس: ضرب من الشيء، والنوع أخص منه، وعند الأصولي: الجنس أخص من النوع.
والجنس عند النحويين والفقهاء: هو اللفظ العام، فكل لفظ عمّ شيئين فصاعداً فهو جنس لما تحته
= سواء اختلف نوعه أو لم يختلف، وعند الآخرين لا يكون جنساً حتى يختلف بالنوع، نحو: الحيوان؛ فإنَّه جنس للإنسان والفرس والطائر ونحو ذلك، فالعام جنس، وما تحته نوع.
راجع التعريفات للجرجاني، والكليات لأبي البقاء 2/149 بتصرف. (1/296)
صفحة 44
جاهل؟ وكيف لم تقولوا ظلمة؟ والظلمة شر، وإن كان خيراً فكيف لم تلحقوه بالنور؟ ثمّ يقال لهم: أخبرونا عن هذا المتوسط، هل له حقيقة من علم أو جهل؟ فإن قالوا: نعم قيل لهم: فعلى أي الأمرين هو؟ فإن قالوا: على الجهل (1) قيل: فهو إذن ظلمة، وإن قالوا: على العلم قيل لهم: فهو إذن نور، فأيما قالوا من ذلك صاروا به إلى أحد القولين، فيدخل عليهم جميع ما أدخلناه على إخوانهم الأولين.
فقد فرغنا من الكلام في إقامة الدلائل على حدوث العالم وإثبات المحدث، ومن الأجوبة لمن سألنا في ذلك، ومن نقض أقاويل الدهرية وأصحاب الاثنين، وتبيين فساد ما ذهبوا إليه، بالذي هو كاف عما لم نذكره من ذلك، والله وليَّ التوفيق.
القول في إثبات الرسالة للرسل صلى الله عليهم، والرد على من لم يثبتها.
وأما الأصل الثالث من أصول الملحدين: فهم الذين أقروا بحدوث العالم، وإثبات الصانع، ثمّ اختلفوا بعد ذلك في تثبيت الرسالة وإبطالها على ما سنذكره فيما بعد، إن شاء الله.
الفصل الأول من ذلك: مذهب البراهمة (2) :
وذلك أن البراهمة أنكروا جميع الرسل، وأبطلوا الرسالة، وزعموا أنَّ الذي
__________
(1) - الجهل: يطلق الجهل عند المتكلمين على معنيين: الأول: هو الجهل البسيط، وهو عدا العلم عما من شأنه أن يكون عالماً، فلا يكون ضد العلم، بل مقابلاً له، تقابل العدم والملكة، ويقرب منه السهو والغفلة والذهول.
الثاني: الجهل المركب: وهو اعتقاد جازم غير مطابق للواقع، وإنما سمي مركباً لأنَّه يعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه. فهذا جهل أول، ويعتقد أنه يعتقده على ما هو عليه، وهذا جهل آخر قد تركبا معاً، وهو ضد العلم. "راجع كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي: 1/278 ـ 279".
والجهل أنواع: باطل لا يصلح عذراً، وهو جهل الكافر بصفات الله تعالى وأحكامه، وكذا جهل الباغي، وجهل من خالف اجتهاده الكتاب والسنة، بخلاف الجهل في موضع الاجتهاد فإنَّه يصلح عذراً.
(2) - برهم: هو المعبود الأول والأكبر عند الهنود، وهو عندهم أصل كل الموجودات، واحد غير متغير، وغير مدرك، أزلي مطلق، سابق كل مخلوق، خلق العالم كله بمجرد ما أراد دفعة واحدة بقوله: "أوم"، أي كن، وعلى ذلك يكون برهم تشخيصاً لكل القوى الباطنة والظاهرة للطبيعة، وكثيراً ما يجعلون اسم برهم اسماً للأقانيم الثلاثة المؤلف منها ثالوث الهنود في: "برهما" و"شنو" و"سيوا"، ويقال لبرهم: "سوايمبواي"، أي القائم بذاته، ويسمى أيضاً "سرفان آلباران"، ومعناه الأزل؛ لأنَّ هذه الكلمة في الكتب الفارسية المعروفة بالزند، معناه الزمان غير المحدود أو الأبدية. والخلاصة انَّه يراد بذلك السرمدي، ويسمى أيضاً "برامند"، أي أبا المخلوقات.
أصحاب الرتبة الأولى من عبدة برهم الهنود الذين ولدوا من برهان بن برهما قيل: إنَّ أصلهم من سلالة رؤساء الهند الفاتحين؛ لأنَّهم كانوا الرتبة الشريفة العلمية في إيران، وكان بعضهم يتكهن فسموا بذلك، من: "بر" الفارسية ومعناها فوق، و"مان" ومعناها رجل حكيم.
والبراهمة: كهنة الهنود وحكماؤهم وعلماؤهم ورؤساء الدين والعلم والأدب، ويشتغلون بالصلاة والتسبيح، والطب والتنجيم، وهم قليلو الكلام، لا يأكلون لحم الحيوان، بل يقتصرون في قوتهم على النبات والثمار ولبن البقر والأرز، ويكثرون الصوم.
والبراهمة: يعتقدون خلود النفس والتناسخ.
وعدد البراهمة في آسيا يقارب المائتي مليون نسمة، يسلم منهم في كل عام خلق كثير.
راجع دائرة المعارف للبستاني: 5/375 ـ377 بتصرف، ودائرة معارف القرن العشرين 2/154ـ 164. (1/297)
صفحة 45
حملهم على ما قالوا: أنَّه لما كان الله تبارك وتعالى خلق عباده محتملين لأمره ونهيه ثبت أنَّه لم يأمرهم ولم ينههم، إلاَّ وقد جعل فيهم آلة يميزون بها ما بين الأمر والنهي، والطاعة، والمعصية، والحسن، والقبيح فأغناهم بذلك عن (1/298)
صفحة 46
كل علم، من علم دينه، وليس في بعث الرسل بزعمهم مع هذا حكمة، فمن هذا الوجه أبطلوا رسالة الرسل، وزعموا أنَّها ليست من الحكمة (1) ومنهم من أثبت رسالة آدم (2) -صلّى الله على محمد وعليه-، وأنكروا رسالة من سواه من الرسل، فيقال لهم: لم أنكرتم بعث الرسل من الله تعالى إلى خلقه؟ فإن قالوا: لأنا وجدنا الخلق مستغنين عن كل علم، وعن كل أمر، لما يجدونه في عقولهم من المعرفة، فيقال لهم: ألستم تجدون تذكار العباد بعضهم لبعض وتنبيه بعضهم بعضاً، وتعليمهم إياهم مما يزيد في علومهم، وفي مخافتهم من الله، ومن مراعاتهم لطاعته، وشكرهم على نعمائه؟ فإن زعموا أنَّ ذلك مما لا يزيد في علوم العباد، ولا في مخافتهم من الله تعالى، أبطلوا ما في عادة الخلق، وأحالوا ما توجبه العقول، فإن قالوا: بل قد يزيد ذلك في علوم العباد وفي طاعتهم الله تبارك وتعالى ومراعاتهم لأمره، قيل لهم: فما أنكرتم مع هذا أن يكون بعث الله عزّ وجل رسله إلى عباده على جهة التذكار لهم، والزيادة في الشرائع والنقصان منها
__________
(1) - الحكمة: هي العدل، والحكم، والعلم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل، ووضع الشيء في موضعه، وصواب الأمر وسداده، وأفعال الله كذلك.
وفي عرف العلماء: هي استعمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة قدر طاقتها، وقال بعضهم: الحكمة هي معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع المشار إليه بقوله تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} (سورة البقرة: 269).
راجع بصائر ذوي التمييز 2/157، والمفردات في غريب القرآن الكريم ص 127.
(2) - رسل: أصل الرِّسْلِ: الانبعاث على التودد، ويقال ناقة رِسلة: سهلة السير، وابِلٌ مراسيل: منبعثة انبعاثاً سهلاً، ومنه الرسول المنبعث، وتصور منه تارة الرفق، فقيل على رِسْلِكَ إذا أمرته بالرفق، وتارة الانبعاث، فاشتق منه الرسول، والرسول تارة يقال للقول المتحمل كقول الشاعر: ألا أبلغ أبا حفص رسولاً، وتارة لمحتمل القول والرسالة، والرسول يقال للواحد والجمع، قال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} (سورة التوبة: 128) وقال: {إنا رسول رب العالمين} (سورة الشعراء: 16).
وجمع الرسول: رُسُلُ، ورسل الله تارة يراد بها الملائكة، قال تعالى: {إنه لقول رسول كريم} (سورة الحاقة:10)، وقوله: {إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} (سورة هود:81)، ومن الأنبياء: {وما محمد إلاَّ رسول} (سورة آل عمران:144). (1/299)
صفحة 47
على أقدر أزمانهم، ومصالح شؤونهم؟ وكيف قضيتم بأنَّ بعث الرسل من الله تعالى إلى عباده ليس من الحكمة رأساً، وتحكمتم في ذلك؟
أَوَلَيْسَ توافر رسل الله تعالى إلى خلقه، وتجديد عهده إلى عباده على ألسنة رسله، وتتابع وعظه، وتذكاره على أسماعهم مما يستدعي إلى (1) طاعته، ويندب إلى عبادته؟ وكيف يدع الأمر المستدعي إلى طاعته، والزاجر عن معصيته إلى غيره من الأمر الذي زعمتم: من ترك بعث الرسل إليهم حتى تحكمتم في ذلك، وقضيتم بأنَّه جور وعبث غير حكمة؟ ومما يدل على قوة ما ذكرنا في إرسال الله تعالى الرسل أنَّ ذلك حكمة وعدل ليس بعبث كما قالوا: لو أنَّ ملكاً أو سلطاناً خرج عليه بعض جنده في مخالفة أمره، فأرسل ذلك الملك إليهم رسولاً ليرجعوا عن مخالفة أمره ويرتدعوا عن معاندته، والخروج من طاعته، أليس هذا الوجه أولى بالحكمة والعدل، والرفق والاستصلاح منه إذا هو باطشهم (2) على غير إعذار منه إليهم، وأخذهم على غرة، من غير إنذار منه لهم؟ ويقال
__________
(1) - في (ب) بدون (إلى).
(2) - البطشة: السطوة والأخذ بالعنف، وقد بطش به من باب ضرب ونصر، وباطشه مباطشة. (1/300)
صفحة 48
لهم: أخبرونا عنكم، ألستم تقولون بحدوث العالم، وإثبات المحدث له، وتقرون بالصانع والصنعة؟ قالوا: بلى، قيل لهم: من أين علمتم ذلك، ومن أي وجه استدللتم عليه؟ فإن قالوا: وجدنا هذه الصنعة محتملة التدبير لما فيها من آثار التقدير، فعلمنا أنَّ ذلك لم يكن إلاَّ من صانع مدبر حكيم، ووجدنا هذه الخلائق غير محتملين لأن يكونوا فاعلين لشيء من هذه الأشياء لظهور عجزهم، وقصر منتهى قدرتهم على أن يفعلوا شيئاً منا يشبه هذه الصنعة، قيل لهم: فهذه الأشياء الظاهرة على أيدي الرسل، والأجسام الحادثة من أجل دعواهم، أهي مما يحتمل الخلق أن يفعله، أو مما لا يحتمله؟ فإن قالوا: مما يحتمل الخلق فعله، قيل لهم: كيف حتى احتملوا فعل شيء من هذه العجائب التي ظهرت على أيدي الرسل، ولم يحتملوا الأمر الأول؟ وكل ذلك ليس هو من جنس أفعال الخلق، ولا من جنس ما يأتون بمثله، ولو كانوا عليه جميعاً متظاهرين، فإن قالوا: إنَّ ظهور هذه الأشياء التي أدعيتم أنَّها ظهرت على أيدي الرسل لم يثبت عندنا تحقيقها، وإنما هي بأخبار، والأخبار عندنا لا تثبت حجة، قيل لهم: فهل تحقق عندكم قط، أو وقع في قلوبكم شيء من العالم بأنَّ في هذا العالم وفي هذه الأرض من أول الزمان (1) إلى يومنا هذا أناساً يقولون: إنَّ الله بعثهم إلى خلقه، ويدعون أنَّهم رسل الله إلى عباده؟ فإن قالوا: لم يبلغنا خبر قط كذبوا
__________
(1) - الزمان: هو عبارة عن امتدادٍ موهوم غير قار الذات، متصل الأجزاء، يعني أي جزء يفرض في ذلك الامتداد لا يكون نهاية لطرف أو بداية لطرف آخر.
والزمان عند أرسطو ومتابعيه من المشائين: هو مقدار حركة الفلك الأعظم الملقب بالفلك الأطلسي لخلوه من النقوش، كالثوب الأطلسي إن صح، والآن الذي هو حد الزمانين: الماضي والمستقبل نهاية الزمان، ونهاية الشيء خارجة عنه.
والزمان: من أقسام الأعراض، وليس من المشخص، فإنَّه غير قارٍ، والحال فيه قَار.
راجع الكليات 2/405 ـ 406 بتصرف، والمعجم الفلسفي 2/210 بتصرف. (1/301)
صفحة 49
أسماعهم، وأنكروا شيئاً موجوداً في أسماع أهل الدنيا، وعلماً محققاً في قلوبهم، فإن قالوا: علمنا ذلك مما تواتر (1) لدينا من أخبارهم، قيل لهم: فأنى سمعتم بأخبارهم وبلغتكم مقالاتهم، ولم تسمعوا بخبر ما ظهر من تلك الدلائل على أيديهم؟ ولم يبلغكم شيء من جميع ما كان من ذلك، وهذا كله قد وصل إلى الناس وإليكم وصولاً واحداً، وجاءكم الخبر بجميعه مجيئاً متصلاً، وقد استفاض في أخبار الناس، واشتهر في أحاديثهم، ورسخ في قلوبهم أحاديث القرون الأولى، والأمم الخالية، وما كان من رسلهم إليهم كعاد وثمود، وفرعون ذي الأوتاد، والنمرود وأشياعهم، وما جاء من إهلاكهم وتدميرهم على أيدي رسلهم، نطق بذلك الخطباء والشعراء في الجاهلية وفي الإسلام، وفي قديم الدهر وحديثه، ولو تتبعنا ذلك لكان هو الكتاب وحده، وقد بعث الله موسى _صلَّى الله على محمد_، وعلى موسى، وعلى جميع المرسلين، والغالب على الناس إذ ذاك أمر السحر (2) ، وقد فشا فيهم حتى اتخذوه صناعة، يوجد عند كبيرهم وعند صغيرهم، فأظهر الله على يدي موسى عليه السلام من العلامات
__________
(1) - التواتر: هو إما لفظي أو معنوي: فالتواتر اللفظي: هو خبر جمع يمتنع عادة توافقهم عن الكذب عن محسوس، والمعنوي: هو نقل رواة الخبر قضايا متعددة بينها قدر مشترك، كنقل بعضهم عن حاتم مثلاً أنَّه أعطى ديناراً، وآخر قوساً، وآخر حجلاً، وهكذا.
والتواتر من حيث الرواية: هو أن يرويه جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب فيكفر جاحده.
راجع الكليات والتعريفات 63.
(2) - سحر: السَّحَرُ: طرف الحلقوم والرئة، وقيل انتفخ سَحَرُه، وقيل منه اشتق السِّحْرُ، وهو أصابه السَّحَر، والسِّحر يقال على معان: الأول: الخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المستعبد بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يده، وما يفعله النمام بقول مزخرف عائق للأسماع، وعلى ذلك قول الله تعالى: {سحروا أعين الناس واسترهبوهم} (سورة الأعراف:116)، وبهذا النظر سموا موسى عليه السلام ساحراً، قال تعالى: {يا أيها الساحر أدع لنا ربك} (سورة الزخرف:49) رواية عن كلامهم.
والثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه، كقوله تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم} (سورة الشعراء:222)، وهناك أنواع أخرى لا داعي لذكرها، وبالله التوفيق. (1/302)
صفحة 50
والشواهد والمعجزات، ما دوخ به أمر جميع السحرة، وأعجزهم عن الإتيان بمثله، وأعلمهم أنَّه ليس من جنس ما يأتون به من السحر بوجه ولا سبب، من انقلاب العصا حية تسعى، وثعباناً مبيناً حتى استرطت (1) جميع حبالهم، وابتلعت جميع عصيهم، فذهبت ولم يوجد لها أثر، مع ما جاء به من اليد، إذا هو أخرج يده صارت بيضاء صافية من غير برص ولا سوء، وما كان من رجوع مياههم دماً، وما سلط عليهم من الجراد والقمل والضفادع، وفلق البحر حتى صار براً يابساً، ونقعاً ساطعاً، فشقه موسى ومن معه، فخرجوا منه سالمين، فأتبعهم فرعون بجنوده على أثرهم فظلوا فيه غارقين، في سائر تلك الآيات المشهورة على يدي موسى عليه السلام، فتبين للسحرة عند ذلك أنَّ الذي جاء به موسى ليس من فعله، ولا من فعل أحد من البشر، لمعرفتهم بنهاية السحر ومبلغه، فاتضحت لهم الحجة، فآمنوا بموسى وبما جاء به، وكفروا بفرعون وما يدعو إليه، فإيمان السحرة حجة على فرعون ومن معه، وقطع لمعاذيرهم، ومعاذير جميع المبطلين المكذبين بالرسالة (2) ، وبعث الله عيسى عليه السلام، والغالب على أهل زمانه الطب والتداوي، وبه يفتخرون وفيه يتنافسون، فآتاهم عيسى عليه السلام من عند الله بإحياء موتاهم، ويبرئ لهم الأكمة والأبرص،
__________
(1) - سرط الشيء بلعه، وبابه فهم، واسترطه ابتلعه، وفي المثل: لا تكن حُلْواً فتسترط، ولا مراً فتعفى، أي ترمى من الفم للمرارة.
(2) - قال تعالى على لسان السحرة: {قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} (سورة الأعراف:121). (1/303)
صفحة 51
ويخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طائراً بإذن الله، فأول ذلك: أنَّه لما أبرأ لهم الأكمة (1) والأبرص (2) حاروا وشكوا، وقالوا: هذا شبيه ما يأتي به أهل صناعة الطب، فلما أن أحيا لهم الموتى زادت الدلالة وتأكدت الحجة، حتى خلق لهم شيئاً لم يكونوا يرونه بين أيديهم، ونفخ فيه فأحياه لهم، فجاءهم بأعظم من الثانية والأولى، وبعث الله محمداً _صلَّى الله عليه وسلَّم_، والغالب على العرب حينئذ الفصاحة والبلاغة في الخطب والشعر، فتنافسوا في ذلك وتسابقوا إليه، إلى أن صار كل من أنشأ منهم قصيدة أو أشدى خطبة يفتخر بها، حتى إنَّ منهم من علق شعره على الكعبة، ومنه سميت المعلقات (3) المشهورات؛ لأنَّ أصحابها أو غيرهم من العرب علقوها عند الكعبة، أو في سوق عكاظ على اختلاف الروايات في ذلك، فأتاهم رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ بهذا القرآن العظيم، والذكر الحكيم، وما فيه من اتساق الكلم، وعجائب النظم،
__________
(1) - المعروف عند العرب من معنى "الكمه" العمى. يقال: منه كمهت عينه فهي تكمه، وأكمهتها أنا إذا أعميتها، كما قال سويد بن أبي كاهل:
كمهَّت عينيه حتى أبيضتا فهو يلحي نفسه لمَّا نَزَعْ
ومنه قول رؤبة:
هرَّجتُ فارتد ارتداد الأكمة في غائلات الحائر المُتَهتهِ
(2) - البرص: داء معروف، وبابه ضرب، فهو أبرص، وأبرصه الله. وسَامُّ أبرص من كبار الوزغ، وهو معرفة، تعريف جنس، وهما اسمان جعلا واحداً، فإن شئت أعربت الأول وأضفته إلى الثاني، وإن شئت بنيت الأول على الفتح، وأعربت الثاني بإعراب ما لا ينصرف.
(3) - عُرفت حيناً بالمعلقات السبع، وحيناً آخر بالمذهبَّات، وسميت كذلك بالسمُّوط، والمشهورات، والمشهورة كما سماها الباقلاني في إعجاز القرآن. والشهرة المستفيضة لهذه المعلقات أنَّها علقت على ركن من أركان الكعبة. يقول ابن خلدون (808) في مقدمته: حتى انتهوا إلى المناغاة في تعليق أشعارهم بأركان البيت الحرام موضع حجهم وبيت إبراهيم، كما فعل امرؤ القيس بن حجر، والنابغة الذبياني، وزهير بن أبي سلمى، وعنترة بن شداد، وطرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، والأعشى من أصحاب المعلقات السبع وغيرهم. راجع المقدمة ص 532، والخزانة للبغدادي 1/61 بولاق. (1/304)
صفحة 52
مع ما تضمن من أخبار القرون الأولى، وأحاديث الأمم الخالية، والرسول _صلَّى الله عليه وسلَّم_، قد نشأ بين أظهرهم، وربي في حجورهم، غير معروف بشيء من مثل ما أتاهم، ولا منسوب إليه شيء من علم ما جاء به، فتحداهم الله تعالى على أن يأتوا بمثله، فقال عزّ وجل: {أمّ يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} (1) ، وقال: {لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (2) ، فلما أن عجزوا عن الإتيان بمثله تحداهم على أن يأتوا ببعضه، فقال عزّ وجل: {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} (3) ، فلما أن عجزوا عن الإتيان بعشر سور مثله تحداهم على أن يأتوا بسورة واحدة من مثل سوره، فقال: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} (4) الآية، وقال: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله} (5) الآية، فلما
__________
(1) - سورة الطور، آية رقم 34.
(2) - سورة الإسراء، آية رقم 88.
(3) - سورة هود، آية رقم 13، وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة؛ حيث ذكرت "ما" بدلاً من "من".
(4) - سورة البقرة، آية رقم (3).
(5) - سورة يونس، آية رقم 38، وهذا هو المقام الثالث في التحدي، فإنَّه تعالى تحداهم ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنَّه من عند محمد، فليعارضوه بنظير ما جاء به وحده، وليستعينوا بمن شاءوا، وأخبرهم أنهم لا يقدرون على ذلك، ولا سبيل لهم إليه فقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} ( سورة الإسراء، آية رقم 88). (1/305)
صفحة 53
أن ظهر عجزهم على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور (1) مثله، أو بسورة واحدة من مثله (2) أثبت عليهم الحجة وقطع معاذيرهم، فقال لرسوله وللمؤمنين: {فإن لم تستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} (3) لا بعلم البشر، ففي عجز أولئك القوم، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، مع ما هم فيه من شدة الحرص، والاجتهاد في التكذيب للنبي عليه السلام، والرد على الإتيان بمثل ما أتى به _صلَّى الله عليه وسلَّم_ أعظم الحجة، وأثبت الدلالة، وأقطع لمعاذيرهم ومعاذير غيرهم من الناس، ممن هو في زمانهم، ومن بعدهم إلى يوم القيامة، مع ما في القرآن من أخبار الغيوب (4) ، وما أخبر عنه _صلَّى الله عليه وسلَّم_ من الغيوب في غير القرآن (5) ، مما لا يعلم علمه إلاَّ الله الذي أعلمه إياه في آيات كثيرة، وأعلام بينة، وعجائب عظيمة، ظهرت على يديه عليه السلام، سوف نخبر بها إذا صرنا إلى موضع الذكر لها، إن شاء الله، والله ولي التوفيق.
__________
(1) - قال تعالى: {قل فأتوا بعشر سور مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} (سورة هود:13).
(2) - قال تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} (سورة البقرة:23).
(3) - سورة هود، آية رقم 14، وتكملة الآية { وأن لا إله إلاَّ هو فهل أنتم مسلمون}.
(4) - الغيب: مصدر غائب الشمس وغيرها، إذا استترت عن العين، يقال: غاب عن كذا، قال تعالى: {أم كان من الغائبين}، واستعمل في كل غائب عن الحاسة، وهما يغيب عن علم الإنسان بمعنى الغائب، قال تعالى: {وما من غائبة في السماء والأرض إلاَّ في كتاب مبين}، ويقال للشيء غيب وغائب باعتباره بالناس لا بالله تعالى، فإنَّه لا يغيب عنه شيء، كما لا يعذب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. وقوله تعالى: {عالم الغيب والشهادة} (سورة الزمر: 46)، أي ما يغيب عنكم وما تشهدونه. والغيب في قوله تعالى: {يؤمنون بالغيب} (البقرة: 2) ما لا يقع تحت الحواس ولا تقضيه بداية العقول، وإنما يعلم بخبر الأنبياء عليهم السلام، وبدفعه يقع على الإنسان اسم الألحاد.
(5) - وذلك مثل الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه، ومسلم، والترمذي، وأحمد بن حنبل في مسنده: "ويح " عمار تقتله الفئة الباغية". (1/306)
صفحة 54
القول على المجوس (1) :
وأمّا المجوس فإنهم زعموا أن لهذا العالم مدبراً محدثاً، وسموه هرمزاً، وزعموا أنه هو المدبر لجميع الخير، والخالق لكل الحسن، وأن الشيطان (2) هو الخالق لجميع
__________
(1) - المجوس: هم أصحاب الاثنين، ويقال لهم: (الدين الأكبر)، والملة العظمى، وكانت ملوك العجم كلّها على ملّة إبراهيم، وجميع مَن كان في زمن واحد منهم من الرعايا، وكان للملوك مرجع هو (موبذ موبذان) أعلم العلماء وأقدم الحكماء _في رأيهم_ يصدرون عن أمره، ولا يرجعون إلاَّ إلى رأيه، ويعظمونه تعظيم السلاطين. (راجع دائرة القرن العشرين، 8: 446).
ومسائل (المجوس) كلها تدور على قاعدتين:
أ ـ إحداهما بيان سبب امتزاج النور بالظلمة.
ب ـ الثانية بيان سبب خلاص النور من الظلمة.
وجعلوا الامتزاج مبدأ الخلاص والميعاد، وهناك من المجوس من زعم أن الأصليين لا يجوز أن يكونا قديميين أزليين، بل النور أزلي، والظلمة محدثة، ثم لهم اختلاف في سبب حدوثها... أمن النور حدثت، والنور لا يحدث شراً جزئياً، فكيف يحدث أصل الشر؟ (راجع الملل والنحل، 2/71).
وبيوت النيران عند المجوس، وأول بيت للنار بناه (أفريدون) في (طوس)، وآخر بمدينة (بخارى)، ويسمى (تروسون)، واتخذ بهما بيتاً في (سجستان) يدعى (كركرة)، ويعظم المجوس النار لمعان منها:
1_ إنها جوهر شرف علوي.
2_ وأنها لم تحرق (إبراهيم) وكانت عليه برداً وسلاماً.
3_ وأن تعظيمها ينجيهم من عذابها يوم الميعاد.
وعلى كل فهي قبلة لهم ووسيلة، وإشارة إلى أهل الأهواء والنحل. راجع الملل والنحل، 2/92، ودائرة معارف القرن العشرين، 8/458.
(2) - الشيطان: هو من شطن: أي تباعد، ومنه بئر شطون، وشطنت الدار، فالنون فيه أصلية، وقيل زائدة من شاط يشيط احترق غضباً، فالشيطان مخلوق من النار كما دل عليه قوله تعالى: {وخلق الجان من مارج من نار}، ولكونه من ذلك اختص بفرط القوة الغضبية، والحمية الذميمة، وامتنع من السجود لآدم.
قال أبو عبيدة: الشيطان اسم لكل عارم من الجن والإنس والحيوانات، قال تعالى: {شياطين الإنس والجن} (سورة الأنعام: 112)، وقال أيضاً: {إن الشياطين ليوحون} (سورة الأنعام: 121)، وقال: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} (سورة البقرة: 13)، أي أصحابهم من الجن والإنس، والله أعلم. راجع مفردات غريب القرآن. (1/307)
صفحة 55
الشرور ولكل فعل قبيح، وقالوا: إن هرمزاً قديم، وإن الشيطان محدث، وإنه إنما أحدث من فكرة فكرها هرمز في نفسه فقال: إني تخوفت أن يدخل عليّ في ملكي مَن ينازعني فيه ويضادني، فحدث الشيطان عن تلك الفكرة، وأن هرمزاً صالح الشيطان فتركه إلى أن يفنيه بعد ذلك، ويزيله كما أحدثه، وزعموا أن جميع الأشياء الحسنة من: العدل والحكمة والعلم، وجميع مصالح الخلق، وجميع الأشياء النافعة كلها من فعل هرمز، وأن الأشياء القبيحة كلها من: الباطل والكذب والعدوان والفحش، والمضار من جميع الأمور، والهوام المؤذية، والسباع والعقارب، والحيات، وما يشبه ذلك من فعل الشيطان، وهو الخالق لجميعها، وبانوا (1) بهذا الفصل من سائر المثبتين لحدوث الأشياء، المقرين
__________
(1) - المباينة: المفارقة، وتباين القوم تهاجروا، وغراب البين هو الأبقع، وقال أبو الغوث: هو الأحمر المنقار والرجلين، فأمّا الأسود فهو الحاتم. (1/308)
صفحة 56
بالصانع، فيقال لهم: أخبرونا عن هرمز، أليس هو خبيراً عليماً حكيماً، فلذلك نفيتم عنه فعل الشرور، وخلق جميع القبائح؟ فإن قالوا: بلى، قيل لهم: فالشيطان الذي هو رأس الخطيئة، الفاعل لجميع الشرور، الخالق لكل قبيح وخبيث، أخير حسن هو أم قبيح شرير؟ فإن قالوا: حسن خير، قيل لهم: فكيف وهو الخالق لجميع هذه الشرور؟ فإن قالوا: لا يكون بخلقه هذه الشرور، وهذه القبائح شريراً ولا قبيحاً، قيل لهم: فما أنكرتم عن هرمز أن يكون هو الخالق لهذه الشرور والفاعل لها، وليس هو مع ذلك شريراً ولا قبيحاً، إذ لا يكون الشيطان بفعله القبائح قبيح، وبخلقه الشر شرير، قيل لهم: فهرمز حين خلق الشرير وفاعل القبيح الذي هو الشيطان، أحسن هو أم قبيح شرير؟ فإن قالوا: إن هرمزاً خير لا يكون شريراً، قيل لهم: وكيف وهو الذي خلق رأس الشر الذي منه جميع الشرور؟ (1) فإذا كان الشيطان شريراً بفعله الشر
__________
(1) - هذه الحجج التي ساقها المؤلف: هي _الحق يقال_ من أنفس الأقوال والأدلة التي تفحم الخصوم وتجعلهم يتخبطون في ضلالهم، وليس لديهم حجة تقال، ولا دليل ينصف باطلهم. (1/309)
صفحة 57
فهرمز أولى بالشر منه؛ إذ خلق رأس جميع الشرور، وسبب جميع القبائح، فإن قالوا: إن هرمزاً شرير قبيح بخلقه الشيطان انهدمت جميع أصولهم، وانهدم جميع بنيانهم الفاسد، ويقال لهم: ما يؤمنكم أن هرمزاً إذا كان إنما أحدث الشيطان من فكرته، لعله تفكر فكرة مثلها، وألف فكرة؟ ولعلّ هذه القبائح كلّها من فكرة حدثت، فضلاً عن أن تكون حدثت من الشيطان، وما يدريكم على هذا المعنى بأن هذه الشرور والقبائح من الشيطان دون هرمز، فإن اعتلوا بالأخبار، وادعوا علم ما قالوا من ذلك أنهم علموه من قبل الأخبار، قيل لهم: فلعلّ المخبر لكم بذلك كاذب، ولعل ذلك الخبر إنما جاءكم من قبل الشيطان الذي لا يأتي من قبله إلاَّ كل كذب وقبيح، ويقال لهم في قولهم: إنه سوف يفنيه فيما يأتي من الدهر، (1) أخبرونا عن اليوم، هل كان يقدر على أن يفنيه؟ فإن قالوا لا، قيل لهم: فكيف يقدر بعد اليوم على ما لا يقدر عليه اليوم؟ وأنى له القدرة بعد هذا على شيء، أليست له قدرة عليه اليوم؟ فإن قالوا: بأنه قادر على أن يفنيه اليوم، وبعد اليوم، قيل لهم: أفتركه يفعل الشرور، ويحدث القبائح، ويفسد في الأرض ولا يصلح ألوفاً من السنين، وهو قادر على أن يفنيه،
__________
(1) - الدهر في الأصل اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، وعلى ذلك قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} (سورة الدهر آية رقم 1). ثمّ يعبر به عن كل مدة كثيرة، وهو خلاف الزمان، فإن الزمان يقع على المدة القليلة والكثيرة. والدهر عند المتكلمين: لا وجود له في الخارج؛ لأنه عندهم مقارنة عن حادث لحادث، والمقارنة أصل اعتباري عدمي، ولذا ينبغي في التحقيق أن لا يكون عند من حده من الحكماء بمقدار حركة الفلك، وأما عند من عرفه منهم بأنه حركة الفلك فإنه وإن كان وجودياً إلاّ أن لا يصلح للتأثير.
وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" (البخاري في الأدب 101، ومسلم في الألفاظ 4، وصاحب الموطأ في الكلام 3). قد قيل معناه: إن الله فاعل ما يضاف إلى الدهر من الخير والشر والمسرة والمساءة، فإذا سببتم الذي تعتقدون أنه فاعل ذلك فقد سببتموه تعالى الله عن ذلك. (1/310)
صفحة 58
فأي شر تضيفون إلى هرمز، وأي قبيح تنسبون إليه أعظم من هذا وأشنع منه؟ ويسألون عن الذي يسأل عنه أهل الدهر وغيرهم من أصحاب الاثنينن فيقال لهم: أخبرونا عن الشيطان، أبطبع يفعل الشر أم باختيار؟ فإن قالوا: باختيار، قيل لهم: فهو إذن يترك فعل الشر، ويفعل الخير؛ إذ كان فعل الشر منه اختياراً لا طبعاً، فكيف حتى قلتم: إنه لا يكون من فعله إلاَّ القبح والشر دون الحسن والجميل؟ فإن قالوا: فعل الشر منه طبع غير اختيار قيل لهم: وكيف كان طبعاً وهو قد كان ولا يفعل ثم فعل بعد ذلك، والطبع لا يفارق الشيء ولا يزايله، مع أن هذه الأفعال التي أضافوها إليه مختلفة الأجناس، متضادة المعاني، وليست هي من جنس ما يطبع الشيء عليه، وكل ما يدخل على من قال بالاثنين من جميع ما رسمناه في كلامنا فهو داخل على هؤلاء القوم حرفاً حرفاً، وأمّا تكذيب المجوس (1) بالمرسلين فذلك أمر يشملهم مع غيرهم، مع جميع أهل التكذيب، والرد على جميعهم واحد، والله وليّ التوفيق.
أهل الكتاب:
وأمّا أهل الكتاب فإنَّهم مع اختلاف مللهم، وتفاوت أقاويلهم مجمعون على تكذيب نبيّنا (2) محمد _صلَّى الله عليه وسلَّم_، فرأيت أن أبدأ من ذلك بالأمر
__________
(1) - يرى ابن حزم أن المجوس يقرون ببعض الأنبياء دون بعض. راجع الفصل 1/177 بتحقيقنا.
(2) - نبي: النبي بغير همز، فقد قال النحويون: أصله الهمز فترك همزه، واستدلوا بقولهم: مسيلمة نبي سوء.
وقال بعض العلماء: هو من النبوّة أي الرفعة، وسمي نبيّاً لرفعة محله عن سائر الناس، المدلول عليه بقوله تعالى: {ورفعناه مكاناً علياً} (سورة مريم: 57)، فالنبي بغير الهمز أبلغ من النبيء بالهمز؛ لأنه ليس كل منبئ رفيع القدر والمحل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لمن قال: يا نبي الله. فقال: "لست بنبيء الله، ولكن نبيّ الله"، لما رأى أن الرجل خاطبه بالهمز لبغض منه، والنبوة والنباوة: الارتفاع. (1/311)
صفحة 59
الذي هو شامل لجميعهم من الرد عليهم، في إنكارهم لنبوة نبيّنا محمد _صلَّى الله عليه وسلَّم_، والنقض عليهم باطلهم، وأن أذكر من حجج الله التي شدّ بها على أعضاد (1) الناصرين لدينه، مما أظهره الله تبارك وتعالى في القرآن وفي غير القرآن، ونشره أولوا العلم من قبلنا، من أعلامه وشواهده _صلَّى الله عليه وسلَّم_، بالذي يحضرني من ذلك، ثم نثني بعد ذلك بذكر ما يختلف فيه القوم، إن شاء الله تعالى، والله وليّ التوفيق.
الدلالة على آيات نبينّا محمد _صلَّى الله عليه وسلَّم_ ومعجزاته:
وقد كنّا نبهنا في باب إثبات الرسالة للرسل _صلَّى الله عليهم وسلَّم_، والنقض على البراهمة على إثبات آيات الأنبياء ومعجزاتهم، (2) من الذي أعطى موسى عليه السلام من العصا واليد وفلق البحر في سائر ذلك، والذي أوتي عيسى عليه السلام، من أنه يبرئ الأكمة والأبرص، ويحيي الموتى، وغيره بإذن الله، وما أوتي محمد _صلَّى الله عليه وسلَّم_ من آيات القرآن، ومعجزه الذي لا يقدر أحد من البشر أن يأتي بمثله ولو كانوا عليه متظاهرين، ولو تأمل متأمل
__________
(1) - أعضاد: جمع عضد، والعضد: الساعد؛ وهو من المرفق إلى الكتف. وفيه أربع لغات: (عضد) بضم الضاد وكسرها وسكونها، وعضد بوزن فُعْل، وعضده من باب نصره وأعانه، واعتضد به استعان.
(2) - المعجزة: أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد مدعي النبوة والرسالة، كانشقاق القمر، وانقلاب العصا حيّة، وإحياء الموتى، ونبع الماء من بين الأصابع، وغير ذلك كثير، والله أعلم. راجع مقدمة ابن خلدون، والمقاصد: سعد الدين التفتازاني، والمواقف، لعضد الدين الإيجي، ومشارق أنوار العقول للسالمي. (1/312)
صفحة 60
ما أوتي النبيّ محمد _صلَّى الله عليه وسلَّم_ من جهة التفهم من آيات القرآن، وفكر في ذلك بحقيقة التفكر لهلم أنه أعظم من جميع ما أوتي غيره من الأنبياء، إذ لا يعترض معترض في القرآن بالإنكار له والجحد، ولا بالشك في أنه نزل على محمد _صلَّى الله عليه وسلَّم_؛ لقيام القرآن بين ظهراني هذا العالم إلى يوم الدين، ولا يعترض فيه معترض بأنه يدعي أنه لو شاهد القرآن لأمكنه، أو أمكن غيره من الناس أن يأتي بمثله، بل هو قائم بين أعينهم، متلو على آذانهم ليلاً ونهاراً، باق فيهم ما بقيت السماء والأرض، ولم يخل كل عالم في كل زمان من شاعر فصيح، أو خطيب بليغ، وفيهم مَن لا يحتشم في كثير من المجالس من الإفصاح بالإلحاد، والطعن على النبيّ عليه السلام، والقدح في القرآن (1) ، فهل تهيأّ لأحد منهم قط أن يعارض سورة من سور القرآن بشيء يكون عند أهل اللغة والفصاحة مقارباً للقرآن في النظم والتأليف، وحسن المعاني، وعذوبة الألفاظ، فضلاً عن المساواة له؟ مع ما تضمنه القرآن من علم الغيوب التي لا يعلم علمها، ولا يقدر على أن يطلع عليها أحد غير الله؛ وذلك أنه أخبر في القرآن عن أمور قبل كونها،
__________
(1) - لقد سمعت الجن كلام الله فقالوا: {إنا سمعنا قرآناً عجباً}(سورة الجن: 1). هذا ما قاله الجن عندما سمعوا كلام الله، فماذا قال شياطين الإنس على كلام الله دون أن يسمعوه...؟
قالت دائرة المعارف السوفيتية: القرآن الكتاب المقدس الأساسي للمسلمين مجموعة من المواد الدينية المذهبية والأسطورة القانونية، وقد وضع القرآن وشرع خلال حكم ثالث الخلفاء العرب عثمان، ثمَّ أدخلت عليه فيما بعد أشياء حتى بداية القرن الثامن _وفق ما بلغنا من المعلومات_ بعض التغييرات، ووفقاً للتراث الإسلامي للتاريخ الديني يعتبر محمد هو مشرع القرآن، كما يعتبر مؤسس الإسلام إلى آخر هذا الخلط العجيب، وصدق الله العظيم في قوله تعالى: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلاَّ كذبا} (سورة الكهف: 5). راجع ما كتبناه رداً على هذا الهوس من دائرة المعارف السوفيتية 12/64 في كتابنا "المذاهب المعاصرة وموقف الإسلام منها 152 ـ 154". (1/313)
صفحة 61
فكانت على ما أتت به الأخبار، من ذلك قوله تعالى: {ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} (1) ، وكانت فارس غلبت الروم على أرض الجزيرة، وهي أدنى أرض الروم من سلطان فارس، فسر بذلك مشركو قريش، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على أهل فارس؛ لأن الروم أهل كتاب، وفارس مجوس، فساءهم أن غلبوهم على شيء من بلادهم، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وهم من بعد غلبهم سيغلبون}، أي الروم بعد أن غلبوا سيغلبون أهل فارس في بضع سنين، والبضع عند أهل اللغة: ما فوق الثلاثة ودون العشرة، فغلبت الروم أهل فارس، وأخرجوهم من ديارهم يوم الحديبية (2) ، وذلك بعد سبع سنين، ثم قال الله عزّ وجلّ: {لله الأمر من قبل ومن بعد} (3) ، أي له القضاء بالغلبة لَمن يشاء من قبل ومن بعد، {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله} (4) ، أهل الكتاب على المجوس، وبتصديق الله عزّ وجلّ ما وعد من ذلك، ومن أعجب ما في الآية: تحديد الله عزّ وجلّ للوقت في بضع سنين، ولم يقل: {وهم من غلبهم سيغلبون} فيما بعد، ثم قال مؤكداً لما وعد محققاً: {وعد الله لا يخلف وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (5) ، والقصة في هذا مشهورة بين أبي بكر الصديق _رضي الله عنه_ وبين أُبيّ بي خلف _لعنه الله_ (6) .
خبر آخر:
قوله عزّ وجلّ: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه
__________
(1) - سورة الروم، آية رقم 1ـ 4.
(2) - راجع ما كتبه ابن هشام في سيرته ج2، وما كتبه ابن كثير في كتابه القيم البداية والنهاية.
(3) - سورة الروم، آية رقم 4.
(4) - سورة الروم، آية رقم 5.
(5) - سورة الروم، آية رقم 6.
(6) - هو أبي بن خلف بن وهب بن حذافة، كان والده أحد الرجال الصناديد الذين عرفوا حلو الحياة ومرها، والذي عاش حياته في جهد ونصب، وجاب أقطار الأرض بتجارته، وأخوه أمية بن خلف الذي وقف في وجه الرسول الكريم يصده عن تبليغ دعوته. راجع رجال أنزل الله فيهم قرآناً للمحقق 4/314 وما بعدها. (1/314)
صفحة 62
الحق} (1) الآية، في الآفاق: فتح القرى، وفي أنفسهم: فتح مكة (2) ، فتبيّن لهم عند ذلك أن الذي جاءهم به النبيّ هو الحق.
خبر آخر:
قوله للنبيّ عليه السلام: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} (3) ، ومعاد الرجل بلده، سمي معاداً لأنه ينصرف في البلاد ويضرب في الأرض، ثم يعود إليه، وهذه الآية نزلت على رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ حين خرج من مكة يريد المدينة، وكان خرج منها محزوناً لمفارقته وطنه، فبشره الله بالظهور والغلبة، وأعلمه أنه سيعود إلى مكة.
خبر آخر:
قوله عزّ وجلّ: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} (4) ، وهذا أمر بَيِّنٌ، وأهله غالبون على كل أمة.
خبر آخر:
قوله عزّ وجلّ في سورة اقتربت الساعة وهي مكيّة: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} (5) يعني المشركين يوم بدر، فهزمهم الله عزّ وجلّ يومئذ بأعد ما كانوا من
__________
(1) - سورة فصلت، آية رقم 53.
(2) - راجع ما كتبه ابن كثير في تفسيره 4/103، 105، وما سطّرته براعة الكاتب الكبير سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن" 5/313 ـ 3131.
(3) - سورة القصص، آية رقم 85.
(4) - سورة التوبة، آية رقم 33.
(5) - سورة القمر، آية رقم 45. (1/315)
صفحة 63
السلاح والمال والرجال الأباطل، وكان عددهم ما بين تسعمائة إلى الألف، وعدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، يعتقب العدد منهم البعير الواحد، ولا فرس معهم يومئذ إلاَّ فرس للمقداد (1) ، وفرس للزبير (2) ، وأمكن الله من صناديدهم وكماتهم، فقتل منهم خمسون رجلاً، وأسر منهم نحو ذلك، ورجعوا خائبين منكوبين، وكان أراهم مصارع القوم قبل اللقاء (3) ، وقال: كأنكم يا أعداء الله بهذه الضلع الحمراء مقتلون، ثمّ رماهم بقبضة من
__________
(1) - المقداد بن عمرو، ويعرف بابن الأسود الكندي البهراني الحضرمي أبو معبد، أو أبو عمرو، صحابي من الأبطال، وهو أحد السبعة الذين كانوا أول مَن أظهر الإسلام، وهو أول مَن قاتل على فرس في سبيل الله، وفي الحديث: "إنّ الله عزّ وجلّ أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: علي، والمقداد، وأبو ذر، وسلمان"، وكان في الجاهلية من سكان حضرموت، سكن المدينة وتوفي على مقربة منها عام 33هـ، له 48 حديثاً.
راجع الإصابة ت 8185، وتهذيب 10/285، وصفة الصفوة 1/167، وحلية الأولياء 1/172، وذيل المذيل 10، والسالمي 1/160، ومجمع الزوائد 9/306، والجرح والتعديل 4، القسم 1 ـ 426.
(2) - الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي أبو عبد الله، الصحابي الشجاع، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ولد عام 38ق.هـ، وتوفي عام 36هـ. راجع تهذيب ابن عساكر 5/355، والجمع 150، وصفة الصفوة 1/132، وحلية الأولياء 1/89، وذيل المذيل 11، وتاريخ الخميس 1/172، والبدء والتاريخ 5/83، والرياض النضرة 262 ـ 280، وخزانة البغدادي 2/468، ثمَّ 4/350.
(3) - من ذلك أن عاتكة بنت عبد المطلب رأت رؤيا أرعبتها، وخلاصتها: أن قريشاً تخرج لمصارعها في ثلاث، ورأت رجلاً يقف على جبل أبي قبيس ويقذف بحجر ضخم، فتناثرت أجزاؤه، فلم يبق بيت من بيوت مكة إلاَّ أصابته فلقة من هذا الحجر، فترصد للعباس بن عبد المطلب حتى وجده يطوف بالبيت ثم قال له: "متى حدثت فيكم هذه النبية...."؟ ثمّ قال: أما رضيتم أن يتنبأّ رجالكم حتى تتنبّأ نساؤكم...؟ راجع هذه الرؤية في سيرة ابن هشام، تحقيق محيي الدين عبد الحميد 2/244 ـ 245. (1/316)
صفحة 64
الحصى، وقال: شاهت الوجوه (1) ، ولم يكن بعدها إلاَّ هزيمة القوم، لقول الله عزّ وجلّ: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} (2) أي شدّ رميتك، فصدق الله ما وعده من النصر، وصدق ما قدم في الكتب المتقدمة من ذكر هذه الوقعة على لسان إِشعياء (3) ، وهو قوله: ينزل البلاء بمشركي العرب، ويهزمون بين يدي سيوف مسلولة، وقسي موترة، ومن شدّة الملحمة (4) ، ولا يستطيع أحد أن يحتال في قوله: {سيهزم الجمع} (5) ويتأوّله للسين التي هي في معنى سوف، وهذه السين سوف لا يكونان أبداً إلاَّ لأمر لم يقع، ومما يزيد في وضوح هذه الآية قوله في سورة أخرى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} (6) أي تقتلونهم.
خبر آخر:
إن النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ وعد المسلمين أن يغنمهم إحدى الطائفتين، وكانت إحداهما ذات بز وطيب وأدم وأموال، ولا رجال فيها إلاَّ عدة يسيرة، والطائفة الأخرى ذات شوكة ورجال، وعدة، فمال المسلمون بأهوائهم إلى ذات
__________
(1) - هذا جزء من حديث طويل رواه الإمام مسلم في كتاب الجهاد والسير، 28 باب في غزوة حنين، 81 (1777) _حدّثنا عمر بن يونس الحنفي، حدّثنا عكرمة بن عمار، حدّثني إياس بن مسلمة، حدّثني أبي قال: غزونا مع رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ حنيناً، فلمّا واجهنا العدو تقدّمت فأعلو ثنيه، فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم، فتوارى عني، فما دريت ما صنع...، ومررت على رسول الله منهزماً وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_: لقد رأى ابن الأكوع فزعاً، فلمّا غشوا رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل بها وجوههم فقال وذكره.
ورواه الدارمي في السيرة 15، وأحمد بن حنبل في المسند 1/308، 368، 5/286، 310 (حلبي).
(2) - سورة الأنفال، آية رقم 17.
(3) - إشعيا: أشهر أنبياء العبرانيين الكبار، واسمه بالعبرانية "يشيعا"، ومعناه: خلاص الرب، ويقال: إن والده اسمه آموص، كان من نسب الملوك، والظاهر أنه صرف حياته في "أورشليم"، وتنبّأ نحو 60 سنة: من 759 ق.م إلى 700 ق.م، ويستدل من سفره أنه كان وديعاً شفوقاً متواضعاً، يتنبأ إلى أيام "منسى" الملك، وأن هذا الملك قتله نشراً في جذع شجرة عندما تبوأ تخت الملك. راجع دائرة المعارف للبستاني.
(4) - الملحمة: هي المعارك والحروب، ومن هنا قال الرسول _صلَّى الله عليه وسلَّم_: أنا نبيّ الرحمة والملحمة.
(5) - سورة القمر، آية رقم 45.
(6) - سورة آل عمران، آية رقم 152. (1/317)
صفحة 65
الغنيمة، وكرهوا الأخرى، فأبى الله لهم إلاَّ ذات الشوكة، فقال: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون} (1) ، وهذا أيضاً مما لا يستطاع دفعه بحيلة ولا بتأويل؛ لأن وعد الله إيّاهم إحدى الطائفتين لا يكون إلاَّ قبل اللقاء، ولا يجوز أن يعد شيئاً قد وقع.
خبر آخر:
قوله عزّ وجلّ: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين} (2) فكان الأمر في ذلك كما قال، وكان نزول ذلك في قصة مشهورة؛ وذلك أن رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ رأى بالمدينة رؤيا دلته (3) على أمور يوقعها الله له، منها: أنه سيدخل المسجد الحرام، وسيحلق رأسه ببطن مكة، ومكة يومئذ دار شرك، فوعد رسول الله أصحابه بدخول المسجد الحرام، وخرج معتمراً طامعاً في الوصول إلى البيت من عامه ذلك للرؤيا التي رآها، وخرج معه جماعة من المسلمين، فلّما قربوا من مكة
__________
(1) - سورة الأنفال، آية رقم 7، 8.
(2) - سورة الفتح، آية رقم 27.
(3) - روى الطبراني قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} قال: قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين فلما نزل الحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك فقالوا: أين رؤياه...؟ فقال الله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق}. (1/318)
صفحة 66
صدهم المشركون عند دخولها، فأعلمهم رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ أنه لم يأت لحرب وأنه إنما أتى معظماً لهذا البيت، فقالوا: لا تدخلها على هذا الحال، أي على غرة وغفلة أبداً، ودعوه إلى الهدنة (1) ، ووضع الحرب عشر سنين، على أن يرجع هو وأصحابه من عامهم ذلك، فإذا كان من قابل دخلوا إن شاؤوا، فأجابهم رسول الله إلى ذلك، وحلّ من إحرامه بالحديبية، فماج المسلمون يومئذ، حتى قال قوم منهم لرسول الله: ألست وعدتنا أنك ستدخل المسجد الحرام؟ فقال: أفقلت لكم إن ذلك يكون في شهري هذا؟ فقالوا: لا، فقال: فسيكون ذلك، فأنزل الله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين، لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من ون ذلك فتحاً قريباً} (2) . فأكد بذلك وعد رسول الله، وحقق قوله، وأعلمهم أن ذلك سيكون، فكان الأمر في ذلك كما قال.
خبر آخر:
قوله: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةًً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لكم هذه وكف أيدي
__________
(1) - راجع ما كتبه ابن جرير الطبري عن صلح الحديبية في تفسيره عند قوله تعالى: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفاً أن يبلغ محله} (سورة الفتح: 25) الجزء 26/95 ـ 106، وما قاله ابن كثير في تفسيره 4/193 ـ 200.
(2) - سورة الفتح، آية رقم 27، جاءت هذه الآية محرّفة في المطبوعة؛ حيث سقط منها لفظ (الله).
وجاءت هذه الآية محرّفة في المطبوعة حيث ذكرت (فعجل) بدلاً من (فجعل). (1/319)
صفحة 67
الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديراً} (1) ، فكان الذي عجله الله له من المغانم ما أفاءه الله على المسلمين، وفتحه عليهم من أرض المشركين وديارهم وأموالهم، إلى الوقت الذي أنزل الله هذا فيه، ثمّ وعد الله المؤمنين ما لم يكونوا يقدرون عليه، ولا صار في أيديهم حينئذ، فقال: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها} (2) ، أي أنها سيفتحها عليكم، ويمكنكم منها بلطفه لكم، ونصره إيّاكم، فكان الأمر في ذلك كما قال بالظهور على مكة، وعلى فارس والروم، وبفتوح الشام والعراق، وغير ذلك من البلدان، وما أفاءه الله من أموال المشركين.
ومما يشهد لنبوته _صلَّى الله عليه وسلَّم_ من القرآن أيضاً: ما كان من وعيد الله لرجال من الكفار، مسمين بأعيانهم بالخزي في عاجل الدنيا، مع عذاب الآخرة، فجاءت الأخبار فيهم من الله بأنَّهم يصيرون إلى النار، فلم يسلم منهم أحد، وقد صنع مثل صنيعهم قوم علم أنهَّم يدخلون في الإسلام، فلم يأت إليه من عند الله فيهم خبر بعذاب، ولا ختم عليهم به. وكان مما أنزل الله من القرآن بمكة مما أجمع العلماء أنَّه أول قرآن أنزل بمكة قوله: {اقرأ باسم ربك} (3) ،
__________
(1) - سورة الفتح، آية رقم 20، 21.
والأخرى التي لم يقدروا عليها هي خيبر. روى ابن جرير بسننه قال: سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها} يعني خيبر، بعثهم رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ يومئذ فقال: "لا تمثلوا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليداً".
(2) - سورة الفتح، آية رقم 21.
(3) - سورة العلق، آية رقم 1. (1/320)
صفحة 68
فقال فيها: {كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية، ناصية} (1) قالت خديجة (2) : إن هذا الوعيد نزل في أبي جهل (3) ، ثمّ نزل أيضاً في قولهم حين مشوا إلى أبي طالب (4) ، فسألوا النبيّ _صلّى الله عليه وسلَّم_ عن أشياء فدعاهم إلى قول: لا إله إلاَّ الله فتفرقوا، وقالوا: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً} (5) إلى قوله: {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} (6) وذلك بمكة قبل الحرب، وقال: {تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى
__________
(1) - سورة العلق، آية رقم 15، 16.
(2) - هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، ولدت سنة 68 ق هـ، 556م بمكة، ونشأت بها، وكانت ذات مال كثير تتاجر به، تزوج بها النبيّ _صلى اللّه عليه وسلم_ قبل النبوة فولد له منها القاسم، وعبد اللّه، ورقية، وأم كلثوم، وزينب، وفاطمة، وهي أول من أسلم من النساء، ساعدت النبيّ في الشدة وآزرته، توفيت عام 3 ق هـ / 620 م.
راجع صفة الصفوة 2/2، طبقات ابن سعد 8/ 7 ـ 11، الإصابة ت 333.
(3) - وقال أيضاً بعض العلماء: نزلت هذه الآية في أبي جهل ((عمرو بن هشام)) قال ذلك الإمام الطبري في تفسيره 3/164 ـ165، والقرطبي في تفسيره 2/127، والخازن، والبغوي في تفسيرهما 7/225، والإمام ابن كثير في تفسيره، 4/529، والشوكاني في تفسيره، 5/458، وصاحب الدر المنثور 6/369، وراجع تفسير الفخر الرازي 8/467، وقاله الإمام الواحدي في أسباب النزول 493.
وراجع في ترجمة أبي جهل دائرة المعارف الإسلامية 443، وابن هشام 2/33، وطبقات ابن سعد 3/194، 3/55، وابن الأثير 1/23، 25، 27، 38، واليعقوبي 2/27، وراجع رجال أنزل الله فيهم قرآناً للمحقق 4/234 ـ260.
(4) - هو عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن قريش، أبو طالب، والد علي (رضي الله عنه)، وعم النبي _صلى الله عليه وسلم_ وكافله ومربيه كان من أبطال بني هاشم، ولد عام 85 ق.هـ، وتوفي عام 3 ق.هـ، نشأ النبيّ في بيته، وسافر معه إلى الشام في صباه، ولما أظهر الدعوة إلى الإسلام وقف أبو طالب بجانبه، واستمر على ذلك حتى توفي أبو طالب. راجع طبقات ابن سعد 1/75، وابن الأثير 2/34، وشرح الشواهد 135، والخميس 1/299، وخزانة البغدادي 1/261.
(5) - سورة ص، آية رقم 5.
(6) - سورة ص، آية رقم 11. (1/321)
صفحة 69
عنه ماله وما كسب، سيصلى ناراً ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد} (1) نزل ذلك وهما حيان سليمان، وماتا على كفرهما، وكان قوم يقولون مثل قول أبي لهب ويؤذون أذاه ممن علم أنَّه سيسلم، فلم ينزل فيهم قرآن، ولم يختم عليهم بعذاب، وقال في: {لا أقسم} (2) {أولى لك فأولى} (3) نزلت في أبي جهل، فقال أبو جهل: يهددني رب محمد وأنا أعز أهل البطحاء وأكرم، فنزل في: {حم، الدخان} (4) في هذا من قوله في هزئه بالزقوم (5) فقال: {إن شجرة الزقوم} (6) إلى قوله: {ذق أنك أنت العزيز الكريم} (7) بزعمك، وهو يومئذ حي سليم، ومن ذلك قوله: {إنا كفيناك المستهزئين} (8) نزلت
__________
(1) - سورة المسد كاملة.
وقد اتفق رجال التفسير والحديث أنّ هذه السورة نزلت في أبي لهب، قال ذلك الإمام ابن كثير في تفسيره، وقال الإمام القرطبي، وقال الفخر الرازي، وقال صاحب أسباب النزول الإمام الواحدي.
(2) - سورة القيامة، آية رقم (1)، وتكملة الآية (بيوم القيامة)، وقد جاءت في المطبوعة محرفة؛ حيث نسب الآية إلى سورة الإنسان.
(3) - سورة القيامة، آية رقم 34.
(4) - سورة الدخان، آية رقم 1.
(5) - عبارة عن أطعمة كريهة في النار، ومنه استعير زقم فلان، وتزقم إذا ابتلع شيئاً كريهاً.
(6) - سورة الدخان، آية رقم 43.
(7) - سورة الدخان، آية من 43ـ 49.
(8) - سورة الحجر، آية رقم 95. (1/322)
صفحة 70
في أربعة رجال معروفين: الوليد بن المغيرة المخزومي (1) ، والعاص بن وائل (2) السهمي، والأسود بن المطلب الأسدي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، وقال بعضهم في المستهزئين كانوا خمسة، وبعضهم يقول: إنَّ كفار مكة هم المستهزئون والله أعلم، فأمات الله كل واحد منهم ميتة معروفة، وكفاهم رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ كما وعده، وصيرهم إلى النار، فلم يسلم منهم أحد، وفي الوليد بن المغيرة أنزل الله: {ذرني ومن خلقت وحيدا فجعلت له مالاً ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيداً ثم يطمع أن أزيد} (3) فلم يزده مالاً ولا ولداً بعد هذا، إلى قوله: {سأصليه سقر} (4) نزل ذلك فيه وهو حي سليم، ثم مات كافراً، ومن
__________
(1) - هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو عبد شمس: من قضاة العرب في الجاهلية، ومن زعماء قريش ومن زنادقتها يقال له: ((العدل)) لأنَّه كان عدل قريش كلها، كانت قريش تكسو البيت جميعها، والوليد يكسو وحده، وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية، وضرب ابنه هشاماً على شربها، وأدرك الإسلام فعداه وقاوم دعوته، مات بعد الهجرة بثلاثة أشهر، ودفن بالحجون، وهو والد سيف الله خالد بن الوليد. راجع الكامل لابن الأثير 2/26، واليعقوبي 1/215، ورغبة الأمل 5/29، وراجع المجر 174، 237، 337.
(2) العاص بن وائل السهمي: لم نعثر له على ترجمة وافية فيما رجعنا إليه من مراجع.
(3) اتفق العلماء ورجال التفسير على أنَّ المقصود بهذه الآيات الوليد بن المغيرة.
قاله صاحب الدر المنثور 6/282، وصاحب المستدرك 2/6، 7، والإمام الطبري 29/96، والقرطبي 19/72، والإمام البغوي 7/146، وابن كثير 4/443، وصاحب أسباب النزول الإمام الواحدي.
(4) سورة المدثر الآيات: من 11 إلى 26، وقد سقطت من بين الآيات في المطبوعة (ومهدت له تمهيدا) الآية 14 من السورة وبعدها الآية 15. (1/323)
صفحة 71
ذلك قول العاص بن وائل السهمي: إنَّ محمداً أبتر لا ذكر له، وإذا مات انقطع ذكره، فأنزل الله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} (1) ، وفيه أيضاً أنزل الله: {أفريت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولدا} (2) إلى قوله: {ونرثه ما يقول _من المال والولد_ ويأتينا فردا} (3) ، أنزل الله تعالى فيه ذلك وهو حي سليم، فمات على كفره كما قال الله، وأنزل الله في الأخنس بن شريق الثقفي، حليف بني زهرة: {ويل لكل همزة لمزة} (4) إلى قوله: {لينبذن في الحطمة} (5) ، وفيه أيضاً: {ولا تطع كل خلاف مهين هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم} (6) وفي النضر بن الحارث (7) أخي بن عبد الدار، ويقال: إنَّه لم ينزل في مشركي قريش ما نزل فيه، وكان شديد الرد على الله ورسوله،
__________
(1) سورة الكوثر، آية رقم 3.
ولقد قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نزلت في العاص بن وائل.
وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ يقول: دعوه فإنَّه رجل أبتر لا عقب له، فإذا أهلك انقطع ذكره، فأنزل الله هذه السورة. وقال شمر بن عطية نزلت في عقبة بن معيط. راجع تفسير ابن كثير 4/559، وتفسير ابن جرير 30/328 ـ 329.
(2) سورة مريم، آية رقم 77.
(3) سورة مريم، آية رقم 80.
(4) سورة الهمزة، آية رقم 1.
(5) سورة الهمزة، آية رقم 4.
(6) سورة القلم الآيات: من 10 إلى 13، وقد جعلها في المطبوعة آية واحدة فقط رقم 13.
(7) هو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف من بني عبد الدار من قريش، صاحب لواء المشركين ببدر، كان من شجعان قريش ووجوهها ومن شياطينها (كما يقول ابن إسحاق)، له اطلاع على كتب الفرس وغيرهم، قرأ تاريخهم في الحيرة، وقيل: هو أول من غنّى على العود بألحان الفرس، وهو ابن خالة النبيّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_، ولما ظهر الإسلام استمر على عقيدة الجاهلية، وآذى رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ كثيراً، شهد وقعة "بدر" مع مشركي قريش، فأسره المسلمون وقتلوه بالأثيل (قرب المدينة) بعد انصرافهم من الوقعة، وهو أبو "قتيلة"صاحبة الأبيات المشهورة التي منها:
ما كان ضرك لو مننت وربما منَّ الفتى وهو المغيظ المحنق
راجع الكامل لابن الأثير 2/26، وزهر الآداب 2/33، 34، ومعجم البلدان 1/112، ومطالع البدور 1/232، وجمهرة الأنساب 117، والبيان والتبيين 4/43، 44، ونهاية الأرب للنويري 16/219، 230، 271 . (1/324)
صفحة 72
وقد كان ورد الحيرة ووجد بها أحاديث عن رستم، واسفندياد، والفرس، فاشتراها وقدم بها مكة، فكان النبيّ _صلى الله عليه وسلم_، إذ قام من مقعده خلفه فيه النضر يحدثهم بتلك الأحاديث، ويقول: حديث محمد عن عاد، وثمود، والأمم، وأنا أحدث أحسن من هذا، فأنزل الله في سورة لقمان: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم، ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً فبشره بعذاب أليم} (1) ، وفي الحج أيضاً: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفة} (2) أي صاد بوجهه {ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق} (3) الخزي في الدنيا أنه قتل ببدر، وفي الجاثية فيه: {ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين من ورائهم جهنم} (4) ، نزل هذا
__________
(1) - سورة لقمان، آية رقم 6، 7، وفي المطبوعة ذكر أنها آية رقم 7 فقط، وهذا خطأ.
(2) - سورة الحج آية رقم 8، 9 وتكملة الآية {ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق}.
(3) - سورة الحج آية رقم 9.
(4) - سورة الجاثية من الآيات: 7 إلى 10، وتكملة الآية العاشرة {ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم}. (1/325)
صفحة 73
كله فيه وهو حي سليم (1) ، فالعذاب المهين، والأسر والقتل ببدر.
قال ابن إسحق (2) : والعامة نزعم أنَّ النبي _صلَّى الله عليه وسلَّم_ ضرب عنقه صبراً، وغير هؤلاء يذكر أنه أسر يوم بدر، وقد أثبته جراحه، وأنَّ السيف ذهب بقحف (3) رأسه، فقال: لا أذوق لهم طعاماً ولا شراباً ما دمت في أيديهم، فمات وصار إلى النار، فأي ذلك كان فقد أذاقه الله الخزي في الدنيا، وصار إلى النار.
وقال النضر بن الحارث أيضاً: إنَّ الملائكة بنات الرحمن، فلما أنزل الله: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} (4) قال: ألا ترون أنه صدقني، فقال أمية بن خلف (5) _وكان أفصح منه_: ما صدقك، وما كذبك، فقال: ما كان للرحمن ولد، قال: فضحك النضر، وقال أيضاً: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم} (6) ، فأنزل الله: {وما كان الله ليعذبهم
__________
(1) - وأيضاً نزل فيه قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلاَّ أساطير الأولين}. سورة الأنفال الآيات: 21، 32.
قال ذلك الإمام ابن كثير في التفسير 2: 304 والإمام القرطبي 7: 397 وصاحب الدر المنثور 3: 181 وصاحب سيرة ابن هشام 1: 320 وصاحب أسباب النزول 135.
(2) - هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني، من أقدم مؤرخي العرب من أهل المدينة، له السيرة النبوية، هذبها ابن هشام، ومن الأصل أجزاء مخطوطة، كتبت سنة 506هـ في خزانة القرويين بفاس، وكتاب الخلفاء، وكتاب المبدأ، وكان قدرياً، ومن حفاظ الحديث، زار الإسكندرية سنة 119، وسكن بغداد فمات بها، ودفن بمقبرة الخيزران أم الرشيد عام 151هـ.
(3) - القحف: الجمجمة، أو ما انفلق وبان منها.
(4) - سورة الزخرف، آية رقم 81.
(5) - هو أمية بن خلف بن وهب من بني لؤي، أحد جبابرة قريش في الجاهلية، ومن ساداتهم، أدرك الإسلام ولم يسلم، وهو الذي عذب بلالاً مؤذن الرسول _صلَّى الله عليه وسلَّم_، حتى كانت غزوة بدر أسره عبد الرحمن بن عوف _رضي الله عنه_، فرآه بلال فصاح بالناس: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، وقتله عام 2هـ. راجع سيرة ابن هشام 2/52، والكامل لابن الأثير 2/48، وعيون الأثر 1/259، ورجال أنزل الله فيهم قرآناً 4/311.
(6) - سورة الأنفال، آية رقم 32. (1/326)
صفحة 74
وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} (1) .
وعن الحسن أنَّه قال: لم يعذب الله أمة حتى يخرج الله نبيئها من بين أظهرها، ولم يعذب أمة وفيها من يتوب في علمه، فقوله: {وهم يستغفرون} أي وهم يتوبون، وقال أيضاً: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هو الفاسقون} (2) فصدقت أخبار الله، وتمت على ما أخبر به، وظهر دين الله على من خالفه من الأديان، واستخلف الله أهل دينه في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وبدلهم من بعد الخوف أمناً، كما وعده في كتابه. فهذا وأشباهه من أخبار القرآن دلالة واضحة، وحجة ظاهرة، وشهادة عادلة، مما لا يقدر مكذب أن يقدح فيه، ولا مشغب أن يحتال على صدق النبيّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وصحة نبوته، والحمد لله رب العالمين.
ثمّ لرسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ بعد ذلك أخبار ظاهرة أخبر بها قبل كونها، وأمور غائبة لا سبيل إلى علمها إلاَّ بوحي من الله، فكان الأمر في جميعها على ما قاله عليه السلام، فمن ذلك ما أخبر به _صلَّى الله عليه وسلَّم_: أنه أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى (3) ، وأنه مضى ورجع من ليلته، وجعل
__________
(1) - سورة الأنفال، آية رقم 33.
(2) - سورة النور، آية رقم 55.
(3) قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}. (سورة الإسراء، آية رقم 1). (1/327)
صفحة 75
رسول الله يصف لهم بيت المقدس، لا يغادر من صفته شيئاً، قال لهم: وآية ذلك أني مررت في طريقي بعير لبني فلان، فضَّل لهم بعير فدللتهم عليه، وأني مررت في طريقي بعير بني فلان والقوم نيام، فوجدت لهم إناء مملوءاً قد غطوه، فشربت ما فيه، ورددت عليه غطاءه، وهي الآن تطلع عليكم من ثنية كذا، يقدمها جمل أورق (1) ، عليه غرارتان: إحداهما سوداء، والأخرى زرقاء، فابتدر المشركون الثنية (2) فوجدوا أمر البعير كما قال لهم رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وسألوا أهل البعير عن أمر الإناء فأخبروا أنهم غطوا الإناء مملوءاً، وأنهم وجدوه فارغاً، ثم جاءت البعير الأخرى فسألوا أهلها عن البعير الناد (3) لهم فأخبروا به، كما أخبر رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_. (4)
ومن ذلك أخباره بما يفتح الله على المسلمين من فارس والروم، وبأن كنوز كسرى ملك الفرس، وقيصر ستنفق في سبيل الله، ولذلك قال بعض المنافقين يوم الخندق: يعدنا محمد كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب لحاجته (5) ، وفي ذلك قال الله: {وإذ يقول المنافقون والذي في قلوبهم مرض
__________
(1) جمل أورق: أي لا زال في مقتبل العمر والفتوة، وفي لونه سواد إلى بياض. وقال أبو عبيدة: الأورق أطيب الإبل لحماً وأقلها شدة على العمل والسير. وأورق الشجر أخرج ورقه، قال الأصمعي: يقال (ورق) الشجر و (أورق) والألف أكثر، ورَّق أيضاً (توريقاً)، والوراقة: الشجرة الخضراء الورق الحسنة. ويقال للحمامة ورقاء لأن في لونها بياض إلى سواد.
(2) الثنية: واحدة (الثنايا)، وهي أيضاً الطريق.
(3) البعير الناد: أي البعيد الذي توغل بعيداً عن القافلة.
(4) هذا جزء من حديث رواه أبو يعلي في مسنده عن محمد بن إسماعيل الأنصاري عن ضمرة بن ربيعة عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن أبي صالح عن أم هانئ، ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن عكرمة عن أم هانئ، ورواه ابن كثير في تفسيره كاملاً 3/22.
(5) الذي تكلم بهذا الكلام معتب بن قشير، وأوس بن قيظي، وغيرهما من المنافقين. (1/328)
صفحة 76
ما وعدنا الله ورسوله إلاَّ غرورا} (1) فكان الأمر في جميع ذلك كما وعد رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_.
كتب عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ إلى سعد (2) بعد فتح المدائن وما والاها من بلاد الفرس يذكره نعم الله عزّ وجل على أصحاب رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وما كانوا فيه من الجهل والفقر على عهد رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_، ثم يقول له: ومحمد رسول الله بين أظهرنا على تلك من حالنا، يقسم لنأخذن كنوز كسرى وقيصر، فنافق من قوله
__________
(1) سورة الأحزاب، آية رقم 12.
وقال ابن أبي حاتم: "حدثنا أحمد بن عاصم الأنصاري، حدثنا أبو عامر وحدثنا أبي حدّثنا أبو عامر العقدي، حدّثنا الزبير _يعني ابن عبد الله مولى عثمان _رضي الله عنه_ عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد _رضي الله عنه_ قال: قلنا يوم الخندق يا رسول الله: هل من شيء نقول قد بلغت القلوب الحناجر...؟ قال _صلَّى الله عليه وسلَّم_: نعم، قولوا اللَّهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الريح". وكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي عامر العقدي.
(2) هو سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي الزهري أبو إسحاق، الصحابي الأمير، فاتح العراق، ومدائن كسرى، وأحد الستّة الذين عينهم عمر للخلافة، وأول مَن رمى بسهم في سبيل الله، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم وعمره 17 عاماً، وشهد بدراً، وفتح القادسية، ونزل أرض الكوفة، توفي عام 55هـ، له في كتب الحديث 271 حديثاً. راجع الرياض النضرة 2/292 ـ 301، وتاريخ الخميس 1/499، والتهذيب 3/483، والبدء والتاريخ 5/84، وطبقات ابن سعد 6:6، والإصابة 3187. (1/329)
صفحة 77
ذلك منافقون، فأبقاك الله حتى رأيت ذلك بعينك، ووليته بنفسك، ورأيناه معك، وقال الله عزّ وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} (1) ، نزلت (2) في حاطب بن أبي بلتعة (3) حليف بني أسد، حين أراد رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ الخروج إلى مكة، فكتب إليهم حاطب مع امرأة من أهل مكة فلحقها علي والزبير، فوجدا الكتاب معها، فأتيا به النبيّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_، فسأل رسول الله حاطباً، فاعترف بما فعل من ذلك، وقال عزّ وجلّ: {فترى الذي في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} (4) نزلت في عبد الله بن أبي سلول (5) حين هم رسول الله بقتل قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فقال عبد الله: إني امرؤ أخاف الدوائر، يعني أمر النبيّ عليه السلام، فأنزل الله في عبد الله بن أبي بن سلول ذلك.
وقال عزّ وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم
__________
(1) سورة الممتحنة، آية رقم 1.
(2) قال ذلك الإمام ابن كثير في التفسير 4/344، وصاحب الدر المنثور 6/203 ـ 205، والإمام القرطبي 18/50ـ52، والإمام الطبري 28/38ـ40، والخازن والبغوي 7/62ـ63، والإمام الواحدي ص 447.
(3) هو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، صحابي: شهد الوقائع كلها مع رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وكان من أشدّ الرماة، وكانت له تجارة واسعة، بعثه النبيّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ بكتابة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، ومات في المدينة عام 30هـ، وكان أحد فرسان قريش وشعرائها في الجاهلية. راجع الإصابة 1/300، والأعلام 2/159، والاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/256.
(4) سورة المائدة، آية رقم 52، وتكملة الآية (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين)
(5) هو عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث أبو الحباب، المشهور بابن سلول، وسلول جدته لأبيه من خزاعة، رأس المنافقين في الإسلام من أهل المدينة، كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، وأظهر الإسلام بعد وقعة بدر. وكان كلّما نزل بالمسلمين نازلة شمت بهم، وكلّما سمع بسيّئة نشرها، وله في ذلك أخبار، ولمّا مات تقدم النبيّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ فصلّى عليه، فنزل قول الله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً}، وكان ذلك عام 9هـ. راجع كتاب الخميس 2/140، وإمتاع الأسماع 1/99، 105، 120، 165، 449، 450، وطبقات ابن سعد، القسم الثاني من الجزء الثالث 90، وجمهرة الأنساب 335. (1/330)
صفحة 78
تعلمون} (1) نزلت في أبي لبابة (2) حين أتى بني قريظة، وما تكلّم مع ذلك إلاَّ إيماء.
ومما يدل على نبوته _صلَّى الله عليه وسلَّم_، أعلام ظهرت عليه، ومعجزات اتفقت له، سوى ما ذكرناه منها أنه _صلَّى الله عليه وسلَّم_ أوتي بكف من تمر يوم الخندق، وكانت شدّة ومجاعة، فطعم منه أصحابه، وملأ من الناس يأتون ويذهبون، والتمر يفيض من أطراف الثوب. ومنها نزوله والمسلمون عام الحديبية على ماء قليل حين غرز فيه سهماً من كنانته، وفارت البئر حتى استوى ماؤها بشفير البئر، واغترف الناس منها اغترافاً. ومثل ذلك ما جرى له _صلَّى الله عليه وسلَّم_ في غزوة تبوك، وقد كانوا أيضاً عام الحديبية أصابهم جوع شديد حتى هموا بالظهر، فدعا رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ بالإنطاع (3) ، فبسطت، وألقى في الإنطاع باقي أزودتهم (4) ، فدعا فيه النبيّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ وبارك عليه، فأتى الناس بأوعيتهم فملأوها حتى إن منهم مَن أخذ ما لا يجد له محملاً.
ومنه كلام الذئب إياه، وكلام البعير، وكلام الذراع المسموم حين أتت به امرأة سلام بن مشكم، واسمها زينب بنت الحارث، من اليهود،
__________
(1) سورة الأنفال، آية رقم 27.
(2) قاله صاحب الإصابة 4/167، وصاحب سيرة ابن هشام 3/247، وصاحب الروض الأنف 2/196، وصاحب الدر المنثور 3/178، وتفسير الطبري 13/481، وتفسير ابن كثير 2/300، وتفسير البغوي والخازن 3/20، والإمام الواحدي صاحب كتاب أسباب النزول 134.
وهو أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، وزوجه خنساء بنت خدام الأنصارية، وهي من الأوس، وابنته لبابة وبها كان يكنى، تزوجها زيد بن الخطاب _رضي الله عنه_، ولقد أسلم مبكراً على يد مصعب بن عمير. راجع الاستيعاب في معرفة الأصحاب 4/1826، وسيرة ابن هشام 2/49، ورجال أنزل الله فيهم قرآناً 1/299 ـ 309.
(3) النطع فيه أربع لغات: (نَطْعٌ) كطلع، و(نَطَعٌ) كتبع، و(ونِطْعٌ) كدرع، و(نِطعٌ) كضلع، والجمع (نطوع) وأنطاع، وتنطع في الكلام تعمق.
(4) جمع زاد، ويجمع الزاد على أزودة على غير قياس، ومنه حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_: (ملأنا أزودتنا). (1/331)
صفحة 79
وقد دعا _صلَّى الله عليه وسلَّم_ غير مرة إلى طعام، فدعا جماعات كثيرة مما لا يحتملهم أضعاف ذلك الطعام، فأكلوا منه جميعاً وصدروا، فكفاهم في أشياء مثل هذا كثير من الأمور المشهورة عنه _صلَّى الله عليه وسلَّم_. وقد علم الموافق والمخالف، والوافر والناقص أن رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ كان من أكمل الناس رأياً، وأصحهم تدبيراً، والمؤمنون يجعلون ذلك من وصفه لباس نبوة خصه الله بها، والملحدون وأهل الملل الزائغة يجعلون ذلك ذريعة إلى وصفه بلطف الحيلة، وشدّة التمويه على الناس، وليس يجوز من إنسان عاقل كامل قصده التمويه (1) ، كما زعموا أن يؤكد أخباره عن الغيوب فيما لا يأمن أن لا يتفق له الأمر فيه، كما يقول، فيكون ذلك سبب انتقاض أمره، أو يقول لهم الدليل على صحة قولي أن أحداً منكم لا يتهيأ له أن يعارضني على سورة من الكتاب الذي أتيت به، وهو يعلم، ولا يأمن أن ينتدب له بعض الناس فيفضحه ويهتكه، وليس يحمل نفسه على مثل هذا إلاَّ أجهل الناس وأقلهم معرفة؛ وذلك مخالف لصفة رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ عند كل عاقل، ولو حمل نفسه على ذلك لم تتفق له السلامة في جميع ما وصفنا وعددنا.
__________
(1) موه الشيء (تمويهاً) طلاه بفضة أو ذهب وتحت ذلك نحاس أو حديد، ومنه (التمويه) وهو التلبيس وتغيير الحقائق. (1/332)
صفحة 80
فهذا باب إذا فكر فيه العالم علم أن الأمر فيه على ما قلنا. ووجه آخر أن هذه العلامات التي نقلها جل أصحاب رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وكتبها من بعدهم العلماء في سيرهم، مما لا يجوز الاتفاق عليه، ولا على السكوت عن تكذيبها، لو كانت على ما زعم أهل التكذيب، فضلاً عن التصديق لها، ولو جاز ذلك لجاز أن ينقل أحد من الناس عن أصحاب رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ أن يكون راوٍ منهم يروي أن من أعلام رسول الله فلق البحر، وانقلاب العصا حية، فلا ينكر ذلك عليه المسلمون، ولا يكذبونه؛ لأن فيه تأكيداً للإسلام، وزيادة في أعلام النبيّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وهذا وجه بيّن لَمن تدبره، والحمد لله رب العالمين.
القول في نسخ (1) الشرائع والرد على اليهود في ذلك:
ولليهود في نسخ الشرائع مقالان بعد أطباقهم على أن حكم التوراة لا ينسخ أبداً، فقال بعضهم: إن ذلك غير جائز في حكم العقول، ويزعم أن في إجازته إجازة البداء (2) على الله، واستحداث العلم بأمر لم يكن عالماً بعاقبته، وقال البعض الآخر: إن النسخ لا يفسد من هذه الجهة، ولكن موسى عليه السلام قد وقف الناس على أن شريعة التوراة لا تنسخ، وأن السبب لا يجوز أن يحل أبداً.
ويقال للذين أبوا النسخ، ولم يجوزوه من جهة فساده في العقل، والوصف له تبارك وتعالى بما لا يجوز أن يوصف به: أخبرونا عن تحريم السبت (3) ، هل هو
__________
(1) النسخ: إزالة شيء بشيء يتعقبه، كنسخ الشمس الظل، والظل الشمس، والشيب الشباب، فتارة يفهم منه الإزالة، وتارة يفهم منه الإثبات، وتارة يفهم منه الأمران. ونسخ الكتاب إزالة الحكم بحكم يتعقبه، قال تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخبر منها} (سورة البقرة: 106)، قيل معناه: ما نزل العمل بها، أو نحذفها من قلوب العباد، وقيل معناه: ما نوجده وننزله، من قولهم: نسخت الكتاب، وقال تعالى: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} (سورة الحج: 52)، ونسخ الكتاب نقل صورته المجردة إلى كتاب آخر؛ وذلك لا يقتضي إزالة الصورة الأولى، بل يقتضي إثبات مثلها في مادة أخرى. وقد يعبّر بالنسخ عن الاستنساخ، قال تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعلمون}، والله أعلم.
(2) البداء: بدأ الشيء، وأبدأه أنشأه واخترعه، والبداءة: بالهمزة وهو الصواب.
وبدا لي في الأمر: أي تغير رأيي فيه عما كان، قاله التبريزي، ونقله الزركشي عن صاحب "المحكم" عن سيبويه.
والبداء في وصف الباري تعالى محال؛ لأن منشأه الجهل بعواقب الأمور. ولا يبدو له تعالى شيء كان عنه غائباً. وكان يقول به المختار بن أبي عبيد الثقفي، ويجيء بدا بمعنى أراد، كما في حديث الأقرع والأعمى والأبرص. بدا الله: أي أراد، والله أعلم. وراجع المقالات للأشعري 1/39، والملل والنحل 1/238.
ويقول ابن حزم: البداء من صفات من يهم بالشيء ثم يبدو له غيره، وهذه صفة المخلوقين لا صفة من لم يزل، ولا يخفى عليه شيء في المستأنف. الفصل في الملل والأهواء والنحل 1/259.
(3) قال تعالى: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت} (البقرة، آية 65)، وقال تعالى: {فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت} (سورة النساء: 47)، وقال تعالى: {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً} (سورة النساء: 154). (1/333)
صفحة 81
تحريم لغيره من الأيام؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم وكيف جوزتم أن يحرم في يوم ما يحلّ في غيره من الأيام، ولم تجوزوا أن يحرّم في شهر وفي دهر ما يحلّ في غيره من الشهور والدهور في شريعة واحدة، على لسان نبي واحد؟ وكيف إذا كان ذلك في شرائع شتى على ألسنة أنبياء شتى؟ وهل الذي أنكرتم علينا من تحريم شيء بعد تحليل، وتحليله بعد تحريم، إلاَّ مثل هذا الذي قلتم في السبت دون غيره من الأيام سواء؟ وهذا مما لا يخفى عن كل ذي لب.
ويقال لهم: أوليس الله جل جلاله قد خالف بين أحوال الناس وأحوال أزمانهم، فأحيا شيئاً مدة ثم أماته، وجعل شيئاً مواتاً مدة ثمّ أحياه، وجعل ليلاً ونهاراً وشتاء وصيفاً، يكون واحد منهما في زمان ثم ينقضي ويجيء مكانه خلافه، ويكون الإنسان فقيراً وقتاً وغنياً وقتاً، وصحيحاً مرة وسقيماً مرة، في أشباه ذلك من صنوف الأشياء التي خالف الله بها بين أحوال الناس، وقدر كل شيء منها في زمان دون زمان؟ أفيجب بذلك أن يكون ما يوجد بهذا الاختلاف دليلاً على أن فاعله ذو بدوات، وأنه يريد شيئاً ثم يكرهه، وأنه يستحدث علماً لشيء لم يكن به عالماً؟ فإن قالوا نعم ظهر جهلهم، ولزمهم مع ذلك ألا ينكروا النسخ مع إجازة البداء فيه، وإن كان هذا كله لا يوجب البداء، (1/334)
صفحة 82
ولا يدل على خلاف العلم، ولا على أن ذلك ليس من فعل حكيم، فما الفصل بين هذا وبين اختلاف الشرائع (1) في أن لا يكون اختلافها دليلاً على البداء، أو على أنها ليست من فعل حكيم؟ هذا كلّه والتوراة التي في أيدي اليهود يقرأونها وهي تنطق بالنسخ، وتفصح به؛ وذلك أن فيها الأخبار عن حدوث شريعة الختان (2) وشبهه، بعد أن لم يكن مشروعاً، وأن حكمه إنما حدث بعد مولد إسحاق عليه السلام بأن يختتن المولود في اليوم الثامن من مولده، فختن إبراهيم ابنه إسحاق في اليوم الثامن من مولده، وختن نفسه في ذلك الوقت بعد أن صار شيخاً، وختن ابنه إسماعيل وهو غلام ابن بضع عشرة سنة، وختن مَن كان على مذهبه ودينه حينئذ من الناس، فصارت سنة الختان في اليوم الثامن من ولادة المولود، وهذا الذي ذكرناه منصوص عندهم
__________
(1) الشرع: البيان والإظهار، والمراد بالشرع المذكور على لسان الفقهاء: بيان الأحكام الشرعية.
والشرع: كل فعل أو ترك مخصوص من نبي من الأنبياء صريحاً أو دلالة، فإطلاقه على الأصول الكلية مجاز وإن كان شائعاً، بخلاف الملة فإن إطلاقها على الفروع مجاز، وتطلق على الأصول حقيقة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه، وغير ذلك، ولهذا لا تتبدل بالنسخ، ولا يختلف فيها الأنبياء، ولا تطلق على آحاد الأصول.
(2) الختن: كل من كان من قبل المرأة مثل الأب والأخ؛ وهما (الأختان)، وختنت الصبيّ من باب ضرب ونصر، والاسم (الختان) و(الختانة)، والختان: موضع القطع من الذكر، ومنه قوله عليه السلام: "إذا التقى الختانان وجب الغسل". رواه الإمام مسلم في كتاب الحيض 88 بسنده عن أبي موسى الأشعري بلفظ: "ومس الختان الختان فقد وجب الغسل". راجع صحيح الإمام مسلم، والمفردات في غريب القرآن. (1/335)
صفحة 83
في التوراة، وأيضاً فإن التوراة عندهم الجمع بين الأختين قد كان حلالاً مطلقاً، وأن يعقوب جمع بين الأختين إلى أن حرّم الله ذلك بحكم التوراة.
وأيضاً فإنَّ في التوراة أنَّ إسرائيل جعل على نفسه لما ناله ضلع (1) في رجله من عرق النسا ألا يأكل العروق، فصار ذلك سنة في بني إسرائيل، وقد كان إسرائيل قبل ذلك لا يجتنبها.
وأيضاً فإنَّ في التوراة أنَّ الله أحل لنوح وبنيه من المآكل الأشياء كلها، إلاَّ المخنوق الذي دمه فيه، ثمّ جاءت شريعة موسى بتحريم كل ما لم يجتر، وكل ما لم يكن مشقوق الظلف. وكل هذا دليل على النسخ وعلى فساد قولهم في الامتناع من جوازه، وعلى أنَّه قد كان مباحاً لولد آدم _صلَّى الله عليه وسلَّم_ من صلبه أن يتزوج الأخ منهم أخته، وذكر ذلك شائع في الأمم، وظاهر على ألسنة الناس، ومعروف عند أهل الكتاب، والدليل عليه من التوراة حاضر، يذكر آدم وزوجته على سبيل الأخبار بأنَّهما أصلان للبشر، وأطباق أهل الكتاب على أنَّ الناس جميعاً أولاد آدم وحواء، ولا يكون ذلك كذلك إلاَّ وقد تزوج الأخ منهم أخته، وبدون هذا يقع الفصل في هذا الباب، فإن تركوا هذا القول وذهبوا إلى ما ذهب إليه قوم من اليهود أَّنهم لا يمتنعون من القول بجواز النسخ (2) في الشرائع من جهة العقول، ولكنهم يأبون ذلك لما في شريعة موسى عليه
__________
(1) الضِلع: بوزن العنب، واحد الضلوع والأضلاع، وتسكين اللام جائز، والضالع: الجائر، والضَّلْع بوزن الضَّرع: الميل والجنف، وبابه قطع، قال رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_: "أعوذ بك من ضلع الدين"، أي ثقل الدين، يقال ضلعك مع فلان أي ميلك معه وهواك، وفي المثل: لا تنقشي الشوكة بالشوكة فإنَّ ضلعها معها.
(2) النسخ لغة: إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه، واصطلاحاً يختلف المراد منه عند عامة السلف عنه عند علماء الأصول، فهو عند أهل الأصول: رفع الحكم بجملته، كرفع حكم آية الوصية بآية المواريث، واختلف العلماء في تعيين المعنى الذي وضع له لفظ النسخ. فقال بعضهم: إنَّه حقيقة في الإزالة، مجاز في النقل، وهو رأي ابن سلامة، والحسن البصري، والرازي، والبيضاوي.
وقال القفال: إنَّه مجاز في الإزالة، حقيقة في النقل، وقيل: مشترك بينهما، وإلى ذلك ذهب الآمدي، والغزالي والباقلاني. (1/336)
صفحة 84
السلام، لأنَّ فيها عهد إليهم موسى أنَّ أمرهم بالتمسك بشرائع التوراة، وتحريم السبت دائماً أبداً، يقال لهم في ذلك: من أين علمتم أنّ موسى عهد إليكم أنَّ حكم التوراة وتحريم السبت لا ينسخ أبداً؟ ونحن نطالبكم بالدليل على ما ادعيتموه من ذلك، فلم تأتونا إلاَّ بالدعوى بأنَّ موسى عهد إليكم، بل إنما جعلتم دعواكم هذه من أنَّ موسى عهد إليكم بما قلتم ذريعة إلى تكذيبكم بالمرسلين، وكراهية الرجوع إلى ما أتوا به من الشرائع _صلَّى الله عليه وسلَّم وعليهم_، وهؤلاء النصارى يدعون أنَّ عيسى عليه السلام أخبرهم بأنَّ حكم التوراة منسوخ ببعثته عليه السلام، وأهل ملة (1) الإسلام يقولون بأن حكم التوراة منسوخ ببعثة محمد _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وهل تنفصلون من النصارى أو من أهل هذه الملة في دعواكم بفصل؟ فإن قالوا: الفصل بيننا وبينهم أنَّهم جامعونا على موسى، ولم نجامعهم على عيسى، ولا على محمد، قلنا: وعلى أنَّهم جامعوكم على موسى أنَّه رسول الله، لم يجامعوكم على ما ادعيتم عليه من أنَّه عهد إليكم بأن حكم التوراة (2)
__________
(1) الملة: كالدين، وهو اسم لما شرع الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء ليتوصلوا به إلى جوار الحق، والفرق بينهما وبين الدين أنّ الملة لا تضاف إلاَّ إلى النبي عليه الصلاة والسلام الذي تسند إليه نحو {فاتبعوا ملة إبراهيم} (سورة آل عمران: 95) {واتبعت ملة آبائي} (سورة يوسف: 38).
ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد أمة النبي _صلى الله عليه وسلَّم_. ولا تستعمل إلاَّ في جملة الشرائع دون آحادها. لا يقال ملة الله ولا يقال: ملتي وملة زيد كما يقال دين الله ودين زيد، وأصل الملة من أمللت الكتاب، قال تعالى: {وليملل الذي عليه الحق} (سورة البقرة: 282). وتقال الملة اعتباراً بالشيء الذي شرعه الله، والدين يقال اعتباراً بمن يقيمه إذا كان معناه الطاعة، والله أعلم.
(2) التوراة: التاء فيه مقلوب، وأصله من الورى، وبناؤها عند الكوفيين ووْراة: تفْعِلة، وقال بعضهم: هي تفعل، نحو تتفل، وليس في كلامهم تفعل اسماً، وعند البصريين وؤرى، هي فوْعل نحو حوفل. والتوراة: معناها الضياء والنور. راجع معترك الأقران في إعجاز القرآن 2: 6، والمفردات في غريب القرآن. (1/337)
صفحة 85
لا ينسخ أبداً، فإن دعوا أنَّ النقل جاءهم بذلك عن نقل لا يكذب مثله، قلنا: ومتى اتّصل لكم النقل بما ادعيتم من ذلك فيما بينكم وبين موسى عليه السلام، مع ما لا تشكون فيه من غلبة (بختنصر) (1) على بيت المقدس، وتحريق أسفار التوراة، وسائر ما في أيدي بني إسرائيل من كتب التوراة، ومن قتل جميع رجالهم، وسبي من سبي من صبيانهم، وحملهم إلى أقاليم بابل (2) ، فكيف يصح مع هذا نقل ما نقل إليكم من ألفاظ التوراة وغير التوراة حتى تتيقنوا أنه لا زيادة فيه ولا نقصان؟ فإن قالوا: إنَّ العزيز كان ممن سباه بختنصر من صبيان بني إسرائيل، فجدد الله عزّ وجلّ به التوراة؛ بأن ألهمه إياها، حتى كتبها على هيئتها بعد غلبة بختنصر، وخراب بيت المقدس، قلنا: وأي جماعة دونت لكم ذلك عن العزيز، وحفظت عنه، واستفاض منها؟ أوليس المحفوظ من أهل المعرفة بالتواريخ أنَّ إلهام الله العزيز التوراة إنما كان في آخر عمره وعند وفاته؟ وأنَّه لما كتبها اشتكى شكيته التي مات منها، ودفعها إلى تلميذ من تلاميذه، وأمره أن يقرأها على الناس بعد وفاته، فعن ذلك التلميذ أخذها الناس ودونوها، وزعموا أنَّ ذلك التلميذ هو الذي أفسد أشياء من التوراة وحرفها، وزاد فيها، ونقص منها، فما كان هذا سبيله، وهذا قول
__________
(1) بخت نصر: يذكر البيروني أنَّ الصيغة الفارسية لاسم بختنصر هي "بخت نرس"، وقيل في تفسيره: إنَّه كثير البكاء والأنين، أما الصيغة العربية له فهي بختنصر.
وقد وردت قصته في الكتاب المقدس عن اليهود والنصارى، وجعله بعض المؤرخين مرزباناً على العراق يحكم باسم ملك الفرس، حيث كانت دار مملكته بلخ (المسعودي: مروج الذهب، 1: 117)، وبعد أن فتح بيت المقدس سجن الملك منسى.
وجاء في الكتاب المقدس أنَّ الذي سبحن هو صدقياً (الطبري 1: 491).
ويقول المسعودي: إنَّ عدة من سباهم بختنصر من بني إسرائيل ثمانية عشر ألفاً، وأنَّه أخذ التوراة وطرحها في بئر، ولما رجع بنو إسرائيل إلى بلادهم أخرجوا التوراة من البئر. (المصدر السابق).
(2) بابل هي مدينة ببيلون القديمة على شاطئ الفرات، وهي على خط عرض 41، 30، 32 شمالاً، وخط طول 30، 23 شرقي جرينوتش، وكان لهذه المدينة شأن عند المسلمين.
وقيل: إنَّ آدم نفسه بعد خروجه من الجنة، وكذلك قابيل وهابيل كان مقامهم في بابل (ياقوت 1: 45). ويقول ابن الفقيه ص 196: إنَّ أول مدينة بنيت في العالم هي حران، والثانية بابل، وينسب برج بابل إلى النمرود، ويسمى (المجدل)، راجع البكري 136. وكانت مقام النمرود بن كنعان؛ وهو أول من ملك الأرض، واستشار المنجمين، وشق القنوات (انظر ابن الفقيه 199، والاصطخري ص 101/860، والمسعودي كتاب التنبيه 94 نقلاً عن التوراة، وص 105 / 106 مروج الذهب). (1/338)
صفحة 86
أهل الأخبار فيه، فكيف يجوز لكم الثقة به والرجوع إليه. وبعد فإنَّ ألفاظ التوراة شاهدة بأنَّها من تأليف لسان إنسان بعد موسى عليه السلام (1) ، يخبر بما كان من أمر موت موسى عليه السلام، وعهده إلى يوشع بن نون (2) ، وحزن بني إسرائيل على موسى، وبكائهم عليه بألفاظ تعبر عن ذلك كله بعد وقوعه، فكيف يشكل على عاقل مع ذلك أنَّ ذلك ليس من كلام موسى، ولا مما أنزل الله على موسى؟ على أن التوراة التي توجد في أيدي العبرانيين (3) بينها وبين التوراة التي توجد في أيدي
__________
(1) راجع ما كتبه ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل "كيف حرَّفت التوراة" الجزء 1: 285 بتحقيقنا، وما كتبه ديورانت في قصة الحضارة 2: 367ـ 368، وتاريخ العالم للدكتور أحمد شلبي، ص89.
(2) هو يوشع بن نون من أنبياء بني إسرائيل، دعا بني إسرائيل وأخبرهم أنَّ الله قد أمره أن يقاتل الجبارين فقاتلهم يوم الجمعة قتالاً شديداً حتى غربت الشمس، فدعا الله تعالى فردت عليهم فهزمهم. (راجع الطبري 1: 227)، والملل والنحل 2: 10 نشر محمود توفيق سنة 1948م.
(3) هم بنو إسرائيل، وينقسم تاريخ الإسرائيليين إلى خمسة أدوار الأول: من عهد إبراهيم عليه السلام إلى خروجهم من مصر، الثاني: من خروجهم من مصر إلى تأسيسهم الملكية، الثالث: من تأسيسهم الملكية إلى أسر بابل، الرابع: من أسر بابل إلى خراب بيت المقدس بيد الملك أدريان، الخامس: من عهد تفرقهم في الأرض إلى اليوم.
وفي الدور الثاني من سنة 1645 إلى 1080 ق.م اتجه الإسرائيليون تحت قيادة موسى إلى أرض كنعان التي سموها بالأرض الموعود بها، فاجتازوا في طريقهم الخليخ الغربي من البحر الأحمر، ثم تاهوا في الصحراء أربعين عاماً فسموا بالعبرانيين. راجع دائرة معارف القرن العشرين 1: 280 وما بعدها. (1/339)
صفحة 87
السامرة (1) في التاريخ ألف سنة ونيف، وفي أيدي النصارى توراة أخرى فيها زيادة في تواريخ السنين على التوراة العبرانية ألف سنة وأربعمائة ونيف، وكيف يجوز مع تضاد هذا وتنافيه أن يكون ذلك من عند الله أو من عند أنبيائه الصادقين عليه؟ (2)
وبعد فاليهود جميعاً مجمعون بأنَّ موسى عليه السلام قد شهد بالنبوة لمن يأتي بعده من الناس وإن اختلفوا في صفته، وقد نطقت بذلك التوراة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمتنع أن يكون حكم التوراة، وتحريم السبت مشروطاً معلقاً بتوقيف الأنبياء بعد موسى عليه السلام، وإذا كان هذا هكذا لم يجز لأحد من اليهود أن يتطرق إلى إبطال نبوة النبي _صلَّى الله عليه وسلَّم_؛ لأنَّه جاء بنسخ التوراة،
__________
(1) السامرة أو السامرية: وهم يقولون إنَّ مدينة القدس هي نابلس، وهي من بيت المقدس على ثمانية عشر ميلاً، ولا يعرفون حرمة بيت المقدس ولا يعظمونه، ولهم توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود، ويبطلون كل نبوة كانت في بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام، وبعد "يوشع".
ويقول ابن حزم: والسامرة يزعمون أنَّ توراتهم هي المنزلة، ويقطعون أنَّ التوراة التي بأيدي اليهود محرفة مبدلة، وسائر اليهود يقولون: إنَّ التي بأيدي السامرية محرفة مبدلة. الفصل في الملل والأهواء والنحل 1: 202، والملل والنحل للشهرستاني 1: 218 ـ 219.
(2) راجع الفصْل الذي كتبه ابن حزم في كتابه الفصل بعنوان (مناقضات ظاهرة وتكاذيب واضحة في الكتاب الذي تسميه اليهود التوراة، وفي سائر كتبهم، وفي الأناجيل الأربعة يتيقن بذلك تحريفها وتبديلها، وأنَّها غير الذي أنزل الله عزّ وجلّ) 1: 201. (1/340)
صفحة 88
وإحلال السبت، إذ كانت التوراة نفسها قد أجازت ذلك، وأطمعت فيه ببشارتها بنبي يأتي بعد موسى عليه السلام، ومع ذلك فإنَّ من تدبر التوراة علم أنَّ فيها البشارة لمحمد عليه السلام (1) ، والدلالة عليه بصفته ونعته في غير موضع؛ وذلك أنَّ في السفر الخامس منها، فيما قاله الله لموسى في بني إسرائيل: إنس سأقيم لهم نبياً من إخوتهم مثلك، وأجعل كلاماً في فمه، فيقول لهم كما أوصيه به، وهذه صفة النبيّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_؛ لأنَّه من إخوة بني إسرائيل لا من أنفسهم، ولأنَّه مثل موسى في الأنبياء، إذ كان صاحب شريعة وسنة وسلطان، ولأنَّ تأويل قوله: أجعل كلاماً في فمه أنَّه لا يكتب بيده وإنما يؤدي ما أوحي إليه بلسانه ويحفظه في قلبه (2) ، وليس في زعم من زعم من اليهود أنَّ البشارة إنما هي
__________
(1) قال تعالى:}ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد{سورة الصف، آية رقم6، يعني أن التوراة قد بشرت بعيسى، وأن عيسى عليه السلام بشر بمحمد _صلى الله عليه وسلم_، فعيسى عليه السلام _وهو خاتم أنبياء بني إسرائيل_ قد أقام في ملإ بني إسرائيل مبشرا بمحمد _وهو أحمد خاتم الأنبياء والمرسلين_ الذي لا رسالة بعده ولا نبوة، وقد أورد الإمام البخاري قال: حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: «إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب». ورواه مسلم من حديث الزهري به نحوه.
(2) قال تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرءانه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} (سورة القيامة: 16 إلى 18). وقال: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم} (سورة الجمعة: 2). (1/341)
صفحة 89
ليوشع بن نون بشيء (1) ؛ لأنَّه قال من إخوتهم، ولم يقل من أنفسهم، ويوشع من (2) بني إسرائيل، والبشارة (3) إنما هي لنبي من إخوة بني إسرائيل؛ وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق، وإخوتهم أولاد إسماعيل، ولن يجوز أن تكون هذه البشارة لأحد من أنبياء بني إسرائيل، لا يوشع، ولا داود، ولا عيسى، ولا غيرهم من أنبيائهم البتة، ومع هذا إنَّ في التوراة أنَّ مثل موسى في بني إسرائيل لا يكون، وفي ترجمة أخرى: ولن يقوم في بني إسرائيل أحد مثل موسى، فقد تبين بما وصفنا أنَّ النبيّ المبشر به في هذا الكلام لا يجوز أن يكون يوشع ولا أحداً من بني إسرائيل، وأنَّه محمد _صلَّى الله عليه وسلَّم_؛ لأنَّه من ولد إسماعيل الذين هم أولاد إخوة ولد إسحاق، ولأنَّه مثل موسى في الشريعة والسنة، والسلطان، ومن التوراة أيضاً في السفر (4) الخامس أنَّ موسى قال: (أتانا الله من سيناء، وأشرق
__________
(1) سبق الترجمة له في كلمة وافية.
(2) في (ب) بزيادة لفظ (رسول).
(3) البشارة: اسم لخير يغير بشارة الوجه مطلقاً ساراً كان أو محزناً، إلاَّ أنَّه غلب استعمالها في الأول، وصار اللفظ حقيقة له بحكم العرف حتى لا يفهم منه غيره.
وقال بعضهم: البشارة المطلقة في الخير، ولا تكون في الشر إلاَّ بالتقييد.
(4) السفر: بالكسر الكتاب، والجمع أسفار، قال الله تعالى: {كمثل الحمار يحمل أسفاراً} (سورة الجمعة: 5)، والسفير: الرسول المصلح بين القوم، والجمع سفراء كفقيه وفقهاء، وسفر بين القوم سفارة أي أصلح، وسفرت المرأة كشفت عن وجهها فهي "سافر". (1/342)
صفحة 90
من ساعير، واستعلن من جبال فاران) (1) فهذه البشارة بنبوة المسيح ومحمد عليهما السلام؛ لأنَّ ساعير هو الموضع الذي جاء منه المسيح، وأظهر منه دعوته، وفاران مكة ونواحي الحجاز. وتأويل هذا الكلام إذا تأمله المتأمل، أنَّ وحي الله جلّ وعلا نزل على موسى بطور سيناء (2) ، وأنَّه نزل على المسيح بساعير وناحيته، وأنَّه نزل على محمد بالحجاز، وناحية مكة مشهور بين العلماء أنَّ جبال فاران مكة ونواحيها. وفي كتب أشعياء من صفة النبيّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ وصفة
__________
(1) الذي جاء عند ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء هو: "جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران".
يقول الدكتور الطالبي: ولقد تفضل الأب قنواتي، وأرشدني إلى النص الذي ورد في التوراة المترجم إلى الفرنسية، ثم ذكره.
وكلمة فاران كلمة عبرية _وهي جبال مكة بدلالة التوراة_ حيث إنَّ إبراهيم عليه السلام أسكن هاجر وإسماعيل فاران (المقدس: البدء والتاريخ 5: 23).
ويطلق على الجبل الممتد بين الشام وبادية العرب؛ ولكنَّ الحجاز هي المخصوصة بهذا الاسم بدلالة التوراة في قصة إسماعيل الذي كان يتعلم الرمي في برية فاران (التكوين 21/ 20ـ 21).
وساعير: جبال فلسطين _راجع المقدس: البدء والتاريخ 5: 32 ـ 33. [عمار الطَّالبي].
(2) الطور: بلدة بمصر، في شبه جزيرة سيناء، على خليج السويس، بها جبل موسى، ومحجر صحي للحجاج، تعدادها حوالي 4355 نسمة. دائرة المعارف: الموسوعة الثقافية.
وطور سيناء: جبل مشهور في تواريخ اليهود والنصارى والمسلمين، إذ أنزل الله فيه الشريعة على نبي إسرائيل، وتجلى لموسى الكليم، وهو في حقيقته سلاسل جبال، أعظمها سلسلتان لكل منهما عدة رؤوس، موقعهما في شبه جزيرة تعرف ببرية الطور، تمتد مثلثة الزوايا بين خليج العقبة وخليج السويس، وعند ملتقاهما قنن كثيرة، لكل قنة منها اسم مخصوص كجبل فاران المذكور في التوراة، وجبل كاترينا نسبة إلى دير، كان فيه للقديسة كاترينه، وجبل موسى المعروف الآن بطور سيناء وغير ذلك. راجع دائرة معارف البستاني 11/354. (1/343)
صفحة 91
بلده، وسلطانه كثيرة واضحة بينة (1) ، وفي بعضها تسميته بسمه أحمد، وأنَّه يأتي بالعدل والقسط وبأمور جديدة، وقتل الأعداء، فإن أردت أن تقف على ما قلناه من هذا فالتمس (2) كتب أشعياء فإنك ستجد فيها جميع ذلك إن شاء الله.
وكل هذا دليل على صحة أمر النبيّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ ووجوب قبول قوله فيما أتى به من إحلال السبت، ونسخ شريعة اليهود، وربما اعتل قوم من اليهود في دفع نبوة النبيّ عليه السلام بأن يقولوا للمسلمين: أنتم موافقون لنا على صحة نبوة موسى، ونحن نخالفكم في نبوة محمد، فيجب أن نأخذ بما اتفقنا عليه، وندع ما نختلف فيه، فيكون ديننا صحيحاً لهذه العلة (3) ودينكم فاسداً، وهذا الاحتجاج فاش (4) في عوام اليهود، وإن كان ذلك عند متكلميهم اعتلالاً ساقطاً واهياً لا معنى له عند جماعة المتكلمين وأهل النظر، من قبل أنَّ المذاهب والديانات لا تصح بموافقة الموافقين عليها، ولا تفسد بمخالفتهم لها، وإنما تصح بالدلائل والحجج، فيقال لمن يعتل بذلك من اليهود: أخبرونا عمن أقر بنبوة إبراهيم وجحد نبوة موسى، واحتج عليكم بمثل هذا الاعتلال، سواء أيكون
__________
(1) سقط من (ب) لفظ (بينة).
(2) في (ب) بزيادة لفظ (ذلك في).
(3) في (ب) السبب بدلاً من (العلّة).
(4) فشا الخبر: ذاع، وبابه سما، والفواشي: كل شيء منتشر من المال كالغنم والسائمة والإبل، وغيرها، وفي الحديث "ضموا فواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء". (1/344)
صفحة 92
هذا مصيباً في دفع نبوة موسى؟ ولو كان هذا حجة في دفع نبوة نبي من الأنبياء لكان حجة لمن دفع الرسل، وأنكر أن يكون الله بعث رسولاً، فتقول البراهمة لنا ولكم ولسائر المقرين بالرسل: قد اجتمعنا نحن وأنتم على الصانع، واستعمال ما يجب في العقول، وانفردتم أنتم بادعاء الرسل، فيجب أن نأخذ بما اجتمعنا عليه من التمسك بما يجب في العقول، وندع ما اختلفنا فيه من ادعائكم الرسل، وهذا أوضح بطلاناً من أن يتكلم فيه بأكثر من هذا، والله وليّ التوفيق.
القول على النصارى (1) :
اعلم وفقنا الله وإياك أنَّ النصارى الذين عقد لهم المسلمون الذمة، وأخذوا منهم الجزية يخالفوننا في ضربين: أحدهم أنَّهم جحدوا نبوءة نبينا محمد _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وقد مضى الكلام في تثبيت نبوته _صلَى الله عليه وسلَّم_، والحجة في ذلك بالذي يغني عن تكراره على النصارى في هذا الموضع، والوجه الآخر أنَّهم قالوا في أمر معبودهم، وفي المسيح بما لا يجوز القول به، وهم في ذلك على ثلاث فرق: الملكنية (2) ، واليعقوبية، والنسطورية، فهذه الفرق المختلفة تتفق في أمر معبودها في موضعين: أحدهم في الأمر الذي أثبتوه في القدم؛ وذلك أنَّهم جميعاً مقرون بأنَ ثلاثة أقانيم لم تزل: أب، وابن، وروح القدس، لا يختلفون في ذلك، ثمَّ اختلفوا في غيره، فتقول اليعقوبية والنسطورية: إنها ثلاثة أقانيم لم يزل
__________
(1) النصارى: جمع، وأحدهم نصران، كما واحد السكارى سكران، وواحد النشاوى نشوان، وكذلك جمع كل نعت كان واحده على فعلان، فإن جمعه على "فعال"، إلاَّ أنَّ المستفيض من كلام العرب في واحد النصارى "نصراني"، وقد حكى عنهم سماحاً "نصران" بطرح الياء، ومنه قول الشاعر:
تراه إذا زار العشي محنَّفاً ويُضْحي لديه وهو نصران شامِسُ
وسمع منهم في الأنثى نصرانة، قال الشاعر:
فكلتاهما خرَّت وأسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم تحنف
وقيل: إنَّهم سموا نصارى من أجل أنَّهم نزلوا أرضاً يقال لها "ناصرة". راجع تفسير الطبري 2: 144، وتفسير القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى} (سورة البقرة: 62).
(2) الملكانية: طائفة مسيحية من الطقس البيزنطي منتشرة في سورية ومصر وفلسطين، ومنها جالية هامة في أمريكا، وكنيستهم تسمى أيضاً كنيسة الروم، ويتكلم معظمهم العربية، ويرأسهم بطريرك يقيم في دمشق والقاهرة، سمُّوا الملكيين لأنَّهم أيدوا القرار الذي اتخذه مجمع خلقدونية عام 451م ضد بدعة "أوطيخا" المونوفيزية القائلة بطبيعة واحدة للمسيح، فلقبهم مخالفوهم ازدراء لهم بالملكيين لوقوفهم في صف "مرقيانوس" الذي كان يعاضد المجمع، ومنهم كاثوليك يعترفون برياسة بابا روما، ويسمون الروم الكاثوليك. راجع الموسوعة العربية الميسرة ص 1742، وكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل 1: 110ـ111، والملل والنحل للشهرستاني 1: 222. (1/345)
صفحة 93
جوهرها واحداً، وليس الجوهر معنى غيرها، وتقول الملكنية: بل هو ثلاثة أقانيم لم تزل ذات جوهر واحد، ويزعمون أنَّ الجوهر هو معنى غير الأقانيم، ولا يعدونه رابعاً معها. فهذا اختلافهم في الأمر الذي أثبتوه في القدم، ثمّ يختلفون في الموضع الآخر من صفة معبودهم؛ وهو اختلافهم في أمر المسيح، فتقول الملكنية: إنَّ المسيح أقنوم واحد وطبيعتان: طبيعة ناسوتية، وطبيعة لاهوتية (1) وتقول اليعقوبية (2) : المسيح أقنوم واحد وطبيعة واحدة، حدثا عن أقنوم إنسي، وطبيعة إنسية، وأقنوم لاهوتي، وطبيعة لاهوتية، اتحدا فصارا أقنوماً واحداً، وطبيعة واحدة. وقالت النسطورية (3) : المسيح أقنومان وطبيعتان: أقنوم لاهوتي وطبيعة لاهوتية، وأقنوم ناسوتي، وطبيعة ناسوتية، وأنَّ كل واحد منهما في الاتحاد قائم بذاته، حافظ لجوهره، وإنَّ هذه الفرق تزعم أنَّ الابن كلمة الأب الأزلي، وأنَّ الأب إنما يعلم الأشياء بكلمته، وأنَّ روح القدس هو الحياة التي من أجلها وجب أن يكون الأب حياً. فهذا جملة ما يتفقون فيه ويختلفون، ونحن سائلوهم جميعاً مسألة واحدة: أخبرونا عن هذه الأقانيم الثلاثة أكل واحد منها غير الآخر، أم كل واحد منها هو الآخر؟ فإن قالوا: كل واحد منها هو الآخر،
__________
(1) يضيف ابن حزم قولهم: "إنَّ عيسى عليه السلام إله تام كله وإنسان تام كله، ليس أحدهما غير الآخر، وأنَّ الإنسان منه هو الذي صلب وقتل، وأنَّ الإله منه لم ينله شيء من ذلك، وأنَّ مريم ولدت الإله الإنسان، وأنَّهما معاً شيء واحد ابن الله. قاتلهم الله أنى يؤفكون، وكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلاَّ كذبا". الفصل 1: 111.
(2) اليعقوبية: فرقة مسيحية تنسب إلى يعقوب، وهي إحدى فرق ثلاث اختلفت حول طبيعة المسيح. عاش اليعاقبة في مصر والنوبة والحبشة، يدور مذهبهم على القول بأنَّ المسيح هو الله والإنسان، اتحدا في طبيعة واحدة هي المسيح، واشتغل كثير منهم في ظل الإسلام بنقل الفلسفة اليونانية، وكتبها إلى السريانية ثمَّ إلى العربية، ولقوا من الخلفاء المسلمين كل تشجيع وتقدير، فكان لذلك أثره في تاريخ الحياة العقلية الإسلامية، ولا سيما من الناحيتين الكلامية والفلسفية. المصدر السابق 111، 112، والموسوعة العربية الميسرة.
(3) النسطورية: تنسب إلى (نسطور) الذي كان بطريرك القسطنطية عام 431م، ويقال (نسطور الحكيم)، وقد تصرف في الأناجيل وأضاف إليها.
يقول (نسطور) شارحاً مذهبه:
إنَّ مريم لم تلد إلهاً؛ لأنَّ ما يولد في الجسد ليس إلاَّ جسداً، ولأنَّ المخلوق لا يلد الخالق، فمريم ولدت إنساناً ولكن كان إلهاً للاهوت، وعلى هذا لا تسمى (مريم) والدة إله، بل والدة (المسيح) الإنسان، وقد جاء اللاهوت لعيسى بعد ولادته، أي أنَّ عيسى اتحد بعد الولادة بالإقنوم الثاني اتحاداً مجازياً، فمنحه الله المحبة، ووهبه النعمة، وقد اتخذت الكنائس موقفاً معارضاً من آراء (نسطور)، وعلى الرغم من طرده من منصبه فإنَّ مذهبه لم يمت بل انتشر في الشرق، وهو منتشر في شمال العراق والجزيرة.
ويقول (نسطور): إنَّ الله واحد ذو أقانيم (الوجود والعلم والحياة)، وهي ليست زائدة على الذات ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد (عيسى) لا على طريق الامتزاج (كما قالت الملكانية)، ولا على طريق الظهورية (كما قالت اليعقوبية)، ولكن كإشراق الشمس في كوة أو على بلور، أو كظهور النقش في الخاتم. راجع الملل والنحل 2: 64، ودائرة معارف القرن العشرين 10: 183، والمدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب 1: 234. (1/346)
صفحة 94
قيل لهم: فلم جعلتموها ثلاثة، ولم تقولوا فيما بينها بالمغايرة؟ وهل العدد نفسه إلاَّ المغايرة؟ أو هل المغايرة معناها إلاَّ العدد؟ فقولكم: ثلاثة يثبت المغايرة، وقولكم كل واحد من الأقانيم هو الآخر ينفي المغايرة، فقد أثبتم بكلامكم ما نفيتم، ونفيتم ما أثبتم، وإن قالوا: إنّ كل واحد من الأقانيم غير الآخر، قيل لهم: فهل تبينون كل واحد منها عما سواه بصفة أو لا تبينونه من غيره بصفة؟ فإن قالوا: لا نبين كل واحد من الأقانيم عن صاحبه بصفة عاد عليهم الكلام الأول بأنَّ الأقانيم الثلاثة واحد من الأقانيم عن صاحبه بصفة، عاد عليهم الكلام الأول بأنَّ الأقانيم الثلاثة واحد، وإنما عبروا عنها بلفظ الثلاثة، وهي في الحقيقة واحد، ولا فائدة ها هنا في ذكر الثلاثة، وإن قالوا: كل واحد منها موصوف بصفة غير صفة صاحبه أثبتوا فيها الأعراض والتغاير، وأبطلوا عنها أن تكون قديمة، ويدخل عليهم جميعاً ما أدخلناه على الدهرية وأشياعهم من إثبات حدوث جميع ما يوصف بالأعراض والتغاير، ويقال لهم: أخبرونا عن المسيح أليس هو ابن الله؟ تعالى الله عن ذلك، فإن قالوا: نعم، قيل لهم: أخبرونا عن الروح التي هي فيه من اللاهوت (1) أهي الابن؟ فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فهي بعض الله، فإن زعموا أنَّها بعض الله، قيل لهم: فإذا كانت الأبعاض كلها قديمة فما معنى قولكم: إنَّه ابن لبعض، وهما قديمان جميعاً؟ وما جعل هذا البعض أولى بأن يكون ابناً للبعض الآخر من أن يكون ذلك البعض ابنه؟ فإن زعموا أنَّ ذلك
__________
(1) عند "أوجست كونت" الحالة اللاهوتية: هي الحالة الأولى من حالات العقل، وفيها يبحث عن كنه الكائنات وأصلها ومصيرها، وقد تدرج في ذلك ثلاث درجات.
كانت الأولى: الفيتشية، وفيها يضيف إلى الكائنات الطبيعية حياة روحية شبيهة بحياة الإنسان.
وكانت الدرجة الثانية: تعدد الآلهة، وهي أكثر الدرجات تمييزاً للحالة اللاهوتية، يسلب فيها عن الكائنات الطبيعية ما خلع عليها من حياة، ويضيف أفعالها إلى موجودات غير متطورة تؤلف عالماً علوياً.
وكانت الدرجة الثالثة: التوحيد، أي الاعتراف بإله واحد فرد صمد. انظر علم اللاهوت، والمعجم الفلسفي: مراد وهبه 264. (1/347)
صفحة 95
أولى لأنَّه أقل من هذا قيل لهم: فكل بعض الشيء هو أقل من البعض الآخر فهو ابن له، فإذا كان ذلك كذلك عدد عليهم جميع ما في العالم، فجعل كل بعض أقل من بعض ابناً للبعض الأكثر، وهذا مما لا يعقله أحد في قصّة ولا يجده في صحيح معنى، فإن قالوا: إنَّ الكل في ذلك البدن، قيل لهم: فأي شيء منه الابن، وأي شيء منه روح القدس (1) ، والكل هو الأب، والكل هو الابن، والكل هو روح القدس؟ فإن قالوا: نعم، قيل: فالأب هو الابن، والأب هو روح القدس، فإن يكن ذلك كذلك فالأب ابن لنفسه، والابن أب لنفسه؛ لأنَّ هذا كله من واحد، وهذا المحال من الكلام الذي قد بان اختلاطه، وإن هم جزأوا فجعلوا جزءاً مما في البدن ابناً، وجعلوا جزءاً روح القدس، وجعلوا جزءاً آخر أباً، قيل لهم في ذلك كما قيل لهم في الكلام الأول قبل هذا، وهو أن يقال: ما جعل البعض أولى أن يكون ابناً من البعض الآخر، وأن يكون أباً من البعض الآخر؟ ولا نعلم في ذلك حيلة ولا جواباً، ثمّ يقال لهم: أخبرونا عن معنى الأب أهو معنى الابن وروح القدس؟ وعن معنى الابن أهو معنى الأب وروح القدس؟ وعن معنى روح القدس أهو معنى الأب والابن؟ أو معنى كل
__________
(1) هو أحد الأقانيم الثلاثة المؤلفة لله تعالى في اعتقاد بعض النصارى.
قالت دائرة معارف القرن العشرين الفرنسية: جاء لفظ روح الله ونفحة الله في التوراة ولم يقصد بها إلاَّ أصل القدرة الإلهية، أو طريقة تأثير تلك القدرة. فجاء في التوراة:
"إنَّ الأرض في مبدأ تكوينها حين كانت خالية خاوية مجللة بالظلمات كان روح الله يتحرك على مياهها، فلما سوى الله الإنسان من الطين، ونفخ فيه من روحه فاستوى بشراً سوياً، ثمّ سحب روحه منه فعاد طيناً كما كان أولاً، ولكنَّ الله أعاد له روحه ثانية، ومن نفخة الله أو روحه نشأت جميع الكائنات الأرضية".
وقد جاء في الأناجيل: ذكر الأب والابن والروح القدس، ولكن لا يوجد فيها إشارة إلى التثليث ولا إلى ما يشير إليه العلم اللاهوتي اليوم، فالإله الذي كان يتكلم عنه عيسى عليه السلام وحواريه هو الله الواحد رب الأنبياء الذي تجب له العبادة وحده، وكان عيسى عليه السلام يدعو هذا الإله "الآب"، ولا يدعو رباً سواه. ثمّ قالت دائرة المعارف الفرنسية: الكلام على الروح القدس ظل مدة طويلة كثير التخالف ومرتبكاً فقال هرمس: الجزء الإلهي في عيسى هو الروح القدس، يعني الابن المخلوق، قبل أن يخلق شيء في العالم.
وكان جوستان وتيوفيل: "يعتبران الروح القدس تارة كشكل خاص لمظهر الكلمة، وتارة كصفة من صفات الله؛ ولكنهما لم يعتبراها قط شخصاً إلهياً".
وقال اثيناغور (110 ـ 180) بأنَّ روح القدس هو قوة من الله تخرج منه وتعود إليه كشعاع الشمس.
ولما اجتمع مجمع (نيسية) سنة 325 وحدد وحدة أزلية الآب والابن ترك للناس الحرية في الاختلاف على الروح القدس. [عمَّار الطالبي]. (1/348)
صفحة 96
واحد منهما غير معنى الآخر؟ فإن قالوا: معنى كل واحد منها هو معنى الآخر قيل لهم: فلم سميتم الأب أباً دون أن تسموه ابناً أو روح القدس؟ أو لم سميتم الابن ابناً دون أن تسموه أباً أو روح القدس؟ أو لم سميتم الروح القدس روح القدس، دون أن تسموه أباً أو ابناً؟ وكل معنى واحد منها هو معنى الآخر، فإن قالوا: معنى كل واحد منها غير معنى الآخر، كررنا عليهم المسألة الأولى من اتفاق الصفات واختلافها، حتى يخرجوا إلى بطلان قدم الأب والابن وروح القدس جميعاً، فذلك الذي أردناه منهم، ويقال لهم: أخبرونا عن الأقنوم (1) اللاهوتي، والطبيعة اللاهوتية، واتحادهما وصيرورتهما إلى الإنسان، أعن سبيل النقلة من القديم كان لك أم على سبيل غير النقلة؟ فإن قالوا: عن سبيل النقلة أثبتوا مكانين؛ لأنَّ النقلة لا تكون إلاَّ عن مكان إلى مكان، فإن قالوا: على غير سبيل النقلة ولن يجدوا ذلك المعنى؛ لأنَّ التحويل من شيء لا يجيء إلاَّ على سبيل النقلة في الأماكن، فإن قالوا: إنما قلنا إنَّ في المسيح من الروح اللاهوتي ومن الطبيعة اللاهوتية، لما يجري على يديه من اختراع الأجسام، وإحداث الأجرام، وتصيير الموتى أحياء، فعلمنا أنَّ ذلك من الأفعال التي لا تحتملها طبيعة الإنسان، ولا روح الإنسان، قيل لهم: فإن كنتم إنما قلتم ما قلتم من ذلك لهذه العلة، فينبغي لكم أن تقولوا في جميع من ظهر على يديه مثل هذه الأشياء بأنَّ فيه من الروح اللاهوتي والطبيعة اللاهوتية، فهذا موسى عليه السلام تحدث على يديه
__________
(1) الأقنوم: واحد الأقانيم، ويرى بعض رجال الكنيسة أنَّ الأقانيم ثلاثة: الآب، والابن، وروح القدس. (1/349)
صفحة 97
العجائب العظيمة، والأمور الجليلة، فينبغي لكم أن تقولوا في موسى بمثل الذي قلتموه في المسيح، وأنتم تقولون: إنَّ عيسى أحيا أربعة أنفس، وتقرون أنَّ حزقائيل أحيا ألوفاً في وقت واحد، فما جعل المسيح أولى بما قلتم من حزقائيل؟ وقلتم: إنَّ المسيح أشبع جماعة كثيرة من طعام يسير، وكانت أرغفة قليلة، ثمّ حمل منها بعد ما شبع الجماعة زنبيل، وأنتم تقرون أنَّ الياه أحدث في إناء دقيقاً ولم يكن فيه، وأحدث في إناء زيتاً ولم يكن فيه زيت، وهذا أعجب من إحداث طعام من طعام، وكان له أصل، وهذا الذي أحدث الياه بزعمكم من غير أصل كان، فافرقوا في ذلك بين المسيح وبين الياه، وما جعل المسيح أولى بالذي قلتم فيه من الياه؟ فإن زعمتم أنَّ المسيح صير ماء خمراً فقد تقرون أنَّ المسيح ملأ عدة من الآنية ماء لامرأة، ثمَّ صيرها زيتاً، فهذا أعجب من ذلك؛ لأنَّ الخمر أقرب شبهاً بالماء من الزيت به، وإن قلتم: إنَّ المسيح مشى على الماء فأنتم تقرون أن يوشع (1) ابن نون وأن الياه واليسع قد مشوا على الماء، فما جعل المسيح أولى بما قلتم فيه منهم؟ وإن قلتم: إنَ المسيح استحق ذلك واستوجبه بأنَّه رفع إلى السماء فأنتم تقرون بأنَّ الياه قد ارتفع إلى السماء بمشهد من جماعة كثيرة، ويقال لهم: ألستم تقرون أنَّ المسيح قد قتل وصلب (2) ، واستخفت به اليهود واستهزأوا به، وهو
__________
(1) هو يوشع بن نون من أنبياء بني إسرائيل، بعثه الله نبياً، فدعا بني إسرائيل وأخبرهم أنَّه نبي، وأنَّ الله قد أمره أن يقاتل الجبارين، فقاتلهم يوم الجمعة قتالاً شديداً حتى أمسوا وغربت الشمس، ودعا الله تعالى فردت عليه الشمس فهزم الجبارين (الطبري 1: 227) نقلاً عن هامش الملل والنحل 2: 10، نشر مكتبة الحسين التجارية 1948م).
(2) قال تعالى: {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلاَّ إتباع الظن وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً} (سورة النساء: 157 ـ 158). (1/350)
صفحة 98
إنما أظهر العجائب من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص ليعظم ويصدق ويوصف بالصفات التي تصفونه أنتم بها، فلم أمكن نفسه من اليهود؟ يستخفون به ويستهزئون به، ثم قتلوه بزعمكم وصلبوه، فكيف حتى أعقب فعل العجائب العظيمة بالأفاعيل التي تدعو إلى التصغير والاستخفاف به؟ فهذا كله ومثله يدل على فساد قولكم في المسيح _صلَّى الله عليه وسلَّم_، ويدل على نبي من أنبياء الله تعالى، ورسوله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ وعليهم جميعاً، لا أكثر من ذلك ولا أقل، تعالى الله عن جميع ما يقول المبطلون علواً كبيراً.
الأصل الرابع من أصول الملحدين وهم المشبهة (1)
وذلك أن جميع من شبه الله بخلقه، ووصفه بغير صفته، على اختلاف أقاويلهم وتفاوت مذاهبهم يرجعون في جملتهم إلى فصول ثلاثة:
فالفصل الأول من ذلك هو القول بالتشبيه على محض التشبيه، والوصف لله جل جلاله بالتجسيم على حقيقة التجسيم، وهؤلاء هم الذين يثبتون معبودهم على ما يعقلونه من أنفسهم، ويحصرونه بأوهامهم، وعلى ما يشاهدون بأبصارهم، وزعموا أن معبودهم جسم كالأجسام: لحم ودم، عريض طويل،
__________
(1) التشبيه: هو الغلو، بل هو أبرز مظاهر الغلو، وهو تشبيه بعض الأئمة والأشخاص بذات الله تعالى، وأمَّا التقصير فهو تشبيه الإله سبحانه بواحد من الخلق.
ولقد نشأ مبدأ التشبيه من مذاهب الحلولية والتناسخية، ومن مذاهب اليهود والنصارى، فقد شبهت (اليهود) الخالق بالخلق، وسرت هذه الشبهات في أذهان الغلاة. وقد اعتمد الغلاة التشبيه لهدم مبدأ الألوهية؛ لأن التشبيه يجعل المشبه والمشبه به على مستوى واحد، وعلى مستويات متقاربة. راجع الغلو والفرق الغالية 136، والملل والنحل 1: 197، والمدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب 1: 66. (1/351)
صفحة 99
محدود في مكان دون مكان في جميع صفات الأجسام، حتى إن منهم من يحصره في صورة إنسان سبعة أشبار، كائناً ما كان ذلك الشبر، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
الفصل: الثاني:
قول مَن يقول منهم بمجرد التجسيم دون أن يثبتوا معاني الأجسام، ويزعمون أنه جسم لا كالأجسام، ونور لا كالأنوار، وأبوا أن يكون لحماً ودماً، ولا عريضاً ولا طويلاً، فاقتصروا بالتسمية بالجسم على معنى الجسم زعموا.
الفصل الثالث:
مقالة الغالطين في تأويل متشابه كتاب الله عزّ وجلّ، المحرفين لكلامه، المتعلقين بالحديث عن رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وهؤلاء مع ما هم فيه من التشبيه فإنهم حائدون عن التسمية بالجسم بزعمهم، وهذا الصنف من المشبهة على أنهم يستنكفون عن عبادة التجسيم، فإن قلوبهم مع ذلك طاغية إلى التصريح بغاية التشبيه، وأهواؤهم مائلة إلى التبريح بنهايته، وحتى إن عوامهم يبوحون بأفحش التشبيه وأقبحه أحياناً، وإن محدثيهم ليفصحون به أوقاتاً، ومتى تورع أحد من علمائهم في شيء من مذاهبهم، أو نوظروا كادت المناظرة (1/352)
صفحة 100
تضطرهم إلى ما ذكرت لك من ذلك، وتلجئهم إليه، إلاَّ أن يشم أحد من علمائهم برائحة علم الكلام فيقتصر دون غاية ما ينتهي إليه عوامهم، وهذا الصف هم الذين يسمون الحشوية (1) ، وأصحاب الحديث، وكل هذه الفرق مع اختلافهم فإنهم مجمعون على أن الله يرى يوم القيامة بالأبصار، وأنه حال على العرش، تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً، وهذه الفصول التي ذكرناها تتضمن جميع مذاهب المشبهة وأقاويلهم المختلفة على كثرتها في معبودهم إن شاء الله، ونحن ذاكرون ما احتجوا به من كتاب الله عزّ وجلّ، وما تعلقوا به من حديث رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_، ثم نتبع ذلك بالرد عليهم في باطلهم، وما أساءوا فيه الثناء على ربهم، والنظر لأنفسهم، ونذكر جميع ما غلطوا فيه من تأويل الآي التي انتحلوها من كتاب الله عزّ وجلّ، وأحاديث رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_، حتى نأتي على ذلك الأول فالأول، ولا قوة إلاَّ بالله.
وكان مما احتجت به المشبهة من كتاب الله عزّ وجلّ أن قالوا: إن الله وصف نفسه في كتابه على لسان نبيّه محمد _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وهو أعرف بصفته منكم فقال: {الرحمن على العرش استوى} (2) وقال: {خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش} (3) والعرش معروف أنه جسم
__________
(1) الحشوية: فرقة عقائدية من فرق المعتزلة، سموا كذلك نسبة إلى الحشو، ويقصد به أسافل الناس، كما يقصد به الزائد من الكلام أي اللغو، ذلك أن الحشوية أو أهل الحشو أخذوا بظواهر القرآن دون تبصّر حتى وقعوا في الاعتقاد بالتجسيم. راجع القاموس الإسلامي 2: 102.
(2) سورة طه، آية رقم 5.
(3) سورة الفرقان، آية رقم 59. (1/353)
صفحة 101
الأجسام. والاستواء في معقول الكلام هو الاستقرار. قال الله عز وجل: {واستوت على الجودي} وأكد ذلك بقوله: {على}، ومع ذلك أن (ثم) في لغة العرب إنما هي للاستئناف، فدل أنه استوى على العرش بعدما خلق السماوات والأرض، قالوا: ويدل على ما قلنا في العرش أنه جسم من الأجسامم كما قلنا، لا كما قلتم، وأنه على ما يعقل من العرش، وأن العرش مشتق منهه، ومشبه به، وأنه كالسرير قوله تعالى: {وكان عرشه على الماء}، وقال: {رب العرش العظيم}، قالوا: ويؤيد ما قلنا من ذلك حديث عبد الله بن المبارك عن الليث عن عقيل (1/354)
صفحة 102
عن ابن شهاب: "أن رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ سأل جبريل أن يتراءى له في صورته قال: إنّك لا تطيق ذلك، قال: إني أحب أن تفعل، فخرج رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ إلى المصلّى في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل عليه السلام في صورته، فغشي على رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ حين رآه، حتى أفاق وجبريل مسنده فقال: سبحان الله سبحان الله، ما كنت أرى أن شيئاً من الخلق هكذا، فقال جبريل: فكيف لو رأيت إسرافيل إن له اثني عشر جناحاً: جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل أحياناً لعظمة الله، حتى يعود مثل الوضع حتى لا يحمل عرشه إلاَّ عظمته" (1) قالوا: وذكر ابن عيينة (2) عن
__________
(1) هذا الأثر مرسل، وابن شهاب من صغار التابعين، ومن أوعية الحفظ والإتقان. قال أبو الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كلما سمع، فلمّا احتيج إليه علمت أنَّه أعلم الناس، ولكن قال أحمد بن سنان: كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول: هو بمنزلة الريح، ويقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء عقلوه. وقال الذهلي: لست أدفع رواية معمر عن الزهري. وقد ثبت من طرق أن الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- رأى جبريل بصورته مرتين، وإذا تعارض حديثان قدم أصحها سندا،ً والله أعلم.
(2) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي، سكن مكة، قيل: إن أباه هو المكي أبا عمران، روى عن عبد الملك بن عمير، وأبي إسحاق السبعي وزياد بن علاقة، والأسود بن قيس وآخرين، وعنه الأعمش، وابن جريج، وشعبة، والثوري وآخرين. قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. مات سنة 198هـ. (1/355)
صفحة 103
عمرو (1) عن عطاء (2) وابن جدعان (3) عن سعيد بن المسيب (4) قال: قال رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_: أنا أول مَن تنشق عنه الأرض فأجد موسى _صلَّى الله عليه وسلَّم_ متعلقاً بالعرش، _زاد أحدهما_ ولا أدري لعلّه جوزي بالصعقة التي أصابتهم" (5) فقالوا: إنَّما مثل ذلك على قوله: {أهكذا عرشك قالت كأنه هو} (6)
__________
(1) هو عمرو بن دينار الجمحي بالولاء، أبو محمد الأثرم: فقيه، كان مفتي أهل مكة، فارسي الأصل، مولده بصنعاء عام 46 هـ، ووفاته بمكة عام 126هـ. قال شعبة: ما رأيت أثبت في الحديث منه، وقال النسائي: ثقة، واتهمه أهل المدينة بالتشيع والتحامل على ابن الزبير، ونفى الذهبي ذلك. قال ابن المديني: له خمسمائة حديث. راجع تاريخ الذهبي 5: 114، وتهذيب التهذيب 8: 30، وطبقات فقهاء اليمن لابن سمرة، وفيه مات سنة 127.
(2) هو عطاء بن أسلم بن أبي رباح بن صفوان: تابعي من أجلاء الفقهاء، كان عبداً أسود، ولد في جند (باليمن) عام 27هـ، ونشأ بمكة، فكان مفتي أهلها ومحدثهم، توفي بها عام 114هـ. تذكرة الحفاظ 1: 92، وتهذيب التهذيب 7: 199، وصفة الصفوة 2: 119، وميزان الاعتدال 2: 197.
(3) هو علي بن زيد بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان أبو الحسن القرشي التميمي، فقيه ضرير، من حفّاظ الحديث الأئمة، وليس بالثقة القوي، من أهل البصرة. قال الذهبي: أحد أوعية العلم في زمانه، توفي عام 129هـ. راجع خلاصة تهذيب الكمال 232، وتاريخ الإسلام الذهبي 5: 283.
(4) سبق الترجمة له في كلمة وافية قريبا من هذا.
(5) الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الأنبياء، 31 باب وفاة موسى عليه السلام، 3408 بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أستب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم: والذي اصطفى محمد -صلَّى الله عليه وسلَّم- على العالمين -في قسم يقسم به-، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم، فقال: لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله. ورواه أيضاً في باب الخصومات، كتاب التوحيد 31، ورواه الإمام مسلم في كتاب الفضائل 160، 162 بسنده عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وذكره. ورواه الإمام أحمد في المسند 2: 264 ـ 3: 41. وأورده البيهقي في كتاب الأسماء والصفات ص 394 ـ 395.
(6) سورة النمل، آية رقم 42. (1/356)
صفحة 104
وقال: {ولها عرش عظيم} (1) قالوا: وليس بين قوله: {ورفع أبويه على العرش} (2) وبين قوله:
{استوى على العرش} (3) فرق، وقالوا: بل علمنا بالقياس أن يكون سواء حتى يفرق بينهما كتاب الله أو خبر، أو يكون في مخرجه دلالة، قالوا: وقد أجمعوا على أن الحملة الثمانية ملائكة، ثم جاءت الأخبار بعد ذلك تخبر عن اختلاف صورهم، قالوا: ويؤكد ما قلناه من هذا قوله: {الذين يحملون العرش ومن حوله} (4) دلالة على أن العرش جسم يطاف به، وبدن يدار حوله، وكذلك قوله: {وترى الملائكة حافين من حول العرش} (5) ، قالوا ومما يؤكد قولنا، قول النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- لسعد بن معاذ حيث
__________
(1) سورة النمل، آية رقم 23.
(2) سورة يوسف، آية رقم 100.
(3) سورة الأعراف آية رقم 54، وسورة يونس آية رقم 3، وسورة الرعد آية رقم 2، وسورة الفرقان آية رقم 59، وسورة السجدة آية رقم 4، وسورة الحديد آية رقم 4.
(4) سورة غافر آية رقم 7.
(5) سورة الزمر آية رقم 75. (1/357)
صفحة 105
حكم في بني قريظة: قد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات (1) ، ولو كان الله على ما قلتم في كل مكان لما قال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات، وقال: اهتزّ العرش لموت سعد (2) ، والاهتزاز لا يكون إلاَّ للأجسام، ومما احتجت به أيضاً قوله عزّ وجلّ: {ثم َّدنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى، ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى} (3) ، وقال: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} (4) وقال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (5) ، فالحسنى الجنة، والزيادة الرؤية، ويؤكد ما قلنا في الرؤية قول النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: إنكم سترون ربّكم لا تضامون في رؤيته، كما لا تضامون في القمر ليلة البدر (6) ، وقال في الفجار: {إنهم عن
__________
(1) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب الجهاد والسير، 21 باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، 64 (1768) بسنده عن أبي سعيد الخدري، ورواه البخاري في كتاب الجهاد 168، والمغازي 30، والمناقب 12، وأحمد بن حنبل في المسند 3: 22، 6: 142 (حلبي).
.
(2) الحديث رواه البخاري في صحيحه عن أبي موسى، وأخرجه الإمام مسلم عن أبي سفيان عن جابر –رضي الله عنه-. ومن حديث قتادة عن أنس –رضي الله عنه-، وأورده البيهقي في الأسماء والصفات، وقد في الحديث أن الملائكة تستبشر بروح المؤمن، ورواه أحمد في مسنده عن أنس وعن جابر، والترمذي وابن ماجه عن جابر، وأخرجه النسائي بلفظ: "تحرك عرش الرحمن"، عن طريق محمد بن عمرو عن أبي الهادي وغيره، عن معاذ بن رفاعة، وقال الذهبي: إن رواية قتادة عن أنس حديث صحيح، والإسناد إلى عائشة إسناد حسن، واعتبره الذهبي متواترا والله أعلم.
(3) سورة النجم الآيات من 8- 17.
(4) سورة القيامة آية 22 ـ 23.
(5) سورة يونس آية رقم 26.
(6) الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة 13 باب فيما أنكرت الجهمية 177 بسنده عن جرير بن عبد الله عن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- وفيه زيادة "فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} [سورة ق: 39].
ورواه البخاري في المواقيت 16، 26، والتوحيد 24، ورواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان 302 بسنده عن أبي سعيد الخدري 81، باب معرفة طريق الرؤية، وأبو داود في السنة 19، والترمذي في الجنة 15، 17، 20، وأحمد بن حنبل في المسند 3: 16، 4: 12 (حلبي). (1/358)
صفحة 106
ربهم يومئذ لمحجوبون} (1) وقال: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاَّ وحياً أو من وراءِ حجاب} (2) وذكروا صفة الحجب وصنوفها، ومما احتجت به أيضاً قول الله عز وجلّ: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} (3) ولا يجوز أن يجيء إلى مكان هو فيه، ولو جاز أن يجيء إلى مكان هو فيه جاز أن يخرج منه وهو فيه، قالوا: فإذا أخبر الله أنه في السماوات وفي الأرض، وقلتم إن الدنيا كلّها لا تخلو منه، وأنه فيها، فإذا كان الأمر كذلك، وكانت الدنيا محدودة كان الذي يكون في بعضها أو في كلّها محدوداً، إذا كان لم يجاوزها، ولو جاوزها لخرج لا إلى مكان، ولا يجوز أن يخرج منها إلاَّ إلى مكان. قالوا: وقد أخبر أنه في السماوات وفي الأرض، والله لا يخاطب عباده إلاَّ بما يعقلون، قالوا: وقد قال الله عزّ وجلّ لموسى عليه السلام -ولسنا نعدو ما قال-: {ولتصنع على عيني} (4) فقلنا: إنه له عيناً كما قال، قالوا: وقد قال الله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} (5) ، وقال: {إنما نطعمكم لوجه الله} (6) ، وقال: {يريدون وجه الله} (7) فعلمنا بهذا أن له عيناً ووجهاً كما قال، قالوا: وقد قال الله لموسى عليه السلام: {واصطنعتك لنفسي} (8) ، وقال عيسى عليه السلام لربه: {تعلم ما في نفسي
__________
(1) سورة المطففين آية رقم 5، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعات حيث قال: "عنده" بدلاً من "عن".
(2) سورة الشورى آية رقم 51.
(3) سورة الفجر آية رقم 22.
(4) سورة طه آية رقم 39.
(5) سورة الرحمن آية رقم 27.
(6) سورة الإنسان آية رقم 9.
(7) سورة الروم آية رقم 38، وتكملة الآية {وأولئك هم المفلحون}.
(8) سورة طه آية رقم 41. (1/359)
صفحة 107
ولا أعلم ما في نفسك} (1) ، قالوا: والدليل على أن له يداً قوله: {بل يداه مبسوطتان} (2) ، وقوله: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} (3) ، وأعلنوا أيضاً بقوله: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} (4) ، فقالوا: قد أخبرنا أن له يميناً، وإنّما خاطبنا بما نعقل، وعلى ما نعرف من اليمين والقبضة، قالوا: وقد قال الله عزّ وجلّ حكاية عن قول الكافر: {يا حسرتى على فرطت في جنب الله} (5) ، قالوا: فهذه الأخبار كلها في كتاب الله عزّ وجلّ، يخبر به عن نفسه وصفته، ولن نعدو ما قال الله، وهو أعرف بصفته منكم، ويؤكد جميع ما تلونا من هذه الآي الحديث المروي: إنَّ الله خلق آدم على صورته (6) ، فهذا الذي يتعلق به أهل التشبيه، ويتطرقون به إلى تشبيههم من آي القرآن، ومن الحديث قد ذكرناه.
ونحن مبيّنون ما غلطوا فيه، ومفسرون ما ذهبوا به عن فصول الصواب،
__________
(1) سورة المائدة آية رقم 116.
(2) سورة المائدة آية رقم 64.
(3) سورة ص آية رقم 75.
(4) سورة الزمر آية رقم 67.
(5) سورة الزمر آية رقم 56.
(6) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، 32 باب النهي عن ضرب الوجه 116 بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: وذكره، ولفظه: "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته"، ورواه الإمام البخاري في كتاب الاستئذان، ورواه أحمد بن حنبل في المسند 2: 244، 251، 315، 323، 334 (حلبي). (1/360)
صفحة 108
بعد أن نجيب بجملة كافية، تأتي على ما ذكروا من هذا كله، وسطروه إن شاء الله، ولا قوة إلاَّ بالله.
فنقول للقوم: أخبرونا عن جميع ما خاطب الله به عباده في كتابه مما دلهم به على صفته، وعلى فعله، وغير ذلك من أخباره، وأخبار رسوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-، أيحمل جميع ذلك على ظاهره دون سائغه، وعلى معقوله دون مفهومه، وعلى حقيقته دون مجازه، أو يحمل على ما يسوغ في حكمة الله تعالى وعدله، وعلى ما يليق به في صفته، دون ما لا يليق به، وعلى ما تستعمله أهل اللغة والناس بينهم في خطابهم، مما تقتضيه دلالة القياس دون عبارة اللفظ؟ فإن هم قالوا: إن جميع ذلك يحمل على المعقول دون المفهوم وعلى الظاهر دون السائغ، ولو أن ذلك الظاهر والمعقول يخرج إلى غاية الفساد من القول، ونهاية المتناقض من الكلام، قيل لهم: أليس قد قال الله عزّ وجلّ: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} (1) ، وقال: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} (2) وقال: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} (3) ، وقال: {وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن
__________
(1) سورة الأنفال آية رقم 22.
(2) سورة البقرة آية رقم 171.
(3) سورة البقرة آية رقم 18. (1/361)
صفحة 109
خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون} (1) ، وقال: {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمى} (2) ، وقال: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} (3) ، أتحملون هذا كله على الظاهر دون السائغ من الكلام، وعلى المعقول من الخطاب دون المفهوم؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: فهم إذن صم لا أسماع لهم يسمعون بها ما يخاطبون به، وعمي لا أنظار لهم يبصرون بها ما يدلون عليه، ولا عقول لهم يعقلون بها ما يكلفون به، وبكم لا ألسنة لهم فينطقون بما يلزمهم، فينبغي على هذا المعنى أن يكون الله عزّ وجلّ خاطب مَن لا يسمع ولا يبصر، وذمه بأنه لا يسمع ولا يبصر، وكلف مَن لا يفهم التكليف ولا يحتمله ولا يعقله، فهذا فعل العابث السفيه، ومن القول الذي لا يقول به أحد من الناس: عالم ولا جاهل، تعالى الله عن ذلك، مع أن الله عزّ وجلّ قد قال أيضاً: {وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء} (4) ، فأي هذين الخبرين أولى بأن تأخذوا، وتحملوا عليه مراد مثل هذا الكلام؟ فإن رجعوا وقالوا: إن العرب قد تسمي المتعامي أعمى، والمتصامي أصمّ، ويقولون
__________
(1) سورة يس آية رقم 9.
(2) سورة الزخرف آية رقم 40.
(3) سورة هود آية رقم 20.
(4) سورة الأحقاف آية رقم 26. (1/362)
صفحة 110
لمَن عمل عمل منَ لا يعقل لا يعقل، وإنما هذا الكلام محمول على كلام؛ وذلك أن المتعامي إذا تعامى صار في الجهل كالأعمى، فلمّا أشبهه من وجه سمي باسمه، قلنا: قد صدقتم، ولكن ما الأصل المستعمل في تسميتهم بالعمى؟ فإن قالوا: هو الذي لا نظر له، قلنا: فلم زعمتم أن لهذا الذي سماه الله أعمى ناظراً، وأخذتهم بالمجاز والتشبيه، وتركتم الأصل الذي هو هذا الاسم مطلق له؟ قالوا: إنما قلنا ذلك من أجل أن الأول لا يجوز على الله، والثاني جائز عليه، والله لا يتكلّم بكلام إلاَّ ولذلك الكلام وجه، قالوا: فإذا نظرنا في كلام الله وهو عندنا عدل غير جائز، وهو يقول: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} (1) علمنا أنهم لو كانوا منقوصين غير وافرين كانوا قد كلفوا ما لا تحتمله خلقتهم، والمكلف لعباده ما لا تحمله خلقتهم، والمخاطب لهم بما لا تفي به حواسهم جائر ظالم، قالوا: فإذا كان الله لا يليق به ذلك علمنا أنهم كانوا وافرين غير عاجزين ولا منقوصين، وإذا كانوا كذلك صار الواجب (2) أن يحكم بالمفهوم دون المعقول،
__________
(1) سورة البقرة آية رقم 171.
(2) الواجب الشرعي: ما أثم تاركه، والواجب المطلق: هو ما لا يتوقف وجوبه على وجود مقدّمة وجوده من حيث هو كذلك، كالصوم مثلاً فإنه واجب مطلقاً بالقياس إلى النيّة. والواجب المقيّد: ما يتوقف وجوده على وجود مقدمة وجوده من حيث هو كذلك، فهو كالصوم مثلاً فإنه مقيّد بالقياس إلى البلوغ. (1/363)
صفحة 111
وبالسائغ دون الظاهر، فقلنا: هم صم بكم عمي لا يعقلون، ما أنهم تعاموا وتصاموا وعملوا عمل مَن لا يعقل، فإذا قالوا ذلك، قلنا لهم: فإنّا لم نعد هذا المذهب في جميع ما سألتمونا عنه من الآي التي تلوتموها علينا، والأحاديث التي رويتموها لنا، فقد حملنا جميع ذلك على المفهوم (1) من الكلام دون المعقول، وعلى السائغ في صفة الله تعالى واللائق به، والجائز في لغة العرب مما تقتضيه دلالة القياس دون عبارة اللفظ، ويؤكده ما سواه من نص القرآن، الذي لا يعتريه تحريف التأويل، ولا يعارضه منحول التفسير، ولو حملت جميع هذه الآيات التي تلوتموها، والأحاديث التي رويتموها على أظهر ظاهرها لخرجت إلى أفحش الفحش من الكلام، وأقبح القبيح من المقال، فما لا يقول به أحد من الناس، ولا يجوزه مشبه ولا غير مشبه، فإذا تناظرت الأخبار، وتقاومت المعاني رجع بها إلى أسوغها في صفة الله تعالى، وأليقها به في عدله عزّ وجلّ وحكمته، وأولاها بمخاطبة العرب فيما بينها في كلامها، ويحمل جميع ذلك على ما تقتضيه دلالة القياس التي لا يكذب مثلها، ولا يتناقض معناها؛ إذ لا يكون في أخباره جل جلاله تكاذب، ولا في كلامه عز اسمه تناقض، وهكذا الجواب لهم،
__________
(1) المفهوم: هو الصورة الذهنية سواء وضع بإزائها الألفاظ أو لا، كما أن المعنى هو الصورة الذهنية من حيث وضع بإزائها الألفاظ، وقيل: هو ما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق.
والمفهوم الكلي: هو أمر واحد في نفسه متكثر بحسب ما صدق عليه، فقد اجتمع فيه الوحدة والكثرة من جهتين، ويسمى واحداً نوعياً إن كان نوعاً لجزئياته كالإنسان، وجنسياً وفصلياً على قياس النوعي، وأفراده كثيرة من حيث نواتها واحدة من حيث جزئيات المفهوم الواحد في نفسه، وتسمى واحداً بالنوع أو بالجنس أو بالفصل.
والمفهوم عند بعض أصحاب الشافعي قسمان: مفهوم المخالفة، ويسمى بدليل الخطاب: وهو أن يثبت الحكم في المسكوت عنه على خلاف ما ثبت في المنطوق.
ومفهوم المخالفة: هو أن يكون المسكوت موافقاً للمنطوق في الحكم، كالجزاء فوق المثقال في قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} (سورة الزلزلة: 7)، وهو تنبيه بالأدنى على أنه في غيره أولى. (1/364)
صفحة 112
والكلام عليهم في جميع ما يتعلقون به من هذه المعاني، فحين نبهتكم على ذلك عرفتم عامته إن شاء الله، فهذه المعارضة أصل لكل هذا الكلام الذي يدور بيننا وبين هؤلاء القوم في تأويل جميع ما ذكروه، وما لم يذكروا مما هو مشبه لما ذكروا، فينبغي أن يكون محفوظاً، ويتخذ أصلاً وإماماً، وإن نظرت فيه وجدته كما وصفت لك إن شاء الله.
مسألة الاستواء:
رجع الكلام إلى الاعتلال بالاستواء وما يدور به، فأول ذلك أن قول القائل: "كذا وكذا على كذا وكذا" يتجه على وجوه كثيرة، فمنها قوله تعالى: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} (1) وهذا على معنى الالتزاق والفوق، ووجه آخر كقوله: {وعلى الوارث مثل ذلك} (2) وهذا مثل قولهم: على دين وعليه ندر، ووجه آخر كقوله: {سلام عليكم بما صبرتم} (3) أي وأنتم في سلام وسلامة، وهذا كقول الشاعر:
سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السلام (4)
__________
(1) سورة المؤمنون آية رقم 28.
(2) سورة البقرة آية رقم 233.
(3) سورة الرعد آية رقم 24.
(4) هذا البيت متن كلام الأحوص الأنصاري، وكان يهوى امرأة ويشبب بها ولا يفصح عنها، فتزوجها رجل اسمه مطر، فغلب الوجد والعشق على الأحوص، فقال هذا الشعر، وهذا البيت من شواهد ابن عقيل رقم 203، وشاهد ابن عقيل فيه قوله: "يا مطر" حيث نون المنادى المفرد العلم، وأبقاه على الضم حين اضطر لإقامة الوزن. (1/365)
صفحة 113
ووجه آخر: كقوله تعالى: {عليكم أنفسكم} (1) ، وهذا كقول الشاعر:
عليكم دياري فاهدموها فإنها تراث كريم لا يراعي العواقبا (2)
على الإغراء لا على غير ذلك، وهو مثل قول القائل: عليك الجادة، عليك الطريق الأعظم، ووجه آخر: وهو كقوله تعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} (3) وإنما يريد أنه مرّ بحيالها ولم يرد أنه مرّ من فوقها، وعلى مثل ذلك قول الشاعر:
مررنا على قيسية عامرية لها بشر صافي الأديم هجان
ووجه آخر: وهو خارج من هذا كله أجمع، وهو قول الله: {وعلى الله قصد السبيل} (4) وقد يقول الدليل لأصحابه: ليست عليكم هداية الطريق، إنما
__________
(1) سورة المائدة آية رقم 105.
(2) لا يقصد الشاعر مطلقاً أن دياره جاثمة عليهم ولا هي فوقهم، وإنما يقصد أن دياره ماثلة أمامهم، وهي تكاد أن تكون بين أيديهم، فإن أرادوا الإبقاء عليها فعلوا، وإن أرادوا الثانية كانت بين أيديهم.
(3) سورة البقرة آية رقم 259.
(4) سورة النحل آية رقم 9. (1/366)
صفحة 114
هي عليّ دونكم. ووجه آخر: وهو قول الله: {والله غالب على أمره} (1) ، وهو كقوله: {الرحمن على العرش استوى} (2) وكقوله: {وهو القاهر فوق عباده} (3) .
قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق (4)
وهذه الكلمات الثلاثة متساوية السبك، متقاربة المعنى، فإذا تأمل ذلك متأمل وجده كما قلناه؛ وذلك أنَّ قوله: (الرحمن) مثل قوله: (الله)، ومثل قوله: (وهو)، وكذلك قوله: (على ) مكان قوله (على)، ومكان قوله: (فوق)، وكذلك قوله: (استوى) مكان قوله: (غالب)، ومكان قوله: (القاهر)، وكذلك قوله: (العرش) مكان قوله: (أمره)، ومكان قوله: (عباده). فهذه الكلم الثلاث متشابهة في العبارة والإشارة، فلا تجوزن أيدك الله بالذي فسرنا منها صفحاً توفق إن شاء الله.
وبعد فإذا كان –على- يتصرف بهذه الوجوه كلها فلم حملتم قوله: (على العرش) على معنى الالتزاق والفوق دون هذا الذي ذكرنا وعددنا؟ وأمّا
__________
(1) سورة يوسف آية رقم 21.
(2) سورة طه آية رقم 5.
(3) سورة الأنعام آية رقم 18.
(4) قد ذكر الإمام القرطبي هذا البيت في تفسيره عند قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} دون أن ينسبه لقائله، وذكر أقوال علماء الكلام فقال: والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيّز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة المسلمين المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيه الله تعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك متى اختصّ بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيزّ، والتغيّر والحدوث. راجع تفسير القرطبي 7: 219. (1/367)
صفحة 115
الذي ذكروه في تثبيت العرش على المعقول، وما احتجوا به على ذلك فإنَّ الذين زعموا من المتكلمين أنَّ قوله: (عرش (1) )، إنما هو مثل ومجاز من مجازات العرب، وليس في السماء شيء يقال له عرش، وإنما هو عندهم على معنى قوله: (لقد كاد أن يهد عرشي لولا أن تداركني منه برحمة) وعلى مجرى قول العرب: قد ثل عرش بني فلان، وقد شالت نعامتهم (2) ، وعلى قول الشاعر:
رفعت بني حواء إذ مال عرشهم وذلك مني في صريم مصلل
وعلى قول الشماخ:
ولما رأيت الأمر عرش هوية تسليت حاجات النفوس بشمرا
وقالوا في الكرسي (3) مثل ذلك، وأنشدوا:
كراسي بالأحداث بيض وجوههم كأنهم في الساجيات الكواكب
قد فروا من شيء، وليس في ذلك الشيء الذي فروا منه شيء ينقض عليهم من قولهم شيئاً، فقلنا في هذا: إنَّه لما كان أسفل الأشياء الثرى، وما تحت الثرى،
__________
(1) روي أنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- رُؤي في المنام فقيل ما فعل بك ربك...؟ فقال: "لولا أن تداركني برحمته لثل عرشي".
(2) يقال: شالت نعامته إذا خفَّ وغضب ثمّ سكن، وشالت نعامتهم: إذا تفرقت كلمتهم، أو ذهب عزهم، أو ماتوا، والنعامة: الجماعة، والشول: بقية الماء في الدلو أو السقاء.
(3) الكرسي: في تعارف العامة: اسم لما يقعد عليه، قال: "وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب" (سورة: ص 34)، وهو في الأصل المنسوب إلى الكْرس، أي المتلبد، أي المجتمع، ومنه الكراسة للمتكرس من الأوراق، وكرست البناء فتكرَّس.
قال العجاج:
يا صاح هل تعرف رسماً مكرساً قال: نعم أعرفه، وأبلسا
والكْرس أصل الشيء، يقال: هو قديم الكْرس، وكل مجتمع من الشيء كرس، والكروس المتركُب بعض أجزاء رأسه إلى بعض لكبره، وقوله تعالى: {وسع كرسيه السموات والأرض} (سورة البقرة: 255)، وقد رُوي عن ابن عباس أنَّ الكرسي العلم. وقيل: كرسية ملكه، وقال بعضهم: هو اسم الفلك المحيط بالأفلاك، قال: "ويشهد لذلك ما رُوي: ما السموات السبع في الكرسي إلاَّ كحلقة ملقاة بأرض فلاة". راجع تفسير القرطبي عند تفسير هذه الآية، وتفسير الطبري أيضاً، والمفردات في غريب القرآن. (1/368)
صفحة 116
وكان أعلى الأشياء السماء السابعة، ثمَّ الكرسي، ثمّ العرش، وكان الله قد جعل للأعلى في القلوب من التعظيم والقدر والشرف ما لم يجعل للأسفل، كما عظم بعض الشهور وبعض الأيام، وبعض الليالي، وبعض الساعات، وبعض البقاع، وكان قد جعل للعرش ما لم يجعل للكرسي، وجعل للكرسي ما لم يجعل للسماء السابعة، فذكر العرش والكرسي والسماء بما لم يذكر به شيئاً من سائر خلقه، وذكر مرة العرش والكرسي والسماء في جملة الخلق، وأنَّه عال على جميعها بالقدرة وبالسلطان والقوة، حيث قال: {وهو على كل شيء قدير} (1) وقال: {وكان الله على كل شيء قديرا} (2) ، وحيث قال: {إن ربي على كل شيء حفيظ} (3) وقال: {وهو القاهر فوق عباده} (4) وقال: {وكان الله على كل شيء مقتدرا} (5) والعرش شيء، وهو عال عليه بالقدرة، وظاهر عليه بالسلطان، وخصه بالذكر إذ كان مخصوصاً بالنباهة، وأنَّه فوق جميع الخلق، فذكره مرة بالجملة، ومرة بالإبانة، وقال: {وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم} (6) ، فأخبر أنَّه عال عليه، وحافظه، ومقيم له، ومانع
__________
(1) سورة المائدة آية رقم 120.
(2) سورة الأحزاب آية رقم 27.
(3) سورة هود آية رقم 57، وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة، وقد أشار إليها المحقق في الهامش؛ ولكن آيات القرآن يجب أن تصحح ويشار إلى ذلك في الهامش.
(4) سورة الأنعام آية رقم 18.
(5) سورة الكهف آية رقم 45.
(6) سورة البقرة آية رقم 255. (1/369)
صفحة 117
له من الزوال، وقوله: عرشه (كرسيه) كقولك بيته، ولو كان متى ذكر كرسياً وعرشاً وجب الجلوس عليهما، كان متى ذكر بيته فقد وجب أنَّه ينزله ويسكنه، وليس بين بيته وعرشه وكرسيه وسمائه فرق، ولو كنا إذا قلنا سماؤه فقد جعلناه فيها، كنا إذا قلنا أرضه فقد جعلناه فيها، قال الله: {من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل فإن الله عدو للكافرين} (1) ، فأدخلهما في جملة الملائكة، ثمّ أبانهما إذ كانا بائنين من بين سائر الملائكة، وقال: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} (2) ، وكذلك سبيل القول في العرش وفي الكرسي، والسماء دون الأرض، والحوت والثرى وما تحت الثرى، ومتى ما ذكر أنَّه عال على العرش، وظهر عليه فقد أخبر أنَّه عال على كل شيء، فمرة يذكر العرش، ومرة يذكر الكرسي دون العرش، ومرة يذكر
__________
(1) سورة البقرة آية رقم 98.
(2) سورة الرحمن آية رقم 68. (1/370)
صفحة 118
السماء دون الأرض، ومرة يذكر السماء والأرض جميعاً، ومرة يقول: {وهو الله في السماوات وفي الأرض} (1) ومرة: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} (2) ، ومرة يقول: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} (3) ، وترك ذكر الأرض، فلو كان إذاً ذكر السماء دون الأرض كان ذلك دليلاً على أنَّه ليس في الأرض، كان في ذكره أنَّه على العرش دليل على أنَّه ليس في السماء، وقد قال: {أم أمنتم من في السماء} (4) فمرة يذكر معاظم الأمور، وجلائل الخلق وكبار الأجسام وأعالي الأجرام، ومرة يذكر كل شخص حيث كان وأينما كان بقوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلاَّ هو رابعهم ولا خمسة إلاَّ هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاَّ هو معهم أينما كانوا} (5) وقال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} (6) ، {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} (7) . فيقال للقوم: على ماذا تحملون ما ذكرنا من أخبار الله تعالى عن كونه في هذه الأشياء كلها، أعلى ما يعقل من كون الجسم في المكان؟ فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فكيف وقد قال الله: {على العرش} (8) {وفي السماء} (9) {وفي الأرض} (10) {وفي المشرق}، عند نجوى الثلاثة {وفي المغرب} عند نجوى الخمسة، وفي {القطر الآخر} عند أدنى من ذلك، وفي {الآخر} عند أكثر، وقد قال عزّ وجلّ: {إلا هو معهم أينما كانوا} (11) فإن قالوا: على معنى القدرة، أو على معنى العلم، أو على غير ذلك من التأويل،
__________
(1) سورة الأنعام آية رقم 3.
(2) سورة الزخرف آية رقم 84.
(3) سورة الملك آية رقم 16.
(4) سورة الملك آية رقم 17.
(5) سورة المجادلة آية رقم 7.
(6) سورة ق آية رقم 16.
(7) سورة الواقعة آية رقم 85.
(8) {الرحمن على العرش استوى} (سورة طه آية رقم 5).
(9) {وفي السماء رزقكم وما توعدون}، {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} (سورة الزخرف آية رقم 84).
(10) قال تعالى: {وهو الله في السماوات وافي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون} (الأنعام آية رقم 3).
(11) سورة المجادلة آية رقم 7. (1/371)
صفحة 119
قلنا: قد صرتم إلى المجازات وتركتم المعقولات مما عليه ظاهر الكلام، فلم أبيتم ذلك علينا حين زعمنا أنَّ تأويل قوله: {الرحمن على العرش استوى} (1) ليس هو على كون الملك على سريره؟ بل هو على معنى العلم والحفظ والقدرة والإحاطة والظهور بالسلطان والقدرة، وهذا أيدك الله من الأصل الذي وصينا بحفظه أولاً.
وأما تأويل قوله: {استوى على العرش} (2) فقد زعم أصحاب التفسير عن عبد الله بن عباس -وهو صاحب التأويل، والناس عليه عمال- أنَّ تأويل (استوى): استولى، وأنشدوا:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق (3)
قال الله عزّ وجلّ: {ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً} (4)
وقال الشاعر يرثي ابنه:
حين استوى وعلا الشباب به وبدا منير الوجه كالبدر
__________
(1) سورة طه آية رقم 5.
(2) سورة الأعراف آية رقم 54.
(3) سبق تخريج هذا البيت.
(4) سورة يوسف آية رقم 22. (1/372)
صفحة 120
وأمّا قوله عزّ وجلّ: {ثم استوى} (1) فإن -ثمّ- قد يكون على الاستئناف وعلى غير الاستئناف، وإنما أراد بقوله: {ثم استوى على العرش} أي هو مع خلقه السموات والأرض قد استوى على العرش، ولم يرد أن ذلك شيء بعد شيء وقد قال: {أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا} (2) ، ولم يرد أنه فعل ما فعل، ثم كان بعد فعله من الذين آمنوا، وقال عزّ وجلّ: {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا} (3) فلو أراد بذلك الاستئناف لكان يجب أن يكون الله تعالى مستأنفاً لعلم ما قد علم من ذلك، وأما قوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} (4) فكيف يتهيأ الاستواء على الدخان إذا كان ذلك على ما يتوهمه المشبهة من الحلول؟ وكذلك قوله: {على العرش استوى} (5) ، ولو كان ذلك ما يتوهمونه من الاستواء
__________
(1) سورة الأعراف آية رقم 54.
(2) سورة البلد آية رقم 14، 15، 16، 17، وقد جاء في المطبوعة أنَّها آية 18 وهو خطأ.
(3) سورة مريم آية رقم 70.
(4) سورة فصلت آية رقم 11.
(5) سورة طه آية رقم 5، وقد جاءت في المطبوعة على أنَّها سورة الأعراف 54 وهو خطأ. (1/373)
صفحة 121
بعد الاعوجاج (1) لكان ينبغي أن يكون الله جلّ جلاله في أول ما جلس على العرش لم يكن متمكناً، فهو إذن يعجز عن حسن الجلسة، حتى يريد أن يتأتى له، ويمكن نفسه، وما يخلو المتوهم بهذا أو القائل به من أن يكون غبياً منقوصاً، أو معانداً عابثاً، تعالى الله عن جميع ما قالوا علواً كبيرً.
القول في المجيء:
فإن قالوا: ما معنى قوله: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} (2) ؟ قلنا لهم: وقد قال أيضاً: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم} (3) ، أتقولون: إنه جاء إليهم في الأرض وهو في السماء بزعمكم؟ وقال: {فأتى الله بنيانهم من
__________
(1) يقول الإمام ابن كثير: نسلك في هذا المقام مذهب مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإنَّ الله لا يشبهه شيء من خلقه، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، بل الأمر كما قال الأئمة؛ منهم نعيم بن حماد الخزاعي -شيخ البخاري- قال: من شبه الله بخلقه كفر.
(2) سورة الفجر آية رقم 22.
(3) سورة الأعراف آية رقم 52. (1/374)
صفحة 122
القواعد} (1) أفتقولون: إنه ظهر لهم من تحت الأرض؟ وقال: {ذهب الله بنورهم} (2) أفتقولون ذهب به من الأرض إلى السماء، أو ما تقولون في أمثال هذا من أخبار الله تعالى عن نفسه بالإتيان والذهاب، وهو كثير؟ فإن قلتم: إنما جاءهم الكتاب من عند الله ولم يأتهم الله بنفسه، وقلتم: إن معنى قوله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} (3) أي: أبطل مكرهم بالنبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وكيدهم له، {ذهب الله بنورهم} (4) أي أذهب نورهم، قلنا لهم: قد صرتم إلى المجازات وتركتم قطع الشهادات، فكذلك قولنا في قوله: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} (5) أي جاء أمره وثوابه وعقابه (6) ، وقد يقول الرجل: لعبده لا جاء الله بك ولا ذهب بك، وليس يريد أن لله في نفسه ذهاباً ومجيئاً، فعلى هذا المعنى قال الله: {وقال ربك} وقد نقول: الآخرة آتية وجائية، والدنيا ذاهبة وفانية وماضية، وإنما نعني أنها فانية، ليس أنها تخرج من مكان إلى مكان، وكذلك إذا قلنا: الآخرة جائية، وليس نريد أنها تخرج من مكان إلى مكان، وقد قال: {وجيء يومئذ بجهنم} (7) ليس يريد أن جهنم تحمل وترفع من مكان إلى مكان، وإنما يريد أنها حاضرة
__________
(1) سورة النحل آية رقم 26.
(2) سورة البقرة آية رقم 17.
(3) سورة النحل آية رقم 26.
(4) سورة البقرة آية رقم 17، قد جاءت في المطبوعة محرفة؛ حيث قال: "وذهب" بزيادة (الواو).
(5) سورة الفجر آية رقم 23.
(6) ساق الفخر الرازي في هذا المعنى فصلاً مشبعاً في قوله تعالى: {يأتيهم الله}، وقوله: {وجاء ربك} أخبار عن حال القيامة، ثم ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال: هل ينظرون إلاَّ أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك. فصار هذا الحكم مفسراً لذلك المتشابه؛ لأن كل هذه الآيات لما وردت في واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على بعض، وقال تعالى: {وقضى الأمر} ولا شك أن الألف واللام للمعهود السابق، فلا بد وأن يكون قد جرى ذكر أمر قبل ذلك حتى تكون الألف واللام إشارة إليه، وما ذاك إلاَّ الذي أضمرناه من أن قوله: {يأتيهم الله} أي يأتيهم أمر الله.
(7) سورة الفجر آية رقم 23. (1/375)
صفحة 123
موجودة، وهذا بحمد الله واضح، وكذلك روي في التفسير عن الكلبي (1) عن أبي صالح، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله: {وجاء ربك} (2) أي جاء أمر ربك وقضاؤه، وكذلك في قوله: {أن يأتيهم الله} (3) أي أن يأتيهم أمره وقضاؤه (4) فيفصل بينهم، وهو قول الحسن ومجاهد. قال الحسن: يعني بأمره وقضائه، وكذلك قال أبو صالح -صاحب التفسير-: وجاء أمر ربك أي قضاؤه. فإن قالوا: ما معنى قوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} (5) وقوله: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} (6) ؟ قلنا: فقد قال أيضاً: {ألم تر إلى ربك كيف مد
__________
(1) هو محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي، أو النضر، نسابة، راوية، عالم بالتفسير والأخبار، وأيام العرب، من أهل الكوفة، مولده ووفاته بها عام 46هـ، صنف كتاباً في التفسير، وهو ضعيف الحديث. قال النسائي: حدث عنه ثقات الناس، ورضوه في التفسير، وأمّا الحديث ففيه مناكير، وقيل: كان سبئياً، وهو أبو هشام صاحب كتاب الأصنام. راجع تهذيب التهذيب 9: 178، ووفيات الأعيان 1: 493، وميزان الاعتدال 3: 61.
(2) سورة الفجر آية رقم 22.
(3) سورة البقرة آية رقم 210.
(4) يقول الإمام الطبري عند تفسيره لهذه الآية: وقال آخرون معنى قوله: {هل ينظرون إلاَّ أن يأتيهم الله} يعني به هل ينظرون إلاَّ أن يأتيهم أمر الله، كما يقال: قد خشينا أن يأتينا بنو أمية، يراد به: حكمهم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: هل ينظرون إلاَّ أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعذابه، كما قال عزّ وجلّ: {بل مكر الليل والنهار} سورة سبأ 33، وكما يقال: قطع الوالي اللص أو ضربه وإنما قطعه أعوانه، والله أعلم.
(5) سورة القيامة آية رقم 23.
(6) سورة الأحزاب آية رقم 44. (1/376)
صفحة 124
الظل} (1) فهو إذن يرى عند امتداد جميع الظل، فإن قالوا: إنما أراد ألم تر إلى امتداد الظل كيف مده الله، قيل لهم: من أين جاز لكم أن تحملوه على المجاز دون المعقول؟ فإن قالوا: من قبل أن الله تعالى لا يوصف بالظهور عند جميع الظلال، قيل لهم: نعد هذا الجواب في جميع ما سألتم عنه من هذا ومثله، فنقول في قوله: {من كان يرجو لقاء ربه} (2) و{يوم يلقونه} (3) و {هم بلقاء ربهم كافرون} (4) إنما هو على معنى يلقون ما وعد لهم من الثواب والعقاب، ولو كان ذلك ما يتوهمونه من أن المؤمنين يلقونه ويرونه دون الكافرين لما قال: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} (5) ، وأنتم تزعمون أن الكافرين لا يلقونه، وقوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} (6) فقد قال أهل التفسير: إن النظر ها هنا على معنى الانتظار (7) . جُوَيْبِرٌ (8) عن الضحاك (9) عن ابن عباس أنه رأى رجلاً
__________
(1) سورة الفرقان آية رقم 45.
(2) سورة الكهف آية رقم 110، وسورة العنكبوت آية رقم 15.
(3) سورة الأحزاب آية رقم 44، وتكملة الآية {سلام وأعد لهم أجراً كريماً}.
(4) سورة السجدة آية رقم 10، وقد جاءت الآية في المطبوعة بدون (بل).
(5) سورة السجدة آية رقم 10.
(6) سورة القيامة آية رقم 23.
(7) قال الطبري: حدّثنا أبو كريب قال: ثنا عمر بن عبيد، عن منصور عن مجاهد {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} قال: تنتظر الثواب.
وعن مجاهد أنه سئل: إن ناساً يقولون إنه يُرى، قال: يَرى ولا يراه شيء.
(8) هو أبو القاسم بن سعيد الأزدي، ويقول الدكتور الطالبي راجع فهرس الجامع الصحيح، مسند الربيع ابن حبيب ص 28، ويقول أيضاً: ويبدو أنه من أهل القرن الثاني للهجرة لأخذه عن الضحاك. وفي (د) جوير، وصوابه جويبر. راجع مسند الربيع 3: 17.
(9) هو الضحاك بن مزاحم البلخي الخراساني، أبو القاسم، كان معلماً للصبيان، ويقال كان يطوف على أكثر من 3000 صبي على حماره، ويعد من المفسرين، وله مؤلف فيه، وثقه الإمام أحمد وابن معين، توفي بخراسان سنة 105هـ 723م. راجع العبر 1: 124، والمحبر 475، وميزان الاعتدال 1: 471. (1/377)
صفحة 125
يدعو ربه شاخصاً بصره إلى السماء، رافعاً يده فوق رأسه، فنهاه ابن عباس عن ذلك، فقال: إنك لن تراه، ولن تناله، فقال الرجل: ولا في الآخرة؟ فقال: ولا في الآخرة، فقال الرجل: فما وجه قول الله عزّ وجلّ: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} (1) فقال ابن عباس: ألست تقرأ قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} (2) ثم قال ابن عباس: (3) إن أولياء الله تنضر وجوههم يوم القيامة، أي تشرق، ثم ينظرون إلى ربهم متى يأذن لهم في دخول الجنة، بعد الفراغ من الحساب وقال: {وجوه يومئذ باسرة} (4) يعني كالحة، {تظن أن يفعل بها فاقرة} (5) قال: يتوقعون العذاب بعد العذاب، وكذلك قوله: {إلى ربها ناظرة} ينتظر أهل الجنة الثواب بعد الثواب والكرامة بعد الكرامة، وروي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب (6) في قوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة}، قال: تنظر وجوههم
__________
(1) سورة القيامة آية رقم 23.
(2) سورة الأنعام آية رقم 103.
(3) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو العباس، حبر الأمة، الصحابي الجليل، ولد بمكة عام 3 ق. هـ، ونشأ في بدء عصر النبوة، فلازم رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وروى عنه الأحاديث الصحيحة، وشهد مع علي الجمل وصفين، وكف بصره في آخر عمره فسكن الطائف، وتوفي بها، له في الصحيحين وغيرهما 1660 حديثاً. قال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، ينسب إليه كتاب في تفسير القرآن. راجع الإصابة ت 4772، وصفة الصفوة 1: 314، وحلية 1: 314، وتاريخ الخميس 1: 167.
(4) سورة القيامة آية رقم 24.
(5) سورة القيامة آية رقم 25.
(6) هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي أبو الحسن، أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وابن عم الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-، أول الناس إسلاماً بعد خديجة، ولد بمكة عام 23 ق.هـ، وربي في حجر النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- ولم يفارقه، وكان اللواء بيده في كثير من المشاهد، قتل عام 40هـ. راجع صفة الصفوة 1: 118، واليعقوبي 2: 154، وشرح نهج البلاغة 2: 579. (1/378)
صفحة 126
إلى ربها، ناظرة قال: تنتظر متى يأذن لهم ربهم في دخول الجنة، ولا يعني الرؤية؛ لأن الأبصار لا تدركه كما قال: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} (1) وروي مثل ذلك عن محمد بن المنكدر، (2) وقال محمد: ما رأيت أحداً له عقل يقول: إن الله يراه أحد من خلقه، وتلا هذه الآية: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا، لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً} (3) ثم قال: {يوم يرون الملائكة}. (4)
ومثل هذا روي عن مالك بن أنس (5) المدني، وتلا مالك هذه الآية: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا} (6) إلى قوله: {وعتو عتواً كبيراً} (7) ، فقال: أشركوا شركاً عظيما،ً وقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس، وعائشة أم المؤمنين، ومجاهد،
__________
(1) سورة الأنعام آية رقم 103.
(2) هو محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن عبد العزى القرشي التيمي (من بني تيم بن مرة) المدني، زاهد، من رجال الحديث، من أهل المدينة، أدرك بعض الصحابة وروى عنهم، له نحو مائتي حديث. قال ابن عيينة: ابن المنكدر من معادن الصدق، توفي بعد عام 130هـ. راجع تاريخ الإسلام للذهبي 5: 155ـ 158، وتهذيب التهذيب 9: 473، وخلاصة تهذيب الكمال 308.
(3) سورة الفرقان آية رقم 21
(4) سورة الفرقان آية رقم 22
(5) هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنّة، وإليه تنسب المالكية، مولده عام 93هـ، ووفاته 179هـ بالمدينة، كان صلباً في دينه، بعيداً عن الأمراء والملوك، وشي به إلى جعفر عم المنصور العباسي فضربه سياطاً انخلعت لها كتفه، صنف الموطأ، وله رسالة في الوعظ ورسالة في الرد على القدرية، وكتاب في تفسير غريب القرآن. راجع الديباج المذهب 17 ـ 30، والوفيات 1: 439، وتهذيب التهذيب 10ـ 5، وصفة الصفوة 2: 99.
(6) جاء في المطبوعة أنها آية 121 من سورة الفرقان وهو خطأ، صوابه 21.
(7) جاء في المطبوعة أنها آية 122من سورة الفرقان وهو خطأ، صوابه 22. (1/379)
صفحة 127
وإبراهيم النخعي (1) والحسن بن أبي الحسن البصري، ومكحول الدمشقي (2) وعطاء بن يسار (3) ، وسعد بن المسيب (4) ، وسعد بن جبير (5) ، والضحاك بن مزاحم،
__________
(1) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود أبو عمران النخعي، من مذجح، من أكابر التابعين صلاحاً وصدقاً ورواية وحفظاً للحديث، من أهل الكوفة، مات مختفياً من الحجاج. قال فيه الصلاح الصفدي: فقيه العراق، كان إماماً مجتهداً له مذهب، ولما بلغ الشعبي موته قال: والله ما ترك بعده مثله. راجع طبقات ابن سعد 6: 188، 199، وتهذيب التهذيب 4: 219، وطبقات القراء 1: 29.
(2) هو مكحول بن أبي مسلم شهراب بن شاذل أبو عبد الله، الهذلي بالولاء، فقيه الشام في عصره، من حفاظ الحديث، أصله من فارس، ومولده بكابل، سبي وصار مولى لامرأة بمصر من هذيل فنسب إليها، واعتق وتفقه، ورحل في طلب الحديث إلى العراق والمدينة، وطاف كثيراً من البلدان، واستقر في دمشق، وتوفي بها عام 112هـ. قال الزهري: لم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا. راجع تذكرة الحفاظ 1: 101، وحسن المحاضرة 119، وتهذيب التهذيب 10: 289، والجرح والتعديل 4، القسم 1: 407.
(3) هو عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد المدني القاص، مولى ميمونة زوج النبي _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وهو أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله بن يسار، روى عن معاذ بن جبل _وفي سماعه منه نظر_، وعن أبي ذر، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن الحكم السلمي، وأبي أيوب وغيرهم. روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن _وهو من أقرانه_، ومحمد بن عمر بن عطاء وغيرهم. قال البخاري وابن سعد: سمع من ابن مسعود، وقال ابن معين وأبو زرعة والنسائي ثقة. مات سنة ثلاث ومائة، وقال غيره سنة 94، وقيل توفي بالإسكندرية. راجع تهذيب التهذيب 7: 217 ـ 218.
(4) هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي أبو محمد، سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع، وكان يعيش من التجارة بالزيت لا يأخذ عطاء، وكان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته، حتى سمي راوية عمر. توفي بالمدينة عام 94هـ. راجع طبقات بن سعد 5: 88، والوفيات 1: 206، وصفة الصفوة 2: 44، وحلية 2: 261.
(5) سعيد بن جبير الأسدي بالولاء الكوفي أبو عبد الله، تابعي، كان أعلمهم على الإطلاق، وهو حبشي الأصل من موالي بني والبة بن الحارث بن أسد، أخذ العلم عن عبد الله بن عباس وابن عمر. قبض عليه خالد القسري، وأرسله إلى الحجاج فقتله، فقال أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيداً، وما على وجه الأرض مفتقر إلى علمه، وكان ذلك عام 95هـ. راجع وفيات الأعيان 1: 204، وطبقات ابن سعد 6: 178، وتهذيب التهذيب 4: 11، وحلية الأولياء 4: 272. (1/380)
صفحة 128
وأبو صالح صاحب التفسير، وعكرمة (1) ، ومحمد بن كعب القرظي (2) وابن شهاب الزهري (3) : إن الله لا يراه أحد من خلقه، وأمّا تأويل المشبهة لقول الله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (4) فقالوا: إن الحسنى هي الجنة، ولا نجد ما يزيدهم بعد الجنة إلاَّ أن يريهم الله إيّاه، فهذا من التأويل باستكراه شديد، وتعسف قبيح، غير أن القوم متى سمعوا بذكر شيء قريب من الذي تميل إليه
__________
(1) هو عكرمة بن عبد الله البربري المدني أبو عبد الله، مولى عبد الله بن عباس، تابعي، كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي، طاف البلدان، وروى عنه زهاء ثلاثمائة رجل؛ منهم أكثر من سبعين تابعياً، وذهب إلى نجدة الحروري، فأقام عنده ستة أشهر، ثمّ كان يحدث برأي نجدة، وخرج إلى بلاد المغرب فأخذ عنه أهلها رأي الصفرية، وعاد إلى المدينة فطلبه أميرها، فتغّيب عنه حتى مات 105هـ. راجع تهذيب التهذيب 7: 263، وحلية الأولياء 3: 326، وميزان الاعتدال 2: 208، وابن خلكان 1: 319.
(2) هو محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظي أبو حمزة، وقيل أبو عبد الله المدني، من حلفاء الأوس، وكان أبوه من سبي قريظة، سكن الكوفة ثم المدينة، روى عن العباس بن عبد المطلب، وعلي، وابن مسعود، وعمرو بن العاص، روى عنه أخوه عثمان، والحكم بن عتبة، ويزيد بن أبي زياد وغيرهم. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث ورعاً، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، مات سنة 118هـ. راجع تهذيب التهذيب 9: 421 ـ 422.
(3) هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، أول من دوّن الحديث، وأحد كبار الحفاظ والفقهاء، تابعي من أهل المدينة، كان يحفظ ألفين ومائتي حديث، نصفها مسند، وعن أبي الزناد كان يطوف مع الزهري ومعه الألواح والصحف، ويكتب كل ما يسمع، نزل الشام واستقرّ بها. قال ابن الجوزي مات بشغب آخر حد الحجاز وأول حد فلسطين عام 124هـ. راجع تذكرة الحفاظ 1: 102، ووفيات الأعيان 1: 451، وتهذيب التهذيب 9: 445، وتاريخ الإسلام للذهبي 5: 136.
(4) سورة يونس آية رقم 26. وقد قيل: إن الزيادة أن تضاعف الحسنة عشر حسنات إلى أكثر من ذلك، وروي عن ابن عباس، وروي عن علي بن أبي طالب _رضي الله عنه_: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة آلاف باب، وقال مجاهد: "الحسنى حسنة مثل حسنة، والزيادة: مغفرة من الله ورضوان". راجع تفسير القرطبي 8: 331. (1/381)
صفحة 129
أهواؤهم، أو بعيد منهم ذهبوا به إلى ما تهوى أنفسهم من تشبيههم، وقال ابن عباس، والحسن البصري (1) : الحسنى بالحسنة، والزيادة التسع، قال الله: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} (2) ، {فله خير منها} (3) وقال مجاهد: الحسنى بالحسنى، والزيادة مغفرة الله ورضوانه، وقال الشعبي (4) : الزيادة دخول الجنة، وقال محمد بن كعب: الزيادة التي يزيدهم الله من الثواب والكرامة، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى (5) : أحسنوا وحدوا الله، والحسنى الجنة، والزيادة ما يزيدهم الله من فضله ورحمته، وقال أبو حازم المدني: الزيادة نعم الله التي أنعم بها عليهم، أعطاهم إيّاها، لم يحاسبهم عليها، ولم يصنع بهم ما صنع
__________
(1) هو الحسن بن يسار البصري أبو سعيد، تابعي، كان إمام أهل البصرة، وحبر الأمة في زمنه، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء النسّاك، ولد بالمدينة عام 21هـ، واستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية، وسكن البصرة، وعظمت هيبته في القلوب، فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، له كتاب "فضائل مكة"، توفي بالبصرة عام 110هـ.
(2) سورة الأنعام، آية رقم 160.
(3) سورة النحل، آية رقم 89، وتكملة الآية {وهم من فزع يومئذ آمنون}.
(4) هو عامر بن شراحبيل بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري أبو عمرو، راوية من التابعين، يضرب المثل بحفظه، ولد ونشأ ومات فجأة بالكوفة عام 103هـ، كان ضئيلاً نحيفاً، ولد لسبعة أشهر عام 19هـ، وهو من رجال الحديث الثقات، استقضاه عمر بن عبد العزيز، وكان فقيهاً شاعراً. راجع تهذيب التهذيب 5: 65، والوفيات 1: 244، وحلية الأولياء 4: 310، وتهذيب ابن عساكر 7: 138، وتاريخ بغداد 12: 227.
(5) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عيسى الكوفي، ولد بالكوفة عام 21هـ، والتقى بالصحابة، وأخذ عن عثمان وعلي وغيرهما، والتقى بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، شهد وقعة الجمل، وكان صاحب راية علي، سمع من مجاهد، ويقال إنه غرق مع ابن الأشعث سنة 83هـ. (1/382)
صفحة 130
بالآخرين، وقال علي بن أبي طالب: الزيادة لؤلؤة لها أربعة أبواب، ومعناهم كلهم واحد، لأن ذلك كله ثواب، وللمشبهة تأويل آخر وهو أشد استكراهاً من هذا التأويل، وأشد تعسفاً؛ وذلك أن المشبهة سمعت الله يقول: {يوم يكشف عن ساق} (1) فقالوا: هي ساق الله، تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً، قالوا: ويصدق هذا التأويل الحديث: "إن جهنم تشكو الخلاء حتى يضع الجبار فيها قدمه" (2) ، قلنا للقوم: قد وجدنا لهذه الكلمة مواضع كثيرة، فهل تفسرون الجميع بهذا من معقول
__________
(1) سورة القلم آية رقم 42، قال جمهور العلماء: يكشف عن شدّة، وأنشدوا: "وقامت الحرب على ساق"، وقال آخر: "وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا".
قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معناة الجد، فيه شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدّة، وهذا قول الفرّاء، وأبي عبيدة، وتغلب، وكثير من اللغويين.
(2) الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب التفسير، 1 باب وتقول هل من مزيد، 4849، بسنده عن أبي هريرة رفعه، وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان، يقال لجهنم هل امتلأت...؟ وتقول هل من مزيد...؟، فيضع الرب تبارك وتعالى قدمه عليها فتقول: قط قط، ورواه الترمذي في التفسير، 51 باب ومن سورة "ق" 3272 بسنده عن أنس بن مالك أن نبيّ الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ قال: وذكره، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وفيه عن أبي هريرة.
يقول جار الله الزمخشري في كتابه (الفائق في غريب الحديث): وضع القدم على الشيء مثل للردع والقمع، فكأنه قال: يأتيها أمر الله فيكفها عن طلب المزيد فترتدع. هـ.
قلت: والواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله عزّ وجلّ لا تتبعض ولا يحويها مكان، ولا توصف بالتغيير ولا بالانتقال. وقد حكى أبو عبيد الهروي عن الحسن البصري أنه قال: القدم هم الذين قدمهم الله لها من شرار خلقه، وأثبتهم لها.
وقال أبو منصور الأزهري: القدم الذين تقدّم القوم بتخليدهم في النار، يقال لمَن قدم قدم، ولما هدم هدم، ويؤيد هذا قوله: وأمّا الجنة فينشئ لها خلقاً.
ووجه ثان: أن كل قادم عليها يسمى قدماً، فالقدم جمع قادم، ومَن يرويه بلفظ الرجل فإنه يقال: رجل من جراد، فيكون المراد يدخلها جماعة يشبهون في كثرتهم الجراد، فيسرعون التهافت فيها. (1/383)
صفحة 131
اللفظ دون مفهومه أو لا؟ وليس يجب في هذا الكلام إلاَّ أن يكون الساق أبداً في اللغة إلاَّ على معنى ساق الإنسان، ولكن احسبوا الأمر على هذا الكلام لا يحتمل إلاَّ ساق بدن من الأبدان، ما الدليل على أنه لم يعن إلاَّ ساق الله عزّ وجلّ دون ساق أحد من جميع الخلق؟ وقد يقول الرجل لصاحبه: والله لأتجردن لك، وليس يريد من ثيابه، وإنما يريد الجد والاجتهاد، وقد تقول العرب: قد قامت الحرب بنا على ساق، وليس تريد أن لها رجلاً وساقاً، وقد قال الشاعر:
وقام الشر منه على ساق.
وقال آخر:
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا (1)
وقال آخر:
وذاقت كموج البحر تعبو عبابها وقامت على ساق وحان التلاحق
وإنما ذكرنا تأويل المشبهة لهذه الآية؛ لأنَّه يشبه تأويل أصحاب الرؤية للآية التي ذكر الله فيها الزيادة. عن عاصم بن كليب قال: رأيت سعيد بن جبير غضب غضباً شديداً لم أره غضب مثله قط، فقال: أتقولون قولاً عظيماً، يعني التشبيه الذي ذكروا، قال سعيد: إنما يعني يوم يكشف عن الأمر الشديد (2) ، ثمّ قال
__________
(1) راجع ديوان حاتم المطبوع في بيروت، وحاتم هو بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني أبو عدي، فارس، شاعر، جواد، جاهلي، يضرب المثل بجوده، كان من أهل نجد، وزار الشام فتزّوج ماوية بنت حجر الغسانية، ومات في عوارض (جبل في بلاد طي). قال ياقوت: وقبر حاتم عليه شعر كثير ضاع معظمه، وله ديوان صغير، توفي عام 46ق. هـ. راجع تهذيب ابن عساكر 3: 420، وتاريخ الخميس 1: 255.
(2) يؤيد ذلك ما يرويه الطبري عند تفسيره لهذه الآية قال: قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد، وقال: حدثنا ابن حميد قال: "ثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم عن ابن عباس يوم يكشف عن ساق" قال: عن أمر عظيم. (1/384)
صفحة 132
سعيد في حديث ابن كليب: لو علمت من يقول هذا التشبيه لفعلت وفعلت، فإن قالوا: قد قال الله عزّ وجلّ لموسى _صلَّى الله عليه وسلَّم_: {ولتصنع على عيني} (1) فوجب علينا أن نجعل له عيناً كما قال، قلنا: فقد قال لنوح _صلَّى الله عليه وسلَّم_: {واصنع الفلك بأعيننا} (2) ، وقال: {تجري بأعيننا} (3) ، فقالوا: إنَّ له عيوناً، ويجب عليكم إذا قضيتم بظاهر اللفظ على المعاني، ولم تصرفوه إلى ما يجوز أن تقولوا: لا ندري لعلّ له ثلاثة أعين، أو ثلاثين عيناً؛ لأنَّ قوله أعين يحتمل ذلك وغيره، وأنتم إذا جعلتم له عيناً فإنما تذهبون إلى ما تعرفون من صورة آدم _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وذلك على قولكم: إنَّ الله خلق آدم على صورته (4) ، فإذا جعلتم له عيوناً فلا أنتم بقول إخوانكم من أصحاب الضياء الخالص قلتم، ولا على الرواية بأنَّه (خلق آدم على صورته)، قلتم: وإذا جعلنا الشيء عيناً ووجهاً وجب علينا أن نجعل له رأساً وقفاً، وغير ذلك، ولو كان الأمر أيضاً في قوله:{ويبقى وجه ربك} (5) على تأويلهم لوجب أن يهلك من معبودهم كل شيء سوى الوجه، وقالوا: الدليل على أنَّ له يداً قوله تعالى لإبليس لعنه الله:
__________
(1) سورة طه آية رقم 39.
(2) سورة هود آية رقم 37.
(3) سورة القمر آية رقم 14. يقول الزمخشري: "بأعيننا" في موضع الحال بمعنى أصنعها محفوظاً برعايتنا. ويقول الرازي في أساس التقديس عند الكلام على العين: لا بدَّ من المصير إلى التأويل؛ وذلك هو أن يحمل هذه الألفاظ على شدة العناية والحراسة، والوجه في حسن هذا المجاز: أنَّ من عظمت عنايته بشيء وميله إليه ورغبته فيه كان كثير النظر إليه، فجعل لفظ العين التي هي آلة لذلك النظر كناية عن شدة العناية".
(4) سبق تخريج هذا الأثر قريباً من هذا.
(5) سورة الرحمن آية رقم 27. (1/385)
صفحة 133
{ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} (1) ، وقوله: {بل يداه مبسوطتان} (2) ، قلنا: وقد قال الله: {أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً} (3) ، فإن كنتم جعلتم له يدين على ظاهر هذا الكلام، اجعلوا له الأيدي الكثيرة على كلامه، إذا كان قوله: _يد_ لا يحتمل النعمة ولا غير النعمة، مما يجري على الله، ويحسن في صفته جلّ جلاله، وليس له وجه عندكم إلاَّ يد مركبة في ساعد، وقد تكون اليد جارحة، وقد تكون اليد نعمة، وتكون قوة إذا كانت اليد يبطش بها، وقد يقول الرجل: أمرك بيدي على معنى الحكم على الشيء، وليس يريد الجارحة. وقال علي بن أبي طالب: (لما خلقت بيديَّ) أي لما خلقت أنا، وكذلك قال: (مما عملت أيدينا) يقول عملنا، وقال الضحاك مثل ذلك. وقال الحسن: (لما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) أي بأمري، واعتلوا أيضاً بقوله: {والسموات مطويات بيمينه} {والأرض جميعاً قبضته} (4) فقالوا: قد أخبرنا أنَّ له يميناً، وإنما خاطبنا بما نعقل، وعلى ما نعرف، قلنا فإن كان ذلك كذلك فلسنا نعرف أحداً له يمين إلاَّ له يسار، وقد يكون الرجل أيمن إذا كان أكثر عمله بيمينه، وقد يكون أعسر
__________
(1) سورة ص آية رقم 75.
(2) سورة المائدة آية رقم 64.
(3) سورة يس آية رقم 71، اليد في اللغة بمعنى النعمة والإحسان، ومعنى قول اليهود: (يد الله مغلولة) أي محبوسة عن النفقة، واليد القوة، يقولون: "له بهذا الأمر يد، وقوله بل يداه مبسوطتان" أي نعمة وقدرته، وقوله: "لما خلقت بيدي" أي بقدرتي ونعمتي. وقال الحسن "يد الله فوق أيديهم" أي منته وإحسانه.
(4) سورة الزمر آية رقم 67. (1/386)
صفحة 134
إذا كان عمله بيساره، وقد يكون أعسر أيسر إذا كان عمله بهما جميعاً سواء، فعلى أي هذه تعزمون من صفات معبودكم (1) ، ولا صفة إلاَّ ما ذكرنا؟ وليس من صفات الإنسان أكمل من أن يكون أعسر أيسر، وقد ينبغي أن تقولوا أعسر أيسر كما قال الشاعر:
كلا يدي عمرو الغداة يمين
ولو كنا متى سمعنا بيمين لم يكن بدّ من أن يكون اليمين يداً جارجة، كأنَّ إذا قال الشاعر:
فلما تغشى كل شهر ظلامه وألقى يداً في كافر الشمس مغرب
وقال آخر يصف ظليماً ونعامة:
__________
(1) معبودهم الذي يصورنه بصورة الإنسان. وكل هذه الأفكار دخيلة على المسلمين، جاءت إليهم من اتصالهم بفلسفة اليونان وفلسفة الفرس، وخزعبلات اليهود، وكل هذه الأشياء تعتقد بتجسيم الإله. ألم يقل اليهود لموسى عليه السلام: "أرنا الله جهرة"؟ ألم يتخذوا العجل إلهاً لهم...؟
وكذلك فلسفة اليونان وفلسفة الفرس لا تؤمنان إلاَّ بالتجسيم، وعلى المسلمين أن يتخلصوا من هذه الأشياء، ويهتدوا بهدي الوحي الذي جاءهم من عند الله. (1/387)
صفحة 135
فتذكرا ثقلاً وئيداً بعدما ألقت ذكاء يمينها في كافر (1)
وجب أن يجعل للشمس يدين يساراً ويميناً، فإذا جعلنا لشيء يساراً ويميناً وجب أن نجعل له رأساً ووجهاً وغير ذلك، وقال الله جلّ جلاله: {والمحصنات من النساء إلاَّ ما ملكت أيمانكم} (2) ، وقد علمنا أنَّ الله لم يعن يميناً ولا شمالاً، ولو كان الكلام يوجب أن نأخذ بظاهره، وندع باطنه لكانت الآية خاصة في كل من له يمين دون الأقطع من أصل المنكب، وكذا قال الله لنبيّه _صلَّى الله عليه وسلَّم_: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} (3) ، ولم يرد الله بذكره هذا اليد المركبة في بدنه، وإنها نهاه عن البخل، والسرف جميعاً؛ لأنَّ هذا النهي قد وقع على الأعسم (4) ، وعلى الأجذم (5) ، وعلى من لا يد له إذا كان ذا جدة، وعلى هذا المعنى قالت اليهود: {يد الله مغلولة غلت أيديهم
__________
(1) جاءت في المطبوعة: رئيداً بدلاً من (وئيداً) وهو تحريف، والمعروف أنَّ الشمس هي كوكب من الكواكب التي خلقها الله سبحانه وتعالى: وهي مخلوق عجيب ملتهب، وليست لها أيادي ولا أقدام، ولكنَّ الشاعر أنزلها منزلة الإنسان الذي له يدان ورجلان على طريقة المجاز لا الحقيقة، وأي فهم غير هذا الفهم يحمل في طياته التعنت والمكابرة، والله أعلم.
(2) سورة النساء آية رقم 24.
(3) سورة الإسراء آية رقم 29.
(4) العسم: يبس في المرفق والرسغ، تعوج منه اليد والقدم، ويطلق على انتشار رسغ اليد من الإنسان. راجع لسان العرب.
(5) جذم الرجل صار (أجذم)، وهو المقطوع اليد، وبابه طرب، وفي الحديث: "من تعلم القرآن ثمَّ نسيه لقي الله وهو أجذم"، والجمع (جذمى) مثل حمقى، والجذام: داء، وقد جُذم الرجل بضم الجيم فهو مجذوم، ولا يقال أجذم. (1/388)
صفحة 136
ولعنوا بما قالوا} (1) ، وليس أنَّ اليهود من دينها ومن اعتقادها أنَّ لله يداً كأيدينا، وأنَّها مغلولة إلى عنقه على مثال الغل الذي نعرف، وقال الشاعر يهجو رجلاً:
بسط اليدين بما في رجل صاحبه جعد اليدين بما في رجله قطط
فالعرب تذكر اليد والكف والذراع والباع، وهي تريد غير ذلك، قال الشاعر:
له نار تهب كل ريح إذا الظلماء جللت القناعا
وما إن كان أكثرهم سواما ولكن كان أرحبهم ذراعا
وليس يريد الذراع، وإنما يريد سعة الصدر والاحتمال، وقال الله: {إلاَّ أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} (2) ، وقالوا أيضاً: قد قال الله تعالى موسى _صلَّى الله عليه وسلَّم_: {واصطنعتك لنفسي} (3) ، وقال قال عيسى أيضاً لربه: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} (4) ، قلنا قد يقول الرجل لصاحبه: أتيتك بنفسي، وهو ليس يريد النفس والروح، بل يريد أني لم أكل المجيء إليك إلى غيري، ولم أرض لك برسولي ولا كتابي، قال الله تبارك وتعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} (5) ، وقال في مكان آخر: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم} (6) ،
__________
(1) سورة المائدة آية رقم 64.
(2) سورة البقرة آية رقم 237.
(3) سورة طه آية رقم 41.
(4) سورة المائدة آية رقم 116.
(5) سورة التوبة آية رقم 128.
(6) سورة البقرة آية رقم 151. (1/389)
صفحة 137
فكان قوله: (منكم)، (ومن أنفسكم) سواء، وقالوا أيضاً: وقد قال الله حكاية عن قول الكافر: {يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} (1) قلنا: قد يقول الرجل لصاحبه: هذا يسير في جنب رضاك.
وقد قال الشاعر:
وفي جنبي ما أوليتني منك نعمة تقل لك العتبى وإن لم تكلم
والمعنى في قوله: (فرطت في جنب الله) عند أهل التفسير، أي في أمر الله، وأصل الكلمة على المقارنة، فمتى ما قارنت شيئاً بشيء، وكان أحدهم بجنب الآخر صغيراً، قيل: هذا صغير في جنب ذلك، والجواب في كل ما سألوا عنه من آي القرآن، وحديث النبيّ عليه السلام كالجواب في الذي ذكرنا، فإن سألوا عن قوله: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} (2) قيل لهم: فقد قال الضحاك عن علي بن أبي طالب _رضي الله عنه_ وابن عباس في ذلك أنَّه لم يزل يحجبهم عن رحمته وثوابه، ولا ينظر إليهم برحمته، وروي عن مجاهد مثله، وعن علي بن أبي طالب أنَّه مر بقصاب ورجل يستزيده، فقال له القصاب: لا والذي
__________
(1) سورة الزمر آية رقم 56.
ويقولون: فرط في جنبه وفي جانبه يريدون في حقه. قال سابق البربري:
أما تتقين الله في جنب وامق له كبد حرى عليك تقطع
قال السيد محمد الألوسي في تفسيره (روح المعاني): لا يمكن إبقاء الكلام على حقيقته لتنزهه عزّ وجلّ عن الجنب بالمعنى الحقيقي، وكلّهم مجمعون على التنزيه، وسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقال العلاّمة القاسمي: أي في جانب أمره ونهيه.
(2) سورة المطففين آية رقم 15. (1/390)
صفحة 138
احتجب بسبع سماوات لا أزيدك، فعلاه عليّ بالدرة، وفي الروايات فنخسه عليّ بيده اليمنى في جنبه الأيسر فقال: ويحك إنَّ الله لا يحجبه شيء عن شيء، فقال القصاب: أفأكفر عن يميني يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا إنما حلفت بغير الله، وقوله: {ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشي السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى} (1) ، جبير عن الضحاك عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ أنَّه قال: رأى رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ جبريل على صورته مرتين فتلا هذه الآية، وروى جبير عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: {إذ يغشي السدرة ما يغشى}، قال: يغشاها جلال الله وعظمته، قال: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى}، فجبريل من أكبر آيات الله تعالى، ولقد قالت عائشة مثل ذلك، وقالت: من زعم أنَّ محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية (2) ، وقوله: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل} (3) ، يقول الحسن ومجاهد: وعدنا إلى ما عملوا من عمل.
سئل ابن عباس عن قول الله: {الله نور السماوات والأرض} (4) فقال: الله عدل السماوات والأرض، وهو هادي من في السماوات والأرض، ألا ترى
__________
(1) سورة النجم الآيات من 11 إلى 17.
(2) روى الطبري بسنده عن مسروق عن عائشة _رضي الله عنها_ قالت له: يا أبا عائشة من زعم أن محمداً رأى ربّه فقد أعظم الفرية على الله، والله يقول: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}، وقال: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاَّ وحياً أو من وراء حجاب}، قال: وكنت متكئاً فجلست وقلت: يا أم المؤمنين انتظري ولا تعجلي، ألم يقل الله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى} وقال: {ولقد رآه بالأفق المبين}، فقالت: أنا أول من سألت رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ عن ذلك فقال: "لم أرَ جبريل على صورته إلاَّ هاتين المرتين منهبطاً من السماء ساداً، عظم خلقه ما بين السماء والأرض".
(3) سورة الفرقان آية رقم 23.
(4) الخبر عند الربيع بن حبيب في مسنده، باب 26 في قوله: "الله نور السماوات والأرض" 868، قال جابر بن زيد: سئل ابن عباس -رضي الله عنه- عن قول الله: {الله نور السماوات والأرض} قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، وعمرو بن محمد، وأبو مسلم المكي. ومجاهد، وذكره. (1/391)
صفحة 139
إلى قوله: {مثل نوره كمشكاة} (1) وليس لله مثل، وكذلك قال الحسن وقتادة وعمر بن محمد وأبو مسلم المكي ومجاهد معناه: الله عدل السماوات والأرض، وهو هادي من فيهما، فإن قالوا: ما معنى قول الحواريين (2) لعيسى: {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} (3) ؟ قالوا: وهذا يدل على أنَّه في السماء دون الأرض، قلنا: وقد قالت بنو إسرائيل لموسى: {فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها} (4) وقال أيضاً: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} (5) وقال: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} (6) ، ولم يرد هاهنا إنزالاً من السماء، وأما مسألة الحواريين لعيسى إنما يريدون بذلك أنَّ نزول المائدة من السماء أدل للخلق، وأوضح في الإجابة، وأعظم في الآية، مما لا يقدر الخلق على أن يدعوه، لا ساحر، ولا كاهن، ولو كان متى ذكر السماء أنَّه فيها دون الأرض لكان إذا ذكر الأرض يدل على أنَّه في الأرض دون السماء، وقد مضى الكلام في هذا بالذي يغني عن تكراره، إلاَّ أنَّه لا ينبغي أن ندع شيئاً مما يتعلقون به إلاَّ
__________
(1) سورة النور آية رقم 35.
(2) الحور: قيل ظهور قليل من البياض في العين من بين السواد، وأحورت عينه، وذلك نهاية الحسن من العين، وقيل حورت الشيء بيضته، والحواريون أنصار عيسى _صلَّى الله عليه وسلَّم_ قيل: كانوا قصارين، وقيل: كانوا صيادين، وقال بعض العلماء: إنما سمو حوارين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم، قال: وإنما كانوا صيادين لاصطيادهم نفوس الناس من الحيرة، وقودهم إلى الحق. قال _صلَّى الله عليه وسلَّم_: "لكل نبي حواري وحواري الزبير"، فتشبيه لهم في النصرة؛ حيث قال: "من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله".
(3) سورة المائدة آية رقم 112.
(4) سورة البقرة آية رقم 61، وجاءت محرفة في المطبوعة؛ حيث قال: "ادع" بدلاً من "فادع".
(5) سورة الزمر آية رقم 6.
(6) سورة الحديد آية رقم 25. (1/392)
صفحة 140
أفحصنا (1) عن تأويله. وجاء عن رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ أنَّه قال: "لو حفرتم لصاحبكم في ماء ثمَّ دليتموه لوجدتم الله" (2) ، وجاء عن ابن عمر (3) أنَّه قال:
__________
(1) الفحص: البحث عن الشيء وقد فحص عنه، من باب قطع، وتفحص وافتحص بمعنى، والأفحوص بوزن العصفور مجثم القطاة؛ لأنَّها تفحصه، وكذا المفحص بوزن المذهب، يقال ليس له مفحص قطاة، وفي الحديث: "فحصوا عن رؤوسهم كأنهم حلقوا وسطها وتركوها مثل (أفاحيص) القطا".
(2) هذا جزء من حديث طويل رواه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات، وفيه زيادة، قال أبو هريرة: ثمّ قرأ رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ "هو الأول والآخر والظاهر والباطن". يقول البيهقي: والذي روي في آخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر، فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان، واستدل أصحابنا على نفي المكان بقول النبي _صلَّى الله عليه وسلَّم_: "أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء".
(3) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، صحابي من أعز بيوتات قريش في الجاهلية، كان جرئياً جهيراً، نشأ في الإسلام وهاجر إلى المدينة مع أبيه، وشهد فتح مكة، ومولده ووفاته فيها، أفتى الناس في الإسلام ستين سنة، ولما قتل عثمان عرض عليه نفر أن يبايعوه بالخلافة فأبى، وغزا إفريقيا مرتين: الأولى مع ابن سرح، والثانية مع معاوية بن خديج، وكف بصره في آخر حياته، له في كتب الحديث 2630 حديثاً، توفي عام 73هـ. راجع معالم الإيمان 1: 70، والإصابة 4835، وتهذيب الأسماء 1: 378. (1/393)
صفحة 141
لا تقل والله حيث كان فإنَّ الله بكل مكان، قال: وجاء رجل إلى ابن مسعود (1) فقال: إني رأيت رجلاً يصلي عند كل إسطوانة ركعتين، فقال ابن مسعود: لو علم المصلّي أنّ الله عند أدنى إسطوانة منها ما جاوزها إلى غيرها، وقد جاء الحديث المشهور: "إنَّ أربعة أملاك التقوا: واحد من السماء السابعة، وآخر من الأرض السابعة، وآخر من المشرق، وآخر من المغرب، فتساءلوا فيما بينهم فقال كل واحد منهم: جئت من عند ربي" (2) ، وتأويل ذلك كله: إنَّ الله في جميع الأشياء كائن وفي كل الخلق موجود، على معنى الأحداث والإنشاء والزيادة فيها، والنقصان منها، والإحاطة والحفظ لها، وقد يقولون: أمير المؤمنين في المظالم، والناس في الصلاة، لا يريدون أنَّ ذلك يكون لهم وعاء ومكاناً، فإن سألوا عن قول موسى عليه السلام: {رب أرني أنظر إليك} (3) فإنا نروي عن عبد الله بن عباس _وهو ترجمان الكتاب_ أنَّه قال ذلك على وجه الأعذار إلى قومه، ليريهم الله آية من آياته، فيئسوا من رؤية الله، جبير عن الضحاك في قوله: {تبت إليك} (4) أي من
__________
(1) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي أبو عبد الرحمن، صحابي من أكابرهم فضلاً وعقلاً وقرباً من رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وهو من أهل مكة، ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، وكان خادم رسول الله الأمين وصاحب سره، نظر إليه عمر يوماً وقال: وعاء ملئ علماً، ولي بيت مال الكوفة بعد وفاة الرسول _صلَّى الله عليه وسلَّم_ ثم قدم المدينة في خلافة عثمان فتوفي بها عن نحو ستين عاماً، وكان ذلك عام 32هـ، له 848 حديثاً، وأورد الجاحظ في البيان والتبيين خطبة له ومختارات من كلامه.
(2) سورة الأعراف آية رقم 143.
(3) سورة الأعراف آية رقم 143.
وفي رواية الحسن عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ انقطاع، ولا ثبت سماعه من أبي هريرة، وروي من وجه آخر منقطع عن أبي ذر _رضي الله عنه_.
(4) جاء في لسان العرب: أبصر فلان نظر ببصره فرأى، وأبصر الشيء رآه، وجاء عند محمد الحفيش: والبصر الأسود الذي وسط العين، وبه يكون الإبصار، أو القوة المودعة في ذلك الأسود، أو في العصبتين المؤديتين إليه، وقد يطلق على العين لأنها المؤدية إليه (تيسير التفسير 2: 373)، وجاء عند محمد عبده: وأبصرت الشيء رأيته، وقيل البصر حاسة الرؤية. ابن سيده: البصر حسن العين، والجمع أبصار، ذكره في اللسان. وقال الراغب: يقال للجارحة الناظرة نحو قوله تعالى: {كلمح البصر} (النحل: 77)، وقوله: {وإذ زاغت الأبصار} (الأحزاب: 10) وللقوة التي فيها. راجع تفسير المنار ط/دار المنار 7: 651. (1/394)
صفحة 142
مسألتي أن أنظر إليك، وأنا أول المؤمنين المصدقين بأنَّك لا يراك أحد، قال الحسن: {لن تراني} (1) ، ولا ينبغي لبشر أن يراني، وقال مجاهد: تجلى أمره للجبل، وقال ابن عباس: {وأنا أول المؤمنين} (2) بأنك لا يراك أحد في الدنيا ولا في الآخرة، فإن سألوا عن معنى روايات رووها عن النبيّ عليه السلام منها: "أنكم سترون ربكم لا تضامون في رؤيته، كما لا تضامون في القمر ليلة البدر (3) "، "ولن تمتلئ جهنم حتى يضع الجبار فيها قدمه (4) "، "وإنَّ الله خلق آدم على صورته (5) "، "وإن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء (6) "، "وهل تدرون ما يضحك الرب من عبده (7) "، وقالوا أيضاً: فإنَّ عيسى عليه السلام قال في
__________
(1) سورة الأعراف آية رقم 143.
(2) سورة الأعراف آية رقم 143، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة؛ حيث إنها ذكرت بدون (الواو).
(3) سبق تخريج هذا الحديث قريباً من هذا.
(4) سبق تخريج هذا الحديث قريباً من هذا.
(5) سبق تخريج هذا الحديث قريباً من هذا.
(6) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب القدر، 3 باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء 17 (2654) بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إنه سمع رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ يقول: وذكره وفيه زيادة، ثمَّ قال رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_: "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك"، ورواه الترمذي في كتاب القدر، 7 باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن 2140، بسنده عن أنس قال: كان الرسول رسول _صلَّى الله عليه وسلَّم_ يكثر أن يقول: وذكره.
قال الترمذي: وفي الباب عن النواس بن سمعان، وأم سلمة، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وهذا حديث حسن. ورواه ابن ماجه في المقدمة 13، وأحمد بن حنبل في المسند 2: 168، 173، 6: 182، 251، 302، 315 (حلبي).
(7) الحديث عند ابن ماجه في المقدمة 13 باب فيما أنكرت الجهمية 191 بسنده عن أبي هريرة قال: رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وذكره. (1/395)
صفحة 143
الإنجيل لربه: (يا رب إن كان من مسرتك أن تصرف هذه الكأس عن أحد فاصرفها عني (1) )، يعني كأس المنية، قالوا: فوصفه عيسى بالمسرة كما ترون، وقالوا: وقد قال رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_: "لله أسر بتوبة العبد من رجل ضلت ناقته بأرض في الله برحله، وزاده ومائه فوجدها (2) ". وجوابنا في هذه الأحاديث وأمثالها إن كانت صحيحة على ما قالوا، إنَّ معناها على موافقة
__________
(1) يقول الدكتور عمار الطالبي: وقد تفضل الأب قنواتي فأرشدني إلى النص الوارد في الإنجيل المترجم إلى الفرنسية
"Pere, si tu veux, eloigne de moi ce calice, mais que ce ne soit pas ma volonte, mais la tienne, que se fasse". Evangile selon saint Luc, XXII, 42.
وفي الترجمة العربية: "يا أبتاه إن شئت أن تجيز عني هذه الكأس، ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك"، وجاء قبلها و"خرج ومضى كالعادة إلى جبل الزيتون، وتبعه أيضاً تلاميذه "40"، ولما صار إلى المكان قال لهم: صلّوا لكي لا تدخلوا في تجربة "41"، وانفصل عنهم نحو رمية حجر، وجثا على ركبتيه، وصلَّى "42" قائلاً: يا أبتاه". إلخ (إنجيل لوقا 22/ 40 ـ 42).
(2) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب التوبة، (1) باب في الحض على التوبة والفرح بها (3) (2744) بسنده عن الحارث بن سويد قال: دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض، فحدّثنا بحديثين: حديثاً عن نفسه وحديثاً عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: الله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: ارجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده"، ورواه ابن ماجه في الزهد 30، والترمذي في الدعوات 98. (1/396)
صفحة 144
القرآن لا على مخالفته، وقد جاء عن النبيّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ ورجلاه تخطان في الأرض أنَّه قال: (أيها الناس إنكم لا تمسكون عني شيئاً، أني لا أحل إلاَّ ما أحل القرآن، ولا أحرم إلاَّ ما حرم القرآن، وكيف أقول بخلافه، وبه هداني الله (1) )، وروي عن علي أنَّه قال: قال رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_:" إذا جاءكم عني حديث فرأيتموه مضيئاً، ليس بذي تفاقم ولا تخاون فهو عني، وإن رأيتموه ذا تفاقم وتخاون فليس عني"، وقد جاء عن النبيّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له، ينفون عن تحريم الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".
وعن شريح(425) أنَّه قال:إنَّ للحديث جهابذة كجهابذة الورق، ومعنى الحديث: تعلمون أنَّ لكم رباً، لا تشكون فيه، ولا يجوز أن تعتريكم الشكوك والريب، كما لا يجوز ذلك في العلم بأنَّ القمر قمر ليلة البدر، لا على أنَّ الأبصار تدركه جهرة، ومعنى الرواية الأخرى: لن تمتلئ جهنم حتى
__________
(1) هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي أبو أمية، من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام، أصله من اليمن، ولي قضاء الكوفة في زمن عمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، واستعفى في أيام الحجاج فأعفاه سنة 77هـ، وكان ثقة في الحديث، مأموناً في القضاء، له باع في الأدب والشعر، عمر طويلاً، ومات بالكوفة. (1/397)
صفحة 145
يضع الجبار فيها قدمه (1) ، يريد ما قدم لها من أهل الشقاوة الذين في علمه أنَّهم صائرون إلى جهنم، قال الله عزّ وجلَّ: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} (2) ، ومعنى: (خلق آدم على صورته) (3) أي خلقه الله بالغاً، ولم ينقله من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة، ومن طفولية إلى غير ذلك، وقال بعض أهل العلم في ذلك: إنَّ الله خلق آدم على صورته، أي على صورة آدم التي اختار الله له من بين الصور، وبعضهم يقول: إنَّ رسول الله سمع رجلاً يقبح بذمه غلاماً له في صورة وجهه، فقال _صلَّى الله عليه وسلَّم_: "لا تقبحوا الوجوه فإنَّ الله خلق آدم على صورته (4) "،
__________
(1) سبق الحديث عن هذا الخبر قريباً من هذا.
(2) سورة يونس آية رقم 2.
(3) يقول الراغب الأصفهاني: الصورة أراد بها ما خص الإنسان بها من الهيئة المدركة بالبصر والبصيرة، وبها فضله على كثير من خلقه، وإضافته إلى الله سبحانه على سبيل الملك لا سبيل البعضية والتشبيه _تعالى عن ذلك_، وذلك على سبيل التشريف له، كقوله: بيت الله، وناقة الله، ونحو ذلك.
(4) سبق تخريج هذا الحديث. وقد قال أبو سليمان الخطابي: "خلق آدم على صورته" الهاء وقعت كناية بين اسمين ظاهرين، فلم تصلح أن تصرف إلى الله عزّ وجلّ لقيام الدليل على أنَّه ليس بذي صورة _سبحانه_ "ليس كمثله شيء"، فكان مرجعها إلى آدم عليه السلام، "فالمعنى أن ذرية آدم إنما خلقوا أطواراً، كانوا في مبدأ الخلقة نطفة ثم علقة، ثم مضغة، ثم صاروا صوراً أجنة، إلى أن تتم مدة الحمل، فيولودون أطفالاً، وينشأون صغاراً إلى أن يكبروا". راجع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي 290 وما بعدها. (1/398)
صفحة 146
يعني على صورة المقبح، وكل هذا تأويل، وقلنا في معنى بين إصبعين على معنى الحكم على الشيء والقدرة عليه، كقوله تعالى: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} (1) ، وقد يقول الرجل لصاحبه: ما فلان إلاَّ في قبضتي، وهذا الأمر في يدي، وكل هذا في لغة العرب شائع (2) سائغ. وقال الحسن: تعلموا العربية، وحسن العبارة، والذي ذكروا من الضحك، والمسرة وأشباه تلك الألفاظ ومعناها معنى الرضا والمحبة، وربما يأتي الغلط في أمثال هذه العبارات عن ترجمة المترجم، وقد يكون يسمع بذكر الرضا والمحبة فيترجمها بالضحك والسرور، ولو نظرت
__________
(1) سورة الزمر آية رقم 67.
(2) القبضة واليمين في كلام العرب قد تكون بمعنى القدرة والملك، ومنه قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} يريد به الملك، وقال: {لأخذنا منه باليمين} أي بالقوة والقدرة، أي لأخذنا قوته وقدرته. قال الفراء والمبرد: اليمين القوة والقدرة، وأنشدا:
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
وقال آخر:
ولما رأيت الشمس أشرق نورها تناولت منها حاجتي بيميني
قتلت شنيفاً ثم فاران بعده وكان على الآيات غير أمين (1/399)
صفحة 147
في الكتب المتقدمة عن الله جلّ جلاله، المنقولة عن لغاتها إلى العربية لوجدت فيها من التشبيه الفاحش، والكلام السمج، ما لا يجوزه موحد ولا ملحد، والمترجم لا يكون مترجماً حتى يكون في الغاية والثقة من معرفة اللغتين جميعاً، ويكون مع ذلك متكلماً عارفاً بما يجوز على الله تعالى مما لا يجوز عليه، ولولا عزيمتكم _حفظكم الله_ على نشر هذا الباب معنى معنى، وتتبع وجوهه واحداً واحداً لتخف مؤنته على المبتدئين من أصحابنا _أعانهم الله على معرفة الهدى_ لاقتصرت ببعض هذا عن كله، ولاجتزيت بقليله عن كثيره، بل الجملة التي نصبناها كفاية عما سواها، وبالأصل الذي وضعنا إماماً لما هو مثله، والحمد لله على موافقة القول بالصواب، وله الشكر والفضل على مصادقة الفصل للخطاب.
التجسيم على مذهب القائسين (1) :
ومما تسأل عنه المشبهة، ونحن مبتدئون بالمسألة على مَن قال بالتشبيه، وجرّد التجسيم على مذهب القائسين دون المحتجين بالحديث والقرآن،
__________
(1) قاس الشيء بالشيء قدّره على مثاله، والقياس: هو عبارة عن التقدير، يقال: قاس النعل إذا قدّره، وقاس الجراحة بالميل إذا قدّر عمقها به، وهو يستعمل في التشبيه، وهو تشبيه الشيء بالشيء.
وهؤلاء القائسين على رأي المؤلف هم الذين يقولون بالتشبيه والتجسيم، ويشبهون الله تعالى بخلقه، وتجاهلوا قول الله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (سورة الشورى: 11). (1/400)
صفحة 148
فنقول لهم: أليس الجسم ما كان ذا طول وعرض، وعمق، وجهات، وحدود، وحركات وسكون، وما يكون ذا نصفين، ويحتمل التجزئة، ويكون ذا هيئة من الهيئات، وقدر من الأقدار؟ فإن زعموا أن الله جسم، وليس بموصوف بشيء مما ذكرنا وعددنا، قيل لهم: فلم سميتموه جسماً، ولا تضيفون إليه صفة واحدة من صفات الأجسام؟ وليس بين صفة واحدة وبين صفتين فرق، ولا بين صفتين وثلاث صفات فرق، ولا بين البعض والكل فرق، فهلاّ سميم العرض جوهراً، والجوهر (1) عرضاً، واللون حركة، والحركة لوناً، والحرّ برداً، والبرد حرّاً؟ إذ كنتم تسمون ما ليس بطويل ولا عريض، ولا عميق، ولا بذي نصفين، ولا بذي قدر، ولا هيئة جسماً، فإن أقرّوا بالطول والعرض والعمق والحدود والجهات، والسكون، والحركات، والقدر، والهيئة، وأثبتوه مع ذلك قديماً، سألناهم عن مسائلنا على الدهرية. وهل من فرق بين مَن قال: إن الجسم قديم، وبين مَن قال: إن القديم جسم؟ ويلزمهم مع تثبيت الحركة والسكون أن الله لم ينفك عن الحدث قط، إذ كان كل جسم لا ينفك من الحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق، وبعد فليخبرونا عن الأجسام لأي أمر صارت محدثة، مخلوقة، محتملة للمزاج، ألنفسها أم للدلالة التي لا تفارقها؟ أم لأنها ممزوجة؟ وهل القول في الشائب
__________
(1) الجوهر: لم يكن لفكرة الجوهر في الفلسفة المدرسية الشرقية ما كان لها من الشأن في مدارس الغرب، والجوهر بحسب النظرية اليونانية عند المفكرين المسلمين هو ما يقوم بذاته، وما ليس مفتقراً إلى غيره في وجوده ولو من الناحية المنطقية، فهو من حيث علاقته به يُعدّ جوهرا،ً كما أن اللون من حيث علاقته بالجسم يعد عرضاً، على أن قيمة فكرة الجوهر ليست منطقية فحسب وإنما هي ميتافيزيقية أيضاً.
والمفكرون المسلمون: قالوا عن الجوهر البسيط: هو ما ليس له أجزاء ولا يقبل الفساد بالتالي، وعلى هذا فابن سينا عندما أراد أن يبرهن على خلود النفس برهن على أنها جوهر بسيط، ومن هنا تأدى إلى أنها غير تالفة، وهذا يعني أن قيمة النظرية تستند إلى فكرة البساطة.
ويعرّف صاحب "التعريفات" الجوهر بأنه ماهية إذا وجدت في الأعيان كانت لا في موضع، وهو منحصر في خمسة: هيولي، وصورة، وجسم، ونفس، وعقل. راجع الجرجاني التعريفات، والنسفي العقائد ومعه شرح التفتازاني ص 47، 52، 70، ودائرة المعارف الإسلامية 7: 174. (1/401)
صفحة 149
إلاَّ كالقول في المشوب؟ أو ليس الشائب نفسه مشوباً بغيره؟ وما تقولون في جسم رأيناه مشوباً بغيره؟ وجسم رأيناه غير مشوب بغيره؟ وهل يفرق بينهما في الحدث ما في أحدهما من المزاج والشوب؟ فإن قالوا: لا، قلنا: فسووا إذن بين ما سوت بينهما الصفات، ووافقوا بين ما وافقت بينهما الأعمال والعلل والفروع، إذ اتفاق الفروع يدل على اتفاق الأصول، وهل بين تكون ممزوجة وبين أن تكون محتملة للمزاج من فرق؟ فإن كانت الأجسام إنما صارت محدثة مخلوقة محتملة للمزاج لأنفسها، وأنفسها أجسام، فكل جسم محدث، وكل جسم يحتمل المزاج، امتزج أو لم يمتزج. فإن قالوا: ليست العلة ذلك، ولكن العلة أن يكون الجسم يحتمل الزيادة والنقصان والفناء والبطلان، قلنا: وما جعل بعضها أحق بذلك من بعض؟ وكلّها متساوية في الصفات، متفقة في العلل، وهل احتمل الجسم الزيادة أو النقصان والفناء والبطلان إلاّ لأنه جسم محدود، متناه، ذو طول، وعرض، وعمق، وحركة، (1/402)
صفحة 150
وسكون، أم لأمر غير ذلك؟ فإن كان ذلك للذي وصفنا فالأمر كما ذكرنا، وإن كان لغير أنه محدود ذو حركة وسكون، واحتمال التنصيف والتصريف، فما العلة التي لها احتمل الفناء، والبطلان والزيادة والنقصان، فإن قالوا: إنما يعتريه ذلك لأنه متناهي القوة، قلنا: ولم تتناه قوته إلاّ لتناهي جسمه، أو ليس إذا استوت الأعمال واتفقت الصفات في وجوه الخاص (1) والعام (2) ، فذلك الذي يوجب التسوية في الحكم؟ فإن قالوا: إنما قلنا جسم لأنه فاعل، والفاعل لا يكون إلاّ جسماً، قلنا: قد أخطأتم وجه القياس (3) ، ولم تصادفوا حقيقة العلة؛ إذ ليس كل جسم فاعلاً، وأنتم تزعمون أنه إنما كان جسماً لعلة أنه فاعل، فيلزمكم أن تجعلوا كل جسم فاعلاً، وتبطلوا عما ليس بفاعل أن يكون جسماً، ونحن نجد أجسماً كثيرة وليست بفاعلة، فإن قالوا: لا نجد ها هنا ولا نعقل فيما بيننا فاعلاً إلاّ جسماً، قلنا: فإن كنتم على المعقول تثبتونه جسماً، فهل ثبتموه بجميع ما تجدون من صفات الأجسام؟ وليس بين أن يخرج الشيء عن المعقول في وجه، وبين أن يخرج في وجهين فرق، وكذلك أكثر من ذلك، على أنهم لو رجعوا بصفة معبودهم إلى ما يجدون ويعقلون لأبطلوا عنه التسمية بالجسم،
__________
(1) الخاص: عند الأصوليين كل لفظ وضع لمعنى معلوم على الانفراد، والمراد بالمعنى ما وضع له اللفظ عيناً كان أو عرضاً، والمقصود بالانفراد اختصاص اللفظ بذلك المعنى.
والخاص: نقيض العلم، وهو ما يشمل نوعاً واحداً أو فرداً واحداً.
(2) العام في اللغة: الشامل، يقال مطر عام وتعليم عام، وفي تعريفات الجرجاني: العام لفظ وضع وضعاً واحداً لكثير غير محصور، مستغرق جميع ما يصلح له.
(3) القياس عند المناطقة: هو المركب من قضايا، يستلزم لذاته قولاً آخر، وينقسم إلى الاقتراني: وهو ما كان مشتملاً على النتيجة أو نقيضها بالقوة نحو: العالم متغيّر، وكل متغيّر حادث.
والاستثنائي: هو المعروف بالشرط لكونه مركباً من قضايا شرطية، وهو المشتمل على النتيجة أو نقيضها بالفعل نحو: ((لو كان النهار موجوداً لكانت الشمس طالعة، ولو لم يكن النهار موجوداً لما كانت الشمس طالعة)).
وقياس الخلف: وهو إثبات المطلوب بإبطال نقيضه لقولنا: شريك الباري غير موجود لأنه لو وجد إما أن يكون واجباً ممكناً، والأول باطل، ولا يلزم تعدد الواجب، وكذا الثاني. (1/403)
صفحة 151
وإلاّ فليوجدونا جسماً يخترع سماء وأرضاً، ويعلم السر والضمير، وما يكون قبل أن يكون، فإن زعموا أنهم يعقلون ذلك ويتوهمونه صاروا إلى التحكم، وخرجوا من التصادق، وليس مع المباهتة (1) محاجة، ولا مع المجاحدة مناظرة (2) ، وإن زعموا أنهم لا يعقلون ذلك ولا يتوهمونه، قلنا فقد أقررتم بما لا تعقلون، ومَن جعل بعض ما لا يعقل حقاً، وبعضه باطلاً؟ وما تنكرون أن لا يكون الله جسماً إذ كان فعالاً للأجسام، وإذ كان يعلم ما يكون قبل أن يكون، كما لم تعقلوا جسماً غيره يخترع الأجسام، ويعلم ما يكون قبل أن يكون، إذ كنتم إنما بنيتم أصلكم على ما تعقلون، ويقال لهم: فإذا كنتم لا تبنون إلاّ على ما تعقلون ولا تقضون إلاّ بما تجدون، فأين وجدتم جسما ليس بذي لون، ولا طعم، ولا ريح، ولا لمس، ولا يشم، ولا يذاق، ولا هو خفيف ولا ثقيل، ولا حار ولا بارد، ولا فاتر ولا خشن، ولا لين ولا رقيق، ولا كثيف ولا صلب ولا رخو، ولا حسن ولا قبيح، ولا صبيح ولا مليح، ولا يمنع الأبصار، ولا تحله الألوان؟ فقد أخرجتموه من المعقول، وللخروج من المعقول
__________
(1) المباهتة: يقال بهته أخذه بغتة، وبابه قطع، ومنه قوله تعالى: {بل تأتيهم بغتة فتبهتهم} سورة الأنبياء آية 40، وبهته أيضاً: قال عليه ما لم يفعله، فهو مبهوت، وبابه قطع، وقال تعالى: {فبهت الذي كفر} سورة البقرة آية 258، أي دهش وتحيّر، وقال تعالى: {هذا بهتان عظيم} سورة النور آية 16، أي كذب، وقال تعالى: {يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} سورة الممتحنة آية 12، كناية عن الزنا، وقيل: بل ذلك لكل فعل شنيع يتعاطينه باليد والرجل.
(2) المناظرة: هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهاراً للصواب، وقد يكون مع نفسه.
والمجادلة: هي المنازعة في المسألة العلمية لإلزام الخصم، سواء أكان كلامه في نفسه فاسداً أو لا، وإذا علم بفساد كلامه وكلام صاحبه فنازعه فهي المعاندة.
وأما المغالطة: فهو قياس مركب من مقدمات شبيهة بالحق، ويسمى سفسطة أو شبيهة بالمقدمات المشهورة، ويسمى مشاغبة.
وأما المناقضة المصطلح عليها في علم الجدل: فهي تعليق أمر على مستحيل، إشارة إلى استحالة وقوعه، كقوله تعالى: (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) سورة الأعراف آية 40. (1/404)
صفحة 152
قلتم بزعمكم بالتجسيم والتشبيه، وقد قلنا: إنه ليس بين أن يخرج الشيء في وجه واحد من المعقول، وبين أن يخرج في وجهين فرق، وكذلك أكثر من ذلك.
المشبهة تسأل:
ومما تسألنا عنه المشبهة قولهم: لم جعلتموه شيئاً لا كالأشياء، وحيّاً لا كالأحياء، وأبيتم أن يكون جسماً لا كالأجسام؟ قلنا: إن تأويل قولنا شيء (1) مخالف لتأويل قولنا جسم، فإذا قلنا: شيء فذلك اسم لكل موجود وموهوم. وجسم إنما يراد به التجزي والتسديس، فإذا قلنا: إن الله جسم ليس كالأجسام فكأننا قلنا هو، وإن كان مسدساً ذا أجزاء فلا خالق إلاّ هو، ولو قلنا: هو جسم لا كالأجسام، ونريد ذلك؛ لكنّا إنما قلنا إنه مسدس متجزئ، وليس بمسدس ولا متجزئ، وليس لهذا القول وجه غير هذين الوجهين؛ لأن قولك جسم إما أن يكون وصفا للذات دون الإخبار عن جنس فعله ما هو، وكيف هو، وإمّا أن يكون لا كالأجسام إخباراً عن فعله أنه لا يشبه فعل الأجسام، فإن كنت عن الذات تخبر فقد جعلته مسدساً متجزياً، وإن كنت الفعل أردت فقد صار قولك كقول مَن قال إن النار جسم لا كالأجسام، وليس يريد أن النار غير مسدسة ولا متجزية، وإنما يريد أن لا محرق إلاّ النار حيثما كانت، ولو لم يعن القائل ما قلنا، لكان إنما قال النار جسم وليست بجسم، وكذلك إذا زعم أن الله جسم وليس كالأجسام، وقولنا شيء اسم لكل موجود وموهوم، وقولنا لا كالأشياء: أردنا
__________
(1) حقيقة الشيء عند الأباضية: هو المخبر عنه، وعند الأشعرية هو الموجود. أمّا المعدوم فليس بشيء، وعند الأباضية شيء معدوم، والعدم أيضاً ليس بشيء ((البرادي: رسالة الحقائق ص35))، وفي هذا المعنى يقول ابن أبي سنة: ((فالشيء حينئذٍ أعمُّ من الوجود على ما ذهب إليه أصحابنا، وهو الذي تقتضيه اللغة)). حاشية على شرح الكتاب.
وقد أورد الأشعري في المقالات آراء الفرق الإسلامية في معنى قولهم: ((إن الله شيء)) المقالات 281:1 و 202:2، ويقول بلقاسم بن حسن: ويبدو أن أغلب مفكري الإسلام يجيزون إطلاق لفظ الشيء على اسم الله تعالى، ولكنهم يجمعون على نفي الجسمية عنه نفياً قاطعاً في أي شكل من الأشكال. راجع آراء الماتريدي الكلامية ص195. (1/405)
صفحة 153
أن صفاته بخلاف صفات الأشياء، وليس في قولنا شيء (1) بخلاف الأشياء ما يخرجه من أن يكون شيئاً، وليس سبيل القول بأنه جسم لا كالأجسام سبيل القول بأنه شيء لا كالأشياء، وقد نقول: إن الإنسان حيّ، نريد أنه حيّ بحياة فيه، ونريد أنه ليس بميت، ولم بميت، ولا يموت، وقد نقول للإنسان الحي ميت إذا كان بليداً، ونقول للإنسان هو حي إذا كان حي الذهن، وإذا قلنا: إن الله حي لا كالأحياء فقد أخبرنا أن حياته ليست كحياة الخلق، وقولنا: جسم إنما هو مقصور على التجزي والتسديس فقط، وبعد فمن أين صار قولي: هو حي لا كالأحياء يبيح القول بأنه جسم لا كالأجسام، وكذلك إن سألوا عن سميع وسميع، وبصير وبصير، وعالم وعالم، فالجواب لهم في جميع ذلك كالجواب في حي وحي، فتثبت في ذلك جداً، والله وليّ التوفيق.
الفصل الثاني من المشبهة:
وأمّا الذين قالوا من المشبهة باللحم والدم، وصورة الإنسان، والسبعة (2) الأشبار على صورة آدم، فيقال لهم: أخبرونا لأية علة صار الله قديماً مخترعاً للأجسام، ألعلة الذات، أم لغير علة الذات؟ فإن قالوا: لعلة الذات، قلنا: فكيف والذاتان متفقتان؟ فإن قالوا: لعلة غير الذات، قلنا: ما هي؟ فإن قالوا: هي القدرة، قلنا: وما جعل هذه القدرة توجب القدم، واختراع الأجسام، دون أن تكون
__________
(1) الله سبحانه وتعالى شيء، وهو أعظم الأشياء وأفضلها، وليس يشبهه شيء، ويقول الدكتور فرحات الجعبيري: ونرد ذلك على الجهمية والمشبهة الذين يعتبرون الشيء والجسم بمعنى شيء واحد، ثمّ يختلفون فيذهب الجهمية إلى نفي الشيئية عن الله فيعطلون، ويذهب المشبهة إلى إقرار الشيئية فيجسمون. وخطرهم ناجم عن خلط لغوي؛ ذلك أن اللغة تميّز بين الشيء والجسم، وتعتبر الشيء أهم من الجسم؛ لأن كل جسم شيء، وليس كل شيئاً جسماً. قال تعالى: {لقد جئتم شيئاً إداً} (سورة مريم 89)، يعني قولهم وفعلهم، وهو ليس بجسم. (أبو عمار عبد الكافي: حاشية على كتاب الجهالات ص 157ـ 158 نقلاً من رسالة دكتوراه للدكتور فرحات الجعبيري ص 170.
(2) الذين قالوا بذلك هم الهشامية أتباع هشام بن الحكم الرافض الذي شبه معبوده بالإنسان، وزعم لأجل ذلك أن سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه جسم ذو جلد ونهاية، وأنه طويل عريض عميق، وذو لون، وطعم، ورائحة، وقد روى عنه أن معبوده كسبييكة الفضة، قاتله الله. راجع الفرق بين الفرق 227. (1/406)
صفحة 154
الأخرى توجب ذلك؟ فإن قالوا: لأن هذه غير متناهية، وتلك متناهية قلنا: وما جعل هذه غير متناهية، دون أن تكون تلك أيضاً غير متناهية؟ أو ما جعل تلك متناهية دون أن تكون هذه أيضاً متناهية؟ والذاتان في زعمكم متفقتان، أو ليس اتفاق الذاتين مما يوجب اتفاق القدرتين، وفي اتفاق القدرتين اتفاق الأعمال؟ أو ليس إذا استوت الأعمال، واتفقت الصفات في وجوه الخاص والعام، فذلك هو الذي يوجب التسوية بين الحكم؟ أو ليس الدليل على مخالفة الثلج للنار، وموافقة النار النار، الذي رأينا من اتفاق الأعمال واختلافها، وحتى قضينا باتفاق الأعمال واختلافها، وحتى قضينا باتفاق الجسم وباختلافه، وعلى جميع ذلك بالحدث؟ فليس بين السبيلين سبيل، ولا بين القولين قول، إمّا أن تقولوا باتفاق الصفات في باب القدم، والأعمال في باب الاختراع، لاتفاق الذاتين، أو تقولوا باتفاق الصفات في باب الحدث، واتفاق عدم الأعمال في باب العجز، فعلى أي هذين القولين تعزمون من صفة معبودكم؟ وعلى أيهما تعتمدون، وهكذا السؤال عليهم في جميع الصفات وفي جميع الأفعال، فلو كنا تتبعنا ذلك واحداً واحداً لما انفصلنا منه إلى غيره، إلاَّ أن شاء الله، فمَن فهم ما ذكرنا من هذا فهم ما لم نذكر منه، إن شاء الله.
وبعد فكيف يكون بيننا جسم ساكن أحدث جسماً لم يكن، من غير أن (1/407)
صفحة 155
يتحرك ذلك الساكن أو يعتمد، أو يضمر إرادة، أو تجيئه مادة، ثم يحدث جسماً في طول الأرض، وعرض الأرض، وعمق الأرض، وحالات الفاعل والمفعول سواء؟ وما جعل ذلك الجسم الساكن الذي لم يتغيّر عن أمره بوجه من الوجوه أحق بذلك الحدث من غيره؟ وبعد فما الذي أخرّ ذلك الحادث إن كان تأخّر؟ وما الذي قدمه إن كان تقدّم، والفاعل على أمر واحد قبل وبعد؟ ولِمَ جاء أيضاً جسماً وإن تحرك ألف سنة؟ ولِمَ جاء جسماً كبيراً دون أن يجيء جسماً صغيراً، ولم جاء أسود دون أن يجيء أبيض، ولم جاء خفيفاً دون أن يجيء ثقيلاً؟ وإن زعموا أنه له لم يحدث حركة لما أحدث جسماً، لأنه لو لم يحدثها لكان على أمره الأول، ومتى كان في حال فعل الجسم وقبله وبعده على هيئة واحدة لم يكن كون ذلك الحادث دون غيره، قلنا: احسبوه قد تحرّك، لم جاء جسم في ثخن (1) الأرض وطولها وعرضها؟ ولم جاء أسود دون أن يجيء أبيض، وحاراً دون أن يجيء بارداً؟ ولم جاء منه جسمان: أحدهما خفيف والآخر ثقيل في حال واحدة؟ والحركة الواحدة في الجهة الواحدة، والجنس (2) الواحد لا يوجب كون المختلف، وحدوث المتضاد، فإن زعموا أن الأجسام إنما اختلفت لاختلاف الجهات، قلنا: فهل تخلو حركته إذا أراد أن يصنع المختلف من أن تكون في الست الجهات معاً، أو تكون كل واحدة بعد الأخرى؟ فإن كانت معاً فلا
__________
(1) ثخن: ثخن الشيء من باب ظرف، أي غلظ وصلب فهو (ثخين)، وأثخنته الجراحة أوهنته، يقال أثخن في الأرض قتلاً.
(2) الجنس هو عبارة عن لفظ يتناول كثيراً، ولا تتم ماهيته بفرد من هذا الكثير كالجسم.
والجنس الخاص: ما يشتمل على كثيرين متفاوتين في أحكام الشرع كالإنسان.
والنوع الخاص: هو ما يشتمل على كثيرين متفقين في الحكم كالرجل.
والجنس العالي: هو الذي تحته جنس وليس فوقه جنس كالجوهر على القول بجنسيته.
والجنس السافل: هو الذي فوقه جنس وليس تحته جنس كالحيوان.
والجنس المتوسط: هو الذي فوقه جنس وتحته جنس كالجسم النامي.
والجنس المفرد: هو الذي ليس فوقه جنس ولا تحته جنس.
قالوا: ولم يوجد له مثال.
والجنس عند النحويين والفقهاء: هو اللفظ العام، فكل لفظ عمَّ شيئين فصاعداً فهو جنس لما تحته، سواء اختلف نوعه أو لم يختلف. وعند آخرين لا يكون جنساً حتى يختلف بالنوع، نحو الحيوان فإنه جنس للإنسان والفرس والطائر ونحو ذلك. راجع الكليات 2: 149 ـ 150 بتصرّف. (1/408)
صفحة 156
قول أبعد عن المعقول من هذا القول، بل لا يكون كلام أدخل في باب المحال منه، وإن كان هو من بين الأجسام يفعل ست حركات في ست جهات معاً، فما تنكرون أيضاً أن يكون من بين الفاعلين ليس بجسم؟ ويقال لهم: أخبرونا عن الله أصار خالقاً للأجسام، وعالماً بالغيب (1) من أجل كثرة أجزائه، وعظم جسمه، أو لأن ذاته على خلاف كل ذات، خرجوا من المذهب، وتركوا القول بالتجسيم، وإن كان إنما يخلق لكثرة الأجزاء فقد كان ينبغي لكل جسم يخلق على قدر أجزائه، وإن قالوا: ليست العلة في ذلك كثرة الأجزاء ولا قلتها، فإذا كان ذلك كذلك، فلعله أصغر من الهيئات وأقل من كل قليل، ويلزم المشبهة أيضاً أن يكونوا لا يدرون لعل الذرة (2) والبعوضة أكبر جسماً من إلههم، من غير الوجه الذي ألزمناه قبل؛ لأن الله لا يخلوا من أن يكون محدوداً أو غير محدود، فإن كان الله محدوداً فلا يجوز أن يفعل العالم منه على هذا القياس إلاّ الجزء المحدود، إذا كان الكل لا يقع إلاّ على المتناهي،
__________
(1) الغيب في كلام العرب: كل ما غاب عنك، وأغابت المرأة فهي مغيبة إذا غاب عنها زوجها، والغيابة: الأجمة، وهي جماع الشجر يغاب فيها، والغيب: كل ما أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدي إليه العقول: من أشراط الساعة، وعذاب القبر، والحشر والنشر، والجنة والنار. وقال عبد الله بن مسعود: ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ثمّ قرأ: {الذين يؤمنون بالغيب}. سورة البقرة آية 3.
(2) الذرة في الأصل: هي الجزء الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزأ، أثبتها (ديمقريطس) و(أبيقوروس) و(لوكرس)، فقال ديمقريطس: إن الجواهر الفردة أبدية ومتجانسة، وثابتة لا تختلف بعضها عن بعض إلاَّ بصورها وأوضاعها وحركاتها، وقال المتكلمون الذين أثبتوا ذلك أن الجوهر الفرد ذو وضع لا يقبل القسمة أصلاً لا قطعاً، ولا كسراً، ويطلق المحدثون لفظ الذرة على أصغر جزء من عنصر مادي ما، يصح أن يدخل في التفاعلات الكيماوية، وهذه الأجزاء المادية ثابتة الكيفيات، وقد أطلق العلماء خلال هذه السنوات الأخيرة لفظ الذرة على أجزاء فيزيائية محدودة ومنفصلة لا تقبل الانقسام، كالذرات الكهربائية أي (الإكترونات)، وأطلق الفلاسفة لفظ الذرة على العناصر النفسية التي لا تنقسم، وسموه بالذرات النفسية. (1/409)
صفحة 157
والفاعل لا يخلو من أن يكون محدوداً أو غير محدود، فإن كان الله محدوداً فلا بدّ أن تكون الدنيا مثل نصفه، أو جسمه، أو عشره، أو جزء من ألف جزء منه؛ لأن تضاعيف المتناهي لا يكون أبداً إلاّ متناهياً، فإذا كان ذلك كذلك فقد خلق الله الدنيا في مثل عشره، وقدرته على مثل ما خلق، كقدرته على ما خلق، وكذلك قدرته على مثليه، وثلاثة أمثاله، إلى عشرة أمثاله، وإلى أن يبلغ إلى مثل مقداره ومساحته في طوله وعرضه وعمقه، فإذا كان ذلك جائزاً، وليست مساواته في المقدار، والذرع مساواة في القدرة، فما تنكرون أن يكون ما خلق الله أكثر ذرعاً، وأعظم جسماً منه، ولا يكون ذلك بالذي يوجب له مثل قدرته، فإن جوزوا له ذلك قلنا فلعله نصف الدنيا، فإذا جوزوا ذلك قلنا: فلعله مثل ربعها، أو ثمنها، أو عشرها، إلى أن يصيروا إلى الذرة والبعوضة، ويقال لهم: هل تخلو حركته يمنة أن تخالف حركته يسرة لاختلاف الجهتين، أو تكونا مختلفتين في أنفسهما؟ فإن جعلوا سبب اختلافهما اختلاف (1/410)
صفحة 158
جهاتهما قلنا: ولم اختلفتا لاختلاف غيرهما؟ وإن كانتا مختلفتين في أنفسهما، فقد صار الجسم الواحد قد تجيء منه الأجناس المختلفة، والأفعال المتضادة، فإن لم يجوزوا ذلك في سائر الأجسام، وخصوه بأنه يفعل الحركتين المختلفتين في الجهتين فقد أقّروا بأنه بخلاف ما يعقلون ويجدون فيها بينهم، وينبغي للأجسام التي يحدثها الله أن تكون إنما تعظم على قدر شدّة الحركة منه، وهذا يوجب أنه إذا سعى كان الجسم الحادث أكبر منه إذا مشى، وإذا عدا كان الجسم الحادث أكبر منه إذا سعى، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ويلزم هذا الصنف من المشبهة القائلين بأنه على صورة الإنسان لعلهم قد يكونون يشاهدونه، ويلقونه في بعض المسالك، ولا يدرون أن هو، وقد بلغنا عن عبد الرحمن (1) بن كيسان قال: نازع ضرار (2) بن عمرو رجلاً من علمائهم،
__________
(1) هو عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم، فقيه معتزلي مفسّر، قال ابن المرتضى: كان من أفصح الناس وأفقههم وأورعهم، خلا أنه كان يخطئ عليّاً _عليه السلام_ في كثير من أفعاله، ويصوب معاوية في بعض أفعاله، وله تفسير وصف بأنه عجيب، ومقالات في الأصول، ومناظرات مع أبي الهذيل العلاف. قال ابن حجر: هو من طبقة ابن الهذيل وأقدم منه. وقال القاضي عبد الجبار كان جليل القدر. توفي عام 225هـ. راجع طبقات المعتزلة 56، ولسان الميزان 3: 427، وفضل الاعتزال287.
(2) ضرار بن عمرو الغطفاني: قاضي من المعتزلة، طمع برياستهم في بلده فلم يدركها فخالفهم، فكفروه بقوله (إن لله ماهية، تدرك بحاسة سادسة، تخلق يوم القيامة). راجع مقالات الإسلاميين 1: 281، والفصل لابن حزم 4: 192 ـ 195، وصنف نحو ثلاثين كتاباً: بعضها في الرد على المعتزلة، والبعض في الرد على الخوارج، وفيها ما هو مقالات خبيثة، وشهد عليه الإمام أحمد بن حنبل عند القاضي سعيد ابن عبد الرحمن الجمحي، فأفتى بضرب عنقه فهرب، وقيل إن يحيى بن خالد البرمكي أخفاه. قال الجشمي: ومَن عدّه من المعتزلة فقد أخطأ لأنَّا نتبرأ منه. راجع لسان الميزان 3: 303، وفضل الاعتزال 391، والفرق بين الفرق للبغدادي 213. (1/411)
صفحة 159
فما أقلع عنه إلى أن اضطره إلى أنه في صورة الإنسان، وحتى أنه قد يكون يلقاه في بعض الأزقة، ولا يدري أنه هو. قال عبد الرحمن: قال له ضرار: لعلي أنا هو _وكان ضرار رجلاً ذميم الصورة_ فقال: أنت قبيح وهو حسن. فينبغي على قياس هذا القول لو كان السائل له جميلاً أن يشك لعله هو ربّ العالمين، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
الفصل الثالث:
ويقال للمشبهة من أصحاب الغلط في تأويل كتاب الله، أهل التحريف لحديث رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ ممن يأبى التسمية بالجسم بزعمهم، أخبرونا عن قول الله عزّ وجلّ: {الرحمن على العرش استوى} (1) ، ما تأويله عندكم، وما مخرجه؟ أعلى ما يعقل من الحلول والتمكن على العرش كما يستوي الملك على سريره، أم على الذي قلناه في ذلك من معنى الاستيلاء والملك والحفظ والقدرة، والمنع له من الزوال، كما استوى على جميع خلقه: من العرش وغيره؟ فإن قالوا: على ما يعقل من الحلول والتمكن من العرش، كما استوى على
__________
(1) سورة طه آية رقم 5. (1/412)
صفحة 160
سريره لحقوا بإخوانهم من أهل التشبيه المحض، القائلين بالتجسيم على حقيقته، فكان النقض عليهم كهو على إخوانهم المتقدمين، وإن قالوا: إن الاستواء على غير سبيل الحلول والتمكن والملازقة، قلنا: فعلى ماذا إذاً؟ قالوا: إنّا لا نعدو ما قال الله عزّ وجلّ، ولا نجاوزه إلى ما سواه، ولا نقول على المعقول من المحلول (1) والتمكن، وغير ذلك، قلنا: بل قد جاوزتم ما قال الله عزّ وجلّ من ذلك؛ إذ زعمتم أنكم لا تقولون في الاستواء على ما قال الله عزّ وجلّ، من معنى الاستيلاء والحفظ والقدرة، مما دلّ عليه نص القرآن، والحديث عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وعن أصحابه، وأيمة المسلمين بعدهم، من الذين ذكرنا وبيّنا، فإن قالوا: لا نقول في الاستواء بمعنى الاستيلاء والحفظ والقدرة والملك، ولا بمعنى الاستقرار والحلول والتمكن، ولكنّا نقول: إن الله عزّ وجلّ فعل في العرش فعلاً يسمى به مستوياً، ولا نصف ذلك، ولا نحده، قلنا: فإنا لا نجد للاستواء في لغة العرب معنى إلاَّ ما ذكرنا وبينّا من الاستيلاء والحفظ والملك والقدرة، أو على معنى ما يعقل من الحلول والتمكن، فعلى أي هذين الأمرين تعزمون من قولكم؟ وعلى أيهما تعتمدون؟ ونحن لا ندعكم حتى تخرجوا بنا إلى أحد
__________
(1) الحلول: اصطلاح فلسفي من حلّ، ومن استعمالاته القديمة في علم الكلام في الإسلام: علاقة بين جسم ومكانه، أو عرض وذاته، ويستعمل الحلول أيضاً للدلالة على الاتحاد الجوهري بين الروح والبدن أو الجسم، أو بين العقل الفعّال والإنسان. (الفارابي: آراء أهل المدينة الفاضلة)، وكذلك يستعمل الحلول للدلالة على حلول اللاهوت في الناسوت (عند النصارى). على أن جميع المتكلمين المسلمين رفضوا هذه النظرية، وإن كان بعضهم يقره في حلول الملاك أو الجن في جسم الإنسان، وينكرونه على معنى حلول الذات الإلهية في جسم الإنسان، أي التجسيد، أو انتقالها من جسم إلى آخر بالتناسخ.
ومن الذين قالوا بالحلول غلاة الشيعة: السبئية، والبيانة، والجناحية، والخطابية، والنجدية (النصيرية) والمقنعية، والرزامية، والباطنية، والعزاقرة، والدروز، والشباسية، وأنصار وحدة الوجود الاتحادية. راجع منتهى المدارك، طبعة القاهرة: 1293هـ، جـ 2 ص 84 ـ 86، وانظر مادة (ابن العربي) والسلمي: غلطات الصوفية، والهجويري كشف المحجوب ص 260 ـ 264، والغزالي: المقصد الأسنى: القاهرة 1324هـ، التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون. (1/413)
صفحة 161
الوجهين: إمّا إلى قول إخوانكم من أصحاب المعقول والتمكن والاحتواء والحدود، فذلك أروح لكم، وأقيد لمقالتكم من الإقامة على اللبسة والرضا بالشبهة، أو ترجعوا إلى الذي منه فررتم من قولنا، وليس بين القولين قول، ولا بين السبيلين سبيل.
وكذلك يسألون عن قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} (1) ، فيقال لهم: أذلك عندكم على معنى رؤية الأبصار، ودرك الألوان في ضروب من الألوان، وتحديد المكان، إذا كان الذي يرى في مكان غير مكان الذي يرى فيه، أم على معنى غير ذلك من الذي فسرّنا وبيّنا، من أن النظر إنما أراد به الانتظار والترقب لما يأتي من عند الله من جزيل ثوابه؟ فإن قالوا: إنما ذلك على ما يوجد في المعقول: من رؤية الأبصار، ودرك الألوان، وتحديد المكان، كفيت مؤونتهم، وألحقناهم بإخوانهم الأولين، فكان الرد عليهم واحداً، وإن قالوا: إنّا لا نقول في ذلك بمثل قولهم، ولا نرضى بمنزلتهم؛ ولكنا نقول كما قال إنه يرى، ولا نثبت لوناً، ولا غير لون، ولا تحديداً في مكان، ولا غير مكان، ولا نعدو ما قال عزّ وجلّ من ذلك، قلنا: بل عدوتم إلى غير الذي
__________
(1) سورة القيامة آية رقم 22/ 23. (1/414)
صفحة 162
قال جلّ اسمه، حين زعمتم أنه يرى بالأبصار، ويدرك بالأعيان، وهو يقول: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} (1) ، ولم تقولوا في قوله: (ناظرة) بالذي قال عزّ وجلّ ورسوله _صلى الله عليه وسلم_، وأصحابه، والأئمة من بعدهم، من الذين بيّنا فيما مضى من كلامنا، ورويناه في غير حديث، واستشهدنا عليه من أن النظر إنما هو على الانتظار، لا على رؤية الأبصار، وليس لكم بين أحد الوجهين وجه تذهبون إليه، ولا ملجأ تأوون إليه، إمّا أنكم عزمتم على مقالة إخوانكم، فيلزمكم جميع ما يلزمهم، أو رجعتم إلى الذي قلنا صاغرين.
وكذلك يسألون عن قوله: {يد الله فوق أيديهم} (2) ، وعن قوله: {والسماوات والأرض مطويات بيمينه} (3) ، وعن قوله: {ولتصنع على عيني} (4) ، وعن قوله: {وجاء ربك} (5) في مثل ذلك من جميع ما تقدم ذكره فيما مضى من كلامنا، فيقال لهم: على ماذا تحملون هذا كله من قول الله؟ وعلى أي وجه تتأولونه، أعلى ما يعقل من الجوارح، المركبة في الأبدان: من اليد التي هي مركبة في ساعد، والساعد في مرفق، والمرفق في عضد، والعضد في منكب، والمنكب في الكتف،
__________
(1) سورة الأنعام آية رقم 103. بين سبحانه أنه منزه عن سمات الحدوث، ومنها الإدراك بمعنى الإحاطة والتحديد. واختلف السلف في رؤية نبيّنا عليه السلام ربه، ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: كنت متكئاً عند عائشة فجلست فقلت يا أم المؤمنين انظريني ولا تُعجليني، ألم يقل الله عزّ وجلّ: {ولقد رآه بالأفق المبين}، {ولقد رآه نزلة أخرى} فقالت: أنا أول هذه الأمة من سأل عن ذلك رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فقال: إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطاً من السماء ساداً، عظم ما بين السماء والأرض، فقالت: ألم تسمع أن الله عزّ وجلّ يقول: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}، أولم تسمع أن الله عزّ وجلّ يقول: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاَّ وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً}. فقال ومن زعم أن محمداً _صلى الله عليه وسلم_ كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} (سورة المائدة: 67)، قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلاَّ الله} (سورة النحل:65).
(2) سورة الفتح آية رقم 10.
(3) سورة الزمر آية رقم 67.
(4) سورة طه آية رقم 39.
(5) سورة الفجر آية رقم 22. (1/415)
صفحة 163
وعلى ما يعقل من اليمين التي هي ليست بيسار، وعلى ما يعقل من العين التي مركبة في وجه، والوجه في رأس، والرأس في القفا، وعلى ما يعقل من المجيء والذهاب والنزول والطلوع، والحركة والنقلة من مكان إلى مكان، أم على غير الجوارح، وما يعقل من الإنسان؟ فإن قالوا على المعقول من الجوارح مما ذكرتم من ذلك، وما لم تذكروا، كانوا أيضاً قد لحقوا بإخوانهم من أهل حقيقة التجسيم، القائلين باللحم والدم، والمعتقدين لصورة الإنسان، العازمين على سبعة أشبار، وما ينحو ذلك من كلامهم، وكفى الله مؤنتهم، فإن لم يتجاسروا على هذا لخشونة القول به، ولفظاعته، ولاتضاح فساد المذهب فيه، وقالوا: لسنا نقول بهذا الذي يقتحم عليه هؤلاء القوم، ونحن مع ذلك لا ندخل في الذي دعوتمونا إليه من تأويلكم؛ ولكنا نقول كما قال الله عزّ وجلّ، ولا نعدوه، إلى ما سواء، وليس عليه من البحث والتفتيش في هذا ومثله شيء، قلنا: بل يجب لله عليكم أن تصفوه بحق صفاته، وتعزموا على أنَّه بغير صفات خلقه، وتدعوا ما وراء ذلكم من تشبيهكم الله بخلقه، ووقوفكم دون ما قال الله جلّ اسمه، ودون ما قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وأصحابه، وأئمة المسلمين من بعدهم، مع أنَّكم قد بحثتم وفتشتم وقلتم، وتجاوزتم وأخطأتم، حين زعمتم أنَّ الله يرى بالأبصار وأنَّه يدرك بالعيان، وأنَّه على العرش استوى، وحل فوقه دون غير العرش، وأنَّه (1/416)
صفحة 164
يجيء ويذهب، وينزل عشية عرفة إلى سماء الدنيا، فيباهي الملائكة بأهل عرفة، وأنَّه ينزل للنصف من شعبان، وأنَّه له عيناً، ووجهاً، ويداً، وقبضة، ويميناً، وجنباً، وساقاً، في جميع ما تجاسرتم عليه من ذلك _تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً_، فهكذا السؤال عليهم والجواب لهم في جميع ما يدور بيننا وبينهم من هذه المعاني وأشباهها، فحين نبهتكم عليها عرفتم عامتها، وهو من الأصل الذي وصيناكم بحفظه أولاً، والحمد لله رب العالمين.
وإن هم سألونا فقالوا: ما تنكرون أن يكون الله جلّ جلاله وله القدرة على جميع الأشياء، قد حول أبصار أوليائه عن معناها في المعاد، فيكون الله مدركاً بها؟ قلنا: لا يعدوه هذا الذي سألتم عنه وجهين لا ثالث لهما: أما أن يكون الله جلّ جلاله قد غير الأبصار عن معناها، وحولها عن صفاتها، فتكون الأبصار حينئذ ليست أبصاراً، فإذا تحولت الأبصار على هذا الوجه، وصارت غير أبصار بطل عنها الوصف بأنَّها ترى وتبصر، فإذا بطل عنها أن ترى وتبصر بطل ما ذهبتم إليه من الرؤية والدرك، وأنتم إنما أردتم بسؤالكم هذا إثبات الرؤية (1) ، فإنا نراكم أبطلتموها بالذي أردتم إثباتها بها، أو تكونوا تذهبون إلى أن يكون الله جلّ جلاله هو الذي يتغير في ذاته، ويتحول في صفته، فيصير لوناً من الألوان، وشخصاً من الأشخاص، فيكون مدركاً بالأبصار، مشاهداً بالعيان، فإن كنتم إلى هذا
__________
(1) الرؤية إذا أضيفت إلى الأعيان كانت بالبصر، وقد يراد بها العلم مجازاً بالقرينة، ومنه قوله تعالى: {ألم تر إلى ربك}، وقوله عليه الصلاة والسلام: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وكذا يراد بها الكينونة عند الإضافة إلى مكان لتعارف الناس، ومنه قول الأعمى (رأينا الهلال بالكوفة)، والرؤية بالحاسة نحو {لترون الجحيم}، وبما يجري مجرى الرؤية نحو {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم}، وبالوهم والتخييل نحو {إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة}، وبالعكس نحو: {إني أرى ما لا ترون}. (1/417)
صفحة 165
الوجه تذهبون أن يتحول الباري جلّ جلاله عن صفة القديم (1) اللائق إلى صفة المحدث المخلوق، ففي هذا ما فيه، وكذلك إن سألوا فقالوا: ما أنكرتم أن يكون الله عزّ وجلّ قد زاد في أبصاركم قوة فتدركونه بها؟ قلنا: لا تخلو هذه القوة الزائدة من أن تكون تخرج بالأبصار عن معناها، وتحولها عن صفتها، فتكون إذ ذاك ليست أبصاراً، فتصير على وجه الحواس الأخرى، وعلى غير ذلك من الأشياء، فإذا كانت على وجه الحواس الأخرى كانت الأبصار منقولة محولة عن جهة الدرك للألوان، والمشاهدة للأشخاص، وصارت بجهة الدرك للروائح، والملامس والاستذواق، والأصوات، وبطل الوصف عنها حينئذ بأنَّها ترى وتبصر، أو تكون هذه القوة التي تزاد في الأبصار ليست مما يخرجها عن معناها، ولكنها زيادة في قوة الناظر، فإذا كان هذا على هذا الوجه فليس في هذا ما يوجب لها أن تكون تدرك ما ليس بلون، أو ترى ما ليس بشخص، وإنما هذا مما يوجب للأبصار أن تكون تدرك من الألوان الخفيفة، والأشخاص الضئيلة، والأشياء البعيدة المسافة ما لم تكن تدركه قبل زيادة القوة، ألا ترون أنَّ الأسد إنما كان يرى في جوف ظلمة الليل ما لم يكن يراه ما سواه من الحيوان
__________
(1) القديم في اللغة: ما مضى على وجوده زمان طويل، ويطلق في الفلسفة العربية على الموجود الذي ليس لوجوده ابتداء، ويرادفه الأول. قال ابن سينا: "يقال قديم للشيء إما بحسب ذاته، وإما بحسب الزمان، فالقديم بحسب الذات هو الذي ليس لذاته مبدأ هي به موجودة، والقديم بحسب الزمان هو الذي لا أول لزمانه". راجع النجاه 355.
والقديم بحسب الذات هو الذي له مبدأ يتعلق به، وهو الواحد الحق (رسالة الحدود 102). راجع المعجم الفلسفي 2: 188. (1/418)
صفحة 166
لشدة بصره، ولقوة ناظره، فإذا اشتد البصر، وقوي الناظر زاد في الدرك للألوان، والرؤية للأشخاص، كما أنَّه إذا ضعف الناظر ضعف الدرك للأشخاص، والتمييز للألوان، فلا يدرك صاحبه إلاَّ ما جلّ من ذلك دون ما دق، على قدر ضعف البصر وقوته، إلى أن يذهب جميعه، فلا يكون البصر عند ذلك يدرك لوناً، ولا يرى شخصاً، كما أنَّ النار إذا قويت قوي إحراقها وتمييزها، وليس في زيادة قوتها ما يخرجها عن معنى الإحراق والتمييز، وكذلك الثلج كلما تقوى أو كثر قوي تبريده للأشياء، وتجميده إياها، ولا تخرجه قوته عن صفته ومعناه. وكذلك إن سألوا وقالوا: ما أنكرتم أن يكون الله جلّ جلاله يحدث لهم في المعاد حاسة سادسة، فيكونون يدركونه بها؟ قلنا: هذا ومثله من المسألة الأولى، فإن كنتم أردتم أن تكون هذه الحاسة السادسة على معنى الإبصار وعلى صفتها فقد أنبأناكم أولاً بأنَّ الأبصار مقصورة على درك الألوان، والأشخاص مطبوعة على أنها لا يكون منها إلاَّ ذلك، وإن أردتم أن تكون الحاسة المستحدثة لهم بخلاف صفة الإبصار فقد أبطلتم عنها أن تكون ترى وتبصر، وفي إبطالكم عنها ذلك إبطال لقولكم، ويقال لهم: خبرونا لأية علة صار معبودكم لها يرى في دار المعاد ولا يرى لها في دار الدنيا، أَلِلذات كان ذلك أم للخبر؟ فإن قلتم للذات، فالذات لا تتغير، وإن قلتم للخبر قلنا: وما ذلك الخبر؟ فإن قلتم: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} (1) قلنا: فهذا الخبر
__________
(1) سورة القيامة آية رقم 23. (1/419)
صفحة 167
عندكم إنما هو للرؤية في المعاد، وأين الخبر الذي لا يرى له في دار الدنيا؟ فلستم تجدونه إلاَّ أن يقولوا هو قوله: {لا تدركه الأبصار}، فإذا قلتم ذلك قلنا: أهذا الخبر خبر عن الذات، أم خبر عن وقت دون وقت؟ فإن قلتم خبر عن الذات فقد قلتم: إنَّ الذات لا تتغير، إذ كان في تغير الذات تغير من صفة القديم إلى صفة المحدث، فإن قلتم: خبر عن وقت دون وقت فيلزمكم أن تقولوا بمثل ذلك في جميع ما أخبر الله به عن نفسه، ودل عباده عليه في صفته، من قوله تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} (1) ، {ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم} (2) ، {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في والأرض} (3) ، {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاَّ هو} (4) ،
__________
(1) سورة البقرة آية رقم 255.
(2) سورة البقرة آية رقم 255.
(3) سورة سبأ آية رقم 3، وجاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة، حيث قال: "ولا" بزيادة (الواو).
(4) سورة الأنعام آية رقم 59. (1/420)
صفحة 168
{لا يجليها لوقتها إلاَّ هو} (1) فتكون هذه الأخبار في كتاب الله عزّ وجلّ وأمثالها في صفة الله جلّ جلاله إنما هي لوقت دون وقت، فإن قالوا: قد استثنى في قوله: {لا تدركه الأبصار} (2) بقوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} (3) قلنا: وكذلك استثنى أيضاً في قوله: {لا يعلمها إلاَّ هو} (4) ، {ولا يجليها لوقتها إلاَّ هو} (5) ، {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} (6) في جميع ما أخبر به عن نفسه أنَّه يعلمه بقوله: {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم} (7) وبقوله: {وليعلم الله من ينصره} (8) ، {وسيرى الله عملكم ورسوله} (9) فيكون الله قد استثنى بهذا في علم الغيوب، فيجب على هذا الوجه أن لا يكون الله يعلم شيئاً مما يكون حتى يكون، فإن قالوا: إنَّ في وصفنا الله بهذا وأمثاله وصفاً منا بالجهل له، واستحداث العلم؛ وذلك من صفات المحدث المخلوق _تعالى الله عن ذلك_، فلذلك أبينا أن يكون الله استثنى في هذا الوجه، قلنا وكذلك وصفنا إياه بأنَّه يرى بالأبصار، ويدرك بالعيان، وصفنا إياه بأنَّه لون من الألوان المركبة في الأجسام، والأجسام محدودة في مكان دون مكان؛ وذلك من صفات المحدث المخلوق، فلذلك أبينا أن يكون استثنى في هذا الوجه، كما أنَّكم أبيتم أن يكون استثنى في معنى العلم، وقد ترادف عليكم معشر المشبهة في اتخاذكم بالرؤية للرب _تعالى عن ذلك_ أمران قبيحان: أحدهما تبديل صفات الله جلّ جلاله، والثاني تكذيب لخبره عزّ اسمه.
وكل ما سألناهم عنه في هذا الباب، وما أجبناهم به فهو من أصلك الأول، فمتى لم تقيد الفرع بالأصل، ولم تقض بالأصل على الفرع وهن عملك، وضعف
__________
(1) سورة الأعراف آية رقم 187.
(2) سورة الأنعام آية رقم 103.
(3) سورة القيامة آية رقم 23.
(4) سورة الأنعام آية رقم 59.
(5) سورة الأعراف آية رقم 187.
(6) سورة سبأ آية رقم 3، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، حيث قال: "ولا" بزيادة (الواو) بدلاً من (لا).
(7) سورة الأنفال آية رقم 23.
(8) سورة الحديد آية رقم 25.
(9) سورة التوبة آية رقم 94. (1/421)
صفحة 169
قوى معرفتك، وليس يكون المتكلم مستحقاً لاسم الكلام حتى يكون ثاقب النظر، مدركاً للعواقب، عالماً بكل ما عليه وله. ومدار الأمر في هذا على صحة الذهن ثمَّ الطبيعة المناسبة لصناعة الكلام المسهل ذلك عليها، ولا بدّ من كثرة السماع، ومدارسة أهل النصائح من العلماء، وإرادة الله بذلك رأس الأمر كله، وعلى قدر ما ينقص من هذه الأسباب ينقص علم أهل النظر.
وتسأل الجهمية (1) ، ومن قال بقولكم من الروافض (2) في زعمهم أنَّ علم الله محدث، وأنَّه لا يكون أن يعلم الأشياء حتى تكون، وزعموا أنَّ ما دلهم على ذلك أن قالوا: وجدنا الله حكيماً عليماً، ووجدنا الحكيم العليم لن يرسل رسولاً في حاجة إلى من عنده به العلم أنَّه غير قاض لحاجته، لو فعل ذلك لكان عابثاً في إرساله، فلما تبيّن أنَّهم غير مجيبين له علمنا بهذا أنَّه غير عالم بما العباد له عالمون، قالوا فلهذه العلة قلنا: إنَّ علمه محدث، ولهذه العلة التي حكيناها عنهم، وصفوا الله أيضاً جلّ جلاله بالبداء _تعالى الله عن ذلك_، وتعلقوا في وصفهم إياه بالبداء بقوله: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} (3) ، ويقال لهم: أما ما
__________
(1) أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أنَّ الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أنَّ الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأنَّ الكفر هو الجهل به فقط، وزعم أنَّ علم الله تعالى حادث، وامتنع من وصف الله تعالى بأنَّه شيء أو حي، أو عالم، أو مريد، وقال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره، وكان جهم يحمل السلاح ويقاتل السلطان، وقتله سلم ابن أحوز المازني في آخر زمان بني مروان. راجع التبصير ص 62، والملل والنحل 1: 86، والفرق بين الفرق 211.
(2) الروافض: مجموعة فرق منهم السبئية، وقد أظهروا بدعتهم في زمان علي _رضي الله عنه_ فقال بعضهم لعلي: أنت الأله فأحرق عليٌّ قوماً منهم، ونفي ابن سبأ إلى ساباط المدائن، ومنهم الإمامية والكيسانية والغلاة. ويرى صاحب كتاب الفرق بين الفرق أنَّ الزيدية من الرافضة؛ والزيدية أتباع زيد بن علي، الباقين على اتباعه (انظر مقالات الإسلاميين 1: 129، وكذلك مروج الذهب 3: 220)، والرافضة الذين كانوا معه ثمَّ تركوه، لأنَّهم طلبوا إليه أن يتبرأ من الشيخيين، فقال: لقد كانا وزيري جدي فلا أتبرأ منهما فرفضوه، وتفرقوا عنه. راجع مروج الذهب 3: 87.
(3) سورة الرعد آية رقم 39. (1/422)
صفحة 170
ذهبتم إليه من حدوث العلم إلى الله جلّ جلاله، وما أعلنتم به على ذلك، فإنًَّ الله أخبرنا عن إبليس أنَّه قائل في الآخرة قولاً، لقول الله وحكايته عنه: {وقال الشيطان لما قضي الأمر: إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلاَّ أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} (1) فهل علم الله في حين إخباره إيانا بما أخبر عن الشيطان من قوله: فإن زعموا أنَّه أخبر من ذلك بما لا علم له به، وصفوه بأكثر مما حاولوا نفيه عنه من العبث في إرساله، إلى من يعلم أنه لا يجيب؛ وذلك أنهم نزهوه عن العبث في وصفهم الذي ظنوا أنَّه عبث، وهو غاية الحكمة، ثمَّ وصفوه بالكذب في خبره، فإن قالوا: بل كان عالماً بما أخبر به عن إبليس، وعن ما راجع به الذين استكبروا والذين استضعفوا، وأصحاب الأعراف، وبما حكاه عن مالك، وجوابه لأهل النار، واستغاثة أهل النار به، تركوا قولهم، وكذلك يقال لهم: أخبرونا عن قوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً} (2) إلى آخر القصة، هل هو عالم بما أخبر به من ذلك، أم هو غير عالم به؟ فإن قالوا: غير عالم به، قلنا:
__________
(1) سورة إبراهيم آية رقم 22.
(2) سورة الإسراء آية رقم 4. (1/423)
صفحة 171
فالمخبر عما لا يعلم أنَّه يكون أو لا يكون بأنَّه يكون، أيس هو أكذب الكاذبين؟ والذي قال هؤلاء الضعفاء ترك لنص القرآن مواجهة مع ما يلزمهم في قولهم إن علم الله محدث، بأن يقال لهم: لا يخلو هذا العلم المحدث من أن يكون الله هو الذي استحدثه لنفسه، أو يكون غير الله أحدثه لله، فإن كان الله هو الذي استحدثه لنفسه فهو من قبل أن يستحدثه جاهل، والجاهل لا يستحدث علماً ولا غير علم، وإن كان غيره استحدثه له فالذي استحدثه له أولى بالربوبية والعلم منهن _تعالى الله عن هذا القول علواً كبيراً_، ولما بطل أن يوصف الله جلّ جلاله باستحداث العلم بطل كذلك ما ذهبوا إليه من وصفهم إياه بالبداء، وإن هم سألونا عن معنى قول الله: {وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} (1) ، {ولما يعلم الله الذين جاهدوا (2) منكم ويعلم الصابرين}،
__________
(1) سورة الحديد آية رقم 25.
(2) سورة آل عمران آية رقم 142، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، وقد أشار الدكتور الطالبي إليها في الهامش. (1/424)
صفحة 172
{ولنبلونكم حتى نعلم} (1) ، {وسيرى الله عملكم ورسوله} (2) ، قلنا: معناه عن أهل التفسير حتى يكون ما علمه منهم موجوداً، ويراه كائناً كما علمه قبل حال وجوده، أي يراهم فاعلين، ويعلمهم فاعلين، و _حتى_ و _اللام_ عندهم واقعتان على المعلوم لا على العلم، وهذه المقالة أوهن الأقاويل شوكة، وأدحضها حجة، والحمد لله.
ويقال للجهمية أيضاً في إبطالهم عن الله أن يكون شيئاً: أخبرونا عن الله جلّ جلاله، هل تصفونه بصفة من الصفات، أو تخبرون عنه بوجه من الوجوه، أو تذكرونه بمعنى من المعاني؟ فإن قالوا: لا نصف الله، ولا نخبر عنه، ولا نذكره، أبطلوه، وجعلوه في حد العدم والتلاشي، وصاروا مع ذلك بهذا القول إلى مقالة أصحاب أرسطاطاليس (3) من أهل الدهر الذين قالوا بقدم الهيولي (4) ، وينفون عنه أن يكون ذا صفات، وكفى لمن صار به قوله إلى مقالة أهل الإلحاد خزياً، ويدخل عليهم ما أدخلناهم على أولئك، وقد وصف الله نفسه في غير موضع من كتابه فقال: {هو الله الذي لا إله إلاَّ هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم} (5) الآيات، ووصفه المؤمنون من عباده بما وصف به نفسه من صفاته جلّ جلاله، فإن رجعوا وقالوا: بل نصف الله بما وصف به نفسه من صفاته، ونخبر عنه بالذي أخبر به عن نفسه، قلنا: وكيف تصفون ما ليس بشيء، وتخبرون عما ليس بشيء، وتذكرونه، ولو جاز أن يوصف ما ليس بشيء، ويخبر عما
__________
(1) سورة محمد آية رقم 31.
(2) سورة التوبة آية رقم 94.
(3) سبق الترجمة له في كلمة وافية في هذا الجزء.
(4) الهيولي: لفظ مرادف للمادة، وقد رد أرسطو الأشياء إلى مبدأين: الصورة والهيولي، فكل شيء هو جزء من المادة الأولية، اكتسب صفات معينة حددت طبيعته ووظيفته وهي صورته، والهيولي ليست موضوع معرفة، ثمَّ هي ليست من بين المقولات؛ إذ أنَّ هذه تحمل عليها في حين أنَّها هي لا تحمل على شيء، إنَّها مجرد قوة في مقابل الصورة التي هي فعل، والهيولي: جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال، محل للصورتين الجسمية والنوعية. [راجع تعريفات الجرجاني]، والهيولي: جوهر، وليس له في ذاته صورة تخصه إلاَّ معنى القوة، ومعنى قولي لها هي جوهر: هو أنَّ وجودها حاصل لها بالفعل لذاتها. راجع ابن سينا: رسائل في الحدود.
(5) سورة الحشر آية رقم 23. (1/425)
صفحة 173
ليس بشيء ويذكر لجاز أن يكون شيء ولا يوصف، ولا يخبر عنه، ولا يذكر، فلما بطل أن يكون شيء لا يوصف ولا يخبر عنه، ولا يذكر بطل أيضاً أن يوصف ويخبر عما ليس بشيء، وقد قال الله عزّ وجلّ: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} (1) ، فأخبر عن نفسه أنَّه شيء، فإن قالوا: إنما نفينا عنه ما نفينا من عبارة شيء؛ لأنَّ معناها عندنا معنى جسم، فإذا زعمنا أن الله شيء أثبتناه أنَّه جسم، قيل لهم: فإنا نجد الله جلّ جلاله قد ذكر معاني فسماها أشياء، وليست مع ذلك أجساماً، قال الله عزّ وجلّ: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل} (2) ، فدل على أنَّه إن هم أقاموا التوراة والإنجيل يكونوا على شيء من الدين، فسمى الله تعالى الدين شيئاً،
__________
(1) سورة الأنعام آية رقم 19.
(2) سورة المائدة آية رقم 68. (1/426)
صفحة 174
وهو ليس بجسم، ثمّ قال: {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً، لقد جئتم شيئاً إداً} (1) فسمى قولهم في ذلك شيئاً، وقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، وإن تسألوا عن حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها} (2) فسمى هذه المعاني التي يسأل عنها المؤمنون رسول الله أشياء، مع أنكم قد غلطتم في أصل علتكم في شيء وجسم أنتم وهؤلاء المشبهة؛ وذلك إنَّكم وإياهم قد اجتمعتم على أنَّ معنى شيء معنى جسم، ومعنى جسم معنى شيء، فلما اتفقتم على ذلك أبيتم أنتم أن تقولوا: إنَّ الله شيء، حتى لا يكون جسماً، وقالوا هم إنَّ الله جسم إذ كان شيئاً، فعمدتم جميعا إلى علتين مختلفتين غير متفقتين، متباينتين غير مشتبهتين، فجعلتموهما علة واحدة حين قلتم: إنَّ علة كون الشيء شيئاً أنَّه جسم، وعلة كون الجسم جسماً أنَّه شيء، فأبطلتم أنتم بذلك عن الله الشيئية، وأثبتت المشبهة بذلك لله الجسمية، حتى لا تفرقوا أنتم ولا هم بين شيء وجسم، فيجب عليكم معشر الجهمية (3) لما ثبت بالدليل
__________
(1) سورة مريم آية رقم 88، 89.
(2) سورة المائدة آية رقم 101.
(3) الجهمية: أتباع جهم بن صفوان، الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أنَّ الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أنَّ الإيمان هو المعرفة بالله فقط، وأنَّ الكفر هو جهل به فقط. أنظر في شأن هذه الفرقة: التبصير ص62، والملل والنحل1: 86، والفرق بين الفرق 211، وراجع ميزان الاعتدال في ترجمة جهم 1482. (1/427)
صفحة 175
أنَّ الله شيء أن تقولوا: إنَّه جسم، لئلا تفرقوا بينهما، ويلزم المشبهة حين ثبت بالدليل أنَّ الله ليس بجسم أن يبطلوا عنه أن يكون شيئاً، فحينئذ ترجع المشبهة جهمية، والجهمية مشبهة، وهذا الفساد كله إنما أتى من قبل فساد العلة، والبنيان على غير الأس، ولو أنكم بنيتم على الأس وعملتم على صحة العلم، فقلتم إنَّ العلة في شيء غير العلة في الجسم، فجعلتموها علتين متفرقتين متباينتين، فقلتم: إنَّ العلة في شيء ما كان موجوداً أو موهوماً مخبراً عنه موصوفاً، والعلة في الجسم ما كان متجزياً، مسدساً، مصرفاً، منصفاً، محتملاً للزيادة والنقصان، مقارناً للحركة والسكون، ذا قدر من الأقدار، وهيئة من الهيئات، لكنتم إنما بنيتم على الأس، وعملتم على صحة العلة. فهذه الجملة قطب هذا الكلام الذي يدور عليه، وكيف رأيت _أيدك الله_ زيادة صفة جسم على صفة شيء، لزيادة صفة الأخص عن الأعم؛ وذلك أنَّ للأخص جميع صفات الأعم، ويزيد عليها الأخص الخصوصية، وأعم الأسماء شيء، وهو أعم من محدث، ومحدث أخص من شيء، وهو أعم من جسم، وجسم أخص منه، وحين نبهتك على هذا عرفت باقيه إن شاء الله، وهذه الطائفة الذين هم الجهمية على أنَّهم ينتحلون اسم الكلام فإنَّهم عند جماعة المتكلمين أرداهم مذهباً، وأبخسهم مقالاً، وأخسهم كلاماً (1) فنعوذ بالله من الضلالة، ومن الحيرة.
__________
(1) يقول صاحب الفرق بين الفرق عند حديثه عن جهنم: وأكفره أصحابنا في جميع ضلالاته، وأكفرته القدرية في قوله بأنَّ الله تعالى خالق أفعال العباد. فاتفق أصناف الأمة على تكفيره. الفرق بين الفرق 212. (1/428)
صفحة 176
القول في صفات الله سبحانه وتعالى:
فمن سألنا عن الله جلّ جلاله، فقال: هل تصفون ربكم أم لا تصفونه بصفة؟ قلنا: نعم، إنا نصف الله جلّ جلاله بصفاته الحسنى التي لا تليق إلاَّ به، وننفي عنه صفات المحدثين؛ وذلك إنا نصفه بالقدم (1) ، إذ لا بدء لوجوده تعالى، وننفي عنه الحدوث لما ثبت من حاجة المحدث إلى محدث يحدثه، وقد بينا فساد تسلل ذلك إلى مالا غاية له من الفساد في أول كتابنا، فوجب بذلك أنَّه قديم لا أول لوجوده، ونصفه بأنَّه باق لا يفنى، لاستحالة الفناء على ما يستحيل عليه الحدوث، لأنَّه لما كان سبحانه وتعالى موجوداً لا بعد عدم بطل عنه أن يكون معدوماً بعد وجود، ونصفه بأنَّه حي عليم حكيم قدير مريد، سميع بصير، لاستحالة وجود الأفعال من الأموات، وبطلان وقوعها من الجاهلين العاجزين، يتعالى ربنا عن صفات النقص علواً كبيراً، فإن قال: أخبروني عن هذه الأشياء التي وصفتموه بها من الحياة، والعلم، والحكمة، والقدرة، والإرادة، والعزة، والسمع، والبصر، أهو شيء لم يزل به أم هو شيء استحدثه لنفسه؟ أم كيف القصة في ذلك؟ قلنا: إنَّ الله تعالى لم يزل موصوفاً بما ذكرنا: من الحياة، والعلم، والحكمة، والقدرة، والإرادة، والعزة، والسمع، والبصر، في سائر تلك الصفات، ولا يزال موصوفاً بها، من قبل أنَّه لا تعدو تلك الصفات إذا
__________
(1) بقي: دام وثبت، والبقاء: هو استمرار الوجود في المستقبل إلى غير نهاية، فمن قال: إنَّ الشيء باق لذاته جعل البقاء نفس الوجود في الزمان الثاني، لا أمراً زائداً عليه، ومن قال إن البقاء صفة زائدة على الوجود جعل البقاء متجدداً، بمعنى أنَّ وجود الشيء في الزمان الأول لا يستلزم وجوده في الزمان الثاني بالضرورة. والباقي بنفسه ولذاته عند الفلاسفة هو الله تعالى، وما عداه باق بغيره، وعند ((ديكارات)) هو الإبداع المتصل الدائم، بل الله عنده هو المبدع والمبقي، ولا بقاء للعالم إلاَّ لأنَّ الله يديم وجوده. راجع تفسير ما بعد الطبيعة 3: 1631، والمعجم الفلسفي 1: 216. (1/429)
صفحة 177
كانت حادثة إليه وجوهاً ثلاثة: إما أن تكون حدثت إليه من غير محدث أحدثها، أو حدثت بمحدث أحدثها له، وهو غيره، أو أن يكون استحدثها لنفسه، وبطل أن تكون تحدث من غير محدث، لما بيّنا من فساد القول بأنَّ شيئاً يحدث بلا محدث في غير موضع من كلامنا، وفسد أن يكون غيره أحدثها له، إذ كان ذلك الغير يجب فيه من القول مثل ما يجب في هذا الموصوف، ولا ينفك مما لا ينفك منه هذا الموصوف، فيتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية له، وفسد أن يكون هو الذي أحدثها لنفسه؛ لأنَّه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يكون من قبل أن يستحدثها لنفسه ليس بحي ولا عالم، ولا حكيم، ولا قادر، ولا سميع، ولا بصير، فمن كان بهذه الهيئة لم يقدر على أن يحدث علماً، ولا قدرة، ولا شيئاً من الأشياء، فلما بطلت هذه الوجوه الثلاثة، واضمحل القول بها لم يبق إلاَّ القول بأنَّه لم يزل ربنا جلّ وعلا حياً، عالماً، قديراً، سميعاً، بصيراً في سائر صفاته، ولا يزال كذلك، والله وليّ التوفيق.
ومن سألنا عن عدل الله وحكمته، فقال: أخبروني عن الله حيث زعمتم أنَّه حكيم، عليم، عادل، فيما وصفتموه به من ذلك، وقلتم: إنَّ جميع أفعاله (1/430)
صفحة 178
وأموره لا تقع ولا تأتي إلاَّ على معنى العدل، والحكمة (1) ، والعلم، أخبرونا ما وجه الحكمة في خلقه لما خلق من الأشياء، وأنتم تزعمون أنَّه غير مستظهر بخلق ما خلق، ولا بذي حاجة إلى فعل شيء مما فعل؟ ولم خلق ما خلق، ولأية علة ترك خلق ما لم يخلق؟ ولأية علة أمر ونهى، وأثاب وعاقب؟ وما وجه الحكمة في ذلك؟ وكذلك إن سأل في وجوه العبادات من صنوف الشرائع: من الصلاة وما يدور بها، والصيام، والزكاة، وفعل المناسك في معانيها، فقال: ما وجه الحكمة في الاستعباد بهذه الأشياء؟ ونحن لم يتضح لنا في معقول شاهد ما يدل على معنى الحكمة فيها، بل تدعو أشياء منها إلى أمور شبيهة بالعبث والسخافة، وكذلك إن سأل عن إيلامه للحيوان، وتعذيبه إياهم، ولا سيما من لا جرم له منها، ولا ذنب، وما وجه الحكمة العادلة في تسخيره الحيوان بعضها لبعض، واستطعام شيء منها لشيء، واستعباده طائفة من ذلك لطائفة، في أمثال هذه الأفعال الظاهرة منه في خلقه؟ ونحن لا نعرف وجه الحكمة في
__________
(1) الحكمة: هي الكلام الذي يقل لفظه، ويجل معناه، والجمع حكم، كالأمثال وجوامع الكلم، والحكمي: هو المنسوب إلى الحكم، والحكميون: هم الفلاسفة.
والحكمة الإلهية: علم يبحث في أحوال الموجودات الخارجية المجردة عن المادة، التي لا تتعلق بقدرتنا ولا باختيارنا. راجع بصائر ذوي التمييز. (1/431)
صفحة 179
إظهاره لذلك. فجوابنا لمن سألنا عن هذا وأشباهه أن نقول له: لما ثبت بالدليل الذي لا يبطل، وبالشاهد الذي لا يكذب، إنَّ الله جل جلاله حكيم في عدله، عدل في حكمته، مستوجب لذلك في ذاته، مستحق له في قدمه، لم يستحدث حكمة، ولا عدلاً، ولا علماً، فيكون قبل ما لم يستحدثها موصوفاً بخلافها، وقد دللنا على ذلك في المسألة التي قبل هاته، فلما أن كان الله جلّ جلاله كذلك قلنا في جميع ما يظهر لنا من أفعاله عزّ وجلّ مما نعرف وجه الحكمة فيه، وما لا نعرف: إنَّ ذلك كله حكمة، وعدل، لا يكون منه شيء جهلاً، ولا عبثاً للعلة التي قدمنا، فكل ما دلنا ربنا على وجه الحكمة فيه، والعدل كنا قد عرفناه، وما لم يدلنا على وجه الحكمة فيه علمنا أنَّه حكمة وعدل، إذ كان الاستحقاق للوصف بذلك لمعنى الذات، والذات لا تتغير عن معناها، ولا تتبدل عن صفتها، فنفينا لهذه العلة عن شيء من أفعاله أن يكون عبثاً أو خطأ، أو يكون السائل عن هذا غير مثبت للصانع، ولا مقر بالصنعة، فكيف يسأل عن الفرع ويدع الأصل، وهو غير مقر به، فنرجع به إلى الأصل حتى يقر به، ويثبته بالأعلام والشواهد التي نصبناها في أول كتابنا، وبما لم نذكره من ذلك، فإذا ثبت ذلك عنده كان الجواب له بعد ذلك ما أجبنا به آنفاً، وهذه الجملة كافية في هذا الباب إن شاء الله.
أسماء الله الحسنى (1) :
ومن سألنا في أسماء الله عزّ وجلّ وصفاته فقال: ما تأويلها عندكم؟ وما
__________
(1) يقول الله تعالى في سورة الأعراف: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} آية 180، وقد جاء في كتاب الترمذي، وسنن ابن ماجه وغيرهما حديث عن أبي هريرة عن النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ نص فيه أنَّ لله تسعة وتسعين اسماً، في أحدها ما ليس في الآخر، وذكر الحديث، وهو ليس بالمتواتر، وإن كان قال فيه أبو عيسى: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث، وإنما المتواتر منه قوله _صلى الله عليه وسلم_: إنَّ لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلاَّ واحداً، من أحصاها دخل الجنة". (1/432)
صفحة 180
معناها؟ وما معنى قولكم: الله الرحمن الرحيم؟ قلنا: معنى الله أنَّه اسم للمعبود الذي لا يستحق العبادة إلاَّ هو، وقال قوم: إنَّ معناه من العلو في الصفة، من قوله: تألهت الشمس إذا علت، وحكى بعض أهل العلم أنَّه تبنى عليه الصفات، والقول في هذا أنَّه اسم للمعبود الذي لا يستحق العبادة إلاَّ إياه، ولا ينبغي هذا الاسم إلاَّ له، والرحمن من الرحمة وهو على معنى المبالغة، والرحيم من ذلك، والملك الظاهر بالسلطان والغلبة، والمالك بالألف على الميم، أي يملك خلقه، ويحكم عليهم وفيهم، وقال: {يوم لا تملك نفس لنفسٍ شيئاً} (1) ، وقرئت: {مالك يوم الدين} (2) بالألف، وفسروها: خالق يوم الدين، والرب هو الذي له الخلق، وهو والمالك سواء، والواحد والأحد: أي واحد في ذاته، واحد في صفته، واحد في فعله، والقدوس: المنزه عن صفات الخلق، ومعاني النقص، والسلام: الذي لا يأتي من قبله ظلم ولا جور ولا خطأ، والخلق في سلامة من أن ينالهم من قبله شيء من ذلك، والمؤمن: المصدق لرسله ولأخباره بالأعلام والشواهد، والمصدق لوعده ووعيده بالإنجاز، والمصدق لكل صدق يأتي من عنده بالحجة الظاهرة، والمهيمن: الشاهد الذي لا تكذب شهادته، ولا تبطل عدالته، والعزيز: الذي لا تجري عليه المذلة، والعزيز: الذي أذل خلقه بما
__________
(1) سورة الانفطار آية رقم 19.
(2) سورة الفاتحة آية رقم 3. (1/433)
صفحة 181
جعل فيهم من أعلام الذل، والجبار: الذي تجبر عن صفات خلقه، ولا يرضى أن يضاف إليه شيء منها، والمتكبر: الذي كبر عن صفات خلقه، أي كبرت نفسه عن أن يوصف بشيء منها، والخالق: المنشئ على غير مثال، والباري كذلك والمصور: هو المقدر لجميع ما خلق على ما يشاء، والغني: أي استغنى بنفسه عن خلقه، والغني عن طاعة عباده، ولا تنقصه معصية من عصاه، والغني الذي لا ينفد ما عنده، ولا يبيد ما لديه، والحميد: المستحق للحمد بما أظهر من عدله، وحكمته، وفضله، والأول: الذي كان قبل خلقه، وهو من تأويل قديم، والآخر: الذي لا يفنى، وهو من تأويل الباقي، والظاهر لخلقه بالدلائل الظاهرة، وقيل: الظاهر: لظهور الدلائل عليه، والباطن: عن حواسهم وعما يدرك به بعضهم بعضاً، والعالم: الذي علم لا بعد جهل، ولا يجهل بعد علم، والسميع: الذي لا تخفى عليه الأصوات، والبصير: الذي لا تخفى عليه الألوان، والحي: الذي لا يجري عليه أن يموت. وقال قوم في الحي إشارة إلى أنَّه فعال، والقيوم (1) : الذي لا يزول، كذلك جاء عن ابن عباس _رضي الله عنه_ وقال قوم: القائم على خلقه بالتدبير والحفظ، والعلي من العلو في
__________
(1) القيوم: من قام، أي القائم بتدبير ما خلق، عن قتادة وقال الحسن: معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها، من حيث هو عالم بما لا يخفى عليه شيء منها، وقال ابن عباس: معناه الذي لا يحول ولا يزول.
قال أمية بن أبي الصلت:
لم تخلق السماء والنجوم والشمس معها قمر يقوم
قدّره مهيمن قيوم والحشر والجنة والنعيم
إلاَّ لأمر شأنه عظيم
قال البيهقي: ورأيت في عيون التفسير لإسماعيل الضرير في تفسير القيوم قال: ويقال هو الذي لا ينام، وكأنه أخذه من قوله عزّ وجلّ عقيبه في آية الكرسي {لا تأخذه سنة ولا نوم}، وقال الكلبي: القيوم الذي لا بدء له. ذكره أبو بكر الأنباري، وأصل قيوم من قيووم، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فادغمت الأولى في الثانية. (1/434)
صفحة 182
الصفة والمجد، والعالي كذلك، والمتعالي عن أن يوصف بما يوصف به خلقه، والعظيم: الذي عظم عن صفات خلقه، والكبير: كذلك، والشاهد والشهيد: الذي لا تغيب عنه غائبة في خلقه، ولا يغيب عن شيء منه بحفظه إياه، وتدبيره له، والشاكر والشكور: الذي يقبل اليسير، ويعطي الكثير، والحق: أي أنَّه حق، ليس بباطل أي وجوده حق لا كما يقول المبطلون، والمبين: البين أي الذي ليس بذي خفاء فلا يعرف، والواسع في فضله على خلقه، والقريب في إجابة دعاء عباده، والقريب في رحمته على خلقه، والحفيظ الذي لا يضيع شيئاً، ولا يخفى عنه شيء، والودود: المحبب إلى خلقه بنعمته عليهم.
فإن قالوا: ما تأويل الصمد وما معناه؟ قلنا: فإنَّ عبد الله بن عباس _رضي الله عنهما_، وهو صاحب التأويل، سئل عن ذلك فقال: هو السيد الذي قد انتهى في السؤدد، ثمَّ أنشد قول الشاعر:
ألا بكر الناعي بخيري بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
وسئل عنه عبد الله بن مسعود فقال: السيد المصمود إليه في الحوائج.
وقال (1/435)
صفحة 183
الحسن هو صمد (1) العباد، يصمدون إليه في حوائجهم، وقال سعيد بن جبير مثل ذلك.
انتهى الجزء الأول من كتاب الموجز في تحصيل السؤال، وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف بحمد الله وعونه، يتلوه الجزء الثاني إن شاء الله.
__________
(1) الصمد: الذي يصمد إليه، كما قال تعالى: {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} (سورة النحل: 53). وقال أهل اللغة: الصمد السيد، وقال قوم: الصمد الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال، وقيل تفسيره ما بعده: {لم يلد ولم يولد}.
قال أبي بن كعب: الصمد الذي لا يلد ولا يولد؛ لأنَّه ليس شيء يولد إلاَّ سيموت، وليس شيء يموت إلاَّ يورث.
وقال علي، وابن عباس أيضاً، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وسفيان: الصمد هو السيد الذي انتهى إليه السؤدد في أنواع الشرف، ومنه قول الشاعر:
علوته بحسام ثمّ قلت له خذها حذيف فأنت السيد الصمد
وقال أبو هريرة: إنَّه المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد. وقال السدي: إنَّه المقصود في الرغائب، والمستعان في المصائب. وقال الحسين بن الفضل: إنَّه الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقال مقاتل: إنَّه الكامل الذي لا عيب فيه، ومنه قول الزبرقان:
سيروا جميعاً بنصف الليل واعتمدوا ولا رهينة إلاَّ سيد صمد.
راجع تفسير القرطبي 20: 245، زاد المسير 9: 267 ـ 268.
البيت لسبرة بن عمرو الأسدي، وهو في مجاز القرآن 2: 316، وتهذيب الألفاظ 270، والسمط 933، والطبري 30: 347، واللسان: صمد. (1/436)
صفحة 184
<ص5> الجزء الثاني من كتاب الموجز في تحصيل السؤال، وتلخيص المقال، في الردِّ على أهل الخلاف (2/5)
صفحة 185
[صفحة 6 بيضاء] (2/6)
صفحة 186
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم
صلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.
الحمد الله المقدّر للأشياء على اختلاف أجناسها، (1) المدّبر لها على ما هي به من تفاوتها، ليس شيء منها مستغنياً بنفسه، ولا ممتنعاً من تدبير مدبره، ولا قائماً بغير تقدير إلهه، قضى كل شيء فقدره، وصنع كل شيء فأتقنه، (2) فلم يذر لطاعن في الحق حجة إلاّ أزهقها، (3) ولا عورة إلاّ كشفها، شد بحججه الواضحة على أعضاد الناصرين لدينه، الذابين على ما نزل به الروح الأمين من وحيه على رسله، وقطع حجج المعاندين له في سلطانه، وأبطل معاذير الجاعلين لأنفسهم من القدرة مثل الذي جعلوا له، فلله عزّ وجلّ الحمد، وهو المشكور على حسن معونته فيما هدى له من الصراط المستقيم، والطريقة المثلى.
__________
(1) الجنس في اللغة: الضرب من كل شيء، وهو أعّم من النوع، يقال: الحيوان جنس والإنسان نوع. قال ابن سينا: الجنس: هو مقول على الكثيرين مختلفين بالأنواع، أي بالصورة والحقائق الذاتية، وهذا يخرج النوع، والخاصة، والفصل القريب.
والجنس عند قدماء الفلاسفة ثلاث مراتب هي: الجنس العالي، وهو الجنس الذي لا يوجد فوقه جنس آخر، ويسمى جنس الأجناس، و الجنس المتوسط: وهو الجنس الذي يكون فوقه وتحته جنس، والجنس السافل: وهو الجنس الذي لا يكون تحته جنس كالحيوان.
(2) قال تعالى: (صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون) سورة النمل آية رقم 88.
(3) قال تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً) سورة الإسراء آية 81 (2/7)
صفحة 187
أمّا بعد _على أثر ذلك أيّدك الله_ فإنَّي لمّا تخلصت من أمثال ما ندبتني إليه من الكلام في باب التوحيد، والردّ على أهل الإلحاد، وفرغت من سفر القول في ذلك، رأيت من حسن الرأي إن شاء الله أن أشفعه بأخيه، وأثنيه بصنوه، ليكون الكتاب بإيجازه واختصاره، وقريب مأخذه، كاملاً في الفن (1) الذي وضع فيه، شاملاً للنوع الذي هو منه، في ذكر أقاويل المخالفين من أهل القبلة، والرد عليهم في خلافهم، وتبيين وجه الحق في كل ذلك من غيره بشواهده وأعلامه، بمبلغ العلم، ومنتهى الفهم، مقتفياً لآثار السلف، متبعاً لأعلام الخلف _رحمة الله عليهم_، غير مبتدع لغير ما قالوا، ولا مستنبطا في غير الذي أصَّلوا، ورأيت أن أبدأ من ذلك بالقول في القدر وفي إثباته، لعظم بلية ذلك على الضعفة، وشدّة مؤنته على العامة، ولتشغيب أهله على الناس، ولأنه أصل عظيم من أصول دين الله، (2) الذي لا يقوم إلاَّ به، بعد أن أذكر مقدّمات في ترتيب المعاني، وتفصيل المباني، تكون تنبيهاً للمستفيد إذا سأل، وتثبيتاً
__________
(1) الفن بالمعنى العام: جملة من القواعد المنبثقة لتحصيل غاية معيّنة، جمالاً كانت أو خيراً أو منفعة، فإذا كانت هذه الغاية تحقيق الجمال سميّ الفن بالفن الجميل، وإذا كانت تحقيق الخير سميّ الفن بفن الأخلاق، وإذا كانت تحقيق المنفعة سميّ الفن بالصناعة.
ويطلق اصطلاح الفنون على الفنون السبعة التي كانت تدرس في المعاهد القديمة: قواعد اللغة، البلاغة، المنطق، الحساب، الهندسة، الفلك، الموسيقى.
(2) روى الإمام مسلم بسنده عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول مَن قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد فاكتنفته أنا و صاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف. قال: "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم بُراء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر". رواه الإمام مسلم في كتاب إيمان، (1) باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى، وبيان الدليل على التبري ممن لا يؤمن بالقدر، وإغلاظ القول في حقه، ورواه الترمذي في كتاب الإيمان، 4 باب ما جاء في وصف جبريل للنبي _صلى الله عليه وسلم_ الإيمان والإسلام 2610، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. (2/8)
صفحة 188
للمفيد إذا أجاب. والله أسأل حسن المعونة وجزيل المثوبة، وإليه أرغب أن يجعل ما نويته من ذلك لوجهه خالصاً، ولما عنده طالباً، فأول ذلك:
باب في النظر (1) :
والنظر يجري بين المتكلمين على سبعة قوانين وثلاثة توابع:
القانون الأول: السؤال، والثاني: الجواب، والثالث: العلة، والرابع: الدليل، والخامس: قلب السؤال، والسادس: طرد العلة في المعلول، والسابع: برهان الخلف (2) .
والتوابع: المعارضة، والإلزام، والتسليم.
فالسؤال هو الاستخبار، والجواب: مقابلة استحقاق السؤال وكيفيته بالإخبار. والعلة: ما يوجد بوجوده وجود المعلول، وبعدمه عدم المعلول. والدليل: ما يثبت الدعوى عنده. وقلب السؤال: أن يجيب المجيب ولم يقنع السائل، فيقلب المجيب عليه السؤال. وطرد العلة في المعلول: أن يجعل المجيب في جوابه علّة يعلّق كلامه بها، والسائل يعلم أن للمجيب مذهباً، ويقول فيه بغير هذه العلة، فيطالبه فيه بطرد علته في كل المعلول. وبرهان الخلف: أن يأتي المجيب بدليل فلا يسلم السائل، ويقول في كل دليل يأتي به المجيب: ما دليلك على ذلك؟ حتى يخرج به المجيب إلى أحد أمرين: إمّا إلى شاهد العيان، أو إلى شاهد القياس، مما يقرّ به السائل، مثال ذلك: أن يسأل دليلاً على حدوث الجسم،
__________
(1) للنظر تعريفات بحسب المذاهب، فأرباب التعاليم يقولون: إن النظر ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول.
والرازي يقول: إن النظر ترتيب تصديقات يتوصل بها إلى تصديقات أخرى. ومنهم من يقول: إن النظر هو البحث، وهو أعم من القياس (كليات أبي البقاء). ومنهم منَ يقول: إن النظر ينقسم إلى صحيح يؤدي إلى المطلوب، وفاسد لا يؤدي إليه، ومنهم مَن يرى أن النظر والفكر يختصان بالمعقولات الصرفة، لا يجريان في غيرها (راجع اصطلاحات الفنون للتهانوي).
(2) برهان الخلف: هو الذي يقصد فيه إثبات المطلوب بإبطال نقيضه. (2/9)
صفحة 189
ويجاب كونه غير سابق للحادث ما دلّ على أنَّه غير سابق للحادث وجوده غير عار من الحادث، ما دلّ على أنه غير عار من الحادث بطلان التوهم له بغير حادث، ثم يسأل فيقول: ما دلّ على حدوث الحادث تعاقبه وتضاده، ما دلّ على تعاقبه وتضاده بطلان الوصف له، وما في بطلان الوصف له تناقض القول وتكاذبه.
والمعارضة (1) : مطالبة السائل للمسئول بإزالة علته لعلة أخرى؛ وذلك أن يجيب المجيب جواباً ويعطي فيه علة، فيقول السائل: ما أنكرت أن يكون لجهة كذا وكذا؟ فيعتل بعلة غير علته، أو يقول له: ما الفرق بينك وبين مَن يقول: كذا وكذا لشيء لا يجيب به المجيب.
والإلزام: ضرب من المعارضة؛ وذلك أن يوجب المجيب حكماً في شيء دون شيء، فيقول السائل: يلزمك أن توجب هذا الحكم فيما هو دون ما قلت، أو فيما هو فوقه، وإلاَّ فما الفرق؟ فيلزمه أن يأتي بالفرق أو يسلم.
والتسليم: واجب من النصفة والعقل، إذا علم السائل أن الكلام بلغ إلى النهاية
__________
(1) المعارضة في اللغة: هي المقابلة على سبيل الممانعة، وعند الشكاك اليونانيين: مقابلة كل دليل بدليل يسويه، لذلك قالوا: إن لكل دليل دليلاً يقابله ويساويه في القوة.
والمعارضة عند الأصوليين: إقامة الدليل على خلاف ما أقام الدليل عليه الخصم، والمعارض للمنطق: هو الخارج عن القوانين الوضعية. راجع التعريفات للجرجاني 197 بتصرّف، والكافية في الجدل: 412، وهو برهان إلزام لا برهان إيضاح، ونعني بذلك أنه يرغم العقل على التسليم بالنتائج من غير أن يرجع القضية المراد إثباتها إلى الأوليات الواضحة. راجع النجاة ص 103. (2/10)
صفحة 190
وما بقي له زيادة فقد لاح الحق، فيجب ألاَّ يعانته بغير حجة ويسلم.
والسؤال سؤالان: سؤال تفويض، وسؤال حجر، فسؤال الحجر أن يقول السائل: أخبرني عن الجسم أمحدث هو أم قديم؟ فلا يجيب إلاَّ بأحد أمرين على عبارة السائل. وسؤال التفويض أن يقول السائل: ما دلك على حدوث الجسم، فيجيب بالذي يجيب على ما تهيّأ له من الدليل.
والسؤال كله تسعة أنواع أولها (1) : هل هو؟ وكم هو؟ وأي هو؟ وكيف هو؟ وأين هو؟ ومتى هو؟ ولِمَ هو؟ ومَن هو؟ ولكل سؤال جواب خاص، لا يشبه الآخر.
والسؤال يسقط من خمسة أوجه: من تناقض، واضطراب، وإثبات، ودخول سؤال تحت المحال، وجمع بين (2) سؤالين.
فالمتناقض: أخبرني عن الجسم إذ لا ينفك عن العرض (3) ، هل يكون بغير عرض؟ والمضطرب أخبرني عن العرض ولِمَ كان حركة؟ فيجعل الأعم في الأخص.
__________
(1) سقط في (ب) أولها.
(2) سقط في (ب) لفظ (بين).
(3) قال الإمام الغزالي: العرض اسم مشترك، فيقال: عرض لكل موجود في محل، ويقال: عرض لكل موجود في موضوع، ويقال: عرض للمعنى الكلي المحمول على كثيرين.
وقال الخوارزمي: العرض هو ما يتميّز به الشيء عن الشيء لا في ذاته، كالبياض والسواد، والحرارة والبرودة.
وقال ابن سينا: يقال عرض لكل موجود في موضوع. راجع النجاة 325، ومعيار العلم طبعة مصر 1329 هـ، ص 194، ومفاتيح العلوم 86. (2/11)
صفحة 191
والإثبات: أخبرني عن لون الحركة وما هو؟ والمجيب لا يثبت رؤية الحركة، ومثل ذلك، وما الدليل على حدوث الجسم؟ فيجاب له، ثمَّ يكرّر فيقول: ما الدليل على إبطال قدم الجسم؟ والرابع: أن يدخل سؤالاً تحت المحال فيقول: هل يقدر الله على أن يجعل الإنسان حياً ميتاً، أو صامتاً ناطقاً في حال واحدة؟ وهل يقدر على أن يكون على صفات الخلق؟ تعالى الله عن ذلك. فهذا ومثله من السؤال الساقط (1) ، وهذا المعنى أولى بالسؤال الساقط من سؤال التكرار، والله أعلم.
والجمع: أن يسأل سؤالين مختلفين في دفعة واحدة، فيطلب بها جواباً واحداً ودليلاً واحداً، وذلك الذي يطلب فيهما مختلف غير متفق، فيبطل سؤاله لذلك ويسقط.
في الهيئات:
ماهية (2) الشيء، ماهية الموجود، ماهية المعدوم، ماهية القديم، ماهية
__________
(1) عقد الشيخ نور الدين السالمي في كتابه "مشارق أنوار العقول" فصلاً عن الألفاظ الممتنع بها السؤال عن المولى جلا وعلا فراجعه. المصدر المذكور ص 64، 65.
(2) الماهية: لفظ "منسوب إلى ما" والأصل: المائية قلبت الهمزة هاء، لئلا يشتبه بالمصدر المأخوذ من لفظ "ماء" والأظهر أنَّه نسبة إلى ما هو، جعلت الكلمتان ككلمة واحدة. والماهية عند أرسطو: هي مطلب ما هو، كسؤالك ما الخلاء، فمعناه بحسب الاسم ما المراد بالخلاء أو كسؤالك: ما الإنسان...؟ فمعناه بحسب الذات ما هي حقيقة الإنسان.
والماهية إذن هي ما به يجاب عن السؤال بما هو، والماهية غالباً تطلق عن الأمر المتعقل، والأمر المتعقل من حيث هو مقول في جواب ما هو يسمى ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة، ومن حيث امتيازه عن الأغيار هوية. راجع تعريفات الجرجاني، والنجاة لابن سينا ص 105، وكليات أبي البقاء، وكشاف اصطلاحات الفنون 2/1531، 1255. (2/12)
صفحة 192
الحادث، ماهية المخلوق، ماهية الباقي، ماهية الفاني، ماهية المعاد، ماهية الجسم، ماهية العرض.
أما هيئة الشيء: فالمخبر عنه، وأما هيئة الموجود: فالحاضر، وقد يسمى الآتي موجوداً توسعاً، وأما هيئة المعدوم: فالغائب عن الوجود، وأما هيئة القديم: فالذي لا أول لوجوده، وهيئة الحادث (1) : ما لوجوده أول وآخر، هيئة القديم: ما وجد لا بعد أن لم يوجد، وهيئة الحادث: ما وجد بعد أن لم يوجد، وآخر: هيئة القديم ما وجد لا بعد عدم، وهيئة الحادث: ما وجد بعد عدم، وبعض الأجوبة من بعض.
أما هيئة المخلوق: فالمقدر المصنوع، آخر: هيئة المخلوق: الخارج من العدم إلى الوجود. أما هيئة الباقي: فما وجد بعد وجود، أما هيئة الفاني:
__________
(1) الهيئة: لغة حال الشيء وكيفيته، وهي والعرض متقاربا المفهوم؛ إلاَّ أنَّ العرض يطلق على جميع مقولات الأعراض باعتبار عروضه لها، والهيئة تطلق عليها من حيث إنَّها حاصلة في موضوعاتها. وكثر استعمال لفظ الهيئة من الخارج، ولفظ الوصف في الأمور الذهنية. راجع الكليات لأبي البقاء 5: 84، رسالة ابن سينا في أقسام العلوم الفعلية؛ تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، الرسالة الخامسة ص 111 ـ 112. (2/13)
صفحة 193
فما عدم بعد وجود، ويسمى الصائر إلى الفناء (1) فانياً توسعاً وبلاغة، أما هيئة المعاد: فما وجد بعد وجود وبعد عدم. وأما هيئة الجسم: فما كان مؤتلف الأجزاء، وأما هيئة العرض: فالعارض في الجسم، الطارئ عليه، سمي عرضاً لقلة مكثه في الجسم.
في الفئات:
ما فئة الاستطاعة؟ ما فئة الزمانة؟ ما فئة العجز؟ ما فئة الحركة؟ ما فئة النقلة؟ ما فئة السكون؟ ما فئة اللبث؟ ما فئة الحلول؟ ما فئة الغير؟ ما فئة الخلاف؟ ما فئة الضد؟
أما فئة الاستطاعة: ما به يوجد الفعل، وأما فئة الزمانة: فما به يعدم
__________
(1) فناء الشيء زوال وجوده، والفرق بينه وبين الفساد أنَّ فناء الشيء عدمه، على حين أنَّ فساده تحوله إلى شيء آخر.
قال ابن سينا: "في التفريق بين مادة الأجسام السماوية ومادة هذا العالم فيكون حدوثها (أي مادة الأفلاك) على سبيل الإبداع لا على سبيل التكوين من شيء آخر، وفقدها على سبيل الفناء، لا على سبيل الفساد إلى شيء آخر". راجع الأجرام ص 45.
والفناء عند الصوفية: عدم شعور الشخص بنفسه أو بشيء من لوازم نفسه، فإذا قال الصوفي: ليس في الوجود إلاَّ الله عبّر بذلك عن فناء ذاته في الذات الإلهية. ويقول الجرجاني: "وإليه أشار المشايخ بقولهم: الفقر سواد الوجه في الدارين، يعني الفناء في العالمين". راجع التعريفات 217. (2/14)
صفحة 194
الفعل (1) ، وأما فئة العجز: فالمانع من الفعل، وأما فئة الحركة: فما لا يتكون منه جزءان في مكان واحد، وأما فئة النقلة: فما به يصير من مكان إلى مكان، وأما فئة السكون: فما يتكون منه جزءان في مكان واحد، وأما فئة اللبث: فكونه حالين في مكان واحد، وأما فئة الحلول: فكون شيء في شيء دون غيره، وأما فئة الغير: فهو ما كان متغايراً مع شيء كانت صفة أو لم تكن، وأما فئة الخلاف: فما كان بصفة تخالف صفة الآخر، وأما فئة الضد: فما كان منافراً لشيء متنافياً معه.
في الكيفيات (2) :
ما كيفية الحدوث؟ ما كيفية الخلق؟ ما كيفية الخلق؟ ما كيفية الكسب؟ ما كيفية القصد؟ ما كيفية الاختيار؟ ما كيفية الجبر؟ ما كيفية الاضطرار؟
__________
(1) للفعل في اصطلاح الفلاسفة عدة معان:
فالفعل بالمعنى العام يطلق على كون الشيء مؤثراً في غيره، ومثاله أفعال الطبيعة، كتأثير النار في التسخين، فهي فاعلة، والمتسخن منفعل، وتأثير الخطيب في الجمهور، وتأثير المربي في الطفل، وتأثير الطبيب في الشفاء.
(2) الكيفية: اسم لما يجاب به عن السؤال بكيف، كما أنَّ الكمية اسم لما يجاب به عن السؤال بكم.
ومعناها صفة الشيء وصورته وحاله. وهي إحدى مقولات أرسطو. وقد عرفها القدماء بقولهم: الكيف "هيئة قارة في الشيء لا يقتضي قسمة ولا نسبة لذاته".
أما المحدثون: فإنَّهم يعرفون الكيفية بقولهم: إنَّها هيئة أو صفة يمكن إثباتها في الشيء، أو نفيها عنه، ولذلك قسم "كانت" مقولة الكيف ثلاثة أقسام: وهي الإيجاب، والسلب، والتحديد. راجع كشاف اصطلاحات الفنون 2: 1255، والتعريفات 239 ـ 240. (2/15)
صفحة 195
ما كيفية الإكراه؟ ما كيفية الطبع؟.
أما كيفية الحدوث: فكون ما لم يكن قبل الكون، وأما كيفية الخلق: فالإنشاء والاختراع، آخر: أما كيفية الخلق: فالإخراج من العدم إلى الوجود، وأما كيفية الفعل: فما وقع عن إرادة، وأما كيفية الكسب: فما جاء عن رؤية النفس، وأما كيفية القصد: فالإرادة للفعل دون غيره، وأما كيفية الاختيار: فما اختير من الفعل المفعول دون المتروك، وأما كيفية الجبر: فما فعل بالشيء من غير إرادته، وأما كيفية الاضطرار: فما اضطر إليه وأكره عليه، والإكراه مثله، وأما كيفية الطبع: فما طبع عليه ولا يزايله، والجبل مثله.
في العينيات:
ما عين (1) التوحيد؟ ما عين الشرك؟ ما عين الإيمان؟ ما عين الكفر؟ ما عين المعصية؟ ما عين الطاعة؟ ما عين الإسلام؟ ما عين النفاق؟ ما عين الكبيرة؟ ما عين الصغيرة، ما عين العبادة؟.
أما عين التوحيد: فالإفراد للقديم من صفات المحدث، وأما عين الشرك:
__________
(1) العين: ما يدل بإحدى الحواس الظاهرة، ويسمى بالصورة، ويقابله المعنى، أي ما لا يمكن إدراكه بالحواس، كالصدقة والعداوة، والعين أيضاً ما قام بنفسه جوهراً كان أو جسماً، ويقابله المعنى، وهو ما قام بالغير كالأعراض.
واسم العين هو الاسم الدال على معنى يقوم بنفسه كزيد، واسم المعنى هو الاسم الدال على معنى لا يقوم بنفسه وجودياً كان كالعلم، أو عدمياً كالجهل. وجاء لفظ العين في القرآن الكريم بمعنى النظر (ولتصنع على عيني) (طه: 39)، وبمعنى الحفظ والرعاية (تجري بأعيننا) (القمر: 14)، ونهر بني إسرائيل (فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً) (البقرة: 60)، وبمعنى النحاس: (وأسلنا له عين القطر) (سبأ: 12). راجع بصائر ذوي التمييز 4: 5 ـ 6، والتعريفات: 205. (2/16)
صفحة 196
فالتسوية بين الخالق والمخلوق، وأما عين الإيمان: فما وجب عليه من الله الثواب، وأما عين الكفر: فما وجب عليه من الله العقاب، وأما عين الطاعة: فما وقع من الفعل عن أمر، وأما عين المعصية: فما وقع من الفعل عن نهي، وأما عين الإسلام: فإسلام الأمر والوجه والنفس إلى الله، آخر: الإسلام هو الاستسلام لأمره، وأما عين النفاق: فخلف الوعد لله، وأما عين الكبيرة: فما توعد الله عليه، وأما عين الصغيرة: فمعصية جاء من الله فيها لفاعلها استثناء، وعين العبادة: كل فعل فيه التقرب إلى المعبود.
في الكليات:
كل (1) توحيد إيمان وليس كل إيمان توحيداً، كل توحيد طاعة وليس كل طاعة توحيداً، كل طاعة إيمان، وكل إيمان طاعة، كل إيمان إسلام، وكل إسلام إيمان، كل عبادة طاعة وليست كل طاعة عبادة، كل عبادة تقرب وليس كل تقرب عبادة، كل ملة دين وليس كل دين ملة (2) ، كل دين شريعة، وكل شريعة دين، وقد قالوا: دين الأنبياء واحد، وشرائعهم
__________
(1) الكل في اللغة: اسم لمجموع أجزاء الشيء، وهو يفيد الاستغراق لأفراد ما يضاف إليه أجزائه، نحو قوله تعالى: (كل امرئ بما كسب رهين) (سورة الطور: 21).
قال ابن رشد: الكل يدل به على الذي يحوي جميع الأجزاء، وليس يوجد خارجاً عنه شيء، وهو بالجملة مرادف لما يدل عليه اسم التمام بالوجه الأول من أوجه دلالته.
والكل: اسم من أسماء الله تعالى باعتبار الحضرة الأحدية الإلهية الجامعة للأسماء، ولذا يقال: أحد بالذات كل بالأسماء.
والكل يقال على جملة العالم من جهة ما هو واحد، ومشتمل على كل ما هو موجود في الزمان والمكان. راجع تعريفات الجرجاني، ورسالة الحدود لابن سينا، والكليات لأبي البقاء.
(2) الملة: كالدين، وهو اسم لما شرع الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء، ليتوصلوا به إلى جوار الله، والفرق بينهما وبين الدين: أنَّ الملة لا تضاف إلاَّ إلى النبيّ _عليه الصلاة والسلام_ الذي تسند إليه، نحو (اتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً) (سورة آل عمران: 95)، (واتبعت ملة آبائي) (سورة يوسف: 38)، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد أمة النبيّ _صلى الله عليه وسلم_، ولا تستعمل إلاَّ في جملة الشرائع دون آحادها. لا يقال: ملتي الله، ولا يقال: ملتي وملة زيد، كما يقال: دين الله ودين زيد. راجع المفردات في غريب القرآن 471 ـ 472، وبصائر ذوي التمييز 4: 517 ـ 518. (2/17)
صفحة 197
شتى، والله أعلم. كل شرك كفر وليس كل كفر شركاً، كل شرك معصية وليست كل معصية شركاً، وكل كفر معصية وليست كل معصية كفراً، كل كفر كبيرة، وكل كبيرة كفر، كل نفاق خلف، وكل خلف نفاق، وكل نفاق كفر وليس كل كفر نفاقاً، كل نفاق معصية وليست كل معصية نفاقاً.
في المائيات:
مائية (1) الاسم، مائية المسمى، مائية الصفة، مائية الموصوف، مائية التسمية، مائية الوصف.
أما مائية الاسم: فما به عرف الشيء من غيره، وأمّا مائية الصفة: فما به بان الشيء من غيره، وأمّا مائية المسمى: فالمستوجب للاسم، وأمّا مائية الموصوف: فالمستحق للصفة المتصف بها، وأمّا مائية التسمية: فالإخبار عن اسم الشيء، وأمَّا مائية الوصف: فالإبانة عن صفة الشيء.
__________
(1) المائية أو الماهية: ما به الشيء هو هو وهي من حيث هي هي لا موجودة ولا معدومة، ولا كلي ولا جزئي، ولا خاص ولا عام. وقيل: منسوب إلى ما، والأصل: المائية، قلبت الهمزة هاء لئلا يشتبه بالمصدر المأخوذ من "ما". والأظهر أنه نسبة إلى ما هو، جعلت الكلمتان ككلمة واحدة.
وتطلق الماهية غالبا على الأمر المتعقل، مثل المتعقل من الإنسان وهو الحيوان الناطق، مع قطع النظر عن الوجود الخارجي. راجع تعريفات الجرجاني ص 171، وابن سينا النجاة ص 105، وكليات ابن البقاء 4: 287. (2/18)
صفحة 198
في الجهات:
جهات المحدث: الحاجة إلى محدث يحدثه، والعجز عن إحداث نفسه، وليس بممتنع من التصرف. جهات الجسم: الطول مع العرض، جهة الجسم: التحيّز (1) ، جهة الجسم: احتمال البقاء، جهة الجسم: قبول الأعراض، وجهات التحيّز: يمنة، ويسرة، وفوق، وتحت، وخلف، وتجاه.
آخر: جهة الجسم: اللون لدرك البصر، والطعم لدرك الذوق، والرائحة لدرك الشم، والمجسة (2) لدرك اللمس. وجهة العرض: الحاجة إلى الجسم، جهة العرض: لزوم الفناء، جهة العرض: غير مشاهد بالعيان، جهة العرض: مخالفة الجسم، جهة العرض: صفة للجسم. وجهة الفعل: الاختيار، جهة الفعل: الحسن والقبيح، جهة الفعل: الطاعة والمعصية، جهة الفعل: وجوب
__________
(1) التحيّز: هو عبارة عن نسبة الجوهر إلى الحيّز بأنه فيه، والحيّز هو المكان أو تقدير المكان، والمراد بتقدير المكان كونه في المكان، ولم نقل هو المكان؛ لأنه المتحيّز: هو الجوهر، والحيّز من لوازم الجوهر لا انفكاك له عنه. راجع الكليات 2: 111.
(2) الجسُّ: المس باليد كالاجتساس، وموضعه المجَّسة وتفحص الأخبار، وفي المثل: أحناكها أو يقال أفواهها مجاسُّها، وفلان ضيق المجسَّة: أي غير رحيب الصدر، وجسه بعينه: أحدّ النظر إليه ليستثبت، والجساسة: دابة تجس الأخبار فتأتي بها الدجال، والجسَّاس ككتان: الأسد المؤثر في الفريسة ببراثنه، وعبد الرحمن بن جساس: من أتباع التابعين. راجع ترتيب القاموس المحيط 1: 492 وما بعدها. (2/19)
صفحة 199
المدح والذم، جهة الفعل: مخالفة الفاعل، وكل جهة للعرض فهي جهة للفعل، وكل جهة للمحدث فهي جهة للجسم والعرض جميعاً.
في المعنيات:
في معنى متحرك إثبات معنى ثان غير المتحرك وهو الحركة، وفي معنى ساكن إثبات معنى ثان غير الساكن وهو السكون، وفي معنى مفارق إثبات معنى ثان وهو الافتراق، وفي معنى مجامع إثبات معنى ثان هو الاجتماع، وفي معنى مستطيع إثبات معنى ثان غير المستطيع وهو الاستطاعة (1) ، وفي معنى زمن إثبات معنى ثان وهو الزمانة، وفي معنى فاعل إثبات معنى ثان وهو الفعل، وإلاَّ فهشامية (2) ولا فائدة للقول، وليس هنالك معنى زائد على ما
__________
(1) الاستطاعة في اللغة: إنما هي مصدر استطاع يستطيع، والمصدر هو فعل الفاعل، وصفته كالضرب هو فعل الضارب، والصفة والفعل عرضان بلا شك في الفاعل منا، وفي الموصوف والمصادر هي أفعال المسمين، فالأسماء بإجماع من أهل كل لسان.
والمستطيع جوهر، والجوهر لا ضد له، فصح بالضرورة أن الاستطاعة هي غير المستطيع بلا شك.
والاستطاعة: ليست عجزاً، فإن مَن استطاع على شيء وعجز عن أكثر منه ففيه استطاعة على ما يستطيع عليه. راجع كتاب الفصل لابن حزم 4: 39 وما بعدها بتصرّف.
(2) يقول الدكتور الطالبي: الظاهر والله أعلم أنه نسبة إلى هشام بن سالم المعتزلي، أي وإن لم نقل: إن الاستطاعة مثلاًّ معنى أي وصف زائد على المستطيع، بل هي بعض المستطيع كما هو مذهب هشام المذكور وضرار بن عمرو. والحقيقة أن هشام بن سالم من الشيعة، واعتبره صاحب كتاب الفرق بين الفرق أنه صاحب فرقة "الولقية". راجع خطط المقريزي 2: 368، ط بولاق. وحكى البغدادي عنه سالم هذا أنه كان يقول: في أفعال العباد إنها أجسام؛ لأنه لا شيء في العالم إلاَّ الأجسام، وأجاز أن يفعل العباد الأجسام، وروى مثل هذا القول عن شيطان الطاق. راجع الفرق بين الفرق 69. (2/20)
صفحة 200
قلنا، وإلاَّ فمعمرية، ولا تحصيل للقول.
في الحقيقات (1) :
ما حقيقة العلم؟ ما حقيقة الجهل؟ ما حقيقة الشك؟ ما حقيقة الظن؟ ما حقيقة الفهم؟ ما حقيقة التقليد؟ ما حقيقة البرهان؟ ما حقيقة الحجة؟ ما حقيقة الشبهة؟ ما حقيقة الاستحسان؟ ما حقيقة المعقول؟ ما حقيقة النظر؟ ما حقيقة القياس؟ ما حقيقة الجدل؟ ما حقيقة الاجتهاد؟.
أمّا حقيقة العلم: فتبيّن الشيء على ما هو به، وحقيقة الجهل: ألا يستبان الشيء على ما هو به، آخر: حقيقة العلم: درك الشيء على ما هو به، وحقيقة الجهل: ألا يدرك الشيء على ما هو به، آخر: حقيقة العلم: اعتقاد الشيء على ما هو به، وحقيقة الجهل: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به، أمَّا حقيقة
__________
(1) الحقيقة: تستعمل تارة في الشيء الذي له ثبات ووجود، كقوله _صلى الله عليه وسلم_ لحارثة: لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك...؟ وتارة تستعمل في الاعتقاد. وأمّا في تعارف الفقهاء والمتكلمين: فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في أصل اللغة.
وحقيقة الشيء: ما به الشيء هو، كالحيوان الناطق للإنسان، بخلاف مثل الضاحك والكاتب مما يمكن تصور الإنسان بدونه، وقد يقال إن ما به الشيء هو باعتبار تحققه حقيقة، وباعتبار تشخصه هوية، ومع قطع النظر عن ذلك ماهية. راجع المفردات في غريب القرآن 126، والتعريفات ص 79، 80، والكليات 2: 192 وما بعدها. (2/21)
صفحة 201
الفهم: فهو اتفاق الشيء على الوجه الذي هو به عن نظر، وحقيقة الفقه: عبارة عن كل علم يتيقنه العالم به عن فكر، وأمَّا حقيقة الشك: فهو الوقوف بين صفتي الشيء من غير ترجيح لإحداهما على الأخرى، وأمَّا حقيقة الظن: فهو تغليب إحدى الصفتين على الأخرى، وأمَّا حقيقة التقليد: فقبول قول القائل ممن لا يؤمن عليه الخطأ، من غير دلالة ولا حجة، وأمَّا حقيقة البرهان: فهو ما أثبت المعنى في النفس، وأمَّا حقيقة الحجة: فهو ما يقطع به المناظر حقيقة الشيء المنظور فيه، وأمَّا حقيقة الشبهة: فهو ما يتخيّل للناظر أن ما نظر فيه دليل، وهو بخلاف ذلك. وأمّا حقيقة الاستحسان: فهو شهوة النفس، والميل بالهوى إلى القول، وأمّا حقيقة المعقول: فهو ما سبق إلى الفهم من حكم الخطاب، وأمّا حقيقة النظر: فهو استعمال الفكر في قوة الدلالة، والقياس مثله، وأمّا حقيقة الجدل (1) : فتردّد الكلام بين المتناظرين، وأمّا حقيقة الاجتهاد: فهو الحمل على النفس ما يشق عليها.
باب القول في القدر وفي إثباته، والرد على مَن قال بغير الحق في ذلك:
اختلف الناس في القدر وفي إثباته على أصل قولين: فقالت المعتزلة (2) :
__________
(1) الجدل: هو في اصطلاح المنطقيين قياس مؤلف من مقدمات مشهورة أو مسلمة، والغرض منه إلزام الخصم وإفحام من هو قاصر عن إدراج مقدمات البرهان.
الجدل في الأصل من الحوار والمناقشة. قال أفلاطون: الجدلي هو الذي يحسن السؤال والجواب، والغرض منه الارتقاء من تصوّر إلى تصورّ.
وقال صاحب المفردات: الجدل المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل أي أحكمت فتله، ومنه الجديل، والأجدل الصقر المحكم البنية، والمجدل القصر المحكم البناء، ومنه الجدال، وقيل الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة: وهي الأرض الصلبة، قال تعالى: (وجادلتهم بالتي هي أحسن) سورة النحل آية 125، وقال تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً) سورة الكهف آية 54. راجع المفردات 89، 90، وتعريفات الجرجاني، وكرايتل ص 390.
(2) المعتزلة: للباحثين والمؤرخين آراء كثيرة مختلفة حول تسمية المعتزلة بهذا الاسم: فالبعض يرى أنها للقول بالمنزلة بين المنزلتين، أي باعتزال صاحب الكبيرة عن المؤمنين والكافرين جميعاً، والبعض يرى أنها لاعتزال أقوال المحدثة والمبتدعة، والبعض يرى أنها لمجانبة تقصير المرجئة وغلو الخوارج في مسألة مرتكب الكبيرة، والبعض يرى أنها لاعتزالهم قول الأمة بأسرها في قولهم بالمنزلتين. والسبب المشهور اعتزال واصل بن عطاء للحسن البصري بعد أن أقصاه عن مجلسه لقوله بالمنزلة بين المنزلتين. راجع المعتزلة لزهدي جار الله، وضحى الإسلام 3: 96، ومروج الذهب للمسعودي 6: 20، 7: 234، والبغدادي في الفرق بين الفرق 114 ـ 115، والتبصير: 40، والملل والنحل للشهرستاني 1: 46، ودراسات في الأصول الإباضية: بكير بن سعيد أعوشت، والتراث اليوناني في الحضارة الإسلامية 173 ـ 217. (2/22)
صفحة 202
إن الله لم يخلق حركات المكتسبين ولا سكونهم، ولا شيئاً من أفعالهم، وزعموا أن ذلك كله فعل العباد، انفردوا بإحداثه، وتوحدوا بتقديره، فليس شيء من ذلك لله بخلق، ولا له فيه تدبير، ولا يجري له عليه ملك ولا سلطان، وأن جميع ذلك عندهم مضاف إلى العباد، قد أمروا بما كان منه من طاعة، ونهوا عمّا كان منه من معصية، وثبت حمد الله لهم على طاعتهم إياه، وذم الله لهم على معصيتهم له، قالوا: فلا يثبت ذم لمذموم على ما تولى خلقه غيره، وكذلك لا يثبت حمد لمحمود على ما تولى تقديره من سواه، قالوا: لهذه العلة: إن أعمال العباد كلّها ليست لله بخلق ولا له فيها ملك، ولا يجري له عليها سلطان، ثمَّ افترقوا بعد ذلك فيما بينهم في سائر أفعال العباد من تدافع الرياح، وحركات الأشجار، واضطراب المياه وجريها، وسكون الجبال وغير الجبال من الأشياء الجامدات، وكل حركة ظهرت من خلق الله، وسكون مما غاب عن العيان، أو شوهد به فيما لا ذمّ فيه ولا حمد، على ثلاث طوائف: فقالت طائفة منهم: إن ذلك كلّه فعل الطبائع التي ظهرت منها تلك الأشياء، ليست لله بخلق، ولا هي له في ملك، ولا هي أفعال الخلق، وهي أفعال الطبائع لا باكتساب، قالوا بافترائهم: لأنها لو كانت فعلاً لله لجاز أن يوصف بتركها، والقدرة على ألاَّ يفعلها، وذلك غير معقول ولا موهوم، وكذلك قالوا: لو زعمنا أن ذلك فعل الخلق الذي ظهر ذلك عنه على معنى الكسب لوصفناهم بالقدرة على تركه، ولتوهمنا كيفية (2/23)
صفحة 203
تركهم له، فيكون من وصف بالتحرك والسكون خارجاً منهما، وذلك غير معقول. وقالت طائفة منهم في جميع ما يحدث في العالم من حركات الاضطرار، وسكون الاضطرار، من الذي وصفنا في مقالة إخوانهم على ما وصفناه: إن ذلك كله أفعال وأحداث ليس لها فاعل ولا محدث، فجوز هؤلاء أن يقال: فعل لا فاعل له، وحدث لا محدث له، واعتلوا في نفيهم خلق الله عنها، ونفي اكتساب الخلق فيها، بمثل علة إخوانهم المتقدمين، وأبوا أن يقولوا بمثل مقالتهم: إنها فعل الطبائع، وقالوا: إن الطبائع لا توصف بالقدرة على هذه الأفعال ولا على تركها، والفاعل لا يكون موصوفاً بالفعل إلاَّ وهو موصوف بالقدرة على ذلك الفعل وعلى تركه. وقالت الطائفة الثالثة منهم: بأن ما عدا أفعال المكتسبين من حركاتهم وسكونهم من جميع الأشياء الظاهرة من الخلق، إن ذلك كلّه فعل الله وخلقه، إذ ليس لأحد من الخلق فيه اختيار، ولا قصد ولا رؤية، قالوا: وإنما نفينا عن الله خلق أفعال (1) العباد لما وجدنا فيها من اكتساب الفاعلين، وقصدهم إلى ما فعلوا، ووجوب الذم عليهم، والمدح لهم فيما أتوا، وكل فعل ظهر عن الخلق مما ليس فيه لمن ظهر منه قصد ولا رؤية، ولا يجب عليه فيه ذم،
__________
(1) يراجع كتاب "خلق أفعال العباد" للإمام محمد بن إسماعيل البخاري بتحقيقنا. وما كتبه الشيخ السالمي في كتابه مشارق أنوار العقول 1: 215، وكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 5: 149، 151 بتحقيقنا، ودراسات إسلامية في الأصول الإباضية. (2/24)
صفحة 204
ولا وجب له فيه حمد، علمنا أنَّه خلق الله، إذ ليس فيه لغيره صنع، ولا تدبير. وللقدرية علل غير هذه، ومسائل يشبهون بها على ضعفة أصحاب المخلوق، ويعللون بها ضعفة أصحابهم من أهل مذهبهم في القدر، يكثرونها في السؤال بتقليبهم الألفاظ المختلفات على معنى واحد من معاني السؤال، عملوها من نفس مقالتهم ليوهموا سامعيهم أنها دلائل على صحة مذهبهم، وهي ليست بدلائل وإنما هي علل معلولة من نفس المقالة، سوف نأتي على ذكر المقالة وكشف عوارها بعد الإخبار بمقالة أهل الحق، واستحرار مسائلهم على القدرية في نقض ما ذهبوا إليه من باطلهم، إن شاء الله ولا قوة إلاَّ بالله.
خلق الأفعال:
قال: جميع الفرق من أهل القبلة: الخوارج (1) ، الإباضية (2) ، والشيعة (3) ، والمرجئة (4) : إنَّ العالم وما فيه من جوهر وعرض، وخير وشر، وطاعة ومعصية ما يرى من ذلك وما لا يرى، مما كان منه وما سيكون، وما يتوهم كونه، إن لو كان كيف كان يكون، فهو خلق الله، وتدبير له، والله المقدر لجميع ذلك والمدبر له، وهو الصانع له، والمالك، وليس شيء منه بخارج من تدبير الله وتقديره، وملكه، وسلطانه، وإرادته، وعلمه، ما يضاف إلى العباد من ذلك، وما لا يضاف إليهم، وليس في أنَّه مضاف إلى العباد بأنَّهم قد اكتسبوه واختاروه،
__________
(1) يرى صاحب كتاب دراسات إسلامية في الأصول الإباضية: أنَّ الخوارج هم الأزارقة، والنجدية والصفرية، فيرون أنَّ مرتكب الكبيرة كافر كفر شرك.
ويقول البغدادي: إنَّ الذي يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها إكفار علي وعثمان والحكمين، وأصحاب الجمل، وكل من رضي بتحكيم الحكمين، والإكفار بارتكاب الذنوب، ووجوب الخروج على الإمام الجائر. راجع دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص 29، والفرق بين الفرق للبغدادي 73، ومقالات الإسلاميين 1: 156، والفصل في الملل والأهواء والنحل 5: 51، ط دار عكاظ.
(2) الإباضية: نسبة إلى عبد الله بن إباض، وهو تابعي عاصر معاوية، وتوفي في أواخر عبد الملك بن مروان، وهذا المذهب يعد من أقدم المذاهب الإسلامية على الإطلاق، مصادره: الكتاب، والسنة، والإجماع والقياس، أما في الحديث الشريف فيعتمد على الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب المتوفى سنة 370 هـ، والإباضية حالياً يوجدون في الجزائر وتونس وليبيا وعمان وزنجبار. راجع دراسات إسلامية في الأصول الإباضية 136.
(3) الشيعة: المدلول اللغوي: الأنصار والأتباع، وأما المدلول السياسي: فيقصد به الحزب المناصر لآل البيت، وكل إمام لا ينسب إلى هذه البيت تعد سلطته غير شرعية.
وفرق الشيعة الآن هي: الزيدية، الإمامة، العلويون، الإسماعيلية. راجع دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، والفكر الشيعي والنزعات الصوفية ص 20، وفجر الإسلام لأحمد أمين ص 266، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبي زهرة 1: 32، 33.
(4) المرجئة ثلاثة أصناف: صنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان وبالقدر على مذاهب القدرية، فهم معدودون في القدرية والمرجئة، كأبي شمر المرجئ، ومحمد بن شبيب البصري، والخالدي،وصنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان، ومالوا إلى قول جهم في الأعمال والأكساب،فهم من جملة الجهمية والمرجئة، ثمَّ البخارية وهي مجموعة من الفرق. راجع الفرق بين الفرق 25، 26، ودراسات إسلامية ص 142، ومقالات الإسلاميين 1: 198، والملل والنحل 1: 126، والتفكير الفلسفي في الإسلام 197. (2/25)
صفحة 205
وتحركوا به، وسكنوا، وأطاعوا به وعصوا، ما يزيل تدبير الله عنه، ولا ما يخرجه من خلقه، وتقديره، وقدرته، وسلطانه، وعلمه، كما أنَّه ليس تدبير الله لذلك، وخلقه له، وجعله على ما هو به من كيفيته في عينه، بالذي يزيل عنه أن يكون كسباً للعباد، واختياراً لهم، وهذا الذي ذكرناه من هذا القول هو ما عليه جمهور الأمة، وصدر الإسلام. ونحن سائلو القدرية (1) ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، فنقول لهم: حدثونا عن هذه الأفعال التي زعمتم أنَّها غير مخلوقة لله، هل تخلو من أن تكون حركة أو سكوناً؟ قالوا: لا تخلو من ذلك، قلنا: أمحدثة هي أم غير محدثة؟ فإن قالوا: غير محدثة أبطلوا، وإن قالوا: محدثة، قلنا: من أحدثها؟ فإن زعموا أنَّ العباد أحدثوها، قلنا: فالعباد هم الذين أحدثوا هذه الأفعال: من الحركات والسكون، وجعلوها محدثة غير قديمة، فإذا قالوا: نعم، قلنا: فهل تدل بحدوثها على
__________
(1) يطلق اسم القدرية على القائلين بقدرة العبد على خلق أفعاله، ومن هنا كانت تسميتهم بهذا الاسم، وقيل: لأنَّهم في رأيهم ذلك منكرون للقدر، وقيل: لأنَّهم اتخذوا من القدر موضوعاً لبحثهم ودراستهم. ويذكر الملطي عدة أصناف للقدرية: فصنف منهم يزعمون أنَّ الحسنات والخير من الله، والشر والسيئات من أنفسهم، وصنف يقال لهم المفوضة: زعموا أنَّهم موكلون إلى أنفسهم أنَّهم يقدرون على الخير كله بالتفويض، وصنف أنكروا أنَّ الله عزّ وجلّ خلق ولد الزنا، أو قدره، أو شاءه، أو علمه. راجع الإبانة عن أصول الديانة 73، 74، والتنبه والرد للمالطي ص 165، 186، وتاريخ الفرق الإسلامية للدكتور مصطفى الغرابي ص 21. (2/26)
صفحة 206
حدوث من حلت به ووصف بها؟ فإن قالوا: لا، أبطلوا، وصاروا إلى مذهب المبطلين من أهل الدهر (1) ، فكان الرد عليهم جميعاً واحداً، فإن رجعوا وقالوا: إنَّها تدل بحدوثها على حدوث من حلت به ووصف بها، قلنا: من جعلها دالة على حدوث الموصوف بها؟ فإن زعموا أنَّ العباد تولوا ذلك منها، قلنا: فالعباد إذن محمودون على أن جعلوا أفعالهم تدل على حدوث الأجسام وإبطال قدمها، فإن هم أجابوا إلى ذلك، قلنا: أفيجب على ذلك للعباد الحمد وحسن الثناء؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: فينبغي أن يكون العاصون محمودين على معاصيهم التي هي حركاتهم وسكونهم؛ حيث جعلوها دلالة على حدوث أجسامهم، فإذا قالوا: نعم، أبطلوا على العاصين الذَّم، وأدخلوها في باب الحمد والثناء، فإن قالوا: لا يجب الحمد للعاصين، وليسوا هم الذين جعلوا أفعالهم دالة على حدوث أجسامهم فيحمدون على ذلك، قلنا: من جعلها إذن تدل على حدوث من قامت به ووصف بها؟ فلا يجدون إلاَّ أن يقولوا إن الله جعل هذه الأفعال من حركات العباد وسكونهم، واجتماعهم، وافتراقهم دالة على حدوث أجسامهم، وجعل ذلك دلالة على وحدانيته جلَّ ثناؤه وربوبيته (2) ، كما جعل سائر الأفعال من الأشياء كذلك، إذ كانت الأشياء متساوية في وجه الدلالة على الله جلّ جلاله. ويقال لهم: أخبرونا عن هذه الأفعال هل تدل بعجزها عن أن تقوم بنفسها وبحاجتها إلى أن تقوم بغيرها، على أنَّها محدثة كائنة بعد أن لم تكن؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: من جعلها عاجزة عن القيام بنفسها، محتاجة إلى أن تقوم بغيرها، وجعل ذلك دلالة على حدوثها؟ فإن زعموا أنَّ العباد جعلوا ذلك كذلك، كان الإدخال عليهم في هذه المسألة كهو عليهم في المسألة الأولى، ويقال لهم: من جعل الأفعال ملازمة للفناء،
__________
(1) الدهرية: الدهر في الأصل اسم لمدة من العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، وعلى ذلك قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) سورة الإنسان، آية 1، ثمَّ يعبر عن كل مدة كثيرة، وهو خلاف الزمان.
والدهرية: نسبة إلى الذين جحدوا بالله، وزعموا أنَّ العالم وجد بدون الله عزّ وجلّ، _تعالى عن ذلك_، وقالوا: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) الجاثية، آية 24.
وقد أحسن أبو علي الثقفي عندما قال:
يا عابث الدهر إذا نابه لا تلم الدهر على غدره
الدهر مأمور له آمر وينتهي الدهر إلى أمره
كم كافر أمواله جمة تزداد أضعافاً على كفره
ومؤمن ليس له درهم يزداد إيماناً على فقره
(2) توحيد الربوبية: الإقرار بأنَّه خالق كل شيء، وأنَّه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر. وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغير الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) سورة إبراهيم آية، رقم 10. راجع العقيدة الطحاوية 1: 9، وفتاوى ابن تيمية، ط الرياض. (2/27)
صفحة 207
وأعجزها عن البقاء، أو من جعل ذلك منها يدل على حدوثها وعجزها وحاجتها؟ فإن زعموا أن العباد جعلوا ذلك كذلك كانت المسألة عليهم في هذا كهي عليهم فيما مضى من المسائل، إلاَّ أن يرجعوا إلى أنَّ الله هو الذي جعل الأفعال عاجزة محتاجة ملازمة للفناء، مستحيلاً عنها البقاء، وجعلها محدثة غير قديمة، كائنة بعد أن لم تكن، وجعلها دالة على حدوث الأجسام، وعلى قدم محدث جميع ذلك، وثبوت ربوبيته، ووحدانيته، وهكذا يجدد عليهم السؤال في جميع ما تسألهم عنه في هذا الباب، واحذرهم أن يزلوا بك من وجه إلى وجه، وأن يخرجوا بك من مسألة إلى مسألة، حتى يتضح لك الحق ببرهانه، ويضمحل الباطل لفساده، وإنما عمدت إلى هذا النوع من المسائل في باب التوحيد مع كثرة ما يدخل على القدرية من المسائل، ويلزمهم من الدلائل ليتبين للناظر أنَّه أصل في هذا المعنى من أصول التوحيد الذي لا يتم إلاَّ به، ولا يقوم إلاَّ عليه.
ثمَّ يقال لهم أيضاً: أخبرونا عمن جعل الأفعال غير مدركة بالحواس، ولا مشاهدة بالعيان؟ أهو الذي جعل الحواس غير مدركة للأفعال، والعيان غير مشاهد لها؟ فإن قالوا: إنَّ الجاعل لذلك كله واحد، قلنا: ما هو؟ (2/28)
صفحة 208
فإن قالوا: الإنسان تولى فعل ذلك كله من الحواس (1) ومن الأفعال، بان باطلهم، وإن قالوا: إنَّ الذي جعل الحواس غير مدركة للأفعال، والعيان غير مشاهد لها غير الذي جعل الأفعال غير مدركة بالحواس، ولا مشاهدة بالعيان ناقضوا، إذ ليس في جعل الحواس غير مدركة للأفعال أكثر من أنَّ الأفعال لا تدرك بالحواس، وكل هذا معنى واحد، ولن يجدوا إلى التفرقة بينه سبيلاً. ويقال لهم: أخبرونا عن الفعل من جعله لا يخلو من أن يكون حركة أو سكوناً؟ أو من جعل الحركة والسكون غير المتحرك والساكن؟ أو من جعل الحركة غير السكون، والسكون غير الحركة؟ أو من خالف بين الحركة والسكون، فجعل الحركة تقطع بها الأماكن الكثيرة ويجاوز بها المفاوز البعيدة، وجعل السكون ملازماً للمكان؟ أو من جعل الحركة متعبة مؤلمة مؤذية، وجعل السكون مريحاً للمكان من التعب؟ فإن زعموا أنَّ العباد تولوا فعل ذلك كله، وجعلوه على ما وصفنا، قيل لهم: فكيف ونحن قد وجدنا الفاعلين لا يتأتى لهم أن يقصدوا إلى فعل شيء من جميع ما ذكرنا، ولا تخطر معرفته على بالهم، بل قد علمنا أنَّ منهم من لا يوصف بالمعرفة لشيء منه؛ وذلك أنَّ من الفاعلين بهائم لا يتأتى لهم، وليس في معارفهم أكثر من أن يخرجوا من مكان إلى مكان، أو يقيموا في مكان دون مكان، بل قد وجدنا كثيراً من غير البهائم بتلك الحال، بل قد وجدنا كثيراً ممن ينتحل العلم، وهو لا يعرف أنَّ الحركة (2) غير المتحرك، ولا أنَّ السكون غير
__________
(1) الحواس: المشاعر الخمس، يقال: حَسَتْتُ وحَسِسْت فحسست على وجهين أحدهما: أصبته بحس نحو عِنته، والثاني: أصبت حاسته نحو كبدته، ولما كان ذلك قد يتولد منه القتل عبر به عن القتل فقيل حَسَسْته أي قتلته، كقوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ) آل عمران آية 152، والحسيس: القتيل. راجع بصائر ذوي التمييز 2: 153.
(2) الحركة: ضد السكون، ولها عند القدماء عدة تعريفات، وهي أولاً: الخروج من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج، ثانياً: شغل الشيء حيزاً بعد أن كان في حيز آخر، أو هي كونان في آنين ومكانين، بخلاف السكون الذي هو كونان في آنين ومكان واحد.
الحركة كمال أول لما بالقوة من جهة ما هو بالقوة. راجع ابن سينا في النجاة ص 169.
ويرى أبو الهذيل العلاف من المعتزلة: أنَّ الأجسام قد تتحرك في الحقيقة وتسكن في الحقيقة، والحركة والسكون هما غير الكون والجسم في حال خلق الله له، لا ساكن ولا متحرك (مقالات الإسلاميين 2: 19). (2/29)
صفحة 209
الساكن، ولا أنَّ الحركة غير السكون، ولا أنَّ السكون غير الحركة، لكثرة أقاويل المختلفين في ذلك، وليس هذا موضع ذكره، فلما أن وجدنا الفاعلين ليس من قصدهم ولا من معرفتهم أن تكون حركتهم غيرهم، ولا سكونهم غيرهم، ولا حركتهم غير سكونهم، ولا سكونهم غير حركتهم، وليس من قصدهم ولا مما يتأتى لهم أن يجعلوا حركتهم متعبة مؤلمة مؤذية، ولا أن يجعلوها ناقلة لهم في الأماكن الكثيرة، قاطعة بهم مفاوز ومسافات في البر والبحر، ولا أن يجعلوا سكونهم بخلاف ذلك، علمنا أنَّ الذي تولى تدبير ذلك من الأفعال على ما هي به من الذي وصفنا غير المتحرك والساكن، مع ما في ذلك من سقوط الذم واللائمة، وإبطال الحمد، وحسن الثناء لهم، وما فيه من كراهتهم لذلك، إذا هو أتى على غير قصدهم، ويقال لهم: أخبرونا عمن جعل الأكل مخالفاً للشرب، والشرب مخالفاً للأكل، والصوم مخالفاً للإفطار، وجعل كثرة الأكل متخماً، والشرب مروياً، وجعل الصوم مجيعاً معطشاً، والإفطار بخلاف ذلك؟ فإن زعموا أنَّ العباد جعلوا ذلك على ما وصفنا، لزمهم في هذه ما ألزمناهم في الأولى، فإن عارض في هذا منهم معارض، فقال: فإن زعمتم أنَّ الله تولى جعل هذه الأفعال على ما وصفتم من ذلك، وكونها على ما قلتم، فهل تصفونه بالقدرة على (2/30)
صفحة 210
أن يجعلها بخلاف ذلك، فينقلها من هيئتها التي هي عليها، فيجعل الأفعال مدركة بالحواس، مشاهدة بالعيان، ويجعل الحركة منها سكوناً، والسكون حركة، ويجعل السكون متعباً مؤلماً، والحركة مريحة من التعب، ويجعل الأكل مروياً، ويجعل الشراب متخماً؟ فإن كنتم تصفونه بالقدرة على تحويل هذه الأشياء عن هيئاتها ثبت لكم ما أضفتموه إليه من ذلك، وإلاَّ كيف تضيفون إليه فعل شيء من الأشياء وأنتم لا تصفونه بالقدرة على تركه، ولا على جعله بخلاف ما هو به؟ وهذه المعارضة من أقوى معارضات القدرية عند أنفسهم، فيقال لهم: أليس قد جاز أن يقال إنَّ هذه الأفعال في أنفسها على ما هي به، واستحال أن تكون على غير ما هي به، ولم تكن استحالة كونها على غير ما هي به مبطلاً أن تكون كائنة على ما هي به، فلم لا كان هذا مجوزاً أن يقال: إنَّها مجعولة على ما هي به، وإن استحال أن يكون الجاعل الذي جعلها على ما هي به؟
ثمَّ يقال لهم بعد ذلك: أخبرونا عن حركات الاضطرار: من جرية المياه واضطرابها، وحركات الأفلاك (1) وجري الشمس والقمر والنجوم، وعن سكون الجبال والأجسام والجامدات، من جعل ذلك كله على ما هو به في عينه، من اتفاق ما اتفق منهن واختلاف ما اختلف، فإن أضافوا ذلك إلى غير الله أبطلوا، وإن قالوا: إنَّ
__________
(1) ذهب بعض الحكماء كأرسطو وأتباعه، والجبائي من المعتزلة إلى أنَّ بين كل حركتين مستقيمتين كصاعدة وهابطة سكوناً، فالحجز إذا صعد قسراً ثمَّ رجع فلا بدّ أن يكون فيما بينهما، فإنَّ كل حركة مستقيمة لا بدّ أن تنتهي إلى سكون؛ لأنَّها لا تذهب على الاستقامة إلى غير النهاية، ومنعه غيرهم كأفلاطون، وأكثر المتكلمين من المعتزلة.
وحركات الأفلاك وما في أجرامها لها أسماء: الحركة البسيطة، وتسمى متشابهة، وبالحركة حول المركز أيضاً، وبالحركة حول النقطة أيضاً: وهي حركة تحدث بها عند مركز الفلك في أزمنة متساوية. راجع شرح المواقف 2 ـ 147، 181، وكشاف اصطلاحات الفنون 2: 99، 100. (2/31)
صفحة 211
الله هو الجاعل لذلك على ما هو في عينه من حركته وسكونه واتفاقه واختلافه، قيل لهم: فهل تصفونه بالقدرة على تغيير شيء من ذلك عن هيئته وتحويله عن كيفيته التي هو بها، حتى يكون يجعل ما لا يدرك منه بالحواس مدركاً، وما لا يشاهد بالعيان مشاهداً، أو يجعل الحركة منه متحركاً، والسكون ساكناً، أو يجعل الحركة سكوناً، والسكون حركة، في غير ذلك من المعاني؟ فإن قالوا: إنَّ الله لا يوصف بالقدرة على شيء مما ذكرتم؛ لأنَّه من المحال الذي لا يتوهم كونه، ولا يثبت وجوده، فيوصف بالقدرة على تكوينه، قلنا: لن نعدو هذا الجواب فيما سألتمونا عنه في الأفعال من قولكم، هل تصفون الله بالقدرة على أن يجعل الأفعال بخلاف هيئاتها، وينقلها عن معانيها؟ فنقول لكم: إنَّ ذلك من المحال الذي لا يتوهم كونه، ولا يستقيم وجوده، وليس في أن نصف الله بالقدرة على قلب أعيان الأشياء عن هيئاتها ما يزيل عنه أن يكون هو الجاعل لها في أعيانها، والمدبر لها على ما هي به، كما نقول: إنَّ الله جلّ جلاله هو الجاعل للأجسام في أعيانها على ما هي به متجزية مسدسة، محتملة البقاء، قابلة للأعراض (1) ، وجعل الأعراض بخلاف ذلك، ونحن مع هذا كله لا نصفه بالقدرة على تحويل الأجسام عن هيئاتها إلى صفة الأعراض، ولا بالقدرة على تبديل
__________
(1) العرض: ضد الجوهر؛ لأنَّ الجوهر هو ما يقوم بذاته، ولا يفتقر إلى غيره ليقوم به، على حين أنَّ العرض هو الذي يفتقر إلى غيره ليقوم به، فالجسم يقوم بذاته، أما اللون فهو عرض؛ لأنَّه لا قيام له إلاَّ بالجسم. والعرض ضد الماهية: وهو ما لا يدخل في تقويم طبيعة الشيء أو تقويم ذاته كالقيام والقعود للإنسان، فهما لا يدخلان في تقويم ماهيته. والفلاسفة يقسمون العرض إلى لازم ومفارق.
فالعرض اللازم: هو ما يمتنع انفكاكه عن الماهية، والعرض المفارق هو ما لا يمتنع انفكاكه عن الشيء، وهو إما سريع الزوال كحمرة الخجل وصفرة الوجل، وإما بطيء الزوال كالشيب والشباب. راجع تعريفات الجرجاني، والنجاة لابن سينا 325، ومعيار العلم، ص 194. (2/32)
صفحة 212
الأعراض عن معناها إلى معنى الأجسام، بل هو الجاعل لذلك على ما هو به في عينه، والجاعل لجميعه محدثاً كائناً بعد أن لم يكن، ونحن مع ذلك لا نصفه بالقدرة على أن يجعل شيئاً منه غير محدث، وهذا الجواب مبطل لمعارضتهم، وهو مع ذلك داخل على من قال منهم بالطبائع (1) وعلى من قال بغير الطبائع، ممن يزعم أنَّ الأفعال في كيفيتها جعل لغير جاعل، وفعل لغير فاعل، وحدث لغير محدث، وناقص لعللهم التي ذكرناها عنهم في وصف مقالتهم أول الباب.
باب معارضة القدرية (2) بـ: لو جاز:
ومما عارضت به القدرية في هذا الباب أن قالوا: وجدنا هذا الفعل جزءاً واحداً لا يحتمل التجزئة ولا التغاير، ولا يجوز أن يكون من فاعلين، لاستحالة الفعل الواحد أن يكون يفعله فاعلان، لأنَّه لو جاز أن يكون فعل واحد من فاعلين لجاز أن تكون حركة واحدة من متحركين، وسكون واحد من ساكنين. وقالوا: لو جاز أن يكون فعل واحد من فاعلين لجاز أن يكون مكان واحد لمتمكنين، وقالوا: لو جاز أن يكون فعل واحد من فاعلين لجاز أن يكون قول واحد من قائلين، وقالوا في وجه آخر: وجدنا أفعال الخلق فيها القبيح من: الجور والخطأ، والكذب، والزور، والافتراء، قالوا: فلو جاز أن يفعل الجور والخطأ، والزور
__________
(1) ذهبت الأشعرية إلى إنكار الطبائع جملة، وقالوا: ليس في النار حر، ولا في الثلج برد، ولا في العالم طبيعة أصلاً، وقالوا: إنما حدث حر النار جملة وبرد الثلج عند الملامسة؛ ولكنَّ الله تعالى يخلق منه ما يشاء، وقد كان ممكناً أن يحدث من مني الرجل جملاً، ومن مني الحمار إنساناً. ويرد عليهم ابن حزم قائلاً: إن اللغة التي نزل بها القرآن تبطل قولكم؛ لأنَّ من لغة العرب القديمة ذكر الطبيعة والخليقة والسليقة والنخيرة والغريزة والسجية والشيمة والجبلة، ولا شكّ أنّ النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ سمع هذه الألفاظ ولم ينكرها، ولا أنكرها أحد من الصحابة رضي الله عنهم.
قال امرؤ القيس:
وإن كنت قد ساءتك مني خليقة فسُلي ثيابي من ثيابك تنْسُلِ
وقال حميد بن ثور الهلالي:
لكل امرئ يا أم عمرو طبيعة وتفرق ما بين الرجال الطبائع
وقال النابغة:
لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم من الجود والأحلام غير عوازب
وغير ذلك كثير. راجع كتاب الفصل لابن حزم بتحقيقنا 5: 115، 116، 117.
(2) القدرية: نسبة إلى القدر، بفتح الدال وسكونها. قال النووي في شرح مسلم: يقال القدَر والقدْر بفتح الدال وسكونها لغتان مشهورتان، وحكاهما ابن قتيبة عن الكسائي وغيره، ويقرر شارح الطحاوية: إنَّ الصحيح في أحاديث ذم القدرية أنَّها موقوفة، ولقد أدرك ابن تيمية هذه المسألة غاية الإدراك وتفطن إليها؛ حيث ذكر أنَّ الأحاديث المروية في ذم القدرية والمرجئة كالتي رواها ابن ماجة، وابن أبي داود في السنن طعن فيها العلماء وضعفوها، وبعض الناس يميل إلى تقويتها وإثباتها، وذكر أنَّ الثابت في ذم القدرية وأمثالهم إنما هو عن الصحابة: كابن عمر وابن عباس _رضي الله عنهما_. "راجع ابن تيمية: مجموع الرسائل الكبرى، القاهرة 1385 ـ 1966، 1/26، شرح الطحاوية بتحقيقنا". (2/33)
صفحة 213
والافتراء، والكذب من لا يوصف بذلك لجاز أن يوصف بالجور، والخطأ، والزور والكذب، والافتراء من لم يفعل الجور، والخطأ، والزور، والكذب والافتراء. وقالوا في وجه آخر: لو جاز أن يكون فعل العبد خلقاً لله لجاز أن يقال: إنَّ العبد فعل خلق الله، فلما لم يجز أن يقال: إنَّ العبد فعل خلق الله بطل أن يكون فعل العبد خلق الله. وقالوا: لو جاز أن يكون الله مريداً لأفعال العباد وجب أن يكون مريداً للكفر والمعصية، والزور والافتراء، فهذا مما لا يوصف الله عزّ وجلّ بأنَّه أراده. وقالوا: لو جاز أن يقدرنا الله على أفعالنا _وهي خلق له_ لجاز أن يقدرنا الله على أسماعنا، وأبصارنا، وسائر ذلك من الخلق، وهو خلقه، فلما لم يجز أن يكون الله يقدرنا على أسماعنا وأبصارنا وغيرها من الخلق، لم يجز أن يكون الله يقدرنا على شيء مما خلق.
جواب أصحاب المخلوق للقدرية في: لو جاز:
قال أصحاب المخلوق: أما قول القدرية لو جاز أن يكون فعل واحد من فاعلين لجاز أم تكون حركة واحدة من متحركين، وسكون واحد من (2/34)
صفحة 214
ساكنين، فإنه حكم بغير حجة، وتمثيل (1) بغير علة، وإنما اغتروا منه باستواء اللفظ في الوزن لا غير؛ ذلك لأن المتحرك إنما سمّي متحركاً لحلول الحركة فيه، وكذلك الساكن سمّي ساكناً لحلول السكون فيه، وإذا حلّت حركة في جسم أو سكون بطل واستحال أن يحلاّ بغيره من الأجسام، وفي إبطال حلول الحركة في جسمين، أو سكون في جسمين إبطال أن يوصف بحركة واحدة أو سكون واحد جسمان، وكذلك سبيل القول في كل فاعلين يفعلان من جهة واحدة، ولا يجوز أن يقال في ذلك فعل من فاعلين، إذ كان الذي يحل في كل واحد منهما غير الذي يحل في الآخر، وليس هذا سبيل الوصف منا لله بأنه خالق للفعل، والعبد فاعل للفعل، إذ كان الله جلّ جلاله لا تحله أفعاله، بل إنما تحل في غيره من خلقه، فلمّا أن كانت العلة منه في إبطال حركة من متحركين، ما ذكرنا من أنه إنما سمي المتحرك متحركاً لحلول الحركة فيه، والحركة لا تحلّ في متحركين فيوصفان بها، كان الوصف منّا الله بأنه خالق لفعل العباد
__________
(1) يطلق التمثيل في اللغة الحديثة على قيام الشيء مقام الآخر، يقال: مثل قومه في دولة أو مؤتمر أو مجلس: ناب عنهم، وتمثل الشيء تصوّره.
وقياس التمثيل: هو الحكم على شيء معيّن لوجود ذلك الحكم في شيء آخر معيّن، أو أشياء أخرى معيّنة، على أن ذلك الحكم على المعنى المتشابه فيه. راجع النجاة لابن سينا ص 9. وقد زعم (رابيه) أن قياس التمثيل يشتمل على استقرار متبوع باستنتاج. راجع الاستقرار والمنطق الحديث ومناهج البحث: د. محمود قاسم، ص 49، 55. (2/35)
صفحة 215
غير مشبه للذي مثلوا، وكذلك القول في المتمكنين في مكان واحد كالقول في متحركين بحركة واحدة؛ لأنَّ المتمكن إنما سمي متمكناً لأنَّه شاغل للمكان، والمكان لا يشغله جسمان، فيسميان بأنَّهما متمكنان في مكان واحد، فلمّا أنَّ كانت العلة في فساد متمكنين في مكان واحد ما وصفنا فسد التمثيل بذلك الفعل من فاعلين، ويقال لهم في هذا المعنى: أليس اللون يضاف إلى اثنين على وجهين مختلفين: أحدهما الخلق، والآخر الحلول، فيقال: هو خلق الله حلّ في جسد فلان، أو بياض فلان؟ فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فهل يجوز أن يضاف إلى ثنين على وجهين متفقين؟ فيقال: خلق لهما، أو بياض لهما، أو حال فيهما؟ فإذا قالوا: لا _وذلك قولهم_ فقد فرقوا بين إضافة الشيء إلى اثنين على وجهين مختلفين، وبين إضافته إليهما على وجهين متفقين، وبان لكم صحة ما نقول في هذا الباب.
ويقال لهم: ألستم تقولون: إن الله بكل مكان (1) ، والجسم في مكان؟ وأنتم لم تجدوا فاعلين في مكان واحد على جهة التمكن، ووجدتم على ذلك وجهين مختلفين: أحدهما بالتدبير والآخر بالحلول، وإنما جاز هذا فيهما لما ذكرنا من اختلاف وجودهما في المكان، فإذا جاز أن يكون في مكان واحد فاعلان على وجهين مختلفين: أحدهما قديم والآخر محدث، فلم لم يجز مثل ذلك في المحدثين؟ وإنما تتفق الأحكام إذا اتفقت العلل، وأمّا إذا اختلفت فلا.
وبعد فلِمَ جعلتم استحالة فعل واحد من فاعلين على جهة واحدة دليلاً على
__________
(1) المكان عند الحكماء: هو السطح الباطن من الجسم الحاوي، المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي. وعند المتكلمين: هو الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم وينفذ فيه أبعاده.
والمكان عند المحدثين: وسط مثالي غير متداخل الأجزاء، حاو للأجسام المستقرة فيه، محيط بكل امتداد متناه. راجع رسالة الحدود 94، وتعريفات الجرجاني 203. (2/36)
صفحة 216
استحالة فعل واحد من فاعلين على جهتين مختلفتين؟ وأما قولهم: لو جاز أن يكون فعل واحد من فاعلين لجاز أن يكون قول واحد من قائلين، فإنَّه مثل ما مضى في الفساد، والحكم بغير حجة؛ وذلك أنَّ القائل سمي قائلاً لأحد معنيين: إمَّا أن يكون مبتدئاً للقول أو حاكياً له، فمَن ابتدأ القول سمّي قائلاً، واحداً كان أو أكثر، ومَن حكاه سمي قائلاً حاكياً، واحداً كان أو أكثر، أو يكونوا ذهبوا في قولهم قولاً من قائلين إلى ما يحل القائلين من القول الذي هو فعلهم، فقد أخبرنا بداء أن الأجسام لا تتعداها أفعالها فتحل في غيرها، فيكون ذلك الغير موصوفاً بها، وليس يوجد في هذه المسألة أكثر من هذا إن شاء الله.
وأمّا قولهم: لو جاز أن يفعل الجور والخطأ، والكذب والافتراء مَن لم يكن جائراً ولا مخطئاً، ولا كاذباً ولا مفترياً لجاز أن يكون جائراً أو ظالماً ومخطئاً وكاذباً مَن لم يفعل الجور والخطأ والافتراء والكذب، فإن هذا الاعتلال وهو (2/37)
صفحة 217
من مقالتهم نفسها، وذلك إنا لا نرسل الجواب إرسالاً، فنقول: إنّ الله فعل الجور والخطأ، وغير ذلك مما ذكروا؛ ولكنا نقول: إن الله خلق الجور والخطأ والكذب من الجائر المخطئ الكاذب، فجعله في عينه جوراً مخالفاً للعدل، وجعل الخطأ مخالفاً للحق، وجعل الكذب مخالفاً للصدق، ولا يجوز أن يفعل الجور من جهة ما يحكم بالجور إلاَّ جائر، ولا أن يفعل الخطأ من جهة ما يختار فعله عن فعل الصواب إلاَّ مخطئ، ولا أن يفعل الكذب من جهة الإخبار به إلاَّ كاذب، وأمّا مَن جعل الخبر كذباً لغيره، والجور والخطأ والعبث جوراً وخطأ وعبثاً لغيره، موصوفاً به فلا يكون بذلك كاذباً، ولا جائراً، ولا مخطئاً، ولا عابثاً، كما جعل حركة الاضطرار، وسكون الاضطرار للمتحركين الساكنين بهما، ولم يكن بذلك متحركاً ولا ساكناً، وكما جعل الولد لغيره ولداً، والصاحبة لغيره صاحبة، ولا يسمى بذلك، ولا يوصف به جلّ وعلا عن ذلك علواً كبيراً، فكان غيره بذلك متحركاً وساكناً ووالداً.
وأمّا قولهم: لو كان فعل العبد خلقاً لله لجاز أن يقال: إن العبد فعل خلق الله (1) ، فالجواب عن هذا أنه إنما يعبّر عن القول من جهة ما تحسن العبارة عنه، إنما يقال: خلق الله فعل العبد، إذ ليس من فعل العبد ما لم يخلق الله،
__________
(1) روى الكعبي عن الجاحظ: أن لا فعل للإنسان إلاَّ الإرادة، فلو صدق الكعبي فيما يقوله عن الجاحظ لزمه أن لا يكون الإنسان مصلياً، ولا صائماً، ولا حاجاً، ولا زانياً، ولا سارقاً، ولا قاذفاً؛ لأنه لم يفعل عنده صلاة، ولا صوماً، ولا حجاً، ولا زنى، ولا سرقة، ولا قتلاً، ولا قذفاً؛ لأنّ هذه الأفعال عنده غير الإرادة. راجع الفرق بين الفرق 176. (2/38)
صفحة 218
ولا يقال فعل العبد خلق الله؛ لأنَّ مَن خلق الله ما لم يفعل العبد، وإنما هذا من جهة الأعم والأخص لا غير ذلك.
وأما قولهم: لو جاز أن يكون الله مريداً لأفعال العباد لجاز أن يكون مريداً للكفر والمعصية، فتحكموا وقالوا: هذا مما لا يجوز أن يوصف الله أنه يريده، فالجواب عن ذلك: إن كان القائل يذهب بقوله: يريد الكفر إلى أنه يحب الكفر، ويأمر به، ويرضاه فهذا فاسد، وإن كان يذهب بقوله: يريد الكفر إلى أنه يريد الكفر أن يكون في عينه كفراً قبيحاً مذموماً، معذباً عليه، مخالفاً للإيمان، غير مأمور به، ولا مثاب عليه، فالجواب عن هذا بصلاته أنه جائز سائغ، ولا يجاب به مرسلاً دون صلاته، لإزالة سوء الظنون عن أوهام السامعين عند ورود الجواب على أوهامهم، غير مفسر ولا موصول بصلاته التي يتبيّن الجواب بها ويصح.
وأمّا قولهم: لو جاز أن يقدرنا الله على أفعالنا _وهي خلقه_ لجاز أن يقدرنا على أسماعنا وأبصارنا، وسائر ذلك من الخلق _وهي خلقه_ فالجواب عن هذا أن نقول: لم يقدرنا على أفعالنا أن نخلقها، ولا أن نجعلها في أعيانها على ما هي به موافقة لما وافقت، ومخالفة لما خالفت من الأشياء، وإنما أقدرنا عليها لنتحرك بها، ونسكن، ونطيع، ونعصي، ونؤمن، ونكفر، وليس في أن أقدرنا على أفعالنا أن نتحرك بها، ونسكن، ونطيع بها ونعصي _إذ هي خلقه_ ما يوجب (2/39)
صفحة 219
أن يكون يقدرنا على أن نفعل أسماعنا وأبصارنا، وغير ذلك من الخلق، كما أنا جميعاً نقول: إنه قد أقدرنا على أفعالنا _وهي معلومة له، وهي غيره_، وليس في أن أقدرنا على أن نفعلها وهي معلومة له _وهي غيره_ ما يوجب أن يكون يقدرنا على جميع معلوماته، وعلى جميع ما هو غيره.
وقد كنت أنبأتك أول هذا الباب أن مسائل القوم مأخوذة من مقالتهم نفسها، معلومة من أصل دعواهم (1) وبعضها من بعض، وقد يأتي على جميعها جواب واحد، وإنما أجبنا عن كل واحدة لتفرقتهم إيّاها في أصل سؤالهم.
باب مسائل القدرية بـ: هل ثمّ:
وسألت القدرية فقالوا: هل ثمّ إلاَّ الله وما خلق؟ قالوا: فإن قلتم: ليس ثمَّ إلاَّ الله وما خلق، قيل لكم: عذب الكافر، على ماذا عذبه؟ على نفسه أو على خلقه؟ فإن قلتم: عذبه على نفسه فينبغي أن يكون عذب جميع خلقه لعلّة نفسه، وإن قلتم: عذبه على خلقه فينبغي أن يعذب جميع خلقه لعلّة خلقه، وقالوا: هل ثمّ إلاَّ الله وما خلق؟ فإن قلتم: ليس ثمَّ إلاَّ الله وما خلق، قيل:
__________
(1) يراجع ما كتبه الأشعري في مقالات الإسلاميين، حيث حكى الكثير من هذه الأقوال 2: 80 ـ 81 وما بعدها. (2/40)
صفحة 220
غضب على الكافر، مماذا غضب من نفسه أو من خلقه؟ فإن قلتم: غضب من نفسه، ففيه ما فيه، وإن قلتم: غضب من خلقه فينبغي أن يغضب من جميع خلقه، وهذا أفسد الفساد.
وقالوا: هل ثمّ إلاَّ الله وما خلق؟ فإن قلتم: ليس ثمَّ إلاَّ الله وما خلق، قيل: ذم الكافر على ماذا؟ على نفسه أو على خلقه؟ فإن قلتم: ذم الكافر على نفسه فينبغي أن يكون الله عزّ وجلّ ذم العباد على أنه هو، وإن قلتم: ذمه على خلقه فيجب أن يكون ذم الكافر على جميع خلقه.
وقالوا: هل ثمَّ إلاَّ الله وما خلق؟ فإن قلتم: ليس ثمَّ إلاَّ الله وما خلق، قيل: أمر الإنسان بماذا؟ بنفسه أو بخلقه؟ فإن قلتم: أمره بنفسه ففيه ما فيه، وإن قلتم أمره بخلقه فينبغي أن يكون أمره بجميع خلقه.
وقالوا: هل ثمَّ إلاَّ الله وما خلق؟ فإن قلتم: ليس ثمَّ إلاَّ الله وما خلق، قيل: نهى الإنسان عمّاذا عن نفسه أو عن خلقه؟ فإن قلتم: نهاه عن نفسه أبطلتم، وإن قلتم: نهاه عن خلقه فينبغي أن يكون نهاه عن جميع ما خلق، وفي هذا من الفساد ما لا يخفى في نظائرها من المسائل.
مسألة في الجهات (1) :
(قدّمها صاحب الكتاب على جواب أصحاب المخلوق للقدرية في هذا الباب). قال صاحب الكتاب: والعلم بالجهات هو عمود هذا الباب
__________
(1) الجهة في الأصل: هي الجانب والناحية، قال ابن سينا: إننا نعني بالجهة شيئاً إليه مأخذ حركة أو إشارة.
والجهة نهاية البعد، ويمكن أن يفرض في كل جسم أبعاد غير متناهية العدد فيكون كل طرف منها جهة، إلاَّ أن المقرّر عند عامة الفلاسفة يمكن أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة متقاطعة على زوايا قائمة، ولكل منها طرفان، فكل جسم إذن ست جهات.
والجهة النحو، تقول: فعلت كذا على جهة كذا أي نحوه وقصده، ومن قبيل ذلك قول ابن سينا: "فإن الشيء الواحد من جهة واحدة". راجع النجاة 372، 380، وجامع البدائع 154. (2/41)
صفحة 221
الذي يرفع عليه سمكه، وأسه الذي تقوم عليه دعائمه، فيقال للقوم: أخبرونا عن جهة الشيء في الفعل، أهي جهة محدث؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا أن كل شيء محدث، فإن قالوا: إنهما جهتان فهو ما نقول، ثم يقال لهم: أخبرونا عن جهة محدث في الفعل، أهي جهة عرض؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا أن كل محدث عرض، فإن قالوا: بأنهما جهتان فهو ما نقول. ثمَّ نقول لهم: أخبرونا عن جهة العرض في الفعل، أهي جهة حركة؟ فإن قالوا: نعم أثبتوا أن كل عرض حركة، فإن قالوا: هما جهتان فهو ما نقول. ثمّ يقال لهم: أخبرونا عن جهة حركة في الفعل، أهي جهة كسب؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا أن كل حركة كسب، فإن قالوا: هما جهتان فهو ما نقول. ثم يقال لهم: أخبرونا عن جهة حركة في الفعل؟ أهي جهة سكون؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا أن كل حركة سكون، فإن قالوا: هما جهتان فهو ما نقول. ثمّ يقال لهم: أخبرونا عن جهة كسب في الفعل، أهي جهة طاعة؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا أن كل كسب طاعة، فإن قالوا: هما جهتان فهو ما نقول. ثم يقال لهم: أخبرونا عن جهة طاعة في الفعل أهي جهة توحيد؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا أن كل طاعة توحيد، وليس ذلك من قولهم، فإن قالوا: بأنهما جهتان فهو ما نقول. ثمّ يقال لهم: أخبرونا عن جهة كسب في الفعل، أهي جهة معصية؟ فإن قالوا: (2/42)
صفحة 222
نعم، أثبتوا أن كل معصية كسب _كذا_، ثمّ يقال لهم: أخبرونا عن جهة معصية في الفعل، أهي جهة كفر؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا أن كل معصية كفر، وليس من قولهم، وإن قالوا: بأنهما جهتان فهو ما نقول. فعلى هذا التثقيف تكرر المساءلة عليهم، والمجاوبة لهم في كل ما يسألون عنه في هذا الباب، فاتخذوه أصلاً، وغماماً، وأساً تبنون عليه تهتدوا إن شاء الله.
عود الكلام إلى جواب أصحاب المخلوق للقدرية:
ثمَّ يعود الكلام إلى جواب أصحاب المخلوق للقدرية فيه: "هل (1) ثمَّ".
قال أصحاب المخلوق قد كثرت القدرية في السؤال بتقليبهم الألفاظ المختلفة على معنى واحد، من معنى السؤال، ولقد كان يجيب على من بنى سؤاله على خصومة أن يعرف كيف تكون عاقبة سؤاله إذا حرر الخصوم عليه الجواب، والجواب في جميع ما سألوا عنه في "هل ثمَّ"، وفي "لو جاز" جواب واحد، ويدخل بعضه في بعض؛ وذلك أن نقول لهم: ليس ثمَّ إلاَّ الله وما خلق، لا على نفي الاكتساب، ولا يجوز إرسال الجواب حتى يوصل بالصلة التي يتبين بها الجواب، لإزالة سوء الظنون من أوهام السامعين عند ورود الجواب على أوهامهم
__________
(1) هل: هي لطلب التصديق الإيجابي، أي الحكم بالثبوت أو الانتفاء، ولا تستعمل إلاَّ في الاستفهام، لا بمعنى أنَّها بنفسها علم الاستفهام، بل لا بدّ من ملاحظة أداة الاستفهام قبلها، إما ملفوظة أو مقدرة، وهل بسيطة إن طلّب بها وجود الشيء أو عدمه في نفسه، نحو: هل وجد زيد، وهل عدم عمرو...؟ ومركبة إن طلَّب بها وجود الشيء محصلاً أو معدولاً للشيء الآخر، نحو: هل قام زيد...؟ وهل زيد لا قام...؟ وهل تأتي بمعنى "قد" نحو: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ) [سورة الإنسان، آية 1]، وبمعنى (إلاَّ) نحو قوله تعالى: (هل أدلكم) [سورة طه: 4، والقصص 12، والصف: 10]، وبمعنى (إنَّ) نحو قوله تعالى: (هل في ذلك قسم لذي حجر) [سورة الفجر: 4]، وبمعنى (بل) نحو: هل في الدار أغيار..؟ وبمعنى (ما) النافية نحو: (هَلْ جَزَاء الإحْسَانِ إِلاّ الإحْسَانُ) [سورة الرحمن آية 60]، وبمعنى الأمر نحو (فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) [سورة المائدة 91]. (2/43)
صفحة 223
غير مفسر، ولا موصول بصلته التي يصح بها، فإن قالوا عند هذا: على ماذا عذب الله الكافر أو مماذا غضب من نفسه أو من خلقه؟ إلى آخر ألفاظهم التي هي بمعنى واحد، قيل لهم: غضب من فعل العبد الذي هو لله خلق، ولا يقال: غضب من خلقه، فإن قالوا: أليس فعل العبد خلقه؟ قلنا: فعل العبد من حيث وصف بأنَّه فعل، وهو خلق الله بأن جعله خلافاً لما خالفه، غير محتمل للبقاء، ولا مجتلى للعيان، ولا يقال: فعل العبد خلق الله مرسلاً، كما أنَّه يقال فيما اجتمعنا نحن وأنتم عليه: إنَّ الله عالم بفعل العبد، وإنَّ الفعل معلوم له، وإنَّ الفعل غير الله، ولا يقال: إنَّ الله غضب على العبد؛ لأنَّ فعله غيره، ولا لأنَّه معلوم له، ولا لأنَّه غير الله وغير العبد، إذ ليس من الجائز أن يغضب الله على الكافر إن كان عمله غير الله، فلو جاز أن يقال: غضب الله على الكافر لأنَّ فعله غير الله، ويسخط أن يكون الفعل غير الله، ويعذب على ذلك، ليجوزن أن يكون الله يرضى أن يكون فعل العبد هو الله، ويثيب على (2/44)
صفحة 224
أن يكون فعل العبد هو الله، ويحب ذلك، فهذا غاية الفساد في صفة الله جلّ جلاله. ويقال لهم: الذي غضب منه ويسخطه لأنَّه كفر، أهو الذي لم يسخطه ولم يغضب منه لأنَّه غير الله؟ فإن زعموا أنَّ الذي غضب الله منه وأسخطه في أن كان كفراً غير الذي لا يسخطه ولا يغضب منه إن كان غير الله، وإن كان غير الفاعل، وإن كان معلوماً لله أوجبوا على الفعل التجزي والتغاير، وصاروا إلى مقالة أصحاب المعاني، وإن قالوا: إنَّ الذي غضب الله منه وأسخطه في أن كان كفراً هو الذي لم يغضب منه ولم يسخطه إن كان غير الله، وإن كان معلوماً له، وإن كان غير الفاعل أوجبوا على الفعل الذي لا يتجزأ الجهات. وهكذا الجواب لهم في جميع ما سلسلوا من ذلك لغير فائدة. وقد كان عارضهم فيما بلغنا بعض أهل العلم بالتثبيت في هذا الكلام بأمر مقنع؛ وهو أن قال لهم: أليس الكفر (1) غير خلق الله؟ فقالوا: بلى، فقال لهم: هل عذب عليه لأنَّه غير خلق الله؟ فلو قالوا: نعم للزمهم التعذيب على كل ما لم يخلق، قياساً على قولهم: إذا عذب على الكفر، وهو غير خلق له، جاز أن يعذب على كل ما هو غير خلق له، ويقال لهم: أليس الكفر شيئاً ومحدثاً وعرضاً وحركة أو سكوناً؟ فإن قالوا: بلى هو كذلك، قيل لهم: فهل غضب منه لأنَّه
__________
(1) الكفر في اللغة: ستر الشيء، ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزَّرَّاع لستره البذر في الأرض، وليس ذلك باسم لهما، كما قال بعض أهل اللغة: ألقت ذُكاء يمينها في كافر.
وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك أداء شكرها، قال تعالى: (فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيه) سورة الأنبياء آية 94، "وأعظم الكفر جحود الوحدانية". راجع المفردات في غريب القرآن 433 ـ 434، وكليات أبي البقاء 4: 74. (2/45)
صفحة 225
حركة، أو لأنَّه سكون؟ فإن قالوا: نعم غضب منه لأنَّه كذلك، قيل لهم: فيجب أن يكون غضب من كل شيء، ومن كل محدث، ومن كل عرض، ومن كل حركة. فإن قالوا: نعم إنَّ الذي غضب منه لأنَّه كفر، غير الذي لم يغضب منه لأنَّه شيء، ولأنَّه محدث، ولأنَّه عرض، ولأنَّه حركة أو سكون أثبتوا التغاير على الفعل والتجزية، وصاروا إلى قول أصحاب المعاني في الفساد. فإن قالوا: إنَّ الذي غضب منه لأنَّه كفر هو الذي لم يغضب منه لأنَّه شيء، ولأنَّه محدث، ولأنَّه عرض، ولأنَّه حركة أو سكون أوجبوا على الفعل الذي لا يتجزأ الجهات. ويقال لهم: أرأيتم الفعل الذي أقدرنا الله عليه، هل أقدرنا عليه لأنَّه فعل؟ قالوا نعم، قلنا: فالذي أقدرنا عليه لأنَّه فعل، أهو الذي لم يقدرنا عليه لأنَّه شيء، ولأنَّه محدث، ولأنَّه عرض، ولأنَّه حركة، أو سكون أم الذي أقدرنا عليه لأنَّه فعل غير الذي لم يقدرنا عليه لأنَّه شيء، ولأنَّه محدث، ولأنَّه عرض، ولأنَّه حركة، أو سكون؟ فإن قالوا: الذي أقدرنا عليه لأنَّه فعل الذي لم يقدرنا عليه، لأنَّه شيء، ولأنَّه محدث، ولأنَّه عرض، ولأنَّه حركة أثبتوا على الفعل التغاير والتجزئة، فإن قالوا: الذي أقدرنا عليه لأنَّه فعل هو (2/46)
صفحة 226
الذي لم يقدرنا عليه لأنَّه شيء، ولأنَّه محدث، ولأنَّه عرض، ولأنَّه حركة، أثبتوا للفعل الجهات.
ويقال لهم بعد هذا: فما أنكرتم من مذهب أهل الحق أنَّ ما فعلوه، وصارت قدرتهم عليه، فهو فعلهم من حيث قدروا عليه، وهو خلق الله من حيث ثبوت عجزهم عنه. ويقال للآخرين: إذا جاز عندكم أن يكون فعل العبد وهو بجهة من الجهات ليس بجعل للعبد، فما أنكرتم أن يكون من تلك الجهات التي ليست بجعل للعبد فعلاً لله؟ فإن قالوا: لأنَّه محال أن يكون فعل واحد جميعه للعبد وجميعه لله، قيل لهم: فقد قلتم بما هو أكبر من هذا، فجوزتم أن يكون فعل واحد جميعه للعبد، وجميعه ليس بجعل لجاعل، وهذا الجواب منكم هو معنى ما أنكرتم.
مسألة للقدرية في المعارضة التي يذكرون فيها الشركة:
قالوا: وجدنا هذا الفعل شيئاً واحداً لا يحتمل التجزئة، ولا يوصف بالتغاير، قلنا: لا يخلو هذا الشيء من الفعل من منازل ثلاثة: إما أن (2/47)
صفحة 227
يكون خلقاً لله، أو يكون للعبد فعلاً، وإما أن يكون لهما جميعاً، فإن قالوا: كان للعبد فعلاً فهو ما قلنا، وبطل أن يكون لله خلقاً، وإن كان لله خلقاً بطل أن يكون للعبد فعلاً، وإن كان لهما جميعاً فهذا معنى الشركة، والشركة عن الله منفية، ولا نعلم لأهل القدر معارضة أوثق في نفوسهم من هذه، ولا مسألة أوكد عندهم من هذه المسألة التي يذكرون فيها الشركة، وهي عند المبتدئين من أهل الإثبات مسألة ساقطة، ومعارضة واهية، فضلاً عن حذاق متكلميهم؛ وذلك أنَّ أهل الإثبات قالوا: أما قول القدرية إنَّ الفعل لا يعدو ثلاث منازل فهو منهم دعوى وتحكم بغير حجة ولا دليل، بل يعدو الفعل جميع ما قالوا من ذلك إلى غير ما قالوا، إذ لا يجوز أن يكون الفعل بجميع جهاته مضافاً إلى العبد، ولا منسوباً إليه، ولا موصوفاً بالقدرة على تلك المعاني من الفعل؛ وذلك أنَّ من جهات الفعل أنَّه شيء، وأنَّه محدث، ومخترع، وخارج من معنى العدم إلى معنى الوجود، وأنَّه عرض، وأنَّه حركة أو سكون، (2/48)
صفحة 228
وأنَّه ملازم للفناء، غير موصوف بالبقاء، وأنَّه غير مدرك بالأبصار، ولا متجل للعيان، وأنَّه مخالف لما خالف من الأشياء، موافق لما وافق، فبطل أن تكون هذه المعاني من الفعل مضافة إلى العبد، ولا منسوبة إليه، لثبوت عجز العبد، وإبطال قدرته على أن يكون جعله كذلك. فلما كان الأمر على ما وصفنا من هذا تبيّن أنَّ الفعل قد عدا هذا الوجه، وخلا منه، وبطل أيضاً أن يكون الفعل مضافاً إلى الله عزّ وجلّ من الجهة التي يضاف بها إلى العبد، من أنَّه تحرك، أو سكن، أو قارف أو عنا، أو عالج، أو آمن، أو كفر، أو أطاع، أو عصى، لما كانت هذه الإضافات لا تحسن إلى الله بهذه المعاني، ولا تجوز النسبة إليه بها.
وأما ما ذكروا من الشركة فتهويل من القول لا محصول له؛ وذلك أنَّ للشركة موضعين: أحدهما حقيقة، والثاني استعارة ومجاز.
الحقيقة من ذلك كالرجلين يشتركان في ملك مال من إرث أو تجارة، عبداً كان أو حيواناً، أو غير ذلك من المال، فيكون كل واحد منهما شريك صاحبه على قدر التسميات، (2/49)
صفحة 229
وذلك لاتفاق جهاتهما في الملك، فهذه حقيقة الشركة، وكل هذا الذي قلنا اشتركاه بينهما فهو لله ملك ومال، قال: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُم) (1) والعبد من ذلك عبد لله، وهو مع ذلك تعالى غير موصوف بالشركة لهما، ولا لأحدهما، ولا يقال لهما ولا لأحدهما: إنَّه شريك لله تعالى عن ذلك، لاختلاف جهات الملك.
والوجه الثاني من الشركة على معنى المعاونة والاتفاق، وذلك كرجلين ملكا ملكاً، أو أمرا أميراً، أو جيّشا جيشاً، أو هزما جنداً، أو فتحا ثغراً، أو استعملا، أو استقضيا، أو اعتزلا، أو كانا ملاحين فسارا بسفينة في البحر، أو قتلا رجلاً بأي وجه من وجوه القتل، ولو أنهما أجاعاه، أو أعطشاه حتى مات، أو دفعا شجرة فخرت، أو تجاذبا ثوباً فانخرق، أو اتفقا على أمر من الأمور فأمضياه، فإنَّه قد يقال في هذين: إنهما اشتركا على معنى: تعاوناً واتفقا، وليست الشركة هاهنا حقيقة، بل هي مجاز واستعارة، وسمي هذان شريكين في الفعل إذ كان فعلهما من جهة واحدة، ولا يجوز أنَّ يقال: إنَّ الله شاركهما، ولا شارك أحدهم في تمليك ملك، ولا في تأمير أمير، ولا في تجنيد جند، وهو
__________
(1) سورة النور آية رقم 33، وتكملة الآية: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). (2/50)
صفحة 230
تبارك وتعالى قد قوي على ذلك كله بالعدة والعدة، والمال والبسطة، إذ كانت الجهتان في ذلك مختلفين غير متفقين، وكذلك لا يجوز أنَّ يقال: إنَّ الله تبارك وتعالى شارك الملاحين في سير السفينة بالريح التي جعلها تجري بها السفينة، على أنَّ الملاحين يقال: إنَّهما اشتركا في الرئاسة لذلك، وكذلك اللذان قلنا إنَّهما اشتركا في قتل رجل قد يكون أن يبعث الله إلى مقتولهما شيئاً من الهوام الضارية، ومن السباع العادية فتعين في قتله، وذلك عند أكثرهم من فعل الله، أو يكون الله يمنع عنه الطعام والشراب، ويمنعان هما ذلك عنه إذا كان عندهما، ولا يقال مع هذا: إنَّ الله شريك لهما، ولا أنَّهما أو أحدهم شريك لله في فعله، لاختلاف جهات الإضافة في الفعل ومعانيه. وكذلك اللذان دفعا شجرة، أو تجاذبا ثوباً، قد تكون الريح تعينهما على فعلهما، ولا يجوز أن يقال مع ذلك: إنَّ الله شريكهما، أو لأحدهما، ولا أنَّهما أو أحدهم شريك لله في وقوع الشجرة، وانخراق الثوب؛ لأنَّ الله فعل ذلك من غير الجهة التي فعلا منها، وهما فعلا من جهة غير الجهة التي فعل الله منها، ولسنا نجد للشركة وجهاً غير هذين الوجهين.
وسبيل خلق الله لفعل العبد واختراعه إياه، وإخراجه له من معنى العدم (1) إلى معنى الوجود (2) ، وجعله على ما هو به من أنَّه شيء ومحدث، وعرض، وحركة،
__________
(1) العدم ضد الوجود، وهو مطلق أو إضافي، فالعدم المطلق هو الذي لا يضاف إلى شيء، والعدم الإضافي أو المفيد هو المضاف إلى شيء، لقولنا: عدم الأمن، وعدم الاستقرار، وعدم التأثير.
قال ابن سينا: البالغ في النقص غايته، فهو المنتهي إلى مطلق العدم، فبالحري أن يطلق معنى العدم المطلق. راجع الإشارات 69 ـ 70.
(2) الوجود مقابل للعدم، وهو بديهي فلا يحتاج إلى تعريف إلاَّ من حيث إنَّه مدلول للفظ دون آخر، فيعرف تعريفاً لفظياً يفيد فهمه من ذلك اللفظ لا تصوره في نفسه.
والوجود عند الفلاسفة: مقابل للماهية؛ لأنَّ الماهية هي الطبيعة المعقولة للشيء، والوجود هو التحقق الفعلي له، وكون الشيء حاصلاً في التجربة غير كونه ذا طبيعة معقولة. راجع منطق المشرقيين ص 22. (2/51)
صفحة 231
وسكون، وملازم للفناء غير موصوف بالبقاء، ولا مدرك بالأبصار، ولا متجل للعيان، مخالف لما خالف، موافق لما وافق، هو سبيل ما أضفناه إلى الله تعالى من الأملاك التي ذكرناها، والأفعال التي عددناها، ونسبناها إليه، ونفينا عن الله في جميعها الشركة، مع إضافتنا ذلك إليه، لاختلاف جهات الإضافة في معاني الملك والفعل جميعاً.
وسبيل اختيار العبد لفعله، واكتسابه (1) ، وتحركه به، وسكونه، وإيمانه، وكفره، وطاعته به، ومعصيته هو سبيل ما ذكرنا من فعل الرجلين اللذين ذكرنا أنَّهما شريكان فيما اشتركا، ألا ترى أنَّك تقول: إنَّهما مشتركان، لاتفاق جهات الملك واختلاف وجهات الفعل، ولا تقول ذلك في صفة الله جلّ جلاله، لاختلاف جهات الملك، واختلاف جهات الفعل. وقد كررت في هذا المعنى وأطلت لينقطع ذكر الشركة من هذه المسألة، إذ ليست الشركة منها في وجه ولا في سبب.
ولما بطلت هذه الوجوه الثلاثة التي ذكروا، واضمحل القول بها تبين أنَّ الفعل قد عدا ما قالوا من ذلك، وخلا منه إلى غيره، مما قلنا، والله ولي التوفيق.
__________
(1) يراجع ما كتبه الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين عند الحديث عن أفعال العباد وبأنَّهما مخلوقة لله تعالى، وليس للإنسان فيها غير اكتسابه: أي أنَّ الفاعل الحقيقي هو الله، وما الإنسان إلاَّ مكتسب للفعل. وأيضاً كتاب اللمع من 38 ـ 39 ـ 46 ـ 47، والملل والنحل عند شرحه لمذهب الأشعري 1: 124 ـ 130. (2/52)
صفحة 232
حجج القدرية من النقل
وكان مما احتجت به القدرية من كتاب الله عزّ وجلّ على نفيهم لخلق أفعال العباد قول الله حيث يقول: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ) (1) ، وقوله: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا) (2) ، وقوله: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (3) ، وقوله: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (4) ، (بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) (5) قالوا: فأضاف الله ذلك إليهم، وقالوا: قال الله عزّ وجلّ: (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) (6) ، وقال: (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ) (7) قالوا: فنفى أن يكون حسدهم فعل أولئك الآخرين من عنده كما ترون، وقالوا قال الله: (مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ) (8) ، فنفى عن نفسه أن يكون جعل شيئاً من فعل المشركين.
قال أهل الإثبات: ليس تلزمنا معارضات القدرية بهذه الآي التي أضاف الله فيها أفعال العباد إلى العباد، ونحن نقول: إنَّها أفعالهم، ولا نأبى أن تكون أنفسهم سولت لهم، ولا أنَّ نفسه طوعت له قتل أخيه فقتله، ولا أنَّهم يكسبون ويعلمون، وأنَّهم أمروا بأن يعملوا، وليس
__________
(1) سورة المائدة آية رقم 30، وتكملة الآية: (فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ(.
(2) الآية 18 من سورة يوسف، وتكملة الآية: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ).
(3) سورة التوبة آية رقم 105، وتكملة الآية: (وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون).
(4) الآية 17 من سورة السجدة.
(5) الآية 95 من سورة التوبة، وقد جاءت في المطبوعة محرفة بزيادة "الواو" في أولها.
(6) الآية 109 من سورة البقرة، وتكملة الآية: (مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير).
(7) الآية 78 من سورة آل عمران.
(8) الآية 103 من سورة المائدة، وتكملة الآية: (وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُون). (2/53)
صفحة 233
في الإضافات التي أضاف الله إلى العباد بأنَّهم يعملون ويكسبون، وتطوع لهم أنفسهم وتسول، بالذي ينقض علينا من قولنا شيئاً، وإنما ذلك على الجهمية (1) وأصحابهم الذين لا يقولون بالاختيار للعباد، ولا يثبتون الاكتساب لهم، ولا يقولون بالتطويع ولا بالتسويل ولا بشيء من ذلك، وكذلك قوله: (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) (2) فنحن نقول: إن أفعالهم وحسدهم، وبغيهم، من عند أنفسهم فعلاً لا خلقاً، وقوله: (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ) (3) ، فإنه قد قال أيضاً: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) (4) أفيجب بهذا كله من قوله أن يكون سلام العباد بعضهم على بعض، وتحيتهم فيما بينهم مخلوقة لله عندهم، لقوله: (مِّنْ عِندِ اللَّهِ)، فإن قالوا: إنما أراد بذلك أنَّ الله أمر بالتحية والسلام، فلذلك أضافهما إلى نفسه، قلنا: فكذلك قوله: (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ) يريد أن تحريف اليهود (5) للكتاب ليس هو من الكتاب، ولا من عند الله، نزل رداً عليهم في قولهم: إنَّه من الكتاب، ومن عند الله نزل، ولم تكن اليهود تذهب في قولها ذلك إلى خلق الله الفعل، فيكون الله قدر عليهم في ذلك. وهذا أوضح من أن يغلط في تأويله غالط.
__________
(1) يقول الشهرستاني عن الجهمية: أصحاب جهم بن صفوان _وهو من الجبرية الخالصة_ ظهرت بدعته بترمذ، وقتله سلم بن أحوز. ويؤكد البغدادي أنَّ جهماً قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها. ويورد الأشعري قول الجهمية: إنَّه لا فعل لأحد في الحقيقة إلاَّ الله وحده، وإنه هو الفاعل، وإنَّ الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز إلاَّ أنَّه خلق للإنسان قوة كان بها الفعل، وخلق له إرادة للفعل، واختياراً له منفرداً بذلك.
وإذن فجهم على أساس رواية الأشعري لم ينكر الاستطاعات كلها كما ذكر البغدادي، ولم يسلب عن الإنسان الاستطاعة كما ذكر الشهرستاني. راجع الملل والنحل 1: 79، والبداية والنهاية 1: 27، والفرق بين الفرق ص 211، ومقالات الإسلاميين 1: 312، نشأة الفكر الفلسفي 1: 245.
(2) الآية 109 من سورة البقرة.
(3) الآية 78 من سورة آل عمران.
(4) الآية 61 من سورة النور.
(5) اليهود: نسبوا إلى يهوذا، وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام، فقلبت العرب الذال دالاً. وقيل: سموا بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل.
هاد: تاب، والهائد التائب، قال الشاعر: "إلى امرئ من حبه هائد" أي تائب، وفي التنزيل: (إنا هدنا إليك) أي تبنا، وقال ابن عرفة: أي سكنا إلى أمرك، والهوادة: السكون والموادعة، ومنه قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا(. (2/54)
صفحة 234
وأما قوله: (مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ) (1) فهو نظير قوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) (2) ، ومثل قوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً) (3) أي أنَّه أراد: لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما للعب ولا للباطل، كما قال أهل التكذيب بالله والإنكار لأمره: من الرسل، والبعث، بل خلق السماوات والأرض وما بينهما، ليحق الحق ويبطل الباطل، ويدل على ذلك بقوله: (مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ) (4) ، وكذلك قوله: (مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَام) (5) يقول: إنَّه لم يجعل هذه الأنعام لأن تبحر، ولا أن تسيب، ولا أن تتخذ وصيلة ولا حاماً، كما قالوا، بل جعلها حمولة، ومأكولة، لا كما قال المشركون. فليس هذا من الذي ذهب إليه أهل القدر في شيء، وهو أبين من أن يغلط في تأويله غالط، والله وليّ التوفيق.
أدلة أخرى:
قد أجبناهم فيما سألونا عنه، وأبطلنا معارضتهم في كل الذي عارضوا به،
__________
(1) سورة المائدة آية رقم 103.
(2) الآية 38 من سورة الدخان، وذكر في المطبوعة أنَّها آية الأنبياء 16، وآية الأنبياء (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين(.
(3) الآية 27 من سورة ص، وتكملة الآية: (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار).
(4) الآية 39 من سورة الدخان، وتكملة الآية: (ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون(.
(5) سورة المائدة آية رقم 103، وتكملة الآية: (وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُون). وقد سقطت في المطبوعة (سائبة ولا). (2/55)
صفحة 235
ثمَّ نحن عائدون بالمسألة عليهم، ومجددوها إليهم، ومؤكدون عليهم من حجج الله التي جعلها دلالة على ربوبيته وشهادات على وحدانيته، فنقول لهم: أخبرونا عن حركة المختار هل كانت حركة لمعنى الحركة، أو لمعنى غير الحركة؟ فإن قالوا: لمعنى غيرها أحالوا، إذ لا يتوهم ارتفاع ذلك المعنى، ووجود الحركة بغير صفة الحركة، فإن قالوا: بل هي حركة لمعناها، قلنا لهم: أخبرونا عن حركة المضطر لم كانت حركة لعينها أو لعلة غيرها؟ ولن يجدوا إلاَّ أن يجيبوا في حركة المضطر، مثل الذي أجابوا به في حركة المختار، فإذا أجابوا بذلك قلنا: قد ثبت أنَّ حركة الاضطرار مثل حركة الاختيار في عينها، وإنما اختلفتا لعلة الأمر والنهي، فإذا ثبت اتفاقهما لأعيانهما كان الحكم عليهما واحداً، أما أن تكونا مخلوقتين أو غير مخلوقتين، ولا نجد أن نخرجهما من خلق الله، بل الله خالق لهما، ولا يجوز أن تستوي الأشياء في باب الحديث وتتفق، ثمَّ تختلف في باب الاختراع والخلق؛ لأنَّه لو جاز أن يكون محدث غير مخلوق لجاز أن يكون مخلوق غير محدث، فلما استحال أن يكون مخلوق غير محدث استحال أن يكون محدث غير مخلوق، كما أنَّه لو جاز أن يكون محدثاًَ مخلوقاً، ومحدث غير مخلوق ليجوزن أن يكون قديم خالقاً وقديم غير خالق، فلما استحال أن يكون قديم خالقاً، وقديم غير خالق استحال أن يكون محدث مخلوقاً، ومحدث غير مخلوق. (2/56)
صفحة 236
ثمّ يقال لهم: أليست هذه الأفعال محدثة كائنة بعد أن لم تكن، وخارجة من معنى العدم إلى معنى الوجود؟ فمن قولهم: بلى، قيل لهم: فهل في أنها محدثة مخلوقة بعد إذ لم تكن خارجة من معنى العدم إلى معنى الوجود أكثر من أنها مخلوقة، وهل في أنها مخلوقة أكثر من أنها محدثة كائنة بعد أن لم تكن خارجة من العدم إلى الوجود؟ فإن كان الله هو الذي أحدث الأفعال وكونها بعد إذ لم تكن، وأخرجها من العدم إلى الوجود فهو الذي خلقها، وإن كان العبد هو الذي أحدث الأفعال وكوّنها بعد إذ لم تكن، وأخرجها من العدم إلى الوجود فهو الذي خلقها، ويسألون عن الفرق فلا يجدونه أبداً، وربّما تجاسر جسورهم فيقول: بلى إنّها مخلوقة للعبد، وذلك أنهم لا يترددون في أنها غير مخلوقة لله، ويترددون في أنها مخلوقة للعبد أو غير مخلوقة له، إلاَّ أن يتجاسر متجاسرهم على ذلك. ولعمري أنه لقياس مقالة القوم، إذ كان الله عزّ وجلّ إنما سمي خالقاً لأنَّه ينشئ ويخترع، والعباد على مثل ذلك من الصفة عندهم، فيقال لهذا المتجاسر: إذا كانت مخلوقة للعبد فينبغي أن (2/57)
صفحة 237
تكون مملوكة له ومربوبة له، بل التي تجاسرت عليها أشنع من هاتين وأفحش منهما، فإذا جوز هاتين قيل له: فينبغي أن تكون مألوهة للعبد، فحينئذ يكون العبد خالقاً لأفعاله، ومالكاً لها، ورباً وإلهاً. فمَن قال: لا خالق غير الله ولا ربّ سواه، وأن لا إله إلاَّ هو كان مخطئاً، فعند ذلك يقال لقائلها: كيف وها هنا من الخالقين والأرباب والآلهة ما لا يحصى، على قياس هذا المذهب. ألا ترون إلى ما أصار هؤلاء القوم خذلان الله عزّ وجلّ إليه من اضطراب الكلمة وتشتيت الأهواء في تقليد الكبراء، فنعيذكم بالله وإيّانا من التورّط في المهلكة، وقد قال الله عزّ وجلّ: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) (1) وقال: (فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) (2) فيمكن على قياس هذا القول أن يرد عليه فيقال: إن الذي من هو دونه أكثر مما خلق؛ لأنّ أفعال خلقه أكثر من خلقه في قولهم، وقال عزّ وجلّ: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ) (3) ، وقال عزّ وجلّ: (أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (4) رداً على مَن أخرج شيئاً من كل الأشياء من أن يكون من خلقه، فأخرج الكلمة في: مخرج العموم (5) ، فمَن ادّعى فيها الخصوص ولم يأت بآية
__________
(1) الآية 3 من سورة فاطر، وتكملة الآية: (يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُون).
(2) الآية 11 من سورة لقمان، وتكملة الآية: (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِين). وقد جاءت الآية محرّفة في المطبوعة حيث قال: "أروني" بدلاً من (فأروني).
(3) الآية 40 من سورة فاطر، وتكملة الآية: (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَت مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلا غُرُورا).
(4) الآية 16 من سورة الرعد، وتكملة الآية: (وهو الواحد القهار(.
(5) العموم: ضد الخصوص، وهو في اللغة عبارة عن الإحاطة بالأفراد دفعة. وللعموم عند الفلاسفة معنيان: أحدهم مجرد، والآخر مشخص؛ فالعموم بالمعنى المجرد صفة العام من حيث شموله لجميع الأفراد المستغرقة فيه، قال ابن سينا: لو كانت الحيوانية توجب أن لا يقال عليها عموم أو خصوص لم يكن حيوان خاص أو حيوان عام. راجع الشفاء 487 ـ 488. (2/58)
صفحة 238
مجتمع عليها، أو خبر مجتمع عليه يخص به ما أخرج به الكلام مخرج عموم فقد أراد أن يثبت دعواه بغير برهان، وبغير ما يثبت به الدعوى، وليس ما نظروا به من هذه الآية من قوله: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) (1) وبقوله: (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) (2) وبقوله: (وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ) (3) نظيراً؛ لأن هذا كله الشاهد على خصوصه إجماعهم، وخصومهم عليه، والآية في أنه: )خالق كل شيء( أخرجها مخرج عموم، ولم يجامعهم خصومهم على أن الله أراد بها الخصوص، كما جامع أهل القدر من خالفهم على خصوص الآي التي ناظروا بها الآيات الشاهدات على صدق أهل الإثبات في قولهم، وقد امتدح عزّ وجلّ بقوله: )خَالِقُ كُلَّ شَيْءٍ( بإجماع، ولو جاز لأحد أن يقول: هي خاصة لجاز لمَن يزعم أن إبليس (4) ليس بمخلوق، وأن جميع الشرور ليست بمخلوقة لله على مقالة المنانية (5) ، وكيف تكون دعواهم أولى من دعوى غيرهم، وقد قال عزّ وجلّ: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (6) فدل على أن ما أسر العباد وما أظهروه فهو خلقه بقوله: (ألا يعلم من خلق)،
__________
(1) الآية 25 من سورة الأحقاف، وتكملة الآية: (فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِين).
(2) الآية 44 من سورة الأنعام، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، حيث قال: فتحنا أبواب، وصحتها (فتحنا عليهم أبواب(.
(3) الآية 23 من سورة النمل.
(4) إبليس: اشتقاقه من الإبلاس؛ لأن الله أبلسه من رحمته وآيسه من مغفرته. قال ابن الأنباري: لا يجوز أن يكون مشتقاً من أبلس؛ لأنه لو كان مشتقاً لصرف. قال أبو إسحاق: فلمّا لم يصرف دلّ على أنه أعجمي. قال ابن جرير: لم يصرف وإن كان عربياً لقلة نظره في كلامهم، فشبهوه بالأعجميّ. وقال الواحدي: الاختيار أنه ليس بمشتق، لاجتماع النحويين على أنه يمنع من الصرف للعجمة والعلمية.
(5) المنانية: أصحاب ماني بن فاتك الذي ظهر في زمن (شابور بن أردشير) الذي تولى الملك عام 242 م، وقتله بهرام بن شابور. وأصل الكلمة بالفارسية (زندكر) ومعناها: حياة الدهر أو بقاء الدهر.
يقول ماني بنبوّة عيسى، ولا يقول بنبّوة (موسى)، وادّعى أنه النبيّ الذي بشر به (عيسى)، وأنه خاتم النبيينّ.
يقولون بالحلول وبالتناسخ وأن العالم مركّب من أصلين النور والظلمة. راجع الغلو والفرق الغالية 23، وفجر الإسلام 129، ودائرة معارف القرن العشرين 8: 453.
(6) الآيتين 13 و 14 من سورة الملك. (2/59)
صفحة 239
يقول تبارك وتعالى: كيف لا يعلم ذلك من خلقه، محتجاً على مَن قال لا يكون الفعل مخلوقاً، وقال عزّ وجلّ: (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ) (1) فكيف يكون الابتغاء للفضل الذي هو عمل العباد من آيات الله، وليس فيه لله تدبير، ولا هو له بخالق؟ وقال عزّ وجلّ: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) (2) وذلك فعلهم، فأضافه إلى نفسه كما ترى، وقال: (أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى) (3) ، والعودة في البحر هي رجوعهم ثانية إلى البحر، وذلك فعلهم، وقال عزّ وجلّ: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا) (4) ، وأفعال الخلق بين السماء والأرض، وقال: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون) (5) ، وقال: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء) (6) وقال: (يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء) (7) ، وقد ذهب قوم من أهل القدر في تأويل هذه الآية من قوله: (يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء) إلى أن ذلك على وجه التسمية، والحكم عليهم بالضلالة وبالهداية، وقال فريق منهم: يضلهم: ينسبهم إلى الضلالة، ويهديهم: يبيّن لهم ويرشدهم، فخالفوا بين الحكمين، وليس ما ذهبوا إليه من ذلك
__________
(1) سورة الروم آية رقم 23.
(2) الآية 22 من سورة يونس.
(3) الآية 69 من سورة الإسراء.
(4) الآية 59 من سورة الفرقان.
(5) الآية 96 من سورة الصافات.
(6) الآية 56 من سورة القصص.
(7) الآية 93 من سورة النحل. (2/60)
صفحة 240
بشيء، ونحن جميعاً ننسب الهادي إلى الهداية ونسميه بها، ونحكم بها عليه، وننسب الضال إلى الضلالة ونسميه بها، ونحكم بها عليه. فما معنى هذه الإضافة التي أضافها الله إلى نفسه، واستخصّ بها دون خلقه بأنه: (يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء) (1) ؟ وما فائدتها لو كان الأمر على ما ذهب إليه أهل القدر من ذلك؟ مع إطباق أهل اللغة على أنهم لا يجدون شيئاً من لغة العرب أفعلت الرجل بمعنى نسبته، وإنما يقال: في معنى نسبته فعلت: كفرت الرجل، وخينته وسرقته، وخطأته، وظلمته، وضللته، وفسقته، وفجرته، ولحنته، ولا يقال في مثل هذا أفعلته، وأنت تريد نسبته إلى ذلك. هكذا حفظ من الأصمعي (2) والكسائي (3) وغيرهما من أئمة اللغة، وأنشدوا قول لبيد (4) :
إن تقوى ربّنا خير نفل وبقدر الله ريثي وعجل
مَن هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومَن شاء أضلّ (5)
__________
(1) الآية 93 من سورة النحل.
(2) هو عبد الملك بن قريب بن علي، أبو سعيد الأصمعي: راوية العرب، وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان، نسبته إلى جده أصمع. كان الرشيد يسميه شيطان الشعر. قال الأخفش: ما رأينا أحداً أعلم بالشعر من الأصمعي. وقال أبو الطيب: كان أتقن القوم لغة، وتصانيفه كثيرة منها: الأضداد وخلق الإنسان، وللمستشرق الألماني وليم أهلورد كتاب سماه "الأصمعيات"، توفي عام 216 هـ. راجع جمهرة الأنساب 234، وابن خلّكان 1: 288، وتاريخ بغداد 10: 410.
(3) هو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، أبو الحسن الكسائي، إمام في اللغة والنحو والقراءة، من أهل الكوفة، ولد في إحدى قراها، وتنقل في البادية، وسكن بغداد، وتوفي بالريّ عام 189 هـ، وهو مؤدّب الرشيد العباس وابنه الأمين، له تصانيف منها: (معاني القرآن)، "والمصادر"، و"النوادر". راجع غاية النهاية 1: 535، وابن خلّكان 1: 230، وتاريخ بغداد 11: 403، وطبقات النحويين 138.
(4) هو لبيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل العامري، أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية، من أهل عالية نجد، أدرك الإسلام ووفد على النبيّ _صلى الله عليه وسلم_، ويعد من الصحابة ومن المؤلفة قلوبهم، وترك الشعر فلم يقل في الإسلام إلاَّ بيتاً واحداً، قيل هو:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح
وهو أحد أصحاب المعلقات، توفي عام 41 هـ 661 م. راجع خزانة الأدب البغدادي 1: 337 ـ 339، وآداب اللغة 1: 111، والشعر والشعراء، 231، 343، والنقائض 201.
(5) راجع ديوانه ص 39. (2/61)
صفحة 241
أفترى لبيداً أراد بقوله: (مَن شاء أضلّ) أنه سماه ضالاً، لا لعمرك ما عرف هذا لبيد، ولا وجده في شيء من اللغات، وفي كتاب الله عزّ وجلّ ما يدلّ على إثبات القدر شيء كثير، ويؤيد ذلك ما جاء فيه من السنّة عن النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ ومن الآثار، ومن الإجماع. روي عن النبيّ _عليه السلام_ أنه قال: "لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة القدرية" (1) سموا مجوساً لأنهم يضيفون القدر إلى أنفسهم، وغيرهم يجعله لله دون نفسه، ومدعي الشيء لنفسه أولى بأن يسمى به، دون مَن جعله لغيره؛ ولأنهم ضارعوا المجوس (2) ، بل زادوا على المجوس، وذلك أن المجوس نفت عن الله خلق الشرور، وزادت القدرية نفي خلق الخير من جميع أفعال الخلق عن الله عزّ وجلّ، وروي عنه
__________
(1) الحديث رواه الطبراني وأبو داود وغيرهما عن ابن عمر مرفوعاً. قال الفتى: لا أصل له، وقال القزويني: موضوع وإن صححه الحاكم على شرط الشيخين، فيما يقول النووي في شرحه على صحيح مسلم. وقيل: في إسناده جعفر بن الحارث وهو ليس بشيء. قال عنه صاحب كتاب المجروحين: أصله من الكوفة، سكن واسطاً، وكان مكفوفاً، يروي عن منصور وعاصم، وعنه محمد بن يزيد الواسطي ووكيع ويزيد، كان يخطئ في الشيء بعد الشيء ولم يكثر خطؤه حتى يصير من المجروحين في الحقيقة؛ ولكنه ممن لا يحتج به إذا انفرد، وهو من الثقات. كتاب المجروحين 1: 212.
(2) المجوس: هم أصحاب الاثنين، ويقال لهم: "الدين الأكبر" و "الملة العظمى"، ومسائلهم تدور على قاعدتين:
أ ـ أحدهم: بيان سبب امتزاج النور بالظلمة.
ب ـ الثانية: بيان سبب خلاص النور من الظلمة.
وجعلوا الامتزاج مبدأ والخلاص معاداً، ويعظم المجوس النار لمعان منها: أنها جوهر شرف علوي، وأنها لم تحرق إبراهيم عليه السلام، وكانت عليه برداً وسلاماً، وأن تعظيمهم إيّاها ينجيهم من عذابها يوم المعاد.
ومن أشهر فرقهم: الثنوية، والكيومرثية، المرقونية، الديصانية. راجع دائرة معارف القرن العشرين 8: 448، والغلو والفرق الغالبة 22، والملل والنحل 2: 89، والقاموس الإسلامي 3: 59. (2/62)
صفحة 242
_صلى الله عليه وسلم_ أنَّه قال: "لو أن الرفق خلق يرى لم يكن شيء أحسن منه، ولو أن الخرق خلق يرى لم يكن شيء أقبح منه (1) " والرفق والخرق فعل العباد يمدحون به ويذمون عليه، وروي عنه _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال لمعاذ بن جبل (2) : "إن الله لم يخلق شيئاً هو أحب إليه من العتاق _يعني مما رغب فيه من غير فرض_، ولم يخلق شيئاً أبغض إليه من الطلاق" (3) . يعني مما هو دون ما نهى عنه من المعصية، وقد علمنا أن العتاق والطلاق فعل العباد، وروي عنه أنه قيل له: يا رسول الله لو سعرت لنا سعراً فقال: "إن الله هو المسعر (4) والعباد يحمدون على أن يرخصوا الأسعار، ويذمون إذا أغلوها". وروي عنه أنَّه مرّ على جنازة رجل من الأنصار فقال: "اللَّهمّ نقّه من الذنوب والخطايا كما تنقي الثوب الأبيض من الدنس" (5) ، والعباد هم الذين يقصرون الثياب، وأضاف رسول الله ذلك إلى الله كما ترى؛ لأنَّه المقدر لذلك، والمجرى له على أيدي العباد.
ومن الآثار: ما روي عن علي بن أبي طالب أنَّه سئل عن الأفعال التي
__________
(1) الحديث المشهور الذي رواه مسلم عن عائشة _رضي الله عنها_: "إن الرفق لا يكون في شيء إلاَّ زانه، ولا ينزع من شيء إلاَّ شانه". ورواية العسكري عن عائشة: بلفظ: "ما كان الرفق في قوم إلاَّ نفعهم، ولا كان الخرق في قوم إلاَّ ضرّهم". وروى العسكري عن أنس مرفوعاً: "ما كان الرفق في شيء قط إلاَّ زانه، ولا كان الخرق في شيء قطّ إلاَّ شانه". ورواه عن جرير: "مَن يحرم الرفق يحرم الخير كلّه". وعند الدارقطني في الأفراد عن أنس: "إذا أراد الله بأهل بيت خيراً نفعهم في الدين، ووقر غيرهم كبيرهم، ورزقهم الرفق في معيشتهم، والقصد في نفقاتهم، وبصرهم بعيوبهم، فيتوبوا منها، وإذا أراد بهم غير ذلك تركهم هملاً".
(2) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن، صحابي جليل، كان أعلم الأمة بالحلال والحرام، وهو أحد الستّة الذين جمعوا القرآن على عهد النبيّ _صلى الله عليه وسلم_، وشهد بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، بعثه رسول الله قاضياً ومرشداً لأهل اليمن، له 157 حديثاً، توفي عقيماً عام 18 هـ بناحية الأردن، ومن كلام عمر: لولا معاذ لهلك عمر. راجع طبقات ابن سعد 3: 120، والإصابة ت 8039، وأسد الغابة 4: 376، وحلية الأولياء 1: 228.
(3) الحديث رواه الدارقطني عن معاذ مرفوعاً بلفظ: يا معاذ ما خلق الله شيئاً أحبّ إليه من العتاق، ولا خلق شيئاً على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق، فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حرّ إن شاء الله فهو حرّ لا استثناء له، وإذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه، ولا طلاق عليه انتهى. راجع كشف الخفاء ومزيل الإلباس 1: 28.
(4) الحديث روي من حديث أنس، ومن حديث أبي جحيفة، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث الخدري.
فحديث أنس: أخرجه أبو داود والترمذي في البيوع، وابن ماجه في التجارات عن حماد بن سلمة عن قتادة وحميد، ثلاثتهم عن أنس، وفيه زيادة: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة من دم ولا مال.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح انتهى. ورواه الدارمي والبزار وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم، ورواه ابن حبان في صحيحه، ولم يذكر فيه المسعر. وأمّا حديث أبي جحيفة فرواه الطبراني في معجمه: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عزيز الموصلي ثنا غسان بن الربيع ثنا أبو إسرائيل عن الحكم عن أبي جحيفة قالوا: يا رسول الله سعر لنا الحديث.
وأمّا حديث ابن عباس: فرواه الطبراني في معجمه الصغير: حدّثنا محمد بن يزيد بن عبد الوارث ثنا يحيى بن صالح الوحاظي ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس بلفظ حديث أبي جحيفة.
وأمّا حديث الخدري فرواه الطبراني في معجمه الأوسط: حدّثنا محمد بن محمد النجار ثنا أبو معن الرقاش ثنا عبد الأعلى ثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: وذكره.
(5) الحديث رواه ابن ماجه في كتاب الجنائز، 23 باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة، عن حبيب بن عبيد عن عوف بن مالك قال: وذكره. ورواه الإمام مسلم في كتاب الجنائز، 26 باب الدعاء للميت في الصلاة (85)، 963 بسنده عن عوف بن مالك أيضاً وذكره. (2/63)
صفحة 243
يستوجب بها العباد السخط من الله، الشيء من الله أم من العباد؟ فقال: من الله خلقاً ومن العباد فعلاً. وروي عن حذيفة بن اليمان (1) _رضي الله عنه_ أنَّه قال: إنَّ الله خلق كل صانع وصنعته. وروي عن ابن عباس _رضي الله عنه_ أنَّه قال: العجز والكيس بقدر، وهما فعل العباد يحمدون به ويذمون عليه، وروي عن ابن عباس أيضاً أنَّه قال: الزنا بقدر، وشرب الخمر بقدر، والسرقة بقدر. وقد روي: جرى القلم بذلك عن عدة من أصحاب رسول الله. وروي عن وهب (2) بن منبه أنَّه قال: في بعض كتب الله: إني الله لا إله إلاَّ أنا خالق الخير والشر، فطوبى
__________
(1) هو حذيفة بن حسل بن جابر العبسي، أبو عبد الله، صحابي من الولاة الشجعان الفاتحين، كان صاحب سرّ النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ في المنافقين، لم يعلمهم أحد غيره، ولما ولي عمر الخلافة سأله: أفي عمالي أحد من المنافقين؟ فقال: نعم، واحد، قال: من هو؟ قال: لا أذكره. وحدث حذيفة بهذا الحديث بعد حين، فقال: وقد عزله عمر وكأنَّ الله قد دله عليه. وولى عمر حذيفة على المدائن بفارس، فلما قدم المدائن، استقبله أهلها، فقرأ عهده، فقالوا: سلنا ما شئت، فطلب ما يكفيه من القوت. له في كتب الحديث 225 حديثاً، توفي بالمدائن عام 36 هـ. راجع ابن عساكر 4: 93، وتهذيب التهذيب 2: 219، والإصابة 1: 317، وصفة الصفوة 1: 249.
(2) هو وهب بن منبه الصنعاني، أبو عبد الله، مؤرخ، كثير الأخبار عن الكتب القديمة، عالم بأساطير الأولين ولا سيما الإسرائيليات، يعد في التابعين، أصله من أبناء الفرس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن، وأمه من حمير. ولد عام 34 هـ، وتوفي عام 114 هـ، ولاه عمر بن عبد العزيز، وينسب إليه: "إذا دخلت الهدية من الباب، خرج الحق من الكوة". واتهم بالقدر، ورجع عنه. ويقال: ألف فيه كتاباً، ثم ندم عليه. وفي طبقات الخواص أنَّه صحب ابن عباس ثلاث عشرة سنة. من كتبه: ذكر الملوك المتوجة من حمير. راجع ابن خلكان في مجلد واحد. راجع المعارف 202، وتاريخ الإسلام للذهبي 5: 14 ـ 16، وشذرات الذهب من 1: 150، ووفيات الأعيان 2: 180، وطبقات الخواص 161. (2/64)
صفحة 244
لمن خلقته ليكون الخير على يديه، وويل لمن خلقته ليكون الشر على يديه. وروي عن أبي سعيد الخدري (1) أنَّه قال: من كذب بقدر الله كبه الله في النار ورأسه أسفل. وروي عن أبي هريرة (2) أنَّه قال: من قال لا قدر فاقتلوه. وروي عن عبد الله بن عمر _رضي الله عنه_ أنَّه قيل له: إنَّ قبلنا قوماً يقولون لا قدر، فقال: أخبروهم أني منهم بريء.
ومن الإجماع أنَّ هذه الأمة قويها وضعيفها، صغيرها وكبيرها مجمعة على أنَّ الله خالق وما سواه مخلوق، وأنَّه رب وما سواه مربوب، لا يقصدون إلى شيء دون شيء، ولا يوقف صغير ولا كبير على شيء غير الله، ويمتنعون من القول بأنَّ الله خلقه، ولا يعرفون غير ذلك، ولا يدعون إلى سواه، قد نشوا عليه، وغذوا به، لا تنازعهم أنفسهم إلى غيره، فكان
__________
(1) هو سعد بن مالك بن سنان الدري الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد، صحابي، كان من ملازمي النبيّ _صلى الله عليه وسلم_، وروي عنه أحاديث كثيرة، غزا اثنتي عشرة غزوة، وله 1170 حديثاً، توفي بالمدينة عام 74 هـ. راجع تهذيب التهذيب 3: 479، وحلية ألأولياء 1: 369، وابن عساكر 6: 180.
(2) هو عبد الرحمن من بن صخر الدوسي، الملقب بأبي هريرة. كان أكثر الصحابة حفظاً للحديث ورواية له، قدم المدينة ورسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بخيبر، فأسلم سنة 7هـ، ولزم النبيّ _صلى الله عليه وسلم_، فروي عنه 5374 حديثا، جمع شيخ الإسلام تقي الدين السبكي جزءا سمي "فتاوى أبي هريرة". توفي عام 59 هـ. راجع تهذيب التهذيب 2: 270، وحلية الأولياء 1: 376، والذريعة 7: 114. (2/65)
صفحة 245
ذلك من إجماع من لم ينظر في الكلام دلالة على أنَّه أصل من أصول التوحيد. وروي عن قتادة (1) أنَّه قال: ما زالت العرب تثبت القدر في الجاهلية والإسلام، وأنشدوا قول امرئ القيس (2) حيث يقول:
قد كنت أعذل في السفاهة أهلها وأعجب لما تأتي به الأيام
فاليوم أعذرهم وأعلم أنها سبل الغواية والهدى أقسام (3)
وأنشدوا للبدوي (4) :
كل شيء حتى أخوك متاع وبقدر تفرق واجتماع
وقال المرار (5) :
__________
(1) هو قتادة بن دعامة بن قتادة، أبو الخطاب السدوسي البصري، مفسر، حافظ، ضرير، أكمه. قال الإمام أحمد بن حنبل: قتادة أحفظ أهل البصرة. وكان مع علمه بالحديث رأساً في العربية، ومفردات اللغة، وكان يرى القدر، وقد يدلس في الحديث. مات بواسط في الطاعون عام 118هـ. راجع تذكرة الحفاظ 1: 115، ونكت الهميان 230، والمعارف 203، وطبقات المدلسين 16.
(2) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث، من بني آكل المرار، أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يماني الأصل، اشتهر بلقبه، واختلف المؤرخون في اسمه. وكان أبوه ملك أُسد وغطفان، وأمه أخت المهلهل الشاعر. أبعده أبوه إلى دمون بحضرموت وهو في نحو العشرين من عمره. قتل والده، فعمل على الأخذ بثأره، له ديوان مطبوع. راجع تهذيب ابن عساكر 3: 104، والشعر والشعراء 31، ودائرة المعارف الإسلامية 2: 622.
(3) جاءت الأبيات في كتاب العقد الفريد، تحقيق الأستاذ محمد سعيد العريان، ط الرسالة، ونسبها إلى الشاعر امرئ القيس 3: 250.
(4) هو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أحمد، أبو البقاء، تقي الدين الدمشقي، أديب عارف بالتاريخ والشعر، ولد بدمشق عام 847 هـ، وسكن القاهرة، ومات بغزة عائداً من الحج عام 894 هـ. من كتبه: "غرر الصباح في وصف الوجوه الصباح"، وديوان شعر، وسحر العيون. راجع الضوء اللامع من 11: 41، وكشف الظنون 1941.
(5) لعله المرار بن سعيد بن حبيب الفقعسي، أبو حسان، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية. وهو القائل:
إذا افتقر المرار لم يرَ فقره وإن أيسر المرار أيسر صاحبه
نسبته إلى فقعس من بني أسد بن خزيمة. قال المرزباني عنه: كان كثير الشعر. ويقول الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه لكتاب الشعر والشعراء: المرارون من الشعراء سبعة: المرار الفقعسي، والمرار العدوي، والمرار العجلي، والمرار الطائي، والمرار الشيباني، والمرار الكلبي، والمرار الحرشي. راجع خزانة للبغدادي من 2: 196، والشعر والشعراء من 680 ـ 683. (2/66)
صفحة 246
ومن سابق الأقدار إذ دانت به ومن نائل شيئاً إذا لم يقدر
وقال جميل (1) :
أقدر أمراً لست أدري أنا له وما يقدر الإنسان والله قادر
وقال ابن الأحمر (2) :
شربنا وداوينا وما كان ضرنا إذا الله حم القدر إلاَّ تداوياً (3)
وقال الراعي (4) :
__________
(1) هو جميل بن عبد الله بن معمر العذري القضاعي أبو عمرو، شاعر من عشاق العرب، افتتن ببثينة من فتيات قومه، فتناقل الناس أخبارهما، شعره يذوب رقة، أقلَّ ما فيه المدح، وأكثره في النسيب والغزل والفخر، وفد على عبد العزيز بن مروان بمصر فأكرمه عبد العزيز وأمر له بمنزل فأقام قليلاً ومات فيه، ولعباس محمود العقاد: "جميل بثينة". راجع ابن خلكان 1: 115، وابن عساكر 3: 395، والآمدي 72، والشعر والشعراء 166، وخزانة البغدادي 1: 191.
(2) هو عمرو بن أحمر بن العمرَّد بن عامر الباهلي أبو الخطاب، شاعر مخضرم، عاش نحو 90 عاماً، من شعراء الجاهلية، وأسلم وغزا مغازي في الروم، وأصيبت إحدى عينيه، ونزل بالشام مع خيل خالد بن الوليد، حين وجهه إليها أبو بكر، ثمّ سكن الجزيرة، وأدرك أيام عبد الملك بن مروان، له مدائح في عمر وعثمان وعلي وخالد، لم يلق أبا بكر، وهجا يزيد بن معاوية فطلبه يزيد ففر منه. عده ابن سلام من الطبقة الثالثة من الإسلاميين، ومن محاسن شعره:
متى ما تطلب المعروف في غير أهله تجد مطلب المعروف غير يسير
إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة من الذم سار الذم كل مسير
توفي عام 65 هـ. راجع خزانة الأدب للبغدادي 3: 38، وابن سلام 129، والإصابة ت 6468، والآمدي 37، والشعر والشعراء 129، وجمهرة أشعار العرب 158.
(3) راجع الشعر والشعراء 1: 317، وآمال المرتضى 1: 370.
(4) هو عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميري أبو جندل: شاعر من فحول المحدثين، كان من جلة قومه، ولقب بالراعي لكثرة وصفه الإبل، وكان بنو نمير أهل بيت وسؤدد، وقيل: كان راعي إبل من أهل بادية البصرة، عاصر جرير والفرزدق، وكان يفضل الفرزدق، فهجاه جرير هجاء مراً، وهو من أصحاب الملحمات، وسماه بعض الرواة "حصين بن معاوية". ومن بديع ما أورده المبرد من شعره.
قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً ودعا فلم أرَ مثله مخذولاً.
فتفرقت من بعد ذاك عصاهم شققاً وأصبح سيفهم مفلولاً
توفي عام 90 هـ. راجع الأغاني 20: 168، وجمهرة أشعار العرب 172، وشرح الشواهد 116، وابن سلام 117، وخزانة البغدادي 1: 504، والشعر والشعراء 156. (2/67)
صفحة 247
وهن يحاذرن الردى أن يصيبني ومن قبل خلقي خط ما كنت لاقياً
وقال التغلبي (1) :
لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي إذا هو لم يجعل له الله واقياً (2)
وقال الشماخ (3) :
وإني عداني عنكما غير ماقت نواران مكتوب عليَّ بقاهما (4)
مكتوب: أي مقدر، عليّ بقاهما طلابهما في شعر كثير جاهلي وإسلامي، وإنما غلطت المعتزلة في نفي خلق أفعال العباد من حيث غلطت الجهمية، وأصناف المجبرة في إثبات الجبر للعباد، وأوتي على الفريقين جميعاً من قبل غلطهم في جهات الفعل، وجهلهم بها؛ وذلك أنَّ المعتزلة قالت: لما ثبت حمد الله
__________
(1) هو صريم بن معشر بن ذهل بن تميم، من بني تغلب، شاعر جاهلي، يماني الأصل. مات في بادية الشام نحو 60 ق هـ، لقب بأفنون لقوله في أبيات: "إنَّ للشبان أفنوناً". راجع شرح شواهد المغني 54، ورغبة الآمل 1: 52، والشعر والشعراء 159، وشعراء النصرانية 192.
(2) راجع الشعر والشعراء 1: 382. وفيه: "ما يدري امرؤ" بدلاً من قوله "الفتى".
(3) هو الشماخ بن ضرار بن حرملة بن سنان الذبياني الغطفاني، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وهو من طبقة لبيد والنابغة، جمع بعض شعره في ديوان ثمَّ طبع، شهد القادسية، وتوفي في غزوة موقان عام 22 هـ. قال البغدادي وآخرون: اسمه معقل بن ضرار، والشماخ لقبه. راجع الإصابة، الترجمة 3913، والأغاني 8: 97، وخزانة البغدادي 1: 526، والتبريزي 3: 65.
(4) راجع ديوان الشماخ ص 88، ط القاهرة 1327 هـ. (2/68)
صفحة 248
على الفعل وذمه، ووصف الفاعل بالاختيار له ثبت أنَّه فعله، وبطل أن يضاف إلى غيره؛ لأنَّه غير متجز، وغير جائز أن يكون فعلاً من فاعلين. وقالت الجهمية (1) : لما كانت الأعمال بمعانيها التي هي بها من اختلاف ما اختلف منها، واتفاق ما اتفق، وثبت عجز العباد عنها من هذه الوجوه أن تكون لهم فعلاً بطل أن تكون للعباد فعلاً بوجه من الوجوه؛ لأنَّ الفعل غير متجزئ، ولا يجوز أن يكون مضافاً إلى فاعلين، فغلط أهل الجبر، ولم ينظروا إلى ما ثبت من الحمد والذم، والأمر والنهي، والاختيار للفعل المفعول عن المتروك، وغلط أهل القدر حين لم ينظروا إلى ما ثبت من عجز العباد عن أن يجعلوا أفعالهم على ما هي به من كيفيتها، وأعيانها من اختلاف ما اختلف منها واتفاق ما اتفق، وفي غلط الفريقين فيما غلطوا فيه دليل على أنَّ الفعل من جهة عجز الفاعل عنه، ونفى أن تكون له فيه قدرة عليه خلق الله، وأنَّه من جهة ما يثبت قدرة الفاعل عليه واختياره، وإجازة الإضافة به إليه فعله.
__________
(1) كتبت كلمة عن الجهمية في ص 105 الآتية. ويراجع نشأة الآراء والمذاهب والفرق الكلامية 1: 175، والمقالات 1: 312، والفرق بين الفرق ص 211، والتبصير ص 64. (2/69)
صفحة 249
ومسائل القدر وجواباتهم لأصحاب المخلوق مسائل أصحاب المخلوق وجواباتهم للمجبرة (1) ، ومسائل المجبرة وجواباتهم لأصحاب المخلوق مسائل أصحاب المخلوق وجواباتهم للقدرية، وعبارة كل واحد من الفريقين هي عبارة أصحاب المخلوق للفريق الآخر.
وأنت حفظك الله إذا قابلت بين هذه الجوابات وبين هذه المعارضات عرفت تظالم القوم، وعجزهم عن معرفة ما يلزمهم، وكل واحد ما دل الله به على ربوبيته ووحدانيته في إحداثه الأشياء وخلقه لها، فهو دلالة على ربوبيته ووحدانيته في إحداثه الأفعال وخلقه لها، وكل ما دل على عجز الخلق على القيام بنفسه، وعلى حاجة بعضه إلى بعض، وعجز جميع ذلك كله عن القيام بنفسه دون مقيمه، وحاجة جميعه إلى محوجه فهو دلالة على عجز الأفعال عن القيام بنفسها، وحاجتها إلى من يقوم بها، وذلك كله دلالة واضحة، وحجة بالغة على أن الله معجز جميع ذلك، ومحوجه، ومقيمه، ومدبره، وخالقه، وكل ما دللنا به
__________
(1) الجبرية عدها من الفرق كل من البغدادي في كتابه "الفرق بين الفرق"، يذكرهم بأسماء فروعهم من الجهمية والبكرية والضرارية والنجارية ص 211، 213. وكذلك يفعل الاسفراييني في التبصير من 107 ـ 110. ويذكرهم باسمهم العام الرازي في كتابه: "اعتقاد فرق المسلمين"، ويقول: والمعتزلة يسمون أصحاب هذا الرأي: الجبرية والمجبرة ص 103 ـ 106. (2/70)
صفحة 250
على إثبات حدوث الأشياء وإيجاب خلقها، والنقض على أهل الإلحاد في صدر السفر الأول من الكتاب، فهو دلالة على خلق الأفعال، لما كانت الأفعال داخلة في جملة الأشياء، وجملة الأشياء مشتملة على الأفعال، وكل ذلك نقض على القدرية فيما أتوا من ذلك. ولو تتبعت هذا الباب دليلاً من كتاب الله عزّ وجلّ، ومن سنّة نبيه _صلى الله عليه وسلم_، ومن آثار الأئمة، ومن إجماع الأمة، وشاهد القياس الذي لا تزور شهادته، ولا تجرح عدالته لكان بذلك شغلاً عما سواه.
وقد قال الله عزّ وجلَّ: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) (1) التي جعلها دالة على ربوبيته، وشهادات على وحدانيته، وقال عزّ وجلّ: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (2) لما كان علم الخلق ذا نهاية، ألا ترى إلى قوله: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم) (3) فجعل نهاية علم كل عالم علم عليم فوقه، حتى ينتهي العلم إلى العليم الذي لا فوقه عليم، فالناظر بعين الاستغراق (4) إلى العلم، واللاحظ له بلحظ الاستفراغ
__________
(1) الآية 27 من سورة لقمان.
(2) الآية 85 من سورة الإسراء.
(3) الآية 76 من سورة يوسف.
(4) استغراق الحد: شموله لجميع الأفراد، بحيث لا يخرج منها شيء. مثال ذلك: أنَّ استغراق الموضوع في القضايا الكلية استغراق كلي، وفي القضايا الجزئية استغراق جزئي، وفي القضايا السالبة استغراق كلي. والاستغراق عند المتصوفين ألا يلتفت قلب الذاكر إلى الذاكر في أثناء الذكر، ولا إلى القلب. وأول شروط التصوف كما قال الغزالي: تطهير القلب بالكلية عما سوى الله، ومفتاحه القلب بالكلية بذكر الله. راجع المنقذ من الضلال ص 106. (2/71)
صفحة 251
ناظر في تأهيل عين الشمس، فعند ذلك ينقلب إليه بصره خاسئاً، ويرجع إليه عقله حسيراً، وفهمه كليلاً، وكاللاّطم بجهله أمواج البحر، والممارس بضعفه قوى عواصف الرياح، وهيهات هيهات متى يدرك ما لا يدرك، مما وقع به مرارة اليأس، وانقطعت دونه سبل الأوهام، وأنه بينه وبين مرام ذلك حيرة الحكماء، وبهت العلماء، ووهن التقصير، وهو إنما خوطب ببعض أجزاء المعلوم من المنظور إليه والمشهود، وهو عما يرى محجوب.
باب القول في إدارة الله عز وجل هل هي صفة لله في ذاته أم فعل من أفعاله؟ والنقض على من قال بغير الحق في ذلك
قالت المعتزلة كلها إلاَّ إبراهيم (1) النظام إنَّ الإرادة من الله فعل من أفعاله، وهي عين الأمر بالطاعة، فإذا أحدث الإرادة للإيمان أمر بالإيمان، ولا يجوز أن يكون يأمر بالشيء وهو غير مريد له، فإذا أراد أمر به، فالإرادة عين الأمر.
__________
(1) هو إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، أبو إسحاق النظام، من أئمة المعتزلة. قال الجاحظ: الأولون يقولون في كل ألف سنة يوجد رجل لا نظير له، فإن صح ذلك فأبو إسحاق من أولئك. تبحر في علوم الفلسفة، واطلع على أكثر ما كتبه رجالها، رئيس فرقة من المعتزلة، سميت النظامية نسبة إليه. وفي كتاب الفرق بين الفرق: أن النظام عاشر في شبابه السمنية، وخالط ملاحدة الفلاسفة، وأخذ عن الجميع. وفي لسان الميزان أنه متهم بالزندقة. توفي عام 231 هـ. راجع تاريخ بغداد 6: 97، وللباب 3: 230، وخطط المقريزي 1: 346. (2/72)
صفحة 252
وقال إبراهيم النظام: الإرادة (1) من الله فعل، وهي على ثلاثة أوجه: إرادة الأمر، وإرادة حكم، وإرادة ثواب، فعلى هذا إنه لا حق بهم؛ حيث زعم أن الإرادة من فعل الله فعل، ونفى أن تكون الإرادة صفة ذات. فقولنا إن إرادة الله عز وجل صفة في ذاته واجبه له؛ لأن الاستكراه عن الله منفي، لا يجوز أن يوصف به في حين من الأحيان، كما لا يجوز أن يوصف بالضعف، ولا بالعجز، ولا بالجهل، فلما بطل الوصف لله بالاستكراه كما بطل الوصف له بما ذكرنا كان لكل ضد من هذه الأضداد المنفيات عن الله لفظ به أزال العباد عنه ضد ذلك اللفظ، فأزالوا الجهل بقولهم : عالم لم يزل، وأزالوا الضعف بقولهم: قوي لم يزل، وأزالوا العجز بقولهم: قدير لم يزل، والذل بقولهم: عزيز لم يزل، وكذلك مريد لم بزل صفة ينفي بها الاستكراه عن الله عز وجل، ومع هذا فإنا لا ننكر أن يقال: إن الله أراد طاعته من عباده على معنى أمرهم بها، ودعاهم إليها، وليس ذلك بصفة له في ذاته التي هي نفي الاستكراه عنه، وليس يجوز أن تكون إرادة الله هي المراد، ولو كانت الإرادة هي المراد لكان العلم هو
__________
(1) قال المتكلمون: إنَّها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر، لا في الوقوع بل في الإيقاع. وقال في شرح المواقف: الإرادة من الكيفيات النفسانية. فعند كثير من المعتزلة: هي اعتقاد النفع أو ظنه. قالوا: إنَّ نسبة القدرة إلى طرفي الفعل على السوية، فإذا حصل اعتقاد النفع أو ظنه في أحد طرفيه ترجح على الآخر عند القادر، وأثرّت فيه. وعند الأشاعرة هي صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع في وقت معين، والميل المذكور ليس إرادة، فإنَّ الإرادة بالاتفاق صفة مخصصة لأحد المقدورين بالوقوع. راجع كشاف اصطلاحات الفنون 3: 32 ـ 36. (2/73)
صفحة 253
المعلوم، والقدرة هي المقدور عليه، والعزة هي المتعزز عليه، وفي فساد أن يكون العلم هو المعلوم، وسائر هذه الصفات ما يدل على أنَّ الإرادة غير المراد، فلما كان جميع فعل الله مراداً له أن يكون كما أراد بطل أن يكون شيء منه إرادة لله عزّ وجلّ، وثبت أنَّ إرادته صفة ذاته _تعالى عن أن يكون مستكرهاً أو مغلوباً_.
فإن قال قائل: فهل تصفونه لم يزل بأنَّه مريد؟ قلنا: نعم، فإن قالوا: ومعنى مريد عندكم نفي الكره، وليس الأزل بموضع فعل فينفي فيه الكره، قلنا: إنَّ الكره لا يتقدم الوقت الذي يكون فيه الفعل، كما لا يتقدم الجهل الوقت الذي يكون فيه المعنى المعلوم، فنفى أن يكون في الأزل مالا يكون، وكذلك ينفي في الأزل أن يكون مع الله خالق يستكرهه، أو يحدث له مانعاً يكون من أجله مستكرهاً على ما يكون من فعله. وهذا الذي ذكرنا من النفي ومثله نفي عن الذات أن تكون موصوفة بهذه المعاني التي نفيناها من الجهل والضعف والاستكراه فقط، لا على أنَّ هنالك أشياء موجودة تنفي الله عزّ وجلّ، (2/74)
صفحة 254
فإن قال: فإذا كان لم يزل مريداً لأن تكون الأشياء، فلم لا كانت الأشياء لم تزل؟ قيل له: ليست العلة في أن كانت الأشياء هي أن كان الله مريداً، ولو كانت لأنَّه كان مريداً، ما كانت الأشياء مختلفة، إذ الإرادة غير موصوفة بالاختلاف، ولكنَّ العلة في أن كان كل شيء من الأشياء كلها علة أخرى من الأشياء، فالأشياء بعضها علة لبعض، وغير جائز أن يقال: إنَّ لها علة في أن كان جميعها.
ومسألة السائل في لم كانت الأشياء لا تخرج؟ منواله أن يكون أراد أن يجعل لها علة غير الأشياء، وغير المكون لها. وهذا محال؛ لأنَّه لا شيء يخرج من الأشياء، أو أن يكون حاول أن يجعل الصانع علة في أن كانت الأشياء، فيثبت قدم الأشياء لقدم العلة، أو يزعم أنَّ الصانع الذي هو علة في أن كانت الأشياء محدثة مصنوعة. فكل هذا فاسد، فيبطل سؤال السائل عن العلة في أن كانت الأشياء لما ذكرنا، وصحَّ أنَّه إن سأل عن شيء بعينه لم كان، أن يقال له: لعلة كذا، فالأشياء بعضها علة بعض، مع أننا نقول في أصل قولنا: إنَّ الله لم يزل مريداً لكون الأشياء، نعني أنه مريد لأن تكون في أوقاتها، (2/75)
صفحة 255
فإن قال: أليس لم يزل مريدا لأن تكون الأوقات؟ قلنا: نعم، فإن قال: فما بال الأوقات لم تك لم تزل؟ قلنا: لأنَّه أراد أن تكون الأوقات أوقاتاً للأشياء الكائنات فيها، وأراد أن تكون الأشياء إذا كانت الأوقات، فبطل قوله في أزلية الأوقات للأشياء الكائنات في الأوقات، كما أنَّنا نقول نحن ومن خالفنا: إنَّ الله لم يزل يعلم الأشياء، ولم يزل قادراً على كون الأشياء والأوقات، وغير جائز أن يقال: إنَّ الأشياء الكائنات في الأوقات لم تزل.
فإن قال قائل: هل أراد الله أن يعصى؟ قيل له: إن كنت تريد أراد الله أن يعصى بمعنى أمر بالمعصية فلا، بل أراد الله أن يطاع بهذا المعنى، وإن كنت تريد أراد المعصية أي جعلها خلافاً للطاعة، غير مستكره على أن تكون المعصية من العصاة والكفر من الكافرين، فهذا ما نقول، فالإرادة في هذا الموضع نفي الكره، فلما نفى عنه الكره في المعصية من طريق إضافتها إلى العباد، قلنا: يستحيل أن ينفي الكره عنه في فعل غيره، والجائز أن ينفي عن الفاعل الكره في فعله. فلما كانت المعصية مضافة إلى الله أنَّه خلقها وجعلها خلافاً لما خالفها من الأشياء، وجعلها غير محتملة للبقاء ولا متجلية للعيان كان الله موصوفاً بأنَّه مريد لها من جهة ما أضيفت إليه أنَّه خلقها كذا، وهو غير مستكره على أن يخلقها كذا، ولما كان غير جائز أن تضاف إلى الله من جهة ما أضيفت إلى العباد (2/76)
صفحة 256
بطل أن يوصف بالإرادة لها من جهة ما أضيفت إلى العباد، ففسد لهذه العلة أن يقال: إنَّ الله أراد أن يعصى، وجاز أن يقال: إنَّ الله أراد المعصية من جهة أن خلقها.
فإن قال: فهل أراد الله الطاعة (1) من العاصين؟ قلنا: قد أنبأنا بأنَّه قد يقال: إنَّ الله أراد الطاعة بمعنى أمر بها، أو كنت تذهب بقولك أراد الطاعة ممن لا تكون الطاعة كائنة منه في علم الله، فالله عزّ وجلّ غير موصوف بأنَّه مريد لكون الطاعة منه، وهي غير كائنة؛ لأنَّه لا ينفي عنه الكره فيما لا يكون، كما كان مستحيلاً أن ينفي عنه الجهل فيما لا يكون. ومما يدل على صحة ما قلنا في أنَّه لا يكون شيء إلاَّ والله لأن يكون بما هو به شاء مريد، قول الله عزّ وجلّ: (وَمَا تشاءون إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ) (2) ، وقوله: (وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ) (3) ، وقوله: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) (4) ، وقوله: (وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ) (5) يقول: لو كان
__________
(1) الطوع: الانقياد، ويضاده الكره، قال تعالى: (ائتيا طوعاً أو كرهاً(، والطاعة مثله؛ لكنَّ أكثر ما تقال في الائتمار لما أمر، والارتسام فيما رسم، قال تعالى: (ويقولون طاعة(، وقال: (طاعة وقول معروف) أي أطيعوا. والتطوع في الأصل: تكلف الطاعة، وهو في التعارف التبرع بما لا يلزم كالتنفل، قال تعالى: (فمن تطوع خيراً فهو خير له(.
(2) الآية 30 من سورة الإنسان.
(3) الآية 107 من سورة الأنعام.
(4) الآية 112 من سورة الأنعام.
(5) الآية 253 من سورة البقرة. (2/77)
صفحة 257
موصوفاً بالمشيئة لأن يكون الاتفاق ما اختلفوا، يقول: لا يكون أن يكون الله منفياً عنه الكره في كون شيء من الأشياء إلاَّ وذلك الشيء مما يكون، وقال: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ) (1) يقول: لا يكون أن يكونوا مختارين للإيمان قاصدين إليه ولو نزلت عليهم الملائكة، وكلمهم الموتى، وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً، وما كانوا ليؤمنوا ليختاروا الإيمان، والله غير موصوف بأنَّه يكون شائياً مريداً، كما لا يكون أن يكونوا مختارين للإيمان قاصدين إليه، والله يكون غير موصوف بأنَّه عالم بذلك، فإن قال قائل إنما قوله: (وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ) (2) يقول: لو شاء الله أن يضطرّهم على الإيمان فلا يختلفون، قيل له: لو كان إنما أراد أنَّه لو شاء اضطرّهم على الإيمان لكانوا إذن مضطرين على الفعل، كانوا غير موصوفين بأنَّهم مؤمنون؛ لأنَّه لا يجوز أن يكون مؤمناً من كان مستعملاً في فعله، مضطراً عليه، لإبطال وجود الكسب عمن اضطر على فعل من الأفعال. ويقال للمعتزلة في قولهم: إنَّ الإرادة من الله فعل يفعله، وهو عين الأمر بالطاعة، فإذا أحدث الإرادة لشيء فعله، وإذا أحدث الإرادة للإيمان أمر بالإيمان، ولا يجوز أن يكون يأمر بالشيء، وهو غير مريد له، فإذا أراده أمر به، فالإرادة غير الأمر.
__________
(1) الآية 111 من سورة الأنعام.
(2) سورة البقرة آية رقم 253. (2/78)
صفحة 258
ويقال لهم: أرأيتم الإرادة لخلق ما خلق من الخلق، هل هي غير خلقه له؟ فقالوا: لا، ولكنَّ الإرادة لأن يخلق الخلق هي خلقه له، فقيل لهم: إذا كانت العلة في إرادته الإيمان أنَّها عين الأمر به هي أنَّه لا يكون أن يأمر به إلاَّ وقد أراده، فكذلك يلزمكم في أنَّه لا يخلق شيئاً من الخلق إلاَّ وقد أراده، فالإرادة متقدمة للخلق، كما كانت في الإيمان متقدمة للأمر به، وقد قال الله عزّ وجلّ ما يؤكد أنَّ الإرادة غير الخلق لقوله: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (1) فدل أنَّ القول منه لأن يكون الشيء بعد الإرادة منه له، وفي إيجاب إقراركم أن الإرادة من الله للإيمان غير الأمر به، لما اعتللتم به من أنَّه لا يأمر به وقد أراده ما يقضي عليكم أنَّ الإرادة من الله لأن يخلق الأشياء غير الخلق للأشياء؛ لأنَّه لا يخلق إلاَّ ما أراد، فالإرادة قبل خلق له.
وهذا الذي قلنا به في الإرادة هو قول الإباضية (2) والزيدية (3) والمرجئة (4) والعامة، وما عليه صدر الإسلام، بنقلهم الجملة التي يتوارثونها عن الماضين من الأسلاف:
__________
(1) الآية 40 من سورة النحل.
(2) سبقت الترجمة عن هذه الفرقة في هذا الجزء ص 20.
(3) أنظر الترجمة عن هذه الفرقة في هذا الجزء ص 94.
(4) سبقت الترجمة عن هذه الفرقة في هذا الجزء ص 21. (2/79)
صفحة 259
"إن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن". تبارك الله ربّ العالمين.
باب القول في العدل (1) وفي إثبات العدل.
والرد على من قال بغير الحق في ذلك.
قالت الجهمية ومن ضارعهم من أهل الجبر: لما ثبت عجز العباد عن أن يجعلوا حركاتهم وسكونهم بغير ما هي به من الوجود في وقت، ثمّ لا يوجد في غيره، وتثبت قدرة الله على ذلك، وإضافة حركات العباد وسكونهم إلى الله بالتقدير لها، والخلق لذلك، والتدبير له، ثبت أنَّ حركاتهم وسكونهم فعل الله من جميع الجهات، وأنَّها ليست بفعل لأحد غير الله بمعنى من المعاني، وزعموا أنَّ الله عذب الخلق على ما فعل، لا على ما فعلوا هم، وكل ما كان من فعل فهو فعل الله في الحقيقة، وهو مضاف إلى الإنسان، مثل قولك: طلعت الشمس، وهبت الريح، ومات فلان، واستدلوا على ذلك، زعموا أنَّهم لما وجدوا الله فعالاً للأشياء لا من شيء، ومن صفته الفعال، فلن يجوز أن يوافق الله أحد في صفته؛ لأنَّ الفعال هو الخلاق، ولا يجوز أن يكون الخلاق غير الله، فأهل النار في النار يألمون على غير فعل فعلوه، وأهل الجنة يتلذذون على غير فعل فعلوه، وإنما هو أنَّ الله أعطاهم. وغلطوا من طريق ما غلط فيه أهل القدر في إزالتهم الخلق عن فعل العباد؛ وذلك أنَّهم قالوا: لما ثبت النهي من الله عن معصيته، والأمر بطاعته، وثبت أنَّ للعباد القدرة على أن يتحركوا ويسكنوا ثبت أنَّ التحرك
__________
(1) العدل: خلاف الجور. يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، والعدل ضربان: مطلق يقتضي العقل حسنه، ولا يكون في شيء من الأزمنة منسوخاً، نحو الإحسان إلى من أحسن إليك، وعدل يعرف كونه عدلاً بالشرع، ويمكن أن يكون منسوخاً في بعض الأزمنة، كالقصاص، وأرش الجنايات، قال تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (سورة البقرة آية 194). ويقال: فلان يعادل هذا الأمر إذا ارتبك فيه ولم يمضه.
قال الشاعر:
إذا الهم أمسى وهو داء فامضه فلست بمضيه وأنت تعادله
راجع بصائر ذوي التمييز 4: 30. (2/80)
صفحة 260
والسكون هو فعلهم، وإذا ثبت أنَّهما من فعلهم فلن يجوز أن يضافا إلى أحد سواهم بجهة من الجهات، ولا بمعنى من المعاني، وغلطت الجهمية وأصناف المجبرة، كما غلطت القدرية، وقد ذكرنا في باب إثبات القدر.
وقال أهل الحق: إنَّ الله قدّر جميع الأفعال وخلقها، وقضاها من فاعليها، ولسنا نقول: إنَّه جبر أحداً على ما كان منه من طاعة أو معصية، ولا نقول: إنَّ أحداً أوتي في شيء من التقصير عن طاعة ربه من قبل الله في تقديره لما كان من فعله ولا قضائه، ولا علمه أنَّه سيكون منه، والجبر منع واستكراه، ولم نرَ أحداً من العالمين للطاعة والمعصية مستكرهين على شيء من فعلهم، وهم لكل ما فعلوه من ذلك مريدون، ولجميع ما أتوا من الفعل المفعول عن المتروك مختارون، وإليه قاصدون، فبطل بذلك قول جهم ومن قال بقوله من أصناف المجبرة.
ونحن سائلوهم فنقول لهم: ما وجه الحكمة من الله في أمره لمن أمر من عباده، أو نهيه لمن نهاه منهم؟ إذا كان القول عندكم في الأفعال على معنى (2/81)
صفحة 261
ما ذكرتم من قول القائل: طلعت الشمس، وهبت الريح، ومات الرجل؟ فهلا أمر الشمس ونهاها بالطلوع، والريح بالهبوب، والرجل بأن يموت، أو ينهى عن ذلك إذا كان الأمر في جميع ذلك على ما قلتم؟ وفي إبطال الأمر في هذه الأشياء والنهي عنها، وإثبات الأمر والنهي في غيرها من أفعال العباد ما يوجب التفرقة بين ما سويتم بينه من ذلك، فهل تتفق التسوية بين الحكم إلاَّ باتفاق العلل، وأما إذا اختلفت العلل فلا.
ثمَّ يقال لهم: ما وجه الحكمة من الله في ذمه من ذم، وعذابه من عذب إذ ليس له فعل؟ وهل يجوز تعذيب النبيين والمرسلين وغيرهم من المؤمنين على غير فعل فعلوه، ويؤلمهم بالنار كما آلم من ذكرنا من أهلها على غير فعل فعلوه؟ وما وجه حكمه على القاتل بقتله، والسارق بقطع يده، والزاني بجلده ورجمه، إذ ليس لواحد منهم جرم فيما نسب إليه؟ وهل يجوز أن يحكم على هؤلاء بأحكامه للمؤمنين، ويحكم للمؤمنين الصادقين عليه في صفته بمثل أحكامه على الكافرين الكاذبين عليه من أهل عداوته؟ إذ ليس لواحد منهم فعل على الحقيقة، ويقال لهم: أخبرونا عن المخالف لكم في المذهب من أهل القدر،وغيرهم، هل تصفونه بالكذب على الله والخروج من دينه؟ فإن زعمتم ذلك أكذبتم أنفسكم بقولكم: إنَّه ليس أحد بكاذب على الله ولا واصف له بما لا يجوز من ذلك؛ لأنَّ الله هو الكاذب على نفسه في قولكم، والواصف له بما يتعالى عنه من اتخاذ الصاحبة والولد، (2/82)
صفحة 262
وغير ذلك مما قاله فيه أصناف المشركين، فهو القائل لجميع ذلك في الحقيقة في نفسه، لا أنَّ أحداً منهم قائل ذلك ولا فاعل له، ويقال لهم: أكان جائزاً على الله تعالى في صفته وعدله وحكمته أن ينهي عن القبيح عما هو به من القبح، ويأمره بأن يكون حسناً؟ وينهي القصير عن قصره، ويأمره بأن يكون طويلاً؟ والأعمى أن يكون بصيراً؟ وينهي البصير عن أن يكون بصيراً؟ فإذا أجازوا الأمر بذلك، وأجازوا المحمدة فيه والمذمة عليه، أو يأمره أن يكون طويلاً، وأوجبوا في ذلك الثواب والعقاب، قيل: إذا جاز هذا فأنتم لا تدرون لعله يجوز أن يتعبد الميت في حالة موته بالحياة، أو الحي بالموت، ثمّ يعاقب الميت على أن لا يكون حياً، والحي على أن يكون ميتاً، فإن تجاسروا على هذا قيل: أفجائز أن يأمر بشيء ويذكر أنَّه طاعة، وينهي عن شيء ويذكر أنَّه معصية، ثمَّ يعاقب على طاعته ويثيب على معصيته؟ فإن زعموا أنَّ ذلك جائز، قيل: فما وجه الأمر فيه والنهي؟ أم كيف يوصف هذا الفعل بأنَّه طاعة إذا جعل عليها عقاباً؟ أم (2/83)
صفحة 263
كيف كانت المعصية معصية إذ جعل عليها ثواباً؟ فإن قالوا: لا يجوز أن يعاقب على ما أمر به، ولا أن يثيب على ما نهى عنه، قيل: ولم وكلا الأمرين فعله، والعاصي المعاقب المذموم، والمطيع المثاب المحمود لا فعل لهما في الحقيقة يحمدان عليه أو يذمان؟ وإنما ذلك كله لله ومنه عزّ وجلّ عما يقول المبطلون، مع ما وجدنا من إبطال أمر الله ونهيه، وسقوط الحجة على أهل الزمانات وبسط المعذرة لهم، فقال تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج) (1) وما سقط من فرض الحج والجهاد على المقعد، وعلى الأخرس من الإقرار بالتوحيد فيما ألزمه غيرهم من الأصحاء السالمين، لاستحالة وجود ذلك مع ما هم عليه من الزمانات ما يوجب لمن كان في مثل أحوالهم من المضطرين المجبرين على ما كان منهم من العذر وإزالة الفرض، وفي إيجاب الأمر والنهي والحمد والذم والثواب والعقاب للعاملين دليل على أنَّهم ليسوا ما قالت المجبرة في أنَّهم كأهل الزمانات والضرورات من المنع عما لم يفعلوا، والاستكراه على ما فعلوا، وهذا غلط عظيم من الجهمية وأصناف المجبرة، بمثل هذه الأباطيل عاب الملحدون على ضعفة الأمة، وحاولوا بذلك
__________
(1) سورة الفتح آية رقم 17. (2/84)
صفحة 264
إبطال ما أثبتوا من وحدانية الله وأمره ونهيه، وثوابه وعقابه، تعالى الله عما يقول المبطلون، فإن سأل سائلهم فقال: أخبرونا هل يكون من العباد إلاَّ ما شاء الله أنَّه يكون منهم، وعلم أنَّه سيكون، وليس أحد من العباد مجاوزاً مشيئة الله، ولا علمه إلى غير ذلك؟ قالوا: فإن قلتم: بأنَّه لا يكون من العباد إلاَّ ما شاء الله أنَّه يكون وعلم، قيل لكم: فهل أبقيتم للعباد من معنى الكسب والاختيار بعد قولكم بهذا شيئاً؟ فنقول: الذي سألتمونا عنه من هذا أنَّه ليس في قولنا الله شاء لجميع ما يكون من الخلق عمل العباد وغيره، وأنَّه عالم بجميع ذلك، وليس شيء بخارج عن علمه، ولا مجاوز لإرادته ومشيئته مما يوجب أن يكون الله مكرهاً للعاملين على أعمالهم، ولا جابراً لهم على ما يكون منهم من اختيارهم، كما أنا وإياكم جميعاً نقول: إنَّ الله عالم بجميع ما يحدثه في خلقه، ومريد لما يقدره عليهم، ولا يكون من ذلك إلاَّ ما علم وأراد، وليس في ذلك أيضاً ما يوجب أن يكون الله جلّ جلاله مجبوراً على أفعاله في خلقه، ولا مضطراً عليها إذا كان لا يجاوز شيء من ذلك علمه ولا إرادته، وليس العلم والإرادة بالذين يجبران أحداً على فعل ما فعل، ولا بمانعين له عن فعل ما لم يفعل، فإن قالوا: (2/85)
صفحة 265
أليس الشقي شقياً في بطن أمه، والسعيد سعيداً في بطن أمه؟ قيل لهم: بلى، إنَّ الله عالم بما يكون من الخلق فعل العباد وغيره قبل أن يكون، ولم يزل بذلك عالماً، ولم يستحدث علماً لم يكن يعلمه، ولم يزل يعلم الشقي من السعيد، والسعيد من الشقي، وهو العالم بما يكون من ذلك منهم قبل أن يصيروا في بطون أمهاتهم، وعالم به وهم له فاعلون، وقد أخبرناكم قبل هذا أنَّ علمه جلّ جلاله بالأشياء ليس بجابر أحداً على فعل شيء من شقوة أو سعادة، ولا مكره له على ذلك، والشقي شقي في بطن أمه بما علم الله أنه يشقى به من فعله، وسوء اختياره لنفسه، وجرأته على ربه، وكذلك السعيد سعيد في بطن أمه بما علم الله أنَّه سيسعد به من فعله، ولإتباعه لأمر ربه، وحسن نظره لنفسه. فإن قالوا: ما معنى قول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: لن يدخل الجنة أحد بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلاَّ يتغمدني الله برحمته" (1) قيل: إن معنى ذلك من قول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ على مثل قولهم:
__________
(1) الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق، 18 باب القصد والمداومة على العمل 6463، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وذكره، وفي رواية أبي داود الطيالسي عن ابن أبي ذئب: "ما منكم من أحد ينجيه عمله"، وأخرجه أبو نعيم من طريقه، وفي كفارة المرض من طريق أبي عبيد عن أبي هريرة بلفظ: "لم يدخل أحد علمه الجنة". وأخرجه الإمام مسلم في كتاب المنافقين من طريق ابن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة: "ليس أحد منكم ينجيه عمله"، ومن ريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه قال: "لن ينجو أحد منكم بعمله"، وله من حديث جابر: "لا يدخل أحد منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار"، وأورده الربيع في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس 2: 73.
قال ابن بطال في الجمع بين هذا الحديث وقوله تعالى: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) ما محصله: أن تحمل الآية على أنَّ الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها. (2/86)
صفحة 266
لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، أراد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أنَّ أحداً لا ينال شيئاً من الخير الذي هو طاعة الله، ولا يستعصم عن شيء من معصية الله، فيدخل بذلك الجنة إلاَّ أن يعينه الله على ذلك، ويوفقه له، ويغمده برحمته، التي لا يخيب من تغمد بها. وعلى هذا المعنى أمر الله المؤمنين أن يدعوه بأن يقولوا: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) (1) ، وهذا من باب العون من الله لأوليائه، والهداية لأهل دينه، وليس هذا من معنى ما ذهبتم إليه في شيء، من أنَّه يضطر العباد على أفعالهم، ويجبرهم عليها، فلا يذمون ولا يحمدون.
ومن سألنا من الجهمية فقال: ما معنى قول الله عزّ وجلّ: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) (2) ، وقوله: (بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلاَّ قليلا) (3) ، وقوله: (أفرأيت من اتخذ آلهة هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله) (4) ، وكذلك لو سأل فقال: ما معنى قوله: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجا) (5) الآية، وقوله: (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) (6) ، (أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً) (7) ، (ولو شاء ربك لآمن من
__________
(1) سورة الفاتحة الآيات 5، 6، 7.
(2) سورة البقرة آية رقم 7، وتكملة الآية: (وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم(
(3) سورة النساء آية رقم 155.
(4) سورة الجاثية آية رقم 23.
(5) سورة الأنعام آية رقم 125، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال (من) بدلاً من (فمن).
(6) سورة فاطر آية رقم 8.
(7) سورة الرعد آية رقم 31، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال "وأنَّ" بدلاً من (أنَّ) بدون الواو. (2/87)
صفحة 267
في الأرض كلهم جميعا) (1) في أشباهها من الآي التي يحتج بها أهل الإثبات على أهل القدر، فقالوا: ما تأويل هذه الآي عندكم، إن كان الأمر على ما تقولون: إنَّ للعباد في إيمانهم وكفرهم ضلالتهم وهدايتهم حكماً؟ فنقول لهم: شأنكم والقدرية بهذه الآيات التي تلوتموها وسألتمونا عن معناها، فهم الزاعمون أنَّ ليس لله في فعل العباد مما يفعله بقلبه، و ما يكون من فعله بسمعه وبصره، وسائر ذلك من جوارحه من تدبير ولا تقدير، وليس في جميع ما يكون منه من ذلك حكم، ولا له عليه ملك ولا سلطان، وإنَّ ذلك غير مضاف إلى الله، ولا منسوب إليه بوجه من الوجوه ولا بسبب من الأسباب، وكذلك قوله: )يضل من يشاء ويهدي من يشاء( في أمثالها، فإنما تسألون عن ذلك، وتحتجون به على أهل الإزالة الذين لا يضيفون إلى الله هدايتهم ولا ضلالتهم، ولا شيئاً من أفعالهم بوجه من الوجوه، ولا معنى من المعاني، وأما من يقول: بأنَّ الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، وطبع عليها بكفرهم الذي اكتسبوه واختاروه، فجعل الكفر في نفسه خاتماً وطابعاً على قلوبهم، حيث خلقه في عينه خلافاً لعين الإيمان ومضاداً له، فهما لا يجتمعان في قلب، ولا في سمع، ولا في بصر، ولا في جارحة، فاختيار الكافر الكفر هو المانع له، والطابع على قلبه، والخاتم على سمعه وبصره، حتى لا يكون يفعل ضده من الإيمان في حال فعله الكفر، وأضاف الله ذلك إلى نفسه فقال: (طبع الله على قلبه، وختم على سمعه، وجعل على بصره غشاوة، إذ جعل كفره في عينه كفراً مخالفاً للإيمان، مضاداً
__________
(1) سورة يونس آية رقم 99. (2/88)
صفحة 268
له منافراً معه، لا يقاومه ولا يجتمعان في قلب، ولا في سمع، ولا في بصر، ولا في حاجة). وهكذا الجواب للمجبرة في جميع ما يسألون عنه من المسائل التي يسأل عنها أهل الإثبات، ويحتجون بها على أهل القدر، أن يقال لهم: دونكم القدرية فإنَّهم نظراؤكم في الضلالة والغي، قرناؤكم في الغباوة والجهل، فاسألوهم عن هذا ومثله، وافتصلوا فيما بينكم، ولن نرى لكم جميعاً أنتم وإياهم فصلاً فاصلاً بينكم إلاَّ أن ترجعوا إلى الذي دللناكم عليه بالشواهد التي لا تكذب، وأقمنا عليكم فيه بالحجة والإعلام التي لا تبطل، مما فيه قطع لمعاذر المبطلين، وإنما أوتيتم جميعاً أنتم والقدرية في هذا الباب من قبل فساد العلة والبنيان على غير الأس؛ وذلكم أنَّكم وإياهم اتفقتم في بدء أمركم على أنَّ الفعل جزء واحد، وأنَّه لا يحتمل التجزئة وغير متجه، لا يوصف بالجهات، فاتفقتم على ذلك، وقلتم جميعاً: لا يخلو هذا الفعل من أن يكون جميعه لله، أو يكون جميعه للعبد، فلما اتفقتم على هذا من قولكم رجعتم فيما بينكم فاختلفتم على وجهين مختلفين متباعدين، كلاهما بعيد عن وجه الصواب وفصل الخطاب، فقلتم أنتم معشر المجبرة بأنَّ الفعل ما كان بهذه الصفة، لا يحتمل التجزئة، ولا يوصف بالجهات، فينبغي أن يكون الفعل بذلك مضافاً جميعه إلى الله عزّ وجلّ، لأنه أضاف إلى نفسه بأن خلقه وجعله في قلوب الفاعلين فأضلهم الله به وهداهم، ولثبوت عجز العبد عن أن يجعله بكيفيته التي هو بها.
وقالت القدرية: بل لما وجدنا هذا الفعل غير متجزئ ولا محتمل للجهات (2/89)
صفحة 269
على مثل علة المجبرة، ووجدناه مضافاً إلى العبد بأنَّه يكتسبه ويختاره، ويذم عليه ويحمده، وغير جائز أن يضاف إلى الله بأنَّه يتحرك به أو يسكن، ويؤمن به أو يكفر، أو يطيع به ويعصى، فيجب أن يكون الفعل لما ذكرنا جميعاً مضافاً إلى العبد بجميع وجوهه، وليس لله فيه حكم ولا تدبير، ولا له عليه ملك ولا سلطان، فانتشرت عليكم الأمور وتفرقت بكم السبل عن سبيل الله؛ وذلكم أنَّكم عمدتم إلى علتين مختلفتين وجهتين متفاوتتين، فجعلتموها علة واحدة، وجهة واحدة، وهو أنَّ للفعل جهتين متفرقتين، متباينتين غير متفقتين: إحداهما جهة الخلق لله والتدبير والتقدير، والأخرى جهة التحرك للعبد والسكون والطاعة والمعصية، فجعلتم هاتين الجهتين المختلفتين جهة واحدة، فأبطلت المجبرة واحدة، وأبطلت القدرية واحدة، فضللتم بذلك جميعاً عن سبيل الله ضلالاً بعيداً، (إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) (1) .
ولهذه المسألة نظائر في مثل هذا المعنى، فينبغي أن يعود لذلك دون ما سواه كتاب تصحح فيه بغاية التصحيح إن شاء الله، ولا قوة إلاَّ بالله.
باب القول في الإيمان وفي تثبيت الإيمان (2) والتسمية به، والرد على من قال بغير الحق في ذلك.
اختلف الناس في الإيمان وفي تثبيته على أصل قولين:
قالت المرجئة: إنَّ
__________
(1) سورة ص آية رقم 26.
(2) كتبت كلمة عن الإيمان، ويراجع ما كتبه علي بن علي بن محمد ابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية، من ص 57 ـ 88 ج 2 بتحقيقنا، وكشاف اصطلاحات الفنون 1: 134 ـ 140، وكتاب المواقف ص 274 ـ 290، وصحيح البخاري كتاب الإيمان، ودائرة المعارف الإسلامية 5: 413 ـ 415. (2/90)
صفحة 270
الإيمان هو ما تعبد الله به عباده، ودعاهم إليه من توحيد بصفاته، ونفي الأشباه والأنداد عنه في جميع ما لا يليق به من صفات خلقه، فكل من وحد الله بصفته، ونفى عنه صفة خلقه سمي مؤمناً مستكمل الإيمان، وما عدا ذلك من جميع ما أمر الله به عباده، وتعبدهم به: من فعل جميع ما افترض عليهم من الفرائض، وترك جميع ما نهاهم عنه من المعاصي فليس ذلك بإيمان ولا هو لله بدين ولا إسلام، ثمَّ افترقوا فيما بينهم على طوائف ثلاث: فقالت طائفة منهم: إنَّ الإيمان من ذلك هو المعرفة لله بالقلب، والاعتقاد بالضمير (1) دون الإقرار بذلك باللسان. وقالت الثانية: بل الإيمان هو الإقرار بتوحيد الله، ونفي الأشباه عنه باللسان دون المعرفة بالقلب، والضمير في النفس (2) . وقالت الطائفة الثالثة: بل لا يكون كل واحد منهما إيماناً دون الآخر، فمتى اجتمع من ذلك إقرار باللسان، وضمير بالقلب سمي جميعه إيماناً (3) ، وسمي فاعله مؤمناً، وإذا كان أحدهم دون الآخر بطلت التسمية له بأن يكون إيماناً، وبطل أن يسمى فاعل بعض ذلك دون بعض مؤمناً، وشبهوا ذلك فيما زعموا بالأبلق الذي لا يسمى بأحد اللونين أبلق، وإذا اجتمع عليه كلا اللونين سمي أبلق.
وقال جميع الفرق: من الأزارقة (4) ، والإباضية، والزيدية، والمعتزلة، والحشوية: إنَّ الإيمان هو جميع ما أمر الله به عباده، وتعبدهم به: من فعل جميع ما افترض عليهم من الفرائض، وترك جميع ما نهاهم عنه من المعاصي، فكل ذلك إيمان لله، ودين له وإسلام، وكله إيمان، وبعضه إيمان، ما كان من ذلك
__________
(1) هم الغسانية: أصحاب (غسان الكوفي)، وزعم أنَّ أبا حنيفة يقول بقوله، وهذا غلط منه؛ لأنَّ أبا حنيفة قال: إنَّ الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى وبرسوله وبما جاء من الله تعالى، ورسله في الجملة دون تفصيل. راجع في شأن هذه الفرقة: التبصير، ص 60، والملل والنحل 1: 141، والفرق بين الفرق 203.
(2) هم اليونسية: أصحاب يونس بن عون السمري. راجع في شأن هذه الفرقة: التبصير 60، والملل 1/ 140، والمقالات 1: 198.
(3) هو التومنية: أصحاب أبي معاذ التو مني. راجع مقالات الإسلاميين 1: 204 ـ 326، والملل 1: 144، والتومني: بضم التاء وفتح الميم. (انظر معجم البلدان 2: 432).
(4) كتبت عنهم كلمة وافية ص 94. ويراجع اعتقاد فرق المسلمين والمشركين للفخر الرازي 54. (2/91)
صفحة 271
توحيداً لله، وما كان منه غير توحيد. فمن استكمل ذلك سمي مؤمناً، ومن لم يستكمل ذلك، واقتصر على فعل التوحيد دون فعل الفرائض وترك المعاصي بطل أن يسمى مؤمناً، إلاَّ ما استخصت به الحشوية (1) في التسمية باسم المؤمن؛ وذلك أنَّ الحشوية مخالفة للمرجئة في إثبات الإيمان؛ حيث زعموا أنَّ العمل بجميع طاعة الله مما أمر به عباده إيمان ما كان من ذلك قولاً أو عملاً موافقة لهم في التسمية بالإيمان، حيث زعموا أنَّ المؤمن مؤمن مع ترك الإيمان الذي هو طاعة لله من العمل بجميع الفرائض التي هي دون التوحيد، ومع ركوبه جميع ما نهى عنه من معصيته التي هي دون الشرك، فخالفوا المرجئة في التثبيت، ووافقوهم في التسمية.
ونحن مبتدئون بالمسألة على من قال من المرجئة: بأنَّ الإيمان معرفة دون إقرار بأنَّ الله واحد وهم الجهمية، فنقول لهم: أخبرونا عن الإقرار بأنَّ الله واحد لا شريك له في ملكه ولا شبيه ولا نظير، وأنَّه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يكن له كفوا أحد، أهذا الإقرار ممن هو منه إيمان؟ فإن قالوا: لا، قلنا:
__________
(1) فرقة من الفرق الإسلامية، أجمعت على الجبر والتشبيه، وينكرون الخوض في الكلام والجدل، ويقولون على التقليد وظواهر الروايات والتشبيه، ولهذا تسمى بالمشبهة. وتنسب هذه الفرقة إلى محمد بن كوام الذي نشأ في سجستان، وتوفي ببيت المقدس سنة 869 هـ. راجع دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص 138، لبكير بن سعيد أعوشت.
وقال السبكي في شرح أصول ابن الحاجب: الحشوية طائفة ضلوا عن سواء السبيل، يجرون آيات الله على ظاهرها، ويعتقدون أنَّه المراد، سموا بذلك لأنَّهم في حلقة الحسن البصري، فوجدهم يتكلمون كلاماً، فقال: ردوا هؤلاء إلى حشاء الحلقة، فنسبوا إلى حشاء، فهم حشوية بفتح الشين، وقيل سموا بذلك لأنَّ منهم المجسمة أو هم والجسم حشو، فعلى هذا القياس فيه الحشوية _بسكون الشين_ نسبة إلى الحشو. وقيل المراد بالحشوية طائفة لا يرون البحث في آيات الصفات التي يتعذر إجراؤها على ظاهرها، بل يؤمنون بما أراده الله، مع جزمهم بأنَّ الظاهر غير مراد، ويفوضون التأويل إلى الله تعالى. وقيل طائفة يجوزون أن يخاطبنا الله بالمهمل، ويطلقون الحشو على الدين، فإنَّ الدين يتلقى من الكتاب والسنة، وهما حشو أي واسطة بين الله ورسوله وبين الناس. كذا ذكر الخفاجي في سورة البقرة في حاشية البيضاوي في تفسير قوله تعالى: (فإما يأتينكم مني هدى) البقرة آية 38. راجع كشاف اصطلاحات الفنون 2: 166 ـ 167. (2/92)
صفحة 272
فالمنكر لجميع ذلك، المكذب لله في ربوبيته، والواصف له بصفات خلقه من الأنداد والأشباه، وبأنَّه اتخذ صاحبة وولداً _تعالى الله عن ذلك_، فهل تقولون في هذا إنَّه كافر بالله؟ فإن قالوا: ليس بكافر، خرجوا مما أجمع عليه الإسلام صراحاً، مع تكذيبهم لقول الله حيث يقول: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) (1) ، وقال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) (2) ، وقال: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) (3) فسمى قولهم في كل ما قالوا من ذلك كفراً، وقال الله: (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إدا، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولدا) (4) فإن قالوا: من كذب بالله، ووصفه بصفات خلقه، وشبهه بغيره مما ذكرتم فقد كفر بالله، قيل لهم: فيجب أن يكون ضد ذلك من الإقرار لله بوحدانيته، والوصف له بصفاته إيماناً، إذا كان ضده من التكذيب به، والوصف له
__________
(1) سورة المائدة آية 73.
(2) سورة المائدة آية رقم 17.
(3) سورة التوبة آية رقم 30.
(4) سورة مريم آية رقم 88 ـ 91. في المطبوعة يكاد بدلاً من (تكاد) وهو تحريف. (2/93)
صفحة 273
بصفة خلقه كفراً، ثم يقال لهم: أخبرونا عن الإقرار لله بالربوبية وإثبات الوحدانية له، أتوحيد هو وإيمان أم غير توحيد ولا إيمان؟ فإن قالوا: ليس بتوحيد ولا إيمان قيل لهم: وكذلك ضده من الإنكار لربوبيته والجحد لوحدانيته، لا يكون شركاً بالله ولا كفراً، فإن قالوا: إنَّ الجحد لربوبية الله والإنكار لوحدانيته هو شرك بالله وليس بكفر، كما أنَّ الإقرار بذلك توحيد وليس بإيمان، قيل: أفيكون توحيد الله من الفعل ما ليس بإيمان، ويكون شركاً بالله من الفعل ما ليس بكفر، وهذا مما لا يقول به إلاَّ ذو مرار هائج (1) ، أو من به جنة مولعة (2) ، وقد قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، فإن قالوها حقنوا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها (3) .
ولا يكونون يحقنون دماءهم وأموالهم إلاَّ بأن يؤمنوا بالله ورسوله. فدل على أنَّ قولهم: لا إله إلاَّ الله إيمان، فإن قالوا: ليس الإقرار بذلك إيماناً وإنما الإيمان هو المعرفة بالقلب دون الإقرار، والإقرار دلالة على ما في القلب من الإيمان، قيل لهم: وما في الإقرار باللسان مما يدل على ما في القلب؟ أو ليس قد يقر المقر بلسانه على أمر، وفي قلبه خلاف ذلك الذي هو مقر به، ومن أعلم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ والأئمة من بعده بأنَّ في قلوب المقرين بلا إله إلاَّ الله من المعرفة
__________
(1) هاج النبت هيجاً: يبس واصفر. قال تعالى: (ثم يهيج فتراه مصفراً) سورة الحديد آية رقم 20. وهاج الشر، وهاجت الحرب بينهم، وهاجت الإبل: عطشت، وهايج فلان فلاناً: أثاره وقاتله، وتهيج الشيء مبالغة في هاج، والهائج: الفورة والغضب، والهيج: الحرب، وكذلك الهيجاء.
(2) ولع به يولع ولعاً وولوعاً، علق به شديداً، ولج في أمره وحرص على إيذائه، والوالع: الكذاب، والمولع، يقال: رجل مولع فيه لمع من برص به، وفرس مولع: استطال بلقه وتفرق، الولوع: الشديد التعلق.
(3) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان 8، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة 32 (20)، بسنده عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وذكره. ورواه الإمام البخاري في كتاب الإيمان 17، 28، وفي كتاب الاعتصام 2: 28. ورواه الإمام الترمذي في التفسير، سورة 88. والنسائي في الزكاة 3. وابن ماجة في الفتن 1، 3. (2/94)
صفحة 274
بما تقر به ألسنتهم من ذلك، ولو أنَّ ذلك الإقرار لم يكن من نفس الإيمان لما حقنوا به دماءهم وأموالهم، وهذا كله مما يوجب أن يكون الإقرار من الإيمان، مع ما اجتمع عليه أهل التفسير في معنى قول الله: (يا أيها الذين آمنوا) (1) أينما هو في كتاب الله عزّ وجلّ أي أقروا، ولا نعلم لهم في ذلك اختلافاً. فدل ذلك من إجماعهم على أنَّ الإقرار من الإيمان.
وأما الذين زعموا منهم أنَّ الإيمان إقرار باللسان دون المعرفة فيلزمهم أن يكون من جهل الله، واعتقد على أنَّه بخلاف ربوبيته ووحدانيته مؤمناً مع جهله واعتقاده لذلك، مع ما يلزمهم فيمن أخرس الله لسانه، إذ هو عرف الله بقلبه أن يكون غير مؤمن، إذ كان الإيمان لا يكون عندهم إلاَّ الإقرار باللسان فقط، وقد قال الله عزّ وجلّ: (قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) (2) فأضاف الإيمان إلى القلوب كما ترى، وقد قال الله عزّ وجلّ: (وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به) (3) فسمى ما في قلوبهم كفراً، ولن يجوز أن يكون ما في
__________
(1) سورة آل عمران آية: 102، 118، 130، 149، 156، 200، وسورة النساء آية: 19، 29، 43، 59، 71، وسورة المائدة آية: 1، 2، 6، 8، 11، 35، 51، 54، وغير ذلك كثير في كتاب الله تعالى.
(2) سورة المائدة آية رقم 41.
(3) سورة المائدة آية رقم 61، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث لم يذكر لفظ (قد). (2/95)
صفحة 275
قلوبهم من اعتقادهم كفراً، إلاَّ بأن يكون خلاف ذلك من الذي في قلوب المؤمنين من اعتقادهم إيماناً، مع ما روي عن النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ في غير ما رواية أنَّه يقول: الإيمان ها هنا (1) فيشير إلى صدره. وهذا كله مما يدل على أنَّ الإقرار بالله والمعرفة به جميعاً من الإيمان.
ثمَّ يقال للمرجئة جميعاً: أخبرونا عن الإيمان ما هو؟ قالوا: الإقرار بالله أنَّه واحد، والإقرار بمحمد أنَّه رسول الله، وما جاء به أنَّه الحق، قيل لهم: هذه خصال ثلاث بعضها غير بعض، قد يقر بشيء منها من ينكر شيئاً، فإن كان الإقرار بالله أنَّه واحد إيماناً، لأنَّه إقرار بالله بطل أن يكون غيره من الإقرار بمحمد أنَّه رسول الله، إنما كان إيماناً لأنَّه إقرار برسول الله، بطل أن يكون الإقرار بالله أنَّه واحد إيماناً.
ويقال لهم: ما تقولون في الإقرار بموسى وعيسى _عليهما السلام_ بأنَّهما رسولا رب العالمين، والإقرار بغيرهما من المرسلين أنَّهم رسل الله، والإقرار بالبعث والثواب والعقاب، والملائكة والكتب والنبيين، أذلك كله من الإيمان أم ليس من الإيمان؟ فإن قالوا: ليس من الإيمان، قيل لهم: فيجب أن يكون المنكر لرسالة موسى وعيسى وغيرهما من المرسلين مؤمناً مع إنكاره لذلك، ومع إنكاره للبعث والثواب والعقاب، والملائكة والكتب والنبيين، وقد قال الله: (ومن يكفر بالله وملائكته
__________
(1) لم نعثر على هذا الحديث بهذا اللفظ على كثرة البحث والتقصي في كتب السنة والصحاح. (2/96)
صفحة 276
وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً) (1) فسمى كل ذلك إيماناً، فإنَّ قالوا: لا يكون مؤمناً مع إنكاره رسالة أحد من المرسلين، ولا مع إنكاره شيئاً مما ذكرتم، قيل لهم: فنراكم قد أثبتم للإيمان خصائل كثيرة، فلم لا جوزتم لغيركم أن يجعل جميع ما أمر الله به من طاعته، وأوجب عليه ثوابه إيماناً؟ وقد قال الله عزّ وجلّ: (وما أمروا إلاَّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) (2) فسمى صلاتهم وزكاتهم ديناً، وقال: (وما كان لله ليضيع إيمانكم) (3) أي صلاتكم نحو بيت المقدس؛ وذلك أنَّ اليهود قالوا لهم: ما حال صلاتكم نحو بيت المقدس؟ وأنتم تزعمون أنَّ من صلَّى إليها اليوم كافر؟ فأجابهم الله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) فسمى صلاتهم نحو بيت المقدس إيماناً، وقال عزّ وجلّ: (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا) (4) أي يعملون بما في السورة من الفرائض فيزدادوا بذلك إيماناً، وقال: (هو الذي
__________
(1) سورة النساء آية رقم 136.
(2) سورة البينة آية رقم 5.
(3) سورة البقرة آية رقم 143.
(4) سورة التوبة آية رقم 124. (2/97)
صفحة 277
أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) (1) ، فهؤلاء قوم مؤمنون مستكملون الإيمان، قد أخبر الله عنهم أنَّهم مع ذلك يزدادون إيماناً مع إيمانهم، فدل بذلك على أنَّ الإيمان خصائل كثيرة تزداد وتنقص.
ومما تسألنا عنه المرجئة أن قالوا: لم سميتم ببعض الكفر كافراً، ولم تسموا ببعض الإيمان مؤمناً، أو ليس الإيمان أولى بأن يسمى به لفضيلته دون أن يتسمى بالكفر؟ فما جعل التسمية ببعض الكفر أولى من التسمية ببعض الإيمان؟ أو ليس في لغة العرب أنَّ كل اسم مشتق من فعله، وما الاسم الذي يتسمى به من آمن بالله وبمحمد رسول الله، وآمن بجميع رسل الله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر إذا هو ضيع الفرائض، وارتكب القبائح، قيل لهم: سمينا ببعض الكفر كافراً، ولم نسم ببعض الإيمان مؤمناً، لما كانت التسمية بالإيمان مشروطة معلقة باستكمال الإيمان، ولم تكن التسمية بالكفر مشروطة ولا معلقة باستكمال الكفر؛ ولكن كانت التسمية بالإيمان والكفر جميعاً معلقة منوطة بأحكام المسلمين وشروطهم، وقد فرق الله عزّ وجلّ بين أحكام المؤمن وشروطه وبين أحكام الكافر وشروطه، فمن شروط المؤمن: وجوب الولاية والمودة في الدين، والاستغفار له، قال: (رحماء بينهم) (2) وقال: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين
__________
(1) سورة الفتح آية رقم 4.
(2) سورة الفتح آية رقم 29. (2/98)
صفحة 278
والمؤمنات) (1) ، وتجويز الشهادة، وتثبيت العدالة والتزكية، والقيام بأمر دين الله، والأمر بالمعروف وعمله، والنهي عن المنكر وتركه. ومن أحكام الكافر وشروطه: وجوب العداوة والبغضاء والشتم واللعنة، قال: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) (2) الآية، وقال: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) (3) ، وقال: (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) (4) مع تجريح الشهادة، وإبطال العدالة، وإقامة الحدود عليهم: من القطع، والرجم والقتل والجلد، وقال الله عزّ وجلّ في جلد الزانيين: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) (5) ، ولا يجوز أن يكون المجلود المحدود ممن يشهد عذابهما، وقال في القاذف: (ولا تقلبوا لهم شهادة أبداً) (6) ، فلو كان الزاني والقاذف مع فعلهما مؤمنين كانا عدلين، وشهادتهما ماضية مقبولة، وفي جملة المؤمنين عند إقامة الحدود على الزناة داخلين، فلما كان المحدود المجلود ليس هو الذي يشهد عذابهما علمنا أنَّ الزاني والقاذف قد خرجا من جملة المؤمنين، وقال: (ولا تأخذكما بهما رأفة في دين الله) عند إقامة الحدود عليهما، ثمَّ قال يمدح نبيه: (بالمؤمنين رءوف رحيم) (7) ، فلو كان الزانيان مع زناهما مؤمنين كان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بهما رؤوفاً رحيماً، ولو كان الزاني والقاذف والقاتل والسارق
__________
(1) سورة محمد آية رقم 19، وقد جاءت الآية في المطبوعة محرفة حيث قال: استغفر بدلاً من قوله: واستغفر.
(2) سورة المجادلة آية رقم 22.
(3) سورة الأحزاب آية رقم 61.
(4) سورة البقرة آية رقم 159.
(5) سورة النور آية رقم 2.
(6) سورة النور آية رقم 4.
(7) سورة التوبة آية رقم 128. (2/99)
صفحة 279
مع توحيدهم مؤمنين كانوا مفلحين، لقول الله عزّ وجلّ: (قد أفلح المؤمنون) (1) ، ثمَّ وصفهم فقال: (الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون) (2) إلى آخر المدحة، وقال: (إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون) (3) ، ثمَّ بين من هم فقال: (الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) (4) ، ثمَّ أكد ما قلنا بقوله: (أولئك هم المؤمنون حقا) (5) . فلما كانت هذه الشروط معلقة مقرونة بالتسمية بالإيمان تبين أنَّ ذوي الكبائر من أهل التوحيد ليسوا بمؤمنين، ولما كانوا غير مؤمنين ثبت أنَّهم كافرون، وليس بين الاسمين اسم، ولا بين الحكمين حكم، وقال _صلى الله عليه وسلم_: "لا يزني الزاني
__________
(1) سورة المؤمنون آية رقم 1.
(2) سورة المؤمنون آية رقم 2، 3، 4.
(3) سورة الأنفال آية رقم 2.
(4) سورة الأنفال آية رقم 3.
(5) سورة الأنفال آية رقم 4، وتكملة الآية (لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم(. (2/100)
صفحة 280
وهو مؤمن" (1) وقال: "ليس بين العبد والكفر إلاَّ تركه الصلاة" (2) . وفضيلة الإيمان التي ذكروها قد حرمها أهل الكبائر أنفسهم ومنعوها إياها، ولو أنَّهم أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف وعملوه، ونهوا عن المنكر وتركوه لكانوا لتلك الفضيلة حارزين، ولاسمها مستحقين؛ لأنَّ هذه الأسماء التي يسمي الله بها أولياءه من المؤمنين والمتقين والبارين والمهتدين، فإنما هي من مجازاتهم على إيمانهم وبرهم وتقواهم، كما أنَّ الأسماء التي سمى بها أعداءه من الكافرين والظالمين والفاسقين والضالين والفجار مجازاة لهم على أفعالهم وفجورهم وظلمهم، فجعل تسمية كل واحد من الفريقين مجازاة لهم على أفعالهم.
وأما سؤالهم عن الاسم الذي يسمى به من آمن بالله وبمحمد رسول الله، وآمن برسل الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، إذا هو ضيع الفرائض وارتكب الكبائر فإنا نسميه بالذي سماه الله به، فنقول الذي آمن، ولا نقول: "مؤمن"، قال الله عزّ وجلّ: (يا أيها الذين آمنوا) (3) فبذلك يسميهم ويناديهم في كل موضع من كتابه، ونسميه موحداً بالله غير مشرك به، مقراً بالله وبالرسل والملائكة والكتب واليوم الآخر، غير جاحد لذلك ولا منكر له.
__________
(1) الحديث رواه ابن ماجه في كتاب الفتن، 3 باب النهي عن النهبة 3936، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن".
(2) رواه الإمام مسلم، وأبو داود والترمذي عن جابر بن زيد _رضي الله عنه_ بلفظ: "بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة". وهذه رواية مسلم، وفي رواية الترمذي: "بين الكفر والإيمان ترك الصلاة"، وله في أخرى: بين العبد وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة، وفي أخرى: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة، وفي رواية أخرى رواها النسائي والترمذي عن بريدة _رضي الله عنه_ قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".
ورواية الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، وأبو داود في السنة، باب في رد الإرجاء، والترمذي في الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، ورواية النسائي في الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة. ورواه أيضاً أحمد في المسند، وابن ماجه والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. وهو حديث صحيح، ورواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس، مسند الربيع 1: 61.
(3) سورة البقرة آية رقم 90. (2/101)
صفحة 281
وأما قولهم: إنَّ كل اسم في لغة العرب مشتق من فعله، فإنا نجد ها هنا أفعالاً كثيرة وليس لها أسماء مشتقة منها؛ وذلك أنا نجد من يبني بيتاً واحداً، ويخيط ثوباً واحداً، ويصوغ خاتماً، لا يسمى بانياً، ولا خياطاً، ولا صائغاً، لقلة استمراره على الفعل بذلك، وإنما الاسم للغالب، وكذلك الذي أقر بالله، وترك ما سوى ذلك من فعل الإيمان لا يسمى مؤمناً، وقال عزّ وجلّ في المنافقين: (ولا يذكرون الله إلاَّ قليلاً) (1) ، وقال: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقاً) (2) ، وقال: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) (3) فدل على أنَّ من كان معه بعض الإيمان وبعض الكفر أنَّه الكافر حقاً، وعلى هذا المعنى جاءت التسمية بأسماء الدين وأحكامه؛ لأنَّه لا يخلو هذا الذي معه بعض الإيمان وبعض الكفر من أن يكون يسمى بهما جميعاً، أو يكون يسمى بأحدهما دون الآخر، فبطلت التسمية بهما جميعاً، إذ لا يجوز أن يكون يجري عليه حكمان مختلفان متضادان، فيكون من أهل الولاية (4) والمودة والرحمة والاستغفار ووجوب الثواب العظيم، ثمَّ هو من أهل العداوة والبغضاء واللعنة ووجوب العقاب الأليم. فلما استحال أن يجتمع عليه هذا الحكمان استحال أن يوصف بأسمائهما، وبطل أيضاً أن يسمى مؤمناً،
__________
(1) سورة النساء آية رقم 142، وقد جاءت الآية في المطبوعة بدون (الواو)، حيث قال "لا".
(2) سورة النساء آية رقم،151، وتكملة الآية (واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً(.
(3) سورة البقرة آية رقم 85، وتكملة الآية (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاَّ خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون(.
(4) الولاية لغة: القرب والقيام للغير بالأمر والنصر، والاهتمام بالمصالح، والحفظ، والاتصال، يقال فلان موال لفلان إذا كان مقرباً له، وقائماً بأمره، ونصره، ومهتماً بمصالحه، وحافظاً لغيبته، ومتصلاً به.
قال القطب: وعلى هذا تنبني الولاية الشرعية. وخالفه الشيخ السالمي في ذلك فقال: أما ولاية الله لعباده فهي توفيقه إياهم لطاعته، وإعانتهم عليها، ونصرته لهم على أعدائهم. راجع مشارق أنوار العقول 337 ـ 355 بتصرف. (2/102)
صفحة 282
للذي معه من الفعل الذي يستحق فاعله ما ذكرنا من العداوة والبغضاء والشتمة واللعنة، ووجوب العقاب الأليم، وتجريح الشهادة، وبطلان العدالة، وغير ذلك مما ذكرناه وما لم نذكره. فلما بطل هذان الوجهان عن مرتكب الكبائر، المضيع للفرائض بطل أن يسمى مؤمناً، ولم يبق إلاَّ التسمية بأنَّه كافر، وها أنتم تسمون القدرية ضالين غير مهتدين، على ما معهم من الهدى الذي هو توحيد الله وحده، والإقرار بنبيه وكتابه ورسله واليوم الآخر، وغير ذلك من دين الله، وما سميتموهم ضالين إلاَّ بتكذيبهم القدر، ولم تسموهم بجميع ما معهم من الهدى مهتدين، وسميتم الخوارج مارقين من الدين مبتدعين، وقد علمتم ما هم عليه وفيه من الدين، بأنَّهم يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم راكعون، ولم تنقموا منهم إلاَّ لأنَّهم يكفرونكم ويستعرضونكم بالسيف، فسميتموهم مارقين من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، مبتدعين خارجين من الدين (1) ، ولم تلتفتوا إلى ما هم عليه وفيه من دين الله، والقيام بأمره، والعمل بكتابه وسنة رسوله _صلى الله عليه وسلم_ فتسمونهم بما معهم من ذلك، داخلين في الدين غير خارجين منه ولا مارقين، ومتبعين للسنة غير مبتدعين. فهذا كله منكم معنى ما أنكرتم.
__________
(1) الدين: يقال للطاعة والجزاء، واستعير للشريعة، والدين كالملة لكنه يقال اعتباراً بالطاعة والانقياد للشريعة. قال تعالى: (ومن أحسن من الله ديناً) النساء آية 125، أي طاعة، وقوله: (لا تغلو في دينكم) النساء 171، حث على اتباع دين النبيّ _صلى الله عليه وسلم_.
وقال بعضهم: الدين الجزاء، دنته ديْناً وديناً والإسلام، وقد دنت به، والعادة، قال:
تقول إذا درأت لها وضيني أهذا دينه أبداً وديني
= والطاعة، والغلبة، والحكم، والتوحيد، وفي الحديث: إنَّ الدين يسر، وفيه: إنَّ دين الله الحنيفية السمحة، وقال: إنَّ الدين متين فأوغل فيه برفق.
والدين: ورد في القرآن بمعنى التوحيد والشهادة: (إن الدين عند الله الإسلام) آل عمران آية 19، وبمعنى الحساب والمناقشة، قال تعالى: (الذين يكذبون بيوم الدين) سورة المطففين آية 11، وبمعنى الملة، قال تعالى: (وذلك دين القيمة) البينة، آية 5. (2/103)
صفحة 283
باب الوعد والوعيد والرد على من قال بغير الحق في ذلك.
ثمَّ اختلف الناس في إثبات وعد الله ووعيده على اختلافهم في التسمية بالإيمان، فقالت المرجئة والحشوية (1) : كل من سميناه بأنَّه مؤمن للذي أتى به من توحيد الله عزّ وجلّ، مع تضييعه ما أمر الله به من الفرائض التي هي دون التوحيد، ومع ركوبه الذي نهى الله عنه من المعاصي التي هي دون الشرك، فواجب له وعد الله عزّ وجلّ بثوابه في المعاد (2) على كل حال، وتوقفوا في إنجاز وعيد الله لمن كان بهذه الصفة التي ذكرناها، واضطربت فيه كلمتهم، وتشتت أمرهم، فمن قائل يقول: بأنَّ أمة محمد لا تعرض على النار، ومن قائل يقول بأنَّه يعذب المذنبين منهم على قدر ذنوبهم، ثمَّ يخرجون فينجز لهم بعد ذلك ما وعد لهم من الثواب، ومن قائل بالتوقف عن ذلك، والشك فيه، ولذلك سموا مرجئة؛ لأنَّهم أرجوا أهل الكبائر، أي أخروهم، وتركوا القول فيهم، ولم يقطعوا عليهم عذراً، وقيل سموا مرجئة لأنَّهم أرجوا العمل، ولم يجعلوه إيماناً مع القول، وفي مثل هذا من القول ما روي عن النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ (لعنت المرجئة على لسان
__________
(1) الحشوية: فرقة من الفرق الإسلامية، أجمعت على الجبر والتشبيه، وينكرون الخوض في الكلام والجدل، ويقولون على التقليد وظواهر الروايات والتشبيه، ولهذا تسمى بالمشبهة، وتنسب هذه الفرقة إلى محمد بن كرام الذي نشأ في سجستان، وتوفي في بيت المقدس سنة 869 م. راجع دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص 138، والفرق بين الفرق عند الحديث عن الكرامية ص 215، وانظر اللباب 3: 32، ولسان الميزان 5: 353.
(2) المعاد: مما دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه، وأقام الدليل عليه، قال تعالى: (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) سورة الحاقة، آية 18، والمكذب به مرتد عن دينه لأنَّه أنكر ما عرف من الدين بالضرورة. راجع أضحوية في أمر الميعاد لابن سينا. (2/104)
صفحة 284
سبعين نبياً) قيل: وما المرجئة يا رسول الله؟ قال: (الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل) (1) ، وقيل: إنَّهم سموا مرجئة لأنَّهم أرجأوا علياً ولم يعدوه رابعاً من الخلفاء، وعلى هذا كله أنَّهم مرجئة فقط.
واتفق جمهور من ذكرنا في صدر المقالة من الأمة على أنَّ الله منجز وعده ووعيده، ومصدقهما بتمام ذلك، وإمضائه في جميع من وعده وتوعده لا تبديل لكلمات الله، ولا تحويل لأمره، قال عزّ وجلّ: (لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) (2) ، وقال: (إن الله لا يخلف الميعاد) (3) ، وقال: (جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون) (4) ؛ وذلك أنَّ الله عزّ وجلّ وعد قوماً وتوعد آخرين، فجعل وعده الجنة لأوليائه المؤمنين، وجعل وعيده النار لأعدائه الكافرين، ولن يجوز أن يكون وعده أو وعيده مبدلاً ولا محولاً، ولا مستثنى فيه، ولا مرجوعاً عنه، إذ لا يجوز أن تكن أخباره _جلّ جلاله_ متكاذبة ولا متناقضة، فلو كان وعده أو وعيده مبدلاً أو محولاً، أو مستثنى فيه لكانت جميع أخباره _جلّ جلاله_ ذات تكاذب وتناقض (5) ، وهل
__________
(1) الحديث أخرجه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح 3: 201، في باب الحجة على من قال: إنَّ الإيمان قول بلا عمل. ورواه الدارقطني في السنن عن علي _رضي الله عنه_، وقال السيوطي في الجامع الصغير ضعيف.
(2) سورة ق آية رقم 29.
(3) سورة الرعد آية رقم 31.
(4) سورة الأنعام آية رقم 146.
(5) نقض الشيء: أفسده بعد إحكامه، ونقض اليمين أو العهد نكثه، ونقض ما أبرمه فلان أبطله، وناقض غيره خالفه.
والتناقض في اصطلاح الفلاسفة: هو اختلاف تصورين أو قضيتين بالإيجاب والسلب.
وقال ابن سينا: التناقض هو اختلاف قضيتين بالإيجاب والسلب بحيث يلزم عنه لذاته أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة. والتناقض عند الأصوليين: هو تقابل الدليلين المتساويين على وجه لا يمكن معه الجمع بينهما، ويسمى بالتعارض أو المعارضة.
ومبدأ النقيض: "هو القول إنَّ الشيء نفسه لا يمكن أن يكون حقاً وباطلاً معاً". راجع منطق المشرقيين ص 7، والتعريفات 60، والكليات 2: 91، 92. (2/105)
صفحة 285
الوعد والوعيد إلاَّ أخبار منه _عزّ وجلّ_ بأنَّه أعد للفريقين ما وعدهم به وتوعدهم، وقال: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين) (1) ، وقال: (قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا) (2) ، وكيف يخبر بأنَّه أوعد ما لم يوعد، أو وعد ما لم يعد؟ أو يكون يعد ويوعد ثمَّ لا يفي بما وعد، ولا بما أوعد؟ ولا يوجد شيء من ذلك على ما أخبر به. وهذا غاية الوصف لله _جلّ جلاله_ بالكذب، تعالى الله عما يقول المبطلون علواً كبيراً، وقال الله عزّ وجلّ في إبليس: (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلاَّ غروراً) (3) فحاش لله أن تكون مواعيده كمواعيد الشيطان، ولعل قائلاً يقول: فإنا قد وجدنا ها هنا فيما بيننا من خلف التوعد ما قد يكون تارة من الكرم والجود والأفضال،
__________
(1) سورة آل عمران آية رقم 131.
(2) سورة الحج آية رقم 72، وتكملة الآية: (وبئس المصير).
(3) سورة النساء آية رقم 120. قال الفخر الرازي: والغرور هو أن يظن الإنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ ثم يتبيّن اشتماله على أعظم الآلام والمضار، وجميع أحوال الدنيا كذلك. راجع التفسير الكبير 6: 51. (2/106)
صفحة 286
فلم لا جوزتم على الله _جلّ ثناؤه_ أن يكون يتوعدهم، ثمَّ هو لا يفي لهم بذلك؟ قيل له: ويحك قد ناظرت ما لم يكن نظيراً، وشبهت ما ليس بشبيه؛ وذلك أنَّ أحداً منا قد يعد ويوعد، وهو لا علم له بالذي تصير إليه عاقبة وعده وتوعده، ثمَّ يكون من بعد ذلك تبدو له أمور يتبين بها أنَّ عاقبة وعيده إذا هو أمضاه تصير إلى فساد، وتنتهي إلى هلاك، فيرى أنَّ الخلف للذي توعد به أصلح من إمضائه وإتمامه، فيقصر عندما بدا له من إنجاز ما توعد به، والله عزّ وجلّ غير موصوف بأن يكون يجهل عاقبة أمر من الأمور، فيكون يبدو له ما لم يكن يعلم من ذلك، ولو كان الله عزّ وجلّ يعد أحداً أو يتوعده، ثمّ هو لا يفي له بذلك لوقع التوهم في جميع موعوداته (1) عزّ وجلّ، والشك في جميع أخباره ألا يأتي شيء منها على ما وعد ولا على ما أخبر، وهذا إبطال التصديق لله عزّ وجلّ في جميع ما يخبر به أو يعده أو يتوعد به، ولا يخلو المتوهم لهذا، والقائل به من أن يكون غبياً منقوصاً، أو سفيهاً عبثاً، تعالى الله عن ذلك، ولعله يقول: أو ليس الله جلّ جلاله رحيماً بخلقه، غنياً عن عذابهم يمن
__________
(1) راجع ما كتبه صاحب منهج الطالبين عن الوعد والوعيد، والرد على القائلين بأنَّ الله سبحانه وتعالى ينجز وعده ولكنه يمكن أن يخلف وعيده 1: 48. (2/107)
صفحة 287
برحمته (1) ، ولا يظلم بعذابه، وهو قد وعد ثوابه على الطاعة، وتوعد بعقابه على المعاصي، فلم جعلتم ما توعد به من العقاب أمضى وأنجز من الذي وعد به الثواب؟ قيل له: لسنا ننكر بل نقول بأنَّ الله عزّ وجلّ رحيم بخلقه، لطيف بعباده، يمن بالرحمة، ولا يظلم بالعذاب. ومعنى ذلك: أنَّه متفضل على خلقه برحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، على غير استحقاق منهم، ولا استيجاب، ولا يظلم بالعذاب فيؤاخذهم على غير ما عملوا، أو يعذبهم على ما لم يفعلوا، وليس هذا من الذي قلنا بأنَّه يثيب أولياءه بأعمالهم على ما وعدهم، ويعاقب أعداءه على ما توعدهم في شيء.
ومسألة إيانا بأن قال: لم جعلتم ما توعد به من العقاب أمضى وأنجز من الذي وعد به من الثواب، مسألة ساقطة ومعارضة واهية من وجوه كثيرة؛ وذلك أنَّه لا يخلو ما سأل عنه في هذا المعنى من وجوه ثلاثة: إما أن يكون الله عزّ وجلّ يجمع لهم الثواب والعقاب جميعاً، فيكونون معذبين مثابين في حال واحدة، فهذا من أمحل المحال الذي لا يتوهم وجوده، أو يكون يقدم أحدهم على الآخر، فيكون المقدم منقطعاً زائلاً، والمؤخر متصلاً باقياً، فأيهما المتصل وأيهما المنقطع؟ فكل ما ثبت من ذلك دون الآخر فهو دعوى منه بغير دليل، فمن أراد أن يثبت دعواه بغير دليل أو بما لا تثبت به الدعوى فهو متحكم.
__________
(1) قال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون) الأعراف آية 156. (2/108)
صفحة 288
والوجه الثاني أن يكون الله أثاب على بعض الطاعات، وترك العقوبة على بعض المعاصي، فإنَّا لسنا نجد للثواب على شيء من فعل الطاعات وجهاً، إلاَّ بأن يكون المثاب ليس معه من فعل المعاصي التي توعد الله عليها العقاب، وأما إذا كان معه من فعل ما توعد الله عليه العقاب فلا؛ لأنَّ في ذلك إبطال وعيد الله عزّ وجلّ وتكذيب خبره، فلما بطل هذان الوجهان لم يبق إلاَّ الوجه الثالث بأن يكون المثاب ليس معه فعل شيء مما توعد الله عليه العقاب، فيكون الثواب حينئذ للمؤمنين المستكملين الإيمان على ما وعدهم، كيف وعدهم، والعقاب للكافرين الراكبين ما وعدهم عقابه عليه، فهذا الذي قلنا.
ووجه آخر في سقوط مسألته: أنَّه لا يخلو المثاب المعاقب من أن يكون مؤمناً وكافراً جميعاً، أو مؤمناً دون كافر، أو كافراً دون مؤمن، فبطل أن يكون مؤمناً كافراً معاً، لما في ذلك من الاختلاط الذي لا يسوغ به قول، ولا يوصف معه حكم، وأن يكون مؤمناً معذباً في النار، معاقباً في الجحيم. فهذا غاية التكذيب لله عزّ وجلّ، قال: (أولئك عنها مبعدون) (1) في أمثالها، أو أن يكون كافراً دون مؤمن، فيكون معذباً على كفره، معاقباً على عصيانه لربه، فهو ما نقول.
__________
(1) سورة الأنبياء آية رقم 101. قال الفخر الرازي: قال أهل العفو: معناه أولئك عنها مخرجون، واحتجوا عليه بوجهين الأول: قوله تعالى: (وإن منكم إلاَّ واردها) سورة مريم آية 71. أثبت الورود وهو الدخول، فدّل على أنَّ هذا الإبعاد هو الإخراج.
الثاني: إنَّ إبعاد الشيء عن الشيء لا يصح إلاَّ إذا كانا متقاربين لأنَّهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر؛ لأن تحصيل الحاصل محال. راجع التفسير الكبير 11: 266. (2/109)
صفحة 289
ووجه آخر في سقوط مسألته: أنَّه لو كان مثاباً معاقباً لم يخل من أن يكون من أهل الثواب في الجنة أو من أهل العقاب في النار، أو من أهلهما جميعاً، فبطل أن يكون من أهلهما جميعاً، لما في ذلك من غاية الفساد، أو أن يكون من أهل الجنة، فيكون معذباً معاقباً في النار، وهذا غاية التكذيب لله عزّ وجلّ. وقد قال: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا) (1) ، أو أن يكون من أهل النار معذباً على عصيانه لربه وكفره به، فهو ما قلنا، ويبطل عنه عند ذلك أن يكون من أهل الجنة ومن أهل الثواب.
ووجه آخر: أنَّه لو جاز أن يكون مثاباً معاقباً لم يخل أن يكون من أهل ولاية الله أو من أهل عداوته، فإن كان من أهل ولاية الله فالله غير معاقب من كان له ولياً (2) ، أو يكون من أهل عداوة الله فإنَّ الله لا يكون مثيباً بجنته من هو له عدو ومن أهل عداوته، فهذا الذي قلنا.
ووجه آخر في سقوط مسألته: أنَّه لو جاز أن يدخل النار من يخرج منها ليجوزن أن يدخل الجنة من يخرج منها.
__________
(1) سورة الفرقان آية رقم 24.
(2) قال تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). سورة يونس آية رقم 62. (2/110)
صفحة 290
ووجه آخر: لو جاز أن يدخل النار مؤمن لجاز أن يدخل الجنة كافر.
ووجه آخر في سقوط مسألته: أنه لا يخلو هذا المثاب المعاقب من أن يكون خالداً في الجنة أو خالداً في النار، أو خالداً فيهما جميعاً، فبطل أن يكون خالداً فيهما جميعاً، لما في ذلك من المحال الذي لا يتوهم كونه، أو أن يكون خالداً في الجنة، فهذا أيضاً لا يجوز أن يسمى خالداً في الجنة، وهو قد خلد في النار زماناً كثيراً ودهراً طويلاً، أو أن يكون خالداً في النار، فهو الذي قلنا: إن مَن دخلها فهو خالد فيها، قال عزّ وجلّ: (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم) (1) ، وقال: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون) (2) ، وقال: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) (3) ، وقال: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً) (4) ، وقال: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلاَّ بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهانا إلاَّ من تاب) (5) ، وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاَّ أن تكون تجارة عن تراض
__________
(1) سورة المائدة آية رقم 37.
(2) سورة الزخرف آية رقم 77.
(3) سورة السجدة آية رقم 20.
(4) سورة النساء آية رقم 93.
(5) سورة الفرقان آية رقم 68، 69، 70، وتكملة الآية: (وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً) سورة الفرقان آية رقم 70. (2/111)
صفحة 291
منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً) (1) وقال: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً) (2) وقال: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) (3) وقال: (أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً) (4) وقال: (ويل للمطففين) (5) وقال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) (6) وقال: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض _إلى قوله_: إلاَّ تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً) (7) وقال: (يا أيها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلاَّ متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) (8) . وهذا كلّه من كتاب الله عزّ وجلّ وعيد لأهل الكبائر من أهل الملة على كبائرهم، أو يقول قائل: إنه وعيد للمشركين على هذه الكبائر، وليس بوعيد لأهل الكبائر من أهل التوحيد؟ ويقال عند ذلك: فكذلك النهي عن هذه الكبائر إنما هو نهي للمشركين، وليس هو لأهل الكبائر من أهل التوحيد، لما كان هذا
__________
(1) سورة النساء آية رقم 29، 30.
(2) سورة النساء آية رقم 10.
(3) سورة التوبة آية رقم 34، 35، وقد جاءت الآية محرّفة في المطبوعة حيث قال: (إن الذين) بدلاً من (والذين).
(4) سورة مريم آية رقم 59.
(5) سورة المطففين آية رقم 1.
(6) سورة البقرة آية رقم 278، 279.
(7) سورة التوبة آية رقم 38.
(8) سورة الأنفال آية رقم 15، 16. (2/112)
صفحة 292
الوعيد جاء مقروناً بهذا النهي، ولا يجد في ذلك فرقاً أبداً، مع ما في قوله بذلك من الفساد الذي لا تتوهم غايته ولا تكيف نهايته، إذا كان الوعيد للمشركين أن يكون الله إنما حضّ المشركين على أن لا يولوا أدبارهم للمسلمين، ويتوعدهم على أن فعلوا ذلك فيقول: (ومن يولي دبره من المشركين للمؤمنين فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) ويقول للمشركين: (وما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) (1) ، ويقول لهم: (إلا تنفروا) فتغزوا المؤمنين يعذبكم عذاباً أليماً، ويقول للمشركين: (لا تكنزوا الذهب والفضة ولكن أنفقوهما في سبيل الله الذي أنتم عليه) من قتالكم محمداً _رسول الله_ وجهادكم المؤمنين، وهذا من الهذيان (2) الذي لا يتكلّم به إلاَّ المجنونون المغلوبون على عقولهم، أو مَن هو في مثل حالهم. فإن سألوا عن قول الله عزّ
__________
(1) سورة التوبة آية رقم 38، وتكملة الآية: (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاَّ قليل(.
(2) هذى فلان هذياً وهذياناً: نكلّم بغير معقول لمرض أو غيره فهو هاذٍ وهذَّاء، ويقال: هذى فلان بالشيء إذا ذكره هذيانه. والهذيان: اضطراب عقلي مؤقت يتميّز باختلاط أحوال الوعي. (2/113)
صفحة 293
وجلّ: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (1) قيل لهم: فقد قال الله أيضاً: (إن الله يغفر الذنوب جميعاً) (2) ، ولم يخص ذنباً من ذنب، ولا غير شرك من شرك. فيجب بهذا من قول الله أن يكون يغفر الشرك وغير الشرك، والقرآن يصدقه بعضه بعضاً، ولا يكذب بعضه بعضاً. والذي قال أهل التفسير في تأويل قول الله عز وجلّ: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) يقول: لا يتجاوز عن شرك لقيه به عبده، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن يشاء، فقالوا :إنما دون الكبائر مغفور لأهله متروك لهم، إذا هم اجتنبوا الكبائر، فوقع الغفران على الصغائر التي يوجب عليها العقاب، وأكد ذلك بقوله: (إن تجتبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (3) فدلّ على أنهم إن اجتنبوا الكبائر كفرت عنهم سيئاتهم التي هي دون الكبائر، فإنَّ لم يجتنبوها فلا، وقوله عزّ وجلّ: )لمن يشاء( فقد شاء أن يغفر لمجتنب الكبائر ما دون الكبائر، ولم يشأ أن يغفر لمرتكبها إذا هو لقي الله بها، وقال عزّ وجلّ: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللمم) (4) يريد من ألَمَّ
__________
(1) سورة النساء آية رقم 48.
(2) سورة الزمر آية رقم 53.
(3) سورة النساء آية رقم 31، وقد جاءت الآية محرّفة في المخطوطة حيث قال (يكفر) بدلاً من (نكفر).
(4) سورة النجم آية رقم 32. (2/114)
صفحة 294
منهم بما دون الكبائر، فقال: (إن ربك واسع المغفرة) (1) وهو تأويل سهل قريب، والحمد لله.
ولو كان قوله: (لمن يشاء) على ما ذهبوا إليه أنها كانت لغواً ليست باستثناء كان يكون قوله عزّ وجلّ: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله أحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء) (2) أن يكون اليهود (3) والنصارى (4) مغفوراً لهم بغير استثناء ولا شريطه، ولو كان ما ذهب إليه أهل الإرجاء أن ما دون الشرك مغفور لأهله، غير مؤاخذين به على حال لكان يجب أن يغفر للمشركين ما دون شركهم من معاصيهم التي هي: قتلهم للمؤمنين، وسفكهم لدمائهم، وأخذهم لأموالهم، وقتلهم لأولادهم سفهاً بغير علم، وفعلهم الفواحش التي نهاهم الله عمّا ظهر منها وما بطن، وشربهم للخمور وبيعهم لها من الذي لعنوا عنه، وتركهم النهي عن المنكر الذي لعنوا به على لسان داود وعيسى ابن مريم، فيكون المشركون مغفوراً لهم هذه الأفعال وأمثالها من معاصي الله عزّ وجلّ؛ لأنه قال: (لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) (5) جميعاً على مقالتهم.
__________
(1) سورة النجم آية رقم 32، واللمم: هي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلاَّ من عصمه الله وحفظه، وقد اختلف في معناها، فقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي: اللمم كل ما دون الزنى. وقال ابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وحذيفة ومسروق: إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة. وقال ابن عباس: هو الرجل يلم بذنب، قال ألم تسمع النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ كان يقول:
إن يغفر الله يغفر جماً وأي عبد لك لا ألما
ودليل هذا قوله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) سورة آل عمران آية رقم 135، ثم قال: (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربّهم) سورة آل عمران آية 136. فضمن لهم المغفرة كما قال عقيب اللمم: (إن ربك واسع المغفرة) سورة النجم. راجع تفسير القرطبي 10709.
(2) سورة المائدة آية رقم 18.
(3) نسبوا إلى يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام، فقلبت العرب الذال دالاً؛ لأنَّ الأعجمية إذا عرَّبت غيرت عن لفظها، وقيل: سموا بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل. هاد: تاب، والهائد التائب. قال الشاعر: إني امرؤ من حبه هائد أي تائب، وفي التنزيل: (إنا هدنا إليك) أي تبنا. وقال ابن عرفة: هدنا إليك أي سكنا إلى أمرك، والهوادة السكون والموادعة.
(4) النصارى: جمع واحد نصراني، وقيل: نصران بإسقاط الياء، وهذا قول سيبويه، والأنثى نصرانة، كندمان وندمانة، وهو نكرة يعرف بالألف واللام. قال الشاعر:
صدّت كما صدّ عمّا لا يحَّلُ له ساقي نصارى قُبيل الفِصْح صُوّام
فوصفه بالنكرة. وقال الخليل: واحد النصارى نصري، كمهري ومهارى، وأنشد سيبويه شاهداً على قوله:
تراه إذا دار العشا متحنفا ويُضْحي لديه وهو نصرانُ شامِس
ولكن لا يستعمل نصران ونصرانة إلاَّ بياءي النسب؛ لأنهم قالوا: رجل نصراني وامرأة نصرانية، ونصّره جعله نصرانياً. وفي الحديث: فأبواه يهودانه أو ينصرانه. وقال عليه السلام: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثمّ لم يؤمن بالذي أرسلت به إلاَّ كان من أصحاب النار.
(5) سورة النساء آية رقم 48. (2/115)
صفحة 295
وهذا بحمد الله بيّن لمَن أراد الله توفيقه وهداه، فإن قالوا: وقول الله عزّ وجلّ لبني إسرائيل: (وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم) (1) قيل لهم: قد قال أهل التفسير بأن الله أمر بني إسرائيل بأن يقولوا حطة، أي أحطط عنا ذنوبنا (فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم) (2) فقالوا: حنطة، وليس هذا من الذي يذهب إليه أهل الإرجاء في شيء: أن مَن قال لا إله إلاَّ الله غفرت له جميع ذنوبه، وهو مقيم عليها، مصرّ على فعلها، ولم يكن بنو إسرائيل قوماً مشركين بالله حتى يكون الله عزّ وجلّ يأمرهم بأن يقولوا لا إله إلاَّ الله ليغفر بها خطاياهم، بل هم كانوا مع موسى عليه السلام على دينه من لا إله إلاَّ الله، مقرّين بموسى (3) وهارون أنهما رسولا ربّ العالمين.
باب القول في حجة الله على الخلق كيف قامت وبم قامت، والرد على مَن قال بغير الحق في ذلك.
اختلف مَن أثبت الوعيد لأهل الكبائر وأسمائهم، وفي كبائرهم ما هي؟ بعد إجماعهم على ثبوت الوعيد لهم، ونفي التسمية عنهم بالإيمان، فقالت الصفرية (4) : إن كبائرهم كفر شرك، وأسماءهم كفار مشركون، محاربون كأهل حرب النبيّ _صلى الله عليه وسلم_، تسفك دماؤهم، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم، وهم مع ذلك قد تورث أموالهم، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم، ويحج معهم، ويصلي معهم، فقسمت الأزارقة (5) واختارت، فأخذوا ما أحبوا، وتركوا ما كرهوا.
وقالت المعتزلة: كبائرهم فسق وضلال ليست بكفر، وأسماؤهم فاسقون
__________
(1) سورة البقرة آية رقم 58، وتكملة الآية: (وسنزيد المحسنين(، وقد جاءت محرّفة في المطبوعة، حيث قال: يغفر بدلاً من (نغفر).
(2) سورة البقرة آية رقم 59، وتكملة الآية (فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون(، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة بزيادة لفظ ظلموا (منهم).
(3) موسى: اسم معرَّب، أصله موشا، ومو بالعبرية الماء، وشا الشجر سمى به لأنه وجد في الماء والشجر الذي كان حول قصر فرعون في عين الشمس وهو موضع بمصر لا ينبت شجر البَلَسان إلاَّ فيه، سئل النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ ما بال الله أكثر ذكر موسى في القرآن الكريم؟ فقال: لأن الله يحبه ومَن أحبّ شيئاً أكثر ذكره. راجع بصائر ذوي التمييز 6: 61 وما بعدها.
(4) هم أتباع زياد بن الأصفر. وقولهم في الجملة كقول الأزارقة في أن أصحاب الذنوب مشركون، غير أن الصفرية لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم، والأزارقة يرون ذلك، وهم ثلاث فرق. ويرى صاحب الأصول الإباضية أن التقية عندهم توجب في القول أمَّا العمل فلا. راجع دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص 14، والفرق بين الفرق ص 90، ومقالات الإسلاميين 1: 169، والتبصير ص 31، والملل والنحل للشهرستاني 1: 137.
(5) الأزارقة: هم أتباع نافع بن الأزرق الحنفي المكنَّى بأبي راشد، ولم تكن للخوارج فرقة أكثر عدداً ولا أشدّ منهم شوكة، ويرون أن صاحب الكبيرة كافر كفر شرك. وزعم نافع أن دار مخالفيهم دار كفر ويجوز فيها قتل الأطفال والنساء، وأنكرت الأزارقة الرجم كما يقول صاحب كتاب الفرق بين الفرق. راجع مقالات الإسلاميين 1: 157، والتبصير 29، والملل والنحل للشهرستاني 1: 118، ودراسات في الأصول الإباضية ص 138. (2/116)
صفحة 296
ضالون ليسوا بكافرين ولا مؤمنين، فأثبت هؤلاء منزلة ثالثة، ليست بإيمان ولا كفر، وادّعوا اسماً ثالثاً لا مؤمناً ولا كافراً.
وقالت الإباضية والزيدية (1) : كبائرهم كفر نفاق لا كفر شرك، وأسماؤهم كافرون منافقون، ليسوا بمشركين ولا مؤمنين (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) (2) لا إلى المشركين في الحكم والسيرة، ولا إلى المؤمنين في الاسم والثواب، كما قال عزّ وجلّ: (ما هم منكم ولا منهم) (3) ، نفاهم من المؤمنين أن يكونوا معهم في التسمية بالإيمان والمودة في الدين، ونفاهم من المشركين أن يكونوا معهم في التسمية بالشرك وأحكام المشركين. فهذه أحكام ثلاثة لأسماء ثلاثة: القتل للمشركين، والسبي والغنيمة، وتحريم الذبائح، وتحريم المناكحة والموارثة والمدافنة معهم، إلاَّ ما يحل من أهل العهد من ذلك.
وتحريم القتل للمنافقين، إذا هم لم يظهروا نفاقهم، وتحريم السبي والغنيمة منهم، وتحليل الذبائح والمناكحة والموارثة والمدافنة معهم، وتجريح شهادتهم، وإبطال عدالتهم، وإقامة الحدود عليهم وفيهم، ولذلك يروى عن الحسن (4) أنَّه قال: إنَّ الحدود في المنافقين، وللمؤمنين وجوب الولاية والمودة والمحبة في الدين، والاستغفار لهم، وتجويز شهادتهم، وإثبات عدالتهم، والتزكية لهم، فهذه أحكام ثلاثة لأسماء ثلاثة، قال الله عزّ وجلّ: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض
__________
(1) الزيدية: فرقة من فرق الشيعة، فنسبها يعود إلى زيد بن علي بن الحسين، وهي أقرب الفرق الشيعية إلى السنة.
فالإمامة عندهم تكون عن طريق الخيار في نسل العلويين والفاطميين، وأنّ إمامة علي تمت عن طريق الوصف لا عن طريق التشخيص الثابت، فهم لا يتبرأون من أبي بكر وعمر وابن الخطاب، ولا يطعنون في خلافتهما، فهم يجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وقد تأثروا في عقائدهم بمدرسة المعتزلة. راجع الأصول الإباضية ص 140، ومقالات الإسلاميين 1: 129، ومروج الذهب 3: 220.
(2) سورة النساء آية رقم 143، وتكملة الآية (ومن يضلل الله فلن تجد له نصيرا) .
(3) سورة المجادلة آية رقم 14، وتكملة الآية (ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) .
(4) لعله الحسن بن يسار البصري أبو سعيد، تابعي، كان إمام أهل البصرة، وحبر الأمة في زمنه، ولد عام 12 هـ، وتوفي عام 110 هـ. راجع تهذيب التهذيب، ووفيات الأعيان، وميزان الاعتدال 1: 254، وحيلة الأولياء 2: 131. (2/117)
صفحة 297
والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً، ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيماً) (1) فجعلهم ثلاث منازل معروفة غير مجهولة في كتاب الله عزّ وجلّ، وقال عزّ وجلّ في المنافقين: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم) (2) يقوله للمؤمنين، أي في النصر والتسمية بالإيمان والوفاء، فقال عزّ وجلّ تكذيباً للمنافقين: (وما هم منكم) (3) يقوله للمؤمنين، أي ليسوا منكم في الوفاء، ولا تجرى عليهم أسماؤكم، ثم بين ما الذي لم يكونوا به من المؤمنين فقال: (ولكنهم قوم يفرقون) (4) أي يجبنون عن الحرب وعن قتال العدو، فبذلك ومثله من أفعالهم،لم يكونوا من المؤمنين، ثم قال: (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم) (5) يقول: قد علموا ذلك ودلّ على أنهم من أهل التصديق. وقال مفرقاً بين المؤمنين والمنافقين: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله) (6) إلى آخر الآية، ثم قال: (والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله) (7) يعني النفقة في سبيل الله، فبين ما به فرق بين المؤمنين
__________
(1) سورة الأحزاب آية رقم 73.
(2) سورة التوبة آية رقم 56.
(3) سورة التوبة آية رقم 56 .
(4) سورة التوبة آية رقم 56.
(5) سورة التوبة آية رقم 63.
(6) سورة التوبة آية رقم 71، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: المؤمنون بدلاً من (والمؤمنون).
(7) سورة التوبة آية رقم 67، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: (والمنافقون) بدلاً من (المنافقون). (2/118)
صفحة 298
وبين المنافقين، من أفعال المنافقين التي هي ليست شركاً وإنما هي كبائر دون الشرك. ومما يؤثر عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في حيلة المنافقين أنَّه قال: (المنافق إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان) (1) . فدلّ على أنَّ هذه الأفعال من النفاق، ودل بذلك على أنَّ المنافقين ليسوا بمشركين.
نسأل الصفرية عن الشرك ما هو؟ وما معناه في اللغة؟ فإن قالوا: هو المساواة بالله غيره، كما أنَّ التوحيد إفراد لله من غيره، أبطلوا أن يكون ترك الفرائض والعمل بالكبائر شركاً؛ لأنَّ أهلها لم يساووا الله بغيره، وإنما أتوا ما أتوا شهوة ولذة، وهم مقرون بتحريمه، دائنون به. وإن قالوا: إنَّ المعصية لله إنما كانت شركاً لأنَّها طاعة لإبليس، واعتلوا بقول الله عزّ وجلّ: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) (2) فقالوا: إذا أطعتم المشركين في أكل الميتة فأكلتموها أشركتم. قيل لهم: لم يشركوا بأكل الميتة وإنما أشركوا باستحلالها؛ وذلك أنَّ المشركين جادلوا المؤمنين فقالوا لهم: تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله لكم، فأنزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) (3) وذلك إذا أطاعوهم في استحلال أكل الميتة. ويلزمهم إذا كان كل من عصا الله في شيء أطاع إبليس أنَّه عابد لإبليس، مشرك بالله، أن يكون آدم _صلى الله عليه وسلم_ حيث قال: (وعصا آدم ربه فغوى) (4)
__________
(1) الحديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وذكره، وزاد مسلم: وإن صام وصلّى وزعم أنَّه مسلم. ورواية البخاري 1: 83 في الإيمان، باب علامات المنافق، وفي الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد، وفي الوصايا، باب قول الله تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أودين(، وفي الأدب، باب قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا وكونوا مع الصادقين(. ورواية مسلم رقم 59 في الإيمان، باب بيان خصال المنافق. والترمذي رقم 2633 في الإيمان، باب ما جاء في علامة المنافق. والنسائي 8: 117 في الإيمان، باب علامة المنافق.
(2) سورة الأنعام آية رقم 121.
(3) سورة الأنعام آية رقم 121.
(4) سورة طه آية رقم 121. (2/119)
صفحة 299
عابداً لإبليس، مشركاً بالله في معصيته لله حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها، أو غيره من الأنبياء، قال الله لنبيه _صلى الله عليه وسلم_ (عفا الله عنك لم أذنت لهم) (1) ، ولا يكون أن يعفو عنه ما ليس بمعصية، وكذلك قول يونس عليه السلام حيث يقول: (سبحانك إني كنت من الظالمين) (2) ، وموسى إذ يقول: (سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) (3) أن يكون هؤلاء من الأنبياء عابدين الشيطان مشركين بالرحمن، وحاشا لله ولأنبيائه ولرسله وخيرته من خلقه من هذا القول، وما يجر إليه من الضلال.
فإن قال قائل منهم: لم جعلتم جميع طاعة الله إيماناً ولم تجعلوا جميع معصيته كفراً؟ قيل لهم: من قبل أنَّ الإيمان إنما كان إيماناً لوجوب الثواب عليه، فكل طاعة لله عزّ وجلّ فالثواب عليها واجب، فكانت لذلك إيماناً، وليست كل معصية لله عليها عقاب، فتكون كلها كفراً. وقد اجتمعت الأمة على أنَّ كل كبيرة معصية، ولم يجمعوا على أنَّ كل معصية
__________
(1) سورة التوبة آية رقم 43، وتكملة الآية : (حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين).
(2) سورة الأنبياء آية رقم 87.
(3) سورة الأعراف آية رقم 143. (2/120)
صفحة 300
كبيرة (1) ، فلو كانت كل معصية كبيرة كانت الأمة تجمع ألاّ معصية إلاَّ كبيرة، كما أجمعوا أن لا كبيرة إلاَّ عصيان. ألا ترى أنَّ الله قال في كتابه: (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاَّ أحصاها) (2) ، وقال: (وكل صغير وكبير مستطر) (3) ، وقال: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً) (4) فكل ما كان مغفوراً لأهله، متروك المؤاخذة عليه فهو صغير غير كبير، وغير كفر. فعلمنا لذلك أنَّ جميع طاعة الله إيمان، وليس جميع معصيته كفراً ولا كبيراً، فإن قالو:ا قد أخبر الله أنَّ (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) (5) فينبغي أن تكون كل المعاصي كبيرة، قيل لهم: قد استثنى في المعاصي فقال: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (6) والسيئات عام والمعاصي عام، فاستثنى في الاسم العام، فعلمنا أنَّ ليس كل معصية ضلالاً؛ لأنَّ المعصية اسم عام، ولأنَّ بعضها من بعض، فقلنا صغير باستثنائه في الاسم العام من السيئات. فإن قالوا: لم كفرتم الجبابرة ولم تشركوهم؟ قيل لهم: ليس كل كفر شركاً، كما أنَّ كل شرك كفر، فكل فعل أوعد الله عليه العقاب، وأضاف فاعله إلى النار علمنا أنَّه كفر، والشرك إنما هو مقصور على المساواة بالله غيره، كما أنَّ التوحيد إفراد لله من غيره. فلما أن وجدنا من ذكرتم ليسوا بمساوين لله بغيره في شيء من أفعالهم، وإنما أتوا ما أتوا من ذلك شهوة ولذة دائنين بتحريمه، غير مستحلين له، علمنا أنَّهم كافرون غير مشركين. فإن قالوا:
__________
(1) راجع ما كتبه الشيخ السالمي في كتابه مشارق أنوار العقول عن الكبائر وأقسام الكبائر 374 ـ 395.
(2) سورة الكهف آية رقم 49.
(3) سورة القمر آية رقم 53.
(4) سورة النساء آية رقم 31.
(5) سورة الأحزاب آية رقم 36، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: بعيداً بدلاً (مبيناً).
(6) سورة النساء آية رقم 36، وتكملة الآية: (وندخلكم مدخلاً كريماً). (2/121)
صفحة 301
فكيف حتى قلتم بتحليل دمائهم، ولم تقولوا بتحليل أموالهم، وسبي (1) ذراريهم؟ قيل لهم: ليس كل من حل دمه فقد حل ماله، وجاز سبيه. ألا ترون أنَّ القاتل للنفس التي حرم الله قد يقتل، ولا يحل ماله، ولا سبيه. وقد يرجم الزاني المحصن (2) ولا يحل سبيه ولا ماله. والقاطع طريق المسلمين، والدال على عوراتهم، فليس أحد من هؤلاء يحل ماله ولا سبيه، وقال الله عزّ وجلّ: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) (3) ، وقد جرى في سالف هذه الأمة بينهم في الدماء ما هو مشهور غير مستور، معروف غير مجهول، فهل سمعتم فيما بينهم بتحليل في مال، أو سبي في ذرية، حتى كنتم أول من أحدث هذا الحدث، وفتحتم بابه، وزعمتم أنَّ المحدثين من أهل القبلة مشركون كأهل حرب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، فسفكتم دماءهم، وأخذتم أموالهم، وسبيتم ذراريهم، وانتحلتم الهجرة، وزعمتم أنَّها فريضة على الناس أن يهاجروا أوطانهم، ويفارقوا ديارهم أينما كانوا في شرق الأرض وغربها، حتى يلحقوا ببيضتكم (4) ، أينما كنتم، وحيثما ما كنتم. ومما يؤثر عن النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ أنَّه قال: "لا هجرة بعد فتح مكة"، وقد أقر الناس على منازلهم بعد فتح مكة وغيرها من البلدان، فلم يضيق على أحد منهم في اللحوق به صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) يقال: سبته الغانية أسرته، والسَّبْيُ: المأسور، وصف بالمصدر، يقال: قوم سَبْيٌ والنساء؛ لأنَّهن يسبين القلوب، والسَّبِيُ: المأسور والمأسورة، وهي سبية أيضاً، والسَّبِية: الدرة يخرجها الغواص من البحر.
(2) حصن المكان حصانة: منع فهو حصين، والمرأة حصناً وحصانة عفت وتزوجت فهي حصان، وأحصن الرجل: تزوج وعفَّ فهو مُحصن وهي محصنة، وفي التنزيل قال تعالى: (والمحصنات من النساء).
(3) سورة الحجرات آية رقم 9.
(4) بيضة الشيء أصله، وبيضة القوم: حوزتهم وحماهم، وبيضة الدار: وسطها. ويقال: أفرخت بيضته: ظهر مكتوم أمره، وفلان بيضة البلد: إذا عرف بالسيادة. ويقال للشيء الذي لا يقع إلاَّ مرة واحدة بيضة الديك. وبيضة الصيف: شدة حره. (2/122)
صفحة 302
ونحن محتجون على المعتزلة فنقول لهم: أخبرونا أليس قد اتفقنا نحن وأنتم جميعاً على أنَّ الوعيد لأهل الكبائر ثابت، وأنَّهم غير مؤمنين؟ وبعد فأخبرونا من أين علمتم بتفسيقهم ولم تعلموا بتكفيرهم؟ وهل سميتموهم فاسقين إلاَّ لأن سميتموهم غير مؤمنين، ولأن ثبتم وعيدهم؟ فإن كنتم لهذين الوجهين سميتموهم فاسقين فيجب عليكم أن تسموهم كافرين كما سميتموهم فاسقين، إذا كان الوعيد إنما هو للكافرين والفاسقين، وإذ كان من بطلت عنه التسمية بالإيمان لم تبطل عنه إلاَّ لأن ثبت وعيده، وسمي كافراً، فإن كنتم لا تسمونهم كافرين فيجب عليكم أن تسموهم مؤمنين، وتبطلوا وعيدهم، فتصيروا إلى مذهب المرجئة، وليس لكم بين القولين قولا ولا بين السبيلين سبيل، إما أن تكونوا تزيلون وعيد أهل الكبائر وتسمونهم مؤمنين، أو تكونوا تثبتون وعيدهم فتسمونهم كافرين، فانظروا على أي هذين القولين تعزمون، وعلى أيهما تعتمدون. ومقالتنا على كل حال أقرب لكم من مقالة المرجئة؛ لأنكم خالفتم المرجئة في معنيين: في إثبات الوعيد، ونفي التسمية بالإيمان، وما وافقتموهم إلاَّ في شيء واحد، (2/123)
صفحة 303
وهو نفي التسمية بالكفر، ووافقتمونا في معنيين: في إثبات الوعيد، ونفي التسمية بالإيمان، ولم تخالفونا في عبارة التسمية بالكفر. وأما جميع معاني الكفر ووجوهه: من إثبات الوعيد، والخلود في النار، والتسمية لهم بجميع أسماء أهل الكفر: من الضالين، والفاسقين، والظالمين، والفجار، وأعداء الله فقد أثبتم جميع ذلك وسميتموهم به، فلم شنعتم (1) النظر عن عبارة التسمية بالكفر، وأنتم أثبتم معناها؛ لأنَّ في نفيكم التسمية بالإيمان تسمية بالكفر، كما أنَّ في نفي التسمية بالكفر تسمية بالإيمان، وليست التسمية بالفسق مما يقابل لكم التسمية بالإيمان، ولا مما يضادها، ولا مما يسد مسدها وينافيها، وإنما يضاد المؤمن الكافر، والكافر يضاد المؤمن، ويضاد الموحد المشرك، كما أنَّ المشرك يضاد الموحد ويضاد المطيع العاصي، كما أنَّ العاصي يضاد المطيع، ويضاد الضال المهتدي، كما أنَّ المهتدي يضاد الضال، ويضاد الفاجر البار،
__________
(1) شنع به شَنَعاً: استنكره واستقبحه، وشنع شناعة: اشتد قبحه فهو شنيع، وشنَّع الشيء: قبحه على فلان، فضحه وشوه سمعته، وتشنَّع: غلب عليه القبح، وتشنع القوم: قبح أمرهم باختلافهم واضطراب رأيهم. ويقال فعلة شنعاء: قبيحة بالغة القبح. (2/124)
صفحة 304
كما يضاد البار الفاجر، ويضاد العدو الولي، كما أنَّ الولي يضاده العدو، ويضاد الفاسق الصالح، كما أنَّ الصالح يضاد الفاسق، وكذلك يضاد المؤمن الكافر، كما أنَّ الكافر يضاد المؤمن. فمن تدبر ما قلنا من هذا وجده كما وصفنا، إن شاء الله.
ويقال لهم: أخبرونا لأية علّة صار الإيمان (1) إيماناً؟ فإن قالوا: لأنَّه تصديق أبطلوا عن الفرائض التي هي غير تصديق أن تكون إيماناً، وليس ذلك من قولهم، فإن قالوا: إنما كان الإيمان إيماناً لوجوب الثواب عليه، قيل لهم: فيجب عليكم أن يكون الكفر كفراً لوجوب العقاب عليه، فيدخل في حد الكفر جميع ما أوجب الله عليه العقاب، كما دخل في حد الإيمان جميع ما أوجب الله عليه الثواب، ويقال لهم: أليس من الإيمان تصديق وغير تصديق؟ قالوا: بلى، وهو قولهم، قيل لهم: فكذلك الكفر تكذيب وغير تكذيب، فالإيمان الذي هو تصديق ضد الكفر الذي هو تكذيب، والإيمان الذي هو غير تصديق ضد الكفر الذي هو غير تكذيب. ثمَّ يقال لهم: أخبرونا عن الإقرار بأن دماءكم حرام، وأن دينكم حق وعدل، هل الإقرار بهذا عندكم إيمان أو ليس بإيمان؟ قالوا: بلى هو إيمان، وهو قولهم، قيل لهم: فالجحد لذلك، والقول بأن
__________
(1) الإيمان عند صاحب التعريفات: في اللغة التصديق بالقلب، وفي الشرع: هو الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان. قيل: مَن شهد وعمل ولم يعتقد فهو منافق، ومَن شهد ولم يعمل واعتقد فهو فاسق، ومَن أخلَّ بالشهادة فهو كافر.
ويقول صاحب الأصول الإباضية: الإباضية يرون أن الدين والإيمان والإسلام أسماء لشيء واحد: وهو طاعة الله تعالى، وتطبيق قواعد الإسلام تطبيقاً عملياً على حسب (ما قاله علماء الإباضية). راجع كتاب الوضع ص 14 ـ 16، ومقدمة التوحيد لأبي حفص عمر بن جميع ص 50، والأصول الإباضية ص 56، 57، والتعريفات ص 34. (2/125)
صفحة 305
دماءكم حلال، وأن دينكم باطل، فلِمَ لا كان كفراً؟ قالوا: إن كان ذلك القول من المتأولين من أهل القبلة فليس هو بكفر، قيل لهم: لِمَ قلتم ذلك والإقرار به إيمان؟ وهل رأيتم شيئاً يكون الإقرار به إيماناً، ولا يكون الإنكار له كفراً، فإن قالوا: فإنَّ الله عزّ وجلّ قال: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار) (1) قيل لهم أيضاً: فقد قال الله عزّ وجلّ: (قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا) (2) وقال: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) (3) ، وقال: (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (4) فاسم الكافرين، والفاسقين، والضالين، والظالمين، والفجار مشتمل على جميع أسماء أهل النار، كما أن اسم المؤمنين والمسلمين، والمهتدين، والبارين مشتمل على جميع أسماء أهل الجنة، فمرّة سميّ أهل النار كافرين، فقال: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين) (5) ومرّة سماهم ضالين فقال: (وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم) (6) ومرّة سماهم فجار فقال: (كلا إن كتاب
__________
(1) سورة السجدة آية رقم 20، وتكملة الآية: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون).
(2) سورة الحج آية رقم 72، وتكملة الآية: (وبئس المصير)، وقد جاءت الآية محرّفة في المطبوعة حيث قال: (للذين) بدلاً من (الذين).
(3) سورة غافر آية رقم 6.
(4) سورة العنكبوت آية رقم 54.
(5) سورة آل عمران آية رقم 131.
(6) سورة الواقعة الآيات: رقم 92 ـ 93 ـ 94. (2/126)
صفحة 306
الفجار لفي سجين) (1) ، ومرّة سماهم ظالمين فقال: (فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم) (2) ومرّة سماهم أعداء الله فقال: (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون) (3) ، وقد قال الله عزّ وجلّ: (فإن الله عدو للكافرين) (4) فهم أعداء الله، وهو لهم عدو؛ لأنَّه قال: (عدو للكافرين)، وليس في أن سماهم ضالين ما يزيل عنهم كافرين أو شيئاً من أسمائهم، ولا أن سماهم كافرين بالذي يزيل عنهم ضالين ولا شيئاً من أسمائهم فدلّ بهذا الذي قلنا أن هذه الأسماء كلّها مقرونة بإثبات الوعيد، منوطة بوجوب العقاب، ولن يجوز أن يكون وجوب العقاب إلاَّ للكفر، كما لا يجوز أن يكون وجوب الثواب إلاَّ للإيمان، وقال عزّ وجلّ: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) (5) فدلّ على أنهم في القيامة على هاتين الحالتين، ثم قال: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) (6) فجعل علة أن ذاقوا العذاب علةّ الكفر بقوله: (بما كنتم تكفرون)، وقال: (وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة) (7) ، وهل بقي يومئذ وجوه أخرى غير هاتين ولم يذكرها الله عزّ وجلّ، أو أغفلها، أو نسيها مما قلتم،
__________
(1) سورة المطففين آية رقم 7.
(2) سورة الزخرف آية رقم 60.
(3) سورة فصلت آية رقم 19.
(4) سورة البقرة آية رقم 98.
(5) سورة آل عمران آية رقم 106.
(6) سورة آل عمران آية رقم 106.
(7) سورة عبس آية رقم 38 ـ 42، وقد جاءت الآية 42 محرّفة في المطبوعة حيث قال: "والفجرة" بزيادة (الواو) بدلاً من (الفجرة). (2/127)
صفحة 307
تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وقد قال عزّ وجلّ: (خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) (1) فدّل على أنه ليس فيما خلق منهم بين هذين الاسمين اسم، ولا بين هاتين المنزلتين منزلة، فالدخول في الإيمان هو الخروج من الكفر، كما أن الدخول في الكفر هو الخروج من الإيمان، وقال: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) (2) رداً على مَن قال إن بينهما اسماً ثالثاً، لقوله: "إمَّا" مكسورة مكرّرة. وقال سليمان عليه السلام: (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) (3) ، وقال عزّ وجلّ: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) (4) . وفي مثل ذلك ما روي عن النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ حين سأله الرجل عن فريضة الحج فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال _صلى الله عليه وسلم_: "لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قدرتم إذا لكفرتم" (5) ، ثم قال _صلى الله عليه وسلم_: ألا لا ألفينكم
__________
(1) سورة التغابن آية رقم 2.
(2) سورة الإنسان آية رقم 3.
(3) سورة النمل آية رقم 40.
(4) سورة آل عمران آية رقم 97.
(5) الحديث أخرجه الترمذي 3057 في التفسير، باب ومن سورة المائدة، ورقم 814 في الحج، باب ما جاءكم فرض الحج. وأخرجه ابن ماجة رقم 2884 في الحج، باب فرض الحج، وفي سنده منصور بن وردان الأسدي الكوفي لم يوثقه غير ابن حبان، وأبو البختري، وهو سعيد بن فيروز يرسل عن علي ولم يلقه ولم يسمعه منه، فالمسند منقطع؛ ولكن للحديث شواهد دون ذكر سبب النزول عند الإمام مسلم، وأحمد والنسائي من حديث أبي هريرة، وعند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي والحاكم من حديث ابن عباس، وعند ابن ماجة من حديث أنس. ولذلك قال الترمذي: حديث حسن غريب. (2/128)
صفحة 308
رجعتم بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض على الدنيا (1) ، وقوله _صلى الله عليه وسلم_: "ليس بين العبد والكفر إلاَّ تركه الصلاة" (2) . فقد أجمعت الأمة على هذه الأحاديث يرويها الموافق والمخالف عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وكل ما أدخلناه على المعتزلة في نفيهم التسمية بالكفر فهو داخل على المرجئة سواء.
النقض على جهم بن صفوان (3)
__________
(1) الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب العلم، 43 باب الإنصات للعلماء 121، عن أبي زرعة عن جرير أنَّ النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ قال له في حجة الوداع: استنصت الناس، فقال: وذكره. وادّعى بعضهم أن لفظ (له) زيادة، لأن جرير إنما أسلم بعد حجة الوداع بنحو من شهرين. فقد جزم ابن عبد البر بأنَّه أسلم قبل موت النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ بأربعين يوماً، وما جزم به يعارضه قول البغوي وابن حبان أنه أسلم في رمضان سنة عشر.
ورواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان، 29 باب بيان معنى قول النبيّ _صلى الله عليه وسلم_: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، 118 (65)، عن محمد بن جعفر عن شعبة، وحدّثنا عبيد الله ابن معاذ واللفظ له، حدّثنا أبي حدّثنا شعبة عن علي بن مدرك سمع أبا زرعة يحدث عن جدّه جرير قال: قال النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ وذكره، ورواية أبي داود في كتاب السنّة 4686، قال واقد بن عبد الله: أخبرني عن أبيه أنه سمع أن عمر يحدث عن النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_ وذكره، ورواية الترمذي في الفتن 28، والدارمي في المناسك 76، وأحمد بن حنبل في المسند 2: 85، 87 (حلبي).
(2) سبق تخريج هذا الحديث.
(3) جهم بن صفوان: هو أبو محرز جهم بن صفوان الراسبي. قال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ رقم 1584 : "الضال المبتدع رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين، وما علمته روى شيئاً، ولكنه زرع شراً عظيماً".
وقال الطبري عنه: "إنه كان كاتباً للحارث بن سريج الذي خرج في خراسان في آخر دولة بني أمية". أنظر حوادث سنة 128، وكان جهم تلميذاً للجعد بن درهم الزنديق الذي كان أول مَن ابتدع القول بخلق القرآن، وفيه يقول الذهبي في ميزان الاعتدال رقم 1482: الجعد بن درهم عداده في التابعين، مبتدع ضال، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلّم موسى تكليماً، فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر. راجع الفرق بين الفرق 311، وميزان الاعتدال 1: 197، وتذكرة الحفاظ، وتاريخ الطبري، والتبصير 62، والملل والنحل 1: 86، ولسان الميزان 2: 142، والرد على الجهمية والزنادقة بتحقيقنا/ ط دار اللواء ـ الرياض. (2/129)
صفحة 309
تسأل الجهمية (1) عن قولهم بأن الجنة والنار بما فيهما من الثواب والعقاب، ومَن فيهما من أهل الثواب والعقاب غير باقيين ولا دائمين، فيقال لهم: ويلكم كيف منكم حتى اعترضتم على أخبار الله عزّ وجلّ بالرد على جميع ذلك بالدوام ولأهلهما بالخلود، وتجاسرتم عليها بالنقض، وانفردتم بمخالفة الأمة؟ قالوا: لما وجدنا الله عزّ وجلّ قديماً لا يحدث، باقياً لا يفنى، ولن يجوز أن يساويه أحد في صفته، فلذلك أبطلنا عما دونه من الخلق أن يكون باقياً، كما أبطلنا عنه أن يكون قديماً. قيل لهم: ويحكم قد اتقيتم الأبرة، وبلعتم الزبرة (2) ، ووقعتم في أشدّ مما هربتم منه، أليست العلّة في إن كان القديم قديماً أنه لم يحدث قط؟ وليست العلّة في إن كان الباقي باقياً أنه لم يفن قط، والباقي قد يكون باقياً، ثم يفنى ويكون
__________
(1) أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلّها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أيضاً أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر هو الجهل به فقط، وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز.
وفي مقالات الإسلاميين: قال جهم: "إن علم الله محدث، هو أحدثه فعلم به، وأنه غير الله، وقد يجوز عنده أن الله يكون عالماً بالأشياء قبل وجودها بعلم يحدثه قبلها". راجع مقالات الإسلاميين 2: 494، والملل والنحل 1: 86، والفرق بين الفرق 211، والتعريفات للجرجاني 71.
(2) الزبرة: بالضم القطعة من الحديد، قال الله تعالى: (آتوني زبر الحديد) سورة الكهف آية 96. وزُبُر أيضاً بضم الباء، قال تعالى: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً) سورة المؤمنون آية 53 أي قطعاً. والزبْر: الزجر والانتهار، وبابه نصر، والزبر بالكسر الكتاب، والجمع زبور كقدر وقدور، ومنه قرأ بعضهم: (وآتينا داود زبوراً) سورة الإسراء آية 55. (2/130)
صفحة 310
باقياً ولا يفنى، والقديم لا يكون قديماً إلاَّ بأن لم يحدث قط.
وبعد فمن أين ناظرتم (1) الباقي بالقديم؟ وصرتم لنا مع أهل الدهر عديلتين قرينتين، فإذا ما احتججنا على الدهرية عارضونا بكم، وإذا احتججنا عليكم عارضتمونا بالدهرية قبحاً لكم، ولمقالتكم بين سائر المتكلمين! ويقال لهم: أخبرونا عن هذه الأجسام الباقية، من أبقاها وأدامها؟ قالوا: الذي خلقها هو الذي أبقاها وأدامها، قيل لهم: أبقدرة فعل ذلك أم بغير قدرة؟ قالوا: بقدرة، قيل لهم: فهل لقدرته في إبقائه لها من نهاية أم ليس لها نهاية؟ فإن قالوا: بأنَّ لها نهاية وصفوا ربهم بصفات الأجسام؛ حيث زعموا أنَّ قدرته ذات نهاية، وإن قالوا: غير متناهية، قيل لهم: فإذا كانت غير متناهية فلم زعمتم أنَّه لا يجوز على الله، ولا على قدرته أن يكون يبقي هذه الأشياء إلى غير نهاية؟ ثمَّ يقال لهم: أخبرونا عن المدة في الذي انتحلتم من ذلك ما هي؟ وكم هي؟ قالوا: لا نجد لها حداً إلاَّ أنا عرفنا بأنَّها منقطعة، كما عرفنا أنَّ الدنيا منقطعة، ولو أنَّا لا نجد أجلها، ولا نعد مدتها، قيل لهم: قبحاً لكم إنا إنما قلنا إنَّ
__________
(1) النظير: المِثل، والجمع: نُظراء، وأصله المناظر، كأن كل واحد منهما ينظر إلى صاحبه فيباريه. والمناظرة: المباحثة والمباراة في النظر واستحضار كل ما يراه ببصيرته.
والنظَّر: "البحث، وهو أعم من القياس؛ لأنَّ كل قياس نظر، وليس كل نظر قياساً". (2/131)
صفحة 311
الدنيا منقطعة الأجل لعلمنا بما وراءها من الآخرة، فهل تعلمون للآخرة وراء يعرف به أنَّها منقطعة كما عرف أنَّ الدنيا منقطعة بما وراءها من الآخرة؟ ويقال لهم: هل تصفون الله عزّ وجلّ بأنَّه دائم؟ قالوا: نعم، قيل لهم: فإنَّه قد قال الله عزّ وجلّ في صفة الجنة: (أكلها دائم وظلها) (1) أفترون أنَّ الله عزّ وجلّ وصف الجنة بصفة نفسه؟ تعالى الله عن مقالات الجهمية علواً كبيراً.
النقض على من زعم أن القرآن غير مخلوق
يقال لمن زعم أن القرآن غير مخلوق: أخبرونا عن القرآن وجميع الكتب المنزلة من الله إلى خلقه على ألسنة رسله، أهي أشياء أم ليست بأشياء؟ فإن قالوا: بأنَّها غير أشياء أبطلوها، وجعلوها في حد العدم والتلاشي، فيقال لهم: فما الذي زعمتم أنه ليس بمخلوق؟ إذ ليس ثم شيء يكون غير مخلوق، أو خلقاًََ. وبطل على هذا المعنى أن تكون رسل الله جاءت من عند الله بشيء، وإن الله أنزل على أنبيائه شيئاً، وقد قال الله عز وجلّ: (وَمَا قَدَرُا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِِِه إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرًٍ مِّنْ شيْءٍ) (2) فقال رداً عليهم: (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به
__________
(1) سورة الرعد آية رقم 35، وتكملة الآية: (تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار).
(2) سورة الأنعام الآية رقم 91، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: (ما أنزل على بشر) دون ذكر لفظ الله. (2/132)
صفحة 312
موسى) (1) ، فلما تبيّن أنَّ كتاب الله شيء من الأشياء قلنا: لا يخلو هذا الشيء من وجهين لا ثالث لهما: إمَّا أن يكون محدثاً أو غير محدث، فإن قالوا: غير محدث أبطلوا، وردوا على الله حيث قال: (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلاَّ كانوا عنه معرضين) (2) ، فإن قالوا: محدث، قيل: من أحدثه؟ فإن أضافوا حدوثه إلى غير الله أبطلوا، وإن قالوا: إنَّ الله أحدثه أقروا بخلقه، ويقال: هل كان القرآن دالاً على الله في ربوبيته، شاهداً عليه في وحدانيته؟ فإن قالوا: لا أبطلوا، وإنَّ قالوا: بل هو دال على الله، وشاهد عليه كما كان سائر الأشياء من الخلق دالاً على الله، قلنا من جعله دالاً على الله؟ ولا يجدون إلاَّ أن يقولوا الله جعله دلالة على ربوبيته، وشهادة على وحدانيته، كما جعل سائر الخلق كذلك، فإن قالوا ذلك أقروا بخلقه. ويقال لهم: أخبرونا عن القرآن أليس هو محدثاً كائناً بعد أن لم يكن؟ فإن قالوا لا أبطلوا، وجعلوه قديماً مع الله، وصاروا إلى مذهب الاثنين (3) ممن أنبأنا عن باطلهم فيما مضى، فإن قالوا محدث كائن بعد إذ لم يكن أقروا بخلقه. والحدوث هو الخلق، كما أنَّ الخلق هو الحدوث، وإنما شنعوا عبارة الخلق لغباوتهم وجهلهم، وهم قد أتوا بجميع معاني الخلق،
__________
(1) سورة الأنعام آية رقم 91.
(2) سورة الشعراء آية رقم 5.
(3) منهم المانوية: أصحاب ماني بن فاتك الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير، ومنهم المزدكية أصحاب مزدك. حكى الوراق أنَّ قول المزدكية كقول كثير من المانوية في الكونين والأصلين. ومنهم الديصانية أصحاب ديصان، أثبتوا أصلين نوراً وظلاماً. ومنهم المرقيونية أصحاب مرقيون. راجع الملل والنحل 2: 57 وما بعدها. (2/133)
صفحة 313
ولن يجوز أن يكون محدثاً غير مخلوق، كما لا يجوز أن يكون مخلوقاً غير محدث، ولن يجوز أن يكون محدثا غير مخلوق، كما لا يجوز أن يكون قديما غير خالق.
وما أدخلناه على أهل القدر من الحجة في نفيهم خلق الأفعال، وهو داخل على من زعم أنَّ القرآن غير مخلوق، وداخل على كل من حاول إخراج شيء من جميع العالم أن يكون خلقاً لله وتدبيراً له، ومع هذا كله إنا وجدنا الله عزّ وجلّ وصف القرآن بما وصف به غيره من سائر الخلق فقال عزّ وجلّ: (إنا جعلناه قرآناً عربياً) (1) ، وقال في غير القرآن من الخلق: (وجعلنا الليل والنهار آيتين) (2) ، وقال: (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) (3) ، وقال: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً) (4) ، في أمثالها في القرآن: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) (5) ، وقال: (إنا نحن نزلنا الذكر) (6) ، وقال في غير القرآن من الخلق: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) (7) ، وقال: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) (8) ، وقال في القرآن: (وإنا له لحافظون) (9) ، وقال في غير القرآن: (وحفظناها من كل شيطانٍ
__________
(1) سورة الزخرف آية رقم 3.
(2) سورة الإسراء آية رقم 12.
(3) سورة الأنبياء آية رقم 32.
(4) سورة يونس آية رقم 5.
(5) سورة القدر آية رقم 1 .
(6) سورة الحجر آية رقم 9 .
(7) سورة الحديد آية رقم 25 .
(8) سورة الزمر آية رقم 6.
(9) سورة الحجر آية رقم 9. (2/134)
صفحة 314
رجيم) (1) ، وقال في القرآن: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدثٍ إلاَّ استمعوه وهم يلعبون) (2) ، وقال: (أو يحدث لهم ذكراً) (3) ، وقال: (أفمن هذا الحديث تعجبون) (4) ، وقال في غير القرآن من الخلق: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) (5) ، وقال في القرآن: (كتاباً متشابهاً) (6) ، وقال: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آياتٌ محكماتٌ هن أم الكتاب وأخر متشابهاتٌ) (7) ، ثمّ قال: (فيتبعون ما تشابه منه) (8) ، وقال في غير القرآن من الخلق: (والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه) (9) ، وقال في القرآن: (كتابٌ فصلت آياته) (10) ، وقال: (ولقد جئناهم بكتابٍ فصلناه على علم) (11) ، وقال في غير القرآن من الخلق: (وكل شيء فصلناه تفصيلاً) (12) ، وقال في القرآن: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) (13) ، وقال: (إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى) (14) (إنا سمعنا قرآناً عجباً
__________
(1) سورة الحجر آية رقم 17 .
(2) سورة الأنبياء آية رقم 2 .
(3) سورة طه آية رقم 113 .
(4) سورة النجم آية رقم 59.
(5) سورة لقمان آية رقم 6.
(6) سورة الزمر آية رقم 23.
(7) سورة آل عمران آية رقم 7.
(8) سورة آل عمران آية رقم 7.
(9) سورة الأنعام آية رقم 141، وقد جاءت هذه الآية محرفة في المطبوعة حيث سقط منها كلمة (والزيتون).
(10) سورة فصلت آية رقم 3.
(11) سورة الأعراف آية رقم 52.
(12) سورة الإسراء آية رقم 12.
(13) سورة التوبة آية رقم 6.
(14) سورة الأحقاف آية رقم 30. (2/135)
صفحة 315
يهدي إلى الرشد) (1) ، وقال في غير القرآن من الخلق: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) (2) ، وقال: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) (3) ، وقال: (يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (4) ، وقال في القرآن: (هدى ورحمة لقوم يؤمنون) (5) ، وقال في رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: (وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين) (6) ، وقال في غير القرآن من الخلق: (أولئك على هدى من ربهم) (7) ، يعني ما هم عليه من الإيمان، وقال في القرآن: (آيات بينات) (8) ، وقال: (آية للناس) (9) ، وقال في غير القرآن من الخلق: (ولنجعلك آية للناس) (10) ، وقال: (وجعلنا الليل والنهار آيتين) (11) . ومثل هذا في كتاب الله عزّ وجلّ من التمثيل والتشبيه للقرآن بغيره من الخلق مما يوجب أنَّ القرآن داخل في جملة الخلق، غير خارج منها، فيجب عليكم أن تقضوا على القرآن بأنَّه خلق، كما قضيتم على سائره مما ذكرنا وما لم نذكره بأنَّه خلق، كما وقع في التمثيل به في الصفة، والتشبيه له في الحلية، أو تقضوا على سائر القرآن مما ذكرنا من الخلق الذي
__________
(1) سورة الجن آية رقم 1، 2.
(2) سورة المجادلة آية رقم 1، وقد جاءت الآية في المطبوعة محرفة حيث قال: (وقد سمع) بزيادة "واو".
(3) سورة آل عمران آية رقم 181.
(4) سورة الزمر آية رقم 18.
(5) سورة الأعراف آية رقم 52.
(6) سورة الأنبياء آية رقم 107.
(7) سورة البقرة آية رقم 5، وتكملة الآية (وأولئك هم المفلحون(.
(8) سورة البقرة آية رقم 99.
(9) سورة مريم آية رقم 21، وتكملة الآية (ورحمة منا وكان أمراً مقضياً(.
(10) سورة البقرة آية رقم 259، وتكملة الآية (وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال أعلم أنَّ الله على شيء قدير(.
(11) سورة الإسراء آية رقم 12. (2/136)
صفحة 316
سوى الله بينه وبين القرآن في الصفة، على أنَّ ذلك كله ليس بخلق، إذ كنتم تقضون بالتسوية في الصفة على التسوية في الحكم إن كنتم تعلمون، بل أنتم قوم تجهلون. وهذه الجملة كافية في هذا الباب، إن شاء الله تعالى.
باب القول في حجة (1) الله على الخلق كيف قامت وبم قامت،
والرد على مَن قال بغير الحق في ذلك.
اختلف الناس في قيام حجة الله التي يثبت بها فرض الدين على عباده، ووصولها إلى خلقه في جميع ما دعاهم إليه من طاعته وزجرهم عنه من معصيته، بعد إجماعهم على أن الله كلّف عباده البالغين أشدّهم من الأصحاء، وأنهم محجوجون مقطوعو العذر فيما أتوا وفيما تركوا، وأن الله مستدع إلى طاعته، نادب إلى عبادته، ولم يؤت أحد من الخلق في تقصير من قبل الله، وإنما أوتوا فيما أمروا به ونهوا عنه من قبل أنفسهم، وأن الله لم يقطع عليهم إلا بالبيان الواضح لئلا يؤتوا في شبهة من قبل الله على أصل قولين: فقالت المعتزلة: إن حجة الله على عبادة التي قطع بها عذرهم فيما تعبدهم به من
__________
(1) الحجة: الدلالة المبيّنة للمحجة أي المقصد المستقيم، والذي يقتضي صحة أحد النقيضين. ووردت في القرآن بمعنى المنافرة والمخاصمة، قال تعالى: (ألم تَر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه) سورة البقرة آية 258، ووردت بمعنى البرهان تارة من المؤمنين مع الكفار، قال تعالى: (لا حجة بينا وبينكم(. سورة الشورى آية رقم 15، وتارة من الكفار بحسب اعتقادهم، قال تعالى: (ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا(. الجاثية آية رقم 25، وتارة من الحق إلى الخلق بآيات القرآن وإظهار البرهان، قال تعالى: (قل فلله الحجة البالغة) البقرة آية 150. راجع المفردات 107، والبصائر 2: 431، 432. (2/137)
صفحة 317
الإقرار بوحدانيته (1) ، والإذعان لربوبيته، ما ركبه فيهم من العقول الصحيحة السالمة من شوائب الآفات. فكل مَن صحت له جارحة العقل، وسلمت له غريزة الفكر فعليه أن يعرف بعقله أن الله واحد لا شريك له في خلقه، ولا يشبهه شيء من بريته، لما يجده من الدلالة على ذلك في هذا الخلق، مما يشاهد من عجز الخلق عن إحداث بعضه لبعض، وحاجة بعضه إلى بعض، فدلّ ذلك على حاجة جميعه إلى محدث يحدثه ومدبر يدبره. قالوا: فإذا نظر في هذا بأحسن النظر، وفكّر فيه بحقيقة الفكر عرف بعقله ما بين الدليل والمدلول عليه، فيستدل على أنَّ لهذا الخلق خالقاً خلقه، ومدبراً دبره، ولا يشبهه خالقه في وجه من الوجوه، وزعموا أن الناس قد يسلمون في أمر دينهم لما جعل الله في عقولهم من الكفاية، ولا حاجة لهم إلى منبّه، ولا معبّر يعبر عن الله في شيء من أمره، وأن ما وراء هذا من المعارف برسل الله وبكتبه، وأن محمداً رسول الله، وبأن ما جاء به محمد أنه هو الحق، فقد يسلم الناس عندهم بجهالة ذلك. وقد زعموا أنهم يسلمون بجهل جميع ما أتى به محمد _صلى الله عليه وسلم_ من ذلك
__________
(1) الوحدانية: الفردانية، وقال أبو القاسم الراغب: الواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتّة، ثمّ يطلق على كل موجود حتى إنه ما من عدد إلاَّ ويصح به فيقال عشرة واحدة، ومائة واحدة، فالواحد لفظ مشترك يستعمل على وجوه. راجع البصائر 5: 170 بتصرِّف. (2/138)
صفحة 318
من الفرائض، وأنهم يسلمون بترك جميع ذلك، وأنهم يسلمون بفعل جميع ما حرّم الله على لسان نبيّه من المحارم، وأنهم غير مأمورين بمعرفة شيء من ذلك ولا بعمل شيء مما كان منه فرضاً، ولا بترك شيء مما كان منه محرّماً، وأنهم ليسوا بمنهيين عن جهل شيء من ذلك، ولا عن ترك شيء مما كان منه فرضاً، ولا عن مقارفة شيء مما كان منه محرماً، إذا كانوا لا يجدون في عقولهم المعرفة لشيء من ذلك حتى تكون الحجة قائمة عليهم. ووافقهم على ما وصفنا من مقالتهم من الإباضية (1) عيسى بن عمير.
وقال أهل الحق في ذلك: إنَّ حجة الله التي يثبت بها فرض دينه على عباده فيما تعبدهم به من طاعته، وزجرهم به عن معصيته قد قامت على الناس من جميع البالغين أشدّهم من الأصحاء برسل الله التي أرسلها إلى خلقه، دالة على وحدانيته، شاهدة بربوبيته، داعية إلى طاعته، زاجرة عن معصيته، وإن الناس لن ينالوا شيئاً من معرفة الله في الدلالة على توحيده، ولا من معرفة شيء من دينه إلاَّ بتوقيف الله لهم على ألسنة رسله، وتنبيه منه على أيديهم، وإنَّ الناس لا يسلمون بجهالة رسل الله إلى خلقه، ولا بجهالة كتبه التي نزلها على ألسنتهم، وأنهم لا يسلمون بجهالة محمد _صلى الله عليه وسلم_، ولا بجهالة ما جاء به محمد أنه الحق من عند الله، وإنهم لا يسلمون بترك شيء من الفرائض التي فرضها الله على لسانه _صلى الله
__________
(1) الإباضية: نسبة إلى عبد الله بن أباض، وهو تابعي عاصر معاوية، وتوفي في آخر أيام عبد الملك بن مروان. وهذا المذهب يعد من أقدم المذاهب الإسلامية على الإطلاق. مصادره: الكتاب والسنّة والإجماع والقياس، وأمَّا في الحديث الشريف فيعتمد على الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب المتوفى سنة 170 هـ. ويوجد الإباضية حالياً في الجزائر، وتونس، وليبيا، وعمان، وزنجبار. راجع دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص 136. (2/139)
صفحة 319
عليه وسلم_، وإنهم بها مأمورون ملزمون، وإنهم لا يسلمون بمقارفة شيء مما حرّم الله على لسان نبيّه _صلى الله عليه وسلم_، علموا بشيء من ذلك أو لا يعلموا. وهذا الذي وصفنا من هذا القول هو ما عليه جمهور الأمة، لا يعرفون غيره ولا يدعون إلى ما سواه.
فإن سأل سائل فقال: إذا زعمتم أن حجة الله إنما قامت بدعوة رسول الله إلى خلقه، فما الحال مَن لم تبلغه حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ولم يسمعها من الديلم (1) ، والصقالبة (2) ، ويأجوج ومأجوج، ومَن بأقطار الأرض من مشرق الشمس ومغربها؟ قلنا: لا يخلو جميع مَن ذكرتم من أحد رجلين لا ثالث لهما: إمّا رجل كان على دين نبيّ من أنبياء الله تعالى عليهم السلام متمسكاً بشريعته، ولم يسمع بدعوة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ولم تقم عليه الحجة بأنه قد جاء، فهذا واسع له أن يقيم على ما هو عليه من حجة الله التي تمسك بها من شريعة أنبيائه، أو رجل كافر بالله جاهل بأمره غير متمسك بشيء من دين الله الذي بعث به رسله إلى خلقه، فهذا لا يسعه أن يقيم على
__________
(1) الديلم: هم من الدول التي تفرّعت عن الدولة العباسية، أصلهم مهاجرون هاجروا إلى عليّ بن أبي طالب، ثمّ صار لهم ملك في القرن الثالث في كيلان ومازندران، وتغلبوا على الخليفة العباسي إلى سنة 420 هـ، ثم تغلبت عليهم ملوك غزنة.
والديلم: الموت، والديلم: الأعداء، والديلم: الموت الأسود، والديلم جبل سموا بأرضهم في قول بعض أهل الأثر، وليس باسم لأب لهم. راجع دائرة معارف القرن العشرين 4: 106، ومعجم البلدان 2: 544.
(2) الصقالبة: هم جيل من الناس بين بلاد البلغار والقسطنطينية، وهم الذين يطلق عليهم اليوم السلافيون، وهم ليسوا محصورين بين البلغار والقسطنطينية فقط ولكنهم منتشرون في الشمال الشرقي لأوروبا وفي غرب البلغار. المصدر السابق 5: 531. (2/140)
صفحة 320
كفره طرفة عين. وعلى هذا المعنى كانت دعوة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ إلى مَن لا تمكنه مشافهته، ولا تبلغه مراسلته أن يوسع على مَن كان منهم على دين نبيّ من أنبياء الله؛ لأن دين الله واحد، وحجته متصلة، لا يبطل آخرها أولها، كما لا يخالف أولها آخرها، ويضيق على مَن كان على كفره، وليس هو على شيء من دين الله الذي بعث به أنبياءه. ألا ترى لو أن رجلاً مضى من عند رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ على فرض شيء، أو على تحريم شيء أو تحليله، فغاب عنه، أليس هذا واسع له أن يقيم على ما مضى به من عند رسول الله، حتى يلقي الحجة بتحويل شيء من ذلك على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.
فإن قال: فما حال الصم البكم الذين لا يعقلون الكلام، ولا يسمعون الحجة، ولا يفهمونها، وكيف حتى ألزمتموهم المعرفة بالله، إذ كانت عندكم لا تنال بالعقل، ولا تدرك بالفكر؟ أو حال مَن في جزيرة من جزائر البحر كجزائر القمر (1) ، وجزائر الخالدات (2) ، وأشباهها من الجزائر، التي لا يؤتى إليها ولا منها؟ فإن كنتم ألزمتم هؤلاء فريضة المعرفة بالله، وأنتم لا تقولون بحجة العقل، ولا بداية الفكر، فإنما ألزمتموهم فعل ما لا يصلون إلى فعله، لعجز خلقتهم، فهذا مما لا يجوز على الله عزّ وجلّ أن يكلف أحداً من عباده، فعل شيء مما لا يطيقونه، ولا تحتمله خلقتهم، أو كنتم تحطون عنه الفرض بمعرفة الله وحده لا شريك له، فتجيزون لهم الإشراك بالله، والجحد لربوبيته، قيل له: قد أجبنا
__________
(1) جزر القمر (كومورو): جمهورية إفريقية حديثة، تقع في المحيط الهندي الجنوبي، تتألف أساساً من أربع جزر، تقع إلى الشرق من ساحل موزنبيق وإلى الشمال الغربي من مدغشقر، مساحتها 2179 كم²، السكان من أصول عربية وإفريقية وهندية، يدينون بالمذهب الشافعي، باستثناء أقلية كانت تمثل سلطنة إسلامية في القرن 19، ثمَّ أصبحت مقاطعة فرنسية، ثمَّ استقلت عام 1975، لغتها العربية والسواحيلية. راجع القاموس السياسي لأحمد عطية الله.
(2) يسميها صاحب كتاب معجم البلدان جزائر السعادة، وهي واقعة على المحيط الأطلسي، وبها عاش مجموعة من الحكماء، وتقسم إلى 6 جزائر، بإزاء طنجة. وسميت بالسعيدة لما يوجد فيها من أصناف الفواكه الطيبة والرياحين العطرة. راجع معجم البلدان، مادة جزائر. (2/141)
صفحة 321
في مثل هذه المسألة، ونحن نجيب في هذه الأخرى إن شاء الله، ونقول: إنه لا يخلو مَن في جزيرة من الجزائر من أن يكون على شيء من دين الله الذي هو دين أنبيائه، فهذا واسع عليه أن يقيم على ما هو عليه من ذلك في جزيرة كان أو في برية، أو حيثما كان، وأينما كان، أو يكون على غير دين الله ممن هو على الكفر بالله، والجهالة بدينه، وأنبيائه ورسله، فهذا لا يسعه أن يقيم على كفره لصحة بصره كما قلنا، وليس في قولنا بأن الإقامة لا تسعه على الكفر الذي هو فعله باكتساب منه واختيار، ومما قد يوجب بأنا قد ألزمناهم فعل ما تحتمله خلقتهم، ولا تقوم به بنيتهم.
وأمّا ما ذكرتم من الصم (1) البكم فإنهم إن كانوا ممن يكتب أو يكتب له، أو يفهم أو يفهم عنه لزمه ما لزم أشياعه، وإلاَّ فهو منقوص غير وافر، معذور لانطباقه. فإن قالوا: ليس العقل علّة التكليف، فلِمَ لا قلتم بأن المعرفة للذي كلفوا بالعقل تنال دون ما سواه، وفرقتم بين العلة والمعلول؟ قيل لهم: ما أبعد ذهابكم يا أهل القدر عن الحق! وإلى متى، وحتى متى يقوم عوجكم؟ وإنما قال المتكلمون بأن العقل علّة التكليف لما كان العاقل يفهم بعقله ما خوطب
__________
(1) الصَّم: انسداد الأذن وثقل السمع، صمَ يَصَمَّ بفتحها، وأصمه الله، قال تعالى: (فأصمهم وأعمى أبصارهم) سورة محمد آية 23. وهم أصمّ، والجمع: صُمُّ وصمَّان.
وشبه بالأصم مَن لا يصغي إلى الحق ولا يقبله فقال تعالى: (صم بكم عمي) سورة البقرة آية 18، 171. والصَّماء: الداهية. (2/142)
صفحة 322
به من الأمر والنهي، ويتهيّأ له أن يمتثل فعل ما أمر به بالاتّصاف دون اليأفوف الذي تهجم خلطته على ما يقع منه هجوماً، وتنبعث به فورته انبعاثاً، ولذلك قالوا أو قال بعضهم: إن ما يقع من المعتوه (1) ومن النائم والسكران وأشكالهم إن ذلك منهم اضطرار غير اكتساب، وليس في أن قلنا إن العقل علّة التكليف، وميّزنا بذلك بين العقل والانطماس ما يوجب أن يكون العقل يدرك ما ليس من طبعه أن يكون مدركاً له، دون منبّه ينبهه ومرشد يرشده إليه، فإن قالوا عن قول إبراهيم عليه السلام: (فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي) (2) ، (فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي) (3) ، (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر) (4) هل تزعمون أن إبراهيم عليه السلام يقول للكوكب وللقمر وللشمس هذا ربّي إلاَّ بأن يستدل بالصنعة على الصانع؟ قيل: فإنّ هفوتم هذه الأخرى، أو قد كان إبراهيم عليه السلام قبل ما ينظر إلى الكوكب والقمر
__________
(1) عته عُتاها وعَتَاهة، عَتِه فهو معتوه، وعُتِه فلان في فلان أولع بإيذائه ومحاكاة كلامه. والعتاه الباكر: هو الفصام، وهو ضعف عقلي يصيب المراهقين. والعتاهة: ضلال الناس، والعُتاهية: الأحمق، والمعتَّه: ناقص العقل، مضطرب الخلق.
(2) سورة الأنعام آية رقم 76.
(3) سورة الأنعام آية رقم 77.
(4) سورة الأنعام آية رقم 78. (2/143)
صفحة 323
والشمس جاهلاً بالله، غير عارف به، شاكاً في الكوكب والشمس والقمر متردداً في ذلك؟ فكيف ويحكم وهو نبيّ الله ورسوله؟ أو لم تسمعوا ما قال في أول الآية من قوله: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) (1) أفترون أن غير إبراهيم من جميع الناس أوتي من ذلك ما أوتي إبراهيم عليه السلام؟ وإنما ذلك منه _صلى الله عليه وسلم_ على وجه التوبيخ لقومه، ليريهم أن الذي عبدوا من دون الله من الشمس والقمر والكواكب غير مستحق للعبادة، ولا هو لها بأهل، فدلّ على ذلك قوله في آخر الآية: (يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي _أي عبادتي_ للذي فطر السماوات _وما فيها من الشمس والقمر والكواكب_ والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) (2) ، فإن قالوا ما معنى قول الله عزّ وجلّ: (أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء) (3) وقوله: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) (4) وقوله: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) (5) ،
__________
(1) سورة الأنعام آية رقم 25.
(2) سورة الأنعام آية رقم 79.
(3) سورة الأعراف آية رقم 185.
(4) سورة آل عمران آية رقم 190.
(5) سورة الحجر آية رقم 75. (2/144)
صفحة 324
و(لقوم يعقلون) (1) في أمثالها؟ قلنا وهل أبينا ويحكم أنَّ يكون جميع ما خلق الله دلالة على وحدانيته، وشهادة على ربوبيته (لأولي الألباب) و(للمتوسمين) و(لقوم يعقلون)، ولجميع العالمين؟ وإنما نقمنا من مقالتكم بأن العقول تكون تهجم على هذه المعارف في وجوه دقائق الاستدلالات الغامضة، دون منبه ينبهها على ذلك ومرشد يرشدها إليه، وفي الذي تلوتم علينا من هذه الآيات لو نظرتم لعرفتم تصديق ما قلنا، لقوله عزّ وجلّ: (فبأي حديث بعده يؤمنون) (2) يعني بالحديث القرآن، وبقوله: (لقوم يسمعون) (3) أي يفهمون ما يسمعون، وإنما نبههم الله في كتابه على تلك الآيات، وأوقفهم عليها، ولم يرد بذلك جلّ جلاله أن يكون العباد يهجمون على تلك المعارف في وجوه الدلالات بغير تنبيه منه وتعليم، ونحن نجد ما دون ذلك من هذه الصناعات الموجودات عند مَن لا يوجد عنده شيء من معرفة الله ولا معرفة دينه، كما الحياكة والصباغة والكتابة والنقش، وغير ذلك من وجوه الصناعات التي هي دون معرفة الله ومعرفة دينه، لا يتأتى لأحد من البشر، ولا يتهيّأ لهم أن يتمثلوا
__________
(1) 164 البقرة، وهناك آيات كثيرة مختومة بهذا المقطع وهي: 4 الرعد، 12 النحل، 67 النحل، 35 العنكبوت، 24 الروم، 28 الروم، 5 الجاثية.
(2) سورة المرسلات آية رقم 50.
(3) سورة يونس آية 67، والروم آية 23. (2/145)
صفحة 325
شيئاً منها، إلاَّ بأن يوقفوا عليه، ويرشدوا إليه، وقد تجدهم يتعلمونها بأجرة لمعلميهم بذلك، فكيف ما هو أدق منه وأغمض، وأصعب على العقول من معرفة الله، ومعرفة دينه، وفرائضه وحلاله وحرامه من الذي زعموا أن للعقل سبيلاً إلى التوصل إلى معرفته؟ فلو كان الأمر على ما ذهب إليه أهل القدر وأشياعهم من ذلك لما بعث الله رسولاً إلى خلقه، ولا أنزل عليهم كتاباً، ولا شرع لهم ديناً، ولا أحلّ حلالاً، ولا حرم حراماً، ولا أوجب، ولا حط، حيث كان العباد مكتفين بما يجدونه في عقولهم من المعارف من أول يوم خلق الله الدنيا، إلى أن تقوم الساعة، فسبحان الله عما يصفون، ما أفظعها من مقالة! ولعمري إنها لمقالة ممتثلة من مقالة المعطلين أهل التكذيب، الذين أنبأنا عن باطلهم في كتاب التوحيد، والرد على أهل الإلحاد من البراهمة (1) المنكرين للرسل، لما زعمت البراهمة أن في العقول من المعرفة بأن الله واحد لا شريك له في خلقه، وأنه أمر بالعدل والتسوية فيما بينهم، ناه عن الظلم والإساءة، على مقالة هؤلاء. اكتفوا بذلك بزعمهم عن الرسل، وعن تنبيه الله عزّ وجلّ، وإرشاده للعباد، وتذكاره إيّاهم برسله وبكتبه. فلهذه العلّة أنكرت البراهمة الرسل وكذبوا بها، حتى إنهم قالوا: إن بعث الرسل من الله إلى خلقه لما كان الخلق على هذه الصفة عبث منه غير حكمة، وخطأ منه غير عدل، بل قالوا: إن ذلك مفسدة للخلق غير مصلحة، ومضرّة غير منفعة، إذ كانت الرسل تزيد عليهم في الشرائع،
__________
(1) الديانة البرهمية: أقدم من البوذية بقرون كثيرة، ويظهر أن أصل الديانة البرهمية الهند، وتصعد إلى أبعد عهد من عصورهم التاريخية، وتختلط بجميع أدوارهم الاجتماعية.
والكتب المقدسة لهذه الديانة هي "الفيدا"، ثم كتاب (منافادا ماساسترا) أي قوانين مانو.
ومذهب الديانة البرهمية في الديانة البرهمية أصلان رئيسيان: هما وحدة الوجود والتناسخ، أي عودة الروح إلى أجساد في عالم الدنيا سواء أكان إنساناً أو حيواناً، وهي من أخص عقائدهم. راجع دائرة معارف القرن العشرين 2: 160 وما بعدها. وتحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة: 27. (2/146)
صفحة 326
وتحمل عليهم ثقل الفرائض، ولذلك كذبت البراهمة الرسل، وأنكروها جميعاً. وإلاَّ فما وجه الحكمة في إرسال الله الرسل إلى خلقه، وإنزال كتبه إلى عباده إذا كانت العقول كافية عن كل ذلك، نائبة عن جميعه للذي يوجد فيها من المعارف في وجوه الدين: من العبادات والفرائض والحلال والحرام، ولا أشك بل أعلم علماً يقيناً أن المقالة مأخوذة من الأخرى، معمولة عنها. وهذا كله من أهل القدر وأشياعهم، بعد قول الله عزّ وجلّ: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً) (1) ، ثمّ قال عزّ وجلّ: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً) (2) ، وقال: (أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير) (3) ، وقال عزّ وجلّ محتجاً عليهم، وقاطعاً عذرهم: (فقد جاءكم بشير ونذير) (4) فهلاّ قال لهم: فقد أوتيتم عقولاً وأفكاراً، وقال: (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) (5) يعني بالطائفتين: اليهود والنصارى، وقال: (ثم أرسلنا رسلنا
__________
(1) سورة النساء آية رقم 164.
(2) سورة النساء آية رقم 165.
(3) سورة المائدة آية رقم 19.
(4) سورة المائدة آية رقم 19.
(5) سورة المائدة آية رقم 156. (2/147)
صفحة 327
تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه فاتبعها بعضهم بعضاً) (1) ، وقال: (وإن من أمة إلاّ خلا فيها نذير) (2) ، وقال: (كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى) (3) ، وقال: (أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات) (4) في أشباهها، وكيف لم تحتج عليهم الملائكة بالعقول كما قالوا؟ وقال: (وما أرسلنا من رسول إلاَّ بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) (5) ، فدلّ على أنهم لن يضلوا ولن يهتدوا إلاَّ من بعد ما تبيّن لهم الرسل. وهذا كلّه من كتاب الله عزّ وجلّ مما يدل على أن الله قطع على الخلق بحجة الرسل، وأنهم لن ينالوا شيئاً من معرفته، ولا من معرفة دينه إلاَّ على أيدي رسله إليهم، لقوله عزّ وجلّ: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) (6) ، وقوله: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين) (7) . فدلّ على أن الله لو أهلكهم قبل أن يرسل إليهم الرسل لكانت لهم الحجة، وإلاَّ فأنى رأيتم أو سمعتم بأُمَّة ضالة كافرة معذبة، وهي غير مكذبة للرسل؟ قال الله عزّ وجلّ:
__________
(1) سورة المؤمنون آية رقم 14.
(2) سورة فاطر آية رقم 24.
(3) سورة الملك آية رقم 8، 9.
(4) سورة غافر آية رقم 50.
(5) سورة إبراهيم آية رقم 4.
(6) سورة طه آية رقم 134.
(7) سورة القصص آية رقم 47. (2/148)
صفحة 328
(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) (1) ، فما باله لم يقل: حتى يكونوا غير مفكرين؟ وقال عزّ وجلّ: (كل كذب الرسل فحق وعيد) (2) في جميع ما ذكر من تكذيب الأمم لرسلها، وتعذيب الله الأمم على أيدي رسلهم، وتدميره إياهم. وهل رأيتم أو سمعتم بأمة مهتدية مؤمنة على دين الله، ناجية من عذابه وهي غير مصدقة للرسل، ولا متبعة لهم على دينهم؟ وقال عزّ وجلّ: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلاَّ قليلاً ممن أنجينا منهم) (3) يعني ممن هو مع الرسل، وقال: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا) (4) ، وقال: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) (5) ، وقال: (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون) (6) . وعلى أثر هذا كله يقال لأهل الكفر أخبرونا عن البالغ في أول حال بلوغه، هل عليه في تلك الحال المعرفة بأن الله واحد لا شريك له، أم لا حتى يكفر، ويستدل بوجوه الاستدلالات بالصنعة على الصانع؟ فإن قالوا: إنما عليه في
__________
(1) سورة الإسراء آية رقم 15.
(2) سورة ق آية رقم 14.
(3) سورة هود آية رقم 116، وقد جاءت الآية محرّفة في المطبوعة حيث قال: "من قبلكم" بزيادة (أو).
(4) سورة يونس آية رقم 98.
(5) سورة الأعراف آية رقم 159.
(6) سورة آل عمران آية رقم 113. (2/149)
صفحة 329
حال البلوغ الفكرة، وليس عليه المعرفة أباحوا له الإشراك بالله في حين بلوغه. وما الفرق بين الحال الأولى من حال البلوغ والحال الثانية؟ وإن كان يسعه الجهل بالله في حال من الأحوال، فقد يجب أن يسعه ذلك الحال في حال، وإن قالوا: إن المعرفة بالله واجبة عليه في أول حال بلوغه، وليس ذلك من قولهم أبطلوا ما ذهبوا إليه من الفكر؛ لأنه لا يخلو في تلك الحال من أن يكون جاهلاً أو عارفاً، فإن كان عارفاً فما لحاجته إلى الفكر في تلك الحال، وهو فيها عارف، وإن كان جاهلاً ثبت أنه لم يغن عنه فكره شيئاً، إذ كان لم ينقذه من الجهل بالله عزّ وجلّ، والشك في صفته، وهو بالغ صحيح العقل حتى يفكر ويستدل، مع ما يقال لهم: أخبرونا عن المفكر في أول حال البلوغ التي هي حال الفكر، أعارف بالله (1) هو فيها أم جاهل؟ فإن قالوا عارف أبطلوا الفكر، وإن قالوا جاهل بالله قيل: أموحد هو أم مشرك؟ فقالوا: إن الكاف ما عليه شيء ما دام مفكراً، حتى يستدل بوجوه الاستدلالات، قيل لهم: هذا الكاف هو شاك أم غير شاك؟ أو معتقد هو أم غير معتقد؟ وما هو إن مات في حال الفكر والكف؟ أمؤمن هو أم كافر؟ أو غير مؤمن ولا كافر؟ أم من أهل الجنة هو أم من أهل النار؟
__________
(1) يقول ابن سينا: المنصرّف بفكره إلى الله مستديماً لشروق نور الحق في سره: يخص باسم العارف.
وإذا كان الزاهد قد يكون في الوقت نفسه عابداً، والعابد زاهداً فإن العارف ينطوي على الزهد والعبادة؛ ولكن زهده إنما هو تنزه عما يشغل سرّه عن الحق، وتكبر على كل شيء غير الحق، وعبادته إنما هو تطويع النفس الأمّارة للنفس المطمئنة، حتى يتجه بكليته إلى الله، لا يعوقه عن ذلك خيال فاسد، أو وهم ضال، أو شهوة جامحة. راجع النمط التاسع في مقامات العارفين ـ الإرشادات لابن سينا. (2/150)
صفحة 330
أو ليس هو من أهل الجنة ولا من أهل النار؟ فأيّما أجابوا به من هذا كله بان باطلهم.
ويقال لهم أيضاً: أخبرونا عن هذه المعارف التي زعمتم أنَّها موجودة في العقل، أهي مما يكتسب العباد أم مما يضطرون عليه؟ فإن قالوا مما يضطرون عليه صاروا إلى مذاهب الروافض (1) الذين زعموا أنَّ المعرفة بالله والجهل به اضطرار، وليس ذلك من قولهم، ولا يكون العلم بالاستدلالات اضطراراً، فإن قالوا بأنَّها اكتساب قيل: فأنى اكتسبوها؟ قالوا: إذا فكروا علموا، قلنا: قد نجد من يتفكر ولا يعلم، قالوا: لا يكون من يتفكر من جهة التفكر إلاَّ وقد علم، كما لا يجوز عندكم أن يستدل من جهة الاستدلال إلاَّ وقد علم، قلنا: ومن جعل الاستدلال نظيراً للفكر؟ والاستدلال نفسه هم العلم بالدليل والمدلول عليه، والفكر في نفسه عندكم ليس بعلم، وإنما هو سبب له، ومع ذلك لا يكون الاستدلال من المستدل إلاَّ من دال يدله على الاستدلال، وليس الفكر كذلك حين زعمتم أنَّ صاحبه ليس بذي حاجة إلى مرشد يرشده إلى الفكر، وعلى أنَّ العقول لو رجعوا إلى ما يجدونه في عقولهم، ويعرفونه في أنفسهم لعلموا أنَّهم لا يصلون إلى علم شيء مما ذكرتم إلاَّ بأن ينبهوا عليه ويرشدوا إليه، وقد وجدناهم فكروا بغاية الفكر، وقاسوا نهاية القياس، فأزالوا بفكرهم الربوبية، وأبطلوا بقياسهم الوحدانية، وفكروا فقالوا: إلهين اثنين، وفكروا فقالوا: ثالث ثلاثة، وفكروا فقالوا: جسم من الأجسام، في جميع ما أخطأ فيه أهل الفكر، على أنَّ الله يناديهم
__________
(1) اعلم أنَّ الروافض يجمعهم ثلاث فرق؛ الزيدية، والإمامية والكسانية، والغلاة، وافترقت الزيدية فرقاً، والإمامية فرقاً، والغلاة فرقاً، كل فرقة منها تكفر سائرها، وجميع فرق الغلاة خارجون عن فرق الإسلام.
وقد جعل أصحاب كتب الفرق الزيدية من الروافض، مع أنَّ الزيدية أتباع زيد بن علي الباقين على اتباعه. (انظر مقالات الإسلاميين 1: 129، وكذلك مروج الذهب 3: 220) والرافضة الذين كانوا معه ثمَّ تركوه؛ لأنَّهم طلبوا إليه أن يتبرأ من الشيخين فقال: لقد كانا وزيري جدي، فلا أتبرأ منهما فرفضوه وتفرقوا عنه.
والزيدية: من الشيعة، وقد يطلق بعض الناس اسم الرفض على كل من يتولى أهل البيت، وعلى هذا جاء قول الذي يقول:
إن كان رفضاً حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافض
راجع الفرق بين الفرق 21، والتبصير ص 27، ومروج الذهب 3: 336، 4: 199. (2/151)
صفحة 331
بـ (إنني أنا الله لا إله إلاَّ أنا) (1) ، وأنا (الحق المبين) (2) ، ولأصحاب الاثنين: (لا تتخذوا إلهين اثنين) (3) ، (ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر) (4) ، وللنصارى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) (5) ، ولأهل التجسيم: (فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) (6) ، وللمجوس (7) وأهل القدر: (هل من خالق غير الله) (8) . هذا وهو يدلهم ويرشدهم، ويؤكد عليهم الحجج، ويجدد لهم الأدلة على ألسنة رسل تترى، في كتب تتلى، وهم مع ذلك وفي كل ذلك على ما ترون، فكيف لو أنَّ الله أسلمهم إلى عقولهم، وأكلهم إلى أفكارهم من أول إنسان خلقه الله إلى إنسان تقوم عليه الساعة لما كان منهم عارف بالله، ولا مؤمن به إلاَّ أن يشاء الله. وهذا مذهب بعيد من كتاب الله عزّ وجلّ، ومن سنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ومن معالم دين الله جداً.
ويقال لهم في إباحتهم لأهل الكفر: ما حرم الله عليهم من نكاح ذوات المحارم،
__________
(1) سورة طه آية رقم 14.
(2) سورة النور آية رقم 25.
(3) سورة النحل آية رقم 51، وقد جاءت الآية محرّفة في المطبوعة حيث قال: "ولا" بدلاً من "لا".
(4) سورة الذاريات آية رقم 51.
(5) سورة المائدة آية رقم 75.
(6) سورة البقرة آية رقم 22.
(7) سبق الحديث عن المجوس في كلمة وافية.
(8) سورة فاطر آية رقم 3. (2/152)
صفحة 332
وشرب المسكرات، وأكل الميتة والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وأكل الربا، وأخذ أموال المواريث على غير ما هي من قسمة شرائع الرسل، أخبرونا عن هذه الأشياء إذا اختلف فيها أهل الفكر فيما بينهم، فأحل قوم ما حرم آخرون، وقسم قوم قسمة، وقسم آخرون أخرى، ووقعت بينهم مشاكسة فيما يأخذون ويعطون من الدية والجروح والقصاص، والقود في الأنفس، وسائر ذلك من أمور شرائع الأنبياء؟ فما المرجوع إليه في هذا لهم؟ وهم لا يعرفون شريعة (1) ، ولا يثبتون رسولاً، وقد وجدنا أهل الإقرار بالشرائع المثبتين للرسل والسنن، مع إجماعهم على أنَّ لهم أصولاً يرجعون إليها فيما يختلفون فيه، قد كثر بينهم التنازع، وكيف بمن لا يثبت رسولاً، ولا يقول بشريعة؟ وبعد كيف الحكم إذا قامت حجة الرسل بالتحريم على الأخت وهي تحت الأخ، وعلى البنت وهي تحت الأب، ولم تقم بذلك حجة الشرائع على الأخ ولا على الأب؟ والحجة عندكم قليلاً ما تقوم على حد إلاَّ بأن يتفق عليه المختلفون، المتشتتة أهواؤهم، المتفرقة آراؤهم لبعدهم من التعارف، وتباينهم على التواطؤ،
__________
(1) الشريعة: هي مورد الإبل إلى الماء الجاري، ثمَّ استعير لكل طريقة موضوعة بوضع إلهي ثابت من نبي من الأنبياء، والشريعة: اسم للأحكام الجزئية التي يتهذب بها المكلف معاشاً ومعاداً، سواء كانت منصوصة من الشارع أو راجعة إليه. راجع الكليات 3: 56. (2/153)
صفحة 333
مع عدم احتراز منافعهم، ودفع مضارهم. فمتى يتفق قيام الحجة على هذا الجواب؟ وقد أحسن الإمام رضي الله عنه حيث يقول: فما يستدل به على هذا القول بأقبح منه، مع كثرة اختلاف أقاويلكم في قيام حجتكم على المفكر فيما يسعه جهله عندكم، من مثل هذا على ما سيأتي عند ذكر أقوال المختلفين في الحجة فيما يسع الناس جهله، بعقب هذا الباب إن شاء الله. فمتى لم تقم الحجة على أهل دين الفكر فيما وصفنا كان لهم أن يتنازعوا فيما يحل أو يحرم، فيحرم قوم ما يحله آخرون، ويحلل آخرون ما يحرمه آخرون، ويوجب آخرون حكماً، ويسقطه آخرون، على قدر أفكارهم، وتنازع الأخت مع الأخ في التحريم، والبنت مع الأب في التحريم، إذا قامت الحجة على بعض ولم تقم على بعض، في مثل هذا من التخليط الذي لا يقوم لله به دين، ولا يثبت عليه أمر ولا نهي، ولا يصفو معه حكم. وهذا لتعلموا أنَّ مذاهب القوم مأخوذة من مذاهب أهل التعطيل، محتملة عليها، فصار هذا القول لا ملجأ له يأوي إليه إلاَّ مقالة المعطلين للشرائع، المنكرين للسنن، فنعوذ بالله من الحيرة، ومن متابعة الأهواء، وتقليد الكبراء.
باب فيمن قال إنَّ حجة رسول الله عليه السلام لا تقوم إلاَّ بسماع
قال عبد الله بن يزيد (1) وأصحابه: إنَّ حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_
__________
(1) الباحث في كتب التراجم يرى عشرات الأفراد بل مئات ممن تسموا باسم عبد الله بن يزيد، فهناك عبد الله بن يزيد بن حصين بن عمرو، وعبد الله بن يزيد بن الصلت الشيباني، وعبد الله بن يزيد ابن مقسم، وعبد الله بن يزيد رضيع عائشة بصري، وغيرهم كثير.
فلعله عبد الله بن يزيد العدوي أصله من ناحية البصرة، وقيل من ناحية الأهواز، سكن مكة، وروى عن كهمس بن الحسن وموسى بن علي بن رباح، وروى عنه بشر بن موسى بن شيخ بن صالح بن عميرة الأسدي. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة، وقال الخليل: ثقة. قال البخاري: مات بمكة سنة 212هـ. راجع تهذيب التهذيب 6: 83. (2/154)
صفحة 334
لا تقوم على أحد من الناس إلاَّ بأن يسمعها، ثمّ قالوا: وليس أحد منهم إلاَّ وقد سمعها، إما سمعوا في حال طفولتهم، أو سمعوا في حال بلوغهم. وقال سعيد الحذاء (1) : إنَّ حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قامت على الناس جميعاً من البالغين أشدهم الأصحاء، ولزمتهم كافة، سمعوا بها أو لم يسمعوا، وليس في أن لم يسمع منهم من لم يسمع ما يسقط عنه المعرفة برسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ولا مما يسقط له المعذرة بجهالة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_. واحتج كل واحد منهما بالذي يرى أنَّه يقوي مذهبه ومقالته؛ وذلك أنَّ عبد الله بن يزيد قال لسعيد: أليست الحجة فيما اختلف فيه المختلفون أن يرجعوا به إلى ما اتفقوا عليه من الأصل الذي لم يختلفوا فيه، فكل من وافق قوله منهم ما أجمعوا عليه في الأصل الأول كانت الشهادة والإقرار له دون من كان قوله مخالفاً للأصل الأول الذي اجتمعوا عليه، فأجاب له سعيد: ببلا، فقال له عبد الله: أليس مما خالفنا عليه أهل القدر، ونقمنا من مقالتهم أن قالوا: إنَّ حجة الله على خلقه إنما قامت عليهم بعقولهم دون الرسل، فأجابه سعيد: ببلا، فقال له عبد الله: فإذا كان الأمر هكذا، وزعمت أنت أنَّ حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_
__________
(1) هو سعيد بن يحيى بن مهدي بن عبد الرحمن بن عبد كلال، أبو سفيان الحميري الحذاء الواسطي، روى عن معمر وعوف الأعرابي والضحاك بن حمزة وغيرهم، وعنه إسحاق بن راهويه، وأحمد بن سنان القطان، وابنا أبي شيبة، ومحمد بن موسى بن عمران القطان وغيرهم. قال أبو داود: ثقة، وقال الدارقطني: متوسط الحال ليس بالقوي، وقال الخطيب: كان صدوقاً، وذكره ابن حبان في الثقات. مات لأربع بقين من شعبان، سنة اثنين ومائتين، وذكر الكلاباذي أنَّ مولده سنة 112هـ. راجع تهذيب التهذيب 4: 99. (2/155)
صفحة 335
قد قامت على الناس سمعوا أو لم يسمعوا فأنت إنما ذهبت بقولك: أو لم يسمعوا إلى أن يحتج عليهم بما في عقولهم، فترجع إلى الذي عبنا جميعاً على القوم؛ لأنَّه ليس بين العقول والسماع وجه ثالث، أما أن يكون يحتج عليهم بالعقول، فذلك ما نقمنا جميعاً على من قال به، وأما أن تكون تحتج بالرسل فلا يكون أن تقوم حجة الرسل على الناس وهم لم يسمعوا، فأجابه سعيد بأن قال له: مهلاً عليك لا تعجل، ولكن تثبت فيما سألت عنه وفيما احتججت به، وفيما أجبت من جوابك حتى تعرف ما يلزمك خصمك، وحتى تعلم أينا أقرب إلى مقالة من ذكرت من أهل الخطأ، وأينا أميل إلى جوابهم، فقال له عبد الله: هات، فقال له سعيد: أليس الذي فارقنا عليه أصحاب الفكر بأن قالوا: إنَّ حجة الله على عباده موجودة في عقولهم، مكتفون بأفكارهم عن حجة الرسل (1) ، وأنَّه ليس على الناس من حجة الرسل ولا من معرفتهم، ولا
__________
(1) راجع ما كتبه الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه "التوحيد الخالص أو الإسلام والعقل، في فصل (القرآن هاد للعقل، ص 13، ورده على من يقول بهذه المقالة). وما كتبه الإمام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال نحو هذا الصدد، وكذلك إحصاء العلوم للفارابي. (2/156)
صفحة 336
من معرفة محمد _صلى الله عليه وسلم_ إلاَّ بأن يسمعوا بها، فأما أن لم يسمعوا بذلك فلا؟ فأجابه عبد الله: بنعم، فقال سعيد: فكيف منك حتى خالفتني إلى مقالة القوم، بعدما عبناها عليهم أنا وأنت جميعاً، فزعمت أنَّ حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ غير قائمة على أحد من الناس، ولا لازمة لهم، إلاَّ بأن يسمعوها كما قال أصحاب الفكر؟ كأنك عذرت بجهالة محمد _صلى الله عليه وسلم_ من لم يسمع بحجته، كما عذرت أصحاب الفكر في معرفة محمد _صلى الله عليه وسلم_ من لم يسمع بذلك، ثمَّ إنك بعد ذلك ترفع على قولك برقعة محتاجة إلى رقعة أخرى، وقلت: قد سمعوا جميعاً، فمتى علمت بأنَّهم سمعوا جميعاً؟ ولولا ما قلت بأنَّهم سمعوا جميعاً لكنت داخلاً في مقالة من عذر بجهالة محمد _صلى الله عليه وسلم_، وأسقط على الناس حجته، إذا هم لم يسمعوا بها، وأنت تعظم على من عذر بجهالة محمد _صلى الله عليه وسلم_ لمقالته بغاية التعظيم، فقال عبد الله بن يزيد: معاذ الله أن أكون ممن عذر بجهالة محمد _صلى الله عليه (2/157)
صفحة 337
وسلم_، وزعم أنَّ حجته ساقطة عن الخلق، غير لازمة لهم، فقال له سعيد: فإذا كنت كذلك فينبغي لك أن لا تقول: إنَّ حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لا تقوم، ولا تلزم أحداً من الناس، إلاَّ بأن يسمعها على مقالة من عذر بجهالة محمد _صلى الله عليه وسلم_، وأسقط على الناس حجته حتى يسمعوا بها، وليس ما قلت بأنَّهم قد سمعوا مما يرقع عليك، حتى قلت: لا تقوم حجته إلاَّ على من سمع؛ لأنك أجبت في أول مسألتك بما هو عند جميع السامعين خطأ من الذي يجيب به من قال بالفكر، فأزال حجة محمد _صلى الله عليه وسلم_ عن الناس حتى يسمعوا بها، ثمَّ صرت بعد ذلك ترقع جوابك بأمر لا يجامعك أحد من الناس، خصمك ولا غير خصمك، في قولك: قد سمعوا جميعاً، فمن يرقع الخطأ بالخطأ فلا يزال مرقعاً أبداً.
وأما قولك بأني إنما ذهبت في قولي: أو لم يسمعوا، إلى أن أثبت أنَّ حجة رسول الله تقوم بالعقل، على مقالة من قال بالعقل، فكيف حتى غلطت على هذه الغلطة؟ وهل من أصحاب الفكر أحد يزعم أنَّ حجة رسول الله _صلى الله (2/158)
صفحة 338
عليه وسلم_ واجبة على أحد بالعقل، وإنما قالوا إنَّها لا تجب على أحد من الناس أبداً، إلاَّ بأن يسمعوا بها على مثل مقالتك، وألزمتني العيب في قولي: إنَّ حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قد قامت على الناس جميعاً ولزمتهم، سمعوا بها أو لم يسمعوا، وهو لك ألزم، وإنما قلت: ولو لم يسمعوا، حتى لا أكون ممن يبسط المعذرة بجهالة محمد _صلى الله عليه وسلم_ لأحد من الناس، سمع بذلك أم لم يسمع به، كما بسطها أهل الخطأ من أصحاب الفكر لجميع الناس حتى يسمعوا.
وبعد فأي المقالتين أقرب إلى مقالة من ذكرت من أهل الخطأ، وأيتهما أثبت على الأصل الأول، من أنَّ حجة الرسول قائمة على الناس كافة، ولازمة لهم جميعاً؟ وأيتهما أنفر من مقالة أهل الخطأ؛ حيث زعموا أنَّ حجة الرسل غير قائمة على الناس، ولا لازمة لهم جميعاً حتى يسمعوا؟ وقلت أنت أيضاً: لا تقوم حجة الرسل على الناس إلاَّ بأن يسمعوا بها، ثمَّ رقعت بأنَّهم قد سمعوا. وقلنا نحن بأنَّ حجة الرسل قائمة على الناس لازمة لهم، سمعوا أو لم يسمعوا، فلما كان هذا من قول الرجلين، نظر المسلمون فرأوا أنَّ مقالة سعيد أقرب إلى الرشد، وأبعد من مقالة من أجمعوا على تخطئته ممن قال بحجة الفكر، وأسقط على الناس حجة الرسل حتى يسمعوا بها، ورأوا أنَّ مقالة من زعم أنَّ حجة الرسل لا تقوم (2/159)
صفحة 339
على الناس إلاَّ بسماع أقرب إلى مقالة أهل الفكر؛ حيث زعموا أنَّ حجة الرسل ساقطة عن الناس بما يجدونه في أفكارهم من المعارف، حتى يكونوا سمعوا بحجة الرسل، ولولا ما رقع به صاحب هذه المقالة بأنَّهم قد سمعوا لما كان منفصلاً عن مقالة أهل الفكر في شيء ممن اتفقنا جميعاً على تخطئته فيما قالوا، فتبيّن عند المسلمين أن من قال بأنَّ حجة الرسل قد قامت على الناس كافة ولزمتهم جميعاً، سمعوا بها أو لم يسمعوا أقرب إلى الهدى، وأبعد من مقالة أهل الخطأ لما كان قول من يقول إنَّ حجة الرسل لا تقوم إلاَّ بالسماع، ولا تلزم إلاَّ به، ثم يرقع بعد ذلك بأنَّهم قد سمعوا لا يكون مساوياً لقول من يقول: قد قامت على الناس كافة، ولزمتهم جميعاً من سمع منهم ومن لم يسمع، في المقاربة من الأصل المجمع عليه، وفي المباعدة من قول أهل الخطأ من أهل القدر.
ثمَّ إنَّ سعيداً قال لعبد الله بن يزيد: إنك قد وهمت في هذين الوجهين من باب الحجة، أحدهم: أنك قلت: بأنَّ حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ (2/160)
صفحة 340
لا تقوم على الناس جميعاً ولا تلزمهم إلاَّ بأن يسمعوا، ووافقت في ذلك مقالة أهل الخطأ، وأوهمت السامعين بأنَّك عذرت بجهالة حجة رسول الله _عليه السلام_ من لم يسمع بها، وليس ذلك من أصلك، والوجه الثاني: أنَّك زعمت بأنَّ الناس جميعاً قد سمعوا بحجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وقرعت دعوته جميع أسماعهم ترقيعاً منك بذلك لفساد أول كلامك، وأنا سائلك في هذا الوجه الثاني بمسألتين، فإن كنت أجبتني عنهما، وإلاَّ تبين فساد هذا الوجه الثاني من كلامك كما فسد الأول، أحدهم: أن تخبرني هل يكون أحد على دين عيسى عليه السلام، أو على غير دين عيسى عليه السلام من الأنبياء بعد مبعث الرسول _صلى الله عليه وسلم_، وكان واسعاً له أن يقيم على ما هو عليه من دينه (1) ؟ قال نعم، فقال: وكيف وسعه أن يقيم على ما هو عليه من دينه، والناس عندك جميعاً قد سمعوا بدعوة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_؟ أو كنت تخص هذا الذي هو على دين نبي من أنبياء الله بأنَّه لم يسمع بدعوة رسول
__________
(1) قال عليه الصلاة والسلام: "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثمَّ لم يؤمن بالذي أرسلت به إلاَّ كان من أصحاب النار". راجع تفسير القرطبي 1: 433 ـ 434. (2/161)
صفحة 341
الله من دون الناس، وأنت زعمت أنَّ جميع الناس سمعوا بها؟ فكيف صم هو عن حجة سمعها من في المشرق ومن في المغرب؟ وهو أحرى أن يسمع بها؛ لأنَّه يتوكف ذلك ويتوقع حدوثه.
والمسألة الثانية: أن قال له: أخبرني عن جميع ما فرض الله من الفرائض على لسان نبيه _صلى الله عليه وسلم_، هل سمع الناس بها جميعاً حتى نالوا معرفتها أم لم يسمعوا؟ فإن كنت زعمت أنَّهم سمعوا بها فكيف سمع جميع من في المشرق من يأجوج ومأجوج، والسند (1) ، والهند (2) ، ومن من بالمغرب من الإفرنج، والشياكمة، والجلالقة أن يكون هؤلاء كلهم سمعوا بدقائق الفرائض في وجوه معمولاتها؟ فمن ادعى ذلك كان الوجود شاهداً بكذبه، ناقضاً عليه دعواه، أو تكون تقول: إنَّ العمل بجميع تلك الفرائض على من ذكرنا محطوط حتى يسمعوا به، وليس ذلك من مذهبك ولا من مذهب الإباضية إلاَّ من شذ منهم ممن ذكرنا، ولحق بمذهب أهل القدر؛ لأنَّ مذهب الإباضية أن قالوا:
__________
(1) السند: بلاد بجهات الهند، ويطلق هذا اللفظ أيضاً على طائفة متاخمة للهند صفر الوجوه.
وقال ياقوت الحموي في معجمه: إنَّ السند بلاد بين الهند وكرمان وسجستان، قصبتها المنصورة، واسمها بلغة الهند برهمناباذ على مرحلة من الملتان. راجع دائرة معارف القرن العشرين 5: 307. وقال صاحب معجم البلدان: والسند أيضاً ناحية من أعمال طلبيرة من الأندلس، والسند أيضاً مدينة في إقليم فريش بالأندلس، والسند أيضاً قرية من قرى بلدة نسا من بلاد خراسان. راجع معجم البلدان 3: 267.
(2) الهند: يقول صاحب دائرة معارف القرن العشرين: هي أحد أشباه الجزائر الثلاث التي توجد في آسيا الجنوبية، وهي بانحصارها بين شبه جزيرة العرب وشبه جزيرة الهند الصينية تشبه إيطاليا من أوربا، ولكنها بشكلها الجملي يمكن تشبيهها بأفريقيا، فهي عبارة عن مثلث غير منتظم السيقان، قاعدته جبال هيماليا، ورأسه رأس كومورين، يغمرها من جهة الغرب خليج العرب، ومن الشرق خليج بنغال، ويحيط بها من جهتين نهرا الأندوس، وهي تتاخم من جهة الغرب الأراضي التي تسكنها القبائل الأفغانية. راجع دائرة معارف القرن العشرين 10: 540 وما بعدها. (2/162)
صفحة 342
لا يسع ترك شيء من الفرائض، علم التارك لها أو جهل، ولا تسع مقارفة شيء من المحارم، علم المقارف لها أو جهل. فلما كانت الحجة في عمل الفرائض قائمة على الناس كافة، واجبة عليهم جميعاً، سمعوا بها أو لم يسمعوا كان القول في حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في الجملة بأنَّها قائمة على الناس، واجبة عليهم، سمعوا بها أو لم يسمعوا مثل ذلك، فما بلغنا أنَّ عبد الله بن يزيد أجاب لسعيد في هاتين المسألتين جواباً.
وأنا بنفسي قد سألت عن هذه المسألة في السماع بالفرائض بعض علمائهم فما علمت أنَّه أجابني عنها بجواب أقدر على حكايته، على الحرص مني على ذلك، وقد بلغنا بأنَّ من ضعفة القوم من يتكلف بالجواب عن عبد الله في هذه المسألة، بأمر قد تبين فيه عوار ما تكلف به، بأن قال: إنَّهم حين سمعوا بالجملة (1) قد سمعوا بالفرائض، لما كانت الفرائض داخلة في الجملة. ويقال لهذا: متى جومعت على السماع لجميع الناس بالجملة، حتى تجعله أصلاً تبني عليه سماع الفرائض، ومع ذلك أحسب الأمر على ما قلت، فمن أين كان السماع بالجملة مؤدياً إلى السماع بدقائق الفرائض؟ وهل يوجد في الجملة من المعرفة شيء من الفرائض يهتدي
__________
(1) راجع ما كتبه الشيخ السالمي بشأن الجملة عند الإباضية، وتعليق الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة في مشارق أنوار العقول بتحقيقنا، 2: 150. (2/163)
صفحة 343
إلى عملها سماع الجملة؟ فلما لم يكن سماع الجملة مؤدياً إلى شيء من الفرائض، ولا تكون الفرائض مسموعة منها، ولا معروفة من قبلها، فلم لا كان سماع الجملة كسماع سائرها من جميع أقاويل الناس، وهذا أوضح بياناً من أن يتكلم فيه بأكثر من هذا.
ويقال لهم: أخبرونا عن قولكم: بأنَّ دعوة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قد سمعها جميع الناس في أول يوم بعثه الله، ودعا بمكة: (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) (1) ، متى سمعوا في حين دعائه أم بعد ذلك؟ فإن قالوا: في حين دعائه، قيل لهم: فهل كان جميع الناس موجودين كلهم في ذلك الحين حتى سمعوا بها أو لم يسمعوا؟ أم كيف القصة في ذلك؟ أم كيف حتى يكون من بالمشرق ومن بالمغرب يسمع دعوة رجل بمكة، وهم عنها نايون، إلاَّ أن يكون ذلك على جهة الإعجاز (2) ، فحينئذ يتفق جميع الناس بأنَّهم قد سمعوا بها، ونكون نحن اليوم لها سامعين، وهذا ما قد بان فساده.
وفي هذا الباب حجج كثيرة لم أذكر منها إلاَّ اليسير، فمن أجل ذلك أخذ المسلمون (3) بمقالة سعيد في
__________
(1) سورة الأعراف آية رقم 158.
(2) إعجاز القرآن: "ارتقاؤه في البلاغة إلى أن يخرج عن طوق البشر، ويعجزهم عن معارضته على ما هو الرأي الصحيح، لا الأخبار عن المغيبات، ولا عدم التناقض، ولا الاختلاف، ولا الأسلوب الخاص، ولا صرف العقول عن المعارضة، ولا إيجاز اللفظ أو كثرة المعنى، وليس إعجازه لمعناه فقط بل هو في المعنى التام كما هو في النظم، ولو كان حاصلاً بدون النظم لم يكن مختصاً بالقرآن، بل يكون بعض الأحاديث معجزاً أيضاً، وهذا خرق الإجماع ". راجع الكليات 1: 238.
(3) يقول الدكتور عمار الطالبي: المسلمون عند المؤلف هم الإباضية، والمخالفون لهم يسميهم الإباضيون موحدين. (2/164)
صفحة 344
الحجة، واحتملوا عليها، وتركوا مقالة الآخرين.
فإن سأل سائل فقال: أخبروني عن حجة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، هل كانت قائمة على الناس كافة، لازمة لهم جميعاً؟ قيل له نعم: فإن قال: فكيف قيامها على الناس، وأنتم تفرقون بين قيام الحجة وبين السماع بها؟ قيل له: بلى قد فرقنا بين ذلك؛ لأنَّ السماع (1) لا يكون إلاَّ بمشافهة الكلام، فيكون السامع سامعاً بمخاطبة من يخاطبه، ولا يكون ذلك إلاَّ والمخاطب بحضرة الذي يخاطبه. وقيام الحجة معناه: أن يكون رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ في دعوته وتبليغ رسالته مشافهاً بالكلام لمن بحضرته ممن تمكنه مشافهته، ومرسلاً، وكاتباً إلى من لا تمكنه مشافهته بالكلام، مضيقاً على من لا تمكنه مراسلته ولا تبلغه مكاتبته إذا هو لم يكن على شيء من دين الله، موسعاً على من هو على دين الله ودين أنبيائه، فلهذا كان السماع ضرباً من التبليغ، وليس معناهما واحداً، فإن قال: فمن أين علمتم بأنَّ حجة رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ قائمة على الناس جميعاً، سمعوا أو لم يسمعوا؟ قيل له من قبل قول الله عزّ وجلّ: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) (2) ، ثمّ قال عزّ وجلّ
__________
(1) يهتم رجال التصوف بالاستماع، ويتلون قول الله تعالى: (فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه(.
وروي عن ابن جرير انَّه كان يرخص في السماع فقيل له: إذا أتى بك يوم القيامة، ويؤتى بحسناتك وسيئاتك ففي أي الجانبين سماعك..؟
فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات، يعني أنَّه من المباحات.
وسئل الشبلي عن السماع فقال: "ظاهره فتنة، وباطنه، عبرة فمن عرف الإشارة حلَّ له استماع العبرة، وإلاَّ فقد استدعى الفتنة وتعرض للبلية". راجع الرسالة القشيرية 2: 637 وما بعدها.
(2) سورة المائدة آية رقم 67، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: رسالاته بدلاً من (رسالته). (2/165)
صفحة 345
لرسوله: (فتول عنهم فما أنت عنهم بملوم) (1) ، فدل على أنَّه قد فعل من ذلك ما أمر به _صلى الله عليه وسلم_، ولو لم يكن رسول الله عليه السلام مبلغاً لرسالة الله التي أرسله بها إلى خلقه لكان يجب أن يكون مفرطاً، ملوماً، وحاش له من ذلك _صلى الله عليه وسلم_.
فإن سأل سائل: قد ذكرت أقاويل المختلفين في الحجة فيما لا يسع الناس جهله، وثبتت أن الحجة لله على خلقه قد قامت عليهم بالرسل التي أرسلها إليهم، ودلّت أن حجة الرسل واجبة على الناس جميعاً (2) ، بالغة إليهم في معرفة جميع ما لا يسعهم جهله، وفي فعل جميع ما لا يسعهم تركه، وفي ترك مالا يسعهم فعله، ودللت على أن ما جاءت به الرسل من ذلك واجب على العباد امتثاله على ما جاءت به الرسل من المعرفة والعمل والترك جميعاً، سمعوا بذلك أو لم يسمعوا، فالآن أخبرني ما الحجة فيما يسع الناس جهله ما هي؟ وما الوجه الذي إذا أورد عليهم كانت المعرفة به واجبة في جميع ما ورد به من ذلك؟ قيل له: ولا قوة إلاَّ بالله، إن هذه المسألة التي سألت عنها قد تنازعت الأمة في جوابها على أقاويل لا تحصى عدتها كثرة، لما يوجد من اختلاف كل طائفة منهم في
__________
(1) سورة الذاريات آية رقم 54.
(2) قال تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) سورة الأنعام آية رقم 83.
والحجة ما جرى بينه وبين قومه من الاستدلال على حدوث الكواكب والقمر والشمس، وعيبهم إذ سووا بين الصغير والكبير، وعبدوا مَن لا ينطق، وإلزامه إيّاهم الحجة (آتيناها إبراهيم) أرشداه إليها بالإلهام. وقال مجاهد: الحجة قول إبراهيم: (فأي الفريقين أحق بالأمن). راجع زاد المسير 3: 78، وتفسير ابن جرير 11: 504. (2/166)
صفحة 346
فروع ما بينهم، سوى الاختلاف في مقالات المختلفين في أصولهم، فلذلك يتعذر تتبعه إلى أقصى غايته؛ لكنني أحصل لك جميعه في ثلاث صفات تحتوي على مذاهب القوم في أصولهم وفي فروعهم، وتكتفي بذلك عن تعدادها إن شاء الله.
فأمّا الوجه الأول منها: فمذهب أهل العدد (1) الذين يذهبون إلى أن العدد هو الحجة، على قدر اختلافهم في الأعداد، وأكثر القائلين بهذا من الناس أهل القدر.
والوجه الثاني: ما ذهب إليه أهل التواتر (2) ممن يزعم أن الحجة لا تقوم فيما يسع الناس جهله حتى تتواتر به الأخبار، فحينئذ تتأكد المعرفة، ولهم في صفة التواتر اختلاف وتنازع كثير، تغنيك هذه الجملة عن تفصيله إن شاء الله.
والوجه الثالث: مقالة مَن يقول إن ورود الحق على الناس بصفته التي هو بها الحجة عليهم في معرفة جميع ما يسعهم جهله من قبل وروده، ولا تعتبر في ذلك عندهم عدّة الواصفين قلوا أو كثروا، ولا ينتظر به تواتر الأخبار حتى تتفق أو تختلف، فإلى هذه الوجوه الثلاثة تأوي جميع مذاهبهم في هذا الباب إن شاء الله.
__________
(1) العدد: أحد المفاهيم العقلية الأساسية، وهو بهذا الاعتبار لا يحتاج إلى التعريف، إلاَّ أن بعض العلماء يعرفونه بنسبته إلى غيره من المعاني القريبة منه فيقولون: العدد هو الكمية المؤتلفة من الوحدات، أو الكمية المؤلفة من نسبة الكثرة إلى الواحد، ويسمى بالكم المنفصل؛ لأن كل واحد من أجزائه منفصل عن الآخر دون اشتراك بينهما.
وعلم العدد: هو العلم الرياضي المحض، وينقسم إلى علم الكم المنفصل كالحساب والجبر، وعلم الكم المتصل كعلم الهندسة وعلم اللانهايات. راجع التعريفات 128، 129، والكليات 3: 253، 254.
(2) التواتر: من حيث الرواية هو أن يرويه جماعة لا يتصوّر تواطؤهم على الكذب، فيكفر جاحده.
وأمّا التواتر: من حيث ظهور العمل به قرناً فقرناً من غير ظهور المنع والنكير عليهم في العمل به، غير أنهم ما رووه على التواتر؛ لأنَّ ظهور العمل به أغناهم عن روايته، فجاحد هذا المتواتر لا يكفر لمعنى عرف في أصول الفقه.
ويقول صاحب كتاب جامع الشمل: التواتر خبر أقوام عدول زال عنهم اسم الجهالة، موثوق بقولهم عن أمر محسوس، يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، بخلاف النظري لجواز الغلط فيهم، فإن الجمع العظيم لو أخبر عن حدوث العالم أو غيره من النظريات لم يحصل للعلم بخبرهم. راجع الكليات 2: 96، والتعريفات ص: 63، وجامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل 2: 349، 350. (2/167)
صفحة 347
فإن قال: قد فهمت محصول هذه الوجوه الثلاثة المتضمنة لجميع أقاويل الناس فيما سألت عنه من هذا، فأخبرني عن مذهبك في هذه الوجوه، وإلى أيها تميل بجوابك؟ قيل له: لما كان العدد في الحجة لا يجب القطع به ولو كثر، إذا كان مخالفاً للصفة، مع عدم الدلالة في شيء من تلك الأعداد دون شيء كان القول به قولاً فاسداً، ولمّا كان التواتر يتعذر اتفاقه، ولا يتهيّأ ايتلافه إلاَّ بعد شكوك معارضة للحجة، بعد كثير سماعها كان القول بأن لا تقوم الحجة، ولا تلزم المعرفة بما دون التواتر قولاً مضطرباً غير ذي حد معروف، إلاَّ بأن يتواتر الخبر بما لا يدفع له من التواتر اضطراراً، وهذا بعيد الحد. ولما كان هذان الوجهان على ما وصفنا كان الحق في نفسه حجة على مَن سمعه، كثير الموردون له أو قلوا، على أنَّا لا ندفع أن يكون كثير العدد في الحجة، ولا نأبى أن يكون تواتر الخبر فيها موجباً للمعرفة، بل ذلك كلّه حجة، وما دونه حجة، وإنما الاختلاف في المعنى الذي لا تقوم الحجة ولا تلزم المعرفة إلاَّ به. فإن قال: فإني أراك تذهب إلى أن الحق في نفسه حجة على مَن سمع به، ولم (2/168)
صفحة 348
تلتفت إلى عدّة القائلين في ذلك، فهل تقول إن الواحد من الناس في الحق حجة؟ قيل له: نعم إن الواحد حجة في جميع دين الله، إذا كان هو من أهل دين الله، ولا يوجد على ما وصف من حجة الله مزيد، ولا لما قال من ذلك خلاف.
فإن قال: فمن أين علمت ذلك من الأصل (1) أو من الفرع؟ قيل له: من الأصل ومن الفرع جميعاً، أمَّا من الأصل: فإني وجدت الله حاج عباده فيما تعبدهم به برسول واحد، وقطع بذلك عذرهم، ولو كان الواحد لا يكون حجة لما كان الله يقيم به حجته على خلقه، ويقطع بذلك معاذيرهم، ثم إنّي وجدت من فعل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أنّه يرسل إلى الناس في آفاقهم رسولاً واحداً يحتج به عليهم، ولو كان لا يكون حجة إلاَّ ما ذكروا من العدد لما كان رسول الله يرسل إلى الناس إلاَّ جماعات، وفي هذا أيضاً ما يفسد على أهل التواتر مذهبهم، إلاَّ يكون رسول الله يقطع على أحد من الناس إلاَّ بأن يعلم بتواتر الأخبار عليهم.
وأمّا من الفرع: فإني وجدت الأمة تولي واحداً، وتستفتي واحداً، وتستعمل واحداً، وتستقضي واحداً، فيكون ذلك الواحد حجة عندهم في كل ما هو فيه، ولو كان لا يكون الواحد حجة لما كانت الأمة تجتمع على ما وصفنا من فعلهم ذلك.
__________
(1) الأصل: في اللغة عبارة عما يفتقر إليه ولا يفتقر هو إلى غيره. وفي الشرع عبارة عمّا يبني عليه غيره، ولا يبني هو على غيره. والأصل ما يثبت حكمه بنفسه ويبني عليه غيره.
والأصول من حيث إنها مبنى وأساس لفرعها سميت قواعد، ومن حيث إنها مسالك واضحة إليها سميت مناهج، ومن حيث إنها علامات لها سميّت أعلاماً. راجع التعريفات 22، والكليات 1: 189، ومقدمة ابن خلدون 284. (2/169)
صفحة 349
ووجه آخر: لما كان العدد غير قاطع به إذا هو أخطأ في الصفة، وخالف في الحق، وجب أن يكون الحق في نفسه حجة. فإن قال: قد فهمت ما وصفت في هذا من قولك: إن الحق في نفسه حجة، قل الموردون له أو كثروا، غير أني أخذت عليك في واحدة، حيث اشترطت أن يكون المورد للحجة من أهل الحجة، كأنك عارضت قولك، فلِمَ لا قلت: إن الحق في نفسه حجة يكون المورد له من شاء من الناس؟ قيل له: قلت ذلك لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) (1) ، فدلّ على أنه لو كان غير فاسق (2) لما وجب عليهم أن يتبينوا، وفي هذه الآية إشارة إلى أن الواحد حجة إذا كان غير فاسق، على أني رأيت أكثر أصحابنا أكثر ما تميل أجوبتهم إلى أن الواحد لا يكون حجة حتى يزيد معه ثان غيره، كأنهم ناظروا ذلك بالشهادات في الأحكام، والله أعلم.
وقد قال بعض علمائنا: بأن الواحد لا يكون حجة، ولو أنه أتى بصفة الحق التي لا يوجد عليها مزيد، ولا لها خلاف حتى يكون ذلك الواحد في الغاية من العلم بجميع دين الله، فذهب بقوله إلى أن يكون القائم بالحق منظوراً إليه،
__________
(1) سورة الحجرات آية رقم 6، وتكملة الآية (أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). وذكرت الآية في المطبوعة على أنها رقم (5).
(2) فسق فلان: خرج عن حجر الشرع، وذلك من قولهم فسق الرطب إذا خرج عن قشره، وهو أعمّ من الكفر، والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تعورف فيما كان كثيراً، وأكثر ما يقال الفاسق: لمن التزم حكم الشرع وأقرَّ به ثمَّ أخلَّ بجميع أحكامه أو ببعضه، وإذا قيل للكافر يا فاسق فلأنه أخلّ بحكم ما ألزمه العقل واقتضته الفطرة، قال تعالى: (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون). سورة النور آية 55، وقال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون). سورة النساء آية 47، والفاسق أعم من الكافر. راجع بصائر ذوي التمييز 4: 192، والمفردات ص 380. (2/170)
صفحة 350
معمولاً على قوله، لا تعتري الشكوك (1) عند الضعفاء ممن تقوم عليه الحجة فيما يقول به، ولبعضهم إشارات إلى أن الحق في نفسه حجة، لا تعتبر ثقة الواصف له، كما لا تعتبر عدته، كائناً من كان من الناس. وهذه أربعة أقاويل لأصحابنا، تدبّروا منها ما قوي مما ضعف، وفيما ذكرت من أقاويل أصحابنا في الحجة دون مَن سواهم ما ينبئك عن كثرة أقاويل المختلفين من الأمة في ذلك.
فإن قال: ما معنى قول بعض العلماء: إن الحجة فيما يسع الناس جهله أن تعلمه من كتاب الله، أو من سنّة رسول الله، أو مما أجمع عليه المسلمون مما دانوا به؟ قيل له: هذا قول غير مختلف فيه، فكلّ من فهم الحق من الكتاب، أو من السنّة، أو من أقاويل المسلمين التي دانوا بها وعرفه منها، كانت معرفته عليه حجة واجبة، وإنما الاختلاف فيمَن ورد عليه وجه من الحق، وخوطب به أنه من كتاب الله، أو من سنّة رسول الله، أو من آثار الأئمة مما أجمعوا عليه،
__________
(1) الشكوك جمع شك، والشك هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك، وقيل: الشك ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهم، فإذا ترجح أحدهم ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإذا طرحه فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين.
وقال الجويني: الشك ما استوى فيه اعتقادان أو لم يستويا، ولكن لم ينته أحدهم إلى درجة الظهور الذي يبني عليه العاقل الأمور المعتبرة.
والشك كما يطلق على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق أيضاً على مطلق التردد. راجع التعريفات 168، والكليات 3: 62، 63. (2/171)
صفحة 351
والمخاطب لا يعلم ذلك، ففي هذا اختلف الناس، متى تقوم الحجة عليه فيه؟
وأمّا ما ذكر عن قوم من الإباضية في الحجة أنهم قالوا: إن الحجة لا تقوم على الناس فيما يسعهم جهله من دين الله، إلاَّ بأن يجتمع عليها جميع العلماء، فلست أدري ما يذكر عنهم من هذا، بعد إذ سألت فيه من أخذت عنه من علمائنا، وشافهت بعض علمائهم، فما أوقفوني على محصول ذلك، ولم أقف عليه فيما درست، مع شدّة الحرص مني فيه، وكثرة البحث، فإن كان القوم يذهبون إلى أنه لا يكون حجة إلاَّ ما يجتمع عليه العلماء دون ما يختلفون فيه فهذا وجه، أو يكونوا يذهبون إلى أن الحجة لا تقوم على أحد من الناس فيما يسعهم جهله من دين الله، إلاَّ بمحضر جميع العلماء، فإن كان القوم إلى هذا يذهبون، وإيّاه يريدون فما أراهم جعلوا للحجة وجهاً تقوم به، كأنهم أرادوا ألاّ يوجبوا على الناس حجة في جميع ما يسعهم جهله أبداً، فيكون هذا القول (2/172)
صفحة 352
منهم شبيهاً بالذي يذكر عنهم من توسعة الجهل بجميع الفرائض التي هي دون التوحيد على مَن فرضت عليه، وإن الذي يجب على الناس من ذلك أن يفعلوا دون أن يعلموا، والله أعلم بما يذكر عنهم من هذا، فلست أكون كرامي سهم في ليلة ظلماء ولا يرى غرضاً.
باب القول في إنَّ الملل (1) المخالفة لملة الإسلام مشركون
اجتمعت الأمة ولا نعلم لهم خلافاً أنَّ الملة المخالفة لملة الإسلام مشركون، يحكم عليهم بأحكام المشركين: من القتل، وسبي الذرية، وغنيمة المال، وأخذ الجزية من أهل العهد منهم، وغير ذلك من أحكام المشركين، إلاَّ ما كان من هؤلاء الرهط الذين هم شعث بن عمير وابن أبي المقداد، فإنهم خالفوا في التسمية باسم الشرك دون أحكام الشرك، فلما كانت الأمة مجتمعة على أنَّ هذه الأحكام التي ذكرناها: من القتل، والسبي، والغنيمة، وغير ذلك أنَّها أحكام
__________
(1) الملة كالدين، وهو اسم لما شرع الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء ليتوصلوا به إلى جوار الله. والفرق بينهما وبين الدين أنَّ الملة لا تضاف إلاَّ إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام الذي تسند إليه، قال تعالى: (اتبعوا ملة إبراهيم)، وقال: (واتبعت ملة آبائي). ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد أمة النبيّ _صلى الله عليه وسلم_، ولا تستعمل إلاَّ في جملة الشرائع دون آحادها، لا يقال: ملة الله، ولا يقال: ملتي وملة زيد كما يقال: دين الله ودين زيد. راجع المفردات في غريب القرآن ص 471، 472. (2/173)
صفحة 353
المشركين، بانوا بها من الموحدين، صار إجماعهم حجة على من أراد أن يزيل عنهم اسم المشركين، والأمة لا تجتمع على شيء ثمّ تختلف فيه، وأجمعوا على القول بأنَّ هذه الملل ملل الشرك، ففي إجماعهم على القول بأنَّها ملل الشرك دليل على بطال ما ذهب إليه من زعم أنَّهم غير مشركين، وأجمعت الأمة على أنَّ أهل هذه الملل إذا هم حاربوا، وبانوا بدارهم أنَّ دارهم دار شرك، واجتمعت الأمة على أنَّ من خرج من دينه راجعاً إلى ملة من هذه الملل انَّه مرتد إلى الشرك، واجتمعت الأمة على أنَّ أهل هذه الملل إذا قوتلوا أو سبوا أو غنموا فإنّ ذلك من قبل ما أنَّهم مشركون، وأجمعوا على أنَّ مناكحتهم محرمة؛ لأنَّهم مشركون، وأن ما حلّ من ذلك بخصوصية الله إياه بقوله عزّ وجلّ: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) (1) ، وإلاَّ فالجميع باق على تحريمه من قوله عزّ وجلّ: (ولا تنكحوا المشركات) (2) (ولا تنكحوا المشركين) (3) ، فعلى مدعي الخلاف أن يوجدنا وجهاً به حرم إنكاح رجالهم من الكتاب،
__________
(1) سورة المائدة آية رقم 5.
(2) سورة البقرة آية رقم 221، وتكملة الآية: (حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون).
(3) سورة البقرة آية رقم 221 (2/174)
صفحة 354
أو من السنّة، أو من الإجماع، إلاَّ من قول الله: (ولا تنكحوا المشركين) (1) ، أو يوجدنا وجهاً به أحلّ قتالهم، إلاَّ من قول الله عزّ وجلّ: (وقاتلوا المشركين كافة) (2) ، ومن قوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب _إلى قوله_: ولو كره المشركون) (3) ، فدلّ على أنَّهم مشركون، وأجمعوا على أنَّهم إنما عرفوا جميع ما أجمعوا عليه في هذا من الكتاب، ومن سنّة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في فعله، وفي سيرته عليه السلام. فلما كان من إجماع الأمة ما وصفنا، والرسول _صلى الله عليه وسلم_ يقول: (لن يجمع الله أمتي على ضلال) (4) تبين أنَّ الخارج عن إجماعهم، والنائي عن كافتهم في ضلال، والله أعلم بما هو في ضلالته تلك.
__________
(1) سورة البقرة آية رقم 221.
(2) سورة التوبة آية رقم 36.
(3) سورة التوبة آية رقم 29 ـ 33.
(4) سبق تخريج هذا الحديث قريباً من هذا. (2/175)
صفحة 355
ثمَّ نحن مع هذا كله سائلوا القوم بما لا جواب لهم فيه، ولا قبل لهم به إن شاء الله، ولا قوة إلاَّ بالله، فنقول لهم: أخبرونا عن أهل هذه الملل؟ أليسوا مكذبين للرسل، جاحدين لحجج الله التي دلّ بها على رسالتهم، منكرين لمعجزاتهم، وآياتهم؟ فلا بدّ من بلى، فيقال لهم: أخبرونا عن هذه الآيات التي أعجز الله بها خلقه عن الإتيان بها وبأمثالها، ولو كانوا على ذلك متظاهرين (1) أهي مما يحتمل البشر أن يأتوا به أو بمثله، أو مما لا يحتملونه؟ فإن قالوا: مما يحتملونه قيل لهم: فلم صارت إذا آيات ومعجزات إذا كان البشر يأتون بها وبأمثالها؟ فيجب على هذا المعنى أن تكون غير دالة على صدق من ظهرت على يديه، وهذا مما لا يقول به إلاَّ الجاحد لها، المكذب بصدقها. فإن قالوا: إنَّها مما لا يحتمل البشر أن يأتوا به ولا بمثله، قيل: فكيف لا يشرك من نفاها عن الله عزّ وجلّ، وأضافها إلى سواه من الخلق، كما أشرك من نفى عنه خلق هذه الأجسام، وأضاف ذلك إلى غيره من خلقه، وكلا الأمرين في باب
__________
(1) قال تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) سورة الإسراء آية رقم 88. راجع ما كتبه القرطبي، باب ذكر نكت في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة وحقيقتها 1: 69 وما بعدها. (2/176)
صفحة 356
إعجاز الخلق وامتناعهم عن إيجاد مثله سواء، أو ليس إذا اتفقت العلل، واستوت الصفات فذلك هو الذي يوجب التسوية بين الحكم؟ ولا أعلم للقوم في هذه المسألة جواباً إلاَّ بمثل هذيان، فيقولون: لو كان الجاحدون لهذه المعجزات أقروا بأنَّها لا يحتملها إلاَّ الله، ثمّ كذبوا بأنَّها من عند الله كانوا قد أشركوا. تأملوا حفظكم الله هذا الجواب، لتعلموا ما خصكم الله به من الهداية إياكم، فينبغي على هذا الجواب أن يكون من أنكر شيئاً من خلق الله أن يكون الله خلقه، لا يشرك حتى يثبت قبل ذلك، ويقر بأنَّه لا يحتمل خلقه وإيجاده إلاَّ الله، فأما متى لم يقر بذلك فلا يشرك، فهل أحد ممن له قليل عقل يقول بهذا التناقض الذي وصفوه حتى يكون مشركاً أو غير مشرك أن يقول: إنَّ هذا الفعل مما لا يحتمله إلاَّ الله، ثمّ يرجع فيقول: إنَّه ليس من فعل الله، ومع ذلك يقال لهم: أليس هذا المكذب بالرسل، الجاحد برسالتهم مكذباً بالله (1) في خبره؟ فكيف لا يشرك وقد وصف الله بالكذب، وألزمه من مهانة الكذب ما
__________
(1) قال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) سورة النساء آية رقم 80.
وقال الرسول _صلى الله عليه وسلم_ فيما رواه الإمام مسلم ـ عن أبي هريرة: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله". (2/177)
صفحة 357
ألزم الكاذبين؟ فقالوا: لا يكون مكذباً بالله حتى يقر بأنَّهم رسل الله ثم يكذبهم، فحينئذ يكون مكذباً بالله، وأما من لم يقر بأنَّهم رسل الله، فكذب بأنَّهم رسل من عند الله فإنما وقع التكذيب ها هنا للمرسلين دون المرسل، قيل لهم: هذا من الكلام الأول الذي أنبأنا أولاً عن تناقضه مما لا يقول به أحد من الناس، ونحن مع ذلك نجيب فنقول: أو ليس المرسل قد شهد للمرسلين بالذي أظهره الله على أيديهم من إحداث الأجسام، وإيجاد الأَجرام في جميع تلك المعجزات التي أحدثها الله على أيدي المرسلين، وقال: إنَّه أرسلهم بالذي أظهره الله على أيديهم؟ فكيف لا يكون المكذب للمرسلين على هذا المعنى مكذباً للمرسل؟ وهل تكذيبه بعدما أقر بأنَّهم مرسلون إلاَّ هو تكذيبه قبل ما لم يقر بأنَّهم مرسلون؟ وليس في جميعه أكثر من أنَّه كذب المرسلين، وزعم أنَّهم ليسوا من عند الله مرسلين فقط.
ويقال لهم: ما تقول فيمن شبه الله بخلقه من أهل هذه الملل، ووصفه بصفة خلقه ممن قال: (إن الله ثالث ثلاثة) (1) (إن الله هو المسيح ابن مريم) (2) وإنَّ المسيح والعزيز أبناء الله، وإنَّ هرمزاً والشيطان خالقان، وغير ذلك من كلام
__________
(1) سورة المائدة آية رقم 73.
(2) سورة المائدة آية رقم 72. (2/178)
صفحة 358
أهل هذه الملل، تعالى الله عن جميع ما قالوا؟ هل تشركونهم بما قالوا من ذلك؟ فإنَّ قالوا: نعم قيل لهم: فهل تحكمون فيهم وعليهم بحكم غير حكم من لم يقل بذلك كله من أهل مللهم إلاَّ أنَّه كذب بالرسل فقط؟ فإن قالوا: إنَّ الحكم عليهم وفيهم حكم واحد، قيل: وكيف سويتم بينهم في الحكم، وفرقتم بينهم في الصفة؟ أو ليس اتفاق الحكم مما يوجب اتفاق الصفة، كما أنَّ اتفاق الصفة مما يوجب اتفاق الحكم عند جماعة أهل النظر من المتكلمين؟ ثمّ يقال لهم: أليس مما أطبقت عليه الإباضية في مذهبها واعتقادها، وعليه خالفوا من خالفوا، ووافقوا من وافقوا، بأنَّ الكفر كفران: كفر شرك، وكفر نفاق؟ فلا بدّ من أن يقولوا: بلى، فيقال: من أين استحدثتم أنتم الكفر الثالث الذي خالفتم فيه من قولكم: إنَّه كفر آخر، لا هو كفر شرك، ولا هو كفر نفاق، مما لا يقول به أحد من هذه الأمة، موافق أو مخالف، وليس له في كتاب الله عزّ وجلّ، ولا في سنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ولا في أثر من الآثار أصل ولا فرع. وعليهم في هذا حجج كثيرة، وبدون هذا يقع الفصل في هذا الباب؛ لأنَّه فرع من فروع باب الحجة، وقد تكلف بعض أصحاب عيسى في هذا المعنى مسائل، حاول بها إبطال حجج الله الظاهرة على أهل دينه، فكان النقض عليه من الأئمة الراشدين الناصرين لدين الله، رحمهم الله، وسلك بنا طريقتهم بما فيه الكفاية، والحمد لله رب العالمين. (2/179)
صفحة 359
باب القول في أسماء الله جل جلاله وصفاته هل هي محدثة
مخلوقة أم ليست كذلك؟
اعلم وفّقنا الله وإيّاك أن الاختلاف من هذا الباب وقع في مواضع ثلاثة: أمّا أحدها ففي الاسم والصفة ما هما؟ والثاني: في الذي يسمى الله به في الأزل مما لا يسمى به، والثالث: ما القول في ولاية الله وعداوته، وحبه، وبغضه، وسخطه، ورضاه، هل هي صفات له في ذاته أم فعل من أفعاله؟ فإن سأل سائل فقال: ما الاسم وما الصفة عندكم؟ قيل له: فالاسم والصفة جميعاً ما بان به الشيء من غيره على ما هو به في ذاته ونفسه، وصفه الواصفون أو لم يصفوه، وليس القول على ما غلط فيه من زعم أن الاسم والصفة هي التسمية من المسمى، والوصف من الواصف؛ لأنه لو كان الأمر على ذلك لكانت الأشياء في ذواتها وفي أنفسها غير موجودة بصفة من الصفات، ولا مستحقة لاسم من الأسماء، حتى تكون التسمية لها من المسمين، والوصف من الواصفين، وفي ذلك إبطال وجود الأشياء بحقائقها ومعانيها التي بان بعضها من بعض. ألا ترى أنه لو كان اللون لا يكون صفة للملون، والحرارة والبرودة لا تكونان صفة للحار ولا للبارد، وكذلك الحركة والسكون لو كانتا لا تكونان صفة للمتحرك (2/180)
صفحة 360
والساكن حتى يكون الوصف من الواصفين لذلك لكانت هذه الأشياء موجودة بغير هذه الصفات، وفي ذلك إبطال وجود تلك الأشياء بحال. فلمّا ثبت ما قلنا من هذا على ما وصفنا ثبت أن صفات الأشياء هي حقائقها التي لا توجد إلاَّ بها، وبطل القول بأن صفات الأشياء وأسماءها هو ما يوجد من وصف الواصفين لها، وتسميتهم إيّاها، ألا ترى أنه لو لم يصف الواصف، ولم يسم لكان جائزاً أو متفقاً أن تكون الأشياء موجودة بغير صفة من الصفات، ولا حقيقة من الحقائق، وهذا ما قد بان فساده جداً.
وكذلك القول في علم الله، وقدرته، وعزته، وحياته، وسمعه، وبصره لو جاز ألاّ تكون صفة لله في ذاته موجوداً بها في أزليته حتى يكون الوصف له بذلك لكان يجب أن يكون الله موجوداً من قبل أن يصفه الواصفون على خلاف هذه الصفات من الجهل، والعجز والمذلة والموت، والصم والعمى، تعالى الله عن هذه المقالة علواً كبيراً، وعمّا تجرّ إليه من الخطأ، وقد أبطلنا مثل هذا من الكلام بما تقدّم لنا من الأدلة في غير موضع من كتابنا. فإن آثرت أن تجوز عليهم المسألة بأن تقول لهم: أخبروني عن نفس علم الله، ونفس قدرته، ونفس حياته، وعزته وسمعه وبصره؟ أذلك صفات لله فيما لم يزل أم ليس بصفات (2/181)
صفحة 361
له إلاَّ بعد إحداثه الأشياء عندما يوصف بذلك؟ فإن زعموا أن نفس العلم، ونفس القدرة، ونفس الحياة، والعزة والسمع والبصر ليست صفات له فيما لم يزل، إلا بعد أن يوصف بذلك أثبتوا أضدادها من الجهل، والعجز، والمذلة، والموت، في سائر تلك الصفات، فإن قالوا بأن الله موجود بهذا المعاني التي ذكرتم، غير أنه لا يجوز أن يقال إنها صفات لله، وإنما الصفات عبارات الواصفين وألفاظهم عاد عليهم الكلام الأول، بأن يكون علم الله وقدرته وحياته وعزته غير صفات لله، وإذا كانت غير صفات لله وجب أن يكون أضدادها من الآفات التي ذكرناها هي صفات له؛ لأنه لا يجوز أن يكون موجودا بغير هذه الصفات: من العلم والقدرة والعزة والحياة، إلا بأن يكون موجودا بأضدادها من تلك الآفات التي لا تجوز على الله جل جلاله ولا تليق به. فإن قال: بأن العلم والقدرة والحياة والعزة والسمع والبصر صفات لله لم يزل بها، والوصف له منا مع ذلك تلك الصفات صفات له أخرى. قيل لهم: هذان وجهان متباينان وغير متفقين، متباعدان غير متقاربين، فالعلم والقدرة والحياة والعزة صفات لله في ذاته، موجود بها في أزليته، وعباراتكم وألفاظكم التي هي وصفكم له (2/182)
صفحة 362
وتسميتكم إيّاه إنما ذلك أفعالكم وصفاتكم التي تصفونه، فانظروا على أي هذين الوجهين تعزمون على أنها صفات معبودكم، وعلى أيهما تعتمدون؟ فإن كنتم عازمين على أن العلم والقدرة والحياة والعزة والسمع والبصر في سائرها هي صفات لله في ذاته، موجود بها في أزليته بطل بذلك ما تعلقتم به من ألفاظكم التي هي أفعالكم وصفاتكم لأنفسكم، أن يكون ذلك الذي هو صفاتكم صفات لله وأسماء له، يتعالى ربنا عن ذلك، أو تكونون تعزمون على أن هذه الألفاظ التي هي أفعالكم وصفاتكم هي صفات الله وأسماء له دون علمه وقدرته وحياته وعزته، فيلزمكم في هذا من القول وجوه ثلاثة كلّها فاسدة غير صحيحة. أمَّا أحدها: هو الذي قدّمنا آنفًا، إذا كان الله غير موصوف بالعلم ولا بالقدرة ولا بالحياة ولا بالعزة، ولا بشيء من تلك الصفات وجب أن يكون موصوفاً بأضدادها من الآفات التي ذكرنا وعددنا.
والوجه الثاني: أن (2/183)
صفحة 363
تكونوا تصفون الله بما هو ليس بصفة له: من العلم والقدرة والحياة والعزة فتكونوا كاذبين عليه، مخطئين في صفته، حين وصفتموه بما ليس له بصفة.
والثالث: أن تكون صفاتكم التي هي أفعالكم وألفاظكم صفات لله، فيكون الله عزّ وجلّ موصوفاً بصفاتكم، وتكونون أنتم موصوفين بصفاته، وهذا غاية التشبيه لله عزّ وجلّ بغيره، ولست أعرف للقوم في هذا الباب مذهباً يذهبون إليه، ولا ملجأ يأوون إليه، إلاَّ ما ذكرت لكم من هذا، فتراني قد دللت على فساده بأوضح الأدلة، والقول في الأسماء كالقول في الصفات حرفاً حرفاً، فحين نبهتكم على ذلك عرفتموه إن شاء الله.
وقد كان بعض مَن أدركت من أهل العلم ممن يرى أنه مشفق على لحمه ودمه قد كان يدقق النظر في هذا الباب، متفهماً لا متجنياً بأمور تكل عنها أفهام هؤلاء القوم، ولا تبلغه أوهامهم إلاَّ ما شاء الله، ملتمساً لهم في المخرج مما تورطوا فيه، فما رأيته وجد لهم من مقالتهم مخرجاً، ولا من مذهبهم مخلصاً، فنعوذ بالله من اللجاج في الضلالة، والإقدام على المهلكة.
فإن سأل سائل فقال: هل تعرفون الله جل جلاله بأسمائه وصفاته؟ قيل له: (2/184)
صفحة 364
فهل يعرف الشيء ويحك إلاَّ باسمه وصفته التي بان بها من سائر الأشياء؟ لا على أن تكون الأسماء والصفات معارف العارفين، واعتقاداتهم في قلوبهم، فإن سألوا عن التأنيث والتذكير، والجمع والإفراد في أمثال تلك الوجوه الواقعة على الألفاظ الجارية عليها في لغة العرب دون المعاني، قيل لهم: وهل يغلط في مثل هذا، ويلكم مَن له قليل فهم؟ أو لستم تقولون: إن قدرة الله هي هو لا غيره، وإن إرادة الله هي هو لا غيره، وإن ذات الله ذات قديمة مخترعة للأجسام، وإن نفس الله ليست شيئاً غيره، أفيجب على هذا من القول أن يكون ما ذكرنا من هذا كله داخلاً في معنى التأنيث؟ تعالى الله عن هذه المقالة علواً كبيراً. وبمثل هذا من المعارضة عارض قوم من أهل الدهر، بأن سألوا عن الأسماء مذكرها ومؤنثها، أرادوا بذلك أن يطعنوا في أسماء الله عزّ وجلّ، وقالوا: ما جعل الاسم المذكر أولى به من المؤنث؟ قد ذكر ذلك محمد بن شبيب (1) في كتاب التوحيد، فأجابهم محمد بقريب من الذي أجبنا به هؤلاء القوم، فكفى خزياً لمَن لا له معارضة إلاَّ من معارضة الملحدين أهل التعطيل.
__________
(1) أبو بكر محمد بن عبد الله بن شبيب البصري، نسب إلى جده، ويبدو أنه من رجال منتصف القرن الثالث الهجري إذ كان من أصحاب النظام، جمع بين الإرجاء ونفي القدر، ولكن الشهرستاني جعله من رجال الخوارج. ويرى محمد بن شبيب استحالة بقاء الحركة والسكون واستحالة بقاء الأعراض عامة، وأن البقاء ليس معنى زائداً على الباقي. أمَّا الأشعري فقد جعله رئيس فرقة من فرق المرجئة، وأن الإيمان عنده يتبعض، وأن مرتكب الكبيرة مؤمن بما معه من الإيمان، وفاسق بما معه من الفسق. راجع التبصير في الدين ص 15، والملل والنحل للشهرستاني 1: 138، وأصول الدين 42 ـ 51، ومقالات الإسلاميين 137 ـ 138. (2/185)
صفحة 365
وكذلك إن سألوا عن العدد، والتغاير، والإضافة، وأشباهها كان الجواب لهم في كل ذلك كالجواب لهم فيما تقدم، وبمثل هذا من الغلط غلط أبو بكر الأشعري (1) وأصحابه في صفات الله عزّ وجلّ، لما قالوا فيها بالتغاير، والعدد؛ وذلك أن هؤلاء الآخرين لما سمعوا بذكر العلم والقدرة والحياة والعزة والسمع والبصر وسائر الصفات قالوا: فلن تجوز أن تكون هذه المعاني كلها معنى واحد، بل هي معان متغايرة متعددة، فلما أن أثبتوا صفات الله معاني متغايرة متعددة التمسوا لهذه المعاني المتغايرة المتعددة محلا يحلونها به، ومقام يقيمونها فيه فلم يجدوه، لما كان الله في أزيلته ليس معه شيء غيره، فلما لم يجدوا لما أقدموا عليه من القول بهذا مخرجا سقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد ضلوا، فتجاسروا على القول بأنها حالة بالصانع جل جلاله، قائمة بذاته، تعالى الله عن ذلك علوا كبير.
وما أنساني هؤلاء أن أذكرهم بالرد عليهم في موضعهم إلا الشيطان، وما عسى أن أرد عليهم بأقبح من مقالتهم، حيث زعموا أن الله جل جلاله محل للأشياء، وأثبتوا أن ذاته مقام للمعاني، وضاهوا بذلك قول اليعقوبية (2) من النصارى، حين قالوا: إنها ثلاثة أقانيم (3) لم تزل ذات جوهر واحد على ما وصفنا من مقالة اليعقوبية في موضعها، بل زاد هؤلاء الأشعريون على النصارى لما كانت النصارى تأبى من التغاير، ولا تقول به، وهؤلاء الأشعريون يثبون التغاير، والعدد
__________
(1) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر أبو بكر: قاض من كبار علماء الكلام، انتهت إليه الرياسة في مذهب الأشاعرة، ولد في البصرة عام 338هـ، وسكن بغداد فتوفي بها عام 403هـ.
كان جيد الاستنباط، سريع الجواب، وجهه عضد الدولة سفيراً عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها. من كتبه "إعجاز القرآن"، و"الإنصاف"، و"مناقب الأئمة"، و"دقائق الكلام"، و"الملل والنحل"، و"كشف أسرار الباطنية" وغير ذلك كثير. راجع وفيات الأعيان 1: 481، وقضاة الأندلس 37 ـ 40، وتاريخ بغداد 5: 379، ودائرة المعارف الإسلامية 3: 394، والوافي بالوفيات 3: 177، وتبيين كذب المفتري 217 ـ 226.
(2) اليعقوبية: أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة، إلاَّ أنهم قالوا انقلبت الكلمة لحماً ودماً فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر بجسده بل هو هو، وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) المائدة آية 72، فمنهم مَن قال: إن المسيح هو الله تعالى، ومنهم مَن قال: ظهر اللاهوت بالناسوت فصار ناسوت المسيح مظهر الجوهر لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة بل صار هو هو.
وزعم أكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد وأقنوم واحد إلاَّ أنه من جوهرين، وربما قالوا طبيعة واحدة من طبيعتين. راجع الملل والنحل للشهرستاني ج2 ص30، 31، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 2: 193 ـ 194.
(3) الأقنوم: الأصل والجوهر. والأقانيم الثلاثة عند المسيحيين هي الأب، والابن، والروح القدس. وعند الإسكندرانيين هي النفس الكلية، والعقل، والواحد. وقيل: إن أفلوطين أول مَن أدخل هذا اللفظ في اللغة الفلسفية، ثم استعمله كتاب عصره من المسيحيين، وأطلقوه على الأب والابن والروح القدس.
وجملة القول: إن الأقنوم عند قدماء الفلاسفة هو الحقيقة الوجودية.
والأقنومي هو الجوهري، ويطلق عند اللاهوتيين على اتحاد الطبيعة الإنسانية بالطبيعة الإلهية، بحيث تكون الثاني هي الحامل أو الجوهر الذي به تقوم الأولى. (2/186)
صفحة 366
الكثير الزائد على عدد النصارى، تعالى الله عن جميع مقالات المبطلين علوا كبيرا.
وكذلك غلطت هذه الفرقة الناكثة لما سمعوا بعبارات التأنيث والتذكير، والجمع والإفراد، والعدد والتغاير، والإضافة، وأشباه هذه الوجوه الواقعة على الألفاظ الجارية عليها في لغة العرب لا على المعاني، وقالوا: إن هذه الوجوه كلها لا تجري على علم الله، وعلى قدرته وحياته وسمعه وبصره، وإنما يجري ذلك من العبارة على الألفاظ والأوصاف، فأبطلوا لهذه العلة أن يكون علم الله وقدرته وحياته وعزته وسمعه وبصره صفات لله عز وجل، وأن يكون الله موصوفا بشيء منها، وأثبتوا ألفاظهم التي هي أفعالهم صفات لله عز وجل، تعالى الله عن ذلك.
وفي غلط الفريقين جميعا دليل على صدق مقالتنا بأن علم الله وقدرته وحياته وعزته وسمعه وبصره صفات له في ذاته لم يزل موصوفا به، موجودا في أزليته، مستحقا لها، وأنها هي الله ليست شيئاً غيره، وأنها لا يجري عليها (2/187)
صفحة 367
العدد، ولا التغاير، ولا التأنيث ولا التذكير، ولا الجمع ولا الإفراد، ولا الإضافة، ولا الملك، إذ كان ذلك كله من معاني المحدث المصنوع، وأن عبارات الواصفين التي هي أفعالهم وصفاتهم، من حركاتهم وسكونهم ليس شيء من ذلك بصفة لله ولا باسم له، كما دللنا على فساد القول بذلك في أول كلامنا، مع أننا وهؤلاء القوم جميعا قد نقمنا على أهل الإزالة مقالتهم، فيما زعموا أن إرادة الله محدثة، وأنها فعل من أفعاله، فأبطلنا عليهم ذلك بما قدمنا من الشواهد والأعلام في حشو هذا الكتاب، وبما لم نذكره من ذلك، فكيف حتى زادوا على أهل الإزالة بأن زعموا أن صفات الله وأسماءه محدثة مخلوقة كائنة بعد إذ لم تكن، ظنوا بغباوتهم وحسبوا أنهم منفصلون من أهل الإزالة في مقالتهم بذلك، وليسوا بحمد الله عنهم بمنفصلين. (2/188)
صفحة 368
وقد كان عارضهم عيسى بن علقمة المصري _رحمة الله عليه_ في كتاب التوحيد الكبير بأمر مقنع بما فيه الكافية، لما عارضهم بمقابلة أصحاب الأرسطاطاليس (1) من أهل الدهر، حين زعموا أن الهيولي (2) قديم لم يزل، ليس بذي أعراض، ولا بذي صفات، إلى أن صار في زعمهم بعد ذلك موصوفاً بالأعراض والصفات، وناظر مقابلة هؤلاء القوم من الناكثة حين زعموا أن الله قديم لم يزل، وأن صفاته محدثة مخلوقة كائنة بعد إذ لم تكن، كمقالة من ذكرنا من أهل الدهر سواء، فلم ينفصلوا عند معارضة عيسى إياهم من مقالة أهل الدهر، ولم يتخلصوا من الذي يلزمهم في ذلك بحمد الله سبحانه، ولعمري أن مثل عيسى لمن حذاق متكلمي أهل هذه الدعوة المباركة فيما بلغنا عنه.
فإن سأل سائل من أصحاب الأشعرية، أو نسأل لهم أنفسنا فنقول: فإذا زعمتم أن صفات الله عز وجل غير متغايرة ولا متعددة، وإنما هي الله، وليست شيئا غيره، وليس شيء منها غير شيء، فهل تقولون: إن الله هو قدرته، وإن قدرته هي علمه، وكل معنى من ذلك هو الآخر؟ قيل لهم: إنا لم نأب ما سألهم عنه من ذلك من وجه التغاير، ولا من وجه العدد، كما توهتموه من الذي غلطتم فيه، وإنما أبينا من القول بأنَّ علم الله هو قدرته، وإنَّ قدرته هي إرادته في سائر ذلك، لما يوجبه القول في معنى يقدر، ولا يوجبه في معنى يريد، ولا في معنى يعلم، ومن ذلك أنَّ معنى يعلم يقع على الفعل وغير الفعل، ومعنى
__________
(1) كانت شخصية أرسطو معروفة عند أهل الشرق عن طريق ما تناقلوه من الأساطير وما ورثوه من العلم، فقد تناولته الأساطير من جهة أنَّه الحكيم الذي علم ذا القرنين، وذكرت الروايات العلمية ترجمته ومجمل آرائه، كما وجدت أيضاً بالسريانية مقتطفات وشروح وترجمات لكتاب ايساغوجس لفرفوريوس ولبعض مصنفات أرسطو وخاصة في المنطق كالمقولات، والعبارة، وتحليل القياس.
ولم تعرف على وجه التحقيق أخبار سيرة هذا الفيلسوف، فقد خلط مؤرخو العرب (كاليعقوبي) بين أبي أرسطو ونيقوماخس الفيثاغوري. وأثر أرسطو في المسلمين منذ القرن الثالث عشر الميلادي يكاد يقتصر على علم المنطق. راجع دائرة المعارف الإسلامية 2: 581 ـ 585، وقد ذكرت مجموعة ضخمة من المراجع والمصادر.
(2) الهيولي لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة. وفي الاصطلاح: هي جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال محل للصورتين الجسمية والنوعية. وقال ابن سينا: الهيولي المطلقة فهي جوهر، ووجوده بالفعل إنما يحصل لقبول الصورة الجسمية لقوة فيه قابلة للصور، وليس له في ذاته صورة تخصه إلاَّ معنى القوة. والهيولي عند القدماء: على أربعة أقسام: وهي الهيولي الأولى: وهو جوهر غير جسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتّصال والانفصال محل للصورة الجسمية، الهيولي الثانية: وهي جسم قام به صورة كالأجسام بالنسبة إلى صورها النوعية. الهيولي الثالثة: وهي الأجسام مع الصورة النوعية التي صارت محلاً لصور أخرى كالخشب لصورة السرير. الهيولي الرابعة وهي أن يكون الجسم مع الصورتين محلاً للصورة كالأعضاء لصورة البدن. راجع التعريفات، وكشاف اصطلاحات الفنون، والحدود. (2/189)
صفحة 369
يقدر ويريد لا يقعان إلاَّ على الفعل، وأيضاً فإنَّ معنى يقدر يقع على كائن وغير كائن مما ليس كونه بمحال، ومعنى يعلم ويريد لا يقعان إلاَّ على كائن، فاتفق القول في باب يعلم ويريد من هذا الوجه، كما اتفق معنى يقدر ويريد في أنهما لا يقعان إلاَّ على الفعل، وليس ذلك لاختلاف القدرة والعلم والإرادة، وإنما ذلك لاختلاف المقدور عليه، والمراد، والمعلوم.
ووجه آخر في جواب ما سألتم عنه: أنَّ قول القائل بأنَّ العلم هو القدرة، والقدرة هي الإرادة يوهم السامع أنَّ هنالك أشياء غير الموصوف بها، فيقال: إنَّ هذا هو هذا، أو هذا غير هذا، إلاَّ أن يذهب السائل بأنَّ العلم هو القدرة، والقدرة هي العلم، إلى أن يكون العالم هو القادر، والقادر هو العالم، فهذا مما لا يجاب به إلاَّ بصلته التي تزيل سوء الظنون عن السامعين عند ورود الجواب على أوهامهم غير مفسر، ولا موصول بصلته التي يتبين الجواب بها ويصح. فإن قال: فأوجدوني شيئين من الأشياء ليس أحدهم هو الآخر، ولا هو غيره، وهذا منكم غلط على اللغة، وعلى الوهم جميعاً، قيل له: فإنَّا نوجدك ذلك في نفس مقالتك، فضلاً عن سواها، ألست تزعم أنَّ علمه وقدرته وعزته وحياته وسائر صفاته ليس شيء من ذلك هو الله، ولا هو شيء غيره، (2/190)
صفحة 370
وذلك أنَّ هؤلاء الأشعريين يقولون بالتغاير بين الصفات، ولا يقولون بذلك بين الصفات والموصوف، ويزعمون أنَّ الصفات ليست هي الموصوف، وليست بغيره، ويفرقون بالجواب بين هاتين المسألتين، مع ما وجدنا في صفات الأشياء من أنَّه لا يقال في صفة منها بأنَّها هي الصفة الأخرى، ولا بأنَّها غيرها، وإلاَّ فأخبرني عن شيئة الحركة أهي حدثها أم غير حدثها؟ وعن حدثها أهو عرضها أم غير عرضها؟ وعن عرضها أهو كسبها أم هو غير كسبها؟ وعن كسبها أهو طاعتها أم هو غير طاعتها؟ في أشباه هذه الوجوه، فإن زعم أنَّ كل صفة من ذلك هي الأخرى، دخل عليه من الفساد مالا يقوم به، وإن زعم أنَّ شيئة الحركة غير حدثها، وأنَّ حدثها غير عرضها، وأنَّ عرضها غير كسبها، وأنَّ كسبها غير طاعتها دخل في مقالة معمر (1) صاحب المعاني، مما اجتمع المتكلمون على فساده.
__________
(1) هو معمر بن عباد السلمي، معتزلي من الغلاة، من أهل البصرة، سكن بغداد، وناظر النظام، وكان أعظم القدرية غلواً، انفرد بمسائل من أجلها سمي "صاحب المعاني"، منها: أنَّ الإنسان يدبر الجسد وليس بحال فيه، والإنسان عنده ليس بطويل ولا عريض، ولا ذي لون وتأليف وحركة، ولا حال ولا متمكن، وإنما هو شيء غير هذا الجسد، وهو حي عالم قادر مختار... إلخ، فوصف الإنسان بوصف الألوهية.
ومن أقواله: إن الله تعالى لم يخلق شيئاً غير الأجسام، فأما الأعراض فهي من اختراعات الأجسام إما بالطبع وإما بالاختيار، وتنسب إليه طائفة تعرف بالمعمرية، توفي عام 215هـ. راجع خطط المقريزي 2: 347، ولسان الميزان 6: 71.
وفي اللباب: المعمرية فرقة من القدرة ينسبون إلى معمر، وله فضائح، وانظر الملل والنحل للشهرستاني 1: 89. (2/191)
صفحة 371
وليس هذا موضع إيضاح فساد القول بالمعاني. فإن قالوا: ليس جهة شيء غير جهة حدث، وإنَّ جهة حدث غير جهة عرض، وإنَّ جهة عرض غير جهة كسب، قيل لهم: ما هذا التغاير الذي ذكرتم، تغاير في نفس الصفات، أم تغاير في الوصف والقول؟ فإن زعموا بأنَّه تغاير في نفس الصفات صاروا إلى ما ذكرنا من قول أصحاب المعاني، وإن قالوا بأنَّه تغاير في القول، لا تغاير في المعاني، قيل لهم: فكذلك القول بأنَّه يقدر غير القول بأنَّه يعلم، والقول بأنَّه يعلم غير القول بأنَّه يريد، ومثل هذه المناظرة عند جماعة المتكلمين مناظرة المسألة بالأخرى، لا مناظرة الشيء بالشيء، فإن قال: فهل تصفون الصفة أم لا تصفونها؟ قيل له: إن أردت أنا نصف الصفة بأن نخبر عنها بأنَّها كذا فنعم، وإن ذهبت إلى أن نجعل للصفة أخرى غيرها، ولتلك الأخرى غيرها فهذا من أمحل المحال عند المتكلمين، فإن قال: أليس أنه علم غير أنها قدرة، أم أنه علم هو أنها قدرة؟ قيل له: القول بأنه علم غير القول بأنها قدرة، والقول بأنها قدرة غير القول بأنه علم، على ما دللنا في أول المسألة، فإن قال: فإذا زعمتم أن علم الله هو، وإن قدرته هو، أفتقولون: إن الله هو العلم، وإن الله (2/192)
صفحة 372
هو القدرة، أم كيف يكون شيء شيئاً آخر، ولا يكون الشيء الآخر هو ذلك الشيء؟ قيل له فقولنا: إن علم الله هو، وإن قدرته هو أردنا بذلك أن الله العالم القادر بذاته ليس ثم شيء غيره، ولم يستحدث علماً ولا قدرة ولا صفة من الصفات، والقول بأن الله علم غير مطلق ولا مقيد معنى، والصفات قد تكون عندهم هي الموصوف، ولا يجوز أن يكون الموصوف نفسه صفة، وقد يجوز القول بأن الله عالم قادر، ولا يجوز أن يقال: علم الله عالم، ولا قدرته قادرة، وليس هذا مذهباً فيحتاج إلى الكلام فيه بأكثر من هذا.
عودة إلى مناقشة الأسماء
رجع الكلام إلى ما كنا فيه قبل ورود ذكر هؤلاء الأشعريين (1) فنقول: إن الموضع الثاني من الخلاف في مسألة الأسماء ما القول فيما يسمى الله به في أزليته مما لا يسمى به؟ فإن قال قائل: فهل تسمون الله جل جلاله في أزليته خالقاً رازقاً محيياً ميتاً باعثاً وارثاً في أمثلها؟ قيل له: نعم قد سميناه بذلك في أزليته وبعد إحداثه الأشياء، ولم يزل ربنا خالقاً رازقاً محيياً ميتاً باعثاً وارثاً، ولا يزال كذلك من قبل ما وجدنا أن هذه الأسماء موضوعة في كتاب الله عز وجل، مستعملة لمعان ثلاثة، كلها قد سمى الله بها نفسه ووصفها بها، أما أحدهم فللذات والمدحة، والثاني: فللفعل الآتي دون ما قد فعل، والثالث: لما فعل فقط.
أما ما وصف به نفسه لمعنى للذات والمدحة فقوله عزّ وجلّ: (إن ربكم
__________
(1) أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، المنتسب إلى أبي موسى الأشعري _رضي الله عنهما_. وسمعت من عجيب الاتفاقات أنَّ أبا موسى الأشعري _رضي الله عنه_ كان يقرر عين ما يقرر الأشعري أبو الحسن في مذهبه، ولقد اجتذب الأشعري عدداً من طلاب المعرفة، وبذلك تأسست مدرسة له، وكان موقف الأشاعرة من العقائد عرضة للهجوم من الحنابلة الذين رأوا أنَّ استخدام الأشاعرة للحجج العقلية بدعة منكرة، ومن الماتريدية الذين كانوا يدافعون عن مذهب السنة بالطرق العقلية قد وجدوا أنَّ بعض مواقف الأشاعرة تبدو ممعنة في المحافظة، والواضح أنَّ الأشعرية رغم هذه المعارضات غدت المذهب السائد في كثير من البلاد الإسلامية. راجع دائرة المعارف الإسلامية 3: 437، والملل والنحل 1: 94، 96. (2/193)
صفحة 373
لرءوف رحيم) (1) وقوله: (رحيم ودود) (2) ، و(غفور شكور) (3) ، و(جواد كريم) (4) ، و(فعال لما يريد) (5) في أشباهها من كتاب الله عزّ وجلّ مما أخبر به عن صفته في ذاته وقدرته، كان الفعل بذلك أو لم يكن. والذات لا توصف بالتغيير والمدحة لا تكون ناقصة فيكون الله عزّ وجلّ مخبراً عن نفسه ومادحاً لها بأمر يكون أو لا يكون.
والوجه الثاني: ما أخبر به عن نفسه بأنَّه سيفعله بعد، قال الله عزّ وجلّ: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا) (6) وقال: (إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) (7) ، وقال: (إني منزلها عليكم) (8) ، وقال: (إني جاعل في الأرض خليفة) (9) ، وقالت الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) (10) ومثله في كتاب الله عزّ وجلّ كثير فاعل على أن سيفعل.
والوجه الثالث: ما كان من التسمية بذلك لما قد فعل بعد، فقال: (الحمد
__________
(1) سورة النحل آية رقم 7.
(2) سورة هود آية رقم 90.
(3) سورة فاطر آية رقم 30، والشورى آية رقم 23.
(4) لا توجد آية بهذا المنطوق، وإنَّ الشرع لا يمنع من إطلاق لفظ "الجواد" ولفظ "الكرم" على الله سبحانه وتعالى.
(5) سورة هود آية رقم 107، وسورة البروج آية رقم 16.
(6) سورة آل عمران آية رقم 55، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: وإذ بدلاً من (إذ).
(7) سورة آل عمران آية رقم 9.
(8) سورة المائدة آية رقم 115.
(9) سورة البقرة آية رقم 30.
(10) سورة البقرة آية رقم 30. (2/194)
صفحة 374
لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً) (1) ، وقال: (فالق الحب والنوى) (2) ، وقال: (وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً) (3) وقال: (آخذ بناصيتها) (4) .
وهذه الوجوه الثلاثة موجودة معلومة، كلا قد سمى الله به نفسه، ووصفها به في كتابه عزّ وجلّ، وهي سائغة في كلام العرب في خطبها وأشعارها، مستعمل ذلك فيما بينهم، وشهرته تغني عن الاستشهاد عليه، فإذا كانت التسمية بهذه الأسماء تتصرف على هذه الوجوه الثلاثة جميعاً فلم حملت التسمية بفاعل وخالق ورازق في أمثالها على بعض هذه الوجوه دون بعض؟ فاكتف بهذه الجملة في هذا الباب واقطع شغلك مما سواها.
الموضع الثالث من الخلاف في مسألة الأسماء
وأمَّا القول في ولاية الله عزّ وجلّ، وعداوته وحبه وبغضه وسخطه ورضاه فإن ذلك صفات لله عزّ وجلّ لم يزل موصوفاً بها في أزليته، مستحقاً لذلك
__________
(1) سورة فاطر آية رقم 1، وتكملة الآية: (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير).
(2) سورة الأنعام آية رقم 95.
(3) سورة الأنعام آية رقم 96.
(4) سورة هود آية رقم 56. (2/195)
صفحة 375
بذاته، من قبل أنه لا تخلو هذه الصفات من وجهين لا ثالث لهما: إمّا أن تكون صفات لله لم يزل بها على ما قلنا، أو أن تكون فعلاً من أفعاله، وبطل بأن تكون فعلاً من أفعاله، من قبل أن ذلك الفعل لا يعدو أحد وجهين لا ثالث لهما: إمّا أن يكون ثواباً أو غير ثواب، فإن يكن ثواباً بطلت التسمية عن الله عزّ وجلّ بهذه الصفات، حتى يكون الثواب واقعاً، فهذا يقتضي أن يكون الله عزّ وجلّ غير موال ولا معاد، ولا محب (1) ولا مبغض، ولا ساخط (2) ولا راضي (3) إلاَّ بعد وجود الثواب والعقاب في دار المعاد، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون جميع ما وصف الله به نفسه من ذلك، وأخبر به عنها في غير موضع من كتابه على لسان نبيّه _صلى الله عليه وسلم_ على غير ما وصف، وعلى خلاف ما أخبر، وهذا غاية التكذيب لله عزّ وجلّ، تعالى الله عمّا يقول الجاهلون، أو أن يكون هذا الفعل غير ثواب، فإذا كان غير
__________
(1) قال تعالى: (إن الله يحب المحسنين) البقرة آية رقم 195.
و(إن الله يحب المقسطين) الممتحنة آية 7، والحجرات 9.
و(إن الله لا يحب كل خوان كفور) الحج آية 38.
و(إنه لا يحب الكافرين) سورة الروم آية رقم 45.
(2) قال تعالى: (أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله) آل عمران آية 162.
وقال تعالى: (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم) المائدة آية 80.
(3) قال تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) المائدة آية 119.
وقال تعالى: (إلاَّ من أذن له الرحمن ورضي له قولاً) طه آية 109. (2/196)
صفحة 376
ثواب لم يخل من وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون واقعاً على ما علم الله، أو على ما فعل العباد، فإذا كان واقعاً على ما فعلوا فيجب أن يكون الله على هذا المعنى موالياً لأهل عقابه، معادياً لأهل ثوابه في مثل ذلك، عندما يكون من أفعالهم التي هم عنها يتحولون، ولم يبق بعد هذا إلاَّ القول بأنَّ ولاية الله وعداوته وحبه وبغضه وسخطه ورضاه إنما ذلك من الله للعلم على ما العباد له فاعلون، وإليه صائرون.
ولعلّ قائلاً منهم يقول: إن الولاية هي التسمية لهم بالإيمان، والعداوة هي التسمية بالكفر، قيل له: هذا الذي ذكرت داخل في جوابنا آنفاً؛ لأنّه لا تعدو التسمية من أن تكون لهم على ما فعلوا، أو على ما علم الله أنهم إليه صائرون، فإن كان على ما فعلوا فيجب في ذلك من الفساد ما قدمنا، وأن تكون ولاية الله لأهل عقابه، وعداوته لأهل ثوابه إذا كانت التسمية واقعة لهم على ما فعلوا، وإن كانت التسمية على ما علم الله مما العباد إليه صائرون فقد دارت القصة من حيث ما دارت، إلى أن الولاية والعداوة وتلك الصفات قد آلت إلى العلم، وانتظمت إليه، فلمّا كان ما قلنا من هذا على ما وصفنا ثبت أن ولاية الله وعداوته وحبه وبغضه وسخطه ورضاه صفات له، لم يزل موصوفاً بها، كما لم يزل بأنه عالم بما العباد له فاعلون وإليه صائرون.
ولعلّ قائلاً يقول: أرأيتم إذا كان الله غير محدث لهذا الخلق، ولا موجد (2/197)
صفحة 377
لأحد ممن يوالي، ولا لأحد ممن يعادي، أكان جائزاً عندكم أن يكون الله موصوفاً بالولاية والعداوة على هذا الوجه؟ قيل له: أو لست تصف الله بأن لم يزل بهذه الأشياء على ما هي به من صفاتها، في اتفاق ما اتفق منها، وفي اختلاف ما اختلف؟ أفترى أن ذلك العلم الذي وصفته به لهذه الأشياء ليس بصفة لله في ذاته، ولا هو مستحق لها في أزليته، لعلة أن الخلق يكون أو لا يكون، وليس العلم مختلفاً في أن كان الخلق أو لا يكون؟ فإذا كان الله به عالماً، وإذا لم يكن الخلق ألم يجز القول بأنّ الله به عالم، والعلم لا يقع إلاَّ على كائن، وكان عالماً بأنّه لا يكون، وكذلك القول في الولاية والعداوة، إذا كان في علم الله أنه سيكون من يصير إلى ثوابه كان الله موجباً له الثواب على ما علم، وإذا كان في علمه أنه سيكون مَن يصير إلى عقابه كان الله موجباً له العقاب، وهذا حتم في علم الله، وإذا كان لا يكون شيء من ذلك كان في حتمه أنه لا يكون، وهذا علم على صفة. فإن قال: أفتقولون: إنه موال ومعاد، ولو أنهم لا يكونون؟ قيل له: أفتقولون: إنه عالم بهم ولو أنهم لا يكونون؟ وهذا من ذلك سواء. فإن قال: فإذا كان لا يجوز أن يقال الله موال إلاَّ لمَن يكون فلم (2/198)
صفحة 378
زعمتم أن الولاية صفة له، فإذا كان لا يجوز أن يقال لله عالم بما لا يكون فلم زعمتم أن العلم صفة له؟ وليس في قولنا بأن العلم لا يقع إلاَّ على كائن ما يوجب أن يكون العلم ليس بصفة لله في ذاته، وكذلك ليس في قولنا إن الولاية والعداوة لا تكونان إلاّ لكائن، ما يوجب أنهما ليستا بصفة لله في ذاته، وكلا الأمرين واحد. فإن قال: أولستم حين زعمتم أن يكون الله لم يزل موالياً، فقد أثبتم وجود الموالي لم يزل ؟ قيل له: ليس في قولنا: إن الله لم يزل موالياً ما يوجب أن يكون الموالي لم يزل كما نعتقد، ونقول: إن الله لم يزل عالماً بالأشياء، وليس في ذلك من قولنا ما يوجب أن تكون الأشياء لم تزل مع الله سبحانه، فإن قال: أفتقولون: إنهم لم يزالوا في ولاية الله وفي عداوته، قيل له: إن كنت تريد أن الله لم يزل موالياً لهم ومعادياً فذلك الذي تقول، وإن ذهبت إلى أن يكون الموالي والمعادي لم يزالا مع الله فهذا فاسد. وجوابنا في هذه المسألة كجوابنا لأهل الإلحاد، حين سألوا وقالوا: هل تقولون: إن الأشياء لم تزل في علم الله؟ كان الجواب لهم أن يقال: إن أردتم بقولكم: لم تزل الأشياء في علم الله أن الله لم يزل عالماً بالأشياء فهو ما نقول، وإن ذهبتم إلى أن تكون (2/199)
صفحة 379
الأشياء هي التي لم تزل مع الله قديمة فالقول بهذا فاسد، وكلا المسألتين واحدة، والجواب فيهما واحد. والذي حررنا من المسألة على أنفسنا في هذا الباب مع كثير ما فيه من الحجج كاف عما سواه، إن شاء الله، ولا بدّ من تنبيه عن بعض ذلك ببعض فنقول: أو ليس الله مخبراً عن نفسه بأنه ولي المؤمنين، وعدو للكافرين، فلا يخلو ما أخبر به عن نفسه من ذلك من أن يكون ولياً لجميع المؤمنين وعدواً لجميع الكافرين، أو لبعض دون بعض، فإن كان ولياً لجميع المؤمنين وعدواً لجميع الكافرين دخل في هاتين الكافيتين مَن لم يكن في حين إخباره مؤمناً ولا كافراً، بل قد دخل في ذلك من المؤمنين ومن الكافرين مَن لم يكن حينئذ موجوداً رأساً، وهذا يوجب ما قلناه، أو أن يكون الله غير ولي ولا عدو، وإن لم يوجد من المؤمنين ومن الكافرين بعد، فهذا يوجب أن يكون الله غير ولي إلاَّ لثلث المؤمنين دون الثلثين، وقد أخبر رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بأنَّ مؤمني هذه الأمة هما ثلثا (1) أهل الجنة، وإن الله غير ولي لهم، على قياد هذه المقالة.
وكذلك القول في الذين أخبر عنهم رسول الله أنهم على دين أبي جهل،
__________
(1) الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق 45، وإيمان 3، والأنبياء 7، ورواه أبو داود في كتاب الجهاد 162، والترمذي في الجنة 13، وابن ماجه في كتاب الزهد، 34 باب صفحة أمة محمد _صلى الله عليه وسلم_ 4283 بسنده عن عبد الله: قال كنّا مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في قبة فقال: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة...؟ قلنا: بلى. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة؛ وذلك أن الجنة لا يدخلها إلاَّ نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلاَّ كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر". (2/200)
صفحة 380
ممن تقوم عليه الساعة، أن يكون الله غير معاد لهم؛ لأنهم لم يكونوا بعد، وقد قال عزّ وجلّ: (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) (1) ، وقال: (والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم) (2) ، وقد قالت العلماء: إنهم تابعون إلى يوم الدين، وقال: (يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) (3) ، وقال: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل (4) يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) (5) فلا يخلو هؤلاء كلّهم الذين أخبر الله عنهم، قبل أن يكونوا من أن يكونوا في ولاية الله أو في غير ولايته، فإن كانوا في ولايته فهو الذي نقول، أو يكونوا في غير ولايته فيكون سبحانه يخبر أنه قد
__________
(1) سورة الصف آية رقم 6.
(2) سورة التوبة آية رقم 100.
(3) سورة هود آية رقم 48.
(4) الإنجيل: إفعيل من النجل وهو الأصل، ويجمع على أناجيل، فالإنجيل أصل لعلوم وحكم، ويقال: لعن الله ناجليه يعني والديه، وقيل هو من نجلت الشيء إذا استخرجته، فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم، ومنه سمي الولد والنسل نجلاً لخروجه، كما قال الشاعر:
إلى معشر لم يورث اللؤم جدهم أصاغرهم وكل فحل لهم نجل
راجع تفسير القرطبي 3: 5.
ويقول الدكتور محمد الصادقي: الإنجيل كلمة يونانية أصلها (ايفتغليون)، وهي من (EU أيو، بمعنى مرحى، جيد، حقيقي)، وانغليون هي البشارة أو التبشير بالفعل، فمعناها الأصيل: "التبشير بالسعادة الحقيقية". راجع المقارنات العلمية بين الكتب السماوية، ص 13.
(5) سورة الأعراف آية رقم 157. (2/201)
صفحة 381
أوجب لهم رحمته، وسماهم مفلحين، وأنهم رسله، وبشر بهم مَن سيأتون بعدهم، وأنه قد رضي عنهم، وأنهم تابعون، وكل هذا منه وهم في غير ولايته، فهذا خلف من الكلام القبيح، مما يتعالى الله عن أن يوصف بمثله، وقد قال أيضاً: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين) (1) ولم يكن إذ ذاك كافر غير إبليس، فنسبه إلى الكافرين الذين هو منهم على ما علم أنهم كافرون، ومع هذا كله يقال لهم: ما تقولون في إبليس حين كان عابداً مع الملائكة في السماء قائماً: (آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه) (2) هل تزعمون أن إبليس إذ ذاك في ولاية الله وحبه ورضاه، وأن الله موال له ومحبه وراض عنه؟ فإن تجاسروا على القول بهذا مع فظاعته فإنهم قوم متجاسرون، فيقال لهم: أجل أرأيتم إن أطلع الله جبريل وميكائيل وإسرافيل على ما سيكون من إبليس من الجحد لربوبيته، والإنكار لوحدانيته، والدعاء عبادة نفسه؟ أفتزعمون أن إبليس يكون في ولاية الملائكة مع ما أطلعها الله عليه من ذلك؟ فإن قالوا نعم، قيل لهم: أفيكون جائزاً ومتفقاً للملائكة مع ما أطلعها الله عليه من الذي إليه إبليس صائر، أن تدعو الله لإبليس وتقول: ربّنا قِ
__________
(1) سورة ص آية رقم 74.
(2) سورة الزمر آية رقم 9، سقط في المطبوعة ألف الجماعة من (ويرجوا). (2/202)
صفحة 382
إبليس عذاب الجحيم، ربّنا وأدخله جنات عدن التي وعدته، وقِه السيئات، (ومن تقِ السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم)؟ وهذا من مجرأة النقض على الله وعلى دينه، وعلى ملائكته، ودين ملائكته، فإن رجعوا وقالوا: إن إبليس لا يجوز أن يكون في ولاية الملائكة، إذ هي مطلعة على ما إبليس إليه صائر، قيل ويحكم ولم ذلك؟ وهل هو إلاَّ لأنه علمت الملائكة من عند الله ما إليه صائر وبما هو له فاعل، وكيف يكون إبليس مع هذا لا في عداوة الله، لما كان الله لم يزل عالماً بما إبليس له عامل، وبما هو إليه صائر؟ فدل هذا على أن الله لم يزل عدواً لإبليس، وعدواً للكافرين، وقال لإبليس: (فإنك رجيم) (1) ، فلا يخلو من أن يكون إبليس رجيماً في علم الله لم يزل الله عالماً أنه رجيم، أو يكون الله لم يعلم بأنه رجيم إلاَّ عند منعه السجدة، وهذه مقالة الجهمية، وقد دللنا على فسادها عند موضعها في كتاب التوحيد، وكل ما نقضنا به على الجهمية في زعمهم بأن الله لا يكون أن يعلم الأشياء حتى تكون موجودة فهو نقض على هؤلاء القوم، كما أن النقض على الروافض في وصفهم الله بالبداء (2) تعالى الله عن ذلك، فهو نقض على مَن قال بتقليب الولاية والعداوة، وكل ذلك أصل واحد.
__________
(1) سورة ص آية رقم 77، وجاءت في المطبوعة على أنها سورة غافر آية رقم 9، وجاءت آية في سورة الحجر آية 34.
(2) يذكر الشهرستاني البداء باعتباره بدعة من بدع الغلاة من الشيعة، إلاَّ أن الأشعري يوسع الدائرة فيقول: "كل الروافض إلاَّ شرذمة قليلة يزعمون أنه يريد الشيء ثم يبدو له فيه". ونحن نعلم أن أول مَن اشتهر عنه القول بالبداء هو المختار، وكان يقول: "إذا جاز النسخ في الأحكام جاز النسخ في الأخبار".
ويقول الشيخ محمد رضا المظفر (قال الصادق): مَن زعم أن الله تعالى بدا له في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم. راجع عقائد الإمامية ص 45، والانتصار ص96، والملل والنحل 1: 155، والمقالات 2: 107، وأوائل المقالات 53، وتصحيح الاعتقاد: 25. (2/203)
صفحة 383
وكذلك يقال لهم: ما تقولون في الذي آتاه الله آياته: (فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) (1) ؟ فإن زعمتم أن هذا في ولاية الله، والله عالم بأن ينسلخ من آياته، ويكون من الغاوين، قيل: أرأيتم إن أطلع الله موسى عليه السلام، أو غير موسى من أنبيائه على ما سيكون من هذا الرجل بأنه سينسلخ من آيات الله، ويكون من الغاوين، وأنه سيصير في مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث؟ أفينبغي لموسى أن يكون موالياً لهذا على ما علم من هذه الصفة، داعياً إلى الله له أن يرحمه ويدخله جنته؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فكيف جوزتم في صفة الله من التبديل (2) والتحويل والتغيير والتقلب والبداء ما لم تجوزوه في صفة غيره من الخلق، والخلق لا يعلم بعضهم من بعض إلاَّ ما أطلعهم الله على العلم به.
ويقال لهم: ما تقولون في عمر بن الخطاب (3) _رضي الله عنه_ حيث كان على دين قومه، مذكوراً عنه ما قد علمتم؟ هل هو إذ ذاك في ولاية الله أو في عداوته؟ فإن قالوا: في عداوته قيل لهم: فإذا أطلع الله رسوله محمداً _صلى الله عليه وسلم_ على ما سيكون من إيمان عمر، وقيامه بدين الله هل يكون عمر مع ذلك عند
__________
(1) سورة الأعراف آية رقم 175.
(2) التبديل: تغيير الشيء عن حاله، والإبدال جعل الشيء مكان آخر، وحاصله معناه إيراد الشيء بدلاً عن شيء. والتبديل عند الأصوليين هو النسخ، وعند أهل البديع هو العكس، وعند أهل التعمية وضع حرف بلا توسط. راجع كشاف المصطلحات 1: 208، 209.
(3) عمر بن الخطاب ولد عام 40 ق. هـ، وتوفي عام 23هـ. راجع ابن الأثير 3: 19، والطبري 1: 187-217، واليعقوبي 2: 117، والإصابة، الترجمة 5738، وصفة الصفوة 1: 101، وحلية الأولياء 1: 38، والخميس 1: 259، وأخبار القضاة لوكيع 1: 105، والبدء والتاريخ 5: 88، 167. (2/204)
صفحة 384
رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في عداوته والدعاء عليه ألاَّ يؤمن، وأن يموت على ما هو عليه من دين قومه، فيصير إلى عذاب الله؟ فإن قالوا: لا يتفق هذا لرسول الله مع علمه بما عمر إليه من طاعة الله صائر. قيل: فكيف جوّزتم التحويل في ولاية الله مع قولكم بأن الله لم يزل عالماً بما العباد له فاعلون، وبما هم إله صائرون، ولم تجوزوا ذلك في ولاية الخلق، وعداوتهم بعضهم بعضاً، إذ كان الله لهم مطلعاً على ما سيكون من تلك الأشياء، وبعد هذا كلّه أجمع فهل كانت ولاية الخلق بعضهم لبعض وعداوتهم إلاَّ لما ترون من فعلهم بالإيمان، وفعلهم بالكفر؟ وعلموا من ذلك، والله لم يزل رائياً بما يكون من جميع الخلق وعالماً به، فيجب بهذا أن يكون الله لم يزل موالياً ومعادياً على ما علم، مما العباد له عاملون وإليه صائرون.
انتبهوا حفظكم الله إلى أمثال هذه المعارضات، فإنها دالة على صدق مقالتكم، هاتكة لأستار مقالة أهل الخطأ، وهي من المحفوظات القديمة، فحين نبهتكم عليها عرفتم باقيها إن شاء الله. (2/205)
صفحة 385
باب القول في المرأة المأتية (1) فيما دون الفرج والدلالة
على تفسيقها وإثبات وعيدها
قال أصحابنا ومن وافقهم من الزيدية والمعتزلة والخوارج بتفسيق المرأة الموطوءة فيما دون الفرج، طائعة غير مكرهة، وإثبات الوعيد لها، واجتمعت هذه الفرق على أنَّها فاسقة يبرأ منها، ويشهد على فعلها بالضلالة وأنَّها كافرة بدين، إلاَّ ما كان من تردد المعتزلة في التسمية لها بالكفر، ولسائر أهل الكبائر.
فإن قال قائل: ما دلكم على تفسيق هذه المرأة، وإثبات الوعيد لها؟ فيقال له: قد علمنا ذلك، ودللنا عليه من كتاب الله عزّ وجلّ، ومن سنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ومن القياس على ما فيهما، ومن الإجماع، قال الله عزّ وجلّ: (والذين هم لفروجهم حافظون إلاَّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) (2) ، فقلنا لا تخلو هذه المرأة، وصاحبها من أن يكونا حافظين لفروجهما، أو غير حافظين، ولن يجوز أن يكونا حافظين لقول الله عزّ وجلّ: (فمن ابتغى وراء ذلك) من الأزواج وما ملكت اليمين فأولئك هم العادون، فلما تبيّن أنهما غير حافظين وجب أن يكونا عاديين، وقال لقوم لوط: (أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق
__________
(1) قال أصحاب أبو حنيفة: إنَّه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم؛ ولأنَّ القدر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض فكان أشنع، وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة، فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة، وهناك أحاديث صحيحة رواها عن رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ اثنا عشر صحابياً بمتون مختلفة كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج ابن الجوزي بطرقها في جزء سماه تحريم المحل المكروه. ولأبي العباس "إظهار أدبار من أجاز الوطء في الأدبار". وروى الدارمي في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر ما تقول في الجواري حين أحمض بهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكرت له الدبر، فقال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين. وعن أبي هريرة عن النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ قال: "من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة". تفسير القرطبي بتصرف 2: 94، 95.
(2) سورة المؤمنون آية رقم 5، 6، 7. (2/206)
صفحة 386
لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) (1) ، فلما غلظ عليهم في الاسم، واشتدّ عليهم في الشتم قال: (بل أنتم قوم عادون)، ولعلّ اللاطة عند هؤلاء القوم أيضاً لم يكفروا بدين، وقوله عزّ وجل: (إلاَّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) (2) ، وقد تبين لنا أنّ هذا الفاعل الذي فعل بها ما قد ذكرنا أنَّه غير حافظ لفرجه، وأنَّه مذموم ملوم، غير محمود؛ لأنَّها ليست له بزوجة، ولا مملوكة اليمين، والملوم هو المعاقب، قال الله عزّ وجلّ: (فتول عنهم فما أنت بملوم) (3) ، وقال: (فتقعد ملوماً محسوراً) (4) و(مذموماً مخذولاً) (5) ، وهي من أسماء أهل العقاب، فإن قال: فإنَّها حافظة من قبل أنَّ ذلك منها فيما دون الفرج قيل: فإنَّ الآية قد عمت في كل الحفظ من العين واليد والفرج جميعاً، ولم تستثن حفظاً من حفظ، فلما كانت الآية على العموم في جميع الحفظ من العين واليد والفرج جميعاً كان مدعي الخصوص مريداً لأن يثبت دعواه بغير دليل، وبما لا يثبت به الدعوى، وقال عزّ وجلّ: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة) (6) فعظم الزنا بأن سماه فاحشة، فلا يخلو فعل هذين الإنسانين من أن يكون فاحشة أو غير فاحشة، فأجمع الناس على أنَّه فاحشة،
__________
(1) سورة الشعراء آية رقم 166.
(2) سورة المؤمنون آية رقم 6.
(3) سورة الذاريات آية رقم 54.
(4) سورة الإسراء آية رقم 29.
(5) سورة الإسراء آية رقم 22.
(6) سورة الإسراء آية رقم 32. (2/207)
صفحة 387
من قبل أنك لو سألت هؤلاء أو غيرهم من الناس من أين علموا عصيانها لم يجدوه إلاَّ من قول الله عزّ وجلّ: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) (1) ، وفي إجماعهم على أنَّه فاحشة ما يدل على أنَّه داخل في باب الزنا، ولن يجوز أن يكون الزنا غير كبيرة عند جميع من أنفذ الوعيد، وقوله عزّ وجلّ: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) هو الزنا، فقد قال فيه أهل التفسير: إنَّ ما ظهر هو: كشف العورة، وما بطن هو: الزنا، فسمى كشف العورة فاحشة، فكل فاحشة كبيرة، وكل كبيرة متوعد عليها، وقال عزّ وجلّ: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) (2) ، فقال أهل التفسير: إنَّ ذلك لما كان من تعريهم عند المسجد الحرام، فسماه الله فاحشة، فلما كان فاحشة كان كبيرة. وفعل هذه المرأة مع صاحبها أكثر وأكبر وأعظم من كشف العورة الذي سماه الله فاحشة.
وقد سئل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فيما بلغنا عن السرقة والزنا وشرب
__________
(1) سورة الأعراف آية رقم 33.
(2) سورة الأعراف آية رقم 28.
والفحش والفحشاء والفاحشة: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال، قال تعالى: (من يأت منكن بفاحشة مبينة) سورة الأحزاب آية 30، وقال: (إنَّ الذين يحبون أن تشيع الفاحشة)، وقال: (إنما حرم ربي الفواحش).
وفحش فلان: صار فاحشاً، ومنه قول الشاعر:
"عقيلة مال الفاحش المتشدد" (2/208)
صفحة 388
الخمر فقال: هن من الفواحش، وفيهن عقوبة (1) وقال: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش) فقرن ذكر الفواحش بذكر الكبائر، ثمّ قال: (إلاَّ اللمم) (2) فاستثنى فيما دون الفواحش والكبائر ما لم يستثن في الكبائر والفواحش، فدل على أن ما لم يستثن فيه كبائر متوعد عليها، وقد قال: (الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم) (3) ، فلا يخلو فاعل هذا الفعل بها إذا هو أكرهها على نفسها، وابتزها باطن جسدها، متلذذاً بذلك من أن يكون ظالماً لها، أو غير ظالم، ومن سنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فيما روت الرواة عنه أنَّه قال: "إنَّ العين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها اللمس (4) ". وقال _صلى الله عليه وسلم_: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (5) . فلما ثبت
__________
(1) الحديث رواه الإمام مالك في كتاب الموطأ، كتاب قصر الصلاة في السفر 23 باب العمل في جامع الصلاة 72- حدثني مالك عن يحي بن سعيد عن النعمان بن مرة أن رسول الله _صلى اله عليه وسلم_ قال: ما ترون في الشارب والسارق والزاني؟ وذلك قبل أن ينزل فيهم، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هن فواحش وفيهن عقوبة". "وأسوأ السرقة التي يسرق صلاته".
قالوا: "وكيف يسرق صلاته يا رسول الله...؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها".
قال ابن عبد البر: لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث عن النعمان بن مرة. وهو حديث صحيح، مسند من وجوه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد.
(2) سورة النجم آية رقم 32.
(3) سورة الشورى آية رقم 42.
(4) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب القدر (5) باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره (20) (2657)، عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أنَّ النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ قال: إنَّ الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة وذكره.
ورواه الإمام البخاري في كتاب القدر (12: 62)، عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: وذكره.
(5) الحديث رواه ابن ماجه في كتاب الفتن، 3 باب النهي عن النهبة 3936، عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ أنَّ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرقها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم حين ينهبها وهو مؤمن". (2/209)
صفحة 389
أنَّهما غير مؤمنين ثبت أنهما كافران، وقال _صلى الله عليه وسلم_: "لعن الله الناظر والمنظور إليه" (1) . وقال: "ملعون من نظر إلى عورة أخيه، أو قال إلى فرج أخيه". وقال: ملعون من أبدى عورته الناس. وقال: من نظر نظرت حرام كحلت عيناه بمسامير من نار، أو قال: "بحسير من نار"، وأما من الإجماع: فإنَّ الأمة مجتمعة على أنَّ من وثب على امرأة ليفعل بها مثل ذلك الفعل مكرهاً لها فإن عليها أن تدفعه بأشدّ الدفع، وتقابله بما قد يكون فيه من القتال ما هو حقيقة، وإن لم تفعل فكانت راضية زانية، وعلى من شاهد هذه من الناس مثل ما عليها من ذلك، وإنَّ الدماء لا تحل إلاَّ على كبيرة. وأجمع جميع من أنفذ الوعيد على أنَّ القذف الكبيرة من الكبائر متوعد عليه وفسق، والحد من الله فيه واجب، وأجمعوا على أن َّ من فعل هذا الفعل بامرأة مكرهاً لها غاضباً لجسدها أنَّ ذلك الفعل أكبر من القذف وأقبح منه، بل قد علمنا وعلم جميع
__________
(1) لم نعثر على هذا الحديث بلفظه على كثرة البحث والتقصي، وإن كان ابن ماجه قد عنون في كتاب النكاح باباً سماه (باب التستر عند الجماع)، وفيه 1921- ثنا الأحوص بن حكيم عن أبيه، وراشد ابن سعد وعبد الأعلى بن عدي عن عتبة بن عبد السلمي قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "إن أحدكم أهله فليستتر ولا يتجرد تجرد العيرين".
وفي الزوائد: إسناده ضعيف لجهالة تابعيه.
وأيضاً 1922 عن سفيان عن منصور عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن مولى لعائشة عن عائشة قالت: "ما نظرت أو ما رأيت فرج رسول الله _صلى الله عليه وسلم_". (2/210)
صفحة 390
الناس أنَّ من قذف مستورة من المسلمات بالزنا أيسر عليها وأخف مؤونة من الذي يبتزها من ثيابها من وسط جموع الناس، ويدعها مكشوفة، بل قد علم جميع الخلائق أنَّ من جرد امرأته التي هي زوجته في ملأ من الناس أنَّ ذلك أكبر منه فعلاً، وأعظم بلية من أن يقول لها: اذهبي يا زانية، وكيف لو نال منها شبيه ما ذكروا في ملإٍ من الناس وجموعهم وهي امرأته.
وقد اتفقت العلماء على أنَّهما إذا وجدا في لحاف واحد، وكانا غير زوجين أنَّهما يعزران، والتعزيز عندنا وعندهم لا يحب إلاَّ على كبيرة من الكبائر. أرأيتهم إذا كانت هذه المبتلاة ذات بعل، فرفضت بعلها، وظهرت للفساق تتبعهم في كل خربة (1) ، يفعلون بها ما ذكروا؟ أليست كانت تكون عن بعلها ناشزة، والناشزة عندنا وعندهم عاصية لربها، فاسقة، محرم عليها أزواج الدنيا وأزواج الآخرة إلاَّ أن تتوب، وقد قال جابر بن زيد (2) _رضي الله عنه_ لعبد الملك
__________
(1) خرب الموضع بالكسر خراباً فهو خرب، ودار خربة، وخرَّبُوا بيوتهم شُدد لفشو الفعل أو للمبالغة.
والعجيب أنَّ المؤلف قال هذا الكلام عندما كانت الناس ناساً يئورون على مرتكب الفواحش، وينالون منهم حتى القتل، أما في القرن العشرين فليست هناك خرائب يرتكب فيها الفاحشة، وإنما هي القصور العالية والفنادق الشاهقة، والتي يقام عليها الحراس المدججون بالسلاح لحماية أصحاب الرذيلة من أن ينال منهم أو يصل إلى أسماعهم ما يجرح شعورهم _إن كان هناك شعور_، والأمر لله أولاً وآخراً.
(2) هو جابر بن زيد الأزدي التابعي أبو الشعثاء: تابعي فقيه من الأئمة من أهل البصرة، أصله من عُمان، صحب ابن عباس، وكان من بحور العلم، وصفه الشماخي (وهو من علماء الإباضية) أنَّه أصل المذهب وأسه الذي قامت عليه آطامه، نفاه الحجاج إلى عُمان. وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: لما مات جابر بن زيد قال قتادة: "اليوم مات أعلم أهل العراق". راجع السير للشماخي 70-77، وتذكرة الحفاظ 1: 67، وتهذيب التهذيب 2: 38، وحلية الأولياء 3: 85، وحاشية الجامع الصحيح للسالمي 1: 7، والبداية والنهاية 9: 93 ـ 95. (2/211)
صفحة 391
ابن مروان (1) لما بلغه أنَّه ضرب عنق الأعرابي لما أمسك امرأة أبيه، فقال جابر: أحسن عبد الملك، أو قال أجاد، ومن أعلم عبد الملك أنَّ الأعرابي ينتهي من امرأة أبيه إلى أكثر من هذا الذي وصفوا؟ وكيف حتى اجتمعت الأمة كلها مصيبها ومخطئها على قتل الوليد بن يزيد المرواني (2) ، على أن أمسك جواري أبيه يزيد، مع ما اشتهر من فسق الوليد وجرأته على الله في كل أمر عظيم، فلم تعظم الأمة على الوليد ذلك كله كتعظيمها لما فعل من إمساك جواري أبيه، ومن أعلم الأمة أنَّ الوليد مجاوز معهن هذا الذي وصفوا، وما القول فيمن
__________
(1) هو عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي أبو الوليد، من أعاظم الخلفاء ودهاتهم، نشأ في المدينة فقيهاً واسع العلم متعبداً ناسكاً، وشهد يوم الدار مع أبيه، واستعمله معاوية على المدينة وهو ابن 16 سنة، وانتقلت إليه الخلافة بموت أبيه سنة 65هـ، فضبط أمورها وظهر بمظهر القوة، فكان جباراً على معانديه، واجتمعت عليه الكلمة بعد مقتل مصعب وعبد الله ابني الزبير في حربهما مع الحجاج الثقفي، ونقلت في أيامه الدواوين من الفارسية والرومية إلى العربية، توفي في دمشق عام 86هـ 705م. راجع ابن الأثير 4: 198، والطبري 8: 56، واليعقوبي 3: 14، وميزان الاعتدال 2: 153، وفيه "سفك الدماء وفعل الأفاعيل"، والمحبر 377، وفيه كان كاتبا على ديوان المدينة زمن معاوية، وتاريخ الخميس 2: 308، وفيه كان يلقب برشح الحجر لبخله. وفوات الوفيات 2: 14، وفيه لما أفضى الأمر إلى عبد الملك كان المصحف في حجره فأطبقه، وقال: هذا فراق بيني وبينك.
(2) هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان أبو العباس، من ملوك الدولة المروانية بالشام، كان من فتيان بني أمية، يعاب بالانهماك في اللهو وسماع الغناء، له شعر فيه مجون، وولع بالموسيقى. قال أبو الفرج: له أصوات صنعها مشهورة، وكان يضرب بالعود، ويوقع بالطبل، ويمشي بالدف. وقال السيد المرتضي: كان مشهوراً بالإلحاد، متظاهراً بالعناد. وقال ابن خلدون: ساءت القالة فيه كثيراً. ولي الملك سنة 125هـ بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك، فمكث سنة وثلاثة أشهر، ونقم عليه الناس لحبه للهو، فبايعوا سراً ليزيد بن الوليد بن عبد الملك، قتل عام 126هـ. راجع ابن الأثير 5: 103، واليعقوبي 3: 71، وابن خلدون 3: 106، والأغاني 7: 1، و 9: 374 وتاريخ الإسلام للذهبي 5: 173- 179. (2/212)
صفحة 392
أمسك امرأة أبيه على هذا أو جاريته يفعل بها مثل هذا الفعل الذي ذكروا؟ أو أمسك أمه أو أخته حيناً من الدهر، مقيماً على ذلك، مصراً عليه، ما أقذرها من مقالة، وأقبح منها القائلون بها. فلما كان من إجماع الأمة ما ذكرنا علمنا أنَّ ذلك الفعل كبيرة من الكبائر، وأنهما فاسقان، ضالان، كافران بدين، خارجان من حد الولاية إلى حد العداوة.
ويقال لأصحاب عبد الله بن يزيد وعبد الله بن عبد العزيز (1) وأبو المؤرج (2) السدوسي، وجماعتهم من أين علمتم عصيانها بدين، ولم تعلموا تفسيقها بدين؟
__________
(1) يقول صاحب المدونة الصغرى: كان عبد الله بن عبد العزيز معاصراً لأبي المؤرج، واشتهر بالقياس الفقهي، ويقال: روى عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
(2) المؤرج المؤثر، وأبو المؤرج السدوسي معاصر لأبي عبيدة مسلم بن كريمة، المتوفى نحو 145هـ 762م، فقد ورد في مدّونة أبي غانم الصغرى: حدّثني أبو عبيدة بلسان أبي المؤرج، وهو معاصر لأبي غانم نفسه إذ يروي عنه فيقول: سألت أبا المؤرج، وله رأي في القضاء، قال أبو المؤرج: ما أحب أن يجعل على قضاء المسلمين إلاَّ رجل منهم ورع، عالم بالكتاب والسنّة، عالم بالأشباه والأمثال والاختلاف في أبواب الأحكام وغوامض الأقضية. (2/213)
صفحة 393
ولن يجدوه إلاَّ من قوله عزّ وجلَّ: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) (1) ، قيل لهم: فمن أين علمتم أن فعلها فاحشة حتى تقولوا بتحريمه؟ ولن يجدوا بحمد الله سبيلاً إلى المعرفة بأن فعلها محرّم، ولا بأنه فاحشة إلاَّ من قبل الوجوه التي استدللنا بها على تفسيقها وتكفيرها، وإثبات الوعيد لها، وإلاَّ فليس فعلها ذلك بمعصية كما لم يكن كبيرة، ومَن تعاطى منهم ذلك وحاوله فعليه أن يأتي به، وإلاَّ فقد قامت الحجة عليهم بتكفيرها بدين، وإيجاب وعيدها، ولزم التسليم والرجوع إلى الحق، خير من التمادي على الباطل. فإن قالت المعتزلة: لم كفرتموها؟ قلنا: قد فرغنا من مثل هذا في باب التسمية لأهل الكبائر، أو تردوها بدعة؟ فقلنا: كفرناها لأنكم فسقتموها، فقالوا: فسقناها لأنها غير مؤمنة، قلنا: سميناها كافرة لأنها غير مؤمنة، قالوا: فسموها إذاً
__________
(1) سورة الأعراف آية رقم 33، وتكملة الآية (والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).
روى روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ما ظهر منها: نكاح الأمهات في الجاهلية، وما بطن: الزنى. وقال قتادة: سرّها وعلانيتها، وهذا فيه نظر، فإنه ذكر الإثم والبغي فدلّ أن المراد بالفواحش بعضها.
والإثم قال الحسن: الخمر، قال الشاعر:
شربت الإثم حتى ضلّ عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول
والبغي: الظلم وتجاوز الحد. (2/214)
صفحة 394
مشركة كما سميتموها كافرة، قلنا: فسموها إذا مؤمنة كما سميتموها غير كافرة، قالوا: أجمعنا مع المرجئة على أنها غير كافرة، فقلنا: أجمعنا مع الصفرية على أنها كافرة، قالوا: فسموها إذا مشركة، كما سمت الصفرية، قلنا: فسموها إذاً مؤمنة كما سمت المرجئة (1) ، قالوا: ولو قلنا لكنا مرجئة (2) ، قلنا: ولو قلنا لكنا صفرية، قالوا: فحين سميتم كافرة فأنتم صفرية، قلنا: فحين سميتم غير كافرة فأنتم مرجئة، قالوا: وليس كل فاسق كافراً، قلنا: وليس كل كافر مشركاً، قالوا: فالكافر بعض الفاسق، قلنا: فالمشرك بعض الكافر، قالوا: أجمعوا على أنها فاسقة، ولم يجمعوا على أنها كافرة، قلنا: مَن قبل ما أجمعوا على أنها فاسقة علمنا بأنها كافرة، ولو لم تجمعوا على أنها كافرة، كما قد علمنا بأنها معاقبة من قبل ما أجمعوا على أنها فاسقة، ولو لم يجمعوا على أنها معاقبة.
ثم يقلب عليهم السؤال بأن يقال لهم: لم سميتموها فاسقة؟ قالوا: لأنها غير مؤمنة، قلنا: فيجب أن تسموها كافرة لأنها غير مؤمنة، فقد قال عزّ
__________
(1) سبق الحديث عنها في كلمة وافية.
(2) سبق الحديث عنها وعن بعض معتقداتها في هذا الجزء. (2/215)
صفحة 395
وجلّ: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) (1) فإن قالوا: سميناها فاسقة لأنها معاقبة، قلنا: فيجب أن تسموها كافرة لما كانت معاقبة، وقد قال: (أعدت للكافرين) (2) ولم سميتموها فاسقة ولم تسموها كافرة؟ وقد قال الله: (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) (3) ، (وبما كنتم تفسقون) (4) ولم سميتموها ظالمة ولم تسموها كافرة؟ وقد قال الله: (والكافرون هم الظالمون) (5) ولم سميتموها عدوة لله ولم تسموها كافرة؟ وقد قال الله: (فإن الله عدو للكافرين) (6) ولم سميتموها ضالة ولم تسموها كافرة؟ وقد قال الله: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون) (7) ، وهكذا المناظرة في التسمية لأهل الكبائر، والحمد لله على معرفة الهدى.
__________
(1) سورة التغابن آية رقم 2.
(2) سورة البقرة آية رقم 24، وصدر الآية: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة).
(3) سورة آل عمران آية 106، وصدر الآية: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم).
(4) سورة الأحقاف آية رقم 20، وقد جاءت الآية محرّفة في المطبوعة حيث قال: (بما) وهي (وبما)، وصدر الآية: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما).
(5) سورة البقرة آية رقم 254.
(6) سورة البقرة آية رقم 98.
(7) سورة آل عمران آية رقم 90. (2/216)
صفحة 396
مسألة:
إن سأل سائل فقال: ما تقولون في رجلين مسلمين من أهل ولايتكم تقاتلا أو تلاعنا، أو ادّعى أحدهم قبل صاحبه حقاً، وأنكره الآخر، وأنتم لا تدرون أيهما الظالم من المظلوم، ولا المحق منهما من المبطل، هل يكونان عندكم فيما فيه من الحكم الأول، أو ينتقلان عن ذلك إلى حكم البراءة، أو إلى غيرها؟ فالجواب لأصحابنا في هذه المسألة وأمثالها أنهم قالوا: بالثبوت على ما هم عليه من الحكم الأول، والأصل المقدّم حتى يبينوا ما أشكل عليهم من ذلك، وإلاَّ فهم باقون على ما هم عليه، وفيه من حكم الولاية المتقدمة لهم على علم وفريضة، والقياس في ذلك هو ما قالوا، والحجة لهم من قبل أن كل بلية نزلت ولم يوجد علمها، وأن كل شبهة عرضت ولم يعلم مخرجها فحكم ذلك كله كحكم ما لم يقع ولم يوجد رأساً، كانت الحجة للذين قالوا بالثبوت على الأصل الأول والحكم المتقدم، حتى يستبين مخرج البلية، ويعلم ما وجهها، وإلاَّ فحكمها حكم ما لم يقع ولم ينزل رأساً، لما كان لم يحدث في كلا الوجهين علم ما يجب به حكم، أو يسقط به حكم من الأحكام، والحكم لا يجب ولا يسقط إلاَّ بعلم، والعلم معدوم غير موجود في هذين الوجهين جميعاً سواء. وأيضاً لو جاز لنا أن نمنع المؤمنين ما استحقوه منا من الولاية والمحبة، والمدح (2/217)
صفحة 397
والتعظيم لإيمانهم وطاعتهم لله، من غير أن يصح لهم عندنا ما يستحقون به زوال الولاية، وتغيير الحال لجاز لنا أن نبرأ منهم، وأن نذمهم ونبغضهم، من غير أن يتبيّن لنا منهم ما يستحقون به منا البراءة والبغض والذم، فلمّا كان مَن تبرّأ من المؤمنين، وبغضهم وذمهم من غير أن يصح عندنا أنهم قد استحقوا ذلك كان عاصياً لله، ظالماً للمؤمنين، كان أيضاً مَن منعهم ما استحقوه من الولاية والمدح والمحبة والتعظيم لإيمانهم السالف، من غير أن يعلم منهم ما قد يستحقون به زوال الولاية والمودة والمدح والتعظيم ظالماً لهم، عاصياً لله في ذلك.
فإن قال قائل: ما تقولون في رجل من أهل ولايتكم أتى كبيرة من الكبائر مما يسع جهله عند ضعيف من ضعفه المسلمين الذين لا معرفة لهم قبلهم بوجوه الكبائر؟ قيل له: ليس على الضعيف من هذا حكم يجب أو يسقط، بل يكون على ما هو عليه من أصل الولاية الأولى، حتى يلقى العلماء فيخبرونه بالمخرج، وإلاَّ فذلك الفعل الذي لا يعلم ما هو كالفعل الذي لم يكن، ولم يوجد من فاعله أصلاً، وكلاهما في باب الحكم مستويان، كما أنهما في باب ما لم يعلم سواء. فإن قال: أوليست السلامة لهذا الضعيف أن يقف في المتولي حيث لا يدري ما فعله، وفعله عند العلماء كبيرة، حتى لا يكون لذي الكبيرة موالياً، قيل له: بل الضعيف ليست السلامة له في الذي ذكرت أن يكون يخرج المتولي من حكم الولاية إلى (2/218)
صفحة 398
غيرها بغير حجة ظاهرة ولا بدلالة قائمة، فيكون حينئذ خارجاً من العلم إلى الجهل، تاركاً للفرض إلى غير الفرض، والتارك للفرض إلى غيره مختار للهلكة على النجاة، فإن قال أَوَلَيْسَ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ واقفاً في عائشة (1) ، وصفوان بن المعطل (2) عند مقالة مَن قال فيهما قبل ما لم تنزل براءتهما، ولم تأت طهارتهما؟ قيل له: معاذ الله أن يكون رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقف في ولاية المؤمنين، ويكون مخرجاً لهم من ولايتهم التي أوجب الله عزّ وجلّ على رسوله _صلى الله عليه وسلم_ للمؤمنين إلى غيرها، بمقالة أهل الإفك، ولو كان ذلك كذلك لكان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ شاكاً لعلّ أهل الإفك صادقون فيما تكلّموا به من البهتان، وظاناً أن ذلك منهم على ما قالوا، كيف وقد وبخ الله عزّ وجلّ عن هذه الصفة، وقال: (لولا إن سمعتموه ظن المؤمنون
__________
(1) هي عائشة بنت أبي بكر الصديق _رضي الله عنهما_، وأم المؤمنين زوج النبي _صلى الله عليه وسلم_، ولدت عام 9ق.هـ، وتوفيت عام 58هـ. راجع الإصابة، كتاب النساء، ت 701، والسمط الثمين 29، وطبقات ابن سعد 8: 39، والطبري 3: 67، وفيه تفصيل حديث الإفك، وذيل المذيل 7، وأعلام النساء 2: 76، وحلية الأولياء 2: 43، ومنهاج السنّة 2: 182- 186 و 192- 198.
(2) هو صفوان بن المعطل بن رحضة السلمي الذكواني أبو عمرو، صحابي، شهد الخندق والمشاهد كلّها، وحضر فتح دمشق، واستشهد بأرمينية، وقيل في سميساط عام 19هـ، وهو الذي قال أهل الإفك فيه وفي عائشة ما قالوا. روى عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ حديثين. راجع ابن عساكر 6: 438 واللباب 1: 443. (2/219)
صفحة 399
والمؤمنات بأنفسهم خيراً _يعني بإخوانهم الذين هم مؤمنين مثلهم_ وقالوا هذا إفك مبين) (1) ، ثم قال جل اسمه: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) (2) ، ثم أكد ما قلنا بقوله: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين) (3) فوعظهم ألا يشكوا في مقالة أهل الإفك والبهتان، ولا يستمعوا لها، ولو فعلوا ذلك لكانوا غير مؤمنين، وليس من أحد يقول بأن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وقف في عائشة وصفوان، فيجامعه على مقالته تلك أحد من هذه الأمة. فإن قال: فأصحاب السواري الذين خلفوا قبل ما لم تنزل توبتهم ولم تأت براءتهم؟ قيل له: قد أخبرناك أنه لا يكون رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ تاركاً الولاية من هو عنده من المؤمنين بشبهة عارضة، وبأمر غير مبين، فيكون رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ملتبساً عليه في دينه، لا يدري ما يفعل منه، ولا ما يدع، وحاش له من ذلك، بل كان _صلى الله عليه وسلم_ على بصيرة من الله، ومَن اتّبعه من المؤمنين. فإن قال: فإذا كان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لم يقف عندكم في أصحاب السواري فهلاّ قطع فيهم قطعاً من قبل أن تنزل توبتهم من عند الله؟ قيل له: لم يكن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ليتقدم بين يدي الله فيقول بما لم يعلم من عند الله، ولم يأت إليه من الله فيه قرآن
__________
(1) سورة النور آية رقم 12.
(2) سورة النور آية رقم 16.
(3) سورة النور آية رقم 17. (2/220)
صفحة 400
ولا وحي، وليس في أن لم يقطع في تخلفهم عن الخروج معه قطعاً، ما يوجب أنه _صلَّى الله عليه وسلَّم_ ممسك عن ولايتهم، تارك لها إلى غيرها من الذي ذكرتم، فإن قال: فقد أخبر الله رسوله _صلى الله عليه وسلم_ بأن من أهل المدينة من قد مرد على النفاق، وأن رسول الله عليه السلام لا يعلمهم، فهل تقولون: إن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قد كان موالياً لجميع أهل المدينة، وقد أعلمه الله أن فيهم منافقين؟ قيل له: هذه المسألة عليك لا لك، فمثل هذا كان يجب على مَن بنى سؤاله على خصومة أن يكون يعرف عاقبة سؤاله إذا جرد الخصوم عليه الجواب، فينبغي على قياد هذه المسألة أن يكون رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ عندما أعلمه الله أن في أهل المدينة منافقين لا يعلمهم، شاكاً في جميع المؤمنين، تاركاً لولايتهم ممن احتوت عليه مدينته، ويبقى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لا مؤمن واحد معه غير موال لأحد من جميع مَن في المدينة من المهاجرين والأنصار، فمَن لم يعرف البدعة فليعرف ما الذي إليه قائدة، وإليه جارة، فنعوذ بالله من الحيرة بعد الهداية، والجهالة بعد المعرفة.
فإن قال: أوليست الولاية (1) عندكِم والبراءة والوقوف فرائض واجبة؟ قيل له: أما الولاية لمن علمنا منه خيراً من الوفاء بدين الله الذي أوجب الله عليه لفاعله ثواباً فهي فريضة واجبة، وحق لازم، كما أنَّ البراءة (2) ممن علمنا منه كبائر
__________
(1) الولاية لغة: القرب والقيام للغير بالأمر والنصر، وشرعاً: الترحم والاستغفار للمؤمنين لإسلامهم وطاعتهم والثناء عليهم، مع الحب في القلب. راجع الذهب الخالص.
وقال صاحب البصائر: الولاية النصرة، ونفى الله الولاية بين المؤمنين والكافرين، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) سورة المائدة آية 51، وجعل بين الكافرين والشياطين موالاة في الدنيا، ونفى عنهم الموالاة في الآخرة، قال تعالى: (إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) الأعراف آية 27. راجع البصائر 5: 281.
(2) البراءة لغة: البعد عن الشيء والتخلص، وأما في الاصطلاح الشرعي: تعني الشتم واللعن للكافر لكفره، وهجرة مرتكبي الكبائر حتى يتوبوا. راجع الذهب الخالص. (2/221)
صفحة 401
مما توعد الله عليه لفاعله العقاب كان واجباً علينا أن نتبرأ ممن هذه صفته، قال الله عزّ وجلّ لرسوله: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون) (1) ألا ترى أنَّ الله عزّ وجلاّ أمر رسوله _صلى الله عليه وسلم_ أن يتبرأ منهم إذا هم عصوا رسوله، وخالفوا أمر ربهم، فإن قال: فالوقوف؟ قيل له: أما الوقوف في كل من لا تعلم منه إيماناً ولا كفراً فإنَّ ذلك من الواجب علينا أن لا نمضي فيما لا نعلم، فنكون متقدمين بين يدي الله بالقول فيما لم يجعل لنا إلى القول فيه سبيلاً، وقد قال عزّ وجلّ: (ولا تقف ما ليس لك به علم) (2) وقال: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) (3) فأما إذا شاهدنا إيماناً أو كفراً وعرفنا ذلك من فاعله كان الوقوف فيه بعد ذلك محرماً علينا، منهياً عنه، قال الله عزّ وجلّ: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) (4) ولو كان الأمر على أنَّ كل من رأى من مؤمن أو من كافر فعلاً لا يدري ما هو، وذلك الفعل مما يسع جهله وجب عليه أن يخرجه من الولاية أو من البراءة، فيكون تاركاً للعلم إلى الجهل، وللفرض إلى غير الفرض، كان يجب ألا تثبت على هذه الصفة ولاية أحد من الناس ولا براءة؛ لأنَّه لا
__________
(1) سورة الشعراء آية رقم 215، 216.
(2) سورة الإسراء آية رقم 36.
(3) سورة القصص آية رقم 50.
(4) سورة البقرة آية رقم 42. (2/222)
صفحة 402
ينفك كل إنسان من فعل لا يعرف سببه، ولا يدري ما وجهه، وهذا إبطال أحكام دين الله التي فرضها الله عزّ وجلّ على عباده المؤمنين، ولا يصفو مع هذه المقالة أمر ولا نهي، ولا حكم في شهادة أو في قضاء، أو في حد من حدود الله، فهذا غاية التلبس، ونهاية الاختلاط، وفيما ذكرنا من ها قناعة وكفاية لمن كان شأنه النظر لنفسه.
باب في الإمامة (1) :
بسم الله الرحمن الرحيم وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله.
الحمد لله المؤيد على إدراك الحق، الداعي إلى صراط مستقيم، والهادي من يشاء إلى سبيل المهتدين.
أما بعد على أثر ذلك فإنَّ الكلام في الإمامة بين الناس كثير، والتنازع فيها بين الأمة غير قليل، مما لو أفرد له سفر لما احتمله، لكني أذكر من ذلك ما إليه الحاجة ماسة، والفاقة وافقة، ولا قوة إلاَّ بالله، فنقول: إنَّ الله عزّ وجلّ بتفضيله، وحسن نظره لعباده، وإرادته أن يستحق المطيعون منهم ثوابه،
__________
(1) الإمامة بالكسر في اللغة: إمامة الصلاة، وعند المتكلمين: هي خلافة الرسول _عليه السلام_ في إقامة الدين، وحفظ حوزة الإسلام، بحيث يجب إتباعه على كافة الأمة، والذي هو خليفة يسمى إماماً. ويرى الجمهور على أنَّ أهل الإمامة: من هو مجتهد في الأصول والفروع، شجاع، ذو رأي، وقيل لا تشترط هذه الصفات الثلاث، نعم يجب أن يكون عدلاً، عاقلاً، بالغاً، ذكراً حراً، فهذه الشروط معتبرة بالإجماع، وهناك صفات أخر:
منها: أن يكون قرشياً، قاله الأشاعرة والجبائية، ومنعه الخوارج وبعض المعتزلة.
ومنها: أن يكون هاشمياً، واشترطه الشيعة.
ومنها: أن يكون عالماً لجميع مسائل الدين، شرطه الإمامية أيضاً.
ومنها: ظهور الكرامة على يديه، وبه قال الغلاة، ولم يشترطها هذه الثلاثة الأشاعرة.
ومنها: أن يكون معصوماً، شرطها الإمامية والإسماعيلية، ولم يشترطها الأشاعرة. راجع كشاف اصطلاحات الفنون 1: 132، ودائرة المعارف الإسلامية 4: 391، والمارودي في الأحكام السلطانية 3: 33، والمسعودي في مروج الذهب 1: 70، 6: 24، وابن خلدون المقدمة 1: 342، ومحمد صادق حسن خان: إكليل الكرامة في تبيان الإمامة. (2/223)
صفحة 403
والعاصون يؤخذون بذنوبهم وجريمتهم، فأمر بإقامة الحدود، والقيام بالقسط، والأخذ فوق يد الغشوم، فأنزل بذلك الكتب، وبعث به الرسل، وضرب فيه الأمثال، وأحل الحلال، وحرم الحرام، وعرف الحدود والأحكام، ومدح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذم الآمرين بالمنكر والناهين عن المعروف في غير آية من كتابه المفصل، على لسان نبيه المرسل _صلى الله عليه وسلم_، وقد قال عزّ وجلّ: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (1) وقال: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) (2) ، وقال: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) (3) ، وقال: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (4) وقال: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (5) ، وقال: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى) (6) ، وقال: (خصمان بغى بعضنا
__________
(1) سورة الحديد آية رقم 25.
(2) سورة النساء آية رقم 135.
(3) سورة المائدة آية رقم 67.
(4) سورة آل عمران آية رقم 110.
(5) سورة التوبة آية رقم 123.
(6) سورة ص آية رقم 26. (2/224)
صفحة 404
على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط) (1) ، وقال: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا) (2) ، وقال: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم، وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون) (3) ، وقال: (كتب عليكم القصاص في القتلى) (4) ، وقال: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) (5) ، وقال: (ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً) (6) ، وقال: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) (7) ، وقال: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) (8) ، وقال: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسب نكالاً من الله) (9) ، وقال: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) (10) ، وقال: (وقاتلوا المشركين كافة) (11) ، وقال: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (12) . في
__________
(1) سورة ص آية رقم 22.
(2) سورة السجدة آية رقم 24.
(3) سورة المائدة آية رقم 63.
(4) سورة البقرة آية رقم 178.
(5) سورة البقرة آية رقم 179.
(6) سورة الإسراء آية رقم 33.
(7) سورة النور آية رقم 7.
(8) سورة النور آية رقم 4.
(9) سورة المائدة آية رقم 38.
(10) سورة المائدة آية رقم 33.
(11) سورة التوبة آية رقم 36.
(12) سورة التوبة آية رقم 29. (2/225)
صفحة 405
آي كثير من كتاب الله عزّ وجلّ يأمر فيها بإقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بحدوده التي عرفها في كتابه عزّ وجلّ، على لسان نبيّه _صلى الله عليه وسلم_، ولو لم يأمر الله عباده بحسن نظره لهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يكن للحق قوام، ولا للإسلام نظام، وكان الشيطان وأولياؤه هم الغالبون على عباد الله وبلاده، ولكنَّ الله بتفضيله ورأفته ورحمته بيّن الحدود والأحكام والقصاص، وشرع الدين، وبعث محمداً _صلى الله عليه وسلم_ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (1) فقام رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بأمر الله (وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً) (2) آخذاً فوق يد الظالم، مانعاً للغشوم، لئلا يظهر الفساد في بلاد الله بين عباده، وقد قال الله عزّ وجلّ: (والله لا يحب الفساد) (3) ، وقال: (والله لا يحب المفسدين) (4) ، فلم يزل ذلك من فعل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قائماً بدين الله، مانعاً لأهل الباطل عن الفساد في بلاد الله وعباده ودينه حتى قبضه الله إليه وهو عنه
__________
(1) سورة التوبة آية رقم 33.
(2) سورة الأحزاب آية رقم 46.
(3) سورة البقرة آية رقم 205.
(4) سورة المائدة آية رقم 64. (2/226)
صفحة 406
راض، والأمة راضية، وحاش الله أن يكون يأخذ رسوله على غرة من أمره، فيدع خلقه في شبهة من دينه، بل قد أقام الله تعالى رسوله عليه السلام بين أظهرهم حتى وسم لهم معالم دينهم الذي ارتضاه لهم، وحتى أوصى كبيرهم بصغيرهم، وقويهم بضعيفهم، ومالكهم بمملوكهم، ثمّ قبضه الله _صلوات الله عليه ورحمته وبركاته_ فخلف فيهم خليفة ليقوم لأمته من بعده بالقسط فيما بينهم، متبعاً لسنته، مقتفياً لأثره، فلم يأل للإسلام نصحاً، ولا لدين الله نصراً، ولذلك أمره رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لما ضعف عن الصلاة بالمسلمين أن يقوم لهم مقامه الذي لا يقوم فيه أحد غيره، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقال بعض أزواجه: يا رسول الله إنَّ أبا بكر رقيق، ضعيف الصوت، كثير البكاء إذا قرأ القرآن وقام في مقامك، فقال عليه السلام: مروا أبا بكر فليصل بالناس، ثمَّ أعيد عليه _صلى الله عليه وسلم_ بمثل المقالة الأولى في أبي بكر، حتى قال عليه السلام: إنكن صواحب يوسف فمروا أبا بكر فليصل بالناس (1) .
__________
(1) الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الأنبياء 19، باب 3384، عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت عروة بن الزبير عن عائشة _رضي الله عنها_ أنَّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال لها: وذكره.
ورواه الترمذي في كتاب المناقب 3672 بسنده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنَّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال وذكره، وفيه زيادة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه صاحب الموطأ في كتاب قصر الصلاة في السفر 24 باب جامع الصلاة 83، وحدثني عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ وذكره.
وأخرجه الدارمي في المقدمة 14، وأحمد بن حنبل في المسند 6: 96، 109 (حلبي). (2/227)
صفحة 407
وحدث جماعة من أهل النقل أنَّ عمر قام بذاك مصلياً بالناس وكان أبو بكر غائباً، فلما كبر وسمع رسول الله صلّى عليه وسلّم صوته فقال عليه السلام أين أبو بكر يأبى الله ذلك و المسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون (1) ، فبعث إلى أبي بكر فجأة بعد أن صلّى عمر تلك الصلاة فصلّى بالناس، فقال عمر: والله ما رأيت حين قيل لي: صل بالناس إلاَّ أنَّ ذلك من رسول الله _صلّى الله عليه سلّم_، فلولا ذلك ما صليت بالناس، وقال الله عزّ وجلّ: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم فانتهوا) (2) ، وقد أخذ عن رسول الله _صلّى الله عليه وسلّم_ أنَّه قال: (عمود الدين الصلاة) (3) ، فلما أن ولاه _صلّى الله عليه وسلّم_ الأمر الذي هو العمود عرف المسلمون أنَّ ما سوى العمود محمول على العمود، فلذلك اجتمعوا على بيعة أبي بكر، وقد رأوا من صنيع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ومن قوله: يأبى الله ذلك والمسلمون، وقد علم صلّى الله عليه وسلّم أنَّهم لا يجتمعون على خطأ، وقد قال ذلك في غير ما رواية: "لن تجتمع أمتي على ضلال" (4) ، وقد قال الله عزّ وجلّ: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى
__________
(1) الحديث رواه ابن سعد في طبقاته 2: 220، أخبرنا محمد بن عمر حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن عبد الملك بن أبي بكر عن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال: عدت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في مرضه الذي توفي فيه، فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال لي رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ مُر الناس فليصلوا. قال عبد الله: فخرجت فلقيت ناساً لا أكلمهم، فلما لقيت عمر بن الخطاب لم أبغ من وراءه، وكان أبو بكر غائباً فقلت له: صل بالناس يا عمر، فقام عمر في المقام، وكان عمر رجلاً مجهراً، فلما كبر سمع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ صوته فقال عليه السلام وذكره.
وأخرجه مرة ثانية: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: وذكره.
(2) سورة الحشر آية رقم 7.
(3) سبق تخريج هذا الحديث، وراجع الترمذي كتاب الإيمان، 8 باب ما جاء في حرمة الصلاة 2616، وأحمد بن حنبل في المسند 5: 231 (حلبي).
(4) الحديث رواه ابن ماجه في كتاب الفتن 3950 بسنده، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا معان بن رفاعة السَّلاَمي، حدثني أبو خلف الأعمى قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: وذكره.
في الزوائد: في إسناده أبو خلف الأعجمي، واسمه حازم بن عطاء وهو ضعيف، وقد جاء الحديث بطرق في كلها نظر. قاله الشيخ الحافظ العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي. (2/228)
صفحة 408
أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (1) وقال: (يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (2) ، فبأي بيان أبين بياناً، وأي دلالة وأوضع دلالة مما ذكرنا على خلافة الصديق رضي الله عنه، وإثبات إمامته، قال الله عزّ وجلّ: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا، وإن تتلوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً) (3) . اتفق العلماء على أنَّهم بنو حنيفة (4) ، وأنّ الداعي إلى قتالهم الصديق _رضي الله عنه_، فدل بقوله: (فإن تطيعوا يأتكم الله أجراً حسناً) على وجوب طاعة الداعي لهم إنّ تولوا عن طاعة الداعي عذبوا عذاباً أليماً. فإن قال قائل: لعل الداعي للمخلفين من الأعراب كان رسول الله _صلّى الله عليه وسلّم_، قيل له: فأين قول الله لنبيه عليه السلام: (فقل لن تخرجوا معي أبدً ولن تقاتلوا معي عدواً) (5) ، وقوله: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم
__________
(1) سورة النساء آية رقم 83.
(2) سورة النساء آية رقم 59.
(3) سورة الفتح آية رقم 16.
(4) قال العلماء في ذلك ستة أقوال:
_ أحدها: أنَّهم فارس، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال عطاء بن أبي رباح وعطاء الخراساني، وابن أبي ليلى، وابن جريج.
_ الثاني: فارس والروم، قاله الحسن، ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد.
_ الثالث: أنَّهم أهل الأوثان، رواه ليث عن مجاهد.
_ الرابع: أنَّهم الروم، قاله كعب.
_ الخامس: أنهم هوازن وغطفان وذلك يوم حنين، قاله سعيد بن جبير.
_ السادس: بنو حنيفة يوم اليمامة، وهم أصحاب مسيلمة الكذاب، قاله الزهري، وابن السائب ومقاتل. راجع زاد المسير 7: 431.
(5) سورة التوبة آية رقم 83. (2/229)
صفحة 409
لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل) (1) ، ثمّ قال على إثر هذا: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) (2) الآية، وهذا مما لا يقدر محرف على أن يتأول فيه بغير ما قلنا إن شاء الله.
ويقال للزيدية في قولهم بالأولى: أخبرونا عن الأمة هل كانت عندكم مجتمعة على الجهالة الأولى؟ قالوا: لم تكن الأمة لتجهل ذلك، وإنما فعلوا ما فعلوا لتسليم علي لأبي بكر في حقه، ولذي الحق أن يدع حقه إذا شاء عند جميع الناس، قيل لهم: ومن أين ساغ لكم أنَّ علياً أولى بالإمامة، وأنَّ حقه فيها دون غيره ثابت، وأنتم في ذلك مصوبون للأمة ما فعلت، وليسوا عندكم فيه بمخطئين؟ فقالوا: من قبل ما اجتمع في علي من الخلال ولم تجتمع لغيره، قيل لهم: فعن نفس أجبتم سئلتم، فمتى اجتمع لعلي من ذلك الذي زعمتم ما لم يجتمع لغيره، وعلي يقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثمّ عمر، أو كنتم تخطئون الأمة فيما فعلوا من تولية الصديق، وتستجهلونهم على مثل مقالة الروافض، وإلاَّ فليس لكم بين المقالتين مقالة، إما أن تعتمدوا على مقالة الروافض بأنَّ الأمة قد
__________
(1) سورة الفتح آية رقم 15.
(2) سورة الفتح آية رقم 16. (2/230)
صفحة 410
كفرت وارتدت بعد نبيها، وارتد معها علي حين سلم الخلافة لأبي بكر، أو تقولوا بالذي قال به جماعة المسلمين بأنَّ الأمة مصيبة في تولية الصديق غير مخطئة، وإنَّ الصديق أولى بالإمامة من سائر المسلمين، وليس بين هذين المذهبين مذهب يتوهمه متوهم، أو يعتقد عليه معتقد، ويدخل عليهم في خلافة عمر _رضي الله عنه_ ومن بعده ما أدخلناه عليهم في خلافة الصديق، ولم يخف عن أحد من أهل العلم ما قد فعل عمر _رضي الله عنه_ في أهل الشورى (1) لما طعن، ومقالته في أبي عبيدة (2) لما طعن، وما كان من فعل عبد الرحمن (3) وغيره من المسلمين بعدما
__________
(1) أهل الشورى هم: " عثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام".
(2) هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال الفهري القرشي، الأمير القائد، فاتح الديار الشامية، والصحابي، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. قال ابن عساكر: داهيتا قريش أبو بكر وأبو عبيدة، وكان لقبة أمين الأمة، ولد بمكة عام 40 ق.هـ، وهو من السابقين إلى الإسلام، وشهد المشاهد كلها، وولاه عمر قيادة الجيش الزاحف إلى الشام بعد خالد بن الوليد، توفي بطاعون عمواسي، ودفن في غور بيسان عام 18 ق.هـ، له في كتب الحديث 14 حديثاً، كان خفيف العارضين، أثرم الثنيتين (انتزع بأسنانه نصلاً من جبهة النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ يوم أحد فهتم). وفي الحديث: لكل نبي أمين وأميني أبو عبيدة بن الجراح. راجع طبقات ابن سعد، والإصابة، وحلية 1: 100، والبدء والتاريخ 5: 87، وصفة الصفوة 1: 142، وتاريخ الخميس 2: 244.
والكلمة التي قالها عمر: "لو كان أبو عبيدة حياً استخلفته، ولو كان سالم مولى أبو حذيفة حياً لاستخلفته".
(3) هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث أبو محمد الزهري القرشي، صحابي من أكابرهم، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة فيهم، وأحد السابقين إلى الإسلام، اسمه في الجاهلية عبد الكعبة أو عبد عمرو، وسماه رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ عبد الرحمن، ولد عام 44 ق.هـ بعد الفيل بعشر سنوات، وأسلم وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها، وأعتق في يوم واحد ثلاثين عبداً، وكان يحترف التجارة، له 65 حديثاً، ووفاته بالمدينة عام 32 هـ. راجع صفة الصفوة 1: 135، وحلية الأولياء 1: 98، وتاريخ الخميس 2: 257، والبدء والتاريخ 5: 86. (2/231)
صفحة 411
قضى عمر رحمة الله عليه. وقد علم جميع الناس من الوافر والناقص أنَّ علياً قد كان مبايعاً لكل من تولى من الأئمة، ولا ينكر ذلك إلاَّ مباهت متجاحد، وفي هذا حجج كثيرة معروفة تركناها لما نبهت عليها، وإنما هذا من الرموز على الزيدية خاصة؛ لأنَّهم يتعاطون المناظرة، ومضاهاة الإباضية في مذاهبهم، فلست أعلم لهم خلافاً إلاَّ في ثلاثة أمور: قولهم في الإمامة بالأولى، مع تركهم التخطئة لكل من ولي، ثمَّ تجويزهم لعلي تحكيم الحكمين، وقولهم بتشريك أهل التأويل ممن يزعم أنَّ الله يرى يوم القيامة، على مقالة طائفة من الإباضية في التشريك، ولا غنى عن تلويحات في ذلك عند خاتمة الكتاب إن شاء الله. وليست البغية منا لغير الزيدية من غالية الرافضة المتظاهرة على خلاف كتاب الله، المعلنة للفرية على الله، لما جاوزت مذاهبهم نص كل كتاب، وفاقت بدعتهم رد كل سنة، وعدت ضلالهم كل إجماع، فلذلك نكبت عن ذكر مقالتهم في كل باب جانباً، وتجافيت عن الرد عليهم لما كانوا هكذا، وسموا رافضة (2/232)
صفحة 412
لرفضهم زيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب (1) ، وقيل للشيعة زيدية ورافضة.
وأمّا الذي قالت به النجدات (2) من الخوارج بأن الناس لا يحتاجون إلى إمام، وإنما عليهم أن يقيموا كتاب الله فيما بينهم فليس ذلك من قولهم بشيء، ولو جامعهم عليه ناس من الإباضية لما كان الذي ذهبوا إليه من ذلك داعياً إلى السائبة في دين الله، والتعطيل لحدود الله، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد فرض الله عزّ وجلّ أن يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن تقام حدود الله على ما بينها في كتابه وفصلها، كما قدّمنا ذكر ذلك في أول هذا الباب. واجتمعت الأمة أن هذه الحدود مع وجوبها لا تقام ولا توجد إلاَّ بالأئمة
__________
(1) هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، ولد عام 23ق.هـ، وتوفي عام 40هـ. راجع ابن الأثير حوادث سنة 40، والطبري 6: 83، والبدء والتاريخ 5: 73، وصفة الصفوة 1: 118، واليعقوبي 2: 154، ومقاتل الطالبيين 14.
(2) هم أتباع نجدة بن عامر الحنفي، وافترقوا ثلاث فرق: فرقة صارت مع عطية بن الأسود الحنفي، وفرقة صارت مع أبي فُديك خرباً على نجدة، وهم الذين قتلوا نجدة، وفرقة عذروا نجدة في أحداثه وأقاموا على إمامته. ومن ضلالات نجدة أنه أسقط حد الخمر، ومنها أيضاً أنه قال: مَن نظر نظرة صغيرة، أو كذب كذبة صغيرة فهو مشرك، إلى غير ذلك. راجع الفرق بين الفرق 87، ومقالات الإسلاميين 1: 162، والتبصير ص 30، والملل والنحل للشهرستاني 1: 122، وخطط المقريزي 2: 354. (2/233)
صفحة 413
وولاتهم، وفي إبطال الإمامة وإزالة فرضها إبطال إقامة الحدود (1) والأحكام، وإزالة فرضها على المسلمين، والقول بإضاعتها، فبأي حجة أزيلت الحدود عمَن استحقها من السراق والزناة والقذفة بعد إيجاب الله إيّاها عليهم؟ فلمّا كان من إجماعهم ما وصفنا ثبت أن عقد الإمامة على المسلمين فرض واجب وحق لازم، ولما كانت الفروض التي ذكرناها منوطة بالإمامة ألاّ تقام إلاَّ معها، فكل ما كان من الفرض لا يتم إلاَّ به فهو فرض مثله، والأمة لا تجتمع على شيء ثم تختلف فيه.
وبعد فكيف يتكلّف المسلمون بعد نبيّ الله عليه السلام من أمر الإمامة ما قد تكلّفوا، وهي عندهم ليست من الواجب، وفي الذي ذكرنا من خلافة أبي بكر على لسان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وسمي بذلك خليفة رسول الله، وما جدد له المسلمون منه فساد ما ذهب إليه من زعم أن الإمامة ليست بواجبة، مع ما كان من استخلاف أبي بكر لعمر رضي الله عنهما، وإن عمر لمّا احتضر جعلها
__________
(1) الحد: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهم بالآخر، يقال: حددت كذا جعلت له حداً يميزّه. والحدود جاءت في القرآن على سبعة أوجه: الأول حد الاعتكاف لإخلاص العبادة، قال تعالى: (وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله) البقرة آية 187. الثاني: حد الخلع لبيان الفدية، قال تعالى: (فيما افتدت به تلك حدود الله) سورة البقرة آية 229. الثالث: حد الطلاق لبيان الرجعة (وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون) سورة البقرة آية 230. الرابع: حد العدة لمنع الضرار وبيان المدة. الخامس حد الميزان لبيان القسمة، قال تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده) سورة النساء آية 14. السادس: حد الظهار لبيان الكفارة، قال تعالى: (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً) إلى قوله: (وتلك حدود الله) سورة المجادلة آية 4. السابع: حد الطلاق لبيان مدة العدة، قال تعالى: (لا تخرجوهن من بيوتهن) إلى قوله (وتلك حدود الله) سورة الطلاق آية 1. (2/234)
صفحة 414
شورى بين رهط (1) ستة، وأوصى بأنهم إذا اجتمعوا على شيء من أمر الإمامة فخالفهم فيه مخالف أن يقتلوا مخالفهم، فكيف يكون عمر _رضي الله عنه_ في علمه بالله وبدينه يأمر بأن تهرق دماء المسلمين على أمر يستوي تركه وفعله؟ ومثل هذا من قول عمر _رضي الله عنه_ يحفظ عن مسلم ابن أبي كريمة أبي عبيدة (2) _رحمة الله عليه_ أنه قال في شأن الإمامة للرهط الناهضين من عنده إلى جهة المغرب إذا رأوا أنهم يقدرون على أمور الإمامة أن يولوا أحدهم، فإن هو استعصى عليهم وامتنع أمرهم أبو عبيدة بأن يقتلوه، ومثل هذه من الآثار محفوظة عند أصحابنا، موجودة في أيديهم يأثرونها كابر عن كابر، فيها سادوا من سواهم من طوائف الإباضية وغلبوهم، والحمد لله على ذلك كثيراً.
__________
(1) سبق الحديث عنهم، ويراجع في ذلك طبقات ابن سعد، فقد ذكر فيه طعن أبو لؤلؤة عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_، وكيف أنه دعا ستة نفر وجعلهم مجلس الشورى لاختيار الخليفة من بعده، ثمّ أمر صهيباً أن يصلي بالناس. طبقات ابن سعد 3: 340.
(2) هو مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء البصري، أبو عبيدة: فقيه من علماء الإباضية، أخذ المذهب عن جابر بن زيد، ثم صار مرجعاً فيه تشد إليه الرحال، وكان أعور، ويقال له القفاف. وكان يحرض على الخروج، وذكر شخصاً فقال: إن أراد الدين كما يزعم فليلحق بصاحبنا بحضرموت عبد الله بن يحيى فليقاتل بين يديه حتى يموت، وقيل له: ما يمنعك من الخروج، ولو خرجت ما تخلف عنك أحد..؟ فقال: ما أحب ذلك، ولو أني فعلت ما أحببت أن أقيم بين الظهر والعصر مخافة الأحكام. توفي عام 145هـ، وله رسالة تسمى (الزكاة)، ط/وزارة التراث القومي والثقافة بعمان. راجع سلم العامة والمبتدئين 6، وحاشية الجامع الصحيح للسالمي 1: 6، والسير للشماخي 83، ولسان الميزان 6: 32. ويقول محمد علي دبوز في كتابه المغرب الكبير 3: 150 ـ 153: كان أبو عبيدة زنجياً أسود اللون، أعور فقيراً، وكان يقتات بعمل السعف يصنع منه قفافاً فلقب بالقفاف، ولكنه كان سيدّ البيض بعلمه وعقله وفقهه. هامش كتاب إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، ص33. (2/235)
صفحة 415
فإن سأل سائل فقال: ما حد ما به تجب الإمامة عندكم؟ وما المقدار الذي إذا هو استجمع للمسلمين كان واجباً عليهم أن يولوا؟ قيل له: إذا كان المسلمون ذوي عدة وقوة في المال والعلم بدين الله، وإقامة أمره وحدوده، مكتفون بما معهم من المال والعلم لما يأتي عليهم من حوادث الأمور، ويغشاهم من متشابه النوازل، وصاروا مع ذلك بالعدة في النصف لمَن يليهم من أعدائهم الذين يتقون شوكتهم كان الواجب عليهم أن يختاروا من أفاضلهم إماماً يقيم لهم شأن دينهم الذي افترضه الله عليهم، ويعدل بينهم في الحكومة، ويقسم بينهم بالسوية، لا يألوا الله نصحاً، ولا لدينه نصراً، متبعاً لآثار السلف، مقتفياً لأعلام الخلف، فإذا كان الإمام بما وصفنا من هذه الحال كان الواجب على المسلمين كافة من حاضرهم وباديهم، وقريبهم وبعيدهم أن يؤدوا له حقوقه التي جعلها الله لأئمة المسلمين على عامتهم، من الولاية له والنصر، والإجابة (2/236)
صفحة 416
في كل ما دعا إليه من أمر الله، فمّن تخلف منهم عن إجابة دعوته، أو ضيع من واجب حقه، أو تهاون بشيء من طاعته كان عاصياً لله مخالفاً لأمره، قال الله عزّ وجلّ: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (1) فقرن طاعة الأئمة بطاعته عزّ وجلّ، وبطاعة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ثم قال: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (2) ، فإن قال: أرأيت إذا كان المسلمون بالحال التي وصفت من العدد والعدة وغيرهما من الشروط التي عددت كلّها، ثمّ هم لم يفعلوا ما ذكرت من عقد الإمامة، قيل له: فإذن كانوا يكونون مميتين لدين الله، مذلين له، وهم قادرون على إعزازه، راضين بالدنية لأنفسهم في دينهم، ولن يرضى الله بأن يميتوا دينه مع القدرة منهم على إحيائه، قال الله عزّ وجلّ: (فاتقوا الله ما استطعتم) (3) وهؤلاء قد تركوا أن يتقوا الله مع أنهم قد استطاعوا. فإن قال: أرأيت إن كان المسلمون بحال دون الحال التي وصفت من القوة، مع أنهم على ذلك تكلّفوا أمر الإمامة فعقدوها؟ هل كانوا يكونون مطيعين لله في فعلهم لذلك أم لا؟ قيل له: كان يكون المسلمون حينئذ مطيعين بفعل ما لم يجب عليهم ولم يلزمهم، قال الله عزّ وجلّ:
__________
(1) سورة النساء آية رقم 59.
(2) سورة النور آية رقم 63.
(3) سورة التغابن آية رقم 16. (2/237)
صفحة 417
(فمن تطوع خيراً فهو خير له) (1) غير أن وجوب الإمامة إنما يلزمهم بالذي وصفنا من حال القوة في العدة والعدد والمال والعلم، قال الله عزّ وجلّ: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) (2) الآية، وهذا عند العلماء في صدر الإسلام، والمسلمون إذ ذاك في عدة قليلة، فلمّا أن فتح الله على رسوله، وأظهره الله على دينه نقلهم إلى الرخصة والتخفيف، وقال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين) (3) الآية، فإذا كان المسلمون لم يبلغوا من عدد عدوهم في النصف، وليست لهم مقدرة بأمر الإمامة كان أحب الأمور إلى العلماء وأولاها أن يقيم المسلمون على ما هم عليه من حال الكتمان، فكان ذلك واسعاً لهم، إلاَّ أن يجعلوها حال الشراء، والشراء من أحبّ الأمور إلى الله عزّ وجلّ وإلى المسلمين إن لم يكونوا يقدرون على الظهور والدولة، وهي أقرب المسالك إلى الظهور، غير أن علماءنا لم يجعلوا حال الشراء في الوجوب والفرض كحال الظهور والدولة، فمَن شاء فليشر نفسه ابتغاء مرضاة الله، ومَن شاء أقدم مكتتماً بين ظهراني قومه. هذه سيرة المسلمين لم ينقسم فيها خارجهم من مقيمهم، ولا مقيمهم من خارجهم، وليس الأمر في ذلك على ما ذهبت إليه غالية الخوارج أن المسلمين لا تسعهم الإقامة مع الجبابرة في الكتمان، مقدرين أو غير مقدرين، قال الله عزّ وجلّ: (لا يكلف الله نفساً إلاَّ وسعها) (4) ، وقد أقام رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ برهة من الزمان
__________
(1) سورة البقرة آية رقم 184.
(2) سورة الأنفال آية رقم 65.
(3) سورة الأنفال آية رقم 66، وفقد جاءت الآية محرّفة في المطبوعة، حيث جاءت (تكن) بدلاً من (يكن).
(4) سورة البقرة آية رقم 286. (2/238)
صفحة 418
بمكة بعدما نزل عليه الوحي مكتتماً غير ظاهر.
باب النقض على المعتزلة:
قالت المعتزلة بتحريم دم عثمان (1) ودم أهل الدار، وأنها دم سفكت عندهم حراماً على ظلم وعدوان، ثم قالوا في حرب طلحة (2) والزبير (3) في أهل البصرة: إن حربهما لعلي كان خطأ، على أن طلحة والزبير وأهل البصرة إنما قاموا وحاربوا على الطلب بدم عثمان، وزعموا أن فعلهما في الحرب وسفكهما الدماء الحرام
__________
(1) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص، أمير المؤمنين، ذو النورين، ثالث الخلفاء الراشدين. ولد عام 47 ق.هـ وتوفي عام 35 هـ. راجع ابن الأثير: حوادث سنة 35، وغاية النهاية 1: 507، وشرح نهج البلاغة 2: 61، واليعقوبي 2: 239، وحلية الأولياء 1: 551.
(2) هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان أبو محمد، صحابي شجاع من الأجواد، وهو أحد العشرة المبشرين، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام. ولد عام 28 ق.هـ وتوفي عام 36هـ. راجع ابن سعد 3: 152، وتهذيب التهذيب 5: 20. والبدء والتاريخ 5: 83، والجمع بين رجال الصحيحين 230، وتهذيب ابن عساكر 7: 71.
(3) هو الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي أبو عبد الله، الصحابي الشجاع، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول مَن سلّ سيفه في الإسلام، وهو ابن عمة الرسول _صلى الله عليه وسلم_. ولد عام 38 ق.هـ، وتوفي عام 36هـ. (2/239)
صفحة 419
كان خطأ بتأويل دون فسق، وليس عندهم كبيرة، مع أن المعتزلة ممن يثبت الوعيد ويقول به في أهل الملة، وإن سفك الدماء الحرام عندهم من الكبائر لقول الله عزّ وجلّ: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً) (1) ، وزعموا أنها عامة في كل القاتلين ماخلا ما كان من طلحة والزبير من فعلهما، ثم قالوا في حرب معاوية بن أبي سفيان (2) وأهل الشام وقتالهم علياً: إن ذلك من معاوية وأهل الشام كان ظلماً وعدواناً، وفسقاً وضلالاً، والوعيد من الله لهم عليه واجب، على أنهم طالبون دم عثمان الذي هو مقتول عند المعتزلة، وهو مظلوم. تأملوا هذه الأربعة الأقاويل من المعتزلة فإن في تأملها والكشف عن عوارها قناعة عن الرد عليهم وكفاية، ومع هذا
__________
(1) سورة النساء آية رقم 93.
(2) هو معاوية بن أبي سفيان، صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، مؤسس الدولة الأموية في الشام. ولد بمكة 20 ق.هـ، وتعلّم الكتابة والحساب، تولى الخلافة سنة 41 هـ، مات في دمشق عام 60 هـ. له 130 حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على أربعة منها، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة. راجع ابن الأثير 4: 2، والطبري 6: 18، ومنهاج السنة 2: 201 ـ 226، واليعقوبي 2: 192، والخميس 2: 291 ـ 296. (2/240)
صفحة 420
كله يقال لهم في دم عثمان: أخبرونا عن قتلة عثمان؟ أليسوا عندكم ظالمين معتدين، فمن قولهم: بلى يقال لهم: فما تقولون في بيعة المسلمين لعلي بن أبي طالب بعد مقتل عثمان؟ أليس هي عندكم بيعة حق، وإمامة صدق؟ فمن قولهم: بلى قيل لهم: فكيف بايع المسلمون علياً، وهو قد آوى قتلة عثمان ولم يقدهم بعثمان؟ وعثمان قتل مظلوماً عند المسلمين في زعمكم، والمشهور عن محمد بن أبي (1) بكر أنه القاتل والأشتر (2) وجماعتهم، وكان هؤلاء من أخص الناس بعلي، أرأيتم مَن آوى أبا لؤلؤة قاتل عمر _رضي الله عنه_ أليس كان يكون مَن آواه من أفسق الفساق، وأعظمهم فجوراً؟ وكيف يكون من فعل ذلك والياً على المسلمين وإماماً لهم في دينهم؟ ففي الذي ذكرنا من بيعة المسلمين لعلي وهو قد آوى قتلة عثمان وضمهم
__________
(1) هو محمد بن أبي بكر الصديق، أمه أسماء بنت عميس الخثعمية، ولد عام حجة الوداع، ثم كان في حجر علي بن أبي طالب إذ تزوج أمه أسماء، وكانت على الرحالة يوم الجمل، وشهد معه صفين، ثم ولاّه مصر فقتل بها، قتله معاوية بن خديج صبراً، وذلك في سنة 38 هـ، وكان ممن حضر قتل عثمان، وقيل إنه شارك في دمه، وقيل لما قال له عثمان: لو رآك أبوك لم يرض منك هذا المقام خرج عنه وتركه، ثم دخل عليه مَن قتله. راجع الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3: 1366 ـ 1367.
(2) هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي المعروف بالأشتر، أمير من كبار الشجعان، كان رئيس قومه، أدرك الجاهلية، وأول ما عرف عنه أنه حضر خطبة عمر في الجابية، وسكن الكوفة، وشهد اليرموك وذهبت عينه فيها، وكان ممن ألّب على عثمان وحضر حصره في المدينة، وشهد موقعة الجمل وأيام صفين مع علي، وولاه على مصر فقصدها فمات في الطريق عام 37 هـ. راجع الإصابة ت 8343، والتبريزي 1: 75، ودائرة المعارف الإسلامية 2: 210. (2/241)
صفحة 421
دلالة واضحة أن علياً كان ممن رضي بقتل عثمان، وسفك دمه، مع ما اشتهر من قول علي: (مَن كان سائلاً عن دم عثمان فإن الله قتله وأنا معه) (1) فإن قال قائل: إنما أراد علي بقوله: إن الله قتل عثمان وإنه سيقتله هو، وروي ذلك عن محمد بن سيرين (2) قيل له: لو أراد علي هذا المعنى لقال: إن الله قتله وإياي، وهكذا يصح القول بهذا المعنى، فإن زعموا أن قتلة عثمان ومحاصريه والمتمالين عليه قد تابوا جميعاً عند علي، قيل له: فمتى ظهرت عن محمد بن أبي بكر والأشتر وجماعته توبة؟ ومتى ذكر ذلك في شيء من الأخبار؟ وأي توبة نقلت عن المصريين الذين كانوا حاصروا عثمان، ونسب قتله إليهم، وهم الذين دخلوا عليه
__________
(1) يقول ابن السيد البطليوسي (ت 521 هـ): إن الله قتله وسيقتلني معه، وقال: إن الخوارج تأولته على أنه عطف على الضمير الفاعلي في قوله قتلته، ويرى أن الضمير المعطوف عليه هو الضمير المفعول في قوله قتله لا الفاعل. راجع كتاب الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين وآرائهم ص 24.
(2) هو محمد بن سيرين البصري الأنصاري أبو بكر: إمام وقته في علوم الدين بالبصرة، تابعي من أشراف الكتاب، مولده في البصرة عام 33هـ 653 م ووفاته بها عام 110 هـ 729 م، نشأ بزازاً، في أذنه صمم، وتفقه وروى الحديث واشتهر بالورع وتعبير الرؤيا، واستكتبه أنس بن مالك بفارس، وكان أبوه مولى لأنس ينسب له كتاب "تعبير الرؤيا". راجع تهذيب التهذيب 9: 214، ووفيات الأعيان 1: 453، وحلية الأولياء 2: 263، ودائرة المعارف الإسلامية 1: 202. (2/242)
صفحة 422
الدار مثل كنانة بن بشر (1) ومَن كان معه، وقد كانوا بعد ذلك مع علي، وكان بعضهم ولاة له، فإن قال: ليس يصحح قتل عثمان على رجل لاختلاف الأخبار في ذلك، ولأنهم لم يجمعوا على رجل بعينه يقول أنا قاتل عثمان، قيل لهم: أوليس بالمحفوظ عن أصحاب النقل أو أول ما خاطب به علي أهل الشام حين اجتمعوا بصفين (2) ورأوا هلال صفر، فنادى مناد أن أمير المؤمنين وأصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقولون: لم يمنعنا من قتالكم يا أعداء الله إلاَّ الشهر الحرام، وأنه قد انسلخ، وأنا قد نابذناكم على سواء (إن الله لا يحب الخائنين) (3) ، ثم قال علي لأصحابه مهلاً مهلاً عباد الله، حتى تتبينوا ما نقمتم عليهم وعلام تقاتلونهم، وانطلق نفر من أصحاب علي فدعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه
__________
(1) هو كنانة بن بشر التجيبي: ثائر، كان من رؤساء الجيش الذي زحف من مصر لخلع عثمان _رضي الله عنه_ أيام الفتنة في المدينة، وشارك في مقتله، وطلبه معاوية بن أبي سفيان بدم عثمان فقبض عليه بمصر مع ابن حذيفة وابن عديس، وسجنهم في لد "بفلسطين"، فهربوا فأدركهم والي فلسطين فقتلهم عام 36هـ. راجع الإصابة، ت 7504.
(2) صِفِّين: بكسرتين وتشديد الفاء موضع بقرب الرقة وبالس، وكانت وقعة صفين بين علي _رضي الله عنه_ ومعاوية في سنة 37 صفر، وقتل في الحرب بينهما سبعون ألفاً، وقتل مع علي خمسة وعشرون صحابياً بدرياً، منهم عمار بن ياسر الذي قال عنه الرسول _صلى الله عليه وسلم_ "عمار تقتلك الفئة الباغية". راجع البداية والنهاية لابن كثير 7: 253 ـ 254، ومعجم البلدان 3: 414 ـ 415.
(3) سورة الأنفال آية رقم 58. (2/243)
صفحة 423
_صلى الله عليه وسلم_، فقال أهل الشام ما بيننا وبينكم مناظرة في كتاب الله ولا في سنّة نبيّه _صلى الله عليه وسلم_ دون أن تدفعوا لنا قتلة عثمان، فإذا نحن قتلناهم كانت المناظرة بيننا وبينكم، فردّ عليهم علي بأن قال لهم: فإنا نعرض نحن وأنتم أعمال عثمان على كتاب الله وسنّة نبيّه، فإن حلّ لنا دمه تبتم من ولايته، وإن حرّم علينا دمه دفعنا إليكم قاتله، وتبنا إلى الله من البراءة منه، والرضا بقتله. ومَن نقل آخر أن المسلمين لمّا أتاهم أبو الدرداء (1) وأصحابه طالبين
__________
(1) يقول ابن كثير: وخرج أبو الدرداء وأبو أمامة فدخلا على معاوية، فقالا له: يا معاوية على ما تقاتل هذا الرجل..؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاماً، وأقرب منك إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وأحق بهذا الأمر منك. فقال: أقاتله على دم عثمان وأنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له فليقدنا من قتله عثمان، ثم أنا أول مَن بايعه من أهل الشام. فذهبا إلى علي فقالا له ذلك، فقال: هؤلاء الذين تريان، فخرج خلق كثير فقالوا: كلّنا قتلة عثمان فمَن شاء فليرمنا. قال: فرجع أبو الدرداء وأبو إمامة فلم يشهدا لهم حرباً. راجع البداية والنهاية 7: 260. (2/244)
صفحة 424
للمهادنة بين الفئتين، وذكروا قتلة عثمان، فابتدرهم جماعة من المسلمين عند علي، وكل يقول نحن قتلناه، ومثل هذا أكثر من أن يحصى، وأشهر من أن ينكر، مع ما اشتهر من كثرة أحداث عثمان وأفعاله التي كان يتوب منها في كل حين للمسلمين ثم هو يعود إليها، وإلى أشدّ منها، حتى كان منهم إليه ما قد كان، وإنما قصدت إلى الاستشهاد ببيعة المسلمين لعلي مع قتلهم لعثمان لأنه مما لا يجد فيه أحد من المعتزلة أو غيرهم متعلقاً، وهم يثبتون بيعتهم لعلي أنها كانت على حق وصواب، وأمّا الذي قالت به المعتزلة من طلب المخرج لطلحة (1) والزبير (2) ، وبسط المعذرة لهما فيما أتيا فإنه يقال لهم: ما العلة التي بها ومن أجلها فسقتم معاوية وعمراً وأهل الشام، وضللتموهم، وبرئتم منهم، وأثبتم وعيدهم، وسميتموهم أعداء الله في محاربتهم علياً وأهل العراق؟ قالوا: من قبل نكثهم البيعة، وشقهم
__________
(1) سبقت الترجمة له قريباً من هذا.
(2) سبقت الترجمة له قريباً من هذا. (2/245)
صفحة 425
العصا، وتركهم الرضا، والدخول فيما دخل فيه المسلمون وأصحاب محمد _صلى الله عليه وسلم_ في إمامة مَن وجبت على المسلمين إمامته، وفرضت على الناس طاعته، في مثل ذلك من الكلام، قيل لهم: أوليس طلحة والزبير ناكثين للبيعة، شاقين للعصا، خارجين عن الرضا، والدخول فيما دخل فيه المسلمون وأصحاب محمد _صلى الله عليه وسلم_، ومن إمامة من ذكرتم على مثل مقالتكم في معاوية وعمرو (1) وأهل الشام سواء، فلم يجدوا بحمد الله علّة في تفسيق معاوية وعمرو وأهل الشام، وإثبات وعيدهم إلاَّ ونحن موجدوها لهم في طلحة والزبير وأهل البصرة، إلاَّ بأن يقولوا بأنهما فاسقان ضالان، ثابت لهما الوعيد، كمقالتهم في معاوية وعمرو وأهل الشام في محاربتهم علياً والمسلمين، كما بسطوها لطلحة والزبير وأهل البصرة، وكلا الفعلين عند جميع الناس سواء، وليس للمعتزلة من هذه المعارضة فصل ينفصلون به، والحمد لله. ويقال
__________
(1) هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي أبو عبد الله، فاتح مصر، وأحد دهاة العرب، وأولي الرأي والحزم والمكيدة فيهم، كان في الجاهلية من الأشداء على الإسلام، وأسلم في هدنة الحديبية، وولاه النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ إمرة الجيش في غزوة (ذات السلاسل)، وأمدّه بأبي بكر وعمر، ثم استعمله على عُمان، وهو الذي افتتح قنسرين وصالح أهل حلب وإنطاكية، وولاه عمر فلسطين ثم مصر فافتتحها، وعزله عثمان، ولمّا كانت الفتنة كان عمرو مع معاوية فولاّه على مصر سنة 38هـ. توفي بالقاهرة عام 43هـ. راجع الاستيعاب بهامش الإصابة 2: 501، والإصابة، ت 5884، وتاريخ الإسلام للذهبي 2: 235 ـ 240، وجمهرة الأنساب 154. (2/246)
صفحة 426
لهم: أخبرونا عنهما أليسا كانا ظالمين في قتالهما، متعديين، سافكين للدماء الحرام بغير حلها، قاتلين أنفسهما في غير سبيل الله؟ قالوا: بلى ولا بدّ لهم من ذلك. قيل لهم: ومتى كان من مذهبكم في إثبات الوعيد، وتفسيق أهل التأويل، أن شيئاً من هذا يكون خطأ دون كبيرة؟ فلأية علة استخصّ لها الزبير وطلحة بهذا المعنى دون غيرهما من جميع أهل الكبائر، وأهل الخطأ في التأويل؟ فلا أعلم لمعاشر المعتزلة في هذه المسألة جواباً يثبتون به تخصيص ما ادّعوا تخصيصه لمعارضة مقالتهم في هذين الرجلين في تثبيت وعيد أهل الكبائر، وتفسيق جميع أهل التأويل، وطعنت في كل ما قالوا به من ذلك عند موافقيهم في إثبات الوعيد قاطبة. فإن قال قائل من أصحاب النظام: فإنهما قد كانا تائبين راجعين إلى (2/247)
صفحة 427
الله مما فعلا قيل له: لسنا عن التوبة سألناكم، وإنما سألناكم عن نفس فعلهما نفسه من نكث البيعة، وشق العصا، وحربهما للمسلمين، وسفكهما للدم الحرام، هل ذلك الفعل نفسه كبيرة من الكبائر مما يوجب العقاب من الله لفاعله عليه، وثبت الوعيد (1) له فيه أم لا؟ ولا يخلوان من أن يكونا ظالمين لعلي وللمسلمين أو غير ظالمين، وإن كانا لهم غير ظالمين كان يجب أن يكون علي ومَن معه من المسلمين هم الظالمون لطلحة والزبير، وليس ذلك من قول المعتزلة أن يكونا هم الظالمين المعتدين، وليس يكون من الظلم والاعتداء في الدماء وأمثالها من هذه الأمور إلاَّ من أكبر الكبائر عند جميع المعتزلة، وأمّا الذي قيل من توبتها فباطل محال فاسد، من قبل أن طلحة قتل في المعركة، وأن الآخر فرّ منهزماً حتى لحق بوادي السباع فقتل به هارباً. فإن قال قائل: فكيف تجهم علي لعمر بن جرموز
__________
(1) يرى صاحب كتاب منهج الطالبين: أن الوعد هو ما وعد الله به أهل طاعته من الثواب في الآخرة وهو حق، والوعيد ما أوعد الله به أهل الكفر والمعاصي من العقاب في الآخرة وهو حق. ومَن زعم أن الله تعالى: (أوعد قوماً النار ثمّ لم يدخلهم إياها) فقد كذب على الله تعالى، والله تعالى يقول: (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) سورة ق آية رقم 29.
وقال: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعد ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ قالوا: نعم، فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين) سورة الأعراف آية 43 ـ 44.
فهذا يدل على بطلان قول مَن يقول: "إن الله ينجز وعده ويبطل وعيده".
وكيف يسوغ هذا في عقول ذوي الألباب، والله تعالى يقول: (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) سورة ق آية 29. راجع منهج الطالبين 1: 421. (2/248)
صفحة 428
التميمي (1) حين آتاه قاتلاً له، وهو عندكم غير تائب؟ قيل له: إنما ذلك لنهي علي على إتّباع المدبر، والإجازة على الجريح، فإن قال: أو ليس مسيره إلى المدينة التي حكمها بيد علي والمسلمين دلالة على توبته؟ قيل له: لا يكون ذلك توبة منه، وإنما التوبة على مثل فعل عائشة وغيرها من أهل البصرة حين أتوا علياً واضعين أيديهم في يده، تائبين إلى الله، راجعين من الذي غروا به، مظهرين الندامة على ذلك، ومَن لم يفعل كفعل هؤلاء كان حكمه عند المسلمين حكم إصرار، مثل ما كان من عبد الله بن الزبير، وطائفة حين فرّوا، وانحازوا إلى مكة، وليس من أحد يقول بأن الزبير كان تائباً من يوم الجمل (2) ، ودع عنك مَن قد قتل في المعركة وفي الهزيمة، فالقائل بتوبتهما مدع لما لا دليل له عليه، وما لا يجامعه
__________
(1) هو قاتل الزبير بن العوام ومعه فضالة بن حابس، ونفيع بن حابس التميمي، وأخذوا سيفه، وأخذ ابن جرموز رأسه فحمله حتى أتى به وبسيفه عليّاً، فأخذه علي وقال: سيف والله طال ما جلا به عن وجه رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.
وقال بشر: قاتل ابن صفية بالنار. راجع طبقات ابن سعد 3: 110، 111، وتاريخ الطبري 4: 510.
(2) راجع ما كتبه ابن كثير عن موقعة الجمل، وكيف أن الكثير من المسلمين تجمعوا في مكة، فقامت عائشة أم المؤمنين تخطبهم وتحثهم على القيام بطلب دم عثمان، فاستجاب الناس لها وطاوعوها على ما تراه من الأمر بالمصلحة، ثم حملت أم المؤمنين في هودج على جمل اسمه عسكر اشتراه يعلى بن أمية، وقد أمروا في مسيرهم ليلاً بماء يقال له الحوأب، فنبحتهم كلاب عنده، فلمّا سمعت ذلك عائشة قالت: ما اسم هذا المكان..؟ قالوا: الحوأب فضربت بإحدى يديها على الأخرى وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أضنني إلاَّ راجعة قالوا: ولِمَ....؟ قالت: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول لنسائه: ليت شعري أيتكن التي تنبحها كلاب الحوأب...؟ إلخ. البداية والنهاية 7: 231، 232. (2/249)
صفحة 429
عليه أحد من الأمة. وهذه اللمع التي ذكرناها تنبيه على ما لم نذكره من هذا إن شاء الله.
باب النقض على الزيدية
قال سليمان بن جرير الزيدي (1) _وهو إمامهم في علم الكلام_ ومن وافقه بجواز حكومة الحكمين، وإنَّ علياً إنما حكم لما خاف من عسكره الفساد، وكان الأمر عنده بيناً واضحاً، فنظر للمسلمين أن يتألفهم، وإنما أمرهما أن يحكما بكتاب الله وسنة نبيه _صلى الله عليه وسلم_، فخالفاهما اللذان أخطيا وأصاب هو، واعتلوا في ذلك أنَّ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وادع أهل مكة، ورد أبا جندل بن سهيل بن عمرو (2) إلى المشركين يحجل في قيوده، وقال غير سليمان
__________
(1) رئيس فرقة السليمانية أو الجريرية من الزيدية من الشيعة، قال: إنَّ الإمامة شورى، وأنَّها تنعقد بين رجلين من خيار الأمة، وأجاز إمامة المفضول، وأثبت إمامة أبي بكر وعمر، وزعم أنَّ الأمة تركت الأصلح في البيعة لهما؛ لأنَّ علياً كان أولى بالإمامة منهما، وكفر عثمان بالأحداث التي نقمها الناقمون منه، وأهل السنة يكفرون سليمان بن جرير من أجل أنَّه كفر عثمان _رضي الله عنه_. راجع الفرق بين الفرق 32-33، والتبصير في الدين 28، ط عالم الكتب، والملل والنحل 1: 159 ـ 160.
(2) هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشي العامري، أسلم بمكة فطرحه أبوه في الحديد، فلما كان يوم الحديبية جاء يرسف في الحديد إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ولكنَّ أباه وهو أحد طرفي العقد رفض هجرته، ولكنه انفلت منه ولحق بأبي بصير الثقفي، وقطعوا على قريش طريق القوافل، واستشهد في الطاعون بالأردن سنة 18 هـ. راجع الاستيعاب 4: 1621. (2/250)
صفحة 430
من علمائهم: إنَّ علياً حكم للتقية، وإنَّ التقية تسعه إذا خاف على نفسه، وأما الحكومة فهي عند هؤلاء حرام إلاَّ من جهة التقية، فيقال لهؤلاء منهم: حدثونا عن الإمام الطاهر، القائم بحجة الله، الداعي إلى دينه، أليس إنما ظهر من الكتمان ليقيم أمر الله وحدوده على ما افترضها الله في تنزيله، خارجاً من حد الكتمان إلى حد الظهور، فلا بدّ من نعم، قيل لهم: فأنى جوزتم التقية في تحليل ما حرم الله والحكم بغير ما أنزل الله، لمن هذه صفته؟ وهذا يقتضي أن يكون الإمام واسعاً له أن يتقي في ترك إقامة الحدود بأسرها، وفي تحريف كتاب الله وسنّة نبيه _صلى الله عليه وسلم_ والعمل بخلاف ما فيهما، إذا كان متقياً، وكفى بمثل هذا من القول خزياً لقائله، وهو مقالة غالية الرافضة صراحاً، فإن رجعوا وقالوا بمثل مقالة إخوانهم من أنَّ التحكيم جائز لعلي، وواسع له اتقى أو لم يتق؛ لأنَّ ذلك استصلاح المسلمين وائتلافهم لكلمتهم، وللإمام النظر في ذلك وأشكاله. قيل لهم جميعاً: أخبرونا عن تحكيم علي لهما أليس إنما (2/251)
صفحة 431
حكمهما بأن يرضى بالذي حكماً به أصابا أم أخطيا؟ فإن قالوا: يجب عليه الرضا بذلك على أية حال هو، قيل لهم: فهو إذا مخلوع، والإمام معاوية بن أبي سفيان، فبذلك وقع الحكم منهما، وهذا يوجب عليه أن يكون راضياً بحكومتهما، داخلاً في إمامة معاوية والتسليم له، فأي عار عليه وعلى شيعته أخزى من هذا وأشنع! فإن قالوا: إنما حكمهما على أن يحكما بكتاب الله وسنة نبيه عليه السلام، فإن هما خالفا ما فيهما كان حكمهما حكماً منبوذاً لا يجب التسليم له، وهو قول جمهور الزيدية، قيل لهم: فإذا كان الأمر على ما وصفتم من هذا فلم حكمهما وهو يعلم، والمسلمون معه يعلمون ما في كتاب الله وسنّة نبيه _صلى الله عليه وسلم_؟ وليس الحكم بما في الكتاب وفي السنة راجعاً إلى عبد الله بن قيس (1) وعمرو بن العاص، فهلا أقام على بصيرة من أمره، ماضياً في
__________
(1) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب، أبو موسى، من بني الأشعر من قحطان، صحابي من الشجعان الولاة الفاتحين وأحد الحكمين الذين رضي بهما علي ومعاوية بعد حرب صفين، ولد في زبيد باليمن عام 21 ق. هـ، وقدم مكة عند ظهور الإسلام فاسلم وهاجر إلى أرض الحبشة، ثمّ استعمله رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ على زبيد وعدن، وولاه عمر بن الخطاب البصرة سنة 17 هـ. توفي بالكوفة عام 44هـ. راجع طبقات ابن سعد 4: 79، والإصابة ت 4889، وغاية النهاية 1: 442، وصفة الصفوة 1: 225، وحلية الأولياء 1: 256، والمناوي 1: 48. (2/252)
صفحة 432
جهاد عدوه كما أمره الله في كتابه والمسلمون من أفاضل أصحاب محمد _صلى الله عليه وسلم_، إذا كان إنما حكمهما على أن يزيدا في حكم الكتاب ولا ينقصا منه، فمن حيث دارت هذه الحكومة دارت إلى باطل، والحمد لله.
وقد قال الحسن بن أبي الحسن البصري (1) ، وقد ذكر عنده تحكيم علي الحكمين، فقال: لم تحكم الحكمين لا أبا لك وأنت على الحق، ألا تمضي قدماً؟ فلو أنَّ إماماً حكم حكمين في سارق، أو في زان، أو في قاذف، أو في قاتل، والحكم في كل هؤلاء موجود منصوص في كتاب الله وسنّة نبيه
__________
(1) هو الحسن بن يسار البصري أبو سعيد، تابعي، كان إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمنه، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك، ولد بالمدينة عام 21هـ، وشب في كنف علي بن أبي طالب، واستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية، وسكن البصرة وعظمت هيبته في القلوب، فكان يدخل على الولاة يأمرهم وينهاهم. قال الغزالي: كان الحسن البصري أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء. توفي بالبصرة عام 110 هـ. راجع تهذيب التهذيب، ووفيات الأعيان، وميزان الاعتدال 1: 254، وحلية ألأولياء 2: 131، وذيل المذيل 93، وأمالي المرتضى 1: 106. (2/253)
صفحة 433
_صلى الله عليه وسلم_ لكان في حال تحكيمه لهما في ذلك مخطئاً غير مصيب، عاصياً لله، تاركاً لحكم كتابه عند جميع الأمة، ولو أن ذينك بالحكمين حكماً بما شاءا من حق أو باطل، وليس الذي ناظروا به من قول الله عزّ وجلّ: (فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها) (1) نظيراً لما ذكرنا، ولا الذي ذكروا في آية الصيد من قوله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم) (2) شبيهاً به؛ لأنَّه إنما أمرهم الله أن يحكموا في الصيد لما لم يذكر في كتابه مقدار كل نوع في الصيد جزاءه من النعم ومن غيرها، أمرهم أن يناظروا كل شكل بشكله مما هو مساو له.
وأما الحكمان فيما بين الزوج والمرأة فإنهما ينظران فيما بينهما، فإن علما أو ظنا أنَّهما يصطحبان على أمر الله، وتأدية حقوقه بينهما، وفقاً ما بينهما، أو خشياً أنَّهما لا يريد كل واحد منهما إصلاحاً فرقا بينهما بحسن نظرهما، وليس السبيل في كل ما هو منصوص في كتاب الله عزّ وجلّ مشروع في سنة نبيه _صلى الله عليه وسلم_ بين الحكم فيه سبيل ما ذكروا من جزاء الصيد والحكم بين الزوج والمرأة.
__________
(1) سورة النساء آية 35.
(2) سورة المائدة آية رقم 95، وتكملة الآية: (هدياً بالغ الكعبة أو كفارة إطعام مسكين أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام). (2/254)
صفحة 434
أرأيتم إذا وجب حد من حدود الله على الأشعث بن قيس (1) أو من كان في مثل حاله أكان ينبغي ألا تقام عليهم الحدود لاستصلاح الرعية واستئلاف الجماعة، حتى لا تكون فتنة أو تقع فرقة؟ أو هل كان ينبغي أن يرد أمر هذا وأمثاله إلى الحكمين، وينتظر به ماذا يحكمان، والحكم فيه موجود منصوص في كتاب الله عزّ وجلّ، وسنةّ نبيه عليه السلام؟ وهذا مما لا يخفى فساده على أحد ممن أراد الله هدايته وتوفيقه، وقد قال الله عزّ وجلّ لنبيه محمد _صلى الله عليه وسلم_: (قل أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً) (2) ،
__________
(1) أبو محمد الأشعث بن قيس الكندي، ولد 33 ق.هـ / 600 م، قدم من حضرموت إلى النبي (ص) وأسلم، وكان ممتنعاً من الزكاة، وأرسل مكبلاً إلى أبي بكر فعفا عنه، من الصحابة ثمَّ ارتد ثم أسلم وحسن إسلامه، اشتهر بالشجاعة والجود، وكان شريفاً في قومه مطاعاً، وهو من أجل قواد علي في معركة صفين، وكانت له راية كندة، وهو الذي غلب على الماء، وأزال عنه أبا العور السلمي وجماعته، وحضر معركة النهروان. توفي سنة 40 هـ بالكوفة، له سبعة أحاديث في البخاري ومسلم، ويعتبره الشهرستاني أشد الخوارج مروقاً من الدين. راجع العبر 1: 46، والطبري 4: 569، والملل والنحل 1: 114، وابن عساكر 3: 64، ودائرة المعارف الإسلامية 2: 16.
(2) سورة الأنعام آية رقم 114. (2/255)
صفحة 435
فدل أنَّه إنما أنزل عليه الكتاب وفيه تفصيل كل شيء، غنى وقناعة عن حكم أحد دون حكم كتابه عزّ وجلّ، وقال: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) (1) ، وقال: (ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين) (2) ، وقال: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (3) و(الظالمون) (4) و(الفاسقون) (5) فإن كان علي إنما قاتل معاوية وعمراً وأهل الشام بحكم الكتاب فكيف جاز له أن يترك حكم الكتاب إلى حكم أبي موسى وعمرو، أو يكون إنما قاتلهم بغير حكم الكتاب، فهذه شهادة عليه وعلى من معه من أفاضل المسلمين أصحاب محمد _صلى الله عليه وسلم_ بالضلالة، ومعاذ الله من ذلك، فلما ثبت أنَّه إنما قاتل أهل الشام بحكم الكتاب ثبت أنَّ رجوعه من ذلك إلى حكم أبي موسى (6) وعمرو (7) أنَّه رجوع من حكم الكتاب إلى غيره من الحكم بغير ما أنزل الله، لما لم يكن بين هذين الوجهين وجه يعرفه عارف، أو يعتقد عليه معتقد، والقول في قتال من قاتله بعد التحكيم على مثل هذا، وإن كان إنما قاتل أهل النهر (8) على أنَّهم لم يرضوا بالحكومة، فكيف حتى قاتل الخريت بن راشد (9) وأصحابه على أنَّهم
__________
(1) سورة المائدة آية رقم 50.
(2) سورة الأنعام آية رقم 62.
(3) سورة المائدة آية رقم 44.
(4) سورة المائدة آية رقم 45.
(5) سورة المائدة آية رقم 47.
(6) سبقت الترجمة له قريباً من هذا.
(7) سبقت الترجمة له قريباً من هذا.
(8) راجع معجم البلدان مادة "نهروان"، وتاريخ الطبري 5: 91-92، وفيه أنَّ الرسل توالت بين علي وبينهم، ثمّ كان القتال، ثمَّ بحثوا عن المخرج فالتمسوه فوجدوه تحت قتيلين في ساقية.
(9) هو الخريت بن راشد الناجي: صحابي ثائر من الزعماء الشجعان المقدمين من بني ناجية، كان من أشياع علي _رضي الله عنه_ وجاءه من البصرة بثلاث مائة من بني ناجية فشهدوا معه الجمل وصفين وأقاموا بالكوفة، ولما كان التحكيم خرج الخريت بمن معه إلى بلاد فارس، فسير علي معقل بن قيس وجهز معه جيشاً لقتاله، فكانت المعركة في الأهواز، وكثرت جموع الخريت، فنصب معقل راية ونادى: من لحق بها فهو آمن، فانصرف إليها كثير من أصحاب الخريت، فانهزم فقتله النعمان بن صهبان الراسبي عام 39هـ. راجع الكامل لابن الأثير 3: 145، والإصابة 2: 109، وفيها أنَّ الخريت كان على مضر كلها يوم الجمل، واستعمله عبد الله بن عامر على كورة من كور فارس، وأنَّه كان على بني ناجية في حروب الردة. (2/256)
صفحة 436
رضوا بالحكومة وصوبوها ودعوا إليها، وليس بين الأمرين أمر يتوهمه متوهم، أو يعتقد عليه معتقد، ولذلك كان يخطبهم تارة ويقول: أيها الناس نظرنا في أمر الحكمين فوجدناه ضلالاً، قد برئنا إلى الله ممن يرضى بهما في كلام له من مثل هذا، وتارة يخطبهم ويقول: أيها الناس نظرنا في أمر الحكمين فأصبناه هدى، فمن أنكر ذلك علينا فليبد لنا صفحة. وكل هذا منه قبل أن يبعث بأبي موسى إلى دومة الجندل (1) أو بعدما بعثه، في حجج كثيرة على الزيدية في هذا
__________
(1) دومة الجندل: عدها ابن الفقيه من أعمال المدينة، سميت بدوم بن إسماعيل بن إبراهيم، وهي قرية من دمشق، وبينها وبين مدينة الرسول _ صلى الله عليه وسلم_ مسافة قرية، وسميت دومة الجندل لأن حصنها مبني بالجندل.
وقال أبو عبيد الكرهي: حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبلي طيء، كانت به بنو كنانة من كلب. راجع معجم البلدان 2: 488. (2/257)
صفحة 437
وأمثاله معروفة تغني شهرتها عن ترسيمها، والحمد لله على معرفة الهدى.
الإمامة (1) والعلم:
وفي الإمامة أيضاً قال قائلون من أهل الشغب: إن الإمام إذا ولي أمر المسلمين وفيهم مَن هو أعلم منه فإن إمامته في زعمهم باطلة غير ثابتة، على مثل مقالته الرافضة في ولاية أبي بكر الصديق _رضي الله عنه_، فقال أهل الشغب بهذا قدحاً منهم في الإمامة العادلة الرستميّة، وحيداً عن إجابتها والدخول في
__________
(1) قال قوم: الإمامة رياسة عامة في أمور الدين والدنيا ونقض بالنبوة، والأولى أن يقال: هي خلافة الرسول في إقامة الدين بحيث يجب اتباعه على الأمة كافة، وبهذا القيد يخرج من ينصبه الإمام في ناحية، والمجتهد، والآمر بالمعروف. ونصب الإمام عندنا واجب علينا سمعاً. وقالت المعتزلة والزيدية: بل عقلاً. وقال الجاحظ: بل عقلاً وسمعاً. وقال الإمامية والإسماعيلية: بل على الله، إلا أن الإمامية أوجبوه لحفظ قوانين الشرع، والإسماعيلية ليكون معرفاً لله. وقالت للخوارج: لا يجب أصلاً. راجع المواقف في علم الكلام، ص 395، ط/المبني، القاهرة. (2/258)
صفحة 438
طاعتها، وطعناً في الدين، كما فعلت الرافضة في ولاية الصديق _رضي الله عنه_، ولو أنهم جميعاً قالوا: سمعنا وأطعنا لكان خيراً لهم وأقوم، وقد قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في معاذ بن جبل (1) أنه يأتي إمام العلماء يوم القيامة بنبذة "وأن زيداً أفرض الأمة" (2) وأن عبد الله بن مسعود كنيف مليء علماً (3) و"أنه صلَّى الله عليه وسلَّم دعا لابن عباس: اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل" (4) ، وأن عمر _رضي الله عنه_ جعلها شورى بين رهط ستة، ولا تجتمع الأمة على أن هذه الستة كانوا أعلم جميع أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ومعروف غير مجهول أن بعض هؤلاء الستة كانوا أعلم من بعض، فلم لا اقتصر عمر رضي الله عنه بالذي هو أعلمهم من غيره في الإمامة، وهذا بعد أن قال عمر: "لو كان أبو عبيدة (5) حيّاً أو سالم مولى حذيفة ما خالجني فيهما شك"، ولم يكونا بأعلم من جميع من بين يدي عمر _رضي الله عنه_.
__________
(1) الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده عن شريح بن عبيدة وراشد بن سعد، 1: 18، عن عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ قال: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: إن لكل نبي أمينا وأميني أبو عبيدة بن الجراح، فأنكر القوم ذلك وقالو: ما بال عليا قريش، يعنون بني فهر، ثم قال: فإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة استخلف معاذ بن جبل، فإن سألني ربي عز وجل لم استخلفه، قلت: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: "إنه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء نبذة".
(2) الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده عن أنس 3: 184 قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "أرحم أمتي أبو بكر، وأشدّها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله أبي، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت".
(3) لم نعثر على هذا الحديث بهذا اللفظ، وإن كانت هناك أحاديث كثيرة في فضل علم ابن مسعود، من ذلك قول الرسول _صلى الله عليه وسلم_ "خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد فبدأ به، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة". رواه الإمام مسلم في كتاب فضائل الصحابة 116 ـ (2464).
(4) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب فضائل الصحابة 30 باب فضائل عبد الله بن عباس _رضي الله عنهما_ 138-2477 بسنده عن عبيد الله بن أبي يزيد يحدث عن أبي عباس _رضي الله عنهما_ أن النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ أتى الخلاء فوضعت له وضوءاً، فلمّا خرج قال: مَن وضع هذا..؟ قلت: ابن عباس: قال: اللَّهم فقهه.
ورواه البخاري في الوضوء 10، وأحمد بن حنبل في المسند 1: 266، 314، 328، 335 (حلبي).
(5) سبقت الترجمة له في كلمة وافية. (2/259)
صفحة 439
وقد علم الوافر والناقص أن ليس عثمان بأعلم القوم جميعاً فتراه قد ولوه واتفقوا على إمامته كما ترون، وليس الله بجامعهم على ضلال كما قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وهؤلاء القوم حسبوا أنهم إنما أزروا على الإمامة الرستمية بهذه المقالة دون غيرهم، بل إنما أزروا قبل على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وصاحبيه وكافة المهاجرين والأنصار، ثمّ على الأئمة الرستمية _رحمة الله عليهم_، وهذا القول منهم بعدما مضى أسلافهم ممن يتولونهم على تصويب إمامة من ذكروا من الأئمة الرستمية _رحمة الله عليهم_، وذلك أن يقال لهم: حدّثونا عن هذه الأئمة، هل هي مستحقة للإمامة، مستوجبة لها أو غير مستحقة؟ فإن قالوا: إنها مستحقة للإمامة أثبتوها في أعناقهم، وأقروا بأن طاعتها عليهم واجبة، وبطل ما كانوا يفترون، فإن زعموا أنهم غير مستحقين للإمامة كانوا طاعنين على مَن مضى من أسلافهم الذين ولّوهم فأثبتوا إمامتهم وماتوا على ذلك، فيجب عليهم أن يتبرأوا منهم حيث ولّوهم وهم عندهم غير مستحقين لها، فإن قالوا: إنما ولّوهم على شريطة ألاَّ يقطعوا أمراً دون رهط مسمين، ثمّ إن الأئمة لم يفعلوا من ذلك ما اشترط عليهم، قالوا: فبذلك أبطلنا إمامتهم، قيل لهم: حدّثونا عن هذه الشروط في حق كانت أم في باطل؟ فإن كانت في باطل فهي باطلة كما أن الباطل كلّه باطل، وإن (2/260)
صفحة 440
كانت في حق فإن الحق غير محتاج إلى شروط ولا اتفاق، فعلى الإمام أن يقضي بالحق، جامعه عليه مجامع أو خالفه مخالف، ولو أن سارقاً سرق، أو قاذفاً قذف، أو زانياً زنى، أو قاتلاً أقرّ عند الإمام بما فعل أكان جائزاً للإمام، واسعاً له أن ينتظر به اجتماع مَن يجتمع عليه ممن ذكروا أو يقضي عليه بالذي أوجب الله عليه؟ فإن هم قالوا: إن الإمام لا يقطع في الحدود قطعاً دون الرهط المسمين خالفوا الأمة مصيبها ومخطئها، فإن جوزوا للإمام إنفاذ الأحكام دون حضرة مَن ذكروا صار قولهم في الشروط ودعواهم فيها دعوى فاسدة باطلة، وضلّ عنهم ما كانوا يفترون.
باب القول في تفسيق أهل التأويل وإثبات كفرهم كفراً غير شرك:
فإن سأل سائل بعد هذا كلّه وقال: ما قولكم في المخطئين من أهل التأويل المقرين بالتنزيل؟ فقولنا: إن مَن دان بدين من المتأولين فكان به على الله شاهداً، (2/261)
صفحة 441
وفي شهادته عليه كاذباً أنه يبرأ منه، ويشهد على فعله بالضلالة والكفر؛ لأن الله أجمل الخبر في الكاذبين عليه بالوعيد والتكفير، قال الله عزّ وجلّ: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) (1) ، وقال: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين) (2) فقرن الكاذب عليه والمكذب بصدقه في الوعيد والتكفير كما ترى، وقال: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين) (3) ، وكل هذا قد أجمل الخبر وعمه في المكذبين عليه، فلم يخصص كاذباً عليه في تأويل مَن كاذب عليه في تنزيل، وإماماً، قالت به المعتزلة في تفسيق أهل التأويل، واستخصاصهم طلحة والزبير من بين سائر المتأولين، فقد مضى الحجاج عليهم في كتاب الإمامة، وأنبأنا عن ضعف اعتراضهم في ذلك، وشنعة اعتراضهم عند العامة من موافقيهم في إثبات الوعيد كفواً بها عن الإقدام فيما لزمهم الإقدام عليه بأمر مقنع إن شاء الله.
وقالت الخوارج بتشريك المخطئين من أهل التأويل، كمقالتهم في سائر أهل الكبائر، فقد أنبأنا عن فساد مذهبهم في التشريك بالذي رسمناه عليهم في
__________
(1) سورة الزمر آية رقم 60.
(2) سورة الزمر آية رقم 32.
(3) سورة العنكبوت آية رقم 68، وقد جاءت الآية محرّفة في المطبوعة، حيث جاءت "فمن" بالفاء بدلاً من (ومن). (2/262)
صفحة 442
صدر الكتاب. كما أن الذي قدمنا من النقض على المرجئة في تثبيت الوعيد كاف عن الرد عليهم في هذا الباب إن شاء الله.
فإن قال قائل: إلى أي الكفرين تضيفون أهل التأويل وهما عندكم كفران؟ قيل له: كل متأول مخطئ في تأويله، دائن بما هو عليه من الخطأ، فهو بتأويله ذلك منافق كافر غير مشرك، ما لم يكن راداً للمنصوص، منكراً للتنزيل. فإن قال: أرأيتم مَن زعم أن الله يُرى يوم القيامة، وتأوّل قوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) (1) قيل له: نعم هذا متأول مخطئ في التأويل، كاذب على الله في صفته، وهو منافق كافر غير مشرك من قبل تأويله لما ذكرت.
فإن قال: فالذين وافقوكم في إثبات الوعيد وفي التكفير من الزيدية وأفنان الإباضية قالوا بتشريك هؤلاء ووافقهم النظام على مقالتهم بذلك، وزعموا أن كل متأول مخطئ في صفة الله عزّ وجلّ لا يكون بتأويله في مثل ذلك إلاَّ كافراً مشركاً، مساوياً لله بخلقه، مشبهاً له بغيره، قيل له: بل لا يكون هؤلاء مشركين، ولو أن مَن ذكرت قالوا بتشريكهم؛ وذلك أن بيننا وبينهم فصولاً فاصلة، وأدّلة قاطعة؛ لأنّا وإيّاهم مجمعون على تكفير الجهمية في زعمهم أن الله لا يكون أن يعلم الأشياء حتى تكون موجودة، ونحن وهم جميعاً مع ذلك غير قائلين بتشريكهم. فلم لم يشرك الجهمية وهم مخطئون في صفة معبودهم، كاذبون عليه؟
فإن قال: إن الجهمية لا يكونون مشركين بذلك ما لم يكونوا واصفين لله
__________
(1) سورة القيامة آية رقم 23. (2/263)
صفحة 443
بالجهل، قيل له: وكذلك الذين قالوا بأن الله جلّ جلاله مرئي في دار المعاد لا يكونون مشركين ما لم يصفوه بأنه لون من الألوان.
فإن قيل: أوليس أنهم حين زعموا أنه مرئي قد وصفوه بأنه لون، لما كانت الأبصار في طبعها أنها لا ترى ولا تدرك إلاَّ لوناً؟ قيل له: لسنا ممن يثبت لهم ما لم يقولوا، وإن كانت مقالتهم قائدة إلى ذلك ما لم يصرحوا به، كما لم يثبت أن الجهمية حيث زعمت أن الله لا يكون أن يعلم الأشياء حتى تكون موجودة واصفة لله بالجهل، تعالى الله عن ذلك، ألا ترى أنهم حين وصفوه بأنه لا يجوز أن يكون يعلم ما لم يكن من قياد مقالتهم أنه يجهل؟ ولسنا مع ذلك نلزمهم غير ما قالوا، ومن الأدلة على ما قلنا إنا وإيّاهم مجمعون على أنّ مَن زعم أن القرآن لا يكون مخلوقاً أنه كاذب على الله، مخطئ في صفة الله عزّ وجلّ، وليس هو عندنا وعندهم جميعاً مشركاً، مع ذلك ما لم يزعم أن القرآن قديم مع الله غير محدث، على أن المخلوق هو المحدث غير القديم، والقديم هو غير المحدث المخلوق. ولسنا ممن يثبت لأحد من المخطئين في تأويلهم أمراً لم يقولوا به، ولو كان تأويلهم ذلك قائداً لهم إلى ذلك الأمر ما لم يصرحوا به، فلذلك قال في النهاية في هذا العلم _رحمة الله عليه_ عندما ذكر أقاويل أهل التأويل: فلولا ما حجزهم من التأويل لألزمناهم اسم الشرك، ولكن تأويلهم وإن أخطأوا فيه وجه العدل منعنا من تسميتهم بالشرك.
ومن الأدلة على ما قلنا أن أهل القدر حيث زعموا أن الله غير خالق للأفعال (2/264)
صفحة 444
لا يكونون عندنا وعندهم مشركين مع ما هم فيه من الخطأ في صفة الله عزّ وجلّ، ونفيهم قدرته جلّ جلاله عن الأفعال، ما لم يصفوه بالعجز، وقد علمنا أن مَن نفى قدرة الله على شيء موجود فإنه واصف لله بالعجز عزَّ وجلّ عن ذلك، وأن مَن نفى عن شيء من الأشياء أن يكون مخلوقاً فهو ناف عنه أن يكون محدثاً، واصف له بالقدم، مساوياً له بالله في صفته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولسنا مع ذلك كله مثبتين لهم غير ما قالوا، ولو أن تأويلهم جار إلى ذلك.
وإن قال: إن الذي نفى عن الأفعال أن تكون مخلوقة فإنما أخطأ في صفة الأفعال، حيث نفى عنها أن تكون مخلوقة، ولم يخطئ في صفة الله بقوله ذلك قيل له: فعلى هذا الجواب إن الذي زعم أن الله يرى يوم القيامة إنما أخطأ في صفة البصر إذ جعله يرى ما ليس من شأنه أن يكون يراه، ولم يخطئ في صفة الله عزّ وجلّ، ولو لم يكن مَن نفى عن الأفعال أن تكون مخلوقة لله مخطئاً في صفته عزّ وجلّ لما كان عندنا وعندهم كافراً، أرأيتم مَن زعم أن هذه الأجسام غير مخلوقة؟ فهل تقولون إنه غير مخطئ في صفة الله، لما كان خطؤه في صفة الأجسام دون صفة الله؟ بلى إن كلّ مَن نفى عن شيء من هذا العالم أن يكون خلقاً لله مخطئ في صفة الله عزّ وجلّ، فإن كان ذلك مما يحتمل وينسب إلى العباد فعله كان مَن نفاه عن الله أن يكون خلقه متأولاً منافقاً غير مشرك، وما عدا ذلك مما لا (2/265)
صفحة 445
ينسب إليهم أنهم فعلوه، فكل مَن نفى عن الله أن يكون خلقه فهو مشرك غير متأول.
ومن الأدلة على ما قلنا إن الجهمية وأصناف المجبرة لما زعموا أن الله جبر العباد على ما كان منهم من طاعة ومعصية أثبتوا أن الله عزّ وجلّ مؤاخذهم على ما لم يفعلوا، ومعذبهم على ما لم يختاروا ولم يكتسبوا، وتأولوا قول الله عزّ وجلّ: (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) (1) كانوا بذلك متأولين غير مشركين، على أنّا قد علمنا أن مَن وصف الله عزّ وجلّ بأنه يؤاخذ أحداً على غير فعله، ويعاقب على ما قد جبره عليه كان واصفاً له بالجور والخطأ والظلم، فالواصف لله بالجور والظلم مشرك بالله، واصف له بأقبح ما يوصف به الخلق من صفاتهم، نافياً عنه صفاته من العدل والحكمة، تعالى الله عن ذلك، ونحن مع هذا غير قائلين بتشريك المجبرة، ولا مضيفين لهم إلى أن أكثر من أنهم منافقون متأولون غير جاحدين.
__________
(1) سورة النحل آية رقم 93، وتكملة الآية: (ولتسألن عما كنتم تعملون). (2/266)
صفحة 446
ومن الأدلة على ما قلنا إن مَن نفى عن الله جل جلاله أن يكون شيئاً مثبت أنه في معنى العدم والتلاشي والبطلان مخرجه من معنى الوجود والإثبات، وهذه الجهمية تنكر أن يكون الله شيئاً، وتأبى ذلك، ونحن أيضاً لا نقول بأنهم مشركون ما داموا على القول بأنه موجود، وكذلك مَن زعم أن أسماء الله وصفاته محدثة مخلوقة، كائنة بعد إذ لم تكن متأول غير مشرك ما لم يزعم أن علمه وقدرته وإرادته محدثة مخلوقة كائنة بعد إذ لم تكن، أو زعم أن الله والرحمن والخالق محدث مخلوق كائن بعد إذ لم يكن، فحينئذ لا يكون له تأويل يمنعه من الشرك. ولو أنك تتبعت أهل التأويل واحداً فواحداً فيما أخطأوا فيه من تأويلهم لوجدت أكثرهم على مثل ما وصفنا.
فإن قال: أرأيتم مَن زعم أنه يُرى في دار الدنيا على مقالة أصحاب عبد الواحد بن زيد (1) من أصحاب الوسواس، وتأولوا قوله في النجم: (وهو بالأفق الأعلى) (2)
__________
(1) هو عبد الواحد بن زيد البصري الزاهد. يقال: إنه صلَّى الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة، وله مواعظ وحكم، روى عنه الحسن البصري من مواعظه: ألا تستحيون من طول ما لا تستحيون. قال عنه الذهبي: متروك الحديث. توفي عام 177 هـ 793 م. راجع العبر 1: 270.
(2) سورة النجم آية رقم 7. (2/267)
صفحة 447
الآية قيل له: هؤلاء قوم مشركون رادون للمنصوص من خبر الله عزّ وجلّ: (لا تدركه الأبصار) (1) ، وليس لهم تأويل يحجزهم عن الشرك.
فإن قال: فكيف حتى شركت هؤلاء ولم تشرك الأولين قيل له: لما كان الأولون متأولين في قول الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) (2) وادعوا في الآية الأولى من قول الله: (لا تدركه الأبصار) أنها خاصة في الدنيا دون الآخرة كما ادّعت القدرية خصوصاً في قوله: (خالق كل شيء) (3) ، فأنكروا بذلك خلق الأعمال، وادعى من نفى خلق القرآن مثل ذلك، وادعت الجهمية في قوله: (وهو بكل شيء عليم) (4) مثل ما ادعى هؤلاء، وكل فيما هم فيه من دعواهم مخطئون متأولون مقرون بالتنزيل، غير منكرين له.
فإن قال: فما حال من زعم أنَّ الله عزّ وجلّ جسم كالأجسام سبعة أشبار،
__________
(1) سورة الأنعام آية رقم 103.
(2) سورة القيامة آية رقم 23.
(3) سورة الأنعام آية رقم 102.
(4) سورة البقرة، آية رقم 29. (2/268)
صفحة 448
على مقالة هشام (1) الرافضي، وتأول قول الله عزّ وجلّ: (يد الله فوق
__________
(1) هشام بن الحكم أبو محمد الشيباني ولاء، ولد بالكوفة ونشأ بواسط وأقام ببغداد، كان شيخاً للإمامية في عصره، تتلمذ ليحيى بن خالد البرمكي، وله مؤلفات منها: الرد على المعتزلة في طلحة والزبير، الرد على الزنادقة، الرد على مَن قال بإمامة المفضول. الرد على هشام الجواليقي، القدر الدلالات على حدوث الأشياء. هلك بالكوفة، وكان مختفياً حين نكب البرامكة. وفاته في نحو سنة 190 هـ/805.
يقول الشيخ المفيد محمد بن النعمان المتوفى سنة 413: إن هشاماً بن الحكم خالف الشيعة كافة في أسماء الله وفي معاني الصفات. أمّا فضل الله الزنجاني الشيعي المعلق على كتاب أوائل المقالات فإنه يرى أنه رجع عن القول بالتجسيم، وأن ما يقوله عنه خصومه من المعتزلة كالنظام والجاحظ غير صحيح فيما يتعلق بالصفات؛ لأنه لم تبلغنا أقواله إلاَّ عن طريق هؤلاء الخصوم المتحاملين، وإذا كان هشام يقول بأن الله جسم ونور فإنه يكون متأثراً بالغنوصية؛ لأن النور والظلام عندها مادة فالمانوية Manicheisme ترى أن كل موجود مادي بالضرورة. وكان القديس أوغسطين حينما تأثر بالمانوية يتصور الله جسماً نيراً لطيفاً. (2/269)
صفحة 449
أيديهم)، ووجه الله، وأنَّه خلق آدم على صورته؟ قيل له: هذا مشرك بالله، قاصداً بعبارته إلى صورة، ليس لهذا على حال تأويل يحجزه عن الشرك.
فإن قال: أرأيت من زعم منهم أنَّه جسم لا كالأجسام، ونور لا كالأنوار وتلا (الله نور السماوات والأرض) (1) قيل له: هذا من الأول ليس له تأويل، ولا يغني عنه قوله لا كالأجسام والأنوار شيئاً ما أثبته جسماً ونوراً، بل هو مشرك وصف الله بصفة خلقه، عزّ وجلّ عن ذلك، راد للمنصوص، قال الله عزّ وجلّ: (ليس كمثله شيء) (2) ، وقال: (فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) (3) .
باب في وسم الكبائر بسمة الوعيد:
إن سأل سائل عن تارك الصلاة ومانع الزكاة وغيرهما، وأراد معرفة وجوب وعيدهما، والقول بتكفيرهم، الجواب وبالله التوفيق أنَّ الله عزّ وجلّ قال في كتابه: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) (4) والويل عذاب، وقال: (أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً) (5) ، ومن السنة قوله
__________
(1) سورة النور آية رقم 35.
(2) سورة الشورى آية رقم 11.
(3) سورة البقرة آية رقم 22، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، حيث جاءت (ولا) بالواو بدلاً من (فلا).
(4) سورة الماعون آية رقم 5.
(5) سورة مريم آية رقم 59. (2/270)
صفحة 450
_صلى الله عليه وسلم_: "ليس بين العبد والكفر إلاَّ تركه الصلاة" (1) وهو معنى قوله _صلى الله عليه وسلم_: إنَّها صلة بين العبد وربه (2) ، ومن الأثر قول عمر رضي الله عنه: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وقد اتفقوا على إسقاط شهادة تارك الصلاة وإزالة عدالته، فاجمعوا على أنَّ تركها كبيرة من الكبائر. وقال في حابس الزكاة: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) (3) ، واتفق العلماء على أنَّ لا وجه لوعيد الله في كنز الذهب والفضة إلاَّ أن لا يؤدي منهما الزكاة وأمثالها، وقال عزّ وجلّ: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (4) فدل أنَّهم إن أمسكوا عن النفقة في سبيل الله فقد ألقوا بها إلى التهلكة، وقال: (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) (5) ، فتوعدهم بعذاب الاستئصال عن تركهم النفقة في سبيل الله، وقال: (ويمنعون
__________
(1) سبق تخريج هذا الحديث قريباً في هذا الجزء.
(2) لم نعثر على هذا الأثر على كثرة البحث والتقصي.
(3) سورة التوبة آية رقم 34.
(4) سورة البقرة آية رقم 195.
(5) سورة محمد آية رقم 38. (2/271)
صفحة 451
الماعون) (1) وهو الزكاة أدخلها في الويل مع الصلاة، كما أدخلها في الأمر فقال: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (2) ، ومن السنة قوله عليه السلام: "ألا لا صلاة لمانع الزكاة"، ثمّ قال: والمعتدي فيها كمانعها، وقالت العلماء: إنَّ المعتدي فيها هو الواضع لها في غير أهلها والمانع لها عن أهلها، وقال أبو بكر _رضي الله عنه_: والله لو منعوا مني عقالاً مما كانوا يؤدونه لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لقاتلتهم عليه حتى ألحق بالله أو يعطوا ما منعوا، ولا تحل الدماء إلاَّ على كبيرة. وهذا الذي أجبنا به في الزكاة هو ما عليه عامة الإباضية والزيدية والنظام وأبو الهذيل (3) وعامة
__________
(1) سورة الماعون آية رقم 7.
(2) سورة البقرة آية رقم 43.
(3) هو أبو الهذيل محمد بن الهذيل العبدي، نسبة إلى عبد القيس، وكان يلقب بالعلاف؛ لأنَّ داره بالبصرة كانت في العلافين، وهو من أهل البصرة ورد بغداد.
سئل عن مولده فقال: ولدت سنة خمس وثلاثين ومائة. وقال أبو القاسم ولد أبو الهذيل سنة أربع وثلاثين ومائة، أخذ العلم عن عثمان الطويل، ولم يلق واصلاً ولا عمراً، ونظر في شيء من كتب الفلاسفة وطالع كثيراً منها، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة.
من كتبه "ميلاس" على اسم مجوس، أسلم على يده، وللأستاذ مصطفى الغرابي: "أبو الهذيل العلاف". راجع الفهرست لابن النديم ص 56، وطبقات المعتزلة ص 44، وتاريخ بغداد 3: 366، ومروج الذهب 2: 298، ومجلة المجمع 21: 107، ودائرة المعارف الإسلامية 1: 416. (2/272)
صفحة 452
المعتزلة من كل موافق في إثبات الوعيد، ما خلا عيسى بن عمير فإنَّه قد توقف في حابس الزكاة، ولو أنَّه مات ولم يؤدها ولو يوص بها، واشترط فيه لضعف اعتراه هو وشيعته، فامتنعوا له عن الجواب فيما قد تبين الجواب فيه وبالله التوفيق.
فإن قال: فما حال التارك للصيام في شهر رمضان وهو في أهله مقيم صحيح؟ قيل له: هذا مما اجتمعت الأمة على تعظيمه، وليس بينهم في أنَّه كبيرة من الكبائر اختلاف، وقال عليه السلام: إنَّ الصوم جنة، والجنة تستر من العذاب، وفي حديث آخر: أنَّ رجلاً أتاه وقد واقع أهله نهاراً في شهر رمضان فقال يا رسول الله: هلكت وأهلكت. ولم يبلغنا أنَّه _صلى الله عليه وسلم_ نقم عليه من قوله هلكت وأهلكت. وقد أتى عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ برجل يأكل في شهر رمضان فقال له عمر _رضي الله عنه_: للمنخرين صبياننا صيام وأنت تأكل، وقول عمر للمنخرين دلالة على الوعيد، وهو بمعنى قولهم فسحقاً وتعساً وأمثالها. واتفقت العلماء على بطلان شهادة التارك للصيام وبطلان (2/273)
صفحة 453
عدالته، فلهذا وأمثاله أجمعوا على أنَّ التارك لفرض الله من الصيام في شهر رمضان، المزدرد للطعام والشراب هالك غير سالم.
فإن قال قائل: فالتارك للحج وهو مستطيع واجد للسبيل إليه؟ قيل له: إنَّ من كان على هذه الصفة التي ذكرت فمات ولم يحج، ولم يجعل على نفسه أن يحج عنه فهو هالك غير ناج، قال الله عزّ وجلّ: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) (1) ، وقال عليه السلام: "لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثمَّ تركتموها إذن لكفرتم (2) ". ثمَّ قال ابن عباس: لو تركوها ما نوظروا.
فإن قال قائل: لأية علة وسعت في فريضة الحج، وجعلتها فيما دون الموت، ولم تقل بمثل ذلك في الصلاة والزكاة والصيام؟ قيل له: لما كانت الحجة واحدة في العمر كان واجباً أن لا يقضى على تاركها بالمعصية ما دام العمر غير
__________
(1) سورة آل عمران آية رقم 97.
(2) الحديث رواه ابن ماجه في كتاب مناسك الحج 2884، عن أبي البختري عن علي قال: "لما نزلت: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) قالوا: يا رسول الله الحج في كل عام ...؟ فسكت ثمّ قالوا: أفي كل عام...؟ فقال: "لا، ولو قلت: نعم لوجبت". وفي رواية: "ولو وجبت لم تقوموا بها ولو لم تقوموا بها عذبتم".
ورواه الترمذي في كتاب التفسير 5: 15، والنسائي في المناسك 1، والدارمي في المناسك 4، وأحمد بن حنبل في المسند 1: 255، 291، 371، 372 (حلبي). (2/274)
صفحة 454
نافد، فليست فريضة الصوم كذلك وإنما هو شهر معلوم، فمن ترك الصيام فيه كان في حينه تاركاً للفرض، مستحقاً لاسم المعصية، والصلاة بأوقاتها، فإذا دخل وقت الصلاة منها فهو خروج وقت ما تقدمها من الصلاة، ولا تدخل فريضة على أخرى على قدر اختلافهم في الأوقات، والزكاة مثل ذلك.
فإن قال: فما حال التارك للجهاد في سبيل الله وقد دعي إليه؟ قيل له: إذا كان الداعي إلى الجهاد في سبيل الله في أئمة العدل الذين يحللون حلال الله ويحرمون حرمه كان واجباً عليهم أن يجيبوه فيما دعاهم إليه من ذلك، قال الله عزّ وجلّ: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) (1) ، فدل عزّ وجلّ أنَّ جهاد المؤمنين أعداءهم حياة لهم في دينهم ودنياهم، وهو من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن ترك شيئاً من ذلك وهو قادر عليه كان مميتاً لدين الله، مذللاً له مع القدرة على إعزازه، قال الله عزّ وجلّ: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) (2) إلى قوله: (إلاَّ تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً) فتوعدهم على ترك الجهاد بالعذاب الأليم، ثمّ قال: (ويستبدل قوماً غيركم) (3) بأن يستأصلهم ويبدل مكانهم قوماً آخرين
__________
(1) سورة الأنفال آية رقم 24.
(2) سورة التوبة آية رقم 38.
(3) سورة التوبة آية رقم 39، وتكملة الآية: (ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير). (2/275)
صفحة 455
هم خير منهم لدين الله، والقيام بأمره، وهذا كله من الله وعيد.
فإن قال: فما حال قاتل النفس التي حرم الله بغير الحق، أو أكل أموال الناس بغير حلها؟ قيل له: أما قاتل النفس التي حرم الله فقد أجمع كل من أثبت الوعيد على أنَّ فعله كبيرة متوعد عليه، لقول الله عزّ وجلّ: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً) (1) الآية، وقال: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلاَّ بالحق) (2) ، كما أجمعوا على وعيد من أكل أموال الناس بغير حلها، لقوله عزّ وجلّ: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاَّ أن تكون تجارة عن تراض منكم) (3) إلى قوله: (إن الله كان بكم رحيماً)، وقال: (ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً) (4) إلى آخر الآية، فقرنهما جميعاً في الوعيد، وكذلك أكل أموال اليتيم، فقد أجمعوا على وعيده، قال الله عزّ وجلّ: (الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً) (5) الآية، غير أنَّ أبا الهذيل (6) وبعض المعتزلة قالوا: كل ما بلغ من ذلك في جميع ما يجنيه أو يغصبه من مال أو جراحة أو هدم، أو
__________
(1) سورة النساء آية رقم 93.
(2) سورة الفرقان آية رقم 68.
(3) سورة النساء آية رقم 29، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، حيث قال "ولا" بزيادة (الواو) بدلاً من (لا).
(4) سورة النساء آية رقم 30.
(5) سورة النساء آية رقم 10.
(6) سبقت الترجمة له قريباً من هذا. (2/276)
صفحة 456
غير ذلك من أرش ثوب وما يشبه خمسة دراهم، فهي كبيرة مقيسة على حابس الزكاة، وعلى ما يجب فيه القطع، وليس الذي قاسوا في هذه المسألة واعتبروه قياساً؛ وذلك أنَّ الله توعد في أموال الناس وفي أموال اليتيم، وترك أن يحد في شيء من ذلك دون شيء، فالحجة أنَّ الوعيد ثابت في قليلها وكثيرها، ولا يكون الوعيد متعلقاً في شيء من المال بخمسة دراهم، وإنما ذكر الخمسة الدراهم عند العلماء، وربع دينار وأربعة دراهم على قدر الاختلاف في قطع السارق من الحرز، وقد يكون أن يأخذ السارق من غير الحرز أكثر مما اتفقوا على وجوب القطع فيه إذا هو أخذه من الحرز، ثمَّ لا يقطع عندهم جميعاً، مع اتفاقهم على إثبات الوعيد في ذلك.
فإن قال: فبائع الحر؟ قيل: ليس يكون شيء من ظلم الناس في أنفسهم وأموالهم غير كبيرة، قال الله عزّ وجلّ: (الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم) (1) الآية، وقد فرق عيسى
__________
(1) سورة الشورى آية رقم 42. (2/277)
صفحة 457
ابن عمير بين بائع الحر وبائع الحرة، وزعم أنَّ بائع الحرة كافر لما أباح من وطئها، وكان ذلك عنده بمنزلة من وطئها بغير حل، وتوقف في بائع الحر، ولم يعتبر عيسى بن عمير أنَّ بائع الحر قد أباح تمليك رقبته وخدمته، واستهانته في غير حق، والحر والحرة في كل ذلك سيان، ولا فرق بينهما. وأجمعوا على شهادة الزور أنَّها كبيرة (1) ؛ لأنَّ الله ذكرها ولم يستثن في شيء منها أنَّه صغيرة، وكذلك الحكم بغير ما أنزل الله كبيرة، من قبل أنَّ الله عظمه وسماه ظلماً وكفراً وفسقاً، ولم يستثن في بعض ذلك أنَّه صغيرة، وأكل الربا قد توعده الله على أكله الربا، وسماه محارباً له ولرسوله (2) ، والزاني القاذف كذلك قد دللنا على تفسيقهما، وإثبات وعيدهما في باب إثبات الوعيد والرد على المرجئة.
فإن قال قائل: ما تقولون في شارب الخمر وآكل الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير؟ قيل له: قد اجتمعت الأمة على وجوب الحد في الخمر، وأجمعوا على إبطال عدالة السكران وتجريح شهادته، وإن الله لا يغفر لمدمنها في غير حديث عنه _صلَّى الله عليه وسلَّم_ (3) . ففي إجماعهم على ما وصفنا دلالة على أنَّه كبيرة، والعقوبة فيه واجبة. والميتة والدم ولحم الخنزير فقد حرمها عزّ وجلّ، وسمى ذلك كله رجساً، كما قال في الأوثان: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) (4) ، ثم قال في إباحة ذلك عند الضرورة: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) (5)
__________
(1) قال تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور) آية 20 سورة الحج. وقال تعالى: (والذين لا يشهدون الزور) الفرقان آية 72.
(2) قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) سورة البقرة آية رقم 278، 279.
(3) قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: (مدمن الخمر كعابد وثن). رواه ابن ماجه في كتاب الأشربة.
(4) سورة الحج آية رقم 30، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، حيث قال: اجتنبوا بدون (الفاء).
(5) سورة البقرة آية رقم 173. (2/278)
صفحة 458
فدل على أنَّ من أكل من هذه الوجوه غير مضطر إلى أكلها فإنَّه باغ وعاد؛ والباغي والعادي عندهم من أسماء الضلال، كما قال في قوم لوط لما شدد عليهم في الشتم، وغلظ لهم في الإثم: (بل أنتم قوم عادون) (1) ، وليس من أحد يشك في ضلالة قوم لوط، وقد قال بعض العلماء في توكيد التحريم، لقوله تعالى: (حرمت عليكم) (2) أنَّه كبيرة، كأنهم أرادوا _والله أعلم_ أنَّ كل معصية جاءت فيها صفة زائدة على النهي في كتاب الله، وفي سنة رسوله، وفي آثارهم أنَّ ذلك دلالة على وجوب العقاب وكونها كبيرة، والله أعلم وأحكم بالصواب.
وإنما قصدنا في كل كتابنا إلى أصول الديانة من أمهات المسائل، وإلى عيون الأدلة، ومعاظم الحجج، فيما احتججنا به على أهل الخلاف، وفيما سألونا عنه، واجتزينا عن تصنيف مقالاتهم بذكر أصولها، وعن كثير ذلك بمختصره، وتنكبت عن القول فيما هو دونه من السكون والحركات، والجواهر والعرضيات، والمختلفات بالصفات، والمتضادات للأعيان، والمتجزئات والمتولدات، ونمو الناميات والمعارف والجهالات، والمعلومات والمجهولات،
__________
(1) سورة الشعراء آية رقم 166.
(2) سورة المائدة آية رقم 3، وبعدها (الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلاَّ ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق). (2/279)
صفحة 459
والمخلوقات الباقيات والفانيات في مثل هذا النوع، على أن إلى كل ذلك حاجة ماسة وفاقة وافقة، لكون هذا العلم بعضه شاداً لبعض، وليس هو أيضاً من بين سائر العلوم كذلك، وربما ولعلّ وعسى.
وأما القول في الاستطاعة فقد ينبغي أن يفرد له، ولما ينحو الاستطاعة من مسائل: العون والأمر والإرادة كتاب على حال إن شاء الله.
[خاتمة]
دعاني إلى ما ترون _حفظكم الله_ على عجز التقصير، ووهن العلم، مع انقسام الهمة، واشتراك الفطنة بما قد تعلمون من تواتر الزلازل، وترادف البلابل، رأفة بكم، وتحنناً لكم، وشفقة عليكم، لكي يتألف لكم مفترق هذا في كثير من المواضع، ويلتئم مشتته في سائر الدفاتر، فإلى الله أدعوا وإليه أرغب أن يعفو بخير شراً، ويمحو بحسن سيئاً، ويتجاوز بكثير معتمد الصواب عن يسير زلل الخطأ، وأن يجعل هذا وسيلة لديه، وذخيرة عنده، وأن يصلي على محمد خاتم الأنبياء وسيد الأصفياء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (1)
__________
(1) تمَّ تبييض كتاب الموجز، تأليف المرحوم أبي عمار عبد الكافي _رضي الله عنه_، بيد الفقير لرحمة مولاه صدقي محمد بن أيوب الميزابي الجزائري 2 ربيع الأول 10 نوفمبر.
1373 هـ 1953 م.
وختمت بهذه الخاتمة: قد كمل هذا الكتاب المبارك بالتمام والكمال والحمد لله على كل حال، وصلَّى الله على محمد خاتم الإرسال سيد الرجال من كاتبه المسعود بن إبراهيم السعر. اللّهم أغفر لنا ولكافة المسلمين أجمعين يا أرحم الراحمين يا رب العالمين، وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.
يوم 23 جمادى الثانية سنة 1331 هـ القمر، يوم 31 ماي سنة 1913 مسيحي. (2/280)
صفحة 460
<ص281> ملحق كتب الإباضية [«رسالة فيها تقييد كتب أصحابنا» لأبي القاسم البرادي، الذي عاش في القرن التاسع الهجري، وهو ليست من كتاب الموجز ضمها المحقق للكتاب كما هي في نسخه، تبدأ من ص282 وتنتهي في ص294. لم ترقن]. (2/281)