صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الدين
------------------------------------------
العنوان: بداية الإمداد على غاية المراد
المؤلف: سليمان بن محمد بن أحمد بن عبد الله الكندي
تحقيق: محمد علي الصليبي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1406ه/ 1986م
الطبعة: 1
------------------------------------------
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 12 شوال 1446ه/ 11 - شهر 04 - 2025م. سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
بداية الإمداد على غاية المراد
تأليف المحقق العلامة
سليمان بن محمد بن أحمد بن عبد الله الكندي
تحقيق
محمد علي الصليبي
الطبعة الأولى
1406 ه - 1986 م (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
شلاغ منه تلق
مقدمة
مال انسا
الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين بسم سبحانه وتعالى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم .. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء
والمرسلين.
وبعد ..
فقد
عني الإسلام بتقرير التوحيد أكبر عناية أعطيت ملة الموضوع من موضوعات الدين الحق التي هدى الناس إلى سبيلها وتناول بالبيان والدعوة جميع مسائل التوحيد من توحيد الذات والصفات إلى توحيد القياد والتوجه والعمل والقصد في توكيد وشدة مطالبة والزام تجعله الموضوع الأول في الإسلام وانه لكذلك في سائر الأديان وفي موضعه من احتياجات الإنسان قال تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم). المراد بالشهادة هنا الإظهار والإبانه فإن الله خلق في السموات والأرض أصناف المخلوقات وأحوال الأنفس من الآيات والدلائل ما أظهر به ثبوت وحدانيته وانفراد ربوبيته وتنزه ذاته عن الأنداد والشركاء. . death (1/3)
صفحة 4
وقد علم ذلك الملائكة وأقروا به ثم بين الله تعالى أن
الدين الخالد الذي شرعه الله لعباده ـ ولا يقبل من أحد
-
منهم دينا غيره - إنما هو الإسلام هذا الانقياد والإذعان لعقيدة التوحيد والإستسلام لها وعقد القلب عليها فهذا التوحيد بمعانيه الكبيرة ومستلزماته الأخلاقية في العمل والسلوك إنما هو دين الله الواحد لسائر رسله ولعامة خلقه كان هذا التوحيد أول رسالة عهد بها إلى أول رسول إلى أول جماعة خوطبوا بالتكاليف وهي رسالة سيدنا نوح إلى قومه ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أن اعبدوا الله مالكم من
إله غيره) ثم توالت بعد ذلك الرسل ما علمنا منهم ومالم نعلم يدعون أقوامهم رسولا بعد رسول إلى عبادة الإله الواحد مالهم من إله غيره حتى انتهى تدرج الأنبياء في سلم الصعود وتكامل البناء مساويا لتدرج البشر في سلم التطور والارتقاء إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فكان أعظم من دعا إلى عبادة الإله الواحد وأعظم من شاد لهذه الحقيقة الكبرى في عقول الناس مكانا لا تنقص لبنة منه إلى قيام الساعة؛ صلى الله عليه وسلم ال فلماذا كان هذا التوحيد دين الله المستمر الذي طالب به عباده ولم يرض منهم دينا سواه؟ إن سبب ذلك إرادة الله لخير العالم وصلاحه واجراء شؤونه على مقتضى
_ E_ (1/4)
صفحة 5
العدل والأمن والسلام وفتح طريق واسع تعيش على جنباته البشرية بقلوب متحدة وأهواء متقاربة وأرواح متجانسة
-
وأعمال وإرادات - تلتقى بعد ذلك ـ فلا ينكر بعضها بعضا ولا يطغى بعضها على بعض ذلك أن اختلاف الناس في عقائدهم يستتبع اختلافهم في أهوائهم ومنازعهم فيؤدي ذلك بدوره إلى حصول التعارض والتصادم في أعمالهم وإراداتهم والثمر المر لهذا التصادم والتعارض هو هذا الشقاء الذي
تتعذب به أمم العالم.
إن أكثر حروب العالم ومصادر آلامه واختلال أحواله وتتابع مصائبه تُردّ من قريب أو بعيد إلى اختلاف العقيدة فاقتضت حكمة الله ورحمته دفعا لهذا الشر كله أن يردّ الناس إلى أصل تتطابق عليه عقائدهم وذلك الأصل هو عقيدة التوحيد فإن هذه العقيدة تستلزم في نفس صاحبها فضائل تنبني عليها مثل حرية الضمير وطهارة القلب من الخوف والرياء وهذه الفضائل تستلزم أخوات لها تساهم معها في أغراضها وهكذا حتى يؤدي الأمر بهذه العقيدة وتوابعها المسلسلة عنها اذا عمت ورسخت في قلوب الناس إلى صلاح العالم ودعم السلام بين ربوعه
من هذا المنطلق كان اهتمام علماء المسلمين بهذا (1/5)
صفحة 6
العلم؛ علم التوحيد حيث ألفوا فيه الكتب ووضحوا وفسروا كل ما من شأنه صحة العقيدة ولعل أكبر شاهد على ذلك هو هذا الكتاب الذي بين أيدينا والذي قام بتأليفه ابن من أبناء الإسلام وعالم من علماء سلطنة عُمان ولعل خروج هذا الكتاب الآن وفي هذه الصورة هو أثر من آثار التوجيهات السامية لجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم سلطان عُمان كما انه ثمرة من الثمار التي رعتها وغذتها وقدمتها يانعة طيبة وزارة التراث القومى والثقافة؛ حيث تبذل هذه الوزارة جهدا مشكورا في رعاية كثير من هذه الثمار المفيدة للجسم
والروح والعقل
مؤلف الكتاب:
والا
كندة ومن
هو العالم الفاضل الجليل الشيخ سليمان بن محمد بن أحمد بن عبدالله الكندي ـ رحمه الله ـ من بني أفضل رجالهم في وقته ولد في مسقط عام 1295 هجرية
•
أحمد
تلقى تعليمه عن والده العلامة المرحوم محمد بن الكندي كما تلقى العلم أيضا عن خاله العلامة المرحوم الشيخ سعيد بن ناصر الكندي. وكان رحمه الله فقيها نزيها حريصا على العلم والبحث والإطلاع كما كان تقيا ورعا يخاف الله ويحافظ على عقيدته ويدافع عنها ويجتهد في البحث عن الحقيقة والمعرفة. كما انه يعد من جملة تلامذة
1 - (1/6)
صفحة 7
العلامة الشيخ عبد الله بن حميد السالمي ـ رحمه الله ـ وهو الذي أمره بشرح قصيدته غاية المراد) ولهذا كان يعد من الرجال الذين تسند إليهم الأمور الدينية تولى القضاء في عهد
السلطان فيصل بن تركي.
الله توفي رحمه بنزوى عام 1337 هجرية في شهر صفر وهو العام الذي صادف فيه نزول وباء الطاعون بنزوى وكانت وفاته هو والسيد الهمام سعود بن حمد في يوم واحد رحمهما الله وطيب ثراهما؛ ونفع المسلمين بعلمه وجزاه الله خير
الجزاء عما قدم من علم ينتفع به
محققه
محمد على الصليبي
العاشر من شهر الله الحرام 1406 هـ
الموافق الخامس والعشرين من سبتمبر 1985 م
_ V_ (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
بسم
الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي أشرق في صدور أوليائه أنوار معرفته. فبصرهم بما هو اللائق بعزته وعظمته. فعظموه عن جميع النقائص والشوائب. ونزهوه عن الرذائل والمعايب. فبلغهم غاية المراد لما وفقهم اليه من حسن الاعتقاد. والصلاة والسلام على من أظهر الله بصارمه البتار. وعلى آله وأصحابه السادة الأبرار. ومن قفا أثرهم من المتقين الأخيار. أما بعد.
دين
فقد سألني من يعز علي رد مطالبه، و يعظم لدي عدم قضاء مآربه، أن أعلق شرحاً على منظومة العلامة التقي. البحر الخضم الثقة الرضي، الحائز قصبات السبق في ميادين البلاغة، هو المجلي وغيره المصلي في مضمار البراعة، ابي محمد عبدالله بن حميد السالمي. التي سماها (غاية المراد في نظم الاعتقاد (فجاء الله بحمد شرحاً سهل المباني واضح المعاني مجانبا للشطط. سالكا طريق الوسط. ليس بالقصير المخل. ولا بالطويل الممل. والله الحمد على كل نعمة. وله الشكر على كل منة. وأسأله أن يمن عليّ بالقبول. فإنه أكرم مسؤول. هذا أوان الشروع في المقصود
قال:
- 9 - (1/9)
صفحة 10
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله منشيء الكائنات على
ما شاءها وبلا مثل هناك خلا
الحمد هو الثناء بالجميل على الجميل سواء تعلق بالفضائل أم بالفواضل والشكر فعل ينبيء عن تعظيم المنعم لكونه منعماً فمورد الحمد اللسان فقط اذ هو في التعريف الثناء (الخ) معالقنا وليس للثناء محل إلا اللسان ومتعلقه النعمة وغيرها، والشكر مورده اللسان وغيره، لأنه فعل ومتعلقه النعمة فقط
فالحمد أعم متعلقا، وأخص محلاً والشكر عكسه
فبينهما العموم والخصوص من وجه.
6
والشكر لغة هو الحمد عرفاً والحمد مبتدأ ولله جار ومجرور خبره متعلق بمحذوف، أي واجب أو ثابت الله، وعدل عن الجملة الفعلية للاسمية ليفيد الثبوت والدوام أي الحمد الثابت الدائم له
تعالى الثبوت إنعامه على خلقه.
وقوله: منشئ أي مخترع، اسم فاعل صفة الله. وفاعله
ضمير مستتر فيه يعود الى الله، والكائنات مفعوله
كائنة قال المصنف: وهو جمع، اسم فاعل من (كان
يكون) اذا وجد، قال: وفيه تجوز ارسالي، وهو اطلاق اسم الفاعل على المفعول، اذ الاصل المكونات (أهـ). (1/10)
صفحة 11
من
وقوله: على ما شاءها متعلق بمنشيء في محل نصب حال
الكائنات الى حال كونها على ما شاءوها
وقوله: بلا مثل، هناك خلا الواو عاطفة على محذوف تقديره بلا معين أو بلا احتيال، وبلا مثل هناك، (خلا) فيخلقها على رسمه بل ابتدعها عز وجل بمجرد ما سبق في علمه انه سيخلقها وهذا أعظم دليل على علمه تعالى وقدرته وارادته لأنه لو لم يكن عالماً بكل شيء، دقائق الامور وجلائلها لما علم كيف يوجدها. ولو لم يكن قادرا لما قدر على اخراجها من عالم الغيب الى عالم الشهادة أي الثناء واجب الله أو ثابت له
وقوله: منشئ الكائنات (الخ) هو من موجب الثناء عليه تعالى وفي البيت براعة الاستهلال، لان هذه الكائنات دليل على وجوده تعالى ووحدانيته لقوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق وقوله تعالى وفي أنفسكم أفلا تبصرون) وقوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا
الله لفسدتا
ثم الصلاة على المختار سيدنا ومن الى قاب قوسين دنا فعلا
ثم،، عاطفة بترتيب مع المهلة، وفي التعبير بها اشارة الى تفاوت المرتبتين، مرتبة الثناء على الله تعالى، ومرتبة الصلاة على
-11 - (1/11)
صفحة 12
رسوله صلى الله عليه وسلم، والصلاة من الله من الله رحمة، ومن الخلق الدعاء، وهي مبتدأ والجار مع مجروره بعده خبره، متعلق بمحذوف، والمختار هنا اسم مفعول وألفه منقلبة عن ياء اذ أصله مختير بفتح المثناتين الفوقية والتحتية فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها
الله فيه
والسيد من فاق قومه بفضيلة، فما ظنك بمن جمع كل فضيلة؟ وهو صفة له صلى الله عليه وسلم، أو بدل من المختار وإفراد الصلاة عن السلام كما صنع الناظم هنا لا بأس به وإن ذكر بعض المتأخرين الكراهة في ذلك، نعم، لو جمع بينهما لكان
أولى.
والواو من قوله ومن (الخ) عاطفة لصفة على صفة أو موصوف على موصوف، على الخلاف في الداني الى (قاب قوسين)، أهو محمد صلى الله عليه وسلم؟ أم جبريل؟
و (من) اسم موصول بمعنى الذي، وهي وصلتها صفة له أيضا عليه السلام أو لجبريل عليه السلام، والجار من قوله (الى قاب قوسين، متعلق بدنا بعده، وفاعله العائد الى الموصول، والجملة صلته، و قاب قوسين الى مقدار قوسين من قسى
العرب.
قال المصنف: وكانت العرب تقدر المسافة اليسيرة بالقوس، كما تقدرها بالعصا، فتقول: مقدار عصا وعصاوين (أهـ). (1/12)
صفحة 13
قال تعالى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين
أو أدنى. واختلفوا في الموصوف بهذه الآية
:
فقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم، وانه دنا من ربه تعالى بقرب منزلته منه، وعلو درجته عنده، وليس القرب هنا قرب مسافة، بل قرب شرف ورفعة، فهو من باب الكناية وقيل: ان الموصوف بذلك جبريل عليه السلام، وانه دنا من محمد صلى الله عليه وسلم دنو مسافة حتى قرب منه مقدار قوسين وذلك بعد ان رآه في الأفق الأعلى على صورته التي خلقه الله عليها فَغُشِيَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم لعظم ما رأى، فتمثل جبريل في صورة رجل، ودنا من محمد صلى الله عليه وسلم، وتدلى من الأفق حتى قرب من محمد صلى الله عليه وسلم، ذلك القرب المخصوص، وقد اخبرنا تعالى ان نبيه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل مرتين مرة في الأفق الأعلى ومرة عند سدرة المنتهى، وهذا أولى وقوله: فعلا أي ارتفع الى الأفق الأعلى
والآل والصحب ما كان الهدى علماً يهدي به الله للخيرات من عقلا (الواو)، عاطفة و (الآل) معطوف على (المختار) اي،
وعلى
هم
الآل، وآل في الآل عوض عن الضمير، لجواز ذلك، وآله هنا
أهل بيته عليه السلام
10
- 13 (1/13)
صفحة 14
وقيل جميع من تبعه في ملته، قال الشاعر:
آل النبي هم اتباع ملته من الأعاجم والسودان والعرب لولم يكن آله إلا قرابته صلى المصلي على الغاوي ابي لهب (والصحب) جمع صاحب كركب وراكب، أو هو اسم
جمع لا جمع و (ما) مصدرية ظرفية، أي مدة كون الهدى علماً
والعلم هو ما يجعل ليهتدى به، والجبل الطويل قالت الخنساء:
6
أغر أبلج تأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار شبه الهدى بما ينصب ليهتدى به، أو الجبل الطويل الذي
يهتدى به للمقصود تشبيها بليغا، بجامع الاهتداء حذف منه الوجه والأداة والضمير المجرور عائد الى الهدى أو العلم، و (الله)، فاعل يهدي والجار متعلق بيهدي و (الباء) فيه سببية أي جعله الله سبباً ليهتدي به للخيرات من عقلا) وللخيرات متعلق يهدي أيضا، و (مَنْ) موصولة بمعنى الذي، وفاعل عقل هو العائد اليه، والجملة منهما صلته وخص بالاهتداء من عقل دون غيرهم، لأنهم هم الذين ينتفعون بهداية الله دون غيرهم لقوله تعالى: انما يتذكر أولو الألباب وجملة يهدي به الله الخ حال من
الهدى أو صفة لـ (علماً) والله أعلم.
وبعد، فالدين لا عذر لجاهله ان كان من بعد تكليف به جهلا
(الواو)، عوض عن اما التي هي عوض عن مهما
_18_ (1/14)
صفحة 15
و (بعد)، كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب الى أسلوب
آخر وتسمى فصل الخطاب، أي مهما يكن من شيء بعد الثناء
على
الله تعالى والصلاة على رسوله عليه السلام.
فالدين (الخ) و (الدين)، هو ما أنزل الله من الأحكام على رسوله عليه الصلاة والسلام، وعرفه بعضهم بقوله: هو: هو أمر الهي سائق لذوي العقول الى ما هو خير لهم بالذات، وهو مبتدأ وجملة (لا عذر الجاهله) خبره والجملة من المبتدأ والخبر جواب الشرط، والفاء رابطة للجواب، أي لا يعذر جاهل الدين قطعاً إن كان جهله به بعد بلوغه، وقيام الحجة عليه به صحة عقله، لأنه رجوع من العلم الى الجهل
مع
و (التكليف)، هو الزام مافيه كلفة أي مشقة، والمراد به الزام الواجبات قولا وعملا واعتقاداً أو تركا، أو فعل المأمورات وترك المنهيات، ليدخل المندوب والمكروه كما ذهب اليه بعض، وأما قبل البلوغ والعقل، وقيام الحجة عليه فمعذور لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها وقوله: (جهلا)، مبني للفاعل وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا يعود الى جاهل الدين.
والله أعلم.
_10_ (1/15)
صفحة 16
[صفحة فارغة] (1/16)
صفحة 17
ذكر الجمل الثلاث
عبر عنها بعض المتكلمين بالجملة وهي عبارة اكثر المتكلمين كالامام ابي سعيد الكدمي رحمه الله والناظم في المشارق وغيرهما، وهي شهادة ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله وان ما جاء به من عند الله كله حق، فباعتبار أن التوحيد لايتم دون الإتيان بها كلها فاذا اخذ بشيء منها بعد قيام الحجة عليه برد أو شك فهو مشرك لا توحيد له، ولا ينفس له في السؤال قطعا اجماعاً
فبهذا الاعتبار هي جملة واحدة لا يغني بعضها عن بعض، وباعتبار أن لا اله الا الله جملة، وان محمداً رسول الله جملة، وان ما جاء به من عند الله كله حق جملة، فهى ثلاث لانها لايتعلق بعضها ببعض من جهة المعنى، والى هذا نظر الناظم هنا خلاف صنيعه في المشارق، ولا بأس، فاختلاف العبارات باختلاف الاعتبارات وهذه هي التي كان رسول الله عليه وسلم يدعو الناس اليها
الله صلى
وأول الفرض من تأصيله جمل ثلاثة فزت ان تستحضر الجملا
(الواو) ابتدائية.
(أول) مبتدأ مضاف الى الفرض
_ IV_ (1/17)
صفحة 18
وقوله: (من تأصيله)، متعلق بالفرض و (جمل) خبر المبتدأ (ثلاثة) صفة لجمل أي موصوفة بهذا العدد وأنث أن المعدود مؤنث والقاعدة خلافه لجواز ذلك اذا
العدد مع
حذف المعدود أو هي لغة قوم يؤنثون عدد المؤنث و يذكرون
عدد المذكر.
والمعنى، ان أول فرض على المكلف من اصول الدين معرفة الجمل الثلاث، بعد قيام الحجة عليه من طريقها السمعي أو ما يقوم مقامه كأن وجد ذلك مكتوبا في کتاب،
أو منقوشاً في حجر ونحوه ونحو ذلك ففهم منه ذلك كان حجة
عليه ولا يسعه بجهل حينئذ، طرفة عين ولا الشك في ذلك
6
ولا ينفس له في السؤال، واما قبل قيام الحجة عليه، فغير مكلف، قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (1) وقال تعالى: لا يكلف الله نفساً الا ما آتاها) (2).
فقد اقتضت حكمته جل وعلا ان لا يكلف العباد الا بعد قيام الحجة عليهم وقطع عذرهم، وذلك محض فضل منه جل وعلا ولو شاء ان يكلف العباد بلا قيام حجة عليهم ولا ارسال رسول، ولا انزال كتاب، لكان ذلك عدلا منه جل وعلا ولكن ارسل الرسل، وانزل الكتب، واقام
(1) جزء الآية 15 من سورة الاسراء.
(2) جزء الآية 7 من سورة الطلاق
- 18 - (1/18)
صفحة 19
الحجج، وقطع الاعذار تفضلا منه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فاذا قامت الحجة على المكلف بالجملة وهي التي عبر عنها الناظم) بالجمل الثلاث)، وجب عليه معرفتها واعتقاد صدقها، وصحة مقتضاها، وضاق عليه الجهد بها أو بشيء منها، أو الشك فيها أو في شيء منها أو الرد لها أو لشيء منها، وهي شهادة ان لا اله الا الله، وان محمداً بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي رسول الله، وان ما عند جاء به من الله كله حق، وهي التي كان يدعو اليها
رسول الله
صلي
الله عليه وسلم.
وقوله: (فزت ان تستحضر الجملا) أي نلت الفوز الدنيوي من عصمته لك مالك ذريتك، والأخروي بدخول الجنة ان عالجت حضورها في ذهنك بطلبها والتفحص عنها ومعنى حضورها في الذهن اعتقاد صحتها اعتقاد لا يخالجه شك، فان شك في ذلك مشرك ولو طرفة عين، وهذا مفهوم من لفظ الشهادة لأن الشهادة لا تكون الا من صميم القلب وخالص الاعتقاد، قال الله تعالى حكاية عن المنافقين، قالوا نشهد انك لرسول الله (1) فرد الله عليهم بقوله والله يعلم انك لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون) (2) أي (كاذبون) في ادعائهم
(1) الآية 1 من سورة المنافقون
(2) الآية 1 من سورة المنافقون
-19_ (1/19)
صفحة 20
الشهادة، لانها لا تكون الا من صميم القلب، وخالص
الاعتقاد والله اعلم.
وان اتيت بها نطقاً حفظت بها للنفس والمال والسبى بها حظلا (الواو) استئنافية أو عاطفة على ماسبق و (ان)
6
شرطية، و (اتيت)، هو فعل الشرط، وحفظت جوابه وللنفس متعلق بحفظت، ونطقا مصدر في موضع حال من ضمير الخطاب أي حال كونك ناطقا، أو مفعول مطلق مؤكد لعامله المعنوي، وهو اتى لانه بمعنى نطق، والضمير المجرور عائد الى الجمل الثلاث الأول متعلق باتيت، والثاني بحفظت، أي وان اتيت بالجمل الثلاث التي مر ذكرها حال كونك ناطقاً بها متى وجب عليك النطق بها حفظت نفسك
من القتل، ومالك من الغنيمة
وقوله (حظلا) بحاء مهملة وظاء مشالة معجمة مبني للمفعول أي منع، قال في المصباح: حظلته حظلا،
كحظرته حظراً وزنا ومعنى، أي ومنع بالاقرار بها
سبي
ذريتك.
قال صلى
الله
عليه وسلم: «أمرت ان اقاتل الناس
حتى يقولوا لا اله الا الله واني رسول الله» وفي رواية «حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم
إلا بحقها» (1/20)
صفحة 21
قيل وما حقها يا رسول الله، قال: «زنا بعد
إحصان وكفر بعد إيمان وقتل النفس المحرمة بغير حق)
6
والمراد بالكفر في الحديث، (الشرك)، قال عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه (ويجب على المكلف الاقرار» بها إذا أسلم من شرك، وطلب منه الاقرار بها، أو كان في دار شرك ليعصم دمه وماله وذريته، وأما إذا لم يطلب منه الإقرار بها ولم يكن في دار شرك فقد اختلف في وجوب
الإقرار عليه
أئمتنا
قيل لا يتم إيمانه إلا بالاقرار بها
وقيل يجزيه الاعتقاد بصميم القلب، واختاره بعض
رحمهم
الله كالامام أبي سعيد، واليه ذهب القطب في
) ذهبه وهيميانه)، وأما إذا طلب منه الإقرار بها وجب عليه
إجماعاً ولايتم إيمانه دونه (والله أعلم)
ندين ان اله العرش ليس له شبه وليس له ند ولا مثلا وانه ليس جسما لا ولا عرضا لكنه واحد في ذاته كملا وواحد في الصفات والعبادة والافعال طراً فلا تبغى به بدلا ندين نحن معشر الموحدين أي ننقاد ونخضع ونتقرب الله تعالى جل وعلا أنه ليس له مشابه في الذات والصفات والأفعال، فالشبه والشبيه معناهما واحد، كالحب والحبيب، (1/21)
صفحة 22
وهو الى الشبيه المساوي في أغلب الأحوال والنظير المساوي، ولو في بعض الأحوال والمثل المساوي في جميع الأحوال أي ليس له تعالى مساو في شي أصلا لا ذاتا ولا صفة ولا فعلا والند بالكسر هو المثل.
وقوله: و (لا مثلا (تفسير له ومثلا مبني على الفتح اسم لا العاملة عمل ان والألف فيه للاطلاق أي ولا مثل له
تعالى.
وبانتفاء المشابهة والمماثلة عنه تعالى تنتفي العلية والمعلولية أي ليس هو علة لغيره، فيكون أبا له ولا معلولا لغيره فيكون مولوداً له وسابقا عليه، فبطل بذلك دعوى اليهود
لعنهم
الله ان عزيرا ابن
أن عيسى ابن الله تعالى عن
ذكر هذه المذاهب الخسيسة
الله
، ودعوى النصارى أخزاهم الله ذلك علوا كبير، ولا غرض لنا في
وقوله: و (انه ليس جسما) (الخ) معطوف على ما تقدم، أي وندين الله تعالى بأنه ليس جسما ولا عرضا لأنه لو كان جسماً لكان محلا للحوادث، لأن الأجسام لا تخلو من الأعراض والأعراض حادثة وما لا يخلو من الحادث حادث، واذاً لاحتاج الى مكان يقوم به كسائر الأجسام، لأن الجسم لابد له من فراغ يشغله، وما احتاج الى حادث فهو أولى (1/22)
صفحة 23
بالحدوث ولاستلزام سبق المحل على الحال فيه يتعين الحدوث
ضرورة.
ولو كان عرضا لاحتاج الى مايقوم به لبطلان الكمون والظهور و بطلان قيامه بنفسه، وما احتاج إلى الحادث فهو
أولى بالحدوث
وأيضا الجسم لابد له من زمان يكون فيه، ولابد له من لون من الألوان، والكل حادث، ولابد له من الكون في جهة من الجهات الست وانقسامه عرضا وطولا وعمقا
وأيضا الجسم لابد من أن يكون متحركا أو ساكنا، فالتحرك والسكون أعراض، والله منزه عن الحوادث وأيضا المتحرك لابد له من جهة وحيز فالحيز ما يصل إليه بحركة ركته
وبجهة مطلبه حال حركته والله منزه عن ذلك.
وأيضا المتحرك إلى جهة لابد من أن تخلو مقابلتها
منه، وهذا على الله محال قوله لكنه واحد (الخ) استدراك.
فما سبق فاسم (لكن) عائد اليه تعالى، و (واحد) خبرها أي لما تبين لك انتفاء المشابهة والمماثلة عنه تعالى، وانتفاء الجسمية والعرضية عنه ثبت له تعالى الوحدانية والكمال الذاتي ومعنى الكمال الذاتي اتصافه تعالى بصفات (1/23)
صفحة 24
هذه
الكمال، فهو تعالى واحد في ذاته وصفاته وافعاله وعبادته واقواله، أي ليس له تعالى شريك ولا مثيل في شيء من الأمور ليس كمثله شيء وهو السميع البصير العالم بمسموعاتكم، ومبصراتكم، لو كان فيهما أي السموات والأرض آله
آله إلا الله لفسدتا فعدم فسادهما دليل لوحدانيته عز وجل، وهذا في اصطلاح المناطقة من القياس الاستثنائي أي لكنهما لم يفسدا ودليل عدم الفساد الحس الظاهر ينتج ليس فيهما آلهة إلا الله جل وعلا
وقوله (فلا تبغى به بدلا (فالضمير المجرور عائد الى الله تعالى والجار متعلق يتبغي أي لا تطلب عن الله عوضا لانه لا معبود سواه، لأنه الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله وأقواله
وعبادته
فلا تبغ معبودا سواه لأنه هو المعبود بالحق وماسواه معبود
بباطل
اسماؤه وصفات الذات ليس بغير الذات بل عينها فافهم ولاتحلا. (أسماء) مبتدأ والضمير المضاف (اليه) عائد الى أسماء وجملة (ليس
الله تعالى، و (صفات) معطوف على بغير الذات) في محل رفع خبر المبتدأ (بل) حرف اضراب وعطف و (عين) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف جوازاً عائد الى
(الاسماء والصفات) أي
هي عين الذات.
- 24 - (1/24)
صفحة 25
وقوله: (ولا تحلا) فالألف فيه للاطلاق أي
لا تتغير من الاستواء الى الاعوجاج فتقول كما يقول القوم من ان صفاته - تعالى الذاتية واسماءه، هي عين ذاته، قالوا: هي امور خارجية قائمة بالذات كقيام صفاتنا بنا، والحق ما ذهب اليه الأصحاب - رحمهم الله ـ ومن تبعهم الا صفات الله الذاتية في عين ذاته أي ذاته تعالى كافية في الاتصاف بالكمال المطلق، غير محتاجة الى ما تكمل به، فهو تعالى عالم
بذاته، قادر بذاته
6
سميع بذاته، بصير بذاته، مريد بذاته،
وهكذا سائر الصفات، الى ذاته تعالى كافية في الاتصاف
بالعلم والقدرة والسمع والبصر) الخ).
فذلك الكمال باعتبار إنكشاف المعلومات له يسمى
علماً، وباعتبار إنكشاف المسموعات له
سمعاً يسمى
وباعتبار إنكشاف المبصرات له يسمى بصراً، وباعتبار إنفعال الأشياء له على وفق إرادته يسمى قدرة، وباعتبار كونها على وجه مخصوص من الممكنات دون غيره يسمى إرادة خلافا للاشاعرة فهو عندهم عالم بعلم هو غير ذاته، وقادر بقدرة هى غير ذاته، ومريد بارادة هي - ذاته، وهكذا سائر
الصفات الذاتية فنسبوا الله تعالى إلى الافتقار إلى الغير تعالى
الله
ذلك
عن
_ TO_ (1/25)
صفحة 26
قلنا لهم: لابد من أن تكون هذه الصفات التي هي غير الذات سابقة على الذات أو لاحقة لها، أو موافقة لها في
الوجود
فان قلتم بالأول، لزمكم منه أحد أمرين إما أن تكون أحدثت نفسها أو أحدثها محدث فالأول محال بالضرورة والثاني لابد إما أن يكون هذا المحدث هو الله تعالى أو غيره. فان قلتم هو الله، قلنا لكم يلزمكم أمور لابد منها. الأول، أن يكون الله تعالى محتاجا للحوادث، وما
احتاج إلى الحوادث حادث
يتأتى
الثاني
، انه من ليس قادراً ولا عالماً ولا مريداً كيف
منه الايجاد، كيف يوجد ما ليس له قدرة على إيجاده،
ولا علم له به ولا ارادة؟
الثالث، يلزم منه سبق الحادث على محدثه وهذا
باطل بالضرورة.
وان قلتم غيره فلابد لذلك الغير إما أن يكون متصفا بصفات الكمال وصفا ذاتيا أو بصفات زائدة عليه أو غير
متصف بشيء أصلا
- 26 - (1/26)
صفحة 27
فان قلتم أنه متصف بصفات ذاتية فأقول: هذا أولى
بالألوهية، ممن احتاج الى غيره
وان قلتم هو متصف بصفات زائدة على ذاته فيلزمكم ما لزمكم في الأول، و يلزم منه التسلسل، وهو باطل لبطلان وجود حوادث لا أول لها، الثاني يلزم منه امران:
الأول، حدوث الله تعالى لأنه مسبوق بغيره وهي
الصفات وما سبق بالغير فهو حادث لا محالة
لعدم
الثاني، يلزم منه قيام الصفات بغير موصوف وهو باطل ايضا لأن الصفة لابد لها من موصوف تقوم به امكان قيامها بنفسها أو بصفة مثلها لان قيام الصفة بالصفة محال، وهذا لا يقوله موحد ..
وان قلتم لاحقة له فأقول: يلزمكم منه أيضا أمران:
الأول، تعطيل الذات من الصفات راساً فيكون قبل حدوث العلم جاهلا، وقبل حدوث القدرة عاجزا وقبل حدوث السمع أصم، وقبل حدوث البصر أعمى، وقبل حدوث الإرادة مكرها، وهكذا، ومن كان كذلك، فليس
بإله.
الثاني، من، من كان غير عالم ولا قادر ولا مريد،
فمحال ان يوجد شيئا
- TV- (1/27)
صفحة 28
الله وان قلتم أنها موافقة له في الوجود، فأقول لكم: لابد إما أن تكون محدثة أو قديمة
فان قلتم بحدوثها لزمكم منه حدوثه جل وعز لاتحادهما في الوجود وأيضا لابد إما أن يكون أحدثها هو أو غيره، فيلزمكم مالزمكم سابقا و يلزم منه الدور لتوقف وجود كل منهما على وجود الآخر، وهو محال
وان قلتم: أنها قديمة معه، لزمكم القول بتعدد
القدماء، وهذا لايقوله موحد أبداً
والذي حملهم على هذا قياس الغائب على الشاهد في العلة والحد والشرط قالوا: أن هذه الثلاثة لا تختلف في الغائب والشاهد، ومرادهم بالغائب هو الله تعالى قالوا: فالعلة في الشاهد هو العلم فكذا في الغائب وحد العلم في الشاهد من قام به العلم فكذا في الغائب وشرط صدق المشتق على واحد منا ثبوت أصله، فكذا شرطه في الغائب، وهكذا اعتبار كل صفة من صفات الذات
قال في المعالم: وهذا فاسد، لأن قياس الغائب على الشاهد بل القياس مطلقا لابد فيه من إثبات علة بين المقيس والمقيس عليه وهذا الاثبات بطريق اليقين مشكل جدا لجواز كون خصوصية الأصل الذي هو المقيس عليه شرطا لوجود الحكم فيه أو كون خصوصية الفرع وهو المقيس مانعة من
_ YA_ (1/28)
صفحة 29
فلا
وجوده فيه، وعلى التقديرين لا تثبت بينهما علة مشتركة، القياس كيف وهم القائلون ومعترفون بخلاف يصح مقتضى الصفات غائبا وشاهداً؟ فان القدرة في الشاهد لا يتصور فيها الإيجاد بخلافها في الغائب والإرادة فيه لا تخصص بخلافها في الغائب، وكذا الحال في باقي الصفات فإذا كان كذلك فما وجد في أحدهما فلا يوجد في الآخر فلا يصح القياس أصلا (اهـ)
وقد منعوا هذا القياس أصلا في الرؤية ليتم لهم مرادهم فإذا تقرر معك هذا فالق شراشر ذهنك واستمع ما ذهب إليه الأصحاب رحمهم الله تعالى وهو الحق الذي لامرية
فيه فنقول: إن صفاته - تعالى الذاتية هي عين الذات
—
لا زائدة عليه ونعنى بقولنا هي عين ذاته انها أمور إعتبارية يراد بها نفي اضدادها عنه تعالى لاحقيقة لها في ذاتها ولا في ذاته أي ذاته تعالى كافية في الاتصاف بالكمال المطلق
فمعنى قولنا: (حتى (نفي الموت عنه، أي لابصفة
زائدة عليه تسمى حياة كما يقولون
ذاته
ومعنى قولنا: (عليم بذاته) أي لا بعلم زائد على
قائم به كما يقولون
ومعنى قولنا: (مريد بذاته) أي لابصفة زائدة على
ذاته يترجح بها
أحد الممكنات تسمى إرادة (1/29)
صفحة 30
تسمى
ومعنى قولنا: (سميع بذاته) أي لابصفة زائدة عليه
سمعاً
ومعنى قولنا: (بصير بذاته) أي لا بصفة زائدة عليه
تسمى بصراً.
هكذا قالوا فعلى زعمكم هذا يلزمكم أن يكون العلم والقدرة والارادة والسمع والبصر وغيرها من صفات الذات هي شيء واحد فالعلم هو القدرة، والقدرة هي الإرادة
وهكذا.
قلنا: التغاير في المفهوم کاف عن التغاير في الذات
فمفهوم القدرة غير مفهوم الإرادة ومفهوم الإرادة غير مفهوم العلم وهكذا
قالوا: ويلزمكم أيضا أن يكون قولكم (حي قادر مريد عالم) وهكذا، هو بمنزلة قولكم: (ذاته ذاته ذاته)، قلنا: نفس التغاير في المفهوم بين الذات والصفات كاف عن التغاير حقيقة، وانما يلزمنا هذا ان لو قلنا بالتغاير الحقيقي كما قلتم ثم قلنا هي عين الذات، ولكن نعني بذلك ذاته تعالى يترتب عليها ما يترتب على ذات وصفة لا ان هناك ذاتا وصفة وهما متحدان حقيقة كما توهموه من كلا منا قال تعالى: ليس كمثله شيء) (1) ولو كانت صفاته تعالى
(1) جزء الآية 11 من سورة الشورى (1/30)
صفحة 31
كصفاتنا، لكان مماثلا لنا، ومحتاجا الى مانحتاج اليه فيحتاج في التكلم الى لسان وشفة وللبصر الى حدقه، وللسمع الى كان كذلك فهو فقير محتاج الى غيره ومن
اصمخ، وهكذا
من
كان بهذه المثابة فليس بإله تعالى الله عَنْ ذلك علوا كبيرا
فائدة:
اختلف في نظام الصفات هل هو العلم أو القدرة أو الحياة والى الثالث ذهب الإمام أبو يعقوب قال في المعالم: وبيانه كما قال إن الحى معناه هو الفاعل و كل حي. فاعل وكل فاعل حي فقد اطرد وانعكس وهي لا تتعلق بشيء
(اهـ)
وأما صفاته تعالى الفعلية فقد اختلف أئمتنا هل هي قديمة أو حادثة والى الأول ذهب أئمة المغرب عفا الله
عنهم.
قالوا لم يزل خالقا على معنى سيخلق ولم يزل رازقا على معنى
سيرزق، ولم يزل محييا مميتا وهكذا
وذهب أئمة المشرق منا
رحمهم
الله تعالى الى أنها
حادثة أي لم يتصف بها تعالى في الأزل لم يتصف بالرزق
- - بفتح الراء قبل أن يرزق أحداً ولم يتصف بالخلق قبل
—
أن يخلق شيئا ولم يتصف بالإحياء والإماتة قبل فعله ذلك
فلا يقال لم يزل الله خالقا ومحييا ومميتا ومرسلا للرسل
6
ومنزلا للكتب أي قبل الإرسال والإنزال، واما بعد فعله ذلك (1/31)
صفحة 32
فلا
نفيها عنه تعالى، لأن نفيها عنه شرك كما إذا جحد يصح ارسال الرسل ولو واحدا منهم وانزال الكتب ولو واحدا منها، ولو آية منه بعد قيام الحجة عليه وقيام الحجة عليه يكون بسماع تلك الآية التي جحدها أو الرسول الذي كذبه
قال المصنف والخلاف المتقدم بين المشارقة والمغاربة لفظي لأن المغاربة إنما يجوزون وصفه تعالى في الأزل بصفات الأفعال على تقدير ردها الى معنى القدرة، فقولهم لم يزل خالقا بمعنى قولنا لم يزل قادرا على إيجاد الخلق وهذا مجمع على صحة إطلاقه فظهر أن الخلاف بينهم لفظي (اهـ) والفرق بين صفات الفعل وصفات الذات أن صفات هي التي لا يصح نفيها عنه تعالى في الأزل، ولا فيما لايزال كالعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر ونحوها فلا يقال كان الله ولم يعلم ولم يقدر ولم يرد وهكذا لأن ذلك شرك وصفات الفعل هي التي يصح نفيها عنه تعالى في الأزل لا فيما لا يزال فيقال كان الله ولم يخلق ولم يرزق ولم يحي ولم يمت وهكذا.
الذات
أو نقول صفات الذات هي التي اتصف بها تعالى بالفعل في الأزل، وصفات الفعل هي التي لم يتصف بها بالفعل في الأزل، بل فيما لايزال
أو نقول صفات الفعل هي التي تجامع ضدها في (1/32)
صفحة 33
الوجود إذا اختلف المحل كأن يرزق العلم زيدا ويخلق الجهل
في عمرو و يرزق الغنى فلانا، و يفقر فلانا
وصفات الذات
هي
التي لا تجامع ضدها في الوجود،
ولو اختلف المحل فلا يقال علم كذا أو جهل كذا وقدر على
كذا وعجز عن كذا وهكذا
ومع
التحقيق يرجع
قول أئمة المغرب الى حدوث
صفات الأفعال كما ذهب إليه المشارقة رحم الله الجميع
قال الشيخ عبد العزيز رحمه الله في شرح النونيه بعد ذكر الفرق بين صفات الفعل وصفات الذات وهو راجع الى القول بحدوثها كما يدل لها تفسيرها المذكور، وكما تقول
الله أجمعين) اهـ).
المشارقة رحمهم تنبيهان:
الأول اختلف أئمتنا رحمهم الله في رضى
-
الله
تعالى وسخطه هل هما صفتا ذات أو صفتا فعل؟ فذهب الى الأول أئمة المغرب كالإمام أبي يعقوب في دليله وغيره، وذهب الى الثاني بعض أئمة المشرق، وأهل الجبل (جبل
نفوسة).
على
شعل بالة
الثاني، الفرق بين والصفة، الاسم ما دل
الاسم
ذات فقط، والصفة، ما دلت على ذات وصفة، وعليه (1/33)
صفحة 34
فليس للذات اسم إلا اسم الجلالة وبقية الأسماء صفات
ذات.
وقيل: ما عرف منها بال فهو اسم كالرحمن والرحيم والعليم، وهكذا، وما لم يعرف فهو صفة لا اسم.
ومعنى قولنا أسماؤه تعالى هي عين ذاته الى مدلول هي عين ذاته لا أن الاسم هو المسمى كما
أسمائه تعالى
ذهب اليه بعض
وقد اختلف في الاسم والمسمى والتسمية.
فقال بعضهم الاسم هو المسمى
وقال بعضهم الاسم هو التسمية وقال بعضهم تارة يكون الاسم هو المسمى وتارة يكون هو التسمية وتارة غير واحد منهما وقال بعضهم الاسم هو غير واحد منهما كما نقله العلامة عبد العزيز في المعالم عن البدر الشماخي ـ رحمهما الله - والحق ان الاسم هو المؤلف من الحروف والاصوات، والمسمى هو الشخص الموضوع عليه الاسم، والتسمية نفس
الوضع
قال المصنف وقولنا في أسماء الله انها عين ذاته ليس على هذا المعنى الذي ذكرناه هاهنا بل مرادنا بالاسماء مدلولها وهو المسمى وذلك اصطلاح بين أهل الكلام اذ (1/34)
صفحة 35
لا يشك عاقل أنه ليس المراد الفاظ الأسماء والصفات والعلم
عند
الله
ولا يحيط به سبحانه بصر دنيا وأخرى فدع أقوال من نصلا (الواو (عاطفة على ما مر أي وندين الله تعالى المتنزه عن الاتصاف بشيء من صفات الحوادث بأنه لا يحيط به بصر أي لا يدركه فيحيط به لا في الدنيا وهي دار العمل ولا في الآخرة وهي دار الجزاء يوم تجزى كل نفس بما كسبت) (1) فاترك عنك (أقوال من نصلا) أي خرج عن
الحق.
قال في المصباح نصل الشيء من موضعه من باب قتل، خرج منه، والمراد بهم القائلون بثبوت رؤية الباري جل وعلا من الاشاعرة وغيرهم فالله تعالى منزه عن ذلك قال الله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو
اللطيف الخبير) (2).
(2)
نال
قال أصحابنا من قال يراه في الدنيا أشرك أي شرك
مساواة لأنه ساوى بين الله وخلقه في التشخص والتحيز لعدم إعتماده على تأويل. عليا للفاً
ومن قال يرى في الآخرة كفر كفر نعمة لتأويله قوله
(1) جزء الآية 17 من سورة غافر (2) الآية 103 من سورة الأنعام. (1/35)
صفحة 36
تعالى وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) (1)
فباعتمادهم على التأويل وان كان خطأ نفوا عنهم الاشراك
قال بعض الاشاعرة:
•
ومن قال في الدنيا يراه بعينه فذلك زنديق طغى وتمردا
اعلم أن الأشاعرة ذهبوا إلى أن الله تعالى يتجلى
أعداءه عن
الله
لأوليائه يوم القيامة فيرونه بأبصارهم عيانا ويمنع ادراکه فلا يرونه ورووا في ذلك حديثا عن النبي صلى عليه وسلم (انكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر «ليلة تمامه لا تضامون في رؤيته» ـــ بفتح التاء المثناه فوق والضاد المعجمة وضم الميم مشددة ــ، أي لشهرته وظهوره لا ينضم بعضكم الى بعض كما ترون الشيء الدقيق وفي رواية لا تضامون (بضم التاء والميم وفتح الضاد بينهما
مخففات.
قال بعضهم:
ولكن يراه في الجنان عباده كما جاء في الاخبار نرويه مسندا واستدلوا لذلك بأدلة منها الحديث المذكور ومنها قوله
تعالى رب أرني أنظر إليك (2) ومنها قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) (3).
(1) الآيتان 22، 23 من سورة القيامة. (2) جزء الآية 143 من سورة الأعراف. (3) الآيتان 22، 23 من سورة القيامة
e()
- 36 - (1/36)
صفحة 37
والتحيز الى جهة واللون ونحوها وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم ضرورة وإلا لزم انتفاء اللازم دون ملزومه، وهو باطل
اتفاقا.
فأما الحديث الذي رو يتموه فإنه منظور في صحته وقد تكلم فيه بعض الأئمة وقال ليس من الصحة في شيء على فرض صحته فانه محمول على ما هو اللائق بعظمة الله سبحانه وتعالى عن الادراك أي تنكشف لهم حقيقة معرفة الله تعالى انکشافا ظاهرا كظهور القمر ليلة تمامه وكثيرا ما تستعمل الرؤية بمعنى المعرفة قال تعالى الم تر الى ربك كيف
مد الظل (1).
قال الشاعر:
رأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأكثرهم جنودا وكثير مثل هذا وحمل حديث على هذا المعني متعين حتما لأنه هو اللائق بصفات الله عز وجل وحمله على الرؤية بالابصار مخالف للكتاب العزيز، فلا يصح العدول عن مقتضى الكتاب العزيز، إلى خبر يرويه الآحاد من الرجال، ومع ذلك فلم يتفق على صحته، فان موسى عليه السلام عالم بإستحالة رؤيته تعالى وعدم جوازها، فهو أعلم من أن يجهل ما هو اللائق بعظمة الله، ولكن ألجأه قومه إلى ذلك بدليل قوله تعالى
(1) جزء الآية 45 من سورة الفرقان.
_ TV - (1/37)
صفحة 38
فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله
جهرة (1)، وفي آية اخرى، لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) (2)، فأراد موسى عليه السلام أن يردعهم عن سؤالهم بأعظم رادع فسألها فجاءه الخطاب من الله تعالى بقوله: لن تراني .... » الآية والخطاب (بلن) دليل المنع، لأنها لتأكيد النفي وتأييده بدليل قوله تعالى لن يخلقوا ذبابا (3) فعلم القوم استحالة ذلك لأنه إذا منع موسى
السلام فهم أولى بالمنع.
عليه
وأيضا علق الرب سبحانه الرؤية بمستحيل، وهو استقرار الجبل بعد التجلي، والمتعلق بالمستحيل مستحيل مثله، ودعوى إمكان الاستقرار بعد التجلي مكابرة، والفعل في سياق فلا وجه القصره على رؤية الدنيا، ولا وجه لدعوى أن
النفي يعم نفي الرؤية في قوله تعالى لموسى عليه السلام (لن تراني) بمعنى لن تراني مع بقاء هو يتك، لأنها دعوى بغير دليل، قال رمضان أفندي، شارح شرح العقائد والاستدلال بجواب قوله تعالى (لن تراني) على استحالة الرؤية أشد خطأً، إذ لا يدل الإخبار على عدم رؤيته إياه، على أن لا يراه أبداً، ولا يراه غيره أصلا فضلا عن ان يدل على استحالته، ودعوى الضرورة فيه مكابرة
(1) جزء الآية 153 من سورة النساء. (2) جزء الآية 55 من سورة البقرة. (3) جزء الآية 73 من سورة الحج.
- YA- (1/38)
صفحة 39
ضلال
أو جهالة بحقيقة الرؤية (ا هـ) حالة اللة والنا أقول فستعلم يا رمضان أنا أو إياكم لعلى هدى أو في مبين، فان كان الاخبار من الله عز وجل عن نفي رؤيته عنه، لا يكون دليلا على نفيها، فهذا لا ينفك عن وجهين، إما كذب الخبر، فيستلزم كذب المخبر، تعالى الله عما نسبته إليه، لا حول ولا قوة إلا بالله، وأما ابهامه مع عدم البيان فيفضي إلى العبث، وهو في الفظاعة كالأول، قالوا: ان هذه الآية دليل الجواز، لأنها لو لم تكن جائزة لما نفاها جل وعلا، قلت لعمري: ان هذا الاستدلال لأظهر خطأ واشنع مقالا، لأن هذا من جملة ما امتدح الله جل وعلا بنفيه عنه، نفي الشريك واتخاذ الصاحبة والولد ونحو ذلك، مما تنزه عنه جل وعلا، فيلزمكم أيضا ان تقولوا بجواز هذه الأشياء عليه، لانها مما نفاه عن
الفرق
نفسه، كالرؤية تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ولا يصح هنا لعدم الفارق، لأن هذه الأشياء كلها باب واحد، فبجواز بعضها يلزم جواز الكل، والفرق تحكم، ولا يقول موحد بجواز هذه الأمور عليه تعالى، فهذه مغالطة منكم وسفسطة
ونعم الوكيل
حسبي
الله
اوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الابل
وأيضا، لو كانت جائزة ممكنة، لكان قول موسى عليه (1/39)
صفحة 40
السلام، لما أفاق من صعقته سبحانك تبت إليك
لافائدة فيه بل هو خطأ من موسى عليه السلام، لانه تاب من شيء جائز، وهو سؤال الرؤية، لأن سؤال الجائز جائز لا محالة، فيفضي إلى تجهيل موسى عليه السلام، لأنه تاب من شيء جائز، واعتقاد الجائز غير جائز، وهذا هو الجهل المركب سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم، فإن قالوا تاب من سؤاله ذلك قبل أن يؤذن له قلنا: هذه دعوى بغير دليل، الا ذكرتم لهذه الدعوى حجة من كتاب أو سنة ثابتة، فقد احتجتم الى التأويل، وتكلفتم القول بغير علم، واما الآية الثانية، وهي قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة (1) أي منتظره متى يؤذن لها في دخول الجنة، لا يقال لا يستعمل معدى بإلى، اذا كان بمعنى الانتظار لان نقول قد ورد ذلك في كتاب الله تعالى معدى بالى، وهو بمعنى الانتظار، قال تعالى: فنظرة الى ميسرة) (2) فهو بمعنى الانتظار، وكذا قد ورد في كلام العرب مقرونا بالوجوه وهو بمعنى الانتظار قال الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظرات الى الرحمن يأتي بالغلات وقال آخر:
وجوه بها ليل الحجاز على الهوى الى ملك ركن المعارف ناظره
(1) الآيتان 22، 23 من سورة القيامة
(2) جزء الآية 280 من سورة البقرة. (1/40)
صفحة 41
الله
فهذا بمعنى الانتظار مقرونا بالوجوه والعرب أدرى بلغتها، والوجوه ليست كلها آلة للنظر، ودعوى التعبير بالكل واردة البعض، دعوى لم يقم لها برهان، لأنه مجاز، ولا يصار اليه الا بقرينة، ولاقرينة هنا، وقال أبوحنيفة: يخلق حاسة سادسة، يدركون بها يوم القيامة، لانها محل خرق العوائد، قلنا: هذا أيضا دعوى لا دليل عليها، فمن أين له أن الله يخلق لهم حاسة سادسة، فأتوني بدليل يؤيد ما قلتم، قالوا: ان الجسد كله صالح للرؤية يومئذ، قلنا: وان كانت القيامة
محل خرق العوائد، لكنه لا دليل على ان هذا مما يخرق يومئذ والدعاوى ما لم تقيموا عليها بينات ابناؤها أدعياء
وأما القياس، وهو ان كل موجود يصح ان يرى، فقد تكلم فيه من أئمتكم الغزالى، وقال ان كبراه كاذبة لأن بعض الموجودات لايرى، كالريح والروح ورائحة الطيب ونحوها، وهو حجتكم اذ سميتموه حجة الاسلام، ونعني به حجة عليكم، واما ما رو يتموه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وادعيتم صحته أنه يأتي الرب عز وجل في صورة غير صورته التي تعرفونه الحديث، فدعوى الصحة فيه ممنوعة، وعلى تقدير صحته، فهو أحادي لا يبنى عليه أصل من أصول الدين، التي ثمرة اليقين، ولاغرو فان أكثر أصولكم مبنية على الظنيات، واثبات الصورة الله تعالى أمر تقشعر منه الجلود،
هي (1/41)
صفحة 42
وترتاع منه النفوس، وقد وردت أحاديث منه عليه السلام صحيحة، مصرحة بنفي الرؤية، منها أنه سئل عليه السلام هل رأيت ربك، يعنى ليلة الاسراء، فقال عليه السلام: (أنور هو فأراه لايرى ولا ينبغي أن يرى) ومعنى قوله لا ينبغي أى يستحيل، وقول عائشة رضي الله عنها حين سئلت، هل رأى النبي ربه؟ قالت: لقد وقف شعري، مما قلت، لايرى ولا ينبغي أن يرى. وقالت أيضا: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ودعوى الاجماع باطلة، أما إجماع الأئمة الأربعة، فلايكون حجة وهذا مقرر في الاصول، وأما دعوى إجماع كل مجتهد من الصحابة أو غيرهم، فهذا باطل أيضا، أما الصحابة رضوان الله عليهم، فانهم متفقون على منعها، منهم ابن عباس الذي ادعيتم أنه كان يتبناها حاشاه، فهو أعلم بعظمة الله، من أن يقول ذلك، ومنهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، التي قال في حقها صلى الله عليه وسلم خذوا شطر دينكم عن هذه الحميري، هذه الحميري، وغيرهم من الصحابة، وأما دعوى إجماع الامة بعدهم، فليس بشيء، فان الامة قد اختلفت في ذلك من التابعين وغيرهم، والأكثر على المنع، فأين الاجماع حاشا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ان تجتمع على ضلالة قال عليه السلام) لا تجتمع امتي على ضلالة) فبطلت دعوى الاجماع (1/42)
صفحة 43
وما روقوه من رحيق مفوه فذلك سم في الإناء خثير يدرون أنواء الكلام وما بها دواء ولا يطفى بهن هجير
وأيضا، الرؤية لها شرائط ملازمة لها لزوما ضروريا كاللون والجهة والقرب والبعد الغير المفرطين، الى غير ذلك من لوازمها المقررة في المطولات، يجب تنزيه الله عنها، فالاعتراف باستحالتها عنه تعالى اعتراف باستحالة الرؤية عنه، والقائل بثبوت الرؤية هي طوق على عنقه لا ينفك عنه، حتى يقر باستحالة الرؤية عنه تعالى، وقد اعترف باستحالتها، أي الرؤية عنه تعالى بعض أئمتكم، كالفخر والغزالي قال الغزالي لم يفهم الخصم ما نريد بالرؤية، وظن انا نريدها حالة تساوي الحالة التي يدركها الرائي عند النظر الى الاجسام والألوان، هيهات فنحن نعترف باستحالة ذلك في حقه تعالى (ا هـ).
فالاعتراف انصاف، وحسبك هذا كفاية في الاعتراف باستحالتها، وأيضا قولكم يرى بلا كيف، ملتزم لنفيها لانه لابد للرائي من كيف، وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم ضرورة، وإلا لزم التناقض، وقد منعتم في هذا المقام قياس الغائب بالشاهد، ليتم لكم مدعاكم، وأثبتموه في الصفات ليتفق لكم ما اردتم، فلله الأمر من قبل ومن بعد، فحسبك
هذا الكلام اليسير بيانا يحق الله الحق و يبطل الباطل، والحمد لله رب العالمين
قالا (1/43)
صفحة 44
ولا يكيفه وهم ولا فكر ولا تحيط به الأقطار مدخلا
الواو عاطفة على ما مر وندين الله تعالى بأنه لا يكيفه وهم متوهم، ولا متفكر، ولا تحيط به أي لا تحويه الأقطار، والوهم في اللغة، من خطرات القلب، أو مرجوح طرفي المتردد فيه، وفي الاصطلاح، قوة جسمانية للانسان، محلها آخر التجويف الأوسط من الدماغ، من شأنها إدراك المعاني الجزئية، المتعلقة بالمحسوسات، كشجاعة زيد وسماوته، وقوله ولا فكر بكسر الفاء وفتح الكاف جمع فكرة، الفكر أعمال النظر، قال في القاموس: الفكر بالكسر وبفتح أعمال النظر في الشيء كالفكرة، والفكرى بكسرهما) ا هـ). وفي الاصطلاح ترتيب أمور مجهولة لتؤدي الى معلوم، أي ليس الله تعالى بمعنى من المعاني، فيدركه وهم متوهم، ولا يصح تصوره بالبال،
الله
لا تكيفه الأفكار ولا تحيط به الأوهام. قال الصديق رضي عنه: العجز عن الإدراك إدراك (ا هـ)، فكل ما تصور ببالك أحله إلى غيره قال أبو نصر رحمه الله: وكل الذي أضحى على البال سانحا فذلك غير الله فانف عن الذهن وليس الله بجسم، فيحويه قطر من الأقطار، لأنه لو احتاج الى مكان يحله، لكان فيه أقوى، لأن الحامل أقوى من المحمول، ولكان مسبوقا به لاستلزام سبق المحل على الحال فيه ضرورة فيلزم منه الحدوث، لأن المسبوق حادث لا محالة، والله تعالى واجب القدم لاستحالة (1/44)
صفحة 45
عدمه وما استحال عدمه ثبت قدمه، ولا قديم مع الله و يلزم من الجميع ايضا، الانقسام الى الجهات الست، لأن ما يلي جهة السفل مثلا، غير ما يلي جهة العلو، وما يلي جهة اليمين، غير ما يلي جهة الشمال، وهكذا سائر الجهات الست، الى غير ذلك من اللوازم التي يجب تنزيه المولى جل وعلا عنها، وبهذا يتبين لك فساد قول المجسمة أخزاهم الله.
وهو على العرش، والأشياء استوى واذا عدلت فهو استواء غير ما عقلا
6
الواو عاطفة على ما مر، والضمير المنفصل مبتدأ عائد الى الله تعالى، والجار متعلق باستوى، والأشياء معطوف على العرش، وفاعل استوى ضمير يعود الى الله تعالى، والجملة خبره، وقوله عدلت أي حكمت بالعدل في الاستواء، فهو الخ الفاء رابطة لجواب الشرط، فهو أي الاستواء، استواء غير الاستواء المعقول الذي هو الاستقرار، لأن هذا محال على الله تعالى، لاستلزامه أمورا يجب نفيها عنه جل وعلا، وتنزيهه عنها، وقد ذهبت المشبهة الى أن الاستواء هنا هو الاستقرار، فقالوا الرحمن على العرش استوى (1) أي استقر كاستقرار الملك على كرسيه، وبعضهم قال: الاستواء معقول، والكيف مجهول، قلنا، لو كان كما زعمتم لكان
(1) الآية 5 من سورة طه.
- 45 - (1/45)
صفحة 46
العرش أقوى منه لحمله إياه، ولكان له نهاية في العرض والطول، لتناهي العرش العظيم لأن تناهي المحل يستلزم تناهي الحال فيه ضرورة، وهذا على الله محال، لأنه يقتضي مشابهته لمخلوقاته، والله ليس كمثله شيء، فالحق الذي لامرية فيه، ما ذهب إليه الأصحاب ومن وافقهم، ان الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء بالملك، والغلبة والقهر، وهذا هو الذي قاله المحققون من المفسرين وانشدوا عليه قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
أي: استولى عليها، لا يقال فعلى هذا يلزم أن يكون غير مستولى على غيره، لأنا نقول أن العرش العظيم، هو أعظم المخلوقات، والمستولي على الأعظم مستولي على الأدنى من باب أولى، ولا يلزم من الاستيلاء عليه منه تعالى المحاولة والمزاولة، لأنه من مألوف الوهم في الشاهد، لا من منطوق اللفظ، لأن أفعاله تعالى لا عن محاولة ولا مزاولة:
وانما الاستواء ملك ومقدرة له على كلها استيلاء وقد عدلا كما يقال استوى سلطانهم فعلا على البلاد فحاز السهل والجبلا
انما أداة قصر، أي استواء من قوله تعالى الرحمن
على العرش استوى) (1) ونحوه مقصور على الاستيلاء، أي
(1) الآية ه من سورة طه
- 46 - (1/46)
صفحة 47
الاحتواء عليه بالملك والقهر والغلبة، والمقدرة اسم بمعنى القدرة، كالمعذرة بمعنى العذر، وقوله: وقد عدلا تتميم للبيت، والواو للحال، أي والحال قد عدل جل وعلا، فيما استولى
عليه، وقوله كما يقال البيت هذا محل الاستشهاد للبيت قبله وتمثيل لمعني الاستواء في حق الله تعالى، والسهل ضد الجبل، والجبل صعب كالحزن، قال في القاموس: والسهل ضد الحزن
6
والجبل معروف أي استولى على جميع البلاد ماسهل وصعب وان أحمد من رسل الاله وقد يخص من بينهم فضلا ومغتضلا الواو عاطفة على ما مر، أي وندين الله تعالى: بأن أحمد هو محمد بن عبدالله ابن عبد المطلب الهاشمي القرشي، من رسل الله تعالى، وأنه خاتم النبيين، اذ لانبي بعده قال تعالى: وخاتم النبيين) (1) وقال عليه السلام) لانبي بعدي) وانه رسول الله للكافة. لقوله تعالى: وما أرسلناك الا كافة للناس) (2) الآية وقوله تعالى: وارسلناك للناس رسولا (3) ولايسع جهله، فاذا قامت الحجة على المكلف، ان الله رسولا، وجب عليه البحث عن هذا الرسول، وما اسمه، ووجب عليه الايمان به لقوله تعالى: يا أيها
(1) جزء الآية 40 من سورة الأحزاب. (2) جزء الآية 28 من سورة سبأ. (3) جزء الآية 79 من سورة النساء.
_ {V_ (1/47)
صفحة 48
المكلف
الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله (1) واختلف في معرفة ابيه وجده ونسبه صلى الله عليه وسلم، وقوله: وقد يخص من بينهم الخ أي يجب تخصيصه بالمعرفة، من بين سائر الرسل، وأنه أفضلهم على الاطلاق، والفضل ضد النقص، وفضلا تمييز مبين لنسبة الأخصية، ويحتمل أن يكون مفعولا له، أي خص من بين الرسل بالمعرفة لفضله عليهم، أو بنزع الخافض، ونكر للتعظيم، أى بفضل عظيم، وكذلك أيضا يجب تخصيص آدم عليه السلام باسمه، من بين سائر الأنبياء، ويجب على الايمان بسائر الأنبياء جملة، وليس عليه أن يعرفهم بأسمائهم مالم تقم عليه الحجة باسم نبي منهم، كنوح وابراهيم مثلا، وجملة الأنبياء عليهم السلام مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا وقيل مائتا ألف وأربعة وعشرون ألف، والرسل منهم وثلاثة عشر رسولا، وقيل: وأربعة عشر، وقيل: وخمسة عشر، والأول أشهر، والنبي أعم من الرسول، فالنبي إنسان أوحي إليه بشرع سواء أمر بالتبليغ أو لم يؤمر، فان أمر بالتبليغ خص باسم الرسول، وقيل العكس، والمرسلون للكافة آدم ونوح وابراهيم وموسى وداود وعيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، والعربيون منهم أربعة هود وصالح
ثلاثمائة
منهم
سبعة:
(1) الآية 136 من سورة النساء.
_ EA_ (1/48)
صفحة 49
وشعيب ومحمد عليه وعليهم السلام، والمبعوثون بالسيف أربعة: موسى و يوشع وداود ومحمد عليهم السلام، وأربعة منهم لم يموتوا إلى الآن: عيسى وإدريس عليهما السلام في السماء، والخضر وإلياس عليهما السلام في الأرض. ومن له اربعة يعقوب وهو اسرائيل، وعيسى وهو المسيح،
اسمان
منهم
و يونس وهو ذالنون، ومحمد وهو أحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين قلت: بل نبينا محمد عليه السلام له ألف اسم، وقد أفردها بعض العلماء بالتصنيف، وقد شرحها قطب الأئمة محمد بن يوسف المغربي في كتاب سماه (كتاب الغسول في أسماء الرسول (والسريانيون ثلاثة: آدم وشيث وادريس، ثلاثة: آدم وهو أب البشر، ونوح وابراهيم،
والأجداد منهم والو العزم خمسة، جمعهم بعضهم بقوله:
ألو العزم نوح والخليل كلاهما وموسى وعيسى والنبي محمد
تنبي
ه:
ليست الرسالة واجبة عقلا خلافا للمعتزلة، بناء على مذهبهم من وجوب مراعاة الصلاحية، والاصلحية وتحكيم العقل. قالوا: تجب لأنها مؤكدة للعقل، ولا بممتنعة، كذلك
خلافا للبراهمة وفساد المذهبين ظاهر
وانه صادق فيما اتانابه مبلغ الثقلين ما به رسلا (1/49)
صفحة 50
الواو عاطفة على مامر، أي وندين الله تعالى بصدق نبينا محمد صلي الله عليه وسلم فيما اخبر به عن ربه، لاستحالة الكذب عليه، لقيام العجز على صدقه، وانه مبلغ الثقلين، الانس والجن وما أرسله به بالمشافهة فيمن حضر، والكتب والرسل للأماكن البعيدة، لاستحالة الخيانة عليه، وقد شافه بعض الجن کجن نصيبين قل اوحي الي انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا} (1) الآيات، والتبليغ واجب عليه: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وان لم تفعل
فما بلغت رسالته (2) حتى قيل: ان كتم الرسالة أعظم من الشرك حاشاهم من ذلك، الله أعلم حيث يجعل رسالته (3) وانه المؤيد بالمعجزات الخوارق، مع التحدي بالرسالة، أي الادعاء لها طبقا لدعواه، نازلة منه منزلة قوله تعالى: (صدق عبدي في جميع ما بلغ عني) كانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه عليه السلام، حتى أروى الجمع الغفير، وكفى بهما معجزة خارقة للعادة، وكتسليم الحجر، وحنين الجذع، واظلال الغمام والاخبار بالغيوب، وكثير مثل ذلك يفوت
(1) الآية 1 من سورة الجن
(2) الآية 67 من سورة المائدة.
(3) جزء الآية 124 من سورة الأنعام. (1/50)
صفحة 51
الحصر، وأعظمها وأجلها القرآن العظيم، الذي أعجز مصاقع البلغاء، عن الإتيان بأقصر سورة من مثله فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداء كم من دون الله إن كنتم صادقين) (1) قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (2) وما ظهر على يده من الخوارق قبل النبوة، والرسالة، فانه يخص باسم الارهاص، فمتى ظهر للمكلف المعجزة على صدق الرسول، وجب عليه اعتقاد صدقه في جميع ما أخبر به، وقد
عصمهم تنبيه:
الله من المعاصي
يجب في حق الرسل أمور كالصدق والامانة والتبليغ والنصح للامة والعقل والفطنة والضبط لما أوحي اليهم. والمستحيل عليهم: الكذب والغش والخيانة وعدم التبليغ والجنون والنقائص، والجائز في حقهم: الأكل والشرب والنوم والنكاح، ونحوها من أمور الجبلة، وقد خص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، دون الأمة بوجوب قيام الليل، وجواز التزويج بما فوق أربع، وقدمات عن تسع نسوة، ولا تدرك النبوة بالاكتساب بممارسة الأمور المؤدية الى صفاء الباطن، بل هي محض فضل منه
(1) الآية 23 من سورة البقرة.
(2) الآية 88 من سورة الاسراء.
1011 (1/51)
صفحة 52
تعالى، يختص به من شاء من أصفيائه. قال صاحب الجوهرة:
ولم تكن نبوة مكتسبه ولو رقي في الخير اعلا عقبه
فائدة:
حتى
زعمت المعتزلة ان التكليف واجب بمجرد العقل، وهو الحاكم، ولا يرد الشرع إلا مؤكدا له، أو مبينا، قالوا: يلزم من عدم وجوبه افحام الرسول، لأنه يقول انظر في معجزتي تعلم صدقي، فيقول: لا أنظر حتى يجب علي النظر، ولا يجب علي أنظر، فهذا هو الافحام. قلنا: ان العقل بمجرده لا يكون حاكما، بل الحاكم الشرع، ولا يلزم منه إفحام الرسول، لأنه إذا أظهر له المعجزة الدالة على صدق مدعاه، لزمه تصديقه نظر أو لم ينظر، قال تعالى:، قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (1) ولم يقل حتى نركب عقولا، ومعنى قولنا بقيام حجة العقل في المعقولات، إن العقل طريق للمعقولات، كما السمع طريق للمسموعات، لأن العاقل المنقطع في جزيرة مثلا، يعلم بمجرد العقل أنه لابد له من صانع صنعه، ومصور صوره، فإذا أدرك ذلك بمجرد العقل لزمه بحكم الشرع الدينونة موجوده، وأنه مغاير لجنس المصنوعات والمحدثات وأما معرفته
أن
(1) الآية 15 من سورة الاسراء. (1/52)
صفحة 53
باسمه، فلا يلزمه إلا بسماع الشرع، لأن العقل لايدرك ذلك
لمجرد ذكر ما يتعلق بالجمل الثلاث. مقالة
والمراد المتعلق بها من تفسيرها الاعتقادي، اي ما يجب على المكلف اعتقاده والقطع به، بعد قيام الحجة عليه به من طريقها السمعي، أو ما يقوم مقامه، كالكتابة والاشارة،
•
منه ذلك، ولو رؤيا يراها اذا فهم وان أنت حجج البرهان ناطقة بالموت والبعث والحسان فامتثلا
الواو استئنافية، وحجج بضم الحاء جمع حجة بضمها أيضا فاعل أتت ونسبة الاتيان اليها مجاز عقلي، أو استعارة بالكناية، والاتيان تخييل، والبرهان مضاف اليه، وهو والحجة بمعنى، وناطقة بالنصب حال من حجج ونسبة النطق اليها مجاز عقلي، نحو نطقت المال بكذا، أو استعارة ايضا كالأول، وفيه ترشيح للاستعارة، أو المجاز، بالموت متعلق بناطقة، والفاء رابطة لجواب الشرط والالف في امتثلا للاطلاق أي اذا قامت عليك أيها المكلف الحجة من طريقها السمعي، أو ما يقوم مقامه، کالكتابة مثلا بشيء من تفسير الجملة كالموت والبعث والحسبان، بضم الحاء مصدر بمعنى الحساب والمراد هنا الحساب الأخروي الذي هو تبيين الله للمكلفين أعمالهم: ليجازيهم عليها، ان خيرا فخير وان شرا فشر ووجب عليك أيها المكلف الامتثال بالدينونة بها، وضاق عليك الجهل بها أو بشيء منها، بعد قيام الحجة عليك بها، كما إذا سمعت مثلا
6
— (1/53)
صفحة 54
قوله تعالى: إنك ميت وانهم ميتون (1) أو قوله تعالى: کل نفس ذائقة الموت) (2) ونحوها، لزمك الدينونة
بالموت، وان لم تدر معنى الموت ما هو، وهو انقطاع شعاع الروح
من باطن الجسد وظاهره، والنوم انقطاعه من ظاهر الجسد فقط
6
وقيل هو عرض تضمحل به الحياة، وهو معنى قولهم: هل هو وجودي أو عدمي، وكما اذا سمعت قوله تعالى:
قل ان الأولين والآخرين لمجموعون الى ميقات يوم معلوم) (3) وقوله تعالى: فجمعناهم جمعا (4) ونحوها، وجب عليك الدينونة بالبعث وثبوته لا محالة، وضاق عليك الجهل، وكما اذا سمعت قوله تعالى: فحاسبناها حسابا شديداً) (ه) الآية، وقوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره (1) ونحوها لزمك الدينونة بالحساب، وان لم تدر كيفيته، لزمك الدينونة به، وضاق عليك الجهل، لكن اختلف الفقهاء في تفسير الجملة بعد قيام الحجة على المكلف، هل ينفس له في السؤال عن معانيها كالموت مثلا، ما هو أو البعث مثلا ما هو
(1) الآية 30 من سورة الزمر.
(2) الآية 185 من سورة آل عمران.
(3) الآية 49، 50 من سورة الواقعة
(4) الآية 99 من سورة الكهف
(5) الآية 8 من سورة الطلاق. (6) الآيتان 7، 8 من سورة الزلزلة
1021 (1/54)
صفحة 55
ونحوهما، لئلا يدين بهما، و يعتقدهما على غير ما هما عليه في الحقيقة، وكذا صفات الله تعالى، وكما قال شيخنا السالمي رحمه الله، والنظر يقتضي التفصيل بين صفات الله تعالى، كقدير بذاته سميع عليم بذاته وبين ما كان من الجائزات العقلية كالموت والبعث والحساب ونحوها والشك فيها، والرد
لها بعد قيام الحجة عليه شرك، كالشك في الجملة والرد لها
6
لكن الشاك في الجملة لايسع جهل ضلالته، ولاجهل ضلالة
6
6
الشاك في الشاك، ولا جهل ضلالة الشاك في الشاك في الشاك القيامة، لأن الشك فيهم كفر نفاق، وتعبير أئمة
وهكذا الى
يوم
عنهم
المغرب منا رضي الله بالشرك اصطلاح لمرتكب الكبيرة في العقائد، ويسمونه الشرك الجزئي ولا يحكمون عليه بأحكام الشرك الكلي، فهو اصطلاح عندهم، ولكل قوم ما اصطلحوا عليه، اذ لا مشاحة في الاصطلاح، ولايسع جهل ضلالة الشاك في هذا الموضع بالاجماع، واما تفسيرها فقد اختلف في جهل ضلالة الشاك فيه وجهل ضلالة الشاك فيه ضلالة الشاك، وهكذا قيل يسع جهل ضلالتهم، وقيل لا، وواسع الجهل لا تقوم الحجة به الا من العدول، وأما ما لايسع جهله، فان، الحجة فيه تقوم من كل معبر، ولو مشركا خلافا لمن ذهب الى أن الحجة لا تقوم فيه الا من العدول، ولا حجة له في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ
55 (1/55)
صفحة 56
فتبينوا) (1) الآية، لأن نبأ الفاسق مقيد بأصابة قوم بجهالة لقوله تعالى: ان تصيبوا قوما بجهالة) (2) وسبيل الاستيلاء بالقهر والاستعباد قال صلى الله عليه وسلم (اقبلوا الحق ممن جاء به (الحديث ومن تفيد العموم ولا مخصص هنا والتخصيص بلا مخصص تحكم.
وما هنالك ميزان يقام كما قالوا عمود وكفات لما عملا وانما الوزن حق منه عزألم تسمع الى آية الاعراف محتفلا
الواو عاطفة، وما نافية مهملة عن العمل، لتقدم الخبر
على الاسم، وهنالك اشارة للمكان البعيد، والمراد به موضع الحساب، واشار اليه باشارة البعيد لستر يومه عن علم المخلوقين قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو (3)
(3)
ولشدة ذلك اليوم وفظاعته يوم تشخص فيه الابصار) (4) أي ليس في ذلك الموضع العظيم هول يومه الطويل امده الذي لا يأتينا إلا بغتة، آلة حسية لها عمود و کفتان كل كفة أوسع من طباق السموات والأرض، جبريل آخذ بعموده ناظر الى لسانه، وميكائيل أمين عليه، وعبر بالجمع
I
(1) الآية 6 من سورة الحجرات.
(2) الآية 6 من سورة الحجرات
(3) الآية 87 من سورة الأعراف (4) الآية 42 من سورة ابراهيم.
1071 (1/56)
صفحة 57
الله
عن المثنى على حد قوله تعالى: فقد صغت قلوبكما) (1) يوزن به أعمال العباد، كما تقول الأشاعرة، وانما أداة قصر والوزن مبتدأ، وحق خبره أي الوزن مقصور على عدل الله تعالى بين عباده لاغير كما يقول الأصحاب رحمهم ومن تبعهم وثقل الميزان وخفته في نحو قوله تعالى: فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية) (2) استعارة تمثيلية وكناية عن شرف العمل الصالح، وخسة الطالح، أن الله لا يظلم الناس شيئا، ألم تسمع، الاستفهام تقريري، أي ألم تلق سمعك الى آية الاعراف، أي الواردة في سورة الأعراف، وهي قوله جل وعلا والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) (3) أي ألم تسمع هذه الآية الكريمة الواضحة المصرحة، بأن الوزن هو الحق مهتما بها ومباليا بما صرحت به، فعدلت عن الظاهر لغيره فقلت الوزن هو يومئذ وضع الأعمال في كفتي الآلة الحسية المعروفة، كما هو المشاهد بين أيدينا، فهذا باطل لأن الأعمال أعراض لا أجسام، ووزن الأعراض بهذه الآلة مستحيل قطعا، ودعوى قلبها أجساما لم،
(1) الآية 4 من سورة التحريم.
(2) الآيتان 6، 7 من سورة القارعة. (3) الآيتان 8، 9 من سورة الأعراف.
_ OV_ (1/57)
صفحة 58
يقم له دليل، وهو أيضا من قلب الحقائق، ودعوى وزن الكتب مردود بأن الموزون الأعمال لا الكتب، ودعوى وزن العامل مردود بعدم ما يقابله في الكفة الأخرى، وبالجملة فهذه المسألة ليست من مسائل الدين، التي لا يجوز الخلاف فيها، لعدم ورود الدليل القاطع
وما الصراط بجسر مثل ما زعموا وما الحساب بعد مثل من ذهلا
أي وليس الصراط الوارد في مثل قوله تعالى: فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون) (1) ونحوه من الآيات، والأحاديث بجسر بفتح الجيم وكسرها، هو ما يعبر عليه أدق من الشعرة وأحد من السيف، ممدود على متن جهنم اعاذنا الله منها يمر عليه الناس، منهم كالبرق الخاطف، ومنهم كالريح العاصف، ومنهم كجري الفرس الخ، وما ذكر في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ابن مسعود رضي الله عنه، فهو عبارة عن الحق المشروع، وذكر السالكين، وتفاوت رتبهم في المرور عليه، تمثيل لرتب المكلفين، يوم تجزى كل نفس بما كسبت، وليست هذه المسألة أيضا من مسائل الدين التي لا يجوز الخلاف فيها، فان بعض الأصحاب، ذهب الى القول بالجسر كما يقول القوم، لظاهر
(1) الآية 66 من سورة يس.
10^1 (1/58)
صفحة 59
الأحاديث، وبعض الآيات، ولعدم الدليل القاطع بأنه غير جسر، وليس أيضا الحساب بعد، تعد الحسنات والسيئات، مثل قول أو فعل، من ذهل أي نسي، فحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه، ومن اسم موصول بمعنى الذي، وجملة ذهل صلته، بل الحساب هنا تبيين الله للناس أعمالهم، خيرها وشرها، صالحها وطالحها، قولا وفعلا واعتقادا، مقبولها ومردودها، فيجازيهم عليها، ان خيرا فخير وان شرا فشر، وعرفه بعضهم بقوله: هو توفيق الله الناس على أعمالهم، خيرا كانت أو شرا، قولا كانت أو فعلا، تفصيلا بعد أخذهم كتابها وقد سئل علي بن ابي طالب، كيف يحاسب الله الناس على كثرة عددهم؟ فقال كما يرزقهم على كثرة عددهم اشارة منه الى الحساب، أما المؤمن فيحاسب حسابا يسيرا، ليعلم فضل الله عليه من غفران ذنوبه، يقال له هذه سيئاتك، وقد غفرت: وأما الكافر فيحاسب والعياذ بالله حسابا شديدا، و يناقش مناقشة ليشتد ندمه وحزنه، واليه الاشارة بقوله تعالى: يقولون ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) (1) الآية، والله أعلم. وانه من أطاع الله يدخله جناته أبداً لا يبغ منتقلا، الضمير في أنه اسم الشأن، أو الأمر أي الشأن، أو الأمر من أطاع الله الخ، ومن
(1) الآية 49 من سورة الكهف.
(2) (1/59)
صفحة 60
اسم شرط، وأطاع فعله، و يدخله جوابه ورفع لجوازه اذا كان فعل الشرط ماضيا قال في الخلاصة:
وبعد ماض رفعك الجزا حسن ورفعه بعد مضارع وهن وانشدوا عليه قول الشاعر:
وان اتاه خليل يوم مسألة يقول لاغايب مالى ولا حرم
وجملة لايبغ منتقلا، حال من فاعل اطاع، أو من
6
الضمير المفعول في يدخله، أي من مات على طاعة الله تعالى وختم له عمله بالخير سواء، وفي جميع حياته أو عند مماته قبل المعاينة، يدخله جناته، جمع جنة، وهي بساتين، وانهار وقصور شامخة، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، ومالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهي ثوابه الذي أعده لصالح عباده، لا يشبهه ثواب في الدنيا، لا انقصاء لذلك الدخول، حال كون الداخل لايبغ منتقلا خالدين فيها لايبغون عنها حولا (1) خالدين فيها أبدا ومن عصاه ففي النيران مسكنه ولم يجد مفزعا عنها فينتقلا، الفاء في قوله ففي النيران الخ رابطة لجواب الشرط والفاء في فينتقلا سببية، واقعة في جواب النفي و ينتقلا منصوب بان مضمرة بعدها وجوبا، أي ومن مات والعياذ بالله على معصية الله ولو فعل في حياته
(1) الآية 108 من سورة الكهف
-7. (1/60)
صفحة 61
ما فعل من أعمال البر، وختم له بالمعصية لسوء اختياره، فهو مخلد في النار أبدا والمفزع الملجيء، أي لا يجد ملجأ، عنها فيهرب اليه، خالدين فيها مادامت السموات والأرض
إلا ما شاء ربك) (1) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من
(1)
غم أعيدوا فيها (2) سواء كان ذلك العاصي مشركا أو غير مشرك، لعموم قوله تعالى: ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا (3).
فأهل النار مخلدون فيها، كما أن أهل الجنة مخلدون فيها، خلافا لمن زعم أن غير المشرك منهم من لا يدخلها أبدا، ومنهم من يعذب بقدر عمله ثم يخرج منها واستدلوا لذلك بقوله تعالى: خالدين فيها مادامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك) (4) قلنا الاستثناء ها هنا منفصل، والمستثنى هو ما بين الموت الى البعث أو المراد يخرجون منها الى برد الزمهرير، فيستغيثون بالنار، فيردون اليها عذابا ونكالا
أو المراد إلا ما شاء الله من المؤمنين، الذين ماتوا على الايمان: وما ترد للعاقل، وإلا لزمكم أن تقولوا في أهل الجنة كذلك
لاتحاد الاستثناء والقول بذلك مردود اتفاقا، وبقوله تعالى:
(1) الآية 107 من سورة هود
،
- 71 -
•
(2) الآية 22 من سورة الحج
(3) الآية 23 من سورة الجن
(4) الآية 107 من سورة هود (1/61)
صفحة 62
لابثين فيها أحقابا) (1) قالوا: الأحقاب، جمع حقب
جمع قلة فمتى انقضت هذه الأحقاب أخرجوا منها فيدخلوا الجنة، قلنا الأحقاب عبارة عما لا نهاية له، لأن هذه العبارة لا تكاد تستعمل فيما له نهاية من العد، مأخوذ من حقب الرحل، وهو الذي يتبع البعير لا ينفك عنه، أي كلما مضي حقب تبعه غيره، وهكذا إلى مالا نهاية، قال الله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها (2) الآية، والقتل بغير استحلال لاشك انه غير شرك،
6
قالوا المراد بالقتل هنا ما كان على وجه الاستحلال. قلنا هذا خلاف الظاهر، لأن مساق الآية في قتل الخطأ، قال تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) (3) الآية وقال تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب) (4) الآية، قالوا الاشارة الى هذه الخصال الثلاث قلنا هذا باطل، لانه يلزمكم. تخليد المشرك الذي لم يقتل، ولم يزن، ولا يقول موحد
من جمع
عدم
(1) الآية 23 من سورة النبأ
(2) الآية 93 من سورة النساء.
(3) الآية 92 من سورة النساء.
(4) الآيات 68، 69، 70 من سورة الفرقان.
منه
_ 1 _ (1/62)
صفحة 63
بذلك، وقد رووا في ذلك أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مصرحة بالخروج، حتى ان في بعض ما رووه يكونون في حالة يغبطهم عليها أهل الجنة، يعرفون بالجهنميين، قلت هذا يرده العقل والنقل، هل هؤلاء العصاة الذين ماتوا على عصيانهم، استحقوا هذه الدرجة العظيمة التي يغبطهم عليها المؤمنون الموفون بما عاهدوا الله عليه، بمعاصيهم، التي كانوا مصرين عليها، أم بما فعلوه من الاعمال الصالحة؟ فان قلتم انهم استحقوها بسبب معاصيهم قلت ان المعصية حينئذ أفضل الطاعة، لانهم نالوا بها درجة لم يدركها ذو الأعمال الصالحة، وان قلتم أنهم استحقوها بما عملوه من الصلاح في الدنيا فأقول كيف لم يعط الذي مات على الطاعة والوفاء ما أعطي هذا المقصر، أليس هذا هو الحيف البين، تعالى الله ذلك ان الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون،
من
عن
ولهم في هذا مما لا يقبله العقل، ما لا يفي به هذا المختصر. ولقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم من أسانيد لاشك في صحتها أحاديث مصرحة، بتخليد العاصي غير المشرك، منها قوله صلى الله عليه وسلم، (من قتل بعد العفو وأخذ الدية فهو في النار خالداً مخلداً) رواه الربيع محتجاً به، وقوله صلى الله عليه وسلم (من قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها في النار خالدا مخلدا أبدا (الحديث، وعن الحسن عن كعب قال: وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه على كدية رمل، فجلس اليها وبكى
__ (1/63)
صفحة 64
حتى بل لحيته، فقلت يا أمير المؤمنين ما يبكيك؟ فقال: ذكرت أهل النار فقلت لو جعل الله عدد كل حبة من هذا الرمل سنة يعذبون على حسابها، ثم يخرجون منها، لطمعوا في الخروج يوما ما من الدهر، ولكن لم يجعل الله لهم وقتا، وماهم بخارجين منها أبدا، وأيضا لو كان الأمر كما ذكرتم، فما فائدة الأمر والنهى، اذا كان العاصي وغيره سواء، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وفي هذا المقام من الدليل على تخليد غير المشرك من العصاة ما يطول ذكره، فحسبك هذا بيانا:
وحسبك علماً نافعاً فرد حكمة به السرحي والجوارح نور
وما الشفاعة الا للتقي كما قد قال رب العلا فيها وقد فصلا
الشفاعة
هي
طلب الوسيلة، واصطلاحا طلب الخير من
الله عليه وسلم
،
الغير للغير، والمراد به هنا، طلب النبي صلى وغيره ممن يشفعه الله في خلقه، من الله تعجيل دخول الجنة، أو زيادة درجة فيها للمؤمن، سواء كان موفيا أو مقصراً، تاب من تقصيره، لا لغيرهم من العصاة الذين ماتوا مصرين، ولو على صغير من الذنوب، لأن الاصرار على الصغير كبيرة، قال صلى الله عليه وسلم (لا صغيرة مع اصرار)، قال الله تعالى: ولا يشفعون الا لمن ارتضى) (1) ولم يرتض الله
(1) الآية 28 من سورة الأنبياء. (1/64)
صفحة 65
العاصي، كيف يرتضيه وهو عدو له بعصيانه إياه، وعدم توبته من ذنبه، وقال تعالى: ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) (1) واسم الظالم عام لكل ظالم سواء كان ظالما لنفسه، أو لغيره، وقال الله تعالى: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) (2) الى غير ذلك من الآيات، وقال عليه السلام) ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي) رواه جابر بن زيد رحمه الله وجابر معدود عندكم في الثقات
وذهبت الأشاعرة، إلى أن الشفاعة للعصاة الذين ماتوا والعياذ بالله على عصيانهم، غير تائبين منها، وعبروا عنه بالمؤمن المقصر، قالوا لأن المؤمن الموفي لا يحتاج الى الشفاعة وانما يحتاج اليها العاصي الذي مات على عصيانه، وحذفوا من الحديث، لا تنال وقالوا: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فمنهم من يدخل الجنة من أول مرة، ومنهم من يعذب على قدر عمله، ثم يخرج لشفاعة النبي عليه السلام له، فيدخل الجنة، يرد عليكم الآية الكريمة، والحديث المشهور، فالآية الأولى مصرحة بأن لا شفاعة إلا لمن ارتضى، وكفى بها دليلا لرد ما ذهبتم إليه، وأما الحديث الذي رو يتموه، فانه معارض بحديث صحيح موافق للنص، وحديثكم مخالف للنص، وما
قلنا
(1) الآية 18 من سورة غافر. (2) الآية 255 من سورة البقرة
65 (1/65)
صفحة 66
وافق الكتاب العزيز لا مرية في أنه أولى مما خالفه، وأيضا أحادي لا يفيد العلم على الصحيح، فلا تبنى عليه اليقينيات، وأيضا آيات الخلود، والأحاديث التي ذكرنا طرفا منها في موضعه، متوجهة كلها للرد عليكم، وأيضا لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها لما جاز سؤالها لأن السائل لها سائل للازمها وهو ارتكاب المعصية والاصرار عليها، وهذا لا يقوله موحد، لأن اتخاذ معصية الله طاعة شرك
فائدة:
أول ما يفتح باب الشفاعة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو المقام المحمود الذي وعده الله إياه، ثم من شاء الله من عباده حتى أن الشهيد يشفع في سبعين من أقاربه، كما جاء الخبر بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن أنكرها رأسا أشرك لورود النص المصرح بها، ومن اعتقدها للمشرك الذي مات على شركه أيضا أشرك، لرد النص المصرح بنفيها عنه، اعتقد ثبوتها للعصاة من الموحدين كفر كفر نفاق، لتستره
ومن
بالتأويل، وان كان خطأ
والمؤمنون عن النيران قد بعدوا وما الورود لهم بل للذي انخذلا
الجار من قوله عن النيران متعلق ببعدوا، بالبناء للفاعل، والمؤمنون مبتدأ وحملة بعدوا خبره، وما نافية حجازية
-11 - (1/66)
صفحة 67
أو تميمية الجواز الوجهين فيها، ولهم متعلق بمحذوف أي ثابت وقوله: بل للذي انخذلا اضراب عن المنفى قبله، أي ليس الورود الوارد في قوله تعالى: وان منكم الا واردها (1) الآية، لكل أحد من مؤمن وكافر بل هو ثابت للذي انخذل عن دين الله، وأما المؤمنون فلا يردونها لقوله تعالى فيهم: أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها) (2) الآية،
فلا تكون تلك الآية دليلا لما قاله المخالف من دخول المقصرين وعدم تخليدهم فيها، بدليل قوله تعالى: ونذر الظالمين فيها جثيا (3) قلنا: قوله تعالى: وان منكم الا واردها (4) والآية خطاب للكافرين بدليل قوله تعالى: ويقول الانسان أعذا ما مت لسوف اخرج حيا) (ه) الآيات، وأما قوله ثم ننجي الذين اتقوا) (6) أي بعدم الدخول فيها رأسا بدليل قوله تعالى: اولئك عنها مبعدون (7) ومن مات على ذنب مصر عليه، فليس من المتقين، فلا نجاة له، وقيل ورود المؤمنين بالنظر لا بالدخول قال تعالى: فلما ورد ماء مدين الآية، فانه لم
(1) الآية 71 من سورة مريم.
(2) الآية 101، 102 من سورة الأنبياء.
(3) الآية 72 من سورة مريم.
(4) الآية 71 من سورة مريم.
(5) الآية 66 من سورة مريم.
(1) الآية 72 من سورة مريم. (7) الآية 101 من سورة الأنبياء.
- TV_
— (1/67)
صفحة 68
يدخله، وقيل يدخلها المؤمنون وغيرهم لكنها للمؤمنين برد وسلام، ولغيرهم عذاب ونكال، فيخرج منها المؤمنون، وقيل يدخلها المؤمنون وغيرهم وهي جامدة فينجو منها المؤمنون، وتنهار بالكافرين، وقيل غير ذلك، كما هو مقرر في كتب التفسير (راجعها ان أردت المزيد (والله اعلم.
وان الله أملاكا وقد عصموا وان جنسهم عن جنسنا فصلا
وأفلاك
أي وندين الله أن له املاكا ملك بفتح اللام كفلك جمع
، وهم جنس مغاير لجنسنا، معشر الانس، والجن والواو للحال وقد تحقيقية، أي والحال قد تحققت عصمتهم عن ارتكاب المعاصي، ولا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون (1) خلقوا من نور، طعامهم التسبيح، وشرابهم التقديس، لا يأكلون ولا يشربون ولا يبولون، ولا يتغوطون ولا يبصقون، لهم عقول بلا شهوات، لا يوصفون بذكورية، ولا انوثية لا يتزوجون ولا يلدون، وأجاز بعض أهل المشرق من أصحابنا رحمهم الله تسميتهم بالرجال مستدلا بقوله تعالى: وعلى الأعراف رجال) (2) قيل هم ملائكة، وقيل غيرهم، كما هو مقرر في كتب التفسير قادرين على التشكل بما شاؤوا فجبريل عليه السلام يأتي النبي عليه الصلاة والسلام
(1) الآية 6 من سورة التحريم. (2) الآية 46 من سورة الأعراف.
-11_ (1/68)
صفحة 69
تارة في صورة رحبة وطورا في صورة رجل غريب، لا يعرفه من حضر عنده الى غير ذلك لهم أجسام عظيمة هائلة، وقد ورد في الحديث عن النبي عليه السلام) ان ملكا رجلاه في تخوم الأرض وجناح بالمشرق وجناح بالمغرب وعنقه ملتوية تحت العرش) الحديث، والله أعلم
قد امتثلا
فلا تصفهم بشيء من صفاتك مطلقا سوى انهم خلق
الفاء رابطة لجواب شرط مقدر، أي إن أردت أن تعرفهم، أو تصفهم فلا تصفهم بشيء من صفاتك الجسمانية، والشهوانية، أيها الانسان مطلقا، فانهم لا يوصفون بلحم ولا دم، ولا عظام ولا عصب، ولا عروق ولا ذكورية، ولا انوثية بل هم خلق مغاير لجنس الثقلين لا يتزوجون ولا يلدون، بل هم أجساد نورانية ممتثلون أمر ربهم، لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، والخلق، هل خلقوا دفعة واحدة أو شيئا فشيئا، فظاهر الروايات انهم يخلقون شيئا فشيئا، وموتهم دفعة واحدة، وهل يوصفون بكونهم مكلفين أم لا؟ مثار الخلاف هل التكليف تحمل مشقة العبادة، ولا مشقة عليهم في ذلك؟ أو الأمر والنهي؟ فهم مأمورون منهيون، وليسوا بأفضل من بني آدم، خلافا للمعتزلة في تفضيلهم عليهم، حتى زعم الزمخشري تفضيل جبريل عليه السلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، مستدلا أنه رسول من الله اليه، والرسول أفضل من
_19 - (1/69)
صفحة 70
المرسل اليه وهذا الاستدلال أوهى من بيت العنكبوت يرده من كان له أدنى مسكة من العقل.
أفضلهم جبريل والذي زعم تفضيله على الحبيب قد غشم
والانبياء بهم الايمان يلزمنا وما على كلهم من كتبه نزلا
يسع
أي، ومن الواجب علينا معشر المكلفين، الايمان بالأنبياء جملة مالم تقم علينا الحجة، نبي معلوم بعينه، فتجب علينا معرفته فاذا قامت الحجة على نبي من أنبياء الله لزمه معرفته بعينه، ولا يسعه جهله بعد قيام الحجة عليه من طريقها، فيما يسع جهله الأنبياء إلا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، فلا جهل معرفته، بل يجب على المكلف تعيينه باسمه، محمد وأحمد وكذا قيل أبونا آدم عليه السلام، تجب معرفته بعينه وأنه نبي من أنبياء الله، أرسل إلى نبيه، وجملتهم قيل مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا وقيل مائتا ألف وأربعة وعشرون ألفا، والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر، وقيل وأربعة عشر، وقيل وخمسة عشر، فالنبي أعم من الرسول، لأن كل رسول نبي ولا عکس، فالرسول حر ذكر عاقل أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي لم يؤمر بالتبليغ، وقد تقدم هذا، ويجب أيضا علينا الايمان ما أنزل الله على أنبيائه من الكتب، ويجب بجميع علينا تعيين القرآن، وانه ناسخ للكتب السابقة، وانه كله حق
منهم
- V- (1/70)
صفحة 71
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ولا يلزمنا تعيين ماسوى القرآن، مالم تقم الحجة علينا بكتاب بعينه، فاذا قامت الحجة علينا من طريقها في كتاب بعينه لزمنا معرفته، وأنه من عند الله، وجملتها مائة كتاب وأربعة كتب، خمسون منها على نبينا عليه السلام، وقيل على آدم عليه السلام، وثلاثون على إدريس عليه السلام، وعشر صحف إبراهيم عليه السلام، وعشر صحف موسى السلام، إن هذا لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى، وأنزل عليه أيضا التوراة، وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام، والزبور على داود عليه السلام، والقرآن العظيم، وهو الفرقان على سيدنا محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم
أجمعين.
عليه
وبالقرآن خصوصاً بعد جملتها وليس منها قديماً يحتوي الازلا بل كلها خلق الباري وكونه فيما يشاء فلا تصغ لمن عذلا
صلي
أي ويجب علينا معشر المكلفين ان نخص من بين الكتب المنزلة بالتعيين القرآن العظيم، وانه انزل على نبينا محمد الله عليه وسلم، ولا يسعنا جهل ذلك قوله بعد جملتها، أي بعد اعتقادنا، ان جملة الكتب المنزلة حق من عند الله، يلزمنا ان نخص القرآن بالايمان، فيثبت لنا الايمان مرتين، مرة في جملة الكتب وأخرى الايمان به على الخصوص لكونه كتابنا،
- VI - (1/71)
صفحة 72
أولا، الخاص بنا معشر الامة، أنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، والمراد انه يكفي في بقية الكتب المنزلة الايمان بجملتها، وان لم نعرفها بعددها، وعلى من أنزلت لا نفرق بين أحد من رسله، وقوله وليس منها الخ، أي ليس من الكتب
6
المنزلة كلها شيء، لا القرآن ولا غيره بقديم ازلي مع الله تعالى لا بداية له، بل هي كلها محدثة، لأنه لا قديم مع الله كما بينه بقوله، بل كلها خلق الباري الخ، قوله: فلا تصغى، اثبات حرف العلة مع الجازم لغة، أو لضرورة الوزن، والعذل الملامة: أي لا تسمع لمن لام على القول: بحدوث الكتب المنزلة، فانه لام على حق خلافا لمن زعم قدمها، وهم الأشاعرة، لأنها حروف وأصوات مقطعة مسموعة بالاذان، متلوة بالألسن محفوظة في الصدور ملموسة بالأيدي، وليس هذا القديم، ولأن فيها الناسخ والمنسوخ، والنسخ إبطال، والابطال إعدام، وما ثبت قدمه استحال عدمه، وما ثبت عدمه استحال قدمه، قال تعالى: ماننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) (1) وأيضا لو كانت قديمة للزم منه تعدد
القدماء، ولا قديم مع الله عز وجل
من
شأن
6
وزعمت الحنابلة ان الجلد والغلافة قديمان، قلت من أين لكم هذا ان يكون ما تكون من نطفة قديما، فوصفتم المخلوق بصفات الخالق الواجب القدم لذاته، ان هذا لهو
(1) الآية 106 من سورة البقرة.
VY_ (1/72)
صفحة 73
العجب العجيب، وقالوا أيضا هو حروف وأصوات قديمة قائمة بالذات العلية، وقالت الكرامية: حروف وأصوات حادثة قائمة بالذات العلية، وكلا المذهبين يفضي إلى أمر فظيع، أما الأول فإنهم وصفوا المخلوق بصفة الخالق، فجعلوا الله شريكا في القدم، وأما الثاني فإنهم وصفوا الخالق بصفة المخلوق لقيام الحادث به، والقديم لا يكون محلا للحوادث، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، والمراد بكلام الله تعالى، نفي الخرس عنه، لا بمعنى التكلم المعلوم، لأنه لو كان كذلك لاحتاج إلى آلة التكلم من لسان وشفتين وغيرهما، وقوله فيما يشاء متعلق بكونه يعني أن الكتب المنزلة كلها من خلق الله تعالى، وأنه تعالى كونها فيما يشاء، فلا يلزمنا تعيين محل خلقها، وذلك ان الزاعمين لقدمها قالوا: ان كان الكلام مخلوقا فأين محل خلقه؟ وأنت تدري أنها شبهة باطلة، اذ لا يلزم من الجهل بمحل الايجاد
6
نفي الإيجاد، فها نحن نحكم بخلق كل ملك وكل انسي وكل جني، والحال انه قد خفي علينا أمكنة أكثرهم، أو جميعهم فنقول الكتب المنزلة خلق الله كونها فيما يشاء من الأشياء، فإذا كانت قد خلقت في اللوح أو في غيره، فالله أعلم
بذلك
وأيضا قوله تعالى: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} (1) دليل على حدوثه، لأن الصدور
(1) الآية 49 من سورة العنكبوت.
— (1/73)
صفحة 74
حادثة، والحال بالحادث حادث لا محالة، وقوله تعالى: فيه آيات بينات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) (1) والتقسيم دليل الحدوث، وقوله تعالى: خالق كل شيء) (2) عام لكل شيء، فخرج ذاته جل وعلا بالعقل، وما عداه داخل تحت هذا العموم، والكتب المنزلة شيء لا محالة، ولا مخصص لها، ودعوى التخصيص بلا مخصص غير مسموعة، وقد وصفه الله بالحدوث اذ قال: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث (3) الآية، و وصفه بالإحكام والتفصيل اذ قال عز وجل كتاب أحكمت آياته ثم فصلت) (4) الآية، وليس هذا من سمة) القديم، وأيضا هو حال في اللوح المحفوظ، واللوح المحفوظ مخلوق، والحال بالحادث حادث، لاستغناء القديم عن
الحوادث. قالوا: هو كلام نفسي خال عن الحرف والصوت ونمنع هنا قياس الغائب بالشاهد، قلنا لابد إما أن تقولوا أنه صفة ذاتية أو فعلية، فان قلتم أنه صفة ذاتية، ولا تعنون به ما نقوله نحن من نفي الخرس عنه تعالى، لزمكم قياس الغايب بالشاهد هنا أيضا، من سائر الصفات الذاتية، ولا فرق بين صفة وصفة، لأنه لا مانع هنا على زعمكم من القياس، والفرق
مع
الاتحاد تحكم، اذ لا فارق
(1) الآية 7 من سورة آل عمران.
(2) الآية 62 من سورة غافر.
(3) الآية 2 من سورة الأنبياء.
(4) الآية 1 من سورة هود ..
_ VE_ (1/74)
صفحة 75
وان قلتم أنه من صفاته العقلية، لزمكم القول بالحدوث، لأن أفعاله تعالى حادثة على التحقيق، وقولكم كلام خال عن الحرف والصوت، نفي للكلام رأساً كما أن قولكم يرى بلا كيف، نفي للرؤية، لأن الكلام لا تعقله العرب إلا إذا كان حروفا مع الصوت، والله تعالى لا يخاطب العباد بما لا يفهمونه، ولو سلمتم لسلمتم من هذه المكابرة، ولكنتم في غنى عن القول، بأن هذا الذي بين أيدينا الذي سماه الله تعالى قرآنا، ليس بقرآن، وانما هو خياله، لأنه يلزم منه فساد نظم القرآن العظيم، قال تعالى: الم تنزيل الكتاب لاريب فيه من رب العالمين) (1) وقال تعالى: حم والكتاب المبين إنا أنزلناه) (2) الآية، فيكون الضمير في الآيتين الكريمتين ونحوهما عائداً إلى غير مذكور لا لفظا ولا تقديرا، وقد أجمعت العرب أن الضمير لابد له من عائد يعود اليه، فكيف بكم مع قوله تعالى: لاريب فيه) (3) وأنتم تقولون: أنه ليس هذا بحقيقة القرآن بل خياله، ومجازه.
يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم و يأبى الله
إلا أن يتم نوره) (4).
(1) الآيتان 1، 2 من سورة السجدة. (2) الآيات 1، 2، 3 من سورة الدخان. (3) الآية 2 من سورة السجدة.
(4) الآية 32 سورة التوبة.
- Vo_ (1/75)
صفحة 76
وبالقضاء وبما الرحمن قدره وانه خالق افعالنا حُللاً
الواو عاطفة على ما مر، أي و يلزمنا معشر المكلفين
،
بهم
الايمان بالقضاء، فالجار متعلق بالايمان من قوله والأنبياء الايمان، البيت، وكذا في قوله: وبما الرحمن قدره، وما موصولة، أي وبالذي الخ فالرحمن مبتدأ، وجملة قدره خبره،
6
أنه
أي يلزمنا الايمان بالذي حكم به الله تعالى من خير وشر. كله من عنده جل وعلا، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم
لعبادة بن الصامت: (لم تؤمن ولن تبلغ حقيقة الايمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره انه من الله (قال يا رسول الله كيف أن أعلم خير القدر وشره؟ قال: (تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما اخطأك لم يكن ليصيبك فان مت على غير ذلك دخلت النار) ولا يحل الخوض في القدر، و بالخوض فيه هلكت
القدرية قال ابن النظر رحمه الله:
ان
سر
الله في الأرض القدر فدع الاغراق فيه والنظر وقال الناظم في أنوار العقول:
وبالقضاء نؤمن أيضا والقدر ولم يجز اغراقنا فيه النظر
والفرق بين القضاء والقدر هو أن القضاء الحكم الكلي الاجمالي على أعيان الموجودات بأحوالها من الأزل الى الأبد، كالحكم بأن كل شيء هالك إلا وجهه، والقدر هو، اجراء
- 76 - (1/76)
صفحة 77
الحكم السابق تفصيلا بتعيين الأسباب، وتخصيص ايجاد الأعيان بأوقات وأزمان، بحسب قابليتها واستعداداتها المقتضية للوقوع منها، وتعليق كل حال من أحوالها بزمان معين، وسبب مخصوص، كالحكم بأن زيداً يموت في الوقت الفلاني من اليوم الفلاني بالسبب الفلاني، وقد يرد القضاء بمعنى الشيء المقضي، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم انى ا أعوذ
بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء (قوله: وانه خالق الخ، أي و يلزمنا الايمان الله بأنه خالق أفعالنا، حللا بضم الحاء المهملة جمع حلة بضمها أيضا، وهى اللباس حال جامدة، أى كحلل، على حد قولهم كرزيد اسداً، أي و يلزمنا الايمان، بأن أفعالنا معشر المكلفين كلها خلقها الله الاختيارية والاضطرارية، والعباد اكتسبوا الأفعال الاختيارية اختياراً
هم
لا خيراً، بقدرة خلقها الله فيهم، مقارنة للاكتساب لا قبل ولا بعد، وهذا رد على المعتزلة في زعمهم أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية قالوا: ان العبد لولم يكن خالقا لأفعاله الاختيارية، لما عذبه الله تعالى على ما صدر منه من شر، ولما استحق النعيم على ما صدر منه من خير، احتجوا بقوله تعالى: وتخلقون افكاً) (1) ونحوها من الآيات التي فيها اسناد الفعل الى العباد قلنا: أما الثواب والعقاب فعلى الكسب لقوله
(1) الآية 17 من سورة العنكبوت.
_ VV_ (1/77)
صفحة 78
تعالى: ومن يكسب خطيئة أو اثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا واثما مبينا) (1) وقوله تعالى: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) (2) وكثير من آي الكتاب العزيز، نص في الاكتساب من العبد
وكان واصل بن عطاء يتمنى لقاء أبي عبيدة مسلم، فلقيه ذات يوم في الحرم الشريف، وكانا ضريرين، فقال قائد واصل: هذا أبو عبيدة فقال واصل لأ عبيدة: أأنت الذي
تزعم
بي
أن الله يعذب على القدر؟ فقال: لا ولكني أقول: ان الله يعذب على المقدور و يعنى الاكتساب، فقال أبو عبيدة لواصل: أأنت الذي تزعم أن الله يعصى باستكراه؟ فسكت واصلا، ولم يحر جوابا، فقال له قائده سألته فأجابك وسألك فسکت فقال: بنيت له بنيانا منذ أربعين عاما فهدمه وهو واقف، ومعنى قوله: يعصى باستكراه، أي اذا كان العبد يعقل المعصية من غير ارادة من الله، وقد نهاه عن فعلها، لزم ـنه أنه فعل بإكراه، وروى عن عمرو بن عبيد صاحب واصل أنه قال: ما الزمني أحد مثل مجوسي أحد مثل مجوسي، كان معنا في سفينة، اذ قلت له لما لم تسلم؟ فقال: لم يرد الله اسلامي، فقلت له: قد اراد الله اسلامك، ولكن الشياطين لا يدعونك فقال: اذا أكون مع الشريك الأغلب، واما الخلق في قوله تعالى:
منه
(1) الآية 112 سورة النساء.
(2) الآية 286 سورة البقرة.
- VA - (1/78)
صفحة 79
بمعني
وتخلقون افكاً» ونحوها فان الخلق هنا الاكتساب، لا بمعنى الابداع قال تعالى: هل من خالق غير الله (1) فالاستفهام انكاري، أي لا خالق غيره، ولو كان هناك خالق معه تعالى، لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، وقال تعالى ردا على المشركين: «أفمن يخلق كمن لا يخلق» ولو كان هناك خالق غيره جل وعلا، للزم منه المشاركة في هذه الصفة التي امتدح بها عز وجل، وقال تعالى: (والله خلقكم وما تعملون»، والذي تعملونه من نحو الحجارة بحذف بعض أجزائها لتكون أصناما أو الذي تعملون به من الآلات قلت: أما أولا، فانا لا نسلم ان ما هذه موصولة، بل هي مصدرية، أي والله خلقكم وعملكم لأنه لا وجه للرد عليهم في خلق الحجارة أو الآلة التي يعملون بها، لأنهم لا يعبدون كل حجر، بل يعبدون تلك الأحجار التي حذفوا بعض أجزائها حتى صارت أصناما فاتخذوها آلهة يعبدونها من دون الله، فرد عليهم بقوله: والله خلقكم وما تعملون) (2) أي فعملكم لهذه الحجارة أصناما بحذف بعض أجزائها خلق الله تعالى ولا وجه لتخصيصكم بعض الحجارة بالعبادة دون غيرها، فكما لا يحل لكم عبادة سائر الأحجار التي لم تعملوها، أصناما، فكذلك لايحل لكم عبادة
(1) الآية 3 من سورة فاطر. (2) الآية 96 من سورة الصافات. (1/79)
صفحة 80
التي عملتموها أصناما، وأما ثانيا فجعلها مصدرية اولى، لعدم الاحتياج الى تقدير الضمير في تعملون لأن الموصول الاسمي لابد له من عائد، والأصل عدم الاضمار، ولاداعي له هنا، كيف يصح ذلك مع قوله تعالى: وأنه هو أضحك وأبكي) (1) الآية، وقوله تعالى: من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (2) وقوله تعالى: خالق كل شيء) (3) وأفعالنا شيء لامحالة اتفاقا فأين المخصص لهذا العموم، فأنتم خصماء الله في أرضه، لأنه نسب خلق كل شيء له جل وعلا، وأنتم تزعمون أنكم خلقتم بعض ذلك الشيء مالكم كيف تحكمون) (4).
تنبيه:
نسبت المعتزلة لأنفسها خلق أفعالهم الاختيارية، وما
تولد منها كحركة الخاتم بحركة الاصبع والريح الحاصلة بحركة المروحة الحاصلة بحركة اليد قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (ه) وانما قيدوها بالاختيارية، ليخرج عن ذلك الافعال الاضطرارية، كحركة المرتعش، وحركة الساقط، وما يتولد منهما ونحوهما:
(1) الآية 43 سورة النجم (2) الآية 17 سورة الكهف
(3) الآية 62 سورة غافر.
(4) الآية 36 سورة القلم.
(5) الآية 78 سورة النساء
_ A_ (1/80)
صفحة 81
لكنه لايجبر كان منه لنا وعلمه سابق في كل ما جعلا وانما الفعل مخلوق ومكتسب فالخلق الله والكسب لمن فعلا لكن حرف استدراك من قوله خالق افعالنا الخ،
6
والضمير العائد الى الخلق المفهوم من خالق افعالنا، أو الامر أو الشأن، اسمها، أي لكم الخلق أو الامر أو الشأن لا بجبر الباء للمصاحبة، أو بمعنى عن، أي خلقه تعالى لافعالنا غير مصحوب أولا عن جبر منه تعالى لنا معشر المكلفين، بل خلق بجبر، الأفعال كلها الخير والشر، أمر بالخير ونهي عن الشر وهذا أيضا رد على الفرقة الأخرى من القدرية، وهم الجبرية القائلون بأن الله تعالى جبر العباد على ما فعلوه، قالوا: ولم يجعل لهم في ذلك كالخيط في الهواء تقلبه الريح كيف شاءت، أو
،
اختيارا بل هم كالميت بين يدي المغسل لا يقدر على شيء، ولا يستطيع امتناعاً قلنا هذا هو الإفراط وهو واضح البطلان يرده النقل والعقل، أما النقل فقوله تعالى: ومن يكسب خطيئة أو اثما (1) الآية، وتخلقون افكا) (2) ومن يكسب اثما فانما يکسبه على نفسه) (3) لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) (4) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (ه) وكثير مثل هذا نصا في الاكتساب،
(1) الآية 112 سورة النساء (2) الآية 17 سورة العنكبوت
(3) الآية 111 سورة النساء
(4) الآية 286 سورة البقرة.
(5) الآية 7، 8 سورة الزلزلة
_ A_ (1/81)
صفحة 82
واما العقل فيقضي أنه لو كان العبد مجبورا على فعل ما فعل خيرا أو شرا، لكان الأمر والنهي عبثا، كيف يليق بحكمة الحكيم
هو
ان ينهي عن فعل شيء، و يكره المنهي على فعله، أليس هذا السفه والعبث بعينه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، واذا لبطل أمر الوعد والوعيد، لأن المجبور على فعل حسن لا شرف له في فعله، ولا ثواب له، والمجبور على فعل شر لا يستحق النكال على ما جبر عليه، لانه مجبور على فعله، والله تعالى أعدل من ان يجبر عبداً على معصية و يعاقبه عليها، وايضا الجبر لا يكون الا عن ارادة ورضى من الجابر، والله تعالى لا يرضى لعباده الكفر ان الله لا يحب الفساد، ولقد قال صلى الله عليه وسلم في الفرقتين: (لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة القدرية) وقال صلى الله عليه وسلم: (القدرية مجوس هذه الأمة والمرجئة يهودها (والمرجئة القائلون بالارجاء أي تأخير العذاب عن العاصي غير المشرك، اذا مات على فسقه، وقد تقدم بيان مذهبهم، قوله وعلمه الخ الواو عاطفة أي و يلزمنا الايمان بأن علمه تعالى سابق بكل ما صدر من العباد، من خير وشر، علماً واحداً لا يتعدد بتعددها، وعلمه سابق لا يختلف، فكل ماسبق في علمه انه يقع من عبد من عباده فلابد من وقوعه قطعاً من خير وشر، طبق علمه تعالى لاستحالة الجهل عليه وتبدل علمه وتغيره، وفي بمعنى الباء، أي بكل ما جعل بالبناء للفاعل، والضمير المرفوع عائد الى الله، والمنصوب الى الموصول،
- AY- (1/82)
صفحة 83
الله خاصة،
وهو ما الى علمه تعالى سابق بكل الذي خلقه من خير وشر، قوله وانما الفعل الخ انما أداة قصر، أي الفعل مطلقا مقصور على صفتين، خلق واكتساب، فالخلق هو ايجاده، وهو والكسب وهو تلبث العبد بالفعل يكون للذي فعل الفعل المبيت ان للفعل جهتين جهة خلق وجهة اكتساب ومعنى فالاولى محل تعلق قدرة الله تعالى، والثانية محل تعلق قدرة العبد، وقد نظرت الجبرية الى الجهة الاولى فقط، فوقعوا في الجبر، ونظرت المعتزلة الى الجهة الثانية، وهى بزعمهم جهة الكسب فنفوا خلق الفعل عن الله، واضافوه الى العبد، فجلعوا الله شريكاً في الخلق تعالى الله عما يشركون
الضلال
_ AT_ (1/83)
صفحة 84
ذكر الايمان وما يشتمل عليه
ايماننا القول والتصديق مع عمل والقول مر فصدقه وكن عملا بما عليك من الايمان مفترض والنفل ان تستطع فافعله مبتهلا
مجموع
ايماننا مبتدأ، والقول وما بعده خبر له، أي ايماننا هذه الخصال، بما عليك متعلق عملا بفتح المهملة وكسر الميم، اسم فاعل بمعنى عامل أي ايماننا معشر اهل الحق، والاضافة لتشريف المضاف اليه، قول وعمل واعتقاد، وهو المعبر عنه بالتصديق، والقول هو النطق بالجمل الثلاث والاعتقاد هو اعتقاد صدقها، والعمل هو العمل بالفرائض العملية، كالصلاة والصوم والزكاة، مهما وجبت، والحج لمن استطاع اليه سبيلا، لقوله صلى الله عليه وسلم: (بني الاسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا) والقول مر عند ذكر الجمل الثلاث، فصدقه بأداء ما وجب عليك من الايمان، اذ لا يغني قول دون عمل، وقوله مفترض، مبتدأ مؤخر، وعليك خبر مقدم، ومن، ومن الأعمال معمول مفترض، والجملة صلة ما، والنفل يجوز لك فيه وجهان، لاشتغال الفعل عنه بضميره الرفع على الابتداء، والنصب بفعل يفسره أفعله، والنصب ارجح هنا لتمام الوصل
_ AE_ (1/84)
صفحة 85
في عطف الجملة الفعلية الطلبية الانشائية على مثلها، مبتهلا متضرعا الله تعالى، بفعل النفل، وهو الزيادة على الفرائض، أي مخلصا قال تعالى: ثم نبتهل (1) أي نخلص الدعاء أو نخضع، ومعنى قولنا الايمان قول باللسان وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، أي مهما وجب عليه التلفظ بالجملة اذا طلب منه ذلك، لأن ما في صميم القلب لم نطلع عليه معشر الخلق، فلابد من اظهاره بصريح النطق، ان طلبنا منه ذلك، أو كان في دار شرك ليعصم دمه وماله وذريته، وأما العمل بالأركان يجب عليه، اذا قامت عليه الحجة، وحضر وقتها وإلا فجهلها واسع له قبل قيام الحجة عليه بها من طريقها فيما يسع جهله، فإذا قامت عليه الحجة ان عليك الله صلاة مثلا، ولم يدر ما الصلاة، أو عليك الله صوماً، ولم يدر ما الصوم، فقبل حضور وقت هذه العبادات أو نحوها من الفرائض المؤقتة، قيل جهلها واسع له، فلا يلزمه الدينونة بالسؤال، وطلب المعبر، وقيل لا يسعه جهلها، بعد أن قامت عليه الحجة، بأن عليه صلاة مثلا أو صوما، ليكون على بصيرة من دينه، فإذا حضر الوقت أو علمه بوجه ما لقيام الحجة عليه بتعيين الوقت لها، ولم يجد معبرا، فعلى مذهب الجمهور منا أنه لا يلزمه شيء، إلا الدينونة بالسؤال، وطلب المعبر ان تمت عنده شروط الوجوب، وهو وجود الزاد والراحلة وأمان الطريق،
(1) الآية 6 من سورة آل عمران.
_10_ (1/85)
صفحة 86
وصحة البدن وقوت عياله، إلى أن يرجع إليهم، وعلمه به في
مكان ليقصده، والا فلا وجوب عليه، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وذهب بعض أئمتنا كأبي سعيد وأبي محمد، من أهل المشرق والإمام أبي يعقوب من أهل المغرب أنه يلزمه أن يؤدي
6
كما حسن في عقله، فان وجد المعبر فعبر له بالحق فوافق فعله فلا قضاء عليه، وان خالفه فقد اختلفوا في ذلك، قيل عليه القضاء لمخالفته الشرع، وقيل لا، لأنه لا يكلف فوق طوقه، وقال أبو محمد: يلزمه ترك ماقبح في عقله، كذبح الحيوانات لكونها حيوانا، مثله لا يقال ماذهب اليه هو لأي الأئمة منكم، هو ما ذهب إليه المعتزلة بعينه، من تحكيم العقل، وأنتم تعيبون عليهم وتخطئونهم في مقالتهم بذلك، لأنا نقول: إن هؤلاء الأئمة جعلوا ذلك عند عدم الشرع، فإذا وجد الشرع لزم الانقياد له، وترك ما حسنه أو قبحه العقل، فالحكم في الحقيقة للشرع لا للعقل، والمعتزلة يجعلون العقل هو الحاكم. وقالوا: لايرد الشرع إلا مبينا أو مؤكدا لما حكم به العقل فافهم الفرق، واما الفرائض الغير المؤقتة، وهي التي لم يعين لها وقت مخصوص يكون الإتيان بها بعده، إما قضاء كالصلوات الخمس، أو غير مشروع كالحج والزكاة، فقد اختلف في سعة الجهل بها، بعد أن قامت عليه الحجة أن عليه زكاة، ولم يدر، قيل: واسع له جهلها إلى أن تحضره الوفاة، فإن
6
الزكاة ما هي حضرته الوفاة، ولم يؤدها أوصى بها ما لم ينو تركها، فإن نوى
-47 - (1/86)
صفحة 87
ترکها ضاق عليه الجهل، لأنه لا يرجع عن نية الترك حتى يعلمها، وقيل لا يسعه جهلها، بعد أن قامت عليه الحجة ان
عليه زكاة، لزمه الدينونة بالسؤال وطلب المعبر، ليكون على بصيرة من دينه، واختلف أيضا هل هي والحج فوريان أم لا؟ قولان، والثاني هو الأصح لفعله صلى الله عليه وسلم في الحج، فالايمان بالاعتقاد كاف قبل طلبه بالتلفظ بالجملة، وقيام الحجة عليه بالفرائض، ولسنا نقول: ان الايمان لايتم للعبد ما بينه وبين الله، حتى يأتي بالقول والعمل مع الاعتقاد، ولو لم تقم
،
عليه الحجة بشيء من ذلك، فهذا من التكليف بما لايطاق ولسنا نجيزه، لكن عليه النطق اذا طلب منه، والعمل مهما وجب عليه، قال صلى الله عليه وسلم: (أُمرت أن أقاتل
6
الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأني رسول الله) الحديث وقد ذهب الى أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، قدماء الأشاعرة، وأهل الحديث، لكن ظاهر مذهبهم أن الإيمان لا يتم دون اجتماع الثلاثة، حتى بين العبد ور به، ولو لم تقم عليه الحجة بالقول والعمل، وهذا من التكليف بما لا يطاق، وذهب بعضهم الى ان الايمان عمل الطاعات كلها، نفلها وفرضها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الايمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق (وهذا مردود بأن اطلاق الايمان على مطلق الطاعات مجاز لا حقيقة: لأنه شرعا موضوع لفعل
- AV_ (1/87)
صفحة 88
الواجبات، واليه أشار المصنف بقوله النفل ان تستطع فافعله
مبتهلا
تنس
ه:
اعلم أن للإيمان والاسلام استعمالين لغة وشرعا، فالإيمان لغة التصديق بالقلب، والاسلام الانقياد والاذعان وترك التمرد، واما الشرع، فقد نقلهما لمعنى واحد، وهو ما مر فصارا مترادفين بعد أن كانا متباينين، وأبقتهما الأشاعرة على تغايرهما كما هو استعمال اللغة، وذهبت الكرامية الى ان الايمان قول فقط ولو لم يكن معه تصديق ولا عمل مستدلين بفعل النبي عليه السلام والصحابة من بعده أنهم كانوا يكتفون بالتلفظ ممن جاءهم مسلما، ومن المعلوم انهم لم يطلعوا على ضميره ولا ينتظرون له العمل، قلنا: انما يكتفون بذلك في الاحكام الظاهرة من طهارة وغيرها لانهم تعبدوا بذلك وأما ما فذلك موكول الى الله الذي يعلم خائنة الأعين
غاب عنهم وما تخفي الصدور وقد اجمع المسلمون ان من اضمر الشرك والعياذ بالله فهو مشرك لا محالة وان أظهر الاسلام، والله أعلم لمن تزكى، وذهبت المرجئة الى ان الايمان قول بلا عمل فمن قال لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله دخل الجنة ولو ترك الفرائض بأسرها وفعل الفواحش كلها مستدلين بقوله عليه السلام (أمرت أن أقاتل الناس .... ) الحديث، وبقوله صلى الله عليه وسلم (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة قيل له
- M_ (1/88)
صفحة 89
يا رسول الله وان زنى وإن سرق قال وإن زنى وان سرق قيل له وان زنى وإن سرق قال وان زني وان سرق قيل له وان زنى وان سرق قال وان زني وان سرق على رغم أنف أبي ذر) قال الراوي وأشار بأصبعه إلى أنف أبي ذر. قلنا: هذا يرده العقل والنقل، اما النقل فقوله تعالى: ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا (1) ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) (2) والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مُهانا إلا من تاب (3) الآية، ونحوها من الآيات والأحاديث النبوية كقوله صلى الله عليه وسلم: الا اني لا أخاف عليكم من مؤمن ولا مشرك أما المؤمن فقد شغله إيمانه وأما المشرك فقد أذله الله بشركه ولكن أخاف عليكم
من منافق يقول ماتقولون و يفعل ما تنكرون) وقوله عليه السلام: (ليس بين المرء والكفر إلا تركه الصلاة) وأما الحديث الأول فان من تمامه إلا بحقها، قيل: وما حقها يارسول الله قال: (كفر بعد إيمان وزنا بعد احصان وقتل النفس التي حرم الله بغير الحق). وأما الحديث الثاني فانه
(1) الآية 23 سورة الجن
(2) الآية 93 سورة النساء
(3) الآية 68، 69، 70 سورة الفرقان.
-19 - (1/89)
صفحة 90
مقيد بما اذا تاب، لا يقال ان الحديث مطلق، فأين التقيد لأنا نقول كفى بآيات الكتاب العزيز، والأحاديث النبوية تقييداً، والمطلق يحمل على المقيد اتفاقا سواء تقدم أو تأخر، وأما العقل فانه لو كان من ترك الواجبات وفعل المحرمات، ولم يتب كمن وفى بدين الله، وشكر وتاب من الذنوب، ولم يكن ممن أصر لكان هذا هو الحيف بعينه، تعالى الله عن ذلك، واذا لما كان للأوامر والنواهي فائدة، أي فائدة لها اذا كان لا ثمرة لها تعالى الله عن العبث أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون) (1) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (2).
قواعد الدين علم بعده عمل ونية ورع عن كل ما حظلا
قواعد جمع قاعدة، وهي الأصول والأمهات بمعنى مبتدأ، والدين مضاف إليه، والإضافة للاختصاص، والدين هو الاسلام، لقوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام (3) وقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه (4) وقوله تعالى: اليوم أكملت لكم
(1) الآيتان 35، 36 سورة القلم. (2) الآيتان 7، 8 الزلزلة. (3) الآية 19 سورة آل عمران. (4) الآية 85 سورة آل عمران.
-9. (1/90)
صفحة 91
الله
دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) (1) وسمي دينا لأنه يدان الله به، أي يتقرب به إلى إسلاما لانقياد الآتي به إلى الله تعالى، والتذلل، وسمي بين يديه، وترك التمرد، وعلم وما بعده خبر المبتدأ الذي هو قواعد فمجموع ما ذكر هو الخبر، المراد بالعلم علم مالا جهله، وهو مقدم في الإلزام على العمل وما بعده إذ لايأتي العمل إلا بالعلم، وكذلك النية، وكذا الترك ففيه إشارة من المصنف الله عنه إلى أن العمل لا يحصل إلا بالعلم، فالعلم واجب
رضي
6
يسمح
لقوله صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) وقوله عليه السلام: (من لم يتعلم عذبه الله على الجهل) لكن هذا بعد قيام الحجة عليه، ان عليه الله أعمالا واجبة، وقد مر بيان ذلك، والعمل هو أداء الواجبات كالصلاة والصوم، ونحوها.
أداء
ومن المعلوم ان المكلف لا يلزمه شيء من هذا قبل قيام الحجة عليه من طريقها، والنية هي العزم بالقلب على الفعل، واني أفعل هذا الفعل المأمور به أداء لما افترضه الله على، عنه امتثالا لنهي
وامتثالا لامره، واترك هذا المحرم المنهي تعالى، والنية هي اخلاص العمل، وقيل طلب المنزلة من تعالى، وانما كانت النية من قواعد الدين لقوله صلى
الله
الله
الله عليه
(1) الآية 3 سورة المائدة.
_91_ (1/91)
صفحة 92
وسلم: (انما الأعمال بالنيات) وقوله صلى الله عليه وسلم: (لكل شيء لب ولب العمل النية) وقوله صلى الله عليه وسلم: (من عمل وأهمل كمن لم يعمل) وقال صلى الله عليه وسلم: (نية المؤمن خير من عمله (والورع التقوى، والتحرج، فالجار متعلق به، أي والتحرج والتقوى عما حظل بضم الحاء المهملة وكسر الظاء المعجمة المشالة للبناء للمفعول أي منع وحذف الفاعل للعلم به، وهو الله تعالى، أي عن كل مامنع الله تعالى، وهي المحارم، وهذا الورع لابد منه.
ه:
طبقات الورع ثلاث، الأولى ورع العدول، وهو ترك المحارم بأسرها وفعل الفرائض كلها، الثانية ورع الصالحين: وهو ترك المحارم كلها وترك مالا حرج فيه مخافة الوقوع فيما فيه الحرج، كما قال الفاروق رضي الله عنه تركنا سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في الحرام، وفعل الفرائض بأسرها، وما شاء الله من النوافل، الثالثة ورع الصديقين، وهو الزيادة على الثانية بترك مالا حرج فيه، لخوف الوقوع فيما فيه الحرج، وان
لا يدع شيئا من أعمال البر يقدر عليه إلا فعله على قدر طاقته الدرجة القصوى، والمقام الأرفع، ولكل درجات
فهذه هي
مما عملوا:
6
_ ap_ (1/92)
صفحة 93
تشاغل قوم بدنياهم وقوم تخلوا لمولاهم فالزمهم باب مرضاته وعن سائر الخلق أغناهم يصفون بالليل اقدامهم وعين المهيمن ترعاهم فطوبى لهم ثم طوبى لهم اذا بالتحية حياهم
ارض وسلم وفوض واتكل فبذا تحوز أركانه اللاتي بها كملا
ارض وما بعده أفعال أمر، والأمر هنا للوجوب، والمراد وجوب الرضا بقضاء الله، وتسليم الأمر الى الله، والتفويض إليه والتوكل عليه، أما الرضا بالقضاء، فهو الرضا بأمر الله ونهيه، وجميع ما يرد منه جل وعلا من خير وشر، قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: (اعبد الله على الرضى واليقين وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير) أوحى الله إلى موسى عليه السلام: (من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليخرج من تحت سمائي وليتخذ إلها سواي) وروى نبيا من الأنبياء شكا إلى الله تعالى ماناله من المكروه، فأوحى الله اليه الى كم تشكوني ولست بأهل ذم ولا شكوى، هكذا كان بدء شأنك في علم الغيب فكم تسخط قضائي عليك أتريد أن أغير الدنيا لأجلك أو أبدل اللوح المحفوظ بسببك فاقضي ما تريد دون ما أريد فبعزتي حلفت لأن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى لاسلبنك ثوب النبوة ولأ وردنك النار ولا أبالى، والتسليم (1/93)
صفحة 94
هو الانقياد الى الله تعالى، والخضوع وترك الاعتراض عليه والتفويض هو ترك اختيار ما فيه الخطر الى اختيار المدبر العالم
بمصالح الخلق، وقيل: هو ترك الطمع، والتوكل هو الثقة بما عند الله والاياس عما في ايدي الناس، قال تعالى: ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (1).
للناس مال ولي مالان مالهما اذا تحارس اهل المال حراس مالي الرضى بالذي قد كنت املكه ومالي اليأس مما يملك الناس
6
والأركان جمع ركن، وهو الجانب القوي من نحو البيت، شبه الدين بقصر له أربعة أركان، ثم حذف المشبه به، وأثبت من لوازمه الأركان، فالمحذوف استعارة مكنية، والمذكور وهو الأركان تخييل لها، كأظفار المنية، أي هذه الأربعة هي الجوانب القوية من الدين التي لا يقوم إلا بها، والباء في قوله بها كملا، متعلق بكمل والضمير عائد إلى
الأركان، وفاعل كمل ضمير يعود إلى الدين، والله أعلم.
ثم الظهور ودفع والشراء مع الكتمان طرق له أكرم بها سبلا عطف ثم إشارة الى انحطاط رتبة الطرق عن الأركان، فان أركان الدين لايتم الدين إلا بها، مثل القواعد، غير أن قواعده ادخل في اللزوم، و يليها الأركان، وأما الطرق فانها سبيل يقتضي التيسير والتسهيل، فمن استطاع
(1) الآية 3 من سورة الطلاق.
_98_ (1/94)
صفحة 95
الشراء فعله إن شاء، ومن استطاع الظهور فعله، ومن استطاع الدفاع فعله، وأيسرها الكتمان، وهو أضعف طرق الايمان، يسلکه ضعفاء المسلمين الذين عجزوا عن الانكار باليد واللسان، وهو طريق من طرق السلامة، والدفع بمعنى الدفاع، فالظهور هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهارا، وإقامة الحدود والجمعات كآخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهو شأن أكثر الأئمة كالامام عبد الله بن يحيى طالب الحق، والجلند بن مسعود والوارث بن كعب وغسان بن عبدالله وعبدالملك بن حميد والمهنا بن جيفر والصلت بن مالك وسعيد بن عبدالله وناصر بن مرشد، وغيرهم من أئمة عمان رضي الله عنهم عنهم، وغيرهم من الائمة من أهل المغرب، كالامام عبدالوهاب وابنه أفلح بن عبدالوهاب وابنه محمد بن أفلح، وغيرهم رضي الله عنهم، وغفر لهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر جهارا، وأقاموا الحدود والجمعات، وأخذوا الصدقات، وعلى هذا كان أمر الامام عزان بن قيس بن عزان رحمه ورضي عنه، والدفاع كأمر الامام عبد الله بن وهب الراسبي إمام أهل النهر، بايعوه ليدافع عن دين الله تعالى، بعد ما خلع على نفسه برفض حكم الله تعالى، وتحكيم الرجال في الدين، وسيأتي بيان ذلك، والشراة كأمر الامام أبي بلال مرداس بن حدير وأبي حمزة المختار بن عوف، وهو من شراة طالب الحق عبد الله بن يحيى، وقريب
الله
-90_ (1/95)
صفحة 96
6
والزحاف رحمهم الله وهو ان يخرج بأربعين رجلا فما فوقهم باعوا أنفسهم لله تعالى، ليجاهدوا في سبيله ولا يخافون لومة
لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم
ثلاثة
،
ولا يحل لهم نقض البيعة والرجوع منها، حتى ينقصوا عن رجال، يقصرون الصلاة في منازلهم و يتمون حيث وضعوا سيوفهم للقتال، وسموا شراة لأنهم باعوا أنفسا تفنى بجنة تبقى من سعد بها فلا يشقى، أولئك قوم صدقوا الله فيما عاهدوه عليه، والكتمان هو ضد الظهور، كأمر أبي الشعثاء جابر بن
الله وهو
زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وحاجب رحمهم إنكار المنكر بالقلب، ولا عذر لكل مكلف من إنكار المنكر على قدر الطاقة، وعليه كان مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى اذن الله الكريم، باشراق نوره و يأبى الله الا ان يتم نوره فاظهر دعوة نبيه، فجهر بدعاء الخلق الى دين الله تعالى فعبأ الجيوش وشن الغارات وجاهد بالسيف من تمرد، وأبى عن الاذعان لدين الله تعالى، حتى لحق بر به صلى الله عليه وسلم،
آله
صلاة وسلاما يملآن ما بين السماء والأرض، وعلى وصحبه، أي هذه الأربعة الأحوال هن طرق الدين ومسالكه:
6
والطرق هي السبل جمع سبيل، ونصب سبلا على التمييز، على حد قولهم أكرم بزيد رجلا:
وفرزه في ثلاث مؤمن ومنا فق وصاحب شرك جاحد عزلا
_97_ (1/96)
صفحة 97
الواو عاطفة على ما مر، وفرز مبتدأ والضمير المضاف
اليه عائد الى الدين، والجار متعلق بمحذوف تقديره حاصلا، وكائن خبر له، مؤمن، وما بعده بدل من ثلاثة، بدل مفصل من مجمل، وهو بدل البعض من الكل، والضمير محذوف، أي منها أو لا يحتاج إلى ضمير لاستيفاء الثلاثة الأجزاء، المعنى المبدل منه والفرز هو الفصل والتمييز، والمراد به تمييز أصناف ثلاثة: مؤمن وهو الموفي بدين الله تعالى قولا المتدينين وهم وعملا، عاملا بالمأمورات، تاركا للمنهيات، وهو العدل المقبول الشهادة المتولي، ومنافق ويسمى كافرا كفر نعمة، وفاسقا وعاصيا وظالما، ونحوها من الأسماء، إلا الشرك، وهو من جاء بالقول وضيع العمل، كأصحاب البدع وأهل المعاصي غير الشرك، فمرتكب الكبيرة عندنا معشر الاباضية كافر كفر نعمة، اذ لا منزلة بين الايمان والكفر إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) (1) خلافا للمعتزلة في إثبات المنزلة بين المنزلتين، يخصون مرتكب الكبيرة باسم الفاسق، لكنهم وافقونا فيما له من الأحكام من عدم الولاية، وعدم قبول الشهادة، والخلود في النار، فالخلاف اذا بيننا وإياهم لفظي، لاتحاد الحكم فيه، وليس هو بمؤمن، خلافا للأشاعرة في له مؤمنا مقصرا، يعذب بقدر عمله، ثم يخرج الى
تسميتهم
الجنة، وقد مربيان مذهبهم وحسبهم قوله صلى الله عليه وسلم
(1) الآية 3 سورة الانسان
:
_ V_ (1/97)
صفحة 98
(لعنت المرجئة على لسان سبعين نبيا قبلي) قال الله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون
(الظالمون) (والفاسقون) وقال تعالى:
ومن كفر فان الله غني عن العالمين أي من ترك
إنا
الحج بعد وجوبه عليه بحصول شرائطه، وقال تعالى: هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) (1) والعاصي غير
شاكر، وروي انه قيل للنبي عليه السلام يا رسول الله خفي علينا المؤمن من الكافر فقال: (ألا أدلكم على المؤمن من الكافر أما المؤمن إذا قال لا إله إلا الله أتبعه بالعمل الصالح والمنافق إذا قال لا إله إلا الله أتبعه بالفجور) فانظر كيف فسر عليه السلام الكافر بالمنافق، انه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والصنف الثالث مشرك، وهو من أشرك مع الله جل وعلا غيره، في ذات أو صفة أو فعل، أو جحده أو جحد شيئا من صفاته الذاتية أو الفعلية، أو جحد نبيا من انبيائه بعد قيام الحجة عليه به، أو كتابا من كتبه بعد قيام الحجة عليه به أيضا، ولو آية، فالشرك إما مساواة أو جحود، وفي قول المصنف ومشرك جاحد اكتفاء، لأن المشرك شامل للجاحد والمساوى،
وهم في الحكم سواء:
(1) الآية 44 سورة المائدة
-91 - (1/98)
صفحة 99
وما الناس إلا مؤمن أو منافق ومنهم جحود بالاله كفور
وسيأتي بيان حكم كل واحدة من هذه الفرق الثلاث إن شاء الله لنا
وحرزه ان توالى من اطاع وتبرى من مصر وقف عن كل من جهلا الواو عاطفة أيضا على ما مر، وحرز بالحاء المهملة مكسورة وسكون الراء بعده زاي كحرس وزنا ومعنى،، قال في القاموس: واصله حرس اسم أو بفتح الحاء وسكون الراء مصدر وحرزه أي حفظه مبتدأ والضمير المضاف إليه عائد إلى الدين، والخبر إن وصلتها تسبك مع الفعل بمصدر، أي توليتك، وكذا القول في تبرى لأن العطف يؤدي بتكرار العامل، أي حفظ الدين في هذه الثلاثة الأمور موالاة من علمت طاعته، وموافقته للدين، لأن ولاية المطيع واجبة لقوله تعالى: يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك (1) إلى قوله: فبايعهن واستغفر لهن الله) (2) لأن الأمر للوجوب، والاستغفار ثمرة الولاية، وقوله تعالى لنبيه عليه السلام: وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم (3) والدعاء بالخير ثمرة الولاية، وقال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) (4)
(1) الآية 12 من سورة الممتحنة (2) الآية 12 من سورة الممتحنة. (3) الآية 103 سورة التوبة. (4) الآية 71 سورة التوبة.
_99_ (1/99)
صفحة 100
الآية وهذا مدح من الله تعالى لهم، والمدح دليل الوجوب، ما لم تصرفه قرينة عن الدلالة على الوجوب، وقال تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات (1) قرن جل وعلا الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات بالعلم به، والاستغفار ثمرة الولاية، فكلا الأمرين واجب، لأن المعطوف يعطى حكم ما عطف عليه، إلا إذا صرفته قرينة، وقال تعالى:
وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق (2) وعلى الوجوب قال الناظم في أنوار
العقول:
ولاية المؤمن فرض حققا وهكذا براءة الذفسقا
وكذلك البراءة واجبة، ممن علم فسقه لقوله تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ابناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم (3) الآية، وقال تعالى: ومن يتولهم منكم فإنه منهم) (4) وقوله تعالى: وما كان استغفار ابراهيم لأ بيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو الله
(1) الآية 19 سورة محمد
(2) الآية 72 سورة الأنفال (3) الآية 22 سورة المجادلة
(4) الآية 51 سورة المائدة. (1/100)
صفحة 101
تبرأ منه ان إبراهيم لأ واه حليم) (1) فقد مدحه الله تعالى على براءته من أبيه، والمدح دليل الوجوب، والولاية هي الميل بالقلب والجوارح إلى مطيع لطاعته، فتثمر النصرة والمعونة قال تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى) (2) والذب عن المتولى والبراءة هي الميل بالقلب والجوارح عن العاصي لعصيانه فتثمر الشتم واللعن، والوقوف هو الامساك عن كل من لم تعلم حاله، أي لم يتبين كل منه موجب ولاية، ولا موجب براءة قال الفاروق رضي الله عنه: من علمنا منه خيرا قلنا فيه خيرا وظننا فيه خيرا وتوليناه، ومن علمنا شرا قلنا فيه شرا، وظننا فيه شرا وتبرأنا منه
بقوله:
وأقسام الوقوف خمسة جمعها الناظم في أنوار العقول
وقوف دين رأي أو سؤال اشكال أوشك على ضلال
فوقوف الدين أن تقف عن كل من لم يتبين لك منه
موجب ولاية، ولا موجب براءة، وهذا الوقوف واجب لقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم» ولقوله صلى الله عليه وسلم: (الأمور ثلاثة أمر بان لك رشده فاتبعه وأمر بان لك غيه
(1) الآية 114 سورة التوبة.
(2) الآية 2 سورة المائدة. (1/101)
صفحة 102
فاجتنبه وأمر أشكل عليك فقف عنه) وفي رواية (فكله إلى الله) وقال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن وقاف والمنافق وثاب) و وقوف الرأي في الولي إذا فعل حدثا خفي عليك حكمه، فان بعض العلماء قال بجواز الوقوف عن ولايته لذلك الحدث، وتعتقد ولايته ان كان حدثه لا يفضي به الى براءة، المسماة عندهم بولاية الشريطة، ومنع أصحابنا الله تعالى هذا الوقوف قالوا: لأن فيه رجوعا من
وهذه هي
المغاربة رحمهم اليقين إلى الشك، والقاعدة لا يزيل اليقين إلا اليقين، وهذا واضح لكن يرد عليه، وأمر أشكل عليك فقف عنه، واجيب بان وجوب هذا الامساك مالم يسبقه يقين، فاذا حصل اليقين ارتفع الشك وزال الابهام، لكن هذا الوقوف للضعيف خاصة لئلا يتولاه على حدث موجب براءته، وحيث جاز وقوف الرأي جازت براءة الرأي، وهو ان تبرأ من الولي ان كان حدثه ذلك يفضي به الى براءة، وأمر البراءة أعظم من أمر الوقوف، و وقوف السؤال هو وقوف الرأي بعينه، لكن بعض الفقهاء أوجب السؤال على الواقف عن حكم حدث هذا الولي، هل هو حدث يوجب البراءة منه أم لا؟ و وقوف الاشكال أن تقف عن الوليين إذا تلاعنا، أو تقاتلا، ولم تدر المحق منهما من المبطل، فان الفقهاء اختلفوا في أمرهما، ذهب بعضهم إلى البراءة منهما معاً، لأنه شك أن أحدهما محدث حدثا
يوجب
براءته، فان تولاهما لابد أن يكون تولى محدثا، أو وقف عنهما (1/102)
صفحة 103
لابد أن يقف عن محدث حدثا يستحق به البراءة، وان تولى أحدهما ووقف عن الآخر أو تبرأ منه حكم بلا دليل ورجح بلا وهذا باطل، قلت وبطلان البراءة أوضح لقوله صلى الله مرجح عليه وسلم: (خلع المؤمن كقتله ومن خلع مؤمنا فقد قتله) وفي الأثر البراءة وحد السيف، وقال أبو عبيدة رحمه الله: لا تبر
إلا على مثل عين الشمس، وأيضا ولايتهما ثابتة باليقين، ولايزيل اليقين إلا اليقين، وذهب بعض إلى الوقوف عنهما لاشكال أمرهما لعدم علم المحق منهما من المبطل، ولأن ولايتهما ثابتة بيقين، ولا يزيله إلا يقين لكن عارض ذلك اليقين، هذا الحدث المحتمل وقوعه من كل منهما فتعين الوقوف، وذهب بعض إلى إبقائهما على ولايتهما السابقة لهما باليقين ولا يزيله إلا اليقين، وقد وقعت مسألة القتيلين في أرض المغرب فوجدا سيف كل منهما في جثة الآخر، فاختلفوا فيهما نحو هذا الخلاف فكتبوا بذلك إلى المشرق، فكتبوا لهم إستحسان ابقائهما على ولايتهما السابقة لهما لاحتمال أن يكون أحد اعتدى عليهما فقتلهما، وجعل سيف كل واحد منهما في جثة الآخر ابتغاء الفتنة، وأما وقوف الشك فهو حرام، وهو أن يقف عن كل الناس، ولا يتولى إلا من وقف كوقوفه، ووجه حرمته أن في الناس من تجب ولايته بالحقيقة، وبراءته بالحقيقة والواقف هذا الوقوف تارك لهذا الوجوب، وأيضا لا عذر لأحد عن ولاية الجملة، وبراءة الجملة، وهو أن يتولى كل ولي (1/103)
صفحة 104
عند الله و يبرأ من كل عدو عند الله اجمالا هكذا، والواقف هذا الوقوف تارك لهذا الوجوب، وأيضا فالولاية بحكم الظاهر
واجبة، فهذا وجه حرمته فقد بان الحق واتضح السبيل والحمد لله، والولاية والبراءة أصلان من أصول الدين، لابد
6
للمكلف منهما بعد قيام الحجة عليه بهما من طريقهما السمعي، على قول الجمهور، أو العقلي على قول البعض، وهي أقسام ثلاثة ولاية الجملة وولاية الدين، وهي المسماة بالولاية بحكم الظاهر، وولاية الحقيقة، وسيأتي بيان الجملة
والحقيقة، ويقابل كل قسم منها قسم من أقسام البراءة ولكل واحد من الولاية والبراءة أربع طرق عيان، يوجب أحدهما وشهرة، وشهادة عدلين، وشهادة عدل واحد على خلاف وتفصيل في الولاية، وإقرار في البراءة، لأن أصدق شاهد على المرء لسانه، فاذا شاهدت من شخص الوفاء بدين الله تعالى، والموافقة في الدين، وجبت عليك ولايته، وكذا من شهرت ولايته من السلف كالصديق والفاروق وحمزة بن عبدالمطلب وابن عباس وغيرهم، وكالامام أبي الشعثاء جابر بن زيد، والامام عبدالله بن يحيى طالب الحق، ونحوهم، وكالامام أبي سعيد وغيرهم من أئمة العلم والدين وكذا اذا شهد عندك عدلان عالمان بحكم الولاية والبراءة، ان فلانا ولي أو موف بدين الله تعالى وجبت ولايته، واما العدل الواحد فقيل: تجب الولاية بشهادته، اذا كان عالما بأحكام
،
-1.2_ (1/104)
صفحة 105
الولاية والبراءة، وقيل اذا فسر، وقيل: اذا سئل وجب على السائل الولاية، فسر أو لم يفسر، وتجب البراءة بالمعاينة والشهرة الحقية، وشهادة العدلين بالبراءة أو الحدث، وانه موجب للبراءة على غير سبيل الدعوى والقذف، عالمين بموجباتها، وان كانا ضعيفين، فحتى يفسر أو ينظر العالم في حكم ذلك الحدث، هل هو موجب للبراءة من فاعله أم لا؟ ولا يحل لأحد البراءة بمجرد حدث لايدري حكمه لضعفه علماً لأن البراءة لا تكون إلا على مثل عين الشمس، فلو تبرأ أحد بدين من محدث لا يعلم ذلك المتبرئ حكم ذلك الحدث ولو كان ذلك الحدث في الحقيقة مكفرا هلك ببراءته بالدين عن غير يقين، أو أقر على نفسه بحدث موجب للبراءة برئ منه لأن أصدق شاهد على المرء لسانه، وتقبل شهادة العدول على الاقرار بالحدث المكفر، و يبرأ بشهادتهما، ومن تولى محدثاً المكفر برئ منه، لأن من تولى محدثا على حدثه، فهو محدث أو تبرأ ممن تبرأ منه، لأن من تبرأ ممن تبرأ فقد تولى أو وقف عن العلماء اذا ابرأوا من المحدث، ففي جميع هذه الوجوه هالك، وكذلك من تبرأ من محق بغير حدث، أو تولى من تبرأ منه بغير حق، لأن من تولى من تبرأ فقد تبرأ أو وقف عنه لبراءته من المحق بغير حق، فهو هالك في جميع هذه الوجوه، ومن رأى من وليه حدثا، وله محتمل في الحق لعذر نزل به كما اذا رآه يأكل لحم ميتة أو لحم خنزير، أو يأكل مال الغير، أو يأكل في شهر
على
حدثه
_1.0_ (1/105)
صفحة 106
الصوم في وطنه لغير عذر، بان له في رأي العين، وله محتمل أبقاه على حاله السابق من أمر الولاية لقوله صلى الله عليه وسلم: (لو كان بينك وبين أخيك مثل نسج العنكبوت لا تهتك ستره (وله سؤاله عن فعله ذلك، فان جاء بعذر يخرجه عن الكفر أبقاه على حاله، وإلا استتابه، فان أبى برئ منه، وليس هذا السؤال تجسسا بل هو تثبت في الدين لئلا يتولاه على دخل، ولهذا المقام أبحاث يطول بها الكتاب فمن أرادها فعليه (بالاستقامة للامام الكدمي رحمه الله) (وكرسي الأصول للعلامة الخليلي رحمه الله) فان هناك مالا مزيد عليه:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم درهما ما اغزر علمهما وابهر فهمهما:
فلله
ووال في جملة من قد اطاع وعا د من عصى جملة لله ممتثلا
من
الواو عاطفة على قوله: وقف عن كل من جهلا، أي ويجب عليك أيها المكلف ولاية من ثبتت طاعته عند الله تعالى، علمت منهم ومن لهم تعلم من الثقلين كافة، من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، ويجب عليك أن تعادي الله تعالى كل كافة عدو له في علمه من علمت منهم، ومن لم تعلم من الثقلين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، لأن كل شخص منهم سابق في علمه تعالى أنه شقي أو سعيد، وعلمه تعالى لا يتبدل ولا يتغير، لقوله صلى الله عليه وسلم: (السعيد من سعد
-1·7_ (1/106)
صفحة 107
ببطن أمه والشقي من شقي ببطن أمه) وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها في الجنة أو في النار (نعوذ بالله منها والجار من قوله: وعاد من عصى جملة لله البيت، يحتمل تعلقه بعاد أي وعاد الله من عصى، وقوله: في جملة متعلق بوال والظرفيه حجازية، جعل جملة الاعتقاد ظرفا للموالاة، وقوله جملة الثانية منصوب على الحال من فاعل عصى، وهذا القسم من أقسام الولاية والبراءة، هو المسمى بولاية الجملة و براءة الجملة، وعبر عنها بعض الأئمة بعقيدة الانسان، وهذا القسم لابد للمكلف منه بعد قيام الحجة عليه به، ولوضعيفا لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحب الله وأبغض الله وأعطى الله ومنع الله فقد استكمل خصال الايمان) دل هذا الحديث بمفهومه ان من لم يحب الله ويبغض الله، لم يستكمل خصال الايمان، وهذا القسم أعم من الحقيقة، الآتي بيانه لأنك تتولى كل ولي في علم الله، من علمت ومن لم تعلم، وتبرأ كذلك ولا تتولى ولا تبرأ بالحقيقة الا من علمت، واخص من حكم الظاهر لأنك ربما تتولى بالظاهر عدوا لك في الجملة، وتبرأ في الظاهر من ولي لك في الجملة، لأن الظاهر غير الحقيقة، والحقيقة غير الظاهر، والله يعلم المفسد من المصلح، وعلمه جل وعلا لا يتبدل، والله بكل شيء عليم
وكل من عصم المولى ولايته فرض كعدوان من اياه قد خذلا
- 1 • V_ (1/107)
صفحة 108
الواو استئنافية، وكل مبتدأ، ومن اسم موصول بمعنى
الذي مضاف اليه، وجملة عصم المولى صلته، والضمير المحذوف
6
فيه عائد الى الموصول، وولاية بدل من كل بدل اشتمال وفرض خبر المبتدأ، والكاف من كعدوان اسم بمعنى مثل صفة لفرض، أي مثل عدوان، أو يقدر هناك مضاف محذوف أي مثل فرض عدوان الخ، وعدوان مصدر عاداه، والاسم العداوة، ومن اسم موصول مضاف إليه، وجملة اياه قد خذلا صلته والضمير المنفصل عائد الى الموصول، أي يجب عليك ايها المكلف ولاية كل من عصمه الله، أي منعه من المعاصي المكفرة اجمالا وتفصيلا ولاية حقيقية لمن ثبتت له الولاية الحقيقية اذا قامت عليك الحجة بذلك من طريقها السمعي، كجملة الملائكة لقوله تعالى: لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (1) و يسبحون الليل والنهار لا يفترون (2) وجملة الأنبياء والرسل عليهم السلام، وأصحاب الكهف،
(2)
وجملة من وصفه الله بالصلاح والايمان والتقوى والفلاح والرشد، وسماه الله باسمه كمحمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: وما محمد إلا رسول (3) مع قوله تعالى: قوله تعالى: ان الله)
(1) الآية 6 سورة التحريم
(2) الآية 20 سورة الأنبياء (3) الآية 144 سورة آل عمران
-1.^_ (1/108)
صفحة 109
(3)
وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسلي ما (1) وابراهيم وسليمان و داود وشعيب ولوط وصالح ولقمان وهود وموسى وعيسي و يعقوب و يوسف، وغيرهم ممن سماه الله باسمه، کمريم ابنة عمران، أو أبهم اسمه نحو وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) (2) اذ أرسلنا اليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا اليكم مرسلون) وقال رجلان من الذين يخافون انعم الله عليهما (4) وقال رجل من آل فرعون يكتم ايمانه (ه) فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (6) أو ذكر بكنيته كأم موسى وامرأة فرعون ونحوهما، فهؤلاء كلهم تجب على المكلف ولايتهم بالحقيقة، ويقابل كل نوع من هذه الأنواع نوعا ممن تجب البراءة منه بالحقيقة، كجملة الفاسقين والظالمين والمنافقين والكافرين، والمشركين وأصحاب الاخدود، وجملة الشياطين وآل فرعون وقوم لوط، وقوم صالح
وقوم تبع وأصحاب الأيكة، والمؤتفكات، ومن سمي باسمه
(1) الآية 56 سورة الأحزاب
(2) الآية 20 سورة القصص.
(3) الآية 14 سورة يس
(4) الآية.23 سورة المائدة
(0) الآية 28 سورة غافر.
(1) الآية 65 سورة الكهف
•
،
_ 1 • 9 _ (1/109)
صفحة 110
كابليس وفرعون وهامان وقارون وآزر ونمرود، ونحوهم، أو ذكر بكنيته، كأبي لهب وامرأة نوح وامرأة لوط، ونحوهم، والذين ذكرهم الله بقوله: كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال اني برئ منك) (1) لى قوله فكان عاق تهما انهما في النار خالدين فيها) (2) وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون (3) فهؤلاء تجب البراءة منهم بالحقيقة، وهذا القسم لا يتوصل إليه، إلا بأحد طريقين، إما كتاب من كتب الله، أو على لسان نبي من أنبيائه يخبر بذلك، وأنت تنظر الى شفتيه تتحركان مع سماع لفظه بذلك، أو رفعت لك ذلك شهرة قاضية من
لسان نبي
6
بشرط السماع من ذلك النبي، وان رفع ذلك العدلان عن النبي، ومن لم يبلغ حد الشهرة، فلايفيد إلا الحكم الظاهر فقط لأن الحقيقة لا تكون إلا عن يقين، وشهادة العدلين لا تفيد إلا الظن، والحق أن الشهرة لم تقتصر على عدد معلوم، بل ما سكن لها الصدر وثلج بها القلب، وفي التعيين بعدد معلوم خلاف، فيجب القطع بأن من ثبتت ولايته بالحقيقة هو من
(1) الآية 16 سورة الحشر.
(2) الآية 17 سورة الحشر.
(3) الآية 48 سورة النمل.
-11 - (1/110)
صفحة 111
من
أهل الجنة قطعا، ولو فعل ما فعل في حياته، ولو ارتد والعياذ بالله، ومات على ذلك في رأي العين وأنت على رأسه ولم تعلم منه توبة يجب عليك القطع بسعادته الأبدية، وأنه لايموت إلا تائبا، لعدم تبدل علمه تعالى والله يعلم المفسد المصلح) (1) لكن تنفذ فيه الأحكام في حياته من قتل بارتداد، أو رجم أو قصاص أو جلد أو قطع، وغير ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها (و يبرأ الله تعالى من تلك الأقوال التي فعلها مع القطع بولاية ذاته، وكذلك الثابتة براءته بالحقيقة، اذا فعل أعمال البرينزل حيث نزل به فعله اذا بلغ حد العدالة بحكم الظاهر من قبول شهادته، أو عقدت عليه الامامة لزمت طاعته والاذعان له وحرمت مخالفته في الحق تتولى منه أفعاله
الله
الجميلة، مع اعتقاد براءته القطعية، بعدم جواز تبدل علم تعالى، والأصل في رد الباطل على المتولى بالحقيقة، وقبول الحق من العدو بالحقيقة، قوله صلى الله عليه وسلم: (اقبلوا الحق ممن جاء به ولو كان بغيضا بعيدا وردوا الباطل على من جاء به ولو كان قريبا حبيبا) والحق أحق أن يتبع، لأن الظاهر غير الحقيقة، ولا يحكم باحدهما موضع الحكم بالآخر.
وسمي
هذا القسم بالحقيقة لثبوته، وعدم جواز تبدله
(1) الآية 220 سورة البقرة. (1/111)
صفحة 112
من قولهم حق الشيء اذا ثبت، أو لموافقته الواقع في علمه تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (السعيد من سعد ببطن أمه والشقي من شقي ببطن أمه (الحديث، وقال صلى الله عليه وسلم: (ربما يعمل المرء عمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها الا قدر شبر أو ذراع فيدركه علم الله السابق فيعمل عمل أهل الجنة فيموت فيدخلها وربما يعمل المرء عمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه و بينها إلا قدر ذراع أو باع فيدركه علم الله السابق فيعمل عمل أهل النار فيموت فيدخل النار) اللهم لطفاً لطفاً، والله تعالى لايظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ولا يظلم ربك أحدا، ومعنى قوله عليه السلام: (يدركه علم الله السابق (أي ما سبق في علمه تعالى انه يعمله العبد باختياره فيموت عليه، اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء
وسوء القضاء
الله
تنبيه:
قال المصنف من ثبتت سعادته في الحقيقة فمات على الشرك في رأي العين، فانه ينزل في حكم الظاهر، حيث أنزل نفسه فلا يرثه قريبه المسلم، ولا يُغسل غسل المسلمين، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين قال: وهذا كله من توابع شركه الذي كان منه في حياته الدنيا، تعبدنا الله في (1/112)
صفحة 113
حكم الظاهر ان نعامله بما ظهر لنا من أفعاله، و يثيبه الله على ما خفي علينا من أحواله، قال: وماقلته في المشارق رجعت عنه الى ماذكرته ها هنا:
وكن موال امام المسلمين ومن حوته طاعته الا الذي انخذلا
اطلعت
الواو عاطفة على ما مر، وكن فعل أمر كان الناقصة اسمها مستتر وجوبا، وموال خبرها وامام مفعول موال والمسلمين مضاف إليه ومن اسم موصول بمعنى الذي معطوف على امام المسلمين، وجملة حوته طاعته صلته، والمراد بذلك من وجبت عليه طاعته، فدخل في ولايته، وقام بحقوقه، وقوله إلا الذي انخذلا استثناء متصل مما قبله، والمستثنى من على معصيته، وخذلانه فان هذا والعياذ بالله تخصه بالبراءة، وان قام بحقوق الامامة فان فعل الطاعة لا يوجب بنفسه ولاية، حتى يجتنب المعاصي أي ويجب عليك أيها المكلف الذي قامت عليه الحجة بوجود الامام المعاصر ولايته لأنه لايسع جهله، وجميع شملته طاعته، وهو معنى قولهم: ومن تحت رايته ولاية كاتبه وخازنه، وجميع أهل دولته، كوجوب ولاية الصحابة جملة رضوان الله عليهم إلا الذي انخذل بالنون والخاء المعجمة والزاي، أي انقطع، يقال خذل كقتل بمعنى قطع فانخذل، أي انقطع، أي إلا من انقطع عن طاعة الله الى معصيته، وخالف سيرة امامه في خاصة نفسه، فهذا تجب منه البراءة،
من (1/113)
صفحة 114
وان حوته راية الامام ودخل في بيضة الاسلام، اذ لا يترك الحكم الخاص للحكم العام، والمراد بالامام هنا الامام المعاصر، فانه لا يسع جهله لأهل مصره، بل تجب عليهم ولايته ومناصرته، لأنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم
(1)
الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا الأول يجاهدون
الآخر منهم
فلازال الائمة الراشدون يتبع في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم (2) وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم (3) وأما غير المعاصر من الأئمة الأسلاف رضوان الله عليهم فواسع جهلهم إلا من قامت الحجة بولايته، كالصديق والفاروق وعبدالله بن وهب والراسبي وجابر بن زيد وعبد الله بن يحيى وأبي حمزة والمختار بن عوف ومحبوب بن الرحيل ومحمد بن محبوب وموسى بن علي، وغيرهم أئمة العلم والدين رحمهم الله ورضي عنهم وغفر لهم
من
واما الامام المعاصر، فلا أهل مصره جهله إلا من يسع يبلغه عقد امامته، فاذا بلغه عقد امامته لزمه ولايته، لوجوب
(1) الآية 55 سورة النور.
(2) الآية 54 سورة المائدة
(3) الآية 20 سورة التوبة.
- 114 (1/114)
صفحة 115
طاعته عليه، لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (1) وقوله عليه السلام: (وأطيعوا ولاة أموركم (الحديث، فطاعة أولي الأمر منا معشر المؤمنين واجبة علينا، كما يجب علينا طاعة الله ورسوله، ما ساروا فينا بحكم كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، وأما اذا حادوا عن الحق وضلوا عن سواء السبيل
ونبذوا كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، وراء ظهورهم، فلا طاعة لهم علينا في رقابنا، وقد روي عن الصديق رضي الله عنه انه لما ولي الخلافة خطب الناس فقال: يا معشر المسلمين وليتكم ولست خيرا منكم، فأطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فاذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، فاذا فعل الامام حدثا يوجب البراءة وجب على المسلمين استتابته، فان تاب أقروه على امامته، وان أبى خلعوه وبرئوا منه، وان كان حدثه موجبا لحد خلعوه حالا، ونصبوا غيره، ليقيم عليه حكم الله ورسوله، هذا اذا اشتهر حدثه، وأما إذا استتر عن الناس واطلع عليه بعض المسلمين برئ منه في السريرة بعد استتابته، ان لم يتب أو قبلها ثم يستتيبه فان تاب رده الى ولايته، وإلا مضى على التبري منه سريرة، ولا يحل له إظهار البراءة منه، لئلا يبيح من نفسه البراءة ولا يحل لأحد أن يبيح من نفسه البراءة، يبيح
(1) الآية 59 سورة النساء
_110_ (1/115)
صفحة 116
وأما من لم يبلغه عقد امامته، وأن المسلمين أجمعوا على صحتها فمعذور حتى تقوم عليه الحجة بذلك لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) (1) فمن أبى عن طاعته قاتله حتى يفيء إلى أمر الله قال الصديق رضي الله عنه، والله لو منعوني عقالا، وفي رواية عناقا، مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه، قال ذلك لما ارتدت العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم،
فبايعه المسلمون على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد
الله
الله
، وقد شرح صدره لقتال أهل الردة يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم و يأبى الله إلا أن يتم نوره (2) فأظهر دين ورده كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قيل لولا أبو بكر لما عبد الله في الأرض فمضى على سبيل النبي صلى الله عليه وسلم حتى قضى نحبه رحمه الله، ثم قام بالأمر من بعده باجماع المسلمين أبو حفص الفاروق سيف
الله
الله في أرضه رضي الله عنه، ففتح الفتوح وجاهد في سبيل حتى لحق بصاحبيه رضي الله عنه (مضى على المنهاج لم يبدل .. على سبيل صاحبيه الاول) ( .. ذاك أبو حفص امام وولي) ثم لازالت الأئمة بعدهم ينفذون الأحكام، و يقيمون الحدود
(1) الآية 7 سورة الطلاق (2) الآية 32 سورة التوبة.
-117 - (1/116)
صفحة 117
إعلاء لكلمة الله تعالى واظهارا لدعوة رسوله صلى الله عليه وسلم، جزاهم الله عن الاسلام وأهله خير جزاء:
وعاد في الدين جبارا وعامله ومن له في سبيل المكفرات تلا لا كل من قد حوى سلطان عزته اذ قد يكون هناك مؤمن دخلا والواو عاطفة على ما مر، والمكفرات جمع مكفرة، وهي الفعلة الموجبة لكفر مرتكبها، ولو كان اصرارا على صغير، والكفر هنا شامل للشرك والنفاق، أي ويجب عليك أيها المكلف أن تعادي في الدين أئمة الجور والسلاطين الجورة، وعمالهم وكتابهم وخزانهم، وكل من تبعهم في جورهم وكبرهم لا كل من كان تحت رايتهم، لاحتمال أن يكون هناك، فالإشارة إلى من حوى سلطان عزته،، فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين أي لاحتمال أن يكون تحت سلطانه مؤمن، قعد تقية لنفسه أو ماله، کمؤمن آل فرعون وزوجته وجابر بن زيد، وأمثالهم من المسلمين، فلا تزر وازرة وزر أخرى، وليس لهم في رقاب المسلمين طاعة، فالبراءة منهم واجبة بحكم الظاهر على من عاصرهم وظهر له جورهم، وأما من سلف منهم،، فأنت في سلامة من ولايته وبراءته، حتى تقوم عليك الحجة بذلك بشهرة مثلا كشهرة عدالة الخليفتين الأولين، ومن قفي أثرهم كالإمام عبد الله بن يحيى وكشهرة جور الحجاج بن يوسف والسفاح، وغيرهم من أئمة الجور، فهؤلاء تجب البراءة منهم على من شهر
- 117 - (1/117)
صفحة 118
عنده ذلك، كما تجب عليه ولاية الأولين، وأما غيرهم فهم
كسائر الناس، والله أعلم
ثم الولاية توحيد تكون واخرى طاعة فرضت ان شرطها حصلا كذا البراءة والشرط الذي وجبت به الولاية ان تلفيه ممتثلا
اي بعد ما علمت أحكام الولاية والبراءة، وأقسامها
الى جملة وظاهر، وحقيقة
فاعلم أن الولاية والبراءة ينقسمان باعتبار آخر، الى توحيد يجب اعتقاده كسائر العقائد، وإلى ولاية يجب أداؤها كسائر الأعمال الواجبة، وهي الولاية بحكم الظاهر، والبراءة بحكم الظاهر، وهي التي تسمى براءة الأشخاص، فلا يشك العبد بانكار هذا القسم على التأويل، و يشرك بإنكار ماقبله
الله
، و بينه وبين
والمراد به ولاية الجملة وبراءة الجملة، وولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، في حق من ثبتت عنده طريقها، لأن هذا لابد للمكلف منه ولا يتم إيمانه فيما بينه وبين العباد إلا به، لأن هذا من لوازم التوحيد، ومن ضروريات الدين، ومن تصديق النصوص القاطعة، فيما وردت به خصوصا، وأما القسم الثالث من الولاية والبراءة، وهو المنسوب إلى حكم الظاهر، فلايكون توحيدا بل طاعة عملية، واجبة عند وجود شروطها المرتب عليها وجوبها، وذلك الشرط الذي
6
-114 - (1/118)
صفحة 119
وجبت به الولاية، أن تلفي صاحبك ممتثلا لأوامر ربه، مجتنبا مناهيه، فالشرط مبتدأ وأن بفتح الهمزة مصدرية، وهي وصلتها خبر المبتدأ والشرط الذي تجب به البراءة أن تجده عاصيا
معانداً، ومعرفة ذلك يحصل من الطرف السابق ذكرها من المعاينة وما بعدها
وربنا لم يزل للمؤمنين وليا هكذا وعدوا للذي نصلا وهكذا أبدا ليس الزمان ولا الأفعال تقدح فيه خذه منتحلا
الواو استئنافية، ورب مبتدأ مضاف لضمير الجمع المتكلمين حقيقة في بعضهم، ومشاركة في الآخرين، ووليا خبر يزل، واسمه ضمير يعود الى الرب جل وعلا، وللمؤمنين متعلق بولي، والجملة خبر المبتدأ، واسم يزل هو الرابط، وعدوا معطوف على وليا، وقوله للذي متعلق بعد، وذكر الناظم رحمه الله في هذين البيتين بقية من أمر الولاية والبراءة، وهو الذي مر ذکره سابقا بحكم الحقيقة، فبين هنا معنى ولاية الله لأوليائه
وعداوته لأعدائه، وانهما صفتا ذات لا فعل خلافا لبعض
بهم
6
وأشار لذلك بقوله: لم يزل (الخ). ومعنى ذلك علمه تعالى و بأعمالهم، وما يختم لهم به وما هم صائرون إليه، من خير وشر، قبل أن يخلقهم لأن علمه تعالى ذاتي ولايغير ما هو السابق في علمه، من خير وشر مرور الزمان ولا أفعال العبد في حياته، (1/119)
صفحة 120
لأنه لابد وأن يختم له بما هو السابق في علمه تعالى، لعدم جواز تبدل علمه ما يبدل القول لديّ وما أنا بظلام للعبيد) (1)، فكل ماسبق في علمه جل وعلا، لابد من كونه فيفعله الشخص باختيار منه، لا بجبر ولا اکراه، روي انه اذا وقعت النطفة في الرحم، أوحى الله الى ملك الأرحام، أن اكتب أجله ورزقه وسعيدا أو شقيا بعمله، وروي عنه صلى الله عليه وسلم: (السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه) قيل له: أنتكل على ذلك يا رسول الله فقال: (اعملوا كل ميسر لما خلق له (وفي رواية (ففيم العمل اذا يا رسول الله (ولا يتبدل حكمه تعالى بتبدل أحوالهم في العمل خلافا للنكار، والله أعلم.
لكننا قد تعبدنا بطاعته فكلنا عامل بماله جعلا
قوله: جعلا بالبناء للمفعول، أي خلق والاستدراك من قوله ليس الزمان، ولا الأفعال تقدح فيه، أي علمه تعالى
بأحوال عباده لا يتغير بتغير الأزمنة، ولا يتبدل بتبدل الأفعال
لكن ليس لنا أن نتكل على ذلك، لأنه سبحانه وتعالى تعبدنا
(1) الآية 29 سورة ق.
6 (1/120)
صفحة 121
أن نعمل بطاعته، ونترك معاصيه، وجعل لنا اختيارا واقتدارا فيختار كل واحد منا ما خلق له، من خير أو شر، وليس ذلك بجبر، غير ان العلم الأزلي سابق بنا، وبأفعالنا وأحوالنا وبمصيرنا في الآخرة، فيعمل كل واحد عمله الذي علم الله انه سيعمله، وهو معنى قوله عليه السلام: (كل ميسر لما خلق له) وفي حديث قدسي (فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه وويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يديه) وهو المصرح به في الحديث السابق ربما يعمل المرء عمل أهل النار إلى قوله: (ثم يدركه علم الله السابق فيعمل عمل أهل الجنة) الحديث، وقد مر قريبا ان الله لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس انفسهم يظلمون ولا يظلم ربك احدا، فالمعاصي هي التي تحبط الأعمال، أي تبطلها يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) (1). معنى موالي معادي عالم بهم وبالذي فعلوه الجد والهزلا
هذا البيت تفسير لولاية الله تعالى لأوليائه، وعداوته لأعدائه أي عالم بأعدادهم وأسمائهم وأعمالهم، ومنازلهم
(1) الآية 2 سورة الحجرات.
- 121 - (1/121)
صفحة 122
وماهم صائرون إليه من خير وشر، والجد بكسر الجيم ضد الهزل، نشر لما طواه الضمير من أفعالهم، وهو بدل منه بدل مفصل من مجمل أي جده وهزله، وعبر بالماضي في قوله: فعلوه عن المضارع، إذ الأصل يفعلوه لأن عمله تعالى لا محالة سابق على أفعال عباده، لتحقق وقوعه، لأن ماسبق في علمه تعالى،
لابد من كونه قطعا لعدم تبدل علمه تعالى، فلصحة وقوعه وتحققه، كأنه وقع وانقطع، وكثير مثل ذلك في الكتاب العزيز كقوله تعالى: وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا) (1) الآية، وجملة عملوه صلة الموصول، فالله تعالى عالم بكل ما كان وما يكون، قبل أن يكون، وبما لم يكن ان لو
كان كيف كان يكون
تنبيه:
لم يذكر المصنف ولاية العباد لربهم، فهي قبول أوامره واجتناب مناهيه، و بعض معاصيه، وقيل ولاية الله لعباده توفيقه لهم على الطاعات، وعصمته إياهم عن المحرمات و براءته لأعدائه خذلانه لهم، وعدم عصمته لهم، فيفعلوا باختيارهم المذموم ما يبعدهم عن رحمته و يطردهم عن حضرة القرب حتى يموتوا على ذلك، أعاذنا الله مما يكره
(1) الآية 73 سورة الزمر.
- 122 - (1/122)
صفحة 123
قال المصنف: وهذا التعريف راجع الى القول بأن ولاية الله وعداوته من صفات الفعل والقول والأول راجع إلى القول بأنهما من صفات الذات، قال وعليه أكثر المغاربة، واختاره المحقق الخليلي، قال: وعلى الثاني أكثر المشارقة، وهو المنقول عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وتلميذه أبي يزيد الخوارزمي، وغيرهما) اهـ)، ويجب على كل انسان ولايته لنفسه، وهو استغفاره لنفسه وتوبته عما صدر منه من الافعال القبيحة، وامتثال أوامر ربه، والله يهدي من يشاء الى صراط
مستقيم (1/123)
صفحة 124
ذكر الكفر وما يشتمل عليه
والشرك لابد من أن تعرفنه لكى تكون في مقعد عن غيه اعتزلا
الواو استئنافية، والشرك مبتدأ ولا نافيه للجنس عاملة عمل ان و بد اسمها مبني على الفتح، ومن ان تعرفنه، أي من معرفته خبرها، والكل خبر المبتدأ أي لابد لك أيها المكلف من معرفة الشرك، وقوله: لكي الخ تعليل لوجوب ذلك، لأن من
لا يعلمه لا يأمن الوقوع فيه، وأيضا هو ملزوم بمعرفة الله تعالى
ونفى الاشباه والاضداد، والانداد عنه، والجاهل للشرك تارك لهذا اللزوم، والمقعد بفتح الميم والعين موضع القعود، والغي بالغين المعجمة الضلال، أي لتكون في مكان مباعد لضلاله قال صلى الله عليه وسلم: (ربما يتكلم المرء كلمة لا يلقى لها بالاً تهوي بها في سجين سبعين خريفا) وقال صلى الله عليه وسلم: (من لم يتعلم عذبه الله على الجهل).
وما عذري بجهلي عند ربي وهل انا واجد في الجهل عذرا
6
وهو المساواة بين الله جل وعلا و بين الخلق أو جحده سبحانه جل وعلا، فالضمير المنفصل عائد الى الشرك، وهذا البيت مبين لمعنى الشرك، وهو نوعان: شرك مساواة، وشرك
- 124 (1/124)
صفحة 125
جحود، فالمساواة هو التسوية بين الله وخلقه في صفة أو فعل، كمن وصف الله تعالى بشيء من صفات الخلق، كالحدوث والتركيب والجهل والعجز واتخاذ الصاحبة والولد، أو حدوث شيء من صفاته الذاتية، كالعلم والقدرة والارادة أو احتياجه الى شيء من مخلوقاته، أو وصفه بجسم، أو لون أو كونه في جهة ونحو ذلك، لان من وصف الله بشيء من صفات مخلوقاته فقد سواه به أو زعم ان افعاله تعالى بمحاولة ومزاولة واحتيال، أو باستعانة الغير أو وصف شيئا من المخلوق بشيء من صفاته الذاتية جل وعلا كالقدم، واستحقاق العبادة، ووجوب الوجود الحدوث أو انه يخلق كما يخلق، أو انه يعلم الغيب علما ذاتيا، أو انه على كل شيء قدير، ونحو ذلك أو أشركه في عبادته فقد سوي غيره به، وكلا الوجهين شرك مساواة، وشرك الجحود هو جحده جل وعلا رأسا كما يقول الطبيعيون، والدهرية، واضرابهم، أو جحد شيء من صفاته الذاتيه أو رسولا من رسله، بعد قيام الحجة عليه به، أو كتاب من كتبه، ء منه بعد قيام الحجة عليه به، ولو حرفا واحدا لأن راد
ذاتا
، وعدم
أو رد شيء. البعض كراد الكل سواء بسواء
وما سواه من الكفران يلزمنا اي علمه ان علمنا حكمه القصلا مالم نكن راكبيه أو نصوب من ياتيه عملا أو جهلا هكذا نقلا
- 125 - (1/125)
صفحة 126
ما اسم موصول، بمعنى الذي، وسواه صلته، وحذف صدر الصلة لطولها والاصل والذي هو سواه، والضمير في سواه عائد الى الشرك. وقوله القصلا، بفتح القاف وكسر الصاد المهملة اسم فاعل من قصل، بمعنى قطع، وهو نعت للحكم، أي حكمه القاطع، والمعنى ان ما سوى الشرك من الكفر، فکفران مصدر بمعنى الكفر، وهو ما سوى الشرك من كبائر الذنوب فعلا وتركا، وقولا واعتقادا، انتهاكا واستحلالا بتاويل الخطا يلزمنا معشر المكلفين علمه، ان علمنا حكمه بوجه من وجوه العلم بقيام الحجة به من طريقها، ومالم نعلم حكمه، ولم تقم علينا الحجة به فواسع لنا جهله، لكن بشرط ان لم نكن راكبيه، أي مالم نركبه أو نصوب راكبه، فنتولاه علمنا بركوبه فعلا لمحرم، أو تركا لواجب بعد
على ركوبه، مع قيام الحجة عليه به، وعملا وجهلا مصدران واقعان موقع الحال، أي حال كونه عاملا أو جاهلا، ووقوع المصدر موقع الحال قياسي على الصحيح، لا سماعي، فاذا ارتكب المرتكب ما يسعه جهله بعد قيام الحجة عليه ان الشيء الفلاني حرام مثلا، كالخمر والخنزير والميتة والدم والر با ونكاح ذوات الانساب والرضاع، والمصاهرة كأم الزوجة، ولو قبل الدخول، وابنتها بعد الدخول، وحليلة الابن وابن الابن وان سفل
6
وكالجمع بين الاختين، وبين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، أو
- 126 - (1/126)
صفحة 127
ابنة اختها، أو ابنة اخيها، وهكذا وكترك الواجبات أو العزم على الترك، ولو قبل الوقت في المؤقت أو العزم على الترك رأسا في غير المؤقت، ولايسع جهل المؤقت بعد دخول وقته، كالصلاة والصوم مثلا، فاذا قامت عليك الحجة بوجوبه وتعيين الوقت له لزمك اداؤه، والسؤال عن كيفية الاداء، ولا يسعه الجهل الا اذا عجز عن ادراك المعبر، قبل فوات الوقت، فاذا خاف فوات الوقت فعند الجمهور من اصحابنا وغيرهم، ما عدا المعتزلة، لا يلزمه الاداء حتى يجد المعبر و يلزمه اداؤه على ما حسن في عقله عند الامام ابي سعيد، و يلزمه عند ابي محمد بن بركه ان يترك ما قبح العقل فعله، كذبح الحيوان قال: فانه حيوان مثله، وهو مقتضي کلام بشير بن محمد، وابي يعقوب المغربي ومن قفى أثرهم، فاذا فعل شيئا من المحرمات أو ترك شيئا من الواجبات، أو تولى فاعل ذلك أو تولى من تولاه على فعله، هلك، لأن من تولى من تولى فقد تولى، وكذلك ان برئ فمن برئ منه، لان من تبرأ ممن تبرأ، فقد تولى وان لا يقف عن العلماء اذا برئوا من فاعل ذلك، ففى الأثر المجتمع عليه يسع الناس جهل ما دانوا بتجريمه، ما لم يركبوه، أو يتولوا راكبه، أو يبرأ من العلماء اذ برئوا من راكبه، أو يقفوا عنهم، فاذا وقع منه شيء من ذلك ضاق عليه الجهل ولزمه العلم قطعا ولزمه طلب المبرء، وكان حجة عليه جميع من عبر له، ولا ينفعه الجهل
- 127 - (1/127)
صفحة 128
هي
هنا اذ لاجهل ولا تجاهل في الاسلام، يحكى ان اعرابيا تزوج حليلة أبيه، فجيء به الى عبد الملك بن مروان فقال له: تزوجت امك؟ فقال ليست بأمي، وانما حليلة ابي، فقتله وقال لاجهل ولا تجاهل في الاسلام، فبلغ ذلك جابرا فقال أحسن عبدالملك، أو قال اجاد، وفيه دليل على جواز اقامه الحدود لغير الأئمة، وكذلك الحكم في الارتكاب بالقول كالارتكاب بالفعل، كما اذا قال بتحليل شيء من المحرمات بنص، أو اجماع وانما احبوا عليه العلم بعد الارتكاب أو الرضى بفعل المرتكب لوجوب الرجوع عليه عن ذلك، ولا يهتدى الى الرجوع الا بالعلم، واختلفوا في قيام الحجة فيما يسع جهله، قيل: العدل الواحد المشهور بالعلم والورع حجة في هذا، وقيل: الواحد لايكون حجة، ولو بلغ في العلم والفضل ما بلغ، ولا تقوم الحجة إلا بعد لين عالمين، فاضلين، وقيل لا حتى يبلغوا حد الشهرة، وقيل لا حتى يدرك الحق فيه بنفسه، والأول هو الذي ذهب إليه الإمام الكدمي رحمه الله، وبسط الكلام عليه في استقامته، قال المصنف وهو الصحيح عندي لاجماع السلف الصالح على وجوب العمل بخبر العدل فيما ينقله عن رسول صلى الله عليه وسلم قال: وهو السبيل المسلوك في أخذ العلم عن الأشياخ، بين جميع فرق الأمة
الله
جهل حمية كبر بعده حسد قواعد الكفر فاحذر داءها العضلا
- 128 - (1/128)
صفحة 129
قواعد جمع قاعدة، كفاصلة وفواصل، وهي الأصل، أي أصول الكفر الشامل للشرك والنفاق، هذه الأربعة الجهل والحمية والكبر والحسد، وليست البعدية هنا مقصودة أو المراد أن الكبر أشد فظاعة وأعظم قبحا من الحسد، فاحذر داءها، أي هذه الأربعة العضلا، أي العضال والداء العضال، هو الذي أعيا الأطباء علاجه، فان هذه الأربعة علل قاتلة، لا ينفع فيها دواء ولا يرجى برؤها، إلا أن يتدارك الله عبده لسابق علمه بسعادته الأبدية، فيوفقه على التخلص منها بعلاجها النافع المقرر في المبسوطات، فالجهل قسمان: بسيط، وهو عدم العلم رأسا عما من شأنه العلم، بحيث لم يتصوره، ولم يخطر، ومركب وهو اعتقاد الشيء على غير ما هو عليه في الواقع، قيل وإنما مركبا لاستلزامه جهلين، جهله بالشيء وجهله
بباله، ومر
سمي
بأنه جاهل به، و ينشد:
جهلت ولم تدري بأنك جاهل ومن لي بأن تدري بأنك لا تدري
وعلى كلا القسمين، إما أن يكون فيما
فيما لا
يسع
يسع جهله، أو
جهله، فما لا جهله طرفة عين، معرفة الله
يسع
تعالى وصفاته الذاتية، فمعرفة الله تعالى تقوم بمجرد العقل لأنه
ما من عاقل كامل العقل في مكان منقطع أو متصل إلا وهو يعلم بمجرد عقله ان لابد له من صانع صنعه ومصور صوره فاذا علم ذلك ضاق عليه الجهل لأنه يعلم ضرورة أنه لم يصور نفسه، (1/129)
صفحة 130
وليس ذلك المصور هو من جنسه لاستلزامه الدوران والتسلسل وهما باطلان، وإما معرفته بأسمائه فلا تقوم الحجة بها، إلا من
6
طريق السمع، وكذلك معرفة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومعرفة القرآن العظيم، لايسع جهلهما، فتقوم عليه الحجة بكل
معبر أيا كان، وما يسع جهله كمعرفة الفرائض الغير المؤقته والمؤقتة قبل حضور وقتها لكن بشرط ألا يعزم على الترك، فإذا
6
عزم على الترك رأسا، حتى يموت، أو المؤقتة على تركها في وقتها هلك وضاق عليه الجهل، فيلزمه العلم، ولا يسع جهل المؤقتة عند حضور وقتها، وكذلك جميع المحرمات والمحللات واسع جهلها، لكن يشرط أن لا يحل حراماً أو يحرم حلالاً بالقول أو الاعتقاد أو الدينونة الله بحلية ذلك المحرم، أو تحريم ذلك المحلل، وأن لا يرتكب شيئا من المحرمات، وأن يتولى مرتكبها على ارتكابه لها، أو تحريمه المحلل أو تحليله المحرم بفتواه. ولا يبرأ ممن برئ منه، ولا يقف عمن برئ منه بفعله، ذلك مع علمه به وان لايدين بنفلية المفروض كالصلوات الخمس وصوم
6
6
رمضان مثلا، فاذا كان منه شيء من هذا ضاق عليه الجهل ولزمه العلم، فيكون حجة عليه جميع من عبر له ذلك، وقد مر طرف من هذا، وذلك اذا قامت عليه الحجة من طريقها، وأنت خبير بأن الحجة بهذا ونحوه لا تقوم إلا من السماع، أو ما يقوم مقامه كالكتابة قال العلامة السالمي رحمه الله أو رؤيا يراها فتفيده العلم، أو الهام بكرامة ربانية (اهـ)، والجهل المركب (1/130)
صفحة 131
ان كان فيما لايلزم علمه في حال من الحال، كعلم الحرف والرمل والأوفاق ونحوها، فلا بأس على صاحبه، وان كان فيما ورد فيه نص من الواجبات من توحيد وغيره، فهو هالك قال الناظم في أنوار العقول:
والجهل قسمان: بسيط سلما صاحبه والثاني فهو ما انتمى الى مركب وليس يسلم صاحبه بفعله بل يأثم
والحمية هي العصبية في الباطل قال الله تعالى: اذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية) (1) فمن أعان ظالما على ظلمه مع علمه به، ولو بكلمة أو مدة قلم هلك قال تعالى: ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار (2) فالركون كبيرة، ولو بكلمة واحدة، وكذا إن رضي بفعله، ففي الحديث (لو أن رجلا قتل بالمشرق ورضي من بالمغرب لكان هالكا) لأن من رضي بفعل فهو في حكم الفاعل له في الاثم قال تعالى: وقتلهم الأنبياء بغير حق (3) لم يقتلوهم وانما قتلهم آباؤهم الأولون، لكن لرضاهم بقتلهم إياهم، سماهم الله جل وعلا
(1) الآية 26 سورة الفتح.
(2) الآية 113 سورة هود (3) الآية 181 سورة آل عمران. (1/131)
صفحة 132
قاتلين، والكبر بكسر الكاف وسكون الموحده هو تسفه الحق وغمط الخلق، أي احتقارهم وازدراؤهم، قال تعالى: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير
الحق (1) وقال تعالى: واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) (2) وفي حديث قدسي (العظمة ردائي والكبرياء ازاري فمن نازعني أحدهما قذفته في النار) وقال صلى الله عليه وسلم: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان) وقال صلى الله عليه وسلم: (ومن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر فحرام عليه رائحة الجنة وريحها)، وهو إما أن يكون تكبرا على الله تعالى
6
أو على عباده، فالأول شرك كتكبر فرعون لعنه الله، استنكف عن العبودية، وادعى الربوبية صراحا اذ قال أنا ربكم الأعلى، فأهلكه الله وقومه بالغرق، النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب) (3) وأمثاله من المردة الكفرة، وأمامهم في ذلك ابليس اللعين، وهم اتباعه قال تعالى: لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم اجمعين (4) وأما التكبر على الخلق،
(1) الآية 146 سورة الأعراف (2) الآية 15 سورة ابراهيم.
(3) الآية 46 سورة غافر. (4) الآية 85 سورة ص.
- 132 - (1/132)
صفحة 133
فليس بشرك، بل هو كفر نفاق وخيانة، والكل قبيح، لكن الأول كما لا يخفي على ذى لب أنه أشنع وأقبح، والحسد هو تمني زوال نعمة الغير بغير حق، إما لأنتقالها اليه أو لاعدامها رأسا ليكون أدنى منه، أو ليساويه في الرتبة، والكل حرام قبيح، قال تعالى: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله
فضله (1) وقال تعالى: ومن شر حاسد اذا حسد) (2) واما تمني مثلها مع بقاء نعمته اليه فهي غبطة ولا بأس بها قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن يغبط والمنافق يحسد) وفي الحسد سخط القضاء اذ لم يرض بقضاء الله، ومن كلام بعض الحكماء الحسود لا يسود، فهذه الأربع أصول الشر، ومنبع الكفر، والله يهدي من يشاء الى صراط
هي
مستقيم
ورغبة رهبة أركانه ويليها شهوة غضب في كل ماحظلا
الواو عاطفة على ما مر في البيت قبله، ورغبة رهبة، اخبار مقدمة وحذف العاطف من رهبة لاصلاح الوزن، وهو جائز وكذا في قوله شهوة غضب وأركان مبتدأ مؤخر، والضمير فيه عائد الى الكفر، أي اركان الكفر رغبة الخ، وما اسم
موصول مضاف اليه، وحظلا بالظاء المشالة بعد الحاء المهملة
(1) الآية 54 سورة النساء
(2) الآية 5 سورة الفلق.
، (1/133)
صفحة 134
أي منع بالبناء للمفعول صلته، والضمير المستتر نائب الفاعل عائد الى الموصول، أي هذه الأربعة هي جوانب الكفر القوية، بها يقوم وعليها يبنى، فالرغبة هي المنع بغير حق، والأخذ بغير حق، وأن لايبالي في جمع المال من أي كان، حلالا كان أو حراما، قيل ومما نزل في التوراة من لم يبال من أي يأتيه رزقه لم
يبال به الله من أي باب يدخله نار جهنم أعاذنا الله
والرهبة هي
الخوف، وهو أن
يخشي
من النار،
الفقد فيمنع حق
الله،
كالزكاة وحقوق الأهل ونفقاتهم، حتى أن بعضهم يقتل ولده
6
خشية الجوع، قال تعالى: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم (1) وقال تعالى: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (2) وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الشح المطاع، والهوى المتبع والاعجاب بالنفس قال المصنف ومن الرهبة الجبن عن انكار الباطل واظهار الحق عند وجوب ذلك، قال: ومنها الفرار من الزحف، ومنها عدم الثبات للعدو، وعدم الدفاع عن النفس والدين، والحريم عند وجوب ذلك، والشهوة عرض يحمل النفس على ارتكاب المعاصي، فهي الأصل لكل معصية شهوانية، خلق الله البهائم وجعل لها شهوات بلا عقول، فحط
مالشان
(1) الآية 31 سورة الاسراء (2) الآية 9 سورة الحشر.
- 134 (1/134)
صفحة 135
عنها التكليف، وخلق الملائكة وجعل لهم عقولا بلا شهوات، فلذا لا تصدر منهم المعصية قط، قال الله تعالى: لا يعصون الله ما أمرهم) (1) وخلق الثقلين الجن والأنس، وجعل لهم عقولا وشهوات، فمن غلب عقله شهوته سلم، ومن غلبت شهوته عقله هلك، قال تعالى: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف
:
يلقون غيا إلا من تاب (2) وقال صلى الله عليه وسلم (يأتي يوم القيامة أقوام ومعهم الحسنات كأمثال جبال تهامه فيصيرها الله هباء منثورا (فقام سالم مولى حذيفة بن اليمان فقال: صفهم لنا يا رسول الله خفت أن أكون منهم، فقال:) هؤلاء أقوام يصلون ويزكون و يصومون و يأخذون وهنا من الليل ولكن اذا لاحت لهم شهوات وثبوا عليها فأبطل الله أعمالهم بذلك فيصيرهم إلى النار) والغضب، هو ثوران دم القلب، فيظهر أثره على الجسد، يرى أثره في الوجه أحمر أو أسود أو هو حركة في النفس مبدأها إرادة الانتقام، فان كان في الله فهو المحمود، وكان صلى الله عليه وسلم أشد الناس غضبا في الله تعالى، والمذموم ما كان في الباطل، فإن كظمه وهو قادر
(1) الآية 6 سورة التحريم.
(2) الآية 59 سورة مريم.
- 135 (1/135)
صفحة 136
على انفاذه، كان له من الله أجر على كظمه له، قال تعالى: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس (1) الآية، وقال صلى الله عليه وسلم: (من كظم غيظا وهو قادر على انفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا (قال الحسن البصري ويحك يا بن آدم اذا غضبت وثبت واذا وثبت يوشك ان تثب فتقع في النار، روي أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:) اوصني يا رسول الله، فقال له النبي عليه السلام (لا تغضب ولك الجنة) الحديث، واما من لم يغضب الله تعالى اذا انتهكت: محارمه، فلاخير فيه، قال الله تعالى: اشداء على الكفار رحماء بينهم (2) وما أحسن قول الخليلي رحمه الله: وكنت شعيبي النصائح تابعا لدى غضبي في الله موسى بن عمران
(
(1) الآية 134 سورة آل عمران.
(2) الآية 29 سورة الفتح.
- 136 (1/136)
صفحة 137
ذكر الملل الست وأحكامها
قال المصنف المراد بالملل الست، ملة الاسلام، وملة اليهود، وملة النصارى، وملة الصابئين، وملة المجوس، وملة عبدة الأصنام من العرب وغيرهم، قال: فهذه ست ملل انقسم ملة الناس اليها في دياناتهم، قال: والحق ملة واحدة، وهي الاسلام، أما اليهودية والنصرانية، فقد كانتا على حق قبل التبديل والنسخ، ثم صاروا على ضلالة بينة، فاضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل، قال: واصل الملة ما أملاها الملك على النبي، وهذا المعنى كما ترى مختص بالملة الشرعية، ثم على غيرها عرفا، فانظر الى اعتقاد معتقديها، فان كل أهل ملة يعتقدون ذلك في ديانتهم، صدقوا أو كذبوا (ا هـ) قيل: وهي الدين والشريعة بمعنى، لكن العبارات تختلف باختلاف الاعتبارات، فباعتبار إملاء الملك للنبي، أو هو للأمة يعبر عنها بالملة، وباعتبار انقياد العباد لما جاء به الرسول، يعبر عنها بالدين، وباعتبار بيان الشارع، يعبر عنها بالشريعة، والمراد
6
أطلقت
بأحكامها أحكام أهلها، فهنا حذف مضاف، وأقيم المضاف اليه مقامه، أو تجوز ارسالي حيث انه أسند الأحكام الى الملل، باعتبار ان التمسك بها هو السبب الموجب لتلك الأحكام: وهذه ملل الأديان قد نصبت لابد للمرء من أن يعرف المللا
- 137 - (1/137)
صفحة 138
الواو استئنافية، واسم الاشارة مبتدأ، والملل خبره
والأديان مضاف اليه، ونصبت بالبناء للمفعول، ونائب
6
الفاعل ضمير يعود الى الملل، وجملة قد نصبت، وصف للملل، أو هي حال من الملل والعامل فيه الاشارة وال في الملل من قوله من ان تعرف المللا، للعهد الذكري أي لابد للمرء من معرفة الملل الست، ومعنى نصبت رفعت وظهرت لظهور أهلها، وهي المسلمون واليهود والنصارى والصابئين والمجوس وعبدة الأوثان، وقد جمعهم الله في آية واحدة من سورة الحج، وهي قوله تعالى: ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا اي لابد لكل مكلف، من ذكر وانثى حر وعبد، من معرفة هذه الملل، ولا مفهوم للقب هنا، فالمرء وان كان موضوعا للذكر يحمل عليه الانثى بالقياس، لعموم التكليف، وانما وجبت معرفة هذه الملل لوجوب معرفة أحكامها، لأن أهل كل ملة لهم أحكام، نعم أحكام أهل الكتابين اليهود والنصارى، متحدة في كل شيء كما ستعرفه قريبا إن شاء الله، فالأحكام تابعة للأسماء فلذا وجبت معرفتها وهاك أحكام أهل كل ملة على التفصيل:
- 138 (1/138)
صفحة 139
فالمسلمون وهم موف ومجترح والمجرمون بنهك منهم انفصلا او مستحل واحكام الألى انتهكوا ان يرجعوا كل ماصابوا وان جزلا
فالفاء في قوله: فالمسلون مفصحة عن جواب شرط مقدر، أي فان أردت بيان أحكام الملل الست، فالمسلمون الخ، والمسلمون هنا المتصفون بالاسلام اللغوي، وهو الاقرار بالتوحيد، سواء كان موفيا أو غير موف، ولذا قال: وهم موف ومجترح، والمجترحون إما إنتهاكا أو استحلالا، بتأويل الخطأ، فهم عموما الموفي، وغيره أحكامهم متحدة في الطهارة، والنكاح والموارثة والصلاة على الميت إلا من جاء في بعض القول من مدمن الخمر، وتارك الصلاة طول عمره، والعبد الابق، وقيل كل مصر على كبيرة حتى مات، لا يصلى عليه وقيل لا يصلي عليه المنظور اليه، ومن أحكامهم العامة، الدفن في مقابر المسلمين، وحرمة دمه وماله وذريته، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) الحديث، وقوله صلي الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله كحرمة يومكم هذا من شهركم هذا في بلدكم هذا) ثم قال: (اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت) والمراد بالعرض كناية عن الغيبة، إلا ما جاء في المنافق انه لاغيبة له، ويخص
- 139 (1/139)
صفحة 140
الموفي بالولاية وقبول الشهادة، ولا ولاية لعاص، ولا شهادة قال تعالى: وأشهدوا ذوي عدل منكم (1) والمجترح، إما أن يكون مستحلا لما فعل بتأويل الخطأ، كالأزارقة، والنجدية في استحلالهم أموال أهل القبلة ودماءهم، لزعمهم أنهم مشركون، لكن اختلفوا فزعمت النجدية أن مرتكب الكبيرة مشرك، مستدلين بقوله تعالى: وان اطعتموهم انكم لمشركون (2) زعموا ان المراد ان اطعتموهم في أكل الميتة، قلنا: ليس الأمر كما زعمتم، بل المراد ان اطعتموهم في استحلال الميتة، لا في مجرد الأكل، ولاشك أن المستحل لما الله مصادمة للنص، من غير اعتماد على تأويل، ولو خطأ حرم مشرك، ومنها قوله تعالى: أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله (3) الآية، قالوا: ان الفاسق ظالم لنفسه أو لغيره، وكل ظالم كافر، أي مشرك، قلنا، يلزم مما قلتم تشريك الأنبياء عليهم السلام، كآدم وحواء، اذ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا، وموسى عليه السلام اذ
(1) الآية 2 سورة الطلاق. (2) الآية 121 سورة الأنعام. (3) الآيتان 44، 45 سورة الأعراف.
118_ (1/140)
صفحة 141
قال: ظلمت نفسي، و يونس اذ قال: اني كنت من الظالمين، قال الناظم في المشارق، وحله ان يقال ماذكر بعد الظالمين صفة مخصصة، فلا يلزم تشريك كل ظالم (اهـ)، ولهم أدلة غير هذه أجاب عنها الأئمة في المطولات، وزعمت الأزارقة: ان المعاصي كلها شرك، صغيرها وكبيرها، مستدلين بقوله تعالى: ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا (1)
قالوا الضلال البعيد، هو الشرك، والعصيان عام لكل معصية، قلنا: هذا مخصوص بقوله تعالى: ان تجتنبوا كبائر ماتنهون
ان
عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (2) الآية، مع انا لانسلم اد الضلال البعيد خاص بالشرك، بل هو عام له ولغيره من كبائر الذنوب، وبالجملة فهؤلاء الفريقان نفوا المنزلة بين منزلتي الايمان والشرك، فالحكم في هؤلاء المستحلين بتأويل الخطأ، انما اتلفوه باستحلالهم بالتأويل، فلا ضمان عليهم فيه: وعليهم رد ما كان قائم العين في أيديهم، وقيل غير هذا
وحكمهم ان يدعوهم الامام الى ترك بدعتهم، والرجوع الى الحق والتبرؤ من أئمة الجور، والولاية لأئمة المسلمين، فان هم اطاعوا له فنعما، وإن أبوا دعاهم إلى طاعته، فان اطاعوا له خلاهم وما هم فيه، وكان لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، وان أبوا ناصبهم الحرب حتى يفيئوا الى أمر الله،
(1) الآية 36 سورة الأحزاب.
(2) الآية 31 سورة النساء.
6
6
- 141 - (1/141)
صفحة 142
ولا تغنم اموالهم ولا تسبى ذراريهم، ولا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم، إلا إذا كان لهم حصن قريب يأوون اليه، أو فئة ينحازون اليها قريبة، وان كان لهم حصن أو فئة بعيدان لا يدركونهما، فهم كمن ليس له ذلك، واما المنتهكون، فهم في الحكم كالمستحلين، في حرمة مالهم وذريتهم، ومدبرهم وجريحهم، والدعاء الى ترك معاصيهم، والاجابة اليه، ولا يقرون على معاصيهم بل يزجرون عنها، وعليهم رد جميع ما أخذوه، ان كان قائم العين، أو رد مثله أو الضمان إن لم يکن قائم العين، وهذا هو المراد بقوله واحكام الاولى انتهكوا ان يرجعوا الخ، ولا يدعون الى التبريء من أئمة الجور، والولاية لأئمة المسلمين، لأن ذلك دينهم ومعتقدهم
ه:
اختلف العلماء فيما اخذ على الفريقين من السلاح حال الحرب قيل: يرد اليهم اذا سالموا، وقيل يدفن ولا ينتفع به، وقيل: يباع وتفرق قيمته على فقراء المسلمين الذين شهدوا
معهم
الحرب، والله اعلم.
وقد يجوز لكل ما يجوز لنا الا الولاية خصت بالذي عدلا
- 142 - (1/142)
صفحة 143
قد حرف تحقيق، والتنوين في كل عوض عن كلمة، أي لكل واحد من المنتهكين والمستحلين، وما موصول، وجملة يجوز لنا صلته، وفاعل يجوز ضمير يعود الى الموصول، ويجوز الاول
فاعله الموصول، أي يجوز لكل واحد من فريقي المنتهكين والمستحلين من أهل القبلة ما يجوز لنا معشر المسلمين الموفين من المناكحة والموارثة والذبائح في الحرب والسلم من أحكام الدنيا، وكذلك الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، إلا الولاية وما يتعلق بها من قبول الشهادة، ونيل المناصب الدينية كالقضاء والولاية ونحوها، كما قرره الناظم رحمه الله فانها خاصة بالعدل، ويجب أيضا معرفة حرمة دمه وماله وعرضه للاسلام قال القطب: - رحمه الله - في ذهبه ومعرفة ذلك توحيد، وجهله شرك ـ (ا هـ) والمراد بقوله شرك هو الشرك الجزئي الذي لا يترتب عليه أحكام الشرك، بل هو اصطلاح عندهم في مرتكب الكبيرة في العقائد فافهم:
ثم اليهود والنصارى والمجوس معاً والصابئين لهم حكم وقد عقلا يسالمون اذا انقادوا على صغر بجزية أو أبوا فالكل قد قتلا
عاطفة بترتيب، والنصارى معطوف على اليهود
وحذف العاطف شائع، أي والنصارى الخ لهم حكم، فالجار متعلق بمحذوف، أي ثبت لهم حكم أو كائن لهم حكم، والضمير عائد الى الفرق الأربع، أي أهل هذه الفرق لهم حكم (1/143)
صفحة 144
مغاير لحكم الموحدين، وهو الذي بينه بقوله: يسالمون اذا انقادوا الخ، أي أحكام أهل هذه الفرق الأربع، يدعوهم الامام الى الاسلام، والاذعان للحق، فان أجابوا كان لهم مالنا وعليهم ماعلينا، وصاروا إخواننا في الدين، لأنهم من جملة المسلمين، وان أبوا دعاهم الى أداء الجزية عن يد وهم صاغرون، فان أجابوا حرم دمهم ومالهم وسبي ذراريهم، أي يسالمهم الامام اذا اذعنوا له واعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فالباء في قوله بجزية للمصاحبة، أي انقادوا على صغر مستصحبين الجزية، قال تعالى: حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (1) وقد اختلف في قدرها قيل: مرجع ذلك إلى
أداء
الله
نظر الامام، وفي كتب أهل المغرب من أصحابنا رحمهم عشرة دراهم في كل شهر على اليهودي، واثنا عشر درهما على النصراني، وعلى المجوسي ما على النصراني، وجعلوا الدرهمين على النصراني، والمجوسي لعلف دواب المسلمين، وقيل على كل خمسة عشر درهما، وفي كتب أهل المشرق رحمهم الله الغني أربعة، وعلى المتوسط در همان، وعلى الفقير غير المفلس درهم واحد، هذا في كل شهر، ولاجزية على ولا امرأة
صبي
على
ولا عبد ولا مجنون ولا شيخ هرم، ولا راهب، وفي المفلس خلاف، قيل: لاجزية عليه وقيل عليه، لأنه قادر على دفعها
(1) الآية 49 سورة التوبة.
144 ـ (1/144)
صفحة 145
عن نفسه بالاسلام، وسميت جزية لأنها تجزي عن دمهم وأموالهم وذراريهم، فاذا أدوها حرم دمهم ومالهم وسبي ذراريهم، وحلت ذبائح أهل الكتابين، ونكاح حرائرهم، وان أبوا ناصبهم الحرب، فأو في قول المصنف أو أبوا الخ للتنويع، أي فكل الفرق الأربع يقتلون، وعبر بالماضي عن المضارع لثبوت قتلهم بحكم الله، وحل غنم أموالهم وسبي ذراريهم، ولا يحل نكاح نساء أحد منهم، ولا أكل ذبائحهم ولا يحل نکاح نساء المجوس، ولا أكل ذبائحهم في حرب ولا سلم، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه حين سئل عن المجوس (سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناکحي نسائهم) فاليهود هم أهل التوراة، والنصارى هم أهل الانجيل، والصابئين قوم اختاروا مطايب التوراة ومطايب الانجيل فقالوا: اصبنا دينا، وقيل هم أهل كتاب، وقيل ليسوا أهل كتاب وأما المجوس فليسوا أهل كتاب فهم موافقون لأهل الكتاب في قبول الجزية منهم، وموافقون لأهل الأوثان في حرمة ذبائحهم ومناكحتهم مطلقا، ولهم أحكام تعمهم، أعني أهل الشرك مطلقا، وأحكام تخص بعضهم، سيأتي بيانها قريبا ان شاء الله
•
المشركون ذوو الاوثان ليس لهم سلامة غير ان دانوا بما نزلا
11201 (1/145)
صفحة 146
أي والحكم الخاص بالمشركين، أهل الأوثان، وهم عبدة الأصنام كمشركي العرب، أهل الجاهلية الذين لا كتاب لهم، أن يدعوهم الامام الى الاجابة لدين الله تعالى، فان أجابوا فهم كغيرهم من المسلمين في جميع الأحكام، وان أبوا قاتلهم، ولا يقبل منهم إلا الاسلام أو السيف ولا تقبل منهم الجزية أبداً لقوله تعالى: وقاتلوهم حتى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله) (1) وهو معنى قول الناظم غير ان دانوا بما نزل أي انقادوا الله تعالى، وآمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما نزل وهو القرآن العظيم، وانه كله حق من عند الله، ولا تحل مناكحتهم مطلقا لا في حرب ولا سلم لقوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو اعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو اعجبكم) (2) واما تزويج الله عليه وسلم بعض بناته ببعضهم، فذلك قبل نزول
النبي صلى
التحريم
والحكم ان حاربوا في الكل متحد نهب وسبي وقتل فيهم فعلا حاشا قريشا فان السبي ممتنع فيهم على قول اهل المغرب الفضلا
(1) الآية 39 سورة الأنفال (2) الآية 221 سورة البقرة.
11870 (1/146)
صفحة 147
أي، والحكم في أهل الكتاب والصابئين والمجوس،
وأهل الأوثان متحد إذا ناصبوا الحرب، ولم يذعنوا للإمام لا بإعطاء جزية، ولا إنقياد لدين الله تعالى، وهو حل دمائهم وسبي ذراريهم، ونهب أموالهم ونجاستهم، وعدم جواز نكاح نسائهم مطلقا للسبي، وفي ذبائح أهل الكتاب والصابئين خلاف في حال الحرب، وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ رحمه الله في بني قريظه فحكم بقتل مقاتليهم، وسبي ذراريهم وغنم أموالهم، فقال عليه السلام له: (لقد حكمت بحكم نزل من فوق سبعة أرقعه) إلا قريشا، فإنهم لا يسبون لئلا يكون نسبه عليه السلام رقا ولذا قال الناظم حاشا قريشا الخ، فحاشا كلمة تنزيه واستثناء فعل ماض، وقريشا منصوب بحاشا مفعولا، أي استنزه قريشا عن السبي لتلك العلة، وهذا الاستثناء على قول أهل المغرب المنعوتين بالفضل، وهم أهل العلم من أئمتنا المغاربة، أما المشارقة فإنهم يستثنون العرب كلهم، و يروون في ذلك حديثا نصه: (لارق على عربي بعد اليوم)، يعنى يوم حنين، وهي آخر وقعاته صلى الله عليه وسلم بمشركي العرب، فهذا الحديث عندهم ناسخ لما كان قبله من فعل أو قول، وقيل: ان السبي في قريش وغيرهم ثابت، اذ لم يصح دليل يفرق بين مشرك ومشرك، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لقريش يوم الفتح: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) وقد سبي هوازن و بني المصطلق، وهم
-\ EV_ (1/147)
صفحة 148
من العرب، ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم لا فعل ولا قول ينسخ ذلك الفعل، فنحن علينا الاتباع، فان قيل ان النبي
صلى الله عليه وسلم قد سبى عمه العباس) وغيره من صناديد قريش، قلنا: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يسبهم
وإنما
أسرهم والأسر غير السبي، لأن الأسارى يفادون، والذين يسبون يكونون في أيدي المسلمين، فهم غنيمة لهم أذلهم الله
بشركهم
فائدة:
اختلف في نجاسة ابشار المشركين مطلقا، قيل: بنجاسة أبشارهم فلا يطهرون ابدا إلا بالاسلام، وهو قول جمهورنا، وهو الظاهر من قوله تعالى: انما المشركون نجس (1) وقال غيرنا والبعض منا بطهارة ابشارهم في الأصل، قالوا: وانما سموا أنجاسا لشدة مباشرتهم للنجاسات وعدم تحرزهم عنها، فسموا أنجاسا مبالغة، واختلف أيضا في سائر طعام أهل الكتاب، قيل بحله مطلقا لظاهر قوله تعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) (2) وقيل: هو خاص بالذبائح ان ذكروا اسم الله عليها، وذبحوها الله تعالى
والله اعلم
(1) الآية 28 سورة التوبة.
(2) الآية 5 سورة المائدة.
- 148_ (1/148)
صفحة 149
والذبح إن سالموا أهل الكتاب مع النكاح منهم أجز الا الاماء فلا
الذبح مفعول لقوله أجز مقدم عليه، وأهل بدل من
وأسروا
فاعل سالموا، وهو الواو على حد قوله تعالى: النجوى الذين ظلموا) (1) وقوله صلى الله عليه وسلم: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) والمعنى ان سالم أهل الكتاب باعطاء الجزية وأخذ الذمة فأجز ذبائحهم، و نکاح نسائهم الحرائر منهم دون امائهم، والحرائر هن المحصنات التي ذكر الله حلها بقوله: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) (2) اما الاماء منهم، فلا يحل تزويجها لا في صلح ولا غيره، وناهيك اذ الامة المسلمة لا يحل تزويجها على قول إلا عند عدم الطول الى نكاح الحرة، فكيف بأمة كتابية، و يشترط مريد نكاحها عليها ان تغتسل من الجنابة والحيض والنفاس، وان تزيل شعر العانة، وان لا تشرب الخمر، وان لا تأكل لحم الخنزير، ولا تعلق الصليب والصابئين في الحكم كاليهود والنصارى، لأنهم قوم اختاروا مطايب. التوراة، ومطايب الانجيل فقالوا: أصبنا دينا، وفيه نظر من جهة الاشتقاق، وقيل لميلهم من دين الى دين كاليهودي الى النصرانية أو العكس، وقيل هم أهل كتاب،
(1) الآية 3 سورة الأنبياء.
(2) الآية 5 سورة المائدة
-189_ (1/149)
صفحة 150
وقيل ليسوا أهل كتاب وعليه فهم كالمجوس، لا تحل ذبائحهم ولا نساؤهم حربا ولا سلما، ومنع نكاح الامة الكتابية، لاجتماع خستين فيها، العبودية والشرك، فلا تصلح للمسلم، وهذا التعليل لم أحفظه نقلا من أثر فلينظر فيه، ومعنى قول الناظم إلا الاماء فلا، أي فلا تجز نكاحها، والحكم في صيدهم كالحكم في ذبائحهم، وما لم يذكر اسم الله عليه حرام، لقوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) (1) وما ذبح لغير الله لقوله تعالى: وما أهل به لغير الله (2) وما ذبح على النصب، وما ذبح للجن والعيون
والأشجار والأحجار، لطلب الشفاء منها قال ابن النظر:
وما ذبحوا لغير الله حرم ولو ذكوه في الملأ الشهود
واختلف في المسلم يذبح الذبيحة، و ينسى أن يذكر اسم الله عليها، قيل حرام لعموم قوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) (3) وقيل حلال لقوله عليه السلام: (ذكر الله على قلب كل مسلم سم أو لم يسم) ولقوله عليه السلام: (رفع عن امتي الخطأ والنسيان) والحديث والله
اعلم
(1) الآية 121 سورة الأنعام.
(2) الآية 173 سورة البقرة. (3) الآية 121 سورة الأنعام.
11011 (1/150)
صفحة 151
خاتمة
ان الامامة فرض حينما وجبت شروطها لا تكن عن شرطها غفلا
غفلا بفتح الغين وكسر الفاء، أي كثير الغفلة خبر تكن، ويحتمل أن تكون ما زائدة، أي حين وجبت شروطها، أي الامامة واجبة علينا معشر المكلفين، لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حين وجبت شروطها، أي ثبتت أو وقعت، وهي ان يكونوا كنصف عدوهم في العدد والعدة، وعندهم من العلم ما يكفيهم وانما يشترط الكون كنصف عدوهم لقوله تعالى: فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وان يكن منكم الف يغلبون الفين باذن الله)) (1) وقد كان في صدر الاسلام يجب على الرجل الواحد ان يقاتل العشرة من العدو، لقوله تعالى: ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وان يكن منكم مائة يغلبوا الفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون) (2)، حكمة بالغة حتى اشتد عضد الاسلام وبذل فخفف الله عنهم بقوله جل وعلا الآن خفف الله عنكم وعلم ان فيكم
:
ضعفا (3) الآية، فاذا كان المسلمون كنصف عدوهم في العدد والعدة وعندهم من العلم ما يكفيهم، وجب عليهم تقديم
(1) الآية 66 سورة الأنفال.
(2) الآية 65 سورة الأنفال.
(3) الآية 66 سورة الأنفال.
1101_ (1/151)
صفحة 152
رجل حر بالغ عاقل ذي علم، ولو بقدر ما يقدر به على الولاية والبراءة، بنفسه ذي ورع وان وجد الأورع والأعلم قدم الأورع، لأن ورعه يمنعه عن الدخول فيما لا يسعه الدخول فيه، وذو العلم غير الورع، لا يمنعه علمه من الدخول فيما لا يسعه، و يتولى تقديمه العلماء العدول، قيل: أقل ذلك ستة
6
على عدد الشورى، وقيل خمسة، وقيل تنعقد عن دون ذلك ولو واحدا، أو اثنين فاذا عقدوا عليه الامامة، وجبت عليهم مبايعته على السمع والطاعة، ولا يسع جهله، ولا يحل لهم نقض بيعته ما سار فيهم بكتاب الله وسنة رسوله، واجماع المسلمين، روي أن اعرابيا بايع النبي صلى الله عليه وسلم فاجتوى المدينة فمرض. فقال: يا رسول الله اقلني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا اقيلك) ثم قال له ثانية اقلني. فقال: (لا اقيلك) ثم خرج الاعرابي هارباً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ان المدينة تنفي خبثها وتبقي طيبها) ووجبت على أهل مصره طاعته وولايته، ومناصرته، وعليه الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهارا، واقامة الحدود والجمعات له والفيء والصدقات، لقوله عليه السلام: (أربعة للولاة: الحدود والجمعات والفيء والصدقات) والدليل على وجوب طاعته قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
- 152 - (1/152)
صفحة 153
الرسول وأولى الأمر منكم) (1) قرن جل وعلا طاعة أولي الأمر منا معشر المؤمنين بطاعته، وطاعة رسوله، فكما يجب على المكلفين طاعة الله ورسوله، وجبت عليهم طاعة أولي الأمر منا ماساروا فينا، بحكم كتاب الله وسنة رسوله، واجماع المسلمين، واذا خالف شيئا من ذلك انحطت طاعته عن رقاب المسلمين، لانه لم يكن منا، وانما كان من اعدائنا، قال ابو بکر: رضي الله عنه في خطبته اني وليتكم ولست بخيركم، فاطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم واذا عصيته فلا طاعة لي عليكم، واذا صدرت من الامام المعصية التي لاحد فيها، فانه يستتاب، فان تاب ابقى على حاله، وان أصر عليها ولو على صغير من صغائر الذنوب خلعوه و برئوا منه وان كان من المعاصى ذوات الحدود، خلع من حينه ونصب غيره ممن هو أهل لها ليقيم عليه حكم كتاب الله وسنة رسوله، ولا يكون اماما لهم بعد أبدا، ولو بلغ في الزهد والعلم والورع ما بلغ، فاذا كان المحدود لايكون كفؤا للمؤمنة التي لم تحد، أيصلح أن يكون كفؤا لولاية رقاب المسلمين؟ كلا، وقيل: ان عقد الامامة في الأصل غير واجب، لكن ان عقد عليه أهل الحل والعقد، وجب على المسلمين مبايعته على الأمر والطاعة، والدخول تحت رايته، ومناصرته ومعاونته، لقوله تعالى: (أطيعوا الله
(1) الآية 59 من سورة النساء.
- 153 (1/153)
صفحة 154
وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) (1) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (وأطيعوا ولاة أموركم) فانه قبل المبايعة، ليس من أولي الأمر، ولايزيل الامامة عنه إلا إرتكاب مايزيلها عنه، إلا إن بايعهم على شرط، فله شرطه والى هذا القول ذهب الامام الكدمي رضي الله عنه في استقامته وأيده بما يطول ذكره، وفرض الجهاد على الكفاية، فاذا قام به البعض سقط عن الباقين، إلا إذا دهم البلد أو القرية أو القبيلة العدو، وجب على الكل مدافعتهم، ويقدمون له إماماً يبايعونه على الدفاع، حتى تضع الحرب أوزارها، فتزول بزوالها، بهذا ورد الأثر المغربي، وأما مقتضى كلام الامام الكدمي رضي الله عنه في استقامته، أن إمامته دائمة لا تزول بزوال القتال، كقضية الامام راشد بن الوليد رحمه الله فان إمامته كانت على الدفاع، بايعه أكابر المسلمين من أهل زمانه بنزوى، وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فانه لا عذر لأحد في خاصة نفسه، على قدر طاقته، يدا أو لسانا أو قلبا، وقيل اليد للأئمة واللسان للعلماء، والقلب للعامة، وقد ذم الله تعالى من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بقوله: كانوا لايتناهون عن منکر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) وقال عليه السلام:) لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم
(1) الآية 59 من سورة النساء.
11081 (1/154)
صفحة 155
شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم) وقد مدح الله تعالى المؤمنين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله: الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون
لحدود الله الآية، وروي
الله أن أبا بكر الصديق رضي عنه قال: أيها الناس لا تؤولوا هذه الآية بغير تأويلها، يقول الله تعالى: لا يضركم من ضل إذا اهتديتم أي لا يضركم من ضل عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، اذا اهتديتم اليه، والله اعلم
وباطل سيرة فيها الامامة في اثنين لو بلغا في المجد ما كملا الواو استئنافية، وباطل خبر مقدم، وسيرة مبتدأ مؤخر
وانما ذكر الخبر، لكون السيرة مؤنثا مجازيا على حد قولهم، طلع الشمس، وجملة فيها الامامة الخ، صفة لسيرة، والمجد الكرم، والمراد به هنا الكرم في الدين، وما نكرة موصوفة، بقوله كملا، أي لو بالغا في الكرم في الدين مبلغا عظيما كاملا، أو موصول صفة لمحذوف، وكمل صلته، أي لو بلغا في الكرم في الدين المبلغ الذي كمل، أو مصدرية، والتقدير لو بلغا في المجد الكمال، أى لا يصح إقامة إمامين في سيرة واحدة، كما لا يصح إمامان لجماعة واحدة، فاذا اقيما في حال واحد، فسدت امامتها معا، وإذا أقيم أحدهما قبل الآخر إقامة أهل
11001 (1/155)
صفحة 156
الحل والعقد، من العلماء الأعلام من المسلمين، فالامام هـ الأول، ولا إمامة للثاني، ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير، فقال الله عن أبو بكر رضي واحد، والإمام، واحد، فبايعه الفاروق رضي الله عنه ثم بايعه المسلمون، الأول فالأول، وإنما منع إقامة إمامين في سيرة واحدة، ومصر واحد، لأن الامام ينصب لاجتماع الكلمة، وتأليف قلوب المسلمين، والاعتماد عليه في أمر الجهاد، وإقامة الحدود الى غير ذلك، ووجود إمامين يقضي الى افتراق الكلمة، وشق العصى، وإضمار العداوة والشحناء في الصدور، لأن كل واحد منهما يريد خلاف ما يريد الآخر، وكل واحد منهما يحب ان يكون مرجع الامر اليه كله، ولا مشارك له فيه، وهذا من طبع النفس، فمنعوا ذلك لهذه المفسدة، هذا ما ظهر لي في هذا، والله أعلم. وأما في غير مصر واحد، فلا شك في جوازه، اذا قطع بينهم بحر، أو عدو، فان زال الفاصل، واتصل الملك سقطت
عنه هيهات هيهات، الله واحد والرسول
إمامة الكل، ورجع
الأمر الى المسلمين، يقدمون من شاء أو
كان منهما، أو من غيرهما، وكان الأئمة من الأصحاب
يتعاصرون إمام بالمشرق وإمام بالمغرب
وبعد ما فتحت ام القري نسخت ما كان من هجرة مفروضها اتصلا
1107_ (1/156)
صفحة 157
الواو استئنافية، وما مصدرية خالية من معنى
الظرف، وأم القرى هي مكة المشرفة، وسميت بذلك، لأنه أول ما خلق من الأرض الموضع الذي بنيت فيه الكعبة المشرفة، ثم مدت منه الأرض، وما موصول إسمى، وكان تامة بمعنى ثبت، وذكر الضمير لعوده إلى لفظ ما دون معناها، أي الذي ثبت من هجرة، ومن للبيان ومفروض بدل من هجرة بدل اشتمال، والاتصال ضد الانفصال، أي كان قبل فتح مكة الهجرة الى المدينة واجبة، لقيام النبي صلى الله عليه وسلم بها، وقد فرض الله الهجرة قبل الفتح، امتحانا حكمة بالغة
فمن كان صادق الايمان، لم يبال بالخروج من داره وماله
6
ابتغاء ما عند الله من جزيل ثوابه نصرة لرسوله واعلاء لكلمته وقد مدح الله المهاجرين بقوله للفقراء المهاجرين: الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) (1) وقال تعالى: ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله (2) وكثير من الآيات في ذلك مدح لهم، والمدح دليل الوجوب، ولما فتحت
(1) الآية 8 سورة الحشر (2) الآية 100 سورة النساء
_101_ (1/157)
صفحة 158
مكة قال صلى الله عليه وسلم: (لاهجرة بعد اليوم) وفي رواية (لاهجرة بعد الفتح (، وانتحلت الازارقة والنجدية الهجرة الى موضع بيضتهم، فأوجبوا على الناس الخروج من مشارق الأرض ومغاربها، ايثارا للهوى على دين الله ورسوله فحسبهم قوله صلى الله عليه وسلم: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) الحديث، وحكموا على كل عاص بالشرك، وأحلوا دماءهم وأموالهم، وأحلوا أكل ذبائحهم وموارثهم، فسقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد ضلوا، فالمشرك لاتحل مناكحته، ولا موارثته، ولا ذبيحته، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وأنتم أجزتم جميع ذلك، فمن أين لكم هذا، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: وان اطعتموهم انكم لمشركون (1) قالوا: أي ان أطعتموهم في أكل الميتة، قلنا: ليس الأمر كما زعمتم بل المراد ان أطعتموهم في استحلال الميتة، لا في مجرد الأكل، ولاشك أن استحلال ما حرم الله مصادمة للنص، من غير
اعتماد على تأويل، ولو خطأ شرك
تنبيه:
اختلفت الازارقة والنجدية في ذلك، فذهبت النجدية الى أن الكبائر كلها شرك، وذهبت الأزارقة الى أن المعاصي
(1) الآية 121 سورة الأنعام.
11011 (1/158)
صفحة 159
كلها كبيرها وصغيرها شرك، ولا شك أن هذا أشنع وأقبح: وان كان كلا المذهبين قبيحا، لكن بعض الشر أهون من بعض، لأن هذا يفضي إلى شرك أنبياء الله تعالى ورسله عليهم السلام، لأنهم لم يعصموا عن الصغائر، وقد وقع من كثير منهم صغائر الذنوب، كآدم عليه السلام، وغيره، فلا يبقى على وجه الأرض موحد أبدا، إلا قليل، وأيضا تسمون الناس باسم الشرك، وتحكمون لهم بحكم الموحدين، من والموارثة، وأكل الذبائح، والصلاة على ميتهم،، والدفن في مقابر الملسمين، ان هذا لهو العجب العجيب، وقد وضع القطب رحمه الله في الرد عليهم، رسالة لطيفة، جزاه الله عن الاسلام وأهله خير جزاء
المناكحة
انا ندين بتصويب الاولي منعوا حكومة الحكمين حينما جهلا
الذين
قوله بتصويب متعلق بندين، والاولى بمعنى مضاف اليه من اضافة المصدر لمعموله، ومنعوا صلته، وحكومة معمول منعوا، والحكمين مضاف اليه، وجهل بالبناء للفاعل، أي حين ما جهل الحكمان في حكومتهما، أو حين ماجهلا في قبول ذلك من معاوية وعلي، وهذا أظهر، لأن انكارهم كان لنفس التحكيم، فلا يرون حكومة الرجال في حكم قد نص
الله
1109_ (1/159)
صفحة 160
عليه في كتابه بقوله: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله (1) والمعنى انا نتقرب الله تعالى خاضعين بالحكم، بأصالة الحق الذين منعوا حكومة الحكمين، وهما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص، لأن هذا الحكم مخالف لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله عليه السلام، واجماع المسلمين، وذلك أنه لما وقع الشقاق بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وأبى معاوية عن مبايعة علي، اجتمع رأيهم بعد طول القتال، على أن يبعث كل واحد منهم حكما ليحكما بينهما، فيخلعان من أرادا خلعه، و يوليان من أرادا توليته، غدرا من معاوية، ومكرا، فحكم معاوية عمرو بن العاص، وحكم علي أبا موسى، فكان عمرو بن العاص يقدم أبا موسى في كل الأمور، تمهيدا للمكر حتى حضرا للحكم، وكانا قد اتفقا على أن يخلع كل منهما صاحبه، ويجعلا الأمر للمسلمين يقدمون على أنفسهم من شاءوا، فقال أبو موسى لعمر و تقدم فأبى، فصعد المنبر أبو موسى فخلع عليا، ثم صعد عمرو بن العاص فخلع عليا، وأثبت الخلافة لمعاوية، فتشاتما، فلما رأى المسلمون من تحكيم الرجال في أمر لم يكل الله حكمه لأحد قط بل أمضى الحكم فيه بنفسه إذ قال: فقاتلوا التي تبغى حتى تفيء الى أمر الله (2) انحازوا الى حروب
(1) الآية 9 سورة الحجرات (2) الآية 9 سورة الحجرات
وهم
-17_ (1/160)
صفحة 161
خيار الصحابة بقية من أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وأكابر الصحابة، منهم أو يس القرني وزيد بن حصن وحرقوص بن زهير السعدي وعبد الله بن وهب الراسبي، علماء الصحابة وفقهاؤهم وقراؤهم، وقد خاطبوه ان يذر أمر الحكمين فأبى إلا التحكيم، فارسل اليهم عبدالله بن عباس فخاصمهم فخصموه فرجع اليه فقال له: القوم خصموك، ثم صار اليهم بنفسه فغلبوه في الحجة، ثم أرسل اليه قيس بن سعد فحاجهم في ذلك، قال لهم إن أتاكم تائبا تقبلوه؟ قالوا: نعم، فرجع اليه فأخبره، ثم آل نظران يسير الى قتال معاوية الى الشام، فصده الأشعث بن قيس، ورغبة في قتال أهل النهر وذلك بعد ما ظهر لعلي بطلان حكومة الحكمين، و بعد مانصب المسلمون عليهم إماما عبد الله بن وهب الراسبي، وانحاز بهم الى موضع يقال له النهروان، في خبر طويل فرجع اليهم وهم بين راكع وساجد وتال لكتاب الله، فكان هو أول رام فيهم، فعطفت عليهم الخيل فاقتتلوا من صلاة الغداة الى الأصيل فلله الأمر من قبل
ومن بعد
فيا اسفا من سيف آل محمد على المؤمنين الصالحين شهيرة بنا عن رؤوس الشام بالحق وانثنى الى ثفنات العابدين يجور
مة لغة والمتعلقة
-171 - (1/161)
صفحة 162
ومن وصل بسببه نسب الاسلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: اما ترى فخره للمسلمين حلا، الاستفهام تقريري، أي ألم تبصر فخره للمسلمين حلا بضم الحاء المهملة، أي زينة أي أو الى الامام عبدالله بن وهب الراسبي امام أهل النهر، الذي قدموه للدفاع بعد خلع علي نفسه من الامامة بتحكيم الحاكمين، وجملتهم، أي جملة أهل النهر وخص ابن وهب بالذكر، وعم غيره لأنه امام عادل يقصد هو بالذكر، وعامة من كان تحت رايته والبعدية في قوله بعد جملتهم غير مقصودة، اذ ليس المراد أني أتولى جملة أهل النهر دونه، ثم أتولاه هو بعدهم، أو يكون المراد أني أتولى جملة أهل النهر، وهو منهم، ثم أتولاه هو أيضا فيكون قد تولاه مرتين تكريما له واعلاما بأنه هو من تحت رايته على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن سلك سبيله من بعده وأوالي أيضا كغيري من الأصحاب من اتصل بسببه برسول الله صلى الله عليه وسلم، نسب الاسلام، وهو عبدالله بن أباض التميمي رضي الكل وغفر لهم، وجميع من قفا أثرهم من الأئمة الابرار والمتقين
الأخيار.
الله
عن
ومن قفا اثرهم من كل مجتهد شاكي السلاح لقمع الخصم حين غلا
الواو عاطفة، ومن اسم موصول بمعنى الذي، وجملة قفا أثرهم صلته وفاعل قفا ضمير يعود الى الموصول، وشاكي
- 162 - (1/162)
صفحة 163
السلاح، أي حامله لقهر الخصم، وإذلاله والقمع الضرب بالمقمعة، وهي عمود من حديد ومحجن يضرب بهما رأس الفيل، وخشبة يضرب بها رأس الرجل كذا في القاموس، أي لقهر الخصم عما يريد حين غلا، بالغين المعجمة، من الغلو وهو مجاوزة الحد، يقال غلا يغلو، أي جاوز الحد، والمراد به هنا مجاوزة الحد في دين الله قولا أو فعلا أي وأوالي كغيري من الأصحاب الأباضيين، كل مجتهد من الأئمة السالفين ومن بعدهم، كالامام عبد الله بن يحيى الكندي، والمختار بن عوف والوارث بن كعب والمهني بن جيفر وناصر بن مرشد وعبد الوهاب الفارسي، وابنه أفلح، وغيرهم من الأئمة والعلماء کجابر بن زيد و محبوب بن الرحيل وابنه محمد بن محبوب، وموسى بن علي ومحمد بن براهيم، وغيرهم من أئمة العلم والدين رضي الله عنهم وغفر لهم، وجمعنا وإياهم في جنته والحمد لله رب العالمين على اتمام مارمت اذ من فضله كملا
الواو استئنافية، والحمد مبتدأ، والله متعلق بمحذوف
خبره، ورب صفة الله، والرب هو المالك، وله معان جمعها
بعضهم بقوله:
قريب مجيب مالك ومدير مرب كثير الخير والمولى للنعم
- 163 - (1/163)
صفحة 164
وخالقنا المعبود جابر كسرنا ومصلحنا والصاحب الثابت القدم وجامعنا والسيد احفظ فهذه معان أتت للرب فادع لمن نظم
والعالمين جمع عالم، وهي أنواع المخلوقات كعالم الانسان، وعالم الجن وعالم الطير، وعالم الوحش إلى غير ذلك، وقيل هو اسم جمع لاجمع قال ابن مالك: لو كان جمعا لكان المفرد أعم منه، وقد بحث فيه بعض المحققين، والجار متعلق بالحمد، واتمام مصدر أتم، وما اسم موصول بمعنى الذي، وجملة رمت صلته، أي طلبت، واذ بسكون المعجمة تعليل لموجب الحمد، والجار متعلق بكملا، أي الثناء بالجميل الثابت الدائم لله، أي واجب الوجود لذاته، على إتمام ما أردت انشاء منظومة مختصرة منطوية على عقائدنا، معشر أهل الحق فمن فضله كملت على وفق الارادة، ومعنى الحمد قد مر في صدر الكتاب ختم المصنف المنظومة بالحمد له، كما افتتحها بها شكرا للنعمة وتبركا بيمنتها، وتفاؤلا بختم الأجل بصالح
من
العمل:
ثم الصلاة وتسليم يقارنها على الذي ختم المولى به الرسلا والآل والصحب ما لاحت فضائلهم ومن لهم في سبيل المكرمات تلا
-178_ (1/164)
صفحة 165
ثم عاطفة بترتيب، والصلاة الرحمة، والدعاء وقد مر
6
الكلام عليها والتسليم مصدر سلم، وهو التحية العظمى وقرب بينهما هنا خروجا من الكراهة، وافرد الصلاة اول المنظومة اعلاما بجواز ذلك يقارنها أي يقارن الصلاة، والجار في قوله على الذي الخ، متعلق بالصلاة أو بتسليم، وجاء بالموصول عن ذكره باسمه اعلاما بعظمته وشرفه، وقوله ختم الخصلة الموصول، أي جعله خاتما اذ لا نبي بعده قال تعالى: بعده قال تعالى: وخاتم النبيين وقال عليه السلام (لا نبي بعدي) وفي البيت براعة المقطع لذكر الختام وهو ان يذكر المتكلم في آخر كلامه ما يؤنس المستمع عن الترقب لكلام بعده وعلى هذا غالب سور الكتاب العزيز، كما في قوله تعالى: ولا يخاف عقباها) والآل الخ معطوف على الموصول، أي وعلى الآل وذكرهم هنا تحرزا من الوقوع في نهيه عليه السلام عن الصلاة البتراء، وهي التي لم يذكر فيها الآل أي وعلى الآل الخ، والصحب جمع صاحب كراكب، وركب، وهو من صحب النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به وفيه عند بعض زيادة طول الصحبة، والرواية، وقوله وما موصول حرفي متضمن معنى الظرف، وفضائلهم فاعل لاحت، أي مدة لوح فضائلهم فضيلة، وهي النعم الظاهرة، ومن اسم موصول
والفضائل جمع
11701 (1/165)
صفحة 166
بمعنى الذي معطوف على الموصول، او على صحب، وتلا صلته، أي من تبعهم، وقفا أثرهم في سبيل المكرمات من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، واختلف في جواز الصلاة على غيره صلى الله عليه وسلم، على غير التبعية، قيل بالجواز، وقيل لاختتام المصنف كتابه بالثناء على الله تعالى، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين، كما افتتحه بها تبركا وتفاؤلا بختم الأجل بصالح العمل ختم الله لنا آجالنا بصالح الأعمال، ومن علينا وعلى جميع صالح الاخوان، بجزيل النوال، يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، واستغفر الله تعالى وأتوب اليه من جميع ماخالفت في الحق، وحدت به عن منهج الصدق، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعواهم ان الحمد لله
رب العالمين
-177 - (1/166)
صفحة 167
خاتمة
تم بحمد الله وفضله ما من به علي وفتح لي من الكتابة على هذه المنظومة وكان الفراغ من تحريره يوم 25 خمسة وعشرين من شهر المحرم الحرام سنة 1329 تسع وعشرين وثلاثمائة
الله
نسخه والف هجرية قد وقع الفراغ من بحمد وحسن توفيقه
يوم 30 من ذي الحجة سنة 1329 على يد مؤلفه الفقيه
أحمد بن عبدالله الكندي ـ بمسقط سليمان بن محمد بن
—
المحروسة.
-170 - (1/167)
صفحة 168
[صفحة فارغة] (1/168)
صفحة 169
الفهرست
مقدمة
مقدمة المؤلف
ذكر الجمل الثلاث .....
استدراك
فائدة
تنبيهان
فائدة
فائدة
ذكر الإيمان وما يشتمل عليه
ذكر الكفر وما يشتمل عليه
ذكر الملل الست وأحكامها
فائدة
خاتمة
خاتمة (1/169)
صفحة 170
[صفحة فارغة] (1/170)