صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الدين
------------------------------------------
العنوان: بهجة الأنوار شرح أنوار العقول في التوحيد
المؤلف: عبد الله بن حميد السالمي أبو محمد
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1411ه/ 1991م
الطبعة: 2
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1460&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/563
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 17 ربيع الأول 1447ه/ 10 - شهر 09 - 2025م. *
مو
بهجة الانوار
شرح أنوار العقول في التوحيد
تاليف
العلامة أبي محمد عبد الله بن حميد السالمي رحمة الله تعالى ورضي عنه
الطبعة الثانية
1411 هـ ـ 1991 م (1/1)
صفحة 2
محجة الانوار
شرح أنوار العقول في التوحيد
تأليف العلامة
أبي محمد عبد الله بن حميد الساء
السالمي
(رحمه الله تعالى ورضي عنه
الطبعة الثانية
1411 هـ ـ 1991 م (1/2)
صفحة 3
منظومة أنوار العقول في التوحيد
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي قد أشرقا شمس الأصول في نهى ذوي التقى فأبصرُوا بِنُورِها المسالِكَا و جانبوا يسيرها المهالك حتى اسْتَوَوْا على بِسَاطِ الْقُرْبِ في حَضَرَةٍ قُدْسِيَّةٍ فِي القُرْبِ فانتعشت عقولهم بالذكـ وبَسَقَتْ أسرارُهُمْ بالفكر
فأبرزوا نتائج الأفكار فَأُعْرَبَتْ
ثُمَّ
صلاة الله مع سلامه
لجميل
مُمْتَزِجَانِ بالتَّنا الجم محمد سيد كُلِّ مَنْ شَفَ
عن شرف المِقْدَارِ مُصطَحِبَانِ بِسَنَا إِنْعَامِهِ
على النبي المصطفى الجليل
شَفَعْ والآل والصَّحُبَ الرِّضَى وَمَنْ تَبَعْ
ـدا
وبعد فالدين أهم مقصدا وإِنَّهُ أجل أجل عِلم قصـ ــــان عن كل ما كلف بالبُرْهَانِ
لأنه يُعْرِبُ للإنس
وقَدْ نَظَمْتُ دُرَراً في أَصْلِهِ
تَدْرِهَا جُزْتَ طَرِيقَ عَدْلِهِ
لقطتُها من زاخر الآثار عن الكرام السادة الأبرار والله بالقبول فيها يقضي حتى أراها في غدٍ من ومنه أرجو أن يعمَّ نَفعُها كل الورى وأن يتم صنعها
الرك
ن الأول
في العلم وما يشتمل عليه، وفيه أربعة أبواب الباب الأول
في أقسام العلم وأحكامه وفضله
قرضي
و مُحْدَثُ العلم ضروري بلا تأمل وَنَظَرِي تُؤْماً والكل من دين لَهُ تَعَبدُ في الشرع مَعْرُوفا كَما سَنُوْرِدُ والعلم منه لازم قد وجبا تعليمه والثاني نَفْل نُدِبَا فكل شَيءٍ لم يسعنا جَهْلُهُ فواجب وما عداه نَفْلُ
?
— (1/3)
صفحة 4
والبَحْثُ للواجب حَتْماً حتما يلزم والحَدُّ لِلقُدْرَةِ أَنْ يَرَى لَهُ
ذَاكَ يَات
نَأى يَمْضِي لَهُ
في الصّحُ مَعْ وُجْدَانِ مَا يَحْمِلُهُ وما مَن مَعْ قُوتِ مَنْ يَكْفُلُهُ
وَفَضْلُهُ لَيْسَ لَهُ إحْصَاءُ جَاءَتْ
به
من ربنا الأنباء
الباب الثاني في السؤال
سوالُنَا قِسْمَانِ قِسْمٌ حَجَرَا وَالثَّانِي تَفْوِيضُ المُجِيبِ قُرُرَا
وباعتبار الشرع في التعبد
قسمْ وَنَفَل تَهْتَدِي
أَسْقط سُؤَالاً إِن أَتَى خَمْسٌ بِهِ تَنَاقُضٌ أَوْ جَاءَ بِاضْطِرَاب
إثبات أو سؤالين معا
كونُهُ مِنَ المُحَالِ وَقَعَ
كيف لم وهل
سوالا
ومن أينَ وَكَمْ فَكَيْفا
أي مَتَى عَنْ رَبِّنَا تَعَالَى هَيْئَةٍ وَعِلَّةٍ لِمْ تُلْفَ
وَهَلْ لِتَصْدِيقِ وَمِنْ عَنْ جِنْسِ وَأَي لِشِرْكَةٍ وَأَجْزَا
متَى سُوَالٌ جَاءَ عَنْ زَمَانِ أينَ وَمِن أين عن المكان
وكمْ سُؤَالُ عَدَدٍ وَإِنَّهُ
قدِيمٌ قَاهِرٌ سُبْحَانَهُ
الباب الثالث في الاجتهاد والفتوى
والأصل للفقه كِتَابُ البَارِي إجماع بَعْدَ سُنَّةِ المُختَارِ والإجتهاد عند هذي منعا وَهَالِك مَنْ كَانَ فِيها مُبْدِعا والرأي فِي غَيرِ الأصول جوزا وَ وَاجِبٌ أَنْ نَتَحَرَّى الأجْوَزا ولَمْ يَجز خلافنا للأعدل مِمَّا نَرَى وَمَيْلُنا لِلأَهْزَلِ فِي غَيْرِ مَا قَدْ حَكَمَ الحَاكِمُ أَوْ كان خلاف كافر فيما رأوا مِنْ طَرِيقِ الزُّهْدِ كَانَ أَفْضَلاَ وإن حَكَمْتَ فَاقْصِدَنَّ الْأَعْدَلاً وَذَاكَ مِثْلُ الأكْلِ لِلسِّباع قَدْ رأيت حِلْهَا وَإِنْ نَهى وَرَدْ حَمَلْتَهُ عَلَى سَبِيلِ الأَدَبِ كَمِثْل مَا اخْتَارَ إِمَامُ المُذهَب (1/4)
صفحة 5
والخُلْفُ إِنْ لَمْ نَعْرِفَنَّ الأَعْدَلاً هَلْ جَائِز بما نَشَا أَن نَعْمَلا أولاً إِذ التَّحَرِي في ذا يُعْدَمُ ا نَسْتَشِيرُ وَاجِباً مَنْ يَعْلَمُ وخَطَا العالم في الفَتْوَى هُمِل وَالوِزْرُ والضَّمَانُ لِلَّذِي عَمِلْ
وإن خَفِي بُطْلانُه عَلَيْه فالتَّوبُ مُجْمَلاً أَتَى إِن كَانَ مِمَا حُجَّةُ السَّمَاعَ بِهْ وَلَمْ يَجِدْ مُعَبِّراً فَلْتَنتبـ الباب الرابع في أقسام الجهل
وفيما يسع جهله وفيما لايسع جهله
وَالجَهْلُ قِسْمَانِ بَسيطٌ سَلِمَا
صاحبه
وَالثَّانِي فَهُوَ ما انتمى
إلى مُرَكَّب وَلَيْسَ وَلَيْسَ يَسْلَمُ صاحبه بفعلُهُ بَل
و باعتباره لدى النكد
تواسع الجَهْلِ
الجَهْلِ وضيق
واي
فعله
فَعِلْمُهُ في وقته
حجته
سرا
وَقِيلَ لا حُجَّةَ
لا حُجَّةَ مِمَّنْ
كفرا
بل ما عدا البر
المعتبر
إن
استَطَعْتَهُ بِلا نَيْلِ
وَاعْتَقِدُ السُّؤال
تَسْتَطِعْ
وْرَ هُداهُ تَتَّبِعُ
لكن عَلَيْكَ أَنْ تُؤْدِيْهِ كَمَا رَأَيْتَ مِنْ أَدائِهِ مُتَمِّمَ فإن تَكُنْ مُوافِقاً صِدْقَ العَمَل وَفَّقَكَ البَارِي وإلا فَالبَدَل
أُثْبَتَهُ مُخْتَلَفَ فِيهِ وَمَعَ مَنْ
قَوْلانِ بِالفَوْرِ وَدَيْنِ وَإِنْ يَكُن يكن غير مُوَفَّتِ العمل فواسع جهلكه
الأجل
معتقداً لتركه وقيل كالأَوَّلِ نَظْمُ سِلْكِ
وَذاكَ مِثْلُ الحج مثل الحج والزكـ
ووَاسِعٌ جَهْلُكَ بِالمُحَرَّم كالدم والميتَةِ والخِنْزِيـ
وكالذي يُذْبَحُ للأُوْثَ
وقتَ ذَيْنِ لِلْمَمَاتِ
جميعه مالم عليه
سلام
إن قائم العين وكالخُمُورِ
ان في أي ما كان مِنَ المَكَانِ
وذا لدى المُضطر قد أبيها والخُلْفُ في الخِمْرِ أَتَى صَرِيْحَا (1/5)
صفحة 6
وَالجَهْلُ بِالْأَنْسَابِ أَي تَحْرِيمُهَا فَوَاسِعٌ لِجَاهِلِي عُلُومِه ما تَرَكُوا ارتكَابَهَا وَضَاقَ إِنْ رْتَكَبُوهَا جَهْلُهُم بِهَا اسْتَبِنْ وَوَاسِعٌ لِجَاهِلِ الأناب نِكَاحُ
إنْ كَانَ لَمْ يَقْصِد خِلافاً وَرَجَعْ
شاء بلا ارتياب
راي حرام ما
جَهْلُ ضَلالَةِ المُصر رماً أَوْ مُسْتَحِلاً إِذ أَصَر
وَلَمْ
بَعْدٍ أَن تَعَلَمَ كُفْرَهُ بشرط أن لا تتـ ولاه ولا
وَمَعْ
بَعْضِهُم مَالَمْ تَعِ الحُكْمَ يَسَعْ
وَوَاسِعٌ جَهْلُكَ بِالمُحَلَّـ
كَالبَيْعَ وَالمُلْكِ وَكَالنَّكَ
ارْتِكَابُ مَا لَمْ يُعْلَم
ولا تُمْسِكَ عَمَّنْ ضَلَّلاً أنتَ عَنْ تَحْلِيلِه لَمْ تَعْدِلِ شُرُوطِهَا وَكَالمُباح يكن موافقا لَمْ يَأْت
يُرِدْ فِي قَصْدِهِ خِلافَ مَا قَدْ أَوْجَبَ البَارِي عَلَيْه أَثِماً تَقُومُ حُجَّةُ العِلْمِ لِمَا قَدْ وَسِعَ الجَهْلُ بِقَوْلِ العُلَمَا لو كان واحدا له الفضل علا وَقِيلَ مَالَمْ تُبصرِ الحَقِّ فَلا وَرَبَّحَ الأَوَّلَ أَنَّ العُلَم كالأنْبِيَاء مَقَالُهُمْ قَدْ لَزِما شَيْءٍ وَاسِعٌ جَهْلُكَ بِه ثُمَّ رَأَيْتَ حَقَّهُ ضَاقَ انتبه الركن الثاني في الجملة
وتفسيرها وما يشتمل عليه، وفيه ستة أبواب الباب الأول
في لزوم الجملة وكيفية قيام الحجة بها
وَالقَوْلُ الجُمْلَةِ مَا لَمْ يَقُم برها تها كغيرها لم تلزم يَكُنْ جَلَّ مُكلفاً بلا هَانِ صِدْقٍ يُوضِحَنَّ السُبُلاً يشا لكان منه عدلا كمثل ما قَدْ كَانَ هَذا فضلا
وإن أتى برهانها امرءا فلا يُنَفْسَنَّ لَحْظَةٌ لِيَسْـ
سألة (1/6)
صفحة 7
و منكر الجملة بعد ما نظر برهانها كفر جُعُودٍ قَدْ كَفَرْ وَلَمْ يَسَعُ جَهْل ضلالة ولا تَشْكَ فِيهِ وَالَّذِي لَهُ تَلاَ
كذاكَ جَهْلُ مَنْ يَشْكُ فِيهِ عَلَى قِيَاس شائع تُلْفِي والخُلْفُ في إيمانها بالقَلْبِ هَلْ يُجْزِيهِ دُونَ نُطْقِهِ إِذا نَزَلْ تَكْلِيْفُهُ بها فَبَعْضَ ذَهَبَ للاخترا والبَعْضُ مِنْهُمْ قَدْ أبى والخُلْفُ هَل عليه أن يُقررا تصديقهُ إِن ذِكْرُهَا قَدْ خَطَرًا يَجْتَزِي بِالماضي مالَمْ يُحْدِثِ شيئاً بها تعهدها لم ينكت وما عدا الجُمْلةَ مِنْ تَفْسِيرِهَ تحكم ما رَأَيْتَ مِنْ تَعْبِيرِهَا إلا لَدَى السُّوَالِ والجَهْلِ بِمَا أحدِثَ وَالسَّائِعُ مَا تَقَدَّمَا تَفْسِيرِهَا بِالقَلْبِ فِي التَّكَلُفِ
وما عدا الإيمان فاللازم فَالحُجَّةُ السَّمَاعُ في ذا
وحُجَّةِ المَعْنَى لَهُ مِنْ عَقْلِهِ
الباب الثاني
في التوحيـ
وفيه أربعة فصول وخاتمة
الفصل الأول
في نفي الاضداد والانداد والاشباه
وَهَاكَ تَوْحِيداً لَنا فَلْتَقْتَين مِنْ نُورِهِ وَعَنْ هَوَى النَّفْسِ احتَبِس
11307
نعبده
جل امتثال أم
فإِنْ يَشَأُ يَرْحَمَنَا بِفَضلِ
فالملكُ والعِزَّةُ والسلط
سُبحَانَهُ وَنَهْيِهِ وَزَجْـ
وإِنْ يَشَأْ عَذَّبَنَا بِعَدْلِـ
لَهُ كَذَا الْقُدْرَةُ وَالبَرْهَانَ
سبحانه ليس له مكان يَحْوِيْه جَلَّ لا وَلا زَمَـ زَمَانُ في ملكه منف
بِخَلْقِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ نَشْهَـ
ليس له شبهُ وَلا نَظِيـ ولا نظير ولا وزير لا ولا مشير (1/7)
صفحة 8
لَيْسَ لَهُ فَوْق وَلَا تَحْتُ وَلاَ
ولا بعد فكل حظلا
كذا يَمِيْنٌ وَشِمَالُ والذِي إلَيْهِ تُعْرَى حَادِتْ بِذِي احْتَذِي
وَلَمْ يَزَلْ وَلَيْسَ شَيْءٌ مَعَـ
معه وَعَالِمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَصْنَعَهُ
بِكَوْنِهِ وَلَوْنِهِ وَشَكْلِ
وَمَا إِلَيْهِ صَائِرٌ بِفِعْلِـ
الفصل الثاني
في البراهين
مشابه
فِي ذَاتِ
جَازَ عَلَيْهِ وَصْفُ مَخْلُوقَاتِه
يوجه لزم
الْكُلِّ مَا لِذلِكَ الوَجْهِ انْتَمَى
كَانَ ثَانٍ عِنْدَهُ فِي الْأَزَلِ لكَانَ كُل صَالِحاً لأن يَلي دَلِيل خَصَّ وَاحِداً فقط والحكمُ مِنْ غَيْرِ مُرَبِّح غَلَط لَزِمَهُ فِي ذَاتِهِ النُّقْصَ
وهكذا
معان
ـضَانُ
وفي الجهات الست لِلْمَكَانِ
في ملكه مشارك كَانَ فَسَاداً ذلِكَ التَشارك
الفصل الثالث
في الصفات
في الذات والصفات والأفعال مُخَالِف لنا بكل
مَا
سنه
سال
وَصْفِ نَفْسِهِ اعْلَمَا
يجز وَصَفكَهُ بِغَيْر وَصْفِ جَازَ وَصْفَهُ بمَا عَانَدَهُ فَوَصْفُ فِعْل احْكِمَا
وما عدا ذاكَ فَوْصفُ الذَّاتِ يُعرف وهو كالعلي
آتِ
لا غَيْرُهَا دَلَّتْ بذَا آيَاتٌ
صِفَاتُهُ لِذَاتِهِ
لَمْ تَكُنْ
ذار
لئلا
فَيَكُونَ أفق عليمٌ لا يعلم
جلُولُهُ وليس مُنْهُ يَجْزِمُ لغيره وذاك دأب الفقرا وَذَاكَ وهُوَ سَمِيعٌ لَا بِسَمْع رُكبًا
- ^ - (1/8)
صفحة 9
قَدِيرٌ لا بِقُدْرَةٍ بِقُدْرَةٍ عَرَتْ
وَهُوَ بَصِيرٌ لا بِعَيْنِ نَظَرَتْ وهو قدير وَهُكَذَا في سائر الصفاتِ لأنها فِي الأَصْلِ عَيْنُ الذَّاتِ
الفصل الرابع
في الرؤية
وَرُؤْيَةُ البَارِي مِنَ المُحَالِ دُنْيا وَأُخْرَى احْكُمْ بِكُلِّ حَالِ لأنَّ مِن لازمها التميزا والْكَيْفَ وَالتَّبْعِيْضَ وَالتَّحَبُّرًا تُقَابِلُ الَّذِي نَظَرْ فَهْذِهِ وَمَا أَتَى
لا
تدركه الأبد
الأبصار
السور
وَلَنْ تَراني فانتفى الإبصار
لَهُ وَلا يَصح زوال ما الإلهُ مُمْتَدِحْ
تو جَازَ أَنْ يَزُولَ مَدْحُهُ
وَمَنْ يَدِنْ بِهَا بِكُفْرِ بكفر النع
كَأَنْ يَقُولَ يَدُهُ مِثْلُ
تَبْدِيلُ عِزّهِ بِذل وَشِتِـ فَاحْكُمْ لَهُ وَالشِّرْكِ
يُجَسم
يدي أوْ وَجْهُهُ كَوَجْهِ بَعْضَ الأَعْبُدِ
الخاتمة
في تفسير ألفاظ تعلقت بها المشبهة من كتاب الله عز وجل
ذَاتُهُ فِي قَوْلِهِ وَعَيْنُهُ أَي حِفْظُهُ - لِفِعْلِ
وَالْيَدْ مِنْهُ قُدْرَةٌ قل
نعم
وَقَبْضَةٌ وَالإسْتِوا ملكاً
وَجَدهُ كَوَجْهِهِ أَوْ قُلْ عِظَمْ ومَكْرُهُ عُقُوبَةٌ لِمَنْ ظَلَـ
??
الباب الثالث
في الأنبياء والرسل والملائكة والكتب
الجائز بعث الرسل يَهْدُونَنَا إلى الصراطِ الأَعْدَل دَعْوَاهُمْ تَفَضُّلا بِمُعْجِزَاتٍ تُبْطِلُ التَّقَ
ـولا
- (1/9)
صفحة 10
و واجبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَعْرِفَ مَا يَجُوزُ لِلرُّسُلِ وَمَا قَدْ لَزِمَا ومَا اسْتَحَالَ عَنْهُمْ فَالَّلازِمُ في حَقِّهِمْ نَعْتاً هي المَكَارِمُ كالصدق والتبليغ وَالأمَانَة والعَقْلِ وَالضَّبْطِ وَكَالفِطَانَة وَالمُسْتَحِيلُ ضِدُّهَا كَالْكَذِبِ وَكَالجُنُونِ وَارْتِكَابِ الريب
وما عدا ذلِكَ فَهُوَ مُمْكِ أفضلهم بينا ثم الخلي
الْخَلِيلُ
حَقِّهِمْ إِلَّا الَّذِي يُسْتَهْجَنَّ
الكَلِيمُ بَعْدَهُ عِيسَى الْجَلِيل
وبعدهم
قَدْ نُسِخَتْ شَرَائِعُ الْجَمِي
فَبَاقِي الرُّسُلِ فالأنبياء ذَوُو المقام الأكْمَل
سوى الهدى بشرعنا البديع
ومَالَهُ أي شرعنا مُغَر
فهو على الدوام لا
وبَعْدَهُمْ مَلائِك حباهـ
موْلاهُم بِالقُرْبِ واجْتَبَاهُمُ
وَبِالَّذِي أَنْزَلَهُ الرَّحْمَنُ
أَفْضَلُهُمْ جِبْرِيلُ وَالَّذِي زَعَمْ تَفْضِيْلَهُ عَلَى الحَبِيبِ قَدْ غَشَمْ
بهم جميعا
الإيمان
وهُوَ كَلامٌ دَلَّ بِالنَّظْمِ الأُتَم على معانٍ فيه إرشاد الأمم والكل مَخْلُوق لإمْكَانِ العَدَمُ ولانْفِرَادِهِ تَعَالى بالقدم
المحكم والمتشابه في القرآن
القُرآنِ مُحْكَم وَمُشْتَبِهْ وَ مُجْمَلٌ مُفَصَّل نُؤْمِنُ بِه أَتَى مِنْ رَبِّنا والخُلْفُ فِي حَدَّيْهِمَا عَلَى أُقاوِيلَ تَفِي نَوْعَانِ أَي مُخْتَلِفٌ حُكْمُهُمَا
اتفاق مِنْهُمْ أنَّهم
فالمُحْكَمُ المُتَّضِحُ المَعْنَى انْقَسَمْ لِلنَّصِ وَالظَّاهِرِ مَعْنَى فَانْحَسَمْ
333333
النَّص حُكْمُ القَطع بِالمُرَادِ عَكْسِهِ الدَّلِي
وَهُوَ قَرِيْباً أَوْ بَعِيداً وَقَعَ
وَالظَّنُّ في
الظاهـ
وَهوَ التَّأْوِي مُتَعَذِّراً فَلَنْ يُتَّبَعَـ
وَذُو اسْتِبَاءٍ مَا اخْتَفَى كَالمُجْمَلِ مُفْهِم تَشْبِيْه مَوْلانَا العَلِي فَمِنْهُ مَا قِيلَ بِأَنَّهُ الَّذِي له احتمالانِ فَصَاعِداً خذ (1/10)
صفحة 11
وَمِنْهُ أَيْضاً مَا يَكُونُ أَنَّهُ الَّذِي لَمْ فكل هذا أصله
كَتِسْعَ عَشْرِ أَمْرُهُمْ قَدْ أَبْهِمَا المُهَيْمِنِ اعْلَ وَجَعْلُه أَشْيَاءَ لَيْسَ أشْيَاء لَيْسَ يُحْمَدُ
تَأْوِيْلَهُ
وَقِيل أخرفُ أوائل السور وَقِيلَ بالأمثال مع كل خبر وقيل مَا قَدْ كَانَ مَنْسُوخاً وَمَا قَدْ كَانَ نَاسِخاً يُسَمَّى مُحْكَمَا وحُكْمُهُ الوُقُوفُ فِي الإِجْمَالِ حَتَّى يبين أظهر احتمال وَالرَّدُّ لِلْمُحْكم حكم الثاني أوْ يَلْزَمَنْ تَنَاقُضُ القُرْآنِ
الباب الرابع
الوعيد
في الوعد والد وفيه أربعة فصول
الفصل الأول
في الموت والوعد والحساب
به
كذاكَ البَعْثُ وَالحُسْبَانُ
وَالْمَوْتُ حَقٌّ يَجِبُ الإِيمَانُ فالموتُ أَنْ تُفَارِقَ الرُّوْحُ الْجَسَدُ والبعث ردها إليه للأبد والقَوْلُ بِالإِمْسَاكِ فِي الرُّوحِ أَحَق وما سوى التَّحْمِيْنِ لِلَّذِي نَطَق وَلَمْ يَمُتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعُمْرِ أَحَدٌ وَقَبْلَ رِزْقِهِ الَّذِي لَهُ يُحَد حلالا أو حراما حجرا أو شبهة والله كلا قدرا لَيْسَ فِي العَالَم شَيْءٌ يَصْدُر إلا وربنا له مق
كان
130
جَاءَ به
تواتر الأخبار معنى فانتب
در
فَانْتَبة
عَذَابُ القَبْرِ مِمَّا جَاءَ وَاعْتَقِدَنَّ صِدْقَهُ وَلَا تُحِل عذيب مَيْتٍ لِوُجُوهِ تَحْتَمِلُ
أما الحساب فهو تمييز العمل
خص به
مقصر لتعلم
وشرا ليراه من فعل
فَاسِقٌ لِيُكثر الندم
وما عَدَاهُمَا إِلَى الْجَنانِ حِسَابٍ أَوْ إِلَى النيران وَالْخُلْفُ هَلْ قَدْ خُلِقَا وَهُوَ الْأَصَحَ يُخْلَقَانِ بَعْدَمَا الفَنَا اتَّضَحْ وَالوَقْفُ عَنْ تَعْيِينَنَا ذَاكَ المَحل أولى ببِنَا إِذَا لَا دَلِيْلٌ ثُمَّ دَلَّ
- (1/11)
صفحة 12
وَعَدَمُ التَّعْيِينِ لَيْسَ يَفْدَحُ في قولنا إِنَّ الوُجُودَ أَرجَعُ والكتب صُحْفٌ حَوَتِ الأَعْمَالاً والحوضُ حَقٌّ فاترك الجدالا يَرِدُهُ مِنْ أُمَّةِ الرَّسُول مَنْ قَدْ وَفَى بِعَهْدِهِ المَسْئُول
الفصل الثاني في الميزان والصراط
وإِنَّمَا المِيزَانُ فِي الحُسْبانِ عدل وَإِنْصَافُ مِنَ الرَّحْمَنِ لا مِثْلَ قَولِ ذِي الخِلافِ إِذْ غَدًا يُأولَنَهُ كَفَّةً وَأَعْمُ وقَوْلُهُ الصراط فهو الحق لا جسرٌ كَما بَعضُهُمْ تَأَولا
الفصل الثالث في الشفاعة
ــدا
شَفَاعَةُ الرَّسُولِ لِلتَّقِ
ذَا فَقَدْ
بعير
لأنه مخالف الكيت
الوَرَى وَلَيْسَ لِلشَّقِي
نَعِيم.
تَأُولُ ظَهَرْ
اشر منزل
مَا تَأَولِ فَذَاكَ شرك
اب
كليسَ لِلظَّالِم مِنْ حَمِيمٍ
وَسُنَّةِ الرَّسُولِ وَالأَلْبَابِ
ولا شفيع من لظى الجَحِيم
الفصل الرابع
في خلود أهل الجنة والنار
ومَنْ عَصَى وَلَمْ يَتُبْ يُخَلَّدُ في النَّارِ دَائِماً بِهَذَا نَشْهَدُ و كافر بنعمة من فرقا مَا بِينَ ذِي شِرْكِ وَمَنْ قَدْ فَسَقَا أغنى لَدَى الخُلُودِ وَافَرْقُ نَشَا لدى مَنَازِلِ العَذَابِ وَفَشا كَذَاكَ مَنْ قَالَ وَقت عَلَى النَّارِ بِلاَ تَأْجُعِ وَهَكَذَا مَنْ قَالَ قَالَ كُل يَدْخُل فِيها سَعِيدٌ وَشَقِيٌّ مُبْطِ وَمَنْ يَقُل دَارُ الخُلُودِ فَانِيَة أوْ أَهْلُهَا فَفَاسِقٌ عَلانِيَةً
هَذَا إِذَا مَا كَانَ بِالتَّأْوِيلِ والشركُ فِي الرَّدُ عَلَى التَّنْزِيلِ
12
- (1/12)
صفحة 13
الباب الخامس في القضاء والقدر
وبالقضاء نُؤْمِنُ أَيْضاً وَالقَدَرُ وَلَمْ يَجُز إغراقنَا فِيهِ النَّظَر وَمَنْ يَقُلْ إِلَهُنَا لَمْ يَخْلُقِ أفعالنا بُعْدًا لَهُ مِنْ أَحْمَقِ يقوله لِكُلِّ شَيْءٍ خَالِقُ سبْحَانَهُ الرَّبُّ المَليكُ الرَّازِقُ
لو كان خالقا سواه لزما تعدد الإله قطعا حيم تَعدد الإله لظهر فَسَادُ هذا العالم الذي بهر لكن لنا في فعلنَا اكْتِسَابُ الثَّوَابُ وَبِهِ العِقاب مِنْ ثُمَّ قَدْ نِيلَ بِهِ أَعْلَى الرُّتَبْ النبواتِ فَلَيْسَ تُكْتَسَبْ الإِنْسَانَ فِيمَا قَدْ فَعَلْ لِكُفْرِ شَاءَهُ أَوْ طَاعَة
وَفَاسِقٌ مَنْ قَالَ إِنَّ الله جَلْ وإِنَّهُ لَم يَجْعَل استطاعة لو كان هذا بطلا
وَنَهْي مَعَ وَعْدٍ جُعِلا
العبادا
قد خير العب
وبطل الوَعِيدُ مَعَ بَعْثِ الرُّسُلُ وجَازَ تكليف الجَمَادِ كَالنُّبل وَخَلْقُهُ أَفْعَالَنَا وَعِلْمُـ بهنَّ لا يُوجب جبراً حكمه كذاك كونها له مرادا لَوْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ذَا لِجَهْلِهِ لو لم يَكُنْ خَالِقُهُ مَنْ فَعَلَهُ لو لم يُرِدْ وُقُوعَهُ وَوَقَعَا لكان مكرها على ما صنعا لكن لِذَا التَّخْيِيرِ وَاكْتِسَابَنَا قد انتفى الإخبار عن رقابنا
الباب السادس
في الايمان والإسلام
إيْمَانُنَا التَّصْدِيقُ والإسلام إذْعَانُنا لما دعا الأحكام وَلَهُمَا فِي الشَّرْعِ مَعْنَى مُلْتَزِم تصديق قول عَمَلاً إِذا لَزِم وَمَنْ يَكُن مضيعا لواحد منها اسْتَحَقَّ هَلكَةَ المُعَانِدِ
-
13 (1/13)
صفحة 14
وَجْهِهِ الشَّرْعِي لَيْسَ يَنْقُصُ لكِنْ يَزِيْدُ هَكَذَا قَدْ خَصَّصوا إن هَدَمَ البَعْضَ انْهَدَمْ جَمِيْعُهُ وَذَا هُوَ القَوْلُ الأُتَم
الركن الثالث
في الولاية والبراءة
وما يشتمل عليهما، وما يتولدان وفي الوقوف
الباب الأول
في وجوب الولاية والبراءة وأقسام كل منهما ولاية المُؤْمِنِ فَرضَ حُقِّقَا وَهُكَذَا بَرَاءَةُ الذ فَسَقَا وَالكُل مِنْ مِنْ ذَيْنِ عَلى أقسام ثلاثة تأتي على تمام وَهِي التِي قَدْ نَطَقَا بها كِتَابٌ أَوْ رَسُول حَقَّقَا والحُكْمُ بِالظَّاهِرِ فَهُوَ الثاني ثالثهَا عَقِيدَةُ الإِنْسَانِ
الباب الثاني
في وجوب الولاية والبراءة بحكم الظاهر
أربع تعتَقَب
حَقُّ أَتَى بِشُهْرَةِ
بَرَاءَةُ الظَّاهِرِ حُكَما تَجِبُ بواحد عَيَانٍ أَوْ إِقْرَارٍ أَوْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وَاسْتَثْن الإقرار لدى الولاية وإِنَّمَا الوُجُوبُ بِالثَّلاثَةِ وَالخُلْفُ فِي رَفِيْعَةِ الوَلايـ مِنْ وَاحِدٍ عَدْلٍ بِلا عِنَايَة وَإنْ تَكُنْ عَنَيْتَهُ فَالْزَمُ وَقِيلَ لَا لَزُوْمَ ثُمَّ يُعْلَمُ لكن عَلى العُدُولِ لَيْسَ العُلَمَا تَفْصِيلُ مَا جَاءُوا ليعلما وَفِي وَلِي وَجَبَتْ ولايته على الوَرَى سَرِيرَة بَرَاءَتُهُ إن وَجَبَتْ عَلَيْكَ وَالَّذِي نَطَق بهَا جَهَاراً لِلْبَرَاءَةِ اسْتَحَق
-
14 (1/14)
صفحة 15
بَرَاءَةً مِنْ
نَفْسِهِ فَهَالِك وَهُوَ حَرٍ
وإنْ يَكُنْ مِنَ الأُولَى لَمْ تَلْزَمِ ولايةٌ لَهُمْ عَلَى الكُلِّ اعْلَم
فَبَعْضُهُمْ.
رَخَّصَ مَا لَمْ تَعْلَم وَلايَةٌ وَالبَعْضُ
لا بأس
1.1
بِكُفْرِهِ قَدْ
وَإِنْ يَكُن كفراته
متبر مِنْ وَلِي لَكَ
بِكُفْرِهِ
الفَرْضَ اقْتَفِي يَكُنْ مِنْكَ
عما
عَنْهُ
قف
ولتبر
عَمَّا عَمِل
أتى الولي ما لله
تَوَلَّهُ وَالبَعْضُ مِنْهُمْ يَقفُ
كذاكَ إِنْ أَتَى بِفِعْلِ حُجرًا
وَلِلْعِبَادِ كَالْقَتْلِ انتبه
وفي البرالية البرائة منه ضعف
أصْلِهِ وَعَارِضُ وَعَارِضُ الحِلِّ يُرَى
هَذا إِذَا مَا كَانَ فِعْلُهُ احْتَمَل تقا
وَبَاطِلاً وإلا حَيْثُ حَل
تَخَالَفا
كفر واحد فانبهما
بالرأي وَإِنْ شِئْتَ
رَأْي إِنْ يَكُونَا فِي ضَعَفْ
يَكُونَا عَالَمِين تَلْزَمُ الآية المُحِقِّ فِيمَا نَعْلَمُ
وَأَوْجَبَنْ بَرَاءَةٌ مِنَ المُصي
وَقِيلَ مَنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ عُذر
وَمَنْ تَوَلّى مُحْدِثاً لِفِعْلِ
قَالُوا فَذَاكَ هَالِكٌ كَمِثْلِهِ
الباب الثالث
في الوقوف وأقسامه وأحكامه
وقُوفُ دِينِ رأي أو سؤال إشكَالِ أَوْ شَكٍّ عَلَى صَلَالِ
فَالدِّينُ فِي كل فتى
والرأي في الولي
تَسَنَّما
وَقِيلَ وَالسُّوالُ مَعَ ذَا يَلْزَمُ فَهُوَ حَليف الرأي
وَفي وَلِيِّنِ تَلاعَنَا احْكُ
بطلان كُل مِنْهُمَا وَالشَّـ
وسرا
مِنْهُ كَيْمَا تَقْتَدِى
عَلَيْكَ حُكْمُهُ قَدْ أَنهما
المُوا
إِشْكَالِ إِذَا لَمْ يُعْلَم أن لا تُوَلي تولي غير
-- (1/15)
صفحة 16
الباب الرابع
في أقسام الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر منها
وَالذَّنْبُ قِسْمَانِ كَبِيرٌ
وَجَبَا
فَأَوْجَبَ اللَّعْنَ عَلَيْهِ أَوْ سَخِطْ قَبَّحَ الرَّسُولُ مَنْ
وَعَكْسُهُ الصَّغِيرُ مِثْلُ الكَذِب
وَمَنْ أصَرَّ لِصَغِيرٍ فَكَمَن وراكب الكبيرة توبه وَبَعْضُهُمْ ضَلَّلَهُ وَتَوَّبَـ
وَالبَارِي مِنْهُ غَضِبَا
سَقط
والرقص وَمِثْلُ اللَّعِبِ
الكِتَابِ وَالسُّنن
بِبُغْضِهِ فَدِنْ
ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَنِ التَّوْبِ أَبَى
إسلامه
يُرَى مُسْتَكْبَرًا
والحُكْمُ لِلرَّاكِبِ ذَنْباً صَغُرَا وَالخُلْفُ فِي الإِصْرَارِ لِلصَّغِيرِ هَلْ إذَا مَضَى وَلَمْ يَتُبْ مِنَ العَمَل أوْ إِنْ يَكُنْ أَتَاهُ بِاسْتِخْفَافِ وَالثَّانِي عِنْدَهُم بِلا خلاف والخُلْفُ فِي الوَلِي إِنْ أَتَاهُ فَبَعْضُهُمْ فِي حُكْمِ وَلَمْ يُتَوبُهُ وَبَعْضٍ ذَهَبَا إلى الوقوفِ قَبْلَ أَنْ يَتوب وَبَعْضُهُمْ أَحْسَنَ ظَنَّهُ به وَبَعْدَ ذَا اسْتَتَابَهُ مِنْ ذَنْبِهِ
الباب الخامس
في شيء من الكبائر وأحكام القاذف
مه راه
وَغِيبَةُ المُؤْمِنِ وَالتَّجَسُّرُ وَالقَذْفُ فِي الكُلِّ. الكُل حَرَامٌ أن وَقَاذِفُ الوَلِي إِنْ حُراً وَإِنْ عَبْداً وإن صبرا
زُكِن
وَإِنْ يَكُنْ حُرًّا وَلَمْ يَكُنْ وَلِي وبالِغاً كَانَ فَمِثْلُ الأَوَّلِ
وَإِنْ يَكُ المَقْذُوفُ عَبْداً
فَالخُلْفُ
فِي تَكْفِيرِهِ مِنْ قَبْلِ وَإِنْ يَكُ المَقْذُوفُ مَجْهولاً.
وَلِيِّنِ وَمُشْرِكاً
قَاذِفِ مُسْتَعْجِلاَ
أتَى مِنْ فِعْ
وَالْقَذف عِنْدَ مُشْرُكَ لَمْ يُوجِبِ
كُفْرَانَ
إِذَا لَمْ يَكْذِبِ
?? (1/16)
صفحة 17
بي
كَذَاكَ مَعْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفَا بحُكْمِهِ مِثْلُ صَى فَاعْرِفَا الشهود في ذا عَلَنَا هَذَا إِذَا مَا القَدْفُ كَانَ بِالرُّنَا
b?l?tt?
هذا إذا ما الفرق كان بالزنا أو يشير الشهور في ذا علنا الباب
ادس
في انقسام الكبائر الى كفر نعم وجحود
والكفر قِسْمَانِ جُحُودٌ وَنِعَمْ وبالنِّفَاقِ الثَانِي مِنْهُمَا رُسِم وَامْنَعْهُ فِي الأَوَّلِ حَتْماً وَهُوَ مَا ترَد تَنْزِيلِ وَمُرْسَلِ نَمَـ أَهْلِهِ عَلَى الأبد وَاعْتَنِمَنْ فِي الحَرْبِ مِنْهُمُ السَّبَدُ وَاسْب ذَرَارِيهِمْ وَحَرَّمْ ذَبْحَهُمْ تناكحا توارثاً مِنَّا لَهُمْ لنا سواء الحَرْبِ أَوْ بِجِزْيَةٍ هُمْ جَاءُوا
وهكذا
وَالذَّبْحُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ جُوزا النِّكَاحَ دُونَ حَرْبٍ جُوزا وَفِي الْمَجُوسِ حُكْمُهُمْ ثَبَتْ
أُتَتْ
ويرفع الحَرْبُ لِجزية أنت إلا الذباح والنِّكَاحَ فَهُمَا مُحَرَّمَانِ فِي المَجُوسَ فَاعْلَمَا وَالمُشْرِكُونَ مِنْ ذَوِى الْأَوْثَانِ لَيْسَ لَهُمْ وَاقٍ سِوَى الإِيمَانِ كذاكَ حُكْمُ رَاجِع عَنْ دِينِهِ واخذ بالشَّكُ عَنْ يَقِينِهِ الركن الرابع
في التوبة وفيه أربعة أبواب الباب الأول
في التوبة وأركانها وشروطها
تَوْبَتُنَا قِسْمَانِ فَرضَ وَجَبَا لِمَنْ عَصَى وَالثَّانِي نَفْل نُدِبَا أرْكَانُها نَدَمٌ مَعَ اسْتِغْفَارِ والعزم والرجُوع بانكسار وَأَصْلُهَا امْثَالُ أُمْرِ البَارِي وَمُنْتَهَاهَا الحَط للأوْزَارِ وَالتَّوبُ مِثْلُ الذَّنْبِ عَنْ نَبِيِّنَا سرا وَجَهْرًا هَكَذَا قَد بينا فَالعُجب والكبرُ مَعاً وَالحَسَدُ كذا الريا توبتها أن تُفْقَدُ
-
IV- (1/17)
صفحة 18
فَكَذَا
وهكَذَا العَزْمُ عَلَى الْكُفْرَانِ قالْحَقُّ أنه من العصيان يُرد تَائِبٌ مِنْ ذَنْبِ حتى يُرَى المَوْتَ دَنَا مِنْ قُرْبِهِ أوْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ قَدْ أتَى عَنِ الْمُخْتَارِ فِيْمَا قَدْ وَرَدْ فَقَاتِلُ الْمُؤْمِنِ عَمْداً تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَهَكَذَا الْمُضَلِّلُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِ مَنْ أَضَلَّ وَإِذَا الى ليبطلن حَقًّا فَكَ وَقِيلَ أَنْ لَا تَوْبَةَ لَهُمْ وَفِي قوْلِ أَبِي نَبْهَانَ أَنْ لَيْسَ اصْطَفِي لكِنْ عَلَى المُضِلَّ أَنْ أضلهُ بِمَا دَعَا وَمَنْ فَتَنْ إنْ كَانَ فِي مَقْدِرَةٍ وَإِلا حَرِى بِمَتَابِ المَوْلَى الباب الثاني
في أحوال التائب
وَتَارِكٌ فَرْضاً لِمَوْلاهُ مَضَى كَفَّارَةٌ وَتَوْبَةٌ قَدْ فُرِضَا عَلَيْهِ مَعَ إِبْدَالِهِ وَقِيلَ لا شَيْءٍ سِوَى التَّوْبَةِ فِي ذَا جُعِلاً وَذَاكَ مِثْلُ الصَّوْمِ وَالصَّلاةِ في حُكْمِ مَنْ حَرَّمَ لِلْحُرُمَاتِ الْمِصْر إِنْ أَتَى الطَّاعَةَ هَلْ لَهُ ثَوَابُهَا إِذَا الغُفْرَانُ حَل أَوْلاً أَوْ التَّفْصِيلُ أَوْلَى إِن عَصَى مِنْ غَيْرِ مَا شِرْكِ أَتَى مُحْصَصا
الباب الثالث
في توبة المحرم والمستحل
منْ يُحرم وَالمُسْتَحِلَّ عَكْسُ هَذَا يَلْزَمُ عَلَى التَّحْرِيم لَمْ يُجْزِهِ التَّوبُ بِلا تَغْرِيم أتاه باستخلال بِعَكْسِهِ فِي أَعْدَلِ الأَقْوَالِ يَرُدَّهُ لِمَنْ سَلَبْ
وإِنْ يَكُنْ فِي يَدِهِ مَا قَدْ كَسَبْ
وحُكْمُهُ مُحَرِّمٌ حِيْنَ فَعَلْ
يَصِحُ أَنَّهُ قَدْ اسْتَحَل
- 1^- (1/18)
صفحة 19
الباب الرابع
في الأمور التي لا تلزم منها توبة
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول: في التقية
أجرُ ثَقِيَّةٌ بِقَوْل إِن خَلَص مِنْ نَيْلِ ضَرٌ مَنْ بِهِ القَوْلُ يُخَص
وَامْنَعْهَا فِي إِتْلَافِ نَفْسٍ إِنْ جَنَى والخُلفَ فِي إِتْلافِ مَالٍ ضُمِنَا وَلَمْ تَرْتَقِيَّةٌ بِالفِعْلِ كَالحَرْقِ وَالغَرْقِ وَمِثْل القَتْلِ لكن جواز ما أبيح للضرر كالأكل لِلْمَيِّتَةِ وَالدَّمِ اسْتَهَر وَمُكْرَه جَاءَ بِمَا الحَدُّ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي أَن لا يُحَدَّ نَسْتَجِبْ الفصل الثاني: في الخطأ
ورُفِعَ الإِثْمُ لَدَى الخَطَأَ وَمَنْ الزمه الظَّاهِرَ حُكْماً يَسْلَمَنْ كَالقَاتِلِ النَّفْسَ وَكَالمُطَلِّقِ زَوْجَتَهُ خَطَأَ وَمِثْلِ المُعْتِقِ
الفصل الثالث: في النسيان وحديث النفس
ورفض الوُزْرُ لَدَى النِّسيَانِ وهَكَذَا وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ مِنْ بِعْدِ أَنْ جَاهَدَهُ بِمَا قَدَرْ إِذْ لَمْ تَكُنْ أَشَدَّ مِنْ رُؤْيَا البَصر خاتمة الكتاب)
تَمَّتْ بِحَمْدِ الله أَنْوَارُ العُقُول حَاوِيَة أهم شيء في الأصول عارِيَةً مِنْ وَصْمَةِ الإِخْلالِ سالكة طريقة الكمال أَهْدَيْتُها صِرْفاً لِكُلِّ طَالِب تَصُونُهُ مِنْ كُلِّ قَوْلِ كَاذِب وَأَحْمَدُ الله عَلَى التَيْسِيرِ فِي اتم مَا قَدْ رُمْتُهُ مِنْ شَرَفِ ثُمَّ الصَّلاةُ مَعْ تَسْلِيم عَلَى مُحَمَّدِ المَبْعُوثِ مِنْ خَيْرِ مَلاَ مِنْهَا جَهُمْ عَلَى التَّمامِ وَالوَفَا
وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ
-19 - (1/19)
صفحة 20
الله الرحمن الرحيم
عقائدنا
لك الحمد يا من نور عقولنا بالدين، وطهر قلوبنا من زيغ الملحدين، وصفى ضلالات المبتدعين، وخلص أعمالنا من أقاويل المبطلين، وجعلنا من من القوم الهادين المهتدين، والصلاة والسلام على خير مبعوث رحمة للعالمين، وعلى
آله
وصحبه وعلى تابعيهم الى يوم الدين
،
وبعد: فهذه منظومة من علي بها الرحمن المنان، في قواعد التوحيد والأديان سالكة أعلى منهج في هذا الشأن، واردة أعذب منهل يجلو الأذهان، تنطق بالصدق في كل ناد، وتصدع بالحق بين الحاضر والبادي، قريبة المأخذ للمتناول، بعيدة الغور عن اعتراض المجادل، سميتها أنوار العقول، وما أجدرها بما فيها أقول:
هذه الانوار لا نجم زهر لا ولا اشراق شمس أو قمر فلها ألباب أرباب العلى مطلع زانت به تلك الفكر قربت في فنها ما قد نأى وحوت كل مهم معتبر ليت أشياخي الألى قد سلفوا شهدوا وضع مبانيها الغرر ورأوا تنقيحها في جمعها و انتخابي لمعانيها الدرر فلهم فيها مجال واسع ولها عندهم أعلى قدر
وقد كنت شرحتها شرحا مختصرا، على معاني أبياتها مقتصرا، ثم اني زدت على نظمها زيادات، وألحقته جملة أبيات، فرجعت الى ذلك الشرح فنقحته، والى هذا المزيد فشرحته، فهاك نظما محررا، وشرحا مهذبا مختصرا، سميته (بهجة الأنوار) جعله الله لي ذخرا في دار القرار، وهو حسبي ونعم الوكيل
- (1/20)
صفحة 21
بسم
الله الرحمن الرحيم
(الباء) للاستعانة متعلقة بمحذوف مقدم عند النحويين، ومؤخر عند البيانيين لفائدة القصر والإهتمام، وهل ذلك المحذوف اسم أو فعل؟، والحق انه فعل مناسب لغرض المبسمل تقديره بسم الله أبتدئ أو أطلب أو نحو ذلك
وإضافة إسم الى الله للبيان أو للحقيقة أو للاستغراق كما في الهميان، وصرّح في حاشية الشذور ان الاضافة تأتي لما تأتي عليه ال، والله علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد
•
الرحمن الرحيم) هل هما اسمان من أسماء الله، أو صفتان؟، وعلى كلا القولين فليسا بعلمين، لأن كل واحد منهما كلي ينحصر فيه فرد، والعلم ليس كذلك، وهل هما في أوجه الاعراب صفتان الله؟، أو بدلان منه؟، أو عطفا بيان وجوه؟.؟، وهل الرحمن أبلغ معنى من الرحيم، أو الرحيم أبلغ معنى من الرحمن، أو
هما مترادفان في المعنى كما يعلم من المطولات؟.
وابتدء بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وعملا بما في الرواية عنه الله: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر)، وفي رواية أقطع، وفي رواية أجذم، والمعنى متحد في كلها، أي منقطع عن البركات، وان تم بناء لا يتم معنى، وكذلك يكون الابتداء بالحمدلة بعد البسملة اقتداء بالكتاب العزيز، فانها في أول
الفاتحة، وعملا بما في الرواية عنه الا الله، كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد والصلاة علي فهو أقطع أبتر ممحوق من كل بركة
الحمد لله الذي قد أشرقا شمس الأصول في نهى ذوي التقى
الله
قال الملوي: الحمد هو الثناء بغير الحادث المطبوع الحادث المطبوع، فدخل فيه الثناء على الله بصفاته القديمة فإنه من أجل المحامد، وبهذا يعترض على غير هذا التعريف من
21
- (1/21)
صفحة 22
التعاريف فإنها تخرج هذا الحمد وإن كان قد أجيب عن ذلك بتعسفات في بعضها
سوء أدب مع الرّبّ تعالى وليس هذا محل بسطه
•
وخرج عن الثناء وصف من هو في الدرك الأسفل من النار لما تضمنه (ذق انك أنت العزيز الكريم فانه ليس بثناء بل تنقيص له وسخرية
و (ال) في الحمد إما للعهد والمعهود حينئذ الحمد القديم وإما للجنس وهو مذهب الزمخشري في كشافه وعليه فجائز تارة، وممتنع أخرى على حسب الاحتمالات كما في الهيميان.
وإما للاستغراق فيكون المعنى كل فرد من أفراد الحمد الله وهو الحق، وعليه اعتمد القطب في الهيميان، ويؤيده قوله تعالى (وما بكم من نعمة فمن الله وينصره ما حكى الملوي في حاشيته مما وجده مكتوبا بخط شيخه
قال الإمام الفخر: الحمد) معرفا لا يقال الا في حق الله عز وجل، ولا يجوز أن يقال الحمد لزيد)، قال سيبويه: واللام) في الله للاختصاص وينصره تقديم الجار والمجرور في سورة التغابن (له الملك وله الحمد).
و (أشرقا) .. الخ الهمزة للصيرورة فكان المعنى صير الأصول التي هي كالشمس في الاهتداء بها مشرقة، فان قلت قد جعلت الشمس من باب المشبه به فلم لم تجعلها من باب الاستعارة، قلت لا يصح أن يكون من باب الاستعارة إلا حيث يطوى ذكر المشبه أصلا، وهو هنا مذكور، وهو الأصول والاضافة بينهما من باب المشبه به الى المشبه، والأصول جمع أصل وهو ما عرف حكم
غيره به
عن
•
و النهى) جمع نهية وهو العقل، و (التقى) اسم بمعنى التقوى وهو الزهد المحارم والمسارعة إلى تأدية اللوازم، وفيه اشارة الى أن العلم النافع لا يعطى لغير المتقي لأن وعاء العلم الورع، وفي الخبر يلهمه الله ويحرمه الأشقياء. السعداء ويحرمه وفي قوله (شمس الأصول) براعة الاستهلال، وهي أن يجعل المتكلم في أول
كلامه اشارة الى مقصوده، وأحسنها ما يكون على وجه التورية
22
- (1/22)
صفحة 23
وهي
فأبصروا بنورها المسالكا وجانبوا بسرها المهالكا
قوله (فأبصروا) المراد بالبصيرة لا بالبصر، و (الباء) في قوله بنورها للسببية أو للمصاحبه، و (الهاء) منه عائدة الى الأصول لا الى الشمس كما قد يتوهم، و (المسالك) جمع مسلك، وهو مكان السلوك، و (جانبوا) فاعل من المجانبة، المباعدة، فإن قلت: لم أتيت بفاعل في هذا المقام مع أنه موضوع للمفاعلة غالبا ولم تأت بأفتعل مع أنه موضوع للتجنب والاتخاذ ونحوهما؟ قلت: الإتيان بفاعل في هذا الموضع أولى من التعبير بأفتعل لكونه أبلغ معنى وانجح فائدة وأوفى بتأدية المقصود، ألا تري أن المعنى حينئذ كأن المهالك جانبتهم بنفسها بسبب ذلك السر الذي أودع في الأصول فلم تتعرض لهم أصلا وبهذا يظهر لك المقصود و (المهالك) جمع مهلك وهو موضع الهلاك
حتى استووا على بساط القرب في حضرة قدسية في القرب
(الاستواء) الاعتدال، و بساط القرب عبارة عن كون الوصول الى خير مأمول الى مقام المشاهدة ودرجة المكاشفة. وتقرب العبد إلى مولاه امتثاله لأمره وزجره وتقريب الله لعبده توفيقه اياه لطاعته واعانته له وتخليصه
الأغيار، و (الحضرة) عبارة عن دائرة الكمال
له
من
كثيف
الحالة التي
قال الدمنهوري: والمراد بالحضرة ويعبر عنها بحضرة القدس وهي اذا وصل اليها السالك سمي عارفا، وواصلا أن يكون في حالة لا يرى فيها الا المولى سبحانه وتعالى، والمراد بقوله (لا يرى فيها الا المولى) أي لا يرى صدور الأشياء على الحقيقة الا منه تعالى فانياً عن الأكوان، متوجها بقلبه الى الرحمن
،
متلقفا ما يلقيه المولى سبحانه وتعالى في قلبه من لطائف العرفان، ولا شك أن الوسيلة الى هذه الحالة ذكر المولى سبحانه وتعالى، والقدسية نسبة لها الى القدس، وهو البعد عما لا يليق بها، ولا ايطاء في البيت لأن القرب الأول بمعنى التقرب الذي هو فعل العبد، والقرب الثاني بمعنى التقريب الذي هو فعل الله.
-
23
- (1/23)
صفحة 24
فانتعشت عقولهم بالذكر وبسقت أسرارهم بالفكـ
آلة خلقها
يقال انتعش العاثر اذا نهض من عثرته، والعقول جمع عقل وقد اختلف فيه، خلقها الله في عباده يميزون بها بين الأشياء وأضدادها فقال الشافعي: هو ركبها فيهم سبحانه ليستدلوا بها بين الأمور الغائبة بالعلامات، نصبها لهم مناً منه ونعمة، وقال قوم: هو معين في القلب وسلطانه في الدماغ، لأن أكثر الحواس في الرأس، ولذلك قد يذهب بالضرب على الدماغ، وقال آخرون هو قوة وبصيرة في القلب منزلته منه منزلة البصر من العين، ويسمى عقلا لكونه مانعا للنفس عن فعل ما تهواه مأخوذ من عقال الناقة المانع لها أن تذهب حيث شاءت، وهو مخلوق في الإنسان أن يزداد وينتقص جميع المعلومات بحس وغيره اليه مرجعها، وهو يميزها ويقضي عليها
و (الذكر) القرآن العظيم، وهو أصل للعلوم بأسرها فما من أصل الا وهو مستنبط منه، قال رسول الله الله: (العلم كله القرآن وهو الأصل والتنزيل، وما بعده من العلم تفسير له وتأويل، وسماه ذكرا لقوله تعالى (وهذا ذكر مبارك
،
أنزلناه). وقول الناضم (بسقت) أي طالت كما عن مجاهد وعكرمة في تفسير قوله تعالى: والنخل باسقات، والمراد بـ (الاسرار) العقول وضع الظاهر في موضع المضمر على لفظ غير الأول وهو أحسن ما يكون فيه، أحسن ما يكون فيه، و الفكر) حركة النفس في المعقولات وحركتها في المحسوسات تخييل.
وهي
فأبرزوا نتائج الأفكار فأعربت عن شرف المقدار
(الابراز) نقيص الستر، و (النتائج) هي تنشأ التي عن الفكر جمع نتيجه، لغة الثمرة واضافة النتائج الى الأفكار من باب اضافة المتسبب الى السبب، (فأعربت) أي أبانت، و (شرف المقدار عبارة عن الرتبة العالية التي وصلوا اليها ووقفوا لديها بواسطة العلم.
-
240
- (1/24)
صفحة 25
ثم صلاة الله
سلامه مع
مصطحبان بسنا انعامه
ممتزجان بالشا الجميل على النبي المصطفى الجليل
الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن الناس دعاء، وقيل صلاة الملائكة دعاء أيضا، وفي معناه قلت:
صلاة الله رحمته وأما صلاة الخلق معناها الدعاء
وجملة الصلاة خبرية لفظا، انشائية معنى، والسلام التحية، ورفع (مصطحبان) على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره هما مصطحبان والسناء بفتح السين الضوء، و (الانعام) بفتح الهمزة جمع نعمة، وبكسرها مصدر أنعم عليه، واضافة السناء الى الانعام من باب اضافة الصفة الى موصوفها، والمعنى فيه مصطحبان بانعامه السنية، ورفع (ممتزجان على أنه خبر لمبتدأ أيضا، والنبي إنسان أوحي اليه بشرع، فإن أمر بتبليغه سمي رسولا أيضا، وهو بالهمزة من النبأ، اي الخبر فيصح أن يكون بمعنى فاعل باعتبار انه مخبر بكسر الباء عن الله عز وجل أو بمعنى مفعول باعتبار أن جبريل أخبره عن الله تعالى، وبالنبأ من النبوة، وهي الرفعة، فيصح بمعنى مفعول لأنه مرفوع الرتبه عن غيره أو فاعل لرفعه غيره إذ ما من مرفوع الآ وباب رفعته النبي عل الله، و (المصطفى) الخالص و (الجليل) العظيم.
محمد سيد كل من شفع والآل والصحب الرضى ومن تبع
،
بذلك
(محمد) مفعل من الحمد علم الخاتم النبيين والمرسلين الله، وسمي لكثرة خصاله المحمودة، و (سيد كل من شفع أي أشرفهم وأفضلهم، قال الله: (أنا) سيد ولد آدم ولا فخر)، و (الآل) المراد بهم آله، وهم هنا كل من كان على طريقته، متمسكا بشريعته بدليل ما في الرواية عنه الله آل محمد كل مؤمن)، وفي رواية أخرى (كل تقي) وعلى هذا المعنى أنشدوا:
آل النبي هم أتباع ملته من الأعجام والسودان والعرب
-
25 (1/25)
صفحة 26
لو لم يكن آله الا قرابه صلى المصلي على الغاوي أبي لهب و (الصحب) بفتح المهملة الأولى واسكان الثانية، اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي، قال المناوي في التيسير هو من لقيه بعد النبوة وقبل موته مؤمنا به (انتهى)، و (الرضى) بكسر الراء مصدر رضي بفتحها صفة للآل والصحب على حد زيد عدل، ويجوز أن تقول على حذف مضاف تقديره أهل الرضى ونحوه.
وقوله (ومن تبع) أراد التابعين لهم بإحسان الى يوم الدين، فان قلت قد جعلت اله الا الله كل من كان على طريقته متمسكا بشريعته، ونفيت أن يكون على الخصوص أهل بيته تشريفا لهم على غيرهم، فما الفائدة في عطف الصحب والتابعين على الآل؟، قلت: هذا العطف من باب عطف الخاص على العام، لنكته يدريها من خاض رياض جنان علم البيان، وقد ورد مثل هذا في القرآن
اله
الكريم، منها قوله تعالى الله حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى
وبعد فالدين أهم مقصدا وانه اجل علم قصدا لأنه يعرب للانسان عن كل ما كلف بالبرهان
والصلاة
(الواو) من قوله وبعد إما عاطفة والمعطوف حينئذ قصة على قصة، وإما نائبة عن إما التفصيلية، وهذا الوجه أحسن من الأول لاقترانها بالفاء، وعليه فيكون المعنى على مذهب سيبويه مهما يكن من شيء مهم بعد حمد الله والسلام على رسول الله، وعلى أولياء الله فهو علم الدين لشدة الاحتياج اليه، وكثرة التعويل عليه، وقوله (فالدين) أي فعلم الدين .. الخ، والدين هو وضع الهي سائق لذوي العقول بإختيارهم المحمود لما هو خير لهم بالذات ويسمى شريعة بإعتبار أن الله شرعه لنا دينا، ويسمى ملة باعتبار أن الملك أملاه على النبي عل الله أو بإعتبار املاء النبي على أمته فالمعنى واحد، واختلاف العبارات باختلاف الاعتبارات، وقوله (أهم مقصدا أي مقصده اهم أي أشد هما من مقصد غيره، والهم هنا بمعنى العزم، وقوله وانه أجل (علم أي وان علم الدين أعظم كل علم
-
- 26
- (1/26)
صفحة 27
طلب لينتفع به، وقوله (يعرب) أي يبين، و (الإنسان هو الحيوان الناطق، والمراد به هنا المكلف، والتكليف هو إلزام الله العبد ما يشق على النفس فعله، وعرفه بأنه الأمر والنهي اللذان يجب بهما العقاب والثواب وفيه نظر لأن التكليف شيء غير الأمر والنهي، و (البرهان) هو ما أثبت المعنى في النفس وهو والحجة والدليل ألفاظ متحدة المعنى
بعضهم
وقد نظمت درراً في أصله ان تدرها جزت طريق عدله
(النظم) لغة لف الشيء الى الشيء، يقال نظمت اللؤلؤ في السلك اذا ضممت بعضه الى بعض، وفي الاصطلاح وزن مخصوص على قافية مخصوصة.
و (الدرر) اللؤلؤ شبه المسائل التى نظمها بالدرر واستعار لها اسمها، وقوله في أصله أي في أصوله، والضمير عائد الى الدين لأنه شامل للأصول والفروع، أي وقد نظمت هذه المسائل التي هي كالدرر في حسنها وصفائها في علم أصول الدين، وهو معرفة ما للنفس وما عليها اعتقادا وانما سمي هذا العلم أصول الدين لأن الدين كله مبني عليه صحة وفسادا فلا دين لمن لا اعتقاد له، وقوله (ان تدرها أي تعلمها من درى الشيء اذا علمه، و (جزت) بمعنى سلكت، و (طريق
عدله) عبارة عن الاستقامة في الدين
لقطتها من زاخر الآثار عن الكرام السادة الأبرار
(التلقيط) الأخذ شيئا فشيئا من حيث لا يحس، والضمير في لقطتها عائد الى الدرر بمعنى المسائل، و (الزاخر) الطامي يقال زخر البحر إذا طمى، و (الآثار) جمع أثر وهو في الأصل الخبر المروي عن رسول الله الله، وهو معنى قولهم لاحظ للنظر مع ورود الأثر، ثم نقل في اصطلاحنا الى كلام العلماء في الأحكام الشرعية، وقوله عن (الكرام) جمع كريم، فهو لغة من اذا سئل أعطى، ثم نقل إلى التقي لقوله تعالى وان أكرمكم عند الله أتقاكم، و (السادة) جمع سيد وهو من الله
-
27
- (1/27)
صفحة 28
فاق قومه بفضيلة، و (الأبرار) جمع بر بفتح الموحدة، وهو من أصلح ما بينه
وبين ربه.
والله بالقبول فيها يقضي حتى أراها في غد من قرضي ومنه أرجو أن يعم نفعها كل الورى وأن يتم صنعها
(القبول) الثواب على الشيء، ويقضي) أي يحكم، وقوله (حتى أراها) أي أجدها، فحتى بمعنى كي كقولك للكافر أسلم حتى تدخل الجنة، و (غد) اسم لليوم الذي بعد يومك الذي أنت فيه، وأراد به هنا الآخرة، وفي التعبير به عنها تنبيه على سرعة اضمحلال الدنيا واقبال الآخرة، و (قرضى) أي عملي الصالح، وأصل القرض هو ما أعطيته غيرك لتقتضيه منه، شبه به العمل الصالح أن كلا منهما راجع الى صاحبه بنفعه اقتباسا من قوله تعالى ومن ذا الذي الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم، و (الهاء) من قوله (ومنه) عائد الى اسم الجلالة، و (الورى) الخلق، و (الصنع) اسم بمعنى
بجامع
يقرض
الصناعة
- YA- (1/28)
صفحة 29
وهي
الركـ
ـن الأول
في العلم وما يشتمل عليه، وفيه أربعة أبواب
قدم ركن العلم على ركن الجملة مع أنها هي العروة الوثقى لمن تمسك بها، السلامة لمن لم ينقضها، لكون العلم أصلا لها، وبه تقوم الحجة بها على
المكلف، وان كانت الحجة معناها تقوم بخاطر البال، فهو أيضا علم
واختلف في حد العلم، فقال قوم إنه لا حد له، وقيل بل يحد، وحده ادراك المعلوم على ما هو به، وقيل الادراك والإحاطة والإستبانة، قال في الأدلة والبيان، وهو الصحيح.
الباب الأول
في أقسام العلم وأحكامه
الأحكام جمع حكم وهو النسبة التامة بين الشيئين
•
مع
أن
وشرعا هو أثر خطاب الله تعالى المتعلق بفعل العباد، كان اقتضاء كالإيجاب والتحريم والندب والتكريه أو تخييرا كالاباحة، قدم ذكر العلم على الجهل الجهل موجود طبعا في الانسان لقوله تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا تنبيها على شرف العلم وفضيلته وارتفاع رتبته وعلو درجته.
ومحدث العلم ضروري بلا تأمل ونظري تؤملا (1/29)
صفحة 30
علم
ينقسم العلم الحادث بالنسبة الى حصوله الى قسمين ضروري ونظري، فالضروري هو الذي غير محتاج الى تأمل أي تفكر واكتساب، وهو أنواع أقواها الانسان نفسه وما هو عليه من حالاته ثم الفرق بين الموجود والمعدوم، وإن الشيء يستحيل كونه في مكانين في وقت واجد وموجود ومعدوم في وقت واحد، وقائم وقاعد في حال، ثم ما وقع عند تواتر الأخبار كالعلم بالبلدان النائية والملوك الماضية، ثم العلم بحاجة البناء الى بان، والكتابة الى كاتب
(والنظري) هو الذي يحتاج في تحصيله الى تأمل واكتساب، وفي الأدلة والبيان هو الذي يعلم بالإستدلال، واحترز بمحدث العلم عن علمه تعالى، فانه لا له تقسيم ولا يوصف بأنه ضروري ولا نظري. وقسم العلم الامام الخليلي الى ثلاثة أقسام: الى وهبي وضروي ومكتسبي، فكان جوابه لمن سأله عن الفرق بينها بأن قال الوهبي يلقيه الله تعالى في قلب عبده فيض نوراني ومدد رحماني، والضروري لا يمكن أن يتصور لذي بال خلافه بأن الاثنين اكثر من الواحد والكسبي ما عرف بالتعليم والتحفظ والاجتهاد فحصل بسمع من المسموعات أو نظر من المرئيات أو بفكرة من المقدمات لأهل الاستدلال والنظر (انتهى)، وعند التحقيق فالوهبي راجع الى الضروري وداخل في حده
والكل من ذين له تعبد في الشرع معروف كما سنورد اختلف في دخول أل على كل وبعض فأجازه قوم ومنعه آخرون كذا ذكره العطار في حاشيته على الأزهرية.
ويصح على تأويل آخر أن يحمل معنى الآية على الوجوب
*
،
- r. (1/30)
صفحة 31
ولفظه (ذين) اشارة الى الضروري والنظري أي كل من الضروري والنظري
له تعبد تدرك معرفة ذلك التعبد من علم الشرع، فتعبد الضروري كالايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر وكالاعتقاد بأنه لا يصح محسن مسئ في حالة واحدة، ولا مؤمن كافر في حالة واحدة اللهم إلا أن يراد بالايمان اللغوي لا الشرعي، ولا شقي سعيد في حالة واحدة الى غير ذلك من الأضداد ونحوها
وتعبد النظري هو كالمعرفة بتفاصيل الصلاة وحدودها والمعرفة بالصيام وحدوده وتفاصيله والمعرفة بالحج ومواقيته وفرائضه وسننه، والمعرفة بالزكاة وتفاصيلها، الى غير ذلك مما يدرك علمه بالاستدلال والتعلم والتفكر
•
والعلم منه لازم قد وجبا تعليمه والثاني نفل ندبا فكل شيء لم يسعنا جهله فواجب وما عداه نقله
،
ينقسم العلم بالنسبة الى الحكم الشرعي الى واجب ومندوب اليه. فـ (الواجب) هو علم كل شيء غير واسع الجهل به، وهو المراد بقوله العلم فريضة على كل مسلم، وفي رواية طلب العلم فريضة على كل مسلم وقوله (اطلبوا العلم ولو بالصين، وهذا القسم مهما لزم أحدا لا يسعه التأخير عن طلبه الا بعذر بين كما سيأتي ان شاء الله
و (المندوب) هو علم كل شيء واسع الجهل به، لكن في تعليمه منفعة دينية أو صلاح للعالم، فمن طلبه من غير تضييع لفرض كقوت عيال الى غيره من الفرائض الحاضرة كان له الفضل العظيم كما سيأتي ان شاء الله، وهذا القسم هو المشار اليه بقوله تعالى قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر
أولو الألباب). (1)
،
-
- 31 -
- (1/31)
صفحة 32
والبحث للواجب حتما يلزم لقادر بترك ذاك يأثم
يري
له معبرا وإن نأى يمض له
والحد للقدرة أن في الصح مع وجدان ما يحمله ومأمن مع قوت من يكفله
(البحث طلب بإجتهاد، أي يلزم طلب العلم الواجب لزوما حتميا على من قدر عليه، ومن تركه مع القدرة على طلبه فهو آثم هالك إلا أن يتوب، وحد القدرة في هذا أن يجد من يعلمه علم ذلك، وإن بعد هذا المعلم لزمه أن يرحل منه ما لزمه علمه، ولا يلزم المسير اليه إلا إذا كان صحيحا واجدا للراحلة والأمان في الطريق وواجدا للقوت الذي يتركه لمن يلزمه عوله إلى أن يرجع اليهم، فقوله (يرى) أي يجد له، وقوله (معبرا) أي من يعبر له علمه بعبارة يعقلها
اليه فيتعلم
والا فلا يلزمه
وقوله (وإن نأى أي بعد ذلك المعبر عن بلده، وقوله (يمض له) أي يرحل اليه، وقوله في الصح بضم الصاد إسم بمعنى الصحة، وقوله (مع وجدان) مصدر وجد، وقوله ما يحمله أي مع وجوده الذي يحمله اليه وهو المركوب، وذلك اذا لم يستطع المشي اليه، وقوله (ومأمن) مصدر أمن بمعنى الأمان،، وقوله مع قوت من يكفله أي مع وجدانه قوتا يتركه لمن يكفله أي لمن يلزمه عوله. فهذه خمسة شروط، وهي: وجود المعبر، والصحة، والمركوب اذا لم يستطع، والأمان، وقوت العيال، وترك شرطا سادسا وهو الزاد المبلغ، إلا أنه تنطوي عليه عبارته بالمأمن، فان ترك الزاد مخوف وهذا الذي ذكره الناظم مما تقوم فيه الحجة بالسماع. وأما الذي تقوم عليه فيه الحجة من العقل فغير منفس لأحد فيه بالسؤال بعد خطور البال كما سيأتي ان شاء الله
المشي
فان قلت: هل يلزم أحدا علم ما يطمئن اليه قلبه انه لو عاش يلزمه ذلك ويخاف
-
32
- (1/32)
صفحة 33
عند لزومه أن لا يجد من يعبر له اياه؟ قلت: لا يلزمه ذلك الا انه من باب الفضيلة والوسيلة، ولو كان يلزمه ذلك للزمه أن يعرف ما أبعد هو منه فيتمشى هذا القول
الى أنه أنه يلزمه أن يعرف جميع ما في علم الله، وهذا محال والدائن به دائن بضلال
وبما أورده الامام أبو سعيد رضي الله عنه في كتاب الاستقامة كفاية من نطيل بالتفصيل له هاهنا
وفضله ليس له احصاء جاءت به من ربنا الأنباء
أن
الهاء من قوله (وفضله) عائدة الى العلم، والاحصاء) بالكسر الضبط والحصر، و (الأنباء) بالفتح الإخبار أي فضل العلم ليس له ضبط لمن رام ضبطه، ولا حصر لمن شاء حصره لعظم ما من الله بسببه من النعم على صاحبه دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
أما الآيات فقد قال عز وجل (شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط) فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفا وفضلا، وقال تعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم (درجات) قال ابن عباس رضي الله عنه: للعلماء درجات فوق درجات المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام، وقال الله عز وجل قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، وقال انما الله عباده العلماء من، وقال تعالى قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب، وقال تعالى وقال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به يه تنبيها على أنه اقتدر بقوة العلم، وقال عز وجل وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاكم وفيه أن عظم قدر الآخرة يعلم بالعلم، وقال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون وقال تعالى ولو ردوه الى الرسول والى أولي الأمر لعلمه الذين يستنبطونه منهم) رد حكمه في الوقائع الى استنباطهم، وألحق رتبهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله
بخشي
منهم
- (1/33)
صفحة 34
وأما الأخبار النبوية فقد أورد الحافظ بن حجر منها جملة مسرودة محذوفة
الإسناد فها نحن نوردها على طريقته، قال رسول الله (من يرد لمن الله به خيرا يفقهه في (الدين إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين وألهمه رشده، أفضل العبادة الفقه وأفضل الدين الورع وفي حديث سنده مختلف فيه والجمهور على قبوله (فضل العلم؛ خير من فضل العباده، وخير دينكم الورع، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا الى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا لما يطلب، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وانما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ أوفر)، ووقع للناس في هذا الحديث اختلاف كثير، قال صفوان بن عسال: يا رسول الله جئت أطلب العلم، قال: مرحبا بطالب العلم إن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها ثم يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا سماء الدنيا من محبتهم لما يطلب، يا أبا ذر لئن تغدو فتعلم آية من کتاب الله لك خير تصلى مائة ركعه، ولئن تغدو فتعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل لك من أن تصلي الف ركعة، الدنيا معلونة معلون ما فيها إلا ذكر الله وما
أن من
خير
،
والاه، وعالما ومتعلما، إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره، أو ولدا صاحا تركه، أو مصحفا ورّثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته، خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده، علماء هذه الأمة رجلان رجل آتاه الله علما فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعا، ولم يشتر به ثمنا، فذلك يستغفر له حيتان البحر ودواب البر والطير في جو السماء، ورجل آتاه الله علما فبخل به عن عباد الله وأخذ عليه طمعا، واشترى به ثمنا، فذلك يلجم يوم القيامة بلجام من نار، وينادي مناد هذا الذي آتاه الله علما فبخل به عن عباد الله، وأخذ عليه
طمعا
واشتري به ثمنا.
34
- (1/34)
صفحة 35
وكذلك حتى يفرغ الحساب، فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، أن الله وملائكته وأهل السموات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في الماء ليصلون على معلمي الناس الخير، يقول الله عز وجل للعلماء يوم القيامه اني لم أجعل علمي وحلمي فيكم الا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي، وإضافة العلم والحلم الذين فيهم اليه تعالى صريح في أنهم كانوا عاملين
مخلصين.
العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع، وعلم في اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم، من غدا الى المسجد لا يريد الا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان
له كأجر حاج تاما حجة، من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع،
من
غدا يريد العلم يتعلمه الله فتح الله له بابا الى الجنة وفرشت له الملائكة أكتافها
،
وصلت عليه ملائكة السموات، وحيتان البحر وللعالم من الفضل على العابد كفضل القمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السماء، والعلماء ورثة الأنبياء لأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكنهم ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر، وازاد البيهقي: وموت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة لا تسد وهو نجم طمس، موت قبيلة أيسر من موت عالم، نظر الله أمرءا أي رزقه النضاره والبهجة والحسن سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه الى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث لا يغل عليهن: قلب مسلم، اخلاص العمل الله ومناصحة أولاة الأمر ولزوم الجماعة فإن دعوتهم لا تحبط، وفي رواية تحفظ من ورائهم. كانت الدنيا نيته فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا الا ما كتب الله له ومن كانت الآخرة نيته جمع الله أمره وجعل غناه في
ومن
قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة، فمن دل على خير فله مثل أجر فاعله أو قال عامله الدال على الخير كفاعله، والله يحب اغاثة اللهفان من دعا الى هدى كان له
الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا)
من
- (1/35)
صفحة 36
وهو
الباب الثاني في السؤال
لغة الطلب، قال الشاعر:
سألناكم قبل الرماح حقوقنا فلما أبيتم كان حاكمنا السمر
وفي الاصلاح هو ما يبرهن به في العلم ومنه اشتقاق المسألة ثم استعمل لفظ المسألة علماً عاما على طائفة مخصوصة من الكلام فهي من أعلام الأشخاص كأسماء سائر التراجم وانما قدم المصنف هذا الباب على الذي يليه لأن السؤال سبب للفتوى، والسبب مقدم على مسببه.
سؤالنا قسمان قسم حجر والثاني تفويض المجيب قررا
ينقسم السؤال بالنسبة الى مطالبة الجواب الى سؤال حجر، وسؤال تفويض، فالأول نحو سؤال الرجل عن العالم بفتح اللام، هل هو محدث أم لا؟ فكأنه حجر على المجيب الا أن يجيبه بأحد الوجهين
و (التفويض) هو نحو سؤال الرجل عن الدلالة على حدوث العالم فيجيب المجيب بأي دلالة شاء فكأنه فوضه في ذلك
وفي شرح قصيدة فتح بن نوح قال: وقسمه آخرون على خمسة، فقالوا سؤال فائدة، وسؤال تعنت، وسؤال استفهام، وسؤال تقوير، وسؤال إجلال، ومثل هذا من المعاني فكأنهم عبروا عن العلة التي بها سأل السائل، أما أن يسأل ليستفهم أو ليتعنت وليس هذا الوجه من أقسام السؤال، وإنما هو من أقسام العلة التي لها
سأل السائل (انتهى) أقول: ولا مانع من تقسيم السؤال إلى ما ذكر باعتبار غرض السائل، والله
أعلم.
وباعتبار الشرع في التعد للازم قسم ونفل تهتدي
-
36 - (1/36)
صفحة 37
عن
ينقسم السؤال بالنسبة إلى الإعتبار الشرعي في التعبد أي التكليف الى قسمين
•
عنه،
الله
(لازم) (ونفل، فـ (اللازم هو السؤال عن كل ما لا يسع جهله من دين و (النفل) هو السؤال عما عدا ذلك، وعبارة الناظم تخرج السؤال المكروه والمحجور كالسؤال عما لا فائدة فيه والتجسس عن العورات، قال القاضي نجاد في (الأكلة وحقائق الأدلة): والسؤال سؤالان سؤال مأمور به، وسؤال منهي فالمأمور به على ضربين، سؤال عن واجب فهو واجب وسؤال عن مندوب اليه، فهو سؤال ندب فمن اعتقد ترك السؤال عن المندوب اليه فهو هالك باجتماع، والسؤال المنهي عنه هو ما عفى العباد عن السؤال عنه مما في البحث عنه ايجاب حكم أو تحريم أمر قد كان لولا السؤال حلالا، قال الله تعالى ويا أيها الذين آمنوا لا تسألوا أشياء ان تبد لكم تسوكم .. الآية (انتهى) أقول: المراد بقوله فمن اعتقد ترك السؤال عن المندوب اليه فهو هالك باجماع، أي من اعتقد ذلك دينا فانه لا شكّ في هلاكه بذلك لأنه دان الله بخلاف ما أمره به وندبه اليه والمتقرب الى الله بخلاف ما أمره به هالك اجماعا وليس المراد بقوله فمن اعتقد ترك السؤال الخ من عزم على تركه، لأن العازم على ترك المندوب من غير دينونة بتركه مع تأدية ما وجب عليه، وترك ما حرم عليه سالم اجماعا .. والله أعلم أسقط سؤالا ان أتى خمس به تناقض أو جاء باضطرابه اثبات أو جمع سؤالين معا أو كونه من المحال وقعا ينقسم السؤال بالنظر الى نفس لفظه الى سؤال صحيح والى ساقط، فاما السؤال الصحيح هو ما خلا هذه الأشياء الخمسة وحقه أن يجاب إلا إذا حصل له مانع من غير لفظه كتعنت في السائل أو نحو ذلك، أما السؤال الساقط فهو ما كان في لفظه أحد هذه الخمسة وهي التناقض والإضطراب والإثبات وجمع سؤالين مختلفين في سؤال واحد، ويطلب لهما جوابا واحدا، والسؤال عن المحال، فاذا كان في السؤال أحد هذه الخمسة كان ساقطا وحقه أن لا يجاب فأما (التناقض) فهو أن يكون آخر السؤال مناقضا لأوله، مثال ذلك أن يقول السائل اذا كان العالم محدثا فما الدليل على قدمه أو يقول اذا كان الجماد غير متحرك
من
-
37
- (1/37)
صفحة 38
فما الدليل على تحركه؟.
وأما الاضطراب) فهو أن يدخل السائل في سؤاله الأعم في الأخص مثال ذلك أن يقول ما الدليل الذي صار به العرض حركة، وما الدليل الذي صار به العالم جسما؟، فالعرض أعم من الحركة، والعالم أعم من الجسم، وفي إدخال كل
منهما في صاحبه اضطراب
وأما (الإثبات) فهو أن يسأل عن زيادة فائدة في شيء والمسئول ينفي أصل ذلك الشيء، مثال ذلك أن يقول ما الدليل على ثبوت رؤية الله في الآخرة والمسئول ينفي الرؤية أصلا، وما الدليل على خروج أهل الكبائر من النار، والمسئول لا
يقول بذلك. وأما (جمع السؤالين (معا) فهو أن يسأل عن شيئين مختلفين ويريد لهما علة واحدة
ودليلا واحدا في الوجه الذي اختلفا فيه، مثال ذلك أن يقول ما العلة التي صار
بها الجسم مؤلفا والعرض مضمحلا وما الدليل على حدوث العالم وصدق الرسل
وأما السؤال عن (المحال) فهو أن يسأل عن شيء يحيل العقل وجوده، مثال
ذلك أن يقول هل يقدر الله أن يخلق له شريكا وهل يقدر الله أن يجعل الإنسان ناطقا صامتا في حالة واحدة والله أعلم.
فصل في الألفاظ الممتنع بها
السؤال عن المولى جل وعلا
•
امنع بكيف لم وهل سؤالا من أي متى عن ربنا تعالى أين ومن أين وكم فكيفا عن هيئة وعلة لم تلفا يمتنع السؤال عن الله عز وجل بأشياء لدلالتها على معنى حادث، فالسؤال بها من خواص الحادثات، وتلك الأشياء هي كيف ولم بكسر اللام، وفتح الميم وتسكينه في الشعر شائع لاستقامة الوزن، وهل ومن بفتح الميم وأي بفتح الهمزة ومتى وأين ومن أين وكم، فهذه تسعة ألفاظ وترك عاشرا وهو ما وهي سؤال عن ماهية الشيء أي حقيقته، وكل واحدة من هذه الألفاظ لها معني بخلاف غيرها
38
-
- (1/38)
صفحة 39
ولها جواب بخلاف جواب الأخرى، وكلها غير جائز في حق المولى جل وعلا، وكذلك لا تجوز هذه الألفاظ سؤالا عن صفاته الذاتية لأن صفاته ذاته لا
هي
غيرها كما يأتي ان شاء الله، فكل ما لا يجوز في حقه تعالى لا يجوز في صفاته
الذاتية لما تقدم
واختلف في السؤال بلم من هذه الألفاظ عن صفاته الفعلية فأجازه قوم ومنعه آخرون، والمنع مذهب الإمام أبي عبدالله محمد بن محبوب رحمه الله، وقيل ان كان السؤال بها عن الصفات الفعلية انكارا لفعله تعالى فلا يجوز، وان كان تعلما وتفهما واستدلالا على قدرته تعالى فذلك جائز، واحتج القائلون بالمنع بقوله تعالى ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وسيأتي الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية عند ذكر الناظم لها ان شاء الله
وقوله فكيفا) عن هيئة هذا شروع في الكلام على تفصيل معاني هذه الألفاظ أي فكيف سؤال يطلب به تعيين الهيئة، وهي الحالة التي عليها المسئول عنه فاذا قلت مثلا كيف زيد فكأنك سألت عن حالته فيقال لك صحيح أو سقيم أو حي
أو ميت، وهذا كله غير جائز في حقه تعالى
•
علة
وقوله (وعلة لم تلفا) أي توجد، قال تعالى وانهم ألفوا أباءهم ضالين الله أي وجدوا، والعلة هي التي لأجلها يكون ذلك الشيء يعني ان لم سؤال عن وهي مركبة من لام الجر وما الاستفهامية فحذف الفها بدخول حرف الجر عليها
كما في القانون النحوي
•
وهل لتصديق ومن عن جنس وأي لشركة وأجزا النفس متى سؤال جاء عن زمان أين ومن أين عن المكان وكم سؤال عدد وإنه فرد قديم قاهر سبحانه
هل سؤال يطلب بها التصديق وهو طلب النسبة بخلاف طلب التصور فانه طلب التعيين بعد العلم بالنسبة وله من الأدوات ما عدا هل
39
- (1/39)
صفحة 40
هذا
وقوله (ومن عن جنس أي سؤال يراد به تشخيص الجنس، فقولك من تريد تشخيصه ونسبته، ومن جبريل تريد من أي جنس هو، فيقال لك انه من جنس الملائكة، وإلى هذا قصد اللعين في سؤاله لموسى عليه السلام حين قال و من ربكما يا موسى أراد من أي جنس.
وقوله (وأي لشركة الخ .. البيت، يعني أن أي سؤال عما يميز المتشاركين كقوله تعالى أي الفريقين خير مقاما له أي أنحن أم أصحاب محمد لأنهما شريكان في الفريقيه، ويسأل بها أيضا عن أجزاء النفس كقولك أي أجزاء زيد أحسن؟ فيقال لك وجهه أو يده أو نحو ذلك وقوله متى سؤال) أي لفظة متى سؤال يطلب بها تعيين الزمان ماضيا كان أو مستقبلا، كقولك متى كان هذا، فيقال لك أمس أو متى يكون فيقال لك غدا.
عن
وقوله (أين) .. الخ، البيت يعني إن أين ومن أين بكسر الميم سؤالان يطلب بهما تعيين المكان، قال السيوطي في شرح عقوده: قال الشيخ بهاء الدين والفرق بين أين ومن أين، إن أين سؤال عن المكان الذي حل فيه الشيء ومن أين سؤال المكان الذي برز منه الشيء (انتهى) وقوله (وكم) أي لفظة كم. سؤال يطلب بها تعيين العدد كقوله تعالى كم لبشتم و قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم له فهذه الألفاظ كلها يمتنع السؤال بها عن الباري سبحانه، وكذلك ما كان بمعناها كأنى فانها تارة بمعنى كيف كقوله تعالى فأتوا حرثكم أنى شئتم وأخرى بمعنى من أين كقوله تعالى أنى لك هذاكم أي من أين لك هذا. (وكأيان) فإنها بمعنى متى مطلقا عند النحويين نحو قوله تعالى ويسألونك الساعة أيان مرساها أي متى، وكقوله تعالى يسأل أيان يوم القيامة أي متى يكون، و (كحتى) فإنها بمعنى إلى متى يكون هذا الشي قال في شفاء الحائم على بعض الدعائم، وقد قالوا إن السؤال كله عن تسعة أشياء أولها السؤال بهل لأنك انما تسأل أولا عن عدم الشي ووجوده وجوابه موجود أو معدوم، فإن قال معدوم فقد بطل، وإن قال موجود فحينئذ تسأل بما هو، وانما تسأل
عن
وهو
4
- (1/40)
صفحة 41
جسم
بها عن الجنس خاصة فتقول ما هو تعني أي جنس هو، فيقال إنه محدث حيوان إنسان عرض حركة سكون، فاذا سأل بمن فانما يسأل عن انسان خاصة
فيقال له أعرابي، تركي، أخ، ابن. فاذا سأل بأي فانما سأل عن قصد واشارة، فيقال له هذا وذاك فاذا سأل عن كم هو فإنما سأل عن عدد فيقال له واحد اثنان ثلاثة.
فاذا سأل بكيف فانما سأل عن حال وصفة فيقال له حي أو ميت، أبيض
أسود، حلو حامض
فاذا سأل بأين فانما سأل عن مكان فيقال له في مكان كذا وكذا بالمشرق
أو بالمغرب أو بمكة أو بالمدينة
•
فإن سأل لم كان فإنما كان فإنما سأل عن علة، فيقال له لعلة كذا وكذا
فاذا سأل بمتى
•
فانما سأل عن زمان ماض أو مستقبل، فيقال له كان في الأمس
أو يكون غدا، وقد ذكرها أبو نصر النفوسي فقال:
وتسع سؤالات عن الله فانفها. سأجمعها في البيت نظما على ضمن. فهل من أي كيف أين متى لم وتاسعها كم فاحرز وتفطن
عنه
وقول الناظم وانه فرد إلى آخره أتى بالخبر مؤكدا الاقتضاء المقام ذلك، فإنه لما ذكر أولا الألفاظ التي لا تجوز على الله سبحانه سارع في تنزيهه عن كل ما لا يليق به فحسن تأكيد الخبر وقوله (فرد) لا شريك له ولا أجزاء فيسأل بكم وأي، وقوله (قديم) أي سابق على كل شيء فلا يسأل عنه بهل، ولا تأتي عليه الأحوال فيسأل عنه بكيف، ولا جنس فيسأل بمن، ولا حادث فيسأل بلم ومتى، وقوله (قاهر) أي غالب لا مكان له يحويه فيسأل عنه بأين ومن أين، وقوله (سبحانه) أي تنزيها له عن كل ما لا يليق به تعالى عن جميع ذلك علوا كبيرا.
عنه
— El
- (1/41)
صفحة 42
الباب الثالث
في الاجتهاد والفتوى
الفاء هي
الفتوى بالواو مع فتح الفاء وبالياء مع ضم تبيين الحق للسائل،
وأما (الاجتهاد) فهو استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل حادثة بشرع ولما كان مستمد الاجتهاد والفتوى الأصول الثلاثة بلا خلاف بدأ فقال:
والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار أصول الفقه ثلاثة: كتاب الله، وسنة رسول الله الله، واجماع المهتدين
من الأمة.
فأما الكتاب: فلأنه معجز وهو من عند الله ولا شك ولا يسع جهله بل ولا الشك فيه لمن قامت عليه حجته.
واختلف في وجه اعجازه هل هو من حيث التراكيب على أنه أفحم البلغاء فيها أو من حيث الاخبار بالغيب، أو من حيث اخباره عن الأمم الخالية، أو من حيث عدم التناقض فيه مع طوله. أقوال، والظاهر أن كل ذلك معجز.
وأما السنة: فلثبوت أصلها من الكتاب قال تعالى ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، وقال وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحي يوحى، وقال وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقال وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله
وأما الإجماع: فلثبوت أصله من الكتاب والسنة فمن الكتاب قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدان فبين سبحانه أنهم شهداء على الناس، كما أن الرسول شهيد عليهم، وقوله تعالى ويا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فقرن سبحانه طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله، وقوله ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي لعلمه الذين يستنبطونه منهم
الأمر منهم
-
- (1/42)
صفحة 43
ومن السنة قوله لا تجتمع أمتى على ضلالة) وفي رواية (لا الله يجمع أمتي على ضلالة وفي حاشية الترتيب (ما) كان ليجمع أمتى على ضلال)، وقوله ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله (حسن، فالمراد بأصل الفقه في كلام المصنف أدلة الفقه من حيث استناده اليها واضافته اليها، والمراد بالفقه ما يعم العلم بالعمليات والعقائد والاخلاق
هو
تواترا.
و (الكتاب) هو الكلام المنزل للاعجاز على رسولنا محمد عل المنقول عنه
و (السنة) هي أقوالهلال وأفعاله وتقريراته. و (الاجماع) هو إتفاق يجتهدي الأمة على أمر في عصر، وكل واحد من هذه الأصول الثلاثة يكون قطعي الدلالة ويكون ظنيها
فأما القطعي من الكتاب فهو ما كان نصا على شيء بعينه كما في قوله تعالى وحرمت عليكم الميتة والدم .. الآية، وأما الظني من الكتاب فهو ما لم يكن نصاً في شيء بعينه، وانما استخرج منه ذلك الشيء من طريق الإستدلال والإستنباط، وذلك كما في قوله تعالى ووصينا الانسان بوالديه حسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا فاستنبط العلماء هذه الآية من أن أقل الحمل ستة أشهر، وذلك لما علموا من قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين .. الآية، إن مدة الرضاع حولان اسقطوا الحولين من ثلاثين شهرا فبقيت ستة أشهر وليست الآية نصا في هذا كله، ولكن العلماء استنبطوا منها ذلك بالإشارة اليه فدلالتها على ذلك ظنّية.
وأما القطعي من السنة فهو ما نقله التواتر عنه لالا، أو أجمعت الأمة على أنه عنه عليه السلام كحديث من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار). وأما الظني من السنة فهو ما نقل عنه الا الله من طريق الآحاد أو من طريق التواتر لكنه غير نص في المطلوب وأما القطعي من الإجماع فهو ما كان في شيء لم يتقدم فيه خلاف ولم ينازع
- (1/43)
صفحة 44
فيه أحد من المجمعين لا قبل انعقاده ولا بعده، حتى انقرض عصرهم على ذلك، ولم يكن مخالفا لنص من الكتاب أو السنة، فان خلاف النصوص حرام ولا ينعقد على مخالفتها إجماع.
وأما الظني من الإجماع فهو ما عدا ما ذكرته. ولما كان مخالفة القطعي من كل واحد من هذه الثلاثة الأصول حراما وضلالة
بإجماع من اعترف بالإجماع من الأمة المحمدية أشار الى ذلك فقال:
والإجتهاد عند هذي منعا وهالك من كان فيها مبدعا
تقدم أن الاجتهاد هو استفراغ الفقيه الوسع في استحصال حادثة بشرع، وفي هذا البيت اشارة الى حكمه الشرعي فيحرم الإجتهاد في مواضع ورد نص الكتاب أو السنة أو الاجماع القطعي في بيان حكمها، ويجب التسليم لها والقبول لبيانها، ويجوز الإجتهاد في الأشياء التي لم يرد فيها نص من أحد هذه الثلاثة، ويجب على من بلغ الإجتهاد واحتاج الى العمل أو الفتوى أو الحكم بما لم يرد به نص من الأصول الثلاثة
وقوله (هالك .. الخ) أي من ابتدع حكما مع ورود أحد هذه الأصول فهو هالك، لأن مخالفتها حرام وضلال ولما كان الاجتهاد في غيرها قد يكون جائزا، وقد يكون واجبا أشار الى النوعين فقال:
والرأي في غير الأصول جوّزا وواجب أن نتحرى الأجوزا المراد بـ (الرأي) هنا الاجتهاد الفقهي، وبـ (التحري) طلب ما هو الأولى في العمل، أي يجوز الإجتهاد في الأشياء التي لم يرد فيها نص أحد الأصول الثلاثة لمن شاء أن يجتهد ويجب على من بلغ رتبة الإجتهاد فأراد العمل أو الفتوى أو الحكم بما لم يرد فيه نص أحد الثلاثة الأصول، فإذا اجتهد المجتهد فعليه أن يأخذ بما أداه اليه اجتهاده وان خالفه عليه غيره، ولا يجوز له أن يترك الأعدل في إجتهاده وإن
-
44
- (1/44)
صفحة 45
خالفه
من
عنه
الله خالفه في ذلك خلافا لما في أجوبة الإمام ابن محبوب – رضي لأهل المغرب وتابعه على ذلك أبو الحسن البسياني في سيرته، وذلك أنهما قالا ان الحاكم يترك رأيه ان لم يوافقه عليه أحد من الجماعة ويأخذ بقولهم، ولا يخفى ما فيه من العدول عن ذروة التحقيق الى حضيض التقليد، ثم انه أشار الى هذا المعنى بعينه فقال:
ولم يجز خلافنا للأعدل مما نرى وميلنا للأهزل في غير ما قد حكم الحاكم أو كان خلاف كافر فيما رأوا أو من طريق الزهد كان أفضلا وان حكمت فاقصدن الأعدلا وذاك مثل الأكل للسباع قد رأيت حلها وإن نهي ورد حملته على سبيل الأدب كمثل ما اختار إمام المذهب يحرم على المجتهد العدول عن الرأي الذي يرى أنه هو الأقرب الى العدل للأدلة التي عنده عليه والأخذ بالرأي الذي يرى أنه أبعد عن الصواب في نظره لمخالفته الأدلة التي عنده، لأن الله عز وجل كلف كل واحد من المجتهدين أن يأخذ عند الحاجة الى الأخذ بما أداه اليه اجتهاده فهو فرض في حقه، والعدول الى غيره عدول عن فرضه، لكن استثنى بعضهم من هذه القاعدة ثلاثة أشياء، وذكر أن فيها جواز العدول عن الأعدل الى الأهزل في نظر المجتهد
كنت ترى
أحدها: فيما اذا حكم عليك حاكم عدل وكان ممن يجوز له الحكم في المختلف فيه، فانه يجب عليك اتباعه فيما حكم به، ولا يجوز لك مخالفته في ذلك وان أن الذي حكم به هو الأهزل والأبعد من الأدلة (ويبحث فيه) بأن هذا غير خارج من تلك القاعدة، ألا ترى أنه اذا حكم لك بشي ترى أنه لغيرك لا يجوز لك أخذه غاية ما فيه أن الواجب في الصورة الأولى الإنقياد لحكم الحاكم لا ترك الأعدل في نظره وثانيها: أنه اذا كان في الرأي الذي يرى أنه أبعد من الأدلة مخالفة لكافر قال يجوز له ترك ما هو الأعدل في نظره والأخذ بما هو أهزل فيخالف الكافر في
- (1/45)
صفحة 46
الله
لليهود
ذلك. كان الكافر مشركا أو فاسقا، ونصب للأول دليلا يهودي مر على رسول ورسول الله وأصحابه واقفون عند دفن ميت، فقال اليهودي: هكذا تفعل أحبارنا، قال: فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالقعود مخالفة، ونصب للثاني دليلا ما روي أن جابر بن زيد رضي الله عنه خالف الحسن البصري حين قال له وقد حضر معه في مرضه الذي مات فيه قل يا جابر لا اله الا الله فأمسك جابر مع قدرته على النطق مخافة أن يقال تبع الحسن في مذهبه ويبحث فيه بأن هذا كله خلاف ما عليه القاعدة، فإن القاعدة أنه لا يجوز للمجتهد أن يخالف ما رآه أنه هو الحق في نظره وأن ما عداه خلاف الحق
هي
لذلك
في نظره، وقعوده، وإمساك جابر عن القول ليس حراما قبل ذلك وثالثها: انه اذا كان في الرأي الذي يرى أنه الأهزل في نظره نوع زهد وتنزه وفي الرأي الذي يرى أنه الأرجح والأعدل ترك لذلك التنزه والورع قال فهاهنا يجوز له أن له أن يترك ما يرى أنه الأعدل فيأخذ بما في نظره أنه الأهزل، وضرب مثلا بمسألة تحليل السباع وتحريمها على أنه قد ورد النهي من الشارع عن أكلها وقد اختلف العلماء في تأويل هذا النهي فذهب بعضهم الى أن هذا النهي للتحريم فحرم أكل السباع لذلك وذهب آخرون منهم إمام المذهب أبوسعيد محمد الكدمي الى حمل هذا النهي على الكراهية والتنزه فأجازوا أكل لحوم السباع وقالوا فيها بالتكريه، فاذا رأى المجتهد جواز أكلها وإن هذا النهي للكراهية كما عليه هذا الامام رضوان الله عليه كان جائزا له أن يتمسك بما رأى فيأكل، وأن يدع أكلها تنزها لما في أكلها من الكراهية، هذا في الحكم الذي يخصه بنفسه، أما اذا حكمه غيره وولي الحكومة في ذلك وجب عليه أن يحكم بما يرى أنه الأقرب للصواب
بن سعيد
مثال ذلك اذا تخاصم اليه رجلان اصطاد أحدهما سبعا فأطلقه منه الآخر فطلب المصطاد حقه من الذي أطلق سبعه كان على هذا الحاكم أن يحكم لهذا المصطاد على هذا الذي أطلقه بضمان سبعه ويبحث فيه بأن ما ذكر من جواز الترك للأكل هذا الباب الذي نحن بصدده، فإن ترك هذا المجتهد أكل هذه السباع
ليس من
-
- {7
- (1/46)
صفحة 47
انما هو لإمتثال النهي الوارد عن الشارع فلا يلزم من الامتناع عن أكلها القول بأن أكلها حرام، ألا ترى أنه حين صار حاكما وجب عليه الأخذ بما رأى أنه الأرجح في نظره فيلزمه الحكم به، ولأجل هذه الايرادات على هذه المستثنيات أشار المصنف للتبري من استثنائها بقوله فيما رأوا أي فيما رأى المستثنون لهذه الخصال، ولما فرغ من بيان الأحكام التي تخص المجتهد شرع في بيان حكم الضعيف
عن الاجتهاد فقال:
والخلف ان لم نعرفن الأعدلا هل جائز بما نشا أن نعملا أولا اذا التحري في ذا يعدم بل نستشير واجبا من يعلم إختلف العلماء في الضعيف الذي لا قدرة له على الاجتهاد ولا استطاعة له على ترجيح الأقوال، وقد أراد أن يعمل بشيء من الأشياء التي قد اختلف العلماء
في حكمها. فذهب بعضهم إلى أن لهذا الضعيف أن يأخذ بأي قول شاء تلك الأقوال من الموجودة في مسألته، ولا يلزمه في كل قضية أن يستعين بالفقيه الحاضر، واحتج لذلك بأن قوله ليس بأثبت فيه ممن تقدمه فيه فأورده أثرا صحيحا فيحسن اتباعه لمن بعده، بل قد يمكن أن يكون الأول أكثر علما وأصح نظرا وبالعكس، فاستوى الأمر ان فيما وجده من أثر صحيح أو نقله له عن الأوائل من الاختلاف أو أخبره الفقيه الحي بوجود الإختلاف فيه وسكت عن التعديل فيما يحكيه وحكم ما عدله بعض علماء السلف، وعدل غير الفقيه الحاضر من الخلف حكم ما اختلف الفقهاء في تعديله، ويرجع الأمر فيه الى جواز الأمرين، هذا كله اذا لم يكن لهذا الضعيف قدرة على معرفة الأعدل، وكانت المسألة مما وجد الاختلاف فيها.
صحيح
أما اذا شاء العمل بشيء لم يوجد في بيان حكمه شيء عن العلماء فهاهنا يجب عليه مشاورة أهل العلم في ذلك ولا يجوز له أن يعمل بهوى نفسه
وذهب آخرون الى أنه يجب على هذا الضعيف اذا شاء العمل بما يختلف فيه
-
47
- (1/47)
صفحة 48
أن يشاور من قدر على مشورته من الفقهاء، وأن يستعين في طلب الأعدل من الأقوال، والدليل على ذلك قوله تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلمه الذين يستنبطونه منهم لأن الاستنباط لا يكون إلا من الفقهاء العلماء
منهم
به، وقد أمر الضعفاء برد الأمر فيه اليهم والأخذ فيه بقولهم فهم الحجة فيه لهم وعليهم، ويدل على ذلك قوله تعالى فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون
أقول: وهذا المذهب أقوى دليلا وأقوم سبيلا من الذي قبله لهذه الأدلة ولما في مشورة العالم من إمكان الإطلاع على دليل القول الذي يرشده عليه، ويأمره بالأخذ به، فيكون بذلك آخذا بالدليل الذي سمعه فينزل في وجوب المشاورة للعالم عند وجوده منزلة القادر على الإجتهاد، ولا يخفى أن حكم من كان مجتهدا ولم يطلع على الأدلة في شيء من الأحكام ان حكمه في ذلك حكم الضعيف لأنه في ذلك الحكم ضعيف أيضا بناء على القول بتجزي الإجتهاد وهو مذهب الامام
الله عنه
•
الكدمي رضي وفي قول ثان ان الإجتهاد لا يتجزأ فلا يكون مجتهدا حتى يكون عالما بجميع من الكتاب والسنة، والأول هو المختار، والله أعلم.
الأدلة
من
هذا
-
-
كان
وخطأ العالم في الفتوى همل والوزر والضمان للذي عمل الخطأ نوعان، أحدهما: أن يكون صاحبه معتقدا إصابة الحق فيما أفتى به ويظن أنه صواب وهو مخالف للحق، فهذا غير معذور من الإثم والضمان عالما أو جاهلا ـ اذا حرم ما أحل الله أو أحل ما حرم الله، وقد حصل التحرز النوع بقول الناظم وخطأ العالم لأن صاحب هذا النوع وان كان عالما في غيره فهو جاهل به، وثانيهما: أن يكون المفتي عالما بذلك الشيء الذي أخطأ فيه وبأصوله فأخطأ بلسانه وهو يعلم أن لو انتبه أنه مخطئ فيه فهذا مختلف في تضمين صاحبه، والذي عليه الجمهور من الجهابذة أنه لا ضمان عليه، وأما الإثم فلا نعلم أن أحدا قال به في هذا الموضع، والذي وجدناه عن علمائنا إنه لا إثم عليه بدليل قوله عله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) .. الحديث، وباشارة قوله تعالى حكاية عن المؤمنين وربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وما أحسن قول الصائغي
48
- (1/48)
صفحة 49
وزلة العالم في فتواه مرفوعة عنه وما أولاه وقول الناظم في الفتوى احتراز من خطأ العالم في الحكم فإنه لا يعذر من ضمانه، أما الإثم فمعذور عنه في الحالتين وانما كان عليه الضمان في الحكم دون الفتوى، لما في الحكم من جبر المحكوم عليه على قبول قول الحاكم دون الفتوى فانه ليس فيها جبر، وقوله والوزر والضمان .. الخ، أي إثم ذلك الخطأ وضمانه إنهما على من قبله من العالم وعمل به أو حكم لأنه لا يجوز لأحد أن يقبل خلاف الحق أو يعمل به، ولو قال به من قال العلماء، فالعلماء انما من الحق لا في الباطل، ولما صرح بتأثيم العامل بخلاف الحق وتضمينه استدرك ذلك
ببيان توبته فقال: وان خفي بطلانه عليـ
يعبر
فالتوب مجملا أتى الي
هم
حجة في
ان كان مما حجة السماع به ولم يجد معبرا فلتتبه قوله (بطلانه عائدة الى الخطأ وكذلك في قوله اليه، والهاء من من
الهاء
قيل انه لا
قوله (عليه) عائدة الى الذي عمل وانتصب مجملا على الحال من فاعل أتى أي لا يخلو ذلك الخطأ أما أن يكون مما تقوم به الحجة من العقل أو مما تقوم حجته من السماع، فالأول غير معذور صاحبه مهما خطر بباله إلا باعتقاده الحق فيه، والثاني نوعان: تأدية مفروض، وترك محجور فأما تأدية المفروض فاذا لم يجد معبّرا له اياه، ولم يتأت له من قبل بصيرته بإلهام ونحوه فهو معذور كما سيأتي اذا اعتقد في جملته السؤال عن جميع ما يلزمه من دين الله، وأما ترك المحجور فقد أحدا أن يرتكبه عالما بحجره كان أو جاهلا مستحلا أو محرما، يسع ومن ارتكبه فهو هالك ظالم لأنه قد ورد في الأثر المجمع عليه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرأوا من العلماء اذا برؤا من راكبه، وهذا قد ارتكب ذلك الأمر المحجور عليه ارتكابه، فلا عذر له بجهل ولا بفتوى مخطئ لأن اذا أخطأ المفتي وجه الصواب فليس بحجة، وقيل إذا لم يجد المعبر في هذا ونحوه وكان قد اعتقد في جملته المتاب عن جميع ما لزمته فيه التوبة والسؤال عن جميع ما لزمه فيه السؤال فهو سالم، وفي هذا قد سئل الإمام
-
49
:
الخليلي رحمه الله (1/49)
صفحة 50
ـؤال
نسائل شمس العصر "أعني سعيدنا سلالة خلفان الخليلي. الممجدا عن الراكب المحجور جهلا ولم يزل مقيما عليه مدة الدهر سرمدا يجالس أعلام الأنام ولم يسل وموطنه دار بها العلم والهدى يدارس للآثار طول زمانه ولكنه لما يراه راه مسودا ولم يسمع التحريم فيه ولم يكن خطورا له بالبال كي يتعبدا ويحسبه فعلا حلالاً وانه تقي كريم خائف موقع الردى أيسلم عند الله ان مات هكذا ويدخله الفردوس فيها مخلدا فقل ما أراك الله فيها مصرحا صفات قيام الحجة الكل مرشدا فلا زلت محبورا وحبرا موفقا لكشف مهمات خليفة أحمدا عليه صلاة الله ما ناحت الربا نسيم الصبا أوجابت العيس فدفدا
فأجاب رضوان الله عليه
اليك بحمد الله نظما مؤيدا بحكم كتاب الله من شرع أحمدا عليه صلاة الله ثم سلامه وأهليه والأصحاب أفضل من هدى فمن ركب المحجور جهلا بحجره من الحكم من مشروع ربي تعبدا وضيع مفروض السؤال وانه على قدرة منه فقد ضل واعتدى وما عذره بالجهل شيئا يفيده من الحق الا أن يشر بالردى كزان ولم يدر الزناء محرما وواطئ أدبار النساء تعمدا فذلك بالاجماع لا شك هالك اذا لم يسل من قبل فعل به ابتدا أقيمت وما في الجهل عذر له بدا
وهذا عليه حجة الله
ربن
ولو سقط التكليف عن كل جاهل لكان اقتناء الجهل للنفع أعودا (1/50)
صفحة 51
دين
ولا تبغ في ذاك اختلافا فانه ضلال وكن أهل الجدال مفندا فهذا باجماع على نص محكم الـ كتاب وما فيه اعوجاج تأودا وان تاب من قبل الذهاب فربنا حليم غفور ذنب من تاب واهتدى ودعني من ذكر الذي ليس واجدا له أحدا ممن يعبر للهدى فهذا له حكم يخص عمومها ولكن أراه لم يكن لك مقصدا فجئت بحمد الله بالحق واضحا سلام على هادي البرية أحمدا
الله
وقلل في موضع آخر من فتاويه وأما النوع الثاني وهو ركوب المحجور في تعالى من أصول ما لا تقوم به حجج العقول فقيل في هذا على الاطلاق بهلاك فاعله المتعبدين لأنه يفعل ما لا من يجوز له في دينه وقد نقض الدين وفي الأثر المجتمع عليه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه مالم يركبوه الخ، وهذا قد ركبه فضاق عليه، ولم يسعه جهل بحكم ظاهره وإلا فالجهل أشرف بضاعة إن كان به عذر لمن أطاعه فهو أولى بالكرامة لأنه مطية السلامة، ويأبى
الله ذلك.
وفي قول آخر: فعسى أن لم تقم عليه الحجة بحرامه أن لا يبلغ به إلى هلاكه وآثامه إن دان الله تعالى بالتوبة منه بعينه ان كان في الدين حراما، وبالسؤال عنه أيضا ان هدي إلى ذلك في أحد الوجهين أو فيهما تاما، وإلا ففي الجملة ولا بد أن يدين في جملته التي تعبده بها أن يطيعه في كل شيء من أمره ويسأل القدرة عما يجب عليه السؤال عنه من دينه، ويتوب اليه من كل معصية علمها أو جهلها في حينه مع الدينونة له بما يجب عليه في ذلك إن لزمه شيء هنالك أو هدي اليه حال وجوبه بالتعيين، أو في الجملة من أصل ما به يدين، فإذا دان الله تعالى بما يجب من هذا في الجملة إلا أنه لعدم قيام الحجة عليه بحرمة ما ركبه لم يهد الى حكمه فأتاه على غير عمد منه للمعصية وإنما وقع منه لقصور علمه، وكذلك إن أخذ فيه بفتيا من دله على غير عدله لا مقلدا له على حال ولا مدعيا على الله فيه بمحال، لكونه فيه على غير استحلال ولا مهملا عليه اعتقاده فيه على الخصوص أو في الجملة إلا لعذر كما سبق في مثله من مقال، فتكون الفتيا
101
- (1/51)
صفحة 52
من
هذا
خطاً
هذا المقام لباطلها حكم لا شيء فكأنها لم تكن في الأحكام شيئا فكان ذلك المفتي على ما يعذر به، أم يلام فقابل ذلك على حجره وإن لم يكن من عذره إلا أنه مالم تقم الحجة عليه به، وهو غير مقصر في الواجب من عقيدته، ففي قول الشيخ أبي نبهان ـــ رحمة الله عليه ــ رحمة الله عليه ـ في غير موضع من أجوبته ما دل أن يحسن ظنه في الله، يرجو أن لا يهلك من أجله بشرط ما ذكرناه من إلتزام طريقة النجاة في عقيدته، وقد صرح في هذا وفي غيره من جوابه بوجود الاختلاف في هذا وبابه وقوله صحيح، وآثار الشيخ أبي سعيد ـ رحمه الله
-
-
-
تشهد له بصوابه، وكفى بهما قدوة لمن أراد الله به الهداية، وبآثارهما نورا يهدي كما له هو أهل، وبحمده نتوسل اليه أن ينقذنا من الجهل وبمحمد وآله عليهم أفضل الصلاة والسلام. هذا كلامه وبه تعلم أن ما في كلامه المنظوم محمول على أتى الحرام بعد قيام الحجة عليه به من لأنه هو موضع الهلاك بإجماع كما يرشد اليه قوله ودعني من ذكر الذي ليس واجدا الخ)، والذي في كلامه المنثور محمول على من أتى الحرام، والحال أن الحجة لم تقم عليه في ذلك الشيء بعينه لكنها قامت عليه في الجملة، وذلك كما لو علم أن في دين الله حلالا وحراما فارتكب شيئا لا يعلم حكم الله فيه، فإذا هو حرام في دين الله فان هذا هو هو موضع
النزاع والله أعلم
•
أو نقول ان كلامه المنظوم محمول على من ضيّع فرض السؤال وضيع اعتقاده بالإهمال، وما في كلامه المنثور محمول على ما إذا لم يضيّع مفروض السؤال، ولم يهمل الإعتقاد في الإجتناب ما عدا الحلال ثم ظهر أن هذا الوجه هو أولى يحمل عليه كلام هذا المحقق، والله أعلم.
ولما كان الجهل نقيض العلم وكانت أحكام العلم دائرة بينه وبين الجهل إذ
ما وجب
علمه
الباب فقال:
حرم جهله، وما حرم جهله وجب
علمه
ختم
هذا الركن بهذا
02
- (1/52)
صفحة 53
مما
شأنه
الباب الرابع في أقسام الجهل وفيما يسع جهله وفيما لايسع جهله وبه يتم الكلام على الركن الأول ان شاء الله
لا
والجهل قسمان بسيط سلما صاحبه والثاني فهو ما انتمى إلى مركب وليس يسلم صاحبه بفعله بل يأثـ ينقسم الجهل الى بسيط، والى مركب، فـ (البسيط) هو عدم العلم بالشيء من العلم حتى يتصور في باله شيء مما جهل به، ولا يخطر بعقله شيء من صفاته وصاحب هذا القسم معذور سالم لأن الحجة لم تقم عليه بعلم ما جهله، ولا يكون التكليف الا بعد قيام الحجة، أما ما قيل من أن راكب المحجور في دين الله هالك ولو لم يعلم بحجره فذلك محمول على من علم أن في الله حلالا وحراما، لكنه لم يعلم الحكم فيما ارتكبه بعينه وهذا قد تقدم
دين
له تصور علم بوجود جملة المحرمات فهلاكه انما كان بعد قيام الحجة عليه في الجملة، وجهله بما ارتكبه جهل مركب لا بسيط، وأما (المركب) فهو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، وإنما سمي هذا القسم مركبا لتركبه من عدم العلم، فصاحبه يظن أنه عالم بالشيء وهو جاهل به،
بالشيء واعتقاد أنه
عالم
الاشارة بقول القائل:
ومن عجب الأيام انك جاهل وانك لا تدري بأنك لا تدري
واليه
وصاحب هذا القسم هالك ان كان جهله بما يلزمه العلم به، وإنما كان هالكا. لقيام الحجة عليه بذلك الشيء، واعتقاده فيه على خلاف حقيقته لا يكون عذرا علمه، فالمراد بقوله (والثاني فهو ما أنتمى الى مركب أي القسم الثاني من قسمي الجهل هو ما انتسب الى مركب أي سمي بذلك، وقوله (بل
له بعد وجوب
يأثم تأكيد لقوله وليس يسلم ولما فرغ من تقسيم الجهل بالنظر الى حقيقته وحصوله في ذهن المكلف شرع في بيان تقسيم الجهل المركب منه بالنظر الى حكم الشارع فيه فقال:
-
03
-- (1/53)
صفحة 54
وباعتباره لدى التكل
الهاء
1
لواسع الجهل وضيق من قوله (وباعتباره) عائدة الى القسم المركب من قسمي الجهل لأنه أقرب مذكور، ولأن القسم الأول صاحبه معذور وسالم فلا يتأتى فيه هذا الانقسام، والمعنى أن الجهل المركب ينقسم بالنظر الى حكم الشارع فيه الى قسمين أحدهما سالم صاحبه والثاني هالك، فيسلم صاحبه إذا جهل بما لم يلزمه العلم به، ويهلك إذا جهل بما يلزمه العلم به، وسيأتي بيان ما يلزمه العلم به وما لا يلزمه مفصلا، ولك أن تقول أن الهاء من قوله وباعتباره عائدة الى حقيقة الجهل مع قطع النظر عن التقسيم المذكور، والمعنى ينقسم الجهل من حيث هو إلى واسع الجهل وهو الجهل البسيط وبعض المركب، وإلى ما لا يسع جهله وهو بعض المركب، وقول الناظم في (التكلف) أي في التكليف، ففي اطلاق التكلف على التكليف مجاز إرسالي لعلاقة المسببية لأن التكلف مسبب للتكليف، يقال كلّفته فتكلّف ولما فرغ من بيان أقسام الجهل وأحكامه شرع في بيان الأشياء التي يسع جهلها والأشياء التي لا يسع جهلها فقال:
ـت فعلمه في وقته مثب
وأي فرض فعله مؤق
ــــرا
حجته
مته تقوم ممن عبـ وقيل لاحجة ممن كفرا بل ما عدا البر أتى في المعتبر ان استطعته بلا نيل ضرر
تنقسم
الأشياء التي تعبدنا بها الى قسمين: أحدهما: تقوم حجته من عقل المكلف، وسيأتي الكلام عليه ان شاء الله
•
تعالى في بابه ثانيهما: تقوم حجته من السماع، وهو نوعان امتثال أمر، وامتثال نهي) فامتثال الأمر تأدية المفترضات من الأبدان والأموال، وهو أيضا نوعان: أحدهما موقت العمل أي يلزم أداؤه في وقت معين. وثانيهما: ما ليس كذلك، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى فأما الذي عمله موقت كالصلاة والصوم فيلزمه عمله بدخول وقته وتقوم حجته حينئذ من جميع المعبرين ولو كان المعبر كافرا أو طفلا أو سمع ذلك من
•
لسان
-
- (1/54)
صفحة 55
-
طائر ففهمه أو وجده مكتوبا في كاغد وغيره، وهذا هو الذي أورده الإمام أبو سعيد في استقامته، وقيل ان الكافر ليس بحجة في هذا وغيره، بل ما عدا البر - بفتح الباء ـ وهو الصالح في جميع أموره لا يكون حجة، قاله في المعتبر محتجا له بقوله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا
-
•
قال أبوبكر في الاهتداء: ذهبت النزوانية إلى قيام الحجة من كل معلم من كافر ومسلم أو كتابة في حجر أو من فم طائر واعتلوا بأن الحق بنفسه حجة فحيث وجد كان حجة لا يعتبرون في ذلك المعلم به، والحجة لهم في ذلك قول النبي: اقبل الحق ممن جاءك به بغيضا كان أو حبيبا، ورد الباطل على من جاءك به بعيدا كان أو قريبا، قالوا: فلما كان الباطل غير مقبول ممن جاء به من مسلم أو كافر بإجماع كان الحق مقبولا ممن جاء به من مسلم أو كافر وذهبت الرستاقية إلى أن الحجة في تفسير ما تعبد الله به لا تقوم إلا من واحتجوا بقول الله تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، وبقوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة قالوا فقد أمر بالتبين عند خبر الفاسق وهو عام في كل نبأ حتى يصح التخصيص، قالوا: وفي أمره بالتبين عند خبر الفاسق دليل على ترك التبين عند خبر غير الفاسق،
والله أعلم .. (انتهى)
•
الثقاة،
6
أقول: وفي كل واحد من هذين الاستدلالين نظر فليتأمل، وقول الناظم (إن استطعته .. الخ) أي ان قدرت على وجود المعبر من غير تحمل لمشقة خارجية ولا إصابة ضرر في النفس والعيال، وقد تقدم ذكر الشروط لمن يجب عليه الخروج في طلب المعبر في الباب الأول من هذا الركن فراجعه من هنالك
ادائه متمم من
واعتقد السؤال إن لم تستطع معبرا نور هداه تتب لكن عليك أن تؤديه كما رأيت فإن تكن موافقا صدق العمل وفقك الباري وإلا فالبدل مختلف فيه ومع من أثبته قولان بالفور ودين مثبت
مثبته
: (1/55)
صفحة 56
أي اجعل في عقيدتك السؤال إذا لم تقدر على وجود المعبر حتى تتوصل اليه بوجه من الوجوه، لكن عليك الاعتقاد للسؤال أن تؤدي ذلك المفترض الواجب عليك فعله كما حسن في عقلك من ادائه، والأداء فعل الشيء في وقته، والقضاء فعله بعد وقته استدراكا، والإعادة فعله في وقته، ثانيا لخلل، فإذا وجدت المعبر وعبر لك ذلك المفترض كما أديته أنت من قبل فقد وفقك الله عليه ولا بدل عليك فيه، وان عبر لك على خلاف ما أنت مؤد له فالبدل مختلف فيه على قولين، هل هو عليك أو لا؟ أوجبه قوم و لم يوجبه آخرون، واختلف المثبتون للبدل هل هو لازم على الفور أي في أسرع ما استطعت لأن الفور تعجيل إنفاذ الواجب أو دين مثبت عليك متى ما شئت أن تؤديه فواسع لك. (قولان) والهاء في قول الناظم (مثبتة) للمبالغه كما في قوله تعالى وبل الانسان على نفسه بصيره ثم أنه أشار الى بيان النوع الثاني من نوعي الفرض الفعلي فقال: وإن يكن غير موقت العمل فواسع جهلكه إلى الأجل
مالم تكن معتقدا لتركه وقيل كالأول نظم سلكـ وذاك مثل الحج والزكاة لأن وقت ذين للممات هذا النوع هو الثاني من نوعي امتثال الأمر، وهو الفرائض الغير الموقته أي لم يكن عملها محدودا في وقت معلوم كالحج والزكاة لأن وقتهما واسع الى حضور الموت لمن لم يدن بترك فعلهما أو يعتقده من غير دينونة، فإذا لزمك أحد هذين الفرضين أو ما كان في معناهما فواسع جهلك بعلمه الى الأجل أي الى حضور وقت انقضاء الأجل، فإذا حضر وقته لزمك علم ذلك المفترض، وكان عليك كان حجة في الصلاة والصوم اللازمين الحاضر وقتهما، وقيل بل يلزمك العلم بكل مفترض عليك، وان وسعك التأخير في أدائه لئلا تكون جاهلا بما افترض عليك في دين الله وهذا معنى قول الناظم (وقيل كالأول) الى آخر البيت، والمراد بـ (الأول) في قوله الفرض الموقت فعله، وفيه قول ثالث وهو أنه لا تأخير أدائه بعد الإمكان، فيكون من الفرائض الموقته ويحتمله قول يسع الناظم أيضا، وهذا القول لا يبعد عندى في الزكاة لإقترانها بالصلاة في أكثر آي
حجة جميع من
- (1/56)
صفحة 57
القرآن، ولقوله تبارك وتعالى وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون وليس من المشركين من يؤتي الزكاة، إنما ذكرها هنا تحريضا للمؤمنين على المسارعة في أدائها وتنبيها على لزوم فرضها إلا إن القول الأول من هذه الأقوال الثلاثة هو الشهير المتداول، وعليه الامام أبوسعيد رضي الله تعالى
عنه في الاستقامه.
ومنه
وواسع جهلك بالمحرم جميعه مالم عليه تقدم كالدم والميتة والخنزير إن قائم العين وكالخمور وكالذي يذبح للأوثان في أي ما كان المكان من وذا لدى المضطر قد أبيحا والخلف في الخمر أتى صريحا
هذا النوع الثاني من النوعين اللذين تقوم بهما حجة السماع، وهو امتثال النهي عن عن ارتكاب المحرمات جميعها، والجهل بها واسع لمن لم يقدم عليها بارتكاب أو تحليل بقول دون إرتكاب، فإن كان شيء من ذلك فلا يسع جهلها ولزم الفاعل علم تحريمها سواء كان إرتكابه إياها على علم بجنسها وجهل بتحريمها أو علم بتحريمها وجهل بجنسها، وتلك المحرمات (كالدم) والمراد به الدم المسفوح كما صرح به تعالى في سورة الأنعام، فإن قلت الدماء ما من هو حرام بإجماع كالمسفوح، ما هو حلال باتفاق كدم السمك، ومنه ما هو مختلف فيه كدم المستجلبات، فكيف لايسع جهله لراكبه مع وجود الإحتمال فيه، فالجواب أن الحكم فيه التحريم حتى يصح غيره (وكالميتة) وهي التي لم تذك فدخل تحت هذه العبارة المنخنقة والموقوذة وهي المضروبة بالعمد حتى ماتت، والمتردية وهي التي تتردى من علو إلى أسفل فماتت من غير تذكية، والنطيحة وهي فعيلة بمعنى مفعول من النطح وهو الدّع، وما أكل السبع كالذئب والنمر ونحوهما الا ماذكيتم أي إلا ما ادركتم من هذه الاشياء فذكيتموه فهو حلال لكم وحل ما يحل من هذه بالتذكية تتحرك المذكاة بعد التذكية ولو بجارحة قيل ولو تحريك طرف عينها أي جفنها وأما سائر البدن الذي ليس بجارحة فلا إعتبار بتحركة في تحليلها لأنه قد
ذكاته
أن هو
-
? Y - (1/57)
صفحة 58
تكون تلك الحركة فيه وهو لحم مسلوخ، ويخرج عن هذه العبارة ما كان مستثنى شرعا كميتة البحر لقوله تبارك وتعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة فهو حلال على الاطلاق لقوله الله وقد سئل عنه فقال: (هو الطهور
اؤه والحل (ميتته وكميتة الجراد للسنة، وما شابهه فهو مقيس عليه، وقول الناظم (والخنزير ان قائم (العين) أي وكالخنزير إن كان قائم العين أي لم يتغير شخصه فهو من المحرمات أيضا فلا يجوز لأحد أن يقدم على ارتكابه ولا تحليله بقول سواء علم به أو جهل، وأما إن كان غير قائم العين بأن كان لحما مقطعا فواسع جهله أكله اذا لم يعلم به أنه لحم خنزير وأكله من عند من تجوز ذبيحته إذ لا فرق لحمه وبين لحم سائر الحيوانات، وما أحسن قول ابن النظر:
بين
كذلك الخنزير حيا على ذي الجهل حرم وذوي العقل وواسع من بعد تقطيع جهلك بالاعضاء والنشل
وحملوا على الخنزير القرد لاقترانهما في قوله تعالى وجعل منهم القردة والخنازير واختلفوا في خنزير البحر فقال قوم هو حلال لأن الله أحل صيده على الاطلاق، وذهب آخرون الى التحريم لأن الله حرم الخنزير على الإطلاق، وقيل فيه بالتكريه من غير تحريم وهو سائغ، وقوله (وكالخمور) جمع خمر أي كذلك الخمور فهي حرام في كتاب الله تعالى ولا يجوز لأحد ارتكابها ولا تحليلها بجهل ولا علم، قال ابن النظر
رحمه
الله
:
والخمر لا عذر لمن ذاقها في حال علم منه أو جهل
وكذلك كل مسكر لقوله علي الا الله كل مسكر حرام خلافا لأبي حنيفه في تحليله الخمر من غير الزبيب والتمر، قال ابن النظر:
والسكر مكروه حرام كله من كل مشروب ولو من ماء وقوله (وكالذي يذبح .. الخ) أي وكذلك محرم ما ذبح للأوثان جمع وثن وهو الصنم ومثله ما ذبح للنيران المعبوده في أي مكان كان ذلك المذبوح أي
-
08
- (1/58)
صفحة 59
بإزاء الصنم أو ناحية عنه، بعدت أو قربت ووجه القصد اليه قال ابن النظر: وما ذبحوا لغير الله حرم ولو ذكوه بالملأ الشهود ومثل هذه المحرمات الذي لم يذكر اسم الله عليه لقوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه الله، وقوله وذا) لدى المضطر لفظة ذا اشارة مكني بها عن جميع ما تقدم من المحرمات فهي لمن اضطر اليها حلال لقوله تعالى (الا ما اضطررتم اليه وحد الضرر أن يخاف على نفسه الهلاك من الجوع ولم يجد ما يحيي به نفسه الا احد هذه المحرمات، فجائز له بل واجب عليه أن يتناول منها قدر ما يحيي لا زيادة، فاذا كان في حالة الضرر ووجد ميتة أنعام ولحم خنزير فليتناول من الميتة ويدع الخنزير وان كان جائزا له التناول منه، ولا يجوز له أن منه، ولا يجوز له أن يحيي نفسه بميتة البشر، واختلف في الخمر هل يجوز للمضطر التناول منها أولا قولان واحتج القائلون بالمنع بأن
الهلاك
الخمر لا تعصم من والجهل بالأنساب أي تحريمها فواسع لجاهلي علومهـ ما تركوا ارتكابها وضاق إن ارتكبوها جهلهم بها استبن
به نفسه
أي يسع جهل تحريم نكاح الانساب الوارد ذكرها في الكتاب والسنة والاجماع لمن لم تقم عليه حجة علمها وذلك كتحريم نكاح الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات نسبا ورضاعا وكتحريم الربائب على من دخل بأمهاتهن ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب، وكتحريم ذوات الصهر، هذا كله ما لم يرتكبه بتحليل فيكون مستحلا لما حرم الله أو بإنتهاك فيكون مضيعا لفرائض الله، سواء علم بالحرمة أو جهل اذا علم بأصل النسب، وحد مرتكب ذلك بجهل أو بعلم أن يقتل بالسيف قال في شفاء الحائم وفي مثل هذا الأثر المنقول في كتاب أبي سفيان عن عبدالملك بن مروان والإعرابي الذي نكح امرأة أبيه فأتى به عبد الملك فقال له مالك نكحت أمك فقال ليست بأمي وانما هي امرأة أبي فظننت أنها لي حلال فضرب عنقه وقال (لا جهل ولا تجاهل في الاسلام فبلغ ذلك أبا الشعثاء فقال أجاد عبدالملك أو قال أحسن، وفي هذا الأثر أيضا ما يدل على أنه جائز للجبابرة إقامة الحدود أي تحريمها) في قول الناظم
•
59
- (1/59)
صفحة 60
على البدلية من الأنساب أو عطف بيان، ويجوز أن يكون عطف نسق بأي التفسيريه على مذهب الكوفيين وما من قوله (ما) تركوا يجوز أن تكون شرطية والجواب حينئذ محذوف بدلالة ما قبله تقديره إن تركوا ارتكابها فالجهل لهم واسع، ويجوز أن تكون ظرفيه مصدريه مقدرة بمدة الترك فتكون متعلقة بواسع، وقوله (جهلهم) فاعل ضاق وجملة الشرط معترضه بين الفعل وفاعله، واستبن) أمر بطلب البيان
•
وواسع لجاهل الأنساب نكاح من شاء بلا ارتياب إن كان لم يقصد خلافا ورجع متى رأى حرام ما فيه وقع أي يسع من كان جاهلا بالنسب عالما بالحرمة أو جاهلا بها نكاح من شاء من النساء بلا ارتياب أي بلا شك، وان أمكن أن تكون تلك المنكوحة في علم الله ممن يحرم عليه نكاحها فلا يزيل هذا الإمكان الإباحة التي أحلها الله وذلك مثلا أن يكون لرجل في قبيلة أو بلدة ذات محرم منه ولا يعرفها بعينها ولا يستطيع ادراك معرفتها بعينها، فلا نقول أن ذلك الرجل يمنع من امكان أن تلك القبيلة أو البلدة مع يقع في ذات المحرم، قال ابن النظر:
أن يتزوج من
والجهل ان لم يعلموا واسع بالنسب الواشج في الأصل
فقد أحل الله
فضل
من
وطئ ذوات الأعين النجل
الله
من كل خود عضة بضة مهضومة ذات شواخل
هذا كله إذا كان الفاعل لذلك معتقدا لموافقة دين الله ولم يقصد خلافا لما أحل، وأنه متى ظهر له حرام ما وقع فيه رجع عما كان عليه، ولا يجوز له الإقامة على ذلك بعد العلم به طرفة عين، وحجة العلم في ذلك إنما تقوم بالشاهدين العدلين، وما دون ذلك لا تكون حجة على ذلك، ومن هنا قال الشافعي: اذا تزوج الرجل امرأة مجهولة النسب وكان أبوه غائبا ثم رجع فقال هذه ابنتي وقالت المرأة هذا أبي فعلى الحاكم أن يحكم أنها ابنة أب الرجل وإنها زوجته فان مات أبوهما كان الارث بينها للذكر مثل حظ الأنثيين.
- (1/60)
صفحة 61
ولم يسع جهل ضلالة المصر محرما أو مستحلا إذ أصر من بعد أن تعلم كفره ومع بعضهم مالم تع الحكم يسع
بشرط أن لا تتولاه ولا تبرا ولا تمسك عمن ضللا (الاصرار) الاقامة على الذنب وفعل الذنب إستخفافا به، والمصر فاعل ذلك، وللمصر أربع مراتب على حسب أوجه الأحداث، لأن الأحداث تخرج على أربعة أوجه أحدها: أن تكون في نفس الجملة أو في شيء منها، فهذا مما لايسع من علمه جهل ضلال راكبه، ولا جهل ضلال المتولي له، ولا جهل ضلال الشاك فيهما أو في أحدهما، حتى قال القائل بذلك انه لا يعلم فيه اختلافا. وثانيها: أن يكون الحدث في تفسير الجملة أو في شيء منه مما تقوم به الحجة من العقل فهو كما مضى في الوجه الأول إلا أنه قد قيل فيه في بعض القول أنه
يسع من علمه جهل ضلال راكبه مالم يبين له علم ذلك والأول أكثر وثالثها: أن يكون الحدث على وجه الإستحلال من تحليل الحرام وتحريم الحلال مما لا تقوم الحجة به في الأصل إلا بالسماع، فالقول فيه كالقول في الحدث في تفسير الجملة من الإختلاف ورابعها: أن يكون الحدث على سبيل الإنتهاك لما يدين المحدث بتحريمه فيخرج فيه ما قد ذكرنا من الأثر المرفوع عن الإمام جابر رحمه الله وسيأتي ذكر الوجهين الأولين مرة أخرى عند ذكر الناظم لهما ان شاء الله تعالى واشارة الناظم تقتضي التسوية بين المحرم والمستحل على أنهما محادان بإصرارهما قال تعالى ولا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم .. الى آخر الآية هذا كله بعد العلم بحدث المصر وهو معنى تعلم كفره، وأشار بقوله (ومع بعضهم مالم تع الحكم إلى ما يسع جهل ضلالة المصر محرما كان أو مستحلا
أنه
•
قوله من بعد أن ذهب اليه بعض الفقهاء من اذا لم يعرف حكم الحدث الواقع فيه، أعني هل هو من المكفرات أم لا؟ وهذا القول حسن أيضا إلا أنه معلّق بشروط أحدها: أن لا تتولاه على فعله وان كان وليا لك فيما سلف.
61
- (1/61)
صفحة 62
•
ثانيها: أن لا تبرأ ممن برئ منه عالما كان أو ضعيفا
ثالثها: أن لا تقف عن ولاية من برئ منه إذا كان وليا لك من قبل، فاذا
كان منك أحد هذه الأشياء فلا يسعك جهل ضلالته، وأما على القول الأول وإن
لم يكن منك أحد هذه الأشياء فلا يسعك جهل ضلالته بعد العلم بحدثه
وواسع جهلك بالمحلل إن أنت عن تحليله لم تعدل كالبيع والملك وكالنكاح على شروطها وكالمباح
أي يسع جهلك بالمحللات في دين الله إن أنت لم تحرمها فتكون محرما لما أحل الله، فحينئذ يلزمك أن تعلم تحليلها ولا يسعك جهل علمه وذلك كتحليل البيع على شروطه التي هي أن يكون المبيع من جنس الحلال، وأن لا يكون المبيع والمباع به من جنس واحد إلا يداً بيد، وأن يكون البائع مالكا للمبيع قادرا على تسليمه للمشتري، وكالملك) والمراد به الرق على شروطه التي هي أن يكون الرقيق ممن أباح الشرع تملكه إما بإرث أو بشراء أو بسبي، وشرط هذا أن يكون المسبي مشركا غير عربي (وكالنكاح على شروطه، وهي أربعة الرضا من الزوجين والمهر واذن الولي وحضرة شاهدين، وما أحسن قول ابن النظر فيها:
فإن بانت فتزويج جديد بمهر والولي وشاهدي
وترك الرضا تعويلا على
أخذه من المقام (وكالمباحات) التي أباحها الله تعالى
لعباده من غير ما ذكرنا، هذا كله ما لم تقم حجة علمه بوجه من الوجوه فإذا
قامت فلا
دفعها يسع
•
وحرم ارتکاب مالم يعلم ومن يكن موافقا لم يأثم وإن يرد في قصده خلاف ما قد أوجب الباري عليه اثمـ
إعلم أن الأمور ثلاثة: أمر بأنّ لك رشده فاتبعه، وأمر بان لك غيه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك حكمه فقف عنه، ولا يجوز لك القدوم عليه حتى يتضح
لك
- (1/62)
صفحة 63
حقه، فاذا ارتكب الراكب أمرا لم يعلم حقه من باطله، فلا يخلو ذلك الأمر
أحد أمرين، إما أن يكون باطلا في أصل دين الله أو حقا، فإن كان باطلا من
فالراكب له هالك
الصحيح
الله
-
قصده أو لم يقصده
-
الا أن
يتوب منه وقد تقدم في باب
الإجتهاد والفتوى شيء من هذا النوع فراجعه، وإن كان حقا فلا يخلو الراكب أحد أمرين أيضا إما أن يكون في قصده موافقة الحق فلا إثم عليه في هذا لأنه من قصد الحق فوفق اليه وقيل ان عليه التوبة من قدومه على ما لا يعلم والأول هو لأن كثيرا من الصحابة قد فعلوا أشياء لم يعلموا حكم الله فيها فإذا هي حق عند الله فأقرهم رسول الله الله على فعل ذلك فهذا عمار بن ياسر رضي عنه تلفظ للمشركين بالشرك تقية ولم يعلم جواز التقية يومئذ بدليل ما نقل عنه انه قال لرسول الله الله هلكت (الحديث)، و إما أن يكون في قصده مخالفا لدين الله فهذا هالك بنيته ولا تنفعه موافقة الحق بل عليه التوبة من تلك النية قصده له، وموافقته له فالأمور أربعة: موافقته للباطل مع قصده الحق وموافقته الحق مع قصده، وموافقته له قصده الباطل، وبين كلا الأمرين الأولين والآخرين واسطة وهي نوعان أحدهما أن يكون الراكب مهملا أي لم يكن قاصدا لشيء دون شيء فيحكم له وعليه بحكم ما ارتكبه، وثانيها أن يكون غير مبال أصاب حزاما أم حلالا فيحكم عليه بالهلاك عند موافقة الباطل والتوبة عند
موافقة الحق.
(خاتمة)
وقد تقوم حجة العلم لما قد وسع الجهل بقول العلما لو كان واحداً له الفضل علا وقيل مالم تبصر الحق فلا ورجح الأول أن العلما كالأنبياء مقالهم قد لزما قيام الحجة عبارة عن وجودها، وأصل القيام الإنتصاب، و (الحجة) هي ما يقع به للناظر حقيقة الشيء المنظور فيه، و العلماء) جمع عالم أي تقوم العلم لما وسع جهله بقول العلماء ولو كان القائل واحدا على مذهب الإمام أبي سعيد ـ رضي الله تعالى عنه ـ وهو الأصلح، وقيل لا تقوم بقول الواحد بل
-
-
بقول العالمين، وقيل غير ذلك.
،
حجة
-
- 63
- (1/63)
صفحة 64
-
-
هو
والعالم الذي تقوم به الحجة فيما يسع جهله هو الذي اشتهر في الناس عدله وانتشر في الآفاق فضله، وهذا هو معنى قول الناظم له الفضل علا) أي ارتفع كناية عن اشتهاره، ولا يكون حجة في هذا الموضع الا على من بلغته شهرة علمه وعرف شخصه أنه المشهور بوجه من الوجوه التي تأتي بها المعرفة الصحيحة. وقيل لا يكون العالم ولا العلماء حجة فيما يسع جهله حتى يبصر المفتى بفتح التاء التاء ـ حق قول العالم، وعلى القولين لا يجوز للمفتى رد قول العالم ولا تكذيبه، والكل من هذين القولين قول صادر عن الفضلاء الكرام، وهم أهل الاستقامة في الدين، واحتج القائلون بالأول بأن العلماء يلزم قبول قولهم كما يلزم قبول قول الأنبياء فيما جاءوا به، لأن العلماء ورثة الأنبياء وينصره قوله الله في رواية أخرى (علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل) واحتج القائلون بالثاني بأن لم يعرف بعض آي الكتاب العظيم وكان قد آمن به مجملا انه ليس عليه أكثر من ذلك، ولا يجوز له رد ما سمعه من الآي التي لم يعرفها فكذلك هذا المفتى لا
من
آيه،
يلزمه قبول قول العلماء فيما يسعه جهله اذا لم يرد قولهم ولم يكذبهم. قلت: وهذا قياس حسن الا أن المقاس عليه مختلف فيه على قولين، فذهب قوم إلى ما علمت من ان الايمان بالقرآن مجملا يجزي لمن لم يعر يعرف بعض وذهب آخرون إلى أن الايمان به مجملا لا يجزي لمن سمع من الآية والآيتين بل، فالأول من قول الناظم ورجح الأول مفعول
عليه أن يؤمن بكل ما سمع
منه،
به والفاعل أن وصلتها لأنها في تقدير بمصدر.
وأي شيء واسع جهلك به ثم رأيت حقه ضاق انتبه
أي كل شيء من دين الله وسعك جهله بأن لم تقم عليك حجة العلم به أو لم تركتبه فرأيت حقه من باطله أي علمته. ضاق جهلك به لأن علمك بالشيء حجة عليك، ولا يسعك الرجوع من العلم إلى الجهل وإن لم تعلم إن علمك حجة عليك كما أن القرآن هدى وإن لم يهتد به أحد مثلا
64
- (1/64)
صفحة 65
الركن الثاني
في الجملة وتفسيرها وما تشتمل عليه وفيه ستة أبواب
أخر هذا الركن عن الذي قبله لما تقدم هناك وقدمه على ركن الولاية والبراءة لأن التعبد بها لازم بعد التعبد بالجملة، فهي أحرى بالتقدء منهما وهما أجدر
بالتأخير منها لما بينا
الجملة
هي
الباب الأول
من الركن الثاني في لزوم الجملة وكيفية قيام الحجة بها
كما ذكرها إبن وصاف حيث قال في الجملة التي لا يسع جهلها ولا يسع تركها، وهي التي يدعو اليها رسول الله الله عليه وتدعو الأئمة اليها بعده أن يقول أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله
يسع جهله
وإن ما جاء به حق من عند ربه والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم والبعث والحساب والعقاب والجنة والنار وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، فهذا ما لا قال البرادي: الخلاف في هذا بين الأمة كثير وبين الاباضية اشد والمشهور أكثر أصحابنا هذا. ومنهم من يزيد الايمان بالقدر خيره وشره وأنه من الله تعالى، ويزيد بعضهم تحريم دماء المسلمين ويوجب الإيمان به في العقيدة، ومن أصحابنا أيضا من اقتصر على التلفظ بالشهادة بثلاث كلمات والإعتقاد لها لاغير (لا إله الا الله محمد رسول الله الله وما جاء به حق وهي طريقة الإمام. عبدالرحمن بن رستم فيما وجدت عنه، وهو
الأشهر عند أكثر الفرق أهـ
— (1/65)
صفحة 66
أقول: وهذه الطريقة هي المراد من عبارة المصنف وعليها بنى الأحكام التي ذكرها فيما سيأتي وعبّر عمّا عداها من الأشياء التي ذكرها بتفسير الجملة والقول في الجملة ما لم يقم برهانها كغيرها لم تلزم التعلم إذ لم يكن جل مكلفا بلا برهان صدق يوضحن السبلا ولو يشا لكان منه علا كمثل ما قد كان هذا فضلا
(القول) هنا بمعنى الحكم، و (الجملة) تقدم بيانها قريبا، و (البرهان) بمعنى الحجة، والمراد بـ (غيرها) سائر العبادات الاعتقاديات والعمليات والتركيات، ومعنى (جل) أي عظم شأنه، و (مكلفا) أي ملزما للعباد ما يشق على أنفسهم فعله، وبرهان صدق أي دليل صادق، و (السبل) الطرق الموصلة الى معرفة الله تعالى قبل الله ومعرفة رسوله محمد ع له، و (العدل) وضع الشيء في موضعه من غير إعتراض على فاعله وضده الجور، والفضل) اعطاء بغير وجوب ولا ايجاب، والمعنى أن حكم الجملة من جهة التكليف بها كحكم غيرها من سائر العبادات لا يلزم إعتقادها إلا بعد قيام الحجة بها، والدليل على ذلك أنه عظم شأنه لم يكلف العباد بغير حجة وهو دليل صادق لقوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) واذا ثبت ما قررناه من أنه عزّ وجلّ لم يكلف العباد بغير حجة، وكان الزام الجملة جملة التكليفات وجب أن لا تلزم إلا بعد قيام الحجة إذ لم يقم دليل على تخصيص التكليف بها بحكم يخالف التكليف بما عداها فتساوى حكم الله في التكليف، فالجملة وغيرها في التكليف سواء، وتكليفه عزّ وجل إيانا بعد قيام الحجة فضل منه تعالى تفضّل به علينا، ولو شاء أن يكلفنا بغير حجة ولا برهان كان ذلك عدلا منه كما كان التكليف بعد قيام الحجة تعم فضلا خلافا للمعتزلة في قولهم بوجوب الصلاحية والأصلحية على الله تعالى
من
•
وان أتى دليلها امرءا فلا ينفسَن لحظة ليسأل أي اذا قامت الحجة بتكليف الجملة على أحد ممن بلغ حد التكليف وجب عليه اعتقادها وحرم عليه جهلها وضاق عليه الشك فيها، ولم يوسع له في ترك
- (1/66)
صفحة 67
إعتقادها لحظة عين وان قصد بذلك الترك السؤال عنها وعن حقها، بيانه أنه اذا قامت الحجة بأن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وان ما جاء به محمد من ربه حق وجب على من قامت عليه إعتقاد ذلك فإن جهل أو شك أو توقف في حتى يسأل عن حق هذا الذي قامت به الحجة عليه كان بذلك كله كافرا،
الاعتقاد حتى
وإن مات قبل التصديق واعتقاد حق الجملة مات هالكا والعياذ بالله.
،
فان قيل ما بال الجملة من بين سائر العبادات لا ينفس في السؤال عنها وما عداها ينفس في السؤال عنه وقد قلتم إن الجملة كغيرها في قيام الحجة بها في التكليف (قلنا) إن الجملة كغيرها في قيام الحجة بها للتكليف بها ولم نقل بأن جميع أحكامها كغيرها وانما خصت بالتضييق عن السؤال عنها بعد قيام الحجة لأن اعتقادها مطلوب في الحال، وكان العذر واسعا قبل الحجة وقد قامت الحجة فلا عذر في التأخير: أما ما عداها من العبادات العمليات والتركيات فربما يسع تأخيرها، وربما يسلم صاحبها باعتقاد السؤال عنها والدينونة بالحق فيها لأدلة خاصة بها نحو ولم يصروا على ما فعلوا وهو يعلمونه وأما تفسيرها الإعتقادي فبعض ضيّق في السؤال عنه كما ضيق فيها ورأى أن حكمه كحكمها، وبعض وسع في السؤال عنه وعنده إنه داخل تحت هذه الجملة فما لم يرد شيء منه فهو واسع له ترك اعتقاده بعينه حتى يرسخ في ذهنه علم ذلك وحقه ومنكر الجملة بعد ما نظر برهانها كفر جحود قد كفر أي ومن جحد الجملة بعد أن قامت عليه حجتها أو قبل ذلك فهو كافر كفر جحود ولا ينفعه عذر في ذلك أما من جهلها بعد قيام الحجة بها أو شكّ فيها فهو كافر أيضا، لكن كفره يسمى شرك مساواة، وذلك لأنه قد جعل ما وجب عليه اعتقاده ولزمه علمه بمنزلة الذي لم يجب عليه فيه شيء من ذلك فكأنه ساوى بين الحكمين مع إختلاف الأمرين والحكم في شرك الجحود وشرك المساواة متحد دنيا واخرى، الفرق بينهما إنما هو في نفس التسمية خاصة، وسيأتي بيان حكمها في الباب السادس من الركن الثالث ان شاء الله
67 -
- (1/67)
صفحة 68
?
ولم يسع جهل ضلاله ولا تشك فيه والذي له تلا كذاك جهل من يشك فيه على قياس شائع تلفيه
يسع
هذا بيان لحكم الواقف على انكار منكر الجملة، فحكمه أن يجب عليه أن يعلم كفر منكر الجملة ولا يسعه الجهل بكفره ولا الشك في كفره، وكذلك يسبع جهل ضلال من صوبه على كفره ولا الشكّ فيه وهو معنى قول المصنف (والذي له تلا) أي تبع، وكذلك لا جهل ضلال من شك في كفره، فإن حكم الشاك في كفره بعد علمه بكفره حكم من صوبه على كفره لأنه لا يسع جهل ضلالة كل واحد منهما، وهذا القياس أعني قياس الشاك في كفر منكر الجملة على مصوّبه في عدم التوسعة في جهل ضلالة كل واحد منهما قياس ظاهر جلي ومثل منكر الجملة في هذا الحكم الجاهل بالجملة بعد قيام الحجة بها والشاك فيها، فإن كل واحد من هذين لا يسع جهل ضلاله ولا ضلال من صوّبه على ضلاله، ولا ضلال من شك في ضلاله ولا يسع الشك في ضلال كل واحد من هؤلاء.
في ضلاله
واعلم أن مصوب المحدث في الجملة مشرك مثله، وأما الجاهل لضلاله والشاك اعتقاده حق الجملة فهو فاسق منافق، وقول المصنف ولا تشك) بصيغة النهي على جهة التحريم، وقوله والذي (له معطوف على الضمير المجرور على حد قوله تعالى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامه بقراءة جر الأرحام وقوله (على قياس شائع أي ظاهر، ومعنى (تلفيه) تجده
والخلف في إيمانها بالقلب هل يجزيه دون نطقه إذا نزل تكليفه بها فبعض ذهب للاجتزا والبعض منهم قد أبى
اختلف العلماء في كيفية الإيمان بالجملة فذهب بعضهم الى أن كيفية الايمان بها أن يعتقد صدقها في جنانه، ويظهر ذلك إقرارا بلسانه وانه لا يكون مؤمنا الا بذلك فالتلفظ بالشهادتين عند هؤلاء شرط لوجود الايمان، وذهب آخرون الى أن الايمان بها هو التصديق بها في القلب، فاذا اعتقد حقها بقلبه وصدقها بجنانه
-
- (1/68)
صفحة 69
هذا
كان ذلك مجزيا له فيما بينه وبين ربه، فان مات على ذلك فهو من جملة المؤمنين، واما فيما بينه وبين الناس فانه لا يكون مؤمنا حتى يتلفظ بالشهادتين ويلزمه التلفظ بهما اذا طولب بذلك، هذا إذا كان منكرا للجملة فيما تقدّم من أمره أو شاكا فيها أو جاهلا بها بعد قيام الحجة عليه فيها، أما اذا لم يتقدم منه شيء من کله و لم يكن من أهل دار يحكم على أهلها بالشرك فلا يلزمه التلفظ بالشهادتين وإن طولب ولا يسع لأحد أن يحكم عليه بالشرك في عدم تلفظه بذلك ولا يسعه أن يبرأ منه لذلك، نعم يندب له أن يتلفظ مهما طولب بذلك إذا لم يكن له مانع من التلفظ والله أعلم.
والخلف هل عليه أن يقرّرا تصديقه ان ذكرها قد خطرا أو يجتزي بالماضي مالم يحدث شيئا بها كعهدها لم ينكث اختلف القائلون بإشتراط التلفظ للإيمان بالجملة، فذهب بعضهم إلى أن التلفظ بها والتصديق بها مجزئ مرة واحدة في عمره ولا يلزمه تكرار ذلك ما لم يأت بحدث ينقض به إيمانه فيكون به مرتدا الى الشرك بعد الاسلام، وذهب آخرون الى أنه يجب تكرار الايمان بها اذا جرى ذكر ذلك، وعند هؤلاء يجب على من كان موحدا أن يتلفظ بالشهادتين اذا طولب بذلك، ولكن يخرج على قواعدهم أنه اذا لم يجبهم الى التلفظ بالشهادتين لا يسعهم أن يحكموا عليه بالشرك ولا أن يبرأوا منه لذلك، ووجه ذلك أن هذه المسألة إجتهادية فلما أبى و لم يتقدم منه حالة يشرك بها احتمل له أن يكون مذهبه عدم وجوب تكرار التلفظ أو أنه مقلد لمن لم ير وجوب ذلك، ومع تمسكه بقول من أقوال المسلمين لا يخل لأحد أن يحكم عليه بالخروج من الدين والصحيح عندي عدم وجوب تكرار التلفظ بها وإن جرى ذكرها معه إذا لم يخرج عن الاسلام بحدث فيها لأن الصحابة رضوان الله عليهم لم ينقل عنهم مع كثرة ذكرهم للجملة تكرار التلفظ بها كل ما سمعوا وإنما المنقول عنهم وعن النبي علي الا الله انه اذا أسلم العبد وتلفظ بالشهادتين مرة واحدة أدخلوه في حكم المسلمين ولم يطالبوه بعد ذلك بشيء، والله أعلم
هذا
من
التلفظ
-
- (1/69)
صفحة 70
وما عدا الجملة من تفسيرها كحكم ما رأيت من تعبيرها الا لدى السؤال والجهل بما أحدث والشائع ما تقدما وما عدا الإيمان فاللازم في تفسيرها بالقلب في التكلف أي ما عدا الجملة من تفسيرها الإعتقادي المشتملة عليه والمندرج تحتها كمعرفة كمالات الله عز وجل عز وجل ومعرفة الأنبياء والرسل والملائكة والكتب المنزلة والموت والبعث والحساب، وأن حساب الله لا يشبهه حساب، ومعرفة الجنة والنار فحكمه حكم الجملة في جميع ما تقدم، ويخالفها في ثلاثة مواضع مستثناة تلك القاعدة: من: في السؤال، فإن الجملة لا يلزم لها اعتقاد سؤال قبل قيام الحجة ولا يوسع له في السؤال بعد قيام الحجة بخلاف تفسيرها، وقد تقدم في هذا ما فيه كفاية
أحدها
ان شاء الله
وثانيها: أن الحدث في الجملة لا يسع جهل ضلالة محدثه ولا الشك فيه كما تقدم والحدث في تفسيرها قد قيل يسع جهل ضلالة محدثه ولو علم حدثه ما لم تبن له ضلالته، إلا أن الأكثر فيه ما قيل في الجملة وهو المراد بقول الناظم (والشائع
ما تقدما).
وثالثها: أن الايمان في الجملة مختلف فيه هل يجزي بالقلب دون النطق باللسان أو لا كما تقدم؟ و لم نعلم اختلافا في الإيمان بتفسيرها بل اللازم فيه بالقلب فقط، وانتصبت الجملة في قول الناظم على الاستثناء، ولما كان التكليف بالجملة متوقفا على قيام الحجة أخذ في بيان كيفية قيام الحجة هنا فقال: فالحجة السماع في ذا كله وحجة المعنى له من اعلم أن قيام الحجة في كل شيء لا يكون إلا من أحد طريقين، الطريق الأول العقل وهو طريق لقيام الحجة بالمعاني، والطريق الثاني النقل وهو طريق قيام الحجة
بالألفاظ
مع معانيها
•
عقله
ولما كان أعظم طرق النقل هو السمع أطلق في التعبير عن النقل. على أن النقل
قد يكون من غير طريق السمع كالنظر وذلك مثلا أن يراه مكتوبا فانه إن عرف لفظ ذلك ومعناه كان في حكم
من
سمعه
ولما كانت الجملة وتفسيرها مشتملين على ألفاظ ومعان ثبت قيام حجة المعاني
70 (1/70)
صفحة 71
بهما من العقل، وتوقف قيام الحجة في ألفاظهما على النقل، فمن خطر بباله أن له صانعا وان لصانعه رسولا يبلغ الخلق عنه، وإنه ليس كصانعه شيء، وأن لمن أطاع صانعه ثوابا ولمن عصاه عقابا، وجب عليه أن يعتقد معنى ذلك، ولا يجوز له أن ينكر شيئا منه ولا يلزمه معرفة شيء من أسماء هذه الأشياء حتى تقوم عليه الحجة من طريق النقل أنّ اسم صانعه الله أو الرحمن أو نحو ذلك، وإن إسم رسوله محمد أو أحمد وإن إسم ثوابه الجنة وإسم عقابه النار، فاذا قامت عليه الحجة من طريق النقل بشيء من هذه الأسماء وجب عليه معرفتها، وضاق عليه جهلها واعلم أن قيام الحجة من العقل بأن الله رسولا إنما هو مبني على مذهب بعض الأصحاب، وذهب غيرهم الى أن الحجة في ذلك انما طريق النقل وهو الصحيح،
هي
والله أعلم.
الباب الثاني من الركن الثاني
في التوحيد وفيه أربعة فصول وخاتمه
الفصل الأول
في نفي الأضداد والأنداد والأشباه عن الله تعالى
وهاك توحيدا لنا فلتقتبس من نوره وعن هوى النفس احتبس ها اسم فعل بمعنى خذ، والكاف للخطاب، و ((التوحيد) هو إثبات الوحدانيه لله تعالى والاقرار له بالربوبية، ففي اثبات الوحدانية له تعالى اثبات لكمالاته الذاتيه لإنها أنواع لا وحدة الذات وفي اثباتها له تعالى انتفاء المشابهة له تعالى وانتفاء صفات العجز والحدوث في ذاته تعالى، ووحدة الصفات، ووحدة الأفعال، وفي اثبات كل واحدة منها اثبات للكمالات الإنية، وفي الاقرار له تعالى بالربوبية استلزام توجيه العبادة اليه، ونفيها عمن سواه، فمن عبد غيره لم يكن موحدا، وقوله (فلتقتبس) أي فلتتخذ لك قبسا من نور هذا التوحيد فإنه نور في ظلمات الجهل، وقوله
- YI
- (1/71)
صفحة 72
وعن هوى النفس احتبس أي امتنع عما تميل اليه نفسك من الباطل وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى. ولما كان الاقرار بالربوبية مستلزما لثبوت العبادة الله تعالى دون غيره أخذ
المصنف في بيان كيفية توجيهه العبادة لربه، فقال:
نعبده جل امتثال أمره سبحانه ونهيه وزجـ
ره
وان يشأ عذبنا بعدل
فإن يشأ يرحمنا بفضل فالملك والعزة والسلطان له كذا القدرة والبرهان
أي نوجه عبادتنا اليه عظم شأنه لأجل امتثال أمره الذي أمرنا به في الأشياء العملية، ولأجل امتثال نهيه في الأشياء التي نهانا عن فعلها، فالفعل والترك منا إنما هما لأجل الأمر والنهي فهما عبادة منا له تعالى، ومع ذلك فنحن مفوضون الأمر اليه ومسلمون لحكمه وراضون بقضائه ومتوكلون عليه، فإن شاء أن يرحمنا فذلك بمحض فضله علينا وان شاء أن يعذبنا فذلك بعدله فينا، فان الملك والغلبة والحجة والقدرة له تعالى، فلا يعترض عليه في شيء من ملكه، ولا يستطيع أحد لرد ما أراده، وهو قادر على كل شيء، ومن كان مالكا للأشياء قادرا على فعل يريد فيها غير محكوم عليه ولا معترض عليه في شيء من أفعاله فجميع ما، فعله في ملكه إما عدل وإما فضل، ثم ان المصنف أخذ في بيان التنزيه فقال:
وانه في ملكه منفـ
رد
سبحانه ليس له مكان يحويه جل لا ولا زمان بخلقه لكل شيء نشهـ أي تنزيها له تعالى عن الحلول في الأمكنة، وعن الحدوث في الأزمنة، فإن المكان والزمان خلق من خلقه، ومن ضرورة العقل وجوب تقدم الخالق على المخلوق في الوجود، فلو كان تعالى حالاً في مكان أو حادثا في زمان لوجب تقدم المكان والزمان عليه لضرورة العقل بذلك فيستلزم خالقا غيره، وثبوت خالق غيره باطل لما يلزم عليه الأمور المستحيلة، وأيضا فلو كان تعالى حالاً في مكان من لكان المكان حاويا له فيلزم عليه تحديده وتناهيه، ومن كان متحددا متناهيا فليس
72
- (1/72)
صفحة 73
كان
باله، ولو كان تعالى حادثا فى زمان لوجب أن يكون له محدث غيره، ومن محدثا فليس باله، وقوله وانه) في ملكه (منفرد إشارة الى ثبوت الوحدانية له تعالى في مطلق التصرف، وهي وحدة الأفعال
ولما نفى عنه تعالى صفتي الحلول والحدوث أخد في نفي الصفات التي
تلازمهما فقال:
ليس له شبه ولا نظيـ
ولا وزير لا ولا مشير
مسعود
بن عمر
كان
الشبه بالكسر هو المشارك لغيره ولو في صفة واحدة من صفاته، و (النظير) هو مثل المساوي المساوي، و (الوزير) هو المعين في الأمر العظيم بآراءه الصائبة وأفكاره الثاقبه، و (المشير) هو الدال على فعل شيء أو على تركه بدلالة خفية، والمراد بها هنا مطلق الدلالة والمعنى أنه تعالى ليس له مشابه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا مماثل له في ذلك، ولا معين له على شيء من أفعاله التي فعلها أو سيفعلها، وانه تعالى فعّال لما يريد لا لما يريد غيره، فلا مشير له في شيء من أفعاله ولا في شيء من الأشياء التي لم يرد فعلها تعالى الله عن ذلك، عن ابن أنه قال: (ما عرف الله من شبهه بخلقه)، نافع أن عبدالله جالسا في أناس فأتى رجل فقال أيكم عبدالله بن عمر فقال أنا فقال الرجل إني تاجر أبتغى من فضل الله واني قدمت هذه البلدة هذه الليلة فاذا أنا برجل قد توسمت فيه الخير فقعدت اليه فحدثني حديثا ضاق به صدري، فقال عبدالله وما هو؟ فانه لا إثم عليك إذا حدثت به من غيرك فقال: قال لي إن الله تبارك وتعالى لما أن يخلق آدم لم يدر كيف يخلقه حتى خلق مرآة فنظر فيها الى وجهه فخلق مثاله فقال له ابن عمر تعالى الله لا مثل الله ألا ان هذا الشيطان أراد أن يدخلك في دينه ألا وان الشيطان قد آيس منكم أن تعبدوا أصناما ظاهرا فتعذرونه ولكنه يأتي الإنسان فيقول كيف ربك فلا يزال به حتى يصف ربه بصفة الخلق فيضل ويضل فان لقيته فاخبره أن عبدالله بن عمر بري من الله الله سئل عن الله عز وجل، فقال الله عز وجل قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد
دينك ألا
وان نبي
و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد فإن وسوس الشيطان لكم فقولوا كما قال رسول
-
73
- (1/73)
صفحة 74
عنه
أنه الله الله الله. عن معاذ رضي سيرجع أقوام من هذه الأمة عند اقتراب الساعة كفارا فقال رجل با أبا عبدالرحمن أبا الأحداث كفرهم أم بالجحود قال لا ولكن بالجحود يجحدون خالقهم فيصفونه بالصورة والأعضاء والمفاصل أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولهم عذاب عظيم.
عن سعيد بن جبير أنه قال أتى رهط من اليهود إلى رسول الله الله فقالوا
يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلقه، قال: فغضب الله حتى انتقع لونه
تم واثبهم غضبا لربه، قال فجاء جبرائيل صلى الله عليهما فسكنه وجاءه من خواب ما سألوه بـ قل هو الله أحد الى تمام السورة الله
ليس له فوق ولا تحت ولا قبل ولا بعد فكل حظلا كذا يمين وشمال والذي اليه تعزى حادث بذا احتذى
الله
،
(الفوق) اسم لجهة العلو، و (التحت) اسم لجهة السفل، و (قبل) اسم للتقدم، و (بعد) اسم للتأخر، ومعنى (حظل) منع و (يمين) اسم للجهة اليمنى و (شمال) اسم للجهة اليسرى، ومعنى (تعزى) تنسب ومعنى (حادث) أي موجود بعد عدم (احتذ) أي اقتد
والمعنى أنه تعالى ليس له جهة يكون فيها، لا جهة فوقية ولا تحتيه، ولا عن يمين ولا عن شمال، ولا أمام ولا وراء، وليس له تعالى قبل أي لا يقال إن وجوده تعالى مسبوق بشيء حتى يقال إن قبله كذا ولا بعد له أي ليس وجوده تعالى متناهيا حتى يقال ان يعد تناهي وجوده يكون كذا، وهذه الصفات اعني الجهات والقبلية والبعدية مستحيلة في حقه تعالى، لأن من نسب اليه شيء منها واتصف به يكون حادثا قطعا فهى دليل الحدوث والربّ تعالى قديم ليس بحادث، يصح أن يتصف بشيء منها خلافا للمشبهة القائلين بأنه تعالى في جهة الفوق وإنه على العرش مستقرا إستقرار الملك على سريره. تعالى تعالى الله عن تلقوا هذه المقالة الشنيعة من اليهود أخزاهم الله تعالى.
فلا
ذلك، وقد
-
74
- (1/74)
صفحة 75
-
مر
حلقة
قال في الضياء: وبلغنا أن عبدالله بن مسعود ـــ رضي الله عنه وفيهم رجل من اليهود يحدثهم، فقال: ما يحدثكم؟ قالوا: يحدثنا عن التوراة وعن ربنا قال وعن ربكم، بماذا؟ قالوا: يقول إن الله لما خلق السموات والأرض صعد الى السماء من بيت المقدس فوضع رجله على الصخرة التي فيه وإنه ينزل في السماء الدنيا في النصف من شعبان
فقال ابن مسعود ـ رضي الله عنه: إنا لله وإنا اليه راجعون (ثلاث مرات) ثم قال: لا كفر بعد إيمان وودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء الله فهلا قلتم كما قال إبراهيم خليل الرحمن علي الله لو لا أحب الآفلين أي الزائلين المنتقلين، ألا فاتهموا اليهود والنصارى على دينكم، ولا تصدقوهم على ما يخالف كتابكم، فإنهم سيضلون أكثر هذه الأمة ألا ان ربكم ليس بزائل، ومن وصف الله زائلا فقد كفر، ومن شبهه بشيء من الأشياء فقد كفر
ولم يزل وليس شيء معه وعالم من قبل أن يصنعه بكونه ولونه وشكله وما اليه صائر بفعلـ
أي لم يزل تعالى ولا موجود سواه من جميع الأشياء، فهو تعالى منفرد بالقدم، والقدم واجب له تعالى فيستحيل عليه العدم لأن ما وجب قدمه استحال عدمه، وقوله (وعالم .. الخ) أي وهو عالم أي لم يزل تعالى متصفا بالعلم من قبل وجود الأشياء فعلمه تعالى صفة ذاتيه له، والهاء من قوله من قبل أن يصنعه) عائدة الى الشيء في قوله وليس شيء معه، وقوله (بكونه) متعلق بعالم، ومعنى كونه وجوده بعد عدم، أي لم يزل تعالى وهو عالم بوجود الأشياء التي سيوجدها، وعالم بالزمان الذي سيوجدها فيه، وبالمكان الذي ستكون فيه، و عالم بلونها الذي ستتصف به، وعالم بصورتها التي يكون عليها شكلها من طول و قصر وعرض، وعالم بمصيرها الذي ستصير اليه أفعالها الحسنة بسبب أفعالها القبيحة، فالضمير من كونه شكله وما بعدها كله عائد ومن لونه ومن الى الشيء في قوله وليس شيء معه.
و بسبب
Yo
- (1/75)
صفحة 76
والمراد بالشيء هنالك جميع الموجودات مما عدا الخالق تعالى، وفي البيتين
تصريح بأنه تعالى عالم بما كان وما سيكون وما هو كائن
الفصل الثاني
في البراهين
جمع برهان وهو ما تركب من مقدمات قطعية، وأل في البراهين للعهد الذهني أي البراهين المثبتة لمدعانا فيما تقدم.
هذا
لو أنه مشابه في ذاته جاز عليه وصف مخلوقات إذ كل شبهين بوجه لزما في الكل ما لذلك الوجه انتمى برهان استحالة المشابهة له تعالى المذكورة في قول المصنف ليس له شبه .. الخ)، وصورة البرهان انه لو كان تعالى مشابها في ذاته الجاز عليه ما يجوز على الصفات، ولا موجود إلا وهو إما خالق أو مخلوق، وقد ثبت البرهان أنه تعالى هو الخالق وأن جميع ما عداه مخلوق، فلو كان له مشابه لكان ذلك المشابه مخلوقاته فيستلزم أن يكون عز وجل يصح أن يتصف بصفات مخلوقاته،
مشابه من
أحد هر وصفات مخلوقاته مستحيلة في حقه فالمشابه مستحيل أيضا ووجه ذلك ان المتشابهين إذا تشابها في صفة وجب أن يتصف كل واحد منهما بموجب تلك الصفة، وهذا معنى قوله إذ كل شبهين الى آخره، ومعنى قوله في (الكل) أي
من
المتشابهين ومعنى (انتمى) انتسب
لو كان ثان عنده في الأزل لكان كل صالحا لأن يلي ولا دليل خص واحدا فقط غلط والحكم من غير مرجح هذا برهان إستحالة الشريك معه تعالى في الأزل المذكور في قول المصنف (ولم يزل وليس شيء معه وصورة البرهان أنه لو كان معه تعالى ثان في الأزل لكان كل واحد منهما صالحا لأن يتولى الأمر على صاحبه فيتمانعان، وليس في واحد منهما خصوصية يستحق بها الإستبداد بالأمر والإنفراد بالملك، وتخصيص واحد
-
76
- (1/76)
صفحة 77
المخصص ترجيح بلا
منهما بذلك دون الآخر مع صلاحية كل منهما له وعدم مرجح، والترجيح بلا مرجح غلط لا يستقيم في المعقول وبطلان استقامته
ضروري
لو أنه في أمره
لزمه في ذاته النقصان
هذا
برهان نفي العجز عنه تعالى واستحالته المشار اليه بقول المصنف (ولا وزير لا ولا مشير، وصورة البرهان أنه لو كان تعالى معانا في أمره لكان ناقصا في ذاته، لكنه كامل في ذاته فهو غير معان في أمره، ووجه ذلك أنه لا يحتا إلى المعونة إلا من كان عاجزا عن إتمام الأمر، ومن كان عاجزا عن إتمام أمره فليس بكامل في ذاته لأن من الكمال الذاتي وجود القدرة الذاتية المنافية للعجز.
وهكذا يلزم في الزمان وفي الجهات الست للمكان
يحتاج
هذا برهان نفي الحلول والحدوث عنه تعالى واستحالتهما في حقه تعالى المذكورين في قول المصنف (سبحانه ليس له (مكان .. البيت، وفي قوله (ليس
له فوق .. الخ).
وصورة البرهان أنه لو كان تعالى حالا في مكان أو حادثا في زمان للزم اتصاف
ذاته بغاية النقصان تعالى عن ذلك
ووجه ذلك أنه لو كان تعالى حالا في مكان للزم أن يكون المكان محيطا به، ولو من جهة واحدة فيلزم تحديده وتناهيه وهما مستحيلان عليه، وأيضا فلو كان تعالى حالا في مكان للزم أن يكون المكان أقوى لأنه
منه
هو الذي حمله، وكون غيره تعالى أقوى منه محال، ولو أنه تعالى حادث في زمان لاحتاج الى محدث، ومن كان محتاجا الى محدث فهو عاجز ليس باله، وأيضا فلا يخلو أن يكون ذلك انحدث هو نفس هذا الحادث أو غيره، وكونه نفسه محال لأنه يومئذ معدوم، والمعدوم لا يفعل شيئا في غيره، فضلا أن يفعله في نفسه فوجب أن يكون المحدث
-
77
- (1/77)
صفحة 78
التسلسل
غيره، فيكون أولى بالألوهية منه وهو باطل لما يلزم عليه من لو أنه في ملكه مشارك كان فسادا ذلك التشارك
هذا برهان في نفى الشريك عنه تعالى في ملكه وبيان إستحالته المذكور في قول المصنف وانه) في ملكه (منفرد.
أحد
وصورة البرهان أنه لو كان معه تعالى شريك في ملكه لفسد هذا العالم البديع الإتقان البالغ في الحكمة، لكن العالم غير فاسد فدل على أنه تعالى في ملكه غير مشارك، ووجه ذلك أن الشريكين إذا تشاركا في شيء فلا يخلوان فيه من أمرين: إما أن يصطلحا على شيء فيه، وإما أن يتنازع الله فيه، وإصطلاحها على شيء فيه مع كون كل منهما إلها محال، لاستلزامه عجز كل واحد منهما فتسقط ألوهيتهما بسقوط قدرتها فلم يبق إلا التنازع فيه، ومع التنازع يحصل الفساد والمشاهد في العالم غير ذلك فانتفى الشريك ضرورة، والله أعلم.
الفصل الثالث
في الصفات
أي في الصفات الجائزة في حقه تعالى والواجبة في حقه، أما المستحيلة في حقه فما تقدم في الفصل الأول، وقد أشار اليه هاهنا إجمالا فقال:
في الذات والصفات والأفعال مخالف لنا بكل
أي أنه تعالى مخالف خلقه في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله أي لا تشبه ذاته ذواتهم ولا تشبه صفاته صفاتهم ولا تشبه أفعاله أفعالهم فهو تعالى واحد في ذاته، بمعنى
أنه ليس كمثله في ذاته شيء وواحد في صفاته بمعني انه ليس كمثله في صفاته شيء
وواحد في أفعاله بمعنى أنه ليس له في أفعاله مشارك ولا مشابه فاستحال في
حقه الشبيه من كل وجه، وقد تقدم براهين ذلك
-
78
- (1/78)
صفحة 79
اعلما
ولم يجز وصفكه بغير ما بينه من وصف نفسه اعلى
أي لا يجوز لك أن تصفه تعالى بصفة لم يصف بها نفسه في كتبه أو على
لسان أحد من أنبيائه، فما ورد من وصفه لنفسه في شيء من كتبه أو على لسان
أحد
من أنبيائه جاز لك وصفه به
و مالم يرد كذلك فالتوقف عنه أولى والمنع عنه أظهر، هذا مذهب بعض وذهب آخرون إلى أنه يجوز أن تصفه تعالى بصفة تدل على كمال ولو لم يرد الشرع
بها مالم يمنع من ذلك. حاصل ما في المقام أن الصفات إما أن يأذن الشرع أن نصفه بها تعالى، وإما أن يمنع من وصفه بها، وإما أن يسكت عن ذكرها، فإن أذن فهو جائز إجماعا، وان منع فهو محرم إجماعا، وإن سكت فهو محل النزاع، والله أعلم.
وأي وصف جاز وصفه بما عانده فوصف فعل أحكما وما عدا ذاك فوصف الذات يعرف وهو كالعليم آت
أن
تنقسم صفاته تعالى إلى صفات ذاتية وإلى فعليه، فأما الصفات الفعلية فهي كل وصف صح يتصف به وبضده تعالى كالإحياء والإماتة وإرسال الرسل وإنزال الكتب ونحو ذلك، فانه يجوز أن يتصف بهذه الأشياء وبأضدادها فنقول محبي ومميت مرسل الرسل غير مرسل لهم بعد محمد علا وهكذا، وأما صفات الذات فهي كل صفة إستحال عليه تعالى الاتصاف بضدها، وذلك كالعلم فإنه يستحيل عليه الاتصاف بضد العلم وهو الجهل وكالسميع والبصير والمريد والقدير فإنه يستحيل عليه الإتصاف بأضداد هذه كلها.
وفرق بعضهم بين صفات الذات وصفات الأفعال بأن صفات الذات يجوز إتصافه تعالى بها في الأزل، بل يجب ذلك في حقه، وصفات الأفعال لا يجوز إتصافه بها في الأزل إلا على معنى أنه سيفعل ذلك فنقول لم يزل الله حيا مريدا قادرا عليما سميعا بصيرا، ولا نقول لم يزل محييا مميتا خالقا مرسلا للرسل منزلا
-
79
- (1/79)
صفحة 80
للكتب، ونحو ذلك إلا على معنى قادر على الإحياء والإماتة الى غير ذلك، ومنع بعض أصحابنا هذا الاطلاق مطلقا، والله أعلم.
صفاته لذاته
ذار
إذ لم تكن فيه لئلا
لا غيرها دلت بذا آياته حلوله وليس منه نجـ
ولا عليه فيكون أفقرا لغيره وذاك دأب النقـ
حالة
في
أي صفاته تعالى الذاتيه هي عين ذاته وليست هي غير ذاته كما زعمت الأشعرية القائلون بأن صفات الذات معان حقيقية زائدة على الذات قائمة بها، وهذا القول باطل لأنها لو كانت صفات ذاته تعالى غير ذاته للزم عليه إما أن تكون ذاته العلية، وهو باطل لأن ذاته العلية لا يصح أن تكون محلا للأشياء، وإما أن الذات العلية وهو باطل أيضا لأن ذاته العلية غير متبعضة والتبعض
تكون بعضا من
عليها محال
إلى غيره، ومن
وإما أن تكون شيئا زائدا على الذات لا حالاً فيها ولا بعضا منها، وهذا الوجه هو الذي اختاره الخصم وعوّلوا عليه، وهو باطل أيضا لأنه لو كانت شيئا زائدا على الذات للزم عليه افتقار الذات إلى ذلك الزائد، والذات العليه كاملة بنفسها غير مفتقرة إلى غيرها، ومن كان مفتقرا إلى غيره فليس بإله لأنه عاجز في نفسه محتا محتاج كان عاجزا ومحتاجا إلى غيره فهو بمعزل عن صفات الألوهية وعن الكمالات الذاتية، وأيضا فلو كانت صفات ذاته غير ذاته للزم عليه اما أن تكون مقارنة لذاته في الوجود فيلزم عليه تعدد القدماء وهو باطل قطعا، وإما أن تكون سابقة على ذاته في الوجود فيلزم عليه حدوث الذات العليه وهو باطل أيضاً، وإما أن تكون موجودة بعد الذات العليه فيلزم عليه أن يكون الله عز وجل قبل حدوثها غير متصف بهذه الكمالات، فيكون غير قادر وغير عالم الى آخرها، وهو باطل
قطعا. فثبت ما قلناه وبطل ما زعم الخصم
قالوا: يلزمك على هذا التقدير نفي الصفات الذاتية
قلنا: لا يلزمنا ذلك لإنا إنما ننفي الزيادة على الذات لا نفس الصفات
- ^.
- (1/80)
صفحة 81
لأنه معني
قالوا: الزائد الذي نفيتموه هو نفس الصفات اذ لا يصح أن تكون الصفات غير الذات، فلو كان ذلك لما كان لإتصاف الذات بالصفات من إتصاف الشيء بذاته فيكون معنى قولنا الله قادر بمعنى قولنا ذاته
ذاته، ولا شك أن كل عاقل ينكر تساويهما
قلنا: الصفات عين الذات لما قدمنا من البرهان ولا يلزم البرهان ولا يلزم من ذلك ما ذكرتموه من إتصاف الشيء بذاته لأن هذه الصفات لها معان اعتبارية، وللذات كمالات ذاتية لا يدل عليها نفس اللفظ، ولكل واحد من تلك الكلمات معنى اعتباري يعبر عنه بالصفة، فالصفات عبارة عن المعاني الاعتبارية الدالة على الكمالات الذاتية، فبهذا الإعتبار لم يكن قولنا الله قدير بمنزلة قولنا ذاته ذاته لما في فولنا قدير من التعبير عن المعنى الإعتباري المفيد للكمال الذاتي حاصل ما في المقام أن ذاته تعالى متصفة بالكمالات الذاتية قائمة مقام ذات وصفه أي غنية بنفسها عن غيرها، والله أعلم.
فهو عليم لا يعلم جلب
وهو سميع لا بسمع ركبا رت وهو قدير لا بقدرة عرت
وهو بصير لا بعين وهكذا في سائر الصفات لأنها في الأصل عين الذات
أي فاذا ثبت بما قررناه من البرهان أن صفاته تعالى الداتية عين ذاته لا غيرها كما زعم الغير، فنقول: انه تعالى عليم بذاته لا بعلم هو غيره أي ذاته عزّ وجل منكشفة لها المعلومات إنكشافا تاما غير محتاجة في ذلك الإنكشاف إلى واسطة بينها وبين المعلوم كما زعم الغير، وانه تعالى سميع بذاته لا بسمع مركب فيه أو زائد عليه أي ذاته تعالى منكشفة لها المسموعات إنكشافا تاما غير محتاجة في ذلك الإنكشاف إلى واسطة بينها وبين المسموعات كما زعم الغير، وأنه تعالى بصير بذاته لا يبصر هو غيره أي ذاته تعالى منكشفة لها المبصرات إنكشافا تاما غير محتاجة في ذلك الإنكشاف إلى واسطة بينها وبين المبصرات كما زعم الغير، وأنه تعالى قدير غيره أي ذاته تعالى منفعلة لها الأشياء إيجادا وانعداما غير محتاجة
بذاته لا بقدرة هي
في ذلك التأثير الى واسطة بينها وبين المؤثرات كما زعم الغير
-
81
- (1/81)
صفحة 82
وهكذا القول في سائر الصفات فنقول أنه تعالى مريد بذاته لا بإرادة هي غيره أي ذاته العلية كافية في ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر غير محتاجة في ذلك التأثير الخاص إلى واسطة بينها وبين المؤثر كما زعم الغير
ونقول هو تعالى بذاته لا بحياة هي غيره أي ذاته العلية كافية للاتصاف حي بهذه الكمالات غير محتاجة في الاتصاف بها الى واسطة هي غيرها تسمى بالحياة كما زعم الغير، والله تعالى أعلم.
الفصل الرابع
في الرؤية
أي بيان استحالة رؤية الله تعالى، والرؤية هي اتصال شعاع الحدقة بالمرئي وقد جوز الأشعرية اتصافه تعالى بها، وقالوا بوقوع ذلك في الآخرة للمؤمنين. وأكثر الاسلاميين على إستحالتها عليه تعالى، وممن ذهب الى ذلك المعتزلة والخوارج وغيرهم، وإستحالتها هو الحق لما ستعلمه من الأدلة النقلية والبراهين العقلية، وقد تعلق المثبتون للرؤية في حقه تعالى بظواهر آيات وبموضوع روايات لا حاجة لذكرها هنا خوف الإطالة فلنعد الى بيان البراهين العقلية والنقلية فنقول:
ورؤية الباري من المحال دنيا وأخرى احكم بكل حال لان من لازمها التميز والكيف والتبعيض والتحيزا في جهة تقابل الذي نظـ فهذه وما أتى به السور من قول لا تدركه الأبصار ولن تراني فانتفى الإبصار لأنها مدح له ولا يصح زوال ما به الإله ممتدح لو جاز أن يزول مدحه لزم تبديل عزه بذل وشت (1/82)
صفحة 83
به کله
•
أي رؤية الباري تعالى من الأشياء التي لا يتصور في العقل صحة وجودها، لأن العقل يحيل ذلك، وذلك إن من لوازم الرؤية ومن شرائطها أن يكون المرئي متميزا (أي متشخصا والرب تعالى يستحيل عليه التشخص، ومن لوازمها أيضا أن يكون المرئي متكيفا (أي ذا كيف، أي لون وذلك على الله محال، ومن لوازمها أيضا أن يكون المرئي متبعضا أي ذا أبعاض، أي أجزاء) لأن النظر إما أن يحيط وكل محاط به متبعض ضرورة، واما أن يدرك بعضه، فظهر فيه التبعض، حيث أدرك البعض منه، وذلك في حقه تعالى محال، ومن لوازمها أيضا أن يكون المرئي متحيزا في جهة من الجهات أي حالاً فيها دون غيرها) والتحيز في حقه تعالى محال، وكذا يستحيل عليه المكان أيضا، ومن لوازمها أيضا أن تكون الجهة التي فيها المرئي مقابلة للرائي، لأن الناظر لا يرى إلا ما يقابله، وذلك في حقه تعالى محال، فاستحالت الرؤية في حقه تعالى لإستحالة لوزامها وشرائطها، فهذه البراهين العقلية وأما ما أتى به السور من البراهين النقلية فأشياء منها قوله تعالى ولا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار الآية، فنفي عز وجل إدراك الأبصار لذاته وامتدح بذلك، فنفي الادراك مدح له تعالى لهذه الآية، وما كان مدحا له تعالى فلا زواله عنه واتصافه بضده، لأن ما كان سببا للمدح فهو كمال وضده نقص،، ولا يصح أن يزول شيء من الكمالات الإلهية، ولا أن يتصف الإله بشيء من أضدادها النقصانية فلو جاز أن يزول ما كان سببا لمدحه تعالى للزم عليه جواز تبديل عزه تعالى بالذل وحمده تعالى بالشتم، وهذا محال في حق صفاته تعالى، فكذا الإتصاف بالرؤية في وقت من الأوقات أو من شخص من الأشخاص محال قطعا، لما يلزم عليه من تبديل موجب المدح، وجواز الاتصاف بموجب الذم، فصح استدلالنا بالآية وسقط اعتراضات الخصم علينا بمحتملات وهمية، توهموا أنها التحقيق في، حتى افتخر بعض متأخيريهم بذلك فرحا بما لديه فقال: لا تدرك الأبصار أكبر حجة لمقالهم معني
معني
الآية،
لها ما ألطفه
يدريه من خبر العلوم وراضها كابن الخطيب إمام أهل المعرفة
يصح
-
83
- (1/83)
صفحة 84
وأراد بابن الخطيب الفخر الرازي، ومنها قوله تعالى لكليمه عليه السلام ولن تراني) الآية، حين قال له ربي أرني أنظر اليك فلو كانت الرؤية جائزة في حقه تعالى لما علقها بالمستحيل في جوابه لكليمه عليه السلام، وذلك قوله تعالى ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فعلق الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل في علمه تعالى محال، والمعلق على المحال محال مثله، ألا ترى أن أحدنا يقول: آتيك اذا شاب الغراب أي ابيض شعره) وابيضاض شعر الغراب محال، فالإتيان محال مثله، لتعلقه به.
قالوا: استقرار الجبل ممكن في نفسه، والمعلق بالممكن ممكن مثله قلنا: إمكانه في نفسه إنما هو بحسب جهلنا بحقائق الأشياء أما عند من علم الحقائق فاستقراره محال، فظهر أن الاستقرار ليس بممكن في نفسه، وإنما كان إمكانه بالنظر الى عدم اطلاعنا على الحقائق، والرب تعالى عالم بها وبعدم استقرار الجبل، وعلق وقوع الرؤية عليه، فصح ما قلنا، والحمد الله.
ومن يدن بها بكفر النعم فاحكم له والشرك ان يجسم كأن يقول يده مثل يدي أو وجهه كوجه بعض الأعبد
أي واحكم على من قال بجواز الرؤية في حقه تعالى، وعلى من قال بوقوعها في الآخرة بكفر النعمة وهو النفاق، فإن مجوز ذلك والقائل به لا شك أنه فاسق لمخالفته العقل والنقل، فقضى الشرع بفسق من خالفه، هذا اذا لم يقل بتجسيم الباري، أما اذا قال: انه يرى على كتيب، أو جالسا على كرسي، أو له صورة کصورة الانسان، أو على صورة أحد من خلقه، أو له وجه كأوجهنا، أو يد كأيدينا، أو نحو ذلك، فهذا مشرك، وكذا من قال: انه يرى في الدنيا مشرك أيضا، لمكابرته العقل والنقل بلا شبهة يتمسك بها، وانما لم نشترك من قال: بأنه تعالى يرى في الآخرة لتأوله الكتاب، والمتأول اذا لم يوافق الحق في تأويله فليس بمشرك، لكنه منافق، والله سبحانه تعالى أعلم.
-
84
- (1/84)
صفحة 85
الخاتمة
في تفسير ألفاظ تعلقت بها المشبهة من كتاب الله عز وجل
فوجهه أي ذاته في قوله وعينه أي حفظه لفعل
تعلقت المشبهة في تقرير تشبيههم بآيات من القرآن العظيم، وذلك أنهم أثبتوا له تعالى وجها وعينا ويدا إلى غير ذلك من صفات خلقه تعالى عن ذلك، واستدلوا في اثبات الوجه بقوله تعالى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام كل شيء هالك الا وجهه له قلنا: يأتي الوجه في اللغة على معان منها الجارحة المحدودة، وتفسير الوجه في حقه تعالى بها محال للزومه التشبيه المصرح بنفيه قوله تعالى وليس
ما كمثله شيء مع تقدم من البرهان العقلي، فوجب تفسير الوجه بغير الجارحة في حقه تعالى، فقلنا معنى الوجه في الآيات وإنما هو بمعنى الذات، فقوله تعالى: ويبقى وجه ربك أي ذات ربك، وقوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه أي ذاته وكذا في نظائرهما من الآيات وتعلقوا في اثبات العين له تعالى بقوله تعالى ولتصنع على عيني تجري بأعيننا
قلنا: معنى العين في الآيتين الحفظ، فقوله تعالى (ولتصنع على عيني) أي على حفظي، وتجري بأعيننا أي بحفظنا، ولا يصح أن تكون العين هنا بمعنى الجارحة الباصرة، لما تقدم من البرهان العقلي والنقلي، ولأن الآيات لا يمكن حمل معناها على العين التي هي بمعنى الباصرة، فإنه لا يشك عاقل في أنه ليس المراد أن موسى عليه السلام مصنوع على العين الباصرة (أي) (فوقها ولا أن السفينة تجري بالأعين الباصرة أيضا
،
85
- (1/85)
صفحة 86
فلا بد لهؤلاء المشبهة من تأويل الآيتين قطعا، وقد فروا عن التأويل
فوقعوا فيما فروا منه، وزادوا على ذلك تشبيه ربهم تعالى
واليد منه قدرة أو قل نعم وقبضة والإستوى ملكاً يسـ
-
أي ومعنى اليد في قوله تعالى ويد الله فوق أيديهم القدرة وأي قدرة الله فوق قدرتهم الله لا كما زعمت المشبهة بأنها جارحة، تعالى الله ذلك، وقد تأتي عن اليد بمعنى النعمة، كما في قوله تعالى وبل يداه مبسوطتان أي نعمتاه الظاهرة لغة والباطنة، والعرب تطلق اليد على القدرة وعلى النعمة كما لا يخفى على من تتبع العرب، لكن هؤلاء المشبهة لا يفهمون العربية لأن غالبهم أصله أعاجم فبهرتهم أنوار التنزيل، فوقعوا في مهاوي الضلال ـ والعياذ بالله ـ وقوله (وقبضة والاستوى .. الخ إشارة إلى ما في قوله تعالى والأرض جميعا قبضته يوم القيامه الله، والى ما في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى أي فالقبضة في تلك الآية، والاستواء في هذا الآية وفي نظائرها بمعنى الملك، وكذا اليمين في قوله تعالى والسموات مطويات بيمينه، فمعنى قوله تعالى والأرض جميعا قبضته يوم القيامة له، أي يكون جميع الأرض ملكه يوم القيامه وكذلك هي اليوم، وإنما بذلك يوم القيامة لإنتفاء مدعي الملك هنالك بخلافه في هذه الدنيا، فإن فيها من ادعى الملك لنفسه، وإلى هذا المعنى الإشارة في قوله تعالى ولمن الملك اليوم الله ومعنى قوله تعالى والسموات مطويات بيمينه أي بقدرته، ومعنى قوله تعالى الله الرحمن على العرش استوى أي استولى بمعنى، والرب عز وجل مستول على العرش وعلى غيره، وانما خص العرش بالذكر في هذه الآية ونظائرها لأن العرش أعظم المخلوقات، فناسب ذكره في مقام الإمتداح، وإذا كان تبارك وتعالى مالكا لما هو أعظم المخلوقات ومستوليا عليه كان استيلاؤه على ما هو دون ذلك ثابتا بطريق الأولى، ومعنى قوله (يسم) بالبناء للمفعول (أي يدعى) أي كل واحد من القبضة والاستوا يسمى ملكا ـ أي يفسر بالملك، والله سبحانه وتعالى
خص
أعلم.
ملکه
-
- (1/86)
صفحة 87
أن
وجده كوجهه أو قل عظـ لم
ومكره عقوبة لمن ظلـ
أي الجد المضاف إليه تعالى في قوله وانه تعالى جد ربنا له معنيان أحدهما: يفسر بالذات كما فسر بذلك الوجه في قوله تعالى ويبقى وجه ربك الله وعليه فالمعنى وانه تعالى (ربنا)، والمعنى الثاني: أن يفسر بالعظمة، وعليه فالمعنى (وانه تعالى عظمة (بنا)، فالعظم في البيت بكسر العين المهملة، وفتح الظاء المعجمة بمعنى: (العظمه)
وقوله: (ومكره عقوبة (الخ أي والمكر المسند اليه تعالى في نحو قوله تعالى ومكروا ومكر الله عليه انما هو عقوبة للظالم لا غير ذلك المخادعة والإحتيال من
فمعنى قوله تعالى ومكر الله له أي وعاقبهم الله، أي قضى بعقوبتهم وحكم بها من حيث لا يعلمون ذلك.
الباب الثالث
من الركن الثاني
في الأنبياء والرسل والملائكة والكتب
ثم من الجائز بعث الرسل يهدوننا الى الصراط الأعدل
مقرونة دعواهم تفض
ـلا بمعجزات تبطل التقولا
أي ثم إني أقول: أن من الجائز في حقه تعالى إرسال الرسل (أي الإيحاء إلى الأنبياء وإنزال الكتب، ومعنى الجائز في حقه تعالى (أي له أن يفعل ذلك، وله أن لا يفعله)، ويصح إتصافه به وعدم إتصافه به خلافا لمن أوجب ذلك في حقه تعالى ولمن أحاله، والقائل بإستحالة ذلك مشرك إجماعا، وقوله (يهدوننا إلى الصراط) الجملة في محل الحال من الرسل، والمعنى: هادين لنا الى الصراط الأعدل ـ أي المستقيم - وفي هذا تنبيه على حكمة إرسال الرسل، وقوله: (مقرونة دعواهم) حال
-
،
-
87
- (1/87)
صفحة 88
من واو يهدوننا أو من الرسل أيضا - أي دعواهم بأنهم رسل من الله تعالى، مقرونة بمعجزة ـ وهي الخارق للعادة المتحدى به على الخصم، فخرج بالخارق السحر، فانه
،
غير خارق للعادة وانما هو أمر مترتب على أسباب، من أحكمها حصل له ذلك الأمر والخارق ليس مترتبا على سبب، لكن لما خفيت أسباب السحر على كثير من الناس ظن أنه خارق، وليس كذلك، وخرج بالمتحدى به .. الخ) كرامات الأولياء، فإنها وإن كانت خارقة أيضا لا تكون على جهة التحدي، أي فلا تحصل لمن يدعي النبوة منهم إذا لم يكن نبيا، كذا جرت عادته سبحانه وتعالى حفظا لرتبة النبوة وصونا لمقام الرسالة، وقوله (تفضلا) حال من قوله: بمعجزات، والعامل فيه مقرونة: أي مقرونة دعواهم بمعجزات متفضلا بها عليهم، وقوله تبطل (التقولا نعت للمعجزات أي تلك المعجزات مبطلة لقول الخصم، لإدعائه أنه يستطيع الإتيان بمثلها كما ادعى فرعون في قوله الموسى عليه السلام فلنأتينك بسحر مثله، وكإدعاء مسيلمة أنه يأتي بمثل
القرآن.
وواجب عليك أن تعرف ما يجوز للرسل وما قد لزما
وما استحال عنهم فاللازم في حقهم نحا هي المكارم كالصدق والتبليغ والأمانه والعقل والضبط وكالفطانه والمستحيل ضدها كالكذب وكالجنون وارتكاب الريب
وما عدا ذلك فهو ممكن في حقهم إلا الذي يستهجن
للرسل والأنبياء صفات واجبة في حقهم وهم صفات مستحيلة في حقهم، صفات ممكنة في حقهم، ويلزم المكلف معرفة كل واحد من هذه الصفات بعد قيام الحجة به عليه، فيجب في حق الأنبياء والرسل التبليغ لما أمروا بتبليغه، دون ما لم يؤمروا بذلك، ودون ما خيّروا في تبليغه، ويجب إتصافهم بالصدق وهو مطابقة خبرهم، ويجب إتصافهم بالأمانة وهي حفظ ما ائتمنوا عليه ووضعه في موضعه وأداؤه الى أهله، ويجب إتصافهم بالعقل، فلا يكون المجنون رسولا ولا نبيا، ولا يكون نبي صبيا (أي متصفا بصفات (الصبيان من عدم الاتصاف بموجبات العقل، فيخرج بهذا
للواقع
-
88
- (1/88)
صفحة 89
التقييد يحيى ـ عليه السلام - لقوله تعالى وأتيناه الحكم صبيام وكذا من كان مثله
-
حاصل ما في المقام أن الواجب الإتصاف بالعقل، فاذا حصل في أحد فلا عبرة بكثرة عدد السنين وقلته، ويجب في حقهم الضبط أي حفظ ما أمروا بتبليغه وضبطه حتى يؤدوه على وجه لا يكون فيه خلل، ويجب في حقهم الفطانة وهي اليقظة في الأمور، ليحصل لهم بذلك محاورة الخصم، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، ويستحيل في حقهم أضداد هذه الصفات، من ذلك الكذب، وهو عدم مطابقة الخبر لما في الواقع، ومن ذلك الجنون وهو زوال العقل، ومن ذلك ارتكاب الريب (أي المعاصي)، فإنهم لو ارتكبوها ما كانوا أمناء في أوامر ربهم في أنفسهم، فلا يكونون أمناء في غير ذلك، وما عدا هذه الصفات التي ذكرتها، فهي في حقهم من الممكن لهم، والجائز اتصافهم بها، وذلك مثل النوم والأكل والشرب والجماع والمشي في الأسواق، وغير من المباحات، نعم يستثنى من ذلك ما كان مستقبحا منها في العقل كالبول قياما، فإن العقل يستقبح ذلك في أدنى البشر، فكيف يستحسنه في أعلاهم، على أن الغرض إتصافهم بمكارم الأخلاق وليس هذا منها.
ذلك
أفضلهم نبينا ثم الخلي ثم الكليم بعده عيسى الجليل وبعدهم نوح فباقي الرسل فالأنبياء ذوو المقام الأكمل
وقع الإجماع على ثبوت تفاضل الرسل لقوله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ووقع الإجماع أيضا على أفضلية نبينا عليه الصلاة والسلام على جميع الخلق لأدلة تخصه، ووقع الإتفاق على أن أفضل الرسل من بعده أربعة: ابراهيم خليل الرحمن، وموسى كليم الله، وعيسى روح الله الله، ونوح نبي، عليهم الصلاة والسلام، ثم وقع الخلاف في تفضيل بعض هؤلاء على بعض، واعتمد الأكثر الطريقة التي اعتمدها المصنف، ووقف بعض عن تعيين الأفضل منهم، وقال: هذا باب لسنا بحكام فيه، لأن أمر ذلك الى التوقيف من الشارع، وهو حق، فالتوقف أولى فيما لم يرد فيه نص، وقوله (فباقي (الرسل أي بعد هؤلاء الخمسة في الفضل باقي الرسل، وعدد الرسل مع
-
89
- (1/89)
صفحة 90
هؤلاء الخمسة ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، أولهم آدم، وآخرهم محمد عل وقوله (فالأنبياء) أي بعد الرسل في رتبة التفضيل الأنبياء، وهم الذين أوحي اليهم بشرع
لم يؤمروا بتبليغه، فان أمروا بالتبليغ كانوا رسلا أيضا، وعدد الأنبياء على القول المشهور مائة ألف وأربعة وعشرون ألف الثلاثمائة والثلاثة العشر، وقوله منهم
-
(ذوو المقام الأكمال) أي أصحاب المقام الكامل.
قد نسخت شرائع الجميع سوى الهدى بشرعنا البديع فهو على الدوام لا يغيـ
وماله أي شرعنا مغيـ
اعلم أن شريعة نبينا على الله ناسخة لشرائع الأنبياء من قبله أي مبدلة لأحكامها
بأحكام أخر، إما مخالفة لها وإما موافقة، إلا ما لا
-
يصح
نسخه
ذلك
من
-
كالتوحيد ـ فإن صفاته تعالى لا يجوز عليها التغير، فلا يصح نسخ التعبد فيها، فلا يمكن أن يتعبد أحدا من أهل الملل أن يعتقدوا أنه لا يرى ويتعبد آخرين أن يعتقدوا أنه يرى وكمكارم الأخلاق، فإن الله يأمر بالعدل والإحسان، ومكارم الأخلاق داخلة تحت العدل والإحسان، فلا أن يأمر بخلاف المكارم، وهذا يصح النوع ـ أعني ما لا نسخه هو المراد من قول المصنف، سوى الهدى) أي الا الهدى فإنه لم ينسخ، أي لأنه لا نسخه، وقوله وماله أي شرعنا الخ) أي لا يغير شرع نبينا الا الله ناسخ لأنه ليس بعده نبي كما صرح به حديث لا نبي بعدي وكما دل عليه قوله تعالى (وخاتم النبيين فان الخاتم لا يكون معقوبا، فثبت امتناع نسخ شرعه لإستحالة نبي بعده واعتقاد أنه لا بعده، وأن شريعته
?
-
يصح
يصح
نبي
تنسخ من بعده واجب علينا، فلا يصح جهل علمه بعد قيام الحجة به.
وبعدهم ملائك حباهم مولاهم بالقرب واجتباهم أفضلهم جبريل والذي زعم تفضيله على الحبيب قد غشم
-
أي بعد درجة الأنبياء في الفضل درجة الملائكة ـ عليهم السلام ـــ فإنه قد اعطاهم ربهم ومولاهم من الفضل الخاص بهم ما لم يعطه لغيرهم، واصطفاهم
-
90 (1/90)
صفحة 91
أن الله
لخدمته، وفرغهم لإنفاذ أمره، فلهم الفضل العظيم لهذا التبجيل والتعظيم، على عز وجل قد مدحهم في كتابه العزيز بقوله يسبحون الليل والنهار لا لم يفترون، وقوله ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون فهم بهذا أفضل من سائر المؤمنين ممن عدا الأنبياء والمرسلين، وفضل بعض اصحابنا وغيرهم المؤمنين عليهم، واستدل كل واحد من الفريقين بأدلة ذكرناها في غير هذا المقام، ولا شك أن بعض الملائكة أفضل من بعض لقوله تعالى حكاية عنهم يوما منا إلا له مقام معلوم وأفضلهم على الاطلاق جبريل عليه السلام، لأنه الرسول من الله إلى أنبيائه وان كان غيره قد أرسل أيضا، فإرساله هو أكثر من غيره، ولكثرة خصاله الفاضلة والفواضل، زعم الزمخشري أنه أفضل من حبيب الرحمن محمد وقد خرق الإجماع بذلك ودخل مدخلا كان الواجب عليه أن يقف دونه.
ـن
بهم جميعا يجب الإيم يجب الإيمان وبالذي أنزله الرحمـ وهو كلام دل بالنظم الأتم على معان فيه ارشاد الأمم
أي يجب التصديق على جهة الإذعان بالأنبياء جميعا، وبالرسل جميعا، وبالملائكة جميعا، وبما أنزل الرحمن من الكلام على رسله، فالإيمان واجب بكل واحد من، هذه الأصناف جملة، ويجب علينا أن نخص محمداً وما أنزل عليه بالإيمان، فلا يجزي الإيمان به مع جملة الرسل، ولا الإيمان بالقرآن في جملة الكتب، وكذا يجب علينا أن نخص بالإيمان من قامت علينا الحجة برسالته أو نبوته من الأنبياء والرسل الذين من قبله علل وقوله (وهو كلام دل .. الخ) هذا تفسير لما أنزل الرحمن أي الذي أنزله ربنا هو كلام دل بالنظم التام على معان ترشد الأمم الى نجاتها والى فلاحها وصلاحها، وجملة ما أنزل الله من الكتب على ما في بعض الروايات مائة كتاب وأربعة كتب، خمسون منها على شيث، وثلاثون على إدريس فتلك ثمانون، وعشرة صحف على إبراهيم، وعشرة على موسى قبل التوارة، فتلك مائة، والتوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والقرآن العظيم على نبينا الكريم عليه وعليهم أفضل صلاة وأكمل تسليم.
-
91
- (1/91)
صفحة 92
والكل مخلوق لإمكان العدم ولانفراده تعالى بالقـ
أي كل واحد من الكلام المنزل على الرسل مخلوق، لا شيء منها متصف بالقدم، لا التوراة، ولا الإنجيل، ولا الزبور، ولا القرآن، ولا غيرها من سائر الكتب، وذلك لأدلة عقلية ونقلية، أما العقلية فمنها أن الكلام المنزل ممكن فناؤه، وكل ما أمكن عدمه إستحال قدمه، ومنها لأنه تعالى منفرد بالقدم، فلو كان الكلام أو شيء منه قديما للزم بطلان إنفراده تعالى بالقدم، وقد قام البرهان على وجوب انفراده بذلك، فلا قديم غيره
وأما النقلية فأشياء منها قوله تعالى و خالق كل شيء والكلام شيء فهو مخلوق لهذه الآية، ومنها قوله تعالى وانا كل شيء خلقناه بقدر، والكلام شيء ومنها أنه موصوف بالانزال كما في قوله تعالى وانا انزلناه، وكل منزل منتقل من جهة إلى جهة، وكل منتقل حادث، وكل حادث مخلوق، إلى غير ذلك الأدلة.
من
والله تعالى أعلم.
فصل في المحكم والمتشابه
وفي القرآن محكم ومشتبه ومجمل مفصل نؤمن كل أتى من ربنا والخلف في حديهما على أقاويل تفـ
اتفاق
منهم
انهم
نوعان أي مختلف حكمهما
أي في القرآن آيات محكمة، وفيه آيات متشابهة، وفيه آيات مجملة، وفيه
آيات مفصلة (أي مبينة) ويجب الايمان بجميعه محكمه ومتشابهه، ومجمله ومفصله، لقوله تعالى ومنه آيات محكمات من أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في
92
-
- (1/92)
صفحة 93
قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه .. الآية، وقد اختلف العلماء في بيان المحكم من المتشابه، وفي تعريف كل واحد منهما على أقاويل في النظم، وهم مع اختلافهم متفقون على أن المحكم غير المتشابه، والمتشابه غير المحكم، فهما نوعان متغايران، وحكم كل واحد منهما يخالف حكم الآخر لأن الرب تعالى رتب على كل واحد حكما ثم انه أخذ في بيان حد المحكم، وبيان حكمه فقال:
فالمحكم المتضح المعنى انقسم للنص والظاهر معنى فانحس في النص حكم القطع بالمراد والظن في الظاهر للعباد وان أتى بعكسه الدليل صير اليه وهو التأويل
وهو قريبا أو بعيدا وقعا أو متعذرا فلن يتبعـ
وهو
أي المحكم من الآيات ومن غيرها من الروايات: هو معناه ما اتضح قسمان، لأنه إما أن يتضح المعنى ولم يحتمل معنى غيره وهو (النص)، وإما أن يحتمل معنى ثانيا، وإن كان احتمالا بعيدا مثلا فهو الظاهر، ولكل واحد من النص والظاهر حكم، فحكم النص القطع بمراد المتكلم أي إذا سمعنا من الكلام مالا يحتمل إلا معنى واحدا قطعنا بأن مراد المتكلم هو ذلك المعنى لا غيره، لعدم احتمال الكلام لغيره، والحكم في الظاهر الظن بأن ما ظهر من المعاني هو مراد المتكلم أي اذا سمعنا كلاما يحتمل معنيين، لكن السابق الى الذهن أحدهما ظننا أن ذلك السابق الى الذهن هو مراد المتكلم، وانما كان هذا كذلك لإحتمال أن يكون المتكلم أراد المعنى الثاني، هذا اذا لم يقم دليل على أن مراد المتكلم المعنى المرجوح فإن قام الدليل بذلك ترك المعنى الظاهر، وصير الى المعنى الباطن لوجود ذلك الدليل الدال على أن الباطن هو المراد، والمصير من الظاهر الى المعنى الباطن هو التأويل، وهو ينقسم الى ثلاثة أقسام تأويل قريب، وتأويل بعيد، وتأويل متعذر) كل ذلك بحسب قرب الإحتمال للمعنى وبعده،، فالتأويل القريب يترجح بأدنى دليل،
والتأويل البعيد يحتاج إلى تأويل قوي، والمتعذر منه لا يقبل.
93
- (1/93)
صفحة 94
-
فمن المتعذر تفسير الرافضة لقوله تعالى كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفرك قالوا: الشيطان (عمر بن الخطاب) والإنسان (أبوبكر) قال له خذ الخلافة، وأنا معينك عليها أخزاهم الله تعالى - ورضي عن الشيخين ولهم في تحريف القرآن العظيم على هذا المنوال ما ينبغي أن ينزه مختصرنا هذا عن ذكره، ولما فرغ من بيان حد المحكم وأحكامه، شرع في بيان حد المتشابه وأحكامه، فقال:
وهو
وذو اشتباه ما اختفى كالمجمل أو مفهم تشبيه مولانا العلي فمنه ما قيل بأنه الذي له احتمالان فصاعدا خذ ومنه أيضا ما يكون مبر كتسع عشر أمرهم قد أبهما
ومنه انه الذي لم يطلـ فكل هذا أصله متحـ
تأويله غير المهيمن اعلـ وجعله أشياء ليس يحمـ
وقيل أحرف أوائل السور وقيل بالأمثال
وقيل ما قد كان منسوخا وما قد كان نسخا
كل
يسمى
محكما
المتشابه هو خلاف المحكم، وعرفوه بأنه الذي اختفى، وعرفوه بأنه الذي اختفى معناه، والخفاء معناه سببان: أحدهما اجمال اللفظ، وثانيهما أن يكون ظاهره مخالفا لدليل العقل، وذلك كما إذا كان في ظاهره تشبيه الباري عز وجل بخلقه كآية الاستواء ــ فهو بإعتبار سببه قسمان، مجمل وما كان في ظاهره التشبيه، وهذا الحد الذي ذكره المصنف، أن المتشابه، ما اختفى معناه شامل لأكثر التعاريف الواردة من العلماء في المتشابه، فيدخل تحته قول من قال: ان المتشابه ما كان له احتمالان فصاعدا، لأن ما كان له احتمالان فصاعدا يختفي فيه المعنى المراد، ولا يعلم الا بدليل خارجي، وهذا الدليل هو الذي نسميه بالبيان، ويدخل تحته أيضا من قال: ان المتشابه هو ما كان مبهما، وذلك كما في قوله تعالى: (عليها تسعة عشر) فأبهم المعدود من هذه الآية فلم يدر ما هو، واحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا، وأن يكون تسعة عشر صفا، إلى غير ذلك، وكما في قوله تعالى ويحمل عرش
-
94
- (1/94)
صفحة 95
ربك فوقهم يومئذ ثمانية فحقيقة الثمانية مبهمة، ووجه دخول هذا في تعريف المصنف إنما هو من حيث خفاء المعنى المراد، ويدخل تحته أيضا قول من قال: ان المتشابه هو ما لا يعلم تأويله إلا الله، كوقت الساعة، وككيفية الحشر، وكحقيقة الثواب، وحقيقة العقاب، الى غير ذلك، ووجه دخوله فيما تقدم بجامع الخفاء، ولذا قال المصنف فكل هذا أصله متحد، أي أصل هذه الأقاويل واحد، وهو الخفاء، وقوله (وجعله أشياء .. الخ) أي جعل ما ذكر هاهنا أشياء متعددة لمعان مختلفة غير محمود، لأن كل واحد من تلك الأقوال، انما اعتبر جهة من جهات الخفاء، فالقدر المشترك بين الجميع هو الخفاء، فينبغي أن يؤخذ في تعريف المتشابه، فتكون تلك الأقاويل أنواعا له كما صنع المصنف، وأما قوله (وقيل أحرف .. الخ) فهذه ثلاثة أقاويل في المتشابه خارجة عن ضابط الخفاء، أحدها: أن المتشابه هو الخروف المقطعة في أوائل السور كـ (الم ـــ المص ـــ الر ــــ المر ــــ كهيعص .. الى آخرها) ووجه خروج هذا من ذلك الضابط، هو أن القول به يفيد حصر المتشابه في هذه الحروف، دون ما عداها الآيات، وثانيها: أن من القصص والامثال، وهو معنى قوله (وقيل بالأمثال مع كل خبر) وثالثها: أن المتشابه هو ما كان منسوخا من الآيات، وأما ما كان منها ناسخا
المتشابه هو
فيسمى محكما
-
وحكمه الوقوف في الإجمال حتى يبين أظهر احتمال والرد للمحكم حكم الثاني أو يلزمن تناقض القرآن
-
لما كان المتشابه قسمين ثبت لكل قسم حكم، فله أيضا حكمان، فأما حكم المجمل منه فهو الوقوف عن تعيين المراد منه، وعن العمل به حتى يبين المراد منه بدليل يسمى بيانا، وهذا معنى قوله حتى يبين أظهر احتمال له، وأما حكم النوع الثاني منه وهو ما كان ظاهره التشبيه، فحكمه أن يرد الى المحكم من الآيات فيفسر به، لقوله تعالى ومنه آيات محكمات من أم الكتاب ومثال ذلك قوله تعالى الرحمن على العرش أستوى فانه يجب أن يرد إلى قوله تعالى ليس كمثله شيء
-
??
- (1/95)
صفحة 96
فيستحيل أن يفسر الاستواء بالاستقرار لأنه لو فسّر بذلك لكان مثله شيء في ذلك الوجه فيلزم تناقض القرآن، والقول بتناقضه باطل، وهذا معنى قوله: (أويلزمن تناقض القرآن).
الباب الرابع من الركن الثاني
في الوعد والوعيد، وفيه أربعة فصول
الفصل الأول
في الموت والبعث والحساب، أي وفي غير ذلك من المعاني، كبيان الرزق وعذاب القبر والحوض والكتب
والموت حق يجب الإيمان به كذاك البعث والحسبان
موجود
أي الموت ثابت على كل ذي روح، لا يشك في ثبوته أحد، لأنه ضرورة، فيجب الإيمان به تصديقا لقوله تعالى كل نفس ذائقة الموت فنعتقد أن كل ذي روح يموت، وأما ما عدا ذوات الأرواح فالفناء في حقهم ثابت، فهم يفنون قطعا لقوله تعالى وكل شيء هالك إلا وجهه الله فالموت فناء خاص بذوات الأرواح، والفناء عدم عام لها ولغيرها، وكذلك البعث ثابت بالبراهين النقلية، فالإيمان به واجب، وكذلك الحساب بعد البعث ثابت بالبراهين النقلية أيضا، فالإيمان به واجب أيضا، ثم أنه أخذ في بيان كيفية الموت والبعث فقال:
- (1/96)
صفحة 97
-
فالموت أن تفارق الروح الجسد والبعث ردها اليه للأبد أي فالموت هو مفارقة الروح للجسد، لأن حياة الجسد إنما هي بسبب ممازجة الروح له، قال في القناطر: واختلفوا في كيفية قبض الروح، فقال بعض العلماء: ان ملك الموت للروح بمنزلة حجر المغناطيس في جذبه للحديد، وانه اذا ظهر الملك للروح طارت اليه، وقال قوم: ان الله تعالى يخرج الروح فيتلقاها الملك. قال: والصحيح أن الله سبحانه هو الذي يحيي ويميت وهو أعلم بكيفية ذلك (انتهى)، وفي تصحيحه رحمه الله ـ اشارة الى التوقف عن القول بأحد القولين، فهو مذهب ثالث له، ووجه تصحيحه للتوقف ان هذا شيء لا يطلع عليه إلا بتوقيف من الشارع وكأنه لم يثبت عنده توقيف، فرأى التوقف أولى. وقوله والبعث ردها (اليه أي رد الروح الى الجسد خلقا ثانيا وإعادة ابتدائية بعد اعدام محض، فهو ممكن عقلا، وصرح بثبوته النقل، قال تعالى وكما بدأنا أول خلق نعيده، وقال وقل يحيها الذي أنشأها أول مرة فليست الإعادة أشد له من الانشاء الأول ـ والكل في قدرته تعالى ممكن وواقع بلا شك، فالإيمان بالبعث واجب. وقوله (للأبد) المراد بالأبد عدم الغاية فيما يستقبل أي رد الروح للجسد بعد الموت، هي حياة لا غاية لها، إما في نعيم، وإما في جحيم، وهذا التأييد خاص للمكلفين دون غيرهم من الحيوانات والحشرات، فانها انما تبعث، ثم تصير ترابا، وأما أولاد المكلفين فحكمهم في البعث حكم آبائهم، لكن يخلد من لم يبلغ منهم في الجنة، لعدم نقضهم الميثاق الذي أخذ الله عليهم، وكذلك حكم المجانين في البعث حكم المكلفين فإنهم إما أن يكونوا قد أتت عليهم حالة حكمهم فيها حكم البالغين فهم على ذلك الحكم من خير أو شر، وإما أن يكونوا لم تأت من ذلك فحكمهم حينئذ حكم من لم يبلغ الحلم لعدم نقضهم الميثاق
عليهم
حالة
أيضا، والله أعلم
-
والقول بالامساك في الروح أحق وما سوى التخمين للذي نطق اختلف العلماء في بيان الروح، فوقف بعض عن تعيينها وخاض آخرون
-
97
- (1/97)
صفحة 98
في بيانها، والقول بالوقوف أولى وأثبت لعدم الدليل المصرح بتعيينها وبيان كيفية حالها، فالخائضون في بيانها مع عدم النص المصرح بذلك ليس لهم مستند غير التخمين وهو القول بالظن، ولأن الله تعالى لم يخبر نبيه بالروح، وقد سئل عنها فقال له ربه قل الروح من أمر ربي فالعلم بها مما استأثر الله به، ولم يطلع عليه أحدا
أما الخائضون في بيان الروح فقالوا انه تعالى لم يمت نبيه إلا وقد أطلعه على حقيقة الروح، وأما قوله (قل الروح من أمر ربي) فذلك لموافقة ما في التوراة ليكون موافقتها علما على نبوته، وذلك أن اليهود أمروا قريشا أن يسألوا رسول الله لا عن ثلاث، وقالوا: ان أجاب عنها كلها فليس بنبي، وان سكت عنها كلها فليس بنبي، وان اجاب عن بعضها وسكت عن بعض فهو نبي، وتلك الثلاث هي الروح)، وأصحاب الكهف، وذو القرنين) فأفتاه ربه في أصحاب الكهف، وذي القرنين، وأمره في الروح بقوله (قل الروح من أمر ربي) وكان في التوراة أن الروح من أمر الله، فطابق جوابه ما في كتابهم. قالوا: فالأمر بالوقوف عن الخوض في الروح انما هو لهذا العارض، لا لأن العلم بالروح مما لم يطلع عليه أحدا
قلنا:
بعد تسليم ما قلتموه لا يطلع على حقيقة الروح إلا بتوقيف من الشارع، ولم يرد التوقيف، فالإطلاع متعذر، فالكف عن الخوص فيها أولى وأحق.
ــدر
ولم يمت قبل انقضاء العمر أحد وقبل رزقه الذي له يحد كان حلالا أو حراما حجرا أو شبهة والله كلا قدرا اذ ليس في العالم شيء يصدر الا وربنا له مقـ اعلم أن الله تبارك وتعالى قد وقت الآجال وحدد الأعمار، فلا يموت أحد قبل انقضاء عمره، وقبل استيفاء أجله قال تعالى ولكل أجل كتاب، وقال تعالى فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون سواء كان هذا
98 (1/98)
صفحة 99
أجله
الميت ميتا حتف أنفه أو مقتولا، وذهبت المعتزلة إلى أن المقتول ميت في غير وقبل انقضاء عمره، وانه لو لم يقتل لعاش إلى الوقت الذي حدد له، وهو مذهب فاسد، بينا بطلانه في غير هذا الكتاب
وكذلك قدر الله الأرزاق، فمن قدر له رزق فلا يموت قبل استيفاء رزقه
الذي قدر له، كان ذلك الرزق (حلالا) وهو مالم يرد في تناوله عقاب، (أو حراما) وهو ما ورد في تناوله عقاب، أو شبهة) وهو ما تجاذبه أصلان، أصل
قدر جميع
يقتضي تحليله وأصل يقتضي تحريمه ولم يترجح واحد منهما على الآخر، والله تعالى ذلك، فهو تعالى مؤجل للآجال، ورازق للعباد بأي جهة كان رزقهم، إذ ليس يوجد شيء من المخلوقات، أو فيها إلا وربنا تعالى هو المقدر لذلك، هذا مذهبنا ومذهب الأشعرية، وذهبت المعتزلة إلى أن الله تعالى لا يرزق الحرام لأن رزق الحرام قبيح، ولا يصدر منه تعالى ما هو قبيح، ومنعوا اطلاق اسم الرزق
على الحرام.
قلنا: ان قبح ذلك متوقف على نهي الشارع عنه، والرب تعالى غير محكوم عليه بشيء، بل هو الحاكم في الأشياء وهو الفعال لما يريد، والأشياء جميعها ملك له لا معارض له في شيء منها والمتصرف في ملكه أو في شيء منه لا يكون فاعلا
لقبيح والله تعالى أعلم
أقول: وبعد منها، في زبد بن رسلان، ونصه:
أن نظمت هذه الأبيات بمدة وقفت على الشطر الأول من البيت
ولم يمت قبل انقضاء العمر أحد والروح تفنى ليس تبقى للأ ..
فهو من توارد الخواطر، والله أعلم
فانتب
ثم عذاب القبر مما جاء به تواتر الأخبار معنى واعتقدن صدقه ولا تحل عذاب ميت لوجوه تحتمل
99
- (1/99)
صفحة 100
المراد بـ (عذاب القبر) هو عذاب الميت مطلقا كان مدفونا أو في بطون السباع والطيور، أو في بطون الحيتان أو على وجه الأرض، وعبر عن هذا كله بعذاب القبر لأنه الغالب في الموتى، واذا ثبت عذاب القبر بما سيأتي ثبت أيضا نعيمه لمن أراد الله تنعيمه فيه من أهل السعادة، اذ لا قائل بالفرق بينهما، وعذاب القبر قد وردت في ثبوته الأحاديث النبوية، واشارت اليه الآيات القرآنيه فمن تلك الآيات قوله تعالى النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، فقوله تعالى ويعرضون عليها غدوا وعشيا دال على أن ذلك العرض قبل يوم القيامة وهو المطلوب ـ وأما الأحاديث النبوية فقد
-
-
-
-
معني
عذاب
قال صاحب المعالم ـ رحمه الله تعالى: انها مما تواتر معنى أي القبر قد بلغ حد التواتر في الأحاديث التي جاءت به وان اختلفت عباراتها، فمن تلك الأحاديث قوله عل الله عذاب القبر حق، وقوله عل إن الموتى ليعذبون في قبورهم) .. الحديث
وقوله (واعتقدن صدقه أي صدق عذاب القبر أي أن من شأن ما تواترت به الأخبار أن يقطع بصدقه، وقوله لا تحل تعذيب ميت) أي ولا تقل ان عذاب الميت محال كما ذهبت اليه طائفة، لأنا نقول: انه ليس بمحال، فانه يحتمل أن الله يرد عليه روحه، فيحس ألم العذاب، ويحتمل أن يخلق الله فيه حاسة يحس بها ألم العذاب، ويحتمل غير ذلك وهو معنى قوله (لوجوه تحتمل)، على أنه لم يرد النص أن الميت يعذب وهو ميت أي في حال مفارقة روحه للجسد
أما الحساب فهو تمييز العمل خيرا وشرا ليراه من فعل أي حساب الله لخلقه يوم القيامه إنما هو تمييز الأعمال الحسنة الأعمال من القبيحه فيرى الفاعل أعماله الخيرية وأعماله الشرية، وليس الحساب يومئذ كحساب بعضنا البعض، لاستلزامه التشبيه الذي يحيله العقل ويبطله النقل، هذا ما عليه الأصحاب - رحمهم الله تعالى ـ والذي أقوله: انه لا بأس أن يكون
ـــ
1 (1/100)
صفحة 101
خلقا
الحساب يوم القيامة هو الحساب المتعارف فيما بيننا، ويكون المحاسب يومئذ هو من خلقه تعالى جعله لذلك، فلا يلزم على هذا المعنى ما ذكر من التشبيه، والقول به عندي أولى، لأن ظواهر الآيات والروايات دالة عليه، فلو قيل بغيره لزم صرف كثير من الآيات والروايات على خلاف ظاهرها، مع إمكان الأخذ بالظاهر، فمن تلك الآيات قوله تعالى ويوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسهام ففي هذه المجادلة النص الصريح على ما قدمت ذكره من بيان الحساب، ومنها قوله تعالى وحتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا الجلودهم لم شهدتهم علينا من الآية. ففي هذه الآية ما يدل على أن هنالك مخاطبة وتكلما وشهودا، وكذا قوله تعالى واليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم، وكذلك قوله تعالى وجاءت كل نفس معها سائق وشهيده ومن الروايات الدال ظاهرها على ما قلته ما أخرجه الترمذي وصححه (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى عن أربع: عن عمره فيما أفناه يسأل علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه) وما أخرجه البزار (يخرج) لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله عليه ـ فيقول الله تبارك وتعالى لأصغر نعمة احسبه، قال في ديوان النعم» خذي ثمنك عمله الصالح، من فتستوعب عمله الصالح، ثم تنتحي وتقول: وعزتك ما استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح، فاذا أراد الله أن يرحم عبدا، قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت عن سيئاتك، احسبه قال ووهبت لك نعمي)، وغير هذا من الأحاديث كثير، فلا نطيل بايراده هاهنا لأن المقام انما هو مقام اختصار .. والله أعلم.
، وعن
خص به مقصر ليعلم أو فاسق ليكثرا لتندم وما عداهما إلى الجنان بلا حساب أو إلى النيران
،
أي خص بالحساب صنفان من الناس، أحدهما المؤمن المقصر التائب من
101
- (1/101)
صفحة 102
الحكمة
ذنبه، وثانيهما: الفاسق العاصي، والحكمة في حساب المؤمن المقصر هي أن يعلم نعمة الله عليه بغفرانه ذنوبه وستر عيوبه، والحكمة في حساب الفاسق هي ازدياد حسراته وتضعيف تنكيله بالتأسف على اضاعة عمله، فانه متي ما رأى العمل الموجب للغفران محبوطا بعمل صدر منه ازداد بذلك حسرة وندامة، ومن في هذا أيضا اظهار انصاف الله تعالى لخلقه، فانه لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وما عدا هذين الصنفين فهم إما في الجنة بلا حساب وهم المؤمنون الموفون، وإما في النار بلا حساب وهم المشركون هذا حاصل ما ذكره في القواعد وعليه جريت في النظم، وظاهره أن المشركين غير محاسبين، ثم ظهر لي بعد ذلك أنهم محاسبون لقوله تعالى وقفوهم انهم مسئولون ما لكم لا تناصرون ولقوله تعالى وزعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ولغير ذلك من الآيات، ويحتمل أن يقال السؤال والانباء الذي في الآيتين غير الحساب المذكور، ثم ظهر لي ان هذا الإحتمال الأولى فلا دليل في الآيتين على المطلوب .. والله أعلم
هو
•
عنه
والخلف هل قد خلقا وهو الأصح أم يخلقان بعدما الفنا اتض والوقف عن تعيننا ذاك المحل أولى بنا إذ لا دليل ثم دل وعدم التعيين ليس يقدح في قولنا ان الوجود أرجح اختلف الناس في الجنة والنار، هل هما مخلوقتان الآن أم لا؟، فذهب الجمهور منا ومن غيرنا الى أنهما مخلوقتان الآن، واستدلوا بأحاديث تدل على وجود الجنة، قالوا: ومثلها في الوجود النار، اذ لا قائل بالفرق بينهما في ذلك، وذهب البعض منا وكثير من غيرنا إلى أنهما ليستا بمخلوقتين الآن، وإنما هما سيخلقان بعد وقوع الفناء العام، قالوا: ولو كانتا مخلوقتين الآن فناؤهما لقوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهها وهما مخلدتان فلا موجودتين الآن، والأصح ما عليه الجمهور من وجودهما الآن لما ثبت بالأدلة القاطعة أن آدم وحواء كانا في الجنة وقد أهبطا منها، والقول بأن الجنة التي كانا الجنة الموعود بها تكلف لا دليل عليه، والجواب عما استدل به النافون
فيها هي
غير
للزم
يصح أن تكونا
- 102
- (1/102)
صفحة 103
لوجودهما الآن، هو أن نقول: ان قوله تعالى كل شيء هالك عام يحتمل التخصيص، فالجنة والنار قد خصصا بعدم الفناء بالأدلة القاطعة على بقائهما أبدا،
أو نقول: ان الجنة والنار قابلتان للفناء بحسب ذاتهما، والقابل للفناء فان في المعنى لجواز ذلك عليه
•
والجواب الأول أظهر ثم اختلف القائلون بوجودهما الآن في محلهما الذي هما فيه فعين بعضهم المحل، ووقف قوم عن التعيين، والوقف عن تعيين محلهما هو الأولى بنا، إذ لا علم لنا إلا بما علمنا ولم يرد عن الشارع تعيين محلهما، وان قدر أن هنالك دليل فهو أحادي لا يفيد العلم، ووقوفنا عن تعيين المحل لا يقدح في ترجيحنا القول بوجودهما الآن، لأنه لا يلزم من علمنا بوجودهما علمنا بتعيين محلهما، والله أعلم والكتب صحف حوت الأعمالا والحوض حق فاترك الجدالا پرده من أمة الرسول من قد وفي بعهده المسئول أي (الكتب) التي ذكر الله في كتابه العزيز في نحو قوله تعالى فأما من أوتي كتابه بيمينه وأمثالها من الآيات صحف حاوية لأعمال العباد من خير وشر لقوله تعالى وإذا الصحف نشرت فذكر تعالى في هذه الآية أن هنالك صحفا تنشر وهي الكتب المذكورة هنالك فلا التفات إلى من جعلها عبارات عن ضبط أعمال العباد، لأن في جعل الكتب عبارات عدولا عن الحقيقة إلى المجاز بلا دليل، نعم الدليل الذي ذكرناه يعضد جانب الحقيقة، فلا وجه للعدول وإنما عدل ذلك القائل، بحمل الكتب على العبارات عن المعنى المذكور إنما هو لأجل فراره عن الله تعالى الى ضبط أعمال العباد في صحف لأن ذلك شأن من يطرقه النسيان، ولا يلزم من ذلك ما توهمه، فان في رسم الأعمال في الصحف المذكورة حكما كثيرة، ولا يلزم أنه تعالى محتاج الى ذلك، وقوله (والحوض حق الخ) أي الحوض الذي هو لرسول الله عله في الموقف حق ثابت جاءت به الأحاديث المستفيضه من رواية جابر وغيره، فلا عبرة بمن أنكر وجوده، أخرج
احتياج
منه
هي
103
-
- (1/103)
صفحة 104
الشيخان حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق)، وفي رواية اللبن، وفي أخرى صحيحة أيضا وأحلى من العسل، وفي أخرى صحيحة وريحه أطيب المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ أبدا من وفي رواية صحيحة ولا يسود وجهه أبدا، وقوله يرده .. الخ) أي يرد الحوض من أمة رسول الله الله هو من وفي بعهد الله الذي أخذه عليه، وهو طاعة الله وطاعة رسوله في فعل الواجبات، وترك المحرمات، بدليل ما في تلك الروايات (أن) من شرب منه لا يظمأ أبدا، ولا يسود (وجهه ولا تكون هاتان الخصلتان في الآخرة إلا لمن وفى بعهد الله، والله أعلم.
الفصل الثاني
في الميزان والصراط
وإنما الميزان في الحسبان عدل وإنصاف من الرحمن لا مثل قول ذي الخلاف اذ غدا يأولنه كفة وأعمدة
(إنما) أداة قصر، قصر بها تفسير الميزان يوم القيامه على العدل والإنصاف وهو قصر قلب، وذلك ان بعض المخالفين ذهب الى أن الميزان هو عمود و رکفتان، ينصبه تعالى يوم القيامة لوزن أعمال العباد، وزعموا أن من رجحت كفة حسناته على كفة سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت كفة سيئاته على كفة حسناته دخل النار، ووصفوا الميزان بأوصاف لا حاجة لذكرها هنا ورووا في ذلك أحاديث لم تثبت عندنا، وتعلقوا من الكتاب بنحو قوله تعالى: (فمن ثقلت موازينه فأولئك
-
- (1/104)
صفحة 105
هم
المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم
خالدون ونحن نقول ان هذه الموازين المذكورة عبارة عن معنى السعادة والشقاوة، فثقل الميزان كناية السعادة و خفته كناية عن الشقاوة، والعرب كانت تعبر عن بثقل الميزان عن علو الشأن، وبخفته عن عكس ذلك، قال الشاعر:
لو يضعوا أباني في ميزانهم رجحوا وشال أبوك بالميزان
وقد تعبر بالوزن للشيء عن العلم به، كما في قوله تعالى وانبتنا فيها من كل شيء موزون له أي معلوم المقدار عنده تعالى، أما الوزن المفسر عندنا بالعدل والإنصاف المشار اليه في النظم، فهو ما في قوله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة له فالقسط بدل من الموازين لا نعت له، كما يدل عليه قوله تعالى والوزن يومئذ الحق وإنما عدلنا في تفسير الميزان عن حقيقته المشهورة إلى ما ذكرناه من العدل والانصاف، لأن حمله على حقيقته المشهورة محال أن أعمال العباد أعراض، ووزن الأعراض محال، ولذا تردد الخصم في حقيقة الموزون، حتى زعم بعضهم أن الموزون هم الأشخاص وبعضهم الأشخاص وبعضهم أن الله يخلق في احدى الكفتين ظلمة، وفي الأخرى نورا، وبعضهم أن الأعمال تتجسد، فتوزن
الأجساد، والكل باطل.
، ووجه ذلك
فوجب المصير الى التأويل، والمراد بقوله (في الحسبان) يوم القيامة لأنها محل الحساب، والمراد بقوله (لا مثل قول ذي الخلاف أي لا أقول مثل قول صاحب الخلاف، وقوله (كفة وأعمدا عبر بالكفة وهي مفرد عن مثنى، وعبر بأعمد وهو جمع عن مفرد على سبيل المجاز وله محل في البلاغه، فمثال الأول قوله: (اذا ما القارض الغنوني آبا، عبر بالقارض عن القارضين، فان المثل حتى يؤب القارضان ومثال الثاني قوله تعالى ورب ارجعون له أي رب ارجعني، وقول العرب
شابت مفارقه وليس له إلا مفرق واحد.
1000 (1/105)
صفحة 106
وقوله الصراط فهو الحق لا
كما بعضهم تأولا ? الضمير في (قوله) عائد إلى الرحمن في آخر قوله وإنما الميزان في الحسبان أي
الصراط، في قوله تعالى افمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا
،
على صراط مستقيم الله هو عبارة عن الحق، وفي الآية تمثيل لحالتي العاصي والطائع وعلى هذا يحمل ما ورد من الأحاديث في بيان الصراط، لأنه انما هو تمثيل لحالة الحق، وبيان ما فيها من الخطر العظيم، وتمثيل لأحوال سالكيه ما بين موفق ومخذول، وزعم بعض منا وجمهور الأشاعرة أن الصراط إنما هو جسر ممدود على متن جهنم .. الى آخر ما وصفوه به، وحملوا ما ورد من الأحاديث في بيانه على حقيقتها، وتأولوا بها قوله تعالى فاهدوهم الى صراط الجحيم، وقفوهم انهم مسئولون غاية الأمر أن هذه المسألة ومسألة الميزان ليستا من المسائل القطعية، لعدم ورود القاطع فيهما، وانما هما من المسائل الظنية، فلا يجب اعتقاد شيء منها، ولا يخطئ القائل فيهما برأية، والله أعلم.
الفصل الثالث
في الشفاعة
شفاعة الرسول للتق
من الورى وليس للشق
الله تعالى
الشفاعة حق والإيمان بها بعد قيام الحجة واجب، ووقوعها في المحشر قبل دخول أحد الفريقين مسكنه، وهي مخزونة حتى يأتيها رسول الله الله فيكون أول من تجعل له، ثم للأنبياء من بعده، وهي المقام المحمود الذي وعده به على معنى ما ورد، وثبوتها للمؤمن لا لغيره من أهل الكبائر، لقوله تعالى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وقوله: فما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ولقوله لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي، وقوله (ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي)
-
1.7
- (1/106)
صفحة 107
وفي الأثر أن رسول الله الا الله مقعد على المنبر ثم قال: الصلاة جماعة، رحمكم الله، ثم قال: ياعباس عم رسول الله، ويا فاطمة بنت محمد، و يا آل محمد جميعا، إني والذي نفسي بيده عند ربي لمطاع مكين، فلا تغرن إمرء نفسه، يقول: أنا عم رسول الله الله أو تقول بنت محمد أو من آل محمد، اشتروا أنفسكم من الله، فانكم ان لم تفعلوا هلكتم مع من عرفتم هلاكه، اني على الحوض يوم القيامة فارط (أي متقدم) فيرد علي أناس من أصحابي، ثم يأتيني رجل قد عرفته من أصحابي ليحتلقن نقرة رأسه، ثم لآخذن بحجزته فأقول: أرسلوه، انه من أصحابي، فليؤخذ بيدي فكاكا، أرسل، أرسل، فانه والله ما مشى من، ولكنه مشى القهقرى، ليدخل جهنم، فلا أستطيع شيئا، الحذر الحذر
قدما،
يا آل محمد.
وذكر جابر بن زيد ـ رضي
الله
عنه
-
بعدك
أنه لما نزلت وانذر عشيرتك
بالأقربين مما جعل رسول الله الا الله يفخذ أفخاذ قريش فخذا فخذا، حتى أتى على بنى عبدالمطلب، فقال (يابني) عبد المطلب، ان الله أمرني أن أنذركم، ألا واني لا أغني عنكم من الله شيئا، ألا وان أوليائي منكم المتقون، ألا لأعرفن ما جاء الناس غدا بالدين، وجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم، يافاطمه بنت محمد، وياصفية عمة محمد، اشتريا أنفسكما الله، فاني لا أغني عنكما الله شيئا)، فان من قيل المؤمنون مستوجبون للجنة بأعمالهم، فلا للشفاعة طلب تنقلهم من المحشر، ودخولهم الجنة بسرعة
الشفاعة لهم هي
من
معني
لهم، فالجواب ان
ويمكن أن تكون هي طلب زيادة فضل لهم، وثواب يعطونه، ونعيم في الجنة، ورفع درجة فوق ما يستوجبون بأعمالهم - اللهم اجعلنا من أهل شفاعة
نبيك ال
-
ومن يقل بغير ذا فقد كفر كفر نعيم ان تأول ظهر وان يكن بغير ما تأول فذاك شرك أي أشر منزل
107
- (1/107)
صفحة 108
لأنه مخالف الكت
كليس للظالم من حميد
ومن يقل بغير ما قلنا
-
من
وسنة الرسول والألباب ولا شفيع من لظى الجحيم
أن الشفاعة للمؤمنين فخالف وقال بل هي.
لأهل
الكبائر، محتجا بما رووه من طريق أنس أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتى) وزعم أن أهل الكبائر يخرجون من النار بشفاعة الرسول لهم، فهو كافر نعمة إذا ظهر منه هذا التأويل الفاسد، فان لم يظهر منه تأويل فهو كافر كفر شرك، لا يناكح ولا يوارث ـ وهو المراد بقوله (أي أشر منزل)، وكان تولد هذين الحكمين إنما هما لمخالفة كتاب الله وسنة رسول الله، وقد تقدم ذكرهما، ومخالفة الألباب، وهي العقول، اذ لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر ما جاز لأحد أن يسأل أن يكون من أهل الشفاعة، لأنه انما يسأل بذلك أن يكون من أهل الكبائر على، وكتاب الله ناطق بتكذيهم كقوله فما للظالمين من حميم ولا شفيع
زعمهم
يطاع).
الفصل الرابع
في خلود أهل الجنة والنار
ومن عصى ولم يتب يخلد في النار دائما بهذا نشهـ افترقت الأمة في أهل الجنة والنار على أربع فرق، فذهبت فرقة إلى أن مات على طاعة الرحمن، فهو مخلد في دار الرضوان، ومن مات على عصيان ربه مصرا على ذنبه فهو مخلد في النار، لا فرق في ذلك بين أحد الفجار كان من من أهل الشرك أو الفساق، وهذه الفرقة هي المحقة، ومن قال بخلافها، فهو هالك. فالمراد بالعصيان في قول الناظم ومن عصى إنما هو إتيان الكبيرة، والاصرار على الصغيرة، لما سيأتي أن الصغائر مغفورة عند إجتناب الكبائر.
-
108
- (1/108)
صفحة 109
وذهبت فرقة الى أن أهل الجنة وأهل النار زائلون، والداران فانيتان بعد دخول أهلهما فيهما وسيأتي الرد على هذه الفرقة عند ذكر الناظم لها ان شاء الله وذهبت فرقة الى تخليد أهل الجنة في الجنة، وعدم تخليد أهل النار في النار ـ مشركا كان أو منافقا ـ وسيأتي الرد على هذه الفرقة أيضا
-
وذهبت فرقة الى تخليد أهل الجنة والمشركين من أهل النار فيهما، وزعموا أن أهل الكبائر غير المشركين يخرجون من النار فيدخلون الجنة، وإلى الرد على هذه الفرقة أشار بتموله:
وكافر بنعمة من فرقا ما بين ذي شرك ومن قد فسقا أعنى لدى الخلود والفرق نشا لدى منازل العذاب وفشا
عنهم،
أي كافر كفر نعمة لا كفر نشرك من قال بأن المشركين مخلدون في النار، وما عداهم من الفسقة وأهل الكبائر غير مخلدين في النار، كما يروى عن مالك بن أنس الأصبحي أنه قال (من مات على كبيرة، فلا يخلو من أحد ثلاثة أمور:. إما أن يغفر الله له بعفوه، أو يشفع فيه الرسول، أو يعذاب مقدار عمله، ثم يخرج فيدخل الجنة)، وفي قول الشافعي: انه يكتب على جباههم هؤلاء جهنميون فيعيرهم أهل الجنة على ذلك فيسألون الله زواله، فيمحوه الله ويبدلهم مكانه نورا يتلالاً، فيود أهل الجنة أن لو عملوا كعملهم، وهذا رأس الضلال، وعين المحال - بأن جعلوا العاصي أشرف من الطائع، وجمعوا بين الأضداد، وكتاب الله ناطق بخلاف ما زعموا، قال تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون، وقال تعالى: أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون، وقال تعالى: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) والله در ابن النظر
حيث قال:
-
كذبت لقد منتك نفسك ضلة خروجك من نار مؤججة حطم
-
109
- (1/109)
صفحة 110
وسكناك مع أهل السعادة في العلى فيصبح من صلى وصام كمن غشم
أخلص التقوى الى الله ومن
راغبا
كمن عبد الأوثان والجبت والصنم
لك الويل فارجع عن ضلالك تائبا فليس الذي أشقى الآله كمن عصم
،
وقول الناظم (أعني لدى الخلود .. الخ أي لا فرق بين المشرك والفاسق المنافق في الخلود، بل كل منهم تخلد لقوله تبارك وتعالى وبلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ولقوله تعالى الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا وإنما الفرق بين أهل ومن يعص النار في منازل العذاب، اذ كل معذب بقدر عمله، فللنار دركات بعضها أشد عذابا من بعض وأكثر نكالا من غيرها حتى روي أن من أقل الناس عذابا من ينعل بنعلين من النار فيفور منهما مخه من أعلى هامته، والدليل على الفرق بينهم
في أنواع العذاب قوله عز وجل: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النارية الناس عذابا يوم القيامة المصورون)، فدلت الآية
صلى وقوله لان من أشد
والحديث معا على أن أحدا دون هذين الفريقين في العذاب
،
كذاك
من قال بأنه يجـ
وقت على النار بلا تأجج
هذا البيت اشارة الى الرد على الفرقة القائلة بعدم تخليد أهل النار فيها، وذلك أنهم زعموا أنه يأتي على النار وقت تصفق أبوابها وليس بها أحد، فينبت فيها شجر الجرجير، وتشبثوا في ذلك بحديث يروى عن طريق ابن عمرو بن العاص (ليأتين
على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها، ليس فيها أحد، وذلك بعدما لبثوا فيها أحقابا) وبقوله تعالى في شأن إبليس وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قالوا فاللعنة مغياة بذلك اليوم، فيفهم منه أنه لا لعن بعد ذلك اليوم، واذا ثبتت هذه الرحمة لإبليس فغير إبليس من سائر العصاة أولى بها وأحق، والجواب عن الحديث، أنه أحادي لا يعارض القطعيات، فلو صح لم يفد علما فلا عليه اعتقاد، كيف وتأويله محتمل، بأن يقال انهم يخرجون من النار الى واد هو أشد عذابا منها، يقال له
ينبني
،
-
11
• (1/110)
صفحة 111
الزمهرير، يعذبون فيه بالبرد، يروى أنهم اذا دخلوا فيه استغاثوا منه إلى النار
وأما الآية فلا تفيد ما ذكروه، وعلى تقدير إفادتها لذلك فإنما هو مفهوم مخالفة
جهنم
،
واختلف في ثبوت حجيته في الظنيات، فكيف يبنى عليه اعتقاد، بل وكيف يعارض به القطعي الوارد في قوله تعالى قال فالحق والحق أقول لأملأن منك وممن اتبعك منهم أجمعين له والقطعي الوارد في قوله تعالى وبلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، في امثالها من الآيات العديدة التي نبذوها وراء ظهورهم واستبدلوا عنها هوى أنفسهم فضلوا وأضلوا، فحكمهم أنهم كفار نعمة لما تقدم من تأويلهم، كذا قيل فيهم، وعليه مشيت في النظم، ثم ظهر لي بعد ذلك أنهم مشركون، وأن ذلك التأويل ليس بمستر لهم عن الكفر، فهم في حكم المكذبين لهذه الآيات كلها، والله أعلم.
الالتفات
وهكذا من قال كل يدخل فيها سعيد وشقي مبطل زعمت المرجئة أن كلا يدخل النار سعيدا كان أو شقيا، وقالوا ينجى منها السعيد، ويترك فيها الشقي، وتعلقوا في ذلك بقوله تعالى وان منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيات ولا تعلق لهم في هذه الآية، لأن الخطاب فيها للمتقدم ذكرهم ورد على سبيل الغيبة الى الحضور، وذلك أنه قدم ذكر المنكرين للبعث، فقال: من ويقول الانسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا، فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا، ثم للنزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا، ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليات فهذه الآيات كلها خطاب لمنكري البعث، وكذلك آية الورود فهي كما بيناه من أنها خطاب لهم، ورد على سبيل الإلتفات، ومثل هذا كثير في القرآن، منها قوله تعالى في خطابه لبني اسرائيل وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم، ومن وجه آخر أن الورود يتصرف فيرد بمعنى الدخول تارة، كقوله تعالى: (فانكم وما تعبدون من دون الله حصب
-
111
- (1/111)
صفحة 112
جهنم أنتم لها واردون وبمعنى المشارفة للشيء كقوله تعالى ولما ورد ماء مدينه
وقول زهير:
ولما وردنا الماء زرقا جمامه وضعن عصى الحاضر المتخيم
وقول امرئ القيس:
فأوردها ماء قليلا أنيس
يحاذرن عمرا صاحب الفترات
لا
فبطل حمل الآية على الوجه الأول، اذ لو وافقناهم أن الخطاب في الآية للمؤمنين والكافرين جميعا، من حيث انه يلزمهم القول بدخول الأنبياء النار مع المؤمنين، فيكون كتاب الله ناطقا بتكذيبهم في قوله تعالى أولئك عنها مبعدون يسمعون حسيسها، وقوله تعالى ويوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا، نه ونسوق المجرمين الى جهنم ورد، وقوله تعالى ويوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه، وذكر في آية أخرى قوله وربنا انك من تدخل النار فقد أخزيته الله فيلزمهم على مقالتهم هذه تناقض هاتين الآيتين وكلاهما خبر لا يأتي النسخ على أحدهما، ولكنا لا نسلم أن الخطاب في الآية للمؤمنين والكافرين، بل لا نقول: الا أنه متوجه للكافرين، فالورود عندنا هو الدخول نفسه على هذا التأويل، فان قيل أما في قوله تعالى ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا دليل على ما تعلقت به المرجئة فالجواب أن قوله (ننجي) ليس فيه دليل على دخولهم النار، لأن التنجية تكون من الشيء المخوف المترقب وقوعه، كقولك نجيت زيدا من القتل، فان زيدا لم يقتل بعد وإنما قارب ذلك الأمر الذي يترقب وقوعه، وللمثبتين للورود لجميع الأمة أقاويل نضرب صفحا عن ذكرها مخافة التطويل، وبالجملة فحكمهم حكم من قبلهم، من أنهم كفار نعمة لا شرك، مالم يظهر منهم رد لتنزيل فيحكم عليهم بالشرك، هذا كله إذا قالوا ان الداخلين في النار هم المؤمنون والفاسقون جميعا.
ومن يقل دار الخلود فانيه أو أهلها ففاسق علانيه
-
112
- (1/112)
صفحة 113
عند الله
هذا بيان الرد على الفرقة القائلة بفناء الجنة والنار بعد دخول كل فيها وهم الجهمية على ما وجدت في الأثر، والرد عليهم ظاهر من الكتاب وشاهد العقل قال تبارك وتعالى وقالوا لن تمسنا النار الا أياما معدودة، قل أتخذتم عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، وقال تعالى ومن الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدائه، وقال تعالى في وصف
يعص
أهل الجنة عطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع في أمثالها الآيات من وشاهد العقل يقضي أن الكريم اذا أنعم بنعمة قد وعد بعدم انقطاعها أنه لو قطعها لكان غير كريم، بل كان سفيها كان سفيها كذابا من حيث أنه يعد بالشيء فلا ينجز وعده وهو قادر عليه، ولو قيل انه غير قادر للزم عليه عجز الباري جل وعلا، وهو باطل، وبالجملة فهم متأولون، فحكمهم حكم من قبلهم، من الفرق من حيث أنهم كفار نعمة لا شرك، مالم يظهر منهم رد لتنزيل أو تكذيب لرسول فيحكم عليهم بالشرك، كذا قيل وعليه جريت في النظم، والظاهر أن هؤلاء مشركون لما في مقالتهم هذه من رد الأدلة القطعية الآيات القرآنية، من وما تخيل لهم من التأويل، هي خيالات لا تدفع عنهم هذا الحكم، إذ لم تكن هنالك شبهة يتمسكون بها، فيعطون حكم المتأولين وليس كل من آثر هواه على دليل هداه يعطى حكم المتأولين، والله أعلم
هذا إذا ما كان بالتأويل والشرك في الرد على التنزيل الاشارة كناية عن الأحكام المتقدم ذكرها في أرباب المقالات الزائغة وأهل الطرق الضالة، أي فهذا حكمهم اذا كانت مقالتهم ناشئة عن تأويل للأدلة الشرعية، فان المتأول اذا أخطأ في تأويله بما لا يسعه الخطأ فيه من الدين يكون كافرا كفر نعمة وفاسقا هالكا، ولا يحكم عليه بالشرك، حتى يظهر منه رد لتنزيل أو تكذيب لرسول، فإن ظهر منه شيء من ذلك، حكم عليه بالشرك إجماعا واختلفوا في المتأول اذا استلزم مذهبه رد الكتاب أو تكذيب الرسول، فشركه
قوم ولم يشركه آخرون، والله أعلم.
113
- (1/113)
صفحة 114
الباب الخامس
من الركن الثاني في القضاء والقدر
وبالقضا نؤمن أيضا والقدر ولم يجز اغراقنا فيه النظـ
الله تعالى.
ومما يجب الإيمان به قضاء الله وقدره، لأنهما أصلان من أصول الدين، وركنان من الإيمان، قال لعل الله لعبادة بن الصامت انك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره انه من الله تعالى قال يارسول الله وكيف لي أن أعلم خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك:، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فان مت على غير ذلك دخلت النار)، وسئل رسول الله اللهم عن الايمان، فقال: (أن) تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ولقائه، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره انه من والفرق بينهما أن القضاء عبارة عن وجود المكونات في اللوح اجمالا، والقدر عبارة عن وجودها في المواد تفصيلا، قال تعالى وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم لله وعليه قوله وقد مر تحت جدار مائل فأسرع المشي، فقيل: يا رسول الله، أتفر قضاء الله من الله؟، فقال: (أفر من إلى قدره، هذا في العرف الشرعي، وأما في اللغة فيتصرف كل منهما الى أوجه، الخلق وهو المراد هنا قبل النقل، كقوله تعالى فقضاهن سبع سماوات في يومين، ويرد بمعنى الحكم كقوله تعالى ان ربك يقضي بينهم يوم
فيرد القضاء
بمعني
قضاء الله
القيامة، ويرد بمعنى الأمر كقوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه الله
،
ويرد بمعنى الخبر كقوله تعالى وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب وبمعنى الفراغ من الشيء، كقوله تعالى فاذا قضيت الصلاة، وقول الشاعر: قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أغمدت السيوف وبمعنى الصنع للشيء كقوله تعالى فاقض ما أنت قاض أي اصنع ما أنت صانع، وقول الشاعر:
-
118 - (1/114)
صفحة 115
وعليهما مسرورتان قضاها داود أو صنع السوابغ تبع
فتلك ستة معان، وقد جمعتها بقولي:
قضا خلق وحكم ثم أمر واخبار وافراغ وصنا
،
وأما القدر فيرد على معان أيضا، منها أنه بمعنى خلق ويمثل له بقوله تعالى والذي قدر فهدى أي خلق الإنسان فهدى الذكر إلى إتيان الأنثى، وهذا الوجه هو المقصود هنا قبل النقل، فالقضاء والقدر في هذا الموضع مترادفان لغة لا عرفا كما تقدم ومنها التقدير، كقوله تعالى وانزلنا من السماء ماء بقدر أي بتقدير، ومنها التصوير كقوله تعالى فقدرنا فنعم القادرون أي المصورون ومنها الوجود كقوله تعالى وإلا امرأته قدرنا انها لمن الغابرين له أي وجدناها من الهالكين، وهذا التفسير إنما يصح في سورة الحجر خاصة، لأنه من خطاب الملائكة عليهم السلام لخليل الرحمن عليه السلام، وأما في سورة النمل فهو بمعنى القضاء، لأنه خطاب من عز وجل، ومنها القضاء كالآية المشار اليها، وكقوله عز وجل فالتقى الماء على أمر قد قدره أي قضي، ومنها التضييق كقوله تعالى وأما اذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه له أي ضيقه، ومنها المثل كقوله تعالى فسالت أودية بقدرها له أي بمثلها، فتلك سبعة أوجه وقد جمعتها أيضا فقلت:
الله
هاك نظما معاني القدر سبع حواها وهي خلق ثم يحلو وتقدير وتصوير وجود قضاء ثم تضييق ومثل
وفي القدر لغتان: فتح الدال وعليه بيت المتن، وسكونها وعليه البيت الأول من هذين البيتين، وثم بفتح الثاء وتشديد الميم، إشارة الى المكان البعيد، وانما أتي بها مع كونه مشيرا الى قريب لتعظيم المقام وتجليله على حد قوله تعالى وذلك الكتاب، أي معنى القدر الذي هو الخلق يحلو في هذا المقام كما قدمنا، فمعنى قولنا: ان الله قدر المعصية أي (خلقها وكذلك معنى قولنا ان الله قضي والطاعة أي خلقهما، وقول الناظم (لم يجز اغراقنا .. الخ) الاغراق بكسر الهمزة
المعصية
-
110
- (1/115)
صفحة 116
ومجوس
الاستقصاء في الشيء، والاحاطة بجميع صفاته، والنظر هنا الفكر، وفيه اشارة الى قوله يقول تبارك وتعالى القدر) سري، ولا ينبغي لأحد أن يطلع على سري) وقد كان لا يقول اذا ذكر القدر فأمسكوا، واذا ذكرت النجوم فأمسكوا) وإنما كان ذلك مخافة الخوض في القدر، فيلحق الخائض التسمي بالقدري، فيكون من القوم الذين قال فيهم رسول الله الله: (لكل أمة مجوس، هذه الأمة القدرية)، وقال لا الله (المرجئة يهود هذه الأمة، والقدرية مجوسها)، وقال الله لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا قبلي) قال في شفاء الحائم: وأول من تكلم في القدر في أيام الصحابة غيلان الدمشقي، ومعبد الجهني، ويونس الاسواري، وبعدهم أبو حذيفة واصل بن عطاء، انتصب لمذهب القدرية، وهو قد تتلمذ للحسن البصري، ومكث في مجالسته عشرين سنة، وهو المقرر لقواعد القول بقدرة العبد وخلقه الفعل، وقال ان الباري عادل حكيم لا أن يضاف اليه شين ولا ظلم، ولا يجوز عليه أن يريد من العباد خلاف ما يأمرهم به، ولا يجوز عليه أن يخلق للعباد شيئا ثم يجازيهم عليه، والعبد هو الفاعل للخير والشر والطاعة والمعصية، والله سبحانه مجاز له بفعله)، وقال (ليس الحكمة أن يكون الله سبحانه يخلق الكفر للكافرين به وهو مبغض للكفر،
يجوز
من
معاد للكافرين، فيكون في ذلك كمن أعان على شتم نفسه)
الأمة
وقال جميع قويها وضعيفها وصغيرها وكبيرها: القدر خيره وشره من الله تعالى، وهو الخالق للخير والشر، والقاضي والمريد والمقدر، والمكون له في أوقاته التي يكون فيها، وهو مع هذا كله فعل العبد، والعبد فاعله، وهو له مريد مختار قاصد اليه متحرك أو ساكن به غير مجبور عليه، ولا مضطر اليه، إلا ما كان من الجهم بن صفوان وأصحابه، فقد نقض الإجماع، وقال: القدر خيره، لا ما على ما قاله الأولون، بل على جهة الجبر والإكراه، والإضطرار للعباد الى أعمالهم، ولا قدرة للعبد في شيء من ذلك، ولا قصد ولا
وشره من
الله
اختيار ولا إرادة
قالوا: وماذا للعبد الأفعال من
وهو متصرف في قبضة القهر، ومصرف
بمقتضى العلم والارادة والمشيئة؟ قالوا: قد وجدنا الله سبحانه يقول ليضل من
-
116
- (1/116)
صفحة 117
کلامه
صالحة
يشاء ويهدي من يشاء وقال ومن يضلل الله فلا هادي له فمن شاء الله خلق له الخير، ومن شاء خلق له الشر، فهذه مقالتهم (انتهى)، فتلخص من أن الأمة في القدر على ثلاث فرق، فرقة تعلقت بالأمر فزلوا، وهم الذين قالوا ان الله لم يخلق أفعال العباد، وإنما كان ذلك من خلق أنفسهم فقدرتهم لإيجاد فعلهم، وفرقة تعلقت بالمشيئة فضلوا ولم يجعلوا للمكلف اختيارا في فعله، بل قالوا ذلك على طريق الجبر، فضلال أولئك من حيث نفي القدر، وضلال هؤلاء من حيث الغلو في اثباته، فهما ضالان، وقد تعلق كل منهما بآيات القرآن، نذكر كل شيء في محله ـــ ان شاء الله تعالى والمشيئة، وقالوا: أفعال العباد خلق من الله واكتساب من العبد، فهدوا الى صراط مستقيم، وعن عكرمة عن ابن عباس ـ رضى الله عنه ـ سئل عن القدر، فقال:
-
-
من
بن الأمر
وفرقة جمعت بين
الناس فيه على ثلاث منازل: من قال إن في الأمر المشيئة إلى العباد وان الأعمال مفوضة اليهم، ولا قدر فقد ضاد الله في أمره. ومن أضاف إلى الله شيئا مما ينزه عنه فقد افترى عظيما على الله عز وجل، ورجل قال: ان رحمت فبفضل الله فذلك الذي سلم له دينه ودنياه.
ومن يقل إلهنا لم يخلـ
ـق
أحمق
أفعالنا بعدا له من لقوله لكل شيء خالق سبحانه الرب المليك الرازق
لو كان خالقا سواه لزمـ
تعدد الإله قطعا حتما
ولو تعدد الإله لظهـ
لظه
فساد هذا العالم الذي بهر
لكن لنا في فعلنا اكتساب به الثواب وبه العقا من ثم قد نيل به أعلى الرتب إلا النبوات فليس تكتسب
هذا بيان الرد على الفرقة الأولى من القدرية، وهم القائلون: ان الله لم يخلق أفعال العباد، وانما ذلك من خلق أنفسهم، قالوا: ان الله أكرم من أن يخلق خلقا فيعذبنا عليه، وتعلقوا في جواز أن يكونوا خالقين لأفعالهم، وفي وقوع ذلك بآيات من القرآن، منها قوله عز وجل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطيريه
-
117
- (1/117)
صفحة 118
الله تعالى
قلنا: اسناد الخلق إلى عيسى عليه السلام في الآية مجاز لا حقيقة، لأنه من اسناد الفعل الى سببه لا إلى موجده، فعيسى عليه السلام سبب لإيجاد تلك الهيئة، لا موجد لها على الحقيقة، وإنما الموجد هو تعالى، ومنها قوله تعالى وتخلقون افكان قلنا: معنى تخلقون تفترون أي وتفترون كذبا، ومنها قوله تعالى ويجعلون الله ما يكرهون، قلنا: معنى الجعل هنا الوصف لا الخلق، أي ويصفون الله بما يكرهون من وجود البنات لهم، والآية رد على المشركين في زعمهم أن الملائكة بنات الله، ومنها قوله تعالى وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة أي ومن المعلوم أن العرب قد جعلوا البحيرة والسائبة، فنفى ربنا أن يكون هذا الجعل من، فصح من فعلهم، قلنا: نفى ربنا عز وجل جعل التبحير وما بعده دينا - أي لم يشرع للعرب ذلك ـ وانما ابتدعوه من وانما ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، لا لأنهم هم الخالقون لها صفة التبحير، فالمنفي هو شرعية معتقدهم في البحيرة وما بعدها ليس الا، ومنها قوله تعالى في قصة يعقوب ـ عليه السلام: بل
فعله
أنه
-
-
سولت لكم أنفسكم أمراكله، وقوله تعالى وفطوعت له نفسه قتل أخيه الله
،
أما تسويل النفس وتطويعها فالمراد به ترغيبها في ذلك الفعل وتزيينه لفاعله، لا
إنها هي التي أوجدت فعل ذلك، فسقط تعلقهم بهذه الآيات والحمد لله
ومما استدلوا به من العقليات أنهم قالوا لا تخلو أفعال العباد من أحد ثلاثة أمور: إما أن تنسب اليه تعالى وحده، أو تنسب اليه وإلى العبد معا، أو تنسب إلى العبد فقط) فبطل الأول لإستلزامه الجبر الآتي بيان بطلانه فيما سيأتي قريبا إن شاء الله، وبطل الثاني لإستلزامه مشاركة الله في أفعاله وهو تعالى منزه عن ذلك، فببطلان هذين الوجهين ثبت الثالث، قلنا: لا نسلم إستلزام مشاركة الله في أفعاله على ثبوت الوجه الثاني، لأن لفعل العبد جهتين: جهة ايجاد، وهي الجهة التي يخرج بها فعل العبد من العدم الى الوجود: وبهذه الجهة تتعلق قدرة الباري تعالى. وجهة اكتساب: وهي اضافة ذلك الفعل الى العبد اختيار العبد لذلك، وبهذه الجهة تتعلق قدرة العبد، فالله تعالى إنما يخلق الفعل للعبد حال اختيار العبد له، وتوجيه القدرة اليه لاكتسابه، فالعبد مكتسب، والله تعالى موجد، واذا اختلفت الجهتان انتفت المشاركة، فقد سقط بحمد الله ما تعلقوا به، ولنرجع
-
118
- (1/118)
صفحة 119
الآن إلى بيان استدلالنا عليهم، واستدلالنا في ذلك من طريقين أحدهما: طريق النقل، وهو المشار اليه بقول الناظم (لكل شيء خالق .. الخ البيت)، وثانيهما طريق العقل، وهو المشار اليه بقوله: (لو كان خالق سواه ... الى آخر الآبيات)، أما قوله: لكن لنا في فعلنا اكتساب .. الخ)، فاستدراك لما قد يتوهم من الإستدلال على نفي خلق العبد لفعله. إن الأفعال منسوبة اليه تعالى جبرا، فرفع ذلك التوهم حيث أثبت للعبد في فعله اكتسابا يثاب عليه ويعاقب عليه ولها ما كسبت وعليها ما اكتسبت تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ثم أخذ في ثبوت تقرير هذا الإكتساب بقوله من ثم قد نيل به .. الخ) أي من أجل أن الاكتساب ثابت للخلق في أفعالهم قد نالوا به أعلى الرتب، وتفاوتوا في ذلك كل بحسب اجتهاده، ثم استثنى من جملة ما ينال بالإكتساب النبوات، بأنها ليس مما يكتسب، لأنها وصرح من الأشياء التي يخص بها ربنا من يشاء، فيضعها حيث يشاء، من غير أن يتقدم للعبد اكتساب لأسبابها وتهيؤ لمرتبتها، إذ لا أسباب لها حتى يصح تعاطيها بخلاف غيرها، فأما استدلالنا النقلي فقوله تعالى واسروا قولكم أو اجهروا به، انه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلقه فدلت الآية أن جميع ما أسره العباد وما أظهروه خلقه، والإسرار والإجهار أفعال العباد، والله تعالى يقول الا يعلم من خلق الله أي كيف لا يعلم ذلك، وهو قد خلقه، وهل يخلق من لا يعلم؟ وقوله تعالى ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله، وكيف يكون الابتغاء للفضل الذي هو فعل من أفعال العباد وهو لم يخلقه ولم يدبره، وقوله تعالى هو الذي يسيركم في البر، وهو من فعلهم كما ترى، فأضافه اليه، وقوله تعالى وما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم الا في كتاب من قبل أن نبرأها أي من قبل أن نخلقها، وقوله عز وجل إنا كل شيء خلقناه بقدر، وقوله عز وجل خالق كل شيء، وأما استدلالنا العقلي فهو أنه لو كان العبد خالقا لأفعاله للزم عليه تعدد الخالقين، ولكان كل من خلق شيئا فهو إله ذلك الشيء فيلزم عليه تعدد الآلهة، وتعددها باطل قطعا، لما ثبت من البراهين العقلية والنقلية على وجوب
من
آياته
والبحرينية
-
- 119
- (1/119)
صفحة 120
الوحدانية، ومن تلك البراهين أنه لو تعددت الآلهة، للزم عليه فساد هذا العالم الذي بهر الخلق صنعه، لقوله تعالى ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ونحن
نشاهد أن هذا العالم غير فاسد فصح أن الإله واحد، والله تعالى أعلم
35 13
قد
وفاسق من قال ان الله جل قد جبر الإنسان فيما قد فعل وانه لم يجعل استطاع له لكفر شاءه أو طاعه لأنه لو كان هذا بطلا أمر ونهي مع وعد جعلا وبطل الوعيد مع بعث الرسل وجاز تكليف الجماد كالنبل
جبر
هذا بيان الرد على الفرقة الثانية من القدرية، وهم الجهمية نسبة لهم الى الجهم بن صفوان، وهم القائلون بالجبر المتعلقون بالمشيئة فقط، قالوا: ان الله عز وجل العبد على فعل الطاعة والمعصية وأنه لم يجعل له استطاعة لما شاء أن يفعله من فعل المعاصي والطاعات فهو عندهم كالجماد لا يستطيع تحركا إلا أن يحرك، وكالخيط المعلق في الهواء تقلبه الرياح كيف شاءت، وإنما كان ذلك أن يكون خالقا غير الله، كما كان من المعتزلة مقالهم مخافة أن ينسب إلى الله المعاصي، وفعل المكروه، فكلا الفريقين ضال منافق، وقد تعلق هؤلاء بآيات
منهم
مخافة
من القرآن، كما تعلق أولئك. منها قوله عز وجل وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحياكم قالوا: فالضحك والبكاء من أفعالنا قد أضافها تعالى إلى نفسه، كما أضاف الإماته والإحياء، فليس لنا فيهما تصرف. قلنا: أضافهما الله تعالى إلى نفسه لكونهما خلقا له، لا لنا، وانما لنا ذلك الاكتساب المناط من بالإختيار، فالأفعال خلق منه وإكتساب منا، وخلقه للأفعال لا يستلزم الجبرية كما سيأتي بيانه، ومنها قوله تعالى يوفانى تؤفكون، وقوله تعالى وفاني تصرفون، قالوا: فمن يؤفكهم ومن يصرفهم إلا الله، وقوله عز وجل ومن يضلل الله فلا هادي له، وقوله ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدان، والجواب عن هذه الآية كلها هو عين الجواب عن الآية الأولى
ومنها قوله تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، قلنا: لا تعلق لكم في هذه
،
-
120 (1/120)
صفحة 121
الآية، ولا في شيء من نظائرها، لأنها إخبار عن نفوذ قدرته تعالى وتأثير إرادته أي فلو شاء أن يفعل لهم الهداية لفعل لهم ذلك، لأنهم لا يعجزونه، لكنه اقتضت حكمته تخييرهم بين الهداية والضلالة، وقد جعل لهم قدرة صالحة لإكتساب أي واحد شاءوا، فلا جبر وإذا عرفت سقوط تعلقهم بهذه الآيات، فارجع الى الوقوف على الاحتجاج عليهم، وبيان ما يؤدى اليه مذهبهم فاعلم أن الإحتجاج عليهم من الكتاب العزيز كثير، منها ما أوردته المعتزلة استدلالاً لهم على خلق أفعالهم، فإن جميع في ذلك مناف للجبر الذي زعمه هؤلاء، ومنها آيات الإكتساب، فإنها مصرحة بإضافة الكسب إلى العبد قطعا، وإذا ثبت لهم الكسب انتفى الجبر، لأنهما
متضادان
ما
مر
وأما ما يؤدي اليه مذهبهم من البطلان فهو ما أشار اليه الناظم بقوله: (لو كان هذا .. الخ)، أي لو صح مذهب الجبرية وثبت القول بالجبر للزم عليه بطلان الأمر والنهي والوعد والوعيد، لأن العبد اذا لم يكن له قدرة على فعل شيء من المأمورات، ولا على ترك شيء من المنهيات كان توجيه الأوامر والنواهي اليه عبثا ينزه الباري تعالى عنه، واذا بطل توجيه الخطاب اليه بالأمر والنهي بطل توجيه الوعد والوعيد اليه، لأن الوعد مترتب على فعل الأوامر، والوعيد مترتب على فعل المناهي، وإذا بطل هذا كله بطل إرسال الرسل، لأنهم انما يرسلون لذلك ومع بطلان ذلك فلا فائدة ولا حكمة في الإرسال، فيؤدي مذهبهم إلى إبطال النبوات كما ترى، نعم ويؤدي إلى إبطال التكليف رأسا، لأن من لا إكتساب له ولا اختيار لا يصح في الحكمة تكليفه، كما لا يصح تكليف النباتات والجمادات، وهذا معنى قوله وجاز تكليف الجماد كالنبل جمع نبيل وهو
العاقل
انه لما كان للجبرية شبه في خلق الله
،
تعالى لأفعالنا، وفي علمه بهن وفي
ارادته لهن، أخذ يدفع وجه الشبهة في ذلك، ويبين أن هذه الأشياء كلها لا تستلزم
الجبر، ولا تنافي الإكتساب فقال:
1210
-
- (1/121)
صفحة 122
لا يوجب جبرا حكمه بهن
فعله
وخلقه أفعالنا وعلم كذاك كونها له مرادا لأنه قد خير العبادا لو لم يكن يعلم ذا لجهله لو لم يكن خالقه من لو لم يرد وقوعه ووقعا لكان مكرها على ما صنعا لكن لذا التخيير واكتسابنا قد انتفى الإجبار عن رقابنا
، ومع
ذلك
أي نعتقد أنه تعالى خالق لأفعالنا، وأنه تعالى عالم بها ومريد لها كله فهو قد خيرنا في فعلها وتركها، أي لم يجبرنا على واحد من الأمرين، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، وقد وعد بالثواب على امتثال أوامره وترك مناهيه، وتوعد بالعقاب على فعل مناهيه أو ترك أوامره، ولا يلزم من خلقه تعالى علمه بهن، ومن إرادته لهن جبرنا على فعلهن، ونفى اكتسابنا لهن و من
لأفعالنا
،
لأنه تعالى لم يثبنا ولم يعذبنا على خلقه لهن، ولا على علمه بهن، ولا على ارادته لهن، وإنما أثابنا وعذبنا على اختيارنا وكسبنا لهن، وهو تعالى قد جعل لنا اختيارا في ذلك وقدرة صالحة لاكتساب ذلك، فلأجل هذا الإختيار ولأجل هذه القدرة المكتسبة قد انتفى عنا الجبر على أفعالنا، وانما قلنا ان الله عالم لأفعالنا، لأنه لو
لم يكن عالما بها للزم أن يكون جاهلا بها، وهو تعالى متصف بالكمال الذاتي
،
والجهل من صفات النقص يستحيل اتصافه به تعالى، وهذا معنى قول الناظم (لو لم يكن يعلم ذا الجهله، وأما معنى قوله (لو) لم يكن خالقه من فعله أي لو لم يكن تعالى خالقا لأفعالنا فمن الخالق لها إذا؟، هل من خالق غير الله؟، وقد تقرر فيما تقدم بطلان القول بأن العبد خالق لفعله، واذا بطل أن يكون العبد خالقا لفعله فبطلان أن يكون غيره من المخلوقات خالقا لفعله أظهر، واذا بطل هذان النوعان ثبت أن الخالق لذلك هو الإله وأما قوله (لو لم يرد وقوعه .. الخ)، أي لو لم يرد تعالى وقوع فعلنا، ووقع على خلاف مراده للزم عليه أن يكون مكرها على وقوع ذلك الفعل مغلوبا في حدوثه، والإكراه ينافي الإختيار والارادة، ومن كانت هذه حالته فليس باله. على أنه تقرر أن الإله متصف بالكمال الذاتي والإكراه يضاد ذلك وينافيه، والله تعالى أعلم
•
-
122
- (1/122)
صفحة 123
الباب السادس
في الإيمان والاسلام
وبه يتم الكلام على الركن الثاني ـ إن شاء الله تعالى
إيماننا التصديق والإسلام اذعاننا لما دعا الأحكام ولهما في الشرع معنى ملتزم تصديق قول عملا اذا لزم ومن يكن مضيعا لواحد منها استحق هلكة المعاند
اختلف الناس في الإيمان والاسلام، هل هما شيء واحد أو لا؟، وعلى القول الثاني هل هما متخالفان أو مترادفان أو متلازمان؟، وقد أطالوا الكلام فيهما، ذلك على ما تحصل به الفائدة فنقول:
فلنقتصر من
الحق فيهما ان لهما استعمالين - أحدهما لغوي وهو المشار اليه بقول الناظم
—
إيماننا التصديق .. الخ) إيماننا معشر العرب هو التصديق، والإسلام في لغتنا هو الإذعان وترك التمرد، فهما في هذا الإستعمال متخالفان لا مترادفان ولا متلازمان - والإستعمال الثاني: هو ما عليه العرف الشرعي، وذلك أن الشرع
-
—
قد نقل كل واحد من الإيمان والإسلام عن معناه اللغوي، فاستعملهما معا في الوفاء بالواجبات - كانت الواجبات اعتقادية أو قولية أو عملية ـ فهما في هذا الاستعمال مترادفان، واليه أشار الناظم بقوله ولهما في الشرع معنى .. الخ) أي
،
للإيمان والإسلام في العرف الشرعي معنى واحد ملتزم التصديق بالجنان إذا لزم والقول باللسان إذا لزم، والعمل بالأركان إذا لزم، فمن كان صبيا مثلا أو ناقص العقل لا يسمى كافراً بتركه التصديق في حاله ذلك لعدم لزومه عليه، كان ومن عاقلا فصدق النبي عليه الصلاة والسلام فيما جاء به ولم يطالب بالنطق بذلك باللسان ولم ينزل عليه التكليف بالعمل فهو مؤمن لعدم لزوم القول والعمل عليه، فهم موف بما لزمه، ومن تلفظ بالشهادتين عند وجوب ذلك عليه، وبعد تصديقه بالجنان ولم يلزمه شيء من العمليات بعد فهو مؤمن لوفائه بما وجب
عليه، ومن
123
- (1/123)
صفحة 124
لزمه شيء من الأعمال فأداه كما شرع عليه بعد التصديق والتلفظ الواجبين عليه فهو مؤمن لوفائه بجميع ما وجب عليه، ومن ضيع واحدة من هذه الثلاث بعد وجوبها عليه فهو خارج عن الإيمان هالك في النيران ـ وهذا معنى قوله (ومن
-
يكن مضيعا .. الخ)، فلا منزلة عندنا بين الإيمان والكفر أي فمن لم يكن بمؤمن فهو كافر، والمراد بالكفر ما يشمل كفر النعمة وكفر الشرك، ومن كان كافرا بالله أو بنعمته فقد استحق ما يستحقه المعاند الهلاك، هذا مذهبنا وهو الحق، من خلافا لمن قال: ان الايمان قول وتصديق دون عمل، ولمن قال: ان الايمان التلفظ
بالشهادتين وإن لم يطابقه اعتقاد، ولمن قال: ان الإيمان التصديق فقط. والدليل على ان الإيمان والإسلام في العرف الشرعي مترادفان قوله تعالى وريا قوم ان كنتم آمنتم بالله، فعلى الله توكلوا إن كنتم مسلمين، وقوله تعالى
اول و اخرجنا
من
كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين الله
،
ولم يكن هنالك إلا بيت واحد، وقوله علال بني الاسلام على خمس) وقد سئل عن الإيمان مرة أخرى، فأجاب بهذه الخمس، وما ورد من الآيات والأحاديث ما ظاهره مخالف لهذه الأدلة فهو محمول على المعنى اللغوي جمعا بين الأدلة، فإن الشارع تارة يعبر باللفظ عن. ناه اللغوي وتارة عن معناه الشرعي، كل ذلك بحسب مقتضى الحال، فلا تنافي في الكتاب العزيز ولا في السنة، والله تعالى أعلم في وجهه الشرعي ليس ينقص لكن يزيد هكذا قد خصصوا لأنه ان هدم البعض انهدم جميعه وذا هو القول الأتم اختلف الناس في الإيمان الشرعي، فذهب بعض قومنا إلى أن الإيمان الشرعي يزيد وينقص وعليه جمهور الأشاعره، وذهب بعضهم إلى أن الإيمان لا يزيد ولا
أن
ينقص، وعليه أبو حنيفه وإمام الحرمين وبعض الأشاعرة، وذهب أصحابنا إلى الإيمان يزيد ولا ينقص، وبيان ذلك أن الإيمان عندنا هو الوفاء بجميع الواجبات، فمن وجب عليه فرض لا يكون مؤمنا حتى يؤديه على وجهه، ثم يزيد الإيمان بزيادة التكاليف، ولا يصح نقصه، لأن نقصه إخلال ببعض الواجبات، وقد
-
1240
- (1/124)
صفحة 125
تقدم
هو أن
أن التارك لبعض الواجبات عليه خارج عن الايمان، فالترك لبعضه ترك الجميعه، أي لا ينتفع ببعض إيمانه في الآخرة، والمراد بعدم انتفاعه بذلك في الآخرة بعض الإيمان لا ينجيه من عذاب الله، لا أنه لا يخفف عنه العذاب لأجل ذلك، فإن العذاب متفاوت في أهل المعاصي، كل على قدر جنايته جزاء وفاقا، وهذا معنى قول الناظم (ان) هدم البعض .. (الخ لا يقال ان المراد بنقصان الإيمان هو ارتفاع بعض الواجبات عن المكلف لعذر، كارتفاع وجوب الصلاة عن الحائض، لأننا نقول: إن الإيمان في حق من رفع عنه بعض الفرائض هو و وفاؤه
أن
بما بقى عليه من الواجبات، فإيمانه إن وفى بما عليه كامل لا ناقص، لكن لو القائل بنقصان الإيمان أراد نقصانه بهذا الإعتبار لكان الخلاف بيننا وبينهم لفظيا، صورته أنهم يسمون من ارتفع عنه وجوب بعض ما كان عليه ناقص الإيمان، ونحن تنع من تسميته بذلك، والمراد واحد لكنهم لم يريدوا ذلك، وانما أرادوا بنقصانه لإخلال ببعض الواجبات، وعلى هذا فالخلاف معنوي مبني على الخلاف في حقيقة
الإيمان، فتفطن له، والله تعالى أعلم.
-
- (1/125)
صفحة 126
الركن الثالث
في الولاية والبراءة
وما يشتمل عليهما، وما يتولدان منه وفيه ستة أبواب أيضا
أخر هذا الركن عن الذي قبله لما تقدم هنالك، وقدمه على ركن التوبة من حيث ان وجوب التوبة بعد وجود ما تنتقض به الولاية وتجب به البراءة، فإن قيل اليست التوبة شرطا للولاية، توجد بوجودها، وتنعدم بانعدامها؟، فالجواب انما ذلك خاص عند وجود الذنب الموجب للبراءة، ولا يجوز اطلاقه على العموم منه حق الموافقة وصدق الموافقة، وجبت علينا ولايته، ولا
ألا
تري
أن
من رأينا.
،
يلزمنا أن نستتيبه إلا بعد أن يحدث حدثا يخرج به عن تلك الموافقة، وكذلك في ولد الولي تجب علينا ولايته بولاية أبيه حتى يبلغ، ويصح منه ما تنتقض به الولاية، فإن قيل: أما قيل بالوقوف عنه بعد بلوغه حتى تصح منه الموافقة؟، فالجواب أن القائل بهذا لم يلزمنا استتابة هذا البالغ، وانما كان معه وجود ولايته ولاية أبيه، فلما بلغ وصار متعبدا بنفسه انقطعت تلك الولاية
سببها، وصار عنده في حد الوقوف بالدين بمنزلة مجهول الحال
الباب الأول
في وجوب الولاية والبراءة وأقسام كل منها
معه
بانقطاع
ولاية المؤمن فرض حققا وهكذا براءة الذ فسقا
الولاية: هي
المحبة بالقلب والثناء باللسان والنصر والإعانة بالجوارح عند
القدرة على ذلك، وعند ارتفاع الموانع. والبراءة: هي البغض بالقلب والشتم باللسان والردع بالجوارح
:
وهما فرضان بالإجماع، لكن الوجوب الثابت في الولاية إنما هو نفس المحبة
على الدين والوجوب الثابت في البراءة إنما هو البغض بالقلب على فعل الكبائر من
126
- (1/126)
صفحة 127
منه
الذنوب، وما عدا هذين من الثناء باللسان والشتم به، ومن الإعانة بالجوارح والردع بها، فيلزم تارة ويرتفع أخرى، كل ذلك بحسب المقامات والتكليف بالفرائض، وبإعتبار الأحوال الداعية لذلك، فيلزم الثناء على الولي في موضع يكون فيه ترك الثناء عليه ضررا به أو بوليه، ويلزم الإعانة والنصر في موضع القدرة واحتياج الولى إلى ذلك ويلزم ترك شتم العدو في موضع يكون فيه ترك الشتم له مقويا لبدعة أو مفسدا لشيء من الدين أو مضرا بالنفس أو الولي، ويلزم الردع بالجوارح في موضع يكون فيه المنكر قادرا على الإنكار والعدو مقيما على فعل المنكر لا ينفك عنه إلا بزجر رادع أو بسيف قاطع، ولما كان كل واحد من الولاية والبراءة على أقسام شرع في بيان أقسام كل منهما فقال:
والكل من ذين على أقسام ثلاثة تأتي على تمام حقيقة وهي التي قد نطقا بها كتاب أو رسول حققا والحكم بالظاهر فهو الثان
ثالثها عقيدة الإنسان
ينقسم كل واحد من الولاية والبراءة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول
ولاية الحقيقة، وبراءة الحقيقة
ولا يتأدى كل منهما الا من أحد طريقتين:
•
الطريق الأول: هو أن يرد كتاب من كتب الله بسعادة امرئ أو شقاوته، وهو أنواع النوع الأول: أن يصرح الكتاب بإسم السعيد وإسم الشقي، مثال ذلك في جانب الولاية التصريح بأسماء الأنبياء كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ومثاله في جانب البراءة كابليس وفرعون وهامان وقارون. النوع الثاني: من كني عنهم دون تصريح بأسمائهم، فمثال ذلك في جانب الولاية أم موسى موسى، ومثاله في جانب البراءة أبو لهب النوع الثالث: ما جيء به منكرا لم يصرح فيه بإسمه ولا بكنيته، مثال ذلك من جانب الولاية مؤمن من آل فرعون، وكالذي في قوله تعالى وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين الآية، ومثاله في جانب البراءة قوله تعالى و
كان
-
127
- (1/127)
صفحة 128
في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون وقوله تعالى فنادوا صاحبهم
فتعاطي فعقر که الطريق الثاني: من طريقي الحقيقة في الولاية والبراءة: هو أن يقول رسول من رسل الله ان فلانا من أهل الجنة، أو من أهل النار، لا إذا قال إن فلانا رجل صالح، ولا إنه فاسق، ولا إذا دعا له أو عليه فانه لا يكون بهذا القول متولى أو متبرى بالحقيقة، لأنه الا الله يتولى ويتبرى بحكم الظاهر وبالحقيقة، وما كان محتملا للظاهر وللحقيقة فلا يقطع به من الحقيقة، أما قوله: ان فلانا من قوله: ان فلانا من أهل الجنة أو من أهل النار فلا يحتمل إلا الحقيقة فإنه وإن جاز لنا أن نقول بحسب الظاهر إن من أهل الجنة لمن علمنا منه خيرا، وإن فلانا من أهل النار لمن علمنا منه ضد ذلك فإن هذا القول منا مجاز عبرنا به عن فعل ما يؤدي إلى ذلك، والقرينة أحوالنا نطلع على الغيوب والعلم بأنا لم نرد حقيقة هذا القول، وهو اطلع على كثير من المغيبات، فإذا صدر منه مثل هذا الكلام قطع بأن المراد منه حقيقته إلا بدليل يصرفه عنها، ولأنه علي الله لو لم يرد بهذا الكلام حقيقته إمكانها وعدم قرينة المجاز لكان هذا الكلام كذبا بحسب الظاهر، والكذب في حقه الا الله مستحيل سلّمنا أنه ليس بكذب، لكنه تلبيس على السامع بحيث يفهم الكل منه خلاف مراده، والتلبيس في حق الأنبياء - عليهم السلام ـ مستحيل أيضا.
فلانا
مي
العلم بأنا لم ممن
-
-
وأنواع هذا الطريق هي أنواع: الطريق الأول حكم ما صرح بإسمه في هذين
،
ذلك
الطريقين أن يعتقد فيه بإسمه ما اقتضاه النص فيه، وكذا حكم من صرح بكنيته فانا نعتقد في صاحب تلك الكنية ما اقتضاه النص فيه، وحكم ما جاء من مبهما منكرا أن نعتقد فيه مقتضى النص بحسب تلك الصفة التي نعت بها، ولا نصرح بإسمه ولا بكنيته في الإعتقاد حتى ينقل لنا التواتر أن هذا المذكور في هذا النص هو فلان بإسمه أو بكنيته، أو تجتمع الأمة على ذلك، فإذاً يلزمنا القطع به وقصده
•
بذلك الحكم بعينه واعلم أن هذا الطريق لا يتأدى مقتضاه، ولا يصح الحكم به إلا من أحد أمرين: أحدهما: المشاهدة للرسول الناطق بهذا الكلام، وشرطوا فيه أن ينظر شفتيه عند النطق به، كل ذلك دفعاً للإحتمال، فإنه متى ما لم ينظره كذلك احتمل أن يكون
128 (1/128)
صفحة 129
الناطق بذلك غير الرسول علا الله، والحقيقة حكم قطعي لا ينبني على الاحتمال
عندهم.
وثانيهما: الشهرة القاضية بصدور ذلك الحديث من ذلك الرسول، وكأنهم أرادوا بهذه الشهرة التواتر فانه هو الذي يقطع بصدقه ويحتمل أنهم أرادوا ما يعم التواتر والمستفيض المتلقى بالقبول، فان المتلقي بالقبول بين الأمة مقطوع بصدقة، لما قاله الشيخ ناصر بن أبي نبهان من أن الشهرة لا توجب ولاية الحقيقة،
فلا
معني
وقد انفرد بهذا القول من بين سائر الأصحاب هذا وأما شهادة العدلين فإنها لا توجب الحقيقة في الولاية والبراءة، لأنه لا يصح القطع بصدق مقالهما، نعم يصير من شهدوا فيه بأن النبي عل الله قال فيه كذا يوجب الحقيقة يصير متولي بالظاهر أو متبري منه بالظاهر حتى يعلم منه حدث يخالف ما شهدوا به فيحكم عليه وله بمقتضى حدثه
مما
القي
الثاني
الولاية بحكم الظاهر والبراءة بحكم الظاهر
ولهما طرق وصفات نذكرها في الباب الآتي إن شاء الله.
القسم الثالث
ولاية الجملة وبراءة الجملة
وصفتهما أن يعتقد المكلف أنه يتولى المؤمنين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين،
وأنه يبرأ من الفاسقين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، وهذا القسم وهذا القسم هو الذي
أحد
،
عبر عنه الناظم بعقيدة الإنسان، وسبب تعبيره عنه بذلك هو أن هذا القسم يجب على كل مكلف أن يعتقده مع توحيده، فلا يعذر أحد بعد قيام الحجة به إلا إذا اعتقده كذلك، أما ولاية الحقيقة وبراءتها وولاية الحكم بالظاهر وبراءته فلا يلزمان كل وإنما يلزمان من بلغه علم الحقيقة بأحد الطرق المتقدم ذكرها، والتكليف بحكم الظاهر من أحد الطرق الآتي بيانها، فالأقسام ستة حاصلة من ضرب إثنين في ثلاثة، وهي ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، وولاية الظاهر وبراءة الظاهر، وولاية الجملة وبراءة الجملة.
129 (1/129)
صفحة 130
الباب الثاني
في وجوب الولاية والبراءة بحكم الظاهر
براءة الظاهر حكما تجب بواحد من أربع تعتق عيان أو إقرار أو شهادة عدلين أو حق أتى بشهرة
واستثن الاقرار لدى الولاية وإنما الوجوب بالثلاثة
لكل من الولاية والبراءة موجبات، فأما موجبات الولاية فهي الموافقة في القول والعمل، وأما موجبات البراءة فهي المخالفة في القول والعمل أو في أحدهما، هذه الموجبات طرق تتأدى منها، فأما موجبات البراءة فتتأدى
ولكل واحد من
من
أحد أربعة طرق:
المشاهدة
الطريق الأول - العيان: أي المعاينة للمعصية من العاصي بمعنى لها، وعبر بعضهم عن هذا الطريق بالخبرة، وكلتا العبارتين سائغة، غير أن العبارة الأخيرة محتملة للعموم، فيدخل تحتها كل طريق من هذه الطرق لصدق الخبرة عليه، والعبارة الأولى أخص، فالتعبير بها في هذا المقام أولى
-
ـ
الطريق الثاني - الإقرار: وهو أن يقر العاصي بمعصيته إقرارا موجبا للبراءة منه، لا لكونه مستعظما ذنبه؛ نادماً على تفريطه، سائلا عما يلزمه في فعله.
نإن هذا ليس من ذلك القبيل
الطريق الثالث – شهادة العدلين: كانا عالمين أو ضعيفين، وسيأتي ما على كلا الفريقين عند قول الناظم لكن على العدول .. الخ).
الطريق الرابع ـــ الشهرة القاضية المحقة لا كشهرة الشيع بالبراءة من أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما - فإنها وإن كانت قاضية عندهم فليست محقة، بل بطلانها بحمد الله ظاهر، والدافع لها من فضل الله شاهر، والشهرة المحقة هي الخارج أصلها عن حق، وكان من جواب الإمام أبي سعيد ـــ رض - رضي
الله تعالى
-
130
- (1/130)
صفحة 131
عنه
-
بأن قال
معي
وقد سئل عنها فقيل له: وما معنى الشهرة التي تجب بها الولاية والبراءة، إنها تكون على معان كثيرة في وجوه كثيرة، ومبلغ ثبوتها ووجوبها وورود علمها على الممتحن فيها من المبتلى بها من تظاهر صحة الأخبار على غير تناكر من أهلها الذين تقوم بهم الحجة فيها، ولو كثر التناكر والإختلاف من أهلها على سبيل الدعاوى وإنكار اليقين فيها، فإذا ثبت العلم بغير ارتياب ممن
علمها فيها وفي وجوبها. وعلمها عندي (انتهى)
•
غير
وأما موجوبات الولاية فتتأدى من أحد ثلاث طرق مجتمع عليها، وطريق رابع مختلف فيه، وسيأتي بعد إن شاء الله، فأما الطرق المجتمع عليها فهي العيان بالتفسير المتقدم، وشهادة العدلين فما فوق، والشهرة المحقة، وهذا هو معنى قوله واستثن الاقرار .. الخ) أي استثن من الطرق التي تتأدى بها موجبات البراءة في موجبات الولاية - الإقرار - فإنه لا يوجبها ما لم يكن ثمة موجب آخر، وقوله:
-
-
بواحد متعلق بقوله تجب، وقوله: (من أربع متعلق بواحد، وجملة تعتقب نعت، وتعتقب بالبناء للمفعول، أي يؤتى بها في عقب هذا الكلام، وعيان: بدل
الأربع
تفضيل من أربع وما بعده عطف عليه
-
131 (1/131)
صفحة 132
والخلف في رفيعة الولاية من واحد عدل بلا عناية وإن تكن عنيته فالزم وقيل لا لزوم ثم يعلم
الثياب من
هذا هو الطريق الرابع من الطرق التي تتأدى بها موجبات الولاية، وهو الطريق أنه المختلف فيه، وهو رفيعة العالم الواحد بما يوجب الولاية لمعين، فذهب بعض إلى حجة له وعليه، وحملوه على معنى الشهادة في حقوق الله، كصوم رمضان، وكطهارة النجاسات، فإن العدل في كل ذلك حجة، وذهب قوم إلى أن رفيعة العالم العدل غير موجبة للولاية حتى يكونا عدلين، فالوجوب حينئذ متحتم كالشهادة في الحقوق، وذهب قوم إلى التفصيل على انه إن سأل هذا العدل عن ولاية معين وجبت ولايته على السائل، وإن لم يسأل عنها كأن ينطق بها إبتداء فلا وجوب قياساً على المعدل إذا سأل عن عدالة معين وجب قبول قوله في التعديل وإن لم يسأل فلا وجوب، وهذا معنى قول الناظم (وإن تكن عنيته فالزم فالعناية هنا القصد عبر بها عن السؤال لملازمتها له، وذهب آخرون الى التخيير في رفيعة العالم العدل للولاية، أي إن شاء
المرفوع له قبلها، فتولى وإن شاء تركها، من غير تكذيب للرافع، وهو معنى (وقيل لا لزوم .. الخ) فيدخل تحت هذا التأصيل رفيعة الأعمى للولاية، فقد قيل فيها أيضاً بإختلاف، ورفيعة المرأة والعبد، ففي رفيعة كل واحد من هؤلاء للولاية إختلاف صرح به الأثر الصحيح بشرط أن يكون كل واحد من الرافعين عالماً بالولاية والبراءة لكن على العدول ليس العلما تفصيل ما جاءوا به ليعلما الاستدراك من قوله أو شهادة عدلين في الأبيات المتقدمة. أي ينقسم الرافعون للولاية والبراءة إلى قسمين (ضعفاء وعلماء)، فأما الضعفاء فعليهم تفصيل ما رفعوا من الولاية والبراءة، فإذا قالوا: ان فلانا ولي أو عدو مستوجب للبراءة، فإنه لا يجوز لك أن تتولى أو تتبرى بقولهم هذا يفصلوا أي يبينوا الأعمال التي أستوجب بها هذا المعين الولاية أو البراءة فتنظر أنت فيها إن كانت موجبة لهما، وعلة ذلك المنع أن الضعيف لا يعرف الأمور التي توجب الولاية ولا الأمور التي توجب البراءة، وقيل يقبل قولهم من غير تفصيل، والعلة فيه ثقتهم وعدالتهم، على أنهم لا يقولون بشيء
حتى
-
132
- (1/132)
صفحة 133
غير
معلوم عندهم، حكاه الشيخ ناصر بن أبي نبهان، وأما العلماء وهم العالمون بأصول الولاية والبراءة وأحكامهما فليس عليهم تفصيل أي تبيين فيما رفعوا من ولاية أو براءة بل يجب قبول قولهم ولو مجملا، اللهم إلا أن يكون هؤلاء العلماء رفعوا البراءة من رجل عند وليه على غير وجه الشهادة عليه بها فإنهم يكونون بذلك مبطلين عنده، مخلوعين بتلك الرفيعة حتى يتوبوا أو يأتوا بشاهدي عدل على تصديق ما قالوه، أو أربعة شهود في الزنا، ويستثنى من هذا المقام ما إذا كان المتولى مشاهدا لحدث وليه فلم يعرف الحكم فيه، فقال العالم إن هذا الحدث مكفر، وأن صاحب هذا الحدث کافر، وإن فلانا كافر بحدثه كذا وكذا، فكل هذا من العالم فتوى تقوم به الحجة على المتولي ـ بكسر اللام بكسر اللام - على ترك ولاية المتولى ـ بفتحها ـ أو يتوب من - ـ حدثه
-
-
ذلك، فإن برئ العالم من ولي هذا المتولى بالحدث الذي شاهده منه من غير تبين ولا فتوى، فلا يجوز لأحد ولا يلزمه أن يبرأ ببراءة العالم منه، ولا يجوز للمتولى أن يبرأ من العالم بسبب براءته من وليه بحدثه الذي علمه منه، فإن قيل ما الفرق بين الحالتين؟ فقد ألزمتموه بوجوب البراءة من وليه في الحالة الأولى ولم تجوزوها له في الحالة الثانية، فالجواب أن العالم في الحالة الأولى مفتي والحجة قائمة من فتواه، وفي الحالة الثانية حاكم، ولا يجوز لأحد أن يحكم بحكم الحاكم حتى يعلم الحكم في ذلك الشيء، كعلم الحاكم فيه، والله أعلم.
فصل في أحوال الولي بالظاهر
وفي ولي وجبت ولايته على الورى سريرة براءته إن وجبت عليك والذي نطق بها جهارا للبراءة استحق ومن ييح براءة من نفسه فهالك وهو حر بخسه
الأولياء بحكم الظاهر على صنفين، فصنف تجب ثم ولاية على العموم من أهل
الدار، وصنف لا تجب هم ولاية على العموم وإنما تجب على الخصوص ممن عرف منهم الموافقة، وسيأتي بيان الحكم فيهم.
133 -
- (1/133)
صفحة 134
فأما أهل الصنف الأول فلا يجوز لأحد البراءة منهم جهرا وان أتوا ما يستوجبون به البراءة في حكم الظاهر إذا لم يشتهر منهم ذلك، وإنما على من علم منهم ذلك الحدث، أن يبرأ منهم سراً، ولا يجوز له أن يظهر البراءة منهم مع أحد من الناس إلا مع من علم كعلمه فيهم، وهذا معنى قول الناظم (سريرة براءته إن وجبت عليك) وأشار بقوله (والذي نطق بها .. ألخ) الى حكم من أظهر البراءة من أهل هذا الصنف عند من لم يعلم كعلمه فيهم، فحكم ذلك أنه مستحق للبراءة منه ممن سمع منه ذلك القول لأنه في حكم الظاهر قاذف لوليه، والقاذف للولي مستحق للبراءة وإن كان هو في السريرة صادقا، لأنه لا يحل له أن يخالف الحكم الظاهر، وليس له أن يأتي بفعل يبيح به من نفسه البراءة لأحد من الناس، ومن أتى بفعل يبيح به من نفسه البراءة فهو هالك في الآخرة مالم يتب من ذلك الفعل، وسبب هلاكه أنه قد خالف ما أمر الله به من وجوب تجنب المضلات في الظاهر، ومن خالف ما أوجب الله عليه فهو هالك، ومعنى (حر) بتخفيف الياء للوزن حقيق بتلك الخسة التي أنزل نفسه فيها
وإن يكن من الألى لم تلزم ولاية لهم على الكل أعلم ما لم تعلم ولاية والبعض من
فبعضهم رخص ما
ذا يحتمي
هذا هو الصنف الثاني من صنفي الأولياء بحكم الظاهر، وهم الذين لم تجب لهم
عند البراءة منهم
،
ولاية على الكل، لكن على الخصوص ممن علم منهم الموافقة في الدين بالقول والعمل. فإذا علم أحد من أهل هذا الصنف ما يستوجبون به البراءة فقد اختلف في جواز إظهار من لم تعلم لهم ولاية عنده، فبعضهم وسع في إظهار البراءة منهم عند من لم يعلم منه أنه يتولاهم، لأن الأصل عدم ثبوت ولايتهم على أحد من الناس، وبعضهم منع من إظهار البراءة منهم مخافة أن يصادف من يتولاهم، فيكون المتبري مبيحا من نفسه البراءة عند ذلك المتولي لهم. وأقول إن هذا الإحتمال مع قربه لا يفيد المنع مع إظهار البراءة منهم يكون المتبرئ منهم عند من لم يعلم أنه يتولاهم مبيحا من نفسه البراءة لأنه إذا وإن على قول لبعض المسلمين فليس للمتولى لهم ان يبرأ من الأخذ بقول من أقوال المسلمين، نعم إن أخبره بأن ذلك الذي
منهم
وسعه
أن يتبرأ
هذا المتبرى منهم
منهم
ولا
-
134
- (1/134)
صفحة 135
يتبرأ منه ولي له، فعلى هذا أن يكف عن البراءة منه عنده، فان أصر عليها بعد ذلك،
أحد
من
نفسه البراءة عند من يتولاه،
ووجه ذلك
كان حينئذ مبيحا أن من يدعي ولاية من الناس فهو مصدق في دعواه ما لم ينزل من يدعي هو ولايته منزلة من تجب البراءة منه بالشهرة أو تقوم عليه البينة بحدثه المكفر، والله أعلم.
وإن يكن كفرانه مشتهرا لا بأس إن بكفره قد جهرا
المراد بـ (الكفران الفعل الموجب للبراءة، والمراد بالكفر ما يشتمل النفاق والشرك، والمعنى: إذا كان الفعل الموجب للبراءة مشتهرا بين الخاص والعام، فلا بأس على أحد بإظهار البراءة منه، لأنه قد نزل في منزلة لا يصح لأحد أن يتولاه عليها ولو كان في الأصل قبل الحدث ممن تجب على الخلق ولايته، أو ممن تمكن ولايته لأحد من الناس دون غيره، والمدعي لولايته بعد شهرة حدثه غير مسموع، فلا حجة له على المتبرى منه ولا حرمة لذلك المتبرى منه لقوله لقوله: (ما لكم وللمنافق، قولوا فيه ما فيه)، ولقوله الله: أذيعوا) بخبر الفاسق ليحذر الناس شره)، وأشار بقوله (لا بأس .. ألخ) إلى ان إظهار كفر من إشتهر كفره جائز لا واجب، فالأمر في الحديثين إنما هو للاباحة لا للوجوب، والله أعلم.
ومتبر من ولي لك قل بكفره إن لم يتب عما فعل
أي إذا كان لك ولي فبرئ منه متبر فعليك أن تبرأ منه بعد أن تستتيبه فلم يتب،
قال الشيخ ناصر بن أبي نبهان: إذا قذف وليك قاذف استتبه، فإن إمتنع فنبهه بوجوب التوبة عليه، فإن إمتنع فحينئذ عليك أن تبرأ
منه
قلت: والاستتابة قبل البراءة مستحسنة، وفي وجوبها إختلاف من الفقهاء كما سيأتى
إن شاء الله تعالى في الباب الرابع من هذا الركن.
-
135.
- (1/135)
صفحة 136
وفي ولي ترك الفرض اقتفى عذرا له إن لم تجد عنه قف ثم استبه إن يكن منك قبل ولتبر إن لم يرجعن عما عمل
أي إذا أحدث الولي حدثا فلا يخلو ذلك الحدث من أحد أمرين أما أن يكون.:
-
فيه حق الله جل فقط، أو الله وللعباد معاً، وسيأتي بيان الأمر الثاني ـ إن شاء الله تعالى فإن أحدث حدثا فيه الحق الله وحده كترك فريضة من صلاة أو صيام أو نحو ذلك فاقتفى: أي اتبع العذر له في ذلك، فإذا احتمل له وجه عذر من نسيان ونحوه فهو على احتماله حتى يصح بطلانه، ولا يجوز لك أن تبرأ منه على هذا، فإذا انقطع العذر وارتفع الإحتمال فالمختار أن تستتيبه فإن تاب رجع إلى ولايته وإن امتنع فعليك ان تبرأ منه ولا يجوز لك التمسك بولايته، ولا الوقوف عنه في هذه الحالة
وان أتى الولي ما الله به حق وللعباد كالقتل انتبه توله والبعض منهم يقف عنه وفي البراءة منه ضعف كذاك إن أتى بفعل حجرا في أصله وعارض الحل يرى هذا إذا ما كان فعله احتمل حقا وباطلا وإلا حيث حل
أي إذا أحدث الولي حدثا يكون الحق فيه لله وللعباد، كقتل النفس ونحوه، فلك فيه ثلاث طرق إذا لم يصح عندك ان فعله ذلك حق أو يصح انه باطل، فإن صح حقه فليس إلا الولاية، وإن صح باطله فليس إلا البراءة، وهذا معنى قول الناظم هذا إذا ما كان .. البيت الى آخره، ومعنى قوله: (وإلا حيث حل أي وإن لم يحتمل حقه وباطله فأنزله حيث نزل من حق أو باطل، أما قوله (كذا إذا أتى .. ألخ) ففيه الإشارة إلى حكم الولي ان أتى فعلا محجورا في الأصل لكن يصح أن تكون الإباحة فيه عارضة، فأشار الى أن حكم الولي عند هذه الحالة كحكمه فيما إذا أتى بفعل فيه حق ولعباده حق أيضا: أي فلك فيه الطرق الثلاث، فمثاله ما كان أصله محجورا، والإباحة فيه ممكنة لعارض، هو أن ترى وليك يأكل لحما من يد مجوسي فإن اللحم من يده حرام في الأصل لمن لم يعلم أن المذكي لذلك اللحم ممن تجوز ذكاته، والإباحة
-
136 - (1/136)
صفحة 137
فيه ممكنة لإحتمال أن يكون الذابح هو غير المجوسي، فمن هنا صح في هذا الموضع الطرق الثلاث:
الطريق الأول: بقاؤه على حالته الأولى من الولاية، وعليه الإمام أبو علي - رضي
-
الله تعالى عنه ـ وصححه الإمام أبو سعيد ـ رضي الله تعالى عنه ـ في الاستقامة،
-
-
ـ
وذلك أن ولايته وقعت بيقين، ولا يزيل اليقين إلا يقين مثله
-
عنه
•
-
الطريق الثاني: الوقوف عنه بالرأي لما دخل فيه من الإشكال مخافة أن تتولى محدثا، قال الإمام أبوسعيد ـــ رضي الله تعالى عنه ـ وهو أسلم يعني أن الوقوف أسلم: أي أقرب إلى السلامة الطريق الثالث: البراءة منه، على أنه أتى محجورا في حكم الظاهر حتى يصح أنه أتاه على وجه من وجوه الحق، وعليه الإمام موسى بن أبي جابر، حيث قال: أتولى المقتول وابرأ من القاتل، وقد ضعف هذا الطريق جداً الإمام أبو سعيد في الإستقامة يراجعه من أراد الوقوف عليه، فإذا ادعى هذا القاتل على ذلك المقتول بعد قتله دعوى يصح بها تحليل دم المقتول كأن يقول: انه إرتد عن الإسلام، أو جاءه ليقتله فسبقه أو أدركه على امرأته فقتله، ونحو ذلك، فإن كان المقتول وليا ففي كل هذا يكون القاتل قاذفا مخلوعا عن حكم الإسلام حتى يأتي بشاهدي عدل تصديقا لمقالته في غير الزنا، وبأربعة شهود في الزنا، وإن كان المقتول غير ولي فلا بأس على من قال فيه شيئا من ذلك، إلا إذا رماه بالزنا فإن القاذف بالزنا مخلوع شرعا سواء كان المقذوف وليا أو غير ولي حتى يحضر الشهود على ذلك، والله أعلم
وفي وليين تخالفا بما يوجب كفر واحد فانيهما تول بالرأي وان شئت فقف وقوف رأي ان يكونا في ضعف وإن يكونا عالمين تلزم ولاية المحق فيما نعلم وأوجبن براءة من المصر وقيل من لم يتوله عذر
إذا اختلف المختلفان في الدين فلا يجوز أن يكون كلاهما محقين، ويجوز أن يكون كلاهما مبطلين، وأن يكون أحدهما محقا والآخر مبطلا، فإذا وقع ذلك في حضرتك
-
137 -
- (1/137)
صفحة 138
أو بلغك علمه من حيث لا تشك فيه، فلا يخلو هذان المختلفان من أحد أمرين: إما أن يكونا غير وليين لك فيما تقدم فأنت في سلامة من أمرهما اللهم إلا أن يكون المحق منهما عالما فيقيم الحجة عليك ببطلان خالفه فحينئذ يلزمك أن تبرأ من المبطل على من المذهب المختار، أو يكون الحدث في الجملة فلا يسعك الجهل بضلال المضل، أو يكون الحدث في شيء من تفسيرها فأنت على ما تقدم من الإختلاف، وإن كانا وليين لك فيما تقدم فلا يخلوان من أحد أربعة أمور: إما أن يكونا ضعيفين معا، أو عالمين معا أو المحق عالما والمبطل ضعيفا، أو العكس، فان كانا ضعيفين معا فلك في أمرهما
طريقان:
الطريق الأول: تنزيلهما من ولاية الدين إلى ولاية الرأي.
،
الطريق الثاني: أن تقف عنهما وقوف رأي، ومعنى وقوف الرأي أن تعتقد أنك واقف عنهما، لما عرض لك من الأمر المشكل، بحيث لا يجوز أن يكونا فيه كلاهما محقين، وتعتقد مع ذلك أنك تتولى المحق منهما، وتبرأ من المبظل فينبني على ما ذكرنا أنك إذا توليتهما برأي يجوز لك أن تدعو لهما، كما كان للولي بشريطة، وإذا وقفت عنهما بالرأي لا يجوز لك أن تدعو لهما بما يستحقه الولي حتى يتبين لك المحق منهما فتواليه، والمبطل فتعاديه، وإن كان كلاهما عالمين فلا يجوز لك إلا أن تتولى المحق منهما على ما كان عليه من ولاية الدين، وتبرأ من المبطل بدين، وهذه إحدى طريقتين فيه، والطريقة الثانية لا تلزمك البراءة من المبطل منهما إذا لم يتبين لك ضلاله، بل يجوز لك أن تتولاه برأي، وأن تقف عنه برأي، وهذه الطريقة موقوفة على شرطين، أحدهما: أن لا تجمع المختلفين في ولاية الدين، وثانيهما أن لا تبرأ من المحق منهما لأجل قوله بالحق وأن لا تقف عنه برأي ولا دين، وإن كان المحق عالما والمبطل ضعيفا فهما بمنزلة أن لو كانا عالمين، وإن كان المبطل عالما والمحق ضعيفا فهما بمنزلة أن لو كانا ضعيفين، والله أعلم.
ومن تولى محدثا لفعله قالوا فذاك هالك كمثله
لا يجوز لأحد أن يتولى محدثا حدثا من الأحداث القبيحة، على حدثه ذلك، ومن فعل
-
138
- (1/138)
صفحة 139
ذلك فهو هالك كمثل المحدث، ويطلق عليه من التسمية ما يطلق على المحدث، قال تعالى قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل وكان هؤلاء المخاطبون في زمن خاتم الرسل صلى الله ولم يقتلوا نبيا بأيديهم، وإنما سماهم قتلة لولايتهم آباءهم القاتلين، وقال تعالى ومن يتولهم منكم فإنه منهم فقد حكم ربنا تعالى في هذه الآية على المتولي بحكم المتولى، فجعلهم سواء في الضلالة، والله أعلم.
الباب الثالث
من الركن الثالث
في الوقوف وأقسامه وأحكامه
وقوف دين رأي أو سؤال أشكال أو شك على ضلال
(الوقوف) اصطلاحا هو الإمساك عن الدخول في ولاية أحد بعينه، وعن الدخول في البراءة منه، فيسمى منه، فيسمى الممسك عن ذلك واقفا، وأقسامه خمسة (وقوف الدين، ووقوف الرأي، ووقوف السؤال، ووقوف الإشكال، ووقوف الشك)، فهذه خمسة وقوفات كلها جائزة إلا الأخير منها.
•
بدأ الناظم بوقوف الدين لكونه أصل الوقوفات، ولأنه المجتمع عليه، وعلى وجوبه دون الثلاثة التي تليه، فإنه مختلف في ثبوتها وفي وجوبها، وثنّى بوقوف الرأي لكون الرأي جزءا من الدين، فهو عند من الدين، فهو عند من رأى ثبوته واجب ولا يجوز تركه في موضعه، وثلث بوقوف السؤال لكونه أخص مطلقا من وقوف الرأي وملازما له، فبعض من أوجب وقوف الرأي أوجب وقوف السؤال، ونفاه آخرون منهم، وعقبه بوقوف الإشكال لكونه أخص من وقوف الرأي أيضا، ففي بعض صور وقوف الرأي يكون وقوف الإشكال، وفي بعضها لا يوجد، وختم بوقوف الشك ليتمكن من بيان حكمه، كما أشار الى ذلك بقوله (أو شك على ضلال)
فالدين في كل فتى لم تعهد خيرا وشرا منه كيما تقتدى هذا بيان وقوف الدين، وبيان محله، فأما وقوف الدين فهو الكف عن ولاية
-
139
- (1/139)
صفحة 140
معين، وعن البراءة منه كما تقدم، وأما محله فإنه يكون في كل مكلف لم تعلم منه من أعمال الخير ما يوجب الولاية، ولا من أفعال الشر ما يوجب البراءة، فإن حكم مثل هذا الشخص الوقوف وجوبا ولا يسعك فيه إلا ذلك، لأن القدوم على ولاية
المجهول محجور دينا، وكذا الإقدام على البراءة منه، ومعنى قوله (كيما تقتدى) أي لتقتدي بما علمت منه أي لم يتقدم لك فيه خير يوجب الولاية، ولا علم شر يوجب البراءة فتقتدي بما علمت فيه، فما في قوله كيما زائدة، والله أعلم
والرأي في الولي ان تسنما أمرا عليك حكمه قد أبهما وقيل والسؤال مع ذا يلزم فهو حليف الرأي مع من ألزموا
وقوف الرأي هو أن تقف عن الذي تقدمت له عندك ولاية بسبب ركوبه أمراً أشكل عليك حكمه واستتر عنك علمه، فلا تدري أهو حق فتواليه عليه، أو باطل فتعاديه عليه، فإن أصحابنا من أهل المشرق
-
رحمهم
الله تعالى
-
جوزوا لك في
هذه الحالة الوقوف عن وليك حتى تعلم حكم حدثه، وسموا الوقوف بهذا المعنى وقوف الرأي:، وبعض من أجاز ذلك قد أوجب على الواقف أن يسأل عن حكم حدث وليه حتى يخرج عن حيز الإشكال الى مقام البيان، وسموا الوقوف بالرأي مع اعتقاد السؤال عن حكم الحدث وقوف السؤال، وهذا معنى قوله وقيل والسؤال .. البيت) وأما قوله (فهو حليف الرأي) أي فوقوف السؤال ملازم لوقوف الرأي عند الذين قالوا بلزومه، أي لا يكون وقوف السؤال عند القائلين به إلا وهو مصاحب لوقوف الرأي فإن كان مع وقوف الرأي اعتقاد السؤال سُمي وقوف سؤال ووقوف رأي، وإن تجرد وقوف الرأي عن اعتقاد السؤال فيسمى وقوف رأي ليس إلا، والله أعلم.
وفي وليين تلاعنا احكم وقوف إشكال إذا لم يعلم بطلان كل منهما والشك أن لا تولي غير من يشك
وقوف الإشكال هو الوقوف عن الوليين إذا فعلا فعلاً يوجب كفر أحدهما، وذلك
140 (1/140)
صفحة 141
مثل أن يلعن بعضهما بعضا أو يبرأ بعضهما من بعض ولم يعلم أيهما المبطل، وأيهما المحق في ذلك، فان الواجب على من يتولاهما إذا سمع منهما ذلك أن يقف عنهما لهذا الإشكال الذي هما فيه، فإنه لابد من بطلان أحدهما، فإذا تولاهما معا كان ولاشك واقعا في ولاية مبطل، وإذا تبرأ منهما معا خيف عليه الوقوع في البراءة من المحق
هذا على قول من أثبت وقوف الإشكال من أصحابنا وهم المشارقة ـ رحمهم الله تعالى
-
-
،
ومن أوجب اعتقاد السؤال عند وقوف الرأي أوجبه هاهنا أيضا، لكن لا على معنى التجسس عن المبطل من الوليين وإنما يعتقد السؤال عندهم في هذا الموضع لقصد الخروج عما وقع فيه من الحال، فإذا عرفت هذا كله فاعلم أن وقوف الإشكال أخص مطلقا من وقوف الرأي، فإن وقوف الرأي يصدق على الوقوف عن الوليين إذا أحدثا حدثاً لا يكونان فيه محقين فلم يعلم من المبطل منهما ويصدق على الوقوف عن الولي إذا أحدث حدثاً لا تعرف حكمه، ووقوف الإشكال لا يصدق إلا على الوليين إذا أحدثا حدثاً لم يدر أيهما المبطل فيه، وتسمية الكل إصلاح ولا مشاحة في الاصطلاح. أما قوله (والشك .. الخ) فهو إشارة إلى بيان حقيقة وقوف الشك، وعرفه بأنه ترك ولاية من لا يشك مثل شكك أي فوقوف الشك هو أن تقف عن شيء وتترك ولاية من دخل فيه بشرط أن يكون ذلك الشيء لا يوجب بطلان الداخل فيه، وحكم هذا الوقوف أنه محرم لما فيه من ترك ولاية المحق لأجل حق دخل فيه، وترك ولايته
بهذا المعنى حرام، فوقوف الشك أيضا حرام، والله تعالى أعلم
- (1/141)
صفحة 142
الباب الرابع من الركن الثالث
في أقسام الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر منها
ناسب ذكر هذا الباب في هذا الركن إنما هو لأجل ما يترتب على معرفة الصغائر والكبائر من أحكام الولاية والبراءة، على أني أقول: إن علم الولاية والبراءة إنما هو منحصر في معرفة الصغائر والكبائر، فالعالم بالصغائر والكبائر عالم بالولاية والبراءة * ولا يكون عالما بالولاية والبراءة وإن أحاط بأقوال العلماء فيها حتى يكون عالما بالصغائر والكبائر.
هذا وأما البابان اللذان يليان هذا الباب إنما هما معه بمنزلة الجزء من الكل، وبمنزلة التفصيل من الإجمال فان كلا منهما في بيان بعض مخصوص من الكبائر وفي بيان أحكام ذلك، لكن لما كانت تلك الكبائر المذكورة في البابين مختصة من بين سائر الكبائر بأحكام تترتب عليها افردهما في التراجم كما لا يخفى ذلك على متأمل منصف،، والله
أعلم.
ولما كانت جزئيات الكبائر والصغائر يفوت حصرها أخذ العلماء في بيان الفرق بينهما إجمالا ليستدل الواقف عليهما بهذا الإجمال الذي ذكرته العلماء، وقد أخذوا في تعريف الكبائر وعرفوها بحدود كثيرة أصحها ما أشار إليه الناظم بقوله حيث قال:
والذنب قسمان كبير وجبا حد به والباري منه غضبا فأوجب اللعن عليه أو سخط أو قبح الرسول من به سقط ينقسم الذنب إلى صغير وكبير، فأما الصغير فسيأتي بيانه، وأما الـ (كبير) فهو الذنب الذي ثبت لفعاله بسببه حد في الدنيا كالزنا والسرقة وشرب الخمر) أو وعيد في الآخرة، وهو ما أشار إليه الناظم بقوله والباري منه غضبا)، وذلك مثل العقوق والربا، ويدخل تحت هذا النوع ما ترتب على فاعله بسبب فعله اللعن كالشرك، في قوله تعالى أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله له الآية، وكذا أيضا ما اقترن بسخط الله تعالى، فوصفه بأنه كبير أو عظيم، وذلك كما في قوله تعالى وانه كان حوبا كبيرا، سبحانك هذا بهتان عظيم وكذا يدخل تحت هذا النوع أيضا الذنب الذي
من
-
142
- (1/142)
صفحة 143
قال فيه رسول الله الله: قبح الله فاعل كذا، فإن التقبيح ونحوه لا يصدر من الشارع
إلا على ما كان كبيرا من الذنوب، والله تعالى أعلم.
وعكسه الصغير مثل الكذب إن خف والرقص ومثل اللعب
الـ (صغير) من الذنوب هو عكس الكبير، فيقال في تعريفه هو الذي لم على فاعله حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة، وأنكر بعضهم وجود الصغائر، ونسب هذا الإنكار إلى إبن عباس، فروي عنه أنه قال كل معصية يُعصى الله بها كبيرة) وهذا الله عنه إنما هو إنكار لتسمية الصغيرة صغيرة لا إنكار لحكمها
منه رضي
،
الإنكار فإن حكمها ثابت بنص الكتاب ليس لأحد رده، وبعض أصحابنا قال: بوجود الصغائر وأنكر تعيينها في الخارج فمعه أنها موجودة غير معلومة للبشر، قال: ولو عبنت لكان تعيينها اغراء على ارتكابها من حيث انها معفو عنها باجتناب الكبائر، وذهب جمهور أصحابنا من أهل المشرق الى أنها موجودة في الخارج، معلومة للبشر، ومثلوا لها بالكذب الخفيف، وبالرقص وباللعب الغير مباح، وهذا معنى قول الناظم (مثل الكذب إن خف .. الخ)، والمراد بالكذب الخفيف هو: الذي لم يبطل به حق، ولم يعطل به حكم، فان ترتب عليه أحد هذين المذكورين فليس بالخفيف، ويكون حينئذ من كبائر الذنوب، والمراد باللعب الغير مباح هو اللعب الذي لم ترد من الشارع إباحته، فإن ما كان منه مباحا فليس بمعصية أصلا، وذلك مثل ملاعبة الرجل لفرسه وقوسه وعرسه وولده الصغير وما أشبه ذلك، ولربما خرجت هذه الأشياء وما أشبهها من حد الاباحية الى حد الندبية، وربما خرجت عن الإباحة الى حكم التحريم، بحسب النية، والله تعالى أعلم. ومن أصر لصغير فكمن أتى الكبير في الكتاب والسنن
للصغائر من الذنوب أحكام كما أن لكبائرها أحكاما أيضا، فمن أحكام الصغائر ما هو مشترك بينها وبين الكبائر وهو كون الإصرار عليها كبيرة، فإن كون الإصرار
-
143
- (1/143)
صفحة 144
كبيرة موجود في الصغائر والكبائر، ومن أحكامها ما هو مختص بها دون الكبائر وسيأتي بيانه عند قول الناظم (والحكم للراكب ذنبا صغيرا .. البيت)، فأما الإصرار على الصغيرة فانه يصيّرها كبيرة من كبائر الذنوب لقوله تعالى و لم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون بعد قوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم الله الآية. فإن قوله تعالى ولم يصروا معطوف على قوله ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، أي ذكروا عقاب الله فحملهم ذلك على طلب الغفران والإقلاع عن الذنب، وفعل ذلك واجب بعد فعل الفاحشة وبعد ظلم النفس، ووجوب ذلك قطعي لهذه الآية وغيرها، فوجوب المعطوف عليه قطعي لذلك، هذا تحرير الاستدلال بالآية، وفيه نظر لا يخفى على متأمل، ووجه ذلك النظر ذلك النظر أنه لو سلم وجوب ترك الإصرار لما ذكر هاهنا، فليس فيه دليل على تحريمه في الصغيرة لأنه إنما سيق في مقام الإقلاع عن الفاحشة وظلم النفس وهما كبيرتان، فالأحسن الرجوع إلى الاستدلال بالسنة وإجماع الأمة على أنهم لا يجتمعون على ضلالة بنص الشارع على ذلك، فمن السنة الصريحة في ذلك قوله الا الله (هلك المصرون قدما إلى النار وفي حديث (لا) صغيرة عند إصرار، ولا كبيرة عند توبة واستغفار) وهذه الأحاديث وإن كانت أحادية الإسناد فمعناها مستفيض في وعليه اطبقت كلمة العلماء، فلا تجد فيهم من يخلل الإصرار أصلا ولا من يقول ان الإصرار صغيرة، والله أعلم.
وراكب الكبير توبه فإن أبى إلى الله ببغضه فدن ضلله وتوبا ثم استمر ان عن التوب أبى
وبعضهـ
الأمة
هذا بيان حكم الكبائر من الذنوب، اعلم ان للكبائر أحكاما منها ما يكون في الآخرة وهو الخلود في النار والعياذ بالله، وقد تقدم بيان هذا الحكم في باب الوعد والوعيد، ومنها ما يكون في الدنيا وهذا النوع ينقسم الى قسمين: أحدهما ما يكون من العقوبات العاجلة على فاعل ذلك كالقطع في السرقة، والجلد والرجم في الزنا، والجلد في الخمر، ونحو ذلك، ومحل هذا القسم في الفقه فلا حاجة لذكره هنا، وأما
-
144
- (1/144)
صفحة 145
القسم الثاني فهو ما يتعلق من أحكامها بالاعتقاد وهو المراد بقول الناظم وراكب الكبير) .. البيتين، وحاصل ما فيهما أن العلماء اختلفوا في راكب الكبير من الذنوب
على مذهبين:
المذهب الأول: ان فاعل الكبيرة يستتاب من فعله، فإن تاب قبل منه، وان أصر على معصيته وامتنع من التوبة برئ منه، وهذا معنى قول الناظم (توبه .. الخ)، ومعنى (أبى) أي أمتنع، ومعنى قوله (إلى الله ببغضه فدن) أي اعتقد بغضه دينا الله تعالى، وهذا المذهب هو اختيار الإمام أبي سعيد ـ الله عنه ومقتضى ظاهره: ان رضي
منه،
-
-
فاعل الكبيرة يستتاب قبل البراءة منه كان وليا قبل فعلها أو غير ولي. المذهب الثاني: أن فاعل الكبيرة يبرأ منه من حين فعله ذلك ثم يستتاب، فإن تاب قبل وان أصر مستمرا على ذنبه استمر على البراءة منه، وهذا معنى قول الناظم (وبعضهم ضلله .. الخ) أي وبعض العلماء حكم بضلال فاعل الكبيرة، واعتقد البراءة منه قبل أن يستتيبه ثم استتابه من بعد ذلك، ولابد من الاستتابة عند الفريقين على من قدر عليها لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسقط فرضها يقدر على فعلها، والخلاف في وجوبها على القادر الآيس من قبول الفاعل لها، كل ذلك تخريج على مذاهبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم.
عمن
لا
والحكم للراكب ذنبا صغرا إسلامه حتى يرى مستكبرا
قد تقدم بعض أحكام الصغائر وهو الحكم المشترك بينهما وبين الكبائر وهذا محل بيان الحكم الخاص بها، اعلم أن الحكم الخاص بالصغائر نوعان دنيوي وأخروي، فأما حكمها الأخروي فهو انها مغفورة باجتناب الكبائر لقوله تعالى وان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ولقوله تعالى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ان ربك واسع المغفرة، واللمم هي صغائر الذنوب، وأما حكمها الدنيوي أنه يحكم لفاعلها ببقائه على الاسلام فلا يضلل ولا يفسق حتى يعلم منه إصراره عليها، وهذا معنى قوله حتى يرى مستكبرا أي حتى يعلم منه استكبار عن، وعدم انقياد لأمر الله، ثم ان الناظم أخذ في بيان حقيقة الإصرار فقال:
فهو
الله
طاعة
-
145 (1/145)
صفحة 146
والخلف في الاصرار للصغير هل إذا مضى ولم يتب من العمل أو إن يكن أتاه باستخفاف والثاني عندهم بلا خلاف
عنه،
أي اختلف العلماء في بيان حقيقة الإصرار الذي تصير به الصغائر كبائر، ويستحق فاعله التضليل والتفسيق، فقال قوم: إن الإصرار على الذنب هو الإقامة عليه وترك الإقلاع ومثل هذا المذهب ما يروى عن السدى حيث قال إن الإصرار الإستمرار)، وذهب آخرون الى أن الإصرار على الذنب هو فعله بقصد الإستخفاف له واستحقاره، وهذا الوجه لا خلاف بينهم إنه إصرار، وإنما الخلاف في الوجه الأول أما إذا أتى الذنب مستخفا لنهي الله عنه فهو والعياد بالله شرك، فافهم الفرق بين الاستخفاف للذنب وبين الاستخفاف لنهي عنه فإنه مزلة الاقدام، وعن الحسن ان اتيان الذنب عمداً إصرار وعليه فهو مذهب ثالث، وتحرير المقام ان فاعل الصغيرة لا يبرأ منه منه حتى ينزل منزلة لا خلاف بين العلماء إنها إصرار لأن المختلف فيه لا يعد دينا، والله تعالى أعلم.
الله
والخلف في الولي إن اتاه فبعضهم في حكمه رآه ولم يتوبه وبعض ذهبا إلى الوقوف قبل أن يتوبا وبعضهم أحسن ظنه به وبعد ذا استتابه من ذنبه
الهاء في قوله (أتاه) عائدة إلى الذنب الصغير لا إلى الإصرار كما يعلم مما تقدم ان الإصرار كبيرة، والمعنى: ان العلماء اختلفوا في الولي إذا أتى الذنب الصغير فذهب بعضهم الى أنه باق على ولايته غير محتاج إلى أن يستتاب من ذنبه، وهذا معنى قوله (فبعضهم في حكمه (راه) (ولم يتوبه) والمراد بحكمه أي الحكم الذي كان عليه قبل ذلك الفعل وهو الولاية، وهذا المذهب هو أصح المذاهب فيه، وذهب قوم إلى الوقوف بالرأي حتى يستتاب فإن تاب قبل وان أصر برئ منه،
عنه
منه إلى ولايته
ورجع
،
وذهب آخرون الى أنه لا يوقف عن ولايته، ولكن يحسن به الظن ويستتاب من ذنبه، فإن تاب قبل منه، وإن أصر برئ منه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
-
146
- (1/146)
صفحة 147
الباب الخامس من الركن الثالث في شيء من الكبائر وأحكام القاذف
وغيبة المؤمن والتجسس والقذف في الكل حرام أسسوا
ذكر في هذا البيت من الكبائر ثلاثة أنواع، أحدها مختص. كونه كبيرا في المؤمن لا ما عداه، والنوعان الآخران مشترك في حجرهما المؤمن والكافر وهما التجسس والقذف بالزنا.
فأما الأول: فقد استدل على أنه محجور في المؤمن خاصة، بقوله عز وجل ولا يغتب بعضكم بعضاك والخطاب للمؤمنين كما يعلم من أول الآية، والغيبة في المنافق والمشرك مباحة لمفهوم الآية، ولقوله لعل الله: أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره، ولفظة الفاسق يشترك فيها المنافق والمشرك، واشترط في هذا أن يكون المتكلم غير متلذذ بغيبة هؤلاء، بل يكون ناويا في تحذير الناس من أن يقعوا في أحبولة غدره، كما يعلم
من الحديث
-
النوع الثاني: التجسس وهو السؤال عن أحوال الغير لقصد الاطلاع على عوراته، وحكمه أنه محجور في المؤمن والكافر، وإنما قلنا: ان التجسس هو السؤال عن أحوال الغير لقصد الإطلاع على عوراته، ليخرج نحو ما ذكره الإمام أبوسعيد ـ رضي - في أن من خرج مستخبرا عن المؤمنين الماضين ليسلك منهاجهم، وعن وأهل الأحداث ليجتنب اعوجاجهم انه لا بأس عليه إذا كان على هذا القصد، وهذا عنده غير تجسس، فإذا صادف ما تجب به الولاية لمعيّن تولاه به، أو البراءة لمعين
عنه
تبرأ
-
منه به
الفسقة
النوع الثالث: القذف وهو نوعان، النوع الأول: قذف بزنا، وهو محجور في الكل، أي من مسلم وكافر، قال تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء الآية، النوع الثاني: قذف بمكفّرة غير الزنا، وهو محجور في المؤمنين خاصة مجهول الحال، لأن التكلم فيه كذب، وقد تقدم ذكر هذا النوع في باب
ويلحق
بهم
الولاية والبراءة، والمقصود في هذا الباب بيان أحكام فاعل النوع الأول.
-
147
- (1/147)
صفحة 148
وقاذف الولي إن حراً وإن عبداً وإن صبياً كفره زكن وإن يكن حراً ولم يكن ولي وبالغا كان فمثل الأول
القاذف بالزنا له أربع منازل، المنزلة الأولى: يكفر فيها من حينه اتفاقا، المنزلة الثانية: يختلف في كفره إلا بعد الامتناع من التوبة، المنزلة الثالثة: لا يكون فيها كافرا من حينه حتى يصر على قذفه اتفاقا، المنزلة الرابعة: لا يكون فيها كافرا أبدا ما لم يكن مفتريا في قوله، فإن كفره إذاً من حيث الافتراء، وسيأتي تفصيل كل من والثالثة والرابعة على التوالي، وأما المنزلة الأولى: وهي التي يكفر فيها القاذف من حينه
فيقذفه
الثانية
فتقع في موضعين: الموضع الأول: إذا قذف القاذف ولياً، سواء كان ذلك الولي حراً أو عبداً أو صبياً ذكر أو أنثى، كانت ولايته واجبة على أهل الدار جميعا، أو على أحد مخصوص وليه، وهذا معنى قول الناظم فكفره) (زكن أي علم، فأما الحر والعبد مع فقد تقع لهما ولاية من خاصية أنفسهم، وأما الصبي فولايته بولاية أبيه بإجماع، وقد اختلف في ولايته بأمه، هل هي واجبة أو لا؟ ـ قولان هذا ما عليه الأصحاب في هذا المقام، والذي يظهر لي من غير قصد خلاف لهم أن قاذف الصبي لا يكون بنفس القذف فاسقا وإن كان الصبي وليا، لأن الزنا من الصبي نفسه إذا تيقن صدوره منه لا يخرجه عن حكم الولاية لارتفاع التكليف عنه، وإذا لم يكن الصبي بذلك فاسقا
-
فالقاذف له بذلك لا يكون في حكم القاذف لمن هو يفسق بذلك، والله أعلم الموضع الثاني: إذا قذف القاذف حراً بالغاً من أهل الإقرار و لم يكن ذلك المقذوف وليا فهو كالحكم الأول أي يكفر ذلك القاذف من حينه، وانتصب حراً وعبداً وصبياً على أن كل واحد منهن خبر لكان محذوفة مع اسمها تقديره إن كان الولي حرا وان كان عبدا وان كان صبيا
•
صبي
وإن يك المقذوف عبدا أو غير وليين ومشركا أبي فالخلف في تكفيره من قبل تتوييه مما أتى من فعل
148
- (1/148)
صفحة 149
هذه المنزلة الثانية وهي التي يختلف في كفر القاذف فيها من حينه، أي قبل الامتناع
عن التوبة، وتقع في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: إذا كان المقذوف عبدا غير ولي الثاني: إذا كان المقذوف صبيا غير ولي • الثالث: إذا كان المقذوف مشركا، فإذا نزل القاذف بهذه المنزلة صح فيه ما علمت من الإختلاف في كفره، فذهب قوم الى أنه يكفر من حين ما قذف، وذهب آخرون الى أنه لا يكفر إلا بعد الإمتناع عن التوبة والإقامة على فعله ذلك، ومعنى قول الناظم (أبي) أي امتنع، فهو اسم فاعل أبي يأبى إذا أمتنع، وكان على الناظم أن يقف بالألف، في صبي وأبي، بدلا التنوين الواقع بعد فتحه كما عليه الجمهور، وإنما عدل ذلك أخذا بلغة ربيعة لأن من لغتهم عدم الإبدال في الوقف على المنصوب
من
عن
وإن يك المقذوف مجهولا فلا تحكم بكفر قاذف مستعجلا
من
هذه المنزلة الثالثة: وهي التي إذا نزل بها القاذف لا يحكم بكفره قبل الإمتناع عن التوبة وذلك متى ما كان المقذوف مجهول الحال أي لا يعلم أهو ولي أم غير ولي حر أم عبد، صبي أم بالغ، مسلم أو مشرك، فإذا نزل القاذف بهذه المنزلة فهو على حالته الأولى أي التي كان عليها قبل القذف حتى يعلم حال المقذوف فيحكم على القاذف بما يستوجبه،، أو يصر القاذف على ما كان منه، وانتصب مستعجلا على الحالية من فاعل تحكم.
والقذف عند مشرك لم يوجب کفران آتية إذا لم يكذب كذاك مع من لم يكن مكلفا بحكمه مثل صبي فاعرفا
هذه المنزلة الرابعة: وهي التي إذا نزل بها القاذف لا يكون كافرا أصلا
إختلاف فيما علمناه، وتقع في موضعين: الموضع الأول: إذا كان القاذف عند مشرك يستحل القذف
من
غير
الموضع الثاني: إذا كان القذف عند من لم يكلف بحكمه كالصبي والمجنول،
-
149
- (1/149)
صفحة 150
ويشترط في هذه المنزلة أن يكون القاذف غير كاذب فيما قال به، فإن كان كاذبا فلا
إشكال انه كافر بكذبه وبهتانه
•
هذا إذا ما القذف كان بالزنا أو يحضر الشهود في ذا معلنا
منه
هذا الحكم الذي ذكرناه في القاذف من أول الباب إلى هنا إنما هو في القذف بالزنا وذلك كأن يقول: فلان زان أو ابن زانية أو نحو ذلك، أما القذف بغير الزنا فلا تدخل فيه هذه الأحكام المذكورة هنا، واعلم ان القاذف بالزنا إذا أحضر الشهود على صدق قوله فشهدوا أنهم رأوا فرج المقذوف في المرأة كالميل في المكحلة فلا يبرأ حينئذ وإنما يبرأ من المقذوف ويقام عليه بذلك الحد، فإن لم يحضر الشهود برئ حسب ما مر واقيم عليه حد القاذف ولا يجزى من الشهود في هذا المقام دون أربعة عدول ليس فيهم امرأة، فان شهد ثلاثة و لم يشهد الرابع كانوا جميعا قذفه، وأقيم عليهم الحد، وكذا ان شهد ثلاثة امرأة أو امرأتان أو أكثر، والله تعالى أعلم
منه على حسب
معهم
الباب السادس
في انقسام الكبائر إلى كفر نعيم وجحود
وبه يتم الكلام على الركن الثالث إن شاء الله تعالى
والكفر قسمان جحود ونعم وبالنفاق الثاني منهما وسم وامنعه في الأول حتما وهو ما لرد تنزيل ومرسل نما
أي تنقسم الكبائر من الذنوب الى قسمين (كفر جحود وكفر نعم)،، فأما الأول ويسمى شركا، فهو ما كان بسببه رد تنزيل أي رد كتاب من كتب الله التي أنزلها على رسله سواء رد جميعها أو صدق ببعضها ورد البعض أو صدق بها كلها ورد آية منها أو حرفا واحدا أو حكما واحدا، ففي جميع ذلك يكون الرد شركا، وكذا ما
-
10 (1/150)
صفحة 151
كان بسببه رد مرسل أي رسول من رسل الله الذي أوحي إليهم بالتبليغ، سواء كان الرد لجميع الرسل أو لبعضهم أو الحكم واحد منهم، ففي جميع ذلك يكون الرد شركا. وفي حكم الرسل الأنبياء، فإنه يجب تصديقهم بأنهم أنبياء، وأن الله قد أوحى اليهم، والمكذب لواحد منهم مشرك إجماعا، ويدخل تحت هذين النوعين ـ أعنى رد، ورد الرسل ــ جميع أنواع الشرك، فإنه من صدق بالرسل والكتب ولم يرد
-
الكتب شيئا منها كان سالما من الشرك، سواء كان عاملا بمقتضاها أو تاركا له، ولا يكون المشرك مشركا إلا برده حكما من أحكام الله أو كتابا من كتب الله أو بتكذيبه رسولا من رسل الله، ومن هنا اختلف في المشبهة المصدقين للرسل والكتب، لكنهم أظهروا
،
التشبيه وصرحوا بالتجسيم، فقال قوم: هم منافقون غير مشركين لتسترهم بالتأويل وعدم ردهم للتنزيل، وذهب قوم الى أنهم مشركون لأن تأويلهم قد خالف نص الكتاب، فهم بذلك في حكم الراد للنص القطعي، والخلاف موجود في كتب
لا
يسمى
•
سمي
كما
الأصحاب وفي كتب قومنا وأما القسم الثاني - وهو كفر النعمة: فهو ما كان من الكبائر وليس فيه رد لتزيل ولا تكذيب لرسول. فإن هذا النوع يسمى كفر نعمة، ويسمى أيضاً نفاقاً، وهذا معنى قوله (وبالنفاق الثاني منهما وسم) أي علم، أي القسم الثاني من قسمي الكفر بالنفاق، ولا يجوز إطلاق أسم النفاق على الشرك، فلا يسمى المشرك منافقا المنافق مشركا، وهذا معنى قوله وامنعه في الأول) أي امنع اسم النفاق في القسم الأول من قسمي الكفر فإنه لا يجوز إطلاقه عليه، وإنما امتنع اطلاق كل الاسمين على مسمى صاحبه لما يترتب على كل واحد منهما من الأحكام ما لا يترتب على الآخر، فللمنافق أحكام تخالف المشرك، وكذا للمشرك أحكام تخالف أحكام المنافق، فالمنافق يناكح ويوارث ويعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين إلا في مواضع مخصوصة، وهي رد شهادته وترك ولايته ووجوب البراءة منه، وحل قتله وإضاعة ماله إذا صدر منه بغي ولم يقدر على رده عن بغيه إلا بذلك، وأما أحكام المشرك فقد تكفل الناظم ببيانها فقال:
واحد من
- (1/151)
صفحة 152
السبد
واحكم برجس أهله على الأبد واغتنمن في الحرب منهم واسب ذراريهم وحرم ذبحهم تناكا وتوارثا منا لهم سواء في الحرب أو بجزية هم جاءوا
لنا وهكذا منهم
•
وعلم أن لأهل الشرك أحكاما تخالف أحكام أهل النفاق بحكم الظاهر أحدها: أنه يحكم برجس أهله والرجس بكسر الراء وسكون الجيم القذر، قال
في القاموس: ويحرك وتفتح الراء وتكسر الجيم (انتهى)، ولا يصلح في البيت إلا الوجه الأول الذي قدمناه، ويطلق – أعنى اسم الرجس ــ على كل ما استقذر من الأعمال المؤدية الى سوء العاقبة وليس هذا من غرضنا، فان المشرك والمنافق مشتركان فيه، قال تعالى في المنافقين وإنهم رجس ومأواهم جهنم وإنما غرضنا الوجه الأول لا غير وهو القذر، ونعني به عدم الطهارة، فان المشركين منعدمون من طهارة التوحيد، فيحكم عليهم بالرجس، وكذلك ما مسوه من الرطوبات، قال تعالى وإنما المشر المشركون نجسه واختلف في المشرك إذا دخل في التوحيد هل عليه اغتسال بالماء أو لا، وقد طهره
التوحيد
وثانيها: ان أغتنام أموالهم في الحرب أي إذا كانوا حربا للمسلمين حلال بخلاف المنافقين فإنه لا يحل غنم أموالهم، و (السبد) في قول الناظم: هو المال، قال ابن وصاف في حله، وقولهم ماله سبد ولا لبد، فالسبد: المال ما كان من ذهب وفضة وعقار، واللبد: الحيوان ما كان من جمال وبقر وغنم وضأن (انتهى) وثالثها: حل سبي ذراريهم في الحرب أيضا إذا كانوا من غير مشركي العرب، وفي الأثر فإن قال: لأي علة يحل بها سبي الأطفال وهم ممن ليس عليهم ذنب، قيل له: ذكروا في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: ليجروهم إلى الإسلام فيكون ذلك سببا لدخولهم فيه، وذلك أنفع لهم، والثاني: نظرا بهم حين قتل آباؤهم لئلا يموتوا هزالا والوجه الثالث: تقوية لبيت المال، والله أعلم (أنتهى) ورابعها: تحريم ذبائحهم إن كانوا غير أهل الكتاب، فلا يجوز لأحد أن يأكل
منها
وخامسها: تحريم مناكحتهم.
•
152 (1/152)
صفحة 153
وسادسها: تحريم موارثتهم فقوله منا لهم) أي يحرم علينا أن نزوجهم مسلمة وأن نورثهم من مسلم، وقوله (وهكذا منهم لنا) أي يحرم علينا أن نتزوج منهم مشركة أو نرث منهم مشركا، فالحكم في التناكح والتوارث واحد ــ كانوا حربا للمسلمين أو أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فتلخص مما ذكرنا أن أحكام أهل الشرك قسمان، أحدهما متعلق وجوده بوجود
مختص بهم
فقط
غيره وهو أغتنام أموالهم وسبي ذراريهم فإن تحليل كل منهما متعلق بوجود الحرب فقط، وثانيهما لم يتعلق وجوده بوجود غيره وهو ما عدا القسم الأول، ثم هذا نوعان هذا نوعان أحدهما، ألا أنا لا وهو النجاسة والذبح تري يجوز لنا أن نأكل من ذبائحهم مع جواز أن نطعمهم من ذبائحنا، وثانيهما غير مختص بهم دوننا فيهم وهو التناكح والتوارث، ثم لا يخفى أن غالب هذه الأحكام إنما هو مختص بذوي الأوثان من المشركين فإنهم هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وهذا معنى قوله (سواء في الحرب أو بجزية هم جاءوا) إذ المعنى أن هذه الأحكام متعلقة بهؤلاء المشركين ـ كانوا حربا للمسلمين أو دانوا بأداء الجزية ـ لأن الجزية لا تقبل منهم كما سيأتي ذكره، فسواء في حكمهم دانوا بأدائها أو لم يدينوا به، أما ما عدا أهل الأوثان من المشركين فيختصون بأحكام أشار الناظم اليها فقال:
-
-
والذبح من أهل الكتاب جوزا مع النكاح دون حرب جوزا ويرفع الحرب الجزية أتت منهم وفي المجوس حكمهم ثبت إلا الذباح والنكاح فهما محرمان في المجوس فاعلما
يختص أهل الكتاب من اليهود والنصارى والصابئين بأحكام ليست في أهل الأوثان من المشركين، ويشاركهم في بعض تلك الأحكام النجوس، فأما اليهود والنصارى فلا المسلمين أنهم أهل كتاب، والخلاف في الصابئين، والمختار عند
خلاف بين أحد من أصحابنا أنهم أهل كتاب فتجرى عليهم أحكام أهل الكتاب. فأحد تلك الأحكام قبول الجزية منهم إذا أتوها عن يدو وهم صاغرون، وبقبولها
يرفع الحرب عنهم ويصيرون أهل ذمة، والجزية هي: أربعة دراهم في كل شهر على
153
- (1/153)
صفحة 154
الغني، ودرهمان على المتوسط، ودرهم واحد على الفقير، يأتى بها من وجبت عليه الي القائم بأمر المسلمين ولا يجزي عنه أنه يأمر غيره أن يؤديها عنه لقوله تعالى وعن يد وهم صاغرون ولاشيء على المفلس ولا جزية على المرأة أو عبد أو طفل أو شيخ أو حبر أو مجنون أو راهب
وثانيها: أنهم إذا صاروا أهل ذمة حلت ذبائحهم للمسلمين والثالثها: أنهم إذا صاروا أهل ذمة أيضا حل نكاح حرائرهم للمسلمين أما اماؤهم فلا، ويشاركهم المجوس في قبول الجزية منهم واعطاء الذمة لهم لقوله لا (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) أما حل ذبائحهم وتجويز التزويج منهم فلا يشاركونهم فيهما، فالمجوسي لا تحل ذبيحته وإن عطى الجزية، وكذا لا يحل تزويج المجوسية للمسلم وإن كانت في ذمة، وحكم أهل الكتاب كلهم وحكم المجوسي فيما عدا الأمور التي ذكرتها حكم المشركين من أهل الأوثان، وكذا يكونون مثلهم في جميع أحكامهم المتقدم ذكرها إذا لم يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإنهم يقاتلون على ترك الإسلام حتى يسلموا يؤتوا الجزية عن يدو هم صاغرون، ويترتب على حربهم غنم أموالهم وسبي ذراريهم وتحريم ذبائحهم ومناكحتهم، والله أعلم. ثم إنه أشار إلى بيان الحكم الذي يختص به أهل الأوثان من المشركين فقال:
والمشركون من ذوي الأوثان ليس لهم واق سوى الإيمان
الله
هذا بيان الحكم المختص بعبدة الأوثان من المشركين، وهم الذين ليسوا أهل كتاب، وإنما نصبوا تصاوير وتماثيل واعتقدوا أنها آلهة فعبدوها من دون الله أو عبدوها مع تعالى كما كان ذلك في مشركي العرب قبل الإسلام، فحكم هؤلاء أنهم يقاتلون على تركهم الإسلام ولا يقبل منهم جزية ولا يعطون ذمة ولا يرفع عنهم
الإسلام، وهذا معنى قوله ليس لهم واق سوى الإيمان) أي لا
شيء غير تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام والأنقياد لحكمه
الحرب حتى
•
يظهروا
يمنعهم من الحرب
154
- (1/154)
صفحة 155
كذلك حكم راجع عن دينه وآخذ بالشك عن يقينه
موسى
يعم
المرتد عن
المراد بـ (الراجع عن دينه هو الخارج عن الإسلام إلى شيء من ملل الكفر أو صلى الله الجاحد لشيء مما جاء به محمد علي، وليس المراد بالراجع عن دينه ما الإسلام إلى إحدى ملل الكفر، والتارك لدين كان عليه كالنصراني يترك ملة عيسى واليهودي يترك ملة، لأن ملل الكفر كلها ملة واحدة، والمراد بـ (الآخذ بالشك) المتردد في توحيده الغير جازم به، أي حكم المرتد عن دين الإسلام وحكم التارك لدينه الذي كان عليه وحكم المرتد في توحيده الشاك فيه كحكم عبدة الأوثان من المشركين لا تقبل منهم جزية ولا يرفع السيف عنهم حتى يسلموا، وفي حكم هؤلاء الجاهل المشرك بجهله فإنه لا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف، والله سبحانه وتعالى أعلم.
-
100
-- (1/155)
صفحة 156
ختم
من
الركن الرابع في التوبة وفيه أربعة أبواب
الأركان بهذا الركن تفاؤلا بحسن الخاتمة، فإن من ظفر بالتوبة ختاما لعمله
فقد ظفر، ختم الله لنا بها وتقبلها منا .. آمين.
الباب الأول
في التوبة وأركانها وشروطها
أي في بيان أحكام التوبة وبيان أركانها وشروطها التي تتوقف عليها صحتها
توبتنا قسمان فرض وجبا لمن عصى والثاني نفل ندبا
تنقسم التوبة بالنظر إلى حكم الشارع فيها إلى قسمين (واجب مندوب)، فأما الواجب فهو التوبة من المعصية، وهذا معنى قوله (فرض وجبا لمن عصى) أي على من عصى سواء كانت معصيته صغيرة أو كبيرة فإن التوبة من النوعين واجبة. والمراد بالتوبة من الصغيرة هو ترك الإصرار عليها، فإن الإصرار عليها كبيرة كما مر، والمراد بالتوبة من الكبيرة هو ما يأتي من بيان أركانها، وأما المندوب من القسمين فهو توبة من لم تصدر منه معصية، فإن الندم على التقصير وإن لم يفض إلى معصية وقصد عدم العود إليه وإنكسار النفس عند ذكره وطلب الغفران له مندوب شرعا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
أركانها ندم مع استغفار والعزم والرجوع بانكسار
-
- (1/156)
صفحة 157
أركان التوبة التي تحصل بها حقيقتها للتائب هي أربعة أشياء ثلاث منها متفق عليها
وقصد أن لا فلابد من حصولها للتائب، وهي الندم والإقلاع عن الذنب الذنب وقصد يعود إليه،
وواحد مختلف فيه فأوجب بعضهم حصوله للتائب ولم يوجبه آخرون وهو الاستغفار باللسان أي طلب الغفران باللفظ، فأما الندم فهو الحزن على ما وقع من المعصية فلابد منه قطعا على أنه هو أصل الأركان وأساسها وعنه تنشأ بقيتها، ومن هنا قصر الشارع التوبة عليه، فقال: التوبة الندم، والمراد بـ (العزم) في قول الناظم القصد على عدم العودة إلى الذنب، فإن قاصد العودة إليه مصر، والقصد بعدم العودة هو الذي نعده ركنا للتوبة لا عدم العودة نفسه كما قال بعض قومنا، والمراد بـ (الرجوع) هو الإقلاع عن الذنب، والمراد بـ (الإنكسار) تذلل النفس لمالكها وخوفها من أليم عقابه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأصلها امتثال أمر الباري ومنتهاها الحط للأوزار
المراد بـ (أصلها) هو الأمر الباعث لفعلها، والمراد بـ (منتهاها) هو ثمرتها التي تترتب على حصولها، أي أصل التوبة الذي يبعث لفعلها هو: إمتثال لأمر ربنا تعالى، فإن العبد إذا نظر الى أوامر الله تعالى وإلى نواهيه وعزم على إمتثال ذلك إنبعثت نفسه وتحرك خاطره إلى تدارك ما ترك من المأمورات والإقلاع عما ارتكب من المنهيات، وأورثه ذلك الإمتثال الندم على ما فات من الزلات فالتجأ إلى الله تعالى طالبا لغفران الخطايا والسيئات فكان ذلك منه هو التوبة بعينها، فإذا حصلت له هذه الخصال انتهى به الحال
إلى بلوغ مراده وهو غفران ذنوبه وستر عيوبه وحط أوزاره، وهذه الخصلة هي
:
،
ثمرة التوبة وغايتها، والرتبة التي ينتهي إليها الراجع عن عصيانه بالنظر إلى أول أحواله أما ما يكون له من الثواب الجزيل والعطاء الجليل فذلك أمر أسداه إليه محض الفضل وسعة الرحمة بسبب امتثال قوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون الله، عاملنا الله بفضله وأدخلنا في واسع رحمته، إنه كريم رحيم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
- (1/157)
صفحة 158
والتوب مثل الذنب عن نبينا سرا وجهرا هكذا قد بينا فالعجب والكبر معا والحسد كذا الريا توبتها أن تفقد وهكذا العزم على الكفران فالحق أنه العصيان من
يجب أن تكون التوبة في الإسرار والإعلان مثل المعصية، فإن كانت المعصية من الأعمال الباطنية فالتوبة منها سرا مجزية، فإن أعلن بها فذلك نفل، وإن كانت المعصية من الأفعال الظاهرة كشرب الخمر وأكل الميتة ونحو ذلك فلا تجزي التوبة عنها إلا جهرا لقوله لا إذا عملت سيئة فأحدث عندها توبة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية)، فإذا عرفت هذا فاعلم.
إن العجب والكبر والحسد والرياء من المعاصي الباطنية، فالتوبة منها إزالتها بالكلية وصرفها بعلاجاتها الباطنية ولا يلزم الإعلان بالتوبة منها، وهذا معنى قوله توبتها أن تفقد) أي توبة هذه الأمور هو إعدامها من نفس المأمور، ورفع تفقد على لغة قوم يهملون أن المصدرية
ولا يعملونها
•
ومثل هذه الأمور في صفة التوبة منها العزم على الفسوق فإن العزم على ذلك من المعاصي الباطنية فيجزي في التوبة منها لرجوع عما عزم عليه والندم على ما كان منه، وهذا معنى قوله وهكذا) العزم على (الكفران والمراد) بـ الكفران) هو ما عدا الشرك من المعاصي، أما العزم على الشرك فقد صرح الشهاب بن حجر أن العازم على الشرك لا يخلو من أحد أمور: إما أن يكون عزمه ذلك لأجل تصويب الشرك، أو لقدح في الإسلام، أو لتردد في التوحيد، أو لجهل بما يلزمه علمه من التوحيد، والكل من هذه الأمور شرك ويحتمل أنه أراد أنه نفس العزم على الشرك
أنه
شرك
،
ووجهه
شرك مع قطع النظر عن هذه الأمور، وهو ظاهر عبارته، مور، وهو ظاهر عبارته، والله أعلم. وأما قوله فالحق أنه من العصيان أي فالقول الحق أن العزم على الكفران معصية
خلافا لمن قال أنه ليس بمعصية، والله سبحانه وتعالى أعلم.
-
158
- (1/158)
صفحة 159
ولم يرد تلائب من ذنبه حتى يرى الموت دنا من قربه أو تطلع الشمس من المغرب قد أتى عن المختار فيما قد ورد
أي وعد ربنا تعالى بقبول التوبة، فلا يرد تائب عن ذنبه من قبولها إذا أتى بها في وقتها الذي تقبل فيه، ووقتها الذي تقبل فيه هو العمر كله إلا في موضعين: أحدهما: وقت الغرغرة بالموت ومشاهدة أسبابه فإن التائب في هذا الوقت لا تقبل منه توبته إذا كان قبل ذلك الوقت مصراً، لأن توبته حينئذ لا عن اختيار اختيار منه لها وإنما كانت منه إضطرارا لما تيقن من حضور الموت وانقضاء الدنيا عنه، والدليل على ذلك قوله تعالى وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني توبتُ الآن وقوله الا الله إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر)، وروى عطاء أنها تقبل قبل موته ولو بفواق ناقة والموضع الثاني: وقت طلوع الشمس من مغربها فإن طلوع الشمس من مغربها علامة لقيام الساعة وهو بعض وهو بعض آياتها، وقد قال تعالى ويوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا وقال الله (التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، وفي حديث آخر للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين عاما لايزال كذلك حتى يأتى بعض آيات ربك طلوع الشمس من مغربها)، وفي حديث آخر (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)، ومعنى يبسط يده: أي يسدى نعمته ويسبلها على من توجه إليه تائبا، كل ذلك ترغيب للعباد في المسارعة إلى التوبة، والله أعلم. وإنما كانت التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها لأن بطلوعها يتيقن انقضاء
إنما هو
هنا
الدنيا وفناؤها، وقدوم الاخرة وبقاؤها، فتوبة التائب ضرورية لا إختيارية، ومن لم تقبل توبة فرعون لأنه إنما تاب بعد تيقنه الهلاك وبعد علمه بانقضاء دنياه، وفي ذلك الحين قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين، فقيل له على جهة الإنكار عليه الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، وهلاك
فرعون ورد توبته مما انطبقت عليه الأمة ودلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
،
-
109
>> (1/159)
صفحة 160
فما نسب إلى إبن العربي من قومنا أن فروعون مؤمن شهيد مخالف للكتاب والسنة وخارق لإجماع، فلا يلتفت إليه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الأمة
فقاتل المؤمن عمدا تقبل توبته وهكذا المضلل من بعد موت من أضل وإذا آلى ليبطلن حقا فكذا وقيل أن لا توبة لهم وفي قول أبي نبهان أن ليس اصطفى لكن على المضل أن يبلغ من أضله بما دعا ومن فتن إن كان في مقدرة وإلا فهو حري بمتاب المولى
من ذنبه لا
أي فإذا علمت أن التائب يرد ما لم يغرغر بنفسه أو تطلع الشمس من مغربها فاعلم أن قاتل المؤمن عمدا والداعي إلى ضلالة والحالف على إبطال حق تقبل جميعا توبتهم إذا جاءوا بها على شروطها، لأن الأدلة الدالة على قبول التوبة قبل الغرغرة وقبل طلوع الشمس من مغربها عامة تشمل هؤلاء وغيرهم، وتخصيصهم من هذا العموم مفتقر إلى دليل، وذهب بعض العلماء الى أن هؤلاء الثلاثة ليس لهم توبة، وكذا عندهم ألحقت زوجها ولدا من غيره فهؤلاء الأربعة لا توبة لهم عند هؤلاء، وكذا قالوا
من
-
فيمن قتل نبيا أو قتله نبي، وضعف الشيخ أبو نبهان جاعد وضعف الشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي رضوان الله عليه ـ تخصيص عموم الآيات الواردة في قبول التوبة من جميع التائبين فأجراها على عمومها، وأختار أن التوبة مقبولة ما لم يغرغر أو تطلع الشمس من مغربها، وهذا معنى قوله (وفي قول أبي نبهان أن ليس اصطفى) أي أن القول بأن هؤلاء الثلاثة غير مقبولة توبتهم ليس بالمختار في قول أبي نبهان، أما قوله (لكن على المضل .. الخ) فهو بيان لكيفية توبة الداعي إلى ضلالة فأجيب إليها اعلم: أن توبة من دعا إلى ضلالة فأجيب اليها مشروطة بأن يبلغ من أجابه إلى تلك الضلالة بأنه تاب منها، وأنها بدعة وضلالة، فإن قبل منه ذلك وإلا فلا شيء عليه فوق ذلك، وإن لم يقدر على إبلاغ من أضله ببيان ضلالته بأن مات المجيب إليها أو غاب حيث لا يمكنه إبلاغه فلا شيء عليه سوى التوبة لقوله تعالى إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبواكه الآية، فإنه تعالى شرط الوعيد بعدم التوبة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
160
- (1/160)
صفحة 161
الباب الثاني
من الركن الرابع في أحوال التائب
والمراد بأحواله بيان ما له وما عليه بعد التوبة، فأما بيان ما عليه فأشار اليه بقوله:
وتارك فرضا لمولاه مضى كفارة وتوبة قد فرضا عليه مع إبداله وقيل لا شيء سوى التوبة في ذا جعلا وذاك مثل الصوم والصلاة في حكم من حرم للحرمات
أعلم: أن التائب من الذنب إما أن يكون ذنبه من جهة إرتكاب ما حرم الله تعالى وإما أن يكون من ترك ما فرض الله عليه، فإن كان من الأول فلا شيء عليه سوى لتوبة اتفاقاً مع المشارقة وعليه مع التوبة الكفارة مغلظة منع أصحابنا المغاربة، بشرط ن يكون من المحرمين لما ارتكبه، ولا كفارة عندهم على المستحل لذلك، كذا يؤخذ من استقراء قواعدهم وإن كانت معصيته بترك ما فرض الله عليه فعله كالصلاة والصوم يفوتهما عمدا، فلا يخلو في تفويته لهما من أحد أمرين: إما أن يكون مستحلا لتركهما، وإما أن يكون منتهكا غير مستحل لذلك، فإن كان مستحلا لتركهما فلا شيء عليه سوى التوبة من ذلك، وإن كان منتهكاً وفي إعتقاده دائن بفرضيتهما عليه، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن عليه التوبة من ذلك والكفارة عنه وتداركه بالبدل ثانيها: أن عليه التوبة والبدل ولا كفارة عليه ثالثها: أن لا كفارة ولا بدل، وإنما عليه التوبة فقط، وهذا معنى قوله (لاشيء قوله (لا شيء .. الخ). ومعنى قوله (جعلا) أي شرع، ومعنى قوله (في حكم من حرم للحرمات) أي هذه الأقوال إنما هي مختصة بحكم من اعتقد تحريم المحرمات شر عا، أما من ترك الصوم والصلاة على جهة الاستحلال لهما فلا شيء عليه سوى التوبة ذلك، لأنه يكون باستحلاله لذلك مشركا، وبرجوعه عنه إلى الحق مسلما، والإسلام جب لما قبله قل
،
من
للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، والله سبحانه وتعالى أعلم
-
161 (1/161)
صفحة 162
وفي المصر إن أتى الطاعة هل له ثوابها إذا الغفران حل أو لا أو التفصيل أولى ان عصى من غير ما شرك أتى مخصصا
هذا بيان الطرف الثاني من أحوال التائب وهو الجانب الذي له، اختلف العلماء في التائب إذا كان في حال إصراره فاعلا للطاعات، هل يعطى ثواب تلك الطاعات بعد التوبة أم لا؟ ففيه ثلاثة أقوال: الله القول الأول: لأبي عبدالله محمد بن محبوب ـ رضي عنه ـ واختاره ابن أبي نبهان أنه يعطى ثواب طاعته، وظاهر كلامهما الإطلاق القول الثاني: للفضل بن الحواري واختاره جماعة، وهو أنه لا يعطى من ثواب
تلك الطاعة شيئاً
•
-
القول الثالث: لبشير واختاره الزاملي: أنه إذا كان هذا المصر حين فعله للطاعة مشركا فلا ثواب له بعد التوبة على تلك الطاعة، وإن كان غير مشرك فيعطى بعد التوبة ثواب طاعته
ففي المسألة إطلاقان، وتفصيل الإطلاق الأول: إنه يعطى ثوابها بعد التوبة مطلقا كان حين فعل الطاعة مشركا أو فاسقا غير مشرك، الإطلاق الثاني: أنه لا يعطى ثواب ما عمل حال إصراره ولو تاب وغفر له، كان حال الإصرار مشركا أو غير مشرك، وأما التفصيل: فهو إنه إن كان بإصراره مشركا فلا ثواب له فيما عمل من الطاعات في حال شركه وإن كان غير مشرك فله ثوابه إذا تاب من إصراره. ولي في المسألة تفصيل آخر، هو أنه إن كانت الطاعة التي عملها مشروطا صحتها بالإسلام كالصلاة والصيام فلا ثواب لها إن عملها في الشرك، لأن شرط صحتها غير موجود، وثواب العمل مترتب على صحته ولا صحة فلا ثواب، وإن كانت تلك الطاعة غير مشروط في صحتها الإسلام كبر الوالدين واقراء الضيفان وصلة الرحم وإغاثة الملهوف ونصر المظلوم وهكذا فله ثوابها إذا أسلم وإن عملها في الشرك، وكذا القول فيما عمل من الطاعات في حال إصراره الذي لا يشرك به فإنه إن كانت تلك الطاعة مشروطا في صحتها الإيمان الكامل وهو الوفاء بجميع الواجبات فلا صحة لها بتركه فلا ثواب عليها، وإن كانت تلك الطاعة غير مشروط في صحتها الإيمان الكامل فله على
-
162
- (1/162)
صفحة 163
أحد
فعلها ثوابها بعد توبته، وهذا التفصيل حسن جدا، ولا يقال: انه لم يتقدمني عليه، فإن الحق مقبول ممن جاء به، فإن قيل: لاشيء من الطاعات مشروط صحتها بالإيمان الكامل فلا وجه لآخر التفصيل، قلنا: بل له وجه ظاهر وهو أن الفقهاء اختلفوا في أشياء من الطاعات كالصلاة خلف الفاسق فأبطلها قوم وصححها آخرون فالقائل ببطلانها يشترط في صحتها أن يكون الإمام كامل الإيمان وعلى مذهبه فتلك الصلاة غير صحيحة، فلا ثواب لها وإن بعد التوبة على هذا التفصيل الذي ذكرته، وكذا فيما أشبه ذلك، والله أعلم.
حالا
الباب الثالث من الركن الرابع
في توبة المحرّم والمستحل
ومجمل توبة من يحرم والمستحل عكس هذا يلزم
المراد بـ (المحرم) المنتهك وهو الذي يفعل الذنب مع اعتقاده له أنه ذنب، والمراد بـ (المستحل) من يفعل الذنب ويعتقد أنه غير ذنب لشبهة تمسك بها أو لتقليده من تمسك بالشبهة في ذلك، فهو يدين بتخطئة من خالفه ذلك، فالمحرم على هذا أيسر من المستحل، لأن المستحل جمع مع إرتكاب الذنب إعتقاد أنه غير ذنب وتخطئة من خالفه في ذلك، فمن هنا كانت توبة المحرم أيسر حالا من توبة المستحل فيجزي المحرم أن يتوب من جميع ذنوبه إجمالا، ولا يجزي المستحل ذلك، لكن يلزمه التوبة عن كل ما استحله بعينه، فيذكر ذنوبه ذنبا ذنبا ويتوب عن كل واحد منها توبة، وهذا معنى قول الناظم والمستحل عكس هذا يلزم أي يلزم المستحل في كيفية التوبة عكس ما يلزم المحرم، فيلزم المحرم الإجمال، ويلزم المستحل التفصيل، هذا حاصل ما في الأثر، والظاهر أن لزوم التفصيل في التوبة على المستحل إنما هو تعبد خاص له فيما بينه وبين الخلق، أما فيما بينه وبين الله فلا يلزمه ذلك، وإنما يجزيه الإجمال إذا قصد بالتوبة التوبة عن كل ذنب إستحله، والله أعلم.
-
163 (1/163)
صفحة 164
ومن أتى أمرا على التحريم لم يجزه التوب بلا تغريم وإن يكن أتاه باستحلال بعكسه في أعدل الأقوال وإن يكن في يده ما قد كسب عليه أن يرده لمن سلب
يشترط في توبة من فعل أمرا ويعتقد أنه حرام فلزمه منه ضمان كأكل مال الغير بغير إذنه أن يتخلص إلى أرباب ذلك الشيء إما بغرم له أو بحل منهم، ولا تجزيه التوبة منه بغير تخلص، فإن لم يقدر على التخلص دان بأداء ذلك عند القدرة، فإذا حضره الموت وهو غير قادر على الخلاص أوصى به، وليس عليه فوق ذلك شيء والله رؤوف بالعباد، ولا يشترط هذ الإشتراط في توبة من فعل ذلك الفعل وهو مستحل له على أكثر الأقوال، وعدله الناظم هاهنا، لكن بشرط أن لا يكون ما أخذه بطريق الإستحلال باقيا في يده، فإن إن كان باقيا بعينه في يده ففي أكثر أقوالهم أن عليه أن يرده إلى من أخذه منه، وقيل لا يلزمه أن يرده إليه لأنه إنما أخذه أخذه مستحل له، وفي قول ثالث: أن على المستحل رد ما أخذه إن كان باقيا وغرمه ان
كان متلفا
•
يوم
وهو
منهم
هذا محصل ما في الأثر في هذا المقام، وعندي فيه تفصيل: هو أنه إن كان المستحل مشركا فلا يلزمه غرم ما أتلفه في حال شركه على المسلمين ولا يلزمه رد ما أخذ بعد أن أسلم ولو كان باقيا في يده، لأن له ما أسلم عليه لأدلة ذكرتها في غير هذا الكتاب، وإن كان المستحل من أهل القبلة. فإنه يلزمه رد ما أخذ على المسلمين بإستحلاله وغرمه إن كان قد تلف من يديه لأنه لا تحل أموال أهل القبلة بنفس لحلها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الاعتقاد
وحكمه محرم حين فعل حتى يصح أنه قد استحل أي حكم آخذ أموال أهل القبلة أنه محرم لأخذها، فهو محكوم عليه بغرمها وإن إدعى الإستحلال لها، لأن أموال أهل القبلة في دين الله محجورة بغير إذن أهلها، فيحكم على من أخذها بردها إليهم، ودعواه لأخذها دعوى لو صحت تسقط
أنه مستحل
-
164
- (1/164)
صفحة 165
عنه
الحكم بردها إليهم على قول بعض، وأيضا فحكم أهل الإقرار كلهم التحريم لما حرم الله، ودعواه أنه مستحل تخالف أهل هذا الحكم، فلا تسمع منه دعواه أنه مستحل إلا بصحة شرعية وهي شهرة أو شهادة عدلين، وذلك أن تقضي الشهرة أو يشهد العدلان بأن هذا الرجل قد كان على دين الأزارقة مثلا، الأزارقة مثلا، والله أعلم
الباب الرابع من الركن الرابع في الأمور التي لا تلزم منها توبة
أي لعفو الله تعالى عنها بمنّه، وهي أربعة أشياء (التقية، والخطأ، والنسيان وحديث النفس)، فعقد لكل واحد من التقية والخطأ فصلا، وعقد لحديث النفس والنسيان فصلا واحدا، فلذا قال: وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول في التقية
أجز تقية بقول إن خلص من نيل ضر من به القول يخص وامنعها في إتلاف نفس إن جنى والخلف في إتلاف مال ضمنا
التقية إما أن تكون بالقول وإما أن تكون بالفعل، وسيأتي بيان حكم التقية بالفعل، وأما التقية بالقول فتجوز في موضع، وتمنع في موضع آخر، ولها موضع ثالث يختلف في جوازها فيه
،
نفسه
فأما الموضع الذي تجوز فيه فهي ما إذا كان القول ليس في ضرر على أحد من البشر وكان المجبور قد أكره على القول به، فإنه يجوز له في هذا الموضع أن يدفع عن ما يخشاه من القتل ونحوه بالقول الذي طلب منه ـ ولو كان ذلك القول شركا - وهذا معنى قوله (أجز تقيه بقول .. الخ) ومعنى قوله (إن خلص من نيل ضر .. الخ)
-
- (1/165)
صفحة 166
أي إن خلص ذلك القول من وقوع الضرر في الغير فهو تقييد للجواز، وجواز ما ذكرناه مأخوذ من الكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى وإلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان وقوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقاة، وأما السيئة فقوله عل الله (عفي أمتي الخطأ والنسيان، وما حدثوا به أنفسهم وما أكرهوا عليه)، ومن ذلك ما
عن
جرى لعمار بن ياسر ـ رضي
الله
عنه
-
أخذه حين المشركون فلم يدعوه حتى سب
رسول الله الله وذكر الهتهم بخير، فلما جاء الى النبي الله قال: يا رسول الله ما أراني إلا هلكت، فأخبره الخبر، قال: كيف تجد قلبك؟، قال: مطمئن بالإيمان
قال: فإن عادوا فعد
•
ينجي
6
وأما الموضع الذي تمنع فيه التقية بالقول فهو ما إذا كان في القول ضرر على أحد من البشر كإتلاف نفس الغير أو قطع عضوه فإنه لا تجوز لأحد التقية في هذا الموضع إذ لا يحل لأحد أن نفسه بضرر غيره، إذ ليست نفسه أولى بذلك من نفس غيره، وهذا معنى قوله وامنعها في اتلاف نفس ان جنى) أي وامنع التقية بالقول في موضع يجني فيه القول إتلاف نفس الغير وكذا حكم عضوه، ومثال ذلك أن يكره جبار ذو قدرة معروف بالغشم أحدا ممن يقدر عليه أن يدله على أحد من البشر ليقتله يباطل أو ليقطع عضوه بغير حق، وكان قد توعده بالقتل إن لم يدله عليه، فلا يجوز لهذا المجبور أن يدل الجبار على ذلك المطلوب وإن خاف على نفسه منه
وأما الموضع الذي يختلف في جواز التقية فيه بالقول فهو ما إذا كان في ذلك القول إتلاف لمال الغير، كأن يدل الجبار على مال لغيره أن يضيعه أو يقتله الجبار، فإن بعضا قد أجاز له أن يدله على ذلك اعتقاد الضمان له، وبعض منع من ذلك، وهذا معنى قوله (والخلف .. الخ)، والجواز في هذا الموضع أظهر من المنع، لأن المال لا يقاوم النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولم تجر تقية بالفعل كالحرق والغرق ومثل القتل لكن جواز ما أبيح للضرر كالأكل للميتة والدم اشتهر
هذا بيان حكم التقية بالفعل وحكمها أنها لا تجوز عند الأصحاب وذلك كحرق
-
- (1/166)
صفحة 167
نفسه
النفس وكتفريقها وكقتلها، فإن في هذه الصور كلها لا يجوز لأحد أن ينجي بفعلها، لكن اشتهر عندهم جواز التقية بفعل الأشياء التي أبيح فعلها للمضطر كأكل الميتة والدم، وهذا الجواز وإن كان على قول بعضهم فهو مشهور في آثارهم فيدل على أن كلامهم في منع التقية بالفعل مجمل لابد له من تفصيل، وتفصيله أن نقول: إن الفعل الذي يكره عليه الإنسان إما أن يكون به ضرر بالغير كحرق النفس وغرقها وقتلها، وإما أن يكون ليس فيه ضرر بالغير لكن فيه إتلاف لمال الغير، وإما أن يكون ليس فيه ضرر بالغير ولا إتلاف لماله، فإن كان فيه ضرر بالغير فهو الممنوع اتفاقاً وإن كان فيه إتلاف لمال الغير فيخرج فيه الخلاف المذكور في جواز التقية بالقول بشرط ضمان ذلك المتلف، والذي ليس فيه ضرر بالغير ولا إتلاف لماله نوعان: أحدهما: فعل لا يقبل الجبر والإكراه، بمعنى أنه لا يتأتى فعله عند ذلك كالزنا فإن فعله لا يصدر إلا عن إختيار من الرجل دون المرأة فلا يحل للرجل التقية به ولا للمرأة أن تساعد عليه.
وثانيهما: فعل يقبل الإكراه والجبر، وذلك كأكل الميتة وأكل الدم وأكل لحم الخنزير ونحو ذلك مما أبيح لنا فعله في الاضطرار اليه، فأجاز التقية به قوم ومنعها به آخرون، حجة المحجوزين للتقية به أن هذه الأشياء قد أباحها الله لنا في حال الإضطرار
،
من
لها، ومقام الجبر والإكراه مقام اضطرار، فجاز لنا لذلك، وأيضا فإن الحكمة شرعية الإباحة لفعل ما ذكر عند الاضطرار إنما هي حفظ النفس وهي حاصلة هاهنا، قال المانعون: إن إباحة ما ذكر مقيدة بالإضطرار في المخمصة، فلا تكون الإباحة في المخمصة وإن إضطر إلى فعله، قلنا: ذكر المخمصة في الآية لا مفهوم له، وإنما هو جار على الأغلب من أحوال الإضطرار، فإن الغالب من حال الإضطرار الى أكل ما ذكر إنما هو في حال المخمصة، والتقييد بالأغلب المعتاد لا مفهوم له، لأنه لم يذكر للقيد، فبهذا التحقيق يظهر لك صحة القول بجواز التقية بأكل نحو الميتة، والله أعلم.
غير
ومكره جاء بما الحد يجب عليه في أن لا يحد نستحب
167 (1/167)
صفحة 168
فلا يدفع.
إذا أكره المكلف على فعل شيء يجب على فاعله الحد كالسرقة والزنا فهل يقام عليه ذلك الحد أم لا؟ قال قوم: يقام عليه الحد بذلك لأنه فعل موجبه والتقية بفعله حرام، عنه الحد بذلك، وقال قوم: يدفع عنه الحد بذلك لحصول الشبهة بالاكراه، وفي الحديث (ادرأوا الحدود بالشبهات وهذه شبهة، فلا يقام معها الحد، وهذا القول أظهر ودليله أوضح، فقول الناظم في أن لا يحد نستحب) إختيار لهذا القول، ومعناه أن استحبابنا في عدم حده واعلم أن الخلاف الجاري في إقامة الحد مع التقية بنحو الزنا والسرقة لا يجري في التقية بنحو قتل النفس، وقطع عضو منها، لأن في هذا الفعل تعلق حق العباد، فيجب عليه القود والقصاص، والخلاف المتقدم آنفا إنما هو في موجب الحدود التي لم يكن للخلق فيها حق، هذا ما يظهر لي في تحرير المقام، ثم إنى احسب إنى وقفت على الخلاف في ثبوت القود على قاتل المجبور، ووجهه إن القود قد اختلف فيه، هل هو حد أم حق؟ فعلى القول بانه حد يسقط بالشبهة ولا يسقط على القول بأنه حق للعباد.
حكاية
والله أعلم.
الفصل الثاني
ورفع الإثم لدى الخطأ
الخط
ومن ألزمه الظاهر حكما يسلمن
كالقاتل النفس وكالمطلق زوجته خطأ ومثل المعتق
ومما لا يؤاخذ العبد به ولا تلزمه فيما بينه وبين الله منه توبة وهو أن الخطأ أن يقصد إلى فعل طاعة أو مباح فيخطأ الى غير مقصوده، وهو نوعان: أحدهما غير محاكم فيه لكونه خاصا بنفسه كما في الحديث أن رجلا أراد أن يقول: اللهم أسكني الجنة، فقال اللهم اسكني النار، فاشتد ذلك عليه، فقال له النبي عل لا بأس عليك، لك ما نويت) وأما النوع الذي هو فيه محاكم فهو مثل أن يقصد الى تجديد كلمة التوحيد فيخطاً منها إلى كلمة الشرك أو يقصد إلى إظهار ولاية المسلمين قيخطأ منها إلى إظهار البراءة منهم، أو يقصد أن يقول لزوجته أنت بارة فيخطأ الى قوله أنت طالق، أو يقصد أن يقول لعبده أنت صالح فيخطأ الى قوله أنت حر فإنه يكون في هذه الصور كلها
- (1/168)
صفحة 169
محاكما، فيحكم عليه بالكفر في إظهار الكفر، وبالعداوة في موضع العداوة، وبالطلاق لزوجته وبالعتق لعبده، إن خاصماه في ذلك، وعليه هو أن يسلم للحكم الظاهر إذا حكم عليه بشيء، فيجب عليه تجديد التوحيد، وإظهار الولاية للمسلمين، وتسريح الزوجة، ورفع اليد عن العبد، وهذا معنى قوله ومن ألزمه الظاهر حكما يسلمن) ومن ألزمه الحكم الظاهر شيئا من الأحكام الشرعية فعليه أن ينقاد له وأن لا يتمرد عليه، والله أعلم.
أي
الفصل الثالث
في النسيان وحديث النفس
ورفض الوزر لدى النسيان وهكذا وسوسة الشيطان من بعد أن جاهده بما قدر إذ لم تكن أشد من رؤيا البصر
المراد بـ (رفض الوزر) رفعه، أي رفع الإثم عن المكلف في حالتي النسيان ووسوسة الشيطان للحديث المتقدم ذكره، فأما رفع الإثم في النسيان فظاهر، وأما رفعه في وسوسة الشيطان والمراد بها حديث النفس فمقيد بما إذا لم يقدر المكلف أن يدفع الوسوسة الحاصلة في نفسه لأنه يجب عليه بذل مجهوده في دفع الوسوسة المحرمة شرعا. والمعفو عنه منهما إنما هو حديث النفس الذي لا يمكن المكلف دفعه، ومثال هذا
•
الحكم في رفع الإئم من الأمور الحسية، هو رؤيا البصر الواقعة على محجور شرعا، فإن الشرع لم يؤاخذنا في الخطأ في ذلك، ولا فيما لم يمكنا غض النظر عنه، وليست الوسوسة بالمعنى المذكور أشد من رؤيا البصر على المنظور المحجور، والله سبحانه وتعالى
أعلم.
169.
- (1/169)
صفحة 170
(خاتمة الكتاب)
تمت بحمد الله أنوار العقول حاوية أهم شيء في الأصول
المراد بـ (أنوار العقول هذه المنظومة، فهو علم عليها، وإنما سميتها بذلك لأن موضوعها علم الاعتقادات، ومحل ذلك العلم هو العقل، فالمتمسك بما في هذه المنظومة إنما هو متمسك بنور العقل، والعادل عما لا يصح له العدول فيه منها خارج من النور إلى الظلمات، والمراد بقوله حاوية أهم شيء في الأصول) أي جامعة للأمور التي لا بد منها، ومن معرفتها من أصول الديانات، والله أعلم.
عارية من وصمة الإخلال سالكة طريقة الكمال
ومعنى قوله (عارية) أي متجردة، و (الوصمة) العيب، و (الإخلال) التقصير عما لا ينبغي التقصير فيه، و (الكمال) التمام، أي تمت هذه المنظومة حال كونها جامعة للأهم من أصول الديانات، و (عارية) من عيب التقصير عما لا ينبغي التقصير عنه حال كونها سالكة الطريقة التامة من التحقيق، وواردة المنهل الوافي من التدقيق، والله
أعلم.
أهديتها صرفا لكل طالب تصونه من كل قول كاذب
معنى قوله (أهديتها) أي صيرتها هدية، ومعنى قوله (صرفا) أي خالصة، ومعنى قوله (تصونه) تحفظه، ومعنى قوله من كل قول كاذب أي اعتقاد مخالف للحق، أي صيرت هذه المنظومة هدية خالصة لا أبغى عليها أجرا إلا من الله لكل طالب للحق وملتمس للهدى، والحال أنها تحفظ هذا الطالب من الإعتقادات الفاسدة، والله أعلم.
-
170 (1/170)
صفحة 171
وأحمد الله على التيسير في أتم ما قد رمته من شرف
أي أثنى على الله تعالى بما هو له أهل من الجميل على تيسيره لي إتمام ما قصدت إتمامه في أتم حال وأوفى مقام.
الصلاة مع تسليم تسليم على محمد المبعوث من خير
وآله وصحبه ومن
قفا
ملا
منهاجهم على التمام والوفا
ثم إني بعد حمد الله أصلى الصلاة وأسلم التسليم المأمور بهما شرعا على نبي هذه الأمة، والمبعوث من خير قوم يملأون العين شرفا، وعلى آله التابعين له، وعلى صحبه المناصرين له، وعلى من تبع سبيلهم غير مبدل ولا مغير من بعدهم صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، ففي قوله على التمام والوفا براعة حسن الختام على تمام هذا النظام، وفي هذا المقام.
انتهى بنا الكلام على شرح هذا النظام، جعله الله تعالى عونا للطالبين، ونورا للمهتدين، وفوزاً لناظمه وفوزاً لناظمه يوم الدين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه، وعلى جميع المؤمنين، والحمد لله رب العالمين، رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
قد تم هذا الشرح المختصر على المنظومة المسماة: بأنوار العقول، وهو الشرح الصغير من شرح ناظمها عليها، وذلك في سنة أربع عشر وثلاثمائة سنة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أكمل صلاة وتسليم
عرضت بشرحها على مؤلفها تصحيحا، بقلم الفقير الحقير الله تعالى راجي رحمة ربه القدير سعيد بن خميس بن حمد بن سالم المدسري البهلوي خادم بني علي ..
تمت بحمد الله وتوفيقه
171
- (1/171)