صفحة 1
الكتاب: النور الوقاد على عِلم الرشاد
المؤلف: محمد بن سالم بن زاهر بن بدوي بن جمعه بن أحمد بن جمعه الرقيشي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] النور الوقاد على علم الرشاد
الشيخ العلامة محمد بن سالم بن زاهر بن بدوي بن جمعه بن أحمد بن جمعه الرقيشي
ترجمة المؤلف
بقلم الأستاذ / خلفان بن محمد المغنسي
أسمه ونسبه ومكانة عشيرته
هو شيخنا العلامة محمد بن سالم بن زاهر بن بدوي بن جمعه بن أحمد بن جمعه الرقيشي نسبه إلى رقيش القبيلة الازكوية المشتهرة بالعلم والعمل والأقدام وتنتمى حسب الشائع والمعروف إلى كنده التي يتصل نسبها بالحارث بن مره بن ادد بن زيد بن كهلان القحطاني اليمني ولا يدري بوجه التحديد الزمن الذي انفصلت فيه عن القبيلة الأم ولا متى كانت هجرتها وهل كان رقيش اسما لمجدهم الأول أو لقبا وافادني ممن لهم الاطلاع من الازكويين انه وجد صكا قديما يتضمن فصلا شرعيا فيي خصام وقع بين أهالي فلج الملكي من ازكي وأهالي فلج الأبرق من بلدة سدي من قرى ازكي والفصل كان أحد شهوده عالم أو زعيم رقيشي وتاريخ الفصل عام سبعمائة هجري وعلى أية حال فان الحقيقة المائلة والتي يتعرف عليها المتتبع لوقائع التاريخ هي بلا شك عراقة هذه القبيلة وقدمها وأنها وجدت بازكي منذ زمن بعيد يؤكد هذا ما رويناه آنفا وما قرأناه وسمعناه عن ظهور شخصيات برزت في هذه القبيلة وفي ازكي بالذات تعددت فترتها أسهمت هذه الشخصيات بدور وطني دينيا وعلميا واجتماعيا ولما بذله علما هذه القبيلة من جهد في العمل استحقوا لقب شيوخ المذهب ولأن كان لهذا اللقب مدلوله ومعناه فهو ولا ريب أن أولائك المشايخ الملقبين به قد وصلوا إلى مرتبه سامية من العلم والعمل والفضل اهلتهم الزعامة الدينية وكما تحلى بهذا اللقب احياؤهم فقد لازم موتاهم أيضا فكانت لهم مقابر خاصة عليها سمات وعلامات تعرف بها وهذه المقابر لا تزل باقية تعرف بين اهالي ( بقبور شيوخ الذهب ) وبديهي أن هذه السمات والألقاب جاءت من الأهالي تقديرا لهؤلاء الفطاحل وتوقيرا لشأنهم وتخليدا لذكراهم ولان كان لبعض المسميات نصيب من اسمائها ودليل على صحة (1/1)
صفحة 2
مآثرها فان في اسم المحلة التي سكنتها هذه الأسرة الحميدة ( الشمس ) لأكثر من معنى وأقوى دليل.
مولده ونشأته
ولد شيخنا الرقيشي قي عام 1302 ه بازكي ونشأ في بيئة الشرف من أسرة امارة وسؤدد فقد كان والده الشيخ سالم بن زاهر أحد الزعماء القياديين الذين تدور عليهم سياسة بلدهم ازكي ولما يبلغ شيخنا الرقيشي السادسة من عمره حتى أجاد قراءة القرآن وحفظ شيئا منه ثم واصل تعليمه لاجادة الخط ومبادئ العربية ومعرفة الواجبات والمعتقدات الدينية فأخذ نصيبا لا بأس به ولكن في العقد الثاني من عمره نجده يتوقف عن الدراسة تماما ولعل ظروف المنطقة القبلية في ذلك الوقت ومستلزمات الحياة المعيشية إلى جانب الوقوف إلى والده مؤازرا ومعينا أهم العوامل المانعة له عن مواصلة التعليم والتي فرضت نفسها فرضا فيما يبدو حيث نراه وهو في مطلع عقده الثالث يقوم بأعمال حرفية هي ( الصياغة ) وقد أجاد واتقن هذه الحرفة وكانت بدورها سببا لرقيه وصعوده وظهوره اذ تجددت في هذه الفترة في نفسه فكرة طلب العلم والسعي اليه من جديد وبما لديه من مبادئ أولية ومؤهلات عالية في الحفظ والفهم والادراك والعزيمة استطاع أن يجمع بين التعلم والعمل الحرفي في أن واحد فقد جعل من مكان مهنته مدرسة حافلة بأنواع الكتب العلمية التي يحتاج اليها للمطالعة معتمدا على فهمه و إدراكه وقوة عزيمته موزعا وقته بين القراءة والحفظ وبين عمله في مهنته وكان في حالة استعصاء فهم بعض المسائل عليه يرجع في حلها إلى المشايخ من ذوي العلم الموجودين بازكي ومن بينهم الشيخ علي بن ناصر الريامي وقد حالفه التوفيق في هذه المحلة فنجح فيها وخصوصا في الناحية العلمية وهنا شاء الله أن تتوفر له أسباب النجاح بعودة الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن أبي زيد الريامي إلى بلده إزكي بعد ما تروى علما ومعرفة من الفيض الوفير الإمام المجدد نور الدين السالمي فقام شيخنا أبو زيد فجمع حوله نخبة من أبناء ازكي وفي (1/2)
صفحة 3
طليعتهم شيخنا صاحب الترجمة فتولى التدريس والتثقيف بمسجد الحواري بمحلة النزار فصار المسجد معهدا من معاهد العلم حافلا بالعديد من الطلبة وقد تخرج كثير من الطلبة على يد شيخنا ابي زيد وفي مقدمتهم شيخنا المترجم له.
( أشياخه )
الشيخ علي بن ناصر الأزكوي وعنه أخذ مبادئ اللغة العربية ومبادئ التوحيد وأصول الدين والواجبات.
الشيخ العلامة أبو زيد عبدالله بن محمد الريامي الذي يعود إليه الفضل بعد الله في الأخذ بيده وعنه أخذ جل معارفه وعلومه فهو ذروة أشياخه.
الشيخ العلامة عامر بن خميس المالكي الذي خلف شيخه نور الدين السالمي بعد وفاته فكان مرجعا للعلوم والفتوى وعنه أخذ علوم الدماء وما يتعلق بها من أحكام.
الشيخ الفقيه الزاهد سليمان بن محمد الكندي النزوي الذي أخذ عنه علوم الفقه والحديث وما يتعلق بها هؤلاء أشياخه على سبيل البيان لا الحصر فقد كان يغترف من البحر الزاخر العلامة الكبير الإمام محمد بن عبدالله الخليلي كما جالس كثير من العلماء فاستفاد منهم.
حياته
كان سيخنا المترجم له مضرب المثل في قوة الشكيمة والعزيمة والبأس مع العلم والعمل به فقد قمع عدة حركات تخريبية وتولى عدة أعمال وعين واليا في ولايات مهمة كنخل وعبري و إزكي ثم أقام بنزوى قاضيا ومساندا وسندا ومرجعا للعلم حتى توفى مرضيا عنه عام 1387 ه عن عمر يناهز 85 عاما رحمه الله وله مؤلفات وأجوبة وأشعار عديدة واستفاد منه عدة طلاب من بينهم ولداه الشيخان القاضي علي بن محمد والفقيه الورع إبراهيم بن محمد.
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
الحمد الله الذي فرض الجهاد ليطهر به من الأرض الفساد وبعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم باليسف فشدخ به يافوخ أهل الكفر والعناد وجاهد في إعلاء كلمة الله أي الجهاد وبذل نفسه في مرضاة الله ولم يأل جهدا ولا اجتهاد وتبعه خلفاؤه الراشدون قد وخوا الأرض وفتحوا الفتوحات إلى أقصى البلاد صلى الله عليه وعليهم وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم المعاد 00 أما بعد 00 فهذه منظومة الشيخ العلامة سعيد بن حمد الراشدى رضى الله عنه وأرضاه استكمل فيها أبواب الجهاد ومعانيه أجمالا وتفصيلا ولم أجد لها شرحا يبين معانيها فدعتني نفسي إلى أن أجعل عليها شرحا لا طويلا مملا ولا ومختصرا مخلا فيسره الله على كثرة تزاحم الأشتغال بأمور أهل الزمان فجاء ولله الحمد على حسب المراد وسميته بالنور الوقاد 00 أرجو بذلك فضلا من الله ورضوانا في يوم المعاد وأن يتقبله مني ويجعله لي من أفضل الزاد وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
( حمدا لمن بالسيوف الحق قد قصلا رقاب من حاد عن نهج الهدى وغلا ) (1/4)
صفحة 5
قوله حمدا هو مصدر مؤكد للفعل أي حمدت حمدا أو أحمد حمدا والحمد هو الثناء والمدح وهل الحمد والمدح أخوان أو بينهما عموما وخصوص فالحمد أي الوصف بالجميل ثابت لله وكل من صفاته جميل وعلق الحمد أي بالوصف وقوله لمن اللام هل هي للاستحقاق أو الاختصاص أو للملك والاولى هنا أن تكون للاستحقاق أو للاختصاص ومن صفة الموصوف وهو الله الواجب الوجود لذاته وقوله بسيوف الباء للالصاق أو المصاحبة ولم نقل للاستعانة تنزيها لله لأنه الغني لا يستعين بمخلوقاته والسيوف هي الآلة المعدة للحرب المعلومة عند الناس وهل المراد هنا هي السيوف حقيقية أو البراهين والآيات القاطعة لجدال من حاد الله ورسوله شبهها بالسيوف القاطعة لرقاب من عاند الحق وعاداه فهو من أعلا طرق التشبيه كقولك زيد أسد وأن قلنا المراد هنا هي السيوف المعروفة فيكون الكلام من باب قوله تعالى ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) قوله الحق هنا هو نقيض الباطل قوله قصلا أي قطع والقصل إي هو القطع والإلف للاطلاق قوله رقاب هل المراد بها حقيقة وهي العضو الموجود في الإنسان الذي هو محل الذبح من الحيوان فان قلنا أن السيوف هي الآلة المعهودة فالرقاب حقيقة وإن قلنا إنها الحجج القاطعة فالرقاب مجاز 00 قوله من موصولة بمعنى الذي وقوله حاد أي مال والنهج هي الطريق الواضح قوله الهدى هو ضد الضلال وفي القرآن الهدى له وجهان بيان وتوفيق فالبيان كقوله الله تعالى ( وأما ثمود فهديناهم ) وقوله ( وهديناه النجدين ) والثاني هو التوفيق لمرضاة الله تعالى وهو المراد هنا الأول قوله وغلا أي جاوز الحد والمراد مجاوزة حدود الشرع وفي البيت براعة استهلال وهو أن يذكر المقصود في أول بيت إلى بيت سبعة أبيات.
( ثم الصلاة لمن بالسيف مبعثه والآل والصحب من فاقوا سطا وعلا ) (1/5)
صفحة 6
ثم للعطف والمهلة والترتيب والصلاة لغة هي الدعاء والرحمة والاستغفار وحسن الثناء من الله على رسوله صلى الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وشرعا عبادة مشتملة على قراءة وركوع وسجود قوله لمن اللام للاستحقاق والاختصاص ومن موصولة بمعنى الذي قوله لمن بالسيف الباء للاستعانة والسيف معلوم 00 وقوله مبعثه أي مثارة والبعث الرسالة وبعثه أرسله وأثاره 00 وقوله والآل كل من تبعه على سنته إلى يوم القيامة لان آل محمد صلى الله عليه وسلم كل تقي نقي ولأنه لا يختص بأهل بيته هنا قوله الصحب جمع صاحب وهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وهل يعم كل مسلم في زمانه ولو لم يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم أو يختص بمن صحبه وشاهده قوله من موصولة بمعنى الذين وقوله فاقوا الفوق ضد التحت وفلان فاق أصحابه علاهم بالشرف قوله سطا اسم للسطوة وسطا عليه مال أو قهر بالبطش وهو نقيض الجبن قوله علا قال في القاموس علو الشيء مثلثة وعلاوته بالضم وعاليته أرفعه وانتصاب سطا وعلا على التميز.
( البايعين لمولاهم نفوسهم بجنة الخلد لا زالت لهم نزلا )
قوله البايعين لمولاهم البيع لغة إخراج الشيء من مالكه بعوض باعه يبيعه بيعا ومبيعا في القاموس والقياس مباعا إذا باعه وإذا اشتراه ومولى الشيء مالكه ويطلق على المملوك تقول هذا مولى فلان أي مملوكة قوله نفوسهم النفس لغة الروح والدم والجسد وهو المراد هنا قوله بجنة الباء للعوض كبعثة بدرهم الجنة هي البستان المشتملة على أشجار وأنهار الخلد المكث والقيام بالمكان قوله لازالت لهم نزلا أي ما فارقوها ولا فارقتهم وقوله نزلا النزل بضمتين المنزل المهيأ للضيف أن ينزل فيه الألف للاطلاق.
( مني عليهم سلام الله ما تليت أي الجهاد ، وما بدر العلى كملا ) (1/6)
صفحة 7
قوله مني أي من الناظم رحمه الله على النبي صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه وما ظرفية زمانية قوله آي الجهاد جمع آية من القران والجهاد الشاق على النفس ومنه سمى قتال الأعداء جهاد ولغة استفراغ الوسع قوله وما بدر ما ظرفية زمانية والبدر اسم للقمر بعد ثلاثة أيام إلى يوم سبعة وعشرين قوله كملا أي كمل نوره وكماله في ثلاثة أيام وهن الثالثة عشر والرابعة عشر والخامس عشر وتسمى ليالي البيض .
مقدمة في حد البغي وثمرته :
( وبعد فالبغي صراع لصاحبة وهل ترى باغيا إلا وقد خذلا )
( وهو استطالة بعض المسلمين على بعض على غير منهاج الهدى فعلا )
( ومنه تصدر أفعال أفعال القبائح مثل القتل والاخذ للمال الذي حظلا )
( والانتصار لغير الحق والغضب المر دي حمية أهل الكفر فاحتفلا )
( ومنه يصدر من فعل القلوب عناد الحق مع رده والكفر و الخيلا )
( ومن لوزمه نصر العدو معا داة الولي الاذى التخويف فد حصلا )
( وهذه أن حواها فاعل كملت دعائم الكفر فيه بئس ما فعلا )
حد الناظم البغي أنه استطالة المسلمين على بعض بغير الحق ولو قيل البغي الاستطالة من العقلاء على طريقة الحق لكان أعم وعد ثمرته بقوله ومنه تصدر أفعال القبائح مثل القتل وأخذ المال والانتصار لغير الحق والغضب لغير الله والحمية لاهل الكفر وعناد الحق ورده ونصر عدو المسلمين ومعاداتهم وإذا هم وتخويفهم وفي المقام مسائل.
المسألة الأولى : في البغي قال في القاموس بغي يبغي بغيا عدا وظلم وعدل عن الحق واستطال وكذب وفي مشيه اختال. (1/7)
صفحة 8
المسألة الثانية : في القبائح القبح بالضم ضد الحسن في الهيآت والأفعال أما في الهيآت فهي المرادة هنا وهى ضد ما حسن شرعا لأن الأفعال الواجبة والمحرمة والمندوبة والمكروهة لا ينظر فيها إلى تقبيح العقل لشيء منها كالصدق الضار و لا إلى تحسينه وإنما ينظر فيها إلى تقبيح الشارع لها لايجابة اللوم والعقاب لفاعلها وتحسينه لشيء لجعل الثواب لفاعلها والمدح له وفي أجوبة الشيخ السالمي رحمة الله الباغي هو الذي تعدى حدود الله كان ذلك بمنع الحق أو بظلم الغير أو بالاصرار على الباطل من مكابرة وعنادا يقال بغي عليه إذا ببغي وظلم وعدا عن الحق واستطال وقال الفراء في قوله تعالى والإثم والبغي بغير الحق أن البغي الاستطالة على الناس بغير الحق وقال الازهري معناه الكبر وقيل هو الظلم والفساد وقال الازهري معناه الفساد وفلان يبغي على الناس إذا ظلمهم وأذاهم وقال الجوهري كل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء بغي ومن هنا ينشأ الاسم للباغي قال الباغي المتصف بالبغي ويثيب عليه البغي شرعا بأمور منها أن يخرج عن طاعة الإمام العادل بعد وجوب طاعته عليه لخروج طلحة والزبير على علي ومنها أن يبطل الإمام الحدود ويتسلط على الرعية ويفعل فيهم بهوى نفسه فيستتيبونه فيصر على ذلك فيصير بعد الإمامة جبارا عنيدا فيكون بذلك باغيا على المسلمين يجوز لكل أحد قتله ليريح الناس من ظلمه وفساده قال فان أمكن الاجتماع عليه فهو أولى. (1/8)
صفحة 9
ومنها أن يقصد الرجل رجلا ليقتله أو ليضربه أو ليؤذيه أو ليذله الحق أو لينتهك حريمه أو حريم أهله فينهاه فلم ينته فان له في هذه المواضع أن يدافعه بما أمكن وان أقضي إلى قتلة فلا بأس عليه بل يجب عليه في بعض الصور أن يقتله ومنها أن يقصد ماله ليأخذه فانه باغيا إذا نزعه أو أراد نزعه أو حال بينه وبينه أو قصده لينتفع به من غير ضرورة أو ليفسده ولو بتنفير دابته أو طرد رقيقة فانه يحل دفاعه بذلك كله وقتله أن لم يرتدع وكذلك إذا رآه بغي على الناس أو علمه أو اقر معه فانه يجوز لكل أحد أن يرد البغي ويجب على كل قادر على ذلك وهذا معني قولهم لا يصح لذي الحق يقوله للغير لا
تدافعه أو اتركه أو لا تمنعه لان قوله بذلك مناقض لأمره تعالى الفئة الباغية وقال الشيخ صالح بن علي أن البغي الظلم والعلو على العباد والاستطالة والمحاددة بغير الحق ولو قيل المكابرة للشرع والمخالفة له والمحاددة على الباطل لكان حسنا والباغي المباح دمه شرعا هو من عمل البغي وأصر عليه وكابر وحادد ولا يرتدع إلا بقتله.
المسألة الثالثة : في القتل هو إزهاق الروح من الجسد وهو اما واجب كقتل المشرك والباغي والمؤذيات طبعا كالحية والعقرب وغيرها وأما حرام كقتل المؤمن عمدا عدوانا وكقتل صيد الحرم وقتل المعاهد ولو مشركا وأما متاح كقتل الحيوانات من البهائم لأكل لحمها ومراد الناظم هنا القتل المحرم من المكلفين وهو العمد العدواني.
المسألة الرابعة: (1/9)
صفحة 10
الأخذ هو التناول للشيء وهو أما حرام كأخذ الأموال غصبا من غير حلها أو واجب كأخذها من حلها بالكسب أو لتنجية نفسه أو صاحبة أو دابته أو أخذها لتنجيتها لصاحبها من مهلكها أو متلفها أو غاضبها وأما مندوب كأخذها من المباحات كالمعادن والأشجار والقفار وما يتعارف به الناس فيما بتنهم ومراد النظام هنا الأخذ المحرم لقوله تعالى ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال أمر مسلم إلا بطيبة نفسه وقد بينه بقوله الذي حظلا أي منع من تصرف غير مالكه فيه.
المسألة الخامسة :
في الانتصار والانتصار هو أخذ الحق من الظالم شرعا لقوله ولمن أنتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل وله شروط محل بسطها كتب الفقه مفصلة وأما الانتصار لغير الحق فهو ظلم محض بل هو من أقبح الظلم لقول العلماء أظلم الناس من باع دينه غيره وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم أنصر أخاك ظالما أو مظلوما فمعناه أن كان ظالما فرده عن ظلمه لأن رده عن ظلمه هو النصرة له
المسألة السادسة :
في الغضب والغضب هو غليان دم القلب فيظهر أثره على الجسد وأيضا هو حركة النفس مبدأها إرادة الانتقام قال النبي عليه الصلاة والسلام من كظم غيظا وهو يقدر على انفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا .
وروي عن الحسن البصري أنه قال ويحك ابن أدم إذا غضبت وثبت يوشك إذ تثب فتقع في النار وروي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال عظني يا رسول الله . فقال له : لا تغضب ولك الجنة فقال زذني فقال استغفر الله بعد صلاة المغرب سبعين مرة يغفر الله لك ذنوب سبعين عاما . فقال زذني . فقال : لا تسأل الناس يحبك الله وأعلم أن الغضب يكون واجبا وهو عند انتهاك حرمات الله ويكون حراما وهو الغضب في مخالفة الشرع وهو المهلك.
المسألة السابعة : (1/10)
صفحة 11
في الحمية وهي ميل الطلب إلى انتصار المبطل قوله الحمية هي العصية في الباطل قال تعالى الحمية حمية الجاهلية . وقال ينبغي للمرء إذا أصابته الحمية وهو يجري فأنه يرجع يمشي وإذا أصابته ماشيا فأنه يقف وإذا أصابته واقفا فانه يقعد فإذا أصابته قاعدا فانه يرقد حتى يزول عنه ذلك قوله الكفر ينقسم إلى قسمين الأول أن الكفر لغة التغطية وشرعا ينقسم إلى كفر شرك ونفاق فالكفر الشركي هو القادح في ذات الله وصفاته أو تكذيب أحد من رسله أو شيء من كتبه وضابطه مساواة الخالق بالمخلوق في الذات والصفات والأفعال ولله سبحانه وتعالى لا يماثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في شيء من كمالاته التي لا تحصى ولا تستقضى وبأنه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير وبأنه لم يزل عالما بما كان وما يكون وما هو كاين أن لو كان كيف يكون وأنه لا تبدو له البدوات في شيء ما وأنه محيي كل حي ومميت كل ميت وأنه منشىء الدنيا والآخرة ومالك الدنيا والآخرة وبأنه منجز لوعده ووعيده وبأنه لا معقب لحكمه ولا مبدل لكلماته وبأنه لا اله إلا هو وبأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبأنه ما جاء به من عند ربه فهو حق وبأنه بلغ كل ما أمره الله بتبليغه ومن الكفر الشرك الجحود لشيء من الكتب والرسل والبعث والحساب والعقاب لاحتياله بذلك الإنكار في نقض أبطال اتصافه تعالى بالكمالات وإنكار الرسل يستلزم اتصافه تعالى بكونه غير مرسل وإنكار الكتب يستلزم اتصافه تعالى بأنه غير منزل لها وإنكار البعث يستلزم اتصافه بكونه عير باعث وإنكار الحساب يستلزم اتصافه بكونه غير محاسب والقسم الثاني من الكفر هو كفر النعمة وهو أيضا ينقسم إلى قسمين نفاق بعد عن الحق بالتأويل الفاسد ونفاق وعدم الوفاء بالدين كارتكاب المحرمات شرعا وترك المفترضات وله تفاصيل تطلب منن محلها.
المسألة الثامنة : (1/11)
صفحة 12
فيما يصدر من الحمية والغضب قوله تصدر رافعا القلوب وهو عناد الحق ورده والكفر والخيلا أصل هذه الأشياء هو الكبر وثمرته تظهر على الجوارح فينتج منه عناد الحق وهو مخالفته ورده ومفارقته ومعارضته وهو من الكبائر إذا ظهر والكفر مر الكلام فيه قريبا فراجعه والخيلاء أيضا من ثمرة الكبر تظهر على الجوارح في المشي واللباس والكلام وقد حرمه لله تعالى بقوله ( أن الله لا يحب كل مختال فخور ) وبقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي دجانة لما تتبختر بين الصفين هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع ولترجع في هذا الموضع ولترجع إلى المقصود لما نحن بصدده وألا فالكلام يطول ومن أراده فليطلبه من محله.
الباب الأول في صنوف البغاة ..
( أما البغاة صنوف منهم فئة جاءت تقاتل أخرى في البيوت بلا )
( حق وتخرجهم جهرا وتسلبهم قهرا وتستأصل الأموال والنسلا )
( كذا إذا قصدوهم في طريقهم ومنهم معتد قد قطع السنبلا )
( ومنهم سالب للمال منتهب جهرا يدين بتحريم الذي أكلا )
( ومنهم آخذ للمال مختلس ومنهم سارق بالسر قد خزلا ) (1/12)
صفحة 13
الكلام أولا فيما تقتضيه معاني الكلام في هذه الأبيات الخمسة لأنه جعل لأحكامها بابا مستقلا فنتكلم هنالك أن شاء الله بما يسره الله من الأحكام عليها قوله أما فهي هنا للتفصيل وهو غالب أحوالها كقوله تعالى أما الغلام وأما السفينة وقد تبدل همزتها ياء وهي لغة فصحاء وقد تكون شرطية قوله البغاة جمع باغي وتقدم الكلام عليه بأنه الاستطالة على الغير بغير الحق قوله صنوف الصنف بالكسر النوع جمعه أصناف وصنوف قولهم منهم من البيان الجنس أو للتبعيص والضمير راجع إلى البغاة قوله فئة الفئة الطائفة من الناس قوله جاءت أي أقبلت تقاتل أخرى المقاتلة مفاعلة لا تكون الا بين أثنين فصاعدا أخرى صفة لموصوف محذوف أي فئة أخرى قوله في البيوت جمع بيت وهو شامل لبيوت المدر والصوف والمراد به هنا عموم الأمكنة التي هي ملك للمبغي عليهم لا نفس البيوت فقط قوله بلا حق أي أن مجيئهم بغيا لا لطلب حق لهم ولا لغيرهم وتخرجهم أي تزعجهم منها جهرا والجهر ضد السر وانتصابه على الحال وقولهم تسلبهم قهرا أي تأخذا أموالهم قهرا والسلب أصله الأخذ اختلاسا قوله وتستأصل الأموال أي تقطعها من أصلها والنسل هم الأولاد اسم شامل للبنين والبنات قوله كذا إذا قصدوهم في طريقهم أي اعترضوا لهم بغير حق قوله ومنهم من تبغيضية وهم إشارة إلى البغاة أي من البغاة صنف قطع السبلا أي أخاف المار فيها فصارت مقطوعة والقطع لغة الإبانة والإزالة وأما أحكام قطع الطرق فسيأتي ومنهم أي البغاة سالب للمال السلب لغة تقدم معناه وأما عرفا فهو أخذ السلاح والنهب أصله أخذ الغنيمة ونهبه أخذه مجاهرة والاسم النهبة بالضم أي يستحله ديانة يعتقد استحلاله بها أو انتهاكا يدين بتحريمه فيركبه والأكل هنا يشمل الأخذ بأي وجه كان من طرقة ليس المراد القضم بالفم فقط كقوله تعالى ( لا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل قوله مختلس أي أخذ له سرا ومنهم سارق السرقة أخذ المال خفية ولها تفصيل وأحكام في محلها (1/13)
صفحة 14
قوله خزلا أي قطع وأصل الانخزال إزالة بعض من بعض أي شيء من شيء بغير شدة.
الباب الثاني في أحكام البغاة :
( والحكم مختلف فيهم فأولهم قتاله واجب لا شك حين غلا )
( والشك في كفره حجر وتركهم إياه يقتلهم حجر كمن فعلا )
قوله الحكم بالضم هو أعم منن القضاء لصداقه على حكم من حكمه الخصمان وعلى من نصبه الأمام والجماعة وفي القاموس الحكم ومادته من الأحكام بكسر الهمزة وهو الإتقان للشيء ونفيه من العيب ومنه القضاء وله أركان حاكم ومحكوم عليه ومحكوم له به ومحكوم فيه قوله مختلف أي أن الحكم مختلف في البغاة المقدم ذكرهم فأوهم أي البغض من أصنافهم فهم الباغية التي جاءت تقاتل قوما مبغيا عليهم في مكاناتهم كقتل رجالهم وتنهب أموالهم وتسبى نسلهم مجاهرة بغير حق فهؤلاء يجب قتالهم ودفعهم عن الأنفس والأموال وجوبا حتميا وفي المقام مسائل.
المسألة الأولى :
فيما يثبت به البغي قال في النيل يثبت البغي في نفس أو مال أو فرج وفي كل فاحشة وأن مع رجال أو نساء ويدفع قاصدها ولو عن الغير ويكون في نفس بما يقتل به كضرب بسلاح وهو ما يكون به موت المضروب والو عصى بها حديد وبما يتوهم به منه قتل ويثبت به جرح كضرب بعود أو حجر أو عظم ونحوه أو لا يثبت به جرح ويحصل به ألم أو لا يحصل كامساك بيد أو رجل أو ثوب أو جسد مطلقا أو إرادة إمساكه أو مسه بتعدية أو بعد حجر أو إرادة نزع كلباس أو سلاح أو دابة أو سفينة أو إمساك ذلك على حجر إلى أن قال ويثبت في المال بنزعه أو إرادته أو بمنع منه أو بانتفاع بقصد إليه أو لأخذه به أو إفساده ولو بتنفير دابة أو طرد رقيق وحل الدفاع بذلك كله أن لم يندفع إلا به.
المسألة الثانية : (1/14)
صفحة 15
فيمن يجب عليه دفع الباغي عن نفسه وماله ويضيق عليه الجهل بتركه وعدم تخطيته ويحرم عليه الشك في قتاله يجب على كل بالغ عاقل ذكرا أو أنثى أو عبد قال القطب رحمه الله وجب عليهم أن يعملوا بذلك وأن يعملوا أن علمهم به واجب ولا يكفرون بالجهل حتى يشرع في قتالهم وهلكوا أن تركوا الدفع والقتال حتى قتلهم وكفروا كفر نفاق أن تركوه حتى قتلهم سواء جهلوا حرمة دمائهم أو علموها لكن أن علموا كفروا من وجه واحد وأن جهلوا كفروا من جهة الجهل أيضا إلى هذه الحالة ومن الترك لأنه يجب على المكلف علم حرمة دمه النفس وما دونه من الجرح والأثر وإبطال منفعة عضو بالتوحيد الذي عنده وقيل لا يكفر حتى يأخذ حرمة ذلك أو يراد قتله وقيل كفروا مرتين كفرا بجهل وكفرا باقتراف و لا يكفر بتركه إلى أموالهم أن لم يعتقدوا أنها حلال للباغي ، قال الشيخ الخليلي رحمه الله والدفاع عن الأنفس فرض عين يجب على الحر والعبد والذكر والأنثى والموسر والمعمر ونقل عن الشيخ الصبحي وأبي سعيد مثله.
المسألة الثالثة :
الدفاع عن المال ينقسم إلى واجب وجائز فالواجب كالسلاح الذي لا غنى عنه في حالته تلك والثوب
الساتر للعورة وقوت نفسه الذي أن تركه مات جوعا والماء الذي أن تركه هلك عطشا والدابة التي أن تركها هلك لعدم قوته على المشي أو الدثار الذي أن تركه مات بردا فهذا وأنواعه من الواجب أن يدفع عنه ويجوز الفضيلة بذلك والقسم الثاني الذي عنه غنى في تلك الحالة فهذا يجوز له تركه ويجوز له القتال بالدفاع عنه لقوله صلى الله عليه وسلم المقتول دون ماله شهيد والدفاع عنه من أخلاق الكرام.
المسالة الرابعة : (1/15)
صفحة 16
هل الواجب الدفاع عن البلد أو عن القرية أو عن المصر كله وهل عمان كلها مصر واحد أو هي والبحرين كما ذكره ابن النظر وغيره وفي مسألة الجهاد عن الشيخ الخليلي رحمه الله ما نصه قلت له فوجوب الدفاع عن البلد أو عن القرية أو عن المصر أهو على الترتيب أم على الإطلاق في وقت الحاجة إليه قال هذا مما يختلف فيه قيل لزومه على الإطلاق في وقت الحاجة إليه وقيل على الترتيب وقيل أن كان العدو قاصدا للجميع فهو على الإطلاق وإلا فهو على الترتيب قلت وما هذا الترتيب المذكور وما وجهه قال أن كان الخصم قاصدا لشخص بعينه وهو قادر على دفعه لم يلزم ذلك أهل البلد ولا من حضره فان لم يكف نفسه لزم ذلك أهل بلده ولا يلزم أهل قريته وكذا أن كان الخصم متعينا لبلد فلا يلزم أهل القرية وقيل أن لم يكف أهل البلد لدفعهم فعلى أهل القرية وقيل لا يلزم أهل\قرية الخروج دفاعا عن قرية أخرى وهو أكثر القول وقيل إذا لم يكف أهل القرية للدفاع فعلى من يليهم من البلدان والقرى أولا فأولا حتى يأتي على أهل المصر كله فهذا القول أصح ولا يلزم الترتيب وأن كان العدو خصما لبلد أو قرية فالقول بالترتيب أصح في النظر قلت له فهل في الدفاع من قول يصح في الرأي غير هذا قال نعم قد قيل أن كان جبار في عمان إذا أصر على ظلمه وامتنع عن الانقياد إلى الحق وحكمه فقتاله دفاع يجب على أهل المصر جميعا لأنه لدفع ظلمه وفساده وإزالة جوره وعناده فدفع ظلمه الواقع بالخلق كدفع الخصم الخارج المخوف منه وقوع الظلم بل أشد لأنه هذا واقع وذلك مخوف أن يقع والبلية يدفع الواقع أشد وفي قول الصبحي على أن القول بهذا يشبه الأنفاق من أهل العلم فيما يشبه الأنفاق أن عمان كالبلد في حكم الجهاد لعدوها وأنا نحفظ ذلك عن عامة أهل العلم إلا من شاء الله منهم وأن جهادها دفاع كان هذا من رأى الإمام راشد بن سعيد رحمه الله ومن تابعه في زمانه انتهى بلفظه وفيه ما دل أن جهاد عمان كله دفاع فأنظر كيف رتب (1/16)
صفحة 17
أولا في الدفاع قال أن عمان كالبلد في الجهاد لعدوها ثم لم يكتف بذلك حتى أوضح قاعدة أخرى هي أكبر وأعم من الأولى فقال عاطفا بالنسق وأن جهادها دفاع فدل بظاهر إطلاقه على أن جهاد عمان دفاع كله فهو شامل لجميع الصور قلت له فهل في الأثر قول وأضح من هذا في معناه فأن قوله وأن جهادها دفاع يأتي التأويل على غير ذلك قال نعم أن وردت المزير فيه فهاك من كتاب لباب الإيثار مسألة في الإمام هل له جبر الرعية للجهاد من وجب علبه على وصفه في الأثر قال معي أن في ذلك اختلافا فأن كان هو خارجا على عدوه من أهل الحرب والإنكار أو من أهل التوحيد والاقرار فهنا محل الخلاف وأن كان هو المخروج عليه فجبرهم على مصالحهم أوجب والزم إذا كان لهم فيه الصلاح الظاهر مسألة خامسة في الدفاع عن مال من جهاد عليه ببعض ماله إذا لم يكن للإمام أو الجماعة من الجنود والعساكر ما يدفعون به الظالم الباغي والمعتدي وذلك كالغايب واليتيم والمساجد والأفلاج والأوقاف فهل يجوز الأخذ من هذه الوجوه لبقاء بعضها أو لا فقيل لا سبيل على مال هؤلاء لأنه لا جهاد عليهم ولا دفاع وفي قول أخر يجوز أن كان ذلك دفاعا عن الجميع وقد أجاز الفقهاء أن يدافع بشيء من أموال هؤلاء المذكورين لسلامة أموالهم وأنفسهم نظرا في المصالح وجواز ذلك للدفاع بالقتال عنهم والذب والحماية لأموالهم أعز للإسلام وانكأ للعدو وأكبت للبغاة وأرضي الله تعالى بالجواز كما نطق به الأثر وأنه لصحيح في النظر قلت له ومن هذا القبيل ما عمل به الأشياخ المتأخرون من كفت الافلاج للمدافعة عن الرعية في موضع الخوف عليها وفيها الغايب واليتيم والوقف وغيره وقد أجازوه على الجميع ويرفع ذلك عن الشيخ أحمد بن مفرج قال هكذا قيل أنهم عملوا بذلك في دفع الجبار ببعض المال وقاس عليه الصبحي جواز ذلك لدفعه بالقتال فكان هذا حسنا من قوله جزاه الله عن المسلمين خيرا قلت له وما جاز في هذا أن تقعد له الأفلاج وتكفت هل يجوز على (1/17)
صفحة 18
أصول الأموال فيسلم كل أحد على قدر صلب ماله قال هكذا قيل وصرح به الصبحي في كتاب منهاج العدل أن الرجل يقوم بيته ليؤخذ منه قدر ما يملك إذا لم يجحف بمونته ومونة من يلزمه عوله أنتهي واللفظ له قلت له إذا جاز ذلك على الأصول بقدر القيمة أفلا يجوز أن يكون على قدر الغلة فيرتب في أخذه على قدر ذلك قال هكذا عندي أن كان في دفع بمال أو بحماية وقتال فكله سواء قلت له والتجارة والنقود هل يجوز أن تشارك الأصول فيكون لها حكمها قال هكذا عندي وأن لم أجده عن غيري لكنني لا أرى حكم الأموال في العدل الاسواء في ذلك فبأي معنى يلزم الأصول ما لا يلزم غيرها من غير دليل ولا حجة توجبه قلت له فالحيوان والعروض كذلك قال هكذا يظهر لي في ذلك قلت له ولاي معنى خصت الأصول في الأثر ذلك قال لأنها معظم الأموال عند أهل عمان فالتفاهم إليها أكثر ونظرهم إليها في اللازم أوفر حتى كأنهم لم يعتدوا بغيرها لقلته وكثرتها فترك الاشتغال بما لا طائل تحته أولى وإنما ذكرناه لبيان الجواز قلت له فهل لما عمل به هؤلاء الاشياخ من جواز الدفاع بشيء من الأموال أصل في السنة أم كيف الوجه فيه قال الله أعلم وقد يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قد أراد أن يدفع المشركين عن المدينة المشرفة صلحا على الثلث من ثمارها فاحتج به على جواز ذلك موضع الضرورة إليه ولولا أنه لم يكن جائزا لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعله والمدينة مصر جامع ولن نجد مصرا يخلو من أحد لا يملك أمره غالبا وما كان تركه الصلح لعدم جوازه لكن لما ظهر له من شدة في أصحابه والجراءة على العدو وعدم مبالاتهم بكثرة الخصم وشدة البأس أنتهي ما نقلناه من كلام الشيخ الخليلي نور الله ضريحه .
( والحد في القطع منصوص به وعلى الإمام أن ينقذ الحكم الذي نزلا ) (1/18)
صفحة 19
الحد الجائز بين شيئين ومنتهى الشيء والدفع والمنع وتأديب المذنب بما يمنعه وغيره وهو المراد هنا وقوله في القطع أي في قطع الطريق وقوله منصوص به أي نص الله عليه بقوله ( أنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) أختلف المفسرون في ذلك فقال جمهور العلماء أن أو هاهنا على الترتيب وقال مالك أن أوهنا على التخيير كما وضعت له لأنه الأصل في وضعها ورفع القطب رحمه الله عن عمرو بن فتح من أجل علمائنا المغاربة في تفسير الآية من حارب أو قطع الطريق فأصاب في محاربته الأموال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى ومن قطع الطريق من أهل الشرك ثم قدر عليه وأصاب الأموال والأنفس فأنه يصلب ولا يصلب أحد من أهل القبلة وأن جاء تائبا قبل أن يقدر عليه هدر عنه ما أصاب في محاربته ولا يهدر عن أحد من أهل القبلة ما أصابه في محاربته فأن طلبه الإمام فامتنع لا يقارب ولا يترك حتى يسلم لحكم الله تعالى ويقاتل على امتناعه فما أصاب في امتناعه من الأنفس وما دونها من الجراحات يهدر عنه ولا يؤخذ به لأنه لا قصاص بينه وبين المسلمين لا تقيدونه من أنفسهم فيما أصابه منهم وكذا لا يعطونه لأنه إذا نزل قوم بمنزلة من لا نعطيهم القصاص من أنفسنا فيما أصبنا منهم فكذلك لا نأخذ منهم ما أصابوا منا ولا يستقيم أن نستحل قوما فنأخذ منهم القصاص ولا نعطيهم ذلك من أنفسنا و أما النفي الذي ذكره الله فهو أن يطالبهم الإمام و المسلمون بإقامة ما حكم الله فيهم و عليهم من القتل و القطع و الصلب فيهربون و لا يؤمنون في شيء من بلاد المسلمين و ليس ذلك على معنى ما يقول من يقول أن الإمام فيهم مخير إن شاء قتلهم و إن شاء صلبهم و إن شاء قطعهم و إن شاء نفاهم و لا يحل ما يقال أن النفي هو الحبس أي كما قال أبو حنيفة لكن كما فسره العلماء فالنفي يما حكم الله عليهم فيه فيهربون و لا (1/19)
صفحة 20
يؤمنون بشيء من بلدان المسلمين و رفع القطب رحمه الله عن الشيخ يوسف بن إبراهيم رحمه الله قال اختلف العلماء في ظاهر هذه الآية و باطنها فمن قائل أنها على ظاهرها فمن وقع اسم الحرابة عليه فالإمام مخير فيه بجميع ما ذكر في الآية من القتل و الصلب و تقطيع الأيدي و الأرجل من خلاف و النفي و بعض يقول أن الآية مرتبطة بلحن الخطاب فيقول يقتلون إن قتلوا و يصلبون إن قتلوا و هم مشركون و تقطع أيدهم و أرجلهم إذا لم يقتلوا الأنفس و لكن أخذوا الأموال و قوله أو ينفوا من الأرض اختلفوا فيه على قولين قال بعضهم النفي أن يطلبوا حتى لا يأمنوا على أنفسهم في من بلدان المسلمين و قال بعضهم النفي أن يسجنوا و ينفوا من على وجه الأرض حتى يؤمن فسادهم أي تفسير قوله أو ينفوا أن يسجنوا و في المقام مسائل.
المسألة الأولى: هل الحكم على قاطع الطريق موقوف على الإمام و لا يقيمه غيره كسائر الحدود أو سائغ للناس جميعاً انفاذه في كل زمان إن قدروا و فرق بعضهم فقال القتل جائز لسائر الناس في الظهور و الكتمان و ما سواه لا يجوز إلا للإمام و لعل حجة المحجوزين عموم قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط) و حجة المانعين قوله صلى الله عليه و سلم (الحدود و الفيء و الجمعات للإمام ) و أما حجة المفرقين بين القتل و غيره لا علم لي فيه و الله أعلم.
المسألة الثانية: هل القاطع من أخاف الطريق و أعلن الفساد في الأرض و تلك عادته على عموم المار أو من قصد طائفة معينة يسمى قاطعا و يجري عليه الحكم كالعام خلاف قال في النيل و شرحه و لا يحكم عليه بقطع إن قطع على معين كرجل و رجلين أو ثلاثة أو أكثر أو قبيلة أو بلدة و أظهر أن مراد القطع على خصوص هؤلاء إلا إن كانت تلك القبيلة أو سكان البلدة عامة مائة رجل أو أربعين على الخلاف في العادة و الله أعلم. (1/20)
صفحة 21
المسألة الثالثة: هل الصلب على المشرك و الموحد أو على المشرك فقط فالصلب قبل القتل يصلب حيا و يقتل بالطعن على الخشبة و قيل يقتل و يصلب بعد القتل و قيل بصلب و يترك حياً حتى يموت و الذي يظهر أن القتل قبل الصلب لقول النبي صلى الله عليه و سلم (إذا قتلتم فاحسنوا القتلة) و الله أعلم.
( ولينه عند التهيي ثم يحبس إن أبى و ينفى و الأجرع الأسلا)
( فمن أخاف ولي الله كان كمن قد حارب الله أو عن دينه نصلا)
قوله ولينه عند التهيي للخروج قال في النيل و شرحه إن أخذ في أهبة القطع يسمى قاطعاً أي مريد القطع سواء قطع قبل ذلك أو لا فإذا أخذ في هيئة خروج القطع نهاه الجماعة أو قاضيهم أو غيره و الاجتماع عليه أولى عنه فإن أبى عن الخروج للقطع و المقصود زجره عن ذلك بلطف أو عنف بحسب ما يصلح فإن لم ينته حبس طويلاً حتى يرضوا أي الجماعة و كذلك إن وكل الرضى إلى القاضي أو السجان و رضاهم يتعلق بحصول إذعانه أو بمصلحة أو عذر يعذرونه فيه و في المقام مسائل.
المسألة الأولى: نظر العقوبات التي لم يقدرها الشارع و لم ينص عليها كتاب و لا سنة فإنها موكلة على نظر القائم بالأمر يقدرها على قدر الجاني و جرمه بشرط أن يكون عالماً لا تميله الأهواء و لا يأخذ بالحنة و ذلك موكول إلى السلطان أو من قام مقامه بأمره أو نزل منزلته كالرئيس في عشيرته إذا كانت له عليهم القدرة و اليد الطولى فهو فيهم بمنزلة السلطان أو من أقام السلطان بإذنه من وال أو أجير السيد على أمواله و ليس لهم إبطال العقوبات و الإغضاء عن المنتهك عن المنتهك لمحارم الله فيؤدي ذلك إلى الإخلال بالهيبة و التهاون بالأوامر و النواهي و الجراءة على فعل المنكرات و استباحة الفواحش الموبقات و الله لا يرضى بذلك فالغضب و الإغلاظ واجب على من غضب الله عليه فإن الرحمة و السماحة لها مواضع و وضع كل شيء في موضعه من العدل. (1/21)
صفحة 22
المسألة الثانية في الحبس ، الحبس لغة هو المنع ومعناه السجن قال الشيخ الخليلي رحمه الله السجن حبس في مضيق فهو أخص والحبس أعم وقد يكون حتى في المسجد والطهر حبس في طميرة وهي حفيرة تحت الأرض فتلك ثلاثة أنواع في الحبس وكلها موجودة في قول المسلمين والمحبس بفتح الميم وسكون الحاء اسم لموضع الحبس وكسر الباء جائز وهو موضع يقصر المحبوس عن الخروج إلى غيرة سواء كان الموضع حصنا حرزا أ لا والأولى أن يكون الحبس في نفسه مانعا عن الخروج لكومنه مسورا بالجدر الحصينة ويغلق بالأبواب الشديدة فأنه أوقر في صدور من حاد الله ورسوله وهل يجوز تركه مكشوفا للبرد والشمس أو لا في ذلك قولان والمنع عن الإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب رحمهم الله وكذلك في قول الشيخ ابن سعيد رضي الله عنه وقيل بجوازه لأنه في الأصل عقوبة وتشديد وتضيق وإرهاب يزعج لمن كان من أهله فأنه يصح المنع من مثله وفي النضر ما يدل على التفرقة لاختلاف جنايات المحبوسين فأن كان من أهل الجنايات العظيمة كالقتل والنهب والفواحش الكبيرة كالزنا وشرب الخمر فالجواز هو الأصح لاتفاقهم على العقوبة بالأشد فكيف بالأدنى اللهم إلا أن يخاف عليهم التلف أو ما أشبهه من حال لا يجوز فيه تركهم فالمنع قول واحد انتهى ما نقلنا عن الشيخ الخليلي وأقول أن ذلك كله منوط بنظر الحاكم المشفق على نفسه وعلى رعيته والله أعلم. (1/22)
صفحة 23
المسألة الثالثة : أن لم يقدر على حبسه لمعاندته قاتلوه أي دافعوه بالرد والحيل ولو لم يقتل لأنه لا يجوز التعرض لمن مضى إلى البغي ولو قبل وصوله بل يجوز في الشروع ولو قبل المضي وأن قطع أي أراد القطع وخرج فيه ولم يجد أكلا ولا فحشا ولا قتلا اتبع حتى يقدر عليه فيحبس حتى ينتهي أي يذعن إلى تركه وينكلوه ويؤدبوه أو يعزروه فأن قاتلهم في اتباعه إياهم قتلوه ونفوه من الأرض أي يدومون في طلبه والبحث عنه والإرسال إلى من نزل عنده أو في حريمه حتى لا يجد مأمنا في أرض المسلمين.
المسألة الرابعة : في قوله فمن أخاف ولي الله كان كمن قد حارب الله الخوف هو ثمرة العداوة والمخيف لأولياء الله قد جاء بأمر شنيع في الدين لأنه من الواجبات الشرعية بعد التوحيد الولاية لأولياء الله والبراءة والعداوة لأعداء الله وهي فورية مضيقة لا يسع جهلها بإجماع الأمة وهي ولاية الجملة وبراءة الجملة وأما ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص فهي باتفاق أصحابنا لا خلاف بينهم فيها وقياس ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص على ولاية وبراءة الجملة جلي العلة المعقولة الموجبة للولاية للأولياء في الجملة هي طاعة الله ورسوله والعلة الموجودة في أعداء الله في الجملة هي معصية الله ورسوله فرد الفرع على الأصل لوجود العلة هو القياس الجلي والولاية ضد العداوة أما الولاية فهي القرب من المطيع ونصرته وحبه والثناء عليه والدعاء له بالرحمة والإعانة له وأما العداوة فهي البعد عن العاصي وبغضه ولعنه وشتمه وأدلة الولاية والعداوة كثير في الكتاب والسنة ومن أراد ذلك فليطلبها من محلها وأما قوله أو عن دينه نصلا أي خرج عن دينه بإخافته لأولياء الله الذين أوجب الله لهم المحبة والنصرة في الدنيا والآخرة فقال في أولياء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والمخيف لهم قد حارب الله لأنه أتى بعكس ما أمر الله فيهم.
( وطهر الأرض ممن غار ملتبسا بالظلم حالا ولا تصغي لمن عذلا ) (1/23)
صفحة 24
( وهكذا الحكم فيمن صار مشتهرا بالبغي لا يبتغي عن بغيه حولا )
قوله وطهر الأرض هو خطاب لمفرد يراد به العموم والطهارة لغة ( ضد النجاسة ولما كانت النجاسة تنقسم إلى عينية ومعنوية فالعينية أزالتها بالماء أو ما يقوم مقامة من التراب والشمس والريح والنار والزمان وتطلب أحكامها من محلها والمعنوية هي أفعال المشركين والبغاة فأنها لا تزول إلا بإزالة أصلها وهي الأشخاص الحادثة منها الأفعال القذرة فهذه لا يطهرها إلا الدم المسفوح من تلك الأشخاص بالقتل والقهر المانع لهم من تلك الأفعال والمعنى إزالة ظلم البغاة الملتبسين به في حال إغارتهم في الحال ولا تسمع قول من يعذلك عن ذلك وهكذا المشتهرون بالبغي المعروفون به ولا يبتغون عن بغيهم حولا فكذلك طهر الأرض منهم وفي المقام مسائل :
المسألة الأولى :
هل تجب الدعوة لأهل البغي من أهل القبلة أم لا قيل لا يحل قتالهم حتى يدعوا إلى أحكام الله فأن ردوا الدعوة حل قتالهم ويحل بياتهم والدعوة إنما تكون من قائد المسلمين إلى أمير البغاة لا إلى أفرادهم قال الشيخ خميس رحمه الله في منهجه عن أبي سعيد رحمه الله أنه من بغي على المسلمين من بعد علمه بدعوتهم أنه لا دعوة له وفيما عندي أن ما قاله الشيخ أبو سعيد هو الأصح والدليل على ذلك أن أهل مكة لما نكتوا العهد وقتلوا خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجدد لهم دعوة وغزاهم لما استنصرته خزاعة فقال لا نصرت أن لم أنصركم.
المسألة الثانية :
في المستحل فأنه لا يقاتل قبل الدعوة وتبيين الحجة له فأن رد الدعوة حل قتاله بسفك دمه ولا يحل ماله والخلف فيما أخذه المستحل من مال المسلمين فوجده صاحبه بعينه هل يجوز أخذه أو لا فقيل يحل له أخذه لقوله صلى الله عليه وسلم لا توى على مال امرء مسلم وقيل لا يحل له أخذه قياسا على المشرك وفي المسألة بسط طويل لقطب في أجوبته.
المسألة الثالثة : (1/24)
صفحة 25
فيمن شهر بغيه وانه يسفك الدماء وينهب الأموال ويظلم الناس بغير الحق فلا شك فيه أنه إذا كان على هذا السبيل فيحل دمه على ما شهر عنه من الظلم والبغي والفساد في الأرض بغير الحق فيقتل بغير دعوة وأن أمكن الدعاء والحجة عليه فذلك أحسن وأقطع للعذر قيل لابي سعيد هل يقتل غيلة قال معي أنه كذلك.
المسألة الرابعة :
قال الشيخ خميس في منهجه لا يستحل قتال قوم دخلوا البلاد حتى يكون منهم الحرب الذي لا يجوز وتقوم عليهم الحجة بذلك قلت في الأثر ما معناه إذا كان القوم غير مأمونين إذا تمكنوا من البلاد فلأهل البلد أن يمنعوهم عن دخولها فأن أبوا عن ذلك جاز لهم دفاعهم وقتالهم قبل تمكنهم في البلاد.
المسألة الخامسة :
إذا خرجت خارجة على المسلمين وبدأوا بالقتال قوتلوا قبل الدعوة ولو رموا بسهم واحد فأصاب أحد أو لم يصب أحد من المسلمين وبدأوا بالقتال قوتلوا قتال أهل البغي حتى يرجعوا عن بغيهم ويكون قتال من بدأ بالقتال فرضا على المسلمين وقامت الحجة للمسلمين عليهم قال الشيخ خميس والدعوة أنما تكون لله ولرسوله ولحكم المسلمين لا تكون للإمام فإذا كانت الدعوة لله ولرسوله ولحكم المسلمين جاز قتالهم بعد الامتناع وإذا كانت إلى طاعة الإمام لم يجز ذلك وكانت دعوة باطل قات وجه قول الشيخ أن أصل دعوة الإمام هي دعوة لله ولرسوله والحكم المسلمين لا يدعوهم إلى طاعة نفسه فأن كان محقا فطاعته واجبه بحكم الله ورسوله لقوله تعالى أطيعوا الله والرسول وأولى الأمر منكم ولقوله صلى الله عليه وسلم إذا ولي عليكم عبد مجدع الأنف فاسمعوا له وأطيعوا وأن كان مبطلا فلا طاعة له والله أعلم.
……
( وجائز هجمه وقت الصلاة أو الرقاد والأكل أو إذ كان مشتغلا )
( وواسع قتله والناصرين له والمانعين له أن كان لم يزلا )
( فارعف السيف منهم كلهم معه ولو بغي بكضرب السوط وارتحلا ) (1/25)
صفحة 26
قوله وجائز هجمه أي يهجم عليه في أي حالة كان فيها من صلاة أو رقاد أو أكل أو شرب أو اشتغال بشيء ما. و واسع قتله و قتل من ناصره أو منعه إن كان لم يرجع عن بغيه و لو كان بغيه مما يعد قليلا كضرب عصى أو حصى أو غيره مما يكون بغير حق و لا يندفع إلا بقتاله و في المقام مسائل:
المسألة الأولى :
إذا ثبت بغي الباغي بما يحكم عليه بالبغي به من أي أنواع البغي بعد الحجة عليه والدعوة له لأداء ما يلزمه جاز الهجوم عليه وقيل لا دعوة له لان الدعوة العامة قد بلغتهم قال في شرح النيل وأن لم تبلغهم فلا يعذرون لأنهم قارفوا وأما الدعوة الخاصة التي لا بد منها فقد الزموا أنفسهم ما يبطلها بنهب الأموال فقد حلت دماؤهم بذلك كما تحل بالتبليغ مع المخالفة .
المسألة الثانية :
إذا كان البغي بأخذ مال فأن المبغي عليه يدفعه إلى يأخذ الحق منه كإمام أو وال أو قاض أو جماعة هذا إذا كان المال غيبه الباغي عن المبغي عليه أو خلطه بشيء لا يمتاز منه وذلك لئلا يأخذ حقه بنفسه بضرب الباغي وقتله وإنما له ضربه وقتله إذا كان الباغي ينازع المبغي عليه في ماله من يده أو يجتره منه كقبض دابة من خطامها أو من عضو منها فله قتله ودفاعه في ذلك كله.
المسألة الثالثة :
في غير رب المال إذا ثبت معه بغي الباغي ياي وجه من أنواع الإثبات فله قصده ويمنعه منه ويقاتله عليه أن أبى ويقتله أن لم يجد أخذه الا بقتله أو أدت مدافعته إلى موته ويجعل في يده وينزعه منه حيث كان ياي وجه كان بالنزع ولو لم يكن معه الباغي فإذا وصل إلى المال أخذه وسواء ذلك أمره رب المال بدفع الباغي عن ماله ورده أو لم يأمره لأن الله أمره بقتال الفئة الباغية والقيام بالقسط وأما أن قال له لا تقاتله ولا تدافعه عنه لأنه ماله فلا يتعرض له.
المسألة الرابعة : (1/26)
صفحة 27
إذا غيب المال عن صاحبة وعلم مكانه كمكان معين قال في النيل وشرحه وجوز لرب المال أن يقصد لماله أن علم مكانه المشخص المعين كبيت مخصوص عرف أنه فيه لا أن عرف أنه في الدار ولا يدري في أي محل هو أو تلف أو لم يكن تلف بل في موضع أخر لا يعلمه دعاه إلى الحق بلا هجوم ولا قتال بل أن دعاه إلى الحق بهجوم وقتال أو هجم وقاتل بلا دعاء للحق كان باغيا مثله يجوز للباغي تسليم المال لصاحبه.
المسألة الخامسة :
إذا كان المأخوذ منه المال باغيا قال القطب بان بغي على إنسان فأخذ منه الإنسان ببغي فهناك بغيان أولهما بغي ذي المال على هذه الصورة وبغي غيره لو بغي غيره عليه بمال أو نفس على ثم بغى صاحب المال بمال أو نفس على حمية أو فتنة ألا أن تاب من ذلك البغي الأول صاحب المال أو الذي بغى أولا والما صدق واحد فيجوز له الدفاع عن نفسه وماله بعد التوبة وكذا الذي بغى ثانيا لا يقاتل ألا أن تاب هذا الثاني وأذعن للرد فله القتال على ماله قلت فليفهم القاري فأن المسألة دقيقة .
المسألة السادسة :
جاز لمتتبع الباغي على أخذه ماله أو مال غيره لمن هو نائب عنه أو محتسب ولمتبعه أيضا على جناية في نفس إذا كان ممن يقتل أو أخذ إنسانا الهجوم عليه ولو أدى الهجوم عليه إلى تلف ما بيده الباغي لغيره كان ذلك المال بيد الباغي يبغي أو وديعة أو غيرها.
المسألة السابعة : (1/27)
صفحة 28
أن أخذ المخالف المستحل لمال فاعل الكبيرة منا أو من غيرنا كالمالكية والشافعية أو غيرهم ممن يدين بتحريم مال الموحد فلنا قتاله معهم ولهم قتاله معنا وذلك كالصفري يأخذ مال أباضي أو شافعي فللكل من هؤلاء قتال الصفري على أخذ ذلك المال ورده عن بغيه وفي المسألة خلاف قدمت ذكره وذلك لان المستحل أن جازت معاملته فيما أخذه بديانة لم يجز أخذه منه بعد تملكه له لان المستحل مقيس على المشرك المستحل واصل ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل عن النزول بمكة قال هل ترك لنا عقيل من دار قال القطب والصحيح جواز القتال مع المخالفين إذا كان على الحق سواء قاتلوا فساقا أو مشركين ويجوز أخذ السهم من الغنيمة معهم وقيل لا يجوز القتال معهم إذا كانوا يعتدون الحدود وقيل لا يجوز ذلك …ولو كانوا لا يعتدون الحدود وذلك الخلاف في القتال مع الجبابرة مطلقا وتقدم تصحيح القطب بجوازه قلت الجواز بشرط أن يكون القتال على نية زوال البغي من الباغي لا على نصرة الباغي وعن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم القتال واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا وأن هو عمل الكبائر والصلاة واجبة عليكم على كل مسلم يموت برا كان أو فاجرا وأن هو عمل الكبائر.
المسألة الثامنة :
إذا فعل الباغي في ظاهر الحكم ما يجوز له فعله فيه فيخرج أنه محق فليس له في النفس أو ما دونها فيما يلزم فيه الضمان في بيت المال أن كان بأمر الإمام العدل أو نائبه أن كان قائد السرية عالما أو يفعل بمشورة عالم عنده والله أعلم.
المسألة التاسعة : (1/28)
صفحة 29
في الناصر للباغي والمؤي له فأنهم بغاة مثله وأشد لقوله صلى الله عليه وسلم لعن الله من أحدث في الإسلام حدثا أو أوى محدثا ويجوز فيه ما يجوز في الباغي لقوله صلى الله عليه وسلم لعن الله الظلمة وأعوانهم ولو بمدة قلم ولقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ولان الرضى بالمعصية معصية لقوله صلى الله عليه وسلم تكون الفتنة بالمشرق ويكون أحدكم بالمغرب وسيفه يقطر دما منها وما ذلك إلا بالرضى بها فما ظنك بالمناصر والمؤي فلا تأخذك فيهم لومة لايم .
المسألة العاشرة :
في قوله وارعف السيف منهم أي اجعله يسيل دما منهم والرعاف هو السبق لقولهم فرس راعف أي سابق وقوله كلهم معه أي مع الباغي يعني ساوي بينهم في حكم القتل فما جاز من الفعل في الباغي جاز في الناصر والمؤدي والله أعلم وقوله ولو بك ضرب السوط فهو تمثيل من باب قوله تعالى ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما أي أن كان لا يجوز التأفيف فما ظنك بالأعظم والأكثر منه فأنه أعظم جرمة.
( وأن يكن بغيه سرا فليس لهم قتاله قبل أن يدعي لما نزلا )
( لكن لذي المال أن يقصده أن علم المكان وليأخذ المال الذي خزلا )
قوله أن كان البغي سرا فلا يجوز قتاله إلا بعد قيام الحجة عليه ويدعى إلى أحكام الشرع عند حاكم عالم عادل تراضيا به أو نائب عن إمام عدل أو واليه أو الجماعة من المسلمين ولا يدعي إلى حاكم جابر جبار وقيل بجوازه إذا كان لا يتعدى فيه ما يجوز في مثله وقيل أن لم يجد إلا جايرا دعاه إليه ونيته أخذ الحق منه لا زيادة وأن جار الجبار فعلى نفسه وهل يضمن الشاكي ما فعله الجاير في المدعي عليه أولا قولان وجه المنع أنه كالدال على مال أخيه المسلم ووجه الجواز أنه لم يأمره بالجور وإنما جوره على نفسه بل أراد حقه فقط وقال الله تعالى ولا تزر وزرة وزر أخرى وفي المقام مسائل.
المسألة الأولى : (1/29)
صفحة 30
لا يجوز أخذ الحق لأحد لنفسه من غيره ولو كان صاحب الحق ممن له أن يأخذ الحق من الناس قال في النيل وشرحه لا يأخذ المرء حقه من غيره وهو ما يكون له على غيره من مال بتعدية أو بمعاملة أو ما عنده بأمانة أو غير ذلك أو ما لزم غيره لأجله كضرب وحبس ونحوهما لنفسه أو لعبده أو لولده أو قريبه أو بأمره أو غير ذلك بالقهر ولا يضربه ولا يحبسه ولو بلا قهر ولو كان المرء الذي هو صاحب الحق إماما أو قاضيا أو حاكما أو سلطانا أو واليا ممن يلي إخراج الحقوق أو كان المنسوب في الحقيقة لمن ولي عليه كميته ومجنونه وعبده وزوجته ومن هو خليفة عليه أو وكيل له أو مأمور له أو محتسب وأن كان أخذ الحق بحبس لفعل أو قول فعله أو قاله فيه أو أن ولي عليه أو يمين يلزم له أو لمن ولي عليه لأجل مال أما يؤل إلى أو حيث تلزم اليمين فلا يحلفه لنفسه أو بنائبه لنفسه أو لمن ولي عليه ولا يحسبه ولا يضربه كذلك مطلقا أذعن أو كره ولا يأخذ ماله منه قهرا وقال في موضع أخر فإذا كان للقاضي أو الإمام أو نحوهما حق رفع من لزمه إلى غيره وكذا إذا كان لمن ولي عليه ورفع القطب عن الضياء وإذا كان للحاكم على رجل دين وكان مقرابه جاز للحاكم حبسه وأن كان منكرا للدين لم يكن للحاكم حبسه بل يرفعه لحاكم أخر ويحكمان رجلا فهذا تفصيل بين من أقربه من عليه الحق ومن لا يقربه .
المسألة الثانية :
أن أستمسك إلى الحاكم طفله أو عبده برجل في تعدية في الأنفس والأموال أو المعاملات فلا يثبت بينهما الخصومة وليدفعها إلى قاض غيره هكذا رفعه القطب عن الديوان وأن أستمسك بالقاضي رجل فليرفعا إلى الإمام أو قاضيه أو حاكم المسلمين أو جماعتهم . وكذلك أن أستمسك رجل إلى القاضي بطفل القاضي أو عبده فليرفعها إلى غيره ..
المسألة الثالثة : (1/30)
صفحة 31
لصاحب المال أن يقصد المكان الذي فيه ماله المأخوذ منه أن علمه فليأخذه وأن منعه الباغي عن قصد المكان قاتله على بغيه وأما أن لم يعلم المكان أو أختلط المال بما يتميز منه فأنه يدعوه إلى حاكم المسلمين أو جماعتهم.
المسألة الرابعة :
أن قال صاحب الأخذ للمال بمتبعه لا أعلمه أنه لك ولا أنك ترده لصاحبه فلعلك تريد أخذه أو تلفه أو ضياعه فلا يقاتله عليه إلا أن كان مشهورا بالصلاح أو قال له الأمناء أنه أمين وليس كما قال تقول انتهى.
( وجائز قتله بالغصب قيل له لو صر في الثوب أو في الجيب ما قصلا )
( إلا إذا غاب عنه علم موضعه لكن إلى الحق يدعوه إذا امتثلا )
( وواجب رده للحق أن قبلا والدفع عن بغيه والقتل أن عدلا )
أي من الجائز قتل الباغي المغتصب للمال ولو كان مما يصر في الثوب أو مخبو في الجيب لان المقتول د ون ماله شهيد وتقدم الخلاف قي القتال عن المال هل هو واجب أو جائز ورفع عن أبي محمد أن القتال عن المال جائز وفي المقام مسائل.
المسألة الأولى :
رفع الشيخ الصبحي عن أبي سعيد أن القتال عن المال جائز بإجماع الأمة وذلك أن المال يبذل للدين ويقام به ولا يبذل الدين للدنيا فأن كان في المال سعة ولا يضيع صاحبه إذا ترك القتال عنه فهو مخير أن طلب الأعز للدين فالنفس يحب لبذلها عنه وأن طلب الرخصة فله ترك القتال لان المال تفدي به النفس وأن كان المال مما يستر به العورة أو يموت جوعا وعطشا أن لم يقاتل عليه أو السلاح الذي يدفع به عن نفسه فهذا النوع من الواجب أن يقاتل عنه فأن لم يقاتل عليه هلك لأنه كالقاتل لنفسه.
المسألة الثانية : (1/31)
صفحة 32
إذا غاب عنه المال وجهل مكانه أو جنسه أو نوعه فأنه يدعوه إلى الحق أن امتثل وأذعن وأن لم يذعن ويمتثل فيجب رده إلى الحق بالدفع لكن لا يدفعه المأخوذ منه المال بل يستعدى عليه أو حضره أن يأمره بالمسير إلى الحكم أن تأتي بما دون القتل كجعل حبل على يديه وعلى رقبته ليجربه ويضرب بالعصي وأن عاند وقاتل جاز قتله لأنه عدل عن الحق وأن مات في حال دفعه فلا حرج على دافعه والله أعلم.
( وليدع للحكم مستخف ومختلس أيضا فأن يمتنع فالجبر قد وصلا )
( وقتله جائز والمانعين له عن خصمه أن أبى فالكل قد قتلا )
قوله وليدع للحكم مستخف ومختلس المستخفي هو اللص الذي يأخذ المال خفية فأن رآه رب المال أو غيره هرب وأما أن أخذ المال خفية فأن رآه أحد قاتل فذلك محارب يحكم عليه بإحكام المحاربين قال أبن العربي في كتابه أحكام القرآن إذا كان اللص يقوم بالسلاح لمن جاءه فأنه محارب نحكم عليه بإحكام المحاربين وهو قول حق والمختلس هو الذي يأخذ المال أختلس من حيث لا يشعر به وكلاهما بغاة لكن يدعون إلى الأحكام الشرعية فأن أذعنوا وانقادوا فليحكم عليهم بما تقتضيه قواعد الشرع من العقوبات وأن أبوا وامتنعوا وقاتلوا يجبرون على تنفيذ الحكم فيهم بأي ممكن من أحوال الحبر ويعين الحاكم من حضره من الناس عليهم وأن أدى الحال إلى قتالهم قتلوا على البغي لا على نفس الفعل .. والله اعلم ..
( واهجم على المانع المبغي عليه إذا أريد تخليصه والقاطع السبلا ) (1/32)
صفحة 33
قوله واهجم على المانع المبغي عليه أي يجب تخليص المبغي عليه من مانعه عن الخروج عنه وذلك الهجوم أما واجب أو جائز فالواجب كالواحد يقاتل رجلين فإنه واجب لقوله تعالى فإن كان منكم مائه صابرة يغلبوا مائتين و الجائز قتال الثلاثة فصاعداً فإذا تغلب ثلاثة بغياً منهم على واحد فقتاله لهم جائز و تخليص المبغي عليه منهم من أفضل القربات إلى الله تعالى و يجوز الهجوم عليهم في أي حاله كانوا في نوم أو أكل أو شغل أو صلاة و في أي وقت كان من الأوقات أما قاطع السبل فيجوز عليه الهجوم كذلك و أما أحكام القاطع فقد مر قريباً فراجعه تجده مفصلاً و الله أعلم.
( ولينه حارس باغ و لينكل ثم ليسق إن لم يحر كأس الحتوف ملا )
قوله ولينه النهي ضد الأمر قوله حارس واحد حرس جمعه حرس و حرس و حراس و هو الذي يحرس السلطان كان جائراً أو عادلاً و الكلام هنا في حارس الباغي كان سلطاناً أو غير سلطان لقوله صلى الله عليه و سلم لعن الله الظلمة و أعوانهم و لو بمدة قلم و لا تعاونوا على الإثم و العدوان فإن نهي و لم ينته فلينكل بأي أنواع النكال و إن لم ينته و كان الباغي ممن يمتنع ببغيه قتل و قوله يحر أي يرجع عن فعله الحرس و لا شك أن حارس الباغي باغياً و أنه معين للظالم على ظلمه و تشمله اللعنة و الله أعلم.
( و هدم معقل أهل الظلم متسع……كهدم هاماتهم حتى له تصلا)
(و هكذا حصن ما يأوي البغاة ولا …ضمان فيه إذا عن أمره دخلا)
(و إن تحصن باغ وسط منزل من ……لم يرض فاهدمه و اقتل ذلك الوغلا)
(إن لم تصله بلا هدم و تضمنه……في بيت مال إله العرش جلا و علا)
(و رأينا أخذه من مال معتصم……به لأن به اهدامه فعلا) (1/33)
صفحة 34
قوله و هدم معقل أهل الظلم متسع أي جائز هدمه كدم هاماتهم أي قتلهم فإنه جائز و كذا حصن من يأوي البغاة جائز هدمه و كذلك يجوز هدم حصن تحصن به البغاة كان لغائب أو يتيم أو لمن يملك أمره لكن دخله البغاة بغير رضى منه و في ضمان ذلك كله خلاف يأتي تفصيله إن شاء الله و في المقام مسائل:
المسألة الأولى: في حصون أهل الظلم إذا كانت ملكاً لهم و قوة لظلمهم يمتنعون بها و يأوون إليها و يتخذونها مرصداً فحاربهم المسلمون بعد الدعوة فامتنعوا عن ترك الظلم و أبوا عن الانقياد لما يجب عليهم في شرع الله من الحكم فاظهر الله عليهم المسلمين ونصرهم عليهم فللمسلمين هدم تلك الحصون ولو بعد خروجهم عنها وقد فعل ذلك أبو المؤثر رحمه الله ببيوت القرامطة وأعوانهم فأمر بهدمها وحرقها بالنار بعد خروجهم منها وذلك لئلا يعودون إليها قال أبو الحواري لما خاطبناه في ذلك أعرض عن كلامنا مغضبا وقال لا بد للقوم من مخاصم وقد فعل شيخنا الصالح صالح بن علي نور الله ضريحه لما بغت دما وأظهره الله على أهل ذلك الوادي أقام به ثلاثة أيام يهدم المعاقل ويخشي النخيل ويدمر الأنهار فعاب عليه قوم زهاد فرد عليهم شيخنا السالمي رحمه الله ردا بليغا في جواز فعله وساق الحجج من سيرة الشيخ صاحب المصنف رحمهم الله واصل ذلك من كتاب الله قوله تعالى والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وأرصادا لمن حارب الله ورسوله فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرق هذا المسجد بالنار قال الشيخ خميس في منهجه وأما حصونهم التي يتحصنون فيها فأن كان المسلمين يخافون أن يعودوا إليها ويتحصنون فيها فجايز هدمها أو قيضها إلى أن يرى المسلمون في ذلك رأيهم وكذلك المراصد التي هي للبغاة جائز هدمها انتهى بنص حروفه وفي بيان الشرع ما نصه قد روى سعيد بن محرز ومحمد بن هاشم بن غيلان عن نافع عن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى من دار في بيان الشرع ما نصه قد روي سعيد (1/34)
صفحة 35
بن محرز ومحمد بن هاشم بن غيلان عن نافع عن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى من دار في بعض غزواته فأمر بها فنسفت من أصلها وذلك معروف في أثار المسلمين وكذلك من حارب المسلمين من أهل التوحيد والشرك فتحصنوا في الحصون كان للمسلمين أن يهدموها ويدخلوا عليهم حتى يلقوا بأيديهم ويحكم عليهم بحق قال وحدثنا أبو محمد الفضل ابن الحواري عن أبي جعفر سعيد بن محرز ومحمد بن محبوب نن محمد بن هاشم رحمهم الله أن المسلمين لما نسفوا دار راشد غضب لذلك من غضب من أشياخ سلوت وغيرهم فقدم علينا محمد بن الأشعث ونحن مع بشير ببهلى فتكلم في ذلك الأشعث فقال ليس هذا من سير المسلمين قلت له قد نسف رسول الله صلى الله عليه وسلم حصن بني النضير فرد ذلك عليِّ الأشعث فقلت تبيان ذلك في كتاب الله قوله ( يخربون بيوتهم بأيدهم وأيدي المؤمنين ) وذلك أن المؤمنين ينسفون ما قبلهم وكانت اليهود تنسف من ناحية أخرى فيسدون به ما نسف المسلمون.
المسألة الثانية :
فيمن دخل البغاة حصنه برضى منه وكان ممن يملك أمره فالحكم فيه كالحكم في حصون البغاة من الهدم وغيره ولا ضمان على من فعل ذلك لان صاحبه هو الذي يرضي بذلك وأعان على هدمه فكأنما هدمه بيده لأنه مأمور أن يعين عل البغاة لا يعينهم لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ولما رضي بدخولهم عان على الإثم والعدوان ومرجع لومه على نفسه .
المسألة الثالثة :
إذا كان هذا الحصن مشتركا بين الباغي ومن لا يملك أمره كيتيم أو مجنون فكذلك جائز هدمه وضمانه على الباغي لأنه هو الذي عرضه على المتلف واتقى به عن نفسه .
المسألة الرابعة : (1/35)
صفحة 36
فيما إذا كان هذا الحصن خالصا لمن لا يملك أمره كيتيم أو مجنون فتحصن به الباغي فقد نقل الشيخ ناصر بن أبي نبهان عن أبيه أبي نبهان رحمهم الله أنه أمر بهدم بيت حربت فيه البغاة فقيل له أنه لأيتام فقال اهدموه وضمانه عليهم أي على البغاة لأنهم كانوا هم السبب في هدمه وأعجب الشيخ المالكي رحمه الله أن الضمان في بيت مال المسلمين والله اعلم.
المسألة الخامسة :
إذا تحصن البغاة في مسجد ولا يتوصل إليهم إلا بنقب جدره وإحراق عماره بالنار أو رميه بالمدافع وجعل الخندق له والنفق فكل ذلك جايز لإزالة البغي وإصلاح ما فسد منه في بيت مال المسلمين .
المسألة السادسة :
إذا كان أصل بناء هذا المسجد للعبادة فجعله البغاة مرصدا وصح ذلك منهم بالتكرار مرة بعد أخرى جاز للمسلمين هدمه إذا كانوا يخشون عودة البغاة غليه .
المسألة السابعة : (1/36)
صفحة 37
في الباب ما نصه قال أما كل بناء بناه بغاة البر والبحر مرصدا لمضرة المسلمين فيجوز هدمه لمن قدر على ذلك من المسلمين فتعقيبه الشيخ أبو نبهان رحمه الله مثل قوله بجواز هدم ما بناه قطاع طرق البر والبحر مرصدا لمضرة المسلمين أو لأهل ذمتهم أو لهم جميعا لأنه صحيح على أصوله وعلى صوابه دل الأثر إلا إني لا أحض في جوازه المسلمين دون من قدر عليه من المشركين بلا دليل ولا حجة على عدم المانع فجوازه على العموم أولى به لخروجه على معنى الصواب فيما أراه لان الباطل جائز أبطاله بالحق لكل أحد كما لا يجوز أن يمنع أحد من إثبات الحق في شيء بلا حجة فكذلك لا يجوز أن يمنع من إبطال الباطل بالحق لأنه الحجة لمن قام به وعلى هذا فكما يجوز هدمه للمسلمين فيجوز للمشركين وغيرهم من المنافقين ولا فرق بدليل أن ذلك باطل وهدمه حق وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا أنه يخرج على الصواب فالحق حق من حيث جاء والباطل باطل من أين كان وبهذا يستدل على أنه لا يجوز إبطال حق لكفر فاعله ولا إثبات باطل لإقرار فاعله بدين ولا رأي بجهل ولا علم فانظروا فيه يا أولي الألباب انتهى ولعل الشيخ أنه رأى الكافر مخاطب بفروع الشريعة كما هو مخاطب بأصولها وهو الحق للأدلة من الكتاب والسنة.
( ولا يحل لبلغ قتل أخر قد بغي إذا لم يتب من فعله عجلا )
( وهالكون جميعا أن أتوه وكل منها ضامن لماله فعلا )
ِمعنى البيتين لا يحل لباغ قتل بلغ مثله أن لم يتب من بغيه ويهلكون جميعا ويضمن كل منهم ما فعل بصاحبه من النفس فما دونها والأصل في ذلك قوله النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار قيل له قد علمنا القاتل فما بال المقتول قال أنه حريص على قتل صاحبه وفي المقام مسائل .
المسألة الأولى : (1/37)
صفحة 38
قال في النيل وشرحه أن التقت سرايا بغاة أو قطاع لم يحل لكل قتال أخرى ولا قتلهما والمراد أن كلا منهما بغت على الأخرى وأصرت أو سارت في الأرض لتبغي فالتقتا فلا يحل لكل واحدة أن تقاتل الأخرى وأصرت أو سارت في الأرض لتبغي فالتقتا فلا يحل واحدة أن تقاتل الأخرى لأنها مثلها لا تتأهل لأن تقاتلها إلا أن بغت احداهما على الأخرى تقاتلها عندي أي عند القطب رحمه الله لا عند الصنف ولا عند صاحب الأصل لان ذلك دفع عن نفسها بخلاف ما إذا بغت على عيرها أو سارت في البغي فأن قتالها حينئذ كتطهير النجس بالبول أو كإخراج الحق بالباطل والنجس لا يطهر غيره والحق لا يلي إخراجه المتصف بالباطل لأنه لا يذعن له وأن أبيح للغير لإبطال كل منهما وهلكتا أن أحدثتا هلاكا أخر بقاتلهما أن تقاتلتا على ذلك أي أن تقاتلتا حال كونهما باغيتين على الإصرار على البغي أو على قصده لأنه أي تقاتلهما على ذلك منهما حمية سواء قصدتا الحمية الباطلة على أحد أو لم تقصداهما لأنهما تقاتلتا على غير توبة وحق فأن ذلك منهما حمية إن لم يكن على حق .
المسألة الثانية :
أن تابت احداهما من بغيها الأول جاز قتالها أي قتال هذه الثانية ولو عن مالها أو مال غيرها من أراد بغيا من تلك الأخرى أو غيرها عليها أو على غيرها قال في النيل ولا يراعي مقاتل باغ حل قتاله أكان السلاح بيده أم لا فيقاتله ويقتله ولو لم يكن بيده سلاح أن علمه باغيا من قبل أو قصده بالبغي في حينه ولكن من عرف بالبغي يقتل حيث وجد كما قال ويقتل كقاتل وممانع للحق الذي لا يوصل إلى الحق إلا بقتله ومرتد وطاعن حيث وجدوا انتهى.
( وأن مررت بباغ أو رأيت به إمارة البغي فانزع منه ما قصلا )
( وخذ على ماله أجرا لترجع ما من ماله أخذ الباغي إذا ارتحلا ) (1/38)
صفحة 39
معنى البيتين إذا مررت على باغ ورأيت عليه إمارة البغي فانتزع منه ما أخذه من المال ومعنى قصل قطع أي اقتطعه من المال المبغي عليه وأن أجرت على أخذ ذلك المال من تستعين به على رجوع المال من عطاء للمعين أو كراء دواب أو زاد أو آلة يحتاج إليها المعين فعلى رب المال أجر ذلك كله وأن كره رب المال المأخوذ منه وفي المقام مسائل.
المسألة الأولى :
في الأمارة هي العلامة وأراد هنا العلامة على بغي الباغي وتكون قوية وضعيفة وتكون قطعية وظنية وأقوى طرق البغي الإقرار باللسان وهي قطعية الظاهر ولو أحتمل باطنها بخلاف الظاهر وأما الظنية فأقواها شهادة العدلين ويليها شهادة العدل الواحد ويليها شهادة العبيد ويليها شهادة النساء وتليها الإمارات ومن بابها أن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وأن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين إلى غير ذلك من الإمارات والمالكية من قومنا يحكمون بها وفي النيل ما نصه يحكم عليه ببغي بإقراره أو بمشاهدته أو بامناء أو بوجود مبغي عليه ماله بيده أو ما لا بعرفه لغيره أو أسارى أو جرحى أو نحو من صدقه ولو واحدا وبوجود إمارة بغي عليه كموت أو جرح فيه أو سرق مال لا يعرف له ورفعه على دابته أو بأتيانه طارداً ما معه من حيوان و غلب على الظن أو حقق أنه حرام قال الشارح رحمه الله عند قوله و لو واحداً ذكراً أو أنثى واحدة و لو لم يتوله و أجيز و لو عبداً أو كان له المال ففي الأثر و عن رجال مر عليهم مواش في غارة و النساء أثرهم طالبات و استغاثت النساء بهم فالجواب أنهم يخلصون الماشية من أيدي الغارة بكل معنى قدروا عليه لأنها سرقة و ظلم ظهر لهم و عليهم أن يمنعوا النساء ممن أراد ظلمهن.
المسألة الثانية: ما يفعله من مر عليه الباغي يجوز له دفعه عن المال المأخوذ و نزعه منه فإن قدر على نزعه بغير قتله نزعه منه فإن تعذر نزعه بدون القتال جاز قتاله و منعه منه و أخذه باحتيال و غيره سراً و جهراً. (1/39)
صفحة 40
المسألة الثالثة: إن اختلط الباغي بغيره ممن ليس بباغ فلا يهجم عليه متبعه إن وجده مختلطاً بغيره و لا يقاتله في حال الاختلاط لئلا يصيب غير الباغي و لئلا ينتصر له إن لم يعلموه باغياً و لئلا يخافوا على أنفسهم من متبعه لكن على متبع الباغي إن وجده مختلطاً بناس أن يحتج عليهم و يخبرهم ما صدر منه من البغي و أن يسيروه لأداء ما عليه بالحكم أو يرد المال الذي أخذه و على من اختلط به الباغي أن يسيره للحكم و إن لم يقدر ففعليه الاعتزال عنه و له أن يقاتله مع المبغي عليه و لرب المال أن يقصد ماله و يقاتل من حال بينه و بين المال أو منعه عنه. (1/40)
صفحة 41
المسألة الرابعة: إذا اختلط الباغي بغير الباغي من أهل البلد و جاء المبغي عليهم يريدون حقهم من الباغي ففي الأثر تفصيل في المسألة قال محمد بن جعفر في جامعه و عمن سلب أو قتل في قرية من القرى أو جماعة من الناس فعلوا ذلك ثم رجعوا إلى منازلهم و إلى بلدهم فخرج اللذين ظُلموا يطلبون ظلامتهم فخاف أهل البلد اللذين هم سكان معهم أن ينتهكوا منهم ظلماً في منازلهم فهل لهم أن يدفعوا عن بلادهم بالقتال أو يسلموا لهم البلاد و يدعوهم حتى يعلموا ظلمهم و هل لهم أن يحيلوا بينهم و بين اللذين يدعون إليهم الظلم قال إن كان هؤلاء ممن لا يخاف منهم الظلم يجتمع أهل البلد فيسألونهم ما يريدون فإن بدؤهم بالقتال و الرمي استشهدوا الله عليهم و قاتلوهم و إن قالوا لا نريد محاربتكم لكن نطلب حقا لنا ظلمناه إلى اللذين ظلمونا و ننزل في البلد لحاجتنا و لم يبدؤا بالقتال نظر أهل البلد فإن كانوا في جمع كثير و في حد من يخاف منهم و قد احتجوا بهذه الحجة فأرى أن يجتمع أهل البلد و يكونوا بحذاءهم و لا يبدؤهم بالقتال ما كفوا أيديهم فإن بدؤهم و قاتلوهم فقد حل قتالهم و إن تعدوا عليهم في أموالهم دفعوهم عن أموالهم فإن قاتلوهم على ذلك فقد بغوا عليهم و قد حل قتالهم و إن لم يعرضوا إلى أهل البلد شيء و إنما قصدوا إلى قوم من أهل البلد فإن لم يعلموا أن لهم حقاً يطلبونه إلى القوم اللذين هم في بلادهم فإن بدؤهم بالقتال و التعدي عليهم في أنفسهم و أموالهم فإن أهل البلد يقاتلون مع أهل بلادهم و يدفعون عنهم الظلم بجهودهم و إن علموا أن اللذين في بلادهم قد بغوا على أولئك في أموالهم و أنفسهم و امتنعوا فليعتزل أهل البلد عنهم و لا يقاتلون مع أهل الظلم قال أبو المؤثر إن استطاعوا أن يوصلوهم إلى حقوقهم و يصرفوا أولئك عنهم بالعدل فعلوا ذلك و إن لم يقدروا على ذلك منعوا أنفسهم و الحرم و الأموال و الأطفال عن الظلم و خلوا بين الظالمين بعضهم بعضاً قال محمد بن (1/41)
صفحة 42
جعفر و إن قدم أناس من الجند أو من اللصوص أو ممن يخاف و لا يؤمن على القرية و قالوا أنا لا نريد ظلمكم و هم لا يؤمنون إن دخلوا القرية فالرأي معنا مثل ما وصفنا في المسألة و لا يستحل قتال قوم دخلوا البلاد حتى يكون منهم الحدث الذي يستحقون به ذلك و تقوم عليهم الحجة و في أجوبة شيخنا السالمي رحمه الله ما معناه إن كان اللذين أتوا إلى البلد قوم قائدهم عالم ضابط لقومه فإنهم لا يمنعونهم من دخول البلد و عليهم إعانتهم على أخذ حقهم ممن ظلمهم إن قدروا على ذلك و في النيل و شرحه ما معناه إن خافوا ما الجائين و تمكنوا في البلد أن يصدر منهم الظلم فلهم منعهم عن دخول البلد و تكون نيتهم الدفع عن الظلم لا إعانة الظالمين و الله أعلم.
المسألة الخامسة: و خذ على ماله أجراً لترجع أي يجوز أخذ الأجرة من مال المبغي عليه المأخوذ ماله على رجوع ماله قال في النيل و شرحه باب جاز لمن جار عليه باغ اتباعه و الأمر به و الكراء عليه و إن لم يأكل مالاً و لزمت الأجرة ربه إن أكله و إن كره قال الشارح و إن كره إعطاء الأجرة و قال إني لم آمر برده و لم آمر بالاستئجار أو لم يرده لأن ذلك نفع له و قيل يعد متبرعاً لأنه لم يأمره برده و لا بالاستئجار و وجه الأول أنه حصل له منفعة و لم ينو التبرع فيدرك عليه ما أعطى من مال نفسه أجرة لمستأجره بفتح الجيم و إن كان لما يعط أدركها هو على صاحب المال فقيل يدركه و قيل لا مثل ما يعطي لكبير البغاة على رده و لمن ينفد كلامه فيه أو جهلت بأن قالوا لكم الأجرة و تعطي ما تيسر أو ما يقدر الناس لكم إلى أن قال في موضع آخر و هذا يصلح إن قدر على المال الذي سلب أو لم يعلم و قال و له أيضاً إن علم هو أن يقطع له أجرة دون ذلك المال لا مثله و لا أكثر منه و ذلك بنظر الصلاح و من أراد المسألة بفروعها فليراجع النيل و شرحه.
( و اقتله لو لم يكن باغ و جاء لدى……جيش البغاة و أما الحكم فيه فلا ) (1/42)
صفحة 43
( حتى يرى أنه بالجبر مضطلع……أو أن تراه بثوب العذر مشتملا )
معنى البيتين من جاء في جيش الظلمة البغاة جائز قتله لأنه في الظاهر أنه منهم حتى يعلم أنه مجبور مقهور على الخروج قسراً و التقية بالفعل لا تجوز و ليس له أن يرمي أحداً و لا يشهر سلاحه وفي المقام مسائل.
المسألة الأولى: قال محمد بن جعفر قال محمد بن محبوب من سار مع هؤلاء الظلمة و كثرهم بنفسه و لم يتول الظلم بيده و لا بلسانه فقتلوا و ظلموا و هو معهم فنقول و الله أعلم أنه شريك لهم لأنه قيل من نظر المقتول سواد رأسه فقد أشرك في دمه.
المسألة الثانية: في ضمان ما فعله البغاة هل يكون على كل واحد قسطه من الضمان على عددهم أو عليه ضمان كل ما فعله ذلك الجيش يوخذ به و ذلك في كل مضمون في نفس أو مال و في المسألة خلاف في الأثر وجه جواز الأخذ من الواحد منهم ضمان كل ما أخذه مجموعهم لأنهم يد واحدة و لأنهم أعوان على الظلم فاليد الواحدة منهم يد لهم كلهم و وجه لا يضمن كل منهم إلا متابه من المظلمة قوله تعالى لا تزر وازرة وزر أخرى و الحق أنهم يد واحدة لأنهم كلهم يد واحدة و الله أعلم.
المسألة الثالثة: إذا أخذ من له الضمان واحداً منهم بجميع ذلك المضمون و أداه إليه من غير حكم حاكم هل له الرجوع على شركائه في الضمان بما أداه عنهم أم لا قول إن أداه من غير حكم فلا رجوع له على شركائه لأنه يعد متبرعاً و تكفيهم التوبة لأن الحق أصله واحد فبلغ صاحبه و أما إن أداه بحكم حاكم فله الرجوع عليهم صرح بذلك الشيخ جاعد في اللباب رأيته بعد ما كتبته و الحمد لله. (1/43)
صفحة 44
المسألة الرابعة: إذا علم أنه مجبور فلا يجوز قتله لمن علم منه ذلك و ينبغي له أن يراسل و يكاتب الفئة المحقة و إن قتل بغير علم فلا دية له على القاتل لأنه قتل على البغي في الظاهر و ظاهر القرآن أن على قاتله عتق رقبة لقوله تعالى: و إن كان من قوم عدو لكم فتحرير رقبة مؤمنة. و الذي أقوله أن العتق على بيت المال و الله أعلم و بلغنا أن القضية في حرب الشيخ صالح بن علي لوادي دما و كان في الوادي رجل من الأفاضل مشهور بالصلاح فقال لهم الشيخ صالح من وجد فلاناً فلا يقتله فقال رجل من الجيش أنا قتلت رجلاً على هذه الصفة فقال الشيخ رحم الله القاتل و المقتول و ذلك لأن قاتله محق و المقتول عند الشيخ محق و قعوده في ذلك الوادي ضرورة و الله أعلم.
( و قتل قائد أهل البغي متسع……و الناكثين على حال فلا تحلا )
( و سق إلى كل جبار منيته……كسقي من دلهم للفعل كاس بلا )
معنى البيتين أن واسع قتل قائد البغاة و الناكث لبيعة أمام العدل بعد ثبوتها عليه و قتل كل جبار معاند للحق و قتل الدال لجيش البغاة و أعوانهم على المحقين وفي الباب مسائل: (1/44)
صفحة 45
المسألة الأولى: قال الشيخ خميس في منهجه يقتل قائد البغاة إذا حارب و قتل جيشه أحداً من المسلمين ببغيهم و في جامع ابن جعفر بعد كلام في البغاة و يقتل إمامهم و قائدهم إذا قتل بأمره أو بيده أحداً من المسلمين على دينه و يقتل من أعوانه من تولى قتل أحد بنفسه أو أعان على ذلك و في الباب في آخر مسألة عن الصبحي إن كان إماماً أو قائداً جاز قتله و لا يضيق العفو عنهم إلا أن يعلم أنهم قتلوا أحداً من المسلمين أو على دينه فهم المقتولون لا محالة و الله أعلم قال الشيخ السالمي رحمه الله أما قتل القائد فلأنه شريك فيما صنع الجيش كله بل يحمل عليه جميع ما صنع الجيش و أيضاً فقيادته للجيش سعي بالفساد في الأرض و قد قال الله تعالى إنما جزاء اللذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا الآية وقال من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا فقتل القائد بمنزلة الحد فلذا لا يسقط بالتوبة بعد القدرة عليه قال الله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم والله اعلم.
المسألة الثانية : فيمن صح بالشهرة عنه أنه قتل أحدا على دينه كإمام أو وال أو قاض أو أمر بالمعروف وناه عن المنكر فأنه يجوز لعامة المسلمين قتله لان هذه المسألة خارجة عن الحدود تليها الأيمة وخارجة عن الحقوق لأنها يليها البعض دون الكل وإنما أمر الحقوق إلى أولياء الدم كقصاص من جرح أو قود أو غيره وأما من قتل أحدا من المسلمين على دينه فأن لكل أحد من المسلمين إماما أو غير إمام شار أو غير شاري أن يقتل هذا القاتل غيلة أو جهرا سرا وعلانية ولا حجة في ذلك للأولياء ولا غيرهم ولا عفوهم يسقط للقود ولا يزيل القتل عن القتل هكذا صرح الأثر الصحيح ويجوز في هذه المسألة الشهرة ولا يجوز في غيرها إلا الإقرار أو شهادة العدول. (1/45)
صفحة 46
المسألة الثالثة : فيمن نكث بيعة الإمام العدل وصح عليه ذلك بحجة فأنه يجوز قتله وبلغنا عن الإمام الجلندى بن مسعود رحمه الله أنه قتل جعفر الجلنداني وولديه النظر وزائدة على كتاب بيعة ظهرت عليهم على المسلمين فضربت أعناقهم فلما نظر إليهم فاضت عيناه دموعا فقال له المسلمون اعصبية يا جلندى قال لا ولكن حق الرحم.
المسألة الرابعة : في الدلالة من الجامع قال محمد بن جعفر واعلم أنه ليس لأحد أن يدل الظلمة عل المسلمين ولا على أموالهم ومن فعل ذلك فأنه شريك لهم في ظلمهم وأن طلب الجبار من أحد أن يدله على قرية فدله فقتل في أهل هذه القرية وأخذ الأموال ظلما فهو شريك الجبار فيما أحدث فيهم وأما أن دله عليهم وهو لا يعلم أنه يريد ظلمهم فقد أساء ويستغفر ربه قال أبو المؤثر في هذا مثل قال محمد بن جعفر قلت أن كان هذا الجبار معروفا بالظلم والقتل فأخذ الأموال وأخذ الخراج فالدال لله شريك في ظلمه قتلا كان أو مالا أو غير ذلك وممن جواب لأبي الحواري رحمه الله وعن رجل جبره السلطان وأخذه دليلا على بلد فلما دخل البلد قتل هذا السلطان أهل هذا البلد وأحرق وأراد هذا الدال التوبة والخلاص ما يلزمه وما خلاصه قال كل ما فعل هذا السلطان من قتل والحرق وغيره وما أصابه بدلالته في هذا البلد فهو عليه وقال الشيخ خميس في منهجه ومن دل على أحد من المسلمين فقتل بدلالته فليس على الدليل قود والقود على القاتل والدليل عليه الحبس الطويل والعقوبة الوجيعة والنكال لئلا يعود قلت لعل وجه قول الشيخ خميس ان ضمان الفعل متعلق بالفاعل إذا كان عاقلا بالغا مكلفا والمسألة خلافية في الأصول والأدلة ترجح القول الأول والله أعلم ذكر الانتصار من مال الباغي .
( وأن يكن عند مظلوم أمانة من بغي فليس له أن يأخذ البدلا )
( منها وليس له منع الأمانة كي يرد ما أخذ الباغي وأن جزلا )
( وقيل بل جائز أن كان في يده لا غيره فأنهم المعنى وكن بطلا) (1/46)
صفحة 47
( كذا الوالي له هذا إذا امتنع الباغي الباغي إذا حيوانا كان ما اكلا)
الانتصار لغة هو الانتقام وانتصر منه انتقم منه وشرعا أخذ المظلوم من مال الظالم مثل حقه وأصله في كتاب الله قوله تعالى ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ومن السنة النبي صلى الله عليه وسلم لهند لما اشتكت من أبي سفيان عدم النفقة قال لها خذي من ماله بالمعروف ومعنى الأبيات إذا كان للظالم أمانة في يد المظلوم والمظلوم لا يقدر أن يأخذ حقه منن الظالم هل له أن يأخذ من أمانته التي في يده أو لا قولان قول المجوزين أن آية الانتصار والحديث يدلان على أخذ حقه من أمانته والمانعون يستدلون على المنع بقول النبي صلى الله عليه وسلم أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك ويقولون بجواز الانتصار من غير الأمانة والله أعلم وفي المقام مسائل.
المسألة الأولى : في شروط الانتصار الأول منها عدم المنصف القادر على تخريج الحق من الظالم الثاني أن وجد المنصف ولم يجد البينة المقبولة فله الانتصار الشرط الثالث أن كان الظالم يتقيه المظلوم ويحذر المضرة على نفسه وماله الشرط الرابع أن يأخذ من جنس ماله من الحق لا يزيد ولا ينقص عليه مماثلة وجنسا.
المسألة الثانية : إذا تمت هذه الشروط ولم يجد من جنس ماله الذي له كمن له ذهب أو فضة ووجد حبا أو تمرا فقيل له أن يأخذ بقيمة حقه بشرط أن لا يجد من يقومه له بسعر يومه وقيل لا يأخذ لان الإنسان لا يحكم لنفسه ولو أخذ صارحا كما لنفسه وقيل له أن يأخذ لعموم الآية وعدم الشروط المانعة له وهو الصحيح عندي .
المسألة الثالثة : إذا وجد من جنس ماله لكنه يزيد عن قيمة ما له فقيل له أن يأخذ مثلا كمن له ناقة قيمتها مائة قرش فوجد ناقة قيمتها مائة وخمسون قرشا فيأخذ الناقة ويبيعها من حيث لا يعلم ربها ويعطيه الفاضل من حقه من حيث لا يخبره بذلك والقول الثاني ليس له ذلك والعلة المانعة هي العلة الأولى التي قدمناها في المسألة السابقة. (1/47)
صفحة 48
المسألة الرابعة : فيمن له حق على رجل بغي عليه ولم يقدر على حقه منه هل له أن يأخذ وليه بقريب قريبه للأنصاف منه أو ليس له ذلك فان كان هذا المأخوذ بتقريب وليه له يد على الذي عليه الحق فله أخذه بتقريب وليه وأن لم تكن له يد عليه فليس له ذلك لقوله تعالى لا تزر وازرة وزر أخرى والذي يظهر لي في هذا الزمان جواز ذلك لان طوائف أهل عمان كل طائفة يد واحدة تشد عضد صاحبتها أن كان محقا أو مبطلا لانتشار الجهل وعدم العلم فتراهم يتحزبون فرقا حتى إذا أصابت واحدا منهم أخذتهم الحمية الجاهلية والعصبية فصارت كلمتهم واحدة فمن هنا أجزت ذلك لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ولقوله النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله من أحدث في الإسلام حدثا أو آوى محدثا وقد انتشرت الحمية في البدو والحضر بالعصبية على الإطلاق فلينظر العاقل المنصف لنفسه ولكل مقام مقال ولكل نازلة حكم ولقد أفتى الشيخ سعيد بن ناصر الكندي رحمه الله بان البدو يد واحدة وذلك لعلمه بحالهم وذلك حين اجتمع الأشياخ بنزوى عند الإمام محمد بن عبد الله في مهمات أهل عمان فسأله الشيخ عيسى ونحن حضور فأجابه بذلك وهذا كله إذا كان من عليه الحق ليس مقدورا عليه وأما أن كان مقدورا عليه فلا يؤخذ غيره قولا واحدا.
المسألة الخامسة : في نفقة المأخوذ بتقريب وليه فنفقته ونفقة دوابه من ماله أن كان له مال حاضر وأن لم يكن فمن بيت مال المسلمين والله أعلم.
ذكر من لا يقاتل قبل الامتناع ..
( ولا يقاتل باغ مشرك وكذا مخالف دان بالتحليل أن عدلا )
( ولا يقاتل ذو دين كمقترض ولا الوكيل على الأموال أن رحلا )
( ولا الذي رد منه الغضب محتسب ولا الذي اخذ الأموال محتفلا )
معنى الأبيات لا يقاتل هؤلاء المذكورون أن كان مقدورا عليهم ولم يمتنعوا عما يوجبه الشرع عليهم فأن امتنعوا قوتلوا على البغي والامتناع وفي المقام مسائل . (1/48)
صفحة 49
المسألة الأولى في البغي أن قدر على تنفيذ الحكم عليه فلا يقاتل إلا إذا امتنع عن تنفيذ الحكم فيه وقاتل فانه يقاتل على نفس الامتناع لان على الناس الاستسلام والإذعان لأوامر الله ويؤمر بالمسير إلى الحاكم ويدفع باليد ويجد بالحبل ويضرب بالسوط ولو أدى إلى قتله فلا بأس بذلك.
المسألة الثانية : في المشرك أما أن يكون أصيلا أو مرتدا والعياذ بالله فأن كان المشرك كتابيا أو مجوسيا فأنه يخاطب بدخوله في الإسلام فأن امتنع خوطب بالجزية فأن امتنع قوتل حتى يسلم أو يؤدي الجزية وأن كان وثنيا خوطب بالإسلام فأن امتنع قوتل ولا محيد له عن ذلك أما قتلا أو إسلاما وأن كان الشرك مرتدا خوطب برجوعه إلى دين الإسلام فان رجع وإلا قتل ذكرا كان أو أنثى وقيل يستتاب فأن لم يتب قتل وقيل يستتاب ثلاث مرات فأن تاب وإلا قتل وقال الشافعي يستتاب في الحال وقال علي يستتاب شهرا والمرأة كالرجل لعموم قوله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه وعن علي تسترق المرأة وقال أبو حنيفة تحبس ويجبر الأمة سيدها على الإسلام .
المسألة الثالثة : في المخالف لأهل الدين وهو المخالف لأهل الحق الداين بتحليل أموال أهل القبلة أن فعلوا الكبائر فأنه إذا حاز المال مستحلا لا يقاتل عليه وأن أتلفه تاب فلا غرم عليه وقيل بجواز أخذ المال منه أن كان باقيا وأما أن تلف فلا ينتصر منه لأنه أخذه بديانة والله أعلم . (1/49)
صفحة 50
المسألة الرابعة : فيمن أخذ المال يدين عن رضى من صاحبه فلا يقاتل عليه لان أصله خرج برضى من ربه لكن يؤخذ بأداء ما عليه فان امتنع وكان قادرا على الأداء أخذ بأدائه قهرا ويباع من ماله قسرا هذا أن كان مليا قال ابن محبوب رحمه الله لا يلزمه إلا أن لم تجد إلا الأصول فأنه يعترضها المديان ويأخذها بتقويم العدول ويمدد على ما يراه الحاكم العدل وأن كان مفلسا فلا يجوز حبسه وقيل بجوازه حتى يصح أنه لم يجد ما يوفي به ديانه ووجه جواز حبسه لان الأصل المعسر ظلم كما أن مطل الغني ظلم والله أعلم.
المسألة الخامسة : في المقترض والوكيل فأنهم يؤخذون بأداء القرض وما بيد الوكيل من مال موكله أن طولبوا بذلك أما الوكيل أن ادعى إتلاف ما بيده من مال موكله فالقول قوله لأنه أمين والمقترض إذا ادعى الإفلاس فهو دين عليه ومتى ما تيسر أداء والله أعلم.
المسألة السادسة : فيمن احتسب لرد مال غيره من المغتصب فان القول قوله في بقائه وتلفه لأنه أمين ولان أصل احتسابه على الأمانة وكذلك المحتفل الآخذ المال أخيه المسلم عن إضاعته فان القول قوله في جميع ذلك والأصل في ذلك أنه محسن قال الله تعالى ما على المحسنين من سبيل .
( أما عداوة أهل البغي واجبه على المكلف لو بالقلب لا حولا )
( وعلم كفرهم مهما بليت به كعلم حجر الدما من حين ما عقلا) (1/50)
صفحة 51
قوله أما عداوة أهل البغي واجبة أعلم أن العداوة هي ثمرة البغض كما أن الصداقة هي ثمرة المحبة فيجب على المكلف حب من أطاع الله ورسوله وولايته ومناصرته منذ بلغ الحلم وكذلك يجب عليه عداوة من عصى الله ورسوله وبغضه ولو بقلبه منذ بلغ الحلم وأصل ذلك من الواجبات الدينية بالكتاب والسنة وإجماع الأمة قال الله تعالى أن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا وقال لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوأدون من حاد الله ورسوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله وأجمعت الأمة على ذلك وليطلب تفاصيلها من محلها ولنرجع إلى المقصود وأعلم أن على المكلف مع أول بلوغه معرفة أحكام الملل الست وهم اليهود والنصارى والصائبون والمجوس وعبدة الأصنام والأوثان والموحدون لله لان في ذلك الفرز بين كبائر الشرك وكبائر النفاق وذلك واجب وفي ذلك فرز بين دماء المشركين ودماء الموحدين وفي ذلك فرز بين أموال المشركين وأموال الموحدين وبين سبي ذراريهم وتحريمه لأنه قيل معرفة أحكام الملل الست توحيد وجهلها أو جهل بعضها شرك وقيل ليس معرفة ذلك توحيدا ولا شركا قال القطب وعدم شرك جاهل الملل الست وأحكامها هو قولي بعد فراغ الوسع قال في النيل وشرحه ما نصه لزم مبغيا عليه تخطية الباغي لبغيه إذ لزمه من أول بلوغه تحريم دمه ودماء الموحدين وماله وأموالهم للتوحيد الذي معهم إلا بحقها يعلم ذلك ومعرفة ذلك توحيد جهله شرك فقيل الواجب معرفة سلب الموحد وسبيه مع معرفة تحريم ضره في بدنه وهذا ظاهر كلامه هنا وقيل تحريم ماله وهذا في الباب الذي بعد هذا ويتعين جمل ما هنا عليه إذ قال الاما فيه فوت النفس كما مر وقيل تحريم دمه ما يؤدي إلى موته والله أعلم.
ذكر ( ما خالفت فيه البغاة المشركين من الأحكام )
( وغنم أموالهم والسبي ممتنع وقتل من غادرته السمر منجدلا )
( أما إذا غنموا أسلابهم فلهم أن يقتلوهم بها وليعقروا الابلا ) (1/51)
صفحة 52
( وليس يتبع باغ فر منهزما لكن إذا خيف منه الشران وألا )
( أو خيف شوكته أو كان ذا فئة تمنعه أو عصبة تحميه أن سئلا )
( حتى يفيء لأمر الله مرتجعا عن بغيه خائفا من ذنبه وجلا )
( هناك أن قاتلته عصبة فأجز هاماتهم جزرا للوحش أو نفلا )
معنى الأبيات أن بغاة المسلمين يخافون أحكام المشركين في أشياء منها لا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم ولا يجهز على جريحهم ولا يتبع منهزمهم فان تاب ورجع إلى أمر الله وهو الذي حكم به عليه وقاتلته عصبة بعد الفيئة جاز قتال العصبة التي فاتلت الراجع عن بغيه وفي المقام مسائل. (1/52)
صفحة 53
المسألة الأولى : في غنيمة أموال الموحدين البغاة فان أموال أهل القبلة وأن كانوا بغاة لا تحل غنيمتها والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم عبد هل تدري كيف حكم الله فيمن بغي من هذه الأمة قال الله ورسوله أعلم قال لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيئها وقال بعض أصحابنا إلا أن كان لهم مأوى يلجئون إليه فانه يقتل المدبر ويجهز على الجريح ويتبع الهارب وهذا منهم تخصيص للخير بالقياس وذلك انهم نظروا في الغرض المقصود من قتال البغاة فرأوا الغرض أن القصد بقتالهم دفع صولتهم وكسر شوكتهم فان كان لهم مأوى يلجئون إليه لم يحصل المقصود بقتالهم فما دامت رايتهم قائمة فهم بغاة قال الشيخ خميس في منهجه لا سبيل للمسلمين على أموالهم ولا يقتل أسيرهم ولا يتبع مدبرهم ولا يجاز على جريحهم قال والمعنى لا سبيل إلى أموالهم ما لم يكن ذلك المال آلة يتقوون به على حربهم ومعونة على بغيهم فان كان يتقوون به على المسلمين جاز حبسه عنهم وان لم يكن للمسلمين الظفر إلا بإتلافه وحبسه فتلف في الحرب من غير معنى من المعاني التي ترجى بها القوة للمسلمين والضعف للباغين فليس على المسلمين فلهم رده بعينه ورفع محمد بن جعفر في جامعه عن موسى بن أبي جابر بعد كلامه له في الباغي فانه يقاتل حتى يفيء إلى أمر الله لا يغنم له مال ولا تسبي له ذرية ولا تنكح له زوجة في عصمته ما أقر بالنبي والقرآن وليس المقر بالتنزيل كالمنكر للتنزيل المكذب به لان المكر للتنزيل مكذب بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم وهو خارج عن الملة وفي بيان الشرع ما نصه وأما القول بأنه لا سبيل على أموال الباغين فهو كذلك ما لم يكن ذلك لهم آلة حرب المسلمين أو معونة لهم على بغيهم عليهم فللمسلمين أن يجوزوه دونهم ويحبسوه عنهم إلى زوال بغيهم ثم يرد عليهم أو على ورثتهم وما كان من ذلك آلة تصلح لحربهم بها فقد قال بعض المسلمين أن يحاربوهم بها وما (1/53)
صفحة 54
تلف في الحرب منها فلا غرم عليهم وقد قيل بغرمها وأن سلمت فلا كراء لها.
المسألة الثانية : في اتباع المنهزمين قال محمد بن جعفر في جامعه للأمام أن يتبع المنهزمين ويتبع الرجل من أهل البغي فيقتله بعد ما ينهزمون ويتفرقون من القادة والأتباع وعنه إذا سفكوا الدماء وقتلوا المسلمين وشهروا السلاح فللأمام وأصحابه أن يتبعوا الموالي ويقتلوا من شاءوا منهم وإنما …تحرم دماؤهم إذا أقروا بالإسلام وفاؤا إلى أمر الله وأما ما داموا حربا للمسلمين فدماؤهم حلال وفي بيان الشرع ما نصه وأما قوله لا يتبع مدبرهم فالمعنى في ذلك لا يقتلوا منهزمين إذا لم يكن ذلك تفرقا إلى فئة يتراجعون بها في حرب المسلمين في تفرقهم وتوبة منهم عن بغيهم وامنوا معاودتهم للبغي أمسك المسلمون عن اتباعهم وأن لم يكن ذلك ولم يأمن المسلمين تراجعهم إلى فئة ثم يرجعون بها إلى حرب المسلمين أو إلى بغيهم عليهم أو يظلمون الناس في مسالك انهزامهم اتبعهم المسلمين ليأسروهم ويحبسوهم إلى أن يأمن المسلمون ذلك منهم فان كان للمسلمين إمام قائم فالحكم في ذلك إليه مع مشاورة أهل العلم وقد قيل يقتل من قتل أحدا من المسلمين من الباغين ويحبس ولا يؤمن معاودته للبغي عليهم.
……………………
المسألة الثالثة : في الجرحى قال في بيان الشرع وأما الجرحى فلا يجاز عليهم ما كانت جراحهم حائلة بينهم وبين البغي والظلم وأن كانت جراحته خفيفة غير موسرة له عن بغيه فسبيله سبيل أصحابه وأن كان على ما به من الجراحة مقيم على الظلم والبغي فللمسلمين قتله ما لم يكن منعه ذلك إلا بقتله وسبيل هذا المجروح الذي يقاتل سبيل البغاة ولا سبيل على المجروح الذي قد أسرته جراحته ومنعته عما يوجب قتله من أجله فهذا ما حضر ذكره من معاني ما تقدم من قول الفقهاء فيمن منعته جراحته عن المحاربة. (1/54)
صفحة 55
المسألة الرابعة : في الأسارى من البغاة فأما أن يكون الأسير من القادة أو البغاة الاتباع أما القائد فللإمام قتله وأن تاب بعد الأسر والقدرة عليه فقيل الإمام مخير في قتله وتركه كما أفتى علي بن عزرة الإمام غسان في عيسى ابن جعفر قال محمد بن جعفر أن قائد البغاة أن كان على غير توبة فأنه يقتل من بعد قتله للمسلمين ولم يسع تركه ولم يجز إلا قتله لكل مسلم قدر عليه لان قتله من الأمر بالمعروف وترك قتله من المنكر معنى إذا قدر عليه فبحسب هذا الأثر أن القادة من أهل البغي إذا تابوا من بعد أن يقدر عليهم من بعد حرب المسلمين وقتل من قتل بمحاربتهم يجب قتلهم وأن الحقهم ملحق في جميع أهل البغي فمن كان موليا حتى ظفر به ولم يلق بيده تائبا ومن استؤسر من أهل البغي الذين كانوا مستحقين القتل ببغيهم ومحاربتهم لم تنفعه توبته ممن علم منه الأدبار لأنه لم يتب في حال الاختيار وإنما تاب في حال الاضطرار وكأنه قد وجب عليه حكم القتل بمنزلة الحد وما تنفعه توبته بعد استحقاقه للقتل قلت أما وجوب قتله بقوله تعالى حتى يفيء إلى أمر الله وليست الإفاءة بعد الأسر هي الإفاءة المطلوبة لان هي تركه القتال مع قدرته على القتال هذا هو الظاهر من معنى الآية لعل من لم يوجب قتل الاتباع نظر أن المراد من قتال البغاة هو كف البغي لا غير فإذا امتنع بغيه وانكف لم يقتل لان المطلوب قد حصل إلا أن كان تعين عليه قتل أحد بنفسه فأنه يقتل به قولا واحدا والله أعلم تنيهان الأول إذا زحف قائد البغاة على المسلمين بعساكره وقتل المسلمين فأنه للمسلمين الفتك بهم إذا تولوا بحدثهم نحو ما فعلوا كقاتل المرداس وابن عطية وأشباههم بشهوة الخير عنهم في أحداثهم من غير أن تقوم بذلك بينة عليهم كذلك قتل المغيرة بن روس وخثعم. (1/55)
صفحة 56
المسألة الخامسة : إذا أفاء الباغي إلى أمر الله فمن قاتله بعد فيئه فهو باغ حل قتاله وقتله وذلك لأنه تعدى حد الله الذي حده في كتابه لعباده في قوله فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله والمعتدي لحدود الله ظالم باغ ووجه الإفاءة أن يدعوا خصمه إلى حكم الله عند حكام المسلمين وذلك فيما فيه الدعاوي بين الناس لا فيما فيه نص قاطع كمكيدة عمرو ومعاوية وذلك لما رأوا لا قيل لهم بقتال علي وأصحابه فعند ذلك رفعوا المصاحف على الرماح وقالوا ندعوكم إلى حكم كتاب الله فاختلف هنالك على علي أصحابه فمن قائل كيف نقاتل قوما يدعون إلى حكم الله وقال المحقون منهم أنما قاتلناهم بحكم كتاب الله لأن الله أمر بقتال الفئة الباغية حتى تفيء وافاءتها رجوعها إلى الحق وخروجها عما كانت عليه راجعة عنه وهو الحق وأما أن أفاءت الفئة الباغية ورجعت مذعنة لأحكام الله فقد حرم قتالها ومقاتلها هو الباغي والله أعلم ومثل هذا المسألة نقمت على الشيخ صالح ابن علي رحمه الله أنه خرج يوما على المساكرة فقتل جنده من بني شهيم سبعين رجلا في وقعة واحدة قال الشيخ وبنو شهيم هم قبيلة حكمهم حكم المساكرة حربا وسلما قال وقد خرجوا لنصرتهم فطحنتهم رحى الهيجاء ثم أن رئيس بني شهيم طلب من هذا الشيخ الحكومة في هؤلاء المقتولين فزعموا أن هذا الشيخ قال لذلك الرئيس أعطيك سيفا أحمر ولا أعطيك حكما قالوا كيف يمنع حكم الله ممن طلبه منه وكيف يقال لطالب حكم الله هذا الكلام فأن قدرنا أنه محق في قتلهم فهو مبطل في منعه الحكم قال الشيخ السالمي رحمه الله أن هذا الشيخ ينكر صدور ذلك القول منه وعلى تقدير صحة صدوره منه فنقول في جوابه أن سلمتم أن بني شهيم بغاة وأنهم صنف من المساكرة وأن هذا المحتسب قد قام ساعيا في قمعهم عن بغيهم فأي حكومة لهم مع ذلك أما قال الله عز وجل فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله وأي إفاءة لهؤلاء في مطالبتهم الحكم من المحتسب وهل هي إلا (1/56)
صفحة 57
حيلة نصبوها ليتوصلوا بها إلى إظهار الباطل وإطفاء الحق وما أشبهها بحيلة عمرو ومعاوية لعلي يوم صفين حين رفعوا المصاحف على رؤوس الرماح ونادوا في القوم بيننا وبينكم كتاب الله فهل سمع المسلمون دعاءهم لذلك وهل كانوا محقين حينئذ كلا بل المسلمون أمروا بالحمل عليهم وحرضوا على وقع السيوف فيهم وعاتبوا من توقف في أمرهم وفارقوا عليا حين أجابهم لمرادهم فليت شعري ما يصنع هؤلاء القادحون بأهل النهروان فإنهم هم الذين امتنعوا عن إعطاء معاوية الحكم وهم الذين عابوا على من توقف في الحكم ببغي معاوية وأصحابه وهم الذين فارقوا عليا حين أجاب معاوية للتحكيم وليس في عمان إمام قائم يرجع إليه أمر الناس سوى هذا مركز الإسلام وغوث الأنام وبوجوده يمتاز الحلال من الحرام فكيف يعاب قوله لمن أراد أن يحتال عليه أعطيك سيفا أحمر يريد بذلك الحرب أليس على أولئك البغاة أن ينقادوا لحكم الله بالرجوع والتوبة منه على يد هذا المحتسب وأن يسلموا الأمر إليه حتى ينفذ فيهم حكم الله فأن هذا هو إفادتهم التي ذكرها الله في كتابه حتى يفيئوا إلى أمر الله وليس ما حاولوا من الخديعة للمسلمين ونصبوه من المكيدة للمحققين هو الإفاءة والرجوع منه إلى الحق كلا بل هو زيادة في طغيانهم وعلو واستكبار في شأنهم فالواجب على كل مسلم علم ببغيهم وقدر على قتالهم ودفعهم عن ظلمهم أن يتقرب إلى الله بقتلهم وأن ينفذ فيهم حكم ربهم حتى يرجعوا عن بغيهم قال الشيخ السالمي فأنه قبل أن أهل النهروان أنكروا التحكيم لغير الثقاب ولم ينكروا إجابة معاوية إلى الحكم قال الشيخ قلنا أن أهل النهروان أنكروا ذلك كله بدليل أنهم أمروا عليا أن يجيب القوم حين قالوا بيننا وبينكم كتاب الله قالوا له قل لهم على ترك كتاب الله قاتلناكم ولأنهم قالوا لا حكم إلا لله ومرادهم بحكم الله هنا قتالهم الفئة الباغية ولانهم حضروا في حال القتال وقاتلوا وعلي وأصحابه ممسكون فهذا عمار بن ياسر الذي أمر (1/57)
صفحة 58
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهتدي بهديه قتل حال أمساك علي عن القتال وحال مخاطبتهم بالتحكيم وكان يقول هل من رائح إلى الجنة قبل تحكيم الحكمين ( فايده) قال في بيان الشرع وسئل أبو سعيد عن قوم بغوا على المسلمين فحاربوهم وقتلوهم وملكوا الباقين ثم خلا لذلك سنون كثيرة هل يجوز قتلهم على ما كانوا عليه قال معي أنه قيل إذا لم تقع مسألة منهم ولا سبب يوجب ترك حربهم بينهم وبين المسلمين فهم عندي على بغيهم ويجوز أن يقاتلوا على ما قاتلهم عليه المسلمون فمن أراد أن يحاربهم بقتلهم المسلمين جاز قتلهم بأي وجه كان بغزو أو غيره على معنى قوله قلت له فأن خلف بعدهم قوم من أعوانهم وفني الذين قتلوا المسلمين هل يكونوا هؤلاء بمنزلة الآخرين قال معي أنهم أن كانوا معينين لهم على بغيهم ومعرفتهم لبغيهم على المسلمين أنهم بمنزلتهم في بعض ما قيل في أمر الحرب قال وكذلك إذا بغى بعضهم على المسلمين بعد معرفته بحقهم جاز قتله غيلة وينظر في هذا ولا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب قلت نظرت في هذا الأثر الذي نسب إلى أبي سعيد فرأيته حقا وصوابا وأدلته من قوله تعالى لليهود الذين هم في أيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم مغيرا لهم وموبخا لهم بقتلهم الأنبياء وسماهم قتله وهم لم يشهدوا القتل ولا قتلوا بأيديهم ولا كانوا في زمانهم وما ذلك إلا لأنهم رضوا بفعل أباهم وبقتلهم الأنبياء وكل بغي بغاه الأولون طائفة أو بلدة ورضيه من جاء بعدهم إلى أخر الزمان فهو معهم في البغي والهلاك وهذا لا يخفى على ذي بصر وبصيرة ولو كان ذلك الغير من غير تلك البلدة أو القبيلة لكن رضي بفعلهم فهو لا شك أته معهم يجوز قتله وقتاله إذا عرف الحق وبلغته الدعوة وتكرار الدعوة لمن عرفها لا بعد إلا من الهذيان والله المستعان .
( ذكر ما وافق فيه حكم البغاة المشركين )
( وليس يقتل شيخ والصبي ولا المريض والخود أن لم ينصروا الجهلا ) (1/58)
صفحة 59
معنى البيت لا يقتل الشيخ الفاني ولا الصبي ولا المريض ولا المرأة استقلالا لكن يشرط أن إلا ينصروا الجهلاء المقاتلين على شرك أو بغي وفي المقام مسائل .
المسألة الأولى : في الأدلة للمنع عن قتل الشيخ والنساء والصبيان قال في بيان الشرع نافع عن عبد الله أخبره أن امرأة وجدت مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان والحديث في مسلم أنبأنا أبو بكر ابن أبي شيبة قال أنبأنا محمد بن بشير وأبو امامة قالا أنبأنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال وجدت امرأة مقتولة في بعض تلك المغازي فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان قال النووي في شرحه أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا فأن قاتلوا قال جماهير العلماء يقتلون.
المسألة الثانية : في شيوخ الكفار فأن كان فيهم رأى قتلوا و إلا ففيهم والرهبان خلاف قال مالك وأبو حنيفة لا يقتلون و الأصح في مذهب الشافعي قتلهم والمذهب عدم قتلهم إلا أن كانوا مرجعا في الرأي فأنهم يقتلون قال القطب نهى عن قتل النساء والصبيان والشيخ الفاني وجوز قتله أن كان يعود إليه الأمر ولو لم يقاتل وفي ميزان الشعرائي قتلت الصحابة شيخا فلم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المسألة الثالثة : في قتل النساء فأنهن لا يقتلن للنهي عن قتلهن إلا إن قاتلهن أو أعن بشيء فإنهن يجوز قتلهن .
المسألة الرابعة : لا يجوز قتلهم لان القلم مرفوع عنهم فأن قاتلوا جاز دفعهم عن القتال بغير قصد لقتلهم فأن ماتوا في الدفع بلا قصد فلا ضمان على فاعل ذلك وأن قدر على منعهم عن الدفع بما هو أهون كالحبس وغيره من أنواع المنع قصدا إلى ذلك المنع بما أرفق . (1/59)
صفحة 60
المسألة الخامسة : في المريض الذي حبسه مرضه فهو كالذي حبسه جراحته عن القتال فأن كان مشركا عرض عليه الإسلام أو الجزية أن كان كتابيا فأن أبى قتل وأما أن كان من أهل البغي فأن منعته جراحته عن بغيه فلا يقتل إلا أن كان مقيما على بغيه ويشمر أهل البغي ويحرضهم بلسانه فأنه يقتل والله أعلم.
( ذكر من سقط عنهم الجهاد )
( ولا جهاد عليهم كالرقيق ومن عليه دين ولم يترك له بدلا )
( لكن عليه عن النفس الدفاع وعن أمواله أن يكن راع وقد كفلا )
( كذلك من منعاه والداء وقد صارا حليفي مضرات ولا خولا )
المعنى أن فرض الجهاد يسقط عن العبيد وعن أصحاب الدين الذين لا يجدون وفاء لدينهم ولا ضمينا عنهم فيه ولا على من منعاه والداء عن الجهاد أن كانا في ضرر ولا يكفلهم غير ولدهم وفي المقام مسائل .
المسألة الأولى : أما الكلام في سقوط الجهاد عن هؤلاء المذكورين فها هنا محله والأصل في هذا كله قوله تعالى ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم والنساء والصبيان والعبيد وأهل الزمانة والمجانين كلهم من الضعفاء المعذورين وقد أفردهم الله تعالى بالذكر في موضع آخر فقال ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج ولا على المريض حرج وقد ذكر الله عدم النفقة بأنها عذر بقوله ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج والمسافر داخل تحت هذا العذر إذا لم يجد زادا ولا نفقة فصح بأن المرأة من المعذورين عن الجهاد لأنها من الضعفاء.
المسألة الثانية : في لعبيد والعبيد غير مخاطبين بغرض الجهاد لأنهم لا يملكون أنفسهم فضلا عن النفقة التي يحتاج إليها في جهاده لأنه مملوك هو وما ملكه لمالكه وأن كان في بعض ملك العبد للوصية خلاف فأنه لا يملك التصرف لنفسه ولا لماله إلا بأذن سيده . (1/60)
صفحة 61
المسألة الثالثة: في سقوط الجهاد بالدين من أين ثبوته سئل الشيخ الخليلي رحمه الله عن ذلك فقال هكذا قالت الفقهاء وأطبقت كلمتهم عليه ولا أجد التصريح به كذلك من الكتاب ولا من السنة ولكن قول مقبول واثر متبع وكأنه أكثر اعتمادهم فيه على أن الجهاد من حقوق الله والدين حق للعباد فهو مقدم عليها في الأصح ثابت في الحديث المشهور أن التوبة تجزي إلا عن حقوق العباد فكان ارتهان الذمة عذرا مانعا من وجوب الجهاد فأن كان ذا مال فأوصى بدينه وأشهد عليه إذا لم يمكنه في الحال قضاؤه اله أن يخرج أم عليه أم لآله ولا عليه قال الشيخ الخليلي رحمه الله ففي الأثر أن له أن يخرج على هذا ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ سلفا وهودين ومات عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعليه دين ولا يجوز أن يأتي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى شراة الآيمة حالة تمنعهم عن الجهاد والصحيح أن الزبير كان عليه من الدين ألف ألف ومائة ألف وقتل والدين عليه حتى قضاه عنه ولده عبد الله بن الزبير ولا يبعد عندي من جواز القول بلزومه والحالة هذه أشبه استدلالا بحال هذه الآيمة فأن الجهاد عليهم من اللازم لأنهم الباعة لأنفسهم لله تعالى خلافا لمن يرى نفس الدين عذرا يمنع من الخروج قال فلا يتعرى من الجواز من الاختلاف كما سبق في هذا الفصل قياسا لا حفظا فلينظر فيه انتهى كلام الشيخ رحمه الله وهذا كله في الجهاد وأما في الدفاع فسيأتي الكلام على وجوبه في محله أن شاء الله. (1/61)
صفحة 62
المسألة الرابعة : في منع الوالدين ولدهما عن الجهاد ما القول فيه قال الشيخ الخليلي رحمه الله أكثر القول أنه لا رأي لهما في الدفاع فله أن يخرج ويأتي ذلك في الدفاع أن شاء الله وأما في الجهاد فيختلف فيه فقيل أن كان الجهاد فرضا فلا رأي لهما فيه وقيل أن طاعتهما فريضة حاضرة فهي الزم وبها عن الجهاد يعذر ويحسن عندي أن كان من قوام الدولة فيلزمه الخروج و إلا فهو مخير ويجوز أن يقال أن كان ممن يكتفي عنه في الجهاد بغيره فالتعود أفضل وفي مثل هذه الحالة رد النبي صلى الله عليه وسلم من قال أن له والدة فقال استأذنها فأن أبت فاقعد فأن الجنة تحت أقدام الأمهات وقد قتل حارثة في الجهاد ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم منعه من الخروج إلا بأذنها ولما استشهد جاءت أمه إلى النبي الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله أن كان حارثة أنهن جنان لم أبك ولم أحزن وأن كلن غير ذلك فسترى ما أصنع فقال يا أم حارثة في الجنة وأن حارثة في الفردوس الأعلى فرجعت وهي تقول بخ بخ لك يا حارثة بخ بخ كلمة مدح ولعل بهذا يستدل من قال بجواز الخروج له مطلقا في الجهاد أو دفاع في فروض أو وسيلة ولو منعناه لكن اختار تقييده مع ذلك بكون الخروج لا مضرة عليهما فيه فلو تعين مرضهما أو عجزهما عن القيام بحوائجهما ولا قايم لهما غيره لزمه القعود عندي وكذلك في حق غيرهما ممن يلزمه القيام به وهذا يشمله عموم الآية الشريفة غير أولي الضرر بنفسه وبمن يلزمه القيام به كله من واضح العذر لأنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام انتهى ما نقلته عن الشيخ رحمه الله .
باب من أسباب البغي والاستعانة على الباغي ..
( وأحكم عليه ببغي أن أقر وأن شاهدته غاصبا أو جارحا رجلا )
( أو مفسدا نشبا أو قاصدا سلبا أو منفرا غنما أو طاردا بلا )
( أو أخبر الأمنا بالبغي أو وجد المبغي أمواله قد جازها وغلا ) (1/62)
صفحة 63
معنى الأبيات يثبت البغي بالإقرار به وبالمشاهدة له وتغييب المال وبأفساده وبقصد سلب السلاح أو بتنفير غنم أو طرد ابل أو يخبر الأمنا ببغيه أو وجد المبغي عليه ماله في يد رجل حازه فبهذه الأشياء يحكم بالبغي على صاحبها وفي بعض هذه الأشياء احتمالات سيأتي لها تفصيل في محلها أن شاء الله وفي المقام مسائل.
المسألة الأولى : في الإقرار فإن الإقرار بالشيء هو من أصح ما يثبت به الحكم والدليل على ذلك من الكتاب قوله تعالى قالوا أقررنا وقوله تعالى بل الإنسان على نفسه بصيرة وقول العلماء لا إنكار بعد إقرار بشروط أحدهما أن يكون المقر عاقلا حرا فلا عبرة بإقرار المجنون ومن هنا لما أقر ما عز عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزنا أعرض عنه ثلاث مرات وأقام عليه الحد في الرابعة وسأله هل فيك جنون فقال لا ومنها أن يكون مختارا غير مكره ولا مضيق عليه في السجن أو بضرب وخرج بالحرية العبد فأن إقرار على سيده والإقرار على الغير لا يجوز..
المسألة الثانية : الحكم بشهادة العدول الأمناء فأنه يثبت الحكم بشهادة العدلين لقوله تعالى فأشهدوا ذوي عدل منكم ولقول النبي صلى الله عليه وسلم شاهداك أو يمينه وشهادة العدلين وأن كانت ظنية فأنها يثبت بها الحكم للأدلة الواردة بقبول قولهما فالحاكم غير مخاطب إلا بظواهر الناس وأن كان الباطن غير ذلك جرت قواعد الشرع فأن كذب الشهود أنفسهم بعد حكم الحاكم فلا ضمان على الحاكم وإنما الضمان على الشهود والشهرة العامة الصحيحة قال في الأثر أن الشهرة تهرق بها الدماء وتقام بها الحدود ومثل ذلك لو أن رجلا فعل يوجب به عليه الحد فشهر ذلك في الناس وكان يؤخذ عند الخاصة والعامة لكن لا يشهدون عليه بفعل الشر أنه يحكم عليه بذلك. (1/63)
صفحة 64
المسألة الثالثة : في المعاينة للفعل من الفاعل فأن عاينت أحدا أخذ مالك أو أفسده بأي أنواع الفساد فاحكم على فاعله بالبغي عليك وفي النيل ما نصه يثبت في المال بنزعه أو إرادته أو بمنع منه أو الانتفاع به أو يتعدى إليه أو لأخذه به أو إفساده أو لزيارة فيه أو تنجيته من فساده ولو كان إفساده أو المنع منه بتنفير دابة أو طرد رقيق عن خدمته أو حمله أو نحو ذلك أو طرد حملته أو خدمته منه أو نحوهم من أولاده وإجرائه أو مكزيه أو مشتريه ومن القصد أن يمضي إلى طلوع نخلة ويشرع في طلوعها أو يمضي إلى حصاد أو يشرع في حصاد وكذا الحفر والدفن إذا قصد ذلك لإفساده أو تملكه أو منع أو انتفاع به وجل الدفاع بذلك أي لأجل ذلك والقتل هذا كله أن كان المال بيد الباغي وأما أن غيبه عنه ولا يعلم له مكانا فلا يقاتله بل يدعوه إلى الحق عند المسلمين وحكامهم وأن قاتله بلا دعوته إلى الحق فهو باغ مثله قال في النيل وشرحه وجوز لرب المال في المسألة السابقة وغيرها أن يقصد لماله أن علم مكانه أي الشخص المعين كبيت مخصوص عرف أنه فيه لا أن عرف أنه في الدار ولا يدري في أي محل هو ويأخذه ويقاتل عليه مانعه منه سواء منعه الذي أخذه أو غيره ممن لم يكن في يده على الأمانة والحفظ وأن علم الذي هو في يده أنه له فمنعه منه فليقاتله وقيل يقصد الغاصب بالقتل وما دونه أن منعه ولو غيبه في متاعه أو في بيته أو في بيت في يده أو بيت غيره وحال بينه وبين التفتيش عنه وقد علم أين هو أو جعله في لباسه أو ثوبه أو جيبه أو فعل غير ذلك أن كان يميزه ويعرفه بعينه لا يشك فيه ولا يقاتله عليه أن غيبه ولم يعلم مكانه أو لا يتميز له خلط أو لم يخلط بل يدعوه إلى الحق بأن يقول له ارتفع معي إلى القاضي أو إلى الجماعة أو إلى من ينصف بينهما وقاتله أن أبى من الذهاب معه إلى الحق وعاند على ذلك كل فاعل قاتل أي يقاتله كل من حضره في الآباء والعناد وكل مرجع عنده ذلك ولو لم يحضر إلا من (1/64)
صفحة 65
خاف على نفسه وذلك القتال بالضرب بالعصي والحجارة ولا يتعمد قتله وأن مات هدر دمه وذلك ليرفع إلى الحكم لا هو أي لأصاحب المال لأنه منتصر لنفسه وهكذا من المال بيده لوجه جائزا إذا لم يحل له تسلميه لذلك وهكذا يقال كلما ذكر المنصف أو ذكرت صاحب المال لا مكان أو أراد بصاحب المال ما يشمل ذلك و إلا أن قاتله كان باغيا مثله فأن قتله أو حرجه أو ضربه فعليه الدية و الارش أو القصاص ورفع الحد عنه بالشبهة هذا أظهر ويجوز لهذا الباغي الأبي المعاند أن يقاتل الباغي الأخير الذي هو صاحب المال لأنه لا يجوز لصاحب المال قتاله بل يجوز لغيره فلا يجوز لذلك الباغي المعاند قتل غير صاحب المال إذا جاء يضربه ليرتفع إلى الحاكم ولكن يلزمه أن يذعن للذهاب إلى الحق بل الإنصاف من نفسه برد ما أخذ وأن نهب الباغي مالا وأكله أي تملكه وأراد أكله وجاز به على غيره فله بلا وجوب دفاعه عنه أي عن ذلك المال بالجبن والإمساك وقتاله عليه حتى يأخذه منه سواء كان في الصحراء أو القرية واحد أو غير ذلك وأن لم يعلم ربه أو كان معه مال الباغي ولا يقدر أن يميزه أو يقدر ولكن اتصل به ولا يجد فعله في تلك الحال كغرارة بعض ما فيها للباغي وبعضها للمبغي عليه ويرد للباغي ماله بعد ووجب عليه النهى أن لم يرج القبول ودفعه وقاتله أن شاء وأن شاء اقتصر على النهي أن أطاق النهي وأما الدفاع والقتال فلا يلزمه ولو قدر إلا أن وعلى الإمام أو عامله أو الشراة وعرفوا ذلك فأنه يلزمهم قتاله ودفاعهم عن المال ونزعه ويرده لربه أن عرفه علمه و إلا فلا يعطى لأحد إلا ببينه عادلة تبين أنه للمسجد أو للإمام أو لفلان ونحو ذلك وأن قال الباغي هذا لي وهذا للمبغي عليه وأشكل على هذا الزمه بنفيه منه حتى يرده انتهى ومن أراد الزيادة فعليه بالمطولات يجد الشفاء والله أعلم.
( ومن أتى لبس يدري ما أراد فأن أبدى بضرب كسيف أو رمى نبلا ) (1/65)
صفحة 66
( لو لم يصب من رماه أو أصاب به ثيابه فهو باغ فارمه عجلا )
( وقيل أن أشهروا سيفا وقيل إذا صفوا له وأغاروا نحوه الابلا )
( وأظهروا السيف إظهارا وقيل إذا ما جاوزوا حجره فالبغي قد حصلا )
معنى الأبيات ومن أتى ولست تدري قصده فلا تبده بالضرب والرمي حتى يكون هو المبتدي بالضرب أو الرمي أو الإغارة أو أشهر عليك سلاحه كان سيفا أو تفقا أو غيره ولو لم يصب من رماه أو وصله في ثيابه أو دابته أو أغار عليك بفرسه أو ناقته وقيل إذا جاوز الحجر الذي حجرته عليهم ففي هذه الحالات كلها هم بغاة يجوز فيهم ما جاز في البغاة هذا معنى الأحمال ( وفي المقام مسائل )
المسألة الأولى : ينبغي للمبتلي أن يكون ثابت القلب عارفا بأحوال القبايل والأزمنة والأمكنة لان لكل مقام مقال وشاهد الحال أصدق من شاهد القال فأن كلن الزمان زمان سكون وهدو فهنا ينبغي التأني والتثبيت وعدم الاستعجال وكذلك تختلف أحوال الأمكنه بعضها مخوف معروف بأنه مأوى الغزاة وقطاع الطرق وأهل الشر فهنا ينبغي التحرز والحزم وبعضها معهود بالأمان ولا يصلها قطاع الطرق على الغالب فهنا لا يصلح الاستعجال وكذلك القبايل بعضها معروف بالبغي والتعدي وقتل الأنفس وأخذ الأموال فهنا يستعمل الحزم ولله در المتنبي حيث يقول .
( وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى ولا الأمن إلا ما يراه الفتى أمنا ) (1/66)
صفحة 67
المسألة الثانية : ينبغي للمبتلي أن لا يترك الحزم ويثبت في أمره لأن الدماء أصلها الحرمة ولا تسفك إلا بحجة يعتذر بها عند الله تعالى يوم يقضي في الدماء بين عباده فأن ظهرت إمارة البغي كما ذكرها المنصف فلا بأس عليه بل الواجب على المكلف الدفع عن نفسه ويهلك بالترك لأنه بتركه كالمعين عدوه على قتل نفسه لقوله تعالى قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا فتارك الدفع عن نفسه هالك والعياذ بالله وهذه الإمارات بعضها أقوى من بعض فالإغارة أقواها حجة فمن أغار عليه قوم فليتلقاهم بقلب ثابت غير طايش وليصبر فأن الخير كله الصبر قال علي بن أبي طالب الشجاعة صبر ساعة والرمي بالنبل تمثيل على ما كان عليه الأوايل وأما اليوم فالرمي بالبنادق أشد من الرمي بالنبل لأنها تنوش الخصم من مكان بعيد لا سيما كالبنادق الجديدة اليوم . فأنها لا شك أقوى من النبل الذي كان من السلاح الأوائل فليكن الإنسان على بصيرة من نفسه ويحرز بالأمكنة الساترة عن الرمي ما أمكنه ذلك و إلا فلا بد من التجلد ولقاء الضرب بالنحور من عزائم الأمور ولله قول الشاعر وهو المتنبي حيث يقول :
( محرمة اكفال خيلي على القنا محللة لباتها والقلائد )
فانظر إلى سياسة القرآن بقوله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره الآية .
المسألة الثانية : إذا كنت سائر في طريق ورأيت من تخافه أو تخاف منه الخديعة فاعتزل عن الطريق جانبا وخاطب من رأيته بالحجر إلى مكان معلوم كشجرة أو واد أو حصاة أو غيرها من العلامات وأحجر عليه المجاوزة لتلك العلامة وقل له أن جاوزته فقد أبحت دمك أو كلاما غير هذا معناه يفهمه منك فأن كسر الحجر جاز لك رميه وقتاله بعد هذه الحجة والله أعلم .
كذلك أن قصدوا ما لا وأن قتلوا نفسا وأن أفسدوا شيئا ولو سهلا (1/67)
صفحة 68
يعني والله أعلم أي كذلك في حكم الظاهر أن قصدوا مالا ليأخذوه أصل الدماء الحرمة و لأنه من باب النهي عن المنكر ولو كان في باطن الأمر يمكن قاتله أن يكون محقا فعليه إظهار الحجة بتحليل دمه إلا إذا كان الأمر بقتل الر جل إماما عدلا فليس لك سؤاله ولا مطالبة الحجة عليه لأنه أمين الله في لأرضه قال الإمام الحضرمي :
وليس لمأموم إذا ما أمامه أراد لشيء أن يقول لما وما
ولوكان المقتول وليا لك فالإمام هو المقبول قوله فيه .
المسألة الثانية : الإفساد حرام والسعي به حرام في قليل الشيء وكثيره سواء
لان النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوادع إنما دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام وقال الله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل كان ذلك بالقضم أو الإفساد أو الاستنفاع فأنه حرام على إطلاقه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال أمريء مسلم إلا بطيبة نفسه ولقوله صلى الله عليه وسلم لا توى على مال امريء مسلم فالآية والأحاديث صريحة في تحريم مال المسلم وإفساده وهلاكه بأي أنواع الإهلاك والإفساد الله أعلم .
( أما إذا عرفوا بالبغي كان لمن رآهم سقيهم كاس البلا نهلا ) (1/68)
صفحة 69
يعني والله أعلم أن من عرف بالبغي والتعدي على الناس فلا يحتاج إلى قيام حجة عليهم والأصل في ذلك أن الحجة قائمة عليهم ولا جهل ولا تجاهل في الإسلام قال الشيخ صالح وقد قيل أنه إذا كان الباغي معروفا بالبغي مشهورا بالإصرار متعارفا مع أهل الدار أنه لا ينقاد للحق فلا دعوة له ولا تلزم إقامة الحجة عليه وجائز فيه ما جاز فيمن أقيمت الحجة عليه وهو في الأصل مخاطب بأداء ما عليه من الحق بنفسه ولا يعذر بعدم المطالبة في ذلك إلى أن قال والقولان مشهوران عن المسلمين في القديم والحديث يعني القول بقيام الحجة وعدمها ومع هؤلاء لا دعوة لمن عرفها . وقيل له فان كان ضاربي أو آخذ مالي أو قاتلي من إذا غاب عني لا أدركه كمثل النعيم وبني قتب والجنبه والعفار ومن هو مثلهم من الأعراب هل لي أن أتداركهم بالضرب أو القتل قبل الفوت قال هكذا في نظري أن مثل هؤلاء لا يحتاجون إلى دعوة ولا إلى إقامة حجة لأنهم بغاة معتدون معروفون فتداركهم جزاك الله خيرا بالضرب والطعن غير شاك ولا متردد أعلم أنه ليس مراد الشيخ بالقبايل التي ذكرها الحصر وإنما أراد جريان العلة في معلولاتها فحيث ما وجد الأصل والتعارف به في أي قبيلة كانت بدوية أو حضرية قريبة أو بعيدة أجرى ذلك الحكم عليها لعلة البغي والإصرار عليه قلت ولو كان البغي متقدما من آباءهم وقد فنوا وبقي أولادهم يفتخرون بفعل آباءهم ومصرون عليه فيجوز فيهم ما جاز في آباءهم إلا أن كانت تقدمت لهم إصلاح بهدم المتقدم فلا يجوز الإقدام عليهم بما فعل آباءهم بغير حجة لأنه لا يجوز كسر الصلح فأنهم وقد ذكر أبو سعيد في بيان الشرع مثل ما ذكره فطالعه والدليل على ذلك أن الله سمي اليهود في أيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم قتله للأنبياء وعيرهم بذلك و هم في ذلك الوقت عدم لم يخلقوا و ما ذلك إلا لرضاهم بفعل آبائهم و إصرارهم عليه قال الشيخ صالح بن علي و قد صرح الشيخ محمد بن يوسف في شرح النيل أن من أخذ المال (1/69)
صفحة 70
يهجم عليه ما كان المال في يده و الضارب و القاتل مثله عندي إذا كان ممن ذكرتهم و لا شك قيل و إن كان لم يضربني بنفسي و لم يأخذ مالي و لكن فعل ذلك بالمسلمين غيري قال المسلمون سواء و هم كالجسد الواحد و هم خصم الكل فعامله معاملة الباغي عليك إذا لم يحتمل أنه فعل ذلك بحق و في نظري أن هذا يعرف بالشهرة و القرائن و المتعارف مع أهل الدار و الأمارات هذا و الاحتمال البعيد لا يعتبر و لا يعتد به فالأمارات و الأخبار الدالة على فعل البغي كافية لك مع الدينونة بما لزمك إن أخطأت و لك أن تجاهده و تضاربه على هذا القصد و في الكتب المغربية إن الأمارات كسوق المال و حمل القتلى و الجرحى و المقاتلة في الحريم مما يدل على بغي الباغي و بذلك يجوز حربهم و تداركهم و أهل عمان قد أجازوا قتل أهل البوارج من أهل الهند إذا اطمأنوا أنها لأهل الشرك في أيام حربهم لأهل الهند و مثل هذا لا يخفى على أهل الدار قيل له و إن صح بغيه علي و دخل في عشيرته و لا يتوصل إليه كما هو موجود في قبائل أهل عمان و كما تراهم مقتسمين على الحمية و العصبية فلا يتوصل إليه بنفسه و الله يقول فيمن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً و في التفسير أن الإسراف قتل غير قاتله قال نعم لا يحل في الأصل إلا قتل قاتل وليه و ضرب من ضربه لكن إذا منعته عشيرته أو غيرهم أو حالوا بينه و بين مريده بحق فتقام الحجة ها هنا على أكابر القبيلة لا على آحادها كما كان النبي صلى الله عليه و سلم يفعله و يستحل قتال من تحت الأكابر أو الكبير لأن قيامها على الآحاد كالمتعذر فلا يلزم ليردوه إلى الحق أو تؤدوا عنه ما وجب عليه فإن امتنعوا أو تمادوا أو ماطلوا بأكثر مما يتعارف أنهم قادرون فيه على الانقياد إلى الحق فلينبذ إليهم على سواء و جاز حربهم و قتالهم لدخولهم تحت قوله تعالى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله و إفاءتهم إلى أمر الله أن ينصفوا (1/70)
صفحة 71
المظلوم من الظالم الباغي أو يخلوا بينهما و لهذا الدماء التي تقع في حال الحرب هي مهدورة من كلا الجانبين و قيل إن دم الباغي هدر و دم المبغي عليهم غير مهدور و قيل ما ناله البغاة سرقة و اختلاساً فعليهم غرمه و ما كان في الزحوف و الوقائع فلا غرم فيه قلت و أما الدم أو الحق الأول الذي امتنع البغاة به و صاروا بغاة من أجله فلا يهدر و لا إفاءة لهم إلا بأدائه و الله أعلم.
( و كل ما جاز منه القول مثل إما……م جاز تصديقه في البغي إن سئلا)
( لو مستعينا ويبرأ منهم بمقال الواحد العدل إذ افتاؤه قبلا )
( وقيل لو لم يكن في صحبه أمناء جاز تصديقهم والدفع قد جملا )
( وقيل بل لو رأى فيهم إمارته فليس يحتاج أن يستفهم الرسلا )
الكلام في هذه الأبيات فيمن يقبل قوله في أهل البغي فأنه يقبل قول الإمام ونائبه كقاض ووال وأمير السرية أن كان عالما بأحوال البغي ويبرأ منهم بمقال الواحد العدل لأنه حجة وقيل تقبل قول من صدقته وقيل يكتفي بإمارة البغي من البغاة وسيأتي تفصيل الكلام أن شاء الله وفي المقام مسائل.
المسألة الأولى : فيما يثبت به الحكم تقدم الكلام أن الحكم بالبغي أقواها إقراره به على نفسه والثاني شهادة الأمينين وأن كانت ظنية لأن الشارع جعلها حجة والثالث شهادة الأمين الواحد يجوز تصديقه لأن النبي صلى الله عليه وسلم يبعث الرجل الواحد إلى أهل الأمصار فيكون حجة عليهم ويجوز تصديق الواحد إذا أطمأن قلبك بتصديقه ويجوز بوجود مال المبغي عليه بيد الباغي أو مالا يعرفه لغيره ويجوز قبول من من صدقته ولو واحد وأنثى واحدة ولو لم يتولى الواحد ولا الواحدة وأجيز ولو عبدا ولو كان له المال ويغلب ظنه فيه وفي الأثر وعن رجال مر عليهم مواش في غارة والنساء أثرهم طالبات فاستغاثت النساء بهم الجواب أنهم يخلصون الماشية من أيدي الغزاة بكل معنى قدروا عليه لأنها سرقة وظلم ظهر لهم وعليهم أن يمنعوا النساء ممن أراد ظلمهن. (1/71)
صفحة 72
المسألة الثانية : في الأمارات الدالة على البغي قال في النيل وشرحه أو بوجود إمارة بغي عليه أي على الإنسان الصادق بكل واحد من الموجود فيهم موت أو جرح ويجوز رد الضمير إلى الجيش المعلوم بالمقام كموت أو جرح فيه أي في جيش الباغي وفي بمعنى مع وذلك بأن ترى مجروحا بعضهم أو دفنوا أحد أو رأيته ميتا وتطمئن نفسك أنهم بغاة أو يخبرك ظان فتطمئن أو سوق مال لا يعرف له المال يشمل الغنم والإبل والبقر وما يحمل عليها لأنك إذا سقت إبلا أو بقرا عليها أحمال صح على التوسع أنك سقت أحمالا وذلك السوق على علدة المشي وأما على العجلة والإسراع كما هي عادة من أغار وأخذ ما لا فقد ذكره بقوله وبإتيانه طاردا أو رفعه على دابته وذلك أن يكون بمعرفة أن يكون ليس ما ساق مما يملكه أو ليس ما حمله على دابته ليس مما يملكه أو مما يملكه لكن لا يعتاد أن يمشي به مطلقا إلى حيث هو حقق أنه حرام قال القطب لا يحكم عليه بالعلامة والإمارة ولا بالتصديق ولا بغير ذلك بل بالشهادة والبينة العادلة أو الإقرار وأشار لهذا القول بالتصديق بالتعبير عنه يجوز قبل قوله باب أن كان قوم بمنازلهم وأشار إليه في ذلك المحل وإلى القول في العلامة صاحب الأصل وفي الأثر عن هارون إلى أبي عبد الله وذكرت أمر ولد يوسف بن عبد الله أنه قتل ليلا ووجدوا قدام بيت ابن حصين قلت أن عدة غزاتهم انتظروني اشترك مع أمرهم وما الذي اشترك فيه وقد صح معنا أن هذا ولد يوسف هو بريء من قتله فهو جان وقلت أنهم ذكروا سجيسيمان أنه حضر وأنه ابنه المعلم انفق على ذلك فيما اتهموا وقلت أني أشير إليك بما نفعل فيهم أعلم أيدك الله أن أمر الدماء شديد بادر فيها بما قدرت مما جوز لك إليه أهل العلم لئلا يتقل عليك ما لا تقدر عليه والدماء يؤخذ عليها باليقين فان لم يكن فالتهمة فإذا صح عندك التهمة على أحد ممن حضر أو كان ذلك على يده فلا تنتظر شيئا فاحبس فإذا حبسته أشركت أمرك مع غيرك فإذا صح عندك قتله (1/72)
صفحة 73
سجيسمان أو غيره ابنه المعلم أو غيره أو حقق أنه حرام بإقرار الباغي أو قول الأمناء أو سمي الظن الراجح تحقيقا مجاز للمبالغة وألا فالإقرار في شهادة الأمناء تفيد العمل والظن لا العلم اليقين ويحتمل أن يريد بالتحقيق المشاهدة فيفعل به ما ذكر من دفع به عن المال ونزع المال منه وإبقاءه هناك من دفع وقتال ومنع واحد ولا يهجم عليه أن أتبع فوجد مختلطا بغيرة قال الشارح أي الباغي المتبوع مختلطا بغيره كذلك لئلا يصيبوا غير الباغي ولئلا يرد عليهم من خلطوا به وينتصر لهم ويناسب ذلك قوله تعالى لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم إلى قوله تعالى لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا عذابا أليما هذا كلام النيل وبعض شرحه سقته كما ترى وفيه ما فيه من الإشكال مع البديهة والذي أقوله أن الإمارات والعلامات ما يؤخذ بها في مواضع مخصوصة وفي قوم مخصوصين على نظر المبتلي وشواهد الأحوال لا على الإطلاق لأنها من باب التهم والتهم لا يؤخذ بها إلا التهم وأما العدول فلا يؤخذون بالتهم وذلك لأنك على يقين من عدالتهم ولا يزيل اليقين إلا يقين مثله والله أعلم .
( وليؤمر الكل منهم بالكفاف إذا رأى إمارته في الفئتين جلا )
( فمن أبت من كفاف فهي باغية على التي وقفت فلتطعم النصلا )
معنى البيتين إذا رأيت فئتين تقتتلان ولم تعلم المحق من المبطل منهما فمرهما بالكف عن القتال واسع بينهما بالصلح امتثالا لقوله تعالى فأصلحوا بينهما ومن لم تكف منهما عن الأخرى بعد إذعان الأخرى للحكم فهي باغية لا محالة جاز أو وجب قتالها لقوله تعالى فقاتلوا التي تبغي حق تفيء إلى أمر الله أي تنقاد إلى حكم الله وفي المقام الله وفي المقام مسائل. (1/73)
صفحة 74
المسألة الأولى : اعلم أن الأصل لا تحق الفئتان في تقاتلهما ولا في غير تقاتل من جهة واحدة في وقت واحد في نفس الأمر وأما بحسب الظاهر لكل واحدة مع أن الله أباح لهما ذلك بحسب ما يظهر لهما فواقع مثل أن تقاتل قوما بقول الأمناء أنهم بغاة فلك قتالهم ولهم قتالك وأنت محق بقول الأمناء وهم محقون لبراءتهم من البغي لكن الأمناء غلطوا أو اختلط عليهم وأنت مبطل لا يعاقبك الله لأنك علمت بقول الأمناء قال القطب رحمه الله وفي الدليل والبرهان أعظم من ذلك لأن قوما تقاتلوا على مسائل الرأي فراجعه.
المسألة الثالثة : يصح إبطال الفئتين وذلك أن يكون القتال على فتنة وحمية وتنازع في أمر الدنيا وزينتها والعياذ بالله كما نشاهده في بعض أهل عمان حيث لم يدخلوا تحت أمر الإمام ويحمل فيهم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقي المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله قد علمنا القاتل فما بال المقتول قال لأنه حريص على قتل صاحبه وذلك مصداق قوله صلى الله عليه وسلم أنما الأعمال بالنيات ولكل أمريء ما نوى فلا يجوز الدخول في الباغين على نية النصرة لأحدهما وأما على نية إزالة بغي أحدهما بمعونة الأخرى على زوال البغي فذلك جائز مشهور في الأثر منقول عن الأئمة من أهل المذهب وغيرهم ولهم دليل من السنة. (1/74)
صفحة 75
المسألة الرابعة : تحق الفئة بعد بغيها وذلك أن يذعن إلى حكم الله وتعطي الحق على يد إمام أو قاض أو جماعة راجعة عن بغيها ولو كان ذلك الرجوع لغرض ديني وهو أن تذعن منقادة لأمر الله تائبة راجعة إليه عن بغيها خوفا منه أو كان ذلك الرجوع لأمر دنيوي كالضعف عن القتال أو خوفا من أخذ الثأر وثمرته أعطاء الحق عند حكام المسلمين وفي أجوبة شيخنا السالمي رحمه الله ما نصه أن هؤلاء الجماعة أهل سدي لازالت كتبهم ورسلهم تصل أن بني ريام لا يكفيهم منا شيء وأنهم يحاولون أخذ البلد وربما أن بني ريام يتأولون في ذلك أن بني رواحة ظلمونا دارنا التي فيها حامد بن سيف وأنهم كلهم يد واحدة وأنهم بغاة وحيثما نقدر على أحد منهم ويمكننا الله فيهم فجايز لنا ونرى قول بني ريام في أمر حامد بن سيف كما قالوا فربما أن ضعفهم وعدم قدرتهم تكفهم عن التعدي والبغي ولو كانت لهم قدرة لبغوا كما بغي غيرهم وأما في هذا الوقت فالعجز أقعدهم فما تقول في مناصرة أهل سدي اليوم وإذا تقوى أحد الفريقين الريامي بذلك الطرف أقوى إذا اعتقد المناصر لهم كفاف الريامي عنهم لا غير الجواب ليس للريامي حرب المستضعف من عبس إذا طلب المستضعف المسألة والمصالحة واشترطوا على أنفسهم أن لا يظاهروا عليهم عدوهم فليس للريامي أن يأخذهم ببغي غيرهم فأنهم وفوا والغيب لله وليس لأحد أن يقول نحاربهم لأنهم أن قدروا حربوا وأن جنحوا للسلم فاجنح وكاتب أهل النزار بالكف عن المستضعفين وعدهم منهم بالوفا فأن حربوهم على هذا جازت مناصرة المستضعفين والله أعلم وأظن السؤال عن إمام المسلمين محمد بن عبد الله قبل إمامته. (1/75)
صفحة 76
المسألة الخامسة : وقد تبغي المحقة فتكون باغية بعد أن كانت محقة وذلك إذا رجعت الباغية عليها عن بغيها وأذعنت للحق ولو باكراه كما مر ولم ترض الفئة التي كانت محقة بل أرادت أخذ زايد عن حقها أو أرادت قتلا لا يحل أو أرادت شيئا باطلا دون حقها فينعكس الحال بجواز القتال والدفاع عنها وأن ليس من معين لها ومعنى انعكاس الحال أن يحل لها القتال ولمن يعينها بعد أن كان حراما عليها وعلى من يعينها وذلك أنها لما كانت باغية لا يحل لها القتال ولا لمن يعينها ولما أذعنت جاز لها ولمعينها وحرم على الأخرى ومعينها إذ لم تقبل من الأولى وقد أنصفت لها ومن أعان باغيا فهو باغ يحل قتاله ولو أعانه بماله وأولاده وعبيده أو قواه بأي قوة كانت أو حرسه في حصنه . وسئل الشيخ السالمي رحمه الله عمن حرس البغاة في حصونهم بما نصه قال :
( ما القول يا أعلى الخليقة منزلا وأتممهم بدرا وأطيب منهلا )
( عبد الإله السالمي إمامنا أكرم به من مرشد كل الملا )
( قد جاء للدين الحنيف مجددا ومسددا لما رآه تخللا )
( فعناية من ربنا ايجاده كانت لأمة أحمد أن تجهلا )
( يا من يروم بلوغ مجد حله من ذا يروم سباقه فيحصلا )
( فاقنع بجهلك واعترف بالنقص لا تعدو محلك أن ذلك أكملا )
( في مسلم تربت يداه ولم يجد سببا إلى نيل اللجين ومأكلا )
( قد جاء إلى الجبار يدفع فقره ويزيل داء العدم منه والبلا )
( فلجأ إلى الجبار عند جنوده جهرا ونادى حارسا بين الملا )
( بعد اعتقاد منه لا يرفع من قد قام بالحق وقاد الجحفلا )
( هل ذا اعتقاد نافع يحمي وهل ينفعه عند الحساب يوم لا )
( هذا وهل يعذر عند الناس أن أظهر هذا القول كي لا يخذلا )
( وأفتي الذي عقد الولاية عنده هل قاطع هذا الأسباب الولا )
( فامدني من بحر علمك قطرة أحيى بها متقربا عند الملا )
( وأنظر لها نظر المؤدب عيبها واجعلها في كير التهذب والجلا )
( فاتتك من عبد ضعيف علمه كيما يرى نهج الكمال فيكملا ) (1/76)
صفحة 77
( صلى وسلم ذو الجلال ربنا على النبي خاتم الرسل الأولى )
( وعلى صحابته الكرام فأنهم قد جاهدوا معه وثاروا القسطلا )
( وعليك مني ألف ألف تحية وكذا السلام يخص من ير في العلى )
فأجابه رضي الله عنه :
( هاك الجواب فلست ممن فضلا كلا ولا أنا من رقي درج العلى )
( أثنيت من جهل علي ولو علمت بحالتي ما قمت تثني في الملا )
( خل المديح فأن تكن ذا حلة فانصب لربك داعيا لي في الخلا )
( واحذر مصاحبة المعين لجاير في أمره فهو العدو وأن على )
( لا تغترر بحلاوة من قوله أفعاله يكذبن ذاك المقولا )
( فهو المبيح لعرضه ولدمه للمسلمين إذا أتوه جحفلا )
( إلا إذا أمر الإمام ومن ينوب مقامه بمقامه كيدا فلا )
( والرزق يكسب من مواضع حله لا بالمعاصي لو تضيق مأكلا )
( فخذ الجواب وأن يكون متعقدا تلق المراد مصححا ومفصلا )
( والعذر منك مؤمل إذ لم أكن متمهلا لكنني مستعجلا ) (1/77)
صفحة 78
وأنظر إلى قوله تعالى أن الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم إلى آخر الآية فأن الله تعالى لم يجعل لهم عذرا فلما اعتذروا به قالت لهم الملائكة ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها لا يقال أن هذه الآية نزلت في الهجرة وأنها كانت فريضة ثم نسخت لانا نقو ل أن حكمها باق فيما كان وجوبه باقيا كالهجرة في أول الأمر ومن المعلوم أن معاونة الجبابرة لا تجوز وتكثير سوادهم والحرس في حصونهم والانضمام إليهم من أكبر المعاونة ولو انصف الناس من أنفسهم ما وجد الجبار واحدا فلما تركوا الإنصاف صاروا معاونين معينين له فهذا يعتل أنه من جماعته ولا بد له منه وهذا يعتل بأنه في داره ولا بد له منه وهذا يعتل بأنه يحتاج إلى معاملته وهذا يعتل بأنه يحتاج إلى ما في يده ولو تركوا هذه التعللات لكان الجبار كواحد منهم فلا ينتظم له أمر ولا يجتمع له شمل فليتقوا الله ربهم فأنهم شركاؤه فيما يأتي وما يذر ومن ها هنا وجبت البراءة من الجبار وعماله وأعوانه والله أعلم قلت أن الأصل في ذلك قوله تعالى وما كنت متخذ المضلين عضدا ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم لعن الله الظلمة وأعوانهم ولو بمدة قلم وسئل شيخنا السالمي رحمه الله عمن تعلق بالجبار الجاير وأظهر الخصومة وترفع بأسبابه وفعل مثل الحاكم مثل اللزم وغيره هل تجوز خصومته ظاهرا أو باطنا وهل ترى على من يأمر فيهم بالخصومة شيئا بين لي الجواب يطلب إليهم الكفاف عن التعلق بالباطل والرجوع إلى الحق فأن تمادوا على ضلالهم اعذر إليهم وكشف لهم القناع أنه خصم لهم فأن لم يرجعوا عن ضلالهم فهناك جاز حربهم حتى يرجعوا إلى الحق الذي خرجوا منه أو يكفوا عن الأذى وأما أن يداهنهم ظاهرا ويخصمهم باطنا فلا أرى ذلك من الجائز والله أعلم انتهى ولقد وقع في أيامنا مثل هذا ولما عاقدنا بين القبايل على حرب هذا الجاير المظهر أمره أنه حارب للجبار الجاير فلامنا على ذلك قوم جهلوا المسألة وبعضهم (1/78)
صفحة 79
قادتهم الأهواء المضلة من الحمية المهلكة إلى هناوي وغافري وذلك بعد ما أمر الإمام بالكف عن الحرب فنبذ كتب الإمام وراء ظهره فخذله الله وسلط عليه عدوه حتى رجع وطلب الصلح صاغرا والحمد لله اللهم اهدنا لأقوم طريق وأرزقنا العمل بالعلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
( ومن أتى مظهرا بغيا وليس به في باطن الأمر كن في قتله بطلا )
( إلا إذا عرفت منه الحقيقة أن لم يقصد البغي كن عن قتله وجلا )
( وادفعه أن ظن قصد البغي منه بلا قتل فأن يندفع فالأمر قد سهلا )
المعنى من ظهر منه البغي وباطنه يخالف ظاهره فإنما يحكم عليه على ما ظهر منه من بغيه والله لم يكلفنا بواطن الأمر وكذلك من كان بعكس ذلك فأنه يجرى عليه الحكم على ما ظهر منه والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قتل الكافر بعد أن قال أشهد أن لا له إلا الله وأظنه أسامة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اقتله بعد ما قالها فقال ما قالها إلا متعوذا من حد سيفي أو قال من حر سنلني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هلا شققت عن قلبه ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه من رأينا منه خيرا ظننا فيه خيرا وقلنا فيه خيرا وتوليناه وعكسه بعكسه إلا أن علمت حقيقته بأنه على ضد ظاهره فأنه لا يقتله من علم منه ذلك وأما أن ظننت فيه قصد البغي بلا تحقيق فادفعه بما يندفع من غير قصد لقتله فأن مات من ذلك الدفع فالأمر سهل لأنه تعرض لقتله بنفسه وأما أن بدأ بالبغي أو كسر الأمان أو تعدي الحجر أو قتل إنسانا عمدا عدوانا فأقتله قاصدا بذلك القتل إزالة بغيه وصرف أذاه عن الناس ولقاتله الأجر العظيم أن شاء الله.
( وأخذه المال لو مزحا يحل لمن رآه تجريعه العسالة الذبلا ) (1/79)
صفحة 80
معنى هذا البيت من أخذ مالا مازحا أو أغار على أحد خيله أو أبله مازحا فيجوز قتله أن لم يندفع إلا بالقتل على المغار عليه وجوبا ولمن رآه من غيره وجوبا أو ندبا وذلك أباح من نفسه في ظاهر أمره ما يحل به دمه ويحكم عليه به بالبغي وقوله مازحا لا يسمع لأنها دعوى تخالف الظاهر من فعله وكذا من أشار بسلاح كسيف شهره أو تفق أو ما به ليضرب به غيره فقد أباح دمه بفعله ذلك ولا لوم على قتله في الحكم ولا عند الله وإنما يرجع لومه على نفسه لانما الأحكام تجري على ظواهر الأمور والغيب لله الذي تفرد بعلمه والله أعلم.
( وليستعين كل مبغي عليه بمن أراد للدفع ولينصره من سئلا )
( وأنصره لو مشركا أو عبد أو أمة أو ضعفة كالنسا حالا ولو تقلا )
( أن صدق المستعان المستعين به إذ لا يجوز له أن ينصر الختلا )
( ولا يحل له أن يستعين بمن يجاوز الحق في باغ لو اختبلا )
( وليردد الغضب منه المستعين على أربابه عند غير العجز أن فعلا )
( وليعتزل عنه إلا أن يخاف من العدو في عزله فليحذر العزلا )
معنى الأبيات أن للمبغي عليه أن يستعين على الباغي بمن أراده من الناس وأختاره للدفع عنه أو عن ماله وعلى المسئول أن ينصره على الباغي على حد طاقته لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ولو كان المستعين مشركا أو عبدا أو أمة أو من ضعفة النسا ولو ثقل على المستعان به ذلك الدفع وفي المقام مسائل .
المسألة الأولى : في المستعين الأصل أنه مدع على المستعان عليه فيحتاج إلى صحة دعواه بحجة تقوي ما أدعاه بآمينين أو آمين واحد أو مشاهدة عيان أو تصديق وغلبة ظن أو تحكيم عادة على حسب القواعد فهنالك يكون الدفع وجوبا في محله ومندوبا في نوع آخر. (1/80)
صفحة 81
المسألة الثانية : في المستعان به ينبغي أن يكون دخل تحت التكليف بالجهاد والدفاع وهو رجل حر قادر عاقل مميز للوجوب والندب فخرج بقولنا رجل المرأة لأنها لم تدخل في حيز الجهاد وتكليفه بقوله تعالى ليس على الضعفاء وهي منهم نعم تدخل في الدفاع بشروط تأتي في محلها أن شاء الله وخرج بقولنا حر العبد لأنه غير مكلف بالجهاد إلا بأذن سيده وسئل الشيخ السالمي رحمه الله عن العبد أنه لا يقاتل عن غير مال ربه إلا بأذنه ما وجهه فأجاب أن الدفاع عن مال الغير فرض كفاية والعبد لا تلزمه فروض الكفاية ولو يجز له القتال إلا بأذن سيده لما في ذلك من تعريض نفسه للذهاب ولما في التشاغل بالقتال من الاشتغال عن حقوق سيده التي أوجبها الله تعالى عليه والله أعلم وخرج بالقدرة العاجز فأنه داخل في الضعفاء ولقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وقول العلماء إذا سلب الله ما وهب رفع ما وجب وخرج بالعاقل المجنون فالله رفع عنه القلم بالتكاليف المنوطة الواجبة بوجودة المعدومة بعدمه لقول النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة وعد منهم المجنون وخرج بالميز وهو الجاهل لأنه لا يجوز له الدخول في العمل إلا بعلم والعلم بتعليم أو سؤال لأن العلم أساس في العبادات لا تصح إلا به والله أعلم0
المسألة الثالثة : المشترك أما أن يكون ذميا أو حربيا فالحربي لا تلزم حقوقه وأما الذمي فتلزم حقوقه من دفع الظلم عنه ومن أغاثته ومن أعانته إلى غير ذلك من تأصيل الحقوق وأما العبيد فتلزم حقوقهم لأنهم أموال لمواليهم بشروط لزوم الحقوق لمواليهم وتنعدم لعدمها والله أعلم. (1/81)
صفحة 82
المسألة الرابعة : اختلف العلماء في جواز الاستعانة بالجاير الذي يتعدى حدود الشرع والشكاية إليه فقال الجمهور لا يجوز ذلك لأن الدلالة على مال المسلم لا تجوز فضلا عن حاله فإذا استعنت بالجاير صرت داخلا تحت قوله تعالى وما كنت متخذ المضلين عضدا ولأن ذلك مما يقوي الجاير فتكون معينا على قوته وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله الظلمة وأعوانهم ولو بمدة قلم وقال المجيزون لذلك يجوز لك بشرط أن لا تقصد قوته ولا أعانته ولكن تقصد لأخذ حقك فقط وما يفعله الظالم فعلى نفسه لقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى وفصل آخرون فقالوا أن كانت عادة هذا الظالم الظلم والأخذ لأموال الناس فلا تجوز الاستعانة به وأن لم تكن له عادة في الظلم فلك الاستعانة به والله أعلم هذا كله مع عدم العدل المنصف من حاكم أو جماعة وعند وجود العدل فلا يجوز قولا واحدا والله أعلم.
المسألة الخامسة : يقصد المستعان إلى دفع الظلم و إيصال صاحب الحق حقه لغير منفعة دنيوية فمتى قدر على نزع المظلمة من الباغي أوصلها لربها امتثالا لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولقول النبي صلى الله عليه وسلم أنصر أخاك ظالما أو مظلوما وذلك أنه أمر بنصرة المظلوم حتى يصله حقه وبنصرة الظالم أي رده عن ظلمه. (1/82)
صفحة 83
المسألة السادسة : في قوله وليعتزل عنه إلى آخره تقدم بعض الكلام عليها فراجعه وهنا جواب عن شيخنا السالمي رحمه الله ونصه إذا بغت طائفة على أخرى وفي الباغية قوم لم يرضوا ببغي جماعتهم وأرادت المبغي عليها دخول حريم الباغية هل يجوز دفاعهم إذا كان لا يؤمن منهم التعدي على الذي لم يرض وعلى الحريم والنسوان والصبيان كما هي عاد قبايل عمان قلت يجوز دفاعهم عن الحريم إذا خيف منهم التعدي إذا خيف منهم التعدي ولكن بعد مراسلة من أهل البلدان يكفوا عن الحريم ويطلبوا خصمهم بعينه أن يتمكنوا من التعدي في حريمهم فأن أبوا جاز دفعهم عن الحريم فقط وهذا في أمر القبايل بعضهم بعضا ولا يشبهه القوام بالعدل إذا قاموا على باغية في الظاهر وأن كان يخشى من معرة الجيش ما يخشى فأنه يلزم البغاة الانقياد فيسلموا من معرة الجيش والقتال حيث امتنعوا عن الانقياد فليس لأحد الدفع عنهم تعللا بما يخشونه من معرة الجيش وسرعان الناس وأين هؤلاء والله في بطون الأرض اللهم اظهر دينك وأنصر المسلمين والعلم عند الله والذي أقوله أن على أهل البلد إعانة أهل العدل والقوام بأمور المسلمين وجوبا أن طلبوا منهم وندبا إذا لم يطلبوا منهم والتعلل بما يخشى من معرة الجيش لا يسمع والله أعلم وهذا لا يلزم أن يكون في بلد أو قرية بل يجري في كل مكان وزمان فحيث يخشى من القوم التعدي على غير الباغين عليهم جاز دفاعهم بعد حجة ومراسلة وحيث لا يخشى جازت أو وجبت إعانتهم والله أعلم وهذا بيت محله في الصحبة ولا أدري وجه وضعه هنا .
( ولا عليه إذا ما كان صاحبه من غير ما دعوة منه إذا أكلا )
والكلام عليه سيأتي في محله أن شاء الله .
الباب الرابع في الدفاع عن البلد والمصر وغير ذلك ..
( وكل ذي بلدة فالدفع يلزمهم عنها وعمن بغى فيها عليه على )
( حال ويلزم أهل المصر نصرهم أن كان يخشى عليهم مفضعا عضلا )
( وأحكم على قادر بالدفع عنه وعن مسافر معه والضعيف أن نزلا ) (1/83)
صفحة 84
( ولا يحل له عن صاحب معه سيرا إذا عقداها تمت ارتحلا )
( إلا يصاحبه أن كان يعرفه باغ إذا لم يتب عن بغيه عملا )
أعلم أن الله أوجب الدفاع على القادر عليه بقوله قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا فيجب على أهل البلد الدفاع عنها ممن بغي عليهم منها أو من غيرها ويجب على أهل المصر الدفاع عنه من بغي عليه منه أو من غيره ويجب الدفاع عن الصاحب والضعيف النازل والمسافر وسيأتي تفصيل ذلك وفي المقام مسائل.
المسألة الأولى : الدفع لغة هو المنع دفعة كمنعه وشرعا هو دفع المشرك أو الباغي عن حريم المسلمين وأموالهم وأنفسهم قال الله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض الآية وأوجبه الله بقوله قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا وهو واجب على كل مكلف قادر إجمالا وتفصيلا لوجوبه معرفة حرمة دم المسلم وماله ووجوب الدفع عنه فمن قال بعدم وجوبه فهو مشرك لرده للقرآن ومن جهله ففيه الخلاف و تصحيح القطب و غيره من الأئمة أنه منافق و إن عبر عنه بعض المغاربة بالشرك لأن في اصطلاحهم شرك دون الشرك و عبارتهم عنه بالشرك الأصغر الذي لا يحل به دمه و لا تحرم زوجته و لا يحل ماله فأفهم و أما عند العمانيين فهو نفاق لا غير. (1/84)
صفحة 85
المسألة الثانية: قال في النيل الدفاع إما فرض و هو لمريد قتلك أو أخذ لباسك أو سلاحك أو من لزمك الدفاع عنه بما قدرت و إن بلا سلاح و نما ينجيه من كغرق أو بهيمة أو من قبل الله و لا يحط عنه من التنجية إلا ما يعطي فيه المال لأخذه عليه فلا يلزمه إتلاف نفسه إلا عليها قال القطب رحمه الله الدفاع فرض و هو القتال لمريد قتلك أو أخذ لباسك أو سلاحك أو مريد ضر من لزمك الدفاع عنه كعيالك و صاحبك الذي عقدت معه الصحبة و من تعلق إليه ممن لزمه الدفاع عنه مثل ذلك ما إذا أراد أخذ ذلك بقتل أو بلا قتل كخطف و كذا إن أراد القتل بقتال أو بدونه و الدفاع في ذلك كله يكون بما قدرت عليه و إن بلا سلاح إن لم يكن بيده أو عوجل عليه إذا كان الدفع لغيره أو له و مثال الدفاع بغير سلاح الدفع بيد أو عصى لا حد يده فيها أو يلقيه في نحو نار أو ماء و بما ينجي من لزمك الدفاع عنه من كفرق أو بهيمة أو ضرر هو من قبل الله مثل الغرق و الحرق و الهدم و الجوع و العطش و الحر و البرد و غير ذلك و معنى كون الضر من قبل الله لا سبب لمخلوق فيه كحر و برد و ماء فالتنجية واجبة مما هو بواسطة مخلوق و مما هو بلا واسطة مخلوق و إن أرسل الماء إليه بواسطة مخلوق و تكون النتيجة بالنفس مثل أن ينقذ الغريق و يرفع من أحاط به الحريق و مما ينجو به كلباس المقرور و إطعام الجائع و سقى العطشان و طرد السبع عنه أو قتله فإن ترك التنجية في ذلك كفر فلا يحط عنه من التنجية إلا ما يعطي فيه المال لأخذه عليه أي عنه بأن يأخذه جائر على مال فلا يجب عليك أن تعطي المال للجائر ليخليه و أما ما تعطي من المال من طعام أو شراب أو لباس أو ركوب لينجو به فواجب عليك فالضمير في قوله عنه للمنجا بضم الميم أي من هو من شأنه أن ينجي غيره إن كان مكلفاً قادراً و تكون النتيجة أيضاً باللسان مثل أن يصيح على الجاني أو الحيوان أو يصيح ليجيء الناس و لا يسقط عنه فرض ذلك لنفسه أو لمن لزمه تنجيته و (1/85)
صفحة 86
لا يلزمه إتلاف نفسه إلا عليها أي إلا على نفسه و ذلك أن يكون على دفع إنسان أو غيره عن نفسه فلا يجوز له أن يترك الدفع فيموت بذلك الضر بل يدفع و لو كان في موته إذا كان في ترك الدفع موته أيضا إلا إذا لم يظن شيئا من الدفع أو أسر أو ذهب عقله فلا يكلف الدفع ويجوز للإنسان أن يأمر غيره أن يدفع عن الواقع في ذلك الحال فلا يلزم المأمور أن كان المأمور يموت بالدفع وله أن يأمر الواقع في تلك المهلكة أن يدفع عن نفسه بل هو واجب لأنه أمر بمعروف ونهى عن منكر وأما تطوع مقابل لفرضيته وهو إتلافها عن الغير كدفاع مغير لأخذ ماله أو مال الغير أو قتال الغير وكتغيير جوره وكدفاع مفسد مالا أو مستخف لأخذه ولا يلزم أظهار تجوير مبتدع أو طعن في دينه أو تصويب ديانة الموافق ولا الدفاع عن المال الذي لا يؤدي إلى تلفه من جوع أو عطش أو حر أو برد وأما اللباس الذي يؤدي إلى تلف النفس فأنه يلزم الدفاع عنه وكذلك السلاح الذي يرد به عن نفسه وقد قالوا يموت الرجل ولا يعرى ولا يعطي سلاحه وأن أعطاه فمات به عمن أعطاه له هلك إلا أن تاب لم يهلك ولو قتله بذلك السلاح ولا يعطي عدوه.
المسألة الثانية : هل الجهاد والدفاع اسمان لمسمى واحد أم هما نوعان قال الشيخ الخليلي رحمه الله أن الجهاد اسم شامل لما تحته من الأنواع وله من الفضل صفات تعرف وأن أعلى الوجوه فيه وأشرفها وأرضاها لله وأقربها عنده ما كان لا يراد إلا أظهار الحق ومعزة الإسلام وإعلاء منازل الدين ومحق الفساد والظلم والكفر وتوهين أهله واثخانهم ونكايتهم لتكون كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا فالقتال على ذلك هو الذي افترض بذل المال والنفس عليه. (1/86)
صفحة 87
المسألة الرابعة : اعلم أنا قدمنا وجوب الدفاع وفرضية بقوله تعالى وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سيبل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم لكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان فقد أخر ذكر الدفاع في الآية الشريفة لتأخره رتبة عن الجهاد الأول فلمقاتل عن نفسه لا كالبايع نفسه لله لإعزاز دينه لا لشيء يخصه بنفسه من دفع مضرة أو جلب مصلحة فالدفاع ضرورة تستعمله حتى البهائم و الجهاد لمرضاة الله تعالى و كبت أعدائه هو شأن الملائكة و الأنبياء و الرسل و النقباء و المهاجرين و الأنصار و الخلفاء و الأئمة و العلماء و التابعين لهم بإحسان و قد يكون ترك الدفاع أضر و القيام به واجب قال الله تعالى : ( و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت السموات و الأرض ) و لهذا قال العلماء إذا غشي العدو البلاد فدفعه واجب على الغني و الفقير و الحر و العبد على قول و المديون و لو لم يكن له وفاء على قول و لا قائل بوجوب الجهاد على العبد و المديون الذي بتلك الصفة في باب الجهاد أصلاً و قيل به في الدفاع لأنه فرض عين فالفقير كالغني و العبد كالحر و المديون كالموسر لأن على كل منهم دفع القتل عن نفسه في موضع وجوب ذلك فرضاً من الله تعالى و في الحديث الشريف المقتول دون ماله شهيد و إن ثبتت الشهادة للمقتول دفاعاً عن نفسه إلحاقاً لهذا النوع من الجهاد بأصله و ما هو في الأصل إلا نوع من جنس الجهاد فهو بعض من كل إذ كل جنس شامل لما تحته من أنواع شمول الحيوان على الناقة و الفرس و الإنسان فإن نوى به إرغام البغاة و إذلالهم و معزة الإسلام و تقوية أهله و كف الظلم و الجور و الفساد عن عباد الله لتكون كلمة اللذين كفروا السفلى و كلمة الله هي العليا فقد كان هذا الدفاع في المرتبة العليا في الجهاد و أدنى فرضية الجهاد مرتبة ما كان باللسان و ربما تختلف منازله أيضاً لكنه ليس بمراد لنا في هذا الموضع. (1/87)
صفحة 88
المسألة الخامسة : في لزوم الدفاع عن البلد يلزم أهلها كلهم وقيل يلزم على القرية كلها وقيل يلزم عن المصر كله وعمان كلها مصر واحد وقيل عمان والبحرين مصر واحد فتدخل البحرين في هذا القول صرح بذلك في كتاب اللباب وذكر ذلك ابن النظر وغيره وقالوا الإحساء هي التي تسمى البحرين لا جزيرة اوال التي تسمى الآن بالبحرين و اوال كسحاب جزيرة كبيرة بالبحرين عند مغاص اللؤلؤ وعلى ظاهر قوله فأنها من البحرين فيجوز أن يلحقها حكمها والأول أولى وهو المصرح به .
المسألة السادسة : هل هذا الدفاع المذكور على الترتيب أم على الإطلاق قال الشيخ في مسألة الجهاد هذا مما يختلف فيه فقيل أنه على الإطلاق في وقت الحاجة إلية من غير تفصيل وقيل بل على الترتيب الأقرب فالأقرب وقيل أن كان الخصم قصده لجمع المصر فهو على الإطلاق و إلا فهو على الترتيب وسألت شيخنا المالكي عن ذلك شفاها فقال أن اختياره في ذلك على الترتيب وأقول أن كان في زمان الإمام فله النظر في رعاياه والاختيار منهم لأنه له النظر فيمن هو أشد بأسا أكثر مراسا وأصلب قناة وله أخذ السلاح من هذا وأن يعطيه غيره لأنه أعرف بالرمي من صاحبه وأن كان في زمان غير الإمام فعلى الترتيب والترتيب المذكور معناه أن كان الخصم قاصدا لشخص معين وهو قادر على دفعه فلا يلزم ذلك غيره من أهل البلد لأن فرضه أن يقاتل الواحد أثنين فأن لم يكف لدفعه فيلزم ذلك من حضره فأن لم يكف الحاضر فيلزم أهل بلده فأن لم يكف أهل بلده فيلزم أهل القرية كلهم وأن لم يكف أهل القرية فعلى الأقرب إليها من القرى إلى أن يتم المصر كله وأما على قول من لا يوجب الترتيب فنراه واجبا على المصر كله جميعا فأن كان العدو خصما لأهل المصر كله فهذا القول أصح وللإمام أن يلزمهم الخروج قبل تمكن العدو من مكان يكون مقرا له وأن كان العدو خصما لأهل بلد أو قرية فالترتيب أصح والله أعلم . (1/88)
صفحة 89
المسألة السابعة : في جبابرة المصر الآهلين فيه أعلم أنه اختلف العلماء في هل تجب على أهل المصر كله دفاع كل جبار في عمان أصر على بغية وظلمه وامتنع عن الانقياد للحق وحكمه فقتاله دفاع يلزم أهل المصر كله جميعا لأنه لدفع ظلمه وعناده وإزالة جوره وعناده ، فدفع ظلمه الواقع بالخلق كدفع الخصم الخارج المخوف منه وقع الظلم بل هو أشد لأنه هذا واقع وذلك مخوف أن يقع والبلية بدفع الواقع أشد وفي قول الشيخ الصبحي ما دل على أن القول بهذا يشبه الأنفاق من أهل العلم فيما يشبه الأنفاق أن عمان كالبلد في حكم الجهاد لعدوها وإنا نحفظ ذلك عن عامة من أهل العلم إلا من شاء الله منهم وأن جهادها دفاع كان هذا من رأى الإمام راشد ابن سعيد ومن تابعه في زمانه انتهى بلفظه الذي حكاه الشيخ الخليلي عن الشيخ الصبحي وفيه ما دل على أن جهاد عمان كله دفاع فأنظر كيف رتب أولا في الدفاع قال أن عمان كالبلد الواحد لعدوها ثم لم يكتف حتى أوضح قاعدة أخرى هي أعم وأضم من الأولى فقال عاطفا بالنسق على الأول وأن جهادها دفاع فدل بظاهر إطلاقه على أن جهاد عمان دفاع كله فهو شامل لجميع الصور انتهى واللفظ له قال الشيخ الصبحي عن الإمام هل له جبر الرعية للجهاد قال معي أن في ذلك اختلافا أن كان هو خارجا على عدوه من أهل الشرك أو من أهل التوحيد والإقرار وإن كان هو المخروج عليه فجبرهم على مصالحهم أوجب والزم إذا كان لهم فيه الصلاح الظاهر قال الشيخ صالح بن علي رحمه الله إذا بغت طائفة على أخرى وفي المبغي عليهم رجال تخلوا عن المصادمة وكشف العار عن وجوهم وتخملوا فهل للقائم بأمرهم أن يشد عليهم ويقرهم بالجبر على القتال أن خيف ظهور العدو عليهم قال نعم في بعض الرأي وهذا دفاع والجبر عليه جائز وفيها نقله الشيخ الخليلي عن الشيخ الصبحي أن كان أعلم لا أحفظ فيه شيئا مالكا متغلبا أترى هذا بمنزلة الخارج أو المخروج عليه قال الله أعمل لا أحفظ فيه شيئا ولعل من يرى (1/89)
صفحة 90
عمان مصر واحد يجعل هذا بمنزلة المخروج عليه ومن يجعلها أمصارا يجعلها بمنزلة الخارج وقولي في هذا أو غيره قول المسلمين انتهى قول الصبحي . وقال الشيخ الخليلي فقوله يجعل هذا بمنزلة أن كانت الإشارة فيه للإمام أو للمالك المتغلب فقد ثبت أن قتال ذلك المالك المتغالب دفاع في أحد الوجهين لأنه نزل في منزلة الخارج على الإمام دفاع لا شك ولكن يجوز في صحيح التأويل أن تكون الإشارة إلى الإمام لأن المعنى لا يستقيم بدونه لأن من يرى أن عمان مصرا واحدا وجهادها دفاع مطلقا يرى أن الإمام في هذا الموضع بمنزلة المخروج عليه فيوجب على أهل عمان جهاد هذا الجبار المتغلب بظلمه على بعض المصر ويروي أن هذا الجهاد دفاع كما قررناه وهو المراد فيما أتفق عليه الإمام راشد بن سعيد ومن تابعه وكما أصلناه وبهذا يصح تفسير قوله من يجعلها أمثارا ويجعل هذا بمنزلة الخارج وهو المخروج عليه بالحقيقة لما كان في الرأي الأول أن القتال دفاع نزل الإمام منزلة المخروج عليه وفي الرأي الثاني لما جعلت القرى بمنزلة الأمصار فلا يلزم أهل كل مصر دفاع عن مصر أخر كان الخروج من الإمام جهادا محضا فهو بمنزلة الخارج للجهاد فلا يشمله اسم الدفاع ولا حكمة هذا وأن بقي عبارة من يجعلها أمصار تسامح وتساهل وربما يتوهم أنه مما يشكل على الإفهام ويلتبس فإن عمان مصر واحد ولا قائل بأنها أمصار وليس قوله هذا خلافا للأصل المجتمع عليه ولا جهلا به فيما أظن والعلم عند الله وإنما يحتمل قوله هذا على إدارة التشبيه بعلة الحكم الجامع فتلخيص العبارة ومن جعلها كأمصار كثيرة في حكمها إشارة إلى من قال أنه لا يلزم أهل قرية الدفاع عن قرية أخرى فقد جعلت القرية كالمصر في هذا الحكم ولهذا جعل للإمام حكم الخارج للجهاد في هذا الموضع . أم لا قال الشيخ الخليلي هكذا عندي وقد علمتم ما كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه من الاستيلاء على الأمصار البعيدة والأقاليم الشاسعة فهل (1/90)
صفحة 91
يسوغ في عقل أو نقل أنه لو قام على قطر من الأقطار الشاسعة أو بغي على مصر من الأمصار فلم يكف للدفاع عنه أن يتركوه ولا يلزموا الناس الدفاع عنه والخروج إليه وليت شعري هل كان يسع علي بن أبي طالب ومن كان معه من المهاجرين والأنصار ترك الدفاع عن الشام لو سالمهم عليها معاوية بن أبي سفيان وقد ثبت عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما استغاثت به خزاعة وقد كانوا أسلموا ودخلوا في عهده ومكة يومئذ كافرة فقال ( صلى الله عليه وسلم ) لا نصرت إن لم أنصركم فاستنفر المسلمين فخرج لنصرهم وإنقاذهم من البغي وقوله عليه السلام لا نصرت إن لم أنصركم دليل – الوجوب – إذ لا يستوجب عليه ذلك من هو مخير في فعل ذلك وتركه ونصر المظلومين وإنقاذهم وإغاثتهم وكف البغي عنهم من معنى الدفاع في الخارج عن المصر ولو خارجا عن ملك الإمام إذا رأى الإمام الخروج إليه فإن كان ذلك المصر في حماية الإمام وتحت راية الإسلام فالدفاع عنه أوجب ولإجماعهم أن مكة والمدينة مصران قنا أن إصلاحهم أن عمان مصر هو إصلاح عرفي بأن أهل عمان لم يجز لهم الأحكام في غيرها غالبا فكانت الأسئلة منهم والأجوبة على هذا انتهى نقلا عن الشيخ الخليلي بلفظه ….
المسألة التاسعة : أعلم أن كل دفاع جهاد وما كل جهاد دفاع فخروج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لفتح مكة دفاع وجهاد ولو كان خروجه لها من غير سبب لكان جهادا مخلصا ولما انضم إليه باعث أخر وهو نصر خزاعة وإنقاذهم من البغي بعد الشكاية منهم إليه جاز أن يسمى دفاعا فهو دفاع وجهاد معا ولهذا قيل أن نصر خزاعة كان سببا لفتح مكة والله أعلم . (1/91)
صفحة 92
المسألة العاشرة : قوله وأحكم على قادر عنه أي عن المصر لأن الدفاع فرض على القادر تقدم الكلام فيه وقوله عن المسافر معه والضيف أن نزلا فعلى المصاحب والمضيف الدفاع عن ضيفه وعن صاحبه إذا مل يكن مانع حق أو قاطع طريق أو طاعن في دين المسلمين قال الشيخ صالح بن علي رحمه الله في رسالته قلت فإن نزلوا عليه ضيفا في بيته أو اصطحبهم في الطريق فخفر عن البغي عليهم في حالة ذلك كيف القول في هذا قال ولا أجدني أعرف شيئا ولا احفظ معي في مثل هذه النازلة ولا أعرف لها بابا معقودا في الأثر لأطالعها مع قلة إطلاعي دراستي ويعجبني أن لا يعرض لهم في تلك الحال لأنهم أمنون بالخفارة هاهنا والخفارة مثل التأمين والإجارة والمنع وأهل عمان متفقون على استعمالها فيما بينهم ولا ينكرونها وكأنها عن رضى منهم بها وفي نظري أنها ثابتة عليهم ما لم يتقدم بعضهم على بعض في أن لا يجبر عليه وكانت في الأصل جارية على قواعدهم المعروفة كخفارة الهناوية الغافرية عن الهناوية وبالعكس كذلك قلت قياسا واحسب أن في السنة المطهرة ما يدل على ذلك . قلت ما ذكره الشيخ أن الهناوية عن الغافرية هو المتعارف بين أهل عمان من نجود الظاهرة مشرفا إلى البحر جار ذلك اصطلاحا بينهم وأما من نجود الظاهرة مغربا فاصطلاحهم أن الهناوي يخفر عن الهناوي والغافري يخفر عن الهناوي والغافري مطلقا قاعدة متفقين عليها ولعل الشيخ لم يطلع على ذلك كما أنا قبل ابتلائنا بالظاهرة لم نطلع عليها فهذا رأيناه متفقا بينهم عليه ثابت عندهم جار على قواعد الخفارة والله أعلم . قلت له فإن كان هذا النازل ضيفا أو المجاور قد لزمه بعينه حق واجب عليه في الشرع حدا هل تنفعه الخفارة أو لا قال الله أعمل هذا أمان وقد سبق أنه لا أمان لمن لزمه حق يجب عليه فيه قصاص أو قود وكذا لا أمان لمن لزمه حد وبالجملة لا يطون أمانا إلا لمن لا يكون عليه حق محكوم به شرعا من كل واحد في كل واحد من أي مجبر في أي مجار (1/92)
صفحة 93
قلت نعم هو هكذا في قواعد الشرع ولكن أهل عمان ولا يفرقون من لزمه حق أو حد محكوم به عليه وبين غيره بل الخفارة والصحبة والمجاورة مطلقا تجري من كل مجير على كل مجار فيحتاج هاهنا النظر ممن له النظر في هذه المسألة العظيمة أعاذنا الله منها ومن كل بلية هل هي لازمة على قواعدهم العرفية عند الذين لا يدرون بقواعد الشرع جارية منهم عليهم ما لم يتقدموا على بعضهم البعض أو هي مخصصه بقواعد الشرع ولأن القاعدة العرفية في الأصول مقدمة على القاعدة الشرعية تحتاج هذه المسألة إلى تحقيق وأنا ضعيف منها ولنرجع إلى كلام الشيخ قيل ولمن جاور أو صحب مخفرا أ مضيفا لنازله أله أن يقاتل عنهم أن قصدهم قاصد ليقتلهم معه أم كيف يفعل ، قلت أعاذنا الله والمسلمين من البلا وكفانا بفضله كل أذى وعندي أن له أن يقاتل عليهم لأنه أمنهم بذلك متمسكا بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم وهذه ذمة أحدهم فلا يخفروها أي لا يضيعوها والخفارة أمان هكذا فهمنا والإشارة بالأمان أمان ولو باصبعة أشار لكان أمانا . قيل فإن كان هذا المجاور ممن بغى وبغي عليه إلا أنه لاحق عليه بعينه كما ذكرت أكله سواء قلت لأسوا هذا أقرب إلى جواز منعه والقتال عليه ومعه لمن جاءه من خصمائه قيل وإذا كان الفتان بغاة على بعضهم بعض قلت لا يحل ذلك ف يدين المسلمين لكن لك أن تقاتل الباغي مطلقا ليرجع إلى الحق وينقاد إلى الشرع ولو مع بغاة آخرين على غير قصد نصرتهم هكذا جاء الأثر قلت وهؤلاء المجاورون بالضيافة أو الصحبة أو المساكنة إذا كان بأيديهم مال قائم العين أخذوه سرقة أو غصبا أو كان عليهم في الذمة حتى امتنعوا عن تأديته قلت لا أمان لهؤلاء ولا ذمام ولا حرمة ولا احترام لمؤمنهم ومؤمنهم هو باغ مثلهم فإنهم لا خير فيهم انتهى كلام الشيخ قلت ينبغي لمن طلب هؤلاء بحق في أيديهم أو ذمتهم أو يدعي عليهم بدعوى مسموعة شرعا فعلى من هم عنده بضيافة أو (1/93)
صفحة 94
جوار أو صحبة أن يقول لهم أدوا ما يلزمكم شرعا لهؤلاء المدعين عليكم فإن انقادوا لما عليهم وأذعنوا للحق وأهله فلا عليهم إلا ذلك كما يحكم به حاكم المسلمين وأن أبوا عن الانقياد إلى الشرع هناك ينقطع عنهم الذمام والاحترام فليخل بين الطالب والمطولبين وأن قدر على نصرة المظلومين نصرهم بأي شيء قدر عليه لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى والله أعلم .
( وأن تعدد أصحاب وقد أسروا فليبدأ منهم بأي ثناء مشتغلا )
( ولا دفاع عن الأسرى ولو وجدوا من الـ حربهم الأرماح والنصلا )
الكلام في معنى البيتين إذا تعدد من المسلمين أسرى في أيدي البغاة أو المشركين هل يبدأ القادر على التحية من المأسورين بمن شاء أو على ترتيب من هو أعظم حقا عليه وعلى المسلمين وذلك كالوالد والعالم والإمام فقيل يبدأ بالإمام لأنه أعظم احتراما وبقاؤه أعظم منفعة للمسلمين أو يبدأ بأبيه لأنه بالإمام حقا عليه وإنه السبب لوجوده في الدنيا أو بالعالم الذي هو شيخه لأنه أعظم منفعة لإنقاذه من النار أو هو بالخيار أو بمن هو أيسر عليه والتحقيق عندي أنه يبدأ بإنقاذ الإمام لأن به حياة الإسلام وأهله ثم بوالده الذي هو سبب لوجوده ثم بشيخه في العلم وأما الأسرى الذين أسرهم العدو فإنهم لما صاروا في حال العجز ولا مقدرة لهم فإنه سقط فرض الدفاع عنهم وللأسير أن يهرب عنهم ولو أعطاهم العهد على عدم هروبه من أنه لا عهد ولا عقد على مكره وما دام في طريق فله أن يجاهدهم إذا رجا أن تسلم له نفسه ويظفر بهم وله أن يغتالهم ولا أن يقتلهم وليس له القيام في دار الحرب لكن له الهروب ويحتال لفداء نفسه منهم ومن أسره أكثر من اثنين ففداءه في بيت مال المسلمين وأما أن أسره واحد ففداءه في ماله لأنه ترك ما فرضه على الواحد قتل الاثنين والله أعلم .
( وليس تعذر ذات الخال إن تركت عنها الدفاع إلى أن لاقت الآجلا )
( وليس تعذر في نزع اللباس إذا لم تدفع البغي عنها فافهم العللا ) (1/94)
صفحة 95
( ودفعها جائز لو كان نافلة وليس يحتاج أن تستأذن الرجلا )
( ولازم من به التكلف نيط عن النفس الدفاع جميعا حين ما دخلا )
( لو خاف من سبع أو من بهيمة أو إنسان أو حية أو حاجم شعلا )
( وأن يكن لم يقع فيه فيلزمه لكي يخلصها أن يعمل الحيلا )
( نعم يجوز له قتل العدو ولو خاف الهلاك ولو عن غيره فعلا )
( لا واجب وله الأجر الكثير إذا ما لم يكن بك حرق النار قد قتلا )
( ولا يحل له في نفسه حدث ولو به لزوال الظلم قد وصلا )
( وأفضل الشهداء من قال عند أخي جور بحق فسقاه البلا عللا )
معنى البيت الأول أن على النساء أن يدفعن عن أنفسهن من أراد الفاحشة بهن ولو أراد كشف ثيابهن التي بها يظهر أجسادهن لأن جسد المرأة عورة إلا الوجه والكفين والخلف في ظاهر القدمين ولو أراد التلذذ بذلك أو الشم أو القبلة فعليهن دفع المريد لذلك ولو كان في ذلك موتهن في المفترض عليهن وأما ما كان نقلا في حقهن فالدفاع جائز ولا يحتجن إلى أذن أزواجهن في ذلك .
المسألة الأولى : اعلم أن على كل مكلف أن يدفع الضرر عن نفسه وعن غيره مع القدرة على ذلك لو كان المدفوع بهيمة أو سبعا أو حية أو نارا أو إنسانا ولا يلزمه إهلاك نفسه بالنار أن لم يقدر إلا بإهلاكها ولا بالماء أن كان لا يقدر إلا بغرقه وأما عن البهيمة فيلزمه دفاعها وقتالها حد قدرته . (1/95)
صفحة 96
المسألة الثانية : له قتل العدو ولو ظن الهلاك ولو عن غيره وله الأجر العظيم في ذلك الإنقاذ أما إذا ترك الدفع مع القدرة عنه أو عن غيره من النار أو البهيمة أو الحية أو الماء وهو قادر على الاحتيال فهو ضامن آثم وأما إذا كان الفعل الواقع من مكلف على غير نفسه مع قدرته فأكثر قول العلماء على تضمينه لأنه كالمعين عليه وفي المسألة قول أخرجه أبو سعيد بعدم تضمينه لكنه يأثم بذلك لتركه فرض الأمن والنهي .كمن قهره جبار فقال افعل بنفسك ما يضرها كجرح وغيره وإن لم تفعل قتلنا فلانا أو أخذنا ماله فذلك لا يجوز له فعله وله أن يدافع عنه ولو مات أو لحقه ضرر في نفسه أو ماله وأما أن يفعل بنفسه ما يضرها فليس له ذلك والله أعلم .
المسألة الرابعة : فيمن قال كلمة حق عند جبار جائر يقتل عليها فإن ذلك جائز وفاعل ذلك له الدرجة العليا في الشهادة لقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أفضل الجهاد كلمة حق تقال عند جبار يقتل عليها صاحبها ومن المعلوم أن الأمر والناهي للجبار الجائر لا يستطيع دفع صولة الجبار الجائر ولا إنقاذ نفسه منه فهو كالبائع نفسه قطعا راغب لما عند الله وما أعده له من فضل الشهادة والله يؤتي فضله من يشاء والله أعلم .
( ومن يكن طالبا بالبغي فاحشة لو بامرء فإذا لم يندفع قتلا )
( لو لم يطن طالبا قتلا ولا نشبا لو ذات خدر بأخرى تلمس القبلا )
( لو طالبا لمسة كي يستلذ به أو كشفة ليراه أو يريه ملا )
( لو بالبهائم أو بالنفس يفعل ذا ولا يحل له التمكين لو جهلا ) (1/96)
صفحة 97
معنى الأبيات من طلب من إنسان فاحشة كزنا وما دونه من لمس أو قبلة كان الطالب رجلا من رجل أو رجلا من امرأة أو امرأة من رجل أو امرأة من امرأة فعلى المطلوب منه دفع الطالب جهده فإن أدى الدفاع إلى قتله فلا بأس عليه ولو لم يكن طالبا قتلا ولا مالا أو ليكشف عورته ليراه أو يريه الناس ففي هذه الوجوه كلها يجب الدفع عليه ولو أدى الدفع إلى موت المدفوع فلا ضمان عليه في ذلك والله أعلم ذكر الدفاع عن المال واللباس .
( ولا يجوز له ترك الدفاع عن اللباس كالنفس فاحفظ وأحذر الفشلا )
( فهو المخير في فعل الدفاع عن الأموال والترك إلا في السلاح فلا )
( والدفع عن ماله إن لم يخف ضررا فيه عن النفس مأمور به امتثلا ) (1/97)
صفحة 98
تقدم الكلام في الدفاع أنه ينقسم إلى فرض من تركه هلك وإلى ندب من فعله حمد وهو من شيم الأحرار ومكارم الأخلاق فالضابط أن كل ما يؤثر ضررا في النفس فالدفع عنه من الواجبات الدينية لا يسع المكلف تركه ولا جهله فمن تركه فقد هلك ومن جهله قبل الوصول إليه فهو من الواسع وأما بعد وصوله إليه فإنه يهلك لأنه من الواجب على المكلف حرمة دمه وماله وتقدم الكلام عليه في أحكام الملل فافهم فإذا عرفت أن الدفع واجب ومندوب والواجب ينقسم إلى قسمين نفسيا وماليا فكل ما يلحق النفس من الضرورات ولم يدفعه عنها فهو هالك كان ذلك من قبل الله أو من قبل مخلقو والقسم المالي ضابطه كل ما يؤدي تركه إلى ضرر النفس أو قوتها فهو أن ترك الدفع فهالك وذلك كالماء الذي أن لم يندفع عنه مات عطشا أو الطعام الذي أن ترك الدفع عنه مات جوعا واللباس الذي أن تركه مات حرا أو بردا وكذلك يجب الدفع عن اللباس الذي أن أخذ عنه ظهرت عورته للناس فعورة الرجل ما ستر من السرة إلى الركبة وعورة المرأة كل جسدها إلا الوجه والكفين وكذلك السلاح يجب الدفع عنه أن كان مما لا غنى عنه به وضابطه أنه ما يدفع عن نفسه به عدوه من آدمي أو بهيمة فلا يجوز له أعطاء عدوه السلاح ومن أعطى عدوه سلاحه هلك لأنه معين على نفسه بقتلها أو ضررها كفعل فاحشة فيها أو ما يضرها هذا ما حررناه لك فاضبطه والقسم الثاني هو الندب في قول الأكثر وقيل بالوجوب أيضا فيه للأحاديث الواردة من الترغيب فيه فضابطه كل مال أو سلاح أن تركت الدفع لا يضرك تركه فالمكلف أن دفع عنه فهو الفاعل فعل الأحرار محمود على ذلك صاحبه ممدوح في الدنيا مأجور في الآخرة أجرا عظيما لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : المقتول دون ماله شهيد فحسبك هذه المنزلة الرفيعة التي عظمها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعناها لما يراه في الجنة من الدرجة العلياء لأهلها لا سيما أن كانت نيته في ذلك إعلاء الحق وأهله وإخماد الباطل وأهله (1/98)
صفحة 99
وتوهين أمرهم وكسر شوكتهم واعلم أنه لا يسام الخسف إلا الجبان ولا يقر على الضيم إلا دني .
ومن رأى الضيم عارا ما تمر به شرارة منه إلا خالها أطما
وذو الدناءة لو مزقت جلدته بشفرة الضيم لم يحس لها ألما
أن المنية فاعلم عند ذي حسب ولا الدنية هان الأمر أو عظما
فالدفاع عن المال الذي لا يلحقه ضرر فهو مخير في ذلك لأن المال يبذل للدين لا عكسه والله أعلم .
( وضامن أن أضاع الحفظ في كأما نة ومال أولى الإسلام أن خزلا )
( كذاك مال قريب أن قدرت على إنقاذه فعليك الدفع لا حولا )
( وليدفع العبد عن أموال سيده لو قل لا غيره إلا إذا جعلا )
( أو كان يضمنه أو ربه فله الدفاع عنه إذا ما حادث نزلا )
( ولا قتال له عن مال سيده قد قيل إلا إذا ثمنه فضلا )
( إلا إذا ما رقيا كان يلزمه الدفاع عنه على مال إذا اختبلا )
( وأن ترى حيوانا وسط زرعك فاقصد صرفه عنه واتركه إذا قفلا )
( ولا عليك ولو بالدفع مات إذا ما لم تجد ملجأ عنه ولا قبلا )
معنى الأبيات من أضاع أمانة عنده كانت لمعين أو لأولى الإسلام كبيت المال أو الأوقاف أو لقريب أو بعيد وهو قادر على الدفع عنها فقد أضاعها وعليه ضمانها وعلى العبيد الدفع عن أموال ساداتهم كانت قليلة أو كثيرة وقيل عليهم إذا كانت أقل من قيمتهم وإن ساوت الأموال قيمتهم أو زادت الأموال فلا عليه أن يدفع عنها وقيل إذا كان المال رقيقا فعليهم الدفع عنها ومن رأى حيوانا في زرعه فله طرده منه إلا إذا رجع بغير طرد فإن لم يرجع إلا بالطرد القوي فلك دفاعه عن مالك وإذا مات بذلك الدفع فلا عليك منه حرج هذا إجمال وفي المقام مسائل . (1/99)
صفحة 100
المسألة الأولى : في الأمانة وهي وضع مال بيد أمين على سبيل الحفظ وتنقسم الأمانة في نفسها إلى نقد وعروض وأوصل وحيوان ولكل قسم من هذه الأقسام نوع من الحفظ يختص به عن غيره فنبدأ أولا بحفظ النقدين الذهب والفضة كانا مضروبين أو غير مضروبين فحفظ الذهب والفضة أن يجعلا في وعاء حيث يأمن عليه الأمين كمندوس في محل من البيت لا يدخله كل احد إلا من كان يؤمن منه ويقفل عليه بقفل يختاره من أوثق الأقفال حسب جهده لكي يستوثق لأمانته فإن علم بأحد يريد أخذها فعليه دفاعه عنها جهده ويقاتل عليها من قصد إليها بسرقة أو غصب ويرد عنها مريدها جهده ولا يضمن بعد استفراغ الجهد .
المسألة الثانية : إذا كانت الأمانة أثاثا أو صفرا أو حيوانا أو نحوها فليحفظها في مكان يليق بحفظها من مخزن ونحوه فإن ضاعت من غير تضييع منه فلا ضمان عليه القسم الثاني من الأمانة حيوانا ونحوه مما هو من شأنه الرعي في الفلاة أو البلاد فعليه حفظها ورعيها وسقيها والدفع عنها من اللصوص ونحوها فإن ضاعت بلا تضييع منه فلا ضمان عليه .
المسألة الثالثة : في أمانة الأصول التي لا تنتقل ولا يحاط عليها في بيت فعلى الأمين محافظتها في سقيها وعمارتها ونباتها وصرامها وما تحتاجه من هيس أو سماد أو فسل ونحوه وعليه المحافظة على غلتها بحارس أمين فيما عنده وعليه الدفع عما يفسدها من الحيوان واللصوص وغيرهم وعليه أن يدافع من أراد التعدي عليها بوجه ما من الوجوه فإن ضاعت بلا تضييع أو تقصير من الأمين فلا ضمان عليه فيها والله أعلم لقوله تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) ولقوله تعالى : ( ما على المحسنين من سبيل ) ولا يلام المرء بعد الاجتهاد . (1/100)
صفحة 101
المسألة الرابعة : في دفع العبد عن مال سيده أن كان أقل من ثمنه أو أكثر أو مساويا قال الشيخ السالمي رحمه الله تعالى لما سئل عن العبد هل يقاتل عن مال سيده إذا كان أقل من قيمته ويقاتل إذا كان أكثر ما وجهه فقال الشيخ أن في القتال تعريضا للتلاف والعبد مال فإذا عرض نفسه للقتال فقد عرض نفسه لأتلاف مال سيده فإن كان المال الذي يقاتل عليه أقل من قيمته منعوه عن القتال لأن بقاء نفسه أصلح للسيد من بقاء ذلك المال وإن كان المال أقل أصلح لسيده وفيها قول آخر أن له أن يقاتل دون مال سيده كان المال أقل أو أكثر وهو أرجح القولين عندي أي عند الشيخ إذ لا يتعين بذلك تلاف نفسه وللأعمار أجال مؤجلة ولا تتقدم ولا تتأخر ولئن كان نظر الصلاح للسيد المعتبر فلا يعتبر الصلاح في تأخر العبد عن القتال بل ربما يكون الإقدام عين الصلاح فلعله يرجع بنفسه وبالمال سالمين مرزوق الظفر على العد ولعل التأخر عن ذلك يفضي إلى سلب المال وأخذ نفسه ولعمري أن لم يكن الصلاح في الإقدام فلا يكون في العجز بل الخير كل الخير دنيا وأخرى في التشجيع بالحق والله أعمل وقيل أن جعله سيده للدفع فليدفع مطلقا وقيل فعليه الدفع عنها مطلقا وقيل إن كان المال أمانة في يد العبد ائتمنها بإذن سيده فعليه الدفع فهذا تلخيص الأقوال والله أعلم . (1/101)
صفحة 102
المسألة الخامسة : في دفع الحيوان عن زرعك فإذا رأيت حيوانا في زرعك أو زرع أنت حارسه أو زرع غيرك فعليك دفع ذلك الحيوان بالرفق أولا وبما يدفع به غيره من مثله ولا تزعجه إزعاجا يضره من أول مرة لأن من كان أمر بالمعروف فليكن أمره بمعروف فإن لم يندفع فادفعه فإن أصابه كسر أو تلف فلا عليك منه شيء لأن صاحبه عرضه للتلف بإطلاقه وأقول من غير حفظ أقول به ينبغي أن يقال بالتفصيل هنا إن كان ليلا فدفعه رب الزرع منه فأصابه شيء من ذلك الدفع فلا عليه شيء وإن كان نهارا فهنا إن لم يتعد الدافع في دفعه بل دفعه بما يدفع به غيره فلا ضمان عليه ولو تلف وإن تعدى فعليه الضمان قلت هذا تخريجا وقياسا على وجوب حفظ أهل الماشية ماشيتهم ليلا وعلى وجوب حرس أهل الزرع زرعهم نهارا وإن تقدم القائم بالأمر على أهل المواشي بحفظها فلا ضمان على دافعها ليلا أو نهارا والله أعلم .
( وجاز أن يتقي بالمال لو حيوانا كان لو مات لا من جنس ما عقلا )
( وحرم الاتقا والدفع عنه بمال الغير أن لم يكن باغ إذا اقتتلا )
( واعمل لمثل مريد الضر لو خشيت منه المضرة مثل الخندق العملا )
( ما لم يكن فيه إتلاف النفوس فإن تلفن فالقول بالتضمين قد قبلا )
( وليس يلزمه قالوا إذا هلك المريد للضر فالقولان قد نقلا )
( وإن يكن عاقلا يوما فيصرفه بما أراد ولو جمرا إذا اشتعلا )
( بجعله حائلا بين البغاة ومن بغى عليهم ويلجيهم لما جعلا )
( والدفع عن مال أهل اليتم متسع ببعضه لكجبار إذا انتقلا ) (1/102)
صفحة 103
قوله وجاز أن يتقي بالمال يعني أنى يجوز للمبغى عليه أو لطالبه لإزالة بغيه أو لمعينه أن يتقي بالمال لو حيوانا لا بآدمي كعبد وحرم الأتقا بمال الغير إن لم يكن الغير باغيا وإن لم يحل فتلف فعليه ضمانه وجاز أن يعمل الإنسان لمريد ضره ما يحيل بينه وبين الباغي عليه كسور وخندق وكغيره ما لم يكن فيه إتلاف للنفوس فإن تلف فيه أحد غير الباغي فهو ضامن أن كان المدفوع عاقلا فجاز بالماء والنار والسم والشوك وجاز إلجاء الباغي إلى ذلك المجعول فإن هلك فيه الباغي ففيه ما مر وجاز الدفع عن مال اليتيم والضعيف والوقف والمسجد وغيره ممن لا يملك أمره ولو ببعضه على قول وفي المقام مسائل .
المسألة الأولى : فيما يجوز الاتقاء به يجوز الاتقاء في حالة حرب البغاة أو المشركين بكل ما يحول بينك وبين العدو مما هو آله للاتقاء كان ذلك المتقى به أولا وإن لم يكن المتقى به آله للاتقاء ولم تجد إلا ذلك فلك أيضا جائز الاتقاء به إن كان مما تملكه إلا الآدمي كالرقيق فلا يجوز لك الاتقاء به كان لك أو لغيرك وتضمن كل ما اتقيت به إن كان هو لغيرك لأنه كالخطأ في الأموال مضمون .
المسألة الثانية : لا يجوز الاتقاء بمال إلا مع الضرورة الملجئة إليه وإن كان المتقى به مال الباغي فيجوز لك الاتقاء به ولا ضمان عليك لأنه يجوز لك إفساده ولو لم تتق به لإزالة بغية وتوهين ما يزل شوكته ويجوز لك إن تقاتل بسلاح العدو وركوب خيله وإبله ولباس آلة حربه مادامت الحرب قائمة فإذا وضعت الحرب أوزارها زد إلى أهله إذا عرفوا وإلا فهو أمانة حتى تجد ربه وفيه أقوال غيرها .
المسألة الثالثة : جاز لك أن تجعل ما يرد عدوك ويحيل بينك وبينه من خندق وسور وشوك وماء تجره إلى موضع ونار تضرمها ولا ضمان عليك فيما تلف فيه من العقلاء الباغين عليك ولا دوابهم ويجوز لك إلجاء العدو إلى ما جعلته من ذلك كله والدليل على جواز ذلك أمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بخندق على المدينة . (1/103)
صفحة 104
المسألة الرابعة : في الدفاع عن مال اليتيم والمرأة والغائب والوقف والمسجد وغيره ممن لا يملك أمره ولم يطلق الدفع عن ماله ففي الأثر في ذلك ثلاثة أقوال المنع من ذلك لأنك سالم من الخطاب عنه والمخاطب به الظالم الآخذ له لقوله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وأما أن كان هلاكه من غير عاقل كنار وبهيمة وماء فعليك الدفع عنه مع القدرة على ذلك ولك أن تدفع عنه ما لم تخف في الدفع هلاك نفسك فإن خفت هلاكها وكان المدفوع ممن لا يملك أمره فلا يجوز لك إهلاك نفسك وإن كان المدفوع من بني آدم فلك الدفاع عنه ولو كان فيه مثلا تلف نفسك ولك أن شاء الله الأجر العظيم والقول الثاني ليس لك الدفع عن مال المذكورين إلى أن يمد الظالم يده عليه فإن مدها فلك أن تدفعه ببعضها وذلك لأنك تيقنت ذلك فأنت منقذ للكل بالبعض لأن لك النظر في صلاحهم وذلك هو عين الصلاح لهم والقول الثالث إذا خفت على أموال المذكورين من هذا الظالم فلك دفعه ببعض المال لبقاء بعضه وأنت غير مخاطب بقدرة الله لأن الله على كل شيء قدير والله أمر بذلك وذلك من التعاون على البر والتقوى وفي كلام الشيخ الخليلي رحمه الله بعد أن قال في الدفاع ولا سبيل على مال امرأة ولا صبي ولا مجنون ولا غائب ولا دفاع عليهم وفي قول أخر فيجوز أن يؤخذ من أموالهم ما يؤخذ من أموال غيرهم إذا كان ذلك دفاعا على الجميع فقد أجاز الفقهاء أن يدافع من أموال هؤلاء المذكورين لسلامة أموالهم نظرا في المصالح وجواز ذلك للدفاع عنهم والذب والحماية لأموالهم أعز للإسلام وأنكى للعدو واكبت لبغاة وأرضى لله تعالى فالجواز أولى كما نطق به الأثر وإنه لصحيح في النظر قلت له وعلى قول من أجاز من مال هؤلاء وفي هذا الموضع فهل من وجه أيضا لأخذه من أموال المساجد والمدارس والوقوفات إذا خيف عليها أن ظفر بها العدو على المصر أن تجاز وتبدل توكل ولا يوضع شيء منها في محله قال نعم فالاختلاف فيها كما سبق وقد أجيز أن (1/104)
صفحة 105
يدفع بالبعض من مالها لسلامة الأكثر فالأخذ منها للحماية بالسيف أولى وأظهر قلت له ومن هذا القبيل ما عمل به الأشياخ المتأخرون من كفت الافلاج لمدافعة الجبار الجائر بها عن الرعية في موضع الخوف عليها وفيها الغائب واليتيم والوقف وغيره وقد أجازوه على الجميع ويرفع ذلك عن الشيخ أحمد بن مفرج قال هكذا عندي أنهم عملوا ذلك في دفع الجبار ببعض المال وقاس عليه الصبحي جواز ذلك لدفعه بالقتال فكان حسنا من قوله جزاه الله عن المسلمين خيرا قلت له وما جاز من هذا أن تقعد له الأفلاج وتكفت فهل يجوز على أصول الأموال فيسلم كل أحد على قدر صلب ماله قال هكذا قيل وصرح به الصبحي حتى قال في كتاب منهاج العدل أن الرجل يقوم بيته ليؤخذ منه قدر ما يملك إذا لم يجحف بمؤنته ومؤنة أهله ومن يلزمه عوله انتهى واللفظ له قلت له إذا جاز أن يكون ذلك على الأصول بقدر القيمة أفلا يجوز أن يكون على قدر الغلة فيرتب في أخذه على قدر ذلك قال هكذا عندي أن كان دفع بمال أو لحماية وقتال فكله سواء قلت له فالتجارة والنقود هل يجوز أن تشارك الأصول فيكون لها حكمها قال هكذا عندي وإن لم أجده عن غيري ولكنني لا أرى حكم الأموال إلا على سواء في ذلك فبأي معنى يلزم الأصول ما لا يلزم غيرها من ذلك من غير دليل ولا حجة توجبه قلت له فالحيوان والعروض كذلك قال هكذا يظهر لي في ذلك قلت له ولأي معنى خصت الأصول بذلك قال لأنها معظم الأموال عند أهل عمان فالتفاتهم إليها أكثر ونظرهم إليها في اللازم أوفر حتى كأنهم لم يعتدوا بغيرها لقلته وكثرتها فالاشتغال بما لا طائل تحته تركه أولى وإنما ذكرناه لبيان الجواز وطردا للقاعدة والله أعلم قلت له وهل لما عمل به هؤلاء الأشياخ من جواز الدفاع بشيء من الأموال أصل في السنة أم كيف الوجه قال الله أعمل وقد يروي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد أراد أن يدفع المشركين عن المدينة المشرفة صلحا على الثلث من ثمارها فاحتج به على جواز (1/105)
صفحة 106
ذلك في موضع الضرورة إليه ولولا أنه لم يكن جائزا لم يرد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يفعله والمدينة مصر جامع ولم تجد مصرا يخلو من أحد لا يملك أمره غالبا وما كان تركه الصلح لعدم جوازه ولكن لما ظهر له من شدة في أصحابه وجراءة على العدو وعدم مبالاتهم بكثرة الخصم وشدة البأس انتهى ما نقلناه من كلام المحقق الخليلي وبه كفاية ووجد نقلا عن الشيخ صالح رحمه الله في هذا المعنى ونصه وهل على الحرث إذا بغت عليهم المساكرة أن يقعدوا الافلاج ويحربرهم بذلك إذا امتنع رجالهم عن القيام بما يحتاجه الحرب والدفع هاهنا إذا خيف ضياع البلد وأهلها بدون ذلك قلت الله أعلم وفي نظري القاصر أنه يجوز لأهل السفالة كلهم قعد أفلاجهم ليحربوا المساكرة إذا بغوا عليهم والحالة هذه التي ذكرتها لأنه لا شك بترك ذلك يحصل الضرر على اليتيم والغائب والمسجد وعلى جميع من فيها لأن بعضها متعلق ببعض وما هي إلا كالسجد الواحد والمساكرة ينالون الجميع بالضرر ولا ريب فلج أبو رحلين كذلك قيل وأهل المضيرب وبقية الحرب هل يقعدون أفلاجهم لهذا الحرب إلا إذا تعذر الرجال بأمر الحرب كما تعلم أنت وتشاهد قلت الله أعلم وهذه أبعد في الجواز معي من الأولى لعدم الضرر على عامة هؤلاء إذا لم تكن لذلك سنة متقدمة على الافلاج بذلك ولا أعلمها إلا على فلج المضيرب في بعض الصور وأهله أعلم بذلك والقابل وعز وجائز عليها من قعد الجمعة لأني قد استرضيت أهلها جميعا لإيقاف الجمعة منهما فرضوا إلا أناسا قليلا منهم وسنسترضيهم أن شاء الله حتى يرضوا وفي الحال أنا أعطيهم ما ينوبهم من ماله أن أخذت من الفلجين شيئا مستمسكا برأي في ذلك من العلماء والله أعلم فإن امتنع بقية الحرث كما تعلم عن المقاومة أهل السفالة ولم يناصروهم بالرجال والمال وقع الخلل على أهل السفالة وضاعوا وإن ناب بقية الحرث حرب من جعلان وغيرها فيتشتتون إذا لم يناصروهم وتخرج البادية عنهم والحرث كما تعلم أنهم (1/106)
صفحة 107
بدون البادية لا تقوم لهم قائمة والحرث محيطة بهم الخصوم ولا يقوم البعض منهم بدون البقية فهل من رخصه لنبذلها لهم في حمل النوائب والحروب لنوازل من مدافعة لصلح أو حرب أو عدة لحرب مع نفع بدوي أو غرامة عنه إذا نابته يدخر لحاجتهم إذا خيف الضياع عليهم بدون ذلك من قعد الافلاج افلاج الحرث كلها أم لا وجه البته قلت الله أعلم وقد منت أقول للحرث إذا نابهم مثل ذلك هذا عليكم يا أهل السفالة كذا ويا أهل المضيرب كذا وبقية أهل البلدان كذلك وبأنفسهم يرتبون شغلهم وأنا لا أقبض منهم شيئا بل آمر من له الحاجة أن يأخذها من أولئك بنفسه وهم المسئولون عنها وأنا في سلامة من الدخول في ذلك وشاورت في ذلك الصنيع شيخنا الخليلي فقال لا إثم عليك ولك نية الخير ولعل الرخصة لا تنعدم أصلا منه مع توقع ما ذكرت أو ما شاهدته من تشتيت القبيلة وظهور البغاة عليهم من كل جهة ولا أرى الرخصة هنا إلا حاصلة أن لم يبدل الله حالا غير ما نراه في الحال وعلى القائم أن ينظر لله وفي الله وأن يتجافى صل إنما هي في الدفاع بمال من لا يملك أمره في المصالحة وإنما قاس القدوة الصبحي رحمه الله عليها مسألة المحاربة مع خوف ظهور العدو على من لا يملك أمره أو على ماله أو عليهما والمساكرة وبقية الغافرية ولا يتوصلون إلى ضياع الأموال كلها وإنما قدرة المساكرة مقصورة على أفلاج الحرث وبعض أموالها وقد أجاز ذلك العالم الصبحي وتبعه على ذلك الشيخ الخليلي في دفع الجبابرة القائمين على عمان كأهل نجد وغيرهم من الذين هم مثلهم فكيف لك أن تطردها في حرب القبائل وهم دون ذلك وبطشهم لا يعم الجميع إذا جاؤا على خيل أو بغير فأخذوا الشاذ والخارج من البلدان فكيف هذا قال الله أعلم لكن الأسباب تتداعى والضياع يكثر ولا يؤمن وعمان لابد لها من مصادمة عنها وعن حريمها وإلا فإلى الذل والشتات مال أهلها والشرع نهى عن التخمل وعدم الذب عن انتهاك الحرمات والجامع لجواز الأخذ من مال من لا (1/107)
صفحة 108
يملك أمره ومن مال النساء للدفع بالصلح أو الحرب هو الخوف عليهم أو على مالهم إذا كان الخصم قاصدا للجميع ولو كان بعض ذلك في الحال ممتنع ومتوسط في الدار والخوف في الظاهر على غيره وسواء خيف ذلك من جبار كبيرا ومن هو دونه كمثل القبائل والقبائل إذا لم تصدم بالحرب والقتل فلا شك أنها لتصنع أعظم مما تصنعه الجبابرة والأكاسرة من الفساد فأنظر إلى الجنبة الدروع والظلمة آل وهيبة بما يفعلون فيمن عجز عن مصادمتهم من الفقراء بتلك الأطراف الغربية وهاك ما قاله شيخنا الخليلي لوالي الإمام عبد الله بن محمد بن راشد الهاشمي حيث أمره بوضع ما يحتاجه الإمام عزان بن قيس رضي الله عنه لحرب أهل الحزم لما حاصرناه وهذا نصه وكتب الشيخ سعيد لوالي الإمام عبد الله بن محمد الهاشمي وما ذكرت من قبل الرمية التي للحزم فإن جعلت على الأغنياء فجائز وإن جعلت على الأموال ومن مال من لا يملك أمره كل على قدره فجائز فالأول جهاد والثاني دفاع اليعاربة عن الرستاق ببغيهم المشهور وهو غير منكور وعسى الله أن ييسر المخرج فإنه لطيف بعباده انتهى بلفظه فهذا في عصر الإمام عزان بن قيس رضيه الله تعالى وهو إذ ذاك حاكم المصر كله وفي ذلك الوقت لا خوف من اليعاربة أهل الحزم على الرستاق وما يطلبون إلا سلامة أنفسهم من الإمام وما كان بغيهم في أيامه مما يحذر منه على استئصال الرستاق وغشيانها كلها وإنما هم أحيانا يتجبرون على أهلها بالسرقة والسؤال والتخويف وبعض العقوبات القليلة وتحسين الضيافة باللحم والحلوى وقد أجاز الشيخ الآخذ من مال من لا يملك أمره من أهلها لحرب أهل الحزم واستئصالهم وقطع تلك الشافة وزوال جرثومتها من أصلها لئلا يعودوا لمثل ذلك وفي النيل وشرحه جواز المصالحة والضيافه عطاء المجبر والجبر عليها من مال من لا يملك أمره لنظر المصلحة وأن خيف على مال البعض منهم إذا كانوا مقصورين بذلك وأنظر ما قاله أشياخنا المتأخرون ناصر بن خميس وحبيب ابن سالم (1/108)
صفحة 109
من إلزام من امتنع من أهل دكاكين السوق من إعطاء أجرة الحارس إذا اتفق جبهة التجار عليها ولم يعذروه ولو كان دكانه وسطهن وما هذا إلا من ذاك فإنه باب واحد ومسألة واحدة فيما يطهر لي وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما بنى جواز مثل هذا إلا باعتبار المصلحة العامة مع ذكر الهبة وزعم بعضهم أن من أخذ من مال اليتيم أم المجنون أو الغائب أو الكاره الذي لم يطلب نفسه بما ينووه آثم والصحيح أنه لا أثم عليه لأن في ذلك تنجية لهم وإن لم يعطوا أخذ الجبار أموالهم وأموال غيرهم وقد اشتركوا في مصالح البلد فمن أين يلزم الناس الدفع عنهم وقد طلبهم الجبار في أموالهم وأنفسهم أو في أموالهم أو أنفسهم فإذا ثبت خراج الجبار ولم يقدر عليه أجازوا لمن يجمعه من أموال الناس كلهم إلا من استثناه الجبار الظالم وجاز أن يقول الإنسان لذلك الظالم أفعل بهم كذا ليعطوا مما ليس سلبا ولا قتلا مثل أن يقول أمنعهم الرعي حتى يعطوا إذا كان في امتناعهم مضرة البلد كما فعل الشيخ رحمه الله ويأتي في كتاب الأخير في باب المداهنة والمداراة أنه يجوز أن يعطوا المداراة من مال اليتيم والغائب والأرامل أو بلفظه فلينظر في قوله أو أموال غيرهم فإن فيه دليلا على ما قلناه وأنظر إلى ما قاله العلماء من أهل عمان إنه إذا اغتصب الجبار خبورة من الفج أو قطعها الوادي السائل فذهبت على أهلها أن ذلك يذهب من مال جميع أهل الفلج وسموه كسورا ولم يجعلوه على أهل الخبورة وحدهم إذا كان أخذ الجبار ذلك من مال الجميع وما هذه إلا ما ذكرناه وفي موضع عن الإمام بن يوسف فقال وما اتفق عليه المسلمون جبر الحاكم عليه الناس ولو غاب ولم يحضر ويجبر أيضا على أصلاح ما فسد من المنزل والبئر والطريق فأنظروا يا معشر المسلمين في هذه الكلمات الوجيزة المجلمة وما تحتها من أنواع عديدة وما هي إلا شاهدة على ما قلنا والله أعلم نقلا عن الشيخ صالح بلفظه وأقول في الأثر المشرقي كثير من هذا (1/109)
صفحة 110
الباب ومنه ما قاله الشيخ موسى بن علي رحمه الله في جبر من كان زرعه في وسط زروع الناس وامتنع عن أجرة الشوافة يجبر على إعطاء منابة من ذلك والله أعلم .
( ولا يصح قتال الفرقتين على حق معا ويصح العكس فاحتفلا )
( وقد تحق التي تبغي برجعتها عن بغيها لإمام أو لمن عدلا )
( وصح إبطال من حقت إذا رجعت من قاتلتها فلم تذعن لما نزلا )
( وكافر من أعان المفتنين ومن رضى بفتنتهم فالكل قد خذلا )
معنى الأبيات لا يصح أن تتقاتل فئتان وكل منهما محقة إذا كان القتال من باب واحد في شيء واحد ، في جهة واحدة ويصح أن اختلفت الجهات والأبواب ويصح العكس أي بغى الفرقتين جميعا وتبطل المحقة إذا رجعت الأخرى وأذعنت للأحكام الشرعية على يد حكام المسلمين ولم تقبل المحقة منها ذلك وتحق المبطلة برجوعها وإذعانها إلى الشرع هذا وفي المقام مسائل .
المسألة الأولى : قال في النيل وشرحه باب لا تحق الفئتان أي لا تكون الفئتان معا محقتين في تقاتلهما و لا في غير تقاتل من جهة واحدة في وقت واحد في نفس الأمر وأما ما بحسب الظاهر لكل واحدة مع أن الله أباح لهما ذلك بحسب ما يظهر لهما فواقع مثل أن تقاتل قوما بقول أمين أو الأمناء أنهم بغاة فلك قتالهم ولهم قتالك وأنت محق بقول الأمناء وهم محقون لبراءتهم من البغي لكن الأمناء غلطوا وتعمدوا واختلط عليهم وأنت مبطل لا يعاقبك الله لأنك عملت بالأمناء وهم محقون لبراءتهم من البغي ووجه ذلك أن الله أمرك بقبول قول الأمناء وإن كان قولهم ظنيا لأن العمل جائز بقولهم والدليل على قبول قول الأمينين قوله وأشهدوا ذوي عدل منكم ومن السنة قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) شاهداك أو يمينه والله أمر عباده أن يردوا الأمور إليه أي إلى كتابه وإلى الرسول فما على المكلف فوق ذلك شيء وإن كان الباطن بخلاف الظاهر والله أعلم . (1/110)
صفحة 111
المسألة الثانية : في قوله ويصح العكس بأن يكونا معا مبطلتين كل واحدة مبطلة وذلك كأن كان القتال على حمية وفتنة فيما يبلون به من فتنة الدنيا وزينتها وشهواتها من طمع في مال أو رئاسة أو نحوها وسئل شيخنا السالمي رحمه الله عن قولهم أنه لا يصح القتال على حمية وفتنة ما وجهه فالجواب منه أن وجهه ظاهر وذلك أن الحمية والفتنة شيء لا يستباح بهما القتال وذلك أن الحمية شدة الغضب وأوله والقتال على نفس الغضب حرام وأما الفتنة فهي اختلاف الناس في الآراء والأهواء ومنه قوله ( صلى الله عليه وسلم ) أرى الفتنة خلال بيوتكم وذلك حين يكون القتال والحروب والاختلاف الذي يكون بين فرق المسلمين إذا تحاربوا ويكون ما يبلون به من زينة الدنيا وشهواتها فيفتتنون بذلك عن الآخرة والعمل لها والقتال على هذا أيضا محجور والله أعلم انتهى بلفظه .
المسألة الثالثة : في قوله وقد تحق التي تبغي إبطالها أن تركت بغيها ورجعت عنه مذعنة منقادة لما يلزمها من إعطاء الحق على يد أمام أو قاض أو جماعة أو حاكم أو وال أو سلطان ممن يوصل الحق لصاحبه ويكون عالما مجتهدا أو مرجعا وجاز من مقلد بعد مشورة على قول وجاز أن يكون عالما في تلك المسألة والعالم ما يعلم المسألة من الكتاب والسنة والإجماع بأدلتها بعد علمه بالعربية المحتاجة إليها تلك المسألة .
المسألة الرابعة : يزول اسم البغي وحكمه عن الفئتين جميعا إذا رجعتا عن بغيهما نادمتين عن البغي الكائن منهما منقادتين إلى ما يحكم به بينهما الحاكم والعدل وسواء كان الرجوع لندم لله أو لغرض دنيوي أو غير ذلك كالرقة والضعف والخوف من أخذ الثأر لأن الحكم على الظاهر ومصداق الرجوع إعطاء الحق لصاحبه لأن التكليف بظاهر الأمور ولو كان الباطن خلاف الظاهر لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) هلا شققت عن قلبه . (1/111)
صفحة 112
المسألة الخامسة : قد تبغي المحقة فتصير باغية حلال دمها بعد ما كانت محقة وذلك بأمور منها إذعان الفرقة التي كانت باغية عليها للحكم ولم يكف هذه ومنها أن تريد زيادة عن حقها ومنها أن تريد ما لا يلزم لها شرعا ولو اقل من حقها ومنها أن لا تكف عن قتال الباغية بعد الإذعان ومنها أن لا ترضى إلا بحكم الجبار الجائر فتنعكس القضية عليها والله أعلم .
المسألة السادسة : يجوز إعانة الفرقة المحقة من هاتين الفرقتين سواء كانت محقة من أول الأمر أو راجعة عن بغيها الكائن منها ولا يجوز الدخول بين الفئتين المتقاتلتين على فتنة ولا الرضى أو الحب لتلك الفتنة ويجوز أن يكفهما معا عن القتال على فتنة ويجوز الدخول لإزالة بغي أحدهما بعد أن يأمرهما بالكف عن القتال ويكون الدخول لإزالة البغي لا لنصرة الباغية بنية أن لو أذعنت أحداهما لكف عن قتالها ويكفر بحب الباغي والبغي لما روى عن الشيخ أبي الربيع رواه عنه تلميذه الشيخ أحمد بن محمد بن بكر رحمهم الله أن الرجل يكون بمغرب الشمس والفتنة بمطلعها وسيفه يقطر دما منها على رأسه وهو راقد على سريره أن كان في قلبه حبها والحمية عليها قال القطب في شرحه وقوله وسيفه يقطر دما منها تشبيه من خاض في الفتنة بحبها من خاضها بسيفه حتى كأنه يقطر دما سواء أبطلتا معا أو أحداهما وأحب المبطلة على إبطالها على إبطالهما أو إبطال المبطلة أو لم يعلم أو كان حبه ونواه ظهور أهل الباطل على غيرهم فلا يعذر في الجهل على هذا انتهى ومن أراد الزيادة فليراجعه من النيل وشرحه في صفحة 541 والله أعلم .
( والقوم أما تداعوا بالقبائل للقتال فالسيف فيهم يسبق العذلا )
( كذا التفاخر لو صدقا يكون فهم في فتنة صبحوا الإعجاب والخيلا )
( وكل شتم وبغض لا يحل القتال والقذف لو بالظلم كان فلا )
( أما الذي دب عن أعارض من عرفوا من أهل نحلتنا قد أحسن العملا )
( والطعن في ديننا والمنع حدهما أن يطعم الفاعل الجزارة النصلا ) (1/112)
صفحة 113
التداعي بالقبائل محرم وهو من دعوة الجاهلية مهيج للفتن مثير لها وكذلك التفاخر بالأنساب وبالأفعال والصفات والهيئات فهو حرام والشتم والتنقيص كذلك لا يجوز فكل هذه لا يحل بها القتال وإما الدب عن أعراض المسلمين وأمتهم فهو جائز والطعن في الدين حرام به يحل الدم وسيأتي الكل مفصلا أن شاء الله وفي المقام مسائل .
المسألة الأولى : التداعي بالقبائل كيا آل فلان بني فلان ونحو ذلك وكقول القائل ما فعل بي إلا لقلة ناصري وأوليائي وكله مما يثير الساكن ويهيج الفتن لأن ذلك التداعي يثمر التعصب والغضب والحمية الجاهلية التي حرمت شرعا فيؤول الأمر بخلاف ما أمر به الشارع من الاجتماع والتعاون على الحق وفي أثر أصحابنا المشارقة أن رجلين اقتتلا بعصر الشيخ بشير وهو رحمه الله في المسجد يسمع ما يجري بينهما من الكلام فدخلا على الشيخ ونظر إلى الضربتين في رأس المضروب فقال له أما هذه الأولى فلك ارشها وإما الثانية فليس لك فيها ارش وذلك لأنه لما ضربه به صاحبه الضربة الأولى دعي يا آل فلان فزاده الثانية هذا معناه لا لفظه والله أعلم . (1/113)
صفحة 114
المسألة الثانية : في التفاخر بالآباء والأكابر والأفعال والهيئات ونحوها فإنه حرام لقوله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وأن التفاخر ثمرة العجب وأول من قاله إبليس لعنه الله في قوله آدم لما أمره الله بالسجود قال أنا خير منه لأن أصلي خير من أصله بقوله إنك خلقتني من نار وخلقته نم طين فافتخر بأصله وفي النيل وشرحه قال ولا يتفاخر بآباء وأكابر كسلاطين كل وبخصال المفاخر أو من ينسب إليه قال الشيخ أحمد بن محمد بن بكر رحمهم الله أصل الفتنة الحمية والعصبية على غير سبيل الحق فإن قام به القتال صار قتالهم فتنة وبغيا من الفريقين جميعا ويكون أول ابتدائهما قتالا حراما عليهما أجمعين ثم يكون حراما على من كان له حلالا أولا فما كان أصله على حمية يقع على باطل وتعصب دنيوي شبهة بالتعصب بالعمامة لأنها تنفع الرأس كتنازع وتفاخر على تكثير بما كانوا فيه من دنياهم كقولهم أنا ممن لا يجري عليه ما يجري على أهل البلد وأنا لا يسبقنا أحد في فتح أمر بلد كذا أو باب كذا وأنا أشرف نسبا منكم إلى غير ذلك كله محرم بقوله تعالى : ( أن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ولله در ابن النظر حيث قال :
( وما كتقوى الله من منصب ولا كفخر الحق من فخر )
وكذلك لا يجوز القتال على مباح كماء في فلاة وكلاء أو غيرها من المباحات التي تشترك فيها الناس أو إذا سبق إليه أحدهم أخذ حقه منه فجاء غيره فقاتل عليه فهو محق ومقاتله مبطل ولو كان التفاخر صدقا ويزيدون إليه بإعجابهم كذبا ولو كان ذلك في زمان قديم وينشأ منه التفاخر بعد مدة طويلة فكل قتال تشاء منه فهو فتنة وحرام وخصوصا أن ينشأ منه في الحال وإن كان كذبا فهو فتنة ومعصية إن نشأ عنه قتال وإذا لم يكن عليه قتال فهو معصية بوسوسة الشيطان وخذلان الرحمن . (1/114)
صفحة 115
المسألة الثالثة : تجوز المفاخرة بتصويب الحق وأهله كتصويب ديانة المسلمين أو نازع عليها أو حامى أو فاخر بأكابرها في العلم كجابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع وغيرهم من أئمة المسلمين وصلحائها في الورع والكرامات والتصلب والشجاعة كعبد الله بن أباض رحمه الله وقاتله عليه أو على أحد ممن ذكرناه من التصويب والتنازع والمحاماة والفخار أو مات عليه بلا قتل فقد مات على حق ولو زين أفعالهم وأقوالهم عند من بغضهم من مخالفيهم أو زين دعوتهم ودينهم ومذهبهم مخطئ جائر قتله إن قاتل على ذلك .
المسألة الرابعة : لا يجوز القتال على شتم أو تنقيص في الإنسان بنفسه أو أبيه قال في النيل وشرحه ومن نقص هو أم شتم هو أو أبوه قال الشارح أو أمه أو أبيه أو ابنته أو جده أو قريبه أو صاحبه أو جاره أو زوجه أو رفيقه أو عبده أو أجيره أو شيخه أو تلميذه المؤمن يتصل به على وجه ما أو عشيرته أو أهل بلده أو نوعه أو جنسه أو قذف بظلم لم يحل له قتال على ذلك إذ القتال على ذلك ظلم وجور فكلاهما صاحب فتنة ما لم يكن من صاحبه على ذلك الشتم أو القذف ما يحل به دفاعه وقتله وهو مجيئه للضرب على حد ما مر من الخلاف متى قتل من واجهك بضرب أو قتل أو سلب أو كشف عورة إذا كان مما يحل به الدفاع أو القتل دافع وقتل على ذلك لا على النقص أو الشتم أو القذف وإن كان النقص أو الشتم طعنا في الدين حل له قتله ولو لم يواجهه بضرب أو قتل أو سلب أو كشف وإن قاتله شاتمه أو منقصه على ذلك المذكور من قتال المشتوم أو المنقوص أو المقذوف فقتالهما جور وإن رد عليه مثل ما قال أو أجابه بما يجوز فجاء ليضربه حل له قتاله ولو أجابه بما لا يجوز لأن له أن يدفعه عن نفسه . (1/115)
صفحة 116
المسألة الخامسة : لا يجوز قتال بين شريكين فيما اشتركا فيه ولا منع المشتري فيه شريكه فإن أراد الشريك منع شريكه أو زيادة عن حقه ولو بانتفاع ترافعا على يد حكام المسلمين وعلى الناس أعانه الممنوع عن حقه ودفع المانع إلى الحكام فإن امتنع جاز لهم جره وقتاله على ذلك إلى أن يعطى الحق من نفسه طوعا أو كرها .
المسألة السادسة : لا يجوز القتال على ما أصله مباح بين الناس واستووا في منافعه كالحطب والصيد والماء والساقية والكلا والاستظلال ونحو ذلك وينكل من قاتل على ذلك لأن قتاله ظلم وجور وفتنة والمعين لهما حكمه حكم المعان في المسائل كلها إن وقعت حرب بين بلدين أو قبليتين على فتنة أو أحداهما محقه والأخرى مبطلة وانطفأت نار الحرب بينهما بغير صلح فيه معاقدة الرؤساء وتفويت الماضي فهم على ما كانوا عليه ولو طالت على ذلك مدة ولو فنى الأولون وبقي ذريتهم فهم على ما كانوا عليه آبائهم عليه قديما ومثل ذلك تقدم عن أبي سعيد ذكره صاحب بيان الشرع والله أعلم . (1/116)
صفحة 117
المسألة السابعة : في الطعن في الدين أعلم أن الطعن لا يصح وحكم الطاعن القتال سواء طعن في دين المسلمين عامة فهو مشرك بذلك حلال دمه ولو قال منقصا في النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أو في الدين كله وأما أن طعن في أهل دعوتنا وهم الأباضية المرضية فنفاق وفي النيل وشرحه والطعن في أهل الدعوة حال كونهم محقين في دينهم نفاق إذ قال أهل الدعوة هكذا ولم يخص المتولين منهم والطعن في مقتدى به في العلم الحافظ له الذاب طعن في الدين ولو ميتا وينافق به ويشرك في بمنصوص عليه ويباح دمه أي دم الطاعن وأن بتخطئته بلسانه أو تجويز ورمي بكذب وذم وإن لأفعالهم ويفعل ما يوجب تنقيصا شوهد منه أو أقر به وبين عليه ما لم يتب وقيل لا يجعل بقتل موافق أن قال ذلك غضبا منه وتصويب المخالف ما عليه من ديانة وولاية قادة المخالف هل هو طعن في أهل الوفاق وفي دينهم أو لا وهو المختار لأن ذلك اللفظ الذي نطق به تلفظا من عنده من اعتقاد وقد جرى ذلك بين علماء الأمة ولم يعدوه طعنا وكم رجل صوب دينه من المخالفين أو أئمته بحضرة أئمتنا وعلماؤنا ولم يحكموا بأن ذلك طعن قولان قال الشارح ولكن ما نحن فيه ديانة لا مذهب وذلك أن التصويب لدين الخضلاف تخطئة لدين الوفاق وأما تصويب الموافق لدين المخالف فطعن ومن قصد الخصلة دان بها أي أهل الدعوة وخالفوا فيه غيرهم كقدم الأسماء والصفات ونفي زيادتهما على الذات ونفي الرؤية له سبحانه وتعالى في الآخرة ونفي حدوث الكلام أي كلام الله الذي بمعنى نفي الخرس وأما كلامه بمعنى القرآن وسائر كتبه فمخلوق حادث وأن أراده المصنف فمراده إثبات الخلود في النار لأصحاب الكبائر من الموحدين لهذه الأمة وغيرها وإثبات الخلق خلق الأفعال كغيرها والأمر القضاء والقدر وغيرهما كالتشريع والإيحاء لله تعالى وخطاها بتشديد الطاء وفتح الهمزة وضمير النصب للخصلة أو ما أجمعت عليه الأمة كالصلاة والحج والزكاة ولا يعتبر في الإجماع الروافض ومن يقول (1/117)
صفحة 118
بإنكار سورة يوسف عليه السلام ونحوها حل قتله وأما أسماءه جل وعلا فمارد المصنف كل ما هو اسم الله تعالى سواء لا يطلق عليه في النحو لفظ الوصف وهو لفظ الله نور السموات والأرض إجماعا ولفظ رب وقيل أنه وصف أصله راب والرحمن على القول بأنه علم له تعالى وقيل وصف أو أن كان يطلق عليه لفظ الوصف كالرحيم والعليم والعالم والقادر والقدير والمحيي والمميت والخالق والرازق وغير ذلك مما تضمن صفة الذات أو صفة الفعل وأراد بالصفات المعاني المصدر به كالألوهية والربوبية والرحمة والعلم والقدرة والأحياء والأمانة والخلق والرزق بفتح الراء ومعنى قدم أسماءه أنه مستحق لمعانيها فالذات الواجب الوجود إله بلا أول وهكذا وهذا معنى قدم أسماءه وليست الألوهية معنى حادثا في الذات ولا العلم معنى حادثا في الذات بل الذات مستحق للألوهية كاف في عدم خفاء الأشياء وهكذا وهذا معنى كون صفاته وأسماءه اياه يضا فإذا علمت أن قدم أسمائه ذلك ظهر لك أنها لا تحتاج في كونها أسماء الله تعلى إلى نطق ناطق فيصح أنها أسماء قبل أن يخلق الله ناطقا والناطق المخلوق لا الله فالله إله ولو لم ينطق بالفظ إله ناطق وهكذا وذلك في صفات الذات وأما في صفات الفعل فقد يخفى عليك القدم وكونها إياه فإن نفيت قدمها وكونه أخرها من حيث تعلقها بالمخلوق الذي هو قديم ولا قديم إلا الله فلا بأس عليك وأن شئت فقل صفات الله قديمة أيضا وأنها هو فإن الله تعالى خالق في الأزل محيى في الأزل مميت في الأزل بمعنى أنه مستحق لفعل ذلك إذا جاء وقته المقتضى له وأنه يفعله لوقته بلا شيء يحل فيه شيء أو يحمل في شيء وذلك كقولك سيخلق وسيحيي وسيميت وهكذا والله أعلم وذلك ما دنا به ووافقنا عليه بعض الشيعة والمعتزلة انتهى ما أردنا تقله من النيل وشرحه وإن كان ذلك خارجا عن أحكام الطعن لأنه كلام في أصل الديانة فينبغي ضبطه وفهمه والله الموفق ...قال الناظم: (1/118)
صفحة 119
( والارتداد عن الإسلام مثلهما ولا أمان له كالقاطع السبلا )
( وإن أغار على باغ ليأخذ مع أمواله ما له فالبغي قد حصلا )
( وقاصد البغي أن لاقاه قاصده أيضا وقد أخذ الأموال واختزلا )
( فجائز نزعها منه له لذوي الأموال لا قصد بغي أخر عملا )
( وإن ترى مقتنا قد جاء يهتك من حريم أخر فادفع ذاك منتقلا )
( وأحكم على أخذ الأموال لو أخذت من غير أربابها بالبغي مرتجلا )
( إلا إذا كان مبغيا عليه وقد كانا على فتنة كالفخر والخيلا )
( فلا يجوز له دفع البغاة إذا لأنه مثلهم أيضا وقد خذلا )
( لكن يجوز له أن تاب دفعهم عن نفسه وعن الأموال أن ختلا )
معنى الأبيات والله أعلم يعني المرتد عن دينه حكمه القتال ولا أمان له كما لا أمان لقاطع السبيل البيت الثاني من أغار عليه قوم فأخذوا ماله فأغار عليهم ليأخذ أموالهم مع ماله فهو باغ عليهم البيت الثالث من قصد أخذ مال الغير بغيا فلاقاه باغ مثله فله أخذ أموال أخذها بغيا ليردها لأهلها البيت الرابع إذا وقعت فتنة بين قوم فجاء مفتن ليهتك حريم الأخرى فلك دفعه عنها البيت الخامس من أخذ الأموال المأخوذة م غير أربابها فهو باغ إلا إذا كان مبغيا عليه وأخذ مثل حقه انتصارا البيت السادس لا يجوز الدخول بين أهل الفتنة وإن تاب أحد من أهل الفتنة فله الدفع عن ماله ونفسه وفي المقام مسائل . (1/119)
صفحة 120
والمسألة الأولى : في المرتد عن دينه والعياذ بالله حكمه القتل لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) من بدل دينه فاقتلوه وذلك إذ دين الإسلام بدين الكفر من أي ملة كانت من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس وعبدة الأصنام فالمبدل بدينه دينا من هذه الملل حكمه القتل جماعا واختلف هل ذلك عام في الرجال والنساء أو يقتل الرجال دون النساء وهل يقتل حالا لظاهر الحديث قيل يستتاب ثلاثة أيام وقيل يستتاب ثلاث مرات فإن لم يتب قتل وقال الشافعي يستتاب في الحال فإن تاب وإلا قتل وقال علي يستتاب شهرا فإن تاب وإلا قتل وقيل لا يستتاب أبدا والمرأة كالرجل وقال علي تسترق وقال أبو حنيفة تحبس ويجبر الأمة سيدها على الإسلام ولعلهم نظروا إلى نفس الخطاب هل عام أم مخصص بالعرف لأن المرأة لا قتل عليها إلا أن قاتلت والردة فرع والشرك الأصلي أعظم والفرع يرد على الأصل في حكمه وقال العزيزي من قومنا في شرحه على الجامع الصغير أن المرتد حكمه القتل ولو تاب ووجه قوله أن قتله حد من حدود الله والتوبة لا تسقط الحد بل الإثم فقط لكن لم أظفر بهذا القول عن غيره وهو غير خارج عن دائرة الرأي والأول هو المتعمد عليه وعليه جل الأصحاب والقوم والله أعلم .
المسألة الثانية : في مال المرتد إذا قتل ولم يحارب فقيل ميراثه لأولاده الصغار الذين هم في دار الإسلام وقيل ميراثه لأولاده الصغار حيث كانوا وأما أولاده الكبار إذا كانوا مسلمين فلا يرثونه مقيل لبيت المال وأما إذا حارب فسبيل ماله سبيل أهل الحرب في أموالهم إلا أنه لا تسبي ذريته التي في دار الإسلام والله أعلم . (1/120)
صفحة 121
المسألة الثالثة : في قاطع السبيل المحارب فإنه أن قتل نفسا فعليه القتل حدا أن قدر عليه قيل والتوبة وأما أن تاب قبل القدرة فإنه لا قتل ولا دية عليه وقيل عليه الدية والضمان وقطعت يمنى يديه من الرسخ ويسرى رجليه من تحت الكعب أن أخذ مالا فقط ولو جنى في النفوس ما دون القتل واختلف في صلب الموحد هل يصلب كالمشرك أو لا قولان وأن تاب قبل أن يقدر عليه هدر ما أصابه في الحكم في محاربته من مال أو نفس إلا ما كان عليه من القطع والمحاربة ولو لم يأت الإمام وقيل يظهر توبته معترفا بها وأما أن أخاف الطريق فإنه ينفي من الأرض أن لم يقتل ولم يأخذ مالا وقيل يعمر في السجن إلى أن يتوب وقيل أن الإمام مخير في أي شيء أراده فيه قتلا أو قطعا أو نفيا وهو قول مالك من قومنا ونسبة الشافعي إلى ابن عباس رضي الله عنه وفي المسألة تطويل يطلب من محله والله أعلم والأصل في اختلافهم هل أو للتنويع أو للتخيير والله أعلم .
المسألة الرابعة : فيمن أغير عليه فأخذ ماله بغيا فإن له أن يتبع الباغين عليه فإن وجد ماله أخذه وقاتلهم عليه وإن لم يجده بل غيبوه عنه دفعهم إلى حاكم ينصف له منهم وليس له أن يغير عليهم ليأخذ مالهم مع وجود ماله ولا عند عدم وجوده عندهم لكن يدعوهم إلى الأنصاف عند الحكام وليس له قتالهم وعلى المسلمين أعانته في مسيرهم إلى الأنصاف فإن أبوا فهم بغاة لا منتصرا لنفسه وقيل بالمنع وأما مسألة الانتصار منهم في حقه مع عدم الحكام الجماعة فله أخذ ماله أو جنسه أو مثله خفية من غير قتال وفي المسألة تطويل وفروع ذلك في محله والله أعلم .
المسألة الخامسة : إذا كان بين قوم فتنة فرأيت فئة تريد هتك حريم أخرى فلك الدفع لها نفلا لأن ذلك منكر ولك إزالته بما قدرت بالكلام أولا وأخر بالقتل وجوازه بنية إزالة المنكر ودفع الباغي لا حمية ولا عصبية للناس والله أعلم . (1/121)
صفحة 122
المسألة السادسة : في أخذ مال الناس من غير أربابه فإنه يحكم عليه بالبغي لأن الأصل فيه الحرمة ولا يحله طول المدة ولو كثرت ولا تداول الأيدي ولو تعددت هذا إذا كان ذلك الأخذ بعلم من المشتري فإن لرب الأموال أخذها إن كان أصل أخذها غصبا أو سلبا أو سرقة فهي على ما كانت عليه لقوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفسه قال العلامة فتح بن نوح في نونيته :
( وأما حرام الله ليس يحله تداول أيدي بالتملك والقن )
فمن وجد ماله بيد إنسان وأقام عليه الحجة فله أخذه منه عند حكام المسلمين وليس للغاصب حق في ذلك المال لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) لا عرق زلا عرق لظالم فإن كان في يد الأول ولم يعلم المشتري ما علمه منه البائع من أنه حرام فقد غره وعليه أن يرجع له ما أخذه منه كائنا ما كان وأما أن علم فلا رجوع له على بائعه لأنه مثله وأنه ضيع ما له والله أعلم نعم قال بعض القدماء في الوديعة المودع والعارية يبيعها المستعير والأمانة يبيعها الأمين فإنهن لا يؤخذن من يد المشتري إلا بدفع الثمن للمشتري وهو كما دفعه للبائع وقيل لا فرق بينها وبين الأولى ووجه الفرق ظاهر وذلك بأن الأمانة والعارية والوديعة خرجن من ربهن برضى منه وقيل من أراد هذه الثلاثة أن يأخذها من مشتريها يجمع بين البائع والمشتري ليتمكن رب المال من صاحبه في أخذ حقه أن شاء الله والله أعلم .
المسألة السابعة : قال في النيل ما نصه لا يحل لذي مال أخذ منه أن يقاتل مانعه منه أن كان أصل بغيهما الأول على حمية وفتنة إلا أن تاب من بغيه الأول فيجوز له دفعه ولو عن نفسه وماله قال الشارح بالقتل بعد التوبة وكذا بغى ثانيا ولا يقاتل إلا أن تاب هذا الثاني وأذعن للرد فله القتال على ماله والأصل في هذا أن البغي لا يدفع بالبغي وإنما يدفع الباطل بالحق فيدمغه أن الباطل كان زهوقا . (1/122)
صفحة 123
( ولا يحل لمبغي عليه إذا أموال باغ عليه سل واختزلا )
( قتالهم دونها إلا إذا برئوا منها إليهم وردوها لهم جملا )
( هذا إذا أخذوا الأموال كلهم أو صاحب الأمر لا أن كانت السفلا )
( وقتلهم جائز من بعد ردهم لها إذا قاتلوهم فافهم المثلا )
( وقيل أن كان أصل القتل منه على حق ولم يقصد منعا لها جملا )
في هذه الأبيات مسائل دقيقة تحتاج إلى فكرة وتدبر ولا تظهر بديهة .
المسألة الأولى : أن بغى قوم على قوم وقاتلهم المبغي عليهم حتى وصل المبغي عليهم إلى أموال البغاة فأكلوها بأي أنواع الإتلاف أو قاتلوا من بغي عليهم وقدموا على أموال البغاة فأكلوها فالأكل عبارة يشمل جميع الإتلاف أو لم يقاتلوا من بغى عليهم أصلا بل قصدوا إلى أموال البغاة فأكلوها وأخذوا أولاد البغاة أو نسائهم أو غيرهن فدهمهم البغاة في حالة إفساد الأموال وأخذ الأموال والأولاد والنساء أو غير ذلك لم يحل للمبغي عليه هو الأول قتال الباغين عليه على أموالهم وأولادهم أو نسائهم لأن المبغي عليه أولا صار باغيا بأخذه الأموال والأولاد والنساء وجعل للباغي الأول عليه سبيلا حتى يردوا المبغي عليهم به وهم الأولون الذين صاروا بغاة بأخذهم الأموال أو الأولاد أو النساء أو يتبرأوا منها أي ينتقوا منها وأن قاتل البغاة الأولون الذين بغوا أولا بعد أن تبرأوا أو ردوا البغاة الآخرين من بعد البراءة أو الرد حل قتالهم لأن قتالهم بعد الرد والإبراء بغي فافهم مسألة دقيقة المعنى بعيدة الغور قال القطب رحمه الله وهذا الذي يحرم به بتل البغاة من أخذ مالهم وأولادهم أو نسائهم . (1/123)
صفحة 124
المسألة الثانية : يعتبر هذا أن صدر من عامة من بغى عليهم بالبناء للمفعول أو قائدهم أو إمامهم وإما أن صدر هذا الفعل ممن لا ينظر إليه فلا يعتبر أكله ولا أخذه وجاز لمن وقع عليه ابغي أولا قتال الباغي من الأولين على بغيهم الأول والجواز كما إذا أخذوا أموالا أو غيرها ولم يتلف بل هو باق في أيديهم أو لم يغيبوه بل عينه باقية عندهم ومثل أن يكونوا يتقل سرا أو جهرا .
المسألة الثالثة : إذا جاء المبغي عليهم أي هم الأولون الذين فعل الباغون منهم من لا ينظر إليه وصار باغيا بفعله ذلك فيحل لهم قتال الباغين لبغيهم السابق ولكن لا يقصدون بذلك القتال حماية الباغي منهم بفعله في الباغين ما لا يحل له ولا يحرم فعل من لا ينظر إليه ما حل من أصل القتال لكن عليهم أن ينصفوهم منه أن لم يشغلهم ذلك أو يؤثر فيهم فشلا وفرقة وبتقوى عليهم بها الباغون ويحرم القتال على من تناول من أموال البغاة أو تلف بوجه ما والله أعلم .
المسألة الرابعة : أن جهل أرباب الأموال التي أخذها الآخرون وصاروا بها بغاة فلتنزع من أخذها وتجعل في يد أمين حتى تصل أربابها فإن أيس من معرفتهم فسبيلها سبيل الأموال المجهولة فيها الأقوال الثلاثة من حشريتها إلى أن تصح أربابها أو جعلها في الفقراء أو في بيت المال الذي لعموم المصالح التي تعم المسلمين وهو الذي اختاره الأئمة من أصحابنا والله أعلم .
المسألة الخامسة : وأن قاتل البغاة الأولون هؤلاء المبغى عليهم بعد أن ردوا إليهم أموالهم أو بعد أن نزعها المسلمون منهم وجعلوها في يد من يحفظها حتى تصل أربابها وعلم أصحابنا أنها نزعت لترد إليهم فهم بغاة على حالهم الأول حل قتالهم وجازت إعانة المبغي عليهم على قتالهم . (1/124)
صفحة 125
المسألة السادسة : أن لم يقدر المبغي عليهم ومن معهم من المسلمين على نزع المال الذي أخذه أصحابهم فصاروا به بغاة نفوهم من جماعتهم وقاتلوا الباغين عليهم على نية إزالة بغي الباغين عليهم وعلى منع حرمهم وأنفسهم وأموالهم لا على نية منع البغاة منهم ولا على حمايتهم ولا يقصدون الرد على الباغي منهم ولهم أو عليهم على حكم الحالة التي هم فيها أن يقصدوا رد المظلمة من الآخذ الظالم منهم لأهلها وإن كانوا أن اخرجوا الذي أخذ المال انحاز عند عدوهم وأعانهم عليهم فلهم تركه وقاتلوا عدوهم على قصد الصحيح ولا يضرهم تركه أن صدقت نياتهم والله أعلم .
المسألة السابعة : أن أراد المبغي عليهم قتال البغاة على إزالة بغيهم مع قطع النظر عما فعلوه أو أخذوه من الأموال جاز لهم قتالهم على هذا القصد الصحيح بلا نفي الباغي منهم ولا لتقويته على بغيه ولا لحمايته بل للإحاطة على أنفسهم وأموالهم وديارهم وحصونهم والله أعلم ذكر حافظ مال الباغي والمبغي عليه .
( وحافظ مال مبغي عليه على علم لآت بغي فانزعه محتفلا )
( وادفعه عنه وقاتله عليه وإن لم يعلم البغي حاكمه ولا تبلا )
( وهكذا وارث في الصورتين ومن غدا يعاملهم كالمشتري مثلا )
( ولا يضر التأني والقعود لمن بغى عليه إذا ما أدرك الأملا )
( وليهجمن على الباغي فيقتله وليأخذ المال أصلا كان أو عللا )
( ولو تداول من باغ لآخر أن لم تذهب العين منه فاحذر الهزلا )
( وما لمغتصب ربح ولا عرق ولا عناء ولا أجر لما عملا )
معنى الأبيات أن ترك باغ مالا أخذه بغيا فوجد المال عند الحافظ له فليأخذه منه بغير قتال أن قدر وأن لم يقدر أخبره بأنه مالي فإن أقر أنه علم بذلك قصده لأخذه ودافعه عنه وأن لم يعلم دعاه إلى حاكم عدل وحاكمه ولا يهجم عليه إلا بعد الإقرار والحكم له به وهكذا في الوارث لذلك المال والمعامل فيه بأي وجه والمشتري له وفي الباب مسائل . (1/125)
صفحة 126
المسألة الأولى : إذا جاء المبغي عليه ووجد ماله في يد أحد بأمانة له عليه أو وديعة أو رهن أو شراء أو إعطاء في ثمن في شفعة أو قضاء في دين أو بيع أو بدل أو أصداق أو دية أو هبة أو استيجار على حفظه والقيام به أو وجده بيد أحد التقطه بعد سقطة من الباغي أو ورثه من الباغي وأشباه ذلك مما يعذر به من دخل في يده أو مما لا يعذر فيه لكن لم يأخذه هو من صاحبه بل دخل بمعاملة ولو علم أنه حرام ثم قصده ربه لأخذه فله أخذه بلا هجوم إليه بقتال بل له أخذه خفية وإن لم يقدر عليه خفية أخبره بأنه ماله فإن صدقه وأبى عن إيصاله إلى ماله صار باغيا بالمنع ويحل له منه ما يحل من الباغي .
المسألة الثانية : أن هجم بلا إخبار صار صاحب المال باغيا في الظاهر وأن كان محقا في الباطن وكذا رسول رب المال أو المحتسب وأباحوا البراءة من أنفسهم وحكم عليهم بحكم البغاة .
المسألة الثالثة : أن أخبره ولم يصدقه أنه له وقد أخذه بلا علم منه بحرامه فليدع رب المال من بيده المال إلى حاكم المسلمين كالملم أو قاض أو جماعة فأن أبى عن المسير إليه فليقصده إلى ماله أن كان باقي العين أو غيبة عنه في مكان وهو يعلمه فإن حال بينه وبين المال قاتله ودافعه فإن تلف بالدفاع فلا إثم ولا غرم عليه .
المسألة الرابعة : أن غيبه بحيث لا يعلمه ولا يعلم مكانه أو خلطه فيما لا يمتاز منه لم يقاتله بل يدعوه إلى حاكم المسلمين ويستعين عليه بالمسلمين وعلى المستعان به إعانته ودفعه للمسير للأحكام وجره إليها كرها أو طوعا بما أمكن وقتاله أن أبى عن المسير لأن الممتنع عن حكم الله باغ والله أعلم .
المسألة الخامسة : أن علم من بيده المال أنه غصب وقال لطالبه أنا أعلم أنه غصب لكن لا أعلمه لك ولا أعطيك له إلا بحجة فلا يقاتله عليه بل على رب المال أن يظهر الحجة المقبولة فإن أبى عن محاكمته صار رب المال باغيا . (1/126)
صفحة 127
المسألة السادسة : أن لم يعلم من بيده المال أنه غصب ولا حرام دعى رب المال من بيده المال أن يحاكمه فيه وما حكم به الحاكم سلما أمرهما إليه ولكن يحجر رب المال على من بيده المال أن يرده للغاصب حتى يقضي فيه الحاكم والله أعلم .
المسألة السابعة : أن ترك رب المال الباغي ولم يتبعه لعذر من الأعراض كمرض أو خوف من عدو أو شدة حر أو برد أو عدم تحقق أنه أخذه فلان حتى تقادم الزمان ثم قام رب المال في طلبه فوجده قائما بعينه عند الباغي أو عند أمينه أو مشتريه منه أو واهبه له أو غير ذلك مما قدمناه لم يضره تأنيه وقعوده عنه ومكثه عن القيام فيه طويلا لأن الحق لا يبطله تقادمه إلا بنص من الشارع وهو مضى مدة الحيازة ف بالحديث عشر سنين ولذلك شروط أحدها أن يكون رب المال حاضرا ليس بغائب ، الثاني لا يتفى من بيده المال ، الثالث أن يجد المنصف له من خصمه والله أعلم .
المسألة الثامنة : كل ما جاز لرب المال في أول أمر جاز له في آخره وما لم يجز هنالك في الأول لا يجوز أخره وتفصيل ذلك قد مضى في أول المسألة فراجعه قريبا .
المسألة التاسعة : ليس للمغتصب عناء ولا أجر ولا غلة ولا لمن بيده الملا أن عمل به أنه لرب المال وما عمله فيه من دخل يده المال بوجه أن كان دخوله بيده من غير علم بغصبه فليراجع به على الغاصب ولرب المال أخذ ماله كما هو بعينه وغلته ونتاجه وإن ضعفت عين المال عما أخذه من ربه هل عليه رد العين وما نقص منها في يد الغاصب فإن كان النقص من جهة خدمة أي ركوب فعليه رد العين وما بين القيمتين على نظر العدول وإن كان سبب الضعف بلا سبب من الغاصب فقيل عليه لأنه منعه ربه وقيل عليه رد العين المغصوبة فقط وإن كان الغاصب اغتصب الدابة مصلا ضعيفة ثم قويت عند الغاصب ثم ضعفت على حالتها الأولى فهنا الخلاف أيضا والذي يظهر أن كان العين كحالتها يوم الأخذ ولم يستعملها فلا عليه إلا عينها والله أعلم .
الباب الخامس في الصلح والخفارة : (1/127)
صفحة 128
( أما الأمان وصلح الدار ما اصطلحوا عليه جاز ونقص الصلح قد حظلا )
( وناقض العهد بعد الصلح محترج باغ إذا كان شرط الصلح قد كملا )
( كذا الخفارة والشرط الذي وجبت به الخفارة أن يرضوا بها كملا )
معنى الأبيات لا يجوز نقض الأمان والصلح وكذا الخفارة لا يجوز نقضها لأنها نوع من الأمان وسيأتي تفصيله وفي المقام مسائل .
المسألة الأولى : قد سئل شيخنا السالمي بما نصه عما إذا رأى جماعة المسلمين حسم المادة وقطع نائرة الحرب فانقطع وتم الصلح بين الطائفتين وتباروا وإحدى الطائفتين باغيه إذا أحدثت المبغي عليها في الباغية هل تكون باغية إذا كان الباغية في السابق لم تؤد الحق الذي عليها وهل يجوز لمن قتل وليه وقدر على قاتله بعد وقوع الصلح من شيوخه قتل قاتل وليه وإذا فعل ذلك هل يكون باغيا وعليه ما على الباغي فأجاب بما نصه والجواب هدم الصلح حرام لا يصح ولا يحل وهادمه بعد استقراره باغ قطعا وإذا احرم كسر الأمان فما ظنك بهدم الصلح وتعلله إن الباغي لم يؤد ما عليه ليس بشيء وأمر الشيوخ في مصالح القبيلة يلزم القبيلة إتباعه لا لوجوب طاعتهم في نفس الأمر لكن لدفع بعض الشر وإطفاء بعض الفتن وذلك واجب عند الإمكان وقد خلت عمان من السلطان الدافع لشر بعضهم وبليت بمن يغري بينهم العداوة والبغضاء وذلك جزاء ما كسبت أيديهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض فشابهوا اليهود في ذلك الخ هذا كلام الشيخ في الصلح وهو كاف . (1/128)
صفحة 129
المسألة الثانية : في الأمان يصح من حر بلاغ عاقل ولو امرأة وفي الصبي المراهق قولان وفي العبد قولان وذلك للحديث المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم ولحديث أم هاني قوله (صلى الله عليه وسلم ) قد آمنا من آمنت يا أم هاني وقال أبو معاوية عزان بن الصقر لا أمان دون الإمام وقيل أن تقدم الإمام على الجيش فلا أمان دون أمانة وأمره وأن لم يتقدم فلهم الأمان لعموم الحديث وفي الأثر كان الوضاح والي إبرا أمن قوما ممن استحل المسلمون دمه وخرج بهم إلى الجلندى وبلغ أنه أمنهم الوضاح فقال الجلندى لا أمان لهم عندي ولا أمان دون الإمام هذا ما قيل في الأثر ولعل الإمام تقدم في ذلك على الناس والله أعلم وحكم الأمان عام في أيام الظهور والكتمان ويشمل قبائل عمان إذا تحاربوا فأمان الواحد منهم أمان الكل والله أعلم .
المسألة الثالثة : فيمن لا أمان لهم ولو أعطاهم الأمان من أعطاهم وهم المرتد ومانع وقاطع الطريق وطاعن في الدين وفي النيل ما نصه ويقتل كقاطع ومانع ومرتد وطاعن حيث وجد ولا يحرم دمائهم إعطاء أمان لهم ما لم يتوبوا ولا يحل منهم من قتل وحبس وصلب حيث يستحق عند الإمام قال الشيخ محمد بن يوسف في شرحه للنيل سواء أعطاهم الأمان الإمام أو المظلوم أو غيره علم من أعطاهم الأمان بقطعهم أو منعهم أو طعنهم أو ارتدادهم أو لم يعلم أعطاهم الأمان لأمر ديني أو دنيوي أو مباح أو حرام وخص الإمام لأنه الأحق بإنقاذ الحقوق ولما كان حقا لله لم يبطله أعطاء الحقوق لهم قال الشيخ صالح بن علي وهكذا عرفنا من أهل عمان أن نم عليه حد لا يصح وعن أبي مودود ما دل على ذلك والله أعلم .
المسألة الرابعة : في حكم من نكث الصلح أو ضيع الأمان فحكمهم يقتل من قتل بعد العفو أو بعد أخذ الدية أو بعد الصلح أو بعد أعطاء الذمة أو قتل المسلمين على دينهم . (1/129)
صفحة 130
المسألة الخامسة : في الخفارة وهي نوع من الأمان للأحاديث في ذلك المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم ولحديث أم هاني المتقدم ذكره قال الشيخ صالح بن علي الخفارة مثلثة الخاء لتأمين والإجارة والمنع وأهل عمان متفقون على استعمالها فيما بينهم وكأنها عن رضى منهم بها وفي نظري أنها ثابتة ما لم يتقدم بعض على بعض هذا قاله الشيخ نظري – ثابتة وا – تقدم بعض على بعض إلا أن تقدم الإمام على رعيته أو قائد الجيش على السرية لأن السنة المطهرة تدل على ذلك فلينظر فيه والله أعلم أما إذا كان المخفور عنه ممن لا أمان له كما تقدم في الطاعن أو القاطع أو قاتل المسلمين على دينهم أو وجب عليه حد قال الشيخ صالح وبالجملة أن الأمان لا يكون إلا لمن لم يكن عليه حق أو حد محكوم عليه به شرعا من كل أحد في كل أحد من أي مجبر وللمجاور والمخفر والمضيف والصاحب أن يقاتل عن جاره أو ن خفر له أو صاحبه أو نزل عليه ضيفا وهذه ذمة فلا يجوز تضييعها والخفارة أمان والإشارة بالأمان أمان ولو بأصبعة أشار لكان أمانا قال فإن كان هذا المجاور ممن بغي وبغي عليه إلا أن لا حق عليه بعينه كما ذكرت أكله سواء قلت لا سواء هذا أقرب إلى جواز منعه والقتال عليه ومعه ممن جاءه من خصمائه وإذا كان الفئتان بغاة على بعضهم البعض فلا يحل لك أن تقاتل إلا على نية إزالة البغي ليرجع الباغي إلى الحق وينقاد إلى الشرع ولو مع بغاة آخرين على غير قصد نصرتهم قيل للشيخ وهؤلاء المجاورون بالضيافة أو الصحبة أو المساكنة إذا كان في أيديهم مال قائم العين أخذوه سرقة أو غصبا أو كان عليهم في الذمة حق امتنعوا عن تأديته قلت لا أمان لهؤلاء ولا ذمام ولا احترام لمؤمنهم ومؤيهم والحالة هذه وهو باغ مثلهم فدعهم فأنهم لا خير فيهم والله أعلم فإن شئت الزيادة فراجع المطولات فيه تجد الشفا لا سيما شرح النيل وبيان الشرع واللباب وغيرها . (1/130)
صفحة 131
الباب السادس : في نصب الإمام للدفاع وغيره وصفة المنصوب من المنظومة :
( لكن إذا ما دهاهم مثل ذا قصدوا علامة لو دعيا بالعلا اشتملا )
( وقدموه إماما كي يقوم بهم لنصرة الدين عن رأي من الفضلا )
( غضنفرا سائسا للحرب همته وبأسه ينزلان النجم والجبلا )
( وقدموه إماما للدفاع إذا كانت على قدرة من نصبه النبلا )
( كذاك طاعته مهما أطاع فإن أتى الكبير استحق الخلع وانعزلا )
( إن كان قد عميت عيناه أو خرست لسانه أو إذا عن دينه انتقلا )
( أو يفقد السمع أو يخلع إمامته أو أن يرى موجبا للحد قد فعلا )
( كذاك أن فر يوم الزحف منحرفا إلا إلى فئة من جنده وألا )
( والخلف عندهم فيه إذا ضعفت بعض الجوارح أو أن حار أو ذهلا )
( ولازم لهم منه النصيحة والرأي السديد وأن يلفوه محتفلا )
( وإن تعذر وجدان الإمام لهم قاموا معا ليردوا الحادث الجللا )
( وجائز لهم ما للإمام من الدفاع والقتل والتحجير ولا جدلا )
( بشرط أن لا يكونوا جاهلين بما أتوا فلست أرى عذرا لمن جهلا )
هذا باب عظيم يحتاج إلى تفصيل كل في موضعه لأنه الأساس الذي تقوم به أمور المسلمين وبالعدل قامت السموات والأرض وفي المقام مسائل . (1/131)
صفحة 132
المسألة الأولى : في الإمامة وذكر معانيها أعلم أن الإمامة فرض من فروض الله التي أوجبها على عباده وهي من فروض الكفاية التي أن قام بها البعض سقطت عن الباقين ولها شرط لا تتم إلا بها والدليل على وجوب فرضيتها مأخوذ من الكتاب والسنة والإجماع أما من الكتاب فقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم ) يعني المؤمنين وهم أئمة العدل وقوله تعالى : ( ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله ) يعني يدرأ الإمام عن الزوجة المرماة بالزنا عذاب الحد أن تشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين فدخل في معنى الآية أنه لا يجوز تعطيل الحدود والأحكام ولا يقيم الحدود إلا أئمة العدل فثبت بهذا فرض الإمامة من كتاب الله لأن ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب وكثير من آيات القرآن دالة على ذلك وأما من السنة والأحاديث الواردة في طاعة أولي الأمر منها قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : لو ولي عليكم عبد حبشي مجدع الأنف فاسمعوا له وأطيعوا ومنها قوله وأطيعوا ولاة أموركم وفي هذا المعنى من السنة القولية كثير وأما السنة الفعلية فإن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إذا أجهز حبشيا أمر عليه أميرا وأمر أصحابه بالسمع والطاعة وكان إذا افتتح بلدا أمر عليها أميرا وكان إذا خرج من المدينة لغزو أو حج أمر عليها أميرا وأمر الناس بطاعته أمرائه ونهاهم عن معصيتهم فإذا كان هذا واجب في زمان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فبعد موته أوجب وقد أجمعت الأئمة على أن ليس بد من قائم تجري عليها أحكامهم وتنتهي إليه آرائهم ويقيم كعبهم ويجمع شعبهم ويفزعون إليه عند النوازل ويدفعون به كل باطل فأئمة العدل هم أمناء الله على بلاده والخلائف على عباده وشهدوا عليهم إلى يوم القيامة والدليل من الإجماع على فرض الإمامة هو اجتماع المهاجرين والأنصار على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومن بعده على الخليفة عمر بن الخطاب فأنهم أجمعوا على وجوبها (1/132)
صفحة 133
وأن اختلفوا فيمن هو أولى بها والله أعلم وقد عظم الله شأن الإمامة بقوله لإبراهيم عليه السلام أني جاعلك للناس إماما فقال إبراهيم ومن ذريتي فقال له الله لا ينال عهدي الظالمين فيثبت من هذه الآية أن الإمام العدل هو الإمام وإن الظالم لا يكون إماما ولا تجب طاعته وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) الإمام العادل في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله .
المسألة الثانية : في أول شروط الإمامة هو اجتماع ذوي الرأي والعلم والفضل من المسلمين ويجتهدون في النصيحة لله تعالى وفي دينه ولعباده ولبلاده فإذا اجتمعوا وتمت هذه الصفات فيهم اختاروا رجلا منهم طاعة لله تعالى لا لطاعتهم ولا يريدون أن يملكوه على الناس ويعلموا ما شاءوا ولكن ليملك الأمور بالعدل ويكون أفضلهم في الدين وأقواهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى نكاية العدو والحفظ لأطراف الرعية وأوسطها وخاصتها وعاملتها وعلى الحكم بالعدل ورعا فيدينه بصيرا فيما يأتي وما يتقي عدلا معروفا بالفضل مشاورا لأهل العلم والرأي والعدل ملتمسا عند النازلة من آثار المسلمين عفيفا عن الطمع محتملا للأئمة حليما عن الخصوم مصلحا بين الناس لا تفاضل عنده لرعية إلا بقدر العلم والدين ليس بكذاب ولا مخلف ولا حسود ولا حقود ولا مبذر ولا بخيل وغدار ولا خئون مأمون على ما قلد من أمر الله يستعد في المهلة والمكنة وينتهز الفرصة ويتلطف بالحيلة غير مداهن ولا متضعضع ولا متخشع إلا لله فإذا وجد في المسلمين من هذه صفاته كان هو البغية والمراد ولو كان عبدا حبشيا لأنه روي عن عمر بن الخطاب قال الخلافة ما ائتمن عليها والملك ما أخذ بالسيف وأن لم يوجد من هذه صفاته وخاف المسلمون على الدولة أن تذهب وعلى البلاد والرعية وأن تعطب وألجأت الحاجة والضرورة إلى غيره قدموا رجلا له قوة وورع ونظر وشروط عليه أن لا يقبض مالا ولا ينفقه ولا يأمر بإنفاقه ولا يخرج جيشا ولا يحكم حكما إلا بمشورة أهل العلم والورع (1/133)
صفحة 134
ويجمع منهم الحاضر ويكتب للغائب .
المسألة الثالثة : في صفة من تجوز إمامته ولا يجوز أن يكون إماما إلا رجلا حرا بالغا عاقلا مميزا كامل الخلق والأخلاق ورعا فاضلا عالما عاملا ليس فيه من نقائص الخلق كالصمم والخرس والعمى والجنون والبله إلى غيرها والله أعلم .
المسألة الرابعة : في صفة البيعة وهو أن يتقدم أفضل الحاضرين من أهل العلم والفضل فيمد يده اليمنى فيصافح بها الإمام بيده اليمنى فيمسكها ثم يقول له أنا قدمناك إماما على أنفسنا وعلى المسلمين على أن تحكم بكتاب الله وسنة نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتظهر دين الله الذي تعبد به عباده وتدعو إليه ما وجدت إلى ذلك سبيلا فيقول الإمام نعم فإن قال نعم وجبت العقدة وتثبتت البيعة فيقوم الثاني والثالث والرابع كالأول من لفظ وغيره وما كان أكثر كان أفضل وتجعل الكمة على رأسه والخاتم بيده ويكون العلماء حذاءه فيقوم الخطيب فيحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ثم يذكر أمر الإمام بالعقد له والحث على بيعته والترغيب على طاعته ثم يتقدم الناس فيبايعونه والله أعلم .
المسألة الخامسة : أعلم أن التسليم للأمر والرضى من المسلمين يقومان مقام العقد فإذا وقع التراضي على رجل من أهل العلم والفضل والعدل والحل والعقد قام ذلك التراضي مقام العقد وربما كان الرضى والتسليم أثبت من العقد لأن العقد يحتاج إلى رضى وتسليم والرضى والتسليم لا يحتاجان إلى عقد وأعلم أن الإمامة ثبوتها من ثلاث طرق أولها العقد الصحيح بكمال شروطه ، الثانية التسليم والتراضي ، الثالثة الاستخلاف كما فعله أبو بكر الصديق فأي طريق كانت من هذه الثلاث الطرق ثبتت الإمامة بها . (1/134)
صفحة 135
المسألة السادسة : أعلم أن النظر إلى العاقدين فإذا عقد الإمامة أولياء أولوا علم وفضل ولم يتقدم للإمام ولاية ثبتت إمامته ووجبت ولايته وذلك أمر واجب بولاية الأولياء له وأما إذا كان المعقود عليه تقدمت له ولاية ولم تتقدم للعاقدين ولاية فهنا ذهب بعض إلى الوقوف عنه وأثبته بعضهم على ولايته ووقف عن صحة ثبوت إمامته والله أعلم .
المسألة السابعة : في عدد من ثبتت به عقدة الإمامة اعلم أنهم قالوا أن الإمامة أقل ما يكفي لعقدها عالمين فاضلين وذلك بعد مشورة المسلمين أن أمكنت المشورة ولما مات الإمام الوارث رحمه الله حمله السيل فوجدوه في القوم فقال سليمان قم نبايع غسان فقال مسعدة أحسن أن نكتب إلى أخواتنا من أهل السر فقال له سليمان أتريد تأخير هذا الأمر إلى أن تجتمع غوغاء الناس فتختلف الكلمة قم فعقدوا على غسان جزاهم الله عن الإسلام وأهله خيرا فإن كان العاقدون أكثر فهم أفضل والله أعلم . (1/135)
صفحة 136
المسألة الثامنة : قدمنا أولا شروطا في الإمام وهاهنا الكلام على شروط الكمال أعلم أن العلم وأن كان هو الأساس الذي لا يقوم الأمر إلا به لكن مع وجوده في الإمام فهو المطلوب وإن لم يوجد إماما عالما جازت إمامة الضعيف إذا قام بأموره العلماء وشرطوا عليه أن لا يحل ولا يعقد ولا يولي ولا يعزل ولا يقيم حكما ولا حدا إلا بأمرهم لأنه أن تولى أمره العلماء فقد حصل المطلوب من حصول العلم له لأن الغرض أن يعرف من ذلك ما يأتي وما يذر وأنت خبيران ليس أحد وأن بلغ في العلم ما بلغ يحيط بجميع أحكام الله في القضايا السابقة واللاحقة ولذا كان عمر بن الخطاب يجع أكابر الصحابة للحكم في النوازل وإذا صحت إمامته مع الجهل ببعض الأحكام صحت مع جهل جميعها إذا أتبع الهدى واقتدى بالعلماء وأنما لا تجوز إمامة الضعيف مع وجود العالم الصالح لذلك مع أمكان تقديمه لأنه عدول عن الأعلى وإلى الأدنى وأما أن كان أحدهما عالما والآخر اعلم منه أو أحدهما فاضلا والآخر أفضل منه فتصح لحصول صفة العلم والفضل في الكل وإنما قالوا ينبغي أن يكون أقل علمه أن يتولى ويتبرأ ببصر نفسه لأن الولاية والبراءة أصلان من أصول الدين وأحوج ما يكون الإمام إليهما لأنه يشخص الأمراء والولاة والقضاة والسعادة الذين تلزم الناس ولايتهم وإذا لم يكن عالما بذلك لم يؤمن أن يولي غير الولي فإن قيل تلزم في ولاية الضعيف لأنه تابع متبوع قيل لا يلزم لأن الإمام تابع للعلماء من جهة العلم والعلماء والناس يتبعون الإمام من جهة الأمر فإذا كان أمره بعلم حصل المطلوب والله أعلم . (1/136)
صفحة 137
المسألة التاسعة : لا يكون إمامان في مصر واحد لم يقطع بينهما حكم جائز للرواية عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إذا رأيتم أميرين فاضربوا عنق أحدهما قال الشيخ خميس يخرج ذلك عندي إذا كان أحدهما عادلا والآخر جائرا فالأمر يتوجه إلى ضرب عنق المبطل لأنه لا يجوز ضرب عنق محق متبع لكتاب الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وقال عمر بن الخطاب أن الله واحد والإسلام واحد ولا يستقيم سيفان في غمد يعني إمامان في مصر واحد فإن زال الحاجز بين الإمامين سقطت إمامتهما واختار المسلمون إماما منهما أو من غيرهما والله أعلم .
المسألة العاشرة : فيما يجب على الإمام لرعيته يجب عليه القيام بأمورهم والنظر في مصالحهم والحياطة لهم والحماية لهم والذب عنهم والتدبير والسياسة لأمور دينهم ومراشيدهم ودنياهم والمساواة بينهم في الأحكام والأنصاف والتفقد لأمورهم الظاهرة والباطنة وبث الولاة واختيار القضاة وتحصين الثغور بالرجال والآلات وتأمين الطرق إلى غير ذلك من الواجبات والمندوبات التي يقيم العدل إلا بها والله أعلم. (1/137)
صفحة 138
المسألة الحادية عشر : في وجوب طاعة الإمام على الرعية وحقوقه عليهم تجب عليهم طاعته واستماع أمره وإعانته إذا استعانهم لمهم ونصرته إذا استنصرهم ونصحه سرا وجهرا والجهاد معه إذا استنفرهم للجهاد وحرم عليهم غشه وغيبته وعداوته وخذلانه وسوء الظن به والامتناع من طاعته والخروج عليه ولا يجوز خلعه ولا تقديم إمام عليه حتى يظهر كفره ويشهر حدثه ومن عصى الإمام فقد ركب كبيرة من الذنوب ومن ترك معونة الإمام العدل فمنزلته مع المسلمين خسيسة وأشد ذلك عند القدرة منه على إعانته وضرورة الإمام إليه في تلك المهمة والذي يظهر أن معونة الإمام تكون فرضا معينا لعله عينيا وفرضا كغائبا وندبا فإذا تعينت على رجل ولم يكن يكفي لتلك الحالة غيره فعليه فرض عين وتارك الغرض المعين هالك وإن كان يكفي لها غيره فلا يهلك لكن هنا تكون منزلته خسيسة ويجب عليهم أداء الزكاة له ولعامله وهو الناظر في وضعها واعلم بحاجة الدولة إليها ولا يجوز لهم منعها منه ومن منعها من إمام عدل جاز قتاله عليها وحل دمه بإجماع من الأئمة كما فعله أبو بكر رضي الله عنه والله أعلم ، واعلم أن وجوب طاعة الرعية للإمام منوطة بالحماية لهم فمن لم يحمه الإمام فلا تجب على من لم يحمه وقال محمد بن محبوب إذا أخذ الإمام زكاة من لم يحمه قهرا فهو جبار ظالم هذا نص الأثر والله أعلم.
المسألة الثانية عشر : في إمامة الدفاع وصورته إذا دهمهم العدو وخافوا من تفرق كلمتهم وتنازع الرأي قدموا منهم رجلا من أهل النجدة والشجاعة والسياسة في الحرب يقاتل بهم عدوهم أما عدوا معينا كبني فلان وأما لزمن معين كأشهر معدودة أو سنين معدودة فتلزم طاعته وحقوقه كما تلزم للإمام المطلق زالت إمامته بزوالها لا يحتاج إلى قول كسائر العقودات المعينة ويزول عنهم ما كان له عليهم وجاز لهم تجديدها ولو للإمامة الكبرى إذا تمت شروط الإمامة فيه والله أعلم . (1/138)
صفحة 139
المسألة الثالثة عشر : فيما يقبل فيه قول الإمام وما لا يقبل وإذا أمر الإمام بقتل رجل أو رجمه أو قطع يده فقط أو جلده للزنا أو شرب الخمر أو القذف فمقبول قول الإمام في هذه ملها وليس على الرعية سؤال الإمام ولا إحضار البينة وقيل إذا طلب من أمر بقتله أو رجمه ذلك لم يكن للفقهاء والرعية أن يقدموا على ذلك حتى يسمعوا البينة بحضرة المشهود عليه ومن أمره الإمام أن يقتل وليه فليس له قتله بغير حجة وقال أبو سعيد أن الإمام أن أمر بقتل رجل على سبيل الحكم منه فإنه مصدق ما لم يصح كذبه وللمأمور بقتله من غير أن يسأله وقيل أن يسأل المأمور بقتله النظرة ولا يعجل عليه حتى يتبين من أمره ما لا شبهة فيه قال الإمام الحضرمي رحمه الله :
( وليس لمأمور إذا ما إمامه أراد لشيء أن يقول لما وما )
قال الشيخ خميس في منهجه وقيل أن الإمام مصدق في الأشياء التي لا يلي الحكم فيها غيره فلا يسأل البينة عن يد سارق قطعها أو زان جلده أو رجمه أو مقتول قتله لا يجوز لأحد أن يسأله عن ذلك أنها أمانة ولأن الإمام هو الذي يلي الحكم في ذلك ولا يسأل البينة على حكم يليه فإذا قال قامت معي البينة لم يكلف أن يقال له أحضر البينة حتى نسمعها ولا يسمعهم الإمساك عنه ولا الوقوف عنه وليس على المسلمين الكشف عن الأحكام التي حكمها فإن كان الإمام حكم عليه بحق فحظه أخذ ربه وأطاع وأن حكم فيها بجور فحظه ترك وربه عصى بل على الرعية السمع والطاعة له هذا وأما في الأموال فالإمام والقاضي والوالي كغيرهم ليس يجوز تصديقهم ولو في دبرهم ادعوه على أحد وعليهم ولهم الأحكام بالبينات المقبولة واليمين هذا والله أعلم . (1/139)
صفحة 140
المسألة الرابعة عشر : في المشورة على الإمام اختلف فيها فقيل هي على الإمام فرض ولو كان عالما وقيل ندب على العالم وعلى الضعيف فرض والأصل في ذلك قوله تعالى : ( وشاورهم في الأمر ) هل هي للوجوب أو للندب والذي يظهر أنها ندب على الإمام العالم وفرض على الضعيف وفي المشورة البركة وتخريج ما عندهم ونصحهم كل هذا يصلح بالمشورة والله أعلم .
المسألة الخامسة عشر : فيما يكون الإمام أولى بقبضه من الأموال فالإمام أولى بقبض الأموال المجهول ربها وقبض الزكوات والكفارات والوقوفات والمساجد ومال الأغياب واللقطات والصوافي ....والوصايا والأموال المسبلة وغير المسبلة وأموال الطرقات والحشرية وقبض الديات وقتل العمد والخطأ من الذي لا ولي له من القتلى وفطرة الأبدان وعليه أن يضع كل شيء من هذه الأموال في مواضعها وأما الزكوات فله النظر فيها أن استغنى عنها جعلها في الأصناف التي ذكرها الله في القرآن أو في بعضها وأن احتاج إلى بعضها في عز الدولة أو إليها كلها فله ذلك والله أعلم . وأما المجهول ربه فله أن يجعلها في عز الدولة وهو اختيار الشيخ أبي سعيد والشيخين أبي نبهان وسعيد بن خلفان رحمهم الله ولو أن يجعله في الفقراء أو حشريا على قول وهو أضعفها .
المسألة السادسة عشر : في الحدود والجمعات أعلم أن الجمعات والحدود فهي على الإمام أن يقيمها إذا ملك المصر كله ويهلك الإمام بترك إقامة الحد الواحد مع القدرة وبترك صلاة الجمعة في المصر واختلفوا إذا لم يملك المصر كله هل عليه إقامة الحدود أو لا فقيل عليه ولو ملك بلدة واحدة إذا أستقر فيها وقيل لا عليه في حال المحاربة بل له تأخيرها والله أعلم . وقيل إذا كان ذلك يشغله عن المحاربة ويخاف في اشتغاله تقوية العدو فعليه التأخير والله أعلم . (1/140)
صفحة 141
المسألة السابعة عشر : على الإمام مجاهدة عدو المسلمين فإذا أخرجت عليه خارجة فعليه قتالهم ومجاهدتهم إذا قدر على ذلك فإن ترك جهادهم مع القدرة فقد كفر وإن لم يعلم هل تخلفه عن الجهاد لقلة أعوانه أو لخذلانهم له وأنه في رجواهم بعد الدعوة لهم فهاجمه العدو ففي هذا وأمثاله مما يحسن به الظن فيه لأنه على أصل من حسن الظن لأن إساءة الظن به حرام وإن كان عنده من الرجال كنصف عدوه ثم قعد وأهمل الجهاد وصح عليه هنالك جيب خلعه فإن ضيعة الإمام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا ولاية له . وسئل أبو سعيد رحمه الله إذا كان في عسكر الإمام مثل المعازف والملاهي وغيرها هل يسع الإمام تركها في عسكره قال أبو سعيد أما الإمام ففي جواز التقية له خلاف فأما من قال لا تسعه التقية فعليه إخماد المنكر وتغيير الباطل من غير مبالاة ولا نظر وأما على قول من قال تسعه التقية فإنه إذا كان العدو الذي تقبله أعظم مفسدة من هؤلاء فإذا أنكر هو على هؤلاء خاف من العدو إذا تفرق جنده فلا بأس عليه أن يقصد إلى زوال المفسدة الأعظم ويسكت عن هؤلاء في الحال والله أعلم .
المسألة الثامنة عشر : فيما تزول به إمامة الإمام من العاهات تزول إمامة الإمام بذهاب سمعه وبصره وعقله وبإجماع وأما إذا نفى فيه بعض البصر أو بعض السمع فلا تزول إمامته بذلك ولهم التمسك بإمامته إذا رأى العلماء أن بقاءه أصلح وعليهم أن يقوموا بالأمر فيما لا يقدر هو عليه كما فعل موسى بن علي رحمه الله في آخر أيام الإمام عبد الملك بن حميد رحمه الله . (1/141)
صفحة 142
المسألة التاسعة عشر : تزول إمامة الإمام بأفعاله كما إذا ارتد والعياذ بالله إجماعا وإذا فعل موجبا للحد أجماعا فإن العلماء يقيمون عنه إماما يقيم عليه الحد وإذا جاز في حكمه أولى الجورة وفعل الأفعال المخالفة لسيرة السلف الصالح فعلى المسلمين أن يقوموا عليه ويتوبوه فإن رجع عن باطله وتاب عن بغيه لزمتهم طاعته ما أطاع الله ورسوله وأن تمرد وعتا وتجبر فعل به المسلمون كما فعل الصحابة بعثمان واختاروا غيره من الأفاضل والله أعلم .
المسألة العشرون : قدمنا أن الإمام لا تزول إمامته إلا بحدث مكفر مشتهر عند العلماء فإذا فعل فعلا واختلف العلماء في ذلك الفعل فقال بعضهم هذه مكفرة وهي من مسائل الرأي فتمسك به فرقة وقامت عليه الثانية فله أن يتمسك بإمامته وله قتال من قاتله على المختلف فيه وهو من معه المحقون والفرقة الثانية مبطلة ولو تمسكت من قاتله هكذا في حفظي عن محمد بن محبوب ولم يحضرني بنص حروفه حتى أسوقه لكن ذكره أبو المؤثر في كتاب الأحداث والصفات والله أعلم .
ذكر أنواع الجهاد
( ثم القتال لهم دفعا يكون وقد يدعي جهادا له التفضيل قد عقلا )
( واسم الجهاد يعم الدفع منه وقد يكون نفلا وفرضا تركه حظلا )
اعلم أن الجهاد لغة هو بذل الطاقة من المكلف وشرعا هو قتال أعداء المسلمين كان الأعداء مشركين أو منافقين من أهل الوفاق في المذهب أو من أهل الخلاف كانوا مستحلين يعتقدونه حلالا في دينهم وهو خطأ أو محرمين منتهكين مرتكبين لما داونا بتحريمه فقتال هؤلاء كله يسمى جهادا واسم الجهاد اسم جنس يعم الدفاع لأن كل دفاع جهاد ولا كل جهاد دفاع فبينما عموم وخصوص ويكون الجهاد فرضا كغائبا وفرض عين ويكون نفلا وفي الكل أجر عظيم لكن تارك النفل لا يهلك ولا يكون تارك الفرض الكفائي هالكا أن قام به غيره ويهلك الفرض العيني وله شروط وتفاصيل ستأتي أن شاء الله وفي المقام مسائل . (1/142)
صفحة 143
المسألة الأولى : اعلم أن الجهاد فريضة من فرائض الله تعالى واجبة بالكتاب والسنة والإجماع وأدلته من الكتاب كثير تضمنته الآيات القرآنية صراحا كقوله تعالى : ( قاتلوا في سبيل الله أو أدفعوا – قاتلوا حتى لا تكون فتنة – ولقوله تعالى : ( أنفروا خفافا وثقالا ) وكثير من آيات القرآن دالة على ذلك ومن السنة فعل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه من بذل مهجتهم في قتال أعداء الله والحث والتحريض منه على ذلك وإجماعهم بعده ( صلى الله عليه وسلم ) على ذلك ومحل الأدلة يطلب من المطولات وتقدم بعضها والله أعلم .
المسألة الثانية : يكون الجهاد باللسان لقوله تعالى وأمره لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بجهاد الكفار والمنافقين فلم يكن في زمنه ( صلى الله عليه وسلم ) قتال للمنافقين ذكر بل جهاده لهم باللسان والإغلاظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكل أمر بمعروف ونهي عن منكر فهو جهاد وهو يترتب على ثلاث درجات على قدر مراتب الآمرين وله شروط منها أن يكون الآمر عالما بما ينهي عالما فيما ينهي عالما بمن ينهي حليما ففرض الأمراء باليد وفرض العلماء باللسان أن لم يكونوا أمراء وفرض الضعفاء بالقلب وهو أضعف الإنكار ومفارقة أهل المنكر بالأجساد أن لم تكن تقية وله تفاصيل ليس هذا محلها ولنرجع إلى تفضيل الجهاد أن شاء الله . (1/143)
صفحة 144
المسألة الثالثة : في فرض العين الذي يهلك المكلف بتركه ويكفر وهو إذا كملت شروطه وذلك مع القدرة أن يكون حرا ذكرا بالغا عاقلا صحيحا وعنده من العدة والسلاح ما يقاتل به عدوه فعلى الرجل أن يقاتل الرجلين وعلى العشرة قتال العشرين وعلى المائة قتال المائتين والدليل على ذلك قوله تعالى : ( أن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ) إلى آخر الآية والدليل على هلاك تاركه قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ألا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ) وقال : ( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأنفسهم وأموالهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ) .
( وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ) فأنظر إلى تقريع القرآن وتهديده ووعيده لمن تأخر عن الجهاد فدل على فرضيته كما ترى والله أعلم . (1/144)
صفحة 145
المسألة الرابعة : في الدليل على فرضية الجهاد عند أئمة العدل والقوام بأمر الله فيقومون مقامه في ذلك من بعده بقول الله تعالى : ( فل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وأن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ) فأجمعت الأمة أن الداعي في هذه الآية أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما دعى الناس في قتال بني حنيفة وقد سمعت ما فيها من الوعيد من تخلف عن إجابة دعوته وهو الدليل على ثبوت ذلك ووجوبه مع كل إمام قائم بأمر الله تعالى إلى يوم القيامة وعلى ذلك أجمع الصحابة من بعدهم قولا وعملا وكفى بهذه الآية الشريفة معجزة ظاهرة للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لأخباره بالغيب ووقوعه كما أخبر وهو أعظم شاهد لصحة إمامة أبي بكر رضي الله عنه وإن اجتماع الأمة لم يكن على ضلال والله أعلم .
المسألة الخامسة : في الدليل على أن الجهاد أصله فرض كفاية قوله تعالى : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) ففي الآية دليل على فرضية الجهاد على الكفاية فإذا قام به بعضهم سقط عن الباقين وقد يكون الجهاد فرض عين كقتال الرجل عن نفسه وماله وأهله ووطنه وكذلك أن لم تكف الفرقة المواجهة للعدو وتوجه الخطاب لمن يليهم من أهل المصر على الترتيب إلا إذا عين الإمام طائفة أو أهل بلد أو رجالا مخصوصين نظر الإمام فيهم أمرا فخصهم بذلك لأمر يراه فذلك فرض عليهم وليس لهم التخلف عن أمره والله أعلم . (1/145)
صفحة 146
المسألة السادسة : اعلم أن الجهاد يكون فرض كفاية كما تقدم في المسألة الأولى ويكون فرض عين بشروط أحدها أن يكونوا كنصف عدوهم عددا وعدة لقوله تعالى : ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين والله مع الصابرين ) فأجمعت الأمة على هذا التحديد للوجوب ومفهوم العبارة بتخفيف ما زاد عنه يدل على ذلك فالعشرة وجب عليهم قتال العشرين فرض عين لا يسعهم تركه تعلقا بأن الجهاد فرض كفاية لأنه المصرح به في كتاب الله وما عدا ذلك فهو وسيلة وللواحد أن يقاتل المائة والألف ويبذل نفسه لله في إظهار العدل وتغيير المنكر ولقد قال ( صلى الله عليه وسلم ) أفضل الشهادة كلمة حق تقال عند سلطان جائر يقتل عليها صاحبها وقد فعل ذلك قاتل خردلة بدلالة جابر بن زيد على خردلة ووضع يده عليه ولا يقال أنه قتل نفسه وأهلكها بل أحياها ويكفي في معرفة العدد التحري ولا يلزم التحقيق قال الشيخ الخليلي رحمه الله وربما تتعذر معرفة العدد من العدو بالتحقيق ولا سيما في الجيوش لعدم الإطلاع على العدو بمن يكون هو الحجة في ذلك لا يمكن لكن دل على جواز التحري والتقريب قوله تعالى : ( ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ) وقال تعالى : ( لقد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثلهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء ) وإنما أراهم الله إياهم كذلك ليجزيهم على قتالهم إذا رأوهم أنهم في حد من يلزمهم جهادهم ولا يجوز الفرار منهم إلى أن قال ولا أري وجها هو أثبت من هذا ولا أصح عنه لأن العدول عنه يبطل الجهاد حتما وأما العدة فهي الآلة التي يقوم بها الحرب من السلاح والخيل والإبل والباروت والرصاص والمدافع وذلك من لوازم القتال وما لها يقوم الواجب إلا به فهو واجب وأقول أن العدة لا تعتبر كثرتها وقلتها ومناصفتها وإنما تعتبر كفايتها لتلك الوقعة فقط وما (1/146)
صفحة 147
يكتفي بها في تلك الحادثة وأقول أن الزمان تغير والحالات والآلات تغيرت وتبدلت فهذه الآلات الموجودة اليوم عند النصارى والدول من الطيارات والسيارات والمدافع والبنادق وغيرها من السموم والحكم لا توجد عند أهل عمان خاصة فينبغي أن ينظر لهم من أوجب الله عليه النظر فيهم ويراعي لهم الأحوال ويدافع عنهم عدوهم ويحوطهم عنه بما يلهمه الله من المصالحة عنهم الجائزة شرعا لأن قول الشارع ( صلى الله عليه وسلم ) من استرعاه الله رعية فلم يحطها أكبه الله على وجهه في النار شامل لجميع بالقتال والدفاع والمصالحة والتقية الجائزة جميعا والله أعلم .
المسألة السابعة : فيمن توجه إليه خطاب الجهاد من القرآن والسنة اعلم أن الخطاب متوجه على كل رجل عاقل بالغ حر مسلم قادر فلا يلزم امرأة ولا صبيا ولا عبدا ولا مشركا ولا عاجزا والعجز على نوعين إما لعلة بدنية وهي الضعف والمرض مطلقا كالهرم والعمى والعرج والحذر وأنواع الاسقام المانعة جميعا وأما لقاعدة حكيمة كالواحد لا يلزمه قتال أكثر من الاثنين وأما لعوارض مالية وهي الدين وعدم النفقة على من يعلوه إلى حد رجوعه وعدم الزاد وأما لأسباب خارجية كمنع الوالدين أو أحدهما أياه عن الخروج وكمن عنده مريض يقوم به ولا يجد له غيره يكفيه أياه ويخاف بتركه له ضياعا أو هلكه وكالسفر فإنه لا يلزم المسافر لوجود الضرر وقد جعل العلامة الصبحي حكم المريض والمسافر سواء والله أعلم . (1/147)
صفحة 148
المسألة الثامنة : في الدليل على ثبوت العذر لهؤلاء المعذورين ثبت لهم العذر بقوله تعالى : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين ولا يجدون ما ينفقون حرج إذا انصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ) فالنساء والصبيان والعبيد وأهل الزمانة كلهم من الضعفاء المعذورين وكذلك الأعمى والأعرج وقد أفردهم الله تعالى بالذكر في موضع آخر لقوله تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ) والقاعدة الحكيمة قد سبق القول عليها فراجعها وأما النفقة المالية فقد ذكرها الله بقوله : ( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ) ودخول جهاد المسافر وزاده في هذه الآية ظاهر لأنه عادم الزاد وغير واجد للنفقة وأما العذر بعدم الراحلة إذا بعدت الشقة وعجز عن المشي فثابت في قوله تعالى : ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا إلا يجدون ما ينفقون ) فإن أعطاهم الإمام أو غيره وحملهم وأعطاهم زادا وراحلة ونفقة لهم ولمن يلزمهم عوله إلى رجوعهم ارتفع العذر ووجب عليهم الخروج أو جاز على تفضيله في محله لأن في الآية دليل على وجوبه عند وجود الزاد والراحلة والنفقة لهم ولمن يلزمهم عوله فإذا زالت العلة التي كان بها العذر ثبت الحكم بزوالها ويجوز لهم طلب ذلك من الإمام أو غيره لأن الآية تضمنت معنى الجواز ونفس السؤال غير لازم لكنه وسيلة إلى فعل الخير والله أعلم . (1/148)
صفحة 149
المسألة التاسعة : في العذر بالدين أطبقت كلمة الفقهاء على ذلك ولا أجد تصريح ذلك من الكتاب ولا من السنة لكنه قول مقبول وأثر متبع ولعلهم رأوا أن الجهاد من حقوق الله والدين من حقوق العباد فهو مقدم عليها لأنه ثبت في الحديث المشهور أن التوبة تجزي من كل شيء إلا الدين وحقوق الخلق لا يكفرها إلا أداؤها ولأنه جاء في الحديث أن الشهادة تكفر كل شيء إلا الدين قاله النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لسائله فإن كان من عليه الدين ذا مال أوصى بإخراج دينه أو ضمن عنه فيه لوفاء دينه فله أن يخرج على حال ويؤيده أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أخذ سلفا وأن عمر بن الخطاب مات وعليه دين ولا يجوز على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولا على الأئمة الذين باعوا أنفسهم لله أن تأتي عليهم حالة تمنعهم من الخروج إلى الجهاد وأما الدفاع عن النفس والمال والأهل والصاحب والأولاد والبلاد فلا يمنع منه دين وسيأتي ذلك في مسائل الدفاع والله أعلم . (1/149)
صفحة 150
المسألة العاشرة : في العذر عن الجهاد بمنع الوالدين اعلم أن الجهاد إما فريضة وإما وسيلة فإن كان فريضة فلا عذر للولد بمنع والديه له عن الجهاد لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق لأن تارك الفرض هالك إن لم يتب والعياذ بالله أترى أن منعاه عن الصلاة والصوم والزكاة والحج وسائر الفروض أله ترك ما افترض عليه أم عليه أداء المفترضات فإنه لا قائل بذلك والجهاد إذا كان فرضا فلا يلزمه امتثال أمرهما بمنعه عن الجهاد وأن كان الجهاد وسيلة وكان ممن يقوم عنه غيره أمر الجهاد فهذا يلزمه امتثال أمرهما بالمنع عن الخروج وإما إن كان إماما أو شجاعا لا يقوم عنه أحد أو أميرا متبعا مطاعا بتأخره يقع خلل في الإسلام أو عالما بمسائل الدخول في الحرب والحلال والحرام فيه وما يجوز الإقدام عليه وما يجب الإحجام عنه أو عالما بسياسة الحرب في جوازه ويجب في وجوبه وعلى هذه الأحوال يحمل الحديث الوارد فيمن أراد الجهاد فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ألك والدة قال : نعم استأذنها فإن أذنت وإلا فاقعد فإن الجنة تحت أقدام الأمهات وقد قتل حارثة ولم يثبت أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) منعه من الخروج إلا بإذن والدته ولما أستشهد جاءت والدته إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقالت يا رسول الله أن كان حارثة في الجنة لم أبك ولم أحزن وإن كان غير ذلك فترى ما أصنع فقال يا أم حارثة أنهن جنان وأن حارثة في الفردوس الأعلى فرجعت وهي تقول بخ بخ لك يا حارثة وقيل بجواز الخروج مطلقا كان الجهاد فريضة أو وسيلة ولو منعاه والده عن الخراج واختار الشيخ الخليلي رحمه الله تقييده بما إذا كان في الخروج مضرة على الوالدين ولا قائم لهما يكفيه وتعين فرضهما وعجزهما عن القيام بحوائجهما ولا قائم لهما غيره فهنا يلزمه التعود معهما والقيام بأمرهما وكذلك في حق غيرهما ممن يلزمه القيام بأمره وهذا يشمله عموم الآية الشريفة قوله تعالى : ( غير أولي الضرر ) فيشمل (1/150)
صفحة 151
النفس وما يلزمها القيام به لأنه ضرر ولا أضرار في إسلام هذا معنى كلام الشيخ الخليلي رحمه الله وهنا بحث أذكره ولم أجده لغيري إذا كان متينا على الإسلام والمسلمين ( 1 ) وبقعود هذا الشخص الذي تعين عليه الفرض بقيام والديه أو من يلزمه القيام به ينهدم الإسلام ويتبدد شمل المسلمين وتنهد أركان الدين ويستولي العدو على البلاد والعباد ويظهر الفساد فيقدم الفرض العام على الفرض الخاص وليس هذا من باب تقديم الخاص على العام في
( 1 ) في هذه العبارة سقط على ما يظهر ولعل الصواب إذا كان فرض الجهاد متعينا على الإسلام والمسلمين ( أ هـ ) مصححه .
مسائل الأصول لأن تلك القاعدة في وضع الخطاب وهذه قاعدة في ارتكاب أخف الضررين وما هو أعم ضررا وأعظم خطرا ولله در القائل :
( أن الطبيب إذا تعارض عنده داء أن مختلفان داوى الأخطرا )
ويلتمس من يقوم بأمر من يلزم هذا الشخص القيام به بالأجرة مثلا أو الجبر على أحد يقوم بذلك قهرا أو قصرا فإنه من باب الجهاد الذي يجب فيه الجبر بل هذا أولى هذا ما أقول وأبحث فيه وقولي فيه قول المسلمين والله أعلم . (1/151)
صفحة 152
المسألة الحادية عشر : في الجهاد بالمال أعلم أن فريضة الجهاد مشتركة في الأنفس والأموال بدليل قوله تعالى : ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم أن كنتم تعلمون ) وبقوله : ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيله بأموالكم وأنفسكم ذلك خير لكم أن كنتم تعلمون ) وبقوله : ( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ) وبقوله : ( فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ) وبقوله : ( الذين آمنوا جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون ) وبقوله : ( أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا ) ففي هذه الآيات الشريفة ما دل على وجوب الجهاد بالنفس والمال فمن لم تسمح نفسه بالجهاد بماله فقد ترك فرضا من فرائض الله إذا كان الجهاد فرضا وتارك الفرض لا محاله هالك والعياذ بالله وفي حالة كون الجهاد وسيلة فتاركه خسيس المنزلة وقد صرح القرآن بوجوب الجهاد في قوله تعالى : ( وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين ) وقال تعالى : ( إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يعلمون يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لمن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيري الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم أ،هم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون ) فأولوا الطول هم الأغنياء (1/152)
صفحة 153
وقد تعلق هذا الوعيد العظيم كما ترى باستئذان الأغنياء في القعود فإذا هم إلى الوعيد بنار جهنم وأي دليل أعظم من هذا على وجوب الجهاد بالمال والنفس والاعتذار عن الخروج بالمال والنفس كبيرة من عظائم الذنوب موجبة لسخط الرب وقائدة لفاعله إلى النار والعياذ بالله ...
المسألة الثانية عشر : لما علمت أن وجوب فرض الجهاد بالنفس والمال مشتركان وظهر لك الدليل القاطع بهلاك من شح بماله عن الجهاد في سبيل الله به وما عليه من الوعيد بالنار ظهر لك أن تقديم ذكر الأموال على الأنفس في بعض الآيات وتأخير الأموال عن الأنفس في بعضها أيضا لمعان منها أن الاهتمام بما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب فالاهتمام بتهيء الزاد للسفر هو المتقدم وكذلك الراحلة وما يحتاج إليه من آلة الركوب وعلفها لابد منه ونفقته ونفقة دابته أيضا ومما يحتاج إليه الخارج بعدة لسفرة وقد شملته الآية الشريفة وهي قوله تعالى : ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) بعمومها لجميع ما يعد للجهاد وأما على تأخير الأموال وتقديم الأنفس في مواضع فإنه لا شيء اعز على المرء من نفسه ولأن المال يبذل لحياة النفس وصونها عن الآفات فلما قدمها الشارع علم من ذلك بالضرورة أن بذل النفس هو من أعظم الأشياء وأمانتها في إحياء العدل هو من أفضل الأعمال فالبائع لنفسه في سبيل الله هو بائع للدنيا وما فيها وخارج عنها فلا منزلة أعلى من منزلته ولا عمل أفضل من عمله وقد شهد الكتاب والسنة بذلك فارجع إلى الآيات المصرحة بذلك والأحاديث الناطقة بذلك تجد الشفاء لدائك والله أعلم . (1/153)
صفحة 154
المسألة الثالثة عشر : اعلم أن الجهاد والحج يتفقان في الاستطاعة ووجود الزاد والراحلة ونفقة النفس والعيال إلى رجوعه وصحة البدن ويختلفان في أشياء منها عدم المهلة في الجهاد وجوازها في الحج ومنها عدم التكرار في الحج لأن الحج لا يجب في العمر إلا مرة ويجب تكراره في الجهاد بحسب النوازل ومنها وجوب الحج على النساء ولا يجب عليهن الجهاد إلا في الدفاع ومر تفصيله ومنها يلزم الإيصاء بالحج ولا يلزم بالجهاد ومنها يشترط في الحج أمن الطريق ولا يشترط في الجهاد ومنها أن الجهاد فرض كفاية أحيانا ويكون فرض عين والحج لا يكون إلا فرض عين ومنها جواز النيابة في الجهاد ولا تجوز في الحج مع الصحة والله أعلم .
المسألة الرابعة عشر : في صفة المال الذي يلزم به الجهاد وكميته وكيفيته اتفق العلماء على وجوبه في المال الذي غلته تكفي لزاده وراحلته ونفقته ونفقة عياله إلى حد رجوعه واختلفوا فيما سوى ذلك فقيل أن باع من ماله وبقي ما يكفيه ويكفي من يلزمه عوله إلى رجوعه وجب عليه ذلك وقيل أن كانت تأتيه غلل من زراعات شهريه كبيع قت أو غيره أو تأتي في فصول متعاقبة صيفا وشتاء فإنه ينظر في ذلك ويلزمه الخروج إذا كانت تلك الزراعات تكفي مؤنة عياله وقيل من كان ذا صنعة يكتفي بها لمن يلزمه عوله إذا رجع لزمه الخروج وهذا شاهده من حديث لا تحل الزكاة لغني ولا الذي مرة سوى وكذلك المواشي كالإبل والبقر والغنم فلتعتبر فإن كان ما يبقى منها بعد نفقته ونفقة من يلزمه عوله إلى رجوعه فذلك واجب عليه والله أعلم . (1/154)
صفحة 155
المسألة الخامسة عشر : في جبر الإمام الرعية على الجهاد فقيل ليس له جبر الرعية على الجهاد مطلقا وذلك لأنهم مأمونون على دينهم ومخاطبون بما يلزمهم وهم الأمناء عليه ديانة والله هو الرقيب عليهم وإنما هو حق لله لا من حق الإمام وقيل يجوز له جبر الشارة دون الرعية إذا كان الجهاد لازما وقيل يجوز جبر الشارة والرعية إذا رجى الإمام بجبرهم إغاثة الملهوف وإعانة الإسلام وحماية المصر وقيل بجواز الجبر في الدفاع إذا كانوا كنصف العدو عددا وعدة وقيل بجوازه إذا كانوا منصف العدو وقد آمنوا من بعضهم بعض الغدر والخيانة والطمع والرشوة ولعل هذا لا يوجد في غير أهل الولاية وقيل بجواز الجبر في الدفاع لأن الجهاد فيه فريضة وتارك الفرض يجبر فعله وقيل بجواز الجبر إذا كان في المصر ولا يلزم الناس الخروج إلى مصر غيره وقيل إذا كان في الشارة والعسكر كفاية لم يجز له جبر الرعية وأن لم تكن بهم كفاية جاز له حبر الرعية لوجوب نصرة الإمام وكل هذه الأقوال عن المسلمين والله أعلم . (1/155)
صفحة 156
المسألة السادسة عشر : في معنى الجبر وصفته والجائز للإمام فعله والدليل عليه وهل الأفضل فعله أو تركه أما معنى الجبر فهو إلزام الخروج وعقوبة المتخلف عنه بغير عذر وإما الأفضل إذا كان بترك الجبر لا يخاف فسادا في الأمر ولا فشلا في الدولة ولا تضييعا في الرعية فترك الجبر أولى لأنه الأحوط في دين المولى وإما القول بتركه مطلقا فلو أدى إلى فساد الأمر واضمحلال الدولة وبطلان الإمامة فهو قول زهاد الفقهاء الذين بدينهم من شاهق إلى شاهق ليس لهم في النظر إلى الدولة الإسلامية أصل راسخ ولا فرع باسق وما وقعوا فيه من فساد الدولة الإسلامية أعظم مما هربوا منه وأضر على الإسلام وأهله وأما القوام بأمر الله والدعاة إليه أهل النظر في الأمانة والضبط في الممالك الإسلامية بعظم الايالة يأبون ذلك ويرون أنه مؤد إلى انحلال نظام الملك الإسلامي وتعويج طريقه العدل ولكن ذلك مقام هائل لا يحسنه إلا أهل المقامات العليا ولا يتصدى له إلا أهل المناصب العظيمة فأنظر إلى النبي سليمان بن داود عليهما السلام لما خرج الهدهد بغير أمره قال لأعذبنه عذابا شديدا ولأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ومن كان هذه حالته في العقوبات مع الطير وهو من غير المكلفين فما ظنك به وما يكون في العصات المخالفين ولو سلك طريق الزهاد في التخفيف على العباد لما اختار أن يحشر له الجن والأنس والطير فهم يوزعون ولا يكون الحشر إلا بأمره فهو من الهيبة العظيمة بحيث لا يحسن أحد عن التخلف عنه لعظم ايالته فيهم وقهره فأنظر كيف وصفه الله بذلك وقد أثنى عليه هنالك الله ورسله هم القدوة في كل شيء وقد سمعت ما جرى من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الثلاثة المتخلفين عنه في غزوة تبوك وهم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية فهجرهم وأمر الناس بهجرهم وباعتزال نسائهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وأي عقوبة أعظم من هذه وأوجع (1/156)
صفحة 157
وما كانت هذه الغزوة دفاعا وإنما هي جهاد فهو دليل على جواز ذلك في الجهاد والدفاع جميعا ثم أن الجهاد فرض كفاية وقد حصلت الكفاية عن هؤلاء الثلاثة بخروج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه وأي قائم أقوم به منهم فلم يعذرهم بذلك فدل على جواز العقوبة للمتخلف ولو حصلت الكفاية بغيره وفي قواعد الأثر من حصلت الكفاية بغيره فقد سقط الفرض عنه وهذا دليل على جواز العقوبة ولو في الوسيلة إذا دعاهم الإمام لذلك وما جازت العقوبة فيه فقد ثبت معنى الجبر فيه قال الشيخ الخليلي فليتأمل فإنه بحث غريب وكان عمر بن الخطاب هو المتقدم في أمور السياسة والمشهور بها وكان لا يضع الدرة من يده ومن عظيم ايالته وهو في مرض الموت أمره بضرب أعناق الشورى إذا لم يتفقوا على الإمامة إلى ثلاثة أيام وبمثلها قتل المنافق الذي جاء إليه يطلب الحكم بعد حكم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من غير أن يستأذن الرسول في ذلك وقد كان الإمامان مهنا بن جيفر وناصر بن مرشد رحمهما الله لهما اليد الطولى في السياسة وبالجملة لا يترك ذلك ويستأهل فيه إمام إلا وهت كلمته وقوى عليه خصمه ووصف بالعجز ووسم بإضاعة الحزم ولله در أبي الطيب حيث يقول :
( ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى ) (1/157)
صفحة 158
المسألة السابعة عشر : فيمن أمره الإمام بالخروج فاعتذر هل يقبل قوله بالمحتمل الصدق والكذب ففي الأثر أن القول في ذلك قوله أنه الأمين على نفسه ودينه فإن اتهم على ذلك ففي تحليفه قولان كما قيل به في زكاة الجر والنقود وفي مجمل الأثر لكن هنا النظر لمن له النظر فينظر ما معنى عتاب الله لنبيه لمن له اعتذر فعذره فقال الله لنبي : ( عفى الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) فلقد أمره بالتبين في قولهم وقدم له العفو عنه تجليلا له ولطفا به قبل العتاب ولو كان قبول عذرهم مما يلزم لما كان للعتاب محل لكنه أمره بالتبين في قولهم لأنهم في محل الدعوى إذا أتوا بخلاف الظاهر قال الشيخ الخليلي رحمه الله وله أن يعاقبهم حتى يتبين له صحة العذر أن كان مما يمكن عليه الإطلاع وإلا فاستدلال بالقرائن والأحوال هو المأمور به بظاهر الآية إلى أن قال وأن كان لا يوجد هذا عن الأشياخ فإنه من قول الله تعالى ومن دلائل كتابه هذا كلام الشيخ الخليلي وهو رأي له رحمه الله مقبول والله أعلم.
المسألة الثامنة عشر : للإمام أن يستنفر من شاء من رعيته ويترك من شاء لمراعاة أحوال الناس من سياسة وشجاعة وصبر وخطاب إلى غير ذلك مما يحتاجه الجهاد من ركوب خيل وإبل ورمي ويترك آخرين خرج ذلك الشيخ الصبحي رحمه الله من قوله تعالى : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل طائفة منهم ) فرقة ليتفقهوا في الدين وهو الثابت من فعله ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك مضى من بعده الخلفاء وأما من استنفره الإمام بنفسه وما له فاخرج عنه غيره فقال الشيخ الصبحي لا يجزيه عنه ذلك وعليه أن يخرج بنفسه لأن الفرض لا ينحط عنه بغيره قال بذلك العلامة الصبحي وقيل يجزيه أن رأى الإمام الكفاية عنه بغيره بدلا منه أو أصلح وللإمام النظر في المصالح والله أعلم . (1/158)
صفحة 159
المسألة التاسعة عشر : فيما تضمنته آيات الجهاد وشمولها على الأنفس والأموال فإن من عذره الله عن الجهاد بنفسه من المعذورين المنصوص عليهم والمقيس عليهم وكان ذا غنى فقال العلامة الصبحي من استطاع الجهاد بنفسه وماله فعليه بالنفس والمال ومن لم يستطع الجهاد بنفسه ففرض الجهاد لا يسقطه عنه عجز النفس وعليه أن يجاهد بما استطاع لأن الفريضة المالية باقية عليه لا عذر منها وقد دعي إلى الجميع بقوله تعالى : ( ها أنتم تدعون لتنفقوا في سبيل الله ) فهذا موضع وجوب الأنفاق المدعو إليه على هذا القول قلت ويؤيده الحديث إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وتضمنت معناه الآية الشريفة وهي قوله تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) ففي الآية دليل على أن وسعها المال باقي عليها وهي مكلفة به وعلى هذا الرأي فيجوز للإمام أن يأمر الغني بأن يقيم مقامه عشرة من الرجال أو ما زاد أو نقص بحسب سمعته من المال فيلزمه نفقتهم ورواحلهم إذا احتاج الإمام إلى ذلك في جهاد أو دفاع وقد حكى الصبحي عن محمد بن جعفر هذا القول قال الشيخ الخليلي رحمه الله وقد حفظنا أن من له مال كثير يقوم بأعباء رجال يخرجون في دولة المسلمين لدفع العدو فالمجود في جامع ابن جعفر أن عليه ذلك وهو من اللازم انتهى لفظه قال الشيخ الخليلي رحمه الله وهو وأن أفتى به في الدفاع فإن الدفاع نوع من الجهاد لا غير كما سبق بيانه فليراجع والله أعلم . (1/159)
صفحة 160
المسألة العشرون : اعلم أنه يجوز للإمام أخذ المال من قوم ويقيم به آخرين هم أنكى للعدو وأصبر لمقاومته بشرط أن لا يضر بهم ويدع لهم كفاية نفقاتهم ومن يلزمهم عوله ويجوز له أخذ الخيل والإبل والحمير بالجبر إذا احتاج إلى ذلك وقد جاء الأثر عن السلف والخلف بجواز ذلك أن لم يجد غنيه عنه بدونه ولهم كراء المثل برأي العدول وقيل إن لزمهم ذلك فلا كراء لهم في موضع وجوبه عليهم لأن بذل المال واجب في الجهاد والدفاع على من يقدر عليه والحيوان وغيرها في حكم الأموال سواء وقيل بالمنع من ذلك كله فهي أقوال ثلاثة فإن حكم الإمام بشيء منها جاز وثبت والتحقيق عندي إذا كان يخاف على الدولة بتركه التسلط والقهر من العدو للمسلمين وإظهار الفساد في البلاد فذلك من الواجب فهو واجب لا يجوز تركه لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ) ولقوله تعالى : ( وتعاونوا على البر والتقوى ) وأي بر أعظم من إقامة العدل ونشره في البلاد وقهر أهل الجور والآيات الواردة في الجهاد بالنفس والمال شاملة لذلك ومن المعلوم أن الإمام له النظر في المصالح العمومية ولابد للناس من قائم يقوم فيهم بواجبات الشرع وكل ما يحتاجه الإمام لطعام الجيش وعلف الدواب فله أخذه بالجبر بنظر العدول في قيمته ويدفع به ضرر المسلمين إذا اضطر إلى ذلك وقيل يأخذه بالقرض وقيل إن كان على الأغنياء بذله في وقت لزوم الجهاد يأخذه بغير قيمة كما لزمهم في غيره من المال الواجب بذله في الجهاد فرضا وما رأى الإمام من هذا وحكم به فغير خارج من الصواب في رأى ولا دين وعلى الرعية السمع والطاعة له وتنفيذ حكمه وامتثال أ/ره وقال بعض العلماء إن هذه الأوجه تختص بمواضع الضرورة فمحلها إذا كان العدو هو الخارج على الإمام والمخوف منه على الدولة لا أن كان الخارج الإمام وقيل بجواز ذلك في الدفاع كله لا في سائر الجهاد وهذه الآراء كلها سائغة في باب الاجتهاد وأعدلها وأقربها إلى الهدى ما (1/160)
صفحة 161
كان ثبت بالدليل من الكتاب والسنة وقد قدمنا ذكر الأدلة على ذلك فليراجع وتخصيصه ببعض الأنواع محتاج إلى دليل قال ابن العربي المالكي عند قوله تعالى على أن يستعين الإمام على إصلاح دولته بالرجال جبرا وبالمال إذا فنيت خزائن بيت المال عنه فعند ذلك يكون الأخذ من أموال الرعايا بالتقدير لا بالإسراف والتبذير وهذا صواب والله أعلم وأما الدفاع عن أموال اليتامى والزمنا والأغياب والأوقاف والنساء وأهل الضرورات فلا يصح من أموالهم في باب الجهاد أصلا قولا واحدا ولا يصح إلا في وجه واحد وهو إذا غشى العدو البلد وخيف منه التغلب والقهر على أموال هؤلاء المذكورين فقد أجاز بعض العلماء الأخذ من أموالهم وهو دفع البعض لبقاء الأكثر واختلف المجيزون لذلك فقيل إذا تحقق عندك عزم الأخذ لأموالهم فهنالك يجوز لك دفع البعض لبقاء الكل وقيل إذا مد الجبار يده فيجوز حينئذ لا قبل وقيل بعدم الجواز مطلقا وقال الشيخ الصبحي إذا جاز الأخذ منها لسلامتها فالدفع عنها بالسيف أولى وأظهر ومن هذا القبيل ما علم به الأشياخ المتأخرون من كفت الأفلاج لمدافعة الجبار الجائر بها عن الرعية في موضع الخوف عليها وفيها الغائب واليتيم والوقف وغيره وقد أجازوه على الجميع ويرفع ذلك عن الشيخ أحمد بن مفرج وقاس الصبحي جواز ذلك لدفعه بالقتال قال الشيخ الخليلي رحمه الله فكان هذا حسنا من رأيه جزاه الله عن المسلمين خيرا وما جاز أن تكفت له الأفلاج فيجوز أن يجعل على صلب الأموال فيسلم كل أحد على قدر أصل ماله وصرح بذلك الصبحي وفي منهاج العدل أن الرجل ليقوم بيته ليؤخذ منه قدر ما يملك إذا لم يجحف ذلك بمؤنته ومؤنة من يلزمه عوله وقيل يجوز ترتيب الأخذ على قدر الغلة إن كان في دفع بمال أو بحماية وقتال وكذلك التجارة والنقود والمواشي من الإبل والبقر والغنم كل ذلك يخرج من اصل واحد وإنما كان ذكر الأصول والغلات في الأثر أكثر لأنها معظم أموال أهل عمان وإلا فلا يخص بها (1/161)
صفحة 162
مال دون مال والله أعمل ودليلهم على جواز ذلك ما يروي أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أراد أن بالصالح العرب لما أحاطوا بهم ورموهم عن قوس واحد على ثلث ثمار أهل المدينة وشاور أهلها على ذلك فلما رأى فيهم التصلب والشدة أخر عن ذلك ولو لم يكن جائزا لم يرد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يفعله والمدينة مصر جامع ولن تجد مصر يخلو من أحد لا يملك أمره فيها غالبا وما كان تركه الصلح لعدم جوازه ولكن لما رأى منهم الشدة والجراءة وعدم مبالاتهم بكثرة الخصم تأخر والله أعمل واعلم أن كل ما ذكرناه هنا فمنوط على نظر أئمة العدل والعلماء والذين هم أطباء الأمة الناظرين في مصالحها فالطبيب الحاذق يلزم المريض شرب الأدوية المرة الكريهة طلبا لعافيته وربما أدى ذلك إلى الكي أو زاد عنه كالقطع لبعض الأعضاء طلبا لسلامة باقيها وذلك لا يستعمل إلا في موضع الضرورات وربما لزم ذلك الإمام لئلا يترك دولته ويضيع رعيته فيتركها نهبا للمفسدين ونهشا للسباع والماردين وهو يجد في الحق سعة وإلى الدفع عنهم سبيلا فإن تركه لذلك قصورا وخمولا عن العدل ورضى الله هو المقدم والله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر وما حكم به الإمام من هذه الوجوه وجب على الرعية طاعته ولا يجوز لهم الامتناع عن حكمه لأن حكم الإمام في المختلف فيه يصير بمنزلة المجتمع عليه ولا يجوز لمن عنده مال أن يستره ويكتمه على الإمام بعد الحكم عليه لأنه يكون بذلك مخالفا لأمر الله لأنه أمره بطاعة إمام العدل بقوله تعالى : ( أطيعوا الله والرسول وأولى الأمر منكم ) فصاحب الأمر اليوم هو الإمام العدل ولا يصح إلا هذا فيما يظهر لي والله أعلم .
ذكر الدليل على فريضة الجهاد وبيان من يلزمه
( وفرضية من كتاب الله مع سنن الر سول إجماع أهل العلم قد نقلا )
( ولازم مسلما حرا وقد عقلا وبالغا قادرا لا عاجزا وكلا )
( والعجز إما لكون الخصم أكثر من مثليه أو أن تراه حالف العللا ) (1/162)
صفحة 163
اعلم أن الجهاد من أعظم أركان الإسلام وفريضته بالكتاب والسنة والإجماع فمن الكتاب قوله تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) : ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) وقوله : ( كتب عليكم القتال ) وقوله : ( ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) قوله : ( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ) وقوله : ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) وقوله : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) وقوله : ( قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) وقوله : ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) ومثل هذا في كتاب الله كثير وقد علم من السنة ما كان عليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه من بذلهم أنفسهم وبيعهم مهجهم جهادا في سبيل الله تعالى وابتغاء رضوانه بما يغني عن المزيد وعلى ذلك اجتمعت الأمة والحث عليه كثير وأجمعت الصحابة عند أبي بكر في قتال أهل الردة ومانعي الزكاة فتارك الجهاد في موضع وجوبه آثم كافر ويكفر الناس بتركه باقتران الوعيد وآيات التهديد وهو دليل وجوبه وفرضه ولا شك قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم أنفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا من الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم الله عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير ) وقال تعالى : ( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم من ريبهم يترددون ) وقال تعالى : ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني إلا في الفتنة سقطوا وأن جهنم لمحيطة بالكافرين ) فقد وعدهم بالعذاب الأليم والاستبدال بهم إن لم ينفروا وأخبر أن ترك الخروج مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والاستئذان للترك هو فعل من لا يؤمن بالله واليوم (1/163)
صفحة 164
الآخر وترك الجهاد معهم من صفة المرتابين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وتوعدهم بنار جهنم ووسمهم بالكافرين فأي وعيد هو أعظم من هذا وأي تقريع هو أشد من هذا ولما بالجهاد من عظيم المحنة وصعوبة التكليف واحتياج الخلق معه أن يقادوا إلى فراديس الجنان بالسلاسل والأغلال جيء بهذا التقريع كالتغليظ الذي لم يؤت به في صلاة ولا صوم ولا حج ولا زكاة وفي الكتاب العزيز من هذا الباب كثير وقد ثبت أن الأئمة العدل والقوام من بعده بأمر الله يقومون مقام النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولهم من ذلك ما له بدليل قوله تعالى : ( قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وأن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ) فأجمعت الأمة أن الداعي في هذه الآية هو أبو بكر خليفة رسول الله عليه السلام لم دعى الناس إلى قتال بني حنيفة وقد سمعت ما فيها من الوعيد على من تخلف عن إجابة دعوته وهو الدليل على وجوب ذلك وثبوته مع كل إمام عدل قائم بأمر الله تعلى إلى يوم القيامة وعلى ذلك أجمع الصحابة ومن بعدهم قولا وعملا وكفى في هذه الآية الشريفة معجزة ظاهرة للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لإخباره بالغيب وهي أعظم شاهد بصحة إمامة أبي بكر رضي الله عنه وإن اجتماع الأمة عليه لم يكن على ضلال انتهى نقلا عن شيخنا الخليلي رحمه الله وبعض معانيه وقد ثبت قتال أهل البغي من الكتاب والسنة كما ثبت قتال المشركين من الكتاب بقوله تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا أن الله يحب المقسطين ) وقد أجمع السلف والخلف على ذلك وفي كتاب الله كفاية عما سواه وقد قدمنا تفصيل الوجوب وخروج المعذورين قريبا فلا معنى لتكراره فليراجعه من أراد ذلك يجد ما يكفيه ويشفيه قريبا وبالله (1/164)
صفحة 165
التوفيق .
ذكر القصاص
( وكل قتل قصاص جائز حسن لو للنساء لو الجاني الولا جهلا )
( وجوزوا دفعه للقتل أن جهل المقتص أن كان معلوما لدية فلا )
اعلم أن القصاص نص عليه الله في كتابه وفسرت ذلك العلماء وأفردوا له ف يكتب الفقه بابا وذكر الله القصاص في آيتين من كتابه وسماه حياة فقال : ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ) وإنما شرع القصاص لبقاء الحياة لأن الإنسان إذا علم أنه يقتل إذا قتل غيره قصاصا به كف عن القتل فكان القصاص سببا لبقائه وبقاء من أراد قتله ويحتمل وجها غيره وهو أن المقتص من قاتل وليه تنتعش نفسه وتنشط ويزول عنه ما كان به من ألم فقد وليه فكأنه قبل القصاص كان كالميت من الغم فلما اقتص من قاتل وليه انتعشت روحه ونشطت فعبر عن ذلك الانتعاش والنشاط الكائن بسبب القصاص بالحياة والآية تحتمل الكل وهل القصاص ويختص بالظهور لأن الحدود لا يقيمها إلا إمام أو يجوز ولو في الكتمان لأنه حق لأولياء الدم قولان فعلى القول الأول من أخذه وأعطاه في كتمان هلك لأنه كبيرة من المقيد لنفسه ومن المقادلة أن أخذه أي قابل القود من صاحبه الدية في النفس والارش فيما دونها وعلى المعطي المقيد نفسه الدية في النفس والارش فيما دونها قال في النبيل ويكون بين الأحرار الموحدين البالغ العاقل والعبيد بينهم أي يكون القصاص فيما بينهم كالمشركين فيما بينهم ويقتص موحد من شرك مطلقا لشرف الإسلام لا عكسه مطلقا وقيل يقتص المعاهد من الموحد بعد ما يرد المعاهد ما تزيد جارحة الموحد على المعاهد كحر من عبد أي يقتص الحر من العبد لا عكسه وطفل من بالغ إن كان له أب قال الشيخ محمد بن يوسف في شرحه على النيل وقيل يقتص له أبو أبيه وقيل لا يقتص له أبوه ولا بالغ من طفل لأن عمد الطفل خطأ والقصاص يختص بالعمد كمجنون وأبكم وأصم كذلك من عاقل أي في شأن عاقل جان على نحو المجنون أو المجنون جان عليه فهم كالطفل في مسائلة فلا يقتص منهم وإما اقتصاصهم (1/165)
صفحة 166
فقيل يقتصون من عاقل بواسطة أبيهم مطلقا وقيل لا يقتصون مطلقا وقيل أن كان المجنون وألبكم والصم من طفولية فلأبيه أن يقتص له ولا يقتص منه أحد وإذا صحا المجنون والأبكم والأصم فله أن يقتص إن لم يقتص له أبوه وكذا الطفل ولا يقتص منهم إذا صحوا وبلغوا انتهى نقلا من النيل وبعض شرحه ويجري القصاص بين الرجال والنساء وقيل لا تأخذه امرأة من رجل وقيل لا يؤخذ ممن لا يعطي له فلا يقتص موحد من مشرك ولا حر من عبد ولا ولد من أب ولا قصاص لك ممن لا قصاص له منك ويجب في عمد وفي تلف عضو لا بطلانه كالعمى والصمم والخرس والشم والذوق والحس إذ لا يوصل إلى ذلك ولزم به ديته ولا قصاص في الجوارح الخمس التي هي فوق الجلد وإنما القصاص في الجوارح التي هي تحت الجلد الدامية الكبرى والباضعة والمتلاحمة والسمحاق والموضحة قال في النيل لا قصاص قيل في جرح غير موضح ولا في عضو بأن من غير مفصل والصحيح جوازه في ذلك كله إلا في عضو من غير مفصل لكنه يقتص من المفصل وفيما بقي الدية وذلك لقوله تعالى والجروح قصاص لشمول الآية إلا ما خصصته آية أو سنة قال في النيل ولا في شعر رأس أو لحية أو مشفر أو حاجب وجوز في ذلك كله ولا يضر تخالف بصغير أو كبير أو أعمش قال الشيخ السالمي رحمه الله في أجوبته إما القصاص في الفروج بين الرجل والمرأة مختلف فيه فقيل لا قصاص بينهما فيها لأنه ليس في الرجل موضع مثل ما في المرأة ولا فيها ما فيه بينهما القصاص فيها اعتبارا بمنافع الفروج وإما الدبر ففيه القصاص بينهما فإنها بمعنى واحد صورة ومنفعة إما الرجال فبينهما في الدبر القصاص لعموم قوله تعالى : ( والجروح قصاص ) ولا يمنع من ذلك كونه عورة إذ ضرورة القصاص أباحت كشف ذاك إلا ما بد منه وإما رفع القصاص في الهاشمية والمنقلة فإنها آثار في العظام ولا يمكن التوصل إليها إلى أخذ القصاص منه وأجمعت الأمة أن لا قصاص في العظام ويدل على ذلك قوله تعالى : ( والجروح قصاص ) لأن (1/166)
صفحة 167
الجروح تختص باللحم دون العظام والأثر في العظام يسمى كسرا وثلما وشقا ولا يسمى جرحا وإما الجائفة فلا قصاص فيها لأنه لا يمكن التوصل إلى أخذ القصاص منها كالعظم ولا في العضو الزائد فلا قصاص فيه لأنه لا يوجد في الفاعل وليس له أن يقتص من غير الزائد لأنه أخذ غير حقه فإن وجد مثل العضو في الفاعل اقتص منه وإما السن إذا ثبتت فلا قصاص فيها مخافة أن لا ينبت سن الفاعل إذا قلع وأما الشعر والظفر فلإنهما ليسا من الجوارح وكذلك اللطمة أو الضربة ومع ذلك ففيه كله الارش وكذلك ذهاب الجماع والكلام والعقل والسمع والشم فإن هذه الأشياء ليست من الجوارح في شيء والقصاص إنما شرع ف بالجوارح خاصة وإما الصبي والمجنون فلا يقتص منهما لأن فعلاهما في حكم الخطأ لأنهما لا عقل لهما ولم يخاطبا بالتكليف وكتب مروان لمعاوية أنه أتى بمجنون قتل رجلا فكتب إليه أن أعلقه ولا تقدمنه فإنه ليس على مجنون قود وكتب إليه مرة أخرى في سكران قتل رجلا فكتب إليه معاوية أن أقتله وأما الأب فلا يقتص منه لولده لحديث ابن عباس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( ولا تقام الحدود في المساجد ولا يقتل والد بولد وإذا لم يثبت القصاص في القتل فمن الأولى أن لا يثبت في الجوارح لأنها أخف جناية ثم أن قوله تعالى : ( ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) يدل على تحريم الإيذاء للوالدين وهو يتناول القصاص وغيره من أنواع الأذى والسر في ذلك أن الوالد سبب لوجود الولد فلا يكون الولد سببا لعدم الوالد وأما الحد فلا يقتص منه العبد لعدم التكافؤ يدل على ذلك قوله تعالى : ( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) وعن على أنه قال من السنة لا يقتل مسلم بذي عهد ولا حر بعبد وعن علي أن رجلا قتل عبده فنفاه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سنة بعد ما جلده ولم يقده به وروي أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة من غير (1/167)
صفحة 168
نكير وسواء في ذلك كان العبد لقاتله أو لغيره وإذا ثبت في القتل كان في الجرح أولى انتهى نقلا عن شيخنا السالمي رضي الله عنه مع بعض التصرف في اللفظ وفي النيل ومن له عين واحدة فنزع لذي عينين واحدة لم تنزع واحدته فيترك أعمى لكن تنزع له واحدة في عكسه ولا هما معا ومن نزع لرجل عينين أخذ له واحدة ودية الأخرى قال القطب رحمه الله في شرحه وقيل يجد وهو أولى عندي لأن ذلك تمام القصاص قال في النيل وأن نزع عيني رجلين فلهما عليه نزع واحدة ودية الأخرى وأن أراد أحدهما النزع والآخر الدية فلهما ذلك وإن تسابقا فللسابق العين وللأخر الدية وكذا غير العينين ومن قطع لا من مفصل لزم القطع به وفيما زاد النظر وقيل لا شيء عليه والأول عندي أولى لأن هذه بغير حجة لا يصح وكذا القطع من مرفق وركبة وقيل بهما اليد والرجل ويؤخذ النظر فيما بين مفصل والمرفق كالرجل والركبة ومن قطعت فشلت يمنى قاطعه أو قطعت فله الدية لا قطع الأخرى وكذا غيرهما ومن قطعت يده من مفصلها فقطع لقاطعه من أصابعه فله قطع الباقي للمفصل وقيل الدية قال القطب في شرحه أي دية الباقي لأن في القطع مرتين زيادة إيلام لأنه قطع منه بمرة واحدة والذي يظهر لي أن صح من غير نقل احفظه أنه أن قطع لقاطعه من أصابعه فأراد أن يقطع الباقي من المفصل فليس له ذلك إلا أن أدى ما قطعه وذلك لأن فيه نزع من المثلة المنهي عنها وأن فيه زيادة إيلام وفي بعض الأثر أن كان من أراد أن يقتص من قاتل وليه فله أن يضربه ضربة واحدة تقتله فإن لم تقتله فعليه دية الأولى أن أراد قتله ثانية وأظن هذا الأثر عن الشيخ بشير والله أعلم قال في النيل وأن أجاوز الموضع في قصاصه ضمن وقتل به إن مات من أجله وأن لم يمت غرم دية ما جاوز وكذا من قطعت يمناه فقطع يسرى قاطعه قتل به أن مات وإلا فلا شيء عليه وإما إن اخطأ فعليه الدية ولا يجد أن يقطع اليمنى وقيل يجد القطع وعليه دية اليسرى فالذي يظهر لي أن ليس له قطع (1/168)
صفحة 169
الأخرى فيتركه كالدابة والله أعلم وأن مات مقطوع يده بعد اقتصاصه من قاطعه قتل القاطع الأول لأنه مات بقطعه له ولأنه وظلوم وله ما فعل وأما أن مات المقطوع الأخير فلا على القاطع المقتص منه شيء لأنه جان على نفسه وقطع غير مظلوم وأما أن جن المقطوع فلا يقتص له أبوه ولا وكليه وله الدية وإن لم يأخذ حتى أفاق فله أن يقتص بعد إفاقته وأما أن جن القاطع فلا يقتص ما دام مجنونا وعليه الدية وأما أن أخر إلى وقت فله قطعه ولو اختار أبوه أو وكيله الدية وجوز قطعه في جنونه وكذا القتل أن استوجبه أو غير ذلك من القصاص وذلك لأنه جنى على نفسه وهو صحيح وأما أن ارتد المقطوع فله دية موحد لا قطع وأن قطع رجلان يد واحد قطع له يد واحد وتراددا أي يرد من لم يقطع نصف دية لصاحبه وقيل تقطع من كل واحد منهما يد لأن كل واحد منهما قاطع وقيل له عليهما دية يده لا القطع لأنه أن قطع من كل واحد يد فقد زاد عن حقه لأنه ليس له إلا يد واحدة وله أن أراد قطع يد منهما يسلط على من شاء لأنهما اجتمعا عليه وقيل له ديتها من كل واحد منهما لأن كل واحد منهما قاطع ولا يسلط على واحد منهما ليقطع يده ويأخذ من الآخر الدية وكذا في غير اليد وقس على ما قدرناه من جميع القصاص والله أعلم وهل جاز التوكيل في القصاص قولان وكذا غيره من القصاص وفي جواز هبة عضو قطع أو نزع خلاف ويأخذ الموهوب له الدية لا قصاص وكذا هبة جم العضو ومنع بيع ذلك واصداقه والاستيجارة به ونحوها اتفاقا ولا يقتص من جان مريض حتى يبرأ إلا إن جنى في مرضه وإن جرح قاطع يد رجل في يده بعد قطعه أو بها جرح في محل القطع كره قطعها حتى تبرأ ولا قطع يتولد بقطعه موت أو بطلان في محل القطع مرت أو بطلان عضو في ذلك قال القطب كالسمائم في الحر والبرد ومسائل التطويل تطلب من محلها من كتب الفقه المطولات والله أعلم .
قال في خاتمة القصيدة وهي قواعد متفرقة (1/169)
صفحة 170
( وأمر بقتل مباح القتل وأعط على قتاله المال واستحضر له الأجلا )
( وأجرة القتل فرضا لا تحل له وجائز أخذها أن كان منتقلا )
( ولا يحل له منع المباح لمن أراد إلا إذا ما قبله دخلا )
قوله وأمر بقتل مباح القتل وأعط على قتله المال قال في النيل وشرحه فإن قتله لكونه باغيا أو طاعنا أو مرتدا والعياذ بالله أو نحو ذلك مما هو حق لله فللمطلوب إن يفعله ولا تحل له الأجرة لأن قتله فرض على القادر والأجرة على الفرض حرام وللمعطي أن يعطيها إذا لم يتأتى له قتله إلا بها وأن قتله لموته منع حقا أو أنسانا أو غير ذلك فللمنوع من ماله أو إنسانه أن يعطي الأجرة لمن يقتله ليرد ذلك ماله أو إنسانه أو غير ذلك مما منع وللمقاتل أن يأخذها واعلم أنه جاز استقتال مباح قتله بما يوصل به آلة قتله وأن يوصف دال عليه ويعرف به في نفسه أو نسبة أو قبيلته أو ماله وعبر عن ذلك لأنه أقرب إلى الخطأ وأن المأمور مثل أن يقول صاحب الجنة التي في موضع كذا وصاحب الدار التي هي جارة كفلان أو صاحب الماشية التي في يد فلان الراعي وساكن دار فلان أو قيم بستان فلان وأصهاره أي أقارب زوجته كأبيها وأمها وأخيها إلى غير ذلك وأن صدق الواصل في قوله ولا يحل له أن ينسب إليه ذنبا لم يفعله وأن حل قتله بغيره ويأثم بكذب عنه لأن الكذب كبيرة إلا ما استثناه الشارع وقيل أن كان على الله ورسوله أو أهرق به دما أو أكل به مالا أو أفسده وهذا أهرق به دما لأنه حلال من وجه آخر وقيل هو صغيرة لأنه ولو أهرق به دما لأنه حلال من وجه آخر وأما أن كان كذبه من وجه الكذب على الحرب فلا أثم عليه أو كان لا يوصل إلى قتله والخلف في غيره فيما فيه عصيان لفاعله أو في بعض فعله كآمر رجلا على آخر يحل قتله لا ماله ولا قتل غيره وهو أن أمره قتله وأكل ماله أو قتل غيره أيضا فلا يأمر من هذه صفته وجوز أمره بما يحل له وعصى هو بما تعدى لا بأمره وكذلك لا يأمر من تعدى سنة القتل ولا يلزم الآمر أن أمره (1/170)
صفحة 171
وتعدى وقيل يلزمه لأنه كان كدال على غيره وقيل يلزمه جميع ما فعله المأمور لا ما تعدى فيه وذلك كالتحاكم بالحق إلى من يريد فيحكمه مالا أو قتلا أو كليهما قال في النيل وجاز استقتال مباح قتله من عدوه أو ممن ثار يطالبه به أي يستوجب إنسان القتل فيطلب من عدوه أن يقتله ولا سيما غير عدوه قال الشيخ محمد بن يوسف بلغنا أن رجلا قتل ابن أبي خليل فقاده له أهل الجبل فقال لهم أدخلوه في البيت فأدخلوه فانصرفوا فأمر بقتله فقتل فاجتمعت إليه المشايخ فقالوا له وجدنا عليك بأمر هذا القتيل ثلاثا رجونا فيك أن تعتقه فلم تفعل وخنتنا في وديعتنا إذ ودعناك واستعنت على قتله بغيرك فقال أما قولكم رجوتم أن أعتقه فإني خفت أن عتقته فتقوم فيه أولاد الميت فيقتلون رجلا بريئا غيره أو يقتلوه وهو بريء بالعفو وقولكم أنه خنتكم في الوديعة فإنما هو كمثل رجل أخذ منك دنانير غصبا ثم أتى بها إليك وأودعها عندك وإما قولكم استعنت على قتله بغيري فإنما هو بمنزلة الضحية أن شئت ذبحها وأن شئت أمرت من يذبحها ويجوز في الدم الأمر والترك وأما العطية ففيها قولان وأما المبيع فلا يجوز وأما أن استعان على قتل مباح قتله من لا يجوز له قتله كطالب من المقتول أرثا لولده أو له أو من يريد نكاح امرأته من بعده أو معنى دنيويا كرياسة وغيرها فلا يحرم على الآمر أمرهم بقتله ويحرم عليهم قتله ولقد أساء هو بذلك وأما أن أراد بقتله وجه الله أو قصاصا ومنفعة دنيوية فقد أساء إلا أن أخلت النية لوجه الله أو مجرد القصاص فلا عليه وأما أن كان هو وارثه فقتله أو أمر بقتله أو سعى بقتله فلا يرثه على المشهور ولو حل قتله وكذا أن أوصى له فأمر بقتله أبطل وصيته وقيل أن كان مباحا دمه فلا يبطل حقه من الميراث أو الوصية أو تزويج زوجته بعد موته أن كان قتله أو أمر بقتله وهو محق في ذلك ولم ينو إلا أخذ الحق منه ولا يجوز له تزويج بعد موته إن كان قتله ظلما وإن قتله ليتزوجها بعد موته ولم (1/171)
صفحة 172
يعلم أنه حلال الدم فوافق بتلك القتل حل دمه فقيل تحرم عليه امرأته بالنية لأنما الأعمال بالنيات وقيل لا لأنه له في نفس الأمر قتله والله أعلم وجاز إعطاء رشوة عليه والأمر به أن علم المأمور تحلة دم القتيل لآمره وراشيه بديانة وأن لم يحل له فلا يأمر به ولو حل للمأمور به انتهى نقلا من النيل وبعض شرحه مع تبيين مني لما يشكل ظاهره والله أعلم وأما قوله لا يحل له منع المباح اعلم أن المباح لا يحل منعه مستحقه إلا إذا سبق إليه أخذ فله أن يمنع ما يحتاج إليه في الحال من لا يحل لغيره أن يقاتله عليه إلا أن اضطر إليه وذلك كالماء في الفيافي فلمن سبق إليه أن يرده ويأخذ حاجته منه ولا يمنع من أتى بعده منه وأن وصلاه معا أستهما عليه فيأخذ من له السهم حاجته الضرورية ويأخذ تاليه كذلك وأن كان المباح كالكلاء والنار والموقدة فلا يحل منع الكلاء ولا لهب النار عن الاستنفاع ويحل منع الجمر وكذلك الماء إلا أن عمل فيه السابق بحفرة فله ذلك لأنه عمل فيه والله أعلم وفي المسألة تفاصيل تطلب من محلها .
ثم ذكر الجهاد وفضله فقال
( والناس لو علموا فضل الجهاد لما أهمهم غيره أكرم به نزلا )
( وأفضل الناس بعد الأنبياء أولو الجهاد هذا عن المختار قد نقلا )
( لمنهم قعدوا عن ذاك وانتدبوا لنصرة الكفر إهمالا له وقلى ) (1/172)
صفحة 173
اعلم أن فضل الجهاد عظيم وذكره ف بكتاب الله في آيات عديدة والأحاديث في ذلك عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كثيرة وكتب الفقه بذلك مشحونة ويكفي في ذلك قوله تعالى : ( أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( بعثت بالسيف بين يدي الساعة والجنة تحت ظلال السيوف ) وكان ( صلى الله عليه وسلم ) لا يتلثم في الغزو وقال لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا وقيل المنقطع شسعه في الغزو مثل المتعبد في أهله أربعين خريفا وقال أقوم حيث أخاف العدو ويخافني ولم أضرب فيه بسيف وأرجع سالما خير من عبادة ستين سنة غير الفرائض إذا كان موافقا للسنة وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) كل حسنات ابن آدم تحصيها الملائكة الكاتبون للحسنات إلا حسنات المجاهد ولو زيد أضعافهم ويعدل حسنات أذناهم رجلا حسنات العابدين منذ أول الدنيا إلى انقطاعها وسئل عن فضل الخادم في سبيل الله فقال ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله أي ما أحصى ثواب الخادم في سبيل الله وقيل عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حرمة امرأة الغازي كحرمة نسائي عليكم من آذاها فقد أذى الله والله الخليفة على تركة الغازي في سبيل الله وقيل من كبر تكبيرة في سبيل الله كان أثقل في ميزانه من السموات السبع وما فيهن وما فوقهن وما تحتهن ويرفع بها صوته وقيل من صلى ركعتين في سبيل الله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وكتب له بعدد شعر رأسه وبدنه وكما عتق ربيعة ومضر رقابا في سبيل الله ذرية من ولد إسماعيل دية كل واحد اثنا عشر ألفا وقيل إذا فضل الغازي في سبيل الله من عند أهله فصلى خمس صلوات بعث الله سبعين ألف ملك من الروحانيين يصلون عليه (1/173)
صفحة 174
وكان له عبادتهم حتى يرجع إلى أهله فإن هلك فقد استوجب رضوان الله في الجنة وقال الله تمن علي ما شئت قال فإذا خرج الغازي في سبيل الله وبكى أهله وبكوا عليه وقيل بكت الحيطان لبكائهم فإذا خرج من باب منزله خرج كما تخرج الحبة من سلخها وصفا الذي بينه وبين الله وصار في حد الشرف الأعظم فإذا صفوا في سبيل الله استجيب لهم الدعاء وفتحت لهم أبواب السموات وأبواب الجنان وأشرفت عليهم الحور الحسان ويقلن اللهم ثبته فإذا صرع الشهيد فإنما يتلبط في تربة الجنة وابتدرته الحور العين بمناديل الجنة ويمسحن غرة وجهه عن التراب ويقلن اللهم ترب من تربة وعفر من عفره وكلما تقدم كان أعظم له وأشرف وفي القيامة لا يصف الواصفون ما له من الكرامة وقيل يقول الله تبارك وتعالى يا أوليائي الذين أرقوا دمائهم في فيأتون متقلدين السيوف وجراحهم ينضح دما على لون الزعفران ورائحة المسك ويقولون للخلائق أفرجوا لنا عن الطريق فنحن الذين ارقنا في الله دماءنا وأيتمنا في الله أبناءنا وايمنا في الله نساءنا وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لو كنت أنا وإبراهيم عليه السلام لأفرجنا لهم عن الطريق لما نرى من كرامتهم على الله وقيل أنه ينتهي من شرفهم أنهم على موائد تحت العرش والناس في أموال يوم القيامة وإذا سمعوا صواعق القيامة قال بعضهم لبعض كأنه صوت الآذان في الدنيا وبالجملة فضيلة الجهاد لا تقاس ولا يبلغها وصف لأنهم أحباء الله ووفده والكريم يكرم وفده وحبيبه ومن أراد الزيادة فليراجع المطولات والله هو الصادق في وعده ووعيده وكفى بما ذكرناه واعلم أن المجاهد الحقيقي الذي يريد بجهاده أن تكون كلمة الله هي العلياء وكلمة الذين كفروا هي السفلى ويريد إنفاذ أوامر الله ومصرة دينه مع قطع النظر عن غير ذلك ويسأل الله من فضله ويدعوه رغبا فو ثوابه وهربا من أليم عقابه والله نسأله من فضله منازل الشهداء ويختم لنا أعمالنا بخاتمة الخير ....
قال الناظم (1/174)
صفحة 175
( وهاكها كرماح الخط أو كسيوف الهند إذ تهدم الهامات والقللا )
( فاستجلها في سماء المجد قد فضحت بها مشارق شمس حلت الحملا )
قوله وهاكها أي المنظومة كرماح الخط تطعن صدور أعداء الله مثقفة مهذبة أو كسيوف الهند في قطعها لهامات الأعداء وقللهم هي أعلى رؤؤسهم وإنها إذا تايت على الأعداء فعلت بهم ما تفعل الرماح والسيوف من الجراحات في قلوب أعداء الله والهدم عبارة عن إفساد بنيتهم بالقتل أو إفساد عقائدهم بالحجج القواطع فاستجلها أي فأنظر إليها مشرقة في سماء المجد عبر عن المجد في علوه رفعة معنوية برفعة السماء الحسية وفضحت بإشراقها أنوار شمس حلت المحلا والحمل أعلى منزلة من منازل الشمس وعبر بأنوار هذه المنظومة مشرقة بالمعاني الحسنة والألفاظ القوية بالشمس في نورها .
( ضمنتها نهج أسد سادة غرر قد محقوا الجور لما محصرا السبلا )
( وأوضحوا الحق بدرا ساطعا وسنا وأطلعوا العدل شمسا تبهج المقلا )
( وأوردوا الناس من حوض البيان معان تورد الفكر سحرا يبهر العقلا )
( وهيئوا لشياطين الورى شهبا من قاذف دررا أو واقد شعلا )
( فاستسلمت لهم الأملاك وارتعدت فرائص الدهر إذ فاقوا سطا وعلا )
( جزاهم الله من رضوانه كرما جزاء من حسنت أوصافه كملا )
( مولاي أنهيت أمالي إليك فهب من فيض جودك ما يبلغني الأملا ) (1/175)
صفحة 176
الضمن ما حشي في داخل الشيء يعني أن هذه القصيدة حشوتها معاني على نهج شجعان سادة فاقوا غيرهم لأنهم محقوا الكفر والجور ومحصوا سبل الحق أي أظهروا سبل الحق صافية وأوضحوا الحق بدرا في علوه وثنائه وضيائه فصير العدل ذلك الصفاء والنور شمسا تبهر المقل أي العيون لأن العيون إذا نظرت إلى عين الشمس بهرتها بقوة نورها فأوردوا الناس أي هيئوا للناس من عذوبة كلامهم موردا صافيا عن كدورات الألفاظ والمعاني فجعلتها حياضا من البيان تورد الفكر والفكر هو حركة القلب بفهم الأشياء فصارت هي الآلة المعدودة لمعرفة معاني الكلام واستقامته على نهج الطريقة العربية الفصحا سحرا يبهر العقول لعذوبته وحلاوته تميل إليه القلوب ميلا قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( أن من الشعر لحكمة وأن من البيان لسحرا ) وقوله هيئوا أي أعدوا لشياطين الأنس شهبا ترميهم بها كما أن شياطين الجن ترميهم الملائكة بشهب أعدها الله لهم من النجوم مهيأة إذا استرقوا السمع وبين أن تلك الشهب على نوعين إما أن تكون دررا تقذف من أفواه الخطباء المصاقع كالمختار بن عوف رحمه الله لما خطب بمسجد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أو شعلا من الحرب توقد لأعداء الله نار الحرب وكل ذلك كائن من قدماء أصحابنا رحمهم الله لا يجهل ذلك من اتبع سيرهم فطالع أثارهم فأذعنت لهم الأملاك فانقادت طوعا وكرها عليهم من هيبتهم فرائض الدهر أي أهل لما بسطاهم على الناس وعلوا عليهم فجزاهم الله من رضوانه كرما منه عليهم وفضلا في الدنيا والآخرة جزاء من حسنت أوصافه بأفعال الخير كملا أي كاملة غير ناقصة وفي قوله كملا براعة اختتام وقوله مولاي أنهيت فيه أيضا براعة اختتام لأن منتهى الشيء ختامه فهب لي الهبة العطية من غير وجوب ولا استحقاق أي بمحض فضلك علي لأن العبد لا يستحق على سيده شيئا وقوله من فيض جودك شبه الجود بالبحر المضطرب الأمواج يفيض على سواحله يبلغني أملي فيك من دخول الجنان هذا وصلى الله على (1/176)
صفحة 177
سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تمام تسويد هذا الشرح لهذه المنظومة في يوم خامس من ذى الحجة من سنة 1370 تأليف شيخنا العلامة محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي .
وصلى الله على نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى جميع النبيين والمرسلين صلاة وسلاما لا انقطاع لهما إلى يوم الدين وكان تمام نسخة يوم ثالث من شهر ربيع الأول 1380 وناسخه العبد أبو حميد السالمي .
فهرست كتاب النور الوقاد
على علم الرشاد
الموضوع
المقدمة
المقدمة في حد البغي وثمرته
الباب الأول في صنوف البغاة
الباب الثاني في أحكام البغاة
ذكر الانتصار من مال الباغي
ذكر من لا يقاتل قبل الامتناع
ذكر ما خالفت فيه البغاة المشتركين من الأحكام
ذكر ما وافق فيه البغاة المشتركين
ذكر ما سقط عنهم الجهاد
الباب الثالث في أسباب البغي والاستعانة على الباغي
الباب الرابع في الدفاع عن البلد والمصر وغير ذلك
ذكر الدفاع عن المال واللباس
ذكر حافظ مال الباغي والمبغي عليه
الباب الخامس في الصلح والخفارة
الباب السادس في نصب الإمام للدفاع وغيره
ذكر أنواع الجهاد
ذكر الدليل على فريضة الجهاد وبيان من يلزمه
ذكر القصاص
ذكر الجهاد وفضله (1/177)