صفحة 1
الكتاب: النفاق لـ؟؟ بسم الله الرحمن الرحيم
النفاق
تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين؛ لعلمهم بدقة وجله وتفاصيله وجمله، ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين، قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما: "يا حذيفة، نشدتك بالله، هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا. ولا أزكي بعدك أحدا ".
ظاهرة النفاق وأثره على الفرد والمجتمع
النفاق.. هذا المرض الفتاك الذي يفتك بقلب المرء فتكا ويقلبه عن دينه قلبا ويهوي به في قاع جهنم هويا. نسأل الله تعالى العفو والعافية.. قال الله تعالى: " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد (207) " [البقرة].
في هذه الآيات يوضح لنا ربنا سبحانه وهو العليم بخلقه، والخبير بهم صنفين من الناس:
الصنف الأول: منافق يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام.
والصنف الآخر: هو من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، ويتمثل ذلك في أنه إما أن يبيع نفسه في القتال فيكون شهيدا، وإما أن يستبقيها استبقاء يكون فيه الخير لمنهج الله.
(والله لا يحب الفساد ) لا يرتضيه، فاحذروا غضبه عليه.
(وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم ) حملته الأنفة وحمية الجاهلية على الاثم الذي يؤمر باتقانه لجاجا، من قولك: أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه.
(فحسبه جهنم ) كفته جزاء وعذابا، وجهنم علم لدار العقاب وهو في الأصر مرادف للنار. وقيل: معرب.
(ولبئس المهاد ) جواب قسم مقدر، والمخصوص بالذم محذوف للعلم به، والمهاد الفراش. وقيل ما يوطأ للجنب.
( (1/1)
صفحة 2
ومن الناس من يشرى نفسه ) يبيعها أي يبذلها في الجهاد، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل.
(ابتغاء مرضات الله ) طلبا لرضاه.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل [ 1/113، 114].
وقال ابن القيم: أما النفاق فالداء العضال الباطن، الذي يكون الرجل ممتلئا منه، وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي على الناس، وكثيرا ما يخفي على من تلبس به، فيزعم أنه مصلح وهو مفسد.
وهو نوعان: أكبر، وأصغر.
فالأكبر: يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به. لا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولا للناس، يهديهم بإذنه، وينذرهم بأسه، ويخوفهم عقابه.
وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن، وجلى لعباده أمورهم. ليكونوا منها ومن أهلها على حذر. وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين، والكفار، والمنافقين. فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية؛ لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا؛ لأنهم منسوبون إليه، وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب، يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد.
فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه؟ ! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه؟ ! وكم من علم له طمسوه؟ ! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه؟ ! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها؟ ! وكم عموا عيون موارده بآرائهم، ليدفنوها، ويقطعوها؟ !
فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية. ويزعمون أنهم بذلك مصلحون (ألآ إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) [البقرة: 12].
(يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم والله متم نوره ولو كره الكفرون ) [الصف: 8]. (1/2)
صفحة 3
مدارج السالكين [1/387، 388].
وقال ه في موضع آخر:
تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين؛ لعلمهم بدقة وجله وتفاصيله وجمله، ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين، قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما: "يا حذيفة، نشدتك بالله، هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا. ولا أزكي بعدك أحدا ".
وقال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل " ذكره البخاري.
وذكر عن الحسن البصري: "ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن ".
ولقد ذكر عن بعض الصحابة أنه كان يقول في دعائه: " اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق. قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع ".
تالله لقد ملئت قلوب القوم إيمانا ويقينا، وخوفهم من النفاق شديد. وهمهم لذلك ثقيل، وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، وهم يدعون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل.
زرع النفاق ينبت على ساقيتين: ساقية الكذب، وساقية الرياء، ومخرجهما من عينين: عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة. فإذا تمت هذه الأركان الأربع استحكم نبات النفاق وبنيانه. ولكنه بمدارج السيول على شفا جرف هار. فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر، وكشف المستور، وبعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق أن حواصله التي حصلها كانت كالسراب ( يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب ) [النور: 39].
قلوبهم عن الخيرات لاهية، وأجسادهم إليها ساعية، والفاحشة في فجاجهم فاشية؛ وإذا سمعوا الحق، كانت قلوبهم عن سماعه قاسية. وإذا حضروا الباطل وشهدوا الزور انفتحت أبصار قلوبهم، وكانت آذانهم واعية. (1/3)
صفحة 4
فهذه – والله- أمارات النفاق. فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية. إذا عاهدوا لم يفوا. وإن وعدوا أخلفوا، وإن قالوا لم ينصفوا، وإن دعوا إلى الطاعة وقفوا، وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدفوا. وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا، فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان، والخزى والخسران، فلا تثق بعهودهم، ولا تطمئن إلى وعودهم فإنهم فيها كاذبون، وهم لما سواها مخالفون (ومنهم من عهد الله لئن ءاتنا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصلحين (75) فلما ءاتهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) [التوبة].
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".
أخرجه الخاري [33]، ومسلم [59] وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". أخرجه البخاري [34] واللفظ له، ومسلم [58].
4- خصال النفاق
عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع من كن فيه كان منافقا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر " خرجه البخاري ومسلم. (1/4)
صفحة 5
فالحديث ثابت عنه صلى الله عليه وآله وسلم لا شك في ثبوته وصحته والذي فسره به أهل العلم المعتبرون أن النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين: أحدهما النفاق الأكبر وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخر أن أهله في الدرك الأسفل من النار، والثاني النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة ويبطن ما يخالف ذلك. وأصول هذا النفاق يرجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث وهي خمس: أحدها أن يحدث بحديث لم يصدق به وهو كاذب له، وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت به كاذب " قال الحسن: كان يقال: النفاق اختلاف السر والعلانية والقول والعمل والمدخل والمخرج، وكان يقال: أس النفاق الذي بنى عليه الكذب. والثاني إذا وعد أخلف وهو على نوعين: أحدهما أن يعد ومن نيته أن لا يوفى بوعده، وهذا أشر الخلق، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى ومن نيته أن لا يفعل كان كذبا وخلفا، قاله الأوزاعي. الثاني أن يعد ومن نيته أن يفي ثم يبدو له فيخلف من غير عذر له في الخلف. وخرج أبو داود والترمذي من حديث زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا وعد الرجل ونوى أن يفي به فلم يف فلا جناح عليه " وقال الترمذي: ليس إسناده بالقوى. (1/5)
صفحة 6
وخرج الإسماعيل وغيره من حديث سلمان أن عليا لقى أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فقال: مالي أراكما ثقلين قالا: حديث سمعناه من النبي صلى الله عليه وسلم ذكر خلال المنافق " إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان " فأين ينجو من هذه الخصال؟ فدخل على على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: قد حدثتهما ولم أضعه على الموضع الذي تضعونه، ولكن المنافق إذا حدث وهو يحدث نفسه أن يكذب، وإذا وعد وهو يحدث نفسه أن يخلفه، وإذا اؤتمن وهو يحدث نفسه أن يخون. ويروى من حديث ابن مسعود قال " لا يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز له قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " العدة عطية ". وذكر الزهرى عن أبي هريرة قال: من قال لصبي تعال هاك تمرا ثم لا يعطيه شيئا فهي كذبة. وقد اختلف العلماء في وجوب الوفاء بالوعد، فمنهم من أوجبه مطلقا. وذكر البخاري في صحيحه أن ابن اشوع قضى بالوعد وهو قول طائفة من أهل الظاهر وغيرهم. منهم من أوجب الوفاء به إذا اقتضى نفعا للموعود. وهو المحكى عن مالك وكثير من الفقهاء لا يوجبونه مطلقا. والثالث إذا خاصم فجر: ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدا حتى يصير الحق باطلا والباطل حقا، وهذا مما يدعو إليه الكذب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار ". وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم". وقال صلى الله عليه وسلم " إنكم لتختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضى على نحو مما أسمع، فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه، إنما أقطع له قطعة من النار ". (1/6)
صفحة 7
وقال صلى الله عليه وسلم " إن من البيان لسحرا " فإذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا على أن ينتصر للباطل، ويخيل للسامع أنه حق ويوهن الحق ويخرجه في صورة الباطل كان ذلك من أقبح المحرمات وأخبث خصال النفاق. وفي سنن أبي داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع " وفي رواية له أيضا " ومن أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله ".
الرابع إذا عاهد غدر ولم يف بالعهد، وقد أمر الله بالوفاء بالعهد فقال – وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا – وقال – وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا – وقال – إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم -.
وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به. وفي رواية " إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: ألا هذه غدرة فلان " وخرجاه أيضا من حديث أنس بمعناه. وخرج مسلم من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لكل غادر لواء عند إسته يوم القيامة " والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره ولو كان المعاهد كافرا. ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم " من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما " خرجه البخاري. وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئا. وأما عهود المسلمين فيما بينهم فالوفاء بها اشد ونقضها أعظم إثما. (1/7)
صفحة 8
ومن أعظمها نقض عهد الإمام على من تابعه ورضى به. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولم عذاب أليم، فذكر منهم: ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفي له وإلا لم يف له " ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغدر في جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها وكذلك ما يجب الوفاء به لله عز وجل مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه. الخامس الخيانة في الأمانة، فإذا اؤتمن الرجل أمانة فالواجب عليه أن يردها، كما قال تعالى – إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها – وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أد الأمانة إلى من ائتمنك " وقال في خطبته في حجة الوداع " من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها " قال الله عز وجل – يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون – فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق. وفي حديث ابن مسعود من قوله وروى مرفوعا " القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له أد أمانتك، فيقول: من أين يا رب وقد ذهبت الدنيا، فيقول: اذهبوا به إلى الهاوية فيهوى به حتى ينتهي إلى قعرها، فيحدها هناك كهيئتها فيحملها فيضعها على عنقه فيصعد بها في نار جهنم حتى إذا رأى أنه قد خرج منها زلت فهوى، فيهوى هو في أثرها أبد الآبدين " قال: والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشد من ذلك الودائع. (1/8)
صفحة 9
وقد روى عن محمد بن كعب القرظى أنه استنبط ما في هذا الحديث أعنى حديث " آية المنافق ثلاث " من القرآن وقال: مصداق ذلك في كتاب الله تعالى – إذا جاءك المنافقون – إلى قوله – والله يشهد إن المنافقين لكاذبون – وقال تعالى – ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن – إلى قوله – فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون – وقال – إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال – إلى قوله – ليعذب الله المنافقين والمنافقات – وروى عن ابن مسعود نحو هذا الكلام، ثم تلا قوله – فأعقبهم نفاقا في قلوبهم – الآية. وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن. وقال الحسن أيضا: من النفاق اختلاف القلب واللسان واختلاف السر والعلانية واختلاف الدخول والخروج. وقال طائفة من السلف: خشوع النفاق أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع. وقد روى معنى ذلك عن عمر. وروى عنه أنه قال على المنبر: إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم، قالوا: كيف يكون المنافق علما، قال: يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور، أو قال: المنكر. وسئل حذيفة عن المنافق فقال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل به. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أنه قيل له: إنا ندخل على سلطاننا فنقول له بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عنده، قال: كنا نعد هذا نفاقا. وفي المسند عن حذيفة قال: إتكم لتكلمون كلاما إن كنا لنعده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النفاق. وفي رواية قال: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه سولم يصير بها منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم أو في المجلس عشر مرات. قال بلال بن سعد: المنافق يقول ما يعرف ويعمل ما ينكر. ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم، وكان عمر يسأل حذيفة عن نفسه. (1/9)
صفحة 10
وسئل أبو رجاء العطاردي: هل أدركت من أدركت من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يخشون النفاق؟ فقال: نعم إني أدركت بحمد الله صدرا حسنا نعم شديدا نعم شديدا. وقال البخاري في صحيحه: وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه. ويذكر عن الحسن قال: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق انتهى. وروى عن الحسن أن حلف: ما مضى مؤمن قط ولا بقى إلا وهو من النفاق غير آمن، وما مضى منافق قط ولا بقى إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق. وسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق في صلاته، فلما سلم قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: اللهم اغفر لي ثلاثا لا تأمن البلاء، والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه. والآثار عن السلف في هذا كثيرة جدا. قال سفيان الثورى خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث، فذكر منها قال: نحن نقول نفاق وهم يقولون لا نفاق. وقال الأوزاعي: قد خاف عمر النفاق على نفسه، قيل له إنهم يقولون إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقا حتى سأل حذيفة، ولكن خاف أن يبتلى بذلك قبل أن يموت، قال: هذا قول أهل البدع، يشير إلى أن عمر كان يخاف النفاق على نفسه في الحال، والظاهر أنه أراد أن عمر كان يخاف على نفسه في الحال من النفاق الأصغر، والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي تزيد الكفر، وكما يخشى على من أصر على المعصية أن يسلب الإيمان عند الموت، كذلك يخشى على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان فيصير منافقا خالصا. وسئل الإمام أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ قال: ومن يأمن على نفسه النفاق؟ وكان الحسن يسمى من ظهرت منه أوصاف النفاق العملي منافقا. وروى نحوه عن حذيفة وقال الشعبي: من كذب فهو منافق. (1/10)
صفحة 11
وحكى محمد بن نصر المروزي هذا القول عن فرقة من أهل الحديث، وقد سبق في أوائل الكتاب ذكر الاختلاف عن الإمام أحمد وغيره في مرتكب الكبائر هل يسمى كافرا كفرا لا ينقل عن الملة أم لا؟ واسم الكفر أعظم من اسم النفاق، ولعل هذا هو الذي أنكره عطاء علي الحسن إن صح ذلك عنه.
ومن أعظم خصال النفاق العملي أن يعمل الإنسان عملا ويظهر أنه قصد به الخير وإنما عمله ليتوصل به إلى غرض له سيئ فيتم له ذلك ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه ويفرح بمكره وخداعه وحمد الناس له على ما أظهره ويتوصل به إلى غرضه السيئ الذي أبطنه، وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود. فحكى عن المنافقين أنهم – اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون – وأنزل في اليهود – ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم – وهذه الآية نزلت في اليهود سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك وفرحوا بما أوتوا م كتمانهم وما سئلوا عنه، قال ذلك ابن عباس وحديثه مخرج في الصحيحين. وفيهما أيضا عن أبي سعد أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو وتخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلافه فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من غشنا فليس منا، والمكر الخديعة في النار ". وقد وصف الله المنافقين بالمخادعة، ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله:
ليس دنيا إلا بدين وليس.. الدين إلا مكارم الأخلاق
إنما المكر والخديعة في النار.. وهما من خصال أهل النفاق (1/11)
صفحة 12
ولما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقا، كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدى " أنه مر به أبو بكر رضي الله عنه وهو يبكي فقال مالك؟ قال نافق حنظلة: يا أبا بكر نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنما رأى العين. فإذا رجعنا عافنا الأزواج والصبية فنسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله أنا لكذلك. فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مالك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة يا رسول الله، وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم. ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ". وفي مسند البزار عن أنس قال " قالوا يا رسول الله إنا نكون عندك على حال، فإذا فارقناك كنا على غيره، قال: كيف أنتم؟ قالوا: الله ربنا في السر والعلانية. قال: ليس ذاكم من النفاق " وروى من وجه آخر عن أنس قال غدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هلكنا، قال: وما ذاك؟ قالوا: النفاق، قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ قالوا بلى، قال: فليس ذاك بالنفاق " ثم ذكر، يعني حديث حنظلة كما تقدم.
أهم صفات النفاق
1 – الشخ والبخل: - (1/12)
صفحة 13
وأعلم أن الأحاديث في ذم الشح والبخل كثيرة والآيات القرآنية كقوله تعالى – الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل – ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه – ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم – ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون – وفي الحديث " ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه " أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه زيادة. وفي الدعاء النبوي " اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، إلى قوله: والبخل " أخرجه الشيخان، وقال صلى الله عليه وسلم " شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع " أخرجه البخاري في التاريخ وأبو داود عن أبي هريرة مرفوعا، والآثار فيه كثيرة. فان قلت: وما حقيقة البخل المذموم وما من أحد إلا وهو يرى نفسه أنه غير بخيل ويرى غيره بخيلا، وربما صدر فعل من إنسان فاختلف فيه الناس، فيقول جماعة إنه بخيل، ويقول آخرون ليس بخيلا فماذا حد البخل الذي يوجب الهلاك، وما حد البذل الذي يستحق العبد به صفة السخاوة وثوابها. قلت: السخاء: هو أن يؤدى ما أوجب الله عليه، والواجب واجبان: واجب الشرع وهو ما فرضه الله تعالى من الزكاة والنفقات لمن يجب عليه انفاقه وغير ذلك، وواجب المروءة والعادة. والسخي: هو الذي لا يمنع اجب الشرع ولا واجب المروءة، فان منع واحدا منهما فهو بخيل، لكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل، فمن أعطى زكاة ماله مثلا ونفقة عياله بطيبة نفسه ولا يتيمم الخبيث من ماله في حق الله فهو سخي والسخاء في المروءة أن يترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات، فان ذلك مستقبح ويختلف استقباحه باختلاف الأحوال والأشخاص وتفصيله يطول، فمن أراد استيفاء ذلك راجع الإحياء للإمام الغزالي. (1/13)
صفحة 14
واعلم أن البخل داء له دواء: وما أنزل الله من داء إلا وله دواء. وداء البخل سببه أمران الأول حب الشهوات التي لا يتوصل إليها إلا بالمال وطول الأمل. والثاني حسب ذات المال والشغف به وببقائه لديه فان الدنانير مثلا رسول تنال به الحاجات والشهوات فهو محبوب لذلك ثم صار محبوبا لنفسه لأن الموصل إلى اللذات لذيذ فقد ينسى الحاجات والشهوات وتصير الدنانير عنده هي المحبوبة، وهذا غاية الضلال فانه لا فرق بين الحجر وبين الذهب إلا من حيث إنه تقضى به الحاجات، فهذا سبب حب المال ويتفرع منه الشح وعلاجه بضده، فعلاج الشهوات القناعة باليسير وبالصبر وعلاج طول الأمل الإكثار من ذكر الموت وذكر موت الأقران والنظر في ذكر طول تعبهم في جمع المال ثم ضياعه بعدهم وعدم نفعة لهم، وقد يشح بالمال شفقة على من بعده من الأولاد، وعلاجه أن يعلم أن الله هو الذي خلقهم فهو يرزقهم وينظر في نفسه فانه ربما لم يخلف له أبوه فلسا ثم ينظر ما أعد الله عز وجل لمن ترك الشح وبذل من ماله في مرضاة الله وينظر في الآيات القرآنية الحاثة على الجود المانعة عن البخل، ثم ينظر في عواقب البخل في الدنيا فانه لا بد لجامع المال من آفات تخرجه على رغم أنفه، فللسخاء خير كله ما لم يخرج إلى حد الإسراف المنهى عنه، وقد أدب الله عباده أحسن الآداب فقال – والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما – فخيار الأمور أوسطها. وخلاصته أنه إذا وجد العبد المال أنفقه في وجوه المعروف بالتي هي أحسن ويكون بما عند الله أوثق منه بما هو لديه، وإن لم يكن مال لزم القناعة والتكفف وعدم الطمع.
2 – الرياء
( (1/14)
صفحة 15
وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه ) هو محمود بن لبيد الأنصاري الأشهلى. ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث عنه أحاديث. قال البخاري: له صحبة وقال أبو حاتم: لا تعرف له صحبه، وذكره مسلم في التابعين. قال ابن عبد البر: الصواب قول البخاري وهو أحد العلماء، مات سنة ست وتسعين ( قال: قال رسول الله صلى الله عليه سولم: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ) كأنه قيل ما هو؟ فقال صلى الله عليه وسلم ( الرياء. أخرجه أحمد باسناد حسن ) الرياء مصدر راءى ومصدره يأتي على بناء مفاعلة وفعال وهو مهموز العين لأنه من الرؤية ويجوز تخفيفها بقلبها ياء، وحقيقته لغة أن يرى غيره خلاف ما هو عليه وشرعا أن يفعل الطاعة ويترك المعصية مع ملاحظة غير الله أو يخبر بها أو يحب أن يطلع عليها لمقصد دنيوي من مال أو نحوه. وقد ذمه الله في كتابه وجعله من صفات المنافقين في قوله – يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا – وقال – فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا – وقال – فويل للمصلين – إلى قوله – الذين هم يراءون – وورد فيه من الأحاديث الكثيرة الطيبة الدالة على عظمة عقاب المرائى فإنه في الحقيقة عابد لغير الله. وفي الحديث القدسي " يقول الله تعالى من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا عنه بريء وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك ": (1/15)
صفحة 16
واعلم أن الرياء يكون بالبدن وذلك بإظهار النحول والاصفرار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد والحزن على أمر الدين وخوف الآخرة وليدل بالنحول على قلة الأكل وبتشعث الشعر ودون الثوب يوهم أن همه بالدين ألهاه عن ذلك، وأنواع هذا واسعة، وهو معنى أنه من أهل الدين ويكون في القول بالوعظ في المواقف ويذكر حكايات الصالحين ليدل على عنايته بأخبار السلف وبتحره في العلم، ويتأسف على مقاومة الناس للمعاصي والتأوه من ذلك والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحضرة الناس، والرياء بالقول لا تنحصر أبوابه، وقد تكون المراءاة بالأصحاب والأتباع والتلاميذ، فيقال فلان متبوع قدوة: والرياء باب واسع إذا عرفت ذلك فبعض أبواب الرياء أعظم من بعض لاختلافه باختلاف أركانه وهي ثلاثة: المرائي به والمراءى لأجله ونفس قصد الرياء فقصد الرياء لا يخلو من أن يكون مجردا عن قصد الثوب أو مصحوبا بإرادته، والمصحوب بإرادة الثواب لا يخلو عن أن تكون إرادة الثواب أرجح أو أضعف أو مساوية فكانت أربع صور: الأولى أن لا يكون قصد الثواب بل فعل الصلاة مثلا ليراه غيره، وإذا انفرد لا يفعلها وأخرج الصدقة لئلا يقال أنه بخيل، وهذا أغلظ أنواع الرياء وأخبثها وهو عبادة للعباد: الثانية قصد الثواب لكن قصدا ضعيفا بحيث أنه لا يحمله على الفعل إلا مراءاة العباد لكنه قصد الثواب فهذا كالذي قبله الثالثة تساوى القصد بحيث لم يبعثه على الفعل إلا مجموعهما لو خلى عن كل واحد منهما لم يفعله فهذا تساوى صلاح قصد ه وفساده، فلعله يخرج رأسا برأس لا له ولا عليه. الرابعة أن يكون اطلاع الناس مرجحا أو مقويا لنشاطه ولو لم يكن لما ترك العبادة. قال الغزالي: والذي نظنه والعلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب ولكنه ينقص ويعاقب على مقدار قصد الرياء، ويثاب على مقدار قصد الثواب، وحديث " أنا أغنى الأغنياء عن الشرك " محمول على ما إذا تساوى القصدان أو أن قصد الرياء أرجح. (1/16)
صفحة 17
وأما المراءى به وهو الطاعات فيقسم إلى الرياء بأصول العبادات وإلى الرياء بأوصافها وهو ثلاث درجات: الرياء بالإيمان وهو إظهار كلمة الشهادة وباطنه مكذب فهو مخلد في النار في الدرك الأسفل منها، وفي هؤلاء أنزل الله تعالى – إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله – الآية. وقريب منهم الباطنية الذين يظهرون الموافقة في الاعتقاد ويبطنون خلافه، ومنهم الرافضة أهل التقية الذين يظهرون لكل فريق أنهم منهم تقية والرياء بالعبادات كما قدمناه، وهذا إذا كان الرياء في أصل المقصد. وأما إذا عرض الرياء بعد الفراغ من فعل العبادة لم يؤثر فيه إلا إذا ظهر العمل للغير وتحدث به، وقد أخرج الديلمى مرفوعا " إن الرجل ليعمل عملا سرا فيكتبه الله عنده سرا، فلا يزال به الشيطان حتى يتكلم به فيمحى من السر ويكتب علانية، فان عاد تكلم الثانية محى من السر والعلانية وكتب رياء " وأما إذا قارن باعث الرياء باعث العبادة ثم ندم في أثناء العبادة فأوجب البعض من العلماء الاستئناف لعدم انعقادها. وقال بعضهم: يلغو جميع ما فعله إلا التحريم. وقال بعض: يصح لأن النظر إلى الخواتم كما لو ابتدأنا بالإخلاص وصحبه الرياء من بعده. (1/17)
صفحة 18
قال الغزالي والقولان الآخران خارجان عن قياس الفقه. وقد أخرج الواحدي في أسباب النزول جواب جندب بن زهير لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أعمل العمل لله وإذا اطلع عليه سرني فقال صلى الله عليه وسلم " لا شريك لله في عبادته ". وفي رواية "إن الله لا يقبل ما شورك فيه " رواه ابن عباس، وروى عن مجاهد أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر ذلك مني فيسرني وأعجب به، فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم له شيئا حتى نزلت الآية: يعنى قوله تعالى – فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحده – ففي الحديث دلالة على أن السرور بالإطلاع على العمل رياء، ولكنه يعارضه ما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وقال حديث غريب قال " قلت: يا رسول الله بينا أنا في بيتي في صلاتي إذ دخل على رجل، فأعجبني الحال التي رآني عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لك أجران " وفي الكشاف من حديث جندب أنه صلى الله عليه وسلم قال له " لك أجران أجر السر وأجر العلانية " وقد يرجح هذا الظاهر قوله تعالى – ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول – فدل على أن محبة الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم لا تنافى الإخلاص ولا تعد من الرياء، ويتأول الحديث الأول بأن المراد بقوله " إذا اطلع عليه سرني " لمحبه الثناء عليه فيكون الرياء في محبته للثناء على العمل، وإن لم يخرج العمل عن كونه خالصا، وحديث أبي هريرة ليس فيه تعرض لمحبة الثناء من المطلع عليه، وإنما هو مجرد محبة لما يصدر عنه وعلم به غيره. ويحتمل أن يراد بقوله فيعجبه. (1/18)
صفحة 19
أي يعجبه شهادة الناس له بالعمل الصالح لقوله صلى الله عليه وسلم: " أنتم شهداء الله في الأرض " وقال الغزالي: أما مجرد السرور باطلاع الناس إذا لم يبلغ أمره بحيث يؤثر في العمل فبعيد أن يفسد العبادة.
- النفاق: -
( وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: آية المنافق ) أي علامة نفاقه ( ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان. متفق عليه ) وقد ثبت عند الشيخين من حديث عبد الله بن عمر رابعة وهي " وإذا خاصم فجر " والمنافق من يظهر الإيمان ويبطن الكفر. وفي الحديث دليل على أن من كانت فيه خصلة من هذه كانت فيه خصلة من النفاق، فإن كانت فيه هذه كلها فهو منافق، وإن كان موقتا مصدقا بشرائع الإسلام. وقد استشكل الحديث بأن هذه الخصال قد توجد في المؤمن المصدق القائم بشرائع الدين.، ولما كان كذلك اختلف العلماء في معناه قال النووي: قال المحققون والأكثرون – وهو الصحيح المختار – إن هذه الخصال هي خصال المنافقين، فإذا اتصف بها أحد من المصدقين أشبه المنافق فيطلق عليه اسم النفاق مجازا، فان النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه وهو موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام وهو يبطن الكفر: وقيل إن هذا كان في حق المنافقين الذين كانوا في أيامه صلى الله عليه وسلم، تحدثوا بإيمانهم فكذبوا، وائتمنوا على رسلهم فخانوا، ووعدوا في الدين بالنصر فغدروا، وأخلفوا وفجروا في خصوماتهم. وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، ورجع إليه الحسن بعد أن كان على خلافه، وهو مروى عن ابن عباس وابن عمر وروياه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال القاضي عياض: وإليه مال كثير من الفقهاء. (1/19)
صفحة 20
وقال الخطابي عن بعضهم: إنه ورد الحديث في رجل معين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقول: "فلان منافق وإنما يشير إشارة " وحكى الخطابي أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد في هذه الخصال التي يخاف عليه منها أن تفضى به إلى حقيقة النفاق، وأيد هذا القول بقصة ثعلبة الذي قال فيه تعالى – فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون – فانه آل به خلف الوعد والكذب إلى الكفر فيكون الحديث للتحذير من التخلق بهذه الأخلاق التي تثول بصاحبها إلى النفاق الحقيقي الكامل. وأخرج مسلم " كل أمتي معافى إلا المجاهرون " وهم الذين جاهروا بمعاصيهم فهتكوا ما ستر الله عليهم فيبيحون بها بلا ضرورة ولا حاجة، والأكثر يقولون بأنه يجوز أن يقال للفاسق يا فاسق ويا مفسد، وكذا في غيبته بشرط قصد النصيحة له أو لغيره لبيان حاله أو للزجر عن صنيعه لا لقصد الوقيعة فيه، فلا بد من قصد صحيح إلا أن يكون جوابا لمن يبدؤه بالسب فانه يجوز له الانتصار لنفسه لقوله تعالى – ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل – ولقوله صلى الله عليه وسلم" المتسابان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم " أخرجه مسلم، ولكنه لا يجوز أن يعتدى ولا يسبه بأمر كذب. قال العلماء: وإذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقه وبقى عليه إثم الابتداء والإثم المستحق لله تعالى، وقيل برئ من الإثم ويكون على البادئ اللوم والذم لا الإثم. ويجوز في حال الغضب لله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر " إنك امرؤ فيك جاهلية" وقول عمر في قصة حاطب: دعني أضرب عنق هذا المنافق. وقول أسيد لسعد: إنما أنت منافق تجادل، عن المنافقين: ولم ينكر صلى الله عليه وسلم هذه الأقوال وهي بمحضره. (1/20)
صفحة 21
وقوله صلى الله عليه " وقتاله كفر " دال على أنه يكفر من يقاتل المسلم بغير حق وهو ظاهر فيمن استحل قتل المسلم أو قاتله حال إسلامه: وأما إذا كانت المقاتلة لغير ذلك فاطلاق الكفر عليه مجاز، أو يراد به كفر النعمة والإحسان وأخوة الإسلام لا كفر الجحود، وسماه كفرا لأنه قد يثول به ما يحصل من المعاصي من الرين على القلب حتى يعمى عن الحق فقد يصير كفرا؛ أو أنه فعل كفعل الكافر الذي يقاتل المسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث. متفق عليه ) المراد بالتحذير: التحذير من الظن بالمسلم نحو قوله – اجتنبوا كثيرا من الظن والظن وهو ما يخطر بالنفس من التجويز المحتمل للصحة والبطلان فيحكم به ويعتمد عليه كذا فسر الحديث في مختصر النهاية: وقال الخطابي: المراد التهمة ومخل التحذير والنهي إنما هو عن التهمة التي لا سبب لما يوجبها كمن اتهم بالفاحشة ولم يظهر عليه ما يقتضى ذلك: وقال النووي: والمراد التحذير من تحقيق التهمة والإسرار عليها وتقررها في النفس دون ما يعرض ولا يستقر فان هذا لا يكلف به كما في الحديث " تجاوز الله عما تحدثت به الأمة أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل " وتقله عياض عن سفيان. والحديث وارد في حق من لم يظهر منه شتم ولا فحش ولا فجور، ويقيد إطلاقه حديث " احترسوا من الناس بسوء الظن " أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي والعسكري من حديث أنس مرفوعا. قال البيهقي: تفرد به بقية. وأخرج الديلمى عن على رضي الله عنه موقوفا " يحرم سوء الظن " وأخرجه القضاعي مرفوعا من حديث عبد الرحمن ابن عائد مرسلا وكل طرقه ضعيفة وبعضها يقوى بعضا ويدل على أن لها أصلا، وقد قال صلى الله عليه وسلم " أخوك البكري ولا تأمنه " أخرجه الطبراني في الأوسط عن عمر وأبو داود عن عمرو بن الفعواء. (1/21)
صفحة 22
وقد قسم الزمخشري الظن إلى واجب ومندوب وحرام ومباح. فالواجب حسن الظن بالله، والحرام سوء الظن به تعالى وبكل من ظاهره العدالة من المسلمين، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم " إياكم والظن " الحديث. والمندوب حسن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين. والجائز مثل قول أبي بكر لعائشة: إنما هما أخواك أو أختاك لما وقع في قلبه أن الذي في بطن امرأته اثنان. ومن ذلك سوء الظن بمن اشتهر بين الناس بمخالطة الريب والمجاهرة بالخبائث، فلا يحرم سوء الظن به لأنه قد دل على نفسه، ومن ستر على نفسه لم يظن به إلا خيرا، ومن دخل في مداخل السوء اتهم، ومن هتك نفسه ظننا به السوء والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لا تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجبا إلا اجتنابها، وذلك إذ كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وممن عرفت منه الأمانة في الظاهر فظن الفساد والخيانة به محرم. بخلاف من اشتهر بين الناس بتعاطي الريب فنقابله بعكس ذلك ذكر معناه في الكشاف. وقوله " فان الظن أكذب الحديث " سماه حديثا لأنه حديث النفس، وإنما كان الظن أكذب الحديث لأن الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى أمامة، وقبحه ظاهر لا يحتاج إلى إظهاره: وأما الظن فيزعم صاحبه أنه استند إلى شيء فيخفى على السامع كونه كاذبا بحسب الغالب " فكان أكذب الحديث.
أهم صور النفاق:
1 - الكذب على الله عز وجل وعلى رسول صلى الله عليه وسلم
قال عز وجل: " ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " [الزمر: 60]. قال الحسن: هم الذين يقولون: إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل. قال ابن الجوزي في تفسيره: وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن الكذب على الله وعلى رسول كفر. ينقل عن الملة ولا ريب أن الكذب على الله وعلى رسوله في تحليل حرام وتحريم حلال كفر محض، وإنما الشأن في الكذب عليه فيما سوى ذلك. (1/22)
صفحة 23
وقال صلى الله عليه وسلم: " من كذب علي بني له بيت في جهنم ". وقال صلى الله عليه وسلم: "ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" وقال صلى الله عليه وسلم: "من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن كذبا علي ليس ككذب على غيري، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". وقال صلى الله عليه وسلم: "من يقل عني ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار " وقال صلى الله عليه وسلم: " يطبع المؤمن على كل شيء إلا الخيانة والكذب ". نسأل الله التوفيق والعصمة إنه جواد كريم
2- الفرار من الزحف إذا لم يزد العدو على ضعف المسلمين إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة وإن
بعدت.
قال الله تعالى: "ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " [الأنفال: 16].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجتنبوا السبع الموبقات " قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت: " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين " [الأنفال: 65] فكتب الله عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين. ثم نزلت " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين " [الأنفال: 66]. فكتب: أن لا يفر مائة من مائتين، رواه البخاري [4652].
وقال عمر بن المهاجر، قال لي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم قل: يا عمر ما تصنع؟ (1/23)
صفحة 24
يا راضيا باسم الظلم كم عليك من المظالم، السجن جهنم والحق الحاكم، ولا حجة لك فيما تخاصم، القبر مهول فتذكر حبسك، والحساب طويل فخلف نفسك، والعمر كيوم فبادر شمسك تفرح بمالك، والكسب خبيث، وتمرح بآمالك والسير حثيث. إن الظلم لا يترك منه قدر أنملة. فإذا رأيت ظالما قد سطا فنم له، فربما بات فأخذت جنيه من الليل نملة. أي قروح في الجسد.
3 – الكبر والفخر والخيلاء والعجب والتيه
قال الله تعالى: "وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب " [غافر: 27]. وقال تعالى: "إنه لا يحب المستكبرين " [النحل: 23] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما رجل يتبختر في مشيه، إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلل فيها إلى يوم القيامة " وقال عليه الصلاة والسلام: "يحشر الجبارون المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، يطأهم الناس، يغشاهم الذل من كل مكان". وقال بعض اسلف: أول ذنب عصي الله به الكبر. قال الله تعالى: "وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكفرين " [البقرة: 34] فمن استكبر على الحق لم ينفعه إيمانه كما فعل إبليس.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر" رواه مسلم [91]. وقال تعالى: "إن الله لا يحب كل مختال فخور " [لقمان: 18].
وقال صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما ألقيته في النار ". رواه مسلم [2620]. المنازعة: المجاذبة.
وقال صلى الله عليه وسلم: "اختصمت الجنة والنار فقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، وقالت النار: أوثرت بالجبارين والمتكبرين " الحديث. وقال تعالى: "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور " [لقمان: 18] أي لا تمل خدك معرضا متكبرا. والمرح التبختر. (1/24)
صفحة 25
وقال سلمة بن الأكوع، أكل رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله قال: "كل بيمينك". قال لا أستطيع. فقال: "لا استطعت ما منعه إلا الكبر " فما رفعها إلى فيه بعد، رواه مسلم [2021]. وقال عليه الصلاة والسلام: "ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر" العتل الغليظ الجافي، والجواظ: الجموع المنوع، وقيل الضخم المختال في مشيته وقيل البطين.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل يختال في مشيته ويتعاظم في نفسه إلا لقي الله وهو عليه غضبان " وصح من حديث أبي هريرة: "ثلاثة يدخلون النار: أمير مسلط أي ظالم، وغني لا يؤدي الزكاة، وفقير فخور " وفي صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب". والمسبل هو الذي يسبل إزاره أو ثيابه أو سراويله حتى يكون إلى قدميه لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار ".
وأشر الكبر الذي فيه من يتكبر على العباد بعلمه، ويتعاظم في نفسه بفضيلته، فإن هذا لم ينفعه علمه، فإن من طلب العلم للآخرة كسره علمه، وخشع قلبه، واستكانت نفسه، وكان بالمرصاد فلا يفتر عنها بل يحاسبها كل وقت، ويفتقدها، فإن غفل عنها جمحت عن الطريق المستقيم وأهلكته، ومن طلب العلم للفخر والرياسة وبطر على المسلمين، وتحامق عليهم، وازدراهم، فهذا من أكبر الكبر، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
4 – شهادة الزور (1/25)
صفحة 26
قال الله تعالى: " والذين لا يشهدون الزور " [الفرقان: 72] الآية وفي الأثر " عدلت شهادة الزور الشرك بالله تعالى مرتين ". وقال تعالى: " واجتنبوا قول الزور " [الحج: 30] وفي الحديث: " لا تزول قدما شاهد الزور يوم القيامة حتى تجب له النار " قال المصنف رحمه الله تعالى: شاهد الزور. قد ارتكب أربع عظائم:
(أحدها) الكذب والافتراء، قال الله تعالى: "إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب " [غافر: 28]. وفي الحديث: "يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب ".
(وثانيها): أنه ظلم الذي شهد عليه حتى أخذ بشهادته ماله وعرضه وروحه.
(وثالثها): أنه ظلم الذي شهد له بأن ساق إليه المال الحرام، فأخذه بشهادته فوجبت له النار وقال صلى الله عليه وسلم: "من قضيت له من مال أخيه بغير حق فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار ".
(ورابعها ): أنا أباح ما حرم الله تعالى وعصمه من المال والدم والعرض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ". رواه البخاري [2654].
فتسأل الله تعالى السلامة والعافية من كل بلاء.
5 – الكذب في غالب أقواله (1/26)
صفحة 27
قال الله تعالى: " فنجعل لعنت الله على الكذبين " [آل عمران: 61]. وقال تعالى: "قتل الخرسون" [الذاريات: 10] أي الكاذبون. وقال تعالى: "إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب" [غافر: 28]. وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق، حتى يكتب عند الله صديقا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ". وفي الصحيحين أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال: " آية المنافق ثلاث وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان ". وقال عليه الصلاة والسلام: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منها كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". وفي صحيح البخاري (7047) في حديث منام النبي صلى الله عليه وسلم قال "فأتينا على رجل مضطج لقفاه، وأخر قائم عليه بكلوب من حديد يشرشر شدقه إلى قفاه وعينه إلى قفاه ثم يذهب إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل في الجانب الأول فما يرجع إلى حتى يصبح مثل ما كان فيفعل به كذلك إلى يوم القيامة فقلت لهما: من هذا؟ فقالا: إنه كان يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق ".
وقال صلى الله عليه وسلم: يطبع المؤمن على كل شيء ليست الخيانة والكذب ". وفي الحديث: " إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ". (1/27)
صفحة 28
وقال صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر ". العائل: الفقير، وقال صلى الله عليه وسلم: " ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به الناس فيكذب ويل له ويل ويل له ". وأعظم من ذلك الحلف كما أخبر الله تعالى عن المنافقين بقوله: " ويحلفون على الكذب وهم يعلمون " [المجادلة: 14]. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء يمنعه ابن السبيل، ورجل بايع رجلا سلعة فحلف بالله لأخذتها بكذا وكذا، فصدقه وأخذها وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه منها وفي له، وإن لم يعطه لم يف له ". وقال صلى الله عليه وسلم: " كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كاذب ". وفي الحديث أيضا: " من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقد ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفرى الفرى على الله أن يري الرجل عينيه ما لم تريا ". معناه أن يقول: رأيت في منامي كيت وكيت، ولم يكن رأى شيئا. وقال ابن مسعود رضي الله عنه " لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب، حتى ينكت في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه فيكتب عند الله من الكاذبين ". (1/28)
صفحة 29
فينبغي للمسلم أن يحفظ لسانه عن الكلام إلا كلاما ظهرت فيه المصلحة، فإن في السكوت سلامة، والسلامة لا يعدلها شيء. وفي صحيح البخاري (6018) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ". فهذا الحديث المتفق على صحته نص صريح في أنه لا ينبغي للإنسان أن يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرا، وهو الذي ظهرت مصلحته للمتكلم. قال أبو موسى: قلت يا رسول الله أي المسلمين أفضل قال: " من سلم المسلمون من لسانه ويده ". وفي الصحيحين: " إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها – أي ما يتفكر فيها بأنها حرام – يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ". وفي موطأ الإمام مالك من رواية بلال ابن الحارث المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فإن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله تعالى بها له رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله تعالى له بها سخطه إلى يوم يلقاه ". والأحاديث الصحيحة بنحو ما ذكرنا كثيرة وفيما أشرنا إليه كفاية.
6 – الرياء (1/29)
صفحة 30
قال الله تعالى مخبرا عن المنافقين: " يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا" [النساء: 142] وقال تعالى: " فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون" [الماعون: 4-7]. وقال تعالى: "يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس " [البقرة: 264]. وقوله تعالى: "فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صلحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " [الكهف: 110] أي لا يرائي بعمله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد في سبيل الله فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جرئ وقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه. وأعطاه من أصناف المال، فأتى به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما ترك من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، وقد قيل: ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم، وعلمه، وقرأ القرآن، فأتى به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال هو عالم، وقرأت ليقال هو قارئ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار " رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: " ومن سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي به ". قال الخطابي: معناه من عمل عملا على غير إخلاص، إنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جوزي على ذلك بأنه يشهره ويفضحه، فيبدو عليه ما كان يبطنه ويسره من ذلك، والله أعلم. وقال عليه الصلاة والسلام: " اليسير من الرياء شرك ". وقال صلى الله عليه وسلم: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ". (1/30)
صفحة 31
فقيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: " الرياء، يقول الله تعالى يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم بأعمالكم، فانظروا، هل تجدون عندهم جزاء ". وقيل في قوله تعالى: " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " [الزمر: 47] قيل: كانوا عملوا أعمالا كانوا يرونها في الدنيا حسنات، بدت لهم يوم القيامة سيئات. وكان بعض السلف إذا قرأ هذه الآية يقول: ويل لأهل الررياء!، وقيل: إن المرائي ينادى به يوم القيامة بأربعة أسماء: يا مرائي يا غادر يا فاجر يا خاسر اذهب فخذ أجرك ممن عملت له، فلا أجر لك عندنا. وقال الحسن: المرائي يريد أن يغلب قدر الله فيه، هو رجل سوء يريد أن يقول الناس: هو صالح، فكيف يقولون وقد حل من ربه محل الأردياء؟ فلا بد من قلوب المؤمنين أن تعرفه. وقال قتادة: إذا راءى العبد يقول الله: انظروا إلى عبدي كيف يستهزئ بي! وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظر إلى رجل وهو يطاطئ رقبته فقال: يا صاحب الرقبة أربع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، وإنما الخشوع في القلوب، وقيل إن أبا أمامة الباهلي رضي الله عنه أتى على رجل في المسجد، وهو ساجد يبكي في سجوده، ويدعو، فقال له أبو أمامة: أنت أنت لو كان هذا في بيتك. وقال محمد بن المبارك الصوري: أظهر السمت بالليل، فانه أشرف من إظهاره بالنهاء، لأن السمت بالنهار للمخلوقين، والسمت بالليل لرب العالمين. وقال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في الناس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه، وينقص إذا ذم به. وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
فنسأل الله المعونة والإخلاص في الأعمال والأقوال والحركات والسكنات إنه جواد كريم.
موعظة: (1/31)
صفحة 32
أيها العبد: لا شيء أعز عليك من عمرك وأنت تضيعه، ولا عدو لك كالشيطان وأنت تطيعه. ولا أضر من موافقة نفسك وأنت تصافيها، ولا بضاعة سوى ساعات السلامة وأنت تسرف فيها، لقد مضى من عمرك الأطايب، فما بقي بعد شيب الذائب، يا حاضر البدن والقلب غائب، اجتماع العيب والشيب من جملة المصائب، يمضي زمن الصبا وحب الحبائب، كفى زاجرا واعظا تشيب منه الذوائب، يا غافلا فإنه أفضل المناقب، أين البكاة لخوف العظيم الطالب، أين الزمان الذي ضاع في الملاعب، نظرت فيه آخر العواقب، كم في القيامة من دمع ساكب على ذنوب قد حواها كتاب الكاتب، من لي إذا قمت في موقف المحاسب، وقيل لي ما صنعت في كل واجب، كيف ترجو النجاة وتلهو بأسر الملاعب، إذا أتتك الأماني بظن الكاذب، الموت صعب شديد مر المشارب، يلقي شره بكأس صدور الكتائب. فانظر لنفسك وانتظر قدوم الغائب، يأتي بقهر ويرمي بسهم صائب. يا آملا أن تبقى سليما من النوائب، بنيت بيتا كنسيج العناكب، أين الذين علو متون الركايب. ضاقت بهم المنايا سبل المذاهب، وأنت بعد قليل حليف المصايب فانظر وتدبر قبل العجائب.
7- الخيانة (1/32)
صفحة 33
قال الله تعالى: " يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمنتكم وأنتم تعلمون" [الأنفال: 27]. قال الواحدي رحمه الله تعالى: نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لما حاصرهم، وكان أهله وولده فيهم، فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى لنا إن نزلنا على حكم سعد فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه أي إنه الذبح فلا تفعلوا. فكانت تلك منه خيانة لله ورسوله. قال أبو لبابة، فما زالت قدماي من مكاني حتى عرفت أني خنت الله ورسوله. وقوله: "وتخونوا أمنتكم وأنتم تعلمون" عطف على النهي أي ولا تخونوا أماناتكم. قال ابن عباس: الأمانات الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني الفرائض، يقول لا تنقضوها. قال الكلبي أما خيانة الله ورسوله فمعصيتهما، وأما خيانة الأمانة فكل واحد مؤتمن على ما افترضه الله عليه، إن شاء الله خانها، وإن شاء أداها، لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى، وقوله: " وأنتم تعلمون" أنها أمانة من غير شبهة. وقال تعالى: " وأن الله لا يهدي كيد الخائنين " [يوسف: 52] أي لا يرشد كيد من خان أمانته، يعني أنه يفتضح في العاقبة بحرمان الهداية وقال صلى الله عليه وسلم: " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان ".
وقال رسول الله صلى الله عليه سولم: " لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ". والخيانة قبيحة في كل شيء، وبعضها شر من بعض، وليس من خانك في فلس كمن خانك في أهلك ومالك وارتكب العظائم. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ". (1/33)
صفحة 34
وفي الحديث أيضا: " يطبع المؤمن على كل شيء ليس الخيانة والكذب ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله أنا ثالث الشريكين، ما لم يخن أحدهما صاحبه". وفيه أيضا: " أول ما يرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى الصلاة ورب مصل لا خير فيه ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة " وقال عليه الصلاة والسلام: " هكذا أهل النار وذكر منهم رجالا لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه " وقال ابن مسعود: "يؤتى يوم القيامة بصاحب الأمانة الذي خان فيها، فيقال له أد أمانتك فيقول: إني يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ قال: فتمثل له كهيئتها يوم أخذها في قعر جهنم ثم يقال له: انزل إليها فأخرجها. قال: فينزل إليها فيحملها على عاتقه، فهي عليه أثقل من جبال الدنيا، حتى إذا ظن أنه ناج هوت؛ وهوى في أثرها أبد الآبدين. ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والغسل أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأعظم ذلك كله الودائع ".
اللهم عاملنا بلطفك وتداركنا بعفوك.
موعظة:
عبد الله إن أيامكم قلائل، ومواعظكم قواتل، فليخبر الأواخر الأوائل، وليستيقظ الغافل قبل سير القوافل، يا من يوقن أنه لا شك راحل، وما له زاد ولا رواحل، يا من لج في لجة الهوى، متى ترتقي إلى الساحل؟ هل انتبهت من رقاد شامل؟ وحضرت المواعظ بقلب غير غافل؟ وقمت في الليل قيام عاقل؟ وكتبت بالدموع سطور الرسائل؟ تخفي بها زفرات الندم والوسائل، وبعثتها في سفينة دمع سائل. لعلها ترسو على الساحل، وا أسفا لمغرور جهول غافل. لقدأثقل بعد الكهولة بالذنب الكاهل، وقد ضيع البطالة وبذل الجاهل، وركن إلى ركون الهوى ركبته مائل، يبني البنيان ويشيد المعاقل، وهو عن ذكر قبره متشاغل، ويدعي بعد هذا أنه عاقل، تالله لقد سبقه الأبطال إلى أعلى المنازل، وهو يؤمل في بطالته فوز العامل، وهيهات هيهات ما فاز ذو باطل بطائل:
أيها المعجب فخرا * (1/34)
صفحة 35
تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين؛ لعلمهم بدقة وجله وتفاصيله وجمله، ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين، قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما: "يا حذيفة، نشدتك بالله، هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا. ولا أزكي بعدك أحدا ".
ظاهرة النفاق وأثره على الفرد والمجتمع
النفاق.. هذا المرض الفتاك الذي يفتك بقلب المرء فتكا ويقلبه عن دينه قلبا ويهوي به في قاع جهنم هويا. نسأل الله تعالى العفو والعافية.. قال الله تعالى: " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد (207) " [البقرة].
في هذه الآيات يوضح لنا ربنا سبحانه وهو العليم بخلقه، والخبير بهم صنفين من الناس:
الصنف الأول: منافق يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام.
والصنف الآخر: هو من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، ويتمثل ذلك في أنه إما أن يبيع نفسه في القتال فيكون شهيدا، وإما أن يستبقيها استبقاء يكون فيه الخير لمنهج الله.
(والله لا يحب الفساد ) لا يرتضيه، فاحذروا غضبه عليه.
(وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم ) حملته الأنفة وحمية الجاهلية على الاثم الذي يؤمر باتقانه لجاجا، من قولك: أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه.
(فحسبه جهنم ) كفته جزاء وعذابا، وجهنم علم لدار العقاب وهو في الأصر مرادف للنار. وقيل: معرب.
(ولبئس المهاد ) جواب قسم مقدر، والمخصوص بالذم محذوف للعلم به، والمهاد الفراش. وقيل ما يوطأ للجنب.
( (1/35)
صفحة 36
ومن الناس من يشرى نفسه ) يبيعها أي يبذلها في الجهاد، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل.
(ابتغاء مرضات الله ) طلبا لرضاه.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل [ 1/113، 114].
وقال ابن القيم: أما النفاق فالداء العضال الباطن، الذي يكون الرجل ممتلئا منه، وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي على الناس، وكثيرا ما يخفي على من تلبس به، فيزعم أنه مصلح وهو مفسد.
وهو نوعان: أكبر، وأصغر.
فالأكبر: يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به. لا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولا للناس، يهديهم بإذنه، وينذرهم بأسه، ويخوفهم عقابه.
وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن، وجلى لعباده أمورهم. ليكونوا منها ومن أهلها على حذر. وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة:
المؤمنين، والكفار، والمنافقين. فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية؛ لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا؛ لأنهم منسوبون إليه، وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب، يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد.
فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه؟ ! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه؟ ! وكم من علم له طمسوه؟ ! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه؟ ! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها؟ ! وكم عموا عيون موارده بآرائهم، ليدفنوها، ويقطعوها؟ !
فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية. ويزعمون أنهم بذلك مصلحون (ألآ إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) [البقرة: 12].
(يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم والله متم نوره ولو كره الكفرون ) [الصف: 8]. (1/36)
صفحة 37
مدارج السالكين [1/387، 388].
وقال ه في موضع آخر:
تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين؛ لعلمهم بدقة وجله وتفاصيله وجمله، ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين، قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما: "يا حذيفة، نشدتك بالله، هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا. ولا أزكي بعدك أحدا ".
وقال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل " ذكره البخاري.
وذكر عن الحسن البصري: "ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن ".
ولقد ذكر عن بعض الصحابة أنه كان يقول في دعائه: " اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق. قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع ".
تالله لقد ملئت قلوب القوم إيمانا ويقينا، وخوفهم من النفاق شديد. وهمهم لذلك ثقيل، وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، وهم يدعون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل.
زرع النفاق ينبت على ساقيتين: ساقية الكذب، وساقية الرياء، ومخرجهما من عينين: عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة. فإذا تمت هذه الأركان الأربع استحكم نبات النفاق وبنيانه. ولكنه بمدارج السيول على شفا جرف هار. فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر، وكشف المستور، وبعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق أن حواصله التي حصلها كانت كالسراب ( يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب ) [النور: 39].
قلوبهم عن الخيرات لاهية، وأجسادهم إليها ساعية، والفاحشة في فجاجهم فاشية؛ وإذا سمعوا الحق، كانت قلوبهم عن سماعه قاسية. وإذا حضروا الباطل وشهدوا الزور انفتحت أبصار قلوبهم، وكانت آذانهم واعية. (1/37)
صفحة 38
فهذه – والله- أمارات النفاق. فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية. إذا عاهدوا لم يفوا. وإن وعدوا أخلفوا، وإن قالوا لم ينصفوا، وإن دعوا إلى الطاعة وقفوا، وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدفوا. وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا، فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان، والخزى والخسران، فلا تثق بعهودهم، ولا تطمئن إلى وعودهم فإنهم فيها كاذبون، وهم لما سواها مخالفون (ومنهم من عهد الله لئن ءاتنا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصلحين (75) فلما ءاتهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) [التوبة].
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".
أخرجه الخاري [33]، ومسلم [59] وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". أخرجه البخاري [34] واللفظ له، ومسلم [58]. (1/38)