صفحة 1
الكتاب: بهجة الأنوار شرح [منظومة] أنوار العقول في التوحيد
المؤلف: نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي
طبع بهامش الجزء الأَوَّل من كِتَاب شرح طلعة الشمس عَلَى الألفية
نشر: سالم بن سلطان الريامي، مطبعة الموسوعات، مصر
تاريخ النشر: د. ت. [في حياة الْمُؤَلِّف، أي قبل 1332هـ/1914م].
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) <1> كتاب بهجة الأنوار
شرح [منظومة] أنوار العقول في التوحيد
للشيخ نور الدين أبي محَمَّد عبد الله بن حُمَيْد بن سلوم السالمي رَحِمَه الله (المتوفَّى سنة 1332هـ / 1914م)
رقن: مصطفى بن محَمَّد شريفي
(ذو الحجَّة 1418هـ / أفريل 1998م)
_____________________________
ملاحظات:
- تَمَّ رقن الكِتَاب من الطبعة التي بهامش الجزء الأَوَّل من كِتَاب شرح طلعة الشمس عَلَى الألفية، نشر: سالم بن سلطان الريامي، مطبعة الموسوعات، مصر، د. ت. [في حياة الْمُؤَلِّف، أي قبل 1332هـ/1914م].
- ما وضعت بجانبه علامة || فمعناه أنَّنِي صححت الخطأ الموجود في النسخة المطبوعة.
- الرقم الذي وضعته بين هاتين العلامتين < > يشير إلى رقم الصفحة في الأصل المطبوع.
- تخريج الآيات من إضافتي.
أخي القارئ الكريم:
- لم تتِمَّ مراجعة هذه المطبوعة، فلا شَكَّ أَنَّ فيها أخطاء عِدَّة، فأفدنا بها.
- نعتذر عن عدم ضبط كُلِّ الآيات عَلَى رواية ورش؛ نظرا لأَنَّ النصَّ الكامل للقرآن الكريم لَمَّا ينجز بعدُ إبان الرقن.
- لم نهتم بتنسيق الأبيات الشعرية؛ لأَنَّ هَذِهِ الطبعة مؤقتة. نسأل الله أن يمنَّ علينا بطبع نهائي مع التخريجات اللازمة. فلا تنسنا من دعائك.
القرارة: ليلة الأحد 13 مُحَرَّم 1427هـ
12 فيفري 2006م (1/1)
صفحة 2
<2> بسم الله الرحمن الرحيم
لك الحمد يا من نوَّر عقولنا بالدين، وطهَّر قلوبنا من زيغ الملحدين، وصفَّى عقائدنا من ضلالات المبتدعين، وخلَّص أعمالنا من أقاويل المبطلين، وجعلنا من القوم الهادين المهتدين، والصلاة والسلام عَلَى خير مبعوث رحمة للعالمين، وَعَلَى آله وصحبه وَعَلَى تابعيهم إِلىَ يوم الدين.
وبعد، فَهَذِهِ منظومة منَّ عليَّ بها الرحمن المنَّان، في قواعد التوحيد والأديان، سالكة أعلى منهج في هَذَا الشان، واردة أعلى منهل يحلو للأذهان؛ تنطق بالصدق في كُلِّ نادي، وتصدع بِالحَقِّ بين الحاضر والبادي؛ قريبة المأخذ للمتناول، بعيدة الفور عن اعتراض المجادل؛ سمَّيتها: «أنوار العقول»، وما أجدرها بما فيها أقول:
هَذِهِ الأنوار لا نجم زهر لا ولا إشراق شمس أو قمر
فلها ألباب أرباب العلى مطلع زانت به تلك الفكر
قرَّبت في فنِّها ما قد نأى وحوت كلامهم معتبر
ليت أشياخي الألى قد سلفوا شهدوا وضع مبانيها الغرر
ورأوا تنقيحها في جمعها وانتخابي لمعانيها الدرر
فلهم فيها مجال واسع ولها عندهم أعلى قدر
وقد كنت شرحتها شرحا مختصرا، عَلَى معاني أبياتها مقتصرا، ثُمَّ إِنِّي زدت عَلَى نظمها زيادات، وألحقته (1/2)
صفحة 3
<3> جملة أبيات، فرجعت إِلىَ ذَلِكَ الشرح فنقَّحته، وَإِلىَ هَذَا المزيد فشرحته، فهاك نظما محرَّرا، وشرحا مهذَّبا مختصرا، سمَّيته: «بهجة الأنوار»، جعله الله لي ذخرا في دار القرار. وَهُوَ حسبي ونعم الوكيل.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
البَاء للاستعانة مُتَعَلِّقَة بمحذوف، مُقَدَّم عند النحويِّين، ومؤخَّر عند البيانيِّين، لفائدة القصر والاهتمام. وهل ذَلِكَ المحذوف اسم أو فعل؟ والحقُّ أَنَّهُ فعل مناسب لغرض المبسمِل، تقديره: «بسم الله أبتدئ» أو «أؤلِّف»، أو نحو ذَلِكَ.
وإضافة «اسم» إِلىَ «الله» للبيان أو للحقيقة أو للاستغراق كما في “الهميان”؟ وصرَّح في “حاشية الشذور” أَنَّ الإضافة تأتي لِمَا تأتي عَلَيْهِ «ال» من المعاني.
وَالله عَلَم عَلَى الذات الواجب الوجود المستحقِّ لجميع المحامد.
الرحمن الرحيم، هل هما اسمان من أسماء الله أو صفتان؟ وَعَلَى كلا القولين فليسا بعَلَمين، لأَنَّ كلَّ واحد منهما كلِّيٌّ ينحصر فيه فرد، والعلَم ليس كَذَلِكَ. وهل هما في أوجه الإعراب صفتان لله أو بدلان منه؟ أو عطفَا بيانٍ؟ وجوهٌ. وهل الرحمن أبلغ معنًى من الرحيم، أم الرحيم أبلغ مَعنًى من الرحمن؟ أو هما مترادفان في المعنى؟ كما يعلم من المطوَّلات.
وابتدأ بالبسملة اقتداء بِالكِتَابِ العزيز، وعملا بما في الرواية عنه (ص): «كلُّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر»، وَفيِ رواية: «أقطع»، وَفيِ رواية: «أجذم»، والمعنى (1/3)
صفحة 4
<4> متَّحد في كلِّها، أي منقطع عن البركات، وإن تَمَّ بناء لا يتِمُّ معنى.
وَكَذَلِكَ يكون الابتداء بالحمدلة بعد البسملة اقتداء بِالكِتَابِ العزيز، فَإِنَّهَا في أَوَّل الفاتحة، وعملا بما في الرواية عنه (ص): «كلُّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة عليَّ فهو أقطع، أبتر، ممحوق من كُلِّ بركة».
الحمد لله الذي قد أشرقا شمس الأصول في نهى ذوي التقى
قال الملويُّ: «الحمد هو الثناء بغير الحادث المطبوع»، فدخل فيه الثناء عَلَى الله تَعَالىَ بصفاته القديمة، فَإِنَّهُ من أجلِّ المحامد، وبهذا يعترض عَلَى غير التعريف من التعاريف، فَإِنَّهَا تخرج هَذَا الحمد، وإن كان قد أجيب عن ذَلِكَ بتعسُّفات، في بَعضها سوء أدب مع الربِّ تَعَالىَ، وليس هَذَا محلُّ بسطه.
وخرج عن الثناء نحو وصف من هو في الدرك الأسفل من النار لِمَا تضمَّنه: {ذقِ اِنَّكَ أنت العزيز الكريم}، فَإِنَّهُ ليس بثناء، بل تنقيص له وسخرية.
والشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعِم بسبب الإنعام، وَقِيلَ: لاَ بُدَّ أن يكون الإنعام عَلَى الشاكر، فعُلم أَنَّ بينهما عُمُومًا من وجه.
و «ال» في «الحمد» إِمَّا للعهد، والمعهود حينئذ: الحمد القديم. وَإِمَّا للجنس، وَهُوَ مذهب الزمخشريِّ في “كشَّافه”، وَعَلَيْهِ فجائز تارة وممتنع أخرى عَلَى حسب الاحتمالات كما في “الهميان”. وَإِمَّا للاستغراق، فيكون المعنى كلُّ فرد من أفراد الحمد لله، وَهُوَ الحقُّ وَعَلَيْهِ اعتمد القطب في “الهميان” (1/4)
صفحة 5
<5> ويُؤَيِّده قَوله تَعَالىَ: {وما بكم من نِّعمة فمن الله}، وينصره ما حكى الملويُّ في حاشيته مِمَّا وجده مكتوبا بخطِّ شيخه. قال الإمام الفخر: «الحمد معرَّفا لا يقال إِلاَّ في حقِّ الله عَزَّ وَجَلَّ، ولا يجوز أن يقال: الحمد لزيد».
قال سيبويه: «اللام في “الله” للاختصاص، وينصره تقديم الجار والمجرور في سورة التغابن، وَذَلِكَ في قَوله تَعَالىَ: {له الملك وله الحمد}.
و (أشرقا) إلخ ... الهمزة للصيرورة، فكان المَعْنَى: صيَّر الأصول التي هي كالشمس في الاهتداء بها مشرقة. فإن قلت: قد جعلتَ الشمس من باب المشبَّه به، فَلِمَ لم تجعلها من باب الاستعارة؟ قلت: لا يَصِحُّ أن يكون من باب الاستعارة إِلاَّ حيث يطوى ذكر المشبَّه أصلا، وَهُوَ هنا مذكور وَهُوَ الأصول، والإضافة بينهما من باب إضافة المشبَّه به إِلىَ المشبَّه.
والأصول: جمع أصل، وَهُوَ ما عُرف حكم غيره به.
والنهى: جمع نهية وَهُوَ العقل.
والتُّقَى: اسم بمعنى التقوى وَهُوَ الزهد عن المحارم، والمسارعة إِلىَ تأدية اللوازم، وفيه إشارة إِلىَ أَنَّ العلم النافع لا يعطى لغير المتَّقي، لأَنَّ وعاء العلم: الورع. وَفيِ الخبر: «يلهمه الله السعداء ويحرمه الأشقياء».
وَفيِ قَوْله: (شمس الأصول) براعة الاستهلال، وهي أن يجعل المتكلِّم في أَوَّل كلامه إشارة إِلىَ مقصوده؛ وأحسنها ما يكون عَلَى وجه التورية.
فأبصروا بنورها المسالكا وجانبوا بسرِّها المهالكا
قوله: (فأبصروا)، أراد بالبصيرة (1/5)
صفحة 6
<6> لا بالبصر. والباء في قوله: (بنورها) للسببيَّة أو للمصاحبة. والهاء منه عائدة إِلىَ الأصول لا إِلىَ الشمس كما قد يُتَوَهَّمُ. والمسالك جمع مسلك، وَهُوَ مكان السلوك.
(وجانبوا) فاعَلَ، من المجانبة وهي المباعدة. فإن قلتَ: لِمَ أتيتَ بفاعَلَ في هَذَا المقام مع أَنَّهُ موضوع للمفاعلة غالبا، ولم تأت بافْتَعَلَ مع أَنَّهُ موضوع للتجنُّب والاتِّخاذ ونحوهما؟ قلتُ: الإتيان بفاعَلَ في هَذَا الموضع أولى من التعبير بافتعل، لكونه أبلغ معنى وأنجح فائدة وأوفى بتأدية المقصود، ألا ترى أَنَّ المَعْنَى حينئذ: كَأَنَّ المهالك جانبتهم بنفسها بسبب ذَلِكَ السرِّ الذي أودع في الأصول، فلم تتعرَّض لهم أصلا، وبهذا يظهر لك المقصود.
والمهالك: جمع مهلك وَهُوَ موضع الهلاك.
حَتَّى استووا عَلَى بساط القرب في حضرة قدسيَّة في القرب
الاستواء هو الاعتدال. وبساط القرب عبارة عن كون الوصول إِلىَ خير مأمول، إِلىَ مقام المشاهدة ودرجة المكاشفة. وتقرُّب العبد إِلىَ مولاه امتثاله لأمره وزجره. وتقريب الله لعبده توفيقه إِيَّاهُ لطاعته، وإعانته له وتخليصه له من كثيف الغبار. والحضرة عبارة عن دائرة الكمال. قال الدمنهوري: «والمراد بالحضرة، وَيُعَبَّرُ عنها بحضرة القدس، وهي الحالة التي إِذَا وصل إِلَيْهَا السالك سُمِّيَ عارفا وواصلا، أن يكون في حالة لا يرى فيها إِلاَّ المولى، أي لا يرى (1/6)
صفحة 7
<7> صدور الأشياء عَلَى الحقيقة إِلاَّ منه تَعَالىَح فانيا عن الأكوان، متوجِّها بقلبه إِلىَ الرحمن، متلقِّفا ما يلقيه المولى سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ في قلبه من لطائف العرفان. ولا شَكَّ أَنَّ الوسيلة إِلىَ هَذِهِ الحالة ذكر المولى سُبحَانَهُ وتَعَالىَ».
والقدسيَّة نسبة لها إِلىَ القدس، وَهُوَ البعد عَمَّا لا يليق بها. ولا إيطاء في البيت، لأَنَّ القرب الأَوَّل بمعنى التقرُّب الذي هو فعل العبد؛ والقرب الثاني بمعنى التقريب، الذي هو فعل الله.
فانتعشت عقولهم بالذكر وبسقت أسرارهم بالفكر
يقال: انتعش العاثر إذا نهض من عثرته.
والعقول: جمع عقل. وقد اختلف فيه، فقال الشافعيُّ: هو آلة خلقها الله في عباده يميِّزون بها بين الأشياء وأضدادها ركَّبها فيهم سُبحَانَهُ ليستدلُّوا بها بين الأمور الغائبيَّة بالعلامات نصبها لهم مَنًّا منه ونعمة. وقال قوم: هو معين في القلب وسلطانه في الدماغ، لأَنَّ أكثر الحواسِّ في الرأس، وَلِذَلِكَ قد يذهب بالضرب عَلَى الدماغ. وقال آخرون: هو قُوَّة وبصيرة في القلب، منزلته منه منزلة البصر من العين. وَيُسَمَّى عقلا لكونه مانعا للنفس عن فعل ما تهواه؛ مأخوذ من عقال الناقة المانع لها أن تذهب حيث شاءت، وَهُوَ مخلوق في الإِنسَان أن يزداد وينتقص جميع المعلومات بحسٍّ وغيره [كذا]، إِلَيْهِ مرجعها، وَهُوَ يميِّزها ويقضي عَلَيْهَا.
والذِّكر: القُرْآن العظيم. قال: وَهُوَ أصل للعلوم بأسرها، فما من أصل إِلاَّ وَهُوَ (1/7)
صفحة 8
<8> مستنبط منه. قال رَسُول اللهِ (ص): «العلم كلُّه القُرْآن»؛ وَهُوَ الأصل والتنزيل، وما بعده من العلم تفسير له وتأويل. وَسَمَّاهُ ذكرا لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَهَذَا ذكر مبارك انزلناه}.
وقول الناظم: (وبسقت) أي طالت، كما عن مجاهد وعكرمة في تفسير قَوله تَعَالىَ: {والنخل باسقات}. وَالمُرَاد بالأسرار: العقول. وضع الظاهر في موضع المضمر عَلَى لفظ غير الأَوَّل، وَهُوَ أحسن ما يكون فيه. والفكر حركة النفس في المعقولات، وحركتها في المحسوسات تخييل.
فأبرزوا نتائج الأفكار فأعربت عن شرف المقدار
الإبراز: نقيض الإستار، والنتائج هي التي تنشأ عن الفكر، جمع نتيجة، وهي لغةً: الثمرة، وإضافة النتائج إِلىَ الأفكار من باب إضافة المتسبَّب إِلىَ السبب، فأعربت أي أبانت. وشرف المقدار: عبارة عن الرتبة العالية التي وصلوا إِلَيْهَا، ووقفوا لديها بواسطة العلم.
ثُمَّ صلاة الله مع سلامه مصطحبان بثنا أَنعامه
ممتزجان بالثنا الجميل عَلَى النبيِّ المصطفى الجليل
الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن الناس دعاء، وَقِيلَ: بل صلاة الملائكة دعاء أَيضًا، وَفيِ معناه قلت:
صلاة الله رحمة وَأَمَّا صلاة الخلق معناها الدعاء
وجملة الصلاة خبريَّة لفظا، إنشائيَّة (1/8)
صفحة 9
<9> معنى. والسلام: التَّحِيَّة. ورفع «مصطحبان» عَلَى أَنَّهُ خبر لمبتدإ محذوف، تقديره هنا: مصطحبان. و (السنا) || بفتح السين للضوء. و (الأنعام) بفتح الهمزة جمع نعمة، وبكسرها: مصدر أَنْعَمَ عَلَيْهِ. وإضافة (السنا) إِلىَ (الأنعام) من باب إضافة الصفة إِلىَ موصوفها، وَالمَعْنَى فيه: مصطحبان بأنعامه السنيَّة، ورفع (ممتزجان) عَلَى أَنَّهُ خبر لمبتدإ أَيضًا.
و (النبي) إنسان أُوحِيَ إِلَيْهِ بشرع فإن أمر بتبليغه سُمِّيَ رسولا أَيضًا، وَهُوَ بالهمز من النبإ، أي الخبر، فيصحُّ أن يكون بمعنى: فاعل، باعتبار أَنَّهُ مخبر بكسر الباء عن الله عَزَّ وَجَلَّ؛ أو بمعنى: مفعول، باعتبار أَنَّ جبريل أخبره عن الله تَعَالىَ، وبالبناء من النبوَّة وهي الرفعة، فيصحُّ أن يكون بمعنى مفعول لأَنَّهُ مرفوع الرتبة عن غيره، أو فاعل لرفعه غيرَه، إذ ما من مرفوع إِلاَّ وباب رفعته النَّبِيء (ص) المصطفى. والجليل: العظيم.
محَمَّد سَيِّد كُلِّ من شفع والآل والصحب الرضا ومن تبع
محَمَّد: مفعَّل، من الحمد، عَلَم لخاتم النبيئين والمرسلين (ص)، وَسمِّيَ بِذَلِكَ لكثرة خصاله المحمودة. و (سَيِّد كُلِّ من شفع) أي أشرفهم وأفضلهم. قَالَ (ص): «أنا سَيِّد ولد آدم ولا فخر». و (الآل): المُرَاد بهم آله (ص)، وهم هنا كلُّ من كان عَلَى طريقته متمسِّكا بشريعته، بدليل ما في الرواية عنه (ص): «آل محَمَّد كلُّ مؤمن». (1/9)
صفحة 10
<10> وَفيِ رواية: «آل محَمَّد كلُّ تقيٍّ». وَعَلَى هَذَا المَعْنَى أنشد:
آل النبيِّ هم أتباع ملَّته من الأعاجم والسودان والعرب
لو لم يكن آله إِلاَّ قرابته صَلَّى المصلِّي عَلَى الغاوي أبي لهب
و (الصحب): بفتح المهملة الأولى، وإسكان الثانية: اسم جمع لصاحب، بمعنى الصحابي، قال المناوي في التيسير: «هو من لقيه بعد النبوَّة وقبل موته مؤمنا به» انتهى. و (الرِّضا) بكسر الراء: مصدر: رَضِيَ، بفتحها، صفة للآل والصحب عَلَى حدِّ: “زيدٌ عدلٌ”. ويجوز أن يقول: عَلَى حذف مضاف، تقديره: أهل الرضا، ونحوه. وقوله: (ومن تبع) أراد التابعين لهم بإحسان إِلىَ يوم الدين. فإن قلتَ: قد جعلت آله (ص) كلَّ من كان عَلَى طريقته متمسِّكا بشريعته، ونفيت أن يكون آله عَلَى الخصوص من أهديته [كذا] تشريفا لهم عَلَى غيرهم، فما الفائدة في عطف الصحب والتابعين عَلَى الآل؟ قلت: هَذَا العطف من باب عطف الخاصِّ عَلَى العامِّ لنكتة يدريها من خاض رياض جنان علم البيان؛ وقد ورد مثل هَذَا كثير في القُرْآن العظيم، منها قَوله تَعَالىَ: {حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى}.
وبعد فالدين أهمُّ مقصدا وَأَنَّهُ أجلُّ علمٍ قُصِدَا
لأَنَّهُ يعرب للإنسان عن كُلِّ ما كلِّف بالبرهان
الواو من قوله: (وبعد) إِمَّا عاطفة (1/10)
صفحة 11
<11> والمعطوف حينئذ قِصَّة عَلَى قِصَّة، وَإِمَّا نائبة عن|| أَمَّا التفضيليَّة، وَهَذَا الوجه أحسن من الأَوَّل لاقترانها بالفاء، وَعَلَيْهِ فيكون المَعْنَى عَلَى مذهب سيبويه: مهما يكن من شَيْء بعد حمد الله والصلاة والسلام عَلَى رَسُول اللهِ و عَلَى أولياء الله علم الدين لشدَّة الاحتياج إِلَيْهِ، وكثرة التعويل عَلَيْهِ.
وقوله: (فالدين) أي فعلم الدين إلخ والدين هو وضع إلهيٌّ لذوي العقول باختيارهم المحمود إِلىَ ما هو خير لهم بالذات؛ وَيُسَمَّى شريعة باعتبار أَنَّ الله شرعه لنا دينا؛ وَيُسَمَّى دينا باعتبار أَنَّ الملَك أملاه عَلَى النَّبِيء (ص)، أو باعنبار إملاء النَّبِيء عَلَى أمَّته فالمعنى واحد، واختلاف العبارات باختلاف الاعتبارات.
وقوله: (أهمُّ مقصدا) أي مقصده أهمُّ، أي أشدُّهما [كذا] من مقصد غيره. والهمُّ هنا بمعنى العزم.
وقوله: (وَإِنَّهُ أجلُّ علم) أي وَإِنَّ علم الدين أعظم كُلِّ علم طلب لينتفع به.
وقوله: (يعرب) أي يُبَيِّنُ. و (الإنسان) هو الحيوان الناطق، وَالمُرَاد به هنا: المكلَّف. و (التكليف): إلزام الله العبدَ ما يشقُّ عَلَى النفس فعله؛ وعرَّفه بَعضهم بِأَنَّهُ الأمر والنهي اللذان يجب بهما العقاب والثواب، وفيه نظر، لأَنَّ التكليف غير الأمر والنهي.
و (البرهان): هو ما أثبت المَعْنَى في النفس، وَهُوَ والحجَّة والدليل ألفاظ متَّحدة المَعْنَى.
وقد نظمت دررا في أصله إن تَدْرِها جُزتَ طريق عدله (1/11)
صفحة 12
<12> النظم لغة: لفُّ الشَّيْء إِلىَ الشَّيْء، يقال: نظمت اللؤلؤ في السلك إذا ضممت بَعضه إِلىَ بَعض، وَفيِ الاصطلاح: وزن مخصوص عَلَى قافية مخصوصة. و (الدرر) اللؤلؤ، شبَّه المسائل التي نظَمها بالدرر، واستعار لها اسمها.
وقوله: (في أصله): أي في أصوله، والضمير عائد إِلىَ الدين لأَنَّهُ شامل للأصول والفروع، أي وقد نظمت هَذِهِ المسائل التي هي كالدرر في حسنها وصفائها في علم أصول الدين، وَهُوَ معرفة ما للنفس وما عَلَيْهَا اعتقادا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا العلم أصول الدين لأَنَّ الدين كلَّه مبنيٌّ عَلَيْهِ صحَّة وفسادا، فلا دين لمن لا اعتقاد له.
وقوله: (إن تدرها) إن تعلمها، مِن دَرَى الشَّيْءَ إذا علِمه. (جزتَ) بمعنى سلكتَ. (طريق عدله): عبارة عن الاستقامة في الدين.
لَقَطْتُها من زاخر الآثار عن الكرام السادة الأبرار
التلقيط: الأخذ شَيْئًا فشَيْئًا من حيث لا يحسُّ؛ والضمير في “لَقَطْتُها” عائد إِلىَ الدرر، بمعنى المسائل. و (الزاخر): الطامي، يقال: زخر البحر إذا طمي.
و (الآثار) جمع أثر، وَهُوَ في الأصل: الخبر المرويُّ عن رَسُول اللهِ (ص)، وَهُوَ معنى قولهم: «لا حظَّ للنظر مع ورود الأثر»؛ ثُمَّ نقل في اصطلاحنا إِلىَ كلام العلماء في الأحكام الشَّرعِيَّة. وقوله: (عن الكرام): جمع كريم، وَهُوَ لغةً: مَن إذا سُئل أعطَى، ثُمَّ نقل إِلىَ التقيِّ لِقَولِهِ (1/12)
صفحة 13
<13> تَعَالىَ: {إِنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم}. و (السادة): جمع سَيِّد، وَهُوَ من فاق قومه بفضيلة. و (الأبرار) جمع بَرٍّ، بفتح الموحَّدة، وَهُوَ من أصلح ما بينه وبين رَبِّه.
وَالله بالقبول فيها يقضي حَتَّى أراها في غد من قرضي
ومنه أرجو أن يعمَّ نفعها كلَّ الورى، وأن يتِمَّ صنعها
(القبول): الثواب عَلَى الشَّيْء. و (يقضي): أي يحكم. وقوله: (حَتَّى أراها) أي كي أجدها، ف“حَتَّى” بمعنى كي، كقولك للكافر: أسلِم حَتَّى تدخل الجَنَّة. و (غد): اسم لليوم الذي بعد يومك الذي أنت فيه، وأراد به هنا الآخرة، وَفيِ التعبير به عنها تنبيه عَلَى سرعة اضمحلال الدُّنْيَا وَإقبال الآخِرَة. و (قرضي): أي عمل [كذا] الصالح. وأصل القرض هو ما أعطيته غيرك لتقتضيه منه، شبَّه به العمل بجامع أَنَّ كلاًّ منهما راجع إِلىَ صاحبه بنفعه، اقتباسا من قَوله تَعَالىَ: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه وله أجر كريم}. والهاء من قوله: (ومنه) عائدة إِلىَ اسم الجلالة. و (الورى): الخلق. و (الصنع) اسم بمعنى الصناعة.
الركن الأَوَّل في العلم وما يشتمل عَلَيْهِ
وفيه أربعة أبواب.
قَدَّمَ ركن العلم عَلَى ركن الجملة، مع أَنَّهَا هي العروة الوثقى لمن تمسَّك بها، وهي السلامة لمن لم ينقضها (1/13)
صفحة 14
<14> لكون العلم أصلا لها، وبه تقوم الحُجَّة بها عَلَى المكلَّف، وإن كانت حجَّة معناها تقوم بخاطر البال، فهو أَيضًا علم.
واختلف في حدِّ العلم، فقال قوم: إِنَّهُ لا حدَّ له. وَقِيلَ: بل يحدُّ، وحدُّه: إدراك المعلوم عَلَى ما هو به. وَقِيلَ: الإدراك والإحاطة والاستبانة؛ قال في “الأَدِلَّة والبيان”: وَهُوَ الصحيح.
الباب الأَوَّل
في أقسام العلم وأحكامه
جمع “حكم”، وَهُوَ النسبة التَّامَّة بين شيئين. وشرعا: هو أثر خطاب الله تَعَالىَ المُتَعَلِّق بفعل العباد، كان اقتضاء كالإيجاب والتحريم والندب والتكريه، أو تخييرًا|| كالإباحة.
قدَّم ذكر العلم عَلَى الجهل مع أَنَّ الجهل موجود طبعا في الإِنسَان لِقَولِهِ تَعَالىَ: {والله أخرجكم من بطون أُمَّهَاتكم لا تعلمون شَيْئًا} تنبيها عَلَى شرف العلم وفضيلته، وارتفاع رتبته، وعلوِّ درجته.
ومحدث العلم ضروريٌّ بلا تأمُّل، ونظري تُؤُمِّلا
ينقسم العلم الحادث بالنسبة إِلىَ حصوله إِلىَ قسمين: ضروري ونظري||.
فالضروريُّ: هو الذي غير محتاج إِلىَ تأمُّل أي تفكُّر واكتساب. وَهُوَ أنواع:
أقواها: علم الإِنسَان نفسه وما هو عَلَيْهِ من حالاته.
ثُمَّ الفرق بين الموجود والمعدوم، وَأَنَّ الشَّيْء يستحيل وجوده في مكانين في وقت واحد؛ وموجود ومعدوم في وقت؛ وقائم وقاعد في حال.
ثُمَّ وقع [كذا] عند تواتر الأخبار كالعلم بالبلدان النائية، (1/14)
صفحة 15
<15> والملوك الماضية.
ثُمَّ العلم بحاجة البناء إِلىَ بانٍ، وَالكِتَابة إِلىَ كاتب.
والنظريُّ: هو الذي يحتاج في تحصيله إِلىَ تأمُّل واكتساب، وَفيِ الأَدِلَّة والبيان: هو الذي يعلم بالاستدلال.
واحترز بمحدَث|| العلم عن علمه تَعَالىَ، فَإِنَّهُ لا تقسيم له، ولا يوصف بِأَنَّهُ ضروريٌّ ولا نظريٌّ.
وقسَّم العلمَ الإمام الخليليُّ إِلىَ ثلاثة أقسام، فكان جوابه لمن سأله إِلىَ وهبيٍّ وضروريٍّ ومكتسبيٍّ، فكان جوابه لمن سأله عن الفرق بينهما بِأَن قال: «الوهبيُّ يلقيه الله تَعَالىَ في قلب عبده، فيض نورانيٌّ، ومدد رحمانيٌّ، والضروريُّ لا يمكن أن يتَصَوَّرَ لذي بال خلافه، بِأَنَّ الاثنين أكثر من الواحد. والكسبيُّ: ما عُرف بالتعلُّم والتحفُّظ والاجتهاد، فحصل بسمع من المسموعات، أو نظر من المرئيَّات، أو بفكرة من المُقَدِّمَات لأهل الاستدلال والنظر». انتهى.
وعند التحقيق فالوهبيٌّ راجع إِلىَ الضروريِّ وداخل في حدِّه.
والكلُّ من ذَيْنِ له تعبُّد في الشرع معروفا كما سنورد
اختلف في دخول “ال” عَلَى “ كل ” و“ بَعض ”، فأجازه قوم ومنعه آخرون، كذا ذكره العطَّار في حاشيته الأزهريَّة.
ولفظة “ذين” إشارة إِلىَ الضروريِّ والنظريِّ، أي كلٌّ من الضروريِّ والنظريِّ له تعبُّد، تدرك معرفة ذَلِكَ التعبُّد من علم الشرع، فتعبُّد الضروريِّ كالإيمان بِاللهِ وملائكته وكتبه ورسله واليوم (1/15)
صفحة 16
<16> الآخر. وكالاعتقاد بِأَنَّهُ لا يَصِحُّ محسن مسيء في حالة واحدة، ولا مؤمن كافر في حالة واحدة، ولا شقيٌّ سعيد في حالة واحدة، إِلىَ غير ذَلِكَ من الأضداد ونحوها.
وتعبُّد النظريِّ هو كالمعرفة بتفاصيل الصلاة وحدودها، والمعرفة بالصيام وحدوده وتفاصيله، والمعرفة بالحجِّ ومواقيته وفرائضه وسننه، والمعرفة بالزكاة وتفاصيلها إِلىَ غير ذَلِكَ مِمَّا يدرك علمه بالاستدلال والتعلُّم والتفكُّر.
والعلم منه لازم قد وجبا تعليمه والثاني نفل ندبا
فَكُلُّ شَيْء لم يسعنا جهله فواجب، وما عداه نفله
ينقسم العلم بالنسبة إِلىَ الحكم الشرعيِّ إِلىَ واجب ومندوب إِلَيْهِ.
فالواجب: هو علم كُلِّ شَيْء غير واسع الجهل به، وَهُوَ المُرَاد بقوله (ص): «العلم فريضة عَلَى كُلِّ مسلم»، وَفيِ رواية: «طلب العلم فريضة عَلَى كُلِّ مسلم»، وقوله: «اطلب العلم ولو بالصين». وَهَذَا القسم مهما لزم أحدا لا يسعه التأخير عن طلبه إِلاَّ بعذر بيِّن، كما سيأتي إن شاء الله تَعَالىَ.
والمندوب: هو علم كُلِّ شَيْء واسع الجهل به، لَكِن في تعليمه منفعة دِينِيَّة، أو صلاح للعالم، فمن طلبه من غير تضييع لفرض، كقوت عيال إِلىَ غيره من الفرائض الحاضرة كان له الفضل العظيم كما سيأتي إن شاء الله، وَهَذَا القسم هو المشار إِلَيْهِ بِقَولِهِ تَعَالىَ: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إِنَّمَا يتذكَّر أولو الاَلباب}.
ويصحُّ عَلَى تأويل آخر أَن (1/16)
صفحة 17
<17> يحمل معنى الآيَة عَلَى الوجوب.
والبحث للواجب حتما يلزمُ لقادر بتركِ ذاك يأثمُ
والحدُّ للقدرة أن يرى له معبِّرا وإن نأى يمض له
في الصُّحِّ معْ وِجدان ما يحمله ومأمن معْ قوت من يكفله
(البحث): طلب باجتهاد، أي يلزم طلب العلم الواجب لزوما حتميًّا عَلَى من قدر عَلَيْهِ، ومن تركه مع القدرة عَلَى طلبه فهو آثم هالك إِلاَّ أن يتوب.
وحدُّ القدرة في هَذَا أن يجد من يعلِّمه علم ذَلِكَ. وإن بَعُد هَذَا المُعَلِّم لزمه أن يرحل إِلَيْهِ فيتعلَّم منه ما لزمه علمه. ولا يلزم المسير إِلَيْهِ إِلاَّ إن كان صحيحا، واجدا للراحلة والأمان في الطريق، وواجدا للقوت الذي يتركه لمن يلزمه عوله إِلىَ أن يرجع إِلَيْهِم.
فقوله: (يرى): أي يجد له. وقوله: (معبِّرا) أي من يُعَبِّرُ لَهُ علمه بعبارة يعقلها، وَإِلاَّ فلا يلزمه. وقوله: (وإن نأى) أي بَعُد ذَلِكَ المعبِّر عن بلده. وقوله: (يمضِ له) أي يرحل إِلَيْهِ. وقوله: (في الصُّحِّ) بِضَمِّ الصاد، اسم بمعنى الصِّحَّة. وقوله: (مع وجدان) مصدر وجد. وقوله: (ما يحمله) أي مع وجوده الذي يحمله إِلَيْهِ وَهُوَ المركوب، وَذَلِكَ إذا لم يستطع المشي إِلَيْهِ. وقوله: (ومأمن) مصدر أَمِنَ بمعنى: الأَمَان. وقوله: (مع قوت من يكفله) أي مع وجدانه قوتا يتركه لمن يكفله، أي لمن يلزمه عوله.
فَهَذِهِ خمسة شروط: وهي وجود المعبِّر، (1/17)
صفحة 18
<18> وَالصِّحَّة والمركوب إذا لم يستطع المشي، والأمان وقوت العيال. وترك شرطا سادسا وَهُوَ الزاد المبلِغ، إِلاَّ أَنَّهُ تنطوي عَلَيْهِ عبارته بالمأمن، فَإِنَّ ترك الزاد مخوف.
وَهَذَا الذي ذكره الناظم مِمَّا تقوم فيه الحُجَّة بالسماع. وَأَمَّا الذي تقوم عَلَيْهِ فيه الحُجَّة من العقل فغير منفَّس فيه لأحد بالسؤال بعد خطور البال، كما سيأتي إن شاء الله تَعَالىَ في موضعه.
فإن قلتَ: هل يلزم علم ما يطمئنُّ إِلَيْهِ قلبه أَنَّهُ لو عاش يلزمه ذَلِكَ، ويخاف عند لزومه أن لا يجد من يُعَبِّرُ له إِيَّاهُ؟
قلتُ: لا يلزمه ذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ من باب الفضيلة والوسيلة، ولو كان يلزمه ذَلِكَ للزمه أن يعرف ما هو أبعد منه، فيتمشَّى هَذَا القول إِلىَ أَنَّهُ يلزمه أن يعرف ما في علم الله، وَهَذَا محال، والدائن به دائن بضلال. وبما أورده الإمام أبو سعيد رَضِيَ اللهُ عَنهُ في كِتَاب الاستقامة كفاية من أن نطيل بالتفصيل له هاهنا.
وفضله ليس له إحصاء جاءت به من رَبِّنا الأنباء
الهاء من قوله: (وفضله) عائدة إِلىَ العلم. و (الإحصاء) بالكسر: الضبط والحصر. و (الأنباء) بالفتح الأخبار، أي فضل العلم ليس له ضبط لمن رام ضبطه، ولا حصر لمن شاء حصره، لعظم ما منَّ الله بسببه من النعم عَلَى صاحبه، دَلَّت عَلَى ذَلِكَ الآيات القُرْآنيَّة والأحاديث النَّبَوِيَّة.
أَمَّا الآيات فقد قال عَزَّ وَجَلَّ: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ (1/18)
صفحة 19
<19> وَالْمَلآَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ} (1)، فانظر كيف بدأ سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ بنفسه وثنَّى بالملائكة، وثلَّث بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفا وفضلا. وقال الله تَعَالىَ: {يرفعِ اللهُ الذِينَ ءَامنُواْ منكم والذِينَ أوتواْ العلمَ دَرَجَاتٍ} (2). قال بن عَبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنهُ: للعلماء درجات فوق درجات المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام. وقال الله عَزَّ وَجَلَّ: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} (3). وقال تَعَالىَ: {إِنَّمَا يخشى الله من عباده العلماء} (4). وقال تَعَالىَ: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} (5). وقال تَعَالىَ: {قال الذي عنده علم من الكتاب أنآ ءاتيك به قبل أن يَّرتدَّ إليك طرْفُكَ} (6)، تنبيها عَلَى أَنَّهُ اقتدر بِقُوَّةِ العلم. وقال عَزَّ وَجَلَّ: {وقال الذين أوتوا العلم ويلَكُم ثوابُ الله خيرٌ لمنَ امَنَ وعمل صالحا} (7)، وفيه أَنَّ عظم قدر الآخرة يعلم بالعلم. وقال تَعَالىَ: {وتلك الاَمثال نضربها للناسِ وما يَعْقِلُهآ إِلاَّ العَالِمُون} (8). وقال تَعَالىَ: {ولو رَدُّوه إلى الرسول وإلى أولي الاَمرِ منهم لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم} (9) رَدَّ حكمه في الوقائع إِلىَ استنباطهم، وأَلْحَقَ رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله.
وَأَمَّا الأخبار النَّبَوِيَّة فقد أورد الحافظ ابن حجر منها جملة مسرودة محذوفة الإسناد، فها نحن نوردها عَلَى طريقته:
قال رسول الله (ص): «من يُرِدِ الله به خيرا يفقِّهه في الدين».
__________
(1) - ... سورة آل عمران: 18.
(2) - ... سورة المجادلة: 11.
(3) - ... سورة الزمر: 9.
(4) - ... سورة فاطر: 28.
(5) - ... سورة الرعد: 43.
(6) - ... سورة النمل: 40.
(7) - ... سورة القصص: 80.
(8) - ... سورة العنكبوت: 43.
(9) - ... سورة النساء: 83. (1/19)
صفحة 20
<20> «إذا أراد الله بعبد خيرا فقَّهه في الدين وألهمه رشده». «أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع»، وَفيِ حديث سندُه مختلف فيه، والجمهور عَلَى قبوله: «فضل العالم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهَّل الله له طريقا إِلىَ الجَنَّة، وَإِنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع||، وَإِنَّ العالم ليستغفر له من في السَّمَاوَات وَمن في الأَرْض حَتَّى الحيتان في الماء، وفضل العالم عَلَى العابد كفضل القمر عَلَى سائر الكواكب، وَإِنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وَإِنَّ العلماء لم يورِّثوا دينارا ولا درهما، وَإِنَّمَا ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ أوفر»، ووقع للناس في هَذَا الحديث اختلاف كثير. قال صفوان بن عسال: يا رسول الله، جئت أطلب العلم، قال: «مرحبا بطالب العلمن إِنَّ طالب العلم لتحفُّه الملائكة بأجنحتها، ثُمَّ يركب بَعضهم بَعْضًا حَتَّى يبلغوا سماء الدنيا من محبَّتهم لِمَا يطلب». «يا أبا ذرٍّ، لأَنْ تغدوَ فتعلم آيَة من كِتَاب الله خير لك من أَنَّ تُصَلِّي مائة ركعة، وَلأَنْ تغدوَ فتعلم بابا من العلم عُمِل به أو لم يُعمل خير لك من أن تُصَلِّي ألف ركعة». «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إِلاَّ ذكر الله وما والاه، وعالما ومتعلِّما». «إِنَّ مِمَّا يلحق لمؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علَّمه ونشره، أو ولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورَّثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا (1/20)
صفحة 21
<21> أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحَّته وحياته، تلحقه من بعد موته». «خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقه تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده». «علماء هَذِهِ الأُمَّة رجلان: رجل آتاه الله علما فبذله للناس ولم يأخذ عَلَيْهِ طعما، ولم يشتر به ثمنا، فَذَلِكَ يستغفر لَهُ حيتان البحر، ودوابُّ البرِّ والطير في جوِّ السماء. ورجل آتاه الله علما فبخل به عن عباد الله، وأخذ عَلَيْهِ طعما، واشترى به ثمنا، فَذَلِكَ يلجم يوم القيامة بلجام من نار، وينادي منادٍ: هَذَا الذي آتاه الله علما فبخل به عن عباد الله، وأخذ به طعما واشترى به ثمنا، وَكَذَلِكَ حَتَّى يفرغ الحساب». «فضل العالم عَلَى العابد كفضلي عَلَى أدناكم، إِنَّ الله وملائكته وأهل السَّمَاوَات وَأهل الأَرْض حَتَّى النملة في جحرها، وَحَتَّى الحوت في الماء ليصلُّون عَلَى مُعَلِّمي النَّاس الخير». «يقول الله عَزَّ وَجَلَّ للعلماء يوم القيامة إِنِّي لم أجعل علمي وحلمي فيكم إِلاَّ وأنا أريد أن أغفر لكم عَلَى ما كان منكم ولا أبالي». وإضافة العلم والحلم الذين فيهم إِلَيْهِ تَعَالىَ صريح في أَنَّهُم كانوا عاملين مخلصين. «العلم علمان: علم في القلب فَذَلِكَ العلم النافع، وعلم في اللسان فَذَلِكَ حجَّة الله عَلَى ابن آدم». «من غدا إِلىَ المسجد لا يريد إِلاَّ أن يَتَعَلَّمَ خيرا أو يعلِّمه، كان كأجر حاجٍّ تَامًّا حجُّه». من خرج في طلب العلم فهو في سبيل (1/21)
صفحة 22
<22> الله حَتَّى يرجع». «من غدا يريد العلم يَتَعَلَّمُه لله فتح الله له بابا إِلىَ الجَنَّة، وفرشت له الملائكة اكتافها، وصلَّت عَلَيْهِ ملائكة السماوات وحيتان البحر، وللعالم من الفضل عَلَى العابد كفضل القمر ليلة البدر عَلَى أصغر كوكب في السماء والعلماء ورثة الأنبياء، إِنَّ العلماء لم يورِّثوا دينارا ولا درهما، وَلَكِنَّهُم ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر»؛ زاد البيهقيُّ: «وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسدُّ، وَهُوَ نجم طمس». «موت قبيلة أيسر من موت عالم». «نضَّر الله امرءًا أي رزقه النضارة والبهجة والحسن سمع مقالتي فوعاها فأدَّاها كما سمعها، فربَّ حامل فقه إِلىَ من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه». «ثلاث لا يغلُّ عَلَيهِنَّ قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة وُلاَة الأمر، ولزوم الجماعة، فَإِنَّ دعوتهم لا تحبط»، وَفيِ رواية: «تحفظ من ورائهم». ومن كانت الدنيا نيته فرَّق الله عَلَيْهِ أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إِلاَّ ما كتب الله له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله أمره، وجعل غناه فيِ قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة؛ فمن دَلَّ عَلَى خير فله مثل أجر فاعله»، أو قال: «عامله». «الدالُّ عَلَى الخير كفاعله وَالله يحِبُّ إغاثة اللهفان». «من دعا إِلىَ هدًى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذَلِكَ من أجورهم شَيْئًا».
الباب الثاني
في السؤال
وَهَذَا لغة: الطلب. قال الشاعر:
سألناكم قبل الرماح حقوقنا (1/22)
صفحة 23
<23> فَلَمَّا أبيتم كان حاكمنا السمر
وَفيِ الاصطلاح هو ما يبرهن به في العلم، ومنه اشتقاق المسألة عَلَما عَلَى طائفة مخصوصة من الكلام فهي من أعلام الأشخاص كأسماء سائر التراجم، وَإِنَّمَا قَدَّمَ المُصَنِّف هَذَا الباب عَلَى الذي يليه لأَنَّ السؤال سبب للفتوى، والسبب مُقَدَّم عَلَى مسبَّبه.
سؤالنا قسمان قسم حَجَرا والثاني تفويض المجيب قرَّرا
ينقسم السؤال بالنسبة إِلىَ مطالبة الجواب إِلىَ: سؤال حجر، وسؤال تفويض.
فَالأَوَّلُ: نحو سؤال الرجل عن العالَم بفتح اللام هل هو محدَث أم لا؟ فَكَأَنَّهُ حَجَر عَلَى المجيب إِلاَّ أن يجيبه بأحد الوجهين.
والتفويض: هو نحو سؤال الرجل عن الدلالة عَلَى حدوث العالم فيجيب العالم بِأَيِّ دلالة شاء، فَكَأَنَّهُ فوَّضه في ذَلِكَ. وَفيِ شرح قصيدة فتح بن نوح قال: «وقسَّمه آخرون عَلَى خمسة فقالوا: سؤال فائدة وسؤال تعنُّت، وسؤال استفهام وسؤال تقرير، وسؤال إجلال ومثل هَذَا من المعاني، فَكَأَنَّهُم عَبَّروا عن العِلَّة التِي بها سأل السائل، إِمَّا أن يسأل ليستفهم أو ليتعنَّت، وليس هَذَا الوجه من أقسام السؤال، وَإِنَّمَا هو من أقسام العِلَّة التي لها سأل السائل». انتهى.
أقول: ولا مانع من تقسيم السؤال إِلىَ ما ذُكر باعتبار غرض السائل، وَالله أعلم. (1/23)
صفحة 24
<24> وباعتبار الشرع في التعبُّد للازم قسم، ونفل تهتدي
ينقسم السؤال بالنسبة إِلىَ الاعتبار الشرعيِّ في التعبُّد أي التكليف إِلىَ قسمين: لازم ونفل.
فاللازم: هو السؤال عن كُلِّ ما لا يسع جهله من دين الله.
والنفل: هو السؤال عن ما عدا ذَلِكَ، وعبارة الناظم تخرج السؤال المكروه والمحجور كالسؤال عَمَّا لا فائدة فيه، والتجسُّس عَلَى|| العورات. قال القاضي في الأكلة وحقائق الأَدِلَّة: «والسؤال سؤالان: سؤال مأمور به، وسؤال منهيٌّ عنه؛ فالمأمور به عَلَى ضربين: سؤال عن واجب فهو واجب، وسؤال عن مندوب إِلَيْهِ فهو سؤال ندب، فمن اعتقد ترك السؤال عن المندوب إِلَيْهِ فهو هالك بإجماع». أي من اعتقد ذَلِكَ دِينا فَإِنَّهُ لا شَكَّ في هلاكه بِذَلِكَ لأَنَّهُ دان لله بخلاف ما أمره به وندبه إِلَيْهِ، والمتقرِّب إِلىَ الله بخلاف ما أمره به هالك إجماعا، وليس المُرَاد بقوله: «فمن اعتقد ترك السؤال ... » إلخ مَن عَزَم عَلَى تركه، لأَنَّ العازم عَلَى ترك المندوب من غير دينونة بتركه مع تأدية ما وجب عَلَيْهِ وترك ما حرِّم عَلَيْهِ سالم إجماعا، وَالله أعلم.
أَسْقِطْ سؤالاً إن أتَى خْمسٌ به تناقضٌ أو جاء باضطرابه
إثبات أو جمع سؤالين معا أو كونه من المحال وقعا
ينقسم السؤال بالنظر إِلىَ نفس لفظه: إِلىَ سؤال صحيح، وَإِلىَ سؤال ساقط. (1/24)
صفحة 25
<25> فَأَمَّا السؤال الصحيح فهو ما خلا من هَذِهِ الأشياء الخمسة، وحقُّه أن يجاب، إِلاَّ إذا حصل له مانع من غير لفظه، كتعنُّت في السائل ونحو ذَلِكَ.
وَأَمَّا السؤال الساقط فهو ما كان في لفظه أحد هَذِهِ الخمسة: وهي التناقض الاضطراب والإثبات وجمع سؤالين مختلفين في سؤال واحد، ويطلب لهما جوابا واحدا، والسؤال عن المحال؛ فإذا كان في السؤال أحد هَذِهِ الخمسة كان ساقطا وحقُّه أن لا يجاب.
فَأَمَّا التناقض فهو أن يكون آخر السؤال مناقضا لأَوَّلِه، مثال ذَلِكَ أن يقول السائل: إذا كان العالَم محدَثا فما الدَّلِيل عَلَى قِدمه؟ أو يقول: إذا كان الجماد غير متحرِّك فما الدَّلِيل عَلَى تحرُّكه؟.
وَأَمَّا الاضطراب فهو أن يدخل السائل في سؤاله الأعمَّ في الأخصِّ، مثال ذَلِكَ أن يقول: ما الدَّلِيل الذي صار به العرض حركة، وما الدَّلِيل الذي صار به العالَم جسما؟ فالعرض أعمُّ من الحركة، والعالم أعمُّ من الجسم، وَفيِ إدخال كلٍّ منهما في صاحبه اضطراب.
وَأَمَّا الإثبات فهو أن يسأل السائل عن زيادة فائدة في شَيْء والمسؤول ينفي أصل ذَلِكَ الشَّيْء، مثال ذَلِكَ أن يقول: ما الدَّلِيل عَلَى ثبوت رؤية الله في الآخرة؟ والمسؤول ينقي الرؤية أصلا. وما الدَّلِيل عَلَى خروج أهل الكبائر من النار؟ والمسؤول لا يقول بِذَلِكَ.
وَأَمَّا جمع السؤالين معا فهو أن يسأل عن شيئين مختلفين، ويريد لهما عِلَّة واحدة، وَدَلِيلا واحدا في (1/25)
صفحة 26
<26> الوجه الذي اختلفا فيه. مثال ذَلِكَ أن يقول: ما العِلَّة التي صار بها الجسم مؤلَّفا والعرض مضمحلاًّ؟ وما الدَّلِيل عَلَى حدوث العالم وصدق الرسل؟.
وَأَمَّا السؤال عن المحال فهو أن يسأل عن شَيْء يحيل العقل وجودهن مثال ذَلِكَ أن يقول: هل يقدِرُ الله أن يخلق له شريكا؟ وهل يَقدر الله أن يجعل الإِنسَان ناطقا صامتا في حالة واحدة؟. وَالله أعلم.
فصل في
الألفاظ الممتنع بها السؤال عن المولى جَلَّ وَعَلاَ
امْنَعْ بِكَيْفَ لِمْ وهَلْ سؤالا مَنْ أي متى عن رَبِّنا تَعَالىَ
أين ومِن أين وكَمْ فَكيْفَا عن هيئةٍ وعِلَّةٍ لَمْ تُلفَا
يمتنع السؤال عن الله عَزَّ وَجَلَّ بأشياء، لدلالتها عَلَى معنى حادث، فالسؤال بها من خواصِّ الحادثات، وتلك الأشياء هي: «كيف» و «لِمَ» بكسر اللام وفتح الميم، وتسكينه في الشعر شائع لاستقامة الوزن؛ و «هَلْ»، و «مَنْ» بفتح الميم، و «أَيُّ» بفتح الهمزة، و «مَتَى»، و «أَيْنَ»، و «مِن أَيْنَ»، و «كَمْ»، فَهَذِهِ تسعة ألفاظ، وتَرَك عاشرا وَهُوَ «مَا»، وهي سؤال عن ماهية الشَّيْء، أي حقيقته، وكلُّ واحدة من هَذِهِ الألفاظ لها معنى بخلاف غيرها، ولها جواب بخلاف جواب الأخرى، وكلُّها غير جائز في حقِّ المولى جَلَّ وَعَلاَ. وكذا لا تجوز هَذِهِ الألفاظ سؤالا عن صفاته الذَّاتِيَّة لأَنَّ صفاته هي ذاته لا غيرها، كما سيأتي إن شاء الله، فَكُلُّ ما لا يجوز في حقِّه تَعَالىَ لا يجوز في صفاته الذَّاتِيَّة (1/26)
صفحة 27
<27> لِمَا تَقَدَّمَ.
واختلف في السؤال ب «لِمَ» منهه الألفاظ عن صفاته الفِعلِيَّة، فأجازه قوم ومنعه آخرون؛ والمنع مذهب الإمام أبي عبد الله محَمَّد بن محبوب رَحِمَهُ الله. وَقِيلَ: إن كان السؤال بها عن الصفات الفِعلِيَّة إنكارا لفعله تَعَالىَ فلا يجوز، وإن كان تعلُّما وتفهُّما واستدلالا عَلَى قدرته تَعَالىَ فَذَلِكَ جائز. وَاحتَجَّ القائلون بالمنع بِقَولِهِ تَعَالىَ: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (1). وسيأتي الفرق بين الصفات الذَّاتِيَّة والصفات الفِعلِيَّة عند ذكر الناظم لها إن شاء الله.
وقوله: (فكيف عن هيئة) هَذَا شروع في الكلام عَلَى تفصيل معاني هَذِهِ الألفاظ، أي: فكيف: سؤال يطلب به تعيين الهيئة، وهي الحالة التي عليها المسؤول عنه؛ فإذا قلت مثلا: كيف زيد فكَأَنَّكَ سألت عن حالته، فيقال لك صحيح أم سقيم، أو حيٌّ أو مَيِّت؛ وَهَذَا كلُّه غير جائز في حقِّه تَعَالىَ.
وقوله: (وعلَّة لم تلفا) أي توجد، قَالَ تَعَالىَ: {إنهم ألفوا آباءهم ضالين} (2)، أي وجدوا. والعلَّة: هي التي يكون لأجلها ذَلِكَ الشَّيْء، يعني أَنَّ «لِمَ» سؤال عن عِلَّة، وهي مركَّبة من لام الجرِّ و“ما” الاستفهاميَّة، فحذف ألفها بدخول حرف الجرِّ عَلَيْهَا كما في القانون النحويِّ.
و“هل” لتصديق، و“مَن” عن جنس و“أي” عن شركة وأجزا النفس
“متى” سؤال جاء عن زمان “أين” و“من أين” عن المكان
و“كم” سؤال عدد وَأَنَّهُ
__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 23.
(2) - ... سورة الصافَّات: 69. (1/27)
صفحة 28
<28> فرد قديم قاهر سُبحَانَهُ
“هل” سؤال يطلب بها التصديق؛ وَهُوَ طلب النسبة بخلاف طلب التَّصَوُّر، فَإِنَّهُ طلب التعيين بعد العلم بالنسبة، وله من الأدوات ما عداها.
وقوله: (و“مَن” عن جنس)، أي سؤال يراد به تشخيص الجنس، فقولك: «مَن هَذَا؟» تريد تشخيصه ونسبته. و «مَن جبريل؟» تريد من أيِّ جنس هو؟ فيقال لك: إِنَّهُ من جنس الملائكة. وَإِلىَ هَذَا قَصَدَ اللعين في سؤاله لموسى عَلَيهِ السَّلاَمُ حين قال: {فمن ربُّكما يا موسى} (1) أراد: من أيِّ جنس.
وقوله: (وأيُّ لشركة) إلخ البيت، يعني أَنَّ “أيُّ” سؤال عَمَّا يميِّز المتشاركين كقوله تَعَالىَ: {أيُّ الفريقين خير مقاما وأحسن نديًّا} (2) أي: أَنَحنُ أم أصحاب مُحَمَّد لأَنَّهُمَا شريكان في الفريقيَّة، ويسأل بها أَيضًا عن أجزاء النفس، كقولك: أيُّ أجزاء زيد أحسن؟ فيقال لك: وجهه أو يده أو نحو ذَلِكَ.
وقوله: (“متى” سؤال) أي لفظة “متى” سؤال يطلب بها تعيين الزمان ماضيا كان أو مستقبلا، كقولك: «متى كان هَذَا؟» فيقال لك: أمس، أو «متى يكون هَذَا؟» فيقال لك: غدا.
وقوله: (أين) إلخ البيت يعني أَنَّ “أين” و“مِن أيْنَ” بكسر|| الميم سؤالان يطلب بهما تعيين المكان. قال السيوطي في شرح عقوده: قال الشيخ بهاء الدين: «والفرق بين “أين” و“من أين” أَنَّ “أين” سؤال عن المكان الذي حلَّ فيه الشَّيْء، و“من أين” سؤال عن المكان الذي برز منه الشَّيْء» انتهى.
وقوله: (وكم) أي لفظة “كم” سؤال يطلب
__________
(1) - ... سورة طه: 49.
(2) - ... سورة مريم: 73. (1/28)
صفحة 29
<29> بها تعيين العدد، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {كم لبثتم؟ قالوا: لبِثْنَا يوما اَو بعضَ يومٍ} (1).
فَهَذِهِ الألفاظ كلُّها يمتنع السؤال بها عن الباري سُبحَانَهُ، وَكَذَلِكَ ما كان بمعناها ك“أنَّى” فَإِنَّهَا تراة بمعنى: كيف، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {فَاتُواْ حَرْثَكُمُ أَنَّى شِئْتُمْ} (2)، وأخرى بمعنى: من أين، كَقَولِهِ: {أَنَّى لَكِ هَذَا؟} (3)، أي: من أين لكِ هَذَا؟. وك“أيَّان” فَإِنَّهَا بمعنى: متى مطلقا عند النحويِّين نحو قَوله تَعَالىَ: {يسألونك عن الساعة أيَّان مرساها} (4) أي: متى. {يسأل أيَّان يوم القيامة} (5)، أي: متى يكون. وك“حَتَّى” فَإِنَّهَا بمعنى: إِلىَ متى يكون هَذَا الشَّيْء؟. قال في شفاء الحائم عَلَى بَعض الدعائم: وقد قالوا: إِنَّ السؤال كلَّه عن تسعة أشياء:
أَوَّلها: السؤال ب“هل”، وَهُوَ لأَنَّكَ تسأل أَوَّلاً عن عدم الشَّيْء ووجوده، وجوابه: موجود، أو معدوم، فإن قال: معدوم فقد بطل، وإن قال: موجود، فحينئذ تسأل ب“ما هو”، وَإِنَّمَا تسأل بها عن الجنس خَاصَّةً، فتقول: ما هو؟ تعني: أيُّ جنس هو، فيقال: إِنَّهُ محدثٌ، جنس حيوانٍ، إنسانٌ، عرضٌ، حركةٌ، سكونٌ. فإذا سأل ب“مَن” فَإِنَّمَا يسأل عن إنسان خَاصَّةً، فيقال له: أعراببيٌّ، تركيٌّ، أخٌ، ابنٌ. فإذا سأل بِ“أَيُّ» فَإِنَّمَا سأل عن قصد وإشارة، فيقال له: هَذَا وَذَاكَ. فإذا سأل عن “كم هو” فَإِنَّمَا سأل عن عدد، فيقال له: واحد، اثنان، ثلاثة. فإذا سأل ب“كيف” فَإِنَّمَا سأل عن حال وصفة، فيقال له: حيٌّ أو مَيِّت، أبيض، أسود، حلو، حامض. فإذا سأل ب“أين” فَإِنَّمَا سأل عن مكان، فيقال له: في مكان كذا وكذا بالمشرق
__________
(1) - ... سورة الكهف: 19.
(2) - ... سورة البقرة: 223.
(3) - ... سورة آل عمران: 37 0
(4) - ... سورة الأعراف: 187.
(5) - ... سورة القيامة: 6. (1/29)
صفحة 30
<30> أو بالمغرب، أو بِمَكَّةَ أو بالمدينة. فإن سأل: “لِمَ كان” فَإِنَّمَا سأل عن عِلَّة، فيقال له: لعلَّةِ كذا وكذا. فإذا سأل ب“متى” فَإِنَّمَا سأل عن زمان ماضٍ، أو مستقبلٍ، فيقال له: كان بالأمس، أو يكون غدا.
وقد ذكرها أبو نصر النفوسيُّ في بيت فقال:
وتسع سؤالات عن الله فانفها سأجمعها في البيت نظما عَلَى ضمن
فهل مَن أي كيف أين متى لِمَ وتاسعها: كم، فاحترز وتفطَّنِ
انتهى.
وقول الناظم: (وَأَنَّهُ فرد) إلخ أتى بالخبر مؤكَّدًا لاقتضاء المقام ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذكر أَوَّلاً الألفاظ التي لا تجوز عَلَى الله سُبحَانَهُ سارع إِلىَ تنزيهه عن كُلِّ ما لا يليق به، فحسن تأكيد الخبر.
وقوله: (فرد): لا شريك له ولا أجزاء فيُسأل عنه ب“كَم” و“أيُّ”.
وقوله: (قديم) أي سابق عَلَى كُلِّ شَيْء، فلا يسأل عنه ب“هل”. ولا تأتي عَلَيْهِ الأحوال فيسأل ب“كيف”، ولا جنس فيسأل عنه ب“مَن”، ولا حادث فيسأل عنه ب“لِمَ” و“متى”.
وقوله: (قاهر) أي غالب، لا مكان له يحويه فيسأل عنه ب“أين” و“مِن أين”.
وقوله: (سُبحَانَهُ) أي تنزيها له عن كُلِّ ما لا يليق به تَعَالىَ الله عن جميع ذَلِكَ علوًّا كبيرا.
الباب الثالث
في الاجتهاد والفتوى
[الفتوى] بالواو مع فتح الفاء، وبالياء مع ضمِّ الفاء، وهي تبيين الحقِّ للسائل.
وَأَمَّا الاجتهاد فهو استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل حادثة بشرع.
وَلَمَّا كان مستمَدُّ الاجتهاد والفتوى الأصول الثلاثة بلا خلاف (1/30)
صفحة 31
<31> بدأ بها فقال:
والأصل للفقه كِتَاب الباري إجماع بعد سنَّة المختار
أصول الفقه ثلاثة: كِتَاب الله، وسنَّة رَسُول اللهِ (ص)، وإجماع المهتدين من الأُمَّة. وَأَمَّا الكِتَاب فلأَنَّهُ معجز، وَهُوَ من عند الله ولا شَكَّ، ولا يسع جهله، بل ولا الشكُّ فيه لمن قامت عَلَيْهِ حُجَّته.
واختلف في وجه إعجازه، هل هو من حيث التراكيب عَلَى أَنَّهُ أفحمالبلغاء فيها، أو من حيث الإخبار بالغيب، أو من حيث إخباره عن الأمم الخالية، أو من حيث عدم التناقض فيه ... أقوال. والظاهر أَنَّ كلَّ ذَلِكَ معجزٌ.
وَأَمَّا السنَّة فلثبوت أصلها من الكِتَاب، قَالَ تَعَالىَ: {من يطع الرسول فقد اَطاع الله} (1)، وقال: {وما ينطق عن الهوى إن هو إِلاَّ وحي يوحى} (2)، وقال: {وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (3)، وقال: {ومآ أرسلنا من رسول اِلاَّ ليطاع بإذن الله} (4).
وَأَمَّا الإجماع فلثبوت أصله من الكِتَاب والسنَّة، فمن الكِتَاب قَوله تَعَالىَ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (5)، فبيَّن سُبحَانَهُ أَنَّهُم شهداء عَلَى الناس كما أَنَّ الرسول شهيد عَلَيْهِم. وقوله: {يآ أَيُّهَا الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الاَمر منكم} (6)، فقرن سُبحَانَهُ طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله. وقوله: {ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الاَمر منهم لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم} (7).
__________
(1) - ... سورة النساء: 80.
(2) - ... سورة النجم: 3 - 4.
(3) - ... سورة الحشر: 7.
(4) - ... سورة النساء: 64.
(5) - ... سورة البقرة: 143.
(6) - ... سورة النساء: 59.
(7) - ... سورة النساء: 83 (1/31)
صفحة 32
<32> ومن السنَّة قوله (ص): «لا تجتمع أمَّتي عَلَى ضلالة»، وَفيِ رواية: «لا يجمع الله أمَّتي عَلَى ضلالة»، وَفيِ حاشية الترتيب: ما كان الله ليجمع أمَّتي عَلَى ضلال»، وقوله: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن».
فالمراد بأصل الفقه في كلام المُصَنِّف هو أَدِلَّة الفقه من حيث استناده إِلَيْهَا وإضافته إِلَيْهَا. ومراده بالفقه: ما يَعُمُّ العلم بالعمليَّات والعقائد والأخلاق.
وَالكِتَاب هو الكلام المنزَّل للإعجاز عَلَى رسولنا محَمَّد (ص) المنقول عنه تواترا.
وَالسُّنَّة: هي أقواله (ص) وأفعاله وتقريراته.
والإجماع: هو اتِّفَاق مجتهدي الأُمَّة عَلَى أمر في عصر.
وكلُّ واحد من هَذِهِ الأصول الثلاثة يكون قطعيَّ الدلالة، ويكون ظنِّيَّها.
فَأَمَّا القطعيُّ من الكِتَاب فهو ما كان نَصًّا عَلَى شَيْء بعينه كما في قَوله تَعَالىَ: {حرِّمت عليكم الميتة والدم ... } الآيَة (1).
وَأَمَّا الظنِّيُّ من الكِتَاب فهو ما لم يكن في شَيْء بعينه، وَإِنَّمَا استخرج منه ذَلِكَ الشَّيْء من طريق الاستدلال والاستنباط، وَذَلِكَ كما في قَوله تَعَالىَ: {ووصَّينا الاِنسان بوالديه حسنًا حملته أمُّه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} (2)، فاستنبط العلماء من هَذِهِ الآيَة أَنَّ أقلَّ الحمل سِتَّة أشهر، وَذَلِكَ لِمَا علموا من قَوله تَعَالىَ: {وَالْوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ... } الآيَة (3) أَنَّ مُدَّة الرضاع حولين أسقطوا الحولين من ثلاثين شهرا
__________
(1) - ... سورة المائدة: 3.
(2) - ... سورة الأحقاف: 15.
(3) - ... سورة البقرة: 233. (1/32)
صفحة 33
<33> فبقيت سِتَّة أشهر، وليست الآيَة نَصًّا في هَذَا كُلِّه، وَلَكِنَّ العلماء استنبطوا منها ذَلِكَ بالإشارة إِلَيْهِ، فدلالتهما عَلَى ذَلِكَ ظَنِّيَّة.
وَأَمَّا القطعيُّ من السنَّة فهو ما نقله التواتر عنه (ص)، وأجمعت الأُمَّة عَلَى أَنَّهُ عنه عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كحديث: «من كذب عليَّ متعمِّدا فليتبوَّأ مقعده من النار».
وَأَمَّا الظَّنِّيُّ من السنَّة فهو ما نقل عنه (ص) من طريق الآحاد، أو من طريق التواتر وَلَكِنَّهُ ليس|| نَصًّا في المطلوب.
وَأَمَّا القطعيُّ من الإجماع فهو ما كان في شَيْء لم يَتَقَدَّم فيه خلاف، ولم ينازع فيه أحد من المجمعين لا قبل انعقاده ولا بعده حَتَّى انقرض عصرهم عَلَى ذَلِكَ، ولم يكن مخالف النصِّ من الكِتَاب أو السنَّة، فَإِنَّ مخالفة النصوص حرام، ولا ينعقد عَلَى مخالفتها إجماعٌ.
وَأَمَّا الظنِّيُّ من الإجماع فهو ما عدا ما ذكرته.
وَلَمَّا كان مخالفة القطعيِّ من كُلِّ واحد من هَذِهِ الثلاثة الأصول حراما وضلالة بإجماع من اعترف بالإجماع من الأُمَّة المحمَّديَّة أشار إِلىَ ذَلِكَ فقال:
والاجتهاد عند هذي مُنعا وهالكٌ من كان فيه مبدِعا
تَقَدَّمَ أَنَّ الاجتهاد هو استفراغ الوسع في استحصال حادثة بشرع. وَفيِ هَذَا البيت إشارة إِلىَ حكمه الشرعيِّ، فيحرم الاجتهاد في مواضع ورد نصُّ الكِتَاب أو السنَّة أو الإجماع القطعيّ في بيان حكمها، ويجب التسليم لها والقبول لبيانها، ويجوز الاجتهاد في (1/33)
صفحة 34
<34> الأشياء التِي لم يَرِد فيها نصٌّ من أحد هَذِهِ الثلاثة. ويجب عَلَى من بلغ رتبة الاجتهاد، واحتاج إِلىَ العمل أو الفتوى أو الحكم بما لم يَرِد به نصٌّ من الأصول الثلاثة.
وقوله: (هالك ... ) إلخ أي من ابتدع حكما مع ورود أحد هَذِهِ الأصول فهو هالك، لأَنَّ مخالفتها حرام وضلال. وَلَمَّا كان الاجتهاد في غيرها قد يكون جائزا، وقد يكون واجبا أشار إِلىَ النوعين فقال:
والرأي في غير الأصول جُوِّزا وواجبٌ أن تتحرَّى الأجوزَا
المُرَاد بالرأي هنا: الاجتهاد الفقهيُّ، وبالتحرِّي طلب ما هو الأَولى في العمل، أي يجوز الاجتهاد في الأشياء التي لم يَرِد فيها نصُّ أحد الأصول الثلاثة لمن شاء أن يجتهد. ويجب عَلَى من بلغ رتبة الاجتهاد فأراد العمل أو الفتوى أَو الحكم بما لم يَرِد فيه نصُّ أحد الثلاثة الأصول، فإذا اجتهد المجتهد فَعَلَيْهِ أن يأخذ بما أدَّاه إِلَيْهِ اجتهاده، وإن خالفه عَلَيْهِ غيرُه. ولا يجوز له أن يترك الأعدلَ في اجتهاده وإن خالفه من خالفه في ذَلِكَ خلافا لِمَا في أجوبة الإمام ابن محبوب رَضِيَ اللهُ عَنهُ لأهل المغرب، وتابعه عَلَى ذَلِكَ أبو الحسن البسياني في سيرته، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا قالا: إِنَّ الحاكم يترك رأيه إن لم يوافقه عَلَيْهِ أحد من الجماعة ويأخذ بقولهم، ولا يخفى ما فيه من العدول عن ذروة التحقيق إِلىَ حضيض التقليد.
ثُمَّ إِنَّهُ أشار إِلىَ هَذَا المَعْنَى بعينه فقال:
ولم يَجُز خلافُنا للأعدل (1/34)
صفحة 35
<35> مِمَّا نرى وميلنا للأهزل
في غير ما قد حكم الحاكم أو كان خلاف كافر فيما رَأَوْا
أو من طريق الزهد كان أفضلا وإن حَكَمْتَ فاقصِدَنَّ الأعْدَلاَ
وَذَاكَ مثل الأكل للسباع قد رأيتَ حلَّها وإن نَهْيٌ وَرَد
حملته عَلَى سبيل الأدب كمثل ما اختار إمام المذهب
يحرم عَلَى المجتهد العدول عن الرأي الذي يرى أَنَّهُ هو الأقرب إِلىَ العدل للأدلَّة التي عنده عَلَيْهِ، والأخذ بالرأي الذي يرى أَنَّهُ أبعد عن الصواب في نظره لمخالفته الأَدِلَّة التي عنده، لأَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ كلَّف كلَّ واحد مِنَّا أن يأخذ عند الحاجة إِلىَ الأخذ بما أدَّى إِلَيْهِ اجتهاده، فهو فرض في حقِّه، والعدول إِلىَ غيره عدولٌ عن فرضه. لَكِن استثنى بَعضهم من هَذِهِ القاعدة ثلاثة أشياء، وذكر أَنَّ فيها جواز العدول عن الأعدل إِلىَ الأهزل في نظر المجتهد:
أحدهما: فيما إذا حكم عليك حاكم عدل، وكان مِمَّن يجوز له الحكم في المختَلَف فيه فَإِنَّهُ يجب عليك اتِّبَاعه فيما حكم به، ولا يجوز لك مخالفته في ذَلِكَ، وإن كنتَ ترى أَنَّ الذي حكم به هو الأهزل والأبعد من الأَدِلَّة.
وُيبحث فيه بِأَنَّ هَذَا غير خارج من تلك القاعدة، ألاَ ترى أَنَّهُ إذا حكم لك بِشَيْءٍ ترى أَنَّهُ لغيرك لا يجوز لك أخذه، غايةُ ما فيه أَنَّ الواجب في الصورة الأولى الإنقياد لحكم الحاكم لا ترك الأعدل في نظره. (1/35)
صفحة 36
<36> وثانيها: أَنَّهُ إذا كان في الرأي الذي يرى أَنَّهُ أبعد من الأَدِلَّة مخالفة لكافرٍ، قال: يجوز له ترك ما هو الأعدل في نظره، والأخذ بما هو أهزل، فيخالف الكافر في ذَلِكَ، كان الكافر مشركا أو فاسقا. ونصب لِلأَوَّلِ دَلِيلا: يهوديٌّ مَرَّ عَلَى رَسُول اللهِ (ص) وأصحابُه واقفون عند دفن مَيِّت، فقال اليهوديُّ: هكذا تفعل أحبارنا، قال: فقعد رَسُول اللهِ (ص)، وأمر أصحابه بالقعود مخالفة لليهود. ونصب للثاني دَلِيلا: ما روي أَنَّ جابر بن زيد رَضِيَ اللهُ عَنهُ خالف الحسن البصريَّ حين قال له، وقد حضر معه في مرضه الذي مات فيه: قل يا جابر: لا إله إِلاَّ الله، فأمسك جابر مع قدرته عَلَى النطق مخافة أن يقال: تبع الحسنَ في مذهبه.
ويبحث فيه بِأَنَّ هَذَا كلَّه خلاف ما عَلَيْهِ القاعدة، فَإِنَّ القاعدة هي أَنَّهُ لا يجوز للمجتهد أن يخالف ما رآه أَنَّهُ هو الحقُّ في نظره، وَأَنَّ ما عداه خلاف الحقِّ في نظره. وقعودُه (ص)، وإمساك جابر عن القول ليْسَا حرامًا قبل ذَلِكَ.
وثالثها: أَنَّهُ إذا كان في الرأي الذي يرى أَنَّهُ الأهزل في نظره نوع زهد وتنزُّه، وَفيِ الرأي الذي يرى أَنَّهُ الأرجح والأعدل ترك لِذَلِكَ التنزُّه والورع، قال: فهاهنا يجوز له أن يترك ما يرى أَنَّهُ الأعدل فيأخذ بما في نظره أَنَّهُ الأهزل، وضرب لِذَلِكَ (1/36)
صفحة 37
<37> مثلا بمسألة تحليل السباع وتحريمها، عَلَى أَنَّهُ قد ورد النهي من الشارع عن أكلها، وقد اختلف العلماء في تأويل هَذَا النهي، فذهب بَعضهم إِلىَ أَنَّ هَذَا النهي للتحريم فحرَّم أكل السباع لِذَلِكَ. وذهب آخرون منهم إمام المذهب أبو سعيد محَمَّد بن سعيد الكدمي إِلىَ حمل هَذَا النهي عَلَى الكراهيَّة والتنزُّه، فأجازوا أكل لحوم السباع وقالوا فيها بالتكريه، فإذا رأى المجتهد جواز أكلها، وَأَنَّ هَذَا النهي للكراهيَّة كما عَلَيْهِ هَذَا الإمام رضوان الله عَلَيْهِ كان جائزا له أن يتمسَّك بما رأى، فيأكل، وأن يدَع أكلها تنزُّها لِمَا في أكلها من الكراهيَّة، هَذَا في الحكم الذي يَخُصُّه بنفسه، أَمَّا إذا حكَّمه غيرُه ووليَ الحكومة في ذَلِكَ وجب عَلَيْهِ أن يأخذ بما يرى أَنَّهُ الأقرب إِلىَ الصواب. مثال ذَلِكَ: إذا تخاصم إِلَيْهِ رجلان، اصطاد أحدهما سبعا فأطلقه منه الآخر، وطلب المصطاد حقَّه من الذي أطلق سبُعه كان عَلَى هَذَا الحاكم أن يحكم لهذا المصطاد عَلَى هَذَا الذي أطلقه بضمان سبُعه.
ويُبحث فيه بِأَنَّ ما ذكر من جواز الترك للأكل ليس من هَذَا الباب الذي نَحْنُ بصدده فإن ترك هَذَا المجتهد أكل هَذِهِ السباع إِنَّمَا لامتثال النهي الوارد عن الشارع فلا يلزم من الامتناع عن أكلها القول بِأَنَّ أكلها حرام. ألا ترى أَنَّهُ حين صار حاكما وجب عَلَيْهِ الأخذ بما رأى أَنَّهُ الأرجح في نظره (1/37)
صفحة 38
<38> فيلزمه الحكم به. ولأجل هَذِهِ الإيرادات عَلَى هَذِهِ المستثنيات أشار المُصَنِّف للتبرُّؤ|| من استثنائها بقوله: (فيما رأوا)، أي فيما رأى المستثنون لِهَذِهِ الخصال.
وَلَمَّا فرغ من بيان الأحكام التي تخصُّ المجتهد شرع في بيان حكم الضعيف عن الاجتهاد فقال:
والخُلف إن لم نعرِفَنَّ الأعدلا هل جائز مِمَّا نَشَا أن نعملا
أو لاَ إذَا التحرِّي في ذا يعدم بل نستشير واجبا مَن يَعلم
اختلف العلماء في الضعيف الذي لا قدرة له عَلَى الاجتهاد، ولا استطاعة له عَلَى ترجيح الأقوال، وقد أراد أن يعمل بِشَيْءٍ من الأشياء التي قد اختلف العلماء في حكمها، فذهب بَعضهم إِلىَ أَنَّ لهذا الضعيف أن يأخذ بِأَيِّ قول شَاءَ من تلك الأقوال الموجودة في مسألته، ولا يلزمه في كُلِّ قَضِيَّة أن يستعين بالفقيه الحاضر. وَاحتُجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ قوله ليس بأثبت فيه مِمَّن تَقَدَّمَه فيه، فأورده أثرا صحيحا، فيحسن اتِّبَاعه لمن بعده، بل قد يمكن أن يكون الأَوَّل أكثر علما وأصحَّ نظرا، وبالعكس، فاستوى الأمران فيما وجده من أثر صحيح أو نقله له عن الأوائل من الاختلاف صحيح، أو أخبره الفقيه الحيُّ بوجود الاختلاف فيه، وسكت عن التعديل فيما يحكيه، وحكم ما عدله بَعض علماء السلف، وعدل غير الفقيه الحاضر من الخلف حكم ما اختلف الفقهاء تعديله، ويرجع الأمر فيه إِلىَ (1/38)
صفحة 39
<39> جواز الأمرين. هَذَا كلُّه إذا لم يكن لهذا الضعيف قدرة عَلَى معرفة الأعدل، وكانت المسألة مِمَّا وجد الاختلاف فيها، أَمَّا إذا شاء العمل بِشَيْءٍ لم يوجد في بيان حكمه شَيْء عن العلماء فهاهنا يجب عَلَيْهِ مشاورة أهل العلم في ذَلِكَ، ولا يجوز له أن يعمل بهوى نفسه.
وذهب آخرون إِلىَ أَنَّهُ يجب عَلَى هَذَا الضعيف إذا شاء العمل بما يختلف فيه أن يشاور من قدر عَلَى مشورته من الفقهاء، وأن يستعينه في طلب الأعدل من الأقوال. والدليل عَلَى ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلىَ الرَّسُولِ وَإِلىَ أُوْلِي الاَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (1)، لأَنَّ الاستنباط لا يكون إِلاَّ من الفقهاء العلماء به، وقد أمر الضعفاء بردِّ الأمر فيه إِلَيْهِم وأخذ فيه بقولهم، فهم الحُجَّة فيه لهم وَعَلَيْهِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيضًا قَوله تَعَالىَ: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (2).
أقول: وَهَذَا المذهب أقوى دَلِيلا وأقوم سبيلا من الذي قبله لِهَذِهِ الأَدِلَّة، وَلِمَا في مشورة العالم من إمكان الاطِّلاَع عَلَى دَلِيل القول الذي يرشده عَلَيْهِ ويأمره بالأخذ به، فيكون مع ذَلِكَ أخذا بالدليل الذي سمعه، فينزل في وجوه المشاورة للعالم عند وجوده منزلة القادر عَلَى الاجتهاد، ولا يخفى أَنَّ حكم من كان مجتهدا ولم يطَّلع عَلَى الأَدِلَّة في شَيْء من الأحكام أَنَّ حكمه في ذَلِكَ حكم الضعيف، لأَنَّهُ في ذَلِكَ الحكم ضعيف أَيضًا بناء عَلَى القول
__________
(1) - ... سورة النساء: 83.
(2) - ... سورة النحل: 43. (1/39)
صفحة 40
<40> بتجزُّؤ الاجتهاد، وَهُوَ مذهب الإمام الكدمي رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَفيِ قول ثانٍ أَنَّ الاجتهاد لا يتجزَّأ، فلا يكون مجتهدا حَتَّى يكون عالما بجميع الأَدِلَّة من الكِتَاب وَالسُّنَّة، وَالأَوَّل هو المختار، وَالله أعلم.
وخطأ العالم في الفتوى هُمِل والوزر والضمان للذي عَمِل
الخطأ نوعان:
أحدهما: أن يكون صاحبه معتقدا إصابة الحقِّ فيما أفتى به، ويظنُّ أَنَّهُ صواب وَهُوَ مخالف لِلْحَقِّ، فَهَذَا غير معذور من الإثم والضمان، كان عالما أو جاهلا إذا حرَّم ما أحلَّ الله أو أحلَّ ما حرَّم الله، وقد حصل التحرُّز من هَذَا النوع بقول الناظم: (وخطأ العالم)، لأَنَّ صاحب هَذَا النوع وإن كان عالما في غيره فهو جاهل به.
وثانيهما: أن يكون المفتي عالما بِذَلِكَ الشَّيْء الذي أخطأ فيه، وبأصوله فأخطأ بلسانه، وَهُوَ يعلم أَن لو انتبه أَنَّهُ مخطئ فيه فَهَذَا يختلف في تضمين صاحبه، والذي عَلَيْهِ الجمهور من الجهابذة أَنَّهُ لا ضمان عَلَيْهِ، وَأَمَّا الإثم فلا نعلم أَنَّ أحدا قال به في هَذَا الموضع. والذي وجدناه من علمائنا أَنَّهُ لا إثم عَلَيْهِ بدليل قوله (ص): «رُفع عن أمَّتي الخطأ والنسيان ... » الحديث. وبإشارة قَوله تَعَالىَ حكاية عن المؤمنين دعاءهم: {رَبَّنَا لاَ تُوَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوَ اَخْطَأْنَا} (1). وما أحسن قول الصائغي:
وزلَّة العالم في فتواه
__________
(1) - ... سورة البقرة: 286. (1/40)
صفحة 41
<41> مرفوعة عنه وما وأولاه
وقول الناظم: (في الفتوى): احتراز من خطإ العالم في الحكم فَإِنَّهُ لا يعذر من ضمانه، أَمَّا الإثم فمعذور منه في الحالتين، وَإِنَّمَا كان عَلَيْهِ الضمان في الحكم دون الفتوى لِمَا في الحكم من جبر المحكوم عَلَى قبول قول الحاكم دون الفتوى، فَإِنَّهُ ليس فيها جبر.
وقوله: (الوزر والضمان ... ) إلخ، أي إثم ذَلِكَ الخطإ وضمانه إِنَّمَا هما عَلَى من قبله من العالم [كذا] وعمل به، أو حكم بِأَنَّهُ لا يجوز لأحد أن يقبل خلاف الحقِّ أو يعمل به، ولو قال به من قال العلماء [كذا] فالعلماء إِنَّمَا هو حجَّة في الحقِّ لا في الباطل.
وَلَمَّا صرَّح بتأثيم العامل بخلاف الحقِّ وتضمينه استدرك ذَلِكَ ببيان ثبوته فقال:
وإن خفى بطلانه عَلَيْهِ فالتوب مجملا أتى|| إِلَيْهِ
إن كان مِمَّا حجَّة السماع به ولم يجد معبِّرا فلتنتبه
الهاء من قوله: (بطلانه) عائدة إِلىَ الخطإ، وَكَذَلِكَ فيِ قوله: (إِلَيْهِ)، والهاء من قوله: (عَلَيْهِ) عائدة إِلىَ الذي عمل.
وانتصب (مجملاً) إِلىَ الحال من فاعِل (أتَى)، أي لا يخلو ذَلِكَ الخطأ إِمَّا أن يكون مِمَّا تقوم حجَّته من العقل، أو مِمَّا تقوم حجَّته من السماع، فَالأَوَّلُ غير معذور صاحبُه مهما خطر بباله إِلاَّ باعتقاده الحقَّ فيه. والثاني نوعان: تأدية مفروض وترك محجور؛ فَأَمَّا تأدية المفروض فإذا لم يجد معبِّرا يُعَبِّرُ له إِيَّاهُ، ولم يتأتَّ|| (1/41)
صفحة 42
<42> له من قِبَل بصيرته بإلهام ونحوه فهو معذور كما سيأتي إذا اعتقد في جملته السؤال عن جميع ما يلزمه من دين الله. وَأَمَّا ترك المحجور|| فقد قيل: إِنَّهُ لا يسع أحدا أن يرتكبه عالما بحجره كان أو جاهلا، مستحلاًّ أو محرِّما، ومن ارتكبه فهو هالك ظالم لأَنَّهُ قد ورد في الأثر المجتمع عَلَيْهِ: «يسع الناسَ جهلُ ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوا أو يتولَّوا راكبه، أو يبرأوا من العلماء إذا برأوا من راكبه»، وَهَذَا قد ارتكب ذَلِكَ الأمر المحجور عَلَيْهِ ركابه [كذا] فلا عذر له بجهل ولا بفتوى مخطئ، لأَنَّ المفتي إذا أخطأ وجهَ الصوابِ فليس بحجَّة. وَقِيلَ: إذا لم يجد المعبِّر في هَذَا ونحوه، وكان قد اعتقد في جملته المتاب عن جميع ما لزمته فيه التوبة، والسؤال عن جميع ما لزمه فيه السؤال فهو سالم؛ وَفيِ هَذَا قد سئل الإمام الخليليُّ رَحِمَهُ اللهُ:
نسائل شمس العصر أعني سعيدنا سلالة خلفان الخليلي الممجَّدا
عن الراكب المحجورَ جهلا ولم يزل مقيما عَلَيْهِ مُدَّة الدهر سرمدا
يجالس أعلام الأنام ولم يسل وموطنه دار بهاء العلم والهدى
يدارس للآثار طول زمانه وَلَكِنَّهُ لِمَا يراه مسوَّدَا
ولم يسمع التحريم فيه ولم يكن خطورًا له بالبال كي يتعبَّدا
ويحسبه فعلا حلالا وَأَنَّهُ تقيٌّ كريم خائف موقع الردَى
أيسلم عند الله إن مات هكذا (1/42)
صفحة 43
<43> ويدخله الفردوس فيها مخلَّدا
فقل ما أراك الله فيها مصرِّحا صفات قيام الحُجَّة لِكُلٍّ مرشِدَا
فلا زلت محبورا وحبرا موفَّقا لكشف مهمَّات خليفة أحمدا
عَلَيْهِ صلاة الله ما ناحت الربى نسيم الصَّبا أو جابت العيس فدفدا
فأجاب رضوان الله عَلَيْهِ:
إليك بحمد الله نظما مؤيَّدا بحكم كِتَاب الله من شرع أحمدا
عَلَيْهِ صلاة الله ثُمَّ سلامه وأهليه والأصحاب أفضل من هدى
فمن ركب المحجور جهلا بحجره من الحكم من مشروع رَبٍّ تُعُبِّدَا
وضيَّع مفروض السؤال وَأَنَّهُ عَلَى قدرة منه فقد ضَلَّ واعتدى
وما عذره بالجهل شَيْئًا يفيده من الحقِّ إِلاَّ أن يبشَّر بالردى
كزانٍ ولم يدر الزنى محرَّما وواطئ أدبار النساء تعمُّدا
فَذَلِكَ بالإجماع لا شَكَّ هالك إذا لم يسل من قبل فعل به ابتدا
وَهَذَا عَلَيْهِ حجَّة الله رَبِّنا أقيمت وما في الجهل عذر له بدا
ولو سقط التكليف عن كُلِّ جاهل لكان اقتناء الجهل للنفع أعودا
ولا تبغ في ذَلِكَ اختلافا فَإِنَّهُ ضلال وكن أهلَ الجدال مفنِّدا
فَهَذَا بإجماع عَلَى نصِّ محكم الكِتَابِ وما فيه اعوجاج تأوَّدا
وإن تاب من قبل الذهاب فربُّنا حليم غفور ذنب من تاب واهتدى
ودعني من ذكر الذي ليس واجدا (1/43)
صفحة 44
<44> له أحدا مِمَّن يُعَبِّرُ للهدى
فَهَذَا له حكم يَخُصُّ عمومها وَلَكِن أراه لم يكن مقصدا
فجئتُ بحمد الله بِالحَقِّ واضحا سلام عَلَى هادي البريَّة أحمدا
وقال في موضع آخر من فتاويه: وَأَمَّا النوع الثاني، وَهُوَ ركوب المحجور في دين الله تَعَالى من أصول ما لا تقوم به حجج العقول، فقيل في هَذَا عَلَى الإطلاق بهلاك فاعله من المتعبِّدين، لأَنَّهُ يفعل ما لا يجوز له في دينه، وقد نقض|| الدين، وَفيِ الأثر المجتمع عَلَيْهِ: «يسع الناسَ جهلُ ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه ... » إلخ، وَهَذَا قد ركبه فضاقَ عَلَيْهِ، ولم يسعه جهل بحكم ظاهره، وَإِلاَّ فالجهل أشرف بضاعة إن كان به عذر لمن أطاعه، فهو أولى بالكرامة لأَنَّهُ مطيَّة السلامة، ويأبى الله ذَلِكَ. وَفيِ قول آخر: فمتى إن لم تقم عَلَيْهِ الحجَّة بحرامه أن لا يبلغ به إِلىَ هلاكه وآثامه إن دان لله تَعَالى بالتوبة منه بعينه إن كان في الدين حراما، وبالسؤال عنه بعينه أَيضًا إن هُدِي إِلىَ ذَلِكَ في أحد الوجهين أو فيهما تَامًّا، وَإِلاَّ فَفيِ الجملة. وَلاَ بُدَّ أن يدين في جملته التي تعبَّدَه بها أن يطيعه في كُلِّ شَيْء من أمره، ويسأل مع القدرة عَمَّا يجب عَلَيْهِ السؤال عنه من دينه، ويتوب إِلَيْهِ من كُلِّ معصية علمها أو جهلها في حينه، مع الدينونة له بما يجب عَلَيْهِ في ذَلِكَ أن يلزمه شَيْء هنالك أو هُدي إِلَيْهِ حال وجوبه بالتعيين أو في الجملة (1/44)
صفحة 45
<45> من أصل ما به يدين، فإذا دانَ اللهَ تَعَالىَ بما يجب من هَذَا في الجملة إِلاَّ أَنَّهُ لعدم قيام الحُجَّة عَلَيْهِ بحرمة ما ركبه لم يُهدَ إِلىَ حكمه فأتاه [مِن] غير عمد منه للمعصية، وَإِنَّمَا وقع منه لقصور علمه، وَكَذَلِكَ إن أخذ فيه بفُتيَا من دَلَّه عَلَى غير عدله لا مقلِّدا له عَلَى حال، ولا مدَّعيا عَلَى الله فيه بمحال، لكونه فيه عَلَى غير استحلال ولا مهملا عَلَيْهِ اعتقاده فيه عَلَى الخصوص أو في الجملة إِلاَّ لعذر كما سبق في مثله من مقال، فيكون الفتيا في هَذَا المقال لباطلها حكم لا شَيْء، فَكَأَنَّهَا لم تكن في الأحكام شَيْئًا، فكان ذَلِكَ من خطإ المفتي عَلَى ما يعذر به، أم يلام، فقابل ذَلِكَ عَلَى حجره، وإن لم يكن هَذَا من عذره إِلاَّ أَنَّهُ ما لم تقسم الحُجَّة عَلَيْهِ به، وَهُوَ غير مقصِّر في الواجب من عقيدته، فَفيِ قول الشيخ أبي نبهان رحمة الله عَلَيْهِ في غير موضع من أجوبته ما دَلَّ أَنَّهُ يحسن ظنَّه في الله، يرجو أن لا يهلك من أجله بشرط ما ذكرناه من التزام طريقة النجاة في عقيدته، وقد صَرَّحَ في هَذَا وَفيِ غيره من جوابه لوجود الاختلاف في هَذَا وبابِه، وقولُه صحيح. وآثار الشيخ أبي سعيد رَحِمَهُ اللهُ تشهد له بصوابه وكفى بهما قدوة لمن أراد الله به الهداية، وبآثارهما نورا، كما له هو أهل، وبحمده نتوسَّل إِلَيْهِ أن ينقذنا من الجهل، وبمحمَّد وآله عَلَيْهِم أفضل الصلاة والسلام.
هَذَا كلامه، وبه تعلم أَنَّ ما في كلامه (1/45)
صفحة 46
<46> المنظوم محمول عَلَى من أتى الحرام بعد قيام الحُجَّة عَلَيْهِ به، لأَنَّهُ هو موضع الهلاك بإجماع، كما يرشد إِلَيْهِ قوله: «ودعني من ذكر الذي ليس واجدا ... » إلخ. والذي في كلامه المنثور محمول عَلَى من أتى الحرام، والحال أَنَّ الحُجَّة لم تقم عَلَيْهِ في ذَلِكَ الشَّيْء بعينه، لَكِنَّهَا قامت عَلَيْهِ في الجملة، وَذَلِكَ كما لو علم أَنَّ في دين الله حلالا وحراما، فارتكب شَيْئًا لا يعلم حكم الله فيه، فإذا هو حرام في دين الله فَإِنَّ هَذَا هو موضع النزاع، وَالله الأعلم. أو نقول: إِنَّ كلامه المنظوم محمول عَلَى من ضيَّع فرض السؤال، وضيَّع اعتقاده بالإهمال، وما في كلامه المنثور محمول عَلَى ما إذا لم يضيِّع مفروضَ السؤال، ولم يهمل الاعتقاد في الاجتناب ما عدا الحلال. ثُمَّ ظهر لي أَنَّ هَذَا الوجه هو أولى أن يُحمل عَلَيْهِ كلام هَذَا المحقِّق، وَالله أعلم.
وَلَمَّا كَانَ الجهل نقيض العلم، وكانت أحكام العلم دائرة بينه وبين الجهل إذا ما وجب علمه حرم جهله، وما حرم جهله وجب عَلَيْهِ ختم هَذَا الركن بهذا الباب، فقال:
الباب الرابع
في أقسام الجهل، وفيما يسع جهله وما لا يسع
وبه يتِمُّ الكلام عَلَى الركن الأَوَّل إن شاء الله.
والجهل قسمان: قسم سلما صاحبه، والثاني فهو ما انتمَى
إِلىَ مركَّب وليس يسلم صاحبه بفعله بل يأثم
ينقسم الجهل إِلىَ بسيط وَإِلىَ مركَّب.
فالبسيط: هو عدم العلم بالشيء (1/46)
صفحة 47
<47> مِمَّا من شانه العلم، حَتَّى لا يُتَصَوَّرَ في بالِه شَيْء مِمَّا جهل به، ولا يخطر بعقله شَيْء من صفاته، وصاحب هَذَا القسم معذور سالم لأَنَّ الحُجَّة لم تقم عَلَيْهِ بعلم ما جهله، ولا يكون التكليف إِلاَّ بعد قيام الحُجَّة. أَمَّا ما قيل: إِنَّ راكب المحجور في دين الله هالك ولو لم يعلم بحجره فَذَلِكَ محمول عَلَى من علم أَنَّ في دين الله حلالا وحراما لَكِنَّهُ لم يعلم الحكم فيما ارتكبه بعينه، وَهَذَا قد تَقَدَّمَ له تصوُّر علم بوجود جملة المُحَرَّمات، فهلاكه إِنَّمَا كان بعد قيام الحُجَّة عَلَيْهِ في الجملة، وجهله بما ارتكبه جهل مركَّب لا بسيط.
وَأَمَّا المركَّب: فهو اعتقاد الشَّيْء عَلَى خلاف ما هو عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا سَمَّى هَذَا القسم مركَّبا لتركُّبه من عدم العلم بِالشَّيْءِ واعتقاد أَنَّهُ عالم، فصاحبه يَظُنُّ أَنَّهُ عالم بِالشَّيْءِ وَهُوَ جاهل به، وَإِلَيْهِ الإشارة بقول القائل:
ومن عجب الأَيَّام أَنَّكَ جاهل وَأَنَّكَ لا تدري بِأَنَّكَ لا تدري
وصاحب هَذَا القسم هالك إن كان جهله لِمَا يلزمه العلم به، وَإِنَّمَا كان هالكا لقيام الحُجَّة عَلَيْهِ بِذَلِكَ الشَّيْء واعتقاده فيه عَلَى خلاف حقيقته لا يكون عذرا له بعد وجوب علمه، فالمراد بقوله: (والثاني فهو ما انتمَى إِلىَ مركَّب)، أي القسم الثاني من قسمي الجهل هو ما انتسب إِلىَ مركَّب، أي سُمِّيَ بِذَلِكَ. وقوله: (بل يأثم) تأكيدٌ لقوله: (وليس يسلم).
وَلَمَّا (1/47)
صفحة 48
<48> فرغ من تقسيم الجهل بالنظر إِلىَ حقيقته، وحصوله في ذهن المُكَلَّف، شرع في بيان تقسيم الجهل المركَّب منه بالنظر إِلىَ حكم الشارع فيه، فقال:
وباعتباره لدى التكلُّف لواسع الجهل وضيق يفي
الهاء من قوله: (وباعتباره) عائدة إِلىَ القسم المركَّب من قسمي الجهل، لأَنَّهُ أقرب مذكور، وَلأَنَّهُ القسم الأَوَّل صاحبه معذور، وسالم، فلا يأتي فيه هَذَا الانقسام، والمعنى أَنَّ الجهل المركَّب ينقسم بالنظر إِلىَ حكم الشارع فيه إِلىَ قسمين: أحدهما: سالم صاحبه، والثاني هالك، فيسلم صاحبه إذا جهل لِمَا لم يلزمه العلم به، ويهلك إذا جهل بما لزمه العلم به، وسيأتي بيان ما يلزمه العلم به وما لا يلزمه مفصَّلا.
ولك أَن تقول: إِنَّ الهاء من قوله: (وباعتباره) إِلىَ حقيقة الجهل مع قطع النظر عن التقسيم المذكور، وَالمَعْنَى: بتقسيم الجهل من حيث هو إِلىَ: واسع الجهل، وَهُوَ الجهل البسيط وَبَعض المركَّب، وَإِلىَ ما لا يسع جهله، وَهُوَ بَعض المركَّب.
وقول الناظم: (في التكلُّف) أي في التكليف، فَفيِ إطلاق التكلُّف عَلَى التكليف مجاز إرساليٌّ لعلاقة المسبَّبيَّة، لأَنَّ التكلُّف مسبَّب للتكليف، يقال: كلَّفتُه فتكلَّف.
وَلَمَّا فرغ من بيان أقسام الجهل وأحكامه شرع في بيان الأشياء التي يسع جهلها، والأشياء التي لا يسع جهلها فقال:
وأيُّ فَرْض فِعْلُهُ مؤَقَّتٌ (1/48)
صفحة 49
<49> فَعِلْمُه في وقته مثبَّت
حجَّته تقوم مِمَّن عَبَّرَا وَقِيلَ: لا حجَّة مِمَّن كَفَرا
بل ما عدا البرِّ أتى في المعتبر إن استطعته بلا نيل ضرر
تنقسم الأشياء التي تُعُبِّدْنا بها إِلىَ قسمين:
أحدهما: تقوم حجَّته (1) مِنْ عَقْلِ المُكَلَّف، وسيأتي الكلام عَلَيْهِ إن شاء الله تَعَالىَ في بابه.
ثانيهما: تقوم حجَّته من السماع، وَهُوَ نوعان: امتثال أمر، وامتثال نهي. فامتثال الأمر: تأدية المفترضات من الأبدان والأموال، وَهُوَ أَيضًا نوعان:
أحدهما: مؤقَّتُ العملِ، أي يلزم أداؤه في وقت مُعَيَّن.
ثانيهما: ما ليس كَذَلِكَ، وسيأتي الكلام عَلَيْهِ إن شاء الله تَعَالىَ.
فَأَمَّا الذي عمله مؤقَّت كالصلاة والصوم، فيلزم علمه بدخول وقته، وتقوم حجَّته حينئذ من جميع المعبِّرين، ولو كان المعبِّر كافرا أو طفلا، أو سمع ذَلِكَ من لسان طائر ففهمه، أو وجده مكتوبا في كاغد وغيره، وَهَذَا هو الذي أورده|| الإمام أبو سعيد في استقامته، وَقِيلَ: إِنَّ الكافر ليس بحجَّة في هَذَا وغيره، بل ما عدا البَرَّ بفتح الباء في جميع أموره، لا يكون حجَّة، قاله في “ المعتبر ” محتجًّا له بِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَلَنْ يَّجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُومِنِينَ سَبِيلاً} (2).
قال أبو بكر في “ الاهتداء ”: «ذهبت النزوانيَّة إِلىَ قيام الحُجَّة من كُلِّ مُعَلِّم من كافر ومسلم، أو كِتَابة في حجر، أو في فم طائر، واعتلُّوا بِأَنَّ الحقَّ بنفسه حجَّة، فحيث وجد كان حجَّة لا يعتبرون في ذَلِكَ
__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: + «عن»، ولا معنى لها في هَذَا السياق.
(2) - ... سورة النساء: 141. (1/49)
صفحة 50
<50> المُعَلِّم به، والحجَّة لهم [في] ذَلِكَ قوله (ص): «اقبل الحقَّ مِمَّن جاءك به بغيضا كان أو حبيبا، وردَّ الباطل عَلَى من جاءك بعيدا كان أو قريبا». قالوا فَلَمَّا كان الباطل غير مقبول مِمَّن جاء به من مسلم أو كافر بإجماع كان الحقُّ مقبولا مِمَّن جاء به من مسلم أو كافر. وذهبت الرستاقيَّة|| إِلىَ أَنَّ الحُجَّة في تفسير ما تعبَّد الله به إِلاَّ من الثقات، واحتجُّوا بقول الله تَعَالىَ: {وَلَنْ يَّجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُومِنِينَ سَبِيلاً} (1)، وبقوله سُبحَانَهُ: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} (2)، قالوا: فقد أمر بالتبيين عند خبر الفاسق دَلِيل عَلَى ترك التبيين عند خبر غير الفاسق، وَالله أعلم». انتهى.
أقول: وَفيِ كُلِّ واحد من هذين الاستدلالين نظر فليتأمَّل.
وقول الناظم: (إن استطعته ... ) إلخ، أي: إن قدرت عَلَى ورود المهبِّر من غير تحمُّل لمشقَّة خَارِجِيَّة، ولا إصابة ضرر في النفس والعيال، وقد تَقَدَّمَ ذكر الشروط لمن يجب عَلَيْهِ الخروج في طلب المعبِّر في الباب الأَوَّل من هَذَا الركن، فراجعه من هنالك.
واعتقِدِ السؤال إن لم تستطع معبِّرا نورَ هداه تتَّبع
لَكِن عليك أن تُؤَدِّيه كما رأيت من أدائه متمِّما
فإن تكن موافقا صدق العمل
__________
(1) - ... سورة النساء: 141.
(2) - ... سورة الحجرات: 6. (1/50)
صفحة 51
<51> وفَّقك الباري وَإِلاَّ فالبدل
مختلف فِيهِ ومع من أثبته قولان بالفور ودين مثبته
أي اجعل في عقيدتك السؤال إذا لم تقدر عَلَى وجود المعبِّر حَتَّى تتوصَّل إِلَيْهِ بوجه من الوجوه، لَكِن عليك مع الاعتقاد للسؤال أن تُؤَدِّي ذَلِكَ المفترض الواجب عليك فعله، كما حسن في عقلك من أدائه.
والأداء: فعل الشَّيْء في وقته. والقضاء فعله بعد وقته استدراكا. والإعادة: فعله في وقته ثانيا لخلل.
فإذا وجدت المعبِّر وعَبَّرَ لك ذَلِكَ المفترضَ كما أدَّيته أنت من قبلُ، فقد وفَّقك الله عَلَيْهِ، وَلاَ بدل عليك فيه. وإن عَبَّرَ لك عَلَى خلاف ما أنت مؤدٍّ له فالبدل مختلف فيه عَلَى قولين: هل هو عليك أَوَّلاً؟ أوجبه قوم ولم يوجبه آخرون. واختلف المثبتون للبدل هل هو لازم عَلَى الفور؟ أي في أسرع ما استطعت، لأَنَّ الفور تعجيل إنفاذ الواجب، أو دَين مثبت عليك متى ما شئت أن تُؤَدِّيه فواسع لك، قولان.
والهاء في قول الناظم (مثبته) للمبالغة، كما في قَوله تَعَالىَ: {بَلِ الاِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} (1).
ثُمَّ إِنَّهُ أشار إِلىَ بيان النوع الثاني من نوعي الفرض الفعليِّ فقال:
وإن يكن غير مؤقَّت العمل فواسع جَهْلُكَهُ إِلىَ الأجل
ما لم تكن معتقدا لتركه وَقِيلَ: كالأوَّل نظم سلكه
وَذَاكَ مثل الحجِّ والزكاة لأَنَّ وقت ذَيْنِ للممات
هَذَا هو النوع الثاني من نوعي امتثال
__________
(1) - ... سورة القيامة: 14. (1/51)
صفحة 52
<52> الأمر، وَهُوَ الفرائض الغير المؤقَّتة، أي لم يكن عملها محدودا في وقت معلوم، كالحجِّ والزكاة، لأَنَّ وقتهما واسع إِلىَ حضور الموت لمن لم يَدِن بترك فعلهما، أو يعتقده من غير دينونة، فإذا لزمك أحد هَذَين الفرضين، أو ما كان في معناهما فواسع جهلك بعلمه إِلىَ الأجل، أي إِلىَ إِلىَ حضور وقت انقضاء الأجل، فإذا حضر وقته لزمك علم ذَلِكَ المفترض، وكان عليك حجَّة جميع من كان حجَّة في الصلاة والصوم اللازمين الحاضر وقتهما. وَقِيلَ: بل يلزمك العلم بِكُلِّ مفترض عليك وإن وسعك التأخير في أدائه لِئَلاَّ تكون جاهلا بما افترض عليك في دين الله، وَهَذَا معنى قول الناظم: (وَقِيلَ: كالأوَّل) إِلىَ|| آخر البيت.
وَالمُرَاد بالأوَّل في قوله: (الفرض المؤقَّت فعله) ... (1)
وفيه قول ثالث وَهُوَ أَنَّهُ لا يسع تأخير أدائه بعد الإمكان، فيكون من الفرائض المؤقَّتة، ويحتمله قول الناظم أَيضًا وَهَذَا القول لا يبعد عندي في الزكاة لاقترانها بالصلاة في أكثر آي القُرْآن، ولقوله تَبَارَكَ وَتَعَالىَ: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذِينَ لاَ يُوتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالاَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} (2)، وليس من المشركين من يؤتي الزكاة وَإِنَّمَا ذكرها هنا تحريضا للمؤمنين عَلَى المسارعة في أدائها، وتنبيها عَلَى لزوم فرضها، لأَنَّ القول الأَوَّل من هَذِهِ الأقوال الثلاثة هو الشهير المتداول، وَعَلَيْهِ الإمام أبو سعيد رَضِيَ اللهُ تَعَالىَ عَنهُ في الاستقامة.
__________
(1) - ... في العبارة نقص، وكذا قوله (الفرض المؤقت فعله) غير موجود في النظم.
(2) - ... سورة فصِّلت: 6 - 7. (1/52)
صفحة 53
<53> وواسع جهلك بالمحرَّم جميعه ما لم عَلَيْهِ تُقدم
كالدم والميتة والخنزير إن قائم العين وكالخمور
وكالذي يذبح للأوثان في أيٍّ ما كان من المكان
وذا لدى المضطرِّ قد أبيحا والخُلف في الخمر أتى صريحا
هَذَا النوع الثاني من النوعين اللذين تقوم بهما حجَّة السماع، وَهُوَ امتثال النهي عن ارتكاب المُحَرَّمات جميعها، والجهل بها واسع لمن لم يُقدم عَلَيْهَا بارتكاب أو تحليل بقول دون ارتكاب؛ فإن كان شَيْء من ذَلِكَ فلا يسع جهلها، ولزم الفاعل علم تحريمها، سواء كان ارتكابه إِيَّاهُ عَلَى علم بجنسها وجهل بتحريمها، أو علم بتحريمها وجهل بجنسها، وتلك المُحَرَّمات.
(كالدم) وَالمُرَاد به: الدم المسفوح، كما صَرَّحَ به تَعَالىَ في سورة الأنعام (1). فإن قلت: من الدماء ما هو حرام بإجماع كالمسفوح، ومنه ما هو حلال بِاتِّفَاقٍ كدم السمك، ومنها ما هو مختلف فيه كدم المستجلبات، فكيف لا يسع جهله لراكبه مع وجود الاحتمال فيه، فالجواب أَنَّ الحكم فيه التحريم حَتَّى يَصِحَّ غيره.
وكالميتة: وهي التي لم تذكَّ فدخل تحت هَذِهِ العبارة المنخنقةُ والموقوذة وهي المضروبة بالعمد حَتَّى ماتت، والمتردِّية وهي التي تتردَّى من علوٍّ إِلىَ أسفل فماتت من غير تذكية، والنطيحة وهي فعيلة بمعنى مفعول من النطح، وَهُوَ الدَّعُّ، وما أكل
__________
(1) - ... وَذَلِكَ في قَوله تَعَالىَ: {قل لا أجد في مآ أوحي إِليَّ مُحَرَّما على طاعم يَطعَمهُ إِلآَّ أن يكون ميتةً اَو دَمًا مَّسفوحا اَو لحمَ خنزيرٍ فَإِنَّهُ رجسٌ} سورة الأنعام: 145. (1/53)
صفحة 54
<54> السبُع كالذئب والنمر ونحوهما. {إِلاَّ ما ذكَّيتم} (1) [أي] إِلاَّ ما أدركتم ذكاته من هَذِهِ الأشياء فذكَّيتموه فهو حلال لكم، وحلَّ ما يحلُّ من هَذِهِ بالتذكية، وَهُوَ أن تتحرَّك المذكَّاة بعد التذكية ولو بجارحة، قيل: ولو بتحريك طرف عينها أي جفنها، وَأَمَّا سائر البدن الذي ليس بجارحة فلا اعتبار بتحرُّكه في تحليلها لأَنَّهُ قد تكون تلك الحركة فيه وَهُوَ لحم مسلوخ.
ويخرج عن هَذِهِ العبارة ما كان مستثنى شرعا كميتة البحر، لِقَولِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالىَ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وِلِلسَّيَّارَةِ} (2) فهو حلال عَلَى الإطلاق، لقوله (ص) وقد سئل عنه: «هو الطهور ماؤه والحلُّ ميتته»، وكميتة الجراد لِلسُّنَّةِ، وما شابهه فو مقيس عَلَيْهِ.
وقول الناظم: (والخنزير إن قائم العين): أي وكالخنزير إن كان قائم العين، أي لم يتغيَّر شخصه فهو من المُحَرَّمات أَيضًا، فلا يجوز لأحد أن يُقدم عَلَى ارتكابه ولا تحليله بقولٍ، سواء علم به أو جهل. وَأَمَّا إن كان غير قائم العين بِأَن كان لحما مقطَّعا فواسع جهله لمن أكله إذا لم يعلم به أَنَّهُ لحم خنزير وأكله مِن عندِ مَن تجوز ذبيحته، إذ لا فرق بين لحمه ولحم سائر الحيوانات. وما أحسن قول ابن النضر:
كَذَلِكَ الخنزير حَيًّا عَلَى ذي الجهل حرم وذوي العقل
وواسع من بعد تقطيعه جهلك بالأعضاء والنشل
__________
(1) - ... سورة المائدة: 3.
(2) - ... سورة المائدة: 96. (1/54)
صفحة 55
<55> وحملوا عَلَى الخنزير القرد لاقترانهما في قَوله تَعَالىَ: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} (1). واختلفوا في خنزير البحر، فقال قوم: هو حلال لأَنَّ الله أحلَّ صيده عَلَى الإطلاق؛ وذهب آخرون إِلىَ التحريم، لأَنَّ الله حرَّم الخنزير عَلَى الإطلاق؛ وَقِيلَ فيه بالتكريه من غير تحريم، وَهُوَ سائغ.
وقوله: (وكالخمور) جمع خمر، أي: كَذَلِكَ الخمور فهي حرام في كِتَاب الله تَعَالىَ، ولا يجوز لأحد ارتكابها ولا تحليلها بجهل، ولا علم. قال ابن النضر رَحِمَهُ اللهُ:
والخمر لا عذر لمن ذاقها في حال علم منه أو جهل
وَكَذَلِكَ كُلُّ مسكر لقوله (ص): «كلُّ مسكر حرام»، خلافا لأبي حنيفة في تحليله الخمر من غير الزبيب والتمر، قال ابن النضر:
والسكر مكروه حرام كلُّه من كُلِّ مشروب ولو من ماء
وقوله: (وكالذي يذبح) إِلىَ آخر البيت، أي وَكَذَلِكَ مُحَرَّم ما ذُبح للأوثان، جمع وثن، وَهُوَ الصنم، ومثله: ما ذُبح للنيران المعبودة في أيِّ مكان ذَلِكَ المذبوح، أي بإزاء الصنم، أو ناحية عنه بعيدة أو قريبة، ووجه القصد إِلَيْهِ، قال ابن النضر:
وما ذبحوا لغير الله حرم ولو ذكَّوه في الملإ الشهود
ومثل هَذِهِ المُحَرَّمات الذي لم يُذكر اسم الله، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} (2).
وقوله: (وذا لدى المضطرِّ) لفظة “ ذا ” إشارة
__________
(1) - ... سورة المائدة: 60.
(2) - ... سورة الأنعام: 121. (1/55)
صفحة 56
<56> مكنًّى بها عن جميع ما تَقَدَّمَ من المُحَرَّمات، فهي لمن اضطرَّ إِلَيْهَا حلال، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمُ إِلَيْهِ} (1)، وحدُّ الضرر أن يخاف عَلَى نفسه الهلاك من الجوع، ولم يجد ما يحيي به نفسه إِلاَّ أحد هَذِهِ المُحَرَّمات، فجائز له بل واجب عَلَيْهِ أن يتناول منها قدر ما يحيي به نفسه، لا زيادة، فإذا كان في حالة ضرر ووجد ميتة أنعام ولحم خنزير فليتناول من الميتة ويدع الخنزير؛ وإن كان جائزا له التناول منه. ولا يجوز له أن يحيي نفسه بميتة البشر. واختُلف في الخمر هل يجوز للمضطرِّ التناول منها أو لا؟ قولان. وَاحتَجَّ القائلون بالمنع بِأَنَّ الخمر لا تعصم من الهلاك.
والجهل بالأنساب أي تحريمها فواسع لجاهلي علومها
ما تركوا ارتكابها وضاق إن ارتكبوها جهلهم بها استبن
أي يسع جهل تحريم نكاح الأنساب الوارد ذكرها في الكِتَاب وَالسُّنَّة والإجماع لمن تكن عَلَيْهِ حجَّة علمه، وَذَلِكَ كتحريم نكاح الأُمَّهَات والبنات والأخوات والعمَّات والخالات نسبا ورضاعا، وكتحريم الربائب عَلَى من دخل بأمَّهاتهنَّ، ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب، وكتحريم ذوات الصهر، هَذَا كلُّه ما لم يرتكبه بتحليل، فيكون مستحلاًّ لِمَا حرَّم الله، أو بانتهاك، فيكون مضيِّعا لفرائض الله، سواء علم بالحرمة أو جهل، إذا علم بأصل النسب وحده مرتكب ذَلِكَ بجهل أو بعلم أن يُقتل بالسيف. قال في “ شفاء الحائم ”: «وفي مثل
__________
(1) - ... سورة الأنعام: 119. (1/56)
صفحة 57
<57> هَذَا الأثر المنقول في كِتَاب أبي سفيان عن عبد الملك بن مروان والأعرابيِّ الذي نكح امرأة أبيه فأتى به عبد الملك فقال له: مالك نكحتَ أمَّك، فقال: ليست بأمِّي، وَإِنَّمَا هي امرأة أبي، فظننت أَنَّهَا لي حلال، فضرب عنقه، وقال: لا جهل ولا تجاهل فيِ الإسلام، فبلغ ذَلِكَ أبا الشعثاء فقال: أجاد عبد الملك، أو قال: أحسن. وَفيِ هَذَا الأثر أَيضًا ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جائز للجبابرة إقامة الحدود».
(في تحريمها) في قول الناظم عَلَى البدليَّة عَلَى الأنساب، أو عطف بيان، ويجوز أن يكون عطف نسق ب“ أَيْ ” التفسيريَّة عَلَى مذهب الكوفيِّين.
و“ ما ” من قوله (ما تركوا) يجوز أن تكون شرطيَّة، والجواب حينئذ محذوف بدلالة ما قبله، تقديره: أن تركوا ارتكابها فالجهل لهم واسع؛ ويجوز أن تكون ظرفيَّة مَصْدَرِيَّة مُقَدَّرة بمُدَّةِ الترك، فتكون مُتَعَلِّقَة ب“ واسع ”.
وقوله: (جهلهم) فاعل “ ضاق ”. وجملة الشرط معترضة بين الفعل وفاعله.
و (استبِنْ) أمرٌ بطلب البيان.
وواسع لجاهل الأنساب نكاح من شاء بلا ارتياب
إن كان لم يقصد خلافا ورجع متى رأى حرام ما فيه وقع
أي يسع من كان جاهلا بالنسب، عالما بالحرمة، أو جاهلا بها نكاح من شاء من النساء بلا ارتياب، أي بلا شَكٍّ، وإن أمكن أن تكون تلك المنطوحة في علم الله مِمَّن يحرم (1/57)
صفحة 58
<58> عَلَيْهِ نكاحها، فلا يزيل هَذَا الإمكان الإباحةَ التي أحلَّها الله، وَذَلِكَ مثلا أن يكون لرجل في قبيلة أو بلدة ذات مَحرم منه، ولا يعرفها بعينها، ولا يستطيع إدراك معرفتها بعينها، فلا نقول إِنَّ ذَلِكَ الرجل يمنع من أن يَتَزَوَّجَ من تلك القبيلة أو البلدة، مع إمكان أن يقع في ذات المحرم؛ قال ابن النضر:
والجهل إن لم يعلموا واسع بالنسب الواشج في الأصل
فقد أحلَّ الله من فضله وطء ذوات الأعين النجل
ومن كُلِّ خود غضة بضة مهضومة ذوات شواخدل
هَذَا كلُّه إذا كان الفاعل لِذَلِكَ معتقدا لموافقة دين الله، ولم يقصد خلافا لِمَا أحلَّ الله، وَأَنَّهُ متى ظهر له حرام ما وقع فيه رجع عَمَّا كان عَلَيْهِ، ولا يجوز له الإقامة عَلَى ذَلِكَ بعد العلم بِهِ طرفة عين، وحجَّة العلم في ذَلِكَ إِنَّمَا تقوم بالشاهدين العدلين وما دون ذَلِكَ لا تكون حجَّة عَلَى ذَلِكَ؛ ومن هنا قال الشافعيُّ: إذا تَزَوَّجَ الرجل امرأة مجهولة النسب، وكان أبوه غائبا ثُمَّ رجع فقال: هَذِهِ ابنتي، وقالت المرأة: هَذَا أبي فعلى الحاكم أن يحكم أَنَّهَا ابنة أبي الرجل، وَأَنَّهَا زوجته [كذا] فإن ما أبوهما كان الإرث بينهما للذكر مثل حظِّ الأنثيين.
ولم يسع جهل ضلالة المصرِّ محرِّما أو مستحلاًّ إذا صر
من بعد أن تعلم كفره ومع (1/58)
صفحة 59
<59> بَعضهم ما لم تَعِ الحكم يسع
بشرط أن لا يتولاَّه ولا تبرأ ولا تمسك عَمَّن ضلَّلا
الإصرار: القامة عَلَى الذنب وفعل الذنب استخفافا به، والمصرُّ: فاعل ذَلِكَ، وللمصرِّ أربع مراتب عَلَى حسب أوجه الأحداث، لأَنَّ الأحداث تخرج عَلَى أربعة أوجه:
أحدها: أن تكون في نفس الجملة أو في شَيْء منها، فَهَذَا مِمَّا لا يسع مَن عَلِمه جهلُ ضلالِ راكبِه، ولا جهلُ ضلالِ المتوليِّ له، ولا جهل ضلال الشاكِّ فيهما، أو في أحدهما، حَتَّى قال القائل بِذَلِكَ: إِنَّهُ لا يَعلم فيه اختلافا.
وثانيها: أن يكون الحدث في تفسير الجملة أو في شَيْء منه مِمَّا تقوم به الحُجَّة من العقل، جفهو كما مضى في الوجه الأَوَّل، إِلاَّ أَنَّهُ قد قيل فيه في بَعض القول أَنَّهُ يسع مَن علِمه جهلُ ضلالِ راكبه ما لم يبن له علم ذَلِكَ، وَالأَوَّلُ أكثر.
وثالثها: أن يكون الحدث عَلَى وجه الاستحلال من تحليل الحرام وتحريم الحلال مِمَّا لا تقوم الحُجَّة به في الأصل إِلاَّ بالسماع، فالقول فيه كالقول في الحدث في تفسير الجملة من الاختلاف.
ورابعها: أن يكون الحدث عَلَى سبيل الانتهاك لِمَا يدين المحدث بتحريمه، فيخرج فيه ما قد ذكرنا من الأثر المرفوع عن الإمام جابر رَحِمَهُ اللهُ، وسيأتي ذكر الوجهين الأَوَّلين مَرَّة أخرى عند ذكر الناظم لهما إن شاء الله تَعَالىَ.
وإشارة (1/59)
صفحة 60
<60> الناظم تقتضي التسوية بين المحرِّم والمستحلِّ عَلَى أَنَّهُمَا محادَّان لإصرارهما، قَالَ تَعَالىَ: {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَآءَهُم ... } إِلىَ آخر الآيَة (1). هَذَا كلُّه بعد العلم بحدث المصرِّ، وَهُوَ معنى قوله: (من بعد أن تعلم كفره).
وأشار بقوله: (ومع بَعضهم ما لم تَعِ الحكم) إِلىَ ما ذهب إِلَيْهِ بَعض الفقهاء من أَنَّهُ يسع جهل ضلالة المصرِّ محرِّما كان أو مستحلاًّ إذا لم يعرف حكم الحدث الواقع فيه، أعني: هل هو من المكفِّرات أم لا، وَهَذَا القول حسن أَيضًا، إِلاَّ أَنَّهُ معلَّق بشروط:
أحدها: أن لا تتولاَّه عَلَى فعله، وإن كان وليًّا لك فيما سلف.
ثانيها: أن لا تبرأ مِمَّن برئ منه عالما كان أو ضعيفا.
ثالثها: أن لا تقف عن ولاية من برئ منه إذا كان وليًّا لك من قبل، فإذا كان منك أحد هَذِهِ الأشياء فلا يسعك جهل ضلالته. وَأَمَّا عَلَى القول الأَوَّل: وإذا لم يكن منك أحد هَذِهِ الأشياء فلا يسعك جهل ضلالته بعد العلم بحدثه.
وواسع جهلك بالمحلَّل إن أنت عن تحليله لم تعدل
كالبيع والملك وكالنكاح عَلَى شروطها وكالمباح
أي يسع جهلك بالمحلَّلات في دين الله إن أنت لم تحرِّمها، فتكون محرِّما لِمَا أحلَّ الله، فحينئذ يلزمك أن تعلم تحليلها، ولا يسعك جهل علمه، وَذَلِكَ كتحليل البيع عَلَى شروطه التي هي أن يكون المبيع من
__________
(1) - ... سورة المجادلة: 22. (1/60)
صفحة 61
<61> جنس الحلال، وأن لا يكون المبيع والمباع به من جنس واحد إِلاَّ يدا بيدٍ، وأن يكون البائع مالكا للمبيع، قادرا عَلَى تسليمه للمشتري.
(وكالملك) وَالمُرَاد به الرقُّ عَلَى شروطه التي هي أن يكون الرقيق مِمَّن أباح الشرع تملُّكه، إِمَّا بإرث أو بشراء أو بسبيٍ، وشرط هَذَا أن يكون المَسبيَّ مشركا غير عربيٍّ.
(وكالنكاح) عَلَى شروطه، وهي أربعة: الرضى من الزوجين، والمهر، وإذن الوليِّ، وحضرة شاهدين. وما أحسن قول ابن النضر فيها:
فإن بانت فتزويج جديد بمرءٍ والوليِّ وشاهدين
وتركَ الرضى تعويلا عَلَى أخذه من المقام.
(وكالمباحات) التي أباحها الله تَعَالىَ لعباده من غير ما ذكرنا.
هَذَا كلُّه ما لم تقم حُجَّة علمه بوجه من الوجوه، فإذا قامت فلا يسع دفعها.
وحرم ارتكاب ما لم يعلم ومن يكن موافقا لم يأثم
وإن يُرِد في قصده خلاف ما قد أوجب الباري عَلَيْهِ أثِمَا
اِعلم أَنَّ الأمور ثلاثة: أمر بان لك رشده فاتَّبعه، وأمر بانَ لك غيُّه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك حكمه فقف عنه، ولا يجوز لك القدوم عَلَيْهِ حَتَّى يَتَّضِحَ لك حقُّه، فإذا ارتكب الراكب أمرا لم يَعلم حقَّه من باطله فلا يخلو ذَلِكَ الأمرُ من أحد الأمرين:
إِمَّا أن يكون باطلا في أصل دين الله أو حَقًّا، فإن كان باطلا فالراكب له هالك، قصَدَه أو لم يقصده (1/61)
صفحة 62
<62> إِلاَّ أن يتوب منه، وقد تَقَدَّمَ في باب الاجتهاد والفتوى شَيْء من هَذَا النوع، فراجعه. وإن كان حَقًّا فلا يخلو الراكب من أحد أمرين أَيضًا: إِمَّا أن يكون في قصده موافقة الحقِّ فلا إثم عَلَيْهِ في هَذَا لأَنَّهُ قصد الحقَّ فوفِّق إِلَيْهِ؛ وَقِيلَ: إِنَّ عَلَيْهِ التوبة من قدومه عَلَى ما لا يعلم، وَالأَوَّل هو الصحيح، لأَنَّ كثيرا من الصحابة قد فعلوا أشياء لم يعلموا حكم الله فيها فإذا هي حقٌّ عند الله فأقرَّهم رَسُول اللهِ (ص) عَلَى فعل ذَلِكَ، فَهَذَا عَمَّار بن ياسر رَضِيَ اللهُ عَنهُ تلفَّظ للمشركين بالشرك تقيَّة ولم يعلم جواز التقيَّة يومئذ، بدليل ما نقل عنه أَنَّهُ قال لِرَسُولِ اللهِ (ص): «هلكتُ ... » الحديث. وَإِمَّا أن يكون في قصده مخالفا لدين الله، فَهَذَا هالك بِنِيَّتِه، ولا تنفعه موافقة الحقِّ، بل عَلَيْهِ التوبة من تلك النية.
فالأمور أربعة:
1 - موافقته للباطل مع قصده له.
2 - وموافقته له مع قصده للحقِّ.
3 - وموافقته لِلْحَقِّ مع قصده له.
4 - وموافقته له مع قصده للباطل.
وبين كلا الأمرين الأَوَّلين والآخرين واسطة، وهي نوعان:
أحدهما: أن يكون الراكب مهملا، أي لم يكن قاصدا لِشَيْءٍ دون شَيْء، فيحكم له وَعَلَيْهِ بحكم ما ارتكبه.
وثانيهما: أن يكون غير مبال أصاب حراما أم حلالا، فيحكم عَلَيْهِ بالهلاك عند موافقة الباطل بالتوبة عند موافقة الحقِّ.
خاتمة
وقد تقوم حجَّة العلم لِمَا (1/62)
صفحة 63
<63> وقد وسع الجهل بقول العلما
لو كان واحدا له الفضل علا وَقِيلَ: ما لم تبصر الحقَّ فلا
ورجَّح الأَوَّلَ أَنَّ العلما كالأنبياء مقالهم قد لزما
قيام الحُجَّة عبارة عن وجودها، وأصل القيام: الانتصاب والحجَّة هي ما يقع به للناظر حقيقة الشَّيْء المنظور فيه. والعلماء جمع عالم، أي تقوم حجَّة العلم لِمَا وسع جهله بقول العلماء ولو كان القائل واحدا عَلَى مذهب الإمام أبي سعيد رَضِيَ اللهُ تعالى عَنهُ، وَهُوَ الأصحُّ. وَقِيلَ: لا تقوم بقول الواحد بل بقول العالمين؛ وَقِيلَ: غير ذَلِكَ.
والعالم الذي تقوم به الحُجَّة فيما يسع جهله هو الذي اشتهر في الناس عدله، وانتشر في الآفاق فضله، وَهَذَا هو معنى قول الناظم: (وفضله عَلاَ)، أي ارتفع، كناية عن اشتهاره. ولا يكون حجَّةً في هَذَا الموضع الأعلا مَن بلغته شهرة علمه، وعرف شخصه أَنَّهُ هو المشهور بوجه من الوجوه التي تأتي بها المعرفة الصحيحة، وَقِيلَ: لا يكون العالم ولا العلماء حجَّة فيما يسع جهله حَتَّى يبصر المفتَى بفتح التاء حقَّ قول العالم. وَعَلَى القولين لا يجوز للمفتَى ردُّ قول العالم ولا تكذيبه.
والكلُّ من هذين القولين قول صادر عن الفضلاء الكرام، وهم أهل الاستقامة في الدين.
وَاحتَجَّ القائلون بالأوَّل أَنَّ العلماء يلزم قبول قولهم، كما يلزم قبول قول الأنبياء فيما جاءوا به لأَنَّ العلماء (1/63)
صفحة 64
<64> ورثة الأنبياء، وينصره قوله (ص) في رواية أخرى: «علماء أمَّتي كأنبياء بني إسرائيل».
وَاحتَجَّ القائلون بالثاني أَنَّ من لم يعرف بَعض آي الكِتَاب العظيم، وكان قد آمن به مجملا أَنَّهُ ليس عَلَيْهِ أكثر من ذَلِكَ، ولا يجوز له ردُّ ما سمعه من الآيِ التي لم يعرفها، فَكَذَلِكَ هَذَا المفتَى لا يلزمه قبول قول العلماء فيما يسعه جهله إذا لم يَرُدَّ قولهم ولم يكذِّبهم.
قلت: وَهَذَا قياس حسن إِلاَّ أَنَّ المقاس عَلَيْهِ مختلف فيه عَلَى قولين، فَذَهب قوم إِلىَ ما علمتَ من أَنَّ الإيمان بالقرآن مجملا يجزي لمن لم يعرف بَعض آيه. وذهب آخرون إِلىَ أَنَّ الإيمان به مجملا لا يجزي لمن سمع منه الآية والآيتين، بل عَلَيْهِ أن يؤن بِكُلِّ ما سمع منه، فَالأَوَّلُ من قول الناظم: (ورجَّح الأَوَّلَ) مفعولٌ به، والفاعل: أنْ وَصِلَتُها، لأَنَّهَا في تقدير بمصدر.
وكلُّ شَيْء واسع جهلك به ثُمَّ رأيتَ حقَّه ضاقَ انتبِهِ
أي: كلُّ شَيْء من دين الله وسعك جهله بِأَن لم تقم عليك حجَّة العلم به أو لم تركبه فرأيتَ حقَّه من باطله، أي علمتَه، ضاق جهلك به، لن علمك بِالشَّيْءِ حجَّة عليك، ولا يسعك الرجوع من العلم إِلىَ الجهل؛ وإن لم تعلم أَنَّ علمك حجَّة عليك كما أَنَّ القُرْآن هديٌ وإن لم يهتد به أحدٌ مثلا.
الركن الثاني
في الجملة وتفسيرها وما يشتمل عَلَيْهَا
وفيه سِتَّة أبواب. (1/64)
صفحة 65
<65> أخَّر هَذَا الركن عن الذي قبله لِمَا تَقَدَّمَ هناك، وَقَدَّمَه عَلَى ركن الولاية والبراءة، لأَنَّ التعبُّد بهما لازم بعد التعبُّد بالجملة، فهي أحرى بالتقديم منهما، وهما أجدر بالتأخير منها لِمَا بيَّنَّا.
الباب الأَوَّل من الركن الثاني
في لزوم الجملة وَكَيفِيَّة قيام الحُجَّة بها
الجملة هي كما ذكرها ابن وصَّاف حيث قال: في الجملة التي لا يسع جهلها ولا يسع تركها، وهي التي يدعو إِلَيْهَا رَسُول اللهِ (ص)، وتدعو الأَئِمَّة إِلَيْهَا بعده أن يقول: أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وَأَنَّ محَمَّدًا عبده ورسوله وَأَنَّ ما جاء به حقٌّ من عند رَبِّه. والإيمان بِاللهِ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب والعقاب وَالجَنَّة والنار، وَأَنَّ الساعة آتية لا ريب فيها وَأَنَّ الله يبعث من في القبور. فَهَذَا ما لا يسع جهله.
قال البرادي: «الخلاف في هَذَا بين الأُمَّة كثير، وبين الإِبَاضِيَّة أَشَدُّ. والمشهور عند أكثر أصحابنا هَذَا، ومنهم من يزيد الإيمان بالقدر خيره وشرِّه وَأَنَّهُ من الله تَعَالىَ. ويزيد بَعضهم تحريم دماء المسلمين، ويوجب الإيمان به في العقيدة. ومن أصحابنا أَيضًا من اقتصر عَلَى التلفُّظ بالشهادة بثلاث كلمات والاعتقاد لها لا غير: لا إله إِلاَّ الله محَمَّد رَسُول اللهِ (ص)، وما جاء به حقٌّ؛ وهي طريقة الإمام عبد الرحمن بن رستم فيما وجدتُ عنه وَهُوَ الأشهر عند (1/65)
صفحة 66
<66> أكثر الفرق». اهـ.
أقول: وَهَذِهِ الطريقة هي المراد من عبارة المُصَنِّف، وعليها بنَى الأحكام التي ذكرها فيما سيأتي، وعَبَّرَ عَمَّا عداها من الأشياء التي ذكرها بتفسير الجملة.
والقول في الجملة ما لم يقم برهانها كغيرها لم تلزم
إذ لم يكن جَلَّ مُكَلِّفًا بلا برهان صدق يوضحن السبلا
ولو يشاء لكان منه عدلا كمثل ما قد كان هَذَا فضلا
(القول) هنا بمعنى: الحكم، والجملة تَقَدَّمَ بيانها قريبا. و (البرهان) بمعنى الحُجَّة. وَالمُرَاد ب (غيرها): سائر العبادات والاعتقاديَّات والعمليَّات والتركيَّات. وَمَعْنَى (جلَّ) أي عظم شأنه. و (مكلِّفا) أي ملزِما للعباد ما يشقُّ عَلَى أنفسهم فعله. و (برهان صدق) أي دَلِيل صادق. و (السبل): الطرق الموصلة إِلىَ معرفة الله تَعَالىَ، ومعرفة رسوله محَمَّد (ص). و (العدل): وضع الشَّيْء في موضعه من غير اعتراض عَلَى فاعله، وضدُّه الجور. و (الفضل): إعطاء بغير وجوب ولا إيجاب. والمعنى أَنَّ حكم الجملة من جهة التكليف بها كحكم غيرها من سائر العبادات لا يلزم اعتقادها إِلاَّ بعد قيام الحُجَّة بها. والدليل عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عظم شأنه لم يكلِّف العباد بغير حجَّة، وَهُوَ دَلِيل صادق لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (1). وإذا ثبت
__________
(1) - ... سورة الإسراء: 15. (1/66)
صفحة 67
<67> ما قرَّرناه من أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لم يكلِّف العباد بغير حجَّة، وكان إلزام الجملة من جملة التكليفات وجب أن لا تلزم إِلاَّ بعد قيام الحُجَّة إذ لم يقم دَلِيل عَلَى تخصيص التكليف بها بحكم يخالف التكليف بما عداها، فتساوي حكم الله في التكليف، فالجملة وغيرها في التكليف سواء، وتكليفه عَزَّ وَجَلَّ إيَّانا بعد قيام الحُجَّة فضل منه تَعَالىَ تفضَّل به علينا، ولو شاء أن يكلِّفنا بغير حجَّة ولا برهان كان ذَلِكَ عدلا منه كما كان التكليف بعد قيام الحُجَّة فضلا منه خلافا للمعتزلة في قولهم بوجوب الصلاحيَّة والأصلحيَّة عَلَى الله تَعَالىَ.
وإن أتى دَلِيلُها امرأً فلا بنفس لحظة ليسألا
أي إذا قامت الحُجَّة بتكليف الجملة عَلَى أحد مِمَّن بلغ حدَّ التكليف وجب عَلَيْهِ اعتقادها وحرم عَلَيْهِ جهلها، وضاق عَلَيْهِ الشكُّ فيها، ولم يوسَّع له في ترك اعتقادها لحظة عين، وإن قصد بِذَلِكَ السؤال عنها وعن حقِّها بيانه أَنَّهُ إذا قامت الحُجَّة بِأَن لا إله إِلاَّ الله وَأَنَّ محَمَّدًا رسول الله وَأَنَّ ما جاء به محَمَّد من رَبِّه حقٌّ وجب عَلَى من قامت عَلَيْهِ اعتقاد ذَلِكَ، فإن جهل أو شَكَّ أو توقَّف في الاعتقاد حَتَّى يسار عن حقِّ هَذَا الذي قامت به الحُجَّة عَلَيْهِ كان بِذَلِكَ كُلِّه كافرا، وإن مات قبل التصديق واعتقاد حقِّ الجملة مات هالكا والعياذ بِاللهِ.
فإن قيل: ما بال الجملة من بين سائر (1/67)
صفحة 68
<68> العبادات لا ينفَّس في السؤال عنها وما عداها ينفَّس في السؤال عنه، وقد قلتم بِأَنَّ الجملة كغيرها في التكليف؟
قلنا: إِنَّ الجملة كغيرها في قيام الحُجَّة بها للتكليف بها ولم نقل بِأَنَّ جميع أحكامها كغيرها، وَإِنَّمَا خصَّت بالتضييق عن السؤال عنها بعد قيام الحُجَّة لأَنَّ اعتقادها مطلوب في الحال، وكان العذر واسعا قبل الحُجَّة، وقد قامت الحُجَّة فلا عذر في التأخير. أَمَّا ما عداها من العبادات والتركيَّات فَرُبَّمَا يسع تأخيرها، وَرُبَّمَا يسلم صاحبها باعتقاد السؤال عنها والدينونة بِالحَقِّ فيها لأدلَّة خَاصَّة بها نحو: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (1).
وَأَمَّا تفسيرها الاعتقاديُّ فبعض ضيَّق في السؤال عنه كما ضيَّق فيها، ورأى أَنَّ حكمه كحكمها، وَبَعض وسَّع في السؤال عنه، وعنده أَنَّهُ داخل في هَذِهِ الجملة، فما لم يرِد شَيْئًا منه فهو واسع له ترك اعتقاده بعينه حَتَّى يرسخ في ذهنه علم ذَلِكَ وحقُّه.
ومنكِر الجملة بعدما نظر برهانها كفر جحود قد كفر
أي: ومن جحد الجملة بعد أن قامت عَلَيْهِ حجَّتها أو قبل|| ذَلِكَ فهو كافر [كفر] جحود، ولا ينفعه عذر في ذَلِكَ. أَمَّا من جهلها بعد قيام الحُجَّة بها أو شَكَّ فيها فهو كافر أَيضًا، لَكِنَّ كفره يُسَمَّى شرك مساواة، وَذَلِكَ لأنه قد جعل ما وجب عَلَيْهِ اعتقاده ولزمه علمه بمنزلة الذي لم يجب عَلَيْهِ فيه شَيْء من ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ ساوى بين
__________
(1) - ... سورة آل عمران: 135. (1/68)
صفحة 69
<69> الحُكمين مع اختلاف الأمرين. والحكم في شرك الجحود وشرك المساواة متَّحد دنيا وأخرى، والفرق بينهما إنما هو في نفس التسمية خَاصَّةً، وسيأتي بيان حكمهما في الباب السادس من الركن الثالث إن شاء الله تَعَالىَ.
ولم يسع جهل ضلاله ولا تشكَّ فيه والذي له تلا
كذاك جهل من يشكُّ فيه عَلَى قياس شائع تلفيه
هَذَا بيان لحكم الواقف عَلَى إنكار منكر الجملة فحكمه أن يجب عَلَيْهِ أن يعلم كفر منكر الجملة، ولا يسعه الجهل بكفره ولا الشكُّ في كفره، كَذَلِكَ لا يسع جهل ضلال من صوَّبه عَلَى كفره ولا الشكِّ فيه، وَهُوَ معنى قول المُصَنِّف: (والذي له تلا) أي تبع.
وَكَذَلِكَ لا يسع جهل ضلال من شَكَّ في كفره فَإِنَّ حكم الشاكِّ في كفره بعد علمه بكفره حكم من صوَّبه عَلَى كفره، لأَنَّهُ لا يسع جهل ضلالة كُلِّ واحد منهما. وَهَذَا القياس أعني قياس الشاكِّ في كفر منكِر الجملة عَلَى مصوِّبه في عدم التوسعة في جهل ضلالة كُلِّ واحد منهما قياس ظاهر جليٌّ.
ومثل منكِر الجملة في هَذَا الحكم الجاهلُ بالجملة بعد قيام الحُجَّة بها والشاكُّ فيها، فَإِنَّ كُلَّ واحد من هذين لا يسع جهل ضلاله ولا ضلال من صوَّبه عَلَى ضلاله، ولا ضلال من شَكَّ في ضلاله، ولا يسع الشكُّ في ضلال كُلِّ واحد (1/69)
صفحة 70
<70> من هَؤُلاَءِ.
واعلم أَنَّ مصوِّب المحدث في الجملة مشرك مثله، وَأَمَّا الجاهل لضلاله والشاكُّ في في ضلاله مع اعتقاده حقَّ الجملة فاسق منافق.
وقول المُصَنِّف: (ولا تشكَّ) بصيغة النهي عَلَى جهة التحريم.
وقوله: (والذي له تلا) معطوف عَلَى الضمير المجرور، عَلَى حدِّ قَوله تَعَالىَ: {وَاتَّقُوا اللهَ الذِي تَسَّآءَلُونَ بِهِ وَالاَرْحَامَ} (1) بقراءة جرِّ «الأرحامِ».
وقوله: (على قياس شائع) أي ظاهر.
وَمَعْنَى: (تلفيه) تجده.
والخلف في إيمانها بالقلب هل يجزيه دون نطقه إذا نزل
تكليفه بها فبعض ذهبا للاجتزا والبعض منهم قد أبى
واختلف العلماء في كَيفِيَّة الإيمان بالجملة فذهب بَعضهم إِلىَ أَنَّ كَيفِيَّة الإيمان بها أن يعتقد صدقها في جَنانه، ويظهر ذَلِكَ إقرارا بلسانه، وَأَنَّهُ لا يكون مؤمنا إِلاَّ بِذَلِكَ، فالتلفُّظ بالشهادتين عند هَؤُلاَءِ شرط لوجود الإيمان. وذهب آخرون إِلىَ أَنَّ الإيمان بها هو التصديق بها في القلب، فإذا اعتقد حقَّها بقلبه، وصدَّقها بجنانه كان ذَلِكَ مجزيا له فيما بينه وبين ربِّه، فإن مات عَلَى ذَلِكَ فهو من جملة المؤمنين. وَأَمَّا فيما بينه وبين الناس فَإِنَّهُ لا يكون مؤمنا حَتَّى يتلفَّظ بالشهادتين، ويلزمه التلفُّظ بهما إذا طولب بها. هَذَا إذا كان منكرا للجملة فيما تَقَدَّمَ من أمره أو شاكًّا فيها أو جاهلا بها بعد قيام الحُجَّة عَلَيْهَا فيها؛ أَمَّا إذا لم يَتَقَدَّم منه شَيْء من هَذَا كُلِّه، ولم يكن من أهل
__________
(1) - ... سورة النساء: 1. (1/70)
صفحة 71
<71> دار يحكم عَلَى أهلها بالشرك فلا يلزمه التلفُّظ بالشهادتين وإن طولب، ولا يسع لأحد أن يحكم عَلَيْهِ بالشرك في عدم تلفُّظه بِذَلِكَ، ولا يسعه أن يَبرأ منه لِذَلِكَ؛ ثُمَّ يُندب له أن يتلفَّظ مهما طولب بِذَلِكَ إذا لم يكن له مانع من التلفُّظ. وَالله أعلم.
والخلف هل عَلَيْهِ أن يقرِّرا تصديقه أن ذكرها قد خطرا
أو يجتزي بالماضي ما لم يحدث شَيْئًا بها كعهدها لم ينكث
اختلف القائلون باشتراط التلفُّظ للإيمان بالجملة. فذهب بَعضهم إِلىَ أَنَّ التلفُّظ بها والتصديق بها مجزئ مَرَّة واحدة في عمره، ولا يلزمه تكرار ذَلِكَ ما لم يأت بحدث ينقض به إيمانه فيكون به مرتدًّا إِلىَ الشرك بعد الإسلام.
وذهب آخرون إِلىَ أَنَّهُ يجب تكرار الإيمان بها إذا جرى ذكر ذَلِكَ، وعند هَؤُلاَءِ يجب عَلَى من كان موحِّدا أن يتلفَّظ بالشهادتين إذا طولب بِذَلِكَ، لَكِن يخرج عَلَى قواعدهم أَنَّهُ إذا لم يجبهم إِلىَ التلفُّظ بالشهادتين لا يسعهم أن يحكموا عَلَيْهِ بالشرك، ولا أن يبرأوا منه لِذَلِكَ. ووجه ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ المسألة اجتهاديَّة؛ فَلَمَّا أبى من التلفُّظ ولم يَتَقَدَّم منه حالة يشرك بها احتمل له أن يكون مذهبه عدم وجوب تكرار التلفُّظ، أو أَنَّهُ مقلِّد لمن لم ير وجوب ذَلِكَ؛ ومع تمسُّكه بقول من أقوال المسلمين لا يحلُّ لأحد أن يحكم عَلَيْهِ بالخروج من الدين.
هَذَا والصحيح عندي عدم (1/71)
صفحة 72
<72> وجوب تكرار التلفُّظ بها وإن جرى ذكرها معه إذا لم يخرج عن الإسلام بحدث فيها، لأَنَّ الصحابة رضوان الله عَلَيْهِم لم ينقل عنهم مع كثرة ذكرهم للجملة تكرار التلفُّظ بها كُلَّمَا سمعوها، وَإِنَّمَا المنقول عنهم وعن النَّبِيء (ص) أَنَّهُ إذا أسلم العبد وتلفَّظ بالشهادتين مَرَّة واحدة أدخلوه في حكم المسلمين، ولم يطالبوه بعد ذَلِكَ بِشَيْءٍ. وَالله تَعَالىَ أعلم.
وما عدا الجملة من تفسيرها كحكم ما رأيت من تعبيرها
إِلاَّ لدى السؤال والجهل بما أحدث والشائع ما تَقَدَّمَا
وما عدا الإيمان فاللازم في تفسيرها بالقلب في التكلُّف
أي ما عدا الجملة من تفسيرها الاعتقاد [كذا] المشتملة عَلَيْهِ والمندرج تحتها كمعرفة كمالات الله عَزَّ وَجَلَّ، ومعرفة الأنبياء والرسل والملائكة والكتب المنزَّلة والموت والبعث والحساب، وَأَنَّ حساب الله لا يشبهه حساب، ومعرفة الجَنَّة والنار فحكمه حكم الجملة في جميع ما تَقَدَّمَ، ويخالفها في ثلاثة مواضع مستثناة من تلك القاعدة:
- أحدها في السؤال، فَإِنَّ الجملة لا يلزم لها اعتقاد سؤال قبل قيام الحُجَّة، ولا يوسَّع له السؤال بعد قيام الحُجَّة بخلاف تفسيرها، وقد تَقَدَّمَ في هَذَا ما فيه كفاية إن شاء الله.
- وثانيها: أَنَّ الحدث في الجملة لا يسع ضلالة محدثه ولا الشكُّ فيه كما تَقَدَّمَ، والحدث في تفسيرها قد قيل بِأَنَّهُ يسع (1/72)
صفحة 73
<73> جهل ضلالة محدثه ولو علم حدثه ما لم تبِن له ضلالته، إِلاَّ أَنَّ الأكثر فيه ما قيل في الجملة، وَهُوَ المُرَاد بقول الناظم: (والشائع ما تَقَدَّمَا).
- وثالثها: أَنَّ الإيمان في الجملة مختلف فيه هل يجزي بالقلب دون النطق باللسان أو لا، كما تَقَدَّمَ، ولم نعلم اختلافا في تفسيرها بل اللازم فيه بالقلب فقط.
وانتصب (الجملةَ) في قول الناظم عَلَى الاستثناء. وَلَمَّا كان التكليف بالجملة متوقِّفا عَلَى قيام الحُجَّة أخذ في بيان كَيفِيَّة قيام الحُجَّة هنا فقال:
فالحجَّة السماع في ذا كُلِّه وحجَّة المَعْنَى له مِن عقله
اِعلم أَنَّ قيام الحُجَّة في كُلِّ شَيْء لا يكون إِلاَّ من أحد طريقين:
- الطريق الأَوَّل: العقل، وَهُوَ طريق لقيام الحُجَّة بالمعاني.
- والطريق الثاني: النقل، وَهُوَ طريق قيام الحُجَّة بالألفاظ مع معانيها. وَلَمَّا كان أعطم طرق النقل هو السمع أطلق في التعبير عن النقل عَلَى أَنَّ العقل قد يكون من غير طريق السمع كالنظر؛ وَذَلِكَ مثلا أن يراه مكتوبا، فَإِنَّهُ إن عرف لفظ ذَلِكَ ومعناه كان في حكم من سمعه.
وَلَمَّا كانت الجملة وتفسيرها مشتملين عَلَى ألفاظ ومعان ثبت قيام حُجَّة المعاني بهما من العقل، وتوقَّف قيام الحُجَّة في ألفاظهما عَلَى النقل فمن خطر بباله أَنَّ له صانعا وَأَنَّ لصانعه رسولا يبلِّغ الخلق عنه وَأَنَّهُ ليس كصانعه شَيْء، وَأَنَّ لمن أطاع صانعه ثوابا، ولمن عصاه عقابا، وجب عَلَيْهِ أن يعتقد (1/73)
صفحة 74
<74> معنى ذَلِكَ، ولا يجوز له أن ينكر شَيْئًا منه، ولا يلزمه معرفة شَيْء من هَذِهِ الأشياء حَتَّى تقوم عَلَيْهِ الحُجَّة من طريق النقل أَنَّ اسم صانعه “ الله ” أو “ الرحمن ” أو نحو ذَلِكَ، وَأَنَّ اسم رسوله “ محَمَّد ” أو “ أحمد ”، وَأَنَّ اسم ثوابه “ الجَنَّة ” واسم عقابه “ النَّار ” فإذا قامت عَلَيْهِ الحُجَّة من طريق النقل بِشَيْءٍ من هَذِهِ الأسماء وجب عَلَيْهِ معرفتها، وضاق عَلَيْهِ جهلها.
واعلم أَنَّ قيام الحُجَّة من العقل بِأَنَّ لله رسولا إِنَّمَا هو مبنيٌّ عَلَى مذهب بَعض الأصحاب، وذهب غيرهم إِلىَ أَنَّ الحُجَّة بِذَلِكَ إِنَّمَا هي من طريق النقل، وَهُوَ الصحيح. وَالله أعلم.
الباب الثاني من الركن الثاني
في التوحيد
وفيه أربعة فصول وخاتمة.
الفصل الأَوَّل
في نفي الأضداد والأنداد والأشباه عن الله تَعَالىَ
وهاك توحيدا لنا فلتقتبس من نوره وعن هوى النفس احتبس
“ ها ” اسم فعل بمعنى خذوا. الكاف للخطاب.
والتوحيد: هو إثبات الوحدانيَّة لله تَعَالىَ والإقرار له بالرُّبُوبِيَّة.
فَفيِ إثبات الوَحْدَانِيَّة له تَعَالىَ إثبات لكمالاته الذَّاتِيَّة، لأَنَّهَا أنواع وحدة الذات. وَفيِ إثباتها له تَعَالىَ انتفاء المشابهة له تَعَالىَ وانتفاء صفات العجز والحدوث في ذاته تَعَالىَ ووحدة الصفات ووحدة الأفعال، وَفيِ إثبات كُلِّ واحدة منهما إثبات للكمالات الإِلهِيَّة.
وَفيِ الإقرار له تَعَالىَ بِالرُّبُوبِيَّةِ استلزام توجيه العبادة إِلَيْهِ (1/74)
صفحة 75
<75> ونفيها عَمَّن سواه، فمَن عَبَدَ غيرَه لم يكن موحِّدا.
وقوله: (فلنقتبس) أي فلنتَّخذ ذَلِكَ قبسا من نور هَذَا التوحيد فَإِنَّهُ نور في ظلمات الجهل.
وقوله: (وعن هوى النفس احتبس) أي: امتنعْ عَمَّا تميل إِلَيْهِ نفسك من الباطل، {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (1).
وَلَمَّا كان الإقرار بِالرُّبُوبِيَّةِ مستلزما لثبوت العبادة له تَعَالىَ دون غيره أخذ المُصَنِّف في بيان كَيفِيَّة توجيهه العبادة لربِّه فقال:
نعبده جَلَّ امتثال أمره سُبحَانَهُ ونهيِه وزجرِه
فإن يشأ يرحمنا بفضله وإن يشأ عذَّبنا بعدله
فالملك والعِزَّة والسلطان له، كذا القدرة والبرهان
أي نوجِّه العبادة إِلَيْهِ عظم شأنه لأجل امتثال أمره الذي أمرنا به في الأشياء العَمَلِيَّة، ولأجل امتثال نهيه في الأشياء التي نهانا عن فعلها، فالفعل والترك مِنَّا إِنَّمَا هما من أجل الأمر والنهي، فهما عبادة مِنَّا له تَعَالىَ، ومع ذَلِكَ فنحن مفوِّضون الأمر إِلَيْهِ، ومسلِّمون لحكمه، وراضون بقضائه، ومتوكِّلون عَلَيْهِ، فإن شاء أن يرحمنا فَذَلِكَ بمحض فضله علينا، وإن شاء أن يعذِّبنا فَذَلِكَ بعدله فينا، فَإِنَّ الملك والغلبة والقدرة له تَعَالىَ، فلا يعترض عَلَيْهِ في شَيْء من ملكه، ولا يستطيع أحد لردِّ ما أراده وَهُوَ قادر عَلَى كُلِّ شَيْء؛ ومن كان مالكا للأشياء قادرا
__________
(1) - ... سورة النازعات: 40 - 41. (1/75)
صفحة 76
<76> عَلَى فعل ما يريد فيها غير محكوم عَلَيْهِ ولا معترض عَلَيْهِ في شَيْء من أفعاله، فجميع ما فعله في ملكه إِمَّا عدل وَإِمَّا فضل.
ثُمَّ إِنَّ المُصَنِّف أخذ في بيان التنزيه فقال:
سُبحَانَهُ ليس له مكان يحويه جَلَّ لا ولا زمان
بخلقه لِكُلِّ شَيْء نشهد وَأَنَّهُ في ملكه منفرد
أي تنزيها له تَعَالىَ عن الحلول والأمكنة، وعن الحدوث في الأزمنة، فَإِنَّ المكان والزمان خلق من خلقه، ومن ضرورة العقل وجوب تقدُّم الخالق عَلَى المخلوق في الوجود.
فلو كان تَعَالىَ حالاًّ في مكان، أو حادثا في زمان لوجب تقدُّم المكان والزمان عَلَيْهِ لضرورة العقل بِذَلِكَ، فيستلزم خالقا غيره؛ وثبوت خالق غيره باطل|| لِمَا يلزم عَلَيْهِ من الأمور المستحيلة.
وَأَيضًا فلو كان تَعَالىَ حالاًّ في مكان لكان المكان حاويا له، فيلزم عَلَيْهِ تحديده وتناهيه، ومن كان متحدِّدا متناهيا فليس بإله.
ولو كان تَعَالىَ حادثا في زمان لوجب أن يكون له محدِث غيره، ومن كان محدَثا فليس بإله.
وقوله: (وَأَنَّهُ في ملكه منفرد) إشارة إِلىَ ثبوت الوَحْدَانِيَّة له تَعَالىَ في مطلق التَّصَرُّف، وهي وحدة الأفعال، وَلَمَّا نفى عنه تَعَالىَ صفتي الحلول والحدوث أخذ في نفي الصفات التِي تلازمهما فقال:
ليس له شبه ولا نظير ولا وزير لا ولا مشير (1/76)
صفحة 77
<77> الشِّبه بالكسر: هو المشارك لغيره، ولو في صفو واحدة من صفاته.
والنظير هو المثل المساوي.
والوزير هو المعين في الأمر العظيم بآرائه الصائبة وأفكاره الثاقبة.
والمشير هو الدالُّ عَلَى فعل شَيْء أو عَلَى تركه بدلالة خفيَّة، وَالمُرَاد هنا مطلق الدلالة.
والمعنى: أَنَّهُ تَعَالىَ ليس له مشابه في ذاته ولا في أفعاله، ولا مماثل له في ذَلِكَ ولا معين له عَلَى شَيْء من أفعاله التي فعلها أو سيفعلها، وَأَنَّهُ تَعَالىَ فعَّال لِمَا يريد لا لِمَا يريد غيرُه، فلا مشير له في شَيْء من أفعاله ولا في شَيْء من الأشياء التي لم يُرِد فعلها، تَعَالىَ الله عن ذَلِكَ.
عن ابن مسعود أَنَّهُ قال: «ما عَرَفَ اللهَ من شبَّهه بخلقه».
نافع: أَنَّ عبد الله بن عمر كان جالسا في أناس، فأتى رجل فقال: أيُّكم عبد الله بن عمر؟ فقال: أَنَا، فقال الرجل: إِنِّي تاجر أبتغي من فضل الله، وَإِنِّي قدمت البلدة هَذِهِ الليلة، فإذا أنا برجل قد توسَّمت فيه الخير، فقعدت إِلَيْهِ فحدَّثني حديثا ضاق به صدري، فقال عبد الله: وما هو؟ فَإِنَّهُ لا إثم عليك إن حدَّثت به مِن غيرِك، فقال: قال لي إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالىَ لَمَّا أراد أن يخلق آدم لم يدر كيف يخلقه حَتَّى خلق مرآة، فنظر فيها إِلىَ وجهه فخلق مثاله، فقال ابن عمر: تَعَالىَ الله لا مثل لله، إِلاَّ أَنَّ هَذَا الشيطان أراد أن يدخلك في دينه، ألاَ وَإِنَّ الششيطان قد أيس منكم أن تعبدوا أصناما ظاهرا فتعذرونه، وَلَكِنَّهُ يأتي الإِنسَان فيقول: كيف ربُّك؟ فلا (1/77)
صفحة 78
<78> يزال به حَتَّى يصف ربَّه بصفة الخلق، فيَضلُّ ويُضلُّ، فإن لقيته فأخبره بِأَنَّ ابن عمر بريء من دينك، ألاوغن نبيَّ الله سئل عن الله عَزَّ وَجَلَّ فقال الله عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ}، فإن وسوس الشيطان لكم فقولوا له كما قال رَسُول اللهِ (ص) عن معاذ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنَّهُ سيرجع أقوام من هَذِهِ الأُمَّة عند اقتراب الساعة كُفَّارًا»، فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن، أبِالإحداث كفرهم أم بالجحود؟ قال: لا، وَلَكِن بالجحود، يجحدون خلقهم فيصفونه بالصورة والأعضاء والمفاصل، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولهم عذاب عظيم.
عن سعيد بن جبير أَنَّهُ قال: أتى رهط من اليهود إِلىَ رَسُول اللهِ (ص)، فقالوا: يا مُحَمَّد، هَذَا الله خَلَقَ الخَلْقَ، فمَن خَلَقَه؟ قال: فغضب (ص) حَتَّى انتقع لونه، ثُمَّ واثبهم غضبا لربِّه، قال: فجاء جبرائيل صَلَّى الله عليهما فسكَّنه وجاءه من الله بجواب ما سألوه ب {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ... } إِلىَ تمام السورة.
ليس له فوق ولا تحت ولا قبلُ ولا بعدُ فَكُلٌّ حُظِلاَ
كذا يمين وشمال والذي إِلَيْهِ تعزى حادث بذا احتذي
الفوق: اسم لجهة العلوِّ. والتَّحت: اسم لجهة السفل. وقبلُ: اسم للتقدُّم. وبعدُ: اسم للتأخُّر. وَمَعْنَى حظل: منع. ويمين: اسم للجهة اليمنى، (1/78)
صفحة 79
<79> وشمال||: اسم للجهة اليسرى. وَمَعْنَى تعزي||: تنسب. وَمَعْنَى حادث: أي موجود بعد عدم. احتذِ: اقتدِ.
وَالمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالىَ ليس له جهة يكون فيها، لا جهة|| فوقيَّة ولا تحتيَّة ولا عن يمين ولا عن شمال، ولا أمام ولا وراء. وليس له تَعَالىَ قبلٌ، أي لا يقال: إِنَّ وجوده تَعَالىَ مسبوق بِشَيْءٍ حَتَّى يقال: إِنَّ قبله كذا. ولا بعدَ له: أي ليس وجوده تَعَالىَ متناهيا حَتَّى يقال: إِنَّ بعد تناهي وجوده يكون كذا.
وَهَذِهِ الصفات أعني الجهات والقبليَّة والبَعديَّة مستحيلة في حقِّه تَعَالىَ، لأَنَّ من نُسب إِلَيْهِ شَيْءٌ منها واتَّصَفَ به يكون حادثا قطعا، فهي دَلِيل الحدوثن والربُّ تَعَالىَ قديم ليس بحادث فلا يَصِحُّ أن يَتَّصِفَ بِشَيْءٍ منها خلافا للمشبِّهة القائلين بِأَنَّهُ تَعَالىَ في جهة الفوق، وَأَنَّهُ عَلَى العرش مستقرٌّ استقرار الملِك عَلَى سريره تَعَالىَ الله عن ذَلِكَ؛ وقد تلقَّوا هَذِهِ المقالة الشنيعة من اليهود أخزاهم الله تَعَالىَ.
قال في الضياء: «وبلغنا أَنَّ عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَرَّ بحلقة وفيها رجل من اليهود يحدِّثهم، فقال: ما يحدِّثكم؟ قالوا: يحدِّثنا عن التوراة وعن ربِّنا، قال: وعن ربِّكم؟! بماذا؟ قالوا: يقولون إِنَّ الله لَمَّا خلق السَّمَاوَات وَالأَرْض صعد إِلىَ السماء من بيت المقدس، فوضع رجله عَلَى الصخرة التي فيه، وَأَنَّهُ ينزل في السماء الدنيا في النصف من شعبان، فقال ابن مسعود رَضِيَ اللهُ عَنهُ: {إِنَّا للهِ وَإِنَّا (1/79)
صفحة 80
<80> إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (1) ثلاث مَرَّات، ثُمَّ قال: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَآءً} (2) فهلاَّ قلتم كما قال إبراهيم خليل الرحمن (ص): {لآَ أُحِبُّ الاَفِلِينَ} (3) أي الزائلين المنتقلين؛ ألاَ فاتَّهِموا اليهود والنصارى عَلَى دينكم، ولا تصدِّقوهم عَلَى ما يخالف كِتَابكم، فَإِنَّهُمْ سيضلُّون أكثر هَذِهِ الأُمَّة، ألا إِنَّ ربَّكم ليس بزائل، ومن وصف الله زائلا فقد كفر، ومن شبَّهه بِشَيْءٍ من الأشياء فقد كفر».
ولم يزل وليس شَيْء معه وعالم من قبل أن يصنعه
بكونه ولونه وشكله وما إِلَيْهِ صائر بفعله
أي لم يزل تَعَالىَ ولا موجود سواه من جميع الأشياء، فهو تَعَالىَ منفرد بالقِدم؛ والقِدم واجب له تَعَالىَ، فيستحيل عَلَيْهِ العدم، لأَنَّ ما وجب قدمه استحال عدمه.
وقوله: (وعالم ... ) إلخ أي وَهُوَ عالم، أي لم يزل تَعَالىَ مُتَّصِفا بالعلم من قبل وجود الأشياء، فعلمه تَعَالىَ صفة ذَاتِيَّة له.
والهاء من قوله: (من قبل أن يصنعه) عائدة إِلىَ الشَّيْء في قوله: (وليس شَيْء معه).
وقوله: (بكونه) مُتَعَلِّق ب «عالم». وَمَعْنَى «كونه»: وجودُه بعد عدم، أي لم يزل تَعَالىَ وَهُوَ عالم بوجود الأشياء التي سيوجدها، وَعالم بالزمان الذي سيوجدها فيه، وبالمكان الذي ستكون فيه، وعالم بلونها الذي ستتَّصف به، وعالم بصورتها التي يكون عَلَيْهَا شكلها من طول وقصر وعرض،
__________
(1) - ... سورة البقرة: 156.
(2) - ... سورة النساء: 89.
(3) - ... سورة الأنعام: 76. (1/80)
صفحة 81
<81> وعالم بمصيرها الذي ستصير إِلَيْهِ بسبب أفعالها الحسنة وبسبب أفعالها القبيحة، فالضمير من بكونه ومن لونه ومن شكله وما بعدها كُلِّه عائد إِلىَ الشَّيْء في قوله: (وليس شَيْء معه||). وَالمُرَاد بِالشَّيْءِ هنالك جميع الموجودات مِمَّا عدا الخالق تَعَالىَ.
وَفيِ البيتين تصريح بِأَنَّهُ تَعَالىَ عالم بما كان وما سيكون وما هو كائن.
الفصل الثاني
في البراهين
جمع برهان، وَهُوَ ما تركَّب من مُقَدِّمَات قطعيَّة. و «ال» في البراهين للعهد الذهني، أي البراهين المثبتة لمدَّعانا فيما تَقَدَّمَ.
لو أَنَّهُ مشابه في ذاته جاز عَلَيْهِ وصف مخلوقاته
إذ كلُّ شبهين بوجه لزما في الكلِّ ما لِذَلِكَ الوجه انتمى
هَذَا برهان استحالة المشابهة له تَعَالىَ المذكورة في قول المُصَنِّف: (ليس له شبه ... ) إلخ. وصورة البرهان أَنَّهُ لو كان تَعَالىَ مشابَها في ذاته لجاز عَلَيْهِ ما يجوز في عَلَى مشابهه من الصفات، ولا موجود إِلاَّ وَهُوَ إِمَّا خالق أو مخلوق، وقد ثبت بالبرهان أَنَّهُ تَعَالىَ هو الخالق، وَأَنَّ جميع ما عداه مخلوق، فلو كان له مشابه لكان ذَلِكَ المشابه هو أحد مخلوقاته، فيستلزم أن يكون عَزَّ وَجَلَّ يَصِحُّ أن يَتَّصِف بصفات مخلوقاته، وصفات مخلوقاته مستحيلة في حقِّه، فالمشابه مستحيل أَيضًا، ووجه ذَلِكَ أَنَّ المتشابهين إِذَا تشابها في صفة وجب أن يَتَّصِف كلُّ واحد منهما بموجب تلك الصفة، وَهَذَا معنى قوله: (إذ كلُّ شِبْهَيْن ... ) إلخ.
وَمَعْنَى قوله: (في الكلِّ) (1/81)
صفحة 82
<82> أي من المتشابهين. وَمَعْنَى (انتمى) انتسب.
لو كان ثانٍ عنده في الأزلِ لكان كلٌّ صالحا لأَنْ يلي
ولا دَلِيل خصَّ واحدًا فقط والحكم من غير مرجِّح غلط
هَذَا برهان استحالة الشريك معه تَعَالىَ في الأزل المذكور في قول المُصَنِّف: (ولم يزل وليس شَيْء معه). وصورة البرهان أَنَّهُ لو كان معه تَعَالىَ ثان في الأزل لكان كلُّ واحد منهما صالحا لأَن يَتَوَلىَّ الأمر عَلَى صاحبه فيتمانعان، وليس في واحد منهما خصوصيَّة يستَحقُّ بها الاستبداد بالأمر والانفراد بالملك، وتخصيص واحد منهما بِذَلِكَ دون الآخر مع صلاحيَّة كلٍّ منهما وعدم المخصِّص ترجيح بلا مرجِّح، والترجيح بلا مرجِّح غلط لا يستقيم في المعقول، وبطلان استقامته ضروريٌّ.
لو أَنَّهُ في أمره معان لزمه في ذاته النقصان
هَذَا برهان نفي العجز عنه تَعَالىَ واستحالته المشار إِلَيْهِ بقول المُصَنِّف: (ولا وزير لا ولا مشير).
وصورة البرهان أَنَّهُ لو كان تَعَالىَ معانا في أمره لكان ناقصا في ذاته، لَكِنَّهُ كامل في ذاته، فهو غير معان في أمره، ووجه ذَلِكَ أَنَّهُ لا يحتاج إِلىَ المعونة إِلاَّ من كان عاجزا عن إتمام الأمر، ومن كان عاجزا عن إتمام أمره فليس بكامل في ذاته، لأَنَّ من الكمال الذاتيِّ وجود القدرة الذَّاتِيَّة المنافية للعجز.
وهكذا يلزم في الزمان (1/82)
صفحة 83
<83> وَفيِ الجهات الستِّ للمكان
هَذَا برهان نفي الحلول والحدوث عنه تَعَالىَ واستحالتهما في حقِّه المذكورين في قول المُصَنِّف: (سُبحَانَهُ ليس له مكان ... ) البيت، وَفيِ قوله: (ليس له فوق ... ) إلخ.
وصورة البرهان أَنَّهُ لو كان تَعَالىَ حالاًّ في مكان أو حادثا في زمان للزم اتِّصاف ذاته بغاية النقصان تَعَالىَ عن ذَلِكَ. ووجه ذَلِكَ أَنَّهُ لو كان تَعَالىَ حالاًّ في مكان للزم أن يكون المكان محيطا به ولو من جهة واحدة، فيلزم تحديده وتناهيه، وهما مستحيلان عَلَيْهِ تَعَالىَ.
وَأَيضًا فلو كان تَعَالىَ حالاًّ في مكان للزم أن يكون المكان أقوى منه [وهو] محال.
ولو أَنَّهُ تَعَالىَ حادث في زمان لاحتاج إِلىَ محدِث، ومن كان محتاجا إِلىَ محدِث فهو عاجز ليس بإله.
وَأَيضًا فلا يخلو أن يكون ذَلِكَ المحدِث هو نفس هَذَا الحادث أو غيره، وكونه نفسه محال لأَنَّهُ يومئذ معدوم، والمعدوم لا يفعل شَيْئًا في غيره، فضلا أن يفعله في نفسه، فوجب أن يكون المحدث غيره، فيكون أولى بالألوهيَّة منه وَهُوَ باطل لِمَا يلزم عَلَيْهِ من التسلسل.
لو أَنَّهُ في ملكه مشارك كان فسادا ذَلِكَ التشارك
هَذَا برهان نفي الشريك عنه تَعَالىَ في ملكه. وبيان استحالته المذكور في قول المُصَنِّف: (وَأَنَّهُ في ملكه منفرد).
وصورة البرهان أَنَّهُ لو كان معه تَعَالىَ شريك في ملكه لفسد هَذَا العالم (1/83)
صفحة 84
<84> البديع الإتقان البالغ في الحكمة، لَكِنَّ العالَم غير فاسد، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالىَ في ملكه غير مشارك، ووجه ذَلِكَ أَنَّ الشريكين إذا تشاركا في شَيْء فلا يخلو فيه من أحد أمرين: إِمَّا أن يصطلحا عَلَى شَيْء فيه وَإِمَّا أن يتنازعا فيه؛ واصطلاحهما عَلَى شَيْء فيه مع كون كُلٍّ منهما إلها محال لاستلزامه عجز كُلِّ واحد منهما، فتسقط ألوهيتهما بسقوط قدرتهما. فلم يبق إِلاَّ التنازع فيه، ومع التنازع يحصل الفساد، والمشاهَد في العالَم غير ذَلِكَ، فانتفى الشريك ضرورة. وَالله تَعَالىَ أعلم.
الفصل الثالث
في الصفات
أي في الصفات الجائزة في حقِّه تَعَالىَ والواجبة في حقِّه.
أَمَّا المستحيل في حقِّه فما تَقَدَّمَ في الفصل الأَوَّل، وقد أشار إِلَيْهِ هاهنا إجمالا فقال:
في الذات والصفات والأفعال مخالف لنا بِكُلِّ حال
أي أَنَّهُ تَعَالىَ مخالف لخلقه، في ذاته وَفيِ صفاته وَفيِ أفعاله، أي لا تشبِهُ ذاتُه ذواتِهم، ولا تشبه صفاته صفاتهم، ولا تشبه أفعاله أفعالهم. فهو تَعَالىَ واحد في ذاته بمعنى أَنَّهُ ليس كمثله في ذاته شَيْء، وواحد في أفعاله بمعنى أَنَّهُ ليس له في أفعاله مشارك ولا مشابه، فاستحال في حقِّه الشبيه من كُلِّ وجه، وقد تَقَدَّمَ براهين ذَلِكَ.
ولم يجز وصفكه بغير ما بيَّنه من وصف غيره اعلما (1/84)
صفحة 85
<85> أي لا يجوز لك أن تصفه تَعَالىَ بصفة لم يصف بها نفسه في كتبه أو عَلَى لسان أحد من أنبيائه، فما ورد من وصفه لنفسه في شَيْء من كتبه أو عَلَى لسان أحد من أنبيائه جاز لك وصفه به، وما لم يَرِد كَذَلِكَ فالتوقُّف عنه أولى، والمنع فيه أظهر. هَذَا مذهب بَعض، وذهب آخرون إِلىَ أَنَّهُ يجوز أن نصفه تَعَالىَ بصفة تَدُلُّ عَلَى كمال ولو لم يَرِد الشرع بها، ما لم نُمنع من ذَلِكَ.
حاصل ما في المقام أَنَّ الصفات إِمَّا أن يأذن الشرع أن نصفه بها تَعَالىَ، وَإِمَّا أن يمنع من وصفه بها، وَإِمَّا أن يسكت عن ذكرها، فإن أذن فهو جائز إجماعا، وإن منع فهو مُحَرَّم إجماعا، وإن سكت فهو محلُّ النزاع وَالله تَعَالىَ أعلم.
وأيُّ وصف جاز وصفه بما عانده فوصف فعل احكمَا
وما عدا ذاك فوصف الذات يعرف وَهوَ كالعليم آت
تنقسم صفاته تَعَالىَ إِلىَ صفات ذَاتِيَّة وَإِلىَ صفات فِعلِيَّة.
فَأَمَّا الصفات الفِعلِيَّة فهي كلُّ وصف صَحَّ أن يَتَّصِف به وبضدِّه تَعَالىَ، كالإحياء والإماتة، وإرسال الرسل وإنزال الكتب ونحو ذَلِكَ، فَإِنَّهُ تَعَالىَ يجوز أن يَتَّصِف بِهَذِهِ الأشياء وبأضدادها، فتقول: محيٍ مميتٌ، مرسِل للرسل غير مرسل لهم بعد محَمَّد ص، وهكذا ...
وَأَمَّا صفات الذَّاتِ فهي كُلُّ صفة استحال عَلَيْهِ تَعَالىَ الاتِّصاف بضدِّها، وَذَلِكَ كالعليم، فَإِنَّهُ يستحيل عَلَيْهِ (1/85)
صفحة 86
<86> الاتِّصَاف بضدِّ العلم وَهُوَ الجهل، وكالسميع والبصير والمريد والقدير، فَإِنَّهُ يستحيل عَلَيْهِ الاتِّصَاف بأضداد هَذِهِ كُلِّهَا.
وفرَّق بَعضهم بين صفات الذات وصفات الأفعال بِأَنَّ صفات الذات يجوز اتِّصَافه تَعَالىَ [بها] في الأزل، بل يجب ذَلِكَ في حقِّه، وصفات الأفعال لا يجوز اتِّصَافه بها في الأزل إِلاَّ عَلَى معنى أَنَّهُ سيفعل ذَلِكَ، فتقول: لم يزل الله حَيًّا مريدا قادرا عليما سميعا بصيرا، ولا تقول: لم يزل الله محييا مميتا خالقا للخلق مرسلا للرسل منزلا للكتب ونحو ذَلِكَ إِلاَّ عَلَى معنى أَنَّهُ قادر عَلَى الإحياء والإماتة إِلىَ غير ذَلِكَ، ومنع بَعض أصحابنا هَذَا الإطلاق مطلقا. وَالله تَعَالىَ أعلم.
صفاته لذاته هي ذاته لا غيرها دَلَّت بذا آياته
إذ لم تكن فيه لِئَلاَّ يلزم حلوله وليس منه نجزم
ولا عَلَيْهِ فيكون أفقرا لغيره وذاك دأب الفقرا
أي صفاته تَعَالىَ الذَّاتِيَّة هي عين ذاته، وليست هي غير ذاته كما زعمت الأَشعَرِيَّة القائلون بِأَنَّ صفات الذات معانٍ حقيقيَّة زائدة عَلَى الذات قائمة بها، وَهَذَا القول باطل، لأَنَّهُ لو كانت صفات ذاته تَعَالىَ غير ذاته للزم عَلَيْهِ إِمَّا أن تكون حالَّة في ذاته العليَّة وَهُوَ باطل، لأَنَّ ذاته العليَّة لا يَصِحُّ أن تكون محلاًّ للأشياء، وَإِمَّا أن تكون بَعْضًا من الذات العليَّة وَهُوَ باطل أَيضًا، لأَنَّ ذاته العليَّة غير متبعِّضة، والتبعُّض (1/86)
صفحة 87
<87> عَلَيْهَا محال وَإِمَّا أن تكون شَيْئًا زائدا عَلَى الذات لا حالاًّ فيها ولا بَعْضًا منها، وَهَذَا الوجه هو الذي اختاره الخصم وعوَّلوا عَلَيْهِ وَهُوَ باطل أَيضًا، لأَنَّهُ لو كانت شَيْئًا زائدا عَلَى الذات للزم عَلَيْهِ افتقار الذات إِلىَ ذَلِكَ الزائد، والذات العليَّة كاملة بنفسها عير مفتقرة إِلىَ غيرها، ومن كان مفتقرا إِلىَ غيره فليس بإله لأَنَّهُ عاجز في نفسه محتاج إِلىَ غيره، ومن كان عاجزا في نفسه ومحتاجا إِلىَ غيره فهو بمعزل عن صفات الأُلُوهِيَّة وعن الكمالات الذَّاتِيَّة. وَأَيضًا فلو كانت صفات ذاته غير ذاته للزم عَلَيْهِ إِمَّا أن تكون مقارنة لذاته في الوجود، فيلزم عَلَيْهِ تعدُّد القدماء وَهُوَ باطل قطعا. وَإِمَّا أن تكون سابقة عَلَى ذاته في الوجود فيلزم عَلَيْهِ حدوث الذات العليَّة وَهُوَ باطل أَيضًا، وَإِمَّا أن تكون موجودة بعد الذات العليَّة فيلزم أن يكون الله عَزَّ وَجَلَّ قبل حدوثها غير مُتَّصِف بِهَذِهِ الكمالات، فيكون غير قادر وغير عالم إِلىَ آخرها، وَهُوَ باطل قطعا؛ فثبت ما قلناه، وبطل ما زعم الخصم.
قالوا: يلزمك عَلَى هَذَا التقدير نفي الصفات الذَّاتِيَّة.
قلنا: لا يلزمنا ذَلِكَ لأَنَّا أَنَّمَا ننفي الزيادة عَلَى الذات لا نفس الصفات.
قالوا: الزائد الذي نفيتموه هو نفس الصفات إذ لا يَصِحُّ أن تكون الصفات غير [لعل الصواب: عين، تأمل] الذات، فلو كان ذَلِكَ لَمَا كان لاتِّصاف الذات بالصفات معنى، لأَنَّهُ من اتصاف الشَّيْء بذاته فيكون معنى (1/87)
صفحة 88
<88> قولنا: الله قادر بمعنى قولنا: ذاته ذاته، ولا شَكَّ أَنَّ كُلِّ عاقل ينكر تساويهما.
قلنا: الصفات عين الذات لِمَا قَدَّمناه من البرهان، ولا يلزم من ذَلِكَ ما ذكرتموه من اتِّصَاف الشَّيْء بذاته، لأَنَّ هَذِهِ الصفات لها معان اعتباريَّة، وللذات كمالات ذَاتِيَّة لا يَدُلُّ عَلَيْهَا نفس لفظ الذات، وَلِكُلِّ واحد من تلك الكمالات معنى اعتباريٌّ يُعَبَّرُ عنه بالصفة، فالصفات عبارة عن المعاني الاعتباريَّة الدَّالَّة عَلَى الكمالات الذَّاتِيَّة، فبهذا الاعتبار لم يكن قولنا: الله قدير بمنزلة قولنا: ذاته ذاته، لِمَا في قولنا: قدير من التعبير عن المَعْنَى الاعتباريِّ المفيد للكمال الذاتيِّ.
حاصل ما في المقام أَنَّ ذاته تَعَالىَ مُتَّصِفة بالكمالات الذَّاتِيَّة، قائمة مقام ذات وصفة، أي غنيَّة بنفسها عن غيرها، وَالله تَعَالىَ أعلم.
فهو عليم لا بعلم جُلبا وَهوَ سميع لا بسمع ركِّبا
وَهوَ بصير لا بعين نظرت وهو قدير لا بقدرة عرت
وهكذا في سائر الصفات لأَنَّهَا فيِ الأَصْلِ عين الذات
أي فإذا ثبت بما قرَّرناه من البرهان أَنَّ صفاته تَعَالىَ الذَّاتِيَّة عين ذاته لا غيرها كما زعم الغير فنقول: إِنَّهُ تَعَالىَ عليم بذاته لا بعلم هو غيره، أي ذاته عَزَّ وَجَلَّ منكشفة لها المعلومات انكشافا تَامًّا، غير محتاجة في ذَلِكَ الانكشاف إِلىَ واسطة بينها وبين المعلوم كما زعم الغير، وَأَنَّهُ تَعَالىَ سميع (1/88)
صفحة 89
<89> بذاته لا بسمع مركَّب فيه أو زائد عَلَيْهِ، أي ذاته تَعَالىَ منكشفة لها المسموعات انكشافا تَامًّا غير محتاجة في ذَلِكَ الانكشاف إِلىَ واسطة بينها وبين المسموعات كما زعم الغير، وَأَنَّهُ تَعَالىَ بصير بذاته لا ببصر هو غيره، أي ذاته تَعَالىَ منكشفة لها المبصرات انكشافا تَامًّا غير محتاجة في ذَلِكَ الانكشاف إِلىَ واسطة بينها وبين المبصرات كما زعم الغير، وَأَنَّهُ تَعَالىَ قدير بذاته لا بقدرة هي غيره، أي ذاته تَعَالىَ منفعلة لها الأشياء إيجادا وانعداما غير محتاجة في ذَلِكَ التأثير إِلىَ واسطة بينها وبين المؤثَّرات كما زعم الغير. وكذا القول في سائر الصفات، فنقول: هو تَعَالىَ يريد بذاته لا بإرادة هي غيره، أي ذاته العليَّة كافية في ترجيح أحد طرفي الممكن عَلَى الآخر غير محتاجة في ذَلِكَ التأثير الخاصِّ إِلىَ واسطة بينها وبين المؤثَّر كما زعم الغير، ونقول: هو تَعَالىَ حيٌّ بذاته لا بحياة هي غيره، أي ذاته العليَّة كافية للاتِّصاف بِهَذِهِ الكمالات غير محتاجة في الاتِّصَاف بها إِلىَ واسطة هي غيرها تُسَمَّى بالحياة كما زعم الغير، وَالله تَعَالىَ أعلم.
الفصل الرابع
في الرؤية
أي في بيان استحالة رؤية الباري عَزَّ وَجَلَّ.
هي اتِّصَال شعاع الحدقة بالمرئيِّ، وقد جوَّز الأَشعَرِيَّة اتِّصَافه تَعَالىَ بها، وقالوا|| بوقوع ذَلِكَ في الآخرة للمؤمنين، وأكثر الإسلاميِّين عَلَى استحالتها عَلَيْهِ تَعَالىَ. وَمِمَّن ذهب إِلىَ ذَلِكَ المعتزلة (1/89)
صفحة 90
<90> والخوارج وغيرهم، واستحالتها هو الحقُّ لِمَا ستعلمه|| من الأَدِلَّة النَّقْلِيَّة والبراهين العَقلِيَّة.
وقد تعلَّق المثبتون للرؤية في حقِّه تَعَالىَ بظواهر الآيات، وبموضوع روايات لا حاجة لنا بذكرها هاهنا خوف الإطالة فلنعد إِلىَ بيان براهينها العَقلِيَّة وَالنَّقْلِيَّة فنقول:
ورؤية الباري من المحال دنيا وأخرًى احكمْ بِكُلِّ حال
لأَنَّ مِن لازِمها التميُّزا والكيف والتبعيض والتحيُّزا
في جهة تقابل الذي نظر فَهَذِهِ وما أتى به السور
من قول لا تدركه الأبصار ولن تراني فانتفى الإبصار
لأَنَّهَا مدح له ولا يَصِحْ زوال ما به الإله ممتدح
لو جاز أن يزول مدحه لزم تبديل عِزِّهِ بذلٍّ وشُتِم
أي رؤية الباري تَعَالىَ من الأشياء التي لا يتَصَوَّرُ في العقل صِحَّة وجودها لأَنَّ العقل يحيل ذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنَّ من لوازم الرؤية ومن شرائطها:
- أن يكون المرئيُّ متميِّزا، أي متشخِّصا، والربُّ تَعَالىَ يستحيل عَلَيْهِ التشخيص.
- ومن لوازمها أَيضًا أن يكون المرئيُّ متكيِّفا، أي ذا كيف أي لون، وَذَلِكَ عَلَى الله محال.
- ومن لوازمها أَيضًا أن يكون المرئيُّ متبعِّضا أي ذا أبعاض أي أجزاء، لأَنَّ النظر إِمَّا أن يحيط به كلَّه، وكلُّ محاط به متبعِّض ضرورة، وَإِمَّا أن يُدرَك بَعضه فظهر فيه البَعض حيث أُدرِك منه، وَذَلِكَ في (1/90)
صفحة 91
<91> حقِّه تَعَالىَ محال.
- ومن لوازمها أَيضًا أن يكون المرئيُّ متحيِّزا في جهة من الجهات، أي حالاًّ فيها دون غيرها، والتحيُّز في حقِّه تَعَالىَ محال، وكذا يستحيل عَلَيْهِ المكان أَيضًا.
- ومن لوازمها أَيضًا أن تكون الجهة التي يكون فيها المرئيُّ مقابِلة للرائي، لأَنَّ الناظر لا يرى إِلاَّ ما يقابله، وَذَلِكَ في حقِّه تَعَالىَ محال.
فاستحالة الرؤية في حقِّه تَعَالىَ لاستحالة لوازمها فشرائطها، فَهَذِهِ البراهين بالعَقلِيَّة [كذا]. وَأَمَّا ما أتى به السور من البراهين النَّقْلِيَّة فأشياء منها:
- قَوله تَعَالىَ: {لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ ... } (1) فنفى عَزَّ وَجَلَّ إدراكَ الأبصار لذاته، وامتدح بِذَلِكَ، فنفي الإدراك مدح له تَعَالىَ لِهَذِهِ الآيَة، وما كان مدحا له تَعَالىَ فلا يَصِحُّ زواله عنه واتِّصافه بضدِّه، لأَنَّ ما كان سببا للمدح فهو كمال وضدُّه نقص، ولا يَصِحُّ أن يزول شَيْء من الكمالات الإِلهِيَّة، ولا أن يَتَّصِفَ الإله بِشَيْءٍ من أضدادها النقصانيَّة، فلو جاز أن يزول ما كان سببا لمدحه تَعَالىَ للزم عَلَيْهِ تبديل عزِّه تَعَالىَ بالذلِّ، وحمده تَعَالىَ بالشتم، وَهَذَا محال في حقِّ صفاته تَعَالىَ، فكذا الاِتِّصَاف بالرؤية في وقت من الأوقات، أو من شخص من الأشخاص محال قطعا، لِمَا يلزم عَلَيْهِ من تبديل موجب المدح وجواز الاِتِّصَاف بموجب الذمِّ؛ فصحَّ استدلالنا بالآية، وسقط اعتراضات الخصم علينا بمحتملات وهميَّة توهَّموا توهَّموا أَنَّهَا التحقيق
__________
(1) - ... سورة الأنعام: 103، وتمامها: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}. (1/91)
صفحة 92
<92> في معنى الآيَة حَتَّى افتخر بَعض متأخِّريهم بِذَلِكَ فرحا بما لديه فقال:
لا تدرك الأبصار أكبر حجَّة لمقالهم معنى لها ما ألطفه
يدريه مَن خَبَر العلوم وراضها كابن الخطيب إمام أهل المعرفه
وأراد بابن الخطيب الفخر الرازي.
- ومنها قَوله تَعَالىَ لكليمه موسى عَلَيهِ السَّلاَمُ: {لن تراني} (1) حين قال له: {رَبِّ أرني أنظر اِليكَ}، فلو كانت الرؤية جائزة في حقِّه تَعَالىَ لَمَا علَّقها بالمستحيل في جوابه لكليمه عَلَيهِ السَّلاَمُ، وَذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: {ولكنُ انظُرِ اِلىَ الجبل فإِنِ اسْتَقَرَّ مكانه فسوف تراني} فعلَّق الرؤية عَلَى استقرار الجبل، واستقرار الجبل في علمه تَعَالىَ محال، والمعلَّق عَلَى المحال محال مثله، ألا ترى أَنَّ أحدنا يقول: آتيك إذا شاب الغراب، أي ابيضَّ شعره، وابيضاض شعر الغراب محال، فالإتيان محال مثله لتعلُّقه به.
قالوا: استقرار الجبل ممكن في نفسه، والمعلَّق بالممكن ممكن مثله.
قلنا: إمكانه في نفسه إِنَّمَا هو بحسب جهلنا بحقائق الأشياء، أَمَّا عند من علم الحقائق فاستقراره محال، فظهر أَنَّ الاستقرار ليس بممكن في نفسه، وَإِنَّمَا كان إمكانه بالنظر إِلىَ عدم اطِّلاعنا عَلَى الحقائق، والربُّ تَعَالىَ عالم بها وبعدم استقرار الجبل، وعلَّق وقوع الرؤية عَلَيْهِ، فصحَّ ما قلناه والحمد لله.
ومن يَدِنْ بها بكفر النِّعَمِ فاحكم له، والشركِ إن يجسِّمِ
كَأَنْ يقول: يدُه مثل يدي
__________
(1) - ... سورة الأعراف: 143. والآيَة بتمامها: {وَلَمَّا جاء موسى لميقاتنا وكلَّمه ربُّه قال رَبِّ أرني أنظر اِليكَ قال لن تراني ولكنُ انظُرِ اِلىَ الجبل فإِنِ اسْتَقَرَّ مكانه فسوف تراني فَلَمَّا تجلَّى ربُّه للجبل جعله دكًّا وخرَّ موسى صَعِقًا فَلَمَّآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنآ أَوَّل المؤمنين} (1/92)
صفحة 93
<93>أو وجهه كوجه بَعض الأعبُدِ
أي: واحكم عَلَى ن قال بجواز الرؤية في حقِّه تَعَالىَ، وَعَلَى من قال بوقوعها في الآخرة بكفر النعمة، وَهُوَ النفاق، فَإِنَّ مجوِّز ذَلِكَ والقائل به لا شَكَّ أَنَّهُ فاسق بمخالفته العقل والنقل، فقضى الشرع بفسق من خالفه، هَذَا إذا لم يقل بتجسيم الباري، أَمَّا إذا قال أَنَّهُ يُرى عَلَى كثيب أو جالسا عَلَى كرسيٍّ، أو له صورة كصورة الإِنسَان، أو عَلَى صورة أحد من خلقه، أو له وجه كأوجهنا، أو يد كأيدينا، أو نحو ذَلِكَ فَهَذَا مشرك. وكذا من قال: إِنَّهُ يُرى في الدنيا مشرك لمكابرته العقل والنقل بلا شبهة يتمسَّك بها. وَإِنَّمَا لم نشرِّك من قال بِأَنَّهُ تَعَالىَ يُرى في الآخرة لتأوُّله الكِتَاب، والمتأوِّل إذا لم يوافق الحقَّ في تأويله فليس بمشرك لَكِنَّهُ منافق، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
الخاتمة
في تفسير ألفاظ تعلَّقت بها المشبِّهة من كِتَاب الله عَزَّ وَجَلَّ
فوجهه أي ذاته في قوله وعينه أي حفظه لفعله
تعلَّقت المشبِّهة في تقرير تشبيههم بآيات من القُرْآن العظيم، وَذَلِكَ أَنَّهُم أثبتوا له تَعَالىَ وجها وعينا ويدا، إِلىَ غير ذَلِكَ من صفات خلقه تَعَالىَ عن ذَلِكَ، وَاستَدَلُّوا في إثبات الوجه بِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالاِكْرَامِ} (1) {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ} (2).
قلنا: يأتي الوجه في اللغة عَلَى معانٍ، منها الجارحة المحدودة، وتفسير الوجه في حقِّه تَعَالىَ بها محال
__________
(1) - ... سورة الرحمن: 27.
(2) - ... سورة القصص: 88. (1/93)
صفحة 94
<94> للزومه التشبيه المصرَّح بنفيه قَوله تَعَالىَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (1) مع ما تَقَدَّمَ من البرهان العقليِّ، فوجب تفسير الوجه بغير الجارحة في حقِّه تَعَالىَ، فقلنا: معنى الوجه في الآيات إِنَّمَا هو بمعنى الذات، فقوله تَعَالىَ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} أي ذات رَبِّك، وقوله تَعَالىَ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ} أي ذاته، وكذا في نظائرهما من الآيات.
وتعلَّقوا في إثبات العين له تَعَالىَ بِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ} (2) {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} (3).
قلنا: معنى العين في الآيتين: الحفظ، فقوله تَعَالىَ: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ} أي عَلَى حفظي، و {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} أي بحفظنا. ولا يَصِحُّ أن تكون العين هنا بمعنى الجارحة الباصرة لِمَا تَقَدَّمَ من البرهان العقليِّ والنقليِّ، وَلأَنَّ الآيات لا يمكن حمل معناها عَلَى العين التي هي بمعنى الباصرة، فَإِنَّهُ لا يشكُّ عاقل في أَنَّهُ ليس المُرَاد أَنَّ موسى عَلَيهِ السَّلاَمُ مصنوع عَلَى العين الباصرة أي فوقها، ولا أَنَّ السفينة تجري بالأعين الباصرة أَيضًا، فَلاَ بُدَّ لهؤلاء المشبِّهة من تأويل الآيتين قطعا، وقد فرُّوا عن التأويل فوقعوا فيما فرُّوا منه، وزادوا عَلَى ذَلِكَ تشبيه رَبِّهم تَعَالىَ.
واليد منه قدرةٌ أو قل: نِعم وقبضةٌ والاستوَا مُلكًا يُسَمْ
أي: وَمَعْنَى اليدِ في قَوله تَعَالىَ: {يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (4) القدرة، أي قدرة الله فوق قدرتهم، لا كما زعمت المشبِّهة بِأَنَّهَا جارحة، تَعَالىَ الله عن ذَلِكَ. وقد تأتي اليد بمعنى النعمة، كما في قَوله تَعَالىَ:
__________
(1) - ... سورة الشورى: 11.
(2) - ... سورة طه: 39.
(3) - ... سورة القمر: 14.
(4) - ... سورة الفتح: 10. (1/94)
صفحة 95
<95> {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} (1) أي نعمتاه الظاهرة والباطنة، والعرب تطلق اليد عَلَى القدرة وَعَلَى النعمة كما لا يخفى عَلَى من تتبَّع لغة العرب، لَكِنَّ هَؤُلاَءِ المشبِّهة لا يفقهون العَرَبِيَّة، لأَنَّ غالبهم كانوا أعاجم فبهرتهم أنوار التنزيل فوقعوا في مهاوي الضلال والعياذ بِاللهِ.
وقوله: (وقبضةٌ والاستوا ... ) إلخ إشارة إِلىَ ما في قَوله تَعَالىَ: {وَالاَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (2) وَإِلىَ ما في قَوله تَعَالىَ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (3) أي فالقبضة في تلك الآيَة والاستواء في هَذِهِ الآيَة وَفيِ نظائرها بمعنى الملك، وكذا اليمين في قَوله تَعَالىَ: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} (4) فمعنى قَوله تَعَالىَ: {وَالاَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي يكون جميع الأَرض ملكه يوم القيامة، وَكَذَلِكَ هي اليوم، وَإِنَّمَا خصَّ بِذَلِكَ يوم القيامة لانتفاء مدَّعي الملك هنالك بخلافه في هَذِهِ الدنيا فَإِنَّ فيها من ادَّعَى الملك لنفسه. وَإِلىَ هَذَا المَعْنَى الإشارة في قَوله تَعَالىَ: {لمن الملك اليوم}؟ (5). وَمَعْنَى قَوله تَعَالىَ: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} أي بقدرته، وَمَعْنَى قَوله تَعَالىَ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} أي استولى، بمعنى ملَكَه، والربُّ عَزَّ وَجَلَّ مستولٍ عَلَى العرش وَعَلَى غيره، وَإِنَّمَا خصَّ العرش بالذكر في هَذِهِ الآيَة ونظائرها لأَنَّ العرش أعظم المخلوقات، فناسب ذكره في مقام الامتداح. وإذا
__________
(1) - ... سورة المائدة: 64، وتمام الآيَة: {وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتَ اَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ}
(2) - ... سورة الزمر: 67. وتمامها: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
(3) - ... سورة طه: 5.
(4) - ... سورة الزمر: 67.
(5) - ... سورة غافر: 16. وتمامها: {لله الواحد القهَّار}. (1/95)
صفحة 96
<96> كان تَبَارَكَ وَتَعَالىَ مالكا لِمَا هو أعظم المخلوقات، ومستوليا عَلَيْهِ كان استيلاؤه عَلَى ما هو دون ذَلِكَ ثابتا بطريق الأَولى.
وَمَعْنَى قَوله: (يُسَمْ) بالبناء للمفعول، أي يُدَّعى، أي كُلُّ واحد من القبضة والاستواء يُسَمَّى مُلكا، أي يفسَّر بالملك. وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
وجَدُّه كَوَجْهِهِ أو قُلْ عِظَم ومكرُه عقوبة لمن ظَلم
أي الجدُّ المضاف إِلَيْهِ تَعَالىَ في قَوله: {وَإِنَّهُ تَعَالىَ جَدُّ رَبِّنَا} (1) له معنيان، أحدهما: أن يفسَّر بالذات كما فسِّر بِذَلِكَ الوجه في قَوله تَعَالىَ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} (2) وَعَلَيْهِ فالمعنى: وَإِنَّهُ تَعَالىَ ربُّنا، وَالمَعْنَى الثاني: أن يفسَّر بالعظمة، وَعَلَيْهِ فالمعنى: وَإِنَّهُ تَعَالىَ عظمة ربِّنا، فالعِظم في البيت بكسر العين المهملة وفتح الظاء المعجمة بمعنى العظمة.
وقوله: (ومكرُه عقوبة ... ) إلخ، أي والمكر المسند إِلَيْهِ تَعَالىَ في نحو قَوله تَعَالىَ: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ} (3) إِنَّمَا هو عقوبة للظالم لا غير ذَلِكَ من المخادعة والاحتيال، فمعنى قَوله تَعَالىَ: {وَمَكَرَ اللهُ} أي وعاقبهم الله، أي قضى بعقوبتهم وحكم بها من حيث لا يعلمون ذَلِكَ.
الباب الثالث من الركن الثاني
في الأنبياء والرسل والملائكة والكتب
ثُمَّ من الجائز بعث الرسل يهدوننا إِلىَ الصراط الأعدل
مقرونة دعواهم تفضُّلا بمعجزات تبطل التقوُّلاَ
أي ثُمَّ إِنِّي أقول: إِنَّ من الجائز في حقِّه تَعَالىَ إرسال الرسل أي
__________
(1) - ... سورة الجن: 3.
(2) - ... سورة الرحمن: 27.
(3) - ... سورة آل عمران: 54. وتمامها: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}. (1/96)
صفحة 97
<97> الإيحاء إِلىَ الأنبياء وإنزال الكتب. وَمَعْنَى الجائز في حقِّه تَعَالىَ أي له أن يفعل ذَلِكَ، وله أن لا يفعله، ويصحُّ اتِّصَافه به وعدم اتِّصَافه به، خلافا لمن أوجب ذَلِكَ في حقِّه تَعَالىَ ولمن أحاله، والقائل باستحالة ذَلِكَ مشرك إجماعا.
وقوله: (يهدوننا إِلىَ الصراط) الجملة في محلِّ الجارِّ من الرسل، وَالمَعْنَى: هادين لنا إِلىَ الصراط الأعدل، أي المستقيم؛ وَفيِ هَذَا تنبيه عَلَى حكمة إرسال الرسل.
وقوله: (مقرونة دعواهم) حال من واو «يهدوننا»، أو من الرسل أَيضًا، أي دعواهم بِأَنَّهُم رسل من الله تَعَالىَ مقرونة بمعجزة، وهي الخارق للعادة المتحدَّى بها عَلَى الخصم، فخرج بالخارق السحر فَإِنَّهُ غير خارق للعادة، وَإِنَّمَا هو أمر مترتِّب عَلَى أسباب مَن أَحكَمَها حصل له ذَلِكَ الأمر؛ والخارق ليس مترتِّبا عَلَى سبب، لَكِن لَمَّا خفيت أسباب السحر عَلَى كثير من الناس ظنَّ أَنَّهُ خارق وليس كَذَلِكَ. وخرج بالمتحدَّى به إِلىَ آخره كرامات الأولياء فهي وإن كانت خارقة أَيضًا لا تكون عَلَى جهة التحدِّي، أي فلا تحصل لمن يدَّعي النبوَّة منهم إذا لم يكن نبيًّا، كذا جرت عادته سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ حفظا لرتبة النبوَّة، وصونا لمقام الرسالة.
وقوله: (تفضُّلا) حال من قوله: (بمعجزات) والعامل فيه (مقرونة)، أي مقرونة دعواهم بمعجزات متفضِّلا بها عَلَيْهِم.
وقوله: (تبطل التقوُّلا) نعت للمعجزات، أي تلك المعجزات مبطلة لتقوُّل الخصم كادِّعائه أَنَّهُ يستطيع (1/97)
صفحة 98
<98> الإتيان بمثلها كما ادَّعَى فرعون في قوله لموسى عَلَيهِ السَّلاَمُ: {فَلَنَاتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ} (1)، وكادِّعاء|| مسيلمة أَنَّهُ يأتي بمثل القُرْآن.
وواجب عليك أن تعرف ما يجوز للرسل، وما قد لزما
وما استحال عنهم. فاللازم في حقِّهم نعتا هي المكارم
كالصدق والتبليغ والأمانة والعقل والضبط وكالفطانة
والمستحيل ضدُّها كالكذب وكالجنون وارتكاب الريب
وما عدا ذَلِكَ فهو ممكن في حقِّهم إِلاَّ الذي يستهجن
للرسل والأنبياء صفات واجبة في حقِّهم، ولهم صفات مستحيلة في حقِّهم، وصفات ممكنة في حقِّهم، ويلزم المكلَّفَ معرفةُ كُلِّ واحد من هَذِهِ الصفات بعد قيام الحُجَّة به عَلَيْهِ.
فيجب في حقِّ الأنبياء والرسل التبليغُ لِمَا أُمروا بتبليغه دون ما لم يؤمروا بِذَلِكَ، ودون ما خيِّروا في تبليغه. ويجب اتِّصَافهم بالصدق، وَهُوَ مطابقة خبرهم للواقع. ويجب اتصافهم بالأمانة وهي حفظ ما ائتمنوا عَلَيْهِ ووضعه في وأداؤه إِلىَ أهله، ويجب اتِّصَافهم بالعقل فلا يكون المجنون رسولا ولا نبيًّا ولا يكون نبيٌّ صبيًّا، أي مُتَّصِفا بصفة الصبيان من عدم الاِتِّصَاف بموجبات العقل، فيخرج بهذا التقييد يحيى عَلَيهِ السَّلاَمُ لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} (2)، وكذا من كان مثله. وحاصل ما في المقام أَنَّ الواجب الاِتِّصَاف بالعقل
__________
(1) - ... سورة طه: 58.
(2) - ... سورة مريم: 12. (1/98)
صفحة 99
<99> فإذا حصل في أحد فلا عبرة بكثرة عدد السنين وقلَّته، ويجب في حقِّهم الضبط، أي حفظ ما أمروا بتبليغه وضبطه حَتَّى يؤدُّوه|| عَلَى وجه لا يكون فيه خلل.
ويجب في حقِّهم الفطانة، وهي اليقظة في الأمور، ليحصل لهم بِذَلِكَ محاورة الأخصام ومجادلتهم بالتي هي أحسن.
ويستحيل في حقِّهم أضداد هَذِهِ الصفات، من ذَلِكَ: الكذب، وَهُوَ عدم مطابقة الخبر لِمَا في الواقع. ومن ذَلِكَ الجنون، وَهُوَ زوال العقل. ومن ذَلِكَ ارتكاب الرِّيَب، أي المعاصي، فَإِنَّهُمْ لو ارتكبوها ما كانوا أمناء في أوامر ربِّهم في أنفسهم، فلا يكونون أمناء في غير ذَلِكَ.
وما عدا هَذِهِ الصفات التي ذكرناها|| فهي في حقِّهم من الممكن في حقِّهم، والجائز اتِّصَافهم بها، وَذَلِكَ مثل النوم والأكل والشرب والجماع والمشي في الأسواق، وغير ذَلِكَ من المباحات. نَعم يستثنى من ذَلِكَ ما كان مستقبحا منها في العقل كالبول قياما فَإِنَّ العقل يستقبح ذَلِكَ في أدنى البشر فكيف يستحسنه في أعلاهم؟! عَلَى أَنَّ الغرض اتِّصَافهم بمكارم الأخلاق وليس هَذَا منها.
أفضلهم نبيُّنا ثُمَّ الخليل ثُمَّ الكليم بعده عيسى الجليل
وبعدهم نوح فباقي الرسل فالأنبياء ذوو المقام الأكمل
ووقع الإجماع عَلَى ثبوت تفاضل الرسل، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (1). ووقع الإجماع أَيضًا عَلَى أفضليَّة نبيِّنا عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ
__________
(1) - ... سورة البقرة: 253. (1/99)
صفحة 100
<100> عَلَى جميع الخلق لأدلَّة تخصُّه، ووقع الاِتِّفَاق عَلَى أَنَّ أفضل الرسل من بعده أربعة: إبراهيم خليل الرحمن، وموسى كليم الله، وعيسى روح الله، ونوح نبيُّ الله عَلَيهِم الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ. ثُمَّ وقع الخلاف في تفضيل بَعض هَؤُلاَءِ عَلَى بَعض، واعتمد الأكثر الطريقة التي اعتمدها|| المُصَنِّف، ووقف بَعض عن تعيين الأفضل منهم، وقال: هَذَا باب لسنا بحكَّام فيه، لأَنَّ أمر ذَلِكَ إِلىَ التوقيف من الشارع، وَهُوَ حقٌّ، فالتوقُّف أولى فيما لم يَرِد فيه نصٌّ.
وقوله: (فباقي الرسل) أي بعد هَؤُلاَءِ الخمسة في الفضل باقي الرسل، وعدد الرسل مع هَؤُلاَءِ الخمسة ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولا، أَوَّلهم آدم، وآخرهم مُحَمَّد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم وسلَّم.
وقوله: (فالأنبياء) أي بعد الرسل في رتبة التفضيل الأنبياء، وهم الذين أوحِيَ إِلَيْهِم بشرع لم يؤمروا بتبليغه، فإن أُمِروا بالتبليغ كانوا رسلا أَيضًا. وعدد الأنبياء عَلَى القول المشهور مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، منهم الرسل الثلاثمائة والثلاثة العشر.
وقوله: (ذوو المقام الأكمل) أي أصحاب المقام الكامل.
قد نُسخت شرائع الجميع سوى الهدى بشرعنا البديع
وما له أي شرعُنا مغيِّر فهو عَلَى الدوام لا يغيَّر
اعلم أَنَّ شريعة نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - ناسخة لشرائع الأنبياء من قبله، أي مبدِّلة لأحكامها بأحكام أُخَر، إِمَّا مخالفة لها (1/100)
صفحة 101
<101> وَإِمَّا موافقة، إِلاَّ ما لا يَصِحُّ نسخه من ذَلِكَ كالتوحيد، فَإِنَّ صفاته تَعَالىَ لا يجوز عَلَيْها التغيُّر فلا يَصِحُّ نسخ التقعد [كذا، لَعَلَّهُ: الاعتقاد] فيها، فلا يمكن أن يَتعبَّد أحدًا من أهل الملل أن يعتقدوا أَنَّهُ لا يُرى، ويتعبَّد آخرين أن يعتقدوا|| أَنَّهُ يُرى؛ وكمكارم الأخلاق فَإِنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان، ومكارمُ الأخلاق داخلة تحت العدل والإحسان، فلا يَصِحُّ أن يأمر بخلاف المكارم، وَهَذَا النوع أعني ما لا يَصِحُّ نسخه هو المُرَاد من قول المُصَنِّف: (سوى الهدى) أي إِلاَّ الهدى فَإِنَّهُ لم ينسخ، أي لأَنَّهُ لا يَصِحُّ نسخه.
وقوله: (وما له أي شرعنا) إلخ، أي لا يغيَّر شرع نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - ناسخ لأَنَّهُ ليس بعده نبيٌّ، كما صرَّح به حديث: «لا نبيَّ بعدي»، وكما دَلَّ عَلَيْهِ قَوله تَعَالىَ: {وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ} (1) فَإِنَّ الخاتِم لا يكون معقوبا، فثبت امتناع نسخ شرعه، لاستحالة نبيٍّ بعده. واعتقاد أَنَّهُ لا نبيَّ بعده، وَأَنَّ شريعته لا تنخ من بعده واجب علينا، فلا يَصِحُّ جهل علمه بعد قيام الحُجَّة به.
وبعدهم ملائك حباهم مولاهم بالقرب واجتباهم
أفضلهم جبريل. والذي زعم تفضيله عَلَى الحبيب قد غشم
أي بعد درجة الأنبياء في الفضل درجة الملائكة عَلَيهِم السَّلاَمُ، فَإِنَّهُ قد أعطاهم ربُّهم ومولاهم من الفضل الخاصِّ بهم ما لم يعطه لغيرهم، واصطفاهم لخدمته، وفرَّغهم لإنفاذ أمره، فلهم الفضل العظيم لهذا التبجيل والتعظيم؛
__________
(1) - ... سورة الأحزاب: 40. (1/101)
صفحة 102
<102> عَلَى أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ قد مدحهم في كِتَابه العزيز بقوله: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} (1)، وقوله: {لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ} (2)، فهم بهذا أفضل من سائر المؤمنين، ما عدا الأنبياء والمرسلين. وفضَّل بَعض أصحابنا وغيرِهم المؤمنين عَلَيْهِم، وَاستَدَلَّ كلُّ واحد من الفريقين بأدلَّة ذكرناها في غير هَذَا المقام.
ولا شَكَّ أَنَّ بَعض الملائكة أفضل من بَعض، لِقَولِهِ تَعَالىَ حكاية عنهم: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} (3). وأفضلهم عَلَى الإطلاق جبريل عَلَيهِ السَّلاَمُ، لأَنَّهُ الرسول من الله إِلىَ أنبيائه، وإن كان غيره قد أرسل أَيضًا فإرساله هو أكثر من غيره، ولكثرة خصاله الفاضلة والفواضل.
زعم الزمخشريُّ أَنَّهُ أفضل من حبيب الرحمن مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - وقد خرق الإجماع بِذَلِكَ، ودخل مدخلا كان الواجب عَلَيْهِ أن يقف دونه.
بهم جميعا يجب الإيمان وبالذي أنزله الرحمن
وَهوَ كلام دَلَّ بالنظم الأتَم عَلَى معانيه|| إرشاد الأمم
أي يجب التصديق عَلَى جهة الإذعان بالأنبياء جميعا وبالرسل جميعا وبالملائكة جميعا، وبما أنزل الرحمن من الكلام عَلَى رسله، فالإيمان واجب بِكُلِّ واحد من هَذِهِ الأصناف جملة، ويجب علينا أن نخصَّ محَمَّدًا وما أنزل عَلَيْهِ بالإيمان، فلا يجزي الإيمان به مع جملة الرسل، ولا الإيمان بالقرآن في
__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 20.
(2) - ... سورة التحريم: 6.
(3) - ... سورة الصافات: 164. (1/102)
صفحة 103
<103> جملة الكتب. وكذا يجب علينا أن نخصَّ بالإيمان من قامت علينا الحُجَّة برسالته أو بنبوَّته من الأنبياء والرسل الذين من قبله - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله: (وهو كلام ... ) إلخ هَذَا تفسير لِمَا أنزل الرحمن، أي الذي أنزله ربُّنا هو كلام دَلَّ بالنظم التامِّ عَلَى معانٍ ترشد الأمم إِلىَ نجاتها وَإِلىَ فلاحها وصلاحها، وجملة ما أنزل الله من الكتب عَلَى ما في بَعض الروايات مائة كِتَاب وأربعة كتب، خمسون منها عَلَى شيت، وثلاثون عَلَى إدريس، فتلك ثمانون، وعشرة صحف عَلَى إبراهيم، وعشرة عَلَى موسى قبل التوراة، فتلك مائة، والتوراة عَلَى موسى، والزبور عَلَى داود، والإنجيل عَلَى عيسى، والقرآن العظيم عَلَى نبيِّنا الكريم، عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أفضل صلاة وأكمل تسليم.
والكلُّ مخلوق لإِمْكانِ العدم ولاِنفِرادِه تَعَالىَ بالقِدَم
أي كلُّ واحد من الكلام المنزَّل عَلَى الرسل مخلوق لا شَيْء منه مُتَّصِف بالقِدم، لا التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا القُرْآن ولا غيرها من سائر الكتب، وَذَلِكَ لأدلَّة عَقْلِيَّة ونقليَّة.
فَأَمَّا العَقلِيَّة فمنها أَنَّ الكلام المنزل ممكن فناؤه، وكلُّ ما أمكن فناؤه استحال قدمه. ومنها أَنَّهُ تَعَالىَ منفرد بالقدم، فلو كان الكلام أو شَيْء منه قديما للزم بطلان انفراده تَعَالىَ بالقدم، وقد قام البرهان عَلَى وجوب انفراده بِذَلِكَ، فلا قديم غيره.
وَأَمَّا النَّقْلِيَّة فأشياء، (1/103)
صفحة 104
<104> منها قَوله تَعَالىَ: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (1) والكلام شَيْء فهو مخلوق لِهَذِهِ الآيَة. ومنها قَوله تَعَالىَ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (2)، والكلام شَيْء. ومنها أَنَّهُ موقوف بالإنزال كما في قَوله تَعَالىَ: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} (3)، وكلُّ منزل منتقل من جهة إِلىَ جهة، وكلُّ منتقل حادثن وكلُّ حادث مخلوق. إِلىَ غير ذَلِكَ من الأَدِلَّة. وَالله تَعَالىَ أعلم.
فصل في
المحكم والمتشابه
وَفيِ القُرْآن محكم ومشتبه ومجمل مفصَّل نؤمن به
كلٌّ أتى من رَبِّنا والخلق في حدَّيهما عَلَى أقاويل نفي
مع اتِّفَاق منهم أَنَّهُمَا نوعان أي مختلف حكمهما
أي في القُرْآن آيات محكمة، وفيه آيات متشابهة وفيه آيات مجملة وفيه آيات مفصَّلة أي مبيَّنة، ويجب الإيمان بجميعه محكمه ومتشابهه ومجملة ومفصَّله، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فَأَمَّا الذِينَ فيِ قُلَوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ... } الآيَة (4). وقد اختلف العلماء في بيان المحكم من المتشابه في تعريف كُلِّ واحد منهما عَلَى أقاويل تجيء في النظم، وهم مع اختلافهم مُتَّفِقون عَلَى أَنَّ المحكم غير متشابه والمتشابه غير المحكم، فهما نوعان متغايران، وحكم كُلِّ واحد منهما يخالف حكم الآخر، لأَنَّ الربَّ تَعَالىَ رتَّب عَلَى كُلِّ واحد حكما. ثُمَّ إِنَّهُ أخذ في بيان حدِّ المحكم وبيان حكمه فقال:
فالمحكم: المتَّضح المَعْنَى انقسم
__________
(1) - ... سورة الأنعام: 102.
(2) - ... سورة القمر: 49.
(3) - ... سورة يوسف: 2. سورة الدخان: 3. سورة القدر: 1.
(4) - ... سورة آل عمران: 7. وتمامها: {هُوَ الذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فَأَمَّا الذِينَ فيِ قُلَوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَاوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فيِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا، وَمَا يَذَّكَّرُ إِلآَّ أُولُواْ الاَلْبَابُ} (1/104)
صفحة 105
<105> للنصِّ والظاهر معنى فانحسم
في النصِّ حكم القطع بالمراد والظنِّ في الظاهر للعباد
وإن أتى بعكسه الدَّلِيل صير إِلَيْهِ وَهوَ التأويل
وَهوَ قريبا أو بعيدا وقعا أو متعذِّرا فلن يُتَّبَعا
أي المحكم من الآيات ومن غيرها من الروايات هو ما اتَّضَحَ معناه، وَهُوَ قسمان، لأَنَّهُ إِمَّا أن يَتَّضِح المَعْنَى ولم يحتمل معنى غيره، وَهُوَ النصُّ؛ وَإِمَّا أن يحتمل معنى ثانيا، وإن كَانَ احتمالا بعيد مثلا فهو الظاهر. وَلِكُلِّ واحد من النصِّ والظاهر حكم؛ فحكم النصِّ القطع بمراد المُتَكَلِّم، أي إذا سمعنا من الكلام ما لا يحتمل إِلاَّ معنى واحدا قطعنا بِأَنَّ مُرَاد المُتَكَلِّم هو ذَلِكَ المَعْنَى لا غيره لعدم احتمال الكلام لغيره، والحكم في الظاهر الظنُّ بِأَنَّ ما ظهر من المعاني هو مراد المُتَكَلِّم، أي إذا سمعنا كلاما يحتمل معنيين، لَكِنَّ السابق إِلىَ الذهن أحدهما ظننَّا أَنَّ ذَلِكَ السابق إِلىَ الذهن هو مراد المُتَكَلِّم، وَإِنَّمَا كان هَذَا كَذَلِكَ لاحتمال أن يكون المُتَكَلِّم أراد المَعْنَى الثاني. هَذَا إذا لم يقم دَلِيل عَلَى أَنَّ مراد المُتَكَلِّم المَعْنَى المرجوح، فإن قام الدَّلِيل بِذَلِكَ ترك المَعْنَى الظاهر وصير غ المَعْنَى الباطن لوجود ذَلِكَ الدَّلِيل الدالِّ عَلَى أَنَّ الباطن هو المُرَاد.
والمصير من الظاهر إِلىَ المَعْنَى الباطن هو التأويل، وَهُوَ ينقسم إِلىَ ثلاثة أقسام: تأويل قريب وتأويل بعيد (1/105)
صفحة 106
<106> وتأويل متعذِّر، كُلُّ ذَلِكَ بحسب قُرب الاحتمال للمعنى وبُعده. فالتأويل القريب يترجَّح بأدنى دَلِيل، والتأويل البعيد يحتاج إِلىَ دَلِيل قويٍّ، والمتعذِّر منه لا يُقبَل؛ فمن المتعذِّر تفسير الرافضة لِقَولِهِ تَعَالىَ: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلاِنسَانِ اكْفُرْ} (1) قالوا: الشيطان عمر بن الخطَّاب، والإنسان: أبو بكر، قال له: خذ الخلافة وأنا معينك عَلَيْهَا، أخزاهم الله تَعَالىَ ورضي عن الشيخين، ولهم في تحريف القُرْآن العظيم عَلَى هَذَا المنوال ما ينبغي أن ننزِّه مختصرنا هَذَا عن ذكره.
وَلَمَّا فرغ من بيان حدِّ المحكم وأحكامه شرع في بيان حدِّ المتشابه وأحكامه فقال:
وذو اشتباه ما اختفى كالمجمل أو مُفْهِمُ تشبيه مولانا العلي
فمنه ما قيل بِأَنَّهُ الذي له احتمالان فصاعدا خذ
ومنه أَيضًا ما يكون مبهما كتسع عشر أَمْرُهُم قَدْ أُبهِمَا
ومنه أَنَّهُ الذي لم يعلم تأويله غير المهيمن اعلم
فَكُلُّ هَذَا أصله متَّحد وجعله أشياء ليس يحمد
وَقِيلَ: أحرف أوائل السور وَقِيلَ: بالأمثال مع كُلِّ خبر
وَقِيلَ: ما قد كان منسوخا وما قد كان ناسخا يُسَمَّى محكما
المتشابه هو خلاف المحكم، وعرَّفوه بِأَنَّهُ هو الذي اختفى معناه. ولخفاء معناه سببان: أحدهما: إجمال في اللفظ، وثانيهما أن يكون ظاهره مخالفا لدليل العقل
__________
(1) - ... سورة الحشر: 16. (1/106)
صفحة 107
<107> وَذَلِكَ كما إذا كان في ظاهره تشبيه الباري عَزَّ وَجَلَّ بخلقه كآية الاستواء، فهو باعتبار سببه قسمان: مجمل. وما كان في ظاهره التشبيه، وَهَذَا الحدُّ الذي ذكره المُصَنِّف وَهُوَ أَنَّ المتشابه ما اختفى معناه شامل لأكثر التعاريف الواردة من العلماء في المتشابه ما كان له احتمالان فصاعدًا يختفي فيه المَعْنَى المُرَاد منه، ولا يعلم إِلاَّ بدليل خارجيٍّ وَهَذَا الدَّلِيل هو الذي نسمِّيه بالبيان، ويدخل تحته أَيضًا قول من قال: إِنَّ المتشابه هو ما كان مبهَما، وَذَلِكَ كما في قَوله|| تَعَالىَ: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} (1) فأبهَمَ المعدود من هَذِهِ الآيَة فلم يُدرَ ما هو، واحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا، وأن يكون تسعة عشر صفًّا إِلىَ غير ذَلِكَ؛ وكما في قَوله تَعَالىَ: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} (2) فحقيقة الثمانية مبهمة، ووجه دخول هَذَا في تعريف المُصَنِّف إِنَّمَا هو من حيث خفاء المَعْنَى المُرَاد، ويدخل تحته أَيضًا قول من قال إِنَّ المتشابه هو ما لا يعلم تأويله إِلاَّ الله، وككيفية الحشر وحقيقة الثواب، وحقيقة العقاب إِلىَ غير ذَلِكَ، ووجه دخوله فيما تَقَدَّمَ بجامع الخفاء؛ ولذا قال المُصَنِّف: (فَكُلُّ هَذَا أصله متَّحد) أي أصل هَذِهِ الأقاويل واحد وَهُوَ الخفاء.
وقوله: (وجعله أشياء ... ) إلخ أي جعل ما ذكر هاهنا أشياء مُتَعَدِّدَة لمعانٍ مختلفة غير محدود، لأَنَّ كلَّ واحد من تلك الأقوال
__________
(1) - ... سورة المدَّثر: 30.
(2) - ... سورة الحاقَّة: 17. (1/107)
صفحة 108
<108> إِنَّمَا اعتبر جهة من جهات الخفاء، فالقدر المشترك بين الجميع هو الخفاء، فينبغي أن يؤخذ في تعريف المتشابه، فتكون تلك الأقاويل أنواعا له كما صنع المُصَنِّف.
وَأَمَّا قوله: (وَقِيلَ: أحرف ... ) إلخ فَهَذِهِ ثلاثة أقاويل في المتشابه خارجة عن ضابط الخفاء:
- أحدها: أَنَّ المتشابه هو الحروف المقطَّعة في أوائل السور ك {الم} {المص} {الر} {المر} {كهيعص} إِلىَ آخرها، ووجه خروج هَذَا من ذَلِكَ الضابط هو أَنَّ القول به يفيد حصر المتشابه في هَذِهِ الحروف دون ما عداها من الآيات.
- وثانيها: أَنَّ المتشابه هو القصص والأمثال، وَهُوَ معنى قوله: (وَقِيلَ: بالأمثال مع كُلِّ خبر).
- وثالثها: أَنَّ المتشابه هو ما كان منسوخا من الآيات، وَأَمَّا ما كان منها ناسخا فيُسَمَّى محكما.
وحكمه الوقوف في الإجمال حَتَّى يبينَ أَظْهَرُ احتمال
والردُّ للمحكم حكم الثاني أو يَلْزَمَنْ تناقض القُرْآن
لَمَّا كان المتشابه قسمين ثبت لِكُلِّ قسم حكم فله أَيضًا حكمان:
- فَأَمَّا حكم المجمل منه فهو الوقوف عن تعيين المُرَاد منه حَتَّى يَبينَ المُرَاد منه بدليل يُسَمَّى بيانا، وَهَذَا معنى قوله: (حَتَّى يبينَ أَظْهَرُ احتمال).
- وَأَمَّا حكم النوع الثاني منه وَهُوَ ما كان ظاهره التشبيه، فحكمه أن يُرَدَّ إِلىَ المحكم من الآيات فيفسَّر به، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} (1). ومثال ذَلِكَ قوله تَعَالىَ: {الرَّحْمَنُ
__________
(1) - ... سورة آل عمران: 7. (1/108)
صفحة 109
<109> عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (1) فَإِنَّهُ يجب أن يُرَدَّ إِلىَ قَوله تَعَالىَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (2)، فيستحيل أن يفسَّر الاستواء بالاستقرار، لأَنَّهُ لو فُسِّر بِذَلِكَ لكان مثله شَيْء في ذَلِكَ الوجه، فيلزم تناقض القُرْآن، والقول بتناقضه باطل، وَهَذَا معنى قوله: (أو يَلْزَمَنْ تناقض القُرْآن)
الباب الرابع من الركن الثاني
في الوعد والوعيد
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأَوَّل
في الموت والبعث والحساب
أي وَفيِ غير ذَلِكَ من المعاني، كبيان الرزق وعذاب القبر والحوض والكتب.
والموت حقٌّ يجب الإيمانُ به كذاك البعث والحسبانُ
أي الموت ثابت عَلَى كُلِّ ذي روح لا يشكُّ في ثبوته أحد لأَنَّهُ موجود ضرورة، فيجب الإيمان به تصديقا لِقَولِهِ تَعَالىَ: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} (3) فنعتقد أَنَّ كُلَّ ذي روح يموت، وَأَمَّا ما عدا ذوات الأرواح فالفناء في حقِّهم ثابت فهم يفنون قطعا، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ} (4). فالموت فناء خاصٌّ بذوات الأرواح. والفناء عدم عامٌّ لها ولغيرها.
وَكَذَلِكَ البعث ثابت بالبراهين النَّقْلِيَّة، فالإيمان به واجب.
وَكَذَلِكَ الحساب بعد البعث ثابت بالبراهين النَّقْلِيَّة أَيضًا، فالإيمان به واجب أَيضًا.
ثُمَّ إِنَّهُ أخذ في بيان كَيفِيَّة الموت والبعث فقال:
فالموت أن تفارق الروح الجسد والبعثُ ردُّها إِلَيْهِ للأبد
أي فالموت هو مفارقة الروح
__________
(1) - ... سورة طه: 5.
(2) - ... سورة الشورى: 11.
(3) - ... سورة آل عمران: 185.
(4) - ... سورة القصص: 88. (1/109)
صفحة 110
<110> الجسد، لأَنَّ حياة الجسد إِنَّمَا هي بسبب ممازجة الروح له، قال في القناطر: «واختلفوا في كَيفِيَّة قبض الروح، فقال بَعض العلماء: إِنَّ ملك الموت للروح بمنزلة حجر المغناطيس في جذبه للحديد، وَأَنَّهُ إذا ظهر الملك للروح طارت إِلَيْهِ، وقال قوم: إِنَّ الله تَعَالىَ يُخرِج الروح فيتلقَّاها الملك، قال: والصحيح أَنَّ الله سُبحَانَهُ هو الذي يحيي ويميت وَهُوَ أعلم بكيفيَّة ذَلِكَ». انتهى. وَفيِ تصحيحه رَحِمَهُ اللهُ تَعَالىَ إشارة إِلىَ التوقُّف عن القول بأحد القولين، فهو مذهب ثالث له. ووجه تصحيحه المتوقِّف أَنَّ هَذَا شَيْء لا يطَّلَع عَلَيْهِ إِلاَّ بتوقيف من الشارع، وَكَأَنَّهُ لم يثبت عنده توقيف، فرأى التوقُّف أولى.
وقوله: (والبعثُ ردُّها إِلَيْهِ) أي ردُّ الروح إِلىَ الجسد خلقا ثانيا، وإعادة ابتدائيَّة بعد إعدام محض، وَهُوَ ممكن عقلا، وصرَّح بثبوته النقل، قال تَعَالىَ: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} (1) {قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} (2)، فليست الإعادة أَشَدَّ من الإنشاء الأَوَّل، والكلُّ في قدرته تَعَالىَ ممكن وواقع بلا شكٍّ، فالإيمان بالبعث واجب.
وقوله: (للأبد) المُرَاد بالأبد عدم الغاية فيما يستقبل، أي ردُّ الروح للجسد بعد الموت هي حياة لا غاية لها إِمَّا في نعيم، وَإِمَّا في جحيم، وَهَذَا التأبيد خاصٌّ للمكلَّفين دون غيرهم من الحيوانات والحشرات فَإِنَّهَا إِنَّمَا تبعث ثُمَّ تصير ترابا. وَأَمَّا أولاد المكلَّفين فحكمهم في البعث حكم
__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 104.
(2) - ... سورة يس: 79. (1/110)
صفحة 111
<111> آبائهم، لَكِن يخلَّد من لم يبلغ منهم في الجَنَّة لعدم نقضهم الميثاق الذي أخذ الله عَلَيْهِم. وَكَذَلِكَ حكم المجانين في البعث حكم المكلَّفين فَإِنَّهُمْ إم أن يكونوا قد أتت عَلَيْهِم حالةٌ حكمُها حكمُ البالغين، فهم عَلَى ذَلِكَ الحكم من خير أو شرٍّ، وَإِمَّا أن يكونوا لم تأت عَلَيْهِم حالة من ذَلِكَ فحكمهم حينئذ حكم من لم يبغ الحلم، لعدم نقضهم لميثاق أَيضًا. وَالله أعلم.
والقول بالإمساك في الروح أَحَق وما سوا التخمين للذي نَطَق
اختلف العلماء في بيان الروح، فوقف بَعض عن تعيينها، وخاض آخرون في بيانها، والقول بالوقوف أولى وأثبت لعدم الدَّلِيل المصرِّح بتعيينها، وبيان كَيفِيَّة حالها، فالخائضون في بيانها مع عدم النصِّ المصرِّح بذَلِكَ ليس لهم مستند غير التخمين، وَهُوَ القول بالظنِّ، وَلأَنَّ الله تَعَالىَ لم يخبر نبيَّه بالوح وقد سئل عنها، فقال له ربُّه: {قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي} (1) فالعلم بها مِمَّا استأثر الله به ولم يطَّلع عَلَيْهِ أحد.
أَمَّا الخائضون في بيان الروح فقالوا: إِنَّهُ تَعَالىَ لم يُمت نبيَّه إِلاَّ وقد أطلعه عَلَى حقيقة الروح، وَأَمَّا قوله: {قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي} فَذَلِكَ لموافقة ما في التوراة لتكون موافقتها عَلَما عَلَى نبوَّته، وَذَلِكَ أَنَّ اليهود أَمَروا قريشا أن يسألوا رَسُول اللهِ (ص) عن ثلاث، وقالوا: إن أجاب عنها كُلِّهَا فليس بنبيء، وإن سكت عنها كُلِّهَا فليس بنبيء، وإن
__________
(1) - ... سورة الإسراء: 85، وتمام الآيَة: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (1/111)
صفحة 112
<112> أجاب عن بَعضها وسكت عن بَعض فهو نبيء، وتلك الثلاث هي الروح، وأصحاب لكهف وذو القرنين، فأفتاه ربُّه في أصحاب الكهف وذي القرنين، وأمَرَه في الروح بقوله: {قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي}، وكان في التوراة أَنَّ الروح من أمر الله، فطابق جوابه ما كِتَابهم. قالوا: فالأمر بالوقوف عن الخوض في الروح إِنَّمَا هو لهذا العارض لا لأَنَّ العلم بالروح مِمَّا لم يُطلِع الله عَلَيْهِ أحدا.
قلنا: بعد تسليم ما قلتموه لا يطَّلع عَلَى حقيقة الروح إِلاَّ بتوقيف من الشارع ولم يَرِد التوقيف فالاطِّلاع متعذِّر، فالكفُّ عن الخوض أولى وأحقُّ.
ولم يَمُتْ قبل انقِضَا العمرِ أحد وقبل رزقه الذي له يحد
كان حلالا أو حراما حجرا أو شبهة والله كلاًّ قدَّرَا
إذ ليس في العالم شَيْء يصدر إِلاَّ وربُّنا له مقدِّر
اعلم أَنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالىَ قد وقَّتَ الآجال وحدَّد الأعمار، فلا يموت أحد قبل انقضاء عمره وقبل استيفاء أجله، قَالَ تَعَالىَ: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} (1)، وقال تَعَالىَ: {فَإِذَا جَآءَ اَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} (2) سواء كان هَذَا المَيِّت مَيِّتا حتف أم مقتولا.
وذهبت المعتزلة إِلىَ أَنَّ المقتول مَيِّت في غير أجله، وقبل انقضاء عمره وَأَنَّهُ لو لم يقتل لعاش إِلىَ الوقت الذي حدِّد له، وَهُوَ مذهب
__________
(1) - ... سورة الرعد: 38.
(2) - ... سورة النحل: 61. (1/112)
صفحة 113
<113> فاسد بيَّنَّا بطلانه في غير هَذَا الكِتَاب.
وَكَذَلِكَ قدَّر الله الأرزاق، فمن قدِّر له رزق فلا يموت قبل استيفاء رزقه الذي قدِّر له، كان ذَلِكَ الرزق حلالا، وَهُوَ ما لم يَرِد في تناوله عقاب، أو حراما وَهُوَ ما ورد في تناوله عقاب، أو شبهة وَهُوَ ما تجاذبه أصلان، أصل يقتضي تحليله وأصل يقتضي تحريمه، ولم يترجَّح واحد منهما عَلَى الآخر، وَالله تَعَالىَ قدَّر جميع ذَلِكَ، فهو تَعَالىَ مؤصِّل للآجال، ورازق للعباد، بِأَيِّ جهة كان رزقهم، إذ ليس يوجد شَيْء من المخلوقات أو فيها إِلاَّ ربُّنا تَعَالىَ هو المقدِّر لِذَلِكَ، هَذَا مذهب ومذهب الأَشعَرِيَّة.
وذهب المعتزلة إِلىَ أَنَّ الله تَعَالىَ لا يرزق الحرام لأَنَّ رزق الحرام قبيح، ولا يصدر منه تَعَالىَ ما هو قبيح. ومنعوا إطلاق اسم الرزق عَلَى الحرام.
قلنا: إِنَّ قبح ذَلِكَ متوقِّف عَلَى نهي الشارع عنه، والربُّ تَعَالىَ غير محكوم عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، بل هو الحاكم في الأشياء، وَهُوَ الفعَّال لِمَا يريده، والأشياء جميعها ملك له، لا معارض له في شَيْء منها، والمتصرِّف في ملكه أو في شَيْء منه لا يكون فاعلا لقبيح، وَالله تَعَالىَ أعلم.
أقول: وبعد أن نظمت هَذِهِ الأبيات بمدَّة وقفت عَلَى الشطر الأَوَّل من البيت الأَوَّل منها في زبد بن رسلان ونصُّه:
ولم يمت قبل انقضاء العمر أحد والروح تفنى ليس تبقى للأبد
فهو من توارد الخواطر. وَالله أعلم.
ثُمَّ عذاب القبر مِمَّا جاء به (1/113)
صفحة 114
<114> تواتر الأخبار معنى فانتبه
واعتقِدَن صدقه ولا تُحِلْ تعذيب مَيِّت لوجوه تحتمل
المُرَاد بعذاب القبر هو عذاب المَيِّت مطلقا، كان مدفونا أو في بطون السباع والطيور، أو في بطون الحيتان أو عَلَى وجه الأَرض، وعُبِّر عن هَذَا كُلِّه بعذاب القبر لأَنَّهُ غالب في الموتى، وإذا ثبت عذاب القبر بما سيأتي ثبت أَيضًا تنعيمه لمن أراد الله تنعيمه فيه من أهل السعادة إذ لا قائل بالفرق بينهما.
وعذاب القبر قد وردت في ثبوته الأحاديث النَّبَوِيَّة، وأشارت إِلَيْهِ الآيات القُرْآنيَّة، فمن تلك الآيات قَوله تَعَالىَ: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} (1)، فقوله تَعَالىَ: {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} دالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ العرض قبل يوم القيامة وَهُوَ المطلوب.
وَأَمَّا الأحاديث النَّبَوِيَّة فقد قال صاحب المعالم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالىَ: إِنَّهَا مِمَّا تواتر معنًى، أي معنى عذاب القبر قد بلغ حدَّ التواتر في الأحاديث التي جاءت به وإن اختلفت عباراتها. فمن تلك الأحاديث قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الموتى ليعذَّبون في قبورهم ... » الحديث.
وقوله: (واعتَقِدَنْ صدقه) أي صِدْقَ عذاب القبر، أي أَنَّ من شأن ما توراترت به الأخبار أن يقطع بصدقه.
وقوله: (تُحِلْ تعذيب مَيِّت) أي: ولا تقل إِنَّ عذاب المَيِّت محال كما ذهبت إِلَيْهِ طائفة، لأَنَّا نقول: إِنَّهُ
__________
(1) - ... سورة غافر: 46. (1/114)
صفحة 115
<115> ليس بمحال، فَإِنَّهُ يحتمل أن يَرُدَّ الله عَلَيْهِ روحه فيحسَّ ألم العذاب، ويحتمل أن يخلق الله فيه حاسَّة يحسُّ بها ألم العذاب، ويحتمل غير ذَلِكَ، وَهُوَ معنى قوله: (لوجوه تحتمل) عَلَى أَنَّهُ لم يَرِد النصُّ عَلَى أَنَّ المَيِّت يعذَّب وَهُوَ مَيِّت أي في حال مفارقة روحه للجسد.
أَمَّا الحساب فهو تمييز العمل خيرا وشرًّا ليراه من فعل
أي حساب الله لخلقه يوم القيامة إِنَّمَا هو تمييز الأعمال الحسنة من الأعمال القبيحة، فيرى الفاعل أعماله الخيريَّة وأعماله الشرِّيَّة، وليس الحساب يومئذ كحساب بَعضنا لبعض لاستلزامه التشبيه الذي يحيله العقل، ويبطله النقل، هَذَا ما عَلَيْهِ الأصحاب رَحِمَهُم اللهُ. والذي أقوله أَنَّهُ لا بأس أن يكون الحساب يوم القيامة هو الحساب المتعارف فيما بيننا ويكون المحاسِب يومئذ هو خلقا من خلقه تَعَالىَ جعله لِذَلِكَ، فلا يلزم عَلَى هَذَا المَعْنَى ما ذُكر من التشبيه، والقول به عندي أولى لأَنَّ ظواهر الآيات والروايات دَالَّة عَلَيْهِ، فلو قيل بغيره لزم صرف كثير من الآيات والروايات عَلَى خلاف ظاهرها مع إمكان الأخذ بالظاهر.
فمن تِلْكَ الآيات قَوله تَعَالىَ: {يَوْمَ تَاتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} (1) فَفيِ هَذِهِ المجادلة النصُّ الصريح عَلَى ما قَدَّمتُ ذكره من بيان الحساب.
ومنها قَوله تَعَالىَ: {حَتَّى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ
__________
(1) - ... سورة النحل: 111. (1/115)
صفحة 116
<116> عَلَيْنَا ... } الآيَة (1) فَفيِ هَذِهِ الآيَة ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هنالك مخاطبة وتكلُّما وشهودا. وكذا قَوله تَعَالىَ: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ... } (2). وكذا قَوله تَعَالىَ: {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} (3).
ومن الروايات الدَّالِّ ظاهرها عَلَى ما قلته ما أخرجه الترمذيُّ وصحَّحه: «لا تزولُ قدمَا عبدٍ يوم القيامة حَتَّى يُسأل عن أربع: عن عُمره فيما أفناه، وعن عمله ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه». وما أخرجه البزَّار: «يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النِّعم من الله عَلَيْهِ، فيقول الله تَبَارَكَ وَتَعَالىَ لأصغر نعمة أحسبه قال: في ديوان النعم خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح ثُمَّ تنتحي وتقول: وعزَّتك من استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبدا قال: يا عبدي، قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سَيِّئَاتك، أحسبه قال: ووهبت لك نعمي». وغير هَذَا من الأحاديث كثير، فلا نطيل بإيراده هاهنا لأَنَّ المقام إِنَّمَا هو مقام اختصار وَالله أعلم.
خصَّ به مقصِّر ليعلما أو فاسق ليكثر التندُّما
وما عداهما إِلىَ الجنان بلا حساب أو إِلىَ النيران
أي خصَّ بالحساب صنفان من الناس:
__________
(1) - ... سورة فصلت: 20 - 21. وتمام الآيَة: {وقالوا لجلودهم لِمَ شهدتم علينا؟ قالوا أنطقَنَا الله الذي أنطق كلَّ شيء وهو خلقكمُ أَوَّلَ مَرَّة وَإِلَيْهِ ترجعون}
(2) - ... سورة يس: 65.
(3) - ... سورة ق: 21. (1/116)
صفحة 117
<117> - أحدهما: المؤمن المقصِّر التائب من ذنبه.
- وثانيهما: الفاسق العاصي.
والحكمة في حساب المؤمن المقصِّر هي أن يعلم نعمة الله عَلَيْهِ بغفران ذنوبه، وستر عيوبه. والحكمة في حساب الفاسق هي ازدياد حسراته، وتضعيف تنكيله بالتأسُّف عَلَى إضاعة عمله، فَإِنَّهُ متى ما رأى العمل الموجب للغفران محبوطا بعمل صدر منه ازداد بِذَلِكَ حسرة وندامة. ومن الحكمة في هَذَا أَيضًا إظهار إنصاف الله تَعَالىَ لخلقه، فَإِنَّهُ {لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (1).
وما عدا هَذَين الصنفين فهم إِمَّا في الجَنَّة بلا حساب وهم المؤمنون الموفون، وَإِمَّا في النار بلا حساب وهم المشركون.
وَهَذَا حاصل ما ذكره في القواعد، وَعَلَيْهِ جريتُ في النظم، وظاهره أَنَّ المشركين غير محاسبين، ثُمَّ ظهر لي بعد ذَلِكَ أَنَّهُم محاسبون، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَقِفُوهُمُ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} (2)، وَلِقَولِهِ تَعَالىَ: {زَعَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَن لَّنْ يُّبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} (3)، ولغير ذَلِكَ من الآيات. ويحتمل أن يقال: إِنَّ السؤال والإنباء الذي في الآيتين غير الحساب المذكور، ثُمَّ ظهر لي أَنَّ هَذَا الاحتمال هو الأولى، فلا دَلِيل في الآيتين عَلَى المطلوب، وَالله أعلم.
والخُلف هل قد خُلِقا وَهوَ الأصح أم يُخلَقان بعدما الفناء اتَّضَح
والوقف عن تعييننا ذاك المحل أولىَ بنا إذ لا دَلِيل|| ثَمَّ دَل
__________
(1) - ... سورة يونس: 44.
(2) - ... سورة الصافات: 24 - 25.
(3) - ... سورة التغابن: 7. (1/117)
صفحة 118
<118> وعدم التعيين ليس يقدح في قولنا إِنَّ الوجود أرجح
اختلف الناس في الجَنَّة والنار هل هما مخلوقتان الآن أم لا. فذهب الجمهور مِنَّا ومِن غيرنا أَنَّهُمَا مخلوقتان الآن، وَاستَدَلُّوا بأحاديث عنه - صلى الله عليه وسلم - تَدُلُّ وجود الجَنَّة، قالوا: ومثلها في الوجود النار، إِذْ لا قائل بالفرق بينهما في ذَلِكَ. وذهب البَعض مِنَّا وكثير من غيرنا إِلىَ أَنَّهُمَا ليستا بمخلوقتين الآن، وَإِنَّمَا هما سيُخلقان بعد وقوع الفناء العامِّ. قالوا: ولو كانتا مخلوقتين الآن للزم فناؤهما لِقَولِهِ تَعَالىَ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ} (1)؛ وهما مخلَّدان فلا يَصِحُّ أن تكونا موجودتين الآن. والأصحُّ ما عَلَيْهِ الجمهور من وجودهما الآن لِمَا ثبت بالأدلَّة القاطعة أَنَّ آدم وحوَّاء كانا في الجَنَّة وقد أهبطا منها، والقول بِأَنَّ الجَنَّة التِي كانا فيها هي غير الجَنَّة الموعود بها تكلُّفٌ لا دليل عَلَيْهِ.
والجواب عَمَّا اسْتَدَلَّ به النافون لوجودهما الآن هو أن نقول إِنَّ قَوله تَعَالىَ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ ... } عامٌّ يحتمل التخصيص، فالجنَّة والنار قد خصِّصا بعدم الفناء بالأدلَّة القاطعة عَلَى بقائهما أبدا، أو نقول: إِنَّ الجَنَّة والنار قابلتان للفناء بحسب ذاتهما، والقابل للفناء فانٍ في المَعْنَى، لجوازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، والجواب الأَوَّل أظهر.
ثُمَّ اختلف القائلون بوجودهما الآن في محلِّهما الآن الذي هما فيه، فعيَّن بَعضهم المحلَّ ووقف بَعضهم عن التعيين، والوقف عن تعيين محلِّهما هو الأَولى بنا، إذ لا
__________
(1) - ... سورة القصص: 88. (1/118)
صفحة 119
<119> علم لنا إِلاَّ بما علَّمنا، ولم يَرِد عن الشارع تعيين محلِّهما، وإن قدِّر أَنَّ هنالك دليلا فهو آحاديٌّ لا يفيد العلم، ووقوفنا عن تعيين المحلِّ لا يقدح في ترجيحنا القول بوجودهما الآن، لأَنَّهُ لا يلزم من علمنا بوجودهما علمنا بتعيين محلِّهما، وَالله تَعَالىَ أعلم.
والكتب صحف حَوَت الأعمالا والحوض حقٌّ فاترك الجدالا
يَرِده من أُمَّة الرسول مَن قد وفى بعهده المسؤول
أي الكتب التي ذكر الله في كِتَابه العزيز في نحو قَوله تَعَالىَ: {فَأَمَّا مَنُ اُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} (1) وأمثالها من الآيات هي صحف حاوية لأعمال العباد من خير وشرٍّ، ولِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} (2) فذكر تَعَالىَ في هَذِهِ الآيَة أَنَّ هنالك صحفا تنشر، وهي الكتب المذكورة هنالك، فلا التفات إِلىَ مَن جَعَلها عبارات عن ضبط أعمال العباد، لن في جعل الكتب عبارات عدولا عن الحقيقة إِلىَ المجاز بلا دليل؛ نعم الدَّلِيل الذي ذكرناه يعضد جانب الحقيقة فلا وجه للعدول، وَإِنَّمَا عدل ذَلِكَ القائل بحمل الكتب عَلَى العبارات عن المَعْنَى المذكور إِنَّمَا هو لأجل فراره عن احتياج الله تَعَالىَ إِلىَ ضبط أعمال العباد في صحف لأَنَّ ذَلِكَ شأن من يطرقه النسيان، ولا يلزم من ذَلِكَ ما توهَّمه، فَإِنَّ في رسم الأعمال في الصحف المذكورة حِكَما كثيرة، ولا يلزم منه أَنَّهُ تَعَالىَ محتاج إِلىَ ذَلِكَ.
وقوله: (والحوض حقٌّ ... ) إلخ أي
__________
(1) - ... سورة الحاقَّة: 19. سورة الانشقاق: 7.
(2) - ... سورة التكوير: 10. (1/119)
صفحة 120
<120> الحوض الذي هو لِرَسُولِ اللهِ (ص) في الموقف حقٌّ ثابت جاءت به الأحاديث المستفيضة من رواية جابر وغيره، فلا عبرة بمن أنكر وجوده.
أخرج الشيخان: «حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق»، وَفيِ رواية: «اللبن» وَفيِ أخرى صحيحة أَيضًا: «أحلى من العسل»، وَفيِ أخرى صحيحة: «وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، مَن شرب منه لا يظمأ أبدا»، وَفيِ رواية صحيحة: لا يسودُّ وجهه أبدا».
وقوله: (يرِدُه ... ) إلخ أي يَرِد الحوض من أُمَّة رَسُول اللهِ (ص) هو من وفى بعهد الله الذي أخذه عَلَيْهِ، وَهُوَ طاعة الله وطاعة رسوله في فعل الواجبات وترك المحرَّمات بدليل ما في تلك الروايات أَنَّ من شرب منه لا يظمأ أبدا، ولا يسودُّ وجهه، ولا تكون هاتان الخصلتان في الآخرة إِلاَّ لمن وفى بعهد الله، وَالله أعلم.
الفصل الثاني
في الميزان والصراط
وَإِنَّمَا الميزان في الحسبان عدل وإنصاف من الرحمن
لا مثل قول ذي الخلاف إذ غدا يؤوِّلنه كفَّة وأعمدا
“ إِنَّمَا ” أداة قصر، قصر بها تفسير الميزان يوم القيامة عَلَى العدل والإنصاف، وَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ بَعض المخالفين ذهب إِلىَ أَنَّ الميزان هو عمود وكفَّتان ينصبه الله تَعَالىَ يوم القيامة لوزن أعمال العباد، وزعم أَنَّ من رجحت كفَّة حسناته عَلَى (1/120)
صفحة 121
<121> كفَّة سَيِّئَاته دخل الجَنَّة، ومن رجحت كفَّة سيئاته عَلَى كفَّة حسناته دخل النار، ووصفوا الميزان بأوصاف لا حاجة لذكرها هنا، ورووا في ذَلِكَ أحاديث لم تثبت عندنا، وتعلَّقوا من الكِتَاب بنحو قَوله تَعَالىَ: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فيِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} (1)، ونحن نقول: إِنَّ هَذِهِ الموازين المذكورة عبارة عن معنى السعادة والشقاوة، فثقل الميزان كناية عن السعادة، وخفَّته كناية عن الشقاوة، والعرب كانت تعبِّر بثقل الميزان عن علوِّ الشأن، وبخفَّته عن عكس ذَلِكَ. قال الشاعر:
لو يوضعوا أباي في ميزانهم رجحوا وشال أبوك بالميزان
وقد تعبِّر بالوزن للشيء عن العلم به، كَما في قَولِهِ تَعَالىَ: {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} (2) أي معلوم المقدار عنده تَعَالىَ.
أَمَّا الوزن المفسَّر عندنا بالعدل والإنصاف المشار إِلَيْهِ في النظم فهو ما قَوله تَعَالىَ: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} (3) فالقسط بدل من الموازين لا نعت له، كما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوله تَعَالىَ: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} (4)، وَإِنَّمَا عدلنا في تفسير الميزان عن حقيقته المشهورة إِلىَ ما ذكرناه من العدل والإنصاف لأَنَّ حمله عَلَى الحقيقة المشهورة محال، ووجه ذَلِكَ أَنَّ أعمال العباد أعراض، ووزن الأعراض محال، ولذا تردَّد الخصم في حقيقة الموزون حَتَّى زعم بَعض أَنَّ الموزون هم الأشخاص،
__________
(1) - ... سورة المؤمنون: 102 - 103.
(2) - ... سورة الحجر: 19.
(3) - ... سورة الأنبياء: 47.
(4) - ... سورة الأعراف: 8. (1/121)
صفحة 122
<122> وبعضهم أَنَّ الله يخلق في إحدى الكفَّتين ظلمة وَفيِ الأخرى نورا، وَبَعضهم أَنَّ الأعمال تتجسَّد فتوزن الأجساد، والكلُّ باطل، فوجب المصير إِلىَ التأويل.
وَالمُرَاد بقوله: (في الحسبان) يوم القيامة، لأَنَّهَا محلُّ الحساب.
وَالمُرَاد بقوله: (لا مثل قول ذي الخلاف) أي لا أقول مث قول صاحب الخلاف.
وقوله: (كفَّة وأعمدا) عَبَّرَ بالكفَّة وهي مفرد عن مثنَّى، وعبَّر بأعمد وَهُوَ جمع عن مفرد عَلَى سبيل المجاز، وله محلٌّ في البلاغة. فمثال الأَوَّل قوله:
«إذا ما القارظ الغنويُّ آبا»
عَبَّرَ بالقارظ عن القارظين، فَإِنَّ المَثَل: «حَتَّى يؤوب القارظان»، ومثال الثاني قَوله تَعَالىَ: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} (1) أي رَبِّ أرجعنين وقول العرب: «شابت مفارقه» وليس له إِلاَّ مفرق واحد.
وقوله الصراط فهو الحقُّ لا جسر كما بَعضه تأوَّلا
الضمير في (قوله) عائد إِلىَ الرحمن في آخر قوله: (وَإِنَّمَا الميزان في الحسبان)، أي الصراط في قَوله تَعَالىَ: {أَفَمَنْ يَّمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَّمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (2) هو عبارة عن الحقِّ، وَفيِ الآية تمثيل لحالتي العاصي والطائع، وَعَلَى هَذَا يحمل ما ورد من الأحاديث في بيان الصراط، لأَنَّهُ إِنَّمَا هو تمثيل لحالة الحقِّ، وبيان ما فيها من الخطر العظيم، وتمثيل لأحوال سالكيه ما بين موفَّق ومخذول. وزعم بَعض مِنَّا وجمهور الأشاعرة أَنَّ الصراط إِنَّمَا هو جسر ممدود
__________
(1) - ... سورة المؤمنون: 99.
(2) - ... سورة الملك: 22. (1/122)
صفحة 123
<123> عَلَى متن جَهَنَّم، إِلىَ آخر ما وصفوه به، وحملوا ما ورد من الأحاديث في بيانه عَلَى حقيقتها، وتأوَّلوا بها قَوله تَعَالىَ: {فَاهْدُوهُمُ إِلىَ صِرَاطٍ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمُ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} (1). غاية الأمر أَنَّ هَذِهِ المسألة ومسألة الميزان ليستا من المسائل القطعيَّة لعدم ورود القاطع فيهما، وَإِنَّمَا هما من المسائل الظَّنِّيَّة فلا يجب اعتقاد شَيْء منها ولا يخطئ [كذا، لَعَلَّهُ: ولا يخَطَّأُ] القائل فيها برأيه وَالله أعلم.
الفصل الثالث
في الشفاعة
شفاعة الرسول للتقيِّ من الورى وليس للشقيِّ
الشفاعة حقُّ والإيمان بها بعد قيام الحُجَّة واجب، ووقوعها في المحشر قبل دخول أحد الفريقين مسكنه، وهي مخزونة حَتَّى يأتيها رَسُول اللهِ (ص)، فيكون أَوَّل من تجعل له، ثُمَّ الأنبياء من بعده، وهي المقام المحمود الذي وعده الله تَعَالىَ به عَلَى معنى ما ورد، وثبوتها للمؤمن لا لغيره من أهل الكبائر، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَى} (2)، وقوله: {مَا|| لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} (3)، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمَّتي». وَفيِ الأثر أَنَّ رَسُول اللهِ (ص) قعد عَلَى المنبر ثُمَّ قال: «لصلاة جامعة رَحِمَكُم اللهُ، ثُمَّ قال: يا عَبَّاس عمَّ رَسُول اللهِ، ويا فاطمة بنت مُحَمَّد، ويا آل مُحَمَّد جميعا، إِنِّي والذي نفسي بيده عند رَبِّي لمطاع مكين، فلا تغرَّنَّ
__________
(1) - ... سورة الصافات: 24.
(2) - ... سورة الأنبياء: 28.
(3) - ... سورة غافر: 18. (1/123)
صفحة 124
<124> امرءًا نفسُه يقول: أنا عمُّ رَسُول اللهِ (ص)، أو تقول: بنت مُحَمَّد، أو من آل مُحَمَّد، اشتروا أنفسكم من النار، فَإِنَّكم إن لم تفعلوا هلكتممع من عرفتم هلاكه، إِنِّي عَلَى الحوض يوم القيامة فارط أي مُتَقَدِّم فيَرِد عليَّ أناس من أصحابي ثُمَّ يأتيني رجل قد عرفته من أصحابي ليحتلقن نقرة رأسه، ثُمَّ لآخذنَّ بحجزته، فأقول: أرسلوه إِنَّهُ من أصحابي، فليؤخذ بيدي فكاكا أرسل أرسل [كذا] فَإِنَّهُ وَاللهِ ما مشى من بعدك قدما، وَلَكِنَّهُ مشى القهقرى ليدخل جَهَنَّم فلا أستطيع شَيْئًا، الحذر الحذر يا آل مُحَمَّد. وذكر جابر بن زيد رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ لَمَّا نزلت: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ} (1) جعل رَسُول اللهِ (ص) بفخذ أفخاذ قريش فخذا فخذا حَتَّى أتى عَلَى بني عبد المطَّلب، فقال: يا بني عبد المطَّلب، إِنَّ الله أمرني أن أنذركم، ألا وَإِنِّي لا أغني عنكم من الله شَيْئًا، ألا وَإِنَّ أوليائي منكم المتَّقون، ألا لأعرفنَّ ما جاء الناس غدا بالدين وجئتم بالدنيا تحملونها عَلَى رقابكم، يا فاطمة بنت مُحَمَّدن ويا صفيَّة عمَّة مُحَمَّد، اشتريا أنفسكما من الله فَإِنِّي لا أغني عنكما من الله شَيْئًا.
فإن قيل: المؤمنون مستوجبون للجنة بأعمالهم فلا معنى للشفاعة لهم.
فالجواب: إِنَّ الشفاعة له مهي طلب تنقُّلهم من المحشر ودخولهم الجَنَّة بسرعة. ويمكن أن تكون هي طلب زيادة فضل لهم، وثواب يعطونه، ونعيم في الجَنَّة، ورفع درجة فوق يستوجبون بأعمالهم.
__________
(1) - ... سورة الشعراء: 214. (1/124)
صفحة 125
<125> اللَّهُمَّ اجعلنا من أهل شفاعة نبيِّك مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم -.
ومن يقل بغير ذا فقد كفر كفر نعيم إن تأوُّلٌ ظهر
وإن يكن بغير ما تأوُّل فذاك شرك، أي أشرُّ منزل
لأَنَّهُ مخالف الكتاب وسنَّة الرسول والألباب
كليس للظالم من حميم ولا شفيع من لظى الجحيم
ومن يقل بغير ما قلنا من الشفاعة للمؤمنين فخالف وقال: بل هي لأهل الكبائر محتجًّا بما رووه من طريق أنس: «أعددتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أمَّتي»، وزعم أَنَّ أهل الكبائر يخرجون من النار بشفاعة الرسول لهم فهو كافر كفر نعمة إذا ظهر منه هَذَا التأويل الفاسد، فإن لم يظهر منه تأويل فهو كافر كفر شرك، لا يناكح ولا يوارث، وَهُوَ المُرَاد بقوله: (أي أشرُّ منزل). وكان تولد هذين الحكمين [كذا] إِنَّمَا هما لمخالفة كِتَاب الله وسنَّة رسول الله، وقد تَقَدَّمَ ذكرهما، ومخالفة الألباب، وهي العقول، إذ لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر ما جاز لأحد أن يسأل أن يكون من أهل الشفاعة، لأَنَّهُ إِنَّمَا يسأل بِذَلِكَ أن يكون من أهل الكبائر عَلَى زعمهم، وكتاب الله ناطق بتكذيبهم، كَقَولِهِ: {مَا|| لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} (1).
الفصل الرابع
في خلود أهل الجَنَّة والنار
ومن عصى ولم يتب يخلد
__________
(1) - ... سورة غافر: 18. (1/125)
صفحة 126
<126> في النار دائما بهذا نشهد
افترقت الأُمَّة في أهل الجَنَّة والنار عَلَى أربع فرق، فذهب فرقة إِلىَ أَنَّ من مات عَلَى طاعة الرحمن فهو مخلَّد في دار الرضوان، ومن مات عَلَى عصيان ربِّه مصرًّا عَلَى ذنبه فهو مخلَّد في النار، لا فرق في ذَلِكَ بين أحد من الفجَّار كان من أهل الشرك أو الفسَّاق؛ وهذه الفرقة هي المحقَّة، ومن قال بخلافها فهو هالك. فالمراد بالعصيان في قول الناظم: (ومن عصى) إِنَّمَا هو إتيان الكبيرة والإصرار عَلَى الصغير لِمَا سيأتي أَنَّ الصغائر مغفورة عند اجتناب الكبائر.
وذهبت فرقة إِلىَ أَنَّ أهل الجَنَّة وأهل النار زائلون، والداران فانيتان بعد دخول أهلهما فيهما، وسيأتي الردُّ عَلَى هَذِهِ الفرقة عند ذكر الناظم لها إن شاء الله.
وذهبت فرقة إِلىَ تخليد أهل الجَنَّة في الجَنَّة وعدم تخليد أهل النار في النار مشركا كان أو منافقا، وسيأتي الردُّ عَلَى هَذِهِ الفرقة أَيضًا.
وذهبت فرقة إِلىَ تخليد أهل الجَنَّة والمشركين من أهل النار فيهما، وزعموا أَنَّ أهل الكبائر غير المشركين يخرجون من النار فيدخلون الجَنَّة، وَإِلىَ الردِّ عَلَى هَذِهِ الفرقة أشار بقوله:
وكافر بنعمة من فرَّقَا ما بين ذي شرك ومن قد فسقا
أعني لدى الخلود والفرق نشا لدى منازل العذاب وفشا
أي كافر كفر نعمة لا كفر شرك من قال بِأَنَّ المشركين مخلَّدون في (1/126)
صفحة 127
<127> النار وما عداهم من الفسقة وأهل الكبائر غير مخلَّدين في النار، كما يروى عن مالك بن أنس الأصبحي أَنَّهُ قال: «من مات عَلَى كبيرة فلا يخلو من أحد ثلاثة أمور: إِمَّا أن يغفر الله له بعفوه، أو يشفع فيه الرسول، أو يعذَّب مقدار عمله، ثُمَّ يخرح فيدخل الجَنَّة». وَفيِ قول الشافعيِّ أَنَّهُ يكتب عَلَى جباههم: «هَؤُلاَءِ جَهَنَّميُّون فيعيِّرهم أهل الجَنَّة عَلَى ذَلِكَ، فيسألون الله زواله، فيمحوه الله عنهم، ويبدلهم مكانه نورا يتلألأ فيودُّ أهل الجَنَّة أن لو عملوا كعملهم، وَهَذَا رأس الضلال وعين المحال بِأَن جعلوا العاصي أشرف من الطائع، وجمعوا بين الأضداد، وكتاب الله ناطق بخلاف ما زعموا، قَالَ تَعَالىَ: {أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ} (1)، وقال تَعَالىَ: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (2)، وقال تَعَالىَ: {أَمْ حَسِبَ الذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءٌ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} (3). ولله درُّ ابن النضر حيث قال:
كذبت لقد منَّتك نفسك ضلَّة خروجك من نار مؤجَّجة حطم
وسكناك مع أهل السعادة في العلى فيصبح من صَلَّى وصام كمن غشم
ومن أخلص التقوى إِلىَ الله راغبا كمن عبد الأوثان والجبت والصنم
لك الويل فارجع عن ضلالك تائبا فليس الذي أشقى الإله كمن عصم
وقول الناظم: (أعني لدى الخلود ... ) إلخ، أي لا فرق بين المشرك والفاسق
__________
(1) - ... سورة السجدة: 18.
(2) - ... سورة القلم: 35 - 36.
(3) - ... سورة الجاثية: 21. (1/127)
صفحة 128
<128> المنافق في الخلود، بل كلٌّ منهم مخلَّد لِقَولِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالىَ: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (1)، ولقوله تَعَالىَ: {وَمَنْ يَّعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} (2)، وَإِنَّمَا الفرق بين أهل النار في منازل العذاب، إذ كلٌّ معذَّب بقدر عمله، فللنار دركات بَعضها أشدُّ عذابا من بَعض، وأكثر نكالا من غيرها، حَتَّى روي أَنَّ من أقلِّ الناس عذابا من ينعل بنعلين من نار فيفور منهما مخُّه من أعلى هامته. والدليل عَلَى الفرق بينهم في أنواع العذاب قوله عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الاَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (3)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ من أشدِّ الناس عذابا يوم القيامة المصوِّرون». فَدَلَّت الآيَة والحديث معا عَلَى أَنَّ أحدا دون هذين الفريقين في العذاب.
كذاك من قال بِأَنَّهُ يجي وقتٌ عَلَى النار بلا تأجُّج
هَذَا البيت إشارة إِلىَ الردِّ عَلَى الفرقة القائلة بعدم تخليد أهل النار فيها، وَذَلِكَ أَنَّهُم زعموا أَنَّهُ يأتي عَلَى النار وقت تصفق أبوابها وليس بها أحد، فينبت فيها شجر الجرجير، وتشبَّثوا في ذَلِكَ بحديث يروى عن طريق ابن عمرو بن العاص: «ليأتينَّ عَلَى جَهَنَّم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحدن وَذَلِكَ بعدما يلبثون فيها أحقابا»، وبقوله تَعَالىَ في شأن إبليس: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} (4) قالوا: فاللعنة مغيَّاة
__________
(1) - ... سورة البقرة: 81.
(2) - ... سورة الجن: 23.
(3) - ... سورة النساء: 145.
(4) - ... سورة ص: 78. (1/128)
صفحة 129
<129> بِذَلِكَ اليوم، فيفهم منه أَنَّهُ لا لعن بعد ذَلِكَ اليوم، وإذا ثبتت هَذِهِ الرحمة لإبليس فغير إبليس من سائر العصاة أولى بها وأحقُّ.
والجواب عن الحديث أَنَّهُ آحاديٌّ لا يعارض القطعيَّات، فلو صَحَّ لم يفد علمان فلا ينبني عَلَيْهِ اعتقاد، كيف وتأويله محتمل بِأَن يقال: إِنَّهُم يخرجون من النار إِلىَ واد هو أَشَدُّ عذابا منها يقال له الزمهرير يعذَّبون فيه بالبرد. يروى أَنَّهُم إذا دخلوا فيه استغاثوا منه إِلىَ النار. وَأَمَّا الآيَة فلا تفيد ما ذكروه، وَعَلَى تقدير إفادتها لِذَلِكَ فَإِنَّمَا هو مفهوم مخالفة، واختلف في ثبوت حجِّيَّته في الظنِّيَّات فكيف يبنى عَلَيْهِ اعتقاد، بل وكيف يعارض به القطعيُّ الوارد في قَوله تَعَالىَ: {قَالَ فَالْحَقَّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمُ أَجْمَعِينَ} (1)، والقطعيُّ الوارد في قَوله تَعَالىَ: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (2) في أمثالها من الآيات العديدة التي نبذوها وراء ظهورهم واستبدلوا عنها هوى أنفسهم، فضلُّوا وأضلُّوا، فحكمهم أَنَّهُم كُفَّار نعمة لِمَا تَقَدَّمَ من تأويلهم، كذا قيل فيهم، وَعَلَيْهِ مشيت في النظم، ثُمَّ ظهر لي بعد ذَلِكَ أَنَّهُم مشركون، وَأَنَّ ذَلِكَ التأويل ليس بمستر لهم عن الكفر، فهم في حكم المكذِّبين لِهَذِهِ الآيات كُلِّهَا، وَالله أعلم.
وهكذا من قال كلٌّ يدخل فيها سعيد وشقيٌّ مبطل
زعمت المرجئة أَنَّ كُلَّ أحد يدخل النار
__________
(1) - ... سورة ص: 84 - 85.
(2) - ... سورة البقرة: 81. (1/129)
صفحة 130
<130> سعيدا كان أو شقيًّا، وقالوا ينجي منها السعيد ويترك فيها الشقيُّ، وتعلَّقوا في ذَلِكَ بِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَإِن مِّنكُمُ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا} (1)، ولا تعلُّق لهم في هَذِهِ الآيَة لأَنَّ الخطاب فيها للمتقدِّم ذكرهم، ورد عَلَى سبيل الامتثال من الغيبة إِلىَ الحضور، وَذَلِكَ أَنَّهُ قدَّم ذكر المنكرين للبعث فقال: {وَيَقُولُ الاِنسَانُ أ. ذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا اَوَلاَ يَذْكُرُ الاِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا؟ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ اَيُّهُمُ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذِينَ هُمُ أَوْلَى بِهَا صُلِيًّا} (2)، فَهَذِهِ الآيات كلُّها خطاب لمنكري البعث؛ وَكَذَلِكَ آيَة الورود، فهي كما بيَّنَّاه من أَنَّهَا خطاب لهم ورد عَلَى سبيل الالتفات، ومثل هَذَا كثير في القُرْآن، منها قَوله تَعَالىَ في خطابه لبني إسرائيل: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (3).
ومن وجه آخر أَنَّ الورود يتصرَّف فيرد بمعنى الدخول تارة، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} (4)، وبمعنى المشارفة للِشَيْءِ [تارةً] أخرى، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} (5)، وقول زهير:
وَلَمَّا وردن المَاء رزقا جمامه وضعنا عصا الحاضر المتخيِّم
وقال امرؤ القيس:
__________
(1) - ... سورة مريم: 71 - 72.
(2) - ... سورة مريم: 66 - 69.
(3) - ... سورة الأعراف: 160.
(4) - ... سورة الأنبياء: 98.
(5) - ... سورة القصص: 23. (1/130)
صفحة 131
<131> فأوردها ماء قليلا ينسه يحاذرن عمرا صاحب الفترات
فبطل حمل الآيَة عَلَى الوجه الأَوَّل أن لو وافقناهم أَنَّ الخطاب في الآيَة للمؤمنين والكافرين جميعا من حيث إِنَّهُ يلزمهم القول بدخول الأنبياء النار مع المؤمنين، فيكون كِتَاب الله ناطقا بتكذيبهم في قَوله تَعَالىَ: {أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} (1)، وقوله تَعَالىَ: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} (2)، وقوله تَعَالىَ: {يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيءَ وَالذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ} (3)، وذكر في آيَة أخرى قوله: {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدَ اَخْزَيْتَهُ} (4)، فيلزمهم عَلَى مقالتهم هَذِهِ تناقض هاتين الآيتين، وكلاهما خبر لا يأتي النسخ عَلَى أحدهما، ولكنَّا لا نسلِّم أَنَّ الخطاب في الآيَة للمؤمنين والكافرين، بل لا نقول إِلاَّ أَنَّهُ متوجِّه للكافرين، فالورود عندنا هو الدخول نفسه عَلَى هَذَا التأويل.
فإن قيل: أَمَا في قَوله تَعَالىَ: {ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا} (5) دَلِيل عَلَى ما تعلَّقت به المرجئة.
فالجواب أَنَّ قوله: {نُنَجِّي} ليس فيه دَلِيل عَلَى دخولهم النار لأَنَّ التنجية تكون من الشَّيْء المخوف المترقَّب وقوعه، كقولك: نجَّيت زيدا من القتل، فَإِنَّ زيدا لم يقتل بعدُ، وَإِنَّمَا قارب ذَلِكَ الأمر الذي يترقَّب وقوعه.
وللمثبتين للورود لجميع الأُمَّة أقاويل نضرب صفحا عن ذكرها مخافة التطويل. وبالجملة
__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 101 - 102. وَأَوَّلُ الآيَة قَوله تَعَالىَ: {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى ... }
(2) - ... سورة مريم: 85 - 86.
(3) - ... سورة التحريم: 8.
(4) - ... سورة آل عمران: 192.
(5) - ... سورة مريم: 72. (1/131)
صفحة 132
<132> فحكمهم حكم من قبلهم من أَنَّهُم كُفَّار نعمة لا شرك ما لم يظهر منهم ردٌّ لتنزيل فيحكم عَلَيْهِم بالشرك، هَذَا كلُّه إذا قالوا إِنَّ الداخلين في النار هم المؤمنون والفاسقون جميعا.
ومن يقل دار الخلود فانيه أو أهلها ففاسق علانيَّه
هَذَا بيان الردِّ عَلَى الفرقة القائلة بفناء الجَنَّة والنار بعد دخول كُلٍّ فيها، وهم الجهميَّة، عَلَى ما وجدت في الأثر، والردُّ عَلَيْهِم ظاهر من الكِتَاب وشاهد العقل، قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالىَ: {وَقَالُواْ: لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً، قُلَ اَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُّخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (1)، وقال تَعَالىَ: {وَمَنْ يَّعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} (2)، وقال تَعَالىَ في وصف أهل الجَنَّة: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} (3) أي غير مقطوع في أمثالها من الآيات.
وشاهد العقل يقضي أَنَّ الكريم إذا أنعم بنعمة قد وعد بعدم انقطاعها أَنَّهُ لو قطعها لكان غير كريم، بل كان سفيها كذَّابا من حيث أَنَّهُ يعد بِالشَّيْءِ فلا ينجز وعده، وَهُوَ قادر عَلَيْهِ، ولو قيل إِنَّهُ غير قادر للزم عَلَيْهِ عجز الباري جَلَّ وَعَلاَ، وَهُوَ باطل. وبالجملة فهم متأوِّلون، فحكمهم حكم من قبلهم من الفرق من حيث إِنَّهُم كُفَّار نعمة لا شرك ما لم يظهر منهم ردُّ التنزيل، أو تكذيب الرسولن فيحكم عَلَيْهِم
__________
(1) - ... سورة البقرة: 80 - 81.
(2) - ... سورة الجن: 23.
(3) - ... سورة هود: 108. (1/132)
صفحة 133
<133> بالشرك، كذا قيل، وَعَلَيْهِ جريت في النظم، والظاهر أَنَّ هَؤُلاَءِ مشركون لِمَا في مقالتهم هَذِهِ من ردِّ الأَدِلَّة القطعيَّة من الآيات القُرآنِيَّة، وما تُخُيِّلَ لهم من التأويل هي خيالات لا تدفع عنهم هَذَا الحكم، إذ لم تكن هنالك شبهة يتمسَّكون بها، فيُعطَوْن حكم المتأوِّلين؛ وليس كلُّ من آثر هواه عَلَى دَلِيل هداه يعطى حكم المتأوِّلين، وَالله أعلم.
هَذَا إذا ما كان بالتأويل والشرك في الردِّ عَلَى التنزيل
الإشارة كناية عن الأحكام المُتَقَدِّم ذكرها في أرباب المقالات الزائغة، وأهل الطرق الضالَّة، فَهَذَا حكمهم إِذَا كانت مقالتهم ناشئة عن تأويل للأدلَّة الشَّرعِيَّة فَإِنَّ المتأوِّل إذا أخطأ في تأويله بما لا يسعه الخطأ فيه من الدين يكون كافرا كفر نعمة، وفاسقا هالكا لا يحكم عَلَيْهِ بالشرك حَتَّى يظهر منه ردٌّ لتنزيل أو تكذيب لرسول، فإن ظهر منه شَيْء من ذَلِكَ حكم عَلَيْهِ بالشرك إجماعا.
واختلفوا في المتأوِّل إذا استلزم مذهبه ردَّ الكِتَاب، أو تكذيب الرسول فشرَّكه قومه، ولم يشرِّكه آخرون، وَالله أعلم.
الباب الخامس من الركن الثاني
في القضاء والقدر
وبالقضاء نؤمن أَيضًا والقدر ولم يجز إغراقنا فيه النظر
وَمِمَّا يجب الإيمان به: قضاء الله وقدره، لأَنَّهُما أصلان من أصول الدين، وركنان من الإيمان. قال - صلى الله عليه وسلم - (1/133)
صفحة 134
<134> لعُبادة بن الصامت: «إِنَّكَ لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حَتَّى تؤمن بالقدر خيره وشرِّه أَنَّهُ من الله تَعَالىَ»، قال: يا رسول الله، وكيف لي أن أعلم خير القدر وشرَّه؟ قال: تعلم أَنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإن متَّ عَلَى غير ذَلِكَ دخلت النار». وسئل رَسُول اللهِ (ص) عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ولقائه واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشرِّه أَنَّهُ من الله تَعَالىَ».
والفرق بينهما أَنَّ القضاء عبارة عن وجود المكوَّنات في اللوح إجمالا. والقدر عبارة عن وجودها في الموادِّ تفصيلا، قَالَ تَعَالىَ: {وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} (1). وَعَلَيْهِ قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد مَرَّ تحت جدار مائل فأسرع المشي، فقيل: يا رسول الله، أتفرُّ من قضاء الله؟ فقال: أفرُّ من قضاء الله إِلىَ قدره». هَذَا في العرف الشرعيِّ.
وَأَمَّا في اللغة فيتصرَّف كلٌّ منهما إِلىَ أوجه، فيرد القضاء بمعنى الخلق، وَهُوَ المُرَاد هنا قبل النقل، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} (2). وَيَرِدُ بمعنى الحكم، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (3). وَيَرِدُ بمعنى الأمر، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلآَّ إِيَّاهُ} (4). وَيَرِدُ بمعنى الخبر، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ} (5). وبمعنى ما لفراغ [كذا] من الشَّيْء، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ} (6)
__________
(1) - ... سورة الحجر: 21.
(2) - ... سورة فصلت: 12.
(3) - ... سورة يونس: 93.
(4) - ... سورة الإسراء: 23.
(5) - ... سورة الإسراء: 4.
(6) - ... سورة النساء: 103. (1/134)
صفحة 135
<135> وقول الشاعر:
قضينا من تهامة كُلّ ريب وخيبر ثُمَّ أغمدت السيوف
وبمعنى الصنع للشيء كَقَولِهِ تَعَالىَ: {فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} (1)، أي: اصنع ما أنت صانع. وكقول الشاعر:
وَعَلَيْهِما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع
فتلك سِتَّة معانٍ، وقد جمعتها بقولي:
قضا خلق وحكم ثُمَّ أمر وإخبار وإفراغ وصنع
وَأَمَّا القدر فيرد عَلَى معان أَيضًا:
منها أَنَّهُ بمعنى خلق، ويمثَّل له بِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى} (2)، أي خلق الإِنسَان فهدى الذكر إِلىَ إتيان الأنثى، وَهَذَا الوجه هو المقصود هنا قبل النقل، فالقضاء والقدر في هَذَا الموضع مترادفان لغة لا عرفا كما تَقَدَّم.
ومنها التقدير، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ} (3)، أي بتقدير، ومنها التصوير، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {فَقَدَّرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} (4) أي المصوِّرون.
ومنها الوجود، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ|| الْغَابِرِينَ} (5) أي وجدناها من الهالكين، وَهَذَا التفسير إِنَّمَا يَصِحُّ في سورة الحجر خَاصَّةً، لأَنَّهُ من خطاب الملائكة عَلَيهِم السَّلاَمُ لخليل الرحمن عَلَيهِ السَّلاَمُ؛ وَأَمَّا في سورة النمل فهو بمعنى القضاء كالآية المشار إِلَيْهَا. وكقوله تَعَالىَ: {فَالْتَقَى الْمَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} (6)، أي قد قُضيَ.
ومنها التضييق، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} (7)، أي
__________
(1) - ... سورة طه: 72.
(2) - ... سورة الأعلى: 3.
(3) - ... سورة المؤمنون: 18.
(4) - ... سورة المرسلات: 23.
(5) - ... سورة الحجر: 60.
(6) - ... سورة القمر: 12.
(7) - ... سورة الفجر: 16. (1/135)
صفحة 136
<136> ضيَّقه، ومنها المثل، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {فَسَالَتَ اَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} (1)، أي بمثلها، فتلك بعة أوجه، وقد جمعتها أَيضًا فقلت:
معاني القدر سبع هاك نظما حواها وهي خلق ثَمَّ يحلو
وتقدير وتصوير وجود قضاء ثُمَّ تضييق ومثل
وَفيِ القدر لغتان: فتح الدال، وَعَلَيْهِ بيت المتن، وسكونها وَعَلَيْهِ البيت الأَوَّل من هذين البيتين؛ وثَمَّ بفتح الثاء وتشديد الميم إشارة إِلىَ المكان البعيد، وَإِنَّمَا أتى بها مع كونه مشيرا إِلىَ قريب لتعظيم المقام وتجليله عَلَى حدِّ قَوله تَعَالىَ: {ذَلِكَ الكِتَابُ} (2)، أي معنى القدر الذي هو الخلق يحلو في هَذَا المقام كما قَدَّمنا، فمعنى قولنا: إِنَّ الله قدَّر المعصية أي خلقها، وَكَذَلِكَ معنى قولنا: إِنَّ الله قضى المعصية والطاعة أي خلقهما.
وقول الناظم: (ولم يجز إغراقنا ... ) إلخ الإغراق بكسر الهمزة: الاستقصاء في الشَّيْء، والإحاطة بجميع صفاته. والنظر هنا الفكر. وفيه إشارة إِلىَ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يقول تَبَارَكَ وَتَعَالىَ: القدر سِرِّي، ولا ينبغي لأحد أن يطَّلع عَلَى سرِّي». وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا ذكر القدر فأمسكوا»، وَإِنَّمَا كان ذَلِكَ مخافة الخوض في القدر، فيلحق الخائض الننمي [كذا، لَعَلَّهُ: التسمِّي] بالقدريِّ، فيكون من القوم الذين قال فيهم رَسُول اللهِ (ص): «لِكُلِّ أُمَّة مجوس، ومجوس هَذِهِ الأُمَّة القَدَرِيَّة». وقال - صلى الله عليه وسلم -:
__________
(1) - ... سورة الرعد: 17.
(2) - ... سورة البقرة: 1. (1/136)
صفحة 137
<137> «المرجئة يهود هَذِهِ الأُمَّة، والقدريَّة مجوسها». وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لعنت القَدَرِيَّة عَلَى لسان سبعين نبيًّا قبلي».
وقال في شفاء الحائم: «وَأَوَّلُ من تَكَلَّمَ في القدر في أَيَّام الصحابة غيلان الدمشقي ومعبد الجهني ويونس الأسواري، وبعدهم أبو حذيفة واصل|| بن عطاء انتصب لمذهب القَدَرِيَّة، وَهُوَ قد تتلمذ للحسن البصري، ومكث في مجالسه عشرين سنة، وَهُوَ المقرِّر لقواعد القول بقدرة العبد وخلقه الفعل، وقال: إِنَّ الباري عادل حكيم لا يجوز أن يضاف إِلَيْهِ شين ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمرهم به، ولا يجوز أن يخلق للعباد شَيْئًا ثُمَّ يجازيهم عَلَيْهِ، والعبد هو الفاعل للخير والشرِّ والطاعة والمعصية، وَالله سُبحَانَهُ مجاز له بفعله. وقال: ليس من الحكمة أن يكون الله سُبحَانَهُ يخلق الكفر للكافرين وَهُوَ مبغض للكفر معادٍ للكافرين، فيكون في ذَلِكَ كمن أعان عَلَى شتم نفسه، وقال جميع الأُمَّة قويُّها وضعيفها وصغيرها وكبيرها: القدر خيره وشرُّه من الله تَعَالىَ، وَهُوَ الخالق للخير والشرِّ والقاضي والمريد والمقدِّر والمكوِّن له في أوقاته التي يكون فيها، وَهُوَ مع هَذَا كُلِّه فعل للعبد، والعبد فاعله، وَهُوَ له مريد مختار، قاصد إِلَيْهِ متحرِّك أو ساكن به غير مجبور عَلَيْهِ، ولا مضطرٌّ إِلَيْهِ. إِلاَّ ما كان من الجهم بن صفوان وأصحابه، فقد نقض الإجماع وقال: القدر (1/137)
صفحة 138
<138> خيره وشرُّه من الله تَعَالىَ لا عَلَى ما قاله الأَوَّلُونَ بل عَلَى جهة الجبر والإكراه والاضطرار للعباد إِلىَ أعمالهم، ولا قدرة للعبد في شَيْء من ذَلِكَ، ولا قصد ولا اختيار ولا إرادة. قالوا: وماذا للعبد من الأفعال وَهُوَ متصرِّف في قبضة القهر، ومصرَّف بمقتضى العلم والإرادة والمشيئة. قالوا: وقد وجدنا الله سُبحَانَهُ يقول: {يُضِلُّ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ} (1)، وقال: {مَنْ يُّضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} (2)، فمن شاء الله خلق له الخير، ومن شاء خلق له الشرَّ، فَهَذِهِ مقالتهم». انتهى.
فتلخَّص من كلامه أَنَّ الأُمَّة في القدر عَلَى ثلاثة فرق:
1 - فرقة تَعَلَّقَت بالأمر فزلُّوا، وهم الذين قالوا إِنَّ الله لم يخلق أفعال العباد، وَإِنَّمَا كان ذَلِكَ من خلق أنفسهم، فقدرتهم صالحة لإيجاد فعلهم.
2 - وفرقة تعلَّقت بالمشيئة فضلُّوا ولم يجعلوا للمكلَّف اختيارا في فعله، بل قالوا ذَلِكَ عَلَى طريق الجبر؛ فضلال أولئك من حيث نفي القدر، وضلال هَؤُلاَءِ من حيث الغلوُّ في إثباته، فهما ضدَّان، وقد تَعَلَّقَ كلٌّ منهما بآيات من القرآن نذكر كلَّ شَيْء في محلِّه إن شاء الله تَعَالىَ.
3 - وفرقة جمعت بين الأمر والمشيئة، وقالوا: أفعال العباد خلق من الله واكتساب من العبد، فهدوا إِلىَ صراط مستقيم. وعن عكرمة عن ابن عَبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنهُ وقد سئل عن القدر، فقال: «الناس فيه عَلَى ثلاث منازل: من قال إِنَّ أمر المشيئة إِلىَ العباد، وَأَنَّ الأعمال مفوَّضة إِلَيْهِم
__________
(1) - ... سورة النحل: 93.
(2) - ... سورة الأعراف: 186. (1/138)
صفحة 139
<139> ولا قدر فقد ضادَّ الله في أمره، ومن أضاف إِلىَ الله شَيْئًا مِمَّا ينزَّه عنه فقد افترى عظيما عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ، ورجل قال: إن رُحمت فبفضل الله، فَذَلِكَ سلم له دينه ودنياه».
ومن يقل إلهنا لم يخلق أفعالنا بُعدًا له من أحمق
لقوله: لِكُلِّ شَيْء خالق سُبحَانَهُ الربُّ المليك الرازق
لو كان خالقا سواه لزما تعدُّد الإله قطعا حتما
ولو تعدَّد الإله لظهر فساد هَذَا العالم الذي بهر
لَكِن لنا في أفعالنا اكتساب به الثواب وبه العقاب
من ثَمَّ قد نيل به أعلى الرتب إِلاَّ النبوَّات فليس تكتسب
هَذَا بيان الردِّ عَلَى الفرقة الأولى من القَدَرِيَّة، وهم القائلون: الله لم يخلق أفعال العباد، وَإِنَّمَا ذَلِكَ من خلق أنفسهم، قالوا إِنَّ الله أكرم من أن يخلق خلقا فيعذِّبنا عَلَيْهِ.
وتعلَّقوا في جواز أن يكونوا خالقين لأفعالهم، وَفيِ وقوع ذَلِكَ بآيات من القُرْآن:
منها قوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيرِ} (1).
قلنا: إسناد الخلق إِلىَ عيسى عَلَيهِ السَّلاَمُ في الآيَة مجاز لا حقيقة، لأَنَّهُ من إسناد الفعل إِلىَ سببه لا إِلىَ موجده، فعيسى عَلَيهِ السَّلاَمُ سبب لإيجاد تلك الهيئة لا موجدٌ لها عَلَى الحقيقة، وَإِنَّمَا الموجد لِذَلِكَ هو الله تَعَالىَ.
ومنها قَوله تَعَالىَ: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} (2).
قلنا: معنى {تَخْلُقُونَ}: تفترون كذبا.
ومنها
__________
(1) - ... سورة المائدة: 110.
(2) - ... سورة العنكبوت: 17. (1/139)
صفحة 140
<140> قَوله تَعَالىَ: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} (1).
قلنا: معنى الجعل هنا: الوصف لا الخلق، أي: ويصفون الله بما يكرهون من وجود البنات لهم. والآية ردٌّ عَلَى المشركين في زعمهم أَنَّ الملائكة بنات الله.
ومنها قَوله تَعَالىَ: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ} (2) أي ومن المعلوم أَنَّ العرب قد جعلوا البحيرة والسائبة، فنفى ربُّنا أن يكون هَذَا الجعل من فعله، فصحَّ أَنَّهُ من فعلهم.
قلنا: نفى ربُّنا عَزَّ وَجَلَّ جعل (3) التبحير وما بعده دينا، أي لم يشرِّع للعرب ذَلِكَ وَإِنَّمَا ابتدعوه من تلقاء أنفسهم لا لأَنَّهُمْ هم الخالقون لها صفة التبحير، فالمنفيُّ هُوَ شَرعِيَّة معتقدهم في البحيرة وما بعدها ليس إِلاَّ.
ومنها قَوله تَعَالىَ في قِصَّة يعقوب عَلَيهِ السَّلاَمُ: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمُ أَنفُسُكُمُ أَمْرًا} (4)، وقوله تَعَالىَ: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} (5).
قلنا: أَمَّا تسويل النفس وتطويعها فالمراد به ترغيبها في ذَلِكَ الفعل وتزيينه لفاعله لا أَنَّهَا هي التي أوجدت فعل ذَلِكَ، فسقط تعلُّقهم بِهَذِهِ الآيات، والحمد لله.
وَمِمَّا استدلُّوا به من العقليَّات أَنَّهُم قالوا: لا تخلو أفعال العباد من أحد ثلاثة أمور، إِمَّا أن تنسب إِلَيْهِ تَعَالىَ وحده، أو تنسب إِلَيْهِ وَإِلىَ العبد معا، أو تنسب إِلىَ العبد فقط، فبطل الأَوَّل لاستلزامه الجبر الآتي بيان بطلانه فيما سيأتي إن شاء الله، وبطل الثاني لاستلزامه مشاركة الله في أفعاله، وَهُوَ تَعَالىَ منزَّه عن ذَلِكَ، فببطلان هذين الوجهين ثبت
__________
(1) - ... سورة النحل: 62.
(2) - ... سورة المائدة: 103.
(3) - ... فيِ الأَصْلِ: + «بان»، ولم نجد له معنى في هَذَا السياق.
(4) - ... سورة يوسف: 18.
(5) - ... سورة المائدة 30. (1/140)
صفحة 141
<141> الثالث.
قلنا: لا نسلِّم استلزام مشاركة الله في أفعاله عَلَى ثبوت الوجه الثاني، لأَنَّ لفعل العبد جهتين: جهة إيجاد، وهي الجهة التي يخرج بها فعل العبد من العدم إِلىَ الوجود؛ وبهذه الجهة تَتَعَلَّقُ قدرة الباري تَعَالىَ؛ وجهة اكتساب، وهي إضافة ذَلِكَ الفعل إِلىَ العبد، مع اختيار العبد لِذَلِكَ؛ وبهذه الجهة تَتَعَلَّقُ قدرة العبد، فالله تَعَالىَ إِنَّمَا يخلق الفعل للعبد حال اختيار العبد له، وتوجيه القدرة إِلَيْهِ لاكتسابه، فالعبد مكتسِب، وَالله تَعَالىَ موجد؛ وإذا اختلف الجهتان انتفت المشاركة، فقد سقط بحمد الله ما تَعَلَّقوا به. ولنرجع الآن إِلىَ بيان استدلالنا عَلَيْهِم.
واستدلالنا في ذَلِكَ من طريقين:
- أحدهما طريق النقل وَهُوَ المشار إِلَيْهِ بقول الناظم: (لِكُلِّ شَيْء خالق ... ) إلخ البيت.
- وثانيهما طريق العقل، وَهُوَ المشار إِلَيْهِ بقوله: (لو كان خالقا سواه) إِلىَ آخر الأبيات.
أَمَّا قوله: (لكن لنا في فعلنا اكتساب) إلخ فاستدراك لِمَا قد يتوهَّم من الاستدلال عَلَى نفي خلق العبد لفعله أَنَّ الأفعال منسوبة إِلَيْهِ تَعَالىَ جبرا، فرفع ذَلِكَ التوهُّم حيث أثبت للعبد في فعله اكتسابا يثاب عَلَيْهِ، ويعاقب عَلَيْهِ، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اَكْتَسَبَتْ} (1)، {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ} (2).
ثُمَّ أخذ في ثبوت تقرير هَذَا الاكتساب بقوله: (من ثَمَّ قد نيل به ... ) إلخ، أي من أجل أَنَّ الاكتساب ثابت للخلق في أفعالهم
__________
(1) - ... سورة البقرة: 286.
(2) - ... سورة البقرة: 134، 141. (1/141)
صفحة 142
<142> قد نالوا به أعلى الرتب، وتفاوتوا في ذَلِكَ، كلٌّ بحسب اجتهاده، ثُمَّ استثنى من جملة ما ينال بالاكتساب النبوَّات، وَصَرَّحَ بِأَنَّهَا ليس مِمَّا يكتسب لأَنَّهَا من الأشياء التي يَخُصُّ بها ربُّنا من يشاء، فيضعها حيث يشاء من غير أن يَتَقَدَّمَ للعبد اكتساب لأسبابها، وتهيُّؤ لمرتبتها، إذ لا أسباب لها حَتَّى يَصِحَّ تعاطيها بخلاف غيرها.
- فَأَمَّا استدلالنا النقليُّ فقوله تَعَالىَ: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمُ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (1) فَدَلَّت الآيَة أَنَّ جميع ما أسرَّه العباد وما أظهروه خلقه، والإسرار والإجهار أفعال العباد، وَالله تَعَالىَ يقول: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}، أي كيف لا يعلم ذَلِكَ وَهُوَ قد خلقه، وهل يخلق من لا يعلم. وقوله: {وَمِنَ ايَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَآؤُكُم مِّن فَضْلِهِ} (2)، وكيف يكون الابتغاء للفضل الذي هو فعل من أفعال العباد من آياته وَهُوَ لم يخلقه ولم يدبِّره. وقوله تَعَالىَ: {هُوَ الذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} (3) وَهُوَ من فعلهم كما ترى، فأضافه إِلَيْهِ. وقوله تَعَالىَ: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا} (4) أي من قبل أن نخلقها، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (5)، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (6).
- وَأَمَّا استدلالنا العقليُّ، فهو أَنَّهُ لو كان العبد خالقا لأفعاله للزم عَلَيْهِ تعدُّد الخالقين، ولكان كلُّ من خلق شَيْئًا فهو إله ذَلِكَ الشَّيْء، فيلزم
__________
(1) - ... سورة الملك: 13 - 14.
(2) - ... سورة الروم: 23.
(3) - ... سورة يونس: 22.
(4) - ... سورة الحديد: 22.
(5) - ... سورة القمر: 49.
(6) - ... سورة الأنعام: 102. (1/142)
صفحة 143
<143> عَلَيْهِ تعدُّد الآلهة، وتعدُّدها باطل قطعا لِمَا ثبت من البراهين العَقلِيَّة وَالنَّقْلِيَّة عَلَى وجوب الوَحْدَانِيَّة|| ومن تلك البراهين أَنَّهُ لو تعدَّدت الآلهة للزم فساد هَذَا العالم الذي بهذا الخلق صنعه لقوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ اِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا} (1) ونحن نشاهد أَنَّ هَذَا العالم [غير] فاسد، فصحَّ أَنَّ الإله واحد وَالله تَعَالىَ أعلم.
وفاسق من قال إِنَّ الله جَلَّ قد جبر الإِنسَان فيما قد فعل
وَأَنَّهُ لم يجعل استطاعة له لكفر شاءه أو طاعه
لأَنَّهُ لو كان هَذَا بطلا أمرٌ ونهيٌ مع وعد جُعلا
وبطل الوعيد مع بعث الرسل وجاز تكليف الجماد كالنبل
هَذَا بيان الردِّ عَلَى الفرقة الثانية من القَدَرِيَّة وهم الجهميَّة نسبة لهم إِلىَ الجهم بن صفوان وهم القائلون بالجبر المُتَعَلِّقون بالمشيئة فقط. قالوا: إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ قد جبر العبد عَلَى فعل الطاعة والمعصية، وَأَنَّهُ لم يجعل له استطاعة لِمَا شاء أن يفعله من فعل المعاصي والطاعات، فهو عندهم كالجماد لا يستطيع تحريكا إِلاَّ أن يحرَّك، وكالخيط المعلَّق في الهواء تقلِّبه الرياح كيف شاءت، وإِنَّمَا كان ذَلِكَ منهم مخافة أن يكون خالقا غير الله كما كان من المعتزلة مقالهم مخافة أن ينسب إِلىَ الله المعاصي وفعل المكروه، فكلا الفريقين ضالٌّ منافق. وقد تَعَلَّقَ هَؤُلاَءِ بآيات من القُرْآن كما تَعَلَّقَ
__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 22. (1/143)
صفحة 144
<144> أولئك.
منها قَوله تَعَالىَ: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} (1) قالوا: فالضحك والبكاء من أفعالنا قد أضافهما الله تَعَالىَ إِلىَ نفسه كما أضاف الإماتة والإحياء، فليس لنا فيهما تصرُّف. فَلَمَّا أضافهما تَعَالىَ إِلىَ نفسه لكونهما خلقا له لا لنا وَإِنَّمَا لنا من ذَلِكَ الاكتساب المناط بالاختيار، فالأفعال خلق منه والاكتساب مِنَّا، وخلقه للأفعال لا يستلزم الجبريَّة كما سيأتي بيانه.
ومنها قَوله تَعَالىَ: {فَأَنَّى تُوفَكُونَ} (2)، وقوله تَعَالىَ: {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (3)، قالوا: فمن يؤفكهم ومن يصرفهم إِلاَّ الله. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: {مَنْ يُّضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} (4) وقوله: {مَنْ يَّهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا} (5).
والجواب عن هَذِهِ الآيات كُلِّهَا هو عين الجواب عن الآيَة الأولى.
ومنها قَوله تَعَالىَ: {وَلَوْ شِئْنَا ءَلاَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} (6).
قلنا: لا تعلُّق لكم في هَذِهِ الآيَة ولا في شَيْء من نظائرها، لأَنَّهَا أخبار عن نفوذ قدرته تَعَالىَ وتأثير إرادته، أي فلو شاء أن يفعل لهم الهداية لفعل لهم ذَلِكَ لأَنَّهُمْ لا يعجزونه، لَكِن اقتضت حكمته تخييرهم بين الهداية والضلالة، وقد جعل لهم قدرة صالحة لاكتساب أيِّ واحد شاؤوا فلا جبر.
وإذا عرفت سقوط تعلُّقهم بِهَذِهِ الآيات فارجع إِلىَ الوقوف عَلَى الاحتجاج عَلَيْهِم، وبيان ما يُؤَدِّي إِلَيْهِ مذهبهم، فاعلم أَنَّ الاحتجاج عَلَيْهِم من الكِتَاب العزيز
__________
(1) - ... سورة النجم: 43 - 44.
(2) - ... سورة الأنعام: 95، سورة يونس: 34. سورة فاطر: 3. سورة غافر: 62.
(3) - ... سورة يونس: 32. سورة الزمر: 6.
(4) - ... سورة الأعراف: 186.
(5) - ... سورة الكهف: 17.
(6) - ... سورة السجدة: 13. (1/144)
صفحة 145
<145> كثير.
منها ما أوردته المعتزلة استدلالا لهم عَلَى خلق أفعالهم، فَإِنَّ جميع ما مَرَّ في ذَلِكَ مناف للجبر الذي زعمه هَؤُلاَءِ.
ومنها آيات الاكتساب فَإِنَّهَا مصرِّحة بإضافة الكسب إِلىَ العبد قطعا، وإذا ثبت لهم الكسب انتفى الجبر لأَنَّهُمَا متضادَّان.
وَأَمَّا ما يُؤَدِّي إِلَيْهِ مذهبهم من البطلان فهو ما أشار إِلَيْهِ الناظم بقوله: (ولو كان هَذَا ... ) إلخ، أي لو صَحَّ مذهب الجبريَّة وثبت القول بالجبر للزم عَلَيْهِ بطلان الأمر والنهي والوعد والوعيد، لأَنَّ العبد إذا لم تكن له قدرة عَلَى فعل شَيْء من المأمورات ولا عَلَى ترك شَيْء من المنهيات كان توجيه الأوامر والنواهي إِلَيْهِ عبثا ينزَّه الباري تَعَالىَ عنه؛ وإذا بطل توجيه الخطاب إِلَيْهِ بالأمر والنهي بطل توجيه الوعد والوعيد إِلَيْهِ، لأَنَّ الوعد مترتِّب عَلَى فعل الأوامر، والوعيد مترتِّب عَلَى فعل المناهي. وإذا بطل هَذَا كلُّه بطل إرسال الرسل، لأَنَّهُمْ إِنَّمَا يرسلون لِذَلِكَ، ومع بطلان ذَلِكَ فلا فائدة ولا حكمة في الإرسال، فيُؤَدِّي مذهبهم إِلىَ إبطال النبوَّات كما ترى، نعم ويُؤَدِّي إِلىَ إبطال التكليف رأسا، لأَنَّ من لا اكتساب له ولا اختيار له لا يَصِحُّ في الحكمة تكليفه، كما لا يَصِحُّ تكليف النباتات والجمادات وَهَذَا معنى قَوله: (وجاز تكليف الجماد كالنبل) جمع نبيل، وَهُوَ العاقل.
ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا كان للجبريَّة شُبَهٌ في خلق الله تَعَالىَ لأفعالنا، وَفيِ علمه بِهِنَّ وَفيِ إرادته (1/145)
صفحة 146
<146> لَهُنَّ أخذ يدفع وجه الشبهة في ذَلِكَ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الأشياء كلَّها لا تستلزم الجبر، ولا تنافي الاكتساب، فقال:
وخلقه أفعالنا وعلمه بِهِنَّ لا يوجب جبرا حكمه
كذاك كونها له مرادا لأَنَّهُ قد خيَّر العبادا
لو لم يكن يعلم ذا لجهله لو لم يكن خالقه من فعله
لو لم يُرِد وقوعه ووقعا لكان مكرَها عَلَى ما صنعا
لَكِن لذا التخيير واكتسابنا قد انتفى الإجبار عن رقابنا
أي نعتقد أَنَّهُ تَعَالىَ خالق لأفعالنا، وَأَنَّهُ تَعَالىَ عالم بها ومريد لها، ومع ذَلِكَ فهو قد خيَّرنا في فعلها وتركها، أي لم يجبرنا عَلَى واحد من الأمرين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وقد وعد بالثواب عَلَى امتثال أوامره وترك مناهيه، وتوعَّد بالعقاب عَلَى من فعل مناهيه أو ترك أوامره، ولا يَلزم مِن خَلقِه تَعَالىَ لأفعالنا ومِن علمه بِهِنَّ، ومن إرادته لَهُنَّ جبرنا عَلَى فعلهنَّ، ونفي اكتسابنا لَهُنَّ، لأَنَّهُ تَعَالىَ لم يثبْنا ولم يعذِّبنا عَلَى خلقه لَهُنَّ ولا عَلَى علمه بِهِنَّ، ولا عَلَى إرادته لَهُنَّ، وَإِنَّمَا أثابنا وعذَّبنا عَلَى اختيارنا وكسبنا لَهُنَّ، وَهُوَ تَعَالىَ قد جعل لنا اختيارا في ذَلِكَ، وقدرة صالحة لاكتساب ذَلِكَ، فلأجل هَذَا الاختيار، ولأجل هَذِهِ القدرة المكتسبة قد انتفى عَنَّا الجبر عَلَى أفعالنا، وَإِنَّمَا قلنا إِنَّ الله عالم بأفعالنا (1/146)
صفحة 147
<147> لأَنَّهُ لو لم يكن عالما بها للزم أن يكون جاهلا بها وَهُوَ تَعَالىَ مُتَّصِف بالكمال الذاتيِّ، والجهلُ من صفات النقص يستحيل اتِّصَافه به تَعَالىَ، وَهَذَا معنى قول الناظم: (لو لم يكن يعلم ذا لجهله).
وَأَمَّا معنى قوله: (لو لم يكن خالقه من فعله) أي لو لم يكن تَعَالىَ خالقا لأفعالنا فمن الخالق لها إذن؟ {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ}؟ (1). وقد تقرَّر فيما تَقَدَّمَ بطلان القول بِأَنَّ العبد خالق لفعله، وإذا بطل أن يكون العبد خالقا لفعله فبطلان أن يكون غيره من المخلوقات خالقا لفعله أظهر، وإذا بطل هَذَان النوعان ثبت أَنَّ الخالق لِذَلِكَ هو الإله.
وَأَمَّا قوله: (لو لم يُرد وقوعه ... ) إلخ، أي لو لم يُرد تَعَالىَ وقوع فعلنا، ووقع عَلَى خلاف مراده للزم عَلَيْهِ أن يكون مكرها عَلَى وقوع ذَلِكَ الفعل مغلوبا في حدوثه، والإكراه ينافي الاختيار والإرادة، ومن كانت هَذِهِ حالته فليس بإله. عَلَى أَنَّهُ تقرَّر أَنَّ الإله مُتَّصِف بالكمال الذاتي، والإكراه يضادُّ ذَلِكَ وينافيه، وَالله تَعَالىَ أعلم.
الباب السادس
في الإيمان والإسلام
وبه يتِمُّ الكلام عَلَى الركن الثاني إن شاء الله تَعَالىَ.
إيماننا التصديق والإسلام إذعاننا لِمَا دعا الأحكام
ولهما في الشرع معنى ملتزم تصديق قول عملا إذا لزم
ومن يكن مضيِّعا لواحد منها استحقَّ هَلْكَةَ المعانِد
اختلف الناس في الإيمان والإسلام
__________
(1) - ... سورة فاطر: 3. (1/147)
صفحة 148
<148> هل هما شَيْء واحد أو لا؟ وَعَلَى القول الثاني، هل هما متخالفان أو مترادفان أو متلازمان؟ وقد أطالوا الكلام فيهما، فلنقتصر من ذَلِكَ عَلَى ما تحصل به الفائدة، فنقول:
الحقُّ فيهما أَنَّ لهما استعمالين:
- أحدهما لغويٌّ وَهُوَ المشار إِلَيْهِ بقول الناظم: (إيماننا التصديق ... ) إلخ، أي إيماننا معشر العرب هو التصديق. والإسلام في لغتنا هو الإذعان وترك التمرُّد، فهما في هَذَا الاستعمال متخالفان لا مترادفان ولا متلازمان.
- والاستعمال الثاني هو ما عَلَيْهِ العرف الشرعيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ الشرع قد نقل كلَّ واحد من الإيمان والإسلام عن معناه اللغويِّ، فاستعملهما معا في الوفاء بالواجبات، كانت الواجبات اعتقاديَّة أو قوليَّة أو عَمَلِيَّة، فهما في هَذَا الاستعمال مترادفان، وَإِلَيْهِ أشار الناظم بقوله: (ولهما في الشرع معنى ... ) إلخ، أي للإيمان والإسلام في العرف الشرعيِّ معنى واحد ملتزم التصديق بالجنان إذا لزم، والقول باللسان إذا لزم والعمل بالأركان إذا لزم؛ فمن كان صبيًّا مثلا أو ناقص العقل لا يُسَمَّى كافرا بتركه التصديق في حال ذَلِكَ لعدم لزومه عَلَيْهِ، ومن كان عاقلا وصدَّق النَّبِيء عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فيما جاء به ولم يطالب بالنطق بِذَلِكَ باللسان، ولم ينزل عَلَيْهِ التكليف بالعمل فهو مؤمن لعدم لزوم القول والعمل عَلَيْهِ، فهو موف بما لزمه، ومن تلفَّظ بالشهادتين عند وجوب ذَلِكَ عَلَيْهِ، وبعد تصديقه بالجنان ولم يلزمه شَيْء من العمليَّات (1/148)
صفحة 149
<149> بعدُ فهو مؤمن لوفائه بما وجب عَلَيْهِ؛ ومن لزمه شَيْء من الأعمال فأدَّاه كما شُرع عَلَيْهِ بعد التصديق والتلفُّظ الواجبين عَلَيْهِ فهو مؤمن لوفائه بجميع ما وجب عَلَيْهِ. ومن ضيَّع واحدة من هَذِهِ الثلاث بعد وجوبها عَلَيْهِ فهو خارج عن الإيمان هالك في النيران، وَهَذَا معنى قوله: (ومن يكن مضيِّعا ... ) إلخ فلا منزلة عندنا بين الإيمان والكفر، أي فمن لم يكن بمؤمن فهو كافر، وَالمُرَاد بالكفر ما يشمل كفر النعمة وكفر الشرك. ومن كان كافرا بِاللهِ أو بنعمته فقد استحقَّ ما يستَحقُّه المعاند من الهلاك، هَذَا مذهبنا وَهُوَ الحقُّ خلافا لمن قال: إِنَّ الإيمان قول وتصديق دون عمل، ولمن قال: إِنَّ الإيمان التلفُّظ بالشهادتين وإن لم يطابقه اعتقاد، ولمن قال: إِنَّ الإيمان التصديق فقط.
والدليل عَلَى أَنَّ الإيمان والإسلام في العرف الشرعيِّ مترادفان:
- قَوله تَعَالىَ: {يَاقَوْمِ إِن كُنتُمُ ءَامَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} (1).
- وَقَوله تَعَالىَ: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُومِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} (2)، ولم يكن بالاتِّفاق هنالك إِلاَّ بيت واحد.
- وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «بني الإسلام عَلَى خمس ... » وقد سئل - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان مَرَّة أخرى فأجاب بِهَذِهِ الخمس.
وما ورد من الآيات والأحاديث ما ظاهره مخالف لِهَذِهِ الأَدِلَّة فهو محمول عَلَى المَعْنَى اللغويِّ جمعا بين الأَدِلَّة، فَإِنَّ الشارع تارة يُعَبِّرُ باللفظ
__________
(1) - ... سورة يونس: 84.
(2) - ... سورة الذاريات: 35 - 36. (1/149)
صفحة 150
<150> عن معناه اللغويِّ، وتارة عن معناه الشرعيِّ، كلُّ ذَلِكَ بحسب مقتضى الحال، فلا تنافي ما في الكِتَاب العزيز ولا في السنَّة، وَالله تَعَالىَ أعلم.
في وجهه الشرعيِّ ليس ينقص لَكِن يزيد، هكذا قد خصَّصوا
لأَنَّهُ إن هدم البَعض انهدم جميعه، وذا هو القول الأتم
اختلف الناس في الإيمان الشرعيِّ، فذهب بَعض قومنا إِلىَ أَنَّ الإيمان الشرعيَّ يزيد وينقص، وَعَلَيْهِ جمهور الأشاعرة. وذهب بَعضهم إِلىَ أَنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وَعَلَيْهِ أبو حنيفة وإمام الحرمين وَبَعض الأشاعرة. وذهب أصحابنا إِلىَ أَنَّ الإيمان يزيد ولا ينقص.
وبيان ذَلِكَ أَنَّ الإيمان عندنا هو الوفاء بجميع الواجبات، فمن وجب عَلَيْهِ فرض لا يكون مؤمنا حَتَّى يُؤَدِّيه عَلَى وجهه، ثُمَّ يزيد الإيمان بزيادة التكاليف. ولا يَصِحُّ نقصه، لأَنَ نقصه إخلال بِبَعْض الواجبات، وقد تَقَدَّمَ أَنَّ التارك لبعض الواجبات عَلَيْهِ خارج عن الإيمان، فالترك لبعضه ترك لجميعه، أي لا ينتفع بِبَعْض إيمانه في الآخرة. وَالمُرَاد بعدم انتفاعه بِذَلِكَ في الآخرة هو أَنَّ بَعض الإيمان لا ينجيه من عذاب الله، لا أَنَّهُ لا يخفَّف عنه العذاب لأجل ذَلِكَ، فَإِنَّ العذاب متفاوت في أهل المعاصي كلٌّ عَلَى قدر جنايته {جَزَآءً وِفَاقًا} (1). وَهَذَا معنى قول الناظم: (إن هدم البَعض ... ) إلخ، لا يقال إِنَّ المُرَاد بنقصان الإيمان هو ارتفاع بَعض الواجبات عن
__________
(1) - ... سورة النبأ: 26. (1/150)
صفحة 151
<151> المُكَلَّف لعذرٍ كارتفاع وجوب الصلاة عن الحائض، لأَنَّا نقول إِنَّ الإيمان في حقِّ من رُفع عنه بَعض الفرائض هو وفاؤه بما بقي عَلَيْهِ من الواجبات، فإيمانُه إن وفَّى بما عَلَيْهِ كاملٌ لا ناقصٌ، لَكِن لو أَنَّ القائل بنقصان الإيمان أراد نقصانه بهذا الاعتبار لكان الخلاف بيننا وبينهم لفظيًّا صورته أَنَّهُم يسمُّون من ارتفع عنه وجوب بَعض ما كان عَلَيْهِ ناقص الإيمان، ونحن نمنع مِن تَسْمِيَتِه بِذَلِكَ، وَالمُرَاد واحد، لَكِنَّهُمْ لم يريدوا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أرادوا بنقصانه الإخلال بِبَعْض الواجبات، وَعَلَى هَذَا فالخلاف معنويٌّ مبنيٌّ عَلَى الخلاف في حقيقة الإيمان فتفطَّنْ له، وَالله تَعَالىَ أعلم.
الركن الثالث
في الولاية والبراءة وما يشتمل عَلَيْهَا وما يتولَّدان منه
وفيه سِتَّة أبواب أَيضًا.
أَخَّر هَذَا الركن عن الذي قبله لِمَا تَقَدَّمَ هناك، وقدَّمه عَلَى ركن التوبة من حيث إِنَّ وجوب التوبة بعد وجوده تنتقض به الولاية، وتجب به البراءة.
فإن قيل: ليست التوبة شرطا للولاية توجد بوجودها، وتنعدم بانعدامها.
فالجواب إِنَّمَا ذَلِكَ خاصٌّ عند وجود الذنب الموجب للبراءة، ولا يجوز إطلاقه عَلَى العموم، ألا ترى أَنَّ مَن رأينا منه حقَّ الموافقة وصدق المرافقة وجبت علينا ولايته، ولا يلزمنا أن نستتيبه إِلاَّ بعد أن يحدث حدثا يخرج به عن تلك الموافقة؛ وَكَذَلِكَ في ولد الوليِّ تجب علينا (1/151)
صفحة 152
<152> ولايته بولاية أبيه حَتَّى يبلغ ويصحَّ منه ما تنتقض منه الولاية.
فإن قيل: أَمَا قيل بالوقوف عنه بعد بلوغه حَتَّى تَصِحَّ منه الموافقة.
فالجواب أَنَّ القائل بهذا لم يلزمنا استتابة هَذَا البالغ، وَإِنَّمَا كان معه وجود ولايته بسبب ولاية أبيه، فَلَمَّا بلغ وصار متعبِّدا بنفسه انقطعت تِلْكَ الولاية معه بانقطاع سببها، وصار عنده في حدِّ الوقوف بالدين بمنزلة مجهول الحال.
الباب الأَوَّل
في وجوب الولاية والبراءة وأقسام كُلٍّ منهما
ولاية المؤمن فرض حقّقا وهكذا براءة للذي فسقا
الولاية هي المحبَّة بالقلب والثناء باللسان والنصر والإعانة بالجوارح عند القدرة عَلَى كُلِّ ذَلِكَ، وعند ارتفاع الموانع. والبراءة هِيَ البغض بالقلب، والشتم باللسان والردع بالجوارح، وهما فرضان بالإجماع، لَكِنَّ الوجوب الثابت في الولاية إِنَّمَا هو نفس المحبَّة عَلَى الدين، والوجوب الثابت في البراءة إِنَّمَا هو البغض عَلَى فعل الكبائر من الذنوب، وما عدا هذين من الثناء باللسان والشتم به من الإعانة بالجوارح والردع بها فيلزم تارة ويرتفع أخرى، كُلُّ ذَلِكَ بحسب المقامات والتكليف بالفرائض، وباعتبار الأحوال الداعية لِذَلِكَ فيلزم الثناء عَلَى الوليِّ في موضع يكون فيه ترك الثناء عَلَيْهِ ضررا به أو بوليِّه ويلزم الإعانة والنصر في موضع القدرة منه واحتياج الوليِّ إِلىَ ذَلِكَ، ويلزم (1/152)
صفحة 153
<153> شتم العدوِّ في موضع يكون ترك الشتم له مقوِّيا لبدعة أو مفسدا لِشَيْءٍ من الدين أو مضرًّا بالنفس أو الوليِّ. ويلزم الردع بالجوارح في موضع يكون فيه المنكر قادرا عَلَى الإنكار، والعدوُّ فيه مقيما عَلَى فعل المنكر لا ينفكُّ عنه إِلاَّ بزجر رادع، أو بسيف قاطع.
وَلَمَّا كان كلُّ واحد من الولاية والبراءة عَلَى أقسام شرع في بيان أقسام كُلِّ واحد منهما فقال:
والكلُّ من ذين عَلَى أقسام ثلاثة تأتي عَلَى تمام
حقيقة وهي التي قد نطقا بها كِتَاب أو رسول حقّقا
والحكم بالظاهر وَهوَ الثاني ثالثها عقيدة الإِنسَان
ينقسم كُلُّ واحد من الولاية والبراءة إِلىَ ثلاثة أقسام:
القسم الأَوَّل: ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة:
ولا يتأدَّى كلُّ واحد منهما إِلاَّ من أحد طريقين:
- الطريق الأَوَّل هو أن يَرِد كِتَاب من كتب الله بسعادة امرئ أو شقاوته، وَهُوَ أنواع:
1. النوع الأَوَّل أن يصرِّح الكِتَاب باسم السعيد واسم الشقيِّ، مثال ذَلِكَ في جانب الولاية: التصريح بأسماء الأنبياء، كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمَّد - صلى الله عليه وسلم -. ومثاله في جانب البراءة كإبليس وفرعون وهامان وقارون.
2. النوع الثاني: من كنَّى عنهم دون تصريح بأسمائهم، فمثال ذَلِكَ في جانب الولاية أمُّ موسى، ومثاله في جانب البراءة أبو لهب.
3. النوع الثالث: من جيء به منكَّرا
4. (1/153)
صفحة 154
<154> لم يصرِّح فيه باسمه ولا بكنيته، مثال ذَلِكَ في جانب الولاية مؤمن آل فرعون، وكالذي في قَوله تَعَالىَ: {وَجَآءَ مِنَ اَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ... } || الآيَة (1). ومثاله في جانب البراءة قَوله تَعَالىَ: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الاَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ} (2)، وَقَوله تَعَالىَ: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ} (3).
- الطريق الثاني: من طريقي الحقيقة في الولاية والبراءة هو أن يقول رسول من رسل الله: «إِنَّ فلانا من أهل الجَنَّة» أو «من أهل النار»، لا إذا قال: «إِنَّ فلانا رجل صالح»، ولا «إِنَّهُ فاسق»، ولا إذا دعا له أو عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لا يكون بهذا القول متولىًّ ومتبرًّى بالحقيقة، لأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَلىَّ ويتبرَّى بحكم الظاهر، وبالحقيقة. وما كان محتملا للظاهر وللحقيقة فلا يقطع به أَنَّهُ من الحقيقة. أَمَّا قوله: «إِنَّ فلانا من أهل الجَنَّة» أو «من أهل النار» فلا يحتمل إِلاَّ الحقيقة، فَإِنَّهُ وإن جاز لنا أن نقول بحسب الظاهر: «إِنَّ فلانا من أهل الجَنَّة» لمن علمنا منه خيرا، وَ «إِنَّ فلانا من أهل النار لمن علمنا منه ضِدَّ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا القول مِنَّا مجاز عَبَّرنا به عن فعل ما يُؤَدِّي إِلىَ ذَلِكَ، والقرينة أحوالنا، أو هي العلم بِأَنَّا لم نطَّلع عَلَى الغيوب، والعلم بِأَنَّا لم نرد حقيقة هَذَا القول، وَهُوَ - صلى الله عليه وسلم - مِمَّن اطَّلَعَ عَلَى كثير من المغيبات، فإذا صدر منه مثل هَذَا الكلام قطع بِأَنَّ المُرَاد منه حقيقته، إِلاَّ بدليل يصرفه عنها؛ وَلأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم -
-
__________
(1) - ... سورة يس: 20.
(2) - ... سورة النمل: 48.
(3) - ... سورة القمر: 29. (1/154)
صفحة 155
<155> لو لم يُرِد بهذا الكلام حقيقته مع إمكانها وعدم قرينة المجاز لكان هَذَا الكلام كذبا بحسب الظاهر، والكذب في حقِّه - صلى الله عليه وسلم - مستحيل، سلَّمنا أَنَّهُ ليس بكذب لَكِنَّهُ تلبيس عَلَى السامع بحيث يفهم الكلُّ منه خلاف مراده، والتلبيس في حقِّ الأنبياء عَلَيهِم السَّلاَمُ مستحيل أَيضًا.
وأنواع هَذَا الطريق هي أنواع الطريق الأَوَّل، وحكم ما صرِّح باسمه في هذين الطريقين أن يعتقد فيه باسمه ما اقتضاه النصُّ فيه، وكذا حكم من صَرَّحَ بكنيته، فَإِنَّا نعتقد في صاحب تِلْكَ الكنية ما اقتضاه النصُّ فيه.
وحكم من جاء من ذَلِكَ مبهما منكرا أن نعتقد فيه مقتضى النصِّ بحسب تلك الصفة التي نعت بها، ولا نصرِّح باسمه ولا بكنيته في الاعتقاد حَتَّى ينقل لنا التواتر هَذَا المذكور في هَذَا النصِّ هو فلان باسمه أو بكنيته، أو تجتمع الأُمَّة عَلَى ذَلِكَ، فإذا يلزمنا القطع به وقصده بِذَلِكَ الحكم بعينه.
واعلم أَنَّ هَذَا الطريق لا يتأدَّى مقتضاه ولا يَصِحُّ الحكم به إِلاَّ من أحد أمرين:
- أحدهما: المشاهدة للرسول الناطق بهذا الكلام، وشرطوا فيه أن ينظر شفتيه عند النطق به، كلُّ ذَلِكَ دفعا للاحتمال، فَإِنَّهُ متى ما لم ينظره كَذَلِكَ احتمل أن يكون الناطق بِذَلِكَ غير الرسول عَلَيهِ السَّلاَمُ، والحقيقة حكم قطعيٌّ لا ينبني عَلَى الاحتمال عندهم.
- وثانيهما: الشهرة القاضية بصدور (1/155)
صفحة 156
<156> ذَلِكَ الحديث من ذَلِكَ الرسول، وَكَأَنَّهُم أرادوا بِهَذِهِ الشهرة التواتر، فَإِنَّهُ هو الذي يقطع بصدقه؛ ويحتمل أَنَّهُم أرادوا ما يَعُمُّ التواتر والمستفيض المتلقَّى بالقبول بين الأُمَّة مقطوع بصدقه، فلا معنى لِمَا قاله الشيخ ناصر بن أبي نبهان من أَنَّ الشهرة لا توجب ولاية الحقيقة، وقد انفرد بهذا القول من بين سائر الأصحاب.
هَذَا وَأَمَّا شهادة العدلين فَإِنَّهَا لا توجب الحقيقة في الولاية والبراءة لأَنَّهُ لا يَصِحُّ القطع بصدق مقالهما، نعم يصير من شهدوا فيه بِأَنَّ النَّبِيء (ص) قال فيه كذا مِمَّا يوجب الحقيقة يصير متولىًّ بالظاهر، أو متبرَّأً منه بالظاهر حَتَّى يعلم منه حدث يخالف ما شهدوا به فيحكم عَلَيْهِ وله، بمقتضى حدثه.
القسم الثاني: الولاية بحكم الظاهر والبراءة بحكم الظاهر:
ولهما طرق وصفات نذكرها في الباب الثاني إن شاء الله.
القسم الثالث: ولاية الجملة وبراءة الجملة
وصفاتها أن يعتقد المُكَلَّف أن يَتَوَلىَّ المؤمنين من الأَوَّلِينَ والآخرين إِلىَ يوم الدين، وَأَنَّهُ يبرأ من الفاسقين من الأَوَّلِينَ والآخرين إِلىَ يوم الدين. وَهَذَا القسم هو الذي عَبَّرَ عنه الناظم بعقيدة الإِنسَان، وسبب تعبيره عنه بِذَلِكَ هو أَنَّ هَذَا القسم يجب عَلَى كُلِّ مُكَلَّف أن يعتقده مع توحيده، فلا يعذر أحدا [كذا] بعد قيام الحُجَّة به إِلاَّ إذا اعتقده كَذَلِكَ، أَمَّا ولاية الحقيقة وبراءتها، وولاية الحكم بالظاهر وبراءته (1/156)
صفحة 157
<157> فلا يلزمان كلَّ أحد، وَإِنَّمَا يلزمان من بلغه علم الحقيقة بأحد الطرق المُتَقَدِّم ذكرها، والتكليف بحكم الظاهر من أحد الطرق الآتي بيانها. فالأقسام سِتَّة حاصلة من ضرب اثنين في ثلاثة، وهي: ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، وولاية الظاهر وبراءة الظاهر، وولاية الجملة وبراءة الجملة.
الباب الثاني
في وجوب الولاية والبراءة بحكم الظاهر
براءة الظاهر حكما تجب بواحد من أربع تُعْتَقَب
عيان أو إقرار أو شهادة عدلين أو حقٌّ أتى بشهرة
واستَثْنِ الإقرارَ لدى الولاية وَإِنَّمَا الوجوب بالثلاثة
لِكُلٍّ من الولاية والبراءة موجبات.
فَأَمَّا موجبات الولاية فهي الموافقة في القول والعمل. وَأَمَّا موجبات البراءة فهي المخالفة في القول والعمل أو في أحدهما، وَلِكُلِّ واحد من هَذِهِ الموجبات طرق تتأدَّى منها.
فَأَمَّا موجبات البراءة فتتأدَّى من أحد أربعة طرق:
- الطريق الأَوَّل: العيان، أي المعاينة للمعصية من العاصي، بمعنى المشاهدة لها، وَعَبَّرَ بَعضهم عن هَذَا الطريق بالخبرة، وكلتا العبارتين سائغة، غير أَنَّ العبارة الأخيرة محتملة للعموم، فيدخل تحتها كلُّ طريق من هَذِهِ الطرق لصدق الخبرة عَلَيْهِ؛ والعبارة الأولى أخصُّ، فالتعبير بها في هَذَا المقام أولى.
- الطريق الثاني: الإقرار، وَهُوَ أن يقرَّ العاصي بمعصية إقرارا
- (1/157)
صفحة 158
<158> موجبا للبراءة منه، لا لكونه مستعظما ذنبه نادما عَلَى تفريطه، سائلا عَمَّا يلزمه في فعله، فَإِنَّ هَذَا ليس من ذَلِكَ القبيل.
- الطريق الثالث: شهادة العدلين، كانا عالمين أو ضعيفين، وسيأتي ما عَلَى كُلِّ الفريقين عند قول الناظم (لَكِن عَلَى العدول ... ) إلخ.
- الطريق الرابع: الشهرة القاضية المحقَّة، لا كشهرة الشيع بالبراءة من أبي بكر وعمر رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، فَإِنَّهَا وإن كانت قاضية عندهم فليست محقَّة، بل بطلانها بحمد الله ظاهر، والدافع لها من فضل الله شاهر. والشهرة المحقَّة هي الخارج أصلها من حقٍّ، وكان من جواب الإمام أبي سعيد رَضِيَ اللهُ عَنهُ وقد سئل عنها، فقيل له: وما معنى الشهرة التي تجب بها الولاية والبراءة بِأَن قال: «معنى أَنَّهَا تكون عَلَى معان كثيرة في وجوه كثيرة، ومبلغ ثبوتها ووجوبها وورود علمها عَلَى الممتحن فيها من المبتلى بها من تظاهر صِحَّة الأخبار، عَلَى غير تناكر من أهلها الذين تقوم بهم الحُجَّة فيها؛ ولو كثر التناكر والاختلاف من غير أهلها عَلَى سبيل الدعاوي وإنكار اليقين فيها، فإذا ثبت العلم بغير ارتياب مِمَّن علمها فيها وَفيِ وجوبها وعلمها عندي». انتهى.
وَأَمَّا موجبات الولاية فتتأدَّى من أَحَد ثلاثة طرق مجتمع عَلَيْهَا، وطريق رابع مختلف فيه، وسيأتي بعدُ إن شاء الله. فَأَمَّا الطرق المجتمع عَلَيْهَا فهي:
- العيان: بالتفسير المُتَقَدِّم.
- وشهادة العدلين فما فوق.
- والشهرة المحقَّة.
وَهَذَا (1/158)
صفحة 159
<159> معنى قوله: (واستثن الإقرار ... ) إلخ، أي استثن من الطرق التي تتأدَّى بها موجبات البراءة في موجبات الولاية الإقرارَ، فَإِنَّهُ لا يوجبهما ما لم يكن ثمَّة موجب آخر.
وقوله: (بواحد) مُتَعَلِّق بقوله: (تجب). وقوله: (من أربع) مُتَعَلِّق ب (واحد)، وجملة (تعتقب) نعت ل (أربع)، و (تُعتَقَب) بالبناء للمفعول، أي يؤتى بها في عقب هَذَا الكلام. و (عيان) بدل تفصيل من (أربع)، وما بعده عطف عَلَيْهِ.
والخلف في رفيعة الولاية من واحد عدل بلا عناية
وإن تكن عنيته فالْزَمِ|| وَقِيلَ: لا لزوم ثَمَّ يُعلَمِ
هَذَا هو الطريق الرابع من الطرق التي تتأدَّى بها موجبات الولاية، وَهُوَ الطريق المختلف فيه، وَهُوَ رفيعة العالِم الواحد بما يوجب الولاية لمعيَّن.
فذهب بَعض إِلىَ أَنَّهُ حجَّة له وَعَلَيْهِ، وحملوه عَلَى معنى الشهادة في حقوق الله كصوم رَمَضَان وكطهارة الثياب من النجاسات، فَإِنَّ العدل في كُلِّ ذَلِكَ حجَّة.
وذهب قوم إِلىَ أَنَّ رفيعة العالم العدل غير موجبة للولاية حَتَّى يكونا عدلين فالوجوب حينئذ متحتِّم كالشهادة في الحقوق.
وذهب قوم إِلىَ التفصيل عَلَى إن سئل هَذَا العدل عن ولاية مُعَيَّن وجبت ولايته عَلَى السائل. وإن لم يُسأل عنها، كَأَن ينطق بها ابتداء فلا وجوب، قياسا عَلَى العدل إذا سئل عن عدالة مُعَيَّن وجب قبول قوله في التعديل، وإن لم يُسأل فلا (1/159)
صفحة 160
<160> وجوب، وَهَذَا معنى قول الناظم: (وإن تكن عنيته فالزم) فالعناية هنا القصد|| عَبَّرَ بها عن السؤال لملازمته له.
وذهب آخرون إِلىَ التخيير في رفيعة العالم العدل للولاية، أي إن شاء المرفوع له قبِلها فتولَّى، وإن شاء تركها من غير تكذيب للدافع، وَهُوَ معنى قوله: (وَقِيلَ: لا لزوم ... ) إلخ، فيدخل تحت هَذَا التأصيل رفيعة الأعمى للولاية، فقد قيل فيها أَيضًا باختلاف، ورفيعة المرأة والعبد فَفيِ رفيعة كُلِّ واحد من هَؤُلاَءِ للولاية اختلاف صَرَّحَ به الأثر الصحيح، بشرط أن يكون كلُّ واحد من الرافعين عالما بالولاية والبراءة.
لَكِن عَلَى العدوِّ دَلِيل العلما تفصيل ما جاؤوا به ليعلما
الاستدراك من قوله: (أو شهادة عدلين) في الأبيات المُتَقَدِّمَة أن ينقسم الرافعون للولاية والبراءة إِلىَ قسمين: ضعفاء وعلماء، فَإِمَّا الضعفاء فَعَلَيْهِم تفصيل ما رفعوا من الولاية والبراءة، فإذا قالوا: إِنَّ فلانا وليٌّ أو عدوٌّ مستوجب للبراءة فَإِنَّهُ لا يجوز لك أن تتولىَّ أو تتبرَّأ بقولهم هَذَا حَتَّى يفصِّلوا، أي يُبَيِّنُوا الأعمال التي استوحب بها هَذَا المُعَيَّن الولاية أو البراءة، فتنظر فيها أنت فيها إن كانت موجبة لهما. وعلَّة ذَلِكَ المنع أَنَّ الضعيف لا يعرف|| الأمور التي توجب البراءة؛ وَقِيلَ: يقبل قولهم من غير تفصيل، وَالعِلَّة فيه ثقتهم وعدالتهم، عَلَى أَنَّهُم لا يقولون بِشَيْءٍ (1/160)
صفحة 161
<161> غير معلوم عندهم، حكاه الشيخ ناصر بن أبي نبهان.
وَأَمَّا العلماء وهم العالمون بأصول الولاية والبراءة وأحكامها فليس عَلَيْهِم تفصيل أي تبيين فيما رفعوا من ولاية أو براءة، بل يجب قبول قولهم ولو مجملا؛ اللَّهُمَّ إِلاَّ أن يكون هَؤُلاَءِ العلماء رفعوا البراءة مِن رجل عند وليِّه عَلَى غير وجه الشهادة عَلَيْهِ بها، فَإِنَّهُمْ يكونون بِذَلِكَ مبطلين عنده مخلوعين بتلك الرفيعة حَتَّى يتوبوا أو يأتوا بشاهدي عدل عَلَى تصديق ما قالوه، أو أربعة شهود في الزنى. ويستثنى من هَذَا المقام ما إذا كان المتولِّي مشاهدا لحدث وليِّه فلم يعرف الحكم فيه، فقال العالم: إِنَّ هَذَا الحدث مكفِّر||، وَأَنَّ صاحب هَذَا الحدث كافر، وَأَنَّ فلانا كافر بحدثه كذا وكذا، فَكُلُّ هَذَا من العالم فتوى تقوم به الحُجَّة عَلَى المتولِّي بكسر اللام عَلَى ترك ولاية المتولىَّ بفتحها أو يتوب من حدثه ذَلِكَ، فإن برئ العالم من وليِّ هَذَا المتولَّى بالحدث الذي شاهده منه من غير تبيين ولا فتوى فلا يجوز لأحد ولا يلزمه أن يبرأ من العالم بسبب براءته من|| وليِّه بحدثه الذي علمه منه.
فإن قيل: ما الفرق بين الحالتين فقد ألزمتموه وجوب البراءة من وليِّه في الحالة الأولى ولم تجوِّزوها له في الحالة الثانية.
في الجواب [كذا، لَعَلَّ الصواب: فالجواب] أَنَّ العالم في الحالة الأولى مفت والحجَّة قائمة من فتواه، وَفيِ الحالة الثانية حاكم، ولا يجوز لأحد أن يحكم بحكم الحاكم حَتَّى يعلم (1/161)
صفحة 162
<162> الحكم في ذَلِكَ الشَّيْء لعلم الحاكم فيه، وَالله أعلم.
فصل
في أَحوال الوليِّ بالظاهر||
وَفيِ وليٍّ وجبت ولايته عَلَى الورى، سريرةٌ براءتُه
إن وجبت عليك، والذي نطق بها جهارا للبراءة استحق
ومن يبح براءة من نفسه فهالك، وَهوَ حَرِي|| بَخْسِه
الأولياء بحكم الظاهر عَلَى صنفين:
- فصنف تجب لهم ولاية عَلَى العموم من أهل الدار.
- وصنف لا تجب لهم ولاية عَلَى العموم، وَإِنَّمَا تجب عَلَى الخصوص مِمَّن عُرف منهم الموافقة، وسيأتي بيان الحكم فيهم.
فَأَمَّا أهل الصنف الأَوَّل فلا يجوز لأحد البراءة منهم جهرا وإن أتوا ما يستوجبون به البراءة في حكم الظاهر إذا لم يشتهر منهم ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلَى من علم منهم ذَلِكَ الحدث أن يبرأ منهم سرًّا، ولا يجوز له أن يظهر البراءة منهم مع أحد من الناس إِلاَّ مع من علم كعلمه فيهم، وَهَذَا معنى قول الناظم: (سريرة براءته إن وجبت عليك). وأشار بقوله: (والذي نطق بها ... ) إلخ إِلىَ حكم من أظهر البراءة من أهل هَذَا الصنف عند من لم يعلم كعلمه فيهم، فحكم ذَلِكَ أَنَّهُ مستحقٌّ للبراءة منه مِمَّن سمع منه ذَلِكَ القول، لأَنَّهُ في حكم الظاهر قاذف لوليِّه، والقاذف للوليِّ مستحقٌّ للبراءة، وإن كان هو في السريرة صادقا، لأَنَّهُ لا يحلُّ له أن يخالف الحكم الظاهر، وليس له أن يأتي بفعل يبيح به من نفسه البراءة لأحد (1/162)
صفحة 163
<163> من الناس؛ ومن أتى بفعل يبيح من نفسه البراءة فهو هالك في الآخرة ما لم يتب من ذَلِكَ الفعل، وسبب هلاكه أَنَّهُ قد خالف ما أمر الله به من وجوب تجنُّب المضلاَّت في الظاهر، ومن خالف ما أوجب الله عَلَيْهِ فهو هالك.
وَمَعْنَى (حري) بتخفيف الياء للوزن حقيقٌ، أي وَهُوَ حقيق بتلك الخسَّة التي أنزل نفسه فيها.
وإن يكن من الأُلى|| لم تلزم ولاية لهم عَلَى الكلِّ اعلم
فبعضهم وسع، ما لم تعلم ولاية، والبعض من ذا يحتمي
هَذَا هو الصنف الثاني من صنفي الأولياء بحكم الظاهر، وهم الذين لم تجب لهم ولاية عَلَى الكلِّ لَكِن عَلَى الخصوص مِمَّن علم منهم الموافقة في الدين بالقول والعمل، فإذا علم أحد من أهل هَذَا الصنف ما يستوجبون به البراءة منهم عند من لم تعلم لهم ولاية عنده، فبعضهم وسَّع في إظهار البراءة منهم عند من لم يعلم منه أَنَّهُ يتولاَّهم، لأَنَّ الأصل عدم ثبوت ولايتهم عَلَى أحد من الناس، وبعضهم منع من إظهار البراءة منهم مخافة أن يصادف من يتولاَّهم فيكون المتبرِّي منهم مبيحا من نفسه البراءة عند ذَلِكَ المتولِّي لهم؛ وأقول: إِنَّ هَذَا الاحتمال مع قربه لا يفيد المنع من إظهار البراءة منهم، ولا يكون المتبرِّي منهم عند من لم يعلم أن يَتَوَلاَّهم مبيحا من نفسه البراءة، لأَنَّهُ إذا وسعه أن يتبرَّأ منهم وإن عَلَى قول لبعض المسلمين (1/163)
صفحة 164
<164> فليس للمتولِّي لهم أن يبرأ من هَذَا المتبرئ منهم الآخذ بقول من أقوال المسلمين، نعم إن أخبره بِأَنَّ ذَلِكَ الذي يتبرَّأ منه وليٌّ له فعلى هَذَا أن يكفَّ عن البراءة منه عنده، فإن أصرَّ عَلَيْهَا بعد ذَلِكَ كان حينئذ مبيحا من نفسه البراءة عند من يتولاَّه، ووجه ذَلِكَ أَنَّ من يدَّعي ولاية أحد من الناس فهو مصدَّق في دعواه ما لم ينزل من يدَّعي هو ولايته منزلة من تجب البراءة منه بالشهرة، أو تقوم عَلَيْهِ البَيِّنَة بحدثه المكفِّر، وَالله أعلم.
وإن يكن كفرانه مشتهرا لا بأس إن بكفره قد جهرا
المُرَاد بالكفران: الفعل الموجب للبراءة، وَالمُرَاد بالكفر ما يشتمل النفاق والشرك، وَالمَعْنَى: إذا كان الفعل الموجب للبراءة مشتهرا بين الخاصِّ والعامِّ فلا بأس عَلَى أحد بإظهار البراءة منه، لأَنَّهُ قد نزل في منزلة لا يَصِحُّ لأحد أن يتولاَّه عَلَيْهَا ولو كان في الأصل قبل الحدث مِمَّن تجب عَلَى الخلق ولايته، أو مِمَّن تمكن ولايته لأحد من الناس دون غيره. والمدَّعي لولايته بعد شهرة حدثه غير مسموع فلا حجَّة له عَلَى المتبرِّئ منه، ولا حرمة لِذَلِكَ المتبرَّإ منه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مالكم وللمنافق؟ قولوا فيه ما فيه»، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شرَّه».
وأشار بقوله: (ولا بأس ... ) إلخ إِلىَ أَنَّ إظهار كفر من اشتهر كفره جائز لا واجب، فالأمر في الحديثين إِنَّمَا هو (1/164)
صفحة 165
<165> للإباحة لا للوجوب، وَالله أعلم.
ومتبرٍّ من وليٍّ لك قل بكفره إن لم يتب عَمَّا فعل
أي إذا كان لك وليٌّ، فبرَأَ منه متبرِّئٌ فعليك أن تبرأ منه بعد أن تستتيبه فلم يتب. قال الشيخ ناصر بن أبي نبهان: «إذا قذفَ وليَّك قاذف استتبه، فإن امتنع فنبِّهه بوجوب التوبة عَلَيْهِ، فإن امتنع فحينئذ عليك أن تتبرَّأ منه». قلت: والاستتابة قبل البراءة مستحسنة، وَفيِ وجوبها اختلاف من الفقهاء كما سيأتي إن شاء الله تَعَالىَ في الباب الرابع من هَذَا الركن.
وَفيِ وليٍّ ترك الفرض اقْتَفِي عذرا له، إن لم تجد قِفِ
ثُمَّ استتبه إن يكن منك قَبِل ولتبرَ إن لم يرجعن عَمَّا عمل
أي إذا أحدث الوليُّ حدثا، فلا يخلو ذَلِكَ الحدث من أحد أمرين: إِمَّا أن يكون فيه حقٌّ لله جَلَّ فقط، أو لله وللعباد معا؛ وسيأتي بيان الأمر الثاني إن شاء الله تَعَالىَ، فإن أحدث حدثا فيه الحقُّ لله وحده، كترك فريضة من صلاة أو صيام أو نحو ذَلِكَ فاقتفي أي اتَّبِعْ العذر له في ذَلِكَ، فإذا احتمل له وجه عذر من نسيان ونحوه فَهُوَ عَلَى احتماله حَتَّى يَصِحَّ بطلانه، ولا يجوز لك أن تبرأ منه عَلَى هَذَا، فَإِذَا انقطع العذر وارتفع الاحتمال، والمختار أن تستتيبه فإن تاب رجع إِلىَ ولايته، وإن امتنع فعليك أن تبرأ منه ولا يجوز لك التمسُّك بولايته ولا الوقوف عنه في هَذِهِ الحالة. (1/165)
صفحة 166
<166> وإن أتى الوليُّ ما لله به حقٌّ وللعباد كالقتل انتبه
تولَّه، والبعض منهم يقف عنه وَفيِ البراءة منه ضعف
كَذَاكَ إن أتى بفعل حجرا في أصله وعارض الحلِّ يرى
هَذَا إذا [ما] كان فعله احتمل حَقًّا وباطلا وَإِلاَّ حيث حل
أي إذا أحدث الوليُّ حدثا يكون الحقُّ فيه لله وللعباد كقتل النفس ونحوه، فلك فيه ثلاثة طرق إذا لم يَصِحَّ عندك أَنَّ فعله ذَلِكَ حقٌّ، أو يَصِحَّ أَنَّهُ باطل، فَإِن صَحَّ حقُّه فليس إِلاَّ الولاية، وإن صَحَّ باطله فليس إِلاَّ البراءة، وَهَذَا هو معنى قول الناظم: (هَذَا إذا ما كان ... ) البيت إلخ. وَمَعْنَى قوله: (وَإِلاَّ حيث حل) أي: وإن لم يحتمل حقُّه وباطله فأنزله حيث نزل من حقٍّ أو باطل. أَمَّا قوله: (كذا إذا أتى [كذا] ... ) إلخ ففيه الإشارة إِلىَ حكم الوليِّ إن أتى فعلا محجورا فيِ الأَصْلِ، لَكِن يَصِحُّ أن تكون الإباحة فيه عارضة، فأشار إِلىَ أَنَّ حكم الوليِّ عند هَذِهِ الحالة كحكمه فيما إذا أتى بفعل فيه لله حقٌّ ولعباده حقٌّ أَيضًا، أي فلك فيه الطرق الثلاثة. فمثال ما كان أصله محجورا والإباحة فيه ممكنة لعارض هو أن ترى وليَّك يأكل لحما من يد مجوسيٍّ فَإِنَّ اللحم من يده حرام فيِ الأَصْلِ لمن لم يعلم أَنَّ المذكِّيَ لِذَلِكَ اللحم مِمَّن تجوز ذكاته، والإباحة فيه ممكنة لاحتمال أن يكون الذابح هو غير المجوسيِّ، فمن هنا صَحَّ في هَذَا الموضع (1/166)
صفحة 167
<167> الطرق الثلاثة:
- الطريق الأَوَّل: إبقاؤه عَلَى حالته الأولى من الولاية، وَعَلَيْهِ الإمام أبو عليٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالىَ عَنهُ، وصحَّحه الإمام أبو سعيد رَضِيَ اللهُ تَعَالىَ عَنهُ في الاستقامة، وَذَلِكَ أَنَّ ولايته وقعت بيقين، ولا يزيل اليقين إِلاَّ يقين مثله.
- الطريق الثاني: الوقوف عنه بالرأي لِمَا دخل فيه من الإشكال مخافة أن تتولىَّ محدِثا، قال الإمام أبو سعيد رَضِيَ اللهُ تَعَالىَ عَنهُ: «وَهُوَ أسلم» يعني أَنَّ الوقوف أسلم، أي أقرب إِلىَ السلامة.
- الطريق الثالث: البراءة منه عَلَى أَنَّهُ أتى محجورا في حكم الظاهر حَتَّى يَصِحَّ أَنَّهُ أتاه عَلَى وجه من وجوه الحقِّ، وَعَلَيْهِ الإمام موسى بن أبي جابر حيث قال: «أتولىَّ المقتول وأبرأ من القاتل» وقد ضعَّف هَذَا الطريق جِدًّا الإمام أبو سعيد في الاستقامة، يراجعه من أراد الوقوف عَلَيْهِ. فإذا ادَّعَى هَذَا القاتل عَلَى ذَلِكَ المقتول بعد قتله دعوى يَصِحُّ بها تحليل دم المقتول، كَأَن يقول: إِنَّهُ ارتدَّ عن الإسلام، أو جاءه ليقتله فسبقه، أو أدركه عَلَى امرأته فقتله ونحو ذَلِكَ، فإن كان المقتول وَلِيًّا، فَفيِ كُلِّ هَذَا يكون القاتل قاذفا|| مخلوعا عن حكم الإسلام حَتَّى يأتي بشاهدي عدل تصديقا لمقالته في غير الزنى، وبأربعة شهود في الزنى. وإن كان المقتول غير وليٍّ فلا بأس عَلَى من قال فيه شَيْئًا من ذَلِكَ إِلاَّ إذا رماه بالزنى فَإِنَّ القاذف بالزنى مخلوع شرعا، سواء كان المقذوف وَلِيًّا أو غير وليٍّ حَتَّى يحضر الشهود عَلَى ذَلِكَ، وَالله أعلم. (1/167)
صفحة 168
<168> وفي وليَّين تخالفا بما يوجب كفر واحد فابتهما
تَوَلىَّ بالرأي وإن شئت فقف وقوف رأي إن يكونا في ضعف
وإن يكونا عالمين تلزم ولاية المحقِّ فيما نعلم
وأجِبَنْ براءة من المُصِر وَقِيلَ: من يتولَّه عُذِر
إذا اختلف المختلفان في الدين فلا يجوز أن يكون كلاهما محقَّين، ويجوز أن يكون كلاهما مبطلين، وأن يكون أحدهما محقًّا والآخر مبطلا، فإذا وقع ذَلِكَ في حضرتك أو معك علمه، فلا يخلو هَذَان المختلفان من أحد أمرين، إِمَّا أن يكونا غير وليَّين لك فيما تَقَدَّمَ فأنت في سلامة من أمرهما، اللَّهُمَّ إِلاَّ أن يكون المحقُّ منهما عالما فيقيم الحُجَّة عليك ببطلان من خالفه، فحينئذ يجب عليك أن تبرأ من المبطل عَلَى المذهب المختار. أو يكون الحدث في الجملة فلا يسع الجهل بضلال المضلِّ. أو يكون الحدث في شَيْء من تفسيرها فأنت عَلَى ما تَقَدَّمَ من الاختلاف.
وإن كانا وليَّين لك فيما تَقَدَّمَ، فلا يخلوان من أحد أربعة أمور: إِمَّا أن يكونا ضعيفين معا أو عالمين معا، أو المحقُّ عالما والمبطل ضعيفا أو العكس.
? فإن كانا ضعيفين معا فلك في أمرهما طريقان:
- الطريق الأَوَّل: تنزيلهما من ولاية الدين إِلىَ ولاية الرأي.
- الطريق الثاني: أن تقف عنهما وقوف رأي، وَمَعْنَى وقوف الرأي أن تعتقد أَنَّكَ واقف عنهما (1/168)
صفحة 169
<169> لِمَا عرض لك من الأمر المشكل بحيث لا يجوز أن يكونا فيه كلاهما محقَّين، وتعتقد مع ذَلِكَ أَنَّكَ تتولىَّ المحقَّ منهما وتتبرَّأ من المبطل. فينبني عَلَى ما ذكرنا أَنَّكَ إذا تولَّيتهما برأي يجوز لك أن تدعو لهما كما كان للوليِّ، بشريطة ... (1)، وإذا وقفت عنهما بالرأي لا يجوز لك أن تدعو لهما بما يستَحقُّه الوليُّ حَتَّى يَتَبَيَّنَ المحقُّ منهما فتواليه والمبطل فتعاديه، وإن كان كلاهما عالمين فلا يجوز لك إِلاَّ أن تَتَوَلىَّ المحقَّ منهما عَلَى ما كان عَلَيْهِ من ولاية الدين، وتبرأ من المبطل بدين، وَهَذِهِ إحدى طريقتين فيه. والطريقة الثانية: لا يلزمك البراءة من المبطل منهما إذا لم يَتَبَيَّن لك ضلاله بل يجوز لك أن تتولاَّه برأي، وأن تقف عنه برأي، وَهَذِهِ الطريقة موقوفة عَلَى شرطين:
- أحدهما: أن لا تجمع المختلفين في ولاية الدين.
- وثانيهما: أن لا تتبرَّأ من المحقِّ منهما لأجل قوله بِالحَقِّ، وأن لا تقف عنه برأي ولا دين.
? وإن كان المحقُّ عالما والمبطل ضعيفا، فهما بمنزلة أن لو كانا عالمين.
? وإن كان المبطل عالما والمحقُّ ضعيفا فهما بمنزلة أن لو كانا ضعيفين، وَالله أعلم.
ومن تَوَلىَّ محْدِثا لفعله قالوا: فذاك هالك كمثله
لا يجوز لأحد أن يَتَوَلىَّ محدثا حدثا من الأحداث القبيحة عَلَى حدثه ذَلِكَ، ومَن فَعل ذَلِكَ فهو هالك كمثل المحدث فيطلق عَلَيْهِ من التسمية ما يطلق عَلَى المحدث. قَالَ تَعَالىَ: {فَلِمَ
__________
(1) - ... يبدو أَنَّ في العبارة نقصا. (1/169)
صفحة 170
<170> تَقْتُلُونَ أَنبِئَآءَ اللهِ مِن قَبْلُ} (1) وَكَانَ هَؤُلاَءِ المخاطبون في زمن خاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم - ولم يقتلوا نبيًّا بأيديهم وَإِنَّمَا سمَّاهم قتلة لولايتهم آباءهم القاتلين، وقال تَعَالىَ: {وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم} (2) فقد حكم ربُّنا تَعَالىَ في هَذِهِ الآيَة عَلَى المتولِّي بحكم المتولَّى فجعلهم سواء في الضلالة، وَالله أعلم.
الباب الثالث من الركن الثالث
في الوقوف وأقسامه وأحكامه
وقوفُ دِينٍ رأيٍ أو سؤالٍ إشكالٍ أو شكٍّ عَلَى ضلال
الوقوف اصطلاحا هو الإمساك عن الدخول في ولاية أحد بعينه، وعن الدخول في البراءة منه، فيسمَّى الممسك عن ذَلِكَ واقفا. وأقسامه خمسة: - وقوف الدين. - ووقوف الرأي. - ووقوف السؤال. - ووقوف الإشكال. - ووقوف الشكِّ. فَهَذِهِ خمسة وقوفات كلُّها جائزة إِلاَّ الأخيرة منها.
بدأ الناظم بوقوف الدين لكونه أصل الوقوفات، وَلأَنَّهُ المجتمع عَلَيْهِ وَعَلَى وجوبه دون الثلاثة التي تليه، فَإِنَّهُ مختلف في ثبوتها وَفيِ وجوبها.
وثنَّى بوقوف الرأي لكون الرأي جزءا من الدين، فهو عند من رأى ثبوته واجبٌ لا يجوز تركه في موضعه عنده.
وثلَّث بوقوف السؤال لكونه أخصَّ مطلقا من وقوف الرأي، وملازما له، فبعض من أوجب وقوف الرأي أوجب وقوف السؤال، ونفاه آخرون منهم.
وعقَّبه بوقوف الإشكال لكونه أخصَّ من وقوف الرأي أَيضًا، فَفيِ
__________
(1) - ... سورة البقرة: 91.
(2) - ... سورة المائدة: 51. (1/170)
صفحة 171
<171> بَعض صور وقوف الرأي يكون وقوف الإشكال، وَفيِ بَعضها لا يوجد.
وختم بوقوف الشكِّ ليتمكَّن من بيان حكمه، كما أشار إِلىَ ذَلِكَ بقوله: (أو شكٍّ عَلَى ضلال).
فالدين في كُلِّ فتى لم تعهد خيرا وشرًّا منه كيما تقتدي
هَذَا بيان وقوف الدين، وبيان محلِّه. فَأَمَّا وقوف الدين فهو الكفُّ عن ولاية مُعَيَّنَة وعن البراءة منه كما تَقَدَّمَ. وَأَمَّا محلُّه فَإِنَّهُ يكون في كُلِّ مُكَلَّف لم تعلم منه من أعمال الخير ما يوجب الولاية ولا من أفعال الشرِّ ما يوجب البراءة، فَإِنَّ حكم مثل هَذَا الشخص الوقوف وجوبا، فلا يسعك فيه إِلاَّ ذَلِكَ لأَنَّ الوقوف عَلَى ولاية المجهول محجور دينا؛ وكذا الإقدام عَلَى البراءة منه.
وَمَعْنَى قوله: (كيما تقتدي) أي لتقتدي بما علمت منه، أي لم يَتَقَدَّم لك فيه علم خير يوجب الولاية ولا علم شرٍّ يوجب البراءة فتقتدي بما علمت فيه، ف «ما» في قوله: (كيما) زائدة، وَالله أعلم.
والرأي في الوليِّ إن تسنَّما أمرا عليك حكمه قد أبهما
قيل: والسؤال مع ذا يلزم فهو حليف الرأي مع من ألزموا
وقوف الرأي هو أن تقف عن الذي تَقَدَّمَت له عندك ولاية بسبب ركوبه أمرا أشكل عليك حكمه، واستتر عنك علمه، فلا تدري أهو حقٌّ فتواليه عَلَيْهِ، أو باطل فتعاديه عَلَيْهِ، فإنَّ أصحابنا من أهل المشرق رَحِمَهُم اللهُ (1/171)
صفحة 172
<172> تَعَالىَ جوَّزوا لك في هَذِهِ ا لحالة الوقوف عن وليِّك حَتَّى تعلم حكم حدثه، وسمَّوا الوقوف بهذا المَعْنَى وقوف الرأي، وَبَعض من أجاز ذَلِكَ أوجب عَلَى الواقف أن يسأل عن حكم حدث وليِّه حَتَّى يخرج عن حيِّز الإشكال إِلىَ مقام البيان. وسمَّوا الوقوف بالرأي مع اعتقاد السؤال عن حكم الحدث وقوفَ سؤال، وَهَذَا معنى قوله: (وقيل: والسؤال ... ) البيت. وَأَمَّا قوله: (فهو حليف الرأي) أي فوقوف السؤال ملازم لوقوف الرأي عند الذين قالوا بلزومه، أي لا يكون وقوف السؤال عند القائلين به إِلاَّ وَهُوَ مصاحب لوقوف الرأي، فإن كان مع وقوف الرأي اعتقاد سؤال سُمِّيَ وقوف سؤال ووقوف رأي. وإن تجرَّد وقوف الرأي عن اعتقاد السؤال فيسمَّى وقوف رأي ليس إِلاَّ، وَالله أعلم.
وفي وليَّيْنِ تلاَعنَا احكم وقوف إشكال إذا لم يعلم
بطلان كُلٍّ منهما والشكُّ أن تولِّي غير من يشكُّ
وقوف الإشكال هو الوقوف عن الوليَّين إذا فعلا فعلا يوجب كفر أحدهما، وَذَلِكَ مثل أن يلعن بَعضهما بَعْضًا، أو يبرأ بَعضهما من بَعض، ولم يُعلم أيُّهما المبطل وأيُّهما المحقُّ في ذَلِكَ فَإِنَّ الواجب عَلَى من يتولاَّهما إذا سمع منهما ذَلِكَ أن يقف عنهما لهذا الإشكال الذي هما فيه، فَإِنَّهُ لا بُدَّ من بطلان أحدهما، فإذا تولاَّهما معا كان (1/172)
صفحة 173
<173> لا شَكَّ واقعا في ولاية مبطل، وإذا تبرَّأ منهما معا خيف عَلَيْهِ الوقوع في البراءة من المحقِّ، هَذَا عَلَى قول من أثبت وقوف الإشكال من أصحابنا، وهم المشارقة رَحِمَهُم اللهُ. ومن أوجب اعتقاد السؤال عند وقوف الرأي أوجبه هنا أَيضًا، لَكِن لا عَلَى معنى التجسُّس عن المبطل من الوليَّين، وَإِنَّمَا يعتقد السؤال عندهم في هَذَا الموضع لقصد الخروج عَمَّا وقع فيه من الحال. فإذا عرفت هَذَا فاعلم أَنَّ وقوف الإشكال أخصُّ مطلقا من وقوف الرأي يصدق عَلَى الوقوف عن الوليَّين إذا أحدثا حدثا لا يكونان فيه محقَّين، فلم يعلم من المبطل منهما، ويصدق عَلَى الوقوف عن الوليِّ إذا أحدث حدثا لا نعرف حكمه. ووقوف الإشكال لا يصدق إِلاَّ عَلَى الوليَّين إذا أحدثا حدثا لم يُدْرَ أيُّهما المبطل فيه. وتسمية الكلِّ اصطلاح، ولا مشاححة في الاصطلاح.
أَمَّا قَوْله: (والشكُّ ... ) إلخ فهو إشارة إِلىَ بيان حقيقة وقوف الشكِّ، وعرَّفه بِأَنَّهُ ترك ولاية من لا يشكُّ مثل شكِّكَ، أي: فوقوف الشكِّ هو أن تقف عن شَيْء وتترك ولاية من دخل فيه، بشرط أن يكون ذَلِكَ الشَّيْء لا يوجب بطلان الداخل فيه. وحكم هَذَا الوقوف أَنَّهُ مُحَرَّم لِمَا يدخل فيه مِن تركِ ولاية المحقِّ لأجل حقٍّ دخل فيه، وترك ولايته بهذا المَعْنَى حرام، فوقوف الشكِّ أَيضًا حرام. وَالله تَعَالىَ أعلم.
الباب الرابع من الركن الثالث
في أقسام (1/173)
صفحة 174
<174> الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر منها
ناسب ذكر هَذَا الباب في هَذَا الركن إِنَّمَا هو لأجل ما يَتَرَتَّبُ عَلَى معرفة الصغائر والكبائر من أحكام الولاية والبراءة إِنَّمَا هو منحصر في معرفة الصغائر والكبائر، فالعالم بالصغائر والكبائر عالم بالولاية والبراءة، ولا يكون عالما بالولاية والبراءة وإن أحاط بأقوال العلماء فيها حَتَّى يكون عالما بالصغائر والكبائر. هَذَا وَأَمَّا البابان اللذان يليان هَذَا الباب إِنَّمَا هما معا بمنزلة الجزء من الكلِّ، وبمنزلة التفصيل مع الإجمال، فَإِنَّ كلاًّ منهما في بيان بَعضٍ مخصوصٍ من الكبائر وَفيِ بيان أحكام ذَلِكَ، لَكِن لَمَّا كانت تلك الكبائر المذكورة في البابين مختصَّة من بين سائر الكبائر بأحكام تترتَّب عَلَيْهَا أفردهما في التراجم كما لا يخفى ذَلِكَ عَلَى متأمِّل منصف، وَالله أعلم.
وَلَمَّا كانت جزئيَّات الكبائر والصغائر يفوت حصرها أخذ في بيان الفرق بينهما إجمالا ليستدلَّ الواقف عَلَيْهَا بهذا الإجمال الذي ذكرته العلماء. وقد أخذوا في تعريف الكبائر وعرَّفوها بحدود كثيرة أصحُّها ما أشار إِلَيْهِ الناظم بقوله حيث قال:
والذنب قسمان: كبير وجبا حدٌّ به والباري منه غضبا
فأوجب اللعن عَلَيْهِ أو سَخَط أو قبَّح الرسولُ مَن به سَقَط
ينقسم الذنب إِلىَ صغير وكبير، فَأَمَّا الصغير فسيأتي بيانه، وَأَمَّا الكبير (1/174)
صفحة 175
<175> فهو الذنب الذي ثبت لفاعله بسببه حدٌّ في الدنيا كالزنا والسرقة وشرب الخمر، أو وعيد في الآخرة، وَهُوَ ما أشار إِلَيْهِ الناظم بقوله: (والباري منه غضبا)، وَذَلِكَ مثل العقوق والربا. ويدخل تحت هَذَا النوع ما ترتَّب عَلَى فاعله بسبب فعله اللعن كالشرك في قَوله تَعَالىَ: {أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمُ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ} (1)، وَكَذَلِكَ أَيضًا ما اقترن بسخط من الله تَعَالىَ فوصفه بِأَنَّهُ كبير أو عظيم، وَذَلِكَ كما في قَوله تَعَالىَ: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} (2)، {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} (3). وَكَذَلِكَ يدخل تحت هَذَا النوع أَيضًا الذنب الذي قال فيه رَسُول اللهِ (ص): «قبَّح الله فاعل كذا» فَإِنَّ هَذَا التقبيح ونحوه لا يصدر من الشارع إِلاَّ عَلَى ما كان كبيرا من الذنوب، وَالله تَعَالىَ أعلم.
وعكسه الصغير مثل الكذب إن خفَّ والرقص ومثل اللعب
الصغير من الذنوب هو عكس الكبير، فيقال في تعريفه هو الذي لم يثبت عَلَى فاعله حدٌّ في الدنيا ولا وعيد في الآخرة. وأنكر بَعضهم وجود الصغائر، ونُسب هَذَا الإنكار إِلىَ ابن عَبَّاس، فروِي عنه أَنَّهُ قال: «كلُّ معصية يُعصى الله بها كبيرة» لا إنكارا|| لحكمها فَإِنَّ حكمها ثابت بنَصِّ الكِتَاب ليس لأحد ردُّه. وَبَعض أصحابنا قال بوجود الصغائر، وأنكر تعيينها في الخارج، فمعه أَنَّهَا
__________
(1) - ... سورة آل عمران: 87. وتمام الآيَة: {أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمُ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}
(2) - ... سورة النساء: 2.
(3) - ... سورة النور: 16. (1/175)
صفحة 176
<176> موجودة غير معلومة للبشر، قال: ولو عُيِّنت لكان تعيينها إغراء بارتكابها من حيث إِنَّهَا معفوٌّ عنها باجتناب الكبائر. وذهب جمهور أصحابنا من أهل المشرق إِلىَ أَنَّهَا موجودة في الخارج معلومة للبشر، ومثَّلوا لها بالكذب الخفيف وبالرقص وباللعب الغير المباح، وَهَذَا معنى قول الناظم: (مثل الكذب إن خفَّ ... ) إلخ، وَالمُرَاد بالكذب الخفيف هو الذي لم يبطل به حقٌّ، ولم يعطَّل به حكم، فإن ترتَّب عَلَيْهِ أحد هَذَين المذكورَيْن فليس بالخفيف، ويكون حينئذ من كبائر الذنوب. وَالمُرَاد باللعب الغير المباح: هو اللعب الذي لم ترد من الشارع إباحته، فَإِنَّ ما كان منه مباحا فليس بمعصية، وَذَلِكَ مثل ملاعبة الرجل لفرسه وقوسه وعرسه وولده الصغير، وما أشبه ذَلِكَ، وَلَرُبَّمَا خرجت هَذِهِ الأشياء وما أشبهها من حدِّ الإباحة إِلىَ حدِّ الندبيَّة، وَرُبَّمَا خرجت من حدِّ الإباحة إِلىَ حدِّ التحريم بحسب النية، وَالله تَعَالىَ أعلم.
ومن أصرَّ بصغيرة فكَمَن أتى الكبير في الكِتَاب والسُّنَن
للصغائر من الذنوب أحكام، كما أَنَّ لكبائرها أحكاما أَيضًا، فمن أحكام الصغائر ما هو مشترك بينها وبين الكبائر، وَهُوَ كون الإصرار عَلَيْهَا كبيرة، فَإِنَّ كَوْنَ الإصرارِ كبيرةً موجودٌ في الصغائر والكبائرِ ومن أحكامها، وَهُوَ مختصٌّ بها دون الكبائر، وبيانها عند قول الناظم: (والحكم (1/176)
صفحة 177
<177> للراكب|| ذنبا صَغُرَا|| ... ) البيت. فَأَمَّا الإصرار|| عَلَى الصغيرة فَإِنَّهُ يصيِّرها كبيرة من كبائر الذنوب، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (1) بعد قَوله تَعَالىَ: {وَالذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً اَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ .. } الآيَة فَإِنَّ قوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ} معطوف عَلَى قوله: {ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ}، أي ذكروا عقاب الله، فحملهم ذَلِكَ عَلَى طلب الغفران والإقلاع عن الذنب، وفعل ذَلِكَ واجب بعد فعل فاحشة وبعد ظلم النفس. ووجوب ذَلِكَ قطعيٌّ لِهَذِهِ الآيَة وغيرها، فوجوب المعطوف عَلَيْهِ قطعيٌّ لِذَلِكَ. هَذَا تحرير الاستدلال بالآية، وفيه نظر لا يخفى عَلَى متأمِّل، ووجه ذَلِكَ النظر أَنَّهُ لو سلِّم وجوب ترك الإصرار لَمَا ذكرها هنا فليس فيه دَلِيل عَلَى تحريمه في الصغيرة، لأَنَّهُ إِنَّمَا سيق في مقام الإقلاع عن الفاحشة وظلم النفس وهما كبيرتان فالأحسن الرجوع إِلىَ الاستدلال بِالسُّنَّةِ وإجماع الأُمَّة عَلَى أَنَّهُم لا يجتمعون عَلَى ضلالة بنصِّ الشارع عَلَى ذَلِكَ. فمن السنَّة الصريحة في ذَلِكَ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «هلك المصرُّون قدما إِلىَ النار»، وَفيِ حديث: «لا صغيرة عند إصرار، ولا كبيرة عند توبة واستغفار» وَهَذِهِ الأحاديث وإن كانت آحاديَّة الإسناد فمعناها مستفيض في الأُمَّة، وَعَلَيْهِ أطبقت كلمة العلماء، فلا نجد فيهم من يحلِّل الإصرار
__________
(1) - ... سورة آل عمران: 135. (1/177)
صفحة 178
<178> أصلا، ولا من يقول إِنَّ الإصرار صغيرة، وَالله أعلم.
وراكب الكبير توِّبْهُ فإن أبى إِلىَ الله ببغضه فَدِنْ
وَبَعضهم ضلَّله وتوَّبَا ثُمَّ اسْتَمَرَّ إن عن الثوب أبى
هَذَا بيان حكم الكبائر من الذنوب.
اعلم أَنَّ للكبائر أحكاما، منها ما يكون في الآخرة وَهُوَ الخلود في النار والعياذ بِاللهِ، وقد تَقَدَّمَ بيان هَذَا الحكم في باب الوعد والوعيد، ومنها ما يكون في الدنيا، وَهَذَا النوع ينقسم إِلىَ قسمين:
- أحدهما: ما يكون من العقوبات العاجلة عَلَى فاعل ذَلِكَ، كالقطع في السرقة والجلد والرجم في الزنى والجلد في الخمر ونحو ذَلِكَ، ومحلُّ هَذَا القسم في الفقه فلا حاجة لذكره هنا.
- وَأَمَّا القسم الثاني: فهو ما يَتَعلَّقُ من أحكامها بالاعتقاد، وَهُوَ المُرَاد بقول الناظم: (وراكب الكبير ... ) البيتين، وحاصل ما فيهما أَنَّ العلماء اختلفوا في راكب الكبيرة من الذنوب عَلَى مذهبين:
- المذهب الأَوَّل: أَنَّ فاعل الكبيرة يستتاب من فعله، فإن تاب قُبل منه، وإن أصرَّ عَلَى معصيته وامتنع من التوبة برئ منه، وَهَذَا معنى قول الناظم: (توِّبه ... ) إلخ.
وَمَعْنَى (أبى) أي امتنع. وَمَعْنَى قوله: (إِلىَ الله ببغضه فَدِنْ) أي اعتقد بغضه دينا لله تَعَالىَ، وَهَذَا المذهب هو اختيار الإمام أبي سعيد رَضِيَ اللهُ عَنهُ، ومقتضى ظاهره أَنَّ فاعل الكبيرة يستتاب قبل البراءة منه، كان وَلِيًّا فعلها أو غير وليٍّ. (1/178)
صفحة 179
<179> - المذهب الثاني: أَنَّ فاعل الكبيرة يبرأ منه من حين فعله ذَلِكَ ثُمَّ يستتاب فإن تاب قُبل منه وإن أصرَّ مستمرًّا عَلَى ذنبه اسْتُمِرَّ عَلَى البراءة منه، وَهَذَا معنى قول الناظم: (وبَعضهم ضلَّله ... ) إلخ، أي وَبَعض العلماء حكم بضلال فاعل الكبيرة واعتقد البراءة منه قبل أن يستتيبه ثُمَّ استتابه من بعد ذَلِكَ، ولا بُدَّ من الاستتابة عند الفريقين عَلَى من قدر عَلَيْهَا، لأَنَّهَا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسقط فرضها عَمَّن لا يقدر عَلَى فعلها؛ والخلاف في وجوبها عَلَى القادر الآيس من قبول الفاعل لها، كلُّ ذَلِكَ تخريج عَلَى مذاهبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وَالله أعلم.
والحكم للراكب ذنبا صغُرا إسلامُه حَتَّى يُرى مستكبِرا
قد تَقَدَّمَ بَعض أحكام الصغائر وَهُوَ الحكم المشترك بينها|| وبين الكبائر، وَهَذَا محلُّ بيان الحكم الخاصِّ لها.
اعلم أَنَّ الحكم الخاصَّ بالصغائر نوعان: دنيويٌّ وأخرويٌّ، فَأَمَّا حكمهما الأخرويُّ فهو أَنَّهَا مغفورة باجتناب الكبائر، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (1)، ولقوله تَعَالىَ: {الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الاِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} (2)، واللمم هي صغائر الذنوب، وَأَمَّا حكمها الدنيويُّ فهو أَنَّهُ يُحكم لفاعله ببقائه عَلَى الإسلام، فلا يضلَّل ولا يفسَّق حَتَّى يَعلم منه
__________
(1) - ... سورة النساء: 31.
(2) - ... سورة النجم: 32. (1/179)
صفحة 180
<180> إصرارًا عَلَيْهَا، وَهَذَا معنى قَوله: (حَتَّى يُرى مستكبِرا) أي حَتَّى يعلم منه استكبار عن طاعة الله وعدم انقياد لأمر الله.
ثُمَّ إِنَّ الناظم أخذ في بيان حقيقة الإصرار فقال:
والخُلْف في الإصرار للصغير هل إذا مضى ولم يتب من العمل
أو إن يكن أتاه باستخفاف والثاني عندهم بلا خلاف
أي اختلف العلماء في بيان حقيقة الإصرار الذي تصير به الصغائر كبائر، ويستحقُّ فاعله التضليل والتفسيق، فقال قوم: إِنَّ الإصرار عَلَى الذنب هو الإقامة عَلَيْهِ وترك الإقلاع عنه، ومثل هَذَا المذهب ما يروى عن السُّدِّيِّ حيث قال: إِنَّ الإصرار الاستمرار.
وذهب آخرون إِلىَ أَنَّ الإصرار عَلَى الذنب هو فعله بقصد الاستخفاف له واستحقاره، وَهَذَا الوجه لا خلاف بينهم أَنَّهُ إصرار، وَإِنَّمَا الخلاف في الوجه الأَوَّل، أَمَّا إذا أتى الذنبَ مستخفًّا لنهي الله عنه فهو والعياذ بِاللهِ شرك فافهم الفرق بين الاستخفاف للذنب وبين الاستخفاف لنهي الله عنه فَإِنَّهُ مزلَّة الأقدام.
وعن الحسن أَنَّ إتيان الذنب عمدا إصرار، وَعَلَيْهِ فهو مذهب ثالث، وتحرير المقال أَنَّ فاعل الصغيرة لا يُبرأ منه حَتَّى ينزل منزلة لا خلاف بين العلماء أَنَّهَا إصرار، لأَنَّ المختلَف فيه لا يعدُّ دِينا. وَالله تَعَالىَ أعلم.
والخُلْف في الوليِّ إن أتاه فبعضهم في حكمه رآه (1/180)
صفحة 181
<181> ولم يتوِّبه وَبَعض ذهبا إِلىَ الوقوف قبل أن يُتَوَّبَا
وَبَعضهم أحسن ظنَّه به وبعد ذا استتابَه من ذنبه
الهاء من قوله: (أتاه) عائدة إِلىَ الذنب الصغير لا إِلىَ الإصرار كما يُعلم مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الإصرار كبيرة، وَالمَعْنَى أَنَّ العلماء اختلفوا في الوليِّ إذا أتى الذنب الصغير، فذهب بَعضهم إِلىَ أَنَّ باق عَلَى ولايته غير محتاج إِلىَ أن يستتاب من ذنبه، وَهَذَا معنى قوله: (فبعضهم في حكمه رآه ولم يتوِّبه)، وَالمُرَاد ب (حكمه) أي الحكم الذي كان عَلَيْهِ قبل ذَلِكَ الفعل وَهُوَ الولاية، وَهَذَا مذهب هو أصحُّ المذاهب فيه.
وذهب قوم إِلىَ الوقوف عنه بالرأي حَتَّى يستتاب فإن تاب قَبِل منه ورجع إِلىَ ولايته، وإن أصرَّ برئ منه.
وذهب آخرون إِلىَ أَنَّهُ لا يوقف عن ولايته، وَلَكِنَّ يحسن به الظنُّ ويستتاب من ذنبه، فإن تاب قَبِل منه، وإن أصرَّ برئ منه، وَالله سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
الباب الخامس من الركن الثالث
في شَيْء من الكبائر وأحكام القاذف
وغيبة المؤمن والتجسُّس والقذف في الكلِّ حرام أسَّسوا
ذكر في هَذَا البيت من الكبائر ثلاثة أنواع:
أحدها مختصٌّ بكونه|| كبيرا في المؤمن لا ما عداه، والنوعان الآخران مشترك في حجرهما المؤمن والكافر، وهما التجسُّس والقذف بالزنى.
فَأَمَّا الأَوَّل فقد استُدِلَّ عَلَى أَنَّهُ محجور في المؤمن خَاصَّةً بِقَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلاَ (1/181)
صفحة 182
<182> يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} (1) والخطاب للمؤمنين كما يُعلم من أَوَّل الآيَة.
والغيبة في المنافق والمشرك مباحة لمفهوم الآيَة، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أذِيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شرَّه». ولفظة الفاسق يشترك فيها المنافق والمشرك. واشترط في هَذَا أن يكون المُتَكَلِّم غير متلذِّذ بغيبة هَؤُلاَءِ، بل يكون ناويا فيه تحذير الناس من أن يقعوا في أحبولة غدره، كما يعلم من الحديث.
النوع الثاني: التجسُّس، وَهُوَ السؤال عن أحوال الغير لقصد الاطِّلاَع عَلَى عوراته، وحكمه أَنَّهُ محجور في المؤمن والكافر، وَإِنَّمَا قلنا إِنَّ التجسُّس هو السؤال عن أحوال الغير لقصد الاطِّلاَع عَلَى عوراته ليخرج نحو ما ذكره الإمام أبو سعيد رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ في من خرج مستخبرا عن المؤمنين الماضيين ليسلك منهاجهم، وعن الفسقة وأهل الأحداث ليجتنب اعوجاجهم أَنَّهُ لا بأس عَلَيْهِ إذا كان عَلَى هَذَا القصد، وَهَذَا عنده غير تجسُّس، فإذا صادف ما تجب به الولاية لمعيَّن تولاَّه به، أو براءة لمعيَّن تبرَّأ منه به.
النوع الثالث: وَهُوَ نوعان:
- النوع الأَوَّل: قذف بزنًى، وَهُوَ محجور في الكلِّ، أي من مسلم وكافر، قَالَ الله تَعَالىَ: {وَالذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ... } الآيَة (2).
- النوع الثاني: قذف بمكفِّرة غير الزنى، وَهُوَ محجور في المؤمنين خَاصَّةً، ويلحق بهم مجهول الحال، لأَنَّ التكلُّم فيه كذب صريح، وقد تَقَدَّمَ ذكر هَذَا
__________
(1) - ... سورة الحجرات: 12.
(2) - ... سورة النور: 4. وتمامها: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً اَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (1/182)
صفحة 183
<183> النوع في باب الولاية والبراءة، والمقصود في هَذَا الباب بيان أحكام فاعل النوع الأَوَّل.
وقاذف الوليِّ إن حُرًّا وإن عبدا وإن صبيًّا|| كفره ركن
وإن يكن حُرًّا ولم يكن ولي وبالغا كان فمثل الأَوَّل
القاذف بالزنى له أربع منازل:
- المنزلة الأولى: يكفر فيها من حينه اتِّفَاقًا.
- المنزلة الثانية: يختلف في كفره، إِلاَّ بعد الامتناع من التوبة.
- المنزلة الثالثة: لا يكون فيها كافرا من حينه حَتَّى يصرَّ عَلَى قذفه اتِّفَاقًا.
- المنزلة الرابعة: لا يكون فيها كافرا أبدا ما لم يكن مفتريا في قوله، فَإِنَّ كفره إذن من حيث الافتراء، وسيأتي تفصيل كُلٍّ من الثانية والثالثة والرابعة عَلَى التوالي.
وَأَمَّا المنزلة الأولى، وهي التي يكفر فيها القاذف من حينه فتقع في موضعين:
- الموضع الأَوَّل: إذا قذف القاذف وَلِيًّا، سواء كان ذَلِكَ الوليُّ حُرًّا أو عبدا أو صبيًّا، ذكرا أو أنثى، كانت ولايته واجبة عَلَى أهل الدار جميعا، أو عَلَى أحد مخصوص، فيقذفه مع وليِّه، وَهَذَا معنى قول الناظم: (فكفره ركن) أي عُلم.
وَأَمَّا الحرُّ والعبد فقد تقع لهما ولاية من خاصِّية أنفسهم.
وَأَمَّا الصبيُّ فولايته بولاية أبيه بإجماع. وقد اختلف في ولايته بأمِّه هل هي واجبة أو لاَ؟ قولان؛ هَذَا ما عَلَيْهِ الأصحاب في هَذَا المقام. والذي يظهر لي من غير قصد خلاف لهم أَنَّ قاذف الصبيِّ لا يكون بنفس القذف فاسقا، وإن كان الصبيُّ (1/183)
صفحة 184
<184> وَلِيًّا، لأَنَّ الزنى من الصبيِّ نفسه إذا تيقِّن صدوره منه لا يخرجه عن حكم الولاية، لارتفاع التكليف عنه، وإذا لم يكن الصبيُّ بِذَلِكَ فاسقا فالقاذف له بِذَلِكَ لا يكون في حكم القاذف لمن هو يفسق بِذَلِكَ، وَالله أعلم.
- الموضع الثاني: إذا قذف القاذف حُرًّا بالغا من أهل الإقرار ولم يكن ذَلِكَ المقذوف وَلِيًّا فهو كالحكم الأَوَّل، أي يكفر ذَلِكَ القاذف من حينه.
وانتصب حُرًّا وعبدا وصبيًّا عَلَى أَنَّ كُلَّ واحد مِنهُنَّ خبر لكان محذوفة مع اسمها، تقديره: إن كان الوليُّ حُرًّا وإن كان عبدا وإن كان صبيًّا.
وإن يكن المقذوف عبدا أو صبي غير وليَّيْنِ ومشركا أبي
فالخلف في تكفيره من قبل تتويبه مِمَّا أتى من فعل
هَذِهِ المنزلة الثانية وهي التي يختلف في كفر القاذف فيها من حينه، أي قبل الامتناع عن التوبة، وتقع في ثلاثة مواضع:
- الأَوَّل: إذا كان المقذوف عبدا غير وليٍّ.
- الثاني: إذا كان المقذوف صبيًّا غير وليٍّ.
- الثالث: إذا كان المقذوف مشركا. فإذا نزل القاذف بِهَذِهِ المنزلة صَحَّ فيه ما علمت من الاختلاف في كفره، فذهب قوم إِلىَ أَنَّهُ يكفر من حين ما قذف. وذهب آخرون إِلىَ أَنَّهُ لا يكفر إِلاَّ بعد الامتناع عن التوبة والإقامة عَلَى فعله ذَلِكَ.
وَمَعْنَى قول الناظم: (أبي) أي ممتنِع، فهو اسم فاعل من أبَى يأبَى (1/184)
صفحة 185
<185> إذا امتنع، وكان عَلَى الناظم أن يقف بالألف عَلَى (صبي) و (أبي) بدلا من التنوين الواقع بعد فتحه كما عَلَيْهِ الجمهور، وَإِنَّمَا عدل عن ذَلِكَ آخذا بلغة ربيعة لأَنَّ من لغتهم عدم الإبدال في الوقف عَلَى المنصوب.
وإن يك المقذوف مجهولا فلا تحكم بكفر قاذف مستعجلا
هَذِهِ ا لمنزلة الثالثة، وهي التي إذا نزل بها القاذف لا يحكم بكفره قبل الامتناع عن التوبة، وَذَلِكَ متى ما كان المقذوف مجهول الحال، أي لا يعلم أهو وليٌّ أو غير وليٍّ، حرٌّ أم عبد، صبيٌّ [أم] بالغ، مسلم أو مشرك، فإذا نزل القاذف بِهَذِهِ المنزلة فهو عَلَى حالته الأولى، أي التي كان عَلَيْهَا قبل القذف حَتَّى يعلم حال المقذوف فيحكم عَلَى القاذف بما يستوجبه، أو يصير القاذف عَلَى ما كان عَلَيْهِ.
وانتصب (مستعجلا) عَلَى الحالية من فاعل (تحكم).
والقذف عند مشرك لم يوجِبِ كفران آتيه إذا لم يكذِبِ
كذاك مع من لم يكن مُكَلَّفا بحكمه مثل صبيٍّ فاعرفا
هَذِهِ المنزلة الرابعة، وهي التي إذا نزل بها القاذف لا يكون كافرا أصلا من غير اختلاف فيما علمناه، وتقع في موضعين:
- الموضع الأَوَّل: إذا كان القذف عند مشرك يستحلُّ القذف.
- الموضع الثاني: إذا كان القذف عند من لم يكلَّف بحكمه كالصبيِّ والمجنون. ويشترط في هَذِهِ المنزلة أن يكون القاذف غير كاذب فيما قال به، فإن كان (1/185)
صفحة 186
<186> كاذبا فلا إشكال أَنَّهُ كافر بكذبه وبهتانه.
هَذَا إذا ما القذف كان بالزنى أو يحضر الشهود في ذا معلنا
هَذَا الحكم الذي ذكرناه في القاذف من أَوَّل الباب إِلىَ هنا إِنَّمَا هو في القذف بالزنى، وَذَلِكَ كَأَن يقول: فلان زان، وابن زانية، أو نحو ذَلِكَ. أَمَّا القذف بغير الزنى فلا تدخل فيه هَذِهِ الأحكام المذكورة هنا، واعلم أَنَّ القاذف بالزنى إذا أحضر الشهود عَلَى صدق قوله، فشهدوا أَنَّهُم رأوا فرج المقذوف في المرأة كالميل في المكحلة فلا يبرأ منه حينئذ، وَإِنَّمَا يبرأ من المقذوف، ويقام عَلَيْهِ بِذَلِكَ الحدُّ، فإن لم يُحضِر الشهود برئ منه عَلَى حسب ما مَرَّ، وأقيم عَلَيْهِ حدُّ القاذف. ولا يجزي من الشهود في هَذَا المقام دون أربعة عدول ليس فيهم امرأة، فإن شهد ثلاثة ولم يشهد الرابع كانوا جميعا قذفة، وأقيم عَلَيْهِم الحدُّ. وكذا إن شهد ثلاثة معهم امرأة أو امرأتان أَو أكثر. وَالله تَعَالىَ أعلم.
الباب السادس
في انقسام الكبائر إِلىَ كفر نعيم وجحود
وبه يتِمُّ الكلام عَلَى الركن الثالث إن شاء الله.
والكفر قسمان: جحود ونعم وبالنفاق الثاني منهما وُسِم
وامنعه في الأَوَّل حتما وَهوَ ما لردِّ تنزيل ومرسَل نَما
أي تنقسم الكبائر من الذنوب إِلىَ قسمين: كفر جحود وكفر نعم.
- فَأَمَّا (1/186)
صفحة 187
<187> الأَوَّل، وَيُسَمَّى شركا، فَهُوَ ما كان سببه ردُّ تنزيل، أي ردُّ كِتَاب من كتب الله التي أنزلها عَلَى رسله، سواء رَدَّ جميعها أو صدَّق ببعضها وردَّ البَعض، أو صدَّق بها كُلِّهَا ورَدَّ آيَة منها، أو حرفا واحدا، أو حكما واحدا؛ فَفيِ جميع ذَلِكَ يكون الردُّ شركا، وكذا ما كان بسببه ردُّ مرسل، أي رسول من رسل الله الذين أوحي إِلَيْهِم بالتبليغ، سواء كان الردُّ لجميع الرسل أو لبعضهم، أو لحكم واحد منهم، فَفيِ جميع ذَلِكَ يكون الردُّ شركا. وَفيِ حكم الرسل الأنبياءُ، فَإِنَّهُ يجب تصديقهم بِأَنَّهُم أنبياء، وَأَنَّ الله قد أوحى إِلَيْهِم، والمكذِّب لواحد منهم مشرك إجماعا، ويدخل تحت هَذَين النوعين أعني رَدَّ الكتب وردَّ الرسل جميعُ أنواع الشرك فَإِنَّهُ من صدَّق بالرسل والكتب ولم يردَّ شَيْئًا منها كان سالما من الشرك، سواء كان عاملا بمقتضاها أو تاركا له، ولا يكون المشرك مشركا إِلاَّ بردِّه حكما من أحكام الله، أو كِتَابا من كتب الله، أو بتكذيبه رسولا من رسل الله. ومن هنا اختُلف في المشبِّهة المصدِّقين للرسل والكتب لَكِنَّهُمْ أظهروا التشبيه وصرَّحوا بالتجسيم، فقال قوم: هم منافقون غير مشركين لتستُّرهم بالتأويل، وعدم ردِّهم للتنزيل؛ وذهب قوم إِلىَ أَنَّهُم مشركون، لأَنَّ تأويلهم قد خالف نصَّ الكِتَاب، فهم بذَلِكَ في حكم الردِّ للنصِّ القطعيِّ؛ والخلاف موجود في كتب الأصحاب وكتب قومنا.
- وَأَمَّا القسم الثاني (1/187)
صفحة 188
<188> وَهُوَ كفر النعمة فهو ما كان من الكبائر، وليس فيه ردٌّ لتنزيل، ولا تكذيب لرسول، فَإِنَّ هَذَا النوع يُسَمَّى كفر نعمة، وَيُسَمَّى أَيضًا نفاقا، وَهَذَا معنى قوله: (وبالنفاق الثاني منهما وُسِم) أي عُلم، أي سُمِّيَ القسم الثاني من قسمي الكفر بالنفاق، ولا يجوز إطلاق اسم النفاق عَلَى الشرك، فلا يُسَمَّى المشرك منافقا، كما لا يُسَمَّى المنافق مشركا، وَهَذَا معنى قوله: (وامنعه في الأَوَّل)، أي امنع اسم النفاق في القسم الأَوَّل من قسمي الكفر، فَإِنَّهُ لا يجوز إطلاقه عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا امتنع إطلاق كُلِّ واحد من الاسمين عَلَى مسمَّى صاحبه لِمَا أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى كُلِّ واحد منهما من الأحكام ما لا يَتَرَتَّبُ عَلَى الآخر، فللمنافق أحكام تخالف أحكام المشرك، وكذا للمشرك أحكام تخالف أحكام المنافق؛ فالمنافق يناكح ويوارث، ويعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين، إِلاَّ في مواضع مخصوصة، وهي ردُّ شهادته وترك ولايته ووجوب البراءة منه وحلُّ قتله وإضاعة ماله إذا صدر منه بغي ولم يُقدَر عَلَى رَدِّه عن بغيه إِلاَّ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا أحكام المشرك فقد تكفَّل الناظم ببيانها فقال:
واحكم برجس أهله عَلَى الأبد واغتنمن في الحرب منهم السبد
واسبِ ذراريهم وحرِّمْ ذبحَهم تناكُحًا توارثًا مِنَّا لهم
وهكذا منهم لنا سواء في الحرب أو بِجِزيةٍ هم جاءوا
اعلم أَنَّ لأهل الشرك أحكاما تخالف (1/188)
صفحة 189
<189> أحكام أهل النفاق بحكم الظاهر:
- أحدها: أَنَّهُ يحكم برجس أهله، والرِّجس بكسر الراء وسكون الجيم: القَذِر، قال في القاموس: «ويُحَرَّكُ وَتُفْتَحُ الرَّاءُ وَتُكْسَرُ الْجِيمُ» انتهى (1). ولا يصلح في البيت إِلاَّ الوجه الأَوَّل الذي قدَّمناه، ويطلق اسم الرجس عَلَى كُلِّ ما استقذر من الأعمال المؤدِّية إِلىَ سوء العاقبة، وليس هَذَا من غرضنا، فَإِنَّ المشرك والمنافق مشتركان فيه، قَالَ تَعَالىَ في المنافقين: {إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} (2)، وَإِنَّمَا غرضنا الوجه الأَوَّل لا غير، وَهُوَ القذر، ونعني به عدم الطهارة، فَإِنَّ المشركين منعدمون من طهارة التوحيد فيحكم عَلَيْهِم بالرجس، وَكَذَلِكَ ما مسُّوه من الرطوبات، قَالَ تَعَالىَ: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (3). واختلف في المشرك إذا دخل في التوحيد هل عَلَيْهِ اغتسال بالماء أَوَّلاً وقد طهَّره التوحيد.
- وثانيها: أَنَّ اغتنام أموالهم في الحرب، أي إذا كانوا حربا للمسلمين حلال، بخلاف المنافقين فَإِنَّهُ لا يحلُّ غنم أموالهم.
و (السبد) في قول الناظم هو المال، قال ابن وصَّاف: «وقوله: ما له سبد ولا لبد، فالسبد: المال، ما كان من ذهب وَفِضَّة وعقار، واللبد: الحيوان ما كان من جِمال أو أو بقر وغنم وضأن» انتهى.
- وثالثها: حلُّ سبي ذراريهم في الحرب أَيضًا إذا كانوا من غير مشركي العرب، وَفيِ الأثر: فإن قال لأيِّ عِلَّة يحلُّ بها سبي الأطفال وهم مِمَّن ليس عَلَيْهِم ذنب، قيل له: ذكروا في ذَلِكَ ثلاثة أوجه ليجرُّوهم
__________
(1) - ... الفيروزآبادي: القاموس، ص 493، مَادَّة: «رجس».
(2) - ... سورة التوبة: 95.
(3) - ... سورة التوبة: 28. (1/189)
صفحة 190
<190> إِلىَ الإسلام، فيكون ذَلِكَ سببا لدخولهم فيه، وَذَلِكَ أنفع لهم، والثاني: نظرا بهم حين قُتل آباؤهم لِئَلاَّ يموتوا هزالا. والوجه الثالث: تقوية لبيت المال. وَالله أعلم. انتهى.
- ورابعها: تحريم ذبائحهم إن كانوا غير أهل الكِتَاب، فلا يجوز لأحد أن يأكل منها.
- وخامسها: تحريم مناكحتهم.
- وسادسها: تحريم موارثتهم. فقوله: (مِنَّا لهم) أي يحرم علينا أن نزوِّجهم مسلمة، وأن نورِّثهم من مسلم. وقوله: (وهكذا منهم لنا): أي يحرم علينا أن نتزوَّج منهم مشركة أو نرث منهم مشركا، فالحكم في التناكح والتوارث واحد، كانوا حربا للمسلمين أو أعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.
فتلخَّص مِمَّا ذكرنا أَنَّ أحكام أهل الشرك قسمان: أحدهما مُتَعَلِّق وجوده بوجود غيره، وَهُوَ اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم فَإِنَّ تحليل كُلٍّ منهما مُتَعَلِّق بوجود الحرب فقط. وثانيهما لم يَتَعلَّق وجوده بوجود غيره، وَهُوَ ما عدا القسم الأَوَّل. ثُمَّ هَذَا نوعان: أحدهما مختصٌّ بهم فقط، وَهُوَ النجاسة والذبح، ألا ترى أنَّا لا يجوز لنا أن نأكل من ذبائحهم مع جواز أن نطعمهم من ذبائحنا. وثانيهما غير مختصٍّ بهم دوننا فيهم وَهُوَ التناكح والتوارث، ثُمَّ لا يخفى أَنَّ غالب هَذِهِ الأحكام إِنَّمَا هو مختصٌّ بذوي الأوثان من المشركين، فَإِنَّهُمْ هم الذين لا يقبل منهم إِلاَّ الإسلام أو السيف، وَهَذَا معنى قوله: (سواء في الحرب أو بجزية هم جاءوا) إذ المعنى أَنَّ هَذِهِ|| الأحكام مُتَعَلِّقَة بِهَؤُلاَءِ المشركين (1/190)
صفحة 191
<191> كانوا حربا للمسلمين أو دانوا بأداء الجزية، لأَنَّ الجزية لا تقبل منهم، كما سيأتي ذكره، فسواء في حكمهم دانوا بأدائها أو لم يدينوا به. أَمَّا ما عدا أهل الأوثان من المشركين فيختصُّون بأحكام أشار الناظم إِلَيْهَا فقال:
والذبح من أهل الكِتَاب جوِّزا مع النكاح دون حرب جوِّزا
ويرفع الحرب لجزية أتت منهم وَفيِ المجوس حكمهم ثبت
إِلاَّ الذباح والنكاح فهما مُحَرَّمان في المجوس فاعلما
يَخْتَصُّ أهل الكِتَاب من اليهود والنصارى والصابئين بأحكام ليست في أهل الأوثان من المشركين، ويشاركهم في بَعض تلك الأحكام المجوس، فَأَمَّا اليهود والنصارى فلا خلاف بين أحد من المسلمين أَنَّهُم أهل الكِتَاب، والخلاف في الصابئين، والمختار عند أصحابنا أَنَّهُم أهل كِتَاب، فتجرى عَلَيْهِم أحكام أهل الكِتَاب.
- فأحد تِلْكَ الأحكام: قبول الجزية منهم إذا أتوها عن يدٍ وهم صاغرون؛ وبقبولها يرفع الحرب عنهم، ويصيرون أهل ذمَّة. والجزية هي أربعة دراهم في كُلِّ شهر عَلَى الغنيِّ، ودرهمان عَلَى المتوسِّط، ودرهم عَلَى الفقير، يأتي بها من وجبت عَلَيْهِ إِلىَ القائم بأمر المسلمين، ولا يجزي عنه أن يأمر غيره أن يُؤَدِّيها عنه لِقَولِهِ تَعَالىَ: {عَنْ يَّدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (1). ولا شَيْء عَلَى المفلس، ولا جزية عَلَى امرأة أو عبد أو طفل أو شيخ أو حبر أو مجنون
__________
(1) - ... سورة التوبة: 29. (1/191)
صفحة 192
<192> أو راهب.
- وثانيها: أَنَّهُم إذا صاروا أهل ذِمَّة حلَّت ذبائحهم للمسلمين.
- وثالثها: أَنَّهُم إذا صاروا أهل ذِمَّة أَيضًا حلَّ نكاح حرائرهم للمسلمين أَمَّا إماؤهم فلا، ويشاركهم المجوس في قبول الجزية منهم وإعطاء الذِّمَّة لهم، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «سنُّوا بهم سنَّة أهل الكِتَاب». أَمَّا حلُّ ذبائحهم وتجويز التزوُّج منهم فلا يشاركونهم فيهما، فالمجوسي لا تَحِلُّ ذبيحته وإن أعطى الجزية؛ وكذا لا يحلُّ تزوُّج المجوسية للمسلم وإن كانت في ذِمَّة وحكم أهل الكِتَاب كُلِّهم.
وحكم المجوس فيما عدا الأمور التي ذكرتها حكم المشركين من أهل الأوثان، وكذا يكونون مثلهم في جميع أحكامهم المُتَقَدِّم ذكرها إذا لم يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فَإِنَّهُمْ يقاتَلون عَلَى ترك الإسلام حَتَّى يسلموا أو يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ويترتَّب عَلَى حربهم غنم أموالهم، وسبي ذراريهم، وتحريم ذبائحهم، ومناكحتهم، وَالله أعلم.
ثُمَّ إِنَّهُ أشار إِلىَ بيان الحكم الذي يَخْتَصُّ به أهل الأوثان من المشركين فقال:
والمشركون من ذوي الأوثان ليس لهم واقٍ سوى الإيمان
هَذَا بيان الحكم المختصِّ بعبدة الأوثان من المشركين، وهم الذين ليسوا أهل الكِتَاب، وَإِنَّمَا نصبوا تصاوير وتماثيل، واعتقدوا أَنَّهَا آلهة، فعبدوها من دون الله، أو عبدوها مع الله تَعَالىَ، كما كان ذَلِكَ في المشركين (1/192)
صفحة 193
<193> العرب قبل الإسلام، فحكم هَؤُلاَءِ أَنَّهُم يقاتَلون عَلَى تركهم الإسلام، ولا يقبل منهم جزية، ولا يعطَوْن ذِمَّة، ولا يُرفع عنهم الحرب حَتَّى يظهروا الإسلام، وَهَذَا معنى قوله: (ليس لهم واقٍ سوى الإيمان) أي لا يمنعهم من الحرب شَيْء غير تصديق الرسول عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، والانقياد لحكمه.
كذاك حكم راجعٍ عن دينه وآخذ بالشرك عن يقينه
المُرَاد بالراجع عن دينه هو الخارج عن الإسلام إِلىَ شَيْء من مِلل الكفر أو الجاحد لِشَيْءٍ مِمَّا جاء به مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وليس المُرَاد بالراجع عن دينه ما يَعُمُّ المرتدَّ عن الإسلام إِلىَ إحدى ملل الكفر، والتارك للدين كان عَلَيْهِ كالنصرانيِّ يترك ملة عيسى واليهودي يترك ملة موسى لأَنَّ ملل الكفر كلَّها ملة واحدة. وَالمُرَاد بالآخذ بالشرك المتردِّد في توحيده الغير الجازم به أي حكم المرتدِّ عن دين الإسلام وحكم التارك لدينه الذي كان عَلَيْهِ، وحكم المتردِّد في توحيده الشاكِّ فيه حكم عبدة الأوثان من المشركين لا تقبل منهم جزية، ولا يرفع السيف عنهم حَتَّى يسلموا. وَفيِ حكم هَؤُلاَءِ الجاهلُ المشرك بجهله، فَإِنَّهُ لا يقبل منه إِلاَّ الإسلام أو السيف، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
الركن الرابع
في التوبة
وفيه أربعة أبواب. (1/193)
صفحة 194
<194> ختم الأركان بهذا الركن تفاؤلا بحسن الخاتمة، فَإِنَّ من ظفر بالتوبة ختاما لعمله فقد ظفر، ختم الله لنا بها وتقبَّلها مِنَّا، آمين.
الباب الأَوَّل
في التوبة وأركانها وشروطها
أي في بيان أحكام التوبة، وبيان أركانها وشروطها التِي تتوقَّف عَلَيْهَا صحَّتها.
توبتنا قسمان: فرض وجبا لمن عصى والثاني نفل ندبا
تنقسم التوبة بالنظر إِلىَ حكم الشارع فيها إِلىَ قسمين: واجب ومندوب.
- فَأَمَّا الواجب فهو التوبة من المعصية، وَهَذَا معنى قَوله: (فرض وجبا لمن عصى) أي: عَلَى من عصى، سواء كانت معصيته صغيرة أو كبيرة، فَإِنَّ التوبة من النوعين واجبة. وَالمُرَاد بالتوبة من الصغيرة هو ترك الإصرار عَلَيْهَا، فَإِنَّ الإصرار عَلَيْهَا كبيرة كما مَرَّ. وَالمُرَاد بالتوبة من الكبيرة هو ما يأتي من بيان أركانها.
- وَأَمَّا المندوب من القسمين فهو توبة من لم تصدر منه معصية، فَإِنَّ الندم عَلَى التقصير، وإن لم يفضِ إِلىَ معصية، وقصد عدم العود إِلَيْهِ، وانكسار النفس عند ذكره، وطلب الغفران له مندوب شرعا؛ وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
أركانها: ندم مع استغفار والعزم والرجوع بانكسار
أركان التوبة التي تحصل بها حقيقتها للتائب هي: أربعة أشياء، ثلاثة منها مُتَّفَق عَلَيْهَا، فلا بُدَّ من حصولها للتائب، وهي الندم والإقلاع عن الذنب، وقصد (1/194)
صفحة 195
<195> أن لا يعود إِلَيْهِ. وواحد مختلف فيه، فأوجب بَعضهم حصوله للتائب، ولم يوجبه آخرون، وَهُوَ الاستغفار باللسان، أي طلب الغفران باللفظ.
فَأَمَّا الندم فهو الحزن عَلَى ما وقع من المعصية، فَلاَ بُدَّ منه قطعا، عَلَى أَنَّهُ هو أصل الأركان وأساسها، وعنه تنشأ بقيَّتها، ومن هنا قصر الشارع التوبة عَلَيْهَا، فقال: التوبة الندم.
وَالمُرَاد بالعزم في قول الناظم: القصد عَلَى عدم العودة إِلىَ الذنب، فَإِنَّ قاصِدَ العودة إِلَيْهِ مصرٌّ.
والقصد بعدم العودة هو الذي نعدُّه ركنا للتوبة لا عدم العودة نفسه، كما قاله بَعض قومنا.
وَالمُرَاد بالرجوع هو الإقلاع عن الذنب، وَالمُرَاد بالانكسار تذلُّل النفس لمالكها، وخوفها من أليم عقابه، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
وأصلها امتثال أمر الباري ومنتهاها الحطُّ للأوزار
المُرَاد بأصلها هو الأمر الباعث لفعلها. وَالمُرَاد بمنتهاها هو ثمرتها التي تترتَّب عَلَى حصولها، أي أصل التوبة الذي يبعث لفعلها هو امتثال أمر ربِّنا تَعَالىَ، فَإِنَّ العبد إذا نظر إِلىَ أوامر الله تَعَالىَ وَإِلىَ مناهيه، وعزم عَلَى امتثال ذَلِكَ انبعثت نفسه، وتحرَّك خاطره إِلىَ تدارك ما ترك من المأمورات، والإقلاع عَمَّا ارتكب من المنهيَّات، وأورثه ذَلِكَ الامتثالُ الندمَ عَلَى ما فات من الزلاَّت، فالتجأ إِلىَ الله تَعَالىَ طالبا لغفران الخطايا وَالسَّيِّئَات، فكان ذَلِكَ منه هو التوبة بعينها. فإذا حصلت له هَذِهِ الخصال انتهى به الحال إِلىَ بلوغ (1/195)
صفحة 196
<196> مراده، وَهُوَ غفران ذنوبه وستر عيوبه، وحطِّ أوزاره، وَهَذِهِ الخصلة هي ثمرة التوبة وغايتها، والرتبة التي ينتهي إِلَيْهَا الراجع عن عصيانه بالنظر إِلىَ أَوَّل أحواله. أَمَّا ما يكون له من الثواب الجزيل والعطاء الجليل، فَذَلِكَ أمر أسداه إِلَيْهِ محض الفضل وسعة الرحمة بسبب امتثال قَوله تَعَالىَ: {وَتُوبُواْ إِلىَ اللهِ جَمِيعًا اَيُّهَا الْمُومِنُونَ} (1). عاملنا الله بفضله، وأدخلنا في واسع رحمته، إِنَّهُ كريم رحيم، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
والتوب مثل الذنب عن نبينا سرًّا وجهرا هكذا قد بيَّنَّا
فالعجب والكبر معًا والحسدُ كذا الرياء توبتها أن تفقدُ
وهكذا العزم عَلَى الكفران فالحقُّ أَنَّهُ من العصيان
يجب أن تكون التوبة في الإسرار والإعلان مثل المعصية، فإن كانت المعصية من الأعمال الباطنيَّة فالتوبة منها سترا يجزيه، فإن أعلن بها فَذَلِكَ نفل.
وإن كانت المعصية من الأفعال الظاهرة كشرب الخمر وأكل الميتة ونحو ذَلِكَ فلا تجزي التوبة عنها إِلاَّ جهرا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا عملت سَيِّئَة فأحدث توبة، السرُّ بالسرِّ والعلنيَّة بالعلنيَّة».
فإذا عرفت هَذَا فاعلم أَنَّ العجب والكبر والحسد والرياء من المعصيات الباطنيَّة، فالتوبة منها إزالتها بِالكُلِّيَّةِ، وصرفها بعلاجاتها الباطنيَّة، ولا يلزم الإعلان بالتوبة منها، وَهَذَا معنى قوله: (توبتها أن تفقد) أي
__________
(1) - ... سورة النور: 31. (1/196)
صفحة 197
<197> توبة هَذَا [كذا] الأمور هو إعدامها من نفس المأمور.
ورفع (تفقدُ) عَلَى لغة قوم يهملون أَنْ المَصدَرِيَّة، ولا يُعمِلونها، ومثل هَذِهِ الأمور في صفة التوبة، منها العزم عَلَى الفسوق، فَإِنَّ العزم عَلَى ذَلِكَ من المعاصي الباطنة، فيجزي في التوبة منها الرجوع عَمَّا عزم عَلَيْهِ، والندم عَلَى ما كان منه، وَهَذَا معنى قوله: (وهكذا العزم عَلَى الكفران) وَالمُرَاد بالكفران هو ما عدا الشرك من المعاصي.
أَمَّا العزم عَلَى الشرك فقد صَرَّحَ الشهاب بن حجر من قومنا أَنَّهُ شرك ووجهه أَنَّ العازم عَلَى الشرك لا يخلو من أحد أمور: إِمَّا أن يكون عزمه ذَلِكَ من أجل تعصُّب الشرك أو القدح في الإسلام، أو لتردُّد في التوحيد، أو الجهل بما يلزمه علمه من التوحيد، والكلُّ من هَذِهِ الأمور شرك. ويحتمل أَنَّهُ أراد أَنَّ نفس العزم عَلَى الشرك شرك|| مع قطع النظر عن هَذِهِ الأمور، وَهُوَ ظاهر عبارته، وَالله أعلم.
وَأَمَّا قوله: (فالحقُّ أَنَّهُ من العصيان) أي فالقول الحقُّ أَنَّ العزم عَلَى الكفران معصية، خلافا لمن قال إِنَّهُ ليس بمعصية، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
ولم يُرَدَّ تائب من ذنبه حَتَّى يرى الموت دنا من قربه
أو تطلع الشمس من المغرب قد أتى عن المختار فيما قد ورد
أي وعدنا ربُّنا تَعَالىَ بقبول التوبة، فلا يُرَدُّ تائب عن ذنبه من قبولها إذا أتى بها في وقتها الذي تقبل فيه، (1/197)
صفحة 198
<198> ووقتُها الذي تقبل فيه هو العمر كلُّه، إِلاَّ في موضعين:
- أحدهما: وقت الغرغرة بالموت، ومشاهدة أسبابه، فَإِنَّ التائب في هَذَا الوقت لا تقبل منه توبته إذا كان قبل ذَلِكَ الوقت مصرًّا، لأَنَّ توبته حينئذ لا عن اختيار منه لها، وَإِنَّمَا كانت منه اضطرار لِمَا تيقَّن من حضور الموت وانقضاء الدنيا عنه، والدليل عَلَى ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الاَنَ} (1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الله يقبل توبة عبده ما لم يُغرغر». وروى عطاء أَنَّهَا تقبل قبل موته ولو بفواق ناقة.
- والموضع الثاني: وقت طلوع الشمس من مغربها علامة لقيام الساعة، وَهُوَ بَعض آياتها، وقد قَالَ تَعَالىَ: {يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا اِيمانُهَا لَم تَكُنَ امَنت مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} (2)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «التوبة مقبولة حَتَّى تطلع الشمس من مغربها»، وَفيِ حديث آخر: «للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين عاما، لا يزال كَذَلِكَ حَتَّى يأتي بعض آيات ربك: طلوع الشمس من مغربها». وَفيِ حديث آخر: «إِنَّ الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النَّهَار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء اللَّيْل، حَتَّى تطلع الشمس من مغربها»، ومعنى يبسط يده أي يسدي نعمته ويسبلها عَلَى من توجَّه إِلَيهِ تائبا، كُلُّ ذَلِكَ ترغيب للعباد في المسارعة إِلىَ التوبة والله أعلم.
__________
(1) - ... سورة النساء: 18.
(2) - ... سورة الأنعام: 158. (1/198)
صفحة 199
<199> وَإِنَّمَا كانت التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها لأَنَّ بطلوعها يُتيقَّن انقضاء الدنيا وفناؤها وقدوم الآخرة وبقاؤها، فتوبة التائب ضروريَّة لا اختياريَّة، ومن هنا لم تقبل توبة فرعون، لأَنَّهُ إِنَّمَا تاب بعد تيقُّن الهلاك، وبعد علمه بانقضاء دنياه، وَفيِ ذَلِكَ الحين {قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ الذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَآءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (1) فقيل له على جهة الإنكار عليه: {ءَالاَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (2)؛ وهلاك فرعون ورد توبته مِمَّا أطبقت عليه الأُمَّة ودلَّت عليه الآيات القُرآنِيَّة والأحاديث النَّبَوِيَّة، فما نسب إِلىَ ابن العربي من قومنا من أنَّ فرعون مؤمن شهيد مخالف للكتاب وَالسُّنَّة وخارق لإجماع الأُمَّة، فلا يلتفت إليه، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
فقاتل المؤمن عمدا تقبل توبته وهكذا المضلِّل
من بعد موت من أضلَّ وإذا آلى ليبطلن حَقًّا فكذا
وَقِيلَ أن لا توبة لهم وفي قول أبي نبهان أن ليس اصطُفِي
لَكِن على المضلِّ أن يُبلغ من أضله بما دعا ومن فتن
إن كان في مقدرة وَإِلاَّ فهو حريٌّ بمتاب المولى
أي فإذا علمت أَنَّ التائب من ذنبه لا يُرَدُّ ما لم يغرغر بنفسه أو تطلع الشمس من مغربها، فاعلم أَنَّ قاتل المؤمن عمدا والداعي إِلىَ ضلالة
__________
(1) - ... سورة يونس: 90.
(2) - ... سورة يونس: 91. (1/199)
صفحة 200
<200> والحالف عَلَى إبطال حقٍّ تقبل جميعا توبتهم إذا جاءوا بها عَلَى شروطها، لأَنَّ الأَدِلَّة الدَّالَّة عَلَى قبول التوبة قبل الغرغرة وقبل طلوع الشمس من مغربها عَامَّة تشمل هَؤُلاَءِ وغيرَهم، وتخصيصهم من هَذَا العموم مفتقر إِلىَ دَلِيل. وذهب بَعض العلماء إِلىَ أَنَّ هَؤُلاَءِ الثلاثة ليس لهم توبة، وكذا عندهم من ألحقت زوجها ولدا من غيره، فَهَؤُلاَءِ الأربعة لا توبة لهم عند هَؤُلاَءِ، وكذا قالوا فيمن قتل نبيًّا أو قتله نبيٌّ؛ وضعَّف الشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي رضوان الله عَلَيْهِ تخصيص عموم الآيات الواردة في قبول التوبة من جميع التائبين، فأجراها عَلَى عمومها، واختار أَنَّ التوبة مقبولة ما لم يغرغر أو تطلع الشمس من مغربها، وَهَذَا معنى قوله: (وفي قول أبي نبهان أن ليس اصطُفِي) أي أَنَّ القول بِأَنَّ هَؤُلاَءِ الثلاثة غير مقبولة توبتهم ليس بالمختار في قول أبي نبهان.
أَمَّا قوله: (لكن عَلَى المضلِّ ... ) إلخ فهو بيان كَيفِيَّة توبة الداعي إِلىَ ضلالة فأجيب إِلَيْهَا، اعلم أَنَّ توبة من دعا إِلىَ ضلالة فأجيب إِلَيْهَا مشروطة بِأَن يبلِّغ من أجابه إِلىَ تلك الضلالة بِأَنَّهُ تاب منها، وَأَنَّهَا بدعة وضلالة، فإن قبل منه ذَلِكَ، وَإِلاَّ فلا شَيْء عَلَيْهِ فوق ذَلِكَ، وإن لم يقدِر عَلَى إبلاغ من أضلَّه بيان ضلالته بِأَن مات مجيبا إِلَيْهَا، أو غاب حيث لا يمكنه إبلاغه، فلا شَيْء عَلَيْهِ سوى التوبة، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {إِنَّ الذِينَ فَتَنُوا الْمُومِنِينَ (1/200)
صفحة 201
<201> وَالْمُومِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ... } الآيَة (1)، فَإِنَّهُ تَعَالىَ شَرَطَ الوعيدَ بعدم التوبة، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
الباب الثاني من الركن الرابع
في أحوال التائب
وَالمُرَاد بأحواله بيان ما له وما عَلَيْهِ بعد
__________
(1) - ... سورة البروج: 10. وتمامها: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}. (1/201)
صفحة 202
<202> التوبة.
فَأَمَّا بيان ما عَلَيْهِ فأشار إِلَيْهِ بقوله:
وتارك فرضا لمولاه مضى كَفَّارَة وتوبة قد فُرضا
عَلَيْهِ مع إبداله، وَقِيلَ: لا شَيْء سوى التوبة في ذا جعلا
وذاك مثل الصوم والصلاة (1/202)
صفحة 203
<203>في حكم من حرم للحرمات
اعلم أَنَّ التائب من الذنب إِمَّا أن يكون ذنبه من جهة ارتكاب ما حرَّم الله تَعَالىَ، وَإِمَّا أن يكون من ترك ما فرض الله عَلَيْهِ. فإن كان من الأَوَّل فلا شَيْء عَلَيْهِ سوى التوبة (1/203)
صفحة 204
<204> اتِّفَاقًا من المشارقة، وَعَلَيْهِ مع التوبة الكَفَّارَة مغلَّظةً في أصحابنا المغاربة، بشرط أن يكون من المحرِّمين لِمَا ارتكبه، ولا كَفَّارَة (1) عندهم عَلَى المستحلِّ لِذَلِكَ، كذا يؤخذ من استقراء قواعدهم.
__________
(1) - ... فيِ الأَصْلِ: + «على». (1/204)
صفحة 205
<205> وإن كانت معصيته بترك ما فرض الله عَلَيْهِ فعله كالصلاة والصوم يفوِّتهما عمدا، فلا يخلو في تفويته لهما من أحد أمرين: إِمَّا أن يكون مستحِلاًّ لتركهما، وَإِمَّا أن يكون منتهكا غير مستحلٍّ|| لِذَلِكَ؛ فإن كان (1/205)
صفحة 206
<206> مستحلاًّ لتركها فلا شَيْء عَلَيْهِ سوى التوبة من ذَلِكَ، وإن كَانَ منتهكا وَفيِ اعتقاده دائن بفرضيتهما عَلَيْهِ ففيه ثلاثة أقوال:
- أحدها: أَنَّ عَلَيْهِ التوبة من ذَلِكَ وَالكَفَّارَة عنه، وتداركه بالبدل.
- ثانيها: أَنَّ (1/206)
صفحة 207
<207> عَلَيْهِ التوبة والبدل ولا كَفَّارَة عَلَيه.
- ثالثها: أَن لا كفارة ولا بدل، وَإِنَّمَا عَلَيه التوبة فقط، وَهَذَا معنى قوله: (لا شيء ... ) إلخ.
ومعنى قوله: (جعلا) أي شرع ومعنى قوله: (في حكم من حرم للحرمات) أي هذه الأقوال (1/207)
صفحة 208
<208> إِنَّمَا هي مختصَّة بحكم من اعتقد تحريم المُحَرَّمات شرعا، أَمَّا من ترك الصوم والصلاة على جهة الاستحلال لهما فلا شيء عليه سوى التوبة من ذَلِكَ لأَنَّهُ يكون باستحلاله لِذَلِكَ مشركا وبرجوعه عنه إِلىَ (1/208)
صفحة 209
<209> الحقِّ مسلما، والإسلام جبٌّ لِمَا قبله {قُل لِّلذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَّنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} (1)، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
وَفيِ المصرِّ إن أتى الطاعة هل له ثوابها إذ الغفران حل
أَو لاَ أو التفصيل أَولى إن عصى
__________
(1) - ... سورة الأنفال: 38. (1/209)
صفحة 210
<210> من غير ما شرك أتى محصحصا
هَذَا بيان الطرف الثاني من أحوال التائب، وهو الجانب الذي له. وقد اختلف العلماء في التائب إذا كان في حال إصراره فاعلا لطاعة، هل يعطى ثواب تلك الطاعات بعد (1/210)
صفحة 211
<211> التوبة أَم لا؟ ففيه ثلاثة أقوال:
- الأَوَّل: لأبي عبد الله مُحَمَّد بن محبوب رَضِيَ اللهُ تَعَالىَ عَنهُ واختاره ابن أبي نبهان: أَنَّهُ يعطَى ثواب طاعته. وظاهر كلامهما الإطلاق.
- القول الثاني: للفضل بن الحواري واختاره جماعة، (1/211)
صفحة 212
<212> وهو أَنَّهُ لا يعطى من ثواب تلك الطاعة شَيْئًا.
- القول الثالث: لبشير، واختاره الزاملي أَنَّهُ إذا كان هَذَا المصرُّ حين فعله للطاعة مشركا فلا ثواب له بعد التوبة عَلَى تلك الطاعة، وإن كان غير مشرك فيعطى (1/212)
صفحة 213
<213> بعد التوبة ثواب طاعته.
ففي المسألة إطلاقان:
- وتفصيل الإطلاق الأَوَّل: أَنَّهُ يعطى ثوابها بعد التوبة مطلقا، كان حين فعل الطاعة مشركا أو فاسقا غير مشرك.
- الإطلاق الثاني: أَنَّهُ لا يعطى ثواب ما عمل (1/213)
صفحة 214
<214> حال إصراره ولو تاب وغفر له، كان حال الإصرار مشركا أو غير مشرك.
- وَأَمَّا التفصيل: فهو أَنَّهُ إن كان بإصراره مشركا فلا ثواب له فيما عمل من الطاعات في حال شركه. وإن كان غير مشرك فله ثوابه إذا (1/214)
صفحة 215
<215> تاب من إصراره.
- ولي في المسألة تفصيل آخر: هو أَنَّهُ إن كانت الطاعة التي عملها مشروطا صحَّتها بالإسلام، كالصلاة والصيام فلا ثواب لها إن عملها في الشرك لأنَّ شرط صحَّتها غير موجود، (1/215)
صفحة 216
<216> وثواب العمل مترتِّب عَلَى صحَّته ولا صِحَّة فلا ثواب.
وإن كانت تلك الطاعة غير مشروط في صحَّتها الإسلام كبِرِّ الوالدين وإقراء الضيف وصلة الرحم وإغاثة الملهوف ونصر المظلوم وهكذا ... فله ثوابها إذا أسلم، وإن (1/216)
صفحة 217
<217> عملها في الشرك؛ وكذا القول فيما عمل من الطاعات في حال إصراره الذي لا يشرك به، فَإِنَّهُ وإن كانت تلك الطاعة مشروطا في صحَّتها الإيمان الكامل وهو الوفاء بجميع الواجبات، فلا صِحَّة لها بتركه، (1/217)
صفحة 218
<218> فلا ثواب عليها.
وإن كانت تلك الطاعة غير مشروط في صحَّتها الإيمان الكامل فله عَلَى فعلها ثوابها بعد توبته.
وَهَذَا التفصيل حسن جِدًّا، ولا يقال إِنَّهُ لم يَتَقَدَّمني عليه أحد، فإنَّ الحقَّ مقبول مِمَّن جاء به.
فإن قيل: (1/218)
صفحة 219
<219> لا شَيْء من الطاعات مشروط صحَّته بالإيمان الكامل، فلا وجه لآخر [كذا] التفصيل، قلنا: بل له وجه ظاهر، وهو أَنَّ الفقهاء اختلفوا في أشياء من الطاعات كالصلاة خلف الفاسق، فأبطلها قومٌ، وصحَّحها آخرون، فالقائل (1/219)
صفحة 220
<220> ببطلانها يَشترِط في صحَّتها أن يكون الإمام كامل الإيمان وَعَلَى مذهبه، فتلك الصلاة غير صحيحة، فلا ثواب لها، وإنْ بعد التوبة عَلَى هَذَا التفصيل الذي ذكرته، وكذا فيما أشبه ذَلِكَ والله أعلم. (1/220)
صفحة 221
<221> الباب الثالث من الركن الرابع
في توبة المُحَرِّم والمستحلِّ
ومجمل توبة من يحرم والمستحلُّ عكس هَذَا يلزم
والمراد بالمحرِّم: المنتهك، وهو الذي يفعل الذنب مع اعتقاده له أَنَّهُ ذنب. والمراد بالمستحلِّ مَن (1/221)
صفحة 222
<222> يفعل الذنب ويعتقد أَنَّهُ غير ذنب لشبهةٍ تمسَّك بها، أو لتقليده من تمسَّك بالشبهة في ذَلِكَ فهو يدين بتخطئة من خالفه في ذَلِكَ، فالمحرِّم على هَذَا أيسر حالا من المستحلِّ، لأنَّ المستحلَّ جَمَعَ مع ارتكاب (1/222)
صفحة 223
<223> الذنب اعتقاد أَنَّهُ غير ذنب وتخطئة من خالفه في ذَلِكَ، فمن هنا كانت توبة المُحَرِّم أيسر حالا من توبة المستحلِّ، فيُجزِي المُحَرِّمَ أن يتوب من جميع ذنوبه إجمالا، ولا يجزى المستحلَّ ذَلِكَ، لَكِن يلزمه التوبة (1/223)
صفحة 224
<224> عن كُلِّ ما استحله، فيذكر ذنوبه ذنبا ذنبا، ويتوب عن كُلِّ واحد منها توبة، وَهَذَا معنى قول الناظم: (والمستحلُّ عكس هَذَا يلزم) أي يلزم المستحلَّ في كَيفِيَّة التوبة عكس ما يلزم المُحَرِّم، فيلزم المُحَرِّم (1/224)
صفحة 225
<225> الإجمالُ، ويلزم المستحلَّ التفصيلُ، هَذَا حاصل ما في الأثر. والظاهر أَنَّ لزوم التفصيل في التوبة عَلَى المستحل إِنَّمَا هو تعبُّدٌ خاصٌّ له فيما بينه وبين الخلق، أَمَّا فيما بينه وبين الله فلا يلزمه ذَلِكَ، وَإِنَّمَا (1/225)
صفحة 226
<226> يجزيه الإجمال إذا قصد بالتوبةِ التوبةَ عن كُلِّ ذنب استحلَّه، والله أعلم.
ومن أتَى أمرا عَلَى التحريم لم يجزه التوب بلا تغريم
وإن يكن أتاه باستحلال بعكسه في أعدل الأقوال (1/226)
صفحة 227
<227> وإن يكن في يده ما قد كسب عليه أن يَرُدَّه لمن سلب
يشترط في توبة من فعل أمرا ويعتقد أَنَّهُ حرام، فلزمه منه ضمانٌ كأكل مال الغير بغير إذنٍ أن يتخلَّص إِلىَ أرباب ذَلِكَ الشَّيْء، إِمَّا يغرمه له أو يحلُّ منهم (1/227)
صفحة 228
<228> ولا يجزيه التوبة منه بغير تخلُّص، فإن لم يَقدِر عَلَى التخلُّص دان بأداء ذَلِكَ عند القدرة، فإذا حضره الموت وَهُوَ غير قادر عَلَى الخلاص أوصى به، وليس عَلَيْهِ فوق ذَلِكَ شَيْء، وَالله رؤوف بالعباد. ولا يشترط (1/228)
صفحة 229
<229> هَذَا الاشتراط في توبة من فعل ذَلِكَ الفعل وَهُوَ مستحلُّ له عَلَى أكثر الأقوال، وعدله الناظم هاهنا لَكِن بشرط أن لا يكون ما أخذه بطريق الاستحلال باقيا في يده، فَإِنَّهُ إن كان باقيا بعينه في يده فَفيِ (1/229)
صفحة 230
<230> أكثر أقوالهم أَنَّ عَلَيْهِ أن يَرُدَّه إِلىَ من أخذه منه؛ وَقِيلَ: لا يلزمه أن يَرُدَّه إِلَيْهِ، لأَنَّهُ إِنَّمَا أخذه يوم أخذه وَهُوَ مستحلٌّ له. وَفيِ قول ثالث أَنَّ عَلَى المستحلِّ ردُّ ما أخذه إن كان باقيا، وغرمه إن كان متلفا. هَذَا (1/230)
صفحة 231
<231> محصَّل ما في الأثر في هَذَا المقام، وعندي فيه تفصيل، هو أَنَّهُ:
- إن كان المستحلُّ مشركا، فلا يلزمه غرم ما أتلفه في حال شركه عَلَى المسلمين، ولا يلزمه ردُّ ما أخذ منهم بعد أن أسلم، ولو كان باقيا في يده لأَنَّ له (1/231)
صفحة 232
<232> ما أسلم عَلَيْهِ لأدلَّةٍ ذكرتها في غير هَذَا الكِتَاب.
- وإن كان المستحلُّ من أهل القبلة فَإِنَّهُ يلزمه ردُّ ما أخذ عَلَى المسلمين باستحلاله، وغرمه إن كان قد تلف من يديه، لأَنَّهُ لا تحلُّ أموال أهل القبلة بنفس (1/232)
صفحة 233
<233> الاعتقاد لحِلِّها، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
وحكمه محرِّم حين فعل حَتَّى يَصِحَّ أَنَّهُ قد استحل
أي حكم أخذ أموال أهل القبله أَنَّهُ مُحَرِّم لأخذها، فهو محكوم عَلَيْهِ بغرمها، وإن ادَّعَى (1/233)
صفحة 234
<234> الاستحلال لها، لأَنَّ أموال أهل القبلة في دين الله محجورة بغير إذن أهلها، فيحكم عَلَى من أخذها بردِّها إليهم، ودعواه أَنَّهُ مستحلٌّ لأخذها دعوى لو صَحَّت تُسقط عنه الحكمَ بردِّها إِلَيْهِم عَلَى قول بَعض. (1/234)
صفحة 235
<235> وَأَيضًا فحكم أهل الإقرار كُلِّهم التحريم لِمَا حرَّم الله، ودعواه أَنَّهُ مستحلٌّ تخالف أهل هَذَا الحكم فلا تسمع منه أَنَّهُ مستحلٌّ إِلاَّ بِصِحَّةٍ شَرعِيَّة، وهي شهرة أو شهادة عدلين، وَذَلِكَ أن تقضي (1/235)
صفحة 236
<236> الشهرة أو يشهد العدلان بِأَنَّ هَذَا الرجل قد كان عَلَى دين الأزارقة مثلا، وَالله أعلم.
الباب الرابع من الركن الرابع
في الأمور التي لا تلزم منها توبة
أي لِعفوِ الله تَعَالىَ عنها بمنِّه، وهي أربعة أشياء: التقيَّة، (1/236)
صفحة 237
<237> والخطأ، والنسيان، وحديث النفس. فعقد لِكُلِّ واحد من التقيَّة والخطإ فصلا، وعقد لحديث النفس والنسيان فصلا واحدا، فلذا قال: وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأَوَّل
في التقيَّة
أجز التقيَّة بقول إن خلص (1/237)
صفحة 238
<238> مِن نيْلِ ضُرِّ مَن بهِ القولُ يُخَص
وامْنَعْهَا في إتلافِ نفسٍ إن جَنَى والخُلْفُ في إتلاف مالٍ ضُمِنَا
التقيَّة إِمَّا أن تكون بالفعل، وسيأتي بيان حكم التقيَّة بالفعل.
وَأَمَّا التقيَّة بالقول فتجوز في موضع وتمنع في موضع آخر، (1/238)
صفحة 239
<239> ولها موضع ثالث يختلف في جوازها فيه.
فَأَمَّا الموضع الذي تجوز فيه فهي ما إذا كان القول ليس فيه ضرر عَلَى أحد من البشر، وكان المجبور قد أُكره عَلَى القول به فَإِنَّهُ يجوز له في هَذَا الموضع أن يدفع عن نفسه (1/239)
صفحة 240
<240> ما يخشاه من القتل ونحوه بالقول الذي طُلب منه، ولو كان ذَلِكَ القول شركا، وَهَذَا معنى قوله: (أَجِزْ تقيَّة بقول ... ) إلخ. وَمَعْنَى قوله: (إن خلص من نيل ضرٍّ ... ) إلخ، أي إن خلص ذَلِكَ القول من وقوع الضرر (1/240)
صفحة 241
<241> في الغير فهو تقييد للجواز، وجواز ما ذكرناه مأخوذ من الكِتَاب وَالسُّنَّة، فَأَمَّا الكِتَاب فقوله تَعَالىَ: {إِلاَّ مَنُ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمَانِ} (1)، وَقَوله تَعَالىَ: {اِلآَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} (2).
وَأَمَّا السنَّة فقوله
__________
(1) - ... سورة النحل: 106.
(2) - ... سورة آل عمران: 28. (1/241)
صفحة 242
<242> - صلى الله عليه وسلم -: «عفي عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما حدَّثوا به أنفسهم وما أكرهوا عَلَيْهِ». ومن ذَلِكَ ما جرى لعمَّار بن ياسر حين أخذه المشركون فلم يدعوه حَتَّى سبَّ رَسُول اللهِ (1/242)
صفحة 243
<243> - صلى الله عليه وسلم - وذكر آلهتهم بخير، فَلَمَّا جاء إِلىَ النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله، ما أراني إِلاَّ هلكت، فأخبره الخبر، قال: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنٌّ بالإيمان، قال: «فإن عادوا فعُدْ».
وَأَمَّا الموضع الذي تمنع (1/243)
صفحة 244
<244> فيه التقيَّة بالقول فهو ما إذا كان القول ضررا عَلَى أحد من البشر، كإتلاف نفس الغير، أو قطع عضوه، فَإِنَّهُ لا تجوز لأحد التقيَّة في هَذَا الموضع إذ لا يحلُّ لأحد أن ينجي نفسه بضرر غيره، إذ (1/244)
صفحة 245
<245> ليست نفسه أولى بِذَلِكَ من نفس غيره، وَهَذَا معنى قوله: (وامنعها في إتلاف نفس إن جنى) أي: وامنع التقيَّة بالقول في موضع لا يجني فيه القول إتلاف نفس الغير، وكذا حكم عضوه، ومثال ذَلِكَ أن يُكْرِه (1/245)
صفحة 246
<246> جَبَّار ذو قدرة معروف بالغشم أحدا مِمَّن يقدر عَلَيْهِ أن يَدُلَّه عَلَى أحد من البشر ليقتله بباطل، أو ليقطع عضوه بغير حقٍّ، وكان قد توعَّده بالقتل إن لم يدلَّه عَلَيْهِ، فلا يجوز لهذا المجبور (1/246)
صفحة 247
<247> أن يَدُلَّ الجَبَّار عَلَى ذَلِكَ المطلوب، وإن خاف عَلَى نفسه منه.
وَأَمَّا الموضع الذي يختلف فيه جواز التقيَّة فيه بالقول فهو ما إذا كان في ذَلِكَ القول إتلاف لِمَال الغير، كَأَن يَدُلَّ الجَبَّارَ عَلَى مالٍ (1/247)
صفحة 248
<248> لغيره أن يضيِّعه أو يقتله الجَبَّار، فَإِنَّ بَعْضًا قد أجاز له أن يَدُلَّه عَلَى ذَلِكَ مع اعتقاد الضمان له، وَبَعض منع من ذَلِكَ. وَهَذَا معنى قوله: (والخلف ... ) إلخ. والجواز في هَذَا الموضع أظهر من المنع، لأَنَّ المال (1/248)
صفحة 249
<249> لا يقاوم النفس، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
ولم تَجُزْ تقيَّة بالفعل كالحرق والغرق ومثل القتل
لَكِن جواز ما أبيح للضرر كالأكل للميتة والدم اشتهر
هَذَا بيان حكم التقيَّة بالفعل. (1/249)
صفحة 250
<250> وحكمها أَنَّهَا لا تجوز عند الأصحاب، وَذَلِكَ كحرق النفس وكتغريقها وكقتلها، فَإِنَّ هَذِهِ الصور كلَّها لا يجوز لأحد أن ينجِّي نفسه بفعلها، لَكِن اشتهر عندهم جواز التقيَّة بفعل الأشياء التي أبيح فعلها للمضطرِّ (1/250)
صفحة 251
<251> كأكل الميتة والدم، وَهَذَا الجواز وإن كان عَلَى قول لبعضهم فهو مشهور في آثارهم، فيدلُّ عَلَى أَنَّ كلامهم في منع التقيَّة بالفعل مجمل لاَ بُدَّ له من تفصيل، وتفصيله أن نقول: إِنَّ الفعل الذي يكره عَلَيْهِ الإِنسَان: (1/251)
صفحة 252
<252> - إِمَّا أن يكون به ضرر بالغير كحرق النفس وغرقها وقتلها.
- وَإِمَّا أن يكون ليس فيه ضرر بالغير، لَكِن فيه إتلاف لمال الغير.
- وَإِمَّا أن يكون ليس فيه ضرر للغير ولا إتلاف لماله.
فإن كان فيه ضرر بالغير (1/252)
صفحة 253
<253> فهو الممنوع اتِّفَاقًا، وإن كان فيه إتلاف مال الغير فيخرج فيه الخلاف المذكور في جواز التقيَّة بالقول، بشرط ضمان ذَلِكَ المتلف، والذي ليس فيه ضرر بالغير ولا إتلاف لماله نوعان:
- أحدهما: فعل لا يقبل (1/253)
صفحة 254
<254> الجبر والإكراه، بمعنى أَنَّهُ لا يتأتَّى فعله عند ذَلِكَ كالزنى، فإن فعله لا يصدر إِلاَّ عن اختيار من الرجل دون المرأة، فلا يحلُّ للرجل التقيَّة به، ولا للمرأة أن تساعد عَلَيْهِ.
- وثانيهما: فعل يقبل الإكراه والجبر، (1/254)
صفحة 255
<255> وَذَلِكَ كأكل الميتة وأكل الدم وأكل لحم الخنزير، ونحو ذَلِكَ مِمَّا أبيح لنا فعله في الاضطرار إِلَيْهِ، فأجاز التقيَّة به قوم، ومنعها به آخرون.
وحجَّة|| المجيزين للتقيَّة به أَنَّ هَذِهِ الأشياء قد أباحها الله لنا في حال الاضطرار (1/255)
صفحة 256
<256> لها، ومقام الجبر والإكراه مقام اضطرار، فجاز لنا لِذَلِكَ، وَأَيضًا فَإِنَّ الحكمة من شَرعِيَّة الإباحة لفعل ما ذكر عند الاضطرار إِنَّمَا هي حفظ النفس، وهي حاصلة هاهنا.
قال المانعون: إِنَّ إباحة ما ذكر مقيَّدة (1/256)
صفحة 257
<257> بالاضطرار في المخمصة، فلا تكون الإباحة في غير المخمصة وإن اضطرَّ إِلىَ فعله، قلنا: ذكر المخمصة في الآيَة لا مفهوم له، وَإِنَّمَا هو جارٍ عَلَى الأغلب من أحوال الاضطرار، فَإِنَّ الغالب من حال الاضطرار إِلىَ أكل (1/257)
صفحة 258
<258> ما ذكر إِنَّمَا هو في حال المخمصة، والتقييد بالأغلب المعتاد لا مفهوم له، لأَنَّهُ لم يُذكَر للقيد، فبهذا التحقيق يظهر لك صِحَّة القول بجواز التقيَّة بأكل نحو الميتة، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
ومكره جاء بما الحدُّ يجب (1/258)
صفحة 259
<259> عَلَيْهِ في أن لا يحدَّ نستحب
إذا أُكرِه المُكَلَّف عَلَى فعل شَيْء يجب عَلَى فاعله الحدُّ، كالسرقة والزنى فهل يقام عَلَيْهِ ذَلِكَ الحدُّ أم لا؟
قال قوم: يقام عَلَيْهِ الحدُّ بِذَلِكَ، لأَنَّهُ فعل موجبه، والتقيَّة بفعله حرام، فلا (1/259)
صفحة 260
<260> يدفع عنه الحدُّ بِذَلِكَ.
وقال قوم: يدفع عنه بِذَلِكَ لحصول الشبه بالإكراه، وَفيِ حديث: «ادرؤوا الحدود بالشبهات»، وَهَذِهِ شبهة فلا يقام معها الحدُّ، وَهَذَا القول أظهر، وَدَلِيله أوضح، فقول الناظم: (في أن لا يُحَد (1/260)
صفحة 261
<261> نستحب) اختيارا لهذا القول، ومعناه أَنَّ استحبابنا في عدم حدِّه.
واعلم أَنَّ الخلاف الجاري في إقامة الحدِّ مع التقيَّة بنحو الزنى والسرقة لا يجري في التقيَّة بنحو قتل النفس وقطع عضو منها، لأَنَّ في هَذَا الفعل (1/261)
صفحة 262
<262> تعلُّق حقٍّ للعباد، فيجب عَلَيْهِ القود والقصاص، والخلاف المُتَقَدِّم آنفا إِنَّمَا هو في موجب الحدود التي لم يكن للخلق فيها حقٌّ. هَذَا ما يظهر لي في تحرير المقام. ثُمَّ إِنِّي أحسب أَنِّي وقفت عَلَى حكاية الخلاف (1/262)
صفحة 263
<263> في ثبوت القَوَد عَلَى قاتل المجبور، ووجهه أَنَّ القود قد اختلف فيه هل هو حدٌّ أم حقٌّ، فعلى القول بِأَنَّهُ حدٌّ يسقط بالشبهة ولا يسقط عَلَى القول بِأَنَّهُ حقٌّ للعباد، وَالله أعلم. (1/263)
صفحة 264
<264> الفصل الثاني
في الخطإ
وفع الإثم لدى الخطإ ومن ألزمه الظاهر حكما يسلِّمَن
كالقاتل النفسَ وكالمطلِّق زوجته خطأً ومثل المعتق
وَمِمَّا لا يؤاخذ العبد به، ولا تلزمه فيما بينه وبين الله منه (1/264)
صفحة 265
<265> توبةٌ: الخطأُ، وَهُوَ أن يقصد إِلىَ فعل طاعةٍ أو مباح، فيخطئ إِلىَ غير مقصوده، وَهُوَ نوعان:
- أحدهما غير محاكم فيه، لكونه خَاصًّا بنفسه، كما في الحديث [الذي] يروونه|| أَنَّ رجلا أراد أن يقول: «اللَّهُمَّ أسكنِّي الجَنَّة»، فقال: «اللَّهُمَّ (1/265)
صفحة 266
<266> أسكنِّي النار»، فَاشتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فقال له النَّبِيء (ص): «لا بأس عليك، لك ما نويت».
- وَأَمَّا النوع الذي هو فيه محاكم، فهو مثل أن يقصد إِلىَ تجديد كلمة التوحيد فيخطئ منها إِلىَ كلمة الشرك، أو يقصد إِلىَ إظهار (1/266)
صفحة 267
<267> ولاية المسلمين فيخطئ منها إِلىَ إظهار البراءة منهم، أو يقصد أن يقول لزوجته: «أنت بارَّة»، فيخطئ إِلىَ قوله: «أنت طالق»، أو يقصد أن يقول لعبده: «أنت صالح»، فيخطئ إِلىَ قوله: «أنت حرٌّ»، فَإِنَّهُ يكون في هَذِهِ (1/267)
صفحة 268
<268> الصور كُلِّهَا محاكما، فيحكم عَلَيْهِ بالكفر في إظهار الكفر بالعداوة في موضع العداوة، وبالطلاق لزوجته وبالعتق لعبده إن خاصماه في ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ هو أن يسلِّم للحكم الظاهر إذا حكم عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فيجب عَلَيْهِ (1/268)
صفحة 269
<269> تجديد التوحيد وإظهار الولاية للمسلمين وتسريع الزوجة ورفع اليد عن العبد، وَهَذَا معنى قوله: (ومن ألزمه الظاهر حكما يسلِّمَن) أي ومن ألزمه الحكم الظاعر شَيْئًا من الأحكام الشَّرعِيَّة فَعَلَيْهِ أن ينقاد له وأن (1/269)
صفحة 270
<270> لا يتمرَّد عَلَيْهِ، وَالله أعلم.
الفصل الثالث
في النسيان وحديث النفس
ورفض الوزر|| لدى النسيان وهكذا وسوسة الشيطان
من بعد أن جاهده بما قدر إذ لم تكن أَشَدَّ من لمح البصر (1/270)
صفحة 271
<271> المُرَاد برفض الوزر رفعه، أي رُفع الإثم عن المُكَلَّف في حالتي النسيان ووسوسه الشيطان للحديث المُتَقَدِّم ذكره. فَأَمَّا رفع الإثم في النسيان فظاهر، وَأَمَّا رفعه في وسوسة الشيطان، وَالمُرَاد بها حديث النفس فمقيَّد (1/271)
صفحة 272
<272> بما إذا لم يقدِر المُكَلَّف أن يدفع الوسوسة الحاصلة في نفسه لأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ بذل مجهوده في دفع الوسوسة المحرَّمة شرعا، والمعفوُّ عنه منها إِنَّمَا هو حديث النفس الذِي لا يمكن المُكَلَّف دفعه، ومثال هَذَا الحكم في (1/272)
صفحة 273
<273> رفع الإثم من الأمور الحِسِّيَّة هو رؤيا البصر الواقعة عَلَى محجور شرعا فَإِنَّ الشرع لم يؤاخذنا في الخطإ في ذَلِكَ ولا فيما لم يمكننا غضُّ النظر عنه، وليست الوسوسة بالمعنى المذكور أَشَدَّ من رؤيا البصر (1/273)
صفحة 274
<274> عَلَى المنظور المحجور، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
خاتمة الكتاب
تَمَّت بحمد الله أنوار العقول حاوية أهمَّ شَيْء في الأصول
المُرَاد ب (أنوار العقول) هَذِهِ المنظومة، فهو عَلَم عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا (1/274)
صفحة 275
<275> سمَّيتها بِذَلِكَ لأَنَّ موضوعها علم الاعتقادات، ومحلُّ ذَلِكَ العلم هو الفعل، فالمتمسِّك بما في هَذِهِ المنظومة إِنَّمَا هو متمسِّك بنور العقل، والعادل عَمَّا لا يَصِحُّ له العدول فيه منها خارج من النور إِلىَ الظلمات. (1/275)
صفحة 276
<276> وَالمُرَاد بقوله: (حاوية أهمَّ شَيْء في الأصول) أي جامعة للأمور التي لاَ بُدَّ منها ومن معرفتها من أصول الديانات، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
عارية من وصمة الإخلال سالكة طريقة الكمال (1/276)
صفحة 277
<277> معنى قوله: (عارية) أي متجرِّدة، و (الوصمة): العيب، و (الإخلال): التقصير عَمَّا لا ينبغي التقصير عنه، و (الكمال): التمام، أي تَمَّت (1/277)
صفحة 278
<278> هَذِهِ المنظومة حال كونها جامعة للأهمِّ من أصول الديانات، وعارية من عيب التقصير عَمَّا لا ينبغي التقصير (1/278)
صفحة 279
<279> عنه، وحال كونها سالكة الطريقة التَّامَّة من التحقيق، وواردة المنهل الوافي من التدقيق، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم. (1/279)
صفحة 280
<280> أهديتها صِرفا لِكُلِّ طالب تصونه من كُلِّ قول كاذب
معنى قوله: (أهديتها): أي صيَّرتها هديَّة، وَمَعْنَى قوله: (صرفا) (1/280)
صفحة 281
<281> أي خالصة، وَمَعْنَى قوله: (تصونه) تحفظه، وَمَعْنَى قوله: (من كُلِّ قول كاذب): أي اعتقاد مخالف لِلْحَقِّ، أي صيَّرت هَذِهِ (1/281)
صفحة 282
<282> المنظومة هديَّة خالصة لا أبغي عَلَيْهَا أجرا إِلاَّ من الله لِكُلِّ طالب لِلْحَقِّ، وملتمس للهدى، والحال أَنَّهَا تحفظ هَذَا الطالب (1/282)
صفحة 283
<283> من الاعتقادات الفاسدة، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أعلم.
وأحمد الله عَلَى التيسير في أتمِّ ما قد رمته من شرفِ (1/283)
صفحة 284
<284> أي أثني عَلَى الله تَعَالىَ بما هو له أهل من الجميل عَلَى تيسيره إِلىَ إتمام ما قصدت إتمامه في أتمِّ حال، وأوفى مقام. (1/284)
صفحة 285
<285> ثُمَّ الصلاة معْ تسليم عَلَى محَمَّد المبعوث من خير ملاَ
وآله وصحبه ومن قفا مناهجهم عَلَى التمام والوفا
ثُمَّ إِنِّي بعد حمد الله أصلِّي (1/285)
صفحة 286
<286> الصلاة وأسلِّم التسليم المأمور بهما شرعا عَلَى نبيِّ هَذِهِ الأُمَّة المبعوث من خير قوم يملؤون العين شرفا، وَعَلَى آله التابعين له وَعَلَى صحبه (1/286)
صفحة 287
<287> المناصرين له، وَعَلَى من تبع سبيلهم غير مبدِّل ولا مغيِّر من بعده صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أجمعين. فَفيِ قوله: (عَلَى التمام والوفا) براعة حسن (1/287)
صفحة 288
<288> الاختتام عَلَى تمام هَذَا النظام، وَفيِ هَذَا المقام انتهى بناء الكلام عَلَى شرح هَذَا النظام، جعله الله تَعَالىَ عونا للطالبين، ونورا للمهتدين (1/288)
صفحة 289
<289> وفوزا لناظمه يوم الدين.
والصلاة عَلَى خاتم المرسلين وَعَلَى آله وصحبه، وَعَلَى جميع المؤمنين، والحمد لله رَبِّ العالمين، ولا حول ولا قُوَّة إِلاَّ بِاللهِ (1/289)
صفحة 290
<290> العليِّ العظيم.
قد تَمَّ هَذَا الشرح المختصر عَلَى المنظومة المسمَّاة بأنوار العقول، وَهُوَ الشرح الصغير من شرحَيْ ناظمها عَلَيْهَا، وَذَلِكَ في سنة أربعة (1/290)
صفحة 291
<291> عشر وثلاثمائة سنة وألف سنة من الهجرة النَّبَوِيَّة الإِسلاَمِيَّة عَلَى مهاجرها أفضل الصلاة والسلام.
تَمَّت عَلَى يد الفقير (1/291)
صفحة 292
<292> الحقير الذليل المعتصم إِلىَ مولاه سعيد بن خميس بن أحمد بن سالم المدسري البهلوي خادم بني علي عفي عنه. (1/292)
صفحة 293
<306> فهرست كتاب بهجة الأنوار بشرح أنوار العقول في التوحيد الذي على الهامش
الركن الأَوَّل في العلم وما يشتمل عَلَيْهِ 13
الباب الأَوَّل 14
في أقسام العلم وأحكامه 14
الباب الثاني 22
في السؤال 22
فصل في 26
الألفاظ الممتنع بها السؤال عن المولى جَلَّ وَعَلاَ 26
الباب الثالث 30
في الاجتهاد والفتوى 30
الباب الرابع 46
في أقسام الجهل، وفيما يسع جهله وما لا يسع 46
خاتمة 62
الركن الثاني 64
في الجملة وتفسيرها وما يشتمل عَلَيْهَا 64
الباب الأَوَّل من الركن الثاني 65
في لزوم الجملة وَكَيفِيَّة قيام الحُجَّة بها 65
الباب الثاني من الركن الثاني 74
في التوحيد 74
الفصل الأَوَّل 74
في نفي الأضداد والأنداد والأشباه عن الله تَعَالىَ 74
الفصل الثاني 81
في البراهين 81
الفصل الثالث 84
في الصفات 84
الفصل الرابع 89
في الرؤية 89
الخاتمة 93
في تفسير ألفاظ تعلَّقت بها المشبِّهة من كِتَاب الله عَزَّ وَجَلَّ 93
الباب الثالث من الركن الثاني 96
في الأنبياء والرسل والملائكة والكتب 96
فصل في 104
المحكم والمتشابه 104
الباب الرابع من الركن الثاني 109
في الوعد والوعيد 109
الفصل الأَوَّل 109
في الموت والبعث والحساب 109
الفصل الثاني 120
في الميزان والصراط 120
الفصل الثالث 123
في الشفاعة 123
الفصل الرابع 125
في خلود أهل الجَنَّة والنار 125
الباب الخامس من الركن الثاني 133
في القضاء والقدر 133
الباب السادس 147
في الإيمان والإسلام 147
الركن الثالث في الولاية والبراءة وما يشتمل عَلَيْهَا وما يتولَّدان منه 151 (1/293)
صفحة 294
الباب الأَوَّل 152
في وجوب الولاية والبراءة وأقسام كُلٍّ منهما 152
القسم الأَوَّل: ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة: 153
القسم الثاني: الولاية بحكم الظاهر والبراءة بحكم الظاهر: 156
القسم الثالث: ولاية الجملة وبراءة الجملة 156
الباب الثاني 157
في وجوب الولاية والبراءة بحكم الظاهر 157
فصل 162
في أَحوال الوليِّ بالظاهر|| 162
الباب الثالث من الركن الثالث 170
في الوقوف وأقسامه وأحكامه 170
الباب الرابع من الركن الثالث 173
في أقسام 173
الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر منها 174
الباب الخامس من الركن الثالث 181
في شَيْء من الكبائر وأحكام القاذف 181
الباب السادس 186
في انقسام الكبائر إِلىَ كفر نعيم وجحود 186
الركن الرابع 193
في التوبة 193
الباب الأَوَّل 194
في التوبة وأركانها وشروطها 194
الباب الثاني من الركن الرابع 201
في أحوال التائب 201
الباب الثالث من الركن الرابع 221
في توبة المُحَرِّم والمستحلِّ 221
الباب الرابع من الركن الرابع 236
في الأمور التي لا تلزم منها توبة 236
الفصل الأَوَّل 237
في التقيَّة 237
الفصل الثاني 264
في الخطإ 264
الفصل الثالث 270
في النسيان وحديث النفس 270
خاتمة الكتاب 274 (1/294)
صفحة 295
تَمَّ بحمد الله وحسن عونه رقن بهجة الأنوار عَلَى يد الفقير إِلىَ الله الغنيِّ عَمَّن سواه: مصطفى بن مُحَمَّد شريفي بالقرارة، ليلة الاثنين 16 ذو الحِجَّة 1418هـ / 13 أفريل 1998م.
وتم إدراج أرقام صفحات الأصل، مع بعض التنسيقات وحذف الهوامش غير الضرورية ليلة الأحد 13 مُحَرَّم 1427هـ / 12 فيفري 2006م. (1/295)