صفحة 1
الكتاب: بهجة الأنوار - شرح منظومة (أنوار العقول) للشارح نفسه
المؤلف: الإمام نور الدين/ عبد الله بن حميد السالمي (ت: 1332هـ)
تم هذا الشرح المختصر على المنظومة المسماة بأنوار العقول، وهو الشرح الصغير مِن شرح ناظمها عليها، وذلك في سنة أربع عشرة وثلاثمائة سنة وألف مِن الهجرة النبوية على صاحبها أكمل صلاة وتسليم
عُرِضت بشرحها على مؤلفها تصحيحاً، بقلم الفقير الحقير لله (تعالى) راجي رحمة ربه القدير: سعيد بن خميس بن حمد بن سالم المدسري البهلوي خادم بني علي.
تحقيق: ناصر بن محمد بن ناصر السيابي (واعظ)
أصله: بحث تخرج بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد
كتب مقدمة التحقيق: بروي، مساء السبت محرم 1417هـ - 24 / 5 / 1997م
أشرف على البحث: الأستاذ. عمر لقمان، ثم الأستاذ. عاشور بن وسف كسكاس
تنسيق للشاملة: هلال بن مصبح الكلباني
hilalmusabah@gmail.com
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) ملاحظات المحقق
إشارات ومفاتيح
شكر وامتنان
مقدمة المحقق
التعريف ب بهجة الأنوار
خطوط عريضة في حياة المؤلف
وصف النسخ المخطوط
عملي في التحقيق
بهجة الأنوار (شرح أنوار العقول)
الباب الأول : في أقسام العلم وأحكامه
الباب الثاني : في السؤال
[***] فصل في الألفاظ الممتنع بها:السؤال عن المولى (جل وعلا)
الباب الثالث : في الاجتهاد والفتوى
الباب الرابع : في أقسام الجهل
الباب الأول : في لزوم الجملة وكيفية قيام الحجة بها
[***] الفصل الأول : في نفي الأضداد والأنداد والأشباه عن الله (تعالى)
[***] الفصل الثاني : في البراهين
الفصل الثالث : في الصفات
[***] الفصل الرابع : في الرؤية
[***] الخاتمة : في تفسير ألفاظ تعلقت بها المشبهة من كتاب الله تعالى
الباب الثالث : في الأنبياء والرسل والملائكة والكتب
[***] فصل في المحكم والمتشابه
الباب الرابع : في الوعد والوعيد
[***] الفصل الأول : في الموت والبعث والحساب
[***] الفصل الثاني : في الميزان والصراط
[***] الفصل الثالث : في الشفاعة
[***] الفصل الرابع : في خلود أهل الجنة والنار
الباب الخامس : في القضاء والقدر
الباب السادس : في الإيمان والإسلام
الباب الأول : في وجوب الولاية والبراءة وأقسام كل منهما
الباب الثاني : في وجوب الولاية والبراءة بحكم الظاهر
[***] فصل في أحوال الولي بالظاهر
الباب الثالث : في الوقوف وأقسامه وأحكامه
الباب الرابع : في أقسام الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر منها
الباب الخامس : في شيء من الكبائر وأحكام القاذف
الباب السادس : في انقسام الكبائر إلى كفر نعيم وجحود
الباب الأول : في التوبة وأركانها وشروطها
الباب الثاني : في أحوال التائب
الباب الثالث : في توبة المحرّم والمستحل
الباب الرابع : في الأمور التي لا تلزم منها توبة
[***] الفصل الأول : في التقية
[***] الفصل الثاني : في الخطأ
[***] الفصل الثالث : في النسيان وحديث النفس
خاتمة الكتاب
فهرست مصادر ومراجع التحقيق (1/1)
صفحة 2
ملاحظات
1) ص27 لم أجد لها أصلاً من الأوراق. قد تكون زائدة.
2) ص55 لم أجدها من الأوراق وقد تكون ساقطة.
3) فهرس الآيات غير موجود.
4) بعض الحواشي غير مكتوبة من قبل.
إهداء
إلى كل من يتوق إلى النبع الصافي...
إلى كل من يطمح في الفكر السامي...
إلى كل من ينشد العقيدة الصادقة... (1/2)
صفحة 3
إشارات ومفاتيح
البقرة/40 السورة ثم رقم الآية.
خ صحيح البخاري
م صحيح مسلم
ت سنن الترمذي
د سنن أبو داود
جه سنن ابن ماجه
مي سنن الدارمي
ك كتاب
ب باب
ح رقم الحديث
ج جزء
ص صفحة 2 من
1/100 الجزء/ الصفحة (1/3)
صفحة 4
شكر وامتنان
( وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان )
فلذلك كان لزاماً عليّ أن أقدم شكري وامتناني لكل من قدم لي يد العون، والنصيحة المفيدة، والمساعدة، وفي مقدمتهم المشرف على البحث الشيخ عمر لقمان.
الذي لم يأل جهداً في شد أزري، ونفخ روح المواصلة والجد، ومتابعته وحرصه على إخراج البحث متكاملاً، والشيخ عاشور يوسف علي الذي واصل الحرص والمتابعة بعد الشيخ عمر (عافاه الله).
كما إنني أشكر كل من:
أميني مكتبة المعهد (معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد) حماد العبري وأحمد المنذري، وأشكر القائمين على مكتبة السيد محمد بن أحمد، ومكتبة جامعة السلطان قابوس.
كما إنني أشكر كل من:
ساعدني في التحرير والكتابة ومقارنة المخطوطات...
ومما لاشك يه فإن الشكر والحمد أولاً وآخراً لمن بيده لك شيء وهو على كل شيء قدير، الذي منّ علي بالهداية وجملني بالاستقامة، (فيا أنعم المولى بدأت فعودي)
(وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين )
ناصر بن محمد بن ناصر السيابي (1/4)
صفحة 5
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي نوّر عقولنا بالإيمان، وأبهج قلوبنا بأصول الدين، والصلاة والسلام على نور المهتدين محمد بن عبدالله وآله وأصحابه الغر الميامين، وبعد،،،
فإن تراثنا الإسلامي مورد للأجيال، فلذا كان لزاماً على أبناء الإسلام إخراج تراثهم في ثوب قشيب، وحلة صافية يقدّمون لعلمائهم بعض حقوقهم، ويؤدون بعض واجباتهم لأبناء عصرهم وزمانهم، ليواصلوا الدرب التي سلكها آباؤهم، وينتهجوا الخطة التي رسمها قوادهم، ولهذا وذاك رأيت لزاماً عليّ أن أخرج بعض هذا التراث فأميط عنه اللثام، في صورة معاصرة، وباب هذا طريق هو التحقيق، والتحقيق بمعناه ومبناه ليس سهلاً ميسوراً، بل شائكاً وعراً، يتصف متعاطيه بالصبر والشكيمة، والهمة والأمانة -وإني لي بعض ذلك- وما دخولي ميدانه إلا للتعلم والمراس، عسى أن يقوى به عودي، وتتوسع بتمرسه مداركي، ولمّا استقر عزمي عل ولوج هذا الباب، ودفع اختياري على فن أصول الدين، فكان تحقيق بهجة الأنوار شرح أنوار العقول لنور الدين عبدالله بن حميد السالمي، وذلك لا لأني بها عارف، ولا لمعانيها فاهم، وإنما عكس ذلك، لأن أصل إلى ذلك الفهم وتلك المعرفة ولا أنشد في ذلك لإدراك والإحاطة، إذ من هو مثلي همته واهنة، وغرمه ضعيف وأسأل من الله السداد والمقاربة..
وبقدر حاجتي إلى مثل هذه العزيمة وهذا الكتاب الجليل هي كذلك حاجة المجتمع، فعسى أكون قد وفقت لخدمة الإسلام والمسلمين، ومما لاشك فيه أن عملي هذا تتخلله نواقص، وبين ثناياه تقصير وخلل، وذلك كما أسلفت لباعي القصير القصير، وزادي القليل القليل، وقبل أن أختم كلمتي القصيرة هذه أود أن أبين أن عملي انقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مقدمة التحقيق وما تتضمنه من لوازم وأبواب.
القسم الثاني: تحقيق النص.
القسم الثالث: الفهارس العامة. (1/5)
صفحة 6
وانظر تفصيل ذلك في مقدمة التحقيق.
وأخيراً أكر بأن الخطأ وارد والزلل حاصل، فإن أصبت بتوفيق من الله، وإن أخطأت وقصّرت فذل لطبع نفسي المقصّرة، ومن الشيطان أعاذني الله منه، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
العبد الفقير إلى الله المقصر في جنبه/
ناصر بن محمد بن ناصر السيابي
واعظ
روي مساء السبت محرم 1417هـ
24/5/1997م (1/6)
صفحة 7
بهجة الأنوار (شرح أنوار العقول)
الدر لا يفتقر إلى واصف، إذ مظهره وجماله ينبئان عن حاله وجوهره، والمسك لا يحتاج إلى ناعت، فشذاه كفيل بانتزاع نفس طويل ينطوي على الإعجاب به والارتياح له، وهكذا هي آثار نور الدين وباعث ومجدد النهضة العمانية فكرياً وسياسياً وعلمياً في القرن الرابع عشر الهجري الشيخ العلامة الإمام عبدالله بن حميد السالمي -رحمه الله-.
وبهجة الأنوار -الشرح الصغير لأنوار العقول- درة من درر هذه المجدد العملاق، وهي لا تقل أهمية من أقرانها من كتب أصول الدين، إن لم أقل في مقدمتها بل وفي مقدمتها، فهي وإن كان صنوه أو رديفه كتاب مشارق أنوار العقول للمؤلف الإمام نفسه أطول شرحاً وأكثر أخذاً ورداً، إلا أن البهجة تنفرد في بعض الأحيان بما لم يورده المصنف في المشارق، وربما ذلك لأن المشارق كانت سابقة، والبهجة لاحقة في التصنيف، كما يتبين من تاريخ نسخ كل منهما، وليس هذا جزماً بل ظن، إذ قد يظهر خلافه.
ومن الأمثلة على تفرد البهجة بما لم يرد في المشارق -لا على سبيل الحصر-:
·سياقه -رحمه الله- لأحاديث فضل العلم ما لم يورده في المشارق.
·الإشارة إلى بيت أحمد بن رسلان الشافعي الذي يشبهه بيت انقضاء العمر، واستكمال الرزق، وبيّن أن هذا ما توارد الخواطر.
كما أن البهجة لا تخفى أهميتها سواء لعالم مجتهد أو طالب مبتدئ، كما أنها من أحسن الكتب العقدية للناشئة لسهولة ألفاظها، واختصار شرحها، فهي جامعة شاملة مختصرة مفيدة. (1/7)
صفحة 8
فلهذا وذاك كانت فكرة تحقيق هذا السفر الجليل تراودني منذ فترة، وذلك للتعلم والاستفادة، إذ ليست أهلاً للتحقيق بمعناه، وإنما طويلب علم يردد النظر ويحيل البصر، ومن ثم يبين موضع الآية من سورتها، ويخرّج الحديث من مصادره، ويعرف بعلم وغيره لتتكشف له بعض الإبهامات في ثنايا مطالعته، وذلك لا لغموض في الكتاب، ولكن لبلادة في الذهب، وركاكة فهم العبد الفقير.
ويجدر بي في هذا الموضع أن أبيّن مواضيع هذا الكتاب الجليل، فهو مقسّم حسب تقسيم النظم (أنوار العقول) فهو يكون من أربعة أركان وتمهيد وخاتمة.
فالتمهيد اشتمل أربعة عشر بيتاً، والخاتمة احتوت ستة أبيات، وما بينها صلب الكتاب في سبعة وتسعين ومائتي بيت مقسمة إلى أربعة أركان وهي كالتالي:
·الركن الأول: في العلم وما يشتم عليه، وفيه أربعة أبواب:
الباب الأول: في أقسام العلم وأحكامه وفضله.
الباب الثاني: في السؤال.
الباب الثالث: في الاجتهاد والفتوى.
الباب الرابع: في أقسام الجهل، وفيما يسع جهله، وفيما لا يسع جهله.
الركن الثاني: في الجملة وتفسيرها وما يشتمل عليه، وفيه ستة أبواب:
الباب الأول: في لزوم الجملة وكيفية قيام الحجة بها.
الباب الثاني: في التوحيد، وفيه أربعة فصول وخاتمة:
الفصل الأول: في نفي الأضداد، والأنداد، والأشباه.
الفصل الثاني: في البراهين.
الفصل الثالث: في الصفات.
الفصل الرابع: في الرؤية.
الخاتمة: في تفسير ألفاظ تعلقت بها المشبهة من كتاب الله الله تعالى.
الباب الثالث: في الأنبياء والرسل والكتب والملائكة وفصل في المحكم والمتشابه في القرآن.
الباب الرابع: في الوعد والوعيد: وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في الموت والبعث والحساب.
الفصل الثاني: في الميزان والصراط.
الفصل الثالث: في الشفاعة.
الفصل الرابع: في خلود أهل الجنة والنار.
الباب الخامس: في القضاء والقدر.
الباب السادس: في الإيمان والإسلام. (1/8)
صفحة 9
·الركن الثالث: في الولاية والبراءة، وما يشتمل عليهما، وما يتولدان منه، وفي الوقوف، وفيه ستة أبواب:
الباب الأول: في وجوب الولاية والبراءة وأقسام كل منهما.
الباب الثاني: في وجوب الولاية والبراءة بحكم الظاهر.
الباب الثالث: في الوقوف وأقسامه وأحكامه.
الباب الرابع: في أقسام الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر منهما.
الباب الخامس: في شيء من الكبائر، وأحكام القاذف.
الباب السادس: في أقسام الكبائر إلى كفر نعم وجحود.
·الركن الرابع: في التوبة وفيه أربعة أبواب:
الباب الأول: في التوبة وأركانها وشروطها.
الباب الثاني: في أحوال التائب.
الباب الثالث: في توبة المحرّم والمستحل.
الباب الرابع: في الأمور التي لا تلزم منها التوبة، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في التقية.
الفصل الثاني: في الخطأ.
الفصل الثالث: في النسيان وحديث النفس.
خاتمة الكتاب.
وبعد عرض لمحتويات هذا الكتاب ألا ترى أخي القارئ أن هذه الأبواب والفصول هي من أولويات ما يجب على الإنسان معرفته واعتقاده وفقهه؟
فعسى أكون قد وفقت في تأدية بعض ما عليّ من واجبات تجاه عقيدتنا الإسلامية وعلمائنا الأجلاء، الذي ما فتئوا يبصرون ويخططون للمعرفة والفكر والتوعية والتنظيم والسياسة، فاللهم أجزل مثوبتهم، ولا تفتنا من بعدهم، والله ولي التوفيق. (1/9)
صفحة 10
خطوط عريضة في حياة المؤلف
اسمه ونسبه:
الإمام المجدد نور الدين؛ عبدالله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي، من بني ضبّة.
ولادته:
في أحد أيام عام 1286ه رفرفت أعلام البشرى على بيت حميد بن عبدالله السالمي، ببلدة الحوقين إحدى أعمال الرستاق بمقدم وبزوغ نجم نجله الكريم عبدالله والكائنات أغاريد وألحان.
نشأته:
أمضى سنية الأولى في أحضان والده الكريم يوجهه ويعلّمه فعليه، قرأ القرآن الكريم.
وكغيره من الأفذاذ ذكاء وحفظاً تضيق بهم مراتع نشأتهم إذ لا تُشبع نهمهم ولا تروى طموحهم غير المحدود، فكانت الهجرة في سبيل العلم.
الدراسة والتعليم، الشيوخ والرحلات:
الرحلة الأولى: إلى الرستاق، فدرس على كل من:
1-الشيخ راشد بن سيف اللمكي عالم الرستاق آنذاك.
2-الشيخ عبدالله بن محمد الهاشمي.
3-الشيخ ماجد بن خميس العبري.
4-الشيخ محمد بن سيف الرحيلي.
5-الشيخ محمد بن سعود البوسعيدي.
وفي عام 1305ه وعمر التلميذ النادرة 17 سنة وُلِدت باكورة تآليفه وهي منظومة في النحو، فكان جلوسه للتدريس.
وفي عام 1308ه وعمر الشيخ الطموح 22 سنة كانت الرحلة الثانية.
الرحلة الثانية:
إنّ عَلَمَنا لم يكن في معزل عما يدور حوله، وخاصة فيما يغذي العقل ويشبع الطموح العلي، فما إن سمع بالشيخ الصالح المصلح صالح بن علي حتى شدّ رحاله إلى جواره، وألقى عصا السيار إلى جانبه (ببلاد القابل) فاغترف منه العلم، والعمل والفكر والإصلاح، بل كان شيخه هذا أبلغ كثيراً في شخصيته، ولا أدلّ على ذلك من وضعه كتاباً فيه؛ (الحق الجلي في سيرة صالح بن علي) لم يضع مثله في شيخ آخر.
آثاره العلمية والسياسية:
أ) آثاره العلمية (التلاميذ والتآليف (1/10)
صفحة 11
1- التلاميذ:اعتنى بطلابه فكانوا رعيلاً بنى عليهم نهضته وإصلاحه، يقول الشيخ أبو إسحاق: »تلاميذه كثير؛ ولا نبالغ إن قلنا إن رجال العلم اليوم بعمان كلهم من تلاميذه، وقد نبغ منهم كثير، وفي مقدمتهم العلامة الأفخم الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، وبقية العلماء من تلاميذه كثير، وحسبك أن صفوة الأمة هناك والذين قامت عليهم الإمامة والملك هم تلاميذه، وهذه الروح التي نفخها فيهم حتى كانوا حمى للدين والأمة من أكبر الشواهد على إخلاصه وعلو شأنه ومكانه (رحمه الله).
ومن أشهر تلاميذه:
·الإمام العادل الزاهد سالم بن راشد الخروصي.
·الأمير عيسى بن صالح.
·العلامة رئيس القضاة عامر بن خميس المالكي.
·تلميذه الكبير أبو زيد عبدالله بن محمد الريامي.
·ناصر بن راشد الخروصي، عامل الإمامين على الرستاق ونواحيهاز
وغيرهم من العلماء والقضاء والعمال، إذ هم أكثر من أن تتسع هذه المقدمة البسيطة لذكرهم.
وانظر مجمل تلاميذه المشهورين: (نهضة الأعيان، للشيبة محمد السالمي، مكتبة التراث، 125-127.
تآليفه:
يقول شيخنا العلامة أحمد بن حمد الخليلي (حفظه الله):
»الإمام نور الدين السالمي -رحمه الله تعالى- عني عناية بالغة بالتأليف في مرحلة مبكرة من عمره المبارك، وقد بارك الله -سبحانه و(تعالى)- في عمره فأمدنا بما أمدنا به من مواهبه السنية، وتيّسر له أن يؤلف في مجالات شتى حيث ألف في مجال العقيدة، وألف في مجال الفقه، وفي اللغة وعلومها، وفي التاريخ وفي موضوعات متعددة، وكان في جميع هذه المجالات التي يؤلف فيها عالماً محققاً جامعاً بين المعقول والمنقول«. انظر: المنتدى الأدبي قراءات في فكر السالمي، ط1، 1413ه، القراءة الأولى ص19.
وانظر مجمل تآليفه: محمد الشيبة السالمي، نهضة الأعيان، مكتبة التراث، 128-131.
ب) الأثر السياسي: (1/11)
صفحة 12
»الركن الأعظم من إعادة الإمامة إلى عمان، ونيلها المرتبة العليا، وشديد الحرص على النهوض بالأمة العمانية، واستعادة مجدها الباذخ الذي أباده التخريب والاختلاف دهراً طويلاً وذلك دأب العلماء العاملين في كل حين..«(1 ).
كما أن مراسلات مع علماء الجزائر وجواب على السؤال الموجه من الشيخ الباروني حول الجامعة الإسلامية وأسباب وحدة المسلمين تدل على سعة أفقه وطول نظره وتحسس منه لأحوال إخوانه المسلمين..« (2).
وفي هذه العجالة لا أستطيع أن أوفقه حّقّه في هذا المجال وغيره، وإنما هي إشارات وخطوط عريضة في حياته المباركة -رحمه الله-.
صفاته الخلقية والخلقية( 3):
»كان ربع القامة تعلوه سمرة ليس بالسمين المفرط ولا بنحيف الجسم، مكفوف البصر، نير البصيرة، مدور اللحية، سبط الشعر«.
»شديد الغيرة في ذات الله (تعالى)، لا تأخذه لومة لائم، يقول بالحق وينطق بالصدق، مشهور بالبسالة والصلابة، كثير الرد على من خالف الإسلام، مشغول البال بأمته«.
»لا تخلوا مشاهدة الكريم من فائدة دينية، أو عائدة دنيوية، أو شاردة أدبية، مشتغلاً بتدريس العلم والتأليف والفصل بين الخصوم بالحكم الشرعي..«.
وفاته:
قبيل غروب 18 من صفر 1332ه كان للقدر موعد معه، فصدعه جذع شجرة أمبا في قرية بني صبح، وهو في طريقه إلى الشيخ ماجد بن خميس لمناظرته في مسألة أوقاف القبور.
وفي عتمة ليلة 5 من ربيع الأول 1332ه صعدت روحه الطاهرة إلى باريها بعدما ترك للجباه العاتية صيحة الحق، وللقلوب الغلف نداء الواجب، وللضمائر الواعية طريق العلى، وللهمم المتوانية شد العزيمة( 4) -رحمه الله رحمة واسعة-«.
----------------------------
1-انظر: محمد السالمي؛ نهضة الأعيان (مكتبة التراث): 120.
2-المرجع السابق.
3-المرجع السابق: 119-134.
4-المرجع السابق:
--- (1/12)
صفحة 13
وصف النسخ المخطوط
من خلال جهدي المتواضع وأثناء بحثي اليسير لم أحصل إلا على نسختين من هذا الكتاب الجليل، وهما مختلفان في كل من الناسخ وزمن النسخ والخط وبعض السقطات في كل منهما، وإن كان في القديم أكثر.
ولعل سؤال يدور لماذا لم أعتمد نسخة واحدة والقديمة مثلاً؟
قبل الإجابة على السؤال سأعرض المخطوطتين بإبراز ما بينهما من خلاف:
عدل الجدول
النسخة ( م ) النسخة ( ب ) نوع الاختلاف
زهران بن خلفان بن سرور اليعربي سعيد بن خميس المدسري الناسخ
20 من ربيع الأول 1327ه 1314ه زمن النسخ
لم يذكر وإنما ورد في آخرها قبل أن يكتب الناسخ اسمه أنها قد تمت في سنة 1314ه، ومن ثم أردف بأنها تمت بقلمه، سنة 1327ه. عرضت على المؤلف، أي أنها نقلت من مسوّدة ثم عرضت على المؤلف، وذلك لوجود السقطات العفوية المشار إليها لاحقاً. المصدر
قليل بل نادر، وإن كان فيستدركه في الحاشية، والساقط في موضع واحد فقط. غير قليل، ولكنه عفوي بحيث أن السقط نتيجة ارتداد البصر وسبق القلم، إذ غالباً ما يكون السقط ما بين كلمتين متشابهتين؛ مثلاً »والله أعلم، ويحتمل من المطلوب: والله أعلم« بل وهناك سقط مقدار صفحتين، وأظنه فقدت أوراقه. السقط
غير موجود. وجود فهرست للموضوعات في أولها. زيادات
السيب، مكتبة السيد محمد بن أحمد بدية، مكتبة الشيخ السالمي مكان المخطوط
فبذلك يتبين سبب عدم اعتمادي على النسخة القديمة فقط، وهو لوجود السقط، ولم أعتمد على المخطوط الحديثة لأن الأولى أقدم، ومعروضة على المؤلف فلذلك رأيت أن المقارنة بينهما أولى.
وقبل أن أنهي هذه الفقرة يتردد سؤال من أين أخذ الناسخ الثاني نسخته، أي من أين نقلها؟ هل من النسخة (ب)؟ أم أنه من نسخة أخرى؟
من النسخة (ب) مستبعدة، وذلك لوجود السقطات في (ب) مع عدم وجودها في (م) فمن أين أكمل السقط إذن؟! (1/13)
صفحة 14
وللإجابة الجازمة حول هذا السؤال نحتاج إلى نظر وتأمل وبحث وتقصي، ويترجح ذلك إما بإخراج قرائن تؤكده أو ظهور نسخة أخرى أقدم منهما بإجازة المؤلف مع خلوها من السقط، وربما تكون هذه النسخة موجودة في مصر لأن الكتاب أول ما طبع طبع في مصر في حياة المؤلف، فهل رجعت الأصول أم بقيت هناك؟؟
عسى أن يتسنى إظهار ذلك في المستقبل إن شاء الله.
وبعد هذا الوصف الموجز للنسخ ما هو عملي في إخراج هذا النص الكريم.. (1/14)
صفحة 15
عملي في التحقيق
ما هو عملي في إخراج النص؟
ينقسم العمل إلى ثلاثة أقسام:
(مقدمة التحقيق، تحقيق النص، الفهارس العامة)
أولاً: مقدمة التحقيق، وتضمنت:
1)التعريف بالكتاب وإبراز أهميته، وعرض مواضيعه.
2)التعريف بالمؤلف في إيجاز، وذلك لضيق الوقت كما أنه ينبغي إفراد كتاباً خاصاً له في التراجم والسير.
3)وصف النسخ المخطوط.
4)طريقة التحقيق.
ثانياً: تحقيق النص: ويتضمن:
1)تبين رقم الآية وموضعها من السورة وذلك بالرجوع إلى المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
2)إحالة الأحاديث إلى مصادرها والاقتصار على الصحاح في حالة وجودها فيها وإلا فالرجوع إلى غيرها من كتب الحديث، فكنت أول ما أرجع إلى المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، وذلك لاعتماده على الكتب التسعة، وإذا لم أجده فيها رجعت إلى موسوعة أطراف الحديث لزغلول، ثم أرجع إلى مصادرها المشار إليها، وذلك نجد إشارات ورموز خاصة بذلك مثلاً: ك كتاب، ب باب، ح حديث (رقم)، ج جزء، وص صفحة.
3)التعريف بالأعلام والمعمورة والفرق. وذلك بالرجوع إلى كتاب الأعلام للزركلي خير الدين ثم الردجوع إلى مصدرين أو واحد مما أشار روايه الزركلي في الهامش، والأعلام التي لا أجدها في الأعلام أرجع إلى معجم المؤلفين العرب لرضا عمر كحالة أو غيره من كتب الطبقات في الفنون المختلفة، كما أن الفرق أرجع فيها إلى كتب الفرق كالملل والنحل للشهرستاني والفرق بين الفرق للبغدادي، والخطط للمقريزي.
4)شرح الكلمات المحتاجة إلى شرح لمن هو مثلي، وأرجع في ذلك إلى كتب اللغة كالعين للخليل ولسان ابن منظور وغيرهما، كما أرجع في الاصطلاحات إلى الجرجاني في التعريفات.
5)تنظيم وترقيم النص وضبطه بالحركات في الكلمات المتشابهة.
القسم الثالث: الفهرسة العامة وهي للنص فقط:
1)فهرست الآيات. (1/15)
صفحة 16
2)فهرست الأحاديث حسب الترتيب الألفبائي لأطراف الأحاديث، وربما استدركت غيرها في آخره.
3)فهرست الأعلام والفرق والقبائل، ودمجتها مع بعض لقلة الأخريين.
4)فهرست الأشعار وهي وإن كانت قليلة فليست هناك إلا الفهرسة لها، إذ لا يصلح دمجها مع غيرها.
5)فهرست مصادر ومراجع التحقيق.
6)فهرست للمواضيع.
7)فهرست للكتب المذكورة في النص.
وهذا ما تيسر عمله وأسأل من الله العلي القدير أن يعينني فيما تبقى من العمر في إرضائه وطاعته، وأن ييسر لي سبل العلم والمعرفة ومواصلة العمل في هذا الكتاب وغيره، إنه ولي التوفيق، ومن وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،، (1/16)
صفحة 17
بهجة الأنوار (شرح أنوار العقول)
بسم الله الرحمن الرحيم
لك الحمد يا من نور عقولنا بالدين، وطهّر قلوبنا من زيغ الملحدين، وصفى عقائدنا من ضلالات المبتدعين، وخلص أعمالنا من أقاويل المبطلين، وجعلنا من القوم الهادين المهتدين، والصلاة والسلام على خير مبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وعلى تابعيهم إلى يوم الدين.
وبعد: فهذه منظومة منَّ عليّ بها الرحمن المنان، في قواعد التوحيد والأديان، سالكة أعلى منهج في هذا الشأن، واردة أعذب منهل يجلو الأذهان، تنطق بالصدق في كل ناد، وتصدع بالحق بين الحاضر والبادي، قريبة المأخذ للمتناول، بعيدة الغور عن اعتراض المجادل، سميتها أنوار العقول، وما أجدرها بما فيها أقول(1):
وقد كنت شرحتها شرحاً مختصراً، على معاني أبياتها مقتصراً، ثم إني زدت على نظمها
زيادات، وألحقته جملة أبيات، فرجعت إلى ذلك الشرح فنقحته، وإلى هذا المزيد فشرحته، فهاك نظماً محرراً، وشرحاً مهذباً مختصراً، سميته »بهجة الأنوار« جعله الله لي ذخراً في دار القرار، وهو حسبي ونعم الوكيل.
___________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم( 2)
»الباء« للاستعانة متعلقة بمحذوف مقدم عند النحويين، ومؤخر عند البانيين، لفائدة القصر والاهتمام، وهل ذلك المحذوف اسم أو فعل؟ والحق أنه فعل مناسب لغرض المبسمل تقديره بسم الله أبتدئ أو أطلب( 3)، أو نحو ذلك.
وإضافة اسم إلى الله للبيان أو للحقيقة أو للاستغراق كما في الهميان(4 )، وصرّح في حاشية الشذور أن الإضافة تأتي لما تأتي على ال( 5)، والله علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد(6 ). (1/17)
صفحة 18
»الرحمن الرحيم« هل هما اسمان من أسماء الله، أو صفتان( 7)؟ وعلى كلا القولين فليسا بعلمين، لأن كل واحد منهما كلي ينحصر فيه فرد، والعلم ليس كذلك( 8)، وهل هما في أوجه الإعراب صفتان لله؟ أو بدلان منه؟ أو عطفاً؟ بيان وجوه(9 )؟
وهل الرحمن أبلغ معنى من الرحيم، أو الرحيم أبلغ معنى من الرحمن، أو هما مترادفان في المعنى كما يعلم من المطولات؟.
وابتدء بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وعملاً بما في الرواية عنه صلى الله عليه وسلم: »كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر«، وفي رواية »أقطع«، وفي رواية »أجذم«( 10)، والمعنى متحد في كلها، أي منقطع عن البركات، وإن تم بناء لا يتم معنى، وكذلك يكون الابتداء بالحمدلة بعد البسملمة اقتداء بالكتاب العزيز، فإنها في أول الفاتحة، وعملاً بما في الرواية عنه صلى الله عليه وسلم: »كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة عليّ فهو أقطع أبتر ممحوق من كل البركة«(11 ).
قال الملوي( 13): »الحمد هو الثناء بغير الحادث المطبوع، فدخل فيه الثناء على الله بصفاته القديمة، فإنه من أجل المحامد«، وبهذا يعترض على غير هذا التعريف من التعاريف( 14) فإنها تخرج هذا الحمد وإن كان قد أوجب على ذلك بتعسفات في بعضها س[وء أدب مع الرّبّ (تعالى) وليس هذا محل بسطه.
وخرج عن الثناء نحو وصف من هو في الدرك الأسفل من النار لما تضمنه (ذق إنك أنت العزيز الكريم)(15 ) فإنه ليس بثناء بل تنقيص له وسخرية، والتنكر: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب الإنعام، وقيل: لابد أن يكون الإنعام على الشاكر، فعلم أن بينهما عموماً من وجه.
و »ال« في الحمد إما للعهد والمعهود حينئذ الحمد القديم، وإما للجنس؛ وهو مذهب الزمخشري( 16) في كشافه(17 )، وعليه فجائز تارة، وممتنع أخرى على حسب الاحتمالات كما في الهميان( 18). (1/18)
صفحة 19
وإما للاستغراق فيكون المعنى كل فرد من أفراد الحمد لله وهو الحق، وعليه اعتمد القطب(19 ) في الهميان(20 )، ويؤيده قوله (تعالى): (وما بكم من نعمة فمن الله)( 21) وينصره ما حكى الملوي( 22) في حاشيته مما وجده مكتوباً بخط شيخه.
قال الإمام الفخر: »الحمد معرفاً لا يقال إلا في حق الله الله تعالى، ولا يجوز أن يقال الحمد لزيد« قال سيبويه: »واللام في لله للاختصاص وينصره تقديم الجار والمجرور في سورة التغابن (له الملك وله الحمد) «.
و»أشرقا..الخ« الهمزة للصيرورة فكان المعنى صيّر الأصول التي هي كالشمس في الاهتداء بها مشرقة، فإن قلت قد جعلت الشمس من باب المشبه به فلمَ لا تجعلها من باب الاستعارة، قلت لا يصح أن يكون من باب الاستعارة إلا حيث يطوى ذكر المشبه أصلاً، وهو هنا مذكور، وهو الأصول والإضافة بينهما من باب المشبه به إلى المشبه، والأصول جمع أصل وهو ما عرف حكم غيره به.
و»النهى« جمع نهية وهو العقل، و»التقى« اسم بمعنى التقوى وهو الزهد عن المحارم والمسارعة إلى تأدية اللوازم، وفيه إشارة إلى(23 ) أن العلم النافع لا يعطى لغير المتقي، لأن وعاء العلم الورع، وفي الخبر »يلهمه الله السعداء ويحرمه الأشقياء«( 24).
وفي قوله: »شمس الأصول« براعة الاستهلال، وهي أن يجعل المتكلم في أول كلامه إشارة إلى مقصوده، وأحسنها ما يكون على وجه التورية. (1/19)
صفحة 20
قوله: »فأبصروا« المراد بالبصيرة( 25) لا بالبصر، و»الباء« في قوله »بنورها« للسببية أو للمصاحبة، و»الهاء« منه عائدة إلى الأصول لا إلى الشمس كما قد يتوهم، و»المسالك« جمع مسلك، وهو مكان السلوك( 26)، و»جانبوا« فاعل من المجانبة، وهي المباعدة، فإن قلت: لم أتيت بفاعل في هذا المقام مع أنه موضوع للمفاعلة غالباً ولم تأتي بأفتعل مع أنه موضوع للتجنب والاتخاذ ونحوهما؟ قلت: الإتيان بفاعل في هذا الموضع أولى من التعبير بأفتعل لكونه أبلغ معنى وأنجح فائدة وأوفى بتأدية المقصود، ألا ترى أن المعنى حينئذ كأن المهالك جانبتهم بنفسها بسبب ذلك السر الذي أودع في الأصول فلم نتعرض لهم أصلاً وبهذا يظهر لك المقصود و»المهالك« جمع مهلك وهو موضع الهلاك.
»الاستواء« الاعتدال، و»بساط القرب« عبارة عن كون الوصول إلى خير مأمول إلى مقام المشاهدة(27 ) ودرجة المكاشفة(28 )، وتقرب العبد إلى مولاه امتثاله لأمره وزجره، وتقريب لله لعبده توفيقه إياه لطاعته وإعانته له وتخليصه له من كثيف الأغيار( 29)، و»الحضرة« عبارة عن دائرة الكمال.
قال الدمنهوري( 30): »والمراد بالحضرة ويعبر عنها بحضرة القدس وهي الحالة التي إذا وصل إليها السالك(31 ) سمي عارفاً( ) وواصلاً( 32) أن يكون في حالة لا يرى فيها إلا المولى (سبحانه وتعالى) (33 )، والمراد بقوله: »لا يرى فيها المولى« أي لا يرى صدور الأشياء على الحقيقة إلا منه (تعالى) ( 34) فانياً عن الأكوان، متوجهاً بقلبه إلى الرحمن، متلقفاً ما يلقيه المولى سبحانه وتعالى في قلبه من لطائف(35 ) العرفان، ولاشك أن الوسيلة إلى هذه الحالة ذكر المولى (سبحانه وتعالى)، والقدسية نسبة لها إلى القدس، وهو البعد عما لا يليق بها، ولا إبطاء( 36) في البيت لأن القرب الأول بمعنى التقرب الذي هو فعل العبد، والقرب الثاني بمعنى التقريب الذي هو فعل الله.
[ (1/20)
صفحة 21
يقال: انتعش(37 ) العاثر إذا نهض عن عثرته، والعقول جمع عقل وقد اختلف فيه، فقال الشافعي( 38): »هو آلة خلقا الله في عباده يميزون بها بين الأشياء وأضدادها، ركبها فيهم (سبحانه) ليستدلوا بها بين الأمور الغائبة بالعلامات، نصبها لهم مناً منه ونعمة«( 39)، وقال قوم: »هو معين(40) في القلب وسلطانه في الدماغ، لأن أكثر الحواس في الرأس، ولذلك قد يذهب بالضرب على الدماغ«، وقال آخرون: »هو قوة وبصيرة في القلب منزلته منه منزلة البصر من العين«، ويسمى عقلاً لكونه مانعاً للنفس عن فعل ما تهواه مأخوذ من عقال الناقة المانع لها أن تذهب حيث شاءت، وهو مخلوق في الإنسان أن يزداد وينقص جميع المعلومات بحس وغيره إليه مرجعها، وهو يميزها ويقضي عليها.
و»الذكر« القرآن العظيم(41 )، وهو أصل للعلوم بأسرها فما من أصل إلا هو مستنبط منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »العلم كله القرآن، وهو الأصل والتنزيل، وما بعده من العلم تفسير له وتأويل«(42) وسماه ذكراً لقوله (تعالى): (وهذا ذكر مبارك أنزلناه)( 43).
وقول الناضم »وبسقت« أي طالت كما عن مجاهد( 44) وعكرمة( 45) في تفسير قوله (تعالى): (والنخل باسقات)( 46) والمراد بـ »الأسرار«( 47) العقول(48 ) وضع الظاهر في موضع المضمر على لفظ غير الأول وهو أحسن ما يكون فيه، و»الفكر« حركة النفس في المعقولات وحركتها في المحسوسات تخييل.
»الإبراز« نقيض الأستار(49 )، و»النتائج« هي التي تنشأ عن الفكر جمع نتيجة، وهي لغة الثمرة( 50)، وإضافة النتائج إلى الأفكار من باب إضافة المتسبب إلى السبب، »فأعربت« أي: أبانت( 51)، و»شرف المقدار« عبارة عن الرتبة العالية التي وصلوا إليها ووقفوا لديها بواسطة العلم.
الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن الناس دعاء، وقيل صلاة الملائكة دعاء أيضاً، وفي معناه قلت: (1/21)
صفحة 22
صلاة الله رحمته(52 ) وأما صلاة الخلق معناها الدعاء وجملة الصلاة خبرية لفظاً، إنشائية معنى، والسلام التحية، ورفع »مصطحبان« على أنه خبر محذوف تقديره هما مصطحبان و»السنا« (بفتح السين): الضوء، و»الأنعام« بفتح الهمزة جمع نعمة، وبكسرها مصدر أنعم عليه، وإضافة السنا( 53) إلى الأنعام من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، والمعنى فيه مصطحبان بأنعامه السنية، ورفع »ممتزجان« على أنه خبر لمبتدأ أيضاً، والنبي إنسان أوحي إليه بشرع، فإن أمر بتبليغه سمي رسولاً أيضاً، وهو بالهمزة(54 ) من النبأ( 55)، أي الخبر فيصح أن يكون بمعنى فاعل باعتبار أنه مُخبِر (بكسر الباء) عن الله (الله تعالى) أو بمعنى مفعول باعتبار أن جبريل أخبره عن الله (تعالى)، وبالنَّبأ من النبوة، وهي الرفعة، فيصبح بمعنى مفعول لأنه مرفوع الرتبة عن غيره أو فاعل لرفعه غيره إذ ما من مرفوع إلا وباب رفعته النبي صلى الله عليه وسلم(56 )، و»المصطفى«( 57) الخالص و»الجليل« العظيم.
»محمد« مفعّل من الحمد، وعلم لخاتم النبيين والمرسلين صلى الله عليه وسلم، وسمي بذلك لكثرة خصاله المحمودة، و»سيد كل من شفع« أي أشرفهم وأفضلهم، قال صلى الله عليه وسلم: »أنا سيد ولد آدم ولا فخر«(58 )، و»الآل« المراد بهم آله صلى الله عليه وسلم، وهم هنا كل من كان على طريقته، متمسكاً بشريعته بدليل ما في الرواية عنه صلى الله عليه وسلم: »آل محمد كل مؤمن«( 59)، وفي رواية أخرى »كل تقي«( 60) وعلى هذا المعنى أنشدوا:
و»الصحب« (بفتح المهملة الأولى وإسكان الثانية)، اسم جمع لصاحب؛ بمعنى الصحابي، قال المناوي(62 ) في التيسير: »هو من لقيه بعد النبوة وقبل موته مؤمناً به« (انتهى)، و»الرضى« (بكسر الراء) مصدر رضي (بفتحها) صفة للآل والصحب على حد (زيد عدل)، ويجوز أن نقول: على حذف مضاف تقديره (أهل الرضى) ونحوه. (1/22)
صفحة 23
وقوله: »ومن تبع« أراد التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، فإن قلتَ: قد جعلت آله صلى الله عليه وسلم كل من كان على طريقته متمسكاً بشريعته، ونفيت أن يكون آله على الخصوص( 63) أهل بيته تشريفاً لهم على غيرهم، فما الفائدة في عطف الصحب والتابعين على الآل؟ قلت: هذا العطف من باب عطف الخاص على العام، لنكتة يدريها من خاض رياض جنان علم البيان، وقد ورد مثل هذا في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)( 64).
»الواو« من قوله: »وبعد« إما عاطفة؛ والمعطوف حينئذ قصة على قصة، وإما نائبة عن إما التفصيلية، وهذا الوجه أحسن من الأول لاقترانها بالفاء، وعليه فيكون المعنى على مذهب سيبويه( 65) مهما يكن من شيء مهم بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى أولياء الله فهو علم الدين لشدة الاحتياج إليه، وكثرة التعويل عليه، وقوله: »فالدين« أي فعل الدين..الخ، والدين هو وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود لما هو خير لهم بالذات( 66)، ويسمى شريعة باعتبار أن الله شرعه لنا ديناً(67 )، ويسمى ملة باعتبار أن الملك أملاه على النبي صلى الله عليه وسلم أو باعتبار إملاء النبي على أمته فالمعنى واحد، واختلاف العبارات باختلاف الاعتبارات، وقوله: »أهم مقصدا« أي مقصده أهم أي أشد هما من مقصد غيره، والهم هنا بمعنى العزم( 68)، وقوله: »وأنه أجل علم« أي أن علم الدين أعظم كل علم طلب لينتفع به، وقوله: »يعرب« أي يبين، و»الإنسان« هو الحيوان الناطق، والمراد به هو المكلف، و»التكليف« هو إلزام الله العبد ما يشق على النفس فعله، وعرفه بعضهم: بأنه الأمر والنهي اللذان يجب بهما العقاب والثواب، وفيه نظر لأن التكليف شيء غير الأمر والنهي، و»البرهان« هو ما أثبت المعنى في النفس(69 ) وهو الحجة والدليل وألفاظ متحدة المعنى( 70). (1/23)
صفحة 24
»النظم« لغة لف الشيء إلى الشيء، يقال(71): نظمت اللؤلؤ في السلك إذا ضممت بعضه إلى بعض، وفي الاصطلاح وزن مخصوص(72) [على قافية مخصوصة] (73).
و»الدرر« اللؤلؤ؛ شَبه المسائل التي نظمها بالدرر واستعار لها اسمها، وقوله: »في أصله« أي في أصوله، والضمير عائد إلى الدين لأنه شامل لأصول والفروع، أي وقد نظمت هذه المسائل التي هي كالدرر في حسنها وصفائها في علم أصول الدين، وهو معرفة ما للنفس وما عليها اعتقاداً، وإنما سمي هذا العلم أصول الدين لأن الدين كله مبني عليه صحة وفساداً، فلا دين لمن لا اعتقاد له، وقوله: »إن تدرها« أي تعلمها من درى الشيء إذا علمه، و»جزت« بمعنى سلكت، و»طريق عدله« عبارة عن الاستقامة في الدين.
»التلقيط« الأخذ شيئاً فشيئاً من حيث لا يحس، والضمير في لقطتها عائد إلى الدرر بمعنى المسائل، و»الزاخر« الطامي يقال: زخر البحر إذا طمى، و»الآثار«( 74) جمع أثر وهو في الأصل المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بمعنى قولهم لاحظ للنظر مع ورود الأثر، ثم نقل في اصطلاحنا إلى كلام العلماء في الأحكام الشرعية، وقوله عن »الكرام« جمع كريم، فهو لغة من إذا سئل أعطى، ثم نقل إلى التقي لقوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)( 75)، و»السادة« جمع سيد وهو من فاق قومه بفضيلة، و»الأبرار« جمع بر بفتح الموحدة، وهو من أصلح ما بينه وبين ربه. (1/24)
صفحة 25
»القبول« الثواب على الشيء، و»يقضي« أي يحكم، وقوله: »حتى أراها« أي كي أجدها، فحتى بمعنى كل كقولك للكافر أسلم حتى تدخل الجنة، و»غد« اسم لليوم الذي بعد يومك الذي أنت فيه، وأراد به هنا الآخرة، وفي التعبير به عنها تنبيه على سرعة اضمحلال الدنيا وإقبال الآخرة، و»قرضي« أي عملي الصالح، وأصل القرض هو ما أعطيته غيرك لتقضيه منه، شبه به العمل الصالح بجامع أن كلاً منهما راجع إلى صاحبه بنفعه اقتباساً من قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم)( 76)، و»الهاء« من قوله: »ومنه« عائد إلى اسم الجلالة، و»الورى« الخلق، و»الصنع« اسم بمعنى الصناعة.
--------------------------------------
(1 ) زيادة (شعراً) في: م.
( 2) زيادة: (رب يسر وأعن يا كريم) في: م.
( 3) (أؤلف) في: م.
(4 ) يحتمل الوجوه الثلاثة؛ أنظر: أطفيش محمد بن يوسف؛ هميان الزاد إلى دار المعاد (ط/ 1401ه-1980م، وزارة التراث العمانية): 1/54-55.
( 5) لم أجد حاشية الشذور..!.
(6 ) »الله علم دال على الإله الحق دلالة جامعة لمعاني الأسماء الحسنى كلها«. الجرجاني علي بن محمد؛ كتاب التعريفات، تح: إبراهيم الأبياري (ط2/ 1413ه-1992م، دار الكتاب العربي - بيروت): 51.
وحول تعريف المصنف ينظر بتوسع ومناقشة في: أطفيش محمد بن يوسف؛ الهميان ص1/55، والخليلي الشيخ أحمد بن حمد؛ جواهر التفسير: 1/200.
(7 ) »صفتا ذات إن أريد بهما مريد الرحمة، وصفتا فعل إن أريد بهما المحسن إلى خلقه« أنظر: نور الدين السالمي، مشارق أنوار العقول. تح: عميرة عبدالرحمن (ط1/ 1409ه-1989م، دار الجيل - بيروت): 1/60، وينظر: الخليلي الشيخ أحمد، جواهر التفسير: 1/208. (1/25)
صفحة 26
( 8) العلم له عدة معاني في اللغة؛ منها: المنار، الجبل الطويل، رسم الثوب، الراية التي تجتمع إليها الجند.. ينظر: ابن منظور، لسان العرب (ط3/ 1414ه-1994م، دار الفكر): مادة علم، وهنا أراد به المصطلح اللغوي؛ وهو: »الذي يعين مسماه مطلقاً« ابن عقيل؛ عبدالله، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (1405ه-1985م، دار الفكر): 1/118.
(9 ) ينظر: أطفيش؛ محمد بن يوسف، الهميان: 1-89.
( 10) رواه أحمد بن حنبل في المسند (ط2، دار سحنون، تونس) إشراف: بدر الدين جتين آر: 2/359 عن أبي هريرة، وأورد المتقي الهندي؛ كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال (ط5/1985م، مؤسسة الرسالة - بيروت): 1/555، ح: 2491؛ وعزاه إلى الزهاوي في الأربعين عن أبي هريرة.
(11 ) رواه ابن ماجه؛ سنن ابن ماجه، تح: محمد فؤاد عبدالباقي (ط2، دار سحنون، تونس) ك النكاح، بـ19، ح: 1894؛ عن أبي هريرة بلفظ: »... بالحمد أقطع«، وأبو داود؛ سنن أبي داود (ط2، دار سحنون، تونس): ك الأدب، بـ18، ح: 484، 5/172؛ عن أبي هريرة بلفظ: »...بالحمد لله فهو أجذم«، وأورده المتقي الهندي في كنز العمال، تصحيح وفهرسة السقاف (ط 1409ه-1989م، الرسالة): 1/559، ح: 251 بلفظ المصنف وعزاه إلى الزهاوي عن أبي هريرة.
( 12) زيادة: (وهذه المنظومة فقال شعراً) في: م.
( 13) أحمد بن عبدالفتاح بن يوسف المجيري الشافعي الملوي: شيخ الشيوخ في عصره، ولد (1088ه)، وتوفي (1181ه) بالقاهرة، له كتب عديدة منها: اللآلئ المنثورات شرح لنظم الموجهات في المنطق، وحاشية على شرح المكمودي للألفية خ بدار الكتب المصرية رقم (2/102).
أنظر: كحالة؛ عمر رضا. معجم المؤلفين تراجم مصنفي الكتب العربية (د ت ط، دار إحياء التراث العربي - بيروت): 10/278، والزركلي؛ خير الدين. الأعلام (دار العلم للملايين - بيروت): 1/152.
( 14) أنظر: السالمي. مشارق أنوار العقول 1/63، وهامش (2) ص 64-65 التعليق الشيخ أحمد الخليلي. (1/26)
صفحة 27
والتعريف: عبارة عن ذكر شيء تستلزم معرفته معرفة شيء آخر، التعريفات/85، وقد قسم الجرجاني الحمد إلى عدة أنواع، وعرّف كل نوع فمن ذلك: الحمد الحالي، والمعرفي، والقولي، واللغوي..، أنظر: التعريفات/125.
( 15) الدخان/49.
( 16) أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري جار الله، إمام في اللغة والتفسير والأدب، ولد في 467ه بزمخشر، أشهر كتبه: الكشاف في التفسير، أساس البلاغة.
أنظر: ابن حجر؛ أحمد بن علي. لسان الميزان (1/1988م، دار الفكر - بيروت): 6/4، الماوردي؛ عبدالرحمن بن أبي بكر (دار الكتب العلمية - بيروت): 2/315.
( 17) ينظر: الزمخشري؛ محمد بن عمر. الكشاف عن حقائق التنزيل في وجوه التأويل (دار المعرفة - بيروت): 1/8.
(18 ) أنظر: الهميان 1/8، ورجح الشيخ السالمي أن ال للاستغراق. أنظر: المشارق 1/67.
( 19) القطب؛ محمد بن يوسف بن عيسى أطفيش الجزائري، ولد في يسجن بميزاب، 1236ه، علامة بالتفسير والفقه والأدب، حفظ القرآن في الكتاب وعمره 9 سنوات، وتتلمذ على الشيخ عمر بن سليمان، والشيخ سليمان بن يحيى، وأخوه الشيخ إبراهيم بن يوسف، وتتلمذ عل يديه أبو إسحاق أطفيش، وأبو اليقظان إبراهيم، وصالح بن عمر، وله أثر سياسي بارز في قضية بلاده، له أكثر من ثلاثمائة مؤلف منها: هميان الزاد في التفسير، وشرح النيل في الفقه، وشرح عقيدة التوحيد. أنظر: قطب الأئمة لبكير سعيد أعوشت 60 وما بعدها، ومقدمة أبي إسحاق على كتاب الذهب الخالص، للشيخ أطفيش محمد بن يوسف (1980م، وزارة التراث العمانية) والزركلي: الأعلام: 7/156.
( 20) أنظر: الهميان: 1/95، وهذا الذي اعتمده الشيخ السالمي في المشارق: 1/67.
( 21) النحل/53.
( 22) تقدمت ترجمته، وحاشيته لم أجدها حسب بحثي.
( 23) (إلا) في: م. (1/27)
صفحة 28
( 24) رواه ابن عبدالبر يوسف في جامع بيان العلم وفضله (1، دار الكتب العلمية - بيروت): 1/54-55، من حديث طويل عن معاذ بن جبل، وقال: »وهو حديث حسن جداً ولكن ليس له إسناد قوي«، وهو كذلك موقوف على أبي الدرداء، ص57.
(25 ) البصيرة: قوة للقلب المنور بنور القدس يرى بها حقائق الأشباه وبواطنها، يمد البصر للنفس يرى به صور الأشياء وظواهرها، وهي التي يسميها الحكماء: »العاقلة النظرية والقوة القدسية«. التعريفات/66.
( 26) جاء في اللسان، مادة (سلك): »سلك: السلوك مصدر سلك طريقاً يسلكه سلكاً وسلوكاً«، »والمسلك الطريق«. الفراهيدي؛ الخليل بن أحمد. تح: هادي حمودي (د ت م ط) مادة سلك.
(27 ) المقام ي اصطلاح أهل الحقيقة: عبادة عما يتوصل إليه بنوع تصوف، ويتحقق به بضرب تطلّب، ومقاساة تكلف، فمقام كل واحد هو موضع إقامته عند ذلك. الجرجاني. التعريفات/289.
والمشاهدة: تطلق على رؤية الأشياء بدلائل التوحيد، وتطلق بإزائه على رؤية الحق في الأشياء. الجرجاني. التعريفات/274.
( 28) المكاشفة: هي حضور لا ينعت بالبيان. التعريفات/292.
(29 ) كثيف الأغيار: كثف: الكثافة الكثرة والالتفاف، والفعل كثف يكثف كثافة والكثيف اسم كثرته، يوصف به: العسكر والماء والسحاب. ابن منظور. اللسان. (كثف).
والغِيَر: بوزن العِنَب: الاسم من قولك غيرت الشيء فتغير، قلت: ومنه غِيَر الزمان، وقال الأزهري: قال الكسائي: هم اسم مفرد مذكر جمعه أغيار. مختار الصحاح/230 مادة (غير).
( 30) أحمد بن عبدالمنعم الدمنهوري، شيخ الأزهر وأحد علماء مصر المكثرين في التصنيف في الفقه وغيره، قوّالاً للحق، هابته الملوك وقصدته، من كتبه: إيضاح المبهم في معاني السلم؛ في المنطق، وحلية اللب المصون بشرح جوهر المكنون؛ في البلاغة (110ه-192ه) الأعلام.
( 31) السالك: هو الذي مشى على المقامات بحاله لا بعلمه وتصوره. التعريفات: 154.
( 32) لم أجد قوله: ..إذا لم أجد كتاباً له، حسب بحثي. (1/28)
صفحة 29
(33 ) ما بين المعقوفين مكتوب على الحاشية في: ب، بالخط نفسه.
( 34) (لطايف) في: م.
(35 ) الإبطاء: إن تتكرر القافية في القصيدة الواحدة، بمعنى واحد، كالرجل والرحل، فإن كان لمعنيين لم يكن إبطاءً؛ نحو: ذَهَبَ بمعنى الفعل، وذَهَبٌ بمعنى الجوهر. ينظر: الخطيب التبريزي. الوافي في العروض والقوافي، تح: قباوة، فخر الدين (ط4، 1407ه-1986م، دار الفكر، سورية).
(36 ) الانتعاش عرفاً: هو قوة يجدها الجسم عند ملاقاته ما يسره. أنظر: المشارق: 1/77.
( 37) محمد بن إدريس بن العباس الشافعي، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، شيوخه: مسلم بن خالد مفتي مكة، ومالك بن أنس، وحدث عن عمه محمد بن علي وابن الماجشون، وأخذ عنه: أحمد والحميدي وغيرهم، وله كتاب الأم في الفقه، والرسالة في أصول الفقه، ولد 150ه، وتوفي 204ه. أنظر: تذكرة الحفاظ 1/329، وتهذيب التهذيب 9/239، الإعلام 6/26.
(38 ) لم أجده.
(39 )
( 40) (قال) زيادة في: م.
(41 ) لم أجده مخرجاً في كتب التخريج.
( 42) الأنبياء/50 وتكملتها: ]أفأنتم له منكرون[.
(43 ) روى الطبري بسنده عن مجاهد: قوله »باسقات« قال: الطوال. الطبري/ المجلد13/ ج26/ ص153.
(44 ) وروى كذلك بسنده عن عكرمة: في قوله: ]والنخل باسقات[، الباسقات: الطوال. المرجع السابق.
( 45) ق/10.
( 46) الأسرار: سرر السرر من الأسرار التي تكتم، فالسر ما يكتم كالسريرة جمعه أسرار وسرائر، وله عدة معاني منها: الجماع والنكاح، والأصل والأرض الكريمة، وجوف كل شيء ولبه. القاموس المحيط/ فصل السين/ باب الراء.
والسر: لطيفة مودعة في القلب، كالروح في البدن، وهو محل المشاهدة كما أن الروح محل المحبة والقلب محل المعرفة. التعريفات/156. (1/29)
صفحة 30
( 47) العقول: في اللغة جاء في اللسان: مادة عقل: العقل: الحجر، والنهى ضد الحمق، والجمع عقول، وعقل فهو عاقل وعقول من قوم عقلاء. ابن الأنباري: رجل عاقل: وهو الجامع لأمره ورأيه مأخوذ من عقلت البعير، وقيل العاقل: الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها. وأورد الجرجاني تعريفات وتقسيمات عدة، فانظره/197.
( 49) وأبرزت الكتاب والشيء: الذي أظهرته، وكتاب مبروز مبرز أي منشور. الفراهيدي؛ الخليل بن أحمد، كتاب العين. تح: حمودي؛ هادي (د ت ا و م ط): مادة (برز).
( 50) النتاج: اسم يجمع وضع الغنم والبهائم، والريح تنتج السحاب إذا مرت به حتى يجري قطره، وفي المثل: إن العجز والتواني تزوجا فأنتجا الفقر. العين/ مادة (نتج).
( 51) عرب: العرب العاربة: الصريح منهم، وأعرب الرجل: أفصح القول والكلام. العين/ مادة (عرب).
يقال: أعرب عن لسانه وعرّب: أي أبان وأفصح، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: »الثيب تعرب عن نفسها« أي: تفصح. اللسان/ مادة (عرب).
( 52) (رحمة) في: م.
( 53) السنا (مقصور): حد منتهى ضوء البدر والقمر. العين: (سنو).
( 54) بالهمز في: م.
( 55) (بالنبأ) في: ب.
( 56) النبي: المخبر عن الله (الله تعالى) وهو فعيل بمعنى فاعل، وفيه لغتان: بهمز وغير همز، قال الزجاج: والأجود ترك الهمز. اللسان/ مادة (نبأ).
وعرفه بعضهم بأنه: إنسان ذكر من بني آدم حر سليم غير منفر طبعاً أوحي الله بشرع يعمل به وإن لم يؤمر بتبليغه. المشارق/86.
( 57) الاصطفاء: الاختيار، افتعال من الصفوة، ومنه النبي المصطفى، والأنبياء المصطفون إذا اختاروا، وهذا بضم الفاء. العين 4/176.
( 58)
(59) والسيد: يطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومحتمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدم، وأصله من ساد يسود فهو مسيود، فقلبت الواو ياء لأجل الياء الساكنة قبلها ثم أدغمت. اللسان/ (سود).
(60)
(61) أنظر: نشوان بن سعيد الحميري. (1/30)
صفحة 31
(62 ) محمد بن عبدالرؤوف بن تاج العارفين الحدادي المناوي القاهري، ولد 952ه، من كبار العلماء بالدين والفنون، له ثمانين مصنفاً، من كتبه: كنوز الحقائق في الحديث، والتيسير في شرح الجامع الصغير، وتوفي 1031ه. الأعلام/6/204.
(63) نقله باختصار. أنظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي 1/18. دار الفكر.
(64 ) البقرة/238، وتكملتها: ]وقوموا له قانتين[.
(65) تقدمت تردمته هامش## ص ##.
(66 ) الدين؛ في اللغة: له معاني كثيرة منها: الجزء، والعادة، والحال، والسلطان، والورع، والقهر، والمعصية، والطاعة. اللسان/ مادة (دين) 2/1469.
( 67) الشريعة: هي الائتمار والالتزام بالعبودية، وقيل: هي الطريق في الدين. التعريفات/167.
أما اللغة: فالشرعة والشريعة في كلام العرب: مشرعة الماء وهي مورد المشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها، ويستقون، قال الليث: وبها سمي ما شرع الله للعباد شريعة. اللسان/ (شرع).
( 68) الهم: هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر. التعريفات/320.
والعزم: من عزم العزم الجد، قال الليث: العزم ما عقد عليه قلبك من أمر إنك فاعل وقول الكميت:
اللسان/ (عزم).
( 69) البرهان: الحجة الفاصلة البينة، يقال: برهن يبرهن برهنة إذا جاء بحجة قاطعة للد والخصم. العين/ (برهن).
( 70) أنظر: السان/ مادة: (حجج)، والتعريفات/112.
( 71) (يقول) في: م.
( 72) النظم: وفي الاصطلاح: تأليف الكلمات والجمل المترتبة المعاني متناسبة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل. التعريفات/310.
(73 ) ما بين المعقوفين على الحاشية في (م) بالخط نفسه.
( 74) الأثر: بقية ما يرى من كل شيء وما لا يرى بعدما يبقى علقة، وبأثر الحديث: إن يأثرن قوم عن قوم أي يحدث به في آثارهم أي بعدهم، والمصدر الأثارة. العين/ (أثر).
(75 ) الحجرات/13.
( 76) البقرة/245.
--- (1/31)
صفحة 32
الركن الأول: في العلم وما يشتمل عليه ، وفيه أربعة أبواب(1)
الباب الأول: في أقسام العلم وأحكامه
الأحكام جمع حكم؛ وهو النسبة التامة بين الشيئين.
وشرعاً: هو أثر خطاب الله (تعالى) المتعلق بفعل العباد، كان اقتضاء؛ كالإيجاب والتحريم والندب والتكريه، أو تخييراً كالإباحة، قدّم ذكر العلم على الجهل، مع أن الجهل موجود طبعاً في الإنسان لقوله (تعالى): (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً)( 2) تنبيهاً على شرف العلم وفضيلته وارتفاع رتبته وعلو درجته.
ينقسم العلم الحادث بالنسبة إلى حصوله إلى قسمين ضروري ونظري، فالضروري هو الذي غير محتاج إلى تأمل؛ أي تفكر واكتساب، وهو أنواع؛ أقواها علم الإنسان بنفسه وما هو عليه من حالاته، ثم الفرق بين الموجود والمعدوم، وإن الشيء يستحيل كونه من مكانين في وقت واحد وموجود ومعلوم في وقت واحد( 3)، وقائم وقاعد في حال، ثم ما وقع عند تواتر الأخبار كالعلم بالبلدان النائية والملوك الماضية، ثم العلم بحاجة البناء إلى بان، والكتابة إلى كاتب.
و»النظري« هو الذي يحتاج في تحصيله إلى تأمل واكتساب، وفي الأدلة والبيان هو الذي يعلم بالاستدلال(4 )، واحترز بمحدث العلم عن علمه (تعالى)، فإنه لا تقسيم له ولا يوصف بأنه ضروري ولا نظري، وقسّم العلم الإمام الخليل إلى ثلاثة أقسام: إلى وهبي وضروري ومكتسبي، فكان جوابه لمن سأله عن الفرق بينها بأن قال:
»الوهبي: يلقيه الله (تعالى) في قلب عبده فيض نوراني ومدد رحماني.
والضروري: لا يمكن أن يتصور لذي بال خلافه بأن الاثنين أكثر من واحد.
والمكسبي: ما عرف بالتعليم والتحفظ والاجتهاد فحصل بسمع من المسموعات أو نظر من المرئيات أو بكرة من المقدمات لأهل الاستدلال والنظر«( 5) (انتهى).
وعند التحقيق فالوهبي راجع إلى الضروري وداخل في حدَّه. (1/32)
صفحة 33
اختلف في دخول أل على كل وبعض؛ فأجاز قوم ومنعه آخرون كذا ذكره العطار( 6) في حاشيته على الأزهرية( 7).
ولفظه »ذين« إشارة إلى الضروري والنظري، أي كل من الضروري والنظري له تعبّد تدرك معرفة ذلك التعبّد من علم الشرع، فتعبد الضروري كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والاعتقاد بأنه لا يصح محسن مسيء في حالة واحدة، ولا مؤمن كافر في حالة واحدة، اللهم إلا أن يراد بالإيمان اللغوي لا الشرعي، ولا شقي سعيد في حالة واحدة إلى غير ذلك من الأضداد ونحوها، وتعبد النظري هو كالمعرفة بتفاصيل الصلاة وحدودها، والمعرفة بالصيام وحدوده وتفاصيله، والمعرفة بالحج ومواقيته وفرائضه وسننه، والمعرفة بالزكاة وتفاصيلها، إلى غير ذلك مما يدرك علمه بالاستدلال والتعلم والتفكر.
ينقسم العلم بالنسبة إلى الحكم الشرعي إلى واجب ومندوب إليه.
فـ»الواجب« هو علم كل شيء غير واسع الجهل به، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: »العلم فريضة على كل مسلم«(8 )، وفي رواية »طلب العلم فريضة على كل مسلم«( 9)، وقوله: »اطلبوا العمل ولو بالصين«( 10)، وهذا القسم مهما لزم أحداً لا يسعه التأخير عن طلبه إلا بعذر بيّن كما سيأتي -إن شاء الله-.
و»المندوب« هو علم كل شيء واسع الجهل به، لكن في تعليمه منفعة دينية أو صلاح للعالم، فمن طلبه من غير تضييع لفرض؛ كقوت عيال، إلى غيره من الفرائض( 11) الحاضرة كان له الفضل العظيم كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، وهذا القسم هو المشار إليه بقوله (تعالى): (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )[إنما يتذكر أولو الألباب] ( 12)( 13)، ويصح على تأويل آخر أن يحمل معنى الآية على الوجوب. (1/33)
صفحة 34
»البحث« طلب باجتهاد، أي يلزم طلب العلم الواجب لزوماً حتمياً على من قدر عليه، ومن تركه مع القدرة على طلبه فهو آثم هالك إلا أن يتوب، وحد القدرة في هذا أن يجد من يعلمه علم ذلك، وإن بَعُد هذا العلِّم لزمه أن يرحل إليه فيتعلم منه ما لزمه علمه، ولا يلزمه( 14) المسير إليه إلا إذا كان صحيحاً واجداً للراحلة والأمان في الطريق، وواجداً للقوت الذي يتركه لمن يلزمه عوله إلى أن يرجع إليهم، فقوله: »يرى« أي يجد له، وقوله: »معبراً« أي من يعبر له علمه بعبارة يعلقها وإلا فلا يلزمه.
وقوله: »وإن نأى« أي بَعُد ذلك المعبر عن بلده، وقوله: »يمض له« أي يرحل إليه، وقوله: »في الصُّح« (بضم الصاد) اسم بمعنى الصحة، وقوله: »مع وجدان« مصدر وجد، وقوله: »ما يحمله« أي: مع وجوده الذي يحمله إليه وهو المركوب، وذلك إذا لم يستطع المشي إليه، وقوله: »ومأمن« مصدر أمن بمعنى الأمان، وقوله: »مع قوت من يكفله« أي مع وجدانه قوتاً يتركه لمن يكفله أي لمن يلزمه عوله، فهذه خمسة شروط، وهي: وجود المعبِّر، والصحة، والمركوب إذا لم يستطع المشي، وقوت العيال، وترك شرطاً سادساً وهو الزاد المبلّغ، إلا أنه تنطوي عليه عبارته بالمأمن، فإن ترك الزاد مَخُوف وهذا الذي ذكره الناظم مما تقوم فيه الحجة بالسماع.
»الهاء« من قوله: »وفضله« عائدة إلى العلم، و»الإحصاء« بالكسر الضبط والحصر، و»الأنباء« بالفتح الإخبار؛ أي فضل العلم ليس له ضبط لمن رام ضبطه، ولا حصر لمن شاء حصره، لعظم ما منَّ الله بسببه من النعم على صاحبه دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. (1/34)
صفحة 35
أما الآيات فقد قال (الله تعالى): (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط)( 15) فانظر كيف بدأ (سبحانه وتعالى) بنفسه، وثنى بالملائكة، وثلّث بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفاً وفضلاً، وقال الله (تعالى): (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)( 16) قال ابن عباس (رضي الله عنه): »للعلماء درجات فوق درجات المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام«(17 )، وقال الله (الله تعالى): (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)(18 )، وقال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)(19 )، وقال (تعالى): (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)( 20)، وقال (تعالى): (وقال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به)( 21) تنبيهاً على أنه اقتدر بقوة العلم، وقال (الله تعالى): (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً)( 22) وفيه أن عظم قدر الآخرة يعلم بالعلم، وقال (تعالى(وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)( 23)، وقال (تعالى): (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)( 24) رد حكمه في الوقائع إلى استنباطهم، والحق رتبهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله. (1/35)
صفحة 36
وأما الأخبار النبوية فقد أورد الحافظ بن حجر( 25) منها حملة مسرودة محذوفة الإسناد، فهانحن نوردها على طريقته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين«(26 ) »إذا أراد الله بعد خيراً يفقهه في الدين، وألهمه رشده«( 27)، »أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع«( 28)، وفي حديث سنده مختلف فيه الجمهور على قبوله: »فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا لما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بخط أوفر«(29 )، ووقع للناس في هذا الحديث اختلاف كثير، قال صفوان بن عسال( 30): يا رسول الله جئت أطلب العلم، قال: »مرحباً بطالب العلم، إن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها ثم يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا سماء الدنيا من محبتهم لما يطلب«( 31)، »يا أبا ذر لئن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة( 32) ركعة، ولئن تغدو فتعلم باباً من العلم عمل به أو لم يعمل خير لك من أن تصلي ألف ركعة«(33 )، »الدنيا ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً ومتعلماً«( 34)، »إن ما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره، أو ولداً صاحاً تركه، أو مصحفاً ورّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته«(35 )، . (1/36)
صفحة 37
خير ما يخلق الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده«( 36)، »علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه الله علماً فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعاً، ولم يشتر به ثمناً، فذلك يستغفر له حيتان البحر ودواب البر والطير في جو السماء، ورجل آتاه الله علماً فبخل به عن عباد الله وأخذ عليه طمعاً، واشترى به ثمناً، فذلك يلجم يوم القيامة بلجام من نار، وينادي مناد هذا الذي آتاه الله علماً فبخل به عن عباد الله، وأخذ عليه طمعاً واشترى به ثمناه، وكذلك حتى يفرغ الحساب«(37 ).
»فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم( 38)، إن الله وملائكته وأهل السموات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في الماء ليصلون على معلمي الناس الخير«(39 )، »يقول الله (الله تعالى) للعلماء يوم القيامة: إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم(40 ) ولا أبالي«(41 )، وإضافة العلم والحلم الذين( 42) فيهم إليه (تعالى) صريح في أنهم كانوا عاملين مخلصين.
»العلم علمان: علم في القلب فذلك العلم النافع، وعلم في اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم«( 43)، »من غدا إلى المسجد لا يريد أن يتعلم خيراً أو يعلمه كان له كأجر حاج تاماً حجة«( 44)، »ومن خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع«(45 )، »من غدا يريد العلم يتعلمه لله فتح الله له باباً إلى الجنة، وفرشت له الملائكة أكتافها، وصلت عليه ملائكة السماوات، وحيتان البحر، وللعالم من الفضل على العابد كفضل القمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السماء، والعلماء ورثة الأنبياء، لأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكنهم ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر، زاد البيهقي: »وموت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة لا تسد، وهو نجم طمس، موت قبيلة أيسر من موت عالم«(46 )، »نضر الله إلى امرءاً -أي رزقه النضارة،. (1/37)
صفحة 38
وهي النعمة والبهجة والحسن- وسمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث لا يغل عليهن: قلب مسلم، إخلاص العمل لله ومناصحة أولاة الأمر ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم لا تحبط«، وفي رواية: »تحفظ من ورائهم«، »ومن كانت الدنيا نيته فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة«( 47)، »من دل على خير فله مثل أجر فاعله«، أو قال: »عامله«(48 )، »الدّال على الخير كفاعله، والله يحب إغاثة اللهفان«(49 )، »من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً«(50 ).
--------------------------------------
( 1) الباب الأول:
الباب الثاني:
الباب الثالث:
الباب الرابع:
(2 ) النحل/ 78، وتكملتها: ]وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون[.
( 3) ساقطة في: م.
(4 ) لم أجد هذا الكتاب حسب اطلاعي.
( 5) أنظر: الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي؛ تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان، د م ط، نشر وزارة التراث القومي والثقافة العمانية، 1407ه-1986م، ج1، ص12-13.
( 6) العطار: حسن بن محمد الشافعي الأزهري أبو السعادات، 1180-1250ه/1766-1834م، عالم أديب شاعر، شارك في الأصول والنحو والمعاني والبيان والمنطق والطب والفلك، تولى مشيخة الأزهر، له مؤلفات عديدة منها: حاشيته على شرح الأزهرية في النحو، وحاشيته على جمع الجوامع في الأصول، وديوان شعر.
أنظر: الأعلام 2/220، وفيه ولادته 1190ه، ومعجم المؤلفين لعمر رضاكي له ج2، ص284-285، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
(7 ) لم أجد هذا الكتاب حسب اطلاعي، وهو مطبوع في القاهرة مطبعة العثمانية، 319ه. أنظر: الفضلي د. عبدالهادي، فهرس الكتب النحوية المطبوعة (ط1، 1407ه، مكتبة المنار، الأردن). (1/38)
صفحة 39
( 8) أخرجه ابن ماجه. ك المقدمة، ب: 17، ج224، عن أنس بن مالك، وأورد محقق السنن فؤاد عبدالباقي تضعيف النووي وتحسين المزي وموافقة السيوطي للمزي.
وأخرجه الطبري في المعجم الكبير ج10، ص195، ح10439 عن ابن مسعود.
وأخرجه البيهقي في الشعب عن أبي سعيد، وأنس من طريقين ج2، ص254.
(9 ) أخرجه ابن ماجه. ك المقدمة، ب: 17، ج224، عن أنس بن مالك، وأورد محقق السنن فؤاد عبدالباقي تضعيف النووي وتحسين المزي وموافقة السيوطي للمزي.
وأخرجه الطبري في المعجم الكبير ج10، ص195، ح10439 عن ابن مسعود.
وأخرجه البيهقي في الشعب عن أبي سعيد، وأنس من طريقين ج2، ص254.
( 10) أخرجه الربيع ب4، ح18، ط1، ص12، والخطيب في تاريخ بغداد ج9، ص364 في ترجمة رقم (49931) طريفة بن سليم (أبو عاتكة) عن أنس بن مالك.
( 11) الفرايض في: ب، م.
(12 ) ما بين المعقوفين في الآية ساقط من: م.
(13 ) الزمر/39،
(14 ) يلزم في: م.
( 15) آل عمران/18.
( 16) المجادلة/11.
( 17) وفي التفسير المنسوب لابن عباس: »(درجات) فضائل في الجنة فوق درجات الذين أوتوا الإيمان بغير علم، إذ المؤمن أفضل من المؤمن الذي ليس بعالم«، تنوير المقباس من تفسير ابن عباس (دار الكتب العلمية - بيروت، 1987) ص462.
( 18)
( 19) الزمر/9.
( 20) الرعد/43.
(21 ) فاطر/28.
(22 ) القصص/80.
(23 ) العنكبوت/43.
(24 ) النساء/83.
( 25) ابن حجر: أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، من أئمة العلم والتاريخ 773-852ه/1372-1449م، شيوخه: المصدر الفطي، والجمال بن ظهيره، والشمس بن القطان وغيرهم، أما تلاميذه فيقول الخاوي: وكثرت طلبته حتى كان رؤوس العلماء من كل مذهب من تلامذته، ومن مؤلفاته: لسان الميزان في الرجال، فتح الباري شرح صحيح البخاري.
أنظر: الأعلام1/178، والضوء اللامع للسخاوي2/36، مكتبة الحياة بيروت. (1/39)
صفحة 40
( 26) أخرجه البخاري في ك فرض الخمس، ب:7، ج4، ص49، وفي ك الاعتصام بالسنة ب:10، ج8، ص149، عن معاوية.
وأخرجه مسلم في ك الإمارة، ب:53، ح1037، ج2، ص2524، عن معاوية من طريقين، وأخرجه الترمذي في ك39، ب:1، ح:2645، ج5، ص28، عن ابن عباس، وقال: حسن صحيح.
(27 ) رواه البزار في البحر الزخار، ح1700، ص117، تح: د. محفوظ الرحمن زين الله، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط1.
والطبراني في الكبير ح10445، ج10، ص197، من غير »ألهمه رشده«، وأبو نعيم في الحلية، جدة ص107، بلفظ المضارع »يفقهه، يلهمه«.
(28 ) أخرجه الطبراني في الأوسط، ح9264، ج9، ص203، عن ابن عمر، وأورده صاحب الكنز، وعزاه إلى الطبراني عن ابن عمر، ح28763، والمنذري في الترغيب ج1، ص55، وعزاه إلى الطبراني في معاجيمه الثلاثة.
(29 ) أخرجه ابن ماجه ك المقدمة، ب:17، ح225، ج1، ص12، عن أبي هريرة والدرامي ك المقدمة، ب:12، مع خلاف يسير، ح349، ج1، ص83، عن أبي الدرداء، وأحمد بن حنبل عن صفوان بن عسال ح17629، ج4، ص24، عن أبي الدرداء في الفتح الرباني، ك العلم، ب1، ج1، ص149، ح13، مع خلاف يسير.
( 30) صفوان بن عسال المرادي الجملي، صحابي غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر غزوة، روى عنه، وسكن الكوفة، روى عنه زر بن جيش، وعبدالله بن سلمة المرادي وغيرهما. أنظر: ابن حجر؛ تهذيب التهذيب4/428.
( 31) رواه أبو داود: ك المقدمة، ب:32، ح357، ج1، ص113، وابن ماجه ك المقدمة، ب17، ح226، ج1، ص82، وأحمد في المسند5/328.
( 32) في الأصل (ماية) بالياء.
(33 ) أخرجه ابن ماجه ك المقدمة، ب16، ح219، عن أبي ذر، وقال المنذري: إسناده حسن، ج1/79.
(34 ) أخرجه الترمذي ك الزهد، ب:14، ح2322، ج4، ص561، عن أبي هريرة، وقال: حسن غريب.
وأخرجه ابن ماجه ك الزهد، ب: 3، ح4112، ج2، ص1377، عن أبي هريرة، وأخرجه الدارمي في المقدمة، ب: 32، ح328، ج1، ص80، عن كعب مع خلاف يسير. (1/40)
صفحة 41
( 35) أخرجه ابن ماجه في المقدمة، ب: 20، ح242، ج1، ص88، عن أبي هريرة بلفظ المصنف، ونقل عن ابن المنذر قوله: إسناده حسن، وجاء في الزوائد: إسناده غريب.
(36 ) أخرجه مسلم في الوصية ب: 3، ح1631، ج2، ص1255، وأبو داود في الوصايا ك14، ح2880، ج3، ص300، والترمذي في الأحكام ب36، ح1376، عن أبي هريرة، وقال: حسن صحيح.
( 37) أخرجه الطبراني في الأوسط ح7187، ج7، ص214، وابن عبدالبر في الجامع ج1، ص38، مع خلاف يسير عن ابن عباس.
(38 ) أخرجه الترمذي ك39، ب19، ح2685، ج5، ص50، عن أبي أمامة، وقال: حديث غريب، وأخرجه الطبراني في الكبير ح7911، ج8، ص233-234، بلفظ الترمذي عن أبي أمامة.
( 39) أخرجه الترمذي ك39، ب19، ح2685، ج5، ص50، والطبراني في الكبير ح7912، ج8، ص234، وابن عبدالبر في الجامع ج1، ص38، عن أبي أمامة مع خلاف يسير، وقال الترمذي: حسن غريب صحيح.
( 40) هكذا في (ب) وفي (م) منكم.
(41) أخرجه الطبراني في الكبير ح1318، ج2، ص84، عن ثعلبة بن الحكم، وابن عبدالبر في الجامع ج1، ص48، عن أبي موسى الأشعري مع خلاف يسير.
(42 ) هكذا في (ب) و(م) والسياق يقتضي (اللذين).
( 43) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد، ج4، ص346، ترجمه 2179 (أحمد بن الفضل القاصي) عن جابر بن عبدالله، وأورده المنذري في الترغيب ج1، ص103، وقال: رواه الخطيب بإسناد حسن.
(44 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ك العلم، ح311، ج1، ص91، والطبراني في الكبير ح7473، 8، 94، وح10323/238، وأبو نعيم في الحلية ج5، ص97.
( 45) أخرجه الطبراني في الصغير ح372، ص154، وابن عبدالبر في الجامع ج1، ص55، عن أنس بلفظ المصنف، وقال الطبراني: لا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد.
(46 ) الحديث هكذا بطوله أخرجه البيهقي في الشعب ح1699، ج2، ص263-264، وابن عبدالبر في الجامع ج1، ص37، عن أبي الدرداء مع خلاف يسير. (1/41)
صفحة 42
( 47) أخرجه الترمذي ك39، ب7، ح2656، ج5، ص33، إلى »من ورائهم«، وابن ماجه ك المقدمة، ب18، ح230، ج1، ص48، إلى »لزوم جماعتهم«، والدارمي في المقدمة، ب24، ح235، ج1، ص65-66 إلى »راغمه«، مع خلاف يسير، وفي بعضها تقديم وتأخير، وكلهم عن زيد بن ثابت، وقال الترمذي: حسن.
(48 ) أخرجه مسلم في ك33، ب38، ح1893، ج2، ص1506 من غير »أو عامله«، والترمذي ك39، ب14، ح2671، ج5، ص41، وأبو داود ك40، ح5129، ج5، ص346، بلفظ المصنف عن ابن مسعود البدري، وقال الترمذي: حسن صحيح.
( 49) أخرجه الترمذي ك39، ب14، ح2670، ج5، ص14، عن أنس بن مالك، وابن عبدالبر في الجامع ج1، ص16، عن أبي مسعود الأنصاري مع فارق يسير، وأحمد بن حنبل ح22518، ج5، ص358، عن سليمان بن بريدة عن أبيه.
( 50) أخرجه مسلم ك47، ب86، ح2674، ج3، ص2060، والترمذي ك39، ب15، ح2674، ج5، ص43، وأبو داود ك39، ب6، ح4609، ج5، ص15 عن أبي هريرة مع زيادة يسيرة، وقال الترمذي: حسن صحيح.
--- (1/42)
صفحة 43
الباب الثاني: في السؤال
وهو لغة الطلب، قال الشاعر:
وفي الاصطلاح هو: ما يبرهن به في العلم؛ ومنه اشتقاق المسألة(2 )، ثم استعمل لفظ المسألة علماً عاماً وعلى طائفة مخصوصة من الكلام، فهي من أعلام الأشخاص كأسماء سائر التراجم، وإنما قدم المصنف هذا الباب على الذي يليه لأن السؤال سبب للفتوى، والسبب مُقدَّم على مسببه.
ينقسم السؤال بالنسبة إلى مطالبة( 3) الجواب إلى سؤال حجر، وسؤال تفويض، فالأول؛ نحو سؤال الرجل عن العالم (بفتح اللام)، هل هو محدث أم لا؟ فكأنه حجر على المجيب إلا أن يجيبه بأحد الوجهين.
و»التفويض« هو نحو سؤال الرجل عن الدلالة [على حدوث العالم، فيجيب المجيب بأي دلالة] (4 ) شاء، فكأنه فوضه في ذلك.
وفي شرح قصيدة فتح بن نوح(5 ) قال: »وقسمه آخرون على خمسة، فقالوا: سؤال فائدة، وسؤال تعنت( 6)، وسؤال استفهام، وسؤال تقدير، وسؤال إجلال، ومثل هذا من المعاني فكأنهم عبروا عن العلة التي بها سأل السائل، أما أن يسأل ليستفهم أو لينعت، وليس هذا الوجه من أقسام السؤال، وإنما هو من أقسام العلة التي لها سأل السائل«(7 ) (انتهى).
أقول: ولا مانع من تقسيم السؤال إلى ما ذكر باعتبار غرض السائل، والله أعلم. (1/43)
صفحة 44
ينقسم السؤال بالنسبة إلى الاعتبار الشرعي في التعبد إلى التكليف إلى قسيمن »لازم ونفل«، فـ»اللازم« هو السؤال عن كل ما لا يسع جهله من دين الله، و»النفل« هو السؤال عما عدا ذلك، وعبارة الناظم تخرج السؤل المكروه والمحجور، كالسؤال عما لا فائدة فيه، والتجسس عن لعورات، قال القاضي نجاد(8 ) في (الأكلّة وحقائق الأدلة): »والسؤال سؤالان: سؤال مأمور به، وسؤال منهي عنه، فالمأمور به على ضربين، سؤال عن واجب فهو واجب، وسؤال عن مندوب إليه، فهو سؤال ندب فمن اعتقد ترك السؤال عن المندوب إليه فهو هالك بإجماع، [والسؤال سؤال ندب فمن اعتقد ترك السؤال عن المندوب عنه مما في البحث عنه إيجاب حكم أو المنهي عنه هو ما عُفي العباد( 9) عن السؤال عنه مما في البحث عنه إيجاب حكم أو تحريم أمر قد كان لولا السؤال حلالاً، قال الله (تعالى): (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)(10 )... الآية«(11 ) (انتهى).
أقول: المراد بقوله: فمن اعتقد ترك السؤال عن المندوب إليه فهو هالك بإجماع] (12 )، أي من اعتقد ذلك ديناً فإنه لا شكّ في هلاكه بذلك لأنه دان الله بخلاف ما أمره به وندبه إليه، والمتقرب إلى الله بخلاف ما أمره به هالك إجماعاً، وليس المراد بقوله: »فمن اعتقد ترك السؤال الخ« من عزم على تركه، لأن العازم على ترك المندوب من غير دينونة بتركه مع تأدية( 13) ما وجب عليه، وترك ما حرّم عليه سالم إجماعاً.. والله أعلم.
ينقسم السؤال بالنظر إلى نفس لفظه إلى سؤال صحيح، وإلى ساقط؛ فأما السؤال الصحيح: هو ما خلا من هذه الأشياء الخمسة، وحقه أن يجاب إلا إذا حصل له مانع من غير لفظه، كتعنت في السائل أو نحو ذلك، أما السؤال الساقط: فهو ما كان في لفظه أحد هذه الخمسة وهي التناقض والاضطراب وجمع سؤالين مختلفين في سؤال واحد ويطلب لهما جواباً واحداً، والسؤال عن المحال، فإذا كان في السؤال أحد هذه الخمسة كان ساقطاً؛ وحقه أن لا يجاب. (1/44)
صفحة 45
فأما »التناقض« فهو: أن يكون آخر السؤال مناقضاً لأوله؛ مثال ذلك: أن يقول السائل: إذا كان العالَم محدثاً فما الدليل على قدمه؟ أو يقول: إذا كان الجماد غير متحرك فما الدليل على تحركه؟.
وأما »الاضطراب« فهو: أن يدخل السائل في سؤاله الأعم في الأخص؛ مثال ذلك: أن يقول: ما الدليل الذي صار به العرض(14 ) حركة؟ وما الدليل الذي صار به العالَم جسماً؟ فالعرض أعم من الحركة، والعالم أعم من الجسم، وفي إدخال كل منهما في صاحبه اضطراب.
وأما »الإثبات« فهو أن يسأل عن زيادة فائدة في شيء، والمسئول ينفي أصل ذلك الشيء، مثال ذلك أن يقول: ما الدليل على ثبوت رؤية الله في الآخرة؟ والمسئول ينفي الرؤية أصلاً؟! وما الدليل إلى خروج أهل الكبائر من النار؟ والمسئول لا يقول ذلك؟!.
وأما »جمع السؤالين معاً« فهو أن يسأل عن شيئين مختلفين، ويريد لهما علة واحدة، ودليلاً واحداً في الوجه الذي اختلفا فيه، مثال ذلك أن يقول: ما العلة التي صار بها الجسم مؤلفاً والعرض مضمحلاً؟(15 ) وما الدليل على حدوث العالَم وصدق الرسل؟.
وأما السؤال عن »المحال فهو: أن يسأل عن شيء يحيل العقل وجوده، مثال ذلك أن يقول: هل يقدر الله أن يخلق له شريكاً؟ وهل يقدر الله أن يجعل الإنسان ناطقاً صامتاً في حالة واحدة؟ والله أعلم.
-----------------------------------
(1 ) بحثت في معجم الأبيات الشهيرة فلم أجده.
(2 ) (المسئلة) في: ب، و: م.
( 3) (مطلبة) في: م.
(4 ) ما بين المعقوفين ساقط في: ب.
( 5) أبو نصر فتح بن نوح النفوسي، من شعراء النصف الأول من القرن السابع الهجري، ولد ونشأ بجبل نفوسة، رعاه خير رعاية علمية وأدبية خاله أبو يحيى زكريا بن إبراهيم الباروني، كان مع شعره وأدبه عالماً بالمذهب الإباضي متعمقاً فيه، وكان يدرس للشباب صباحاً، وفي المساء بعد صلاة العشاء يلقي في النسا بالمسجد في نفوسة دروساً عامة. (1/45)
صفحة 46
أنظر: د. شوقي ضيف؛ تاريخ الأدب العربي، عصر الدولة والإمارات (ليبيا، تونس، صقلية) (د. ت دار المعارف - مصر) ص89.
وعلي يحيى معمر؛ الإباضية في موكب التاريخ.
( 6) (تعنيت) في: ب.
( 7) لم أجده في (النور الثميني لقصيدة فتح بن نوح) وربما هناك شرح آخر للقصيدة.
( 8) نجاد بن موسى بن نجاد أبو المعالي، كان قاضياً للإمام محمد بن أبي غسان في ق6ه، له كتاب (الأكلة وحقائق الأدلة) في خمسة أجزاء موجودة بعض منه مخطوط في مكتبة الشيخ السالمي، في بدية، وله (الإرشاد والحوالة). أنظر: السالمي؛ نور الدين. تحفة الأعيان 1/338، والسيابي؛ سالم بن حمود. عمان عبر التاريخ (1406ه، وزارة التراث العمانية): 3/82.
( 9) في ب: (للعباد)، وفي: م ساقطة.
(10 ) النساء/101.
( 11) لم أطلع على هذا الكتاب، ويشير الشيخ البطاشي إلى وجود قطعة منه في مكتبة الشيخ السالمي في بدية، وهو في الأصول. أنظر: البطاشي؛ سيف بن حمود. إتحاف الأعيان في تاريخ بعض أعلام عمان (ط1، 1415ه، مسقط): 1/282.
(12 ) ما بين المعقوفين [والسؤال المنهي عنه... فهو هالك بإجماع] ساقط من (ب).
( 13) (تادية) من غير همزة في (ب) و(م).
(14 ) العَرَض: الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع، أي: محل يقوم به، كاللون المحتاج في وجوده إلى حسم يحله، ويقوم به، وهناك تفصيل وتقسيم وتنويع. فانظر: الجرجاني. التعريفات: 192-193.
( 15) مضمحل: جاء في العين ما نصه: »اضمحل الشيء ذهب«، أنظر: العين. للفراهيدي، تح: هادي حمودي: 4/88، مادة (ضمحل)..
--- (1/46)
صفحة 47
فصل في الألفاظ الممتنع بها السؤال عن المولى (جل وعلا)
يمتنع السؤال عن الله (الله تعالى) بأشياء لدلالتها على معنى حادث، فالسؤال بها من خواص الحادثات، وتلك الأشياء هي كيف، ولِم (بكسر اللام وفتح الميم) وتسكينه في الشعر شائع( 1) لاستقامة الوزن، وهل، ومن (بفتح الميم)، وأي (بفتح الهمزة)، ومتى، وأين، ومن أين، وكم؛ فهذه تسعة ألفاظ وترك عاشراً؛ وهو ما وهي: سؤال عن ماهية الشيء أي حقيقته، وكل واحدة من هذه الألفاظ لها معنى بخلاف غيرها، ولها جواب بخلاف جواب الأخرى، وكلها غير جائز في حق المولى (جل وعلا)، وكذلك لا تجوز هذه الألفاظ سؤالاً عن صفاته الذاتية، لأن صفاته هي ذاته لا غيرها، كما يأتي -إن شاء الله-، فكل ما لا يجوز في حقه (تعالى) لا يجوز في صفاته الذاتية لما تقدم.
واختلف السؤال بلِمَ من هذه الألفاظ عن صفاته الفعلية، فأجازه قوم، ومنعه آخرون، والمنع مذهب الإمام أبي عبدالله محمد بن محبوب(2 ) -رحمه الله-، وقيل: إن كان السؤال بها عن الصفات الفعلية إنكاراً لفعله (تعالى) فلا يجوز، وإن كان تعلماً وتفهماً واستدلالاً على قدرته (تعالى) فذلك جائز(3 )، واحتج القائلون بالمنع بقوله (تعالى): (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)(4)، وسيأتي الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية عند ذكر الناظم لها -إن شاء الله-.
وقوله: »فكيفا عن هيئة« هذا شروع في الكلام على تفصيل معاني هذه الألفاظ؛ أي: فكيف سؤال يطلب به تعيين الهيئة؛ وهي الحالة التي عليها المسئول عنه، فإذا قلت مثلاً: كيف زيد؟ فكأنك سألت عن حالته؛ فيقال لك: صحيح أو سقيم، أو حيّ أو ميّت، وهذا كله غير جائز في حقه (تعالى). (1/47)
صفحة 48
وقوله: »وعلّة لم تلفا« أي توجد، قال تعالى: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين)( 5) أي وجدوا، والعلة هي التي لأجلها يكون ذلك الشيء، يعني إنَّ لِمَ سؤال عن علة، وهي مركبة من لام الجر، وما الاستفهامية، فحذف ألفها بدخول حرف الجر عليها كما في القانون النحوي(6 ).
هل سؤال يطلب بها التصديق، وهو طلب النسبة(7 )، بخلاف طلب التصور( 8)، فإنه طلب التعيين بعد العلم بالنسبة، وله من الأدوات ما عدا هل.
وقوله: »ومَن عن جنس« أي سؤال يراد به تشخيص الجنس، فقولك مَن هذا؟ تريد تشخيصه ونسبته، ومَن جبريل؟ تريد من أي جنس هو؟ فيقال لك: إنه من جنس الملائكة، وإلى هذا قصد اللعين في سؤاله لموسى (الله تعالى) حين قال: (فمن ربكما يا موسى)( 9) أراد من أي جنس؟.
وقوله: »وأي لشركة..الخ» البيت، يعني أن أي سؤال عما يميز المتشاركين، كقوله تعالى: (أي الفريقين خير مقاماً)( 10) أي أنحن أم أصحاب محمد؟ لأنهما شريكان في الفريقية، ويسأل بها أيضاً عن أجزاء النفس؛ كقولك: أي أجزاء زيد أحسن؟ فيقال لك: وجهه، أو يده، أو نحو ذلك، وقوله: »متى سؤال« أي لفظة متى سؤال يُطلب بها تعيين الزمان ماضياً كان أو مستقبلاً، كقولك: متى كان هذا؟ فيقال لك: أمس، أو متى يكون؟ فيقال لك: غداً.
وقوله: »أين...الخ» البيت، يعني إن »أين ومن أين« (بكسر الميم) سؤالان يطلب بهما تعيين المكان، قال السيوطي(11 ) في شرح عقوده: قال الشيخ بهاء الدين(12 ): »والفرق بين أين ومن أين، إن أين سؤال عن المكان الذي حل فيه الشيء، ومن أين سؤال عن المكان الذي برز منه الشيء«( 13) (انتهى). (1/48)
صفحة 49
وقوله: »وكم« أي لفظة كم، سؤال يطلب بها تعيين العدد كقوله (تعالى): (كم لبثتم)؟ (قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم)( 14) فهذه الألفاظ كلها يمتنع السؤال بها عن الباري (سبحانه)، وكذلك ما كان بمعناها (كأنَّى) فإنها تارة بمعنى كيف كقوله (تعالى): (فأتوا حرثكم أنى شئتم)( 15)، وأخرى بمعنى من أين؛ كقوله تعالى: (أنى لك هذا)( 16) أي من أين لك هذا؟.
و(كأيان) فإنها بمعنى متى مطلقاً عند النحويين، نحو قوله (تعالى): (ويسألونك عن الساعة أيان مرساها)( 17) أي متى؟ وكقوله (تعالى): (يسأل أيان يوم الدين)( 18) أي متى يكون؟ و(كحتى) فإنها بمعنى إلى متى يكون هذا الشيء؟ قال في شفاء الحائم على بعض الدعائم: »وقد قالوا: إن السؤال كله عن تسعة أشياء: أولها السؤال بهل، وهو لأنك إنما تسأل أولاً عن عدم الشيء ووجوده، وجوابه موجود أو معدوم، فإن قال: معدوم فقد بطل؛ وإن قال: موجود؛ فحينئذ تسأل بما هو، وإنما تسأل بها عن الجنس خاصة فتقول: ما هو؟ تعني أي جنس هو؟ فيقال: إنه محدث جسم حيوان، إنسان، عرض، حركة، سكون(19 )، فإذا سأل بمن؛ فإنما يسأل عن إنسان خاصة، فيقال له: أعرابي، تريك، أخ، ابن.
فإذا سأل بأي فإنما سأل عن قصد وإشارة، فيقال له: هذا وذاك، فإذا سأل عن كم هو؟ فإنما سأل عن عدد؛ فيقال له: واحد، اثنان، ثلاثة.
فإذا سأل بكيف فإنما سأل عن حال وصفه؛ فيقال له: حي، أو ميت، أبيض أسود، حلو حامض.
فإذا سأل بأين فإنما سأل عن مكان؛ فيقال له: في مكان كذا وكذا بالمشرق أو بالمغرب أو بمكة أو بالمدينة.
فإن سأل لِمَ كان؟ فإنما سأل عن علة، فيقال له: العلة كذا وكذا.
فإذا سأل بمتى فإنما سأل عن زمان ماض أو مستقبل، فيقال له: كان في الأمس أو يكون غداً، وقد ذكرها أبو نصر النفوسي( 20) فقال: (1/49)
صفحة 50
وقول الناظم »وإنه فرد« إلى آخره، أتى بالخبر مؤكداً الاقتضاء المقام ذلك، فإنه لما ذكر أولاً الألفاظ التي لا تجوز على الله (سبحانه) سارع في تنزيهه عن كل ما لا يليق به فحسن تأكيد الخبر، وقوله: »فرد« لا شريك له ولا أجزاء، فيسأل عنه بكم وأي، وقوله: »قديم« أي سابق على كل شيء فلا يسأل عنه بهل، ولا تأتي عليه الأحوال فيسأل عنه بكيف، ولا جنس فيسأل عنه بمن، ولا حادث فيسأل عنه بلم ومتى، وقوله: »قاهر« أي غالب لا مكان له يحيوه فيسأل عنه بأين ومن أين، وقوله: »سبحانه« أي تنزيهاً هل عن كل ما لا يليق به (تعالى عن جميع ذلك علواً كبيراً).
-----------------------------------
(1 ) (شايع) في: ب.
(2 ) ابن محبوب؛ عبدالله بن محمد بن محبوب القرشي من أكابر علماء عمان في عصره، تولى رئاسة العلم في أيام الصلت بن مالك، من شيوخه: موسى بن علي الأزكوي، وتتلمذ عليه إبناه؛ بشير وعبدالله، والعلامة عزان بن الصقر، له أجوبة فقهية امتلأت بها كتب الفقه الإباضي. أنظر: البطاشي. إتحاف الأعيان: 1/191، ودليل أعلام عمان: 150.
(3 ) (جايز) في: ب.
( 4) الأنبياء/23.
( 5) الصافات/69.
( 6) لم أجد كتاباً بهذا العنوان حتى الآن، فهل هو كتاب هكذا اسمه أم يقصد الشيخ بالقانون النحوي، أي القاعدة النحوية؟! الله أعلم. أنظر: التونجي؛ محمد. معجم الأدوات النحوية (ط7، 1408ه-1988م، دار الفكر - دمشق): 107.
( 7) النسبة: إيقاع التعليق بين الشيئين؛ والنسبة الثبوتية: ثبوت شيء لشيء على وجه هو هو. أنظر: الجرجاني. التعريفات: 1/301.
( 8) التصور: حصول صورة الشيء في العقل، وإدراك الماهية من غير أن يحكم عليها بنفي أو إثبات. الجرجاني. التعريفات: 83.
وانظر: الفرق والتفصيل والأمثلة مشارق أنوار العقول للشيخ السالمي، 1/167.
( 9) طه/49.
( 10) مريم/73. (1/50)
صفحة 51
(11 ) السيوطي: عبدالرحمن بن محمد الخضيري جلال الدين، إمام حافظ مؤرخ أديب، ولد عام 849ه، أخذ عن: محمد بن موسى الحنفي وعثمان المقيسي، له مؤلفات كثيرة نحو 600 مصنف، من مؤلفاته: الإتقان في علوم القرآن، وتدريب الراوي في شرح التقريب الراوي، وغيرهما، توفي عام 911ه. أنظر: السخاوي محمد بن عبدالرحمن؛ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (د ت، دار مكتبة الحياة - بيروت): 4/65، والزركلي في الأعلام: 3/301.
( 12) بهاء الدين لم أجد له ترجمة حسب بحثي.
( 13) السيوطي؛ عبدالرحمن بن محمد. شرح عقود الجمان (1358ه - مطبعة مصطفى الحلبي - مصر): 53.
( 14) الكهف/19.
(15 ) البقرة/223.
( 16) آل عمران/37.
(17 ) الأعراف/187، والنازعات/42.
( 18) القيامة/6.
(19 ) بعد انتهاء ص25 من النسخة (ب) هناك سقط مقدار صفحتين (26 و27) والتكملة من (م) وعليها اعتمدت في هاتين الصفحتين من غير مقارنة.
( 20) تقدمت ترجمته.
( 21) أنظر: الثميني؛ عبدالعزيز بن إبراهيم؛ النور شرح قصيدة فتح بن نوح (نسخة مصورة رقم 52/214 مكتبة معهد القضاء - عُمان): 96.
--- (1/51)
صفحة 52
الباب الثالث: في الاجتهاد والفتوى
الفتوى( 1) (بالواو مع فتح الفاء وبالياء مع ضم الفاء) هي: تبيين الحق للسائل، وأما (الاجتهاد) فهو استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل حادثة بشرع، ولمّا كان مستمد الاجتهاد والفتوى الأصول الثلاثة بلا خلاف بدأ بها(2 ) فقال:
أصول الفقه ثلاثة: كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع المهتدين من الأمة.
فأما الكتاب: فإنه( 3) معجز وهو من عند الله، ولاشكّ، ولا يسع جهله، بل ولا الشك فيه لمن قامت عليه حجته.
واختلف في وجه إعجازه: هل هو من حيث التراكيب على أنه أفحم البلغاء فيها، أو من حيث الإخبار بالغيب، أو من حيث إخباره عن الأمم الخالية، أو من حيث عدم التناقض فيه مع طوله؟ أقوال؛ والظاهر أن كل ذلك معجز( 4).
وأما السنة: فلثبوت أصلها من الكتاب قال (تعالى): (من يطع الرسول فقد أطاع الله)( 5) وقال: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي)( 6)، وقال: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)( 7)، وقال: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)( 8).
وأما الإجماع: فلثبوت أصله من الكتاب والسنة فمن الكتاب قوله (تعالى): (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)(9 ) فبيّن (سبحانه) أنهم شهداء على الناس، كما أن الرسول شهيد عليهم، وقوله (تعالى(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)( 10) فقرن (سبحانه) طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله، وقوله: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)( 11). (1/52)
صفحة 53
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: »لا تجتمع أمتي على ضلالة«( 12)، وفي رواية: »لا يجمع الله أمتي على ضلالة«(13 )، وفي حاشية الترتيب: »ما كان ليجمع أمتي على ضلال«( 14)، وقوله: »ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن«(15 )، فالمراد بأصل الفقه في كلام المصنف هو أدلة الفقه من حيث استناده إليها، وإضافته إليها، والمراد بالفقه ما يعم العلم بالعمليات والعقائد والأخلاق.
و»الكتاب« هو الكلام المنزل للإعجاز عن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم المنقول عنه تواتراً.
و»السنة« هي أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته.
و»الإجماع« هو اتفاق مجتهدي الأمة على أمر في عصر، وكل واحد من هذه الأصول الثلاثة يكون قطعي الدلالة ويكون ظنيها.
فأما القطعي من الكتاب فهو ما كان نصاً على شيء بعينه، كما في قوله (تعالى): (حرمت عليكم الميتة والدم)( 16).. الآية، وأما الظني من الكتاب فهو: ما لم يكن نصاً في شيء بعينه، وإنما استخرج منه ذلك الشيء من طريق الاستدلال والاستنباط، وذلك كما في قوله (تعالى): (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً)( 17) فاستنبط العلماء من هذه الآية أن أقل الحمل ستة أشهر( 18)، وذلك لما علموا من قوله (تعالى): (والوالدات يرضعن أولادهن حوالين كاملين)(19 ).. الآية، إن مدة الرضاع حولان أسقطوا الحولين من ثلاثين شهراً فبقين( 20) ستة أشهر وليست الآية نصاً في هذا كله، ولكن العلماء استنبطوا منها ذلك بالإشارة إليه فدلالتها على ذلك ظنية.
وأما القطعي من السنة فهو ما نقله التواتر عنه صلى الله عليه وسلم، أو أجمعت الأمة على أنه عنه الله تعالى كحديث: »من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار«( 21).
وأما الظني من السنة فهو ما نقل عنه صلى الله عليه وسلم، من طريق الآحاد أو من طريق التواتر لكنه ليس نصاً( 22) في المطلوب. (1/53)
صفحة 54
وأما القطعي من الإجماع فهو ما كان في شيء لم يتقدم فيه خلاف ولم ينازع فيه أحد من المجمعين لا قبل انعقاده ولا بعد، حتى انقرض عصرهم على ذلك، ولك يكن مخالفاً لنص من الكتاب أو السنة، فإن خلاف النصوص حرام ولا ينعقد على مخالفتها إجماع.
وأما الظني من الإجماع فهو ما عدا ما ذكرته.
ولما كان مخالفة القطعي من كل واحد من هذه الثلاثة الأصول حراماً وضلالة بإجماع من اعترف بالإجماع من الأمة المحمدية( 23) أشار إلى ذلك فقال:
تقدم أن الاجتهاد هو استفراغ الفقه الوسع( 24) في استحصال حادثة بشرع، وفي هذا البيت إشارة إلى حكمه الشرعي(25 ) فيحرم الاجتهاد في مواضع رد نص الكتاب أو السنة أو الإجماع القطعي في بيان حكمها، ويجب التسليم لها القبول لبيانها، ويجوز الاجتهاد في الأشياء التي لم يرد فيها نص من أحد هذه الثلاثة، ويجب على من بلغ الاجتهاد واحتاج إلى العمل أو الفتوى أو الحكم بما لم يرد به نص من الأصول الثلاثة.
وقوله: »هالك..الخ« أي من ابتدع حكماً مع ورود أحد هذه الأصول فهو هالك، لأن مخالفتها حرام وضلال.
ولما كان الاجتهاد في غيرها قد يكون جائزاً، وقد يكون واجباً أشار إلى النوعين فقال: (1/54)
صفحة 55
المراد بـ»الرأي« هنا الاجتهاد الفقهي، وبـ»التحري«: طلب ما هو الأولى في العمل؛ أي يجوز الاجتهاد في الأشياء التي لم يرد فيها نص أحد الأصول الثلاثة لمن شاء أن يجتهد، ويجب على من بلغ رتبة الاجتهاد فأراد العمل أو الفتوى أو الحكم بما لم يرد فيه نص أحد الثلاثة الأصول، فإذا اجتهد المجتهد فعليه أن يأخذ بما أداه إليه اجتهاده وإن خالفه عليه غيره، ولا يجوز له أن يترك الأعدل في اجتهاده وإن خالفه من خالفه في ذلك خلافاً لما في أجوبة الإمام ابن محبوب (رضي الله عنه) لأهل المغرب(26 ) وتابعه على ذلك أبو الحسن البسياني( 27) في سيرته(28 )، وذلك أنهما قالا: أن الحاكم يترك رأيه إن لم يوافقه عليه أحد من الجماعة ويأخذ بقولهم، ولا يخفى ما فيه من العدول عن ذروة التحقيق إلى حضيض التقليد، ثم إنه أشار إلى هذا المعنى بعينه فقال:
يحرم على المجتهد العدول عن الرأي الذي يرى أنه هو الأقرب إلى العدل للأدلة التي عنده عليه والأخذ بالرأي الذي يرى أنه أبعد عن الصواب في نظره لمخالفته الأدلة التي عنده، لأن الله (الله تعالى) كلَّف كل واحد من المجتهدين أن يأخذ عنده الحاجة إلى الأخذ بما أداه إليه اجتهاده فهو فرض في حقه، والعدول إلى غيره عدول عن فرضه( 29)، لكن استثنى بعضهم من هذه القاعدة ثلاثة أشياء، وذكر أن فيها جواز العدول عن الأعدل إلى الأهزل في نظر المجتهد.
انظر تكملة هذا الموضوع >>>>>>
--------------------------------------------------------
(1 ) تقدمت ترجمته.
(2 ) أنظر: الثميني؛ عبدالعزيز بن إبراهيم؛ النور شرح قصيدة فتح بن نوح (نسخة مصورة رقم 52/214 مكتبة معهد القضاء - عُمان): 96.
(3) ساقطة في: م.
(4 ) (بداء) في: ب.
(5 ) (فلأنه) في: م.
(6 ) ينظر: الخليلي؛ الشيخ أحمد بن حمد. جواهر التفسير: 1/51 وما بعدها.
( 7) النساء/80.
(8 ) النجم/3.
( 9) الحشر/7.
( 10) النساء/64.
(11 ) البقرة/143.
(12 ) النساء/41. (1/55)
صفحة 56
( 13) النساء/63.
(14 ) أخرجه الترمذي ك الفتن، ب7، ح2167، بلفظ: »إن الله لا يجمع أمتي..« ج4، ص466، والدارمي ك المقدمة، ب8، ح55، حديث طويل جاء في آخره: »...ولا يجمعهم على ضلالة«، عن عمرو بن قيس ج1، ص32، وأحمد في المسند ج5، ص145، عن أبي ذر في آخر حديث طويل: »...فإن الله (الله تعالى) لن يجمع أمتي إلا على هدى«، والحاكم في المستدرك ج1، ص115، عن ابن عمر بلفظ: »لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً«، وأبو نعيم في الحلية: 3/37.
( 15) نفس تخريج الحديث الذي سبقه.
(16 ) نفس تخريج الحديث الذي سبقه.
( 17) أخرجه الحاكم في المستدرك ك31، ح4465، ج3، ص78، وأحمد في المسند: 1/379، موقوفاً على ابن مسعود، وقال الزيلعي في نصب الراية: 4/133: »ولم أجده إلا موقوفاً على ابن مسعود«.
(18 ) المائدة/3.
( 19) لقمان/14.
(20 ) أنظر: القرطبي. الجامع لأحكام القرآن، ج3، ص163.
( 21) البقرة/233.
( 22) (فبقيت) في: م.
( 23) أخرجه الربيع ك14، ح738، عن ابن عباس، والبخاري.
( 24) (لكنه نصاً) في: م.
(25 ) وهناك من لم يعترف بالإجماع كالنظّام والرافضة، وبعض الخوارج.
ينظر: السالمي؛ نور الدين. طلعة الشمس (ط2، 1405ه، وزارة التراث العمانية): 2/16، والآمدي. الإحكام في أصول الأحكام (ط1403ه، دار الكتب العلمية - بيروت): 1/280.
(26 ) (الوسعى) في: ب.
(27 ) أنظر ص##
( 28) سبق تعريف هذا الإمام؛ وينظر: سيرة الشيخ الفقه محمد بن محبوب (رحمه الله) ضمن كتاب السير والجوابات؛ تح: سيدة كاشف: 2/234، وجاء فيها: »...وإن خالفوه [أي أهل الرأي من المسلمين] جميعاً ترك الحكم فيه برأيه«. (1/56)
صفحة 57
( 29) أبو الحسن البسياني؛ علي بن محمد البسيوي اليحمدي عند ابن رزيق، والشكيلي على رأي آخر، تتلمذ على الشيخ أبي محمد بن بركة البهلوي، وأبي مالك غسان بن محمد البهلوي الصلاني، من آثاره: جامع أبي الحسن (مطبوع)، وسبوغ النعم، وسيرة البسياني. إتحاف الأعيان. للبطاشي: 1/229، ودليل أعلام عمان: 119.
--- (1/57)
صفحة 58
تابع الباب الثالث:في الاجتهاد والفتوى
أحدها: فيما إذا حكم عليكم حاكم عدل وكان ممن يجوز له الحكم في المختلف فيه، فإنه يجب عليكم اتباعه فيما حكم به، ولا يجوز لك مخالفته في ذلك وإن كنت ترى أن الذي حكم به هو الأهزل والأبعد من الأدلة؛ (ويبحث فيه) بأن هذا غير خارج من تلك القاعدة، ألا ترى أنه إذا حكم لك بشيء ترى أنه لغيرك لا يجوز لك أخذ غاية ما فيه أن الواجب في الصورة الأولى الانقياد لحكم الحاك لا ترك الأعدل في نظره.
وثانيها: أنه إذا كان في الرأي الذي يرى(1 ) أنه أبعد من الأدلة مخالفة لكافر قال يجوز له ترك ما هو الأعدل في نظره والأخذ بما هو أهزل، فيخالف الكافر في ذلك، كان الكافر مشركاً أو فاسقاً، ونصب للأول دليلاً يهودي مرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واقفون عن دفن ميت، فقال اليهودي: هكذا تفعل أحبارنا، قال: فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالقعود مخالفة لليهود( 2)، ونصب للثاني دليلا ما روي أن جابر بن زيد(3) (رضي الله عنه) خالف الحسن البصري حين قال له -وقد حضر معه في مرضه الذي مات فيه-: »قل يا جابر لا إله إلا الله« فأمسك جابر مع قدرته على النطق مخافة أن يقال تبع الحسن في مذهبه.
ويبحث فيه بأن هذا كله خلاف ما عليه القاعدة، فإن القاعدة هي أنه لا يجوز للمجتهد أن يخالف ما رآه أنه هو الحق في نظره وأن ما عداه خلاف الحق في نظره، وقعوده صلى الله عليه وسلم وإمساك جابر عن القول ليس حراماً قبل ذلك. (1/58)
صفحة 59
وثالثها: أنه إذا كان في الرأي الذي يرى أنه الأهزل في نظره نوع زهد وتنزه، وفي الرأي الذي يرى أنه الأرجح والأعدل ترك لذلك التنزه والورع؛ قال فهاهنا يجوز له أن يترك ما يرى أنه الأعدل، فيأخذ بما في نظره أنه الأهزل، وضرب لذلك مثلاً بمسألة تحليل السباع وتحريمها،على أنه قد ورد النهي من الشارع من أكلها، وقد اختلف العلماء في تأويل هذا النهي، فذهب بعضهم إلى أن هذا النهي للتحريم، فحرَّم أكل السباع لذلك( 4)، وذهب آخرون -منهم إمام المذهب أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي- إلى حمل هذا النهي على الكراهية والتنزه؛ فأجازوا أكل لحوم السباع وقالوا فيها: بالتكريه، فإذا رأى المجتهد جواز أكلها وإن هذا النهي للكراهة كما عليه هذا الإمام (رضوان الله عليه) كان جائزاً أن يتمسك بما رأى(5 ) فيأكل، وأن يدع أكلها تنزهاً لما في أكلها من الكراهية، هذا في الحكم الذي يخصه بنفسه، أما إذا حكمه غيره وولي الحكومة في ذلك وجب عليه أن يحكم بما يرى أنه الأقرب للصواب.
مثال ذلك: إذا تخاصم إليه رجلان اصطاد أحدهما سبُعاً فأطلقه منه الآخر، فطلب المصطاد حقه من الذي أطلقه سبعه، كان على هذا الحاكم أن يحكم لهذا المصطاد على هذا الذي أطلقه بضمان سبُعه، ويبحث فيه: بأن ما ذكر من جواز الترك للأكل ليس من هذا الباب الذي نحن بصدده، فإن ترك هذا المجتهد أكل هذه السباع إنما هو لامتثال النهي الوارد عن الشارع فلا يلزم من الامتناع عن أكلها، القول بأن أكلها حرام، ألا ترى أنه حين صار حاكماً وجب عليه الأخذ بما رأى(6 ) أنه الأرجح في نظره فيلزمه الحكم به، ولأجل هذه الإيرادات على هذه المستثنيات أشار المصنف للتبري من استثنائها(7 ) بقوله: »فيما رأوا« أي فيما رأى المستثنون لهذه الخصال، ولما فرغ من بيان الأحكام التي تخص المجتهد شرع في بيان حكم الضعيف عن الاجتهاد فقال: (1/59)
صفحة 60
اختلف العلماء في الضعيف الذي لا قدرة له على الاجتهاد ولا استطاعة له على ترجيح الأقوال، وقد أراد أن يعمل بشيء من الأشياء التي قد اختلف العلماء في حكمها.
فذهب بعضهم إلى أن لهذا الضعيف أن يأخذ بأي قول شاء من تلك الأقوال الموجودة في مسألته، ولا يلزمه في كل قضية أن يستعين بالفقيه الحاضر، [واحتج لذلك بأن] ( 8) قوله ليس بأثبت فيه ممن تقدمه فيه فأورده أثراً صحيحاً فيحسن اتباعه لمن بعده، بل قد يمكن أن يكون الأول أكثر علماً وأصح نظراً وبالعكس، فاستوى الأمر أن فيما وجده من أثر صحيح أو نقله له عن الأوائل(9 ) من الاختلاف صحيح أو أخبره الفقيه الحي بوجود الاختلاف فيه وسكت عن التعديل فيما يحكيه وحكم ما عدله بعض علماء السلف، وعدل غير الفقيه الحاضر من الخلف حكم ما اختلف الفقهاء في تعديله، ويرجع الأمر فيه إلى جواز الأمرين من(10 ) هذا كله إذا لم يكن لهذا الضعيف قدرة على معرفة الأعدل، وكانت المسألة مما وجد الاختلاف فيها.
أما إذا شاء العمل بشيء لم يوجد في بيان حكمه شيء عن العلماء فهاهنا يجب عليه مشاورة أهل العلم في ذلك ولا يجوز له أن يعمل بهوى نفسه.
وذهب آخرون إلى أنه يجب على هذا الضعيف إذا شاء العمل بما يختلف فيه أن يشاور من قدر على مشورته من الفقهاء، وأن يستعين في طلب الأعدل من الأقوال؛ والدليل على ذلك قوله (تعالى): (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)( 11) لأن الاستنباط لا يكون إلا من الفقهاء العلماء به، وقد أُمِر الضعفاء برد الأمر فيه إليهم، والأخذ فيه بقولهم فَهُم الحجة فيه لهم وعليهم، ويدل على ذلك أيضاً قوله (تعالى): (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(12 ). (1/60)
صفحة 61
أقول: وهذا المذهب أقوى دليلاً وأقوم سبيلاً من الذي قبله لهذه الأدلة، ولما في مشورة العالم من إمكان الاطلاع على دليل القول الذي يرشده إليه، ويأمره بالأخذ به، فيكون مع ذلك آخذاً بالدليل الذي سمعه فينزل في وجوب المشاورة للعالم عند وجوده منزلة القادر على الاجتهاد، ولا يخفى أن حكم م كان مجتهداً ولم يطلع على الأدلة في شيء من الأحكام أن حكمه في ذلك حكم الضعيف لأنه في ذلك الحكم ضعيف أيضاً بناء على القول بتجزي الاجتهاد وهو مذهب الإمام الكدمي( 13) (رضي الله عنه).
وفي قول ثان أن الاجتهاد لا يتجزأ فلا يكون مجتهداً حتى يكون عالماً بجميع الأدلة من الكتاب والسنة، والأول هو المختار والله أعلم.
والخطأ نوعان؛ أحدهما: أن يكون صاحبه معتقداً إصابة(14 ) الحق فيما أفتى به ويظن أن صواب وهو مخالف للحق، فهذا غير معذور من الإثم والضمان -كان عالماً أو جاهلاً- إذا حرّم ما أحل الله أو أحل ما حرّم الله، وقد حصل التحرز من هذا النوع يقول الناظم »وخطأ العالم« لأن صاحب هذا النوع وإن كان عالماً في غيره فهو جاهل به.
وثانيهما: أن يكون المفتي عالماً بذلك الشيء الذي أخطأ فيه وبأصوله؛ فأخطأ بلسانه؛ وهو يعلم أن لو انتبه أنه مخطئ فيه، فهذا يُختلف في تضمين صاحبه، والذي عليه الجمهور من الجهابذة أنه لا ضمان عليه، وأما الإثم فلا نعلم أن أحداً قال به في هذا الموضع، والذي وجدناه عن علمائنا( 15) إنه لا إثم عليه بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: »رفع عن أمتي الخطأ والنسيان«(16 )... الحديث، وبإشارة قوله (تعالى) حكاية عن المؤمنين: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)(16 )، وما أحسن قول الصائغي( 17): (1/61)
صفحة 62
وقول الناظم »في الفتوى« احتراز من خطأ العالم في الحكم، فإنه لا يعذر من ضمانه، أما الإثم فمعذور عنه في الحالتين، وإنما كان عليه الضمان في الحكم دون الفتوى، لما في الحكم من جبر المحكوم عليه على قبول الحاكم دون الفتوى، فإنه ليس فيها جبر، وقوله: »والوزر والضمان..الخ»، أي إثم ذلك الخطأ وضمانه إنهما على من قَبِلَه من العالِم وعمل به أو حكم لأنه لا يجوز لأحد أن يقبل خلاف الحق أو يعمل به، ول قال به من قال من العلماء، فالعلماء إنما هم حجة في الحق لا في الباطل، ولما صرح بتأثيم العامل بخلاف الحق وتضمينه استدرك ذلك ببيان توبته فقال: (1/62)
صفحة 63
»الهاء« من قوله »بطلانه« عائدة إلى الخطأ وكذلك في قوله: »إليه«، والهاء من قوله: »عليه« عائدة إلى الذي عمل وانتصب »مجملاً« على الحال من فاعل »أتى« أي: لا يخلو ذلك الخطأ؛ إما أن يكون مما تقوم به الحجة من العقل، أو مما تقوم حجته من السماع، فالأول غير معذور صاحبه مهما خطر بباله إلا باعتقاده الحق فيه، والثاني نوعان: (تأدية مفروض، وترك محجور) فأما تأدية المفروض فإذا لم يجد معبّراً يعبِّر له إياه، ولم يتأت(18 ) له من قبل بصيرته بإلهام ونحوه فهو معذور -كما سيأتي- إذا اعتقد في جملته السؤال عن جميع ما يلزمه من دين الله، وأما ترك المحجور فقد قيل: إنه لا يسع أحداً أن يرتكبه عالماً بحجره كان أو جاهلاً مستحلاً أو محرماً(19 )، ومن ارتكبه فهو هالك ظالم، لأنه قد ورد في الأثر المجتمع عليه: »يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرأوا من العلماء إذا برؤا من راكبه«(20 )، وهذا قد ارتكب ذلك الأمر المحجور عليه ارتكابه، فلا عذر له بجهل ولا بفتوى مخطئ لأن المفتي إذا أخطأ وجه الصواب فليس بحجة، وقيل: إذا لم يجد المعبِّر في هذا ونحوه وكان قد اعتقد في جملته المتاب عن جميع ما لزمته فيه التوبة والسؤال عن جميع ما لزمه فيه السؤال فهو سالم، وفي هذا قد سئل الإمام الخليلي( 21) (رحمه الله):
السؤال
فأجاب رضوان الله عليه
قال في موضع آخر من فتاويه، »وأما النوع الثاني وهو ركوب المحجور في دين الله (تعالى) من أصول ما لا تقوم به حجج العقول، فقيل: في هذا على الإطلاق بهلاك فاعله من المتعبدين، لأن يفعل ما لا يجوز له في دينه وقد نقض الدين«.
وفي الأثر »المجتمع عليه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه الخ«، »وهذا قد ركبه فضاق عليه، ولم يسعه جهل بحكم ظاهره وإلا فالجهل أشرف بضاعة إن كان به عذر لمن أطاعه فهو أولى بالكرامة لأنه مطية السلامة، ويأبى الله ذلك«( 23). (1/63)
صفحة 64
وفي قول آخر: »فعسى أن لم تقم عليه الحجة بحرامه أن لا يبلغ به إلى هلاكه وآثامه، إن دان لله (تعالى) بالتوبة منه بعينه إن كان في الدين حراماً، وبالسؤال عنه بعينه أيضاً إن هدي إلى ذلك في أحد الوجهين أو فيهما تاماً، وإلا ففي الجملة ولابد أن يدين في جملته التي تعبده بها أن يطيعه في كل شيء من أمره، ويسأل مع القدرة عما يجب عليه السؤال عنه من دينه، ويتوب إليه من كل معصية علمها أو جهلها في حينه مع الدينونة له بما يجب عليه في ذلك إن لزمه شيء هنالك، أو هدي إليه حال وجوبه بالتعيين، أو في الجملة من أصل ما به يدين، فإذا دان لله (تعالى) بما يجب من هذه في الجملة إلا أنه لعدم قيام الحجة عليه بحرمة ما ركبه لم يهد إلى حكمه فأتاه على غير عمد منه للمعصية وإنما وقع منه لقصور علمه، وكذلك إن أخذ فيه بفتيا من دله على غير عدله لا مقلداً له على حال ولا مدعيّاً على الله فيه بمحال، لكونه فيه على غير استحلال ولا مهملاً عليه اعتقاده فيه على الخصوص أو في الجملة إلا لعذر كما سبق في مثله من مقال، فتكون الفتيا في هذا المقام لباطلها حكم لا شيء، فكأنها لم تكن في الأحكام شيئاً فكان ذلك من خطأ(24 ) المفتي على ما يعذر به، أم يلام فقائل( 25) ذلك على حجره وإن لم يكن هذا من عذره إلا أنه ما لم تقم الحجة عليه به، وهو غير مقصّر في الواجب من عقيدته، ففي قول الشيخ أبي نبهان(26 ) (رحمة الله عليه) في غير موضع من أجوبته ما دل أن يحسن ظنه في الله، يرجو أن لا يهلك من أجله بشرط ما ذكرناه من التزام طريقة النجاة في عقيدته. (1/64)
صفحة 65
وقد صرح في هذا وفي غيره من جوابه بوجود الاختلاف في هذا، وبابه وقوله صحيح، وآثار الشيخ أبي سعيد (رحمه الله) تشهد له بصوابه، وكفى بهما قدوة لمن أراد الله به الهداية، وبآثارهما نوراً يهدي كما له هو أهل، وبحمده نتوسل إليه أن ينقذنا من الجهل، وبمحمد وآله عليهم أفضل الصلاة والسلام، هذا كلامه وبه تعلم أن ما في كلامه المنظوم محمول على من أتى الحرام بعد قيام الحجة عليه به لأنه هو موضع الهلاك بإجماع كما يرشد إليه قوله: (ودعني من ذكر الذي ليس واجداً..الخ) والذي في كلامه المنثور محمول على من أتى الحرام، والحال أن الحجة لم تقم عليه في ذلك الشيء بعينه، لكنها قامت عليه في الجملة، وذلك كما لو علم أن في دين الله حلالاً وحراماً فارتكب شيئاً لا يعلم حكم الله فيه، فإذا هو حرام في دين الله فإن هذا هو موضع النزاع، والله أعلم.
أو تقول إن كلامه المنظوم محمول على من ضيّع فرض السؤال وضيع اعتقاده بالإهمال، وما في كلامه المنثور محمول على ما إذا لم يضيّع مفروض السؤال، ولم يهمل الاعتقاد في الاجتناب ما عدا الحلال ثم ظهر أن هذا الوجه هو أولى أن يحمل عليه كلام هذا المحقق، والله أعلم.
ولما كان الجهل نقيض العلم، وكانت أحكام العلم دائرته بينه وبين الجهل إذ ما وجب علمه حرم جهله، وما حرم جهله وجب علمه، ختم هذا الركن بهذا الباب فقال:
---------------------------------------
(1) (يرا) في: ب.
(2 ) أخرجه أبو داود: ك الجنائز، ب42،43، ح3176، وابن ماجه: ك الجنائز، ب35، ح1545، والترمذي: ك الجنائز، ب35، ح1020، عن عبادة بن الصامت، وقال الترمذي: حديث غريب. (1/65)
صفحة 66
( 3) جابر بن زيد الأزدي نسباً العماني البصري، أبو الشعثاء، تابعي كبير، تتلمذ على كثير من الصحابة في مقدمتهم ابن عباس، وعائشة (أم المؤمنين) وغيرهما كثير، وعليه تتلمذ أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وأخذ عنه: قتادة وعمرو بن دينار وغيرهما، له مؤلفات قيمة: ديوان جابر (مفقود) ورسائل مجموعة وأجوبة مطبوعة جمعها الخروصي الشيخ سعيد بن خلف، ولد عام 21ه، وتوفي 93ه على الأرجح. أنظر: الذهبي. تذكرة الحفاظ؛ تصحيح عبدالرحمن المعلمي (دار إحياء التراث العربي): 1/72، والبطاشي. إتحاف الأعيان: 1/41، والزركلي. الأعلام: 2/104.
( 4) أورد هذا الخبر الدرجيني أبو العباس في طبقات المشايخ بالمغرب، تح: إبراهيم طلاي (د ت ط): 2/207، وبكوش؛ يحيى في كتابه: فقه الإمام جابر (ط1407ه-1986م، دار الغرب الإسلامي) ص28، رواية عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل.
( 5) في: ب (راء).
( 6) الهمزة على السطر في (ب) و(م).
( 7) ما بين المعقوفين [واحتج لذلك بأن] ساقط من (ب)، وجاء صياغة الكلام: »فليس قوله...« فقدم »ليس« مع زيادة »فاء« في أولها على »قوله«.
( 8) في: ب (على الأوايل).
( 9) في: م ساقطة (الأمرين هذا).
( 10) النساء/83.
(11) النحل/43، الأنبياء/7.
(12) ينظر: أبو سعيد الكدمي. كتاب الاستقامة (1405ه، وزارة التراث العمانية): 1/186.
( 13) (أصابت) في: ب.
(14) (علماءنا) همزة على السطر في: (ب)، و(م).
( 15) أخرجه ابن ماجه ك الطلاق، ب16، ح2043، ج1، ص659، عن أبي ذر الغفاري مع خلاف لفظي يسير.
(16) البقرة/286.
(17) الصائغي؛ سالم بن سعيد المنحي فقيه شاعر عاش في ق13ه، له مؤلفات قيمة عديدة في أصول الدين والفقه والآداب الشرعية، من آثاره الجليلة: المضنون على غير أهله، والإرشاد، وأرجوزة تبلغ عشرة آلاف بيت أعاد صياغتها وتنقيحها نور الدين السالمي في جوهر النظام. أنظر: دليل أعلام عمان/76.
( 18) (يتأتى) من غير حذف حرف العلة في: (ب)، و(م). (1/66)
صفحة 67
(19) ينظر تفصيل المستحل والمحرّم في: (في توبة المحرّم والمستحل) من هذا الكتاب.
(20) ينظر: محبوب بن الرحيل. سيرته إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان (ضمن كتاب السير والجوابات) تح: سيدة كاشف، (نشر وزارة التراث العمانية): 2/28، عن جابر بن زيد.
(21 ) تقدمت ترجمته ص##.
( 22) الخليلي المحقق سعيد بن خلفان، تمهيد قواعد الإيمان (ط1407ه، وزارة التراث العمانية): 2/94،95،96.
( 23) المرجع السابق: 2/70.
( 24) (خطاء) في: ب، و(خطء) في: م.
(25 ) هكذا في: ب، وفي: م (فقابل).
(26 ) جاعد بن خميس الخروصي، الشيخ الرئيس، شيوخه: حبيب بن سالم الأمبوسعيدي، وناصر بن سليمان الخليلي، أما تلاميذه: ناصر وخميس إبناه، وغيرهما، من آثاره: مقاليد التصريف، ودقائق أعناق أهل النفاق، وحياة المهج وغيرها، ولد عام 1147ه، وتوفي 1237ه. ينظر: أعلام عمان/45، ومجلة جند عمان العدد255 ص53، ومقاليد التنزيل، تح: الشيخ كهلان الخروصي.
--- (1/67)
صفحة 68
الباب الرابع:(1) في أقسام الجهل
وفيما يسع جهله، وفيما لا يسع جهله وبه يتم
الكلام على الركن الأول -إن شاء الله-
ينقسم الجهل إلى بسيط، وإلى مركب، فـ»البسيط« هو عدم العلم بالشيء مما(2 ) من شأنه العلم حتى لا يتصور في باله شيء مما جهل به، ولا يخطر بعقله شيء من صفاته، وصاحب هذا القسم معذور سالم، لأن الحجة لم تقم عليه بعلم ما جهله، ولا يكون التكليف إلا بعد قيام الحجة، أما ما قيل من أن راكب المحجور في دين الله هالك ولو لم يعلم بحجره فذلك محمول على من علم أن في دين الله حلالاً وحراماً، لكنه لم يعلم الحكم فيما ارتكبه بعينه، وهذا قد تقدم له تصور علم بوجود جملة المحرمات فهلاكه إنما كان بعد قيام الحجة عليه في الجملة، وجهله بما ارتكبه جهل مركب لا بسيط، وأما »المركب« فهو إدراك( 3) الشيء على خلاف ما هو عليه، وإنما سمي هذا القسم مركباً لتركبه من عدم العمل بالشيء واعتقاد أنه عالم، فصاحبه يظن أنه عالم بالشيء وهو جاهل به، وإليه الإشارة بقول القائل:
وصاحب هذا القسم هالك إن كان جهله بما يلزمه العلم به، وإنما كان هالكاً لقيام الحجة عليه بذلك الشيء، واعتقاده فيه على خلاف حقيقته لا يكون عذراً له بعد وجوب علمه، فالمراد بقوله: »والثاني فهو ما انتمى إلى مركب« أي: القسم الثاني من قسمي الجهل هو ما انتسب إلى مركب أي: سمي بذلك، وقوله: »بل يأثم« تأكيد لقوله: »وليس يسلم«.
ولما فرغ من تقسيم الجهل بالنظر إلى حقيقته وحصوله في ذهن المكلف؛ شرع في بيان تقسيم الجهل المركب منه بالنظر إلى حكم الشارع فيه فقال: (1/68)
صفحة 69
»الهاء« من قوله: »وباعتباره« عائدة إلى القسم المركب من قسمي الجهل، لأنه أقرب مذكور، ولأن القسم الأول صاحبه(5 ) معذور وسالم، فلا يتأتَّى في هذا الانقسام، والمعنى أن الجهل المركب ينقسم بالنظر إلى حكم الشارع فيه إلى قسمين: أحدهما سالم صاحبه، والثاني هالك، فيسلم صاحبه إذا جهل بما لم يلزمه العلم به، ويهلك إذا جهل بما يلزمه العلم به، وسيأتي بيان ما يلزمه العمل به وما لا يلزمه مفصّلاً، ولك أن تقول: أن »الهاء« من قوله: »وباعتباره« عائدة إلى حقيقة الجهل مع قطع النظر عن التقسيم المذكور، والمعنى؛ ينقسم الجهل من حيث هو إلى: واسع الجهل؛ وهو الجهل البسيط وبعض المركب، وإلى ما لا يسع جهله وهو بعض المركب، وقول الناظم في »التكّلف« أي التكليف، ففي إطلاق التكلف على التكليف مجاز إرسالي لعلاقة المسببة لأن التكلف مسبب للتكليف، يقال: كلّفته فتكلّف.
ولما فرغ من بيان أقسام الجهل وأحكامه شرع في بيان الأشياء التي يسع جهلها، والأشياء التي لا يسع جهلها فقال:
تنقسم الأشياء التي تُعبدنا بها إلى قسمين:
أحدهما: تقوم حجته( ) من عقل المكلف، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله (تعالى)- في بابه.
ثانيهما: تقوم حجته من السماع، وهو نوعان (امتثال أمر، وامتثال نهي) فامتثال الأمر تأدية المفترضات من الأبدان والأموال؛ وهو أيضاً نوعان:
أحدهما: مؤقت العمل، أي يلزم أداؤه في وقت معين، وثانيهما: ما ليس كذلك، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله (تعالى)-. (1/69)
صفحة 70
فأما الذي علمه مؤقت كالصلاة والصوم فيلزمه عمله بدخول وقته وتقوم حجته حينئذ من جميع المعبِّرين ولو كان المعبر كافراً أو طفلاً أو سمع ذلك من لسان طائر ففهمه، أو وجده مكتوباً في كاغد(6 ) وغيره، وهذا هو الذي أورده الإمام أبو سعيد في استقامته( 7)، وقيل: »إن الكافر ليس بحجة في هذا وغيره، (بل ما عدا البر) (بفتح الباء) وهو: -الصالح في جميع أموره -لا يكون حجة عليه، قاله في المعتبر(8 ) محتجاً له بقوله: (تعالى): (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)( 9).
قال أبو بكر( 10) في الاهتداء: »ذهبت النزوانية( 11) إلى قيام الحجة من كل معلم من كافر ومسلم، أو كتابة في حجر، أو من فم طائر، واعتلّوا بأن الحق بنفسه حجة فحيث وجد كان حجة لا يعتبرون في ذلك المعلم به، والحجة لهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: »اقبل الحق ممن جاءك به بغيضاً كان أو حبيباً، ورد الباطل على من جاءك به بعيداً كان أو قريباً«(12 )، قالوا: فلما كان الباطل غير مقبول ممن جاء به من مسلم أو كافر بإجماع كان الحق مقبولاً ممن جاء به من مسلم أو كافر.
وذهبت الرستاقية( 13) إلى أن الحجة في تفسير ما تعبد الله به لا تقوم به إلا من الثقاة، واحتجوا بقول الله (تعالى): (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)(14 ) وبقوله (سبحانه): (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة)(15 )، قالوا: فقد أمر بالتبين عند خبر الفاسق وهو عام في كل نبأ(16 ) حتى يصح التخصيص، قالوا: وفي أمره بالتبين عند خبر الفاسق دليل على ترك التبين عند خبر غير الفاسق، والله أعلم«(17 ).. (انتهى). (1/70)
صفحة 71
أقول: وفي كل واحد من هذين الاستدلالين نظر فليتأمل، وقول الناظم: »إن استطعته..الخ« أي إن قدرت على وجود المعبر من غير تحمل لمشقة خارجية ولا إصابة ضرر في النفس والعيال، وقد تقدم ذكر الشروط لمن يجب عليه الخروج في طلب المعبر في الباب الأول من هذا الركن فراجعه من هنالك( 18).
أي اجعل في عقيدتك السؤال إذا لم تقدر على وجود المعبر حتى تتوصل إليه بوجه من الوجوه، لكن عليك مع الاعتقاد للسؤال أن تؤدي ذلك المفترض الواجب عليك فعله كما حسن في عقلك من أدائه، والأداء: فعل الشيء في وقته، والقضاء( 19): فعله بعد وقته استدراكاً، والإعادة: فعله في وقته، ثانياً: لخلل، فإذا وجدت المعبر وعبر لك ذلك المفترض كما أديته أنت من قبل فقد وفقك الله عليه ولا بدل عليك فيه، وإن عبر لك على خلاف ما أنت مؤد له فالبدل مختلف فيه على قولين؛ هل هو عليك أو لا؟ أوجبه قوم ولم يوجبه آخرون، واختلف المثبتون للبدل هل هو لازم على الفور أي في أسرع ما استطعت لأن الفور تعجيل إنفاذ الواجب أو دين مثبت عليك متى ما شئت أن تؤديه فواسع لك؛ »قولان« والهاء في قول الناظم »مثبته« للمبالغة؛ كما في قوله (تعالى): (بل الإنسان على نفسه بصيره)( 20) ثم أنه أشار إلى بيان النوع الثاني من نوعي الفرض الفعلي فقال:
انظر تكملة هذا الموضوع >>>>>>
------------------------------------------------------------------
(1 ) (4) بالرقم في: ب.
(2 ) زيادة (عمن) بين (مما) و(من) في: ب.
( 3) (اعتقاد) في: م.
(4)
( 5) (صاحب) بلا هاء، في: ب.
( 6) زيادة (عن) في: م.
( 7) الكاغد: القرطاس معرّب. الفيرزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط (ط1، 1407ه-1987م، مؤسسة الرسالة - بيروت): 402.
(8 ) ينظر: الكدمي أبو سعيد، الاستقامة: 2/18، 19، 23، 115، 116.
(9) أنظر: الكدمي أبو سعيد. المعتبر (ط 1405ه-1985، وزارة التراث العمانية): 1/65.
(10 ) النساء/141. (1/71)
صفحة 72
(11 ) أبو بكر؛ أحمد بن عبدالله الكندي النزوي، عالم ضليع وفقه جامع، أحد أئمة الطائفة الرستاقية رغم أن من نزوى وهو الذي عقد للإمام محمد ب خنبش، تتلمذ على الشيخ أبي بكر أحمد بن صالح، وله آثار قيمة كالمصنف في (41) جزءاً، والتخصيص في الولاية والبراءة وغيرهما. أنظر: تحفة الأعيان: 1/143، ودليل أعلام عمان: 28.
(12)
( 13) أورده المتقي الهندي في الكنز: 15/794، ح43152، وعزاه إلى الديلمي عن ابن عباس.
(14)
( 15) النساء/41.
(16 ) الحجرات/6، وفي الكتاب المنقولة عن الاهتداء إلى ]فتبينوا[ فقط.
( 17) (نباء) في: ب، و: م.
(18 ) أنظر: أبو بكر أحمد بن عبدالله الكندي، كتاب الاهتداء، والمنتخب من سير الرسول صلى الله عليه وسلم وأئمة وعلماء عمان، تح: سيدة إسماعيل كاشف (ط 1406ه، وزارة التراث العمانية): ص31، 32.
( 19) في (ب): والقضي.
(20) القيامة/14.
--- (1/72)
صفحة 73
تابع الباب الرابع في أقسام الجهل
هذا النوع؛ هو الثاني من نوعي امتثال الأمر، وهو الفرائض(1 ) الغير الموقتة؛ أي لم يكن عملها محدوداً في وقت معلوم كالحج والزكاة(2 )؛ لأن وقتهما واسع إلى حضور الموت، لمن لم يدن بترك فعلهما أو يعتقده من غير دينونة، فإذا لزمك أحد هذين الفرضين أو ما كان في معناهما فواسع جهلك بعلمه إلى الأجل؛ أي إلى حضور وقت انقضاء الأجل، فإذا حضر وقته لزمك علم ذلك المفترَض، وكان عليك حجة جميع ما كان حجة في الصلاة والصوم اللازمَين الحاضر وقتهما، وقيل: بل يلزمك العلم بكل مفترض عليك، وإن وسعك التأخير في أدائه لئلا تكون جاهلاً بما افترض عليك في دين الله، وهذا معنى قول الناظم »وقيل: كالأول« إلى آخر البيت، والمراد بـ»الأول« في قوله: الفرض الموقت فعله، وفيه قول ثالث وهو: أنه لا يسع تأخير أدائه بعد الإمكان، فيكون من الفرائض( 3) الموقتة ويحتمله قول الناظم أيضاً، وهذا القول لا يبعد عندي في الزكاة( 4) لاقترانها بالصلاة(5 ) في أكثر آي القرآن، ولقوله (تبارك وتعالى): (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون)( 6) وليس من المشركين من يؤتي الزكاة، إنما ذكرها هنا تحريضاً للمؤمنين على المسارعة في أدائها، وتنبيهاً على لزوم فرضها إلا إن القول الأول من هذه الأقوال الثلاثة هو الشهير المتداول، وعليه الإمام أبو سعيد (رضي الله عنه) في الاستقامة( 7). (1/73)
صفحة 74
هذا النوع الثاني من النوعين اللذين تقوم بهما حجة السماع، وهو امتثال النهي عن ارتكاب المحرمات جميعها، والجهل بها واسع لمن لم يُقدم عليها بارتكاب، أو تحليل بقول دون ارتكاب، فإن كان شيء من ذلك فلا يسع جهلها، ولزم الفاعل علم تحريمها سواء كان ارتكابه إياها على علم بجنسها وجهل بتحريمها أو علم بتحريمها وجهل بجنسها، وتلك المحرمات »كالدم« والمراد به الدم المسفوح كما صرح به تعالى في سورة الأنعام(7 )، فإن قلت من الدماء ما هو حرام بإجماع كالمسفوح، ومنه ما هو حلال باتفاق كدم السمك، ومنه ما هو مختلف فيه كدم المستجلبات( 9)، فكيف لا يسع جهله لراكبه مع وجود الاحتمال فيه، فالجواب أن الحكم فيه التحريم حتى يصح غيره »وكالميتة« وهي التي لم تذكّ( 10) فدخل تحت هذه العبارة المنخنقة والموقوذة وهي: المضروبة بالعمد حتى ماتت، والمتردية وهي: التي تتردى من علو إلى أسفل فماتت من غير تذكية، والنطيحة وهي: فعيلة بمعنى مفعول من النطح وهو: الدّع(11 )، وما أكل السبع كالذئب والنمر ونحوهما، إلا ما ذكيتم أي: إلا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء فذكيتموها فهو حلال لكم وحدّ( 12) ما يحل من هذه بالتذكية هو أن تتحرك المذكاة بعد التذكية ولو بجارحة، قيل: ولو تحريك طرف عينها أي: جفنها وأما سائر البدن الذي ليس بجارحة فلا اعتبار بتحركه في تحليلها لأنه قد تكون تلك الحركة فيه وهو: لحم مسلوخ، ويخرج عن هذه العبارة ما كان مستثنى شرعاً كميتة البحر، لقوله (تبارك وتعالى): ]أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة[( 13) فهو حلال على الإطلاق لقوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عنه فقال: »هو الطهور ماؤه الحل ميتته«(14 ) وكميتة الجراد للسنة(15 )، وما شابهها فهو مقيس عليه، وقول الناظم: »والخنزير إن قائم العين« أي وكالخنزير إن كان قائم العين أي لم يتغير شخصه فهو من المحرمات أيضاً، فلا يجوز لأحد أن يقدم على ارتكابه ولا تحليله بقول سواء (1/74)
صفحة 75
علم به أو جهل، وأما إذا كان غير قائم العين بأن كان لحماً مُقطعاً فواسع جهله لمن أكله إذا لم يعلم به أنه لحم خنزير وأكله من عند من تجوز ذبيحته إذ لا فرق بين لحمه وبين لحم سائر الحيوانات، وما أحسن قول ابن النظر( 16):
وحملوا على الخنزير القرد لاقترانها في قوله (تعالى): (وجعل منهم القردة والخنازير)(18 ) واختلفوا في خنزير البحر فقال قوم: هو حلال لأن الله أحل صيده على الإطلاق، وذهب آخرون إلى التحريم بأن(19 ) الله حرم الخنزير على الإطلاق، وقيل فيه بالتكريه من غير تحريم وهو سائغ، وقوله: »وكالخمور« (جمع خمر) وكذلك( 20) الخمور فهي حرام في كتاب الله (تعالى) (21 )، ولا يجوز لأحد ارتكابها ولا تحليلها بجهل ولا علم، قال ابن النظر (رحمه الله):
وكذلك كل مسكر لقوله صلى الله عليه وسلم: »كل مسكر حرام«( 23) خلافاً لأبي حنيفة( 24) في تحليله الخمر من غير الزبيب، والتمر(25 )قال ابن النظر:
وقوله: »وكالذي ذبح..الخ« أي وكذلك محرّم ما ذبح للأوثان (جمع وثن) وهو: الصنم، ومثله ما ذبح للنيران المعبودة في أي مكان كان ذلك المذبوح أي بإزاء الصنم أو ناحية عنه، بعيدة، أو قريبة، ووجه القصد إليه قال ابن النظر: (1/75)
صفحة 76
ومثل هذه المحرمات الذي لم يذكر اسم الله عليه لقوله (تعالى(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)(28 ) وقوله: »وذا لدى المضطر« لفظة »ذا« إشارة مكنى بها عن جميع ما تقدم من المحرمات فهي لمن اضطر إليها حلالاً لقوله (تعالى): (إلا ما اضطررتم إليه)( 29) وحدّ الضرر أن يخاف على نفسه الهلاك من الجوع، ولم يجد ما يحيي به نفسه إلا أحد هذه المحرمات، فجائز له بل واجب عليه أن يتناول منها قَدْرَ ما يحيي به نفسه لا زيادة، فإذا كان في حالة الضرر ووجد ميتة أنعام ولحم خنزير فليتناول من الميتة ويدع الخنزير وإن كان جائزاً له التناول منه، ولا يجوز له أن يحيي نفسه بميتة البشر، واختلف في الخمر هل يجوز للمضطر التناول منها أو لا؟ قولان؛ واحتج القائلون بالمنع بأن الخمر لا تعصم من الهلاك.
أي يسع جهل تحريم نكاح الأنساب الوارد ذكرها في الكتاب والسنة والإجماع، لمن لم تقم عليه حجة علمها، وذلك كتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات نسباً ورضاعاً، وكتحريم الربائب على من دخل بأمهاتهن، ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب، وكتحريم ذوات الصهر، هذا كله ما لم يرتكبه بتحيل، فيكون مستحلاً لما حرّم الله أو بانتهاك فيكون مضيعاً لفرائض الله، سواء علم بالحرمة أو جهل إذا علم بأصل النسب، وحد مرتكب ذلك بجهل أو بعلم أن يقتل بالسيف. (1/76)
صفحة 77
قال في شفاء الحائم: »وفي هذا الأثر المنقول في كتاب أبي سفيان( 30) عن عبدالملك بن مروان(31 ) والإعرابي الذي نكح امرأة أبيه فأتى به عبدالملك فقال له: مالك نكحت أمك؟ فقال: ليست بأمي، وإنما هي امرأة فظننت أنها لي حلالاً فضرب عنقه، وقال: »لا جهل ولا تجاهل في الإسلام« فبلغ ذلك أبا الشعثاء( 32) فقال: »أجاد عبدالملك« أو قال: »أحسن«( 33)، وفي هذا الأثر أيضاً ما يدل على أنه جائز للجبابرة إقامة الحدود »أي تحريمها« في قول الناظم: على البدلية من الأنساب أو عطف بيان، ويجوز أن يكون عطف نسق بأي التفسيريّة على مذهب الكوفيين و»ما« من قوله: »ما تركوا« يجوز أن تكون شرطية والجواب حينئذ محذوف بدلالة ما قبله تقديرية إن تركوا ارتكابها فالجهل لهم واسع، ويجوز أن تكون ظرفية مصدرية مقدرة بمدة الترك فتكون متعلقة بواسع، وقوله: »جهلهم« فاعل »ضاق« وجملة الشرط معترضة بين الفعل وفاعله، »واستبن« أمر بطلب البيان.
أي: يسع من كان جاهلاً بالنسَب عالماً بالحرمة أو جاهلاً بها نكاح من شاء من النساء »بلا ارتياب« أي: بلا شك، وإن أمكن أن تكون تلك المنكوحة في علم الله ممن يَحْرم عليه نكاحها فلا يزيل هذا الإمكان الإباحة التي أحلّها الله، وذلك مثلاً: أن يكون لرجل في قبيلة أو بلدة ذات محرم منه ولا يعرفها بعينها ولا يستطيع إدراك معرفتها بعينها، فلا نقول أن ذلك الرجل يمنع من أن يتزوج من تلك القبيلة أو البلدة مع إمكان أن يقع في ذات المحرم، قال ابن النظر: (1/77)
صفحة 78
هذا كله إذا كان الفاعل لذلك معتقداً لموافقة دين الله، ولم يقصد خلافاً لما أحل الله، وأنه متى ظهر له حرام ما وقع فيه رجع عما كان عليه، ولا يجوز له الإقامة على ذلك بعد العلم به طرفة عين، وحجة العلم في ذلك إنما تقوم بالشاهدين العدلين، وما دون ذلك لا تكون حجة على ذلك، ومن هنا قال الشافعي( 35): إذا تزوج الرجل امرأة مجهولة النسب وكان أبوه غائباً ثم رجع فقال: هذه ابنتي، وقالت المرأة: هذا أبي فعل الحاكم أن يحكم بأنها ابنة أب(36 ) الرجل وإنها زوجته فإن مات أبوهما كان الإرث بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين«(37 ).
»الإصرار« الإقامة على الذنب وفعل الذنب استخفافاً به، والمصر فاعل ذلك، وللمصر أربع مراتب على حسب أوجه الأحداث، لأن الأحداث تخرج على أربعة أوجه:
أحدها: أن تكون في نفس الجملة في شيء منها، فهذا مما لا يسع من عمله جهل ضلال راكبه، ولا جهل ضلال المتولي له، ولا جهل ضلال الشاك فيهما أو في أحدهما، حتى قال القائل بذلك أنه لا يعلم فيه اختلافاً.
وثانيها: أن يكون الحدث في تفسير الجملة أو في شيء منه مما تقوم به الحجة من العقل فهو كما مضى في الوجه الأول إلا أنه قد قيل فيه في بعض القول أنه يسع من علمه جهل ضلال راكبه ما لم يبن له علم ذلك، والأول أكثر.
وثالثها: أن يكون الحدث على وجه الاستحلال من تحليل الحرام وتحريم الحلال مما لا تقوم الحجة في الأصل إلا بالسماع، فالقول فيه كالقول في الحدث في تفسير الجملة من الاختلاف.
ورابعها: أن يكون الحدث على سبيل الانتهاك لما يدين المحدث بتحريمه فيخرج فيه ما قد ذكرنا في الأثر المرفوع عن الإمام جابر (رحمه الله)، وسيأتي ذكر الوجهين الأولين مرة أخرى عند ذكر الناظم لهما -إن شاء الله (تعالى)-. (1/78)
صفحة 79
وإشارة الناظم تقتضي التسوية بين المحرّم والمستحل على أنهما محادّان بإصرارهما قال (تعالى): (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم)( 38) إلى آخر الآية، هذا كله بعد العلم بما يحدث المصر وهو معنى قوله: »من بعد أن تعلم كفره« وأشار بقوله: »ومع بعضهم ما لم تع الحكم« إلى ما ذهب إليه بعض الفقهاء من أنه يسع جهل ضلالة المصر محرماً كان أو مستحلاً، إذا لم يعرف حكم الحدث الواقع فيه، أعني هل هو من المكفرات أم لا؟ وهذا القول حسن أيضاً إلا أنه معلق بشروط:
أحدها: أن لا تتولاه على فعله وإن كان ولياً لك فيما سلف.
ثانيها: أن لا تبرأ ممن برئ منه عالماً كان أو ضعيفاً.
ثالثها: أن لا تقف عن ولاية من برئ منه إذا كان ولياً لك من قبل، فإذا كان منك أحد هذه الأشياء فلا يسعك جهل ضلالته، وأما على القول الأول وإن لم يكن منك أحد هذه الأشياء فلا يسعك جهل ضلالته بعد العلم بحدثه.
أي: لم يسع جهلك بالمحللات في دين الله إن أنت لم تحرمها فتكون محرماً لما أحل الله، فحينئذ يلزمك أن تعلم بتحليلها ولا يسعك جهل علمه، وذلك كتحليل البيع على شروطه؛ التي هي: أن يكون المبيع من جنس الحلال، وأن لا يكون المبيع والمباع به من جنس واحد إلا يداً بيد، وأن يكون البائع مالكاً للمبيع قادراً على تسليمه للمشتري، »وكالملك« والمراد به: الرق على شروطه التي هي: أن يكون الرقيق ممن أباح الشرع تملكه، إما: بإرث أو بشراء، أو بسبي، وشرط هذا أن يكون المسبي مشركاً غير عربي، »وكالنكاح« على شروطه؛ وهي أربعة الرضا(39 ) من الزوجين، والمهر، وإذن الولي، وحضرة شاهدين، وما أحسن قول ابن النظر فيها:
وترك الرضا( ) تعويلاً على أخذه من المقام »وكالمباحات« التي أباحها الله (تعالى) لعباده من غير ما ذكرنا؛ هذا كله ما لم تقم حجة علمه بوجه من الوجوه، فإذا قامت فلا يسع دفعها. (1/79)
صفحة 80
اعلم أن الأمور ثلاثة: أمر بأنّ لك رشده فاتبعه، وأمر بان لك غيّه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك حكمه فقف عنه، ولا يجوز لك القدوم عليه حتى يتضح لك حقه، فإذا ارتكب الراكب أمراً لم يعلم حقه من باطله فلا يخلو ذلك الأمر من أحد أمرين؛ إما أن يكون باطلاً في أصل دين الله أو حقاً، فإن كان باطلاً فالراكب له هالك -قصده أو لم يقصده- إلا أن يتوب منه، وقد تقدم في باب الاجتهاد والفتوى شيء من هذا النوع فراجعه( 41)، وإن كان حقاً فلا يخلو الراكب من أحد أمرين أيضاً: إما أن يكون في قصه موافقة الحق فلا إثم عليه في هذا، لأنه قصد الحق فوفّق إليه، وقيل: إن عليه التوبة في قدومه على ما لا يعلم، والأول هو الصحيح؛ لأن كثيراً من الصحابة قد فعلوا أشياء لم يعلموا حكم الله فيها فإذا هي حق عند الله فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فعل ذلك، فهذا عمار بن ياسر (رضي الله عنه) تلفظ للمشركين بالشرك تقيّة ولم يعلم جواز التقية يومئذ بدليل ما نقل عنه أنه قال قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هلكت (الحديث) (42 )، وإما أن يكون في قصده مخالفاً لدين الله فهذا هالك بنيته لا تنفعه موافقة الحق بل عليه التوبة من تلك النية، فالأمور أربعة: موافقته للباطل مع قصده له، وموافقته له مع قصده الحق، وموافقته الحق مع قصده، وموافقته له مع قصده الباطل، وبين كلا الأمرين الأولين والآخرين واسطة هو نوعان: أحدهما أن يكون الراكب مهمِلاً أي لم يكن قاصداً لشيء دون شيء فيحكم له وعليه بحكم ما ارتكبه، وثانيها أن يكون غير مبال أصاب حراماً أم حلالاً فيحكم عليه بالهلاك عند موافقة الباطل والتوبة عند موافقة الحق.
خاتمة (1/80)
صفحة 81
قيام الحجة عبارة عن وجودها، وأصل القيام الانتصاب، و»الحجة« هي ما يقع به للنار حقيقة الشيء المنظور فيه، و»العلماء« جمع عالم، أي: تقوم حجة العلم لما وسع جهله بقول العلماء ولو كان القائل واحداً على مذهب الإمام أبي سعيد رضي الله عنه وهو الأصح، وقيل: لا تقوم بقول الواحد بل بقول العالمين، وقيل: غير ذلك.
والعالم الذي تقوم به الحجة فيما يسع جهله هو: الذي اشتهر في الناس عدله، وانتشر في الآفاق فضله، وهذا هو معنى قول الناظم »له الفضل علا« أي ارتفع، كناية عن اشتهاره، ولا يكون حجة في هذا الموضع إلا على من بلغته شهرة علمه وعرف شخصه أنه هو المشهور بوجه من الوجوه التي تأتي بها المعرفة الصحيحة.
وقيل لا يكون العالم ولا العلماء حجة فيما يسع جهله حتى يبصر المفتى (بفتح التاء) حق قول العالم، وعلى القولين لا يجوز للمفتى رد قول العالم ولا تكذيبه، والكل من هذين القولين قول صادر عن الفضلاء الكرام، وهم أهل الاستقامة في الدين، واحتج القائلون بالأول؛ بأن العلماء يلزم قبول قولهم كما يلزم قبول قول الأنبياء فيما جاءوا به، لأن العلماء ورثة الأنبياء، وينصُره قوله صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى »علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل«(43 ) واحتج القائلون بالثاني؛ بأن من ل يعرف بعض آي الكتاب العظيم وكان قد آمن به مجملاً أنه ليس عليه أكثر من ذلك، ولا يجوز له رد ما سمعه من الآي التي لم يعرفها فكذلك هذا المفتى لا يلزمه قبول قول العلماء فيما يسعه جهله إذا لم يرد قولهم ولم يكذبهم.
قلت: وهذا قياس حسن إلا أن المقاس عليه مختلف فيه على قولين: فذهب قوم إلى ما علمت من أن الإيمان بالقرآن مجملاً لمن لم يعرف بعض آية، وذهب آخرون إلى أن الإيمان به مجملاً لا يجزي لمن سمع من الآية والآيتين بل عليه أن يؤمن بكل ما سمع منه، فالأول من قول الناظم (ورجح الأول) مفعول به والفاعل (أن وصلتها) لأنها في تقدير مصدر. (1/81)
صفحة 82
أي: كل شيء في دين الله وسعك جهله بأن لم تقم عليه حجة العلم به، أو لم تركته فرأيت حقه من باطله أي علمته، ضاق جهلك به لأن علمك بالشيء حجة عليك، ولا يسعك الرجوع من العلم إلى الجهل وإن لم يتعلم إن علمك حجة عليك كما أن القرآن هدى وإن لم يهتد به أحد مثلاً(44 ).
-----------------------------------
( 1) في (ب): الفرايض.
(2 ) في (ب): الزكوة.
(3 ) في (ب): الفرايض.
(4 ) في (ب): الزكوة.
( 5) في (ب) الصلوة.
( ) فصلت/6-7.
(6 ) أنظر: أبو سعيد الكدمي. الاستقامة: 2/22، 221، 222.
(7 ) قوله تعالى: ]قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير[ الأنعام/145.
(8 ) هو كل دم مجتلب ليس بأصل في ذات ذوات الروح من الدواب، والطير من البريات، وقد حكى أبو سعيد فيها قولين، وزاد أبو مسلم ثالثاً.
أنظر تفصيل ذلك: أبو مسلم ناصر بن سالم الرواحي. نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر. (نسخة مصورة عن نسخة المؤلف. سلطنة عُمان): ص106.
(9 ) في (ب): تذكى.
( 10) في (ب): السرع.
(11 ) في (م): وحل.
(12 ) المائدة/96.
( 13) أخرجه أبو داود في الطهارة ب41، ح83، ص64، والترمذي في الطهارة ب52، ح69، ج1، ص101، والنسائي في المياه ب14، ح331، ص176، عن أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن صحيح، وجاء في الزوائد عن السندي: رجال هذا الإسناد ثقات. سنن ابن ماجه 1/136.
( 14) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »أحلت لنا ميتتان الحوت والجراد«، أخرجه ابن ماجه في سننه عن ابن عمر ج2، ص1073، كتاب الصيد، ب9، ح3218. (1/82)
صفحة 83
(15 ) أحمد بن سيلمان بن عبدالله، المعروف بابن النظر، من قبيلة النعب من أهل سمائل، توفي 690ه، من كبار العلماء، لقب بشاعر العلماء وعالم الشعراء، قتله السلطان خردلة بن سماعة النبهاني وحرق كتبه، من شيوخه: مبارك بن سليمان بن ذهل وأبو عمر التحلي، له مؤلفات منها ما هو مطبوع: كدعائم الإسلام، ومنها ما هو مفقود كالوحيد في ذم التقليد، وسلك الجمان في سير أهل عمان.
أنظر: أعلام عمان ص28، إتحاف الأعيان ج1، ص300.
( 16) أنظر: ابن النظر. الدعائم ط2، 1409ه-1988م، وزارة التراث العمانية، ص22.
( 17) المائدة/60.
( 18) في (م): لأن.
(19 ) في (م): أي.
(20 ) قال الله تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون[ المائدة/90.
(21 ) ابن النظر. الدعائم، ص21.
(22 ) أخرجه البخاري في الأدب والأحكام والمغازي، عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده، ومسلم في الأشربة، ب7، ح1733، ج2، ص1586، عن أبي موسى، والترمذي في الأشربة ب1، ح1861، ج2، ص290، عن ابن عمر، وقال: حسن صحيح.
(23 ) أبو حنيفة: النعمان بن ثابت التيمي بالولاء، الكوفي فقيه مجتهد محقق، إمام الحنفية، ولد سنة 80ه، بالكوفة، كان خزازاً يبيع الخز، أخذ عن حماد بن أبي سليمان وعطاء وغيرهما، وأخذ عنه عبدالله بن المبارك، ووكيع الجراح، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم، من تآليفه: مسند في الحديث مطبوع، والمخارج مخطوط صغير في الفقه، توفي 150ه. أنظر: تاريخ بغداد 3/323، وفيات الأعيان 5/406، تهذيب التهذيب 1/449، الأعلام 8/36.
(24 ) ينظر: الكاساني أبو بكر بن مسعود. كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ط2، 1402ه-1982م، دار الكتاب العربي، بيروت، 5/117.
( 25) ابن النظر. الدعائم، في الأشربة/ 153.
(26 ) ابن النظر. مرجع سابق، في الذبائح والصيد/ 176.
(27 ) الأنعام/121.
( 28) الأنعام/119. (1/83)
صفحة 84
(29 ) أبو سفيان: محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي، من كبار تلاميذ الربيع، وكان ربيباً له، وقع بينه وبين هارون اليماني خلاف، فكتب كل واحد منهما رسائل إلى المهنا والي حضرموت، وهي سير مأثورة مطبوعة في كتاب (السير والجوابات) تح: سيدة كاشف، ونشر وزارة التراث العمانية، فتابعت عمان وحضرموت رأي محبوب، وكان فيها الحق، وتوفي بمكة في عصر الإمام غسان. أنظر: دليل أعلام عمان/143، وإتحاف الأعيان:1/165، والسير والجوابات، تح: سيدة كاشف: 2/234.
(30 ) عبدالملك بن مروان بن الحكم الأموي، من أدهى خلفاء بني أمية وأجبرهم، شهد يوم الدار مع أبيه، استعمله معاوية على المدينة وهو ابن ست عشرة سنة، انتقلت إليه الخلافة بموت أبيه سنة 65ه، ومما يروى أنه لما سلّم عليه بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه وقال: هذا فراق بينك وبيني، وفي عهده قتل الحجاج (عامله في العراق) مصعب وعبدالله ابني الزبير، أما من حيث سيرته فيقول الذهبي: »أنّى له العدالة وقد سفك الدماء وفعل الأفاعيل«، توفي في دمشق 646ه.
أنظر: ميزان الاعتدال. للذهبي 2/664، تر5248، تاريخ بغداد 10/388، تر5568، الأعلام 4/165.
(31 ) جابر بن زيد تقدمت ترجمته.
(32 ) شفاء الحاتم في شرح بعض الدعائم، لم أجده، وربما يكون مخطوطاً في شيء من المكتبات الأهلية.
(33 ) أنظر: ابن وصاف. شرح الدعائم: 1/68، وانظر: تفسير غريب عنده، كما أن (شواخدل) جاءت في النظم بلفظ: (شِوىً جَدْلِ) والشوى معناها كما جاء في الشرح: أطراف الإنسان مثل اليدين والرجلين، وقيل: الرأس.
( 34) تقدمت ترجمته ص .
( 35) (أبي) في: ب، و م.
(36 ) لم أجده في كتاب الأم، فلم أجده فربما يكون مبثوثاً في أحد كتب الشافعية.
(37 ) المجادلة/22.
(38 ) الرضى (بألف مقصورة) في النسختين: ب، م.
( 39) أنظر: ابن وصاف، شرح الدعائم: 2/244.
( 40) بألف مقصورة في النسختين: ب، م.
(41 ) (1/84)
صفحة 85
( 42) رواه الحاكم في المستدرك: ج2، ص357، وابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان عن آي القرآن (ط 1408ه-1988م، دار الفكر: مجلد8، ج14، ص182؛ كلاهما عن محمد بن عمار بن ياسر).
( 43) أورده صاحب المقاصد العالية ح702، ص786، وكشف الخفا: 2/83، وقال: قال السيوطي في الدرر: لا أصل لها، وكذلك قال ابن حجر وغيرهما.
(44 ) غير موجودة في: (مثلاً).
--- (1/85)
صفحة 86
الركن الثاني: في الجملة وتفسيرها، وما تشتمل عليه ، وفيه ستة أبواب(1)
أخر هذا الركن عن الركن الذي قبله لما تقدم هناك( 2) وقدمه على ركن الولاية والبراءة لأن التعبد بها لازم به التعبد بالجملة، فهي أحرى بالتقديم منهما، وهما أجدر بالتأخير منها لما بيّنها.
الباب الأول من الركن الثاني في لزوم الجملة، وكيفية قيام الحجة بها
الجملة هي كما ذكرها ابن وصّاف(3) حيث قال: »في الجملة التي لا يسع جهلها ولا يسع تركها، وهي التي يدعو إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتدعو الأئمة إليها بعد أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وإن ما جاء به حق من عند ربه والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم والآخر والبعث والحساب والعقاب والجنة والنار وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وقال(4 ): فهذا ما لا يسع جهله«(5).
قال البرادي( 6): »الخلاف في هذا بين الأمة كثير، وبين الإباضية أشد، والمشهور عند أكثر أصحابنا هذا، ومنهم من يزيد الإيمان بالقدر خيره وشره وأنه من الله (تعالى)، ويزيد بعضهم تحريم دماء المسلمين ويوجب الإيمان به في العقيدة، ومن أصحابنا أيضاً من اقتصر على التلفظ بالشهادة بثلاث كلمات والاعتقاد له لا غير »لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به حق« وهي طريقة الإمام عبدالرحمن بن رستم(7) فيما وجدت عنه، وهو الأشهر عند أكثر الفرق«( 8). اهـ..
أقول: وهذه الطريقة هي المراد من عبارة المصنف عليها بنى الأحكام التي ذكرها فيما سيأتي وعبّر عمّا عداها من الأشياء التي ذكرها بتفسير الجملة. (1/86)
صفحة 87
»القول« هنا بمعنى الحكم، و»الجملة« تقدم بيانها قريباً(9)، و»البرهان« بمعنى الحجة، والمراد بـ»غيرها« سائر العبادات الاعتقاديات والعمليات والتركيات، ومعنى »جلّ« أي عظم شأنه(10)، »ومكلفاً« أي ملزماً للعباد ما يشق على أنفسهم فعله، و»برهان صدق« أي دليل صادق، و»السبل« الطرق الموصلة إلى معرفة الله (تعالى) ومعرفة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، و»العدل« وضع الشيء في موضعه من غير اعتراض على فاعله وضده الجور، و»الفضل« إعطاء بغير وجوب ولا إيجاب، والمعنى أن حكم الجملة من جهة التكليف بها كحكم غيرها من سائر العبادات لا يلزم اعتقادها إلا بعد قيام الحجة بها، والدليل على ذلك أنه (عظم شأنه) لم يكلف العباد بغير حجة، وهو دليل صادق لقوله (تعالى): (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)(11 ) وإذا ثبت ما قررناه من أنه (الله تعالى) لم يكلف العباد بغير حجة، وكان إلزام الجملة من جملة التكليفات وجب أن لا تلزم إلا بعد قيام الحجة إذ لم يقم دليل على تخصيص التكليف بها بحكم يخالف التكليف بما عداها، فتساوى حكم الله في التكليف، فالجملة وغيرها من التكليف سواء، وتكليفه (الله تعالى) إيانا بعد قيام الحجة فضل منه (تعالى) تفضل به علينا، ولو شاء أن يكلفنا بغير حجة ولا برهان كان ذلك عدلاً منه كما كان التكليف بعد قيام الحجة فضلاً، خلافاً للمعتزلة( 12) في قولهم بوجوب الصلاحية والأصلحية على الله( تعالى). (1/87)
صفحة 88
أي إذا قامت الحجة بتكليف الجملة على أحد ممّن بلغ حد التكليف وجب عليه اعتقادها وحرم عليه جهلها وضاق عليه الشك فيها، ولم يوسع له في ترك اعتقادها لحظة عين وإن قصد بذلك الترك( 15) السؤال عنها وعن حقها، بيانه: أنه إذا قامت الحجة بأن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله وإن ما جاء به محمد من ربه حق؛ وجب على من قامت عليه اعتقاد ذلك، فإن جهل أو شك أو توقف في الاعتقاد حتى يسأل عن حق هذا الذي قامت به الحجة عليه كان بذلك كله كافراً، وإن مات قبل التصديق واعتقاد حق الجملة مات هالكاً -والعياذ بالله-.
فإن قيل: ما بال الجملة من بين سائر العبادات لا ينفسن في السؤال عنها؛ وما عداها ينفس في السؤال عنه، وقد قلتم: إن الجملة كغيرها في التكليف؟ (قلنا) إن الجملة كغيرها في قيام الحجة بها للتكليف بها ولم نقل بأن جميع أحكامها كغيرها، وإنما خصت بالتضييق عن السؤال عنها بعد قيام الحجة فلا عذر في التأخير، أما ما عداها من العبادات العمليات(16 ) والتركيات فربما يسع تأخيرها، وربما يسلم صاحبُها باعتقاد السؤال عنها والدينونة بالحق فيها لأدلة خاصَّة بها نحو (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)( 17).
وأما تفسيراتهم الاعتقادي: فبعض ضيّق في السؤال عنه كما ضيق فيها، ورأى أنّ حكمه كحكمها، وبعض وسّع في السؤال عنه وعنده إنه داخل تحت هذه الجملة فما لم يرد شيء منه فهو واسع له ترك اعتقاده بعينه حتى يرسخ في ذهنه علم ذلك وحقّه.
أي ومن جحد الجملة بعد أن قامت عليه حجتها قامت عليه حجتها، أو قبل ذلك فهو كافر كفر(18 ) جحود ولا ينفعه عذر في ذلك. (1/88)
صفحة 89
وأما من جهلها بعد قيام الحجة بها أو شكّ فيها فهو كافر أيضاً، لكن كفره يسمّى شرك مساواة، وذلك لأنه جعل ما وجب عليه اعتقاده ولزمه علمه بمنزلة الذي لم يجب عليه فيه شيء من ذلك فكأنه( 19) ساوى بين الحكمين مع اختلاف الأمرين والحكم في شرك الجحود وشرك المساواة متحد دنيا وأخرى، الفرق بينهما إنما هو في نفس التسمية خاصة، وسيأتي بيان حكمها في الباب السادس من الركن الثالث(20 ) -إن شاء الله تعالى-.
هذا بيان لحكم الواقف على إنكار منكر الجملة، فحكمه أنه(22 ) يجب عليه أن يعلم كفر منكر الجملة، فحكمه أن يجب عليه أن يعلم كفر منكر الجملة ولا يسعه الجهل بكفره ولا الشك في كفره، وكذلك لا يسع جهل ضلال من صوّبه على كفره، ولا الشك فيه، وهو معنى قول المصنف: »والذي له تلا« أي: تبع، وكذلك لا يسع جهل ضلال من شك في كفره، فإن حكم الشاك في كفره بعد علمه بكفره حكم من صوّبه على كفره لأنه لا يسع جهل ضلالة كل واحد منهما، وهذا القياس أعين قياس الشك في كفر منكر الجملة ضلالة كل واحد منهما، وهذا القياس أعنى قياس الشاك في كفر منكر الجملة على مصوّبه في عدم التوسعة في جهل ضلالة كل واحد منهما قياس ظاهر جليّ، ومثل منكر الجملة في هذا الحكم، الجاهل بالجملة بعد قيام الحجة بها والشاك فيها، فإن كان واحد من هذين لا يسع جهل ضلاله ولا ضلال من صوبه على صوبه على ضلاله، ولا ضلال من شك في ضلاله، ولا يسع في ضلال كل واحد من هؤلاء.
واعلم أن مصوب المحدث في الجملة مشرك مثله، وأما الجاهل لضلاله والشاك في ضلاله مع اعتقاده حق الجملة فهو فاسق منافق، وقول المصنف: »ولا تشك« بصيغة النهي على( 23) جهة التحريم، وقوله: »والذي له« معطوف على الضمير المجرور على حد قوله (تعالى(واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)(24 ) بقراءة جر الأرحام وقوله: »على قياس شائع( 25)« أي ظاهر، ومعنى »تلفيه« تجده. (1/89)
صفحة 90
اختلف العلماء في كيفية الإيمان بالجملة؛ فذهب بعضهم إلى أن كيفية الإيمان به أن يعتقد صدقها في جنانه، ويظهر( 26) ذلك إقراراً بلسانه وأنه لا يكون مؤمناً إلا بذلك فالتلفظ بالشهادتين عند هؤلاء شرط لوجود الإيمان، وذهب آخرون إلى أن الإيمان بها هو التصديق بها في القلب، فإذا اعتقد حقها بقلبه وصدقها بجنانه كان ذلك مجزياً له فيما بينه وبين ربه، فإن مات على ذلك فهو من جملة المؤمنين، وأما فيما بينه وبين الناس فإنه لا يكون مؤمناً حتى يتلفظ بالشهادتين ويلزمه التلفظ بهما إذا طولب بذلك، هذا إذا كان منكراً للجملة فيما تقدم من أمره أو شاكاً فيها أو جاهلاً بها بعد قيام الحجة عليه فيها، أما إذا لم يتقدم منه شيء من هذا كله، ولم يكن من أهل دار يحكم على أهلها بالشرك فلا يلزمه التلفظ بالشهادتين وإن طولب ولا يسع لأحد أن يحكم عليه بالشرك في عدم تلفظه بذلك، ولا يسعه أن يبرأ منه لذلك، نعم يندب له أن يتلفظ مهما طولب بذلك إذا لم يكن له مانع من التلفظ والله أعلم.
اختلف القائلون باشتراط التلفظ للإيمان بالجملة( 28)، فذهب بعضهم إلى أن التلفظ بها والتصديق بها مجزئ(29 ) مرة واحدة في عمره، ولا يلزمه تكرار ذلك ما لم يأت بحدث ينقض به إيمانه فيكون به مرتداً إلى الشرك بعد الإسلام، وذهب آخرون إلى أنه يجب تكرار الإيمان بها إذا جرى ذكر ذلك، وعند هؤلاء يجب على من كان موحداً أن يتلفظ بالشهادتين إذا طولب بذلك، ولكن يخرج على قواعدهم أنه إذا لم يجبهم إلى التلفظ بالشهادتين لا يسعهم أن يحكموا عليه بالشرك، وأن لا يبرأوا منه لذلك، ووجه ذلك: أن هذه المسألة اجتهادية، فلما أبى من التلفظ ولم يتقدم منه حالة يشرك به احتمل له أن يكون مذهبه عدم وجوب تكرار اللفظ أو أنه مقلد لمن لم يرد وجوب ذلك، ومع تمسكه بقول من أقوال المسلمين لا يحل لأحد أن يحكم عليه بالخروج من الدين. (1/90)
صفحة 91
هذا؛ والصحيح عندي: عدم وجوب تكرار اللفظ بها وإن جرى ذكرها معه إذا لم يخرج عن الإسلام يحدث فيها لأن الصحابة (رضوان الله عليهم) لم ينقل عنهم مع كثرة ذكرهم للجملة تكرار التلفظ بها كل ما سمعوا، وإنما المنقول عنهم وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا أسلم العبد وتلفظ بالشهادتين مرة واحدة أدخلوه في حكم المسلمين ولم يطالبوه بعد ذلك بشيء، والله أعلم.
أي: ما عدا الجملة من تفسيرها الاعتقادي المشتملة عليه والمندرج تحته كمعرفة كمالات الله (الله تعالى) ومعرفة الأنبياء والرسل والملائكة والكتب المنزلة والموت والبعث والحساب، وأن حساب الله لا يشبهه حساب، ومعرفة الجنة والنار فحكمه حكم الجملة في جميع ما تقدم، ويخالفها في ثلاثة مواضع مستثناة من تلك القاعدة:
أحدها: في السؤال؛ فإن الجملة لا يلزم لها اعتقاد سؤال قبل قيام الحجة ولا يوسّع له في السؤال، فإن الجملة لا يلزم لها اعتقاد سؤال قبل قيام الحجة ولا يوسّع له في السؤال بعد قيام الحجة بخلاف تفسيرها، وقد تقدم في هذا ما فيه كفاية -إن شاء الله-.
وثانيها: أنّ الحدث في الجملة لا يسع جهل ضلالة محدثه ولا الشك فيه كما تقدم، والحدث في تفسيرها قد قيل بأنه يسع جهل ضلالة محدثه ولو علم حدثه ما لم تبن له ضلالته، إلا أن الأكثر فيه ما قيل في الجملة وهو المراد بقول الناظم: »والشائع( 31) ما تقدما«.
وثالثها: أن الإيمان في الجملة مختلف فيه، هل يجزي بالقلب دون النطق باللسان، أو لا كما تقدّم؟ ولم نعلم اختلافاً في الإيمان بتفسيرها بل اللازم فيه بالقلب فقط، وانتصبت الجملة في قول الناظم على الاستثناء، ولما كان التكليف بالجملة متوقفاً على قيام الحجة أخذ في بيان كيفية قيام الحجة هنا فقال:
اعلم أن قيام الحجة في كل شيء لا يكون إلا من أحد طريقين، الطريق الأول: العقل، وهو طريق لقيام الحجة بالمعاني، والطريق الثاني: وهو طريق قيام الحجة بالألفاظ مع معانيها. (1/91)
صفحة 92
ولما كان أعظم طرق النقل هو السماع أطلق في التعبير عن النقل، على أن النقل قد يكون من غير طريق السمع كالنظر وذلك مثلاً أن يراه مكتوباً فإنه إن عرف لفظ ذلك ومعناه كان في حكم من سمعه.
ولما كان الجملة وتفسيرها مشتملين على ألفاظ ومعان تثبت قيام حجة المعاني بهما من العقل، وتوقف قيام الحجة في ألفاظهما على النقل، فمن خطر بباله أن له صانعاً وأن لصانعه رسولاً يبلغ الخلق عنه، وإنه ليس كصانعه شيء، وأن لمن أطاع صانعه ثواباً، ولمن عصاه عقاباً، وجب عليه أن يعتقد معنى ذلك، ولا يجوز له أن ينكر شيئاً منه، ولا يلزمه معرفة شيء من أسماء هذه الأشياء حتى تقوم عليه الحجة من طريق النقل إنّ اسم صانعه الله أو الرحمن أو نحو ذلك، وإن اسم رسوله محمد أو أحمد، وإن اسم ثوابه الجنة واسم عقابه النار، فإذا قامت عليه الحجة من طريق النقل بشيء من هذه الأسماء وجب عليه معرفتها، وضاق عليه جهلها.
واعلم أن قيام الحجة من العقل بأن لله( 32) رسولا إنما هو مبنيّ على مذهب بعض الأصحاب، وذهب غيرهم إلى أن الحجة بذلك إنما هي من طريق النقل وهو الصحيح، والله أعلم.
---------------------------------------------
(1 ) أبواب الثاني، وهي ستة أبواب:
الباب الأول:
الباب الثاني:
الباب الثالث:
الباب الرابع:
الباب الخامس:
الباب السادس:
(2 ) أنظر بداية الركن الأول (العلم).
(3 ) ابن وصاف: محمد بن وصاف النزوي. البزار بسوق نزوى من علماء النصف الثاني من القرن 6ه، عاصر الفقيه أبي على الحسن بن أحمد العقري، من مؤلفاته: شرح الدعائم، وشرح لامية ابن النظر في الولاية والبراءة، توفي في أواخر القرن 6ه. أنظر: إتحاف الأعيان 1/437.
(4 ) ليست في: ب (قال).
(5 ) أنظر: شرح الدعائم لابن وصاف ج1، ص60 وما بعدها بتصرف، تح: عبدالمنعم عامر، وزارة التراث، سلطنة عُمان. (1/92)
صفحة 93
( 6) البرادي: أبو القاسم بن إبراهيم البرادي الدمري، أخذ العلم من أبي ساكن عامر الشماخي، ويعيش الجربي، وأخذ عنه جماعة، له تآليف جمة منها: الجواهر المنتقاة (مخطوط) بجامعة السلطان قابوس، عُمان، تحت رقم: عمان 1889-1336- 05238، وكتاب شرح الدعائم وغيرهما، كانت له حلقة عظيمة بجربة. أنظر: الشماخي. أحمد بن سعيد. كتاب السير، تح: أحمد بن سعود السيابي ط1407ه-1987م، وزارة التراث العمانية 2/210-211، وكحالة عمر. معجم المؤلفين 4/92.
( 7) عبدالرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى (الملك الفارسي) ارتحل إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وأخذ عنه، أحد حملة العلم إلى المغرب، تولى أفريقية إلى أبي الخطاب، بويع بالإمامة عام 160، وقيل 162ه، أسس مدينة تاهرت 161ه، له كتاب في التفسير, توفي عام 171ه. أنظر: الشماخي. السير 1/124، والأعلام 3/306.
( 8) لم أجده في الجواهر المنتقاة (كتاب مخطوط)، ولم أجد كتاباً آخر له.
(9 )
(10 ) (شانه) من غير همزة، في: ب، و م.
(11 ) الإسراء/15.
( 12) هم الغلاة في نفي الصفات الإلهية، القائلون بالعدل والتوحيد، وإن المعارف كلها عقلية حصولاً ووجوباً قبل الشرع وبعده، وأكثرهم على أن الإمامة بالاختيار، وهم عشرون فرقة، ولهم أصولهم الخمسة وهي التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن لم تكتمل هذه الأصول عنده فليس معتزلياً. أنظر: الرازي؛ فخر الدين. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، تعليق محمد المعتصم بالله (ط1، 1407ه) ص33، التعليق والخياط المعتزلي عبدالرحيم. تح: د. يبرج (دار قابس - بيروت - د ت): 126، 127.
(13 ) (ليسئلا) في: م.
(14 ) (امرءاً) غير موجودة في: م.
(15 ) (الترك) غير موجودة في: م.
(16 ) (العمليات) غير موجودة في: م.
(17 ) آل عمران/135.
( 18) غير موجودة في: م.
(19 ) (فكانه) من غير همز في: ب و م.
(20 )
(21 ) (شايع) في: ب. (1/93)
صفحة 94
( 22) (أن) في: م.
( 23) (عن) في: م.
(24 ) النساء/1.
( 25) (شايع) في: ب.
(26 ) ساقطة في: ب.
(27 ) (ذكرها) في: م.
( 28) في: ب، ساقطة.
( 29) (مجزي) من غير همز في: ب.
( 30) (الشايع) في: ب.
( 31) (الشايع) في: ب.
( 32) (تعالى) بعد (الله) في: م. (1/94)
صفحة 95
الفصل الأول: في نفي الأضداد والأنداد والأشباه عن الله (تعالى) (1)
»ها« اسم فعل بمعنى خذ، والكاف للخطاب، و»التوحيد« هو إثبات الوحدانية لله تعالى والإفراد له بالربوبية، ففي إثبات الوحدانية له تعالى إثبات لكمالاته الذاتية لأنها أنواع، وحدة الذات وفي إثباتها له تعالى انتفاء المشابهة له تعالى وانتفاء صفات العجز والحدوث في ذاته تعالى، ووحدة الصفات، ووحدة الأفعال، وفي إثبات كل واحدة منها إثبات للكمالات الإلهية، وفي الإقرار له تعالى بالربوبية استلزام توجبه العبادة إليه، ونفيها عمن سواه، فمن عبد غيره لم يكن موحداً، وقوله »فلتقتبس« أي فلتتخذ لك قبساً من نور هذا التوحيد فإنه نور في ظلمات الجهل، وقوله: »وعن هوى النفس احتبس« أي: امتنع عما تميل إليه نفسك من الباطل (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)( 2).
ولما كان الإقرار بالربوبية مستلزماً لثبوت العبادة لله تعالى دون غيره أخذ المصنَّف في بيان كيفية توجيهه العبادة لربه، فقال:
أي: نوجه عبادتنا إليه عظم شأنه لأجل امتثال أمره الذي أمرنا به في الأشياء العملية، ولأجل امتثال نهيه في الأشياء التي نهانا عن فعلها، فالفعل والترك هنا إنما هما لأجل الأمر والنهي فهما عبادة منا له تعالى ومع ذلك فنحن مفوضون الأمر إليه ومسلمون لحكمه وراضون(4 ) بقضائه، ومتوكلون عليه، فإن شاء أن يرحمنا فذلك بمحض فضله علينا، وإن شاء أن يعذبنا فذلك بعدله فينا، فإن الملك والغلبة والحجة والقدرة له تعالى فلا يُعترض عليه في شيء من ملكه، ولا يستطيع أحد لرد ما أراده، وهو قادر على كل شيء، ومن كان مالكاً للأشياء قادراً على فعل ما يريد فيها غير محكوم عليه، ولا معترض عليه في شيء من أفعاله، فجميع ما فعله في ملكه إما عدل وإما فضل، ثم إن المصنف أخذ في بيان التنزيه فقال: (1/95)
صفحة 96
أي تنزيهاً له تعالى عن الحلول في الأمكنة، وعن الحدوث في الأزمنة، فإن المكان والزمان خلق من خلقه، ومن ضرورة العقل وجوب تقدم الخالق على المخلوق في الوجود، فلو كان تعالى حالاً في مكان أو حادثاً في زمان لوجب تقدم المكان والزمان عليه لضرورة العقل بذلك فيستلزم خالقاً غيره، وثبوت خالق غيره باطل لما يلزم عليه من الأمور المستحيلة، وأيضاً فلو تعالى حالاً في مكان لكان المكان حاوياً له فيلزم عليه تحديده وتناهيه، ومن كان متحدداً متناهياً فليس بإله، ولو تعالى حادثاً في زمان لوجب أن يكون له محدث غيره، ومن كان محدثاً فليس بإله، وفي( 5) قوله: »وأنه في ملكه منفرد« إشارة إلى ثبوت الوحدانية له تعالى في مطلق التصرف، وهي وحدة الأفعال.
ولمَّا نفى عنه تعالى صفتي الحلول والحدوث أخذ في نفي الصفات التي تلازمهما فقال: (1/96)
صفحة 97
»الشبه« (بالكسر) هو: المشارك لغيره ولو في صفة واحدة من صفاته، و»النظير« هو مثل المساوي، و»الوزير« هو: المعين في الأمر العظيم بآراءه الصائبة وأفكاره الثاقبة، و»المشير« هو الدال على فعل شيء(6 ) أو على تركه بدلالة خفية، والمراد به هنا مطلق الدلالة، والمعنى أنه (تعالى) ليس له مشابه في ذاته )ولا في صفاته) (7 ) ولا في أفعاله، ولا مماثل له في ذلك، ولا معين له على شيء من أفعاله التي فعلها أو سيفعلها، وأنه (تعالى) فعّال لما يريد لا لما يريد غيره، فلا مشير له في شيء من أفعاله، ولا في شيء من الأشياء التي لم يرد فعلها تعالى الله عن ذلك عن ابن مسعود أنه قال: »ما عرف الله في شبهه بخلقه«( 8)، نافع(9 ) أن عبدالله بن عمر كان جالساً في أناس فأتى رجل فقال: »أيكم عبدالله بن عمر«، فقال: أنا، فقال الرجل: إني تاجر أبتغي من فضل الله، وإني قدمت هذه البلدة هذه الليلة، فإذا أنا برجل قد توسمت فيه الخير فقعدت إليه فحدثني حديثاً ضاق به صدري«، فقال عبدالله: »وما هو؟ فإن لا إثم عليك إذا حدثت به من غيرك«، فقال: قال لي: »إن الله تبارك وتعالى لما أراد أن يخلق آدم لم يدر كيف يخلقه حتى خلق مرآة فنظر فيها إلى وجهه فخلق مثاله«، فقال له ابن عمر: تعالى الله لا مثيل لله، ألا إن هذا الشيطان أراد أن يدخلك في دينه، ألا وإن الشيطان قد آيس منكم أن تعبدوا أصناماً ظاهراً فتعذرونه، ولكنه يأتي الإنسان فيقول: كيف ربك؟ فلا يزال به حتى يصف ربه بصفة الخلق فيضل ويضل فإن لقيته فأخبره أن عبدالله بن عمر برئ من دينك، ألا وإن نبي الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الله تعالى فقال: الله تعالى (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد)( 10) فإن وسوس الشيطان لكم فقولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «(11 ) عن معاذ رضي الله عنه أنه: سيرجع أقوام من هذه الأمة عند اقتراب الساعة كفاراً، فقال رجل: يا أبا عبدالرحمن أبا (1/97)
صفحة 98
الأحداث كفرهم أم بالجحود؟ قال: لا، ولكن بالجحود، يجحدون خالقهم فيصفونه بالصورة والأعضاء والمفاصل أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولهم عذاب عظيم( 12).
عن سعيد بن جبير( 13) أنه قال: »أتى رهط من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلقه؟ قال: فغضب صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه، ثم واثبهم غضباً لربه، قال: فجاء جبريل رضي الله عنه فسكنه وجاءه من الله بجواب ما سألوه بـ(قل هو الله أحد) إلى تمام السورة(14 ).
»الفوق« اسم لجهة العلو، و»التحت« اسم لجهة السفل، و»قبل« اسم للتقدم، و»بعد« اسم للتأخر، ومعنى »حظل« منع، و»يمين« اسم للجهة اليمنى، و»شمال« اسم للجهة اليسرى، ومعنى »تعزى« تنسب ومعنى »حادث« أي موجود بعد عدم، »احتذ« أي اقتد.
والمعنى أنه تعالى ليس له جهة يكون فيها، لا جهة فوقية ولا تحتية، ولا عن يمين ولا عن شمال، ولا أمام ولا وراء، وليس تعالى قبل أي لا يقال إن وجوده تعالى مسبوق بشيء حتى يقال إن قبله كذا ولا بُعد له أي ليس وجوده تعالى متناهياً حتى يقال إن بعد تناهي وجوده يكون كذا، وهذه الصفات أعني الجهات القبلية والبعدية مستحيلة في حقه تعالى، لأن من نسب إليه شيء منها واتصف به يكون حادثاً قطعاً فهي دليل الحدوث، تعالى قديم ليس بحادث، فلا يصح أن يتصف بشيء منها خلافاً للمشبهة(15 ) القائلين بأنه تعالى في جهة الفوق وإنه على العرش مستقراً استقرار الملك على سريره، تعالى الله عن ذلك، وقد تلقوا هذه المقالة الشنيعة من اليهود أخزاهم الله تعالى. (1/98)
صفحة 99
قال في الضياء: »وبلغنا أن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه مر بحلقة وفيهم رجل من اليهود يحدثهم؛ فقال: »ما يحدثكم؟« قالوا: »يحدثنا عن التوراة وعن ربنا«، قال: »وعن ربكم؛ بماذا؟« قالوا: يقول إن الله لما خلق السموات والأرض صعد إلى السماء من بيت المقدس فوضع رجله على الصخرة التي فيه وإنه ينزل في السماء الدنيا في النصف من شعبان«.
فقال ابن مسعود رضي الله عنه: إنا لله وإنا إليه راجعون »ثلاث مرات« ثم قال: لا كفر بعد إيمان (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونوا سواء) فهلا قلتم كما قال إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم: (لا أحب الآفلين) أي الزائلين المنتقلين، ألا فاتهموا اليهود والنصارى على دينكم، ولا تصدقوهم على ما يخالف كتابكم، فإنهم سيضلون أكثر هذه الأمة ألا إن ربكم ليس بزائل، ومن وصف الله زائلاً فقد كفر، ومن شبهه بشيء من الأشياء فقد كفر(16 ).
أي لم يزل تعالى ولا موجود سواه من جميع الأشياء، فهو تعالى منفرد بالقدم، والقدم واجب له تعالى فيستحيل عليه العدم لأن ما وجب قدمه استحال عدمه، وقوله: »وعالم..الخ«( 17) أي وهو عالم أي لم يزل تعالىمتصفاً بالعم من قبل وجود الأشياء فعلمه تعالى صفة ذاتية له، والهاء من قوله »من قبل أن يصنعه« عائدة إلى الشيء في قوله: »وليس شيء معه«، وقوله: »بكونه« متعلق بعالم، ومعنى »كونه« وجوده بعد عدم، أي لم تعالى وهو عالم بوجود الأشياء التي سيوجدها، وعالم بالزمان الذي سيوجدها فيه، وبالمكان الذي ستكون فيه، وعالم بلونها الذي ستتصف به، وعالم بصورتها التي يكون عليها شكلها من طول وقصر وعرض، وعالم بمصيرها الذي ستصير إليه بسبب أفعالها الحسنة، وبسبب أفعالها القبيحة، فالضمير من »كونه« ومن »لونه« ومن »شكله« وما بعدها كله عائد إلى الشيء في قوله: »وليس شيء معه«. (1/99)
صفحة 100
والمراد بالشيء هنالك جميع الموجودات مما عدا الخالق تعالى، وفي البيتين تصريح بأنه تعالى عالم بما كان وما سيكون وما هو كائن.
---------------------------------
( 1) في: م زيادة: (فعّال).
( 2) النازعات/41.
( 3) بدون همزة في: ب، وبهمزة على السطر في: م.
( 4) في: ب (رضوانه).
( 5) (في) غير موجودة في: م.
( 6) (الشيء) في: م.
( 7) ما بين المعقوفين ساقط في: م.
( 8) أخرجه الربيع: ج3، ص16، ب16، ح850، عن ابن مسعود.
( 9) نافع بن جبير بن مطعم النوفلي القرشي، أبو عبدالله المدني، من كبار رواة الحديث، تابعي ثقة من أهل المدينة، روى عنه أبي هريرة والعباس والزبير وعائشة وغيرهم، وثقه ابن سعد وأبو زرعة والعجلي. أنظر: تهذيب التهذيب لابن حجر10/361، تر727، وطبقات ابن سعد 5/152، والأعلام للزركلي 7/352.
(10) الإخلاص/1-4.
( 11) لم أجده.
12) لم أجده.
( 13) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء الكوفي أبو عبدالله، روى عن أنس بن مالك وعبدالله بن عباس وعبدالهل بن عمر وغيرهم من الصحابة، وروى عنه آدم بن سليمان وثابت بن عجلان وحصين بن عبدالرحمن وغيرهم، قال عنه ابن عباس عندما أتاه أهل الكوفة يستفتونه: أليس فيكم ابن أم الدهماء، ولد عام 45ه، وقتله الطاغية الحجاج. أنظر: تهذيب الكمال 10/358، والأعلام 3/93.
( 14) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره، مجلد 15/343.
(15) هم الذين يغلون في إثبات صفات الله، ضد المعتزلة. المقريزي: الخطط: 2/348.
( 16) أخرجه الربيع ج3، ص243، ب35، ح879.
( 17) (الخ) غير موجودة في: م.)
--- (1/100)
صفحة 101
الفصل الثاني: في البراهين
جمع برهان، وهو ما تركّب من مقدمات قطعية، وال في البراهين للعهد الذهني أي البراهين المثبتة لمدعانا فيما تقدم.
هذا برهان استحالة المشابهة له تعالى المذكورة في قول المصنف »ليس له شبه..الخ«( 1) وصورة البرهان أنه لو كان تعالى مشابهاً في ذاته لجاز عليه ما يجوز على مشابهة من الصفات، ولا موجود إلا وهو إما خالق أو مخلوق، وقد ثبت البرهان أنه تعالى هو الخالق وأن جميع ما عداه مخلوق، فلو كان له مشابه لكان ذلك المشابه هو أحد مخلوقاته فيستلزم أن يكون تعالىيصح أن يتصف بصفات مخلوقاته، وصفات مخلوقاته مستحيلة في حقّه، فالمشابه مستحيل أيضاً ووجه ذلك إن المتشابهين إذ تشابها في صفة وجب أن يتصف كل واحد منهما بموجب تلك الصفة، وهذا معنى قوله: »إذ كل شبهين..الخ«( 2)، ومعنى قوله: »في الكل« أي من المتشابهين ومعنى »انتمى« انتسب.
هذا برهان استحالة الشريك معه تعالى في الأزل المذكور في قول المصنف: »ولم يزل وليس شيء معه« وصورة البرهان أنه لو كان معه تعالى ثان في الأول لكان كل واحد منهما صالحاً لأن يتولى الأمر على صاحبه فيتمانعان، وليس في واحد منهما خصوصية يستحق بها الاستبداد بالأمر والانفراد بالملك، وتخصيص واحد منهما بذلك، دون الآخر مع صلاحية كل منهما له وعدم المخصص ترجيح بلا مرجح، والترجيح بلا مرجح غلط لا يستقيم في المعقول وبطلان استقامته ضروري. (1/101)
صفحة 102
هذا برهان نفي العجز عنه تعالى واستحالته المشار إليه بقول المصنف: »ولا وزير لا ولا مشير« وصورة البرهان أنه لو كان تعالى مُعاناً في أمره لكان ناقصاً في ذاته، لكنه كامل في ذاته فهو غير مُعانٍ في أمره، ووجه ذلك: أنه لا يحتاج إلى المعونة إلا من كان عاجزاً عن إتمام الأمر، ومن كان عاجزاً عن إتمام أمره فليس بكامل في ذاته لأن من الكمال الذاتي وجود القدرة الذاتية المنافية للعجز.
هذا برهان نفي الحلول والحدوث عنه تعالى واستحالتهما في حقه تعالى(3 ) المذكورين في قول
المصنف »سبحانه ليس له مكان«.. البيت، وفي قوله: »ليس له فوق..الخ«( 4).
وصورة البرهان أنه لو كان تعالى حالاً في مكان أو حادثاً في زمان للزم اتصاف ذاته بغاية النقصان تعالى عن ذلك.
ووجه ذلك: أنه لو كان تعالىحالاً في مكان للزم أن يكون المكان محيطاً به، ولو من جهة واحدة، فيلزم تحديده وتناهيه وهما مستحيلان عليه، وأيضاً فلو كان تعالى حالاً في مكان للزم أن يكون المكان أقوى منه، لأنه هو الذي حمله، وكون غيره تعالى أقوى منه محال، ولو أنه تعالى حادث في زمان لاحتاج إلى محدث، ومن كان محتاجاً إلى محدث فهو عاجز ليس بإله، وأيضاً فلا يخلو أن يكون ذلك المحدث هو نفس هذا الحادث أو غيره، وكونه نفسه محال لأنه يومئذ معدوم، والمعدوم لا يفعل شيئاً في غيره، فضلاً أن يفعله في نفسه، فوجب أن يكون المحدث غيره، فيكون أولى بالألوهية منه وهو باطل لما يلزم عليه من التسلسل.
هذا برهان في نفي الشريك عنه تعالى في ملكه وبيان استحالته المذكور في قول المصنف »وإنه في ملكه منفرد«. (1/102)
صفحة 103
وصورة البرهان: أنه لو كان معه تعالى شريك في ملكه لفسد هذا العالم البديع الاتقان البالغ في الحكمة، لكن العالم غير فاسد فدلّ على أنه تعالى في ملكه غير مشارك؛ ووجه ذلك: أن الشريكين إذا تشاركا في شيء فلا يخلوان فيه من أحد أمرين: إما أن يصطلحا على شيء فيه، وإما أن يتنازعا فيه، واصطلاحهما على شيء فيه مع كون كل( 5) منهما إلهاً محال، لاستلزامه عجز كل واحد منهما فتسقط ألوهيتهما بسقوط قدرتهما فلم يبق إلا التنازع فيه، ومع التنازع يحصل الفساد والمشاهد في العالم غير ذلك فانتفى الشريك ضرورة، والله أعلم.
---------------------------------------------
(1 ) في قوله (بعد بالشيء) في: م.
( 2) (الخ) غير موجودة في: م.
(3 ) غير موجودة في: م.
( 4) (الخ) غير موجودة في: م.
(5 ) (واحد) بعد (كل) في: م.
--- (1/103)
صفحة 104
الفصل الثالث: في الصفات
أي في الصفات الجائزة في حقه تعالى والواجبة في حقه، أما المستحبة في حقه فما تقدم في الفصل الأول، وقد أشار إليه هاهنا إجمالاً فقال:
أي أنه تعالى مخالف لخلقه في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله أي لا تشبه ذاته ذواتهم، ولا تشبه صفاته صفاتهم، ولا تشبه أفعاله أفعالهم، تعالى واحد في ذاته، بمعنى أنه ليس كمثله في ذاته شيء وواحد في صفاته بمعنى أنه ليس كمثله في صفاته شيء.
وواحد في أفعاله بمعنى أنه ليس له في أفعاله مشارك ولا مشابه فاستحال في حقه الشبه من كل وجه، وقد تقدم براهين ذلك.
أي لا يجوز لك أن تصفه تعالى بصفة لم يصف بها نفسه في كتبه، أو على لسان أحد من أنبيائه، فما ورد من وصفه لنفسه في شيء من كتبه أو على لسان أحد من أنبيائه جاز لك وصفه به.
وما لم يرد كذلك فالتوقف عنه أولى، والمنع عنه أظهر، هذا مذهب بعض، وذهب آخرون إلى أنه يجوز أن يصفه تعالى بصفة تدل على كمال ولو لم يرد الشرع بها ما لم يمنع من ذلك.
حاصل ما في المقام: أن الصفاتح إما أن يأذن الشرع أن نصفه بها تعالى ، وإما أن يمنع من وصفه بها، وإما أن يسكت عن ذكرها، فإن أذن فهو جائز إجماعاً، وإن منع فهو محرم إجماعاً، وإن سكت فهو محل النزاع، والله تعالى أعلم.
تنقسم صفاته تعالى إلى صفات ذاتية، وإلى فعلية، فأما الصفات الفعلية فهي: كل وصف صح أن يتصف به وبضده تعالى؛ كالإحياء والإماتة وإرسال الرسل وإنزال الكتب ونحو ذلك، فإنه تعالى يجوز أن يتصف بهذه الأشياء وبأضدادها، فنقول: محيي ومميت، مرسل الرسل غير مرسل لهم بعد محمد صلى الله عليه وسلم وهكذا، وأما صفات الذات فهي: كل صفة استحال عليه تعالى الاتصاف بضدها؛ وذلك كالعلم فإنه يستحيل عليه الاتصاف بضد العلم وهو الجهل، وكالسميع والبصير والمريد والقدير فإنه يستحيل عليه الاتصاف بأضداد هذه كلها. (1/104)
صفحة 105
وفرَّق بعضهم بين صفات الذات وصفات الأفعال، بأن صفات الذات يجوز اتصافه تعالى بها في الأزل، بل يجب ذلك في حقه، وصفات الأفعال لا يجوز اتصافه بها في الأزل إلا على معنى أنه سيفل ذلك فنقول: لم يزل الله حياً مريداً قادراً عليماً سميعاً بصيراً، ولا نقول: لم يزل محيياً مميتاً خالقاً مرسلاً للرسل، منزلاً للكتب، ونحو ذلك إلا على معنى أنه قادر على الإحياء والإماتة إلى غير ذلك ومنع بعض أصحابنا هذا الإطلاق مطلقاً، والله تعالى أعلم.
أي صفاته تعالى الذاتية هي عين ذاته، وليست هي غير ذاته كما زعمت الأشعرية القائلون بأن صفات الذات معان حقيقية زائدة على الذات قائمة بها، وهذا القول باطل لأنها لو كانت صفات ذاته تعالى غير ذاته للزم عليه إما أن تكون حالّة في ذاته العلية، وهو باطل لأن ذاته العلية لا يصح أن تكون محلاً للأشياء، وإما أن تكون بعضاً من الذات العلية وهو باطل أيضاً لأن ذاته العلية غير متبعضة والتبعض عليها محال. (1/105)
صفحة 106
وإما أن تكون شيئاً زائداً على الذات لا حالاً فيها ولا بعضاً منها، وهذا الوجه هو الذي اختاره الخصم وعوّلوا عليه، وهو باطل أيضاً لأنه لو كانت شيئاً زائداً على الذات للزم عليه افتقار الذات إلى ذلك الزائد، والذات العلية كاملة بنفسها غير مفتقرة إلى غيرها، ومن كان مفتقراً إلى غيرها فليس بإله لأنه عاجز في نفسه، محتاج إلى غيره، ومن كان عاجزاً ومحتاجاً إلى غيره فهو بمعزل عن صفات الألوهية وعن الكمالات الذاتية، وأيضاً فلو كانت صفات ذاته غير ذاته للزم عليه إما أن تكون مقارنة لذاته في الوجود فيلزم عليه تعدد القدماء وهو باطل قطعاً، وإما أن تكون سابقة على ذاته في الوجود فيلزم عليه حدوث الذات العلية وهو باطل أيضاً، وإما أن تكون موجودة بعد وجود(2 ) الذات العلية فيلزم عليه حدوث الصفات(3)، فيلزم عليه أن يكون الله تعالى قبل حدوثها غير متصف بهذه الكمالات، فيكون غير قادر وغير عالم إلى آخرها، وهو باطل قطعاً، فثبت ما قلناه وبطل ما زعم الخصم.
قالوا: يلزمك على هذا التقدير نفي الصفات الذاتية.
قلنا: لا يلزمك ذلك لإنا إنما ننفي الزيادة على الذات لا نفس الصفات.
قالوا: الزائد الذي نفيتموه هو نفس الصفات إذ لا يصح أن تكون الصفات غير الذات، فلو كان ذلك لما كان لاتصاف الذات بالصفات معنى، لأنه من اتصاف الشيء بذاته فيكون معنى قولنا لهل قادر بمعنى قولنا ذاته ذاته، ولا شك أن كل عاقل ينكر تساويهما. (1/106)
صفحة 107
قلنا: الصفات عين الذات لما قدمنا من البرهان ولا يلزم من ذلك ما ذكرتموه من اتصاف الشيء بذاته لأن هذه الصفات لها معان اعتبارية، وللذات كمالات ذاتية لا يدل عليها نفس لفظ( 4) الذات، ولكل واحد من تلك الكمالات معنى اعتباري يعبر عنه بالصفة، فالصفات عبارة عن المعاني الاعتبارية الدالية على الكمالات الذاتية، فبهذا الاعتبار لم يكن قولنا الله قدير بمنزلة قولنا ذاته ذاته، لما في قولنا قدير في التعبير عن المعنى الاعتباري المفيد للكمال الذاتي حاصل ما في المقام أن ذاته تعالى متصفة بالكمالات الذاتية، قائمة مقام ذات وصفه أي غنية بنفسها عن غيرها، والله تعالى أعلم.
أي فإذا ثبت بما قررناه من البرهان أن صفاته تعالى الذاتية عن ذاته لا غيرها كما زعم الغير، فنقول: إنه تعالى عليم بذاته لا بعلم هو غيره أي ذاته تعالى منكشفة لها المعلومات انكشافاً تاماً غير محتاجة في ذلك الانكشاف إلى واسطة بينها وبين المعلوم كما زعم الغير، تعالى سميع بذاته لا بسمع مركب فيه أو زائد عليه أي ذاته تعالى منكشفة لها المسموعات انكشافاً تاماً غير محتاجة في ذلك الانكشاف إلى واسطة بينها وبين المسموعات كما زعم الغير، وأنه تعالى بصير بذاته لا يبصر هو غيره أي ذاته تعالى منكشفة لها المبصرات انكشافاً تاماً غير محتاجة في ذلك الانكشاف إلى واسطة بينها وبين المبصرات كما زعم الغير، وأنه تعالىقدير بذاته لا بقدرة هي غيره أن ذاته تعالى منفعلة لها الأشياء إيجاداً وانعداماً غير محتاجة في ذلك التأثير إلى واسطة بينها وبين المؤثرات كما زعم الغير.
وكذا القول في سائر الصفات فنقول أنه تعالى مريد بذاته لا بإرادة هي غيره أي ذاته العلية كافية في ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر غير محتاجة في ذلك التأثير الخاص إلى واسطة بينها وبين المؤثر كما زعم الغير. (1/107)
صفحة 108
ونقول هو تعالى حي بذاته لا بحياة هي غيره أي ذاته العلية كافية للاتصاف بهذه الكمالات غير محتاجة في الاتصاف بها إلى واسطة هي غيرها تسمى بالحياة كما زعم الغير، والله تعالى أعلم.
-------------------------------------------------
( 1) (بوصف) في: ب.
(2 ) (وجود) ساقطة من: م.
( 3) ما بين المعقوفين ساقطة من: م.
( 4) (لفظ) ساقطة من: ب.)
--- (1/108)
صفحة 109
الفصل الرابع: في الرؤية
أي بيان استحالة رؤية الباري تعالى، والرؤية(1 ) هي: اتصال شعاع الحدقة بالمرئي، وقد جوز الأشعرية(2 ) اتصافه تعالى بها، وقالوا: بوقوع ذلك في الأخرى للمؤمنين.
وأكثر الإسلاميين على استحالتها عليه تعالى، وممن ذهب إلى ذلك المعتزلة( 3) والخوارج وغيرهم، واستحالتها هو الحق لما ستعلمه من الأدلة النقلية والبراهين العقلية، وقد تعلق المثبتون للرؤية في حقه تعالى بظواهر آيات وبموضوع روايات لا حاجة لنا بذكرها هاهنا خوف الإطالة فلنعد إلى بيان براهينها العقلية والنقلية فنقول:
أي رؤية الباري تعالى من الأشياء التي لا يتصور العقل صحة وجودها، لأن العقل يحيل ذلك، وذلك إن من لوازم الرؤية ومن شرائطها أن يكون المرئي متميزاً أي متشخصاً والرب تعالى يستحيل عليه التشخص، ومن لوازمها أيضاً أن يكون المرئي متكيفاً أي ذا كيف، أي لون وذلك على الله محال، ومن لوازمها أن يكون المرئي متبعضاً أي ذا أبعاض، أي أجزاءلأن النظر إما أن يحيط به كله وكل محاط به متبعض ضرورة، وإما أن يدرك بعضه، فظهر فيه التبعض، حيث أدرك البعض منه، وذلك في حقه تعالى محال، ومن لوازمها أيضاًَ أن يكون المرئي متحيزاً في جهة من الجهات، أي حالاً فيها دون غيرها والتحيز في حقه تعالى محال، وكذا يستحيل عليه المكان أيضاً، ومن لوازمها أيضاً أن تكون الجهة التي فيها المرئي مقابلة للرائي، لأن الناظر لا يرى إلا ما يقابله، وذلك في حقه تعالى محال، فاستحالت الرؤية في حقه تعالى لاستحالة لوازمها وشروطها، فهذه البراهين العقلية. (1/109)
صفحة 110
وأما ما أتى به السور من البراهين النقلية فأشياء منها قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)( 4) الآية، فنفى تعالى إدراك الأبصار لذاته وامتدح بذلك، فنفي الإدراك مدح له تعالى لهذه الآية، وما كان مدحاً له تعالى فلا يصح زواله عنه واتصافه بضده، لأن ما كان سبباً للمدح فهو كمال وضده نقص، ولا يصح أن يزول شيء من الكمالات الإلهية، ولا أن يتصف الإله بشيء من أضدادها النقصانية، فلو جاز أن يزول ما كان سبباً لمدحه تعالى للزم عليه جواز تبديل تعالى بالذل(5 ) وحمده تعالى بالشتم، وهذا محال في حق صفاته تعالى، فكذا الاتصاف بالرؤية في وقت من الأوقات، أو من شخص من الأشخاص محال قطعاً، لما يلزم عليه من تبديل موجب المدح، وجواز الاتصاف بموجب الذم، فصح استدلالنا بالآية وسقط اعتراضات الخصم علينا بمحتملات وهمية، توهموا أنها التحقيق في معنى الآية، حتى افتخر بعض متأخريهم بذلك فرحاً بما لديه فقال:
وأراد بابن الخطيب الفخر الرازي، ومنها قوله تعالى لكليمه(7 ) تعالى (لن تراني) الآية، حين قال له: (ربي أرني أنظر إليك) فلو كانت الرؤية جائزة في حقه تعالى لما علقها بالمستحيل في جوابه لكليمه تعالى، وذلك قوله تعالى: (ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني)( 8) فعلق الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل في علمه تعالى محال، والمعلق على المحال محال مثله، ألا ترى أن أحدنا يقول( 9): آتيك إذا شاب الغراب أي ابيضذ شعره وابيضاض شعر الغراب محال، فالإتيان محال مثله، لتعلقه به.
قالوا: استقرار الجبل ممكن في نفسه، والمعلق بالممكن ممكن مثله.
قلنا: إمكانه في نفسه إنما هو بحسب جهلنا بحقائق الأشياء أما عند من علم الحقائق فاستقراره محال، فظهر أن الاستقرار ليس بممكن في نفسه، وإنما كان إمكانه بالنظر إلى عدم اطلاعنا على الحقائق، فالرب تعالىعالم بها وبعدم استقرار الجبل، وعلق وقوع الرؤية عليه، فصح ما قلنا، والحمد لله. (1/110)
صفحة 111
أي: واحكم على من قال بجواز الرؤية في حقه تعالى، وعن من قال بوقوعها في الآخرة بكفر النعمة وهو النفاق، فإن مجوز ذلك والقائل به لاشك أنه فاسق لمخالفته العقل والنقل، فقضى الشرع بفسق من خالفه، هذا إذا لم يقل بتجسيم الباري، أما إذا قال: إنه يرى على كثيب، أو جالساً على كرسي، أو وله صورة كصورة الإنسان، أو على صورة أحد من خلقه، أو له وجه كأوجهنا، أو يد كأيدينا، أو نحو ذلك، فهذا مشرك، وكذا من قال: إنه يرى في الدنيا مشرك أيضاً، لمكابرته العقل والنقل بلا شبهة يتمسك بها، وإنما لم نشرّك من قال: بأنه تعالى يرى في الآخرة لتأوله الكتاب، والمتأول إذا لم يوافق الحق في تأويله فليس بمشرك، لكنه منافق، والله سبحانه تعالى أعلم.
-----------------------------------------
(1 ) في: ب الواو غير مهموزة.
( 2) تقدمت ترجمتها ص .
(3 ) تقدمت ترجمتها ص .
( 4) الأنعام/103.
(5 ) في: م (بذل).
(6 ) لم أجده حسب اطلاعي، ولكن وجدت قصيدة للبليدي بنفس الروي والقافية في الرد على الزمخشري، وهي غير كاملة، فلعلها منها. أنظر: جوهرة التوحيد، تح: محيي الدين.
(7 ) في: م زيادة (موسى) بعد (لكليمه).
( 8) الأعراف/143.
(9 ) في: م ساقطة.)
--- (1/111)
صفحة 112
الخاتمة: في تفسير ألفاظ تعلقت بها المشبهة من كتاب الله تعالى
تعلقت المشبهة في تقرير تشبيههم بآيات من القرآن العظيم، وذلك أنهم أثبتوا له تعالى وجهاً وعيناً ويداً إلى غير ذلك من صفات تعالى عن ذلك، واستدلوا في إثبات الوجه بقوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)(1 ) (كل شيء هالك إلا وجهه)( 2).
قلنا: يأتي الوجه في اللغة على معان منها الجارحة المحدودة، وتفسير الوجه في حقه (تعالى) بها محال للزومه التشبيه المصرح بنفيه قوله تعالى: (ليس كمثله شيء)(3 ) مع ما تقدّم من البرهان العقلي، فوجب تفسير الوجه بغير الجارحة في حقه تعالى، فقلنا معنى الوجه في الآيات: إنما هو بمعنى الذات، فقوله تعالى: (ويبقى وجه ربك) أي ذات ربك، وقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) أي ذاته وكذا في نظائرهما من الآيات، وتعلقوا في إثبات العين له تعالى بقوله( 4) تعالى: (ولتصنع على عيني)( 5) (تجري بأعيننا)( 6).
قلنا: معنى العين في الآيتين الحفظ، فقوله تعالى (ولتصنع على عيني) أي على حفظي، (وتجري بأعيننا) أي بحفظنا، ولا يصح أن تكون العين هنا بمعنى الجارحة الباصرة، لما تقدم من البرهان العقلي والنقلي، ولأن الآيات لا يمكن حمل معناها على العين التي هي بمعنى الباصرة، فإنه لا يشك عاقل في أنه ليس المراد أن موسى تعالى مصنوع على العين الباصرة (أي فوقها) ولا أن السفينة تجري بالأعين الباصرة أيضاً، فلابد لهؤلاء المشبهة من تأويل الآيتين قطعاً، وقد فروا عن التأويل فوقعوا(7 ) فيما فروا منه، وزادوا على ذلك تشبيه ربهم تعالى. (1/112)
صفحة 113
أي ومعنى اليد في قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم)(8 ) القدرة، أي قدرة الله فوق قدرتهم، لا كما زعمت المشبهة بأنها جارحة، تعالى الله عن ذلك، وقد تأتي اليد بمعنى النعمة، كما في قوله تعالى: (بل يداه مبسوطتان)( 9) أي نعمتاه الظاهرة والباطنة، والعرب تطلق اليد على القدرة وعلى النعمة كما لا يخفى على من تتبع لغة العرب، لكن هؤلاء المشبهة لا يفهمون العربية لأن غالبهم أصله أعاجم فبهرتهم أنوار التنزيل، فوقعوا في مهاوي الضلال والعياذ بالله- وقوله: »وقبضة والاستوى..الخ« إشارة إلى ما في قوله تعالى: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة)(10 )، وإلى ما في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)( 11) أي فالقبضة في تلك الآية، والاستواء في هذه الآية وفي نظائرها بمعنى الملك، وكذا اليمين في قوله تعالى (والسموات مطويات بيمينه)(12 ) فمعنى قوله تعالى (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة)، أي كون جميع الأرض ملكه يوم القيامة، وكذلك هي اليوم، وإنما خص بذلك يوم القيامة لانتفاء مدعي الملك هنالك بخلافه في هذه الدنيا، فإن فيها من ادعى الملك لنفسه، وإلى هذا المعنى الإشارة في قوله تعالى (لمن الملك اليوم)( 13) ومعنى قوله تعالى (والسموات مطويات بيمينه) أي بقدرته، ومعنى قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) أي(14 ): استولى بمعنى ملكه، والرب تعالى مستول على العرش( 15) وعلى غيره، وإنما خص العرض بالذكر في هذه الآية ونظائرها لأن العرش أعظم المخلوقات، فناسب ذكره في مقام الامتداح، وإذا كان تبارك وتعالى مالكاً لما هو أعظم المخلوقات ومستولياً عليه كان استيلاؤه على ما هو دون ذلك ثابتاً بطريق الأولى، ومعنى قوله: »يسم« بالبناء المفعول أي يُدعى، أي: كل واحد من القبضة والاستواء يسمى ملكاً أي يفسر بالملك، والله سبحانه وتعالىأعلم(16 ). (1/113)
صفحة 114
أي الجد المضاف إليه تعالى في قوله: (وإنه تعالى جد ربنا)( 17) له معنيان أحدهما: أن يفسر بالذات كما فسر بذلك الوجه في قوله تعالى (ويبقى وجه ربك)( 18) وعليه فالمعنى (وإنه تعالى ربنا)، والمعنى الثاني: أن يفسر بالعظمة، وعليه فالمعنى وإنه تعالى عظمة ربنا، فالعِظَم في البيت بكسر العين المهملة، وفتح الظاء المعجمةبمعنى: العظمة.
وقوله: »ومكره عقوبة..الخ«(19 )، أي: والمكر المسند إليه تعالى في نحو قوله تعالى: (مكروا ومكر الله)(20 ) إنما هو عقوبة للظالم لا غير ذلك من المخادعة والاحتيال، فمعنى قوله تعالى: (ومكر الله) أي وعاقبهم الله، أي: قضى بعقوبتهم وحكم بها من حيث لا يعلمون ذلك.
---------------------------------------------
(1 ) الرحمن/27.
(2 ) القصص/88.
(3 ) الشورى/11.
( 4) (لقوله) في: ب.
( 5) طه/39.
(6 ) القمر/14.
(7 ) في: م (فوقوا).
(8 ) الفتح/10.
(9 ) المائدة/ 64.
(10 ) الزمر/67.
(11 ) طه/5.
( 12) الزمر/67.
(13 ) غافر/16.
(14 ) في: ب ساقطة.
( 15) في: م زيادة (العظيم) بعد (العرش).
( 16) في: ب ساقطة.
( 17) الجن/3.
(18 ) الرحمن/27.
( 19) (الخ) ساقطة من: ب.
( 20) آل عمران/54) (1/114)
صفحة 115
الباب الثالث: في الأنبياء والرسل والملائكة والكتب
أي ثم إني أقول: أن من الجائز في حقه تعالى إرسال الرسل أي والإيحاء(1 ) إلى(2 ) الأنبياء وإنزال الكتب ومعنى الجائز في حقه تعالى أي: له أن يفعل ذلك، وله أن لا يفعله، ويصح اتصافه به وعدم اتصافه به خلافاً لمن أوجب ذلك في حقه تعالى لمن أحاله، والقائل باستحالة ذلك مشرك إجماعاً، وقوله: »يهدوننا إلى الصراط« الجملة في محل الحال(3 ) من الرسل، والمعنى: هادين لنا إلى الصراط الأعدل أي(4 ): المستقيم، وفي هذا تنبيه على حكمة إرسال الرسل، وقوله: »مقرونة دعواهم« حال من ولو يهدوننا أو من الرسل أيضاً -أي دعواهم بأنهم رسل من الله تعالى مقرونة بمعجزة- وهي: الخارق للعادة المتحدى به على الخصم، فخرج بالخارق السّحر، فإنه غير خارق للعادة(5 )، وإنما هو أمر مترتب على أسباب، من أحكمها حصل له ذلك الأمر، والخارق ليس مترتباً على سبب، لكن لما خفيت أسباب السحر على كثير من الناس ظن أنه خارق، وليس كذلك، وخرج (بالمتحدى به..الخ كرامات الأولياء، فإنها وإن كانت خارقة أيضاً لا تكون على جهة التحدي، أي فلا تحصل لمن يدعي النبوة منهم إذا لم يكن نبياً، كم جرت عادته سبحانه وتعالى حفظاً لرتبة النبوة وصوناً لمقام الرسالة، وقوله: »تفضلا« حال من قوله: »بمعجزات«، والعامل فيه( 6) »مقرونة«، أي مقرونة دعواهم بمعجزات متفضلاً بها عليهم، وقوله: »تبطل التقولا« نعت للمعجزات أي تلك المعجزات مبطلة لتقول( 7) الخصم، لادعائه أنه يستطيع الإتيان بمثلها كما ادعى فرعون في قوله لموسى تعالى (فلنأتينك بسحر)(8 ) وكادعاء مسيلمة(9) أنه يأتي بمثل القرآن. (1/115)
صفحة 116
للرسل والأنبياء صفات واجبة في حقهم ولهم صفات مستحيلة في حقهم، وصفات ممكنة في حقهم، ويلزم المكلف معرفة كل واحد من هذه الصفات بعد قيام الحجة به عليه، فيجب في حق الأنبياء والرسل التبليغ لما أمروا بتبيلغه، دون ما لم يؤمروا بذلك، ودون ما خيّروا في تبليغه، ويجب اتصافهم بالصدق وهو مطابقة خبرهم للواقع، ويجب اتصافهم بالأمانة وهي حفظ ما ائتمنوا عليه ووضعه في موضعه، وأداؤه إلى أهله، ويجب اتصافهم بالعقل، فلا يكون المجنون رسولاً ولا نبياً، ولا يكون النبي صبياً أي متصفاً بصفات الصبيان من عدم الاتصاف بموجبات العقل، فيخرج بهذا التقييد يحيى تعالى لقوله تعالى: (وآتيناه الحكم صبياً)(10 ) وكذا من كان مثله.
حاصل ما في المقام أن الواجب الاتصاف بالعقل، فإذا حصل في أحد فلا عبرة بكثرة عدد السنين وقلته، ويجب في حقهم الضبط أي حفظ ما أمروا بتبليغه وضبطه حتى يؤدوه على وجه لا يكون فيه خلل، ويجب في حقهم الفطانة وهي اليقظة في الأمور، ليحصل لهم بذلك محاورة الخصم، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، ويستحيل في حقهم أضداد هذه الصفات، من ذلك الكذب، وهو عدم مطابقة الخبر لما في الواقع، ومن ذلك الجنون وهو زوال العقل، ومن ذلك ارتكاب الريب أي المعاصي، فإنهم لو ارتكبوها ما كانوا أمناء في أوامر ربهم في أنفسهم، فلا يكونون أمناء من غير ذلك، وما عدا هذه الصفات التي ذكرناها، فهي في حقهم من الممكن لهم، والجائز اتصافهم بها، وذلك مثل النوم والأكل والشرب والجماع والمشي في الأسواق، وغير ذلك من المباحات، نعم يستثنى من ذلك ما كان مستقبحاً منها في العقل كالبول قياماً، فإن العقل يستقبح ذلك في أدنى البشر، فكيف يستحسنه في أعلاهم، على أن الغرض اتصافهم بمكارم الأخلاق وليس هذا منها. (1/116)
صفحة 117
وقع الإجماع على ثبوت تفضيل الرسل لقوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض)( 11) ووقع الإجماع أيضاً على أفضلية نبينا عليه الصلاة والسلام على جميع الخلق لأدلة تخصه، ووقع الاتفاق على أن أفضل الرسل من بعده أربعة: إبراهيم خليل الرحمن، وموسى كليم الله، وعيسى روح الله، ونوح نبي الله عليهم الصلاة والسلام، ثم وقع الخلاف في تفضيل بعض هؤلاء على بعض، واعتمد الأكثر الطريقة التي اعتمدها المصنف، ووقف بعض عن تعيين الأفضل منهم، وقال: هذا باب لسنا بحكام فيه، لأن أمر ذلك إلى التوقيف من الشارع، وهو حق، فالتوقف أولى فيما لم يرد فيه نص، وقوله: »فباقي الرسل« أي بعد هؤلاء الخمسة في الفضل باقي الرسل، وعدد الرسل مع هؤلاء الخمسة ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، أولهم آدم، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم، وقوله: »فالأنبياء« أي بعد الرسل في رتبة التفضيل الأنبياء، وهم الذين أوحي إليهم بشرع لم يؤمروا بتبليغه، فإن أمروا بالتبليغ كانوا رسلاً أيضاً، وعدد الأنبياء على القول المشهور مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً -منهم(12 ) ثلاثمائة والثلاثة العشر- وقوله: »ذوو المقام الأكمل« أي أصحاب المقام الكامل. (1/117)
صفحة 118
اعلم أن شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ناسخة لشرائع الأنبياء من قبله، أي مبدلة لأحكامها بأحكام أخر، إما مخالفة لها وإما موافقة، إلا ما لا يصح نسخه من ذلك -كالتوحيد- فإن صفاته تعالى لا يجوز عليها التغير، فلا يصح نسخ التعبد فيها، فلا يمكن أن يتعبد أحداً من أهل الملل أن يعتقدوا أنه لا يرى ويتعبد آخرين أن يعتقدوا أنه يرى، وكمكارم الأخلاق فإن الله يأمر بالعدل والإحسان، ومكارم الأخلاق داخلة تحت العدل والإحسان، فلا يصح أن يأمر بخلاف المكارم، وهذا النوع -أعني ما لا يصح نسخ هو المراد من قول المصنف-، »سوى الهدى« أي إلا الهدى فإنه لم( 14) ينسخ، أي(15 ): لأنه لا يصح نسخه، وقوله: »وما له أي شرعنا..الخ« أي لا يغير شرع نبينا صلى الله عليه وسلم ناسخ لأنه ليس بعده نبي كما صرع به حديث »لا نبي بعدي«(16 ) وكما دل عليه قوله تعالىوخاتم النبيين(17 ) فإن الخاتم لا يكون معقوباً، فثبت امتناع نسخ شرعه لاستحالة نبي بعده، واعتقاد أنه لا نبي بعده، وأن شريعته لا تنسخ من بعده واجب علينا، فلا يصح علمه بعد قيام الحجة به. (1/118)
صفحة 119
أي بعد درجة الأنبياء في الفضل درجة الملائكة عليهم السلام فإنه قد أعطاهم ربهم ومولاهم من الفضل الخاص بهم ما لم يعطه لغيرهم، واصطفاهم لخدمته، وفرغهم لإنفاذ أمره، فلهم الفضل العظيم لهذا التبجيل والتعظيم، على أن تعالى قد مدحهم في كتابه العزيز بقوله( 18): (يسبحون الليل والنهار لا يفترون)( 19) وقوله: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)( 20) فهم بهذا أفضل من سائر المؤمنين ممن( 21) عدا الأنبياء والمرسلين، وفضل بعض أصحابنا وغيرهم المؤمنين عليهم، واستدل كل واحد من الفريقين بأدلة ذكرنها في غير(22 ) هذا المقام، ولاشك أن بعض الملائكة أفضل من بعض لقوله تعالى حكاية عنهم: (وما منا إلا له مقام معلوم)(23 ) وأفضلهم على الإطلاق جبريل عليه السلام، لأن الرسول من الله إلى أنبيائه، وإن كان غيره قد أرسل أيضاً، فإرساله هو أكثر من غيره، ولكثرة خصاله الفاضلة والفواضل؛ زعم الزمخشري أنه أفضل من حبيب الرحمن محمد صلى الله عليه وسلم، وقد خرق الإجماع بذلك ودخل مدخلاً كان الواجب عليه أن يقف دونه. (1/119)
صفحة 120
أي: يجب التصديق على جهة الإذعان بالأنبياء جميعاً، وبالرسل جميعاً، وبالملائكة جميعاً، وبما أنزل الرحمن من الكلام على رسله، فالإيمان واجب بكل واحد من هذه الأصناف جملة، ويجب علينا أن نخص( 24) محمداً وما أنزل عليه بالإيمان، فلا يجزي الإيمان به مع جملة الرسل، ولا الإيمان بالقرآن في جملة الكتب، وكذا يجب علينا أن نخص بالإيمان ما قامت علينا الحجة برسالته أو نبوته من الأنبياء والرسل الذين من قبله صلى الله عليه وسلم وقوله: »وهو كلام دل..الخ«(25 ) هذا تفسير لما أنزل الرحمن أي الذي أنزله ربنا هو كلام دل(26 ) بالنظم التام على معان ترشد الأمم إلى نجاتها وإلى فلاحها وصلاحها، وجملة ما أنزل الله من الكتب على ما في بعض الروايات مائة كتاب وأربعة كتب، خمسون منها على شيث، وثلاثون على إدريس، فتلك ثمانون، وعشرة صحف على إبراهيم، وعشرة على موسى قبل التوراة، فتلك مائة، والتوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والقرآن العظيم على نبينا الكريم عليه وعليهم أفضل صلاة وأكمل تسليم.
أي: كل واحد من الكلام المنزل على الرسل مخلوق، لا شيء منها متصف بالقدم؛ لا التوراة، ولا الإنجيل، ولا الزبور، ولا القرآن، ولا غيرها من سائر الكتب، وذلك لأدلة عقلية ونقلية، أما العقلية فمنها أن الكلام المنزل ممكن فناؤه، وكل ما أمكن عدمه استحال قدمه، ومنها لأنه تعالى منفرد بالقدم، فلو كان الكلام أو شيء منه قديماً للزم بطلان تعالى بالقدم، وقد قام البرهان على وجوب انفراده بذلك، فلا قديم غيره.
وأما النقلية فأشياء منها قوله (عالى: (خالق كل شيء)( 27) والكلام شيء فهو مخلوق لهذه الآية، ومنها قوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)( 28) والكلام شيء ومنها أنه موصوف( 29) بالإنزال كما في قوله (تعالى) (إنا أنزلناه)( 30) وكل منزل منتقل من جهة إلى جهة، وكل منتقل حادث، وكل حادث مخلوق، إلى غير ذلك من الأدلة والله تعالى أعلم. (1/120)
صفحة 121
--------------------------------------------
(1 ) ليس في: م (واو) قبل (الإيحاء).
(2 ) في: م (على).
(3 ) في: م (الجار).
(4 ) (أي) ساقطة في: م.
( 5) في: ب(للعاتب).
(6 ) في: م (عليه).
(7 ) في: م (لقول).
( 8) طه/58.
(9 ) مسيلمة بن ثمامة الحنفي، متنبئ من المعمرين، ويتمثل به في الكذب، فيقال: »أكذب من مسيلمة«، ولد ونشأ باليمامة بقرية الجبيلة بوادي بني حنيفة، وكان قد وفد مع بني حنيفة على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما عاد إلى اليمامة تنبأ لهم، وادّعى أنه شريك الرسول صلى الله عليه وسلم في النبوة فاتبعه بنو حنيفة، وقد أكثر من وضع أسجاع يضاهي بها القرآن، مكن الله منه المسلمون في موقعة اليمامة عام 12ه، بقيادة خالد بن الوليد. أنظر: ابن الأثير. الكامل في التاريخ (دار الكتاب العربي): 2/203، 243، والأعلام. للزركلي: 7/226.
( 10) مريم/12.
(11 ) البقرة/253.
( 12) في: م زيادة (الرسل).
( 13) (شرايع) في: ب.
( 14) ساقطة في: م.
(15 ) ساقطة في: ب.
( 16) رواه البخاري في: ك المغازي، ب98، ج5، ص129، مع خلاف يسير، ومسلم في: ك الإمارة، ب10، ح1842، ج2، ص1471، عن أبي هريرة في حديث طويل.
(17 ) الأحزاب/40.
( 18) ساقطة في: م.
(19 ) الأنبياء/20.
(20 ) التحريم/6.
(21 ) في: م (ما).
( 22) ساقطة في: م.
( 23) الصافات/164.
(24 ) في: ب (يخص).
( 25) (الخ) ساقطة في: م.
( 26) (الباء) ساقطة في: ب.
( 27) غافر/62، والزمر/62.
(28 ) القمر/49.
(29 ) في: م (موقوف).
( 30) يوسف/2، والدخان/34، والقدر/1 (1/121)
صفحة 122
فصل: في المحكم والمتشابه
أي: في القرآن آيات محكمة، وفيه آيات متشابهة، وفيه آيات مجملة، وفيه آيات مفصلة أي مبينة ويجب الإيمان بجميعه محكمه ومتشابهه، ومجمله ومفصله، لقوله تعالى: (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه)(1 )..
الآية، وقد اختلف العلماء في بيان المحكم من المتشابه، وفي تعريف كل واحد منهما على أقاويل تجيء في النظم، وهم( 2) مع اختلافهم متفقون على أن المحكم غير المتشابه، والمتشابه غير المحكم، فهما نوعان متغايران، وحكم كل واحد منهما يخالف حكم الآخر، لأن الرب تعالى رتب على كل واحد حكماً ثم أنه أخذ في بيان حد المحكم، وبيان حكمه فقال: (1/122)
صفحة 123
أي المحكم من الآيات ومن غيرها من الروايات: هو ما اتضح معناه وهو قسمان، لأنه إما أن يتضح المعنى ولم يحتمل معنى غيره وهو (النص)، وإما أن يحتمل معنى ثانياً، وإن كان احتمالاً بعيداً مثلاً؛ فهو الظاهر، ولكل واحد من النص والظاهر حكم، فحكم النص القطع بمراد المتكلم هو ذلك المعنى لا غيره، لعدم احتمال الكلام لغيره، والحكم في الظاهر الظن بأن ما ظهر من المعاني هو مراد المتكلم، أي إذ سمعنا كلاماً يحتمل معنيين، لكل السابق إلى الذهن أحدهما ظننا أن ذلك السابق إلى الذهن هو مراد المتكلم، وإنما كان هذا كذلك لاحتمال أن يكون المتكلم أراد المعنى الثاني، هذا إذا لم يقم دليل على أن مراد المتكلم المعنى المرجوح فإن قام الدليل بذلك ترك المعنى الظاهر، وصير إلى المعنى الباطن لوجود ذلك الدليل الدال على أن الباطن هو المراد، والمصير من الظاهر إلى المعنى الباطن هو التأويل، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام (تأويل قريب، وتأويل بعيد، وتأويل متعذر) كل ذلك بحسب قرب الاحتمال للمعنى وبعده، فالتأويل القريب يترجح بأدنى دليل، والتأويل البعيد يحتاج إلى تأويل قوي، والمتعذر منه لا يقبل.
فمن المتعذر تفسير الرافضة لقوله (تعالى): (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر)(3 ) قالوا: الشيطان (عمر بن الخطاب) والإنسان (أبو بكر) قال له: خذ الخلافة، وأنا معينك عليها (أخزاهم الله تعالى) ورضي عن الشيخين ولهم في تحريف القرآن العظيم على هذا المنوال ما ينبغي أن ينزه مختصرنا هذا عن ذكره، ولما فرغ من بيان حد المحكم وأحكامه، شرع في بيان حد المتشابه وأحكامه، فقال: (1/123)
صفحة 124
المتشابه هو خلاف المحكم، وعرفوه بأنه الذي اختفى معناه، ولخفاء معناه سببان: أحدهما إجمال اللفظ، وثانيهما: أن يكون ظاهر مخالفاً لدليل العقل، وذلك كما إذا كان في ظاهر تشبيه الباري (تعالى) بخلقه -كآية الاستواء-، فهو باعتبار سببه قسمان: مجمل، وما كان في ظاهر التشبيه، وهذا الحد الذي ذكره المصنف، وهو أن المتشابه ما اختفى معناه شامل لأكثر التعاريف الواردة من العلماء في المتشابه، فيدخل تحته قول من قال: إن المتشابه ما كان له احتمالان فصاعداً، لأن ما كان له احتمالان فصاعداً يختفي فيه المعنى المراد منه، ولا يعلم إلا بدليل خارجي، وهذا الدليل هو الذي نسميه بالبيان، ويدخل تحته أيضاً قول من قال: إن المتشابه هو ما كان مبهماً، وذلك كما في قوله (تعالى): (عليها تسعة عشر)(4 ) فأبهم المعدود من هذه الآية فلم يُدرَ ما هو، واحتمل أن يكون تسعة عشر ملكاً، وأن يكون تسعة عشر صفاً، إلى غير ذلك، وكما في قوله (تعالى): (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)(5 ) فحقيقة الثمانية مبهمة، ووجه دخول هذا في تعريف المصنف إنما هو من حيث خفاء المعنى المراد، ويدخل تحته أيضاً قول من قال: إن المتشابه هو ما لا يعلم تأويله إلا الله، كوقت الساعة، وككيفية الحشر، وكحقيقة الثواب، وحقيقة العقاب، إلى غير ذلك، ووجه دخوله فيما تقدم بجامع الخفاء، ولذا قال المصنف: »فكل هذا أصله متحد« أي أصل هذه الأقاويل واحد، وهو الخفاء. (1/124)
صفحة 125
وقوله: »وجعله أشياء..الخ« أي جعل ما ذكر هاهنا أشياء متعددة(6 ) لمعان مختلفة غير محمودة، لن كل واحد من تلك الأقوال إنما اعتبر جهة من جهات الخفاء، فالقدر المشترك بين الجميع هو الخفاء، فينبغي أن يؤخذ في تعريف المتشابه، فتكون تلك الأقاويل أنواعاً له كما صنع المصنف، وأما قوله: »وقيل أحرف..الخ« فهذه ثلاثة أقاويل في المتشابه خارجة عن ضابط الخفاء، أحدها: أن المتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل السور كـ»الم، المص، الر، المر، كهيعص.. إلى آخرها« ووجه خروج هذا من ذلك الضابط، هو أن القول به يفيد حصر المتشابه في هذه الحروف، دون ما عداها من الآيات، وثانيها: أن المتشابه هو القصص والأمثال، وهو معنى قوله: »وقيل بالأمثال مع كل خبر« وثالثها: أن المتشابه هو ما كان منسوخاً من الآيات، وأما ما كان منها(7 ) ناسخاً فيسمى محكماً.
لما كان المتشابه قسمين ثبت لكل قسم حكم، فله أيضاً حكمان، فأما حكم المجمل منه فهو الوقوف عن تعيين المراد منه، وعن العمل به حتى يبين المراد منه بدليل يسمى بياناً، وهذا معنى قوله: »حتى يبين أظهر احتمال«، وأما حكم النوع الثاني منه وهو ما كان ظاهره التشبيه، فحكمه أن يرد إلى المحكم من الآيات فيفسر به، لقوله (تعالى): (منه آيات محكمات هن أم الكتاب)(8 ) ومثال ذلك قوله (تعالى): (الرحمن على العرش استوى)(9 ) فإنه يجب أن يرد إلى قوله (تعالى): (ليس كمثله شيء)(10 ) فيستحيل أن يفسر الاستواء بالاستقرار لأنه لو فسّر بذلك لكان مثله شيء في ذلك الوجه فيلزم تناقض القرآن، والقول بتناقضه باطل، وهذا معنى قوله: »أو يلزمن(11 ) تناقض القرآن«.
---------------------------------------------
(1)-آل عمران/7.
( 2) في: ب(هو).
( 3) الحشر/16.
( 4) المدثر/30.
( 5) الحاقة/17.
(6 ) هكذا في: م، وفي: ب غير موجودة.
(7 ) غير موجودة في: م.
(8 ) آل عمران/7.
(9 ) طه/5.
( 10) الشورى:11. (1/125)
صفحة 126
(11 ) هكذا في: ب، وفي: م من غير (أو يلزمن).
--- (1/126)
صفحة 127
الباب الرابع من الركن الثاني: في الوعد والوعيد، وفيه أربعة فصول
الفصل الأول: في الموت والبعث والحساب ، أي وفي غير ذلك من المعاني، كبيان الرزق وعذاب القبر والحوض والكتب
أي الموت ثابت على كل ذي روح، لا يشك في ثبوته أحد، لأنه موجود ضرورة، فيجب الإيمان به تصديقاً لقوله (تعالى): (كل نفس ذائقة الموت)( 1) فنعتقد أن كل ذي روح يموت، وأما ما عدا ذوات الأرواح فالفناء في حقهم ثابت، فهم يفنون قطعاً لقوله (تعالى): (كل شيء هالك إلا وجهه(2 ) فالموت فناء خاص بذوات الأرواح، والفناء عدم عام لها ولغيرها، وكذلك البعث ثابت بالبراهين النقلية، فالإيمان به واجب، )وكذلك الحساب بعد البعث ثابت بالبراهين النقلية أيضاً، فالإيمان به واجب ( 3) أيضاً، ثم أنه أخذ في بيان كيفية الموت والبعث فقال:
أي فالموت هو: مفارقة الروح للجسد، لأن حياة الجسد إنما هي بسبب ممازجة الروح له، قال في القناطر(4 ): »واختلفوا في كيفية قبض الروح، فقال بعض العلماء: إن ملك الموت للروح بمنزلة حجر المغناطيس في جذبه للحديد، وإنه إذا ظهر الملك الروح طارت إليه، وقال قوم: إن الله (تعالى) يخرج الروح فيتلقاها الملك، قال: والصحيح أن الله سبحانه هو الذي يحيي ويميت، وهو أعلم بكيفية ذلك«(5 ) (انتهى), وفي تصحيحه -رحمه الله- إشارة إلى التوقف عن القول بأحد القولين، فهو مذهب ثالث له، ووجه تصحيحه للتوقف أن هذا شيء لا يطلع عليه إلا بتوقيف من الشارع وكأنه لم يثبت عنده توقيف، فرأى التوقف أولى. (1/127)
صفحة 128
وقوله: »والبعث ردها إليه« أي رد الروح إلى الجسد خلقاً ثانياً، وإعادة ابتدائية بعد إعدام محض، فهو ممكن عقلاً، وصرح بثبوته النقل، قال (تعالى): (كما بدأنا أول خلق نعيده)(6 ) قال( 7): (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة)( 8) فليست الإعادة أشد من الإنشاء الأول والكل في قدرته (تعالى) ممكن وواقع بلا شك، فالإيمان بالبعث واجب، وقوله( 9): »للأبد« المراد بالأبد عدم الغاية فيما يستقبل أي رد الروح للجسد بعد الموت، هي حياة لا غاية لها، إما في النعيم، وإما في الجحيم، وهذا التأييد خاص للمكلفين دون غيرهم من الحيوانات والحشرات، فإنها إنما تبعث، ثم تصير تراباً، وأما أولاد المكلفين فحكمهم في البعث حكم آبائهم، لكن يخلد من لم يبلغ منهم في الجنة، لعدم نقضهم الميثاق الذي أخذ الله عليهم، وكذلك حكمهم فيها حكم البالغين فهم على ذلك الحكم من خير أو شر، وإما أن يكونوا لم تأت عليهم حالة من ذلك فحكمهم(10 ) حينئذ حكم من لم يبلغ الحلم لعدم نقضهم الميثاق أيضاً، والله أعلم.
اختلف العلماء في بيان الروح، فوقف بعض عن تعيينها، وخاض آخرون في بيانها، والقول بالوقوف أولى وأثبت لعدم الدليل المصرح بتعيينها، وبيان كيفية حالها، فالخائضون في بيانها مع عدم النص المصرح بذلك ليس لهم(11 ) مستند غير التخمين، وهو القول بالظن، ولأن الله (تعالى) لم يُخبر نبيه بالروح، وقد سُئل عنها فقال له ربه: (قل الروح من أمر ربي)(12 ) فالعلم بها مما استأثر الله به، ولم يُطلع عليه أحداً. (1/128)
صفحة 129
أما الخائضون في بيان الروح فقالوا: أنه (تعالى) لم يُمت نبيه إلا وقد أطلعه على حقيقة الروح، وأما قوله: (قل الروح من أمر ربي) فذلك لموافقة ما في التوراة ليكون موافقتها علماً على نبوته، وذلك أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث، وقالوا: إن أجاب عنها كلها فليس بنبي، وإن سكت عنها كلها فليس بنبي، وإن أجاب عن بعضها وسكت عن بعض فهو نبي، وتلك الثلاث هي: (الروح، وأصحاب الكهف، وذو القرنين) فأفتاه ربه في أصحاب الكهف، وذي القرنين، وأمره في الروح بقوله: (قل الروح من أمر ربي) وكان في التوراة أن الروح من أمر الله، فطابق جوابه ما في كتابهم(13 ).
قالوا: فالأمر بالوقوف عن الخوض في الروح إنما هو لهذا العارض، لا لأن العلم بالروح مما لم يطلع الله(14 ) عليه أحداً.
قلنا: بعد تسليم لما قلتموه لا يطلع على حقيقة الروح إلا بتوقيف من الشارع، ولم يرد التوقيف، فالإطلاع متعذر، فالكف عن الخوض فيها أولى وأحق.
اعلم أن الله (تبارك وتعالى) قد وقّت الآجال وحدد الأعمار، فلا يموت أحد قبل انقضاء عمره، وقبل استيفاء أجله قال (تعالى): (لكل أجل كتاب)(15 )، وقال (تعالى): (فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)( 16) سواء كان هذا الميت ميتاً حتف أنفه أو مقتولاً، وذهبت المعتزلة إلى أن المقتول ميت في غير أجله، وقبل انقضاء عمره، وأنه لو لم يقتل لعاش إلى الوقت الذي حدد له، وهو مذهب فاسد، بيّنا بطلانه في غير هذا الكتاب(17 ). (1/129)
صفحة 130
وكذلك قدر الله الأرزاق، فمن قُدر له رزق فلا يموت قبل استيفاء رزقه الذي قدر له، كان ذلك الرزق »حلالاً« وهو ما لم يرد في تناوله عقاب، »أو حراماً« وهو ما ورد في تناوله عقاب، »أو شبهة« وهو ما تجاذبه أصلان، أصل يقتضي تحليله وأصل يقتضي تحريمه، ولم يترجح واحد منهما على الآخر، والله (تعالى) قدر جميع ذلك، فهو (تعالى) مؤجل الآجال، ورازق للعباد بأي جهة كان رزقهم، إذ ليس يوجد شيء من المخلوقات، أو فيها إلا وربنا (تعالى) هو المقدر لذلك، هذا مذهبنا ومذهب الأشعرية، وذهبت المعتزلة إلى أن الله (تعالى) لا يرزق الحرام لأن رزق الحرام قبيح، ولا يصدر منه (تعالى) ما هو قبيح، ومنعوا إطلاق اسم الرزق على الحرام.
قلنا: إن قبح ذلك متوقف على نهي الشارع عنه، والرب (تعالى) غير محكوم عليه بشيء، بل هو الحاكم في الأشياء وهو الفعال لما يريد، والأشياء جميعها ملك له لا معارض له في شيء منها والمتصرف في ملكه أو في شيء منه لا يكون فاعلاً لقبيح والله (تعالى) أعلم.
أقول: وبعد أن نظمت هذه الأبيات بمدة وقفت على الشطر الأول من البيت منها في زبد بن رسلان( 18)، ونصه:
فهو من توارد الخواطر، والله أعلم. (1/130)
صفحة 131
المراد بـ»عذاب القبر« هو عذاب الميت مطلقاً، كان مدفوناً، أو في بطون السباع والطيور، أو في بطون الحيتان أو على وجه الأرض، وعبَّر عن هذا كله بعذاب القبر، لأن الغالب في الموتى، وإذا ثبت عذاب القبر بما سيأتي ثبت أيضاً نعيمه لمن أراد الله تنعيمه فيه من أهل السعادة، إذ لا قائل بالفرق بينهما، وعذاب القبر قد وردت في ثبوته الأحاديث النبوية، وأشارت إليه الآيات القرآنية فمن تلك الآيات قوله (تعالى): (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً يوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب)( 20) فقوله (تعالى): (يعرضون عليها غدواً وعشياً) دال على أن ذلك العرض قبل يوم القيامة -وهو المطلوب- وأما الأحاديث النبوية فقد قال صاحب المعالم( 21) -(رحمه الله تعالى)-: »إنها مما تواتر معنى أي معنى عذاب القبر قد بلغ حد التواتر في الأحاديث التي جاءت به وإن اختلفت عباراتها، فمن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: )»عذاب القبر حق«(22 )، وقوله صلى الله عليه وسلم: »إن الموتى ليعذبون في قبورهم««(23 ).. الحديث(.
وقوله: »واعتقدن صدقه« أي صدق عذاب القبر؛ أي: أن من شأن ما تواترت به الأخبار أن يقطع بصدقه، وقوله: »لا تحل تعذيب ميت« ألا ولا تقل إن عذاب الميت محال كما ذهبت إليه طائفة، لأنا نقول: إنه ليس بمحال، فإنه يحتمل أن يرد الله عليه روحه، فيحس ألم العذاب، ويحتمل أن يخلق الله فيه حاسة يحس بها ألم العذاب، ويحتمل غير ذلك وهو معنى قوله: »لوجوه تحتمل« على أنه لم يرد النص أن الميت يُعذب وهو ميت أي في حال مفارقة روحه للجسد. (1/131)
صفحة 132
أي حساب الله لخلقه يوم القيامة إنما هو تمييز الأعمال الحسنة من الأعمال القبيحة، فيرى الفاعل أعماله الخيرية وأعماله الشرية، وليس الحساب يومئذ كحساب بعضنا لبعض، لاستلزامه التشبيه الذي يحيله العقل ويبطله النقل، هذا ما عليه الأصحاب -(رحمهم الله تعالى)- والذي أقوله: إنه لا بأس أن يكون الحساب يوم القيامة هو الحساب المتعارف فيما بيننا، ويكون المحاسب يومئذ خلقاً من خلقه (تعالى) جعله لذلك، فلا يلزم على هذا المعنى ما ذكر من التشبيه، والقول به عندي أولى، لأن ظواهر الآيات والروايات دالة عليه، فلو قيل بغيره لزم صرف كثير من الآيات والروايات على خلاف ظاهرها، مع إمكان الأخذ بالظاهر، فمن تلك الآيات قوله (تعالى): (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها)(24 ) ففي هذه المجادلة النص الصريح على ما قدمت ذكره في بيان الحساب، ومنها قوله (تعالى): (حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا)( 25) الآية، ففي هذه الآية ما يدل على أن هنالك مخاطبة وتكلماً وشهوداً، وكذا قوله (تعالى): (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم)(26 )، وكذلك قوله (تعالى): (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد)(27 ). (1/132)
صفحة 133
ومن الروايات الدال ظاهرها على ما قلته ما أخرجه الترمذي وصححه »لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه«(28 ) وما أخرجه البزار: »يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان في ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله عليه، فيقول الله تبارك وتعالى لأصغر نعمة: (احسبه، قال: في ديوان النعم) خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح، ثم تنتحي وتقول(29 ): وعزتك ما استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبداً، قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت عن سيئاتك، (احسبه، قال: ووهبت لك نعمي)« ( 30) وغير هذا من الأحاديث كثير، فلا نطيل بإيراده هاهنا لأن المقام إنما هو مقام اختصار، والله أعلم.
أي خص بالحساب صنفان من الناس؛ أحدهما المؤمن المقصر التائب من ذنبه، وثانيهما: الفاسق العاصي، والحكمة في حساب المؤمن المقصر هي أن يعلم نعمة الله عليه بغفران( 31) ذنوبه وستر عيوبه، والحكمة في حساب الفاسق هي ازدياد حسراته، وتضعيف تنكيله بالتأسف على إضاعة عمله، فإنه متى ما رأى العمل الموجب للغفران محبوطاً بعمل صَدَرَ منه ازداد حسرة وندامة، ومن الحكمة في هذا أيضاً إظهار إنصاف الله (تعالى) لخلقه، فإنه لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وما عدا هذين الصنفين فهم إما في الجنة بلا حساب وهم المؤمنون الموفون، وإما في النار بلا حساب وهم المشركون. (1/133)
صفحة 134
هذا حاصل ما ذكره في القواعد( 32) وعليه جريت في النظم، وظاهره أن المشركين غير محاسبين، ثم ظهر لي بعد ذلك أنهم محاسبون لقوله (تعالى): (وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون)( 33) ولقوله (تعالى): (زعم الذين كفروا أن لن يبعثون قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم)(34 ) ولغير ذلك من الآيات، والله أعلم، )ويحتمل أن يقال السؤال والأنباء الذي في الآيتين غير الحساب المذكور ثم ظهر لي أن هذا الاحتمال هو الأولى، فلا دليل في الآيتين على المطلوب( ( 54)، والله أعلم.
اختلف الناس في الجنة والنار، هل هما مخلوقتان الآن أم لا؟ فذهب الجمهور منها ومن غيرنا إلى أنهما مخلوقتان الآن، واستدلوا بأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم تدل على وجود الجنة، قالوا: ومثلها في الوجود في النار، إذ لا قائل بالفرق بينهما في ذلك، وذهب البعض منا وكثير من غيرنا إلى أنهما ليستا بمخلوقتين الآن، وإنما هما سيخلقان بعد وقوع الفناء العام، قالوا: ولو كانتا مخلوقتين الآن للزم فناؤهما لقوله (تعالى): (كل شيء هالك إلا وجهه)(36 ) وهما مخلدتان فلا يصح أن تكونا موجودتين الآن، والأصح ما عليه الجمهور من وجودهما الآن لما ثبت بالأدلة القاطعة أن آدم وحواء كانا في الجنة وقد أهبطا منها، والقول بأن الجنة التي كانا فيها هي غير الجنة الموعود بها تكلف لا دليل عليه، والجواب عما استدل به النافون لوجودهما الآن، هو أن نقول: إن قوله (تعالى): (كل شيء هالك) عام يحتمل التخصيص، فالجنة والنار قد خصصا بعدم الفناء بالأدلة القاطعة على بقائهما أبداً، أو نقول: إن الجنة والنار قابلتان للفناء بحسب ذاتهما، والقابل للفناء فإن في المعنى لجواز ذلك عليه. (1/134)
صفحة 135
والجواب الأول أظهر ثم اختلف القائلون بوجودهما الآن في محلهما الذي هما فيه فعين بعضهم المحل، ووقف قوم عن التعيين، والوقف عن تعيين محلهما هو الأولى بنا، إذ لا علم لنا إلا بما علمنا، ولم يرد عن الشارع تعيين محلهما، وإن قُدر أن هنالك دليل فهو آحادي لا يفيد العلم، ووقوفنا عن تعيين المحل لا يقدح في ترجيحنا القول بوجودهما الآن، لأنه لا يلزم من علمنا بوجودهما علنا بتعيين محلهما، والله أعلم.
أي »الكتب« التي ذكر(37 ) الله في كتابه العزيز في نحو قوله (تعالى): (فأما من أوتي كتابه بيمينه)(38 ) وأمثالها من الآيات هي صحف حاوية لأعمال العباد من خير وشر لقوله (تعالى): (وإذا الصحف نشرت)( 39) فذكر (تعالى) في هذه الآية أن هنالك صحفاً تنشر وهي الكتب المذكورة هنالك فلا التفات إلى مَن جَعَلَها عبارات عن ضبط أعمال العباد، لأن في جعل الكتب عبارات عدولاً عن الحقيقة إلى المجاز بلا دليل؛ نعم الدليل الذي ذكرناه يعضد جانب الحقيقة، فلا وجه للعدول وإنما عدل ذلك القائل، بحمل الكتب على العبارات على المعنى المذكور، إنما هو لأجل فراره عن احتياج الله (تعالى) إلى ضبط أعمال العباد في صحف لأن ذلك شأن من يطرقه النسيان، ولا يلزم من ذلك ما توهمه. (1/135)
صفحة 136
فإن في رسم الأعمال في الصحف المذكورة حكماً كثيرة، ولا يلزم منه أنه (تعالى) محتاج إلى ذلك، وقوله: »والحوض حق..الخ« أي الحوض الذي هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الموقف حق ثابت جاءت به الأحاديث المستفيضة من رواية جابر وغيره، فلا عبرة بمن أنكر وجوده، أخرج الشيخان: »حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق« وفي رواية: »اللبن«، وفي أخرى صحيحة أيضاً: »وأحلى من العسل«، وفي أخرى صحيحة: »وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ أبداً« وفي رواية صحيحة: »لا يسود وجهه أبداً« وقوله: »يرده..الخ« أي يرد الحوض من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من وفى بعهد الله الذي أخذه عليه، وهو طاعة الله وطاعة رسوله في فعل الواجبات، وترك المحرمات، بدليل ما في تلك الروايات: »أن من شرب منه لا يظمأ أبداً، ولا يسوّد وجهه« ولا تكون هاتان الخصلتان في الآخرة غلا لمن وفّى بعهد الله، والله أعلم.
---------------------------------------
(1) آل عمران/185.
( 2) القصص/88.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في: م.
( 4) قناطر الخيرات للشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي، تتلمذ على الشيخ أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي، وأما تلاميذه فلم يحدثنا التاريخ أنه أبقى مريدين نابهين، وربما يرجع ذلك إلى اشتغاله بنشر الدعوة، إذ أمضى حياته متنقلاً بين مدن جبل نفوسة مدرساً ومربياً وداعياً ومذكراً، من تآليفه: كتابه المذكور أعلاه، وقواعد الإسلام، توفي سنة 750ه. أنظر: الجيطالي إسماعيل بن موسى. قواعد الإسلام، تح: بكلي عبدالرحمن، ط1، مقدمة الكتاب.
(5) الجيطالي؛ أبو طاهر. قناطر الخيرات (ط1403ه-1983م، وزارة التراث العمانية): 1/244.
(6) الأنبياء/104.
(7) ليست موجودة في: ب.
( 8) يس/89.
(9) ليست في: (واو).
( 10) في: م (فحكمها).
( 11) هكذا في: م، وفي: ب غير موجودة.
(12 ) الإسراء/85. (1/136)
صفحة 137
(13 ) رواه البخاري: ك التفسير ب13، ج5، ص228، عن علقمة بن عبدالله، وليس فيه ذكر لقريش، وسألوه عن الروح فقط، والترمذي: ك التفسير ب17، ح3140 عن ابن عباس، وقال: »...حسن صحيح غريب من هذا الوجه«، وح3141 عن علقمة بن عبدالله، وقال: »..حسن صحيح«، وابن جريرة في جامع البيان 15/154، عن قتادة بنحو لفظ المصنف مع خلاف يسير.
( 14) (ليس) في: م.
( 15) الرعد/38.
(16) الأعراف/36.
( 17) أنظر: السالمي؛ نور الدين. مشارق أنوار العقول 2/96 وما بعدها.
( 18) لم أجده، إلا أني وجدت أن اسمه أحمد بن رسلان في كتابه المذكور لاحقاً.
( 19) أنظر: صفوة الزبد لأحمد بن رسلان على هامش مواهب الصمد في حل ألفاظ الزبد لأحمد بن حجازي الفشني (ط3، مطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر) ص10، والبيت كالتالي:
ولم يمت قبل انقضا العمر أحد والنفس تبقى ليس تفنى للأبد
( 20) غافر/40.
( 21) معالم الدين للثميني عبدالعزيز بن إبراهيم، ولد في (يسجن) بجنوب الجزائر عام 1130ه، وتتلمذ على يد الشيخ أبي زكريا يحيى بن صالح، له مؤلفات عديدة قيمة منها: النيل وشفاء العليل، ومعالم الدين وغيرهما، توفي عام 1291ه. أنظر: الثميني عبدالعزيز بن إبراهيم. كتاب النيل وشفاء العليل، تقديم: بكلي عبدالرحمن (ط2، 1387ه-1967م): 1/12 وما بعدها: المقدمة، ومعالم الدين للثميني، مقدمة الحارثي.
( 22) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، ج5، ص64 (تر2435) عن عائشة أم المؤمنين، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب ج4، ص361، عن عائشة أم المؤمنين، مع خلاف يسير في اللفظ.
( 23) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ج10، ص200، ح101459، عن ابن مسعود، وأورده المنذري في الترغيب ج4، ص155، وعزاه إلى الطبراني في الكبير وقال: بإسناد حسن، والهيثمي في مجمع الزوائد ج3، ص56، وقال: إسناده حسن.
( 24) النحل/111.
(25 ) فصلت/20.
( 26) يس/65.
( 27) ق/21. (1/137)
صفحة 138
(28 ) أخرجه الترمذي: ك القيامة، ب1، ح2417، ج4، ص612، عن أبي هريرة الأسلمي مع خلاف يسير، وقال: حسن صحيح، والطبراني في المعجم الكبير ج10، ص8، ح9772، عن ابن مسعود وج11، ص83، ح11177 عن ابن عباس مع خلاف يسير.
(29) (ينتحي ويقول) في: ب.
(30) أخرجه البزار في البحر الزخار، ج6، ص244، ح2478، عن عبدالله بن عمر، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ج10، ص357 عن أنس، وقال: وفيه صالح المري وهو ضعيف.
( 31) (بغفرانه) في: م.
(32 ) ينظر: الإمام أبو طاهر الجيطالي. قواعد الإسلام، تعليق بكلي عبدالرحمن، ط1: 1/7 بتصرف.
( 33) الصافات/24.
( 34) التغابن/7.
( 35) ما بين المعقوفين )ويحتمل أن يقال... على المطلوب( ساقطة في: ب.
(36 ) القصص/88.
( 37) هكذا في: م، و: ب، والسياق يستلزم زيادة (ها).
( 38) الحاقة/19، الانشقاق/7.
(39 ) التكوير/10.
--- (1/138)
صفحة 139
الفصل الثاني: في الميزان والصراط
»إنما« أداة قصر، قصر بها تفسير الميزان يوم القيامة على العدل والإنصاف وهو قصر قلب، وذلك أن بعض المخالفين ذهب إلى أن الميزان هو عمود وكفتان، ينصبه (تعالى) يوم القيامة لوزن أعمال العباد، وزعموا أن من رجحت كفة حسناته على كفة سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت كفة سيئاته على كفة حسناته دخل النار، ووصفوا الميزان بأوصاف لا حاجة لذكرها هنا، ورووا في ذلك أحاديث لم تثبت عندنا، وتعلقوا من الكتاب بنحو قوله (تعالى): (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون& ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون)(1 ) ونحن نقول إن هذه الموازين المذكورة عبارة عن معنى السعادة والشقاوة، فثقل الميزان كناية عن السعادة وخفته كناية عن الشقاوة، والعرب كانت تعبر بثقل الميزان عن علو الشأن، وبخفته عن عكس ذلك، قال الشاعر:
وقد تعبِّر بالوزن للشيء عن العلم به، كما في قوله (تعالى): (وأنبتنا فيها من كل شيء موزون)(3 ) أي: معلوم المقدار عنده (تعالى)، أما الوزن المفسر عندنا بالعدل والإنصاف المشار إليه في النظم، فهو ما في قوله (تعالى): (ونضع الموازين بالقسط ليوم القيامة)( 4) فالقسط بدل من الموازين لا نعت له، كما يدل عليه قوله (تعالى): (والوزن يومئذ الحق)(5 ) وإنما عدلنا في تفسير الميزان عن حقيقته المشهورة إلى ما ذكرناه من العدل والإنصاف، لأن حمله على حقيقته المشهورة محال، ووجه ذلك أن أعمال العباد أعراض، ووزن الأعراض محال، ولذا تردد الخصم في حقيقة الموزون، حتى زعم بعضهم أن الموزون هم الأشخاص، وبعضهم أن الله يخلق في إحدى الكفتين ظلمة، وفي الأخرى نوراً، وبعضهم أن الأعمال تتجسد، فتوزن الأجساد، والكل باطل. (1/139)
صفحة 140
فوجب المصير إلى التأويل، والمراد بقوله: »في الحسبان« يوم القيامة؛ لأنها محل الحساب، والمراد بقوله: »لا مثل قول ذي الخلاف« أي: لا أقولُ مثل قول صاحب الخلاف، وقوله: »كفة وأعمدا« عبر بالكفة وهي مفرد عن مثنى، وعبر بأعمد وهو جمع عن مفرد على سبيل المجاز له محل له في البلاغة، فمثال الأول قوله: »إذا القارض الغنوي آبا«(6 ) عبر بالقارض عن القارضين، فإن المثل حتى يؤب القارضتان، ومثال الثاني قوله (تعالى): (رب ارجعون)(7 ) أي رب ارجعني، وقول العرب: (شابت مفارقه) (8 )، وليس له إلا مفرق واحد.
الضمير في »قوله« عائد إلى الرحمن في آخر قوله »وإنما الميزان في الحسبان« أي الصراط، في قوله (تعالى): (أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم)(9 ) هو عبارة عن الحق، وفي الآية تمثيل لحالتي العاصي والطائع، وعلى هذا يحمل ما ورد في الأحاديث في بيان الصراط، لأنه إنما هو تمثيل لحالة الحق، وبيان ما فيها من الخطر العظيم، وتمثيل لأحوال سالكيه ما بين موفق ومخذول، وزعم بعض منا وجمهور الأشاعرة أن الصراط إنما هو جسر ممدود على متن جهنم.. إلى آخر ما وصفوه به، وحملوا ما ورد من الأحاديث في بيانه على حقيقتها، وتأولوا بها قوله (تعالى): (فاهدوهم إلى صراط الجحيم& وقفوهم إنهم مسئولون)(10 ).
غاية الأمر أن هذه المسألة الظنية، فلا يجب اعتقاد شيء منها، ولا يخطئ القائل فيهما برأيه، والله أعلم.
___________________________________
(1 ) الأعراف/8-9.
( 2)
( 3) الحجر/19.
( 4) الأنبياء/47.
( 5) الأعراف/8.
( 6)
( 7) المؤمنون/99.
( 8)
(9 ) الملك/22.
(10 ) الصافات/23-24.
--- (1/140)
صفحة 141
الفصل الثالث: في الشفاعة
الشفاعة حق، والإيمان بها بعد قيام الحجة واجب، ووقوعها في المحشر قبل دخول أحد الفريقين مسكنه، وهي مخزونة حتى يأتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون أول ما تجعل له، ثم للأنبياء من بعده، وهي المقام المحمود الذي وعده الله (تعالى) به على معنى ما ورد( 1)، وثبوتها للمؤمن لا لغيره من أهل الكبائر، لقوله (تعالى): (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)( 2) وقوله: (فما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)(3 ) ولقوله صلى الله عليه وسلم: »لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي«(4 ) وقوله: »ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي«(5 ).
وفي الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قعد على المنبر ثم قال: »الصلاة جامعة، رحمكم الله«، ثم قال: »يا عباس عم رسول الله، ويا فاطمة بنت محمد، ويا آل محمد جميعاً إني والذي نفسي بيده عند ربي لمطاع مكين، فلا تغرن امرؤ(6 ) نفسه، يقول: أنا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تقوم بنت محمد أو من آل محمد، اشتروا أنفسكم من الله، فإنكم إن لم تفعلوا هلكتم مع من عرفتم هلاكه، إني على الحوض يوم القيامة فارط (أي متقدم) فيرد عليّ أناس من أصحابي، ثم ليأتيني رجل قد عرفته من أصحابي ليحتلقن نقرة رأسه، ثم لآخذن بحجزته فأقول: أرسلوه، إنه من أصحابي، فليؤخذ بيدي فكاكاً، أرسل، أرسل، فإنه والله ما مشى من بعدك قُدماً، ولكنه مشى القهقرى، ليدخل جهنم، فلا أستطيع شيئاً، الحذر الحذر يا آل محمد«(7 ). (1/141)
صفحة 142
وذكر جابر بن زيد (رضي الله عنه) أنه لما نزلت (وانذر عشيرتك الأقربين)( 8) جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفخذ أفخاذ قريش فخذاً فخذاً، حتى أتى على بني عبدالمطلب، فقال: »يا بني عبدالمطلب، إن الله أمرني أن أنذركم، ألا وإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، ألا وإن أوليائي هم المتقون، ألا لأعرفن ما جاء الناس غداً بالدين، وجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم، يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً«( 9) فإن قيل المؤمنون مستوجبون للجنة بأعمالهم، فلا معنى للشفاعة لهم، فالجواب إن الشفاعة لهم هي طلب تنقلهم في المحشر، ودخولهم الجنة بسرعة.
ويمكن أن تكون هي طلب زيادة فضل لهم، وثواب يعطونه، ونعيم في الجنة، ورفع درجة فوق ما يستوجبون بأعمالهم، الله اجعلنا من أهل شفاعة نبيك صلى الله عليه وسلم.
»ومن يقل بغير« ما قلنا من أن الشفاعة للمؤمنين فخالف، وقال بل هي لأهل الكبائر، محتجاً بما رووه من طريق أنس: »أعدت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي«( 10) وزعم أن أهل الكبائر يخرجون من النار بشفاعة الرسول لهم، فهو كافر كفر نعمة إذا ظهر منه هذا التأويل الفاسد، فإن لم يظهر منه تأويل فهو كافر كفر شرك، لا يناكح ولا يوارث وهو المراد بقوله: »أي أشر منزل« وكان تولد هذين الحكمين إنما هما( 11) لمخالفة كتاب الله وسنة رسول الله، وقد تقدم ذكرهما، ومخالفة »الألباب« وهي العقول، إذ لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر ما جاز لأحد أن يسأل أن يكون من أهل الشفاعة، لأنه إنما يسأل بذلك أن يكون من أهل الكبائر على زعمهم، وكتاب الله ناطق بتكذيبهم كقوله: (فما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)(12 ).
--------------------------------------
(1 ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) قال: الشفاعة«. أخرجه البيهقي في الشعب: 1/281 و282، ح299، وح300، عن أبي هريرة. (1/142)
صفحة 143
(2 ) الأنبياء/28.
( 3) غافر/18.
(4 ) لم أجده مروياً حسب بحثي.
(5 ) لم أجده مروياً حسب بحثي.
(6 ) (أمراً) في: بن و(امرءً) في: م.
( 7) لم أجد تخريجه.
( 8) الشعراء/214.
(9 ) أخرجه الربيع ج1، ص381، عن جابر بن زيد والنسائي ك الوصايا، ب6، ح3642، ح6، ص248 عن أبي هريرة مع خلاف لفظي يسير، وابن جرير في جامع البيان ج19، ص118، عن عائشة وعروة وأبي هريرة وغيرهم.
( 10) أورده صاحب المطالب العالية، ص178، ح790، وقال: صححه ابنا خزيمة وحبان والحاكم والترمذي والبيهقي، وقال في الميزان والسان الميزان: خبر منكر فيه موسى بن عبدالرحمن الصنعاني وضّاع. وانظر كذلك ميزان الاعتدال للذهبي 4/212، ولسان الميزان لابن حجر 6/124.
( 11) في: ب (نهما).
(12 ) غافر/18.
--- (1/143)
صفحة 144
الفصل الرابع: في خلود أهل الجنة والنار
افترقت الأمة في أهل الجنة والنار على أربع فرق؛ فذهبت فرقة إلى أن من مات على طاعة الرحمن فهو مخلد في دار الرضوان، ومن مات في عصيان ربه مصراً على ذنبه فهو مخلد في النار، لا فرق في ذلك بين أحد من الفجار كان من أهل الشرك أو الفساق، وهذه الفرقة هي المحقة، ومن قال بخلافها فهو هالك، فالمراد بالعصيان في قول الناظم »ومن عصى« إنما هو إتيان الكبيرة، والإصرار على الصغيرة، لما سيأتي أن الصغائر مغفورة عند اجتناب الكبائر.
وذهبت فرقت إلى أن أهل الجنة وأهل النار زائلون، والداران فانيتان بعد دخول أهلهما فيهما، وسيأتي الرد على هذه الفرقة عند ذكر الناظم لها إن شاء الله.
وذهبت فرقة إلى تخليد أهل الجنة في الجنة، وعدم تخليد أهل النار في النار -مشركاً كان أو منافقا- وسيأتي الرد على هذه الفرقة أيضاً.
وذهبت فرقة إلى تخليد أهل الجنة والمشركين من أهل النار فيهما، وزعموا أن أهل الكبائر غير المشركين يخرجون من النار فيدخلون الجنة، وإلى الرد على هذه الفرقة أشار بقوله: (1/144)
صفحة 145
أي كافر كفر نعمة لا كفر شرك من قال بأن المشركين مخلدون في النار، وما عداهم من الفسقة وأهل الكبائر غير مخلدين في النار، كما يرى عن مالك بن أنس الأصبحي(1 ) أنه قال: »من مات على كبيرة، فلا يخلو من أحد ثلاثة أمور: إما أن يغفر الله له بعفوه، أو يشفع فيه الرسول، أو يعذب مقدار علمه، ثم يخرج فيدخل الجنة«(2 ) وفي قول الشافعي: »إنه يكتب في جباههم (هؤلاء جهنميون) فيعيرهم أهل الجنة على ذلك فيسألون الله زواله، فيمحوه الله عنهم، ويبدلهم مكانه نوراً يتلألأ، فيود أهل الجنة أن لو عملوا كعملهم«(3 )، وهذا رأس الضلا، وعين المحال، بأن جعلوا العاصي أشرف من الطائع، وجمعوا بين الأضداد، وكتاب الله ناطق بخلاف ما زعموا، قال (تعالى): (أفمن كان فاسقاً لا يستوون)( 4)، وقال (تعالى): (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون)(5 )، وقال (تعالى): (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون)(6 ) ولله در ابن النظر حيث قال:
وقول الناظم »أعني لدى الخلود..الخ« ألا فرق بين المشرك والفاسق المنافق في الخلود، بل كل منهم مخلد لقوله (تبارك وتعالى): (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)(8 )، ولقوله (تعالى): (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً)( 9) وإنما الفرق بين أهل النار في منازل العذاب، إذ كل معذب بقدر عمله، فالنار دركات بعضها أشد عذاباً من بعض، وأكثر نكالاً من غيرها، حتى روي: »أن أقل الناس عذاباً من ينعل بنعلين من النار فيفور منهما مخه من أعلى هامته«(10 )، والدليل على الفرق بينهم في أنواع التعذيب قوله (تعالى): (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار)(11 )، وقوله صلى الله عليه وسلم: »إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون«(12 )، فدلت الآية والحديث معاً على أن أحداً دون هذين الفريقين في العذاب. (1/145)
صفحة 146
هذا البيت إشارة إلى الرد على الفرقة القائلة بعدم تخليد أهل النار فيها، وذلك: أنهم زعموا أنه يأتي على النار وقت تصفق أبوابها وليس بها أحد، فينبت فيها شجر الجرجير، وتشبثوا في ذلك بحديث يروى عن طريق ابن عمرو بن العاص «ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها، ليس فيها أحد، وذلك بعدما لبثوا فيها أحقاباً»( 13) وبقوله (تعالى) في شأن إبليس: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين)( 14) قالوا: فاللعنة مغياة بذلك اليوم، فيفهم منه أنه لا لعن بعد ذلك اليوم، وإذا ثبتت هذه الرحمة لإبليس فغير إبليس من سائر العصاة أولى بها وأحق، والجواب عن الحديث، أنه آحادي، لا يعارض القطعيات، فلو صح لم يفد علماً فلا ينبني عليه اعتقاد، كيف وتأويله محتمل، بأن يقال أنهم يخرجون من النار إلى واد هو أشد عذاباً منها، يقال له الزمهرير، يعذبون فيها بالبرد، يروى أنهم إذا دخلوا فيه استغاثوا منه إلى النار(15 )، وأما الآية فلا تفيد ما ذكروه، وعلى تقدير إفادتها لذلك فإنما هو مفهوم مخالفة، واختلف في ثبوت حجيته في الظنيات، فكيف يبنى عليه اعتقاد؟ بل وكيف يعارض به القطعي الوارد في قوله (تعالى): (قال فالحق أقول لأملأن جهنم منك وممن اتبعك منهم أجمعين)( 16) والقطعي الوارد في قوله (تعالى): (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)( 17)، في أمثالها من الآيات العديدة التي نبذوها وراء ظهورهم واستبدلوا عنها هوى أنفسهم فضلوا وأضلوا، فحكمهم أنهم كفار نعمة لما تقدم من تأويلهم، كذا قيل فيهم، وعليه مشيت في النظم، ثم ظهر لي بعد ذلك أنهم مشركون، وأن ذلك التأويل ليس بمستر لهم عن الكفر، فهم في حكم المكذبين لهذه الآيات كلها، والله أعلم. (1/146)
صفحة 147
زعمت المرجئة( 18) أن كلاً يدخل النار سعيداً كان أو شقياً، وقالوا يُنجَّى منها السعيد، ويُترك فيها الشقي، وتعلقوا في ذلك بقوله (تعالى): (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً& ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً)( 19) ولا تعلق لهم في هذه الآية، لأن الخطاب فيها للمتقدم ذكرهم، ورد على سبيل الالتفات من الغيبة إلى الحضور، وذلك أنه قدم ذكر المنكرين للبعث، فقال: (ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً& فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثياً& ثم للنزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً& ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا)(20 ) فهذه الآيات كلها خطاب لمنكر(21 ) البعث، وكذلك آية الورود فهي كما بيناه من أنها خطاب لهم، ورد على سبيل الالتفات، ومثل هذا كثير في القرآن، ومنه قوله (تعالى) في خطابه لبني إسرائيل: (وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم)(22 )، ومن وجه آخر أن الورود يتصرف فيرد بمعنى الدخول تارة، كقوله (تعالى): (فإنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون)(23 ) وبمعنى المشارفة للشيء كقوله (تعالى): (ولما ورد ماء مدين)( 24) وقول زهير(25 ):
وقول امرئ القيس( 27): (1/147)
صفحة 148
فبطل حمل الآية على الوجه الأول، إذ لو وافقناهم أن الخطاب في الآية للمؤمنين الكافرين جميعاً، من حيث أنه يلزمهم القول بدخول الأنبياء النار مع المؤمنين، فيكون كتاب الله ناطقاً بتكذيبهم في قوله (تعالى): (أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها)(29 ) وقوله (تعالى): (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً& ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً)(30 )، وقوله (تعالى): (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه)( 31)، وذكر في آية أخرى قوله: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته)( 32)، فيلزمهم على مقالتهم هذه تناقض هاتين الآيتين وكلاهما خبر لا يأتي النسخ على أحدهما، ولكنا لا نسلم أن الخطاب في الآية للمؤمنين والكافرين، بل لا نقول: إلا أنه متوجه للكافرين، فالورود عندنا هو الدخول نفسه على هذا التأويل، فإن قيل: أما في قوله (تعالى): (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً)(33 ) دليل على ما تعلقت به المرجئة، فالجواب أن قوله: (ننجي) ليس فيه دليل على دخولهم النار، لأن النتيجة تكون من الشيء المخوف المترقب وقوعه، كقولك: نجيت زيداً من القتل، فإن زيداً لم يقتل بعد؛ وإنما قارب ذلك الأمر الذي يترقب وقوعه، وللمثبتين للورود لجميع الأمة أقاويل نضرب صفحاً عن ذكرها مخافة التطويل، وبالجملة فحكمهم حكم من قبلهم، من أنهم كفار نعمة لا شرك، ما لم يظهر منهم رد لتنزيل فيحكم عليهم بالشرك، هذا كله إذا قالوا إن الداخلين في النار هم المؤمنون والفاسقون جميعاً. (1/148)
صفحة 149
هذا بيان الرد على الفرقة القائلة بفناء الجنة والنار بعد دخول كل فيها وهم الجهمية(34 ) على ما وجدت في الأثر، والرد عليهم ظاهر من الكتاب، وشاهد العقل، قال (تبارك وتعالى): (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة& قل اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)(35 )، وقال (تعالى): (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً)( 36)، وقال (تعالى) في وصف أهل الجنة: (عطاء غير مجذوذ)(37 ) أي غير مقطوع في أمثالها من الآيات.
وشاهد(38 ) العقل يقضي أن الكريم إذا أنعم بنعمة قد وعد بعدم انقطاعها أنه لو قطعها لكان غير كريم، بل كان سفيهاً كذّاباً من حيث أنه يَعِد بالشيء فلا ينجز وعده وهو قادر عليه، ولو قيل: إنه غير قادر للزم عليه عجز الباري (جل وعلا)، وهو باطل، وبالجملة فهم متأولون، فحكمهم حكم من قبلهم، من الفرق من حيث أنه كفار نعمة لا شرك، ما لم يظهر منهم رد لتنزيل أو تكذيب لرسول فيحكم عليهم بالشرك، كذا قيل؛ وعليه جريت في النظم، والظاهر أن هؤلاء مشركون لما في مقالتهم هذه من رد الأدلة القطعية من الآيات القرآنية، وما تخيل لهم من التأويل، هي خيالات لا تدفع عنهم هذا الحكم، إذ لم تكن هنالك شبهة يتمسكون بها، فيعطون حكم المتأولين وليس كل من آثر هواه على دليل هداه يعطى حكم المتأولين، والله أعلم. (1/149)
صفحة 150
الإشارة كناية عن الأحكام المتقدم ذكرها في أرباب المقالات الزائفة، وأهل الفرق الضالة، أي فهذا حكمهم إذا كانت مقالتهم ناشئة عن تأويل للأدلة الشرعية، فإن المتأول إذا أخطأ في تأويله بما لا يسعه الخطأ فيه من الدين يكون كافر كفر نعمة وفاسقاً هالكاً، ولا يحكم عليه بالشرك، حتى يظهر منه رد لتنزيل أو تكذيب لرسول، فإن ظهر منه شيء من ذلك حكم عليه بالشرك إجماعاً، واختلفوا في المتأول إذا استلزم مذهبه رد الكتاب أو تكذيب الرسول، فشركه قوم ولم يشركه آخرون، والله أعلم.
--------------------------------
(1 ) مالك بن أنس الأصبحي؛ أبو عبدالله، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة وإليه تنسب المالكية، أخذ عن نافع (مولى ابن عمر)، وربيعة بن أبي عبدالرحمن وغيرهما، وعنه أخذ: الزهري والأوزاعي وغيرهما، من مؤلفاته: الموطأ في الحديث، ورسالة في الرد على القدرية وغيرهما، ولد عام 93ه، وتوفي عام 179ه. أنظر: ابن حجر، أحمد بن علي. تهذيب التهذيب (1/1991م، دار إحياء التراث العربي): 10/5، وأبو نعيم؛ حلية الأولياء: 6/316.
(2 ) لم أجده حسب اطلاعي وبحثي.
(3 ) لم أجده حسب اطلاعي وبحثي.. وتقدمت ترجمة الشافعي ص #.
( 4) السجدة/32.
( 5) القلم/35.
( 6) الجاثية/21.
( 7) ابن وصّاف، شرح الدعائم: 1/41، 42.
(8 ) البقرة/81.
( 9) الجن/72.
(10 ) أخرجه مسلم ك الإيمان، ب91، ح316، ج1، ص195، عن أبي سعيد الخدري بلفظ: »إن أدنى أهل النار عذاباً ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه«، والدارمي ك الرقاق ب121، ح2851، ج2، ص644، بلفظ: »أهون الناس عذاباً من له نعلان يغلي منهما دماغه«، وأحمد في المسند ج2، ص432، بلفظ: »...أهل النار... عليه....« كلاهما عن أبي هريرة.
(11 ) النساء/145. (1/150)
صفحة 151
( 12) أخرجه البخاري: ك اللباس، ب89، ج7، ص65، بزيادة: »عند الله« بعد »عذاباً« ومسلم: ك اللباس ب26، ح98، ص11670 من طريقين كلاهما (البخاري ومسلم) عن مسروق بن عبدالله، ورواه مسلم عن عائشة (أم المؤمنين) ح92، ص1668 مع خلاف يسير.
( 13) أخرجه البزار في البحر الزخار، ج1، ص642، ح2478، عن عبدالله بن عمرو.
( 14) الحجرات/35.
(15 ) أورده ابن رجب الحنبلي في كتابه: التخويف من النار والتعريف بأحوال أهل البوار، (الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية - بيروت)؛ ص77، قال: روى أبو نعيم بإسناده عن ابن عباس أن كعباً قال: »إن في جهنم برداً هو الزمهرير يسقط اللحم حتى يستغيثوا بحرّ جهنم«. اهـ.
(16 ) ص/84.
( 17) البقرة/81.
(18 ) المرجئة؛ الإرجاء: مشتق من الرجاء؛ لأن المرجئة يرجون لأصحاب المعاصي الثواب من الله (تعالى) فيقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، وهي خمس فرق. أنظر: المقريزي؛ أحمد بن علي. الخطط المقريزية (2/1987م، مكتبة الثقافة - مصر): 2/349، والبغدادي؛ عبدالقاهر بن طاهر: الفرق بين الفرق (1408ه-1987م، دار الجيل - بيروت): 190 وما بعدها.
( 19) مريم/68.
(20 ) مريم/70.
( 21) (لمنكري) في: م.
(22 ) الأعراف/160.
( 23) الأنبياء/98.
(24 ) القصص/23.
( 25) زهير بن أبي سلمى المزني، حكيم الشعراء في الجاهلية، ومنهم من يفضله على شعراء العرب قاطبة، ينظم القصيدة في شهر وينقحها ويهذبها في ستة أشهر، أشهر شعره معلقته (أمن أم أوفى دمنة لم تكلم) له ديوان مطبوع ومشروح، كتب عنه أكثر من واحد في كتاب مستقل. أنظر: الأصفهاني. الأغاني: 10/288، والزركلي. الأعلام: 3/52.
( 26) أنظر: سيف الدين (1/151)
صفحة 152
الكاتب وأحمد عصام (1/152)
صفحة 153
الكاتب. شرح ديوان زهير (ط/1986م، دار مكتبة الحياة - بيروت): ص102؛ وبداية البيت (فلما).
( 27) امرئ القيس بن حجر الكندي، أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يلقب بالملك الضليل وذي القروح، وقد أجمع النقاد القدماء أنه أول من وقف واستوقف وبكى واستبكى وقيد الأوابد، وكان أول عمره متصعلكاً بين شرب ومجون وقد طرده أبوه، ولما وصل خبر مقتل أبيه قام بالثأر له، مات بأنقره بعد رجوعه من عند قيصر من جراء قروح انتابته أثر لبسه حلة مسمومة أهداها قيصر له، ولد 130ق ه ومات 80 ق ه. أنظر: الأصبهاني. الأغاني: 9/77، ومطاع صفدي وزميله موسوعة الشعر العربي: 1/215، والزركلي. الأعلام: 2/12.
(28 )
(29 ) الأنبياء/102، 103.
(30 ) مريم/85، 86.
(31 ) التحريم/8.
(32 ) آل عمران/192.
( 33) مريم/72.
( 34) تقدم ترجمتها ص #.
( 35) البقرة/ 81، 82.
( 36) الجن/ 23.
( 37) هود/ 108.
(38 ) في: م (والشاهد).
--- (1/153)
صفحة 154
الباب الخامس من الركن الثاني: في القضاء والقدر
ومما يجب الإيمان به قضاء الله وقدره، لأنهما أصلان من أصول الدين، وركنان من الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم لعبادة بن الصامت: «إنك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله (تعالى)»، قال يا رسول الله: وكيف لي أن أعلم خير القدر وشره؟ قال: «تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير ذلك دخلت النار»( 1)، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ولقائه، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله (تعالى)» ( 2).
والفرق بينهما؛ أن القضاء عبارة عن وجود المكونات في اللوح إجمالاً، والقدر عبارة عن وجودهما في المواد تفصيلاً، قال (تعالى): (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم)( 3) وعليه قوله صلى الله عليه وسلم وقد مرت تحت جدار مائل فأسرع المشي، فقيل: يا رسول الله أتفر من قضاء الله؟ فقال: «أفر من قضاء الله إلى قدره»( 4)، هذا في العرف الشرعي، وأما في اللغة فيتصرف كل منهما إلى أوجه، فيرد القضاء بمعنى الخلق، وهو المراد هنا قبل النقل، كقوله (تعالى): (فقضاهن سبع سماوات في يومين)(5 )، ويرد بمعنى الحكم كقوله (تعالى): (إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة)( 6)، ويرد بمعنى الأمر كقوله (تعالى): (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)( 7)، ويرد بمعنى الخبر كقوله (تعالى): (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب)(8 )، وبمعنى الفراغ من الشيء كقوله (تعالى): (فإذا قضيت الصلاة)( 9)، وقوله الشاعر:
وبمعنى الصنع للشيء كقوله (تعالى): (فاقض ما أنت بقاض)( 11) أي اصنع ما أنت صانع، وقول الشاعر:
فتلك ستة معان، وقد جمعتها بقولي: (1/154)
صفحة 155
وأما القدر فيرد على معان أيضاً، منها أنه بمعنى خلق ويمثل هذا بقوله (تعالى): (والذي قدر فهدى)(13 )؛ أي خلق الإنسان فهدى الذكر إلى إتيان الأنثى، وهذا الوجه هو المقصود هنا قبل النقل، فالقضاء والقدر في هذا الموضع مترادفان لغة لا عرفاً كما تقدم ومنها التقدير، كقوله (تعالى): (وأنزلنا من السماء ماء بقدر)(14 ) أي بتقدير، ومنها التصوير؛ كقوله (تعالى): (فقدرنا فنعم القادرون)( 15) أي المصورون، ومنها الوجود؛ كقوله (تعالى): (إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين)( 16) أي وجدناها من الهالكين، وهذا التفسير إنما يصح في سورة الحجر خاصة، لأنه من خطاب الملائكة عليهم السلام، لخليل الرحمن (تعالى)، وأما في سورة النمل فهو بمعنى القضاء، لأنه خطاب الله تعالى، ومنها القضاء كالآية المشار إليها، وكقوله (تعالى): (فالتقى الماء على أمر قد قدر)(17 )، أي قضي، ومنها؛ التضييق كقوله (تعالى): (وأما إذا ما ابتلاه ربه فقدر عليه رزقه)( 18)، أي ضيقه، ومنها المثل؛ كقوله (تعالى): (فسالت أودية بقدرها)( 19) أي بمثلها، فتلك سبعة أوجه وقد جمعتها أيضاً فقلت: (1/155)
صفحة 156
وفي القدر لغتان، فتح الدال وعليه بيت المتن، وسكونها وعليه البيت الأول من هذين البيتين، وثم بفتح الثاء وتشديد الميم، إشارة إلى المكان البعيد، وإنما أتي بها مع كونه مشيراً إلى قريب لتعظيم المقام وتجليله على حد قوله (تعالى): (ذلك الكتاب)( 20) أي معنى القدر الذي هو الخلق يحلو في هذا المقام كما قدمنا، فمعنى قولنا: إن الله قدر المعصية (أي خلقها) وكذلك معنى قولنا: إن الله قضى المعصية والطاعة، أي خلقهما، وقول الناظم: «لم يجز إغراقنا..الخ» الإغراق (بكسر الهمزة) الاستقصاء في الشيء، والإحاطة بجميع صفاته، والنظر هنا الفكر، وفيه إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم يقول (تبارك وتعالى): «القدر سري، ولا ينبغي لأحد أن يطلع على سري»(21 )، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان القدر(22 ) فأمسكوا»(23 )، وإذا الخائض التسمي بالقدري، فيكون من القوم الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة القدرية»(24 ). (1/156)
صفحة 157
وقال صلى الله عليه وسلم: «المرجئة يهود هذه الأمة، والقدرية مجوسها»(25 )، وقال صلى الله عليه وسلم: «لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً قبلي»(26 ) قال في شفاء الحائم: وأول من تكلم في القدر في أيام الصحابة غيلان الدمشقي( 27)، ومعبد الجهني(28 )، ويونس الإسواري(29 )، وبعدهم أبو حذيفة واصل بن عطاء(30)، انتصب لمذهب القدرية، وهو قد تتلمذ للحسن البصري، ومكث في مجالسته عشرين سنة، وهو المقرر لقواعد القول بقدرة العبد وخلقه الفعل، وقال: »إن الباري عادل حكيم لا يجوز أن يضاف إليه شين ولا ظلم، ولا يجوز عليه أن يريد من العباد خلاف ما يأمرهم به، ولا يجوز عليه أن يخلق للعباد شيئاً ثم يجازيهم عليه، والعبد هو الفاعل للخير والشر والطاعة والمعصية، والله سبحانه مجاز له بفعله«(31 )، وقال: »ليس من الحكمة أن يكون الله (سبحانه) يخلق الكفر للكافرين به وهو مبغض للكفر، معاد للكافرين، فيكون في ذلك كمن أعان على شتم نفسه«(32 ).
وقال جميع الأمة قويها وضعيفها وصغيرها وكبيرها: القدر خيره وشره من الله (تعالى)، وهو الخالق للخير والشر، والقاضي والمريد والمقدر، والمكون له في أوقاته التي يكون فيها، وهو مع هذا كله فعل العبد، والعبد فاعله، وهو له مريد مختار قاصد إليه متحرك أو سكان به غير مجبور عليه، ولا مضطر إليه، إلا ما كان من الجهم بن صفوان(33 ) وأصحابه، فقد نقض الإجماع، وقال: القدر خيره وشره من الله، لا(34 )على ما قاله الأولون، بل على جهة الجبر والإكراه، والاضطرار للعباد إلى أعمالهم، ولا قدرة للعبد في شيء من ذلك، ولا قصد ولا اختيار ولا إرادة. (1/157)
صفحة 158
قالوا: وماذا للعبد من الأفعال وهو متصرف في قبضة القهر، ومصرف بمقتضى العلم، والإرادة والمشيئة؟ قالوا: قد وجدنا الله سبحانه يقول: (يضل من يشاء ويهدي من يشاء)(35 )، وقال: (من يضلل الله فلا هادي له)(37 ) فمن شاء الله خلق له(37 ) الخير، ومن شاء خلق له الشر، فهذه مقالتهم( 38) (انتهى).
فتلخص من كلامه أن الأمة في القدر على ثلاث فرق، فرقة تعلقت بالأمر فزلوا، وهم الذين قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وإنما كان ذلك من خلق أنفسهم فقدرتهم صالحة لإيجاد فعلهم، وفرقة تعلقت بالمشيئة فضلوا ولم يجعلوا للمكلف اختياراً في فعله، بل قالوا ذلك على طريق الجبر، فضلال أولئك من حيث نفي القدر، وضلال هؤلاء من حيث الغلو في إثباته، فهما ضالان، وقد تعلق كل منهما بآيات من القرآن، نذكر كل شيء في محله -إن شاء الله تعالى- وفرقة جمعت بين الأمر والمشيئة، وقالوا: أفعال العباد خلق من الله واكتساب من العبد، فهدوا إلى صراط مستقيم، وعن عكرمة عن ابن عباس (رضي الله عنه) سئل عن القدر، فقال: »الناس فيه على ثلاث منازل: من قال إن وفي الأمر المشيئة إلى العباد وإن الأعمال مفوضة إليهم، ولا قدر فقد ضاد الله في أمره، ومن أضاف إلى الله شيئاً مما ينزه عنه فقد افترى عظيماً على الله (تعالى)، ورجل قال: إن رحمت فبضل الله فذلك الذي سلم له دينه ودنياه«(39 ).
هذا بيان الرد على الفرقة الأولى من القدرية، وهم القائلون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وإنما ذلك من خلق أنفسهم، قالوا: إن الله أكرم من أن يخلق خلقاً فيعذبنا عليه، وتعلقوا في جواز أن يكونوا خالقين لأفعالهم، وفي وقوع ذلك بآيات من القرآن، منها قوله (تعالى): (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير)(40). (1/158)
صفحة 159
قلنا: إسناد الخلق إلى عيسى تعالى في الآية مجاز لا حقيقة، لأنه من إسناد الفعل إلى سببه لا إلى موجده، فعيسى (تعالى) سبب لإيجاد تلك الهيئة، لا موجد لها على الحقيقة، وإنما الموجد هو الله (تعالى)، ومنها قوله (تعالى): (وتخلقون إفكاً)(41 ) قلنا: معنى تخلقون تفترون، أي وتفترون كذباً، ومنها قوله (تعالى): (ويجعلون لله ما يكرهون)( 42)، قلنا: معنى الجعل هنا الوصف لا الخلق، أي ويصفون الله بما يكرهون من وجود البنات لهم، والآية رد على المشركين في زعمهم أن الملائكة بنات الله، ومنها قوله (تعالى): (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة)( 43) أي ومن المعلوم أن العرب قد جعلوا البحيرة( 44) والسائبة(45 )، فنفى ربنا أن يكون هذا الجعل من فعله، فصح أنه من فعلهم، قلنا: نفى ربنا تعالى)) جعل التبحير وما بعده ديناً -ـأي لم يشرع للعرب ذلك- وإنما ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، لا لأنهم هم الخالقون لها صفة التبحير، فالنفي( 46) هو شرعية معتقدهم في البحيرة وما بعدها ليس إلا، ومنها قوله (تعالى) في قصة يعقوب (تعالى): (بل سولت لكم أنفسكم أمراً)(47 )، وقوله (تعالى): (فطوعت له نفسه قتل أخيه)( 48)، قلنا: أما تسويل النفس وتطويعها فالمراد به ترغيبها في ذلك الفعل وتزيينه لفاعله، لا إنها هي التي أوجدت فعل ذلك، فسقط تعلقهم بهذه الآيات والحمد لله. (1/159)
صفحة 160
ومما استدلوا به من العقليات أنهم قالوا: »لا تخلو أفعال العباد من أحد ثلاثة أمور: إما أن تنسب إليه (تعالى) وحده، أو تنسب إليه وإلى العبد معاً، أو تنسب إلى العبد فقط«، فبطل الأول لاستلزامه الجبر الآتي بيان بطلانه فيما سيأتي قريباً إن شاء الله، وبطل الثاني لاستلزامه مشاركة الله في أفعاله وهو (تعالى) منزه عن ذلك، فبطلان هذين الوجهين ثبت الثالث، قلنا: لا نسلم استلزام مشاركة الله في أفعاله على ثبوت الوجه الثاني، لأن لفعل العبد جهتين: جهة( 49) إيجاد، وهي الجهة التي يخرج بها فعل العبد من العدم إلى الوجود، وبهذه الجهة تتعلق قدرة الباري (تعالى)، وجهة اكتساب: وهي إضافة الفعل إلى العبد مع اختيار العبد لذلك، وبهذه الجهة تتعلق قدرة العبد، فالله (تعالى) إنما يخلق الفعل للعبد حال اختيار العبد له، وتوجبيه القدرة إليه لاكتسابه، فالعبد مكتسب، والله (تعالى) موجد، وإذا اختلفت الجهتان انتفت المشاركة، فقد سقط بحمد الله ما تعلقوا به، ولنرجع الآن إلى بيان استدلالنا عليهم، واستدلالنا في ذلك من طريقين، أحدهما: طريق النقل، وهو المشارك إليه بقول الناظم: «لكل شيء خالق..الخ البيت»، وثانيهما طريق العقل، وهو المشار إليه بقوله: «لو كان خالق سواه.. إلى آخر الأبيات»، أما قوله: «لكن لنا في فعلنا اكتساب..الخ» فاستدراك لما قد يتوهم من الاستدلال على نفي خلق العبد لفعله، إن الأفعال منسوبة إليه (تعالى) جبراً، فرفع ذلك التوهم حيث أثبت للعبد في فعله اكتساباً يثاب عليه ويعاقب عليه، (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)( 50) (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم)( 51). (1/160)
صفحة 161
ثم أخذ في ثبوت تقرير هذا الاكتساب بقوله: «من ثم قد نيل به..الخ» أي من أجل أن الاكتساب ثابت للخلق في أفعالهم قد نالوا به أعلى الرتب، وتفاوتوا في ذلك كل بحسب اجتهاده، ثم استثنى من جملة ما ينال بالاكتساب النبوات، وصرح بأنها ليس مما يكتسب، لأنها من الأشياء التي يخص بها ربنا من يشاء، فيضعها حيث يشاء، من غير أن يتقدم للعبد اكتساب لأسبابها وتهيؤ لمرتبتها، إذ لا أسباب لها حتى يصح تعاطيها بخلاف غيرها، فأما استدلالنا النقلي فقوله (تعالى): (وأسروا قولكم أو اجهروا به& إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق)(52 ) فدلت الآية أن جميع ما أسره العباد وما أظهروه خلقه، والإسرار والإجهار أفعال العباد، والله (تعالى) يقول: (ألا يعلم من خلق) أي كيف لا يعلم ذلك وهو قد خلقه، وهل يخلق من لا يعلم؟ وقوله (تعالى): (ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله)( 53) وكيف يكون الابتغاء للفضل الذي هو فعل من أفعال العباد من آياته وهو لم يخلقه ولم يدبره، وقوله (تعالى): (هو الذي يسيركم في البر والبحر)(54 ) وهو من فعلهم كما ترى، فأضافه إليه، وقوله (تعالى): (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها)( 55) أي من قبل أن تخلقها، وقوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)(56 )، وقوله تعالى: (خالق كل شيء)(57 )، وأما استدلالنا العقلي فهو أنه لو كان العبد خالقاً لأفعاله للزم عليه تعدد الخالقين، ولكان كل من خلق شيئاً فهو إله ذلك الشيء فيلزم عليه تعدد الآلهة، وتعددها باطل قطعاً، لما ثبت من البراهين العقلية والنقلية على وجوب الوحدانية، ومن تلك البراهين أنه لو تعددت الآلهة للزم عليه فساد هذا العالم الذي بهر الخلق صنعه، لقوله (تعالى): (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)(58 ) ونحن نشاهد أن هذا العالم غير فاسد فصح أن الإله واحد، والله (تعالى) أعلم. (1/161)
صفحة 162
هذا بيان الرد على الفرقة الثانية من القدرية، وهم الجهمية نسبة لهم إلى الجهم بن صفوان(59 )، وهم القائلون بالجبر المتعلقون بالمشيئة فقط، قالوا: إن الله (تعالى) قد جبر العبد على فعل الطاعة والمعصية، وأنه لم يجعل له استطاعة لما شاء أن يفعله من فعل المعاصي والطاعات فهو عندهم كالجماد لا يستطيع تحركاً إلا أن يحرك، وكالخيط المعلق في الهواء تقلبه الرياح كيف شاءت، وإنما كان ذلك منهم مخافة أن يكون خالقاً غير الله، كما كان من المعتزلة مقالهم مخافة أن ينسب إلى الله المعاصي، وفعل المكروه، فكلا الفريقين ضال منافق، وقد تعلق هؤلاء بآيات من القرآن، كما تعلق أولئك منها قوله تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى& وأنه هو أمات وأحيا)(60).
قالوا: فالضحك والبكاء من أفعالنا قد أضافها (تعالى) إلى نفسه، كما أضاف الإماتة والإحياء، فليس لنا فيهما تصرف.
قلنا: أضافهما الله (تعالى) إلى نفسه لكونهما خلقاً له، لا لنا، وإنما لنا من ذلك الاكتساب المناط بالاختيار، فالأفعال خلق منه واكتساب منا، وخلقه للأفعال لا يستلزم الجبرية كما سيأتي بيانه، ومنها قوله (تعالى): (فأنى تؤفكون)(61)، وقوله (تعالى): (فأنى تصرفون)(62 ).
قالوا: فمن يؤفكهم ومن يصرفهم إلا الله، قوله تعالى: (ومن يضلل الله فلا هادي له)( 63)، وقوله: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً)( 64)، والجواب عن هذه الآية كلها هو عين الجواب عن الآية الأولى، ومنها قوله (تعالى): (لو شئنا لآتينا كل نفس هداها)( 65).
قلنا: لا تعلق لكم في هذه الآية، ولا في شيء من نظائرها، لأنها إخبار عن نفوذ قدرته (تعالى) وتأثير إرادته، أي فلو شاء أن يفعل لهم الهداية لفعل لهم ذلك، لأنهم لا يعجزونه، لكنه اقتضت حكمته تخييرهم بين الهداية والضلالة، وقد جعل لهم قدرة صالحة لاكتساب أي واحد شاءوا، فلا جبر. (1/162)
صفحة 163
وإذا عرفت سقوط تعلقهم بهذه الآيات، فارجع إلى الوقوف على الاحتجاج عليهم، وبيان ما يؤدي إليه مذهبهم فاعلم أن الاحتجاج عليهم من الكتاب العزيز كثير، منها ما أوردته المعتزلة استدلالاً لهم على خلق أفعالهم، فإن جميع ما مر في ذلك مناف للجبر الذي زعمه هؤلاء، ومنها آيات الاكتساب، فإنها مصرحة بإضافة الكسب إلى العبد قطعاً، وإذا ثبت لهم الكسب انتفى الجبر، لأنهما متضادان.
وأما ما يؤدي إليه مذهبهم من البطلان فهو ما أشار إليه الناظم بقوله: «لو كان هذا..الخ» أي لو صح مذهب الجبرية(66 ) وثبت القول بالجبر للزم عليه بطلان الأمر والنهي والوعد والوعيد، لأن العبد إذا لم يكن له قدرة على فعل شيء من المأمورات، ولا على ترك شيء م المنهيات كان توجيه الأوامر والنواهي إليه عبثاً ينزه الباري (تعالى) عنه، وإذا بطل توجيه الخطاب إليه بالأمر والنهي بطل توجيه الوعد والوعيد إليه، لأن الوعد مترتب على فعل الأوامر، والوعيد مترتب على فعل المناهي، وإذا بطل هذا كله بطل إرسال الرسل، لأنهم إنما يرسلون لذلك، ومع بطلان ذلك فلا فائدة ولا حكمة في الإرسال، فيؤدي مذهبهم إلى إبطال النبوات كما ترى، نعم ويؤدي إلى إبطال التكليف رأساً، لأن من لا اكتساب له ولا اختيار لا يصح في الحكمة تكليفه، كما لا يصح تكليف النباتات والجمادات، وهذا معنى قوله: «وجاز تكليف الجماد كالنبل» جميع نبيل وهو العاقل.
ثم إنه لما كان للجبرية شبه في خلق الله (تعالى) لأفعالنا، وفي علمه بهن وفي إرادته لهن، أخذ يدفع وجه الشبه في ذلك، ويبين أن هذه الأشياء كلها لا تستلزم الجبر، ولا تنافي الاكتساب فقال: (1/163)
صفحة 164
أي نعتقد أنه (تعالى) خالق لأفعالنا، وأنه (تعالى) عالم بها ومريد لها، ومع ذلك كله فهو قد خيرنا في فعلها وتركها، أي لم يجبرنا على واحد من الأمرين، فمن شاء فيلؤمن، ومن شاء فليكفر، وقد وعد بالثواب على امتثال أوامره وترك مناهيه، وتوعَّد بالعقاب على فعل مناهيه أو ترك أوامره، ولا يلزم من خلقه (تعالى) لأفعالنا ومن علمه بهن، ومن إرادته لهن جبرنا على فعلهن، ونفى اكتسابنا لهن، لأنه (تعالى) لم يثبنا ولم يعذبنا على خلقه لهن، ولا على علمه بهن، ولا على إرادته لهن، وإنما أثابنا وعذبنا إلى اختيارنا وكسبنا لهن، وهو (تعالى) قد جعل لنا اختياراً في ذلك وقدرة صالحة لاكتساب ذلك، فلأجل هذا الاختيار ولأجل هذه القدرة المكتسبة قد انتفى عنا الجبر على أفعالنا، وإنما قلنا إن الله عالم لأفعالنا، لأنه لو لم يكن عالماً بها للزم أن يكون جاهلاً بها، وهو (تعالى) متصف بالكمال الذاتي، والجهل من صفات النقص يستحيل اتصافه به (تعالى)، وهذا معنى قول الناظم: «لو لم يكن يعلم ذا لجهله»، وأما معنى قوله: «لو لم يكن خالقه من فعله» أو لو لم يكن (تعالى) خالقاً لأفعالنا فمن الخالق لها إذاً؟ هل من خالق غير الله؟ وقد تقرر فيما تقدم بطلان القول بأن العبد خالق لفعله، وإذا بطل أن يكون العبد خالقاً لفعله فبطلان أن يكون غيره من المخلوقات خالقاً لفعله أظهر، وإذا بطل هذان النوعان ثبت أن الخالق لذلك هو الإله.
وأما قوله: «لو لم يرد وقوعه..الخ» أي لو لم يرد (تعالى) وقوع فعلنا، ووقع على خلاف مراده للزم عليه أن يكون مكرهاً على وقوع ذلك الفعل مغلوباً في حدوثه، والإكراه ينافي الاختيار والإرادة، ومن كانت هذه حالته فليس بإله، على أنه تقرر أن الإله متصف بالكمال الذاتي والإكراه يضاد ذلك وينافيه، والله (تعالى) أعلم.
--------------------------------------- (1/164)
صفحة 165
(1 ) رواه الربيع: ب12، ج1، ص25، وأبو داود: ك السنة، ب القدر، ح4700، ج4، ص76، عن عبادة بن الصامت، وابن ماجه: ك المقدمة ح77، ج1، ص29، عن أبي بن كعب وزيد بن ثابت.
( 2) رواه مسلم: ك الإيمان، ب7، ح8 و9، من حديث طويل؛ وليس فيه: »...ولقائه.. وأنه من الله تعالى« والترمذي: ك الإيمان، ب4، ح2610، عن ابن عمر وأبي هريرة وقال الترمذي: والصحيح عن عن ابن عمر عن عمر عن النبي..، وأبو داود: ك السنة، ب16، ح4695، ج5، ص69.
( 3) الحجر/21.
(4 ) رواه البخاري ك المرضي، ب30، ج7، ص21، ومسلم: ك الإسلام، ب98، ح2219، ج2، ص1740، عن ابن عباس.
(5 ) فصلت/41.
(6 ) يونس/10.
(7 ) الإسراء/21.
(8 ) الإسراء/4.
(9 ) الجمعة/62.
(10 )
( 11) طه/72.
( 12) من شعر أبي ذؤيب، و(مسرودتان) بدلاً مسرورتان. أنظر: لسان العرب لابن منظور، مادة (قضي).
( 13) الأعلى/3.
(14 ) المؤمنون/18.
(15 ) المرسلات/23.
( 16) الحجر/60.
(17 ) القمر/12.
(18 ) الفجر/16.
(19 ) الرعد/17.
( 20) البقرة/2.
(21 ) أخرجه ابن عدي في الكامل: 7/191، تر2096، عن عائشة (أم المؤمنين) مع خلاف في الفقرة الثانية: »..من تكلم به ليسأل عنه يوم القيامة ومن لم يتكلم به لم يسأل عنه«، وأورده الزبيدي في إتحاف السادة المتقين: 7/207 و9/668، وصاحب كنز العمال في الكنز: ح485، وعزاه لأبي يعلى عن أبي هريرة.
( 22) في: ب (ساقطة).
(23 ) أخرجه الطبراني: 10/198، ح10448، في المعجم الكبير، وأبو نعيم في الحلية: 4/108، (تر شفيق بن سلمة، أبي وائل) وأورده ابن عبدالبر في التمهيد: 6/66، عن ابن مسعود، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد: 7/202، وابن حجر في لسان الميزان: 6/93، (تر يحيى بن سابق المديني) عن ابن عمر.
( 24) أخرجه أبو داود: ك السنة ب القدر، ح4691، و4692، ج5، ص66-67، عن ابن عمر وحذيفة مع خلاف يسير، وأحمد في المسند: 2/86، عن ابن عمر مع خلاف يسير. (1/165)
صفحة 166
( 25) أخرجه أبو داود: ك السنة ب القدر، ح4691، ج5، ص66، من غير ذكر المرجئة، عن ابن عمر، والطبراني في الأوسط ج4، ص64، ح4205، عن أنس بن عياض بن حميد، والإمام الربيع: ج3، ص10، ح798 من غير إسناد، ومن غير ذكر المرجئة.
(26 ) رواه الإمام الربيع: 3/304-305، ح806، معلقاً، وأورده الهيثمي في المجمع: 7/205-206، عن ابن عمر، ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع زيادة في، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط، وقال: فيه محمد بن الفضل بن عطية وهو متروك، وقال: رواه أبو يعلى في الكبير باختصار من رواية بقية بن الوليد عن حبيب بن عمرو، وبقية مدلس، وحبيب مجهول، وأورده المتقي الهندي في الكنز: 1/119، ح563، وعزاه إلى الدارقطني في العلل عن علي.
(27 ) غيلان بن مسلم الدمشقي، أبو مروان كاتب من البلغاء، تنسب إليه الغيلانية من القدرية، أفتى الأوزاعي بقتلقه في عهد هشام بن عبدالملك، فصلب على باب كيسان بدمشق بعد عام 150ه. أنظر: ابن حجر، لسان الميزان: 4/424، والزركلي. الأعلام: 5/124.
(28 ) سعيد بن عبدالله الجهني البصري، تابعي، أول من قال بالقدر في البصرة، سمع الحديث من ابن عباس وعمران بن الحصين وغيرهما، وعنه سمع الحسن وقتادة ومالك بن دينار، وتتلمذ عليه غيلان، خرج مع ابن الأشعث على فقتله الحجاج صبراً، وقيل: عبدالملك، وثقه ابن معين، توفي سنة 80ه. أنظر: الذهبي. ميزان الاعتدال: 4/141، (تر8646) وابن حجر. تهذيب التهذيب (ط 1404ه - دار الفكر): 10/203 (تر416)، والزركلي. الأعلام: 7/264.
(29 ) يونس الإسواري، لم أجد ترجمته. (1/166)
صفحة 167
(30 ) واصل بن عطاء، الغزال أبو حذيفة، رأس المعتزلة من أئمة البلغاء والمتكلمين، سمع من الحسن البصري وغيره، وهو أول من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين، ولد عام 80ه، وتوفي 131ه، له من التصانيف: أصناف المرجئة، والتوبة، ومعاني القرآن. أنظر: ابن حجر في لسان الميزان، تح: الأعلمي (ط3، 1406ه، بيروت): 6/214، والزركلي. الأعلام: 8/108.
( 31) ينظر: الشهرستاني؛ محمد بن عبدالكريم، الملل والنحل، تح: الوكيل؛ محمد عبدالعزيز (د ت ط، دار الفكر): 47.
( 32) المرجع السابق.
( 33) الجهم بن صعفوان السمرقندي؛ أبو محرز من موالي بني راسب، رأس الجهمية، يقول الذهبي: وما علمته روى شيئاً ولكنه زرع شراً عظيماً؛ الضال المبتدع، هلك في زمن صغار التابعين، وتوفي عام 128ه. أنظر: الذهبي، تح: البجاوي. ميزان الاعتدال (ط المعرفة): 1/426، تر: 1584وابن حجر. لسان الميزان: 2/179، والأعلام. للزركلي: 2/141.
( 34) زيادة (ما) بين (لا) و(على) في: م.
(35 ) فاطر/8.
(36 ) الأعراف/186.
( 37) (له) ساقطة من: ب.
(38 ) انتهى المنقول من شفاء الحائم. ولم أطلع على هذا الكتاب، فهو غير مطبوع، وربما كان مخطوطاً في أحد المكتبات الأهلية.
( 39) لم أجد هذا الأثر حسب بحثي.
(40 ) المائدة/110.
( 41) العنكبوت/17.
(42 ) النحل/62.
( 43) المائدة/103.
(44 ) البحيرة: كانوا إذا نتجت الناقة أو الشاءة عشرة بطون بحروها وتركوها ترعى وحرموا لحمها إذا ماتت على نسائهم، وأكلها الرجال. أنظر: الفيرزآبادي؛ محمد بن يعقوب. القاموس المحيط (مصورة عن الطبعة الثالثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب) مادة: (بحر).
(45 ) السائبة: المهملة، والعبد يعتق على أن لا ولاء له، والبعير يدرك نتاج نتاجه، فيسيّب أي يترك، والناقة كانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه. أنظر: الفيروزآبادي؛ محمد بن يعقوب. القاموس المحيط، مادة: (سيب).
(45 ) (المنفي) في: م.
(47 ) يوسف/18.
( 48) المائدة/30. (1/167)
صفحة 168
(49 ) ساقطة في: ب.
( 50) البقرة/286.
(51 ) البقرة/134-141.
(52 ) الملك/13.
( 53) الروم/23.
( 54) يونس/22.
(55 ) الحديد/57.
(56 ) القمر/29.
( 57) الروم/62، وغافر/62.
( 58)
(59 ) تقدمت ترجمته ص #.
( 60) النجم/43-44.
(61 ) الأنعام/95، ويونس/34، وفاطر/3، وغافر/62.
( 62) يونس/32.
( 63) الأعراف/186.
(64 ) الكهف/17.
(65 ) السجدة/13.
( 66) الجبرية: الغلاة في نفي استطاعة العبد قبل الفعل وبعده ومعه، ونفي الاختيار له، ونفي الكسب، وهي ثلاث فرق. المخطط. للمقريزي: 2/349
--- (1/168)
صفحة 169
الباب السادس: في الإيمان والإسلام
وبه يتم الكلام على الركن الثاني -إن شاء الله تعالى-
اختلف الناس في الإيمان والإسلام، هل هما شيء واحد أو لا؟ وعلى القول الثاني هل هما متخالفان أو مترادفان أو متلازمان؟ وقد أطالوا الكلام فيهما، فلنقتصر من ذلك على ما تحصل به الفائدة فنقول:
الحق فيهما أن لهما استعمالين: أحدهما لغويح وهو المشار إليه بقول الناظم: «إيماننا التصديق..الخ» أي: إيماننا معشر العرب هو التصديق، والإسلام في لغتنا هو الإذعان وترك التمرد، فهما في هذا الاستعمال متخالفان لا مترادفان، ولا متلازمان، والاستعمال الثاني: هو ما عليه العرف الشرعي، وذلك أن الشرع قد نقل كل واحد من الإيمان والإسلام على معناه اللغوي، فاستعملهما معاً في الوفاء بالواجبات -كانت الواجبات اعتقادية أو قولية أو عملية- فهما في هذا الاستعمال مترادفان، وإليه أشار الناظم بقوله: «ولهما في الشرع معنى..الخ» أي للإيمان والإسلام في العرف الشرعي معنى واحد ملتزم التصديق بالجنان إذا لزم، والقول باللسان إذا لزم، والعمل بالأركان إذا لزم. (1/169)
صفحة 170
فمن كان صبياً مثلاً أو ناقص العقل لا يسمى كافراً بتركه التصديق في حاله ذلك لعدم لزومه عليه، ومن كان عاقلاً فصدق النبي (عليه الصلاة والسلام) فيما جاء به ولم يطالب بالنطق بذلك باللسان ولم ينزل عليه التكليف بالعمل فهو مؤمن لعدم لزوم القول والعمل عليه، فهو موف بما لزمه، ومن تلفظ بالشهادتين عند وجوب ذلك عليه، وبعد تصديقه بالجنان ولم يلزمه شيء من العمليات بعد فهو مؤمن لوفائه بما وجب عليه، ومن لزمه شيء من الأعمال فأداه كما شُرِع عليه بعد التصديق والتلفظ الواجبين عليه فهو مؤمن لوفائه بجميع ما وجب عليه، ومن ضيع واحدة من هذه الثلاث بعد وجوبها عليه فهو خارج عن الإيمان هالك في النيران، وهذا معنى قوله: «ومن يكن مضيعاً..الخ» فلا منزلة عندنا بين الإيمان والكفر أي فمن لم يكن بمؤمن فهو كافر، والمراد بالكفر ما يشمل كفر النعمة وكفر الشرك، ومن كان كافراً بالله أو بنعمته فقد استحق ما يستحقه المعاند من الهلاك، هذا مذهبنا وهو الحق، خلافاً لمن قال: »إن الإيمان قول وتصديق دون عمل«(1 )، ولمن قال: »إن الإيمان التلفظ بالشهادتين وإن لم يطابقه اعتقاد«( 2)، ولمن قال: »إن الإيمان التصديق فقط«(3 ). (1/170)
صفحة 171
والدليل على أن الإيمان والإسلام في العرف الشرعي مترادفان قوله (تعالى): (يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه الله توكلوا إن كنتم مسلمين)( 4) وقوله (تعالى): (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين)( 5)، ولم يكن بالاتفاق هنالك إلا بيت واحد، وقوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس»(6 ) وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان مرة أخرى، فأجاب بهذه الخمس( 7)، وما ورد من الآيات والأحاديث ما ظاهره مخالف لهذه الأدلة فهو محمول على المعنى اللغوي جمعاً بين الأدلة، فإن الشارع تارة يعبِّر باللفظ عن معناه اللغوي وتارة عن معناه الشرعي، كل ذلك بحسب مقتضى الحال، فلا تنافي في الكتاب العزيز ولا في السنة، والله (تعالى) أعلم.
اختلف الناس في الإيمان الشرعي، فذهب بعض قومنا إلى أن الإيمان الشرعي يزيد وينقص وعليه جمهور الأشاعرة، وذهب بعضهم إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وعليه أبو حنيفة(8 ) وإمام الحرمين(9 ) وبعض الأشاعرة، وذهب أصحابنا إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وبيان ذلك أن الإيمان عندنا هو الوفاء بجميع الواجبات، فمن وجب عليه فرض لا يكون مؤمناً حتى يؤديه على وجهه، ثم يزيد الإيمان بزيادة التكاليف، ولا يصح نقصه، لأن نقصه إخلال ببعض الواجبات، وقد تقدم أن التارك لبعض الواجبات عليه خارج عن الإيمان، فالترك لبعضه ترك لجميعه، أي لا ينتفع ببعض إيمانه في الآخرة. (1/171)
صفحة 172
والمراد بعدم انتفاعه بذلك في الآخرة هو أن بعض الإيمان لا ينجيه من عذاب الله، لا أنه لا يخفف عنه العذاب لأجل ذلك، فإن العذاب متفاوت في أهل المعاصي، كل على قدر جنايته جزاء وفاقاً، وهذا معنى قول الناظم: «إن هدم البعض..الخ» لا يقال إن المراد بنقصان الإيمان هو ارتفاع بعض الواجبات عن المكلف لعذر، كارتفاع وجوب الصلاة عن الحائض، لأنا نقول: إن الإيمان في حق من رفع عنه بعض الفرائض وهو وفاءه بما بقى عليه من الواجبات، فإيمانه إن وفى بما عليه كامل لا ناقص، لكن لو أن القائل بنقصان الإيمان أراد نقصانه بهذا الاعتبار لكان الخلاف بيننا وبينهم لفظياً، صورته أنهم يسمون من ارتفع عنه وجوب بعض ما كان عليه ناقص الإيمان، ونحن نمنع من تسميته بذلك، والمراد واحد لكنهم لم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا بنقصانه لإخلال ببعض الواجبات، وعلى هذا فالخلاف معنوي مبني على الخلاف في حقيقة الإيمان، فتفطن له، والله (تعالى) أعلم.
-----------------------------------
(1 ) قال به أكثر الحنابلة. ينظر: القاضي علي بن علي الدمشقي، شرح العقيدة الطحاوية، تح: د. عبدالله التركي، والأرنؤوط شعيب، (ط2، 1413ه-1993م، مؤسسة الرسالة): 459.
( 2) وهم الكرامية. المرجع السابق:460.
( 3) وهم الجهم بن صفوان وأبو الحسين الصالحي. المرجع السابق: 460.
(4 ) يونس/84.
(5 ) الذاريات/35.
(6 ) أخرجه البخاري: ك الإيمان، ج1، ص7، 8، ح5، ص157، ومسلم: ك الإيمان ب5، ج19، و20، ج1، ص45، كلاهما عن ابن عمر.
( 7) أنظر: البخاري ك المغازي ب69، عن ابن عباس (حديث وفد عبد قيس)، وفيه: »الإيمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنم«.
(8 ) تقدمت ترجمته ص #. (1/172)
صفحة 173
( 9) الجويني؛ عبدالملك بن عبدالله أبو المعالي، أعلم المتأخرين من الشافعية، ولد في جوين ناحية نيسابور، رحل إلى بغداد، فمكة أربع سنوات، ثم إلى المدينة وفيها أفتى ودرّس، ثم عاد إلى نيسابور فبنى له الوزير نظام الملك المدرسة النظامية، له مصنفات كثيرة، منها: الورقات في أصول الفقه، والإرشاد في أصول الدين وغيرهما. أنظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان: 3/167، والأعلام. للزركلي: 4/160.
--- (1/173)
صفحة 174
الركن الثالث: في الولاية والبراءة وما يشتمل عليها، وما يتولدان منه ، وفيه ستة أبواب أيضاً
أخر هذا الركن عن الذي قبله لما تقدم هنالك( 1)، وقدمه على ركن التوبة من حيث أن وجوب التوبة بعد وجود ما تنتقض به الولاية وتجب به البراءة، فإن قيل أليست التوبة شرطاً للولاية، توجد بوجودها، وتنعدم بانعدامها؟ فالجواب: إنما ذلك خاص عند وجود الذنب الموجب للبراءة، ولا يجوز إطلاقه على العموم، ألا ترى أن من رأينا منه حق الموافقة وصدق الموافقة، وجبت علينا ولايته، ولا يلزمنا أن نستبينه إلا بعد أن يحدث حدثاً يخرج به عن تلك الموافقة، وكذلك في ولد الولي تجب علينا ولايته بولاية أبيه حتى يبلغ، ويصح منه ما تنتقض به الولاية، فإن قيل: أما قيل بالوقوف عنه بعد بلوغه حتى تصح منه الموافقة؟ فالجواب: أن القائل بهذا لم يلزمنا استتابة هذا البالغ، وإنما كان معه وجود ولايته بسبب ولاية أبيه، فلما بلغ وصار متعبداً بنفسه انقطعت تلك الولاية معه بانقطاع سببها، وصار عنده في حد الوقوف بالدين بمنزلة مجهول الحال.
الباب الأول: في وجوب الولاية والبراءة، وأقسام كل منهما
الولاية: هي المحبة بالقلب والثناء باللسان والنصر والإعانة بالجوارح عند القدرة على ذلك، وعند ارتفاع الموانع.
والبراءة: هي البغض بالقلب والشتم باللسان والردع بالجوارح. (1/174)
صفحة 175
وهما فرضان بالإجماع، لكن وجوب الثابت في الولاية إنما هو نفس المحبة على الدين، والوجوب الثابت في البراءة إنما هو البغض بالقلب على فعل الكبائر من الذنوب، وما عدا هذين من الثناء باللسان والشتم به، ومن الإعانة بالجوارح والردع بها، فيلزم تارة ويرتفع أخرى، كل ذلك بحسب المقامات والتكليف بالفرائض، وباعتبار الأحوال الداعية لذلك، فيلزم الثناء على الولي في موضع يكون في ترك الثناء عليه ضرراً به أو بوليه، ويلزم الإعانة والنصر في موضع القدرة منه، واحتياج الولي إلى ذلك، ويلزم شتم العدو في موضع يكون فيه ترك الشتم له مقوياً لبدعة أو مفسداً لشيء من الدين، أو مضراً بالنفس أو الولي، ويلزم الردع بالجوارح في موضع يكون فيه المنكر قادراً على الإنكار، والعدو مقيماً على فعل المنكر، لا ينفك عنه إلا بزجر رادع أو بسيف قاطع، ولما كان كل واحد من الولاية والبراءة على أقسام شرع في بيان أقسام كل منهما فقال:
ينقسم كل واحد من الولاية والبراءة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول
ولاية الحقيقة، وبراءة الحقيقة
ولا يتأدى كل منهما إلا من أحد طريقتين:
الطريق الأول: هو أن يرد كتاب من كتب الله بسعادة امرئ أو شقاوته، وهو أنواع:
النوع الأول: أن يصرح الكتاب باسم السعيد واسم الشقي، مثال ذلك في جانب الولاية التصريح بأسماء الأنبياء كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، ومثاله في جانب البراءة كإبليس وفرعون وهامان وقارون.
النوع الثاني: من كني عنهم دون تصريح بأسمائهم، فمثال ذلك في جانب الولاية أم موسى، ومثاله في جانب البراءة أبو لهب. (1/175)
صفحة 176
النوع الثالث: ما جيء به منكراً لم يصرح فيه باسمه ولا بكنيته، مثال ذلك من جانب الولاية مؤمن من آل فرعون، وكالذي في قوله (تعالى): (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين)( 2) الآية، ومثاله في جانب البراءة قوله (تعالى): (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون)(3 ) وقوله (تعالى): (فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر)( 4).
الطريق الثاني: من طريقي الحقيقة في الولاية والبراءة:
هو أن يقول رسول من رسل الله أن فلاناً من أهل الجنة، أو من أهل النار، لا إذا قال إن فلاناً رجل صالح، ولا إنه فاسق، ولا إذا دعا عليه فإنه لا يكون بهذا القول متولى أو متبرى بالحقيقة، لأنه صلى الله عليه وسلم يتولى ويتبرى بحكم الظاهر وبالحقيقة، وما كان محتملاً للظاهر وللحقيقة فلا يقطع به من الحقيقة، أما قوله: إن فلاناً بحسب الظاهر إن فلاناً من أهل الجنة لمن علمنا منه خبراً، وإن فلاناً من أهل النار لمن علمنا منه ضد ذلك، فإن هذا القول منا مجاز عبرنا به عن فعل ما يؤدي إلى ذلك، والقرينة أحوالنا أو هي العلم بأنا لم نطلع على الغيوب والعلم بأنا لم نرد حقيقة هذا القول، وهو صلى الله عليه وسلم ممن اطلع على كثير من المغيبات، فإذا صدر منه مثل هذا الكلام قطع بأن المراد منه حقيقته إلا بدليل يصرفه عنها، ولأنه صلى الله عليه وسلم لو لم يرد بهذا الكلام حقيقته مع إمكانها وعدم قرينة المجاز لكان هذا الكلام كذباً بحسب الظاهر، والكذب في حقه صلى الله عليه وسلم مستحيل سلّمنا أنه ليس بكذاب، لكنه تلبيس على السامع بحيث يفهم الكل منه خلال مراده، والتلبيس في حق الأنبياء (عليهم السلام) مستحيل أيضاً. (1/176)
صفحة 177
وأنواع هذا الطريق هي أنواع: الطريق الأول؛ حكم ما صرَّح باسمه في هذين الطريقين أن يعتقد فيه باسمه ما اقتضاه النص فيه، وكذا حكم من صرح بكنيته، فإنا نعتقد في صاحب تلك الكنية ما اقتضاه النص فيه، وحكم ما جاء من ذلك مبهماً منكراً أن نعتقد فيه مقتضى النص بحسب تلك الصفة التي نعت بها، ولا نصرح باسمه ولا بكنيته في الاعتقاد حتى ينقل لنا التواتر أن هذا المذكور في هذا النص هو فلان باسمه أو بكنيته، أو تجتمع الأمة على ذلك، فإذاً يلزمنا القطع به وقصده بذلك الحكم بعينه.
واعلم أن هذا الطريق لا يتأدى مقتضاه، ولا يصح الحكم به إلا من أحد أمرين:
أحدهما: المشاهدة للرسول الناطق بهذا الكلام، وشرطوا فيه أن ينظر شفتيه عند النطق به، كل ذلك دفعاً للاحتمال، فإنه متى ما لم ينظره كذلك احتمل أن يكون الناطق بذلك غير الرسول، والحقيقة حكم قطعي لا ينبغي على الاحتمال عندهم.
وثانيهما: الشهرة القاضية بصدور ذلك الحديث من ذلك الرسول، وكأنهم أرادوا بهذه الشهرة التواتر، فإنه هو الذي يقطع بصدقه، ويحتمل أنهم أرادوا ما يعم التواتر والمستفيض المتلقى بالقبول، فإن المتلقي بالقبول بين الأمة مقطوع بصدقه، فلا معنى لما قاله الشيخ ناصر بن أبي نبهان(5 ) من أن الشهرة لا توجب ولاية الحقيقة، وقد انفرد بهذا القول من بين سائر الأصحاب.
هذا وأما شهادة العدلين فإنهما لا توجب الحقيقة في الولاية والبراءة، لأنه لا يصح القطع بصدق مقالهما، نعم يصير(6 ) من شهدوا فيه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه كذا مما يوجب الحقيقة يصير متولي بالظاهر أو متبري منه بالظاهر حتى يعلم منه حدث يخالف ما شهدا( 7) به فيحكم عليه وله بمقتضى حدثه.
القسم الثاني
الولاية بحكم الظاهر والبراءة بحكم الظاهر
ولهما طرق وصفات نذكرها في الباب الآتي إن شاء الله:
القسم الثالث
ولاية الجملة وبراءة الجملة (1/177)
صفحة 178
وصفتهما أن يعتقد المكلف أنه يتولى المؤمنين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، وأنه يبرأ من الفاسقين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، وهذا القسم هو الذي عبر عنه الناظم بعقيدة الإنسان، وسبب تعبيره عنه بذلك هو أن هذا القسم يجب على كل مكلف أن يعتقده مع توحيده، فلا يعذر أحد بعد قيام الحجة به(8 ) إلا إذا اعتقده كذلك، أما ولاية الحقيقة وبراءتها وولاية الحكم بالظاهر وبراءته فلا يلزمان كل أحد، وإنما يلزمان من بلغه علم الحقيقة بأحد الطرق المتقدم ذكرها، والتكليف بحكم الظاهر من أحد الطرق الآتي بيانها، فالأقسام ستة حاصلة من ضرب اثنين في ثلاثة، وهي ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، وولاية الظاهر وبراءة الظاهر، وولاية الجملة وبراءة الجملة.
-----------------------------------
(1)
(2) يس/20.
( 3) النمل/48.
(4) القمر/29.
(5)
(6) (يصر) في: ب.
(7) (شهدوا) في: م.
(8) ساقطة من: ب.
--- (1/178)
صفحة 179
الباب الثاني: في وجوب الولاية والبراءة بحكم الظاهر
لكل من الولاية والبراءة موجبات، فأما موجبات الولاية فهي الموافقة في القول والعمل، وأما موجبات البراءة فهي المخالفة في القول والعمل أو في أحدهما، ولكل واحد من هذه الموجبات طرق تتأدى منها، فأما موجبات البراءة فتتأدى من أحد أربعة طرق.
الطريق الأول (العيان): أي المعاينة للمعصية من المعاصي بمعنى المشاهدة لها، وعبر بعضهم عن هذا الطريق بالخبرة، وكلتا العبارتين سائغة، غير أن العبارة الأخيرة محتملة للعموم، فيدخل تحتها كل طريق من هذه الطرق لصدق الخبرة عليه، والعبارة الأولى أخص، فالتعبير بها في هذا المقام أولى.
الطريق الثاني (الإقرار): وهو أن يقر العاصي بمعصيته إقراراً موجباً للبراءة منه، لا لكونه مستعظماً ذنبه؛ نادماً على تفريطه، سائلاً عما يلزمه في فعله، فإن هذا ليس في ذلك القبيل.
الطريق الثالث (شهادة العدلين): كنا عالمين أو ضعيفين، وسيأتي ما على كلا الفريقين عند قول الناظم «لكن على العدول..الخ». (1/179)
صفحة 180
الطريق الرابع (الشهرة القاضية المحقة): لا كشهرة الشيع بالبراءة من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فإنها وإن كانت قاضية عندهم فليست محقة، بل بطلانها بحمد الله ظاهر، والدافع لها من فضل الله شاهر، والشهرة المحقة هي الخارج أصلها عن حق، وكان من جواب الإمام أبي سعيد (رضي الله عنه) وقد سئل عنها فقيل له: وما معنى الشهرة التي تجب بها الولاية والبراءة؟ بأن قال: »معي إنها تكون على معان كثيرة في وجوه كثيرة، ومبلغ ثوبها ووجوبها وورود علمها على الممتحن فيها من المبتلي بها من تظاهر صحة الأخبار على غير تناكر من أهلها الذين تقوم بهم الحجة فيها، ولو كثر التناكر والاختلاف من غير أهلها على سبيل الدعاوى وإنكار اليقين فيها، فإذاً ثبت العلم بغير ارتياب ممن علمها فيها وفي وجوبها، وعلمها عندي«(1 ) (انتهى).
وأما موجبات الولاية فتتأدى من أحد ثلاث طرق مجتمع عليها، وطريق رابع مختلف فيه، وسيأتي بعد -إن شاء الله-، فأما الطريق المجتمع عليه فهي العيان بالتفسير المتقدم، وشهادة العدلين فما فوق، والشهرة المحقة، وهذا هو معنى قوله: «واستثن الإقرار..الخ» أي استثن من الطرق التي تتأدى بها موجبات البراءة في موجبات الولاية -الإقرار- فإنه لا يوجبها ما لم يكن ثمة موجب آخر، وقوله: «بواحد» متعلق بقوله: «تجب»، وقوله: «من أربع» وجملة «تعتقب» نعت «الأربع»، وتعتقب بالبناء للمفعول، أي يؤتى بها في عقب هذا الكلام، و«عيان»: بدل تفضيل من »أربع« وما بعده عطف عليه. (1/180)
صفحة 181
هذا هو الطريق الرابع من الطرق التي تتأدى بها موجبات الولاية، وهو الطريق المختلف فيه، وهو رفيعة العالم الواحد بما يوجب الولاية لمعين، فذهب بعض إلى أنه حجة له وعليه، وحملوه على معنى الشهادة في حقوق الله، كصوم رمضان، وكطهارة الثياب من النجاسات، فإن العدل في كل ذلك حجة، وذهب قوم إلى أن رفيعة العالم العدل غير موجبة للولاية حتى يكونا عدلين، فالوجوب حينئذ متحتم بالشهادة في الحقوق، وذهب قوم إلى التفصيل على أنه إن سأل هذا العدل عن ولاية معين وجبت ولايته على السائل، وإن لم يسأل عنها كأن ينطق بها ابتداء فلا وجوب قياساً على المعدل إذا سأل عن عدالة معين وجب قبول قوله في التعديل، وإن لم يسأل فلا وجوب، وهذا معنى قول الناظم: «وإن تكن عنيته فالزم» فالعناية هنا القصد عبر بها عن السؤال لملازمتها له، وذهب آخرون إلى التخيير في رفيعة العالم العدل للولاية، أي أن شاء المرفوع له قبلها، فتولى وإن شاء تركها، من غير تكذيب للرافع، وهو معنى «وقيل لا لزوم..الخ» فيدخل تحت هذا التأصيل رفيعة الأعمى للولاية، فقد قيل فيها أيضاً باختلاف، ورفيعة المرأة والعبد، ففي رفيعة كل واحد من هؤلاء للولاية اختلاف صرح به الأثر الصحيح بشرط أن يكون كل واحد من الرافعين عالماً بالولاية والبراءة. (1/181)
صفحة 182
الاستدراك من قوله: «أو شهادة عدلين» في الأبيات المتقدمة، أي ينقسم الرافعون للولاية والبراءة إلى قسمين ضعفاء وعلماء، فأما الضعفاء فعليهم تفصيل ما رفعوا من الولاية والبراءة، فإذا قالوا: إن فلاناً ولي، أو عدو مستوجب البراءة، فإنه لا يجوز لك أن تتولى أو تتبرى بقولهم هذا حتى يفصلوا، أي: يبينوا الأعمال التي استوجب بها هذا المعين الولاية أو البراءة، فتنظر أنت فيها إن كانت موجبة لها، وعلة ذلك المنع أن الضعيف لا يعرف الأمور التي توجب الولاية ولا الأمور التي توجب البراءة، وقيل: يقبل قولهم من غير تفصيل، والعلة فيه ثقتهم وعدالتهم، على أنهم لا يقولون بشيء غير معلوم عندهم، حكاه الشيخ ناصر بن أبي نبهان(2 )، وأما العلماء وهم العالمون بأصول الولاية والبراءة وأحكامها فليس عليهم تفصيل، أي: تبيين فيما رفعا من ولاية أو براءة، بل يجب قبول قولهم ولو مجملاً، اللهم إلا أن يكون هؤلاء العلماء رفعوا البراءة من رجل عند وليه على غير وجه الشهادة عليه بها فإنهم يكونون بذلك مبطلين عنه، مخلوعين بتلك الرفيعة حتى يتوبوا أو يأتوا بشاهدي عدل على تصديق ما قالوه، أو أربعة شهود في الزنا. (1/182)
صفحة 183
ويستثنى من هذا المقام ما إذا كان المتولى مشاهداً لحدث وليه فلم يعرف الحكم فيه، فقال العالم إن هذا الحدث مكفر، وأن صاحب هذا الحدث كافر، وإن فلاناً كفار بحدثه كذا وكذا، فكل هذا من العالم فتوى تقوى به الحجة على المتولِّي (بكسر اللام) في(3 ) ترك ولاية المتولَّى (بفتحها) أو يتوب من حدثه ذلك، فإن برئ العالم من ولي هذا المتولِّى بالحدث الذي شاهده منه من غير تبين يبرأ من العالم بسبب براءته من وليه بحدثه الذي علمه منه، فإن قيل ما الفرق بين الحالتين؟ فقد ألزمتموه(4 ) بوجوب البراءة من وليه في الحالة الأولى، ولم تجوزوها له في الحالة الثانية، فالجواب: أن العالم في الحالة الأولى مفتي والحجة قائمة من فتواه، وفي الحالة الثانية حاكم، ولا يجوز لأحد أن يحكم بحكم الحاكم حتى يعلم الحكم في ذلك الشيء، كعلم الحاكم فيه، والله أعلم.
-----------------------------------
( 1) ينظر: أبو سعيد الكدمي. كتاب الاستقامة: 2/231.
(2 ) تقدمت ترجمته ص #.
( 3) في: م (على).
(4 ) في: م (لزمتموه).
--- (1/183)
صفحة 184
فصل: في أحوال الولي بالظاهر
الأولياء بحكم الظاهر على صنفين: فصنف تجب لهم ولاية على العموم من أهل الدار، وصنف لا تجب لهم ولاية على العموم وإنما تجب على الخصوص ممن عرف منهم الموافقة، وسيأتي بيان الحكم فيهم.
فأما أهل الصنف الأول فلا يجوز لأحد البراءة منهم جهراً، وإن أتوا ما يستوجبون به البراءة في حكم الظاهر إذا لم يشتهر منهم ذلك، وإنما على من علم منهم ذلك الحدث، أن يبرأ منهم سراً، ولا يجوز له أن يظهر البراءة منهم مع أحد من الناس إلا مع من علم كعلمه فيهم، وهذا معنى قول الناظم: «سريرة براءته إن جبت عليك» وأشار بقوله: «والذي نطق بها..الخ» إلى حكم من أظهر البراءة من أهل هذا الصنف عند من لم يعلم كعلمه فيهم، فحكم ذلك: أنه مستحق للبراءة منه ممن سمع منه ذلك القول؛ إنه(1 ) في حكم الظاهر قاذف لوليه، والقاذف للولي مستحق للبراءة، وإن كان هو في السريرة صادقاً، لأنه لا يحل له أن يخالف الحكم الظاهر، وليس له أن يأتي بفعل يبيح به من نفسه البراءة لأحد من الناس، ومن أتى بفعل يبيح به من نفسه البراءة فهو هالك في الآخرة ما لم يتب من ذلك الفعل، وسبب هلاكه أنه قد خالف ما أمر الله به من وجوب تجنب المضلات في الظاهر، ومن خالف ما أوجب الله عليه فهو هالك، ومعنى «حر» (بتخفيف الياء للوزن) حقيق أي: وهو حقيق بتلك الحسنة التي أنزل نفسه فيها. (1/184)
صفحة 185
هذا هو الصنف الثاني من صنفي الأولياء بحكم الظاهر، وهم الذين لم تجب لهم ولاية على الكل، لكن على الخصوص ممن علم منهم الموافقة في الدين بالقول والعمل، فإذا علم أحد من أهل هذا الصنف ما يستوجبون به البراءة فقد اختلف في جواز إظهار البراءة منهم عند من لم تعلم لهم ولاية عنده، فبعضهم وسع في إظهار البراءة منهم عند من لم يعلم منه أنه يتولاهم، لأن الأصل عدم ثبوت ولايتهم على أحد من الناس، وبعضهم منع من إظهار البراءة منهم مخافة أن يصادف من يتولاهم، فيكون المتبري منهم مبيحاً من نفسه البراءة عند ذلك المتولي لهم.
وأقول إن هذا الاحتمال مع قربه لا يفيد المنع مع إظهار البراءة منهم، ولا يكون المتبرئ منهم عند من لم يعلم أنه يتولاهم مبيحاً من نفسه البراءة، لأنه إذا وسعه أن يتبرأ منهم وإن على قول لبعض المسلمين فليس للمتولى لهم أن يبرأ من هذا المتبرى منهم الآخذ بقول من أقوال المسلمين، نعم إن أخبره بأن ذلك الذي يتبرأ منه ولي له، فعلى هذا أن يكف عن البراءة منه عنده، فإن أصر عليها بعد ذلك كان حينئذ مُبيحاً في نفسه البراءة عند من يتولاه، ووجه ذلك: أن من يدّعي ولاية أحد من الناس فهو مصدق في دعوه ما لم ينزل من يدعي هو ولايته منزلة من تجب البراءة منه بالشهرة أو تقوم عليه البينة بحدثه المكفر، والله أعلم. (1/185)
صفحة 186
المراد بـ«الكفران» الفعل الموجب للبراءة، والمراد بالكفر ما يشتمل النفاق والشرك، والمعنى: إذا كان الفعل الموجب للبراءة مشتهراً بين الخاص والعام فلا بأس على أحد بإظهار البراءة منه، لأنه قد نزل في منزلة لا يصح لأحد أن يتولاه عليها، ولو كان في الأصل قبل الحدث ممن تجب على الخلق ولايته، أو ممن تمكن ولايته لأحد من الناس دون غيره، والمدعي لولايته بعد شهرة حدثه غير مسموع، فلا حجة له على المتبرى منه ولا حرمة لذلك المتبرى منه لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما لكم وللمنافق، قولوا فيه ما فيه»(2 )، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره»(3 ) وأشار بقوله: «لا بأس..الخ» إلى إن إظهار كفر من اشتهر كفره جائر لا واجب، فالأمر في الحديثين إنما هو الإباحة، لا للوجوب، والله أعلم.
أي إذا كان لك ولي فبرئ منه متبر فعليك أن تبرأ منه بعد أن تستتيبه فلم يتب، قال الشيخ ناصر بن أبي نبهان: إذا قذف وليك قاذف استتبه، فإن امتنع فنبهه بوجوب التوبة عليه، فإن امتنع فحينئذ عليك أن تبرأ منه.
قلت: والاستتابة قبل البراءة مستحسنة، وفي وجوبها اختلاف من الفقهاء كما سيأتي إن شاء الله (تعالى) في الباب الرابع من هذا الركن.
أي إذا أحدث الولي حدثاً فلا يخلو ذلك الحدث من أحد أمرين: أما أن يكون فيه حق لله (جل) فقط، أو لله وللعباد معاً، وسيأتي بيان الأمر الثاني -إن شاء الله (تعالى)- فإن أحدث حدثاً فيه الحق لله وحده كترك فريضة في صلاة أو صيام أو نحو ذلك فاقتفي: أي اتبع العذر له في ذلك، فإذا احتمل له وجه عذر من نسيان ونحوه فهو على احتماله حتى يصح بطلانه، ولا يجوز لك أن تبرأ منه على هذا، فإذا انقطع العذر وارتفع الاحتمال فالمختار أن تستتيبه فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن امتنع فعليك أن تبرأ منه، ولا يجوز لك التمسك بولايته، ولا الوقوف عنه في هذه الحالة. (1/186)
صفحة 187
أي: إذا أحدث الولي حدثاً يكون الحق فيه لله وللعباد، كقتل النفس ونحوه، فلك فيه ثلاث طرق: إذا لم يصح عندك أن فعله ذلك حق أو يصح أنه باطل، فإن صح حقه فليس إلا الولاية، وإن صح باطله فليس إلا البراءة، وهذا معنى قول الناظم: «هذا إذا ما كان.. البيت إلى آخره» ومعنى قوله: «وإلا حيث حل» أي وإن لم يحتمل حقه وباطله فأنزله حيث نزل من حق أو باطل، أما قوله: «كذا إذا أتى..الخ» ففيه الإشارة إلى حكم الولي إن أتى فعلاً محجوراً في الأصل لكن يصح أن تكون الإباحة فيه عارضة، فأشار إلى أن حكم الولي عند هذه الحالة كحكمه فيما إذا أتى بفعل فيه لله حق ولعباده حق أيضاً، أي فلك فيه الطرق الثلاث، فمثاله ما كان أصله محجوراً، والإباحة فيه ممكنة لعارض، هو أن ترى وليك يأكل لحماً من يد مجوسي فإن اللحم من يده حرام في الأصل لمن لم يعلم أن المذكي لذلك اللحم ممن تجوز ذكاته، والإباحة فيه ممكنة لاحتمال أن يكون الذابح هو غير المجوسي، فمن هنا صح في هذا الموضع الطرق الثلاث(4 ):
الطريق الأول: بقاؤه على حالته الأولى من الولاية، وعليه الإمام أبو علي(5 ) (رضي الله عنه) وصححه الإمام أبو سعيد (رضي الله عنه) في الاستقامة(6 )، وذلك أن ولايته وقعت بيقين، ولا يزيل اليقين إلا يقين مثله.
الطريق الثاني: الوقوف عنه بالرأي لما دخل فيه من الإشكال مخافة أن تتولى محدثاً، قال الإمام أبو سعيد (رضي الله عنه) وهو أسلم(7 )، يعني أن الوقوف أسلم؛ أي: أقرب إلى السلامة. (1/187)
صفحة 188
الطريق الثالث: البراءة منه، على أنه أتى محجوراً في حكم الظاهر حتى يصح أنه أتاه على وجه من وجوه الحق، وعليه الإمام موسى بن أبي جابر(8 )، حيث قال: »أتولى المقتول وأبرأ من القاتل«(9 )، وقد ضعّف هذا الطريق جداً الإمام أبو سعيد في الاستقامة يراجعه من أراد الوقوف عليه، فإذا ادعى هذا القاتل على ذلك المقتول بعد قتله دعوى يصح بها تحليل دم المقتول كأن يقول: إنه ارتد عن الإسلام، وأو جاءه ليقتله فسبقه أو أدركه على امرأته فقتله، ونحو ذلك، فإن كان المقتول ولياًً ففي كل هذا يكون القاتل قاذفاً مخلوعاً عن حكم الإسلام حتى يأتي بشاهدي عدل تصديقاً لمقالته في غير الزنا، وبأربعة شهود في الزنا، وإن كان المقتول غير ولي فلا بأس على من قال فيه شيئاً من ذلك، إلا إذا رماه بالزنا فإن القاذف بالزنا مخلوع شرعاً سواء كان المقذوف ولياً أو غير ولي حتى يحضر الشهود على ذلك، والله أعلم.
إذا اختلف المختلفان في الدين فلا يجوز أن يكون كلاهما محقَّين، ويجوز أن يكون كلاهما مبطَّلين، وأن يكون أحدهما محقاً والآخر مبطلاً، فإذا وقع ذلك في حضرتك أو بلغك علمه من حيث لا تشك فيه، فلا يخلو هذان المختلفان من أحد أمرين: إما أن يكونا غير وليين لك فيما تقدم، فأنت في سلامة من أمرهما اللهم إلا أن يكون المحق منهما عالماً فيقيم الحجة عليك ببطلان من خالفه، فحينئذ يلزمك أن تبرأ من المبطل على المذهب المختار، أو يكون الحدث في الجملة فلا يسعك الجهل بضلال المضل، أو يكون الحدث في شيء من تفسيرها فأنت على ما تقدم من الاختلاف، وإن كانا وليين لك فيما تقدم فلا يخلوان من أربعة أمور: إما أن يكونا ضعيفين معاً، أو عالِمَين معاً، أو المحق عالماً والمبطل ضعيفاً، أو العكس،
فإن كانا ضعيفين معاً فلك في أمرهما طريقان:
الطريق الأول: تنزيلهما من ولاية الدين إلى ولاية الرأي. (1/188)
صفحة 189
الطريق الثاني: أن تقف عنهما وقوف رأي؛ ومعنى وقوف الرأي: أن تعتقد أنك واقف عنهما، لما عرض لك من الأمر المشكل، بحيث لا يجوز أن يكونا في كلاهما محقين، وتعتقد مع ذلك أنك تتولى المحق منهما، وتبرأ من المبطل فينبني( 10) على ما ذكرنا أنك إذا توليتهما برأي يجوز لك أن تدعو لهما، كما كان للولي بشريطة، وإذا وقفت عنهما بالرأي لا يجوز لك أن تدعو لهما بما يستحقه الولي حتى يتبين لك المحق منهما فتواليه، والمبطل فتعاديه، وإن كان كلاهما عالمين فلا يجوز لك إلا أن تتولى المحق منهما على ما كان عليه من ولاية الدين، وتبرأ من المبطل بدين، وهذه إحدى طريقتين فيه، والطريقة الثانية لا تلزمك البراءة من المبطل منهما إذا لم يتبين لك ضلاله، بل يجوز لك أن تتولاه برأي، وأن تقف عنه برأي، وهذه الطريقة موقوفة على شرطين؛ أحدهما: أن لا تجمع المختلفين في الدين، وثانيهما: أن لا تبرأ من المحق منهما لأجل قوله بالحق وأن لا تقف عنه برأي ولا دين، وإن كان المحق عالماً والمبطل ضعيفاً فهما بمنزلة أن لو كانا عالمين، وإن كان المبطل عالماً والمحق ضعيفاً فهما بمنزلة أن لو كانا ضعيفين، والله أعلم.
لا يجوز لأحد أن يتولَّ محدثاً حدثاً من الأحداث القبيحة؛ على حدثه ذلك، ومن فعل ذلك فهو هالك كمثل المحدث، ويطلق عليه من التسمية ما يطلق على المحدث، قال (تعالى): (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل)(11 )، وكان هؤلاء المخاطبون في زمن خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم ولم يقتلوا نبياً بأيديهم، وإنما سماهم قتلة لولايتهم آبائهم القاتلين، وقال (تعالى): (ومن يتولهم منكم فإنه منهم)(12 ) فقد حكم ربنا (تعالى) في هذه الآية على المتولي بحكم المتولَّى، فجعلهم سواء في الضلالة، والله أعلم.
---------------------------------
(1 ) في: م (لأنه). (1/189)
صفحة 190
(2) لم أجد تخريجه حسب اطلاعي، وانظر سيرة السؤال لأبي الحسن البسياني السير والجوابات، تح: سيدة كاشف، نشر وزارة التراث العمانية: 1/70، 71.
(3) أورده القرطبي في جامع أحكام القرآن، تح: أحمد عبدالعليم البردوني، ح16، ص339، بلفظ: »اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس«.
(4) وينظر: أبو سعيد الكدمي. المعتبر: 2/174-177.
( 5)
(6)
(7)
(8)
(9 )
( 10) ساقطة من: ب.
(11 ) البقرة/91.
(12 ) المائدة/51.
--- (1/190)
صفحة 191
الباب الثالث من الركن الثالث: في الوقوف وأقسامه وأحكامه
«الوقوف» اصطلاحاً: هو الإمساك عن الدخول في ولاية أحد بعينه، وعن الدخول في البراءة منه، فيسمى الممسك عن ذلك واقفاً، وأقسامه خمسة (وقوف الدين، ووقوف الرأي، ووقوف السؤال، ووقوف الإشكال، وووقوف الشك) فهذه خمسة وقوفات كلها جائزة إلا الأخير منها.
بدأ الناظم بوقوف الدين لكونه أصل الوقوفات، ولأنه المجتمع عليه، وعلى وجوبه دون الثلاثة التي تليه، فإنه مختلف في ثبوتها وفي وجوبها، وثنّى بوقوف الرأي لكون الرأي جزءاً من الدين، فهو عند من رأي ثبوته واجب ولا يجوز تركه في موضعه عنده، وثلّث بوقوف السؤال لكونه أخص مطلقاً من وقوف الرأي وملازماً له، فبعض من أوجب وقوف الرأي أوجب وقوف السؤال، ونفاه آخرون منهم، وعقّبه بوقوف الإشكال لكونه أخص من وقوف الرأي أيضاً، ففي بعض صور وقوف الرأي يكون وقوف الإشكال، وفي بعضها لا يوجد، وختم بوقوف الشك ليتمكن من بيان حكمه، كما أشار إلى ذلك بقوله: «أو شك على ضلال».
هذا بيان وقوف الدين، وبيان محله، فأما وقف الدين فهو الكف عن ولاية معين، وعن البراءة منه كما تقدم، وأما محله فإنه يكون في كل مكلف لم تعلم منه من أعمال الخير ما يوجب الولاية، ولا من أفعال الشر ما يوجب البراءة، فإن الحكم مثل هذا الشخص الوقوف وجوباً، ولا يسعك فيه إلا ذلك، لأن القدوم على ولاية المجهول محجور ديناً، وكذا الإقدام على البراءة منه، ومعنى قوله: «كيما تقتدي» أي لتقتدي بما علمت منه أي لم يتقدم لك فيه خبر يوجب الولاية، ولا علم شر يوجب البراءة، فتقتدي بما علمت فيه، فـ»ما« في قوله: »كيما« زائدة، والله أعلم. (1/191)
صفحة 192
وقوف الرأي هو أن تقف عن الذي تقدمت له عندك ولاية بسبب ركوبه أمراً أشكل عليك حكمه، واستتر عنك علمه، فلا تدري أهو حق فتواليه عليه، أو باطل فتعاديه عليه، فإن أصحابنا من أهل المشرق (رحمهم الله تعالى) جوّزوا لك في هذه الحالة الوقوف عن وليك حتى تعلم حكم حدثه، وسموا الوقوف بهذا المعنى وقوف الرأي، وبعض من أجاز ذلك قد أوجب على الواقف أن يسأل عن حكم حدث وليه حتى يخرج عن حيز الإشكال إلى مقام البيان، وسموا الوقوف بالرأي مع اعتقاد السؤال عن حكم الحدث وقوف السؤال، وهذا معنى قوله: «وقيل والسؤال.. البيت»، وأما قوله: «فهو حليف الرأي» أي فوقوف السؤال ملازم لوقوف الرأي عند الذين قالوا بلزومه، أي لا يكون وقوف السؤال عند القائلين به إلا وهو مصاحب لوقوف الرأي، فإن كان مع وقوف الرأي اعتقاد السؤال سُمي وقوف سؤال ووقوف رأي، وإن تجرد وقوف الرأي عن اعتقاد السؤال فيسمى وقوف رأي ليس إلا، والله أعلم. (1/192)
صفحة 193
وقوف الإشكال هو: الوقوف عن الوليين إذا فعلا فعلاً يوجب كفر أحدهما، وذلك مثل: أن يلعن بعضهما بعضاً أو يبرأ بعضهما من بعض، ولم يعلم أيهما المبطل، وأيهما المحق في ذلك، فإن الواجب على من يتولاهما إذا سمع منهما ذلك أن يقف عنهما لهذا الإشكال الذي هما فيه، فإنه لابد من بطلان أحدهما، فإذا تولاهما معاً كان ولاشك واقعاً في ولاية مبطل، وإذا تبرأ منهما معاً خيف عليه الوقوع في البراءة من المحق، هذا على قول من أثبت وقوف الإشكال من أصحابنا وهم المشارقة (رحمهم الله تعالى) ومن أوجب اعتقاد السؤال عند وقوف الرأي أوجه هاهنا أيضاً، لكن لا على معنى التجسس عن المبطل من الوليين؛ وإنما يعتقد السؤال عندهم في هذا الموضع لقصد الخروج عما وقع فيه من الحال، فإذا عرفت هذا كله فاعلم أن وقوف الإشكال أخص مطلقاً من وقوف الرأي، فإن وقوف الرأي يصدق على الوقوف عن الوليين إذا أحدثا حدثاً لا يكونان فيه محقين فلم يعلم من المبطل منهما ويصدق على الوقوف عن الولي إذا أحدث حدثاً لا تعرف حكمه، ووقوف الإشكال لا يصدق إلا على الوليين إذا أحدثا حدثاً لم يدر أيها المبطل فيه، وتسمية الكل إصلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.
أما قوله «والشك..الخ» فهو إشارة إلى بيان حقيقة وقوف الشك، وعرَّفه بأنه ترك ولاية من لا يشك مثل شكك أي فوقوف الشك هو أن تقف عن شيء وتترك ولاية من دخل فيه بشرط أن يكون ذلك الشيء لا يوجب بطلان الداخل فيه، وحكم هذا الوقوف أنه محرم لما فيه من ترك ولاية المحق لأجل حق دخل فيه، وترك ولايته بهذا المعنى حرام، فوقوف الشك أيضاً حرام، والله (تعالى) أعلم.
--- (1/193)
صفحة 194
الباب الرابع من الركن الثالث: في أقسام الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر منها
ناسب ذكر هذا الباب في هذا الركن إنما هو لأجل ما يترتب عليه معرفة الصغائر والكبائر من أحكام الولاية والبراءة، على أني أقول: إن علم الولاية والبراءة إنما هو منحصر في معرفة الصغائر والكبائر، فالعالم بالصغائر والكبائر عالم بالولاية والبراءة، ولا يكون عالماً بالولاية والبراءة وإن أحاط بأقوال العلماء فيها حتى يكون عالماً بالصغائر والكبائر.
هذا وأما البابان اللذان يليان هذا الباب إنما هما معه بمنزلة الجزء من(1 ) الكل، وبمنزلة التفصيل مع الإجمال، فإن كلاً منهما في بيان بعض مخصوص من الكبائر وفي بيان أحكام ذلك، لكن لما كانت تلك الكبائر المذكورة في البابين مختصة من بين سائر الكبائر بأحكام تترتب عليها أفردهما في التراجم كما لا يخفى ذلك على متأمل منصف، والله أعلم.
ولما كانت جزئيات الكبائر والصغائر يفوت حصرها أخذ العلماء في بيان الفرق بينما إجمالاً ليستدل الواقف عليهما بهذا الإجمال الذي ذكرته العلماء، وقد أخذوا في تعريف الكبائر وعرفوها بحدود كثيرة أصحَّها ما أشار إليها الناظم بقوله حيث قال: (1/194)
صفحة 195
ينقسم الذنب إلى صغير وكبير، فأما الصغير فسيأتي بيانه، وأما الـ«كبير» فهو: الذنب الذي ثبت لفعاله بسببه حد في الدنيا كالزنا والسرقة وشرب الخمر، أو وعيد في الآخرة، وهو ما أشار إليه الناظم بقوله: «والباري منه غضبا» وذلك مثل: العقوق والربا، ويدخل تحت هذا النوع ما ترتب على فاعله بسبب فعله اللعن كالشرك، في قوله (تعالى): (أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله)(2 ) الآية، وكذا أيضاً ما اقترن بسخط من الله (تعالى)، فوصفه بأنه كبير أو عظيم، وذلك كما في قوله (تعالى): (إنه كان حوباً كبيراً)( 3) (سبحانك هذا بهتان عظيم)(4 ) وكذا يدخل تحت هذا النوع أيضاً الذنب الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قبّح الله فاعل كذا»( 5) فإن التقبيح ونحوه لا يصدر من الشارع إلا على ما كان كبيراً من الذنوب، والله (تعالى) أعلم. (1/195)
صفحة 196
«الصغير» من الذنوب هو عكس الكبير، فيقال في تعريفه: هو الذي لم يثبت على فاعله حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة، وأنكر بعضهم وجود الصغائر، ونسب هذا الإنكار إلى ابن عباس، فروي عنه أنه قال: »كل معصية يُعصى الله بها كبيرة«(6 ) وهذا الإنكار منه (رضي الله عنه) إنما هو إنكار لتسمية الصغيرة صغيرة لا إنكار لحجمها، فإن حكمها ثابت بنص الكتاب ليس لأحد رده، وبعض أصحابنا قال: بوجود الصغائر )وأنكر تعيينها في الخارج فمعه أنها موجودة غير معلومة للبشر، قال: ولو عُينت لكان تعيينها(7 ) إغراء على ارتكابها من حيث أنها معفو عنها باجتناب الكبائر، وذهب جمهور أصحابنا من أهل المشرق إلى أنها موجودة في الخارج، معلومة للبشر، ومثلوا لها بالكذب الخفيف، وبالرقص واللعب الغير مباح، وهذا معنى قول الناظم: «مثل الكذب إن خف..الخ» والمراد بالكذب الخفيف هو: الذي لم يبطل به حق، ولم يعطل به حكم، فإن ترتب عليه أحد هذين المذكورين فليس بالخفيف، ويكون حينئذ من كبائر الذنوب، والمراد باللعب الغير مباح هو اللعب الذي لم ترد من الشارع إباحته، فإن ما كان منه مباحاً فليس بمعصية أصلاً، وذلك مثل ملاعبة الرجل لفرسه وقوسه وعرسه وولده الصغير وما أشبه ذلك، ولربما خرجت هذه الإباحة إلى حكم التحريم، بحسب النية، والله تعالى أعلم.
للصغائر من الذنوب أحكام كما أن لكبائرها أحكاماً أيضاً، فمن أحكام الصغائر ما هو مشترك بينها وبين الكبائر وهو كون الإصرار عليها كبيرة، فإن كون الإصرار كبيرة موجود في لصغائر والكبائر، ومن أحكامها ما هو مختص بها دون الكبائر، وسيأتي بيانه عند قول الناظم «والحكم للراكب ذنباً صغيرا.. البيت» فأما الإصرار على الصغيرة فإنه يصيّرها كبيرة من كبائر الذنوب لقوله (تعالى): (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)( 8) بعد قوله (تعالى): (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم)( 9) الآية. (1/196)
صفحة 197
فإن قوله (تعالى): (ولم يصروا) معطوف على قوله: (ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم)، أي: ذكروا عقاب الله فحملهم ذلك على طلب الغفران والإقلاع عن الذنب، وفعل ذلك واجب بعد فعل الفاحشة وبعد ظلم النفس، ووجوب ذلك قطعي لهذه الآية وغيرها، فوجوب المعطوف عليه قطعي لذلك، هذا تحرير الاستدلال بالآية، وفيه نظر لا يخفى على متأمل، ووجه ذلك النظر: أنه لو سُلم وجوب ترك الإصرار لما ذكر هاهنا، فليس فيه دليل على تحريمه في الصغيرة، لأنه إنما سيق في مقام الإقلاع عن الفاحشة وظلم النفس وهما كبيرتان، فالأحسن الرجوع إلى الاستدلال بالسنة وإجماع الأمة على أنهم لا يجتمعون على ضلال بنص الشارع على ذلك، فمن السنة الصريحة في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «هل المصرون قدماً إلى النار»(10 ) وفي حديث: «لا صغيرة على إصرار، ولا كبيرة عند توبة واستغفار»( 11)، وهذه الأحاديث وإن كانت آحادية الإسناد فمعناها مستفيض في الأمة،وعليه أطبقت كلمة العلماء، فلا تجد لهم من يحلل الإصرار أصلاً ولا من يقول إن الإصرار صغيرة، والله أعلم.
هذا بيان حكم الكبائر من الذنوب، اعلم إن للكبائر أحكاماً منها ما يكون في الآخرة وهو الخلود في النار (والعياذ بالله)، وقد تقدم بيان هذا الحكم في باب الوعد والوعيد( 12)، ومنها ما يكون في الدنيا وهذا النوع ينقسم إلى قسمين، أحدهما ما يكون من العقوبات العاجلة على فاعل ذلك كالقطع في السرقة، والجلد والرجم في الزنا، والجلد في الخمر، ونحو ذلك، ومحل هذا القسم فن(13 ) الفقه فلا حاجة لذكره هنا، وأما القسم الثاني فهو ما يتعلق من أحكامها بالاعتقاد وهو المراد بقوله الناظم: «وراكب الكبير» البيتين، وحاصل ما فيهما.
أن العلماء اختلفوا في راكب الكبير من الذنوب على مذهبين: (1/197)
صفحة 198
المذهب الأول: إن فاعل الكبيرة يستتاب من فعله، فإن تاب قُبل منه، وإن أصر على معصيته وامتنع من التوبة برئ منه، وهذا معنى قول الناظم: «توّبه..الخ» ومعنى، وهذا المذهب هو اختيار الإمام أبي سعيد( 14) (رضي الله عنه) ومقتضى ظاهره: إن فاعل الكبيرة يستتاب قبل البراءة منه كان ولياً قبل فعلها أو غير ولي.
المذهب الثاني: أن فاعل الكبيرة يبرأ منه من حين فعله ذلك ثم يُستتاب، فإن تاب قُبل منه، وإن أصر مستمراً على ذنبه استمر على البراءة منه، وهذا معنى قول الناظم: «وبعضهم ضلله..الخ» أي وبعض العلماء حكم بضلال فاعل الكبيرة، واعتقد البراءة منه قبل أن يستتيبه ثم استتابه من بعد ذلك، ولابد من الاستتابة عند الفريقين على من قدر عليها لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسقط فرضها عمن لا يقدر على فعلها، والخلاف في وجوبها على القادر الآيس من قبول الفاعل لها، كل ذلك تخريج على مذاهبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم.
قد تقدم بعض أحام الصغائر وهو الحكم المشترك بينهما وبين الكبائر وهذا محل بيان الحكم الخاص بها، اعلم أن الحكم الخاص بالصغائر نوعان: دنيوي وأخروي، فأما حكمها الأخروي فهو إنها مغفورة باجتناب الكبائر لقوله (تعالى): (إن تجتنبوا كبائر )ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)(15 ) ولقوله (تعالى): (الذين يجتنبون كبائر الإثم( ( 16) والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة)(17 )، واللمم هي صغائر الذنوب، وأما حكمها الدنيوي فهو أنه يحكم لفاعلها ببقائه على الإسلام فلا يضل ولا يفسق حتى يعلم منه إصراره عليها، وهذا معنى قوله: «حتى يرى مستكبرا» أي حتى يعلم منه استكبار عن طاعة لله، وعدم انقياد لأمر الله، ثم إن الناظم أخذ في بيان حقيقة الإصرار فقال: (1/198)
صفحة 199
أي: اختلف العلماء في بيان حقيقة الإصرار الذي تصير به الصغائر كبائر، ويستحق فاعله التضليل والتفسيق، فقال قوم: إن الإصرار على الذنب هو الإقامة عليه وترك الإقلاع عنه، ومثل هذا المذهب ما يروى عن السدي( 18) حيث قال: »إن الإصرار الاستمرار«( 19) وذهب آخرون إلى: أن الإصرار على الذنب هو فعله بقصد الاستخفاف له واستحقاره، وهذا الوجه لا خلاف بينهم إنه إصرار، وإنما الخلاف في الوجه الأول، أما إذا أتى الذنب مستخفاً لنهي الله عنه فهو (والعياذ بالله) شرك، فافهم الفرق بين الاستخفاف للذنب وبين الاستخفاف لنهي الله عنه فإنه مزلة الأقدام، وعن الحسن: »أن إتيان الذنب عمداً إصرار«(20 )، وعليه فهو مذهب ثالث، وتحرير المقام إن فاعل الصغيرة لا يبرأ منه حتى ينزل منزلة لا خلاف بين العلماء إنها إصرار لأن المختلف فيه لا يعد ديناً، والله (تعالى) أعلم.
الهاء(22 ) في قوله: «أتاه» عائدة إلى الذنب الصغير لا إلى الإصرار، كما يعلم مما تقدم أن الإصرار كبير، والمعنى: أن العلماء اختلفوا في الولي إذا أتى الذنب الصغير؛ فذهب بعضهم: إلى أنه باق على ولايته غير محتاج أن يستتاب من ذنبه، وهذا معنى قوله: «فبعضهم في حكمه رآه»( 23) «ولو يتوّبه» والمراد بحكمه: أي الحكم الذي كان عليه قبل ذلك الفعل وهو الولاية، وهذا المذهب هو أصح المذاهب فيه، وذهب قوم إلى الوقوف عنه بالرأي حتى يستتاب فإن تاب قُبل منه ورجع إلى ولايته، وإن أصر برئ منه، وذهب آخرون إلى أنه لا يوقف عن ولايته، ولكن يُحسن به الظن ويستتاب من ذنبه، فإن تاب قُبل منه، وإن أصر برئ منه، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
---------------------------------------
( 1) في: ب (إلى).
( 2) آل عمران/87.
(3 ) النساء/2.
(4 ) النور/16.
(5 ) لم أجد تخريج هذا الحديث حسب بحثي.
(6 ) أنظر: الطبري؛ ابن جرير، جامع البيان: المجلد الرابع؛ 5/41. (1/199)
صفحة 200
(7 ) ما بين المعقوفين )وأنكر تعيينها في الخارج.. تعيينها( ساقط من: ب.
(8 ) آل عمران/135.
(9 ) آل عمران/135.
( 10) أورده ابن الجوزي في المسير (دار الفكر - بيروت): 4/157 ولم يعزه إلى أحد.
(11 ) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ح7268، ج5، ص456، عن صدقة عن ابن عباس مع خلاف في اللفظ يسير، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ج8، ص570، وقال: رواه أبو الشيخ، ومن طريقه الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس، والبيهقي والطبراني في مكحول عن أبي سلمة عن أبي هريرة، والعجلوني في كشف الخفا ج2، ص490.
(12 )
( 13) في: م (في).
(14 ) أنظر: أبو سعيد الكدمي. المعتبر
(15 ) النساء/31.
(16 ) ما بين المعقوفين ساقط في: ب، والتكملة من: م.
(17 ) النجم/32.
( 18) إسماعيل بن عبدالرحمن؛ أبو محمد السدي الكبير، روى عن أنس وابن عباس من الصحابة، وعطاء وعكرمة وغيرهما، روى عنه سفيان الثوري، وزيد بن أبي أنيسة وغيرهما، توفي عام 430ه. أنظر: المزي. تهذيب الكمال، تح: معروف (ط2، مؤسسة الرسالة): 3/131، والزركلي. الأعلام: 1/317.
(19 ) أورد جلال الدين السيوطي في الدرر المنثورة في التفسير بالمأثور (ط1403ه-1983م، دار الفكر) عن السدي قوله: (ولم يصروا على ما فعلوا) فينكبوا ولا يستغفروا، وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا ثم أقاموا ولم يستغفروا، وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم.
(20 ) أنظر: ابن جرير. جامع البيان: 4/97.
(21 ) (رواه) في:م.
(22 ) (من) في: م.
(23 ) (رواه) في: م.
--- (1/200)
صفحة 201
الباب الخامس من الركن الثالث: في شيء من الكبائر وأحكام القاذف
ذكر هذا البيت من الكبائر ثلاثة أنواع، أحدهما مختص كونه كبيراً في المؤمن لا ما عداه، والنوعان الآخران مشترك في حجرهما المؤمن والكافر وهما التجسس والقذف بالزنا.
فأما الأول: فقد استدل على أنه محجور في المؤمن خاصة، بقوله (تعالى): (ولا يغتب بعضكم بعضاً)(1 ) والخطاب للمؤمن كما يعلم من أول الآية، والغيبة في المنافق والمشرك مباحة لمفهوم الآية، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره»(2 )، ولفظة الفاسق يشترك فيها المنافق والمشرك، واشترط فيها هذا أن يكون المتكلم غير متلذذ بغيبة هؤلاء، بل يكون ناوياً من تحذير الناس من أن يقعوا في أحبولة غدرهم، كما يعلم من الحديث.
النوع الثاني: التجسس؛ وهو السؤال عن أحوال الغير لقصد الاطلاع على عوراته، وحكمه أنه محجور في المؤمن والكافر، وإنما قلنا: إن التجسس هو السؤال عن أحوال الغير لقصد الاطلاع على عوراته ليخرج نحو ما ذكره الإمام أبو سعيد (رضي الله عنه) في أن من خرج مستخبراً عن المؤمنين الماضين ليسلك منهاجهم وعن الفسقة وأهل الأحداث ليجتبن اعوجاجهم أنه لا بأس عليه إذا كان على هذا القصد، وهذا عنده غير تجسس، فإذا صادف ما تجب به الولاية لمعيّن تولاه به، أو البراءة لمعيّن تبرأ منه به.
النوع الثالث: القذف وهو نوعان؛ النوع الأول: قذف بزنا، وهو محجور في الكل، أي من مسلم وكافر، قال (تعالى): (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء)(3 ) الآية، النوع الثاني: قذف بمكفرة عن الزنا، وهو محجور في المؤمنين خاصة ويلحق بهم مجهول الحال، لأن التكلم فيه كذب، وقد تقدم ذكر هذا النوع في باب الولاية والبراءة، والمقصود في هذا الباب بيان أحكام فاعل النوع الأول.
القاذف بالزنا له أربع منازل: (1/201)
صفحة 202
المنزلة الأولى: يكفر فيها من حينه اتفاقاً،
المنزلة الثانية: يختلف في كفره إلا بعد الامتناع من التوبة.
المنزلة الثالثة: لا يكون فيها كافراً )من حينه حتى يصر على قذفه اتفاقاً.
المنزلة الرابعة: لا يكون فيها كافراً( (4 ) أبداً ما لم يكن مفترياً في قوله، فإن كفره إذاً من حيث الافتراء، وسيأتي تفصيل كل من الثانية والثالثة والرابعة على التوالي.
وأما المنزلة الأولى: وهي التي يكفر فيها القاذف من حينه فتقع في موضعين:
الموضع الأول: إذا قذف القاذف ولياً؛ سواء كان ذلك الولي حراً، أو عبداً أو صبياً، ذكراً أو أنثى، كانت ولايته واجبة على أهل الدار جميعاً، أو على أحد مخصوص فيقذفه مع وليه، وهذا معنى قول الناظم: «فكفره زكن» أي عُلم، فأما الحر والعبد فقد تقع لهما ولاية من خاصية أنفسهم، وأما الصبي فولايته بولاية أبيه بإجماع، وقد اختلف في ولايته بأمه، هل هي واجبة أم لا؟ قولان، هذا ما عليه الأصحاب في هذا المقام، والذي يظهر لي من غير قصد خلاف لهم أن قاذف الصبي لا يكون بنفس القذف فاسقاً وإن كان الصبي ولياً، لأن الزنا من الصبي نفسه إذا تيقن صدوره لا يخرجه عن حكم الولاية لارتفاع التكليف عنه، وإذا لم يكن الصبي بذلك فاسقاً فالقاذف له بذلك لا يكون في حكم القاذف لمن هو يفسّق بذلك، والله أعلم.
الموضع الثالث: إذا قذف القاذف حراً بالغاً من أهل الإقرار ولم يكن ذلك المقذوف ولياً فهو كالحكم الأول أي يكفر ذلك القاذف من حينه، وانتصب حراً وعبداً وصبياً على أن كل واحد منهم خبر لكان محذوفة مع اسمها تقديره أن كان الولي حراً وإن كان عبداً وإن كان صبياً. (1/202)
صفحة 203
هذه المنزلة الثانية؛ وهي التي يختلف في كفر القاذف فيها من حينه، أي قبل الامتنع عن التوبة، وتقع في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: إذا كان المقذوف عبداً غير ولي، الثاني: إذا كان المقذوف صبياً غير ولي، الثالث: إذا كان المقذوف مشركاً، فإذا نزل القاذف بهذه المنزلة صح فيه ما علمت من الاختلاف في كفره، فذهب قوم إلى أن يكفر من حين ما قذف، وذهب آخرون إلى أنه لا يكفر إلا بعد الامتناع عن التوبة والإقامة على فعله ذلك، ومعنى قول الناظم: «أبي» أي امتنع، فهو اسم فاعل من أبى يأبى إذا امتنع، وكان على الناظم أن يقف بالألف، في صبي وأبي، بدلاً من التنوين الواقع بعد فتحه كما عليه الجمهور، وإنما عدل على ذلك أخذاً بلغة ربيعة لأن من لغتهم عدم الإبدال في الوقف على المنصوب.
هذه المنزلة الثالثة: وهي التي إذا نزل بها القاذف لا يحكم بكفره قبل الامتناع عن التوبة، وذلك متى ما كان المقذوف مجهول الحال أي لا يعلم أهو ولي أو غير ولي، حر أم عبد، صبي أم بالغ، مسلم أم مشرك، فإذا نزل القاذف بهذه المنزلة فهو على حالته الأولى أي التي كان عليها قبل القذف حتى يعلم حال المقذوف فيحكم على القاذف بما يستوجبه، أو يصر على ما كان منه، وانتصب مستعجلاً على الحالية من فاعل تحكم.
هذه المنزلة الرابعة: وهي التي إذا نزل بها القاذف لا يكون كافراً أصلاً من غير اختلاف فيما علمناه، وتقع في موضعين.
الموضع الأول: إذا كان القاذف عند مشرك يستحل القذف.
الموضع الثاني: إذا كان القذف عند من لم يكلف بحكمه كالصبي والمجنون،ويشترط في هذه المنزلة أن يكون القاذف غير كاذب فيما قال به، فإن كان كاذباً فلا إشكال إنه كافر بكذبه وبهتانه. (1/203)
صفحة 204
هذا الحكم الذي ذكرناه في القاذف من أول الباب إلى هنا، إنما هو في القذف بالزنا، وذلك كأن يقول: فلان زان أو ابن زانية أو نحو ذلك، أما القذف بغير الزنا فلا تدخل فيه هذه الأحكام المذكورة هنا، واعلم أن القاذف بالزنا إذا أحضر الشهود على صدق قوله فشهدوا أنهم رأوا فرج المقذوف في المرأة كالميل في المكحلة فلا يبرأ منه حينئذ، وإنما يبرأ من المقذوف ويقام عليه بذلك الحد، فإن لم يحضر الشهود برئ منه على حسب ما مر وأقيم عليه حد القاذف ولا يجزي من الشهود في هذا المقام دون أربعة عدول ليس فيهم امرأة، فإن شهد ثلاثة ولم يشهد الرابع كانوا جميعاً قذفه، وأقيم عليهم الحد، وكذا إن شهد ثلاثة معهم امرأة أو امرأتان أو أكثر، والله (تعالى) أعلم.
------------------------------------------
( 1) الحجرات/12.
( 2) أنظر تخريجه ص #.
( 3) النور/4.
(4 ) ما بين المعقوفين ساقط من: ب.
--- (1/204)
صفحة 205
الباب السادس: في انقسام الكبائر إلى كفر نعيم وجحود
وبه يتم الكلام على الركن الثالث إن شاء الله (تعالى)
أي: تنقسم الكبائر من الذنوب إلى قسمين: كفر جحود وكفر نعم.
فأما الأول: -ويسمى شركاً- فهو: ما كان بسببه رد تنزيل، أي: رد كتاب من كتب الله التي أنزلها على رسله سواء رد جميعها أو صدق ببعضها ورد البعض أو صدق بها كلها ورد آية منها أو حرفاً واحداً أو حكماً واحداً، ففي جميع ذلك يكون الرد شركاً، وكذا ما كان بسببه رد مُرسل، أي: رسول من رسل الله الذي أوحي إليهم بالتبليغ، سواء كان الرد لجميع الرسل أو لبعضهم أو لحكم واحد منهم، ففي جميع ذلك يكون الرد شركاً.
وفي حكم الرسل الأنبياء، فإنه يجب تصديقهم بأنهم أنبياء، وأن الله قد أوحى إليها، والمكذب لواحد منهم مشرك إجماعاً، ويدخل تحت هذين النوعين -أعني رد الكتب، ورد الرسل- جميع أنواع الشرك، فإنه من صدق بالرسل والكتب ولم يرد شيئاً منها كان سالماً من الشرك، سواء كان عاملاً بمقتضاها أو تاركاً له، ولا يكون المشرك مشركاً إلا برده حكماً من أحكام الله أو كتاباً من كتب الله أو بتكذيبه رسولاً من رسل الله، ومن هنا اختلف في المشبهة المصدقين للرسل والكتب، لكنهم أظهروا التشبيه وصرحوا بالتجسيم، فقال قوم: هم منافقون غير مشركين لتسترهم بالتأويل، وعدم ردهم للتنزيل، وذهب قوم إلى أنهم مشركون لأن تأويلهم قد خالف نص الكتاب، فهم بذلك في حكم الراد للنص القطعي، والخلاف موجود في كتب الأصحاب وفي كتب قومنا. (1/205)
صفحة 206
وأما القسم الثاني: وهو كفر النعمة: فهو ما كان من الكبائر وليس فيه رد لتنزيل ولا تكذيب لرسول، فإن هذا النوع يسمى كفر نعمة، ويسمى أيضاً نفاقاً، وهذا معنى قوله: «وبالنفاق الثاني منهما وسم» أي عُلم، أي سمي القسم الثاني من قسمي الكفر بالنفاق، ولا يجوز إطلاق اسم النفاق على الشرك، فلا يُسمى المشرك منافقاً كما لا يسمى المنافق مشركاً، وهذا معنى قوله: «وامنعه في الأول» أي امنع اسم النفاق في القسم الأول من قسمي الكفر فإنه لا يجوز إ طلاقه عليه، وإنما امتنع إطلاق كل واحد من الاسمين على مسمى صاحبه لما يترتب على كل واحد منهما من الأحكام، ما لا يترتب على الآخر، فللمنافق أحكام تخالف أحكام المشرك، وكذا المشرك أحكام تخالف المنافق، فالمنافق يناكح ويوارث ويعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين غلا في مواضع مخصوصة، وهي رد شهادته وترك ولايته ووجوب البراءة منه، وحل قتله وإضاعة ماله إذا صدر منه بغي )ولم يقدر على رده عن بغيه إلا بذلك( 1)، وأما أحكام المشرك فقد تكفل الناظم ببيانها فقال:
واعلم(2) أن لأهل الشرك أحكاماً تخالف أحكام أهل النفاق بحكم الظاهر.
أحدها: أنه يحكم برجس أهله؛ والرجس (بكسر الراء وسكون الجيم): القذر، قال في القاموس: ويحرك وتفتح الراء وتكسر الجيم(3) (انتهى) ولا يصلح في البيت إلا الوجه الأول الذي قدمناه، ويطلق -أعني اسم الرجس- على كل ما استقذر من الأعمال المؤدية إلى سوء العاقبة وليس هذا من غرضنا، فإن المشرك والمنافق مشتركان فيه، قال (تعالى) في المنافقين: (إنهم رجس ومأواهم جهنم)( 4) وإنما غرضنا الوجه الأول لا غير وهو القذر، ونعني به عدم الطهارة، فإن المشركين منعدمون من طهارة التوحيد، فيحكم عليهم بالرجس، وكذلك ما مسوه من الرطوبات، قال (تعالى): (إنما المشركون نجس)(5) واختلف في المشرك إذا دخل في التوحيد هل عليه اغتسال بالماء أم لا؟ وقد طهره التوحيد؟( 6). (1/206)
صفحة 207
وثانيها: إن اغتنام أموالهم في الحرب أي إذا كانوا حرباً للمسلمين حلال بخلاف المنافقين فإنه لا يحل غنم أموالهم، و«السبد» في قول الناظم: هو المال، قال ابن وصاف في حله: »وقولهم: ما له سبد ولا لبد، فالسبد: المال ما كان من ذهب وفضة وعاقر، واللبد: الحيوان ما كان من جمال وبقر وغنم وضأن«(7) (انتهى).
وثالثها: حل سبي ذراريهم في الحرب أيضاً إذا كانوا من غير مشركي العرب، وفي الأثر: فإن قال: لأي علة يحل بها سبي الأطفال وهم ممن ليس عليهم ذنب، قيل له: ذكروا في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: ليجروهم إلى الإسلام فيكون ذلك سبباً لدخولهم فيه، وذلك أنفع لهم، والثاني: نظراً بهم حين قتل آباؤهم لئلا يموتوا هزلا(8)، والوجه الثالث: تقوية لبيت المال، والله أعلم (انتهى).
ورابعها: تحريم ذبائحهم إن كانوا غير أهل الكتاب، فلا يجوز لأحد أن يأكل منها.
وخامسها: تحريم مناكحتهم.
وسادسها: تحريم موارثتهم فقوله: «منا لهم» أي: يحرم علينا أن نزوجهم مسلمة وأن نورّثهم من مسلم، وقوله: «وهكذا منهم لنا» أي يحرم علينا أن نتزوج منهم مشركة أو نرث منهم مشركاً، فالحكم في التناكح والتوارث واحد، -كانوا حرباً للمسلمين أو أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون-. (1/207)
صفحة 208
فتلخص مما ذكرنا أن أحكام أهل الشرك قسمان: أحدهما متعلق وجوده بوجود غيره؛ وهو اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم فإن تحليل كل منهما متعلق بوجود الحرب فقط، وثانيهما: لم يتعلق وجوده بوجود غيره وهو ما عدا القسم الأول، ثم هذا نوعان أحدهما مختص بهم فقط وهو النجاسة والذبح، ألا ترى أنا لا يجوز لنا أن نأكل من ذبائحهم مع جواز أن نطعمهم من ذبائحنا؟ وثانيهما: غير مختص بهم دوننا فيهم وهو التناكح والتوارث، ثم لا يخفى أن غالب هذه الأحكام إنما هو مختص بذوي الأوثان من المشركين فإنهم هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وهذا معنى قوله: «سواء في الحرب أو بجزية هم جاءوا» إذ المعنى أن هذه الأحكام متعلقة بهؤلاء المشركين -كانوا حرباً للمسلمين أو دانوا بأداء الجزية- لأن الجزية لا تقبل منهم كما سيأتي ذكره، فسواء في حكمهم دانوا بأدائها أو لم يدينوا به، أو ما عدا أهل الأوثان من المشركين فيختصون بأحكام أشار الناظم إليها فقال:
يختص أهل الكتاب من اليهود والنصارى والصابئين بأحكام ليست في أهل الأوثان من المشركين، ويشاركهم في بعض تلك الأحكام المجوس، فأما اليهود والنصارى فلا خلاف بين أحد من المسلمين أنهم أهل كتاب، والخلاف في الصابئين؛ والمختار عند أصحابنا: أنهم أهل كتاب فتجري عليهم أحكام أهل الكتاب.
فأحد تلك الأحكام قبول الجزية منهم إذا أتوها عن يد وهم صاغرون، وبقبولها يرفع الحرب عنهم ويصيرون أهل ذمة، والجزية هي: أربعة دراهم في كل شهر على الغني، ودرهمان على المتوسط، ودرهم واحد على الفقير، يأتي بها من وجبت عليه إلى القائم بأمر المسلمين ولا يجزي عنه أنه يأمر غيره أن يؤديها عنه لقوله (تعالى): (عن يد وهم صاغرون)(9)، ولا شيء على المفلس ولا جزية على المرأة أو عبد أو طفل أو شيخ أو حبر أو مجنون أو راهب (10).
وثانيها: أنهم إذا صاروا أهل ذمة حلت ذبائحهم للمسلمين. (1/208)
صفحة 209
وثالثها: أنهم إذا صاروا أهل ذمة أيضاً حل نكاح حرائرهم للمسلمين، أما إماؤهم فلا، ويشاركهم المجوس في قبول الجزية منهم وإعطاء الذمة لهم لقوله صلى الله عليه وسلم: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»( 11) أما حل ذبائحهم وتجويز التزويج منهم فلا يشاركونهم فيهما، فالمجوسي لا تجل ذبيحته وإن أعطي الجزية، وكذا لا يحل تزويج المجوسية للمسلم وإن كانت في ذمة، وحكم أهل الكتاب كلهم وحكم المجوسي فيما عدا الأمور التي ذكرتها حكم المشركين من أهل الأوثان، وكذا يكونون مثلهم في جميع أحكامهم المتقدم ذكرها إذا لم يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإنهم يقاتلون على ترك الإسلام حتى يسلموا أو يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويترتب على حربهم غنم أموالهم وسبي ذراريهم وتحريم ذبائحهم ومناكحتهم. والله أعلم.
ثم أشار إلى بيان الحكم الذي يختص به أهل الأوثان من المشركين فقال:
هذا بيان الحكم المختص بعبدة الأوثان من المشركين، وهم الذين ليسوا أهل كتاب، وإنما نصبوا تصاوير وتماثيل واعتقدوا أنها آلهة فعبدوها، من دون الله أو عبدوها مع الله (تعالى) كما كان ذلك في مشركي العرب قبل الإسلام، فحكم هؤلاء أنهم يقاتلون على تركهم الإسلام، ولا يقبل منهم جزية ولا يعطون ذمة ولا يرفع عنهم الحرب حتى يظهروا الإسلام، وهذا معنى قوله: «ليس لهم واق سوى الإيمان» أي لا يمنعهم من الحرب شيء غير تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام والانقياد لحكمه. (1/209)
صفحة 210
المراد بـ(12 )«الراجع عن دينه» )هو الخارج عن الإسلام إلى شيء من ملل الكفر أو الجاحد لشيء مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وليس المراد بالراجع عن دينه (13 ) ما يعم المرتد عن الإسلام إلى إحدى ملل الكفر، والتارك لدين كان عليه كالنصراني يترك ملة عيسى واليهودي يترك ملة موسى، )لأن ملل الكفر كلها ملة واحدة(14 )، والمراد بـ«الآخذ بالشك» المتردد في توحيده الغير جازم به، أي حكم المرتد عن دين الإسلام وحكم التارك لدينه الذي كان عليه وحكم المتردد في توحيده الشاك فيه كحكم عبدة الأوثان من المشركين لا تقبل منهم جزية ولا يرفع السيف عنهم حتى يسلموا، أو في حكم هؤلاء الجاهل المشرك بجهله فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
------------------------------------
( 1) ما بين المعقوفين ساقط من: ب.
(2 ) في: م من غير واو.
( 3) أنظر: الفيرزآبادي؛ محمد بن يعقوب، القاموس المحيط (مصور عن الطبعة الثالثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب) فصل ن باب س، وجاء فيه: النجس: بالفتح وبالكسر وبالتحريك، ككتِف وعضُد ضد الطاهر.
(4 ) التوبة/95.
( 5) التوبة/28.
(6) ينظر: أطفيش؛ محمد بن يوسف. تيسير التفسير (وزارة التراث العمانية): 4/483، والقرطبي. جامع أحكام القرآن: 4/103 وما بعدها.
( 7) لم أطلع على كتاب ابن وصّاف (الحل والإصابة) وهل موجود أو لا؟ الله أعلم.
(8) في: م (هزالاً).
(9) التوبة/29.
(10) ما بين المعقوفين ساقط من: ب.
( 11) أخرجه مالك في الموطأ: ك الزكاة، ب24، ح42، ص278، والبيهقي في سننه: ح18654، ج9، ص319، وعبدالرزاق في مصنفه: ح10025، ج6، ص68-69، عن عبدالرحمن بن عوف.
( 12) (الباء) ساقطة من: م.
(13 ) ما بين المعقوفين ساقط من: ب؛ )هو الخارج... عن دينه(.
(14 ) ما بين المعقوفين ساقط من: ب؛ )لأن ملل... واحدة
--- (1/210)
صفحة 211
الركن الرابع: في التوبة ، وفيه أربعة أبواب(1 )
ختم الأركان بهذا الركن تفاؤلاً بحسن الخاتمة، فإن من ظفر بالتوبة ختاماً لعمله فقد ظفر، ختم الله لنا بها وتقبلها منا.. آمين.
الباب الأول: في التوبة وأركانها وشروطها
أي في بيان أحكام التوبة وبيان أركانها وشروطها
التي تتوقف عليها صحتها
تنقسم التوبة بالنظر إلى حكم الشارع فيها إلى قسمين: واجب ومندوب، فأما الواجب فهو التوبة من المعصية، وهذا معنى قوله: »فرض وجبا لمن عصى« أي: على من عصى سواء كانت معصيته صغيرة أو كبيرة، فإن التوبة من النوعين واجبة.
والمراد بالتوبة من الصغيرة هو ترك الإصرار عليها، فإن الإصرار عليها كبيرة كما مر، والمراد بالتوبة من الكبيرة هو ما يأتي من بيان أركانها، وأما المندوب من القسمين فهو توبة من لم تصدر منه معصية، فإن الندم على التقصير وإن لم يفض إلى معصية وقصد عدم العود إليه وانكسار النفس عند ذكره وطلب الغفران له مندوب شرعاً، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. (1/211)
صفحة 212
أركان التوبة التي تحصل بها حقيقتها للتائب هي أربعة أشياء ثلاث منها متفق عليها فلابد من حصولها للتائب، وهي: الندم، والإقلاع عن الذنب، وقصد أن لا يعود إليه، واحد(2 ) مختلف فيه فأوجب بعضهم حصوله للتائب ولم يوجبه آخرون وهو الاستغفار باللسان أي طلب الغفران باللفظ، فأما الندم فهو الحزن على ما وقع من المعصية فلابد منه قطعاً على أنه هو أصل الأركان وأساسها وعنه تنشأ بقيتها، ومن هنا قصر الشارع التوبة عليه، فقال: »التوبة الندم«(3 )، والمراد بـ»العزم« في قول الناظم القصد على عدم العودة إلى الذنب، فإن قاصد إليه مُصر، والقصد بعدم العودة هو الذي نعده ركناً للتوبة لا عدم العودة نفسه كما قال بعض قومنا، والمراد بـ»الرجوع« هو الإقلاع عن الذنب، والمراد بـ»الانكسار« تذلل النفس لمالكها وخوفها من أليم عقابه، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. (1/212)
صفحة 213
المراد بـ»أصلها« هو الأمر الباعث لفعلها، والمراد بـ»منتهاها« هو ثمرتها التي تترتب على حصولها، أي أصل التوبة الذي يبعث لفعلها هو: امتثال لأمر ربنا (تعالى)، فإن العبد إذا نظر إلى أوامر الله (تعالى) وإلى نواهيه وعزم على امتثال ذلك انبعث نفسه وتحرك خاطره إلى تدارك ما ترك من المأمورات، والإقلاع عما ارتكب من المنهيات، وأورثه ذلك الامتثال الندم على ما فات من الزلات، فالتجأ إلى الله (تعالى) طالباً لغفران الخطايا والسيئات، فكان ذلك منه هو التوبة بعينها، فإذا حصلت له هذه الخصال انتهى به الحال إلى بلوغ مراده، وهو غفران ذنوبه وستر عيوبه وحط أوزاره، وهذه الخصلة هي: ثمرة التوبة وغايتها، والرتبة التي ينتهي إليها الراجع عن عصيانه، بالنظر إلى أول أحواله، أما ما يكون له من الثواب الجزيل والعطاء الجليل، فذلك أمر أسداه إليه محض الفضل وسعة الرحمة بسبب امتثال قوله (تعالى): (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون)( 4) عاملنا الله بفضله وأدخلنا في واسع رحمته، إنه كريم رحيم، والله سبحانه و(تعالى) أعلم.
يجب أن تكون التوبة في الإسرار والإعلان مثل المعصية، فإن كانت المعصية من الأعمال الباطنية فالتوبة منها سراً مجزية، فإن أعلن بها فذلك نفل، وإن كانت المعصية من الأفعال الظاهرة كشرب الخمر وأكل الميتة ونحو ذلك فلا تجزي التوبة عنها إلا جهراً لقوله صلى الله عليه وسلم: »إذا عملت سيئة فأحدث عندها توبة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية«(5 ) فإذا عرفت هذا فاعلم.
إن العجب والكبر والحسد( 6) والرياء من المعاصي الباطنية، فالتوبة منها إزالتها بالكلية وصرفها بعلاجاتها الباطنية.
ولا يلزم الإعلان بالتوبة منها، وهذا معنى قوله »توبتها أن تفقد« أي توبة هذه الأمور هو إعدامها من نفس المأمور، ورفع »تفقد« على لغة قوم يهملون أن المصدرية ولا يعملونها(7 ). (1/213)
صفحة 214
ومثل هذه الأمور في صفة التوبة منها العزم على الفسوق، فإن العزم على ذلك من المعاصي الباطنية فيجزي أن التوبة منها لرجوع عما عزم عليه والندم على ما كان منه، وهذا معنى قوله: »وهكذا العزم على الكفران« والمراد بـ»الكفران« هو ما عدا الشرك من المعاصي، أما العزم على الشرك فقد صرح الشهاب بن حجر أنه: شرك(8 )، ووجهه: أن العازم على الشرك لا يخلو من أحد أمور: إما أن يكون عزمه ذلك لأجل تصويب الشرك، أو لقدح في الإسلام، أو لتردد في التوحيد، أو لجهل بما يلزمه علمه من التوحيد، والكل من هذه الأمور شرك، ويحتمل أنه أراد نفس العزم على الشرك شرك مع قطع النظر عن هذه الأمور، وهو ظاهر عبارته، والله أعلم.
وأما قوله: »فالحق أنه من العصيان« أي فالقول الحق أن العزم على الكفران معصية خلافاً لمن قال أنه ليس بمعصية، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
أي وعد ربنا (تعالى) بقبول التوبة، فلا يُرد تائب عن ذنبه من قبولها إذا أتى بها في وقتها الذي تقبل فيه، ووقتها الذي تقبل فيه هو العمر كله إلا في موضعين:
أحدهما: وقت الغرغرة( 9) بالموت ومشاهدة أسبابه، فإن التائب في هذا الوقت لا تقبل منه توبته إذا كان قبل ذلك الوقت مُصراً، لأن توبته حينئذ لا عن اختيار منه لها وإنما كانت منه اضطراراً لمّا تيقن من حضور الموت وانقضاء الدنيا عنه، والدليل على ذلك قوله (تعالى): (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن)(10 ) وقوله صلى الله عليه وسلم: »إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر«( 11) وروي عطاء: »أنها قبل موته ولو بفواق ناقة«(12 ). (1/214)
صفحة 215
والموضع الثاني: وقت طلوع الشمس من مغربها إلى فإن طلوع الشمس من مغربها إنما هو علامة لقيام الساعة وهو بعض آياتها، وقد قال (تعالى): (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً)( 13) وقال صلى الله عليه وسلم: »التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها«(14 ) وفي حديث آخر: »للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين عاماً لا يزال كذلك حتى يأتي بعض آيات ربك طلوع الشمس من مغربها«(15 ) وفي حديث آخر: »إن الله تعالى يبسك يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها«(16 ) ومعنى يبسط يده: أي يسدي نعمته ويسبلها على من توجه إليه تائباً، كل ذلك ترغيب للعباد في المسارعة إلى التوبة، والله أعلم.
وإنما كانت التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها لأن بطلوعها يتيقن انقضاء الدنيا وفناؤها، وقدوم الآخرة وبقاؤها، فتوبة التائب ضرورية لا اختيارية، ومن هنا لم تقبل توبة فرعون لأنه إنما تاب بعد تيقنه الهلاك، وبعد علمه بانقضاء دنياه، وفي ذلك الحين قال: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين)(17 )، فقيل له على جهة الإنكار عليه: (الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين)(18 ) وهلاك فرعون ورد توبته مما انطبقت عليه الأمة ودلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فما نسب إلى ابن العربي من قومنا(19) أن فرعون مؤمن شهيد مخالف للكتاب والسنة، خارق لإجماع الأمة، فلا يلتفت إليه، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. (1/215)
صفحة 216
أي: فإذا علمت أن التائب من ذنبه لا يُرد ما لم يغرغر بنفسه أو تطلع الشمس من مغربها، فاعلم أن قاتل المؤمن عمداً والداعي إلى ضلالة، والحالف على إبطال حق تقبل جميعاً توبتهم إذا جاءوا بها على شروطها، لأن الأدلة الدالة على قبول التوبة قبل الغرغرة مفتقر إلى دليل، وذهب بعض العلماء إلى أن هؤلاء الثلاثة ليس لهم توبة، وكذا عندهم من ألحقت زوجها ولداً من غيره فهؤلاء الأربعة لا توبة لهم عند هؤلاء، وكذا قالوا فيمن قتل نبياً أو قتله نبي، وضعّف الشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي (رضوان الله عليه)، تخصيص علوم الآيات الواردة في قبول التوبة من جميع التائبين فأجراها على عمومها، واختار أن التوبة مقبولة ما لم يغرغر أو تطلع الشمس من مغربها، وهذا معنى قوله: »وفي قول أبي نبهان أن ليس اصطفى« أي أن القول بأن هؤلاء الثلاثة غير مقبولة توبتهم ليس بالمختار في قول أبي نبهان، أما قوله: »لكن على المضل..الخ« فهو بيان لكيفية توبة الداعي إلى ضلالة فأجيب إليها.
اعلم: أن التوبة من دعا إلى ضلالة فأجيب إليها مشروطة بأن يبلغ من أجابه إلى تلك الضلالة بأن تاب منها، وأنها بدعة وضلالة، فإن قيل منه ذلك وإلا فلا شيء عليه فوق ذلك، وإن لم يقدر على إبلاغ من أضله ببيان فضلالته بأن مات المجيب إليها أو غاب حيث لا يمكنه إبلاغه فلا شيء عليه سوى )التوبة لقوله (تعالى): (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا) الآية، فإنه (تعالى) شرط الوعيد بعدم التوبة (20)، والله سبحانه وتعالىأعلم.
-------------------------------------------
( 1) والأبواب هي:
الباب الأول:
الباب الثاني:
الباب الثالث:
الباب الرابع:
( 2) في: م، زيادة (و) قبل (واحد).
(3 ) أخرجه ابن ماجه: ك الزهد، ب30، ح4252، وأحمد ج1، ص376، عن عبدالله بن مسعود بلفظ: »الندم التوبة«. وأحمد ح6، ص264، عن عائشة بلفظ: »فإن التوبة من الذنب الندم والاستغفار«.
(4 ) النور/31. (1/216)
صفحة 217
( 5) أورده المتقي الهندي في كنز العمال ح10180، ج4، ص208، وعزاه إلى أحمد بن حنبل في الزهد عن عطاء، وأورده العرافي في المغني عن حمل الأسفار ج4، ص47، وعزاه إلى البيهقي والطبراني عن معاذ.
(6 ) زيادة (هو) بعد (والحسد) في: ب.
(7 ) أنظر: ابن عقيل عبدالله. شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تح: محمد محيي الدين عبدالحميد، (ط20، 1400ه-1980م، مكتبة دار التراث - القاهرة): 4/5.
(8 ) لم أجده حسب اطلاعي.
(9 ) »والغرغرة تردد الروح في الحلق«. ابن منظور: لسان العرب؛ مادة: (غرر).
(10 ) النساء/18.
(11 ) رواه الترمذي: ك الدعوات، ب98، ح3037، ج5، ص546، والإمام أحمد ج2، ص132، عن ابن عمر، وابن ماجه: ك الزهد ب30، ح4253، ج2، ص1420، عن عبدالله بن عمرو، وقال الترمذي: حسن غريب.
(12 ) لم أجده.
( 13) الأنعام/158.
(14 ) رواه الترمذي: ك الدعوات، ب98، ح3535، ج5، ص46، وأحمد في المسند ج4، ص540، عن صفوان بن عسال مع خلاف لفظي يسير، وقال الترمذي: حسن صحيح.
( 15) أخرجه الطبري في المعجم الكبير ج8، ص65، عن صفوان بن عسال، وأورده المتقي الهندي في الكنز ح10195.
(16 ) رواه مسلم في: ك التوبة، ب5، ح2759، ج3، ص113، وأحمد في المسند ج4، ص395، عن أبي موسى الأشعري.
( 17) يونس/90.
( 18) يونس/91.
( 19) هكذا في: م، (من قومنا) وليست في: ب.
( 20) ما بين المعقوفين: )لقوله... بعدم التوبة( ساقط من: ب.
--- (1/217)
صفحة 218
الباب الثاني من الركن الرابع: في أحوال التائب
والمراد بأحواله بيان ما له وما عليه بعد التوبة، فأما بيان ما عليه فأشار إليه بقوله:
اعلم: أن التائب من الذنب؛ إما أن يكون ذنبه من جهة ارتكاب ما حرّم الله (تعالى)، وإما أن يكون من ترك ما رض الله عليه فإن كان من الأول فلا شيء عليه سوى التوبة اتفاقاً من المشارقة، وعليه مع التوبة الكفارة مغلظة مع أصحابنا المغاربة، بشرط أن يكون من المحرّمين لما ارتكبه، ولا كفارة عندهم على المستحل لذلك، كذا يؤخذ من استقراء قواعدهم وإن كانت معصيته بترك ما فرض الله عليه فعله كالصلاة والصوم يفوتهما عمداً، فلا يخلو في تفويته لهما من أحد أمرين: إما أن يكون مستحلاً لتركهما، وإما أن يكون منتهكاً غير مستحل لذلك، فإن كان مستحلاً لتركهما فلا شيء عليه سوى التوبة من ذلك.
وإن كان منتهكاً وفي اعتقاده دائن بفرضيتهما عليه، ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن عليه التوبة من ذلك والكفارة عنه وتداركه بالبدل.
ثانيها: أن عليه التوبة والبدل ولا كفارة عليه.
ثالثها: أن لا كفارة ولا بدل، وإنما عليه التوبة فقط، وهذا معنى قوله: »لا شيء..الخ«.
ومعنى قوله: »جعلا« أي شرع، ومعنى قوله: »في حكم من حرم للحرمات« أي هذه الأقوال؛ إنما هي مختصة بحكم من اعتقد تحريم المحرمات شرعاً، أما من ترك الصوم والصلاة على جهة الاستحلال لهما فلا شيء عليه سوى التوبة من ذلك، لأنه يكون باستحلاله لذلك مشركاً، وبرجوعه عنه إلى الحق مسلماً، والإسلام جب لما قبله (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)(1 ) والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
هذا بيان الطرف الثاني من أحوال التائب وهو الجانب الذي له، اختلف العلماء في التائب إذا كان في حال إصراره فاعلاً للطاعات، هل يعطى ثواب تلك الطاعات بعد التوبة أم لا؟ ففيه ثلاثة أقوال: (1/218)
صفحة 219
القول الأول: لأبي عبدالله محمد بن محبوب (رضي الله عنه) واختاره ابن أبي نبهان أن يعطى ثواب طاعته، وظاهر كلامهما الإطلاق.
القول الثاني: للفضل بن الحواري(2 ) واختاره جماعة، وهو أن لا يعطى من ثواب تلك الطاعة شيئاً.
القول الثالث: لبشير(3 ) واختاره الزاملي(4 )، أنه إذا كان هذا المصرّ حين فعله للطاعة مشركاً فلا ثواب له بعد التوبة على تلك الطاعة، وإن كان غير مشرك فيعطى بعد التوبة ثواب طاعته.
ففي المسألة إطلاقان، وتفصيل الإطلاق الأول: إنه يعطى ثوابها بعد التوبة مطلقاً كان حين فعل الطاعة مشركاً أو فاسقاً غير مشرك، والإطلاق الثاني: أنه لا يعطى ثواب ما عمل حال إصراره ولو تاب وغفر له، كان حال الإصرار مشركاً أو غير مشرك، وأما التفصيل: فهو إنه كان بإصراره مشركاً فلا ثواب له فيم عمل من الطاعات في حال شركه وإن كان غير مشرك فله ثوابه إذا تاب من إصراره. (1/219)
صفحة 220
ولي في المسألة تفصيل آخر: هو أنه إن كانت الطاعة التي عملها مشروطاً بصحتها بالإسلام كالصلاة والصيام فلا ثواب لها إن عملها في الشرك، لأن شرط صحتها غير موجود، وثواب العمل مترتب على صحة ولا صحة فلا ثواب، وإن كانت تلك الطاعة غير مشروط في صحتها الإسلام كبر الوالدين وإقراء الضيفان وصلة الرحم وإغاثة الملهوف ونصر المظلوم وهكذا فله ثوابها إذا أسلم وإن عملها في الشرك، وكذا القول فيما عمل من الطاعات في حال إصراره الذي لا يشرك به فإنه إن كانت تلك الطاعة مشروطاً في صحتها الإيمان الكامل وهو الوفاء بجميع الواجبات فلا صحة لها بتركها فلا ثواب عليها، وإن كانت تلك الطاعة غير مشروط في صحتها الإيمان الكامل فله على فعلها ثوابها بعد توبته، وهذا التفصيل حسن جداً، ولا يقال: إنه لم يتقدمني عليه أحدن فإن الحق مقبول ممن جاء به، فإن قيل: لا شيء من الطاعات مشروط صحتها بالإيمان الكامل فلا وجه لآخر التفصيل، قلنا: بل له وجه ظاهر وهو أن الفقهاء اختلفوا في أشياء من الطاعات كالصلاة خلف الفاسق فأبطلها قوم وصححها آخرون، فالقائل ببطلانها بشرط في صحتها أن يكون الإمام كامل الإيمان، وعلى مذهبه فتلك الصلاة غير صحيحة، فلا ثواب لها وإن بعد التوبة على هذا التفصيل الذي ذكرته، وكذا فيما أشبه ذلك، والله أعلم.
---------------------------------------
( 1) الأنفال/38.
(2 ) أبو محمد الأزكوي من أشهر علماء عمان في ق3ه، كان معاصراً للشيخ عزان بن الصقر، وكان ممن أدرك الفتنة، وخرج على الإمام عزان بن تميم، وبايع الحواري بن عبدالله الحداني، فقتل هو وإمامه في وقعة القاع من صحار، من مؤلفاته: جامع الفضل بن الحواري (مطبوع). أنظر: البطاشي. إتحاف الأعيان 1/197. (1/220)
صفحة 221
(3 ) أبو المنذر بن محمد بن محبوب الرحيلي من كبار علماء عمان، له كتب عديدة جليلة منها: الخزانة في سبعين سفراً، والمحاربة (مخطوط) بدائرة الوثائق بوزارة التراث العمانية، توفي عام273ه تقريباً. أنظر:
( 4) البطاشي. الإتحاف: 1/194-195.
--- (1/221)
صفحة 222
الباب الثالث من الركن الرابع: في توبة المحرّم والمستحل
المراد بـ»المحرّم« المنتهك وهو الذي يفعل الذنب مع اعتقاده له أنه ذنب، والمراد بـ»المستحِل« من يفعل الذنب ويعتقد أنه غير ذنب لشبهة تمسك بها أو لتقليده من تمسك بالشبهة في ذلك، فهو يدين بتخطئة من خالفه ذلك، فالمحرّم على هذا أيسر حالاً من المستحل، لأن المستحل جمع مع ارتكاب الذنب اعتقاد أنه غير ذنب وتخطئه من خالفه في ذلك، فمن هنا كانت توبة المحرّم أيسر حالاً من توبة المستحل فيجزي المحرّم أن يتوب من جميع ذنوبه إجمالاً، ولا يجزي المستحل ذلك، لكن يلزمه التوبة عن كل ما استحله بعينه، فيذكر ذنوبه ذنباً ذنباً ويتوب عن كل واحد منها توبة، وهذا معنى قول الناظم: »والمستحل عكس هذا يلزم« أي يلزم المستحل في كيفية التوبة عكس ما يلزم المحرّم، فيلزم المحرّم الإجمال، ويلزم المستحل التفصيل، هذا حاصل ما في الأثر، والظاهر أن لزوم التفصيل في التوبة على المستحل إنما هو تعبد خاص له فيما بينه بين الخلق، أما فيما بينه وبين الله فلا يلزمه ذلك، وإنما يجزيه الإجمال إذا قصد بالتوبة التوبة عن كل ذنب استحله، والله أعلم. (1/222)
صفحة 223
يشترط في توبة من فعل أمراً ويعتقد أنه حرام فلزمه منه ضمان كأكل مال الغير بغير إذنه أن يتخلص إلى أرباب ذلك الشيء إما بغرم له أو بحل منهم، ولا تجزيه التوبة منه بغير تخلص، فإن لم يقدر على التخلص دان بأداء ذلك عند القدرة، فإذا حضره الموت وهو غير قادر على الخلاص أوصى به، وليس عليه فوق ذلك شيء والله رؤوف بالعباد، ولا يشترط هذا الاشتراط في توبة من فعل ذلك الفعل وهو مستحل له على أكثر الأقوال، وعدّله الناظم هاهنا، لكن بشرط أن لا يكون ما أخذه بطريق الاستحلال باقياً في يده، فإنه إن كان باقياً بعينه في يده ففي أكثر أقوالهم أن عليه أن يرده إلى من أخذه منه، وقيل لا يلزمه إليه لأنه إنما أخذه يوم أخذه وهو مستحل له، وفي قول ثالث: أن على المستحل رد ما أخذه إن كان باغياً وغرمه إن كان متلفاً.
هذا محصل ما في الأثر في هذا المقام، وعندي فيه تفصيل: هو أنه إذا كان المستحل مشركاً فلا يلزمه غرم ما أتلفه في حال شركه على المسلمين ولا يلزمه رد ما أخذ منهم بعد أن أسلم ولو كان باقياً في يده، لأن له ما أسلم عليه لأدلة ذكرتها في غير هذا الكتاب، وإن كان المستحل من أهل القبلة فإنه يلزمه رد ما أخذ على المسلمين باستحلاله وغرمه إن كان قد تلف من يديه لأنه لا تحل أموال أهل القبلة بنفس الاعتقاد لحلها، والله (سبحانه وتعالى) أعلم. (1/223)
صفحة 224
أي حكم آخذ أموال أهل القبلة أنه محرم لأخذها، فهو محكوم عليه بغرمها وإن ادعى الاستحلال لها، لأن أموال أهل القبلة في دين الله محجورة بغير إذن أهلها، فيحكم على من أخذها بردها إليهم، ودعواه أنه مستحل لأخذها دعوة لو صحت تسقط عنه الحكم بردها إليهم على قول بعض، )وأيضاً فحكم أهل الإقرار كلهم التحريم لما حرم الله، ودعوه أنه مستحل تخالف أهل هذا الحكم (1 )، فلا تسمع منه دعواه أن مستحل إلا بصحة شرعية وهي شهرة أو شهادة عدلين، وذلك أن تقضي الشهرة أو يشهد العدلان بأن هذا الرجل قد كان على دين الأزارقة(2 ) مثلاً، والله أعلم.
---------------------------------------
( 1) ما بين المعقوفين ساقط في: ب.
(2 ) الأزارقة: أتباع أبي راشد نافع بن الأزرق، الخارج بالبصرة في أيام عبدالله بن الزبير، وهم على التبرئ من عثمان وعلي والطعن عليهما، وإن دار مخالفيهم دار كفر، فإنّ من أقام بدار الكفر فهو كافر. المقريزي. الخطط: 2/354
--- (1/224)
صفحة 225
الباب الرابع من الركن الرابع: في الأمور التي لا تلزم منها توبة
أي لعفو الله (تعالى) عنه بمنّه، وهي أربعة أشياء (التقية، والخطأ، والنسيان، وحديث النفس) فعقد لكل واحد من التقية والخطأ فصلاً، وعقد لحديث النفس والنسيان فصلاً واحداً، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في التقية
التقية إما أن تكون بالقول، وإما أن تكون بالفعل، وسيأتي بيان حكم التقية بالفعل، وأما التقية بالقول فتجوز في موضع، وتمنع في موضع آخر، ولها موضع ثالث يختلف في جوازها فيه.
فأما الموضع الذي تجوز فيه فهي ما إذا كان القول ليس في ضرر على أحد من البشر، وكان المجبور قد اكره على القول به، فإنه يجوز له في هذا الموضع أن يدفعه عن نفسه ما يخشاه من القتل ونحوه بالقول الذي طلب منه -ولو كان ذلك القول شركاً- وهذا معنى قوله: »أجز تقية بقول..الخ« ومعنى قوله: »إن خلص من نيل ضر..الخ« أي إن خلص ذلك القول من وقوع الضرر في الغير فهو تقييد للجواز، ما ذكرناه مأخوذ من الكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله (تعالى): (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)( 1) وقوله (تعالى): (إلا أن تتقوا منهم تقاة)(2 ) وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: »عفي عن أمتي( 3) الخطأ والنسيان، وما حدّثوا به أنفسهم وما أكرهوا عليه«(4 ) ومن ذلك ما جرى لعمار بن ياسر (رضي الله عنه) حين أخذه المشركون فلم يدعوه حتى سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتم بخير، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله ما أراني إلا هلكت، فأخبره الخبر(5 )، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال: »فإن عادوا فعد«(6 ). (1/225)
صفحة 226
وأما الموضع الذي تمنع فيه التقية بالقول فهو ما إذا كان في القول ضرر عل أحد من البشر كإتلاف نفس الغير أو قطع عضوه، فإنه لا تجوز لأحد التقية في هذا الموضع إذ لا يحل لأحد أن ينجي نفسه بضرر غيره، إذ ليست نفسه أولى بذلك من نفس غيره، وهذا معنى قوله: »وامنعها في إتلاف نفس إن جنى« أي امنع التقية بالقول في موضع يجني فيه القول إتلاف نفس الغير وكذا حكم عضوه، ومثال ذلك أن يكره جبار ذو قدرة معروف بالغشم أحداً ممن يقدر عليه أن يدله على أحد من البشر ليقتله بباطل أو ليقطع عضوه بغير حق، وكان قد توعده بالقتل إن لم يدله عليه ، فلا يجوز لهذا المجبور أن يدل الجبار على ذلك المطلوب وإن خاف على نفسه منه.
وأما الموضع الذي يختلف في جوازه التقية فيه بالقول فهو ما إذا كان في ذلك القول إتلاف لمال الغير، كأن يدل الجبار على مال لغيره أن يضيعه أو يقتله الجبار، فإن بعضاً قد أجار له أن يدله على ذلك مع اعتقاد الضمان له، وبعض منع من ذلك، وهذا معنى قوله: »والخلف..الخ« والجواز في هذا الموضع أظهر من المنع، لأن المال لا يقاوم النفس، والله سبحانه و(تعالى) أعلم. (1/226)
صفحة 227
هذا بيان حكم التقية بالفعل وحكمها أنها لا تجوز عند الأصحاب وذلك كحرق النفس وتغريقها وكقتلها، فإن في هذه الصور كلها لا يجوز لأحد أن ينجي نفسه بفعلها، لكن اشتهر عندهم جواز التقية بفعل الأشياء التي أبيح فعلها للمضطر كأكل الميتة والدم، وهذا الجواز وإن كان على قول بعضهم(7 ) فهو مشهور في آثارهم فيدل على أن كلامهم في منع التقية بالفعل مجمل لابد له من تفصيل، وتفصيله أن تقول: إن الفعل الذي يكره عليه الإنسان إما أن يكون به ضرر بالغير كحرق النفس وغرقها وقتلها، وإما أن يكون ليس فيه ضرر بالغير لكن فيه إتلاف لمال الغير، وإما أن يكون ليس فيه ضرر بالغير ولا إتلاف لماله، فإن كان فيه ضرر بالغير فهو الممنوع اتفاقاً، وإن كان فيه إتلاف لمال الغير فيخرج فيه الخلاف المذكور في جواز التقية بالقول بشرط ضمان ذلك المتلف.
والذي ليس فيه ضرر بالغير ولا إتلاف لماله نوعان:
أحدهما: فعل لا يقبل الخبر والإكراه، بمعنى أنه لا يتأتى فعله عند ذلك كالزنا فإن فعله لا يصدر إلا عن اختيار من الرجل دون المرأة فلا يحل للرجل التقية به ولا للمرأة أن تساعد عليه. (1/227)
صفحة 228
وثانيهما: فعل يقبل الإكراه والجبر، وذلك كأكل الميتة وأكل الدم وأكل لحم الخنزير ونحو ذلك مما أبيح لنا فعله في الاضطرار إليه، فأجار التقية به قوم ومنعها به آخرون، وحجة المجوزين للتقية به أن هذه الأشياء قد أباحها الله لنا في حال الاضطرار لها، ومقام الجبر والإكراه مقام اضطرار، فجار لنا لذلك، وأيضاً فإن الحكمة من شرعية الإباحة لفعل ما ذكر عند الاضطرار إنما هي حفظ النفس وهي حاصلة هاهنا، قال المانعون: إن إباحة ما ذكر مقيدة بالاضطرار في المخمصة، فلا تكون الإباحة في غير المخمصة وإن اضطر إلى فعله، قلنا: ذكر المخمصة في الآية لا مفهوم له، وإنما هو جاز على الأغلب من أحوال الاضطرار، فإن الغالب من حال الاضطرار إلى أكل ما ذكر إنما هو في حال المخمصة، والتقييد بالأغلب المعتاد لا مفهوم له، لأنه لم يذكر للقيد، فبهذا التحقيق يظهر لك صحة القول بجواز التقية بأكل نحو الميتة، والله أعلم.
إذا أكره المكلف على فعل شيء يجب على فاعله الحد كالسرقة والزنا فهل يقام عليه ذلك الحد أم لا؟ قال قوم: يقام عليه الحد بذلك لأنه فعل موجبه والتقية بفعله حرام، فلا يدفع عنه الحد بذلك، وقال قوم: يدفع عنه الحد بذلك لحصول الشبهة بالإكراه، وفي الحديث: »ادرأوا الحدود بالشبهات«(8 ) وهذه شبهة، فلا يقام معها الحد، وهذا القول أظهر ودليله أوضح، فقول الناظم: »في أن لا يحد نستحب« اختيار هذا القول، ومعناه أن استحبابنا في عدم حده. (1/228)
صفحة 229
واعلم أن الخلاف الجاري في إقامة الحد مع التقية بنحو الزنا والسرقة لا يجري في التقية بنحو قتل النفس، وقطع عضو منها، لأن في الفعل تعلق حق العباد، فيجب عليه القود والقصاص، والخلاف المتقدم آنفاً إنما هو في موجب الحدود التي لم يكن للخلق فيها حق، هذا ما يظهر في تحرير المقام، ثم إني أحسب إني وقفت على حكاية الخلاف في ثبوت القود على قاتل المجبور، ووجهه إن القود قد اختلف فيه، هل هو حد أم حق؟ فعلى القول بأنه حد يسقط بالشبهة ولا يسقط على القول بأنه حق للعباد(9 )، والله أعلم.
---------------------------------------
(1 ) النحل/106.
( 2) آل عمران/28.
( 3) في: ب (لأمتي) بدلاً (عن أمتي).
( 4) أخرجه ابن ماجه، ك الطلاق، ب16، ح2043، عن أبي ذر، وح2044، عن أبي هريرة، وح2045 عن ابن عباس بألفاظ مختلفة، ج1، ص659.
(5 ) ساقطة في: ب.
(6 ) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2/357، وابن جرير الطبري في جامع البيان: 14/182، كلاهما عن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه.
(7 ) في: م (لبعضهم).
( 8) أورده الزيلعي في نصب الراية: 3/333، (دار إحياء التراث العربي) والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: 9/303، والعجلوني في كشف الخفا: 1/73، وابن حجر في تلخيص الجبر (مكتبة ابن تيمية - القاهرة): 4/63، والمتقي الهندي في الكنز ح12957، 12972.
(9 ) ما بين المعقوفين ساقط من: ب.
--- (1/229)
صفحة 230
الفصل الثاني: في الخطأ
ومما لا يؤخذ العبد به ولا تلزمه فيما بينه وبين الله منه توبة الخطأ وهو أن يقصد إلى فعل طاعة أو مباح فيخطأ إلى غير مقصوده، وهو نوعان: أحدهما غير محاكم فيه لكونه خاصاً بنفسه كما في الحديث أن رجلاً أراد أن يقول: اللهم أسكني الجنة، فقال: اللهم أسكني النار، فاشتد ذلك عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: »لا بأس عليك، لك ما نويت«( 2) وأما النوع الذي هو في محاكم فهو مثل أن يقصد إلى تجديد كلمة التوحيد فيخطأ منها إلى كلمة الشرك أو يقصد إلى إظهار ولاية المسلمين فيخطأ منها إلى إظهار البراءة منهم، أو يقصد أن يقول لزوجته أنت بارة فيخطأ إلى قوله: أنت طالق، أو يقصد أن يقول لعبده: أنت صالح فيخطأ إلى قوله: أنت حر، فإنه يكون في هذه الصورة كلها محاكماً، فيحكم عليه بالكفر في إظهار الكفر، وبالعداوة في موضع العداوة، وبالطلاق لزوجته وبالعتق لعبده، إن خاصماه في ذلك، وعليه هو أن يسلم للحكم الظاهر إذا حكم عليه بشيء، فيجب عليه تجديد التوحيد، وإظهار الولاية للمسلمين، وتسريح الزوجة، ورفع اليد على العبد، وهذا معنى قوله: »ومن ألزمه الظاهر حكماً يسلمن« أي ومن ألزمه الحكم الظاهر شيئاً من الأحكام الشرعية فعليه أن ينقاد له وأن لا يتمرد عليه، والله أعلم.
-----------------------------------------
( 1) (خطا) من غير همزة في: ب، و: م.
( 2) لم أجد تخريجه حسب بحثي.
--- (1/230)
صفحة 231
الفصل الثالث: في النسيان وحديث النفس
المراد بـ»رفض الوزر« رفعه، أي رفع الإثم عن المكلف في حالتي النسيان ووسوسة الشيطان للحديث المتقدم ذكره(3 )، فأما رفع الإثم في النسيان فظاهر، وأما رفعه في وسوسة الشيطان والمراد بها حديث النفس فمقيد بما إذا لم يقدر المكلف أن يدفع الوسوسة الحاصلة في نفسه لأنه يجب عليه بذل مجهوده في دفع الوسوسة المحرمة شرعاً.
والمعفو عنه منهما إنما هو حديث النفس الذي لا يمكن المكلف دفعه، ومثال هذا الحكم في رفع الإثم من الأمور الحسية، هو رؤيا البصر الواقعة على محجور شرعاً، فإن الشرع لم يؤاخذنا في الخطأ من ذلك، ولا فيما لم يمكنا غض النظر عنه، وليست الوسوسة بالمعنى المذكور أشد من رؤيا البصر على المنظور المحجور، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
-------------------------------------
(1)(لمح) في: م.
(2 ) (الوزير) في: م.
(3 )
--- (1/231)
صفحة 232
خاتمة الكتاب
المراد بـ»أنوار العقول« هذه المنظومة، فهو علم عليها، وإنما سميتها بذلك لأن موضوعها علم الاعتقادات، ومحل ذلك العلم هو العقل(1 )، فالمتمسك بما في هذه المنظومة إنما هو متمسك بنور العقل، والعادل عما لا يصح له العدول فيه منها خارج من النور إلى الظلمات، والمراد بقوله: »حاوية أهم شيء في الأصول« أي جامعة للأمور التي لابد منها، ومن معرفتها من أصول الديانات، والله أعلم.
ومعنى قوله: »عارية« أي متجردة، و»الوصمة« العيب، و»الإخلال« التقصير عما لا ينبغي التقصير فيه(2 )، و»الكمال« التمام، أي تمت هذه المنظومة حال كونها جامعة للأهم من أصول الديانات، و»عارية« من عيب التقصير عما لا ينبغي التقصير عنه حال كونها سالكة الطريقة التامة من التحقيق، وواردة المنهل الوافي من التدقيق، والله أعلم.
معنى قوله: »أهديتها« أي صيرتها هدية، ومعنى قوله: »صرفاً« أي خالصة، ومعنى قوله: »تصونه« تحفظه، ومعنى قوله: »من كل قول كاذب« أي اعتقاد مخالف للحق، أي صيرت هذه المنظومة هدية خالصة لا أبغي عليها أجراً إلا من الله لكل طالب للحق وملتمس للهدى، والحال أنها تحفظ هذا الطالب من الاعتقادات الفاسدة، والله أعلم.
أي أثني على الله (تعالى) بما هو له أهل من الجميل على تيسيره لي إتمام ما قصدت إتمامه في أتم حال وأوفى مقام.
ثم إني بعد الحمد لله أصلي الصلاة وأسلم التسليم المأمور بهما شرعاً على نبي هذه الأمة، والمبعوث من خير قوم يملأون العين شرفا، وعلى آله التابعين له، وعلى صحبه المناصرين له، وعلى من تبع سبيلهم غير مبدل ولا مغير من بعدهم صلى الله وسلم عليهم أجمعين، ففي قوله: »على التمام والوفا« براعة حسن الختام على تمام هذا النظام، وفي هذا المقام. (1/232)
صفحة 233
وفي هذا المقام؛ انتهى بنا الكلام على شرح هذا النظام، جعله الله (تعالى) عوناً للطالبين، ونوراً للمهتدين، وفوزاً لناظمه يوم الدين، والصلاة والسلام(3 ) على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه، وعلى جميع المؤمنين، والحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قد تم هذا الشرح المختصر على المنظومة المسماة: بأنوار العقول، وهو الشرح الصغير من شرح ناظمها عليها، وذلك في سنة أربعة عشر(4 ) وثلاثمائة سنة وألف من الهجرة النبوية( 5) على صاحبها أكمل صلاة وتسليم( 6).
عرضت بشرحها على مؤلفها تصحيحاً، بقلم الفقير الحقير لله (تعالى) راجي رحمة ربه القدير سعيد بن خميس بن حمد بن سالم المدسري البهلوي خادم بني علي..
تمت بحمد الله وتوفيقه،،،
--------------------------
(1 ) (الفعل) في: م.
( 2)غيه) في: م.
(3 ) في: م غير موجودة.
( 4) هكذا في ب، و: م، والصحيح (أربع عشرة).
(5 ) في: م (الإسلامية).
(6) في: م (صاحبها أفضل الصلاة والسلام).
--- (1/233)
صفحة 234
فهرست مصادر ومراجع التحقيق
( أ )
1)إتحاف الأعيان. البطاشي؛ سيف بن حمود؛ (ط1/ 1415ه-1994- مسقط).
2)إتحاف السادة المتقين. الزبيدي محمد بن محمد (ط1/1989- دار الكتب العلمية - بيروت).
3)الإحكام في أصول الأحكام. الآمدي علي بن محمد (ط1/1983- دار الكتب العلمية - بيروت).
4)الاستقامة. محمد بن سعيد الكدمي (ط وزارة التراث القومي والثقافة - 1405ه).
5)اعتقاد فرق المسلمين والمشركين. الرازي.
6)الأعلام. الزركلي؛ خير الدين (دار العلم للملايين - بيروت).
7)الأغاني. الأصفهاني أبو الفرج (مؤسسة عز الدين - بيروت).
8)الاهتداء. أحمد بن عبدالله الكندي (ط وزارة التراث القومي والثقافة - 1406ه).
( ب )
9)بدائع الصنائع. أبو بكر بن مسعود الكاساني (ط2/ 1402ه-1982م - دار الكتاب العربي).
10)البحر الزخار. البزار؛ محسن الأمين (ط1/ مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة).
( ت )
11)تاريخ الأدب العربي. شوقي ضيف (دار المعارف - مصر).
12)تاريخ بغداد. الخطيب البغدادي؛ أحمد بن علي (ط دار الكتب العلمية - بيروت).
13)تحفة الأعيان. نور الدين السالمي (مكتبة الاستقامة - 1417ه - سلطنة عُمان).
14)الترغيب والترهيب. المنذري عبدالعظيم بن عبدالقوي (ط دار مكتبة الحياة - بيروت - 1987م).
15)التعريفات. علي بن محمد الجرجاني (ط 1413ه - 1992م - دار الكتاب العربي - بيروت).
16)تمهيد قواعد الإيمان. سعيد بن خلفان الخليلي _ط وزارة التراث القومي والثقافة - 1407ه).
17)تنوير المقباس من تفسير ابن عباس. (ط/ 1987م - دار الكتب العلمية - بيروت).
18)تهذيب التهذيب. ابن حجر أحمد بن علي (ط1/ 1984م - دار الفكر بيروت).
19)تهذيب الكمال. المزي جمال الدين (تح: بشار عواد ط4/ 1985م - مؤسسة الرسالة - بيروت). (1/234)
صفحة 235
20)تيسير التفسير. محمد بن يوسف أطفيش (وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عُمان).
( ج )
21)جامع بيان العلم وفضله. يوسف بن عبدالبر (ط1 - دار الكتب العلمية - بيروت).
22)جامع البيان. ابن جرير الطبري (ط 1408ه - 1988م - دار الفكر).
23)الجامع لأحكام القرآن. القرطبي؛ محمد بن أحمد الأنصاري (ط1 - دار الكتب المصرية - القاهرة).
24)جواهر التفسير. أحمد بن حمد الخليلي (ط1 - مكتبة الاستقامة - مسقط).
25)جوهر النظام. نور الدين السالمي (وزارة التراث القومي والثقافة - ط2 - مسقط).
( ح )
26)حلية الأولياء. أبو نعيم الأصفهاني أحمد بن عبدالله (دار الفكر - بيروت).
( خ )
27)الخطط المقريزية. أحمد بن علي المقريزي (ط2/ 1987م - مكتبة الثقافة الدينية - مصر).
( د )
28)الدعائم. أحمد بن النظر (ط2/ 1988م - وزارة التراث القومي والثقافة).
29)دليل أعلام عمان. مجموعة بإشراف محمد بن الزبير (سلطنة عُمان).
( س )
30)سنن الترمذي. محمد بن عيسى (تح: أحمد محمد شاكر - دار الكتب العلمية - بيروت).
31)سنن الدارمي. عبدالله بن عبدالرحمن السمرقندي (تح: فؤاد أحمد زحيلي، خالد السبع - دار الكتاب العربي - بروت - ط1/ 1987م).
32)سنن أبي داود. سليمان بن الأشعث (تح: محمد محيي الدين - دار الفكر - بيروت).
33)سنن ابن ماجه. محمد بن يزيد القزويني (تح: محمد فؤاد عبدالباقي - دار إحياء الكتب العربية - بيروت).
34)السير. أحمد بن سعيد الشماخي (وزارة التراث القومي والثقافة - ط2 - تح: أحمد بن سعود السيابي).
35)السير والجوابات. (تح: سيدة إسماعيل كاشف - ط2 - 1989م- وزارة التراث القومي والثقافة - مسقط ).
( ش )
36)شرح عقود الجمان. عبدالرحمن بن محمد السيوطي (1358ه - مطبعة مصطفى الحلبي - مصر).
37)شرح العقيدة الطحاوية. علي بن علي الدمشقي (ط2/1413ه - مؤسسة الرسالة).
38)شرح ابن عقيل. عبدالله بن عقيل (ط 1405ه - 1985م - دار الفكر). (1/235)
صفحة 236
39)شعب الإيمان. البيهقي؛ أحمد بن الحسين (تح: محمد السعيد - ط1/1990م - دار الكتب - بيروت).
( ص )
40)صحيح البخاري. محمد بن إسماعيل ( ط دار الجيل - بيروت).
41)صحيح مسلم. مسلم بن الحجاج (ط2/1978م - دار الفكر - بيروت).
42)صفوة الزبد. أحمد بن رسلان (ط3 - مطبعة الحلبي - مصر).
( ط )43)طبقات ابن سعد.
44)طلعة الشمس. عبدالله بن حميد السالمي (ط 1405ه - وزارة التراث القومي والثقافة).
( ع )
45)عمان عبر التاريخ. سالم بن حمود السيابي (وزارة التراث القومي والثقافة - 1406ه).
46)العين. الخليل بن أحمد الفراهيدي (تح: هادي حمودي د ت ط).
( ف )
47)فيض القدير. محمد بن عبدالرؤوف المناوي (دار الفكر).
48)فهرسة الكتب النحوية المطبوعة (ط 1408ه - مكتبة المنار - الأردن).
( ق )
49)قناطير الخيرات. محمد بن إسماعيل الجيطالي (وزارة التراث القومي والثقافة).
( ك )
50)الكامل في التاريخ. ابن الأثير (دار الكتاب العربي).
51) كشف الخفاء ومزيل الألباس. إسماعيل العجلوني (تح: أحمد القلاش ط5/1988م - مؤسسة الرسالة).
52)الكشاف عن حقائق التنزيل. محمد بن عمر الزمخشري (دار المعرفة - بيروت).
53)كنز العمال. المتقي الهندي (ط 1985م - مؤسسة الرسالة - بيروت).
( ل )
54)لسان العرب. محمد بن مكرم بن منظور (ط 1414ه - 1994م - دار الفكر).
55)لسان الميزان. أحمد بن علي بن حجر (ط دار الفكر - بيروت).
56)اللمعة المرضية من أشعة الإباضية. (1/236)