صفحة 1
الكتاب: بهجة الأنوار
المؤلف: نور الدين/ أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي (المتوفى: 1332هـ / 1914م)
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بهجة الأنوار
تأليف العلامة المحقق: نور الدين أبي محمد عبد الله بن حميد السالمي رحمه الله تعالى
تحقيق: علي بن سعيد بن مسعود الغافري
كافة الحقوق محفوظة
بسم الله الرحمن الرحيم
تنبيه
أصل هذا الكتاب رسالة قدمت من قبل المحقق لنيل درجة الماجستير في أصول الدين؛ في جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان الشقيق، تحت عنوان "بهجة الأنوار .. للشيخ أبي محمد عبدالله بن حميد السالمي .. دراسة وتحقيقا" أشرف عليها فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور شوقي بشير عبدالمجيد، وقد نوقشت وأجيزت بتاريخ 20 ربيع الأول سنة 1419هـ الموافق 13/8/1998م.
وتقتضي مقابلة الإحسان بالإحسان أن أسجل هنا جزيل شكري وعظيم إمتناني لفضيلته على ما أسداه لي من جهد وإرشاد.
******
قمنا باختصار كثير من محتويات الرسالة فيما يتعلق بالدراسة والتحقيق فقط!! من باب إخراج ما لابد منه وما كان على خلاف ذلك استبعدناه تخفيفاً على القراء.
مقدمة التحقيق
الحمد لله الأول فليس قبله شيء والآخر فليس بعده شيء سبحانه تنزه عن الحدوث والزوال وتقدس عن الشبيه والأمثال وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله اللهم صل على محمد في الأولين وصل على محمد في الآخرين وارض اللهم عن صحابته الطاهرين وعن التابعين لهم الى يوم الدين ... أما بعد (1/1)
صفحة 2
فإن علم أصول الدين من أشرف العلوم الشرعية، لتعلقه بإثبات الصانع، وتوحيد الخالق عز وجل، ونفي الأشباه والأضداد عنه تعالى، وإثبات الرسالات والقدر والمعاد، وهي الركائز التي تقوم عليها الشريعة الإسلامية، والكلام على سائر الأركان المتعلقة بالإيمان؛ التي لا يصح إيمان المكلف إلا بإثباتها جملة، وعدم الزيغ في مضامينها تفصيلا، ومرد حراسة الأخير منها إلى هذا العلم الشريف، وقد عُني علماء السادة الإباضية بهذا العلم منذ القرون الأولى، من أجل إيضاح الحق والكشف عن ضلالات المبتدعين وتزييف آرائهم ودحض مفترياتهم ودسهم في الشريعة الغراء، وهذا دأبهم على تطاول القرون إلى يومنا هذا، وما مناظرة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله تعالى لواصل بن عطاء المعتزلي في القدر التي ذكرها الدرجيني في "طبقاته" (2/246) إلا مثالاً بيناً لذلك، فضلا عن الرسائل التي حررها الإمام محبوب بن الرحيل رحمه الله تعالى في كشف حقيقة هارون بن اليمان، ومناظرة الوفد النفوسي من الإباضية للواصلية – من المعتزلة – في أيام الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن أيام الدولة الرستمية التي تجد أخبارها في "الأزهار الرياضية" للباروني ص(170-178)، ومناظرة العلامة أبي خزر يغلا بن زلتاف رحمه الله تعالى للمعتزلي الذي عجز عنه علماء مصر آنذاك فغلبه وأسقط حجته كما تراه في "سير الأئمة" لأبي زكرياء يحيى بن أبي زكرياء الوارجلاني ص(234)، أما مدوناتهم المطبوعة في هذا العلم فهي من الكثرة بمكان، لعل أقدمها تلكم المرويات في العقيدة في الجزء الثالث من "مسند الإمام الربيع بن حبيب/ط"، وما جاء في بداية "أصول الدينونة الصافية/ط(1)" لعمروس بن فتح النفوسي (ت283هـ)، وكتاب "الدليل والبرهان/ط(1)" لأبي يعقوب الوارجلاني (ت570هـ)، وكتاب "الموجز/ط(3)" لرفيقه أبي عمار عبد الكافي التناوتي (ت قبل570هـ)، والأجزاء الثلاثة الأولى من "الضياء/ط(1)" للعلامة سلمة بن مسلم (1/2)
صفحة 3
العوتبي (ق 5 هـ)، و"الجوهر المقتصر/ط(1)" لأبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي (ق6هـ)، وكتاب "النور/ط(1)" للشيخ عثمان بن أبي عبدالله الأصم (ق 7هـ)، وأول "قواعد الإسلام" للجيطالي (ت750هـ)، و"مقدمة التوحيد/ط" المنسوب لأبي حفص عمر بن جميع (ق8هـ) مع حاشيتي الشماخي والتلاتي، وأول "منهج الطالبين/ط(1)" للشيخ خميس الشقصي (ق 11هـ)، ومن أشهر مصنفات المتأخرين كتابي "معالم الدين/ط(1)" و"النور/ط" للشيخ عبد العزيز الثميني (ت 1223هـ)، و"قاموس الشريعة/ط(1)" للشيخ جميل بن خميس السعدي تجد مباحث العقيدة في الأجزاء (4،5،6) منه، وكتاب "تمهيد قواعد الإيمان/ط(_( ) طبع في وزارة التراث والثقافة – سلطنة عمان. _)" للمحقق الخليلي ومباحث العقيدة في أجزائه الأولى، و"شرح عقيدة التوحيد/ط(1)" للشيخ محمد بن يوسف أطفيش الشهير بقطب الأئمة، وكتاب "الإرشاد/ط(_( ) طبعته مكتبة السيد المستشار – سلطنة عمان. _)" للشيخ سيف بن ناصر الخروصي (ت 1341هـ).
وأما مؤلفات الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي مؤسس النهضة العلمية في عمان في هذا المجال فهي ثلاثة أهمها "مشارق الأنوار/ط(_( ) طبع في دار الجيل بيروت. _)" وكتابنا هذا "بهجة الأنوار" إضافة إلى "روض البيان على فيض المنان/ط" في الرد على من ادَّعى قدم القرآن، وتعتبر مؤلفاته رحمه الله تعالى من أحسن مؤلفات إباضية المشرق، وأجودها سبكاً وتحقيقاً للمسائل. (1/3)
صفحة 4
وكتابه (بهجة الأنوار) هو من أشهر كتبه في العقيدة بعد كتابه (مشارق أنوار العقول)، أودع فيه خلاصة مباحث العقيدة بأسلوب وسط بين الإطناب والإيجاز، وهو الشرح الصغير لمنظومته في أصول الدين المسماة "أنوار العقول"، بيد أنه مما يستكفى به في هذا الفن للمبتدىء والمتوسط، فقد حوى زبدة "المشارق" بأسلوب ميسر، ويكفي أن يكون الشارح والملخص الإمام السالمي وهو مَن هو، وهذه النسخة التي نضعها بين يديك محققة لأول مرة، ولما كانت الطبعة المتداولة للكتاب لا تخلوا من أخطاء آثرنا أن نسعف القارئ بهذه النسخة التي نرجوا أن تكون خلواً من أخطاء ما قبلها ولعلي أشير إلى خطأ فادح ورد في تلك الطبعة حتى لا يظن بأننا نلقي بالكلام على عواهنه فمثلا جاء السطر الأخير في الصفحة (30 من الطبعة المتداولة):
(ويصح على تأويل آخر أن يحمل معنى الآية على الوجوب)ا.هـ
هذا السطر وجوده هنا خطأ بل محله بعد البيت رقم (18) كما تجده مصححا في هذه النسخة.
هذا بالإضافة إلى أخطاء أخرى أشرنا لها في ثنايا الكتاب، وأهملنا تارة ما كان على خلاف المخطوطات المعتمدة، مما قد يتنبه له القارئ بنفسه، ولست أدعي هنا أن هذه النسخة مبرأة من العيوب، إذ الكمال للعزيز الغفار، والخطأ من الإنسان وارد، والعصمة لمن عصمهم الله، وبالله التوفيق.
علي بن سعيد بن مسعود الغافري
البريد الإلكتروني
alghafri@email.com
فصل
في التعريف بالمصنف رحمه الله
اسمه ونسبه
هو الإمام المجدد المجتهد المحقق الفقيه الأصولي المتكلم المؤرخ الأديب أبي محمد عبدالله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي(_( ) ترجمته مأخوذة من:
? "نهضة الأعيان" ـ للشيخ محمد ولد العلامة السالمي ـ ص(118 ـ 262) وهو أهم مصدر لترجمته.
? مقدمة "جوهر النظام" للشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري ـ نزيل القاهرة ـ الجزء الأول ص(د ـ ن).
? "الأعلام" لخير الدين الزركلي (4/84). (1/4)
صفحة 5
? "شقائق النعمان" للشيخ محمد بن راشد الخصيبي (3/9 ـ 24).
_) العماني(_( ) فضائل أهل عمان مشهورة وهم ممن جرى ذكرهم بالخير على أشرف لسان:
ـ فقد جاء من طريق أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا إلى حي من أحياء العرب، فسبوه وضربوه، فجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : »لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك«.
رواه الإمام مسلم في "صحيحه" برقم [2544] والإمام أحمد في "مسنده" برقم [19794] والروياني في "مسند الصحابة" برقم [1325].
ـ وعن أبي لبيد قال: خرج رجل من طاحية مهاجرا، يقال له: بيرح بن أسد، فقدم المدينة بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأيام فرآه عمر - رضي الله عنه - فعلم أنه غريب فقال له: من أنت؟. قال: من أهل عمان. قال: من أهل عمان؟. قال: نعم. قال: فأدخله على أبي بكر - رضي الله عنه - فقال: هذا من الأرض التي سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: »إني لأعلم أرضا يقال لها عمان ينضح بناحيتها البحر، بها حي من أحياء العرب لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر«.
رواه الإمام أحمد في "مسنده" برقم [310] والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" برقم [1042 ـ بغية الباحث] وأبو يعلى في "مسنده" [1485 و1486 ـ المقصد العلي].
وعنه يقول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/24): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير لمازة بن زبار؛ وهو ثقة، ورواه أبو يعلى كذلك". ا.هـ
ـ وروى ابن حبان في "صحيحه" برقم [7266 /الإحسان] عن أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - قال: "بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا إلى حيّ من أحياء العرب في شيء لا أدري ما قال، فسبوه وضربوه فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فشكا إليه فقال: »لكن أهل عمان لو أتاهم رسولي ما سبوه ولا ضربوه«. (1/5)
صفحة 6
ـ وعن طلحة بن داود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : »نعم المرضعون أهل عمان«.
رواه الطبراني في "المعجم الكبير" [8164] وعبدالرزاق في "مصنفه" [13987]
وعنه يقول الهيثمي في "مجمعه" (10/20): "رواه الطبراني وفيه عنبسة مولى طلحة بن داود ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات". ا.هـ
وانظر الحديث في "الإصابة" لابن حجر (3/428 دار الكتب العلمية)._) رحمه الله تعالى.
يعود نسبه إلى قبيلة السوالم وعنهم يقول العلامة السيابي رحمه الله تعالى في "اسعاف الأعيان":
"ومن النزار بعمان السوالم وهم قوم من ضبة بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ... الى أن قال: وانما أقام شهرتهم ذلك العلم والسيد الأمجد أبو محمد عبدالله بن حميد رحمه الله ورضي عنه."(_( ) اسعاف الأعيان ـ للشيخ سالم بن حمود السيابي ـ ص 69 ـ المكتب الاسلامي ـ بيروت ـ الطبعة الأولى ـ 1384هـ. _). ا.هـ
هذا نسبه رحمه الله ولسان حاله يقول:
لسنا وإن أحسابنا كرمت
نبني كما كانت أوائلنا
يوما على الأحساب نتكل
تبني، ونفعل مثل ما فعلوا
_
ويقطن السوالم في المناطق الشرقية والداخلية والباطنة من عمان، وتعتبر "الحوقين" المنازل القديمة لهم.
مولده ونشأته
ولد في سنة 1286هـ في بلدة "الحوقين" التابعة لمدينة الرستاق،وكأن العناية الالهية شاءت لهذا الصبي أن يرى ببصيرته أكثر مما يرى ببصره لئلا ينشغل بزخارف الدنيا فكف بصره وهو ابن اثنتي عشرة سنة وكان حافظا قوي الذاكرة لا يكاد يسمع شيء إلا حفظه ووعاه. (1/6)
صفحة 7
نشأ في بلدته المذكورة حيث فتح عينيه على الدنيا لأول مرة في أحضان أسرته الطيبة المنبت وتعلم المبادئ الأولية على يد والده الوقور حميد بن سلوم، ثم تاقت نفسه الى تلقي المزيد فتوجه بداية الى الرستاق التي هي أقرب الحواضر التي تزخر بالعلماء والمكتبات آنذاك فأخذ عن الشيخ عبدالله بن محمد الهاشمي، كما لازم في قرية "قصرى" منها الشيخ راشد بن سيف اللمكي حيث انضم إلى مدرسته هناك فأتمّ حفظ القرآن علي يديه وأخذ عنه مبادئ العلوم وقواعد اللغة العربية والفقه وأصول الدين، وابان مكثه مع الشيخ اللمكي حدث أن قام العلامة صالح بن علي الحارثي بزيارة لصديقه اللمكي فأعجب بالسالمي الذي كان طالبا آنذاك لما رأى من توقد بصيرته، فطلب من الشيخ اللمكي أن يسمح له بزيارته في بلده "القابل" فوافق الشيخ اللمكي على ذلك.
وأخذ العلم كذلك عن الشيخ ماجد بن خميس العبري وتتلمذ على يديه، ولما بلغ السابعة عشر من عمره بدأ في كتابة تجاربه فألف منظومته التي سماها "بلوغ الأمل في المفرادات والجمل" في قواعد اللغة والنحو، ثم كتب عليها شرحا ولم يجاوز العشرين من عمره، وحين فاق ما عند أشياخه طلبت نفسه المزيد، وفي سنة 1308هـ عزم على المسير الى المنطقة الشرقية بعمان بعد ذيوع صيت العلامة المصلح الأمير صالح بن علي الحارثي الذي اتخذ هو وآباءه من "القابل" مسكنا لهم ذلك الشهم الذي جنّد نفسه لخدمة الشرع والاصلاح بين الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس ذلك ببدع من الأمر فهو تربية العلامة المحقق الخليلي رحمه الله(_( ) نهضة الأعيان ـ لا بن السالمي ص (119). _) وحين وصل الى هناك نزل في ضيافة الشيخ سلطان بن محمد الحبسي، ثم انتقل الى مدرسة العلامة الحارثي الذي فرح بهذا التلميذ النجيب. (1/7)
صفحة 8
يقول الشيخ سعيد بن حمد الحارثي حفظه الله: "حدثني أبي عن أبيه قال: جئت يوما إلى "القابل" فوجدت صالحا ممتلئا سرورا ـ يعنى الشيخ صالح بن علي ـ يقول: يا سليمان؛ لو تعجلت قليلا لشاهدت ولدا سالميا يكاد أن يلتهم العلم التهاما، ولئن بارك الله فيه ليكونن مجددا لهذا الدين قدوة للمسلمين(_( ) وقد صحت فراسته رحمه الله. _)، مر عليّ الشيخ سلطان بن محمد الحبسي وعنده هذا الولد السالمي من أهل "الحوقين" جاء طالبا للعلم، فنزل عند الشيخ سلطان، وجاءا زائرين لمطاوعة الحجريين، فكنا أنا والشيخ سلطان نتذاكر مسألة، ولم نتفق عل حل لها. فلما رجعا .. قال السالمي لشيخه: كان عندي في المسألة وجه. قال: لِمَ لم تقله؟. قال: إني هبت الشيخ. فلما جاءا في المساء قال سلطان: إن هذا الولد السالمي عنده قول في المسألة التي تذاكرناها. فقلت له: حسن؛ يسنّ قرونه ويأتي بما عنده. فاستنطقناه، فإذا علمه وعقله أكبر من جسمه، فأخذته عنه أريد أن ينفعنا، ولكنه طلب مني حتى يعود من "بدية" إلى "المضيبي" ثم ينتقل إلينا. (1/8)
صفحة 9
وبالفعل فقد حصل ذلك وانتقل بكله وثقله، وسكن في جوار الشيخ. وصار كما ذكر في مؤلفاته أنه من أكبر شيوخه، كما هو معلوم في تراجمه. ولما استقر الحال بالشيخ السالمي وترعرع، وصار مدرسامنظورا إليه جاء رجل حجري في بعض الأيام فسأل الشيخ صالح عن مسألة في الطلاق .. فأفتاه الشيخ بحرمة زَوْجِه عليه. فراح ـ الرجل ـ إلى الشيخ السالمي فسأله عن المسألة ولم يخبره أنه سأل عنها من قبل. فأفتاه الشيخ بجواز الرّجْعَة إليها. فرجع السائل إلى الشيخ صالح فأخبره عن فتوى تلميذه. فغضب غضبا شديدا، وأرسل إليه قائلا: ما يحملك على أن تفتي في شيء لا تعرفه، تعلمتم وما تأدبتم. قال: وكان الشيخ السالمي يغضب كثيرا. ولما لم يكن مجال لإنفاذ غضبه، قام ودخل الفلج واغتسل ثم رجع إلى شيخه قائلا: يا شيخي؛ اسمع حجتي فيما قلت، لكنّي أهابك فتفضّل؛ حين أتكلم لا تتكلم حتى أفرغ، فإن رأيت حجتي مقبولة، فالحق يقبل من أصغر مني، وإن كان باطلا، فالباطل مردود على من كان أكبر مني(_( ) تأمل أدب التلميذ مع شيخه حتى وإن جانبه الصواب. _). قال: قل. وكان السالمي أعطاه الله علما ولسانا، فأدلى بالأدلة التي يستدل بها على قوله حتى فرغ.
وكان قبل إحضار الدليل قال: أولا؛ أعتذر إليك لأني لم أعلم أنك أفتيت في هذه المسألة، وإلا لتأدبت، وأعرف منزلتي، ولكن إذ وقع ما وقع لابد من إظهار الحجة.
قال الشيخ لما سمع قوله: إفتِ؛ فقد آن لك أن تفتي، نحن حين يتعلم الناس ننازع البدو تحت ـ شجر ـ السَّمر، الحق ما قلت."ا.هـ وهكذا لمع نجم الشيخ السالمي في سماء العلم باعتراف أشياخه وتزكيتهم له.
أوصافه
يقول ولده الشيخ محمد في كتابه "نهضة الأعيان" ص (119 ـ 121) واصفا له: (1/9)
صفحة 10
"كان - رضي الله عنه - شديد الغيرة في ذات الله تعالى، لا تأخذه فيه لومة لائم، يقول الحق وينطق بالصدق، مشهور بالبسالة والصلابة، كثير الردّ على من خالف ملة الاسلام، مشغول البال بأمّته، يفرح بما ينفعها، ويحزن لما يضرها، وإنه ليكتئب إذا أصيب أحد من الأمة بحدث ولو بالصين.
لا تخلو مَشَاهِدُهُ الكريمة من فائدة دينية، أو عائدة دنيوية، أو شاردة أدبية، مشتغلا بتدريس العلم والتأليف، والفصل بين الخصوم بالحكم الشرعي.
كان خطيبا مِنْطِيْقَاً، يرتجل الخطب الطوال في المجامع والمحافل؛ حسْب ما يقتضيه المقام من السعي في اصلاح الأمة وجمع الشمل، يُرَغِّب ويُرَهِّب بأبلغ بيان وأفصح لسان.
كان جوادا سخيا؛ قلَّ ما أكل وحده لازدحام الضيوف بناديه وكثرة ملازميه المغترفين من فيض أياديه، يقدم للضيف ما حضره بلا تكلُّف ولا بطر، كثير التفقّد والتعرف على حاجة إخوانه وتلامذته ليواسيهم.
كان قد عَزَف نفسه عن التوسع في الدنيا والسكون إليها(_( ) وهو على جانب عظيم من التواضع استمع إليه يرد على سؤال بعضهم وقد أطراه في مطلعه فأجابه ـ كما في "العقد الثمين" (1/345):
غُررت ومثلك من لا يُغَر
أيمدح مثلك مثلي بذا
ولو شُمتني وأنا نائم
هُديت إلى الخير هلا اقتصرت
أعوذ بربي أن أحْمَدَنْ
رأيت السُّهى فظننت القمر
وما أنا في وِرْدِه والصَّدَر
زمان الغنائم عِفْت الخبر
مديحك مني على ما ظهر
بما ليس فِيَّ لكيلا أغر
_ (1/10)
صفحة 11
وهذا من تواضعه كما هو شأن العلماء العاملين. _)، قليل التعلّق بتبعاتها وشواغلها العائقة عن طريق الآخرة. كان عظيم الهيبة لا ينطق أحد في مجلسه، إلا أن يكون سائلا أو متعلما أو ذا حاجة جدّية. ولقد رأى ذات مرة خصما يتعنت خصمه وقد قهره بفضول منطقه. وكان الشيخ يحاول الصلح بينهما، فلما رأى ذلك المتعنت زَجَرَهما وقال: هَلُمَّا إلى الحكم. وضرب بعصاه أمامه، وكانت سوداء من حطب الأبنوس، فما هو إلا أن سلّم ذلك المتعنت الأمر، وصالح خصمه. فعوتب بعد ذلك فقال: إني خفت من تلك العصى السوداء. ومناقبه كثيرة العدد.
... ..كان يكثر من تلاوة هذه الآية في المحافل: { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ..الآية } الصف : 10 وغيرها من الآيات المشوقة للجهاد المرغّبة لدار المعاد.
كان ـ عفا الله عنه ـ كثير التضرع إلى الله فتراه في بعض الأحيان في مجلسه، أو في الطريق، أو في مصلاّه وقد رفع يديه إلى السماء قائلا: لبيك اللهم لبيك. ثم يبسط يديه ويقول: اللهم اجمع الشمل، وألّف بين القلوب، وأيد الكلمة. ونحو ذلك من الأدعية التي يرجو بها نظام المسلمين، وتجد ذلك في أجوبة المسائل عنه إذا تأمَّلتها.
كان كثيرا ما يقول: اختبرنا الله فوجَدَنا كاذبين(_( ) هذا من تواضعه رحمه الله وهكذا ديدن من يخشى الله يظن بنفسه التقصير، لا كالهمل من بغاث الخلق الذين يظن الواحد منهم أنه خير خلق الله وأنه ولي لله وهو عن تلك المنازل نازل والله المستعان. _). يتأوه كثيرا لما يراه في الناس من الاختلاف، وعدم الجد فيما يعود على حياتهم بالسعادة، ولما يراه من الفساد في البلاد، فتراه قطع حديثه وتنفس الصعداء قائلا: ذهب الوفاء، ذهب لدين، ذهبت المرؤة، ذهبت الغيرة، ذهبت الحَمِيَّة، طمع فينا الخصم، طُلبْنا بالمكائد، نُصب لنا الحبائل، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومن قوله:
حرب النصارى اليوم بالدواهي
فيأخذون الدار بالخدايع (1/11)
صفحة 12
والكل منا غافل ولاهي
وإنها أقوى من المدافع
_
وكثيرا ما يتمثل بقول دعبل:
ما أكثر الناس لا بل ما أقلّهم
إني لأفتح عيني حين أفتحها
الله يعلم أني لم أقل فَنَدَا
على كثير؛ ولكن لا أرى أحدا
_
ويكرر قوله: ولكن لا أرى أحدا. لما يجيش في صدره من الأمور التي لم يجد من يساعده على القيام بها، ويكثر الدعاء على النصارى والمستعمرين في أكثر مجالسه. ومن أدعيته الجامعة: اللهم خذ أعداء الدين، وارددهم على أعقابهم خاسرين خاسئين.". ا.هـ
شيوخه
إن النفوس الكبيرة لا تأنف عن الاستفادة من الغير جل أو صغر لذا كان من الطبيعي أن يكون الناس بين عالم ومتعلم ومفيد ومستفيد وكان لابد لكل طالب علم من شيخ يسدده ويضبط له المعارف خشية أن يتبلبل فكره لو أسلمه دون توجيه، وكان العلماء في السابق يتخيرون من الشيوخ من عرف بطهارة السيرة ونبل السريرة وللشيخ السالمي جملة من الشيوخ نهل من مراشدهم واغترف من نمير معارفهم حيث لا مدارس نظامية ولا جامعات متخصصه في تلك الآونة، وكان الحال في عمان على النظام المألوف في القرون الماضية، وأشهر من تتلمذ عليه النور السالمي:
1) الشيخ راشد بن سيف اللمكي وهو الذي رباه على العلم وكان أول شيوخه الذين لازمهم وجلس في حِلَقِهم أيام كان يتردد عليه في بلدته، من تصانيفه "المسالك في علم المناسك ـ ؟" وبعض الرسائل والمنظومات الشعرية، وتوفي بالرستاق سنة 1333هـ.(_( ) نهضة الأعيان ـ (274 ـ 275). _) (1/12)
صفحة 13
2) الشيخ صالح بن علي الحارثي وهو الذي تخرج على يديه وكان كلا الشيخين متعلق بالآخر وعند وفاة الشيخ صالح حزن عليه الشيخ السالمي حزنا بالغا حيث كان له أكثر من والده، وهو الذي كان له الأثر الكبير على الشيخ السالمي، حيث كان له مربيا وشيخا ومعلما ومساندا، وأعان تلميذه السالمي على انشاء مدرسته التي أصبحت ملاذا لطلاب العلم وتوفي الشيخ صالح سنة 1314هـ وقام السالمي بجمع فتاواه ورسائله في مجموع طبع بعنوان "عين المصالح" وجعل كتابه "الحق الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي" مقدمة لهذا المجموع.
3) الشيخ ماجد بن سعيد العَبري من العلماء الذين استفاد منهم في مدينة "الرستاق" وكان النور السالمي يتردد عليه لينهل من علمه ويستفيد منه وكان يكن له وافرا من الاحترام حتى إنه حين يقوم بزيارته ويتوجه له أحدهم بالسؤال ـ في حضرة الشيخ العبري ـ يقول: "ان لهذه النواحي فقيه وفقيهها الشيخ العبري". وتوفي سنة 1346هـ(_( ) ترجمته في نهضة الأعيان (451 ـ 458). _).
4) الشيخ عبدالله بن محمد الهاشمي وهو من العلماء الذين أخذ عنهم في مدينة "الرستاق"(_( ) المرجع السابق ص (118). _).
5) الشيخ محمد بن سيف الرحيلي(_( ) "السالمي .. المجدد" للشيخ ناصر المرموري ص (44) ضمن قراءات في فكر السالمي._).
6) الشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي(_( ) المرجع السابق ص (44). _).
تلاميذه
ليس من الغريب أن العلماءَ الأتقياء في كل زمان الكهفُ الذي يأوي إليه طالبوا المعرفة والملجأ الذي يقصده مرتادوا العلوم ولا غرابة أن نجد مدرسة العلامة السالمي احدى البقاع التي تضم بين جنباتها جيلا من ثمار غرسه بل إن أغلب رجال العلم بعده هم نتاج جهوده، يقول الشيخ أبو اسحاق في تقديمه لكتاب "جوهر النظام": "تلاميذه كثير لا نبالغ إذا قلنا إن رجال العلم اليوم بعمان جلّهم من تلاميذه، وقد نبغ منهم كثير ... ".ا.هـ وأهم تلاميذه هم: (1/13)
صفحة 14
1) الامام العادل سالم بن راشد بن سليمان بن عامر الخروصي، ولد في الباطنة سنة 1301هـ وتعلم القرآن ومبادئ العلوم على يد والده ثم رحل الى الشرقية ليلتحق بمدرسة السالمي وبقي ملازما له منذ راهق الحلم، استشهد في بلدة "الخضراء" بالمنطقة الشرقية في ليلة الخامس من ذي القعدة سنة 1338هـ وكانت فترة امامته 7 سنين(_( ) ترجمته في نهضة الأعيان ـ لابن السالمي (ص 125 وص 197) وليتأمل القارئ آثار تربية الشيخ السالمي لتلاميذه حيث يصف ولده محمد في نهضة الأعيان (198) الامام العادل سالم بن راشد الخروصي فيقول: "كان ربع القامة، نحيف الجسم، أنهكته العبادة ... أعبد أهل زمانه وأورعهم، وأشدهم غِيرة على محارم الله ... ضُرب به المثل في عمان قبل الامامة وبعدها زهدا وورعا وعفافا، ترى يده اليمنى ترتعش إذا دخل في الصلاة، وتسمع لصدره وجيبا، لا يحس بما يتحدث الناس به إذا دخل صلاته، حتى إنه ليغيب عن الكون إلى الجذب، لا تراه طول عمره إلا راكعا أو ساجدا.
كان قوته كفافا، كان يقعد على البساط والأرض المفروشة بالحصباء، كان لا يحتجب عن الناس، يباسط إخوانه، ويُحضرهم ما يحضُره من الطعام ... لا يدخر الموجود ولا يطلب المفقود. ولما تولى أمر المسلمين كانت حالته التعفف عن الأخذ من بيت المال جهده إلا قُوته وقُوت من يعوله بالمعروف. فمن ورعه أدركته فطرة الأبدان (زكاة الفطر ) بعد فتح سمايل، فلم يجد شيئا يملكه لأدائها، وأبى أن يقترض من بيت المال أو من الناس، فباع عباءته .. وأنفق ثمنها فيما وجب عليه...الخ". ا.هـ وطالع "نهضة الأعيان" ص 311._). (1/14)
صفحة 15
2) الامام العادل محمد بن عبدالله الخليلي حفيد العلامة الشهير سعيد بن خلفان الخليلي، ولد الامام محمد في مدينة "سمائل" سنة 1299هـ نشأ فيها ولازم العلماء هناك ثم انتقل الى المرتع الشهير في بلدة "القابل" ليكون تلميذا بين يدي النور السالمي، وتقلد الامامة بعد وفاة الامام سالم بسبعة أيام في شهر ذي القعدة عام 1338هـ وسار في الناس بسيرته فكان خير سلف لخير خلف(_( ) يصفه تلميذه العلامة محمد بن شامس البطاشي رحمه الله تعالى في كتابه "الكشف عن الاصابة" ص (49) فيقول: "وقد أدركنا من أئمة الإباضية الإمام محمد بن عبدالله الخليلي وصحبناه مقدار ثلاثين سنة فما وجدناه فحاشا ولا لعانا يحكم بالحق ويقول الحق، القريب والبعيد عنده سواء، كف يده ولسانه عما لا يحل، لا ينطق بالفضول ورِعَا عن المحارم، مسارعا إلى أداء اللوازم، يكفيه من القوت ما يسد الرمق، لا يستأثر عن صغير ولا كبير، نصّب نفسه لحوائج المسلمين، أنفق أمواله!! لوجه الله ولِعِزّ دولة المسلمين، محتسبا صابرا على مضض الزمان وعلى سوء أخلاق الرجال، لا يعرف الغضب إلا أن تنتهك محارم الله، عاش على هذه السيرة حتى توفاه الله في وقت الظهيرة والحر شديد؛ فأظلته والحاملين له سحابة!! حتى دفن عند قبر الإمامين العادلين ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف، وقد وجد الحافرون للقبر رائحة كرائحة المسك!! والله يولي فضله من يشاء، والذي يؤثر عن الأئمة السابقين أضعاف أضعاف هذا". ا.هـ ثم استطرد في ذكر كرامات من سبقه من الأئمة فليراجعه من أراد._) واستمرت امامته لمدة 35 سنة نشر فيها العدل والرخاء حتى توفي سنة 1373هـ. (1/15)
صفحة 16
3) الشيخ عيسى نجل الشيخ صالح بن علي الحارثي كان أحد المستفيدين من الشيخ السالمي بعد وفاة والده، تقلد إمارة قومه بعد أبيه وكان كريما مضيافا وجيها عند الناس واشتهر بحسن السيرة على طريقة والده وإن كان لم يبلغها، كان ملازما للإعتكاف والعبادة، ولد الشيخ عيسى في "القابل" سنة 1290هـ ونشأ في كنف أبيه وكان خلفا له بعد وفاته وسار على خطاه وله بعض الرسائل والأجوبة منها "الرد العزيز على أحكام الدريز ـ ؟" ورسالة في "منع الاسقاط بالجوائح ـ ؟" وغيرها، واستفاد منه الكثيرون حتى توفي سنة 1365هـ(_( ) نهضة الأعيان لابن السالمي (87 ـ 95). _).
4) الشيخ أبوزيد عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي الأزكوي، (خرج من "ازكي" إلى "القابل" في أوائل سنة ستة عشر وثلاثمائة وألف وهو غلام؛ يطلب العلم الشريف، فبذل مهجته في خدمة العلم وأهله) هكذا وصفه شيخه السالمي في مطلع كتابه (حل المشكلات) وكان يكتب عن شيخه مسودات التآليف ويعد من كبار تلامذته مع اتصافه بأنه على جانب عظيم من الزهد والورع وسيرته في توليه للإمامين سالم ومحمد على مدينة "بهلا" تدل على التسامي في بذل الخير للناس وهضم النفس عن الحظوظ الدنيوية والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استلهاما من سيرة العمرين رضي الله عنهما. وتوفي في مدينة "بهلا" سنة 1364هـ(_( ) ترجمته في نهضة الأعيان (493 وما بعدها) وأعماله الاصلاحية في ص (495 ـ 497). _). (1/16)
صفحة 17
5) العلامة أبو مالك عامر بن خميس بن مسعود المالكي الذي ولد في "وادي بني خالد" سنة 1280هـ وتتلمذ على يد الشيخين صالح بن علي الحارثي والشيخ نور الدين السالمي حتى بلغ شأوا عظيما، وفي حقه يقول عنه شيخه السالمي ـ حين مرض ـ: "ما أخاف عليكم من جهل وفيكم عامر بن خميس". ومن تصانيفه كتابه "موارد الألطاف ـ ط/التراث" نَظَمَ فيه كتاب <مختصر العدل والانصاف> للشيخ الشماخي، و"غاية المطلوب في الأثر المنسوب ـ ؟" و "غاية التحقيق في أحكام الانتصار والتغريق" طبع مع <العقود الفضية> للشيخ سالم الحارثي. وتوفي الشيخ عامر سنة 1346هـ(_( ) نهضة الأعيان ص (465). _).
6) العلامة ناصر بن راشد الخروصي شقيق الإمام سالم وقاضيه وعامله على الرستاق والعوابي وتوابعهما، كما أنه عمل للإمام الخليلي، وهو عالم مجاهد غيور وتوفي سنة 1362هـ(_( ) المرجع السابق ص (486)._).
7) العلامة أبو الخير عبدالله بن غابش النوفلي كان عالما عاملا ورعا فاضلا، تولى القضاء للإمامين الخروصي والخليلي، واستعفى آخر عمره شفقة على نفسه من تحمل التبعات، وتوفي سنة 1339هـ والكل راض عن سيرته(_( ) المرجع السابق ص (412). _).
8) العلامة سليمان بن سيف الحميري كان أعلم أهل مصره بعلم الآلة، طلبه أهل زنجبار من شيخه أن يكون مدرسا لهم، فأسعفهم شيخه وأرسله إليهم(_( ) المرجع السابق ص (126). _).
9) الشيخ سليمان بن محمد بن أحمد بن عبدالله الكندي ولد في مسقط سنة 1298هـ تعلم على يد خاله الشيخ سعيد بن ناصر الكندي وأخذ عن العلامة السالمي وشرح منظومته "غاية المراد" في كتابه "بداية الامداد ـ ط/التراث" ويقال انه أمره بشرحها. وكانت وفاته في نزوى سنة 1337هـ وهو العام الذي تصادف فيه نزول وباء الطاعون بها(_( ) المرجع السابق ص (301). _). (1/17)
صفحة 18
10) العلامة حمد بن عبيد السليمي أحد العلماء الأجلاء، عمل للإمامين الخروصي والخليلي، وتقلد القضاء بسمايل وبدبد وفنجا وتوابعهن(_( ) المرجع السابق ص (126). _).
11) العلامة سيف بن حمد بن شيخان الأغبري، أحد العلماء البارزين عمل كذلك للإمامين على منح ودما والطائيين ونواحيها(_( ) المرجع السابق ص (126). _).
12) الشيخ الشاعر محمد بن شيخان السالمي الذي لقبه القطب الجزائري بـ "شيخ البيان" توفي سنة 1346هـ وفي حقه يقول الشيخ السالمي: "لولا وجود شاعر العرب أبي مسلم الرواحي بزنجبار لقلت: إنه أشعر أهل عصره"(_( ) المرجع السابق ص (459 وما بعدها) وانظر كلام السالمي عنه ص (461) منه. _).
13) العلامة سعيد بن أحمد الراشدي(_( ) المرجع السابق ص (126). _).
14) الشيخ سليمان بن حامد البراشدي(_( ) المرجع السابق ص (127). _).
15) العلامة الضرير سالم بن حمد الراشدي(_( ) المرجع السابق ص (127). _).
16) العلامة أبو شيذان عامر بن علي الشيذاني(_( ) المرجع السابق ص (127). _).
17) العلامة الزاهد عبدالله بن عامر بن مهيّل العزري توفي سنة 1358هـ(_( ) المرجع السابق ص (481). _).
18) العلامة قسور بن حمود الراشدي(_( ) المرجع السابق ص (127). _).
19) العلامة أبو الوليد سعود بن حمد بن خليفين المتوفى سنة 1373(_( ) المرجع السابق ص (503). _).
يقول الشيخ محمد السالمي في "نهضة الأعيان" (127): "هؤلاء مشاهير تلاميذه، والذين تحت طبقتهم كثير، بل لا تجد عمانيا له أدنى مسكة من العلم، إلا وقد اغترف من ذلك البحر والتقط من ذلك الدرّ، بحسب ما قسم له الواهب من المواهب، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم". ا.هـ
مصنفاته (1/18)
صفحة 19
خلّف الشيخ السالمي جملة طيبة من التصانيف التي تطايرت في البلاد وتناقلها العباد، ولم يكن ممن يصنفون لأجل الشهرة والسمعة بل كان في كتبه راجيا الفضل من الله ملتمسا خدمة الدين بكل اصرار راجيا أن تزاح غشاوة الجهل عن الناس فصنف الكتب النافعة ولم يغفل أن يترك ما يفيد الصغير والكبير والمقتصد والمجتهد، وكان يُعنى بتحرير كتبه ومصنفاته ويهتم بتوضيح الدلائل وتبسيط المسائل فليس فيها إطناب ممل، ولا اختصار مخل، يعتني باللب دون القشر وبالجوهر دون المظهر ولهذا صارت مؤلفاته مقدمة على غيرها واعتنى بها الناس أيما عناية، ومن أبرزها:
( في علم الحديث:
1) "شرح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي" رحمه الله تعالى في ثلاثة مجلدات (طبع).
( في علم العقيدة:
1) "مشارق أنوار العقول" وهو أهم كتب الشيخ في هذا المجال وهو شرح موسع لمنظومته "أنوار العقول" وقد أثنى على هذا الكتاب عالم الإباضية الجزائري القطب محمد بن يوسف اطفيش عندما وقف عليه(_( ) المرجع السابق ص (128). _) طبع في مجلدين.
2) منظومة "أنوار العقول" وهي أرجوزة صنفها في علم العقيدة بلغت (317) بيتا.
3) "بهجة الأنوار" كتابنا هذا.
4) "روض البيان على فيض المنان" شرح فيه منظومة رفيق عمره الشيخ سعيد بن حمد الراشدي "فيض المنان في الرد على من ادَّعى قدم القرآن" التي بلغت (106) بيتا، وشرحها شرحا بديعا (طبع).
5) "كشف الحقيقة" أرجوزة في الدفاع عن مذهب الاباضية ونقض تقولات خصومهم وبيان خطأ الاعتراضات عليهم. وقام بشرحها الشيخ سالم بن حمود السيابي رحمه الله تعالى .
6) "غاية المراد في الاعتقاد" منظومة أخرى تنتهي بحرف اللام مطلعها:
"الحمد لله منشئ الكائنات على ما شاءها وبلا مِثل هناك خلا" (1/19)
صفحة 20
وشرحها العلامة سليمان بن محمد الكندي (ت 1337هـ) طبع بوزارة التراث العمانية، ولها شرح آخر لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عمان وهو في أوراق مطبوعة بالحاسوب، لم ينشر تجاريا بعد.
7) "رسالة في التوحيد" لا تزيد عن أربع ورقات كتبها تلبية لطلب رفيقه الشيخ سعيد بن حمد الراشدي اهتم فيها بمبحثي الالهيات والنبوات بايجاز ...
( في أصول الفقه:
1) "طلعة الشمس" شرح به منظومته "شمس الأصول" في هذا العلم الجليل، تم طبعه في مجلدين بمصر ثم صورته وزارة التراث العمانية، ووضع بحواشيه كتاب "بهجة الأنوار" في المجلد الأول. وكتاب "الحِجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة" في المجلد الثاني.
2)"الحجة الواضحة في الرد على التلفيقات الفاضحة" رد فيها على من ادّعى العلم وتعاطى منزلة الاجتهاد من أهل زمانه. لم ينشر.
( في علم الفقه:
1) "معارج الآمال على مدارج الكمال" وهو أوسع كتاب فقهي خلّفه الشيخ وهو شرح لكتابه النظمي "مدارج الكمال" بيد أنه لم يتم حيث عاجلته المنية قبل ذلك، يقع في ثمان قطع مخطوطة وقد طبعته وزارة التراث في (18) مجلدا.
2) "مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال" وهو كتاب نظمي على بحر الرجز يزيد على الألفي بيت نَظَم فيه كتاب العلامة اليمني أبو اسحاق ابراهيم بن قيس بن سليمان الحضرمي الاباضي المسمى "مختصر الخصال ـ ط" تمّ طبْع "المدارج" أيضا بوزارة التراث.
3) "جوهر النظام" وهو أرجوزة جامعة لكثير من الأبواب الشرعية وقد طبع هذا الكتاب قديما في مصر مع تعليقات قيمة للشيخ ابراهيم اطفيش أبو اسحاق الجزائري وصُوِّرَت تلك الطبعة مرارا ثم أعيد طبعه مؤخرا مع تعليقات الشيخ المذكور بالاضافة إلى تعليقات للشيخ الفقيد ابراهيم بن سعيد العبري ، في مجلدين. (1/20)
صفحة 21
4) "جوابات الشيخ السالمي" حيث كان يعتني بما يرد إليه من أسئلة فيأمر بتدوين السؤال والجواب والبحوث الصغيرة والرسائل في كتاب خاص وقد جمع بعضها الشيخ سالم بن حمد الحارثي وأطلق على ما جمعه "العقد الثمين .. نماذج من فتاوى نور الدين" وطبع في (4) أجزاء بمصر ثم قامت مكتبة الضامري ـ السيب. بتصويرها، غير أنها لا تشكّل المجموعة الأصلية. هذا وقد نشرت المجموعة الكاملة مؤخرا في سبعة أجزاء مرتبة على الأبواب المعهودة.
5) "حل المشكلات" وهو مجلد عبارة عن أجوبة لأسئلة كتبها تلميذه الزاهد أبوزيد عبدالله بن محمد الريامي وقد طبع في وزارة التراث العمانية.
6) "ايضاح البيان في أحكام نكاح الصبيان" يبحث فيه قضية زواج البالغ بالصبية أو العكس أو زواج الصبي بالصبية. ويكشف رأي فقهاء الاباضية في هذه المسألة وقد نشر مؤخراً.
7) "الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة" وقد طبع بهامش كتابه "طلعة الشمس" المتقدم.
8) "تلقين الصبيان" وهو كتاب مختصر كما يتضح من عنوانه موجه إلى شريحة كبيرة من المجتمع ألا وهم صغار السن والعوام. وقد طبع هذا الكتاب المبارك مرارا وتكرارا لشدة الطلب عليه رغم صغر حجمه وهو منتشر في المكتبات.
9) "طريق السداد إلى علم الرشاد" شرح لمنظومة رفيق عمره الشيخ سعيد بن حمد الراشدي في أحكام الجهاد المسماة "علم الرشاد ـ ط" فعلق عليها الشيخ شرحا يكشف مخدراتها . لم يكمل ولم ينشر بعد.
10) رسالة "بيان الأدلة على نجاسة الدم المسفوح" تكلم فيها عن هذه القضية بتحليل الفقيه الناقد مع الالمام بأطراف القضية وكشف ما يتعلق بحكم الدم المسفوح من حيث نجاسته طبع مؤخرا.
( في التاريخ: (1/21)
صفحة 22
1) "تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان" وهو خدمة جليلة أسداها الشيخ لبلاده التي لم يظهر لها تاريخ يضارع ما كتبه في هذا الكتاب فما يوجد من كتب التاريخ التي نشرت لا يستوعب التاريخ الحافل بالأحداث لهذه البلاد، وكتابه هذا أهم مصدر لأي باحث عن عمان وما يتعلق بها، فقام بتسجيل تاريخه هذا ليسد خللا وثغرة مهمة. وقد نشر هذا الكتاب القيم في جزئين بمصر حيث اعتنى بنشره والتعليق عليه الشيخ أبو اسحاق الجزائري رحمه الله تعالى نزيل القاهرة، ثم صورت تلك الطبعة مرارا.
2) "الحق الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي رحمه الله تعالى " كتبه عرفانا بالجميل لشيخه المفضال الذي أولاه رعايته وضمه إلى كنفه فاستفاد منه وأفاد. طبع أيضا.
( في اللغة والأدب:
1) "المنهل الصافي في العروض والقوافي" شرح ممتع على أرجوزته في علم العروض. طبعته وزارة التراث بعمان.
2) "شرح بلوغ الأمل في المفردات والجمل" وهو شرح صنعه على منظومته "بلوغ الأمل" في مبادئ اللغة وهي أول ما صاغته قريحته وكتب عليها الشرح المذكور بعد ذلك. طبعته وزارة التراث بعمان.
3) " المواهب السنية على الدرة البهية" شرح على نظم "الآجروميّة" للعمريطي طبعته وزارة التراث في جزئين صغار (سلسلة تراثنا).
4) "ديوان السالمي" فيه مجموعة طيبة من قصائده الرائعة. وهو لا يزال مخطوطا؛ لم ينشر منه إلا بعض القصائد المختارة جُعلت في نهاية كتابه "الحق الجلي".
( مجالات أخرى:
1) "بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود" تكلم فيه عن التشبه بالمشركين في الآونة الأخيرة وأضراره على المجتمع.
2) رسالة "سواطع البرهان" وهي رسالة في اللباس بعث بها لأهل زنجبار ولم تنشر حتى الآن.
3) قام بتصحيح نسخ مسند الربيع الفراهيدي وحاول جهده تخليصها من التصحيفات التي لحقت به وسجل في مقدمته تنبيهات قيّمة. وهي مطبوعة مع نسخ المسند المذكور ـ باختلاف طبعاته ـ. (1/22)
صفحة 23
4) قام بالتعليق على كتاب العلامة القطب الجزائري وردّه المسمى "ياعقبى يا جزائري" ونشر الكتاب مع تعليقات الشيخ السالمي في مصر قديما.
5) قام بجمع فتاوى وأجوبة شيخه صالح بن علي الحارثي في مجلد سماه "عين المصالح من أجوبة الشيخ الصالح" طبع في دمشق، ثم أعيد طبعه في عمان.
6) له رسائل متعددة إلى بعض العلماء سواء من الاباضية المغاربة أو من علماء بقية المذاهب خصوصا الذين كان يلتقي بهم في جوار الحرمين وقد تباحث مع جماعة منهم. وهذه الرسائل موجودة في بعض المجلدات بحوزة أحفاده في مكتبة السالمي.
وفاته
توفي رحمه الله تعالى عندما كان متوجها لمقابلة الشيخ ماجد بن سعيد العبري ليفهمه رأيه في مسألة الوصية بقراءة القرآن على المقابر حيث يرى الشيخ أنها لا تثبت، "فكان من قضاء الله وقدره أنه لما وصل ومن معه من الأعيان إلى قرية بني صبح عند غروب الشمس، عزموا على المبيت بها، فتوجهوا إلى المحلة السفلى منها، فصدعه غصن شجرة أمبا(_( ) هي شجرة المانجو. _) معترضا على الطريق، وهو على راحلته ولم يبصره لكونه ضريرا، ولم ينبهه أصحابه لأمر أراده الله، فألقاه على ظهره واهي القوى"(_( ) المرجع السابق ص (131)._). ا.هـ وكان مرضه هذا هو الذي مات فيه(_( ) قال الشيخ سعيد بن حمد الحارثي: "لما سقط الشيخ نور الدين من راحلته، وبقي يعالج الموت في بلدة "تنوف" كان يقول: سنقسم إن شاء الله مغانم الهند. وكان يكررها، يقول هذا حثا للمسلمين على اقتفاء السلف، ولكي تكتب النية في حسناته.
قال: وجاءه الامام يعوده. فقال له: لِم جئت؟. قال: عائدا لك. قال: ارجع فأنت في مقام أصلح للمسلمين من عيادتي. فرجع في الحال. (1/23)
صفحة 24
قال: وانكسرت رقبته فبقي أياما إذا حمل على الأكتاف هان عليه السهر، وإذا وضع اشتد عليه. وذات يوم قال: ما هذا اليوم؟. قلنا: كذا. قال: بعد غد!. لم يزد على هذه الجملة، وما عرفنا معناها، فإذا هو يموت بعد غد. رحم الله تلك الأوصال وأدخلها دار الخلد والجلال". ا.هـ._) حيث توفي بعد العتمة من ليلة 5 من شهر ربيع الأول سنة 1332هـ وعمره 48 سنة وبضعة أشهر وقُبِر في بلدة تنوف تحت سفح الجبل الأخضر بعدما صلى عليه تلميذه الكبير أبوزيد عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي رحمه الله تعالى، وكان موته نكبة في عمان بأسرها، وفي شهر ربيع الثاني توفي قطب الأئمة عالم الديار الجزائرية ومجتهد السادة الإباضية في تلك البقاع الشيخ محمد بن يوسف اطفيش رحمه الله تعالى فكان الخطب جللا.
هذا وقد رثى الشيخ السالمي طائفة من الشعراء من أهل زمانه وأبرزهم الشاعر الكبير العلامة أبومسلم ناصر بن سالم الرواحي رحمه الله تعالى في قصدتين عصماوتين، نقتبس منهما الأبيات التالية:
قال في القصيدة الأولى(_( ) ديوان أبي مسلم ـ للعلامة أبومسلم ناصر بن سالم الرواحي العماني ـ نزيل زنجبار ـ ص (399 ـ 406) الطبعة التي قدم لها عبدالرحمن الخزندار، وديوان أبي مسلم رحمه الله أفضل دواوين الشعر بلا منازع._):
ريب المنون مقارض الأعمار
والنفس تلهو فوق تيار الردى
قرّت على رنق وزخرف باطل
ثم قال:
ياصرعة الموت انتقرت خيارنا
ناهيك من اطفاء أنوار الهدى
ناهيك من اعدام أحبار التقى
ناهيك من قعص السّراة فانهم
ناهيك من هلك الكرام فما بقي
ويلاه أوحشت الديار من الألى
أو كلما نجمت فضيلة سيد
أسرعت في الأغواث والأقطاب
مهلا فما أبقيت ثم بقية
مازلت تعتقرين كل أعزتي
أفقدتني شهب الفضائل كلهم
ثم قال:
العالم القطب المجدد عمدة العـ
ليث المعارك مربع الفضل الذي
غوث البسيطة معلم الدنيا
حامي حمى الإسلام حجته
بحر المعارف والكمال مسدد الأعـ
السالمي أبي محمد المنيـ (1/24)
صفحة 25
تمضي وترسلها العراك مروعة
مهلا همام الاستقامة ما الذي
قوّمتها فتقوّمت فهجرتها
ارجع إليها حيث قل حماتها
ارجع إلى الإسلام تمم نصره
ارجع فإن الاستقامة أرملت
ارجع تشاهد كيف دمع السيف
ارجع وما ظني بأنك مشتر
ثم يقول:
هيهات يا أسفاه لا رجعى وقد
يسلون بالآثار بعد صحابها
يا "طلعة الشمس" استري عنا الضيا
كنت النصير وكان لي صبر الحصى
أقدرت لي جلدا يقاوم نكبتي
ناهيك من جلدي يقيني بالرضا
فرأيت برد العيش إحسان العزا
... ... الخ القصيدة
وحياتنا تعدو إلى المضمارِ
ياليتها حذرت من التيار
مثل القرار على شفير هار
وتركت أمتنا بغير خيار
غشي الظلام وضل فيه الساري
فالدين لا يبقى بلا أحبار
سور لدين المصطفى وسواري
رسم الكرام ولا حماة الجار
كانوا خلائف سنة المختار
قدرتها وترا من الأوتار
والأعلام والأبدال والأخيار
نزح القطين وجف روض الدار
فالجو خاو والديار عواري
ويلاه من شهبي ومن أقماري
ـلماء طرا كعبة الأسرار
رفع المنار ولات حين منار
أبي الضيم مولانا عزيز الجار
معز الدين سيف الملة البتار
ـمال في الإقبال والإدبار
ـف الذكر طود المجد بدر الساري
والليل داج والذئاب ضواري
غادرت من هول ومن اذعار
يا هجرة طالت على السفار
ارجع فديتك يا غريب الدار
فالعز تحت عزائم الأنصار
ارحم يتيمك وهو دين الباري
والعسال والأقلام والأسفار
بجوار ربك جيرة الأشرار
جثمت عليك صحائف الأحجار
ومثار حزني فيك بالآثار
وخذي الحداد "مشارق الأنوار"
فأصبت في صبري وفي أنصاري
فاليوم لا جلدي ولا أقداري
والسخط في أن المقدر جار
والإطمنانة تحت حكم الباري
_
وقال في القصيدة الثانية(_( ) المرجع السابق ص (406 ـ 411) تصرف بالحذف. _):
نكسي الأعلام يا خير الملل
وانتثر يا دمع أجفان التقى
وانفطر يا قلب واستقص الأسى
ثم يقول:
يارجال العلم أودى قطبكم
فتكت بالسالمي المرتضى
فتكة أورثت الأرض البكا
فتكة لم يحم منها جيشه
عجبا من نعشه تحمله
جمع العالم في حيزومه (1/25)
صفحة 26
ثم قال:
ما حميد العيش من بعدك في
والبكاء المر لا يشفي الجوى
ما فقدناك هماما مفردا
ما فقدناك وعرفانك في
سيد العرفان دهري مأتم
أخرس الهول لساني في الرثا
ما هنئت العيش مذ فارقته
ما هناء المؤمن الحق على
أنا لا أعلم رزءً فادحا
يرفع العلم بموت العلما
أكرم الله به أمتنا
يا لها من رحلة ما تركت
يا لها من رحلة صحّت بها
أمة الخير لكم حسن العزا
رُزئ الاسلام بالخطْب الجللْ
قد أصيب العلم واغتيل العملْ
إن حبل الدين بالأمس انبتلْ
بل جميع العلم أودى والعملْ
غارة شعواء ما عنها حِولْ
والسموات وما فيها استقل
لا ولا دافعها وقع الأسل
فتية وهو على الكون اشتمل
أترى العالم في القبر نزل
هذه الدنيا وما معنى الجذل
لو طفقت الدهر أستمري المقل
بل فقدنا الخير في كل محل
صفحات الكون ضوء يشتعل
فيك ما أشرق نجم أو أفل
ولساني حَدّهُ يَفري الجبل
وهنيئا لك عيشا لا يُثَل
صدعة الدين وما برد الغلل
كمصاب الدين أو نقص الكمل
وارتفاع العلم هُلك وخَبل
برهة ثم دعاه فرحل
خلفها من كرم إلا انتقل
غربة الاسلام في أزكى محل
إنها داهية أُمُّ الغِيَل
_
فصل
فيما يتعلق بالكتاب
نسبته وأهميته (1/26)
صفحة 27
يتضح ببروز من الصفحة الأولى في كلتي المخطوطتين عنوان هذا الكتاب حيث شاء مصنفه أن يسميه (بهجة الأنوار) وقد صرح الشيخ بنفسه بهذه التسمية حين يقول في مقدمته ـ كما سيأتي ـ : "وقد كنت شرحتها شرحا مختصرا، على معاني أبياتها مقتصرا، ثم إني زدت على نظمها زيادات، وألحقته جملة أبيات، فرجعت إلى ذلك الشرح فنقّحته وإلى هذا المزيد فشرحته، فهاك نظما محررا وشرحا مهذبا مختصرا سميته (بهجة الأنوار) جعله الله لي ذخرا في دار القرار، وهو حسبي ونعم الوكيل". وهو الذي يعنيه في مقدمة كتابه "مشارق أنوار العقول" حين يقول (1/47): "..وقد أجرى المنّان على لساني منظومة منطوية في ذلك الفنّ على أجلّ المعاني. سالكة طريقة الوسط، وقد كنت ألفت عليها شرحا مطابقا لمقتضى حالها، موضحا لمشكلها ومفسرا لاجمالها". وكتاب (بهجة الأنوار) شرحه الصغير على منظومته تلك
( وقد نسب هذا الكتاب للسالمي أيضا ولده الشيخ محمد الملقب بـ"الشيبة" بن العلامة السالمي في كتابه "نهضة الأعيان" ص(128) في جملة مصنفات والده.
ولاخلاف في صحة نسبة الكتاب للشيخ السالمي ولله الحمد.
ويمكن الإشارة إلى أهمية الكتاب في النقاط الآتية:
أولا: أن هذا كتاب من كتب العقيدة التي تناولت أكثر من موضوع فيها بل تناول أكثر القضايا العقائدية ما عدا قضية الإمامة التي أوردها كثير من المصنفين في أصول الدين على اختلاف مذاهبهم في كتبهم ومؤلفاتهم، ولعل الشيخ إنما أغفل هذا الأمر في كتابه هذا لتوفر مادته في بقية الكتب الأخرى، والتعددية في المواضيع بصورة أقرب للاستيعاب يقل وجودها في كتب الإباضية القدامى من أهل عمان إلا في الموسوعات الضخمة. (1/27)
صفحة 28
ثانيا: معالجة المصنف في شرح أبيات منظومته "أنوار العقول" تتسم في هذا الكتاب بأنها موجّهة خالية من التشعب وإطالة النَفَس كما هو الحال في شرحه الكبير "مشارق أنوار العقول"، وهذه الميزة تصلح للناشئ في الطلب وللمتوسطين الذين أنهوا المبادئ الأولية في علم العقيدة.
ثالثا: يتسم عرض المصنف في هذا الكتاب بمناقشة أدلة المخالفين وبيان ما فيها من هفوات كما هو الحال في بقية مصنفاته وهذ بحده يعطي الكتاب ميزة وقيمة لا توجد في كتاب يخلو من المناقشات أو الذي يهتم بالسرد فقط دون نقاش.
مخطوطاته
يسر لي المولى سبحانه وتعالى أن أعثر على مخطوطتين لهذا الكتاب ويمكن اعطاء صورة سريعة عنهما كالتالي:
الأولى: مخطوطة مكتبة السالمي في "بدية"، وهذه المكتبة تضم نفائس الكتب والمخطوطات التي خلفها الشيخ السالمي .. والمخطوطة تأتي في (119) ورقة أي في حوالي (238) صفحة من القطع العادي مع سقوط ورقة منها بسبب التمزق الناشيء من قدمها، وفي كل صفحة (17) سطر في الغالب مع استعمال اللون الأحمر أحيانا في بعض الكلمات للتنبيه عليها، وإبراز الأسطر التي تكون فيها أبيات المنظومة بخط أكبر من الخط المستعمل في الشرح، كما يلاحظ عليها كثرت الأخطاء الاملائية وهي من الناسخ دون شك، كما يلاحظ وجود تمزق في أطراف بعض الورق الناشئ من القدم، مع انفرادها عن رفيقتها بفهرس للمنظومة والكتاب معا، كما أن هذه النسخة كتبت في حياة المصنف يدل على ذلك تأريخها إذ كتبت في سنة 1314هـ وبهذا تكون هي النسخة الأم لهذا الكتاب ورمزت لها بالحرف (أ). (1/28)
صفحة 29
الثانية: مخطوطة مكتبة السيد المستشار برقم (154 ب) وعدد أوراقها يبلغ (122) أي أنها تشكل (244) صفحة من القطع العادي وهي كاملة ليس فيها سقط ـ في الصفحات ـ وفي كل صفحة (15) سطر في الغالب، وكتابة أبيات المنظومة والعناوين باللون الأحمر وتتميز هذه النسخة بأنها أقل أخطاءً من سابقتها وأكثر اعتناءً بالنسخ من حيث وضوح الكلمات ودقة الكتابة، غير أن هذه النسخة كتبت متأخرة عن الأولى إذ تم الانتهاء منها سنة 1337هـ أي بعد وفاة المصنف بخمس سنوات، وناسخها هو زهران بن خلفان بن سرور اليعربي. ثم أضيف إلى هذه النسخة أرقام الصفحات بقلم مغاير، ورمزت لهذه النسخة بالرمز (ب).
( منهج التحقيق: (1/29)
صفحة 30
أما عن المنهج الذي سلكته في تحقيق الكتاب فقد اتبعت منهج (النص المنتخب)، حيث أن هذا المنهج كفيل باظهار النص بصورته التي أرادها المؤلف وذلك لأن بقية الطرق المتبعة لا تخلو من عيوب، فمثلا طريقة اعتماد نسخة معينة وجعلها النسخة الأم لاعتبارات منها القدم؛ لها عيوبها من حيث وجود النقص أو التصحيفات في تلك المخطوطة واضطرار المحقق الى تفصيل تلك الاختلافات وتكملة ذلك النقص في الحواشي مما لا يؤدي إلى خدمة المتن والنص المنقول حيث يؤدي إلى تكليف القارئ ضبط النص بنفسه وهذا تعقيد لا طائل وراءه. أما طريقة النص المنتخب فهي أسلم الطرق وأولاها بالاتباع وذلك أن المحقق يراعي اتمام الخلل من بقية النسخ التي عنده فيثبته في المتن لا في الحواشي وعند اختلاف العبارات يراعي الأنسب بالسياق وبمراد المصنف ومقتضى مذهبه وآرائه التي عرف بها، لا أن يورد عبارات مخطوطة معينة وإن كانت لا تؤدي الغرض المطلوب، لهذا آثرت اتباع هذه الطريقة مع مراعاة أن الأقدم أولى بالإثبات متى ما كانت العبارات تؤدي نفس الغرض، كما قمت بترقيم الأبيات حيث يفيد مثل هذا العمل في بعض الاحالات أحيانا كما قمت بمقابلة بعض الأبيات وتصحيحها من كتاب "مشارق أنوار العقول" باعتباره الشرح المتأخر وفيه اصلاح لبعض الأبيات تجد ذلك مبينا في الحواشي لاحقا، هذا مع تخريج أحاديث الكتاب وعزو الآيات الكريمة إلى مظانها في الكتاب العزيز وبيان ما يشكل من النص والتعليق على ما ينبغي التعليق عليه.
وهذه بعض الصور من مخطوطتي الكتاب:
الصفحات الأولى من النسخة (أ).
الصفحات الأخيرة من النسخة (أ).
الصفحات الأولى من النسخة (ب).
الصفحات الأخيرة من النسخة (ب)
نص
الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم (1/30)
صفحة 31
لك الحمد يا من نور عقولنا بالدين، وطهر قلوبنا من زيغ الملحدين، وصفى عقائدنا من ضلالات المبتدعين، وخلص أعمالنا من أقاويل المبطلين، وجعلنا من القوم الهادين المهتدين، والصلاة والسلام على خير مبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وعلى تابعيهم إلى يوم الدين.
وبعد؛ فهذه منظومة مَنَّ عليَّ بها الرحمن المنان، في قواعد التوحيد وأصول(_( ) سقطت من (ب) كلمة أصول. _) الأديان، سالكة أعلى منهج في هذا الشأن، واردة أعذب منهل يجلو الأذهان، تنطق بالصدق في كل نادي، وتصدع بالحق بين الحاضر والبادي، قريبة المأخذ للمتناول، بعيدة الغور عن اعتراض المجادل، سميتها (أنوار العقول)، وما أجدرها بما فيها أقول:
هذه الأنوار لا نجم زهر
فلها ألباب أرباب العلى
قربت في فنها ما قد نأى
ليت أشياخي الأُلى قد سلفوا
ورأوا تنقيحها في جمعها
فلهم فيها مجال واسع
لا ولاإشراق شمس أوقمر
مطلع زانت به تلك الفكر
وحوت كل مهمّ معتبر
شهدوا وضع مبانيها الغرر
وانتخابي لمعانيها الدرر
ولها عندهم أعلى قدر
_
وقد كنت شرحتها شرحا مختصرا، على معاني أبياتها مقتصرا، ثم إني زدت على نظمها زيادات، وألحقته جملة أبيات، فرجعت إلى ذلك الشرح فنقّحته وإلى هذا المزيد فشرحته، فهاك نظما محررا وشرحا مهذبا مختصرا سميته (بهجة الأنوار) جعله الله لي ذخرا في دار القرار، وهو حسبي ونعم الوكيل.
(بسم الله الرحمن الرحيم)(_( ) في (أ) كتب بعد البسملة "رب يسر وأعن ياكريم" وهي ساقطة من (ب) ويحتمل أن هذه اللفظة من زيادة الناسخ أو أنها زيدت فيما بعد كما يظهر من تغير الخط إلا أن يقال أن المصنف كان قد أتى بها في أول نظمه لـ"أنوار العقول" وأدرجها هنا. _)
(الباء) للإستعانه متعلقة بمحذوف مقدم عند النحويين، ومؤخر عند البيانيين لفائدة القصر والإهتمام، وهل ذلك المحذوف اسم أو فعل؟، والحق انه فعل مناسب لغرض المبسمل تقديره بسم الله أبتديء أو أُألِّف أو نحو ذلك. (1/31)
صفحة 32
وإضافة اسم إلى الله للبيان أو للحقيقة أو للإستغراق كما في "الهميان"(_( ) هيميان الزاد (1/54 و55)._) وصرح في "حاشية الشذور" أن الإضافة تأتي لما تأتي عليه ال من المعاني، و(الله) عَلَمٌ على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد.
(الرحمن الرحيم) هل هما اسمان من اسماء الله؟ أو صفتان ؟ وعلى كلا القولين فليسا بِعَلَمَين؛ لأن كل واحد منهما كُلِّي ينحصر فيه فرد، والعَلَم ليس كذلك، وهل هما في أوجه الإعراب صفتان لله ؟ اوبدلان منه ؟ او عطفا بيان؟ وجوه..وهل الرحمن أبلغ معنىً من الرحيم؟ أو الرحيم أبلغ معنى من الرحمن؟. أو هما مترادفان في المعنى؟ كما يعلم من المطولات. (1/32)
صفحة 33
وابتدأ بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وعملا بما جاء في الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - : (كل أمر ذي بال لايبدؤ فيه ببسم الله فهو أبتر((_( ) الحديث رواه التاج السبكي بسنده في "طبقات الشافعية الكبرى" (1/12) بلفظ: "لايبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع". ورواه عبد القاهر الرهاوي في "الأربعين" كما في "كنز العمال" للمتقي الهندي برقم [2491]. قال السيوطي في تفسيره "الدر المنثور" عند الكلام على البسملة من سورة الفاتحة: "وأخرج الحافظ عبد القاهر الرهاوي في "الأربعين" بسند صحيح! عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : »كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع«" ا.هـ. _)، وفي رواية (أقطع(، وفي رواية (أجذم(، والمعنى متحد في كلها أي منقطع عن البركات وإن تم بناءً لايتم معنىً، وكذلك يكون الإبتداء بالحمدلة بعد البسملة اقتداءً بالكتاب العزيز؛ فإنها في أول الفاتحة، وعملا بما في الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - : (كل أمر ذي بال لايبدؤ فيه بحمد الله والصلاة عليّ فهو أقطع أبتر ممحوق من كل بركة((_( ) الحديث بهذا اللفظ رواه الخليلي في "الإرشاد" ص(118 /دار الفكر) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - . ومن طريقه التاج السبكي في "الطبقات الكبرى" (1/15) ورواه الرهاوي في "الأربعين" كما في "كنز العمال" للهندي برقم [2510].
وجاء بلفظ: »كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع«. رواه ابن ماجة برقم [1894] والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/296) والتاج السبكي في "الطبقات الكبرى" (1/7) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - . وعند الطبراني في "الكبير" (19/72) من طريق كعب بن مالك - رضي الله عنه - . (1/33)
صفحة 34
وبلفظ: »بحمد الله فهو أقطع« النسائي في "السنن الكبرى" برقم [10328] وهو أيضا في "عمل اليوم والليلة" له برقم [498] والبيهقي في "شعب الإيمان" برقم [4372] وابن حبان في صحيحه برقم [1و2/ الإحسان] والدارقطني في سننه برقم [872] والخليلي في "الإرشاد" ص(117) وابن النجار في "ذيل تاريخ بغداد" (19/218 مع التاريخ) من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - .
كما جاء بلفظ: »كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم« رواه أبو داود في سننه برقم [4840] من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - وحسنه النووي في "رياض الصالحين" ـ عند كتاب: حمد الله تعالى وشكره ـ ورواه أيضا ابن أبي شيبة في "المصنف" برقم [26674] بلفظ (أقطع) وكذا الخليلي في "الإرشاد" ص(381) ومن طريقه التاج السبكي في "الطبقات الكبرى" (1/12) و (1/15) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - .
وبلفظ: »كل كلام لا يبدأ في أوله بذكر الله فهو أبتر« النسائي في "السنن الكبرى" برقم [10331] ومثله في "عمل اليوم والليلة" له برقم [501] وهو في هذين الموضعين من مراسيل الزهري وهي بمنزلة الريح عند يحي القطان.
وجاء بلفظ: »كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله عزوجل فهو أبتر ـ أو قال: أقطع« هكذا في مسند الإمام أحمد (2/359 القديمة) و(2/477 برقم 8733/ الكتب العلمية). ومن طريقه التاج السبكي في "الطبقات" (1/16) ورواه أيضا الدارقطني في سننه برقم [873] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - .
وجاء بلفظ: »كل كلام لايذكر الله فيه فيبدأ به ويصلى علي فيه فهو أقطع أكتع ممحوق من كل بركة«. رواه أبو الحسين أحمد بن محمد بن ميمون في "فضائل علي" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - كما في "كنز العمال" للمتقي الهندي برقم [6463]. (1/34)
صفحة 35
وقد أطال الكلام عن الروايتين ـ اللتين ذكرهما المصنف هنا ـ التاج السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (1/5 ـ 24 تحقيق الحلو والطناحي) فليطالعه من أراد التوسع في طرق الحديث وأسانيده. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (8/278 /الكتب العلمية) بعد نقله لكلام النووي عن روايات هذا الحديث: "والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو عوانة في صحيحه وصححه ابن حبان أيضا وفي سنده مقال، وعلى تقدير صحته فالرواية المشهورة فيه بلفظ (حمد الله) وما عدا ذلك من الألفاظ التي ذكرها النووي وردت في بعض طرق الحديث بأسانيد واهية". وأنظر أيضا كلام الشوكاني في "نيل الأوطار" (1/14و15) و (3/300) و كلام المناوي في "فيض القدير" (5/13و14)._) (_( ) في (ب) زيادة :وهذه المنظومة فقال شعرا. _).
(1)(الحمد لله الذي قد أشرقا شمس الأصول في نهى ذوي التقى) (1/35)
صفحة 36
قال الملوي(_( ) أحمد بن عبد الفتاح بن يوسف المجيري الملوي أبو العباس شهاب الدين، الأزهري شافعي المذهب، ولد في القاهرة سنة 1088هـ وتوفي بها عام 1181هـ وصفه الجبرتي بأنه: إمام وقته في حل المشكلات، المعول عليه في المعقولات والمنقولات. له تصانيف كثيرة منها "شرحان لمتن السلم" في المنطق كبير وصغير، و"شرح عقيدة الغمري" و "منهل التحقيق في مسألة الغرانيق" و "عقد الدرر البهية في شرح الرسالة السمرقندية" وغيرها. (الأعلام 1/152)._): "الحمد هو الثناء بغير الحادث المطبوع". فدخل فيه الثناء على الله بصفاته القديمة فإنه من أجل المحامد، وبهذا يعترض على غير هذا التعريف من التعاريف فإنها تخرج هذا الحمد وإن كان قد أجيب عن ذلك بتعسفات في بعضها سوء أدب مع الربّ تعالى وليس هذا محل بسطه. وخرج عن الثناء وصف من هو في الدرك الأسفل من النار بما(_( ) في (ب) : لما. _) تضمنه { ذق انك أنت العزيز الكريم } الدخان : 49 فإنه ليس بثناء بل تنقيص له وسخرية. والشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب الإنعام وقيل لابد أن يكون الإنعام على الشاكر فعُلم أن بينهما عموما من وجه.
و(ال) في الحمد إما للعهد والمعهود حينئذ الحمد القديم، وإما للجنس وهو مذهب الزمخشري(_( ) تأتي ترجمته عند التعليق على البيت رقم (143). _) في "كشافه" وعليه فجائز تارة وممتنع أخرى على حسب الإحتمالات كما في "الهميان". (1/36)
صفحة 37
وإما للإستغراق فيكون المعنى كل فرد من أفراد الحمد لله - وهو الحق - وعليه اعتمد القطب(_( ) هو العلامة المغربي محمد بن يوسف اطفيش أحد كبار علماء الإباضية في الجزائر نابغة زمانه كان حريصا على العلم في صغره ولما بلغ سن الخامسة عشرة من عمره جلس للتدريس في حلقات العلم يقول الأستاذ الراحل عدون جهلان في كتابه "الفكر السياسي" ص (105): "وحين بلغ العشرين كان أكبر عالم في وادي ميزاب ـ المنطقة التي يقطنها إباضية الجزائر ـ ففتح دارا للتعليم وعكف على التأليف وشمر للإصلاح الإجتماعي والسير بالنهضة الحديثة، وليس هذا بالأمر الهين على مفكر أعزل نشأ في وطن عظمت فيه المحن وانعدمت وسائل الراحة وقلَّت مذكيات المواهب بل عاش في وسط كثير الفتن اشتدت فيه وطأة الإضطهاد للعلماء العاملين .." انتهى وما بين الشرطتين مني للتوضيح. وأزيد هنا بأن هذا العالم كان له دور كبير في النضال ضد الفرنسيين وكان السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ممن يجله ويحترمه وكذا سلاطين عمان في تلك الفترة وتوفي سنة 1332هـ وله من المؤلفات ما يشار إليه بالبنان عند الإباضية كـ"شرح النيل" في الفقه المقارن طبع في 17ج "وهيميان الزاد" في التفسير طبع في 15ج و"تيسير التفسير" في التفسير أيضا طبع في 15ج و"شرح لامية الأفعال" في فن التصريف طبع في 3ج و "شرح لشرح مختصر العدل والإنصاف للشماخي" في أصول الفقه بلغ 6ج - لم يطبع للأسف - وغيرها كثير.
وكلمة القطب هي اللقب الذي اشتهر به، ولا يعني الإباضية بهذا اللقب المعنى الذي فسر به الصوفية لمصطلح القطب عندهم، فالقطب هو الذي تدور عليه الأشياء قال في "مختار الصحاح" ص (541): "وقطب القوم سيدهم الذي يدور عليه أمرهم، وصاحب الجيش قطب رحى الحرب" ا.هـ. وإنما لقبوه بهذا للمنزلة التي بلغها من العلم حتى صار مدار الفتوى عليه في ذلك الوقت، قال ابن دريد في مقصورته:
فإن سمعت برحى منصوبة للحرب فاعلم أنني قطب الرحى (1/37)
صفحة 38
أما عند الصوفية فلهذا الإسم تفسير خاص بهم فترى المناوي يصفه في "التوقيف على مهمَّات التعاريف" ص (586) بقوله: "القطب: وقد يُسمى غوثا؛ باعتبار التجاء الملهوف إليه، عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله تعالى في كل زمان أعطاه الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد، بيده قسطاس الفيض الأعمَّ، وزنه يتبع علمه، وعلمه يتبع علم الحق، وعلم الحق يتبع الماهيات الغير مجعولة، فهو يُفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل، وهو قلب إسرافيل من حيث حصته الملكية الحاملة مادة الحياة والإحساس لا من حيث إنسانيته، وحكم جبريل فيه كحكم النفس الناطقة في النشأة الإنسانية، وحكم ميكائيل فيه كحكم القوة الجاذبة فيها، وحكم عزرائيل فيه كحكم القوة الدافعة فيها". انتهى بنصه وفيه مغالاة وانحراف فتبين الفرق ولا تخلط بين مراد الإباضية وتفسير الصوفية._) في "الهميان" ويؤيده قوله تعالى: { وما بكم من نعمة فمن الله } النحل : 53 وينصره ما حكى الملوي في حاشيته مما وجده مكتوباً بخط شيخه: "قال الإمام الفخر(_( ) تأتي ترجمته عند البيت رقم (125)._): الحمد معرفاً لايقال إلافي حق الله عز وجل ولا يجوز أن يقال الحمد لزيد. قاله سيبويه".
واللام في (لله) للإختصاص وينصره تقديم الجار والمجرور في سورة التغابن وذلك [عند](_( ) زيادة مني للسياق. _) قوله تعالى { له الملك وله الحمد } التغابن : 1 و(أشرقا..الخ) الهمزة للصيرورة فكان المعنى صَيَّر الأصول التي هي كالشمس في الاهتداء بها مشرقةً؛ فإن قلتَ: قد جعلت الشمس من باب المشبه به فلمَ لم تجعلها من باب الإستعارة؟. قلت: لايصح أن يكون من باب الإستعارة إلا حيث يطوى ذكر المشبه أصلاً وهو هنا مذكور وهوالاصول، والاضافة بينهما من باب اضافة المشبه به الى المشبه. (1/38)
صفحة 39
و(الأصول) جمع أصل وهو ما عُرف حكم غيره به. و(النهى) جمع نهيَة وهي(_( ) في (ب): وهو ._) العقل، و(التُّقى) اسم بمعنى التقوى وهو(_( ) في (أ): وهي. _) الزهد عن المحارم والمسارعة إلى تأدية اللوازم؛ وفيه اشارة إلى أن العلم النافع لايعطى لغير المتقي لأن وعاء العلم الورع؛ وفي الخبر: (يلهمه الله السعداء ويحرمه الأشقياء((_( ) مقطع من خبر موقوف من كلام معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أوله: "تعلموا العلم فإن تعلمه لله تعالى خشية وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ...الخ" رواه أبو نعيم الأصفهاني في "حلية الأولياء" (1/302 برقم 809 ـ دار الكتب العلمية) وعزاه الشيخ أبو سته محمد بن عمر في "حاشية الترتيب" (1/44) لأبي الشيخ الأصفهاني وابن عبد البر. والله أعلم._)
وفي قوله (شمس الأصول) براعة الاستهلال؛ وهي أن يجعل المتكلم في أول كلامه اشارة إلى مقصوده، وأحسنها مايكون على وجه التورية.
(2)(فأبصروا بنورها المسالكا وجانبوا بسرها المهالكا)
قوله: (فأبصروا) المراد بالبصيرة لابالبصر، والباء في قوله: (بنورها) للسببية أوللمصاحبة، و(الهاء) منه عائدة إلى الأصول لا إلى الشمس كما قد يُتَوَهَّم، و(المسالك) جمع مسلك وهو مكان السلوك، و(جانبوا) فاعل من المجانبة وهي المباعدة؛ فإن قلتَ: لم أتيت بفَاعَلَ في هذا المقام مع أنه موضوع للمفاعلة غالباً ولم تأت بافتعل مع أنه موضوع للتجنب والاتخاذ ونحوهما؟ قلتُ: الإتيان بفَاعَلَ في هذا الموضع أولى من التعبير بافتعل لكونه أبلغ معنىً وأنجح فائدةً وأوفى بتأدية المقصود؛ ألا ترى أن المعنى حينئذ كأن المهالك جانبتهم بنفسها بسبب ذلك السر الذي أودع في الأصول فلم تتعرض لهم أصلا وبهذا يظهر لك المقصود و(المهالك) جمع مهلك وهو موضع الهلاك.
(3)(حتى استووا على بساط القرب في حضرة قدسية فى القرب)
( (1/39)
صفحة 40
الاستواء) هو الاعتدال، و (بساط القرب) عبارة عن كون الوصول(_( ) في (ب) الأصول. وهو تصحيف. _) إلى خير مأمول إلى مقام المشاهدة ودرجة المكاشفة، وتقرب العبد إلى مولاه امتثاله لأمره وزجره، وتقريب الله لعبده توفيقه اياه لطاعته واعانته له وتخليصه له من كثيف الأغيار، و (الحضرة) عبارة عن دائرة الكمال.
قال الدمنهوري(_( ) أحمد بن عبد المنعم بن يوسف بن صيام الدمنهوري، شيخ الجامع الأزهر وأحد علماء مصر المكثرين من التصنيف، كان يعرف بالمذاهبي لعلمه بالمذاهب الأربعة. ولد في دمنهور عام 1101هـ وتعلم بالأزهر، وولي مشيخته. من تصانيفه: "نهاية التعريف بأقسام الحديث الضعيف ـ خ" و "الفيض العميم في معنى القرآن العظيم ـ خ" و "إيضاح المبهم من معاني السلم ـ ط" في المنطق، و"حلية اللب المصون بشرح الجوهر المكنون ـ ط" و "سبيل الرشاد إلى نفع العباد ـ ط" وغيرها. توفي بالقاهرة عام 1192هـ. (الأعلام ـ للزركلي 1/164)._): "المراد بالحضرة ـ ويعبر عنها بحضرة القدس وهي الحالة التي اذا وصل اليها السالك سمي عارفاً وواصلاً ـ أن يكون في حالة لايرى فيها الا المولى سبحانه وتعالى". والمراد بقوله(_( ) أي الدمنهوري. _): (لايرى فيها الا المولى(. أي لايرى صدور الأشياء على الحقيقة الا منه تعالى فانياً عن الأكوان؛ متوجها بقلبه إلى الرحمن، متلقفاً ما يلقيه المولى سبحانه وتعالى في قلبه من لطائف العرفان، ولاشك أن الوسيلة إلى هذه الحالة ذكر المولى سبحانه وتعالى، و(القدسية) نسبة إلى القدس وهو البعد عما لايليق بها، ولا ايطاء في البيت لأن القرب الأول بمعنى التقرب الذي هو فعل العبد والقرب الثاني بمعنى التقريب الذي هو فعل الله.
(4)(فانتعشت عقولهم بالذكر وبسقت أسرارهم بالفكر) (1/40)
صفحة 41
يقال انتعش العاثر اذا نهض من عثرته، و (العقول) جمع عقل وقد اختلف فيه فقال الشافعي: "هو آلة خلقها الله في عباده يميزون بها بين الأشياء وأضدادها ركبها فيهم سبحانه ليستدلوا بها بين الأمور الغائبة بالعلامات، نصبها لهم منَّاً منه ونعمة". وقال قوم: هو معين(_( ) في (أ): معنى. والتصحيح من (ب). _) في القلب وسلطانه في الدماغ؛ لأن أكثر الحواس في الرأس، ولذلك قد يذهب بالضرب على الدماغ. وقال آخرون: هو قُوّةٌ وبصيرة في القلب منزلته منه منزلة البصر من العين ويسمى عقلاً لكونه مانعا للنفس عن فعل ماتهواه ـ مأخوذ من عِقال النّاقة المانع لها أن تذهب حيث شاءت ـ وهومخلوق في الإنسان أن يزداد وينتقص جميع المعلومات بحس وغيره اليه مرجعها وهو يميزها ويقضي عليها.
و(الذكر) القرآن العظيم وهو أصل للعلوم بأسرها فما من أصلٍ إلا وهو مستنبط منه؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(العلم كله القرآن وهو الأصل والتنزيل وما بعده من العلم تفسير له وتأويل((_( ) لم يتيسر لي العثور عليه. _)، وسماه ذكرا لقوله تعالى: { وهذا ذكر مبارك أنزلناه } الأنبياء : 50 .
وقول الناظم: (بسقت) أي طالت كما عن مجاهد وعكرمة في تفسير قوله تعالى: : { والنخل باسقات } ق : 10 ، والمراد بـ (الأسرار) العقول وضع الظاهر في موضع المضمر على لفظ غير الأول وهو أحسن ما يكون فيه، و(الفكر) حركة النَّفْس في المعقولات، وحركتها في المحسوسات تخييل.
(5)(فأبرزوا نتائج الأفكار فأعربت عن شرف المقدار)
(الإبراز) نقيض الإسْتار، و (النتائج) هي التي تنشأ عن الفكر جمع نتيجة؛ وهي لغة الثمرة واضافة النتائج إلى الأفكار من باب اضافة المتسبب إلى السبب، (فأعربت) أي أبانت، و(شرف المقدار)(_( ) تصحفت هذه العبارة في (أ) فكتبت: أي أبانت فأعربت المقدار. والتصحيح من (ب). _) عبارة عن الرتبة العالية التي وصلوا اليها ووقفوا لديها بواسطة العلم.
( (1/41)
صفحة 42
6)(ثم صلاة الله مع سلامه مصطحبان بسنا انعامه)
(7)(ممتزجان بالثنا الجميل على النبي المصطفى الجليل)
الصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار ومن الناس دعاء، وقيل بل صلاة الملائكة دعاء أيضا وفي معناه قلت:
صلاة الله رحمته وأما صلاة الخلق معناها الدعاء
وجملة (الصلاة) خبرية لفظا انشائية معنىً، و(السلام) التحية، ورفع (مصطحبان) على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره هما(_( ) في (ب): هنا. وهو خطأ._) مصطحبان و(السناء) ـ بفتح السين ـ الضوء، و(الانعام) بفتح الهمزة جمع نعمة، وبكسرها مصدر أنعم عليه، واضافة السناء إلى الانعام من باب اضافة الصفة إلى موصوفها، والمعنى فيه مصطحبان بانعامه السنية، ورفع (ممتزجان) على أنه خبر لمبتدأ أيضا، والنبي انسان أوحي اليه بشرع؛ فإن أمر بتبليغه سمي رسولاً(_( ) الظاهر أن الصواب مع من قال أن النبي مبعوث بدعوة من سبقه من الرسل إذ لا معنى في أن يوحى إليه بشرع خاص له وحده هذا إذا صح التعريف في عدم مطالبته بالتبليغ أما لو طلب منه التبليغ فيحتمل أن يكون بشرع من سبقه فيلازمه وصف النبوة ـ لأجل التمييز بينه وبين الرسول في كون الثاني له تشريع مستقل ـ أو أن يكون بشرع خاص وحينها يسمى رسولا وهذه القواعد لا يوجد لها ضابط من النصوص حتى يوصف مخالفها بمجانبة الصواب إلا أنها ترجع إلى تحري الأنسب بما يتلائم مع الطرفين، قال العلامة الثميني في (معالم الدين): (2/50) بعد ذكر الخلاف في المسألة: "وقيل هما بمعنى"ا.هـ أي النبوة والرسالة بمعنى واحد. ومن أوضح أدلة القائلين بأن النبي هو الذي يحكم بشريعة من قبله قوله تعالى: { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } (المائدة : 44) فذكر سبحانه أن التوراة هي شريعة الأنبياء من بني إسرائيل، فيظهر منه أن النبي يحكم بشرع من قبله. والله أعلم. (1/42)
صفحة 43
_) أيضا، وهو بالهمزة من النبأ اي الخبر فيصح أن يكون بمعنى فاعل باعتبار أنه مخُبِر ـ بكسر الباء ـ عن الله عزوجل أو بمعنى مفعول باعتبار أن جبريل أخبره عن الله تعالى .. وبالنبأ من النبوة وهي الرفعة؛ فيصح أن يكون بمعنى مفعول لأنه مرفوع الرتبة عن غيره أوفاعل لرفعة غيره إذ ما من مرفوع الا وباب رفعته النبي - صلى الله عليه وسلم - ، و(المصطفى) الخالص(_( ) الخالص . سقطت من (ب). _)، و(الجليل) العظيم.
(8)(محمد سيد كل من شفع والآل والصحب الرضى ومن تبع)
(محمد) مفعّل من الحمد؛ علم لخاتم النبيين والمرسلين - صلى الله عليه وسلم - ، وسمي بذلك لكثرة خصاله المحمودة، و(سيد كل من شفع) أي أشرفهم وأفضلهم؛ قال - صلى الله عليه وسلم - :(أنا سيد ولد آدم ولا فخر((_( ) الحديث بهذا اللفظ رواه ابن ماجة برقم [4308] عن أبي سعيد - رضي الله عنه - ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" برقم [31940] والحارث في "مسنده" برقم [937 ـ بغية الباحث] كلاهما عن السيدة عائشة رضي الله عنها، والبيهقي في "شعب الإيمان" برقم [1488] عن ابن عباس - رضي الله عنه - ، وابن أبي عاصم في "سنته" [793] عن عبدالله بن سلام - رضي الله عنه - .
وجاء بلفظ: »أنا سيد الناس يوم القيامة« رواه البخاري في "صحيحه" برقم [4712] ومسلم في "صحيحه" [194] كلاهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، والحاكم في "المستدرك" برقم [82] عن عبادة و[8712] عن حذيفة - رضي الله عنه - . (1/43)
صفحة 44
وجاء بلفظ: »أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر« رواه الامام أحمد في "مسنده" برقم [2550 و 2696] وابن حبان [6444] كلاهما عن ابن عباس - رضي الله عنه - ، والترمذي في "سننه" برقم [3148 و 3615] عن أبي سعيد - رضي الله عنه - ، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" برقم [1489] عن أنس - رضي الله عنه - وأبو يعلى في "مسنده" [1256 ـ المقصد العلي] عن عبدالله بن سلام - رضي الله عنه - ، ومسلم في "صحيحه" برقم [2278] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ـ دون لفظة "ولا فخر" ـ.
وجاء بلفظ: »أنا سيد ولد آدم« عند أبوداود في "السنن" برقم [4673] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" برقم [7] عن عائشة رضي الله عنها. .. وغيرهم._)، و(الآل) المراد بهم آله - صلى الله عليه وسلم - وهم هنا كل من كان على طريقته، متمسكاً بشريعته بدليل ما في الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - :(آل محمد كل مؤمن(، وفي رواية (آل محمد كل تقي((_( ) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (2/218 برقم 2873) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن آل محمد؟. فقال: »كل تقي«. وقال البيهقي عقب ذلك: "وهذا لا يحل الاحتجاج بمثله؛ نافع السلمي أبو هرمز بصري كذبه يحي بن معين وضعفه أحمد بن حنبل وغيرهما من الحفاظ." ورواه أيضا تمام الرازي في "الفوائد" برقم [1567] عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آل محمد؟. فقال: »كل تقي من أمة محمد«. ورواه عنه كذلك ابن مردويه في "تفسيره" واسناده تراه في "تفسير ابن كثير" (2/293 ـ الأنفال/34) ورواه ابن عدي في "الكامل" (7/41) والعقيلي في "الضعفاء" (4/287) بلفظ »كل مؤمن تقي« بأسانيد فيها ضعفاء. (1/44)
صفحة 45
وروى البيهقي في "السنن الكبرى" (2/217 برقم 2872) موقوفاً على جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - قال: "آل محمد - صلى الله عليه وسلم - أمته". وفيه (2/217 برقم 2869) من طريق عبدالرزاق قال: سمعت رجلا يقول للثوري: من آل محمد؟. قال: قد اختلف الناس فمنهم من يقول: أهل البيت. ومنهم من يقول: من أطاعه وعمل بسنته.
( وله شاهد عن عمرو بن العاص قال: "سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جهارا غير سر يقول: »إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين. قال عمرو: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ولكن لهم رحم أبلها ببلالها« يعني أصلها بصلتها". أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" [5990] والامام أحمد في "مسنده" (4/249 برقم 17821) وأبو عوانة في "مسنده" (1/96). والشاهد في هذه الرواية أن قوله »إن آل أبي فلان« ـ التي لا يبعد أن الرواة أبهموها ـ مشعرة بقرابتهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - بدليل قوله : »ولكن لهم رحم«. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/514 و515 /الكتب العلمية): "قلت: قال أبو بكر بن العربي في (سراج المريدين): كان في أصل حديث عمرو بن العاص: »إن آل أبي طالب« فغُيِّرَ »آل أبي فلان«. كذا جزم به، وتعقبه بعض الناس وبالغ في التشنيع ونسبه إلى التحامل على آل أبي طالب، ولم يصب هذا المنكر فإن هذه الرواية التي أشار إليها ابن العربي موجودة في (مستخرج أبي نعيم) من طريق الفضل بن الموفق عن عنبسة بن عبدالواحد بسند البخاري عن بيان بن بشر عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص رفعه: »إن لبني أبي طالب رحما أبلها ببلالها« وقد أخرجه الإسماعيلي من هذا الوجه أيضا لكن أبهم لفظ "طالب" وكأن الحامل لمن أبهم هذا الموضع ظنهم أن ذلك يقتضي نقصا في آل أبي طالب وليس كما توهموه." ا.هـ
( (1/45)
صفحة 46
وله شاهد آخر: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - موليان حبشي وقبطي فاستبَّا يوما فقال أحدهما: يا حبشي. وقال الآخر: يا قبطي. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : »لا تقولا هكذا، إنما أنتما رجلان من آل محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ«. رواه الطبراني في "المعجم الصغير" برقم [564] وفي "الأوسط" أيضا وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/462 دار الفكر): "رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله موثقون". ا.هـ ويكفي في هذا المقام قوله تعالى: { إن أولياؤه إلا المتقون } (الأنفال : 34). والله أعلم. _) وعلى هذا المعنى أنشدوا:
آل النبي هم أتباع ملته من الأعاجم والسودان والعرب
لو لم يكن آله الا قرابته صلى المصلي على الغاوي أبي لهب
و(الصحب) ـ بفتح المهملة الأولى واسكان الثانية ـ اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي، قال المناوي(_( ) زين الدين محمد عبدالرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي أحد علماء الشافعية ولد بالقاهرة سنة 952هـ من مؤلفاته: "فيض القدير ـ ط" شرح الجامع الصغير للسيوطي وهو أشهرها، و"التيسير ـ ط" اختصار للأول، و "كنوز الحقائق ـ ط" و"شرح الشمائل للترمذي ـ ط" و"الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ـ ط" و"التوقيف على مهمات التعاريف ـ ط" وغيرها وتوفي سنة 1031هـ.
("الأعلام" للزركلي 6/204 ـ مقدمة د. رضوان الدايه على كتاب "التوقيف" للمناوي ص 5 ـ 7 وهو ينقل هناك من "خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر" للمحبي)._) في "التيسير": "هو من لقيه بعد النبوة وقبل موته مؤمنا به" (انتهى). و(الرِضى) ـ بكسر الراء ـ مصدر رَضي ـ بفتحها ـ صفة للآل والصحب على حد زيدٌ عدلٌ، ويجوز أن تقول على حذف مضاف تقديره أهل الرضى ونحوه. (1/46)
صفحة 47
وقوله: (ومن تبع) أراد التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، فإن قلت قد جعلت آله كل من كان على طريقته متمسكاً بشريعته ونفيت أن يكون آله على الخصوص أهل بيته تشريفاً لهم على غيرهم فما الفائدة في عطف الصحب على الآل ؟. قلت: هذا العطف من باب عطف الخاص على العام لنكتة يدريها من خاض رياض جنان علم البيان؛ وقد ورد مثل هذا في القرآن الكريم منها قوله تعالى: { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } البقرة : 238 .
(9)(وبعد فالدين أهم مقصدا وأنه أجل علم قصدا)
(10)(لأنه يعرب للانسان عن كل ما كلف بالبرهان)
( (1/47)
صفحة 48
الواو) ـ من قوله: وبعد ـ إما عاطفة والمعطوف حينئذ قصة على قصة، وإما نائبة عن إما التفضيلية؛ وهذا الوجه أحسن من الأول لاقترانها بالفاء، وعليه فيكون المعنى على مذهب سيبويه(_( ) إمام النحو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي الأصل والحارثي بالولاء من أهل البصرة الشهير بسيبويه وهي كلمة فارسية تعني رائحة التفاح. ولد سنة 148هـ في إحدى قرى شيراز وانتقل إلى البصرة، واستملى على حماد بن سلمة وأخذ النحو عن عيسى بن عمر، ويونس بن حبيب ولازم الخليل بن أحمد وأخذ عن أبي الخطاب الأخفش الكبير (والأخافشة ثلاثة). وصفه العيشي بقوله: "كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد وكان شابا جميلا نظيفا قد تعلق من كل علم بسبب، وضرب في كل أدب بسهم مع حداثة سنه وبراعته في النحو". وقال الذهبي: طلب الفقه والحديث مدة ثم أقبل على العربية فبرع وساد أهل العصر؛ وألف فيها كتابه الكبير الذي لا يدرك شأوه فيه. ورحل إلى بغداد وجرت بينه وبين الكسائي وأصحابه مناظرة. من تصانيفه كتابه الشهير في النحو المسمى "الكتاب ـ ط" وتوفي سنة 180 على الصحيح قيل في شيراز وقيل في البصرة والله أعلم. ("تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي 12/190 الكتب العلمية ـ "سير النبلاء" للذهبي 7/583 الفكر ـ "الأعلام" للزركلي 5/81)._) مهما يكن من شيء مهم بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أولياء الله فهو عِلْمُ الدين لشدة الاحتياج اليه وكثرة التعويل عليه، وقوله: (فالدين) أي فعلم الدين..الخ. والدين هو وضع الهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات. (1/48)
صفحة 49
ويسمى شريعة باعتبار أن الله شرعه لنا دينا، ويسمى ملة باعتبار أن الملك أملاه على النبي، أو باعتبار املاء النبي على أمته فالمعنى واحد، واختلاف العبارات باختلاف الإعتبارات، وقوله: (أهم مقصدا) أي مقصده أهم أي أشد هَمَّاً من مقصد غيره، والهَمُّ هنا بمعنى العزم، وقوله: (وانه أجل علم) أي وأن علم الدين أعظم [من](_( ) زيادة مني للسياق. _) كل علم طلب لينتفع به، وقوله: (يُعرب) أي يبين، و(الانسان): هو الحيوان الناطق، والمراد به هنا المكلف، و(التكليف): هو إلزام الله العبد ما يشق على النفس فعله، وعرَّفه بعضهم بأنه الأمر والنهي اللذان يجب بهما العقاب والثواب. وفيه نظر لأن التكليف شيء غير الأمر والنهي، و(البرهان) هو ما أثبت المعنى في النفس وهو والحجة والدليل ألفاظ متحدة المعنى.
(11)(وقد نظمت دررا في أصله إن تدرها جزت طريق عدله)
(النظم) لغة لفُّ الشيء إلى الشيء؛ يقال نظمت اللؤلؤ في السلك اذا ضممت بعضه إلى بعض، وفي الاصطلاح: وزن مخصوص على قافية مخصوصة. و (الدرر) اللؤلؤ شَبه المسائل التي نظمها بالدرر واستعار لها اسمها، وقوله: (في أصله) أي في أصوله؛ والضمير عائد إلى الدين لأنه شامل للأصول والفروع، أي وقد نظمت هذه المسائل التي هي كالدرر في حسنها وصفائها في علم أصول الدين: وهو معرفة ما للنفس وما عليها اعتقاداً؛ وانّما سمي هذا العلم أصول الدين لأنّ الدين كله مبنيٌّ عليه صحةً وفساداً فلا دين لمن لا اعتقاد له، وقوله: (ان تدرها) أي تعلمها مِنْ دَرَى الشيءَ اذا عَلِمَه، و (جزت) بمعنى سلكت. و(طريق عدله) عبارة عن الاستقامة في الدين.
(12)(لَقَّطُّتها من زاخر الآثار عن الكرام السادة الأبرار)
( (1/49)
صفحة 50
التلقيط) الأخذ شيئا فشيئا من حيث لا يُحَس، والضمير في لقَّطتها عائد إلى الدرر بمعنى المسائل، و(الزاخر) الطامي يقال زخر البحر اذا طمى، و(الآثار) جمع أثر وهو في الأصل الخبر المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو معنى قولهم لاحظ للنظر مع ورود الأثر، ثم نقل في اصطلاحنا إلى كلام العلماء(_( ) وهو اصطلاح تجده في كتب أئمة المذهب الإباضي فحيث يقول المتقدمون: [في الأثر] فإنما يعنون به كلام أجلة علماء المذهب السابقين، ولا أريد القارئ الكريم أن يبعد النجعة فيظن أن الإباضية يجعلون كلام أئمتهم السابقين في درجة تتساوى مع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بحيث يجعلون من كلامهم أمرا لا يمكن التغاضي عنه، فإن الواقع بخلاف ذلك، ولئن كان من رجالات المدارس الأخرى من ينبذ التقليد في إلتزام أقوال الأئمة عند ظهور ما يخالف ذلك من الحجج والبراهين فإن الإباضية كانوا أحرص الفرق على رد أقوال السابقين من العلماء إذا كانت تلك الأقوال مخالفة للدليل القطعي، ولكن هذا التعبير ـ بالأثر ـ إنما هو إصطلاح درجوا عليه ليس إلا وكما يقال: لا مشاحة في الإصطلاح. بخلاف الشيعة الذين يجعلون المنقول عن أئمتهم مكمل للسنة فلا تختلط عليك الأمور._) في الأحكام الشرعية، وقوله: (عن الكرام) جمع كريم؛ فهو لغة من إذا سئل أعطى، ثم نقل إلى التّقي لقوله تعالى: { ان أكرمكم عند الله أتقاكم } الحجرات : 13 ، و (السادة) جمع سيد وهو مَن فاق قومه بفضيلة، و(الأبرار) جمع بَرّ ـ بفتح الموَحَّدَة ـ؛ وهو من أصلح ما بينه وبين ربه.
(13)(والله بالقبول فيها يقضي حتى أراها في غد من قرضي)
(14)(ومنه أرجو أن يعم نفعها كل الورى وأن يتم صنعها)
( (1/50)
صفحة 51
القبول) الثواب على الشيء، و (يقضي) أي يحكم، وقوله: (حتى أراها) أي كي أجدها، فحتى بمعنى كي كقولك للكافر أسلم حتى تدخل الجنة. و(غدٍ) اسم لليوم الذي بعد يومك الذي أنت فيه، وأراد به هنا الآخرة، وفي التعبير به عنها تنبيه على سرعة اضمحلال الدنيا واقبال الأخرة، و (قرضي) أي عملي الصالح؛ وأصل القرض هو ما أعطيته غيرك لتقتضيه منه، شبه به العمل الصالح بجامع أن كلاً منهما راجع إلى صاحبه بنفعه؛ اقتباساً من قوله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجرٌ كريم } الحديد : 11 ، والهاء من قوله (ومنه) عائد إلى اسم الجلالة، و (الورى) الخلق. و(الصنع) اسم بمعنى الصناعة.
الركن الأول
في العلم وما يشتمل عليه
ـ وفيه أربعة أبواب ـ
قَدَّمَ ركن العلم على ركن الجملة مع أنها هي العروة الوثقى لمن تمسك بها، وهي السلامة لمن لم ينقضها؛ لكون العلم أصلاً لها، وبه تقوم الحجة بها على المكلف، وإن كانت حجة معناها تقوم بخاطر البال فهو أيضا علم.
واختلف في حَدِّ العلم فقال قوم إنه لاحد له، وقيل بل يُحَد وحَدُّه ادراك المعلوم على ما هو به(_( ) قال البدر الشماخي رحمه الله تعالى في (مختصر العدل والإنصاف) ص 8: "العلم إدراك الشيء بحيث لا يحتمل النقيض، خلافا لم قال: لا يحد. وهو ضربان: قديم صفة ذات لله تعالى. ومحدث"ا.هـ وحاصله أن العلم هو القائم على الجزم واليقين الموافق لحقيقة الشيء._)، وقيل الادراك والاحاطة والاستبانة، قال في "الأدلة والبيان" وهو الصحيح.
الباب الأول
في أقسام العلم وأحكامه
[ (1/51)
صفحة 52
الأحكام](_( ) ليست في المخطوطتين وإنما زيدت للسياق. _) جمع حكم وهو النِسبَة التامة بين الشيئين. وشرعاً: هو أثر خطاب الله تعالى المتعلق بفعل العباد، كان اقتضاءً كالإيجاب والتحريم والندب والتكريه أو تخييرا كالاباحة، قدم ذكر العلم على الجهل مع أن الجهل موجود طَبْعَاً في الانسان لقوله تعالى: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } النحل : 78 تنبيهاً على شرف العلم وفضيلته وارتفاع رتبته وعلو درجته.
(15)(ومحدث العلم ضروري بلا تأمُّل ونظري تؤملا)
ينقسم العلم الحادث ـ بالنسبة إلى حصوله ـ إلى قسمين: ضروري ونظري؛ (فالضروري) هو الذي غير محتاج إلى تأمل أي تَفَكُّر واكتساب، وهو أنواع أقواها علم الانسان نَفْسَهُ وما هو عليه من حالاته ثم الفرق بين الموجود والمعدوم، وأن الشيء يستحيل كونه في مكانين في وقت واحد وموجود ومعدوم في وقت واحد، وقائم وقاعد في حال، ثُمَّ ما وَقَعَ عند تواترالأخبار كالعلم بالبلدان النائية والملوك الماضية، ثم العلم بحاجة البناء إلى بانٍ والكتابة إلى كاتب. (1/52)
صفحة 53
و(النظري) هو الذي يحتاج في تحصيله إلى تأمل واكتساب، وفي "الأدلة والبيان": "هو الذي يعلم بالإستدلال"، واحْترز بمحدث العلم عن علمه تعالى فانه لاتقسيم له ولا يوصف بأنه ضروري ولا نظري. وقسَّم العلم الإمام الخليلي(_( ) الإمام المحقق سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح الخليلي من نسل الإمام العادل الخليل بن شاذان والإمام الصلت بن مالك الخروصي، فهو من أسرة عريقة خدمت الإسلام علما وعملا، أحد علماء الإباضية بعمان، ولد في بوشر من ضواحي مسقط عام 1231هـ ونشأ بها حيث كان ملازما للشيخ سعيد بن عامر الطيواني وبعدها انتقل الى الشيخ حماد بن محمد البسط ولما آنس منه شيخه تبحره في علوم اللغة طلب منه نظم كتاب الكافي في العروض الذي شرحه بعد في كتاب "مظهر الخافي"، ثم لازم العلامة الكبير الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي وتخرج على يديه كما تأثر به في أسلوبه، وكان مناضلا لخدمة دين الله وأكبر شاهد على ذلك ما بذله من جهد ومال في إقامة الخلافة العادلة في عمان حيث قام بمساعدة بعض العلماء في تنصيب الإمام عزان بن قيس إماما على عمان ـ وتفاصيل نضاله تجدها في "تحفة الأعيان" (2/ 193 ـ 227) للشيخ السالمي ـ. من جملة تلاميذه الشيخ صالح بن علي الحارثي والشيخ عبدالله بن محمد الهاشمي والشيخ محمد بن خميس السيفي النزوي، من تصانيفه: "تمهيد قواعد الإيمان ـ ط" وهو جامع في الفقه والعقيدة، و"النواميس الرحمانية ـ ط" و"لطائف الحكم في صدقات النعم ـ ط" و"كرسي أصول الدين" (مخطوط) و"مقاليد التصريف ـ ط" و"مظهر الخافي في العروض والقوافي" (مخطوط) و"إغاثة الملهوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (مخطوط) وغيرها استشهد في عام 1287هـ. ("شقائق النعمان" للخصيبي 2/333 ـ "قراءات في فكر الخليلي" ـ استفادة عامة من بحوث الندوة وبالأخص بحث د. مبارك الراشدي)._) إلى ثلاثة أقسام: إلى وهْبي وضروري ومكتسبي. (1/53)
صفحة 54
فكان جوابه لمن سأله عن الفرق بينهما بأن قال: "الوهبي يلقيه الله تعالى في قلب عبده فَيْضٌ نوراني ومَدَد رحماني، والضروري لايمكن أن يتصور لذي بال خلافه بأنَّ الاثنين اكثر من الواحد، والكسبي ماعُرف بالتعليم والتحفظ والاجتهاد فحصل بسمع من المسموعات أو نظر من المرئيات أو بفكرة من المقدمات لأهل الاستدلال والنظر" (انتهى). وعند التحقيق فالوهبي راجع إلى الضروري وداخل في حَدِّه(_( ) أصل التفرقة بين القسمين من حيث منشأهما فالضروري ناشئ بسبب الضرورة بحسب نوعها والوهبي ناشئ من المنحة الإلهية ـ بلا تكسب ـ وعليه فكلام المحقق الخليلي لا غبار عليه، نعم هما متفقان من حيث كون من حصلا له جازم بكذب مخالفهما إن كان في حُكْمٍ يقتضي تكذيب مخالفه. _).
(16)(والكل من ذَيْنِ له تَعَبُّد في الشرع معروف كما سنورد) (1/54)
صفحة 55
اخْتُلف في دخول ال على كل وبعض فأجازه قوم ومنعه آخرون كذا ذكره العطار(_( ) هو حسن بن محمد بن محمود العطار من علماء مصر .. أصله من المغرب ومولده بالقاهرة سنة 1190هـ. وكان أبوه عطارا فتبع أباه في تجارته بادئ الأمر.. ثم انصرف إلى الأدب والعلم. وله رسالة في "كيفية العمل بالاسطرلاب والربعين المقنطر والمجيب والبسائط" وكتاب في "الإنشاء والمراسلات ـ ط" و"ديوان شعر" و حواشٍ في العربية، والمنطق، والأصول ـ أكثرها مطبوع. وتوفي بالقاهرة سنة 1250هـ. (بتصرف من "الأعلام" للزركلي 2/220)._) في "حاشيته على الأزهرية". ولفظة (ذين) اشارة إلى الضروري والنظري أي كل من الضروري والنظري له تعبد تُدرَك معرفة ذلك التعبد من علم الشرع، فتعبد الضروري كالايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكالاعتقاد بأنه لا يصحُّ مُحسنٌ مُسيء في حالة واحدة، ولا مؤمن كافر في حالة واحدة؛ اللهم الا أن يراد بالايمان اللغوي لا الشرعي، ولا شقي سعيد في حالة واحدة إلى غير ذلك من الاضداد ونحوها، وتعبد النظري هو كالمعرفة بتفاصيل الصلاة وحدودها والمعرفة بالصيام وحدوده وتفاصيله والمعرفة بالحج ومواقيته وفرائضه وسننه والمعرفة بالزكاة وتفاصيلها، إلى غير ذلك مما يدرك علمه بالاستدلال والتعلم والتفكر.
(17)(والعلم منه لازم قد وجبا تعليمه والثاني نفل ندبا)
(18)(فكل شيء لم يسعنا جهله فواجب وما عداه نفله) (1/55)
صفحة 56
ينقسم العلم(_( ) ينبغي تقييده بـ(العلم النافع أو الشرعي) كما هنا؛ لأن في اطلاقه يحتمل الأحكام الشرعية الخمسة فيدخل فيه ما هو محرم وهو ما كان موصلا للشرك أو لإرتكاب المحرمات كالسحر ـ في الغالب ـ مثلا، وما هو مكروه كتعلم ما لا فائدة فيه وتعلم الحيل التي تُبطل بها الحقوق ـ وهذا يحرم فيه فعل تلك الحيل دون التعلم ـ ، وكذا الإباحة في البعض الآخر وله أمثلة كثيرة منها تعلم الحِرف المتعددة ـ وهو قد يرقى الى الوجوب والندب بحسب النية وكذا بحسب توقف أمور الدين عليه ـ._) ـ بالنسبة إلى الحكم الشرعي ـ إلى واجب ومندوب اليه. (فالواجب)هو علم كل شيء غير واسع الجهل به، وهو المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - : (العلم فريضة على كل مسلم(، وفي رواية: (طلب العلم فريضة على كل مسلم((_( ) جاء من طريق أنس بن مالك - رضي الله عنه - رواه ابن ماجة في "سننه" [224] و البيهقي في "شعب الإيمان" [1663 و 1664 و 1665 و1666] وأبو نعيم في "الحلية" [12506] والخطيب في "تاريخ بغداد" (4/378 و 429 ـ 7/398 ـ 9/113 و 369 ـ 10/373 ـ 11/421] وابن النجار في "ذيل تاريخ بغداد (18/87 مع التاريخ) والقضاعي في "الشهاب" [175] والعقيلي في "الضعفاء" (4/250).
كما جاء من طريق أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - رواه البيهقي في "الشعب" [1667] والخطيب (5/193) والقضاعي [174].
ورواه الطبراني في "الصغير" [22] عن السيدة عائشة رضي الله عنها، والخطيب في "التاريخ" (1/424) من طريق الإمام علي، و الامام أبو حنيفة في "مسنده" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، والعقيلي في "الضعفاء" (2/58) عن ابن عمر - رضي الله عنه - و(3/410) عن ابن عباس - رضي الله عنه - ، وجاء مرسلا عن الحسين بن علي عند الطبراني في "الصغير" [61] والخطيب في "تاريخ بغداد" (5/414). (1/56)
صفحة 57
رواه الطبراني في "الكبير" [10439]_)وقوله: (اطلبوا العلم ولو في الصين((_( ) رواه الامام الربيع الفراهيدي في "مسنده" برقم [18] والبيهقي في "شعب الإيمان" برقم [1663] والخطيب في "تاريخ بغداد" (9/369 دار الكتب العلمية) والشجري في "الأمالي الخميسية" (1/57) والعقيلي في "الضعفاء" (2/230) وابن عدي في "الكامل" (4/118) من طريق أنس بن مالك - رضي الله عنه - وهو حديث صحيح ثابت لاتصاله برواية العدول الثقات في "مسند" الربيع الفراهيدي، أما بقية طرقه فلا تخلو من مقال._) وهذا القسم مهما لزم أحد لايسعه التأخير عن طلبه إلا بعذر بين كما سيأتي ان شاء الله.
و(المندوب) هو علم كل شيء واسع الجهل به، ولكن في تعليمه منفعة دينية أو صلاح للعالَم، فمن طلبه من غير تضييع لفرض كقوت عيال إلى غيره من الفرائض الحاضرة كان له الفضل العظيم كما سيأتي ان شاء الله، وهذا القسم هو المشار اليه بقوله تعالى: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون إنما يتذكر أولو الألباب } الزمر : 9 ويصح على تأويل آخر أن يحمل معنى الآية على الوجوب.
(19)(والبحث للواجب حتماً يلزم لقادر بترك ذاك يأثم)
(20)(والحد للقدرة أن يَرى له معبرا وان نأى يمضي له)
(21)(في الصح مع وجدان ما يحمله ومأمن مع قوت من يكفله)
( (1/57)
صفحة 58
البحث) طلبٌ باجتهاد؛ أي يلزم طلب العلم الواجب لزوما حتمياً على من قدر عليه، ومن تركه مع القدرة على طلبه فهو آثم هالك إلا أن يتوب، وحدُّ القدرة في هذا أن يجد من يعلمه علم ذلك وإن بَعُد هذا المعلم لزمه أن يرحل اليه فيتعلم منه ما لزمه علمه؛ ولايلزم المسير اليه الا اذا كان صحيحا واجدا للراحلة والأمان في الطريق وواجدا للقوت الذي يتركه لمن يلزمه عوله إلى أن يرجع إليهم، فقوله (يرى) أي يجد له، وقوله: (معبراً) أي من يعبر له علمه بعبارة يعقلها والا فلا يلزمه. وقوله: (وان نأى) أي بَعُدَ ذلك المعبر عن بلده. وقوله: (يمضي له) أي يرحل اليه. وقوله: (في الصح) بضم الصاد اسم بمعنى الصحة. وقوله: (مع وجدان) مصدر وجد. وقوله: (ما يحمله) أي مع وجوده الذي يحمله اليه وهو المركوب؛ وذلك اذا لم يستطع المشي اليه. وقوله: (ومأمن) مصدر أمِنَ بمعنى الأمان. وقوله: (مع قوت من يكفله) أي مع وجدانه قوتاً يتركه لمن يكفله أي لمن يلزمه عَوْله، فهذه خمسة شروط وهي: وجود المُعَبِّر، والصحة، والمركوب اذا لم يستطع المشي، والأمان، وقوت العيال، وترك شرطا سادساً وهو الزاد المُبَلِّغ إلا أنه تنطوي عليه عبارته بالمأمن، فان ترك الزاد مخوف. وهذا الذي ذكره الناظم مما تقوم فيه الحجة بالسماع، وأما الذي تقوم عليه فيه الحجة من العقل فغير مُنَفَّس لأحد فيه بالسؤال بعد خطور البال كما سيأتي ان شاء الله في موضعه. (1/58)
صفحة 59
فان قلتَ: هل يلزم أحدا علم ما يطمئن اليه قلبه أنه لو عاش يلزمه ذلك(_( ) كأن يسئل من كان قبل وجود الطائرات مثلا عن حكم الصلاة في الطائرة وكيفيتها._) ويخاف عند لزومه أن لا يجد من يُعَبِّرُ له ايَّاه؟. قلتُ: لا يلزمه ذلك الا أنه من باب الفضيلة والوسيلة، ولو كان يلزمه ذلك للزمه أن يعرف ما هو أبعد منه فيَتَمَشَّى هذا القول إلى أن يلزمه أن يعرف جميع ما في علم الله؛ وهذا محال والدائن به دائن بضلال. وبما أورده الامام أبو سعيد(_( ) العلامة الكبير أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الناعبي الكدمي من كبار علماء الإباضية بعمان، وكدم إحدى ضواحي ولاية الحمراء ولد عام 305هـ تقريبا ونشأ في ظلال حكومة الإمام العادل سعيد بن عبد الله وكان مؤازرا له منذ بلوغه الحلم ويبدو أنه تتلمذ عليه في بداية أمره إذ كان هذا الإمام موصوفا بأنه عالم لا يشق له غبار، كما أخذ عن الشيخ أبو الحسن محمد بن الحسن و عاصر إمامة الإمام الرضي راشد بن الوليد، وكان أبو سعيد عالم يشار إليه بالبنان ولا أدل على ذلك من قوة التأثير الذي خلفه من بعده حيث لاقت فتاواه وأجوبته ومصنفاته صدورا رحبة فكان تراثه محط اهتمام عند أهل عمان ويندر أن ترى المصنفات التي جاءت بعده إلا وتولي فتاواه اهتماما بالغا وهو المقصود بـ(أبي سعيد) إذا اطلق عند الإباضية، وكان زاهدا متورعا بحق يصفه الشيخ السالمي في "تحفة الأعيان" (1/191) بقوله: "وكان لأبي سعيد يومئذ نخلة وخمرة وهي شجرة العنب، قيل انه يأكل من تمر النخلة بلا خبز ولا حلاء [وهو اللحم بأنواعه]، وله ثلاث نسوة موسرات لا يأكل من مالهن شيئا، وقد أخذنه لأجل علمه وأحسب أنه كان يقسم ثمرة النخلة على السنة والخمرة [شجرة العنب] للكسوة فيما قيل، هذا هو الزهد لمن عقله" ا.هـ. (1/59)
صفحة 60
من تصانيفه "المعتبر ـ ط" و "الإستقامة ـ ط" و "زيادات الأشراف ـ خ" وفيه تتبع كتاب الإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر النيسابوري وعلق عليه كحاشية يبرز فيها رأي المذهب الإباضي وقد أورد صاحب "بيان الشرع" بعض هذا الكتاب. كما له مجموعة أجوبة بعنوان "الجامع المفيد في أحكام أبي سعيد ـ ط" جمعه الشيخ سرحان بن سعيد الازكوي. وتوفي سنة 355هـ تقريبا ولا يزال قبره معروف ببلد العارض من كدم. ("تحفة الأعيان" للسالمي 1/191 ـ "إتحاف اعيان" للبطاشي 1/215 ـ 225)._) ـ رضي الله عنه ـ في كتاب "الاستقامة"(_( ) انظر "الاستقامة" للإمام أبي سعيد الكدمي (2/214 وما بعدها). _) كفاية من أن نطيل بالتفصيل له هاهنا.
(22)(وفضله ليس له احصاء جاءت به من ربنا الأنباء)
الهاء من قوله (وفضله) عائدة إلى العلم، و(الإحصاء) ـ بالكسر ـ الضبط والحصر، و(الأنباء) بالفتح الأخبار أي فضل العلم ليس له ضبط لمن رام ضبطه، ولا حصر لمن شاء حصره لِعِظَم ما منَّ الله بسببه من النّعم على صاحبه دلت على ذلك الآيات القرانية والأحاديث النبوية. (1/60)
صفحة 61
أما الآيات فقد قال عزوجل: { شهد الله أنه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط } آل عمران : 18 فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه وثَنَّى بالملائكة وثَلَّث بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفا وفضلاً، وقال تعالى: { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } المجادلة : 11 قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: "للعلماء درجات فوق درجات المؤمنين بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام". وقال الله عزوجل: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون } الزمر : 9 ،وقال: { انما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ } فاطر : 28 ،وقال تعالى: { قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } الرعد : 43 ، وقال تعالى: { وقال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به } النمل : 40 تنبيهاً على أنه اقتدر بقوة العلم، وقال عزوجل: { وقال الذين اوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً } القصص : 80 وفيه أن عِظَم قدر الآخرة يعلم بالعلم، وقال تعالى: { وتلك الأمثال نضربها للنَّاس وما يعقلها إلا العالمون } العنكبوت : 43 وقال تعالى: { ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } النساء : 83 رَدَّ حُكْمَهُ في الوقائع إلى استنباطهم وأَلحَقَ رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله. (1/61)
صفحة 62
وأما الأخبار النبوية فقد أورد الحافظ ابن حجر(_( ) تأتي ترجمته في التعليق على البيت رقم (285). _) منها جملة مسرودة محذوفة الإسناد فها نحن نوردها على طريقته: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (من يرد الله به خيراً يفقِّهه في الدين«(_( ) بهذا اللفظ جاء من طريق معاوية بن أبي سفيان رواه الربيع الفراهيدي في "مسنده" برقم [26] والبخاري في "صحيحه" [71 و3116] ومسلم في "صحيحه" [1037 و1038 و1923] وأحمد في "مسنده" [16843 و16852 و16856 و16866 و16884 و16915 و16934] وابن حبان في "صحيحه" [89] و الدارمي في "سننه" [224 و226] وابن أبي شيبة في "المصنف" [31036 و31037] وعبد بن حميد في "مسنده" [412/ المنتخب] والبيهقي في "شعب الإيمان" [4870 و10307] والقضاعي في "الشهاب" [346 و954] والآجري في "أخلاق العلماء" ص(15).
وجاء من طريق ابن عباس - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد في "مسنده" [2794] والترمذي في "سننه" [2645] والدارمي في "سننه" [225] والآجري في "اخلاق العلماء" ص(15).
وجاء من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد برقم [7212] وابن ماجة في "سننه" [220] والطبراني في "الصغير" [797] والقضاعي في "الشهاب" [345] والآجري في "الأربعين" ـ الحديث الأول منها ـ وفي "أخلاق العلماء" له ص(15).
وجاء من طريق أنس بن مالك - رضي الله عنه - رواه الإمام الربيع في "مسنده" برقم [25] ولفظه: »من أراد الله به ..«._) »اذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده«(_( ) بهذا اللفظ من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه النسائي في "السنن الكبرى" برقم [5839] وابن ماجة في "سننه" [220] وعبد الرزاق الصنعاني في "المصنف" [20851]. ومن طريق معاوية بن أبي سفيان رواه الإمام أحمد [16840 و16848 و16880 و16886] ـ دون لفظة: "وألهمه رشده" ـ ورواه أيضا أبو نعيم في "الحلية" [6714]. (1/62)
صفحة 63
ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" [31039] من كلام عبيد بن عمير وفي [31040] من كلام محمد بن كعب.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/327 دار الفكر): "رواه البزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون". ا.هـ ولعله فيما لم يطبع من "الكبير" للطبراني. _) »أفضل العبادة الفقه وأفضل الدين الورع((_( ) رواه الطبراني في "الصغير" برقم [1086] عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/325): "رواه الطبراني في الثلاثة وفيه محمد بن أبي ليلى ضعفوه لسوء حفظه". ولم أجده في مطبوعة "الكبير" فلعله فيما لم يطبع.
ورواه القضاعي في "الشهاب" [1290] عن ابن عمر وابن عباس كلاهما بسند ليس فيه ابن أبي ليلى هذا.
_) وفي حديث سنده مُخْتَلَف فيه والجمهور على قبوله: (فضل العلم خير من فضل العبادة وخير دينكم الورع((_( ) الحديث بهذا اللفظ جاء من طريق حذيفة - رضي الله عنه - رواه الحاكم في "المستدرك" برقم [317] وأبو نعيم في "الحلية" [2087] وابن عدي في "الكامل" (4/198) والطبراني في "الأوسط" والبزار في "مسنده" وعنهما يقول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/325): "رواه الطبراني في "الأوسط" والبزار وفيه عبد الله بن عبدالقدوس وثقه البخاري وابن حبان وضعفه ابن معين وجماعة".
ورواه الحاكم في "المستدرك" برقم [314 و315 و316] عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - بلفظ: "أحب إليّ". وعنه يقول الذهبي في "تلخيص المستدرك" ـ معه ـ : على شرطهما. أي البخاري ومسلم. كما رواه ابن عساكر في "البلدانية" ـ البلد السادس عشر ـ ص(94) عن ثوبان - رضي الله عنه - بلفظة: "أفضل من". بدلا من: "خير من". (1/63)
صفحة 64
وروي بلفظ: »أفضل العلم خير من فضل العبادة وملاك دينكم الورع« رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" [26106 و34396] عن عمرو بن قيس - رضي الله عنه - . والقضاعي في "الشهاب" [40] والخطيب في "تاريخ بغداد" (5/203) ـ بدون لفظة "أفضل" ـ كلاهما عن ابن عباس - رضي الله عنه - . والشجري في "أماليه" (1/59) عن ابن عمر - رضي الله عنه - .
_) و(من سلك طريقا يلتمس فيه علما سَهَّل الله له به طريقا إلى الجنَّة، وان الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا لما يطلب وان العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وان العلماء ورثة الأنبياء، وان الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارا ولا درهما، وانما وَرَّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ أوفر((_( ) الحديث بتمامه هكذا جاء من طريق أبي الدرداء - رضي الله عنه - رواه الترمذي في "سننه" [2682] وأبوداود في "السنن" [3641] وابن ماجة في "سننه" [223] وابن حبان في "صحيحه" [88/ الإحسان] والدارمي في "سننه" [342] والبيهقي في "شعب الإيمان" [1696 و1697] والخطيب في "تاريخ بغداد" (1/414).
وجاء قوله - صلى الله عليه وسلم - : »من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة« مفردا من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - عند الربيع الفراهيدي في "مسنده" [20] وأحمد في "مسنده" [7445 و8336] وابن حبان [84] وابن أبي شيبة في "مصنفه" [26108]. وهو موقوف على ابن عباس - رضي الله عنه - عند الدارمي [345]. (1/64)
صفحة 65
وجاء قوله - صلى الله عليه وسلم - : »إن الملائكة لتضع أجتحتها لطالب العلم رضا لما يطلب« مفردا من طريق أنس - رضي الله عنه - عند الربيع [19] ومن طريق صفوان بن عسال - رضي الله عنه - عند أحمد [18113 و18122 و18124] وغيرهم._). ووقع للناس في هذا الحديث اختلاف كثير قال صفوان بن عسَّال(_( ) الصحابي الجليل صفوان بن عسال من بني الربض بن زاهر المرادي، غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - اثنتي عشرة غزوة. وسكن الكوفة، روى عنه من الصحابة عبدالله بن مسعود، وأما بقية الرواة الذين أخذوا عنه فأشهرهم زر بن حبيش وعبدالله بن سلمة وعبيدالله بن خليفة وغيرهم. ويقال إنه من بني جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد. ("الإستيعاب" لابن عبدالبر 2/279 ـ "تهذيب التهذيب" لابن حجر 4/393). _): يا رسول الله جئت أطلب العلم. قال: (مرحبا بطالب العلم، ان طالب العلم لتحفُّه الملائكة بأجنحتها ثم يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا سماء الدنيا من محبتهم لما يطلب«(_( ) هذا الحديث روي مرفوعا عند الطبراني في "الكبير" (8/54 برقم 7347) وابن عدي في "الكامل" (6/331) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - ورواه الآجري في "أخلاق العلماء" ص(22) والحاكم في "المستدرك" برقم [341] عن زر بن حبيش. وقد روي هذا الحديث موقوفا من كلام صفوان بن عسال - رضي الله عنه - عند طائفة من أصحاب الحديث.. يقول الذهبي عن رواية الحاكم في تلخيصه بحاشية "المستدرك" (1/180 دار الكتب العلمية): "خالفه شيبان فقال: ثنا الصعق، عن علي، عن المنهال، عن زر عن ابن مسعود قال: حدّث صفوان بن عسال قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ورواه أبو جناب الكلبي عن طلحة بن مصرف عن زر موقوفا على صفوان .. والذين أسندوه أحفظ." بل إن الحاكم نفسه ـ بعدما أورد رواية موقوفة ـ يقول في "المستدرك" (1/181): " .. فقد أسنده جماعة وأوقفه جماعة والذي أسنده أحفظ والزيادة منهم مقبولة". ا.هـ (1/65)
صفحة 66
وعن رواية الطبراني المتقدمة يقول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/344): "رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله رجال الصحيح." ا.هـ._) »يا أبا ذر لئن تغدوا فتَعَلَّم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولئن تغدو فتَعَلَّم بابا من العلم عُمِلَ به أو لم يُعمل خير لك من أن تصلي ألف ركعة«(_( ) رواه ابن ماجة في "السنن" برقم [219] عن أبي ذر - رضي الله عنه - .. وفي اسناده عبدالله بن زياد البحراني تكلموا فيه وعلي بن زيد بن جدعان "ضعيف" كما في "تقريب التهذيب" لابن حجر (2/37) وعليه يكون الحديث ضعيفا والله أعلم. _) »الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما«(_( ) جاء من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه ابن ماجة [4112] والبيهقي في "شعب الإيمان" [1708] والعقيلي في "الضعفاء" (2/326) كما رواه أيضا الترمذي في "سننه" [2322] بزيادة : »ألا إن الدنيا ..«.
وجاء بلفظ: »الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا متعلم خيرا ومعلمه« موقوف على كعب - رضي الله عنه - رواه الدارمي في "سننه" [322] وابن أبي شيبة في "مصنفه" [35321].
وجاء بلفظ: »الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا عالم وذكر الله وما والاه« من طريق ابن مسعود - رضي الله عنه - رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه يقول الهيثمي في "مجمعه" (1/328): "رواه الطبراني في "الأوسط" وقال: لم يروه عن ابن ثوبان عن عبدة إلا أبو المطرف المغيرة بن المطرف. قلت: لم أر من ذكره." ا.هـ._) »ان مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما عَلَّمَه ونشره، أو ولدا صالحا تركه، أو مصحفاً وَرَّثَه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه ، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته«(_( ) جاء من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه ابن خزيمة في "صحيحه" برقم [2490] وابن ماجة برقم [242]. (1/66)
صفحة 67
وفي "حلية الأولياء" لأبي نعيم الأصفهاني برقم [2675] عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : »سبع يجري أجرها للعبد بعد موته وهو في قبره: من علم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورّث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته«. _) »خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده«(_( ) جاء من طريق أبي قتادة - رضي الله عنه - رواه ابن خزيمة في "صحيحه" برقم [2495] وابن حبان في "صحيحه" [93 و4882/ الإحسان] وابن ماجة [241] والطبراني في "الصغير" [387] ـ دون لفظة: "ثلاث" ـ وجاء من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - عند الشجري في "أماليه" (1/69). _) »علماء هذه الأمة رجلان رجل آتاه الله علما فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعا ولم يشتر به ثمنا؛ فذلك يستغفر له حيتان البحر ودواب البر والطير في جو السماء، ورجل آتاه الله علما فبخل به عن عباد الله وأخذ عليه طمعا واشترى به ثمنا؛ فذلك يلجم يوم القيامة بلجام من نار، وينادي منادٍ هذا الذي آتاه الله علما فبخل به عن عباد الله وأخذ عليه طمعاً واشترى به ثمنا، وكذلك حتى يفرغ الحساب«(_( ) رواه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس - رضي الله عنه - يقول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/332 دار الفكر): "رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه عبد الله بن خراش ضعفه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وابن عدي ووثقه ابن حبان". ا.هـ ولا يعتد بتوثيق ابن حبان إذا تفرد لاشتهاره بتوثيق المجاهيل وابن خراش ضعفه أيضا الساجي والنسائي والدارقطني والموصلي كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر (5/177/ العلمية) ولخص حاله في "التقريب" (1/412) فقال: "ضعيف، وأطلق عليه ابن عمار: الكذاب." ا.هـ و قال الذهبي في "الكاشف" (2/74): "ضعفوه" ا.هـ. وعليه فيكون الحديث ضعيفا والله أعلم. (1/67)
صفحة 68
_) »فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم«(_( ) جاء من طريق أبي أمامة - رضي الله عنه - رواه الترمذي في "سننه" برقم [2685] والطبراني في "الكبير" (8/233 برقم 7911). ورواه الدارمي في "سننه" برقم [289] عن مكحول مرسلا و[340] عن الحسن مرسلا أيضا مع اختلاف يسير._) »إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في الماء ليصلون على معلمي الناس الخير«(_( ) رواه أيضا الترمذي والطبراني في الموضعين المتقدمين كما رواه الشجري في "أماليه" (1/54) كلهم من طريق أبي أمامة - رضي الله عنه - . _) »يقول الله عزوجل للعلماء يوم القيامه: اني لم أجعل علمي وحلمي فيكم الا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي((_( ) رواه الطبراني في "الكبير" (2/84 برقم 1381) من طريق ثعلبة بن الحكم. وجاء بألفاظ مقاربة عند الطبراني في "الصغير" برقم [582] عن أبي موسى الأشعري. وأبو حنيفة في "مسنده" ص(39/ الكتب العلمية) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - . والروياني في "مسند الصحابة" (1/210 برقم 542) عن أبي موسى أيضا. ورواه العقيلي في "الضعفاء" (3/372) عن ابن عباس - رضي الله عنه - وابن عدي في "كامله" (4/111) عن أبي موسى الأشعري. وتأمل كلام السيوطي في "اللآلي المصنوعة" (1/201 و202 دار الكتب العلمية)._) واضافة العلم والحلم الذَيْنِ فيهم اليه تعالى صريح في أنهم كانو عاملين مخلصين.(العلم علمان؛ علم في القلب فذلك العلم النافع، وعلم في اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم«(_( ) رواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/108) عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - وابن النجار في "ذيل تاريخ بغداد" (17/34 مع التاريخ) والشجري في "أماليه" (1/60) كلاهما عن أنس - رضي الله عنه - . (1/68)
صفحة 69
ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" [1825] من كلام الفضيل بن عياض. كما رواه الدارمي في "سننه" [364 و365] و ابن أبي شيبة في "مصنفه" [34350] كلاهما من طريق الحسن البصري مرسلا. وأسانيده لا تحتمل التصحيح والله أعلم._) »من غدا إلى المسجد لا يريد الا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له كأجر حاج تاماً حجه«(_( ) جاء من طريق أبي أمامة - رضي الله عنه - رواه الطبراني في "الكبير" (8/94 برقم 7473) وعنه يقول الهيثمي في "مجمعه" (1/329): "رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله موثقون كلهم". كما رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (6/102) والشجري في "أماليه" (1/56) ورواه الحاكم في "المستدرك" برقم [311] عن أبي أمامة - رضي الله عنه - بلفظ: »من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له أجر معتمر تام العمرة، فمن راح إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلم خيرا أو يعلمه فله أجر حاج تام الحجة«. قال الذهبي في "تلخيصه" له: "على شرط البخاري". ا.هـ_) »من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع«(_( ) جاء من طريق أنس بن مالك - رضي الله عنه - رواه الترمذي في "سننه" برقم [2647] والطبراني في "الصغير" [372] والآجري في "أخلاق العلماء" ص(24) والعقيلي في "الضعفاء" (2/17).
وجاء من طريق صفوان بن عسال - رضي الله عنه - بلفظ: »من غدا يطلب علما كان في سبيل الله حتى يرجع« رواه الطبراني في "الكبير" (8/67 برقم 7388).
وجاء من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ: »من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرا أو يعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ..« رواه ابن حبان في "صحيحه" برقم [87/ الاحسان] والحاكم في "المستدرك" رقم [309 و310] وقال عقبه: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا بجميع رواته ولا أعلم علة له.". وقال الذهبي في "تلخيصه" عليه: "وهو على شرطهما ولا أعلم له علة". ا.هـ. (1/69)
صفحة 70
_) »من غدا يريد العلم يتعلمه لله فتح له بابا إلى الجنة وفرشت له الملائكة أكتافها وصلت عليه ملائكة السموات وحيتان البحر وللعالم من الفضل على العابد كفضل القمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السماء والعلماء ورثة الأنبياء لأن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارا ولا درهما، ولكنهم ورَّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ـ وزاد البيهقي(_( ) الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الخسروجردي وبيهق من نواحي نيسابور عالم بالحديث لكنه غلب عليه الإنتصار لمذهب الشافعي، قال أبو المعالي الجويني: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منَّة إلا أحمد البيهقي فإن له على الشافعي مِنَّة لتصانيفه في نصرة مذهبه وأقاويله. ولد سنة 384هـ سمع الحاكم وأبا بكر بن فورك وأبا علي الروذباري وغيرهم، من تصانيفه: "السنن الكبرى ـ ط" و"دلائل النبوة ـ ط" و"شعب الإيمان ـ ط" و "الأسماء والصفات ـ ط" وغيرها وتوفي سنة 458هـ. ("تذكرة الحفاظ" للذهبي 3/1132 ـ "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر 265 ـ "طبقات الشافعية" للتاج السبكي 4/8)._): ـ وموت العالم مصيبة لاتجبر وثلمة لا تُسَد وهو نجم طمس، موت قبيلة أيسر من موت عالم«(_( ) الحديث بهذا التمام رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (2/264) برقم [1699] عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - واسناده ضعيف جدا لأن فيه خالد بن يزيد بن أبي مالك وعنه يقول الإمام أحمد: ليس بشيء. وقال ابن معين: بالعراق كتاب ينبغي أن يدفن، وبالشام كتاب ينبغي أن يدفن، فأما الذي بالعراق فكتاب "التفسير" عن ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وأما الذي بالشام فكتاب "الديّات" لخالد بن يزيد بن أبي مالك؛ لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال ابن أبي الحواري: وكنت قد سمعت من خالد بن يزيد كتاب "الديات" فأعطيته لابن عبدوس العطار فقطّعه. وقال النسائي: ليس بثقة وقال الفسوي والدارقطني: ضعيف. (1/70)
صفحة 71
وقال أبو داود: ضعيف. وقال أيضا: متروك الحديث. وعده جماعة في الضعفاء كما في "تهذيب" ابن حجر (3/115 و116) ،وشيخه عثمان بن أيمن لم أر من ذكره.
لكن الذي يتأمل عبارات الحديث يجد أنه رواية بالمعنى لحديث: »من سلك طريقا يلتمس فيه علما ... الخ« بتمامه الذي تقدم فهو شاهد له، وزيادة: »موت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة ... الخ« رواها الطبراني في "الكبير" قال الهيثمي في "مجمعه" (1/473): "رواه الطبراني في "الكبير" وفيه عثمان بن أيمن لم أر من ذكره وكذلك اسماعيل بن صالح." ا.هـ ـ وهي في القسم الذي لم يطبع من المعجم لأن أحاديث أبي الدرداء ليست في المطبوع ـ ورواها أيضا أبو يعلى في "مسنده" كما في "المطالب العالية" لابن حجر (3/133) لكن يبدو أن هذه الزيادة غير ثابتة لبقاء العلل المتقدمة كما يفهم من كلام الهيثمي. وجاء في معناها عند البيهقي في "الشعب" [1719] موقوفاً على ابن مسعود - رضي الله عنه - وعند الدارمي [324] عن الحسن قال: "كانوا يقولون: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار". ولا تصلح أن تكون شواهد لتلك الزيادة والله أعلم. (1/71)
صفحة 72
_) »نضَّر الله امرئ ـ أي رزقه النضارة والبهجة والحسن ـ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها؛ فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث لايغل عليهن قلب مسلم؛ اخلاص العمل لله، ومناصحة اولاة الأمر، ولزوم الجماعة فإن دعوتهم لاتحبط ـ وفي رواية: تحفظ من ورائهم ـ ومن كانت الدنيا نيته فَرَّق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا الا ما كتب الله له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة«(_( ) الحديث بهذا التمام جاء من طريق زيد بن ثابت - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد في "مسنده" برقم [21645] وابن حبان في "صحيحه" [679] والدارمي في "سننه" [229] والبيهقي في "شعب الإيمان" [1736 و1737] وتمام الرازي في "الفوائد" [1461].
ومن قوله - صلى الله عليه وسلم - : »نضر الله .... حتى : تحفظ من ورائهم« جاء من طريق جبير بن مطعم - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد [16743 و16759] وابن ماجة في "سننه" [3056] والدارمي [227 و228] والحاكم في "المستدرك" [294 و295 و296] وابن حبان في "المجروحين" (1/5).
ومن طريق زيد بن ثابت - رضي الله عنه - رواه ابن ماجة [230] وابن حبان [67] وابن أبي عاصم في "سنته" [94].
ومن طريق ابن مسعود - رضي الله عنه - رواه الترمذي في "سننه" [2658] والشافعي في "مسنده" ص(240 /غير المرتّب) والحميدي في "مسنده" [88] والبغوي في "تفسيره" (2/89) ومن طريق أنس - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد [13355]. ومن طريق أبي الدرداء - رضي الله عنه - عند الدارمي [230]. ومن طريق جندرة بن خيشنة - رضي الله عنه - عند الطبراني في "الصغير" برقم [292]. ومن طريق النعمان بن بشير - رضي الله عنه - في "المستدرك" للحاكم [297]. (1/72)
صفحة 73
وقوله: »من كانت الدنيا ...الخ« دون ما قبلها جاء من طريق أنس بن مالك - رضي الله عنه - عند ابن أبي الدنيا في جزء "ذم الدنيا" [399] وعند الترمذي [2465] ـ بتقديم الآخرة على الدنيا ـ. وجاء من طريق زيد بن ثابت - رضي الله عنه - عند الطبراني في "الكبير" (5/143 برقم 4891) وعند ابن ماجة [4105] والبيهقي في "الشعب" [10338] والأخيرين بلفظ: »من كانت الدنيا همه..«._) »فمن دل على خير فله مثل أجر فاعله ـ أو قال: عامله ـ«(_( ) جاء من طريق أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - رواه الإمام مسلم في "صحيحه" برقم [1893] والامام أحمد في "مسنده" [17088 و22402 و22414] والترمذي [2671] وأبوداود [5129] وابن حبان [289 و1666] وعبدالرزاق في "مصنفه" [20054] والطيالسي [611] والطبراني في "الكبير" (17/225 ـ 227) برقم [622 و623 و624 و625 و626 و627 و630] والبيهقي في "السنن الكبرى" [17843 و17844] وفي "شعب الايمان" [7655] والبخاري في "الأدب المفرد" [242] وابن عدي في "الكامل" (2/329 دار الفكر) والعقيلي في "الضعفاء" (1/236)._) »الدال على الخير كفاعله والله يحب اغاثة اللهفان«(_( ) الحديث بتمامه جاء من طريق أنس بن مالك - رضي الله عنه - رواه أبو يعلى في "مسنده" [م1041 ـ المقصد العلي (زوائده)] وابن أبي الدنيا في جزء "قضاء الحوائج" برقم [27]. ومن طريق بريدة - رضي الله عنه - رواه تمام الرازي [1583] وابن عدي في "الكامل" (3/298). ومن طريق ابن عباس - رضي الله عنه - رواه البيهقي في "الشعب" [7657]. (1/73)
صفحة 74
أما عبارة »الدال على الخير كفاعله« دون ما بعدها فقد رويت من طريق أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - عند الامام أحمد [22423] والطبراني في "الكبير" (17/227 ـ 228) برقم [628 و629 و631 و632] والبيهقي في "شعب الايمان" [7656] والقضاعي في "الشهاب" برقم [86] والخطيب في "تاريخ بغداد" (7/394) وابن عدي (2/342). ومن طريق بريدة - رضي الله عنه - رواه أحمد [23091] وأبوحنيفة في "مسنده" ص(226) والروياني في "مسند الصحابة" برقم [6]. ومن طريق أنس - رضي الله عنه - عند الترمذي [2670]. ورواه العقيلي في "الضعفاء" (3/306) عن سهل بن سعد وطلحة بن عبيدالله._) (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً((_( ) جاء من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه مسلم في "صحيحه" [2674] والامام أحمد في "مسنده" [9184] والترمذي [2674] وأبوداود [4609] وابن ماجة [206] وابن حبان [112/ الاحسان] والدارمي [513] وابن أبي عاصم في "سنته" [113].
وجاء من طريق أنس بن مالك - رضي الله عنه - عند ابن ماجة برقم [205] ـ باختلاف يسير ـ. _).
الباب الثاني
في السُّؤال
وهو لغةً: الطلب، قال الشاعر:
سألناكم قبل الرماح حقوقنا فلما أبيتم كان حاكمنا السُّمْرُ
وفي الاصطلاح: هو ما يُبَرْهَن به في العلم ومنه اشتقاق المسألة ثم استعمل لفظ المسألة عَلَمَاً عامَّا على طائفة مخصوصة من الكلام فهي من أعلام الأشخاص كأسماء سائر التراجم، وإنما قدَّم المُصَنِّف هذا الباب على الذي يليه لأن السؤال سبب للفتوى، والسبب مقدم على مسببه.
(23)(سؤالنا قسمان قسم حجرا والثاني تفويض المجيب قررا) (1/74)
صفحة 75
ينقسم السؤال ـ بالنسبة إلى مطالبة الجواب ـ إلى سؤال حجر وسؤال تفويض؛ فالأول نحو سؤال الرجل عن العالَم ـ بفتح اللام ـ هل هو محدث أم لا؟ فكأنه حَجَرَ على المجيب الا أن يجيبه بأحد الوجهين. و (التفويض) هو نحو سؤال الرجل عن الدلالة [على حدوث العالم فيجيب المجيب بأي دلالة](_( ) ساقطة من (أ) والتكملة من (ب). _) شاء فكأنه فوضه في ذلك. وفي شرح قصيدة فتح بن نوح(_( ) يأتي عند البيت رقم (31). _) قال: "وقسَّمَه آخرون على خمسة؛ فقالوا: سؤال فائدة، وسؤال تعنت، وسؤال استفهام، وسؤال تقرير، وسؤال إجلال(_( ) في (أ) : الإجلال. والتصحيح من (ب). _)، ومثل هذا من المعاني فكأنهم عبروا عن العلة التي بها سأل السائل؛ إما أن يسئل ليستفهم أو ليتعنَّت وليس هذا الوجه من أقسام السؤال، وانما هو من أقسام العلة التي لها سأل السائل" (انتهى).
أقول: ولا مانع من تقسيم السؤال إلى ما ذكر باعتبار غرض السائل، والله أعلم.
(24)(وباعتبار الشرع في التعبد للازم قَسِّم ونفل تهتدي) (1/75)
صفحة 76
ينقسم السؤال ـ بالنسبة إلى الإعتبار الشرعي في التعبد أي التكليف ـ إلى قسمين؛ لازم ونفل، (فاللازم) هو السؤال عن كل ما لا يسع جهله من دين الله. و(النفل) هو السؤال عما عدا ذلك وعبارة الناظم تُخْرِج السؤال المكروه والمحجور كالسؤال عما لا فائدة فيه والتجسس عن العورات، قال القاضي نجاد(_( ) العلامة القاضي أبو المعالي نجاد بن موسى بن الشيخ نجاد بن ابراهيم المنحي أحد علماء الإباضية من أهل عمان في القرن الخامس الهجري. تتلمذ على علماء عصره ومنهم القاضي أبو علي الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري، واشتغل بالعلم حتى بلغ فيه مرتبة عليا وكان قاضيا للإمام محمد بن أبي غسان .. وفي رسالة من أهالي الباطنة لهذا الإمام قالوا فيها: ".. وعضده بالهزبر الضرغام والسيد القمقام والبطل المقدام؛ القاضي الأجل سيف الإسلام وعين العلماء والحكماء، ذي البصيرة والرشاد والصلاح والسداد، المبارز يوم الجلاد أبي المعالي نجاد بن موسى بن نجاد .. الخ". ويعد الشيخ نجاد أبرز العاقدين على الإمام محمد بن الإمام خنبش بن محمد بل كان ممن يشار إليهم بالبنان في زمن والده الإمام خنبش وهو الذي كتب عهدا للشيخ نجاد يقول فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم .. هذا ما يقول الإمام خنبش بن محمد بن هشام للقاضي نجاد بن موسى: إني قد جعلتك قاضيا بالحق وحاكما بين الناس بالعدل، ووليتك جميع أمور عمان برها وبحرها وسهولها وجبالها؛ على أن تعمل في هذه الولاية التي وليتكها بكتاب الله الجبار وسنة نبيه المختار - صلى الله عليه وسلم - ما انفصل ظلام الليل عن ضوء النهار. فالله فاتق وإليه فالتجِ وبه فاكتفِ وعليه فتوكل وبه فاعتصم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.". ا.هـ ومن مصنفاته كتاب "الأكلة وحقائق الأدلة ـ خ" يقول السالمي في "اللمعة المرضية": "يقال إنه في خمسة أجزاء ولم أجد منه إلا جزءا واحدا جمع فيه بين أصول الفقه وأصول الدين وحقق فيه مباحث علم الكلام.". (1/76)
صفحة 77
وكتاب "الإرشاد ـ ؟" في أصول الدين وكتاب "الحوالة ـ ؟" وله السيرة المعروفة بـ"سيرة نجاد ـ ؟" في الرد على المخالفين. وكان مقتله في 13 رجب سنة 513هـ.
("السيرة" لابن مداد ص32 ـ 33 ـ "اللمعة المرضية" للسالمي ص24 ـ "تحفة الأعيان" للسالمي 1/223 و237 و244 ـ "اتحاف الأعيان" للبطاشي 1/277 ـ 278)._) في "الأكلة وحقائق الأدلة": "والسؤال سؤالان؛ سؤال مأمور به، وسؤال منهي عنه، فالمأمور به على ضربين؛ سؤال عن واجبٍ فهو واجب، وسؤال عن مندوب اليه فهو سؤال ندب، فمن اعتقد ترك السؤال عن المندوب اليه فهو هالك باجماع، والسؤال المنهي عنه هو ما عُفِيَ العباد عن السؤال عنه مما في البحث عنه ايجاب حكم أو تحريم أمر قد كان لولا السؤال حلالاً، قال الله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تسؤكم.. الآية } "المائدة : 101 (انتهى).
أقول: المراد ـ بقوله: فمن اعتقد ترك السؤال عن المندوب اليه فهو هالك باجماع ـ أي من اعتقد ذلك دينا فانه لا شك في هلاكه بذلك لأنه دان لله بخلاف ما أمره به وندبه اليه والمتقرب إلى الله بخلاف ما أمره به هالك اجماعا، وليس المراد بقوله: فمن اعتقد ترك السؤال..الخ. مَنْ عزَمَ على تركه، لأن العازم على ترك المندوب من غيردينونة بتركه مع تأدية ما وجب عليه وترك ما حُرِّمَ عليه سالم اجماعاً. والله أعلم.
(25)(أسقط سؤالا إن أتى خمس به تناقض أو جاء باضطرابه)
(26)(اثبات أو جمع سؤالين معا أو كونه من المحال وقعا) (1/77)
صفحة 78
ينقسم السؤال ـ بالنظر إلى نفس لفظه ـ إلى سؤال صحيح وإلى سؤال ساقط؛ فأما السؤال الصحيح هو ما خلا من هذه الأشياء الخمسة وحقه أن يجاب إلا اذا حصل له مانع من غير لفظه كَتَعَنُّتِ في السائل ونحو ذلك، وأما السؤال الساقط فهو ما كان في لفظه أحد هذه الخمسة وهي؛ التناقض، والإضطراب، والإثبات، وجمع سؤالين مختلفين في سؤال واحد ويطلب لهما جوابا واحدا، والسؤال عن المحال، فاذا كان في السؤال أحد هذه الخمسة كان ساقطا وحقه أن لا يجاب.
فأما ( التناقض) فهو أن يكون آخر السؤال مناقضاً لأوله، مثال ذلك أن يقول السائل: اذا كان العالم محدثاً فما الدليل علىقدمه؟!. أو يقول: اذا كان الجماد غير متحرك فما الدليل على تحركه؟!.
وأما (الإضطراب) فهو أن يُدْخِل السائل في سؤاله الأعم في الأخص مثال ذلك أن يقول: ما الدليل الذي صار به العَرَض حركة! وما الدليل الذي صار به العالم جسماً؟! فالعرض أعم من الحركة، والعالم أعم من الجسم، وفي ادخال كل منهما في صاحبه اضطراب.
وأما (الإثبات) فهو أن يسأل عن زيادة فائدة والمسئول ينفي أصلَ ذلك الشيء؛ مثال ذلك أن يقول: ما الدليل على ثبوت رؤية الله في الآخرة؟!. والمسئول ينفي الرؤية أصلا. وما الدليل على خروج أهل الكبائر من النار؟!. والمسئول لايقول بذلك.
وأما (جمع السؤالين معا) فهو أن يسأل عن شيئين مختلفين ويريد لهما علة واحدة ودليلا واحدا في الوجه الذي اختلفا فيه، مثال ذلك أن يقول: ما العلة التي صار بها الجسم مؤلفا والعرض مضمحلا؟!. وما الدليل على حدوث العالم وصدق الرسل؟!.
وأما السؤال عن (المحال) فهو أن يسأل عن شيء يُحِيل العقل وجوده، مثال ذلك أن يقول: هل يقدر الله أن يخلق له شريكا؟!. وهل يقدر الله أن يجعل الإنسان ناطقا صامتا في حالة واحدة؟!.والله أعلم.
(فصل)
في الألفاظ الممتنع بها السؤال عن المولى جل وعلا
(27)(امنع بكيف، لِم، وهل سؤالا مَن، أَي، متى عن ربنا تعالى)
( (1/78)
صفحة 79
28)(أين، ومِن أين، وكم؛ فكيفا عن هيئة، وعلة لِم تلفا)
يمتنع السؤال عن الله عزوجل بأشياء لدلالتها على معنى حادث، فالسؤال بها من خواص الحادثات، وتلك الأشياء هي؛ كيف، و لِمَ ـ بكسر اللام وفتح الميم ـ وتسكينه في الشعر شائع لاستقامة الوزن، وهَل، ومَن ـ بفتح الميم ـ، وأي ـ بفتح الهمزة ـ، ومتى، وأين، ومِن أين، وكم. فهذه تسعة ألفاظ وترك عاشراً وهو(ما)وهي سؤال عن ماهية الشيء أي حقيقته، وكل واحدة من هذه الألفاظ لها معنى بخلاف غيرها ولها جواب بخلاف جواب الأخرى، وكلها غير جائز في حق المولى جل وعلا وكذلك لا تجوز هذه الألفاظ سؤالا عن صفاته الذاتية لأن صفاته هي ذاته لا غيرها ـ كما يأتي ان شاء الله ـ فكل ما لايجوز في حقه تعالى لايجوز في صفاته الذاتية لما تقدم. (1/79)
صفحة 80
واختلف في السؤال بِلِمَ من هذه الألفاظ عن صفاته الفعلية فأجازه قوم ومنعه آخرون، والمنع مذهب الإمام أبي عبدالله محمد بن محبوب(_( ) العلامة أبو عبدالله محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي الخزومي، من علماء الإباضية العمانيين في القرن الثالث الهجري. وهو سليل العلامة الكبير محبوب بن الرحيل فهي أسرة علم وصلاح، يقول الشيخ البطاشي: "شيخ المسلمين ومرجعهم في الرأي والفتوى وكان مضرب المثل في العلم والزهد والتقوى." ولد في صحار ونشأ بها أيام دولة الإمام العادل غسان بن عبدالله وتألق نجمه أيام الإمام الصلت بن مالك حيث كان على رأس العلماء الذين عقدوا له البيعة سنة 237هـ وتقلد له القضاء على مدينة صحار وتوابعها. ونهل من معارف والده في بداية الأمر ثم تابع تعليمه عند الشيخ موسى بن علي الأزكوي وتزوج من ابنته التي رجع بها إلى بلده صحار. وتلاميذه كثر منهم ولداه العلامتان بشير وعبدالله، والشيخ عزان بن الصقر والعلامة أبو المؤثر الصلت بن خميس والعلامة الفضل بن الحواري والشيخ أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي. ومن مسائله الفقهية التي شهرت عنه ما ذكره العلامة العوتبي في "الضياء" قال: "قيل لما دخل أهل الهند في الإسلام قال لهم محمد بن محبوب: اذهبوا فصلوا وقولوا (سبحان الله) في قيامكم وركوعكم وسجودكم؛ حتى تتعلموا ..".
وله كتاب يقع في سبعين جزءاً ـ مفقود ـ قال السالمي في "اللمعة المرضية" ص (19): "وكتاب محمد بن محبوب يذكرون أنه سبعون جزءاً قال البرادي: رأيت منه جزءاً واحد." ا.هـ وله بعض المسائل المنثورة مبثوثة في الجوامع الفقهية التي دونها العلماء بعده كما توجد له رسالة ضمن "السير والجوابات" (2/ 223 ـ 268). وكانت وفاته في ظل دولة الإمام الصلت بن مالك في الثالث من محرم سنة 260هـ.
( (1/80)
صفحة 81
"السيرة" لابن مداد ص 30 ـ "الفتح المبين" لابن رزيق ص 233 ـ "اللمعة المرضية" للسالمي ص19 ـ "اتحاف الأعيان" للبطاشي 1/191)._) ـ رحمه الله ـ، وقيل ان كان السؤال بها عن الصفات الفعلية انكاراً لفعله تعالى فلا يجوز، وان كان تَعَلُّمَاً وتَفَهُّمَاً واستدلالاً على قدرته تعالى فذلك جائز، واحتج القائلون بالمنع بقوله تعالى: { لا يُسْأل عما يفعل وهم يسألون } الأنبياء : 23 وسيأتي الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية عند ذكر الناظم لها ان شاء الله.
وقوله: (فكيفا عن هيئة) هذا شروع في الكلام على تفصيل معاني هذه الألفاظ أي فكيف سؤال يطلب بها(_( ) في (ب) : به. _) تعيين الهيئة؛ وهي الحالة التي عليها المسئول عنه، فاذا قلتَ مثلا: كيف زيد؟. فكأنك سألت عن حالته فيقال لك صحيح أو سقيم أو حيّ أو ميت، وهذا كله غير جائز في حقه تعالى.
وقوله: (وعلة لِم تلفا) أي توجد، قال تعالى: { انهم ألفوا أبائهم ضالين } الصافات : 69 أي وجدوا، والعلة هي التي لأجلها يكون ذلك الشيء يعني أنّ لِمَ سؤال عن علة ـ وهي مركبة من لام الجر وما الاستفهامية فحذف ألفها بدخول حرف الجر عليها كما في القانون النحوي ـ.
(29)(وهل لتصديق، ومن عن جنس، وأي لشركة وأجزا النفس)
(30)(متى سؤال جاء عن زمان، أين، ومِن أين عن المكان)
(31)(وكم سؤال عدد، وانه فرد قديم قاهر سبحانه) (1/81)
صفحة 82
هل سؤال يطلب بها التصديق(_( ) التصديق عند المناطقة هو: ادراك تتصور فيه شيئين مفردين بينهما علاقة ما، كأن تتصور أن (الشجرة خضراء) أو أن (الشمس مضيئة) أو أن صديقك (محمد يحضر اليوم) ...الخ، فأنت في كل هذه الادراكات تتصور شيئين بينهما علاقة، أو بعبارة أخرى تحكم بشيء على شيء، ففي مثال الشجرة تحكم بالاخضرار على الشجرة، ومثل هذا الحكم يسمى في المنطق التصديق، فالتصديق ادراك لأمرين معا وفيه حكم بشيء على شيء وهذا يعني أن التصديق يشتمل على تصورين ومن علاقة تربط هذين التصورين. ("مدخل لدراسة المنطق القديم" د. أحمد الطيب ص 11 ـ "البصائر النصيرية" للساوي ص 26)._) وهو طلب النسبة بخلاف التصور(_( ) التصور عند المناطقة هو: ادراك بسيط لمعنى شيء مفرد مثل (كتاب) و (منزل) و (رجل) أو ما شئت من المعاني المفردة التي تخطر ببالك حين تسمع عنها فأنت حين تسمع لفظة (جامعة) فانك تتخيل مبنىً يشتمل على العديد من الكليات والقاعات وبه أساتذة وطلبه ويحتوى على وسائل للكتابة مع جملة من الكتب. وهذا هو الذي يعرف عند المناطقة بالتصور وهو لشيء مفرد فأنت هنا تصورت معنى جامعة فقط، ولو اضفت إليها معنى آخر لاصبح تصديقا كما لو قلت: (جامعة اسلامية) فانك هنا تتصور لوازم الجامعة مع وصفها بأنه اسلامية وهو شيء يختلف عن الجامعة لكن صارت بينهما علاقة وهذا هو التصديق ـ وقد تقدم ـ أما التصور فهو لشيء مفرد فقط.
يقول الفخر الرازي في "شرح عيون الحكمة" (1/43): "اعلم أنا إذا أدركنا أمرا من الأمور، فإن لم نحكم عليه بحكم البتة نفيا كان أو اثباتا فذاك هو التصور. وان حكمنا عليه بحكم نفيا كان أو اثباتا فذاك هو التصديق". ا.هـ ("شرح عيون الحكمة" للرازي 1/43 ـ "مدخل لدراسة المنطق القديم" د. أحمد الطيب ص 11 ـ "البصائر النصيرية" للساوي ص 26). (1/82)
صفحة 83
_) فانه طلب التعيين بعد العلم بالنسبة وله من الأدوات ما عدا هل. وقوله: (ومن عن جنس) أي سؤال يراد به تشخيص الجنس، فقولك: مَن هذا؟ تريد تشخيصه ونسبته. ومَنْ جبريل؟ تريد مِن أي جنس هو، فيقال لك: انه من جنس الملائكة، وإلى هذا قصد اللعين في سؤاله لموسى ـ عليه السلام ـ حين قال: { فمن ربكما يا موسى } طه : 49 أراد من أي جنس.
وقوله: (وأي لشركة..الخ البيت) يعني أن أي سؤال عما يميز المتشاركين كقوله تعالى: { أي الفريقين خير مقاما } مريم : 73 أي أنحن أم أصحاب محمد لأنهما شريكان في الفريقية، ويسأل بها أيضا عن أجزاء النفس كقولك أي أجزاء زيد أحسن؟. فيقال لك: وجهه أو يده أو نحو ذلك. وقوله: (متى سؤال) أي لفظة متى سؤال يطلب بها تعيين الزمان ماضيا كان أو مستقبلا، كقولك: متى كان هذا؟.فيقال لك: أمس. أو متى يكون؟ فيقال لك: غدا. (1/83)
صفحة 84
وقوله: (أين.. الخ البيت) يعني أن أين ومِن أين ـ بكسر الميم ـ سؤالان يطلب بهما تعيين المكان، قال السيوطي(_( ) العلامة أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الخضيري الأسيوطي من كبار علماء الشافعية في وقته ولد سنة 849هـ ونشأ في القاهرة يتيما حيث توفي وهو في سن الخامسة، وكان الكمال بن الهمام الحنفي صاحب "فتح القدير" أحد الأوصياء عليه، توفي سنة 911هـ وصلى عليه الشعراني بالقاهرة. أما تصانيفه فأكثر من أن تحصى قيل بلغت ستمائة مصنف ما بين رسالة صغيرة ومجلدات ومن أشهرها "الدر المنثور ـ ط" في التفسير، والنصف الأول من "تفسير الجلالين ـ ط" و"الإتقان في علوم القرآن ـ ط" و "تدريب الراوي ـ ط" في مصطلح الحديث و "الآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ـ ط" وغيرها كثير. (تقدمة الشيخ عبد الوهاب عبداللطيف على "تدريب الراوي" 1/10 ـ 29 ـ "الأعلام" للزركلي 3/301 ـ "مسالك الحنفا" للسيوطي ضمن "الحاوي للفتاوي" 2/229)._) في "شرح عقوده":ـ "قال الشيخ بهاء الدين(_( ) قاضي القضاة بهاء الدين عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن محمد القرشي الهاشمي الشهير بـ ابن عقيل ـ نسبة إلى عقيل بن أبي طالب ـ الهمذاني الأصل والمصري النشأة والوفاة ولد بالقاهرة سنة 698هـ وهو من كبار أئمة النحو حتى قال عنه ابن حيان: ما تحت أديم السماء أنحى من ابن عقيل. تولى قضاء الديار المصرية فترة .. له "شرح ألفية ابن مالك" في النحو متداول مشهور، و "التعليق الوجيز على الكتاب العزيز" تفسير لم يكمله و "الجامع النفيس" في فقه الشافعية لم يتمه، و"المساعد ـ خ" شرح التسهيل في النحو، وغيرها وكانت وفاته بالقاهرة سنة 769هـ. ("الأعلام" للزركلي 4/96 ـ تقدمة الشيخ محي الدين عبد الحميد على "شرح ابن عقيل" 1/7)._): والفرق بين أين ومِن أين؛ أنَّ أين سؤال عن المكان الذي حل فيه الشيء ومِن أين سؤال عن المكان الذي برز منه الشيء".(انتهى). (1/84)
صفحة 85
وقوله: (وكم) أي لفظة كم سؤال يطلب بها تعيين العدد كقوله تعالى: { كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } الكهف : 19 فهذه الألفاظ كلها يمتنع السؤال بها عن الباري سبحانه، وكذلك ما كان بمعناها (كأنَّى) {فانها تارة بمعنى كيف كقوله تعالى: { فأتوا حرثكم أنَّى شئتم } البقرة : 223 وأخرى بمعنى من أين كقوله تعالى: { أنَّى لك هذا } آل عمران : 37 أي من أين لك هذا.و(كأيَّان) فإنها بمعنى متى مطلقاً عند النحويين نحو قوله تعالى: { يسئلونك عن الساعة أيَّان مرساها } الأعراف : 187 أي متى، وكقوله تعالى: { يسأل أيان يوم القيامة } القيامة : 6 أي متى يكون. و(كحتى) فانها بمعنى إلى متى يكون هذا الشيء قال في "شفاء الحائم على بعض الدعائم":ـ "..وقد قالوا إن السؤال كله عن تسعة أشياء أولها السؤال بهل وهو لأنك انما تسأل أولا عن عدم الشيء ووجوده وجوابه موجود أو معدوم، فان قال معدوم فقد بطل وان قال موجود فحينئذ تسأل بما هو، وانما تسأل بها عن الجنس خاصة فتقول: ما هو ؟. تعني أي جنس هو، فيقال: إنه محدث، جسم، حيوان، إنسان، عرض، حركة، سكون. فإذا سأل بمَن؛ فإنما يسأل عن انسان خاصة، فيقال له: أعرابي، تركي، أخ، ابن. فإذا سأل بأي فإنما سأل عن قصد واشارة، فيقال له: هذا وذاك. فإذا سأل عن كم هو ؟ فإنما سأل عن عدد، فيقال له: واحد اثنان ثلاثة.فإذا سأل بكيف؛ فإنما سأل عن حال وصفة، فيقال له: حيٌّ أو ميت، أبيض أو أسود، حلوٌ أو حامض. (1/85)
صفحة 86
فإذا سأل بأين؛ فإنما سأل عن مكان فيقال له: في مكان كذا وكذا بالمشرق أو بالمغرب أو بمكة أو بالمدينة. فإن: سأل لِمَ كان ؟. فإنما سأل عن علة، فيقال له لعلة كذا وكذا.فإذا سأل بمتى فإنما سأل عن زمان ماض أو مستقبل، فيقال له: كان في الأمس أو يكون غداً؛ وقد ذكرها أبو نصر النفوسي(_( ) العلامة أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي، من علماء الإباضية عاش في النصف الأول للقرن السابع الهجري وولد في مدينة (تملوشايت) من ضواحي "نفوسة" في ليبيا حاليا، تلقى المبادئ الأولية في بيته ثم انتقل إلى المدرسة الكبرى التي كان يشرف عليها خاله أبو يحي زكريا بن ابراهيم فكان نعم التلميذ لنعم الأستاذ، وله على أستاذه هذا مرثية رائعة وكان أبو نصر لغويا حتى أنه قرظ كل ما ألفه شعرا. قال الشيخ علي معمر: "بلغ في الدراسة مبلغا لا يصله إلا القليل من عباد الله المختارين؛ ثقافة واسعة وخلق رضي، وإيمان قوي وشدة في دين الله، وقيام بالحق لا يقوم به إلا عدد ضئيل من أصحاب المبدأ والدين والضمير. إذا ترافع إليه الناس للخصومة جعل بينه وبينهم سترا من باب أو جدار أو غيره حتى لا يغلبه الحياء فيميل مع أحدهم .. أما ليله الذي يبتدئ بعد نهاية الدروس التي يلقيها في المسجد بعد صلاة العشاء لعموم الناس، فقد كان يقسمه قسمين؛ قسم لمذاكرة العلوم ومراجعة الأسفار الضخمة والتحقيق العلمي الذي يحتاج إليه. وأما القسم الآخر فخاص بعبادة ربه يناجيه فيه ويستلهمه الهداية والتوفيق والبركة، وعند الصباح كان يشتغل بالتدريس لينشئ جيلا من الشباب الواعي يتحمل عنه رسالة الإسلام". ا. (1/86)
صفحة 87
هـ من آثاره: "القصيدة النونية" أجود المتون في العقيدة عند إباضية المغرب ـ وهي مدرجة في نهاية كتاب "الدعائم ـ ط" لابن النضر ـ وقام بشرحها العلامة الكبير أبو طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي ولا يزال شرحه مخطوطا، وشرحها العلامة ضياء الدين الثميني في كتابه "النور ـ ط/ حجرية"، وله "منظومة رائية" في فقه الصلاة ـ مع "الدعائم" أيضا ـ وله قصيدة "نونية" في قضية خلق القرآن، وله قصائد في الوعظ، وفي أيامه أو قبله بقليل ورد كتاب "الحل والإصابة" لابن وصاف وهو شرح على كتاب "الدعائم" فأصلح ما حرفه النساخ وأنشد عليه أبياتا.. ومن أبياته في "النونية" في العقيدة يقول:
"نظرت إلى قرائنا فوجدتهم بفقه المعاش مولعين بألسن
تناسوا أصول الدين من أجل انها صعاب وما فيها ثمار لمن يجن".
ويقول في "رائيته" في فقه الصلاة:
"أحب فتى ماضي العزيمة حازما لدنيا وأخرى عاملا بالتشمر
وأما أخو النومات لا مرحبا به ولا بالجثوم الراكد المتدثر".
("السير" للشماخي 2/189 ـ 190 ـ"الإباضية في موكب التاريخ" الحلقة الثانية (الإباضية في ليبيا) القسم الثاني 97 ـ 101 للشيخ علي يحي معمر ـ والمنظومتين "النونية" و"الرائية" في نهاية كتاب "الدعائم" لابن النضر العماني ص 139 ـ 211)._) في بيت فقال:
وتسع سؤالات عن الله فانْفِها سأجمعها في البيت نظما على ضمن
فهل، من، أي، كيف، أين، متى، لِمَ وتاسعها كم فاحرز وتفطن (1/87)
صفحة 88
انتهى". وقول الناظم: (وأنه فرد..إلى آخره) أتى بالخبر مؤكدا لاقتضاء المقام ذلك؛ فإنه لما ذكر أولا الألفاظ التي لا تجوز على الله سبحانه سارع في تنزيهه عن كل ما لا يليق به فحسن تأكيد الخبر وقوله: (فرد) لاشريك له ولا أجزاء فيسأل عنه بكم وأي، وقوله: (قديم) أي سابق على كل شيء فلا يسأل عنه بكيف، ولا جنس فيسأل بمن، ولا حادث فيسأل عنه بلِمَ ومتى، وقوله: (قاهر) أي غالب لامكان له(_( ) والعلو الحسي الذي يعتقده البعض والذي رفضه الكثير من الأعلام على اختلاف مذاهبهم يرده في هذا الزمن اكتشاف أن الأرض كروية وإن كان قد نبه على هذا أيضا من المتقدمين العلامة أبو يعقوب الوارجلاني في "الدليل والبرهان" وابن حزم الأندلسي في "الفصل" إلا أن بعض الناس يعتقد أن الأرض مسطحة وأن السماء فوقها وأن العرش والذات العلية فوق ذلك كما هو تصور الناس في الأزمنة الغابرة، وهذا تنكره الهيئة التي خلق الله تعالى عليها هذه البسيطة ويردها العلم الحديث ففكرة العلو مردودة بهذا الأمر الذي لا مماحكة فيه، فاختلاف جهة العلو على مستوى بلدان العالم لا انفكاك عنه لكروية الأرض، فمن تشبث بفكرة العلو الحسي فليبين أي اتجاه يريد العلو أهو الذي يتناسب مع بلاد الصين واليابان أم العلو الذي الذي يتناسب مع بلاد الجزائر والمغرب فإن علو هذا معاكس لعلو ذاك، فليفق من يزعم غير هذا، وأدلة الإباضية وبعض الأشاعرة في نفي العلو الحسي وإرادة العلو المعنوي مبسوطة في كتبهم انظر (معالم الدين) للعلامة الثميني (1/172 ط التراث). (1/88)
صفحة 89
ولفظة (أين الله) في حديث الجارية الذي يستدل به البعض رد عليها العلماء بأنها شاذة وذلك لورود روايات لتلك الواقعة من طرق صحيحة يقول لها النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها: »أتشهدين أن لا إله إلا الله؟« بدلا من لفظة: (أين الله). التي أتت من رواية الحديث بالمعنى عند ناقلها وقد روى حديث الجارية بلفظ: »أتشهدين أن لا إله إلا الله؟«. من طرق صحيحة عند الإمام أحمد في "مسنده" برقم [15749] والإمام مالك في "الموطأ" ص(777ـ ط.عبدالباقي) والدارمي في "سننه" برقم [2348] والطبراني في "الكبير" برقم [12369] وعبدالرزاق في "مصنفه" برقم [16814 و16815] وغيرهم وعن سند الإمام أحمد يقول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/445): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
وجاء أيضا بطرق ثابتة بلفظ: (»من ربك؟«. قالت: الله). فقد رواها بهذه اللفظة الإمام أحمد في "مسنده" برقم [19474 و19484 دار الكتب العلمية] وابن حبان في "صحيحه" [1207 ـ زوائده: موارد الظمآن] وهي في ترتيبه "الإحسان" برقم [4296] والنسائي في "السنن الصغرى" (6/252) برقم [3653] والبيهقي في "الكبرى" برقم [15266] والطبراني في "المعجم الكبير" (7/320) برقم [7257] وفي (17/136) برقم [338].
وأما رواية: (أين الله؟. قالت: في السماء أو فأشارت إلى السماء). التي في "صحيح مسلم" فهي مدرجة فيه ممن توهم أن فيه نقصا ولذا فهي ليست ثابتة يدلك على هذا قول البيهقي في "الأسماء والصفات" ص(422): "قد أخرجه مسلم مقطّعا من حديث الأوزاعي وحجاج الصواف عن يحي بن أبي كثير دون! قصة الجارية!!". والبيهقي لم يشتري كتابه من المطابع والمكتبات بل كانوا يتلقون مثل هذه الكتب بالسماع عن الشيوخ ويعرضونها عليهم، على الخصوص إذا كان الأمر يتعلق بالصحيحين فيكون كلامه حجة هنا. (1/89)
صفحة 90
وعلى تقدير ثبوتها فيه فهي شاذة، ولو قيل كيف تكون رواية شاذة وهي في "صحيح مسلم"! فالجواب أن هناك بعض الروايات التي حكم عليها العلماء بالشذوذ منها ما هو في "صحيح" مسلم كرواية: "ثم يطوي الأرضين بشماله!". برقم [2788] فقد حكم بعضهم بشذوذ لفظة: "بشماله" بمن فيهم الألباني في "تخريج المصطلحات الأربعة الواردة في القرآن" للمودودي.
وقد تكلم الكوثري باسهاب عن رواية (أين الله) في تعليقه على "السيف الصقيل (أعيد طباعته في المكتبة الأزهرية للتراث – القاهرة)" للتقي السبكي ص(94 ـ 95) وللسيد حسن بن علي السقاف رسالة مطبوعة بعنوان "تنقيح الفهوم العالية بما ثبت وما لم يثبت في حديث الجارية" أفاض فيها عن ملابسات هذه الرواية، وله أيضاً تعليقات قيمة على كتاب "العلو للعلي الغفار" للذهبي أبطل فيه النصوص الت يحتج بها المجسمة في إثبات العلو الحسي للذات العلية، فليراجعها من شاء والله المستعان._) يحويه فيسأل عنه بأين ومِن أين، وقوله: (سبحانه) أي تنزيهاً له عن ما لا يليق به تعالى عن جميع ذلك علوَّاً كبيرا.
الباب الثالث
في الاجتهاد والفتوى
(الفتوى) ـ بالواو مع فتح الفاء، وبالياء مع ضم الفاء ـ هي تبيين الحق للسائل، وأما (الاجتهاد) فهو استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل حادثة بشرع. ولمَّا كان مستمد الاجتهاد والفتوى الأصول الثلاثة بلا خلاف}(_( ) هذه القطعة بين هاتين الحاصرتين سقطت من (أ) بسبب تمزق فيها. _) بدأ بها فقال:
(32)(والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعدَ سنة المختار) (1/90)
صفحة 91
أصول الفقه ثلاثة: كتاب الله، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، واجماع المهتدين من الأمَّة؛ فأما الكتاب: فلأنه معجز وهو من عند الله ولا شك ولا يسع جهله بل ولا الشك فيه لمن قامت عليه حجتة. واختلف في وجه اعجازه هل هو من حيث التراكيب على أنه أفحم البلغاء فيها، أو من حيث الإخبار بالغيب، أو من حيث اخباره عن الأمم الخالية، أو من حيث عدم التناقض فيه مع طوله.. أقوال؛ والظاهر أن كل ذلك معجز.
وأما السنة: فلثبوت أصلها من الكتاب قال تعالى: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } النساء : 80 .وقال: { وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى } النجم : 3 . وقال: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } الحشر : 7 .وقال: { وما أرسلنا من رسول الا ليطاع بإذن الله } النساء : 64 .
وأما الإجماع: فلثبوت أصله من الكتاب والسنة؛ فمن الكتاب قوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } البقرة : 143 ـ كما أن الرسول شهيد عليهم ـ وقوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } النساء : 59 فقرن الله سبحانه طاعتهم بطاعتة وطاعة رسوله. وقوله: { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } النساء : 83 . (1/91)
صفحة 92
ومن السنَّة قوله - صلى الله عليه وسلم - : (لاتجتمع أمتي على ضلاله( وفي رواية: (لايجمع الله أمتي على ضلالة( وفي حاشية الترتيب(_( ) في "حاشية الترتيب" (1/62) طبعة وزارة التراث القومي والثقافة. وهو شرح لمسند الامام الربيع الفراهيدي للشيخ أبي عبدالله محمد بن عمر المعروف بأبي سته والشهير بالمحشي لكثرة حواشيه التي وضعها على كتب الاباضية. _): (ما كان ليجمع أمتي على ضلال((_( ) جاء من طريق ابن عباس - رضي الله عنه - رواه الامام الربيع الفراهيدي في "مسنده" رقم [39] بلفظ »ما كان الله ليجمع أمتي على ضلال« ورواه الحاكم في "المستدرك" رقم [398 و399] بلفظ »لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدا ..«.
وجاء من طريق ابن عمر - رضي الله عنه - رواه الحاكم في "المستدرك" برقم [391 و392 و393 و394 و395 و396 و397] وأبو نعيم في "حلية الأولياء" برقم [3088] بألفاظ متقاربة. _)، وقوله: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن((_( ) هذا الحديث روي من طريق أنس - رضي الله عنه - مرفوعا عند الخطيب في "تاريخ بغداد" (4/387 دار الكتب العلمية) ولفظه هناك: »إن الله نظر في قلوب العباد فلم يجد قلبا أتقى من أصحابي ولذلك اختارهم فجعلهم أصحابا، فما استحسنوا فهو عند الله حسن، وما استقبحوا فهو عند الله قبيح« واسناده ليس بذاك. (1/92)
صفحة 93
وجاء موقوفا على ابن مسعود - رضي الله عنه - عند البيهقي في "الاعتقاد" ص(183 /الكتب العلمية) والطيالسي في "مسنده" برقم [246] وكذا في "مسند" الامام أحمد (1/493 برقم 3599) والطبراني في "الكبير" (9/113 برقم 8583) ولفظه »... فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ«. قال الهيثمي في "مجمعه" (1/428) بعدما أورد خبر ابن مسعود - رضي الله عنه - : "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون" ا.هـ._)، فالمراد بأصل الفقه في كلام المصنف هو أدلة الفقه من حيث استناده اليها واضافته اليها، والمراد بالفقه ما يعمّ العلم بالعمليات والعقائد والأخلاق.
و(الكتاب) هو الكلام المنزل للإعجاز على رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - المنقول عنه تواتراً. و(السنَّة) هي أقواله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وتقريراته. و(الإجماع) هو اتفاق مجتهدي الأمة على أمر في عصر، وكل واحد من هذه الأصول الثلاثة يكون قطعيَّ الدلالة ويكون ظنيَّها.
فأما القطعي من الكتاب فهو ما كان نصاً على شيء بعينه؛ كما في قوله تعالى: { حرِّمت عليكم الميتة والدم..الآية } المائدة : 3 ، وأما الظني من الكتاب فهو ما لم يكن نصَّاً في شيء بعينه وانما استخرج منه ذلك الشيء من طريق الإستدلال والإستنباط وذلك كما في قوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمُّه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } الأحقاف : 15 فاستنبط العلماء من هذه الآية أن أقل الحمل ستة أشهر؛ وذلك لِمَا علموا من قوله تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين..الآية } البقرة : 233 أنَّ مدة الرضاع حولان اسقطوا الحولين من ثلاثين شهرا فبقيت ستة أشهر وليست الآية نصاً في هذا كله، ولكن العلماء استنبطوا منها ذلك بالإشارة اليه فدلالتها على ذلك ظنيَّة. (1/93)
صفحة 94
وأما القطعي من السنَّة فهو ما نقله التواتر عنه - صلى الله عليه وسلم - ، أو أجمعت الأمة على أنه عنه عليه السلام كحديث:(من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار((_( ) هذ الحديث جاء بهذا اللفظ من عدة طرق أهمها:
من طريق ابن عباس - رضي الله عنه - رواه الربيع الفراهيدي برقم [738] وأحمد [2679 و2979] والترمذي [2951] والدارمي [232] وابن أبي شيبة في "مصنفه" [26244] والطبراني في "الكبير" [12393 و12394].
من طريق المغيرة بن شعبة رواه الامام البخاري في "صحيحه" [1291] ومسلم برقم [4] وأحمد في "مسنده" [18164 و18229] وابن أبي شيبة [26245] والطبراني في "الكبير" (20/408 رقم 974 و975).
من طريق عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - رواه البخاري [3461] وأحمد في "مسنده" [6493 و6600 و6902 و7022] والترمذي [2669] وابن أبي شيبة [26232].
من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه البخاري [110 و6197] ومسلم برقم [3] واحمد [9336 و9369 و10067 و10739] والنسائي في "الكبرى" [5915] والطيالسي في "مسنده" [2421 /دار المعرفة].
من طريق علي بن أبي طالب كرم الله وجهه رواه الامام أحمد في "مسنده" [586 و1079] والترمذي [3715].
من طريق الزبير بن العوام رواه أحمد في "مسنده" برقم [1417] وأبوداود في "سننه" [3651] والنسائي في "الكبرى" [5912] وابن ماجة [36] والدارمي [233] وابن أبي شيبة [26233].
من طريق أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - رواه أحمد برقم [11098 و11350 و11410 و11542] وابن ماجة [37] وابن أبي شيبة [26238].
من طريق أنس - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد في "مسنده" [11948 و12117 و12161 و12708 و12770 و12806 و13104 و13194 و13969 و13978 و13988] والترمذي [2661] والنسائي في "الكبرى" [5194] وابن ماجة [32] وابن حبان في "صحيحه" [31/ الاحسان] والدارمي [235 و236 و238] وابن أبي شيبة [26230 و26243] والطيالسي [2084]. (1/94)
صفحة 95
من طريق جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد [14265] وابن ماجة [33] والدارمي [231] وابن أبي شيبة [26242].
من طريق عقبة بن عامر - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد [17441] وابن حبان في "صحيحه" [1049 و2546 و5412] والطبراني في "الكبير" (17/327 رقم 904) و(19/296 رقم 657).
من طريق زيد بن أرقم - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد [19288] والحاكم [258] وابن أبي شيبة [26246] والطبراني في "الكبير" [5017 و5018 و5019 و5020 و5055].
من طريق ابن مسعود - رضي الله عنه - رواه الترمذي في سننه" [2257 و2659] وابن ماجة [30] والطبراني في "الكبير" [10074] والطيالسي [342 و362].
من طريق عتبة بن غزوان - رضي الله عنه - رواه الحاكم في "المستدرك" [5141]. ومن طريق ابن عمر رواه ابن أبي شيبة [26229].
من طريق عبدالله بن الحارث - رضي الله عنه - رواه الإمام الربيع الفراهيدي في "مسنده" [739].
كما رواه الدارمي أيضا في "سننه" برقم [234] عن يعلى بن مرة و[237] عن أبي قتادة - رضي الله عنه - .
وروي من طريق مسلم مولى خالد بن عرفطة عند الحاكم [5222] وابن أبي شيبة [26234].
ورواه الحافظ الطبراني في "المعجم الكبير" برقم [204] عن طلحة بن عبيدالله. و[4100] عن خالد بن عرفطه. و[6679] عن السائب بن يزيد - رضي الله عنه - . و[7302] عن صهيب - رضي الله عنه - . و[8181] عن طارق بن أشيم الأشجعي - رضي الله عنه - . و(17/139 رقم 346) عن العرس بن عميره - رضي الله عنه - . و(18/187 رقم 442) عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - . و(19/393 رقم 922) عن معاوية. و(22/263 رقم 675) عن يعلى بن أمية التميمي - رضي الله عنه - .
ورواه كذلك ابن سعد في "الطبقات الكبرى" والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" والحميدي في "مسنده" وابن عدي في "كامله" والعقيلي في "الضعفاء" وقل أن يوجد كتاب من كتب السنّة إلا وروى هذا الحديث. (1/95)
صفحة 96
وللطبراني جزء مطبوع بعنوان "طرق حديث من كذب علي متعمدا". وعد هذا الحديث جماعة من العلماء من قبيل المتواتر فقد رواه من الصحابة تسعة وتسعون صحابيا سرد أسماءهم الزبيدي في كتابه "لقط الآلي المتناثرة .. في الأحاديث المتواترة" ص(261 ـ 263دار الكتب العلمية) وانظر كلام النووي حول هذا الحديث في "شرح مسلم" (1/65)._). وأما الظني من السنَّة فهو ما نقل عنه - صلى الله عليه وسلم - من طريق الآحاد أو من طريق التواتر لكنه ليس نصّاً(_( ) في (ب): لكنه نص في المطلوب. وهذا خطأ والتصحيح من (أ) ومعناه أن المتواتر يكون ظني الدلالة إذا لم يكن نصا في حكم بعينه والعكس بالعكس فإذا كان المتواتر نصا في حكم بعينه كان قطعي الدلالة والله أعلم. _) في المطلوب.
وأما القطعي من الإجماع فهو ما كان في شي لم يتقدم فيه خلاف ولم ينازع فيه أحد من المجمعين لاقبل انعقاده ولا بعده حتى انقرض عصرهم على ذلك، ولم يكن مخالفا لنص من الكتاب أو السنَّة؛ فان خلاف النصوص حرام ولا ينعقد على مخالفتها اجماع. وأما الظني من الإجماع فهو ما عدا ما ذكرته.
ولمّا كان مخالفة القطعي من كل واحد من هذه الثلاثة الأصول حراماً وضلالة بإجماع من اعترف بالإجماع من الأمة المحمدية أشار إلى ذلك فقال:
(33)(والاجتهاد عند هذي مُنِعَا وهالك من كان فيها مبدعا) (1/96)
صفحة 97
تقدم أن الاجتهاد هو استفراغ الفقيه الوسع في استحصال حادثة بشرع، وفي هذا البيت اشارة إلى حكمه الشرعي فيحرم الاجتهاد في مواضع ورد نص الكتاب أو السنَّة أو الاجماع القطعي في بيان حكمها، ويجب التسليم لها والقبول لبيانها، ويجوز الاجتهاد في الأشياء التي لم يرد فيها نص من هذه الثلاثة، ويجب على من بلغ الاجتهاد(_( ) هذا وقد تفاوت الناس في افساح المجال أمام الاجتهاد ففريق يضع أمامه العقبات وفريق يجعله في متناول كل أحد والحق بين المنهجين إذ لا بد من حصول بعض الآلات فيمن أراد الإجتهاد وإلا لأصبح الشرع مهزلة لكل متقوّل، يقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى: "لاريب أن الإجتهاد ركن ركين من أركان الفقه الاسلامي، لتوفر الدواعي إليه في كل عصر، ولاسيما هذا العصر ...؛ ولكن لابد من ضوابط ....؛ لأن الناس في قضية الإجتهاد بين منطلق وجامد. فالإنطلاق يجب أن يكون في حدود، والجمود أيضا غير محمود، وخير الأمور أوسطها. (1/97)
صفحة 98
فمن أنواع الإنطلاق أن يقال بأن أيّ أحد كان ولو كان عاميّا يجب عليه أن يستخرج الحكم بنفسه من الكتاب ومن السنّة، ومن إجماع الأمة، وألا يتقيد بمذهب. هذا أمر عسير، لأن الناس لا يكلفون ما لا يستطيعون، وأنّى لهذا العامي، وكثير من المسلمين لسانهم غير اللسان العربي ـ لسان القرآن ـ ولسان الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، لا يفهمون معاني القرآن وإن تلوا القرآن. وهذا العامي العربي أنّى له أن يعرف الناسخ من المنسوخ، والمحكم من المتشابه، والمطلق من المقيّد، والمجمل من المبين، والعام من الخاص، ويردّ كل شيء إلى نصابه، فإلزام عوام الناس وجهلتهم أن يجتهدوا من غير أن تتوفر لهم القدرة على الإجتهاد أمر فيه إفراط، وذلك يؤدي وقد أدى فعلا إلى تنطع كثير من العوام على علماء المسلمين؛ إذا قرأ أحدهم حديثا لم يعرف في أي مناسبة قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك الحديث. أو تلا آية لم يعرف سبب نزول الآية انطلق وقال في الآية أو قال في الحديث برأيه. مع أن أجلة الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يتوقفون أن يفسروا القرآن بما تدلهم عليه عقولهم من غير أن يستندوا إلى ركائز ثابتة وأدلة يستضيؤن بها.
والجمود أيضا أن يقول القائل بأن الواجب على العالم أن يقلد من قبله، فإن من سبق كان أكثر علما وأوسع إطلاعا، وأطول باعا، وأعمق نظرا، وأرحب صدرا. نعم لا ينكر مقام السلف ولكن كل أحد متعبد إن أطاق الإجتهاد وقدر عليه ألا يقلد غيره، ولا تقليد إلا للمعصوم." ا.هـ نقلا عن كتاب "ندوة الفقه الاسلامي" نشر وزارة العدل والأوقاف ـ بسلطنة عمان ـ ص (98 ـ 99)._) واحتاج إلى العمل أو الفتوى أو الحكم بما لم يرد به نص من الأصول الثلاثة.
وقوله:(هالك..الخ) أي من ابتدع حكما مع ورود أحد هذه الأصول فهو هالك؛ لأن مخالفتها حرام وضلال..ولمّا كان الاجتهاد في غيرها قد يكون جائزا، وقد يكون واجباً أشار إلى النوعين فقال:
( (1/98)
صفحة 99
34)(والرأي في غير الأصول جُوِّزَا وواجب أن نتحرى الأجْوَزَا)
المراد بـ(الرأي) هنا الاجتهاد الفقهي، وبـ(التحري) طلب ما هو الأولى في العمل، أي يجوز الاجتهاد في الأشياء التي لم يرد فيها نص أحد الأصول الثلاثة لمن شاء أن يجتهد ويجب على من بلغ رتبة الاجتهاد فأراد العمل أو الفتوى أو الحكم بما لم يرد فيه نص أحد الثلاثة الأصول؛ فاذا اجتهد المجتهد فعليه أن يأخذ بما أداه اليه اجتهاده وان خالف غيره، ولا يجوز له أن يترك الأعدل في اجتهاده وان خالفه من خالفه في ذلك خلافا لما في "أجوبة" الامام ابن محبوب - رضي الله عنه - لأهل المغرب(_( ) مدرجة في كتاب "السير والجوابات" (2/223 ـ 268) وكلامه حول هذا الموضوع في ص(234)._) وتابعه على ذلك أبو الحسن البسياني(_( ) العلامة أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد بن الحسن البسيوي من علماء الإباضية بعُمان في القرن الرابع الهجري لازم العلامة أبي محمد عبدالله بن محمد بن بركة فتعلم على يديه حتى صار ممن يشار إليه بالبنان، وحين تقدم به السن ثقل سمعه حتى كانوا أحيانا إذا أرادوا استفتاءه كتبوا له في الأرض فيجيبهم بحسب ما كتبوا له، من تصانيفه "الجامع" مطبوع في 4ج و"المختصر" مطبوع أيضا وله بعض الرسائل مدرجة في "السير والجوابات" المجلد الثاني 1ـ ص(5 ـ 8). 2ـ ص(62 ـ 112). 3ـ ص(124 ـ 222) ونشرت الجميع وزارة التراث العمانية، وكانت وفاته في مطلع القرن الخامس الهجري ـ التأريخ بالسنوات غير متوفر ـ. ("اتحاف الأعيان" ـ للبطاشي 1/229 ـ "نشأة التدوين للفقه" د.مبارك الراشدي ص190 ضمن كتاب ندوة الفقه الإسلامي )._) في "سيرته"(_( ) مدرجة في كتاب "السير والجوابات" (2/124 ـ 222) وكلامه حول هذا الموضوع في ص(194). _) وذلك أنهما قالا: إنَّ الحاكم يترك رأيه إن لم يوافقه عليه أحد من الجماعة ويأخذ بقولهم.! (1/99)
صفحة 100
ولا يخفى ما فيه من العدول عن ذروة التحقيق إلى حضيض التقليد، ثم انه أشار إلى هذا المعنى بعينه فقال:
(35)(ولم يجز خلافنا للأعدل مما نرى وميلنا للأهزل)
(36)(في غير ما قد حكم الحاكم أو كان خلاف كافر فيما رأوا)
(37)(أو من طريق الزهد كان أفضلا وان حكمت فاقصدنَّ الأعدلا)
(38)(وذاك مثل الأكل للسباع قد رأيت حِلَّهَا وإن نهي ورد)
(39)(حملته على سبيل الأدب كمثل ما اختار امام المذهب)
يحرم على المجتهد العدول عن الرأي الذي يرى أنه الأقرب إلى العدل للأدلة التي عنده عليه؛ والأخذ بالرأي الذي يرى أنه أبعد عن الصواب في نظره لمخالفته الأدلة التي عنده، لأن الله عزوجل كلف كل واحد من المجتهدين أن يأخذ عند الحاجة إلى الأخذ بما أداه اليه اجتهاده فهو فرض في حقه، والعدول إلى غيره عدول عن فرضه، لكن استثنى بعضهم من هذه القاعدة ثلاثة أشياء وذكر أن فيها جواز العدول عن الأعدل إلى الأهزل في نظر المجتهد:
أحدها: فيما اذا حكم عليك حاكم عدل ـ وكان ممن يجوز له الحكم في المُختَلَف فيه ـ فإنه يجب عليك اتباعه فيما حكم به، ولا يجوز لك مخالفته في ذلك وان كنت ترى أن الذي حكم به هو الأهزل والأبعد من الأدلة. ويبحث فيه بأن هذا غير خارج من تلك القاعده؛ ألا ترى أنه اذا حكم لك بشيءٍ ترى أنه لغيرك لا يجوز لك أخذه غاية ما فيه أن الواجب في الصورة الأولى الإنقياد لحكم الحاكم لا ترك الأعدل في نظره. (1/100)
صفحة 101
وثانيها: أنه اذا كان في الرأي الذي يرى أنه أبعد من الأدلة مخالفة لكافر قال يجوز له ترك ما هو الأعدل في نظره والأخذ بما هو أهزل فيخالف الكافر في ذلك كان الكافر مشركا أو فاسقا، ونصب للأول دليلا "يهودي مر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه واقفون عند دفن ميت، فقال اليهودي هكذا تفعل أحبارنا. قال: فقعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر أصحابه بالقعود مخالفة لليهود"(_( ) جاء من طريق عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - رواه أبوداود في "سننه" برقم [3176] والترمذي في "سننه" برقم [1020] وابن ماجة في "سننه" [1545] والبيهقي في "السنن الكبرى" [4/44 برقم 6890] والحازمي في "الاعتبار" ص(328 بتحقيق د. قلعجي).
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (3/233 دار الكتب العلمية): (1/101)
صفحة 102
"وقد ورد معنى النهي من حديث عبادة قال: »كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم للجنازة فمر به حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل. فقال: اجلسوا وخالفوهم« أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، فلو لم يكن اسناده ضعيفا لكان حجة في النسخ.." ا.هـ ويشتم منه ضعف هذا الحديث والله أعلم._). ونصب للثاني دليلا ما روي أن جابر بن زيد (_( ) الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي اليحمدي العماني مولدا ووفاة قضى أكثر عمره في البصرة حاضرة العلم آنذاك، وهو من طبقة كبار التابعين روى عن ابن عمر والسيدة عائشة وابن الزبير والحكم بن عمرو الغفاري وأكثر من مجالسة ابن عباس - رضي الله عنه - فكان أحد أقرب تلاميذه، أخذ عنه قتادة وعمرو بن دينار ويعلى بن مسلم وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وخلق كثير، شهد له ابن عباس - رضي الله عنه - بقوله: "لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما من كتاب الله". وقال ابن عمر فيه: "يا جابر إنك من فقهاء البصرة ...". وفي "الضعفاء" للساجي عن يحي بن معين: كان جابر إباضيا وعكرمة صفريا. وفي كتاب "الزهد" لأحمد: لما مات جابر بن زيد قال قتادة: "اليوم مات أعلم أهل الأرض. مات سنة 93هـ. (العبر 1/80 ـ وتذكرة الحفاظ ـ للذهبي 1/72 ـ تهذيب التهذيب ـ لابن حجر 2/35 ـ طبقات الدرجيني ـ 2/205). (1/102)
صفحة 103
*(تنبيه) كلام يحي بن معين ـ إمام الجرح والتعديل ـ الدال على نسبة الإمام جابر إلى الإباضية رواه عنه أيضا الحافظ ابن عدي في كتابه "الكامل" (4/71) ـ دار الفكر ـ بيروت ـ الطبعة الثالثة ـ 1988م._) ـ رضي الله عنه ـ خالف الحسن البصري(_( ) أبو سعيد الحسن بن يسار البصري من كبار التابعين وأمه خيرة مولاة أم سلمة ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، ونشأ بالمدينة فحفظ كتاب الله في خلافة عثمان، وسمعه يخطب مرات، وكان يوم الدار ابن أربع عشرة سنة ثم كبر ولازم الجهاد ولازم العلم والعمل وكان أحد الشجعان، انتقل إلى البصرة وعظمت هيبته في القلوب. أثنى عليه أنس بن مالك - رضي الله عنه - بقوله: "سلوا الحسن فإنه حفظ ونسينا". كان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم لا يخاف في الحق لومة لائم، وله مع الحجاج بن يوسف مواقف وقد سلم من أذاه، وصفه النسائي بتدليس الإسناد، وقال البزار: "سمع الحسن البصري من جماعة، وروى عن آخرين لم يدركهم، وكان يتأول فيقول: حدثنا وخطبنا. يعني قومه الذين حُدثوا وخطبوا بالبصرة. قال: ولم يسمع من ابن عباس، ولا الأسود بن سريع، ولاعبادة، ولاسلمة بن المحبر، ولا عثمان، ولا أحسبه سمع من أبي موسى، ولا من النعمان بن بشير، ولا من عقبة بن عامر، ولا سمع من أسامة، ولا من أبي هريرة، ولا من ثوبان، ولا من العباس". فعلى هذا تكون روايته عنهم من قبيل المنقطع. قال الذهبي: "قلت: وهو مدلس فلا يحتج بقوله: (عن) في من لم يدركه، وقد يدلس عمن لقيه ويسقط من بينه وبينه ..". وله كلمات سائرة وكتاب في "فضائل مكة ـ خ" توفي عام 110هـ. ("ميزان الإعتدال" 1/527 ـ و"تذكرة الحفاظ" للذهبي 1/71 ـ "طبقات المدلسين" برقم (40) ـ و"تهذيب التهذيب" لابن حجر 2/ 243)._) حين قال له ـ وقد حضر معه في مرضه الذي مات فيه ـ: قل يا جابر لا إله إلا الله. (1/103)
صفحة 104
فأمسك جابر مع قدرته على النطق مخافة أن يقال تبع الحسن على مذهبه(_( ) هذا الكلام لا يؤخذ على علاته فالامام جابر بن زيد كان صديقا حميما للحسن البصري ولم يكن الحسن يختلف معه في كثير من القضايا كما يظهر من مطالعة بعض مواقفه وكان الامام جابر يكن له من الاحترام والود يتضح ذلك من طلبه له عند حضور أجله ولو كان الحسن البصري يختلف مع الامام جابر في قضايا حرجة لما كلف نفسه هذا الطلب ..
والحق أن امساك الامام جابر كان تقريرا لمبدأ يعتقده وهو أن من ظهرت له شيء من علامات انتهاء أجله كان ذلك مؤذنا بأنه يموت على ما كان عليه قبلها ولا تنفع التوبة بعد معاينة أسباب الموت ـ كما حصل لفرعون عندما غرق مثلا ـ يتضح ذلك من نقل العلامتين الدرجيني في "طبقات المشائخ" (2/207) والشماخي في "كتاب السير" (1/69) للواقعة وهي كما يلي:
[ (1/104)
صفحة 105
لما حضرت جابر بن زيد الوفاة أتاه ثابت البناني وقال: يا أبا الشعثاء هل تشتهي شيئا؟. قال: إني لا أشتهي شيئا إلا أن ألقى الحسن قبل أن أموت. قال فخرج ثابت البناني فدخل على الحسن فأعلمه بقول جابر بن زيد، قال: وكان الحسن إذ ذاك مستخفيا، فقال: كيف لي بذلك؟. قال: اركب بغلتي على السرج وأنا أردف خلفك، وأعطيك طيلساني وأرجو أن لا يُعْرَض لنا. قال ففعل، ودخل على أبي الشعثاء وهو مضطجع فانكب عليه الحسن وهو يقول: يا أبا الشعثاء؛ قل لا إله إلا الله. فرفع جابر عينيه، فقال: أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار. فقال له الحسن: يا أبا الشعثاء؛ قل لا إله إلا الله. فقال: أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار. ثم قال: يا أبا سعيد { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا } ـ الانعام : 158ـ. قال: فقال الحسن: هذا والله الفقيه العالم، ثم قال: يا أبا سعيد حدثني بحديث ترويه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المؤمن إذا حضرته الوفاة. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : »إن المؤمن اذا حضرته الوفاة وجد على كبده بردا« فقال جابر: الله أكبر، والله إني لأجد بردا على كبدي.]. ا.هـ
وقد حصل موقف مشابهه لموقف الامام جابر مع ثابت البناني كما في "حلية الأولياء" لابي نعيم (2/366 رقم 2584) و"مسند ابن الجعد" برقم [1398] : "عن محمد بن ثابت البناني قال: ذهبت ألقن أبي وهو في الموت قال: قلت: يا أبت قل لا إله إلا الله. قال: يا بني خل عني فإني في وردي السادس أو السابع."
والشاهد أن تلقين الميت لفظة التوحيد لا يفيده إن كان غارقا طول حياته في مخالفة شرع الله وهذا الذي كان يرمي إليه الامام جابر، فإن كان المصنف يعني مخالفة الإمام جابر للحسن في هذه النظرة ـ و الاختيار في المسائل الشرعية يسمى مذهبا ـ فكلامه لا غبار عليه. والله أعلم._). (1/105)
صفحة 106
ويبحث فيه بأن هذا كله خلاف ما عليه القاعدة، فإن القاعدة هي أنه لا يجوز للمجتهد أن يخالف ما رآه أنه هو الحق في نظره وأن ما عداه خلاف الحق في نظره؛ وقعوده - صلى الله عليه وسلم - وامساك جابر عن القول ليس حراما قبل ذلك.
وثالثها: أنه اذا كان في الرأي الذي يرى أنه الأهزل في نظره نوع زهد وتنزه وفي الرأي الذي يرى أنه الأرجح والأعدل ترك لذلك التنزه والورع قال فهاهنا يجوز له أن يترك ما يرى أنه الأعدل فيأخذ بما في نظره أنه الأهزل، وضرب لذلك مثلا بمسألة تحليل السباع وتحريمها على أنه قد ورد النهي من الشارع عن أكلها، وقد اختلف العلماء في تأويل هذا النهي فذهب بعضهم إلى أن هذا النهي للتحريم فحرَّم أكل السباع لذلك وذهب آخرون منهم إمام المذهب أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي إلى حمل هذا النهي على الكراهية والتنزه فأجازوا(_( ) على أن الشيخ نفسه رجع عن هذا القول فحكم بحرمة لحوم السباع في مصنفاته المتأخرة فمثلا يقول في "جوهر النظام" (1/221):
وإنمايحرم منه الضرر والنّجس الخبيث ثم المسكر
والدّم والميتة والخنزير والضّاريات الوحش والطيور
وهي من السّباع ذات الناب كالأسْد والفهود والذّئاب
وذات مخلب من الطيور كالباز والعقاب والنسور._) أكل لحوم السباع وقالوا فيها بالتكريه، فاذا رأى المجتهد جواز أكلها وأن هذا النهي للكراهية كما عليه هذا الامام ـ رضوان الله عليه ـ كان جائزاً له أن يتمسك بما رأى فيأكل، وأن يدع أكلها تنزها لما في أكلها من الكراهية؛ هذا في الحكم الذي يخصه بنفسه، أما اذا حكَّمَه غيره وولِيَ الحكومة في ذلك وجب عليه أن يحكم بما يرى أنه الأقرب للصواب. (1/106)
صفحة 107
مثال ذلك اذا تخاصم اليه رجلان اصطاد أحدهما سَبُعَاً(_( ) السبع ـ بضم الباء وفتحها وسكونها ـ المفترس من الحيوان .. كما في "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (مادة: سبع). _) فأطلقه منه الآخر فطلب المصطاد حقَّه من الذي أطلق سَبُعَهُ كان على هذا الحاكم أن يحكم لهذا المصطاد على هذا الذي أطلقه بضمان سبعه. ويبحث فيه بأن ما ذكر من جواز الترك للأكل ليس من هذا الباب الذي نحن بصدده، فان ترك هذا المجتهد أكل هذه السباع إنما هو لإمتثال النهي الوارد عن الشرع فلا يلزم من الامتناع عن أكلها القول بأن أكلها حرام، ألا ترىأنه حين صار حاكما وجب عليه الأخذ بما رأى أنه الأرجح في نظره فيلزمه الحكم به، ولأجل هذه الايرادات على هذه المستثنيات أشار المصنف للتبري من استثنائها بقوله: (فيما رأوا) أي فيما رأى المستثنون لهذه الخصال، ولمَّا فرغ من بيان الأحكام التي تخص المجتهد شرع في بيان حكم الضعيف عن الاجتهاد فقال:
(40)(والخلف إن لم نعرفنَّ الأعدلا هل جائز بما نشا أن نعملا)
(41)(أو لا اذا التحري في ذا يعدم بل نستشير واجبا من يعلم) (1/107)
صفحة 108
اختلف العلماء في الضعيف الذي لاقدرة له على الاجتهاد ولا استطاعة له على ترجيح الأقوال؛ وقد أراد أن يعمل بشيء من الأشياء ـ التي قد اختلف العلماء في حكمها ـ : فذهب بعضهم إلى أن لهذا الضعيف أن يأخذ بأي قول شاء من تلك الأقوال الموجوده في مسألته، ولا يلزمه في كل قضية أن يستعين بالفقيه الحاضر، واحتج لذلك بأن قوله ليس بأثبت فيه ممن تقدمه فيه فأورده أثرا صحيحاً فيحسن اتباعه لمن بعده بل قد يمكن أن يكون الأول أكثر علما وأصح نظراً وبالعكس فاستوى الأمران فيما وجده من أثر صحيح أو نقله له عن الأوائل من الاختلاف صريح(_( ) في (ب): صحيح. _) أو أخبره الفقيه الحي بوجود الاختلاف فيه وسكت عن التعديل فيما يحكيه، وحُكم ما عَدَّلَه بعض علماء السلف وعَدَّلَ غَيْرَه الفقيه الحاضر من الخلف حُكم ما اختلف الفقهاء في تعديله ويرجع الأمر فيه إلى جواز الأمرين، هذا كله اذا لم يكن لهذا الضعيف قدرة على معرفة الأعدل، وكانت المسألة مما وجد الاختلاف فيها، أما اذا شاء العمل بشيء لم يوجد في بيان حكمه شيء عن العلماء فهاهنا يجب عليه مشاورة أهل العلم في ذلك ولا يجوز له أن يعمل بهوى نفسه.
وذهب آخرون إلى أنه يجب على هذا الضعيف اذا شاء العمل بما يختلف فيه أن يشاور من قدر على مشورته من الفقهاء، وأن يستعين في طلب الأعدل من الأقوال والدليل على ذلك قوله تعالى: { ولوردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } النساء : 83 لأن الاستنباط لا يكون الا من الفقهاء العلماء به، وقد أُمِر الضعفاء برد الأمر فيه إليهم والأخذ فيه بقولهم فهم الحجة فيه لهم وعليهم ويدل على ذلك قوله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون } النحل : 43 . (1/108)
صفحة 109
أقول: وهذا المذهب أقوى دليلا وأقوم سبيلا من الذي قبله لهذه الأدلة، ولما في مشورة العالم من امكان الإطلاع على دليل القول الذي يرشده عليه ويأمره بالأخذ به، فيكون بذلك آخذاً بالدليل الذي سمعه فيُنزل في وجوب المشاورة للعالم عند وجوده منزلة القادر على الاجتهاد، ولا يخفى أن حكم من كان مجتهدا ولم يطلع على الأدلة في شيء من الأحكام أن حكمه في ذلك حكم الضعيف لأنه في ذلك الحكم ضعيف أيضا بناء على القول بتجزئ الاجتهاد وهو مذهب الامام الكدمي - رضي الله عنه - وفي قول ثان ان الاجتهاد لا يتجزأ فلا يكون مجتهدا حتى يكون عالما بجميع الأدلة من الكتاب والسنَّة، والأول هو المختار والله أعلم.
(42)(وخطأ العالم في الفتوى همل والوزر والضمان للذي عمل)
الخطأ نوعان؛ أحدهما: أن يكون صاحبه معتقداً اصابة الحق فيما أفتى به ويظن أنه صواب وهو مخالف للحق، فهذا غير معذور من الأثم والضمان ـ كان عالما أو جاهلا ـ اذا حرّم ما أحل الله أو أحل ما حرم الله، وقد حصل التحرز من هذا النوع بقول الناظم:(وخطأ العالم) لأن صاحب هذا النوع وان كان عالما في غيره فهو جاهل به. (1/109)
صفحة 110
وثانيهما: أن يكون المفتي عالما بذلك الشيء الذي أخطأ فيه وبأصوله فأخطأ بلسانه وهو يعلم أن لو انتبه أنه مخطئ فيه فهذا مختلف في تضمين صاحبه، والذي عليه الجمهور من الجهابذة أنه لاضمان عليه، وأما الإثم فلا نعلم أن أحدا قال به في هذا الموضع، والذي وجدناه عن علمائنا انه لا إثم عليه بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان.. الحديث((_( ) تخريجه يأتي مع مماثله في التعليق على البيت رقم (304)._)وباشارة قوله تعالى ـ حكاية عن المؤمنين ـ: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } البقرة : 286 وما أحسن قول الصائغي(_( ) الشيخ سالم بن سعيد بن علي الصائغي، من علماء الإباضية بعمان عاش في القرن الثالث عشر الهجري، كان على درجة عالية من العلم والوقار وكان مهابا في زمانه قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من تصانيفه الأرجوزة التي قام بتنقيحها الشيخ السالمي في كتابه جوهر النظام وأرجوزته هذه تبلغ ما يقارب عشرة الآف بيت يقول عنها السالمي في تقديمه للكتابه جوهر النظام:
وبعد إن خير نظم بالغ في الفهم مبلغا نظام الصائغي
فإنه حوى بيان الشرع من واجب وجائز ومنع
وانْصَبّ في سهولة الألفاظ وطاب حفظه لدى الحفاظ ..الخ
وله كذلك "الإرشاد" لا يزال مخطوطا ترى بعض فصوله مدرجة في "قاموس الشريعة" للسعدي، وله كتاب "المضنون به على غير أهله" مخطوط وهو في أصول الدين والفقه والآداب في ثلاثة أجزاء. (تعليق الشيخ أبو اسحاق الجزائري على "جوهر النظام" 1/ بداية الكتاب ـ "شقائق النعمان" للخصيبي 3/8)._):
وزلة العالم في فتواه مرفوعة عنه وما أولاه(_( ) البيت برمته في "جوهر النظام" (1/34 بتحقيق الشيخ ابراهيم بن سعيد العبري) وهو من أرجوزة الصائغي تراه في "قاموس الشريعة" للعلامة السعدي (2/63 التراث)._). (1/110)
صفحة 111
وقول الناظم: (في الفتوى) احتراز من خطأ العالم في الحكم فإنه لا يعذر من ضمانه، أما الإثم فمعذور عنه في الحالتين وإنما كان عليه الضمان في الحكم دون الفتوى(_( ) على أن الفتوى أمرها خطير فهي لا تتأتى من كل من تعلم بعض المسائل كما هو الحال في هذا الزمن حيث يتصدر لهذا الشأن من لا يصلح أن يكون طالبا بين يدي علماء السلف، وليس بغريب أن يتواجد في بعض الدول في الشارع الواحد العشرات ممن نصب نفسه للفتيا وهذا من التلاعب بأمور الشرع والعياذ بالله واستسهال الحال مع عدم ادراك خطورة ما هم بصدده، وإن كان غير خفي أن الصحابة وخيار التابعين كانوا يتدافعون الفتيا فيما بينهم وكان الواحد منهم يتمنى لو كفاه غيره، هذا وقد شرط الفحول من العلماء للإجتهاد والفتوى شروطا حتى لا يكون الدين لعبة لكل من هب ودب فهذا العلامة أبو اسحاق الشيرازي الشافعي يقول في كتابه "اللمع .. (1/111)
صفحة 112
في أصول الفقه" ص (127): "وينبغي أن يكون المفتي عارفا بطرق الأحكام وهي الكتاب، والذي يجب أن يعرف من ذلك ما يتعلق بذكر الأحكام والحلال والحرام دون ما فيه من القصص والأمثال والمواعظ والأخبار، ويحيط بالسنن المرويّة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيان الأحكام، ويعرف الطرق التي يعرف بها ما يحتاج إليه من الكتاب والسنة من أحكام الخطاب وموارد الكلام ومصادره من الحقيقة والمجاز، والعام والخاص، و المجمل والمفصل، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، ويعرف من اللغة والنحو ما يعرف به مراد الله تعالى ومراد رسوله - صلى الله عليه وسلم - وما تقتضيه، ومعرفة الناسخ من ذلك من المنسوخ، وأحكام النسخ وما يتعلق به، ويعرف اجماع السلف وخلافهم، ويعرف ما يعتد به من ذلك وما لا يعتد به، ويعرف القياس والإجتهاد والأصول التي يجوز تعليلها وما لا يجوز، والأوصاف التي يجوز أن يعلل بها وما لا يجوز، وكيفية انتزاع العلل، ويعرف ترتيب الأدلة بعضها على بعض وتقديم الأولى منها ووجوه الترجيح، ويجب أن يكون ثقة مأمونا لا يتساهل في أمر الدين." ا.هـ وقال ابن أمير الحاج الحنفي في "التقرير و التحبير" (3/341): "قال ابن السمعاني: المفتي من استكمل فيه ثلاث شرائط؛ الإجتهاد، والعدالة، والكف عن الترخيص والتساهل. وللمتساهل حالتان: احداهما أن يتساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ ببادئ النظر وأوائل الفكر فهذا مقصّر في حق الاجتهاد ولا يحل له أن يفتي ولا يجوز أن يُستفتى، والثانية أن يتساهل في طلب الرخص وتأول السنّة فهذا متجوّز في دينه وهو آثم من الأول. ا.هـ وفي أصول ابن مفلح: قال أصحابنا وغيرهم: يحرم تساهل المفتي وتقليد معروفٍ به . وفي شرح البديع للهندي: ويجب أن يكون عدلا ثقة حتى يوثق فيما يخبر به من الأحكام ..الخ" ا. (1/112)
صفحة 113
هـ وقد تكلم في مثل هذا غيرهم من العلماء على اختلاف مذاهبهم وتباين مشاربهم، وتهوين الأمر لا يكون إلا ممن لا يبالي بهذا الدين متلاعب بأحكامه أو ممن يخدع نفسه فيوهمها بلوغه تلك المنزلة وهي أبعد من النجوم في أفلاكها عنه، أما من يبحث عن الرخص أينما كانت فحدث عنهم ولا حرج، حتى صار التورع عن التخليط في أمور الشرع والأخذ بالعزائم والعمل بالأحوط من مخلفات الماضي عند كثير من الناس والله المستعان._) لما في الحكم من جبر المحكوم عليه على قبول قول الحاكم دون الفتوى فإنه ليس فيها جبر. وقوله: (والوزر والضمان..الخ) أي إثم ذلك الخطأ وضمانه انهما على مَن قَبِلَه من العالم وعَمِل به أو حَكَم لأنه لا يجوز لأحد أن يقبل خلاف الحق أو يعمل به، ولو قال به من قال من العلماء فالعلماء إنما هم حجة في الحق لا في الباطل. ولمَّا صرح بتأثيم العامل بخلاف الحق وتضمينه استدرك ذلك ببيان توبته فقال:
(43)(وان خفي بطلانه عليه فالتوب مجملا أتى اليه)
(44)(ان كان مما حجة السماع به ولم يجد معبرا فلتنتبه)
الهاء من قوله: (بطلانه) عائدة إلى الخطأ وكذلك في قوله: (اليه)، والهاء من قوله: (عليه) عائدة إلى الذي عمل وانتصب مجملا على الحال من فاعل أتى أي لا يخلو ذلك الخطأ إما أن يكون مما تقوم به الحجة من العقل أو مما تقوم حجته من السماع فالأول: غير معذور صاحبه مهما خطر بباله الا باعتقاده الحق فيه. والثاني: نوعان؛ 1ـ تأدية مفروض.2ـ وترك محجور.
فأما تأدية المفروض فاذا لم يجد مُعَبِّرا يعبر له اياه ولم يأت له من قبل بصيرته بإلهام ونحوه فهو معذور، كما سيأتي اذا اعتقد في جملته السؤال عن جميع ما يلزمه من دين الله. (1/113)
صفحة 114
وأما ترك المحجور فقد قيل انه لا يسع أحدا أن يرتكبه عالما بحجره كان أو جاهلا مُسْتَحِلا أو مُحَرِّمَا، ومن ارتكبه فهو هالك ظالم لأنه قد ورد في الأثر المجتمع عليه: يسع الناس جهل ما دانو بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرأوا من العلماء اذا برؤا من راكبه، وهذا قد ارتكب ذلك المحجور عليه ارتكابه فلا عذر له بجهل، ولا بفتوى مخطئ لأن المفتي اذا أخطأ وجه الصواب فليس بحجة. وقيل اذا لم يجد من المعبر في هذا ونحوه وكان قد اعتقد في جملته المتاب عن جميع ما لزمته فيه التوبة والسؤال عن جميع ما لزمه فيه السؤال فهو سالم، وفي هذا سئل الامام الخليلي ـ رحمه الله ـ:
السؤال
نسائل شمس العصر أعني سعيدنا سلالة خلفان الخليلي الممجدا
عن الراكب المحجور جهلا ولم يزل مقيما عليه مدة الدهر سرمدا
يجالس أعلام الأنام ولم يسل وموطنه دار بها العلم والهدى
يدارس للآثار طول زمانه ولكنه لما يراه مسوَّدا
ولم يسمع التحريم فيه ولم يكن خطورا له بالبال كي يتعبدا
ويحسبه فعلا حلالا وأنه تقي كريم خائف موقع الردى
أيسلم عند الله ان مات هكذا ويدخله الفردوس فيها مخلدا
فقل ما أراك الله فيها مصرحا صفات قيام الحجة الكل مرشدا
فلا زلت محبورا وحبرا موفقا لكشف مهمات خليفة أحمدا
عليه صلاة الله ما ناحت الربا نسيم الصبا أو جابت العيس فدفدا
فأجاب ـ رضوان الله عليه ـ:
اليك بحمد الله نظما مؤيدا بحكم كتاب الله، من شرع أحمدا
عليه صلاة الله ثم سلامه وأهليه والأصحاب أفضل من هدى
فمن ركب المحجور جهلا بحجره من الحكم من مشروع ربي تعبدا
وضيع مفروض السؤال وأنه على قدرة منه فقد ضل واعتدى
وما عذره بالجهل شيئا يفيده من الحق إلا أن يبشَّر بالردى
كزان ولم يدر الزناء محرما وواطئ أدبار النساء تعمدا
فذلك بالإجماع لا شك هالك اذا لم يسل من قبل فعل به ابتدا
وهذا عليه حجة الله ربنا أقيمت وما في الجهل عذر له بدا (1/114)
صفحة 115
ولو سقط التكليف عن كل جاهل لكان اقتناء الجهل للنفع أعودا
ولا تبغ في ذاك اختلافا فانه ضلال وكن أهل الجدال مفندا
فهذا بإجماع على نص محكم الـ ـكتاب وما فيه اعوجاج تأودا
وان تاب من قبل الذهاب فربنا حليم غفور ذنب من تاب واهتدى
ودعنى من ذكر الذي ليس واجدا له أحدا ممن يعبر للهدى
فهذا له حكم يخص عمومها ولكن أراه لم يكن لك مقصدا
فجئت بحمد الله بالحق واضحا سلام على هادي البرية أحمدا
وقال في موضع آخر من "فتاويه": "..وأما النوع الثاني وهو ركوب المحجور في دين الله تعالى من أصول ما لا تقوم به حجج العقول فقيل في هذا على الاطلاق بهلاك فاعله من المتعبدين لأنه يفعل ما لايجوز له في دينه وقد نقض الدين، وفي الأثر المجتمع عليه (يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه مالم يركبوه..الخ) وهذا قد ركبه فضاق عليه ولم يسعه جهل بحكم ظاهره وإلا فالجهل أشرف بضاعة ان كان به عذر لمن أطاعه فهو أولى بالكرامة لأنه مطية السلامة؛ ويأبى الله ذلك. (1/115)
صفحة 116
وفي قول آخر: فعسى ان لم تقم عليه الحجة بحرامه أن لا يبلغ به إلى هلاكه وآثامه إن دان لله تعالى بالتوبة منه بعينه ان كان في الدين حراما، وبالسؤال عنه بعينه أيضا إن هدي إلى ذلك في أحد الوجهين أو فيهما تاما وإلا ففي الجملة، ولابد أن يدين في جملته التي تعبده بها أن يطيعه في كل شيء من أمره ويسأل مع القدرة عما يجب عليه السؤال عنه من دينه ويتوب اليه من كل معصية علمها أو جهلها في حينه مع الدينونة له بما يجب عليه في ذلك إن لزمه شيء هنالك، أو هدي اليه حال وجوبه بالتعيين، أو في الجملة من أصل ما به يدين فإذا دان لله تعالى بما يجب من هذا في الجملة إلا أنه لعدم قيام الحجة عليه بحرمة ما ركبه لم يهد إلى حكمه فأتاه على غير عمد منه للمعصية وإنما وقع منه لقصور علمه، وكذلك إن أخذ فيه بفتيا من دلَّه على غير عدله لا مقلدا له على حال ولا مدَّعيا على الله فيه بمحال لكونه فيه على غير استحلال ولا مهملا عليه اعتقاده فيه على الخصوص أو في الجملة إلا لعذر ـ كما سبق في مثله من مقال ـ فتكون الفتيا في هذا المقام لباطلها حكم لاشيء فكأنها لم تكن في الأحكام شيئا فكان ذلك من خطأ المفتي على ما يعذر به، أم يلام فقابل ذلك على حجره وإن لم يكن هذا من عذره إلا أنه ما لم تقم الحجة عليه به وهو غير مقصِّر في الواجب من عقيدته، ففي قول الشيخ أبي نبهان(_( ) الشيخ الرئيس أبو نبهان جاعد بن خميس بن مبارك بن يحي من نسل الإمام العادل الخليل بن شاذان بن الإمام الصلت بن مالك الخروصي من علماء الإباضية بعمان ولد عام 1147هـ وتتلمذ على يد الشيخ سعيد بن أحمد الكندي والشيخ حبيب بن سالم النزوي، وصفه الشيخ السالمي في "تحفة الأعيان" (2/147) بقوله: ".. (1/116)
صفحة 117
ان أبا نبهان كان المتقدم على أهل زمانه بالعلم والفضل والشرف، واتخذه الناس قدوة في مراشد دينهم ومصالح دنياهم، وقلده الأفاضل أمرهم لما علموا من علمه وورعه ... " وهو والد العلامة الكبير ناصر بن أبي نبهان ـ تأتي ترجمته ـ، توفي عام 1237هـ بعد حياة قضاها في كفاح الظلم ونشر العلم من تصانيفه: "دقاق أعناق أهل النفاق ـ خ" ورسالة في "أحكام الذبائح ـ ؟" وكتاب "الحج ولوازمه" (نشر مصورا عن مخطوطته) وجزء في "تفسير سورة الفاتحة" وأكثرها لم تنشر بعد. ("الفتح المبين" لابن رزيق ص(150) ـ "تحفة الأعيان" للسالمي 2/147 ـ "شقائق النعمان" للخصيبي 1/139)._) ـ رحمه الله عليه ـ في غير موضع من "أجوبته" ما دل أن يحسن ظنه في الله؛ يرجو أن لا يهلك من أجله بشرط ما ذكرناه من التزام طريق النجاة في عقيدته، وقد صرح في هذا وفي غيره من جوابه بوجود الاختلاف في هذا وبابه، وقوله صحيح وآثار الشيخ أبي سعيد ـ رحمه الله ـ تشهد له بصوابه، وكفى بهما قدوة لمن أراد الله به الهداية وبأثارهما نور يهدي كما له هو أهل، وبحمده نتوسل اليه أن ينقذنا من الجهل وبمحمد وآله عليهم أفضل الصلاة والسلام.". (1/117)
صفحة 118
هذا كلامه وبه تعلم أن ما في كلامه المنظوم محمول على من أتى الحرام بعد قيام الحجة عليه به(_( ) في هذا التوجيه نظر وذلك لأن المحقق الخليلي صرح هناك بأن هذا المقارف ممن يجهل الحكم فيكون ممن لم تقم عليه الحجة به يدلك على هذا قوله: "فمن ركب المحجور جهلا! بحجره!!" وقوله: "ولم يدر! الزناء محرما" ومن قامت عليه الحجة لا يسمى جاهلا. والإستشهاد بقوله: "ودعني من ذكر الذي ليس واجدا .." الخ لا تعلق له هنا بل حاصله أنه فرَّق بين من يمكنه الوصول الى معرفة الحكم الشرعي بسبب وجود المُعَبِّر فترك السؤال، وبين من لا يمكنه ذلك كالمنقطع في جزيرة فهذا له حكم خاص. والتوجيه الثاني الذي اختاره المصنف أقرب من هذا بكثير وعموما لا جهل ولا تجاهل في الإسلام ولو كان في الجهل عذر لكان أشرف من حيث أنه موصل للسلامة ويأبى الله ذلك، وعليه فالحكم هنا يشمل من قامت عليه الحجة على الشيء بعينه ومن لم تقم عليه الحجة عليه بعينه ما دام هناك من يوضح له الحكم الشرعي في الأشياء وما دام قد علم أن في شرع الله حلالا وحراما والله أعلم._) لأنه هو موضع الهلاك بإجماع ـ كما يرشد إليه قوله: "ودعني من ذكر الذي ليس واجدا .."الخ، والذي في كلامه المنثور محمول على من أتى الحرام والحال(_( ) في (ب): والحلال. وهو تصحيف. _) أن الحجة لم تقم عليه في ذلك الشيء بعينه لكنها قامت عليه في الجملة، وذلك كما لو علم أن في دين الله حلالا وحراما فارتكب شيئا لا يعلم حكم الله فيه؛ فإذا هو حرام في دين الله فان هذا هو موضع النزاع والله أعلم. أو تقول ان كلامه المنظوم محمول على من ضيَّع فرض السؤال وضيع اعتقاده بالإهمال، وما في كلامه المنثور محمول على ما إذا لم يضيع مفروض السؤال ولم يهمل الإعتقاد في إجتناب ما عدا الحلال ثم ظهر أن هذا الوجه هو أولى أن يحمل عليه كلام هذا المحقق والله أعلم. (1/118)
صفحة 119
ولما كان الجهل نقيض العلم وكانت أحكام العلم دائرة بينه وبين الجهل إذ ما وجب علمه حَرُمَ جهله، وما حرم جهله وجب علمه، ختم هذا الركن بهذا الباب فقال:
الباب الرابع
في أقسام الجهل
وفيما يسع جهله وما لايسع
وبه يتم الكلام على الركن الأول ـ إن شاء الله ـ
(45)(والجهل قسمان بسيط سلما صاحبه والثاني فهو ما انتمى)
(46)(إلى مركَّب وليس يسلم صاحبه بفعله بل يأثم)
ينقسم الجهل؛ إلى بسيط وإلى مُرَكَّب، (فالبسيط) هو عدم العلم بالشيء مما من شأنه العلم حتى لا يتصور في باله شيء مما جهل به ولا يخطر بعقله شيء من صفاته وصاحب هذا القسم معذور سالم لأن الحجة لم تقم عليه بعلم ما جهله، ولا يكون التكليف الا بعد قيام الحجة؛ أما ما قيل من أن راكب المحجور في دين الله هالك ولو لم يعلم بحجره فذلك محمول على من علم أن في دين الله حلالا وحراما، لكنه لم يعلم الحكم فيما ارتكبه بعينه وهذا قد تقدم له تصور علم بوجود جملة المحرمات فهلاكه انما كان بعد قيام الحجة عليه في الجملة وجهله بما ارتكبه جهل مركب لا بسيط. وأما (المركب) فهو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، وإنما سُمِّيَ هذا القسم مُرَكَّبَا لتركُّبه من عدم العلم بالشيء واعتقاد أنه عالم، فصاحبه يظن أنه عالم بالشيء وهو جاهل به واليه الإشارة بقول القائل:
ومن عجب الأيام أنك جاهل وأنك لا تدري بأنك لا تدري
وصاحب هذا القسم هالك ان كان جهله بما يلزمه العلم به، وانما كان هالكا لقيام الحجة عليه بذلك الشيء واعتقاده فيه على خلاف حقيقته لا يكون عذرا له بعد وجوب علمه، فالمراد بقوله: (والثاني فهو ما انتمى إلى مركب) أي القسم الثاني من قسمي الجهل هو ما انتسب إلى مركب أي سمي بذلك، وقوله: (بل يأثم) تأكيد لقوله وليس يسلم.
ولما فرغ من تقسيم الجهل بالنظر إلى حقيقته وحصوله في ذهن المكلف شرع في بيان تقسيم الجهل المركب منه بالنظر إلى حكم الشارع فيه فقال:
( (1/119)
صفحة 120
47)(وباعتباره لدى التكلُّف لواسع الجهل وضيق يفي)
الهاء من قوله: (وباعتباره) عائدة إلى القسم المركب من قسمي الجهل لأنه أقرب مذكور، ولأن القسم الأول صاحبه معذور وسالم فلا يتأتى فيه هذا الإنقسام، والمعنى أن الجهل المركب ينقسم بالنظر إلى حكم الشارع فيه إلى قسمين؛ أحدهما سالم صاحبه والثاني هالك، فيسلم صاحبه إذا جهل بما لم يلزمه العلم به، ويهلك إذا جهل بما يلزمه العلم به، وسيأتي بيان ما يلزمه العلم به وما لا يلزمه مفصلا، ولك أن تقول ان الهاء من قوله: (وباعتباره) عائدة إلى حقيقة الجهل مع قطع النظر عن التقسيم المذكور، والمعنى ينقسم الجهل من حيث هو إلى واسع الجهل وهو الجهل البسيط وبعض المركب، وإلى ما لا يسع جهله وهو بعض المركب. وقول الناظم: (في التكلف) أي في التكليف، ففي اطلاق التكلف على التكليف مجاز إرسالي لعلاقة المسبَّبية لأن التكلُّفَ مُسَبَّبٌ للتكليف؛ يقال: كلفته فتكلَّف.
ولما فرغ من بيان أقسام الجهل وأحكامه شرع في بيان الأشياء التي يسع جهلها والأشياء التي لا يسع جهلها فقال:
(48)(وأي فرض فعله مُؤَقَّت فعلمه في وقته مُثبَّت)
(49)(حجته تقوم ممن عبَّرا وقيل لا حجة ممن كفرا)
(50)(بل ما عدا البَرّ أتى في المعتبر إن استطعته بلا نيل ضرر)
تنقسم الأشياء التي تُعُبِّدْنا بها إلى قسمين:
أحدهما: تقوم حجته من عقل المكلف، وسيأتي الكلام عليه ان شاء الله تعالى في بابه.
ثانيهما: تقوم حجته من السماع، وهو نوعان: 1)امتثال أمر، 2)وامتثال نهي؛ فامتثال الأمر تأدية المفترضات من الأبدان والأموال؛ وهو أيضا نوعان: أحدهما مؤقَّت العمل؛ أي يلزم أداؤه في وقت مُعَيَّن. وثانيهما ما ليس كذلك، وسيأتي الكلام عليه ـ إن شاء الله تعالى ـ. (1/120)
صفحة 121
فأما الذي عمله مؤقت؛ كالصلاة والصوم فيلزمه عمله بدخول وقته وتقوم حجته حينئذ من جميع المُعَبِّرِين ولو كان المُعَبِّر كافرا أو طفلا أو سمع ذلك من لسان طائر ففهمه أو وجده مكتوبا في كاغد وغيره، وهذا هو الذي أورده الإمام أبو سعيد في "استقامته"(_( ) في "الاستقامة" للإمام الكدمي (2/215 ـ 216 /طبعة وزارة التراث العمانية). _) وقيل إن الكافر ليس بحجة في هذا وغيره، بل ما عدا البَرّ ـ بفتح الباء ـ وهو الصالح في جميع أموره لا يكون حجة قاله في "المعتبر"(_( ) في "المعتبر" للإمام الكدمي (1/71 / التراث العمانية). _) محتجا له بقوله تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } النساء : 141 .
قال أبو بكر(_( ) العلامة أبو بكر أحمد بن عبدالله بن موسى بن سليمان الكندي، من كبار علماء الإباضية العمانيين في القرن السادس الهجري، ولد ونشأ في مدينة "نزوى" حاضرة العلم آنذاك. وهو ابن عم العلامة الكبير محمد بن ابراهيم صاحب الكتاب الذائع الصيت "بيان الشرع" أشهر كتب الشرع عند علماء عمان.. تتلمذ على يد الشيخ أحمد بن محمد بن صالح الغلافقي النزوي، واستفاد كثيرا من ابن عمه المذكور حتى كان يعتني بكتبه ورسائله بل قيل إنه هو الذي رتب "بيان الشرع" على هذا النسق. وتربى على يديه ثلة لا بأس بهم من أهل عمان وكان له مقام بارز في الحياة السياسية وذكر غير واحد أنه توفي بعد أن عقَد للإمام محمد بن خنبش ببلدة "سوني" هو ومن حضر من الأجله، وأقام عنده بسوني ستة أشهر ثم عرض له المرض الذي مات فيه فانحدر إلى أهله بنزوى فلبث عندهم عشرة أيام ثم توفي وقُبر بـ"المض" من سمد نزوى. وكانت له مؤلفات راقية تدل على همته العالية في العلم من أشهرها كتاب "المصنف /42ج/ التراث" في الفقه وفي حقه يقول العلامة خلف بن سنان الغافري:
"ولما بلاني الله بالحكم لم أجد كمثل "بيان الشرع" لي و"المصنف" (1/121)
صفحة 122
فيا رب فاجزِ بالكرامة مهجة المؤلف في يوم الجزا والمصنف".
وله كتاب "الجوهر المقتصر ـ ط/التراث" وفيه مسائل كلامية، و"الإهتداء ـ ط" و "التخصيص في الولاية والبراءة ـ ؟" و"التسهيل ـ ؟" في الفرائض و "سيرة البررة ـ ؟" في الرد على من طعن في سيرتهم، وكتاب "التيسير ـ ؟" في النحو، و"الذخيرة ـ ؟" كتاب ألفه للإباضية من أهل حضرموت .. ولم يظهر من هذه الكتب في عالم المطبوعات إلا الثلاثة الأول. وتوفي كما تقدم سنة 557هـ ودفن في سمد نزوى.
("السيرة" لابن مداد ص31 ـ "تحفة الأعيان" 1/244 ـ "اللمعة المرضية" للسالمي ص21 و22 ـ "اتحاف الأعيان" للبطاشي 1/253 ـ 264)._) في "الإهتداء"(_( ) ص (31ـ32). _): "ذهبت النزوانية إلى قيام الحجة به من كل معلم من كافر أومسلم أو كتابة في حجر أو من(_( ) في الأصلين و المطبوع من "الإهتداء" : (في). فأصلحته. _) فم طائر واعتلُّوا بأن الحق بنفسه حجة فحيث وجد كان حجة لا يعتبرون في ذلك المعلم به، والحجة لهم في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (اقبل الحق ممن جاءك به بغيضا كان أو حبيبا، ورد الباطل على من جاءك به بعيدا كان أو قريبا((_( ) الحديث ذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (15/794) وعزاه للديلمي. وهو في "الفردوس بمأثور الخطاب" للديلمي (1/433 برقم 1762) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - فذكره ـ بدون سند ـ. _) قالوا: فلما كان الباطل غير مقبول ممن جاء به من مسلم أو كافر بإجماع كان الحق مقبولا ممن جاء به من مسلم أو كافر. (1/122)
صفحة 123
وذهبت الرستاقية إلى أن الحجة في تفسير ما تعبَّد الله به لا تقوم إلا من الثقات؛ واحتجوا بقول الله تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } النساء : 141 وبقوله سبحانه: { ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } الحجرات : 6 قالوا فقد أمر بالتبين عند خبر الفاسق وهو عام في كل نبأ حتى يصح التخصيص، قالوا: وفي أمره بالتبين عند خبر الفاسق دليل على ترك التبين عند خبر غير الفاسق والله أعلم".(انتهى). أقول: وفي كل واحد من هذين الاستدلالين نظر فليتأمل.
وقول الناظم: (إن استطعته ..الخ) أي إن قدرت على وجود(_( ) في (ب): ورود. وهو تصحيف. _) المعبر من غير تحمل لمشقة خارجية ولا إصابة ضرر في النفس والعيال، وقد تقدم ذكر الشروط لمن يجب عليه الخروج في طلب المعبر في الباب الأول من هذا الركن فراجعه من هنالك.
(51)(واعتقد السؤال إن لم تستطع معبرا نور هداه تتبع)
(52)(لكن عليك أن تؤديه كما رأيت من أدائه متمما)
(53)(فإن تكن موافقا صدق العمل وفقك الباري وإلا فالبدل)
(54)(مختلف فيه ومع من أثبته قولان بالفور ودين مثبته)
أي اجعل في عقيدتك السؤال إذا لم تقْدِر على وجود المعبِّر حتى تتوصل اليه بوجه من الوجوه، لكن عليك مع الاعتقاد للسؤال أن تؤدي ذلك المفترض الواجب عليك فعله كما حَسُنَ في عقلك من أدائه، والأداء: فعل الشيء في وقته. والقضاء: فعله بعد وقته أ) استدراكا ـ والإعادة: فعله في وقته ـ. ب) ثانيا لخلل. (1/123)
صفحة 124
فإذا وجدت المعبِّر وعَبَّر لك ذلك المفترض كما أديته أنت من قبل فقد وفقك الله عليه ولا بدل عليك فيه، وإن عبَّر لك على خلاف ما أنت مؤد له فالبدل مختلف فيه على قولين؛ هل هو عليك أو لا؟ أوجبه قوم ولم يوجبه آخرون، واختلف المثبتون للبدل هل هو لازم على الفور ـ أي في أسرع ما استطعت لأن الفور تعجيل إنفاذ الواجب ـ أو دَيْن مُثْبَت عليك متى ما شئت أن تؤديه فواسع لك (قولان). والهاء في قول الناظم: (مثبته) للمبالغة كما في قوله تعالى: { بل الإنسان على نفسه بصيره } القيامة : 14 .
ثم أشار إلى بيان النوع الثاني من نوعي الفرض الفعلي فقال:
(55)(وإن يكن غير مؤقت العمل فواسع جهلكه إلى الأجل)
(56)(مالم تكن معتقدا لتركه وقيل كالأول نظم سلكه)
(57)(وذاك مثل الحج والزكاة لأن وقت ذين للممات)
هذا النوع هو الثاني من نوعي امتثال الأمر وهو الفرائض الغير المؤقته ـ أي لم يكن عملها محدودا في وقت معلوم(_( ) يبحث فيه من جهة أن المختار كون الحج على الفور لا على التراخي وفي حينه يكون وقته معلوم مضيق غير موسع على المستطيع والله أعلم. _) ـ كالحج والزكاة لأن وقتهما واسع إلى حضور الموت لمن لم يدن بترك فعلهما أو يعتقده من غير دينونة، فإذا لزمك أحد هذين الفرضين أو ما كان في معناهما فواسع جهلك بعلمه إلى الأجل أي إلى حضور وقت انقضاء الأجل، فإذا حضر وقته لزمك علم ذلك المفترض، وكان عليك حُجَّةُ جميع من كان حجَّةً في الصلاة والصوم اللازمين الحاضر وقتهما. وقيل بل يلزمك العلم بكل مفترض عليك ـ وإنْ وسعك التأخير في أدائه ـ لئلا تكون جاهلا بما افترض عليك في دين الله وهذا معنى قول الناظم: (وقيل كالأول.. إلى آخر البيت)، والمراد بـ(الأول) في قوله الفرض المؤقت فعله. (1/124)
صفحة 125
وفيه قول ثالث: وهو أنه لا يسع تأخير أدائه بعد الإمكان، فيكون من الفرائض المؤقته ويحتمله قول الناظم أيضا، وهذا القول لايبعد عندي في الزكاة لإقترانها بالصلاة في أكثر آي القرآن، ولقوله تبارك وتعالى: { وويل للمشركين ( الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون } فصلت : 6و7 وليس من المشركين من يؤتي الزكاة، انما ذكرها هنا تحريضا للمؤمنين على المسارعة في أدائها وتنبيها على لزوم فرضها إلا أن القول الأول من هذه الأقوال الثلاثة هو الشهير المتداول وعليه الامام أبو سعيد ـ رضي الله تعالى عنه ـ في "الإستقامه".
(58)(وواسع جهلك بالمحرَّم جميعه ما لم عليه تُقْدِم)
(59)(كالدم والميتة والخنزير إن قائم العين وكالخمور)
(60)(وكالذي يذبح للأوثان في أي ما كان من المكان)
(61)(وذا لدى المضطر قد أبيحا والخلف في الخمر أتى صريحا) (1/125)
صفحة 126
هذا النوع الثاني من النوعين اللذين تقوم بهما حجة السماع؛ وهو امتثال النهي عن ارتكاب المحرمات جميعها، والجهل بها واسع لمن لم يقدم عليها بارتكاب أو تحليل بقول دون ارتكاب، فإن كان شيء من ذلك فلا يسع جهلها ولزم الفاعل علم تحريمها سواء كان إرتكابه إياها على علم بجنسها وجهل بتحريمها أو علم بجنسها وجهل بتحريمها، وتلك المحرمات (كالدم) والمراد به الدم المسفوح كما صرح به تعالى في سورة الأنعام، فإن قلتَ: من الدماء ما هو حرام بإجماع كالمسفوح، ومنه ما هو حلال باتفاق كدم السمك، ومنه ما هو مختلف فيه كدم المستجلبات؛ فكيف لا يسع جهله لراكبه مع وجود الإحتمال فيه؟! فالجواب: أن الحكم فيه التحريم حتى يصح غيره. (وكالميتة) وهي التي لم تُذَكَّ فدخل تحت هذه العبارة المنخنقة والموقوذة ـ وهي المضروبة بالعمد حتى ماتت ـ والمتردية ـ وهي التي تتردى من علو إلى أسفل فماتت من غير تذكية ـ والنطيحة ـ وهي فعيلة بمعنى مفعول من النطح وهو السدع(_( ) في (ب): الدع. والأنسب ما أثبته كما في (أ)، قال الفيروزابادي في "القاموس المحيط" (مادة سَدَع): "السَّدع: كالمنع، صَدَم الشيء بالشيء ...". وفي "لسان العرب" لابن منظور (مادة سَدَع): "..والسدع: صَدم الشيء بالشيء سَدَعَه يسدعه سَدْعَا" والنطح لا يكون بغير اصطدام!. والله أعلم._) ـ وما أكل السبع ـ كالذئب والنمر ونحوهما ـ إلا ما ذكيتم(_( ) من قوله تعالى: { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبُع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النُّصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق ... الآية } (المائدة : 3). (1/126)
صفحة 127
_) أي إلا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء فذكيتموه فهو حلال لكم وحدُّ ما يحل من هذه بالتذكية هو أن تتحرك المذكَّاة بعد التذكية ولو بجارحة قيل ولو تحرك طرف عينها ـ أي جفنها ـ وأما سائر البدن الذي ليس بجارحة فلا اعتبار بتحرُّكه في تحليلها لأنه قد تكون تلك الحركة فيه وهو لحم مسلوخ، ويخرج عن هذه العبارة ما كان مستثنىً شرعا كميتة البحر لقوله تبارك وتعالى: { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة } المائدة : 96 فهو حلال على الاطلاق لقوله - صلى الله عليه وسلم - ـ وقد سئل عنه فقال:ـ (هو الطهور ماؤه والحل ميتته((_( ) جاء من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد في "مسنده" [7252 و8756 و9123] والإمام مالك في "الموطأ" (1/22) وابن خزيمة في "صحيحه" [111] والترمذي [69] وأبوداود [83] والنسائي في "الصغرى" [59 و332 و4350] وفي "الكبرى" [58 و4862] وابن ماجة [386 و3246] وابن حبان [1240] والحاكم في "المستدرك" [491 و492 و493 و497 و498] والدارمي [728 و729 و2011] والبيهقي في "السنن الكبرى" برقم [1 و2 و18965].
ومن طريق جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - رواه أحمد [15022] وابن خزيمة [112] وابن ماجة [388] وابن حبان [1241 /الاحسان] والحاكم [500] والبيهقي في "الكبرى" برقم [1195 و18966].
ومن طريق ابن عباس - رضي الله عنه - رواه الإمام الربيع الفراهيدي في "مسنده" [161].
ورواه ابن ماجة [387] عن ابن الفراسي. ورواه الحاكم [499] عن عليّ. ورواه عبدالرزاق في "مصنفه" [318] عن ابن عمرو - رضي الله عنه - . و[320] عن أنس - رضي الله عنه - و[8656] عن يحي بن أبي كثير. كما رواه أحمد [23159] ولم يسم الصحابي. (1/127)
صفحة 128
وجاء من طريق بعض بني مدلج رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" [1378] وعبدالرزاق برقم [321 و8657]._)، وكميتة الجراد للسُنَّة(_( ) دليله قوله - صلى الله عليه وسلم - : »أحلت لكم ميتتان ودمان فالميتتان الجراد والسمك، والدمان الكبد والطحال«. والحديث جاء من طريق ابن عباس - رضي الله عنه - رواه الإمام الربيع في "مسنده" برقم [618]. وجاء ـ بألفاظ مقاربة ـ من طريق ابن عمر - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد [5725] وابن ماجة [3218 و3314] وعبد بن حميد في "مسنده" [820 /المنتخب] والبيهقي في "السنن الكبرى" [1197 و19697]. وغيرهم._) وما شابهه فهو مقيس عليه. وقول الناظم: (والخنزير إن قائم العين) أي والخنزير إن كان قائم العين أي لم يتغير شخصه فهو من المحرمات أيضا فلا يجوز لأحد أن يقدم على ارتكابه ولا تحليله بقوله سواء عَلِمَ به أو جَهِل، وأما إن كان غير قائم العين بأن كان لحما مقطَّعَاً فواسع جهله لمن أكله اذا لم يعلم به أنه لحم خنزير وأكَلَهُ مِنْ عِنْد مَنْ تجوز ذبيحته إذ لا فرق بين لحمه وبين لحم سائر الحيوانات؛ وما أحسن قول ابن النضر(_( ) العلامة أحمد بن سليمان بن عبدالله بن أحمد بن العلامة الخضر بن سليمان بن النضر ـ وهو جدهم الذي ينتسبون إليه ـ وأصلهم من النعب فهو ناعبي اشتهر بابن النضر. أحد العلماء الإباضية من أهل عمان عاش في القرن السادس الهجري ونشأ وترعرع في مدينة "سمائل" يقول السالمي في "تحفة الأعيان" (1/249): ".. (1/128)
صفحة 129
وكان يتعلم عند الشيخ مبارك بن سليمان بن ذهل ومنه تعلم الشعر وله في الحفظ ما فاق به أهل زمانه وكان عالما بأشعار العرب وسيرهم وتواريخهم ومحاوراتهم، ناهيك بعلم اللغة فإنه أخذها بحذافيرها، وغاية ما حفظ من أشعار العرب أربعين ألف بيت؛ ما كان من الثلاثة إلى الواحد، وأما القصائد الكبار فلا تحصى، وكان ينظم القصيدة في ليلة وله ديوان أكثره تغزل فلما تبقر في العلم مزقه ثم صرف قريضه في نظم الشريعة، وتفرقت قصائده في البلدان وذهب أكثرها فمن الذاهب قصيدة في الولاية والبراءة غير اللامية المشهورة وقصائد في الصلاة والأحكام تزيد على أربع قصائد وقصيدة في الضاد والطاء نحو مائتي بيت، وقيل إنه تبقر في العلم وشاعت تصانيفه في الآفاق وهو ابن أربع عشرة سنة والدعائم من آخر ما نظم، وقال ابن زكريا في حقه: إنه أشعر العلماء وأعلم الشعراء. ونقل عن ابن النظر أنه قال: أنا أحفظ وقد نومتني أمي في المهد، وقد علقت حول رأسي شمراخ بسر أبيض ـ أي جزء من عذق فيه بسر وهو الرطب قبل نضجه ـ فانطلقت عنز فلاكته فصحت، فطردتها جارية عني، ثم رجعت فلاكت الخرقة التي عليّ فصادفت ابهام رجلي فصحت فطردتها الجارية أيضا وأخذتني أمي والدم يسيل من رجلي، فنظرت فإذا أنا ابن عشرين يوما!." ا.هـ وكان معاصرا للشيخ فاضل بن عبدالله القلهاتي وكان عالم عصره والشيخ أبي عمر النخلي الذي ذكره في احدى قصائده وكان من أخص أصدقائه وكان يختلف إليه وهو عالم في الفقه. (1/129)
صفحة 130
والسبب في ذهاب أكثر مؤلفاته ما حصل له حيث قُتل فنهب بيته وخزانة كتبه وأحرقت بالنار وذلك بيد السلطان الجائر خردلة بن سماعة بن محسن ـ أخزاه الله ـ الذي كان من فسقه وجوره وتعسفه يأخذ من كل سبع نخلات نخلة، ويسقي مزارعه بماء العباد، ويأكل أموال المساجد والمدارس والمقابر، ويأخذ نصف مهر المرأة من العاجل إذا تزوجت، وإذا طلقت يخاصم في الآجل، ويأخذ نصف الحب والتمر والقطن، ويكلف الناس حمل متاع بيت المال إلى الحصن بعنف، ويكلف أهل "قيقا" و"بدبد" يحملون تمرهم وما يغتصبه منهم على دوابهم وظهورهم إليه ولا يبالي، ويأخذ نصف حق المدعِي، ولا يحلّف المنكر بل ينوع له العذاب حتى يقر لغريمه ... وتصادف أن تزوجت ابنة أخت الشيخ ابن النضر على مهر قدره خمسين محمدية ـ عملة ـ فضة فأرسل خردلة جنديا لأخذ نصفها من الشيخ أحمد فمنعها الشيخ ولم يعطه، فأرسل خردلة مجموعة من الجند يطلبون منه مقابلته، فلما مثل بين يديه طالبه بالدراهم وتهدده وأغلظ عليه، ومن بعض ما قاله: كنا أردنا منك الخمسين فقط، والآن لم يكفنا إلا دمك. فقال الشيخ: الأمر لمن خلقك لا لك. فقال الجبار: أوَ تهزأ بي؟!. فأشار إلى بعض الجند أن ألقوه من هذه الكوة ـ النافذة ـ فكتفوه وألقوه وكانت كوة قصره شديدة العلو فوقع إلى الأرض ميتا ـ رحمه الله ـ وهو شاب قيل عمره خمس وثلاثون عاما.
ثم أمر خردلة أن تدخل داره ويؤخذ ما فيها فأخذت كتبه ومصنفاته فأحرقت، وكان له جملة مصنفات منها كتاب "سلك الجمان" في سير أهل عمان مجلدان لم يجدوا منهما شيئا إلا تسعة كراريس محروقة. وكتاب "الوصيد في ذم التقليد" مجلدان وكتاب "مرآة البصر في مجمع المختلف من الأثر" أربع مجلدات وجدت قطعة منه بـ"قيقا" وهي من بعض تساويده إنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن كلام ابن زكريا يرثيه:
"فحسبك من تثني عله دفاتره وتفقده أقلامه ومحابره
فكم لبني الأيام والدهر ألسن أوائله تثني له وأواخره." (1/130)
صفحة 131
ولم يبق من مؤلفاته غير "الدعائم ـ ط" وهو مجموعة من القصائد في التوحيد والفقه. وقصيدته "اللامية" في الولاية والبراءة وقد شرح الدعائم طائفة من العلماء كابن وصاف وسماه "الحل والإصابة ـ ط" و البرادي في "شفاء الحائم على بعض الدعائم ـ خ" وللقطب اطفيش شرح مخطوط. كما لهذا الأخير شرح على القصيدة "اللامية في الولاية والبراءة" لابن النضر مخطوط أيضا.
ومما تميز به أنه يبتدئ القصيدة الفقهية بعبارات الزهد والحكمة فمثلا في "الدعائم" يقول ص (46):
"أتأمل بعد شيب الرأس عمرا ومن آخيته قد مات طرا
فما زخرفت للدنيا فدعه وزخرف للبلى كفنا وقبرا
تظنك خالدا تحصي الليالي ومر شهورها شهرا فشهرا
فسوف يسوق أشهرهن يوم يسوق إليك مجزرة ونحرا
أخو الدنيا يبيت بها غريرا يقلب أمرها بطنا وظهرا. ..الخ"
ويقول في ص (125):
"دعيني عنك يا دنيا دعيني فإنك لا محالة تخدعيني
أيلسع مؤمن من جحر أفعى ويُختدع اغترارا مرتين
أما في القارظين لنا اعتبار وموعظة وفي ذي الحيتين
وفي رب البحيرة والسبايا ورب الجنتين وذي رُعين
صرعتيهم على البلواء منهم وأبقى بعدهم لا تصرعيني!
فهل تغنين عني من فتيل إذا الجرشاء جاش لها أنيني!
إليك إليك مالك من نصيب لدي فأيسي أو فارتجيني .. الخ"
("خزانة الآثار" ـ ضمن مقدمة كتاب "الدعائم" ص 4 ـ "تحفة الأعيان" للسالمي 1/248 ـ 249 ـ "اللمعة المرضية" للسالمي ص 25 و26 ـ "شقائق النعمان" للخصيبي 2/324 ـ "اتحاف الأعيان" للبطاشي 1/299 ـ 307)._):
كذلك الخنزير حيَّا على ذي الجهل حرم وذوي العقل
وواسع من بعد تقطيعه جهلك بالأعضاء والنشل (1/131)
صفحة 132
وحملو على الخنزير القرد لاقترانهما في قوله تعالى: { وجعل منهم القردة والخنازير } المائدة : 60 واختلفوا في خنزير البحر فقال قوم هو حلال لأن الله أحل صيده على الاطلاق، وذهب آخرون إلى التحريم لأن(_( ) في (أ): بأن. _) الله حرَّم الخنزير على الاطلاق، وقيل فيه بالتكريه من غير تحريم وهو سائغ. وقوله: (وكالخمور) جمع خمر أي كذلك الخمور فهي حرام في كتاب الله تعالى ولا يجوز لأحد ارتكابها ولا تحليلها بجهل ولا علم، قال ابن النضر ـ رحمه الله ـ:
والخمر لاعذر لمن ذاقها في حال علم منه أو جهل
وكذلك كل مسكر لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (كل مسكر حرام ((_( ) جاء من طريق أبي موسى الأشعري رواه الإمام البخاري في "صحيحه" [4343 و4344] ومسلم [2001] وأحمد [19695 و19765] والنسائي في "الصغرى" [5602] وفي "الكبرى" [5105 و5107 و5112 و6816] وابن ماجة [3391] والطيالسي [497 و498].
ومن طريق جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - رواه الإمام مسلم [2002] وأحمد [14892] ووالنسائي في "الصغرى" [5709] وفي "الكبرى" [6818] وابن حبان [5336 /الاحسان].
ومن طريق ابن عمر رضي الله عنهما رواه مسلم [2003] وأحمد [4644 و4862 و5650 و5732 و5733 و5822 و6184 و6223] والترمذي [1861 و1864] وأبوداود [3679] والنسائي في "الصغرى" [5582 و5583 و5585 و5586 و5587 و5605 و5700 و5701] وفي "الكبرى" [5092 و5093 و5095 و5096 و5097 و5115 و6811 و6812 و6813] وابن ماجة [3387 و3390 و3392] وابن حبان [5342 و5344 و5345 و5351].
ومن طريق ابن عباس رضي الله عنهما رواه الإمام أحمد [2480 و3273] وأبوداود [3680] وابن حبان [5341].
ومن طريق عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - رواه أحمد [6485 و6599 و6747] وأبوداود [3685]. (1/132)
صفحة 133
ومن طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد [9551] والنسائي في "الصغرى" [5588 و5589] وفي "الكبرى" [5098 و5099] وابن ماجة [3401] وابن أبي شيبة في "مصنفه" [23734].
ومن طريق السيدة عائشة رضي الله عنها رواه أحمد [25045] والترمذي [1863 و1866] وأبوداود [3687] والنسائي في "الصغرى" [5590] وفي "الكبرى" [5100] وابن حبان [5341] وابن أبي شيبة [23731].
ومن طريق بريدة - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد [23080] والترمذي [1869]. ومن طريق أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - رواه أحمد [11612 و11633] . ومن طريق السيدة ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها رواه الإمام أحمد [26881 و26882]. ومن طريق أبي بردة - رضي الله عنه - رواه النسائي في "الصغرى" [5595 و5597 و5604] وابن حبان [5353] وابن أبي شيبة [23728]. والحديث في كتب أخرى لم تذكر هنا كمعجمي الطبراني "الصغير" و"الكبير" و"سنن الدارقطني" و"تاريخ بغداد" للخطيب وغيرهم.
وجاء بلفظ: »كل شراب أسكر فهو حرام« من طريق السيدة عائشة رضي الله عنها رواه الربيع الفراهيدي [629] ومالك في "الموطأ" (2/845) والنسائي في "الكبرى" [5101 و5103 و5104] وابن حبان [5347 و5348] والطيالسي [1478] وابن أبي شيبة [23729] وغيرهم. (1/133)
صفحة 134
_)خلافا لأبي حنيفة(_( ) الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان التيمي بالولاء، إمام الحنفية (أهل الرأي) ولد بالكوفة سنة 80هـ. أراده المنصور العباسي على القضاء ببغداد فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أنه لا يفعل فحبسه إلى أن مات. فتوفي في السجن في بغداد سنة 150هـ من تصانيفه: "المسند ـ ط" في الحديث جمعه تلاميذه و"رسالة البتي ـ ط" وينسب له "الفقه الأكبر" و"رسالة العالم والمتعلم ـ ط". أسرف في ذمه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" وانتصر له ثلة من علماء الحنفية آخرهم الكوثري في كتابه "تأنيب الخطيب ـ ط". ("مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص7 و9 مع تعليقات الكوثري هناك ـ "تهذيب التهذيب" لابن حجر 10/401 ـ "الأعلام" للزركلي 8/36)._) في تحليله الخمر من غير الزبيب والتمر، قال ابن النضر:
والسكر مكروه حرام كله من كل مشروب ولو من ماء
وقوله: (وكالذي يذبح.. الخ البيت) أي وكذلك محرم ما ذبح للأوثان ـ جمع وَثَن وهو الصنم ـ ومثله ما ذبح للنيران المعبودة في أي مكان كان ذلك المذبوح أي بإزاء الصنم أو ناحيةٍ عنه بعيدة أو قريبة؛ وَوُجِّهَ القَصْد اليه قال ابن النضر(_( ) الدعائم ص (176) وشرح ابن وصاف (2/508). _):
وما ذبحوا لغير الله حرم ولو ذكَّوه في الملأ الشهود (1/134)
صفحة 135
ومثل هذه المحرمات الذي لم يذكر اسم الله عليه لقوله تعالى: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } الأنعام : 121 . وقوله: (وذا لدى المضطر) لفظة ذا اشارة مكنى بها عن جميع ما تقدم من المحرمات فهي لمن اضطر إليها حلال لقوله تعالى: { إلا ما اضطررتم إليه } الأنعام : 119 وَحَدُّ الضرر أن يخاف على نفسه الهلاك من الجوع ولم يجد ما يحي به نفسه الا أحد هذه المحرمات فجائز له بل واجب عليه أن يتناول منها قدر ما يحيي به نفسه لا زيادة، فاذا كان في حالة ضرر ووجد ميتة أنعام ولحم خنزير فليتناول من الميتة ويدع الخنزير وان كان جائزا له التناول منه، ولا يجوز له أن يحي نفسه بميتة البشر، واختلف في الخمر هل يجوز للمضطر التناول منها أو لا قولان واحتج القائلون بالمنع بأن الخمر لا تعصم من الهلاك.
(62)(والجهل بالأنساب أي تحريمها فواسع لجاهلي علومها)
(63)(ما تركوا ارتكابها وضاق إن ارتكبوها جهلهم بها استبن)
أي يسع جهل تحريم نكاح الأنساب الوارد ذكرها في الكتاب والسنَّة والإجماع لمن لم تقم عليه حجة علمها، وذلك كتحريم نكاح الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات نسبا ورضاعا، وكتحريم الربائب على من دخل بأمهاتهن، ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب، وكتحريم ذوات الصهر، هذا كله ما لم يرتكبه بتحليل فيكون مستحلا لما حرَّم الله، أو بإنتهاك فيكون مضيعا لفرائض الله سواء علم بالحرمة أو جهل اذا علم بأصل النسب، وحد مرتكب ذلك بجهل أو بعلم أن يقتل بالسيف. (1/135)
صفحة 136
قال في "شفاء الحائم": "..وفي مثل هذا الأثر المنقول في كتاب أبي سفيان(_( ) العلامة والمؤرخ أبو سفيان محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي أحد كبار علماء الإباضية من طبقة أتباع التابعين نشأ في البصرة وتتلمذ على يد الحافظ الربيع بن حبيب الفراهيدي حيث كان ربيبا له وهو راوية مسنده الشهير. كما استفاد من علماء المسلمين في تلك الحقبة وانتقل مع الحافظ الربيع الفراهيدي إلى عمان ـ ولعله هو الذي شجعه عليها ـ فسكن في صحار على مقربة من غظفان القرية التي يسكنها الإمام الربيع .. وبقي نسله في صحار حتى اليوم. وبعد وفاة الربيع توجه إلى مكة المكرمة حرسها الله فسكن هناك مدة حتى توفاه الله وكان طائفة من الإباضية يستقرون بها.
وهو الجد الأكبر لأسرة آل الرحيل التي اشتهرت بسلسلة من العلماء الأفذاذ وأئمة العدل الذين منهم ولداه العلامة محمد بن محبوب والشيخ محبر بن محبوب، وحفيده العلامة بشير بن محمد بن محبوب، والإمام العادل سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب .. وغيرهم. قال عنه أبو العباس الدرجيني (2/279): "إن مناقب أبي سفيان مغنية شهرتها عن المشاهرة فقد قامت مقام العيان". ا.هـ وقال الإمام أفلح بن عبد الوهاب: "عليكم بدراسة كتب أهل الدعوة لا سيما كتب أبي سفيان" كما في "الطبقات" (2/290). ولم يبق من كتبه إلا رسائل متناثرة في بطون الكتب، ورسالتين في كشف أحوال هارون بن اليمان ضمن "السير والجوابات" (1/276 ـ 324 /التراث) ورسالة له بعثها للإمام عبدالله بن يحي الكندي؛ ذكرها الدرجيني في "طبقات المشائخ" (2/279 ـ 289).
( (1/136)
صفحة 137
"طبقات المشائخ" للدرجيني 2/278 ـ 290 ـ كتاب "السير" للشماخي 1/108 ـ "حاشية الترتيب" لأبي ستة 8/1و2 ـ "اتحاف الأعيان" للبطاشي 1/164 ـ 166)._) عن عبدالملك بن مروان(_( ) الملك الأموي أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية. ولد سنة 26هـ ونشأ في المدينة وكان في بداية أمره يتصنع الفقه والعبادة فاستعمله معاوية على المدينة وهو ابن ست عشرة سنة وانتقلت إليه الخلافة بموت أبيه سنة 65هـ وكان شديدا على مخالفيه وخلص له الملك عند وفاة ابن الزبير وهو أول من صك الدنانير في الإسلام .. وفي "سير النبلاء" للذهبي (5/235): "قال ابن عائشة أفضى الأمر إلى عبدالملك والمصحف بين يديه، فأطبقه! وقال: هذا آخر العهد بك!!. قلت ـ الذهبي ـ: اللهم لا تمكر بنا". وفيه (5/236): "وعن يحي بن يحي الغساني قال: كان عبد الملك كثيرا ما يجلس إلى أم الدرداء في مؤخر مسجد دمشق فقالت: بلغني أنك شربت الطلا ـ الخمر ـ بعد النسك والعبادة!!. فقال: إي والله والدماء ... قال الذهبي: كان من رجال الدهر ودهاة الرجال وكان الحجاج من ذنوبه". ا.هـ بل كان يوصي أبناءه بالحجاج حتى آخر رمق في حياته فمن كلامه لهم ـ كما في "الكامل" لابن الأثير (4/518): ـ "... فأكرموا الحجاج فإنه الذي وطأ لكم المنابر ودوخ لكم البلاد وأذل الأعداء ..". ويقول عنه ابن الأثير في "الكامل" (4/522): "وكان عبد الملك أول من غدر في الإسلام وقد تقدم فعله بعمرو بن سعيد، وكان أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية وأول من نهى عن الكلام في حضرة الخلفاء؛ وكان الناس قبله يراجعونهم، وأول خليفة بخل وكان يقال له: رشح الحجارة. لبخله، وأول من نهى عن الأمر بالمعروف فإنه قال في خطبته بعد قتل ابن الزبير: ولا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه!!." ا.هـ وكانت وفاته سنة 86هـ في دمشق واستمر ملكه 13 عاما. ( (1/137)
صفحة 138
"الكامل" لابن الأثير 4/517 ـ 522 ـ "سير أعلام النبلاء" 5/234 ـ 236 ـ "العبر" للذهبي 1/75 ـ "الأعلام" للزركلي 4/165)._) والأعرابي الذي نكح امرأة أبيه فأتى به عبدالملك فقال له: مالك نكحت أمك؟! فقال: ليست بأمي وانما هي امرأة أبي فظننت أنها لي حلال. فضرب عنقه وقال: لا جهل ولا تجاهل في الاسلام. فبلغ ذلك أبا الشعثاء فقال: أجاد عبد الملك. أو قال أحسن". وفي هذا الأثر أيضا ما يدل على أنه جائز للجبابرة إقامة الحدود. فجَرُّ (تحريمها) في قول الناظم على البدلية من الأنساب أو عطف بيان، ويجوز أن يكون عطف نسق بأي التفسيريَّة على مذهب الكوفيين وما من قوله: (ما تركوا) يجوز أن تكون شرطية والجواب حينئذ محذوف بدلالة ما قبله تقديره إن تركوا ارتكابها فالجهل لهم واسع، ويجوز أن تكون ظرفية مصدرية مقدرة بمدة الترك فتكون متعلقة بواسع، وقوله: (جهلهم) فاعل ضاق وجملة الشرط معترضه بين الفعل وفاعله. و(استبن) أمر بطلب البيان.
(64)(وواسع لجاهل الأنساب نكاح من شاء بلا ارتياب)
(65)( إن كان لم يقصد خلافا ورجع متى رأى حرام ما فيه وقع)
أي يسع من كان جاهلا بالنسب عالما بالحرمة أو جاهلا بها نكاح من شاء من النساء بلا ارتياب أي بلا شك، وان أمكن أن تكون تلك المنكوحة في علم الله ممن يحرم عليه نكاحه فلا يزيل هذا الإمكان الإباحة التي أحلها الله وذلك مثلا أن يكون لرجل في قبيلة أو بلدة ذات محرم منه ولا يعرفها بعينها ولا يستطيع ادراك معرفتها بعينها، فلا نقول أن ذلك الرجل يمنع من أن يتزوج من تلك القبيلة أو البلدة مع امكان أن يقع في ذات المحرم، قال ابن النضر:
والجهل ان لم يعلموا واسع بالنسب الواشج في الأصل
فقد أحل الله من فضله وطئ ذوات الأعين النجل
من كل خود غضة بضة مهضومة ذات شوا خدل (1/138)
صفحة 139
هذا كله اذا كان الفاعل لذلك معتقدا لموافقة دين الله ولم يقصد خلافا لما أحل الله وأنه متى ظهر له حرام ما وقع فيه رجع عما كان عليه، ولا يجوز له الإقامة على ذلك بعد العلم به طرفة عين، وحجة العلم في ذلك انما تقوم بالشاهدين العدلين، وما دون ذلك لا يكون حجة على ذلك، ومن هنا قال الشافعي(_( ) الإمام أبو عبد الله محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع الشافعي المطلبي القرشي إمام الشافعية وأحد الفقهاء الأربعة ولد بغزة في فلسطين سنة 150هـ من مؤلفاته "الأم ـ ط" وقيل جمعه البويطي و "اختلاف الحديث ـ ط" و "أحكام القرآن ـ ط" وله "المسند ـ ط" وغيرها كثير وعموما فالرجل لا يحتاج إلى تعريف. ("سير النبلاء" للذهبي 8/377ـ423 ـ "تهذيب التهذيب" لابن حجر 9/23 ـ "الأعلام" للزركلي 6/26)._): "اذا تزوج الرجل امرأة مجهولة النسب وكان أبوه غائبا ثم رجع فقال: هذه ابنتي!. وقالت المرأة: هذا أبي!. فعلى الحاكم أن يحكم أنها ابنة أبي الرجل وإنها زوجته(_( ) لكن لا بد من التفريق بينهما هنا والذي يظهر من نقل المصنف عن الإمام الشافعي أنه لا يرى التفريق لأن البينة في هذا تشترط بوجود العدلين وهاهنا ليس إلا الرجل وابنته. وفي هذا نظر._) فإن مات أبوهما كان الإرث بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين".
(66)(ولم يسع جهل ضلالة المُصِر محرما أو مستحلا إذ أصر)
(67)(من بعد أن تعلم كفره ومع بعضهم ما لم تعِ الحكم يسع)
(68)(بشرط أن لا تتولاه ولا تبرأ ولا تمسك عمن ضللا)
(الاصرار) الإقامة على الذنب وفعل الذنب استخفافا به، والمُصِر فاعل ذلك، وللمصر أربع مراتب على حسب أوجه الأحداث لأن الأحداث تخرج على أربعة أوجه:
أحدها: أن تكون في نفس الجملة أو في شيء منها، فهذا مما لا يسع من عَلِمَهُ جَهْلُ ضَلالِ رَاكِبه ولا جهل ضلال المتولي له، ولا جهل ضلال الشاك فيهما أو في أحدهما، حتى قال القائل بذلك انه لا يعلم فيه اختلافا. (1/139)
صفحة 140
وثانيها: أن يكون الحدث في تفسير الجملة أو في شيء منه مما تقوم به الحجة من العقل فهو كما مضى في الوجه الأول إلا أنه قد قيل فيه في بعض القول أنه يسع من علمه جهل ضلال راكبه مالم يبن له علم ذلك والأول أكثر.
وثالثها: أن يكون الحدث على وجه الإستحلال من تحليل الحرام وتحريم الحلال مما لا تقوم الحجة به في الأصل إلا بالسماع، فالقول فيه كالقول في الحدث في تفسير الجملة من الإختلاف.
ورابعها: أن يكون الحدث على سبيل الإنتهاك لما يدين المحدث بتحريمه فيخرج فيه ما قد ذكرنا من الأثر المرفوع عن الإمام جابر ـ رحمه الله ـ وسيأتي ذكر الوجهين الأولين مرة أخرى عند ذكر الناظم لهما ان شاء الله تعالى.
واشارة الناظم تقتضي التسوية بين المحرّم والمستحل على أنهما محادان بإصرارهما قال تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم.. إلى آخر الآية } المجادلة : 22 هذا كله بعد العلم بحدث المصر وهو معنى قوله: (من بعد أن تعلم كفره) وأشار بقوله: (ومع بعضهم مالم تعِ الحكم) إلى ما ذهب إليه بعض الفقهاء من أنه يسع جهل ضلالة المصر محرّما كان أو مستحلا اذا لم يعرف حكم الحدث الواقع فيه، أعني هل هو من المُكفّرات أم لا؟ وهذا القول حسن أيضا إلا أنه معلَّق بشروط.
أحدها: أن لا تتولاه على فعله وان كان وليَّاً لك فيما سلف.
ثانيها: أن لا تبرأ ممن بَرِئ منه عالما كان أو ضعيفا.
ثالثها: أن لا تقف عن وَلاية من بَرِئ منه إذا كان وليا لك من قبل، فاذا كان منك أحد هذه الأشياء فلا يسعك جهل ضلالته، وأما على القول الأول وإن لم يكن منك أحد هذه الأشياء فلا يسعك جهل ضلالته بعد العلم بحدثه.
(69)(وواسع جهلك بالمحلل إن أنت عن تحليله لم تعدل)
(70)(كالبيع والملك وكالنكاح على شروطها وكالمباح) (1/140)
صفحة 141
أي يسع جهلك بالمحللات في دين الله إن أنت لم تحرمها فتكون مُحَرِّماً لما أحل الله، فحينئذ يلزمك أن تعلم تحليلها ولا يسعك جهل علمه وذلك كتحليل البيع على شروطه التي هي: 1)أن يكون المبيع من جنس الحلال 2)وأن لا يكون المبيع والمباع به من جنس واحد إلا يدا بيد، 3)وأن يكون البائع مالكا للمبيع قادرا على تسليمه للمشتري. و(كالملك) والمراد به الرق على شروطه التي هي: أن يكون الرقيق ممن أباح الشرع تملُّكَه إما بإرث أو بشراء، أو بسبي وشرط هذا أن يكون المسبي مشركا غير عربي. و(كالنكاح) على شروطه وهي أربعة؛ 1)الرضى من الزوجين، 2)والمهر، 3)واذن الولي، 4)وحضرة شاهدين، وما أحسن قول ابن النضر فيها:
فإن بانت فتزويج جديد بمهر والولي وشاهدين.
وَتَرَكَ الرِّضَى(_( ) التارك هنا هو العلامة ابن النضر صاحب "الدعائم" ويقصد بتركه أي في البيت المذكور له. _) تعويلا على أخذه من المقام. و(كالمباحات) التي أباحها الله تعالى لعباده من غير ما ذكرنا، هذا كله مالم تقم حجة علمه بوجه من الوجوه فإذا قامت فلا يسع دفعها.
(71)(وحرم ارتكاب مالم يعلم ومن يكن موافقا لم يأثم)
(72)(وإن يرد في قصده خلاف ما قد أوجب الباري عليه أثما) (1/141)
صفحة 142
اعلم أن الأمور ثلاثة: 1 ـ أمر بَانَ لك رُشْدَه فاتبعه. 2 ـ وأمر بَانَ لك غَيُّه فاجتنبه. 3 ـ وأمر أشْكَلَ عليك حُكْمُهُ فقِفْ عنه؛ ولا يجوز لك القدوم عليه حتى يتضح لك حقُّه. فإذا ارتكب الراكب أمرا لم يَعْلَم حقه من باطله فلا يخلو ذلك الأمر من أحد أمرين؛ إما أن يكون باطلا في أصل دين الله أو حقا، فإن كان باطلا فالراكب له هالك ـ قصده أو لم يقصده ـ إلا أن يتوب منه وقد تقدم في باب الإجتهاد والفتوى شيء من هذا النوع فراجعه، وإن كان حقا فلا يخلو الراكب من أحد أمرين أيضا إما أن يكون في قصده موافقة الحق فلا إثم عليه في هذا لأنه قصد الحق فَوُفِّقَ اليه، وقيل ان عليه التوبة من قدومه على ما لا يَعْلم، والأول هو الصحيح لأن كثيرا من الصحابة قد فعلوا أشياء لم يعلموا حكم الله فيها فإذا هي حق عند الله فأقرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فعل ذلك فهذا عمار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ تلفظ للمشركين بالشرك تَقِيَّةً ولم يعلم جواز التقيَّة يومئذ بدليل ما نقل عنه أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هلكت.. الحديث(_( ) يأتي تخريجه عند التعليق على البيت رقم (304). _). وإما أن يكون في قصده مخالفا لدين الله فهذا هالك بِنِيَّته ولا تَنْفَعه موافقة الحق بل عليه التوبة من تلك النيَّة. فالأمور أربعة؛ 1ـ موافقته للباطل مع قصده له. 2ـ وموافقته له مع قصده الحق. 3ـ وموافقته للحق مع قصده له. 4ـ وموافقته له مع قصده الباطل. وبين كلا الأمرين الأولين والآخرين واسطة وهي نوعان؛ أحدهما: أن يكون الراكب مهملا أي لم يكن قاصدا لشيء دون شيء فيحكم له وعليه بحكم ما ارتكبه. وثانيهما: أن يكون غير مبال أصاب حراما أم حلالا فيحكم عليه بالهلاك عند موافقة الباطل وبالتوبة عند موافقة الحق.
خاتمة
(73)(وقد تقوم حجة العلم لما قد وسع الجهل بقول العلما)
(74)(لو كان واحداً له الفضل علا وقيل مالم تبصر الحق فلا)
( (1/142)
صفحة 143
75)(ورجح الأول أن العلما كالأنبياء مقالهم قد لزما)
قيام الحجة عبارة عن وجودها، وأصل القيام الإنتصاب، و(الحجة) هي ما يقع به للناظر حقيقة الشيء المنظور فيه، و(العلماء) جمع عالم أي تقوم حجة العلم لما وسع جهله بقول العلماء ولو كان القائل واحدا على مذهب الإمام أبي سعيد(_( ) تقدمت ترجمته تحت البيت رقم (21). _) رضي الله تعالى عنه وهو الأصح، وقيل لا تقوم بقول الواحد بل بقول العَالِمَيْنِ، وقيل غير ذلك.
والعالِم الذي تقوم به الحجة فيما يسع جهله هو الذي اشتهر في الناس عدله وانتشر في الآفاق فضله(_( ) وقد حرر هذه المسألة أرباب الأصول فالمصنف نفسه يقول في "طلعة الشمس" (2/294): "واعلم أنه يجب على المقلد البحث عن حال المفتي في الصلاحية للفتوى وهل هو جامع للإجتهاد والعدالة أم لا؟ وقيل لا يلزمه ذلك إذ لا طريق له إلى تحقيقه كما لا يلزمه البحث عن وجه الحكم. ورُد بأنه إن لم يبحث عن حال المفتي لا يأمن فسقه تصريحا أو تأويلا أو جهله بعلوم الإجتهاد أو بعضها فلا يصلح للفتوى فيكون تقليده إقداما على ما لا يؤمن قبحه ويكفيه في ذلك سؤال من يثق بخبره ويثمر الظن ويكفيه أيضا أن يرى استفتاء الناس إيّاه معظمين له آخذين بقوله، قال صاحب "المنهاج": إذا كان في بلد شوكته لأهل الحق الذين لا يسكتون على منكر، وإلا لم يأمن مع استفتاء الناس إياه كونه غير صالح". ا.هـ ويعني جواز استفتاء الناس وتعظيمهم لشخص مع ابتلاءه بالفظائع كما هو الحال في هذا الزمن عند من ينصب مفتيا لبعض الدول!!. (1/143)
صفحة 144
ويقول أبو اسحاق الشيرازي الشافعي في "اللمع" ص (128): "وأما المستفتي فلا يجوز أن يستفتي من شاء على الاطلاق لأنه ربما استفتى من لا يعرف الفقه، بل يجب أن يتعرف حال الفقيه في الفقه والأمانة". ا.هـ وللغزالي كلام جيد في هذا الباب في "المستصفى" (2/390) على أنهم اختلفوا فيما إذا وجد في البلد أكثر من متأهل للفتيا ـ تساووا أم تفاضلوا ـ هل على المقلد أن يختار أيهم شاء كما نص عليه أكثر الشافعية أم عليه الاجتهاد في الترجيح بينهم فيسأل الأعلم والأورع كما هو اختيار ابن سريج والقفال وإليه جنح أبو اسحاق الاسفراييني والكيّا ونص عليه ابن السمعاني وانتصر له الشاطبي في "الموافقات" (4/95 وما بعدها / دار الكتب العلمية) وهذا مع وجود العلم والورع فكيف إذا انتفيا أو انتفى أحدهما فحينه لا يجوز استفتاءه كما نص عليه غير واحد. راجع التحرير لابن الهمام وشرحه لابن أمير الحاج المسمى "التقرير والتحبير" (3/345).
( (1/144)
صفحة 145
تنبيه): المفتي في الشرع هو من بلغ مرتبةً من العلم تؤهله لبيان حكم الشرع في مسائل العبادات والمعاملات، وهل يشترط له الإجتهاد على اختلاف مراتبه وأجزائه أم لا – كأن يفتي باجتهاد مَن سبقه عند فقدان المجتهد كما في "طلعة الشمس" (2/295) – خلاف عريض بين أهل العلم، غير أنه لا يلي هذا الأمر إلا من أحاط بكثير من المسائل، مع اطلاع واسع على طرق الإستدلال، ومعرفة تامة بكيفية استنباط الأحكام من مظانها، وليس ذلك مقصورا على من تنصبه الدول لهذه الوظيفة كما يتوهمه بعض الجهلة بل قد يكون غيره أولى منه، وقد يشاركه واحدٌ أو أكثر وإن لم يُنصَّبْ، ففي زمن الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين يتواجد في المصر الواحد أكثر من متأهل للفتوى، وكانوا يتدافعونها بينهم خشية تبعتها. طالع "العدل والإنصاف" للإمام أبي يعقوب الوارجلاني رحمه الله تعالى (2/20-21) و"المحصول" للفخر الرازي (2/525-532)، وحسب العاقل ما جاء في الفتوى بغير علم الوعيد الوارد في قوله تعالى: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } [النحل : 116]._)، وهذا هو معنى قول الناظم:(له الفضل علا)(_( ) في الأصلين: وفضله علا. وما أثبته من كلمات الناظم، والعجيب أن المصنف كرر هذه العبارة أيضا في المشارق (1/266) فكأن الشيخ غير في نظم البيت ليكون كالتالي:
لو كان واحدا وفضله علا وقيل ما لم تبصر الحق فلا. (1/145)
صفحة 146
لكن متن المنظومة لم يتغير في المخطوطتين وكذا في المشارق (1/264) وعموما فليس بين الهيئتين خلاف يذكر. _) أي ارتفع كناية عن اشتهاره، ولا يكون حجة في هذا الموضع إلا على من بلغته شهرة علمه وعرف شخصه أنه هو المشهور بوجهٍ من الوجوه التي تتأتي بها المعرفة الصحيحة.. وقيل لا يكون العالم ولا العلماء حجة فيما يسع جهله حتى يبصر المفتَى ـ بفتح التاء ـ حق قول العالم، وعلى القولين لا يجوزللمفتَى رد قول العالم ولا تكذيبه، والكل من هذين القولين قول صادر عن الفضلاء الكرام وهم أهل الإستقامة في الدين، واحتج القائلون بالأول بأن العلماء يلزم قبول قولهم كما يلزم قبول قول الأنبياء فيما جاءوا به، لأن العلماء ورثة الأنبياء(_( ) تقدم تخريج »العلماء ورثة الأنبياء« مع أحاديث فضل العلم في البيت رقم (22) عند قوله - صلى الله عليه وسلم - : »من سلك طريقا يلتمس فيه ...«. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (1/212 دار الكتب العلمية) ـ بعدما أورد تبويب البخاري في "صحيحه" في كتاب العلم باب (10) [وأن العلماء هم ورثة الأنبياء ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر] قال ابن حجر: "قوله: (وأن العلماء) بفتح أن ويجوز كسرها ومن هنا إلى قوله: (وافر) طرف من حديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم مصححا من حديث أبي الدرداء، وحسنه حمزة الكناني، وضعفه عندهم سنده (؟)، لكن له شواهد يتقوى بها، ولم يفصح المصنف بكونه حديثا فلهذا لا يعد في تعاليقه، لكن إيراده له في الترجمة يشعر أن له أصلا، وشاهده في القرآن قوله تعالى: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } ومنا سبتة للترجمة من جهة أن الوارث قائم مقام الموروث، فله حكمه فيما قام مقامه فيه". ا.هـ. (1/146)
صفحة 147
_) وينصره قوله - صلى الله عليه وسلم - ـ في رواية أخرى ـ :(علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل((_( ) هذا الحديث باطل موضوع كما حققه غير واحد من أهل الصنعة وعنه يقول الشوكاني في "الفوائد المجموعة" ص(286 /المكتب الاسلامي): "حديث: علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل. قال ابن حجر والزركشي: لا أصل له. وروي بسند ضعيف: أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد." ا.هـ وقال العجلوني في "كشف الخفاء" (2/64): "قال السيوطي في (الدرر): لا أصل له. وقال [السخاوي] في (المقاصد): قال شيخنا ـ يعني ابن حجر ـ لا أصل له. وقَبله الدميري والزركشي. وزاد بعضهم: ولا يعرف في كتاب معتبر." ا.هـ وما بين الحاصرتين زيادة للتوضيح. _) واحتج القائلون بالثاني أن من لم يعرف بعض آي الكتاب العظيم وكان قد آمن به مجملا أنه ليس عليه أكثر من ذلك، ولايجوز له رد ما سمعه من الآي التي لم يعرفها فكذلك هذا المفتَى لا يلزمه قبول قول العلماء فيما يسعه جهله إذا لم يردّ قولهم ولم يكذبهم.
قلت: وهذا قياس حسن إلا أن المقاس عليه مختلف فيه على قولين، فذهب قوم إلى ما علمتَ مِنْ أن الإيمان بالقرآن مجملا يجزي لمن لم يعرف بعض آيهِ، وذهب آخرون إلى أن الإيمان به مجملا لا يجزي لمن سمع منه الآية والآيتين بل عليه أن يؤمن بكل ما سمع منه، فالأول من قول الناظم:(ورجح الأول) مفعول به والفاعل أنَّ وصِلَتها لأنها في تقدير بمصدر.
(76)(وكل شيء واسع جهلك به ثم رأيت حقه ضاق انتبه)
أي كل شيء من دين الله وسعك جهله بأن لم تقم عليك حجة العلم به أو لم تركبه فرأيت حقه من باطله أي علمته. ضاق جهلك به لأن علمك بالشيء حجة عليك، ولا يسعك الرجوع من العلم إلى الجهل وإن لم تعلم أن علمك حجة عليك كما أن القرآن هدى وإن لم يهتد به أحد مثلا.
الركن الثاني
في الجملة وتفسيرها وما يشتمل عليها
وفيه ستة أبواب (1/147)
صفحة 148
أخَّرَ هذا الركن عن الذي قبله لما تقدم هناك، وقدمه على ركن الوَلاية والبراءة لأن التعبد بها لازم بعد التعبد بالجملة، فهي أحرى بالتقديم منهما وهما أجدر بالتأخير منها لما بينا.
الباب الأول
ـ من الركن الثاني ـ
في لزوم الجملة وكيفية قيام الحجة بها
الجملة هي كما ذكرها ابن وَصَّاف(_( ) الشيخ محمد بن وصاف البزار النزوي من علماء الإباضية في عمان عاش في النصف الثاني من القرن السادس الهجري وكان معاصرا للعلامة أبي علي الحسن بن أحمد بن محمد العقري (ت 576هـ). ومن تصانيفه كتاب "الحل والإصابة ـ ط" شرح لكتاب "الدعائم" لابن النضر وقد طبعته وزارة التراث العمانية بتحقيق عبد المنعم عامر ـ وهو مصري ـ لكن مما يؤسف له أن لا يذكر عنوان الكتاب في هذه الطبعة البتة بل البلية أن يقول هذا المحقق في تقديمه للكتاب ص (ن): "وله كتاب اسمه "كحل ابن وصاف" معروف في بلاد المغرب.". ا.هـ ولم يدر الرجل أنه الكتاب الذي يحققه!! وليس "الكحل!؟!" بل هو "الحل" فلينتبه لهذا وراجع "اللمعة المرضية" للسالمي ص (26).
هذا ولابن وصاف شرح مستقل على "لامية" ابن النضر في الولاية والبراءة ؟.وتوفي في نهاية القرن السادس الهجري ـ ؟ ـ.
(بتصرف من "اتحاف الأعيان" للبطاشي 1/437 ـ 438 ـ "اللمعة المرضية" للسالمي ص 26)._) حيث قال في "الحِلِّ": "..في الجملة التي لايسع جهلها ولا يسع تركها، وهي التي يدعو اليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتدعو الأئمة إليها بعده؛ أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن ما جاء به حق من عند ربه، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب والعقاب والجنَّة والنَّار، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، فهذا ما لا يسع جهله". (1/148)
صفحة 149
قال البرادي(_( ) أبو الفضل أبو القاسم بن ابراهيم البرادي من علماء الإباضية في الشمال الأفريقي عاش في النصف الأول من القرن التاسع فنشأ في جبل دمر ـ في الجنوب التونسي ـ ثم رحل إلى جبل نفوسة ـ موقع إباضية ليبيا ـ حيث درس على يد العلامة الكبير عامر بن على الشماخي ـ مؤلف "الإيضاح" في الفقه ـ ثم عاد فنهل من مدرسة الشيخ يعيش بن موسى الزواغي في جزيرة جربة ـ مكان إباضية تونس ـ وبعدها تولى التدريس في نفس المدرسة واستقر هناك حيث شارك في عضوية مجلس العزابة من مؤلفاته "الجواهر المنتقاة" طباعة حجرية (غير متوفر) وهو ذيل لطبقات العلامة الدرجيني و "رسالة الحقائق" طبع في الجزائر و"شفاء الحائم شرح لكتاب الدعائم" مخطوط و"شرح العدل والإنصاف للورجلاني" في أصول الفقه لم يتمه وغيرها. ("السِيَر" للشماخي 2/210)._): "الخلاف في هذا بين الأمة كثير وبين الإباضية أشد والمشهور عند أكثر أصحابنا هذا، ومنهم من يزيد الإيمان بالقدر خيره وشره وأنه من الله تعالى، ويزيد بعضهم تحريم دماء المسلمين ويوجب الإيمان به في العقيدة، ومن أصحابنا أيضا من اقتصر على التلفظ بالشهادة بثلاث كلمات والإعتقاد لها لا غير: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وما جاء به حق) وهي طريقة الإمام عبدالرحمن بن رستم(_( ) الإمام عبدالرحمن بن رستم بن بهرام بن سام ـ بن كسرى الملك الفارسي ـ فارسي الأصل، ومؤسس الدولة الرستمية كانت نشأته بأرض القيروان في الشمال الأفريقي؛ وسبب وصوله هناك أن والده رستم بن بهرام قدم مكة حاجا بزوجته وابنه عبدالرحمن فتوفي في الطريق ثم تزوجت والدته رجلا من القيروان فحملها وابنها إلى بلاده. والإمام عبدالرحمن أحد تلاميذ الإمام الكبير أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ـ الشيخ الثاني للإباضية ـ حيث رحل للبصرة وبقي ملازما له مع رفاقه الأربعة لمدة لا تقل عن خمس سنين .. (1/149)
صفحة 150
وبعد رحيلهم عنه أجاز للإمام عبدالرحمن الإفتاء بما سمعه منه وما لم يسمعه حين توسم فيه القدرة على الإجتهاد .. وأقيمت له البيعة سنة 160هـ في تيهرت التي أصبحت فيما بعد عاصمة للدولة الرستمية وصارت مدينة مليئة بالعمران بعد أن كان الآهل فيها قليل .. وكان زاهدا متواضعا على سيرة الخلفاء الراشدين ومن أخباره أن بعض أهل المشرق ساروا إليه ليطلعوا على أحواله فلما بلغوا مدينة تيهرت ونزلوا بساحة هناك أناخوا جمالهم ووضعوا أحمالهم فدخلوا يسألون عن دار الإمام إلى أن اهتدوا إليها وكانوا يظنون أنها على شيء من العظمة كديار ملوك الشرق ولما وصلوها وجدوها دار زهد وورع، ووجدوا عند الباب غلاما يعجن طينا ويناوله لآخر ـ هو الإمام!! ـ يصلح به بعض خلل فيه فسلموا على الغلام، وطلبوا منه أن يستأذن لهم على الإمام ويخبره بأنهم رسل اخوانه المشارقة إليه، فرفع الغلام رأسه نحو السطح وقد علم أن الإمام سمع كلامهم فأشار إليه أن يصبرهم قليلا، فصبَّرهم إلى أن نزل وغسل ما كان بيديه من الطين .. وبقي في الإمامة أحد عشر عاما ملأها عدلا ورخاء للبلاد والعباد، ولما حضرته الوفاة جعل الخلافة من بعده شورى في ستة نفر ـ كصنع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ـ وتوفي سنة 171هـ. ("أخبار الأئمة الرستميين" لابن الصغير المالكي ص28 ـ 42 ـ "طبقات المشايخ" للدرجيني 1/19 ـ 22 و40 ـ 47 ـ "سير الأئمة" لأبي زكريا 81ـ 85 ـ "السير" للشماخي 1/124 ـ 126 ـ "الأزهار الرياضية" للباروني 2/132 ـ 150 ـ "الأعلام" للزركلي 3/306). _) ـ فيما وجدت عنه ـ وهو الأشهر عند أكثر الفرق" ا.هـ.
أقول: وهذه الطريقة هي المراد من عبارة المصنف وعليها بنى الأحكام التي ذكرها فيما سيأتي وعبَّر عمَّا عداها من الأشياء التي ذكرها بتفسير الجملة.
(77)(والقول في الجملة ما لم يقم برهانها كغيرها لم تلزم)
(78)(إذ لم يكن جَلَّ مكلفا بلا برهان صدق يوضحن السبلا)
( (1/150)
صفحة 151
79)(ولو يشا لكان منه عدلا كمثل ما قد كان هذا فضلا)
(القول) هنا بمعنى الحكم، و(الجملة) تقدم بيانها قريبا، و(البرهان) بمعنى الحجة، والمراد بـ(غيرها) سائر العبادات الاعتقاديات والعمليات والتركيَّات. ومعنى (جَلَّ) أي عَظُمَ شأنه. و(مكلفاً) أي ملزما للعباد ما يشق على أنفسهم فعله. و(برهان صدق) أي دليل صادق. و(السُبُلْ) الطرق الموصِّلة إلى معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - . و(العدل) وضع الشيء في موضعه من غير إعتراض على فاعله وضده الجور. (1/151)
صفحة 152
و(الفضل) اعطاء بغير وجوب ولا ايجاب، والمعنى أن حكم الجملة من جهة التكليف بها كحكم غيرها من سائر العبادات لا يلزم إعتقادها إلا بعد قيام الحجة بها، والدليل على ذلك أنه عَظُمَ شَأنه لم يكلف العباد بغير حجة وهو دليل صادق لقوله تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } الإسراء : 15 وإذا ثبت ما قررناه من أنه عزَّوجل لم يكلف العباد بغير حجة؛ وكان الزام الجملة من جملة التكليفات وجب أن لا تلزم إلا بعد قيام الحجة إذ لم يقم دليل على تخصيص التكليف بها بحكم يخالف التكليف بما عداها فتساوى حكم الله في التكليف، فالجملة وغيرها في التكليف سواء، وتكليفه عزَّوجل إيَّانا بعد قيام الحجة فضلٌ منه تعالى تفضَّلَ به علينا، ولو شاء أن يكلفنا بغير حجة ولا برهان كان ذلك عدلا منه، كما كان التكليف بعد قيام الحجة فضلا، خِلافاً للمعتزلة(_( ) المعتزلة أحد المذاهب الإسلامية التي نشأت في نهاية القرن الأول ومطلع القرن الثاني للهجرة الشريفة وهو مذهب يعالج قضايا العقيدة مع ميل بارز للعقل على حساب النصوص في بعض الأحيان وكان لهذا المذهب ظهور ذائع الصيت في العهد العباسي حيث تبناه بعض ملوك تلك الفترة من أمثال المأمون (ت218هـ) وهو الذي نشطت في عهده فكرة القول بأن القرآن مخلوق واستعرض لأجلها الناس وألزمهم بهذا القول حتى أنه أساء إلى طائفة من علماء الأمة آنذاك ولو لم يفعل ما فعل لكان خيرا، واستمرت تلك العادة في عهد المعتصم (ت227هـ) وغلا فيها الواثق (ت 232هـ) حتى جاء المتوكل (ت247هـ) فغير المسار المتبع وكان ملكه نكسة للمعتزلة. أما في عهد المأمون والمعتصم والواثق كان رجالات المعتزلة يتمتعون بحصانة سياسية وكانوا يستغلون الفرصة للنيل من مخالفيهم الذين عرفوا بالفقهاء. (1/152)
صفحة 153
أما من الجهة العلمية فيقول عنهم الكوثري ـ بإنصاف ـ في تقدمته لكتاب "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر ص (18): "والمعتزلة على ضد الحشوية بخط مستقيم أنتجها البحث العلمي، ساقهم شره عقولهم إلى محاولة اكتناه كل شيء وعداؤهم الأصلي نحو الجمود وخطتهم دفع الآراء المتسربة من الخارج إلى الإسلام بحجج دامغة وأدلة عقلية مفحمة ولهم مواقف شريفة في الدفاع عن الدين الإسلامي ازاء الدهريين ومنكري النبوة والثنوية والنصارى واليهود والصابئة وأصناف الملاحدة، وترى الذهبي يَتَرحَّم على الجاحظ في سير النبلاء حين يذكر كتابه في النبوة، ولم نر ما يقارب كتاب "تثبيت دلائل النبوة" للقاضي عبدالجبار في قوة الحجاج وحسن الصياغة في دفع شكوك المشككين، وليس بجيد الإعراض الكلي عن كتبهم وكم فيها من الفوائد التي لا تزال في أثوابه القشيبة لم تبل بكرور الزمن عليها. وكم كان الاستاذ الامام يجِدُ فيها ما يدفع به خصوم العصر ولا يتحاشى عن الأخذ به من غير بخس لحقهم، إلا أنهم لكثرة اشتغالهم بمناظرة الأخصام عدت منهم إلى عقولهم آراء ابتعدوا بها عن الصواب وانغمسوا في بدع ردها الأصحاب. قال الخطابي صاحب معالم السنن: كانت المعتزلة في الزمان الأول على خلاف هذه الأهواء وانما أحدثها بعضهم في الزمان المتأخر." ا.هـ (1/153)
صفحة 154
وجاءت تسميتهم بالنظر إلى طرد الحسن البصري لشيخهم واصل بن عطاء حين قرر أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين أي ليس بمؤمن خالص ولا كافر خالص فطرده الحسن من مجلسه فاعتزل واصل إلى احدى السواري وجلس إليه أصحابه فسموا معتزلة، لكن هذا التفسير لاقى معارضة من قبل كثير من الباحثين في القديم والحديث حيث يقول النديم في "الفهرست" ص(282): "قال أبوبكر بن الاخشيد: ان الأعتزال لحق بالمعتزلة أيام الحسن على ما ذكره قوم ولم يصح عندنا ولا رويناه. قال: والمشهور عند علمائنا أن ذلك اسم حدث بعد الحسن. قال: والسبب فيه أن عمرو بن عبيد لما مات الحسن وجلس قتادة مجلسه فاعتزله عمرو ونفرٌ معه فسماهم قتادة المعتزلة. واتصل ذلك بعمرو فأظهر تقبله والرضا به، وقال لأصحابه: إن الإعتزال وصف مدحه الله في كتابه؛ فهذا اتفاق حسن فاقبلوه." ا.هـ ويقول أبو الحسين الملطي الشافعي في كتابه "التنبيه والرد" ص(36): "وهم سموا أنفسهم معتزلة وذلك عندما بايع الحسن بن علي عليه السلام معاوية وسلم إليه الأمر اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس وذلك أنهم كانوا من أصحاب علي ولزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك معتزلة." ا.هـ ويقول الكوثري في تقديمه لكتاب "التنبيه والرد" للملطي ص(ج،د): "ويظهر من أن هذا لقب اختاروه لأنفسهم فسايرهم الناس في هذا التلقيب مع أن المشهور في سبب تلقيبهم كونهم يقولون بالمنزلة بين المنزلتين، أو اعتزالهم مجلس الحسن البصري وما في هذا الكتاب في سبب التلقيب أقرب وأقعد في المعنى مع كونه من أقدم الروايات على بُعد المؤلف من التحيز لهم .. (1/154)
صفحة 155
وقال (حاشية): وكون القول بالمنزلة بين المنزلتين سبب التلقيب غير واضح كما أن صلة واصل زعيم المعتزلة بأبي هاشم عبدالله بن محمد ابن الحنفية وانتماءهم إليه قبل صلتهم بالحسن البصري، وهذا يخدش أن يكون الثاني سبب للتلقيب على أن المطرود من المجلس لا يصح عده معتزلا والله أعلم." ا.هـ بيد أن القاضي عبد الجبار (ت415هـ) وهو من متأخري علماء المعتزلة يحكي في كتابه "شرح الأصول الخمسة" الخلاف الحاصل في مسألة مرتكب الكبيرة وأن الحسن اختار أنه منافق وذكر أن عمر بن عبيد ذهب إلى مثله وأنه كان من أصحاب الحسن ثم قال في ص(138): "وقد جرت بين واصل وبين عمرو بن عبيد مناظرة في هذا فرجع عمرو بن عبيد إلى مذهبه وترك حلقة الحسن واعتزل جانبا فسموه معتزليا. وهذا أصل تلقيب أهل العدل بالمعتزلة." ا.هـ فتراه يعزو إلى عمرو ترك حلقة الحسن لا واصل والله أعلم بحقيقة التسمية. والمعتزلة اشتهروا بمبدأ من التزمه عدوه منهم ومن خالفه أقصوه عنهم وهو مبدأ القول بالأصول الخمسة وهي: 1ـ التوحيد. 2ـ العدل. 3ـ الوعد والوعيد. 4ـ المنزلة بين المنزلتين. 5ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهم في الجملة يتفقون مع الإباضية في انكار رؤية الله في الآخرة والقول بخلق القرآن وأن مرتكب الكبيرة مخلد في النار إذا لم يتب، وخالفوا الإباضية في القول بالصلاح والأصلح، والتحسين والتقبيح العقليين وانفردوا كذلك بالقول بالقدر ونصهم على أن العبد خالق لأفعاله ومرادهم تنزيه الله عن اثبات خلق الشر له. (1/155)
صفحة 156
وليس بين الإباضية والمعتزلة صلة تذكر إلا اللهم في التوافق الحاصل في المبادئ الثلاثة ولو كان ثمة ارتباط كما يظن البعض لاهتبل الإباضية الفرصة أيام المأمون في فترة القول بخلق القرآن ولتبوؤا الماصب العليا في دولتهم لكن شيئا من ذلك لم يحدث وفي كتب الإباضية كثير من المناظرات مع المعتزلة ففي "طبقات المشائخ" للدرجيني الإباضي (2/246) يقول: "وحكى بعض أصحابنا أن واصل بن عطاء المعتزلي صاحب عمرو بن عبيد كان يتمنى لقاء أبي عبيدة ويقول: لو قطعته قطعت الإباضية. قال: فبينما هو في المسجد الحرام ومعه أصحابه، إذ أقبل أبو عبيدة ومعه أصحابه؛ فقيل لواصل: هذا أبو عبيدة في الطواف. قال: فقام إليه واصل فلقيه، وقال: أنت أبو عبيدة. قال: نعم. قال: أنت الذي بلغني أنك تقول: إن الله يعذب على القدر. فقال أبو عبيدة: ما هكذا قلت؛ لكن قلت إن الله يعذب على المقدور. فقال أبو عبيدة: وأنت واصل بن عطاء. قال: نعم. قال: أنت الذي بلغني عنك أنك تقول: ان الله يُعصَى بالإستكراه. قال: فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء. ومضى أبو عبيدة وأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه يقولون: كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة، فسألته فخرج وسألك فلم تجب!. فقال واصل: ويحكم بنيت بناء منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم فلم أقعد ولم أبرح مكاني." ا.هـ وللإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة الشيخ الثاني للإباضية مناظرات مع جماعة من القائلين بالقدر فقد ناظر حمزة الكوفي ففي "الطبقات" أيضا (2/241): "وقال: كان حمزة الكوفي يقول بشيء من القدر فهجره أبو عبيدة وأمر بهجرانه، فقال يوما: عجبا لأبي عبيدة يأمر بهجراني وهؤلاء الفتيان يقولوا: أراد، وشاء، وأحب، ورضي، وهو يدنيهم ولا يقول بمثل قولهم!. قال: فبلغ قوله أبا عبيدة فقال: قبح الله رأيه؛ إن هؤلاء أرادوا اثبات القدر فقالوا فيه وحمزة يريد ازالته وليس مثبته كمزيله". (1/156)
صفحة 157
وناظر أيضا ابن الشيخ البصري وتفاصيلها في "الطبقات" للدرجيني (2/241) مما يجزم العاقل بالإطلاع عليها أن التوافق الحاصل ليس فيه تأثير وتأثر ولو قيل من ذلك شيء فإن الإباضية أسبق من المعتزلة في النشأة فلا يكون المتقدم متأثرا بالمتأخر فيكون المعتزلة هم من أخذوا عن الإباضية على أنا لا نثبت الأمرين ومن قال بغير هذا فعليه الدليل والله المستعان. _) في قولهم بوجوب الصَّلاحية والأصلحيَّة على الله تعالى.
(80)(وإن أتى برهانها امرءا فلا يُنَفَّسَنَّ لحظة ليسألا)
أي اذا قامت الحجة بتكليف الجملة على أحد ممن بلغ حد التكليف، وجب عليه اعتقادها وحرم عليه جهلها وضاق عليه الشك فيها، ولم يوسع له في ترك إعتقادها لحظَةَ عَين وإن قصد بذلك الترك السؤال عنها وعن حقها، بيانه أنه اذا قامت الحجة بأن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وأن ما جاء به محمد من ربه حق، وجب على من قامت عليه إعتقاد ذلك فإن جهل أو شك أو توقف في الإعتقاد حتى يسأل عن حق هذا الذي قامت به الحجة عليه كان بذلك كله كافرا، وإن مات قبل التصديق واعتقاد حق الجملة مات هالكا والعياذ بالله.
فإن قيل: ما بال الجملة من بين سائر العبادات لا يُنَفَّس في السؤال عنها وما عداها يُنَفَّس في السؤال عنه وقد قلتم إن الجملة كغيرها في التكليف.. قلنا: إن الجملة كغيرها في قيام الحجة بها للتكليف بها ولم نقل بأن جميع أحكامها كغيرها وانما خصت بالتضييق عن السؤال عنها بعد قيام الحجة لأن اعتقادها مطلوب في الحال، وكان العذر واسعا قبل الحجة وقد قامت الحجة فلا عذر في التأخير، أما ما عداها من العبادات العمليات والتركيات فربما يسع تأخيرها، وربما يسْلَم صاحبها باعتقاد السؤال عنها والدَّيْنُونَة بالحق فيها لأدلة خاصة بها نحو { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } آل عمران : 135 . (1/157)
صفحة 158
وأما تفسيرها الاعتقادي فبعضٌ ضَيَّقَ في السؤال عنه كما ضيَّق فيها ورأى أن حكمه كحكمها، وبعضٌ وَسَّع في السؤال عنه وعنده أنه داخل تحت هذه الجملة فما لم يرد شيء منه فهو واسع له ترك اعتقاده بعينه حتى يرسخ في ذهنه علم ذلك وحقّه.
(81)(ومنكر الجملة بعدما نظر برهانها كفر جحود قد كفر)
أي ومن جحد الجملة بعد أن قامت عليه حجتها أو قبل ذلك فهو كافر كفر جحود ولا ينفعه عذر في ذلك. أما من جهلها بعد قيام الحجة بها أو شَكَّ فيها فهو كافر أيضا، لكن كفره يسمى شرك مُسَاوَاه؛ وذلك لأنه قد جعل ما وجب عليه اعتقاده ولزمه علمه بمنزلة الذي لم يجب عليه فيه شيء من ذلك فكأنه سَاوَى بين الحكمين مع اختلاف الأمرين، والحكم في شرك الجحود وشرك المساواة متحد دنيا وأخرى والفرق بينهما إنما هو في نفس التسمية خاصة، وسيأتي بيان حكمهما في الباب السادس من الركن الثالث ـ إن شاء الله ـ.
(82)(ولم يسع جهل ضلاله ولا تشك فيه والذي له تلا)
(83)(كذاك جهل من يشك فيه على قياس شائع تلفيه)
هذا بيان لحكم الواقف على انكار منكر الجملة، فحكمه أنه يجب عليه أن يعلم كفر منكر الجمله ولا يسعه الجهل بكفره ولا الشك في كفره، وكذلك لا يسع جهل ضلال من صوَّبه على كفره ولا الشك فيه وهو معنى قول المصنف (والذي له تلا) أي تبع، وكذلك لايسع جهل ضلال من شك في كفره، فإن حكم الشّاك في كفره بعد علمه بكفره حكم من صوّبه على كفره لأنه لا يسع جهل ضلالة كل واحد منهما، وهذا القياس أعني قياس الشاك في كفر منكر الجمله على مصوّبه في عدم التوسعة في جهل ضلالة كل واحد منهما قياس ظاهر جلي، ومثل منكر الجمله في هذا الحكم الجاهل بالجمله بعد قيام الحجه بها والشاك فيها فإن كل واحد من هذين لا يسع جهل ضلاله ولا ضلال من صوّبه على ضلاله، ولا ضلال من شك في ضلاله ولا يسع الشك في ضلال كل واحد من هؤلاء. (1/158)
صفحة 159
واعلم أن مصوب المُحدِث في الجمله مشرك مثله، وأما الجاهل لضلاله والشاك في ضلاله مع اعتقاده حق الجملة فهو فاسق منافق، وقول المصنف: (ولا تشك) بصيغة النهي على جهة التحريم، وقوله: (والذى له) معطوف على الضمير المجرور على حدِّ قوله تعالى: { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } النساء : 1 بقراءة جر الأرحام. وقوله: (على قياس شائع) أي ظاهر، ومعنى (تلفيه) تجده.
(84)(والخلف في إيمانها بالقلب هل يجزيه دون نطقه إذا نزل)
(85)(تكليفه بها فبعض ذهبا للإجتزا والبعض منهم قد أبى)
اختلف العلماء في كيفية الإيمان بالجملة فذهب بعضهم إلى أن كيفية الإيمان بها أن يعتقد صدقها في جنانه، ويظهر ذلك إقرارا بلسانه وأنه لا يكون مؤمنا إلا بذلك، فالتلفظ بالشهادتين عند هؤلاء شرط لوجود الإيمان، وذهب آخرون إلى أن الإيمان بها هو التصديق بها في القلب، فإذا اعتقد حقها بقلبه وصدقها بجنانه كان ذلك مُجْزِيَاً له فيما بينه وبين ربه، فإن مات على ذلك فهو من جملة المؤمنين، وأما فيما بينه وبين الناس فإنه لا يكون معهم مؤمنا حتى يتلفظ بالشهادتين ويلزمه التلفظ بها إذا طولب بذلك، هذا إذا كان منكرا للجملة فيما تقدم من أمْرِه أو شاكاً فيها أو جاهلا بها بعد قيام الحجة عليه فيها، أما إذا لم يتقدم منه شيء من هذا كله ولم يكن من اهل دار يُحْكَم على أهلها بالشرك فلا يلزمه التلفظ بالشهادتين وإن طولب ولا يسع لأحد أن يحكم عليه بالشرك في عدم تلفظه بذلك ولا يسعه أن يَبْرَأ منه لذلك، نعم يندب له أن يتلفظ مهما طولب بذلك إذا لم يكن له مانع من التلفظ والله تعالى أعلم.
(86)(والخلف هل عليه أن يقررا تصديقه إن ذكرها قد خطرا)
(87)(أو يجتزي بالماضي مالم يحدث شيئا بها كعهدها لم ينكث) (1/159)
صفحة 160
اختلف القائلون بإشتراط التلفظ للإيمان [بالجملة](_( ) من (ب). _)؛ فذهب بعضهم إلى أن التلفظ بها والتصديق بها مجزئ مرة واحدة في عمره ولا يلزمه تكرار ذلك مالم يأت بحدث ينقض به إيمانه فيكون به مرتدا إلى الشرك بعد الإسلام، وذهب آخرون إلى أنه يجب تكرار الإيمان بها إذا جرى ذكر ذلك، وعند هؤلاء يجب على من كان موحدا أن يتلفظ بالشهادتين إذا طولب بذلك، لكن يخرج على قواعدهم أنه إذا لم يجبهم إلى التلفظ بالشهادتين لا يسعهم أن يحكموا عليه بالشرك ولا أن يبرأوا منه لذلك، ووجه ذلك أن هذه المسألة اجتهادية فلما أبى من التلفظ ولم يتقدم منه حالة يشرك بها احتمل له أن يكون مذهبه عدم وجوب تكرار التلفظ أو أنه مقلد لم ير وجوب ذلك، ومع تمسكه بقول من أقول المسلمين لا يحل لأحد أن يحكم عليه بالخروج من الدين.
هذا والصحيح عندي عدم وجوب تكرار التلفظ بها وإن جرى ذكرها معه إذا لم يخرج عن الإسلام بحدث فيها لأن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ لم يُنقل عنهم مع كثرة ذكرهم للجملة تكرار التلفظ بها كلما سمعوها وإنما المنقول عنهم وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا أسلم العبد وتلفظ بالشهادتين مرة واحدة أدخلوه في حكم المسلمين ولم يطالبوه بعد ذلك بشيء والله تعالى أعلم.
(88)(وما عدا الجملة من تفسيرها كحكم ما رأيت من تعبيرها)
(89)(إلا لدى السؤال والجهل بما أحدث والشائع ما تقدما)
(90)(وما عدا الإيمان فاللازم في تفسيرها بالقلب في التكلف)
أي ما عدا الجملة من تفسيرها الإعتقادي المشتملة عليه والمندرج تحتها كمعرفة كمالات الله عزوجل ومعرفة الأنبياء والرسل والملائكة والكتب المنزلة والموت والبعث والحساب، وأن حساب الله لا يشبهه حساب، ومعرفة الجنَّة والنار فحكمه حكم الجملة في جميع ما تقدم، ويخالفها في ثلاثة مواضع مستثناة من تلك القاعدة: (1/160)
صفحة 161
أحدها: في السؤال؛ فإن الجملة لا يلزم لها اعتقاد سؤال قبل قيام الحجة ولا يوسَّع له في السؤال بعد قيام الحجة بخلاف تفسيرها، وقد تقدم في هذا ما فيه كفاية إن شاء الله.
وثانيها: أنَّ الحدث في الجملة لا يسع جهل ضلالة محدثه ولا الشك فيه كما تقدم والحدث في تفسيرها قد قيل بأنه يسع جهل ضلالة مُحْدِثِه ولو عَلِمَ حَدَثَه ما لم تبن له ضلالته، إلا أن الأكثر فيه ما قيل في الجملة وهو المراد بقول الناظم: (والشائع ما تقدما).
وثالثها: أن الإيمان في الجملة مختلف فيه هل يجزي بالقلب دون النطق باللسان أو لا كما تقدم؟. ولم نعلم اختلافا في الإيمان بتفسيرها بل اللازم فيه بالقلب فقط.
وانتصبت (الجملةَ) في قول الناظم على الإستثناء، ولما كان التكليف بالجملة متوقفا على قيام الحجة أخذ في بيان كيفية قيام الحجة هنا فقال:
(91)(فالحجة السماع في ذا كله وحجة المعنى له من عقله)
اعلم أن قيام الحجة في كل شيء لا يكون الا من أحد طريقين، الطريق الأول: العقل وهو طريق لقيام الحجة بالمعاني.
والطريق الثاني: النقل وهو طريق قيام الحجة بالألفاظ مع معانيها.
ولما كان أعظم طرق النقل هو السمع أطلق في التعبير عن النقل، على أن النقل قد يكون من غير طريق السمع كالنظر وذلك مثلا أن يراه مكتوبا فإنه إن عرف لفظ ذلك ومعناه كان في حكم من سمعه. (1/161)
صفحة 162
ولما كانت الجملة وتفسيرها مشتملين على ألفاظ ومعاني ثبت قيام حجة المعاني بهما من العقل، وتوقف قيام الحجة في ألفاظها على النقل، فمن خطر بباله أن له صانعا وأن لصانعه رسولا يبلغ الخلق عنه، وأنه ليس كصانعه شيء وأن لمن أطاع صانعه ثوابا ولمن عصا عقابا، وجب عليه أن يعتقد معنى ذلك، ولا يجوز له أن ينكر شيئا منه ولا يلزمه معرفة شيء من أسماء هذه الأشياء حتى تقوم عليه الحجة من طريق النقل أن اسم صانعه الله أو الرحمن أو نحو ذلك، وأن اسم رسوله محمدا أو أحمدَ، وأن اسم ثوابه الجنَّة واسم عقابه النَّار، فإذا قامت عليه الحجة من طريق النقل بشيء من هذه الأسماء وجب عليه معرفتها وضاق عليه جهلها.
واعلم أن قيام الحجة من العقل بأن لله رسولاً إنما هو مبنيٌ على مذهب بعض الأصحاب، وذهب غيرهم إلى أن الحُجَّة في ذلك إنما هي من طريق النقل وهو الصحيح والله أعلم.
الباب الثاني
ـ من الركن الثاني ـ
في التوحيد
وفيه أربعة فصول وخاتمه
الفصل الأول
في نفي الأضداد والأنداد والأشباه عن الله تعالى
(92)(وهاك توحيدا لنا فلتقتبس من نوره وعن هوى النفس احتبس)
( (1/162)
صفحة 163
ها) اسم فعل بمعنى خُذ، و(الكاف) للخطاب، و(التوحيد) هو: إثبات الوحدانية لله تعالى والاقرار له بالربوبية، ففي اثبات الوحدانية له تعالى اثبات لكمالاته الذاتية لإنها أنواع وحدة الذات وفي اثباتها له تعالى انتفاء المشابهة له تعالى، وانتفاء صفات العجز والحدوث في ذاته تعالى، ووحدة الصفات، ووحدة الأفعال، وفي اثبات كل واحدة منهما اثبات للكمالات الإلهية، وفي الإقرار له تعالى بالربوبية استلزام توجيه العبادة اليه، ونفيها عمن سواه، فمن عبد غيره لم يكن موحِّداً، وقوله: (فلتقتبس) أي فلتتخذ لك قبسا من نور هذا التوحيد فإنه نور في ظلمات الجهل، وقوله: (وعن هوى النفس احتبس) أي امتنع عما تميل اليه نفسك من الباطل { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإنَّ الجنة هي المأوى } النازعات : 40 .
ولمَّا كان الاقرار بالربوبية مستلزماً لثبوت العبادة لله تعالى دون غيره أخذ المصنف في بيان كيفية توجيهه العبادة لربه، فقال:
(93)(نعبده جلَّ امتثال أمره سبحانه ونهيه وزجره)
(94)(فإن يشأ يرحمنا بفضله وإن يشأ عذبنا بعدله)
(95)(فالملك والعزة والسلطان له كذا القدرة والبرهان) (1/163)
صفحة 164
أي نوجه عبادتنا اليه عَظُم شأنه لأجل إمتثال أمره الذي أمرنا به في الأشياء العملية، ولأجل امتثال نهيه في الأشياء التي نهانا عن فعلها، فالفعل والترك منا إنما هما لأجل الأمر والنهي فهما عبادة منا له تعالى، ومع ذلك فنحن مفوّضون الأمر اليه ومسلمون لحكمه وراضون بقضائه ومتوكلون عليه، فإن شاء أن يرحمنا فذلك بمحض فضله علينا وان شاء أن يعذبنا فذلك بعدله فينا، فإن الملك والغلبة والحجة والقدرة له تعالى، فلا يعترض عليه في شيء من ملكه ولا يستطيع أحد لرد ما أراده وهو قادر على كل شيء، ومن كان مالكا للأشياء قادرا على فعل ما يريد فيها غير محكوم عليه ولا معترض عليه في شيء من أفعاله؛ فجميع ما فعله في ملكه إما عدل وإما فضل، ثم ان المصنف أخذ في بيان التنزيه فقال:
(96)(سبحانه ليس له مكان يحويه جلَّ لا ولا زمان)
(97)(بخلقه لكل شيء نشهد وأنه في ملكه منفرد)
أي تنزيها له تعالى عن الحلول في الأمكنة، وعن الحدوث في الأزمنة، فإن المكان والزمان خلق من خلقه، ومن ضرورة العقل وجوب تقدم الخالق على المخلوق في الوجود، فلو كان تعالى حالاًّ في مكان أو حادثا في زمان لوجب تقدم المكان والزمان عليه لضرورة العقل بذلك فيستلزم خالقا غيره، وثبوت خالق غيره باطل لما يلزم عليه من الأمور المستحيلة، وأيضا فلو كان تعالى حالاًّ في مكان لكان المكان حاويا له فيلزم عليه تحديده وتناهيه؛ ومن كان متحدداً متناهيا فليس بإله، ولو كان تعالى حادثا في زمان لوجب أن يكون له محدث غيره، ومن كان محدثا فليس بإله. وفي قوله: (وأنه في ملكه منفرد) إشارة إلى ثبوت الوحدانية له تعالى في مطلق التصرف، وهي وحدة الأفعال.
ولما نفى عنه تعالى صفتي الحلول والحدوث أخذ في نفي الصفات التي تلازمهما فقال:
(98)(ليس له شِبه ولا نظير ولا وزير لا ولا مشير)
( (1/164)
صفحة 165
الشِبه) ـ بالكسر ـ هو المشارك لغيره ولو في صفة واحدة من صفاته، و(النظير) هو المِثل المُسَاوي، و(الوزير) هو المعين في الأمر العظيم بأرآءه الصائبة وأفكاره الثاقبة، و(المشير) هو الدال على فعل شيء أو على تركه بدلالة خفيَّة، والمراد بها هنا مطلق الدلالة والمعنى أنه تعالى ليس له مشابه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا مماثل له في ذلك، ولا معين له على شيء من أفعاله التي فعلها أو سيفعلها، وأنه تعالى فعَّال لما يريد لا لما يريد غيره، فلا مشير له في شيء من أفعاله ولا في شيء من الأشياء التي لم يُرد فعلها تعالى الله عن ذلك، وعن ابن مسعود أنه قال: "ما عرف الله من شبهه بخلقه". نافع(_( ) الإمام الثقة أبو عبدالله نافع بن الفقيه العدوي القرشي المدني مولى ابن عمر، من كبار التابعين في وقته، واختلف في محتده على أقوال فقيل: هو بربري. وقيل: نيسابوري. وقيل: ديلمي. وقيل: طالقاني. وقيل: كابلي. والأرجح أنه فارسي المحتد في الجملة. أصابه ابن عمر في بعض مغازيه صغيرا ونشأ في المدينة، روى عن مولاه وعائشة وأبي هريرة ورافع بن حديج وأبي سعيد الخدري وأم سلمة وأبي لبابة بن عبد المنذر وصفية بنت أبي عبيد ـ زوجة مولاه ـ وسالم وعبدالله وعبيدالله وزيد أبناء عبدالله بن عمر وغيرهم. وروى عنه الزهري وأيوب السختياني وعبدالله بن واقد وأخوه زيد وحميد الطويل وابن جريج ويونس بن عبيد وعمر وأبوبكر ولدا نافع وابن أبي ذئب وجرير بن حازم وجويرية بن أسماء ومالك والليث وغيرهم. (1/165)
صفحة 166
روى الأصمعي قال: حدثنا العمري عن نافع قال: دخلت مع مولاي على عبدالله بن جعفر فأعطاه في اثني عشر ألفا فأبى وأعتقني أعتقه الله. ولاه عمر بن عبد العزيز صدقات اليمن كما بعثه أيضا إلى مصر ليعلم أهلها السنن. وهو من ثقات الرواة. توفي على الصحيح سنة 117هـ. ("تذكرة الحفاظ" 1/99 ـ "سير النبلاء" للذهبي 5/563 ـ "تهذيب التهذيب" لابن حجر 10/368)._): "أن عبدالله بن عمر كان جالسا في أناس فأتى رجل فقال: أيكم عبدالله بن عمر؟. فقال: أنا. فقال الرجل: إني تاجر أبتغي من فضل الله وإني قدمت هذه البلدة هذه الليلة فاذا أنا برجل توسمت فيه الخير فقعدت اليه فحدثني حديثا ضاق به صدري. فقال عبدالله: وما هو؟فإنه لا اثم عليك إذا حدثت به من غيرك. فقال: قال لي؛ إن الله تبارك وتعالى لما أراد أن يخلق آدم لم يدر كيف يخلقه حتى خلق مرآة فنظر فيها إلى وجهه فخلق مثاله. فقال له ابن عمر: تعالى الله لا مثل لله ألا إن هذا الشيطان أراد أن يدخلك في دينه ألا وإن الشيطان قد آيس منكم أن تعبدوا أصناما ظاهرا فتعذرونه ولكنه يأتي الإنسان فيقول كيف ربك؟ فلا يزال به حتى يصف ربه بصفة الخلق فيَضِل ويُضِل فان لقيته فأخبره أن ابن عمر بريء من دينك ألا وان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الله عزوجل، فقال الله عزوجل: { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد } الإخلاص فإن وسوس الشيطان لكم فقولوا له كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".عن معاذ ـ رضي الله عنه ـ "أنه سيرجع أقوام من هذه الأمَّة عند اقتراب الساعة كفَّارا فقال رجل: يا أبا عبدالرحمن أبالأحداث كفرهم أم بالجحود؟ قال: لا ولكن بالجحود يجحدون خالقهم فيصفونه بالصورة والأعضاء والمفاصل أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولهم عذاب عظيم". (1/166)
صفحة 167
عن سعيد بن جبير(_( ) التابعي الجليل أبو عبد الله سعيد بن جبير بن هشام الولبي الأسدي بالولاء الكوفي، ولد سنة 45هـ روى عن ابن عباس وابن الزبير وأنس وطبقتهم ويحتمل عن السيدة عائشة ولم يثبت سماعه من عبدالله بن معقل ولا من عدي بن حاتم ولا من الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ ولا من أبي هريرة وأبو موسى الأشعري وأبو مسعود الأنصاري وإنما روايته عنهم مرسلة، وأخذ عنه طائفة منهم ابناه عبدالملك وعبدالله والأعمش وعطاء بن السائب وسماك بن حرب والمنهال بن عمرو وآخرون، عن جعفر بن أبي المغيرة قال: كان ابن عباس بعدما عمي إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه قال: تسألوني وفيكم ابن أم الدهماء؟!. يعني سعيد بن جبير، وعن أشعث بن اسحاق قال: كان يقال لسعيد بن جبير جهبذ العلماء. ولما خرج ابن الأشعث على عبد الملك بن مروان كان سعيد معه وكان يقول يوم دير الجماجم: قاتلوهم على جورهم في الحكم وخروجهم من الدين وتجبرهم على عباد الله وإماتتهم الصلاة واستذلالهم المسلمين. نقلا عن "الطبقات الكبرى" لابن سعد (6/265 دار صادر) فلما انهزموا لحق سعيد بمكة فأخذه خالد القسري وحمله إلى الحجاج الذي قتله في آخر سنة 94هـ. ("الطبقات الكبرى" لابن سعد 6/256ـ267 دار صادر ـ "تذكرة الحفاظ" للذهبي 1/76 ـ "تهذيب التهذيب" لابن حجر 4/10 الكتب العلمية)._) أنه قال: "أتى رهط من اليهود إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلقه؟. قال: فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى انتقع لونه ثم واثبهم غضبا لربه، قال: فجاء جبرائيل صلى الله عليهما فَسَكَّنه وجاءه من الله بجواب ما سألوه بـ { قل هو الله أحد.. (1/167)
صفحة 168
إلى تمام السورة } "(_( ) أخرجه بهذا اللفظ ابن جرير الطبري في "تفسيره" (11/26 برقم 30229 دار الكتب العلمية) وفي اسناده شيخه محمد بن حميد وفيه كلام قال الجوزجاني: ردئ المذهب غير ثقة ونسبه أبو زرعة إلى تعمد الكذب وكان ابن خزيمة لا يروي عنه وقال النسائي: ليس بشيء. وقال البخاري: فيه نظر. كما في "تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر (9/109 وما بعدها). _).
(99)(ليس له فوق ولا تحت ولا قبل ولا بعد فكل حظلا)
(100)(كذا يمين وشمال والذي اليه تعزى حادث بذا احتذي)
(الفوق) اسم لجهة العلو، و(التحت) اسم لجهة السفل، و(قبل) اسم للتقدم، و(بعد) اسم للتأخر، ومعنى (حظل) منع، و(يمين) اسم للجهة اليمنى، و(شمال) اسم للجهة اليسرى، ومعنى (تعزى) تنسب، ومعنى (حادث) أي موجود بعد عدم، ومعنى (احتذ) أي اقتد.
والمعنى أنه تعالى ليس له جهة يكون فيها، لا جهة فوقية ولا تحتية ولا عن يمين ولا عن شمال ولا أمام ولا وراء، وليس له تعالى قَبْلُ ـ أي لا يقال إن وجوده تعالى مسبوق بشيء حتى يقال إن قبله كذا ـ ولا بَعْد له ـ أي ليس وجوده تعالى متناهيا حتى يقال ان بعد تناهي وجوده يكون كذا ـ وهذه الصفات أعني الجهات والقبلية والبعدية مستحيلة في حقه تعالى، لأن من نسب اليه شيء منها واتصف به يكون حادثا قطعا فهي دليل الحدوث والرب تعالى قديم ليس بحادث، فلا يصح أن يتصف بشيء منها خلافا للمشبهة القائلين بأنه تعالى في جهة الفوق وإنه على العرش مستقرا إستقرار الملك على سريره تعالى الله عن ذلك، وقد تلقوا هذه المقالة الشنيعة من اليهود أخزاهم الله تعالى. (1/168)
صفحة 169
قال في "الضياء": "وبلغنا أن عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ مر بحلقة وفيهم رجل من اليهود يحدثهم، فقال: ما يحدثكم؟ قالوا: يحدثنا عن التوراة وعن ربنا. قال: وعن ربكم بماذا؟ قالوا: يقول إن الله لما خلق السموات والأرض صعد إلى السماء من بيت المقدس فوضع رجله على الصخرة التي فيه وإنه ينزل في السماء الدنيا في النصف من شعبان. فقال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: إنا لله وإنا اليه راجعون (ثلاث مرات) ثم قال: لا كفر بعد إيمان { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء } النساء : 89 فهلا قلتم كما قال ابراهيم خليل الرحمن - صلى الله عليه وسلم - { لا أحب الآفلين } الأنعام : 76 ألا فاتهموا اليهود والنصارى على دينكم، ولا تصدقوهم على ما يخالف كتابكم، فإنهم سيضلون أكثر هذه الأمة، ألا إن ربكم ليس بزائل ومن وصف الله زائلا فقد كفر، ومن شبهه بشيء من الأشياء فقد كفر".
(101)(ولم يزل وليس شيء معه وعالم من قبل أن يصنعه)
(102)(بكونه ولونه وشكله وما اليه صائر بفعله)
أي لم يزل تعالى ولا موجود سواه من جميع الأشياء، فهو تعالى متفرد بالقِدَم، والقِدَم واجب له تعالى فيستحيل عليه العدم لأن ما وجب قدمه استحال عدمه، وقوله: (وعالم.. الخ) أي وهو عالم أي لم يزل تعالى متصفا بالعلم من قبل وجود الأشياء فعلمه تعالى صفة ذاتية له، والهاء من قوله (من قبل أن يصنعه) عائدة إلى (الشيء) في قوله (وليس شيء معه) وقوله: (بكونه) متعلق بعَالِم، ومعنى كونه وجوده بعد عدم، أي لم يزل تعالى وهو عالم بوجود الأشياء التي سيوجدها، وعالم بالزمان الذي سيوجدها فيه، وبالمكان الذي ستكون فيه، وعالم بلونها الذي ستتصف به، وعالم بصورتها التي يكون عليها شكلها من طول وقصر وعرض وعالم بمصيرها الذي ستصير اليه بسبب أفعالها الحسنة وبسبب أفعالها القبيحة، فالضمير من (كونه) ومن (لونه) ومن (شكله) وما بعدها كله عائد إلى الشيء في قوله (وليس شيء معه). (1/169)
صفحة 170
والمراد بالشيء هنالك جميع الموجودات مما عدا الخالق تعالى، وفي البيتين تصريح بأنه تعالى عالم بما كان وما سيكون وما هو كائن.
الفصل الثاني
في البراهين
جمع برهان وهو ما تركَّب من مقدمات قطعية، وأل في البراهين للعهد الذهني أي في البراهين المُثَبِّتَة لمُدَّعَانا فيما تقدم.
(103)(لو أنه مشابه في ذاته جاز عليه وصف مخلوقاته)
(104)(إذ كل شبهين بوجه لزما في الكل ما لذلك الوجه انتمى)
هذا برهان استحالة المشابهة له تعالى المذكورة في قول المصنِّف: (ليس له شبه.. الخ)، وصورة البرهان أنه لو كان تعالى مشابها في ذاته لجاز عليه ما يجوز على مشابهه من الصفات، ولا موجود إلا وهو إما خالق أو مخلوق، وقد ثبت بالبرهان أنه تعالى هو الخالق وأن جميع ما عداه مخلوق، فلو كان له مشابه لكان ذلك المشابه هو أحد مخلوقاته فيستلزم أن يكون عزوجل يصح أن يتصف بصفات مخلوقاته، وصفات مخلوقاته مستحيلة في حقه فالمشابه مستحيل أيضا ووجه ذلك أن المتشابهين إذا تشابها في صفة وجب أن يتصف كل واحد منهما بموجب تلك الصفة، وهذا معنى قوله: (إذ كل شبهين ..إلخ)، ومعنى قوله: (في الكل) أي من المتشابهين، ومعنى (انتمى) انتسب.
(105)(لو كان ثان عنده في الأزل لكان كل صالحا لأن يلي)
(106)(ولا دليل خص واحدا فقط والحكم من غير مرجح غلط)
هذا برهان إستحالة الشريك معه تعالى في الأزل المذكور في قول المصنف: (ولم يزل وليس شيء معه)(_( ) في البيت رقم (101). _) وصورة البرهان أنه لو كان معه تعالى ثان في الأزل لكان كل واحد منهما صالحا لأن يتولى الأمر على صاحبه فيَتَمَانَعَان، وليس في واحد منهما خصوصية يستحق بها الإستبداد بالأمر والإنفراد بالملك، وتخصيص واحد منهما بذلك دون الآخر مع صلاحية كل منهما له وعدم المخصص ترجيح بلا مُرَجِّح، والترجيح بلا مرجح غلط لا يستقيم في المعقول وبطلان استقامته ضروري.
(107)(لو أنه في أمره معان لزمه في ذاته النقصان) (1/170)
صفحة 171
هذا برهان نفي العجز عنه تعالى واستحالته المشار اليه بقول المصنف: (ولا وزير لا ولا مشير)(_( ) في البيت رقم (98). _)، وصورة البرهان أنه لو كان تعالى معانا في أمره لكان ناقصا في ذاته، لكنه كامل في ذاته فهو غير معان في أمره، ووجه ذلك أنه لا يحتاج إلى المعونة إلا مَن كان عاجزا عن إتمام الأمر، ومَن كان عاجزا عن إتمام أمره فليس بكامل في ذاته لأن من الكمال الذاتي وجود القدرة الذاتية المنافية للعجز.
(108)(وهكذا يلزم في الزمان وفي الجهات الست للمكان)
هذا برهان نفي الحلول والحدوث عنه تعالى واستحالتهما في حقه المذكورين في قول المصنف: (سبحانه ليس له مكان.. البيت)(_( ) في البيت رقم (96). _)، وفي قوله: (ليس له فوق.. الخ)(_( ) في البيت رقم (99). _). وصورة البرهان أنه لو كان تعالى حالا في مكان أو حادثا في زمان للزم اتصاف ذاته بغاية النقصان تعالى عن ذلك. ووجه ذلك أنه لو كان تعالى حالاًّ في مكان للزم أن يكون المكان محيطا به ولو من جهة واحدة فيلزم تحديده وتناهيه وهما مستحيلان عليه تعالى، وأيضا فلو كان تعالى حالاًّ في مكان للزم أن يكون المكان أقوى منه لأنه هو الذي حمله وكون غيره تعالى أقوى منه محال، ولو أنه حادث في زمان لاحتاج إلى مُحْدِث، ومن كان محتاجا إلى مُحْدِث فهو عاجز ليس بإله، وأيضا فلا يخلو أن يكون ذلك المُحدِث هو نفس هذا الحادث أو غيره، وكونه نفسه محال لأنه يومئذٍ معدوم والمعدوم لا يفعل شيئاً في غيره فضلا أن يفعله في نفسه فوجب أن يكون المُحدِث غيره، فيكون أولى بالأُلوهية منه وهو باطل لما يلزم عليه من التسلسل.
(109)(لو أنه في ملكه مشارك كان فسادا ذلك التشارك) (1/171)
صفحة 172
هذا برهان في نفي الشريك عنه تعالى في ملكه وبيان استحالته المذكور في قول المصنف: (وأنه في ملكه منفرد)(_( ) في البيت رقم (97). _). وصورة البرهان أنه لو كان معه تعالى شريك في ملكه لفسد هذا العالَم البديع الإتقان البالغ في الحكمة، لكن العالَم غير فاسد فدلَّ على أنه تعالى في ملكه غير مشارك، ووجه ذلك أن الشريكين إذا تشاركا في شيء فلا يخلوان فيه من أحد أمرين: إما أن يصطلحا على شيء فيه، وإما أن يتنازعان فيه، وإصطلاحهما على شيء فيه مع كون كل [واحد](_( ) من (ب). _) منهما إلها محال، لإستلزامه عجز كل واحد منهما فتسقط ألوهيتهما بسقوط قدرتهما فلم يبق إلا التنازع فيه، ومع التنازع يحصل الفساد والمُشَاهَد في العالم غير ذلك فانتفى الشريك ضرورة والله تعالى أعلم.
الفصل الثالث
في الصفات
أي في الصفات الجائزة في حقه تعالى، والواجبة في حقه، أما المستحيلة في حقه فما تقدم في الفصل الأول، وقد أشار اليه هاهنا إجمالا فقال:
(110)(في الذات والصفات والأفعال مخالف لنا بكل حال)
أي أنه تعالى مخالف لخلقه في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله أي لا تشبه ذاته ذواتهم ولا تشبه صفاته صفاتهم ولا تشبه أفعاله أفعالهم، فهو تعالى واحد في ذاته، بمعنى أنه ليس كمثله في ذاته شيء، وواحد في صفاته بمعنى أنه ليس له في أفعاله مشارك ولا مشابه فاستحال في حقه الشَّبيه من كل وجه وقد تقدم براهين ذلك.
(111)(ولم يجز وصفكه بغير ما بينه من وصف نفسه اعلما)
أي لا يجوز لك أن تصفه تعالى بصفة لم يصف بها نفسه في كتبه أو على لسان أحد من أنبيائه، [فما ورد من وصفه لنفسه في شيء من كتبه أو على لسان أحد من أنبيائه](_( ) ساقطة من (ب). _) جاز لك وصفه به.
ومالم يرد كذلك فالتوقف عنه أولى والمنع فيه أظهر، هذا مذهب بعض وذهب آخرون إلى أنه يجوز أن يصفه تعالى بصفة تدل على كمال ولو لم يرد الشرع بها مالم يمنع من ذلك. (1/172)
صفحة 173
حاصل ما في المقام أن الصفات [الكمالية](_( ) من (أ). _) إما أن يأذن الشرع أن نصفه بها تعالى، وإما أن يمنع من وصفه بها، وإما أن يسكت عن ذكرها، فإن أذن فهو جائز إجماعا، وإن منع فهو محرم إجماعا، وإن سكت فهو محل النزاع والله تعالى أعلم.
(112)(وأي وصف جاز وصفه بما عانده فوصف فعل أحكما)
(113)(وما عدا ذاك بوصف الذات يعرف وهو كالعليم آت)
تنقسم صفاته تعالى إلى صفات ذاتيَّة وإلى فعليَّة؛ فأما الصفات الفعلية فهي كل وصف صح أن يتصف به وبضده تعالى كالإحياء والإماتة وإرسال الرسل وإنزال الكتب ونحو ذلك، فإنه تعالى يجوز أن يتصف بهذه الأشياء وبأضدادها فتقول محيي ومميت، مرسل الرسل غير مرسل لهم بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - وهكذا. وأما صفات الذات فهي كل صفة استحال عليه تعالى الإتصاف بضدها، وذلك كـ(العليم) فإنه يستحيل عليه الإتصاف بضد العلم وهو الجهل وكالسميع والبصير(_( ) (فائدة) خلاف المتكلمين العقيم في مسألة هل الإسم هو المسمى أم غيره؟. يحلله العلامة أبو المؤثر الصلت بن خميس (القرن الثالث) أحد علماء الإباضية كما في "السير والجوابات" (2/288) فيقول: (1/173)
صفحة 174
"إن كان يريد بالأسماء والصفات الألفاظ المسموعة والخطوط المكتوبة فهي غيره، وهي محدثة مخلوقة، وإن كان يريد المعني بها فهو الله تبارك وتعالى. وإن قال أفإسم هو أم جسم؟. قيل له: أما هو فليس بجسم، وأما قولك أفإسم؟. فإن كنت تريد أهو اسم نفسه فقد مضى الجواب في ذلك أنك إن كنت تريد ما يسمع ويكتب فهو غيره، وإن كنت تريد بقولك المعني بهذا المسموع والمكتوب فهو الله تبارك وتعالى. وليس قولك أفإسم هو أم جسم؟. يوجب علينا أن نثبت لك أحد هذين المعنيين، لأنك سألت عن معنيين كلاهما منفيين، لأن قولك جسم منفي عنه، وقولك اسم منفي عنه، لا يجوز أن يقال إنه اسم على هذا اللفظ لأن الإسم لا يكون إلا لمسمى، فإذا أطلقنا أنه اسم جعلناه اسما لغيره وهذا لا يجوز، وهذا سؤال لا يسأل عنه أهل العلم، وإنما يسئل عن هذا السؤال جاهل أو متعنت، أو يكون المسئول يتعدى إلى ما ليس له فيزيد في الحكم فدعه بذلك على جهة ما هو أهله. وإنما كتبنا هذا لكم لأنه قد بلغكم أنه قد جرى في ذلك سؤال ودار بينكم فيه كلام، أحببنا أن تأخذوا في ذلك بحظكم وتعرفوا الحق فيه.
ومثل هذا السؤال لو أن سائلا سأل فقال: أخبروني عن فلان أكاتب أم حاسب؟. فإنه قد يمكن أن يكون كاتبا حاسبا، ويمكن أن يكون لا كاتبا ولا حاسبا، ويمكن أن يكون فيه أحد الأمرين، فليس الجواب لازم فيه أن يقال هو كاتب ولا هو حاسب، إلا أن يكون ذلك فيه، وليس هذا مثل قولك: فلان حي أم ميت؟. لأن الحياة والموت ليس بينهما منزلة. وكذلك لو كان أكاتب هو أم غير كاتب وأنه لا بد أن يكون كاتبا أو غير كاتب.
وكذلك لو سأل فقال: أخبروني عن الله أجسم هو أم غير جسم؟. قلنا: بل هو غير جسم تبارك الله وتعالى.". ا.هـ _) والمريد والقدير فإنه يستحيل عليه الإتصاف بأضداد هذه كلها. (1/174)
صفحة 175
وفَرَّق بعضهم بين صفات الذات وصفات الأفعال بأن صفات الذات يجوز إتصافه تعالى بها في الأزل بل يجب ذلك في حقه، وصفات الأفعال لا يجوز إتصافه بها في الأزل إلا على معنى أنه سيفعل ذلك فتقول لم يزل الله حيا مريدا قادرا عليما سميعا بصيرا، ولا تقول لم يزل محييا مميتا خالقا للخلق مرسلا للرسل منزلا للكتب ونحو ذلك، إلا على معنى أنه قادر على الإحياء والإماتة إلى غير ذلك ومنع بعض أصحابنا هذا الإطلاق مطلقا والله تعالى أعلم.
(114)(صفاته لذاته هي ذاته لا غيرها دلت بذا آياته)
(115)(إذ لم تكن فيه لئلا يلزم حلوله وليس منه نجزم)
(116)(ولا عليه فيكون أفقرا لغيره وذاك دأب الفقرا) (1/175)
صفحة 176
أي صفاته تعالى الذاتية هي عين ذاته وليست هي غير ذاته كما زعمت الأشعرية القائلون بأن صفات الذات معان حقيقية زائدة على الذات قائمة بها، وهذا القول باطل لأنها لو كانت صفات ذاته تعالى غير ذاته للزم عليه إما أن تكون حالَّة في ذاته العلية، وهو باطل لأن ذاته العلية لا يصح أن تكون محلا للأشياء، وإما أن تكون بعضا من الذات العلية وهو باطل أيضا لأن ذاته العلية غير مُتَبَعِّضَة والتَّبَعض عليها محال. وإما أن تكون شيئاً زائدا على الذات لا حالاًّ فيها ولا بعضاً منها، وهذا الوجه هو الذي اختاره الخصم وعوَّلوا عليه وهو باطل أيضا لأنه لو كانت شيئاً زائداً على الذات للزم عليه افتقار الذات إلى ذلك الزائد، والذات العلية كاملة بنفسها غير مفتقرة إلى غيرها، ومن كان مفتقرا إلى غيره فليس بإله لأنه عاجز في نفسه محتاج إلى غيره، ومن كان عاجزا ومحتاجا إلى غيره فهو بمعزل عن صفات الأُلوهية وعن الكمالات الذاتية، وأيضا فلو كانت صفات ذاته غير ذاته للزم عليه اما أن تكون مقارنة لذاته في الوجود فيلزم تعدد القدماء وهو باطل قطعا، وإما أن تكون سابقة على ذاته في الوجود فيلزم عليه حدوث الذات العلية وهو باطل أيضاً، وإما أن تكون موجودة بعد وجود الذات العلية فيلزم عليه أن يكون الله عزوجل قبل حدوثها غير متصف بهذه الكمالات، فيكون غير قادر وغير عالم إلى آخرها وهو باطل قطعا، فثبت ما قلناه وبطل زعم الخصم.
قالوا: يلزمك على هذا التقرير(_( ) في (ب): التقدير. بالدال. _) نفي الصفات الذاتية.
قلنا: لا يلزمنا ذلك لأنا إنما ننفي الزيادة على الذات لا نفس الصفات.
قالوا: الزائد الذي نفيتموه هو نفس الصفات إذ لا يصح أن تكون الصفات عين الذات، فلو كان ذلك لما كان لإتصاف الذات بالصفات معنى لأنه من إتصاف الشيء بذاته فيكون معنى قولنا الله قادر بمعنى قولنا ذاته ذاته، ولا شك أن كل عاقل ينكر تساويهما. (1/176)
صفحة 177
قلنا: الصفات عين الذات لما قدَّمْناه من البرهان ولا يلزم من ذلك ما ذكرتموه من اتصاف الشيء بذاته لأن هذه الصفات لها معان اعتبارية، وللذات كمالات ذاتية لا يدل عليها نفس لفظ (الذات)، ولكل واحد من تلك الكلمات معنى اعتباري يعبر عنه بالصفة، فالصفات عبارة عن المعاني الإعتبارية الدالة على الكمالات الذاتية، فبهذا الإعتبار لم يكن قولنا الله قدير بمنزلة قولنا ذاته ذاته لما في قولنا قدير من التعبير عن المعنى الإعتباري المفيد للكمال الذاتي، حاصل ما في المقام أن ذاته تعالى متصفة بالكمالات الذاتية قائمة مقام ذات وصفة أي غنية بنفسها عن غيرها والله تعالى أعلم.
(117)(فهو عليم لا بعلم جُلبا وهو سميع لا بسمع رُكِّبا)
(118)(وهو بصير لا بعين نظرت وهو قدير لا بقدرة عرت)
(119)(وهكذا في سائر الصفات لأنها في الأصل عين الذات)
أي فإذا ثبت بما قررناه من البرهان أن صفاته تعالى الذاتية عين ذاته لا غيرها كما زعم الغير، فنقول: انه تعالى عليم بذاته لا بعلم هو غيره؛ أي ذاته عزوجل منكشفة لها المعلومات انكشافا تاما غير محتاجة في ذلك الإنكشاف إلى واسطة بينها وبين المعلوم كما زعم الغير، وأنه تعالى سميع بذاته لا بسمع مُرَكَّب فيه أو زائد عليه؛ أي ذاته تعالى منكشفة لها المسموعات إنكشافا تاما غير محتاجة في ذلك الإنكشاف إلى واسطة بينها وبين المسموعات كما زعم الغير، وأنه تعالى بصير بذاته لا ببصر هو غيره أي ذاته تعالى منكشفة لها المبصرات انكشافا تاما غير محتاجة في ذلك الإنكشاف إلى واسطة بينها وبين المبصرات كما زعم الغير، وأنه تعالى قدير بذاته لا بقدرة هي غيره أي ذاته تعالى منفعلة لها الأشياء ايجادا وانعداما غير محتاجة في ذلك التأثير إلى واسطة بينهما وبين المؤثرات كما زعم الغير. (1/177)
صفحة 178
وكذا القول في سائر الصفات فنقول هو تعالى مريد بذاته لا بإرادة هي غيره أي ذاته العلية كافية في ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر غير محتاجة في ذلك التأثير الخاص إلى واسطة بينهما وبين المؤثَّرَات كما زعم الغير، ونقول هو تعالى حي بذاته لا بحياة هي غيره أي ذاته العلية كافية للإتصاف بهذه الكمالات غير محتاجة في الإتصاف بها إلى واسطة هي غيرها تسمى بالحياة كما زعم الغير والله تعالى أعلم.
الفصل الرابع
في الرؤية
أي بيان استحالة رؤية الباري عزوجل، والرؤية هي اتصال شعاع الحدقة بالمرئي، وقد جوز الأشعرية(_( ) نسبة للإمام أبي الحسن علي بن اسماعيل بن اسحاق الأشعري الذي عاش في نهاية القرن الثالث الهجري حيث ولد سنة 260هـ في البصرة وتلقى مذهب المعتزلة في أول أمره حيث لازم الشيخ أبا علي الجبائي المعتزلي ولم يفارقه لمدة طويلة حتى اشتهر وناظر على مذهب المعتزلة .. ثم رجع عن مذهبهم وتركه وأعلن لنفسه مذهبا مستقلا لايميل فيه للمعتزلة ولا للحشوية المجسمة، وصنف كتبه التي منها؛ "الإبانة عن أصول الديانة ـ ط" و "مقالات الاسلاميين ـ ط" و"اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ـ ط" و"رسالة أهل الثغر ـ ط" وغيرها وكانت وفاته سنة 324هـ.
واشتهر من بعده فريق من العلماء ساروا على نفس الطريق وعرفوا بالأشاعرة فكان من أبرزهم: أبو الطيب الباقلاني (ت 403هـ) وعبد القاهر البغدادي (ت429هـ) وأبو المعالي الجويني (ت478هـ) والغزالي (ت505هـ) والشهرستاني (ت548هـ) والفخر الرازي (ت606هـ) والعضد الايجي (ت756هـ).
وينص مذهب الأشاعرة على الآتي:
1ـ ثبوت رؤية الله في الدار الآخرة. 2ـ أن القرآن قديم ليس بمخلوق. 3ـ أن مرتكب الكبيرة غير مخلد في النار. 4ـ أن صفات الله معان قائمة زائة على الذات لا هي هو ولا هي غيره. 5ـ أن الشفاعة حق للعصاة. 6ـ جواز خلف الوعيد. 7ـ الصراط جسر على متن جهنم. 8ـ أن الميزان حسي يوزن به الأعمال يوم القيامة. (1/178)
صفحة 179
للتوسع حول الفكر الأشعري انظر ["الفرق بين الفرق" للبغدادي ص312 ـ 366 ـ"مذاهب الاسلاميين" د. عبدالرحمن بدوي 1/487 ـ 568 ـ "تاريخ المذاهب الاسلامية" لابي زهرة 151 ـ 163 ـ "الأعلام" للزركلي 4/263 ـ "في علم الكلام" د.أحمد محمود صبحي؛ حيث خصص الجزء الثاني للأشاعرة]._) اتصافه تعالى بها وقالوا بوقوع ذلك في الآخرة للمؤمنين، وأكثر الاسلاميين على استحالتها عليه تعالى وممن ذهب إلى ذلك المعتزلة والخوارج(_( ) الخوارج هم الذين يستحلون دماء وأموال مخالفيهم ولذا قصرهم الإباضية على ثلاث فرق بارزة في القديم اتصفت بهذه الصفات هي (الأزارقة) أتباع نافع بن الأزرق و(النجدات) أتباع نجدة بن عامر و(الصفرية) أتباع زياد بن الأصفر، أما أتباع المذاهب الأخرى فعدوا الإباضية من جملتهم وهو أمر يأباه أتباع هذه الفرقة لوجود البون الشاسع بين مبادئ هذه الفرقة وفرق الخوارج، أما أن يعد الخوارج هم الذين خرجوا عن الإمام علي فهذه مجازفة ليست بالهينة إذ يلزم عليها عد معاوية خارجيا هو الآخر كيف لا وهو الخارج بجنده على الإمام علي وقاتله في موقعة صفين، بل يتفاقم الأمر إلى حد أن يعتبر طلحة والزبير والسيدة عائشة خوارج هم أيضا على هذا المقياس لحربهم له في معركة الجمل، وعلى هذا كان لا بد من حصر هذه اللفظة على الطوائف الثلاث الشهيرة وهي (الأزارقة والنجدات والصفرية) بسبب استحلالهم لأموال ودماء مخالفيهم ونظرتهم لمخالفيهم بأنهم مشركون. وبيان تحليل الإباضية لهذه القضية في كتاب العلامة الكبير علي يحي معمر "الإباضية بين الفرق الإسلامية" فقد فصل في هذا الكتاب بما يشفي الغليل._) وغيرهم، واستحالتها هو الحق لما ستعلمه من الأدلة النقلية والبراهين العقلية، وقد تعلق المثبتون للرؤية في حقه تعالى بظواهر آيات وبموضوع روايات لا حاجة لنا بذكرها هاهنا خوف الإطالة فلنعد إلى بيان البراهين العقلية والنقلية فنقول:
( (1/179)
صفحة 180
120)(ورؤية الباري من المحال دنيا وأخرى احكم بكل حال)
(121)(لأن من لازمها التميُّزا والكيف والتبعيض والتحيزا)
(122)(في جهة تقابل الذي نظر فهذه وما أتى به السور)
(123)(من قول لا تدركه الأبصار ولن تراني فانتفى الإبصار)
(124)(لأنها مدح له ولا يصح زوال ما به الإله ممتدح)
(125)(لو جاز أن يزول مدحه لزم تبديل عِزِّه بِذُلٍّ وشُتم)
أي رؤية الباري تعالى من الأشياء التي لا يتصور في العقل صحة وجودها، لأن العقل يحيل ذلك، وذلك ان من لوازم الرؤية ومن شرائطها أن يكون المرئي متميزا ـ أي متشخصا ـ والرب تعالى يستحيل عليه التشخص، ومن لوازمها أيضا أن يكون المرئي متكيفا ـ أي ذا كيف؛ أي لون ـ وذلك على الله محال، ومن لوازمها أيضا أن يكون المرئي مُتَبَعِّضَا ـ أي ذا أبعاض؛ أي أجزاء ـ لأن النظر اما أن يحيط به كلَّه وكُلُّ مُحَاطٍ به متبعض ضرورةً، وإما أن يُدْرَك بعضه فظهر فيه التبعيض حيث أدرك البعض منه، وذلك في حقه تعالى محال، ومن لوازمها أيضا أن يكون المرئي متحيِّزاً في جهة من الجهات ـ أي حالاًّ فيها دون غيرها ـ والتحيز في حقه تعالى محال وكذا يستحيل عليه المكان أيضا(_( ) وقد اختلف المثبتون للرؤية في هذه القضية فذهب الأشاعرة ومن وافقهم إلى اثبات الرؤية ونفوا استلزام الجهة والمكان لها ويجيب عن هذا العلامة المنذري في "جواب السائل الحيران" ص(95 ـ96) فيقول:
"ثم ما قيل في نفي الإنحياز والتحديد عن الرؤية من أنه يرى لا في مكان ولا على جهة وثبوت مسافة بين الرائي وذاته تعالى، فهذه عقيدة بديهية السفسطة، إذ أقل ما يدحضها أن يُرى في موضع الرائي له من بقاع المحشر، أو فضاوات الجنان، أو داخل القصور والحوالي، وكلها مفيد للتحيز والتحديد أو المسافة والتباين أو المماسات وجل تعالى عن ذلك.. (1/180)
صفحة 181
ومع ذلك إن أريد به خروجه عن الأمكنة حال رؤيته كما هو المتبادر من وقوع النكرة في سياق النفي من عموم أجناسه خروجا من المنفي عنه، فهو مع كونه محالا في حقه تعالى نوع تحديد، إذ مما يلزم على ذلك التقدير أن خروج الموجود عن شيء ووجوده في غيره فهو إبطال للوجود في الأول، وثبوته في الثاني، وهو نوع تحويل وتحديد غير لآئق به تعالى.
وإن أريد أنه يُرى لا في مكان واحد بل في جميع الأمكنة وجميع الجهات فقد أحاطت به الجهات والأمكنة وتجزأ هو لها، إذ لا بد من اختصاص كل من أبعاضه جهة ومكانا وتعالى الله عن ذلك، ثم نفي المسافة إثبات للإلصاق والإلتزاق ولا تحقق معه للرؤية ..
وأجاب المثبت بأنه تعالى قادر على خرق العوائد، قال النافي: أما كونه تعالى قادرا على ذلك فمما لا شك فيه ولا نزاع، وأما القول بالتعيين في غير المعيّن كما هنا فمن الشهادة على الغيب { وما كنا للغيب حافظين } [يوسف : 81] والقول بالتعيين بناء على ما سلف من الظواهر محجوج بما سبق من التآويل الصحيحة المنحّاة عن التورط في الإهلاك ولله الحمد". ا.هـ (1/181)
صفحة 182
ومعلوم أن الأشاعرة منكرون للجهة والفوقية الحسية! وإلزامهم أن الرؤية لا تكون إلا لما كان في جهة يسقط استدلالهم ولهذا تجد ابن القيم الجوزية يشنع على فكرة الأشاعرة هذه - بكلام قبيح لا يليق بالعلماء - كما في "مختصر الصواعق المرسلة" ص(172) فيقول: "فلا يجتمع الإقرار بالرؤية وإنكار الفوقية والمباينة، ولهذا فإن الجهمية المغل تنكر علوه على خلقه، ورؤية المؤمنين له في الآخرة، ومخانيثهم يقرون بالرؤية وينكرون العلو، وقد ضحك جمهور العقلاء من القائلين بأن الرؤية تحصل من غير مواجهة المرئي ومباينته، وهذا رد لما هو مركوز في الفطر والعقول". ا.هـ على أن ابن القيم وشيخه ممن يثبت الرؤية مع لوازمها المعهودة من وقوع المرئي في جهة ومكان ومقابلة وغيرها وهذا متفرع من اعتقاد الجسمية لله تعالى عندهم والله المستعان._)، ومن لوازمها أيضا أن تكون الجهة التي فيها المرئي مقابلة للرَّائي لأن الناظر لا يرى إلا ما يقابله وذلك في حقه تعالى محال، فاستحالة الرؤية في حقه تعالى لإستحالة لوازمها وشرائطها(_( ) واستدلالهم بأن هذه الشرائط ليست لازمة لكون القيامة محل خرق العادات، لا يتم وعنه يقول العلامة المنذري ـ أحد علماء الإباضية ـ في كتابه "جواب السائل الحيران" ص(72): "فنعم دون تحول صفات ذاته تعالى عما هي، فلا يسمى ذلك خرقا بل نقصا وتخليفا لما وعد وأوعد، إذ أكدها على نفسه مطلقا، وفهمت منها أزليته معها أبدا في عالم الأدنى والعقبى، كما أنه لم يزل فيهما حكيما عزيزا قادرا سميعا بصيرا عادلا ونحوها، فكذا تعززه عن إدراك البصر، وتنزهه عن الظلم والنقائص، كما أتى بها نص الكتاب بمحكم آيه، إلا أن تأتينا بمحكم ينقضه فنعم، ولا تأتون به إلا بسلطان"ا. (1/182)
صفحة 183
هـ وقال ص(99) أيضا: "لكنه يستلزم الإعطاء فيما لا يتقدم فيه البرهان من علم الغيب، إذ لا بد من تعينه ببرهان ... فيلزم من خرق العادة إبطال الحكمة وتغيير الكتاب والسنة، ولزوم ما لم يتعين لزومه ببرهان المحجة، وذلك من التعاطي بالمغيبات، وليس من شأننا إلا ببرهان فأقمه لنا على ما عينته نتبع، إذ وعدنا الله أن نتبع برهان الكتاب والسنة، والحكم بما ظهر منهما لا بما غاب، وما عليه السفسطة، وما ذلك إلا إلزام ما لا يلزم، قلبا للحجة ما لم يكن له بالحق مناط". ا.هـ ودعوى أن هذا النظر الذي يلزم له هذه الأشياء في الشواهد أما في الغائب فلا، باطلة أيضا لأن الله تعالى تعبدنا بما نفهم ولا نعقل من الرؤية إلا ما كان بهذه الطرق ومن قال بغير ذلك يلزمه الدليل، وقولهم: "بلا كيف" لا طائل ورائها، وحسبك أن هذه العبارة لم يأت بها نص بل هي من عند القائلين بالرؤية، والإنسان لا يؤمن بشيء يصادم المعقول فيما جاءت فيه الأدلة متضاربة على هذه القاعدة، نعم فيما كانت الأدلة القطعية غير قابلة للتأويل ولا تضارب بينها في مسائل لا يدرك العقل كنهها فهناك يصح أن يقال هذا أما أن يزج بها في كل شيء وفيما كان الدليل له صوارف تصرفه فلا يصح إثباته بهذه القاعدة ولو جاز الأخذ بها مطلقا لقال من شاء ما شاء.
ولو انطلت هذه القاعدة لقيل بأن الناس يرون علمه تعالى وقدرته وإرادته وحياته وسائر صفاته العلية، وكل ذلك موجود وكل موجود يصح أن يرى في قولكم وأنها ترى بلا كيف ... الخ وهذا ظاهر الفساد.
وأما تعلقهم بأن كل موجود يصح أن يرى فهو باطل أيضا لأن الموجودات خالق ومخلوق وقياس الخالق على المخلوق في هذا ظاهر الفساد، وكان الأولى أن يجعلوا قاعدتهم: كل مخلوق يصح أن يرى. وعليه فلا ينطلي على البارئ. وقياس الغائب على الشاهد باطل عاطل ولابن الجوزي كلام جيد في هذا الباب في كتابه "صيد الخاطر" في الفصل رقم [237] ص(326 وما بعدها). (1/183)
صفحة 184
ثم تعلقوا بأشياء منها أنهم قالوا إن الله يخلق للإنسان حاسة سادسة يرى بها، ويجاب بأن ذلك لو سلم فلما لم يوجدها الله لموسى عليه السلام كمعجزة له مع مقامه الرفيع، فإن قيل إن ذلك من حالات يوم القيامة فالجواب أن خرق العوائد بيد الله لا تحده الأزمنة ولذلك لما سئل ابراهيم ربه أن يريه كيف يحي الموتى لم يرد عليه بالنفي لأنه من أعمال يوم القيامة، بل كان الجواب كما تعلم، ومن الحادثتين تتبين أن طلب الرؤية لا يجوز بحال وسؤال ابراهيم جائز لتحققه وكلاهما من خرق العوائد ومن أعمال يوم القيامة.
ومن كلام العلامة المنذري العماني في كتابه "جواب السائل" ص(100) ما مفاده أن توقعهم قلب آلة الإدراك، كي تقدر على الرؤية ليس بشيء، لأن الآلة بعد قلبها تكون آلة حاسّة فتقتضي محسوسا لها، وهو نفس الرجوع إلى ما سبق فتبقى شروط المقابلة والجهة.
وأما اعتلال البعض بأن كون موسى عليه السلام يسأل أمرا لا يجوز لا يتناسب مع مقامه وعلمه، وهل المعتزلة ومن وافقهم أعرف من موسى بربهم؟. فهو لا يجدي فتيلا لأن القائلين بإمتناع الرؤية قالوا إن موسى عليه السلام لم يسأل الرؤية لنفسه بل سألها لقومه الذين ألحوا عليه حتى صرحوا له أنهم لن يؤمنوا له حتى يريهم ربهم وقد جاء في القرآن ذلك في أمثال قوله تعالى: { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } [النساء : 153] وأما قولهم: أنه لو سألها لهم لقال: رب أرهم ينظرون إليك. فالجواب أن نفيها عنه يدل بطريق الأولى أنهم كذلك، وهي أبلغ وأقطع لطلبتهم، ومفادها أن امتناعها عن نبي مرسل يلزم امتناعها عنكم أيضا، ولهذا أخذتهم الصاعقة!! ولم تأخذه معهم كما في الآية المتقدمة، مع أن الطلب من موسى! عليه السلام مما يدلك أنه سألها لقومه. (1/184)
صفحة 185
وتحليل القائلين بثبوت الرؤية لسؤال موسى وقولهم إنه جهل وقتها!!. كلام فج ولهذا يقول العلامة المنذري في "جواب السائل" ص(52): "وكفاك قولهم جهل وقتها، ومن جاز عليه الجهل في البعض جاز في سائره". ا.هـ فدل على أن الأنسب في حق النبوة أن يقال أنه سألها لقومه لا له. مع أنهم يشنعون على المعتزلة في هذا الباب ثم يقعون فيه إذا قالوا بجهله بوقتها!. ما هذا!
[للتوسع في مسألة إعتقاد الإباضية لعدم الرؤية يرجى مراجعة الكتب التالية: "جواب السائل الحيران" للعلامة المنذري و"الحق الدامغ" للشيخ أحمد الخليلي و"معالم الدين" للعلامة الثميني و"مشارق أنوار العقول" للسالمي]._)؛ فهذه البراهين العقلية.
وأما ما أتى به السور من البراهين النقليه فأشياء منها قوله تعالى: { لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار.. الآيه } الأنعام : 103 ، فنفي عز وجل إدراك الأبصار لذاته(_( ) وتأويل الإدراك بالإحاطة لا يصح البتة، ودونك قوله تعالى: { حتى إذا ادّاركوا فيها جميعا } [الأعراف : 38] أي تلاحقوا ولا يعقل أحاط بعضهم ببعض أو تحاوطوا ومشتقاته، بل أهل اللغة الذين إليهم المرجع في هذه المعضلات متفقين على تفسير الإدراك باللحاق وما يقاربه ولم يقل أحد بأنه يفيد الإحاطة ودونك كتب اللغة فراجعها ليتبين لك خطأ من قال بأن الإدراك الإحاطة، ومعلوم أن الفرد إذا قال: أدركت حياة فلان. لا يعني أنه أحاط بها من أولها إلى آخرها، بل يمكن أنه لقيه سنة أو حتى شهرا. وإذا قيل أدرك السهم الصيد لا يعني أنه أحاط به. (1/185)
صفحة 186
قال صاحب "مختار الصحاح" ص(203) دار ابن كثير ـ بيروت: "درك: الإدراك اللحوق. قلت: صوابه اللحاق يقال مشى حتى أدركه وعاش حتى أدرك زمانه، وأدركه ببصره أي رآه!! .. وتدارك القوم تلاحقوا أي لحق آخرهم أولهم ..الخ"._) وامتدح بذلك، فنفي الادراك مدح له تعالى لهذه الآيه، وما كان مدحا له تعالى فلا يصح زواله عنه واتصافه بضده، لأن ما كان سببا للمدح فهو كمال وضده نقص، ولا يصح أن يزول شيئ من الكمالات الإلهيه، ولا أن يتصف الإله بشئ من اضدادها النقصانيه فلو جاز أن يزول ما كان سببا لمدحه تعالى للزم عليه جواز تبديل عزه تعالى بالذل وحمده تعالى بالشتم، وهذا محال في حق صفاته تعالى، فكذا الإتصاف بالرؤية في وقت من الأوقات او من شخص من الأشخاص محال قطعا، لما يلزم عليه من تبديل مُوجِب المدح، وجواز الإتصاف بموجب الذم، فصح استدلالنا بالآيه وسقط اعتراضات الخصم علينا بمحتملات وهمية توهموا أنها التحقيق في معنى الآية، حتى افتخر بعض متأخريهم بذلك فرحا بما لديه فقال:
لا تدرك الأبصار أكبر حجة لمقالهم معنىً لها ما ألطفه
يدريه من خبر العلوم وراضها كابن الخطيب إمام أهل المعرفة (1/186)
صفحة 187
ـ وأراد بابن الخطيب الفخر الرازي(_( ) الإمام أبو عبدالله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري الطبري الأصل والرازي نسبة إلى مدينة الري التي ولد بها عام 544هـ ، اشتهر بلقب "ابن خطيب الري" وأحيانا تختصر إلى "ابن الخطيب"، من تصانيفه: "التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ـ ط" و "المحصول في أصول الفقه ـ ط" و "أساس التقديس" وغير ذلك وكانت وفاته سنة 606 بمدينة هراة. ("ميزان الإعتدال" للذهبي 3/340 ـ "طبقات الشافعية" لابن السبكي 8/81 ـ "لسان الميزان" لابن حجر 4/426 ـ "الأعلام" للزركلي 6/313)._) ـ، ومنها قوله تعالى لكليمه عليه السلام: { لن تراني.. الآية } (_( ) ولن تفيد التأبيد عند كثير من أهل اللغة حيث هي مركبة من (لا) النافية و(إن) المؤكدة، ومن ذلك قوله تعالى: { لن يخلقوا ذبابا } [الحج : 73] وقوله تعالى: { فلن أكون ظهيرا للمجرمين } [القصص : 17] وقوله تعالى: { فلن يخلف الله عهده } [البقرة : 80] ففي الآيات المذكورة لا يصح حمل النفي بلن إلا على التأبيد فالإنقطاع فيهما فاسد، وسلب التأبيد منها هو خلاف الأصل كما في قوله تعالى: { ولن يتمنوه أبدا } [البقرة : 95] وفي هذا يقول العلامة المنذري في "جواب السائل الحيران" ص(57): "قال في الدرر: قلنا عدم استفادة التأبيد في الآية من خارج ونحن لا ننكر تخلفه لدليل بل تأكيدها هو الظاهر أتى به الذوق والإستعمال".ا.هـ_)الأعراف : 143 حين قال له: { ربي أرني أنظر اليك } فلو كانت الرؤية جائزة في حقه تعالى لما علقها بالمستحيل في جوابه لكليمه عليه السلام، وذلك قوله تعالى: { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني } الأعراف : 143 فعلق الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل في علمه تعالى محال، والمعلق على المحال محال مثله، ألا ترى أن أحدنا يقول: آتيك اذا شاب الغراب ـ أي ابيض شعره ـ وابيضاض شعر الغراب محال فالإتيان محال مثله لتعلقه به. (1/187)
صفحة 188
قالوا: استقرار الجبل ممكن في نفسه، والمعلق بالممكن ممكن مثله.
قلنا: إمكانه في نفسه إنما هو بحسب جهلنا بحقائق الأشياء أما عند من عَلِمَ الحقائق فاستقراره محال، فظهر أن الإستقرار ليس بممكن في نفسه، وإنما كان إمكانه بالنظر إلى عدم إطِّلاعِنَا على الحقائق، والرب تعالى عالم بها وبعدم استقرار الجبل، وعلق وقوع الرؤية عليه فصح ما قلناه والحمد لله.
(126)(ومن يدن بها بكفر النعم فاحكم له والشرك إنْ يُجَسِّم)
(127)(كأن يقول يده مثل يدي أو وجهه كوجه بعض الأعبد)
أي واحكم على من قال بجواز الرؤية(_( ) والإباضية ممن ينكرون الرؤية وبسط رأيهم في المسألة في كتاب الشيخ أحمد بن حمد الخليلي "الحق الدامغ" وهو مطبوع ومتداول وفيه من الرد على أدلة القائلين بالرؤية ما يشفي الغليل، بل ما لا تجده مجموعا في كتاب آخر، وأما الأحاديث التي تعلق بها القائلون بالرؤية ففيها ما هو ضعيف وما هو موضوع وما هومعلل بعلة أوشاذ بمرة كقوله - صلى الله عليه وسلم - : »ثم يأتيهم في غير الصورة التي عليها فيقولوا ما أنت ربنا ... الحديث« الذي مفاده أن الله يتشكل من صورة إلى صورة تعالى الله عن ذلك وفيه علل قادحة تنبه لها حتى من غير الإباضية ـ انظر تعليقات السيد حسن بن علي السقاف الشافعي على "دفع شبه التشبيه" لابن الجوزي ص(157) حيث قال: وهذا الحديث شاذ عندنا بمرة، لأن فيه اشكالات تعارض القرآن والسنة الصحيحة المتواترة والمشهورة وغيرها والقواعد الثابتة في الكتاب والسنة، وقد ذكرت له ستة عشر إشكالا ..الخ ـ وقد أخرج الحديث المذكور البخاري ومسلم في "صحيحيهما". (1/188)
صفحة 189
كما أن بعض روايات الرؤية في سندها ـ عند البخاري ومسلم فضلا عن غيرهما ـ (حماد بن سلمة) وهو خفيف الضبط، وله أوهام كما في "ميزان الذهبي" (1/590) بل فيه (1/593) ما نصه: "الدولابي حدثنا محمد بن شجاع الثلجي، حدثني ابراهيم بن عبدالرحمن بن مهدي، قال: كان حماد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث يعني التي في الصفات، حتى خرج مرة إلى عبّادان، فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا أن شيطانا خرج إليه من البحر فألقاها إليه". فمثله لا يستنام إلى روايته.
وفي بعض روايات الرؤية عند الشيخين فضلا عمن سواهما بعض المدلسين أمثال بقية بن الوليد والوليد بن مسلم وهما من الشهرة بمكان بحيث لا يحتاج إلى نقل ما قيل فيهما، غير أن ما ينبغي التنبيه له أن الحافظ ابن حجر تراه في مقدمة "فتح الباري" يحاول بشكل غريب أن يرفع عنهما التهم أثناء رده على كلام الحافظ الدارقطني الذي ينص على رواية البخاري ومسلم عن طائفة من الضعفاء والمدلسين بمن فيهما المذكورين هنا مع أن ابن حجر نفسه ينص في بقية كتبه على ما فيهما من مساوئ وهذا من تعصبه لصحيح البخاري الذي اشتهر به عند المحدثين فالله المستعان.
أما في كتاب "التصديق بالنظر" للآجري الذي هو قسم من كتابه "الشريعة" وقد طبعه بعضهم مستقلا فأكثره من رواية أبوبكر عبدالله بن أبي داود الذي يقول عنه والده الحافظ أبوداود السجستاني: "ابني عبدالله كذاب". كما في "لسان الميزان" لابن حجر (3/348) وشهادته في ابنه تكفي من أراد الله له الهداية.
وكتاب "الرؤية" للدارقطني من رواية أبوطالب العشاري المغفل وابن كادش العكبراوي الوضاع وكلاهما لا يؤمنان على سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فالكتاب المذكور لا يعول عليه أهل النقد. (1/189)
صفحة 190
وأما الرواية ـ في صحيح مسلم [297/181] ـ التي جاء فيها تفسير الزيادة بالرؤية وفيها: » ... فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟. فيكشف الله عنهم الحجاب فينظرون إلى الله، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه، وهي الزيادة«. فهي معلولة أيضا وقد تكفل بالرد عليها المحدث القنوبي في كتابه "السيف الحاد" ص(148 ـ 167) ونقل كلامه هنا يطول فليرجع إليه من شاء بل فيه من التوسعة أنه تعرض بالنقض لدعوى من زعم أن لها شواهد وبين ما في ذلك من هفوات.
كما أن له كتاب خاص يبحث فيه الأحاديث الواردة في الرؤية وبيان ما فيها من علل على طريقة المحدثين سيصدر قريبا بإذن الله مما يدلك أن الروايات في الرؤية ليست ثابتة.
ولا يُحتج هنا بأن روايات الرؤية جاءت في الصحيحين لأن كون الرواية أتت في الصحيحين أو أحدهما لا يعني صحتها على الإطلاق بل الذي أطلق وصف الصحة عليهما إنما أراد الغالب لا العموم وإلا فهناك ما يزيد على مائة عالم ـ من غير الإباضية ـ وأكثرهم من أتباع! وأئمة! المذاهب الأربعة وفيهم أيضا ابن تيمية وابن القيم وابن حزم والشوكاني وأمثالهم قد ضعفوا بعض الروايات في الصحيحين كما نص على ذلك العلامة المحدث القنوبي في كتابه "السيف الحاد" ص(181) وفي ذلك يقول: "هذا وقد وجدنا أكثر من مائة عالم من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم ضعفوا بعض أحاديث الشيخين، أو أنهم قالوا بوجود بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة فيهما، ولولا خوف الإطالة لذكرتهم مع بعض الأحاديث التي ضعفوها، وسأفرد ذلك برسالة خاصة بإذن الله تعالى". ومفاده أن الشيخ وقف على كلامهم ونصوصهم في ذلك، ثم سرد قائمة بأسمائهم تراها في الموضع المذكور. (1/190)
صفحة 191
ثم فصل كلامهم ونقل النصوص الصريحة التي تدل على ذلك في مطلع الجزء الثالث من كتابه القيم (الطوفان) وقد صرح من المعاصرين أمثال المحدث الغماري المالكي بمثل ذلك في كتابه "المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير" و الألباني في "إرواء الغليل" وغيرهم ونقل بعض كلامهما المحدث القنوبي العماني في كتبه الآنفة الذكر، والله الموفق._) في حقه تعالى وعلى من قال بوقوعها في الآخرة بكفر النعمة ـ وهو النفاق ـ فإن مجوز ذلك والقائل به لا شك أنه فاسق لمخالفته العقل والنقل، فقضى الشرع بفسق من خالفه؛ هذا إذا لم يقل بتجسيم الباري أما إذا قال: إنه يُرى على كثيب، أو جالساً على كرسي، أو له صورة كصورة الإنسان، أو على صورة أحد من خلقه، أو له وجه كأوجهنا، أو يد كأيدينا او نحو ذلك فهذا مشرك، وكذا من قال: انه يُرى في الدنيا مشرك أيضا لمكابرته العقل والنقل بلا شبهة يتمسك بها، وإنما لم نُشرِّك من قال بأنه يرى في الآخرة لتأوله الكتاب، والمتأول اذا لم يوافق الحق في تأويله فليس بمشرك لكنه منافق والله سبحانه وتعالى أعلم.
الخَاتمة
في تفسيرِ ألفاظ تعلقت بها المشبهة من
كتابِ الله عزَّوجل
(128)(فوجهه أي ذاته في قوله وعينه أي حفظه لفعله)
تعلقت المشبهة في تقرير تشبيههم بآيات من القرآن العظيم، وذلك أنهم أثبتوا له تعالى وجهاً وعيناً ويداً إلى غير ذلك من صفات خلقه تعالى عن ذلك، واستدلوا في اثباتِ الوجه بقوله تعالى: { ويبقى وجهُ ربكَ ذو الجلالِ والإِكرام } الرحمن : 27 { كل شيءٍ هَالِكٌ إلا وجهَه } القصص : 88 . (1/191)
صفحة 192
قلنا: يأتي الوجه في اللغة على معانٍ منها الجارحة المحدودة، وتفسير الوجه في حقه تعالى بها محال للزومه التشبيه المصرح بنفيه قوله تعالى: { ليس كَمثله شيء } الشورى : 11 مع ما تقدم من البرهان العقلي، فوجب تفسير الوجه بغير الجارحة في حقه تعالى، فقلنا معنى الوجه في الآيات إنما هو بمعنى الذات فقوله تعالى: { ويبقى وجه ربك } أي ذات ربك، وقوله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه } أي ذاته وكذا في نظائرهما من الآيات.
وتعلقوا في اثباتِ العين له تعالى بقوله تعالى: { ولتصنع على عيني } طه : 39 { تجري بأعيننا } القمر : 14 . قلنا: معنى العين في الآيتين الحِفْظ، فقوله تعالى: { ولتصنع على عيني } أي على حفظي، و { تجري بأعيننا } أي بحفظنا، ولا يصح أنْ تكون العين هنا بمعنى الجارحة الباصرة لما تقدم من البرهان العقلي والنقلي، ولأن الآيات لا يمكن حمل معناها على العين التي هي بمعنى الباصرة، فإنه لا يشك عاقل في أنه ليس المراد أن موسى عليه السلام مصنوع على العين الباصِرة (أي فوقها!!) ولا أن السفينة تجري بالأعين الباصرة أيضا، فلا بد لهؤلاء المشبهة من تأويل الآيتين قطعا، وقد فروا عن التأويل فوقعوا فيما فروا منه وزادوا على ذلك تشبيه ربهم تعالى.
(129)(واليد منه قدرة أو قل نعم وقبضة والاستوا مُلكا يُسم) (1/192)
صفحة 193
أي ومعنى اليد في قوله تعالى: { يد الله فوق أيديهم } الفتح : 10 القدرة؛ أي قدرة الله فوق قدرتهم لا كما زعمت المشبهة بأنها جارحة تعالى الله عن ذلك، وقد تأتي اليد بمعنى النعمة(_( ) ومما يجدر نقله هنا أن الامام مالك بن أنس أنكر ونهى أن يُحَدَّث بحديث (الصورة) و(اليد) وحديث (يكشف عن ساقه) وإليك نصه من كتاب "سير أعلام النبلاء" للحافظ الذهبي (7/417 دار الفكر): "أبو أحمد بن عدي: حدثنا أحمد بن علي المدائني، حدثنا اسحاق بن ابراهيم بن جابر، حدثنا أبو زيد بن أبي الغمر، قال: قال ابن القاسم: سألت مالكا عمّن حدّث بالحديث الذين قالوا: "إنّ الله خلق آدم على صورته" والحديث الذي جاء: "إن الله يكشف عن ساقه"، وأنه: "يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد". فأنكر مالك ذلك إنكارا شديدا، ونهى أن يُحَدّث بها أحد، فقيل له: إن ناسا من أهل العلم يتحدثون به. فقال: من هو؟. قيل: ابن عجلان عن أبي الزناد. قال: لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء، ولم يكن عالما. وذَكَر أبا الزناد فقال: لم يزل عاملا لهؤلاء حتى مات. رواها مقدام الرعيني، عن ابن أبي الغمر، والحارث بن مسكين، قالا: حدثنا ابن القاسم." ا.هـ والله المستعان._) كما في قوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان } المائدة : 64 أي نعمتاه الظاهرة والباطنة، والعرب تطلق اليد على القدرة وعلى النعمة كما لا يخفى على من تتبع لغة العرب، لكن هؤلاء المشبهة لا يفهمون العربية لأن غالبهم أصله(_( ) في (ب): كانوا. _) أعاجم فبهرتهم أنوار التنزيل، فوقعوا في مهاوي الضلال ـ والعياذ بالله ـ وقوله: (وقبضة والإستوا.. (1/193)
صفحة 194
الخ) إشارة إلى ما في قوله تعالى: { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة } الزمر : 67 وإلى ما في قوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } طه : 5 أي القبضة في تلك الآية والإستواء في هذه الآية وفي نظائرها بمعنى الملك(_( ) وكذلك تجد ابن جرير الطبري يُأول (الاستواء) بالملك والسلطان حين يقول في تفسيره (1/228 ـ 229) ما نصه: "والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله: { ثم استوى إلى السماء } الذي هو بمعنى العلو والارتفاع، هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه إذا تأوله بالمعنى المفهوم كذلك أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر. ثم لم ينج مما هرب منه! فيقال له: زعمت أن تأويل قوله: { استوى } أقْبَل؛ أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها؟. فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه اقبال تدبير، قيل له: فكذلك فقل؛ علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال." ا.هـ (1/194)
صفحة 195
واستنكار البعض بأن لو أريد بالإستواء الإستيلاء لجاء ولو في آية واحدة من آيات الإستواء، يجيب عليه التقي السبكي حين يرد على ابن القيم في كتابه "السيف الصقيل" ص(86 ـ 87) فيقول: "وهذا الذي قاله ليس بلازم، فالمجاز قد يطّرد وحسنه أن لفظ استوى أعذب وأخصر، وليس هذا من الإطّراد الذي يجعله بعض الأصوليين من علامة الحقيقة، فإن ذلك هو الإطّراد في جميع موارد الإستعمال، والذي حصل هنا اطّراد استعمالها في آيات فأين أحدهما من الآخر، ثم إن استوى وزنه افتعل فالسين فيه أصلية واستولى وزنها استفعل فالسين فيه زائدة ومعناه من الولاية، فهما مادتان متغايرتان في اللفظ والمعنى، والإستيلاء قد يكون يحق وقد يكون بباطل، والإستواء لا يكون إلا بحق، والإستواء صفة للمستوي في نفسه بالكمال والإعتدال، والإستيلاء صفة متعدية إلى غيره، فلا يصح أن يقال: استولى. حتى يقول: على كذا. ويصح أن يقول: استوى. ويتم الكلام، فلو قال: استولى. لم يحصل على المقصود.
ومراد المتكلم الذي يفسر الإستواء بالإستيلاء، التنبيه على صرف اللفظ الموهم للتشبيه، واللفظ قد يستعمل مجازا في معنى لفظ آخر ويلاحظ معه معنى آخر في لفظ المجاز، ولو عبر عنه باللفظ الحقيقي لاختل المعنى، وقد يريد المتكلم أن الإستواء من صفات الأفعال كالإستيلاء المتمحص للفعل من كل وجه، فيكون السبب في لفظة الإستواء عذوبتها واختصارها فقط دون ما ذكرناه ولكن ما ذكرناه أحسن وأمكن، مع مراعاة معنى الإستيلاء. وانظر قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
ولو أتى بالإستيلاء لم يكن له هذه الطلاوة والحسن، والمراد بالإستواء كمال الملك وهو مراد القائلين بالإستيلاء، ولفظ الإستيلاء قاصر عن تأدية هذا المعنى فالإستواء في اللغة له معنيان: (1/195)
صفحة 196
أحدهما استيلاء بحق وكمال؛ فيفيد ثلاثة معان، ولفظ الإستيلاء لا يفيد إلا معنى واحدا، فإذا قال المتكلم في تفسير الإستواء الإستيلاء مراده المعاني الثلاثة، وهو أمر يمكن في حق الله سبحانه وتعالى، فالمقدم على هذا التأويل لم يرتكب محذورا ولا وصف الله تعالى بما لا يجوز عليه، والمفوض والمنزه لا يقدم على التفسير بذلك لاحتمال أن يكون المراد خالفه، وقصور أفهامنا عن الوصف الحق سبحانه وتعالى مع تنزيهه عن صفات الأجسام قطعا.
والمعنى الثاني للإستواء في اللغة: الجلوس والقعود ومعناه مفهوم من صفات الأجسام، لا يعقل منه في اللغة غير ذلك والله تعالى منزه عنها، ومن أطلق القعود وقال إنه لم يرد صفات الأجسام. قال شيئا لم تشهد به اللغة، فيكون باطلا وهو كالمقر بالتجسيم المنكر له، فيؤخذ بإقراره ولا يفيد إنكاره". ا.هـ
ولابن العربي المالكي أيضا كلام جيد في تحليل الأسباب التي دعت إلى تفسير الإستواء بالإستيلاء في كتابه "عارضة الأحوذي" (2/198 ـ 201) ونقل كلامه يطول فمن أراد فليراجعه. (1/196)
صفحة 197
_)، وكذا اليمين في قوله تعالى: { والسماوات مطويات بيمينه } الزمر : 67 ، فمعنى قوله تعالى: { والأرض جميعا قبضته يوم القيامه } أي يكون جميع الأرض ملكه يوم القيامه وكذلك هي اليوم، وانما خص بذلك يوم القيامة لإنتفاء مدعي الملك هنالك بخلافه في هذه الدنيا، فإن فيها من ادعى الملك لنفسه، وإلى هذا المعنى الإشارة في قوله تعالى: { لمن الملك اليوم } غافر : 16 ومعنى قوله تعالى: { والسماوات مطويات بيمينه } أي بقدرته(_( ) كما تأول ابن عباس - رضي الله عنه - قوله تعالى: { والسماء بنيناها بأيدٍ } حيث أوّل الأيدي بالقوة. أخرج ذلك ابن جرير الطبري في "تفسيره" (11/472) برقم [32245] وذكر هناك تأويل اليدين بالقوة عن مجاهد برقم [32246] وعن قتادة برقم [32247] وعن ابن زيد برقم [32249] وعن سفيان برقم [32250] راجع قسم الدراسة: في قضية اثبات التأويل عند السلف.
_)، ومعنى قوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } أي استولى بمعنى مَلَكَه(_( ) أما من فسر الإستواء بالإستقرار والجلوس كحال الآدمي فكلامه باطل وأكثر من ابتلي بهذه الآفة هم الحنابلة حتى أن ابن العربي المالكي يقول في "العواصم من القواصم" [الطبعة الكاملة دار الثقافة - قطر]ص(209): "ولقد أخبرني جماعة من أهل السنة، بمدينة السلام، أنه ورد بها الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، الصوفي، من نيسابور فعقد مجلسا للذكْر، وحضر فيه كافة الخلق، وقرأ القارئ: { الرحمن على العرش استوى } . قال لي أخصهم: فرأيتهم يعني الحنابلة يقومون في أثناء المجلس ويقولون: قاعد، قاعد. بأرفع صوت، وأبعده مدى، وثار أهل السنة من أصحاب القشيري، ومن أهل الحضرة،وتثاور الفئتان، وغلبت العامة، فأحجزوهم المدرسة النظامية، وحصروهم فيها، فرموهم بالنشاب، فمات منهم قوم وركب زعيم القضاة، وبعض الدارية، فسكنوا ثورتهم، وأطفوا نورتهم ... الخ". (1/197)
صفحة 198
وقد تقدم أن في كتاب "السنة" لابن أحمد يقول: "وهل يكون الإستواء إلا بالجلوس!". وابن القيم ينقل في "بدائع الفوائد" رواية فيها ما يفيد أن الله يجلس على عرشه ولم يتعقبها بشيء بل تجده يقرر ما يريده هناك بتلك الرواية فكأنه يرى ثبوتها، وكل أحد يعلم أن الجلوس والقيام والإستلقاء من صفات البشر، ومنه تعلم أن القائلين بتفسيره بالإستيلاء أرادوا كف شغب القائلين بالجلوس والقعود والله المستعان._)، والرب عزوجل مستولٍ على العرش وعلى غيره، وإنما خص العرش بالذكر في هذه الآية ونظائرها لأن العرش أعظم المخلوقات، فناسب ذكره في مقام الإمتداح، وإذا كان تبارك وتعالى مالكاً لما هو أعظم المخلوقات ومستوليا عليه كان استيلاؤه على ما هو دون ذلك ثابتا بطريق الأولى، ومعنى قوله (يُسَم) ـ بالبناء للمفعول ـ أي يُدْعَى، أي كلُ واحدٍ من القبضة والإستوا يسمى ملكاً ـ أي يفسر بالملك ـ والله سبحانه وتعالى أعلم.
(130)(وجَدُّه كوجهه أو قل عِظَم ومكره عقوبة لمن ظلم)
أي الجد المضاف اليه تعالى في قوله: { وإنه تعالى جد ربنا } الجن : 3 له معنيان أحدهما: أن يفسر بالذات كما فسر بذلك الوجه في قوله تعالى: { ويبقى وجه ربك } الرحمن : 27 وعليه فالمعنى وأنه تعالى ربنا، والمعنى الثاني: أن يفسر بالعَظَمَة، وعليه فالمعنى وأنه تعالى عظمة ربنا، فالعِظَم في البيت ـ بكسر العين المهملة وفتح الظاء المعجمة ـ بمعنى العظمه.
وقوله: (ومكره عقوبة.. الخ) أي والمكر المسند اليه تعالى في نحو قوله تعالى: { ومكروا ومكر الله } آل عمران : 54 إنما هو عقوبة للظالم لا غير ذلك من المخادعة والإحتيال فمعنى قوله تعالى: { ومكر الله } أي وعاقبهم الله، أي قضى بعقوبتهم وحكم بها من حيث لا يعلمون ذلك.
الباب الثالث
ـ من الركن الثاني ـ
في الأنبياء والرسل والملائكة والكتب
(131)( ثم من الجائز بعث الرسل يهدوننا إلى الصراط الأعدل)
( (1/198)
صفحة 199
132)(مقرونة دعواهم تفضلا بمعجزات تبطل التقوّلا)
أي ثم إني أقول: إن من الجائز في حقه تعالى إرسال الرسل ـ أي والإيحاء إلى الأنبياء ـ وانزال الكتب، ومعنى الجائز في حقه تعالى أي له أن يفعل ذلك وله أن لا يفعله، ويصح اتصافه به وعدم اتصافه به خلافا لمن أوجب ذلك في حقه تعالى ولمن أحاله والقائل باستحالة ذلك مشرك إجماعا، وقوله: (يهدوننا إلى الصراط) الجملة في محل الحال من الرسل، والمعنى: هادين لنا إلى الصراط الأعدل ـ أي المستقيم ـ وفي هذا تنبيه على حكمة ارسال الرسل، وقوله: (مقرونة دعواهم) ـ حال من (واو) يهدوننا أو من الرسل أيضا ـ أي دعواهم بأنهم رسل من الله تعالى مقرونة بمعجزة؛ وهي الخارق للعادة المتحدى به على الخصم، فخرج بالخارق السحر فإنه غير خارق للعادة؛ وإنما هو أمر مترتب على أسباب مَنْ أحْكَمَهَا حصل له ذلك الأمر، والخارق ليس مُتَرَتِّبَا على سبب لكن لما خفيت أسباب السحر على كثير من الناس ظن أنه خارق وليس كذلك، وخرج بالمتحدى به.. الخ كرامات الأولياء فإنها وإن كانت خارقة أيضا لا تكون على جهة التحدي، أي فلا تحصل لمن يدعي النبوة منهم إذا لم يكن نبيا كذا جرت عادته سبحانه وتعالى حفظا لرتبة النبوة وصونا لمقام الرسالة.
وقوله: (تفضلا) حال من قوله: بمعجزات. والعامل فيه مقرونة، أي مقرونة دعواهم بمعجزات متفضلا بها عليهم، وقوله: (تبطل التقولا) نعت للمعجزات أي تلك المعجزات مبطلة لِتَقَوُّل الخصم لإدعائه أنه يستطيع الإتيان بمثلها كما ادعى فرعون في قوله لموسى ـ عليه السلام ـ { فلنأتينك بسحر مثله } طه : 58 وكإدعاء مسيلمة أنه يأتي بمثل القرآن.
(133)(وواجب عليك أن تعرف ما يجوز للرسل وما قد لزما)
(134)(وما استحال عنهم فاللازم في حقهم نَعْتَاً هي المكارم)
(135)(كالصدق والتبليغ والأمانة والعقل والضبط وكالفطانة)
(136)(والمستحيل ضدها كالكذب وكالجنون وارتكاب الرِّيب)
( (1/199)
صفحة 200
137)(وما عدا ذلك فهو ممكن في حقهم إلا الذي يستهجن)
للرسل والأنبياء صفات واجبة في حقهم ولهم صفات مستحيلة في حقهم وصفات ممكنة في حقهم، ويلزم المكلف معرفة كل واحد من هذه الصفات بعد قيام الحجة به عليه، فيجب في حق الأنبياء والرسل (التبليغ) لما أمروا بتبليغه دون ما لم يؤمروا بذلك، ودون ما خُيِّرُوا في تبليغه، ويجب إتصافهم بـ(الصدق) وهو مطابقة خبرهم للواقع، ويجب اتصافهم بـ(الأمانة) وهي حفظ ما ائتمنوا عليه ووضعه في موضعه وأداؤه إلى أهله، ويجب اتصافهم بـ(العقل) فلا يكون المجنون رسولا ولا نبيا ولا يكون نبي صبيا ـ أي متصف بصفة الصبيان ـ من عَدِم الاتصاف بموجبات العقل، فيخرج بهذا التقييد يحيى ـ عليه السلام ـ لقوله تعالى: { وآتيناه الحكم صبيا } مريم : 12 وكذا من كان مثله.
حاصل ما في المقام أن الواجب الإتصاف بالعقل، فإذا حصل في أحد فلا عبرة بكثرة عدد السنين وقلته، ويجب في حقهم (الضبط) أي حفظ ما أمروا بتبليغه وضبطه حتى يؤدونه على وجه لا يكون فيه خلل، ويجب في حقهم (الفطانة) وهي اليقظة في الأمور ليحصل لهم بذلك محاورة الخصم، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، ويستحيل في حقهم أضداد هذه الصفات مِنْ ذلك؛ (الكذب) وهو عدم مطابقة الخبر لما في الواقع، ومِن ذلك (الجنون) وهو زوال العقل، ومِن ذلك (ارتكاب الرِّيَب) ـ أي المعاصي ـ فإنهم لو ارتكبوها ما كانوا أمناء في أوامر ربهم في أنفسهم فلا يكونون أمناء في غير ذلك، وما عدا هذه الصفات التي ذكرتها فهي في حقهم من الممكن لهم والجائز اتصافهم بها، وذلك مثل النوم والأكل والشرب والجماع والمشي بالأسواق وغير ذلك من المباحات، نعم يستثنى من ذلك ما كان مستقبحا منها في العقل كالبول قياماً فإن العقل يستقبح ذلك في أدنى البشر، فكيف يستحسنه في أعلاهم، على أن الغرض إتصافهم بمكارم الأخلاق وليس هذا منها.
(138)(أفضلهم نبينا ثم الخليل ثم الكليم بعده عيسى الجليل)
( (1/200)
صفحة 201
139)(وبعدهم نوح فباقي الرسل فالأنبيا ذوو المقام الأكمل)
وقع الإجماع على ثبوت تفاضل الرسل لقوله تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } البقرة : 253 ووقع الإجماع على أفضلية نبينا عليه الصلاة والسلام على جميع الخلق لأدلة تخصه، ووقع الإتفاق على أن أفضل الرسل من بعده أربعة: 1ـ ابراهيم خليل الرحمن 2ـ وموسى كليم الله 3ـ وعيسى روح الله 4ـ ونوح نبي الله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ثم وقع الخلاف في تفضيل بعض هؤلاء على بعض، واعتمد الأكثر الطريقة التي اعتمدها المصنف، ووقَفَ بعضٌ عن تعيين الأفضل منهم وقال: هذا باب لسنا بحكام فيه لأن أمر ذلك إلى التوقيف من الشارع، وهو حق فالتوقف أولى فيما لم يرد فيه نص. وقوله: (فباقي الرسل) أي بعد هؤلاء الخمسة في الفضل باقي الرسل، وعدد الرسل ـ مع هؤلاء الخمسة ـ ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً أولهم آدم وآخرهم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقوله: (فالأنبيا) أي بعد الرسل في رتبة التفضيل الأنبياء؛ وهم الذين أُوحي إليهم بشرع لم يؤمروا بتبليغه، فان أمروا بالتبليغ كانوا رسلا أيضا، وعدد الأنبياء(_( ) عدد الأنبياء والرسل والكتب الذي يتناقله المصنفون في العقيدة مأخوذ من الحديث الذي رواه أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه - الذي جاء فيه:
" ... قلت: يارسول الله كم الأنبياء؟. قال: مائة ألف وعشرون ألفا ـ وفي رواية: وأربعة وعشرون ألفا ـ. قلت: يارسول الله كم الرسل؟. قال: ثلاثمائة وثلاث عشر جما غفيرا. ... قلت: يا رسول الله كم كتاب أنزله الله تعالى؟. قال: مائة كتاب وأربعة كتب."
وهذه الرواية بهذا التمام أخرجها ابن حبان في "صحيحه" برقم [94 ـ موارد الظمآن] وأبو نعيم في "الحلية" (1/221) برقم [551] وفي الروايتين ابراهيم بن هشام بن يحي الغساني قال عنه أبو حاتم وغيره: كذاب كما في "موارد الظمآن" ص(54) للهيثمي. (1/201)
صفحة 202
وأخرجها من طريقه ـ بعدد الرسل فقط ـ أيضا الإمام أحمد في "مسنده" برقم [21601 و21607] والطيالسي في "مسنده" برقم [478] وفيهن المسعودي وعنها يقول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/395): "رواه أحمد والبزار والطبراني في "الأوسط" بنحوه وعند النسائي طرف منه، وفيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط". ا.هـ
كما أخرج الإمام أحمد في "مسنده" رواية من طريق أبي أمامة - رضي الله عنه - يحكي فيها عن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - برقم [22351] وفيها ذكر عدد الأنبياء والرسل دون الكتب، لكن في سنده علي بن يزيد وعنها يقول الهيثمي في "مجمعه" (1/395): "رواه أحمد والطبراني في "الكبير" وقال: "كم عدد الأنبياء؟. قال: مئة ألف وأربعة وعشرون ألفا". ومداره على علي بن يزيد وهو ضعيف". ا.هـ
ومنه تجد أن الروايات غير ثابتة في هذا الباب، بقي البحث هنا عن رواية المسعودي والرواة عنه هل هم ممن روى قبل اختلاطه أم لا؟ فإن كان قبل اختلاطه فلتصحيح الرواية مدخل وإن كان بعدها فلا._) على القول المشهور مائة ألف وعشرون ألفا ـ منهم الثلاثمائة والثلاثة عشر ـ، وقوله: (ذوو المقام الأكمل) أي أصحاب المقام الكامل.
(140)(قد نسخت شرائع الجميع سوى الهدى بشرعنا البديع)
(141)(وما له أي شرعنا مغير فهو على الدوام لا يُغَيَّر) (1/202)
صفحة 203
اعلم أن شريعة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ناسخة لشرائع الأنبياء من قبله أي مُبَدِّلَة لأحكامها بأحكام أخر، إما مخالفةٌ لها وإما موافقة، إلا ما لا يصح نَسْخُه من ذلك ـ كالتوحيد ـ فإن صفاته تعالى لا يجوز عليها التغيير، فلا يصح نسخ التعبُّد فيها فلا يمكن أن يتعبد أحد من أهل الملل أن يعتقدوا أنه لا يُرى ويتعبد آخرين أن يعتقدوا أنه يُرى، وكمكارم الأخلاق فإن الله يأمر بالعدل والإحسان ومكارم الأخلاق داخلة تحت العدل والإحسان فلا يصح أن يأمر بخلاف المكارم، وهذا النوع ـ ما لا يصح نسخه ـ هو المراد من قول المصنف (سوى الهدى) أي إلا الهدى فإنه لم ينسخ، أي لأنه لا يصح نسخه، وقوله: (وما له أي شرعنا ..الخ) أي لا يغير شرع نبينا - صلى الله عليه وسلم - ناسخ لأنه ليس بعده نبي كما صرَّح به حديثُ: (لانبي بعدي((_( ) جزء من حديث جاء من طريق سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - رواه مسلم في "صحيحه" [2404] وأحمد في "مسنده" [1605] وعبد الرزاق في "مصنفه" [20390] وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" برقم [47] وأبو نعيم في "الحلية" [10300 و10301 و10302 و10303 و10304 و10306 و10308 و10309].
وجاء من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه الإمام البخاري في "صحيحه" [3455]. وجاء من طريق ثوبان - رضي الله عنه - رواه أحمد [22457] والترمذي [2219]. ومن طريق جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - رواه الترمذي [3730] وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" [122]. (1/203)
صفحة 204
ورواه الحاكم في "المستدرك" [4105أ] عن وهب بن منبه. وأبو نعيم في "الحلية" [10307] عن علي. وابن سعد في "الطبقات" (3/17 /الكتب العلمية) عن سعد بن مالك - رضي الله عنه - . ورواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" في مواضع منه، وغيرهم._) وكما دل عليه قوله تعالى: { وخاتم النبيين } الأحزاب : 40 فإن الخاتم لا يكون معقوباً، فثبت امتناع نسخ شرعه لإستحالة نبي بعده، واعتقاد أنه لا نبي بعده وأن شريعته لا تنسخ من بعده واجب علينا، فلا يصح جهل علمه بعد قيام الحجة به.
(142)(وبعدهم ملائك حباهم مولاهم بالقرب واجتباهم)
(143)(أفضلهم جبريل والذي زعم تفضيله على الحبيب قد غشم) (1/204)
صفحة 205
أي بعد درجة الأنبياء في الفضل درجة الملائكة ـ عليهم السلام ـ فإنه قد أعطاهم ربهم ومولاهم من الفضل الخاص بهم ما لم يعطه لغيرهم، واصطفاهم لخدمته وفرغَّهم لإنفاذ أمره فلهم الفضل العظيم لهذا التبجيل والتعظيم، على أن الله عزوجل قد مدحهم في كتابه العزيز بقوله: { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } الأنبياء : 20 وقوله: { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } التحريم : 6 فهم بهذا أفضل من سائر المؤمنين ممن عدا الأنبياء والمرسلين، وفضل بعض أصحابنا وغيرهم المؤمنين عليهم، واستدل كل واحد من الفريقين بأدلة ذكرناها في غير هذا المقام، ولا شك أن بعض الملائكة أفضل من بعض لقوله تعالى ـ حكاية عنهم ـ: { وما منا إلا له مقام معلوم } الصافات : 164 وأفضلهم على الإطلاق جبريل ـ عليه السلام ـ لأنه الرسول من الله إلى أنبيائه وان كان غيره قد أُرْسِلَ أيضا فإرساله هو أكثر من غيره، ولكثرة خصاله الفاضلة والفواضل زعم الزمخشري(_( ) العلامة أبو القاسم جار الله محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، من كبار علماء المعتزلة ولد في زمخشر احدى ضواحي خوارزم سنة 467هـ رحل وسمع ببغداد من نصر بن البطر، وحج وجاور بها زمنا فلقب جار الله. قيل سقطت رجله فكان يمشي على عمود من خشب، وروى عنه بالإجازة أبو طاهر السلفي وزينب بنت الشعري. (1/205)
صفحة 206
قال ابن حجر في "لسان الميزان" (6/4): "وقد كان الزمخشري في غاية المعرفة بفنون البلاغة وتصرف الكلام وكتابه (أساس البلاغة) من أحاسن الكتب وقد أجاد فيه وبين الحقيقة من المجاز في الألفاظ المستعملة إفرادا وتركيبا، وكتابه (الفائق في غريب الحديث) من أنفس الكتب؛ لجمعه المتفرق في مكان واحد مع حسن الإختصار وصحة النقل، وله كتاب (الفصل في النحو) مشهور ورأيت له مصنفا في المشتبه في مجلد واحد وفيه فوائد جليلة، وأما التفسير فقد أولع الناس به وبحثوا عليه وبينوا دسائسه وأفردوها بالتصنيف، ومن رسخت قدمه في السنة وقرأ طرفا من اختلاف المقالات انتفع بتفسيره ولم يضره" ا.هـ قال السمعاني: برع في الأدب وصنف التصانيف، وورد العراق وخراسان ما دخل بلدا إلا واجتمعوا عليه وتلمذوا له، وكان علامة نسابة جاور مدة حتى هبت على كلامه رياح البادية. مات ليلة عرفة سنة 538هـ. من تصانيفه تفسيره الشهير وهو "الكشاف ـ ط" و معجم "أساس البلاغة ـ ط" و"المقامات ـ ط" و "المستقصى في الأمثال ـ ط" و "الفائق في غريب الحديث ـ ط" و "أعجب العجب في شرح لامية العرب ـ ط" وغيرها كثير. ("العبر" 2/455 ـ و"سير أعلام النبلاء" للذهبي 14/596 ـ و"لسان الميزان" لابن حجر 6/4 ـ و"الأعلام" للزركلي 7/178)._) أنه أفضل من حبيب الرحمن محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد خرق الإجماع بذلك ودخل مدخلا كان الواجب عليه أن يقف دونه.
(144)(بهم جميعا يجب الإيمان وبالذي أنزله الرحمن)
(145)(وهوكلام جاء بالنظم الأتم على معان فيه ارشاد الأمم) (1/206)
صفحة 207
أي يجب التصديق على جهة الإذعان بالأنبياء جميعا وبالرسل جميعا، وبالملائكة جميعا وبما أنزل الرحمن من الكلام على رسله، فالإيمان واجب بكل واحد من هذه الأصناف جملة، ويجب علينا أن نخص محمدا - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل عليه بالإيمان، فلا يجزي الإيمان به مع جملة الرسل ولا الإيمان بالقرآن مع جملة الكتب، وكذا يجب علينا أن نخص بالإيمان من قامت علينا الحجة برسالته أو نبوته من الأنبياء والرسل الذين من قبله - صلى الله عليه وسلم - ، وقوله: (وهو كلام دلَّ.. الخ) هذا تفسير لما أنزل الرحمن؛ أي الذي أنزله ربنا هو كلام دلَّ بالنظم التام على معان ترشد الأمم إلى نجاتها وإلى فلاحها وصلاحها، وجملة ما أنزل الله من الكتب على ما في بعض الروايات مائة كتاب وأربعة كتب؛ خمسون منها على شيث، وثلاثون على ادريس فتلك ثمانون، وعشرة صحف على إبراهيم، وعشرة على موسى قبل التوراة فتلك مائة، والتوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والقرآن العظيم على نبينا الكريم عليه وعليهم أفضل صلاة وأكمل تسليم.
(146)(والكل مخلوق لإمكان العدم ولإنفراده تعالى بالقدم)
أي كل واحد من الكلام المنزل على الرسل مخلوق، لا شيء منها متصف بالقدم، لا التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا القرآن ولا غيرها من سائر الكتب، وذلك لأدلة عقلية ونقلية؛
أما العقلية فمنها أن الكلام المنزل ممكن فناؤه وكل ما أمكن عدمه استحال قدمه، ومنها أنه تعالى منفرد بالقدم فلو كان الكلام أو شيء منه قديما للزم بطلان انفراده تعالى بالقدم، وقد قام البرهان على وجوب انفراده بذلك فلا قديم غيره. (1/207)
صفحة 208
وأما النقلية فأشياء منها قوله تعالى: { خالق كل شيء } الأنعام : 102 والكلام شيء فهو مخلوق لهذه الآية، ومنها قوله تعالى: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } القمر : 49 والكلام شيء، ومنها أنه موصوف بالإنزال كما في قوله تعالى: { إنا أنزلناه } القدر : 1 وكل منزل منتقل من جهة إلى جهة، وكل منتقل حادث وكل حادث مخلوق، إلى غير ذلك من الأدلة والله تعالى أعلم.
فصل
في المحكم والمتشابه
(147)(وفي القرآن محكم ومشتبه ومجمل مفصل نؤمن به)
(148)(كلٌ أتى من ربنا والخلف في حديهما على أقاويل تفي)
(149)(مع اتفاق منهم أنهما نوعان أي مختلف حكمهما)
أي في القرآن آيات محكمة وفيه آيات متشابهة، وفيه آيات مجملة وفيه آيات مفصَّلة ـ أي مبينة ـ، ويجب الإيمان بجميعه محكمه ومتشابهه ومجمله ومفصله لقوله تعالى: { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتَّبعون ما تشابه منه.. الآية } آل عمران : 7 ، وقد اختلف العلماء في بيان المحكم من المتشابه وفي تعريف كل واحد منهما على أقاويل تجئ في النظم، وهم مع اختلافهم متفقون على أن المحكم غير المتشابه والمتشابه غير المحكم فهما نوعان متغايران، وحكم كل واحد منهما يخالف حكم الآخر لأن الرب تعالى رتب على كل واحد حكما.
ثم إنه أخذ في بيان حد المحكم وبيان حكمه فقال:
(150)(فالمحكم المتضح المعنى انقسم للنص والظاهر معنىً فانحسم)
(151)(في النص حكم القطع بالمراد والظن في الظاهر للعباد)
(152)(وإن أتى بعكسه الدليل صير اليه وهو التأويل)
(153)(وهو قريبا أو بعيدا وقعا أو متعذراً فلن يُتَّبَعا) (1/208)
صفحة 209
أي المحكم ـ من الآيات ومن غيرها من الروايات ـ هو ما اتضح معناه وهو قسمان؛ لأنه إما أن يتضح المعنى ولم يحتمل معنىً غيره وهو النص، وإما أن يحتمل معنىً ثانياً وإن كان احتمالا بعيدا مثلا فهو الظاهر، ولكل واحد من النص والظاهر حكم، فحكم النص القطع بمراد المتكلم أي إذا سمعنا من الكلام ما لايحتمل إلا معنىً واحدا قطعنا بأن مراد المتكلم هو ذلك المعنى لا غيره لعدم احتمال الكلام لغيره، والحكم في الظاهر الظن بأن ما ظهر من المعاني هو مراد المتكلم، أي اذا سمعنا كلاماً يحتمل معنيين لكن السابق إلى الذهن أحدهما ظننا أن ذلك السابق إلى الذهن هو مراد المتكلم، وانما كان هذا كذلك لإحتمال أن يكون المتكلم أراد المعنى الثاني؛ هذا إذا لم يقم دليل على أن مراد المتكلم المعنى المرجوح فإن قام الدليل بذلك ترك المعنى الظاهر وصِيرَ إلى المعنى الباطن لوجود ذلك الدليل الدال على أن الباطن هو المراد.
والمصير من الظاهر إلى المعنى الباطن هو التأويل(_( ) والتأويل فيه ما هو حق يتحتم المصير إليه كما أن فيه الباطل الذي يجب التحذير منه فالأخذ به دون ضوابط ومحاربته مطلقا كلاهما خطأ عظيم يقول المصنف في كتابه "طلعة الشمس" (1/169 ـ 170 التراث): "وصرف الظاهر إلى المعنى الباطن بالدليل هو المسمى عندهم بالتأويل، وهو في اللغة: مصدر أوّل وأصله من: آل يؤول إذا رجع، كذا في "المنهاج". قال: وأما في الاصطلاح: فهو صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه لقرينة اقتضت ذلك الصرف، قال: وله شبه باللغوي ـ أي المعنى ـ كأنه رد اللفظ من ذهابه على الظاهر، حتى يرجع إلى ما يريد به. (1/209)
صفحة 210
أقول ـ السالمي ـ: والمراد بصرف اللفظ عن حقيقته هو أن يكون اللفظ موضوعا فيصرف عنه في الاستعمال بدليل، ويشمل ذلك المفرد إذا استعمل في غير ما وضع له كالأسد في الشجاع، وكالمطلق في المقيد، والعام إذا قُصر على أفراده ونحو ذلك، فاستعمال اللفظ من مفرد وغيره فيما وضع له هو (الظاهر) وصرفه إلى غيره هو (التأويل).
والمراد بالقرينة هو الدليل الذي يصرف به الظاهر عن ظاهره؛ وهي إما:
ـ عقلية : كما في قوله تعالى: { ولتصنع على عيني } فالعين حقيقة في الحاسة، لكن لما منع العقل من وجود هذه الصفة فيه تعالى حكمنا بأن المراد بالعين في الآية غير حقيقتها فقلنا: أنه أراد بالعين العلم أو الحفظ على سبيل التجوز.
ـ وإما أن تكون القرينة مقالية: كما في قوله تعالى: { ليس كمثله شيء } فإن هذه الآية قرينة صارفة للآيات ـ التي ظاهرها التجسيم ـ عن ظاهرها.
وقد يكون التأويل قريبا فيكفى في صحته ووجوب قبوله أدنى مرجح، كما ذكرنا في تأويل العين بالعلم أو الحفظ لكونها طريقا إليهما، فإن هذا التأويل مجازي قريب لقوة العلاقة. وقد يكون بعيدا وبُعْده بحسب غموض العلاقة التي سوغت التجوّز به، وبحسب ضعف القرينة التي لأجلها صرف اللفظ عن ظاهره فيحتاج إلى مرجح أقوى مما ترجح به التأويل القريب، وسيأتي مثال البعيد.
وقد يكون التأويل خارجا عن التجوزات الدائرة في السُنْ العرب فلا يقبل بل يرد على قائله ويكذب بسبب ذلك؛ وذلك كما في تأويلات الباطنية أخزاهم الله تعالى؛ ثعبان موسى ـ صلوات الله عليه ـ بحجته، ونبع الماء من بين الأصابع بكثرة العلم، وتأويل قوله تعالى: { حرمت عليكم أمهاتكم } أن المراد بالأمهات العلماء وتحريم مخالفتهم وانتهاك حرمهم ونحو ذلك من تقولاتهم كثير ... الخ" ا.هـ (1/210)
صفحة 211
فليس التأويل عند القائلين به من أتباع الفرق المعتدلة مفتوح على مصراعيه لكل من هب ودب بل كل ذلك مضبوط بضوابط، ومحاربته بكل صوره ديدن من لا يعقل ما يخرج من رأسه._) وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: 1ـ تأويل قريب 2ـ وتأويل بعيد 3ـ وتأويل متعذر، كل ذلك بحسب قُرب الإحتمال للمعنى وبُعْدِه، فالتأويل القريب يترجح بأدنى دليل والتأويل البعيد يحتاج إلى تأويل قوي والمتعذر منه لا يقبل.
فمن المتعذر تفسير الرافضة لقوله تعالى: { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر } الحشر : 16 قالوا: الشيطان عمر بن الخطاب، والإنسان: أبو بكر قال له خذ الخلافة وأنا معينك عليها. ـ أخزاهم الله تعالى ورضي عن الشيخين(_( ) الشيخان هما أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وهما أشهر من أن يُعَرَّفَا صاحبي النبي - صلى الله عليه وسلم - وخليفتاه من بعده متفق على تقديمهما لم يشذ في هذا إلا الشيعة فإنهم أساءوا إلى أنفسهم ببغضهما ففحش مذهب الشيعة إنما أتى من موقفهم من هذين الصحابيين ـ الذي تبناه الإثنى عشرية بخلاف الزيدية ـ قال الشيخ السالمي عنهم في منظومة "كشف الحقيقة":
"فيشتمون أفضل الأصحاب ويدعون أفضل الثواب"._) ـ ولهم في تحريف القرآن العظيم على هذا المنوال ما ينبغي أن ينزه مختصرنا هذا عن ذكره.
ولما فرغ من بيان حد المحكم وأحكامه شرع في بيان حد المتشابه وأحكامه فقال:
(154)(وذو اشتباه ما اختفى كالمجمل أو مفهم تشبيه مولانا العلي)
(155)(فمنه ما قيل بأنه الذي له احتمالان فصاعداً خُذ)
(156)(ومنه أيضا ما يكون مبهما كتسع عشر أمرهم قد أبهما)
(157)(ومنه أنه الذي لم يَعلم تأويله غير المهيمن اعلم)
(158)(فكل هذا أصله متَّحد وجعله أشياء ليس يحمد)
(159)(وقيل أحرف أوائل السور وقيل بالأمثال مع كل خبر)
(160)(وقيل ما قد كان منسوخا وما قد كان ناسخا يسمى محكما) (1/211)
صفحة 212
المتشابه هو خلاف المحكم وعرَّفوه بأنه: هو الذي اختفى معناه، ولخفاء معناه سببان؛ أحدهما اجمال اللفظ، وثانيهما أن يكون ظاهره مخالفا لدليل العقل وذلك كما إذا كان في ظاهره تشبيه الباري عزوجل بخلقه كآية الإستواء، فهو باعتبار سببه قسمان مجمل وما كان ظاهره التشبيه، وهذا الحد الذي ذكره المصنف وهو أن المتشابه ما اختفى معناه شامل لأكثر التعاريف الواردة من العلماء في المتشابه، فيدخل تحته قول من قال: إن المتشابه ما كان له احتمالان فصاعدا يختفي فيه المعنى المراد منه ولا يعلم الا بدليل خارجي؛ وهذا الدليل هو الذي نسميه بالبيان، ويدخل تحته أيضا من قال: إن المتشابه هو ما كان مُبهمَاً وذلك كما في قوله تعالى: { عليها تسعة عشر } المدثر : 30 فأبهم المعدود من هذه الآية فلم يُدْرَ ما هو واحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا وأن يكون تسعة عشر صفا إلى غير ذلك وكما في قوله تعالى: { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } الحاقة : 17 فحقيقة الثمانية مبهمة، ووجه دخول هذا في تعريف المصنف إنما هو من حيث خفاء المعنى المراد، ويدخل تحته أيضا قول من قال: إن المتشابه هو ما لا يعلم تأويله إلا الله كوقت الساعة وككيفية الحشر وكحقيقة الثواب وحقيقة العقاب إلى غير ذلك ووجه دخوله فيما تقدم بجامع الخفاء، ولذا قال المصنف: (فكل هذا أصله متحد) أي أصل هذه الأقاويل واحد وهو الخفاء، وقوله: (وجعله أشياء.. الخ) أي جعل ما ذُكر هاهنا أشياء متعددة لمعان مختلفة غير محمود لأن كل واحد من تلك الأقوال انما اعتبر جهة من جهات الخفاء، فالقدر المشترك بين الجميع هو الخفاء فينبغي أن يؤخذ في تعريف المتشابه فتكون تلك الأقاويل أنواعا له كما صنع المصنف، وأما قوله: (وقيل أحرف.. الخ) فهذه ثلاثة أقاويل في المتشابه خارجة عن ضابط الخفاء : (1/212)
صفحة 213
أحدها: أن المتشابه هو الحروف المقطَّعة في أوائل السوركـ(الم ـ المص ـ الر ـ المر ـ كهيعيص.. إلى آخرها) ووجه الخروج من ذلك الضابط هو أن القول به يفيد حصر المتشابه في هذه الحروف دون ما عداها من الآيات.وثانيها: أن المتشابه هو القصص والأمثال وهو معنى قوله: (وقيل بالأمثال مع كل خبر).وثالثها: أن المتشابه هو ما كان منسوخا من الآيات، وأما ما كان منها ناسخا فيسمى محكما.
(161)(وحكمه الوقوف في الإجمال حتى يبين أظهر احتمال)
(162)(والرد للمحكم حكم الثاني أو يلزمن تناقض القرآن)
لما كان المتشابه قسمين ثبت لكل قسم حكم، فله أيضا حكمان فأما حكم المجمل منه فهو الوقوف عن تعيين المراد منه وعن العمل به حتى يبين المراد منه بدليل يسمى بيانا وهذا معنى قوله: (حتى يبين أظهر احتمال). وأما حكم النوع الثاني منه وهو ما كان ظاهره التشبيه فحكمه أن يُرَد إلى المحكم من الآيات فيفسر به لقوله تعالى: { منه آيات محكمات هن أم الكتاب } آل عمران : 7 ومثال ذلك قوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } طه : 5 فإنه يجب أن يرد إلى قوله تعالى: { ليس كمثله شيء } الشورى : 11 فيستحيل أن يفسر الإستواء بالإستقرار لأنه لو فسر بذلك لكان مثله شيء في ذلك الوجه فيلزم تناقض القرآن والقول بتناقضه باطل وهذا معنى قوله: (أو يلزمن تناقض القرآن).
الباب الرابع
ـ من الركن الثاني ـ
في الوعد والوعيد
وفيه أربعة فصول
الفصل الأول
في الموت والبعث والحساب
أي وفي غير ذلك من المعاني كبيان الرزق وعذاب القبر والحوض والكتب.
(163)(والموت حق يجب الإيمان به كذاك البعث والحسبان) (1/213)
صفحة 214
أي الموت ثابت على كل ذي روح لا يشك في ثبوته أحد لأنه موجود ضرورة، فيجب الإيمانه به تصديقا لقوله تعالى: { كل نفس ذائقة الموت } آل عمران : 185 فنعتقد أن كل ذي روح يموت، وأما ما عدا ذوات الأرواح فالفناء في حقهم ثابت فهم يفنون قطعا لقوله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه } القصص : 88 فالموت فناء خاص بذوات الأرواح، والفناء عدم عام لها ولغيرها، وكذلك البعث ثابت بالبراهين النقلية فالإيمان به واجب، وكذلك الحساب بعد البعث ثابت بالبراهين النقلية أيضا فالإيمان به واجب أيضا.
ثم إنه أخذ في بيان كيفية الموت والبعث فقال:
(164)(فالموت أن تفارق الروح الجسد والبعث ردها اليه للأبد) (1/214)
صفحة 215
اي فالموت هو مفارقة الروح للجسد، لأن حياة الجسد إنما هي بسبب ممازجة الروح له، قال في "القناطر"(_( ) قناطر الخيرات (3/522) ـ بتصرف في النقل ـ وهو من تأليف العلامة أبو طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي من علماء الإباضية في النصف الأول من القرن الثامن الهجري وجيطال من مدن جبل نفوسة (في ليبيا حاليا) مقر الإباضية هناك، درس على يد أبي موسى الطرميسي ومن مدرسته تخرج واشتغل بالتدريس في مدرسة أبي زيد المزغورتي حيث شارك صديقه وزميله العلامة أبي عزيز ثم انتقل إلى فرسطاء فقام فيها بالتدريس تسع سنوات كاملة، وأخيرا انتقل إلى جزيرة "جربة" (في تونس حاليا) وبقي فيها إلى أن وافاه الأجل المحتوم فلحق بربه سنة 750هـ وصفه العلامة علي يحي معمر بقوله: "كان يشتغل بالتدريس وكان لا يتوقف عن دروس الوعظ والإرشاد ولا يقف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد كان يعيش في مجتمعه عيشة حقيقية، يعرف ما يقع فيه من هدى وضلال، ولذلك فقد كان يحارب أسباب الضلال حربا متصلة لا تتوقف ولا تهادن، سواء كان هذا الضلال زيفا في العقيدة، أوانحرافا في العمل، أو استهانة بالواجب أو جهلا بأحكام دين الله، وقد كان يغشى الأسواق، ويدخل المجتمعات يبين للناس الحق من الباطل والحلال من الحرام ". ووصفه الشماخي بأنه: "كان مستجاب الدعاء". من تصانيفه: "قناطر الخيرات ـ ط 3ج" (على نسق "إحياء علوم الدين" للغزالي) و"قواعد الإسلام ـ ط" في الفقه و"شرح نونية أبي نصر" في التوحيد و"أجوبة الأئمة" في الفقه و"كتاب الحج والمناسك" وكتاب في "الحساب والفرائض" (أي المواريث) وهذه الأربعة مخطوطة. ("السير" ـ للشماخي 2/195 ـ "الإباضية في موكب التأريخ" علي معمر (الحلقة الثانية ـ القسم الثاني( 107 ـ "قواعد الإسلام" للجيطالي ج1/ مقدمة الشيخ بكلي عبد الرحمن). (1/215)
صفحة 216
_): "واختلفوا في كيفية قبض الروح فقال بعض العلماء: إن ملك الموت للروح بمنزلة حجر المغناطيس في جذبه للحديد وأنه إذا ظهر الملك للروح طارت اليه، وقال قوم: إن الله تعالى يخرج الروح فيتلقَّاها الملك. قال: والصحيح أن الله سبحانه هو الذي يحيي ويميت وهو أعلم بكيفية ذلك "(انتهى). وفي تصحيحه ـ رحمه الله ـ اشارة إلى التوقف عن القول بأحد القولين فهو مذهب ثالث له، ووجه تصحيحه للتوقف أن هذا شيء لا يطلع عليه إلا بتوقيف من الشارع وكأنه لم يثبت عنده توقيف فرأى التوقفَ أولى.
وقوله: (والبعث ردها إليه) أي رد الروح إلى الجسد خلقا ثانيا وإعادة ابتدائية بعد إعدام محض، فهو ممكن عقلا وصرَّح بثبوته النقل قال تعالى: { كما بدأنا أول خلق نعيده } الأنبياء : 104 وقال: { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } يس : 79 فليست الإعادة أشد من الإنشاء الأول والكل في قدرته ممكن وواقع بلا شك فالإيمان بالبعث واجب. وقوله: (للأبد) المراد بالأبد عدم الغاية فيما يستقبل ـ أي رد الروح للجسد بعد الموت ـ هي حياة لا غاية لها إما في نعيم وإما في جحيم، وهذا التأبيد خاص للمكلفين دون غيرهم من الحيوانات والحشرات فإنها إنما تبعث ثم تصير ترابا، وأما أولاد المكلفين فحكمهم في البعث حكم آباءهم لكن يخلد من لم يبلغ منهم في الجنة لعدم نقضهم الميثاق الذي أخذ الله عليهم، وكذلك حكم المجانين في البعث حكم المكلفين فإنهم إما أن يكونوا قد أتت عليهم حالةً حكمهم فيها حكم البالغين فهم على ذلك الحكم من خير أو شر، وإما أن يكونوا لم تأت عليهم حالة من ذلك فحكمهم حينئذ حكم من لم يبلغ الحلم لعدم نقضهم الميثاق أيضاً والله أعلم.
(165)(والقول بالإمساك في الروح أحق وما سوى التخمين للذي نطق) (1/216)
صفحة 217
اختلف العلماء في بيان الروح، فوقف بعض عن تعيينها وخاض آخرون في بيانها، والقول بالوقوف أولى وأثبت لعدم الدليل المصرح بتعيينها وبيان كيفية حالها، فالخائضون في بيانها مع عدم النص المصرح بذلك ليس لهم مستند غير التخمين وهو القول بالظن، ولأن الله لم يخبر نبيه بالروح وقد سئل عنها فقال له ربه: { قل الروح من أمر ربي } الإسراء : 85 فالعلم بها مما استأثر الله به ولم يطلع عليه أحدا.
أما الخائضون في بيان الروح فقالوا إنه تعالى لم يُمِت نبيه إلا وقد أطلعه على حقيقة الروح وأما قوله: { قل الروح من أمر ربي } فذلك لموافقة ما في التوراة ليكون موافقتها عَلَمَاً على نبوته؛ وذلك أن اليهود أمروا قريشا أن يسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثلاث وقالوا: إن أجاب عنها كلها فليس بنبي وإن سكت عنها كلها فليس بنبي وإن أجاب عن بعضها وسكت عن بعض فهو نبي وتلك الثلاث هي: الروح وأصحاب الكهف وذو القرنين. فأفتاه ربه في أصحاب الكهف وذي القرنين وأمره في الروح بقوله: { قل الروح من أمر ربي } وكان في التوراة أن الروح من أمر الله فطابق جوابه ما في كتابهم(_( ) هذه الرواية أخرجها ابن جرير الطبري في "تفسيره" (8/174 ـ175 دار الكتب العلمية) من طريق ابن عباس - رضي الله عنه - [في أول تفسير سورة الكهف] وفي اسنادها نظر ففي اسنادها مجهول، ويونس بن بكير فيه كلام، ومحمد بن اسحاق مدلس والله أعلم. _).
قالوا: فالأمر بالوقوف عن الخوض في الروح إنما هو لهذا العارض لا لأن العلم بالروح مما لم يُطلع عليه أحدا.
قلنا: بعد تسليم ما قلتموه لا يُطَّلَعُ على حقيقة الروح إلا بتوقيف من الشارع، ولم يرد التوقيف فالإطلاع متعذر فالكف عن الخوض فيها أولى وأحق.
(166)(ولم يمت قبل انقضا العمر أحد وقبل رزقه الذي له يُحد)
(167)(كان حلالا أو حراما حُجِرَا أو شبهة والله كلا قدرا)
(168)(إذ ليس في العالم شيء يصدر إلا وربنا له مقدر) (1/217)
صفحة 218
اعلم أن الله تبارك وتعالى قد وقَّت الآجال وحدد الأعمار فلا يموت أحد قبل انقضاء عمره، وقبل استيفاء أجله قال تعالى: { لكل أجل كتاب } الرعد : 38 وقال تعالى: { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } النحل : 61 سواء كان هذا الميت مَيِّتَاً حتف أنْفِه أو مقتولا، وذهبت المعتزلة إلى أن المقتول ميت في غير أجله وقبل انقضاء عمره وأنه لو لم يقتل لعاش إلى الوقت الذي حُدِّدَ له، وهو مذهب فاسد بينَّا بطلانه في غير هذا الكتاب.
وكذلك قدر الله الأرزاق فمن قُدِّر له رزق فلا يموت قبل استيفاء رزقه الذي قدر له كان ذلك الرزق (حلالا) وهو ما لم يرد في تناوله عقاب، (أو حراما) وهو ما ورد في تناوله عقاب، (أو شبهة) وهو ما تجاذبه أصلان أصل يقتضي تحليله وأصل يقتضي تحريمه ولم يترجح واحد منهما على الآخر، والله تعالى قدر جميع ذلك فهو تعالى مؤجل للآجال ورازق العباد بأي جهة كان رزقهم إذ ليس يوجد شيء من المخلوقات أو فيها إلا وربنا تعالى هو المقدر لذلك؛ هذا مذهبنا ومذهب الأشعرية، وذهبت المعتزلة إلى أن الله تعالى لا يرزق الحرام لأن رزق الحرام قبيح ومنعوا اطلاق اسم الرزق على الحرام.
قلنا: إن قُبْحَ ذلك متوقف على نهي الشارع عنه والرب تعالى غير محكوم عليه بشيء؛ بل هو الحاكم في الأشياء وهو الفعال لما يريد والأشياء جميعها ملك له لا معارض له في شيء منها والمتصرِّف في ملكه أو في شيء منه لا يكون فاعلا لقبيح والله تعالى أعلم. (1/218)
صفحة 219
أقول: وبعد أن نظمت هذه الأبيات بمدة وقفت على الشطر الأول من البيت منها في "زَبَد" ابن رسلان(_( ) الشيخ أبو العباس شهاب الدين أحمد بن حسين بن حسن بن علي بن أرسلان الرملي، فقيه شافعي. ولد بالرملة (بفلسطين) عام 773هـ وانتقل في كبره إلى القدس، فتوفي بها. وكان زاهدا متهجدا، له "الزبد ـ ط" منظومة في الفقه ويقال لها "صفوة الزبد" و "شرح سنن أبي داود" و "منظومة في علم القراآت" و "شرح البخاري" ثلاث مجلدات وصل فيه إلى باب الحج، و "طبقات الشافعية" تراجم، و"تصحيح الحاوي" في الفقه، و "إعراب الألفية" نحو، وغير ذلك، توفي سنة 884هـ. (نقلا عن "الأعلام" ـ للزركلي 1/117)._) ونصه:
ولم يمت قبل انقضا العمر أحد والروح تفنى ليس تبقى للأبد
فهو من توارد الخواطر والله أعلم.
(169)(ثم عذاب القبر مما جاء به تواتر الأخبار معنى فانتبه)
(170)(واعتقدن صدقه ولا تُحِل تعذيب مَيْتٍ لوجوه تحتمل) (1/219)
صفحة 220
المراد بـ(عذاب القبر) هو عذاب الميت مطلقا كان مدفونا أو في بطون السباع والطيور أو في بطون الحيتان أو على وجه الأرض، وعبَّرَ عن هذا كله بعذاب القبر لأنه الغالب في الموتى، وإذا ثبت عذاب القبر بما سيأتي ثبت أيضا نعيمه لمن أراد الله تنعيمه فيه من أهل السعادة إذ لا قائل بالفرق بينهما، وعذاب القبر قد وردت في ثبوته الأحاديث النبوية وأشارت اليه الآيات القرآنية؛ فمن تلك الآيات قوله تعالى: { النار يعرضون عليها غدوَّاً وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } غافر : 46 فقوله تعالى: { يعرضون عليها غدوَّاً وعشيا } دال على أن ذلك العرض قبل يوم القيامة ـ وهو المطلوب ـ. وأما الأحاديث النبوية فقد قال صاحب "المعالم"(_( ) العلامة عبد العزيز بن الحاج بن ابراهيم الثميني الملقب بضياء الدين أحد علماء الإباضية بالجزائر ولد عام 1130هـ بوادي ميزاب تتلمذ على يد الشيخ أبو زكريا يحي بن صالح وكان أكثر ملازمة له حتى انتهت له الإمامة العلمية وأسند إليه رسميا مشيخة المسجد ببلدته سنة 1201هـ ومشيخة ميزاب بأسرها وعين رئيسا لمجلس (عمي سعيد) وهو مجلس يشكله الإباضية لتنظيم أمورهم الدينية والدنيوية قائم على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعرف باسم مجلس العزَّابة ويضم خيار أهل البلد ـ والعزابة من العزوب عن الدنايا لا من العَزَب وهو غير المتزوج بل من شروط أعضائه أن يكون متزوجا ـ من تصانيفه "النور ـ ط" شرح لمنظومة أبي نصر، "ومعالم الدين ـ ط في جزئين" وهما في العقيدة، و"النيل وشفاء العليل ـ ط" و"التكميل لما أخل به كتاب النيل ـ ط" و"الورد البسام ـ ط" و"التاج" اختصر فيه منهج الطالبين للشقصي (مخطوط) وهي في الفقه، وغيرها وكتابه النيل هو الذي قام بشرحه العلامة الجزائري قطب الأئمة. توفي يوم السبت 11 رجب من عام 1220هـ. (مقدمة "شرح النيل وشفاء العليل" 1/6 ـ و"معالم الدين" 1/9). (1/220)
صفحة 221
_) ـ رحمه الله تعالى ـ: انها مما تواتر معنىً.(_( ) في "معالم الدين" للثميني (2/171 ـ 172 /التراث العمانية). _) أي معنى عذاب القبر قد بلغ حد التواتر في الأحاديث التي جاءت به وإن اختلفت عباراتها، فمن تلك الأحاديث قوله - صلى الله عليه وسلم - : (عذاب القبر حق((_( ) جاء من طريق السيدة عائشة رضي الله عنها رواه البخاري في "صحيحه" [1372] وأحمد في "مسنده" [24574 و25473] والطيالسي في "مسنده" [1411] وأبوبكر الشافعي في "الغيلانيات" [352]. ورواه البيهقي في "الاعتقاد" ص(128 /الكتب العلمية) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - . ورواه الطبراني في "الكبير" (25/95 برقم 243) عن أم خالد بنت خالد. وغيرهم._) وقوله: - صلى الله عليه وسلم - : (إن الموتى ليعذبون في قبورهم.. الحديث((_( ) جاء من طريق ابن مسعود - رضي الله عنه - رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (10/200 برقم 10459) وعنه يقول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (3/182 دار الفكر): "رواه الطبراني في الكبير واسناده حسن". ا.هـ. _).
وقوله: (واعتقدن صدقه) أي صدق عذاب القبر، أي إن من شأن ما تواترت به الأخبار أن يقطع بصدقه، وقوله: (تُحِل تعذيب مَيْت) أي ولا تقل إن عذاب الميت محال كما ذهبت اليه طائفة؛ لأنا نقول: إنه ليس بمحال فإنه يحتمل أن يرد الله عليه روحه فيحس ألم العذاب، ويحتمل أن يخلق الله فيه حاسة يحس بها ألم العذاب ويحتمل غير ذلك وهو معنى قوله: (لوجوه تحتمل) على أنه لم يرد النص أن الميت يعذب وهو ميت في حال مفارقة روحه للجسد.
(171)(أما الحساب فهو تمييز العمل خيرا وشرا ليراه من فعل) (1/221)
صفحة 222
أي حساب الله لخلقه يوم القيامه إنما هو تمييز الأعمال الحسنة من الأعمال القبيحة فيرى الفاعل أعماله الخيرية وأعماله الشرية، وليس الحساب يومئذ كحساب بعضنا لبعض لإستلزامه التشبيه الذي يحيله العقل ويبطله النقل، هذا ما عليه الأصحاب ـ رحمهم الله تعالى ـ والذي أقوله: أنه لا بأس أن يكون الحساب يوم القيامة هو الحساب المتعارف فيما بيننا، ويكون المُحَاسِب يومئذ هو خلق من خلقه تعالى جعله لذلك ـ فلا يلزم على هذا المعنى ما ذُكر من التشبيه ـ والقول به عندي أولى؛ لأن ظواهر الآيات والروايات دالة عليه فلو قيل بغيره لزم صرف كثير من الآيات والروايات على خلاف ظاهرها مع امكان الأخذ بالظاهر، فمن تلك الآيات قوله تعالى: { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } النحل : 111 ففي هذه المجادلة النص الصريح على ما قدمتُ ذكره من بيان الحساب ومنها قوله تعالى: { حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ( وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا.. الآية } فصلت : 20 و21 ففي هذه الآية ما يدل على أن هنالك مخاطبة وتكلما وشهودا، وكذا قوله تعالى: { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم.. } يس : 65 وكذلك قوله تعالى: { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } ق : 21 . (1/222)
صفحة 223
ومن الروايات الدالة ظاهرها على ما قلته ما أخرجه الترمذي(_( ) الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي صاحب "السنن" أحد أئمة الحديث وتفقه فيه على يد البخاري وسمع من قتيبة بن سعيد وابراهيم بن عبدالله الهروي واسماعيل بن موسى السدي وآخرون وعنه أبو حامد المروزي والهيثم بن كليب الشاشي وأحمد بن يوسف النسفي وآخرون قال ابن حبان: كان أبو عيسى ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه وقال الادريسي: كان أبو عيسى يضرب به المثل في الحفظ. وقال الحاكم: سمعت عمر بن علك يقول: مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد بكى حتى عمي. من تصانيفه "السنن" مطبوع و "الزهد" (مفقود) و"الأسماء والكنى" و"الشمائل المحمدية" مطبوع مات سنة 279هـ ("تذكرة الحفاظ" للذهبي برقم 658 ـ "تهذيب التهذيب" لابن حجر برقم 6497)._) وصححه: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع؛ عن عمره فيما فيما أفناه، وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه((_( ) جاء من طريق أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - رواه الترمذي في "سننه" [2417] والدارمي [537] وأبو نعيم في "الحلية" [15109] والخطيب البغدادي في "اقتضاء العلم العمل" رقم [1] والآجري في "أخلاق العلماء" ص(56 /الكتب العلمية). (1/223)
صفحة 224
وجاء من طريق معاذ - رضي الله عنه - رواه الطبراني في "الكبير" (20/61 رقم 111) والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" [28] وفي "اقتضاء العلم العمل" برقم [2 و3] والآجري في "أخلاق العلماء" ص(55) وابن عساكر في "البلدانية" ـ البلد الثامن ـ ص(72) والشجري في "أماليه" (1/69). وجاء عند الدارمي برقم [538 و539] موقوف على معاذ - رضي الله عنه - ._) وما أخرجه البزار(_( ) الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبدالخالق البصري أحد علماء الحديث له "البحر الزخار أو المسند المعلل" جاءت تسميته هذه لأنه يورد الحديث بسنده فيتكلم على السند والمتن بطريقة العالم الناقد وقام الهيثمي بتلخيص هذا الكتاب على هيئة اخراج زوائد الكتاب ـ وهي الأحاديث التي انفرد بها صاحب الكتاب عن الكتب الستة ـ وسماه "كشف الأستار عن زوائد البزار" وطبع في 4ج بتحقيق المحدث الأعظمي أما "المسند المعلل" فقد طبع منه بعض أجزاءه ـ طبعت منه 8ج نشرتها مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة ـ قال عنه الخطيب البغدادي: كان ثقة حافظا صنف المسند وتكلم على الأحاديث وبين عللها. وقال أبو الشيخ: كان أحد حفاظ الدنيا رأسا. قدح فيه الدارقطني فقال: يخطئ في الإسناد والمتن. حدث بالمسند بمصر حفظا ينظر في كتب الناس ويحدث من حفظه ولم يكن معه كتب فأخطأ في أحاديث كثيرة. وقال أبو أحمد الحاكم: يخطئ في الإسناد والمتن. وقال حمزة السهمي عن الدارقطني: كان ثقة يخطئ كثيرا ويتكل على حفظه. توفي بالرملة سنة 292 هجرية ("ميزان الإعتدال" 1/124 و "تذكرة الحفاظ" ـ للذهبي 2/653 ـ "لسان الميزان" لابن حجر 1/237)_): (يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله عليه. فيقول الله تبارك وتعالى لأصغر نعمه ـ أحسبه قال في ديوان النعم ـ خذي ثمنك من عمله الصالح. (1/224)
صفحة 225
فتستوعب عمله الصالح، ثم تنتحي وتقول: وعزتك ما استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبدا قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك ـ أحسبه قال: ووهبت لك نعمي ـ((_( ) أخرجه البزار برقم [3444 /كشف الأستار] من طريق أنس - رضي الله عنه - . وعنه يقول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/648 دار الفكر): "رواه البزار وفيه صالح المري وهو ضعيف". ا.هـ
وله شواهد ضعيفة ففي "حلية الأولياء" لأبي نعيم (4/281 رقم 5579): "حدثنا عبدالله حدثنا أحمد حدثنا أحمد حدثنا يزيد بن هارون قال: أنبأنا المسعودي عن عون قال: يخرج لابن آدم يوم القيامة دواوين؛ ديوان فيه الحسنات، وديوان فيه السيئات، وديوان فيه النعم، فلا تخرج حسنة إلا خرجت نعمة تستوعبها، وتبقى السيئات لله فيها المشيئة." ا.هـ عون بن عبدالله تابعي والمسعودي فيه كلام، فلا يصلح هذا الخبر أن يكون شاهدا. وأخرج أبويوسف القاضي صاحب أبي حنيفة في "الآثار" ويسمى أيضا "مسند أبي يوسف" برقم [915] قال: "حدثنا يوسف عن أبيه عن أبي حنيفة عن عون بن عبدالله عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: يقدم الناس يوم القيامة على ثلاثة دواوين؛ ديوان فيه الحساب، وديوان فيه النعم، وديوان فيه الذنوب، فيقابل بالحساب النعم فيستغرقها وتبقى الذنوب فهي التي فيها المغفرة". وهو تآلف أيضا عون بن عبدالله لم يدرك ابن مسعود ويقال ان روايته عن الصحابة مرسلة بل ذكر الدارقطني أن روايته عن ابن مسعود مرسلة ـ كما هنا ـ. كذا في "تهذيب التهذيب" لابن حجر (8/147). هذا بالاضافة إلى أنه موقوف على ابن مسعود - رضي الله عنه - مع أن حقه أن يكون مرفوعا إذ لا يصح الإخبار بهذا الإ بطريق الوحي. (1/225)
صفحة 226
كما رواه أيضا أسد بن موسى في (الزهد) برقم [91]: "حدثنا أسد حدثنا يزيد بن عطاء، عن أبان، عن بكر بن عبدالله المزني، عن أبي رافع قال: بلغنا أنه يجاء يوم القيامة لابن آدم بثلاث دواوين: ديوان فيه النعم ... " فذكره لكن أسدا نفسه تكلموا في حفظه وشيخه يزيد بن عطاء اليشكري لين الحديث كما في التقريب (ص533 مؤسسة الرسالة) ومنه ترى ان الحديث لا يرقى لمرتبة الصحة. والله أعلم._) وغير هذا من الأحاديث كثير فلا نطيل بإيراده هاهنا لأن المقام إنما هو مقام اختصار..والله أعلم.
(172)(خُصَّ به مقصِّرٌ ليعلما أو فاسق ليكثر التندُّما)
(173)(وما عداهما إلى الجنان بلا حساب أو إلى النيران)
أي خُصَّ بالحساب صنفان من الناس أحدهما: المؤمن المقصِّر التائب من ذنبه، وثانيهما: الفاسق العاصي، والحكمة في حساب المؤمن المقصر هي أن يعلم نعمة الله عليه بغفرانه ذنوبه وستر عيوبه، والحكمة من حساب الفاسق هي ازدياد حسراته وتضعيف تنكيله بالتأسف على اضاعة عمله، فإنه متى ما رأى العمل الموجب للغفران محبوطا بعمل صدر منه ازداد بذلك حسرة وندامة، ومن الحكمة في هذا أيضا اظهار انصاف الله تعالى لخلقه فإنه لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وما عدا هذين الصنفين فهم إما في الجنة بلا حساب وهم المؤمنون الموَفُّون، وإما في النار بلا حساب وهم المشركون. (1/226)
صفحة 227
هذا حاصل ما ذكره في "القواعد"(_( ) في "قواعد الإسلام" (1/17 ـ 18) للجيطالي. _) وعليه جريت في النظم، وظاهره أن المشركين غير محاسبين ثم ظهر لي بعد ذلك أنهم محاسبون لقوله تعالى: { وقفوهم إنهم مسئولون ( ما لكم لا تناصرون } الصافات : 24 و 25 ولقوله تعالى: { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم } التغابن : 7 ولغير ذلك من الآيات، [ويحتمل أن يقال أن السؤال والإنباء الذي في الآيتين غير الحساب المذكور ثم ظهر لي أن هذا الإحتمال هو الأولى فلا دليل في الآيتين على المطلوب](_( ) ساقطة من (أ) والتكملة من (ب). _).. والله أعلم.
(174)(والخلف هل قد خلقا وهو الأصح أم يخلقان بعدما الفنا اتضح)
(175)(والوقف عن تعيننا ذاك المحل أولى بنا إذ لا دليل ثَمَّ دل)
(176)(وعدم التعيين ليس يقدح في قولنا إن الوجود أرجح) (1/227)
صفحة 228
اختلف الناس في الجنة والنار هل هما مخلوقتان الآن أم لا؟، فذهب الجمهور منا ومن غيرنا إلى أنهما مخلوقتان الآن واستدلوا بأحاديث عنه - صلى الله عليه وسلم - تدل على وجود الجنة؛ قالوا: ومثلها في الوجود النار إذ لا قائل بالفرق بينهما في ذلك(_( ) كحديث الحجر الذي كان يهوي في جهنم وسمع صوته الصحابة فأخبرهم النبي بخبره. فليحرر._)، وذهب البعض منا وكثير من غيرنا إلى انهما ليستا بمخلوقتين الآن وإنما هما ستخلقان(_( ) في الأصلين: سيخلقان. والمقام يقتضي التأنيث فأصلحته. _) بعد وقوع الفناء العام قالوا: لو كانتا مخلوقتين الآن للزم فناؤهما لقوله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه } القصص : 88 وهما مخلدتان فلا يصح أن تكونا موجودتين الآن، والأصح ما عليه الجمهور من وجودهما الآن لما ثبت بالأدلة القاطعة أن آدم وحواء كانا في الجنة وقد أُهْبِطَا منها، والقول بأن الجنة التي كانا فيها غير الجنة الموعود بها تكَلُّف لا دليل عليه، والجواب عما استدل به النافون لوجودهما الآن هو أن نقول أن قوله تعالى: { كل شيء هالك } عام يحتمل التخصيص فالجنة والنار قد خُصِّصَا بعدم الفناء بالأدلة القاطعة على بقائهما أبدا، أو نقول: إن الجنة والنار قابلتان للفناء بحسب ذاتهما، والقابل للفناء فانٍ في المعنى لجواز ذلك عليه والجواب الأول أظهر، ثم اختلف القائلون بوجودهما الآن في محلهما الذي هما فيه فعين بعضهم المحل ووقف قوم عن التعيين، والوقف عن تعيين محلهما هو الأولى بنا إذ لا علم لنا إلا بما عُلِّمْنَا ولم يرد عن الشارع تعيين محلهما وإن قُدِّر أن هناك دليل فهو آحادي لا يفيد العلم، ووقوفنا عن تعيين المحل لا يقدح في ترجيحنا القول بوجودهما الآن لأنه لا يلزم مِن علمنا بوجودهما علمنا بتعيين محلهما والله أعلم.
(177)(والكتب صحف حوت الأعمالا والحوض حق فاترك الجدالا)
(178)(يَرِدُه مِن أمة الرسول من قد وفَى بعهده المسئول) (1/228)
صفحة 229
أي (الكتب) التي ذكر الله في كتابه العزيز في نحو قوله تعالى: { فأما مَن أوتي كتابه بيمينه } الإنشقاق : 7 وأمثالها من الآيات هي صحف حاوية لأعمال العباد من خير وشر لقوله تعالى: { وإذا الصحف نشرت } التكوير : 10 فذكر تعالى في هذه الآية أن هنالك صحفا تنشر وهي الكتب المذكورة هنالك فلا التفات إلى من جعلها عبارات عن ضبط أعمال العباد، لأن في جعل الكتب عبارات عدولا عن الحقيقة إلى المجاز بلا دليل، نعم الدليل الذي ذكرناه يُعَضِّد جانب الحقيقة فلا وجه للعدول وإنما عَدَلَ ذلك القائل بحمل الكتب على العبارات عن المعنى المذكور إنما هو لأجل فِراره عن احتياج الله تعالى إلى ضبط أعمال العباد في صحف لأن ذلك شأن مَن يَطْرُقُه النسيان، ولا يلزم مِن ذلك ما توهَّمه فإن في رَسْمِ الأعمال في الصحف المذكورة حِكَمَاً كثيرة ولا يلزم منه أنه تعالى محتاج الى ذلك. (1/229)
صفحة 230
وقوله: (والحوض حقٌ.. الخ) أي الحوض الذي هو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الموقف حق ثابت جاءت به الأحاديث المستفيضة مِن رواية جابر وغيره، فلا عبرة بمن أنكر وجوده أخرج الشيخان(_( ) الشيخان إذا أطلقا في معرض إخراج حديث ما فالمراد بهما الإمامين البخاري ومسلم صاحبا الصحيحين وهما المقصودان هنا، أما إذا أطلقا في معرض الحديث عن الخلافة والحكم فالمراد أبو بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما._): (حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض من الوَرِق ـ وفي رواية: اللبن ـ( وفي أخرى صحيحة أيضا: وأحلى من العسل. وفي أخرى صحيحة: (وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء من شرب منه لا يظمأ أبدا ـ وفي رواية صحيحة ـ ولا يَسْوَدّ وجهه أبدا((_( ) هذا الحديث برواياته المذكورة وما يقاربها جاء من طريق عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - رواه البخاري في "صحيحه" [6579] ومسلم في "صحيحه" [2292] وابن حبان [6418 /الاحسان] وابن مندة في "الايمان" [1076] وابن أبي عاصم في "سنته" [728] والبغوي في "تفسيره" (4/534). وجاء من طريق جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - رواه أحمد في "مسنده" [15129]. ومن طريق ابن عباس - رضي الله عنه - رواه الطبراني في "الكبير" [11249] وقال عنها الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/666 دار الفكر): "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبدالوهاب الحارثي وهو ثقة". ا.هـ._)، وقوله: (يَرِدُه.. الخ) أي يَرِد الحوض مِن أمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو مَن وَفَّى بعهد الله الذي أخذه عليه وهو طاعة الله وطاعة رسوله في فعل الواجبات وترك المحرمات، بدليل ما في تلك الروايات أن: (من شرب منه لا يظمأ أبدا، ولا يَسْوَدّ وجهه( ولا تكون هاتان الخصلتان في الآخرة إلا لمن وفَّى بعهد الله والله أعلم.
الفصل الثاني
في الميزان والصراط
(179)(وإنما الميزان في الحسبان عدل وانصاف من الرحمن)
( (1/230)
صفحة 231
180)(لا مثل قول ذي الخلاف إذ غدا يُأوِّلُنه كَفَّةً وأعمدا)
(إنما) أداة قَصْرٍ قُصِرَ بها تفسير الميزان يوم القيامة على العدل والإنصاف وهوقصر قلب، وذلك أن بعض المخالفين ذهب إلى أن الميزان هو عمود وكفتان ينصبه تعالى يوم القيامة لوزن أعمال العباد، وزعموا أن مَن رجحت كفة حسناته على كفة سيئاته دخل الجنة ومن رجحت كفة سيئاته على كفة حسناته دخل النار ووصفوا الميزان بأوصاف لا حاجة لذكرها هنا ورووا في ذلك أحاديث لم تثبت عندنا، وتعلقوا من الكتاب بنحو قوله تعالى: { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ( ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون } المؤمنون : 102 و103 ونحن نقول إن هذه الموازين المذكورة عبارة عن معنى السَّعادة والشقاوة، فثقل الميزان كناية عن السعادة وخفته كناية عن الشقاوة والعرب كانت تعبر بثقل الميزان عن علو الشأن وبخفته عن عكس ذلك قال الشاعر:
ولو يضعوا أباي في ميزانهم رجحوا وشال أبوك بالميزان
وقد تعبر بالوزن للشيء عن العلم به كما في قوله تعالى: { وانبتنا فيها من كل شيء موزون } الحجر : 19 أي معلوم المقدار عنده تعالى، أما الوزن المفسر عندنا بالعدل والإنصاف ـ المشار اليه في النظم ـ فهو ما في قوله تعالى: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } الأنبياء : 47 فالقسط بدل من الموازين لا نعت له كما يدل عليه قوله تعالى: { والوزن يومئذ الحق } الأعراف : 8 وإنما عدلنا في تفسير الميزان عن حقيقته المشهورة الى ما ذكرناه من العدل والإنصاف لأن حمله على حقيقته المشهورة محال(_( ) وقد حكى ابن جرير الطبري في "تفسيره" (9/33) عند قوله تعالى: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } [الأنبياء: 47] أن ابن عباس - رضي الله عنه - فسر الميزان بأنه الحكم بالقسط بين الناس وذلك في الرواية رقم [24609] ونصه: (1/231)
صفحة 232
"عن ابن عباس قوله: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } إلى آخر الآية؛ وهو كقوله: { والوزن يومئذ الحق } يعني بالوزن: القسط بينهم بالحق في الأعمال والحسنات ..الخ" وفيه برقم [24610]: "عن مجاهد في قول الله: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } قال: إنما هو مَثَل؛ كما يجوز الوزن كذلك يجوز الحق، قال الثوري: قال ليث عن مجاهد: { ونضع الموازين القسط } قال: العدل".
وجاء في "تفسيره" (5/432) عن مجاهد أيضا تفسير الميزان بالقضاء العادل حيث يقول برقم [14333]: "حدثني المثنى قال: حدثنا أبوحذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: { والوزن يومئذ } القضاء".
وبرقم [14334]: "حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد: { والوزن يومئذ الحق } قال: العدل". كما فسر الموازين بالحسنات في قوله برقم [14339] و[14342]: "حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن مجاهد: { فمن ثقلت موازينه } قال: حسناته". ا.هـ
ولهذا عد بعضهم الميزان معياراً لبيان المحق من المبطل يوم القيامة وفي هذا يقول أبو حامد الغزالي: "ميزان الأعمال معيار يُعَبَّر عنه بالميزان، وإن كان لا يساوي ميزان الأعمال ميزان الجسم الثقيل، كميزان الشمس، وكالمسطرة التي هي ميزان السطور، وكالعروض ميزان الشعر". ا.هـ نقلا عن "سير أعلام النبلاء" للذهبي (14/334). وقد أجاد أيما إجادة لأن الناس يسمون هذه الأشياء موازين ومن ذا يقول أن ميزان العروض ميزان حسي، ومن الأدلة على أن الميزان ينصرف إلى غير المعهود قوله تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } [الحديد : 25]وليس المراد هنا الحسي كما هو معلوم، واعتبار القائلين بأنه ميزان حسي له كفتان وعمود يقابله أن العصر الذي نعيشه يوجد به من الموازين الالكترونية ما هو أكثر دقة من الميزان ذي العمود والكفتين ولكن حمل الناس الآية على ما هو مألوف لديهم هو الذي أوقعهم في هذا. (1/232)
صفحة 233
على أن القائلين بأن الوزن حسي اختلفوا في حقيقة الموزون فمنهم من قال إن الأعمال تتجسد ومنهم من قال توزن الصحف ومنهم من قال يوزن الإنسان، وكل ذلك لا يثبت بدليل قاطع والكل يعلم أن الصحابي ابن مسعود - رضي الله عنه - عندما كان بعضهم يسخر من دقة ساقيه قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : »والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد« كما في "حلية الأولياء" لأبي نعيم (1/175) ورواه كذلك الحاكم في "المستدرك" برقم [5385] وصححه هو والذهبي في تلخيصه. وغيرهم ولا يتسنى للقائلين بأن الموزون هي الصحف وهم الأكثرية التوفيق بين تلك الروايات فلا مناص من حمل الروايات الواردة في هذا الباب على أن الوزن بيان صحة العمل وكشف صلاحيته من فساده وكم من مرائي في الدنيا تجعل أعماله هباءاً منثورا وإنما يتقبل الله من المتقين، فلا دخل للصحف ولا للأجسام، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (13/659):
"وقد ذهب بعض السلف إلى أن الميزان بمعنى العدل والقضاء". ا.هـ وبالله التوفيق._)؛ ووجه ذلك أن أعمال العباد أعراض ووزن الأعراض محال، ولذا تردد الخصم في حقيقة الموزون حتى زعم بعضهم أن الموزون هم الأشخاص، وبعضهم أن الله يخلق في احدى الكفتين ظلمة وفي الأخرى نورا، وبعضهم أن الأعمال تتجسد فتوزن الأجساد والكل باطل فوجب المصير الى التأويل. والمراد بقوله: (في الحسبان) يوم القيامة لأنها محل الحساب، والمراد بقوله: (لا مثل قول ذي الخلاف) أي لا أقول مثل قول صاحب الخلاف، وقوله: (كفة وأعمدا) عبر بالكفة ـ وهي مفرد ـ عن مثنى(_( ) وهما الكفتان. _) وعبر بأعمد ـ وهو جمع ـ عن مفرد(_( ) وهو العمود. _) على سبيل المجاز وله محل في البلاغة، فمثال الأول قوله:
اذا ما القارض الغنوي آبا (1/233)
صفحة 234
عبر بالقارض عن القارِضَين فإن المثل حتى يؤوب القارضان، ومثال الثاني قوله تعالى: { ربِّ ارجعون } المؤمنون : 99 أي رب ارجعني، وقول العرب: "شابت مفارقه" وليس له إلا مفرق واحد.
(181)(وقوله الصراط فهو الحق لا جسر كما بعضهم تأولا)
الضمير في (قوله) عائد إلى الرحمن في آخر قوله: (وإنما الميزان في الحسبان..)(_( ) في البيت رقم (179). (1/234)
صفحة 235
_) أي الصراط في قوله تعالى: { أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويَّاً على صراط مستقيم } الملك : 22 هو عبارة عن الحق ـ وفي الآية تمثيل لحالتي العاصي والطائع ـ وعلى هذا يحمل ما ورد من الأحاديث في بيان الصراط، لأنه إنما هو تمثيل لحالة الحق وبيان ما فيها من الخطر العظيم وتمثيل لأحوال سالكيه ما بين موفق ومخذول، وزعم بعض منا وجمهور الأشاعرة أن الصراط إنما هو جسر ممدود على متن جهنم(_( ) الذي يراه الإباضية أن الصراط هو الدين القويم وهو معنى قوله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم } وتفسير الصراط بأنه جسر على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعر يمر عليه الخلائق يوم القيامة من المؤمنين والمنافقين والمشركين، كل بقدر عمله، لا يتفق مع كون المؤمنين آمنين من الفزع في ذلك اليوم المهول كما في قوله تعالى: { لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي توعدون } [الأنبياء : 103] ومع قوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون، لا يسمعون حسيسها } [الأنبياء : 101] ففي هذه الآيات يتضح أن المؤمنين مبعدون عن النار فهم لا يسمعون حسيسها فضلا عن أن يمروا فوقها، ولا يفزعهم شيء يوم القيامة ومرورهم على الصراط لا شك أن فيه فزع لهم بأي شكل من الأشكال، والأحاديث الواردة في هذا الشأن قابلة للتأويل حتى لا تتعارض مع المحكم الثابت من آيات الكتاب العزيز، قال ابن جرير الطبري في "تفسيره" (1/103): "أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن { الصراط المستقيم } هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي:
أمير المؤمنين على صراط إذا أعوج الموارد مستقيم
يريد: على طريق الحق. ومنه قول الهذلي أبي ذؤيب:
صبحْنا أرضهم بالخيل حتى تركناها أدقّ من الصراط
ومنه قول الراجز:
فَصُدّ عن نهج الصراط القاصد (1/235)
صفحة 236
... . ثم قال: والذي أولى بتأويل هذه الآية عندي أعني: { اهدنا الصراط المستقيم } أن يكون معنيّا به: وَفِّقْنَا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك، من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم، لأن من وُفق لما وُفق له من أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء، فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمر الله به، والإنزجار عما زجره عنه، واتباع منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - ".ا.هـ ثم ساق بعض الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن صحابته الكرام كابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبدالله - رضي الله عنهم - تفسر الصراط بدين الإسلام وطريق الهداية. وعلى هذا النمط سار الإباضية ففسروا الصراط بالطريق الواضح وهو دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره ومثله في تفسير الطبري (1/105): "عن ابن الحنفية في قوله { اهدنا الصراط المستقيم } قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره". ا.هـ وعلى هذا فيكون تفسير قوله تعالى: { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } عندهم أي: قودوهم إلى طريق جهنم، ومن شاء المزيد حول تفسير الإباضية وتحليلهم للأحاديث الواردة في هذا الشأن فعليه بكتاب "معالم الدين" للعلامة الثميني (2/189و190)._).. الى آخر ما وصفوه به وحملوا ما ورد من الأحاديث في بيانه على حقيقتها، وتأولوا بها قوله تعالى: { فاهدوهم الى صراط الجحيم ( وقفوهم انهم مسئولون } الصافات : 23 و24 غاية الأمر أن هذه المسألة ومسألة الميزان ليستا من المسائل القطعية لعدم ورود القاطع فيهما وإنما هما من المسائل الظنية، فلا يجب اعتقاد شيء منها ولا يخطئ القائل فيهما برأيه والله أعلم.
الفصل الثالث
في الشفاعة
(182)(شفاعة الرسول للتقي من الورى وليس للشقي) (1/236)
صفحة 237
الشفاعة حق والإيمان بها بعد قيام الحجة واجب، ووقوعها في المحشر قبل دخول أحد الفريقين مسكنه، وهي مخزونة حتى يأتيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيكون أول من تجعل له ثم للأنبياء من بعده، وهي المقام المحمود الذي وعده الله تعالى به على معنى ما ورد وثبوتها للمؤمن لا لغيره من أهل الكبائر لقوله تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } الأنبياء : 28 وقوله: { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } غافر : 18 ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : (لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي((_( ) لم أجده بهذا اللفظ ولكن جاء في "مسند" الإمام الربيع الفراهيدي برقم [1002] بلفظ: »لا تنال شفاعتي سلطانا غشوما للناس ورجلا لا يراقب الله في اليتيم« وبرقم [1003] بلفظ: »لا تنال شفاعتي الغالي في الدين ولا الجافي عنه« وكلا الموضعين من مراسيل الامام جابر رحمه الله تعالى.
غير أن له شاهد صحيح يتقوى به بلفظ: »رجلان من أمتي لاتنالهما شفاعتي؛ سلطان ظلوم غشوم، وآخر غال في الدين مارق منه« والحديث جاء من طريق معقل بن يسار - رضي الله عنه - رواه ابن أبي عاصم في "سنته" [1/20 و23 برقم 35 و41] والروياني في "مسند الصحابة" [2/223 برقم 1303 دار الكتب العلمية] والطبراني في "الكبير" [20/214 برقم 495 و496]. وقال الهيثمي ـ عن رواية معقل - رضي الله عنه - عند الطبراني ـ في "مجمع الزوائد" (5/424 دار الفكر): "رواه الطبراني باسنادين في أحدهما؛ منيع قال ابن عدي: له أفراد وأرجوا أنه لا بأس به. وبقية رجال الأول ثقات." ا.هـ.
وجاء من طريق أبي أمامة - رضي الله عنه - أخرجه الروياني في "مسند الصحابة" [2/183 برقم 1186] والطبراني في "الكبير" [8/281 برقم 8079] وعنها يقول الهيثمي في "مجمعه" (5/424): "رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" ورجال "الكبير" ثقات." ا.هـ. (1/237)
صفحة 238
فهذه الرواية تعكر على استدلال من يثبت الشفاعة لأهل الكبائر مطلقا!! دون تقييدها بالتوبة!!!!!._) وقوله: (ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي((_( ) رواه الإمام الربيع الفراهيدي في "مسنده" برقم [1004] من مراسيل الإمام جابر رحمه الله تعالى وقال عقبه: "يحلف جابر عند ذلك ما لأهل الكبائر شفاعة لأن الله قد أوعد أهل الكبائر النار في كتابه، وإن جاء الحديث عن أنس بن مالك: (أن الشفاعة لأهل الكبائر) فوالله ما عنى القتل والزنى والسحر وما أوعد الله عليه النار وذكر أن أنس بن مالك يقول: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشَّعر ما كنا نعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من الكبائر." ا.هـ
(تنبيه): عبارة الصحابي الجليل أنس بن مالك - رضي الله عنه - أخرجها البخاري في "صحيحه" برقم [6492] قال: [حدثنا أبوالوليد حدثنا مهدي عن غيلان عن أنس - رضي الله عنه - قال: "إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشَّعر إن كنا لنعدها على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - الموبقات" قال أبوعبدالله ـ البخاري ـ: يعني بذلك المهلكات.] قال ابن حجر في "فتح الباري" (11/400 دار الكتب العلمية): "ووقع للإسماعيلي من طريق ابراهيم بن الحجاج عن مهدي: "كنا نعدها ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الكبائر". ا.هـ.
والامام جابربن زيد أعلم بالسنة وأعلم بمراد أنس بن مالك - رضي الله عنه - من روايته للحديث المألوف عند البعض حيث نقل عنه مباشرة وكان أحد تلاميذه الذين حملوا عنه العلم فهو أفقه للسنة من غيره لاينازع في هذا إلا متعصب. وسيأتي عند تخريج رواية "شفاعتي لأهل الكبائر" في البيت رقم (186) توجيه حسن لهذه القضية._). (1/238)
صفحة 239
وفي الأثر »أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قعد على المنبر ثم قال: الصلاة جامعة رحمكم الله، ثم قال: ياعباس عم رسول الله ويافاطمة بنت محمد وياآل محمد جميعا، إني والذي نفسي بيده عند ربي لمطاع مكين، فلا تغرن امرئ نفسه يقول: أنا عم رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ. أو تقول: بنت محمد. أو: من آل محمد. اشتروا أنفسكم من الله فإنكم إن لم تفعلوا هلكتم مع من عرفتم هلاكه، إني على الحوض يوم القيامة فارط ـ أي متقدم ـ فيَرِدُ علي أناس من أصحابي، ثم يأتيني رجل قد عرفته من أصحابي ليحتلقن نقرة رأسه، ثم لأخذن بحجزته فأقول: أرسلوه إنه من أصحابي. فيؤخذ بيدي فكاكا: أرسِل أرسِل فإنه والله ما مشى من بعدك قدما ولكنه مشى القهقري ليدخل جهنم. فلا أستطيع شيئا الحذر الحذر يا آل محمد«(_( ) لم أجده بهذا التمام وللحديث شواهد تعضده من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - رواها الإمام البخاري في "صحيحه" [2753 و4771] ومسلم [206] وأحمد في "مسنده" [8622 و8747 و9807 و10736] وغيرهم.
( (1/239)
صفحة 240
تنبيه): أحاديث اختلاج بعض الصحابة ـ الذين بدلوا وغيروا ـ عن حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - وابعادهم عنه ثابتة عنه - صلى الله عليه وسلم - انظر مثلا "مسند" الإمام الربيع رقم [43] والبخاري في "صحيحه" [6576 و6582 و6583 و6584 و6585 و6586 و6587 و6593] ومسلم في "صحيحه" [2297 و2304] وعبد بن حميد في "مسنده" [1213 /المنتخب] وغيرهم. وقد أفاض في تخريجها شيخنا المحدث القنوبي في كتابه الفذ "الإمام الربيع بن حبيب .. مكانته ومسنده" ص(162 ـ 164 مكتبة الضامري) فليراجعه من أراد._). وذكر جابر بن زيد ـ رضي الله عنه ـ أنه لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } الشعراء : 214 جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفخذ أفخاذ قريش فخذا فخذا حتى أتى على بني عبد المطلب، فقال: (يا بني عبدالمطلب إن الله أمرني أن أنذركم، ألا وإني لا أغني عنكم من الله شيئا ألا وان أوليائي منكم المتقون، ألا لأعرفن ما جاء الناس غدا بالدين وجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم، يافاطمة بنت محمد وياصفية عمة محمد اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئا((_( ) الحديث بهذا اللفظ رواه الإمام الربيع في "مسنده" [1005] وهو هناك من مراسيل الامام جابر. ورواه بنحوه ابن جرير الطبري في "تفسيره" [9/485 برقم 26811/ الكتب العلمية] عن قتادة. (1/240)
صفحة 241
وله شواهد من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - عند البخاري [2753 و4771] والنسائي في "الصغرى" [3647] وفي "الكبرى" [6473 و6474] وابن حبان [6515] وابن مندة في "الايمان" [933 و934 و935 و936 و937 و938 و939 و940 و941 و942 و943 و944] وأبو عوانة في "مسنده" (1/94 ـ 95). ومن طريق السيدة عائشة رضي الله عنها رواه النسائي في "الصغرى" [3648] وفي "الكبرى" [6475] وابن مندة في "الايمان" [945 و946 و947 و948]. وغيرهم._) فإن قيل المؤمنون مستوجبون للجنة بأعمالهم فلا معنى للشفاعة لهم، فالجواب أن الشفاعة لهم هي طلب تنقلهم من المحشر ودخولهم الجنة بسرعة، ويمكن أن تكون هي طلب زيادة فضل لهم وثواب يُعطَوْنه ونعيم في الجنة ورفع درجة فوق ما يستوجبون بأعمالهم(_( ) وجعل النووي شفاعاته - صلى الله عليه وسلم - خمسة أقسام وما ذكره المصنف هنا هو النوع الأول والخامس من أنواع الشفاعة. انظر "شرح صحيح مسلم" للنووي عند شرح الحديث رقم [184]. ومثلها في "نشر البنود على مراقي السعود" للشنقيطي (1/5 ـ 6 /الكتب العلمية) ومنه يتضح أنه لا خلاف في هذين النوعين وفيه الرد على من قال: ما فائدة الشفاعة للمؤمنين الموفين. وما شابهه.
ويمكن أن يضاف قسم آخر وهو شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لقبول توبة التائبين وسيأتي الكلام عنه بعد قليل._)، اللهم اجعلنا من أهل شفاعة نبيك - صلى الله عليه وسلم - .
(183)(ومن يقل بغير ذا فقد كفر كفر نعيم إن تأول ظهر)
(184)(وإن يكن بغير ما تأول فذاك شرك أي أشر منزل)
(185)(لأنه مخالف الكتاب وسنة الرسول والألباب)
(186)(كليس للظالم من حميم ولا شفيع من لظى الجحيم) (1/241)
صفحة 242
ومن يقل بغير ما قلنا من أن الشفاعة للمؤمنين فخالف وقال بل هي لأهل الكبائر محتجا بما رووه من طريق أنس: (أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي((_( ) جاء بلفظ: »شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي« وهو ليس في "الصحيحين" لكن جاء من طريق أنس بن مالك - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد في "مسنده" [13227] وأبوداود [4739] والحاكم [230] وابن خزيمة في "توحيده" ص(271) وفي اسنادهم بسطام بن حريث وهو مجهول نص على ذلك الذهبي في "الميزان" (1/309) و"المغني" (1/158) و"ديوان الضعفاء" ص(47)، وعنه أيضا الترمذي [2435] والحاكم [228] وابن خزيمة في "توحيده" ص(270) وفي سندهم رواية معمر عن ثابت البناني وهي ضعيفه ومضطربة نص عليه ابن معين كما في ترجمته من "التهذيب" (4/126 الرسالة)، وعنه أيضا ابن حبان [6434] وابن خزيمة في "توحيده" ص(271) وفي سندهما عمرو بن أبي سلمة قال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال الساجي: ضعيف. وقال العقلي: في حديثه وهم. وصعفه ابن معين كما في "الميزان" للذهبي (3/262)، وعنه أيضا الحاكم في "المستدرك" [229] وفي سنده سعيد بن أبي عروبة وقد اختلط ورمي بالتدليس كما في "الميزان" (2/152) وعمر بن سعيد الأبح وهو ليس بالقوي كما في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (6/111).
ومن طريق جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - رواه الترمذي [2436] والحاكم [232] وفي اسنادهما محمد بن ثابت البناني وهو ضعيف وقال ابن معين: ليس بشيء كما في "الميزان" (3/495)، وعنه أيضا الحاكم [231] والطيالسي [1669] وغيرهم وبالجملة فأسانيده غير مستقيمة كذا أخبرني أحد مشائخنا حفظهم الله.
وقد تقدم نقل قول أنس بن مالك - رضي الله عنه - : "إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشَّعر؛ إن كنا لنعدها على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - الموبقات ـ وفي رواية: من الكبائر ـ." كما في "مسند" الربيع [1004] و"صحيح" البخاري [6492]. (1/242)
صفحة 243
ومن كلام الامام جابر الذي تقدم في التعليق على البيت رقم (182) يتضح أن أصحاب الكبائر التي هي مثل القتل والزنى والسرقة وشرب الخمر وعمل قوم لوط وما شابهها ليس لهم شفاعة، على أن المتبصر في هذا الحديث والحديث الذي ذكر سابقا بلفظ: »لا تنال شفاعتي سلطانا غشوما ..الخ« يتبين صحة موقف الإباضية من قولهم بأن الشفاعة ليست لأهل الكبائر وهم إنما يعنون بهذا من مات على كبيرته دون توبة؛ وإلا فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، لكن تبقى مسألة مهمة وهي هل ستقبل توبته أم لا؟. والذي يظهر أن الشفاعة تكون أيضا لقبول توبة التائب إذ لا خلاف أن الله لا يجب عليه شيء. فمن ذا يقول انه يجب على الله قبول توبة فرد بعينه!!. فيبقى التائب في مشيئة الله إن شاء قبل توبته وإن شاء لم يقبلها وهاهنا يكون للشفاعة دور مهما في ذلك الموقف العظيم وعلى هذا التوجيه يقال: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي الذين تابوا من كبائرهم. (1/243)
صفحة 244
وابن القيم يقول في "الجواب الكافي" ص (50): "وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، فضيعوا أمره ونهيه ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على العفو مع الاصرار على الذنب، فهو كالمعاند، وقال معروف: رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق، وقال بعض العلماء: من قطع عضوا منك في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم لا تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا. وقيل للحسن: نراك طويل البكاء فقال: أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي. ..الخ". ا.هـ وقال ص (68) بعد أن نقل طائفة من الروايات تثبت دخول النار للعصاة بمختلف أشكالهم: "والأحاديث في هذا الباب أضعاف أضعاف ما ذكرنا، فلا ينبغي لمن نصح نفسه أن يتعامى!! عنها، ويرسل نفسه في المعاصي ويتعلق بحسن الظن ..الخ" وقال ص (69): "وربما اتكل بعض المغترين على ما يرى من نعم الله عليه في الدنيا وأنه يعتني به ويظن أن ذلك من محبة الله له وأنه سيعطيه في الآخرة أفضل من ذلك فهذا من الغرور ... . وقال بعض السلف: رب مستدرج بنعم الله عليه وهو لا يعلم، ورب مفتون بثناء الناس وهو لا يعلم ورب مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم". ا.هـ
على أن الأحاديث مشتهرة في دخول مرتكبي الكبائر في النار، ولا حاجة هنا لإيراد بعضها إذ لا ينكرها إلا مكابر وتبقى مسألة خلود الموحدين أم عدمه وهو نزاع آخر بين مجوز للخروج مستدلا ببعض الروايات وبين منكر له وهو الصحيح مستدل بصريح الايات القرآنية وطائفة من الروايات.
( (1/244)
صفحة 245
تنبيه): هذا الموقف من الاباضية إنما كان للتوفيق بين دلائل الكتاب والسنة لورود الآيات الناصة على لزوم التوبة وأن غير التائب لا يتقبل الله منه { إنما يتقبل الله من المتقين } (المائدة : 27) ومرتكب الكبيرة ـ غير التائب ـ ليس متق بلا شك، أضف إلى هذا ما ورد في التوبة نحو قوله تعالى: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ( إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا } (مريم : 60) وقوله تعالى: { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } (طه : 82) وقوله عز شأنه في وصف المؤمنين: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ( يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } (الفرقان : 70) وقوله سبحانه: { فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين } (القصص : 67) والشاهد في هذه الآيات أن مرتكب الكبيرة لا يغفر له بلا توبة وشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - له لأجل المغفرة له فيكون هذا معارضا لآيات الكتاب العزيز المتقدمة فتكون هذه الدلالة مجانبة للصواب وتعين أن الشفاعة لا تكون إلا لمن سلفت منه التوبة من ذنوبه التي قارفها وفائدتها التماس القبول من الله تعالى. (1/245)
صفحة 246
أما من يتفلسف بلا حجة زاعما أن هذه الآيات واردة في حق المشركين مستشهدا بقوله: { إلا من آمن } فهذا ينبغي أن يؤخذ بيده أو عينه لينظر ويتبصر في قوله: { وعمل عملا صالحا } أم هل سيقال إن مرتكب الكبيرة صاحب عمل صالح!! وما عسى أن يقول في قوله: { ولا يزنون } وقوله: { ولا يقتلون النفس } أم ستلغى دلالة الكتاب لمجئ أحاديث المجال فيها رحب لتأويلها والجمع بينها وبين مثل قوله تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } (الأنبياء : 28) فهذا كأنه يقول والعياذ بالله: لا يارب من يقتل ويزني سوف يشفع فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وستغفر له وتدخله الجنة!!!. ثم ما يثير الدهشة في هؤلاء رمي مخالفيهم بأنهم أهل أهواء و هذا من العجب فكيف يكون الهوى في هذا المبدأ الذي انتهجه الإباضية لقطع علائق الفساد وردع من يتهاون بحرمات الله أليس العاقل يقول إن الهوى في التماس الحيل والمخارج لكل زنديق لم يعرف من الاسلام إلا الشهادتين ثم عاش عمره لا يأتي من أوامر الله شيئا مقارفا لكبائر الذنوب على اختلافها يصبح يعاقر الخمر ويبيت في أحضان العاهرات على أمل موهوم يتخيل أن يشفع له النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة. ويستشهد بأحاديث مهلهلة كحديث البطاقة!!!. (1/246)
صفحة 247
لكن "الجاهل من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" ولو كان الحال كما يقول مخالفو الإباضية فارتكاب الكبائر ليس بمذموم! وكيف يكون ذلك والنبي - صلى الله عليه وسلم - سينصب نفسه للدفاع عنه يوم القيامة؟!! ويكون واسطة له مع ربه اللهم هذا بهتان عظيم، بل هذا مدخل لترويج المعاصي دون أن يشعر القائل بهذا المبدأ، وليتأمل المنصف قوله تعالى: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سؤاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين } (الأنعام : 55) وخلاصة الكلام أن قوله - صلى الله عليه وسلم - : »شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي« إن ثبت يحمل على الذين تابوا من كبائرهم لا على من مات مصرّا!! على مقارفة حرمات الله. _) وزعم أن أهل الكبائر يخرجون من النار بشفاعة الرسول لهم، فهو كافر كفر نعمة إذا ظهر منه هذا التأويل الفاسد(_( ) وقد قال بقريب من رأي الاباضية في هذه المسألة الداعية الراحل محمد الغزالي في كتابه "عقيدة المسلم" وإليك بعض نصوصه الممتعة:
يقول ص (228): "يلغط عوام المسلمين بأحاديث واردة في شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض العصاة. وتَعَلَّق أولئك بأحاديث الشفاعة يُخيّل إليك أن قوانين الجزاء بطلت، وأن نيران الجحيم توشك أن تتحول بردا وسلاما على عصاة المؤمنين. (1/247)
صفحة 248
وكثيرا ما يفرط هؤلاء الجهال في الفروض، ويقعون في أوخم الذنوب ثم يقولون: أمة محمد بخير!. وهذا مسلك ساقط. ومحمد - صلى الله عليه وسلم - أول من يستنكره ويحارب أصحابه، وينذرهم بأنهم أصحاب الجحيم. فأما أن الجزاء حق، وأنه يتناول الذرة من الخير والشر، وأنه يعمّ الناس فذلك صريح القرآن: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . والقول بأن قوانين الجزاء توقف بالنسبة لأتباع نبي ما سخف فارغ، وقد كذّب القرآن الكريم في مواضع شتى مزاعم الأولين والآخرين لمّا جمحت بهم أمانيهم إلى هذا الوهم الباطل.". ويقول ص (231): "والظاهر أن الشفاعة التي يرجوها النبي الكريم إنما تدرك صنفا من الناس تأرجحت موازين الحق والباطل في أعماله، فهو بين السقوط والنجاح.
ونحن في حياتنا ننظر إلى التلامذة الذين يقتربون من النهاية الصغرى للنجاح نظرة رأفة، ونميل إلى منحهم درجة أو درجتين جبرا لنقصهم. أما الذين يبتعدون عن المستوى الأدنى للنجاح مسافة بعيدة فإننا نحكم بسقوطهم فورا.
فلعل الشفاعة المنسوبة للرسول الكريم تنقذ أمثال هؤلاء المقاربين للنجاة، وبهذا يتم الجمع بين النصوص."
ويقول ص (233): "إن أتباع الدين يجب أن يعرفوا أن الحساب الإلهي لا يغفل الذرة من الخير أو الشر، وأن هذه الدقة تنفي كل تصرف ينطوي على الفوضى، وكيل الجزاء جزافا. وقد ندد القرآن الكريم باليهود؛ لما سرت بينهم هذه الآراء الغريبة، حتى ظن عامتهم أن الجنة حكر لهم ولذرياتهم ـ لأمر ما ـ فأقبلوا على ملذات العيش الأدنى ينتهبونها ويقولون ـ في يقين ـ سيغفر لنا!!.".
ويقول ص (234) : "والمؤسف أن هذا القطع بين العمل والجزاء رسب في أوهام العامة، فأساؤوا به إلى أنفسهم وإلى دينهم، ثم إن عوج سلوك المنسوبين إلى الدين وقلة فقههم، وسوء ذوقهم، مكّن للإلحاد في الأرض، ورفع الثقة من الأديان وممثليها جملة. (1/248)
صفحة 249
والعجب للمسلمين يصابون بهذه اللوثة وهم يقرأون قول الله: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ، ولا يجد له من دون الله وليّا ولا نصيرا } [النساء : 123].". ا.هـ._)، فإن لم يظهر منه تأويل فهو كافر كفر شرك لا يُنَاكَح ولا يُوَارَث وهو المراد بقوله: (أي أشر منزل)، وكان تولد هذين الحكمين إنما هما لمخالفة كتاب الله وسنة رسول الله وقد تقدم ذكرهما ومخالفة الألباب ـ وهي العقول ـ إذ لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر ما جاز لأحد أن يسأل أن يكون من أهل الشفاعة لأنه أنما يسأل بذلك أن يكون من أهل الكبائر على زعمهم وكتاب الله ناطق بتكذيبهم كقوله: { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } غافر : 18 .
الفصل الرابع
في خلود أهل الجنة والنار
(187)(ومن عصى ولم يتب يخلد في النار دائما بهذا نشهد)
افترقت الأمة في أهل الجنة والنار على أربع فرق، فذهبت فرقة إلى أن من مات على طاعة الرحمن فهو مخلد في دار الرضوان، ومن مات على عصيان ربه مصرا على ذنبه فهو مخلد في النار، لا فرق في ذلك بين أحد من الفجار كان من أهل الشرك أو الفساق(_( ) والإباضية قائلون بإنفاذ الوعيد وعدم تخلفه وقد تقدم بعض هذا وابن حزم يقول في كتابه "الإحكام" (م2/ج5/ص70):
"فمن يفسق القائلين بإنفاذ الوعيد فليبدأ بتفسيق ابن عباس، ومن فسّق ابن عباس فهو والله الفاسق حقا، وابن عباس البر ابن البر، الفاضل ابن الفاضل رضي الله عنهما". ا.هـ فتأمل._) وهذه الفرقة هي المحقة ومن قال بخلافها فهو هالك، فالمراد بالعصيان في قول الناظم: (ومن عصى) إنما هو اتيان الكبيرة والإصرار على الصغيرة لما سيأتي أن الصغائر مغفورة عند اجتناب الكبائر. (1/249)
صفحة 250
وذهبت فرقة الى ان أهل الجنة وأهل النار زائلون والداران فانيتان بعد دخول أهلهما فيهما، وسيأتي الرد على هذه الفرقة عند ذكر الناظم لها إن شاء الله. وذهبت فرقة الى تخليد أهل الجنة في الجنة وعدم تخليد أهل النار في النار مشركا كان أو منافقا ـ وسيأتي الرد على هذه الفرقة أيضا ـ. وذهبت فرقة الى تخليد أهل الجنة والمشركين من أهل النار فيهما وزعموا أن أهل الكبائر غير المشركين يخرجون من النار فيدخلون الجنة، والى الرد على هذه الفرقة أشار بقوله:
(188)(وكافر بنعمة من فرَّقا ما بين ذي شرك ومن قد فسقا)
(189)(أعني لدى الخلود والفرق نشا لدى منازل العذاب وفشا) (1/250)
صفحة 251
أي كافر كفر نعمة لا كفر شرك من قال بأن المشركين مخلدون في النار وما عداهم من الفسقة وأهل الكبائر غير مخلدين في النار، كما يُروى عن مالك بن أنس الأصبحي(_( ) الإمام أبو عبدالله مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث وهو ذو أصبح الأصبحي الحميري المدني حليف بني تيم من قريش. وإليه تنتسب المالكية. ولد ونشأ في المدينة سنة 93هـ ـ وهي السنة التي توفي فيها الصحابي الجليل أنس بن مالك - رضي الله عنه - والإمام جابر بن زيد الأزدي ـ من تصانيفه: "الموطأ ـ ط" وهو أشهرها على الإطلاق وله رسالة في "الوعظ ـ ط" ورسالة في "القدر ـ ؟" كتبها إلى ابن وهب. ورسالة "الادآب" إلى الرشيد قال عنها الذهبي: "قلت: هذه الرسالة موضوعة. وقال القاضي الأبهري: فيها أحاديث لو سمع مالك من يحدث بها لأدبه." وله كتاب "السر ـ ؟" من رواية ابن القاسم عنه، ورسالة إلى الليث في اجماع أهل المدينة. وكانت وفاته في المدينة سنة 179هـ. ("سير أعلام النبلاء" للذهبي 7/382 ـ 437 ـ "تهذيب التهذيب" لابن حجر 10/5 ـ 8 ـ "الأعلام" للزركلي 5/257)._) أنه قال: "من مات على كبيرة فلا يخلو من أحد ثلاثة أمور: إما أن يغفر الله له بعفوه، أو يشفع فيه الرسول، أو يعذب مقدار عمله ثم يخرج فيدخل الجنة" وفي قول الشافعي: "أنه يكتب على جباههم (هؤلاء جهنميون) فيعيرهم أهل الجنة على ذلك، فيسألون الله زواله، فيمحوه الله عنهم ويبدلهم مكانه نورا يتلألا فيود أهل الجنة أن لو عملوا كعملهم"(_( ) يبدو أن هذا الكلام منتزع من بعض الروايات الباطلة المصنوعة والأحاديث المخترعة الموضوعة وقد مر بي شيء منها أثناء تخريجي لأحاديث الكتاب ومما يشهد ببطلانها قوله: "ثم يعيرهم!! أهل الجنة". وهذه علة في المتن فضلا عن ما في أسانيد تلك الروايات من الضعفاء. فأهل الجنة مبرؤن من هذا الوسخ (التعيير) فأنى يثبت. (1/251)
صفحة 252
أضف الى هذا قوله: "فيود أهل الجنة أن لو عملوا! كعملهم!!" وهذا عين الضلال كما قال المصنف وحسبك أن هذا القول مصادم لقوله تعالى: { أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون } . والله أعلم. _). وهذا رأس الضلال وعين المحال بأن جعلوا العاصي أشرف من الطائع وجمعوا بين الأضداد وكتاب الله ناطق بخلاف ما زعموا قال تعالى: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } السجدة : 18 وقال تعالى: { أفنجعل المسلمين كالمجرمين ( ما لكم كيف تحكمون } القلم : 35 و36 وقال تعالى: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون } الجاثية : 21 ولله درّ ابن النضر حيث قال:
كذبت لقد مَنَّتْكَ نفسُك ضلة خروجك من نار مؤجَّجة حُطَم
وسكناك مع أهل السعادة في العلى فيصبح من صلى وصام كمن غشم
ومن أخلص التقوى الى الله راغبا كمن عبد الأوثان والجبت والصنم
لك الويل فارجع عن ضلالك تائبا فليس الذي أشقى الإلهُ كمن عصم (1/252)
صفحة 253
وقول الناظم: (أعني لدى الخلود.. الخ) أي لافرق بين المشرك والفاسق المنافق في الخلود بل كل منهم مخلد لقوله تبارك وتعالى: { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } البقرة : 81 ولقوله تعالى: { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا } الجن : 23 وإنما الفرق بين أهل النار في منازل العذاب، إذ كُلٌ معذب بقدر عمله فللنار دركات بعضها أشد عذابا من بعض وأكثر نكالا من غيرها حتى رُوي: »أن من أقل الناس عذابا من يُنعل بنعلين من النار فيفور منهما مخه من أعلى هامته«(_( ) جاء بلفظ: »إن أهون أهل النار عذابا لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه ـ وفي رواية: ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعله ـ« وما يقاربها من طريق النعمان بن بشير - رضي الله عنه - رواه البخاري في "صحيحه" [6561 و6562] ومسلم [312] وأحمد [18420 و18443] والطيالسي [798] وابن أبي شيبة في "مصنفه" [34121] وأبو نعيم في "الحلية" [5935] والحاكم في "المستدرك" [8730 و8731 و8732 و8733]. ومن طريق ابن عباس - رضي الله عنه - رواه مسلم [212] وأحمد في "مسنده" [2694]. ومن طريق أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عند الحاكم [8734] وابن أبي شيبة [34123]وغيرهم. _) والدليل على الفرق بينهم في أنواع العذاب قوله عزَّوجل: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } النساء : 145 وقوله: - صلى الله عليه وسلم - : (إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون((_( ) جاء من طريق ابن مسعود - رضي الله عنه - رواه الإمام مسلم في "صحيحه" [2109] وأحمد في "مسنده" [4049] والحميدي في "مسنده" [117] والبيهقي في "السنن الكبرى" [14567]. كما جاء من طريق ابن عمر رضي الله عنهما رواه الإمام أحمد في "مسنده" [4791] والنسائي في "الصغرى" [5364] وفي "الكبرى" [9795]._) فدلت الآية والحديث معا على أن أحدا دون هذين الفريقين في العذاب.
( (1/253)
صفحة 254
190)(كذاك من قال بأنه يجي وقت على النار بلا تأجج)
هذا البيت اشارة الى الرد على الفرقة القائلة بعدم تخليد أهل النار فيها، وذلك أنهم زعموا أنه يأتي على النار وقت تصفق أبوابها وليس بها أحد فينبت فيها شجر الجرجير، وتشبثوا في ذلك بحديث يروى من طريق ابن عمرو بن العاص: »ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها، ليس فيها أحد وذلك بعدما لبثوا فيها أحقابا«(_( ) حديث موضوع .. رواه ابن عدي في "الكامل" (5/221 دار الفكر) من طريق أنس - رضي الله عنه - باسناد تالف فيه العلاء بن زيد ويقال ابن زيدل الثقفي قال عنه البخاري: "العلاء بن زيدل الثقفي أبو محمد يعد في البصريين، عن أنس، منكر الحديث" ـ كما في ترجمته عند ابن عدي في "كامله" (5/220) ـ. وقال عنه ابن المديني: كان يضع الحديث. وقال أبو حاتم والدارقطني: متروك الحديث. وقال ابن حبان: روى عن أنس نسخة موضوعة. كما في "الميزان" للذهبي (3/99). (1/254)
صفحة 255
وروى الطبراني في "الكبير" (8/247 برقم 7969) عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "ليأتين على جهنم يوم كأنها زرعٌ هاج واحمرَّ تخفق أبوابها" وهو حديث موضوع لوروده من طريق الكذاب جعفر بن الزبير الحنفي وإليك ما قيل فيه منقول من "تهذيب التهذيب" لابن حجر (2/82 دار الكتب العلمية): "قال ابن معين: شامي لا يكتب حديثه. وقال ـ في رواية الدوري ـ عنه: ليس بثقة. وفي رواية ابن الجنيد: ليس بشئ. وقال أحمد بن سعيد الدارمي عن يزيد بن هارون: كان جعفر بن الزبير، وعمران بن حدير في مسجد واحد ـ مصلاهما ـ وكان الزحام على جعفر بن الزبير، وليس عند عمران أحد، وكان شعبة يمر بهما فيقول: يا عجبا للناس؛ اجتمعوا على أكذب الناس، وتركوا أصدق الناس ... وقال غندر: رأيت شعبة راكبا على حمار فقيل له: أين تريد يا أبا بسطام؟. قال: اذهب فأستعدي على هذا ـ يعني جعفر بن الزبير ـ وضع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعمائة حديث كذبا ... وقال ابن عمار: ضعيف. وقال أحمد: اضرب على حديث جعفر. وقال الجوزجاني: نبذوا حديثه. وقال أبوزرعة: ليس بشيء، لست أحدث عنه. وأمر أن يضرب على حديثه. وقال أبو حاتم: كان ذاهب الحديث لا أرى أن أحدث عنه وهو متروك الحديث. وقال البخاري: ليس بذاك. وقال في موضع: متروك الحديث تركوه. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف متروك مهجور. وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. وقال النسائي في موضع آخر: ليس بثقة"._) وبقوله تعالى ـ في شأن ابليس ـ: { وان عليك لعنتي الى يوم الدين } ص : 78 قالوا فاللعنة مغياة بذلك اليوم فيفهم منه أنه لا لعن بعد ذلك اليوم، وإذا ثبتت هذه الرحمة لإبليس فغير إبليس من سائر العصاة أولى بها وأحق.. (1/255)
صفحة 256
والجواب عن الحديث أنه آحادي لا يعارض القطعيات فلو صح لم يفد علما(_( ) مذهب جمهور الأمة أن الحديث الآحادي ليس حجة في العقائد وإنما يستدل به في الفروع الفقهية التي تنبني على الظن كما يقولون، أما في الجوانب العقائدية فلا يحتج به لأن العقائد ثمرة اليقين ويلزم فيها القطع بالحكم لا التذبذب فيه، ويكمن السر في عدم الاحتجاج به في العقائد أن خبر الواحد ظني وإن كان راويه ثقة عدلا ضابطا إذ يحتمل أن يخطئ أو يسهو أو ينسى أو يتوهم وهذا ناشئ من تعذر العصمة لأحد خلا الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولا يخلو من تلك الآفات أحد غيرهم. وحسب المنصف أن كثيرا من الثقات الأمناء أخطأوا وتوهموا خلاف الحقيقة من الصحابة فضلا عن غيرهم من ذلك حديث: »إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه« الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما فقالت السيدة عائشة رضي الله عنها ـ كما في "صحيح مسلم" [932/27] ـ: "يغفر الله لأبي عبدالرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يهودية يُبكى عليها فقال: »إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها«." بل إن في بعض الروايات ما يفيد عدم الاطمئنان إلى خبر الواحد فقد جاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: »صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ـ أو العصر ـ فسلّم، فقال: ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله أنْقِصَتْ؟. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: أحق ما يقول؟. قالوا: نعم. ... الحديث«. ومنه يفهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكتف بخبر ذي اليدين وهو أحد الصحابة لم يطعن فيه أحد، هذا في مسألة فقهية فرعية كما هو الظاهر فكيف بالمسائل الأصلية، والحديث رواه البخاري في "صحيحه" برقم [1227] ومسلم [573] وغيرهم. (1/256)
صفحة 257
قال أبوالمعالي الجويني في "البرهان" (1/231 دار الكتب العلمية): [ذهبت الحشوية من الحنابلة، وكتبة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم، وهذا خزي لا يخفى مدركه على ذي لب. فنقول لهؤلاء: أتجوزون أن يزلّ العدل الذي وصفتموه ويخطئ؟؟. فإن قالوا: لا. كان ذلك بهتا وهتكا، وخرقا لحجاب الهيبة، ولا حاجة إلى مزيد البيان فيه. والقول القريب فيه أن قد زلّ من الرواة والأثبات جمع لا يعدون كثرة. ولو لم يكن الغلط متصوراً لما رجع راوٍ عن روايته. والأمر بخلاف ما تخيلوه.
فإذا تبين إمكان الخطأ فالقطع بالصدق مع ذلك محال. ثم هذا في العدل في علم الله تعالى، ونحن لا نقطع بعدالة واحد بل يجوز أن يضمر خلاف ما يظهر، ولا متعلق لهم إلا ظنهم أن خبر الواحد يوجب العمل، وقد تكلمنا عليه بما فيه مقنع.]ا.هـ وهذا كلام في غاية الوضوح ومن شاء المزيد حول هذه المسألة فدونه كتاب (السيف الحاد) للمحدث القنوبي - حفظه الله -._) فلا ينبني عليه اعتقاد كيف وتأويله محتمل؛ بأن يقال انهم يخرجون من النار الى واد هو أشد عذابا منها يقال له الزمهرير يعذبون فيه بالبرد، يُروى: أنهم اذا دخلو فيه استغاثوا منه الى النار. وأما الآية فلا تفيد ما ذكروه وعلى تقدير افادتها لذلك فإنما هو مفهوم مخالفة(_( ) مفهوم المخالفة: هو دلالة الكلام على نفي الحكم الثابت للمذكور عن المسكوت، لانتفاء قيد من قيود المنطوق، ويسمى دليل الخطاب؛ لأن دليله من جنس الخطاب أو لأن الخطاب دل عليه. وله أنواع كثيرة منها: مفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم اللقب (الاسم)، ومفهوم الحصر. (1/257)
صفحة 258
واختلف في حجيته ـ في الفروع طبعا ـ على رأيين الأول للجمهور وقالوا بحجيته عدا مفهوم اللقب، وهل هذه الحجية أتت من اللغة أو من الشرع الصحيح أنه حجة عندهم من حيث اللغة كما قال ابن السمعاني، وقال الفخر الرازي: لا يدل على النفي بحسب اللغة، لكنه يدل عليه بحسب العرف العام.
وذهب الحنفية إلى القول بعدم حجية العمل بمفهوم المخالفة في النصوص الشرعية ولا يجوز العمل به. بخلاف كلام الناس ومصطلحهم. راجع "أصول الفقه الاسلامي" د.وهبة الزحيلي (1/362 و367 دار الفكر)._) واختلف في حجيته في الظنيات فكيف يبنى عليه اعتقاد بل وكيف يُعارض به القطعي الوارد في قوله تعالى: { قال فالحق والحق أقول ( لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } ص : 84 و85 والقطعي الوارد في قوله تعالى: { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } البقرة : 81 في أمثالها من الآيات العديدة التي نبذوها وراء ظهورهم واستبدلوا عنها هوى أنفسهم فضلوا وأضلوا فحكمهم أنهم كفار نعمة لِما تقدم من تأويلهم، كذا قيل فيهم وعليه مشيت في النظم ثم ظهر لي بعد ذلك أنهم مشركون (_( ) لعله يقصد هنا الباطنية. _)وأن ذلك التأويل ليس بمستر لهم عن الكفر، فهم في حكم المكذبين لهذه الآيات كلها والله أعلم.
(191)(وهكذا من قال كل يدخل فيها سعيد وشقي مبطل) (1/258)
صفحة 259
زعمت المرجئة أن كل أحد يدخل النار سعيدا كان أو شقيا وقالوا يُنَجَّى منها السعيد ويترك فيها الشقي، وتعلقوا في ذلك بقوله تعالى: { وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ( ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } مريم : 71 و72 ولا تعلق لهم في هذه الآية لأن الخطاب فيها للمتقدم ذكرهم وَرَدَ على سبيل الإلتفات من الغيبة الى الحضور، وذلك أنه قدَّم ذكر المنكرين للبعث فقال: { ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيَّا ( أوَ لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ( فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ( ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا ( ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا } مريم : 66 إلى 70 فهذه الآيات كلها خطاب لمنكري البعث وكذلك آية الورود، فهي كما بيناه من أنها خطاب لهم وَرَد على سبيل الإلتفات ومثل هذا كثير في القرآن منها قوله تعالى ـ في خطابه لبني اسرائيل ـ: { وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم } الأعراف : 160 ومن وجه آخر أن الورود يتصرف فيرد بمعنى الدخول تارة كقوله تعالى: { فإنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون } الأنبياء : 98 وبمعنى المشارفة للشيء أخرى كقوله تعالى: { ولما وَرَدَ مَاءَ مدْيَنَ } القصص : 23 وقول زهير:
ولما وردنا الماء زرقا جمامه وضعن عصي الحاضر المتخيم
وقول امرئ القيس:
فأوردها ماء قليلا أنيسه يحاذرن عمرا صاحب الفترات (1/259)
صفحة 260
فبطل حمل الآية على الوجه الأول أن لو وافقناهم أن الخطاب في الآية للمؤمنين والكافرين جميعا من حيث أنه يلزمهم القول بدخول الأنبياء النار مع المؤمنين فيكون كتاب الله ناطقا بتكذيبهم في [قوله تعالى: { أولئك عنها مبعدون ( لا يسمعون حسيسها } ](_( ) ساقطة من (ب). _) الأنبياء : 101 و102 وقوله تعالى: { يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا ( ونسوق المجرمين الى جهنم وِرْدَا } مريم : 85 و86 ، وقوله تعالى: { يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه } التحريم : 8 وذكر في آية أخرى قوله: { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } آل عمران : 192 فيلزمهم على مقالتهم هذه تناقض هاتين الآيتين وكلاهما خبر لا يأتي النسخ على أحدهما، ولكنا لا نُسَلِّم أن الخطاب في الآية للمؤمنين والكافرين بل لا نقول إلا أنه متوجه للكافرين فالورود عندنا هو الدخول نفسه على هذا التأويل، فإن قيل: أما في قوله تعالى: { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } مريم : 72 دليل على ما تعلقت به المرجئة. فالجواب أن قوله { نُنَجِّي } ليس فيه دليل على دخولهم النار لأن التنجية تكون من الشيء المخوف المترقب وقوعه كقولك: نجيت زيدا من القتل، فإن زيدا لم يقتل بعد وإنما قارب ذلك الأمر الذي يترقب وقوعه، وللمثبتين للورود لجميع الأمة أقاويل نضرب صفحا عن ذكرها مخافة التطويل، وبالجملة فحكمهم حكم من قبلهم من أنهم كفار نعمة لا شرك مالم يظهر منهم رَدٌّ لتنزيل فيحكم عليهم بالشرك، هذا كله إذا قالوا إن الداخلين في النار هم المؤمنون والفاسقون جميعا(_( ) فلو قالوا بدخول الأنبياء خيف عليهم الوقوع في كفر الشرك والعياذ بالله. _).
(192)(ومن يقل دار الخلود فانية أو أهلها ففاسق علانية) (1/260)
صفحة 261
هذا بيان الرد على الفرقة القائلة بفناء الجنة والنار بعد دخول كل فيها وهم الجهمية على ما وجدت في الأثر، والرد عليهم ظاهر من الكتاب وشاهد العقل قال تبارك وتعالى: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يُخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } البقرة : 80 و81 وقال تعالى: { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا } الجن : 23 وقال تعالى ـ في وصف أهل الجنة ـ: { عطاء غير مجذوذ } هود : 108 أي غير مقطوع، في أمثالها من الآيات.
وشاهد العقل يقضي أن الكريم إذا أنعم بنعمة قد وعد بعدم انقطاعها انه لو قطعها لكان غير كريم، بل كان سفيها كذَّابا من حيث أنه يعد بالشيء فلا ينجز وعده وهو قادر عليه، ولو قيل إنه غير قادر للزم عليه عجز الباري جل وعلا وهو باطل، وبالجملة فهم متأولون فحكمهم حكم من قبلهم من الفرق من حيث أنهم كفار نعمة لا شرك ما لم يظهر منهم رَدٌّ لتنزيل أو تكذيب لرسول فيُحكم عليهم بالشرك كذا قيل وعليه جريت في النظم والظاهر أن هؤلاء مشركون لما في مقالتهم هذه من رد الأدلة القطعية من الآيات القرآنية، وما تخيل لهم من التأويل هي خيالات لا تدفع عنهم هذا الحكم إذ لم تكن هنالك شبهة يتمسكون بها فيعطون حكم المتأولين، وليس كل من آثر هواه على دليل هداه يعطى حكم المتأولين والله أعلم.
(193)(هذا إذا ما كان بالتأويل والشرك في الرد على التنزيل) (1/261)
صفحة 262
الإشارة كناية عن الأحكام المتقدم ذكرها في أرباب المقالات الزائغة وأهل الطرق الضالة، أي فهذا حكمهم إذا كانت مقالتهم ناشئة عن تأويل للأدلة الشرعية فإن المتأول إذا أخطأ في تأويله بما لا يسعه الخطأ فيه من الدين يكون كافرا كفر نعمة وفاسقا هالكا ولا يحكم عليه بالشرك حتى يظهر منه ردُّ لتنزيل أو تكذيب لرسول، فإن ظهر منه شيء من ذلك حكم عليه بالشرك إجماعا، واختلفوا في المتأول إذا استلزم مذهبه رد الكتاب أو تكذيب الرسول فَشَرَّكَهُ قوم ولم يشرِّكه آخرون والله أعلم.
الباب الخامس
ـ من الركن الثاني ـ
في القضاء والقدر
(194)(وبالقضا نؤمن أيضا والقدر ولم يجز اغراقنا فيه النظر)
ومما يجب الإيمان به قضاء الله وقدره لأنهما أصلان من أصول الدين وركنان من الإيمان، قال - صلى الله عليه وسلم - لعبادة بن الصامت: (إنك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله تعالى. قال: يا رسول الله وكيف لي أن أعلم خير القدر وشره؟. قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير ذلك دخلت النار((_( ) الحديث رواه الإمام الربيع الفراهيدي في "مسنده" [72] من طريق عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - . (1/262)
صفحة 263
وجاء موقوفا من كلام عبادة - رضي الله عنه - رواه أبوداود في "سننه" برقم [4700] والبيهقي في "الاعتقاد" ص(70 /الكتب العلمية). وفيه ص(78) موقوف على أبي بن كعب وذكر هناك أن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - رفعه. والصحيح رفعه حيث لا يتأتى أن يكون من كلام الصحابة._)، وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ولقائه واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله تعالى((_( ) جاء من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه البخاري في "صحيحه" [50] وابن خزيمة في "صحيحه" [2244] وابن مندة في "الايمان" [15 و158]. وجاء من طريق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد [185] والنسائي في "الكبرى" [11721] وابن حبان [168] والبيهقي في "شعب الايمان" [124 و180 و254]. وجاء من طريق ابنه رضي الله عنهما رواه ابن مندة [5] والبيهقي في "الاعتقاد" ص(68)._). (1/263)
صفحة 264
والفرق بينهما أن القضاء عبارة عن وجود المكونات في اللوح إجمالا، والقدر عبارة عن وجودها في المواد تفصيلا قال تعالى: { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } الحجر : 21 وعليه قوله - صلى الله عليه وسلم - ـ وقد مر تحت جدار مائل فأسرع المشي فقيل: يارسول الله أتفر من قضاء الله؟ فقال ـ: (أفر من قضاء الله إلى قدره((_( ) لم أعثر على هذه الرواية .. والمشهور أن القائل لهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين أراد الرجوع من مسيره الى بلاد الشام عندما علم بظهور الوباء فيها، فقال له أبوعبيدة - رضي الله عنه - : أفرارا من قدر الله يا عمر؟!. فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ..الخ. ورواية ما حصل لعمر - رضي الله عنه - صحيحة ثابتة أخرجها الإمام الربيع في "مسنده" برقم [641]._) هذا في العرف الشرعي، وأما في اللغة فيتصرف كل منهما الى أوجه؛ فيَرِدُ القضاء بمعنى الخلق وهو المراد هنا قبل النقل كقوله تعالى: { فقضاهن سبع سماوات في يومين } فصلت : 12 ، ويَرِد بمعنى الحُكم كقوله تعالى: { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة } يونس : 93 ، ويَرِد بمعنى الأمر كقوله تعالى: { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه } الإسراء : 23 ، ويَرِد بمعنى الخبر كقوله تعالى: { وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب } الإسراء : 4 ، وبمعنى الفراغ من الشيء كقوله تعالى: { فإذا قضيت الصلاة } الجمعة : 10 وقول الشاعر:
قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أغمدت السيوف
وبمعنى الصنع للشيء كقوله تعالى: { فاقض ما أنت قاض } طه : 72 أي اصنع ما أنت صانع، وقول الشاعر:
وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تُبَّع
فتلك ستة معان وقد جمعتها بقولي:
قَضَا؛ خَلْقٌ وَحُكْمٌ ثُمَّ أَمْرٌ وإخْبَارٌ وإفْرَاغٌ وصُنْعُ (1/264)
صفحة 265
وأما القدر فيرد على معان أيضا منها أنه بمعنى خَلَقَ ويُمثَّل له بقوله تعالى: { والذي قدر فهدى } الأعلى : 3 أي خلق الإنسان فهدى الذكر الى إتيان الأنثى وهذا الوجه هو المقصود هنا قبل النَّقل، فالقضاء والقدر في هذا الموضع مترادفان لغة لا عرفا كما تقدم، ومنها التقدير كقوله تعالى: { وأنزلنا من السماء ماء بقدر } المؤمنون : 18 أي بتقدير، ومنها التصويركقوله تعالى: { فقدرنا فنعم القادرون } المرسلات : 23 أي المصورون، ومنها الوجُود كقوله تعالى: { إلا أمرأته قدرنا انها لمن الغابرين } الحجر : 60 أي وجدناها من الهالكين وهذا التفسير إنما يصح في سورة الحجر خاصة لأنه من خطاب الملائكة ـ عليهم السلام ـ لخليل الرحمن ـ عليه السلام ـ وأما في سورة النمل فهو بمعنى [القضاء لأنه خطاب من الله عزوجل، ومنها](_( ) ساقطة من (ب). _) القضاء كالآية المشار اليها وكقوله تعالى: { فالتقى الماء على أمر قد قُدِر } القمر : 12 أي قضي، ومنها التضييق كقوله تعالى: { وأما إذا ما ابتلاه فَقَدَرَ عليه رزقه } الفجر : 16 أي ضيَّقه، ومنها المِثْل كقوله تعالى: { فسالت أودية بِقَدَرِهَا } الرعد : 17 أي بِمِثْلِهَا فتلك سبعة أوجه وقد جمعتها أيضا فقلت:
معاني القَدْرِ سَبْعٌ هاك نظما حواها وهي: خَلْقٌ ثَمَّ يحلو
وتَقْدِيرٌ، وَتَصْوِيرٌ، وُجُودٌ، قَضَاءٌ، ثم تَضْيِيقٌ، ومِثْلُ
وفي القدر لغتان: فتح الدال وعليه بيت المتن، وسكونها وعليه البيت الأول من هذين البيتين، وثَمَّ ـ بفتح الثاء وتشديد الميم ـ إشارة الى المكان البعيد وإنما أتى بها مع كونه مشيرا الى القريب لتعظيم المقام وتجليله على حد قوله تعالى: { ذلك الكتاب } البقرة : 2 ، أي معنى القدر الذي هو الخلق يحلو في هذا المقام كما قدمنا، فمعنى قولنا: إن الله قدَّر المعصية. أي خلقها، وكذلك معنى قولنا: إن الله قضى المعصية والطاعة. أي خلقهما. (1/265)
صفحة 266
وقول الناظم: (لم يجز اغراقنا ..الخ) الإغراق ـ بكسر الهمزة ـ الإستقصاء في الشيء والإحاطة بجميع صفاته، و(النظر) هنا الفكر وفيه اشارة الى قوله - صلى الله عليه وسلم - : (يقول الله تبارك وتعالى: القدر سري ولا ينبغي لأحد أن يطلع على سري((_( ) لم أعثر عليه بهذا اللفظ .. ويشبهه ما في "الكامل" لابن عدي (7/191 دار الفكر): "عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : »القدر سر الله من تكلم به يسأله عنه يوم القيامة، ومن لم يتكلم به لم يسأله عنه«. وهو حديث ضعيف لوروده من طريق يحي بن أبي أنيسة وقد ضعفه طائفة. قال الذهبي في "الكاشف" (3/220): "تالف". وقال ابن حجر في "التقريب" (2/343): "ضعيف". وانظر تفاصيل أحواله في "الكامل" لابن عدي (7/186 ـ 187). و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (11/162 ـ 163)._)، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا((_( ) جاء بهذا اللفظ من طريق ابن مسعود - رضي الله عنه - رواه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" [782] وابن عدي في "كامله" (7/25).
( وجاء بتقديم لفظة "النجوم" على لفظة "القدر" عند الطبراني في "الكبير" [2/96 برقم 1427] عن ثوبان - رضي الله عنه - وعنها يقول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7/411 دار الفكر): "رواه الطبراني وفيه يزيد بن ربيعة وهو ضعيف". وفي "الكبير" أيضا [10/198 برقم 10448] عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وعنه يقول الهيثمي في "مجمعه" (7/412): "رواه الطبراني وفيه مسهر بن عبدالملك وثّقه ابن حبان وغيره وفيه خلاف وبقية رجاله رجال الصحيح". ا.هـ. ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [4953 دار الكتب العلمية] عن ابن مسعود - رضي الله عنه - .
( (1/266)
صفحة 267
وجاء بدون قوله: »وإذا ذكرت النجوم ..« رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" [741 /بغية الباحث] عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وابن عدي في "كامله" (6/162) عن ابن عمر رضي الله عنهما._) وإنما كان ذلك مخافة الخوض في القدر فيلحق الخائض التَّسَمِّي بالقدري فيكون من القوم الذين قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة القدرية((_( ) جاء بهذه الصيغة من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - رواه الآجري في "الشريعة" [359 و360] وابن عدي في "الكامل" (2/137 و2/316).
وجاء بلفظ: »لكل أمة مجوس والقدرية مجوس هذه الأمة« من طريق ابن عمر - رضي الله عنه - عند الآجري في "شريعته" [356].
( وجاء بلفظ: »لكل أمة مجوس ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر إن ماتوا لا تشهدوهم« من طريق ابن عمر - رضي الله عنه - رواه أحمد [5586] وأبوداود [4692] وابن أبي عاصم في "سنته" [339] وعنده برقم [329] عن حذيفة - رضي الله عنه - وبرقم [342] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - .
( وجاء بلفظ: »إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله« من طريق جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - رواه ابن ماجة في "سننه" [92] وابن أبي عاصم [328] والآجري في "شريعته" [358]. وانظر "أجوبة الحافظ ابن حجر على أحاديث المصابيح" في آخر الجزء الثالث من "مشكاة المصابيح" للتبريزي ص(1779)._)، وقال - صلى الله عليه وسلم - : (المرجئة يهود هذه الأمة، والقدرية مجوسها((_( ) جاء الشطر الأول من هذه الرواية في "مسند" الإمام الربيع [944] من قول الإمام جابر. والشطر الثاني فيه برقم [798] بلا سند. (1/267)
صفحة 268
وأخرجه أبوداود في "سننه" [4691] عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: »القدرية مجوس هذه الأمة«. وجاء عند الطبراني في "الأوسط" عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : »القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة ..« وعن هذه الرواية يقول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7/421): "رواه الطبراني في "الأوسط" ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة". ا.هـ._)، وقال - صلى الله عليه وسلم - : (لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا قبلي((_( ) لم أجده بهذا اللفظ وله شواهد لا تخلو من مقال فقد روى الطبراني في "الكبير" [20/117 برقم 232] عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : »ما بعث الله نبيا قط إلا وفي أمته قدرية ومرجئة يشوشون عليه أمر أمته، ألا وان الله لعن القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيا« قال الهيثمي في "مجمعه" (7/416): "رواه الطبراني وفيه بقية بن الوليد وهو ليّن ويزيد بن حصين لم أعرفه". ا.هـ كما رواه ابن أبي عاصم في "سنته" برقم [325] وفيه نفس العلل. ورواه أيضا الآجري في "شريعته" برقم [286] وفي سنده ضعف. (1/268)
صفحة 269
وروى الإمام أبو حنيفة في "مسنده" ص(365/ الكتب العلمية): "عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : »لعن الله القدرية وما نبي ولا رسول إلا لعنهم ..« وهذا السند الذي ساقه أبو حنيفة جيد رجاله ثقات وهو متصل. على أنه يمكن القول بأن المراد هنا بالقدرية من يكذب بأقدار الله وهذا لا يمكن حصره في أمته - صلى الله عليه وسلم - دون من سبقه من الأنبياء. والله أعلم._)، قال في "شفاء الحائم"(_( ) هو للعلامة أبو الفضل أبو القاسم بن ابراهيم البرادي ـ وقد تقدمت ترجمته في التعليق على البيت رقم (76) ـ وكتابه هذا شرح لكتاب "الدعائم" لابن النضر العماني، وعنوانه "شفاء الحائم على بعض الدعائم" والظاهر أنه لم يشرح كل "الدعائم" وكتابه هذا لا يزال مخطوطا لم ينشر بعد. _): [وأول من تكلم في القدر في أيام الصحابة غيلان الدمشقي(_( ) أبو مروان غيلان بن مروان بن مسلم القبطي الدمشقي مولى لآل عثمان بن عفان، أحد القائلين بالقدر، معتزلي المذهب قال الخياط في كتاب "الإنتصار والرد على ابن الراوندي" ص(190): "وأما غيلان فكان يعتقد الأصول الخمسة التي من اجتمعت فيه فهو معتزلي وهذه رسائلة قد طبقت الأرض .. ". وهو من القائلين بأن الإمامة تصلح في غير القرشي وكل من كان قائما بالكتاب والسنة فهو مستحق لها. ومناظرته مع عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - التي أعلن فيها توبته تراها في "الشريعة" للآجري برقم [473] و"التنبيه والرد" لأبي الحسين الملطي ص(168/ الأزهرية للتراث) وهي التي تراجع فيها عن معتقده في القدر. صلبه هشام بن عبد الملك بالشام وإنما فعل ذلك لا لعقيدته كما يتوهم من لا علم عنده بل سبب قتله هو أن غيلان لما كتب إلى عمر بن عبد العزيز كتابا قال فيه: "أبصرت يا عمر". فدعا عمرٌ غيلان وقال: "اعِنِّي على ما أنا فيه". فقال غيلان: ولني بيع الخزائن ورد المظالم. (1/269)
صفحة 270
فولاه فكان يبيعها وينادي عليها ويقول: تعالوا إلى متاع الخونة!، تعالوا إلى متاع الظلمة!، تعالوا إلى خَلَف الرسول في أمته بغير سنته! وسيرته!. ... فمر به هشام بن عبد الملك فقال: أرى هذا يعنيني ويصيب أبائي والله إن ظفرت به لأقطعن يديه ورجليه. فلما ولي هشام خرج غيلان وصاحبه صالح إلى أرمينية فأرسل هشام في طلبهما فجئ بهما وقطع أيديهما! وأرجلهما!. طالع "طبقات المعتزلة" لابن المرتضى ص(25-27). والغريب أن ابن حبان روى في كتابه "المجروحين" (2/200): "... ابراهيم بن أبي جبلة قال: كنت عند عبادة بن نسي فأتاه آت أن هشاما قطع يدي غيلان ورجليه. فقال: أصاب والله فيه القضاء والسنة، ولأكتبن إلى أمير المؤمنين ولأحسنن له رأيه". ا.هـ والحق أنه أخطأ القضاء والسنة ولكنه التملق للملوك الذي ابتلي به كثير من الناس وإلا فإن التمثيل! بالموتى محرم شرعا، وإن كان القطع قبل الصلب فلم يعرف في الشرع له وجه إلا حد الحرابة!! وليس هذا محله، فيكون فعله مخالف للسنة لا موافق لها. وقد وضع بعض الأفاكين في حق هذا الرجل حديثا ذكر في "الفوائد المجموعة" للشوكاني ص(419): "سيكون في أمتي رجل يقال له وهب يهب الله له الحكمة، ورجل يقال له غيلان هو أضر على أمتي من ابليس. قال الشوكاني: رواه أبو يعلى عن عبادة بن الصامت مرفوعا، وهو موضوع. وقال ابن حبان: لا أصل له". ا.هـ وذكر النديم أن له رسائل مجموعة في نحو مائة ورقة. وكان قتله بعد سنة 105هـ. ("المجروحين" لابن حبان 2/200 ـ "الفرق بين الفرق" للبغدادي 206 و207 ـ "لسان الميزان" لابن حجر 4/424 ـ "الإنتصار والرد على ابن الراوندي" للخياط ص189 و190 مع كلام محققه ـ "التبصير" للإسفرايني ص13 مع تعليق الكوثري عليه ـ "الأعلام" للزركلي 5/124)._)، ومعبد الجهني(_( ) هو معبد بن عبدالله بن عكيم الجهني نزيل البصرة. (1/270)
صفحة 271
اتهم بأنه أول من تكلم بالقدر في زمان الصحابة، حدَّثَ عن عمران بن حصين ومعاوية وابن عباس وابن عمر وحمران بن أبان وطائفة. وروى عنه معاوية بن قرة وزيد بن رفيع وقتادة ومالك بن دينار وعوف الأعرابي وسعد بن ابراهيم وآخرون، وقد وثقه يحي بن معين، وقال أبو حاتم: صدوق في الحديث. وقال الجوزجاني: كان قوم يتكلمون في القدر احتمل الناس حديثهم لما عرفوا من اجتهادهم في الدين والصدق والأمانة ولم يتوهم عليهم الكذب وإن بلو بسوء رأيهم منهم معبد الجهني وقتادة ومعبد رأسهم. وقال العجلي: تابعي ثقة كان لا يتهم بالكذب. وقال مالك بن دينار: لقيت معبدا بمكة بعد فتنة ابن الأشعث وهو جريح قد قاتل الحجاج في المواطن كلها.
وروى ضمرة عن صدقة بن يزيد قال: كان الحجاج يعذب معبدا الجهني بأصناف العذاب ولا يجزع ثم قتله. وقيل إن عبدالملك بن مروان صلبه بدمشق على القول بالقدر ثم قتله وكان ذلك في سنة 80هـ.
والظاهر أن هذا ليس بصحيح فملوك بني أمية يهمهم الملك بالدرجة الأولى يقول الكوثري في مقدمته لكتاب "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر ص (10): "ولم يكن بنو أمية كالراشدين في السهر على معتقد المسلمين إلا فيما يمس بسياستهم". ومعبد هذا قد قاتل الحجاج كما تقدم فيكون قتله لسبب سياسي، وقد يقال إنه قتل بسبب القول بالقدر لكي يشفع قتله بمبرر ينطلي على العوام مع أن القتل بسبب معتقد لا بد له من شروط قاسية ولا بد من استتابة الرجل وما إلى ذلك لا أن يؤتى بشخص فيحز رأسه ثم يقال قتل لكذا .. والله أعلم بحال الرجل.
("سير النبلاء" 5/192 ـ "ميزان الإعتدال" للذهبي 4/141 ـ "تهذيب التهذيب" لابن حجر 10/204 ـ "الأعلام" للزركلي 7/264)._)، ويونس الاسواري(_( ) ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (6/335 الهندية) فقال: (1/271)
صفحة 272
"يونس الاسواري أول من تكلم بالقدر، وكان بالبصرة فأخذ عنه معبد الجهني. ذكره الكعبي في "طبقات المعتزلة" وذكر أنه كان يلقب سيبويه." ا.هـ والمشهور في كتب الفرق أن اسمه: علي الإسواري كما هو واضح من تردد ذكره في كتاب "الإنتصار والرد على ابن الراوندي" للخياط المعتزلي و"مقالات الاسلاميين" لابي الحسن الأشعري و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" لابن حزم الأندلسي ـ ويبعد أن يكونا شخصين ـ وعلي الاسواري هذا معدود في الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة التي ذكرها ابن المرتضى في "المنية والأمل" وذكر معه في هذه الطبقة الجاحظ وثمامة بن أشرس وأحمد بن أبي داود ويوسف بن عبدالله بن اسحاق الشحام [طالع "مذاهب الاسلاميين" د. عبدالرحمن بدوي (1/41 ـ42)]._)، وبعدهم أبو حذيفة واصل بن عطاء(_( ) أبو حذيفة واصل بن عطاء البصري الغزال من موالي بني ضبة أو بني مخزوم، رأس المعتزلة ومن أئمة البلغاء والمتكلمين ولد بالمدينة سنة 80هـ وكان يلثغ بالراء غينا إذا تكلم ولكنه لاقتداره على اللغة وتوسعه فيها يتجنب الوقوع في لفظة فيها راء حتى قيل فيه:
ويجعل البُر قمحا في تصرفه وخالف الراء حتى احتال للشَّعَرِ
ولم يطق مطرا والقول يعجله فعاذ بالغيث اشفاقا من المطر
وكان مع تلك الثغة فصيحا لَسِنَا مقتدرا على الكلام حتى أنه يخطب الخطبة فلا يورد فيها الراء أبدا. واشتهر بلقب الغزّال ولم يكن غزالا بل سمي بذلك لملازمته سوق الغزل، وكان طويل العنق حتى قال عنه عمرو بن عبيد: إن من هذه عنقه لا خير عنده، فلما برع واصل وظهر فضله قال عمرو: ربما أخطأت الفراسة. جالس أبا هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية ثم لازم مجلس الحسن البصري، وكان لكثرة صمته يظن به الخرس، وقد تقدم عند التعريف بالمعتزلة بيان خطأ من قال: إن الحسن طرده وقال: اعتزلنا واصل. وأن الصواب أن تسميتهم بالمعتزلة حصلت بعد ذلك أو أنهم لقبوا أنفسم فليراجع الكلام على البيت رقم (79). (1/272)
صفحة 273
هذا وقد اعتنى واصل بنشر مذهبه في الآفاق فبعث من أصحابه عبدالله بن الحارث إلى المغرب وحفص بن سالم إلى خراسان والقاسم إلى اليمن وأيوب إلى الجزيرة والحسن بن ذكوان إلى الكوفة وعثمان الطويل إلى أرمينية. وكان ممن بايع لمحمد بن عبدالله بن الحسن في قيامه على أهل الجور. من مؤلفاته: كتاب "المنزلة بين المنزلتين ـ ؟" وكتاب "الفتيا ـ ؟" وكتاب "التوحيد ـ ؟" و "معاني القرآن ـ ؟" و"التوبة ـ ؟" و"أصناف المرجئة ـ ؟" و"طبقات أهل العلم والجهل ـ ؟". ومات سنة 131هـ.
("الفهرست" لأبي الفرج النديم ص 283 ـ 284 ـ "ميزان الاعتدال" للذهبي 4/329 ـ "سير النبلاء" للذهبي 6/242 ـ "لسان الميزان" لابن حجر 6/214 ـ "الأعلام" للزركلي 8/108).
( (1/273)
صفحة 274
تنبيه): أطلت في ترجمة هؤلاء النفر لكثرة شتمهم من قبل مخالفيهم بحق وبباطل والحق أن ما زور عنهم كثير، ونحن وإن كنا لا نتولاهم إلا أن نقل المكذوب على الخلق ليس من شيمنا، والله تعالى أعلم._) انتصب لمذهب القدرية، وهو قد تتلمذ للحسن البصري ومكث في مجالسته عشرين سنة وهو المقرر لقواعد القول بقدرة العبد وخلقه الفعل وقال: "إن الباري عادل حكيم لا يجوز أن يضاف إليه شين ولا ظلم، ولا يجوز عليه أن يريد من العباد خلاف ما يأمرهم به، ولا يجوز عليه أن يخلق للعباد شيئا ثم يجازيهم عليه، والعبد هو الفاعل للخير والشر والطاعة والمعصية، والله سبحانه مجاز له بفعله" وقال: "ليس من الحكمة أن يكون الله سبحانه يخلق الكفر للكافرين به وهو مبغض للكفر معاد للكافرين فيكون في ذلك كمن أعان على شتم نفسه" . وقال جميع الأمة قويُّها وضعيفها وصغيرها وكبيرها: القدر خيره وشره من الله تعالى وهو الخالق للخير والشر والقاضي والمريد والمُقَدِّر والمُكَوِّن له في أوقاته التي يكون فيها، وهو مع هذا كله فعل العبد والعبد فاعله وهو له مريد مختار، قاصد اليه متحرك أو ساكن به غير مجبور عليه ولا مضطر اليه إلا ما كان من الجهم بن صفوان(_( ) ترجمته تأتي عند البيت رقم (204). _) وأصحابه فقد نقض الإجماع وقال: "القدر خيره وشره من الله، لا ما على ما قاله الأولون بل على جهة الجبر والإكراه والإضطرار للعباد الى أعمالهم، ولا قدرة للعبد في شيء من ذلك ولا قصد ولا اختيار ولا إرادة" قالوا: "وماذا للعبد من الأفعال وهو متصرف في قبضة القهر ومُصَرَّف بمقتضى العلم والإرادة والمشيئة؟" قالوا: "قد وجدنا الله سبحانه يقول: { يضل من يشاء ويهدي من يشاء } النحل : 93 وقال: { من يضلل الله فلا هادي له } الأعراف : 186 فمن شاء الله خلق له الخير ومن شاء خلق له الشر". فهذه مقالتهم. (1/274)
صفحة 275
] (انتهى) فتلخص من كلامه أن الأمة في القدر على ثلاث فرق؛ فرقة تعلقت بالأمر فَزَلُّوا وهم الذين قالوا إن الله لم يخلق أفعال العباد وإنما كان ذلك من خلق أنفسهم فقدرتهم صالحة لإيجاد فعلهم، وفرقة تعلقت بالمشيئة فضلوا ولم يجعلوا للمكلف اختيارا في فعله بل قالوا ذلك على طريق الجبر، فضلال أولئك من حيث نفي القدر وضلال هؤلاء من حيث الغلو في اثباته فهما ضالتان وقد تعلق كل منهما بآيات من القرآن ـ نذكر كل شيء في محله إن شاء الله تعالى ـ. وفرقة جمعت بين الأمر والمشيئة وقالوا أفعال العباد خلق من الله واكتساب من العبد فهدوا الى صراط مستقيم، وعن عكرمة(_( ) التابعي الشهير أبو عبد الله عكرمة بن عبدالله البربري المدني مولى ابن عباس - رضي الله عنه - أصله من البربر ـ وهي القبائل التي تسكن الشمال الأفريقي قبل الإسلام ـ فهو من طبقة التابعين. (1/275)
صفحة 276
كان لحصين بن أبي الحر العنبري فوهبه لابن عباس. روى عن مولاه ابن عباس وعائشة وأبي هريرة وعبدالله بن عمر وابن عمرو وعقبة بن عامر رضي الله عنهم وغيرهم وروى عنه ابراهيم النخعي والشعبي وأبو الشعثاء جابر بن زيد وقتادة وأيوب السختياني وخلق كثير. وهو ممن أخرج البخاري ومسلم حديثه، وكان يفتي في عهد ابن عباس .. لكن تكلم فيه بعضهم فاتهم برأي الخوارج الصفرية ففي "سير النبلاء" للذهبي (5/517): "وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل قال خالد الحذاء: كل ما قال محمد بن سيرين: نبئت عن ابن عباس. فإنما رواه عن عكرمة. قيل: ما شأنه؟. قال: كان يرى رأي الخوارج رأي الصفرية ولم يدع موضعا إلا خرج إليه خراسان والشام واليمن ومصر وافريقية. قال أحمد: وإنما أخذ أهل أفريقية رأي الصفرية من عكرمة لما قدم عليهم". ا.هـ وقد وثقه طائفة لابأس بهم؛ قال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت لابن معين: فعكرمة أحب إليك في ابن عباس أو عبيدالله؟. قال: كلاهما. ولم يختر، قلت: فعكرمة أو سعيد بن جبير؟. فقال: ثقة وثقة. وفي "سير النبلاء" للذهبي: ".. عن عثمان قال: كنت جالسا مع أبي أمامة بن سهل إذ جاء عكرمة، فقال: يا أبا أمامة أذكرك الله؛ هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عني عكرمة فصدقوه فإنه لم يكذب علي؟. فقال أبو أمامة: نعم". وروى سعيد عن قتادة قال: كان أعلم التابعين أربعة: كان عطاء أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام. وعن أيوب ـ وقد سئل عن عكرمة فقال: ـ لو لم يكن عندي ثقة لم أكتب عنه. وقال حماد بن زيد: قيل لأيوب: أكنتم تتهمون عكرمة؟. قال: أما أنا فلم أكن أتهمه. وكان أبو الشعثاء يقول: هذا عكرمة مولى ابن عباس هذا أعلم الناس. (1/276)
صفحة 277
وقد أوضح حاله في الحديث ابن عدي في "الكامل" (5/ 271 ـ272) فقال: "وعكرمة مولى ابن عباس لم أخَرِّج ها هنا من حديثه شيئا لأن الثقات إذا رووا عنه فهو مستقيم الحديث إلا أن يروي عنه ضعيف فيكون قد أُتي من قِبل الضعيف لا من قِبَله ولم يمتنع الأئمة من الرواية عنه، وأصحاب الصحاح أدخلوا أحاديثه إذا روى عنه ثقة في صحاحهم وهو أشهر من أن يحتاج أن أجرح حديثا من حديثه وهو لابأس به". ا.هـ والله أعلم بحاله، مات سنة 105هـ. ("الكامل" لابن عدي 5/271 ـ 272 ـ "سير النبلاء" 5/504 ـ 521/دار الفكر ـ "ميزان الإعتدال" 3/93 ـ 97 ـ "تذكرة الحفاظ" للذهبي 1/95 ـ "تهذيب التهذيب" لابن حجر 7/228 ـ 234 ـ "الأعلام" للزركلي 4/244).
( (1/277)
صفحة 278
تنبيه): أورد المصنف السالمي هذا الخبر عن عكرمة عن ابن عباس في كتابه "مشارق أنوار العقول" (2/172 دار الجيل) وقام محققه د. عبد الرحمن عميرة بالترجمة لعكرمة هذا على أنه عكرمة بن أبي جهل!!. وهذا خطأ فاحش! لأن عكرمة بن أبي جهل الصحابي - رضي الله عنه - استشهد عام 13هـ يوم مرج الصفر، وقيل عام 15هـ يوم اليرموك. كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر (7/223) وابن عباس من صغار الصحابة سناً فتكون رواية عكرمة عنه من قبيل رواية الأكابر عن الأصاغر أن لو صحت فكيف وهي هنا متعذرة. وكم للدكتور المذكور من أخطاء في تعليقه على المشارق على هذا الطراز. وقد طبع كتاب المشارق طبعة أخرى بتحقيق عبد المنعم العاني ط/ دار الحكمة. ورأيته يشف من أخطاء د. عبد الرحمن عميرة فيأخذ الغث ويترك الثمين، ومن تلك الأخطاء هذه الترجمة!! والله المستعان._) عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ سئل عن القدر فقال: "الناس فيه على ثلاث منازل؛ من قال إن في الأمر المشيئة الى العباد وان الأعمال مفوضة إليهم ولا قَدَر.. فقد ضاد الله في أمره، ومن أضاف الى الله شيئا مما ينزه عنه فقد افترى عظيما على الله عزوجل، ورجل قال إن رُحِمْتُ فبفضل الله.. فذلك الذي سلم له دينه ودنياه".
(195)(ومن يقل إلهنا لم يخلق أفعالنا بُعْداً له من أحمق)
(196)(لقوله لكل شيء خالق سبحانه الرب المليك الرازق)
(197)(لو كان خالقا سواه لزما تعدد الإله قطعا حُتِّمَا)
(198)(ولو تعدد الإله لظهر فساد هذا العالَم الذي بهر)
(199)(لكن لنا في فعلنا اكتساب به الثواب وبه العقاب)
(200)(مَنْ ثَمَّ قد نيل به أعلى الرتب إلا النبوات فليس تكتسب) (1/278)
صفحة 279
هذا بيان الرد على الفرقة الأولى من القدرية وهم القائلون أن الله لم يخلق أفعال العباد وإنما ذلك خلق أنفسهم قالوا: إن الله أكرم من أن يخلق خلقا فيعذبنا عليه. وتعلقوا في جواز أن يكونوا خالقين لأفعالهم وفي وقوع ذلك بآيات من القرآن منها قوله عزوجل: { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } المائدة : 110 . قلنا اسناد الخلق الى عيسى ـ عليه السلام ـ في الآية مجاز لا حقيقة لأنه من اسناد الفعل الى سببه لا الى موجده، فعيسى ـ عليه السلام ـ سبب لإيجاد تلك الهيئة لا موجد لها على الحقيقة وإنما الموجد لها هو الله تعالى.
ومنها قوله تعالى: { وتخلقون افكا } العنكبوت : 17 ، قلنا: معنى تخلقون تفترون؛ أي وتفترون كذبا. ومنها قوله تعالى: { ويجعلون لله ما يكرهون } النحل : 62 ، قلنا: معنى الجعل هنا الوصف لا الخلق؛ أي ويصفون الله بما يكرهون من وجود البنات لهم ـ والآية رد على المشركين في زعمهم أن الملائكة بنات الله ـ. ومنها قوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة } المائدة : 103 أي ومن المعلوم أن العرب قد جعلوا البحيرة والسائبة فنفى ربنا أن يكون هذا الجعل من فعله فصح أنه من فعلهم. قلنا: نفى ربنا عزوجل جعل التبحير وما بعده دينا ـ أي لم يُشَرِّع للعرب ذلك ـ وإنما ابتدعوه من تلقاء أنفسهم لا لأنهم الخالقون لصفة التبحير(_( ) في الأصلين: "الخالقون لها صفة التبحير". فأصلحته. _) فالمنفي هو شرعية معتقدهم في البحيرة وما بعدها ليس إلا. ومنها قوله تعالى ـ في قصة يعقوب عليه السلام ـ: { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } يوسف : 18 ، وقوله تعالى: { فطوعت له نفسه قتل أخيه } المائدة : 30 ، قلنا: أما تسويل النفس وتطويعها فالمراد به ترغيبها في ذلك الفعل وتزيينه لفاعله لا أنها هي التي أوجدت فعل ذلك، فسقط تعلقهم بهذه الآيات والحمد لله. (1/279)
صفحة 280
ومما استدلوا به من العقليات أنهم قالوا: "لا تخلو أفعال العباد من أحد ثلاثة أمور: إما أن تنسب إليه تعالى وحده، أو تنسب إليه وإلى العبد معا، أو تنسب الى العبد فقط، فبطل الأول لإستلزامه الجبرـ الآتي بيان بطلانه فيما سيأتي قريبا إن شاء الله ـ، وبطل الثاني لإستلزامه مشاركة الله في أفعاله وهو تعالى منزه عن ذلك، فببطلان هذين الوجهين ثبت الثالث". قلنا: لا نسلِّم إستلزام مشاركة الله في أفعاله على ثبوت الوجه الثاني لأن لفعل العبد جهتين: جهة ايجاد وهي الجهة التي يخرج بها فعل العبد من العدم الى الوجود وبهذه الجهة تتعلق قدرة الباري تعالى، وجهة اكتساب وهي اضافة ذلك الفعل الى العبد مع اختيار العبد لذلك وبهذه الجهة تتعلق قدرة العبد فالله تعالى إنما يخلق الفعل للعبد حال اختيار العبد له وتوجيه القدرة اليه لإكتسابه، فالعبد مكتسب والله تعالى مُوجد وإذا اختلفت الجهتان انتفت المشاركة فقد سقط بحمد الله ما تعلقوا به ولنرجع الان إلى بيان استدلالنا عليهم. (1/280)
صفحة 281
واستدلالنا في ذلك من طريقين: أحدهما: طريق النقل وهو المشار اليه بقول الناظم: (لكل شيء خالق ..الخ البيت)، وثانيهما: طريق العقل وهو المشار إليه بقوله: (لو كان خالق سواه.. الى آخر الأبيات)، أما قوله: (لكن لنا في فعلنا اكتساب.. الخ) فاستدراك لما قد يتوهم من الإستدلال على نفي خلق العبد لفعله أن الأفعال منسوبة اليه تعالى جبرا فرفع ذلك التوهم حيث أثبت للعبد في فعله اكتسابا يثاب عليه ويعاقب عليه { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } البقرة : 286 { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } البقرة : 134 ، ثم أخذ في ثبوت تقرير هذا الإكتساب بقوله: (من ثم قد نيل به.. الخ) أي من أجل أن الإكتساب ثابت للخلق في أفعالهم قد نالوا به أعلى الرتب وتفاوتوا في ذلك كل بحسب اجتهاده، ثم استثنى من جملة ما ينال بالإكتساب النبوات وصرح بأنها ليست مما يكتسب لأنها من الأشياء التي يختص بها ربنا من يشاء فيضعها حيث يشاء من غير أن يتقدم للعبد اكتساب لأسبابها وتهيئ لمرتبتها إذ لا أسباب لها حتى يصح تعاطيها بخلاف غيرها. (1/281)
صفحة 282
فأما استدلالنا النقلي فقوله تعالى: { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ( ألا يعلم من خلق } الملك : 13 و14 فدلت الآية أن جميع ما أسره العباد وما أظهروه خلقه ـ والإسرار والإجهار أفعال العباد ـ والله تعالى يقول: { ألا يعلم من خلق } أي كيف لا يعلم ذلك وهو قد خلقه وهل يخلق من لا يعلم!؟، وقوله تعالى: { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله } الروم : 23 وكيف يكون الإبتغاء للفضل الذي هو فعل من أفعال العباد من آياته وهو لم يخلقه ولم يدبره، وقوله تعالى: { هو الذي يسيركم في البر والبحر } يونس : 22 وهو من فعلهم كما ترى فأضافه إليه، وقوله تعالى: { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها } الحديد : 22 أي من قبل أن نخلقها، [وقوله عزوجل: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } ،القمر : 49 ](_( ) سقطت من (ب). _) وقوله(_( ) وأصرح ما ورد في هذه القضية قوله تعالى ـ على لسان ابراهيم - عليه السلام - مخاطبا قومه ـ: { قال أتعبدون ما تنحتون ( والله خلقكم وما تعملون } (الصافات : 96) فإن فيها نسبة خلق الفعل لله صريحة لا تحتاج إلى بيان._) عزوجل: { خالق كل شيء } الأنعام : 102.
وأما استدلالنا العقلي فهو أنه لو كان العبد خالقا لأفعاله للزم عليه تعدد الخالقين ولكان كل من خلق شيئا فهو إله ذلك الشيء فيلزم عليه تعدد الآلهة وتعددها باطل قطعا لما ثبت من البراهين العقلية والنقلية على وجوب الوحدانية، ومن تلك البراهين أنه لو تعددت الآلهة للزم عليه فساد هذا العالم الذي بهر الخلق صنعه لقوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } الأنعام : 21 ونحن نشاهد أن هذا العالم غير فاسد فصح أن الإله واحد والله تعالى أعلم.
(201)(وفاسق من قال إن الله جل قد جبر الإنسان فيما قد فعل)
(202)(وأنه لم يجعل استطاعه له لكفر شاءه أو طاعه)
(203)(لأنه لو كان هذا بطلا أمر ونهي مع وعد جعلا)
( (1/282)
صفحة 283
204)(وبطل الوعيد مع بعث الرسل وجاز تكليف الجماد كالنبل)
هذا بيان الرد على الفرقة الثانية من القدرية وهم الجهمية(_( ) نسبة للجهم بن صفوان (قتل 128هـ) الذي قال بالجبر والاضطرار إلى الأعمال وأنكر الاستطاعات كلها وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان وزعم أيضا أن الايمان هو المعرفة بالله تعالى فقط وأن الكفر هو الجهل به فقط ..
ومنهم طائفة قالوا: لا نقول إن الله قوي ولا شديد ولا حي ولا ميت ولا يغضب ولا يرضى ولا يسخط ولا يحب ولا يعجب ولا يرحم ولا يفرح ولا يسمع ولا يبصر ولا يقبض ولا يبسط ولا يضع ولا يرفع ـ تعالى الله عن هذا ـ ومنهم صنف زعموا: أن الجنة والنار لم يخلقهما الله بعد وأنهما تفنيان بعد خلقهما فيخرج أهل الطاعة من الجنة بعد دخولها إلى الحزن بعد الفرح وأن الجنة تخرب بعد عمارتها حتى تصير رميما لا أحد فيها، ويخرج أهل النار بعد دخولها فيصيروا إلى الفرح بعد الحزن وأن النار تخرب بعد ذلك حتى تخفق أبوابها وليس فيها أحد، وأنكروا عذاب القبر ومنكر ونكير ...
وجماع أمرهم انكار صفات الله تعالى وقالوا إن الله لا يوصف بشيء مما يوصف به العباد ولكن يوصف فيقال: موجد، فاعل، خالق، محي، مميت .. لأن هذه الصفات لا تطلق على العبيد.
ثم استعمل لفظ الجهمية للنبز والتراشق به بين الفرق التي تبحث في مسائل العقيدة والله المستعان.
( (1/283)
صفحة 284
"التنبيه والرد" لابي الحسين الملطي 96 ـ 99 ـ "التبصير في الدين" للاسفراييني 64 ـ "الفرق بين الفرق" للبغدادي ص211). _) نسبة لهم الى الجهم بن صفوان(_( ) هو أبو محرز جهم بن صفوان السمرقندي من موالي بني راسب وصفه الذهبي بقوله: "الضال المبتدع رأس الجهمية هلك في زمان صغار التابعين وما علمته روى شيئا لكنه زرع شرا عظيما" ينسب إليه القول بالجبر وهو تلميذ الجعد بن درهم، قال عبد القاهر البغدادي: "قال بالإجبار والإضطرار إلى الأعمال وأنكر الإستطاعات كلها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط وأن الكفر هو الجهل به فقط، وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى ... وزعم أن علم الله تعالى حادث، وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيء أو حيّ أو عالم أو مريد وقال: لا أصفه بوصف يجوز اطلاقه على غيره ." قتل بمرو سنة 128هـ على يد سلم بن أحور بأمر من نصر بن سيار. ("ميزان الإعتدال" للذهبي 1/426 ـ "لسان الميزان" لابن حجر 2/142 ـ "الفرق بين الفرق" لعبد القاهر البغدادي ص211)._) ـ وهم القائلون بالجبر المتعلقون بالمشيئة فقط ـ قالوا: "إن الله قد جبر العبد على فعل الطاعة والمعصية وأنه لم يجعل له استطاعة لما شاء أن يفعله من فعل المعاصي والطاعات" فهو عندهم كالجماد لا يستطيع تحركا إلا أن يُحرك وكالخيط المعلق في الهواء تُقَلِّبه الرياح كيف شاءت، وإنما كان ذلك منهم مخافة أن يكون خالقا غير الله كما كان من المعتزلة مقالهم مخافة أن ينسب إلى الله المعاصي وفعل المكروه فكلا الفريقين ضال منافق. وقد تعلق هؤلاء بآيات من القرآن كما تعلق أولئك؛ منها قوله تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى ( وأنه هو أمات وأحيا } النجم : 43 و44 قالوا: "فالضحك والبكاء من أفعالنا قد أضافهما تعالى الى نفسه ـ كما أضاف الإماتة والإحياء ـ فليس لنا فيهما تصرف". (1/284)
صفحة 285
قلنا: أضافهما الله تعالى الى نفسه لكونهما خلقا له لا لنا، وإنما لنا من ذلك الاكتساب المناط بالإختيار فالأفعال خلق منه واكتساب منا وخلقه للأفعال لا يستلزم الجبرية كما سيأتي بيانه. ومنها قوله تعالى: { فأنى تؤفكون } الأنعام : 95 ، وقوله تعالى: { فأنى تصرفون } يونس : 32 قالوا: "فمن يؤفكهم ومن يصرفهم إلا الله. وقوله عزوجل: { من يضلل الله فلا هادي له } الأعراف:186 وقوله: { من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } الكهف : 17 والجواب عن هذه الآيات كلها هو عين الجواب عن الآية الأولى. ومنها قوله تعالى: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } السجدة : 13 قلنا: لا تعلق لكم في هذه الآية ولا في شيء من نظائرها لأنها إخبار عن نفوذ قدرته تعالى وتأثير إرادته، أي فلو شاء أن يفعل لهم الهداية لفعل لهم ذلك لأنهم لا يعجزونه لكن اقتضت حكمته تخييرهم بين الهداية والضلالة وقد جعل لهم قدرة صالحة لإكتساب أي واحد شاءوا فلا جبر.. وإذا عرفت تعلقهم بهذه الآيات فارجع الى الوقوف على الإحتجاج عليهم وبيان ما يؤدي اليه مذهبهم فاعلم أن الإحتجاج عليهم من الكتاب العزيز كثير منها ما أوردته المعتزلة استدلالا لهم على خلق أفعالهم فإن جميع ما مر في ذلك مناف للجبر الذي زعمه هؤلاء، ومنها آيات الإكتساب فإنها مصرحة بإضافة الكسب الى العبد قطعا وإذا ثبت لهم الكسب انتفى الجبر لأنهما متضادان. (1/285)
صفحة 286
وأما ما يؤدي اليه مذهبهم من البطلان فهو ما أشار اليه الناظم بقوله: (لو كان هذا.. الخ) أي لو صح مذهب الجبرية وثبت القول بالجبر للزم عليه بطلان الأمر والنهي والوعد والوعيد، لأن العبد إذا لم يكن له قدرة على فعل شيء من المأمورات ولا على ترك شيء من المنهيات كان توجيه الأوامر والنواهي اليه عبثا ينزه الباري تعالى عنه، وإذا بطل توجيه الخطاب اليه بالأمر والنهي بطل توجيه الوعد والوعيد اليه لأن الوعد مترتب على فعل الأوامر والوعيد مترتب على فعل المناهي، وإذا بطل هذا كله بطل إرسال الرسل لأنهم إنما يرسلون لذلك ومع بطلان ذلك فلا فائدة ولا حكمة في الإرسال فيؤدي مذهبهم الى إبطال النبوات كما ترى، نعم ويؤدي الى إبطال التكليف رأسا لأن من لا اكتساب له ولا اختيار لا يصح في الحكمة تكليفُهُ كما لا يصح تكليف النباتات والجمادات وهذا معنى قوله: (وجاز تكليف الجماد كالنبل) جمع نبيل وهو العاقل.
ثم إنه لما كان للجبرية شبه في خلق الله تعالى لأفعالنا وفي علمه بهن وفي ارادته لهن، أخذ يدفع وجه الشبهة في ذلك ويبين ان هذه الأشياء كلها لا تستلزم الجبر ولا تنافي الاكتساب فقال:
(205)(وخلقه أفعالنا وعلمه بهن لا يوجب جبرا حكمه)
(206)(كذاك كونها له مرادا لأنه قد خيَّر العبادا)
(207)(لو لم يكن يعلم ذا لجهله لو لم يكن خالقه من فعله)
(208)(لو لم يرد وقوعه ووقعا لكان مكرها على ما صنعا)
(209)(لكن لذا التخيير واكتسابنا قد انتفى الإجبار عن رقابنا) (1/286)
صفحة 287
أي نعتقد أنه تعالى خالق لأفعالنا وأنه تعالى عالم بها ومريد لها، ومع ذلك كله فهو قد خيرنا في فعلها وتركها، أي لم يجبرنا على واحد من الأمرين فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وقد وعد بالثواب على امتثال أوامره وترك مناهيه، وتوعد بالعقاب على فعل مناهيه أو ترك أوامره، ولا يلزم مِن خلقه تعالى لأفعالنا ومِن عِلمه بهن ومِن إرادته لهن جَبْرُنا على فعلهن ونفي اكتسابنا لهن، لأنه تعالى لم يثبنا ولم يعذبنا على خلقه لهن ولا على علمه بهن ولا على ارادته لهن، وإنما أثابنا وعذبنا على اختيارنا وكسبنا لهن وهو تعالى قد جعل لنا اختيارا في ذلك وقدرة صالحة لإكتساب ذلك فلأجل هذا الإختيار ولأجل هذه القدرة المكتسبة قد انتفى عنا الجبر على أفعالنا، وإنما قلنا إن الله عالم بأفعالنا لأنه لو لم يكن عالما بها للزم أن يكون جاهلا بها وهو تعالى متصف بالكمال الذاتي والجهل من صفات النقص يستحيل اتصافه به تعالى وهذا معنى قول الناظم: (لولم يكن يعلم ذا لجهله)، وأما معنى قوله: (لو لم يكن خالقه مَن فعله) أي لو لم يكن تعالى خالقا لأفعالنا فمن الخالق لها إذا؟! هل من خالق غير الله؟ وقد تقرر فيما تقدم بطلان القول بأن العبد خالق لفعله واذا بطل أن يكون العبد خالقا لفعله فبُطْلان أن يكون غيره من المخلوقات خالقا لفعله أظهر، وإذا بطل هذان النوعان ثبت أن الخالق لذلك هو الإله.
وأما قوله: (لو لم يرد وقوعه.. الخ) أي لو لم يرد تعالى وقوع فعلنا ووقع على خلاف مراده للزم عليه أن يكون مُكْرَهَاً على وقوع ذلك الفعل مغلوبا في حدوثه والإكراه ينافي الإختيار والإرادة ومن كانت هذه حالته فليس بإله، على أنه تقرر أن الإله متصف بالكمال الذاتي والإكراه يضاد ذلك وينافيه والله تعالى أعلم.
الباب السادس
في الإيمان والإسلام
ـ وبه يتم الكلام على الركن الثاني إن شاء الله تعالى ـ
(210)(إيماننا التصديق، والإسلام إذعاننا لما دعا الأحكام)
( (1/287)
صفحة 288
211)(ولهما في الشرع معنى ملتزم تصديق قول عملا إذا لزم)
(212)(ومن يكن مضيعا لواحد منها استحق هلكة المعاند)
اختلف الناس في الإيمان والإسلام هل هما شيء واحد؟ أو لا؟ وعلى القول الثاني هل هما متخالفان أو مترادفان أو متلازمان؟ وقد أطالوا الكلام فيهما فلنقتصر من ذلك على ما تحصل به الفائدة فنقول: (1/288)
صفحة 289
الحق فيهما أن لهما استعمالين؛ أحدهما لغوي وهو المشار اليه بقول الناظم: (إيماننا التصديق.. الخ) إيماننا معشر العرب هو التصديق والإسلام في لغتنا هو الإذعان وترك التمرد، فهما في هذا الإستعمال متخالفان لا مترادفان ولا متلازمان، والاستعمال الثاني هو ما عليه العرف الشرعي وذلك أن الشرع قد نقل كل واحد من الإيمان والإسلام عن معناه اللغوي فاستعملهما معا في الوفاء بالواجبات ـ كانت الواجبات اعتقادية أو قولية أو عملية ـ فهما في هذا الإستعمال مترادفان واليه أشار الناظم بقوله: (ولهما في الشرع معنى ..الخ) أي للإيمان والإسلام في العرف الشرعي معنى واحد؛ ملتزم التصديق بالجنان إذا لزم والقول باللسان إذا لزم والعمل بالأركان إذا لزم، فمن كان صبيا مثلا أو ناقص العقل لا يسمى كافراً بتركه التصديق في حَالِهِ ذلك لعدم لزومه عليه، ومن كان عاقلا فصدق النبي عليه الصلاة والسلام فيما جاء به ولم يُطَالَب بالنطق بذلك باللسان ولم ينزل عليه التكليف بالعمل فهو مؤمن لعدم لزوم القول والعمل عليه فهو موفٍّ بما لزمه، ومَن تلفظ بالشهادتين عند وجوب ذلك عليه وبعد تصديقه بالجنان ولم يلزمه شيء من العمليات بعد فهو مؤمن لوفائه بما وجب عليه، ومن لزمه شيء من الأعمال فأداه كما شرع عليه بعد التصديق والتلفظ الواجبين عليه فهو مؤمن لوفائه بجميع ما وجب عليه، ومَن ضيع واحدة من هذه الثلاث بعد وجوبها عليه فهو خارج عن الإيمان هالك في النيران وهذا معنى قوله: (ومن يكن مضيعا..الخ) فلا منزلة عندنا بين الإيمان والكفر، أي فمن لم يكن بمؤمن فهو كافر والمراد بالكفر ما يشمل كفر النعمة وكفر الشرك، ومن كان كافرا بالله أو بنعمته فقد استحق ما يستحقه المعاند من الهلاك هذا مذهبنا وهو الحق خلافا لمن قال: إن الإيمان قول وتصديق دون عمل. ولمن قال: إن الإيمان التلفظ بالشهادتين وإن لم يطابقه اعتقاد. ولمن قال: إن الإيمان التصديق فقط. (1/289)
صفحة 290
والدليل على أن الإيمان والإسلام في العرف الشرعي مترادفان قوله تعالى: { يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين } يونس : 84 وقوله تعالى: { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } الذاريات : 35 و36 ولم يكن بالإتفاق هنالك إلا بيت واحد، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : (بني الإسلام على خمس((_( ) حديث: »بني الاسلام على خمس« جاء من طريق ابن عمر رضي الله عنهما رواه البخاري في "صحيحه" برقم [8] ومسلم [16] وأحمد في "مسنده" [4797 و5674 و6020] والترمذي [2609] وابن خزيمة في "صحيحه" [308 و309] وابن حبان [158] وابن مندة في "الايمان" [40 و41 و148 و149 و150] وعبد بن حميد في "مسنده" [823 /المنتخب] وأبوبكر الشافعي في "الغيلانيات" [460] والبيهقي في "السنن الكبرى" [1675 و7221] وفي "شعب الايمان" [20 و3567 و3972] والمروزي في "الصلاة" [411 و414 و415 و416 و417] والطبراني في "الكبير" [13203 و13518].
وجاء من طريق جرير بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه - رواه الإمام أحمد [19242 و19248] وأبو يعلى في "مسنده" [12 /المقصد العلي] والطبراني في "الصغير" [769] وفي "الكبير" [2363 و2364 و2368] والمروزي في "الصلاة" [419 و420 و421 و422]. (1/290)
صفحة 291
وجاء من طريق ابن عباس - رضي الله عنه - رواه الطبراني في "المعجم الكبير" [12800] وغيرهم._) وقد سئل - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان مرة أخرى فأجاب بهذه الخمس(_( ) وذلك حين قدم عليه وفد عبد القيس "فقالوا: يا رسول الله؛ إنا نأتيك من شُقَّة بعيدة، وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام، فمرنا بأمر فصْلٍ نُخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة. قال: فأمرهم بأربع ونها هم عن أربع. قال أمرهم بالإيمان بالله وحده. وقال: »هل تدرون ما الإيمان بالله؟. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا الخمس من المغنم ... الحديث«. وقد جاء من طريق ابن عباس رضي الله عنهما رواه البخاري في "صحيحه" برقم [53 و87] ومسلم في "صحيحه" [17] باسنادين، وأحمد في "مسنده" [2025] والترمذي في "سننه" [2611] وأبوداود [4677] وابن حبان في "صحيحه" [172/ الاحسان] والبيهقي في "شعب الايمان" برقم [18] والمروزي في "الصلاة" [390]. وفي هذا الحديث دليل صريح لمن قال بأن الايمان والاسلام شيء واحد لا فرق بينهما._)، وما ورد من الآيات والأحاديث ما ظاهره مخالف لهذه الأدلة فهو محمول على المعنى اللغوي جمعا بين الأدلة فإن الشارع تارة يعبر باللفظ عن معناه اللغوي وتارة عن معناه الشرعي، كل ذلك بحسب مقتضى الحال فلا تنافي في الكتاب العزيز ولا في السنة والله تعالى أعلم.
(213)(في وجهه الشرعي ليس ينقص لكن يزيد هكذا قد خصصوا)
(214)(لأنه إن هُدِم البعض انهدم جميعه وذا هو القول الأتم) (1/291)
صفحة 292
اختلف الناس في الإيمان الشرعي فذهب بعض قومنا الى أن الإيمان الشرعي يزيد وينقص وعليه جمهور الأشاعرة، وذهب بعضهم الى أن الإيمان لا يزيد ولاينقص وعليه أبو حنيفة وإمام الحرمين(_( ) إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبدالله بن يوسف بن محمد الجويني، من كبار علماء الشافعية ولد سنة 419هـ من تصانيفه "البرهان ـ ط" في أصول الفقه و"الإرشاد في أصول الدين ـ ط" و "الشامل" في مذهب الأشاعرة ـ طبع بعضه ـ و" العقيدة النظامية ـ ط" و "الورقات ـ ط" في أصول الفقه و"غياث الأمم والتياث الظلم ـ ط" وتوفي عام 478هـ. ("تبيين كذب المفتري" لابن عساكر 278 ـ "طبقات الشافعية" للتاج السبكي 5/165ـ222 ـ "الأعلام" للزركلي 4/160)._) وبعض الأشاعرة، وذهب أصحابنا إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص وبيان ذلك أن الإيمان عندنا هو الوفاء بجميع الواجبات فمن وجب عليه فرض لا يكون مؤمنا حتى يؤديه على وجهه، ثم يزيد الإيمان بزيادة التكاليف ولا يصح نقصه لأن نقصه اخلال ببعض الواجبات، وقد تقدم ان التارك لبعض الواجبات عليه خارج عن الإيمان فالترك لبعضه ترك لجميعه أي لا ينتفع ببعض إيمانه في الآخرة، والمراد بعدم انتفاعه بذلك في الآخرة هو أن بعض الإيمان لا ينجيه من عذاب الله لا أنه لا يخفف عنه العذاب لأجل ذلك فإن العذاب متفاوت في أهل المعاصي كل على قدر جنايته جزاء وفاقا وهذا معنى قول الناظم: (إن هدم البعض .. (1/292)
صفحة 293
الخ) لايقال إن المراد بنقصان الإيمان هو ارتفاع بعض الواجبات عن المكلف لعذر كارتفاع وجوب الصلاة عن الحائض لأننا نقول: إن الإيمان في حق من رُفع عنه بعض الفرائض هو وفاؤه بما بقي عليه من الواجبات فإيمانه إن وفَّى بما عليه كامل لا ناقص، لكن لو أن القائل بنقصان الإيمان أراد نقصانه بهذا الإعتبار لكان الخلاف بيننا وبينهم لفظيا صورته أنهم يسمون من ارتفع عنه وجوب بعض ما كان عليه ناقص الإيمان ونحن نمنع من تسميته بذلك والمراد واحد لكنهم لم يريدوا ذلك وإنما أرادوا بنقصانه الإخلال ببعض الواجبات، وعلى هذا فالخلاف معنوي مبني على الخلاف في حقيقة الإيمان فتفطن له والله تعالى اعلم.
الركن الثالث
في الوَلاية والبراءة
وما يشتمل عليهما وما يتولدان منه
وفيه ستة أبواب أيضا
أخَّرَ هذا الركن عن الذي قبله لما تقدم هنالك، وقدمه على ركن التوبة من حيث أن وجوب التوبة بعد وجود ما تنتقض به الوَلاية وتجب به البراءة(_( ) للإباضية عناية خاصة بمبدأ الوَلاية والبراءة، في الحكم على الأشخاص؛ من حيث تولي المؤمنين الموفين وإعلان البراءة من المنحرفين عن الصراط السوي بما لا يوجد عند غيرهم، وهذا الإهتمام البالغ إنما أتى للقضاء على علائق الفساد في أوساط المجتمع، إذ يكفي كل من تسول له نفسه اقتراف شيء من الموبقات أن يصبح المجتمع بأسره مناهضا له، وهذا المبدأ مأخوذ من أدلة الشرع وخبر الثلاثة الذين تخلفوا في غزوة تبوك فنزل فيهم قوله تعالى: { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم .. الآية } [التوبة : 118] معلوم لدى الجميع، بل نظام الولاية والبراءة مأخوذ منه، ومن مثل قوله تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ... الآية } [المجادلة : 22]. (1/293)
صفحة 294
والتقسيمات التي تراها هي لضبط المسألة خصوصا أن هذا المبدأ يمس عقيدة الإنسان في موالاة الطائعين وهجران العصاة، حتى لا تكون المسألة مهلهلة دون ضابط.
_)، فإن قيل: أليست التوبة شرطا للوَلاية توجد بوجودها وتنعدم بانعدامها؟. فالجواب: إنما ذلك خاص عند وجود الذنب الموجب للبراءة ولا يجوز اطلاقه على العموم ألا ترى أن مَن رأينا منه حق الموافقة وصدق المرافقة وجبت علينا ولايته ولا يلزمنا أن نستتيبه إلا بعد أن يُحدِث حدثا يخرج به عن تلك الموافقة، وكذلك في ولد الولي تجب علينا ولايته بوَلاية ابيه حتى يبلغ ويصح منه ما تنتقض به الوَلاية، فإن قيل: أما قيل بالوقوف عنه بعد بلوغه حتى تصح منه الموافقة؟. فالجواب: أن القائل بهذا لم يلزمنا استتابة هذا البالغ وإنما كان معه وجود ولايته بسبب وَلاية أبيه فلمابلغ وصار متعبدا بنفسه انقطعت تلك الوَلاية معه بانقطاع سببها وصار عنده في حد الوقوف بالدين بمنزلة مجهول الحال.
الباب الأول
في وجوب الوَلاية والبراءة وأقسام كل منهما
(215)(وَلاية المؤمن فرض حققا وهكذا براءة اللذ)_( ) وردت في (ب): اللذي. وفي "المشارق" (2/209): الذي.
واللذ والذي سيان؛ قال الرازي في "مختار الصحاح" ص(596): " ... وفيه أربع لغات: الذي ،و(اللذِ) بكسر الذال، و(اللذْ) بسكونها، و(الذيّ) بتشديد الياء"ا.هـ وقال الجوهري: "واللذِ واللذْ، بكسر الذال وتسكينها، لغة في الذي" كما في "لسان العرب" (13/193)._( فسقا)
الوَلاية: هي المحبة بالقلب والثناء باللسان والنصر والإعانة بالجوارح عند القدرة على ذلك وعند ارتفاع الموانع. (1/294)
صفحة 295
والبراءة: هي البغض بالقلب والشتم باللسان والردع بالجوارح. وهما فرضان بالإجماع، لكن الوجوب الثابت في الوَلاية إنما هو نفس المحبة على الدين والوجوب الثابت في البراءة إنما هو البغض بالقلب على فعل الكبائر من الذنوب، وما عدا هذين من الثناء باللسان والشتم به ومن الإعانة بالجوارح والردع بها فيلزم تارة ويرتفع أخرى كل ذلك بحسب المقامات والتكليف بالفرائض، وباعتبار الأحوال الداعية لذلك فيلزم الثناء على الولي في موضع يكون فيه ترك الثناء عليه ضررا به أو بوَليِّه، ويلزم الإعانة والنصر في موضع القدرة منه واحتياج الولي الى ذلك، ويلزم شتم العدو في موضع يكون فيه ترك الشتم له مقويا لبدعة أو مفسدا لشيء من الدين أو مضرا بالنفس أو الولي، ويلزم الردع بالجوارح في موضع يكون فيه المُنْكِر قادرا على الإنكار والعدو مقيما على فعل المنكر لاينفك عنه إلا بزجر رادع أو بسيف قاطع.
ولما كان كل واحد من الوَلاية والبراءة على أقسام شرع في بيان أقسام كل منهما فقال:
(216)(والكل من ذين على أقسام ثلاثة تأتي على تمام)
(217)(حقيقة وهي التي قد نطقا بها كتاب أو رسول حققا)
(218)(والحكم بالظاهر فهو الثاني ثالثها عقيدة الإنسان)
ينقسم كل واحد من الوَلاية والبراءة الى ثلاثة أقسام:
القسم الأول
وَلاية الحقيقة، وبراءة الحقيقة
ولا يتأتى كل واحد منهما إلا من أحد طريقين:
الطريق الأول: هو أن يرد كتاب من كتب الله بسعادة امرئ أو شقاوته وهو أنواع:
النوع الأول: أن يصرح الكتاب باسم السعيد واسم الشقي، مثال ذلك في جانب الوَلاية التصريح بأسماء الأنبياء كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ، ومثاله في جانب البراءة كإبليس وفرعون وهامان وقارون.
النوع الثاني: من كنى عنهم دون تصريح بأسمائهم فمثال ذلك في جانب الوَلاية أم موسى، ومثاله في جانب البراءة أبو لهب. (1/295)
صفحة 296
النوع الثالث: ما جيء به منكَّرا لم يصرح فيه باسمه ولا بكنيته مثال ذلك من جانب الوَلاية مؤمن آل فرعون وكالذي في قوله تعالى: { وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ياقوم اتبعوا المرسلين.. الآية } يس : 20 ومثاله في جانب البراءة قوله تعالى: { وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون } النمل : 48 وقوله تعالى: { فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر } القمر : 29.
الطريق الثاني: من طريقي الحقيقة في الوَلاية والبراءة: هو أن يقول رسول من رسل الله إن فلانا من أهل الجنة أو من أهل النار، لا إذا قال إن فلانا رجل صالح ولا إنه فاسق ولا اذا دعا له أو عليه فانه لايكون بهذا القول مُتَوَلَّى أو متبرى منه بالحقيقة، لأنه - صلى الله عليه وسلم - يتولى ويتبرى بحكم الظاهر وبالحقيقة وما كان محتملا للظاهر والحقيقة فلا يقطع بأنه(_( ) في (أ): به. وفي (ب): به أنه. وأصلحته للسياق. _) من الحقيقة، أما قوله: إن فلانا من أهل الجنة أو من أهل النار فلا يحتمل إلا الحقيقة فإنه وإن جاز لنا أن نقول بحسب الظاهر إن فلانا من أهل الجنة لمن علمنا منه خيرا وإن فلان من أهل النار لمن علمنا منه ضد ذلك فإن هذا القول منا مجاز عبَّرنا به عن فعل ما يؤدي الى ذلك والقرينة أحوالنا أو هي العلم بأنا لم نطلع على الغيوب والعلم بأنا لم نرد حقيقة هذا القول، وهو - صلى الله عليه وسلم - ممن اطلع على كثير من المغيبات فإذا صدر منه مثل هذا الكلام قطع بأن المراد منه حقيقته إلا بدليل يصرفه عنها، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - لو لم يرد بهذا الكلام حقيقته مع إمكانها وعدم قرينة المجاز لكان هذا الكلام كذبا بحسب الظاهر والكذب في حقه - صلى الله عليه وسلم - مستحيل؛ سلَّمْنَا أنه ليس بكذب لكنه تلبيس على السامع بحيث يفهم الكل منه خلاف مراده والتلبيس في حق الأنبياء ـ عليهم السلام ـ مستحيل أيضا. (1/296)
صفحة 297
وأنواع هذا الطريق؛ هي أنواع الطريق الأول: حكم ما صُرِّح باسمه في هذين الطريقين أن يعتقد فيه باسمه ما اقتضاه النص فيه، وكذا حكم من صُرِّح بكنيته فإنا نعتقد في صاحب تلك الكنية ما اقتضاه النص فيه، وحكم ما جاء من ذلك مُبهمَاً مُنَكَّرَاً أن نعتقد فيه مقتضى النص بحسب تلك الصفة التي نعت بها ولا نُصَرِّح باسمه ولا بكنيته في الإعتقاد حتى ينقل لنا التواتر أن هذا المذكور في هذا النص هو فلان باسمه أو بكنيته أو تجتمع الأمة على ذلك فحينئذ(_( ) في الأصلين: فإذن. وأصلحته للسياق. _) يلزمنا القطع به وقصده بذلك الحكم بعينه. واعلم أن هذا الطريق لا يتأتى مقتضاه ولا يصح الحكم به إلا من أحد أمرين:
أحدهما: المشاهدة للرسول الناطق بهذا الكلام وشرطوا فيه أن ينظر شفتيه عند النطق به، كل ذلك دفعا للإحتمال فإنه متى ما لم ينظره كذلك احتمل أن يكون الناطق بذلك غير الرسول عليه السلام والحقيقة حكم قطعي لا ينبني على الإحتمال عندهم. (1/297)
صفحة 298
وثانيهما: الشهرة القاضية بصدور ذلك الحديث من ذلك الرسول وكأنهم أرادوا بهذه الشهرة التواتر فإنه هو الذي يقطع بصدقه، ويحتمل إنهم أرادوا ما يعم المتواتر والمستفيض المتلقى بالقبول فإن المتلقى بالقبول بين الأمة مقطوع بصدقه فلا معنى لما قاله الشيخ ناصر بن أبي نبهان(_( ) العلامة أبو محمد ناصر بن الشيخ جاعد بن خميس بن مبارك بن يحي من نسل الإمام العدل الخليل بن شاذان بن الإمام الصلت بن مالك الخروصي. أحد علماء الإباضية العمانيين ولد سنة 1192هـ ونشأ في بلدة "العليا" من وادي بني خروص التي تقع على سفح الجبل الأخضر من جهة الشمال، تخرج على أبيه الذي كان علامة زمانه فلا غرو أن يكون الشيخ ناصر هو الآخر عالم وقته. وهو عالم مفنن برع في أكثر العلوم مع تخصص في علم الشرع. وبعد وفاة والده عانى من عدم الاستقرار وشظف المعيشة وسوء الأحوال إثر تسلط بعض الجبابرة الذين أتلفوا أموال والده فتردد كثيرا يطوف في بلاد أهله بني خروص وبين نزوى حتى ذكر المؤرخون أنه لشدة حالته كان يأكل الخبز بالماء والليمون سنة في نزوى حين خرج من بلده خشية على نفسه وخوفا من هدم بيته من الطاغية طالب بن أحمد وفي تلك الأيام يقول:
"معيشتنا؛ خبز لغالب قوتنا وماء وليمون وملح وقاشع
فإن حصلت مع صحة الجسم والتقى فيا حبذا هذا لمن هو قانع". (1/298)
صفحة 299
وسافر إلى زنجبار حين استدعاه السلطان سعيد بن سلطان بعد علمه بما حصل للشيخ قال السالمي في "تحفة الأعيان" (2/175): "وأما السلطان سعيد بن سلطان فإنه بعد ما مضى قرّب الشيخ ناصر وأدنى منزلته وضمه إليه وأكرمه وأنعم عليه فكان إذا سار إلى السواحل ـ الافريقية ـ حمله معه فصلحت أموره بعد صحبته. وكان الشيخ ناصر لهم فظا غليظا ينكر عليهم في حضرتهم، وكانوا يلينون له ولا يظهرون له ما يكره.". ا.هـ واشتهر من تلاميذه الذين عرفوا بعده العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي، وترك مجموعة طيبة من المصنفات لم يكتب لها النور بعد يذكرها المؤرخ ابن رزيق في "الفتح المبين" ص(150): "الكتاب المسمى "حق اليقين" وكتاب "الجواب" وكتاب "الإخلاص" وكتاب "محك الأشعار" وكتاب "مبتدأ الأسفار" وكتاب "التهذيب" وكتاب "الكشف" وكتاب "تفسير نظم السلوك" وكتاب "الصفي المصفى" وكتاب "غاية المنى" وكتاب "المعارج" وكتاب "سراج الآفاق" وكتاب "رسالة الصون" وكتاب "المستغرق للحجج" وكتاب "منتهى الكرامات" وكتاب "المعارف" وكتاب "رسالة الأوضاع" وكتاب "طرف الألطاف" وكتاب "السر العلي" وكتاب "السر المعظم" وكتاب "التنبيه" وكتاب "رسالة الفوز" وكتاب "الرسالة المديدية" وكتاب "سلامة الحال"." ا.هـ وله بعض الرسائل مدرجة في "قاموس الشريعة / ط.التراث" للعلامة السعدي. وتوفي في يوم الأحد 22 جمادي الأولى سنة 1263هـ في زنجبار وقبره في "ميتوني" منها.
( (1/299)
صفحة 300
"الفتح المبين" لابن رزيق ص 150 ـ "تحفة الأعيان" للسالمي 2/175 ـ "البوسعيديون" للفارسي ص90 ـ "الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي .. وفكره" د. مبارك الراشدي ـ ضمن "قراءات في فكر الخليلي" ـ ص116 ـ 118)._) من أن الشهرة لا توجب وَلاية الحقيقة وقد انفرد بهذا القول من بين سائر الأصحاب. هذا وأما شهادة العدلين فإنها لا توجب الحقيقة في الوَلاية والبراءة لأنه لا يصح القطع بصدق مقالهما، نعم يصير مَن شهدوا فيه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيه كذا مما يوجب الحقيقة يصير مُتَوَلَّى بالظاهر أو متبرى منه بالظاهر حتى يُعلَم منه حدثٌ يخالف ما شهدوا به فيُحكم عليه وله بمقتضى حدثه.
القسم الثاني
الوَلاية بحكم الظاهر والبراءة بحكم الظاهر
ولهما طرق وصفات نذكرها في الباب الآتي ـ إن شاء الله ـ.
القسم الثالث
وَلاية الجملة وبراءة الجملة
وصفتهما(_( ) في (ب): وصفاتها. وهو تصحيف. _) أن يعتقد المكلف أنه يتولى المؤمنين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين وأنه يبرأ من الفاسقين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، وهذا القسم هو الذي عبر عنه الناظم بـ(عقيدة الإنسان) وسبب تعبيره عنه بذلك هو أن هذا القسم يجب على كل مكلف أن يعتقده مع توحيده، فلا يعذر أحد بعد قيام الحجة به إلا إذا اعتقده كذلك، أما وَلاية الحقيقة وبراءتها ووَلاية الحُكْم بالظاهر وبراءته فلا يلزمان كل أحد وإنما يلزمان مَن بلغه علم الحقيقة بأحد الطرق المتقدم ذكرها والتكليف بحكم الظاهر من الطرق الآتي بيانها، فالأقسام ستة حاصلة من ضرب إثنين في ثلاثة وهي؛ وَلاية الحقيقة وبراءة الحقيقة ووَلاية الظاهر وبراءة الظاهر ووَلاية الجملة وبراءة الجملة.
الباب الثاني
في وجوب الوَلاية والبراءة بحكم الظاهر
(219)(براءة الظاهر حكما تجب بواحد من أربع تعتقب)
(220)(عيان أو إقرار أو شهادة عدلين أو حق أتى بشهرة)
(221)(واستثن الإقرار لدى الوَلاية وإنما الوجوب بالثلاثة) (1/300)
صفحة 301
لكلٍ من الوَلاية والبراءة موجبات، فأما موجبات الوَلاية فهي الموافقة في القول والعمل، وأما موجبات البراءة فهي المخالفة في القول والعمل أو في أحدهما، ولكل واحد من هذه الموجبات طرق تتأدى منها فأما موجبات البراءة فتتأدى من أحد أربعة طرق:
الطريق الأول: العيان؛ أي المعاينة للمعصية من العاصي بمعنى المشاهدة لها وعبَّر بعضهم عن هذا الطريق بالخِبرة وكلتا العبارتين سائغة، غير أن العبارة الأخيرة محتملة للعموم فيدخل تحتها كل طريق من هذه الطرق لصدق الخِبرة عليه والعبارة الأولى أخص فالتعبير بها في هذا المقام أولى.
الطريق الثاني: الإقرار؛ وهو أن يُقر العاصي بمعصيته إقرارا موجبا للبراءة منه؛ لا لكونه مستعظما ذنبه نادما على تفريطه سائلا عما يلزمه في فعله فإن هذا ليس من ذلك القبيل.
الطريق الثالث: شهادة العدلين كانا عالمين أو ضعيفين، وسيأتي ما على كِلا الفريقين عند قول الناظم: (لكن على العدول .. الخ).
الطريق الرابع: الشهرة القاضية المحقة لا كشهرة الشِّيَع بالبراءة من أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ فإنها وإن كانت قاضية عندهم فليست محقة، بل بطلانها بحمد الله ظاهر والدافع لها من فضل الله شاهر، والشهرة المحقة هي الخارج أصلها عن حق وكان جواب الإمام أبي سعيد ـ رضي الله تعالى عنه وقد سئل عنها ـ فقيل له: وما معنى الشهرة التي تجب بها الوَلاية والبراءة؟. بأن قال: "معي أنها تكون على معان كثيرة في وجوه كثيرة ومبلغ ثبوتها ووجوبها وورود علمها على المُمْتَحِن فيها من المُبْتَلَى بها مِن تَظَاهُر صحة الأخبار على غير تَنَاكُرٍ من أهلها الذين تقوم بهم الحجة فيها ولو كثُر التَّنَاكُر والإختلاف من غير أهلها على سبيل الدعاوى وإنكار اليقين فيها فإذا ثبت العلم بغير ارتياب ممن علمها فيها وفي وجوبها وعلمها عندي.."(انتهى). (1/301)
صفحة 302
وأما موجبات الوَلاية فتتأدى من أحد ثلاث طرق مجتمع عليها وطريق رابع مختلف فيه ـ وسيأتي بعد إن شاء الله ـ فأما الطرق المجتمع عليها فهي: العَيَان بالتفسير المتقدم، وشهادة العدلين فما فوق، والشهرة المُحِقَّة وهذا هو معنى قوله: (واستثن الاقرار..الخ) أي استثن من الطرق التي تتأدى بها موجبات البراءة في موجبات الوَلاية الإقرار فإنه لا يوجبها ما لم يكن ثمة موجب آخر، وقوله: (بواحد) متعلق بقوله: تجب، وقوله: (من أربع) متعلق بواحد، وجملة (تعتقب) نعت لأربع، وتعتقب بالبناء للمفعول(_( ) البناء للمفعول والبناء للمجهول بمعنى واحد وهو أن يسند الفعل الى المفعول به بعد ضم أوله وكسر ما قبل آخره وحذف فاعله. _) أي يؤتى بها في عقب هذا الكلام، و(عيان) بدل تفصيل من أربع وما بعده عطف عليه.
(222)(والخلف في رفيعة الوَلاية من واحد عدل بلا عناية)
(223)(وإن تكن عنيته فألزم وقيل لا لزوم ثم يعلم) (1/302)
صفحة 303
هذا هو الطريق الرابع من الطرق التي تتأدى بها موجبات الوَلاية وهو الطريق المختلف فيه؛ وهو رفيعة العالم الواحد بما يوجب الوَلاية لمعين، فذهب بعض الى أنه حجة له وعليه وحملوه على معنى الشهادة في حقوق الله كصوم رمضان وكطهارة الثياب من النجاسات فإن العدل في كل ذلك حجة، وذهب قوم إلى أن رفيعة العالم العدل غير موجبة للوَلاية حتى يكونا عدلين فالوجوب حينئذ متحتم كالشهادة في الحقوق، وذهب قوم الى التفصيل على أنه إن سُئِل هذا العدل عن وَلاية معين وجبت ولايته على السائل وإن لم يُسأل عنها كأن ينطق بها ابتداء فلا وجوب قياسا على المُعَدِّل(_( ) في علم الجرح والتعديل في الحديث أو غيره من القضايا وأشباهها. _) إذا سُئل عن عدالة مُعَيَّن وجب قبول قوله في التعديل وإن لم يُسأل فلا وجوب وهذا معنى قول الناظم: (وإن تكن عنيته فألزم) فالعناية هنا القصد عَبَّرَ بها عن السؤال لملازمتها له، وذهب آخرون الى التخيير في رفيعة العالم العدل للوَلاية أي إن شاء المرفوع له قبلها فَتَوَلَّى وإن شاء تركها من غير تكذيب للرافع وهو معنى: (وقيل لا لزوم.. الخ) فيدخل تحت هذا التأصيل رفيعة الأعمى للوَلاية فقد قيل فيها أيضا باختلاف ورفيعة المرأة والعبد ففي رفيعة كل واحد من هؤلاء للوَلاية اختلاف صَرَّح به الأثر، الصحيح بشرط أن يكون كل واحد من الرافعين عالما بالوَلاية والبراءة.
(224)(لكن على العدول ليس العلما تفصيل ما جاءوا به ليُعلَما) (1/303)
صفحة 304
الاستدراك من قوله: (أو شهادة عدلين)(_( ) في البيت رقم: (220). _) في الأبيات المتقدمة، أي ينقسم الرافعون للوَلاية والبراءة إلى قسمين؛ ضعفاء وعلماء، فأما الضعفاء(_( ) وهم عوام الخلق. _) فعليهم تفصيل ما رفعوا من الوَلاية والبراءة فإذا قالوا: إن فلانا وَلِيّ أو عدو مستوجب للبراءة فإنه لايجوز لك أن تتولى أو تتبرى بقولهم هذا حتى يفصلوا ـ أي يبينوا ـ الأعمال التي استوجب بها هذا المُعَيَّن الوَلاية أو البراءة فتنظر أنت فيها إن كانت موجبة لهما، وعلة ذلك المنع أن الضعيف لا يعرف الأمور التي توجب الوَلاية ولا الأمور التي توجب البراءة، وقيل يقبل قولهم من غير تفصيل والعلة فيه ثقتهم وعدالتهم على أنهم لا يقولون بشيء غير معلوم عندهم حكاه الشيخ ناصر بن أبي نبهان، وأما العلماء وهم العالمون بأصول الوَلاية والبراءة وأحكامها فليس عليهم تفصيل ـ أي تبيين ـ فيما رفعوا من وَلاية أو براءة بل يجب قبول قولهم ولو مجملا، اللهم إلا أن يكون هؤلاء العلماء رفعوا البراءة من رجل عند وَلِيِّه على غير وجه الشهادة عليه بها فإنهم يكونون بذلك مبطلين عنده مخلوعين بتلك الرفيعة حتى يتوبوا أو يأتوا بشاهدي عدل على تصديق ما قالوه أو أربعة شهود في الزنا.. (1/304)
صفحة 305
ويستثنى من هذا المقام ما إذا كان المتولى مشاهدا لحدث وليه فلم يعرف الحكم فيه فقال العالم إن هذا الحدث مُكَفِّر وان صاحب هذا الحدث كافر وأن فلانا كافر بحدثه كذا وكذا فكل هذا من العالم فتوى تقوم به الحجة على المُتَولِّي ـ بكسر اللام ـ على ترك وَلاية المُتَولَّى ـ بفتحها ـ أو يتوب من حدثه ذلك، فإن برئ العالم من ولِيِّ هذا المُتَولِّي بالحدث الذي شاهده منه من غير تبيين ولا فتوى فلا يجوز لأحد ولا يلزمه أن يبرأ ببراءة العالم منه ولا يجوز للمُتولِّي أن يبرأ من العالم بسبب براءته من وَلِيِّه بحدثه الذي علمه منه، فإن قيل ما الفرق بين الحالتين فقد ألزمتموه بوجوب البراءة من وَلِيِّه في الحالة الأولى ولم تجوِّزوها له في الحالة الثانية؟ فالجواب: أن العالم في الحالة الأولى مُفْتِي والحجة قائمة من فتواه وفي الحالة الثانية حاكم ولا يجوز لأحد أن يحكم بحكم الحاكم حتى يعلم الحكم في ذلك الشيء كعلم الحاكم فيه والله أعلم.
فصل
في أحوال الوَلِي بالظاهر
(225)(وفي ولي وجبت وَلايته على الورى سريرة براءته)
(226)(إن وجبت عليك والذي نطق بها جهارا للبراءة استحق)
(227)(ومن يبح براءة من نفسه فهالك وهو حَرِيْ بخِسِّه)
الأولياء بحكم الظاهر على صنفين؛ فصنف تجب لهم وَلاية على العموم من أهل الدار، وصنف لا تجب لهم وَلاية على العموم وإنما تجب على الخصوص ممن عرف منهم الموافقة وسيأتي بيان الحكم فيهم. (1/305)
صفحة 306
فاما أهل الصنف الأول فلا يجوز لأحد البراءة منهم جهرا وإن أتوا ما يستوجبون به البراءة في حكم الظاهر إذا لم يشتهر منهم ذلك، وإنما على من علم منهم ذلك الحدث أن يبرأ منهم سِرَّاً ولا يجوز أن يُظهر البراءة منهم مع أحد من الناس إلا مع مَن عَلِمَ كَعِلمِه فيهم وهذا معنى قول الناظم: (سريرة براءته، إن وجبت عليك)، وأشار بقوله: (والذي نطق بها.. الخ) الى حكم من أظهر البراءة من أهل هذا الصنف عند من لم يعلم كعلمه فيهم، فحكم ذلك أنه مستحق للبراءة منه ممن سمع منه ذلك القول لأنه في حكم الظاهر قاذف لولِيه والقاذف للولي مستحق للبراءة وإن كان هو في السريرة صادقا لأنه لايحل له أن يخالف الحكم الظاهر، وليس له أن يأتي بفعل يبيح به من نفسه البراءة لأحد من الناس ومن أتى بفعل يبيح به من نفسه البراءة فهو هالك في الآخرة ما لم يتب من ذلك الفعل، وسبب هلاكه أنه قد خالف ما أمر الله به من وجوب تجنُّب المضِلات في الظاهر ومن خالف ما أوجب الله عليه فهو هالك، ومعنى (حري) ـ بتخفيف الياء للوزن ـ حقيق؛ أي وهو حقيق بتلك الخسة التي أنزل نفسه فيها.
(228)(وإن يكن من الأُلى لم تلزم وَلاية لهم على الكل اعلم)
(229)(فبعضهم رخص(_( ) في الأصلين: وسَّع. والتصحيح من "المشارق" (2/239) وليس بين اللفظتين كبير فرق في هذا المقام. _) ما لم تعلم وَلاية والبعض من ذا يحتمي) (1/306)
صفحة 307
هذا هو الصنف الثاني من صنفي الأولياء بحكم الظاهر وهم الذين لم تجب لهم وَلاية على الكل لكن على الخصوص ممن علم منهم الموافقة في الدين بالقول والعمل، فإذا علم أحد من أهل هذا الصنف ما يستوجبون به البراءة فقد اختلف في جواز اظهار البراءة منهم عند من لم تعلم لهم وَلاية عنده؛ فبعضهم وسَّع في اظهار البراءة منهم عند من لم يعلم منه أنه يتولاهم لأن الأصل عدم ثبوت ولايتهم على أحد من الناس، وبعضهم منع من اظهار البراءة منهم مخافة أن يصادف من يتولاهم فيكون المتبري منهم مبيحا من نفسه البراءة عند ذلك المتولي لهم. وأقول: إن هذا الإحتمال مع قربه لا يفيد المنع من اظهار البراءة منهم ولا يكون المتبري منهم عند من لم يعلم أنه يتولاهم مبيحا من نفسه البراءة لأنه إذا وَسِعَه أن يتبرأ منهم وإن على قولٍ لبعض المسلمين فليس للمتولي لهم أن يبرأ من هذا المتبري منهم الآخذ بقول من أقوال المسلمين، نعم إن أخبره بأن ذلك الذي يتبرأ منه وليٌّ له فعلى هذا أن يكفَّ عن البراءة منه عنده فإن أصر عليها بعد ذلك كان حينئذ مبيحا من نفسه البراءة عند من يتولاه ووجه ذلك أن من يدعي وَلاية أحد من الناس فهو مُصَدَّق في دعواه ما لم ينزل من يدعي هو ولايته منزلة من تجب البراءة منه بالشهرة أو تقوم عليه البينة بحدثه المُكَفِّر والله أعلم.
(230)(وإن يكن كفرانه مشتهرا لا بأس إن بكفره قد جهرا) (1/307)
صفحة 308
المراد بـ(الكفران) الفعل الموجب للبراءة، والمراد بـ(الكفر) ما يشتمل النفاق والشرك؛ والمعنى إذا كان الفعل الموجب للبراءة مشتهرا بين الخاص والعام فلا بأس على أحد بإظهار البراءة منه لأنه قد نزل في منزلة لا يصح لأحد أن يتولاه عليها ـ ولو كان في الأصل قبل الحدث ممن تجب على الخلق ولايته أو ممن تمكن ولايته لأحد من الناس دون غيره ـ والمدّعي لوَلايته بعد شهرة حدثه غير مَسْمُوع [له](_( ) زيادة مني لإيضاح المعنى._) فلا حجةَ لهُ على المُتَبَرِّي منه ولا حُرْمَةَ لذلك المُتَبَرَّى منه لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (مالكم وللمنافق قولوا فيه ما فيه((_( ) لم يتيسر لي العثور عليه .. وجاء عن الحسن البصري أنه قال: "ثلاثة ليست لهم حرمة في الغيبة: فاسق يعلن الفسق، والأمير الجائر، وصاحب البدعة المعلن البدعة". رواه البيهقي في "شعب الايمان" [9669] وابن أبي الدنيا في "الصمت" [235] وفي جزء "ذم الغيبة والنميمة" [98 و101]._) ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : (أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره((_( ) لم يتيسر لي العثور عليه بهذا اللفظ وجاء من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده الصحابي معاوية بن حيدة - رضي الله عنه - ـ وبعض من خرّجه جعله مقطوعا عن بهز ـ بلفظ: »أترعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه كي يعرفه الناس ـ وفي رواية: يحذره الناس ـ« وهذا رواه الطبراني في "الكبير" [19/418 برقم 1010] والبيهقي في "السنن الكبرى" [20914] وفي "شعب الايمان" [9666 و9667] والخليلي في "الارشاد" ص(297) والخطيب في "تاريخ بغداد" (1/399 ـ 7/270 و271 و278) وفي "الكفاية" ص(42) وابن أبي الدنيا في "الصمت" [221] وفي جزء "ذم الغيبة" [84] وابن عدي في "الكامل" (2/173 ـ 3/289 ـ 5/134 و221).
( (1/308)
صفحة 309
وورد بلفظ: »ليس للفاسق غيبة« من الطريق المذكورة رواه الطبراني في "الكبير" [19/418 برقم 1011] والبيهقي في "الشعب" [9665] والخطيب في "الكفاية" ص(42) والقضاعي في "الشهاب" [1185 و1186] وابن عدي في "كامله" (2/174 ـ 5/221).
وهذه الروايات محل نظر فإن بهز بن حكيم مختلف فيه و كشف حاله في "ميزان الاعتدال" للذهبي (1/353) فقال:
"وثقه ابن المديني، ويحي، والنسائي. وقال أبوحاتم: لا يحتج به. وقال أبوزرعة: صالح. وقال البخاري: يختلفون فيه. وقال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا، ولم أر أحدا من الثقات يختلف في الرواية عنه. وقال صالح جزرة: بهز عن أبيه عن جده؛ اسناد أعرابي. وقال أحمد بن بشير: أتيت بهزا فوجدته يلعب بالشطرنج. وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرا، فأما أحمد واسحاق فاحتجا به، وتركه جماعة من أئمتنا ... وقال الحاكم: ثقة؛ انما أسقط من الصحيح لأن روايته عن أبيه عن جده شاذّة لا متابع له عليها" ا.هـ وحسم حاله مردّه الى الحذاق المهرة، ولو كان له متابع لهاتين الروايتين لأمكن تحسين بعضها، ولا أقوى على أكثر من هذا. والله أعلم._)، وأشار بقوله: (لابأس ..الخ) إلى أن إظهار كفر من اشتهر كفره جائز لا واجب فالأمر في الحديثين إنما هو للإباحة لا للوجوب والله أعلم.
(231)(ومتبرٍ من وليٍّ لك قل بكفره إن لم يتب عما فعل) (1/309)
صفحة 310
أي إذا كان لك ولي فبرئ منه مُتَبَرٍّ فعليك أن تبرأ منه بعد أن تَسْتَتِيبه(_( ) أي تستتيب ذلك المتبري ممن توليته أنت، مثاله أن تكون متوليا لمحمد ثم علمت أن عبدالله يتبرأ منه فعليك أن تستتيب عبدالله فإن لم يتب من البراءة من محمد فعليك أن تبرأ من عبدالله هذا. _) فلم يتب، قال الشيخ ناصر بن أبي نبهان(_( ) تقدمت ترجمت عند البيت رقم (218). _): "إذا قذف وليَّك قاذفٌ استتبه فإن امتنع فنَبهه بوجوب التوبة عليه فإن امتنع فحينئذ عليك أن تبرأ منه". قلت: والإستتابة قبل البراءة مستحسنة وفي وجوبها اختلاف من الفقهاء ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الباب الرابع من هذا الركن ـ.
(232)(وفي ولي ترك الفرض اقتفي عذرا له، إن لم تجد عنه قف)
(233)(ثم استتبه إن يكن منك قبل ولتَبْرَ إن لم يرجِعَن عمَّا عمل)
أي إذا أحدث الولي حدثا فلا يخلو ذلك الحدث من أحد أمرين: إما أن يكون فيه حق لله جلَّ فقط، أو لله وللعباد معا، ـ وسيأتي بيان الأمر الثاني إن شاء الله تعالى ـ فإن أحدث حدثا فيه الحق لله وحده كترك فريضة من صلاة أو صيام أو نحو ذلك فـ(اقتفي) أي اتبع العذر له في ذلك؛ فإذا احتمل له وجهُ عُذْرٍ من نسيان ونحوه فهو على احتماله حتى يصح بطلانه، ولا يجوز لك أن تبرأ منه على هذا فإذا انقطع العذر وارتفع الإحتمال فالمختار أن تستتيبه فإن تاب رجع الى ولايته وإن امتنع فعليك أن تبرأ منه ولا يجوز لك التمسك بولايته ولا الوقوف عنه في هذه الحالة.
(234)(وإن أتى الولي ما لله به حق وللعباد كالقتل انتبه)
(235)(توله والبعض منه يقف عنه، وفي البراءة منه ضعف)
(236)(كذاك إن أتى بفعل حُجِرَا في أصله وعارض الحل يُرى)
(237)(هذا إذا ما كان فعله احتمل حقا وباطلا وإلا حيث حل) (1/310)
صفحة 311
أي إذا أحدث الولي حدثا يكون الحق فيه لله وللعباد كقتل النفس ونحوه؛ فلك فيه ثلاث طرق إذا لم يصح عندك أن فعله ذلك حق أو يصح أنه باطل فإن صح حقه فليس إلا الوَلاية وإن صح باطله فليس إلا البراءة وهذا معنى قول الناظم: (هذا إذا ما كان.. البيت الى آخره)، ومعنى قوله: (وإلا حيث حل) أي وإن لم يحتمل حقه وباطله فأنزلْه حيث نزل من حق أو باطل، وأما قوله: (كذاك إن أتى ..الخ) ففيه الإشارة إلى حكم الولي إن أتى فعلا محجورا في الأصل لكن يصح أن تكون الإباحة فيه عارضة فأشار الى أن حكم الولي عند هذه الحالة كحكمه فيما إذا أتى بفعل فيه لله حق ولعباده حق أيضا أي فلك فيه الطرق الثلاثة؛ فمثال ماكان أصله محجورا والإباحة فيه ممكنة لعارض هو أن ترى وليَّك يأكل لحما من يد مجوسي، فإن اللحم من يده حرام في الأصل لمن لم يعلم أن المُذَكِّي لذلك اللحم ممن تجوز ذكاته، والإباحة فيه ممكنة لإحتمال أن يكون الذابح هو غير المجوسي فمن هنا صح في هذا الموضع الطرق الثلاثة: (1/311)
صفحة 312
الطريق الأول: بقاؤه على حالته الأولى من الوَلاية وعليه الإمام أبوعلي(_( ) الإمام أبو علي موسى بن علي بن عزرة الأزكوي من كبار علماء الإباضية في القرن الثاني الهجري، ولد في "إزكي" احدى المدن العريقة في عمان سنة 177هـ وتتلمذ في بادئ الأمر على يد والده الشيخ علي بن عزرة وعلى العلامة هاشم بن غيلان السيجاني وفاق أهل زمانه وهو في سن مبكر، وكان مرجع الأئمة والعلماء آنذاك فهو شيخ المسلمين في تلك الحقبة. كما عاصر من أئمة العدل الإمام غسان بن عبدالله والإمام عبد الملك بن حميد والإمام المهنا بن جيفر ومات في زمانه. وهو من أسرة عريقة تشتهر بالعلم حتى أن جده عزرة أحد العلماء الذين يشار إليهم بالبنان. هذا وللإمام أبو علي كتاب "الجامع" يقول عنه الشيخ البطاشي في "اتحاف الأعيان" (1/190): "وهذا الكتاب أظنه من جملة الكتب المفقودة فقد بحثت عنه في كثير من المكتبات التي اطلعت عليها .. وما وجدته .. مع شدة البحث، فلعله فُقد أو احتكره من لا يعرف قيمة العلم وأهله". وله كما في "تحفة الأعيان" للسالمي (1/97 ـ 101) رسالة مطولة للإمام عبد الملك بن حميد يتجلى فيها أحوال أئمة وعلماء عمان حين يقوم العالم بإسداء النصيحة المفترضة عليه لولاة الأمر بمن فيهم الإمام العادل نفسه ويكشف له بما أتاه الله من نور البصيرة ما يؤدي إلى صلاح الدين والدنيا في الوقت نفسه ترى فيه الإمام يتلقى من العالم ما يجود به من الأراء بصدر رحب في مشهد يعود بالذاكرة إلى عهد الخلافة الراشدة التي لم تعرف الإستبداد بالرأي والإنفراد بالملك. وترك من ولده الشيخين موسى بن موسى وأخيه محمد بن موسى وكانا من العلماء البارزين. وكانت وفاته في عام 230هـ وعمره 53 سنة. ("السيرة" لابن مداد ص30 ـ "تحفة الأعيان" للسالمي 1/97 ـ 101 ـ "اتحاف الأعيان" للبطاشي 1/181 ـ 190). (1/312)
صفحة 313
_) ـ رضي الله تعالى عنه ـ وصححه الإمام أبو سعيد ـ رضي الله تعالى عنه ـ في "الإستقامة" وذلك أن ولايته وقعت بيقين ولا يزيل اليقين إلا يقين مثله.
الطريق الثاني: الوقوف عنه بالرأي لما دخل فيه من الإشكال مخافة أن تتولى محدثا، قال الإمام أبو سعيد(_( ) تقدمت ترجمته تحت البيت رقم (21). _) ـ رضي الله عنه ـ: "وهو أسلم". يعني أن الوقوف أسلم ـ أي أقرب إلى السلامة ـ.
الطريق الثالث: البراءة منه على أنه أتى محجورا في حكم الظاهر حتى يصح أنه أتاه على وجه من وجوه الحق وعليه الإمام موسى بن أبي جابر(_( ) الشيخ موسى بن أبي جابر الأزكوي من بني ضبة بن سامة بن لؤي بن غالب، أحد علماء الإباضية من أهل عمان في القرن الثاني الهجري وهو جد الشيخ موسى بن علي لأمه، وكان أحد النفر الأربعة الذين تلقوا علومهم في البصرة على يد الحافظ الربيع بن حبيب الفراهيدي وعادوا إلى عمان. كان داعية للخير مصلحا لأحوال الرعية مع اتصافه بأنه سياسي محنك استطاع بما أتاه الله من فضله أن يهيء الظروف المناسبة لاسترجاع الإمامة العادلة بعد مقتل الإمام العادل الجلندى بن مسعود ـ وقد قتله خازم بن خزيمة قائد السفاح العباسي سنة 134هـ تقريبا وبعث برؤوسهم! إلى السفاح!! حتى أن خازما هذا لما حضرته الوفاة قيل له: أبشر فقد فتح الله على يديك. فقال: غررتمونا في الحياة وتغرروننا في الممات هيهات هيهات فكيف لي بقتل الشيخ!! العماني؟!. كما في "تحفة الأعيان" (1/65) ـ قال الشيخ خالد بن قحطان العماني في "سيرته" (ضمن "السير والجوابات" 1/121): (1/313)
صفحة 314
".. فلما اجتمع الناس في العسكر بنزوى واختلط الناس، وحضر العسكر من أهل عمان رجال لهم أحدثة لا يُؤمنون على الدولة، خاف موسى بن أبي جابر على الدولة رئيسا ـ من أهل عمان كانوا قد حضروا ـ أن يغلبوا على الأمر ولا يكون للمسلمين قول وتقع الفتنة. فقال: قد ولينا فلانا قرية كذا وكذا، وقد ولينا فلانا قرية كذا وكذا ـ حتى عدَّد الذين يخافهم ـ وولينا ابن أبي عفان نزوى وقريات الجوف ـ وأحسب أنه قال: ـ حتى تضع الحرب أوزارها. فقال بشير: كنا نرجوا أن نرى ما نحب فقد رأينا ما نكره والحمد لله. فقال موسى: ما فعلنا إلا ماتحب. ثم أعلمه إنما أراد أن يخرجهم من العسكر ويفرق بعضهم عن بعض.. (1/314)
صفحة 315
فلما خرجوا من نزوى كتب موسى بن أبي جابر في آثارهم فعزلوا قبل أن يصلوا القرى التي ولاهم موسى رحمه الله. وإنما كانت حيلة منه رحمه الله احتالها للمسلمين حدثني بهذا ثقة من المسلمين من أهل العلم والورع، وبقي ابن ابي عفان في العسكر فظهرت للمسلمين منه أحداث لم تعجبهم فلم يرضوا بسيرته، وأخرجوه من نزوى عن وجوههم حيلة منهم، فلما خرج من نزوى اجتمعوا واختاروا لأنفسهم إماما فقدموا وارث بن كعب إماما ..". ا.هـ ومنه يتضح الدور الذي قام به الشيخ موسى في ضبط أحوال الدولة وتنصيب الإمام العادل الوارث بن كعب وفي "تحفة الأعيان" للسالمي (1/77): "لما أراد المسلمون أن يعزلوا محمد بن أبي عفان حضر موسى بن أبي جابر العسكر وهو شيخ كبير مشدود على حاجبيه بعمامة وهو نائم ـ مستلق ـ على سرير في العسكر، وقد خرج وارث يريد العسكر مناظرا محتجا على ابن عفان إذ أرادوا عزله. فقالوا لموسى: مَن إمامنا؟. فقال موسى: أنا إمامكم. فلما وصل وارث إلى نزوى أخذ موسى بيده فقدمه إماما، فما علمنا أن أحدا من الناس عاب ذلك على وارث.". ومنه تتضح المكانة التي يحتلها الشيخ في مجتمعه، وله تآليف لعبت بها عوادي الدهر لم يبق منها إلا مسائل متناثرة في الجوامع الفقهية. وكانت وفاته في 11 محرم سنة 181هـ عن عمر يبلغ 94 عاما.
( (1/315)
صفحة 316
"السير والجوابات" 1/121 ـ "السيرة" لابن مداد ص30 ـ "تحفة الأعيان" للسالمي 1/77 ـ "طلقات المعهد الرياضي" للسيابي ص47 ـ "اتحاف الأعيان" للبطاشي 1/168)._) حيث قال: "أتولى المقتول وأبرأ من القاتل". وقد ضعف هذا الطريق جداً الإمام أبو سعيد في "الإستقامة" يراجعه من أراد الوقوف عليه، فإذا ادَّعى هذا القاتل على ذلك المقتول بعد قتله دعوى يصح بها تحليل دم المقتول كأن يقول: إنه ارتد عن الإسلام أو جاءه ليقتله فسبقه أو أدركه على امرأته فقتله ونحو ذلك، فإن كان المقتول وليا ففي كل هذا يكون القاتل قاذفا مخلوعا عن حكم الإسلام حتى يأتي بشاهدي عدل تصديقا لمقالته ـ في غير الزنا ـ وبأربعة شهود في الزنا، وإن كان المقتول غير ولي فلا بأس على من قال فيه شيئا(_( ) في هذا نظر. _) من ذلك إلا إذا رماه بالزنا فإن القاذف بالزنا مخلوع شرعا سواء كان المقذوف وليا أو غير ولي حتى يحضر الشهود على ذلك والله أعلم.
(238)(وفي وليين تخالفا بما يوجب كفر واحد فانبهما)
(239)(تول بالرأي وإن شئت فقف وقوف رأي إن يكونا في ضعف)
(240)(وإن يكونا عالمين تلزم وَلاية المحق فيما نعلم)
(241)(وأوجبن براءة من المصر وقيل من لم يتوله عُذر)
اذا اختلف المختلفان في الدين فلا يجوز أن يكون كلاهما محقين، ويجوز أن يكون كلاهما مبطلين وأن يكون أحدهما محقا والآخر مبطلا، فإذا وقع ذلك في حضرتك أو بلغك(_( ) في (ب): أو معك علمه. والتصحيح من (أ). _) علمه [من حيث لا تشك فيه](_( ) ساقطة من (ب). _) فلا يخلو هذان المُختلِفان من أحد أمرين؛ إما أن يكونا غير وليين لك ـ فيما تقدم ـ فأنت في سلامة من أمرهما اللهم إلا أن يكون المحق منهما عالما فيقيم الحجة عليك ببطلان من خالفه فحينئذ يلزمك أن تبرأ من المبطل على المذهب المختار، أو يكون الحدث في الجملة فلا يسعك الجهل بضلال المُضِل، أو يكون الحدث في شيء من تفسيرها فأنت على ما تقدم من الإختلاف. (1/316)
صفحة 317
وإن كانا وليين لك فيما تقدم فلا يخلوان من أحد أربعة أمور: 1ـ إما أن يكونا ضعيفين معا. 2ـ أو عالمين معا. 3ـ أو المحق عالما والمبطل ضعيفا. 4ـ أو العكس. فإن كانا ضعيفين معا فلك في أمرهما طريقان:
الطريق الأول: تنزيلهما من وَلاية الدين إلى وَلاية الرأي.
الطريق الثاني: أن تقف عنهما وقوف رأي، ومعنى وقوف الرأي أن تعتقد أنك واقف عنهما لما عرض لك من الأمر المشكل بحيث لا يجوز أن يكونا فيه كِلاهما محقين وتعتقد مع ذلك أنك تتولى المحق منهما وتبرأ من المبطل، [فينبني](_( ) من (ب). _) على ما ذكرنا أنك إذا توليتهما برأي يجوز لك أن تدعو لهما كما كان للولي بشريطة(_( ) أي يدعو له مع تضمين أن تحققه مشروط بكونه وليا عند الله أو كونه أحد مستحقي الجنة فإن لم يكن كذلك كأن يكون غير مستحق لهذا الدعاء ـ كالمرائي أو المنافق ـ فلا. _)، وإذا وقفت عنهما بالرأي لا يجوز لك أن تدعو لهما بما يستحقه الولي حتى يتبين لك المحق منهما فتواليه والمبطل فتعاديه.
وإن كان كلاهما عالمين فلا يجوز لك إلا أن تتولى المحق منهما على ما كان عليه من وَلاية الدين وتبرأ من المبطل بدين وهذه إحدى طريقتين فيه، والطريقة الثانية: لا تلزمك البراءة من المبطل منهما إذا لم يتبين لك ضلاله بل يجوز لك أن تتولاه برأي وأن تقف عنه برأي وهذه الطريقة موقوفة على شرطين؛ أحدهما: أن لا تجمع المختلفين في وَلاية الدين. وثانيهما: أن لا تبرأ من المحق منهما لأجل قوله بالحق وأن لا تقف عنه برأي ولا دين.
(وإن كان المحق عالما والمبطل ضعيفا فهما بمنزلة أن لو كانا عالمين. وإن كان المبطل عالما والمحق ضعيفا فهما بمنزلة أن لو كانا ضعيفين والله أعلم.
(242)(ومن تولى محدثا لفعله قالوا فذاك هالك كمثله) (1/317)
صفحة 318
لا يجوز لأحد أن يتولى مُحْدِثَا حَدَثا من الأحداث القبيحة على حدثه ذلك، ومن فعل ذلك فهو هالك كمثل المحدث ويطلق عليه من التسمية ما يطلق على المحدث قال تعالى: { قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل } البقرة : 91 وكان هؤلاء المخاطبون في زمن خاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم - ولم يقتلوا نبيا بأيديهم وإنما سمَّاهم قتلة لولايتهم آباءهم القاتلين، وقال تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } المائدة : 51 فقد حكم ربنا تعالى في هذه الآية على المُتَوَلِّي بحكم المُتَوَلَّى فجعلهم سواء في الضلالة والله أعلم.
الباب الثالث
ـ من الركن الثالث ـ
في الوقوف وأقسامه وأحكامه
(243)(وقوف دين رأي أو سؤال اشكال أو شك على ضلال)
(الوقوف) اصطلاحا هو الإمساك عن الدخول في وَلاية أحد بعينه وعن الدخول في البراءة منه فيسمى الممسك عن ذلك واقفا وأقسامه خمسة: 1ـ وقوف الدين. 2ـ ووقوف الرأي. 3ـ ووقوف السؤال. 4ـ ووقوف الإشكال. 5ـ ووقوف الشك. فهذه خمسة وقوفات كلها جائزة إلا الأخير منها.
بدأ الناظم بوقوف الدين لكونه أصل الوقوفات ولأنه المجتمع عليه وعلى وجوبه دون الثلاثة التي تليه فإنه مختلف في ثبوتها وفي وجوبها، وثَنَّى بوقوف الرأي لكون الرأي جزءا من الدين فهو عند من رأى ثبوته واجب ولا يجوز تركه في موضعه عنده، وثلَّثَ بوقوف السؤال لكونه أخص مطلقا من وقوف الرأي وملازِمَاً له فبعض مَن أوجَبَ وقوف الرأي أوجب وقوف السؤال ونفاه آخرون منهم، وعَقَّبه بوقوف الإشكال لكونه أخص من وقوف الرأي أيضا ففي بعض صور وقوف الرأي يكون وقوف الإشكال وفي بعضها لا يوجد، وخَتَم بوقوف الشك ليتمكن من بيان حُكمه كما أشار الى ذلك بقوله: (أو شك على ضلال).
(244)(فالدين في كل فتىً لم تعهد خيرا وشراً منه كيما تقتدي) (1/318)
صفحة 319
هذا بيان وقوف الدين وبيان محله، فأما وقوف الدين فهو الكف عن وَلاية معين وعن البراءة منه ـ كما تقدم ـ، وأما محله فإنه يكون في كل مكلف لم تعلم منه من أعمال الخير ما يوجب الوَلاية ولا من أفعال الشر ما يوجب البراءة فإن حكم مثل هذا الشخص الوقوف وجوبا، ولا يسعك فيه إلا ذلك لأن القدوم على وَلاية المجهول محجور دينا وكذا الإقدام على البراءة منه، ومعنى قوله: (كيما تقتدي) أي لتقتدي بما علمت منه، أي لم يتقدم لك فيه علم خير يوجب الوَلاية ولا علم شر يوجب البراءة فتقتدي بما علمت فيه، فـ(ما) في قوله: (كيما) زائدة والله أعلم.
(245)(والرأي في الولي إن تسنَّما أمرا عليك حكمه قد أبهما)
(246)(وقيل والسؤال مع ذا يلزم فهو حليف الرأي مع من ألزموا)
وقوف الرأي هو أن تقف عن الذي تقدمت له عندك وَلاية بسبب ركوبه أمراً أشكل عليك حكمُه واستتر عنك علمه فلا تدري أهو حق فتواليه عليه أو باطل فتعاديه عليه فإن أصحابنا من أهل المشرق ـ رحمهم الله تعالى ـ جوزوا لك في هذه الحالة الوقوف عن وليك حتى تعلم حكم حدثه وسموا الوقوف بهذا المعنى وقوف الرأي، وبعض من أجاز ذلك قد أوجب على الواقف أن يسأل عن حكم حدث وليه حتى يخرج عن حيِّز الإشكال الى مقام البيان، وسموا الوقوف بالرأي مع اعتقاد السؤال عن حكم الحدث وقوف السؤال وهذا معنى قوله: (وقيل والسؤال.. البيت)، وأما قوله: (فهو حليف الرأي) أي فوقوف السؤال ملازم لوقوف الرأي عند الذين قالوا بلزومه، أي لا يكون وقوف السؤال عند القائلين به إلا وهو مصاحب لوقوف الرأي فإن كان مع وقوف الرأي اعتقاد سؤال سُمِّي وقوف سؤال ووقوف رأي، وإن تجرد وقوف الرأي عن اعتقاد السؤال فيسمى وقوف رأي ليس إلا والله أعلم.
(247)(وفي وليين تلاعنا احكم وقوف إشكال إذا لم يعلم)
(248)(بطلان كل منهما والشك أن لا تولى غير من يشك) (1/319)
صفحة 320
وقوف الإشكال هو الوقوف عن الوليين إذا فَعَلا فِعْلاً يوجب كفر أحدهما وذلك مثل أن يلعن بعضهما بعضا أو يبرأ بعضهما من بعض ولم يُعْلَم أيهما المبطل وأيهما المحق في ذلك فإن الواجب على من يتولاهما إذا سمع منهما ذلك أن يقف عنهما لهذا الإشكال الذي هما فيه، فإنه لابد من بطلان أحدهما فإذا تولاهما معا كان ولا شك واقعا في وَلاية مبطل وإذا تبرأ منهما معا خيف عليه الوقوع في البراءة من المحق، هذا على قول من أثبت وقوف الإشكال من أصحابنا وهم المشارقة ـ رحمهم الله تعالى ـ ومن أوجب اعتقاد السؤال عند وقوف الرأي أوجبه هاهنا أيضا لكن لا على معنى التجسس على(_( ) في الأصلين: عن. وأصلحته للسياق. _) المبطل من الوليين وإنما يعتقد السؤال عندهم في هذا الموضع لقصد الخروج عما وقع فيه من الحال، فإذا عرفت هذا كله فاعلم أن وقوف الإشكال أخص مطلقا من وقوف الرأي فإن وقوف الرأي يصدق على الوقوف عن الوليين إذا أحدثا حدثا لا يكونان فيه محقين فلم يُعلم مَن المبطل منهما ويصدق على الوقوف عن الولي إذا أحدث حدثا لا تعرف حكمه؛ ووقوف الإشكال لا يصدق إلا على الوليين إذا أحدثا حدثا لم يُدْرَ أيهما المبطل فيه، وتسمية الكل اصطلاح ولا مشاحة في الإصطلاح.. أما قوله: (والشك..الخ) فهو اشارة الى بيان حقيقة وقوف الشك وعَرَّفَه بأنه: تَرْكُ وَلاية من لا يشك مثل شكك. أي فوقوف الشك هو أن تقف عن شيء وتترك وَلاية من دخل فيه بشرط أن يكون ذلك الشيء لا يوجب بطلان الداخل فيه، وحكم هذا الوقوف أنه محرم لما فيه من ترك وَلاية المحق لأجل حق دخل فيه وترك ولايته بهذا المعنى حرام فوقوف الشك أيضا حرام والله تعالى أعلم.
الباب الرابع
ـ من الركن الثالث ـ
في أقسام الذنوب ومعرفة الصغائر والكبائر منها (1/320)
صفحة 321
ناسب ذكر هذا الباب في هذا الركن إنما هو لأجل ما يترتب على معرفة الصغائر والكبائر من أحكام الوَلاية والبراءة، على أني أقول: إن علم الوَلاية والبراءة إنما هو منحصر في معرفة الصغائر والكبائر فالعالم بالصغائر والكبائر عالم بالوَلاية والبراءة، ولا يكون عالما بالوَلاية والبراءة وإن أحاط بأقوال العلماء فيهما حتى يكون عالما بالصغائر والكبائر.
هذا وأما البابان اللذان يليان هذا الباب إنما هما معه بمنزلة الجزء من(_( ) في (أ): إلى. _) الكل وبمنزلة التفصيل مع الإجمال فإن كلا منهما في بيان بعض مخصوص من الكبائر وفي بيان أحكام ذلك لكن لما كانت تلك الكبائر المذكورة في البابين مختصة من بين سائر الكبائر بأحكام تترتب عليها افردهما في التراجم كما لا يخفى ذلك على متأمل منصف والله أعلم.
ولما كانت جزئيات الكبائر والصغائر يفوت حصرها أخذ العلماء في بيان الفرق بينهما إجمالا ليستدل الواقف عليهما بهذا الإجمال الذي ذكرته العلماء، وقد أخذوا في تعريف الكبائر وعرَّفوها بحدود كثيرة أصحها ما أشار إليه الناظم بقوله حيث قال:
(249)(والذنب قسمان كبير وجبا حَدٌّ به والباري منه غضبا)
(250)(فأوجب اللعن عليه أو سخط أو قبَّح الرسول من به سقط) (1/321)
صفحة 322
ينقسم الذنب الى صغير وكبير فأما الصغير فسيأتي بيانه، وأما الـ(كبير) فهو الذنب الذي ثبت لفاعله بسببه حَدٌّ في الدنيا ـ كالزنا والسرقة وشرب الخمر ـ أو وعيد في الآخرة وهو ما أشار اليه الناظم بقوله: (والباري منه غضبا) وذاك مثل العقوق والرِّبا، ويدخل تحت هذا النوع ما ترتب على فاعله بسبب فعله اللعن كالشرك في قوله تعالى: { أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله .. الآية } آل عمران : 87 وكذا أيضا ما اقترن بسخط من الله تعالى فوَصَفَه بأنه كبير أو عظيم وذلك كما في قوله تعالى: { إنه كان حوبا كبيرا } النساء : 2 { سبحانك هذا بهتان عظيم } النور : 16 وكذا يدخل تحت هذا النوع أيضا الذنب الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبح الله فاعل كذا.. (_( ) يمكن التمثيل له بما ورد من لعنه - صلى الله عليه وسلم - لبعض مرتكبي الموبقات ـ ولا شك أن اللعن أشد أنواع التقبيح ـ:
( كقوله - صلى الله عليه وسلم - : »لعن الله الخمر وبائعها ومشتريها وعاصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها« جاء من طريق ابن عباس رضي الله عنهما رواه الربيع الفراهيدي [625] والحاكم في "المستدرك" [2234]. ومن طريق ابن عمر رضي الله عنهما رواه أحمد في "مسنده" [5718] وأبوداود [3674] والحاكم [2235] والطبراني في "الصغير" [740] والبيهقي في "الكبرى" [10778] وغيرهم.
( (1/322)
صفحة 323
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : »لعن الله النامصة والمتنمصة والواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والمتفلجات للحسن« جاء من طريق ابن عباس رضي الله عنهما رواه الربيع الفراهيدي [637]. وجاء بألفاظ مقاربة من طريق ابن عمر رضي الله عنهما عند البخاري في "صحيحه" [5931 و5937 و5940 و5943 و5947] ومسلم في "صحيحه" [2125] والترمذي [1759 و2783] والنسائي في "الصغرى" [5109] وابن ماجة [1989] وابن حبان [5489] والطيالسي [1825]. ومن طريق ابن مسعود - رضي الله عنه - عند أحمد [4342] وابن حبان [5481] وهو موقوف عنه عند الدارمي [2647]. ورواه ابن حبان [5490] عن عائشة رضي الله عنها. ورواه ابن ماجة [1988] عن أسماء رضي الله عنها._)فإن التقبيح ونحوه لا يصدر من الشارِع إلا على ما كان كبيرا من الذنوب والله تعالى أعلم.
(251)(وعكسه الصغير مثل الكذب إن خف والرقص ومثل اللعب)
( (1/323)
صفحة 324
الصغير) من الذنوب هو عكس الكبير فيقال في تعريفه: هو الذي لم يثبت على فاعله حَدٌّ في الدنيا ولا وعيد في الآخرة. وأنكر بعضهم وجود الصغائر ونُسِبَ هذا الإنكار الى ابن عباس فروي عنه أنه قال: "كل معصية يُعصى الله بها كبيرة". وهذا الإنكار منه ـ رضي الله عنه ـ إنما هو إنكار لتسمية الصغيرة صغيرة لا إنكار لحكمها فإن حكمها ثابت بنص الكتاب ليس لأحد رده، وبعض أصحابنا قال بوجود الصغائر وأنكر تعيينها في الخارج فمعه أنها موجودة غير معلومة للبشر قال: "ولو عُيِّنَت لكان تعيينها اغراء على ارتكابها من حيث أنها معفوٌّ عنها بإجتناب الكبائر". وذهب جمهور أصحابنا من أهل المشرق الى أنها موجودة في الخارج معلومة للبشر ومَثَّلُوا لها بالكذب الخفيف وبالرقص وباللعب الغير مباح وهذا معنى قول الناظم: (مثل الكذب إن خف ..الخ) والمراد بالكذب الخفيف هو: الذي لم يُبْطَل به حقٌ ولم يُعَطَّل به حكم. فإن ترتّب عليه أحد هذين المذكورين فليس بخفيف ويكون حينئذ من كبائر الذنوب، والمراد باللعب الغير مباح هو اللعب الذي لم تَرِد من الشارع إباحته فإن ما كان منه مباحا فليس بمعصية أصلا وذلك مثل ملاعبة الرجل لفرسه وقوسه وعِرْسِه وولده الصغير وما أشبه ذلك، ولربما خرجت هذه الأشياء وما أشبهها من حد الإباحة الى حد الندبية وربما خرجت عن الإباحة الى حكم(_( ) في (ب): حد التحريم. وهما سيان إذ المقصود الإنتقال من الإباحة الى التحريم. _) التحريم بحسب النية والله تعالى أعلم.
(252)(ومن أصرَّ لصغير فكمن أتى الكبير في الكتاب والسنن) (1/324)
صفحة 325
للصغائر من الذنوب أحكام كما أن لكبائرها أحكاما أيضا، فمن أحكام الصغائر ماهو مشترَك بينها وبين الكبائر وهو كون الإصرار عليها كبيرة فإن كون الإصرار كبيرة موجود في الصغائر والكبائر، ومن أحكامها ما هو مختص بها دون الكبائر ـ وسيأتي بيانه عند قول الناظم: (والحكم للراكب ذنبا صغرا.. البيت) ـ، فأما الإصرار على الصغيرة فإنه يصيرها كبيرة من كبائر الذنوب لقوله تعالى: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } آل عمران : 135 بعد قوله تعالى: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ..الآية } آل عمران : 135 فإن قوله تعالى: { ولم يصروا } معطوف على قوله: { ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } أي ذكروا عقاب الله فحملهم ذلك على طلب الغفران والإقلاع عن الذنب وفعل ذلك واجب بعد فعل الفاحشة وبعد ظلم النفس، ووجوب ذلك قطعي لهذه الآية وغيرها فوجوب المعطوف عليه قطعي لذلك، هذا تحرير الإستدلال بالآية وفيه نظر لا يخفى على متأمل ووجه ذلك النظر أنه لو سُلِّم وجوب ترك الإصرار لما ذكر هاهنا فليس فيه دليل على تحريمه في الصغيرة لأنه إنما سيق في مقام الإقلاع عن الفاحشة وظلم النفس وهما كبيرتان، فالأحسن الرجوع الى الإستدلال بالسُنَّة وإجماع الأمة على أنهم لا يجتمعون على ضلالة بنص الشارع على ذلك .. فمن السنة الصريحة في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : (هلك المصِرُّون قدما الى النار((_( ) لم يتيسر لي العثور عليه. _) وفي حديث: (لا صغيرة عند اصرار ولا كبيرة عند توبة واستغفار((_( ) أخرجه القضاعي في "مسند الشهاب" برقم [853] من طريق ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا بلفظ: »لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع اصرار«. وفي اسناده مقال. وجاء في "شعب الايمان" للبيهقي [7268] موقوفا على ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لا كبيرة بكبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة بصغيرة مع الاصرار." وفي اسناده الخلالي والمنيعي لم أعرفهم. (1/325)
صفحة 326
ويبدو أن هذا الحديث غير ثابت كما يفهم من كلام العجلوني في "كشف الخفاء" (2/364) وما في "ميزان" الذهبي (4/537) والله أعلم._) وهذه الأحاديث وإن كانت أحادية الإسناد فمعناها مستفيض(_( ) المستفيض والمشهور سيان عند بعض العلماء ويعنون به ما ورد من طريق فيها أكثر من ثلاثة في الطبقة، قال السخاوي في "فتح المغيث" (3/33 دار الكتب العلمية): "والمشهور بأكثر من الثلاثة، سمي مشهورا لوضوح أمره يقال: شهرت الأمر. لشهرة، شهرا، وشهرة، فاشتهر. وهو المستفيض على رأي جماعة من أئمة الفقهاء والأصوليين وبعض المحدثين، سمي بذلك لانتشاره وشياعه في الناس، من فاض الماء يفيض فيضا، وفيوضة إذا كثر حتى سال على صفة الراوي". ا.هـ وبعضهم يجعل المستفيض أخص من المشهور وحدوه بأنه ما تلقته الأمة بالقبول دون اعتبار العدد، ولذا قال أبو بكر الصيرفي والقفال إنه هو والمتواتر بمعنى واحد. انظر "فتح المغيث" (3/34)._) في الأمة وعليه أطبقت كلمة العلماء فلا تجد فيهم من يحلل الإصرار أصلا ولا من يقول إن الإصرار صغيرة والله أعلم.
(253)(وراكب الكبير تَوِّبه فإن أبى إلى الله ببغضه فدِن)
(254)(وبعضهم ضلله وتوَّبا ثم استمر إن عن التوب أبى)
هذا بيان حكم الكبائر من الذنوب؛ اعلم أن للكبائر أحكاما منها ما يكون في الآخرة وهو الخلود في النار والعياذ بالله وقد تقدم بيان هذا الحكم في باب الوعد والوعيد، ومنها ما يكون في الدنيا وهذا النوع ينقسم الى قسمين: أحدهما: ما يكون من العقوبات العاجلة على فاعل ذلك كالقطع في السرقة والجلد والرجم في الزنا والجلد في الخمر ونحو ذلك ومحل هذا القسم في الفقه فلا حاجة لذكره هنا. وأما القسم الثاني: فهو: ما يتعلق من أحكامها بالإعتقاد وهو المراد بقول الناظم: (وراكب الكبير .. البيتين) [وحاصل ما فيهما أن العلماء اختلفوا في راكب الكبير](_( ) هذه القطعة سقطت من (ب). _) من الذنوب على مذهبين: (1/326)
صفحة 327
المذهب الأول: أن فاعل الكبيرة يستتاب من فعله فإن تاب قُبِل منه، وإن أصر على معصيته وامتنع من التوبة بُرئ منه وهذا معنى قول الناظم: (تَوِّبه ..الخ)، ومعنى (أبي) أي امتنع، ومعنى قوله: (إلى الله ببغضه فدن) أي اعتقد بغضه دينا لله تعالى وهذا المذهب هو اختيار الإمام أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ ومقتضى ظاهره أن فاعل الكبيرة يستتاب قبل البراءة منه كان وليا قبل فعلها أو غير ولي.
المذهب الثاني: أن فاعل الكبيرة يُبرأ منه من حين فعله ذلك ثم يستتاب فإن تاب قُبل منه وإن أصر مستمرا على ذنبه استمر على البراءة منه، وهذا معنى قول الناظم: (وبعضهم ضلله ..الخ) أي وبعض العلماء حكم بضلال فاعل الكبيرة واعتَقَدَ البراءة منه قبل أن يستتيبه ثم استتابه من بعد ذلك، ولابد من الإستتابة عند الفريقين على من قدر عليها لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويسقط فرضها عمن لا يقدر على فعلها والخلاف في وجوبها على القادر الآيس من قبول الفاعل لها كل ذلك تخريج على مذاهبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والله أعلم.
(255)(والحكم للراكب ذنبا صغرا إسلامه حتى يُرى مستكبرا) (1/327)
صفحة 328
قد تقدم بعض أحكام الصغائر وهو الحكم المشترك بينها وبين الكبائر وهذا محل بيان الحكم الخاص بها، اعلم أن الحكم الخاص بالصغائر نوعان؛ دنيوي وأخروي فأما حكمها الأخروي فهو أنها مغفورة باجتناب الكبائر لقوله تعالى: { إن تجتنبوا [كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } النساء : 31 ولقوله تعالى: { الذين يجتنبون](_( ) هذه القطعة ساقطة من (أ) فدمجت فيها الآيتان وهو أردى أنواع التصحيف ـ حين يكون في كتاب الله ـ والتكملة من (ب)؛ أعني بيان أن المؤلف أراد ذكر الآيتين معا. _) كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة } النجم : 32 واللمم هي صغائر الذنوب. وأما حكمها الدنيوي فهو أنه يُحْكَم لفاعلها ببقائه على الإسلام فلا يُضَلل ولا يُفَسَّق حتى يُعلم منه إصرار عليها وهذا معنى قوله: (حتى يُرى مستكبرا) أي حتى يعلم منه استكبارٌ عن طاعة الله وعدم انقياد لأمر الله. ثم إن الناظم أخذ في بيان حقيقة الإصرار فقال:
(256)(والخلف في الإصرار للصغير هل إذا مضى ولم يتب من العمل)
(257)(أو إن يكن أتاه باستخفاف والثاني عندهم بلا خلاف) (1/328)
صفحة 329
أي اختلف العلماء في بيان حقيقة الإصرار الذي تصير به الصغائر كبائر ويستحق فاعله التضليل والتفسيق فقال قوم: إن الإصرار على الذنب هو الإقامة عليه وترك الإقلاع عنه، ومثل هذا المذهب ما يروى عن السَّدي(_( ) هو أبو محمد اسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي القرشي مولاهم وهو السدي الكبير كان يقعد في سدّة باب الجامع فسمي السدي. روى عن أنس، وابن عياس ، ورأى ابن عمر، والحسن بن علي، وأبا هريرة، وأبا سعيد، وروى عن أبيه وعطاء وعكرمة وغيرهم وروى عنه شعبة والثوري وأبوعوانة وغيرهم. قال فيه ابن تغري بردي: صاحب التفسير والمغازي والسير، وكان اماما عارفا بالوقائع وأيام الناس. وهو مختلف فيه فقد وثقه أحمد ولينه بعضهم وضعفه ابن معين وكذبه الجوزجاني، مات سنة 127هـ أما السدي الصغير فهو محمد بن مروان الكوفي أحد المتروكين. ("سير النبلاء" للذهبي 6/86 ـ "تهذيب التهذيب" لابن حجر 1/283 ـ "الأعلام" للزركلي 1/317)._) حيث قال: "إن الإصرار الإستمرار". وذهب آخرون الى أن الإصرار على الذنب هو فعله بقصد الإستخفاف له واستحقاره، وهذا الوجه لا خلاف بينهم أنه اصرار وإنما الخلاف في الوجه الأول، أما إذا أتى الذنب مستخفا لنهي الله عنه فهو والعياذ بالله شرك فافهم الفرق بين الإستخفاف للذنب وبين الإستخفاف لنهي الله عنه فإنه مزلة الأقدام، وعن الحسن(_( ) هو الحسن البصري تقدمت ترجمته عند البيت رقم (39). _): "إن اتيان الذنب عمدا إصرار". وعليه فهو مذهب ثالث وتحرير المقام أن فاعل الصغيرة لا يُبرأ منه حتى يَنزل منزلة لا خلاف بين العلماء أنها إصرار لأن المُخْتَلَف فيه لا يعد دينا والله تعالى أعلم.
(258)(والخلف في الولي إن أتاه فبعضهم في حكمه رآه)
(259)(ولم يُتَوِّبه وبعض ذهبا الى الوقوف قبل أن يتوبا)
(260)(وبعضهم أحسن ظنه به وبعد ذا استتابه من ذنبه) (1/329)
صفحة 330
الهاء في قوله: (أتاه) عائدة الى الذنب الصغير لا الى الإصرار ـ كما يُعلم مما تقدم أن الإصرار كبيرة ـ والمعنى أن العلماء اختلفوا في الولي إذا أتى الذنب الصغير فذهب بعضهم الى أنه باق على ولايته غير محتاج الى أن يستتاب من ذنبه وهذا معنى قوله: (فبعضهم في حكمه رآه، ولم يتوبه) والمراد بحكمه أي الحكم الذي كان عليه قبل ذلك الفعل وهو الوَلاية وهذا المذهب هو أصح المذاهب فيه، وذهب قوم الى الوقوف عنه بالرأي حتى يستتاب فإن تاب قُبِل منه ورجع الى ولايته وإن أصر بُرِئ منه، وذهب آخرون الى أنه لايوقف عن ولايته ولكن يحسن به الظن ويستتاب من ذنبه فإن تاب قبل منه وإن أصر برئ منه والله سبحانه وتعالى أعلم.
الباب الخامس
ـ من الركن الثالث ـ
في شيء من الكبائر وأحكام القاذف
(261)(وغيبة المؤمن والتجسس والقذف في الكل حرام أسسوا)
ذَكَر في هذا البيت من الكبائر ثلاثة أنواع أحدهما مختص بكونه كبير في المؤمن لا ما عداه، والنوعان الآخران مشترك في حجرهما المؤمن والكافر وهما التجسس والقذف بالزنا.
فأما الأول: فقد استُدِلَّ على أنه محجور في المؤمن خاصة بقوله عزوجل: { ولا يغتب بعضكم بعضا } الحجرات : 12 والخطاب للمؤمنين كما يعلم من أول الآية والغيبة في المنافق والمشرك مباحة لمفهوم الآية ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : (أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره((_( ) تقدم الكلام عليه في التعليق على البيت رقم (230)._) ولفظة الفاسق يشترك فيها المنافق والمشرك واشتُرِطَ في هذا أن يكون المتكلم غير متلذذ بغيبة هؤلاء بل يكون ناويا فيه(_( ) أي بذكر مثالب ذلك الذي تحل غيبته وجمعها بعضهم فقال:
القَدْحُ ليس بِغَيبَةٍ في ستةٍ مُتَظلِّمٍ، ومُعَرِّفٍ، ومُحَذِّرِ
ولمظهر فسقاً، ومُسْتَفْتٍ، ومَن طلب الإعانة في إزالة مُنْكَرِ_) تحذير الناس من أن يقعوا في أحبولة غدره كما يُعلم من الحديث. (1/330)
صفحة 331
النوع الثاني: التجسس وهو سؤال عن أحوال الغير لقصد الإطلاع على عوراته، وحكمه أنه محجور في المؤمن والكافر وإنما قلنا أن التجسس هو السؤال عن أحوال الغير لقصد الإطلاع على عوراته ليخرج نحو ما ذكره الإمام أبو سعيد ـ رضي الله عنه ـ في أن من خرج مستخبرا عن المؤمنين الماضين ليسلك منهاجهم وعن الفسقة وأهل الأحداث ليجتنب اعوجاجهم أنه لا بأس عليه إذا كان على هذا القصد ـ وهذا عنده غير تجسس ـ فإذا صادف ما تجب به الوَلاية لمُعَيَّن تولاه به أو البراءة لمعيَّن تبرأ منه به.
النوع الثالث: القذف وهو نوعان؛ النوع الأول: قذف بزناً وهو محجور في الكل أي من مسلم وكافر قال تعالى: { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ..الآية } النور : 4 . النوع الثاني: قذف بمُكَفِّرَةٍ غير الزنا وهو محجور في المؤمن خاصة ويلحق بهم مجهول الحال لأن التكلم فيه كذب صريح ـ وقد تقدم ذكر هذا النوع في باب الوَلاية والبراءة ـ والمقصود في هذا الباب بيان أحكام فاعل النوع الأول.
(262)(وقاذف الولي إن حرا وإن عبدا وإن صبيا كفره زكن)
(263)(وإن يكن حرا ولم يكن ولي وبالغا كان فمثل الأول)
القاذف بالزنا له أربع منازل؛ المنزلة الأولى: يَكفر فيها من حينه اتفاقا، المنزلة الثانية: يختلف في كفره إلا بعد الإمتناع عن التوبة، المنزلة الثالثة: [لا يكون فيها كافرا من حينه حتى يصر على قذفه اتفاقا، المنزلة الرابعة:](_( ) هذه القطعة سقطت من (ب). _) لا يكون فيها كافرا أبدا ما لم يكن مفتريا ـ في قوله ـ فإن كفره إذن من حيث الإفتراء ـ وسيأتي تفصيل كل من الثانية والثالثة والرابعة على التوالي ـ. (1/331)
صفحة 332
وأما المنزلة الأولى: وهي التي يكفر فيها القاذف من حينه فتقع في موضعين: الموضع الأول: إذا قذف القاذف وليا ـ سواء كان ذلك الولي حرا أو عبدا أو صبيا ذكرا أو أنثى كانت ولايته واجبة على أهل الدار جميعا أو على أحد مخصوص فيقذفه ـ مع وليِّه(_( ) الأنسب: مع متوليه. _) وهذا معنى قول الناظم: (فكفره زكن) أي عُلِم، فأما الحر والعبد فقد تقع لهما وَلاية من خاصية أنفسهم؛ وأما الصبي فولايته بوَلاية أبيه بإجماع وقد اختلف في ولايته بأمه هل هي واجبة أو لا؟.. قولان. هذا ما عليه الأصحاب في هذا المقام والذي يظهر لي من غير قصد خلاف لهم أن قاذف الصبي لا يكون بنفس القذف فاسقا وإن كان الصبي وليا لأن الزنى من الصبي نفسه إذا تُيُقِّن صدوره منه لا يخرجه عن حكم الوَلاية لارتفاع التكليف عنه، وإذا لم يكن الصبي بذلك فاسقا فالقاذف له بذلك لا يكون في حكم القاذف لمن هو يفسق بذلك(_( ) أي ليس كحكم القاذف بالزنى وغيره للبالغ. _) والله أعلم.
الموضع الثاني: إذا قذف القاذف حرا بالغا من أهل الإقرار ولم يكن ذلك المقذوف وليا فهو كالحكم الأول أي يكفر ذلك القاذف من حينه، وانتصب (حراً..وعبداً..وصبياً) على أن كل واحد منهن خبر لكان محذوفة مع اسمها تقديره إن كان الولي حراً وإن كان عبداً وإن كان صبياً.
(264)(وإن يكُ المقذوف عبدا أو صبي غير وليين ومشركاً أبي)
(265)(فالخلف في تكفيره من قبل تتويبه مما أتى من فعل) (1/332)
صفحة 333
هذه المنزلة الثانية وهي التي يختلف في كفر القاذف فيها من حينه أي قبل الإمتناع عن التوبة وتقع في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: إذا كان المقذوف عبدا غير ولي. الثاني: إذا كان المقذوف صبيا غير ولي. الثالث: إذا كان المقذوف مشركا. فإذا نزل القاذف بهذه المنزلة صح فيه ما علمت من الإختلاف في كفره، فذهب قوم الى أنه يكفر من حين ما قذف، وذهب آخرون الى أنه لا يكفر إلا بعد الإمتناع عن التوبة والإقامة على فعله ذلك، ومعنى قول الناظم: (أَبي) أي ممتنع فهو اسم فاعل ـ من أبى يأبى إذا امتنع ـ وكان على الناظم أن يقف بالألف في صبي وأبي(_( ) كأن يقول: صبيا وأبيا._) بدلا من التنوين الواقع بعد فتحة كما عليه الجمهور؛ وإنما عدل عن ذلك أخذاً بلغة ربيعة لأن من لغتهم عدم الإبدال في الوقف على المنصوب.
(266)(وإنْ يكُ المقذوف مجهولا فلا تحكم بكفر قاذف مستعجلا)
هذه المنزلة الثالثة وهي التي إذا نزل بها المقذوف لا يحكم بكفره قبل الإمتناع عن التوبة وذلك متى ما كان المقذوف مجهول الحال أي لا يعلم أهو ولي أم غير ولي، حُرّ أم عبد، صبي أم بالغ، مسلم أو مشرك، فإذا نزل القاذف بهذه المنزلة فهو على حالته الأولى أي التي كان عليها قبل القذف حتى يعلم حال المقذوف فيُحكم على القاذف بما يستوجبه أو يُصِر القاذف على ما كان منه، وانتصب (مستعجلا) على الحاليَّة من فاعل(_( ) أي تحكم أنت مستعجلا. _) تحكم.
(267)(والقذف عند مشرك لم يوجب كفران آتيه إذا لم يكذب)
(268)(كذاك مع من لم يكن مكلفا بحكمه مثل صبي فاعرفا) (1/333)
صفحة 334
هذه المنزلة الرابعة وهي التي إذا نزل بها القاذف لا يكون كافرا أصلا من غير اختلاف فيما علمناه وتقع في موضعين: الموضع الأول: إذا كان القذف عند مشرك يستحل القذف. الموضع الثاني: إذا كان القذف عند من لم يكلف بحُكمِه ـ كالصبي والمجنون ـ ويشترط في هذه المنزلة أن يكون القاذف غير كاذب فيما قال به، فإن كان كاذبا فلا اشكال أنه كافر بكذبه وبهتانه.
(269)(هذا إذا ما القذف كان بالزنا أو يحضر الشهود في ذا معلنا)
هذا الحكم الذي ذكرناه في القاذف من أول الباب الى هنا إنما هو في القذف بالزنا وذلك كأن يقول: فلان زان أو ابن زانية أو نحو ذلك، أما القذف بغير الزنا فلا تدخل فيه هذه الأحكام المذكورة هنا، واعلم أن القاذف بالزنا إذا أحضر الشهود على صدق قوله فشهدوا أنهم رأوا فرج المقذوف في المرأة كالميل في المكحلة فلا يبرأ منه حينئذ وإنما يُبرأ من المقذوف ويقام عليه بذلك الحد، فإن لم يحضر الشهود بُرِئ منه على حسب ما مر وأقيم عليه حد القاذف ولا يجزي من الشهود في هذا المقام دون أربعة عدول ليس فيهم امرأة فإن شهد ثلاثة ولم يشهد الرابع كانوا جميعا قَذَفَة وأقيم عليهم الحد، وكذا إن شهد ثلاثة معهم امرأة أو امرأتان أو أكثر والله تعالى أعلم.
الباب السادس
في انقسام الكبائر الى كفر نعيم وجحود
ـ وبه يتم الكلام على الركن الثالث إن شاء الله تعالى ـ
(270)(والكفر قسمان جحود ونِعَم وبالنفاق الثاني منهما وُسِم)
(271)(وامنعه في الأول حتما وهو ما لرد تنزيل ومرسَل نما) (1/334)
صفحة 335
أي تنقسم الكبائر من الذنوب الى قسمين: كفر جحود وكفر نِعَم؛ فأما الأول ويسمى شركا فهو ما كان سببه رد تنزيل أي رد كتاب من كتب الله التي أنزلها على رسله سواء رد جميعها أو صدق ببعضها ورد البعض أو صدق بها كلها ورد آية منها أو حرفا واحدا أو حكما واحدا ففي جميع ذلك يكون الرد شركا وكذا ما كان بسببه رَدُّ مُرسَل ـ أي رسول من رسل الله الذين أوحى إليهم بالتبليغ ـ سواء كان الرد لجميع الرسل أو لبعضهم أو لحكم واحد منهم ففي جميع ذلك يكون الرد شِركاً. وفي حُكمِ الرُّسلِ الأنبياءُ فإنه يجب تصديقهم بأنهم أنبياء، وأن الله قد أوحى إليهم والمكذب لواحد منهم مشرك إجماعا، ويدخل تحت هذين النوعين ـ أعني ردُّ الكتب وردُّ الرسل ـ جميع أنواع الشرك فإنه من صدَّق بالرسل والكتب ولم يَرُد شيئا منها كان سالما من الشرك سواء كان عاملا بمقتضاها أو تاركا له، ولا يكون المشرك مشركا إلا بِرَدِّهِ حُكما من أحكام الله أو كتابا من كتب الله أو بتكذيبه رسولا من رسل الله، ومن هنا اختلف في المشبهة المصدقين للرسل والكتب لكنهم أظهروا التشبيه وصرحوا بالتجسيم فقال قوم: هم منافقون غير مشركين لتسترهم بالتأويل وعدم ردهم للتنزيل، وذهب قوم الى أنهم مشركون لأن تأويلهم قد خالف نص الكتاب فهم بذلك في حكم الراد للنص القطعي، والخلاف موجود في كتب الأصحاب وفي كتب قومنا. (1/335)
صفحة 336
وأما القسم الثاني: وهو كفر النعمة فهو ما كان من الكبائر وليس فيه ردٌّ لتنزيل ولا تكذيب لرسول فإن هذا النوع يسمى كفر نعمة ويسمى أيضا نفاقا وهذا معنى قوله: (وبالنفاق الثاني منهما وسم) أي عُلِّمَ، أي سُمِّيَ القسم الثاني من قسمي الكفر بالنفاق ولا يجوز إطلاق اسم النفاق على الشرك فلا يسمى المشرك منافقا كما لايسمى المنافق مشركا وهذا معنى قوله: (وامنعه في الأول) أي امنع اسم النفاق في القسم الأول من قسمي الكفر فإنه لا يجوز إطلاقه عليه، وإنما امتنع إطلاق كل واحد من الاسمين على مسمى صاحبه لما يترتب على كل واحد منهما من الأحكام ما لا يترتب على الآخر فللمنافق أحكام تخالف المشرك(_( ) كقوله - صلى الله عليه وسلم - : »نهيت عن قتل المصلين«. كما أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يُعْلِم الصحابة بأسماء المنافقين فكان تعاملهم معهم بصورة عادية._) وكذا للمشرك أحكام تخالف أحكام المنافق، فالمنافق يُناكح ويوارث ويعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين إلا في مواضع مخصوصة وهي رد شهادته وترك ولايته ووجوب البراءة منه وحِلِّ قتله وإضاعة ماله إذا صدر منه بغي [ولم يُقدَر على رده عن بغيه إلا بذلك](_( ) هذه القطعة من (ب) وليست في (أ). _)، وأما أحكام المشرك فقد تكفل الناظم ببيانها فقال:
(272)(واحكم برجس أهله على الأبد واغتنمن في الحرب منهم السبد)
(273)(واسْبِ ذراريهم وحرم ذبحهم تناكحا توارثا منا لهم)
(274)(وهكذا منهم لنا سواء في الحرب أو بجزية هم جاءوا)
اعلم أن لأهل الشرك أحكاما تخالف أحكام أهل النفاق بحكم الظاهر: (1/336)
صفحة 337
أحدها: أنه يُحكم برجس أهله والرجس ـ بكسر الراء وسكون الجيم ـ القَذَر، قال في القاموس: "ويحرك وتفتح الراء وتكسر الجيم" (انتهى)، ولا يصلح في البيت إلا الوجه الأول الذي قدمناه، ويطلق ـ أعني اسم الرجس ـ على كل ما استقذر من الأعمال المؤدية الى سوء العاقبة وليس هذا من غرضنا فإن المشرك والمنافق مشتركان فيه قال تعالى ـ في المنافقين ـ: { إنهم رجس ومأواهم جهنم } التوبة : 95 وإنما غرضنا الوجه الأول لا غير وهو القَذَر ونعني به عدم الطهارة فإن المشركين منعدمون من طهارة التوحيد فيحكم عليهم بالرجس وكذلك ما مسوه من الرطوبات قال تعالى: { إنما المشركون نجس } التوبة : 28 واختلف في المشرك إذا دخل في التوحيد هل عليه اغتسال بالماء؟ أوْ لا وقد طهره التوحيد؟.
وثانيها: أن اغتنام أموالهم في الحرب ـ أي إذا كانوا حربا للمسلمين ـ حلال بخلاف المنافقين فإنه لا يحل غُنم أموالهم، و(السَبَد) في قول الناظم هو المال، قال ابن وصاف(_( ) تقدمت ترجمته في التعليق على البيت رقم (76). _) في "[حِلِّه](_( ) سقط من (ب) وهو كتاب للشيخ ابن وصاف اسمه: "الحِل والإصابة" شرح على الدعائم [نقلا عن "اللمعة المرضية" للشيخ السالمي ص (26) ] ولم يوضح محقق شرح الدعائم هذه التسمية فالق العجب من كتاب يطبع بدون اسمه!!. _)": "وقولهم: (مالَهُ سَبَدٌ ولا لَبَدٌ). فالسبد: المال ما كان من ذهب وفضة وعقار، واللبد: الحيوان ما كان من جمال وبقر وغنم وضأن"(_( ) شرح ابن وصاف (2/309). _). (انتهى). (1/337)
صفحة 338
وثالثها: حِل سبي ذراريهم في الحرب أيضا إذا كانوا من غير مشركي العرب وفي الأثر: "فإن قال: لأي علة يحل بها سبي الأطفال وهم ممن ليس عليهم ذنب!. قيل له: ذكروا في ذلك ثلاثة أوجه؛ أحدها: ليجرُّوهم الى الإسلام فيكون ذلك سببا لدخولهم فيه وذلك أنفع لهم. والثاني: نظرا(_( ) أي رفقا بهم. _) بهم حين قتل آباؤهم لئلا يموتوا هزالا. والوجه الثالث: تقوية لبيت المال والله أعلم". (انتهى).
ورابعها: تحريم ذبائحهم إن كانوا غير أهل الكتاب فلا يجوز لأحد أن يأكل منها. وخامسها: تحريم مناكحتهم.
وسادسها: تحريم موارثتهم فقوله: (منا لهم) أي يحرم علينا أن نزوجهم مسلمة وأن نُوَرِّثَهم من مسلم، وقوله: (وهكذا منهم لنا) أي يحرم علينا أن نتزوج منهم مشركة أو نرِث منهم مشركا، فالحكم في التناكح والتوارث واحد كانوا حَرْبَاً للمسلمين أو أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
فتلخص مما ذكرنا أن أحكام أهل الشرك قسمان؛ أحدهما: متعلق وجوده بوجود غيره وهو اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم فإن تحليل كل منهما متعلق بوجود الحرب فقط. وثانيهما: لم يتعلق وجوده بوجود غيره ـ وهو ما عدا القسم الأول ـ ثم هذا نوعان أحدهما: مختص بهم فقط وهو النجاسة والذبح ألا ترى أنا لا يجوز لنا أن نأكل من ذبائحهم، مع جواز أن نطعمهم من ذبائحنا. وثانيهما: غير مختص بهم دوننا فيهم وهو التناكح والتوارث، ثم لا يخفى أن غالب هذه الأحكام إنما هو مختص بذوي الأوثان من المشركين فإنهم هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وهذا معنى قوله: (سواء .. في الحرب أو بجزية هم جاءوا) إذ المعنى أن هذه الأحكام متعلقة بهؤلاء المشركين كانوا حربا للمسلمين أو دانوا بأداء الجزية لأن الجزية لا تقبل منهم ـ كما سيأتي ذكره ـ فسواء في حكمهم دانوا بأدائها أو لم يدينوا به أما ما عدا أهل الأوثان ـ من المشركين ـ فيختصون بأحكام أشار الناظم اليها فقال:
( (1/338)
صفحة 339
275)(والذبح من أهل الكتاب جُوِّزا مع النكاح دون حرب جُوِّزا)
(276)(ويرفع الحرب لجزية أتت منهم وفي المجوس حكمهم ثبت)
(277)(إلا الذباح والنكاح فهما محرمان في المجوس فاعلما)
يختص أهل الكتاب من اليهود والنصارى والصابئين بأحكام ليست في أهل الأوثان من المشركين ويشاركهم في بعض تلك الأحكام المجوس، فأما اليهود والنصارى فلا خلاف بين أحد من المسلمين أنهم أهل كتاب والخلاف في الصابئين(_( ) لم يبق من طوائف الصابئة إلا ما يعرف بالصابئة المندائية وهي التي بقيت إلى اليوم حيث يتواجدون في مواطن من العراق بالقرب من الضفاف السفلى من نهري دجلة والفرات ويسكنون في منطقة الأهوار وشط العرب، وفي الناصرية والبصرة والقرنة وفي لواء بغداد وكركوك والموصل والشرس ونهر صالح والجبايش والسليمانيه وغيرها من المناطق العراقية. كما ينتشرون في ايران على ضفاف نهر الكارون والدز ويسكنون في مدن ايران الساحلية كالمحمرة وناصرية الأهواز وششتر ودزبول. ويقدر عددهم بعشرة آلاف شخص أكثرهم في العراق ولهم معابد تسمى "المندي" يتعبدون فيها. ويعتبرون يحي - عليه السلام - نبيا أرسل إليهم، ويقدسون الكواكب والنجوم ويعظمونها ويدعون بأن ديانتهم ترجع إلى عهد آدم عليه السلام، ولهم كتب يقدسونها بلغة سامية قريبة من السريانية أهمها: "الكنزاربّا ـ ط" و"دراشة اديهيا" و"الفلستا" و"النياني" وغيرها. (1/339)
صفحة 340
ويعتقدون من حيث المبدأ بوجود الإله الخالق الواحد الأزلي الذي لا تناله الحواس ولا يفضي اليه مخلوق، ويعتقدون بأن الكواكب مسكنا للملائكة، وتؤدى الصلاة في ديانتهم في اليوم ثلاث مرات؛ قبيل الشروق، وعند الزوال، وقبيل الغروب، فيها وقوف وركوع وجلوس على الأرض من غير سجود. وهم يغتسلون من الجنابة ويتوضؤن لكل صلاة على هيئة وضوء المسلمين، غير أنهم لا يختتنون ويعتبر التعميد من أهم الطقوس في هذه الديانة. وخلاصة الكلام أنهم تأثروا بكثير من الديانات والفلسفات التي احتكوا بها. [أفدته من "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة" قامت باصدارها الندوة العالمية للشباب الاسلامي ـ الرياض ـ ص317 حتى 327]_) والمختار عند أصحابنا أنهم أهل كتاب فتجري عليهم أحكام أهل الكتاب.
فأحد تلك الأحكام قبول الجزية منهم إذا آتوها عن يد وهم صاغرون، وبقبولها يرفع الحرب عنهم ويصيرون أهل ذمة، والجزية: هي أربعة دراهم في كل شهر على الغني ودرهمان على المتوسط ودرهم واحد على الفقير يأتي بها من وجبت عليه الى القائم بأمر المسلمين. ولا يجزي عنه أنه يأمر غيره أن يؤديها عنه لقوله تعالى: { عن يد وهم صاغرون } التوبة : 29 ولا شيء على [المفلس ولا جزية على امرأة أو عبد أو طفل أو شيخ أو حَبْرٍ أو مجنون أو راهب](_( ) سقطت من (أ) والتكملة من (ب). _).
وثانيها: أنهم اذا صاروا أهل ذمة حلت ذبائحهم للمسلمين. (1/340)
صفحة 341
وثالثها: أنهم اذا صاروا أهل ذمة أيضا حل نكاح حرائرهم للمسلمين أما إمائهم فلا، ويشاركهم المجوس في قبول الجزية منهم واعطاء الذمة لهم لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب((_( ) جاء من طريق عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنه - رواه الإمام مالك في "الموطأ" (1/278) وابن أبي شيبة في "مصنفه" [10765 و32640 و32641] وعبدالرزاق في "مصنفه" [10025 و19253] وأبوعبيد في "الأموال" [78] والبيهقي في "الكبرى" [18654] والخليلي في "الارشاد" ص(64 دار الفكر) والبغوي في "تفسيره" (2/283).
ورواه الطبراني في "الكبير" [19/437 رقم 1059] من طريق مسلم بن العلاء الحضرمي._) أما حِل ذبائحهم وتجويز التزوج منهم فلا يشاركونهم فيهما، فالمجوسي لا تحل ذبيحته وإن أعطى الجزية وكذا لا يحل تزويج المجوسية للمسلم وإن كانت في ذمة، وحكم أهل الكتاب كلهم وحكم المجوسي فيما عدا الأمور التي ذكرتها حكم المشركين من أهل الأوثان، وكذا يكونون مثلهم في جميع أحكامهم المتقدم ذكرها إذا لم يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فإنهم يُقاتَلون على ترك الإسلام حتى يسلموا أو يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويترتب على حربهم غُنم أموالهم وسبي ذراريهم وتحريم ذبائحهم ومناكحتهم(_( ) ذهب الإباضية إلى تحريم نساء أهل الكتاب الحربيات بخلاف من هن تحت ذمة المسلمين، وهذا الرأي قال به ابن عباس - رضي الله عنه - وابراهيم النخعي حيث حكى ذلك أبو جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ" ونصه [ص (56) مؤسسة الكتب الثقافية]: "وأما نكاح الحريبات فروي عن ابن عباس وابراهيم النخعي أنهما منعا من ذلك" .ا.هـ ثم حكى تجويز بعض العلماء له وقال ما نصه: "وهو قول مالك والشافعي إلا أنهما كرها ذلك مخافة تنصر الولد والفتنة.". ا.هـ (1/341)
صفحة 342
وفي "المصنف" لابن أبي شيبة (3/464) برقم [16171]: "حدثنا عباد بن عوام عن سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال: لا يحل نكاح نساء أهل الكتاب إذا كانوا حربا، قال الحكم: فحدثت به ابراهيم [لعله النخعي] فأعجبه ذلك".ا.هـ
قال الإمام عمروس بن فتح النفوسي رحمه الله تعالى في كتابه (أصول الدينونة) ص63: "وإذا حاربوا وأبوا الجزية، تركنا تحليل ذلك منهم – أي نكاح نسائهم - ، لأنهم يسبون في ذلك الحال، فلا يحل لمسلم أن يتزوج إمرأة يحل سبيها لغيره!!، ولا نستحل نكاح إماء أهل الكتاب لأن الله لم يذكر في التحليل إلا الحرائر" ا.هـ والله أعلم._) والله أعلم.
ثم إنه أشار الى بيان الحكم الذي يختص به أهل الأوثان من المشركين فقال:
(278)(والمشركون من ذوي الأوثان ليس لهم واق سوى الإيمان)
هذا بيان الحكم المختص بعبدة الأوثان من المشركين وهم الذين ليسوا أهل كتاب وإنما نصبوا تصاوير وتماثيل واعتقدوا أنها آلهة فعبدوها من دون الله أو عبدوها مع الله تعالى كما كان ذلك في مشركي العرب قبل الإسلام، فحكم هؤلاء أنهم يقاتلون على تركهم الإسلام ولا يقبل منهم جزية ولا يعطون ذمة ولا يرفع عنهم الحرب حتى يظهروا الإسلام وهذا معنى قوله: (ليس لهم واق سوى الإيمان) أي لا يمنعهم من الحرب شيء غير تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام والإنقياد لحكمه.
(279)(كذاك حكم راجع عن دينه وآخذ بالشك عن يقينه) (1/342)
صفحة 343
المراد بالـ(راجع عن دينه) [هو الخارج عن الإسلام الى شيء من ملل الكفر أو الجاحد لشيء مما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وليس المراد بالراجع عن دينه](_( ) هذه القطعة في (ب) وفيها قلب للمعنى فكأن المصنف أضافها بعد ذلك للتصحيح، وهي ليست في (أ). _) ما يعم المرتد عن الإسلام الى احدى ملل الكفر والتارك لدين كان عليه كالنصراني يترك ملة عيسى واليهودي يترك ملة موسى لأن ملل الكفر كلها ملة واحدة(_( ) المراد هنا أن حكم المرتد يطبق على صورة واحدة هي الخروج من دين الإسلام الى غيره من الملل الكافرة، ولا يشمل الحكم هنا من خرج من دين ـ غير الإسلام ـ إلى دين آخر كتحول اليهودي الى نصراني فهو وإن كان مرتدا عن دينه فالحكم هنا لا يشمله فملل الكفر واحدة، أما من خرج عن دين الإسلام ودخل في ملة من ملل الكفر سواء صار يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا ـ أو حتى لا دينيا ـ فهذا ليس له إلا القتل أو الرجوع للاسلام ولا يرخص له بدفع الجزية دليله ما جاء من طريق ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من بدل دينه فاقتلوه( رواه البخاري في "صحيحه" [3017 و6922] وأبوداود [4351] والترمذي [1458] والنسائي في "الصغرى" [4059 و4060 و4061 و4062 و4063 و4064 و4065] وابن ماجة [2535] وأحمد [1876 و2555 و2556 و2970] وآخرون. وقوله - صلى الله عليه وسلم - : »لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة« ففيه لم يجعل للمارق وهو الخارج عن دين الإسلام إلا القتل ولا يعصمه منه إلا رجوعه الى دين الإسلام. والحديث الأخير جاء من طريق ابن مسعود - رضي الله عنه - رواه البخاري في "صحيحه" [6878] ومسلم [1676] وأبوداود [4352] والترمذي [1402] وابن ماجة [2534] والنسائي في "الصغرى" [4016 و4721] وأحمد [4064 و4428]. وجاء عن غيره من الصحابة أيضا. والله أعلم. (1/343)
صفحة 344
_)، والمراد بالـ(آخذ بالشك) المتردد في توحيده الغير جازم به، أي حكم المرتد عن دين الإسلام وحكم التارك لدينه الذي كان عليه وحكم المتردد في توحيده الشاك فيه حكم عبدة الأوثان من المشركين لا تقبل منهم جزية ولا يرفع السيف عنهم حتى يسلموا، وفي حكم هؤلاء الجاهل المشرك بجهله لا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف والله سبحانه وتعالى أعلم.
الركن الرابع
في التوبة
ـ وفيه أربعة أبواب ـ
خَتَمَ الأركان بهذا الركن تفاؤلا بحسن الخاتمة، فإن من ظفر بالتوبة ختاما لعمله فقد ظفر.. ختم الله لنا بها وتقبلها منا.. آمين.
الباب الأول
في التوبة وأركانها وشروطها
أي في بيان أحكام التوبة وبيان أركانها وشروطها التي تتوقف عليها صحتها
(280)(توبتنا قسمان فرض وجبا لمن عصى والثاني نفل نُدِبا)
تنقسم التوبة بالنظر الى حكم الشارع فيها الى قسمين: واجب ومندوب؛ فأما الواجب فهو التوبة من المعصية وهذا معنى قوله: (فرض وجبا لمن عصى) أي على من عصى سواء كانت معصيته صغيرة أو كبيرة فإن التوبة من النوعين واجبة، والمراد بالتوبة من الصغيرة هو ترك الإصرار عليها فإن الإصرار عليها كبيرة كما مر، والمراد بالتوبة من الكبيرة هو ما يأتي من بيان أركانها. وأما المندوب من القسمين فهو توبة من لم تصدر منه معصية فإن الندم على التقصير وإن لم يُفضِ الى معصية وقصد عدم العود اليه(_( ) أي يقصد عدم العودة للتقصير والتوبة من التقصير أمر مندوب. _) وانكسار النفس عند ذكره وطلب الغفران له مندوب شرعا والله سبحانه وتعالى أعلم.
(281)(أركانها ندم مع استغفار والعزم والرجوع بانكسار) (1/344)
صفحة 345
أركان التوبه التي تحصل بها حقيقتها للتائب هي أربعة أشياء، ثلاث منها [متفق عليها](_( ) من (ب). _) فلا بد من حصولها للتائب وهي: الندم والإقلاع عن الذنب وقصد أن لايعود اليه. وواحد مختلف فيه فأوجب بعضهم حصوله للتائب ولم يوجبه آخرون وهو الإستغفار باللسان ـ أي طلب الغفران باللفظ ـ، فأما الندم فهو الحزن على ما وقع من المعصية فلا بد منه قطعا على أنه هو أصل الأركان وأساسها وعنه تنشأ بقيتها ومن هنا قصر الشارع التوبة عليه فقال: (التوبة الندم(، والمراد بـ(العزم) في قول الناظم القصد على عدم العودة الى الذنب فإن قاصد العودة اليه مُصِرٌّ، والقصد بعدم العودة هو الذي نعده ركنا للتوبة لا عدم العودة نفسه كما قاله بعض قومنا، والمراد بـ(الرجوع) هو الإقلاع عن الذنب، والمراد بـ(الإنكسار) تذلل النفس لمالكها وخوفها من أليم عقابه والله سبحانه وتعالى أعلم.
(282)(وأصلها امتثال أمر الباري ومنتهاها الحط للأوزار) (1/345)
صفحة 346
المراد بـ(أصلها) هو الأمر الباعث لفعلها، والمراد بـ(منتهاها) هو ثمرتها التي تترتب على حصولها، أي أصل التوبة الذي يبعث لفعلها هو امتثال أمر ربنا تعالى فإن العبد إذا نظر الى أوامر الله تعالى والى مناهيه وعزم على امتثال ذلك انبعثت نفسه وتحرك خاطره الى تدارك ما ترك من المأمورات والإقلاع عما ارتكب من المنهيات، وأورثه ذلك الإمتثال الندم على ما فات من الزلات فالتجأ الى الله تعالى طالبا لغفران الخطايا والسيئات فكان ذلك منه هو التوبة بعينها، فإذا حصلت له هذه الخصال انتهى به الحال الى بلوغ مراده وهو غفران ذنوبه وستر عيوبه وحط أوزاره، وهذه الخصلة هي ثمرة التوبة وغايتها والرتبة التي ينتهي اليها الراجع عن عصيانه بالنظر الى أول أحواله، أما ما يكون له من الثواب الجزيل والعطاء الجليل فذلك أمر أسداه اليه محض الفضل وسعة الرحمة بسبب امتثال قوله تعالى: { وتوبوا الى الله جميعا أيُّهَ المؤمنون } النور : 31 .. عاملنا الله بفضله وأدخلنا في واسع رحمته إنه كريم رحيم والله سبحانه وتعالى أعلم.
(283)(والتوب مثل الذنب؛ عن نبينا سرا وجهرا هكذا قد بينا)
(284)(فالعُجب والكِبر معا والحسد كذا الريا توبتها أن تُفقد)
(285)(وهكذا العزم على الكفران فالحق أنه من العصيان) (1/346)
صفحة 347
يجب أن تكون التوبة في الإسرار والإعلان مثل المعصية، فإن كانت المعصية من الأعمال الباطنية فالتوبة منها سرا مجزية فإن أعلن بها فذلك نفل، وإن كانت المعصية من الأفعال الظاهرة كشرب الخمر وأكل الميتة ونحو ذلك فلا تجزي التوبة عنها إلا جهرا لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (إذا عملت سيئة فأحدث عندها توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية((_( ) جاء من طريق معاذ - رضي الله عنه - رواه الطبراني في "المعجم الكبير" [20/159 برقم 331] بلفظ: »... وما عملت من سوء فأحدث لله فيه توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية« ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" برقم [813] بلفظ: ».. وأحدث مع كل ذنب توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية«.
وجاء عند الطبراني في "الكبير" [20/175 رقم 374] بلفظ: »... وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة السر بالسر والعلانية بالعلانية«. _)، فإذا عرفت هذا فاعلم أن العُجب والكِبر والحسد والرياء من المعاصي الباطنية فالتوبة منها ازالتها بالكلية وصرفها بعلاجاتها الباطنية، ولا يلزم الإعلان بالتوبة منها وهذا معنى قوله: (توبتها أن تُفقد) أي توبة هذه الأمور هو إعدامها من نفس المأمور، ورَفَع (تفقدُ) على لغة قوم يهملون أنْ المصدرية ولا يُعْمِلُونها. (1/347)
صفحة 348
ومثل هذه الأمور في صفة التوبة منها العزم على الفسوق فإن العزم على ذلك من المعاصي الباطنية فيجزي في التوبة منها الرجوع عما عزم عليه والندم على ما كان منه وهذا معنى قوله: (وهكذا العزم على الكفران) والمراد بالكفران هو ما عدا الشرك من المعاصي، أما العزم على الشرك فقد صرح الشهاب ابن حجر(_( ) الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني العسقلاني المصري من كبار علماء الشافعية ولد بالقاهرة سنة 773هـ وتوفي بها سنة 852هـ وتصانيفه كثيرة أشهرها "فتح الباري ـ ط" شرح صحيح البخاري و"الإصابة في تمييز الصحابة ـ ط" و"تهذيب التهذيب ـ ط" و"لسان الميزان ـ ط" و"تقريب التهذيب ـ ط" و"تعجيل المنفعة ـ ط" والأربعة في تراجم رجال الحديث و"المطالب العالية ـ ط" و"طبقات المدلسين ـ ط" و"النكت على ابن الصلاح ـ ط" و"تلخيص الحبير ـ ط" و"الدراية ـ ط" و"الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ـ ط" وغيرها. ("ذيل طبقات الحفاظ" لابن فهد ص326 وتعليقات الكوثري عليه ص 335 ـ "ذيل طبقات الحفاظ" للسيوطي ص 380 ـ "الأعلام" للزركلي 1/178)._) أنه شرك، ووجهه أن العازم على الشرك لا يخلو من أحد أمور: إما أن يكون عزمه ذلك لأجل تصويب الشرك، أو لقدح في الإسلام، أو لتردد في التوحيد، أو لجهل بما يلزمه علمه من التوحيد والكل من هذه الأمور شرك، ويحتمل أنه أراد أن نفس العزم على الشرك شرك مع قطع النظر عن هذه الأمور وهو ظاهر عبارته. والله أعلم.
وأما قوله: (فالحق أنه من العصيان) أي فالقول الحق أن العزم على الكفران معصية خلافا لمن قال أنه ليس بمعصية والله سبحانه وتعالى أعلم.
(286)(ولم يرد تائب من ذنبه حتى يرى الموت دنا من قربه)
(287)(أو تطلع الشمس من المغرب قد أتى عن المختار فيما قد ورد) (1/348)
صفحة 349
أي وعد ربنا تعالى بقبول التوبة فلا يرد تائب عن ذنبه من قبولها إذا أتى بها في وقتها الذي تقبل فيه، ووقتها الذي تقبل فيه هو العمر كله إلا في موضعين:
أحدهما: وقت الغرغرة بالموت ومشاهدة أسبابه فإن التائب في هذا الوقت لا تقبل منه توبته إذا كان قبل ذلك الوقت مُصِرَّاً؛ لأن توبته حينئذ لا عن اختيار منه لها وإنما كانت منه اضطراراً لما تيقن مِن حضور الموت وانقضاء الدنيا عنه والدليل على ذلك قوله تعالى: { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن } النساء : 18 وقوله - صلى الله عليه وسلم - : (إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر((_( ) جاء من طريق ابن عمر رضي الله عنهما رواه الإمام أحمد في "مسنده" [6165] والترمذي في "سننه" [3537] وعبد بن حميد في "مسنده" [847 /المنتخب] وابن الجعد في "مسنده" [3404] وأبو نعيم في "الحلية" [6882] وابن عدي في "كامله" (4/282).
وجاء عند القضاعي في "الشهاب" [1085] عن عبادة - رضي الله عنه - . وجاء عند ابن أبي شيبة [3537] مرسلا للحسن البصري.
( وعند أحمد في "مسنده" برقم [15505 دار الكتب العلمية]: (1/349)
صفحة 350
"عن عبدالرحمن البيلماني قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهم: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: »إن الله ـ تبارك وتعالى ـ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم«. فقال الثاني: أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: »إن الله ـ تبارك وتعالى ـ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم«. فقال الثالث: أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: »إن الله ـ تبارك وتعالى ـ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوةٍ«. فقال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: »إن الله ـ تبارك وتعالى ـ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه«." قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/325 دار الفكر): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عبدالرحمن وهو ثقة". ا.هـ._) وروى عطاء(_( ) أشتهر ممن تسمى بعطاء اثنان هما: أبو محمد عطاء بن يسار المدني وأبو محمد عطاء بن أبي رباح المكي وكلاهما من أجلة التابعين ولم أتبين المقصود منهما.
وترجمة الأول في: "تذكرة الحفاظ" للذهبي (1/90) و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (7/188 دار الكتب العلمية).
وترجمة الثاني في: "تذكرة الحفاظ" للذهبي (1/98) و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (7/174) والله أعلم._): "أنها تقبل قبل موته ولو بفواق ناقة"(_( ) جاء مثله عند الطبراني في "الأوسط" مرفوعا من طريق عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - .. هكذا ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/324 دار الفكر) ولم يتكلم عن سنده. وليس "الأوسط" بين يدي الآن. والله أعلم. _). (1/350)
صفحة 351
والموضع الثاني: وقت طلوع الشمس من مغربها فإن طلوع الشمس من مغربها إنما هو علامة لقيام الساعة وهو بعض آياتها وقد قال تعالى: { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } الأنعام : 158 وقال - صلى الله عليه وسلم - : (التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها((_( ) جزء من حديث طرفه: »لا تزال التوبة ... الحديث« جاء من طريق عبدالرحمن بن عوف وعمرو بن العاص ومعاوية جميعاً رواه أحمد في "المسند" [1/244 برقم 1676] والطبراني في "الكبير" [19/381 برقم 895] وابن جرير الطبري في "تفسيره" [5/407 برقم 14217 و14218 دار الكتب العلمية]._) وفي حديث آخر: (للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين عاما لا يزال كذلك حتى يأتي بعض آيات ربك؛ طلوع الشمس من مغربها((_( ) هذا الحديث جاء من طريق صفوان بن عسال - رضي الله عنه - رواه أحمد في "مسنده" [18117 و18119 و18124] والترمذي في "سننه" [3535 و3536] والطبراني في "الكبير" [8/55 برقم 7348] والبيهقي في "شعب الايمان" [7076] وابن جرير الطبري في "تفسيره" [5/407 ـ 408 برقم 14221 و14223] والبغوي في "تفسيره" [2/144]. _) وفي حديث آخر: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها((_( ) جاء من طريق أبي موسى الأشعري رواه الإمام مسلم في "صحيحه" [2759] وأحمد [19548 و19640] والطيالسي في "مسنده" [490] والبيهقي في "السنن الكبرى" [8/235 رقم 16504 ـ و10/317 رقم 20766] وفي "شعب الايمان" [7075] وأبوالشيخ في "العظمة" [128 و129] والبغوي في "تفسيره" [2/144]._) ومعنى يبسط يده: أي يسدي نعمته ويسبلها على من توجَّه اليه تائبا، كل ذلك ترغيب للعباد في المسارعة الى التوبة والله أعلم. (1/351)
صفحة 352
وإنما كانت التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها لأن بطلوعها يتيقن انقضاء الدنيا وفناؤها وقدوم الآخرة وبقاؤها فتوبة التائب ضرورية لا اختيارية، ومن هنا لم تقبل توبة فرعون لأنه إنما تاب بعد تيقنه الهلاك وبعد علمه بانقضاء دنياه وفي ذلك الحين قال: { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل وأنا من المسلمين } يونس : 90 فقيل له على جهة الإنكار عليه: { ءالآن وقد عصيت قبلُ وكنت من المفسدين } يونس : 91 وهلاك فرعون ورد توبته مما اطبقت عليه الأمة ودلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فما نسب الى ابن العربي(_( ) ليس المراد هنا ابن العربي العلامة المالكي محمد بن عبدالله صاحب "عارضة الأحوذي" و"العواصم من القواصم" و"أحكام القرآن" المتوفى سنة 543هـ بل المقصود هو: (1/352)
صفحة 353
الفيلسوف المتصوف محي الدين أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عربي الطائي الحاتمي المرسي صاحب "الفتوحات المكية ـ ط" و"شجرة الكون ـ ط" و"فصوص الحكم ـ ط" نزيل دمشق، ولد سنة 560هـ في "مرسية" بالأندلس وانتقل إلى "أشبيلية" وقام برحلة زار من خلالها الشام وبلاد الروم والعراق والحجاز؛ وأنكر عليه أهل الديار المصرية شطحات صدرت منه فعمل بعضهم على إراقة دمه، وحُبس فسعى في خلاصه بعضهم فنجا واستقر به الحال في دمشق. قال الذهبي في "ميزان الإعتدال" (3/659): "ونَقَل رفيقنا أبو الفتح اليعمري ـ وكان متثبتا ـ قال: سمعت الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد يقول: سمعت شيخنا أبا محمد العز بن عبد السلام السلمي ـ يقول وجرى ذكر أبي عبد الله بن العربي الطائي ـ فقال: هو شيخ سوء شيعي كذاب. فقلت له: وكذاب أيضا؟!. قال: نعم؛ تذاكرنا بدمشق التزويج بالجن فقال: هذا محال لأن الأنس جسم كثيف والجن روح لطيف، ولن يعلق الجسم الكثيف الروح اللطيف. ثم بعد قليل رأيته وبه شجة فقال: تزوجت جنية فرزقت منها ثلاثة أولاد!! فاتفق يوما أن أغضبتها فضربتني بعظم حصلت منه هذه الشجة وانصرفَتْ فلم أرها بعد هذا.". ثم قال الذهبي: "وصنف التصانيف في تصوف الفلاسفة وأهل وحدة الوجود، فقال أشياء منكرة عدها طائفة من العلماء مروقا وزندقة، وعدها طائفة من العلماء من إشارات العارفين ورموز السالكين، وعدها طائفة من متشابه القول وأن ظاهرها كفر وضلال وباطنها حق وعرفان وأنه صحيح في نفسه كبير القدْر. وآخرون يقولون: قد قال هذا الباطل والضلال فمن الذي قال إنه مات عليه.". ا.هـ ويقال لمن يدافع عنه: ما الدليل على أنه مات على غيره؟! ومن نقل توبته؟!والتقول بغير دليل ليس لأهل العلم بسبيل. وفي "لسان الميزان" لابن حجر العسقلاني يقول (5/315): "وفي تصانيفه كلمات ينبو السمع عنها وزعم أصحابه أن لها معنى باطنها غير الظاهر". ا. (1/353)
صفحة 354
هـ على أن المسلمين مكلفون بالأخذ بالظاهر أما البواطن فتوكل إلى علام الغيوب، ومن أوقع نفسه في مواطن التهم فلا يلومن إلا نفسه، بل لم يكن من سيرة السلف الصالح تقسيم الأشياء إلى بواطن وظواهر نعم هذا شأن الباطنية وهي فرقة ظاهرة الخسران، وابن عربي هذا هو القائل بنجاة فرعون فيكون قوله هذا مكفرا له دون تردد لمعارضته القرآن الكريم والله المستعان. وفي معرض الكلام عن كتاب "فصوص الحكم" يقول ابن تيمية كما في "الفتاوى الكبرى" (2/81 ط/ مكتبة العبيكان): "ولهذا جعل صاحب هذا الكتاب عُبَّاد العجل مصيبين! وذكر أن موسى أنكر على هارون إنكاره عليهم عبادة العجل!! وقال: كان موسى أعلم بالأمر من هارون، لأنه علم ما عبده أصحاب العجل! لعلمه بأن الله قضى ألا يعبدوا إلا إياه وما حكم الله به وقع!! فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتباعه! فإن العارف من يرى الحق في كل شئ!! بل يراه عين كل شئ!!. ولهذا يجعلون فرعون من كبار العارفين! المحققين! وأنه كان مصيبا في دعواه الربوبية!! كما قال في هذا الكتاب: ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت وأنه جار في العرف الناموسي لذلك قال: { أنا ربكم الأعلى } (النازعات: 24) أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيهم!. ولما علمت السحرة صدق فرعون!! فيما قاله لم ينكروه بل أقروا له بذلك!! وقالوا له: { اقض ما أنت قاض } (طه : 72) فالدولة لك. فصح قول فرعون: أنا ربكم الأعلى. وأنه كان عين الحق!. (1/354)
صفحة 355
ويكفيك معرفة بكفرهم؛ أن من أخف أقوالهم أن فرعون مات مؤمنا بريا من الذنوب!!". انتهى كلام ابن تيمية وإن كان الحال كما قال فليس لمن يدافع عن ابن عربي المتصوف حجة بعد هذا، بل هو ضال خاسر إن ثبت عنه والله المستعان. وأما احتجاج بعض المتصوفة دفاعاً عنه بأن تلك العبارات الكفرية دُسَّتْ عليه كما ذكره الشعراني في "لطائف المنن" فهو لا يزيد إلا دليلاً على لزوم نبذ كتبه على أحسن المحامل، وكانت وفاته سنة 638هـ في دمشق. ("ميزان الإعتدال" 3/659 ـ "سير النبلاء" للذهبي 16/347 ـ"لسان الميزان" لابن حجر 5/311 ـ 315 ـ "الأعلام" للزركلي 6/381)._) من قومنا أن فرعون مؤمن شهيد مخالف للكتاب والسنة وخارق لإجماع الأمة فلا يلتفت إليه والله سبحانه وتعالى أعلم.
(288)(فقاتل المؤمن عمدا تقبل توبته وهكذا المضلل)
(289)(من بعد موت من أضل وإذا آلى ليبطلن حقا فكذا)
(290)(وقيل أن لا توبة لهم وفي قول أبي نبهان أن ليس اصطفي)
(291)(لكن على المضل أن يُبلغَ مَن أضله بما دعا ومَن فتن)
(292)(إن كان في مقدرة وإلا فهو حريٌ بمتاب المولى) (1/355)
صفحة 356
أي فإذا علمت أن التائب من ذنبه لا يُرَد ما لم يغرغر بنفسه أو تطلع الشمس من مغربها؛ فاعلم أن قاتل المؤمن عمدا، والداعي الى ضلالة، والحالف على إبطال حق .. تقبل جميعا توبتهم إذا جاءوا بها على شروطها لأن الأدلة الدالة على قبول التوبة قبل الغرغرة وقبل طلوع الشمس من مغربها عامة تشمل هؤلاء وغيرهم وتخصيصهم من هذا العموم مفتقر الى دليل، وذهب بعض العلماء الى أن هؤلاء الثلاثة ليس لهم توبة وكذا عندهم مَن أَلْحَقَت زوجَها ولداً مِن غيره؛ فهؤلاء الأربعة لا توبة لهم عند هؤلاء وكذا قالوا فيمن قتل نبيا أو قتله نبي، وضعَّفَ الشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي ـ رضوان الله عليه ـ تخصيص عموم الآيات الواردة في قبول التوبة من جميع التائبين فأجراها على عمومها واختار أن التوبة مقبولة ما لم يغرغر أو تطلع الشمس من مغربها وهذا معنى قوله: (وفي قول أبي نبهان أن ليس اصطفي) أي أن القول: بأن هؤلاء الثلاثة غير مقبولة توبتهم. ليس بالمختار في قول أبي نبهان.
أما قوله: (لكن على المضل.. الخ) فهو بيان لكيفية توبة الداعي الى ضلالة فأُجِيْبَ اليها، اعلم أن توبة من دعا الى ضلالة فأجيب اليها مشروطة بأن يُبَلِّغ مَن أجابه الى تلك الضلالة بأنه تاب منها وأنها بدعة وضلالة؛ فإن قبل منه ذلك وإلا فلا شيء عليه فوق ذلك، وإن لم يقدر على إبلاغ من أضله ببيان ضلالته بأنْ مات المُجيب اليها أو غاب حيث لا يمكنه إبلاغه فلا شيء عليه سوى التوبة لقوله تعالى: { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا.. الآية } البروج : 10 فإنه تعالى شرط الوعيد بعدم التوبة والله سبحانه وتعالى أعلم.
الباب الثاني
ـ من الركن الرابع ـ
في أحوال التائب
والمراد بأحواله بيان ما له وما عليه بعد التوبة، فأما بيان ما عليه فأشار اليه بقوله:
(293)(وتارك فرضا لمولاه مضى كفارة وتوبة قد فرضا)
(294)(عليه مع إبداله وقيل لا شيء سوى التوبة في ذا جعلا)
( (1/356)
صفحة 357
295)(وذاك مثل الصوم والصلاة في حكم من حرم للحرمات)
اعلم أن التائب من الذنب إما أن يكون ذنبه مِن جهة ارتكاب ما حرم الله تعالى وإما أن يكون مِن ترك ما فرض الله عليه، فإن كان من الأول فلا شيء عليه سوى التوبة اتفاقا من المشارقة وعليه مع التوبة ـ الكفارة ـ مُغَلَّظة مع أصحابنا المغاربة بشرط أن يكون من المُحَرِّمِين لما ارتكبه ولا كفارة عندهم على المستحل لذلك كذا يؤخذ من استقراء قواعدهم، وإن كانت معصيته بترك ما فرض الله عليه فِعْلَه كالصلاة والصوم يُفَوِّتهما عمدا فلا يخلو في تفويته لهما من أحد أمرين: إما أن يكون مستحلا لتركهما وإما أن يكون منتهكا غير مستحل لذلك، فإن كان مستحلا لتركهما فلا شيء عليه سوى التوبة من ذلك، وإن كان منتهكا وفي اعتقاده دائن بفرضيتهما عليه ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن عليه التوبة من ذلك والكفارة عنه وتداركه بالبدل.
ثانيها: أن عليه التوبة والبدل ولا كفارة عليه.
ثالثها: أن لا كفارة ولا بدل وإنما عليه التوبة فقط وهذا معنى قوله: (لا شيء ..الخ). (1/357)
صفحة 358
ومعنى قوله: (جُعلا) أي شرع، ومعنى قوله: (في حكم من حرم للحرمات) أي هذه الأقوال إنما هي مختصة بحكم من اعتقد تحريم المحرمات شرعا، أما من ترك الصوم والصلاة على جهة الإستحلال لهما فلا شيء عليه سوى التوبة من ذلك لأنه يكون باستحلاله لذلك مشركا(_( ) وإنما حكم عليه بالشرك لكون استحلاله لأمر علم من الدين بالضرورة فهو مضاد لله في أحكامه، قال أبو اسحاق الشيرازي الشافعي في كتابه "المهذّب" (1/100 دار الكتب العلمية): "ومن وجبت عليه الصلاة وامتنع من فعلها، فإن كان جاحدا لوجوبها فهو كافر ويجب قتله بالردّة لأنه كذّب الله تعالى في خبره، وإن تركها وهو معتقد لوجوبها وجب عليه القتل ...الخ"ا.هـ والمستحل والجاحد هاهنا سواء. والله أعلم. _) وبرجوعه عنه الى الحق مسلما والإسلام جب لما قبله { قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف } الأنفال : 38 والله سبحانه وتعالى أعلم.
(296)(وفي المصر إن أتى الطاعة هل له ثوابها إذا الغفران حل)
(297)(أو لا أو التفصيل أولى إن عصى من غير ما شرك أتى محصحصا)
هذا بيان الطرف الثاني من أحوال التائب وهو الجانب الذي له، اختلف العلماء في التائب إذا كان في حال اصراره فاعلا للطاعات هل يعطى ثواب تلك الطاعات بعد التوبة أم لا؟ ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: لأبي عبدالله محمد بن محبوب(_( ) تقدمت ترجمته عند التعليق على البيت رقم (28). _) ـ رضي الله تعالى عنه ـ واختاره ابن أبي نبهان أنه يعطى ثواب طاعته وظاهر كلامهما الإطلاق. (1/358)
صفحة 359
القول الثاني: للفضل بن الحواري(_( ) العلامة أبو محمد الفضل بن الحواري الأزكوي من بني سامة بن لؤي بن غالب. أشهر علماء عمان في القرن الثالث الهجري وأحد تلاميذ العلامة الكبير محمد بن محبوب .. كان هو والشيخ عزان بن الصقر في زمن واحد ولعلمهما وفضلهما يضرب بهما المثل في عمان كالعينين في جبين واحد. من تصانيفه: كتاب "الجامع" وقد تم طبعه في وزارة التراث العمانية في 3 مجلدات. وقتل في وقعة القاع المشهورة سنة 278هـ.
("اتحاف الأعيان" للبطاشي 1/197 ـ 200 ـ "السيرة" لابن مداد ص 31)._) واختاره جماعة وهو أنه لا يعطى من ثواب تلك الطاعة شيئاً.
القول الثالث: لبشير(_( ) العلامة بشير بن محمد بن محبوب المخزومي من أهل عمان ينحدر من سلالة علم حيث كان أبوه وجده من كبار العلماء وهو أحد علماء الإباضية في القرن الرابع والغاية في العلم والفضل في أهل زمانه من مؤلفاته "البستان" (مفقود) و "الخزانة" في 70 ج (مفقود) و "الرضف في التوحيد" (مخطوط) و "المحاربة" (مخطوط) توفي سنة 273هـ تقريبا. ("إتحاف الأعيان" ـ للبطاشي ـ 1/194) (1/359)
صفحة 360
ويمكن أن يكون المراد به العلامة أبو المنذر بشير بن المنذر العقري النزوي تلميذ الإمام الربيع الفراهيدي رحمهما الله تعالى ، لكن الأولى من ذكرته لأن الخلاف في هذه المسألة انتشر متأخرا عن زمن ابن المنذر وأحسب أني قرأت ما يدل على هذا في "منهج الطالبين" للعلامة الشقصي والله أعلم. _) واختاره الزاملي(_( ) الشيخ صالح بن سعيد الزاملي العقري النزوي ـ نسبة إلى مدينة نزوى الشهيرة ـ من علماء الإباضية في عمان، عاش في القرن الحادي عشر الهجري ـ معاصر للشيخ خميس بن سعيد الشقصي مؤلف "منهج الطالبين ـ ط/20ج" ـ وكانت له مشاركة بارزة في تنصيب الإمام العادل ناصر بن مرشد اليعربي الذي قام بدوره بطرد المستعمرين البرتغالين من الأراضي العمانية ثم استكمل بقية الأئمة من اليعاربة طرد البرتغاليين من الخليج العربي وبحر العرب فخلصوا الناس من شرهم، هذا وللشيخ الزاملي جوابات متناثرة تراها في كتاب "لباب الآثار" للصائغي. ("تحفة الأعيان" ـ للسالمي 2/7). _) أنه إذا كان هذا المصر حين فِعْلِه للطاعة مشركا فلا ثواب له بعد التوبة على تلك الطاعة، وإن كان غير مشرك فيعطى بعد التوبة ثواب طاعته.
ففي المسألة إطلاقان وتفصيل؛ الإطلاق الأول: إنه يعطى ثوابها بعد التوبة مطلقا كان حين فعل الطاعة مشركا أو فاسقا غير مشرك. الإطلاق الثاني: أنه لا يعطى ثواب ما عمل حال اصراره ولو تاب وغفر له كان حال الإصرار مشركا أو غير مشرك. وأما التفصيل: فهو انه إن كان بإصراره مشركا فلا ثواب له فيما عمل من الطاعات في حال شركه وإن كان غير مشرك فله ثوابه إذا تاب من اصراره. (1/360)
صفحة 361
ولي في المسألة تفصيل آخر هو: انه إن كانت الطاعة التي عملها مشروطا صحتها بالإسلام كالصلاة والصيام فلا ثواب لها إن عملها في الشرك لأن شرط صحتها غير موجود وثواب العمل مترتب على صحته ولا صحة فلا ثواب، وإن كانت تلك الطاعة غير مشروط في صحتها الإسلام كَبِرِّ الوالدين وإقراء الضيفان وصلة الرحم وإغاثة الملهوف ونصر المظلوم ..وهكذا فله ثوابها إذا أسلم وإن عملها في الشرك وكذا القول فيما عمل من الطاعات في حال اصراره الذي لا يشرك به فإنه إن كانت تلك الطاعة مشروطا في صحتها الإيمان الكامل وهو الوفاء بجميع الواجبات فلا صحة لها بتركه فلا ثواب عليها، وإن كانت تلك الطاعة غير مشروط في صحتها الإيمان الكامل فله على فعلها ثوابها بعد توبته وهذا التفصيل حسن جدا. ولا يقال إنه لم يتقدمني عليه أحد فإن الحق مقبول ممن جاء به، فإن قيل: لاشيء من الطاعات مشروط صحتها بالإيمان الكامل فلا وجه لآخر التفصيل. قلنا: بل له وجه ظاهر وهو أن الفقهاء اختلفوا في أشياء من الطاعات كالصلاة خلف الفاسق فأبطلها قوم وصححها آخرون فالقائل ببطلانها يشترط في صحتها أن يكون الإمام كامل الإيمان(_( ) جرى العمل على جواز الصلاة خلف الفاسق للحديث الوارد في هذا الشأن، لكن يمكن التمثيل لمراد الشيخ وبيان الرد على من قال: لا شيء من الطاعات مشروط صحتها بالإيمان الكامل. بأن صلاة المسبل إزاره ليست متقبلة للحديث الوارد عند النسائي، و أبو داود برقم (638) :( .. (1/361)
صفحة 362
فقال له رجل: يا رسول الله، ما لك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟ فقال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله جل ذكره لا يقبل صلاة رجل مسبل إزاره( ولأن فاعل ذلك مرتكب للكبيرة ومتلبس بها في حال أدائه للصلاة والطاعة لا تخالطها كبيرة فأبطل صلاته بعض أجلة العلماء وكذا الحال وهذا تمثيل جيد لكلام الشيخ ـ رحمه الله ـ وكذا يمثل أيضا بأن الصدقة إذا خالطها المن أو الرياء فهما محبطان لها لقوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس .. } البقرة : 264 .. ومنه يتبين أن هناك من الطاعات ما يشترط فيه الإيمان الكامل فإن مصاحبة الفسق ـ وهو لازم إنعدام الإيمان الكامل ـ محبط لكثير من الطاعات والله أعلم._) وعلى مذهبه فتلك الصلاة غير صحيحة فلا ثواب لها وإنْ بعد التوبة على هذا التفصيل الذي ذكرته وكذا فيما أشبه ذلك والله أعلم.
الباب الثالث
ـ من الركن الرابع ـ
في توبة المحرِّم والمستحل
(298)(ومجمل توبة من يحرِّم والمستحل عكس هذا يلزم) (1/362)
صفحة 363
المراد بـ(المحرِّم) المنتهك وهو الذي يفعل الذنب مع اعتقاده له أنه ذنب، والمراد بـ(المستحل) من يفعل الذنب ويعتقد أنه غير ذنب لشبهة تمسك بها أو لتقليده من تمسك بالشبهة في ذلك فهو يدين بتخطئة من خالفه في ذلك، فالمحرم على هذا أيسر حالا من المستحل لأن المستحل جَمَعَ مع ارتكاب الذنب اعتقاد أنه غير ذنب وتخطئة من خالفه في ذلك، فمن هنا كانت توبة المحرم أيسر حالا من توبة المستحل فيجزي المحرم أن يتوب من جميع ذنوبه إجمالا، ولا يجزي المستحل ذلك لكن يلزمه التوبة عن كل ما استحله بعينه فيذكر ذنوبه ذنبا ذنبا ويتوب عن كل واحد منها توبة وهذا معنى قول الناظم: (والمستحل عكس هذا يلزم) أي يلزم المستحل في كيفية التوبة عكس ما يلزم المحرم؛ فيلزم المحرم الإجمال ويلزم المستحل التفصيل، هذا حاصل ما في الأثر والظاهر أن لزوم التفصيل في التوبة على المستحل إنما هو تعبد خاص له فيما بينه وبين الخلق(_( ) والعلة في التفصيل من أجل أنه لا يرى ما كان مستحلا له ذنبا!!، حين يكون دائنا بحلية ما أتاه، فتوبته المجملة لا تشمل ما استحله على هذا بل يلزمه تعيين ما استحله بالتوبة والله أعلم. _) أما فيما بينه وبين الله فلا يلزمه ذلك وإنما يجزيه الإجمال إذا قصد بالتوبة التوبة عن كل ذنب استحله والله أعلم.
(299)(ومن أتى أمرا على التحريم لم يجزه التوب بلا تغريم)
(300)(وإن يكن أتاه باستحلال بعكسه في أعدل الأقوال)
(301)(وإن يكن في يده ما قد كسب عليه أن يرده لمن سلب) (1/363)
صفحة 364
يشترط في توبة من فعل أمرا ويعتقد أنه حرام فلزمه منه ضمان كأكل مال الغير بغير إذنه أن يتخلص إلى أرباب ذلك الشيء إما بغرم له أو بِحِلٍّ منهم ولا يجزيه التوبة منه بغير تخلص، فإن لم يقدر على التخلص دان بأداء ذلك عند القدرة فإذا حضره الموت وهو غير قادر على الخلاص أوصى به وليس عليه فوق ذلك شيء والله رؤوف بالعباد، ولا يشترط هذا الإشتراط في توبة من فعل ذلك الفعل وهو مستحل له على أكثر الأقوال وعدَّله الناظم هاهنا لكن بشرط أن لا يكون ما أخذه بطريق الإستحلال باقيا في يده فإن كان باقيا بعينه في يده ففي أكثر أقوالهم أن عليه أن يرده الى من أخذه منه، وقيل لا يلزمه أن يرده اليه لأنه إنما أخذه يوم أخذه وهو مستحل له، وفي قول ثالث: أن على المستحل رد ما أخذه إن كان باقيا وغرمه إن كان متلفا.
هذا محصل ما في الأثر في هذا المقام وعندي فيه تفصيل هو: أنه إن كان المستحل مشركا فلا يلزمه غرم ما أتلفه في حال شركه على المسلمين ولا يلزمه رد ما أخذ منهم بعد أن أسلم ولو كان باقيا في يده لأن له ما أسلم عليه لأدلة ذكرتها في غير هذا الكتاب، وإن كان المستحل من أهل القبلة [فإنه يلزمه رد ما أخذ على المسلمين باستحلاله وغرمه إن كان قد تلف من يديه لأنه لا تحل أموال أهل القبلة بنفس الإعتقاد لِحِلِّهَا والله سبحانه وتعالى أعلم.
(302)(وحكمه محرم حين فعل حتى يصح أنه قد استحل) (1/364)
صفحة 365
أي حكم آخذ أموال أهل القبلة](_( ) ما بين الحاصرتين ساقط من (ب). _) أنه مُحَرِّم لأخذها فهو محكوم عليه بغرمها وإن ادعى الإستحلال لها؛ لأن أموال أهل القبلة في دين الله محجورة بغير إذن أهلها فيحكم على من أخذها بردها اليهم ودعواه أنه مستحل لأخذها دعوى لو صحت تُسقط عنه الحكم بردها على قول بعض، وأيضا فحكم أهل الإقرار كلهم التحريم لما حرم الله ودعواه أنه مستحل تخالف أهل هذا الحكم فلا تسمع منه دعواه أنه مستحل إلا بصحة شرعية وهي شهرة أو شهادة عدلين وذلك أن تقضي الشهرة أو يشهد العدلان بأن هذا الرجل قد كان على دين الأزارقة(_( ) أتباع نافع بن الأزرق وهي فرقة من الخوارج يستحلون أموال ودماء مخالفيهم حين عدوهم مشركون وقد انقرض هؤلاء الخوارج ولله الحمد ولم يبق في هذا الزمن إلا شرذمة موهوا على الناس وتستروا بألقاب برّاقة ممن يحمل مبدأهم في استحلال دماء أهل القبلة!! قاتلهم الله أنى يؤفكون. _) مثلا والله أعلم.
الباب الرابع
في الأمور التي لا تلزم منها توبة
أي لعفو الله تعالى عنها بمنه وهي أربعة أشياء؛ التقية والخطأ والنسيان وحديث النفس، فعَقَد لكل واحد من التقية والخطأ فصلا، وعَقَدَ لحديث النفس والنسيان فصلا واحدا فلذا قال: وفيه ثلاثة فصول.
الفصل الأول
في التَقِيَّة
(303)(أجز تقية بقول إن خلص من نيل ضر من به القول يخص)
(304)(وامنعها في اتلاف نفس إن جنى والخلف في اتلاف مال ضمنا) (1/365)
صفحة 366
التقية إما أن تكون بالقول وإما أن تكون بالفعل ـ وسيأتي بيان حكم التقية بالفعل ـ وأما التقية بالقول فتجوز في موضع وتمنع في موضع آخر ولها موضع ثالث يختلف في جوازها فيه. فأما الموضع الذي تجوز فيه فهي ما إذا كان القول ليس فيه ضرر على أحد من البشر وكان المجبور قد أكره على القول به(_( ) فليتأمل القارئ مراد الإباضية من التقية خلافا لبعض المتعالمين من مخالفينا الذين يتخيلون المقصود من التقية أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن في غالب أحواله دون التقيد بشرط خوف الوقوع في الهلاك!! وهذا تجاهل غريب أو بلاهة مستحكمة .. يقول أبو أسامة الإسماعيلي في رسالته إلى مجلة (نداء الإسلام) بمدينة سيدني _ دفاعاً عن الإباضية _ ص(8):
"التقية: الإباضية لا يخجلون مما لديهم، فصاحب الحق غير هياب ولا وجل، فكيف لنا باتخاذ التقية ونحن الذين ندعوا إلى الحوار واللقاء على كلمة سواء، أما إن كنت تعني الكتمان الذي يتحدث عنه الإباضية، فذلك فوق أفهام الذين لا ينعمون النظر في سيرة خير الخلق وحبيب الحق - صلى الله عليه وسلم - فإن الإباضية هم أول من قَعَّد للدعوة الإسلامية بعد أن
أكبوا على القرآن شربا لماءه فأوردهم والكل ريَّان هائم (1/366)
صفحة 367
وبعد أن درسوا سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فرأوا أنه لحكمة ما كانت الدعوة في أعوامها الأولى سرَّاً، وما كان ذلك جبنا ولا هلعا من بطش قريش، بل ضنَّا بالحق الناشئ أن تبطش به يد الباطل اللئيمة، وهذا ما تنبهت إليه الحركات الإسلامية في هذا القرن أي بعد ثلاثة عشر قرنا من تقعيدنا له وتنبيهنا عليه .." ا.هـ_) فإنه يجوز له في هذا الموضع أن يدفع عن نفسه ما يخشاه من القتل ونحوه بالقول الذي طلب منه ولو كان ذلك القول شركا وهذا معنى قوله: (أجز تقية بقول ..الخ)، ومعنى قوله: (إن خلص من نيل ضر ..الخ) أي إن خلص ذلك القول من وقوع الضرر في الغير فهو تقييد للجواز، وجواز ما ذكرناه مأخوذ من الكتاب والسنة فأما الكتاب فقوله تعالى: { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } النحل : 106 وقوله تعالى: { إلا أن تتقوا منهم تقاة } آل عمران : 28 وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم - : (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدَّثوا به أنفسهم وما أكرهوا عليه((_( ) هذا الحديث ورد بلفظ: »رفع الله عن أمتي الخطأ والنسيان ومالم يستطيعوا وما أكرهوا عليه« ـ وما يقاربها ـ جاء من طريق ابن عباس - رضي الله عنه - رواه الإمام الربيع الفراهيدي في "مسنده" [794] وابن ماجة في "سننه" [2045] وابن حبان في "صحيحه" [7175] والطبراني في "الكبير" [11/109 رقم 11274] والبيهقي في "السنن الكبرى" [7/584 رقم 15094] وابن عدي في "كامله" (2/346 و347) و(5/282) والعقيلي في "الضعفاء" (4/145) وقال: "وهذا يروى من غير هذا الوجه باسناد جيد". ا.هـ
وجاء من طريق أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - رواه ابن ماجة في "سننه" [2043]. ومن طريق عقبة بن عامر - رضي الله عنه - عند البيهقي في "السنن الكبرى" (7/585 رقم 15096). كما رواه ابن عدي في "كامله" (3/325) عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - و(2/150) عن أبي بكرة - رضي الله عنه - . (1/367)
صفحة 368
ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" برقم [19044] عن عطاء مرسلا.
( كما ورد بلفظ: »رفع عن أمتي الخطأ والنسيان« رواه أبو الفضل القاسم بن جعفر التميمي المعروف بأخي عاصم وساق اسناده التاج السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (2/254 بتحقيق الحلو والطناحي). وقال السبكي أيضا في الكتاب المذكور (2/253): "وقد وقع الكلام في هذا الحديث قديما بدمشق، وبها الشيخ برهان الدين بن الفركاح شيخ الشافعية ثمّ إذ ذاك، وبالغ في التنقيب عنه، وسؤال المحدّثين، وذكر في "تعليقته على التنبيه" في كتاب الصلاة قول النووي في "زيادة الروضة" في كتاب الطلاق في الباب السادس في تعليق الطلاق إنه حديث حسن." ا.هـ ونقل تحسين النووي لهذا الحديث الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" (1/281 دار المعرفة)._)، ومن ذلك "ما جرى لعمار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ حين أخذه المشركون فلم يدعوه حتى سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر آلهتهم بخير، فلما جاء الى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله ما أراني إلا هلكت. فأخبره [الخبر](_( ) من (ب). _)، قال: كيف تجد قلبك؟. قال: مطمئن بالإيمان. قال: فإن عادوا فعد."(_( ) لفظ الرواية : "عن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سبّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وذَكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ما وراءك؟. قال: شر يا رسول الله؛ ما تُركتُ حتى نلتُ منك وذَكرتُ آلهتهم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟. قال: مطمئنا بالايمان. قال: إن عادوا فعد." (1/368)
صفحة 369
أخرجها البيهقي في "السنن الكبرى" (8/362 برقم 16896) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" برقم [454] وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (3/189 دار الكتب العلمية) وابن جرير الطبري في "تفسيره" (7/651 /الكتب العلمية) [سورة النحل: الآية 106] والحاكم في "المستدرك" برقم [3362] وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه." ووافقه الذهبي فقال في "تلخيصه" هناك: "على شرط البخاري ومسلم." ا.هـ._)
وأما الموضع الذي تمنع فيه التقية بالقول فهو ما إذا كان في القول ضرر على أحد من البشر كإتلاف نفس الغير أو قطع عضوه فإنه لا تجوز لأحد التقية في هذا الموضع إذ لا يحل لأحد أن ينجي نفسه بضرر غيره إذ ليست نفسه أولى بذلك من نفس غيره وهذا معنى قوله: (وامنعها في اتلاف نفس إن جنى) أي وامنع التقية بالقول في موضع يجني فيه القول إتلاف نفس الغير وكذا حكم عضوه؛ ومثال ذلك أن يُكرِه جبارٌ ـ ذو قدرة معروف بالغشم ـ أحدا ممن يقدر عليه أن يدله على أحد من البشر ليقتله بباطل أو ليقطع عضوه بغير حق، وكان قد توعده بالقتل إن لم يدله عليه فلا يجوز لهذا المجبور أن يدل الجبار على ذلك المطلوب وإن خاف على نفسه منه.
وأما الموضع الذي يختلف في جواز التقية فيه بالقول فهو ما إذا كان في ذلك القول إتلاف لمال الغير كأن يدل الجبار على مال لغيره أن يضيعه أو يقتله الجبار، فإن بعضا قد أجاز له أن يدله على ذلك مع اعتقاد الضمان له وبعض منع من ذلك وهذا معنى قوله: (والخلف ..الخ)، والجواز في هذا الموضع أظهر من المنع لأن المال لا يقاوم النفس والله سبحانه وتعالى أعلم.
(305)(ولم تجز تقية بالفعل كالحرق والغرق ومثل القتل)
(306)(لكن جواز ما أبيح للضرر كالأكل للميتة والدم اشتهر) (1/369)
صفحة 370
هذا بيان حكم التقية بالفعل وحكمها أنها لا تجوز عند الأصحاب وذلك كحرق النفس وكتغريقها وكقتلها فإن في هذه الصور كلها لا يجوز لأحد أن ينجي نفسه بفعلها، لكن اشتهر عندهم جواز التقية بفعل الأشياء التي أبيح فعلها للمضطر كأكل الميتة والدم، وهذا الجواز وإن كان على قول لبعضهم فهو مشهور في آثارهم فيدل على أن كلامهم في منع التقية بالفعل مجمل لا بد له من تفصيل؛ وتفصيله أن نقول: إن الفعل الذي يكره عليه الإنسان إما أن يكون به ضرر بالغير كحرق النفس وغرقها وقتلها، وإما أن يكون ليس فيه ضرر بالغير لكن فيه اتلاف لمال الغير، وإما أن يكون ليس فيه ضرر بالغير ولا اتلاف لماله، فإن كان فيه ضرر بالغير فهو ممنوع اتفاقاً، وإن كان فيه اتلاف لمال الغير فيخرج فيه الخلاف المذكور في جواز التقية بالقول بشرط ضمان ذلك المتلف، والذي ليس فيه ضرر بالغير ولا اتلاف لماله نوعان:
أحدهما: فعل لا يقبل الجبر والإكراه، بمعنى أنه لا يتأتى فعله عند ذلك كالزنا فإن فعله لا يصدر إلا عن اختيار من الرجل دون المرأة فلا يحل للرجل التقية به ولا للمرأة أن تساعد عليه. (1/370)
صفحة 371
وثانيهما: فعل يقبل الإكراه والجبر وذلك كأكل الميتة وأكل الدم وأكل لحم الخنزير ونحو ذلك مما أبيح لنا فعله في الإضطرار اليه، فأجاز التقية به قوم ومنعها به آخرون(_( ) يلاحظ أن الكلام هنا عن الجبر والاكراه وليس الإضطرار العادي فإن الثاني جوازه صريح بنص الآية. _)، حجة المجوزين للتقية به أن هذه الأشياء قد أباحها الله لنا في حال الإضطرار لها ومقام الجبر والإكراه مقام اضطرار فجاز لنا ذلك، وأيضا فإن الحكمة من شرعية الإباحة لفعل ما ذكر عند الإضرار إنما هي حفظ النفس وهي حاصلة هاهنا. قال المانعون: إن إباحة ما ذكر مقيدة بالإضطرار في المخمصة فلا تكون الإباحة في غير المخمصة وإن اضطر الى فعله. قلنا: ذِكر المخمصة في الآية لا مفهوم له وإنما هو جار على الأغلب من أحوال الإضطرار فإن الغالب من حال الإضطرار الى أكل ما ذكر إنما هو في حال المخمصة، والتقييد بالأغلب المعتاد لا مفهوم له لأنه لم يذكر للقيد، فبهذا التحقيق يظهر لك صحة القول بجواز التقية بأكل نحو الميتة .. والله أعلم.
(307)(ومكره جاء بما الحد يجب عليه في أن لا يحد نستحب)
إذا أكره المكلف على فعل شيء يجب على فاعله الحد كالسرقة والزنا فهل يقام عليه ذلك الحد أم لا؟ قال قوم: يقام عليه الحد بذلك لأنه فعل مُوْجِبه والتقية بفعله حرام فلا يدفع عنه الحد بذلك، وقال قوم: يدفع عنه الحد لحصول الشبهة بالإكراه وفي الحديث: (ادرأوا الحدود بالشبهات((_( ) لم أعثر عليه بهذا اللفظ .. لكن جاء من طريق السيدة عائشة رضي الله عنهما مرفوعا بلفظ: »ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلُّو سبيله فإن الامام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة« رواه الترمذي في "سننه" [1424] والحاكم في "المستدرك" [8163] والبيهقي في "الكبرى" [17057 و18294] والدارقطني في "سننه" [3075 دار الكتب العلمية] والخطيب في "تاريخ بغداد" (2/422). (1/371)
صفحة 372
وجاء عند الدارقطني في"سننه" [3077] باسناده: "أن عبدالله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر الجهني قالوا: اذا اشتبه علك الحد فادرأه ما استطعت." ا.هـ. ثم رأيت أبوالفضل العراقي يقول في "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في منهاج البيضاوي" برقم [88]:
"حديث: »ادرأوا الحدود بالشبهات« رواه ابن عدي في (جمعه لحديث أهل مصر والجزيرة) من حديث ابن عباس وفيه ابن لهيعة. وقد رواه الترمذي والحاكم دون قوله: بالشبهات. من حديث عائشة، وصححه الحاكم، وضعّف الترمذي رفعه." ا.هـ_) وهذه شبهة فلا يقام معها الحد، وهذا القول أظهر ودليله أوضح فقول الناظم: (في أن لا يحد نستحب) اختيار لهذا القول ومعناه أن استحبابنا في عدم حدِّه.
واعلم أن الخلاف الجاري في اقامة الحد مع التقية بنحو الزنا والسرقة لا يجري في التقية بنحو قتل النفس وقطع عضو منها لأن في هذا الفعل تعلق حق للعباد فيجب عليه القود والقصاص، والخلاف المتقدم آنفا إنما هو في موجب الحدود التي لم يكن للخلق فيها حق، هذا ما يظهر لي في تحرير المقام [ثم إني أحسب أني وقفت على حكاية الخلاف في ثبوت القود على قاتل المجبور ووجهه أن القود قد اختلف فيه هل هو حد أم حق؟ فعلى القول بأنه حد يسقط بالشبهة ولا يسقط على القول بأنه حق للعباد](_( ) هذه القطعة من (ب). _) والله أعلم.
الفصل الثاني
في الخطأ
(308)(ورفع الإثم لدى الخطأ ومن ألزمه الظاهر حكما يسلمن)
(309)(كالقاتل النفس وكالمطلِّق زوجته خطأ ومثل المعتق) (1/372)
صفحة 373
ومما لا يؤاخذ العبد به ولا تلزمه فيما بينه وبين الله منه توبة الخطأ وهو أن يقصد الى فعل طاعة أو مباح فيخطأ الى غير مقصوده، وهو نوعان: أحدهما غير محاكم فيه لكونه خاصا بنفسه كما في الحديث: (أن رجلا أراد أن يقول اللهم أسكني الجنة، فقال: اللهم أسكني النار. فاشتد ذلك عليه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : لابأس عليك لك ما نويت((_( ) لم يتيسر لي العثور عليه. _) وأما النوع الذي هو فيه مُحَاكَم فهو مثل أن يقصد الى تجديد كلمة التوحيد فيخطأ منها الى كلمة الشرك، أو يقصد الى اظهار وَلاية المسلمين فيخطأ منها الى اظهار البراءة منهم، أو يقصد أن يقول لزوجته أنت بارة فيخطأ الى قوله أنت طالق، أو يقصد أن يقول لعبده أنت صالح فيخطأ الى قوله أنت حُر، فإنه يكون في هذه الصور كلها مُحاكَمَاً فيُحكم عليه بالكفر في اظهار الكفر وبالعداوة في موضع العداوة وبالطلاق لزوجته وبالعتق لعبده إن خاصماه في ذلك، وعليه هو أن يسلم للحكم الظاهر إذا حُكم عليه بشيء فيجب عليه تجديد التوحيد وإظهار الوَلاية للمسلمين وتسريح الزوجة ورفع اليد عن العبد وهذا معنى قوله: (ومن ألزمه الظاهر حكما يسلمن) أي ومن ألزمه الحكم الظاهر شيئا من الأحكام الشرعية فعليه أن ينقاد له وأن لا يتمرد عليه والله أعلم.
الفصل الثالث
في النسيان وحديث النفس
(310)(ورفض الوزر لدى النسيان وهكذا وسوسة الشيطان)
(311)(من بعد أن جاهده بما قدر إذ لم تكن أشد من رؤيا البصر)
المراد بـ(رفض الوزر) رفعه أي رفع الإثم عن المكلف في حالتي النسيان ووسوسة الشيطان للحديث المتقدم ذكره، فأما رفع الإثم في النسيان فظاهر وأما رفعه في وسوسة الشيطان ـ والمراد بها حديث النفس ـ فمقيد بما إذا لم يقدر المكلف أن يدفع الوسوسة الحاصلة في نفسه لأنه يجب عليه بذل مجهوده في دفع الوسوسة المحرمة شرعا. (1/373)
صفحة 374
والمعفو عنه منها إنما هو حديث النفس الذي لا يمكن المكلف دفعه، ومثال هذا الحكم في رفع الإثم من الأمور الحسية هو رؤيا البصر الواقعة على محجور شرعا فإن الشرع لم يؤاخذنا في الخطأ في ذلك ولا فيما لم يمكنا غض النظر عنه وليست الوسوسة بالمعنى المذكور أشد من رؤيا البصر على المنظور المحجور(_( ) في (ب) المجبور. وهو تصحيف. _) والله سبحانه وتعالى أعلم.
(خاتمة الكتاب)
(312)(تمت بحمد الله "أنوار العقول" حاوية أهم شيء في الأصول)
المراد بـ(أنوار العقول) هذه المنظومة فهو عَلَمٌ عليها وإنما سميتها بذلك لأن موضوعها علم الإعتقادات ومحل ذلك العلم هو العقل، فالمتمسك بما في هذه المنظومة إنما هو متمسك بنور العقل والعادل عما لايصح له العدول فيه منها خارج من النور الى الظلمات، والمراد بقوله: (حاوية أهم شيء في الأصول) أي جامعة للأمور التي لابد منها ومن معرفتها من أصول الديانات والله أعلم.
(313)(عارية من وصمة الإخلال سالكة طريقة الكمال)
ومعنى قوله: (عارية) أي متجردة، و(الوصمة) العيب، و(الإخلال) التقصير عما لا ينبغي التقصير عنه، و(الكمال) التمام أي تمت هذه المنظومة حال كونها جامعة للأهم من أصول الديانات، و(عارية) من عيب التقصير عما لا ينبغي التقصير عنه وحال كونها سالكة الطريقة التامة من التحقيق وواردة المنهل الوافي من التدقيق والله أعلم.
(314)(أهديتها صرفا لكل طالب تصونه من كل قول كاذب)
معنى قوله: (أهديتها) أي صيرتها هدية، ومعنى قوله: (صرفاً) أي خالصة، ومعنى قوله: (تصونه) تحفظه، ومعنى قوله: (من كل قول كاذب) أي اعتقاد مخالف للحق أي صيرت هذه المنظومة هدية خالصة لا أبغي عليها أجرا إلا من الله لكل طالب للحق وملتمس للهدى والحال أنها تحفظ هذا الطالب من الإعتقادات الفاسدة والله أعلم.
(315)(وأحمد الله على التيسير في أتم ما قد رمته من شرف) (1/374)
صفحة 375
أي أُثني على الله تعالى بما هو له أهل من الجميل على تيسيره لي إتمام ما قصدت إتمامه في أتم حال وأوفى مقام.
(316)(ثم الصلاة مع تسليم على محمد المبعوث من خير ملا)
(317)(وآله وصحبه ومن قفا منهاجهم على التمام والوفا)
ثم إني بعد حمد الله أصلي الصلاة وأسلِّم التسليم المأمور بهما شرعا على نبي هذه الأمة والمبعوث من خير قوم يملأون العين شرفا، وعلى آله التابعين له وعلى صحبه المناصرين له وعلى من تبع سبيلهم غير مبدِّل ولا مغيِّر من بعدهم - صلى الله عليه وسلم - عليه وعليهم أجمعين، ففي قوله: (على التمام والوفا) براعة حسن الختام على تمام هذا النظام.
وفي هذا المقام انتهى بنا الكلام على شرح هذا النظام جعله الله تعالى عونا للطالبين ونورا للمهتدين، وفوزا لناظمه يوم الدين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه وعلى جميع المؤمنين، والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قد تم هذا الشرح المختصر على المنظومة المسماة بـ(أنوار العقول) وهو الشرح الصغير من شرح ناظمها عليها وذلك في سنة أربع عشر وثلاثمائة سنة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أكمل صلاة وتسليم(_( ) جاء في النسخة (أ) عبارة: "عُرضت بشرحها على مؤلفها تصحيحا.. بقلم الفقيرـ الحقير ـ لله تعالى راجي رحمة ربه القدير سعيد بن خميس بن حمد بن سالم المدسري خادم بني علي".
وفي (ب): "تمت بقلم أحقر الأنام زهران بن خلفان بن سرور بن سليمان بن مهنا بن سيف بن سلطان اليعربي المرشدي الإباضي مذهبا والنخلي مسكنا في يوم العشرين من شهر ربيع الأول سنة 1337".
وبهذا يكون الإنتهاء من تحقيق هذا الكتاب أسأل الله تعالى أن يتغمد الإمام السالمي بواسع رحمته وأن يجزل له المثوبة وأن يحشرنا وإياه في زمرة نبيه - صلى الله عليه وسلم - إنه سميع مجيب. كتبه علي بن سعيد بن مسعود الغافري._).
(تمت بحمد الله وتوفيقه)
الفهارس العامة
وهي كالتالي:
( (1/375)
صفحة 376
1) فهرس الآيات القرآنية.
(2) فهرس الأحاديث النبوية.
(3) فهرس الأعلام الواردة في الكتاب.
(4) فهرس الموضوعات.
فهرس الآيات القرآنية
[الآية ـ موضعها ـ مع رقم البيت الذي وردت في شرحه بين حاصرتين]
[سورة البقرة]
{ ذلك الكتاب } البقرة : 2 [194]
{ وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ..الآية } البقرة : 80 [192]
{ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ..الآية } البقرة : 81 [189] و[190] و[192]
{ قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل } البقرة : 91 [242]
{ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } البقرة : 134 [200]
{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } البقرة : 143 [32]
{ فأتوا حرثكم أنَّى شئتم } البقرة : 223 [31]
{ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين..الآية } البقرة : 233 [32]
{ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } البقرة : 238 [8]
{ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } البقرة : 253 [139]
{ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } البقرة : 286 [42]
{ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } البقرة : 286 [200]
[سورة آل عمران]
{ منه آيات محكمات هن أم الكتاب } آل عمران : 7 [149] و[162]
{ شهد الله أنه لا اله الا هو والملائكة ..الآية } آل عمران : 18 [22]
{ إلا أن تتقوا منهم تقاة } آل عمران : 28 [304]
{ أنَّى لك هذا } آل عمران : 37 [31]
{ ومكروا ومكر الله } آل عمران : 54 [130]
{ أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله .. الآية } آل عمران : 87 [250]
{ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ..الآية } آل عمران : 135 [80] و[252]
{ كل نفس ذائقة الموت } آل عمران : 185 [163]
{ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } آل عمران : 192 [191]
[سورة النساء]
{ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } النساء : 1 [83]
{ إنه كان حوبا كبيرا } النساء : 2 [250]
{ (1/376)
صفحة 377
وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر ..الآية } النساء : 18 [287]
{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } النساء : 31 [255]
{ ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ..الآية } النساء : 59 [32]
{ وما أرسلنا من رسول الا ليطاع بإذن الله } النساء : 64 [32]
{ من يطع الرسول فقد أطاع الله } النساء : 80 [32]
{ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لعلمه ..الآية } النساء : 83 [22] و[32] و[41]
{ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء } النساء : 89 [100]
{ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } النساء : 141 [50]
{ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } النساء : 145 [189]
[سورة المائدة]
{ حرِّمت عليكم الميتة والدم..الآية } المائدة : 3 [32]
{ فطوعت له نفسه قتل أخيه } المائدة : 30 [200]
{ ومن يتولهم منكم فإنه منهم } المائدة : 51 [242]
{ وجعل منهم القردة والخنازير } المائدة : 60 [61]
{ بل يداه مبسوطتان } المائدة : 64 [129]
{ أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة } المائدة : 96 [61]
{ ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء .. الآية } المائدة : 101 [24]
{ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة } المائدة : 103 [200]
{ وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } المائدة : 110 [200]
[سورة الأنعام]
{ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } الأنعام : 21 [200]
{ لا أحب الآفلين } الأنعام : 76 [100]
{ فأنى تؤفكون } الأنعام : 95 [204]
{ خالق كل شيء } الأنعام : 102 [146] و[200]
{ لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار.. الآيه } الأنعام : 103 [125]
{ إلا ما اضطررتم إليه } الأنعام : 119 [61]
{ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } الأنعام : 121 [61]
{ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ..الآية } الأنعام : 158 [287]
[سورة الأعراف]
{ والوزن يومئذ الحق } الأعراف : 8 [180]
{ (1/377)
صفحة 378
ربي أرني أنظر اليك } الأعراف : 143 [125]
{ وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى ..الآية } الأعراف : 160 [191]
{ من يضلل الله فلا هادي له } الأعراف : 186 [194] و[204]
{ يسئلونك عن الساعة أيَّان مرساها } الأعراف : 187 [31]
[سورة الأنفال]
{ قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف } الأنفال : 38 [295]
[سورة التوبة]
{ إنما المشركون نجس } التوبة : 28 [274]
{ عن يد وهم صاغرون } التوبة : 29 [277]
{ إنهم رجس ومأواهم جهنم } التوبة : 95 [274]
[سورة يونس]
{ هو الذي يسيركم في البر والبحر } يونس : 22 [200]
{ فأنى تصرفون } يونس : 32 [204]
{ يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين } يونس : 84 [212]
{ آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل ..الآية } يونس : 90 [287]
{ ءالآن وقد عصيت قبلُ وكنت من المفسدين } يونس : 91 [287]
{ إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة } يونس : 93 [194]
[سورة هود]
{ عطاء غير مجذوذ } هود : 108 [192]
[سورة يوسف]
{ بل سولت لكم أنفسكم أمرا } يوسف : 18 [200]
[سورة الرعد]
{ فسالت أودية بِقَدَرِهَا } الرعد : 17 [194]
{ لكل أجل كتاب } الرعد : 38 [168]
{ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } الرعد : 43 [22]
[سورة الحجر]
{ وانبتنا فيها من كل شيء موزون } الحجر : 19 [180]
{ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } الحجر : 21 [194]
{ إلا أمرأته قدرنا انها لمن الغابرين } الحجر : 60 [194]
[سورة النحل]
{ فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون } النحل : 43 [41]
{ وما بكم من نعمة فمن الله } النحل : 53 [1]
{ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } النحل : 61 [168]
{ ويجعلون لله ما يكرهون } النحل : 62 [200]
{ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } النحل : 78 [14]
{ يضل من يشاء ويهدي من يشاء } النحل : 93 [194]
{ (1/378)
صفحة 379
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } النحل : 106 [304]
{ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } النحل : 111 [171]
[سورة الإسراء]
{ وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب } الإسراء : 4 [194]
{ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } الإسراء : 15 [79]
{ وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه } الإسراء : 23 [194]
{ قل الروح من أمر ربي } الإسراء : 85 [165]
[سورة الكهف]
{ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ..الآية } الكهف : 17 [204]
{ كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } الكهف : 19 [31]
[سورة مريم]
{ وآتيناه الحكم صبيا } مريم : 12 [137]
{ ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيَّا ..الآيات } مريم : 66 إلى 70 [191]
{ وإن منكم إلا واردها ..الآيات } مريم : 71 و72 [191]
{ أي الفريقين خير مقاما } مريم : 73 [31]
{ يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا ..الآيات } مريم : 85 و86 [191]
[سورة طه]
{ الرحمن على العرش استوى } طه : 5 [162] و[129]
{ ولتصنع على عيني } طه : 39 [128]
{ فمن ربكما يا موسى } طه : 49 [31]
{ فلنأتينك بسحر مثله } طه : 58 [132]
{ فاقض ما أنت قاض } طه : 72 [194]
[سورة الأنبياء]
{ يسبحون الليل والنهار لا يفترون } الأنبياء : 20 [143]
{ لا يُسْئَل عما يفعل وهم يسألون } الأنبياء : 23 [28]
{ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } الأنبياء : 28 [182]
{ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } الأنبياء : 47 [180]
{ وهذا ذكر مبارك أنزلناه } الأنبياء : 50 [4]
{ فإنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } الأنبياء : 98 [191]
{ أولئك عنها مبعدون ( لا يسمعون حسيسها } الأنبياء : 101 و102 [191]
{ كما بدأنا أول خلق نعيده } الأنبياء : 104 [164]
[سورة المؤمنون]
{ وأنزلنا من السماء ماء بقدر } المؤمنون : 18 [194]
{ ربِّ ارجعون } المؤمنون : 99 [180]
{ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ..الآيات } المؤمنون : 102 و103 [180]
[سورة النور]
{ (1/379)
صفحة 380
والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ..الآية } النور : 4 [261]
{ سبحانك هذا بهتان عظيم } النور : 16 [250]
{ وتوبوا الى الله جميعا أيُّهَ المؤمنون } النور : 31 [282]
[سورة الشعراء]
{ وأنذر عشيرتك الأقربين } الشعراء : 214[182]
[سورة النمل]
{ وقال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به } النمل : 40 [22]
{ وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون ..الآية } النمل : 48 [218]
[سورة القصص]
{ ولما وَرَدَ مَاءَ مدْيَنَ } القصص : 23 [191]
{ وقال الذين اوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير ..الآية } القصص : 80 [22]
{ كل شيء هالك إلا وجهه } القصص : 88 [128] و[163] و[176]
[سورة العنكبوت]
{ وتخلقون افكا } العنكبوت : 17 [200]
{ وتلك الأمثال نضربها للنَّاس وما يعقلها إلا العالمون } العنكبوت : 43 [22]
[سورة الروم]
{ ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله } الروم : 23 [200]
[سورة السجدة]
{ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } السجدة : 13 [204]
{ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } السجدة : 18 [189]
[سورة الأحزاب]
{ وخاتم النبيين } الأحزاب : 40 [141]
[سورة فاطر]
{ انما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ } فاطر : 28 [22]
[سورة يس]
{ وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ياقوم .. الآية } يس : 20 [218]
{ اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم ..الآية } يس : 65 [171]
{ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } يس : 79 [164]
[سورة الصافات]
{ فاهدوهم الى صراط الجحيم ..الآيات } الصافات : 23 و24 [181]
{ وقفوهم إنهم مسئولون ( ما لكم لا تناصرون } الصافات : 24 و 25 [173]
{ انهم ألفوا أبائهم ضالين } الصافات : 69 [28]
{ وما منا إلا له مقام معلوم } الصافات : 164 [143]
[سورة ص]
{ وان عليك لعنتي الى يوم الدين } ص : 78 [190]
{ قال فالحق والحق أقول ( لأملأن جهنم ..الآيات } ص : 84 و85 [190]
[سورة الزمر]
{ (1/380)
صفحة 381
قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون ..الآية } الزمر : 9 [18] و[22]
{ والسماوات مطويات بيمينه } الزمر : 67 [129]
[سورة غافر]
{ لمن الملك اليوم } غافر : 16 [129]
{ ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } غافر : 18 [182] و[186]
{ النار يعرضون عليها غدوَّاً وعشيا ويوم تقوم الساعة ..الآية } غافر : 46 [170]
[سورة فصلت]
{ وويل للمشركين ( الذين لا يؤتون الزكاة ..الآية } فصلت : 6و7 [57]
{ فقضاهن سبع سماوات في يومين } فصلت : 12 [194]
{ حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم .. الآيات } فصلت : 20 و21 [171]
[سورة الشورى]
{ ليس كَمثله شيء } الشورى : 11 [128] و[162]
[سورة الدخان]
{ ذق انك أنت العزيز الكريم } الدخان : 49 [1]
[سورة الجاثية]
{ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ..الآية } الجاثية : 21 [189]
[سورة الأحقاف]
{ ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمُّه كرها .. الآية } الأحقاف : 15 [32]
[سورة الفتح]
{ يد الله فوق أيديهم } الفتح : 10 [129]
[سورة الحجرات]
{ ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } الحجرات : 6 [50]
{ ولا يغتب بعضكم بعضا } الحجرات : 12 [261]
{ ان أكرمكم عند الله أتقاكم } الحجرات : 13 [12]
[سورة: ق]
{ والنخل باسقات } ق : 10 [4]
{ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } ق : 21 [171]
[سورة الذاريات]
{ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ( فما وجدنا ..الآيات } الذاريات : 35 و36 [212]
[سورة النجم]
{ وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى } النجم : 3 [32]
{ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش .. الآية } النجم : 32 [255]
{ وأنه هو أضحك وأبكى ( وأنه هو أمات وأحيا } النجم : 43 و44 [204]
[سورة القمر]
{ فالتقى الماء على أمر قد قُدِر } القمر : 12 [194]
{ تجري بأعيننا } القمر : 14 [128]
{ فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر } القمر : 29 [218]
{ إنا كل شيء خلقناه بقدر } القمر : 49 [146] و[200]
[ (1/381)
صفحة 382
سورة الرحمن]
{ ويبقى وجهُ ربكَ ذو الجلالِ والإِكرام } الرحمن : 27 [128] و[130]
[سورة الحديد]
{ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ..الآية } الحديد : 11 [14]
{ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ..الآية } الحديد : 22 [200]
[سورة المجادلة]
{ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } المجادلة : 11 [22]
{ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادّ الله ..الآية } المجادلة : 22 [68]
[سورة الحشر]
{ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } الحشر : 7 [32]
{ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر } الحشر : 16 [153]
[سورة الجمعة]
{ فإذا قضيت الصلاة } الجمعة : 10 [194]
[سورة التغابن]
{ له الملك وله الحمد } التغابن : 1 [1]
{ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى ..الآية } التغابن : 7 [173]
[سورة التحريم]
{ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } التحريم : 6 [143]
{ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه } التحريم : 8 [191]
[سورة الملك]
{ وأسروا قولكم أو اجهروا به .. الآيات } الملك : 13 و14 [200]
{ أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى ..الآية } الملك : 22 [181]
[سورة القلم]
{ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ( ما لكم كيف تحكمون } القلم : 35 و36 [189]
[سورة الحاقة]
{ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } الحاقة : 17[160]
[سورة الجن]
{ وإنه تعالى جد ربنا } الجن : 3 [130]
{ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم } الجن : 23[189] و[192]
[سورة المدثر]
{ عليها تسعة عشر } المدثر : 30 [160]
[سورة القيامة]
{ يسأل أيان يوم القيامة } القيامة : 6 [31]
{ بل الإنسان على نفسه بصيره } القيامة : 14 [54]
[سورة المرسلات]
{ فقدرنا فنعم القادرون } المرسلات : 23 [194]
[سورة النازعات]
{ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس ..الآية } النازعات : 40 [92]
[سورة التكوير]
{ وإذا الصحف نشرت } التكوير : 10[178]
[ (1/382)
صفحة 383
سورة الإنشقاق]
{ فأما مَن أوتي كتابه بيمينه } الإنشقاق : 7 [178]
[سورة البروج]
{ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات .. الآية } البروج : 10 [292]
[سورة الأعلى]
{ والذي قدر فهدى } الأعلى : 3 [194]
[سورة الفجر]
{ وأما إذا ما ابتلاه فَقَدَرَ عليه رزقه } الفجر : 16 [194]
[سورة القدر]
{ إنا أنزلناه } القدر : 1[146]
[سورة الإخلاص]
{ قل هو الله أحد الله الصمد .. السورة } الإخلاص [98]
فهرس الأحاديث النبوية
آل محمد كل مؤمن ـ كل تقي(_(*) (تنبيه) : الرقم الموجود مقابل طرف الحديث هو رقم البيت الذي ورد في شرحه. _) (8)
أتدرون ما الإيمان بالله وحده (212)
أترعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه (230)
أتفر من قضاء الله؟ (194)
أحل لكم ميتتان ودمان (61)
اجلسوا ـ عند الجنازة بعد كلام الحبر ـ (39)
ادرأوا الحدود بالشبهات (307)
إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين (22)
إذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم (194)
إذا عملت سيئة فأحدث عندها توبة (285)
أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره (230) و(261)
اطلبوا العلم ولو بالصين (18)
أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي (186)
أفضل العبادة الفقه وأفضل الدين الورع (22)
اقبل الحق ممن جاءك به بغيضا كان أو حبيبا (50)
أنا سيد ولد آدم ولا فخر (8)
أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ـ سئل عن الإيمان ـ (194)
إن العالم ليستغفر له من في السماوات .. حتى الحيتان (22)
إن العلماء ورثة الأنبياء (22) و(75)
إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى النملة (22)
إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار (287)
إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر (287)
إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا لما (22)
إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته (22)
إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون (189)
إن من أقل الناس عذابا ـ أهون الناس (189)
إن الموتى ليعذبون في قبورهم (170) (1/383)
صفحة 384
إنك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر (لعبادة) (194)
بني الإسلام على خمس (212)
التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها (287)
ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم اخلاص العمل لله (22)
حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض (178)
خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث (22)
الدال على الخير كفاعله والله يحب اغاثة اللهفان (22)
الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه (22)
رفع عن أمتي الخطأ والنسيان (42) و (304)
سنوا بهم سنة أهل الكتاب ـالمجوس ـ (277)
شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي (186)
طلب العلم فريضة على كل مسلم (18)
عذاب القبر حق (170)
عفي عن أمتي الخطأ والنسيان (304) و(42)
العلم علمان: علم في القلب فذلك العلم النافع (22)
العلم فريضة على كل مسلم ـ طلب العلم ـ (18)
العلم كله القرآن وهو الأصل والتنزيل (4)
علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل (75)
علماء هذه الأمة رجلان ؛ رجل آتاه الله علما (22)
العلماء ورثة الأنبياء لأن الأنبياء لم يورثوا (22) و(75)
فضل العالم على العابد كفضل القمر (22)
فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم (22)
فضل العلم خير من فضل العبادة وخير دينكم (22)
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم للجنازة فمر به حبر فقال: هكذا نفعل (39)
كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله (مقدمة)
كل أمر ذي بال لايبدأ فيه بحمد الله (مقدمة)
كل تقي ـ من آل محمد؟ ـ (8)
كل مسكر حرام (61)
كيف تجد قلبك؟ (لعمار بن ياسر) (72) و (304)
لا بأس عليك لك مانويت (309)
لا تجتمع أمتي على ضلالة (32)
لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع (171)
لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي (182)
لا صغيرة عند اصرار (252)
لا كبيرة مع استغفار (252)
لا نبي بعدي (141)
لا يجمع الله أمتي على ضلالة (32)
لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا قبلي (194)
لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة القدرية (194) (1/384)
صفحة 385
للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين عاما(287)
اللهم أدخلني الجنة (أراد أن يقول) ـ (فقال) اللهم أدخلني النار (309)
ليأتين على جهنم يوم (190)
ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي (182)
ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن (32)
ما كان الله ليجمع أمتي على ضلال (32)
ما لكم وللمنافق قولوا فيه ما فيه (230)
المرجئة يهود هذه الأمة والقدرية مجوسها (194)
مرحبا بطالب العلم (لصفوان بن عسال) (22)
من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله (22)
من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه (22)
من دل على خير فله مثل أجر فاعله(22)
من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له (22)
من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا (22)
من غدا يريد العلم يتعلمه لله فتح الله له بابا إلى الجنة (22)
من كانت الدنيا نيته فرق الله عليه أمره (22)
من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار(32)
من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (22)
موت قبيلة أيسر من موت عالم (22)
نضر الله امرئ سمع مقالتي فوعاها (22)
هلك المصرون قدما إلى النار (252)
هلكت ... (عمار بن ياسر حين استجاب لتعذيب المشركين) (72) و(304)
هو الطهور ماؤه الحل ميتته (61)
يا أبا ذر لئن تغدوا فتعلم آية من كتاب الله (22)
يا بني عبد المطلب إن الله أمرني أن أنذركم ـ بعد "وأنذر عشيرتك" ـ (182)
يخرج لابن آدم ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله عليه (171)
يقول الله عزوجل للعلماء يوم القيامة إني لم أجعل علمي (22)
فهرس الأعلام
أبو بكر الصديق: (153)(_(*) (تنبيه): الترقيم الموجود بجوار الأعلام هو رقم البيت الذي ورد فيه ذكره وما بين الحاصرتين [ ] هو الموضع الذي توجد فيه ترجمته، وقد اقتصرنا على فهرست الأعلام المدرجة في صلب الكتاب دون التعليقات. _)
أحمد بن الحسين بن علي البيهقي : [22] (1/385)
صفحة 386
أحمد بن سليمان بن عبدالله (ابن النضر): [61] ،(61 ،61 ،61 ،65 ،70 ،189)
أحمد بن عبد الفتاح الملوي : [1]
أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي : [50]
أحمد بن عبدالمنعم بن يوسف الدمنهوري : [3]
أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني : (22) ،[285]
أحمد بن عمرو بن عبدالخالق البزار: [171]
اسماعيل بن عبدالرحمن السدي : [257].
اسماعيل بن موسى الجيطالي : [164]
البرادي = أبوالفضل أبوالقاسم بن ابراهيم
بشير هو ابن محمد بن محبوب بن الرحيل: [297]
الترمذي = محمد بن عيسى
البزار = أحمد بن عمرو بن عبدالخالق
البسيوي = علي بن محمد بن علي
بهاء الدين بن عقيل = عبدالله بن عبدالرحمن
البيهقي = أحمد بن الحسين بن علي
الثميني = عبد العزيز بن ابراهيم
جابر بن زيد: [39] ،(63 ،68 ،182)
جاعد بن خميس الخروصي: [44] ،(292 ،292)
الجهم بن صفوان: [204]
الجويني (إمام الحرمين) = عبدالملك بن عبدالله بن يوسف
الجيطالي (مؤلف القناطر) = اسماعيل بن موسى
ابن حجر = أحمد بن علي بن محمد
الحسن البصري: [39] ،(194)
حسن بن محمد بن محمود العطار: [16]
أبو حنيفة = النعمان بن ثابت بن النعمان
الخليلي (المحقق) = سعيد بن خلفان بن أحمد
الدمنهوري = أحمد بن عبدالمنعم بن يوسف
ابو ذر: (22)
الرازي (الفخر) = محمد بن عمر بن الحسين
ابن رسلان = أحمد بن الحسين بن حسن الرملي
الزاملي = صالح بن سعيد العقري
الزمخشري = محمود بن عمر
السّدي = اسماعيل بن عبدالرحمن
أبو سعيد الكدمي = محمد بن سعيد بن محمد
سعيد بن جبير: [98]
سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي (المحقق) : [15] ،(44)
سعيد بن سالم الصائغي : [42]
أبو سفيان = محبوب بن الرحيل
سيبويه = عمرو بن عثمان بن قنبر
السيوطي = عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد
الشافعي = محمد بن ادريس
أبو الشعثاء = جابر بن زيد
الشيخان (البخاري ومسلم) : [178]
الصائغي = سعيد بن سالم
صالح بن سعيد العقري (الزاملي): [297]
صفوان بن عسال: [22] (1/386)
صفحة 387
صفية بنت عبد المطلب: (182)
عباده بن الصامت: (194)
ابن عباس: (22 ،194 ،251)
العباس بن عبد المطلب: (182)
عبدالرؤوف بن تاج العارفين المناوي : [8]
عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي: [31]
عبدالرحمن بن رستم: [76]
عبد العزيز بن ابراهيم الثميني : [170]
عبدالله بن عبدالرحمن بن عقيل: [31]
عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني: [214]
عبد الملك بن مروان: [63]
ابن عربي = محمد بن علي بن محمد
عطاء (التابعي) : [287]
العطار = حسن بن محمد بن محمود
عكرمة بن عبدالله (مولى ابن عباس) : [194]
علي بن محمد بن علي البسيوي : [34]
أبو علي = موسى بن علي
عمار بن ياسر: (72 ،304)
ابن عمر: (98)
عمر بن الخطاب: (153)
عمرو بن عثمان بن قنبر (سيبويه): (1) ،[10]
غيلان الدمشقي: [194]
فاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم - : (182)
فتح بن نوح الملوشائي (أبو نصر): (23) ،[31]
فرعون: (132)
الفضل بن الحواري : [297]
أبوالفضل أبوالقاسم بن ابراهيم البرادي : [76]
الكندي (مؤلف الإهتداء) = أحمد بن عبدالله بن موسى
أبو لهب: (8)
مالك بن أنس الأصبحي (الامام) : [189]
محبوب بن الرحيل (أبو سفيان): [63]
محمد بن ادريس الشافعي: (4)، [65] ،(189)
محمد بن سعيد بن محمد الكدمي: [21] ،(39 ،41 ،44 ،50 ،57 ،75 ،221 ،237 ،237 ،237 ،254 ،261).
محمد بن علي بن محمد بن عربي: [287]
محمد بن عمر بن الحسين الرازي (الفخر): (1)،[125]
محمد بن عيسى الترمذي : [171]
محمد بن محبوب بن الرحيل : [28] ،(34 ،297)
محمد بن وصاف البزار : [76] ،(274)
محمود بن عمر الزمخشري : (1)،[143]
امرئ القيس : (191)
ابن مسعود : (98 ،100 ،100)
مسيلمة الكذاب : (132)
معاذ بن جبل : (98)
معبد بن عبدالله الجهني : [194]
الملوي = أحمد بن عبد الفتاح
المناوي = عبدالرؤوف بن تاج العارفين
موسى ابن أبي جابر : [237]
موسى بن علي بن عزرة (أبو علي) : [237]
ناصر بن جاعد الخروصي : [218] ،(224 ،231) (1/387)
صفحة 388
نافع (مولى ابن عمر): [98]
أبو نبهان = جاعد بن خميس
نجاد بن موسى (القاضي) : [24]
أبو نصر = فتح بن نوح
ابن النضر = أحمد بن سليمان بن عبدالله
النعمان بن ثابت بن النعمان أبو حنيفة: [61] ،(214)
واصل بن عطاء الغزّال : [194]
ابن وصاف = محمد بن وصاف البزار
يونس الإسواري : [194]
الأشعرية : [119] ،(168 ،214)
الجهمية: [204]
القدرية: من المعتزلة (117) القدرية: من الجبرية (204)
المرجئة: (191)
المعتزلة: [79] ،(119 ،168 ،204)
الخوارج : 119
نص منظومة
أنوار العقول
للإمام
أبي محمد نور الدين عبد الله بن حميد السلمي
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
(12)
(13)
(14)
(15)
(16)
(17)
(18)
(19)
(20)
(21)
(22)
(23)
(24)
(25)
(26)
(27)
(28)
(29)
(30)
(31)
(32)
(33)
(34)
(35)
(36)
(37)
(38)
(39)
(40)
(41)
(42)
(43)
(44)
(45)
(46)
(47)
(48)
(49)
(50)
(51)
(52)
(53)
(54)
(55)
(56)
(57)
(58)
(59)
(60)
(61)
(62)
(63)
(64)
(65)
(66)
(67)
(68)
(69)
(70)
(71)
(72)
(73)
(74)
(75)
(76)
(77)
(78)
(79)
(80)
(81)
(82)
(83)
(84)
(85)
(86)
(87)
(88)
(89)
(90)
(91)
(92)
(93)
(94)
(95)
(96)
(97)
(98)
(99)
(100)
(101)
(102)
(103)
(104)
(105)
(106)
(107)
(108)
(109)
(110)
(111)
(112)
(113)
(114)
(115)
(116)
(117)
(118)
(119)
(120)
(121)
(122)
(123)
(124)
(125)
(126)
(127)
(128)
(129)
(130)
(131)
(132)
(133)
(134)
(135)
(136)
(137)
(138)
(139)
(140)
(141)
(142)
(143)
(144)
(145)
(146)
(147)
(148)
(149)
(150)
(151)
(152)
(153)
(154)
(155)
(156)
(157)
(158)
(159)
(160)
(161)
(162)
(163)
(164)
(165)
(166)
(167)
(168)
(169)
(170)
(171)
(172)
(173)
(174)
(175)
(176)
(177)
(178)
(179)
(180)
(181)
(182)
(183)
(184)
(185)
(186)
(187)
(188)
(189)
(190)
(191)
(192)
(193)
(194)
(195)
(196)
( (1/388)
صفحة 389
197)
(198)
(199)
(200)
(201)
(202)
(203)
(204)
(205)
(206)
(207)
(208)
(209)
(210)
(211)
(212)
(213)
(214)
(215)
(216)
(217)
(218)
(219)
(220)
(221)
(222)
(223)
(224)
(225)
(226)
(227)
(228)
(229)
(230)
(231)
(232)
(233)
(234)
(235)
(236)
(237)
(238)
(239)
(240)
(241)
(242)
(243)
(244)
(245)
(246)
(247)
(248)
(249)
(250)
(251)
(252)
(253)
(254)
(255)
(256)
(257)
(258)
(259)
(260)
(261)
(262)
(263)
(264)
(265)
(266)
(267)
(268)
(269)
(270)
(271)
(272)
(273)
(274)
(275)
(276)
(277)
(278)
(279)
(280)
(281)
(282)
(283)
(284)
(285)
(286)
(287)
(288)
(289)
(290)
(291)
(292)
(293)
(294)
(295)
(296)
(297)
(298)
(299)
(300)
(301)
(302)
(303)
(304)
(305)
(306)
(307)
(308)
(309)
(310)
(311)
(312)
(313)
(314)
(315)
(316)
(317)
(الحمد لله الذي قد أشرقا
(فأبصروا بنورها المسالكا
(حتى استووا على بساط القرب
(فانتعشت عقولهم بالذكر
(فأبرزوا نتائج الأفكار
(ثم صلاة الله مع سلامه
(ممتزجان بالثنا الجميل
(محمد سيد كل من شفع
(وبعد فالدين أهم مقصدا
(لأنه يعرب للإنسان
(وقد نظمت دررا في أصله
(لَقَّطُّتها من زاخر الآثار
(والله بالقبول فيها يقضي
(ومنه أرجو أن يعم نفعها
(ومحدث العلم ضروري بلا
(والكل من ذَيْنِ له تَعَبُّد
(والعلم منه لازم قد وجبا
(فكل شيء لم يسعنا جهله
(والبحث للواجب حتماً يلزم
(والحد للقدرة أن يَرى له
(في الصح مع وجدان ما يحمله
(وفضله ليس له احصاء
(سؤالنا قسمان قسم حجرا
(وباعتبار الشرع في التعبد
(أسقط سؤالا إن أتى خمس به
(إثبات أو جمع سؤالين معا
(امنع بكيف، لِم، وهل سؤالا
(أين، ومِن أين، وكم؛ فكيفا
(وهل لتصديق، ومن عن جنس،
(متى سؤال جاء عن زمان،
(وكم سؤال عدد، وإنه
(والأصل للفقه كتاب الباري
(والاجتهاد عند هذي مُنِعَا
(والرأي في غير الأصول جُوِّزَا
(ولم يجز خلافنا للأعدل
( (1/389)
صفحة 390
في غير ما قد حكم الحاكم أو
(أو من طريق الزهد كان أفضلا
(وذاك مثل الأكل للسباع قد
(حملته على سبيل الأدب
(والخلف إن لم نعرفنَّ الأعدلا
(أو لا اذا التحري في ذا يعدم
(وخطأ العالم في الفتوى همل
(وإن خفي بطلانه عليه
(إن كان مما حجة السماع به
(والجهل قسمان بسيط سلما
(إلى مركَّب وليس يسلم
(وباعتباره لدى التكلُّف
(وأي فرض فعله مُؤَقَّت
(حجته تقوم ممن عبَّرا
(بل ما عدا البَرّ أتى في المعتبر
(واعتقد السؤال إن لم تستطع
(لكن عليك أن تؤديه كما
(فإن تكن موافقا صدق العمل
(مختلف فيه ومع من أثبته
(وإن يكن غير مؤقت العمل
(مالم تكن معتقدا لتركه
(وذاك مثل الحج والزكاة
(وواسع جهلك بالمحرَّم
(كالدم والميتة والخنزير
(وكالذي يذبح للأوثان
(وذا لدى المضطر قد أبيحا
(والجهل بالأنساب أي تحريمها
(ما تركوا ارتكابها وضاق إن
(وواسع لجاهل الأنساب
( إن كان لم يقصد خلافا ورجع
(ولم يسع جهل ضلالة المُصِر
(من بعد أن تعلم كفره ومع
(بشرط أن لا تتولاه ولا
(وواسع جهلك بالمحلل
(كالبيع والملك وكالنكاح
(وحرم ارتكاب مالم يعلم
(وإن يرد في قصده خلاف ما
(وقد تقوم حجة العلم لما
(لو كان واحداً له الفضل علا
(ورجح الأول أن العلما
(وكل شيء واسع جهلك به
(والقول في الجملة ما لم يقم
(إذ لم يكن جَلَّ مكلفا بلا
(ولو يشا لكان منه عدلا
(وإن أتى برهانها امرءا فلا
(ومنكر الجملة بعدما نظر
(ولم يسع جهل ضلاله ولا
(كذاك جهل من يشك فيه
(والخلف في إيمانها بالقلب هل
(تكليفه بها فبعض ذهبا
(والخلف هل عليه أن يقررا
(أو يجتزي بالماضي مالم يحدث
(وما عدا الجملة من تفسيرها
(إلا لدى السؤال والجهل بما
(وما عدا الإيمان فاللازم في
(فالحجة السماع في ذا كله
(وهاك توحيدا لنا فلتقتبس
(نعبده جلَّ امتثال أمره
(فإن يشأ يرحمنا بفضله
(فالملك والعزة والسلطان
(سبحانه ليس له مكان
(بخلقه لكل شيء نشهد
(ليس له شِبه ولا نظير
(ليس له فوق ولا تحت ولا
(كذا يمين وشمال والذي
( (1/390)
صفحة 391
ولم يزل وليس شيء معه
(بكونه ولونه وشكله
(لو أنه مشابه في ذاته
(إذ كل شبهين بوجه لزما
(لو كان ثان عنده في الأزل
(ولا دليل خص واحدا فقط
(لو أنه في أمره معان
(وهكذا يلزم في الزمان
(لو أنه في ملكه مشارك
(في الذات والصفات والأفعال
(ولم يجز وصفكه بغير ما
(وأي وصف جاز وصفه بما
(وما عدا ذاك بوصف الذات
(صفاته لذاته هي ذاته
(إذ لم تكن فيه لئلا يلزم
(ولا عليه فيكون أفقرا
(فهو عليم لا بعلم جُلبا
(وهو بصير لا بعين نظرت
(وهكذا في سائر الصفات
(ورؤية الباري من المحال
(لأن من لازمها التميُّزا
(في جهة تقابل الذي نظر
(من قول لا تدركه الأبصار
(لأنها مدح له ولا يصح
(لو جاز أن يزول مدحه لزم
(ومن يدن بها بكفر النعم
(كأن يقول يده مثل يدي
(فوجهه أي ذاته في قوله
(واليد منه قدرة أو قل نعم
(وجَدُّه كوجهه أو قل عِظَم
( ثم من الجائز بعث الرسل
(مقرونة دعواهم تفضلا
(وواجب عليك أن تعرف ما
(وما استحال عنهم فاللازم
(كالصدق والتبليغ والأمانة
(والمستحيل ضدها كالكذب
(وما عدا ذلك فهو ممكن
(أفضلهم نبينا ثم الخليل
(وبعدهم نوح فباقي الرسل
(قد نسخت شرايع الجميع
(وما له أي شرعنا مغير
(وبعدهم ملائك حباهم
(أفضلهم جبريل والذي زعم
(بهم جميعا يجب الإيمان
(وهوكلام جاء بالنظم الأتم
(والكل مخلوق لإمكان العدم
(وفي القرآن محكم ومشتبه
(كلٌ أتى من ربنا والخلف في
(مع اتفاق منهم أنهما
(فالمحكم المتضح المعنى انقسم
(في النص حكم القطع بالمراد
(وإن أتى بعكسه الدليل
(وهو قريبا أو بعيدا وقعا
(وذو اشتباه ما اختفى كالمجمل
(فمنه ما قيل بأنه الذي
(ومنه أيضا ما يكون مبهما
(ومنه أنه الذي لم يَعلم
(فكل هذا أصله متَّحد
(وقيل أحرف أوائل السور
(وقيل ما قد كان منسوخا وما
(وحكمه الوقوف في الإجمال
(والرد للمحكم حكم الثاني
(والموت حق يجب الإيمان
(فالموت أن تفارق الروح الجسد
(والقول بالإمساك في الروح أحق
(ولم يمت قبل انقضا العمر أحد
( (1/391)
صفحة 392
كان حلالا أو حراما حجرا
(إذ ليس في العالم شيء يصدر
(ثم عذاب القبر مما جاء به
(واعتقدن صدقه ولا تُحِل
(أما الحساب فهو تمييز العمل
(خُصَّ به مقصِّرٌ ليعلما
(وما عداهما إلى الجنان
(والخلف هل قد خلقا وهو الأصح
(والوقف عن تعيننا ذاك المحل
(وعدم التعيين ليس يقدح
(والكتب صحف حوت الأعمالا
(يَرِدُه مِن أمة الرسول
(وإنما الميزان في الحسبان
(لا مثل قول ذي الخلاف إذ غدا
(وقوله: الصراط فهو الحق لا
(شفاعة الرسول للتقي
(ومن يقل بغير ذا فقد كفر
(وإن يكن بغير ما تأول
(لأنه مخالف الكتاب
(كليس للظالم من حميم
(ومن عصى ولم يتب يخلد
(وكافر بنعمة من فرَّقا
(أعني لدى الخلود والفرق نشا
(كذاك من قال بأنه يجي
(وهكذا من قال كل يدخل
(ومن يقل دار الخلود فانية
(هذا إذا ما كان بالتأويل
(وبالقضا نؤمن أيضا والقدر
(ومن يقل إلهنا لم يخلق
(لقوله لكل شيء خالق
(لو كان خالقا سواه لزما
(ولو تعدد الإله لظهر
(لكن لنا في فعلنا اكتساب
(مَنْ ثَمَّ قد نيل به أعلى الرتب
(وفاسق من قال إن الله جل
(وأنه لم يجعل استطاعه
(لأنه لو كان هذا بطلا
(وبطل الوعيد مع بعث الرسل
(وخلقه أفعالنا وعلمه
(كذاك كونها له مرادا
(لو لم يكن يعلم ذا لجهله
(لو لم يرد وقوعه ووقعا
(لكن لذا التخيير واكتسابنا
(إيماننا التصديق، والإسلام
(ولهما في الشرع معنى ملتزم
(ومن يكن مضيعا لواحد
(في وجهه الشرعي ليس ينقص
(لأنه إن هُدِم البعض انهدم
(وَلاية المؤمن فرض حققا
(والكل من ذين على أقسام
(حقيقة وهي التي قد نطقا
(والحكم بالظاهر فهو الثاني
(براءة الظاهر حكما تجب
(عيان أو إقرار أو شهادة
(واستثن الإقرار لدى الوَلاية
??والخلف في رفيعة الوَلاية
(وإن تكن عنيته فألزم
(لكن على العدول ليس العلما
(وفي ولي وجبت ولايته
(إن وجبت عليك والذي نطق
(ومن يبح براءة من نفسه
(وإن يكن من الألى لم تلزم
(فبعضهم رخص ما لم تعلم
(وإن يكن كفرانه مشتهرا
(ومتبرٍ من وليٍّ لك قل
( (1/392)
صفحة 393
وفي ولي ترك الفرض اقتفي
(ثم استتبه إن يكن منك قبل
(وإن أتى الولي ما لله به
(توله والبعض منه يقف
(كذاك إن أتى بفعل حُجِرَا
(هذا إذا ما كان فعله احتمل
(وفي وليين تخالفا بما
(تول بالرأي وإن شئت فقف
(وإن يكونا عالمين تلزم
(وأوجبن براءة من المصر
(ومن تولى محدثا لفعله
(وقوف دين رأي أو سؤال
(فالدين في كل فتىً لم تعهد
(والرأي في الولي إن تسنَّما
(وقيل والسؤال مع ذا يلزم
(وفي وليين تلاعنا احكم
(بطلان كل منهما والشك
(والذنب قسمان كبير وجبا
(فأوجب اللعن عليه أو سخط
(وعكسه الصغير مثل الكذب
(ومن أصرَّ لصغير فكمن
(وراكب الكبير تَوِّبه فإن
(وبعضهم ضلله وتوَّبا
(والحكم للراكب ذنبا صغرا
(والخلف في الإصرار للصغير هل
(أو إن يكن أتاه باستخفاف
(والخلف في الولي إن أتاه
(ولم يُتَوِّبه وبعض ذهبا
(وبعضهم أحسن ظنه به
(وغيبة المؤمن والتجسس
(وقاذف الولي إن حرا وإن
(وإن يكن حرا ولم يكن ولي
(وإن يكُ المقذوف عبدا أو صبي
(فالخلف في تكفيره من قبل
(وإنْ يكُ المقذوف مجهولا فلا
(والقذف عند مشرك لم يوجب
(كذاك مع من لم يكن مكلفا
(هذا إذا ما القذف كان بالزنا
(والكفر قسمان جحود ونِعَم
(وامنعه في الأول حتما وهو ما
(واحكم برجس أهله على الأبد
(واسْبِ ذراريهم وحرم ذبحهم
(وهكذا منهم لنا سواء
(والذبح من أهل الكتاب جُوِّزا
(ويرفع الحرب لجزية أتت
(إلا الذباح والنكاح فهما
(والمشركون من ذوي الأوثان
(كذاك حكم راجع عن دينه
(توبتنا قسمان فرض وجبا
(أركانها ندم مع استغفار
(وأصلها امتثال أمر الباري
(والتوب مثل الذنب؛ عن نبينا
(فالعُجب والكِبر معا والحسد
(وهكذا العزم على الكفران
(ولم يرد تائب من ذنبه
(أو تطلع الشمس من المغرب قد
(فقاتل المؤمن عمدا تقبل
(من بعد موت من أضل وإذا
(وقيل أن لا توبة لهم وفي
(لكن على المضل أن يُبلغَ مَن
(إن كان في مقدرة وإلا
(وتارك فرضا لمولاه مضى
(عليه مع إبداله وقيل لا
(وذاك مثل الصوم والصلاة
( (1/393)
صفحة 394
وفي المصر إن أتى الطاعة هل
(أو لا أو التفصيل أولى إن عصى
(ومجمل توبة من يحرِّم
(ومن أتى أمرا على التحريم
(وإن يكن أتاه باستحلال
(وإن يكن في يده ما قد كسب
(وحكمه محرم حين فعل
(أجز تقية بقول إن خلص
(وامنعها في اتلاف نفس إن جنى
(ولم تجز تقية بالفعل
(لكن جواز ما أبيح للضرر
(ومكره جاء بما الحد يجب
(ورفع الإثم لدى الخطأ ومن
(كالقاتل النفس وكالمطلّق
(ورفض الوزر لدى النسيان
(من بعد أن جاهده بما قدر
(تمت بحمد الله أنوار العقول
(عارية من وصمة الإخلال
(أهديتها صرفا لكل طالب
(وأحمد الله على التيسير في
(ثم الصلاة مع تسليم على
(وآله وصحبه ومن قفا
شمس الأصول في نهى ذوي التقى)
وجانبوا بسرها المهالكا)
في حضرة قدسية في القرب)
وبسقت أسرارهم بالفكر)
فأعربت عن شرف المقدار)
مصطحبان بسنا إنعامه)
على النبي المصطفى الجليل)
والآل والصحب الرضى ومن تبع)
وأنه أجلّ علم قصدا)
عن كل ما كلف بالبرهان)
إن تدرها جزت طريق عدله)
عن الكرام السادة الأبرار)
حتى أراها في غد من قرضي)
كل الورى وأن يتم صنعها)
تأمُّل ونظري تؤملا)
في الشرع معروف كما سنورد)
تعليمه والثاني نفل ندبا)
فواجب وما عداه نفله)
لقادر بترك ذاك يأثم)
معبرا وان نأى يمضي له)
ومأمن مع قوت من يكفله)
جاءت به من ربنا الأنباء)
والثاني تفويض المجيب قررا)
للازم قَسِّم ونفل تهتدي)
تناقض أو جاء باضطرابه)
أو كونه من المحال وقعا)
مَن، أَي، متى عن ربنا تعالى)
عن هيئة، وعِلة لِم تلفا)
وأي لشِركة وأجزا النفس)
أين، ومِن أين عن المكان)
فرد قديم قاهر سبحانه)
إجماع بعد سنة المختار)
وهالك من كان فيها مبدعا)
وواجب أن نتحرى الأجْوَزَا)
مما نرى وميلنا للأهزل)
كان خلاف كافر فيما رأوا)
وإن حكمت فاقصدنَّ الأعدلا)
رأيت حِلَّهَا وإن نهي ورد)
كمثل ما اختار امام المذهب)
هل جائز بما نشا أن نعملا)
بل نستشير واجبا من يعلم)
والوزر والضمان للذي عمل)
فالتوب مجملا أتى اليه) (1/394)
صفحة 395
ولم يجد معبرا فلتنتبه)
صاحبه والثاني فهو ما انتمى)
صاحبه بفعله بل يأثم)
لواسع الجهل وضيق يفي)
فعلمه في وقته مُثبّت)
وقيل لاحجة ممن كفرا)
إن استطعته بلا نيل ضرر)
معبرا نور هداه تتبع)
رأيت من أدائه متمما)
وفقك الباري وإلا فالبدل)
قولان بالفور ودين مثبته)
فواسع جهلكه إلى الأجل)
وقيل كالأول نظم سلكه)
لأن وقت ذين للممات)
جميعه ما لم عليه تُقْدِم)
إن قائم العين وكالخمور)
في أي ما كان من المكان)
والخلف في الخمر أتى صريحا)
فواسع لجاهلي علومها)
ارتكبوها جهلهم بها استبن)
نكاح من شاء بلا ارتياب)
متى رأى حرام ما فيه وقع)
محرما أو مستحلا إذ أصر)
بعضهم ما لم تعِ الحكم يسع)
تبرأ ولا تمسك عمن ضللا)
إن أنت عن تحليله لم تعدل)
على شروطها وكالمباح)
ومن يكن موافقا لم يأثم)
قد أوجب الباري عليه أثما)
قد وسع الجهل بقول العلما)
وقيل مالم تبصر الحق فلا)
كالأنبياء مقالهم قد لزما)
ثم رأيت حقه ضاق انتبه)
برهانها كغيرها لم تلزم)
برهان صدق يوضحن السبلا)
كمثل ما قد كان هذا فضلا)
يُنَفَّسَنَّ لحظة ليسألا)
برهانها كفر جحود قد كفر)
تشك فيه والذي له تلا)
على قياس شائع تلفيه)
يجزيه دون نطقه إذا نزل)
للإجتزا والبعض منهم قد أبى)
تصديقه إن ذكرها قد خطرا)
شيئا بها كعهدها لم ينكث)
كحكم ما رأيت من تعبيرها)
أحدث والشائع ما تقدما)
تفسيرها بالقلب في التكلف)
وحجة المعنى له من عقله)
من نوره وعن هوى النفس احتبس)
سبحانه ونهيه وزجره)
وإن يشأ عذبنا بعدله)
له كذا القدرة والبرهان)
يحويه جلَّ لا ولا زمان)
وأنه في ملكه منفرد)
ولا وزير لا ولا مشير)
قبل ولا بعد فكل حظلا)
إليه تعزى حادث بذا احتذي)
وعالم من قبل أن يصنعه)
وما اليه صائر بفعله)
جاز عليه وصف مخلوقاته)
في الكل ما لذلك الوجه انتمى)
لكان كل صالحا لأن يلي)
والحكم من غير مرجح غلط)
لزمه في ذاته النقصان)
وفي الجهات الست للمكان)
كان فسادا ذلك التشارك)
مخالف لنا بكل حال) (1/395)
صفحة 396
بينه من وصف نفسه اعلما)
عانده فوصف فعل أحكما)
يعرف وهو كالعليم آت)
لا غيرها دلت بذا آياته)
حلوله وليس منه نجزم)
لغيره وذاك دأب الفقرا)
وهو سميع لا بسمع رُكِّبا)
وهو قدير لا بقدرة عرت)
لأنها في الأصل عين الذات)
دنيا وأخرى احكم بكل حال)
والكيف والتبعيض والتحيزا)
فهذه وما أتى به السور)
ولن تراني فانتفى الإبصار)
زوال ما به الإله ممتدح)
تبديل عِزِّه بِذُلٍّ وشُتم)
فاحكم له والشرك إنْ يجسِّم)
أو وجهه كوجه بعض الأعبد)
وعينه أي حفظه لفعله)
وقبضة والاستوا مُلكا يُسم)
ومكره عقوبة لمن ظلم)
يهدوننا إلى الصراط الأعدل)
بمعجزات تبطل التقوّلا)
يجوز للرسل وما قد لزما)
في حقهم نَعْتَاً هي المكارم)
والعقل والضبط وكالفطانة)
وكالجنون وارتكاب الرِّيب)
في حقهم إلا الذي يستهجن)
ثم الكليم بعده عيسى الجليل)
فالأنبيا ذوو المقام الأكمل)
سوى الهدى بشرعنا البديع)
فهو على الدوام لا يُغَيَّر)
مولاهم بالقرب واجتباهم)
تفضيله على الحبيب قد غشم)
وبالذي أنزله الرحمن)
على معان فيه ارشاد الأمم)
ولإنفراده تعالى بالقدم)
ومجمل مفصل نؤمن به)
حديهما على أقاويل تفي)
نوعان أي مختلف حكمهما)
للنص والظاهر معنىً فانحسم)
والظن في الظاهر للعباد)
صير اليه وهو التأويل)
أو متعذراً فلن يُتَّبَعا)
أو مفهم تشبيه مولانا العلي)
له احتمالان فصاعداً خُذ)
كتسع عشر أمرهم قد أبهما)
تأويله غير المهيمن اعلم)
وجعله أشياء ليس يحمد)
وقيل بالأمثال مع كل خبر)
قد كان ناسخا يسمى محكما)
حتى يبين أظهر احتمال)
أو يلزمن تناقض القرآن)
به كذاك البعث والحسبان)
والبعث ردها إليه للأبد)
وما سوى التخمين للذي نطق)
وقبل رزقه الذي له يُحد)
أو شبهة والله كلا قدرا)
إلا وربنا له مقدر)
تواتر الأخبار معنى فانتبه)
تعذيب ميت لوجوه تحتمل)
خيرا وشرا ليراه من فعل)
أو فاسق ليكثر التندُّما)
بلا حساب أو إلى النيران)
أم يخلقان بعدما الفنا اتضح) (1/396)
صفحة 397
أولى بنا إذ لا دليل ثَمَّ دل)
في قولنا إن الوجود أرجح)
والحوض حق فاترك الجدالا)
من قد وفى بعهده المسئول)
عدل وانصاف من الرحمن)
يُأوِّلُنه كَفَّةً وأعمدا)
جسر كما بعضهم تأولا)
من الورى وليس للشقي)
كفر نعيم إن تأول ظهر)
فذاك شرك أي أشر منزل)
وسنة الرسول والألباب)
ولا شفيع من لظى الجحيم)
في النار دائما بهذا نشهد)
ما بين ذي شرك ومن قد فسقا)
لدى منازل العذاب وفشا)
وقت على النار بلا تأجج)
فيها سعيد وشقي مبطل)
أو أهلها ففاسق علانية)
والشرك في الرد على التنزيل)
ولم يجز إغراقنا فيه النظر)
أفعالنا بُعْداً له من أحمق)
سبحانه الرب المليك الرازق)
تعدد الإله قطعا حتما)
فساد هذا العالم الذي بهر)
به الثواب وبه العقاب)
إلا النبوات فليس تكتسب)
قد جبر الإنسان فيما قد فعل)
له لكفر شاءه أو طاعه)
أمر ونهي مع وعد جعلا)
وجاز تكليف الجماد كالنبل)
بهن لا يوجب جبرا حكمه)
لأنه قد خيَّر العبادا)
لو لم يكن خالقه من فعله)
لكان مكرها على ما صنعا)
قد انتفى الإجبار عن رقابنا)
إذعاننا لما دعا الأحكام)
تصديق قول عملا إذا لزم)
منها استحق هلكة المعاند)
لكن يزيد هكذا قد خصصوا)
جميعه وذا هو القول الأتم)
وهكذا براءة اللذ فسقا)
ثلاثة تأتي على تمام)
بها كتاب أو رسول حققا)
ثالثها عقيدة الإنسان)
بواحد من أربع تعتقب)
عدلين أو حق أتى بشهرة)
وإنما الوجوب بالثلاثة)
من واحد عدل بلا عناية)
وقيل لا لزوم ثم يعلم)
تفصيل ما جاءوا به ليُعلَما)
على الورى سريرة براءته)
بها جهارا للبراءة استحق)
فهالك وهو حري بخِسه)
وَلاية لهم على الكل اعلم)
وَلاية والبعض من ذا يحتمي)
لا بأس إن بكفره قد جهرا)
بكفره إن لم يتب عما فعل)
عذرا له إن لم تجد عنه قف)
ولتَبْرَ إن لم يرجِعَن عمَّا عمل)
حق وللعباد كالقتل انتبه)
عنه، وفي البراءة منه ضعف)
في أصله وعارض الحل يُرى)
حقا وباطلا وإلا حيث حل)
يوجب كفر واحد فانبهما)
وقوف رأي إن يكونا في ضعف) (1/397)
صفحة 398
وَلاية المحق فيما نعلم)
وقيل من لم يتوله عُذر)
قالوا فذاك هالك كمثله)
إشكال أو شك على ضلال)
خيرا وشراً منه كيما تقتدي)
أمرا عليك حكمه قد أبهما)
فهو حليف الرأي مع من ألزموا)
وقوف إشكال إذا لم يعلم)
أن لا تولى غير من يشك)
حد به والباري منه غضبا)
أو قبح الرسول من به سقط)
إن خف والرقص ومثل اللعب)
أتى الكبير في الكتاب والسنن)
أبى إلى الله ببغضه فدِن)
ثم استمر إن عن التوب أبى)
إسلامه حتى يُرى مستكبرا)
إذا مضى ولم يتب من العمل)
والثاني عندهم بلا خلاف)
فبعضهم في حكمه رآه)
الى الوقوف قبل أن يتوبا)
وبعد ذا استتابه من ذنبه)
والقذف في الكل حرام أسسوا)
عبدا وإن صبيا كفره زكن)
وبالغا كان فمثل الأول)
غير وليين ومشركاً أبي)
تتويبه مما أتى من فعل)
تحكم بكفر قاذف مستعجلا)
كفران آتيه إذا لم يكذب)
بحكمه مثل صبي فاعرفا)
أو يحضر الشهود في ذا معلنا)
وبالنفاق الثاني منهما وسم)
لرد تنزيل ومرسَل نما)
واغتنمن في الحرب منهم السبد)
تناكحا توارثا منا لهم)
في الحرب أو بجزية هم جاءوا)
مع النكاح دون حرب جُوِّزا)
منهم وفي المجوس حكمهم ثبت)
محرمان في المجوس فاعلما)
ليس لهم واق سوى الإيمان)
وآخذ بالشك عن يقينه)
لمن عصى والثاني نفل نُدِبا)
والعزم والرجوع بانكسار)
ومنتهاها الحط للأوزار)
سرا وجهرا هكذا قد بينا)
كذا الريا توبتها أن تُفقد)
فالحق أنه من العصيان)
حتى يرى الموت دنا من قربه)
أتى عن المختار فيما قد ورد)
توبته وهكذا المضلل)
آلى ليبطلن حقا فكذا)
قول أبي نبهان أن ليس اصطفي)
أضله بما دعا ومَن فتن)
فهو حريٌ بمتاب المولى)
كفارة وتوبة قد فرضا)
شيء سوى التوبة في ذا جعلا)
في حكم من حرم للحرمات)
له ثوابها إذا الغفران حل)
من غير ما شرك أتى محصحصا)
والمستحل عكس هذا يلزم)
لم يجزه التوب بلا تغريم)
بعكسه في أعدل الأقوال)
عليه أن يرده لمن سلب)
حتى يصح أنه قد استحل)
من نيل ضر من به القول يخص)
والخلف في اتلاف مال ضمنا) (1/398)
صفحة 399
كالحرق والغرق ومثل القتل)
كالأكل للميتتة والدم اشتهر)
عليه في أن لا يحد نستحب)
ألزمه الظاهر حكما يسلمن)
زوجته خطأ ومثل المعتق)
وهكذا وسوسة الشيطان)
إذ لم تكن أشد من رؤيا البصر)
حاوية أهم شيء في الأصول)
سالكة طريقة الكمال)
تصونه من كل قول كاذب)
أتم ما قد رمته من شرف)
محمد المبعوث من خير ملا)
منهاجهم على التمام والوفا)
_
فهرس الموضوعات
الموضوع
الصفحة
مقدمة التحقيق
فصل في التعريف بالمؤلف:
اسمه ونسبه
مولده ونشأته
أوصافه
شيوخه
تلاميذه
مصنفاته
وفاته
فصل فيما يتعلق بالكتاب:
نسبته وأهميته
مخطوطاته
منهج التحقيق
صور من مخطوطتي الكتاب
نص الكتاب
مقدمة الكتاب
الركن الأول: العلم وما يشتمل عليه:
الباب الأول: في أقسام العلم وأحكامه.
الباب الثاني: في السؤال.
(فصل) في الألفاظ الممتنع بها السؤال عن المولى جل وعلا.
الباب الثالث: في الاجتهاد والفتوى.
الباب الرابع: في أقسام الجهل وفيما يسع جهله وما لا يسع.
الركن الثاني: في الجملة وتفسيرها:
الباب الأول: في لزوم الجملة وكيفية قيام الحجة بها.
الباب الثاني: في التوحيد
الفصل الأول: في نفي الأضداد والأنداد عن الله تعالى.
الفصل الثاني: في البراهين.
الفصل الثالث: في الصفات.
الفصل الرابع: في الرؤية.
الخاتمة: في تفسير ألفاظ تعلقت بها المشبهة.
الباب الثالث: في الأنبياء والرسل والملائكة والكتب
(فصل) في المحكم والمتشابهه.
الباب الرابع: في الوعد والوعيد
الفصل الأول: في الموت والبعث والحساب.
الفصل الثاني: في الميزان والصراط.
الفصل الثالث: في الشفاعة.
الفصل الرابع: في خلود أهل الجنة والنار.
الباب الخامس: في القضاء والقدر.
الباب السادس: في الإيمان والاسلام.
الركن الثالث: في الولاية والبراءة وما يشتمل عليهما.
الباب الأول: في وجوب الولاية والبراءة.
الباب الثاني: في الولاية والبراءة بحكم الظاهر.
(فصل) في أحوال الولي.
الباب الثالث: في الوقوف وأقسامه وأحكامه. (1/399)
صفحة 400
الباب الرابع: في أقسام الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر.
الباب الخامس: في الغيبة والتجسس وأحكام القاذف.
الباب السادس: في انقسام الكبائر إلى كفر نعمة وجحود.
الركن الرابع : في التوبة :
الباب الأول: في التوبة وأركانها وشروطها.
الباب الثاني: في أحوال التائب.
الباب الثالث: في توبة المحرّم والمستحل.
الباب الرابع: في الأمور التي لا تلزم منها توبة
الفصل الأول: في التقيّة.
الفصل الثاني: في الخطأ.
الفصل الثالث: في النسيان وحديث النفس.
خاتمة الكتاب
الفهارس:
(1): فهرس الآيات
(2) فهرس الأحاديث
(3) فهرس الأعلام
نص منظومة أنوار العقول
فهرس الموضوعات
_
تم بحمد الله (1/400)