صفحة 1
الكتاب: الميزان القسط المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات رؤية الله سبحانه وتعالى للحجري الميزان القسط
المنهج والتطبيق في دراسة ونقد
روايات رؤية الله سبحانه وتعالى
علي بن محمد بن عامر الحجري
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الرابط الذي يربط بين أفراد الأمة الإسلامية ويوحد مبادئهم وأفكارهم واتجاهاتهم ليس هو من صنع البشر، ولم يكن في يوم من الأيام أداة أفرزتها اتجاهات أفكار أصحابها حسب إملاءات مواطن الرضا ومواقع السخط.
والرابط الذي يشد كيان جماعات المسلمين بعضها إلى بعض قوي لا تجري عليه عوامل الأزمان فتضعفه، ولا عوامل الأمكنة فتفتته، لأنه يستمد وجوده ويستلهم قوته من الله تعالى الذي ارتضى للبشرية الإسلام ديناً إلى يوم القيامة.
والرابط الذي يصل أجيال المسلمين المتلاحقة بعضها ببعض واضح بقواعده وبين بمبادئه، قد عرفته الأجيال الماضية ولم تجهله الأجيال اللاحقة. يراه المسلم حبلاً ممدوداً أوله أول يوم أشرقت فيه الأرض بنور الإسلام، وآخره اليوم الذي يرث فيه الله الأرض ومن عليها.
والرابط الذي يصل الفرد المسلم بأفراد دينه، ويصل جماعات المسلمين بعضها ببعض حاضر في كيان كل مسلم، يخاطب الأولين والآخرين بلغة يدرك معناها كل سامع، وتتجاوب لتعاليمه وتتسابق لتنفيذ أوامره أفئدة التابعين من غير تلكؤ ولا تسويف.
والرابط الذي ارتضاه الله تعالى للبشر يحفظ العاضين عليه بنواجذ الجد والإخلاص من الخطأ، ويقودهم في مسالك الصواب بعيداً عن التناقض والاضطراب.
فالمنهج الذي يدعو إليه ديننا العظيم كفيل بربط كل أفئدة المسلمين بعضها ببعض إذا أُسلس له القياد، وترجمت الأفهام والأقلام والأجساد أوامره في واقع مناشطها ولحظات حياتها.
فالرابط هو دعوة وتطبيق: (1/1)
صفحة 2
دعوة إلى أوامر الله تعالى المنزلة في القرآن وأوامر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم الثابتة التي سجلتها كتب الحديث والسير والتي بينت خطوط معالمها وحددت مسالكها أقلام علماء الإسلام من غير التفات إلى رغائب البشر المتقلبة واتجاهاتهم المتناقضة.
وتطبيق للأوامر المنزلة واتباع للأحكام العادلة ووزن للأقوال الواردة بالميزان القسط.
إن الدعوة والتطبيق هما الجسد والروح للرابط الذي لا وجود له في حياة أجيال المسلمين بدونهما. والمسلمون أفراداً وجماعات وعلى مدى الأزمان والقرون المتطاولة حلقات يتصل آخرها بأولها، ينقل السابق إلى اللاحق الدعوة الصافية ويطبق الجميع المنهج العادل في مجالات الحياة الواسعة.
فكما أن إقامة الصلاة بخشوعها وبجميع أركانها تهب بأمر الله تعالى المصلين الحصانة من الفحشاء والمنكر، فكذلك الرابط يحمي أفراد المسلمين وجماعاتهم من الضياع والشتات ويجذبهم إليه بقوة دليله إذا تفاعل الفعل مع القول وترجمت الجوارح حركات اللسان.
وعندما ينظر المسلم في حال أمته ويقرأ عن واقع أجيالها الماضية ويسجل القضايا التي تنازعت فيها أفكارهم يجد نفسه أمام عدة أسئلة لمعرفة السبب:
1. لماذا صار الخلاف بين أفراد الأمة الذين عليهم ربط أفهامهم وأفكارهم بمنهج لا يظلم أحداً؟
2. هل الخلاف أمر حتمي فُرِض على العقول فكانت النتيجة ما نرى؟
3. هل تباين الآراء وتناقض الأفكار المسطرة في الكتب سببها هشاشة المنهج وضعف كيانه، بحيث صار كل عقل يأخذ منه ما يبرر وجهته وأقواله؟
4. هل المنهج المحتكم إلى عدالته وقوة سلطانه لم يُرجع إليه في تقييم الأقوال وتمييز الحق من الباطل؟
ثلاثة عناصر لا بد من النظر فيها عند تتبع أسباب الخلاف بين المسلمين في أي قضية من القضايا:
أولاً: القضية المختلف في حكمها (1/2)
صفحة 3
هناك مسائل جعل الله تعالى أحكامها واستنباطاتها موكولة إلى عقول العلماء من هذه الأمة، فلهذا لم يكن تعدد الآراء حول هذه القضايا بمستغرب. فالمنهج يعطي المجتهدين المعايير السليمة لأجل استخلاص الأحكام واستنباط الحلول حتى تفي بحاجات الأجيال المتجددة مع تجدد الحياة واختلاف ظروفها.
وهناك مسائل لا يصح فيها تعدد الأفكار وتباين الآراء؛ لأنها من القضايا التي بينت أحكامها آيات الله المحكمة وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم المقطوع بثبوتها.
ومسألة رؤية العباد لله سبحانه وتعالى هي من القضايا التي لا تقبل تعدد الآراء حولها؛ فهي إما أن تكون ثابتة وإما أن تكون منفية عنه سبحانه وتعالى.
وبهذا يجد الباحث أن الخلاف حول قضية رؤية الله سبحانه وتعالى غير مقبول، ولا يقال فيها لكل مجتهد نصيب.
فالخلاف حول إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى أو نفيها لم يأت من قبل المسألة نفسها، لأنها لا تجيز تعدد الأفكار حولها، بل هي رأي واحد ثابت بالأدلة المقطوع بثبوتها.
ثانياً: المنهج المتبع في دراسة القضية
والعنصر الثاني الذي قد يذهب بالدارسين إلى نتائج خاطئة هو المنهج المتبع في استخلاص الأحكام.
فإذا صلح المنهج وأُحسن تطبيقه جاءت النتيجة سليمة موافقة لشرع الله، ولكن إذا ضعف المنهج أمام اتجاهات العقول فلا محالة ستضعف النتائج وتتشتت الأفكار.
ومنهج البحث في القضايا العقدية عند المسلمين منهج محكم يقود العقول إلى الصواب ولا يلتوي ليوافق أفكار الناس واتجاهاتهم. وبهذا نعرف أن المنهج الإسلامي العادل لا يمكن أن يأتي الخلاف في القضايا العقدية من قِبَله أبداً، لأنه لا يقبل إلا المقطوع بصحته وثبوته من الأقوال المنسوبة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وقد تكفلت كتب الأصول وعلوم الحديث بإظهار المنهج وبيان أسسه وقواعده، واعترف المسلمون بقوة سلطانه وهيمنة أحكامه على الأقوال من غير تمييز ولا محاباة لأحد. (1/3)
صفحة 4
فالمنهج في ذاته سليم لا اعوجاج فيه بل يجذب العقول إليه ويرشدها بأمر الله تعالى إلى الصواب في القول والاعتقاد والعمل.
ثالثاً: الدارسون للقضية
والدارسون لأي قضية من قضايا العقيدة ليس لهم سوى معرفة المنهج العادل مع تحكيمه عند استنباطهم للقول الصحيح وإظهارهم للحق.
وفي عقول الدارسين يجب أن يتلاحم المنهج العادل مع الإخلاص في التطبيق، لكي تأتي النتائج موافقة للحق والصواب.
فعدم التطبيق للميزان القسط هو العنصر الثالث الذي يؤدي إلى الخلاف وتعدد الأفكار في القضايا التي لا يجوز الخلاف فيها.
فقضية رؤية الله سبحانه وتعالى نفسها لا تجيز تعدد الأفكار حولها، والمنهج الذي يعترف بسلطانه المثبتون للرؤية والنافون لها يقر رأياً واحداً فقط، ولكن عدم التطبيق للمنهج العادل هو السبب الذي حدا بأحد الفريقين إلى القول بالرأي المخالف للحق والصواب.
إن هذا البحث يطلب من أفراد الأمة الإسلامية وخاصة أصحاب الفكر منهم القيام بواجبهم في إبراز معالم منهج الأمة الغراء، ويطلب منهم تطبيق أحكام وأسس ومبادئ دينهم في جميع مناشط الحياة. فالتطبيق للمنهج من قبل أفراد الأمة كفيل بلم شتاتهم ورص صفوفهم تحت ظلال القرآن والسنة وخلف خطى السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
ويدعو هذا البحث – وإن كونت مسألة نفي رؤية العباد لله تعالى في الدنيا والآخرة محوره – إلى تطبيق منهج الأمة بكل أمانة وإخلاص عند دراسة جميع القضايا التي اختلفت حولها أفهام المسلمين عبر القرون الماضية.
ويهمس في آذان أفراد الأمة الإسلامية ويقول لكل سامع منهم إن وصف أقوال العلماء بالخطأ -إذا حكم عليها المنهج العادل بذلك- خير وأفضل للأمة الإسلامية وأبقى لوحدتها من اتباع الأقوال الخاطئة والتحزب للأفكار الضعيفة. (1/4)
صفحة 5
وفي هذا البحث سيجد القارئ الكريم التجرد المطلق من قيود المذهبية وقلائد التقليد الأعمى، وسيجد كذلك الالتزام – حسب الطاقة – بالمنهج الصائب الذي بينت معالمه أقلام علماء الأمة. فالمذهب الذي يجب على الجميع اتباعه والدعوة إليه هو ما أقرته مبادئ الإسلام وسطرته أنامل علماء الأمة في أسفار العلم التي تفتخر بها أمة الإسلام على جميع الأمم.
وجاء طرح مادة هذا البحث في قسمين متكاملين:
? فالقسم الأول منهما يعرض دعوة المسلمين بعضهم لبعض إلى دراسة وتطبيق المنهج الإسلامي في ميادين الحياة. ويشير إلى أن الخلاف المشاهد بين طوائف الأمة الإسلامية حول نفي رؤية العباد لله تعالى أو ثبوتها منشؤه عدم تقيد المثبتين للرؤية بما دعوا إليه من منهج صائب.
? وأما القسم الثاني فيزن الروايات التي اعتمد عليها المثبتون للرؤية والنافون لها عند تفسيرهم لآيات الله البينات، ويظهر القول الصحيح المعتمد على الأدلة المقطوع بثبوتها.
وليس أمام أجيال الأمة الإسلامية وهي ترنو إلى وحدة صفوفها إلا التعرف على قيم دينها والسعي بكل إخلاص إلى تطبيق مبادئها في حياتها، وعندما يقود العلم الأجيال فستتحقق آمال المصلحين وستلتحم النفوس بحبل الله المتين.
وختاماً أدعو الله تعالى في الليل وفي النهار وفي السر وفي العلن أن يوفق الأمة الإسلامية إلى تطبيق مبادئها والاحتكام إلى مصادر شريعتها، وأن يأخذ بأيدي علمائها إلى غرس الحق والصواب في نفوس أبناء الإسلام. والله يهدي إلى سواء السبيل.
وصلى الله وسلم على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
علي بن محمد بن عامر الحجري
ولاية بدية
سلطنة عمان
شهر شعبان عام 1424هـ- الموافق لشهر أكتوبر عام 2003م.
القسم الأول
المنهج بين الدعوة والتطبيق
حدد علماء الأمة الإسلامية أنواع الحديث الضعيف وبينوا مدى صلاحيته في ترسيخ العقيدة، ومسائل الفقه، والوعظ والإرشاد. (1/5)
صفحة 6
والذي اتفق عليه علماء الأمة الإسلامية قاطبة أن الحديث الضعيف مهما تكرر على ألسنة الناس ومهما تناقله الكُتاب لا يجوز الاحتجاج به في مجال العقيدة.
فالحديث المرسل، والمنقطع، والمدلس، والمضطرب، وكذلك المروي من طرق المختلطين من الرواة، هو حديث ضعيف لا وزن له في معايير الإسلام.
والناظر في أحاديث المثبتين للرؤية الكثيرة المبثوثة في كتب الحديث والتفسير والعقيدة يجدها أمثلة تضرب للتعريف بالحديث الضعيف وأنواعه. وهذا البحث سيتناول بإذن الله تعالى إظهار ضعف روايات المثبتين للرؤية، ويبين عدم تطبيق معتقدي رؤية الله سبحانه وتعالى للمنهج الذي نادوا بتطبيقه واتباعه في قضية رؤية العباد لله سبحانه وتعالى وغيرها من مسائل العقيدة الإسلامية.
فالمنهج الذي من حقه أن يطبق قد بينته مؤلفات علوم الحديث وذكرته بعض كتب التفسير وشروح الأحاديث، وأشارت إليه كتب العقيدة، ولكن لم يستوف حقه من التطبيق من قِبَل معتقدي رؤية الله سبحانه وتعالى. وليس بصعب على أي أحد إدراك هذا التناقض البين بين المنهج والتطبيق عند من يقول برؤية الله سبحانه وتعالى.
فالدعوة إلى تطبيق منهج علوم الحديث المتمثل في اتباع ما صح من الروايات وما ثبت من الأدلة قد ذكره العلماء القائلون برؤية الله سبحانه وتعالى في مصنفاتهم ولكنهم – يا للحسرة ويا للأسف – لم يطبقوا ما دعوا إليه. وقبل أن ننتقل إلى عرض روايات رؤية الله سبحانه وتعالى على ميزان الجرح والتعديل ننقل في هذا القسم – وباختصار – أقوالهم الداعية إلى تطبيق المنهج الإسلامي عند دراسة أي قضية من قضايا العقيدة.
كتب التفسير
1- رأي الإمام الطبري في الميزان
الإمام ابن جرير الطبري على سعة علمه وجلالة قدره لم يقف وقفة علمية لتفحص ما أورده هو وغيره من روايات بل أجاب عن أدلته بقوله: (1/6)
صفحة 7
" ... لأن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوهاً في القيامة إليه ناظرة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة كما يُرى القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب"_ تفسير الطبري، ج7/ص300
وقال الإمام الطبري أيضاً: " فإذا كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر، وحققت أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا عنه من قيله صلى الله عليه وسلم: أن تأويل قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) أنه نظر أبصار العيون لله جل جلاله ... ". (المصدر السابق، ج7/ص300) _.
وبقوله: "والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "_ المصدر السابق، ج7/ص303 _.
فحينما يسمع الباحث بكل أمانة إلى تضعيف علماء الجرح والتعديل - كأمثال الإمام أحمد وابن معين والقطان وغيرهم – لرجال روايات رؤية الله سبحانه وتعالى التي أوردها الإمام ابن جرير الطبري وغيره، وحينما يعرف الإنسان الحق بمقاييسه وأدلته التي وضع الإسلام معالمها، فإنه لا محالة سيتجرد من هيبة الرجال ويزن الأقوال بالميزان العادل الذي لا يحيد لسانه لأجل اتجاهات الناس وأفكارهم.
فجميع روايات الطبري التي فسرت قوله تعالى:(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بالرؤية البصرية ضعيفة_ ومما قاله الإمام الطبري: " وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرمة، من أن معنى ذلك تنظر إلى خالقها، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثني علي بن الحسين بن أبجر، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل بن يونس، عن ثوير، عن ابن عمر... ". (المصدر السابق، ج29/ص193) (1/7)
صفحة 8
هذه الروايات التي اعتمد عليها الإمام الطبري هنا ضعيفة والصواب في ما خالفها. فرواية الحسن ضعيفة بسبب عنعنة مبارك بن فضالة، ورواية عكرمة ليس فيها دليل على الرؤية وهي مع هذا ضعيفة بسبب حسين بن واقد. وأما رواية ابن عمر فهي ضعيفة بسبب ثوير بن أبي فاختة الذي يعد أحد أركان الكذب. (انظر ص 5 وما بعدها من هذا البحث) _، والذي ثبت عن سلف هذه الأمة هو عكس ما صرح به ابن جرير الطبري هنا. والرواية التي فيها " أنهم سيرون ربهم يوم القيامة " والتي أشار إليها ابن جرير هنا قد تصارعت في فهمها أفهام القائلين برؤية الله سبحانه وتعالى ولم تدل على رؤية العباد لله سبحانه وتعالى في الجنة، كما سيتبين في هذا البحث_ انظر ص 5 وما بعدها من هذا البحث._ إن شاء الله تعالى.
2 – المنهج والتطبيق عند الإمام ابن كثير (1/8)
صفحة 9
بين الإمام ابن كثير فضل هذه الأمة وجهودها في بيان الصحيح من الروايات، حين قال:" ... وقد روي في هذا_ يشير الإمام ابن كثير هنا إلى الآثار التي تحدثت عن جنس إبليس، ومما قاله: " ... وعن سعيد بن جبير أنه قال: كان من الجنانين الذين يعملون في الجنة ".(تفسير ابن كثير، ج4/ص397) _ آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها ... وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دونوا الحديث، وحرروه وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر صلى الله عليه وسلم أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه "_ المرجع السابق، ج4/ص397-398 _.
إن كلام ابن كثير هنا هو الواقع المسطر في كتب الرجال وعلوم الحديث، ولكن ابن كثير نفسه لم يطبق هذه الشهادة على روايات رؤية الله سبحانه وتعالى التي جاءت من قبل الوضاعين والكذابين والمجهولين والضعفاء والمتروكين – كما سيظهر إن شاء الله تعالى -، بل وصف تلك الروايات الضعيفة بقوله:
" أما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجريج_ هكذا في نسخة دار الأندلس، ونسخة دار الفكر ( ج2/ص161) ، ونسخة مكتبة زهران (ج2/ص162). ولعله تصحيف من جرير، وهو ابن عبد الله البجلي._، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة ... "_ تفسير ابن كثير، ج3/ص73-74 _. (1/9)
صفحة 10
وبقوله: "وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث لا يمكن دفعها ولا منعها "_ المرجع السابق، ج7/ص170-171 _.
وبقوله في موضع آخر: " ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم– بما دل عليه سياق الآية الكريمة وهي قوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة ٌ)"_ المرجع السابق، ج7/ص172 _.
وبقوله: " ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن "_ المرجع السابق، ج7/ص171 _.
وبقوله:" وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة لما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهداة الأنام "_ المرجع السابق، ج7/ص171 _.
ولو طبق ابن كثير المنهج الذي ذكره لما قال هذه الأقوال في حق روايات لم تثبت أبداً.
ويستمر ابن كثير في إظهار منهج الأمة في نقد الروايات وإن وردت في كتب الصحاح وعند كبار العلماء، حيث قال:
" وجاء في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس في حديث الإسراء: ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى، ولهذا تكلم كثير من الناس في متن هذه الرواية وذكروا أشياء فيها من الغرابة "_ المرجع السابق، ج6/ص446 _.
وقال أيضاً: " قلت: الظاهر أن الإمام مالكاً إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمداً لما جهل حال نعيم، ولم يعرفه فإنه غير معروف إلا من هذا الحديث، ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم ولهذا يرسل كثيراً من المرفوعات ويقطع كثيراً من الموصولات "_ المرجع السابق، ج3/ص247 _.
وقال أيضاً: " فقد رواه_ الرواية التي علق عليها الإمام ابن كثير هنا هي: (1/10)
صفحة 11
" خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل "._ مسلم والنسائي في كتابيهما من حديث ابن جريج به، وهو من غرائب الصحيح، وقد علله البخاري في التاريخ فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن كعب الأحبار "_ المرجع السابق، ج6/ص 165-166 _.
وقال:" وقد روى ابن جرير في هذا المكان_ ذكر ابن كثير هذا القول عند تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً)._ حديثاً أسنده عن حذيفة مرفوعاً مطولاً، وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب كيف راج عليه مع جلالة قدره وإمامته ..."_ المرجع السابق، ج4/ص282 _.
وقال ابن كثير ناقلاً وناقداً: " وحكى ابن جرير عن بعضهم قال: إن المراد بذلك جيش يخسف بهم بين مكة والمدينة في أيام بني العباس رضي الله عنهم. ثم أورد في ذلك حديثاً موضوعاً بالكلية، ثم لم ينبه على ذلك، وهذا أمر عجيب غريب منه"_ المرجع السابق، ج5/ص563-564 _.
وقال: " وقد روى ابن أبي حاتم ههنا حديثاً غريباً جداً_ يشير ابن كثير إلى رواية جاءت ضمن تفسير قوله تعالى: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)._، وفي صحته نظر، ولكن نحن نذكره كما ذكره "_ المرجع السابق، ج6/ص 106 _.
وقال في موضع آخر: " وهذا قول غريب وفيه تعسف بعيد، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم في كتابه "_ المرجع السابق، ج6/ص148 _. (1/11)
صفحة 12
وقال: " وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أيضاً وليس ذلك في كتاب ولا سنة وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب وأخذ ذلك مسلماً من غير حجة "_ المرجع السابق، ج6/ص24 _.
وقال: " وقد أخرج مسلم والنسائي أيضاً من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية ... بنحو من هذا السياق_ ذكرنا الرواية التي يشير إليها الإمام ابن كثير هنا في الهامش 15 من ص 5 من هذا البحث._، وقد علله البخاري في كتاب التاريخ الكبير فقال: قال بعضهم: أبو هريرة عن كعب الأحبار، وهو أصح، وكذا علله غير واحد من الحفاظ "_ تفسير ابن كثير، ج5/ص 405 _.
وقال: " والعجب كل العجب من الحاكم أبي عبد الله النيسابوري فإنه روى هذا الحديث من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير، فذكره؛ ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. فإني لا أعلم أحداً قال بهذا الإسناد عن الزهري بذكر عبد الله بن الزبير غير ابن أخيه وهو عنه ضعيف "_ المرجع السابق، ج2/ص330-331
الرواية التي يشير إليها الإمام ابن كثير هنا هي الرواية التي فيها: " ... عن الزبير بن العوام، أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في شراج في الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل ... "._.
وقال: " والعجب أن هذا القول_ يشير الإمام ابن كثير إلى قول القائلين إن " الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس". _ اختاره الشيخ أبو عمرو بن عبد البر النمري إمام ما وراء البحر، وإنها لإحدى الكبر، إذ اختاره مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر "_ المرجع السابق، ج1/ص521 _.
من هذه النصوص التي نقلناها من تفسير الإمام ابن كثير_ ومن الأقوال التي قالها الإمام ابن كثير في تفسيره تعليقاً على بعض الروايات: (1/12)
صفحة 13
? " هذا حديث غريب ورجاله ثقات ". (ج7/ص129)
? " فهذا إسناد جيد ولكن لست أفهم معنى هذا الكلام ولعله قد سقط شيء ". (ج7/ص131)
? " ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ههنا آثاراً عن بعض السلف رضي الله عنهم، أحببنا أن نضرب عنها صفحاً لعدم صحتها فلا نوردها ". (ج5/ص466)
? " وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف رضي الله عنهم كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب ". (ج6/ص62) _ ندرك أنه لم يكن ناقلاً فقط من غير نظر في ما ينقله من كتب الذين سبقوه من العلماء، فنحن نرى هنا وقفاته أمام روايات الإمام مسلم، والإمام مالك، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن عبد البر.
وهذا المسلك الذي اتبعه ابن كثير لم يطبقه ولم يشر إليه عند استدلاله بروايات رؤية الله سبحانه وتعالى الضعيفة، ولو طبق ابن كثير المنهج الذي نادى به في كتبه_ انظر كتاب (الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص 38 وما بعدها) الذي بين فيه ابن كثير أصناف الأحاديث الضعيفة. _ على روايات رؤية الله سبحانه وتعالى التي ذكرها هو وغيره وعلى رجال_ ذكر ابن كثير تضعيف بعض من رواة روايات الرؤية في مواضع كثيرة من تفسيره، فعلى سبيل المثال:
1- جاء في تفسيره وفي عدة مواضع بيان حال روايات علي بن زيد بن جدعان، حيث قال: (" علي بن زيد بن جدعان عنده مناكير"، ج2/ص289، ج1/ص531) و (" في أحاديثه نكارة "، ج1/ص593، ج1/ص604) و (" له مناكير وغرائب كثيرة " ج3/ص44)، و (" له منكرات " ج3/ص259، ج4/ص443)، و (" منكر الحديث "، ج6/ص29)، و ("وفيه ضعف في سياقاته غالباً "، ج5/ص148)، و (" يأتي في رواياته بالمنكرات غالباُ "،ج6/ص210).
وقد جاءت رواية في كتب المثبتين للرؤية من طريق ابن جدعان. (انظر حادي الأرواح، ص 368-369 ) (1/13)
صفحة 14
2- ونقل ابن كثير في تفسيره تضعيف علماء الجرح لإبراهيم بن الحكم بن أبان، حيث قال:(" وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان، والله أعلم " ج3/ص480) وقال أيضاً في حق رواية أخرى: (" هذا حديث غريب وإبراهيم ضعيف " ج7/ص67).
وعندما ذكر رواية الرؤية التي جاءت من طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه (ج3/ص75) لم يلتفت ابن كثير لهذا التضعيف. انظر الرواية وقول علماء الجرح في إسنادها في ص 5 من هذا البحث.
3- وأظهر ابن كثير في تفسيره ضعف ابن جريج (ج6/ص439) الذي روى رواية عن ابن عباس، انظر ص 5 من هذا البحث.
4- وبين ضعف داود بن المحبر (ج5/ص41، ج6/ص578) الذي روى رواية عن أنس بن مالك، انظر ص 5 من هذا البحث.
5- وبين ضعف زهير بن محمد (ج6/ص484) الذي روى رواية عن أبي بن كعب، انظر ص 5 من هذا البحث.
6- وبين ضعف يزيد الرقاشي (ج1/ص 159، ج2/ص451، ج3/ص437، ج4/ص54، ج4/ص136،ج6/ص53، ج6/ص524، ج7/ص221، ج7/ص511) الذي جاءت له رواية عند الحارث بن أبي أسامة، انظر ص 5 من هذا البحث.
7- وبين ضعف شريك بن عبد الله بن أبي نمر (ج4/ص240) الذي روى رواية أخرجها ابن خزيمة انظر الهامش 144 في ص 5 من هذا البحث.
8- وبين ضعف مجالد بن سعيد بن عمر (ج1/ص497) الذي شارك غيره من الضعفاء في رواية الروايات الضعيفة، انظر الهامش 168 في ص 5 من هذا البحث.
9- وبين ضعف محمد بن حميد الرازي (ج1/ص74)، الذي روى رواية عن كعب بن عجرة، انظر ص 5 من هذا البحث. _ أسانيدها لما وصف تلك الروايات بالصحة أبداً. (1/14)
صفحة 15
ومن الروايات التي أُعتمد عليها في إثبات معنى الرؤية البصرية ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: " قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) قال لا يحيط بصر أحد بالملك، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: فكلها ترى؟ "
احتج ابن كثير بهذه الرواية وغيرها من الروايات الضعيفة في سياق عرضه لحجج المثبتين للرؤية عند تفسيره لقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، ولكنه لم يلتفت إلى تضعيف علماء الجرح لعطية العوفي الذي ذكره هو بنفسه في تفسيره_ قال ابن كثير في تفسيره عند نقده لحديث جاء من طريق عطية: " ... فإنه حديث ضعيف لا يثبت، فإن سالماً هذا متروك، وشيخه عطية ضعيف، والله أعلم ". ( ج2/ص 295) (1/15)
صفحة 16
وجاء في موضع آخر من تفسيره عند نقده لرواية جاءت عند ابن أبي حاتم من طريق " عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري "، حيث قال ابن كثير: " هذا حديث غريب جداً والوصافي وشيخه ضعيفان " (ج6/ص 517) ، شيخ الوصافي في تلك الرواية كما يظهر من السند هو عطية العوفي._. ولم يرجع ابن كثير إلى علماء الجرح الذين ضعفوا روايات أسباط_ قال ابن حجر نقلاً عن علماء الجرح والتعديل: " أسباط بن نصر الهمداني، أبو يوسف، ويقال: أبو نصر. روى عن: سماك بن حرب، ... قال حرب: قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: ما أدري، وكأنه ضعفه. وقال أبو حاتم: سمعت أبا نعيم يضعفه وقال: أحاديثه عامته سقط، مقلوب الأسانيد. وقال النسائي: ليس بالقوي ... وقال الساجي في (الضعفاء): روى أحاديث لا يتابع عليها عن سماك بن حرب". (تهذيب التهذيب، ت: 354، ج1/ص192)_ بن نصر الهمداني عن سماك بن حرب، وكذلك روايات سماك بن حرب_ قال ابن حجر نقلاً عن علماء الجرح والتعديل: " سماك بن حرب بن أوس بن خالد بن نزار بن معاوية بن حارثة الذهلي البكري، أبو المغيرة الكوفي ... قال أبو طالب، عن أحمد: مضطرب الحديث ... قال العجلي: بكري جائز الحديث، إلا أنه كان في حديث عكرمة ربما وصل الشيء، ... وقال يعقوب بن شيبة: قلت لابن المديني: رواية سماك عن عكرمة؟ فقال: مضطربة ... قال يعقوب: وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح ". (المرجع السابق، ت: 2718، ج4 /ص210-211)_ عن عكرمة.
ولم يقف ابن كثير عند اعتماد روايات الضعفاء الذين ذكرهم بأسمائهم في تفسيره، بل نسب إلى أم المؤمنين القول برؤية العباد لله سبحانه وتعالى في الآخرة ولم يأت على ذلك بما يؤيد قوله، حيث قال: " ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تثبت الرؤية في الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا "_ تفسير ابن كثير، ج3/ص75 _. (1/16)
صفحة 17
وخلاصة القول: مما سبق عرضه ونقله ندرك أن الإمام ابن كثير لم يستفد من معرفته الواسعة لعلوم الحديث ودرايته العميقة بأحوال الرواة عند حكمه على روايات رؤية الله سبحانه وتعالى.
وسيجد القارئ في هذا البحث إن شاء الله تعالى الروايات التي أُعتمد عليها في إثبات معتقد رؤية الله سبحانه وتعالى وتضعيف علماء الجرح لرجالها.
3- منهج الأستاذ محمد رشيد رضا في دراسة القضايا الإسلامية
جاء الأستاذ الشيخ محمد عبده ومعه العلامة الأستاذ محمد رشيد رضا في وقت هيمن فيه التقليد الأعمى على عقول متفقهي هذه الأمة، وفي زمن حل فيه الكسل بثقله على صدور حملة راية التفقيه والتعليم في كثير من ديار الإسلام. والناظر في (تفسير المنار) يدرك المدى الذي وصله الأستاذان في محاولتهما لأجل رفع ثقل التقليد الموروث عن عقول أفراد الأمة الإسلامية. فمحاربة التقليد الأعمى والدعوة إلى ربط عقول المسلمين بالمصادر الأصلية للدعوة الإسلامية هما المحوران اللذان يدور حولهما (تفسير المنار). فيكاد القارئ لا يفارق هذين المحورين وهو يقرأ أجزاء الكتاب، ويكاد القارئ يحس بحرارة وهج الدعوة التي أطلقاها في أوساط أمة نامت على رماد التخلف بعد أن جانبت قروناً متطاولة ميادين الجد والاجتهاد والبذل والعطاء. (1/17)
صفحة 18
ولقد عبر الأستاذ رشيد رضا عن واقع الأمة في وقته بقوله: " ولقد صار العالم المسلم عاجزاً في أكثر بلاد المسلمين عن إنكار ما يخالف هدي الكتاب والسنة من كتب الميتين لا سيما إذا اشتهروا باختيار كتبهم للتدريس. وحجة هؤلاء المقلدين على نصر كتب الميتين وترجيحها على كتاب الله وسنة رسوله هي أن القادرين على الاهتداء بهما قد انقرضوا، فوجب على المسلمين ترك العمل بهما والاعتماد على كتب العلماء المتأخرين الذين استنبطوا من قواعد أئمتهم جميع مسائل الدين، فعلينا أن نأخذ بكل ما قالوا، وأن لا ننظر في الكتاب والسنة إلا للتبرك بهما، فإن رأينا خلافاً بين قول الله ورسوله وقول الفقيه لا يحتمل التأويل فعلينا أن نتهم عقولنا وأفهامنا وننزه فهم الفقيه الميت وعقله ونعمل بقوله مكابرين أنفسنا التي سجل عليها الحرمان من فهم الكتاب المبين والسنة البيضاء التي وصفها صاحبها بأن ليلها كنهارها أي لا يشتبه فيها أحد !!! هذا ما عليه جماهير المسلمين ... "_ تفسير المنار، ج1/ص 407- 408 _.
وقال في موضع آخر: " كما يقع كثير من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى قال إمام مذهبنا كذا وقال فلان من أتباعه بكذا "_ المرجع السابق، ج5/ص464 _.
وقال الأستاذ رشيد رضا في تعجب من حال الأمة: " فيا للعجب من هؤلاء العلماء يأخذون المسألة التقليدية قضية مسلمة ثم يحكمونها في كتاب الله تعالى ويجعلونها قاعدة لتفسيره وإن كانت مخالفة لآياته الصريحة ثم هم يأتون بما يدل على أن أعظم ما يمتاز به الإسلام هو اتباع الدليل ونزع قلائد التقليد وهم مصرون على تقلد هذه القلائد "_ المرجع السابق، ج4/ص62 _. (1/18)
صفحة 19
وبين أسباب ما وصل إليه المسلمون من ضعف بقوله: " ... ولكن كثرة المقلدين وتأييد الحكام لهم قد نصر باطلهم على حق أولئك الأئمة ولولا الحكام الجاهلون والأوقاف التي وقفت على فقه المذاهب لم يتفرق المسلمون في دينهم شيعاً حتى صدق عليهم ما ورد في أهل الكتاب قبلهم إلا من هداه الله ووفقه لإيثار كتاب الله وسنة رسوله على كل شيء "_ المرجع السابق، ج8/ص169 _.
ومن هذه النقولات التي أوردناها هنا نعرف الإطار العام للدعوة التي جند لها الأستاذ رشيد رضا نفسه لأجل كسر كل قلائد التقليد والتعصبات المذهبية التي لبستها وتباهت بها أجيال المسلمين في شتى ربوع العالم الإسلامي.
وخاطب (تفسير المنار) أجيال المسلمين وبين لهم عواقب الراحة والدعة التي آل إليها حالهم، حيث جاء فيه: " ... وأن حب الراحة يوقعهم في تعب لا نهاية له. وهو تعب البطالة والكسل أو العمل الاضطراري ومن لا يذوق لذة العمل الاختياري لا يذوق لذة الراحة الحقيقية. لأن الله تعالى لم يضع الراحة في غير العمل. وإنما سعادة الدنيا بصحة الجسم والعقل وأدب النفس الذي يرشد إليه الدين. فمن فقد هذه الأشياء فقد خسر الدنيا والآخرة "_ المرجع السابق، ج1/ص244 _.
فبعد أن بين الأستاذ الداء الذي استشرى شره في جسم الأمة الإسلامية أخذ في تذكير هذه الأمة بالدواء الذي فيه شفاؤها بإذن الله تعالى. فقد تكلم عن الدواء بأساليب متعددة؛ فتارة ذَكَّر بمسلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وأحياناً بَيَّن قواعد علوم التلقي التي تميزت بها هذه الأمة عن غيرها من الأمم، وطوراً طَبَّق منهج علم الحديث عند نقده ودراسته لكثير من القضايا العقدية والفقهية. (1/19)
صفحة 20
فقد قال في مواضع عدة من تفسيره ما نصه: " فالرد إلى كتاب الله وما بينه من سنة رسوله لإزالة التنازع وحسم الخلاف تفادياً من التفريق والتفرق المنافي لوحدة الدين يتوقف على جعل الكتاب وبيان الرسول له فوق التنازع واختلاف المذاهب والشيع، وإلا كان الدواء عين الداء"_ المرجع السابق، ج9/ص129 _.
وقال: " ... فلا ينبوع لليقين بعد طول الزمن بيننا وبين النبوة إلا سبيل المتواترات التي لم يختلف أحد في وقوعها، فالإيقان بالمغيبات كالآخرة وأحوالها والملأ الأعلى وأوصافه، وصفات الله التي لا يهتدي إليها النظر لا يمكن تحصيله إلا من الكتاب العزيز، وهو الحق الذي جاءنا من الله لا ريب فيه؛ فعلينا أن نقف عند ما أنبأ به من غير خلط ولا زيادة ولا قياس "_ المرجع السابق، ج1/ص 135 _. (1/20)
صفحة 21
وقال أيضاً: " نعم إن الآيات العلمية لا يعقلها إلا أهل الاستعداد للعلم واليقين. ولذلك قال (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) قال الأستاذ الإمام: الذين يوقنون هم الذين خلصت نفوسهم من كل رأي وتقليد وتوجهوا إلى طلب الحق في الأمور الاعتقادية، وأخذوا على أنفسهم العهد أن يطلبوه بدليله وبرهانه، فهم إذا قام عندهم البرهان اعتقدوا وأيقنوا إيقانا، وإنما يتوقع اليقين من مثلهم لا من قوم يعتقدون الشيء أولاً بلا دليل ولا برهان، ثم يلتمسون له الدليل لأن مقلديهم قالوا بوجوب معرفة الدليل فإذا أصابوه موافقاً لما اعتقدوا رضوا به وإن كان ظنياً، وإذا نهض لهم مخالفاً لتقاليدهم رفضوه وتعللوا بالتعلات المنتحلة، وهؤلاء هم الجماهير من الناس الذين وصفوا في الأثر بأنهم أتباع كل ناعق: والعبرة في خطاب الشرع بأهل اليقين الذين صفت نفوسهم، ومحصت أفكارهم، فسلموا من علة العناد والمكابرة المانعين لشعاع الحق أن ينفذ إلى العقول، ولحرارته أن تخترق الصدور إلى القلوب، هؤلاء هم أنصار الحق لأنهم بيقينهم لا يستطيعون المروق منه، ولا السكوت عن الانتصار له، ألم تر أن كبار الصحابة كانوا يراجعون النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم يظهر لهم دليله لأنهم طبعوا على معرفة الحق بالدليل. هؤلاء هم الناس الذين تنزل الشرائع لأجلهم، ولولا استعدادهم لها لما شرعت أو لما نجحت وأما سائر الناس فتبع لهم وعيالهم عليهم"_ المرجع السابق، ج1/ص 441-442 _. (1/21)
صفحة 22
وقال أيضاً: " والأمانة حق عند المكلف يتعلق به حق غيره ويودعه لأجل أن يوصله إلى ذلك الغير كالمال والعلم ... فالذي يتعلم العلم قد أودع أمانة وأخذ عليه العهد بالتعامل والعرف بأن يؤدي هذه الأمانة ويفيد الناس ويرشدهم بهذا العلم وقد أخذ الله العهد العام على الناس بهذا التعامل المتعارف بينهم شرعاً وعرفاً... فيجب على العالم أن يؤدي أمانة العلم إلى الناس كما يجب على من أودع المال أن يرده إلى صاحبه ... وإعراض العلماء عن معرفة الطرق التي تتأدى بها هذه الأمانة بالفعل هو ابتعاد عن الواجب الذي أمروا به، وإخفاء الحق بإخفاء وسائله هو عين الإضاعة للحق ... "_ المرجع السابق، ج5/ص170 _.
وقال أيضاً: " اعلم أيها المسلم الذي يحب أن يكون على بصيرة من دينه أن في روايات الفتن وأشراط الساعة من المشكلات والتعارض ما ينبغي لك أن تعرفه ولو إجمالاً، حتى لا تكون مقلداً لمن يظنون أن كل ما يعتمده أصحاب النقل حق ... "_ المرجع السابق، ج9/ص 488 _.
وقال: " ولما كان الإسلام دين الرشد والاستقلال أنكر على العقلاء البالغين المكلفين جمود التقليد على ما كان عليه آباؤهم من أمر دينهم ودنياهم لا لأجل أن يقلدوا آخرين من أهل عصرهم وسنوا لمن بعدهم تقليدهم، بل ليكونوا مستقلين في طلب الحقائق من أدلتها "_ المرجع السابق، ج12/ص221 _.
ولم يكتف العلامة محمد رشيد رضا بتشخيص أمراض هذه الأمة ووصف ما يصلحها بل قام بتطبيق المنهج العلمي عند دراسته لكثير من القضايا. فقد ذكر مسالك رواة الأحاديث وما قاله علماء الجرح في بعضهم، وقصده من ذلك تعليم أفراد الأمة ما ينبغي لهم فعله، حيث قال: (1/22)
صفحة 23
" ثم إن رواة الأحاديث المدونة في دواوين أهل السنة المشهورة قسمان، منهم الأولون الذين لم يكونوا يلتزمون مذهباً فيتهموا بتأييده بالروايات، وإنما يتبعون ما صحت روايته عندهم، فالرواية هي الأصل وإلى ما صح منها يذهبون، ومنهم الذين كانوا متبعين للمذاهب بعد حدوثها وقد كان عدولهم يروون ما يوافقها وما يخالفها لأنهم يدينون الله بالصدق في الرواية ويكلون إلى فقهائهم بيان معناها وترجيح المتعارض منها، بل لم يمتنعوا عن رواية بعض الأحاديث التي لا تخلو من طعن في بعض أصول الدين التي لا تختلف فيها المذاهب. فعدالة الرواة هي العمدة فيرجع فيها إلى قواعد الجرح والتعديل وتراجم الرجال وتمحيص ما قيل في جرحهم وتعديلهم. ولا يستطيع أحد أن ينكر أن المذاهب كانت سبباً للوضع والكذب في الرواية وأن نقد الرواة المقلدين هو أهم مسائل هذا الفن "_ المرجع السابق، ج5/ص16 _.
وقال أيضاً: " لا شك في أن أكثر الأحاديث قد روي بالمعنى كما هو معلوم واتفق عليه العلماء، ويدل عليه اختلاف رواة الصحاح في ألفاظ الحديث الواحد حتى المختصر منها، وما دخل على بعض الأحاديث من المدرجات وهي ما يدرج في اللفظ المرفوع من كلام الرواة ... "_ المرجع السابق، ج9/ص 506 _.
وقال أيضاً:
" وحديث إسلام شيطان النبي صلى الله عليه وسلم وحديث إزالة حظ الشيطان من قلبه فهو من الأخبار الظنية لأنه من رواية الآحاد "_ المرجع السابق، ج3/ص292 _
ونقل أقوال علماء الجرح في كل من حماد بن سلمة وابن جريج، حيث قال: " وقد انفرد به عند مصححيه حماد بن سلمة وهو من رجال مسلم إلا أنه قد تغير حفظه في آخر عمره كما هو معلوم ... "_ المرجع السابق، ج9/ص125 _.
وقال: " وابن جريج على سعة علمه وروايته وعبادته شر المدلسين تدليساً لأنه لا يدلس عن ثقة، وأئمة الجرح والتعديل لا يعتدون بشيء يرويه بغير تحديث "_ المرجع السابق، ج9/ص365 _. (1/23)
صفحة 24
ووصف بعض روايات رؤية الله سبحانه وتعالى بقوله: " ... ولكن الحديث عن أبي بكر وزيد بن ثابت في هذا الباب ضعيف وعن علي موضوع ... "_ المرجع السابق، ج9/ص 154 _.
وقال: " إن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم وما كل مسلم مؤمن صادق، وما كانوا يفرقون في الأداء بين ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من غيره ... وقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كان يروي بعضهم عن بعض وعن التابعين حتى عن كعب الأحبار وأمثاله ... ولكن البلية في الرواية عن مثل كعب الأحبار. وممن روى عنه أبو هريرة وابن عباس ومعظم التفسير المأثور مأخوذ عنه وعن تلاميذه، ومنهم المدلسون كقتادة وكذا غيره من كبار المفسرين كابن جريج "_ المرجع السابق، ج9/ص506- 507 _.
إن الدعوة إلى نبذ التعصبات المذهبية، والدعوة إلى اتباع مسلك السلف من الصحابة والتابعين، والدعوة إلى تطبيق منهج الأمة المتمثل في علوم الحديث واللغة هي ركائز ومقومات الحركة الفكرية التي قادها الأستاذ الإمام محمد عبده وتلميذه العلامة محمد رشيد رضا، وكل النقولات التي نقلناها هنا تحكي بكل صدق توجهات الأستاذين لأجل إنقاذ الأمة الإسلامية من وهاد التقليد الأعمى إلى ميادين العلوم الواسعة.
هل طبق الأستاذ محمد رشيد رضا منهجه على روايات رؤية الله سبحانه وتعالى؟
والسؤال الذي نطرحه هنا: هل طبق الأستاذ محمد رشيد رضا دعواته واتجاهاته عند ذكره لروايات رؤية الله سبحانه وتعالى؟
الجواب: لا، لم يطبق الأستاذ محمد رشيد رضا المنهج الصائب الذي دعا إلى تطبيقه.
لقد كرر الأستاذ محمد رشيد رضا أقوال من سبقه من غير تمحيص ولا دراسة لأسانيد الروايات التي أشار إليها في تفسيره، فقد قال في مواضع عديدة أقوالاً لا وزن لها في ميزان الاعتدال وقواعد الجرح والتعديل. (1/24)
صفحة 25
فمن أقواله: " وقد ورد في الأحاديث الكثيرة من الطرق العديدة أن هذه الزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم وهو أعلى مراتب الكمال الروحاني الذي لا يصل إليه المتقون المحسنون العارفون إلا في الآخرة "_ المرجع السابق، ج11/ص 350 _.
إن جميع الروايات التي جاء فيها تفسير قوله تعالى (وَزِيَادَةٌ) بـ " النظر إلى وجه الله الكريم " ضعيفة في ميزان الحق الذي دعا إلى تطبيقه العلامة محمد رشيد رضا نفسه، وقد بينا ضعف جميع الروايات في القسم الثاني من هذا البحث.
ومن أقواله أيضاً: " فأما ما جاء من الأخبار في الرؤية وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فغير مدفوع، وليس في هذه الآية دليل على دفعها لأن معنى الآية إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته وهذا مذهب أهل السنة والعلم بالحديث "_ المرجع السابق، ج7/ص 653 _.
وقال: " نفي إحاطة العلم لا يستلزم نفي أصل العلم، وكذلك نفي إدراك البصر للشيء لا يستلزم نفي رؤيته إياه مطلقاً. وهذا أقوى ما جمع به أهل السنة بين الآية والأحاديث الصحيحة الناطقة برؤية المؤمنين لربهم في الآخرة من جهة اللغة ... "_ المرجع السابق، ج7/ص652 _.
وقال: " وإذا كانت الآيات التي استدل بها كل فريق ليست نصاً قاطعاً في مذهبه ففي الأحاديث المتفق عليها ما هو نص قاطع لا يحتمل التأويل في الرؤية وتشبيهها برؤية البدر والشمس في الجلاء والظهور ... وفي كتاب التوحيد من صحيح البخاري أحد عشر حديثاً في ذلك، وجمع ابن القيم في (حادي الأرواح) ما ورد في ذلك من الأحاديث فكان ثلاثين حديثاً. قال الحافظ ابن حجر عند إشارته إلى ذلك: وأكثرها جياد "_ المرجع السابق، ج9/ص 152 _. (1/25)
صفحة 26
إن جميع روايات رؤية الله سبحانه وتعالى تردها وتدفعها أصول علم الحديث، فمن التقصير في تطبيق علم الحديث نسبة الصحة والقوة إلى روايات لم تصح أبداً. وما كان للأستاذ محمد رشيد رضا ليقول هذا القول لو أنه طبق المنهج الذي دعا إلى تطبيقه في (تفسير المنار). وأما روايات الإمام البخاري التي أشار إليها الأستاذ محمد رشيد رضا هنا فلا حجة فيها على رؤية المؤمنين لله تعالى في الجنة وقد بين ذلك المثبتون للرؤية أنفسهم في كتب التفاسير وشروح الحديث كما سيتضح في هذا البحث. وأما الروايات التي ذكرها العلامة ابن القيم في كتاب (حادي الأرواح) فهي ضعيفة لا قيمة لها_ لقد أظهر الأستاذ حسن علي السقاف ضعف جميع الروايات التي ذكرها ابن القيم في كتاب (حادي الأرواح) في رسالة طبعها بعنوان (مسألة الرؤية)._.
لقد تابع العلامة محمد رشيد رضا من سبقه في ادعاء صحة وثبوت روايات رؤية الله سبحانه وتعالى من غير تطبيق لما دعا إليه من منهج وقيم عند قراءة ودراسة كتب الأوائل، ومما يثبت عدم تقيده بما دعا إليه قوله: " ... ولكن بعض الأحاديث الصحيحة والحسنة صريحة في ذلك لا تحتمل التأويل، والمرفوع منها مروي عن أكثر من عشرين صحابياً دع الموقوف والآثار ... "_ تفسير المنار، ج9/ص 153 _.
هذا القول الذي سطره الأستاذ محمد رشيد رضا يرده منهجه ومسلكه في التعامل مع روايات كتب الحديث. فجميع روايات رؤية الله سبحانه وتعالى جاءت من طرق أناس أظهر ضعف رواياتهم الأستاذ نفسه في مواضع كثيرة من تفسيره؛ فقد جاءت تلك الروايات عن حماد بن سلمة وبعنعنة قتادة وبعنعنة ابن جريج ومن طرق رواة آخرين هم في منزلة هؤلاء أو دونهم. فكيف إذاً يعد الأستاذ محمد رشيد ما أبطله منهجه صحيحاً لا يحتمل التأويل؟!. (1/26)
صفحة 27
والقول بأن أكثر من عشرين صحابياً قد رووا روايات مرفوعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو تكرار لادعاء قديم تناقلته كتب شراح الأحاديث عبر القرون الماضية_ انظر ص 5 من هذا البحث._. فكان من اللائق بالعلامة محمد رشيد رضا تجريد العلم من كل ادعاء وكل قول لا أساس له ولا أصل، كيف لا وهو القائل: " أقول هذا أقوى وأوسع ما أجابوا به عن الآية قد لخصه أحفظ الحفاظ وأوسعهم اطلاعاً، وكله ساقط على جلالة قائليه، وفي سقوطه أكبر حجة على المقلدين الذين يتركون العلم بكتاب الله وسنة رسوله ... "_ تفسير المنار، ج8/ص158
قال الأستاذ محمد رشيد رضا هذا القول عند مناقشته لأقوال بعض العلماء عندما تعرض لتفسير قوله تعالى: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)._.
من كل ما سبق عرضه من أفكار حول المنهج الصائب الذي دعا إلى تطبيقه الأستاذ محمد رشيد رضا، ومن الأقوال التي سطرها الأستاذ حول روايات رؤية الله سبحانه وتعالى ندرك أن هناك قوتين تتجاذبان أفكار الأستاذ، وكل قوة لها هيمنتها على نتائج أقواله وخلاصة كتاباته:
1. قوة الدليل العلمي النابع من دلالة القرآن الكريم والسنة النبوية المقطوع بثبوتها على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والتي اتضحت آثارها في نقده لمسلك المقلدين من أبناء هذه الأمة لمن سبقهم من الرجال من غير دليل ولا برهان.
2. قوة الموروثات الفكرية المبثوثة في كتب الأوائل والتي اتضحت معالمها بارزة في أقواله التي ادعت صحة روايات رؤية الله سبحانه وتعالى من غير دراسة. (1/27)
صفحة 28
وتتضح آثار هذا التجاذب بين هاتين القوتين المتضادتين في خاتمة أقوال الأستاذ حول فكرة رؤية الله سبحانه وتعالى، حيث أعطى الأستاذ كل قوة حظها من الأقوال التي يناسبها.
فقد فرضت قوة الدليل العلمي على الأستاذ محمد رشيد رضا أن يقول:
" قد علم مما تقدم أنه ليس في الرؤية البصرية نص أصولي ولا لغوي متواتر قطعي الرواية والدلالة يجعلها من العقائد المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة، وليست مما كان يدعى إليه في تبليغ الدين مع التوحيد والرسالة بحيث يكون من يجهلها أو ينكرها كافرا ... "_ المرجع السابق، ج9/ص157 _.
واستجاب الأستاذ لقوة الدليل العلمي وقال:
" وأما رؤية الرب تعالى فربما قيل بادي الرأي إن آيات النفي فيها أصرح من آيات الإثبات كقوله تعالى: (لَن تَرَانِي) وقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) فهما أصرح دلالة على النفي من دلالة قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) على الإثبات فإن استعمال النظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن وكلام العرب ... "_ المرجع السابق، ج9/ص134 _.
وأما الادعاءات الموروثة من كتب السابقين فقد أملت على الأستاذ أقوالاً لا يقرها منهجه الذي بينه في تفسيره، فقد قال في مواضع عديدة:
" نفي إحاطة العلم لا يستلزم نفي أصل العلم، وكذلك نفي إدراك البصر للشيء لا يستلزم نفي رؤيته إياه مطلقاً. وهذا أقوى ما جمع به أهل السنة بين الآية والأحاديث الصحيحة الناطقة برؤية المؤمنين لربهم في الآخرة من جهة اللغة ... "_ المرجع السابق، ج7/ص652 _.
وقال: " إن في الأحاديث الصحيحة من التصريح في إثبات الرؤية مالا يمكن المراء فيه ..."_ المرجع السابق، ج9/ص138 _. (1/28)
صفحة 29
واختتم أقواله حول رؤية الله سبحانه وتعالى بقوله: " وخلاصة الخلاصة أن رؤية العباد لربهم في الآخرة حق، وأنها أعلى وأكمل النعيم الروحاني الذي يرتقي إليه البشر في دار الكرامة والرضوان، وأنها أحق ما يصدق عليه قوله تعالى في كتابه المجيد: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) وقوله في الحديث القدسي الذي رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: (أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) "_ المرجع السابق، ج9/ص177 _.
فقول الأستاذ: " وخلاصة الخلاصة أن رؤية العباد لربهم في الآخرة حق وأنها أعلى وأكمل النعيم الروحاني الذي يرتقي إليه البشر في دار الكرامة والرضوان " قد أبطله الأستاذ نفسه بقوله: " قد علم مما تقدم أنه ليس في الرؤية البصرية نص أصولي ولا لغوي متواتر قطعي الرواية والدلالة يجعلها من العقائد المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة ".
فهذا البحث يسير على المنهج الذي دعا إلى تطبيقه الأستاذ محمد رشيد رضا، ويثبت بالأدلة القاطعة ضعف جميع الروايات التي احتج بها مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى، ويظهر بالأدلة الثابتة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف أن الله سبحانه وتعالى لا تراه العيون في الدنيا والآخرة.
4- المنهج والتطبيق عند مفسرين آخرين
وأما قول ابن الجوزي:" ورؤية الله عز وجل حق لا شك فيها، والأحاديث صحيحة صحاح "_ زاد المسير، ج4/ص372
وله نحو هذا القول أيضاً:" ... لما صح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الرؤية، وهذا مذهب أهل السنة والعلم والحديث ". (المرجع السابق، ج2/ص62) _.
وكذلك قول ابن عاشور: "... فهذا معنى الآية بإجماله ثابت بظاهر القرآن وقد أيدتها الأخبار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم "_ التحرير والتنوير، ج29/ص327 (1/29)
صفحة 30
وقال أيضاً: " والخلاف في رؤية الله في الآخرة شائع بين طوائف المتكلمين؛ فأثبته جمهور أهل السنة لكثرة ظواهر الأدلة من الكتاب والسنة مع اتفاقهم على أنها رؤية تخالف الرؤية المتعارفة ".(المرجع السابق، ج6/ص252)_.
وكذلك قول الشوكاني: " وقد قدمنا أن أحاديث الرؤية متواترة فلا نطيل بذكرها، وهي تأتي في مصنف مستقل، ولم يتمسك من نفاها واستبعدها بشيء يصلح للتمسك به لا من كتاب ولا من سنة رسوله "_ فتح القدير، ج5/ص451 _.
وقوله: "...والمراد به:ما تواترت به الأحاديث الصحيحة من أن العباد ينظرون ربهم يوم القيامة"_ المرجع السابق، ج5/ص449 _.
وقوله عن الرؤية: " فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواتراً لا شك فيه ولا شبهة، ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلاً عظيماً "_ المرجع السابق، ج2/ص209 _. (1/30)
صفحة 31
وكذلك ما قاله القرطبي_ قال القرطبي: " ... والرؤية ثابتة ... لأنه قد صح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – الأحاديث في الرؤية يوم القيامة ". (تفسير القرطبي، ج7/ص37) _، والسمرقندي_ نقل السمرقندي عن الزجاج: " القول في النظر إلى وجه الله تعالى كثير في القرآن. والتفسير مروي بالأسانيد الصحاح أنه لا شك في ذلك". (تفسير السمرقندي، ج2/ص95)_، والرازي_ وصف الرازي أخبار الرؤية بقوله:" ... وأما الأخبار فكثيرة ... ". (تفسير الرازي، ج13/ص108 ) قال آل حمد نقلاً عن الرازي (أصول الدين، ص 197-198): " مذهبنا في هذه المسألة ما اختاره الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي، وهو أنا لا نثبت صحة رؤية الله تعالى بالدليل العقلي، بل نتمسك في هذه المسألة بظواهر القرآن والأحاديث، فإن أراد الخصم تعليل هذه الدلائل وصرفها عن ظاهرها بوجوه عقليه يتمسك بها في نفي الرؤية اعترضنا على دلائلهم وبينا ضعفها ومنعناهم من تأويل هذه الظواهر ". (رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، ص 116)_، والثعالبي_ قال الثعالبي: " ... وما في ذلك من صحيح الأحاديث ".(تفسير الثعالبي، ج 3/ص 428)_ من أقوال لا تخرج عن دائرة الادعاءات.
فجميع هذه الأقوال التي ذكرها المفسرون هنا يرفضها منهج علماء الإسلام – ومنهم هؤلاء المفسرون أنفسهم - الداعي إلى وزن جميع الروايات المبثوثة في كتب الحديث بالميزان القسط. (1/31)
صفحة 32
فبعض العلماء الذين قالوا بصحة روايات رؤية الله سبحانه وتعالى هم أنفسهم من نقل تضعيف علماء الجرح لرجالها. وهم أنفسهم من حمل معاني رواية الصورة_ انظر الرواية وما قاله الشراح عند شرحهم لها في ص 5 وما بعدها من هذا البحث._ على معان لا صلة لها برؤية الله سبحانه وتعالى، فكيف يحكم بالصحة على أخبار لم تثبت أصلاً وعلى روايات لم تصح أبداً؟ وما سطره علماء الجرح والتعديل وما كتبه جهابذة علوم الحديث – وأكثرهم معتقد للرؤية – يبطل ادعاء الصحة ويظهر ضعف حجج المثبتين للرؤية كما سيتبين لنا جميعاً في ثنايا هذا البحث إن شاء الله تعالى.
وليس هنا مجال للحوار حول المنهج الذي يتبع في التطبيق، فالحمد لله على توفيقه لنا جميعاً على اعتبار منهج واحد في الدراسة والنقد، ولكن الذي نقوم ببيانه وإظهاره بالأدلة المتفق على سلامتها هو أن ادعاء صحة روايات رؤية الله سبحانه وتعالى وثبوتها لا وزن له ولا قيمة. فليست العبرة في كثرة المدعين ولكن العبرة في ثبوت الدعوى بأدلتها الثابتة.
فقراءاتنا لكتب التفسير وغيرها لا بد أن يصاحبها تطبيق المنهج الذي يجب على المسلمين الدعوة إليه والتمسك به.
كتب شروح الحديث
لقد أسهمت كتب شروح الحديث عند معتقدي رؤية الله سبحانه وتعالى في الترويج لفكرة رؤية العباد لله تعالى من غير ركون إلى الشروط المعتبرة عندهم في إثبات العقيدة الإسلامية.
قال الإمام القرطبي – كما نقله عنه ابن حجر - عند حديثه عن أدلة رؤية الله سبحانه وتعالى: "... وليست المسألة من العمليات فيكتفي فيها بالأدلة الظنية، وإنما هي من المعتقدات فلا يكتفي فيها إلا بالدليل القطعي "_ فتح الباري، ج 9/ص 590 _، وقد بين الإمام النووي في شرحه لصحيح الإمام مسلم أن تواتر الروايات شرط للاحتجاج بها في مجال العقيدة_ قال الإمام النووي في شرحه لصحيح الإمام مسلم: (1/32)
صفحة 33
" وأما خبر الواحد فهو ما لم يوجد فيه شروط المتواتر، سواء كان الراوي له واحداً أو أكثر . واختلف في حكمه، فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع، يلزم العمل بها ويفيد الظن ولا يفيد العلم، وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل ... وذهب بعض المحدثين إلى أن الآحاد التي في صحيح البخاري أو صحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد، وقد قدمنا هذا القول وإبطاله في الفصول، وهذه الأقاويل كلها سوى قول الجمهور باطلة ... والعقل لا يحيل العمل بخبر الواحد. وقد جاء الشرع بوجوب العمل به، فوجب المصير إليه. وأما من قال: يوجب العلم، فهو مكابر للحس. وكيف يحصل العلم، واحتمال الغلط والوهم والكذب وغير ذلك متطرق إليه؟ والله أعلم ". (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م1، ج1/ص89) _. ونحن إذا عرضنا جميع روايات رؤية الله سبحانه وتعالى التي احتج بها شراح الحديث، ومنهم الإمام النووي، على هذه الشروط فإننا نجد المفارقات بين المنهج والتطبيق؛ إذ لا نجد الأدلة التي يقرها منهجهم، ولا الأخبار التي تؤيد ادعاءاتهم.
1- المنهج والتطبيق عند الإمام النووي
الإمام النووي في شرحه لصحيح الإمام مسلم كرر ادعاءات مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى من غير التفات إلى تضعيف علماء الجرح لرجال أسانيدها، فقد قال: " اعلم، أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلاً، وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة، وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين ... وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، ورواها نحو من عشرين صحابيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "_ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م2، ج 3 /ص 18 _. (1/33)
صفحة 34
فالإجماع حول قضية ثبوت رؤية الله سبحانه وتعالى قد نفاه ابن عبد البر بقوله: " إنا لم ندع الإجماع في هذه المسألة، ولو كانت إجماعاً ما احتجنا فيها إلى قول"_ التمهيد، ج3/ص291 _. وأما ادعاء تظاهر أدلة رؤية الله سبحانه وتعالى فقد أسقطته قواعد علماء الجرح والتعديل كما سيتبين في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
وانسياب هذه الادعاءات على لسان الإمام النووي لم تقف عند عصره بل كررتها ألسنة من أتى بعده من الشراح، فادعاء كون عشرين صحابياً قد رووا أدلة رؤية الله سبحانه وتعالى قد قاله ابن القيم_ قال ابن القيم : " وقد روى أحاديث الرؤية عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه منهم جرير بن عبد الله وأبو رزين العقيلي، وأبو هريرة وأبو سعيد، وصهيب وجابر، وأبو موسى، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وعدي بن حاتم، وعمار بن ياسر، وعمرو بن ثابت الأنصاري، وابن عمر رضي الله عنهم ". ( حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، ج13/ص53-54 )
وقال أيضاً: " فهذا النظر إلى الله والأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم ترون ربكم) صحيحة، وأسانيدها غير مدفوعة، والقرآن شاهد أن الله يرى في الآخرة ". (المرجع السابق، ج13/ص 55) _، وبدر الدين العيني_ قال بدر الدين العيني: " ذكر ما يستفاد منه: وهو على وجوه. الأول: استدل بهذه الأحاديث وبالقرآن وإجماع الصحابة ومن بعدهم على إثبات رؤية الله في الآخرة للمؤمنين، وقد روى أحاديث الرؤية أكثر من عشرين صحابيا ". (عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج5/ص62) _، وعلي القاري _ قال علي القاري: " وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة، على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، ورواها نحو من عشرين صحابياً رضي الله تعالى عنهم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم". (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج10/ص320 )_. (1/34)
صفحة 35
والانسياق خلف أقوال السابقين جعل الإمام النووي ينقل الضعيف من الأقوال في سياق إثباته للرؤية، حيث قال: "... وأما صاحب التحرير فانه اختار إثبات الرؤية، قال: والحجج في هذه المسألة، وإن كانت كثيرة، ولكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها، وهو حديث ابن عباس، رضى الله عنهما: (أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم) وعن عكرمة، سئل ابن عباس، رضى الله عنهما: هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ قال: نعم. وقد روي بإسناد لا بأس به، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، رضى الله عنه، قال: (رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه)، وكان الحسن يحلف: لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه "_ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م2، ج3 /ص 8-9 _.
فهذه الأقوال المنسوبة إلى ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والحسن البصري ضعيفة لا يصح منها شيء بشهادة علماء الأمة_ انظر قول علماء الجرح والتعديل في أسانيد الروايات المنسوبة إلى ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والحسن في ص 5 وما بعدها من هذا البحث. _، فكيف يسوغ للإمام النووي إيراد هذه الادعاءات من غير تبيان لضعفها أو مبررات صحتها؟
ونقلُ الإمام النووي للرواية المنسوبة إلى أنس بن مالك رضي الله عنه والتي جاءت من طريق عنعنة قتادة لهو الدليل البين على عدم تطبيقه لمنهجه الذي سلكه في شرح صحيح الإمام مسلم. فقد ضعف في مواضع عديدة من شرحه عنعنعة قتادة، حيث قال: " فإن قتادة رضي الله عنه كان من المدلسين ... وقد تقرر أن المدلس إذا قال: عن لا يحتج به، وإذا قال: سمعت احتج به على المذهب الصحيح المختار"_ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م2، ج 4 /ص 294 _.
وقال أيضاً: " ... قتادة رحمه الله تعالى مدلس. وقد قال في الرواية الأولى عن، والمدلس لا يحتج بعنعنته إلا أن يثبت سماعه "_ المرجع السابق، م2، ج 4 /ص 331 _. (1/35)
صفحة 36
وقال أيضاً: " وقد تقدم أن قتادة مدلس وأن المدلس لا يحتج بعنعنته حتى يثبت سماعه ذلك الحديث "_ المرجع السابق، م3، ج 6/ص 431 _.
وهذا مثال واحد يشهد بأن معتقدي رؤية الله سبحانه وتعالى قد خالفوا قواعدهم وأسس بحوثهم عند احتجاجهم بما قرءوه من روايات وأخبار ضعيفة في كتب من سبقهم من العلماء.
ولم يقف الإمام النووي عند تمرير الضعيف من الأقوال بل وصل به الحال إلى إضافة أفكار لم يأت بها دليل ولا برهان. فعند شرحه لما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر في جنة عدن)، قال الإمام النووي شارحاً لهذه الكلمات: " فعبر صلى الله عليه وسلم عن زوال المانع ورفعه عن الأبصار بإزالة الرداء "_ المرجع السابق، م2، ج 3/ص19 _.
فمن أين أتى الإمام النووي " بإزالة الرداء "، والحديث صريح بأن رداء الكبرياء هو المانع من رؤية العباد لله سبحانه وتعالى؟!
2-المنهج والتطبيق عند الحافظ ابن حجر
وقول الحافظ ابن حجر: " وتواترت الأخبار النبوية بوقوع هذه الرؤية للمؤمنين في الآخرة وبإكرامهم بها في الجنة ..."_ فتح الباري، ج9/ص192 _.
وقوله أيضاً: " وأدلة السمع طافحة بوقوع ذلك في الآخرة لأهل الإيمان دون غيرهم "_ المرجع السابق،ج 15 /ص 387 _.
وقوله: " قال عياض ... وثبتت الأخبار الصحيحة المشهورة بوقوعها للمؤمنين في الآخرة"_ المرجع السابق، ج 9/ص 589 _.
وقوله: " وقال ابن بطال: ... ولأن نفي الشيء لا يقتضي إحالته مع ما جاء من الأحاديث الثابتة على وفق الآية، وقد تلقاها المسلمون بالقبول من لدن الصحابة والتابعين حتى حدث من أنكر الرؤية وخالف السلف"_ المرجع السابق، ج 15 /ص 388 _. (1/36)
صفحة 37
هذه الأقوال التي قالها ونقلها ابن حجر لم يأت بما يؤيدها ويثبت مصداقيتها. ولم يقم بإثبات ما ادعى ثبوته وصحته في مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى. وجميع الروايات والأخبار التي سطرها في فتح الباري قد أسقطها هو بنفسه عندما أظهر ضعف رجال أسانيدها في الفتح أو في كتبه الأخرى.
ففي سياق احتجاجه بما ورد من روايات حول رؤية الله سبحانه وتعالى، أشار إلى ما رُوي عن الإمام علي – كرم الله وجهه -، حيث قال: " ونقل الطبري عن علي وغيره في قوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) قال هو النظر إلى وجه الله"_ المرجع السابق، ج 15/ص 395 _. ولم ينقل عند ذكره لهذه الرواية تضعيف علماء الجرح والتعديل لرجلين من رجال سند هذه الرواية_ انظر هذه الرواية وما نقله ابن حجر من تضعيف لرجلين من رجال سندها في ص 5 من هذا البحث._.
واعتمد ابن حجر في الفتح_ فتح الباري، ج 15 /ص 395 _ على رواية حماد بن سلمة في تفسير قوله تعالى: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، ولم يذكر تضعيف علماء الجرح والتعديل لروايات حماد بن سلمة إذا خالف فيها من هم أحفظ منه كما فعل في مواضع أخرى من كتبه_ انظر رواية حماد بن سلمة في ص 5 من هذا البحث، واقرأ ما نقله ابن حجر نفسه عن علماء الجرح في حق روايات حماد لتدرك أن ما ذهب إليه ابن حجر من احتجاج برواية حماد هنا قد خالفه هو بنفسه في كتبه الأخرى._.
وعند مناقشته لما رُوي عن الصحابة حول نفي أو إثبات رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه سبحانه وتعالى أخذ الحافظ ابن حجر في الجمع بين الأقوال الواردة من غير تمييز بين الثابت وغير الثابت _ الروايات التي ذكرها ابن حجر عن ابن عباس (فتح الباري، ج9/ص588-590) عند تفسيره لقوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) قد أظهر ضعف رجالها ابن حجر نفسه في مواضع من كتبه الأخرى كما سيدرك القارئ هذا في ص 5 وما بعدها من هذا البحث. _ من الروايات. (1/37)
صفحة 38
فقد قال: " نعم احتجاج عائشة بالآية المذكورة خالفها فيه ابن عباس ... وحاصله أن المراد بالآية نفي الإحاطة به عند رؤياه لا نفي أصل رؤياه "_ فتح الباري، ج9/ص589 _.
وقال أيضاً: " وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر وإثباته على رؤية القلب"_ المرجع السابق، ج9/ص590 _.
ولم يقف ابن حجر عند محاولة الجمع بين الأخبار الصحيحة الواردة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الدالة على نفي رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لله سبحانه وتعالى والأخبار الضعيفة المنسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما المدعية للرؤية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين وصف الضعيف من الأخبار بالصحة والقوة، حين قال: " قلت: جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها على مقيدها، فمن ذلك ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح وصححه الحاكم أيضاً من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد؟"_ المرجع السابق، ج9/ص589 _.
وقال: " وروى ابن خزيمة بإسناد قوي عن أنس قال: رأى محمد ربه"_ المرجع السابق، ج9/ص590 _.
هذه الأخبار التي قواها ابن حجر وصححها ضعيفة لا تقبل بشهادة ابن حجر نفسه، فقد وردت من قبل عنعنة قتادة بن دعامة السدوسي الذي عده ابن حجر من ضمن أفراد المرتبة الثالثة من المدلسين_ تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 92، ص 102 _. وقد عَرَّف ابن حجر أفراد هذه المرتبة بقوله: " من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع "_ المرجع السابق، ص23 _.
وأشار ابن حجر نفسه في فتح الباري وفي عدة مناسبات إلى رغبته في تجنب عنعنة قتادة حيث قال بعد مناقشاته لبعض الأسانيد: "... فتضمن السلامة من تدليس قتادة ..."_ فتح الباري، ج 11/ص 453 _. (1/38)
صفحة 39
وقال: ".. ورواية شعبة عن قتادة مأمون فيها من تدليس قتادة ..." _ المرجع السابق، ج 1/ص 85 _.
وقال: "... وقد رواه قتادة عنه بالعنعنة وهو مدلس"_ المرجع السابق، ج 12/ص 433 _.
من كل ما نقلناه عن ابن حجر هنا ندرك عدم التزامه بما أورده من تعريف وما سطره من أحكام عندما تحدث عن روايات رؤية الله سبحانه وتعالى الواردة من قبل عنعنة قتادة، وما حكم ابن حجر على عنعنة قتادة هنا بالصحة والقوة إلا نتيجة عدم تطبيقه للمنهج الذي يحكم بالضعف على عنعنة المدلسين الذين في رتبة قتادة بن دعامة.
وفي أثناء مناقشته لأدلة رؤية الله سبحانه وتعالى قال ابن حجر: " متعلق الإدراك في آية الأنعام البصر فلما نفي كان ظاهره نفي الرؤية بخلاف الإدراك الذي في قصة موسى ولولا وجود الأخبار بثبوت الرؤية ما ساغ العدول عن الظاهر "_ المرجع السابق، ج9/ص589 _.
من هذا النص ندرك اعتراف ابن حجر أن ظاهر قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) دليل على نفي رؤية الله سبحانه وتعالى، وأن العدول عن هذا المعنى لا مسوغ له إلا بوجود الأخبار. وبالرجوع إلى الأخبار التي ذكرها ابن حجر نفسه نجدها ضعيفة بشهادته عندما عرض هو بنفسه أقوال علماء الجرح والتعديل في رجال أسانيدها.
فمع وضوح المعنى الصحيح عند ابن حجر للآية الكريمة النافية للرؤية، ومع معرفته بضعف رجال روايات رؤية الله سبحانه وتعالى نجده يكرر ما قاله غيره من غير تطبيق لما يعترف بصحته وسلامته، حيث نقل عن الإمام النووي:
" ... تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسلف الأمة على إثباتها في الآخرة للمؤمنين ... "_ المرجع السابق، ج 13 /ص274 _. (1/39)
صفحة 40
وهذا المسلك الذي اتبعه الحافظ ابن حجر في اعتماد أقوال السابقين قد عابه هو بنفسه على الإمام النووي الذي تابع غيره في قضية من قضايا رؤية الله سبحانه وتعالى. فقد قال ابن حجر: " ... قال النووي تبعا لغيره: لم تنف عائشة وقوع الرؤية بحديث مرفوع ولو كان معها لذكرته ... وجزمه بأن عائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع تبع فيه ابن خزيمة ... وهو عجيب، فقد ثبت ذلك عنها في صحيح مسلم الذي شرحه الشيخ، فعنده من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق ... "_ المرجع السابق، ج9 /ص588 _.
فكما أن ابن حجر أظهر التعجب من مسلك الإمام النووي الذي تابع غيره في قضية ثبت ضدها في صحيح مسلم الذي شرحه النووي نفسه، فكذلك يتعجب القارئ من مسلك الحافظ ابن حجر في اتباعه لأقوال من سبقه من الكتاب، وقد سطر هو بنفسه تضعيف علماء الجرح لرجال روايات رؤية الله سبحانه وتعالى في مواضع عديدة من مؤلفاته.
فالقواعد والأسس التي سطرها ابن حجر في كتبه ترفض فكرة رؤية العباد لله تعالى في الدنيا والآخرة، فلا عبرة بعد وضوح الميزان بأقوال الناس ولو علت منازلهم وارتفعت أقدارهم، فلا بد من وزن أقوال وأحكام ابن حجر بالميزان الذي لا يميل لسانه لأجل فلان أو فلان.
فالاحتجاج بالروايات الضعيفة، ومخالفة المنهج المستقيم في النقد، والقول بلا أدلة، وشرح الأحاديث بالاحتمالات والتصورات هي بضاعة معتقدي رؤية الله سبحانه وتعالى.
كتب العقيدة
لقد سلك أصحاب كتب العقيدة نفس المسلك الذي سار فيه المفسرون وشراح الحديث عند عرضهم لأدلتهم في إثبات ما ذهبوا إليه من إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى، وظهر النشاز بين المنهج الذي ينادون بتطبيقه في دراسة العقيدة وبين تطبيقاتهم عند دراسة فكرة رؤية العباد لله سبحانه وتعالى.
1-المنهج والتطبيق عند ابن خزيمة (1/40)
صفحة 41
بين أحد مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى، وهو ابن خزيمة، المنهج الذي يسير عليه في دراسة العقيدة، حيث قال: " لست أحتج في شيء من صفات خالقي عز وجل إلا بما هو مسطور في الكتاب أو منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأسانيد الصحيحة الثابتة "_ كتاب التوحيد، ج1/ص 51 _.
وقال أيضاً:" لا نحتج بالمراسيل ولا بالأخبار الواهية، ولا نحتج أيضاً في صفات معبودنا بالآراء والمقاييس "_ المرجع السابق، ج1/ص 137 _.
وقال أيضاً: " لأنا لا نصف معبودنا إلا بما وصف به نفسه، إما في كتاب الله، أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه "_ المرجع السابق، ج1/ص 137 _.
ولم يقف ابن خزيمة عند هذه الأقوال بل طبقها في كتابه عند مناقشته لبعض الأخبار، حيث قال: " والذي عندي – في تأويل هذا الخبر_ يشير ابن خزيمة إلى الرواية التي نصها: " لا يقبح الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن "._ – إن صح من جهة النقل موصولاً، فإن في الخبر عللاً ثلاثاً:
إحداهن: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسل الثوري ولم يقل: عن ابن عمر.
والثانية: أن الأعمش مدلس. لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت.
والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت: أيضاً مدلس، لم يعلم أنه سمعه من عطاء "_ المرجع السابق، ج1/ص87 _.
وقال أيضاً: " لست أعرف أبا عمران الفلسطيني بعدالة ولا جرح "_ المرجع السابق، ج2/ص748 _.
وقال في موضع آخر: " ... ليس هذا الخبر_ يشير ابن خزيمة إلى الرواية التي نصها: " لا يدخل الجنة ولد زنية "._ من شرطنا، ولا خبر نبيط عن جابان، لأن جابان مجهول، وقد أسقط على من هذا الإسناد نبيطاً "_ المرجع السابق، ج2/ص864 _.
إن هذه الأقوال والأحكام التي قالها ابن خزيمة خير دليل على أن المنهج الذي يدعو إليه هو المنهج الذي يجب على كل أحد أن يسلكه في دراسة قضايا هذا الدين، فلا بد من صحة وثبوت الأدلة قبل الاحتجاج بها. (1/41)
صفحة 42
هل طبق ابن خزيمة هذه الأقوال على روايات رؤية الله سبحانه وتعالى التي رواها في كتابه؟
الجواب: لا، لم يلتفت ابن خزيمة لهذه الشروط التي اشترطها على نفسه عند ذكره لروايات رؤية الله سبحانه وتعالى، بل أورد الروايات الواهية والضعيفة والمرسلة والمدلسة، ولم يسلك المسلك الصحيح في نقد الروايات.
والناظر في روايات ابن خزيمة التي أوردها في كتابه يجدها ضعيفة لا تقوم بها حجة. فقد أورد رواياته من قِبَل عنعنة الأعمش المدلس_ المرجع السابق، الروايات: 241، 242، 282 _، وعنعنة قتادة_ المرجع السابق، الروايات: 272، 280، 285، 303، 304، 305، 306، 307، 309، 319
انظر ما قاله ابن حجر في عنعنة قتادة في ص 5 من هذا البحث. _، وقيس بن أبي حازم_ كتاب التوحيد، الروايات 238 – 240
انظر ما قاله علماء الجرح في روايات قيس بن أبي حازم في ص 5 من هذا البحث. _، ومالك بن سعير بن الخمس_ كتاب التوحيد، الرواية: 243
ومن أقوال علماء الجرح والتعديل في مالك بن سعير بن الخمس التميمي: " قال أبو زرعة وأبو حاتم: صدوق وقال أبو داود ضعيف ... وقال الدارقطني: صدوق وقال الأزدي عنده مناكير" (تهذيب التهذيب، ت: 6739، ج 10 /ص 15)، وليس في الرواية التي ذكرها مالك بن سعير أي دليل على رؤية المؤمنين لربهم، حيث جاء في الرواية: " فيلقى العبد فيقال: أي قل: ألم أكرمك .... إلى قوله: اليوم أنساك كما نسيتني "._، وإسماعيل بن زكريا الخلقاني_ كتاب التوحيد، الروايات: 277، 278، 279
انظر ما قاله علماء الجرح في إسماعيل بن زكريا في ص 5 من هذا البحث. _، ويعقوب بن محمد بن عيسى الزهري_ كتاب التوحيد، الرواية: 271
ضعف الإمام أحمد يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري. " قال عبد الله بن أحمد عن أبيه ليس بشيء ليس يسوى شيئا ... ". (تهذيب التهذيب، ت: 8155، ج 11 /ص 345)_، ومحمد بن خازم التميمي_ كتاب التوحيد، الرواية: 244 (1/42)
صفحة 43
محمد بن خازم التميمي السعدي مولاهم أبو معاوية الضرير الكوفي. قال ابن حجر: " قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب لا يحفظها حفظا جيدا وقال الدوري عن ابن معين أبو معاوية أثبت في الأعمش من جرير وروى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر مناكير ... وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث يدلس وكان مرجئا ... وقال أبو داود قلت لأحمد كيف حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال فيها أحاديث مضطربة يرفع منها أحاديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم" (تهذيب التهذيب، ت:6090، ج 9 /ص 116- 118)، محمد بن خازم يروي هذه الرواية عن سهيل بن أبي صالح، وبهذا يتبين اضطرابها._، وأسد بن موسى_ كتاب التوحيد، الرواية: 244، 245
قال ابن حجر في أسد بن موسى بن إبراهيم الأموي: "صدوق، يغرب ". (تقريب التهذيب، ت: 400، ج1/ص88) _، وقيس بن الربيع_ كتاب التوحيد، الرواية: 276 (1/43)
صفحة 44
لقد ضعف علماء الجرح روايات قيس بن الربيع "... قال حرب عن أحمد: روى أحاديث منكرة. وقال المروذي: سألت أحمد عنه فلينه وقال: كان وكيع إذا ذكره قال: الله المستعان. وقال البخاري: قال علي: كان وكيع يضعفه. وقال الآجري عن أبي داود: سمعت ابن معين يقول: قيس ليس بشيء ... وقال أحمد بن أبي مريم عن ابن معين: ضعيف لا يكتب حديثه ... وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف الحديث لا يساوى شيئاً. وقال عبد الله بن علي ابن المديني: سألت أبي عنه فضعفه جداً ... وقال الجوزجاني: ساقط. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه فقال: فيه لين ... وقال يعقوب بن أبي شيبة: هو عند جميع أصحابنا صدوق وكتابه صالح، ردي الحفظ جداً ... وقال النسائي: ليس بثقة. وقال في موضع آخر: متروك الحديث ... وقال أبو أحمد الحاكم: ليس حديثه بالقائم. وقال الدارقطني: ضعيف الحديث ...". (تهذيب التهذيب، ت: 5792، ج8/ص339-342)_، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب وعمرو بن عبد الله الشيباني الحضرمي_ كتاب التوحيد، الرواية: 270
انظر ما قاله علماء الجرح في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وعمرو بن عبد الله الشيباني الحضرمي في ص 5 من هذا البحث. _، وإسماعيل بن خزيمة_ كتاب التوحيد، الرواية: 283
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب عدم معرفة الوقت الذي أخذ فيه إسماعيل بن خزيمة عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني الذي اختلط في آخر عمره. _، والحارث بن عبيد الإيادي_ كتاب التوحيد، الرواية:314
ضعف علماء الجرح الحارث بن عبيد الإيادي، قال ابن حجر: " قال أحمد: مضطرب الحديث ... وقال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: ليس بذاك القوي ... وقال ابن حبان: كان ممن كثر وهمه". (تهذيب التهذيب، ت:1093، ج 2 /ص 137 - 138)_، وعباد بن منصور الناجي_ كتاب التوحيد، الرواية:316 (1/44)
صفحة 45
ضعف علماء الجرح عباد بن منصور الناجي، قال ابن حجر: "... قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء وكان يرمى بالقدر، وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم: كان ضعيف الحديث ... وقال النسائي: ليس بحجة، وقال في موضع آخر: ليس بالقوي ... وقال الدارقطني: ليس بالقوي ... ". (تهذيب التهذيب، ت:3249، ج 5 /ص 92 -93)_، ووكيع بن حدس_ كتاب التوحيد، الرواية:253، 254
انظر ما قيل في وكيع بن حدس في ص 5 من هذا البحث._، وحماد بن سلمة_ كتاب التوحيد، الرواية: 255، 258، 259
انظر ما قاله علماء الجرح والتعديل في روايات حماد بن سلمة في ص 5 وما بعدها من هذا البحث. _، والحكم بن أبان_ كتاب التوحيد، الرواية: 273، 274
انظر ما قاله علماء الجرح في الحكم بن أبان في ص 5 من هذا البحث. _، ويحيى بن سليم_ كتاب التوحيد، الرواية: 256
نقل ابن حجر عند ترجمته ليحيى بن سليم الطائفي: " قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: يحيى بن سليم كذا وكذا والله إن حديثه يعني فيه شيء وكأنه لم يحمده ... وقال أبو حاتم: شيخ صالح محله الصدق ولم يكن بالحافظ، يكتب حديثه ولا يحتج به ... وقال النسائي في الكنى: ليس بالقوي. وقال العقيلي: قال أحمد بن حنبل: أتيته فكتبت عنه شيئاً فرأيته يخلط في الأحاديث فتركته وفيه شيء ... ". (تهذيب التهذيب، ت: 7882، ج11/ص196-197) _، وأبي بكر الهذلي_ كتاب التوحيد، الرواية: 267
انظر ما قاله علماء الجرح في أبي بكر الهذلي في ص 5 من هذا البحث. _، وعنعنة أبي إسحاق السبيعي_ كتاب التوحيد، الرواية: 264، 265
انظر ما قاله علماء الجرح في عنعنة أبي إسحاق السبيعي في ص 5 من هذا البحث. _، ومراسيل الحسن البصري_ كتاب التوحيد، الرواية: 266 (1/45)
صفحة 46
هذه الرواية من مراسيل الحسن البصري، وليس فيها دليل على أن الحسن البصري كان يرى رأي المثبتين للرؤية. فقد قال الحسن:" بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل "، ولم يمل الحسن أي رأي حول تلك الرواية التي أرسلها. وأما قول ابن خزيمة: " ففي رواية عوف عن الحسن بيان أنه كان مؤمناً مصدقاً بقلبه مقراً بلسانه، أن المؤمنين يرون خالقهم في الآخرة "، فقول ابن خزيمة هذا لم يأت عليه بدليل، وليس نقل الثقات لروايات غيرهم فيه الدليل على تصديقهم بما ينقلون، فكثير من أئمة الحديث ينقلون عن الضعفاء ما يرفضونه ولا يقبلونه. _، ومراسيل قتادة_ كتاب التوحيد، الرواية:269، 313_، ومحمد بن عمرو بن علقمة_ كتاب التوحيد، الرواية: 284، 317
انظر ما قاله علماء الجرح والتعديل في محمد بن عمرو بن علقمة في ص 5 من هذا البحث. _، وسلمة بن الفضل وعنعنة محمد بن إسحاق بن يسار_ كتاب التوحيد، الرواية: 275
سلمة بن الفضل الأبرش الأنصاري، قال ابن حجر: " ... قال البخاري: عنده مناكير... قال علي: ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديثه ... وقال ابن عدي: عنده غرائب وأفراد، ولم أجد في حديثه حديثا قد جاوز الحد في الإنكار".(تهذيب التهذيب، ت:2599، ج4/ص 138-139)
محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، " صدوق يدلس". (تقريب التهذيب، ت:5743،ج2/ص54) وقد عنعن محمد بن إسحاق في هذه الرواية. _، وتدليس مبارك بن فضالة_ كتاب التوحيد، الرواية:281
لم يصرح المبارك بن فضالة المدلس في هذه الرواية بالسماع عن الحسن البصري. انظر ما قاله علماء الجرح والتعديل في عنعنة المبارك ص 5 من هذا البحث. _، وعنعنة ابن جريج_ كتاب التوحيد، الرواية:286
انظر ما قاله علماء الجرح في عنعنة ابن جريج ص 5 من هذا البحث. _، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر_ كتاب التوحيد، الرواية:315 (1/46)
صفحة 47
شريك بن عبد الله بن أبي نمر، قال ابن حجر: " صدوق، يخطىء ". (تقريب التهذيب، ت:2796، ج1/ص418) _، ورواية معمر بن راشد عن قتادة_ كتاب التوحيد، الرواية:268
رواية معمر بن راشد عن العراقيين ضعيفة، قال ابن حجر: " ... قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلا عن الزهري وابن طاوس فإن حديثه عنهما مستقيم فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا وما عمل في حديث الأعمش شيئاً. وقال يحيى: وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام ". (تهذيب التهذيب، ت:7126، ج10/ص219 -221) _، وجهالة سالم أبي عبيد الله_ كتاب التوحيد، الرواية: 312
سند هذه الرواية هو: " حدثنا محمد بن معمر، قال: ثنا روح، قال: أنبأ سالم، أبو عبيد الله عن عبد الله بن الحرث، بن نوفل، أنه قال:... " . هذه الرواية ضعيفة لجهالة سالم أبي عبيد الله. أما سالم بن أبي سالم الذي ذكره محقق كتاب التوحيد فبينه وبين روح بن عبادة راوٍ آخر. فإن كان سالم هو سالم بن أبي سالم الذي وثقه ابن حبان فإن هذا السند منقطع بين روح وسالم وبهذا يتضح ضعف هذه الرواية المنسوبة إلى عبد الله بن الحارث. _، ورواية ذات سند منقطع_ المرجع السابق، الرواية: 308_.
وأورد روايات موقوفة على ابن أبي ليلى_ المرجع السابق، الروايات: 260، 261،262، 263_، وروايات ضعفها ابن خزيمة نفسه_ المرجع السابق، الروايات: 318، 319، 320، 321
قال ابن خزيمة عن هذه الروايات التي جاء في متنها ( رأيت ربي في أحسن صورة ):
" فليس يثبت من هذه الأخبار شيء، من عند ذكرنا عبد الرحمن بن عائش، إلى هذا الموضع، فبطل الذي ذكرنا لهذه الأسانيد ". (المرجع السابق، ج2/ص 546)_ ، وروايات ليس فيها ذكر للرؤية_ الروايات: 288- 302 ليس فيهن ذكر لرؤية العباد لله تعالى ولكن فيهن ذكر لرؤية الرسول صلى لله عليه وسلم لجبريل عليه السلام. (1/47)
صفحة 48
والرواية: 287 ليس فيها دليل على الرؤية وقد أقر محقق كتاب التوحيد بذلك.
والرواية: 310 ليس فيها ما يدل على رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه سبحانه وتعالى، فقد جاء في الرواية ما يلي: " عن أبي ذر، في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) قال: (رآه بقلبه)، يعني النبي صلى الله عليه وسلم "، وقد تبين من رواية أم المؤمنين عائشة المرفوعة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) أن المرئي هو جبريل عليه السلام.
والرواية: 311 ليس فيها ما يدل على الرؤية أبداً، حيث جاء في الرواية: " عن إبراهيم التيمي، في قوله: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) قال: (رآه بقلبه ولم يره ببصره) "، وقد تبين من رواية أم المؤمنين عائشة المرفوعة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) أن المرئي هو جبريل عليه السلام. _، ورواية تنازع في فهمها وتأويلها مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى أنفسهم_ المرجع السابق، الروايات:246 - 252، 464، 224
راجع أقوال شراح الحديث حول هذه الرواية التي ذكرها ابن خزيمة في ص 5 وما بعدها من هذا البحث. _.
فاحتجاج ابن خزيمة بروايات رؤية الله سبحانه وتعالى الضعيفة هو الخرق للمنهج الإسلامي الذي أقر بمصداقيته ابن خزيمة نفسه. وهو ارتكاب لما لا يحل له فعله حسب قوله وحكمه على كل من احتج بالضعيف من الأخبار حين قال:" ... لا يحل لي أن أسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه خطأ أو تحريف فلا أرده ..."_ طبقات الشافعية، ت: 119، ج3/ص111 _، وحين قال أيضاً: " قد أعلمت ما لا أحصي من مرة أني لا أستحل أن أموه على طلاب العلم بالاحتجاج بالخبر الواهي، وإني خائف من خالقي، جل وعلا إذا موهت على طلاب العلم بالاحتجاج بالأخبار الواهية، وإن كانت حجة لمذهبي "_ كتاب التوحيد، ج2/ص532- 533 _. (1/48)
صفحة 49
فلماذا قبل ابن خزيمة روايات رؤية الله سبحانه وتعالى الضعيفة؟ ولماذا احتج بالضعيف من الأخبار؟
إن هذه المقاييس المزدوجة التي طبقها ابن خزيمة في كتابه ترد على الدكتور صالح الفوزان الذي امتدح ابن خزيمة بقوله: " وهذه ميزة عظيمة فهو لا يقتصر على مجرد النقل عن غيره. لأنه من الرواة الحفاظ النقاد الذين يختارون مما يروون ما هو أصح وأثبت ... "_ المرجع السابق، كلمة الدكتور صالح الفوزان، ص 3 _.
والذي اختاره ابن خزيمة في قضية رؤية الله سبحانه وتعالى الضعيف والواهي من الروايات، ولم يرو الصحيح والثابت، فما فائدة الحفظ إذا تعددت مقاييس النقد حسب الاتجاهات والميول؟ وما قيمة علوم الأمة إذا لم يحتكم إليها في جميع القضايا؟
والتناقضات بين المنهج والتطبيق عند ابن خزيمة ترد على محقق كتابه الذي قال: " كان ابن خزيمة رحمه الله سلفي العقيدة، على طريقة أهل الحديث، يقول بما قاله الصحابة رضي الله عنهم، والتابعون وتابعوهم "_ المرجع السابق، كلمة المحقق، ج1/ص 37 _.
والمتتبع لروايات رؤية الله سبحانه وتعالى التي أوردها ابن خزيمة يجدها ساقطة ومنحرفة عن طريقة أهل الحديث، فكيف يعتد بأقواله وتعتبر من أقوال الصحابة والتابعين؟
وهكذا يسجل ابن خزيمة اسمه في قائمة من خالف فعله قوله، فهل سيبقى المتحمسون لآراء ابن خزيمة يعطلون ميزان الحق عن القيام بوظيفته؟ أم أنهم سيتبعون حكم الميزان الذي حدد مواضع لسانه علماء الأمة؟
2- كتاب الرؤية المنسوب إلى الدارقطني في الميزان
من أشهر الكتب عند مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى الكتاب المسمى بـ(كتاب الرؤية) المنسوب للإمام الدارقطني. جاء في بطن هذا الكتاب حسب ترتيب المحققين مائتان وسبع وثمانون رواية وكلها لا حجة فيها لضعف أسانيدها. (1/49)
صفحة 50
فجميع روايات (كتاب الرؤية) تشترك في سبب واحد للحكم على ضعفها. فقد ذكر المحققان سند النسخة التي حققاها بقولهما: " وهذه النسخة جاءت من رواية جماعة عن الحافظ أبي العلاء العطار بقراءته على الشيخ أبي العز أحمد بن عبيد الله بن محمد بن كادش (العكبراوي) بروايته عن أبي طالب محمد بن علي بن الفتح عن أبي الحسن الدارقطني "_ كتاب الرؤية، ص 85_.
فأبو العز بن كادش وضاع للروايات وقد اعترف هو بنفسه بصنيعه وفعله، جاء في لسان الميزان لابن حجر: " ... من شيوخ ابن عساكر أقر بوضع حديث وتاب وأناب ... وكان مخلطا كذابا لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال. وقال أبو سعيد بن السمعاني: كان ابن ناصر سيء القول فيه. وقال ابن الأنماطي: كان مخلطا. وقال ابن عساكر: قال لي أبو العز بن كادش، وسمع رجلاً قد وضع في حق علي حديثا: ووضعت أنا في حق أبي بكر حديثا، بالله أليس فعلت جيداً؟"_ لسان الميزان، ت: 678، ج 1 /ص 234-235 _.
إن ميزان الحق ومنهج الأمة الإسلامية يأمر المسلمين بنبذ كل ما رواه ونقله الوضاعون والكذابون، وبهذا يجب علينا رد جميع ما سُطر في (كتاب الرؤية) من روايات وذلك بسبب ورودها من قِبَل ابن كادش الوضاع الكذاب.
والناظر في أسانيد ومتون الروايات الواردة في بطن (كتاب الرؤية) يجدها ضعيفة لا تقوم بها حجة ولا يقوم عليها برهان. فبجانب وجود ابن كادش الوضاع في سند جميع الروايات فإن هناك الضعفاء والمجروحين الذين لا يكاد يخلو منهم سند واحد من أسانيد روايات هذا الكتاب.
فمع وضوح العلل في جميع روايات (كتاب الرؤية) إلا أننا نجد المحققين يبرزانه للأمة الإسلامية ويقدمانه لأجيال المسلمين وهما على علم ويقين بمنزلة ابن كادش الوضاع عند علماء الجرح والتعديل. (1/50)
صفحة 51
قال المحققان: " فهذا كتاب الرؤية للحافظ الدارقطني نقدمه بين يديك أخي القارئ، وهو من الكتب التراثية التي كثر اعتناء الأئمة بها، بل إنه احتل مكانة بارزة بينها بما حواه من منهج متميز، صاغته قريحة عالم متميز، فالمصنفات التي تناولت هذا المبحث لا تعدو كونها أجزاء جاءت على هيئة رسائل، أما كتابنا هذا، فقد جمع فأوعى، وأجاد صاحبه فيه، حتى كاد أن يبلغ الغاية "_ كتاب الرؤية، ص 5 _.
وهذه العبارات التي قالها المحققان لا وزن لها في ميزان الحق، ولا قيمة لها عند أهل العلم المتمسكين بمنهج الأمة العادل، وذلك للأسباب الآتية:
1- (كتاب الرؤية) لم يثبت عن الدارقطني_ كتب الأستاذ حسن بن علي السقاف رسالة حول نسبة (كتاب الرؤية) للدارقطني ونشرها بعنوان (البيان الكافي بغلط نسبة كتاب الرؤية للدارقطني بالدليل الوافي)، وألحقها بتحقيقه لكتاب (دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه) . (انظر دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، ص 298 وما بعدها)_ وذلك بسبب أبي العز ابن كادش الوضاع.
2- اعترف المحققان بضعف وبطلان مائة وتسع وخمسين رواية_ الروايات التي وصفها المحققان بالضعف هي: (1/51)
صفحة 52
3، 8، 9، 10، 12، 13، 14، 15، 21، 27، 29، 30، 31، 35، 36، 38، 39، 40، 41، 42، 43، 44، 45، 46، 48، 50، 51، 52، 53، 55، 56، 57، 58، 59، 60، 61، 62، 63، 64، 65، 66، 67، 68، 75، 77، 78، 82، 85، 87، 88، 89، 96، 98، 99، 100، 101، 102، 104، 105، 106، 107، 108، 109، 110، 112، 113، 114، 115، 118، 120، 121، 122، 123، 124، 125، 127، 133، 134، 135، 136، 137، 138، 139، 140، 142، 144، 145، 146، 147، 148، 149، 150، 152، 160، 161، 165، 166، 167، 168، 169، 170، 171، 172، 173، 174، 175، 176، 177، 183، 184، 185، 186، 187، 188، 189، 190، 191، 194، 199، 200، 205، 209، 216، 217، 218، 219، 220، 221، 222، 223، 227، 228، 229، 232، 240، 241، 242، 243، 244، 247، 248، 249، 250، 251، 252، 253، 254، 255، 256، 257، 267، 271، 280، 281، 285، 286، 287، 230، 231 . _ من روايات (كتاب الرؤية).
3- وصف المحققان كثيرا من الروايات بالصحة ولم يعتبرا أسس التضعيف والتصحيح عند دراسة روايات المخلطين والمدلسين؛ فقد صححا روايات جاءت من طريق قيس بن أبي حازم_ كتاب الرؤية، الروايات: 69، 70، 71، 72، 73، 74، 76، 79، 80، 81، 83، 84، 86، 90، 91، 92، 93، 94، 95، 111، 116، 117، 119، 126، 127، 128، 129، 130، 131، 132، 141، 143 _ الذي اختلط في آخر عمره، وروايات من طريق حماد بن سلمة_ المرجع السابق، الروايات: 153، 154، 155، 156، 246 _ الضعيف في الحفظ، وروايات من طريق عنعنة أبي إسحاق السبيعي المدلس_ المرجع السابق، الروايات: 192، 193، 195، 196، 197، 198، 201، 202، 203، 204، 206، 214، 215_، وروايات من طريق عنعنة قتادة المدلس_ المرجع السابق، الروايات:260، 261، 264، 265، 266، 282 _، وروايات من طريق عنعنة الأعمش المدلس_ المرجع السابق، الروايات: 178، 179، 180، 181، 272، 273، 274، 277، 182 (1/52)
صفحة 53
انظر رواية الأعمش في ص 5 وما بعدها من هذا البحث._، ورواية من طريق معمر بن راشد عن العراقيين_ المرجع السابق، الرواية: 245
رواية معمر بن راشد عن العراقيين ضعيفة كما حكم عليها ابن معين. انظر الهامش 145 في ص 5 من هذا البحث._، ورواية من طريق الحكم بن أبان_ كتاب الرؤية، الرواية: 270
لقد ضعف علماء الجرح روايات الحكم، انظر ص 5 من هذا البحث. _ الضعيف في الرواية، ورواية من طريق مجالد بن سعيد بن عمير الضعيف_ كتاب الرؤية، الرواية: 226
مجالد بن سعيد بن عمير " ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره ". (تقريب التهذيب،ت: 6498، ج2/ص159) _، ورواية من طريق الوليد بن مسلم الدمشقي المدلس تدليس التسوية وقد عنعن بين شيخه وشيخ شيخه_ كتاب الرؤية، الرواية: 236 _.
4- في (كتاب الرؤية) روايات_ المرجع السابق، الروايات: 1، 2، 4، 5، 6، 7، 11، 16، 17، 18، 19، 20، 22، 23، 24، 25، 26، 28، 32، 33، 34، 37، 50، 54، 162، 163، 164_ فيهن ذكر مشاهد يوم القيامة قبل دخول الجنة، وفيهن التصريح بمجيء الله سبحانه وتعالى في صورة – والعياذ بالله - للخلق يوم القيامة. وتلك الروايات اضطربت أفهام المثبتين للرؤية في شرحها وبيان معانيها، وقد بينا أقوالهم في صفحة 5 وما بعدها من هذا البحث.
وقد كان على المحققين التزام الأمانة العلمية عند تقديمهما لـ(كتاب الرؤية) لأجيال المسلمين، فليس لأخبار ابن كادش الوضاع أي وزن ولا يصح لأي مسلم وصف رواياته بالصحة مهما كثرت.
3- شرح ابن أبي العز للعقيدة الطحاوية بين المنهج والتطبيق
القارئ لشرح العقيدة الطحاوية، والمتتبع لحال كثير من الروايات المبثوثة فيه، والناظر في أقوال المحققين للكتاب يدرك البعد بين القول والعمل عند ابن أبي العز. (1/53)
صفحة 54
فالشرح لم يخل من ذكر المنهج العلمي الذي يحتكم إليه في ترجيح الروايات، فقد بين ابن أبي العز المنهج بقوله: " وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة، وإنما يتلقاه من قول فلان! وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول ولا ينظر فيها، ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، المنقول إلينا عن الثقات النقلة، الذين تخيرهم النقاد. فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده، بل نقلوا نظمه ومعناه ... "_ شرح العقيدة الطحاوية، ج1/ص296 _.
وبقوله أيضاً: " وطريق أهل السنة: أن لا يعدلوا عن النص الصحيح، ولا يعارضوا بمعقول، ولا قول فلان "_ المرجع السابق، ج2/ص 540 _.
ففي كثير من المواضع لم يلتفت ابن أبي العز لمنهج علماء الأمة في تحقيق الروايات وتتبع حال الرواة. بل قام بالاحتجاج بروايات ضعيفة أسقطها جهابذة علماء الجرح والتعديل، وقد نقل المحققان في كثير من المواضع تضعيف العلماء لرجال أسانيدهن_ صرح المحققان بضعف روايات عديدة ذكرها ابن أبي العز في كتابه. فعلى سبيل المثال انظر ما قاله المحققان في الهوامش والصفحات الآتية:
الجزء الأول: 1- الهامش 1 ص 113، 2- الهامش 1 ص 130، 3- الهامش 1 ص 143، 4- الهامش 2 ص 183، 5- الهامش 2 ص 193، 6- الهامش 1 ص 216، 7- الهامش 4 ص 217، 8- الهامش 5 ص 242-243، 9- الهامش 2 ص 257، 10 – الهامش 5 ص258- 259، 11- الهامش 2 ص 286، 12- الهامش 1 ص 287، 13- الهامش 6 ص 293 –294، 14- الهامش 3 ص 294، 15- الهامش 4 ص 347 –348، 16- الهامش 2 ص 348، 17- الهامش 3 ص 353، 18- الهامش 3 ص 354، 19- الهامش 6 ص 358، 20- الهامش 1 ص 372، 21- الهامش 3 ص 384 . (1/54)
صفحة 55
الجزء الثاني: 22- الهامش 1 ص 405، 23- الهامش 2 ص 416، 24- الهامش 3 ص 416، 25- الهامش 2 ص 417، 26- الهامش 1 ص 424، 27- الهامش 2 ص 428، 28- الهامش 2 ص 432، 29- الهامش 1 ص 436، 30- الهامش 1 ص442، 31- الهامش 3 ص 469، 32- الهامش 5 ص 473، 33- الهامش 1 ص 497، 34- الهامش 1 ص 529، 35- الهامش 2 ص 579، 36- الهامش 3 ص 592، 37- الهامش 2 ص600، 38- الهامش 4 ص 635، 39- الهامش 5 ص 637، 40- الهامش 1 ص 645، 41- الهامش 5 ص 716، 42- الهامش 9 ص 631 ._.
والكتاب يحكي التناقض بين المنهج والتطبيق عند ابن أبي العز ويرد على المحققين اللذين قالا: " وقد أقام ابن أبي العز شرحه هذا على قواعد وأسس مستنبطة من الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة هي غاية في القوة والدقة والإحكام، أخذها عن علماء السلف ابتداء من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين تلقوها عن إمامهم وقدوتهم ومربيهم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام "_ المرجع السابق، ج1/ص13 _.
واللذين قالا:" وقد اعتمد ابن أبي العز – رحمه الله – في شرحه هذا منهج السلف الذي شيد معاقده، وأحكم قواعده أهل العلم ... ودافع عنه بحرارة وقوة ... ونقد المناهج الأخرى المخالفة له ... بأدلة نقلية وعقلية منتزعة من نصوص الكتاب والسنة ... "_ المرجع السابق، ج1/ص 8 _.
فكثرة الروايات الضعيفة المبثوثة في شرح ابن أبي العز دليل على عدم تقيده بالدقة والإحكام عند نقله لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة الكرام رضي الله عنهم. وقواعد أهل العلم ومنهج السلف لم يطبقها الشارح على جميع القضايا التي ناقشها في كتابه. (1/55)
صفحة 56
فنجد ابن أبي العز يُقبل على روايات ضعيفة ويعتمد عليها في إثبات معتقده من غير ذكر لأقوال علماء الجرح والتعديل في رواتها، وعند نقده للروايات التي لا تتفق مع معتقده فإنه لا يألو جهداً في نقل تضعيف علماء الجرح والتعديل لرجالها. فهو عند نقله لروايات رؤية الله سبحانه وتعالى المزعومة لم يقم بالتحقيق والنقد ولم يتقيد بالمنهج الذي يدعو إليه، ولكنه عندما نقل الرواية القائلة: (الإيمان مكمل في القلب، زيادته ونقصانه كفر)، طبق المنهج الصائب، وردها، وبين أقوال علماء الجرح في رجالها _ قال ابن أبي العز عند نقده لهذه الرواية:
" فقد سئل شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير رحمه الله تعالى عن هذا الحديث، فأجاب: بأن الإسناد من أبي الليث إلى أبي مطيع مجهولون لا يعرفون في شيء من كتب التواريخ المشهورة، وأما أبو مطيع، فهو: الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي، ضعفه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي، والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم، وأما أبو المهزم، الراوي عن أبي هريرة، وقد تصحف على الكاتب، واسمه: يزيد بن سفيان، فقد ضعفه أيضاً غير واحد، وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك، وقد اتهمه شعبة بالوضع، حيث قال: لو أعطوه فلسين لحدثهم بسبعين حديثاً !! ".(المرجع السابق، ج 2/ص523) _.
وقال عن رواية أخرى: " وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) فهو حديث ضعيف، قال البزار: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هو في كتب الحديث المعتمدة"_ المرجع السابق، ج2/ص 707 _.
وفي مقابل تطبيقه للمنهج على الروايات التي تخالف آراءه فإنه لم يلتفت إلى أقوال علماء الجرح والتعديل في رجال الروايات الضعيفة التي توافق أفكاره وتوجهاته. (1/56)
صفحة 57
فقد احتج ابن أبي العز بالرواية الضعيفة الآتية:
" بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الرب جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وهو قول الله تعالى: (سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ)، قال: [فينظر إليهم وينظرون إليه ] فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم، ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، وتبقى بركته ونوره [ عليهم في ديارهم ] "_ المرجع السابق، ج1/ص258
اعترف بضعف هذه الرواية المحققان حيث قالا:
" أخرجه ابن ماجه (184) في المقدمة، والزيادتان منه، وأبو نعيم في (الحلية) 6 / 208- 209، والبزار (2253) من حديث جابر بن عبد الله، وفي سنده أبو عاصم العباداني، واسمه عبد الله بن عبيد الله، لين الحديث كما في (التقريب)، وشيخه فيه الفضل بن عيسى الرقاشي: منكر الحديث، وقال البوصيري في (مصباح الزجاجة) ورقة 14/ 1: هذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، وكذا قال الهيثمي في (المجمع) 7/ 98 ...". ( شرح العقيدة الطحاوية،ج1/ص 258-259، هامش 5) _.
وقد نقل ابن أبي العز هذه الرواية في ثلاثة _ المرجع السابق، ج1/ص258 ، ج2/ص433 ، ج2/ص442 _ مواضع من شرحه ولم يقم بالتحقيق الذي اتبعه عند طرحه للروايات التي تخالف أفكاره، بل عد هذه الرواية الضعيفة مما تَثبت بها العقيدة حين قال:" ففي هذا الحديث إثبات صفة الكلام، وإثبات الرؤية، وإثبات العلو "_ المرجع السابق، ج1/ص 259 _. (1/57)
صفحة 58
فإثبات رؤية الله سبحانه وتعالى عند ابن أبي العز بهذه الرواية الضعيفة يحكي المسلك الذي عليه ابن أبي العز مع الروايات_ انظر الروايات التي ذكرها ابن أبي العز أو أشار إليها في شرح العقيدة الطحاوية، ج1/ص 286- 293 _ الضعيفة الأخرى. فقد اعتمد في إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى المزعومة على رواية ثوير بن أبي فاختة الضعيف_ انظر ص 5 من هذا البحث._، ورواية حماد بن سلمة المختلط_ انظر ص 5 من هذا البحث._، ورواية موضوعة_ انظر ص 5 من هذا البحث. _ منسوبة إلى الإمام علي كرم الله وجهه، ورواية ضعيفة منسوبة إلى أنس بن مالك_ انظر ص 5 من هذا البحث._، ورأي منسوب إلى الإمام الشافعي_ انظر ص 5 من هذا البحث._، وحديث الصورة_ انظر ص 5 وما بعدها من هذا البحث._ الذي ليس فيه دليل على رؤية الله سبحانه وتعالى في الجنة والذي اضطربت أفهام المثبتين للرؤية في شرحه، ورواية قيس بن أبي حازم_ انظر ص 5 من هذا البحث._ الذي اختلط في آخر عمره، والرواية المنسوبة إلى عدي بن حاتم_ انظر ص 5 وما بعدها من هذا البحث._ رضي الله عنه والتي جاءت من طريق عنعنة الأعمش المدلس.
وقد أورد ابن أبي العز ادعاءات من سبقه من مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى ولم يأت عليها ببرهان، وردد عنهم القول: " وأما الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم الدالة على الرؤية، فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمساند والسنن "_ شرح العقيدة الطحاوية، ج1/ص 291 _.
وقال أيضاً:" وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابياً، ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرسول قالها "_ المرجع السابق، ج1/ص293 _.
إن أقوال علماء الجرح والتعديل في رجال جميع الروايات التي أشار إليها ابن أبي العز ترد هذا الادعاء الذي سطره في شرحه، وستأتي في هذا البحث– إن شاء الله تعالى – الأدلة على عدم صحة أقوال ابن أبي العز وغيره. (1/58)
صفحة 59
ولم يكتف ابن أبي العز بالادعاء الذي تبطله أقوال علماء الأمة، بل وصل به الحال إلى نفي طيب العيش في جنات الخلد إذا خلت من رؤية الله سبحانه وتعالى. فقد قال: " فأفضل نعيم أهل الجنة رؤية وجهه تبارك وتعالى، وتكليمه لهم، فإنكار ذلك إنكار لروح الجنة، وأعلى نعيمها، وأفضله الذي ما طابت لأهلها إلا به "_ المرجع السابق، ج1/ص259 _.
فليس لأي إنسان إثبات ما نفاه القرآن الكريم والسنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وليس لأي إنسان نفي ما أثبته القرآن والسنة النبوية. ولكن ابن أبي العز خالف الجميع وسمع الكذابين والضعفاء والمتروكين فأثبت الضعيف من الروايات، ونفى ما قاله الله تعالى في محكم كتابه العزيز عن نعيم أهل الجنة وطيب عيشهم، وشغلهم الدائم بأنواع النعم التي لا تنقطع.
لقد خالف ابن أبي العز المنهج الداعي إلى إثبات ما أثبته الله ونفي ما نفاه الله تعالى، فجاءت أقواله معبرة عن البون الشاسع الذي يفصله عن المنهج الذي يُحتكم إليه في قضايا العقيدة الإسلامية.
وأدعو العاكفين على قراءة كتاب (شرح العقيدة الطحاوية) الذي ألفه ابن أبي العز إلى دراسة جميع الروايات التي أوردها المؤلف ومعرفة حالها قبل الاقتناع بما سطره ابن أبي العز من أقوال.
وعندما يتحلى القارئ بالمنهج الذي يدعو إليه ابن أبي العز، ويتخلى عن قلائد التقليد الأعمى التي لبسها ابن أبي العز فإنه لا محالة سيصل بإذن الله إلى اعتقاد نفي رؤية العباد لله تعالى في الدنيا والآخرة.
4- (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) بين المنهج والتطبيق
إن الذي يثلج الصدر ويبعث في النفس أمل الوحدة والاجتماع بين طوائف أمة الإسلام هو المنهج الذي يتبناه الجميع ويدعو إليه علماء الأمة الإسلامية. (1/59)
صفحة 60
وكتاب (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية لبعض من علماء نجد الأعلام) يحوى الدعوة إلى تطبيق منهج الأمة في كل القضايا التي تهم حياة المسلم. فقد قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: " وإذا تنازع الناس في مسألة من المسائل الأصولية والفروعية فالصواب والحق مع من كان الدليل معه كائناً من كان "_ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، ج4/ص 97 – 98 _.
وقال أيضاً: " ومجرد رواية بعض أهل الكتب لا توجب صحته، لأن كثيراً من أهل الكتب يروون في كتبهم الصحيح والحسن والضعيف والموضوع. وذلك لأنهم يميزون بين الحديث الذي تقوم به الحجة مما لا تقوم به الحجة. ولهذا كانوا يخرجون في كتبهم جميع الأحاديث الصحيحة والضعيفة والحسنة والموضوعة، وأهل الخبرة بالحديث وعلله ورجاله يميزون الحديث الصحيح من غيره "_ المرجع السابق، ج4/ص 189-190 _.
فهذا القول الذي قاله الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب يبين المعالم التي تحدد الخطوط التي ينبغي للمسلم السير عليها عند البحث في كتب الأوائل وخاصة كتب الحديث. فكل ما قُطِع بثبوته وصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم يجب اتباعه وتطبيقه في تصورات المسلم الفكرية وحياته العملية. وأما الضعيف من الأقوال فيجب ردها ولو وجدت في كتب الأعلام من أئمة الحديث.
وزاد الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن قول الشيخ عبد الله بن محمد إيضاحاً بقوله: " وكل هذا البيان أخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برواية الثقات العدول عن مثلهم إلى أن تنتهي السنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أهمل هذا وأضاعه فقد سد على نفسه باب العلم والإيمان ومعرفة معاني التنزيل والقرآن "_ المرجع السابق، ج3 /ص12-13 _.
وقال الشيخ عبد اللطيف أيضاً: " وليس لأحد بلغته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح عنده الحديث أن يعدل إلى غيره لرأي أحد من الناس كائناً من كان "_ المرجع السابق، ج3/ص 217 _. (1/60)
صفحة 61
وقال أيضاًَ: " ولا يقبل في نقل الأقوال والأحكام إلا العدول الثقات الضابطون من الأنام ومن استصحب هذا استراح عن البحث فيما ينقل إليه ويسمع، ولم يلتفت إلى أكثر ما يختلف فيه ويصنع، وكان من أمره على منهاج واضح ومشرع "_ المرجع السابق، ج3/ص379 _.
فروايات الثقات العدول هي مطلب طلاب الحق وهي ضالة كل مؤمن يسعى نحو معرفة أصول الدين وقواعد الشرع بأدلتها الثابتة. ومن الإضاعة للعلم الركون إلى الدعاوى الباطلة واتباع أقوال الرجال من غير بينة ولا برهان. فالتقليد الأعمى منبوذ عند الجميع، وأما " قول من يقول: استعملها من هو أعلم منا بكلام العرب، فبئس الحجة الواهية، والله لم يأمرنا باتباع من رأيناه أعلم منا، وإنما أوجب علينا عند التنازع الرد إلى كتابه وسنة نبيه، قال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) خاصة في أصول الدين، فإنه لا يجوز التقليد فيها بإجماع العلماء، ولأن أدلته ولله الحمد ظاهرة، ولم يقل سبحانه فإن تنازعتم في شيء فاتبعوا ما عليه أكثر الناس ولا ما عليه بلد من البلدان"_ المرجع السابق، ج5/ص 529 _.
ويلخص الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المنهج الذي يجب اتباعه بقوله: " والمتعين على الإنسان معرفة الحق بدليله، فإذا عرف الحق بالأدلة الشرعية عرض أعمال الناس عليه، فما وافق الحق عرفه وقبله، وما خالفه رده، ولا يغتر بكثرة المخالف "_ المرجع السابق، ج5/ص 479 _.
فالمنهج الذي يدعو إلى تتبع الثابت من الأدلة وتطبيقها في ميادين العلم يدعو أيضاً إلى التجرد من التقليد الأعمى لأقوال الرجال، وقد بين الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر الحنبلي قول علماء الإسلام حول التقليد بقوله: (1/61)
صفحة 62
"وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولون. فقال أبو حنيفة: علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه. وقال معن بن عيسى: سمعت مالكاً يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي، فكل ما خالف الكتاب والسنة فاتركوه. وقال ابن القاسم كان مالك يكثر أن يقول: (إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ)، وقال الشافعي: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة على الطريق فهي قولي. والإمام أحمد كان يقول: لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكاً ولا الشافعي ولا الثوري، وتعلموا كما تعلمنا. وكان يقول: من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال. وقال: لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا. وقال ابن عبد البر: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدوداً من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله"_ المرجع السابق، ج2/ فتاوى الشيخ حمد بن ناصر، ص3 _.
فالتحلي بالمنهج الذي صرح به الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب وغيره، والتخلي عن التقليد الأعمى الذي بينه الشيخ حمد بن ناصر هما ركنان من أركان البحث العلمي الذي يدعو إليه ديننا الحنيف.
هل طُبق المنهج على روايات رؤية الله سبحانه وتعالى؟
إن الدعوة إلى البحث عن الأدلة الصحيحة، والدعوة إلى اتباع الصحيح الثابت من الأدلة لم تقتصر على فئة دون فئة، بل هي دعوة الإسلام التي تفتخر بها الحضارة الإسلامية على جميع حضارات الأمم الأخرى. والذي ميز الفئات بعضها عن بعض، والأفراد بعضهم عن بعض، هو التطبيق العملي للمبادئ التي أمر بها الشرع وحث عليها الإسلام.
والسؤال الذي نكرره: هل طُبق المنهج الذي ذكرناه هنا عند دراسة قضية رؤية الله سبحانه وتعالى؟ (1/62)
صفحة 63
الجواب: لا، لم يُطبق المنهج الذي دعا إليه من نقلنا أقوالهم هنا. فقد انتشرت في أوساطهم وأوساط تلاميذهم من بعدهم فكرة رؤية العباد لله تعالى من غير تطبيق عملي للمنهج الذي أفصح عنه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب وغيره.
فجميع البحوث التي تناولت قضية رؤية الله سبحانه وتعالى لم يتحل أصحابها بالمنهج الذي يدعو إليه أئمة الإسلام، ولم يتخل أصحابها عن التقليد الأعمى لمن سبقهم من الرجال. وهذا النشاز بين المنهج والتطبيق واضح جلي لكل من تتبع تلك البحوث_ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، ج5/ص 702- 708 _ في (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية).
فقد تحلى أحدهم بالتقليد المذموم وتخلى عن المنهج الإسلامي الداعي إلى التحقيق في الروايات والأخبار، فجاءت نتيجة هذا المسلك دعاوى باطلة زائفة تمجها أسماع العارفين للميزان العادل الذي يقبل الحق بأدلته ويرفض الباطل.
فقد قلد أحدهم ابنَ القيم تقليداً أعمى ونقل عنه ما يأتي:
" وقد اتفق على الرؤية الأنبياء والمرسلون، وجميع الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع والمارقون، والجهمية المهوكون، والفرعونيون المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، وعن حبل الله منقطعون، ولكل عدو لله ورسوله ولأمته مسالمون. كل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون، أولئك أحزاب الضلال شيعة اللعين"_ المرجع السابق، ج5/ص700 ، أصل هذا الكلام منقول عن ابن القيم (حادي الأرواح، ص 341 )_.
وهذه الأقوال حجة من لا حجة معه، ومسلك يلجأ إليه المُقَلَّدون في تنفير المقَلِّدين بوصف كل من خالفهم في هذه القضية بالبدع والمروق وبالتهوك والانسلاخ من الدين!!. (1/63)
صفحة 64
وهذه النزعة التقليدية يرفضها المنهج الذي يقر به النافون والمثبتون للرؤية والذي عبر عنه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بقوله: " هذا مما يدل على إنصاف أهل السنة والجماعة ونصحهم لله ولرسوله ولدينه، خصوصاً أئمة الحديث وجهابذته. وذلك أنه دين فلا يجوز لهم الأخذ عن كل من روى الحديث حتى يعرفوا حاله هل هو ثقة حافظ ضابط لما يرويه؟ وهل هو من أهل السنة أو من أهل البدعة؟ فإذا عرفوا الرجل بالكذب بينوا حاله، وإذا عرفوه بالبدعة بينوا حاله، فإذا عرفوا أن الرجل ثقة أخذوا عنه، وقبلوا حديثه. ولو كان من أهل البدع، وإذا كان الرجل قليل الضبط أو معروفاً بالكذب أو بالتخليط أو الاضطراب في حديثه تركوا حديثه_ روايات الرؤية جاءت من طرق رجال تنطبق عليهم أسباب التضعيف التي ذُكرت هنا، كما سيتبين في هذا البحث إن شاء الله تعالى._، وبينوا حاله"_ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، ج4/ص63 _.
والحق الذي يجب أن يعترف به الجميع أن المثبتين للرؤية لم يتقيدوا بالمبادئ التي سطرها قلم الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب هنا، ولم يتبعوا أسس ومبادئ علم الحديث عند ذكرهم لروايات رؤية الله سبحانه وتعالى الضعيفة، بل قلدوا من سبقهم بلا حجة ولا برهان.
بعض رجال أسانيد روايات رؤية الله سبحانه وتعالى المزعومة يصدق عليهم قول الشيخ عبد الله بن محمد؛ فمنهم الكذابون والمخلطون والمضطربون، وإن شاء الله تعالى سنذكر أقوال علماء الجرح والتعديل في حق من أورد روايات رؤية الله سبحانه وتعالى المزعومة.
وأسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه، وألا يجعلنا ممن يقولون ما لا يفعلون. وأدعو المسلمين كافة إلى البحث عن الحق من مصادره ونبذ تقليد الرجال، فلن يبقى للمسلم إلا ما أُسس على الدليل الثابت من القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. (1/64)
صفحة 65
وأخيراً أُذَكِّر بما قاله الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر الحنبلي: " وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه، بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه وترك القول الذي ترجحت حجته. وأما الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة واتباع هوى فهذا مذموم "_ المرجع السابق، ج2/ فتاوى حمد بن ناصر، ص 12 _.
5- المنهج والتطبيق عند الدكتور أحمد بن ناصر آل حمد
إن المنهج الإسلامي في دراسة الأدلة الواردة في قضايا العقيدة لم يطبقه مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى وإن ساهم معظمهم في إيضاحه وبيانه وتحقيق مسائله. وبسبب تعطيل المنهج عن القيام بدوره تتابعت أجيال مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى في سلك الادعاءات ودروب الضعفاء والمتروكين من الرواة والمحدثين. وكتابات مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى في هذا العصر صورة لا تختلف ملامحها عن تلك التي عرضها من سبقهم من الكتاب، فقد جاءت كتاباتهم لترويج الأخبار الضعيفة والروايات الساقطة مع اعترافهم بقيمة المنهج الإسلامي الذي يقرون بهيمنته وسلطانه على عقول المسلمين.
فكتاب (رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها) الذي ألفه الدكتور أحمد بن ناصر بن محمد آل حمد يحكي البعد الشاسع بين المنهج والتطبيق عند من يعتقد رؤية العباد لله سبحانه وتعالى. فقد سطر صاحب هذا الكتاب وأشار إلى الروايات الضعيفة في سياق احتجاجاته ولم يلتفت إلى أحكام المنهج الذي دعا إلى تطبيقه.
قال آل حمد: " ... وقد جاءت الأخبار الصحيحة بإثباتها فيجب إجراؤها على ظاهرها من غير تأويل أو تحريف "_ رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، ص 217 _.
وقال أيضاً: " ثم إن الثابت بالنصوص الصحيحة إثبات الرؤية لله تعالى كرؤية الشمس والقمر ... "_ المرجع السابق، ص 61 _. (1/65)
صفحة 66
وقال أيضاً: "... والمثبتون وإن لم تكن كل أدلتهم العقلية كافية في الدلالة على المطلوب، إلا أنها مؤيدة بالأدلة السمعية القوية التي توصلنا إلى المطلوب من جواز رؤية الله تعالى "_ المرجع السابق، ص 124 _.
وقال أيضاً: " ولكن ثبت بالأخبار التي بلغت حد التواتر المعنوي عن المصطفى – صلى الله عليه وسلم -، رؤية المؤمنين لربهم تبارك وتعالى في الدار الآخرة، لهذا ذهب جمهور المفسرين إلى تفسير حجب الكفار عن ربهم في الآية بالمنع من رؤيته، فمفهوم الآية يدل على ما دل عليه صريح الآيات المثبتة لرؤية المؤمنين لربهم والأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها بين علماء السنة والحديث كذلك فيها النص الصريح على رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة "_ المرجع السابق، ص 222 _.
وقال أيضاً: " ودلالة الأحاديث على هذا صريحة لا تحتمل التأويل وبعضها يفسر بعضاً ويبين المقصود من الآخر، وهي صحيحة لا تقبل الرد، اتفق على صحتها جميع المحدثين، ولم يتعرض لتأويلها أو ردها إلا بعض الفرق ... "_ المرجع السابق، ص 225 _.
هذه الكلمات التي نثرها الدكتور آل حمد في كتابه لم يأت بما يؤيدها من روايات سوى ادعاءات وأخبار ضعيفة ونقولات لا قيمة لها في ميزان الحق.
وقد عبر الدكتور آل حمد عن منهجه في دراسة قضية رؤية الله سبحانه وتعالى بقوله: " ... فأردت أن ألم شتات هذا الموضوع، وأن أحقق الكلام فيه محاولاً قدر استطاعتي استقصاء الأقوال ومناقشتها، لا على جهة التعصب لمذهب، وإنما بحثاً للحق وتأييداً له "_ المرجع السابق، ص 11 _.
لم يلتفت الدكتور أحمد آل حمد لهذا القول ولم يعطه أي اهتمام، ولم يحقق أدلة رؤية الله سبحانه وتعالى الواردة في كتب الحديث، ولم يستقص الأقوال الواردة في تجريح الرواة وتعديلهم، ولم يقم بلم شتات هذا الموضوع. فكيف يبحث الدكتور آل حمد عن الحق وهو لم يتسلح بميزان الحق الذي عرفته الأمة الإسلامية وسطرت معالمه أقلام علمائها عبر القرون الماضية؟ (1/66)
صفحة 67
ولم يكتف الدكتور آل حمد بالادعاء بل احتج بالروايات الضعيفة ولم يقم بالتحقيق الذي أعلن عنه في كتابه، فقد أورد الروايات من غير تحقيق ولا دراسة.
وأمثلة ذلك الرواية التي فيها: " تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت "_ المرجع السابق، ص 43، وكذلك ص 137
لقد ناقشنا أسانيد هذه الرواية في ص 5 وما بعدها من هذا البحث. _.
والرواية التي فيها: " رأيت ربي في أحسن صورة "_ رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، ص 175
قال الإمام الدارقطني بعد أن ذكر طرق هذه الرواية: " ... ليس فيها صحيح وكلها مضطربة ". (انظر العلل الواردة في الأحاديث النبوية، ج6/ص54-57)
وانظر كذلك قول ابن خزيمة حول هذه الرواية في الهامش 149 في ص 5 من هذا البحث.
ولقد بين الأستاذ حسن السقاف ضعف هذه الرواية في رسالة مختصرة وأخرجها بعنوان (أقوال الحفاظ المنثورة لبيان وضع حديث رأيت ربي في أحسن صورة) وألحقها بتحقيقه لكتاب (دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه)، انظر (دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، ص 279 وما بعدها) _.
وغيرهما من الروايات التي سيتبين ضعفها في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
ولقد دخل الدكتور أحمد آل حمد بكل نشاط وإقدام في كتابة بحثه الذي ابتدأه بقوله: " وإنه لشرف عظيم أن يخوض مثلي هذه المعارك الطاحنة بين أولئك الأبطال "_ رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، ص 10
_.
فابتعاد الدكتور آل حمد عن المنهج المستقيم في دراسة الأدلة خلف عنده القلق النفسي فحسب نفسه في معركة نهايتها الطحن ونتيجتها الشرف العظيم!!.
نسأل الدكتور آل حمد: ما مصير من دخل " المعارك الطاحنة " بين الأبطال وهو صفر اليدين من السلاح؟!. (1/67)
صفحة 68
إن المنهج الإسلامي رحمة لعباد الله وطريق آمنة لكل من سلكها، تلتقي تحت ظل أجنحة ملائكة الرحمن أفئدة المعلمين العارفين وطلاب العلم المخلصين، ويتدارس الجميع فنون العلم في ود وحب وإحسان. ومنهج الإسلام يجنب أتباعه " المعارك الطاحنة " ويدعوهم إلى رياض الجنان الوارفة.
فعلى الدكتور أحمد آل حمد الاستشفاء بمنهج الأمة الإسلامية، وتطبيق ما سطره علماء الإسلام من قواعد وأسس، وعليه أن يطلب الشرف العظيم بعرض الحق بأدلته على أجيال المسلمين، وعليه تجنيب نفسه وأبناء أمته شر " المعارك الطاحنة ".
ملخص القسم الأول
في خاتمة هذا القسم نلخص ما ذُكر في النقاط الآتية:
? إن من مميزات أمة التوحيد ومن خصائصها الإتيان بالقول ومعه العمل، والقيام بالدعوة ومعها التطبيق.
? والمنهج الإسلامي الذي يحكم تصورات الناس العقدية ومسالكهم العملية جعله الإسلام الحنيف ميزاناً تحتكم لعدالته الأمم والجماعات والأفراد.
? والذين ادعوا ثبوت رؤية العباد لله تعالى في الآخرة أسهموا إسهامات في تأصيل علوم الحديث واللغة وأصول الدين، ولكن الحظ لم يحالفهم في تطبيقها على روايات رؤية الله سبحانه وتعالى الضعيفة الكثيرة التي اعتبروها صحيحة ومتواترة.
? وبسبب التقليد الأعمى لأقوال الرجال، وبسبب الاحتكام إلى الموروثات الفكرية التي لا أصل لها، وبسبب التقاصر عن تطبيق المنهج الإسلامي دبت فكرة رؤية العباد لله سبحانه وتعالى بين أجيال معتقديها وتغلغلت في نفوسهم.
? والمتتبع لأقوال المثبتين للرؤية في كتب التفسير وشروح الحديث والعقيدة يجد البعد الشاسع والبون الواسع بين الدعوة والتطبيق؛ ففي الوقت الذي يضعفون فيه رواة روايات رؤية الله سبحانه وتعالى نجدهم يلجأون إليهم في تمرير فكرة رؤية الله سبحانه وتعالى المزعومة. (1/68)
صفحة 69
? وحينما تُهجر أسس وقواعد العلوم، وحينما تُبنى التصورات الفكرية على الادعاءات التي لا أصل لها ولا برهان، فإن الخلاف المذموم بين طوائف المسلمين ستتسع آفاقه وستتعمق جذوره ولن يحد نموه إلا العودة الصادقة إلى المنهج العادل، ولن تتجمع طوائف المسلمين إلا إذا تواصوا بوزن أقوال الماضين بالميزان الذي لا يحيد لسانه.
? وما تشهده أوساط المجتمعات المسلمة من تنابز بالألقاب، وما تصدره أفواه الناس من أحكام جائرة، سببه التخلي عن منهج الإسلام الذي يدعو إلى رص الصفوف وترجمة المبادئ والأسس في ميادين الحياة.
? والقسم الأول من هذا البحث يبرهن على أن اتباع المنهج الإسلامي دعوة كل مسلم غيور على قيم دينه، وأما القسم الثاني من هذا البحث فهو تطبيق عملي للمنهج الإسلامي.
القسم الثاني
روايات رؤية الله سبحانه وتعالى في الميزان
إن الباحث مهما ارتفع صيته في ميادين العلم، ومهما عظم شأنه في أوساط العلماء لا يمكن له أن يأتي بنتائج توافق الحق والصواب إلا إذا ربط العلوم بعضها ببعض. والوصول إلى التفسير الصحيح لآيات كتاب الله تعالى هو نتيجة ارتباط وثيق بين علوم اللغة والفقه والأصول والحديث.
والروايات الحديثية التي استعان بها مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى والنافون لها أخذت حيزاً واسعاً من صفحات كتب التفسير وشروح الحديث واهتم بتسطيرها جميع من ناقش مسألة رؤية العباد لله سبحانه وتعالى.
وفي هذا القسم من هذا البحث سنعرض روايات المثبتين للرؤية والنافين لها على المنهج الذي ينبغي للفريقين تطبيقه والاحتكام إليه، عسى أن تستيقظ النفوس وترد كل ما خالف العقيدة الصحيحة وتأخذ الحق من مصادره الصافية.
وهذا القسم يناقش الروايات التي استعان بها الفريقان عند تفسيرهم لقوله تعالى:(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).
وقوله تعالى: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ). (1/69)
صفحة 70
وقوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ).
وقوله تعالى:(كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ).
وقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ).
وقوله تعالى: ( قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي).
وكذلك يعرض هذا القسم أقوال المثبتين للرؤية المضطربة عند شرحهم لحديث الصورة.
روايات في تفسير قوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)
روى الإمام الطبري في تفسيره روايات متعددة حول تفسير قوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، وبين اختلاف الأقوال حسب الروايات الواردة في التفسير.
فقد قال: " اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: أنها تنظر إلى ربها ... وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها تنتظر الثواب من ربها "_ تفسير الطبري، ج29/ص192 _.
والروايات التي سطرها الإمام ابن جرير وغيره لكلا الفريقين، المثبتين للرؤية والنافين لها، لا بد من عرضها على منهج الجرح والتعديل لكي يتبين بالدليل الثابت القول الصحيح في تفسير هذه الآية الكريمة.
أولاً : روايات المثبتين للرؤية
1- الرواية المرفوعة من طريق عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
قال الترمذي:
" حدثنا عبد بن حميد، أخبرني شبابة، عن إسرائيل، عن ثوير قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)". (1/70)
صفحة 71
أخرج هذه الرواية الترمذي_ سنن الترمذي، الرواية:2553، ج4 /ص688 والرواية: 3330، ج 5/ص431_، والطبري_ تفسير الطبري، ج29/ص193 _، والحاكم_ المستدرك، الرواية:3880، ج2 /ص553 _، وأبو يعلى_ مسند أبي يعلى، الرواية: 5712، ج10 /ص76-77 والرواية: 5729،ج10/ص96- 97_، والإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد، الرواية: 4623، ص382 والرواية: 5317، ص420 _، وعبد بن حميد_ مسند عبد بن حميد، الرواية: 819، ص260 _، وابن أبي شيبة_ مصنف ابن أبي شيبة، ج8/ص74 _.
وذكر هذه الرواية واحتج بها ابن كثير_ تفسير ابن كثير، ج7/ص171 _، والشوكاني_ فتح القدير، ج5/ص452 _، والقرطبي_ تفسير القرطبي، ج19/ص70 _، والجلال السيوطي _ الدر المنثور، ج6/ص470 _، والألوسي_ تفسير الألوسي، ج15/ص161_، والثعالبي_ تفسير الثعالبي، ج2/ص49 _، وإسماعيل حقي البروسوي _ روح البيان، ج10/ص252
حيث قال بعد أن ذكر هذه الرواية: " فقد فسر النظر بنظر العين والرؤية فظهر أن المخالف اتبع رأيه وهواه ". _، والبغوي_ تفسير البغوي، ج4/ص392 _، وابن تيمية_ الفتاوى الكبرى، ج6/ص424 _، وابن أبي العز_ شرح العقيدة الطحاوية، ج1/ص286 _، وابن القيم_ حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، ج13/ص53 _.
هذه الرواية لا حجة فيها لأحد وذلك لورودها من قِبَل ثوير بن أبي فاختة الهاشمي أبي الجهم الكوفي مولى أم هانئ: (1/71)
صفحة 72
قال ابن حجر: " قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وكان سفيان يحدث عنه. وقال محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي، عن أبيه، قال سفيان الثوري: كان ثوير من أركان الكذب. وقال عبد الله بن أحمد: سئل أبي عن ثوير بن أبي فاختة، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم فقال: ما أقرب بعضهم من بعض ... وقال الدوري، عن ابن معين: ليس بشيء. وقال بن أبي خيثمة، وغيره عن يحيى: ضعيف. وقال إبراهيم الجوزجاني: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: ليس بذاك القوي. وقال أبو حاتم: ضعيف مقارب لهلال بن خباب، وحكيم بن جبير. وقال النسائي: ليس بثقة وقال الدارقطني: متروك ... قال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال يعقوب بن سفيان: لين الحديث. وقال علي بن الجنيد: متروك. وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، حتى يجيء في روايته أشياء كأنها موضوعة. وقال الآجري، عن أبي داود: ضرب ابن مهدي على حديثه. وحكى ابن الجوزي في (الضعفاء) عن الجوزجاني أنه قال: ليس بثقة "_ تهذيب التهذيب، ت:916، ج2 /ص33_.
وقال ابن حجر في حق رواية الرؤية التي جاءت من طريق ثوير: " وقد يستشهد لذلك بما أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر رفعه ... وفي سنده ضعف"_ فتح الباري، ج2 /ص222 _. وقال في موضع آخر من الفتح: " وقال الحاكم بعد تخريجه: ثوير لم ينقم عليه إلا التشيع. قلت: لا أعلم أحداً صرح بتوثيقه، بل أطبقوا على تضعيفه، وقال ابن عدي: الضعف على أحاديثه بين"_ المرجع السابق، ج15 /ص386 _.
ومن أقوال علماء الجرح في ثوير بن أبي فاختة يتبين لكل طالب حق ضعف هذه الرواية وتظهر براءة الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله عنهما مما نسب إليه. ويظهر كذلك ضعف تفسير الآية الكريمة بما ذهب إليه مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى. (1/72)
صفحة 73
وهذا الضعف الظاهر في سند هذه الرواية لم يلتفت إليه مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى عند احتجاجهم بها على سعة اطلاعهم وعلو قدرهم في علم الجرح والتعديل. فقد قال الألوسي عند احتجاجه بهذه الرواية: " والذي يقطع الشغب ويدق في فروة من أخس الطلب ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي والدارقطني وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي ... وغيرهم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما "_ تفسير الألوسي، ج15/ص161 _. فهذا القول الذي قاله الألوسي لا يقره أحد أبداً، إذ الأحاديث الضعيفة لا يقطع بها شغبا ولا تقوم بها حجة ولا يجوز نسبتها_ ومما قاله الألوسي: " فهو تفسير منه عليه الصلاة والسلام: ومن المعلوم أنه أعلم الأولين والآخرين لا سيما بما أنزل عليه من كلام رب العالمين ". (المرجع السابق، ج15/ص161)
هذا التفسير لم يثبت عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كما تبين. والحمد لله رب العالمين._ للرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم وإن رواها أئمة الحديث.
وجاءت هذه الرواية المنسوبة إلى ابن عمر عند الطبري بسند آخر: " قال [ أبو كريب ]: ثنا ابن يمان، قال: ثنا أشجع، عن أبي الصهباء الموصلي ... "_ تفسير الطبري، ج29/ص193 _.
هذه الرواية من هذا الطريق ضعيفة لورودها من قبل ابن اليمان.
ابن اليمان: هو يحيى بن يمان العجلي، أبو زكريا الكوفي (1/73)
صفحة 74
قال ابن حجر: " ... قال أبو بكر بن عياش: ذاك راهب يعني لعبادته. وقال زكريا الساجي: ضعفه أحمد. وقال: حدث عن الثوري بعجائب، وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد: ليس بحجة. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ليس بثبت، لم يكن يبالي أي شيء حدث، كان يتوهم الحديث ... وقال الآجري عن أبي داود: يخطىء في الأحاديث ويقلبها، وقال النسائي: ليس بالقوي ... وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ وهو في نفسه لا يعتمد الكذب إلا أنه يخطىء ويشتبه عليه، وقال العجلي: كان من كبار أصحاب الثوري وكان ثقة جائز الحديث، متعبدا معروفا بالحديث صدوقا إلا أنه فلج بآخره فتغير حفظه، وكان فقيرا صبورا. وقال يعقوب بن شيبة أيضا: يحيى بن يمان ثقة أحد أصحاب سفيان، وهو يخطىء كثيرا في حديثه، وقال ابن أبي شيبة: كان سريع الحفظ سريع النسيان "_ تهذيب التهذيب، ت:8000، ج 11 /ص 265 –266_.
إن توجيه معاني آيات الله تعالى لتتوافق مع الضعيف من الأخبار لا يتفق مع منهج الإسلام، فلا بد من نبذ الأخبار الواهية والضعيفة والأخذ بما ثبت من الأدلة في تفسير آيات الله البينات.
ولما تُرك علم الجرح والتعديل بعيداً عن التطبيق وجدت الروايات الضعيفة طريقاً ممهداً إلى كتابات الشراح والمفسرين، وأخذت تلك الروايات الضعيفة توجه الأقلام صوب معان لا أصل لها ولا دليل. فقد قال ابن عبد البر: "... لم يكن لقوله: ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) وجه إلا النظر إليه في القيامة على ما جاء في الآثار الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهل اللسان، وجعل الله عز وجل الرؤية لأوليائه يوم القيامة "_ التمهيد، ج 3/ص 289 _.
ما كان لابن عبد البر ليقول هذا القول لو أنه عض على منهج الأمة بنواجذه عند عرضه لهذه الادعاءات. (1/74)
صفحة 75
فالآثار التي عدها ابن عبد البر هنا صحيحة لم يثبت منها شيء، والتفسير الذي اعتمده هنا باطل لوروده من قبل الضعفاء والمدلسين والكذابين كما سيتبين في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
2- الرواية المنسوبة إلى عكرمة مولى ابن عباس
قال الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج29/ص192_:
" حدثنا محمد بن منصور الطوسي، وإبراهيم بن سعيد الجوهري قالا: ثنا علي بن الحسن بن شقيق، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) قال: تنظر إلى ربها نظرا ".
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب حسين بن واقد أبي علي المروزي، فقد قال العقيلي: " ... حدثنا أحمد بن أصرم بن خزيمة، قال: سمعت أحمد بن حنبل، وقيل له في حديث أيوب بن نافع، عن ابن عمر عن النبي عليه السلام في الملبَّقة فأنكره أبو عبد الله، وقال: من روى هذا؟ قيل له: الحسين بن واقد، فقال بيده، وحرك رأسه، كأنه لم يرضه.
حدثني الخضر بن داود، قال: حدثنا أحمد بن محمد، قال ذكر أبو عبد الله حسين بن واقد فقال: وأحاديث حسين ما أرى أي شيء هي ونفض يده"_ كتاب الضعفاء الكبير ، ت: 300، ج1 /ص 251 _.
هذه الرواية التي نقلها واحتج بها القرطبي_ تفسير القرطبي، ج19/ص70 _، والسيوطي_ الدر المنثور، ج6/ص469 _، وابن أبي العز_ شرح العقيدة الطحاوية، ج1/ص287 _، ليس فيها أي دليل على رؤية الله سبحانه وتعالى لضعف حسين بن واقد المروزي.
3- الرواية المنسوبة إلى الحسن البصري
قال الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج29/ص192 _:
" حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: ثنا آدم، قال: ثنا المبارك، عن الحسن، في قوله (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ) قال: حسنة (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) قال: تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق ".
هذه الرواية من هذا الطريق ضعيفة لورودها من قِبَل عنعنة مبارك بن فضالة بن أبي أمية أبي فضالة البصري المدلس. (1/75)
صفحة 76
قال ابن حجر: "... قال أبو طالب عن أحمد: كان مبارك بن فضالة يرفع حديثا كثيرا ويقول في غير حديث: عن الحسن... وقال عبد الله بن أحمد: سئل أبي عن مبارك والربيع بن صبيح فقال: ما أقربهما، كان المبارك يدلس ... وقال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين عن مبارك فقال: ضعيف الحديث وهو مثل الربيع بن صبيح في الضعف ... وقال أبو زرعة: يدلس كثيرا فإذا قال حدثنا فهو ثقة ... وقال الآجري عن أبي داود: إذا قال حدثنا فهو ثبت وكان يدلس. وقال مرة: كان شديد التدليس، وقال النسائي: ضعيف ... وقال الدارقطني: لين كثير الخطأ يعتبر به "_ تهذيب التهذيب، ت: 6765، ج10 /ص26-28_.
إذن، هذه الرواية المنسوبة إلى الحسن البصري والتي أوردها ابن كثير_ تفسير ابن كثير، ج7/ص172 _، والسيوطي_ الدر المنثور، ج6/ص469 _، والقرطبي_ تفسير القرطبي، ج19/ص70
قال القرطبي: " وكان الحسن يقول: نضرت وجوههم ونظروا إلى ربهم ". _ في سياق ذكرهم لروايات رؤية الله سبحانه وتعالى ضعيفة لورودها من قبل عنعنة مبارك بن فضالة.
4- الرواية المنسوبة إلى عطية العوفي
قال الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج29/ص192
وجاءت هذه الرواية أيضاً عند الطبري في موضع آخر من تفسيره ( ج7/ص299) بنفس السند مع اختلاف في اسم شيخ الطبري، حيث جاء السند كالآتي: " حدثني يونس بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي ... "._:
"حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي، في قوله (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) قال: هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) ". (1/76)
صفحة 77
هذا التفسير المنسوب إلى عطية العوفي لا تقبله الأمة الإسلامية وذلك بسبب ضعف عطية في التفسير والرواية. فمنزلة عطية العوفي عند علماء الجرح والتعديل داعية إلى تجنب تفاسيره وردها عليه، وهذا التفسير المنسوب إلى عطية - إن صح عنه- فيه دليل على أن هذا التفسير المذكور هنا إنما هو من إفرازات عقول المدلسين والضعفاء الذين لا يعتمد على أقوالهم.
فعطية العوفي هو: عطية بن سعد بن جنادة العوفي الجدلي القيسي الكوفي أبو الحسن.
قال ابن حجر: " قال مسلم بن الحجاج: قال أحمد وذكر عطية العوفي فقال: هو ضعيف الحديث، ثم قال: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي ويسأله عن التفسير وكان يكنيه بأبي سعيد فيقول: قال أبو سعيد، وكان هشيم يضعف حديث عطية ... وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه وأبو نضرة أحب إلي منه، وقال الجوزجاني: مائل، وقال النسائي: ضعيف ... وقال ابن حبان في (الضعفاء) بعد أن حكى قصته مع الكلبي بلفظ مستغرب فقال: سمع من أبي سعيد أحاديث فلما مات جعل يجالس الكلبي يحضر بصفته فإذا قال الكلبي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذا فيحفظه وكناه أبا سعيد ويروي عنه، فإذا قيل له: من حدثك بهذا فيقول: حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري وإنما أراد الكلبي ... وقال أبو داود: ليس بالذي يعتمد عليه ... وقال الساجي: ليس بحجة "_ تهذيب التهذيب، ت:4781، ج7 /ص194-196_.
وقال ابن حجر أيضاً: " تابعي معروف ضعيف الحفظ مشهور بالتدليس القبيح "_ تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ص 130 _.
مما سبق بيانه تبين لنا أن جميع الروايات التي فسرت قول الله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بالرؤية البصرية ضعيفة بشهادة علماء الجرح والتعديل. والحمد لله رب العالمين.
ثانياً: رواية النافين لرؤية الله سبحانه وتعالى (1/77)
صفحة 78
لقد حددت الأمة الإسلامية مراجعها في تفسير قول ربها وأوضحت بجلاء على ألسنة علمائها الميزان الذي يلجأ إليه في فهم وتقبل ما ورد عن السلف الصالح.
قال العلامة ابن تيمية موضحاً هذا المنهج: " إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر فإنه كان آية في التفسير ... "_ الفتاوى الكبرى، ج13/ص368 _.
وقد تبين ضعف جميع الروايات التي فسرت قوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) برؤية الأبصار، وبهذا تنقطع حجج المثبتين للرؤية، ولا يبقى لهم سوى الأخبار الضعيفة التي تبين وسيتبين ضعفها في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
وإذا تتبعنا روايات النافين للرؤية الواردة عن سلف هذه الأمة فإننا نجد الروايات الثابتة عنهم تؤكد أن المعنى الصحيح لقول الله سبحانه وتعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) هو انتظار ثواب الله ورحمته كما فسر ذلك مجاهد بن جبر الذي اعتبره ابن تيمية آية في التفسير.
التفسير المروي عن مجاهد بن جبر
قال الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج29/ص192_ في تفسيره:
" حدثنا أبو كريب_ أبو كريب هو: " محمد بن العلاء بن كريب الهمداني، أبو كريب الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة، حافظ، من العاشرة " (تقريب التهذيب، ت:6224، ج2 /ص 121) _، قال: ثنا عمر بن عبيد_ عمر بن عبيد هو: عمر بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي الحنفي الأيادي. (1/78)
صفحة 79
قال ابن حجر: " قال أحمد بن حنبل: لم ندرك بالكوفة أحدا أكبر منه ومن المطلب بن زياد، وقال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: محله الصدق ... وقال الدارقطني: عمر ويعلى ومحمد أولاد عبيد كلهم ثقات وأبوهم ثقة وكذا قال الإمام أحمد قبله. وقال عثمان الدارمي: سألته يعني ابن معين عن يعلى ومحمد فقال: ثقتان، قلت: فعمر؟ قال: ثقة، قلت: كأنه دونهما؟ قال: نعم، وقال العجلي: عمر أخو يعلى ومحمد وهو أسن منهما وهو دونهما في الحديث وكان صدوقا". (تهذيب التهذيب، ت:5131، ج7 /ص406-407)_، عن منصور_ منصور هو: منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبو عتاب الكوفي " ثقة ثبت " (تقريب التهذيب، ت:6933، ج2 /ص215) _ عن مجاهد (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) قال: تنتظر منه الثواب ".
وقال الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج29/ص192_ أيضاً:
" قال [ يقصد أبا كريب ]: ثنا وكيع_ وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي " ثقة حافظ عابد، من كبار التاسعة ". (تقريب التهذيب، ت:7441، ج2 /ص283- 284) _، عن سفيان_ سفيان هو: " سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه، عابد إمام حجة ... وكان ربما دلس ". (تقريب التهذيب، ت:2452، ج1/ص371) _، عن منصور، عن مجاهد (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) قال: تنتظر الثواب من ربها ".
وقال الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج29/ص192 _ أيضاً:
" حدثنا ابن بشار_ " محمد بن بشار بن عثمان العبدي، البصري، أبو بكر، بندار، ثقة من العاشرة ". (تقريب التهذيب، ت: 5772، ج2 /ص58) _، قال: ثنا عبد الرحمن_ " عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت، حافظ عارف بالرجال والحديث، قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه ". (تقريب التهذيب، ت:4032، ج1 /ص592) _، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) قال: تنتظر الثواب ". (1/79)
صفحة 80
وإن وصف سفيان الثوري بالتدليس فإن متابعة عمر بن عبيد له تكفي لقبول هذه الرواية المنسوبة إلى مجاهد.
هذا التفسير الثابت عن مجاهد يبين التفسير الصحيح لهذه الآية الكريمة عند سلف هذه الأمة، وكل الروايات التي خالفت هذه الرواية في المعنى لا قيمة لها لورودها من قبل الضعفاء والمتروكين كما ظهر وسيظهر إن شاء الله تعالى.
فما هي منزلة تفاسير مجاهد بن جبر في علم التفسير؟
يجيب على هذا السؤال العلامة ابن تيمية الذي سطر في مواضع عديدة من (الفتاوى الكبرى) منزلة مجاهد في علم التفسير حيث قال:
" وأخص أصحابه [ يقصد ابن عباس ] بالتفسير مجاهد، وعلى تفسير مجاهد يعتمد أكثر الأئمة كالثوري والشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري. قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. والشافعي في كتبه أكثر الذي ينقله عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وكذلك البخاري في صحيحه يعتمد على هذا التفسير، وقول القائل: لا تصح رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد جوابه: أن تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد من أصح التفاسير، بل ليس بأيدي أهل التفسير كتاب في التفسير أصح من تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد، إلا أن يكون نظيره في الصحة، ثم معه ما يصدقه، وهو قوله: عرضت المصحف على ابن عباس أقفه عند كل آية وأسأله عنها "_ الفتاوى الكبرى، ج17 /ص408- 409 _.
وقال ابن تيمية أيضاً: " وأما (التفسير) فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح ... "_ المرجع السابق، ج13/ص347 _. (1/80)
صفحة 81
وقال ابن تيمية أيضاً: " وهكذا روى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنهم شددوا في أن يفسر القرآن بغير علم، وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن وفسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم، وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم ..."_ المرجع السابق، ج13/ص371 _.
وهذه الأقوال التي قالها ابن تيمية هنا فيها اعتراف مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى بقوة تفسير مجاهد بن جبر لآيات الله البينات، ويظهر منها أن تفسيره لقوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بـ" تنتظر الثواب من ربها " هو التفسير الصحيح الذي يوافق معنى آيات الله البينات_ انظر الروايات الواردة في تفسير قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) في ص 5 وما بعدها من هذا البحث._ وما ورد عن الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وكل التفاسير المخالفة لهذا التفسير باطلة لم تثبت أبداً.
فـ" مجاهد بن جبر ... ثقة، إمام في التفسير، وفي العلم "_ تقريب التهذيب، ت: 6501، ج 2 /ص 159 _، وعلى تفسيره " يعتمد أكثر الأئمة كالثوري والشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري "_ الفتاوى الكبرى، ج17 /ص408 _، ولكن مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى لم يأخذوا بما ثبت عنه من تفسير لقوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بل ردوا أقواله بروايات الكذابين والضعفاء والمدلسين والمتروكين.
فتفسير مجاهد، الثقة الإمام في التفسير، زهد فيه ورغب عنه مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى واعتمدوا على أقوال الضعفاء كأمثال عطية العوفي وثوير بن أبي فاختة. (1/81)
صفحة 82
قال ابن عبد البر: " ... إنا لم ندع الإجماع في هذه المسألة، ولو كانت إجماعاً ما احتجنا فيها إلى قول، ولكن قول مجاهد هذا مردود بالسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأقاويل الصحابة وجمهور السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور، والذي عليه جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وليس من العلماء أحد إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومجاهد وإن كان أحد المقدمين في العلم بتأويل القرآن، فإن له قولين في تأويل اثنين، هما مهجوران عند العلماء مرغوب عنهما أحدهما هذا ... "_ التمهيد، ج3/ص291
وباقي عبارات ابن عبد البر هي: " ... والآخر قوله في قول الله عز وجلّ: (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) .
حدثنا أحمد بن عبد الله، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا)، قال يوسع له على العرش فيجلسه معه. وهذا قول مخالف للجماعة من الصحابة ومن بعدهم. فالذي عليه العلماء في تأويل هذه الآية أن المقام المحمود: الشفاعة، والكلام في هذه المسألة من جهة النظر يطول، وله موضع غير كتابنا هذا، وبالله التوفيق " .
هذه الرواية التي ذكرها ابن عبد البر هنا والتي نُسب فيها تفسير المقام المحمود بجلوس الرسول صلى الله عليه وسلم على العرش إلى مجاهد باطلة ضعيفة لورودها من قبل ليث بن أبي سليم الضعيف، فقد " قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث ... وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف إلا أنه يكتب حديثه... ". ( انظر تهذيب التهذيب، ت:5911، ج8/ص405-407 ) ولمزيد من أقوال علماء الجرح والتعديل في ليث بن أبي سليم انظر ص 5 من هذا البحث._. (1/82)
صفحة 83
لم يثبت أي حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يثبت أي قول عن الصحابة فكل الروايات التي احتج بها مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى – ومنهم ابن عبد البر – ضعيفة لا حجة فيها.
فقول ابن عبد البر: " قول مجاهد ... عند أهل السنة مهجور "، مخالف تمام المخالفة لنصيحة سفيان الثوري الذي قال: " إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به "_ الفتاوى الكبرى، ج13/ص 369 _. فهجران مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى لتفسير مجاهد وإقبالهم على الروايات الضعيفة سببه عدم تطبيقهم للمنهج العادل في تقييم الحجج ووزن الأقوال.
قال ابن حجر:" ... وبالغ ابن عبد البر في رد الذي نقل عن مجاهد وقال: هو شذوذ "_ فتح الباري، ج15/ص 386 _.
فوصف أقوال مجاهد هنا بالشذوذ دليل على عدم تطبيق منهج علم الحديث على أقوال العلماء، فكيف توصف أقوال مجاهد الثابتة عنه بالشذوذ وهو لم يخالف أحداً من الثقات؟ ولكن الضعفاء والكذابين هم الذين أتوا بالأخبار الضعيفة التي تخالف في معناها ما ذهب إليه مجاهد من تفسير.
وابن راهويه أوضح تفسير مجاهد وبين الوقت والمكان الذي تتحدث عنه الآية الكريمة حيث قال: " ... وإنما معنى قول من قال: تنتظر الثواب، ولا يرون ربهم يوم القيامة قبل دخول الجنة ألا ترى إلى مجاهد حين فسر الآية فسره على معنى ما وصفنا قال: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) قال: ينظرون الثواب "_ مسند إسحاق بن راهويه، ج3/ص 672-673
نص عبارة ابن راهويه هو:" وقد مضت السنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بأن أهل الجنة يرون ربهم وهو من أعظم نعم أهل الجنة وقوله (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) يقول: يومئذ مشرقة إلى الله ناظرة إلى الجنة، وإنما معنى قول من قال تنتظر الثواب ولا يرون ربهم يوم القيامة قبل دخول الجنة ألا ترى إلى مجاهد حين فسر الآية فسره على معنى ما وصفنا قال (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ، قال: ينظرون الثواب". (1/83)
صفحة 84
وسياق الآية في السورة الكريمة يتحدث عن حال المؤمنين في الموقف قبل دخول الجنة، وأما بعد دخول الجنة فلم يأت أي دليل على الرؤية. والحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن جميع الروايات التي تتحدث عن الرؤية في الجنة ضعيفة، والميزان الذي ضعفها هو ميزان الأمة العادل، فما للقوم ينسبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رفضته علوم الأمة؟! _
ولم يرد ابن راهويه تفسير مجاهد ولم يصفه بالشذوذ، ولكنه أخذ به في تفسير الآية الكريمة بانتظار ثواب الله تعالى يوم القيامة.
والإمام ابن جرير الطبري اختتم تفسيره لقوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بقوله: " وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرمة، من أن معنى ذلك تنظر إلى خالقها ..."_ تفسير الطبري، ج29/ص193_، ثم أتبع هذا القول برواية ابن عمر التي جاءت من طريق ثوير بن أبي فاختة الضعيف_ انظر ما قاله علماء الجرح في الرواية المنسوبة إلى ابن عمر في ص 5 وما بعدها، والروايات المنسوبة إلى الحسن وعكرمة في ص 5 وما بعدها من هذا البحث._.
فابن جرير على قدره وعلى سعة علمه اعتبر أقوال الضعفاء والمدلسين هي الصواب الذي اختاره ولم يلتفت إلى الرواية الصحيحة التي جاءت عن مجاهد.
فكان أولى بالإمام ابن جرير الطبري أن يقول: " وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه " عن مجاهد، لأن رواية مجاهد ثابتة عنه ولم تخالفها إلا روايات الكذابين والمدلسين والضعفاء.
وبعد عرضنا لروايات المثبتين والنافين للرؤية في هذا القسم يتبين لنا أن الذين حملوا قوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) على معنى رؤية العباد لله تعالى قد هجروا الثابت من الروايات عن السلف واتبعوا الضعيف من الأقوال المرفوعة إلى مقام النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام والمنسوبة إلى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم والتابعين. (1/84)
صفحة 85
ثالثاً: معنى رواية عمار بن ياسر التي فيها: ( ... وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ...)
بعد أن تبين ضعف جميع التفاسير التي فسرت قول الله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بالرؤية البصرية، وبعد أن ثبت وصح عن مجاهد تفسير قوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بانتظار ثوابه ورحمته يوم القيامة يتضح المعنى الصحيح للرواية المروية عن الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنهما والتي فيها هذا الدعاء: " ... وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ..."_ نص الرواية كما ذكرها النسائي: " أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي: نا حماد: نا عطاء بن السائب، عن أبيه قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة فأوجز فيها، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة، فقال: أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام تبعه رجل من القوم، هو أبي، غير أنه كنى عن نفسه، فسأله عن الدعاء، ثم جاء فأخبر به القوم: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي، اللهم وأسألك خشيتك يعني في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحكم في الرضى والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا يبيد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين ". (سنن النسائي الكبرى، الرواية: 1228، ج1/ص387-388) _.
أخرج هذه الرواية النسائي، والإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد، الرواية: 18515، ص 1335 _ وابن حبان_ صحيح بن حبان، الرواية: 1971،ج5 /ص304-305 _، والحاكم_ المستدرك على الصحيحين، الرواية: 1923، ج1 /ص705-706 _، وابن أبي عاصم_ الآحاد والمثاني، الرواية: 276، ج1 /ص210 _. (1/85)
صفحة 86
هذه الرواية ليس فيها دليل على ثبوت رؤية الله سبحانه وتعالى، لأن معنى: " وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك " قد جاءت به آية القيامة: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، وقد صح عن مجاهد تفسير هذه الآية بانتظار ثواب الله تعالى، فمعنى هذا الدعاء هو ما تدل عليه هذه الآية من بيان.
فالوجه مقصود به في هذا الدعاء الذات العلية فقد فسره علماء التفسير بذلك:
قال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى: " أما نحن فنحمل الوجوه على أصحابها لأن ذلك معهود عند العرب كقولهم (قصدت وجهك) بمعنى قصدتك، فالانتظار وإن أسند إلى الوجوه لفظاً فهو لأصحابها معنى، ولذلك جاز إسناد الظن إليها في قوله: (تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) ... "_ الحق الدامغ، ص 46 _.
وقال سماحته أيضاً:"والوجه هنا بمعنى الذات عند المحققين حتى من مثبتي الرؤية "_ المرجع السابق، ص91 _.
وقال الإمام ابن كثير: " كما قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله هاهنا: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) أي إلا إياه "_ تفسير ابن كثير، ج5/ص306 _.
وقال إسماعيل حقي البروسوي: " إذ المراد بالوجه الذات "_ روح البيان، ج3/ص78 _.
وقال الإمام النووي: " ... والمراد بالوجه الذات ..."_ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م2، ج3 /ص16 _.
ونقل الحافظ ابن حجر في عدة مواضع في الفتح:" والمراد بالوجه الذات "_ فتح الباري، ج9 /ص 455 وج 15 /ص 360 وج 15/ص395_.
وقال جلال الدين السيوطي: " قال العلماء: المراد بالوجه الذات "_ الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، ج1/ص225 _.
من هذه الأقوال يتبين أن الوجه في هذا الدعاء يقصد به الذات العلية.
وأما كلمة " النظر " فلها استعمالات عدة في لغة العرب. (1/86)
صفحة 87
قال ابن منظور: " ويقول القائل للمؤمل يرجوه: إنما ننظر إلى الله ثم إليك أي إنما أتوقع فضل الله ثم فضلك "_ لسان العرب، ج14 /ص191 _.
ونقل أبو حيان الأندلسي عن ابن عطية:" ذهبوا -يعني المعتزلة- إلى أن المعنى إلى رحمة ربها ناظرة، أو إلى ثوابه أو ملكه، فقدروا مضافاً محذوفاً، وهذا وجه سائغ في العربية. كما تقول: فلان ناظر إليك في كذا أي إلى صنعك في كذا "_ البحر المحيط، ج8/ص380 _
وأما ما جاء في الرواية:(والشوق إلى لقائك) فيتضح معناه الصحيح بما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وبما قاله الشراح.
أخرج الإمام مسلم:
" حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو عامر الأشعري وأبو كريب. قالوا: حدثنا أبو أسامة عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه ". (1/87)
صفحة 88
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم_ صحيح مسلم، الرواية 2686، ص 1138-1139 _، والإمام البخاري_ صحيح البخاري، الرواية: 6507 و6508، ص 1157-1158 _، والإمام الربيع بن حبيب_ الجامع الصحيح، الرواية: 70، ج1/ص 25_، وابن حبان_ صحيح ابن حبان، الروايات: 3008-3010، ج 7 /ص 278-280 _، والترمذي_ سنن الترمذي، الرواية: 1066، ج 3 /ص 379 والرواية:1067، ج3 /ص 379-380 _، والنسائي_ سنن النسائي الكبرى، الروايات: 1960- 1964، ج 1/ص 603-604 _، وابن ماجه_ سنن ابن ماجه، الرواية: 4264، ج 2/ص 1425 _، والدارمي_ سنن الدارمي، الرواية:2759، ص 618 _، والإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد بن حنبل، الرواية: 8537، ص 630 والرواية: 9434، ص 684 _، وابن راهويه_ مسند إسحاق بن راهويه، الرواية: 158، ج1/ص 202 والرواية: 1320، ج3/ص716 والرواية: 1590، ج 3/ص 904 والرواية: 1591، ج3 /ص 905 _، وعبد بن حميد_ مسند عبد بن حميد، الرواية: 184، ص94 _، وأبو يعلى_ مسند أبي يعلى، 3235، ج6/ص 13-14 _، والطيالسي_ مسند الطيالسي، الرواية: 574، ج2/ص78_، والطبراني_ المعجم الكبير، الرواية: 8882، ج 9/ص 178 والرواية: 919، ج 19/ص 391 _، وعبد الرزاق_ مصنف عبد الرزاق، 6751، ج 3 /ص 249 _، وابن أبي عاصم_ الآحاد والمثاني، 1863، ج3/ ص430 _.
قال الإمام النووي في شرحه لهذه الرواية: "... فأهل السعادة يحبون الموت، ولقاء الله، لينتقلوا إلى ما أعد لهم، ويحب الله لقاءهم أي: فيجزل لهم العطاء، والكرامة، وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه، ويكره الله لقاءهم، أي: يبعدهم عن رحمته، وكرامته، ولا يريد ذلك بهم، وهذا معنى كراهته سبحانه لقاءهم "_ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م9، ج 17 /ص 12-13 _. (1/88)
صفحة 89
وقال الإمام النووي في موضع آخر من شرحه: " قوله صلى الله عليه وسلم (أن تؤمن بالله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر) ... ثم ليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى، فان أحداً لا يقطع لنفسه برؤية الله تعالى، لأن الرؤية مختصة بالمؤمنين، ولا يدرى الإنسان بماذا يختم له "_ المرجع السابق، م1، ج 1 /ص 116_.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح نقلاً عن المازري: " ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ... فيحمل الحديث على كراهته سبحانه وتعالى الغفران له وإرادته لإبعاده من رحمته "_ فتح الباري، ج13/ص164_.
وجاء عند ابن خزيمة معنى اللقاء على غير معنى الرؤية حين قال:" فهذا الخبر دال: أن قوله (فيلقى العبد) وهو لقاء غير الرؤية ... واللقاء غير الرؤية والنظر"_ كتاب التوحيد، ج2/ص433
نص عبارة ابن خزيمة: " فهذا الخبر دال: أن قوله: ( فيلقى العبد) وهو لقاء غير الرؤية.
قال الله عز وجل: ( إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ ) الآية، وقال: ( فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) وقال: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) الآية، (قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ)
والعلم محيط: أن النبي - صلى الله عليه وسلم – لم يرد بقوله: ( من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقي الله يشرك به دخل النار) لم يرد من يرى الله وهو يشرك به شيئاً.
واللقاء غير الرؤية والنظر ". _. (1/89)
صفحة 90
وقال الدكتور أحمد آل حمد: " ولو لم تصح وتترجح أدلة الرؤية_ لم تثبت أدلة المثبتين لرؤية الله سبحانه وتعالى أبداً، وكل الروايات التي احتج بها المثبتون للرؤية ضعيفة كما تبين في هذا البحث، والحمد لله رب العالمين._ لما كان في الأدلة الدالة على اللقاء دلالة قاطعة على رؤية الله تبارك وتعالى، وحيث صحت_ لا لم تصح أدلة الرؤية._ أدلة رؤية الله تعالى وجاء اللقاء منسوباً إليه تأكد دلالته على الرؤية وتأييده لما ورد دالاً عليها، وحيث لم ترد أدلة صريحة تدل على رؤية غير المؤمنين لله تبارك وتعالى إلا عموم آيات اللقاء وأحاديثه فتبقى محتملة ..."_ رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، ص188 _.
من هذا يتبين أن معنى " وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك " هو انتظار بكل شوق لما أعده الله سبحانه وتعالى للمؤمنين من جزيل العطاء، وسعة الرحمة، وفائض الغفران، وما عدا هذا الشرح فليس له أي دليل سوى الروايات الضعيفة. فهذا المعنى يتفق مع ما ثبت عن مجاهد عند تفسيره لقوله تعالى:(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).
من أقوال علماء الجرح في أسانيد جميع الروايات التي اعتمد عليها المثبتون للرؤية ندرك أن الذين ذهبوا إلى إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى لم يأتوا برواية صحيحة يعتد بها عن سلف هذه الأمة في تفسيرهم لقوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ). (1/90)
صفحة 91
وأما قول الرازي: " اعلم أن جمهور أهل السنة يتمسكون بهذه الآية في إثبات أن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة "_ تفسير الرازي، ج30/ص200 _، فهو قول لا يقره المنهج الذي أسسه علماء الجرح والتعديل وأغلبهم من مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى. والذي أشار إليه الإمام الرازي هنا قد أبطله منهج علماء الأمة الداعي إلى اتباع الصحيح من الأخبار. وكل الروايات التي أُعتمد عليها في إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى قد أبطلتها تحقيقات علماء الجرح والتعديل في رجال أسانيدها. وإنه لمن الضيم لعلماء الأمة حينما تحصر علومهم تحت مظلات مذهبية وفي زوايا ضيقة، فعلومهم ملك لجميع المسلمين من جميع المذاهب لأن العلوم لا تعرف المذهبية الضيقة بل ترقى بكل من تمسك بها وطبقها إلى أعلى درجات اليقين. فيجب على أفراد هذه الأمة السعي إلى تطبيق العلوم في ميادينها وترك الادعاءات الفارغة التي لم يأت ما يؤيدها ويثبتها.
روايات في تفسير قوله تعالى: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) وقوله تعالى:(وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)
أخرج الإمام الطبري الروايات والأقوال المتعددة في تفسير قوله تعالى: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) وقوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ). وبين اختلاف الروايات في تفسيره بقوله: " اختلف أهل التأويل في معنى الحسنى والزيادة اللتين وعدهما المحسنين من خلقه، فقال بعضهم: الحسنى: هي الجنة، جعلها الله للمحسنين من خلقه جزاء، والزيادة عليها النظر إلى الله تعالى "_ تفسير الطبري، ج11/ص104 _.
وبقوله أيضاً: " وقال آخرون: الحسنى واحدة من الحسنات بواحدة، والزيادة: التضعيف إلى تمام العشر "_ المصدر السابق، ج11 /ص107 _.
وبقوله: " وقال آخرون: الحسنى: حسنة مثل حسنة، والزيادة: زيادة مغفرة من الله ورضوان "_ المصدر السابق، ج11/ص108 _. (1/91)
صفحة 92
ومنهج علماء الأمة هو الفيصل في تحديد القول الصائب وتبيين ضعف ما خالف الحق والصواب. والمتتبع لأسانيد الروايات التي حملت قوله تعالى: (وَزِيَادَةٌ) على رؤية الله سبحانه وتعالى يدرك ضعف طرقها مما يحكم على جميعها بالبطلان وإن كثرت وانتشرت في أوساط الناس.
وفي هذا القسم من هذا البحث سنعرض – إن شاء الله تعالى - روايات مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى والنافين لها على ميزان الحق الذي بينت معالمه جهود علماء الأمة الإسلامية حتى يتبين لنا القول الصحيح في تفسير قوله تعالى: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) وقوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ).
أولاً : روايات المثبتين للرؤية
1-الرواية المرفوعة من طريق صهيب رضي الله عنه
قال الإمام مسلم:
" حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وزاد: ثم تلا هذه الآية: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) ".
وقال الطبراني_ المعجم الأوسط، الرواية:760، ج1/ص 313_: " لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا حماد بن سلمة " (1/92)
صفحة 93
أخرج هذه الرواية الإمام مسلم_ صحيح الإمام مسلم، الرواية: 181، ص129 _، والترمذي_ سنن الترمذي، الرواية: 2552، ج4 /ص687-688 والرواية:3105، ج5/ص286 _، وابن ماجه_ سنن ابن ماجه، الرواية: 187، ج1/ص 67 _، وابن حبان_ صحيح ابن حبان، الرواية: 7441، ج16 /ص471 _، والإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج11/ص 106 _، واللالكائي_ أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، الرواية: 778، ج3/ص455 _ وغيرهم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني.
واحتج بهذه الرواية الضعيفة القرطبي _ تفسير القرطبي، ج8/ص210 _، وابن كثير _ تفسير ابن كثير، ج7/ص171 _، والألوسي_ تفسير الألوسي، ج15/ص 160 وج6/ص 97 _، وابن عاشور_ التحرير والتنوير، ج29/ص 328 وج11/ص64_، وابن عبد البر_ التمهيد، ج3/ص291 _، وإسماعيل حقي البروسوي _ روح البيان، ج4/ص38
حيث قال البروسوي قبل أن يذكر هذه الرواية: " وأكثر جمهور المحققين على أن الحسنى الجنة والزيادة اللقاء والنظر إلى وجه الله الكريم ". _، والسيوطي_ الدر المنثور، ج3/ص546-547 _، والثعالبي_ تفسير الثعالبي، ج2/ص 160
حيث قال الثعالبي قبل ذكره لرواية حماد بن سلمة: " قال: الجمهور (الْحُسْنَى): الجنة، والـ(زِيَادَةٌ): النظر إلى وجه الله عز وجل". _، والسمرقندي_ تفسير السمرقندي، ج2/ص95 _، وابن تيمية_ الفتاوى الكبرى، ج6/ص435-436 _، وابن القيم_ حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، ج13/ص52 _، والنسفي_ تفسير النسفي، ج2/ص160-161
حيث قال النسفي قبل ذكره لهذه الرواية: " (وَزِيَادَةٌ) رؤية الرب عز وجل كذا عن أبي بكر وحذيفة وابن عباس وأبي موسى الأشعري وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم وفي بعض التفاسير أجمع المفسرون على أن الزيادة النظر إلى الله تعالى ". _، وابن أبي العز_ شرح العقيدة الطحاوية، ج1/ص 287 – 288 _. (1/93)
صفحة 94
هذه الرواية التي تكررت على ألسنة المثبتين للرؤية ضعيفة وذلك بسبب تغير حفظ حماد بن سلمة ومخالفته لمن هم أحفظ منه.
قال ابن حجر:
" ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بآخره "_ تقريب التهذيب، ت:1504، ج1 /ص238 _.
وقال: "حماد بن سلمة ذكر فيمن تغير حفظه "_ هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص 645 _.
ونقل عن الإمام أحمد: " كان حماد بن سلمة يخطئ وأومأ أحمد بيده خطأ كبيرا "_ تهذيب التهذيب، ج7 /ص293_.
وقال أيضاً: " ... وقال حنبل، عن أحمد: أسند حماد بن سلمة عن أيوب أحاديث لا يسندها الناس عنه ... وقال البيهقي: هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، فلذا تركه البخاري ... "_ المرجع السابق، ت: 1574، ج3 /ص 11-13_.
وقال الذهبي:
" إمام ثقة، له أوهام وغرائب، وغيره أثبت منه "_ المغني في الضعفاء، ت:1711، ج1/ص286 _.
وقال: "هو ثقة صدوق يغلط وليس في قوة مالك "_ الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، ت: 1229، ج1/ص188 _.
وقال: " كان ثقة له أوهام "_ ميزان الاعتدال، ج1 /ص 590 _.
وقال: " إلا أنه لما طعن في السن، ساء حفظه، فلذلك لم يحتج به البخاري، وأما مسلم، فاجتهد فيه، وأخرج من حديثه عن ثابت، مما سمع منه قبل تغيره ... فالاحتياط أن لا يُحتج به فيما يخالف الثقات "_ سير أعلام النبلاء، ج7 /ص452 _.
وقال الزيلعي:
"... وحماد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه، ويتجنبون ما ينفرد به، وخاصة عن قيس بن سعد، وأمثاله "_ نصب الراية، ج 2/ص 350 _.
وقال صاحب (عون المعبود):
" ... قال البيهقي: والحديث إذا تفرد به حماد بن سلمة لم يشك فيه ثم يخالفه فيه من هو أحفظ منه وجب التوقف فيه ... "_ عون المعبود، ج10/ص 482 _.
وقال ابن القيم عن حماد بن سلمة: (1/94)
صفحة 95
" ... قال البيهقي: إلا أنه لما طعن في السن ساء حفظه فلذلك ترك البخاري الاحتجاج بحديثه، وأما مسلم فاجتهد في أمره وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ أكثر من اثني عشر حديثا أخرجها في الشواهد دون الاحتجاج به. وإذا كان الأمر كذلك فالاحتياط لمن راقب الله عز وجل أن لا يحتج بما يجد من حديثه مخالفا لأحاديث الثقات الأثبات وهذا الحديث من جملتها "_ أعلام الموقعين، ج2/ص361
يشير ابن القيم هنا إلى الرواية المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والتي جاءت من طريق حماد بن سلمة والتي جاء فيها: " أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي ( ألا إن العبد نام ) ... ". _.
من أقوال علماء الجرح والتعديل يتبين لنا السبب الذي يجعلنا نتوقف عن الاحتجاج بروايات حماد بن سلمة ولا نقبلها؛ فقد صرح العلماء بتغير حفظه واختلاطه في آخر عمره.
وقد بين علماء الحديث القاعدة التي يحتكم إليها في وزن روايات المختلطين الذين خالفوا روايات من هم أحفظ منهم، فقد قال ابن الصلاح: " والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده "_ التقييد والإيضاح، ص 442
_.
ولم يكتف ابن الصلاح بذكر هذه القاعدة بل نقل مثالاً لتوضيحها عن أبي حاتم محمد بن حبان التميمي الذي جعل حماد بن سلمة ورواياته المحور لمثاله حيث قال: (1/95)
صفحة 96
" هذه أمور يتداولونها في نظرهم في حال الحديث هل تفرد به راويه أو لا؟ وهل هو معروف أو لا؟ ذكر أبو حاتم محمد بن حبان التميمي الحافظ رحمه الله أن طريق الاعتبار في الأخبار مثاله أن يروي حماد بن سلمة حديثا لم يتابع عليه عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. فينظر هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين: فإن وجد علم أن للخبر أصلا يرجع إليه. وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأي ذلك وجد يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه وإلا فلا.
قلت: فمثال المتابعة أن يروي ذلك الحديث بعينه عن أيوب غير حماد فهذه المتابعة التامة، فإن لم يروه أحد غيره عن أيوب لكن رواه بعضهم عن ابن سيرين أو عن أبي هريرة أو رواه غير أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك قد يطلق عليه اسم المتابعة أيضا، لكن تقصر عن المتابعة الأولى بحسب بعدها منها ويجوز أن يسمى ذلك بالشاهد أيضا. فإن لم يرو ذلك الحديث أصلا من وجه من الوجوه المذكورة لكن روي حديث آخر بمعناه فذلك الشاهد من غير متابعة. فإن لم يرو أيضا بمعناه حديث آخر فقد تحقق فيه التفرد المطلق حينئذ. وينقسم عند ذلك إلى مردود منكر وغير مردود كما سبق. وإذا قالوا في مثل هذا تفرد به أبو هريرة وتفرد به عن أبي هريرة ابن سيرين وتفرد به عن ابن سيرين أيوب وتفرد به عن أيوب حماد ابن سلمة كان في ذلك إشعار بانتفاء وجوه المتابعات فيه "_ التقييد والإيضاح، ص 109-110 _.
والناظر في رواية " حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم " يجدها مما تفرد به حماد بن سلمة ولم يتابعه عليه أحد وخالف فيها الثقات، وكفى بهذه الأسباب حجة لمن أراد إتباع منهج علماء الأمة. (1/96)
صفحة 97
وقد وردت روايات عدة كلها توقف تفسير قوله تعالى: (وَزِيَادَةٌ) برؤية الله سبحانه وتعالى على عبد الرحمن بن أبي ليلى ولم يذكر في سندها صهيباً ولم يرفعها إلى مقام النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام.
قال الترمذي: "هذا حديث إنما أسنده حماد بن سلمة ورفعه. وروى سليمان بن المغيرة وحماد بن زيد هذا الحديث عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قوله "_ سنن الترمذي، ج4/ص688 _.
وأخرج الإمام الطبري هذا التفسير الذي احتج به المثبتون للرؤية عن " ... حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) قال: النظر إلى وجه ربهم، وقرأ (وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ) قال: بعد النظر إلى وجه ربهم "_ تفسير الطبري، ج11/ص105 _.
و" ... عن سليمان بن المُغيرة، قال: أخبرنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ... "_ المصدر السابق، ج11/ص105-106 _.
و" ... عن معمر، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى "_ المصدر السابق، ج11/ص106 _.
ولم يرفعوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا في سندها صهيباً الرومي رضي الله عنه. (1/97)
صفحة 98
فبسبب تغير حفظ حماد بن سلمة، وبسبب غلطه في الرواية، وبسبب كونه من أصحاب الأوهام، وبسبب مخالفته لمن هم أوثق منه في الحفظ وجب علينا – حسب منهج الأمة وتطبيق علمائها - تجنب روايته التي رفعها إلى مقام النبوة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام. فعدم احتجاجنا برواية حماد بن سلمة هذه هو تطبيق عملي لقاعدة أئمة الحديث التي ذكرها ابن الصلاح في مقدمته حيث قال: " يعرف كون الراوي ضابطا بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقة لها في الأغلب والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا. وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه والله اعلم "_ التقييد والإيضاح، ص138 _.
والأمثلة الآتية من كتب التفسير والشروح تطبيق عملي للقاعدة التي ذكرها ابن الصلاح هنا، فقد رد العلماء في هذه الأمثلة روايات حماد بن سلمة لمخالفته من هم أحفظ منه، ولوهمه في الروايات، ولمخالفته للحقائق التاريخية الثابتة.
المثال الأول:
قال الإمام مسلم_ صحيح مسلم، الرواية: 119، ص 102-103 ، وانظر كذلك مسند الإمام أحمد، الرواية: 12508، ص881 _: (1/98)
صفحة 99
" حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أنه قال: لما نزلت هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: (يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟) قال سعد: إنه لجاري وما علمت له بشكوى. قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو من أهل الجنة".
هذه الرواية التي ذكرها الإمام مسلم والإمام أحمد والتي جاءت من طريق حماد بن سلمة قد أعلها الإمام ابن كثير بقوله: " فهذه الطرق الثلاث معللة لرواية حماد بن سلمة فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ رضي الله عنه، والصحيح أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ رضي الله عنه موجوداً... "_ تفسير ابن كثير، ج6/ص369 _.
والطرق التي جاءت من غير طريق حماد بن سلمة ذكرها الإمام مسلم_ صحيح مسلم، ص 103_، والإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد بن حنبل، الرواية: 12426، ص875 _، وأبو يعلى_ مسند أبي يعلى، الرواية: 3427، ج6/ص149، والرواية: 3331، ج6 /ص 76، والرواية: 3381،ج 6/ص 112_، والحاكم_ المستدرك على الصحيحين، الرواية: 5036، ج 3 /ص261 _، والنسائي_ سنن النسائي الكبرى، الرواية: 8227، ج 5 /ص 63-64 والرواية: 11513، ج 6/ص465-466 _ ولم يذكروا فيهن الصحابي سعد بن معاذ رضي الله عنه. (1/99)
صفحة 100
فقد جاء في بعض هذه الطرق: " فانطلق بعض القوم إليه "_ مسند عبد بن حميد، الرواية: 1209، ص 363- 364 _، و " فقال رجل من القوم إن شئت علمت لك علمه "_ الجهاد لابن المبارك، الرواية: 122، ص101 _، وفي رواية ذكروا أن عاصم بن عدي_ المعجم الكبير، الرواية: 1316،ج2/ص 68 _ هو الذي ذهب إلى ثابت بن قيس بن شماس، ورجح ابن حجر أن الذي ذهب لمعرفة حال ثابت هو سعد بن عبادة_ فتح الباري، ج7 /ص 328
قال ابن حجر: " وروى ابن المنذر في تفسيره من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس في هذه القصة (فقال سعد بن عبادة يا رسول الله هو جاري) الحديث، وهذا أشبه بالصواب لأن سعد بن عبادة من قبيلة ثابت بن قيس فهو أشبه أن يكون جاره من سعد بن معاذ لأنه من قبيلة أخرى" . في هذا النص عد الحافظ ابن حجر الرواية التي جاءت من طريق سعيد بن بشير الضعيف ( تقريب التهذيب، ت: 2283، ج1/ص349 ) وعنعنة قتادة أشبه بالصواب من رواية حماد بن سلمة التي ذكر فيها الصحابي سعد بن معاذ رضي الله عنه._.
فبسبب مخالفة حماد بن سلمة لمن هو أحفظ منه أَعل ابن كثير رواية الإمام مسلم التي أخرجها من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني.
المثال الثاني:
قال الترمذي:
" حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي البصري، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ملك ذا رحم محرم فهو حر).
قال أبو عيسى هذا حديث لا نعرفه مسندا إلا من حديث حماد بن سلمة " (1/100)
صفحة 101
أخرج هذه الرواية الترمذي_ سنن الترمذي، الرواية: 1365، ج3/ص646 _، والإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد بن حنبل، الرواية: 20429، ص 1478 والرواية: 20467، ص1480 والرواية: 20490، ص 1482_، وأبو داود _ سنن أبي داود، الرواية: 3949، ج 4 /ص259- 260 _، وابن ماجه_ سنن ابن ماجه، الرواية: 2524، ج 2 /ص 843 _، والطبراني_ المعجم الكبير، الرواية: 6852، ج 7 /ص 205 _، والطحاوي_ شرح معاني الآثار، ج 3/ص 109 _، وابن الجارود_ المنتقى لابن الجارود، الرواية:973، ص360 _، والبيهقي_ سنن البيهقي الكبرى، ج 10 /ص 289 _، والحاكم_ المستدرك على الصحيحين، الرواية:2851، ج 2 /ص 233 _.
أعل علماء الحديث هذه الرواية بعلل منها أن حماد بن سلمة خالف فيها الثقات برفعه إياها إلى مقام النبوة في وقت يوقفها غيره على عمر بن الخطاب_ نص الرواية الموقوفة على عمر بن الخطاب حسب رواية أبي داود: " حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: من ملك ذا رحم محرم فهو حر" (انظر سنن أبي داود، الرواية:3950، ج4/ص261 وسنن البيهقي الكبرى، ج 10 /ص 289 وشرح معاني الآثار، ج 3 /ص 110 )_ رضي الله عنه.
قال صاحب عون المعبود:
" وقال البيهقي والحديث إذا تفرد به حماد بن سلمة لم يشك فيه ثم يخالفه فيه من هو أحفظ منه وجب التوقف فيه. وقد أشار البخاري إلى تضعيف هذا الحديث وقال علي بن المديني: هذا عندي منكر انتهى "_ عون المعبود، ج 10 /ص 482-483 _.
وقال ابن القيم:
" هذا الحديث له خمس علل:
إحداها: تفرد حماد بن سلمة به، فإنه لم يحدث به غيره.
العلة الثانية: أنه قد اختلف فيه حماد وشعبة عن قتادة فشعبة أرسله، وحماد وصله وشعبة هو شعبة ... "_ حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، ج10 /ص 480 _.
وقال ابن حجر: (1/101)
صفحة 102
" ... قال أبو داود والترمذي: لم يروه إلا حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن، ورواه شعبة عن قتادة عن الحسن مرسلا، وشعبة أحفظ من حماد، وقال علي بن المديني هو حديث منكر، وقال البخاري: لا يصح ... "_ تلخيص الحبير، الرواية: 2149، م2،ج4 /ص212 _.
المثال الثالث:
جاء في مسند عبد بن حميد:
" حدثنا محمد بن الفضل، ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام فرجع فنادى ألا إن العبد نام ألا إن العبد نام".
أخرج هذه الرواية عبد بن حميد _ مسند عبد بن حميد الرواية: 782، ص 250 _، والدارقطني_ سنن الدارقطني، الرواية: 48، ج 1 /ص 244 _، والترمذي_ سنن الترمذي، ج 1 /ص 394 _.
وقد ضعف علماء الحديث هذه الرواية التي رفعها حماد بن سلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لمخالفتها رواية موقوفة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قال ابن حجر:
" ... وهو حديث أخرجه أبو داود وغيره من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موصولا مرفوعا ورجاله ثقات حفاظ، لكن اتفق أئمة الحديث علي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري والذهلي وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والأثرم والدارقطني على أن حمادا أخطأ في رفعه وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه وأن حمادا انفرد برفعه "_ فتح الباري، ج2 /ص311 وانظر كذلك عون المعبود، ج2 /ص237 _.
وقال الترمذي في سننه:
"هذا حديث غير محفوظ ... قال علي بن المديني: حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم هو غير محفوظ وأخطأ فيه حماد بن سلمة"_ سنن الترمذي، ج 1/ص394-395 ، وانظر تلخيص الحبير، م1،ج1/ص 179_.
وقال البيهقي: (1/102)
صفحة 103
" ... هذا حديث تفرد بوصله حماد بن سلمة عن أيوب ... ورواية حماد منفردة وحديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أصح منها ..."_ سنن البيهقي الكبرى، ج 1/ص 383 _.
وقال ابن عبد البر:
" وهذا حديث انفرد به حماد بن سلمة دون أصحاب أيوب، وأنكروه عليه وخطؤوه فيه "_ التمهيد، ج4 /ص 209 _.
وقال الزيلعي:
" ... وقال الأثرم: وأما حديث حماد بن سلمة فإنه خطأ منه، وأصل الحديث عن نافع عن ابن عمر أن مؤذنا يقال له: مسروح، وقال بعضهم: مسعود أذن بليل، فأمره عمر أن يرجع، فينادي: إن العبد نام"_ نصب الراية، ج 1 /ص361 _.
المثال الرابع:
قال الحاكم:
" وحدثنا محمد بن صالح، ثنا الحسين بن الفضل، ثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: لما ماتت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يدخل القبر رجل قارف أهله الليلة فلم يدخل عثمان القبر ".
أخرج هذه الرواية الحاكم_ المستدرك على الصحيحين، الرواية: 6852، ج 4 /ص 51 _، والإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد بن حنبل، الرواية:13431، ص 942 والرواية:13889، ص971 _، والإمام البخاري في ( التاريخ الصغير )_ التاريخ الصغير، ص 12 _.
هذه الرواية ضعيفة سنداً ومتناً، فقد قال ابن حجر في فتح الباري: " رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط والحاكم في المستدرك، قال البخاري: ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي صلى الله عليه وسلم ببدر لم يشهدها. قلت: وهم حماد في تسميتها فقط"_ فتح الباري، ج 3 /ص 505 _.
وقال ابن حجر في الإصابة: "... قال أبو عمر: هذا خطأ من حماد إنما كان ذلك في أم كلثوم" _ الإصابة في تمييز الصحابة، ج 8 /ص 83 _.
وقال في مقدمة فتح الباري: " ووقع في الأوسط للطبراني من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنها رقية، ولا يصح"_ هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص 409 _. (1/103)
صفحة 104
من أقوال علماء الجرح تبين لنا ضعف حفظ حماد، ومن القاعدة التي نقلناها عن ابن الصلاح عرفنا أن روايات المختلطين وأصحاب الأوهام لا تقبل إذا خالفوا من هم أحفظ منهم، ومن الأمثلة التي نقلناها تبين لنا رد الأمة الإسلامية روايات حماد ابن سلمة التي خالف فيها الثقات.
فأقوال علماء الجرح، والقواعد الحديثية، والأمثلة التطبيقية التي نُقلت هنا – وكلها عن مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى – لم تجد حظها من التطبيق من قِبَل المثبتين للرؤية عند ذكرهم لرواية حماد بن سلمة التي احتجوا بها في إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى.
فعدم التطبيق لقواعد علم الحديث، والبعد عن المنهج العادل عند النقد هما السببان اللذان أعطيا رواية رؤية الله سبحانه وتعالى الضعيفة التي جاءت من طريق حماد بن سلمة الفرصة للانتقال على ألسنة أجيال المثبتين للرؤية والسكون في كتب التفسير والشروح والعقيدة.
فمنهج الأمة في الدراسة والنقد يرد رواية رؤية الله سبحانه وتعالى التي رفعها حماد بن سلمة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبهذا فلا يصح اعتمادها والاحتجاج بها ولو ارتفعت أقدار الذين سطروها في كتبهم.
2- الرواية المرفوعة من طريق كعب بن عجرة رضي الله عنه
قال الإمام الطبري:
"حدثنا ابن حميد، قال: ثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عجرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ( لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ) قال: الزّيَادَةُ: النظر إلى وجه الرحمن تبارك وتعالى".
أخرج هذه الرواية الضعيفة الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج11/ص107 (1/104)
صفحة 105
وجاءت هذه الرواية أيضاً عند الطبري (تفسير الطبري، ج11/ص106): " حدثنا عمرو بن عليّ ومحمد بن بشار، قالا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ... " وهذه الرواية بهذا السند معضلة، فعبد الرحمن بن مهدي الذي ولد سنة 135 هـ (تهذيب التهذيب، ج6 /ص 249) لم يذكر لنا الرجال الذين نقل عنهم هذه الرواية. وكفى بهذا سبباً لرفضها وعدم تقبلها._، واللالكائي_ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، الرواية: 781، ج3/ص456-457 _، واحتج بها ابن كثير_ تفسير ابن كثير، ج3/ص498 _.
هذه الرواية ضعيفة وذلك لورودها من قبل ابن حميد، وإبراهيم بن المختار، وعطاء.
فابن حميد هو: محمد بن حميد الرازي
" قال صالح جزرة: كنا نتهم ابن حميد في كل شيء، ما رأيت أجرأ على الله منه، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض. وقال أبو أحمد العسال: سمعت فضلك الرازي يقول: دخلت على محمد بن حميد وهو يُركِّب الأسانيد على المتون "_ الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث، ت: 653، ص 227 ولمزيد من أقوال علماء الجرح والتعديل في محمد بن حميد الرازي انظر ص 5 من هذا البحث. _.
وأما إبراهيم بن المختار فهو: التميمي أبو إسماعيل الرازي
قال ابن حجر: " ... قال ابن معين: ليس بذاك. وقال زنيج: تركته، ولم يرضه. وقال البخاري: فيه نظر ... "_ تهذيب التهذيب، ت: 258، ج1 /ص146 _.
وأما عطاء فهو: ابن السائب بن مالك الثقفي أبو السائب
قال ابن حجر: "... قال أبو طالب عن أحمد: من سمع منه قديما فسماعه صحيح، ومن سمع منه حديثا لم يكن بشيء سمع منه قديما سفيان وشعبة ... وقال أبو حاتم: كان محله الصدق قبل أن يختلط صالح مستقيم الحديث ثم بآخره تغير حفظه، في حفظه تخاليط كثيرة ...وقال عبد الحق: سماع ابن جريج منه بعد الاختلاط ..."_ المرجع السابق، ت: 4754، ج7 /ص177-180 _. (1/105)
صفحة 106
فبسبب ضعف محمد بن حميد الرازي وإبراهيم بن المختار، وبسبب تغير حفظ عطاء بن السائب يُحكم على هذه الرواية المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالضعف، ويتبين كذلك بطلان ما نسب إلى الصحابي كعب بن عجرة رضي الله عنه.
3- الرواية المرفوعة من طريق أبي بن كعب
قال الإمام الطبري:
" حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت زهيرا عمن سمع أبا العالية، قال: ثنا أبيّ بن كعب: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: (لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ) قال: الحُسْنَى: الجنة، والزَّيادَةُ: النظر إلى وجه الله ".
أخرج هذه الرواية الضعيفة الإمام الطبري _ تفسير الطبري، ج11/ص107 _، وذكرها اللالكائي_ أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، الرواية: 780، ج3/ص456 _، واحتج بها القرطبي_ تفسير القرطبي، ج8/ص211 _، وابن كثير_ تفسير ابن كثير، ج3/ص498 _.
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب عمرو بن أبي سلمة وزهير بن محمد التميمي، وكذلك لوجود الجهالة في سندها بين زهير وأبي العالية.
عمرو بن أبي سلمة التنيسي أبو حفص الدمشقي
قال ابن حجر:"... قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال العقيلي: في حديثه وهم ... وقال الساجي: ضعيف، وقال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل ... "_ تهذيب التهذيب، ت: 5235، ج8 /ص37 –38 _.
وأما زهير بن محمد التميمي، أبو المنذر الخراساني المروزي فلم يسلم من التضعيف. (1/106)
صفحة 107
قال ابن حجر:"... قال البخاري: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح. وقال الأثرم عن أحمد في رواية الشاميين عن زهير: يروون عنه مناكير ... وقال النسائي: ضعيف. وقال في موضع آخر: ليس بالقوي. وقال في موضع آخر ليس به بأس، وعند عمرو بن أبي سلمة - يعني التنيسي- عنه مناكير ... وقال الحاكم أبو أحمد: في حديثه بعض المناكير ... "_ المرجع السابق، ت: 2134، ج3 /ص308 - 309 _.
وقد روى عنه هنا عمرو بن أبي سلمة وهو شامي دمشقي، فروايته عنه بها المناكير كما قال الإمام البخاري.
فبسبب ضعف عمرو بن أبي سلمة التنيسي، وضعف زهير بن محمد التميمي، وكذلك ضعف رواية عمرو بن أبي سلمة عن الشاميين يتبين ضعف هذه الرواية وعدم صحة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك عدم ثبوتها عن أبي بن كعب رضي الله عنه.
4- الرواية المرفوعة من طريق أنس بن مالك والتي جاء فيها تفسير قوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) برؤية العباد لله تعالى.
هذا التفسير المنسوب إلى أنس بن مالك رضي الله عنه جاء من عدة طرق:
الطريق الأولى:
قال الإمام الطبري:
" حدثني أحمد بن سُهيل الواسطي، قال: ثنا قُرةُ بن عيسى، قال: ثنا النضر بن عربيّ جده، عن أنس، إن الله عزّ وجلّ إذا أسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، هبط إلى مَرْج من الجنة أفيح ... ثم ناداهم الربّ عزّ وجلّ من وراء الحُجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا وفكهوا، وكسوا وطُيِّبوا، وعزّتي لأتجلينّ لهم حتى ينظروا إليّ قال: فذلك انتهاء العطاء وفضل المزيد؛ قال: فتجلى لهم الربّ عز وجلّ، ثم قال: السلام عليكم عبادي، انظروا إليّ فقد رضيت عنكم ... "_ تفسير الطبري، ج26/ص173-174 (1/107)
صفحة 108
نص الرواية: " حدثني أحمد بن سُهيل الواسطي، قال: ثنا قُرةُ بن عيسى، قال: ثنا النضر بن عربيّ جده، عن أنس، إن الله عز وجلّ إذا أسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، هبط إلى مَرْج من الجنة أفيح، فمدّ بينه وبين خلقه حُجُبا من لؤلؤ، وحُجُبا من نور ثم وُضعت منابر النور وسُرُرُ النور وكراسيّ النور، ثم أُذِن لرجل على الله عزّ وجلّ بين يديه أمثال الجبال من النور يُسْمَع دَويّ تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا المجعول بيده، والمُعَلَّم الأسماء، والذي أُمرت الملائكة فسجدت له، والذي له أبيحت الجنة، آدم عليه السلام، قد أُذِن له على الله تعالى قال: يؤذَن لرجل آخر بين يديه أمثال الجبال من النور، يُسْمع دَوِيّ تسبيح الملائكة معه، وصَفُق أجنحتهم فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا الذي اتخذه الله خليلاً، وجعل عليه النار بَرْدا وسلاما، إبراهيم قد أُذِن له على الله. قال: ثم أُذِن لرجل آخر على الله، بين يديه أمثال الجبال من النور يُسْمَع دَوِيّ تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذن له على الله؟ فقيل: هذا الذي اصطفاه الله برسالته وقرّبه نجيا، وكلَّمه (كلاما) موسى عليه السلام، قد أُذِن له على الله. قال: ثم يُؤذن لرجل آخر معه مثلُ جميع مواكب النبيين قبله، بين يديه أمثال الجبال، (من النور) يسمع دَوِيّ تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا أوّل شافع، وأوّل مشفَّع، وأكثر الناس واردة، وسيد ولد آدم وأوّل من تنشقّ عن ذُؤابتيه الأرض، وصاحب لواء الحمد، أحمد صلى الله عليه وسلم، قد أُذِن له على الله. (1/108)
صفحة 109
قال: فجلس النبيون على منابر النور، (والصدّيقون على سُرُر النور والشهداء على كراسيّ النور) وجلس سائر الناس على كُثْبان المسك الأذفر الأبيض، ثم ناداهم الربّ تعالى من وارء الحُجب: مَرْحَبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي. يا ملائكتي، انهضوا إلى عبادي، فأطعموهم. قال: فقرّبت إليهم من لحوم طير، كأنها البُخت لا ريش لها ولا عظم، فأكلوا، قال: ثم ناداهم الربّ من وراء الحجاب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا اسقوهم. قال: فنهض إليهم غلمان كأنهم اللؤلؤ المكنون بأباريق الذهب والفضة بأشربة مختلفة لذيذة، لذة آخرها كلذّة أوّلها، لا يُصَدّعون عنها ولا يُنْزَفون ثم ناداهم الربّ من وراء الحُجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا، فَكِّهوهم. قال: فيقرّب إليهم على أطباق مكلَّلة بالياقوت والمرجان ومن الرُّطَب الذي سَمَّى الله، أشدّ بياضا من اللبن، وأطيب عذوبة من العسل. قال: فأكلوا ثم ناداهم الربّ من وراء الحُجُب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا، وفُكَّهوا اكسوهم قال ففتحت لهم ثمار الجنة بحلل مصقولة بنور الرحمن فأُلبسوها. قال: ثم ناداهم الربّ تبارك وتعالى من وراء الحجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي أكلوا وشربوا وفُكَّهوا وكُسُوا طَيِّبوهم. قال: فهاجت عليهم ريح يقال لها المُثِيرة، بأباريق المسك (الأبيض) الأذفر، فنفحت على وجوههم من غير غُبار ولا قَتام. قال: ثم ناداهم الربّ عزّ وجلّ من وراء الحُجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا وفكهوا، وكسوا وطُيِّبوا، وعزّتي لأتجلينّ لهم حتى ينظروا إليّ قال: فذلك انتهاء العطاء وفضل المزيد قال: فتجلى لهم الربّ عزّ وجلّ، ثم قال: السلام عليكم عبادي، انظروا إليّ فقد رضيت عنكم. (1/109)
صفحة 110
قال: فتداعت قصور الجنة وشجرها، سبحانك أربع مرّات، وخرّ القوم سجدا قال: فناداهم الربّ تبارك وتعالى: عبادي ارفعوا رؤوسكم فإنها ليست بدار عمل، ولا دار نَصَب إنما هي دار جزاء وثواب، وعزّتي وجلالي ما خلقتها إلا من أجلكم، وما من ساعة ذكرتموني فيها في دار الدنيا، إلا ذكرتكم فوق عرشي "._.
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب أحمد بن سهيل وكذلك بسبب الانقطاع في سندها وجهالة قرة بن عيسى:
أحمد بن سهيل الواسطي:" قال أبو أحمد الحاكم: في حديثه بعض المناكير "_ ميزان الاعتدال، ت: 403، ج1 /ص 103 _.
وأما الانقطاع فهو بين النضر بن عربي وأنس بن مالك رضي الله عنه إذ إن النضر يعتبر من أتباع الأتباع_ تهذيب التهذيب، ت:7463، ج10 /ص396_ وقد توفي عام 168 هـ.
ولقد بحثت عن ترجمة لقرة بن عيسى في كتب الرجال التي بين يدي، ولم أجد من ذكره بتوثيق أو تضعيف.
الطريق الثانية:
قال الإمام الطبري:
" حدثنا عليّ بن الحسين بن أبجر، قال: ثنا عمر بن يونس اليمامي، قال: ثنا جهضم ابن عبد الله بن أبي الطفيل قال: ثني أبو طيبة، عن معاوية العبسيّ، عن عثمان بن عمير، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل عليه السلام وفي كفه مرآة بيضاء فيها نكتة سوداء، فقلت: يا جبريل، ما هذه؟ قال: هذه الجمعة، قلت: فما هذه النكتة السوداء فيها؟ قال: هي الساعة تقوم يوم الجمعة، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد، قلت: ولم تدعون يوم المزيد؟ قال: إن ربك تبارك وتعالى اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل من عليين على كرسيه ثم حف الكرسي بمنابر من نور ثم جاء النبيون حتى يجلسوا عليها ثم تجيء أهل الجنة حتى يجلسوا على الكثب فيتجلى لهم ربهم عز وجل حتى ينظروا إلى وجهه ... ". (1/110)
صفحة 111
أخرج هذه الرواية الضعيفة الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج26/ص175 _، وابن أبي شيبة_ مصنف ابن أبي شيبة، ج2 /ص58 _، والحارث بن أبي أسامة_ مسند الحارث ( زوائد الهيثمي )، الرواية: 196، ج1 /ص301 _، والآجري_ التصديق بالنظر، الرواية: 45، ص84-86 _.
واحتج بها ابن كثير_ تفسير ابن كثير، ج6/ص408 _، وجلال الدين السيوطي_ الدر المنثور، ج6/ص 473-474 _، والذهبي_ العلو للعلي الغفار، الرواية: 40، ص 159-162
قال الذهبي: " هذا حديث مشهور وافر الطرق أخرجه الإمام عبد الله بن أحمد في كتاب السنة له عن عبد الأعلى بن حماد النرسي عن عمرو بن يونس"._.
هذه الرواية ضعيفة متروكة لورودها من قبل عثمان بن عمير البجلي، أبي اليقظان الكوفي.
قال ابن حجر: " ... روى عن أنس ... قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: عثمان بن عمير أبو اليقظان ويقال عثمان بن قيس، ضعيف الحديث، كان ابن مهدي ترك حديثه ... وقال عمرو بن علي: لم يرض يحيى ولا عبد الرحمن أبا اليقظان وقال الدوري عن ابن معين ليس حديثه بشيء ...
نسبه أحمد بن حنبل ... وقال: منكر الحديث ولم يسمع من أنس ... وقال الجوزجاني عن أحمد: منكر الحديث ... وقال البرقاني عن الدارقطني: متروك. وقال الحاكم عن الدارقطني: زائغ لم يحتج به. وقال ابن عبد البر: كلهم ضعَّفه، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبان: اختلط حتى كان لا يدري ما يقول لا يجوز الاحتجاج به ... "_ تهذيب التهذيب، ت: 4669، ج7 /ص128-129 _.
الطريق الثالثة:
نقل الإمام الطبري بسند آخر نحو رواية عثمان بن عمير عن أنس، حيث قال:
" حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن صالح بن حيان عن أبي بُرَيدة، عن أنس بن مالك، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ... ". (1/111)
صفحة 112
أخرج هذه الرواية الضعيفة الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج26/ص175 _، والطبراني_ الأحاديث الطوال، الرواية: 35، ص 92-93 _ من طريق صالح بن حيان عن أبي بريدة عن أنس بن مالك.
وروايات صالح بن حيان القرشي ضعيفة لا يصح الاحتجاج بها.
قال ابن حجر:" ... قال ابن معين وأبو داود: صالح بن حيان ضعيف. وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي، وقال النسائي والدولابي: ليس بثقة ... وقال العجلي: يكتب حديثه، وليس بالقوي، وهو في عداد الشيوخ. وقال الحربي: له أحاديث منكرة. وقال البخاري: فيه نظر. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات أشياء لا تشبه حديث الأثبات، لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد. وقال الدارقطني: ليس بالقوي "_ تهذيب التهذيب ت: 2949، ج4 /ص 351-352 _.
الطريق الرابعة:
قال الحارث بن أبي أسامة_ مسند الحارث ( زوائد الهيثمي )، الرواية: 632، ج2/ص654 _:
"حدثنا داود بن المحبر بن قحذم البصري، ثنا عباد بن كثير، عن يزيد الرقاشي، عن المغيرة بن حميد بن قيس، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشهداء ثلاثة ... وان أدناهم منزلة الذي يدخل على الله بكرة وعشيا فيأمر له بالكرامة كلها لم يستقل حتى ينظر إلى وجهه الجميل تبارك وتعالى ...".
هذه الرواية باطلة ساقطة وذلك لورودها من قبل داود بن المحبر بن قحذم بن سليمان الطائي. (1/112)
صفحة 113
قال ابن حجر: " قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه فضحك وقال: شبه لا شيء، كان لا يدري ما الحديث. وكذا قال البخاري، عن أحمد... وقال ابن المديني: ذهب حديثه. وقال الجوزجاني: كان يروي عن كل، وكان مضطرب الأمر. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث، غير ثقة. وقال أبو داود: ثقة، شبه الضعيف، بلغني عن يحيى فيه كلام أنه يوثقه. وقال النسائي: ضعيف. وقال صالح بن محمد البغدادي: ضعيف، صاحب مناكير. وقال أيضا: يكذب، ويُضَعَّف في الحديث. وقال الدارقطني: متروك الحديث ... وحكى الخطيب عن النسائي أنه قال فيه: متروك. وقال الحاكم: حدَّث ببغداد عن جماعة من الثقات بأحاديث موضوعة ... كذبه أحمد بن حنبل. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات، ويروي عن المجاهيل المقلوبات. وقال الأزدي: متروك. وقال ابن مردويه: قال ابن معين: المحبر وولده ضعاف"_ تهذيب التهذيب، 1890، ج3 /ص179-180_.
الطريق الخامسة:
نقل الطبراني في الأوسط_ المعجم الأوسط، الرواية: 6717، ج7/ص 46- 47 _ هذه الرواية المنسوبة إلى أنس بن مالك من طريق آخر ضعيف:
" حدثنا محمد بن أبي زرعة الدمشقي، نا هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن سالم بن عبد الله أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... " ثم ذكر الرواية...
هذه الرواية ضعيفة لا قيمة لها في ميزان العلم وذلك لورودها من قبل عنعنة الوليد بن مسلم المدلس تدليس التسوية_ تقريب التهذيب، ت:7483، ج2/ص 289 _. (1/113)
صفحة 114
قال ابن حجر: "... قال المروذي عن أحمد: كان الوليد كثير الخطأ. وقال حنبل عن ابن معين: سمعت أبا مسهر يقول: كان الوليد ممن يأخذ عن أبي السفر حديث الأوزاعي، وكان أبو السفر كذاباً. وقال مؤمل بن أهاب عن أبي مسهر: كان الوليد بن مسلم يحدث حديث الأوزاعي عن الكذابين ثم يدلسها عنهم. وقال صالح بن محمد: سمعت الهيثم بن خارجة يقول: قلت للوليد قد أفسدت حديث الأوزاعي. قال: كيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي عن نافع وعن الأوزاعي عن الزهري ويحيى بن سعيد وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مرة وقرة وغيرهما، فما يحملك على هذا؟ قال: أنبل الأوزاعي عن هؤلاء، قلت: فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء وهؤلاء وهم ضعفاء أحاديث مناكير فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي. قال: ولم يلتفت إلى قولي.
وقال الدارقطني: كان الوليد يرسل، يروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع وعن عطاء ... سألت [ السائل هو الآجري ] أحمد عن الوليد فقال: اختلطت عليه أحاديث ما سمع وما لم يسمع، وكانت له منكرات ... وقال عبد الله بن أحمد: سئل عنه أبي فقال: كان رفاعاً"_ تهذيب التهذيب ت: 7777، ج11 /ص 133 – 136 وانظر كذلك ميزان الاعتدال ت: 9405، ج4 /ص347- 348 وكتاب الضعفاء والمتروكين ت: 3671، ج3 /ص187 _.
وقال أبو الفداء عبد الله القاضي محقق (كتاب الضعفاء والمتروكين) لابن الجوزي: "... والوليد كان ثقة إلا أنه كان كثير التدليس فإذا [قال:]_ في الأصل: " كثير التدليس فإذا فإذا حدثنا "_ حدثنا أخبرنا، أنبأنا فروايته صحيحة وإذا قال: قال، عن، حدث، أخبر فلا تقبل روايته "_ كتاب الضعفاء والمتروكين ت: 3671، ج3 / هامش ص 187 _.
والرواية ضعيفة كذلك بسبب عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. (1/114)
صفحة 115
قال ابن حجر: " ... قال الأثرم عن أحمد: أحاديثه مناكير، وقال محمد بن الوراق عن أحمد: لم يكن بالقوي في الحديث. وقال المروزي عن أحمد: كان عابد أهل الشام. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: صالح، وقال مرة عنه: ضعيف، وقال الدوري عن ابن معين والعجلي وأبو زرعة الرازي: لين، وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف، قلت: يكتب حديثه؟ قال: نعم على ضعفه وكان رجلا صالحا، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا شيء ... وقال النسائي: ضعيف وقال مرة: ليس بالقوي، وقال مرة: ليس بثقة ..."_ تهذيب التهذيب، ت: 3955، ج 6 /ص 137-138 _.
وبهذا يظهر ضعف هذه الرواية المنسوبة إلى الصحابي أنس بن مالك وذلك بسبب وجود عنعنة الوليد بن مسلم المدلس تدليس التسوية، وبسبب وجود عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان الضعيف في سندها.
والناظر في جميع الطرق التي نسبت تفسير قوله تعالى:(وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) برؤية الله سبحانه وتعالى إلى الصحابي الجليل أنس بن مالك يجدها ضعيفة لا يُعتد بها كما تبين لنا، والحمد لله رب العالمين.
5- الرواية المرفوعة من طريق الإمام علي كرم الله وجهه
قال اللالكائي:
" أخبرنا علي بن محمد بن أحمد بن بكر، قال: أخبرنا الحسن بن عثمان قال: ثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا محمد بن المصفى، ثنا سويد بن عبد العزيز قال: ثنا عمرو بن خالد: عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يرون أهل الجنة الرب تبارك وتعالى في كل جمعة وذكر ما يعطون)
قال: (ثم يقول الله تبارك وتعالى: اكشفوا حجاباً فيكشف حجاب ثم حجاب ثم يتجلى لهم تبارك وتعالى عن وجهه فكأنهم لم يروا نعمة قبل ذلك وهو قوله تبارك وتعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) ".
أخرج هذه الرواية الموضوعة اللالكائي_ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، الرواية: 852، ج3/ص493 _، واحتج بها ابن القيم_ حادي الأرواح، ص386 _. (1/115)
صفحة 116
وهذا الحديث موضوع وكذب صريح على الإمام علي كرم الله وجهه لوروده من قبل سويد بن عبد العزيز وشيخه عمرو بن خالد.
سويد بن عبد العزيز بن نمير السلمي
قال ابن حجر: " ... قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: متروك الحديث ... وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال مرة: ليس بشيء. وقال مرة: ضعيف ... وقال ابن سعد: روى أحاديث منكرة. وقال البخاري: في حديثه مناكير، أنكرها أحمد، وقال مرة: فيه نظر لا يحتمل. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال مرة: ضعيف. وقال يعقوب بن سفيان: مستور، في حديثه لين. وقال مرة: ضعيف الحديث ... وقال أبو عيسى الترمذي في كتاب (العلل الكبير): سويد بن عبد العزيز كثير الغلط في الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد: حديثه ليس بالقائم. وقال الخلال: ضعيف الحديث. وقال أبو بكر البزار في (مسنده): ليس بالحافظ، ولا يحتج به إذا انفرد. وضعفه ابن حبان جداً، وأورد له أحاديث مناكير "_ تهذيب التهذيب، ت: 2787 ج4 /ص 250-251 _.
عمرو بن خالد أبو خالد القرشي
قال ابن حجر: " قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: متروك الحديث ليس بشيء. وقال الأثرم عن أحمد: كذاب يروي عن زيد بن علي عن آبائه أحاديث موضوعة، يكذب، وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: كذاب غير ثقة ولا مأمون، وقال هاشم بن مرثد الطبراني عن ابن معين: كذاب ليس بشيء. وقال إسحاق بن راهويه وأبو زرعة: كان يضع الحديث، وقال أبو حاتم: متروك الحديث ذاهب الحديث لا يشتغل به، وقال الآجري: سألت أبا داود عن عمرو بن خالد الذي يروي عنه أبو حفص الأبار فقال: هذا كذاب. وقال أيضا عن أبي داود: ليس بشيء ... وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه ... "_ المرجع السابق ، ت: 5211، ج8 /ص23-24_.
من أقوال علماء الجرح في رجلين من رجال هذه الرواية يتبين كذب ما نسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه. والله المستعان.
6- الرواية المرفوعة من طريق أبي موسى الأشعري
قال الإمام الطبري: (1/116)
صفحة 117
" حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني شبيب، عن أبان، عن أبي تميمة الهجيمي أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادي أهل الجنة بصوت يسمع أولهم وآخرهم، إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن) ".
أخرج هذه الرواية الضعيفة الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج11/ص105 _، واحتج بها ابن كثير_ تفسير ابن كثير، ج3/ص498 _ وذكرها جلال الدين السيوطي_ الدر المنثور، ج3/ص 547 _.
وهذه الرواية ضعيفة باطلة وذلك لورودها من قبل أبان بن أبي عياش: (1/117)
صفحة 118
قال ابن حجر: " قال الفلاس: متروك الحديث، ... وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال البخاري: كان شعبة سيئ الرأي فيه. وقال عبد المهلبي: أتيت شعبة أنا وحماد بن زيد، فكلمناه في أبان أن يُمسك عنه فأمسك، ثم لقيته بعد ذلك فقال: ما أراني يسعني السكوت عنه. وقال أحمد بن حنبل: متروك الحديث، ترك الناس حديثه منذ دهر ... قال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال مرة: ضعيف. وقال مرة: متروك الحديث، وكذا قال النسائي، والدارقطني، وأبو حاتم ... وقال أبو عوانة مرة: لا أستحل أن أروي عنه شيئا ... وقال ابن معين مرة: ليس بثقة. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال ابن المديني: كان ضعيفا ... قال شعبة: ردائي وخماري في المساكين صدقة إن لم يكن ابن أبي عياش يكذب في الحديث ... وقال ابن إدريس، عن شعبة: لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان ... وقال ابن سعد: بصري متروك الحديث ... وقال أبو عبيد الآجري، عن أبي داود: لا يُكتب حديثه. وحكى الخليلي في ( الإرشاد ) بسند صحيح: أن أحمد قال ليحيى بن معين -وهو يكتب عن عبد الرزاق عن معمر عن أبان نسخة-: تكتب هذه وأنت تعلم أن أبان كذاب؟ فقال: يرحمك الله يا أبا عبد الله، أكتبها وأحفظها حتى إذا جاء كذاب يرويها عن معمر، عن ثابت، عن أنس أقول له كذبت، إنما هو أبان. وقال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث، تركه شعبة، وأبو عوانة، ويحيى، وعبد الرحمن "_ تهذيب التهذيب، ت:152، ج1/ص89-91 _.
وهناك رواية ضعيفة أخرى أخرجها الإمام الطبري منسوبة إلى أبي موسى الأشعري.
قال الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج11/ص105 _: (1/118)
صفحة 119
"حدثني علي بن عيسى، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا أبو بكر الهذلي، قال: سمعت أبا تميمة الهجيمي يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: إذا كان يوم القيامة بعث الله إلى أهل الجنة منادياً ينادي: هل أنجزكم الله ما وعدكم، فينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامة، فيقولون نعم، فيقول (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) النظر إلى وجه الرحمن ".
هذه الرواية المنسوبة إلى أبي موسى الأشعري لا تصح أبدا وذلك لضعف أبي بكر الهذلي.
أبو بكر الهذلي البصري اسمه سلمى بن عبد الله بن سلمى
قال ابن حجر:" ... قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال أبو بكر بن خيثمة عن ابن معين: ليس بشيء. قال يحيى: وكان غندر يقول كان أبو بكر الهذلي أمامنا وكان يكذب. وقال أبو زرعة: ضعيف. وقال أبو حاتم: لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج بحديثه. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه... وقال النسائي، وعلي بن الجنيد: متروك الحديث، وقال علي بن عبد الله بن المديني: ضعيف، ليس بشيء، وقال مرة: ضعيف جداً. وقال مرة: ضعيف ضعيف. وقال الجوزجاني: يضعف حديثه، وكان من علماء الناس بأيامهم، وقال البخاري في (الأوسط)، وزكريا الساجي: ليس بالحافظ عندهم. وقال الدارقطني: منكر الحديث، متروك. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف ليس حديثه بشيء. وقال المروزي: كان أبو عبد الله يضعف أمره. وقال ابن عمار: بصري ضعيف. وقال أبو إسحاق الحربي: ليس بحجة، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه "_ تهذيب التهذيب، ت:8330، ج 12/ص40 – 41_.
من حكم علماء الجرح على روايات أبان بن أبي عياش وأبي بكر الهذلي يظهر بطلان هاتين الروايتين المنسوبتين إلى الصحابي أبي موسى الأشعري.
7- الرواية المنسوبة إلى أبي بكر الصديق
قال الإمام الطبري: (1/119)
صفحة 120
" حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن أبي بكر الصديق (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) قال: النظر إلى وجه ربهم ".
أخرج هذه الرواية الضعيفة الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج11/104 _، واحتج بها ابن عبد البر_ التمهيد، ج3 /ص290 _، والرازي_ تفسير الرازي، ج 13/ص 108
ومما قاله الرازي عند ذكره لهذه الرواية الضعيفة: " ومنها ما اتفق الجمهور عليه ... ". _، ونووي الجاوي_ مراح لبيد لكشف معاني القرآن المجيد، ج1/ص339
قال نووي الجاوي: " واتفق الجمهور أنه صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) فقال: (الْحُسْنَى هي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله ". _.
هذه الرواية ضعيفة وذلك لأنها من مراسيل عامر بن سعد البجلي، فهو لم يسمع من أبي بكر الصديق رضي الله عنه_ تهذيب التهذيب، ت: 3195، ج5/ص59-60 _.
وكذلك بسب عنعنة أبي إسحاق عمرو بن عبد الله بن عبيد السبيعي الكوفي الـ"مكثر من التدليس"_ جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ت:576، ص 300 _، وهو يعد من أفراد المرتبة الثالثة من المدلسين_ تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 91، ص 101 _. وقد ذكر ابن حجر حكم عنعنة المدلس من أفراد هذه المرتبة بقوله: " الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ومنهم من رد حديثهم مطلقاً "_ المرجع السابق، ص 23 _.
8- الرواية المنسوبة إلى حذيفة بن اليمان
قال الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج11/105 _:
" حدثنا ابن بشار: قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم بن نذير، عن حذيفة (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) قال: النظر إلى وجه ربهم ". (1/120)
صفحة 121
هذه الرواية المنسوبة إلى حذيفة بن اليمان ضعيفة وذلك بسبب عنعنة أبي إسحاق السبيعي المدلس، وقد مر بك أعلاه قول علماء الجرح في عنعنة أبي إسحاق.
9- الرواية المنسوبة إلى الحسن البصري
قال الإمام الطبري_ المصدر السابق، ج11 /ص106 _:
" حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قول الله: (لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ) النظر إلى الربّ ".
هذه الرواية المنسوبة إلى الحسن البصري ضعيفة وذلك بسبب هوذة بن خليفة بن عبد الله بن عبد الرحمن الثقفي البكراوي، أبي الأشهب البصري الأصم.
" قال أحمد بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: هوذة عن عوف ضعيف. وقال أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز: سمعت يحيى بن معين يقول: هوذة لم يكن بالمحمود. قيل له: لم؟
قال: لم يأت أحد بهذه الأحاديث كما جاء بها، وكان أُطروشاً أيضاً "_ تهذيب الكمال، ت: 7205، ج7/ص 429-430 _.
وقد نقل هوذة بن خليفة هذه الرواية المنسوبة إلى الحسن البصري عن عوف الأعرابي، وعلى حسب حكم ابن معين فإنه يحكم عليها بالضعف.
10- الرواية المنسوبة إلى أبي إسحاق السبيعي
قال الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج11/ص105 _:
" حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا شريك، قال سمعت أبا إسحاق يقول في قول الله (وَزِيَادَةٌ) قال: النظر إلى وجه الرحمن ".
هذا التفسير المنسوب إلى أبي إسحاق السبيعي ليس بصحيح وذلك بسبب يحيى بن طلحة اليربوعي.
قال ابن حجر: " قال النسائي: ليس بشيء. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يغرب عن أبي نعيم وغيره ... وكذبه علي بن الحسين بن الجنيد وخطأه الصغاني "_ تهذيب التهذيب، ت: 7894، ج11 /ص 203 –204_.
وقال عنه في التقريب ما نصه: " لين الحديث "_ تقريب التهذيب، ت: 7600، ج2 /ص 306 _.
وبهذا يتبين ضعف هذا القول المنسوب إلى أبي إسحاق السبيعي.
11- الرواية المنسوبة إلى عبد الرحمن بن سابط (1/121)
صفحة 122
قال الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج11/ص107 _:
" قال: ثنا جرير، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، قال: الحسنى: النضرة، والزيادة: النظر إلى وجه الله تعالى ".
هذه الرواية المنسوبة إلى عبد الرحمن بن سابط ضعيفة وذلك بسبب ليث بن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم أبي بكر.
قال ابن حجر: " قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث ... وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ضعيف إلا أنه يكتب حديثه. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري عن يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه ... وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: ليث لا يشتغل به هو مضطرب الحديث، قال: وقال أبو زرعة: ليث بن أبي سليم لين الحديث لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث ... وقال ابن سعد: كان رجلا صالحا عابدا وكان ضعيفا في الحديث ... وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم، وقال الحاكم أبو عبد الله: مجمع على سوء حفظه، وقال الجوزجاني: يضعف حديثه ... وقال الساجي صدوق فيه ضعف كان سيء الحفظ كثير الغلط ..."_ تهذيب التهذيب، ت:5911، ج 8 /ص 405-407_.
والخلاصة أن جميع الروايات التي اعتمد عليها مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى في تفسير قوله تعالى: (وَزِيَادَةٌ)، وتفسير قوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) برؤية الله سبحانه وتعالى لم تثبت ولم تقف سالمة أمام منهج الأمة الصائب. فالكثرة الكاثرة من الروايات الضعيفة لم تنفع معتقدي رؤية الله سبحانه وتعالى بشيء سوى تسويد الكتب وشغل الألسن والنفوس بالادعاءات الفارغة التي تبعد أصحابها عن الحق والصواب. (1/122)
صفحة 123
وتضعيف علماء الجرح والتعديل لرجال روايات رؤية الله سبحانه وتعالى الواردة في تفسير قوله تعالى: (وَزِيَادَةٌ) وقوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) ترد على الدكتور أحمد آل حمد الذي قال: " فقد فسرت الزيادة والمزيد بالنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى في كثير من الأحاديث الصحيحة فرجوت في نفسي أن تكون رؤية الله تعالى أمراً واقعاً حقاً ... "_ رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، ص 11 _.
إن الانسياق خلف الادعاءات هو الذي جعل الدكتور آل حمد يرجو المستحيل بالروايات الضعيفة التي ضعف أسانيدها علماء الجرح والتعديل، وما اعتبره الدكتور أحمد آل حمد صحيحاً فليس بصحيح في ميزان الأمة كما تبين في هذا القسم. والحمد لله رب العالمين.
وقد اعترف الثعالبي – وهو من مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى – بضعف روايات المثبتين للرؤية في تفسير قوله تعالى: (وَزِيَادَةٌ) وقوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) حيث قال: " وقوله عز وجل:(لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) خبر بأنهم يعطون آمالهم أجمع، ثم أبهم تعالى الزيادة التي عنده للمؤمنين المنعمين ... وقد ذكر الطبري وغيره في تعيين هذا المزيد أحاديث مطولة وأشياء ضعيفة؛ لأَنَّ اللَّه تعالى يقول: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ) وهم يعينونها تكلفاً وتعسفاً "_ تفسير الثعالبي، ج3/ص275 _.
فبسبب ابتعاد مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى عن المنهج الصائب ظهر على ألسنتهم التكلف والتعسف في تفسير آيات الله تعالى ونسبة الضعيف من الأقوال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم.
ثانياً: رواية النافين للرؤية
الذين فسروا قوله تعالى: (وَزِيَادَةٌ) وقوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) برؤية العباد لله تعالى اتبعوا في ذلك الروايات الضعيفة الكثيرة – كما تبين -، وتنكروا لما هو أحسن منها من الأدلة. (1/123)
صفحة 124
قال الدكتور آل حمد: " وأقوال المفسرين التي مر ذكرها في أن (الزيادة) غير الرؤية ليست في درجة التفسير بأنها الرؤية حيث إنه لم يرد فيها حديث مرفوع، بخلاف تفسيرها بالرؤية "_ رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، ص 217 _.
إن جعل الضعيف من الأخبار في منزلة الصحيح واعتبار الأحسن حالاً من الأخبار في حكم المعدوم هو الداعي للدكتور أحمد آل حمد للتنكر لرواية أبي يعلى الآتية والتي تتساقط أمامها كل روايات المثبتين للرؤية الضعيفة والتي اعتمد عليها الدكتور آل حمد وغيره.
رواية الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه
قال أبو يعلى_ مسند أبي يعلى، الرواية: 4228، ج7 /ص 228-229_:
" حدثنا شيبان بن فروخ_ شيبان بن فروخ
قال ابن حجر: " قال أحمد بن سعد بن إبراهيم، عن أحمد بن حنبل: ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق ... وقال مسلمة: ثقة. وقال الساجي قدري، إلا أنه كان صدوقا ". (تهذيب التهذيب، ت:2932، ج4/ص340-341)_، حدثنا الصعق بن حزن_ الصعق بن حزن
قال ابن حجر: " قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال الدوري، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال أبو زرعة، وأبو داود، والنسائي. وقال أبو حاتم: ما به بأس ... ذكره ابن حبان في (الثقات)... وقال موسى بن إسماعيل: ثنا الصعق، وكان صدوقا. وقال يعقوب بن سفيان: صالح الحديث. وقال العجلي: ثقة. وقال الدارقطني: ليس بالقوي ". (تهذيب التهذيبب، ت: 3027، ج4 /ص388 -389) _، حدثنا علي بن الحكم البناني_ علي بن الحكم البناني (1/124)
صفحة 125
قال ابن حجر: " قال أبو طالب عن أحمد: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: لا بأس به صالح الحديث، وقال أبو داود والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: هو بناني من أنفسهم وكان ثقة ... ووثقه العجلي وأبو بكر البزار وابن نمير وغيرهم، وقال الدارقطني: ثقة يجمع حديثه ". (تهذيب التهذيب، ت:4887، ج7 /ص265)_ عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل بمثل المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء. قلت يا جبريل: ما هذه؟ قال: هذه الجمعة جعلها الله عيداً لك ولأمتك، فأنتم قبل اليهود والنصارى. فيها ساعة لا يوافقها عبد يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه.
قال: قلت: ما هذه النكتة السوداء؟ قال: هذا يوم القيامة تقوم في يوم الجمعة، ونحن ندعوه عندنا (المزيد). قال قلت ما يوم المزيد؟ قال: إن الله جعل في الجنة وادياً أفيح، وجعل فيه كثباناً من المسك الأبيض، فإذا كان يوم الجمعة ينزل الله فيه_ نزول الله تعالى يعني نزول أمره وقضائه، والآيات البينات وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم خير دليل وأقوى حجة في إثبات أن المجاز أصل يعتمد عليه في فهم النصوص العربية، وباب يسلك لحمل الأدلة على المعاني التي تدعو إليها عقيدة الإسلام.
? فقول الله تعالى: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) في سياق ذكره جل وعلا لما وقع ببني النضير من هزائم على يد جنود الحق الذين قادهم الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم – دليل على وجود المجاز في القرآن الكريم.
قال الإمام الطبري في تفسيره لهذه الآية الكريمة: " فأتاهم أمر الله من حيث لم يحتسبوا أنه يأتيهم، وذلك الأمر الذي أتاهم من الله حيث لم يحتسبوا، قذف في قلوبهم الرعب بنزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم في أصحابه ". (تفسير الطبري، ج28/ص29) (1/125)
صفحة 126
فإتيان الله تعالى ليس مجيء الله بذاته – تعالى الله – ولكن هو نزول أمر الله تعالى على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى الذي تدل عليه الآية والذي يجب أن يعتقد لا يفهم من ظاهر الآية الكريمة بل يدرك من مجازها.
? وبين القرطبي حقيقة وجود المجاز في اللغة العربية في تفسيره لقوله تعالى (يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ)، حيث قال: " السادسة: قوله تعالى: (يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ) أي قرب أن يسقط، وهذا مجاز وتوسع وقد فسره في الحديث بقوله: (مائل) فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن، وهو مذهب الجمهور. وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحيّ الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة، أي لو كان مكانهما إنسان لكان ممتثلاً لذلك الفعل، وهذا في كلام العرب وأشعارها كثير ". (تفسير القرطبي، ج11/ص18-19)
والإمام ابن كثير لم يحمل كثيراً من الآيات على ظواهرها بل فسرها تفسيراً مجازياً يتفق مع معطيات اللغة العربية ويعتمد على أسس العقيدة الإسلامية، فقد جاء في تفسيره ما يأتي:
? " (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ) يقول: من أخلص لله، وقال سعيد بن جبير: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ) أخلص (وَجْهَهُ)، قال دينه (وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ". (تفسير ابن كثير، ج1/ص270 –271). (1/126)
صفحة 127
? "(فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ)، وقال عكرمة عن ابن عباس (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ)، قال: قبلة الله أينما توجهت شرقاً أو غرباً ... وقال ابن جرير وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها ليعلم نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب، لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهاً من ذلك وناحية، إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية، لأن له تعالى المشارق والمغارب وأنه لا يخلو منه مكان ". (المرجع السابق، ج1/ص276)
? " (وَرُوحٌ مِّنْهُ) أي ورسول منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: (هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ) وفي قوله: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) وكما روي في الحديث الصحيح (فأدخل على ربي في داره) أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد ". (المرجع السابق، ج2/ص460)
? " وجاء في الحديث (إن الصدقة لتقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع إلى الأرض) كما تقدم في الحديث، رواه ابن ماجه والترمذي، وحسنه عن عائشة مرفوعاً، فمعناه أنه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا ". (المرجع السابق، ج4/ص646)
? " (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) أي إلا إياه ... وقال مجاهد والثوري (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) أي إلا ما أريد به وجهه ".(المرجع السابق، ج5/ص306) (1/127)
صفحة 128
? " يذكر تعالى عن عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام أنه كان ذا أيد والأيد القوة في العلم والعمل. وقال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي وابن زيد، الأيد القوة، وقرأ ابن زيد (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) وقال مجاهد الأيد القوة في الطاعة ".(المرجع السابق، ج6/ص50)
? " (أُوْلِي الْأَيْدِي) يقول أولي القوة (وَالْأَبْصَارِ) يقول الفقه في الدين ".(المرجع السابق، ج6/ص69)
? " (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) أي هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم ". (المرجع السابق، ج6 /ص331)
? " (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) يعني ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه ". (المرجع السابق، ج6/ص399)
? " (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا) أي جعلناها سقفاً محفوظاً رفيعاً (بِأَيْدٍ) أي بقوة ".(المرجع السابق، ج6/ص424)
? " (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) أي بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا ". (المرجع السابق، ج6/ص473)
? " (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ) أي بملائكتنا ". (المرجع السابق، ج6/ص539)
? " (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ) أي إذا تلاه عليك الملك عن الله تعالى ". (المرجع السابق، ج7/ص170)
? " (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) أي رجاء ثواب الله ورضاه ". (المرجع السابق، ج7/ص181)
? وقال ابن كثير في مواضع عديدة من تفسيره:
1. " عن ابن عباس، في قوله (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) قال: علمه ". (ج1/ص54)
2. " (وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ) أي يخوفكم عقابه ".(ج2/ص28)
3. " (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ): أي بأياديه ونعمه عليهم".(ج1/ص157) (1/128)
صفحة 129
4. " (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ) أي من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أباه أو أخاه، فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان أي كتب له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته ". (ج6/ص59)
5. " (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أي جاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال ".(ج6/ص597)
6. " (وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ) أي أدلك إلى عبادة ربك ". (ج7/ص 207)
? وأخرج الإمام البخاري هذا الحديث القدسي: " ... وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ... ". (صحيح البخاري، الرواية: 6502، ص1157)
قال ابن حجر: " ... وقال الطوفي: اتفق العلماء ممن يعتد بقوله أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته، حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات التي يستعين بها ولهذا وقع في رواية (فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي) ... ". (فتح الباري، ج13/ص 146)
وكتب اللغة العربية بينت إسهامات المجاز اللغوي في فهم لغة الضاد وفنونها، فقد صرح علماء العربية بالمجاز في كثير من كتاباتهم وأوضحوا سبيلهم في فهم نصوص العربية التي ظاهرها يخالف العقيدة الصافية ولا يتفق مع الواقع والصواب.
? قال ابن منظور: " (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى)؛ أَي لم يُصِبْ رَمْيُك ذلك ويبْلُغ ذلك المَبْلَغ، بل إِنما الله عزّ وجل تولى ذلك، فهذا مجاز ".(لسان العرب، ج5 /ص327)
? وقال أيضاً: " وهذا من المجاز أَن يستعمل الذوق وهو ما يتعلّق بالأَجسام في المعاني كقوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)، وقوله عزّ وجلّ: (فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ) ". (المصدر السابق، ج 5/ص 72) (1/129)
صفحة 130
? وقال أيضاً: " وفي الحديث: قَلْبُ المؤمِن بين إِصْبَعَيْنِ من أَصابِع الله يُقَلّبُه كيف يشاء، وفي بعض الروايات: قلوب العباد بين إِصبعين؛ معناه أَن تقلب القلوب بين حسن آثاره وصُنْعِه تبارك وتعالى. قال ابن الأَثير: الإِصبع من صفات الأَجسام، تعالى الله عن ذلك وتقدّس، وإِطلاقها عليه مجاز كإِطلاق اليد واليمين والعين والسمع، وهو جار مجرى التمثيل والكناية عن سرعة تقلب القلوب، وإِن ذلك أَمر معقود بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وتخصيص ذكر الأَصابع كناية عن أَجزاء القدرة والبطش لأَن ذلك باليد والأَصابع أَجزاؤها ". (المصدر السابق، ج7/ص 280)
فطريقة فهم النصوص العربية تُدرك من خلال تتبع المعاني التي فهمها السلف الصالح عند دراستهم لآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وتُدرك أيضاً من المعاني التي بينتها العرب في أشعارها وأقوالها المسجلة في دواوينهم المكتوبة والمحفوظة.
والأمثلة السابقة تدحض أقوال النافين للمجاز وتردهم إلى المسلك الذي كان عليه سلف هذه الأمة. فإتيان الله تعالى ونزوله إنما هو إتيان أمره ونزول حكمه كما وضحه المفسرون نقلاً عن سلف هذه الأمة. _. فَوُضِعت فيه منابر من ذهب للأنبياء، وكراسي من در للشهداء، وينزلن الحور العين من الغرف فحمدوا الله ومجدوه. قال: ثم يقول الله: اكسوا عبادي فيكسون. ويقول: أطعموا عبادي فيطعمون، ويقول: اسقوا عبادي فيسقون ويقول: طيبوا عبادي فيطيبون. ثم يقول: ماذا تريدون؟ فيقولون: ربنا رضوانك. قال: يقول: رضيت عنكم. ثم يأمرهم فينطلقون، وتصعد الحورُ العينُ الغرفَ وهي من زمردة خضراء ومن ياقوتة حمراء ".
من هذه الرواية يتبين لنا المعنى الصحيح لكلمة (مَزِيدٌ) الواردة في قوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)؛ فهي مزيد من العطايا التي يمن الله تعالى بها على عباده في يوم الجمعة. (1/130)
صفحة 131
فالعجب كل العجب من الذين اعتمدوا على الروايات الضعيفة في تفسير قول الله تعالى بما لم ينزل به من سلطان، وجهلوا أو تجاهلوا الأقوى سنداً ومتناً.
وقد جاء عند الإمام البخاري وغيره أن أفضل نعيم أهل الجنة في الجنة هو رضوان الله تعالى على عباده المؤمنين، قال الإمام البخاري_ صحيح البخاري، الرواية: 6549 ، ص 1163-1164 والرواية: 7518، ص1326 وصحيح الإمام مسلم، الرواية: 2829، ص 1193 _:
"حدَّثَنا معاذ بن أَسدٍ: أخبرنا عبدُ اللَّه: أخبرَنا مالكُ بن أنسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدريِّ قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: ( إن اللَّهَ يقولُ لأهلٍ الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون لبّيكَ ربَّنا وسَعدَيك. فيقول: هلَ رضيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتَنا ما لم تُعطِ أحداً من خَلقك. فيقول: أنا أعطيكم أفضلَ من ذلك، قالوا: يا رب، وأيُّ شيء أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أحلُّ عليكم رِضواني، فلا أسخَطُ عليكم بعدَهُ أبداً ) ".
فرضوان الله تعالى على عباده المؤمنين في عرصات الجنان الخالدة هو أفضل نعيم وفوق كل نعيم.
وأما قول الإمام الطبري: " ... ومن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غرفا من لآلئ، وأن يزيدهم غفرانا ورضوانا كل ذلك من زيادات عطاء الله إياهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته "_ تفسير الطبري، ج11/ص108
_، ففيه الخطأ والصواب.
فتفسير (وَزِيَادَةٌ) برؤية المؤمنين لله خطأ لضعف جميع الروايات التي احتج بها المثبتون للرؤية والتي ذكرها الإمام ابن جرير وغيره.
وأما تفسير (وَزِيَادَةٌ) بمزيد العطاء والغفران والرضوان فهو الصواب المتفق مع الأدلة الصحيحة الثابتة. والحمد لله رب العالمين.
روايات في تفسير قوله تعالى:(كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) (1/131)
صفحة 132
قال الإمام الطبري عند تفسيره لهذه الآية: " وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) فقال بعضهم: معنى ذلك أنهم محجوبون عن كرامته ".
وقال: " وقال آخرون بل معنى ذلك أنهم محجوبون عن رؤية ربهم ".
وفي نهاية تفسيره لهذه الآية الكريمة قال الإمام الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم أنهم عن رؤيته محجوبون، ويحتمل أن يكون مرادا به الحجاب عن كرامته وأن يكون مراداً به الحجاب عن ذلك كله، ولا دلالة في الآية تدل على أنه مراد بذلك الحجاب عن معنى منه دون معنى ولا خبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت حجته. فالصواب أن يقال هم محجوبون عن رؤيته وعن كرامته إذ كان الخبر عاما لا دلالة على خصوصه ".
وفيما سيأتي من أقوال حول الروايات التي أُعتمد عليها في تفسير هذه الآية الكريمة البيان الواضح على ضعف قول من أثبت رؤية الله سبحانه وتعالى من مفهوم هذه الآية الكريمة.
أولاً: روايات مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى
والروايات التي اعتمد عليها مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى في تفسيرهم_ قال البغوي في تفسيره لقوله تعالى (عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) : " وقال أكثر المفسرين: عن رؤيته ". (تفسير البغوي، ج4/ص 429) _ لقوله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) ضعيفة لا تقوم بها حجة.
1- التفسير المنسوب إلى الإمام مالك بن أنس
قال ابن حجر: (1/132)
صفحة 133
"وقد أخرج أبو العباس السراج في تاريخه عن الحسن بن عبد العزيز الجروي وهو من شيوخ البخاري، سمعت عمرو بن أبي سلمة يقول: سمعت مالك بن أنس، وقيل له: يا أبا عبد الله قول الله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) يقول قوم: إلى ثوابه، فقال: كذبوا فأين هم عن قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) "_ فتح الباري، ج15/ص 387 _.
هذا التفسير المنسوب إلى الإمام مالك بن أنس ضعيف وذلك بسبب عمرو بن أبي سلمة الضعيف وقد مر بنا قول علماء الجرح فيه_ انظر ص 5 من هذا البحث._.
2- التفسير المنسوب إلى الإمام الشافعي
جاء في كتاب أحكام القرآن:
" أنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد جعفر بن محمد بن الحارث، يقول: سمعت أبا عبد الله الحسين بن محمد بن الضحاك (المعروف بابن بحر) يقول: سمعت إسماعيل بن يحيى المزني، يقول سمعت ابن هرم القرشي يقول: سمعت الشافعي يقول: في قول الله عز وجل (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) قال: فلما حجبهم في السخط كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضا"_ أحكام القرآن للشافعي ج1/ص40 _.
وهذا التفسير الضعيف المنسوب إلى الإمام الشافعي قد ذكره واحتج به ابن القيم_ حادي الأرواح، ص 350 و ص 400-401 _، والقرطبي_ تفسير القرطبي، ج19/ص171 _، وابن كثير_ تفسير ابن كثير، ج7/ص172 . وكذلك ج7/ص241 حيث قال: " وهذا الذي قاله الإمام الشافعي رحمه الله في غاية الحسن وهو استدلال بمفهوم هذه الآية ". _، والبغوي_ تفسير البغوي، ج4/ص429 _، وإسماعيل حقي البروسوي _ روح البيان، ج10/ص369 _، وابن الجوزي_ زاد المسير، ج4/ص 416 _، والألوسي_ تفسير الألوسي، ج15 /ص 280 _، والرازي_ تفسير الرازي، ج31/ص 88 _، وابن أبي العز_ شرح العقيدة الطحاوية، ج1/ص 288- 289 _. (1/133)
صفحة 134
ونسبة هذا القول إلى الإمام الشافعي ضعيفة وذلك لوروده من قبل سليمان بن هرم القرشي. فقد " قال الأزدي: لا يصح حديثه. وقال العقيلي: مجهول، وحديثه غير محفوظ "_ ميزان الاعتدال، ت: 3523، ج2 /ص227 _.
فكثرة الأقوال الضعيفة لا عبرة فيها ولا قيمة لها في ميزان الحق. فكان ينبغي للناقلين والمحتجين بأقوال سليمان بن هرم وغيره من الضعفاء ترك ما ثبت ضعفه وتفسير آيات الله تعالى بالثابت من الأدلة.
وظاهر الآية الكريمة ليس فيه دليل على رؤية المؤمنين لربهم، فما الذي حمل المثبتين للرؤية على تفسيرها بغير ما يدل عليه منطوقها الظاهر؟
فإن كان الذي حملهم هو ورود الأخبار فإن جميع الروايات والآثار الواردة في إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى ضعيفة كما تبين.
وأما إن كان الذي حملهم هو مفهوم الخطاب فإن مفهوم المخالفة ضعيف عند مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى أنفسهم، فقد قال ابن كثير: " فأما الجمهور فقالوا: لا شك إن المنطوق مقدم على المفهوم "_ تفسير ابن كثير، ج2/ص248_.
وقال في موضع آخر: " فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر، لا ينفي ما عداهن إلا عند من يقول بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند عدم القرينة ولاسيما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم "_ المرجع السابق، ج 2/ص 256 – 257_.
وقال الإمام الغزالي: " واحتج – يقصد الأشعري – في مسألة الرؤية بقوله تعالى (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) قال: وهذا يدل على أن المؤمنين بخلافهم، وقال جماعة من المتكلمين ومنهم القاضي وجماعة من حذاق الفقهاء ومنهم ابن شريح إن ذلك لا دلالة له وهو الأوجه عندنا، ويدل عليه مسالك ... "_ المستصفى، ج2/ص 42_.
فالمفاهيم والأدلة التي اعتمد عليها المثبتون للرؤية ضعيفة بشهادتهم أنفسهم، وبهذا تسقط تفاسيرهم التي حملوا فيها مفهوم قول الله تعالى: (عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) على رؤية المؤمنين لله تعالى. (1/134)
صفحة 135
ومن العجائب نفي الزجاج الفائدة من هذه الآية الكريمة إذا فسرت التفسير الصحيح المناقض لروايات الضعفاء، فقد قال في جرأة عظيمة: " في هذه الآية دليل على أن الله عز وجل يُرَى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خست منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن الله عز وجل"_ معاني القرآن وإعرابه، ج5/ص 299، واستشهد بهذه العبارة التي قالها الزجاج القرطبي في تفسيره (ج19/ص171)، وابن الجوزي (زاد المسير، ج4/ص416)، والشوكاني (فتح القدير،ج5/ص 533) ._.
إنها لجرأة عظيمة على كتاب الله تعالى حينما تنفي فوائدَ آياته، التي جعلها الله تعالى هداية للعالمين، عقولُ البشر القاصرة، فالفائدة كل الفائدة والخير كل الخير في كتاب الله تعالى وآياته، ولو تقاصرت العقول عن إدراك معانيها.
وحسبنا نحن البشر الوقوف عند حدود طاقات عقولنا البشرية عند دراستنا لآيات الله تعالى البينات، معتمدين في ذلك على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وأما الاعتماد على روايات الضعفاء في ترسيخ الأفكار الخاطئة، وفي نفي الخيرية عن كتاب الله تعالى، وفي نفي الفائدة من آيات الله البينات لهو البعد البين عن جادة الصواب الذي حدد معالمه الإسلام.
فبسبب الانجراف خلف روايات الضعفاء حكم الزجاج – وحكمه باطل - بعدم الفائدة في آية من آيات الله تعالى إذا فهم معناها بمعنى يخالف الأقوال الضعيفة!!
3- الرواية المرفوعة من طريق عدي بن حاتم رضي الله عنه
ومن الروايات التي اعتمد عليها مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى في إثبات رفع الحجاب بين الرائي والمرئي الرواية المنسوبة إلى الصحابي الجليل عدي بن حاتم رضي الله عنه.
فقد أورد الإمام البخاري:
" حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو أسامة، حدثني الأعمش، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه)". (1/135)
صفحة 136
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري_ صحيح البخاري، الرواية:7443، ص1314 والرواية: 7512، ص 1324-1325 _، وابن ماجه_ سنن ابن ماجه، الرواية: 185، ج1/ص66 والرواية: 1843، ج1/ص590 _، والبيهقي_ سنن البيهقي، ج4/ص 176 _، والإمام مسلم_ صحيح مسلم، الرواية:1016، ص 430_، والترمذي_ سنن الترمذي، الرواية: 2415، ج4/ص611 _، والإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد، الرواية: 19590، ص 1417 والرواية: 18435، ص 1329 _، وابن حبان_ صحيح ابن حبان، الرواية: 7373،ج16 /ص373 _، والطيالسي_ مسند الطيالسي، الرواية:1038، ج4/ص139-140 _، وعبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري _ طبقات المحدثين بأصبهان، ج2/ص 194 _، والطبراني _ المعجم الصغير، الرواية: 899، ج2/ص 330 _، _ المعجم الكبير، الرواية:184، ج17 /ص82 والرواية:224 و225، ج17/ص94- 95 _.
هذه الرواية ضعيفة متناً وسنداً.
فحمل متن هذه الرواية على رؤية الله سبحانه وتعالى يخالف تمام المخالفة لقول الله سبحانه وتعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ)، وقد اعتمدت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على هذه الآية الكريمة في نفي رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه سبحانه وتعالى_ انظر ص 5 من هذا البحث ._.
فالحجاب المانع من رؤية الله سبحانه وتعالى لا تجري عليه عوامل الزمن بل هو دائم بدوام كبرياء الله تعالى. ولا يقال إن المحجوبين فئة دون فئة، ولكن يقال: إن الخلائق محجوبة عن رؤية ربها، بدليل الآية الكريمة وتفسير أم المؤمنين لها وضعف كل ما خالف تفسير أم المؤمنين من أقوال. (1/136)
صفحة 137
وقد لجأ الإمام الرازي إلى وضع القيود لأجل تحديد دلالة الآية الكريمة في حدود الدنيا الفانية ، حيث قال: " ... والجواب: نزيد في اللفظ قيداً فيكون التقدير وما كان لبشر أن يكلمه الله في الدنيا إلا على أحد هذه الأقسام الثلاثة وحينئذ لا يلزم ما ذكرتموه، وزيادة هذا القيد وإن كانت على خلاف الظاهر لكنه يجب المصير إليها للتوفيق بين هذه الآيات وبين الآيات الدالة على حصول الرؤية في يوم القيامة والله أعلم"_ تفسير الرازي، ج27/ص161
قال الإمام الرازي قبل هذا الجواب: " المسألة الثالثة: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يُرى، وذلك لأنه تعالى حصر أقسام وحيه في هذه الثلاثة ولو صحت رؤية الله تعالى لصح من الله تعالى أنه يتكلم مع العبد حال ما يراه العبد، فحينئذ يكون ذلك قسماً رابعاً زائداً على هذه الأقسام الثلاثة، والله تعالى نفى القسم الرابع بقوله: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ ) إلا على هذه الأوجه الثلاثة. والجواب: ... "._.
فتغلغل فكرة رؤية الله سبحانه وتعالى في نفوس مثبتيها هو السبب الذي جرهم إلى وضع القيود والتقديرات، واتباع الضعيف من الأخبار.
فتحديد نفي الرؤية في الدنيا دون الآخرة لا دليل عليه من القرآن الكريم، ولم يأت أي حديث صحيح عن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام يؤيد ما ذهب إليه الإمام الرازي.
وأما سند هذه الرواية فهو ضعيف وذلك بسبب عنعنة الأعمش المدلس_ تقريب التهذيب، ت:2623، ج1/ص392 _ عن شيخه خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي.
وجاءت رواية عدي بن حاتم أيضاً عند البخاري بصيغة التحديث بين الأعمش وشيخه، قال الإمام البخاري_ صحيح البخاري، الرواية:6539، ص1162 _: " حدثنا عمر بن حفص: حدثنا أبي قال: حدثني الأعمش قال: حدثني خيثمة، عن عدي بن حاتم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ... ". (1/137)
صفحة 138
فرواية الأعمش التي عنعن فيها عن شيخه هي الراجحة على روايته التي صرح فيها بالتحديث عن شيخه، وذلك لأن الذين رووا عن " الأعمش عن خيثمة " أكثر عدداً ومنهم من هم أضبط وأتقن من الراوي الذي روى بصيغة التحديث بين الأعمش وشيخه.
فقد نقل رواية " الأعمش عن خيثمة " -كما جاء عند البخاري وغيره- كل من: أبو أسامة حماد بن أسامة ، وعيسى بن يونس بن إسحاق السبيعي، ووكيع بن الجراح، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير ، وعبد الواحد بن زياد.
وأما الرواية التي ذُكر فيها التحديث بين الأعمش وشيخه خيثمة فعلتها أن الذي رواها عن الأعمش أقل ضبطاً من الرواة الذين صرحوا بالعنعنة بين الأعمش وشيخه، فقد رواها حفص بن غياث بن طلق الذي ضعف حفظه علماء الجرح والتعديل كما بينا ذلك في صفحة 5 من هذا البحث .
وبهذا يتبين أن رواية الأكثر التي عنعن فيها الأعمش عن شيخه مقدمة على الرواية التي صرح فيها الأعمش بالتحديث عن شيخه، وذلك لمخالفة حفص بن غياث لمن هم أتقن منه.
وقد طبق ابن القيم هذه القاعدة في حاشيته على سنن أبي داود حينما رجح رواية جاءت من طرق رجال هم أتقن من حفص بن غياث، فقد قال ابن القيم في جواب له على من رجح رواية جاءت من طريق حفص بن غياث: " ... رواية عبد الملك ومن معه عن يحيى بن سعيد، أرجح من رواية حفص بن غياث، لأنهم أتقن وأكثر، وأبعد عن الغلط ..."_ قال ابن القيم هذا القول عند مناقشته لطرق الرواية التي فيها: ( من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر ). ومما قاله ابن القيم:
" ... فإن قيل: فقد رواه حفص بن غياث، وهو اثبت ممن ذكرت، عن يحيى بن سعيد عن أخيه سعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت، فدل على أن يحيى بن سعيد لم يروه عن عمر بن ثابت وإلا لما رواه عن أخيه عنه ورواه إسحاق بن أبي فروة عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت عن البراء، فقد اختلف فيه. (1/138)
صفحة 139
قيل: رواية عبد الملك ومن معه عن يحيي بن سعيد، أرجح من رواية حفص بن غياث، لأنهم أتقن وأكثر، وأبعد عن الغلط، ويحتمل أن يكون يحيى سمعه من أخيه، فرواه كذلك، ثم سمعه من عمر، ولهذا نظائر كثيرة، وقد رواه عبد الله بن لهيعة عن عبد ربه بن سعيد عن أخيه يحيى بن سعيد عن عمر، فإن كان يحيى إنما سمعه من أخيه سعد فقد اتفقت فيه رواية الإخوة الثلاثة له، بعضهم عن بعض ".( حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، ج7/ص89-90 )_.
ونحن نقول أن الرواية التي عنعن فيها الأعمش عن شيخه هي الأرجح، لأن الرواة الذين نقلوها عن الأعمش " أتقن وأكثر ، وأبعد عن الغلط ".
ومن كل ما سبق ذكره يتبين ضعف الرواية المنسوبة إلى الصحابي الجليل عدي بن حاتم وذلك بسبب مخالفتها لآية من كتاب الله تعالى، وبسبب وجود عنعنة الأعمش المدلس في سندها. والحمد لله رب العالمين.
وجاءت هذه الرواية عند الطبراني_ المعجم الكبير، الرواية: 225، ج17 /ص95 _ بسند آخر: " حدثنا شعيب بن عمران العسكري، ثنا عبدان بن محمد العسكري، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ثنا أبو عبدان مسلمة عن سعد الطائي، عن محل بن خليفة، عن عدي بن حاتم، عن النبي صلى الله عليه وسلم ... ".
هذه الرواية من هذا الطريق ضعيفة وذلك أن شعيب بن عمران العسكري مجهول فقد قال ابن حجر: " شعيب بن عمران العسكري عن أحمد بن محمد الطالقاني. وعنه محمد بن موسى بن إبراهيم الأسطوحى. الثلاثة لا يعرفون "_ لسان الميزان، ت: 4116، ج3 /ص180 _.
وكذلك أبو عبدان مسلمة بن جعفر فقد قال الذهبي عنه: " ... يجهل هو وشيخه. وقال الأزدي: ضعيف "_ ميزان الاعتدال، ت: 8518، ج4 /ص108 _. (1/139)
صفحة 140
وجاءت هذه الرواية أيضاً من طريق بريدة بن حصيب الأسلمي رضي الله عنه كما رواها الحارث بن أبي أسامة الطوسي: " حدثنا عبد العزيز بن أبان القرشي، ثنا بشير بن المهاجر، ثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منكم من أحد إلا سيسأله رب العالمين ليس بينه -يعني وبينه- حجاب ولا ترجمان "_ مسند الحارث ( زوائد الهيثمي )، الرواية: 1123، ج2 /ص1003 _.
هذه الرواية من هذا الطريق باطلة لورودها من قبل عبد العزيز بن أبان القرشي:
قال ابن حجر: " ... قال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: كذاب خبيث يضع الحديث، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لم يكن بشيء وضع أحاديث على سفيان، وقال ابن محرز عن ابن معين: ليس حديثه بشيء كان يكذب، وقال مرة أخرى: يحدث بأحاديث موضوعة... وقال عبد الله بن المديني عن أبيه: ليس هو بذاك، وليس هو في شيء من كتبي، وقال يعقوب بن شيبة: هو عند أصحابنا جميعا متروك كثير الخطأ كثير الغلط، وقد ذكروه بأكثر من هذا، وسمعت محمد بن عبد الله بن نمير يقول: ما رأيت أحداً أبين أمراً منه، وقال: هو كذاب، وقال أبو حاتم: متروك الحديث لا يشتغل به تركوه لا يكتب حديثه وقال أبو زرعة: ضعيف ..."_ تهذيب التهذيب، ت:4235، ج6/ص290-291 _.
ثانياً: رواية النافين للرؤية
ففي الوقت الذي يعتمد فيه مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى على المفاهيم والروايات الضعيفة، نجد أدلة النافين للرؤية آيات الله تعالى المحكمة وروايات صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم والتابعين من بعدهم. فحجب أبصار المؤمنين عن رؤية ربهم في عرصات الجنة الخالدة قد أثبتته رواية أقر بظاهر معناها مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى أنفسهم، ولكنهم – يا للأسف - تركوا الظاهر من الأدلة واتبعوا المفاهيم والروايات الضعيفة.
الرواية المرفوعة من طريق أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري
قال الإمام البخاري: (1/140)
صفحة 141
"حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، عن أبي عمران، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن".
أخرج هذه الرواية الإمام البخاري_ صحيح البخاري، الرواية: 7444، ص 1314 والرواية:4878، ص891 _، والإمام مسلم_ صحيح مسلم، الرواية: 180، ص129 _، والترمذي_ سنن الترمذي، الرواية: 2528، ج4 /ص673 – 674 _، وابن ماجه_ سنن ابن ماجه، الرواية: 186، ج1 /ص66-67 _، والدارمي_ سنن الدارمي، الرواية: 2825، ص 638 _، والإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد، الرواية: 19918، ص1442 والرواية: 19969، ص1446 _، وابن حبان_ صحيح ابن حبان، الرواية: 7386، ج 16 /ص394-395 _، والنسائي_ سنن النسائي الكبرى، الرواية: 7765، ج4 /ص419-420 والرواية:11441، ج6 /ص443 _، وأبو يعلى_ مسند أبي يعلى، الرواية: 7331، ج13 /ص314_، وابن خزيمة_ كتاب التوحيد، الرواية: 12، ج1/ص39 _.
صرح العلماء الذين يعتقدون برؤية الله سبحانه وتعالى بأوضح عبارة أن هذا الحديث ينطق بامتناع رؤية المؤمنين لله تعالى في عرصات الجنان، فقد قال ابن حجر: "ونقل الطيبي ... وأصل الحجاب الستر والحائل بين الرائي والمرئي، والمراد به هنا منع الأبصار من الرؤية بما ذكر فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل فعبر به عنه ... "_ فتح الباري، ج15 /ص393 –394 _.
وقال النووي: " وأما الحجاب فأصله في اللغة المنع والستر، وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة، والله تعالى منزه عن الجسم والحد. والمراد هنا المانع من رؤيته، وسمي ذلك المانع نوراً أو ناراً لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة لشعاعهما، والمراد بالوجه الذات "_ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م2، ج3/ص16_. (1/141)
صفحة 142
وبعد هذا التصريح بهذا المعنى لم يجد مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى إلا روايات ضعيفة واحتمالات ليس لها دليل من قرآن أو سنة مقطوع بثبوتها في إثبات ما ذهبوا إليه. فقد قال ابن حجر بعد التصريح بانتفاء رؤية الله سبحانه وتعالى: " وحاصله أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية ... ثم وجدت في حديث صهيب في تفسير قوله تعالى: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) ما يدل على أن المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى الحجاب المذكور في حديث صهيب، وأنه سبحانه يكشف لأهل الجنة إكراما لهم "_ فتح الباري، ج15/ص395 _.
فرواية صهيب التي أشار إليها ابن حجر هنا ضعيفة لا حجة فيها فلا يخصص بها عام، ولا يقيد بها مطلق في القضايا العملية فضلاً عن الأمور الاعتقادية التي لا يجوز عليها التقييد والتخصيص. وقد نقل ابن حجر نفسه تضعيف علماء الجرح والتعديل لحفظ حماد بن سلمة الذي رفع رواية صهيب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم_ انظر ص 5 وما بعدها من هذا البحث._. وبهذا يتبين " أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية " وهذا المنع دائم لا ينقطع ولا تجري عليه حدود الزمن ومقتضيات تقلب الأحوال على البشر، فدوام منع رؤية الله سبحانه وتعالى من مقتضيات دوام الكبرياء للذات العلية التي لا يحدها زمان.
ونقل ابن حجر عن الكرماني قوله: " ... ثم استشكل ظاهره بأنه يقتضي أن رؤية الله غير واقعة، وأجاب بأن مفهومه بيان قرب النظر إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعاً من الرؤية، فعبر عن زوال المانع عن الإبصار بإزالة المراد انتهى "_ فتح الباري، ج15 /ص395 _.
أبعد التصريح بأن ظاهر الرواية يقتضي منع رؤية الله سبحانه وتعالى يُصار إلى المفاهيم والاحتمالات؟
وما هو الدليل على أن مفهوم الحديث قرب النظر، خاصة وأن الطيبي قد قال: " والمراد به هنا منع الأبصار من الرؤية "؟ (1/142)
صفحة 143
أليس قول الكرماني: " إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعاً من الرؤية " فيه المخالفة الشديدة الصريحة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء "؟
وقال صلاح الدين العلائي: " ... ولكن المراد بحجابه منعه إبصار خلقه وبصائرهم بما شاء متى شاء كيف شاء، وإذا شاء كشف ذلك عنهم ..."_ المرجع السابق، ج15 /ص393 _.
لا أتصور عقيدة إسلامية تنشئها تصورات البشر، وتبنيها احتمالاتهم واستنتاجاتهم.
فما هو دليل صلاح الدين العلائي على أن الله تعالى يكشف الحجاب متى شاء ولمن شاء؟
إن فتح أبواب الاحتمالات لتمرير العقيدة التي لا تبنى على القاطع من الأدلة تجر أصحابها إلى القول بما لم ينزل الله به من سلطان، فقد " قال ابن بطال معنى رفع الحجاب إزالة الآفة من أبصار المؤمنين المانعة لهم من الرؤية، فيرونه لارتفاعها بخلق ضدها فيهم "_ المرجع السابق، ج15 /ص393 _.
أليس هذا ضرباً من التخمينات التي لا أصل لها من قرآن ولا من سنة؟
من أين عرف ابن بطال أن رفع الحجاب هو إزالة الآفة من أبصار المؤمنين؟
وما هي هذه الآفة؟
وما هو الذي يخلقه الله تعالى في عباده لكي يروه؟
وقال ابن حجر: " وحاصله أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية فكأن في الكلام حذفاً تقديره بعد قوله إلا رداء الكبرياء: فإنه يمن عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه "_ المرجع السابق، ج15 /ص395 _.
أين الدليل الصحيح على هذه الاحتمالات؟
أبعد الإقرار بمنع رؤية الله سبحانه وتعالى تلتمس الاحتمالات وتبنى العقيدة على التقديرات النابعة من عقول البشر؟ (1/143)
صفحة 144
ولم يقف الحافظ ابن حجر عند حدود التقديرات، بل تعدى ذلك إلى ما هو أعظم منه، فقد قال: " ومعنى حديث الباب أن مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد، لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالاً للنعمة، فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء فكأنه رفع عنهم حجاباً كان يمنعهم ... "_ المرجع السابق، ج15 /ص395 _.
إن الإنسان قد يلجأ إلى التوفيق بين رأيين في مسألة عملية جاءت فيها أدلة ظاهر بعضها مخالف لبعض، ولكن حينما يتحدث الإنسان عن صفات الخالق جل وعلا، وحينما يتحدث عن عزته وكبريائه سبحانه فإن الأمر يختلف تماماً.
فالكبرياء لله ثابتة لا يتخلى عنها سبحانه في أي زمن من الأزمان ولا لأي سبب من الأسباب، ومقتضى هذه الصفة الذاتية عدم رؤية الأبصار له في الدنيا والآخرة كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقول ابن حجر: " ... فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء ..." فيه ما فيه من الخطورة، إذ كيف يتصور الإنسان أن ربه جل وعلا يقضي الأمور ويقدرها بخلاف كبريائه وعزته؟
فالله تعالى كما أنه لا يتخلى عن الوحدانية والصمدية وكل صفاته الذاتية فهو لا يتخلى عن كبريائه وعزته أبداً.
حتى ولو ثبتت الأدلة في رؤية الله سبحانه وتعالى – وهذا لم يثبت أبداً –، ما كان لأي أحد أن يعتمد عليها في قول مثل هذه الأقوال التي تصور الله سبحانه وتعالى خالقاً للأمور من غير مقتضى صفاته الذاتية.
إن ربط نفي رؤية العباد لله تعالى في عرصات الجنان بدوام كبرياء الله جل وعلا هو المعنى الظاهر من حديث أبي موسى الأشعري.
وبثبوت استحالة رؤية المؤمنين لرب العزة في عرصات الجنان يتضح المعنى الصحيح لقول الله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ). (1/144)
صفحة 145
فكل الخلائق مشتركة في حجبها عن رؤية ربها في الدنيا والآخرة، وقد جاءت الأدلة على هذا القول في كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم وآثار الصحابة والتابعين، كما اتضح ويتضح في هذا البحث. والروايات التي جعلت رؤية الله سبحانه وتعالى للمؤمنين دون غيرهم لم تثبت أبداً.
وقد تميزت الخلائق بعضها عن بعض في عطايا الله تعالى وثوابه وكرمه وسعة جوده. فما أُعطي المؤمنون من كرم قد حُجب عن الكافرين وحرموا من لذاته، فهذا هو المعنى الصحيح الذي يعتمد على نصوص الآيات ومنطوق الأحاديث، ولا يخالف لغة العرب.
روايات وأقوال المفسرين لقوله تعالى:(لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) ولقوله تعالى: (لَن تَرَانِي)
ذكر الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره لقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) ثلاثة أقوال:
" لا تراه الأبصار وهو يرى الأبصار ".
" لا تحيط به الأبصار وهو يحيط بها ".
" لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا وأما في الآخرة فإنها تدركه".
ولكن بتطبيق علوم الأمة في إثبات الروايات سنعلم صحة الرأي الأول المؤيد بالروايات الثابتة الصحيحة، وندرك ضعف جميع الروايات التي احتج بها أصحاب الرأي الثاني وأصحاب الرأي الثالث.
أولاً: تفسير قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) بمعنى لا تراه الأبصار
رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها
قال الإمام الطبري في تفسيره لهذه الآية: (1/145)
صفحة 146
" حدثنا هناد_ هناد بن السري بن يحيى بن السري التميمي ... ثقة من الثانية عشرة (تقريب التهذيب، ت: 7347، ج2/ص 270) _، قال ثنا وكيع_ وكيع بن الجراح، انظر الهامش 261 في ص 5 من هذا البحث._، عن إسماعيل بن أبي خالد_ " إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي ثقة ثبت من الرابعة ". (تقريب التهذيب، ت: 439، ج1 /ص93) _، عن عامر_ عامر بن شراحيل الشعبي أبو عمرو " ثقة مشهور، فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه ". (تقريب التهذيب، ت:3103، ج1/ص 461) _، عن مسروق_ " مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة، الكوفي، ثقة فقيه عابد، مخضرم من الثانية ". (تقريب التهذيب، ت: 6622، ج2/ص175) _، عن عائشة، قالت: من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ) ولكن قد رأى جبريل في صورته مرتين".
أخرج هذه الرواية الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج7/ص301 _، والإمام البخاري_ صحيح البخاري، الرواية: 4855، ص 887 والرواية: 3234، ص 577 والرواية: 7380، ص1302 _، والإمام مسلم_ صحيح مسلم، الرواية: 177، ص 127 _، وأبو يعلى_ مسند أبي يعلى، الرواية: 4901، ج8/ص305_، والإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد، الرواية: 24731، ص 1815 والرواية: 26521، ص1934_، والترمذي_ سنن الترمذي، الرواية: 3068، ج5/ص262-263 _، والنسائي_ سنن النسائي الكبرى، الرواية: 11147، ج6/ص335-336 والرواية 11408، ج6/ص432-433 والرواية: 11532، ج6/ص471 _، وابن راهويه_ مسند إسحاق بن راهويه، الرواية: 1439، ج 3/ص 803 _، وابن خزيمة_ كتاب التوحيد، الروايات 323 – 327، ج2/ص 548 –560 _. (1/146)
صفحة 147
فجواب أم المؤمنين رضي الله عنها لمسروق جاء لإبطال الأفكار اليهودية التي أخذ في نشرها أحبارهم بين المسلمين _ انظر ما كتبه الأستاذ حسن بن علي السقاف حول دور كعب الأحبار في نشر العقائد اليهودية في أوساط المسلمين. (العلو للعلي الغفار، تحقيق حسن بن علي السقاف، ص 19 وما بعدها)_.
والمتتبع لمنشإ فكرة رؤية العباد لله سبحانه وتعالى في أوساط المسلمين يجدها من الأفكار اليهودية التي انتقلت إلى الأمة الإسلامية على يد كعب الأحبار. وأما ما نسب إلى الصحابة من أفكار عن رؤية العباد لله سبحانه وتعالى فباطل، ولم يأت دليل صحيح يثبت نسبة معتقد رؤية الله سبحانه وتعالى إليهم رضي الله عنهم، كما سيتبين في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
والذي ثبت من أدلة رؤية الله سبحانه وتعالى هو فقط رأي كعب الأحبار، فقد أورد ابن أبي شيبة ما نصه:
" حدثنا يعلى بن عبيد_ يعلى بن عبيد بن أمية الأيادي
قال ابن حجر: " قال صالح بن أحمد عن أبيه: كان صحيح الحديث وكان صالحاً في نفسه، وقال علي بن الحسن الهسنجاني عن أحمد: يعلى أصح حديثاً من محمد بن عبيد وأحفظ. وقال إسحاق ابن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ضعيف في سفيان ثقة في غيره. وقال أبو حاتم: صدوق ... وقال [ ابن سعد ]: ثقة كثير الحديث...". (تهذيب التهذيب، ت: 8165، ج11 /ص 350 -351)_ قال ثنا إسماعيل بن أبي خالد_ إسماعيل بن أبي خالد، انظر الهامش 525 في ص 5 من هذا البحث._ عن عامر_ عامر بن شراحيل الشعبي، انظر الهامش 526 في ص 5 من هذا البحث._ عن عبد الله بن الحارث_ "عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي أبو محمد المدني، أمير البصرة، له رؤية، ولأبيه وجده صحبة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على ثقته". (تقريب التهذيب، ت:3276، ج1/ص 485) _ عن كعب قال: إن الله قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم فكلمه موسى مرتين ورآه محمد مرتين"? (1/147)
صفحة 148
أخرج هذا الرأي الذي قاله كعب الأحبار ابن أبي شيبة_ مصنف ابن أبي شيبة، ج7/ص415 _، والحاكم_ المستدرك على الصحيحين، الرواية 4099، ج2/ص629 _، وابن راهويه_ مسند إسحاق بن راهويه، الرواية: 1421، ج 3/ص790 _، وابن خزيمة_ كتاب التوحيد، ج2/ص496 _ الذي أورد في موضع آخر من كتابه زيادة على هذه الرواية حيث قال: " قال عامر: فانطلق مسروق إلى عائشة رضي الله عنها، فذكر الخبر "_ المرجع السابق، الرواية: 604، ص 2/ ج 894- 895
نص رواية ابن خزيمة في هذا الموضع: " حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، قال: ثنا المعتمر، عن إسماعيل – وهو ابن أبي خالد – قال: أخبرني عامر، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن كعب أنه قال: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد- صلى الله عليه وسلم- وبين موسى -عليه السلام- فرآه محمد مرتين وكلمه موسى مرتين، قال عامر: فانطلق مسروق إلى عائشة رضي الله عنها، فذكر الخبر"._.
وجاء عند أبي يعلى نص سؤال مسروق بعد أن انطلق إلى أم المؤمنين يخبرها عن أقوال كعب: " يا أمتاه ... هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت "_ نص الرواية: " حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق قال: قلت لها: يا أمتاه – يعني: عائشة- هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت ". (مسند أبي يعلى، الرواية: 4901، ج 8/ص 305)_.
فسؤال مسروق سببه ما تفوه به كعب الأحبار من أقوال كما أوضح ذلك الحافظ ابن حجر حين قال: " فأتى مسروق عائشة فذكر الحديث، فظهر بذلك [ سبب ]_ كلمة " سبب " لا توجد في الطبعة الثانية من طبعة دار الكتب العلمية ولا في طبعة دار الفكر، ولكنها توجد في طبعة المكتبة السلفية التي أشرف على إخراجها محب الدين الخطيب ج8/ص 607 . _ سؤال مسروق لعائشة عن ذلك ... "_ فتح الباري، ج9/ص588 _. (1/148)
صفحة 149
هذا الرأي الذي تلفظ به كعب الأحبار في أوساط الصحابة الكرام لم يلق الرضى والقبول من قِبَلهم رضي الله عنهم، فقد رفضته أم المؤمنين واعتبرت هذا القول كذباً وفرية على صاحب هذه الرسالة صلى الله عليه وسلم، واستدلت في نفي رؤية الله جل وعلا بقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ)، فتفسير أم المؤمنين رضي الله عنها لإدراك الأبصار هو الرؤية ، أي لا تراه الأبصار. وهذا النفي لفكرة رؤية الله سبحانه وتعالى لا تحده الأزمان ولا يخصص لبصر دون بصر، فالآية الكريمة تنفي أن يكون الله تعالى عرضة للحوق الأبصار، كما أنها تثبت له سبحانه وتعالى الصفات العلى التي لا يتخلى عنها دنيا وأخرى.
ففكرة رؤية العباد لله تعالى التي سُطرت في صيغ أخبار وآثار لم تثبت عن السلف الصالح من الصحابة الكرام لورودها في روايات ضعيفة.
والقول المنسوب إلى أبي ذر الغفاري رضي الله عنه الذي جاء عند الطيالسي_ مسند الطيالسي، الرواية:474، ج2/ص 64 _، والإمام مسلم_ صحيح مسلم، الرواية: 178، ص 128 _، وابن حبان_ صحيح ابن حبان، الرواية:58، ج 1/ص 254– 255 _، والإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد بن حنبل، الرواية: 21720، ص1575 والرواية: 21638، ص 1569 والرواية: 21830، ص1584
وكذلك الرواية: 21860، ص 1587 والتي جاءت بهذا السند: " حدثنا يزيد – يعني ابن هارون – حدثنا يزيد بن إبراهيم، حدثنا قتادة، حدثنا عبد الله بن شقيق ... "، فتصريح قتادة بالتحديث عن عبد الله بن شقيق لا يقوي هذه الرواية وذلك لضعف رواية يزيد بن إبراهيم التستري عن قتادة. (1/149)
صفحة 150
قال ابن حجر: " ... قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ... وقال يحيى بن سعيد: يزيد بن إبراهيم عن قتادة ليس بذاك ... وقال ابن عدي: وليزيد أحاديث مستقيمة عن كل من يروي عنه وإنما أنكرت أحاديث رواها عن قتادة عن أنس ... ". (تهذيب التهذيب، ت: 8006، ج11/ص269-270) _، والترمذي_ سنن الترمذي، الرواية: 3282، ج 5 /ص396 _ والذي فيه: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه "_ نص الرواية كما أخرجها الطيالسي: " حدثنا أبو داود، قال حدثنا يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن شيء، فقال: وما كنت تسأله، قال: كنت أسأله هل رأيت ربك عز وجل؟ فقال أبو ذر: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه "._، ضعيف لوروده من قبل عنعنعة قتادة_ انظر ص 5 من هذا البحث._ المدلس.
وأما الروايات المنسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما والتي فيها فكرة رؤية الله سبحانه وتعالى فهي ضعيفة كما سيتبين في القسم الآتي إن شاء الله تعالى.
فأم المؤمنين عائشة الطاهرة الزكية رضي الله عنها ردت فكرة رؤية الرسول – صلى الله عليه وسلم - لله سبحانه تعالى ولم تتهم أحداً من الصحابة_ اعتبر ابن خزيمة رد أم المؤمنين عائشة موجهاً إلى ابن عباس وأبي ذر وأنس بن مالك رضي الله عنهم، ولكن الحقيقة أن ردها كان موجها إلى كعب الأحبار (انظر قول الأستاذ حسن السقاف، مسألة الرؤية، ص70) .
قال ابن خزيمة: " هذه لفظة، أحسب عائشة تكلمت بها، في وقت غضب كانت لفظة أحسن منها يكون فيها دركاً لبغيتها، كان أجمل بها، ليس يحسن في اللفظ: أن يقول قائل: أو قائلة - فقد أعظم ابن عباس الفرية، وأبو ذر، وأنس بن مالك، وجماعات من الناس الفرية على ربهم، ولكن قد يتكلم المرء عند الغضب باللفظة التي يكون غيرها أحسن وأجمل منها ... ". (كتاب التوحيد، ج2/ص 556) (1/150)
صفحة 151
وقال أيضاً: " فتفهموا يا ذوى الحجا هذه النكتة تعلموا أن ابن عباس رضي الله عنهما وأبا ذر وأنس بن مالك ومن وافقهم لم يعظموا الفرية على الله، ولا خالفوا حرفاً من كتاب الله في هذه المسألة ". (المرجع السابق، ج2/ص558)
فكل ما نسب إلى ابن عباس وأبي ذر وأنس بن مالك حول رؤية الرسول لربه لم يثبت عنهم، وقد أقر محقق كتاب التوحيد بهذه الحقيقة حين قال: " ولكن لا بد للمثبت أن يورد دليل الإثبات ومثبتو الرؤية لم يقدموا أدلة على ذلك، والنفي هو الأصل حتى يقوى دليل الإثبات القاطع ". (المرجع السابق، الهامش 4، ج2/ص 556) _، وعدت أقوال كعب الأحبار التي نقلها مسروق إليها من الأكاذيب والافتراءات.
ثانياً: روايات من فسر (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) بمعنى لا تحيط به الأبصار، والروايات الواردة في رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه سبحانه وتعالى.
لقد تبين لنا أن أصل فكرة رؤية العباد لله سبحانه وتعالى يهودي، ولقد تبين لنا رفض أم المؤمنين لما قاله كعب الأحبار، واعتبرت أقوال كعب تكذيباً لقول الله عز وجل: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، وكذباً على رسول الله صلى الله عليه سلم.
والروايات المنسوبة إلى ابن عباس وغيره والتي اعتمد عليها مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى في تفسير قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) بلا تحيط به الأبصار، وفي إثبات أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه روايات ضعيفة لا تثبت حجة أبداً.
1- رواية منسوبة إلى ابن عباس
قال الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج7/ص299 _:
" حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) يقول: لا يحيط بصر أحد بالملك". (1/151)
صفحة 152
سند هذه الرواية هو كالآتي: محمد بن سعد [بن محمد]، قال ثني أبي [سعد بن محمد بن حسن بن عطية]، قال ثني عمي [الحسين بن حسن بن عطية العوفي]، قال ثني أبي [حسن بن عطية العوفي]، عن أبيه [عطية بن سعد بن جنادة العوفي] عن ابن عباس ...
في سند هذه الرواية سلسلة من الضعفاء:
عطية بن سعد بن جنادة العوفي: ضعيف مدلس لا يفرح برواياته أئمة الإسلام، وقد مر بك ما قاله علماء الجرح فيه_ انظر ص 5 من هذا البحث._.
حسن بن عطية بن سعد العوفي:
قال ابن حجر: " قال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال ابن حبان في (الثقات): أحاديثه ليست بنقية... وقال البخاري: ليس بذاك. وقال ابن قانع: مات سنة (181). وكذا أرخه ابن حبان في (الضعفاء) وزاد: منكر الحديث، فلا أدري البلية منه، أو من ابنه، أو منهما معا "_ تهذيب التهذيب، ت: 1327، ج2/ص268_.
الحسين بن حسن بن عطية العوفي:
قال ابن حجر:" ضعفه يحيى بن معين وغيره. وقال ابن حبان: روى أشياء لا يتابع عليها، لا يجوز الاحتجاج بخبره ... وقال النسائي: ضعيف ... وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال الجوزجاني: واهي الحديث. وقال ابن سعد: سمع سماعا كثيراً، وكان ضعيفا في الحديث. وذكره العقيلي في الضعفاء ..." _ لسان الميزان، ت: 2679، ج 2/ص 341-342 _.
إن الذين ذهبوا إلى تفسير قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) بلا تحيط به الأبصار اعتمدوا على هذه الرواية الضعيفة الساقطة وغيرها من الروايات الضعيفة.
فهل يقبل مثل هذه التفسيرات من احترز لدينه وطلب الحق؟
2- رواية منسوبة إلى قتادة بن دعامة
قال الإمام الطبري_ تفسير الطبري، ج7/ص299 _:
" حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) وهو أعظم من أن تدركه الأبصار".
هذه الرواية ضعيفة بسبب سعيد، وهو ابن بشير الأزدي_ تقريب التهذيب، ت: 2283، ج1/ص349 (1/152)
صفحة 153
ونقل ابن حجر في ( تهذيب التهذيب ) أقوال علماء الجرح والتعديل في حق سعيد بن بشير، حيث قال: " ... وقال عمرو بن علي، ومحمد بن المثنى: حدث عنه ابن مهدي، ثم تركه. وكذا قال أبو داود عن أحمد. وقال الميموني: رأيت أبا عبد اللَّه يُضعف أمره. وقال الدوري وغيره عن ابن معين: ليس بشيء. وقال عثمان الدارمي وغيره، عن ابن معين: ضعيف. وقال علي بن المديني: كان ضعيفا. وقال محمد بن عبد اللَّه بن نمير: منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات. وقال البخاري: يتكلمون في حفظه وهو محتمل ... وقال النسائي: ضعيف. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم ... وقال الساجي: حدث عن قتادة بمناكير. وقال الآجري عن أبي داود: ضعيف. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، فاحش الخطأ، يروي عن قتادة ما لا يتابع عليه... " ( تهذيب التهذيب، ت: 2369، ج4/ص 9-10 ) _، وليس فيها ما يشير إلى كون معنى الإدراك الإحاطة بالشيء، والذي ترشد إليه هذه الرواية هو أن عظمة الله تعالى سبب في عدم إدراك الأبصار له.
وقد قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ): " (قَالَ سُبْحَانَكَ) تنزيه وتعظيم وإجلال أن يراه بعظمته أحد "_ قصص الأنبياء، ص 329 _ وهذا المعنى مأخوذ من قول الرسول صلى الله عليه وسلم (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)_ انظر الرواية في ص 5 من هذا البحث._.
3- رواية منسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما
قال الحاكم_ المستدرك على الصحيحين، الرواية: 3234، ج 2 /ص 346 _: (1/153)
صفحة 154
" أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثني أبي، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل هل رأى محمد ربه؟ قال: نعم، رأى كأن قدميه على خضرة دونه ستر من لؤلؤ، فقلت: يا ابن عباس، أليس يقول الله: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) قال: يا لا أم لك ذاك نوره وهو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء ".
هذه الرواية ضعيفة لا تصح – وإن ادعى الحاكم صحتها - وذلك لورودها من قبل الحكم بن أبان، وابنه إبراهيم بن الحكم بن أبان، وإسحاق بن إبراهيم الطبري.
الحكم بن أبان العدني
قال ابن حجر في التقريب: " صدوق عابد، وله أوهام"_ تقريب التهذيب، ت: 1444، ج1/ص230 _.
ونقل في التهذيب:" قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال العجلي: ثقة، صاحب سنة، كان إذا هدأت العيون وقف في البحر إلى ركبتيه يذكر الله حتى يصبح ...
وروى سفيان بن عبد الملك، عن ابن المبارك قال: الحكم بن أبان، وأيوب بن سويد، وحسام بن مصك: ارم بهؤلاء ... وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: ربما أخطأ، وإنما وقع المناكير في روايته من رواية ابنه إبراهيم عنه، وإبراهيم ضعيف. وقال ابن عدي في ترجمة حسين بن عيسى: الحكم بن أبان فيه ضعف، ولعل البلاء منه لا من حسين بن عيسى ... وقال ابن خزيمة في (صحيحه): تكلّم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره "_ تهذيب التهذيب، ت: 1512، ج2/ص379-380 _.
من هذه الأقوال التي اختصرها ابن حجر ونسبها إلى علماء الجرح والتعديل ندرك ضعف الحكم بن أبان في الرواية، وإن كان في نفسه ثقة وصاحب عبادة.
وقد بين شراح الأحاديث ضعف روايات الحكم بن أبان عند دراستهم لبعض منها، فقد قال الهيثمي في شرحه لحديث هناك: " رواه الطبراني وفيه الحكم بن أبان وهو ضعيف "_ مجمع الزوائد، ج6/ص263 (1/154)
صفحة 155
نص كلام الهيثمي: " وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من خالف دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه وقال إن شهد أن لا أله إلا الله وأن محمدا رسول الله فلا سبيل عليه إلا أن يأتي شيئا فيقام عليه حده. رواه الطبراني وفيه الحكم بن أبان وهو ضعيف "._.
وقال الهيثمي في موضع آخر في شرحه لحديث آخر: " رواه الطبراني وفيه الحكم بن أبان وثقه النسائي وجماعة وضعفه ابن المبارك، وبقية رجاله رجال الصحيح"_ المرجع السابق، ج7/ص33
نص كلام الهيثمي: " عن ابن عباس قال لما مرض عبد الله بن أبيّ مرضه الذي مات فيه جاءه النبي صلى الله عليه وسلم فتكلما بكلام بينهما فقال عبد الله قد فهمت ما تقول أمنن علي فكفني في قميصك وصل علي فكفنه النبي صلى الله عليه وسلم في قميصه وصلى عليه قال ابن عباس: والله أعلم أي صلاة كانت وما خادع محمد صلى الله عليه وسلم إنسانا قط. رواه الطبراني وفيه الحكم بن أبان وثقه النسائي وجماعة وضعفه ابن المبارك، وبقية رجاله رجال الصحيح"._.
وقال محمد بن عبد الواحد السيواسي عند شرحه لحديث الكسوف والذي أحد طرقه من طريق الحكم بن أبان: " ورواه البيهقي في المعرفة من الطريقين ثم من طريق الحكم بن أبان كما رواه الطبراني، ثم قال: وهؤلاء وإن كانوا لا يحتج بهم ..."_ شرح فتح القدير، ج2/ص89 (1/155)
صفحة 156
نص كلام السيواسي: " ... فروى أحمد وأبو يعلى في مسنديهما عن ابن عباس: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الكسوف فلم أسمع منه حرفا من القراءة) وفيه ابن لهيعة، ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق الواقدي عن ابن عباس قال: (صليت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كسفت الشمس فلم أسمع له قراءة)، ورواه البيهقي في المعرفة من الطريقين ثم من طريق الحكم بن أبان كما رواه الطبراني، ثم قال: وهؤلاء وإن كانوا لا يحتج بهم ولكنهم عدد روايتهم توافق الرواية الصحيحة عن ابن عباس في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قرأ نحوا من سورة البقرة ". _.
وفي شرحه لحديث الكسوف قال بدر الدين العيني: " ... روى البيهقي هذا من ثلاث طرق كلها ضعيفة ... وبمعناه رواه الحكم بن أبان عن عكرمة، ثم قال: وابن لهيعة، وإن كان غير محتج به في الرواية، وكذلك الواقدي والحكم بن أبان، فهم عدد..."_ عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج7/ص 133 (1/156)
صفحة 157
نص كلام بدر الدين العيني: " فإن قلت: روى الشافعي (عن ابن عباس أنه قال: قمت إلى جنب النبي، صلى الله عليه وسلم، في خسوف الشمس فما سمعت منه حرفا). قلت: روى البيهقي هذا من ثلاث طرق كلها ضعيفة فرواه من رواية ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عكرمة (عن ابن عباس، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف فلم أسمع منه حرفا)، ورواه من رواية الواقدي عن عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب، فذكر نحوه، قال: وبمعناه رواه الحكم بن أبان عن عكرمة، ثم قال: وابن لهيعة، وإن كان غير محتج به في الرواية، وكذلك الواقدي والحكم بن أبان، فهم عدد. قال: وإنما روي الجهر عن الزهري فقط، وهو وإن كان حافظا فيشبه أن يكون العدد أولى بالحفظ من الواحد. قلت: ليس في الطرق التي ذكرها البيهقي أن ابن عباس قال أنه كان إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح ذلك عن ابن عباس، ولو صح يحمل على فعله في وقت دون وقت، وروايات الجهر أصح "._.
وقال العيني في موضع آخر: " لا يصح هذا عن ابن عباس، لأن في إسناده ابن لهيعة، وفي آخر الواقدي، وفي آخر الحكم بن أبان"_ المرجع السابق، ج5 /ص443-444
نص كلام بدر الدين العيني: " فإن قيل: قال الشافعي: وروي عن ابن عباس أنه قال: قمت إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم في خسوف الشمس فما سمعت منه حرفا؟ وأجيب: بأنه لا يصح هذا عن ابن عباس، لأن في إسناده ابن لهيعة، وفي آخر الواقدي، وفي آخر الحكم بن أبان"._.
إبراهيم بن الحكم بن أبان (1/157)
صفحة 158
قال ابن حجر: " ... قال ابن معين: ليس بثقة. وقال مرة: ضعيف ليس بشيء. ومرة: لا شيء. وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، وهو ضعيف. وقال الجوزجاني، والأزدي: ساقط. وقال محمد بن أسد الخشني: أملى علينا إبراهيم بن الحكم بن أبان من كتابه الذي لم نشك أنه سماعه، وهو ضعيف عند أصحابنا، فذكر حديثا. وقال عباس بن عبد العظيم: كانت هذه الأحاديث في كتبه مرسلة، ليس فيها ابن عباس، ولا أبو هريرة؛ يعني أحاديث أبيه عن عكرمة. وقال ابن عدي: وبلاؤه ما ذكروه أنه كان يوصل المراسيل عن أبيه، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه ... وقال الدارقطني: ضعيف. قال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: لا أحدث عنه. وذكره الفسوي في باب من يرغب عن الرواية عنهم، وقال أيضا: لا يختلفون في ضعفه. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقل العقيلي: ليس بشيء ولا بثقة "_ تهذيب التهذيب، ت: 180، ج 1/ص 105 _.
إسحاق بن إبراهيم الطبري
قال ابن حجر:" ... قال ابن عدي منكر الحديث ... وقال الدارقطني: منكر الحديث. وقال ابن حبان ... منكر الحديث جداً، يأتي عن الثقات بالموضوعات، ولا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب ... وقال الحاكم في المدخل: روى عن الفضل وابن عيينة أحاديث موضوعة "_ لسان الميزان، ت:1075، ج 1/ص 381-382 _.
وبهذا يتبين ضعف هذه الرواية المنسوبة إلى الصحابي ابن عباس وذلك بسبب ورودها من قِبَل الحكم بن أبان العدني صاحب الأوهام، وابنه إبراهيم بن الحكم الضعيف، ومن قِبَل إسحاق بن إبراهيم الطبري الذي يأتي بالموضوعات عن الثقات.
4- رواية منسوبة إلى ابن عباس
قال الترمذي: (1/158)
صفحة 159
" حدثنا محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان البصري الثقفي، حدثنا يحيى بن كثير العنبري أبو غسان، حدثنا سلم بن جعفر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه قلت: أليس الله يقول (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقال: أريه مرتين "
أخرج هذه الرواية الترمذي_ سنن الترمذي، الرواية: 3279، ج 5 /ص 395 _، ونحوها ابن خزيمة_ كتاب التوحيد، الرواية: 273، 274، ج 2/ص 481- 483_.
هذه الرواية ضعيفة بسبب الحكم بن أبان العدني_ انظر ما قاله علماء الجرح والتعديل في روايات الحكم بن أبان العدني في ص 5 من هذا البحث._.
فمن أقوال علماء الجرح في روايات الحكم بن أبان ومن تطبيقات شراح الأحاديث على رواياته، يتبين لنا ضعف هذه الرواية المنسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما والتي جاءت من طريق الحكم بن أبان.
ومن المؤسف أن نجد ابن خزيمة ينقض أقواله وأقوال غيره من علماء الجرح والتعديل في الحكم بن أبان_ قال ابن خزيمة في صحيحه ( ج2/ص26 ) تعليقاً على رواية مرور الحمار بين يدي المصلي: " في هذا الخبر أن الحمار إنما كان وراء العنزة، وقد ركز النبي صلى الله عليه وسلم العنزة بين يديه بعرفة فصلى إليها.
وفي خبر عبد الكريم عن مجاهد، قال: وهو يصلي المكتوبة ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه. (1/159)
صفحة 160
وخبر عبد الكريم وخبر الحكم بن أبان قريب من جهة النقل، لأن عبد الكريم قد تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره، وكذلك خبر الحكم بن أبان غير أن خبر الحكم بن أبان تؤيده أخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم صحاح من جهة النقل ... "._ حين قال: " لست أستحل أن أحتج بالتمويه، ولا أستجيز أن أموه على مقتبسي العلم، فأما خبر قتادة، والحكم بن أبان، عن عكرمة عن ابن عباس – رضي الله عنهما – وخبر عبد الله بن أبي سلمة، عن ابن عباس – رضي الله عنهما – فبين واضح أن ابن عباس كان يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه "_ كتاب التوحيد، ج2/ص 495 _.
فابن خزيمة أثبت الأقوال المنسوبة إلى ابن عباس بروايات ضعيفة أسقطها علماء الجرح والتعديل، فكفى بهذا دليلاً على ضعف أقواله التي قالها هنا.
5- رواية منسوبة إلى ابن عباس
أخرج الطبراني_ المعجم الكبير، الرواية: 11619، ج 11 /ص 242 _:
" حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا حامد بن يحيى، ثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه، قال عكرمة: يا ابن عباس أليس الله يقول: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ)، فقال ابن عباس: لا أم لك، إنما ذلك إذا خلا بكيفية لم يقم له بصر".
هذه الرواية ضعيفة لورودها من قبل الحكم بن أبان وابنه إبراهيم، وقد مر بك قول علماء الجرح فيهما.
6- رواية منسوبة إلى عكرمة مولى ابن عباس
قال الإمام الطبري:
" حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عيسى بن عبيد، قال: سمعت عكرمة، وسُئل هل رأى محمد ربه؟ قال: نعم، قد رأى ربه"_ تفسير الطبري، ج27/ص48 _.
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب محمد بن حميد بن حيان التميمي الرازي: (1/160)
صفحة 161
قال ابن حجر:" ... قال أبو حاتم الرازي: سألني يحيى بن معين عن ابن حميد من قبل أن يظهر منه ما ظهر فقال: أي شيء ينقمون منه؟ فقلت: يكون في كتابه شيء فيقول: ليس هذا هكذا فيأخذ القلم فيغيره فقال: بئس هذه الخصلة، قدم علينا بغداد فأخذنا منه كتاب يعقوب القمي ففرقنا الأوراق بيننا ومعنا أحمد فسمعناه ولم نر إلا خيرا، وقال يعقوب بن شيبة: محمد بن حميد كثير المناكير، وقال البخاري: في حديثه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الجوزجاني: رديء المذهب غير ثقة، وقال فضلك الرازي: عندي عن ابن حميد خمسون ألفا لا أحدث عنه بحرف ... وقال أبو القاسم ابن أخي أبي زرعة: سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فأومى بإصبعه إلى فمه، فقلت له: كان يكذب؟ فقال برأسه نعم، فقلت له: كان قد شاخ لعله كان يعمل عليه ويدلس عليه؟ فقال: لا يا بني كان يتعمد، وقال أبو نعيم بن عدي: سمعت أبا حاتم الرازي في منزله وعنده ابن خراش وجماعة من مشايخ أهل الري وحفاظهم فذكروا ابن حميد فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث جداً وأنه يحدث بما لم يسمعه ... وقال البيهقي: كان إمام الأئمة -يعني ابن خزيمة- لا يروي عنه، وقال النسائي فيما سأله عنه حمزة الكناني: محمد بن حميد ليس بشيء، قال: فقلت له: البتة؟ قال: نعم، قلت: ما أخرجت له شيئا؟ قال: لا ... وقال في موضع آخر: محمد ابن حميد كذاب، وكذا قال ابن وارة، وقال الخليلي: كان حافظاً عالماً بهذا الشأن رضيه أحمد ويحيى، وقال البخاري: فيه نظر، فقيل له في ذلك، فقال: أكثر على نفسه، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات، وقال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه، فقال: إنه لم يعرفه ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلا"_ تهذيب التهذيب، ت: 6081، ج9/ص108-111 _.
7- رواية منسوبة إلى ابن عباس
أخرج ابن حبان: (1/161)
صفحة 162
" أخبرنا أحمد بن عمرو المعدل بواسط، حدثنا أحمد بن سنان القطان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن ابن عباس قال: (قد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ?ربه)
قال أبو حاتم: معنى قول ابن عباس: (قد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه) أراد به بقلبه في الموضع الذي لم يصعده أحد من البشر ارتفاعا في الشرف".
أخرج هذه الرواية ابن حبان_ صحيح ابن حبان، الرواية: 57، ج 1/ص 253-254 _، والحاكم_ المستدرك على الصحيحين، الرواية 218، ج1/ص 134_، وابن خزيمة_ كتاب التوحيد، الرواية: 284، ج 2/ص 490 _ من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، أبي عبد الله.
قال ابن حجر:" قال علي بن المديني: ... قلت ليحيى: محمد بن عمرو كيف هو؟ قال: تريد العفو أو تشدد؟ قال: لا بل أشدد، قال: ليس هو ممن تريد، وكان يقول: حدثنا أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال يحيى: وسألت مالكاً عنه، فقال: فيه نحو ما قلت لك ... وقال إسحاق بن حكيم عن يحيى القطان: محمد بن عمرو رجل صالح، ليس بأحفظ الناس للحديث ... وقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معين عن محمد بن عمرو، فقال: ما زال الناس ينقون حديثه، قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وقال الجوزجاني: ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه، وهو شيخ. وقال النسائي: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة. وقال ابن عدي: له حديث صالح، وقد حدث عنه جماعة من الثقات، كل واحد يتفرد عنه بنسخة، ويغرب بعضهم على بعض، وروى عنه مالك في الموطأ، وأرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: يخطئ ... روى له البخاري مقرونا بغيره ومسلم في المتابعات... وقال يعقوب بن شيبة: هو وسط، وإلى الضعف ما هو"_ تهذيب التهذيب، ت:6478، ج9/ص324-325 _.
8- رواية منسوبة إلى ابن عباس
قال الحاكم: (1/162)
صفحة 163
" أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأ هشام بن علي السدوسي، ثنا سهل بن بكار، ثنا هشام بن عبد الله قال:
وأخبرنا الحسين بن محمد بن زياد، ثنا محمد بن يسار، ومحمد بن المثنى قالا: ثنا معاذ ابن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتعجبون أن يكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم ".
أخرج هذه الرواية الحاكم_ المستدرك على الصحيحين، الرواية 216، ج 1/ص133- 134 _، والنسائي_ سنن النسائي الكبرى، الرواية: 11539، ج 6 /ص 472 _.
هذه الرواية المنسوبة إلى ابن عباس لا تثبت عنه ولا يصح نسبتها إليه أبداً وذلك بسبب عنعنة قتادة بن دعامة المدلس الذي لا تقبل روايته إذا لم يصرح فيها بالسماع عن شيخه_ تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت:92، ص 102 وانظر ص 5 من هذا البحث._، وقد عنعن قتادة في هذه الرواية عن عكرمة.
9- رواية منسوبة إلى ابن عباس
قال الحاكم:
" أخبرناه أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه، وأبو الحسن علي بن محمد الشرغاوشوني البخاريان ببخارى قالا: ثنا صالح بن محمد بن حبيب الحافظ، ثنا محمد بن الصباح.
وحدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي، ثنا أحمد بن يحيى الحلواني، ثنا محمد بن الصباح الدولابي، ثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم، عن الشعبي، وعكرمة عن ابن عباس قال: رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه".
أخرج هذه الرواية الحاكم_ المستدرك على الصحيحين، الرواية:217، ج1/ص134 _، وابن خزيمة_ كتاب التوحيد، الروايات: 277 - 279، ج2/ص 485- 487 _.
هذه الرواية ضعيفة لورودها من قبل إسماعيل بن زكريا بن مرة الخلقاني، الأسدي، أبي زياد الكوفي الذي ليس بحجة في الرواية. (1/163)
صفحة 164
قال ابن حجر: " قال ابن معين: ليس به بأس. وقال في موضع آخر: صالح الحديث، قيل له أفحجة هو؟ قال: الحجة شيء آخر. وقال أبو الحسن الميموني، عن أحمد: أما الأحاديث المشهورة التي يرويها فهو فيها مقارب الحديث صالح، ولكن ليس ينشرح الصدر له، ليس يعرف، هكذا -يريد بالطلب-. وعن يحيى بن معين: ضعيف الحديث. وقال الدارمي، عن ابن معين: يحيى -يعني بن أبي زائدة - أحبُّ إليَّ من إسماعيل ... وقال الليث بن عبدة، عن ابن معين: ضعيف. وقال أحمد بن ثابت أبو يحيى، عن أحمد بن حنبل: ضعيف ... وقال العجلي: كوفي ضعيف الحديث. وقال الآجري، عن أبي داود: ثقة. وقال النسائي في (الجرح والتعديل) ليس بالقوي ..."_ تهذيب التهذيب، ت: 486، ج1/ص 268-269 _.
10 – رواية منسوبة إلى ابن عباس
قال الحاكم_ المستدرك على الصحيحين، الرواية 219، ج1/ص134 وجاءت هذه الرواية أيضاً عند ابن خزيمة في ( كتاب التوحيد ) من طريق عنعنة ابن جريج، انظر الرواية: 286، ج2/ص 491 _:
" أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، ثنا إسحاق بن الحسن، ثنا أبو حذيفة، ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: رآه مرتين ".
هذه الرواية ضعيفة لا يصح نسبتها إلى حبر هذه الأمة رضي الله عنه، لورودها من طريق عنعنة ابن جريج ومن طريق أبي حذيفة الضعيف.
فابن جريج هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي
" فقيه الحجاز مشهور بالعلم والثبت، كثير الحديث، وصفه النسائي وغيره بالتدليس. قال الدارقطني: شر التدليس تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح"_ تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ت: 83، ص 95 _.
وأما أبو حذيفة فهو: موسى بن مسعود أبو حذيفة النهدي البصري (1/164)
صفحة 165
قال ابن حجر: " ... قال الجوزجاني: سمعت أحمد يقول: كان سفيان الذي يروي عنه أبو حذيفة ليس هو سفيان الثوري الذي يحدث عنه الناس. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: قبيصة أثبت منه حديثا في سفيان، أبو حذيفة شبه لا شيء ... وقال ابن محرز عن ابن معين: لم يكن من أهل الكتاب ... وقال العجلي: ثقة صدوق، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صدوق معروف بالثوري ولكن كان يصحف ... وقال الترمذي: يضعف في الحديث، وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: يخطئ ... وقال عمرو بن علي الفلاس: لا يحدث عنه من يبصر الحديث، وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن قانع: فيه ضعف، وقال الحاكم أبو عبد الله: كثير الوهم سيئ الحفظ. وقال الساجي: كان يصحف وهو لين ... "_ تهذيب التهذيب، ت: 7331، ج10 /ص330-331_.
وجاءت هذه الرواية عند الطبراني_ المعجم الكبير، الرواية 11455، ج 11 /ص 189 _ بسند آخر: " حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي قال: قرأت على أبي قرة الزبيدي أن ابن جريج أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول ... ".
رواية الطبراني هذه لا تثبت عن ابن عباس وذلك بسبب رواية ابن جريج عن عطاء.
قال ابن حجر: " ... قال أبو بكر: ورأيت في كتاب علي بن المديني سألت يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني فقال: ضعيف، قلت ليحيى: أنه يقول: أخبرني، قال: لا شيء كله ضعيف إنما هو كتاب دفعه إليه"_ تهذيب التهذيب، ت: 4345، ج 6 /ص 355 _.
وكذلك بسبب رواية موسى بن طارق اليماني أبي قرة الزبيدي
قال ابن حجر: " ... ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: كان ممن جمع وصنف وتفقه وذاكر يغرب... صنف كتاب السنن على الأبواب في مجلد رأيته ولا يقول في حديثه حدثنا إنما يقول ذكر فلان وقد سئل الدارقطني فقال: كانت أصابت كتبه علة فتورع أن يصرح بالأخبار"_ المرجع السابق، ت: 7298، ج 10 /ص 312-313 _. (1/165)
صفحة 166
من أقوالهم في رواية ابن جريج عن عطاء وكذلك من أقوالهم في رواية أبي قرة ندرك عدم ثبوت نسبة هذه الرواية إلى الصحابي ابن عباس رضي الله عنهما.
11- رواية منسوبة إلى ابن عباس
أخرج الطبراني_ المعجم الكبير، الرواية:11421، ج 11 /ص 179 _:
" حدثنا عبيد بن محمد الكشوري، ثنا عبد الله بن الصباح بن ضمرة قال: قرأنا على مطرف بن مازن عن عمر بن حبيب قال: سمعت عطاء يقول: إن عبد الله بن عباس قال: لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بعينيه إنما رآه بقلبه".
هذه الرواية ضعيفة لورودها من قبل مطرف بن مازن.
قال ابن حجر:" قال النسائي وغيره: ليس بثقة... وقال زكريا الساجي: يضعف ونسبه هشام بن يوسف إلى الكذب"_ تعجيل المنفعة، ت:1042، ص 451 _.
12- رواية منسوبة إلى ابن عباس
أخرج النسائي_ سنن النسائي الكبرى، 11535، ج 6 /ص 472 _:
" أخبرنا الحسين بن منصور قال: حدثنا عبد الله بن نمير ح وأخبرنا محمد بن العلاء قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس في قوله: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) قال: رآه بقلبه. وقال محمد بن العلاء: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) قال: رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه مرتين ".
هذه الرواية ضعيفة لورودها من قبل عنعنة الأعمش المدلس.
13- رواية منسوبة إلى ابن عباس
قال الإمام مسلم_ صحيح مسلم، الرواية: 176، ص127 _:
" حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، قال رآه بقلبه ".
هذه الرواية لا حجة فيها لورودها من قبل حفص بن غياث وعنعنة ابن جريج_ انظر ص 5 من هذا البحث._.
حفص بن غياث بن طلق النخعي (1/166)
صفحة 167
قال ابن حجر: " ... قال يعقوب: ثقة ثبت إذا حدث من كتابه، ويُتقى بعض حفظه ... وقال أبو زرعة: ساء حفظه بعدما استقضي ... وقال داود بن رشيد: حفص كثير الغلط ... وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أن حفصا كان يدلس... وقال ابن سعد: كان ثقة، مأمونا، كثير الحديث، يدلس. وقال أبو عبيد الآجري، عن أبي داود: كان حفص بأخرة دخله نسيان"_ تهذيب التهذيب، ت: 1504، ج 2 /ص 373 –375 _.
ليس بعد حكم المنهج الصائب العادل قول يرجع إليه في ترجيح الأقوال المنسوبة إلى سلف هذه الأمة، فها هو منهج الأمة الإسلامية يظهر ضعف جميع الروايات التي نَسبت إلى ابن عباس رضي الله عنهما القول برؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه جل وعلا.
وأما ما قاله ابن خزيمة: " فقد ثبت عن ابن عباس إثباته أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد رأى ربه، وبيقين يعلم كل عالم أن هذا من الجنس الذي لا يدرك بالعقول، والآراء والجنان والظنون، ولا يدرك مثل هذا العلم إلا من طريق النبوة، إما بكتاب أو بقول نبي مصطفى ... "_ كتاب التوحيد، ج2/ص559 _.
فهو قول ينقض آخره أوله. إذ ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم المقطوع بثبوتها ما يثبت القول المنسوب إلى الصحابي ابن عباس رضي الله عنهما.
والمنهج الذي يدعو إليه ابن خزيمة وغيره من علماء الإسلام يضعف - بالأدلة المنقولة عنهم – هذه الآراء المدعية للرؤية المنسوبة إلى ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم. والحمد لله رب العالمين.
14- رواية منسوبة إلى الحسن البصري
قال عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري_ طبقات المحدثين بأصبهان، ج1/ص 129 _:
"حدثنا محمد بن إسماعيل قال: ثنا عبد الله بن عمر قال: ثنا عبد الرحمن بن المبارك بن فضالة عن أبيه قال: كان الحسن يحلف بالله أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه تبارك وتعالى". (1/167)
صفحة 168
هذه الرواية ضعيفة ولا يصح نسبتها إلى الإمام الحسن البصري وذلك لورودها من قبل مبارك بن فضالة المدلس الذي لم يصرح في هذه الرواية بالتحديث عن شيخه، وقد سبق ذكر أقوال علماء الجرح في المبارك بن فضالة في صفحة 100 من هذا البحث.
ثالثاً : تناقض آراء المثبتين للرؤية في فهم قوله تعالى:(لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)
قال ابن عاشور عند تفسيره لقوله تعالى (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ): " وذلك تعريض بانتفاء الإلهية عن الأصنام التي هي أجسام محدودة محصورة متحيزة، فكونها مدركة بالأبصار من سمات المحدثات لا يليق بالإلهيَّة ولو كانت آلهة لكانت محتجبة عن الأبصار "_ التحرير والتنوير، ج6/ص250 _.
من هذا القول نفهم أن الألوهية موجبة حجب الأبصار عن الذات العلية. والألوهية لا تجري عليها أحوال البشر فتغير من صفاتها الذاتية، فما لا يجوز وصفها به في الدنيا فكذلك لا يجور وصفها به في الآخرة.
وأوضح ابن عاشور حقيقة الإدراك بقوله: " والإدراك حقيقته الوصول إلى المطلوب. ويطلق مجازاً على شعور الحاسة بالمحسوس أو العقل بالمعقول. يقال: أدرك بصري وأدرك عقلي تشبيهاً لآلة العلم بشخص أو فرس وصل إلى مطلوبه تشبيه المعقول بالمحسوس "_ المرجع السابق، ج6/ص251 _.
فمن هذين النصين نعرف حقيقتين يقر بهما النافون والمثبتون للرؤية:
? الألوهية والكبرياء تحجب الأبصار عن الذات العلية_ راجع أقوال المثبتين للرؤية عند شرحهم للرواية التي فيها " ... وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن" في ص 5 وما بعدها من هذا البحث._.
? حقيقة الإدراك الوصول إلى المطلوب.
وبعد هذا الإقرار من قبل المثبتين للرؤية أخذت الأفهام في الترويج لفكرة رؤية الله سبحانه وتعالى المزعومة على حساب التنزيه ومقتضيات اللغة العربية. (1/168)
صفحة 169
ولم يمض على ابن عاشور طويل من الوقت حتى أخذ في الخلط بين الحق الذي أقر به والباطل الذي عابه على عُبّاد الأصنام، حيث قال:
"والمقصود من هذا بيان مخالفة خصوصية الإله الحق عن خصوصيات آلهتهم في هذا العالم، فإن الله لا يُرى وأصنامهم تُرى، وتلك الخصوصية مناسبة لعظمته تعالى، فإن عدم إحاطة الأبصار بالشيء يكون من عظمته فلا تطيقه الأبصار، فعموم النكرة في سياق النفي يدل على انتفاء أن يدركه شيء من أبصار المبصرين في الدنيا كما هو السياق "_ التحرير والتنوير، ج6/ص251 _.
ومع إعادته لخصائص التقديس، إلا أنه أخذ يتراجع عن أقواله:
? فقد فسر إدراك الأبصار هنا بالإحاطة، ولكنه فسره سابقاً بالوصول إلى المطلوب.
? وتحديده لكلمة " الدنيا " هنا فيه إشعار بأن صفات الألوهية التي تقتضي حجب الأبصار عن رؤية الباري جل وعلا تجري على خصوصياتها تقلبات الزمن، والعياذ بالله.
وهذه الأقوال التي نقلناها هنا عن ابن عاشور تعطي مثالاً واحداً من أمثلة عديدة لتناقضات معتقدي رؤية الله سبحانه وتعالى عند تفسيرهم لقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)
وإذا أخذنا الجانب اللغوي لمعنى كلمة " تدركه " من كتاباتهم، وبحثنا عن فهمهم وتطبيقاتهم لها لوجدنا العجب العجاب. (1/169)
صفحة 170
فقد حاول الإمام الرازي_ قال الأستاذ محمد رشيد رضا:" اعلم أن الفخر الرازي كان إمام نظار المتكلمين والأصوليين في عصره، وأن علماء النظر اعترفوا له بهذه الإمامة من بعده، ولكنه كان من أقلهم حظاً من علم السنة وآثار الصحابة والتابعين، وأئمة السلف من المفسرين والمحدثين، بل وصفه الحافظ الذهبي إمام علم الرجال في عصره بالجهل بالحديث، فلم يجد التاج السبكي ما يدافع به عنه لأنه من أئمة الأشعرية الشافعية إلا الاعتراف بأنه لم يشتغل بهذا العلم وليس من أهله فلا معنى للطعن عليه بجهله ولا بذكره في رجاله المجروحين ولا العدول ... " (تفسير المنار، ج11/ص376 )_ جاهداً توجيه معنى قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ) لتتفق مع ما ذهب إليه هو وغيره من إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى، حيث قال: " المرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته، صار كأن ذلك الإبصار أحاط به فتسمى هذه الرؤية إدراكاً، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكاً. فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان: رؤية مع الإحاطة، ورؤية لا مع الإحاطة. والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية، ونفي النوع لا يوجب نفي الجنس، فلم يلزم من نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عن الله تعالى "_ تفسير الرازي، ج13/ص104 . ونقلنا عن الإمام الرازي أقوالاً أخرى تنسف ما سطره هنا، انظر ص 5 من هذا البحث._.
وقال الإمام الرازي قبل هذه الفقرة: (1/170)
صفحة 171
" لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية والدليل عليه: أن لفظ الإدراك في أصل اللغة عبارة عن اللحوق والوصول. قال تعالى: (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) أي لملحقون، وقال: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ) أي لحقه، ويقال: أدرك فلان فلاناً، وأدرك الغلام أي بلغ الحلم، وأدركت الثمرة أي نضجت. فثبت أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء"_ تفسير الرازي، ج13/ص 104 _.
فبعد أن قال: " لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية "، نجده يناقض نفسه حين قال: " والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك ".
وبعد أن حدد الإدراك بالرؤية مع الإحاطة نجده يناقض هذا المفهوم ويثبت " أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء".
وتفسير إدراك البصر بالإحاطة لا تقره لغة العرب وإن تحمس لهذا المعنى كثير من المفسرين وشراح الأحاديث، وكل الذين ذهبوا إلى هذا التفسير اعتمدوا على روايات ضعيفة منسوبة إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كما تبين _ انظر الروايات بداية من ص 5 من هذا البحث._.
وأما تفسير إدراك البصر برؤية الأبصار للشيء فهو الصحيح الثابت في لغة العرب الذي قالت به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها_ انظر الرواية في ص 5 من هذا البحث._ وتناقلته كتب اللغة قاطبة.
والحافظ ابن حجر - على رغم ادعائه ثبوت أدلة رؤية الله سبحانه وتعالى - إلا أنه وقف وقفة يشكر عليها حينما رد معنى كلمة الإدراك إلى قواعد اللغة واستعمالاتها في لسان العرب، حين قال: (1/171)
صفحة 172
"واستدل القرطبي في " المفهم " على أن الإدراك لا ينافي الرؤية بقوله تعالى حكاية عن أصحاب موسى (فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا) وهو استدلال عجيب لأن متعلق الإدراك في آية الأنعام البصر، فلما نفي كان ظاهره نفي الرؤية، بخلاف الإدراك الذي في قصة موسى، ولولا وجود الأخبار بثبوت_ لا لم تثبت أدلة الرؤية، والدليل ما نقله ابن حجر نفسه من تضعيف لرجال أسانيد روايات الرؤية، وما نقله هو بنفسه من أقوال مضطربة في شرحه لرواية الصورة كما بينا في ص 5 وما بعدها من هذا البحث._ الرؤية ما ساغ العدول عن الظاهر"_ فتح الباري، ج9/ص589 _.
وقد حاول الإمام الرازي تجاهل تفسير أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقوله: " وأما قوله إن عائشة رضي الله عنها تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية فنقول: معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد "_ تفسير الرازي، ج13/ص105 _.
أولاً: الذي ندعو إليه هو ما أقر به الرازي هنا من أن التقليد لا أساس له عند الاستدلال، فأقوال الناس لا بد لها من أن ترد إلى الثابت الصحيح من الأدلة.
ثانياً: من المعلوم قطعاً، وكما تشهد به كتب اللغة العربية، أن مادة كتب مفردات اللغة العربية أصلها من أفواه العرب الأقحاح من الصحابة الكرام وغيرهم من سكان الجزيرة العربية. وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من أساطين اللغة وقد تربت في بيت الفصاحة ومعدن اللسان وينبوع البلاغة، فإذا لم تكن هي- رضي الله عنها- مصدر اللغة فممن نأخذ اللغة العربية إذن؟
ثالثاً: أن علماء اللغة الذين يلجأ إليهم الإمام الرازي هم أنفسهم من فسر إدراك الأبصار بالرؤية البصرية.
قال ابن منظور: " درك: الدرك: اللحاق، وقد أدركه ... وأدركته ببصري أي رأيته ... "_ لسان العرب، ج4/ص334 _. (1/172)
صفحة 173
وقال الجوهري: " الإدراك: اللحوق. يقال: مشيت حتى أدركته، وعشت حتى أدركت زمانه. وأدركته ببصري، أي رأيته "_ الصحاح – تاج اللغة وصحاح العربية، ج4/ص1582 _.
وقال الراغب: " والرؤية إدراك المرئي "_ المفردات في غريب القرآن، ص189 _.
وجاء في المعجم الوسيط: " أدرك الشيء: بلغ وقته ... و- الشيء ببصره: رآه. و- المعنى بعقله: فهمه "_ المعجم الوسيط، ج1/ص281_.
وقال أحد شراح الحديث وهو صاحب (عون المعبود):" (لم ينظر الله إليه يوم القيامة) النظر حقيقة في إدراك العين للمرئي وهو هنا مجاز عن الرحمة أي لا يرحمه الله "_ عون المعبود، ج11/ص 141 _.
وقال أحد الفقهاء وهو محمد بن علي بن الطيب البصري:" أنه لا فرق بين قول القائل (افعل) وبين قوله: (أريد منك أن تفعل). يفهم أهل اللغة من أحدهما ما يفهمونه من الآخر. ويستعمل أحدهما مكان الآخر. فجرى مجرى إدراك البصر ورؤية البصر، في أن المفهوم من أحدهما هو المفهوم الآخر "_ المعتمد في أصول الفقه، ج1/ص69 _.
وقال فقيه آخر وهو ابن رشد القرطبي: " ... وعلم مقدار ذلك من منتهى رؤية العين الصحيحة، فأعطاه قدر ذلك من الدية. ويختبر صدقه في مسافة إدراك العين العليلة والصحيحة بأن يختبر ذلك منه مرارا شتى في مواضع مختلفة "_ بداية المجتهد، ج2/ص667 _.
وأهل الهندسة استعملوا إدراك البصر بمعنى الرؤية، قال صديق بن حسن القنوجي: " إدراك البصر يكون بمخروط شعاعي رأسه يقطعه الباصر، وقاعدته المرئي" _ أبجد العلوم، باب الميم، ص523 _.
وأهل الطب استخدموا إدراك الأبصار بمعنى النظر والرؤية، قال ابن القيم:
" ... كما يرتفع من الأرض إلى الجو بخاران: أحدهما حار يابس، والآخر حار رطب، فينعقدان سحاباً متراكباً، ويمنعان أبصارنا من إدراك السماء فكذلك يرتفع من قعر المعدة إلى منتهاها مثل ذلك، فيمنعان النظر "_ الطب النبوي، ص85 _. (1/173)
صفحة 174
فإدراك البصر للمرئي عند علماء اللغة العربية، وحسب استعمالات الفقهاء وأهل العلوم الهندسية والطب، هو رؤيته للمرئي. ولم يأت عندهم معنى إدراك الأبصار بالإحاطة.
والذين فسروا الإدراك بـ"الرؤية على نعت الإحاطة بجوانب المرئي "_ تفسير الألوسي، ج 4/ص 231
نص قول الألوسي:" ... الإدراك ليس هو الرؤية المطلقة وإن اختاره – على ما نقله الآمدي – أبو الحسن الأشعري وإنما هو الرؤية على نعت الإحاطة بجوانب المرئي كما فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ... ". _،_ تفسير الثعالبي، ج1/ص503
نص قول الثعالبي: " والرؤية لا تفتقر إلى أن يحيط الرائي بالمرئي ويبلغ غايته. وعلى هذا التأويل يترتب العكس في قوله: (وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) ويحسن معناه. ونحو هذا روي عن ابن عباس وقتادة وعطية العوفي أنهم فرقوا بين الرؤية والإدراك".
وجاء نحو هذا القول عند أبي حيان الأندلسي (البحر المحيط، ج4/ص198) . _ قد اعتمدوا على رواية ضعيفة منسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما من طريق عطية العوفي المدلس الضعيف_ انظر ما قاله علماء الجرح في عطية العوفي في ص 5 من هذا البحث._.
وقد اعترف الشوكاني بضعف عطية العوفي_ قال الشوكاني: " وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف " (فتح القدير، ج2/ص209) _ ولكنه مع هذا اعتمد على روايته التي نسبها إلى ابن عباس حين قال: " ... وإدراك الشيء عبارة عن الإحاطة به ... فالمنفي هو هذا الإدراك لا مجرد الرؤية "_ المرجع السابق، ج2/ص 208-209 _.
من هذه النصوص ندرك أن الذين ذهبوا إلى تفسير (تُدْرِكُهُ) بالإحاطة قد خالفوا ما ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وخالفوا علماء اللغة، واتبعوا الضعيف من الروايات. فكان من نتائج ذلك أن أتوا بالاحتمالات والتخمينات في فهم كلام الله تعالى وربط صفات الباري سبحانه وتعالى بالدنيا والآخرة. (1/174)
صفحة 175
وجاء عند أبي السعود حمل إدراك الأبصار على وصول البصر إلى المرئي والإحاطة به، مباينا في هذا المعنى ما ذهب إليه الرازي، والألوسي، والشوكاني، والنسفي_ قال النسفي: " على أن مورد الآية وهو التمدح يوجب ثبوت الرؤية إذ نفي إدراك ما تستحيل رؤيته لا تمدح فيه لأن كل ما لا يرى لا يدرك وإنما التمدح بنفي الإدراك مع تحقق الرؤية إذ انتفاؤه مع تحقق الرؤية دليل ارتفاع نقيصة التناهي والحدود عن الذات فكانت الآية حجة لنا عليهم ". (تفسير النسفي، ج2/ص27) _، والثعالبي_ قال الثعالبي: " وأيضاً فإنا نفرق بين معنى الإدراك ومعنى الرؤية. ونقول: إنه عز وجل تراه الأبصار ولا تدركه. وذلك أن الإدراك يتضمن الإحاطة بالشيء والوصول إلى أعماقه وحوزه من جميع جهاته ". (تفسير الثعالبي، ج1/ص503) _، والبروسوي _ قال إسماعيل حقي البروسوي: " اعلم أن الإدراك غير الرؤية لأن الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به والرؤية المعاينة وقد تكون الرؤية بلا إدراك لأنه يصح أن يقال رآه وما أدركه". (روح البيان، ج3/ص77) _، الذين حصروا الإدراك في الإحاطة، فقد قال أبو السعود: "وإدراك الشيء عبارة عن الوصول إليه والإحاطة به أي لا تصل إليه الأبصار ولا تحيط به كما قال سعيد بن المسيب"_ تفسير أبي السعود، ج2/ص424 _.
ولم يكتف مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى بحمل قوله تعالى: (تُدْرِكُهُ) على معنى لا أصل له من اللغة، بل أخذوا في التفصيل وربط صفات الله بالدنيا والآخرة.
قال البيضاوي: " إذ ليس الإدراك مطلق الرؤية ولا النفي في الآية عاماً في الأوقات فلعله مخصوص ببعض الحالات، ولا في الأشخاص فإنه في قوة قولنا لا كل بصر يدركه مع أن النفي لا يوجب الامتناع"_ تفسير البيضاوي، ج1/ص315 _. (1/175)
صفحة 176
وقال الثعالبي: "... الآية مخصوصة في الدنيا، ورؤية الآخرة ثابتة_ لا لم تثبت أي رواية تؤيد ما ذهب إليه مثبتو الرؤية, والحمد لله رب العالمين._ بأخبارها"_ تفسير الثعالبي، ج1/ص502 _.
وقال أبو السعود: " وقد روي عن ابن عباس ومقاتل رضي الله عنهم: لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة "_ تفسير أبي السعود، ج2/ص424 _.
جميع روايات الرؤية المزعومة المنسوبة إلى ابن عباس وغيره من الصحابة ضعيفة لا حجة فيها أبداً. فكان من الواجب على أبي السعود وغيره من المفسرين عرض الروايات الواردة إليهم على ميزان الأمة الذي لا يحيد لسانه قبل نسبة الضعيف من الأقوال إلى سلف هذه الأمة الكريمة.
وقال القرطبي: " فأما ما استدلوا به من قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) فإنما هو في الدنيا "_ تفسير القرطبي، ج19/ص71 _.
هذه الأقوال التي سطرها البيضاوي، والثعالبي، وأبو السعود، والقرطبي ترد على من فسر قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) بلا تحيط به الأبصار، وتثبت المعنى الصحيح الذي اعتمده النافون للرؤية المفسرون لقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) بلا تراه الأبصار.
ولكن بسبب اتباع مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى للروايات الضعيفة المنسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما جعلهم يخصصون رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة دون الدنيا.
وزاد السمرقندي أقوال البيضاوي وغيره إيضاحاً حين قال: " ثم عظم نفسه فقال: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) قال مقاتل: يعني لا يراه الخلق في الدنيا "_ تفسير السمرقندي، ج1 /ص505 _.
وقال أيضاً: " وقال أبو العالية: لا تدركه الأبصار في الدنيا، وتدركه أبصار المؤمنين في الآخرة "_ المرجع السابق، ج1/ص505 _. (1/176)
صفحة 177
قطعاً لا يقصد أبو العالية بقوله: " وتدركه أبصار المؤمنين في الآخرة " معنى " الإحاطة بالشيء والوصول إلى أعماقه وحوزه من جميع جهاته "_ تفسير الثعالبي، ج1/ص503 _، ولكنه يقصد الرؤية البصرية. ويتضح هذا المعنى بما ورد في تفسير الجلالين: " (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ): أي لا تراه، وهذا مخصوص لرؤية المؤمنين له في الآخرة، لقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)"_ تفسير الجلالين، ص141_.
وقال الألوسي: " لكن لا نسلم عمومه في الأحوال والأوقات، أي لا نسلم أنها دائمة، لجواز أن يكون المراد نفي الرؤية في الدنيا كما يروى تقييده بذلك عن الحسن وغيره "_ تفسير الألوسي، ج4/ص 231 _.
ولقد تبين أن جميع الروايات المنسوبة إلى الحسن البصري وغيره ضعيفة _ راجع الروايات في ص 5 وما بعدها من هذا البحث._، فتخصيص نفي رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا دون الآخرة من التخمينات والتقديرات التي أبطلها قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
وشارك الإمام الرازي غيره في بيان المعنى اللغوي لإدراك الأبصار حين قال في تفسير سورة النور: " الإدراك البصري لا يحصل إلا للشيء الذي في الجهات، ثم إنه غير متصرف في كل الجهات بل لا يتناول إلا المقابل أو ما هو في حكم المقابل... "_ تفسير الرازي، ج23/ص198 _.
وقال في تفسير سورة القمر: "... نقول: هذا مما يؤيد قول ابن عباس فإنه نقل عنه أنه قال: المراد من الطمس الحجب عن الإدراك، فما جعل على بصرهم شيء غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئاً فكانوا كالمطموسين ... "_ المرجع السابق، ج29/ص 54 _.
وقال في تفسير سورة الأعراف: " ... قال أصحابنا: إنهم يرون الإنس لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس "_ المرجع السابق، ج14/ص45 _. (1/177)
صفحة 178
وقال نووي الجاوي: " والرؤية متأخرة عن النظر، لأنه تقليب الحدقة السليمة جهة المرئي التماساً لرؤيته، والرؤية الإدراك بالباصرة بعد النظر "_ مراح لبيد لكشف معاني القرآن المجيد، ج1/ص396 ، ونحو هذا القول عند الألوسي (انظر تفسير الألوسي، ج5/ص44 )_.
هذه الأقوال التي جاءت على ألسنة المفسرين فيها الاعتراف الصريح بأن إدراك الأبصار معناه رؤيتها للشيء وليس الإحاطة به.
وأما تحديد نفي رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا وإثباتها في الآخرة فلم يأت عليه دليل صحيح سوى روايات ضعيفة لم يحفل بها منهج الأمة الإسلامية كما تبين _ انظر الروايات في ص 5 وما بعدها من هذا البحث._.
رابعاً: قراءة في تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي)
وكرر المثبتون للرؤية قولهم بأن الله سبحانه وتعالى يُرى في الآخرة دون الدنيا عند تفسيرهم لقول الله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي).
فقد قال الشوكاني:" (لَن تَرَانِي) يفيد أنه لا يراه هذا الوقت الذي طلب رؤيته فيه، أو أنه لا يرى ما دام الرائي حياً في دار الدنيا"_ فتح القدير، ج2/ص345 _.
وقال نووي الجاوي:" (لَن تَرَانِي) أي لن تقدر أن تراني في الدنيا يا موسى "_ مراح لبيد لكشف معاني القرآن المجيد، ج1/ص396 _.
وقال أيضاً:" أي تنزيهاً لك عن أن ترى في الدنيا "_ المرجع السابق، ج1/ص396 _.
وقال القرطبي: " (لَن تَرَانِي) أي في الدنيا "_ تفسير القرطبي، ج7/ص177 _.
وقال السمرقندي:" (لَن تَرَانِي) يعني أنك لن تراني في الدنيا "_ تفسير السمرقندي، ج1/ص567 _. (1/178)
صفحة 179
وهذا الفهم الذي سطره مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى هنا قد جاء إليهم من قبل رواية ضعيفة_ جاء عند الإمام الطبري رواية من طريق أبي بكر الهذلي الضعيف (انظر ص 5 من هذا البحث) والتي جاء فيها " ... وليس لبشر أن يطيق أن ينظر إليّ في الدنيا ... ". (تفسير الطبري، ج9/ص49-50)_ وإلا فإن قوله تعالى: (لَن تَرَانِي) يفيد نفياً مؤبداً لا يحده زمان، وقد اعترف الإمام ابن كثير وابن عطية بهذا المعنى ولكنهما عدلا عنه وأخذا بالروايات الضعيفة التي اعتبراها متواترة.
فقد قال الإمام ابن كثير: "وقد أشكل حرف لن ههنا على كثير من العلماء لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة، وهذا أضعف الأقوال، لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة كما سنوردها عند قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ... وقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا جمعاً بين هذه الآية وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة ... "_ تفسير ابن كثير، ج3/ص217 _.
وقال ابن عطية كما نقل عنه الثعالبي:" (لَن) تنفي الفعل المستقبل، ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسى أبداً، ولا في الآخرة، لكن ورد من جهة أخرى بالحديث المتواتر؛ أن أهل الإيمان يرون الله يوم القيامة"_ تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان)، ج2/ص 49 _.
فكل الروايات التي أشار إليها الإمام ابن كثير وابن عطية هنا ضعيفة لا يجوز الاحتجاج بها في مجالات العقيدة أبداً.
والسؤال الذي يُطرح هنا هو: لماذا سأل رسول الله موسى عليه السلام ربه أن يريه النظر إليه؟ (1/179)
صفحة 180
فالنافون للرؤية قد أجمعوا على أن سؤال موسى عليه السلام هو لأجل ردع قومه عن تكرار طلب رؤية الله؛ فعدم رؤية موسى عليه السلام لله جل وعلا فيه الدلالة البينة على أن غيره عليه السلام لا يرون الله سبحانه وتعالى. وقد بين سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي – حفظه الله ورعاه – في كتابه (الحق الدامغ)_ الحق الدامغ، ص 85-88 _ هذا المعنى عند تفسيره لقوله تعالى: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ).
ومن المقطوع به عند المسلمين كافة أن رسل الله تعالى هم أكمل البشر علماً بصفات الله تعالى، وهم عليهم السلام أعرف الخلق بما يجوز عليه سبحانه وما لا يجوز عليه جل وعلا. فسؤال المستحيل لا يجوز لهم اعتقاده ولا الدعوة إليه أبداً، ولكن اقتضت وسائل الدعوة وطرق أبواب الإقناع استعمال أساليب لأجل ردع المتعنتين الذين لا يصغون لدليل ولا يُسلمون للحجج والبراهين.
فكما أن أبا الأنبياء عليه السلام قال وهو يحاج قومه عند إثباته لوحدانية الله تعالى: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي) فكذلك سار على دربه موسى عليه السلام لأجل تنزيه الله عن رؤية الأبصار له حين قال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ).
وأما المثبتون للرؤية فقد عبروا عن سبب السؤال بما يأتي:
قال القرطبي:" سأل النظر إليه؛ واشتاق إلى رؤيته لما أسمعه كلامه "_ تفسير القرطبي، ج7/ص177 _.
وقال الثعالبي:" والمعنى أنه لما كلمه الله عز وجل وخصه بهذه المرتبة طمحت همته إلى رتبة الرؤية، وتشوق إلى ذلك، فسأل ربه الرؤية "_ تفسير الثعالبي(الجواهر الحسان)، ج2/ص49 _.
وقال النسفي:" فلما سمع كلامه طمع في رؤيته لغلبة شوقه فسأل الرؤية "_ تفسير النسفي، ج2/ص75 _.
وقال إسماعيل حقي البروسوي:" ولما سمع موسى كلام ربه غلب عليه الشوق إلى رؤيته "_ روح البيان، ج3/ص231 _. (1/180)
صفحة 181
وقال ابن عاشور:" وسؤال موسى رؤية الله تعالى تطلع إلى زيادة المعرفة بالجلال الإلهي، لأنه لما كانت المواعدة تتضمن الملاقاة. وكانت الملاقاة تعتمد رؤية الذات وسماع الحديث، وحصل لموسى أحد ركني الملاقاة وهو التكليم، أطمعه ذلك في الركن الثاني وهو المشاهدة "_ التحرير والتنوير، ج8/ص274 _.
فالسبب الذي ذكره مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى كما يظهر من أقوالهم هو الشوق والطمع في الرؤية بعد حصول الكلام. وهذا السبب الذي ذكره المثبتون للرؤية لا دليل عليه سوى التخمين ورواية ضعيفة أخرجها الإمام الطبري في تفسيره.
قال الإمام الطبري:
" ما حدثني به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: إن موسى عليه السلام لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه، (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) فحف حول الجبل_ جاء في هامش الصفحة التي ننقل منها هذه الرواية: " كذا في المخطوطة رقم 100 بدار الكتب. والذي في عرائس المجالس للثعلبي من رواية السدي: فحف حول الجبل بالملائكة "._، وحف حول الملائكة بنار، وحف حول النار بملائكة، وحف حول الملائكة بنار، ثم تجلى ربه للجبل"_ تفسير الطبري، ج9/ 49 _.
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب أسباط بن نصر_ انظر الهامش 33 في ص 5 من هذا البحث._ ، وهي ليست مرفوعة ولا حتى موقوفة. فمن أين جاء بها السدي؟!
وبهذا يتبين ضعف قول من جعل سبب السؤال هو شوق موسى عليه السلام لرؤية الله سبحانه وتعالى. (1/181)
صفحة 182
ولخص ابن عاشور أقوال المثبتين للرؤية بقوله: " (ولن) يستعمل لتأبيد النفي ولتأكيد النفي في المستقبل، وهما متقاربان، وإنما يتعلق ذلك كله بهذه الحياة المعبر عنها بالأبد، فنفت (لَن) رؤية موسى ربه نفياً لا طمع بعده للسائل في الإلحاح والمراجعة بحيث يعلم أن طلبته متعذرة الحصول، فلا دلالة في هذا النفي على استمراره في الدار الآخرة "_ التحرير والتنوير، ج8/ص 275 _.
وبما أن كلمة لن تستعمل " لتأبيد النفي ولتأكيد النفي في المستقبل" فما هو الدليل على عدم استمرار هذا النفي في الدار الآخرة؟
لقد بين لنا منهج الأمة الإسلامية ضعف جميع الروايات التي حددت رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة، وبهذا يتبين أن رؤية العباد لله تعالى متعذرة الحصول ولا طمع لسائل فيها بعد قول الله تعالى في كتابه العزيز: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) وقوله جل وعلا لنبيه موسى عليه السلام: (لَن تَرَانِي).
خامساً: الرواية التي جاء فيها " وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا "
استعان المثبتون في تحديد رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة دون الدنيا بما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا "، وبما رُوي أيضاً: " إنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت ".
وقد وردت هذه الكلمات في روايات ذكرت المسيح الدجال ووصفه وأعماله وعناصر دعوته. ولكن عند دراسة أسانيد هذه الروايات ندرك ضعفها وعدم صلاحيتها للاحتجاج بها في إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى.
1- قال النسائي: (1/182)
صفحة 183
" أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنا بقية بن الوليد قال: ثنا بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن عمرو بن الأسود أن جنادة بن أبي أمية حدثهم عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إني حدثتكم عن المسيح الدجال حتى خفت أن لا تعقلوه، هو قصير فجج جعد أعور مطموس عين اليسرى ليس بناتئة ولا حجراء فإن التبس عليكم فاعلموا أن ربكم تبارك وتعالى ليس بأعور وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا"
هذه الرواية المنسوبة إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه جاءت عند النسائي_ سنن النسائي الكبرى، الرواية: 7764، ج 4/ص 419 _، والإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد بن حنبل، الرواية: 23144، ص1687_، والطبراني_ مسند الشاميين، الرواية: 1175، ج2/ص 185 _.
وهي من هذا الطريق ضعيفة وذلك بسبب بقية بن الوليد المدلس تدليس التسوية. قال أحمد محمد شاكر: " ... منها تدليس التسوية، وهو أن يسقط غير شيخه لضعفه أو صغره، فيصير الحديث ثقة عن ثقة، فيحكم له بالصحة، وفيه تغرير شديد، وممن اشتهر بذلك: بقية بن الوليد، ... وهذا التدليس أفحش أنواع التدليس مطلقاً وشرها "_ الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، هامش ص 46 _.
وعند النظر في سند هذه الرواية نجد بقية بن الوليد يرويها كالآتي: " ... حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عمرو بن الأسود ... "
وبما أن بقية بن الوليد المدلس تدليس التسوية لم يصرح بالسماع في جميع الطبقات لهذا يحكم على هذه الرواية المنسوبة إلى عبادة بن الصامت بالضعف حسب منهج الأمة الذي لا يحابي أحداً.
2- وأخرج ابن ماجه_ سنن ابن ماجه، الرواية: 4077، ج2 /ص1359-1363 _ نحو رواية النسائي بسند آخر من طريق أبي أمامة الباهلي: (1/183)
صفحة 184
"حدثنا علي بن محمد، ثنا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن رافع أبي رافع، عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أكثر خطبته حديثا حَدَّثناه عن الدجال، وحذرناه فكان من قوله ... ولا ترون ربكم حتى تموتوا ... ".
هذه الرواية ضعيفة وذلك لورودها من قبل إسماعيل بن رافع بن عويمر الأنصاري أبي رافع.
قال ابن حجر:" ... قال عمرو بن علي: منكر الحديث، في حديثه ضعف، لم أسمع يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عنه بشيء قط. وقال أحمد: ضعيف. وقال في رواية عنه: منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف. وقال في رواية الدوري عنه: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث ... وقال النسائي: متروك الحديث، وقال مرة: ضعيف، ومرة: ليس بشيء، ومرة: ليس بثقة. وقال ابن خراش، والدارقطني: متروك ... وقال العجلي: ضعيف الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال علي بن الجنيد: متروك. وذكره يعقوب بن سفيان في باب مَنْ يُرغب في الرواية عنهم. وقال البزار: ليس بثقة ولا حجة. وضعفه أيضا أبو حاتم، والعقيلي ... "_ تهذيب التهذيب، ت: 483، ج1 /ص266-267 _.
3- وجاء نحو هذه الرواية أيضاً عند ابن خزيمة_ كتاب التوحيد، الرواية: 270، ج 2/ص 459 –460
مهد ابن خزيمة لهذه الرواية بقوله: " فاسمعوا الآن خبراً ثابتاً صحيحاً من جهة النقل يدل على أن المؤمنين يرون خالقهم – جل ثناؤه، بعد الموت، وأنهم لا يرونه قبل الممات، ولو كان معنى قوله: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) على ما تتوهمه الجهمية المعطلة الذين يجهلون لغة العرب، فلا يفرقون بين النظر وبين الإدراك، لكان معنى قوله: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: أبصار أهل الدنيا قبل الممات ". (كتاب التوحيد، ج2/ص458– 459) _ والحاكم_ المستدرك على الصحيحين، الرواية: 8620، ج 4/ص 580 (1/184)
صفحة 185
جاءت الرواية بهذا السند: " أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن مهران، ثنا أبي، أنبأ أحمد بن عبد الرحمن بن وهب القرشي، ثنا عمي، أخبرني يونس بن يزيد، عن عطاء الخرساني، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن حديث عمرو الحضرمي من أهل حمص، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فكان أكثر خطبته ذكر الدجال ... يا عباد الله فاثبتوا فإنه يبدأ فيقول أنا نبي ولا نبي بعدي، ثم يثني حتى يقول: أنا ربكم وإنكم لم تروا ربكم حتى تموتوا ... "._
قال ابن خزيمة: " حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا عمي، قال: أخبرني يونس، ابن يزيد، عن عطاء الخرساني، عن يحيى بن أبي عمرو، الشيباني، يحدث عن عمرو الحضرمي، من أهل حمص عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، وكان أكثر خطبته ذكر الدجال... ".
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب أحمد بن عبد الرحمن بن وهب القرشي.
قال ابن حجر: " أكثر عن عمه، وروى عن: الشافعي... وعنه: مسلم، وابن خزيمة... وقال ابن أبي حاتم: عن أبي زرعة: أدركناه ولم نكتب عنه... وقال ابن عدي: رأيت شيوخ مصر مجمعين على ضعفه، ومن كتب عنه من الغرباء لا يمتنعون من الرواية عنه... وقال ابن عدي: ومن ضعَّفه أَنكر عليه أحاديث وكثرة روايته عن عمه ... وقال أبو سعيد بن يونس: توفي في شهر ربيع الآخر سنة 264، ولا تقوم بحديثه حجة... وقال أحمد بن صالح: بلغني أن حرملة يحدث بكتاب الفتن عن ابن وهب، فقلت له في ذلك، وقلت: لم يسمعه من ابن وهب أحد، ولم يقرأه على أحد، قال: فرجع من عندي على أنه لا يفعل، ثم بلغني أنه حدّث به بعد. وقال: فقيل للبوشنجي إن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدّث به عن ابن وهب قال: فهذا كذَّاب إذاً "_ تهذيب التهذيب ت: 75، ج1 /ص49 – 51 _. (1/185)
صفحة 186
هذا وقد عده النسائي من الكذابين_ الضعفاء والمتروكين للنسائي ت: 71، المجموع في الضعفاء والمتروكين ص 62 _.
4- وجاءت هذه الرواية المنسوبة إلى أبي أمامة الباهلي عند ابن أبي عاصم_ الآحاد والمثاني، الرواية: 1249، ج 2 /ص 446
جاءت هذه الرواية بهذا السند: " حدثنا أبو عمير عيسى بن محمد بن إسحاق الموصلي، نا ضمرة بن ربيعة، عن السيباني وهو يحيى بن أبي عمرو، عن عمرو بن عبد الله الحضرمي، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فكان أكثر خطبته ما يحدثنا عن الدجال ويحذرناه فكان من قوله: يا أيها الناس إنها لم تكن فتنة على الأرض أعظم من فتنة الدجال ... "، وجاء في الرواية : "... فيقول أنا ربكم ولن تروا ربكم حتى تموتوا ... "._ من طريق عمرو بن عبد الله الحضرمي
قال ابن حجر عنه في التقريب: " عمرو بن عبد الله الشيباني أبو عبد الجبار ويقال أبو العجماء الحضرمي الحمصي، مقبول، من الثالثة "_ تقريب التهذيب، ت:5084، ج 1 /ص 739-740 _، وقد عرف ابن حجر مرتبة المقبول بقوله: " السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ مقبول، حيث يتابع، وإلا فلين الحديث"_ المرجع السابق، ج1/ص24 _.
5- وجاءت هذه الرواية من طريق الزهري عند الطبراني، وفي مسند الإمام أحمد، وعند الإمام مسلم، والترمذي، وعبد الرزاق.
? فأما رواية الطبراني_ مسند الشاميين، الرواية:3223، ج4/ص259_ فهي:
" حدثنا أبو زرعة، ثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عمر ابن ثابت الأنصاري، أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال للناس وهو يحذرهم فتنة الدجال: (وتعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت، وأنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه من علمه)".
هذه الرواية التي أوردها الطبراني ضعيفة بسبب رواية أبي اليمان عن شعيب. (1/186)
صفحة 187
أبو اليمان: هو الحكم بن نافع البهراني مولاهم
" قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن أبي اليمان فقال: أما حديثه عن صفوان وحريز فصحيح، قال: وهو يقول: أخبرنا شعيب، واستحل ذلك بشيء عجيب_ أنت ترى أن أبا اليمان في هذه الرواية يقول " أخبرنا شعيب ... ".
قال أحمد محمد شاكر: " وقد جازف بعضهم فنقل بمثل هذه الوجادة بقوله (حدثنا فلان) أو (أخبرنا فلان)! وأنكر ذلك العلماء، ولم يجزه أحد يعتمد عليه، بل هو من الكذب الصريح، والراوي به يسقط عندنا عن درجة المقبولين، وترد روايته "(انظر الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، هامش ص 97) _. قال أبو عبد الله: كان أمر شعيب في الحديث عسراً جداً، وكان علي بن عياش سمع منه، وذكر قِصَّة لأهل حمص أراها أنهم سألوه أن يأذَنَ لهم أن يرووا عنه، فقال لهم: لا. ثم كلموه، حضر ذلك أبو اليمان فقال لهم: ارووا عني تلك الأحاديث. فقلت لأبي عبد الله: مناولة؟ قال لو كان مناولةً كان لم يعطهم كتباً ولا شيئاً، إنما سمع هذا فقط، فكان ابن شعيب يقول: إنَّ أبا اليمان جاءني فأخذ كُتُبَ شعيب مني بَعْدُ، وهو يقول: أخبرنا ... وقال المفضل بن غسان، عن يحيى بن معين: سألت أبا اليمان عن حديث شعيب ابن أبي حمزة فقال: ليس هو مناولة، المناولة لم أخرجها لأحد... وقال شعيب بن عمرو البردعي، عن أبي زرعة الرازي: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثاً واحداً والباقي إجازة... وقال الآجري، عن أبي داود: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا كلمة"_ تهذيب التهذيب ت: 1539، ج2 /ص 395 – 397 _.
? وأما رواية مسند الإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد بن حنبل، الرواية: 24072، ص1760 (1/187)
صفحة 188
نص الرواية كالآتي: " ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر قال: قال الزهري: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري، أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ للناس وهو يحذرهم فتنة الدجال: تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت، وأنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من كره عمله"._ فقد جاءت بهذا السند:
" حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر قال: قال الزهري: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري ... ".
من المعلوم أن مسند الإمام أحمد هو رواية أبي بكر القطيعي عن عبد الله بن الإمام أحمد.
فأبو بكر القطيعي هو أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك " صدوق في نفسه مقبول، تغير قليلاً ... قال أبو عمرو بن الصلاح: اختل في آخر عمره، حتى كان لا يعرف شيئاً مما يقرأ عليه، ذكر هذا أبو الحسن ابن الفرات ...
قال ابن أبي الفوارس: لم يكن في الحديث بذاك. له في بعض مسند أحمد أصول فيها نظر. وقال البرقاني: غرقت قطعة من كتبه، فنسخها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه؛ فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو ثقة ... "_ ميزان الاعتدال، ت: 320، ج1/ص87-88 _.
? وأما رواية الإمام مسلم_ صحيح الإمام مسلم، الرواية: 2931، ص 1226
قال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري، إنه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حذر الناس الدجال: (إنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه من كره عمله أو يقرؤه كل مؤمن). وقال: (تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت)._، والترمذي_ سنن الترمذي، الرواية: 2235، ج4/ص508 (1/188)
صفحة 189
قال الترمذي: " حدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: إني لأنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذر قومه ولقد أنذره نوح قومه ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وإن الله ليس بأعور.
قال الزهري: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومئذ للناس وهو يحذرهم فتنته: تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت وإنه مكتوب بين عينيه ك ف ر يقرأه من كره عمله "._، وعبد الرزاق_ مصنف عبد الرزاق، الرواية: 20820، ج 11 /ص 176
" أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: (إني لأنذركموه، وما من نبي إلا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور).
قال الزهري: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ للناس وهو يحذرهم فتنة الدجال: (إنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت، وإنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من كره عمله ".
قال الأستاذ حسن بن علي السقاف: " قلت: لا ندري لم أبهم الزهري أو عمر بن ثابت الصحابي الذي روى عنه هذه اللفظة وهذه علة والظاهر أنها من مدرجات الزهري، لا سيما وأن البخاري روى الحديث في مواضع وأعرض عن هذه القطعة الشاذة فلم يذكرها هنالك!! (1/189)
صفحة 190
فالراجح الذي لا محيد عنه عندي أنها من مدرجات الزهري في الحديث فإنه كان دراجاً يدخل في الحديث كلاماً آخر كما بينت ذلك في أواخر الجزء الثالث من (التناقضات) !! وربما أخذها من حديث أبي أمامة! ". (مسألة الرؤية، ص 32)_ فليست من أصول كتبهم فقد أوردوها منقطعة الإسناد، حيث قال كل واحد منهم: " قال ابن شهاب وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري "، أو نحوه، من غير ذكر لباقي السند. فهذا الانقطاع في السند يضعف هذا القول المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وخلاصة القول في تفسير قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) ننقله عن الإمام الجصاص الحنفي، حيث قال: (1/190)
صفحة 191
" يقال إن الإدراك أصله اللحوق، نحو قولك: أدرك زمان المنصور، وأدرك أبا حنيفة، وأدرك الطعام أي لحق حال النضج، وأدرك الزرع والثمرة، وأدرك الغلام إذا لحق حال الرجال، وإدراك البصر للشيء لحوقه له برؤيته إياه، لأنه لا خلاف بين أهل اللغة أن قول القائل: أدركت ببصري شخصاً معناه رأيته ببصري، ولا يجوز أن يكون الإدراك الإحاطة لأن البيت محيط بما فيه وليس مدركاً له، فقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) معناه: لا تراه الأبصار، وهذا تَمدُّحٌ بنفي رؤية الأبصار كقوله تعالى (لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ)، وما تمدَّح الله بنفيه عن نفسه فإن إثبات ضده ذمٌ ونقص، فغير جائز إثبات نقيضه بحال، كما لو بطل استحقاق الصفة بـ(لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ) لم يبطل إلا إلى صفة نقص، فلما تمدح بنفي رؤية البصر عنه لم يجز إثبات ضده ونقيضه بحال، إذ كان فيه إثبات صفة نقص. ولا يجوز أن يكون مخصوصاً بقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) لأن النظر محتمل لمعان، منه انتظار الثواب كما روي عن جماعة من السلف، فلما كان ذلك محتملاً للتأويل لم يَجُز الاعتراض عليه بما لا مساغ للتأويل فيه. والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحّت_ لم تصح أي رواية في إثبات رؤية العباد لله تعالى في الدنيا والآخرة._، وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة ولا تعرض فيه الشكوك؛ لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة"_ أحكام القرآن، ج3/ص8-9_.
ومما سبق بيانه ندرك أن جميع الروايات التي استعان بها مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى في إثبات معتقدهم عند تفسيرهم لآيات الله تعالى ضعيفة لا حجة فيها.
والحمد لله رب العالمين.
رواية الصورة التي جاء فيها:(قال أناس يا رسولَ اللّه، هل نرى ربَّنا يومَ القيامة؟)
قال الإمام البخاري: (1/191)
صفحة 192
" حدَّثنا أبو اليَمان أخبرَنا شعيبٌ عنِ الزُّهري أخبرَني سعيدٌ وعطاءُ بن يزيدَ أن أبا هريرةَ أخبرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحدَّثني محمودٌ حدَّثنا عبد الرزاق أخبرنا مَعمرٌ عن الزهريِّ عن عطاءِ بن يزيدَ الليثي عن أبي هريرةَ قال: «قال أناس يا رسولَ اللّه، هل نرى ربَّنا يومَ القيامة؟ فقال: هل تُضارُّونَ في الشمس ليس دُونها سَحاب؟ قالوا: لا يا رسولَ اللّه، قال: هل تضارُّونَ في القمر ليلةَ البَدر ليس دونَهُ سحاب؟ قالوا: لا يا رسولَ اللّه، قال: فإنكم ترَونَهُ يومَ القيامة كذلك يجمعُ اللّه الناسَ فيقول: من كان يَعبُدُ شيئاً فَليتبعه. فيتبَعُ مَن كان يعبدُ الشمسَ، ويَتبعُ من كان يعبدُ القمرَ، ويتبعُ من كان يعبدُ الطواغيتَ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهمُ اللّه في غيرِ الصورةِ التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذُ باللّه منك، هذا مكانُنا حتى يأتينا ربنا فإِذا أتانا ربُّنا عرفناه، فيأتيهمُ اللّهُ في الصورةِ التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أَنت ربنا، فيتبعونه، ويُضرَبُ جسرُ جهنم، قال رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: فأكون أولَ من يُجيز، ودُعاءُ الرسل يومئذ: اللهمَّ سلِّمْ سلِّم، وبه كلاليبُ مثل شَوكِ السَّعدان، أما رأيتم شوكَ السَّعدان؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللّه، قال: فإنها مثل شوكِ السعدان، غيرَ أَنها لا يَعلمُ قدرَ عِظَمِها إلاّ اللّه، فتَخْطفُ الناسَ بأعمالهم: منهمُ الموبَقُ بعمله، ومنهم المُخرْدَل ثم ينجو. (1/192)
صفحة 193
حتى إذا فرَغَ اللّهُ من القضاء بين عباده، وأَرادَ أن يُخرجَ منَ النار من أراد أن يُخرج ممن كان يَشهدُ أن لا إلهَ إلا اللّه، أمرَ الملائكة أن يُخرجوهم فيعرفونهم بعلامةِ آثارِ السجود، وحرَّمَ اللّه على النار أن تأكل منِ ابن آدمَ أثر السجود، فيُخرِجونهم قدِ امتُحِشوا، فيصَبُّ عليهم ماءٌ يقال له ماءُ الحياة، فينبُتونَ نباتَ الحبَّة في حَمِيل السيل، ويبقى رجلٌ مُقبلٌ بوَجهه على النار فيقول: يا ربِّ قد قَشبني ريحُها وأحرَقَني ذكاءُها، فاصرِفْ وجهي عن النار، فلا يَزال يدعو اللّهَ فيقول: لعلك إن أعطيتُكَ أن تَسألَني غيرَه فيقول: لا وعزَّتك، لا أسألكَ غيرَه، فيصرفُ وجهَهُ عنِ النار. ثم يقول بعد ذلك: يا رب قرِّبني إلى باب الجنَّة، فيقول: أليس قد زعمتَ أَن لا تسألني غيره؟ ويلكَ يا ابنَ آدمَ ما أغدَرَك. فلا يزال يدعو، فيقول: لعلي إن أعطيتكَ ذلك تسألني غيرَه، فيقول: لا وعزَّتك، لا أسألُكَ غيرَه، فيُعطي اللّهَ من عهودٍ ومواثيقَ أَن لا يسألهُ غيره، فيقرِّبه إلى باب الجنة، فإِذا رأَى ما فيها سكتَ ما شاء اللّهُ أَن يسكتَ، ثم يقول: ربِّ أدخلني الجنة. ثم يقول: أو ليسَ قد زعمتَ أن لا تسألني غيره. ويلَكَ يا ابنَ آدمَ ما أغدَرك. فيقول: يا ربِّ لا تجعَلْني أشقى خَلْقك. فلا يزالُ يدعو حتى يضحَكَ، فإِذا ضحك منهُ أذنَ له بالدخول فيها، فإِذا دَخل فيها قيل: تَمنَّ من كذا فيتمنى. ثم يقال له تمنَّ من كذا فيتمنى، حتى تَنقطعَ بهِ الأماني، فيقولُ له: هذا لكَ ومثلهُ معه. قال أبو هريرةَ: وذلكَ الرجلُ آخرُ أهل الجنَّة دخولاً ". (1/193)
صفحة 194
أخرج هذه الرواية ونحوها الإمام البخاري_ صحيح البخاري، الرواية: 6573، ص1166-1167 والرواية: 7437، ص1311-1312_، والإمام مسلم_ صحيح مسلم، الرواية: 182، ص 129 والرواية: 183، ص 131 والرواية: 2968، ص 1241 _، وأبو داود_ سنن أبي داود، الرواية: 4730، ج5/ص98 _، والدارمي_ سنن الدارمي، الرواية: 2804، ص 631 _، والإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد، الرواية: 7703، ص 578 والرواية: 7914، ص591-592 والرواية: 10919، ص770 والرواية:11137، ص786 _، وابن حبان_ صحيح ابن حبان، الرواية: 4642،ج10/ص499-500 والرواية: 7429، ج16 /ص450- 452 والرواية: 7445، ج16/ص478-480 _، والحاكم_ المستدرك على الصحيحين، الرواية:8736، ج 4/ص 626-627 _، والنسائي_ سنن النسائي، الرواية: 11637، ج6 /ص504 والرواية:7763، ج4 /ص419 _، وأبو يعلى_ مسند أبي يعلى، الرواية: 6360، ج11 /ص241- 243 والرواية:6689، ج12 /ص45-46 والرواية:1006، ج2 /ص286-287_، والطيالسي_ مسند الطيالسي، الرواية: 2383،ج10/ص314 _، والترمذي_ سنن الترمذي، الرواية: 2554، ج4 /ص688 _، وابن ماجه_ سنن ابن ماجه، الرواية: 179، ج1 /ص63- 64 _، وابن خزيمة_ كتاب التوحيد، الرواية: 241و 242، ج2 /ص 413 –415 _ وغيرهم.
إن من قواعد علم الحديث أن صحة السند ليس وحده المرجح لإعلان ثبوت المتن وقوة الحديث، إذ لا بد من موافقة المتن لروح الإسلام وعدم مخالفته للثابت من الأدلة سواء كانت تلك الأدلة من القرآن الكريم أو السنة الصحيحة على صاحبها أزكى الصلاة وأتم التسليم.
" قال القسطلاني: ففيه: أنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن كما هو معروف عند أهل هذا الشأن، فقد يصح الإسناد ويكون في المتن شذوذ، أو علة تقدح في صحته "_ أبجد العلوم، الخاتمة: في بيان تطبيق الآراء، ص 230 _. (1/194)
صفحة 195
وبين هذه القاعدة العلامة ابن تيمية والإمام ابن كثير والأستاذ محمد رشيد رضا، فقد قال العلامة ابن تيمية: " كم من حديث صحيح الاتصال ثم يقع في أثنائه الزيادة والنقصان، فرب زيادة لفظة تحيل المعنى ونقص أخرى كذلك، ومن مارس هذا الفن لم يكن يخفى عليه مواقع ذلك، ولتصحيح الحديث وتضعيفه أبواب تدخل، وطرق تسلك، ومسالك تطرق"_ علم الحديث لابن تيمية، ص 39 _.
وقال الإمام ابن كثير: " والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن، إذ قد يكون شاذاً أو معللاً "_ الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص 37 _.
وقال الأستاذ محمد رشيد رضا: " ومن الأصول المتفق عليها أنه ما كل ما صح سنده يكون متنه صحيحاً، وما كل ما لم يصح سنده يكون متنه غير صحيح، وإنما يعول على صحة السند إذا لم يعارض المتن ما هو قطعي في الواقع أو في النصوص، وإن القرآن مقدم على الأحاديث عند التعارض وعدم إمكان الجمع ... "_ تفسير المنار، ج10/ص580 _.
وقد مر بك في القسم الأول_ انظر ص 5 وما بعدها من هذا البحث._ أقوال الإمام ابن كثير والتي رد فيها روايات جاءت من طرق ثقات وذلك لمخالفتها للواقع ولمصادمتها عقيدة الإسلام.
فالمنهج الذي ذُكر هنا وتلك التطبيقات التي طبقها الإمام ابن كثير ترد على ابن خزيمة، حين قال: " ... إذ سننه صلى الله عليه وسلم إذا ثبتت بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه لا تكون أبداً إلا موافقة لكتاب الله، حاشا لله أن يكون شيء منها أبداً مخالفاً لكتاب الله أو لشيء منه، فمن ادعى من الجهلة: أن شيئاً من سنن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ثبتت من جهة النقل مخالف لشيء من كتاب الله، فأنا الضامن بتثبيت صحة مذهبنا على ما أبوح به منذ أكثر من أربعين سنة "_ كتاب التوحيد، ج1/ص110 _. (1/195)
صفحة 196
وليس هنا محل للإطالة في الرد على ابن خزيمة، ولكن ذكر موقف أم المؤمنين من رواية عمر وابنه رضي الله عنهما_ قال الإمام البخاري في صحيحة (صحيح البخاري، الرواية: 1287 و1288، ص 233): " ... فلما أصيب عمر، دخل صهيب يبكي، يقول: وا أخاه، وا صاحباه، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يا صهيب أتبكي علي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه) .
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فلما مات عمر رضي الله تعالى عنه، ذكرتُ ذلك لعائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه) وقالت: حسبكم القرآن (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)".
وجاء في صحيح الإمام مسلم(صحيح مسلم، الرواية: 929، ص 396 ): " ... فقمت فدخلت على عائشة. فحدثتها بما قال ابن عمر فقالت لا والله! ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قط: (إن الميت يعذب ببكاء أحد) ولكنه قال: (إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا. وإن الله لهو (أَضْحَكَ وَأَبْكَى). (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). قال أيوب: قال ابن أبي مليكة: حدثني القاسم بن محمد قال: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين. ولكن السمع يخطىء ". _ فيه الكفاية للتدليل على أن نقل الثقات عن الثقات لا يلزم به ثبوت المتن في كل الأحوال. (1/196)
صفحة 197
احتج برواية الصورة التي لا دليل فيها على رؤية الله سبحانه وتعالى في الجنة ابن القيم_ حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، ج13/ص 52-53_، والشوكاني _ فتح القدير، ج5/ص451 _، والسيوطي_ الدر المنثور، ج6/ص 470 _، وابن عاشور_ التحرير والتنوير، ج29/ص 327 _، وابن كثير_ تفسير ابن كثير، ج7/ص170-171 _، والثعالبي_ تفسير الثعالبي، ج1/ص502 _، وابن أبي العز_ شرح العقيدة الطحاوية، ج1/ص 292 _ ، وغيرهم.
على أعتاب هذه الرواية ظهرت أفكار حاربتها العقيدة الإسلامية، وتهدمت في عقول الآخذين بهذه الرواية أسس التقديس وأركان العقيدة.
وقبل أن نواصل الحديث عن هذه الرواية أضع بين يديك أخي القارئ الكريم هذه العبارات كي تعرف أثر هذه الرواية وغيرها على العقول التي لم تتقيد بعقيدة التقديس والتنزيه لله سبحانه وتعالى عند قراءتها لروايات رؤية الله سبحانه وتعالى:
? قال عثمان بن محمد الدمياطي البكري:
" ... ومنهم من يراه كل يوم بكرة وعشياً وهم الخواص، ومنهم من لا يزال مستمراً في الشهود، حتى قال أبو يزيد البسطامي: إن لله خواص من عباده لو حجبهم في الجنة عن رؤيته ساعة لاستغاثوا من الجنة ونعيمها كما يستغيث أهل النار من النار وعذابها"_ حاشية إعانة الطالبين، ج1/ص34 _.
يقول الله تعالى وقوله الحق: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا).
ولكن أبو زيد البسطامي يقول إن خواص عباد الله يستغيثون من الجنة ونعيمها تماماً كما يفعل أهل النار في النار!!!!. عفوك ربي فلا تؤاخذنا بما يقوله المبطلون.
? ذكر القرطبي ما نسب إلى الإمام الشافعي:
" لما حجب قوماً بالسخط، دل على أن قوماً يرونه بالرضى. ثم قال: أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا "_ تفسير القرطبي، ج19/ص171 _. (1/197)
صفحة 198
ونحن نستبعد أن تكون هذه الكلمات المخالفة للعقيدة الإسلامية قد صدرت عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي. ولكن العجب كل العجب من الذين تناقلوها كيف ساغ لهم اعتمادها في سياق ذكر أدلتهم الضعيفة التي اعتمدوا عليها في إثبات معتقدهم؟ كان من الواجب على مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى تبرئة الإمام الشافعي من هذه الأقوال الباطلة لأن رؤية الله سبحانه وتعالى المزعومة لم تثبت أبداً، ولأن الله تعالى يعبد لذاته واستجابة لأمره وأمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم القائل: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)_ هذا جزء من حديث أخرجه الإمام البخاري (صحيح البخاري، الرواية: 50، ص 34 ) والإمام مسلم (صحيح مسلم، الرواية: 10، ص66-67 ) وغيرهما._.
فربط الخضوع لله تعالى والاستسلام لأمره بفكرة لا أساس لها ولا أصل هو مسلك اليهود مع رسول الله إليهم حينما قالوا له: (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)، لهذا وجب تبرئة أئمة الإسلام من أن تنسب إليهم أفكار اليهود.
? نقل ابن حجر:
" (فإذا رأينا ربنا عرفناه) قال ابن بطال عن المهلب: إن الله يبعث لهم ملكا ليختبرهم في اعتقاد صفات ربهم الذي ليس كمثله شيء، فإذا قال لهم: أنا ربكم ردوا عليه لما رأوا عليه من صفة المخلوق"_ فتح الباري، ج 15/ص 389 –390 _.
إن احتمال ادعاء المَلَك للربوبية وارد عند المهلب!!!!، والنقل الآتي يوضح الاحتمالات عند أحد الشراح.
? ونقل بدر الدين العيني:
" وقال الكرماني: فإن قلت: الملك معصوم فكيف يقول: أنا ربكم، وهو كذب؟ قلت: لا نسلم عصمته من مثل هذه الصغيرة"_ عمدة القاري، ج25/ص189 _.
إن ادعاء الربوبية من قبل المَلَك من صغائر الذنوب عند الكرماني !!!!، إذاً لا كبيرة في الإسلام إذا كان الشرك الصريح من صغائر الذنوب!!!!. (1/198)
صفحة 199
والملائكة الأطهار الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى لعبادته وتنفيذ أوامره ليسوا بمعصومين ويمكنهم الكذب وادعاء الربوبية عند الكرماني !!!!.
وعقب بدر الدين العيني على هذا القول الذي نقله عن الكرماني بقوله: " قلت: فحينئذ فرعون لم يصدر منه إلا صغيرة في قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) ولو نزه شرحه عن مثل هذا لكان أحسن "_ المرجع السابق، ج25/ص189 _.
وأيضاً: كيف يعتبر قول الملك معصية وهو مأمور من قبل الله سبحانه وتعالى عن ذلك وقد فعل استجابة لأمر الله؟!
? قال السيوطي:
"قال القاضي ... ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدوث الظاهرة على الملك المخلوق. قال: أو يكون معناه: يأتيهم الله بصورة، ويظهر لهم في صورة ملائكته ومخلوقاته التي لا تشبه صفات الإله ليختبرهم، وهذا آخر امتحان للمؤمنين"_ الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، ج1/ص 229-230 _.
وهكذا يحل الله سبحانه وتعالى – والعياذ بالله – في صور ملائكته ومخلوقاته لأجل امتحان الناس في الموقف يوم القيامة!!!!.
إن هذه الأقوال التي نقلناها هنا عن بعض مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى المزعومة تصادم عقيدة التقديس والتنزيه التي جاء بها القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالعقيدة الإسلامية ترد هذه الأفكار وتجنب أذهان المسلمين الانغماس في أوحال التشبيه، وتسلمهم من التقول على الله بغير سلطان. فالإصرار على تمرير فكرة رؤية الله سبحانه وتعالى التي لا أصل لها في مصادر العقيدة عند المسلمين أفرز هذه الأقوال المنكرة وأملى عقيدة التشبيه والتجسيم.
أولاً: أقوال الشراح حول هذه الرواية (1/199)
صفحة 200
تتحدث هذه الرواية عن أفكار لا علاقة لها بالعقيدة الإسلامية ومشاهد لا تربطها بعقيدة التنزيه رابطة، وهي من جميع طرقها ليس فيها ذكر لرؤية المؤمنين لربهم في الجنة، وكل مشاهدها في الموقف قبل دخول الجنان. والمفاهيم التي تتحدث عنها هذه الرواية لم يتقبلها معظم المثبتين للرؤية، بل قاموا بتأويلاتها وصرف معانيها بعيداً عن ظاهر مدلولاتها كما سيتبين بعد قليل إن شاء الله تعالى. وبهذا فهي ليست بحجة لمن أثبت رؤية العباد لله تعالى في الجنة.
وبعد تلك الوقفات مع تلك الأقوال التي جاء الإسلام لمحاربتها، ننقل أقوال القائلين برؤية الله سبحانه وتعالى عند شرحهم لهذه الرواية وغيرها ليتبين لنا مدى اضطرابهم في فهم وعرض عقيدتهم في هذه المسألة.
فقد تعددت على ألسنتهم الأقوال المتناقضة وكثرت في كتاباتهم الاحتمالات المتباينة عند تأويلاتهم وذكرهم لمكان وزمان رؤية الله سبحانه وتعالى، وعند شرحهم لهيئة المرئي، ووصفهم للرائي. وهذا التعدد في الآراء يدل دلالة واضحة على أن الرأي البشري كان له دوره في توجيه معاني هذه الرواية وغيرها من غير هدى من آية محكمة أو سنة مقطوع بثبوتها.
1- التأويلات
من التأويلات التي سنذكرها هنا يتبين أن شراح هذه الرواية – وهم من معتقدي رؤية الله سبحانه وتعالى - لا يرون في هذه الرواية دليلاً على رؤية الله سبحانه وتعالى أبداً. فقد جاءت شروحهم لترشد الذهن والفكر إلى المعاني التي تتفق مع عقيدة الإسلام وتتأسس على قواعد لغة العرب.
? قال الإمام النووي: "(فيكشف عن ساق) ... فسر ابن عباس وجمهور أهل اللغة وغريب الحديث (الساق) هنا بالشدة، أي يكشف عن شدة وأمر مهول، وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر "_ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م2، ج3/ص26 _. (1/200)
صفحة 201
? وقال ابن أبي الدنيا القرشي الأموي:" قوله: (فيقولون الساق)فسر بالشدة، أي: يكشف عن شدة ذلك اليوم، وعن الأمر المهول فيه، وهو مثل تضربه العرب لشدة الأمر كما يقال: قامت الحرب على ساق "_ حاشية السندي على البخاري، ج4/ص285 _.
? وقال الإمام النووي: " أما قوله صلى الله عليه وسلم: (فيتبعونه) فمعناه يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة، أو يتبعون ملائكته الذين يذهبون بهم إلى الجنة "_ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م2، ج3/ص22 ، وانظر نحو هذا القول في الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، ج1/ص230 _.
? وقال ابن أبي الدنيا القرشي الأموي: " قوله: (حتى يضحك الله منه) أي: يرضى عنه "_ حاشية السندي على البخاري، ج4/ص284 _.
2- الاحتمالات التي لا أصل لها من كتاب ولا من سنة:
عبارات الشراح الآتية خير دليل على أن الظنون والاحتمالات هي الداعية لهم إلى اعتقاد رؤية الله سبحانه وتعالى من هذه الرواية.
? وقال بدر الدين العيني:"(فيأتيهم الله عز وجل) وفي رواية أخرى: (فيأتيهم في غير الصورة التي يعرفون فيقولون: نعوذ بالله منك).
والإتيان هنا إنما هو كشف الحجب التي بين أبصارنا وبين رؤية الله عز وجل، لأن الحركة والانتقال لا تجوز على الله تعالى، لأنها صفات الأجسام المتناهية، والله تعالى لا يوصف بشيء من ذلك، فلم يكن معنى الإتيان إلاّ ظهوره عز وجل إلى أبصار لم تكن تراه ولا تدركه، والعادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلاّ بالإتيان، فعبر به عن الرؤية مجازاً، لأن الإتيان مستلزم للظهور على المأتي إليه "_ عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج6/ص120 _. (1/201)
صفحة 202
? وقال القاضي عياض: " وقيل المراد بالساق هنا نور عظيم ... وقيل قد يكون الساق علامة بينه وبين المؤمنين، من ظهور جماعة من الملائكة على خلقة عظيمة ... وقيل قد يكون (ساق) مخلوقاً جعله الله تعالى علامة للمؤمنين خارجة عن السوق المعتادة. وقيل معناه كشف الخوف وإزالة الرعب عنهم، وما كان غلب على قلوبهم من الأهوال "_ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م2، ج3 /ص 26 _.
? وقال بدر الدين العيني: " فلما تميزوا عنهم ارتفع الحجاب، فقالوا عندما رأوه: أنت ربنا، وإنما عرفوا أنه ربهم حتى قالوا: أنت ربنا، إما بخلق الله تعالى فيهم علما به، وإما بما عرفوا من وصف الأنبياء لهم في الدنيا، وإما بأن جميع العلوم يوم القيامة تصير ضرورية.
قوله: (فيأتيهم الله، عز وجل، فيقول: أنا ربكم)، إنما كرر هذا اللفظ لأن الأول: ظهور غير واضح لبقاء بعض الحجب مثلاً، والثاني: ظهور واضح في الغاية، ... "_ عمدة القاري، ج6/ص 120-121 _.
? وقال ابن حجر: " ... وأما نسبة الإتيان إلى الله تعالى فقيل هو عبارة عن رؤيتهم إياه لأن العادة أن كل من غاب عن غيره لا يمكن رؤيته إلا بالمجيء إليه فعبر عن الرؤية بالإتيان مجازا، وقيل الإتيان فعل من أفعال الله تعالى يجب الإيمان به مع تنزيهه سبحانه وتعالى عن سمات الحدوث. وقيل: فيه حذف تقديره يأتيهم بعض ملائكة الله، ورجحه عياض قال: ولعل هذا الملك جاءهم في صورة أنكروها لما رأوا فيها من سمة الحدوث الظاهرة على الملك لأنه مخلوق، قال: ويحتمل وجها رابعا وهو أن المعنى يأتيهم الله بصورة -أي بصفة- تظهر لهم من الصور المخلوقة التي لا تشبه صفة الإله ليختبرهم بذلك ..."_ فتح الباري، ج13 /ص 278 _. (1/202)
صفحة 203
? ونقل ابن حجر: " قال: وأما قوله: (هل بينكم وبينه علامة تعرفونها، فيقولون الساق) فهذا يحتمل أن الله عرَّفهم على ألسنة الرسل من الملائكة أو الأنبياء أن الله جعل لهم علامة تجليه الساق، وذلك أنه يمتحنهم بإرسال من يقول لهم أنا ربكم"_ المرجع السابق، ج 15 /ص 390 _.
3- بأي شيء تتم رؤية الله سبحانه وتعالى عند المثبتين؟
المثبتون للرؤية في صراع حول تحديد آلة رؤية الله سبحانه وتعالى؛ فمنهم من يقول تتم بالقلب والقالب ومنهم من يقول بالأبصار ومنهم من يقول بحاسة سادسة:
? بالقلب والقالب:
قال البروسوي مبيناً صلة صفاء القلب برؤية الله سبحانه وتعالى: "فلا يرونه لأنهم بأكسابهم القبيحة صارت مرآة قلوبهم ذات صدأ، وسرت ظلمة الصدأ منها إلى قوالبهم، فلم يبق محل لنور التجلي، بخلاف المؤمنين فإنهم يرونه تعالى لأنهم بأكسابهم الحسنة صارت مرآئي قلوبهم مصقولة صافية، وسرى نور الصقالة والصفوة منها إلى قوالبهم، فصاروا مستعدين لانعكاس نور التجلي في قلوبهم وقوالبهم، وصاروا وجوهاً من جميع الجهات كوجود الوجه الباقي بل أبصاراً بالكلية "_ روح البيان، ج10/ص368 _.
? ومنهم من يقول بالأبصار:
" فإذا كان يوم القيامة ركبت الأبصار والجوارح للبقاء، فاحتملت النظر إلى وجهه، وإلى سبحاته، ونور وجهه من غير أن يحرق أحد "_ كتاب التوحيد، هامش 3، ج1/ص 46 _.
? ومنهم من يقول بحاسة سادسة:
قال الرازي:" الوجه الرابع: سلمنا أن الأبصار البتة لا تدرك الله تعالى فلم لا يجوز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما كان ضرار بن عمرو يقول به؟ "_ تفسير الرازي، ج13/ص105 . ونحو هذا القول عند الألوسي (تفسير الألوسي، ج4 /ص233) _. (1/203)
صفحة 204
وقال ابن حزم: " ... وإنما قلنا إنه تعالى يرى في الآخرة بقوة غير هذه القوة الموضوعة في العين الآن، لكن بقوة موهوبة من الله تعالى، وقد سماها بعض القائلين بهذا القول الحاسة السادسة "_ الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج3/ص2 _.
4- من الذي يُرى؟
والذين أثبتوا رؤية الله سبحانه وتعالى في الموقف تضاربت أفكارهم حول المرئي؛ فمنهم من قال برؤية مَلَك، ومنهم من صرح برؤية صورة لبعض مخلوقات الله تعالى، ومنهم من قال برؤية الله ولكن رؤية تختلف عن رؤية الذات والعياذ بالله.
? صورة
قال ابن حجر: " (فيأتيهم الله في صورة) ... قال ابن بطال تمسك به المجسمة فأثبتوا لله صورة، ولا حجة لهم فيه لاحتمال أن يكون بمعنى العلامة وضعها الله لهم دليلاً على معرفته"_ فتح الباري، ج 15 /ص 389 _.
ونقل ابن حجر أيضاً: " ... ثم يتبدى لنا الله في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أول مرة "_ المرجع السابق، ج13 /ص277 _.
? مَلَك
" قال ابن بطال عن المهلب إن الله يبعث لهم ملكا ليختبرهم في اعتقاد صفات ربهم "_ المرجع السابق، ج 15 /ص 389 –390 _.
? ذات الله سبحانه وتعالى
حسب تصورهم تنطبع على ذات الله آثار الرضى والغضب، والعياذ بالله:
" قال شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري رحمه الله لمحجوبون عن رؤية الرضى فإن الشقي يراه غضبان حين يتجلى في المحشر قبل دخول الناس الجنة"_ روح البيان، ج10/ص369 _
له صورتان: صورة الرضى وصورة الغضب في وقت واحد !!!!. أين ذهبت العقول المقدِسة؟
? رؤية عامة ولكن ليست حقيقية للذات المقدسة
قال الدكتور آل حمد: " ثم إنه تعالى يرى يوم القيامة رؤية عامة بأعين الرؤوس يراه أهل الموقف وليست رؤية حقيقية للذات المقدسة التي رؤيتها أعلى نعيم أهل الجنة، فلا يقال إن غير المؤمنين يرى ذات الباري تعالى وتقدس. إذ الرؤية الحقيقية التي فيها النعيم خاصة بالمؤمنين بعد دخولهم الجنة "_ رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، ص 240 _. (1/204)
صفحة 205
وقال الدكتور آل حمد في موضع آخر: " وما ورد في حديث أبي سعيد الخدري من ذكر للرؤية العامة ليست رؤية حقيقية، حيث إنه رآه من يعبده بعد ذلك في صورة غيرها، ثم هذه الصورة الأخيرة، هل هي الحقيقية التي يراه عليها أهل الجنة أو غيرها، الصحيح أنها غيرها، إذ إن الرؤية الكاملة هي المعبر عنها بالمزيد في آية سورة (ق) وهو (مَزِيدٌ) على نعيم الجنة، وهم لم يدخلوا الجنة حال الرؤية المذكورة حتى يحصل لهم المزيد، يتبين هذا من الأحاديث_ الأحاديث التي فسرت قوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) بالرؤية ضعيفة كما بينا في ص 5 وما بعدها من هذا البحث._ التي ذكر فيها المزيد"_ رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، ص 188 _.
وقال الألوسي: " وكأني بك بعد الإحاطة وتدقيق النظر تميل إلى أنه سبحانه وتعالى يرى لكن لا من حيث ذاته سبحانه البحت ولا من حيث كل تجل حتى تجليه بنوره الشعشعاني الذي لا يطاق "_ تفسير الألوسي، ج 15/ص 161 _.
ونقل ابن حجر: " وقال الخطابي: هذه الرؤية غير التي تقع في الجنة إكراماً لهم، فإن هذه للامتحان وتلك لزيادة الإكرام كما فسرت_ جميع الروايات التي فسرت قوله تعالى: (وَزِيَادَةٌ) بالرؤية ضعيفة كما تبين ذلك في ص 5 وما بعدها من هذا البحث ._ فيه (الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)"_ فتح الباري، ج13 /ص279 _.
? رؤية للصورة التي تعرف بالصفة
"وأما قوله: فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون: فالمراد: التي يعلمونها ويعرفونه بها، وإنما عرفوه بصفته وإن لم تكن تقدمت لهم رؤية له سبحانه، لأنهم يرونه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، فيعلمون أنه ربهم"_ الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، ج1/ص 230 _.
? تحول الذات من صورة إلى صورة
قال النووي: " قوله صلى الله عليه وسلم: (يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته) ... ومعناه، وقد أزال المانع لهم من رؤيته وتجلى لهم "_ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م2، ج3 /ص27_. (1/205)
صفحة 206
? الذات العلية تطلع وتتوارى – والعياذ بالله.
قال ابن خزيمة: " ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا تتبعون الناس، فيقولون: نعوذ بالله منك. الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا.
وهو يأمرهم ويثبتهم، ثم يتوارى ثم يطلع فيقول: ألا تتبعون الناس فيقولون: نعوذ بالله منك، الله ربنا. هذا مكاننا حتى نرى ربنا، وهو يأمرهم ويثبتهم "_ كتاب التوحيد، ج2/ص 427 -428 _.
5- الأسباب التي تمنع من رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا:
الأسباب التي تمتنع عندها رؤية الله سبحانه وتعالى والأحوال التي تمنع المؤمن من رؤية ربه لم تتفق عليها كلمة المثبتين، فقد جاءت أقوالهم لتعبر عن هشاشة احتمالاتهم وظنونهم.
? قال القرطبي – كما نقله ابن حجر - في رده على النافين للرؤية: " اشترط النفاة في الرؤية شروطا عقلية كالبنية المخصوصة والمقابلة واتصال الأشعة وزوال الموانع كالبعد والحجب في خبط لهم وتحكم، وأهل السنة لا يشترطون شيئا من ذلك سوى وجود المرئي"_ فتح الباري، ج 15 /ص 388 _.
? وقال ابن حجر: " وما ذكروه من الفرق بين الدنيا والآخرة أن أبصار أهل الدنيا فانية وأبصارهم في الآخرة باقية جيد"_ المرجع السابق، ج 15 /ص 387 _.
هذا القول ليس له دليل يذكر بل هو من التخمينات التي لا أصل لها.
? ونقل البروسوي عن بعضهم السبب في عدم رؤية الله في الدنيا: " (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) هو الذي منع الخلق عن الإدراك للحق كما أن الهواء لما كان مباشر حاسة البصر لم يدركه البصر ... "_ روح البيان، ج10/ص252-253 _.
فقرب الذات الإلهية الشديد من حاسة البصر عند الإنسان هو مانع رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا!!!. يا رب عفوك ومغفرتك.
6- من الذي يَرى؟ (1/206)
صفحة 207
صرح الدكتور أحمد ناصر آل حمد بالخلاف بين القائلين بوقوع رؤية الله سبحانه وتعالى في القيامة، " لمن يكون هذا الوقوع وهل هو خاص بالمؤمنين أو عام لهم ولغيرهم ... "_ رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، ص 186 _.
وقد أجاب بنفسه على هذا السؤال الذي طرحه هنا، حيث قال: " ... فقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة_ لم يلبث الدكتور أحمد آل حمد طويلاً حتى آتى على هذا القول من أساسه حين قال: " وحيث لم ترد أدلة صريحة تدل على رؤية غير المؤمنين لله تبارك وتعالى إلا عموم آيات اللقاء وأحاديثه فتبقى محتمله ..." (رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، ص 188 ). فهل من معتبر ؟_ على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة بل والكفار أيضاً كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة "_ المرجع السابق، ص 102 _، وقد تابع الدكتور آل حمد في هذا القول ابن خزيمة الذي قال: " ينظر إليه جميع المؤمنين يوم القيامة، برهم وفاجرهم وإن رغمت أنوف الجهمية المعطلة المنكرة، لصفات خالقنا – جل ذكره "_ كتاب التوحيد، ج2/ص406 _، والذي قال في موضع آخر: " إن جميع أمة النبي صلى الله عليه وسلم برهم وفاجرهم، مؤمنهم ومنافقهم، وبعض أهل الكتاب يرون الله – عز وجل – يوم القيامة"_ المرجع السابق، ج2/ص420، ومما قاله ابن خزيمة في هذا الشأن:" ... ثم يتمثل الله للخلق فيلقى اليهود، فيقول: من تعبدون؟ ". (المرجع السابق، ج2/ص 429)
وقوله أيضاً: " ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أعلم أن منافقي هذه الأمة يرون الله حين يأتيهم في صورته التي يعرفون ... وفيه ما يدل على أن المنافقين يرونه للاختبار والامتحان، فيريدون السجود فلا يقدرون عليه ". (المرجع السابق، ج2/ص430) _. (1/207)
صفحة 208
وهذا القول الذي ذهب إليه الدكتور آل حمد وابن خزيمة قد خالفهما فيه الإمام النووي ولم يعتد به، ووصفه بالبطلان، حين قال: " ثم اعلم أن هذا الحديث قد يتوهم منه أن المنافقين يرون الله تعالى مع المؤمنين، وقد ذهب إلى ذلك طائفة ... وهذا الذي قالوه باطل، بل لا يراه المنافقون بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين "_ المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، م2، ج3/ص27 _.
وصرح ببطلان قول الدكتور آل حمد وابن خزيمة بدر الدين العيني: " وقيل: يراه منافقو هذه الأمة، وهذا ضعيف، والصحيح أن المنافقين كالكفار باتفاق العلماء ... "_ عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج5/ص64 _.
وذهب ابن حجر إلى أن القائلين برؤية المنافقين لله تعالى هم السالمية – الفرقة الكلامية المعروفة – وأن رؤية الله سبحانه وتعالى التي اشترك فيها المؤمنون والمنافقون هي رؤية صورة ملك، ويتضح هذا من قوله: " واستدل به بعض السالمية ونحوهم على أن المنافقين وبعض أهل الكتاب يرون الله مع المؤمنين، وهو غلط لأن في سياق حديث أبي سعيد أن المؤمنين يرونه سبحانه وتعالى بعد رفع رؤوسهم من السجود وحينئذ يقولون أنت ربنا، ولا يقع ذلك للمنافقين ومن ذكر معهم، وأما الرؤية التي اشترك فيها الجميع قبل فقد تقدم أنه صورة الملك وغيره"_ فتح الباري، ج13 /ص293 _.
وذهب البروسوي إلى وصف العبيد – حسب زعمه – برداء الكبرياء الذي لا يُحجب، حين قال: "... أن المرتدي لا يحجب عن الحجاب، إذ المراد بالوجه الذات وبرداء الكبرياء هو العبد الكامل المخلوق على الصورة الجامعة للحقائق الإمكانية والإلهية "_ روح البيان، ج10/ص 251 _.
ورد البروسوي على من قال من المثبتين والنافين للرؤية: " أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية ... "_ فتح الباري، ج15 /ص395 _ بقوله:" فالتردد في أن الرداء حجاب بين المرتدي والناظرين فلا يمكن الرؤية إنما هو من عمى البصيرة والعياذ بالله "_ روح البيان، ج3/ص79 _. (1/208)
صفحة 209
فعدم وجود الأدلة الثابتة عند المثبتين للرؤية هو السبب الذي حدا بهم إلى إبطال بعضهم أقوال بعض.
7- المدة الزمنية للرؤية
لم يتفق مثبتو رؤية الله سبحانه وتعالى على المدة الزمنية التي تستغرقها الرؤية المزعومة.
فمنهم من جعلها رؤية لا تنقطع، ومنهم من حددها بين وقت وآخر.
قال علي القاري: " وأكثرهم كرامة على الله وأعلاهم منزلة وأقربهم رتبة عنده سبحانه (من ينظر إلى وجهه) أي ذاته (غدوة) بضم الغين (وعشية) أي صباحاً ومساءً ... أو المراد بهما أن يكون النظر دواماً ... لكن الأول أظهر، لأنه لو كان النظر على وجه الدوام لما انتفعوا بسائر النعيم وقد خلقت لهم"_ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج10/ص 323 _.
هذه الكلمات الأخيرة من أقوال علي القاري ردها أبو يزيد البسطامي بقوله: " إن لله خواص من عباده لو حجبهم في الجنة عن رؤيته ساعة لاستغاثوا من الجنة ونعيمها كما يستغيث أهل النار من النار وعذابها"_ حاشية إعانة الطالبين، ج1/ص 34 _.
8- هل للمرئي جهة؟
حلقات سلسلة الاختلاف بين المثبتين للرؤية لم تقف عند حد، فكما أنهم اختلفوا في المكان والزمان، واختلفوا في المرئي والرائي، فقد ظهر على ألسنتهم الخلاف حول ما إن كان المرئي في جهة أو لا، فقد عبر ابن حجر عن هذا الاختلاف بقوله: " واختلف من أثبت الرؤية في معناها فقال قوم: يحصل للرائي العلم بالله تعالى برؤية العين كما في غيره من المرئيات، وهو على وفق قوله في حديث الباب (كما ترون القمر) إلا أنه منزه عن الجهة والكيفية، وذلك أمر زائد على العلم وقال بعضهم: إن المراد بالرؤية العلم، وعبر عنها بعضهم بأنها حصول حالة في الإنسان نسبتها إلى ذاته المخصوصة نسبة الإبصار إلى المرئيات، وقال بعضهم: رؤية المؤمن لله نوع كشف وعلم، إلا أنه أتم وأوضح من العلم وهذا أقرب إلى الصواب من الأول"_ فتح الباري، ج 15 /ص 387 _. (1/209)
صفحة 210
وهذا القول الذي نقله ابن حجر عن المثبتين للرؤية قد عابه الدكتور أحمد ناصر آل حمد بقوله: " وهذا قول جمهور المتأخرين من الأشاعرة إذ إن مذهبهم إثبات الرؤية لله تعالى لورود النصوص القطعية_ ليس هناك أي دليل قطعي ولا ظني يثبت الرؤية، وكل الروايات التي يعتمد عليها المثبتون ضعيفة، كما تبين في هذا البحث. والحمد لله رب العالمين._ بذلك، ولكنهم مع هذا سلموا للمعتزلة قولهم بنفي الجهة عن الله تعالى، ويلزم من نفي الجهة نفي الرؤية، فلم يستطيعوا التظاهر بنفي ما ثبت بالنصوص لانتسابهم إلى أهل السنة فأثبتوا الرؤية ونفوا لازمها وهي الجهة، فأخذ المعتزلة يشنعون عليهم هذا التناقض المخالف للعقول. ولما رأوا ذلك سلكوا هذا المسلك الذي قالوا عنه إنه الكشف البالغ، أي أن الرؤية ليست بصرية وإنما هي زيادة انكشاف الرب تعالى لهم وتمام معرفتهم به حتى كأنهم يرونه بأعينهم، وعلى هذا لا يكون خلافهم مع المعتزلة أكثر من الخلاف اللفظي "_ رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، ص 122 _.
فقول الدكتور أحمد ناصر: " ويلزم من نفي الجهة نفي الرؤية " رد صريح على علي القاري الذي قال: " ولا يلزم من رؤية الله تعالى إثبات جهة له تعالى عن ذلك، بل يراه المؤمنون لا في جهة كما يعلمونه لا في جهة "_ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج10/ص321 _.
فكما أن قول الدكتور أحمد بن ناصر آل حمد فيه الرد على ابن حجر وعلي القاري فهو كذلك فيه الرد على الثعالبي الذي قال:
" حمل جميع أهل السنة هذه الآية على أنها متضمنة رؤية المؤمنين لله عز وجل بلا تكييف ولا تحديد، كما هو معلوم موجود "_ تفسير الثعالبي، ج3/ص428 _. (1/210)
صفحة 211
والذي قال في موضع آخر: " أجمع أهل السنة على أن الله عز وجل يُرى يوم القيامة، يراه المؤمنون. والوجه أن يبين جواز ذلك عقلاً، ثم يستند إلى ورود السمع بوقوع ذلك الجائز. واختصار تبيين ذلك أن يعتبر بعلمنا بالله عز وجل، فمن حيث جاز أن نعلمه لا في مكان ولا متحيزاً ولا مقابلاً، ولم يتعلق علمنا بأكثر من الوجود جاز أن نراه غير مقابل ولا محاذى ولا مكيفاً ولا محدوداً "_ المرجع السابق، ج1/ص502
وقال الثعالبي في موضع آخر من تفسيره: " وكلام الله سبحانه لا يشبه كلام المخلوقين، وليس في جهة من الجهات وكما هو موجود لا كالموجودات، ومعلوم لا كالمعلومات ". (المرجع السابق، ج2/ص49 )_. (1/211)
صفحة 212
وجاء التصريح بانتفاء الجهة والمكان - اللذين يعدهما الدكتور آل حمد من مقتضيات رؤية الله سبحانه وتعالى - في كتابات النسفي_ قال النسفي: " (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة ". (تفسير النسفي، ج4/ص315) _، وإسماعيل حقي البروسوي_ قال البروسوي: " والمعنى: أن الوجوه تراه تعالى عياناً مستغرقة في مطالعة جماله بحيث تغفل عما سواه وتشاهده تعالى، بلا كيف ولا على جهة ". (روح البيان، ج10/ص250) _، وأبي السعود_ قال أبو السعود: " ومعنى كونها ناظرة إلى ربها أنها تراه تعالى ... وتشاهده تعالى بلا كيف ولا على جهة ". (تفسير أبي السعود، ج6/ص337) _، وابن عاشور_ قال ابن عاشور: " وقد اتفقنا جميعاً على التنزيه عن المقابلة والجهة، كما اتفقنا على جواز الانكشاف العلمي التام للمؤمنين في الآخرة لحقيقة الحق تعالى ". ( التحرير والتنوير، ج6/ص 252 )_، والسندي_ قال السندي في حاشيته على البخاري: " قوله: (في جنة عدن) هذا ظرف للقوم لا لله تعالى ". (حاشية السندي على البخاري، ج4/ص 287 )_، والمباركفوري_ قال المباركفوري: " ... وقال عياض معناه راجع إلى الناظرين أي وهم في جنة عدن لا إلى الله فإنه لا تحويه الأمكنة سبحانه وتعالى. وقال القرطبي: متعلق بمحذوف في موضع الحال من القوم مثل كائنين في جنة عدن ". (تحفة الأحوذي، ج7/ص233-234) _، وابن بطال والقاضي عياض_ نقل الحافظ ابن حجر: " قال ابن بطال: لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالاً في مكان ... وقال عياض معناه راجع إلى الناظرين أي وهم في جنة عدن لا إلى الله فإنه لا تحويه الأمكنة سبحانه ". ( فتح الباري، ج 15/ص 395 )_. (1/212)
صفحة 213
وطلب ابن أبي العز من هؤلاء العلماء المثبتين للرؤية بلا جهة ولا مقابلة مراجعة عقولهم، حيث قال لهم:" ... وإلا فهل تُعقَلُ رؤية بلا مقابلة ! ومن قال: يُرى لا في جهة، فليراجع عقله !! فإما أن يكون مكابراً لعقله، أو في عقله شيء، وإلا فإذا قال: يُرى لا أمام الرائي، ولا خلفه، ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، ردَّ عليه كل من سمعه بفطرته السليمة "_ شرح العقيدة الطحاوية، ج1/ص295 _.
وذهب ابن القيم إلى وصف من أثبت رؤية الله سبحانه وتعالى بلا جهة بالآتي: " ... وطرد الجهمية هذا في رؤيته لخلقه فقالوا: بصره ورؤيته هي علمه لا أن هناك بصراً حقيقة ورؤية حقيقة، وأما مخانيثهم فتناقضوا فقالوا: بل يبصر ويرى من غير مباينة للمرئي المبصر، ولا مقابلة له، فكانت فحولهم أقرب إلى العقل من هؤلاء وهؤلاء، وإن تناقضوا تناقضاً بيناً فهم أقرب إلى الوحي بما أثبتوه من الرؤية وأبعد عنه مما نفوه من المباينة والعلو، والطائفتان خارجتان عن حكم الوحي والعقل "_ الصواعق المرسلة، ج4/ص1334- 1335 _.
واختصر محمد بن الموصلي كلام ابن القيم في وصف من يقر برؤية الله سبحانه وتعالى بلا جهة بقوله:" ... فالرؤية المعقولة له عند جميع بني آدم ... أن يكون المرئي مقابلاً للرائي مواجهاً له بائناً عنه، لا تعقل الأمم رؤية غير ذلك ... فلا يجتمع للإقرار بالرؤية وإنكار الفوقية والمباينة، ولهذا فإن الجهمية المغول تنكر علوه على خلقه ورؤية المؤمنين له في الآخرة؛ ومخانيثهم_ هذا الكلام الذي ننقله عن ابن القيم وأحد أتباع فكره يدعونا جميعاً إلى ضبط أسلات الأقلام وأطراف الألسن بالمنهج الحق الداعي إلى نبذ كل قول لا أصل له واتباع الحق بأدلته._ يقرون بالرؤية وينكرون العلو، وقد ضحك جمهور العقلاء من القائلين بأن الرؤية تحصل من غير مواجهة المرئي ومباينته "_ مختصر الصواعق المرسلة، ص 172 _. (1/213)
صفحة 214
أخي القارئ الكريم، لعلك أدركت أن الذين يقذفهم ابن القيم بهذه الأباطيل هم من المثبتين للرؤية كما بينا ذلك أعلاه.
وهذا التناقض في الآراء عند مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى منشؤه ضعف الدليل وبطلان فكرة رؤية العباد لله تعالى، ومن هذه التناقضات يدرك كل عاقل أن القوم لا حجة عندهم إلا أفكار ما أنزل الله بها من سلطان.
ومما سبق عرضه حول هذه الرواية ندرك عدم صلاحيتها لترسيخ عقيدة الإسلام.
9- تساؤلات:
هذه الرواية تثير كثيرا من التساؤلات مما يجعل مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى يعجزون عن الإجابة عنها.
جاء في هذه الرواية: (ثم يتبدى لنا الله في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أول مرة)
متى رأوه أول مرة، وأين رأوه؟!
ما معنى يتبدى في صورة غير صورته – سبحانه وتعالى -؟!.
هل لله سبحانه وتعالى صورة؟!.
فمن نص هذه الرواية ومن الأقوال التي ذكرها الشراح ندرك تمام الإدراك عدم صلاحية هذه الرواية المنسوبة إلى أبي سعيد الخدري وأبي هريرة في إثبات معتقد رؤية المؤمنين لله تعالى.
فكيف يصح الاعتماد على رواية تباينت حولها الأفهام وتعددت في شرحها الأقوال ولم تثبت فيها حجة للقائلين برؤية الله سبحانه وتعالى في الجنان الخالدة؟
ثانياً: طريقان آخران لرواية الصورة
وجاءت رواية الصورة المنسوبة إلى أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما مختصرة من طريق جرير بن عبد الله، ومن طريق أبي رزين العقيلي رضي الله عنهما:
1- الرواية المنسوبة إلى جرير بن عبد الله من طريق قيس بن أبي حازم
أخرج الإمام البخاري:
" حدثنا عبدة بن عبد الله، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، حدثنا بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، حدثنا جرير قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة البدر فقال: (إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته) ". (1/214)
صفحة 215
أخرج هذه الرواية ونحوها الإمام البخاري_ صحيح البخاري، الرواية: 7436، ص 1311 _، وابن حبان_ صحيح ابن حبان، الروايات: 7442-7444، ج16 /ص473-476 _، والطبراني_ المعجم الكبير، الرواية: 2232- 2237،ج2 /ص296-297 والرواية: 2288، ج2/ص310 _، والإمام مسلم_ صحيح مسلم، الرواية:633، ص 284 _، وأبو داود_ سنن أبي داود، الرواية: 4729، ج5 /ص97 _، والترمذي_ سنن الترمذي، الرواية: 2551، ج4 /ص687 _، وابن ماجه_ سنن ابن ماجه، الرواية: 177، ج1/ص63 _، والنسائي_ سنن النسائي الكبرى، الرواية: 460، ج1/ص176 والرواية: 11524، ج6/ص469 والرواية: 11330، ج6/ص407 والرواية: 7762، ج4/ص419 _، وابن خزيمة_ كتاب التوحيد، الروايات: 238-240، ج2/ص 407 –413 _ وغيرهم ...
واحتج بها وذكرها القرطبي_ تفسير القرطبي، ج9/ص70 _، والبروسوي _ روح البيان، ج10/ص 252
حيث قال البروسوي: " هذا حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول ". _، وابن عاشور_ التحرير والتنوير، ج29/ص 327 _، وابن كثير_ تفسير ابن كثير، ج7/ص171 _، والرازي_ تفسير الرازي، ج 13/ص 108 _، ونووي الجاوي_ مراح لبيد لكشف معاني القرآن المجيد، ج1/ص328 _، والطبري_ تفسير الطبري، ج7/ص300 _، وجلال الدين_ تفسير الجلالين، ص 141 _، وابن أبي العز_ شرح العقيدة الطحاوية، ج1/ص 292 _، وابن عبد البر_ التمهيد، ج3/ص290 _.
جاءت هذه الرواية من طريق قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه.
هذه الرواية لا يصح الاحتجاج بها وذلك بسب قيس بن أبي حازم الذي اختلط وخرف في آخر عمره.
فقد قال ابن حجر: " ... وثقه جماعة وقال يحيى بن أبي عتبة عن إسماعيل بن أبي خالد قال كبر قيس حتى جاوز المائة بسنتين كبر وخرف "_ الإصابة في تمييز الصحابة، ج5 /ص278 _. (1/215)
صفحة 216
وقال المزي: " وقال يحيى بن أبي غنية: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: كبر قيس بن أبي حازم حتى جاز المائة بسنين كثيرة حتى خرف وذهب عقله. قال: فاشتروا له جارية سوداء أعجمية، قال: وجُعِلَ في عنقها قلائد من عهن وودع وأجراس من نحاس، قال: فجعلت معه في منزله وأغلق عليه باب، قال: فكنا نطلع إليه من وراء الباب وهو معها، قال: فيأخذ تلك القلائد فيحركها بيده ويعجب منها، ويضحك في وجهها "_ تهذيب الكمال، ج6 /ص130 _.
وقال الذهبي: " ... وثقه يحيى بن معين وغيره وقال ابن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: هو منكر الحديث"_ تذكرة الحفاظ، ج1 /ص61 _.
وقد بين علماء الحديث حكم رواية من اختلط وتغير عقله:
قال ابن الصلاح: " معرفة من خرف آخر عمره من الثقات ... فمنهم من خلط لاختلاطه وخرفه ومنهم من خلط لذهاب بصره أو لغير ذلك.
والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده. "_ التقييد والإيضاح، ص442 _.
وقال ابن كثير: " في معرفة من اختلط في آخر عمره --- إما لخوف أو ضرر أو مرض أو عرض: كعبد الله بن لهيعة، لما ذهبت كتبه اختلط في عقله، فمن سمع من هؤلاء قبل اختلاطهم قبلت روايتهم، ومن سمع بعد ذلك أو شك في ذلك لم تقبل"_ الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص182 _.
وقال أبو لبابة: " ... وحكم مرويات المختلطين في أواخر أعمارهم: القبول قبل الاختلاط والرد بعد الاختلاط فمن شك من الرواة عنهم في حديث ما أنه أخذه عنهم قبل الاختلاط أو بعده؟ رد حديثه "_ الجرح والتعديل، ص125 _.
وهذه الرواية - وبعد تطبيق هذا الحكم عليها – ترد ولا تقبل، لأن الذين رووا عن قيس بن أبي حازم لم يُذكر أنهم أخذوها عنه قبل الاختلاط أو بعده.
2- الرواية المنسوبة إلى أبي رزين العقيلي من طريق حماد بن سلمة ووكيع بن حدس
قال ابن حبان: (1/216)
صفحة 217
" أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين العقيلي، قال: قلت: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (هل ترون ليلة البدر القمر أو الشمس بغير سحاب)؟ قالوا: نعم. قال: (فالله أعظم). قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: (في عماء، ما فوقه هواء وما تحته هواء).
قال أبو حاتم رضي الله تعالى عنه: وهم في هذه اللفظة حماد بن سلمة من حيث (في غمام) إنما هو (في عماء)، يريد به أن الخلق لا يعرفون خالقهم من حيث هم، إذ كان ولا زمان ولا مكان، ومن لم يعرف له زمان ولا مكان ولا شيء معه؛ لأنه خالقها، كان معرفة الخلق إياه، كأنه كان في عماء عن علم الخلق، لا أن الله كان في عماء، إذ هذا الوصف شبيه بأوصاف المخلوقين ".
أخرج هذه الرواية ابن حبان_ صحيح ابن حبان، الرواية: 6141، ج14 /ص8 –10 _، والطبراني_ المعجم الكبير، الرواية: 465، ج19 /ص206 _ , ونحوها الإمام أحمد_ مسند الإمام أحمد، الرواية: 16287، ص 1149 والرواية: 16293، ص1149 والرواية: 16299، ص1150 _، وأوردها مختصرة السيوطي_ الدر المنثور، ج6/ص 475 _.
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب وكيع بن عدس وحماد بن سلمة.
لقد مر بك ما قاله علماء الجرح في روايات حماد بن سلمة_ انظر ص 5 وما بعدها من هذا البحث. _، وأما وكيع بن عدس [ويقال حدس] أبو مصعب العقيلي الطائفي فقد قال عنه: " ... ابن قتيبة في اختلاف الحديث: غير معروف، وقال ابن القطان: مجهول الحال "_ تهذيب التهذيب، ت:7736، ج11/ص114- 115 _.
ومن هذا يتبين عدم ثبوت ما روي عن أبي رزين العقيلي.
ملخص القسم الثاني
في خاتمة القسم الثاني نلخص ما ذُكر في النقاط الآتية: (1/217)
صفحة 218
? إن وجود الروايات الضعيفة الكثيرة عند مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى خَلَّفَ على عقولهم أثقالاً توارثتها أجيالهم ولم يجرؤوا على نبذها، وإن كانوا هم أنفسهم من بَيَّنَ ضعف رجال أسانيدها، وقاموا بالاحتجاج بها وهم على علم ودراية واسعة بضعف رجالها واضطراب متونها.
? ولقد سرت فكرة رؤية العباد لله سبحانه وتعالى إلى عقول المثبتين للرؤية من المسلمين حينما عُزِل منهج الأمة العادل عن واقع الحياة.
? ولقد تبين بعد الرجوع إلى منهج الأمة ضعف جميع روايات المثبتين للرؤية والتي استعانوا بها في حمل معنى قوله تعالى: ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) برؤية العباد لله سبحانه وتعالى. وثبت عن التابعي مجاهد بن جبر تفسير قوله تعالى: ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بانتظار ثواب الله ونعيمه.
? والروايات التي اعتمد عليها مثبتو الرؤية في تفسير قوله تعالى: (وَزِيَادَةٌ)، وقوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) ضعيفة لا حجة فيها. واعتمد النافون للرؤية على رواية أحسن حالاً من روايات المثبتين للرؤية جاءت عند أبي يعلى في تفسير قوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) بمزيد من العطايا والإكرام.
? والروايات والمفاهيم التي اعتمد عليها في حمل مفهوم قوله تعالى: ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) على رؤية المؤمنين لربهم ضعيفة.
? وثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تفسير قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) بمعنى لا تراه الأبصار. والذين فسروا (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) بلا تحيط به الأبصار اعتمدوا على روايات ضعيفة لم يحفل بها منهج الأمة الإسلامية.
? وما ذُكر من خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم حول رؤية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لربه سبحانه وتعالى لم يثبت أبداً، فجميع الروايات المدعية للرؤية ضعيفة وما ثبت منها هو قول كعب الأحبار فقط. (1/218)
صفحة 219
? والمعنى الصحيح لإدراك الأبصار هو رؤية الأبصار للأشياء، وقد جاء الإقرار بهذا المعنى في كتب اللغة وعند الفقهاء وفي مواضع من كتب التفسير.
? وجاء التصريح بامتناع رؤية العباد لله سبحانه في الدنيا والآخرة عند تفسير قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) ، وقوله تعالى: (لَن تَرَانِي)، وعند شرح قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر). ولكن بسبب كثرة الروايات الضعيفة المدعية للرؤية تجاهل المثبتون للرؤية التفسير الصحيح لهاتين الآيتين وظاهر هذا الحديث.
? والرواية التي فيها ( إنكم سترون ربكم يوم القيامة ) ليس فيها ذكر لرؤية العباد لله تعالى في الجنان، وقد اضطربت في شرح معانيها أقوال المثبتين للرؤية وتعددت أقوالهم عند ذكرهم للمرئي ووصفهم للرائي.
? ولقد تبين بعد عرض أفكار المثبتين للرؤية أنهم على غير وفاق حول كثير من قضايا رؤية الله سبحانه وتعالى.
خاتمة البحث
في خاتمة هذا البحث نختصر الدعوة إلى تطبيق المنهج العادل ونلخص نتائج وزن الروايات بالميزان القسط في النقاط الآتية:
? إن معرفة المنهج الصائب وإدراك مدى تطبيق الناس له في ميادينه، أمر مهم في تقييم الأفكار ومعرفة الآراء الصحيحة عند تفسير كتاب الله تعالى وشرح سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
? والمنهج الذي دعا إلى تطبيقه علماء الأمة الإسلامية في قضايا العقيدة يقود إلى الصواب في الاعتقاد إذا أُسلس له القياد ولا يفتقر إلى الاحتمالات التي تفرزها عقول البشر القاصرة.
? ومنهج الأمة الإسلامية قوي وقادر على توحيد المسلمين، وما نراه من خلاف حول بعض القضايا إنما منشؤه عدم التطبيق للأسس التي يقوم عليها البحث العلمي عند المسلمين.
? وعندما تُبنى الأقوال على الضعيف من الأخبار فإن نتيجة البحوث تكون تضارباً في الأفكار وتناقضاً في المفاهيم وابتعاداً عن الحق والصواب. (1/219)
صفحة 220
? والخلاف الذي شهدته أوساط المسلمين حول قضية رؤية العباد لله سبحانه وتعالى ما كان ليحدث لو أن المثبتين للرؤية طبقوا المنهج العادل وعرضوا الروايات الواردة على علوم الحديث وأقوال علماء الجرح والتعديل لكي يصلوا في النهاية إلى بطلان هذه الفكرة.
? وبعد عرض روايات المثبتين لرؤية الله سبحانه وتعالى على الميزان العادل والمنهج الصائب تبين عدم صحة قول قائلهم: " ... وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، ورواها نحو من عشرين صحابيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
? وجاء التصريح بامتناع رؤية العباد لله سبحانه في الدنيا والآخرة عند تفسير قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) ، وقوله تعالى: (لَن تَرَانِي)، وعند شرح قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر). ولكن بسبب كثرة الروايات الضعيفة المدعية للرؤية تجاهل المثبتون للرؤية التفسير الصحيح لهاتين الآيتين وظاهر هذا الحديث.
وخلاصة الخلاصة:
? لقد تبين بعد وزن أدلة الفريقين بالميزان القسط ضعف رأي المثبتين لرؤية الله سبحانه وتعالى وذلك بسبب عدم تقيدهم بالقواعد والأسس التي تدعو إليها علوم الأمة الإسلامية.
? وتبين بعد عرض أدلة النافين لرؤية الله سبحانه وتعالى على علوم الأمة الإسلامية صواب أقوالهم وصحة رأيهم.
? والميزان القسط الذي يعترف بسلطانه المثبتون للرؤية والنافون لها هو الحَكَم العادل الذي احتكمنا إليه وقلنا بقوله كما تبين في هذا البحث. والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المصادر والمراجع
1. أبجد العلوم
صديق بن حسن القنوجي، دار ابن حزم ، بيروت ، ط1 ، 1423هـ-2002م.
2. الآحاد والمثاني (1/220)
صفحة 221
أحمد بن عمرو بن الضحاك أبو بكر الشيباني، تحقيق الدكتور باسم فيصل أحمد الجوابرة ، دار الراية ، الرياض ، ط1، 1411هـ-1991م. ضمن الموسوعة الذهبية – المرحلة الأولى – الإصدار الثاني ، 1422هـ-2001م.
3. الأحاديث الطوال
الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية ، بيروت – لبنان ، ط1، 1412هـ-1992م.
4. أحكام القرآن
الإمام الجصاص ، مراجعة صدقي محمد جميل، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1414هـ-1993م.
5. أحكام القرآن للشافعي
الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، جمعه الإمام أبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي ، توزيع دار الباز للنشر والتوزيع ، عباس أحمد الباز ، مكة المكرمة. عنى بشره ، وتصحيحه ووقف على طبعه دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، 1395هـ- 1975م.
6. أحوال الرجال للجوزجاني
أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي الجوزجاني، تحقيق الدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي، مكتبة دار الطحاوي ، الرياض، ط1، 1411ه-1990م.
7. الإصابة في تمييز الصحابة
أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد المعروف بابن حجر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، طبق النسخة المطبوعة سنة 1853م في بلدة كلكتا.
8. إعلام الموقعين عن رب العالمين
ابن قيم الجوزية ، مراجعة طه عبد الرؤوف سعد ، دار الجيل ، بيروت ، لبنان.
9. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن حجر
أحمد محمد شاكر ، مؤسسة الكتب الثقافية ، بيروت ، لبنان ، ط3، 1408هـ.
10. بداية المجتهد ونهاية المقتصد
أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد ابن رشد، دار الجيل ، بيروت. ومكتبة الكليات الأزهرية ، القاهرة. تحقيق طه عبد الرءوف سعد ، ط1، 1409هـ -1989م.
11. التاريخ الصغير
الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، إدارة ترجمان السنة ، لاهور ، 1402هـ- 1982م.
12. تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (1/221)
صفحة 222
الإمام الحافظ أبو العلى محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، ضبطه وراجع أصوله وصححه عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط3، 1399هـ-1979م.
13. تذكرة الحفاظ
أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي ، تصحيح عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان.
14. التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة
أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الحنبلي ، تحقيق محمد غياث الجنباز، دار عالم الكتب للنشر والتوزيع، الرياض ، ط2، 1406هـ-1986م.
15. تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس
الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، تحقيق الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري والأستاذ محمد أحمد عبد العزيز ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان، ط2، 1407هـ-1987 م.
16. تفسير ابن الجوزي ( زاد المسير في علم التفسير )
أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي ، تحقيق عبد الرزاق المهدي ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1، 1422هـ-2001م.
17. تفسير ابن عاشور ( التحرير والتنوير )
محمد الطاهر ابن عاشور ، مؤسسة التاريخ ، بيروت، لبنان ، ط1، 1420هـ-2000م.
18. تفسير ابن كثير
عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ، تصحيح لجنة من العلماء ، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان، ط4 ، 1983م.
19. تفسير أبي السعود ( إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم )
للقاضي أبي السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الحنفي، وضع حواشيه عبد اللطيف عبد الرحمن ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1، 1419هـ-1999م.
20. تفسير الألوسي ( روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني )
أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي ، ضبط وتصحيح علي عبد الباري عطية، منشورات محمد علي بيضون ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1، 1422هـ-2001م. (1/222)
صفحة 223
21. تفسير البحر المحيط
محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود وآخرون ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان، ط1، 1413هـ- 1993م.
22. تفسير البغوي ( المسمى معالم التنزيل )
الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت ، لبنان ، ط1 ، 1414هـ-1993م.
23. تفسير البيضاوي ( المسمى أنوار التنزيل وأسرار التأويل )
القاضي ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، منشورات محمد علي بيضون ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان، ط1، 1420هـ-1999م.
24. تفسير الثعالبي ( الجواهر الحسان في تفسير القرآن )
الشيخ عبد الرحمن بن مخلوف الثعالبي، تحقيق محمد الفاضلي ، المكتبة العصرية ، صيدا –بيروت ، لبنان ، ط1، 1417هـ-1997م.
25. تفسير الجلالين
جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، تدقيق ومراجعة الأستاذ مروان سوار، دار الجيل ، بيروت ، الطبعة الأولى 1418هـ - 1998 م.
26. تفسير الرازي ( التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب )
الإمام فخر الدين الرازي ، دار الكتب العلمية ، بيروت، لبنان ، ط1 ، 1411هـ - 1990م.
27. تفسير الزجاج ( معاني القرآن وإعرابه )
أبو إسحاق إبراهيم بن السري ، تحقيق عبد الجليل عبده شلبي ، عالم الكتب ، ط1، 1408هـ-1988م.
28. تفسير السمرقندي ( المسمى بحر العلوم )
أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي، تحقيق الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود والدكتور زكريا عبد المجيد النوتي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1، 1413هـ- 1993م.
29. تفسير الشوكاني ( فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير)
محمد بن علي بن محمد الشوكاني ، حققه وأخرج أحاديثه الدكتور عبد الرحمن عميره ، دار الوفاء ، المنصورة ، ط2 ، 1418هـ-1993 م.
30. تفسير الطبري ( جامع البيان عن تأويل آي القرآن ) (1/223)
صفحة 224
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، المكتبة الفيصلية ، مكة المكرمة.
31. تفسير القرطبي ( الجامع لأحكام القرآن )
أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت ، لبنان ، 1413هـ-1993م.
32. تفسير ( مراح لبيد لكشف معاني القرآن المجيد )
الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي ، ضبط وتصحيح محمد أمين الضناوي، منشورات علي بيضون ، دار الكتب العلمية، بيروت ، لبنان، ط1 ، 1417هـ-1997م.
33. تفسير المنار ( تفسير القرآن الحكيم )
الإمام محمد رشيد رضا ، دار الفكر ودار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان ، ط2.
34. تفسير النسفي
الإمام أبو البركات عبد الله بن أحمد من محمود النسفي ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
35. تفسير روح البيان
الإمام إسماعيل حقي البروسوي ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ،
36. تقريب التهذيب
الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط2، 1415هـ-1995م.
37. التتقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح
الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر العربي.
38. تلخيص الحبير تخريج أحاديث الرافعي الكبير
أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني ، تحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني المدني.
39. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
المحدث الإمام يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر المالكي القرطبي، تحقيق عبد الرزاق المهدي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان، ط1، 1420هـ- 2000م.
40. تهذيب التهذيب
أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1، 1415هـ-1994م.
41. تهذيب الكمال في أسماء الرجال
جمال الدين أبو الحجاج يوسف المزي ، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان، ط 1، 1418هـ-1998م. (1/224)
صفحة 225
42. جامع التحصيل في أحكام المراسيل
الحافظ صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الدار العربية للطباعة، من منشورات إحياء التراث الإسلامي، وزارة الأوقاف، الجمهورية العراقية، ط1، 1398هـ- 1978م.
43. الجرح والتعديل
أبو لبابة حسين ، دار اللواء للنشر والتوزيع، الرياض ، المملكة العربية السعودية، ط2 ، 1403هـ-1983 م.
44. الجهاد لابن المبارك
عبد الله بن المبارك، تحقيق نزيه حماد ، التونسية للنشر، تونس ، 1972م. ضمن الموسوعة الذهبية – المرحلة الأولى – الإصدار الثاني ، 1422هـ-2001م.
45. حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
ابن قيم الجوزية ، تحقيق محمد العلّاوي ، دار ابن رجب ، ط1، 1421هـ-2000م
46. حاشية ابن القيم على سنن أبي داود
ابن قيم الجوزية
مطبوع في حاشية عون المعبود، ضبط وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان ، الناشر المكتبة السلفية، ط3، 1399هـ-1979م.
47. حاشية إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين
أبو بكر عثمان بن محمد شطا الدمياطي البكري ، ضبط وتصحيح محمد سالم هاشم ، دار الكتب العلمية ، بيروت، لبنان ، ط2، 1422هـ-2002م.
48. حاشية السندي على البخاري ( صحيح البخاري بشرح السندي )
دار الحديث ، طبع بمطبعة دار إحياء الكتب العربية.
49. الحق الدامغ
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مطابع النهضة، مسقط ، سلطنة عمان، 1409هـ.
50. الدر المنثور في التفسير المأثور
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان، ط1، 1421هـ-2000م.
51. دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه
أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، تحقيق حسن السقاف ، دار الإمام النووي ، عَمان ، الأردن ، ط 4، 1421هـ-2000م.
52. الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج (1/225)
صفحة 226
عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، حقق أصله وعلق عليه أبو إسحاق الحويني الأثري، دار ابن عفان للنشر والتوزيع ، الخبر ، المملكة العربية السعودية ، ط1، 1416هـ-1996م.
53. رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها
الدكتور أحمد بن ناصر بن محمد آل حمد، سلسلة بحوث الدراسات الإسلامية ( 11 ) ، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى ، مكة المكرمة ، ط1 ، 1411هـ-1991م.
54. سنن أبي داود
أبو داود سليمان بن الأشعث، أشرف عليه ورقمه الدكتور بدر الدين جتين، موسوعة السنة ، الكتب الستة وشروحها، دار الدعوة ودار سحنون، ط2، 1413هـ- 1992م.
55. سنن ابن ماجه
أبو عبد الله محمد بن يزيد، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، موسوعة السنة ، الكتب الستة وشروحها، دار الدعوة ودار سحنون، ط2، 1413هـ- 1992م.
56. سنن البيهقي الكبرى ( كتاب السنن الكبرى )
الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، الناشر دار المعرفة، بيروت ، لبنان، ط1، بمطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية ، حيدر آباد ، الهند 1344هـ.
57. سنن الترمذي
أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، تحقيق إبراهيم عطوة عوض، موسوعة السنة ، الكتب الستة وشروحها، دار الدعوة ودار سحنون، ط2، 1413هـ- 1992م.
58. سنن الدارقطني
الحافظ الإمام علي بن عمر الدارقطني ، عالم الكتب ، ط3 ، 1413هـ - 1993م.
59. سنن الدارمي
أبو محمد عبد الله عبد الرحمن الدارمي، أشرف عليه ورقمه الدكتور بدر الدين جتين، موسوعة السنة ، الكتب الستة وشروحها، دار الدعوة ودار سحنون، ط2، 1413هـ- 1992م.
60. سنن النسائي الكبرى
الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1411هـ-1991م.
61. سير أعلام النبلاء
محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت ، لبنان ، ط11 ، 1422هـ-2001م. (1/226)
صفحة 227
62. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة
أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي، تحقيق الدكتور أحمد سعد حمدان، دار طيبة للنشر والتوزيع ، الرياض ، ط2، 1411هـ.
63. شرح فتح القدير
الإمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام الحنفي.
على الهداية شرح بداية المبتدي لبرهان الدين علي بن أبي بكر المرغياني.
دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.
64. شرح معاني الآثار
الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الطحاوي، تحقيق محمد زهري النجار ، دار الكتب العلمية ، بيروت، لبنان ، 1407هـ-1987م.
65. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية
إسماعيل بن حماد الجوهري ، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار ، دار العلم للملايين ، بيروت ، ط3، 1404هـ-1984م.
66. صحيح ابن خزيمة
أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ، تحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي ، بيروت ، لبنان، ط2، 1412هـ-1992م.
67. صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان
علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق شعيب الأرنؤوط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ، ط3، 1418هـ-1997م.
68. صحيح البخاري
أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان ، ط1، 1422هـ-2001م.
69. صحيح مسلم
الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان ،ط1، 1420هـ-2000م.
70. الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة
ابن قيم الجوزية، تحقيق الدكتور علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة للنشر والتوزيع ، ط3، 1418هـ-1998م.
71. ضعفاء العقيلي ( كتاب الضعفاء الكبير )
أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي المكي، تحقيق الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي، ط2، 1418هـ- 1998م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. (1/227)
صفحة 228
72. الضعفاء والمتروكين للنسائي
الإمام أحمد بن شعيب النسائي ، دراسة وتحقيق الشيخ عبد العزيز عز الدين السيروان، ضمن المجموع في الضعفاء والمتروكين ، دار القلم ، بيروت ، لبنان ، ط1، 1405هـ-1985م.
73. الطب النبوي
محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي ابن قيم الجوزية، مراجعة عبد الغني عبد الخالق.
74. طبقات الشافعية
تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو ومحمود محمد الطناحي ، دار إحياء الكتب العربية.
75. طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها
الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ، تحقيق الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان ، ط1، 1409هـ- 1989م.
76. العلل الواردة في الأحاديث النبوية
الشيخ الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني، تحقيق وتخريج الدكتور محفوظ الرحمن زين الله السلفي، دار طيبة، ط1، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1405هـ-1985م.
77. علم الحديث لابن تيمية
ابن تيمية ، دار الكتب العلمية ، بيروت، لبنان، ط1، 1405هـ-1985م.
78. العلو للعلي الغفار
الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن قايماز الذهبي، قدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه حسن بن علي السقاف، دار الإمام النووي ، عَمّان ، الأردن، ط1، 1419هـ-1998م.
79. عمدة القارئ شرح صحيح البخاري
بدر الدين أبو بكر محمد محمود بن أحمد العيني ، ضبط وتصحيح عبد الله محمود محمد عمر ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1، 1421هـ- 2001م.
80. عون المعبودشرح سنن أبي داود
العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي ، ضبط وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان ، الناشر المكتبة السلفية ، ط3، 1399هـ-1979م.
81. الفتاوى الكبرى
أحمد بن تيمية ،جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي، الطبعة الأولى، 1398هـ. (1/228)
صفحة 229
82. فتح الباري بشرح صحيح البخاري
الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار الفكر ، بيروت، لبنان،1414هـ- 1993م.
83. الفصل في الملل والأهواء والنحل
ابن حزم الظاهري الأندلسي، مكتبة السلام العالمية
84. قصص الأنبياء
الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير ، تحقيق محمد أحمد عبد العزيز، دار الحديث، القاهرة.
85. الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة
الإمام الذهبي ، مراجعة وضبط لجنة من العلماء ، دار الكتب العلمية ، بيروت، لبنان ، ط1، 1403هـ- 1983م.
86. كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل
أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ، تحقيق الدكتور عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان ، مكتبة الرشد ، الرياض ،المملكة العربية السعودية ، ط6، 1418هـ-1997م.
87. كتاب الرؤية
أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ، تحقيق إبراهيم محمد العلي و أحمد فخري الرفاعي ، مكتبة المنار ، الزرقاء ، الأردن ، ط1، 1411هـ-1990م.
88. الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث
برهان الدين الحلبي ، تحقيق السيد صبحي البدري السامرائي، عالم الكتب ،بيروت، لبنان، ط 2 ، 1416هـ-1996م.
89. لسان العرب
ابن منظور ، نسقه وعلق عليه علي شيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت ، لبنان، ط1، 1408هـ-1988م.
90. لسان الميزان
الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الفكر ، بيروت، لبنان، 1414هـ- 1993م.
91. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد
الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط3، 1402هـ-1982م.
92. مجموعة الرسائل والمسائل النجدية
لبعض علماء نجد الأعلام، دار العاصمة، الرياض ، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى 1349هـ، النشرة الثالثة 1412م.
93. مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة
محمد بن الموصلي، منشورات محمد علي بيضون ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان. (1/229)
صفحة 230
94. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
علي بن سلطان محمد القاري ، تحقيق جمال عيتاني ، دار الكتب العلمية، بيروت ، لبنان ، ط1، 1422هـ-2001م.
95. مسألة الرؤية ( رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة تخريج أحاديث الرؤية )
حسن بن علي السقاف، دار الإمام النووي، عَمّان ،الأردن، ط1، 1423هـ-2002 م.
96. المستدرك على الصحيحين
أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية ، بيروت، لبنان ، ط1 ، 1411هـ-1990م.
97. المستصفى في علم الأصول
الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي، المكتبة التجارية الكبرى ، مصر ، ط1، 1356هـ-1937م
98. مسند أبي يعلى الموصلي
الإمام الحافظ أحمد بن علي بن المثنى التميمي، تحقيق حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط1، 1404هـ-1984م.
99. مسند إسحاق بن راهويه
الإمام إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي، تحقيق الدكتور عبد الغفور عبد الحق البلوشي، توزيع مكتبة الإيمان ، المدينة المنورة ، المملكة العربية السعودية، ط1، 1412هـ-1991م.
100. مسند الإمام أحمد بن حنبل
الإمام أحمد بن حنبل ، بيت الأفكار الدولية ، الرياض ، 1419هـ-1998م.
101. مسند الحارث ( زوائد الهيثمي )
الحارث بن أبي أسامة، تحقيق د.حسين أحمد صالح الباكري، دار خدمة السنة، المدينة المنورة، ط1، 1413هـ-1992م. ضمن الموسوعة الذهبية – المرحلة الأولى – الإصدار الثاني ، 1422هـ-2001م.
102. مسند الشاميين
الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، مؤسسة الرسالة، ط1، 1416هـ-1997م.
103. مسند الطيالسي
الحافظ أبو داود سليمان بن داود الطيالسي، الناشر دار الكتاب اللبناني ودار التوفيق، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد ، الهند، 1321هـ.
104. مسند عبد بن حميد ( المنتخب من مسند عبد بن حميد ) (1/230)
صفحة 231
أبو محمد عبد بن حميد ، تحقيق السيد صبحي البدري السامرائي ومحمود محمد خليل الصعيدي، عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية، ط1، 1408هـ- 1988م.
105. مصنف ابن أبي شيبة في الأحاديث والآثار
الحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي العبسي ، ضبط وتعليق الأستاذ سعيد اللحام، دار الفكر ، بيروت، لبنان، ط1، 1409هـ-1989م.
106. مصنف عبد الرزاق
أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق الأستاذ نظير الساعدي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1، 1423-2002 م.
107. المعتمد في أصول الفقه
أبو الحسن محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي، تقديم الشيخ خليل الميس، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1، 1403هـ-1983م.
108. المعجم الأوسط
أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، تحقيق أيمن صالح شعبان وسيد أحمد إسماعيل ، دار الحديث، القاهرة ، ط1، 1417هـ - 1996م.
109. المعجم الصغير
أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، تقديم وضبط كمال يوسف الحوت، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت ، لبنان ، ط1، 1406هـ-1986م.
110. المعجم الكبير
الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، مطبعة الأمة ، بغداد ، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ، إحياء التراث الإسلامي- 31 .
111. المعجم الوسيط
أخرجه: إبراهيم مصطفى وأحمد حسن الزيات وحامد عبد القادر ومحمد علي النجار، المكتبة الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع ، استنبول، تركيا.
112. المغني في الضعفاء
الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق أبي الزهراء حازم القاضي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان، ط1، 1418هـ-1997م.
113. المفردات في غريب القرآن
الراغب الأصفهاني، ضبطه وراجعه محمد خليل عيتاني، دار المعرفة ، بيروت، لبنان، ط1، 1418هـ-1998م. (1/231)
صفحة 232
114. المنتقى لابن الجارود(المنتقى من السنن المسندة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)
الإمام ابن الجارود، تحقيق لجنة من العلماء، دار القلم، بيروت، لبنان، ط1، 1407هـ-1987م.
115. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
الإمام محيي الدين النووي، تحقيق الشيخ خليل مأمون شيحا، دار المعرفة ، بيروت، لبنان، ط3، 1417هـ- 1996م.
116. ميزان الاعتدال
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ، تحقيق علي محمد البخاري، دار الفكر.
117. نصب الراية تخريج أحاديث الهداية
جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي.
مع الهداية شرح بداية المبتدي للإمام برهان الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني الحنفي.
تحقيق أحمد شمس الدين ، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1، 1416هـ- 1996م
الفهرس
المقدمة 3
القسم الأول: المنهج بين الدعوة والتطبيق 5
كتب التفسير 5
1- رأي الإمام الطبري في الميزان 5
2 – المنهج والتطبيق عند الإمام ابن كثير 5
3- منهج الأستاذ محمد رشيد رضا في دراسة القضايا الإسلامية 5
هل طبق الأستاذ محمد رشيد رضا منهجه على روايات رؤية الله سبحانه وتعالى؟ 5
4- المنهج والتطبيق عند مفسرين آخرين 5
كتب شروح الحديث 5
1- المنهج والتطبيق عند الإمام النووي 5
2-المنهج والتطبيق عند الحافظ ابن حجر 5
كتب العقيدة 5
1-المنهج والتطبيق عند ابن خزيمة 5
هل طبق ابن خزيمة هذه الأقوال على روايات رؤية الله سبحانه وتعالى التي رواها في كتابه؟ 5
2- كتاب الرؤية المنسوب إلى الدارقطني في الميزان 5
3- شرح ابن أبي العز للعقيدة الطحاوية بين المنهج والتطبيق 5
4- (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) بين المنهج والتطبيق 5
هل طُبق المنهج على روايات رؤية الله سبحانه وتعالى؟ 5
5- المنهج والتطبيق عند الدكتور أحمد بن ناصر آل حمد 5
ملخص القسم الأول: 5
القسم الثاني: روايات رؤية الله سبحانه وتعالى في الميزان 5 (1/232)
صفحة 233
روايات في تفسير قوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) 5
أولاً : روايات المثبتين للرؤية 5
1- الرواية المرفوعة من طريق عبد الله بن عمر رضي الله عنهما 5
2- الرواية المنسوبة إلى عكرمة مولى ابن عباس 5
3- الرواية المنسوبة إلى الحسن البصري 5
4- الرواية المنسوبة إلى عطية العوفي 5
ثانياً: رواية النافين لرؤية الله سبحانه وتعالى 5
التفسير المروي عن مجاهد بن جبر 5
فما هي منزلة تفاسير مجاهد بن جبر في علم التفسير؟ 5
معنى رواية عمار بن ياسر التي فيها: ( ... وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ...) 5
روايات في تفسير قوله تعالى: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) وقوله تعالى:(وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) 5
أولاً : روايات المثبتين للرؤية 5
1-الرواية المرفوعة من طريق صهيب رضي الله عنه 5
2- الرواية المرفوعة من طريق كعب بن عجرة رضي الله عنه 5
3- الرواية المرفوعة من طريق أبي بن كعب 5
4- الرواية المرفوعة من طريق أنس بن مالك والتي جاء فيها تفسير قوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) برؤية العباد لله تعالى. 5
5- الرواية المرفوعة من طريق الإمام علي كرم الله وجهه 5
6- الرواية المرفوعة من طريق أبي موسى الأشعري 5
7- الرواية المنسوبة إلى أبي بكر الصديق 5
8- الرواية المنسوبة إلى حذيفة بن اليمان 5
9- الرواية المنسوبة إلى الحسن البصري 5
10- الرواية المنسوبة إلى أبي إسحاق السبيعي 5
11- الرواية المنسوبة إلى عبد الرحمن بن سابط 5
ثانياً: رواية النافين للرؤية 5
رواية الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه 5
روايات في تفسير قوله تعالى:(كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) 5
أولاً: روايات مثبتي رؤية الله سبحانه وتعالى 5
1- التفسير المنسوب إلى الإمام مالك بن أنس 5
2- التفسير المنسوب إلى الإمام الشافعي 5
3- الرواية المرفوعة من طريق عدي بن حاتم رضي الله عنه 5 (1/233)
صفحة 234
ثانياً: رواية النافين للرؤية 5
الرواية المرفوعة من طريق أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري 5
روايات وأقوال المفسرين لقوله تعالى:(لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) ولقوله تعالى: (لَن تَرَانِي) 5
أولاً: تفسير قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) بمعنى لا تراه الأبصار 5
رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها 5
ثانياً: روايات من فسر (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) بمعنى لا تحيط به الأبصار، والروايات الواردة في رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه سبحانه وتعالى. 5
1- رواية منسوبة إلى ابن عباس 5
2- رواية منسوبة إلى قتادة بن دعامة 5
3- رواية منسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما 5
4- رواية منسوبة إلى ابن عباس 5
5- رواية منسوبة إلى ابن عباس 5
6- رواية منسوبة إلى عكرمة مولى ابن عباس 5
7- رواية منسوبة إلى ابن عباس 5
8- رواية منسوبة إلى ابن عباس 5
9- رواية منسوبة إلى ابن عباس 5
10 – رواية منسوبة إلى ابن عباس 5
11- رواية منسوبة إلى ابن عباس 5
12- رواية منسوبة إلى ابن عباس 5
13- رواية منسوبة إلى ابن عباس 5
14- رواية منسوبة إلى الحسن البصري 5
ثالثاً : تناقض آراء المثبتين للرؤية في فهم قوله تعالى:(لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) 5
رابعاً: قراءة في تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي) 5
خامساً: الرواية التي جاء فيها " وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا " 5
رواية الصورة التي جاء فيها:(قال أناس يا رسولَ اللّه، هل نرى ربَّنا يومَ القيامة؟) 5
أولاً: أقوال الشراح حول هذه الرواية 5
1- التأويلات 5
2- الاحتمالات التي لا أصل لها من كتاب ولا من سنة: 5
3- بأي شيء تتم رؤية الله سبحانه وتعالى عند المثبتين؟ 5
4- من الذي يُرى؟ 5
5- الأسباب التي تمنع من رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا: 5
6- من الذي يَرى؟ 5
7- المدة الزمنية للرؤية 5
8- هل للمرئي جهة؟ 5 (1/234)
صفحة 235
9- تساؤلات: 5
ثانياً: طريقان آخران لرواية الصورة 5
الرواية المنسوبة إلى جرير بن عبد الله من طريق قيس بن أبي حازم 5
الرواية المنسوبة إلى أبي رزين العقيلي من طريق حماد بن سلمة ووكيع بن حدس 5
خلاصة القسم الثاني 5
خاتمة البحث 5
المصادر والمراجع 5
الفهرس 5 (1/235)