صفحة 1
الكتاب: تفسير الاستواء هذا جواب من شريط سمعي بعنوان " لقاء مع إذاعة صوت العرب " للشيخ الخليلي عن معنى قوله تعالى: ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) وقوله تعالى: ( الرحمن على العرش استوى ) وإليكم الجواب:
العلماء يقولون أن العرش أعظم مخلوقات الله تعالى ويقولون أنه محيط بجميع خلقه وحملوا قوله سبحانه تعالى: ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) على أن العرش مسهول لملائكة الله بحسب ما أراد سبحانه وتعالى وعلى الكيفية التي أرادها عز وجل ولا نعرف هل هؤلاء ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف وعلم ذلك يوكل إلى الله تعالى ويعد ذلك من المتشابه الذي لا يمكن أن يتبين وجه معناه بالقطع كل ذلك محتمل.
أما قوله تعالى: ( الرحمن على العرش استوى ) فالمقصود أنه سبحانه وتعالى مستول على كل شيء في هذا الكون قاهر لكل موجود فيه فإن العرش هو أعظم مخلوقات الله على العرش فقد استولى على غيره فمخلوقات الله سبحانه وتعالى يصرفها كيف يشاء ومجيء استوى بمعنى استولى موجود في اللسان العربي فقد نص على ذلك أئمة اللغة فقد نص على ذلك صاحب القاموس وشارحه وصاحب التاج ونص على ذلك صاحب لسان العرب ونص على ذلك عدد كبير من أئمة العربية واستشهدوا له بشواهد من ذلك:
قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق
وهكذا قوله: ( الرحمن على العرش استوى ) معناه بأن الله سبحانه وتعالى مستول على مخلوقاته وبما أن العرش هو أعظم هذه المخلوقات فهو سبحانه وتعالى أخبر عن استيلائه على مخلوقاته بالإخبار عن استيلائه على العرش الذي هو أعظم مخلوقاته . (1/1)
صفحة 2
وذهب بعض العلماء إن هذا من باب الكناية لأنه يقال (جلس الحاكم على السرير) وإن لم يكن له سرير أو قعد على العرش وإن لم يكن له عرش وإنما يقصد بذلك أن الحاكم قهر واستولى على ملكه وهذا من باب الكناية كما يقال (زيد طويل النجاد) كناية عن طول قامته وإن لم له نجاد وكما يقال (حاكم جبان الكلب) وإن لم يكن له كلب وإنما المقصود بذلك وصفه بالكرم بحيث يغشى بيته الناس حتى تجبن كلابه عن نباح الناس لأنها ألفت غشيانهم ذلك البيت ويقال أيضاً في الكريم (كثير الرماد) وإن لم يكن له رماد ولكن ذلك كناية عن كرمه لأن من شان الكريم أن يكثر الطبخ للضيوف فيكثر رماده ، وهكذا يقال في الكريم (مهزول الفصيل) لأن من شأن الكريم أنه يذبح الذبائح الكثيرة فتهزل أولادها فلذلك يقال في الكريم مهزول الفصيل وإن لم بمن له فصيل.
أما أن يكون الله سبحانه وتعالى جالساً على العرش كما يزعم المبطلون فذلك ما ترده النصوص القاطعة الدالة على أن الله لا يتحيز في مكان فالله تعالى يقول (وهو معكم أينما كنتم ),(فأينما تولوا فثم وجه الله),(وهو في السماء إله وفي الأرض إله) إلى غير ذلك من الآيات. (1/2)
صفحة 3
ويقول الله سبحانه وتعالى في وصف نفسه (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) وهو القائل (بسم الله الرحمن الرحيم ،قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد) ويقول سبحانه (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وجاء في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذا المعنى فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما سمع ضجيجاً بالدعاء قال لأصحابه الذين كانوا يرفعون أصواتهم بالدعاء (إنكم لا تدعون أصم إن الذي تدعونه أقرب إليكم من عنق رواحلكم) ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله سبحانه بينه وبين قبلته) فهل يقال بان الله سبحانه وتعالى بذاته أمام قبلة كل مصل وهذا يتنافى مع تحيزه في جهة العرش عند الذين يقولون بأن الله سبحانه وتعالى متحيز في الجهة العلوية فإذا ثبت تأويل الحديث ثبت الآية الكريمة بل الأولى أن تأول الآية لأن الله سبحانه وتعالى أخبر عن أمر وقع حيث قال (الرحمن على العرش استوى) فقال أيضاً (ثم استوى على العرش) ولا يعترض علينا بأن ثم تفيد المهلة الزمنية وان الله تعالى ذكر الاستواء على العرش عقب ذكر خلق السماوات والأرض (الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش) لأن ثم ليس للمهلة الزمنية وإنما للمهلة الرتبية وقد نص كثيراً من علماء اللغة العربية بأن ثم إذا جاءت عاطفة على جملة فهي للمهلة الرتبية وليست للمهلة الزمنية ونحن لا نقول بإطلاق ذلك إلا إننا نقول بأن ورود ثم في حالة عطفها جملة على جملة فهي للمهلة الرتبية معروف ومشهور في القراَن الكريم ولغة العرب والله سبحانه يقول (ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أبعث حياً أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً ،فوربك لنحشرنهم والشياطين ،ثم لنحضرنهم حول جهنم جثياً ،ثم للننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً ثم لنحن اعلم بالذين هم أولى بها صلياً)فهل يقال إن الله لم (1/3)
صفحة 4
يعلم بالذين أولى بها صلياً إلا بعد ما وقع مما ذكره من إنكار الكفار دخول النار؟ لا والله وإنما ذلك للمهلة الرتبية فثم هنا دالة على المهلة الرتبية وليست دالة على المهنة الزمنية ونحو هذا قوله سبحانه وتعالى (ثم ننجي الذين اتقوا)وكذلك قول الحق تبارك وتعالى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم) فهذه الآية تدل على أن قول الله سبحانه وتعالى للملائكة متأخر على خلقه وتصويره إن حملت فيه ثم على المهلة الزمنية وذلك يتنافى مع قوله تعالى (وإذ قلنا للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) وإنما يجمع ما بين الآيتين إن ثم في قوله (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) للمهلة الرتبة وليست للمهلة الزمنية وكذلك يقال في قوله تعالى (ثم استوى على العرش) والأدلة واضحة جلية في أن الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء والقهر وليس بمعنى القعود.
والأدلة العقلية والنقلية دالة على ذلك من استحالة أن الله سبحانه وتعالى متحيزاً إذ لو كان الله عز وجل متحيزاً للزم أن محدوداً وإذا كن محدوداً يتوجه السؤال هل يمكن أن يزيد في ذاته أولا يمكن أن يزيد في ذاته وإن قيل لا يمكن أن يزيد في ذاته فهو عاجز والعاجز ليس بإله وإن قيل يمكن أن يزيد في ذاته فهو متغير وكل متغير ليس بإله لأن كل متغير حادث. ثم إن الفضاء الذي يزيد فيه هل هو عينه أو غيره فإن قيل هو غيره فالشيء لا يزيد في نفسه وإن قيل هو غيره فلزم افتقاره إلى غيره تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
فالله قد كان قبل خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان فكما أنه لا يجري عليه زمان كذلك لا يحل في مكان. (1/4)
صفحة 5
فالله سبحانه وتعالى لو كان حالاً في مكان للزم أن يكون ذلك المكان سابقاً قبل وجود ذات الله سبحانه فيكون أحق بالألوهية منه سبحانه، تعالى الله عن ذلك وأما أن يكون موجوداً مع الله تعالى مشاركاً له في القدم فيكون مشاركاً لله سبحانه في الألوهية لمشاركته في القدم وأما أن يكون حادثاً وإذا كان حادثاَ يتوجه السؤال عن المكان الذي كان فيه قبل خلق ذلك المكان فيقال أين كان قبل خلق المكان تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا. انتهى جواب الشيخ.
قال الشيخ أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي:
لم تلههم زهرة الدنيا وزغرفها *** إذ همهم صالح يتلوه رضوان
باعوا بباقية الرضوان فانيهم *** كأن لذة هذا العيش أوثان
وقف على السنة البيضاء سعيهم *** وفي الجهادين إن عزوا وإن هانوا
ما زايلت خطوة المختار خطوتهم *** ولا ثنى عزمهم نفس وشيطان
فجاهدوا واستقاموا في طريقته *** عزومهم لصروح الدين أركان
وسلطوا بحدود الله حكمهم *** حتى استقام الحكم الله سلطان (1/5)