صفحة 1
الكتاب: تنوير العقول في علم قواعد الأصول
المؤلف: الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي
المحقق: ؟؟
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله ، خلق الإنسان وعلمه البيان ، وأنعم عليه بنعمة الإسلام ، وهداه سبل السلام ، وصلاة وسلاماً على خير الأنام وبدر التمام محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه إلى يوم الحشر والقيام أما بعد :
فإن العقيدة الإسلامية الواضحة ، التي لا لبس فيها ولا غموض ، من أهم ما يسعى إليه ، من أراد النجاة في الدنيا والفوز بنعيم الآخرة .
و إن تراثنا يزخر بوجود مخطوطات كثيرة وقيمة ، عفى عليها الزمان ، و طال بها العهد ، و علت عليها أيادي النسيان ، و هي لعمر الحق من أنفس النفائس ، و أكبر الذخائر ، طالما حافظ عليها صاحبها ، و خاف عليها مؤلفها ، من أن تضيع في غياهب الجب ، وهي تحمل في طياتها الحل الناجع لكثير من المعضلات و المشكلات .
و قد نال التراث الإباضي من هذا الحظ الوافر ، فكثرت مؤلفات فحول العلماء و محققيهم، فظهرت كتب قيمة في موضوعاتها و مناقشاتها ، وفي جودتها و رصانتها ، قل أن تجد مثلها ، عند غيرهم ، و لكن في الجانب الآخر و بعد أن أشرق نور المطبعة في العالم الإسلامي ، نال هذا المذهب الصد عن مخطوطاته ، من أهله و من مخالفيه ، فطويت تلك المؤلفات ، و أعيرت الأذن الصماء ، فلم يخرج إلى نور المطبعة إلا النزر اليسير ، بعد جهد جهيد ، و ما خرج منها كثر فيها الغلط ، ولم تخل صفحة من صفحاتها من التصحيف و التحريف ، و في بعض الأحيان تسقط الصفحات الطوال ، مما يندا له الجبين و تدمع له العين .
و علم التحقيق هو العلم الذي يتكفل بإخراج المخطوط من ظلمة المكتبات إلى نور المطبعة ، بعد أن يمر بشروط قاسية ، و مراجعات دقيقة ، تضمن خروج الكتاب على حالته الأولى التي كتبها مؤلفه ، بل تزيد عليها أشياء توضح للقراء مسألة أو علماً أو تخرج حديثا أو آية و غيرها من الأعمال التي تساهم في وضوح الصورة عن المؤلف و الكتاب . (1/1)
صفحة 2
و قد نلنا شرف تحقيق كنز من كنوز المعرفة ، لعالم رباني كبير ، ومحقق قدير ، ألا وهو الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي ، ذلك العالم النحرير ، و المدقق الخبير ، في ميادين المعرفة ، و ضروب الثقافة ، في كتابه موسوعة الحق اليقين و الحق المبين من خلال سفره الثالث ، الموسوم بـ"تنوير العقول في علم قواعد الأصول ".
الذي جعله مختصا بأصول الدين ، و ربطه بأصول الفقه ، مبينا الإجماع من الاتفاق ، واضعا منهجاً لعرض الآراء : ميزان الشرع و العقل ، رافضا ما اشتهر بين قومه ، مدليا بالحجة الواضحة ، من القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة ، والإجماع الصحيح و القياس الجلي .
و قد دفعنا إلى اختيار هذا الكتاب ، دوافع شتى منها:
1- ... إن أهم علم ينبغي أن يتعلمه الإنسان قبل أي شيء هو العقيدة الاسلامية الصحيحة ، وبما أن هذا المخطوط موضوعه في أصول الدين كان دافعاً قوياً لتحقيقه.
2- ... المخطوط من مؤلفات الشيخ العالم الرباني ناصر بن الشيخ أبي نبهان الخروصي -رحمهما الله-وهو من أشهر العلماء الإباضية ، في القرون المتأخرة ، ولكنه للأسف لم ينل الاهتمام الكافي ، فلم يخرج إلى المطبعة أي كتاب من كتبه ، وهذا من أكبر الدوافع التي دفعتنا لاختيار هذا الكتاب.
3- يتميز السفر الثالث من الموسوعة العلم المبين والحق اليقين ، بأنه يتعرض لذكر آراء الشيخ ناصر كثيراً بعكس بقية مؤلفاته ، و هذا يبين لنا أسلوب هذا العالم ، و يتيح الفرصة لدراسة هذه الشخصية ، و خاصة أنه احتوى قصصا يذكرها عن والده ، و معاصريه ، مما يكون صورة واضحة عن البيئة التي يعيشها .
و بحمد الله حصلنا على ثلاث نسخ من هذا السفر القيم ، و لكن واجهتنا مصاعب شتى منها تزاحم المواد الدراسية ، التي تفقد التركيز أحيانا كثيرة ، و لكنا واجهنا ذلك بإصرار كبير حتى يخرج هذا العمل إلى النور .
هذا، وقد اشتمل بحثنا هذا مع هَذِه المقدمة عَلَى فصلين اثنين، هما: (1/2)
صفحة 3
الفصل الأول:ويتكون من مبحثين :
المبحث الأول : التعريف بالمؤِّلف.
فعرّفنا بالمؤلِّف من جهة اسمه ونسبه، وولادته ونشأته، وحياته العلمية والعملية، وآثاره التي تركها ، وأخيرا وفاته.
المبحث الثاني: التعريف بالمؤلَّف.
وعرّفنا بالمؤلَّف، بتبيين عنوان المخطوط، وتحقيق نسبته إلى صاحبه، وتبيين موضوع الكِتَاب ومحتوياته، وسبب تأليفه، ومنهجه فيه ، وتطرقنا إلى التعريف بنسخ المخطوط، و ذِكر منهجنا في التحقيق.
الفصل الثاني: تحقيق نص المؤلِّف - رحمه الله - ويتضمن التحقيق ما يلي:
1-المقارنة بين النسخ.
2-تخريج الآيات وعزوها إلى سورها.
3-تخريج الأحاديث وعزوها إلى مظانها.
4-تخريج الأبيات الشعرية.
5-بيان المصطلحات والأعلام وغيرها مما يحتاج إلى توضيح.
ثم ختمنا البحث بخاتمة قصيرة ، ذكرنا فيها خلاصة البحث ، مع توصيات .
وقد حاولنا جاهدين لإخراج النص في أصح صورة ، و لكن كانت العقبة الكؤود كثرة الاختلاف في النسخ ، وخاصة النسخة الثانية ، حيث السقط الكثير ، والتصحيف الذي يعجز عن متابعته الصابر والله الموفق للخير والصلاح.
المحققون
-
الفصل الأول
أولا : التعريف بالمؤلِّف والكتاب :
أَوَّلاً: التعريف بالمؤلِّف:
*- اسمه ونسبه: هو الشيخ العلامة ناصر بن العلامة أبي نبهان جاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى بن عبد الله بن ناصر بن مُحمَّد (1)
__________
(1) إلى هذا الموضع ذكره الشيخ جاعد في النسخة المخطوطة التي نسخها الشيخ بنفسه من كتاب التعليق عَلَى إشراف المنذر.
ذكر هذا كهلان بن نبهان الخروصي - حفظه الله - في بحث له غير منشور عن الشيخ جاعد بن خميس، عند تحقيقه لكتاب "مقاليد التنزيل" كبحث تخرج له في المعهد برقم 355 في قسم بحوث التخرج، ص15. (1/3)
صفحة 4
بن حيا بن زيد بن منصور بن خليل بن الإمام الخليل بن شادان بن الإمام الصلت بن مالك بن عبد الله بن مالك (1) الخروصي اليحمدي الأزدي القحطاني.
ويكنّىَ بأبي محمد كما ذكر ابن رزيق (2) ،
__________
(1) ذكر هذا النسب: مُحمَّد بن حمد بن مُحمَّد بن رزيق في "الصحيفة القحطانية" [مخطوط مصور]، ص192. وقد علق كهلان الخروصي بالتالي:
"يبدو أَنَّ هناك سقطا في النسب بين الإمَام الخليل بن شاذان و الإمَام الصلت بن مالك، لأَنَّ شاذان الذي هو نجل الإمَام الصلت شارك في الأحداث الأخيرة من إمامة الصلت، وكان ذلك في القرن الثالث، بينما الإمَام الخليل كان في القرن الخامس الهجري" كهلان بن نبهان الخروصي ، مقاليد التنزيل دراسة و تحقيق ، بحث تخرج بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد سابقا ، معهد العلوم الشرعية حاليا برقم355 ، إشراف د . إبراهيم بن أحمد الكندي،ص15. .. وقد قال الدكتور مبارك بن عبد الله الراشدي - في بحث ضمن كتاب "قراءات في فكر الخليلي"،وزارة التراث القومي والثقافة، ط1(1414هـ- 1994م)، ص112.قدمه بالمنتدى الأدبي - زيادةً عَلَى ذلك: " ... فبين هذا الإمَام وشاذان بن الصلت حوالي 237 عاما عَلَى الأقل، ... لَكِن يمكن أن يقال أَنَّ الخليل الإمَام هو حفيد الخليل بن شاذان، فيصبح: الإمَام الخليل بن شاذان بن الخليل بن شاذان بن الإمَام الصلت، وهذا عَلَى أقل تقدير".
ولكن وإن ثبت وجود هَذِه الفترة الطويلة بينهما، إِلاَّ أَنَّ في النفس شَيء من تقدير وجود من اسمه الخليل بن شاذان ليكون رابطا في وسط النسب، لعدم وجود دليل - حتَّى الآن - يَدُلُّ علَيه بهذا التحديد، ولله علم كُلّ شَيء.
(2) حميد بن محمد بن رزيق العبيداني النخلي ،مؤرخ ، أديب ، شاعر ، من القرن الثالث عشر الهجري ، و كان من أبرز المؤرخين العمانيين في العصر الحديث ، من كتبه الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين ، وكذلك الصحيفة القحطانية .
مجموعة مؤلفين جامعة السلطان قابوس ، دليل أعلام عمان،ص53 -- مكتبة لبنان - الطبعة الأولى1412هـ-1991م .. (1/4)
صفحة 5
فهو لم يولد له ولد ذكر ، وَإنَّمَا خلَّف ابنتين عاشتا من بعده في زنجبار، ولم يتلقب أيضا بلقب يميزه، إِلاَّ أَنَّ الباحثين يطلقون علَيه اسم: ابن أبي نبهان ، بالرغم من أَنَّه ليس أكبر إخوانه، ولا وحيد أبيه، فقد كان له تسعة أخوة ؛ ولكن نبوغه وتمكنه في العلم ميزه عن بقية إخوته، فصار الذهن ينصرف إليه حين يقال: ابن أبي نبهان.
*- ولادته:
ولد شيخنا - رحمه الله - سنة 1192هـ، في قرية والده "العلياء" من وادي بني خروص، وهي آخر قرى الوادي للقادم من جهة ولاية العوابي، وتقع أسفل الجبل الأخضر. (1)
*- نشأته:
إِنَّ ولادة شيخنا في أسرة كريمة مباركة، مليئة بأهل العلم والورع والتقوى ، وكون والده من كبار العلماء ، وَفي بلدة تلتفّ فيها الأشجار باهجة مخضرة، هواؤها عليل، وماؤها سلسبيل، كان فاتحة خير له، وبشرى طيبة بوجود المحضن المناسب لهذا المولود الجديد ، الذي تناسقت هَذِه العوامل مع استعداده الفطري والذهني والعقلي، لينشأ عَلَى الخصال الكريمة، وحبّ العلم والرغبة في التعلم؛ فلازم والده وأخذ عنه العلم ، فكان يلتهم العلم التهاما، ويسمو بنفسه إلى معالي الأمور يوما بعد يوم، حتَّى صار عالما نحريرا ، بل وخلَف والده من بعده، فصار مُقدَّماً عَلَى أهل زمانه لِما وصل إليه من العلم والفضل. (2)
و كان الشيخ أبو محمد ابن أبي نبهان متفننا في علوم جمة ، وأنه كان بليغا في علم الفقه والفلك وجملة من العلوم .
و كان متواضعا -رحمه الله - راضياً بما قسمه الله له ، فوصفه ابن رزيق بقوله :
__________
(1) السالمي، تحفة الأعيان، (2/205).
(2) المرجع نفسه . (1/5)
صفحة 6
" ... ويحب مجالسة الفقراء والمساكين فينشرح معهم انشراحا كليا ، ويقنعه ما حضر من الطعام فيأكل منه نزرا لذيذا كان أو غير لذيذ ، وكان لا يبخل بما في يده من المال على الناس يسأل مع ذلك أو لم يسأل ، وكان يتكلم فيظنه من يجهله أنه جاهلا بالعلم ومع ذلك إذا سأله عالم في أي علم مسألة فيه انساب إليه انسياب النهر القوي والبحر العباب بالجواب الصواب فلا يكلَّ لسانه و لا جنانه في جواب مسألة فقه وتوحيد وتفسير كتاب الله القدير وسنة نبيه البشير النذير وفي نحو وصرف " (1) .
*- حياته العلمية والعملية:
يمكن تقسيم حياة الشيخ ناصر إلى ثلاثة أقسام، أَو إلى ثلاث فترات زمنية مختلفة أثرت فيه تأثيراً واضحا ، من الناحية العلمية و العملية :
الفترة الأَوَّلى:
فترة ملازمته لوالده، وتمتد من ولادته حتَّى وفاة أبيه عام 1237هـ، أي مدة 46 سنة، حيث استقر معه في بلده "العلياء".
وَفي هَذِه المرحلة استطاع الشيخ أن يكوِّن نفسه من الناحية العلمية، ومن الناحية العملية أيضا، وأن يصل إلى ما وصل إليه من المقام الرفيع، والمنزلة العالية.
فالناحية العلمية: هي استفادته من أبيه الذي يعتبر شيخه الذي أخذ عنه العلم ، ولا أدلَّ عَلَى ذلك من تلك النقول الكثيرة من المسائل التي نقلها عن أبيه، والتي لم يصل بَعضها إلينا إِلاَّ عن طريقه، وإن ملازمة التلميذ لشيخه لدرجة أَنَّهما يسكنان في بيت واحد، ليوفر مناخا خصبا لنجابة هذا التلميذ، وكثرة الأخذ عنه.
__________
(1) حميد بن محمد بن رزيق العبيداني النخلي ، الصحيفة القحطانية ( مخطوط ) ،ص674و705. (1/6)
صفحة 7
ولا يعني هذا اعتماد شيخنا عَلَى نقل علم أبيه فقط؛ فقد كان طالبا قارئا مطالعا، يقلب الآثار ويمعن النظر في الكتب، وإن المطلع عَلَى مؤلفاته -رحمه الله- لينبهر بذلكمُ الكمِّ الهائل من الكتب التي يذكرها، ولم يقتصر عَلَى مؤلفات أصحابنا الإباضيَّة فحسب، وَإنَّمَا اطّلع حتَّى عَلَى كتب المخالفين، والدليل على ذلك كتاب "العوامل المائة" (1) للجرجاني (2) ،
__________
(1) كتاب في النحو .
(2) أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن مُحمَّد الجرجاني، فارسيّ الأصل، جرجانيّ الدار، وجرجان بين طبرستان وخراسان، شافعيّ المذهب، متكلّم، عَلَى طريقة الأشعريّ، كان متديّناً ورعاً قانعاً ساكناً ، من كتبه كتاب "العمدة" في التصريف، وكتاب "المفتاح" و"شرح الفاتحة" في مجلد، وكتاب "المغني في شرح الإيضاح" في نحو ثلاثين مجلدا، و"المقصد في شرح الإيضاح" في ثلاثة مجلدات،
راجع / إنباء الرواة عَلَى أنباء النحاة، لجمال الدّين أبي الحسن علي بن يوسف القفطي، تحقيق: مُحمَّد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي - القاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية- بيروت، ط1 ( 1406هـ- 1986م) . 2/ 188- 190.
و شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد عبد الحي بن أحمد بن مُحمَّد العكري، تحقيق: مُحمَّد الأرناؤوط، دار ابن كثير- دمشق، وبيروت، ط1 ( 1410هـ- 1989م ) ، 5 / 308- 309. (1/7)
صفحة 8
وهو من غير الإباضية - كما أَنَّ لشيخنا تعليقات عَلَى كِتَاب "الجامع الصغير" (1) للسيوطي (2) ، وهي موجودة في مجلد ضخم، يربو عَلَى سبعمائة صفحة ،وعلَّق على عقيدة النسفي وشرحها وشرح شرحها ، وهو يذكر في مؤلفاته الكثير من المصادر والمراجع التي تدل عَلَى أَنَّ الرجل ليس بالهين في المطالعة والقراءة، ولعل مِمَّا ساعده على ذلك تلك المكتبة الضخمة التي كان يمتلكها والده - رحمه الله - والتي أحرقت من بعد ، حيث قيل: إِنَّها تضم من الكتب ما يزيد عَلَى ستة آلاف كتاب ، وهو لعمر الله عدد ليس باليسير، خاصة في ذلك الوقت الذي عاشوا فيه.
أَمَّا الناحية العملية:
فهي ممارسته العميقة للحياة نتيجة مداخلته مجتمعه، وخوضه غمار أحداث عصره، وخاصة الأحداث السياسية التي ضربت المجتمع في الصميم، فمزقته أشلاء مشتتة، تناثرت فيه القبائل، وعادت الأحوال إلى عصر الجاهلية، من جهة التناحر والصراع لأتفه الأسباب، حتَّى غدا الرجل لا يأمن عَلَى نفسه أَو أهله أو ماله، فهو عرضة للبطش والسلب من قبل قبائل أخرى .
__________
(1) كتاب من كتب السيوطي ، جمع فيه أحاديث النبي صلى الله عليه و سلم ، مرتبة على الحروف الهجائية ، طبع عدة طبعات ، منها طبعة دار الفكر بيروت - لبنان، و هو كتاب مشهور في علم تخريج الحديث .=
(2) جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي ( 911 هـ ) عالم ، متبحر في عدة علوم ، التفسير ، و الفقه ، و النحو ، اللغة العربية ، وغيرها من العلوم ، من كتبه : بغية الوعاة في طبقات اللغويين و النحاة ، و الجامع الصغير ، و الجامع الكبير ، وغيرها من الكتب ، حتى قيل أن كتبه تصل إلى 600 كتاب و رسالة . (1/8)
صفحة 9
وفيما يخص أسرة الشيخ ناصر، فقد كانت ترزح تحت وطأة مضايقات أحد ولاة السيد سعيد بن سلطان (1) الحاكم عَلَى عمان في تلك الفترة؛ فقد كان واليه عَلَى الرستاق، وهو طالب بن الإمَام أحمد بن سعيد ، شديد القسوة عَلَى الشيخ جاعد وأسرته، فحدثت بهذا أحداث جليلة، كان وقعها صعبا عَلَى هؤلاء الضعفاء .
فمن أبرز ما وقع سقوط أكبر أبناء الشيخ جاعد - وهو نبهان - قتيلاً على يد أعدائه المتربصين به، ونحوها من الوقائع (2) .
فهذه الأحداث التي عاشها الشيخ ناصر، زودته بخبرة في الحياة ليست بالبسيطة، مكنته فيما بعد من التصرف المناسب في مثل هَذِه الظروف، وهذا ما سنراه في الفترة الثانية من حياته .
الفترة الثانية:
__________
(1) السيد سعيد بن سلطان بن الإمَام أحمد بن سعيد، حكم عمان لفترة طويلة استمرت خمسين عاما وقيل أكثر.انظر: عبد الله بن حميد السالمي ، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ، ج2 ، مكتبة الاستقامة ، روي ، سلطنة عمان ، 1417هـ/ 1997م،ص205 .. وقد فصلت التحفة الأحداث الواقعة في حياة السيد سعيد بن سلطان، وما ذكرناه مجرد نبذة مبسطة بالقدر الذي يؤدي الغرض، فقد تركنا - مثلا -ذكر الوقائع التي حدثت بسبب دخول الدولة الوهابية السعودية إلى عمان، وما يتَعلَّق بأسرة الشيخ ناصر في ذلك، ويعد كتاب التحفة المصدر الوحيد الذي ذكر هَذِه الأحداث، وقد يضيفون علَيها شَيئًا من التحليل، أَو تسجيل بَعض الملاحظات عَلَى هَذِه الأحداث ، لا غير .
(2) السالمي، تحفة الأعيان، (2/205) ومابعدها. (1/9)
صفحة 10
وهي الفترة التي كثر فيها تنقل وتردد الشيخ في بَعض المناطق ؛ فالشيخ ناصر بعد وفاة أبيه عام 1237هـ، زادت علَيه المضايقات هو وأخوته ، فآل به الأمر أن يترك العشّ الذي درج فيه ليرحل بعيدا عن مسقط رأسه، فرحل إلى نزوى مهاجرا بنفسه فحسب، فبقي بها أكثر من سنة ، ولم تكن الحالة هناك بالمريحة ، إِلاَّ أَنَّها لعلها كانت أخف من الناحية السياسية؛ وقد ارتاح فيها إلى أحد العلماء الموجودين فيها ، وهو الشيخ علي بن سليمان العزري، حيث قال فيه الشيخ ناصر : "وأَمَّا أفضل من فيها - يقصد نزوى - فالشيخ العالم الورع الثقة السميدع الضرير علي بن سليمان العزري..." (1) .
وبالنسبة للحالة الاقتصادية: فقد قضمه فك الفقر في هَذِه الفترة، حتَّى بلغ به الحد أَنَّه استمر لمدة سنة يأكل الخبز بالماء والليمون والملح والقاشع (2) ولا شَيء عنده غَيره، وقد قال بنفسه في ذلك:
معيشتنا خبز لغالب قُوْتِنَا ... وماء وليمون وملح وقاشع
فَإِنْ حصلت مع صحة الجسم ... والتقى ... فيا حبذا هذا بما هو قانع (3)
وهي لعمرو الله نبرة المؤمن الراضي بقضاء الله وقدره، المتوكل عَلَى ربه حق توكله.
وبعد ما تسامع الناس بالحال الذي وصل إليه الشيخ ، عاتب المقربون من السيد سعيد بن سلطان سيدَهم عَلَى التقصير في حق عالمٍ كهذا، فندم وتأسف، فدعاه إليه وقربه، وهنا ينتقل الشيخ إلى المرحلة الثالثة.
الفترة الثالثة:
__________
(1) السالمي ، تحفة الأعيان، مرجع سابق، 2/220.
(2) نوع من السمك يكون مجففا رخيص الثمن ، وهي لفظة عمانية .
(3) السالمي ، تحفة الأعيان، مرجع سابق، 2/ 229. (1/10)
صفحة 11
وهي الفترة التي قضاها شيخنا - رحمه الله - بجوار السيد سعيد بن سلطان، واستمرت حتَّى آخر لحظات حياته سنة 1263هـ، فعندما دعا السيد سعيد الشيخ ناصر للوصول إليه بمسقط، حيَّاه وكرَّمه وعظَّمه وكسَاه، وجعل له فريضة معلومة، وبيوتا مستورة، وتزوج له، واصطحبه معه في حضره وسفره، فكان كالمستشار له، ولكون السيد سعيد كان كثير التنقل بين عمان وساحل إفريقيا، كان الشيخ ناصر يتنقل معه، وقد مكثا معا في زنجبار لفترة كانت آخر حياة الشيخ ناصر، ولم تكن فترة قصيرة، ثُمَّ توفي بها وهو في حجر السيد وجواره سنة 1263هـ (1) .
فهذه هي المراحل التي عاشها الشيخ ناصر باختصار شديد، وموجز سريع، وننتقل الآن إلى ذكر أبرز ما تركه الشيخ من آثار عِلمِيَّة في خدمته للعلم والعلماء ، وللإسلام والمسلمين.
*- آثاره العلمية:
أ - تلاميذه:
__________
(1) المرجع السابق. (1/11)
صفحة 12
بالرغم مِمَّا تعرَّض له شيخنا من محن وإحن في حياته، وما شغله من مدلهمات الحياة، إِلاَّ أَنَّ ذلك لم يمنعه من أن يجود بعلمه، فكان أن تتلمذ عَلَى يديه أحد أبرز الرجال في عصره من بعده ، أَلاَ وهو العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي (1) -رحمه الله- (1231-1287هـ) (2) ، فقد تتلمذ عَلَى يديه بعد أن درس عَلَى يد بَعض أهل العلم، وبعدها انتقل إلى الشيخ ناصر، فكان تلميذاً نبيهاً مجتهداً، سرعان ما ارتقى سلم العلم حتى أصبح عالماً نحريراً محققاً خبيراً.
وقد بلغت الصحبة بينهما مبلغا عظيما، حتَّى يحكى أَنَّ الشيخ ناصراً كان يأتي هو إلى "بوشر" (3) - وهي بلدة تلميذه - مع الشيخ سعيد، فيقضي رمضان عنده في كُلّ عام، لأَنَّ الشيخ سعيد كان ذا وفرة من المال الذي آل إليه بالإرث من آبائه، فكان الشيخ يأكل التمر والماء فقط؛ ثُمَّ يأبى بعد ذلك أكل العشاء حتَّى السحر، تعففا منه، ولئلا يُثقل عَلَى تلميذه ولا يُشبع بطنه (4) .
ولا تسعفنا المصادر بذكر تلاميذ آخرين تتلمذوا عَلَى يد هذا الشيخ.
ب - مؤلفاته :
وبالنسبة إلى مؤلفات هذا العالم الجليل، فهي متنوعة وعديدة، أهمها:
__________
(1) سعيد بن خلفان الخليلي (1231-1287هـ) عالم محقق من أكابر علماء الإباضية في القرن الثالث عشر ، من تلاميذه الشيخ صالح بن علي الحارثي ، له عدة مؤلفات من ضمنها : تمهيد قواعد الإيمان وإغاثة الملهوف وغيرها من المؤلفات .انظر بحت الدكتور مبارك بن عبدالله الراشدي ، الشيخ العلامة سعيد بن خلفان الخليلي وفكره ، ط1 1422هـ - 2001م .المباحث الأولى .
(2) بحث ضمن كتاب "قراءات في فكر الخليلي"، د/ مبارك بن عبد الله الراشدي، وزارة التراث القومي والثقافة، ط1/ 1414هـ- 1994م، ص112.
(3) إحدى ولايات محافظة مسقط .
(4) مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي ، أجراها الدكتور مبارك الراشدي، وذكرها في بحثه، ص117. (1/12)
صفحة 13
موسوعته العلمية التي سماها: "الْحَقُّ المبين والحق اليقين" (1) في ستة أسفار :
الأول: سفر التوحيد لله المجيد .
والثاني: سفر الكشف المبين في افتراق الصحابة والتابعين.
والثالث: سفر تنوير العقول في قواعد علم الأصول.
والرابع: الأنوار الجلية أَو العلية في الأحكام الشرعية.
والخامس: لطائف المنة في أحكام السنَّة.
والسادس: الإرشاد في القياس والاجتهاد (2) .
ومن مؤلفات الشيخ أبي محمد ناصر بن أبي نبهان أيضاً، كما ذكرها ابن رزيق في الصحيفة القحطانية و الفتح المبين ، و تليمذه الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي - رحمه الله - ، و لا نقدر أن نثبتها ولا ننفيها بالدليل القاطع ، فنكتفي بذكرها و هي كالتالي :
1- كتاب الجواب .
2- كتاب الإخلاص .
3- كتاب محك الأشعار .
4- كتاب مبتدأ الأسفار في لغة أهل زنجبار .
5- كتاب التهذيب في النحو القريب .
6- كتاب مبتدأ الكشف في علم الصرف .
7- كتاب تفسير نظم السلوك .
8- كتاب الصفي المصفى .
9- كتاب غاية المنى .
10- كتاب المعارج في علم الزيارج .
11- كتاب سراج الآفاق في وضع علم الأوفاق.
12- رسالة الصون .
13- كتاب المستغرق للحجيج .
14- كتاب منتهى الكرامات في أسرار الرياضات .
15- كتاب المعارف .
16- رسالة الاوضاع
17- كتاب طرف الألطاف والسر الخفي .
18- كتاب السر العلي في خواص النبات السواحلي .
19- كتاب السر الأعظم في تدبير الحجر المكرم .
20- كتاب التنبيه .
21- رسالة الفوز .
22- الرسالة المديدية .
23- ديوان المصطفى في الحكمة .
24- الرسالة التوفيقة في الأوضاع الرفيعة .
__________
(1) انظر إلى عنصر منهج المؤلف للتعريف بها أكثر .
(2) كهلان الخروصي ، تحقيق مقاليد التنزيل ، مرجع سابق . ص24. وقال في الهامش : إنَّ الشيخ ناصر ذكر ذلك كله في مُقدِّمَة السفر الخامس من كتابه "الإرشاد في القياس والاجتهاد". (1/13)
صفحة 14
وقد نظم الشيخ ابن رزيق أسماء الكتب التي ألفها الشيخ ابن أبي نبهان في قصيدة ، ذكرها في الصحيفة القحطانية (1) .
* ثناء العلماء عليه :
أثنى عليه ابن رزيق في عدَّة قصائد تصل إلى نيف وخمسين قصيدة ، وسماها سبائك اللجين ومن بعض مطالعها :
1- يا منزل اليمينية العرباء ... هنيت بالأنوار والأنواء
2- يا عَيْلم العلماء غير مدافع ... والوابل الهتان إن ذكر الندى
3- لكل علم نير رجال ... هيهات يخفى فخره الهلال (2)
·?شجاعته :
ما يروى ابن رزيق عنه : أنه أقام ببلدة نزوى فترة من الزمان ، فكمن له في بعض الليالي ثلاثة رجال من أعدائه الذين لا يحبون حياته على قارعة الطريق التي هي أكثر مروره عليها إلى بيته ، وقد خرج من بيته زائرا بعض المشايخ من أهل نزوى الساكنين العقر ، وهو في ذلك الزمان يسكن أعلى نزوى من محلة آل كندة ، فلما مر عليهم وهو لم يشعر بهم ولم يكن بيده سيف ولا رمح ولا مدية ولا شيء من سائر الحديد نهضوا إليه جهدهم أن يصرعوه على الأرض فيقتلوه فلما صارعوه صرعهم وألقاهم على الأرض ، كل واحد فوق صاحبه فلما صيرهم في وهن وذلَّ مفرط تركهم ففروا عنه فرار الغنم من الذئب .
__________
(1) - حميد بن محمد بن رزيق العبيداني النخلي ، الفتح المبين ، الطبعة الثالثة 1412هـ- 1992م وزارة التراث القومي والثقافة ص 150-151 ، و الصحيفة القحطانية مخ ص 674.
النواميس الرحمانية . العلامة سعيد بن خلفان الخليلي الطبعة الأولى 1421 هـ - 2001م ص 161.
(2) - ابن رزيق ، الصحيفة القحطانية ، مخ ، ص 709-710. (1/14)
صفحة 15
ومما يرويه ابن رزيق عنه أيضا ، أنه لما سكن بلدة مسقط اشترى بيتا مبنيا بالحجر والطين بمحلة ميابين فمضيت إليه ذات ليلة مظلمة قد اخفت السحب بدرها وكواكبها فلما انتهيت إلى باب بيته شهدت رجلا قد ألقى على رأسه قباء وهو الذي تسميه العامة المنسول ،وفي يده سكين طويلة فعرفت ذلك الرجل أنه سلام البحري ، وقد كان مبغضاً للشيخ ويريد أن يفتك به على ما تروى الناس عنه لمقدمات حروب جرت بين المشايخ بني خروص وبني بحري فلمَّا دخلت على الشيخ واخبرته الخبر لم يتمالك ان خرج إليه بغير سلاح فخرجت أركض أثره فإذا سلام يركض منه هاربا والشيخ يمشي أثره رويدا رويدا فأخذت بيد الشيخ ورجعت به إلى بيته فسامرته بعد ذلك حتى انقضى هزيع من الليل، ثم رجعت بعدما ودعته إلى منزلي ، وأما سلام فلم يمكث بعد ذلك في مسقط إلا أياما قلايل ثم رجع إلى العليا وما لبث فيها إلا قليلا إلى أن قتل . (1)
*- وفاته:
توفي شيخنا - رحمه الله - في زنجبار - كما ذكرنا سابقا - يوم 21 من جمادى الأولى 1263هـ، عن عمر يناهز 71 عاما (2) .
* رثاؤه :
رثاه ابن رزيق في ست قصائد ، ومن مطالعها :
1- بكت الصحائف فالمصاب شديد
يكفيك رزءا ما عليه مزيد
2- ألا جف بحر العلم يا مدمعي القطر
أصبر على صاب وقد عدم الصبر
3- خلا مجلس الفقه الأنيس من الأنس
فمن ذا إلى التدريس في ذروة الدرس
4- رزء تفاقم فالبرية تعول
والأرض من جلل الجوى تتزلزل
5- لأفول شمس ذا الظلام المطبق
لا مغرب منه وشرق مشرق
6- ذهب الضياء فيومنا إظلام
__________
(1) ابن رزيق ، الصحيفة القحطانية ، مخ ، ص 705-707
(2) انظر: السالمي، التحفة، 2/ 229. وهنا ننوه ثانياً بأن ما ذكرناه هنا مختصر جداً فيما يتَعلَّق بجوانب حياة هذا الشيخ، وأن المجال خصب أمام الدارسين والباحثين لدراسة هَذِه الشخصية العظيمة. (1/15)
صفحة 16
ما هكذا يا يومنا الأيام (1) (2)
ثانيا: التعريف بالكتاب:
أ عنوان المخطوط:
ذُكِر عنوان المخطوط في النسخ الثلاث في بداية الصفحة الأولى ، من كل نسخة بهذا اللفظ: " السفر الثالث : تنوير العقول في علم قواعد الأصول "
و في نهاية الصفحة الأخيرة من كل نسخة أيضا .
ب توثيق المخطوط ونسبته إلى صاحبه:
ما يؤكد نسبة هذا المخطوط إلى الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي - رحمه الله - التالي:-
1- اتفاق النساخ في إرجاع هذا المخطوط إليه ، و ذكر اسمه في النسخ الثلاث و عدم وجود معارض .
ففي نهاية النسخة أ : " هذا آخر ما وجدناه من كتاب تنوير العقول في علم قواعد الأصول، وهو السفر الثالث من كتاب العلم المبين و الحق اليقين ، يتلوه إن شاء الله تعالى ... من تأليف الشيخ العالم الرباني ناصر بن أبي نبهان الخروصي برد الله ضريحه " .
و في نهاية النسخة ب : " تم هذا الكتاب آخر ما وجدناه من سفر تنوير العقول في علم قواعد الأصول ، وهو السفر الثالث من كتاب العلم المبين و الحق اليقين يتلوه إن شاء الله تعالى ، السفر الرابع ، تأليف الشيخ العالم الفقيه ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي .
و في النسخة ج : " هذا آخر ما وجدناه من كتاب تنوير العقول في علم قواعد الأصول ، وهو السفر الثالث من كتاب العلم المبين و الحق اليقين ، يتلوه إن شاء الله تعالى ... من تأليف الشيخ العالم ناصر بن أبي نبهان الخروصي .
__________
(1) ابن رزيق، الصحيفة القحطانية ، مخ ، ص711.وأيضاً ابن رزيق ، الفتح المبين ، ص 151.
(2) استفدنا من بحث الطالب ، أحمد بن نبهان الخروصي تحقيق كتاب " التهذيب بالنحو القريب " ، بحث التخرج في معهد العلوم الشرعية ، إشراف الشيخ طالب بن على السعدي ، سنة 2002-2003 . (1/16)
صفحة 17
2- من المشهور عن الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي أنه في مؤلفاته يرجع كثيراً ، و ينسب أقوالا إلى والده ، فيقول : قال والدي - رحمه الله -وهذا نجده كثيراً في المخطوط ، ومن أمثال ذلك :
أ فالجواب في ذلك أن هذه المسألة هي التي سأل فيها السائل والدي أبا نبهان - رحمه الله - ... ، ص6 .
ب و في نفسي أن خط والدي أعرفه من بين خطوط جميع الناس ... هو من عمل الشيخ العالم الفقيه أبي نبهان جاعد بن خميس مكتوبا فيه ... فعلمت أن الكتاب ليس بخطه ؛ لأنه من المحال عليه أن يكتب نفسه الشيخ العالم الفقيه . ص37.
ت و مثال ذلك ان والدي أبا نبهان - رضي الله عنه - توقف في جواب ...ص42 .
ث و قلت لوالدي العالم الرباني أبي نبهان - رحمه الله تعالى - بذلك فقال .... ص130 ، وغيرها كثير .
3- و ذكر ابن رزيق في الفتح المبين : " فمن تصانيفه الكتاب المسمى حق اليقين " (1) و ذلك في معرض التعريف بالشيخ ناصر ، و سفر تنوير العقول من ضمن هذه الموسوعة .
جـ- موضوع الكِتَاب:
يتكلم الشيخ - رحمه الله - في هذا السفر ، في جانب مهم من أركان هذا الدين ، وهو أصول الدين ، و علاقتها بأصول الفقه ، وبأحكام الولاية و البراءة ، و التفريق بين أنواع الإجماع ، وغيرها من المسائل التي تدور حول أصول الدين ، ولا تندرج تحت عنوان معين .
د - منهج المؤلف - رحمه الله تعالى - في كتابه هذا :
تمهيد عن موسوعة الشيخ " العلم المبين و حق اليقين " :
ألف الشيخ العلامة ناصر بن أبي نبهان الخروصي هذه الموسوعة جواباً لأحد السائلين ، يسأله عن أصول علم الهدى إلى الله رب العالمين ، و يسأله عن العلوم التي توصله إلى تلك الغاية من القرآن و الحديث و العقيدة و الأصول ، و سأله عن اختلاف المذاهب الإسلامية ، و سأله عن اختلاف الصحابة (2) .
__________
(1) ابن رزيق ، الفتح المبين ، ص150 .
(2) ناصر بن أبي نبهان الخروصي ، تنوير العقول في علم قواعد الأصول ، السفرالثالث ص1 / المخطوطة أ . (1/17)
صفحة 18
و قد أطال الشيخ - رحمه الله - النفس في تأليف هذه الموسوعة فجاءت في ستة أسفار كبار، و هي على هذا الترتيب :
1- السفر الأول المسمى " سفر التوحيد لله المجيد " ، اتبع الشيخ- رحمه الله - فيه النقل من العقيدة النسفية و شرحها و حاشيتها ثم التعليق عليها حسب المقام ، و قال عنه سماحة الشيخ:
"و كان في كتابه هذا لا ينغلق على فكرة معينة ، بل يناقش أقوال العلماء على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية " (1) .
و توجد نسخة منه في مكتبة السيد أحمد البوسعيدي في السيب ، و لكن هذه النسخة التي برقم : 1883 - ح ، لا توجد فيها مقدمة الموسوعة ، بل دخلت مباشرة في موضوع الكتاب ، و هي مخطوطة كبيرة تصل إلى أكثر من 500 صفحة من القطع الكبير ، بالإضافة إلى صغر الخط ، و لكن سماحة الشيخ أحمد الخليلي ذكر أنه اطلع على نسخة من هذا السفر (2) ، و نحن نستبعد أن تكون هي النسخة التي توجد في مكتبة السيد .
2- السفر الثاني المسمى " الكشف المبين في افتراق الصحابة و التابعين " ، و لم نطلع على نسخة منه ، و الأمر يحتاج إلى مزيد بحث .
3- السفر الثالث المسمى " تنوير العقول في علم قواعد الأصول " ، و سنفرد له كلاماً بعد هذه الترجمة للموسوعة .
__________
(1) أحمد بن حمد الخليلي ، ، فعاليات ومناشط المنتدى الأدبي ، لعام 1991م -1992م ، محاضرة له بعنوان " العمانيون و أثرهم في الجوانب العلمية و المعرفية بشرق إفريقيا " ، ص182، سلطنة عمان سنة1993م.
(2) المرجع السابق ،ص182 . (1/18)
صفحة 19
4- السفر الرابع المسمى " الأنوار الجلية في الأحكام الشرعية التنزيلية " ، و هذا السفر اطلعنا على جزء منه في مكتبة السيد ، و هذا السفر يتكون من جزأين ، اطلعنا على الأول في مكتبة السيد برقم 27 ، و يذكر فيه الشيخ الأحكام المستخرجة من القرآن الكريم ، و هو يتكون من أكثر من 500 صفحة ، و لكن الملاحظ عليه أنه في وسط المخطوطة ، و بالضبط بعد الانتهاء من تفسير الفاتحة ، أخذ المؤلف ينقل عن أحد علماء الزيدية ، و كأنه رجع إلى منهجه في هذه الموسوعة من النقل من كتب العلماء مع التعليق ، و قد تكلم سلطان الشيباني عنه خلال بحثه عن التفسير عند الإباضية من بحوث التخرج في المعهد العلوم الشرعية (1) .
5- السفر الخامس المسمى " لطائف المنن في أحكام السنن " اتبع الشيخ - رحمه الله- في هذا السفر النقل و التعليق على الجامع الصغير للسيوطي ، و لكن للأسف لم يتعرض إلى تضعيف وتصحيح الأحاديث الواردة في الجامع الصغير ، و يتكون هذا السفر من 710 صفحة من القطع الكبير ، و توجد في مكتبة الجامعة صورة منها ، ونظن أنها صورة للأصل الموجود عند الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي (2) ، و هو يعد من الكتب الإباضية القليلة التي تكلمت في فن الحديث الشريف ، و السنة النبوية المشرفة ، و قد أكثر النقل عنه الشيخ جميل السعدي في كتابه قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة (3) .
__________
(1) سلطان بن مبارك الشيباني ، الانتاج الإباضي في علم التفسير ، بحث تخرج بمعهد العلوم الشرعية ، سنة 1421هـ - 1422هـ/2000م- 2001م ) ، إشراف الشيخ راشد بن على الدغيشي ،ص11.
(2) كهلان الخروصي ، مرجع سابق،ص24.
(3) خميس بن جميل السعدي، قاموس الشريعة ،ج3؛وزارة التراث القومي والثقافة (1403هـ-1983م) ،ص286 ، و هذا على سبيل المثال و إلا فهو ينقل منه في معظم أجزاء كتابه الواسع . (1/19)
صفحة 20
6- السفر السادس المسمى "سفر الإرشاد إلى مناهج الاجتهاد " ، و اتبع الشيخ في هذا السفر أسلوب التلخيص ، و قد قسمه إلى خمس مقالات كلهن ملخصات من كتب غير الإباضية .
والشيخ - رحمه الله- أثناء التلخيص يعلق على المسائل كعادته ، و هذا السفر يتكون من جزأين ، و قد وجدنا نسختين منه ، في مكتبة السيد : الأولى برقم 1907-ح ، و الثانية برقم 1912ح .
وفي نهاية هذه الترجمة البسيطة لهذه الموسوعة ، يلاحظ عليها أنها جاءت في المقام الأول احتجاجية على منهج المخالفين من كتبهم أنفسهم ، وهذا ما بينه الشيخ أكثر من موضع (1) ، فهو أراد أن يتكلم على كل المواضيع التي تمس حياة طالب العلم و يبين و يفند ما أورده مخالفوه في العقيدة ، فيبين الصواب ، و يرفض الباطل ، فتكلم في العقيدة و نقل من كتبهم ، و تكلم في التاريخ وخص افتراق الصحابة و الشبهات التي دارت حولهم ، و تكلم في التفريق بين أصول العقيدة و فروعها ، وما يجوز الاختلاف فيه و ما لا يجوز ، ثم تكلم عن أحكام القرآن الكريم ، وختم موسوعته بالكلام عن الأصول و القياس و الاجتهاد .
و مما يلاحظ أيضا على الموسوعة أنها جاءت تعليمية أيضا، فحرص الشيخ على أن يجمع أهم الكتب التي تكلمت في المواضيع السابقة ، مع بيان ما ذهب إليه الإباضية في المسائل الخلافية ، و بيان وجهة رأيهم فيها ، مما يسهل على الطالب نيل العلوم ، و توضيحها و تسهيلها على فهمه و إدراكه .
منهج الشيخ -رحمه الله- في السفر الثالث "تنوير العقول في علم قواعد الأصول":
__________
(1) الخروصي ،مرجع سابق، تنوير العقول ص4 أ. (1/20)
صفحة 21
اختلف منهج التأليف عند الشيخ - رحمه الله تعالى - في هذا السفر عن بقية الأسفار، حيث كان يعتمد على كتاب من كتب القوم ، ثم يعلق عليه تعليقات تبين الصواب من الباطل ، و لكن في هذا السفر لم ينقل عن أي كتاب ، بل ألفه من أوله إلى آخره ، من بنات أفكاره ، و نظن أن الشيخ - رحمه الله - لما أراد أن يتكلم في موضوع هذا الكتاب ، بحث عن كتاب يشابهه و لم يجده ، حيث إن الكلام عن التفريق بين الأصول و الفروع ، و الربط بين العقيدة المتمثلة في البراءة و الولاية و بين مواضيع الإجماع ،موضوع يندر الكلام حوله ، و أكثر من أطنب فيه شيخ المذهب أبو سعيد الكدمي - رحمه الله تعالى - في كتابيه الاستقامة و المعتبر ، و لذلك تجد أن الشيخ يجله إجلالا كبيرا ، و يمدحه و يضفي عليه الألقاب الرفيعة مثال ذلك ، بعد تكلم عن أبيه الشيخ جاعد بن خميس الخروصي :
" أننا لا نعلم عالماً في الشريعة مثله في علماء الإباضية إلا الشيخ الكبير البحر الأعظم ، والنور الأكبر ، إمام كل عالم في الشريعة في أمة النبي - صلى الله عليه سلم - على ما اشتهر أبو سعيد -رحمه الله تعالى- ، فهو الفاتح لأبواب إغلاقها ، والشارح لما خفي حقه منها " (1) .
هذا من حيث المنهج المتبع في تأليفه هذه الموسوعة القيمة ، أما من حيث التركيز على موضوع واحد ، نجد أن الشيخ - رحمه الله - تكلم عن مواضيع كثيرة جدا ، في أصول الفقه ، و في العقيدة ، وفي الفقه ، و لكن كلها تدور في فلك أصول الدين .
و كان يفصل بين موضوع وآخر بكلمة " بيان " ، وهي تكثر في تآليفه ، و نحن عندما أردنا تحقيق الكتاب وجدنا صعوبة في وضع عناوين لهذه البيانات الكثيرة ، مع تشابهها ، وتكرارها أحيانا ، فمثلا موضوع مسألة الخمر كررها في أكثر من موضع (2) ، و غيرها من المسائل .
__________
(1) المرجع السابق ، ص44أ.
(2) المرجع السابق ، ص78أ ، ص82أ ، ص101أ (1/21)
صفحة 22
و يظهر الشيخ في كتابه هذا محققا للمسائل ، معللا ، و مفسرا ، وموضحا ، فلا تمر عليه أي مسألة إلا بعد تمحيصها ، بميزان الشرع و العقل .
و هو أيضا لا يتعجل في إصدار الأحكام ، بل يلتمس التأويلات ، و يظهر ذلك جليا عندما ذكر المعتزلة ، و ما وقعوا فيه من مسائل (1) .
و كذلك يظهر ناقدا للكتب التي اشتهرت بين الناس من أنها " قرآن الأثر " ، حيث تكلم في جامع ابن جعفر ، و بين وجهة رأيه فيه ، و حكم على مؤلفه بالحكم الذي رآه مناسبا (2) .
و الذي يظهر جليا في منهج الشيخ - رحمه الله - تأثره الكبير بوالده و شيخه أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي - رحمه الله تعالى - ، فيكثر الرواية عنه ، و يذكر أحداث من حياته معه (3) .
و كذلك يظهر جليا تفاعله مع من عاصرهم من العلماء ، و يظهر ذلك من ذكر للشيخ العبادي (4) النزوي ، أكثر من موضع في هذا الكتاب ، وإن كان لا يوافقه في كثير من المسائل (5) .
و قد اعتمد الشيخ ناصر في كتابه هذا على عدة مصادر نذكر منها :
1- كتاب الاستقامة
2- كتاب المعتبر
3- الدليل و البرهان
4- تاريخ الطبري
5 - إحياء علوم الدين
__________
(1) المرجع السابق ، ص145-146 أ .
(2) المرجع السابق ، ص50 -51 أ .
(3) المرجع السابق ، ص8-44-49أ ، وغيرها من المواضع .
(4) هو الشيخ العالم الفقيه ، عامر بن علي بن مسعود بن على العبادي العقري النزوي ، من علماء القرن الثاني عشر للهجرة ، و أدرك مدة ليست بالقصيرة من القرن الثالث عشر .
كان عالما فقيها و له يد طول في الأسرار و المكاشفات ، و له ديوان مطبوع ، ومن المعلوم أنه عاش بعد وفاة الشيخ جاعد بن خميس ، ومن مؤلفاته ( المراقي فيما يحل و يحرم من التقية للمتاقي )
السالمي ، تحفة الأعيان، مرجع سابق، (2/209-210) ، البطاشي ،إتحاف الأعيان (3/349)
(5) المرجع السابق ، ص41-50-52 أ ، وغيرها من المواضع . (1/22)
صفحة 23
و الشيخ - رحمه الله - يذكر في كتابه عدة مصطلحات منها عمانية كمثل كلمة " روزنة " و "قضيمة " و " حلق " و مصطلحات صوفية مثل : الحضرات ، طرق الفنى وغيرها من المصطلحات.
و خلاصة منهجه - رحمه الله - في تأليف هذا السفر أنه اعتمد على القرآن الكريم ، و السنة النبوية ، وإجماع الأمة المحقة ، و القياس في إصدار أحكامه ، و ينقل عمن قبله من العلماء ، ولا يخاف لومة لائم في فتواه ، فرحمه الله تعالى .
هـ - و صف النسخ المعتمدة في التحقيق :-
حصلنا على ثلاث نسخ لهذا الكتاب ، وكل هذه النسخ للأسف الشديد ليس من بينها بخط الشيخ ، بل كل النسخ إنما كتبت بعد وفاة الشيخ -رحمه الله - ، و على هذا فقد تم تسمية هذه النسخ بـ أ و ب و ج ، و قد تأخر حصولنا على النسخة ج ، وهي أضبط من النسخة ب ، و أقل ضبطا من النسخة أ .
و قد اعتمدنا على النسخة أ في ضبط النص في أغلب الأحيان لعدة أسباب :-
- أنها الأقدم في الكتابة ، فهي أقرب إلى حياة المؤلف ، وكان نسخها في تأريخ عصر عاشر من ربيع الآخر من سنة 1266 هـ . ، و النسخة ب في ضحى الأحد من شهر ربيع الآخر سنة 1272هـ ، و النسخة ج في تاسع رجب سنة1269هـ .
و على هذا يكون ترتيب النسخ أ ثم ج ثم ب حسب الترتيب الزمني للنسخ .
- ثانيا أنها أضبط النسخ المتوفرة من ناحية الشكل و قلة التصحيف و التحريف ، و يتلوها النسخة ج ثم النسخة ب ، وهي تعتبر أردئ النسخ المتوفرة عندنا .
و قد اعتمدنا طريقة الدمج بين هذه النسخ و أخذ الأكمل منها في كل موضع، لما تتميز به هذه الطريقة بأنها تظهر النص في أقرب صورة له .
وصف المخطوطات :
1- النسخة الأولى : (1/23)
صفحة 24
حصلنا عليها من وزارة التراث القومي و الثقافة ، تبدأ بـ : " السفر الثالث تنوير العقول في علم قواعد الأصول ، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شرع لنا من فضله علينا الدين ، وصلى اللهم وسلم وبارك على الرسول الأكرم الأمين ، الشارع لنا عن الله المبين ، بالشريعة المطهرة الموضح لهداها بأوضح تبيين ، محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وجميع أولياء الله المتقين " ، و الناسخ هو حميد بن علي بن خويطر بن مسعود النوفلي ، و تاريخ النسخ هو : عاشر من ربيع الآخر من سنة 1266 هـ ، و عدد صفحاتها 176 صفحة من القطع المتوسط ، في كل صفحة 30 سطرا تقريبا ،و مسطرتها 17 × 23 سم ، و تنتهي بقوله : " بيان : وكل أهل مذهب من فرق الإسلام محكوم عليه في حكم الظاهر بأحكام أهل مذهبه الذي تمذهب به إذا فعل شيئا حتى يصح منه قبل الفعل أنه دان بجواز ذلك وخالف أهل مذهبه الذي تمذهب به ، فاعرف ذلك وبالله التوفيق .
هذا آخر ما وجدنا من كتاب تنوير العقول في علم قواعد الأصول وهو السفر الثالث من كتاب العلم المبين والحق اليقين يتلوه إن شاء الله تعالى ..... من تأليف الشيخ العالم الرباني ناصر بن الشيخ أبي نبهان الخروصي برد الله ضريحه " ، و عليها ترقيم حديث ، وهي ملحقة بجزء من أجزاء المصنف ، و رمزنا له بالرمز أ .
2- النسخة الثانية : (1/24)
صفحة 25
حصلنا عليها من وزارة التراث القومي و الثقافة ، تبدأ بـ : " هذا السفر الثالث ، رب يسر يا كريم ، المسمى تنوير العقول في علم قواعد الأصول ، بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي شرع من فضله علينا الدين ، وصلى اللهم وسلم وبارك على الرسول الأكرم الأمين ، الشارع لنا عن الله المبين ، بالشريعة المطهرة الموضح بهداها بأوضح تبيين ، محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وجميع أولياء الله المتقين " ، و الناسخ هو خميس بن محمد بن عيسى الذيابي ، ونسخها للشيخ الفقيه أحمد بن سعيد الطواني ، و تاريخ النسخ : ضحى الأحد من شهر ربيع الآخر سنة 1272هـ ، و عدد صفحاتها : 331 ، في كل صفحة 17سطر تقريبا ، و مسطرتها 17 × 23 سم ، و تنتهي بقوله : " بيان : وكل أهل مذهب من فرق الإسلام محكوم عليه في حكم الظاهر بأحكام أهل مذهبه الذي تمذهب به إذا فعل شيئا حتى يصح منه قبل الفعل أنه دان بجواز ذلك وخالف أهل مذهبه الذي تمذهب به ، فاعرف ذلك وبالله التوفيق . تم هذا الكتاب آخر ما وجدناه من سفر تنوير العقول في علم قواعد الأصول وهو السفر الثالث من كتاب العلم المبين والحق اليقين يتلوه إن شاء الله تعالى السفر الرابع تأليف الشيخ العالم الفقيه ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي " ، و هي رديئة يكثر فيها السقط و التصحيف و التحريف ، وقد علل ناسخها لهذا بقوله : " نسخت هذا الكتاب من نسخة مغلوطة سوى خمسة كراريس وهن من جانب التحت من خط الشيخ راشد بن مصبح وأستغفر الله تعالى من الغلط والنسيان " ،وقد أدرج الناسخ كلاما من غير الكتاب تعليقا في عدة مواضع أشرنا إليها ، و رمزنا لها بالنسخة ب .
3- النسخة الثالثة :- (1/25)
صفحة 26
حصلنا عليها من إحدى المكتبات الخاصة ، تبدأ بـ : " سفر الثالث تنوير العقول في علم قواعد الأصول ، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شرع لنا من فضله علينا الدين ، وصلى اللهم وسلم وبارك على الرسول الأكرم الأمين ، الشارع لنا عن الله المبين ، بالشريعة المطهرة الموضح لهداها بأوضح تبيين ، محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وجميع أولياء الله المتقين " ، و ناسخها : سالم بن حمد بن راشد العامري ، نسخها للشيخ سيف بن خميس بن محمد
و تاريخ النسخ : في تاسع رجب سنة1269هـ ، و عدد صفحاتها : 310 ، في كل صفحة 19 سطرا تقريبا ، وهي من القطع المتوسط ، و مسطرتها 17 × 23 سم ، وتنتهي بقوله : " بيان : وكل أهل مذهب من فرق الإسلام محكوم عليه في حكم الظاهر بأحكام أهل مذهبه الذي تمذهب به إذا فعل شيئا حتى يصح منه قبل الفعل أنه دان بجواز ذلك وخالف أهل مذهبه الذي تمذهب به ، فاعرف ذلك وبالله التوفيق . هذا آخرما وجدناه من كتاب تنوير العقول في علم قواعد الأصول ، و هو السفر الثالث من كتاب العلم المبين و الحق اليقين ، يتلوه إن شاء الله تعالى من تأليف الشيخ العالم ناصر بن أبي نبهان الخروصي " ، وهي قريبة من النسخة الأولى في الضبط و قلة السقط و الأخطاء ، ورمزنا لها بالنسخة ج .
و - منهج التحقيق :-
كان منهجنا في تحقيق المخطوط كالتالي :-
1- ... طباعة المخطوط عَلَى الحاسب الآلي مع مراعاة علامات الترقيم المختلفة، وتصحيح الأخطاء الإملائية، مع الإشارة في الهامش لرسم المخطوط إِلاَّ الأخطاء البسيطة،فلم نشر إليها لقلتها .
2- ... الاحتفاظ بترقيم أوراق المخطوطة الأصل، بوضع رقم الصفحة بين قوسين مثل ( 40/أ).
3- ... المقارنة بين النسخ ، مع بيان الزيادة أَو السقط، أَو الاختلافات الأخرى الواردة، وإثبات ذلك في الهامش ، و قد و قع خلط كبير بين حرفين الفاء و الواو ، بشكل يعجز عن المتابعة ، فلم نشر إلى ذلك في بعض الأحيان . (1/26)
صفحة 27
4- ... تخريج الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية ، و الأشعار ، و الأماكن .
5- ... شرح وتوضيح الألفاظ و خاصة العمانية منها ، و المصطلحات العقدية و الفقهية .
6- ... تعريف الأسماء والأعلام الواردة في الكِتَاب مع الإحالة إلى المصدر أو المرجع الذي ترجم له.
7- ... التعريف بالكتب والمصنفات - عَلَى قلتها - الواردة في الكِتَاب، مع توثيق المصادر والمراجع التي اعتمدت عليها.
8- عنونة الكتاب ، وخاصة [ أنه لم يعنون بعناوين ] .
8- ... ذكر قائمة المصادر والمراجع التي اعتمدنا عليها.
9- ... عمل فهرس شامل للموضوعات الواردة في الكِتَاب .
صُوَر
مِنْ نُسَخ
المَخْطُوط
الصفحة الأولى من المخطوطة أ
الصفحة الأخيرة من المخطوطة أ
الصفحة الأولى من المخطوطة ب
الصفحة الأخيرة من المخطوطة ب
الصفحة الأولى من المخطوطة ج
الصفحة الأخيرة من المخطوطة ج
ثانيا : النص المحقق
السفر الثالث
تنوير العقول في علم قواعد الأصول
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة الكتاب]
الحمد لله الذي شرع [ لنا] (1) من فضله علينا الدين ، وصلى اللهم وسلم وبارك على الرسول الأكرم الأمين ، الشارع لنا عن الله المبين ، بالشريعة المطهرة الموضح لهداها بأوضح تبيين ، محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وجميع أولياء الله المتقين .
أما بعد :
__________
(1) سقط من ب. (1/27)
صفحة 28
فهذا ابتداء السفر الثالث[ سفر تنوير العقول في علم قواعد الأصول] (1) من كتابنا العلم المبين وحق اليقين جواب مسألة لنا من بعض السائلين في ذكر شيء من أصول علم الهدى إلى الله رب العالمين من حقيقة[وهدي] (2) وشريعة ، وهي الدين الذي لا يجوز فيه الرأي ، ولا يسع خلافه بإجماع جميع العلماء المهتدين ، وفي ذكر بعض من الرأي الذي لا يجوز فيه الدينونة ، ويجوز فيه الاختلاف بالآراء الصحيحة المجرية في أحكامها بالشبه والقياس بأحكام الأصول ، أو بأحكام آراء صحيحة هي كذلك عن من قالها ، فأصاب الحق ممن كان على الإطلاق من القائلين ، وبهذين الأصلين افترقت أهل المذاهب من أهل القبلة على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة[1/ب] ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة ناجية " (3) ،
__________
(1) سقط من ب .
(2) سقط من أ و ج.
(3) أخرجه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح ص36 رقم 41 الربيع بن حبيب الجامع الصحيح - دار الحكمة - بيروت - مكتبة الاستقامة - سلطنة عمان الطبعة 1415هـ - 1995م .،.و أبو داود في (39- كتاب السنة 1- باب شرح السنة ) ص 650، رقم 4596 و 4597 ، سيمان بن الأشعث الأزدي السجستاني سنن أبي داود ، ضبط وتصحيح محمد عدنان بن ياسين درويش ، دار إحياء التراث العربي -بيروت لبنان - الطبعة : الأولى (1421هـ 2000م )، و الترمذي في (41- كتاب الإيمان 18- باب ما جاء في افتراق هذه الأمة ) ( 5/ 25 ) رقم 2640 و 2641 ، محمد بن عيسى بن سورة ، سنن الترمذي دار إحياء التراث العربي -بيروت لبنان - الطبعة الأولى ( 1421 هـ 2000م ) ، و ابن ماجه في (38 - كتاب الفتن 17- باب افتراق الأمم ) ص574 رقم 3991 و 3992 و 3993 ، محمد بن يزيد القزويني سنن ابن ماجة ، دار إحياء التراث العربي - بيروت لبنان - الطبعة الأولى ( 1421 هـ 2000م ) ، و ابن حبان (14/ 140) رقم 6247 علي بن بلبان الفارسي ، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ، ج4 ، 5 ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1414هـ / 1993م ، و أبو يعلى (6/342) ، و (10/317) رقم 5910 أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي ،مسند أبي يعلى ، تحقيق حسين سليم أسد ،، دار المأمون للتراث ، ط1 (1404 هـ- 1984م) ، و الحاكم في المستدرك (4/477) رقم 8325 محمد بن عبدالله النيسابوري المستدرك علَى الصحيحين ، دار المعرفة، بيروت، لبنان..، و البيهقي (10/351) رقم 20901 . (1/28)
صفحة 29
فافترقت كما قال سيد الأنبياء و المرسلين [1/ج]، ولم تقم الصحة عن النبي صلى الله عليه وسلم مع جميع أهل المذاهب برواية اجتمعوا على صحتها أنها عنه أنه أخبر بالفرقة منها باسمٍ ولا بوصفٍ ، وأتى كل أهل مذهب برواية فيها بيان أن فرقته هي[1/أ] المحقة الناجية ، فكان اختلافهن ما يدل على باطلهن جميعا ، والصحيح رواية واحدة منهن لا غير ،فهي على حالين : إما رواية واحدة لا غير ، وإما لا رواية في ذلك صحيحة ، ولا يجوز أن يكون هنالك حالة ثالثة ، إذ ليس هي غير إجازة تصحيح غير فرقة واحدة ، وهذا يصح على مذهب أهل المذاهب الأربعة ، أن هذه أمةٌ مرحومةٌ ، لا عقاب على عصاة الله ورسوله بعتوهم عن الحكم بما أنزل الله في كتابه ، وبارتكابهم الكبائر تمرداً على الله ، وخلافاً بما أمر الله ورسوله ، أنه مغفور لهم ما دون الشرك بالله تعالى شرك الجحود ، برواية يروونها عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " (1) .
__________
(1) أخرجه الترمذي في (38- كتبا صفة القيامة و الرقائق و الورع 11- باب ما جاء في الشفاعة ) ص661 ، رقم 2435و 2436 ، و أبو داود في (39- كتاب السنة 20- باب في الشفاعة ) ص 794 رقم 4728، و ابن ماجه في ( 37- كتاب الزهد 37- باب ذكر الشفاعة ) ص736 ، رقم الحديث 4310 ، و أحمد بن حنبل في مسنده ص930 ، رقم 13254 أحمد بن محمد بن حنبل ، مسند أحمد بن حنبل ، بيت الأفكار الدولية .(.1419هـ 1998م ) ، و الحاكم في المستدرك (1/139- 140 ) رقم 228 لمستدرك على الصحيحين ، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية ، بيروت ،(1411 هـ - 1990م)، و 229 ، و ابن حبان في صحيحه (14/ 386 - 387 ) رقم 6467و 6468 ، و الطبراني في المعجم الكبير (1/258) رقم 749 سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني ، المعجم الكبير ، حمدي بن عبدالمجيد السلفي ، مكتبة العلوم والحكم ،ط2 (1404 هـ - 1983م ), و الطيالسي (1/ 233) رقم 1669، سليمان بن داود أبو داود الفارسي البصري الطيالسي ، مسند أبي داود الطيالسي ، دار المعرفة ، بيروت . ، و أبو يعلى في مسنده (6/ 40) رقم 3384 ، و البيهقي في السنن الكبرى (8/17) و (10/190) ، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي ، سنن البيهقي الكبرى ، تحقيق : محمد عبد القادر عطا ، مكتبة دار الباز مكة المكرمة ، (1414 هـ - 1994م) . (1/29)
صفحة 30
خلافاً لما صرَّح به التنزيل من إخباره تعالى ، مع ما أتوه من الروايات عنه - صلى الله عليه وسلم- مما توافق تصديق صدق أخبار الله تعالى أنه الحق اليقين ، فنبذ (1) هؤلاء المتأخرون اعتقاد روايات علمائهم[2/ب] وأئمتهم الموافقة للتنزيل وراء ظهورهم ، وعملوا بكل رواية يكون تأويلها أن ما أخبر الله تعالى في وعيده أنه واقع ، هو غير صحيح أنه واقع ، فتستروا بالتأويل ؛ ليخرجوا من كفر الشرك إلى كفر النعمة .
وعلى قياد اعتقادهم ذلك لا يصح معهم من الرواية " كلها هالكة إلا فرقة ناجية " ، وتكون [2/ج] هذه الكلمات زيادة في الرواية ، فيكون افتراقهم في الأصول والفروع كله رحمة لأهل القبلة جميعاً ، وإن تقاتلوا على ذلك ، إذا كان الافتراق والقتال عن اجتهادٍ ، وعند كل منهم أنه هو المحق ، وأنه هو لا غير عنده الحق ، فأجازوا قتل المحق ؛ لأنه باجتهاده [هو] (2) غير خارج عن الحق ، وإن كان في الحقيقة على خلاف الحقِّ ، لأنه مجتهد فأخطأ الحق ، فهو مخطئ للحق[2/أ] ولكنه محق باجتهاده أنه على الحق ، فخالفوا صريح حكم التنزيل فيمن قتل مؤمناً متعمداً بغير حق في ذلك .
__________
(1) في ب فنبذوا .
(2) سقط في ج . (1/30)
صفحة 31
فكان أصل افتراق أهل القبلة اختلافهم في الأصول والفروع لا غير ، فإن [مع] (1) جميع أهل الفرق أن الاجتهاد في الأصول وهي الدين الذي لا يجوز فيها الاختلاف (2) [والفروع وهي الرأي الذي يجوز فيها الاختلاف] (3) ، ولا يجوز فيها الدينونة مع اتفاق جميع أهل الفرق الأصولية أن أصول العلم الديني الأول: الحكم العقلي ، الثاني: أحكام التنزيل المحكمة التي لا يجوز فيها الاختلاف ،[3/ب] والثالث: كذلك أحكام السنة المحكمة الدينية (4) التي لا يجوز فيها الاختلاف ، الرابع : الإجماع الحق (5) ، والخامس : الشبه اللاحق بإجماع ، السادس : القياس وهو الرأي الذي [لا] (6) تجوز فيه الدينونة .
فلم يضل أهل مذهب ، ولم تزَّل فرقة عن الحق إلا في جوازها الرأي في شيء من الأصول جعلوه من الفروع ، أو بالدينونة لشيء من الرأي مما يجوز فيه الاختلاف ، ولا تجوز (7) فيه الدينونة جعلوه من الأصول ، فكان ذلك مع هذه الفرقة هو من الأصول ، ومع غيرها من الفروع ، فلولا ذلك كذلك لم يقع [3/ج] الافتراق .
وأول افتراق الأمة من أهل الإقرار اختلاف أحكامهم في الأحداث الواقعة بين الصحابة ، ومن معهم من التابعين كما بيَّنا ذلك في الجزء الثاني من كتابنا هذا ، ثم لم يزل باختلاف نقل الروايات حتى انتهى الأمر إلى اختلافهم في صفات الله تعالى ووعده ووعيده ، ثم انتهى اختلافهم في ذات الله سبحانه وتعالى ، كما بيناه في الجزء الأول نقلاً من كتبهم في الجزأين.
[حديث الافتراق ]
__________
(1) سقط من أ.
(2) في ب اختلاف.
(3) سقط من أ.
(4) في ب الدينونة.
(5) في أ المحق.
(6) سقط في ب.
(7) في ب لا يجوز. (1/31)
صفحة 32
بيان: وجميع فرق أهل الإقرار الثلاث وسبعين (1) تجمعهم أربعة أصول ، وأحد الأصول المشبهة وهم المتسمون بالسنة والجماعة ، وهم على فرق شتى ، قد ذكرناهن فيما سبق من هذا الكتاب ، ولم يبق منهن إلا أربع فرق: (2) حنبلية وشافعية وحنفية ومالكية ، وصاروا فرقة واحدة ؛ لأنهم لا يخطئون بعضهم [4/ب]بعضاً فيما اختلفوا ، واختلافهم في الفروع لا في الأصول ، والأصل الرابع الشيع على فرق شتى .
وضلال أهل المذاهب الأربعة أعظمه كفرهم بذات الله ، وتأويلهم لكتابه تعالى ، مما يؤوّل معناه أنه غير صحيح [مما] (3) يخبرنا عنه تعالى من[3/أ] وعيد لأهل الكبائر من أهل الإقرار المصرين حتى يموتوا بغير توبة .
ثم المعتزلة (4) أعظم ضلالهم في صفاتهم لله تعالى ، كما أوضحنا ذلك في الجزأين الأولين ، ثم الشيع وأعظم ضلالهم غالبهم في أبي بكر وعمر وعائشة - رضي الله عنهم- ، فمنهم من كفّرهم ، أو كفّر بعضهم ولعنهم ، ومنهم من توقف عن الولاية وعن البراءة منهم .
__________
(1) في ب والسبعين.
(2) في ب فرقة.
(3) في أ ما.
(4) هم أتباع واصل بن عطاء ، وكان واصل ممن يحضرون مجلس الحسن البصري العلمي حتى وقع الخلاف بينه وبين الحسن البصري في مرتكب الكبيرة ، فيقول واصلاً أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر ولا مؤمن بإطلاق ، بل هو منزلة بين المنزلتين ، واعتزل مجلس الحسن ، فقال الحسن : اعتزلنا واصل فسموا بالمعتزلة.
ويروى عنهم ليس أحد يستحق اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة:"التوحيد ، العدل، الوعد والوعيد' المنزلة بين المنزلتين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"
فإذا جمعت هذه الأصول فهو معتزلي.
(دراسات الفرق والمذاهب القديمة والمعاصرة/ ت: عبد الله الأمين/ دار الحنفية بيروت) (1/32)
صفحة 33
ثم [ إن] (1) الخوارج تولوا أبا بكر وعمر وعائشة ، والخوارج [4/ج] بحكم الظاهر لا بحكم الحقيقة على ما ظهر من سيرتهم ، أنهم على الحق المبين ، وصحة توبة عائشة - رضي الله عنها- بالصحة العَدْلة المقابلة لصحة خطأها في قتالها لعلي بن أبي طالب بالشهرتين معاً ، إذ لا يصح تصديق شهرة دون شهرة ، وكلاهما مع كل أهل مذهب يتولاها عن أهل العلم والعدل من علمائهم وثقاتهم ، ويبرءوا من علي ، وعثمان ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص (2) ، ولم يكن في مذهبهم أن البراءة من هؤلاء من أصول الدين التي لا يسلم من الهلاك إلا بالبراءة منهم من عجز عن معرفة أحكام[5/ب] الأحداث الواقعة بينهم ، بل لو تولاهم العمي بأحكام ذلك برأي لا بدين ، وتولى المحقين المتبرين منهم فهو سالم .
فكان أهل المذاهب الأربعة والمعتزلة هم أشد ضلالاً وكفراً من جميع الفرق ، والشيع من بعدهم ؛ لأن أولئك كفرهم بالله كفر نعمة هو كفر بذات الله وبصفاته وهم الأربعة ، وكفر المعتزلة كفر نعمة وهو كفر بصفات الله تعالى ، وكفر الشيع كفر بالله [هو] (3) كفر نعمة هو كفر بمخلوق ، ومن كان هكذا صفاتهم فكيف يكونون حجة على أحد من أهل الإسلام في نقل الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع ، ولم يسمع إلا منهم مما لا يدري أنه حقٌ أم باطلٌ ، فكيف مما رووه على خلاف التنزيل ، مما لا يقبل التأويل إلا على خلاف أخبار الله تعالى وهم لا يؤولون ذلك أيضاً إلا على خلاف ما صرَّح به [5/ج]التنزيل ، فهيهات هيهات ما جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً .
__________
(1) سقط في ب و ج .
(2) سيأتي ترجمة هؤلاء في الإمام.
(3) سقط في أ . (1/33)
صفحة 34
وحيث صحَّ باطل مذاهبهم ؛ باختلاف رواياتهم ، وتناقض أحكامهم لبعضها بعض ، مما أوردناه من كتبهم نصاً في الجزءين الأولين ، وحيث التزمنا من أول الكتاب أن نورد هذا العلم الديني في كتابنا هذا من كتبهم ، وندحض الباطل من كتبهم التي في مذهبهم الذي اعتقدوه أنه هو الحق ، ودانوا به بالحق من كتبهم أيضاً بموافقة[6/ب] أحكام الكتاب وأحكام السنة من كتبهم أيضاً ، وفي بعض المسائل لا حجة [لهم ] (1) على صحتها علينا ، ولا حجة لنا عليهم في روايات لنا ولهم[4/أ] كحد جواز لزوم القصر في السفر ، وقول آمين في الصلاة ، وما أشبه ذلك، معهم أنها سنة وإن قالها جازت فقالها الشافعي ، وتركها الحنفي (2) ، فإن احتج [عليهم] (3) محتج من أصحابنا برواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها كلام المخلوقين (4)
__________
(1) سقط في أ و ب .
(2) لا يقصد الشيخ هنا سرد أقوال الفقهاء، بل ذكر الشافعي و الحنفي هنا لضرب المثل لا غير، و نحن إذا رجعنا إلى كتب الفقه نجد أن عبد الرحمن الجزيري - على سبيل المثال - يذكر اتفاق الأئمة الثلاثة الشافعي و أبي حنفية و أحمد بن حنبل على القول بأن قول آمين في الصلاة من السنن، بينما حكى عن المالكية بإن قولها مندوب لا سنة . انظر : عبدالرحمن الجزيري، كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان (1422هـ - 2001م)، (1/226).
(3) سقط من أ .
(4) في ب الآدميين .. (1/34)
صفحة 35
" (1)
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه (5- كتاب المساجد 7- باب تحريم الكلام في الصلاة ) ص250 ، رقم 537 ، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري ، صحيح مسلم ، دار ابن حزم بيروت لبنان ،ط1 (1422هـ - 2002م )، و النسائي في (13- كتاب السهو 20- باب الكلام في الصلاة ) ص210 رقم 1217 حمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي ، سنن النسائي ( المجتبى )،دار ابن حزم بيروت لبنان ،ط1 (1422هـ - 2002م )، و أبو داود (2- كتاب الصلاة ، 166- 167 باب تشميت العاطس في الصلاة ) ص167، رقم 126 ، و الدارمي في (2- كتاب الصلاة 177- باب النهي عن الكلام في الصلاة ) (1/267) رقم الحديث 1502 و 1503 للإمام الحافظ علي بن عمر الدارقطني ، سنن الدارقطني ، علق عليه وخرج أحاديثه مجدي منصور بن سيد الثوري ، دار الكتب العلمية -بيروت لبنان - الطبعة الأولى( 1417هـ 1996 م) ، و ابن خزيمة في مسنده (2/35) رقم 859 حمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري ،تحقيق : محمد مصطقى الأعظمي ، المكتب الإسلامي بيروت ، ( 1390هـ - 1970م)، و ابن حبان في صحيحه (6/23) ، و أبو عوانة في مسنده (1/465) رقم أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الأسفرائيني ، مسند أبي عوانة ، تحقيق :أيمن بن عارف الدمشقي ، دار المعرفة بيروت ، ط1 1998م .1727 ، و الطيالسي في مسنده (1/ 150) ، و الطبراني في المعجم الكبير (19/401 ) رقم 945 .. (1/35)
صفحة 36
سيقولون هذه رواية هي غير صحيحة ؛ لأن التحيات كلها من كلام المخلوقين ، وعلى هذا القياس من كل ما هو مثله ،فإن قال قائل وما الحجة لأصحابنا أن الحق مع أصحابنا في ذلك ، فالجواب: أن مرجع تصحيح الأصح في ذلك إلى تصحيح الأصول المقدم ذكرها ، ممن صح أنَّه مضل في ذلك لم يكن ما رواه ولا ما رووه آباؤه الضالون بحجة ، والذي يصح أنه هو المحق في ذلك كان هو الحجة في رفع الشريعة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- مما لا تقوم بمعرفته الحجة إلا بالسماع ، مما[6/ج] لا يخالف الله تعالى في توحيده ووعده ووعيده وجميع أخباره إلا ما أشتهر من نسخ السنة للكتاب ، والكتاب للسنة في الحلال (1) والحرام ، والتخفيف والتشديد ، في أداء الواجبات كنسخ السنة من قوله تعالى " إِن [7/ب] تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ " (2)
__________
(1) في ب الحال وهو تحريف.
(2) سورة البقرة :181 .. (1/36)
صفحة 37
فلما نزلت آيات الميراث قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا وصية لوارث " (1) ، وصحة هذه الرواية بالإجماع فبقى حكم الوصية للأقربين ، ونسخت السنة الوصية للوالدين إذا لم يكن عن حق لازم عليه لهما أو لأحدهما ، فيجوز لمن عليه حق منهما .
__________
(1) أخرجه البخاري في (55- كتاب الوصايا 6- باب لا وصية لوارث ) ص 483 ، رقم 2747 محمد بن إسماعيل البخاري ، صحيح البخاري ، دار ابن حزم بيروت لبنان ،ط1 (1422هـ - 2002م ) ، و الربيع ص261 ، رقم 667 ، و النسائي (30 - كتاب الوصايا 15- باب إبطال الوصية لوارث ) ص622 ،و الترمذي في (31- كتاب الوصايا 5- باب ما جاء لا وصية لوارث ) ص 581 ، رقم 2120 ، 2121 ، و أبو داود في (17- كتاب الوصايا 5-6 باب ما جاء في نسخ الوصية للوالدين و الأقربين ) ص489 ، رقم 2865 ، و ابن ماجه (22- كتاب الوصايا 6- لا وصية لوارث ) ص460- 461 رقم 2712، ورقم 2713 و 2714 ، و الدارمي في 22- كتاب الوصايا 28- باب الوصية للوارث ، ص314 رقم 3258 و 3260 محمد عبدالله بن عبدالرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي الدارمي ، سنن الدارمي ،خرج آياته وأحاديثه الشيج محمد عبدالعزيز الخالدي ، دار الكتب العلمية -بيروت لبنان - الطبعة الأولى ( 1417هـ 1996م ) ، و الدارقطني (4/54) رقم 4105 ، و أحمد ص1278 رقم 17821 ، و رقم 17822 ، 17823 ، و الطيالسي (1/154) ، رقم 2127 ، و أبو يعلى في مسنده (3/78) رقم 1508 ، و عبد الرزاق في المصنف (9/47 - 48- 68 ) أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، المصنف ،تحقيق :حبيب الرحمن الأعظمي ، المكتب الإسلامي بيروت ط2 1403هـ ، و الطبراني في المعجم الكبير (4/202) رقم 4140 ، و ابن أبي شيبه في مصنفه (4/35) رقم 30716 . (1/37)
صفحة 38
والتخفيف كآيات لزوم القتال ، فألزم الله تعالى كل فئة وكل متعبد بالقتال عشرة أمثال الفئة ، أو عشرة أنفس للواحد ، إذا كان معهم أو معه من العدة مثلهم أو مثله من مِنَعٍ ، وزادٍ ، وسلاحٍ ، وماء (1) ، وغير ذلك مما يتقوى به العدو، وإن عدم (2) شيء من ذلك مما لا يمكنه قتالهم إلا به.
ثم خفف في لزوم ذلك أن ليس على الواحد إلا مقاتلة اثنين ، فإن كانا من أهل الإقرار ينوي به إن حضرته النية أنه يقاتله قتال دفاع ، والمعنى أنَّه لو صالحه ، وأَمِنَ منه ، أو جرحه جراحًا أثخنه في الأرض ، لا يستطيع أن يقاتله وأَمِنَ منه ولم يمت ، فلا يزيده شيئاً مما يموت به ، وإن كان مستحلاً في مذهبه قتال من يقاتلك لأنَّك على خلاف مذهبه ففيه ترخيص في قتله ، ولو أَمِنَ منه من سبب جراحاته إذا كان لا يأمن منه إن عوفي ورجع قوياً أن يقاتله ؛ لأنه يقاتله[5/أ] على الدين [7/ج] باستحلال ، والمستحل في غالب الأمر أنه لا يتوب [8/ب]، إذ لا يتوب من فعل يراه أنه هو الحق الواجب عليه أداءه لله في دينه تعالى ، ومن جاز قتله كذلك جاز قتله دغيله .
وقد أجاز والدي (3)
__________
(1) في ب ما غير ذلك.
(2) في ب عدمه.
(3) الشيخ الرئيس جاعد بن خميس الخروصي ، أبو نبهان ، عالم محقق ، من أكابر العلماء القرون المتأخرة ، له كتب كثيرة منها البيان فيما يحل ويحرم من الحيوان ، و شرح المهج ، وغيرها من الكتب القيمة .
الخروصي ، كهلان بن نبهان ، مقاليد التنزيل دراسة و تحقيق ، بحث تخرج بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد سابقا ، معهد العلوم الشرعية حاليا ، إشراف د . إبراهيم بن أحمد الكندي ، المبحث الأول . (1/38)
صفحة 39
- رحمه الله- قتل رجل يقطع الطرق ، ويكسب أموال المارين ، ويقتل من استطاع قتله من النفوس إن أمتنع عليه في بذل ماله ، وكذلك الجبابرة أهل الحصون المانعة ، إذا طغوا في البلاد على العباد , وبالقتل بغير الحق ولم يقدر عليهم أجاز أن يقتلوا دغيلة (1) ، بِسُمٍ أو بعلم أو غير ذلك .
وكثير من علمائنا الأوائل لم يجيزوا قتل الدغيلة ، فقال بعض علمائنا المتأخرين لو شاهد العلماء الأوائل عصر وزمان أهل هؤلاء الذين أجزنا فيهم ذلك ، ابتلوا بمثل ما ابتلينا بهم ؛ لأجازوا ما أجزناه فيهم ، وقس بما ذكرناه على ما لم نذكره (2) .
فصل
فإن قيل إن الأمة الإسلامية لمَّا افترقت إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة، صار أهل كل فرقة يرون أن الحق من الدين هو الذي معهم ، مما لا تقوم الحجة بمعرفة صحته إلا بالسماع رؤية لا يشكون فيها ، وأهل الفرقة المحقة يرون الحق أنه معهم ، لا إنهم أنور عقولاً ، ولا أشد فهماً ، ولا أبلغ علماً ، وإنما كان كذلك معهم من قبل فرأوه كما رأى غيرهم من خالفهم (3) ،[و] (4) كذلك مذاهبهم فكانت رؤية أهل[9/ب] الحق للحق بالتوفيق بتمسك أوائلهم بذلك أولاً، لا باجتهادهم فـ[لو] (5) كان أوائلهم ضالين في شيء من ذلك من الدين [8/ج] لضلوا به متابعيهم ، ولم يهتدوا إلى الحق فيه ، وكانوا كغيرهم ممن ضلَّ .
__________
(1) دغيلة : اسم مفرد من دغل : و هو في اللغة دخل في الأمر مفسد ، و يقال رجل مدغل : أي رجل مفسد، و يقال أيضا لكل موضع يخاف فيه الاغتيال ، و يقال أدغل بالرجل خانه و اغتاله . لسان العرب مادة دغل (11/245) .
(2) في ب يذكره.
(3) في ب مخالفهم.
(4) سقط في أ.
(5) سقط في ب. (1/39)
صفحة 40
وسنضرب مثلاً في هذا ، في صبيين يلعبان معا صغيرين أحدهما أبوه عالم قد شهر بالعلم والفضل ، ولا يدري ولده به أنه كذلك لجهله ، والولد الآخر أعمى العينين أبوه جاهل سفيه نذل لئيم ذو مال كثير ، فتغاضبا ، وذكرا في مغاضبتهما أبواهما ، فقال ابن العالم إن أبي أفضل من أبيك لا عن فهم به أنه كذلك ، بل على سبيل المغاضبة والتكبر عليه ، فيزداد ابن الجاهل غضباً بذلك ، حيث فضل أباه على أبيه ، ويرد عليه كلامه ، فيقول إن أبي خير من أبيك ، وربما زاد في ذمه ، وإن كان أقوى منه فربما يبطش به .
فإذا كبرا وبلغا الحلم ، وطلبا التقوى ، وسمع ابن الجاهل بالعالم وفضله في العلم[6/أ] والعمل ، عرف الحق بعد السماع به بمشاهدة عقله إنه كما قال ابن العالم ، بنور ليس نور الشمس مع من ينظر إليه أنور منه ، ويرى ابن العالم أن الحق ما قاله في حال صباه ، ولكن كان ذلك منه بالتوفيق لإصابة الحق ، وبعد ذلك بمشاهدة العقل فاتفق نظر من وفِّق للحق ونظر من خالف الحق حين تم [10/ب]عقل كل منهما .
ولم يكن نور الحق من الدين هكذا صفته، فإن في أهل كل مذهب من مذاهب الإسلام - الثلاث والسبعين - أهل عقول شديدة النفوذ ، وأهل شدة علم في الشريعة ، وأهل شدة تفكر فيها في معرفة الحق منها ، ولم يكن كل من تم عقله واشتد نفوذه أو بلغ مبلغاً عظيماً في العلم الشرعي طالباً لله به (1) رضاه من جميع أهل مذاهب [9/ج] الإسلام ، اتفق نظرهم على أن الحق هو هذا الذي هو الحق من دين الله تعالى على الصحيح من غير اختلاف بينهم في ذلك ، ويعرف خطأ مذهبه فيما ضل فيه هو ومن كان قبله من أهل ذلك المذهب ، بل لم نر قليلاً من العلماء اتفق نظرهم إليه ،دع علماء جميع أهل المذاهب .
__________
(1) في ب ربه. (1/40)
صفحة 41
فصح أنه لا يعرف بشدة العقول شديدة النفوذ ، ولا بكثرة التبحر والتفكر في العلم الشرعي ، وإذا كان هكذا فبأي وجه يتوصل بمعرفته بعد هذا ، فصح أن الباب مغلق عن الجميع ولا مفتاح له ، وإذا كان على هذا الحال ونظر المكلف بعبادة الله كلمة جميع أهل مذهبه من عالم ومتبع منطبقة [على] (1) أن الدين الحق الذي لا يجوز خلافه مما لا تقوم الحجة بمعرفته وصحته إلا بالسماع مما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم ،[ أو أجمع عليهم] (2) علماؤهم وإن [ ما] (3) كان مع غيرهم مما خالفه هو الضلال البعيد[11/ب] إذا كانوا هالكين هم وأتباعهم إن ماتوا على خلافهم لدين الله الذي لا يجوز خلافه ، ومن أي طريق يعرفون أنهم على الباطل ، والتماس الحق في كل أمر من أمور الدين من أهل كل فرقة من فرق أهل الإسلام يتعسر تحصيله ، وربما أنهم لا يتصور لهم الشك في شيء منه ، حتى يسألوا فيه أهل المذاهب ، وإن تصور وتيسر تحصيله فقد علم ذلك الاختلاف (4) علماء كثير من أهل الفرق ، فلم ير أحد منهم الحق كما هو مع أهل الحق، فلا يكون هؤلاء أفهم ولا أعلم ممن مضى ،وإن حصل [10/ج] أنه أعلم (5) ففي الغالب لا يرى الحق إلا مذهبه ، فإن كانوا هالكين على هذا الحال أليس هذا أن لو ثبت من التكليف للنفس فوق وسعه،فيكون الحق في حكمهم ، ليس كذلك لقوله تعالى : " لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا " (6) .
فالجواب في ذلك أن هذه المسألة هي التي سأل[7/أ] فيها السائل والدي أبا نبهان- رحمه الله -التي أولها ما تقول في ناشئ نشأ وهو من أهل الخلاف إلى آخر السؤال . والجواب من والدي- رحمه الله- فأجابه على مقتضى سؤاله الذي لا يحتمل أن يشرح على معاني كثيرة.
__________
(1) سقط من ب.
(2) في ب وأجمع عليه.
(3) سقط في ب.
(4) في ب اختلاف.
(5) في ب علم.
(6) سورة البقرة : 286 . (1/41)
صفحة 42
إذ الحق أن من خالف الله على وجه لا يسعه مستحلاً من أهل فرق الضلال ، أو منتهكاً لما يدين بتحريمه من الحق[12/ب] من أهل الفرقة المحقة على وجه لا يسعه ، حتى ماتا ، فكل منهما هو من أهل الخلاف لدين الله تعالى لا يختص لفظه هذا من كان من أهل فرق الضلال ، ولا فيه[ وجه] (1) بيان هل له وجه من السلامة ، فلم يأت بصيغة كلامه على ما يتوجه إليه المعنى الذي قصده ، وأقول في ذلك أن الدين هو نور عظيم ، وله نور عظيم ينظر به كالشمس ، والله أكرم وأعز من أن يتعبد عباده بدين لا سبيل إلى معرفته لكل طالب عالم عارف بصير .
وإذا ضل أهل موضع وجب تعليم العلم اللازم أداء واجبه على أهل الاستطاعة بذلك ، وهو فرض كفاية إن قام به البعض سقط عن الباقين ، ويأبى الله تعالى أن يتعبد عباده بدين ويرسل بمعرفته [11/ج]رسله ويخالفه فيه عباده [ فيكون هو الدين ويبطل دين الله الذي تعبد به عباده ] (2) ، فلو كان كذلك لما احتاجت العبادة إلى بيانها[ إرسال الرسل] (3) فهو أوضح من الشمس في كبد السماء ، وهو كما ضربت فيه المثل في الصبيين ، ويمكن أن يراه كل من كان عالماً من كان من أهل الضلال كابن الجاهل ، ومن أهل الفرقة المحقة كابن العالم بمشاهدة العقل وبعد السماع ، بأشرق (4) من نور الذكاء (5) في يوم صحو لا غيم فيه في كبد السماء ، ولولا هو كذلك ما قامت به الحجة على العباد ، والحق الذي نظراه الصبيان هو جزء من الحق وما نظراه إلا أنه نور ولنوره[13/ب] نورا أيضا يهتدي به ، وبذلك (6) النور نظرا نوره .
__________
(1) سقط في ب و ج .
(2) سقط في ب.
(3) في ب إرسالا لرسول.
(4) في ب بالشرق.
(5) يراد بها الشمس .
(6) في ب ولذلك . (1/42)
صفحة 43
وكل الحق كذلك ، وكل من وجَّه نظر عقله إلى النظر إليه من جهة النظر إلى رؤيته أشرق نوره في عقله فأضاء في آفاقه وتجلى نور الحق فيه ، وأما من التمسه من غير جهة النظر إليه ، كالنجم ينظره من المغرب من السماء حين وُصِفَ له أنه في السماء وهو في جهة المشرق وبينه وبين المشرق حائل عنه ، وهو تعصبه لمذهبه واعتقاده أنه لاحق إلا هو ، فلم يخرج من ذلك الحائل إلى موضع يصحُّ له التوجه إليه لينظره ، والنظر إليه على وجوه بعضها أسهل من بعض ، وبعضها أصعب من بعض ، ومن الوجوه السهلة هو ما ذكرناه في الجزأين الأولين .
ولو لم يمكن معرفة الحق بذلك لكل عالم طلب معرفته منها في كل أمر من أمور الدين فيما لا تقوم الحجة بمعرفته وصحته إلا بالسماع مما شرع به [8/أ]الشارع واختلف أهل مذاهب الضلال مما لا يجوز فيه اختلاف لما أطلت القول فيهما [12/ج] وذلك أنه وقع الاتفاق مع جميع مذاهب أهل الإسلام ، أن التنزيل نزل على سبعة أحرف[ أي] (1) سبعة أقسام ، الأول توحيد ، والثاني وعد ، والثالث وعيد ،والرابع أخبار ، والخامس أمثال ، والسادس أمر ، والسابع نهي .
[ الأحرف السبعة و وجوه التوحيد]
بيان : بعضهم قال الأول توحيد ، والثاني وعد ، والثالث وعيد ، والرابع[14/ب] أمر ونهي ، والخامس ناسخ ومنسوخ ، والسادس أخبار ، والسابع عبر وأمثال . فأما الأمثال فهي في معزل عن هذا البحث ، وبقيت ستة أحرف وهي التوحيد والوعد والوعيد والأخبار .
ففي التنزيل بيان علم ذلك كله فلا يحتاج فيه إلى معرفته بالسنة ؛ لأن التوحيد مع جميع أهل المذاهب هو على ثلاثة وجوه كما قدمنا بيانها .
__________
(1) سقطت في ب. (1/43)
صفحة 44
الأول الواجب وهو كل صفة يجب أن يوصف الله تعالى بها ، الثاني المستحيل وهو كل صفة تستحيل (1) أن يوصف الله بها ، ويجب أن ينزه عن وصفه بها ، وهذان القسمان مما تقوم الحجة بمعرفته من خاطر البال ، مهما خطر بالبال معرفة شيء من ذلك ، وعرف معناه وجب أن نصفه بما يجب في وصفه إن كان كذلك الذي خطر له بباله ، ووجب عليه أن ينزهه عما يستحيل أن يكون من وصفه تعالى إن كان خاطر البال بذلك المعنى ، ولا يوسع له في الشك ولو اعتقد السؤال مع الشك .
والثالث الممكن ولا يكون إلا في أفعاله مما يجوز أن يفعله أو لا يفعله وهو على ثلاثة وجوه : الأول ما يشاهده من خلق السماوات والأرض وما فيهما[15/ب] وما بينهما [13/ج] وهذا مما لا تنازع فيه ، والوجه الثاني مما أخبر أنه سيكون من أفعاله له سبحانه جل جلاله مما تقوم الحجة بمعرفته من العقل بعد السماع به من علم الغيب ، كالبعث والحساب والثواب ، وهو الوعد والعقاب وهو الوعيد ، وما أخبر الله تعالى من إرسال الرسل ، وإنزال الكتب على الإجمال،[و] (2) الوجه الثالث ما لا تقوم بمعرفته الحجة إلا بالسماع من أخبار الله من علم الغيب، نحو ما أخبر الله عنه من قصص الأنبياء وأخبر أن فلاناً من الأنبياء والرسل والأولياء (3) ، والملائكة ، وأنواع الثواب ، وأنواع العقاب . والوجه الرابع لم يخبر الله تعالى عنه أنه كان ، ولا إنه لا يكون .
__________
(1) في ب يستحيل.
(2) سقط من أ.
(3) في ب والأنبياء وهو تحريف. (1/44)
صفحة 45
وأصل الوعد والوعيد من أخبار الله تعالى ، ولكن لما كان ما أخبر عنه منه ما تقوم به الحجة بمعرفته بعد السماع به من العقل ويجب الإيمان به، سمي كل من الوعد والوعيد باسم وحرف يخصه ، وبقي حرف الأخبار مما بقي مما تقوم الحجة بمعرفته من العقل بعد السماع ، وما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع به ، وإلا ففي الحقيقة فالثلاثة الأحرف هي حرفان توحيد وأخبار ،وأصل حرف الأخبار جامع[ لجميع] (1) الحروف المذكورة .
وبالجملة فما أخبر الله تعالى أنه كان[16/ب] أو إنه سيكونه (2) بعد ، أو لا يكونه البتة[9/أ] وجب الإيمان بتصديقه فيما أخبر ، وانتقل من قسم الممكن إلى قسم الواجب ، ولكن لا على معنى أنه واجب عليه أن يفعله ، فإن الله لا يجب عليه ولا أنه و(3) عليه الوفاء في فعل ما قاله ليكون صادقاً، بل لو أخلفه لم يكن كاذباً ، إذ لا تلحقه صفات الخلف والكذب مما خلقه الله ولا يضادد [14/ج] صدقه الكذب ، ولا علمه الجهل ، ولا قدرته العجز ، وعلى هذا في صفاته ؛ لأن كل ذلك هو من خلقه تعالى ، ولكن ألزمنا نحن أن نصدقه بصفاته الواجبة له ، ومن صفاته الصدق وإن وصفناه نحن أنه غير صادق فقد وصفناه بصفات خلقه أنه كاذب تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وقال تعالى : " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا " (3) ، وقال تعالى وهو أصدق القائلين :" وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًاوَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " (4) .
ومن شكَّ في أن الله تعالى هو صادق أم لا ؟ ، فقد كفر وهلك بالشك ، ولا ينفعه اعتقاد السؤال معه إن مات على ذلك ، ومن قال أن الله[ تعالى هو] (5) غير صادق فهو مشرك[ (6) فـ]إن كان من قبل مسلماً استتيب فإن تاب وإلا قتل بحضرة[17/أ] شهود عدول ، أو يقتله السلطان إن لم يرجع ، أو الإمام أو الحاكم .
__________
(1) سقط في ب.
(2) في ب سيكون.
(3) سورة النساء : 87 .
(4) سورة الأنعام : 115 .
(5) سقط في أ.
(6) سقط في أ. (1/45)
صفحة 46
ولا يجوز أن تنسخ السنة أخبار الله تعالى في شيء من التوحيد ، ولا ما جاء من أخبار الله تعالى في الوعد والوعيد ، ولا ما أخبر الله تعالى عنه أنه كان أو سيكونه أو لا يكوّنه ، وذلك مما تقوم الحجة بمعرفته من العقل بخاطر البال ، أنه لا يمكن أن يخبر الله تعالى أنه سيفعل كذا ، فيخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- بما يكون تأويله أنه لا يفعل الله ما قاله أنه سيفعله ، [فيكون قد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله أنه غير صادق فيما قاله الله تعالى أنه سيفعله] (1) ، فإن كان النبي- عليه الصلاة والسلام- (2) أخبر بذلك عن نفسه كان غير أمين في رسالته ؛ لأنه أجاز وصف [15/ج]الله تعالى بغير الصدق من ذات نفسه ، أو من أين عَلِمَ أن الله غير صادق فيما قاله تعالى ولم يخبره الله تعالى عن ذلك ، وإن كان يخبر عن ربه بذلك والله لم يخبر، كان النبي - عليه الصلاة والسلام - هو غير صادق ، وإن كان الله أخبره بذلك كان الله ورسوله يمكن أن يكونا غير صادقين ؛ لأنه لم يعرف أي الخبرين هو الصدق مما أخبرا به تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وينزه (3) رسوله عن ذلك بشيرا ونذيراً وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً .
__________
(1) سقط في ب.
(2) في ب صلى الله عليه وسلم.
(3) في ب وتنزه. (1/46)
صفحة 47
كما روت أهل المذاهب الأربعة كذباً[18/ب] وزوراً ، وبهتاناً ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " (1) ، مع ما أتوه من الروايات المناقضة لهذه الرواية . قوله إن أشد عذاب أمتي علماء السوء ، فاعتقد أهل المذاهب الأربعة على صحة الرواية التي تدل على تكذيب الله تعالى أنه غير صادق فيما توعد به من العذاب على أهل الكبائر من مات منهم مصراً عليها ، فكل آية فيها خبر عن الله في عذاب أحد من فسقة أهل الإسلام قابلوها بالرواية التي رووها عن النبي ما يكون معناه أنه غير صحيح ما قاله الله تعالى بالتأويل ، ولو قالوا ذلك بغير تأويل لكانوا بإجماع جميع الأمة حتى بإجماعهم أنهم مشركون .[10/أ]
ولا فرق في المعنى وإن افترق الحكم إن أتوه بتأويل صاروا كفاراً بكفر النعمة ، وإن قالوه صريحاً صاروا مشركين، ومن ضل منهم في التوحيد بمثل هذا الكفر العظيم يعرف كفره من كان [16/ج]من أهل مذهبهم ، ومن كان من أي المذاهب ؛ لأنه مما تقوم بمعرفته الحجة من العقل بخاطر البال مهما خطر بباله وعرف معناه أنه لا يجوز أن يوصف الله أنه غير صادق ، ولا يجوز إن يوصف النبي - عليه الصلاة والسلام- أنه يقول بما يخبر في الله أن يوصف أنه غير صادق[19/ب] فيما يقوله ويخبر به مع قولهم واعتقادهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" سترون ذات ربكم هي في الجنة يزوركم وتزورونه في كل جمعة من أيام الجنة " (2) .
__________
(1) سبق تخريجه ، 34.
(2) لم نستطع تخريجه بهذا اللفظ ، و أحاديث الرؤية كثيرة ، وقد قام الباحث علي بن محمد الحجري بجمعها و تخريجها , نقدها ، وتوجد بمعنى هذا الحديث عدة روايات ، فنحيل إليه . انظر : علي بن محمد بن عامر الحجري ، الميزان القسط ، مكتبة الغبيراء ، ط1 2004 ، القسم الثاني بأكمله . (1/47)
صفحة 48
بيان : وإن رأى ما ضلَّ به المعتزلة من التوحيد أنهم خالقون أفعالهم ولم يخلقها الله تعالى ، وأنه غير عليم بها قبل إن يخلقوها ، وأنهم استطاعوا أن يفعلوا ما أراد الله أن لا يكون منهم ذلك في كونه ولم يقدر ألا يكون مع ابقائه لهم على حالهم في الاستطاعة على ذلك ، فهو مغلوب بما جعل لهم من الاستطاعة على فعل ذلك إلى أن يفسد عليهم الاستطاعة ، إن صح أن هذا اعتقادهم في توحيد الله فهو مما تقوم الحجة بمعرفة ضلالهم من العقل بخاطر البال ؛ لأنه من واجب صفاته أنه تعالى بكل شيء عليم ، وعلى كل شيء قدير ، ولا يعجزه خلقه ولا يغلبونه ، فمن ضل في هذه الأربعة الأحرف على خلاف التنزيل وراءه كل عالم عارف بصير وغير العالم ممن يعقل ذلك ، وتقوم [عليه] (1) الحجة بمعرفة عقله في ذلك مهما خطر بباله وعرف معناه ،علم أنهم ضالون من مشاهدة عقله كان أصله من أهل مذهب من يقول[ بهذا أو] (2) من غيرهم من أهل مذاهب الضلال ، أو كان من مذهب [17/ج] أهل الحق ولا يجوز أن لا يعرف ضلالهم ؛ لأن هذا مما تقوم بمعرفته الحجة من العقل بخاطر البال مهما[20/ب] خطر بباله وعرف معناه ، ولا يعذر بالشك فيه بعد معرفته ولو اعتقد السؤال ومات على ذلك كان هالكاً .
[الأمر و النهي من الأحرف السبعة]
__________
(1) سقط في ج .
(2) في ب هذا و. (1/48)
صفحة 49
بيان : وبقي حرفان من السبعة الأحرف هما الأمر والنهي مما لا تقوم بمعرفته وصحته الحجة إلا بالسماع ، وذلك في أول البحث على قسمين : قسم ذكره الله تعالى في التنزيل صريحاً ، ولم يجز فيه الاختلاف ، وقسم جاءت به السنة صريحاً ، ولم يجز فيه الاختلاف ، وأما إجماع العلماء المحقين ، والشبه اللاحق بالإجماع ، فيعرف بعد معرفة الفرقة المحقة، وبعد معرفة الأصلين الكتابي والنبوي ، وهذه الأربعة هي أصول الدين الذي لا يجوز فيها الاختلاف ، ولا العمل بخلافها على وجه لا يسع ، وأما الأصل الخامس العقلي فهو الذي مرَّ بيانه في الأربعة الأحرف ، فلا يدخل تحت بحث هذه الأصول الأربعة في هذين الحرفين إلا بمعرفة الحق فيها كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه .
[نسخ الكتاب والسنة]
بيان : وصحَّ بالاتفاق أن الكتاب ينسخ بعض ما في الكتاب كما وصفناه ، وتنسخ بعض السنة أيضا ،كذلك السنة تنسخ بعض الكتاب وبعض السنة (1) ، فالنسخ على هذا هو على أربعة أوجه كما ذكرناه سابقاً .
__________
(1) لم يتفق علماء الأصول على ما ذكره الشيخ - رحمه الله - في مبحث النسخ ، بل هذا ما ذهب إليه جمهور الأصوليين . انظر :
على بن أبي علي بن محمد الآمدي ،الإحكام في أصول الأحكام ،صححه و كتب حواشيه الشيخ إبراهيم العجوز ،، منشورات دار الكتب العلمية ، بيروت - لبنان،(3/152).
عبد العزيز بن أحمد البخاري ، كشف الأسرار ،دار الكتب العلمية - بيروت ، ط1 (1418هـ - 1997م)،(3/262)
محمد بن عبدالله بن حميد السالمي ، طلعة الشمس ،إصدار وزارة التراث القومي و الثقافة ، الطبعة الثانية (1405هـ - 1985م )(1/291). (1/49)
صفحة 50
فالجواب في ذلك أن كل من لم تبلغه الحجة بمعرفة الحق[21/ب] في ذلك الذي لا يجوز خلافه من عالم أو ضعيف العلم أو أبله من أي مذهب كان من مذهب (1) أهل الحق ، أو كان [18/ج] من مذاهب أهل الضلال ، وقد علم الله صدق[11/أ] نيته هو سالم بعمله بخلاف الحق الذي هو في الأصل مع من علمه لا يجوز العمل بخلافه ، ولا يهلك بذلك إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها إذ سلم من الهلاك بأحد الأربعة الأحرف المتقدمة ، ما لم يدن بذلك ، ولا عذر له بالدينونة ، وإن وجد أهل مذهبه جميعا يدينون بذلك فلا عذر له ، وليس من التكليف فوق طاقته أن لا يقدر لأنه يمكنه أن لا يدين به ، وأيضا ما لم يكن ذلك الضلال براءة ممن لا يجوز البراءة منه في حكم الظاهر ، أو في حكم الحقيقة ،كالأنبياء والملائكة ؛ فإنه لا يعذر بالبراءة من ذلك بانطباق كلمة أهل مذهبه على البراءة من ذلك المعيّن له بالبراءة ، إذ لو جاز هذا جاز لمن رُبِّي مع إليهود والنصارى ووجد انطباق الكلمة في نفي نبوة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - والحق أنه لا يعذر ؛ لأنه مما يمكنه أن لا يبرأ .
__________
(1) في ب مذاهب. (1/50)
صفحة 51
بيان : ومتى قامت الحجة بمعرفة الحق في شيء من الدين بالسماع من أهل الحق [على] (1) من كان عاملا له على [الوجه] (2) الواسع له الذي ذكرناه فعليه ترك ذلك العمل الذي كان يعمله ، ويعمل[22/ب] بالحق الذي قامت عليه الحجة بمعرفته بسماع هذا المحق ، متى نزلت بلية التعبد به، ولم يعذر بعد ذلك على العمل بخلاف الحق الذي كان معذوراً بعمله به، ويهلك إن عمل بالباطل الذي يهلك به بعد ذلك ، وإن سمعه من غير أهل الحق ومن غير محق بانتهاكه لما يدين بتحريمه من الحق ، ففيه اختلاف فقيل: تقوم عليه الحجة بالسماع [19/ج]منه فيما يفوت عمله أو (3) متى جاء وقت عمله ، وقيل لا تقوم إلا بالمحق التقي ، وما جاء فيها الاختلاف فهو أوسع ، وهذا الرأي الآخر كأنه أصح لقوله تعالى : " وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً " (4) .لأنه يضيِّق الخناق .
بيان : فإن قيل ومن أين يعرف أن الحق هو ما قاله هذا ، وأنه من أهل التقى ، وأنه من أهل الفرقة المحقة الذين لم يضلوا في شيء من الضلال ، أليس معرفة هذا من تكليف النفس فوق وسعها؟! .
__________
(1) سقطت في أ.
(2) سقطت في أ.
(3) في ب و.
(4) سورة النساء : 141 . (1/51)
صفحة 52
فالجواب : إن كان المُخْبِر والمُخْبَر كلاهما أبلهان لا يعرف المُخْبِر أن يوضِّح له الحق ولم يكن المُخْبَر ممن يستطيع على الخروج في طلب الحق إذا كان مما لزمه العمل به أو الخروج عنه ، فأما بالخروج فلا يعذر إلا بترك ما دخل فيه ؛ لأنه يمكنه ذلك إن كان[ مما يجب تركه ، وإن كان] (1) مما عليه أن يعمله فعليه أن يعتقد الخروج في طلب الحق إن علم بمن يعرفه به و إلا فلا [23/ب]عليه إلا الاعتقاد إن شك ، وعلم الله منه صدق نيته وإن لم يهتد (2) إلى الاعتقاد إلا أنه في نفسه أنه لا يعمل إلا بالحق ، فهو سالم إذ لا وسع في طاقة نفسه ألا يشك ولا أكثر من ذلك ، وإن كان المُخْبِر والمُخْبَر عارفان فيمكنه أن يسأله عن مذهبه من أي فرقة هو فإذا علّمه ، فجميع الفرق يرجع [إلى] (3) أربعة أصول .
الأول: أهل المذاهب الأربعة وقد صح أن ضلالهم مما تقوم الحجة بمعرفته من العقل بباطل ما قالوه من التوحيد بخاطر البال .
والأصل الثاني: المعتزلة وقد صح أن معرفة ضلالهم يشاهد بالعقل الذي قالوه في [20/ج]التوحيد [12/أ].
__________
(1) سقط في ج .
(2) في ب يهتدوا وهو تحريف.
(3) سقط في أ. (1/52)
صفحة 53
والأصل الثالث: الشيع ويشاهد [هذا] (1) بالعقل ضلالهم بأبي بكر وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما- ،ومن عائشة أيضا - رضي الله عنها- ، ولكن ضلالهم بأبي بكر وعمر أوضح من ضلالهم بعائشة ؛ لأنه ضلال بتكفيرهما على غير حجة إلا أن علياً أولى بالإمامة منهما ، وأنهما ظلماه إياها بغير دليل من الكتاب ولا من السنة إذ لم يصح أنه احتج عليهما من الكتاب ولا السنة ولأنه لم يطلبها ، إذ في كتاب (2) نهج البلاغة الذي اعتقدوه أنه الخلاصة من كلامه فيه كلام ما يدل على أنه طالب فيها فلم يمسك عن المطالبة إن صح ما رووه عنه ، ومع جميع أهل المذاهب أنه انقصر عن البيعة أياماً ، وقيل إلى أن ماتت فاطمة ستة[24/ب] أشهر فلم يحتج عليهم [بسنة ثبتت فيه ولا بتنزيل] (3) فيه تصريح له بها فاتضح باطلهم قي عقل كل من فكر في مذهبهم في هذا من كان منهم أو من كان من غيرهم ، إذا توجه إلى نظر الحق من جهة طلوعه وأزال الحجاب المانع له عن مشاهدة جهته أو تنحى عنها جانبا حتى يقابل جهة مشرقها ، وذلك هو خروجه عن التعصب لمذهبه في ذلك .
[فرق الخوارج ]
بيان : ويبقى النظر إلى الأصل الرابع: فرق الخوارج وهم على قسمين: أزارقة ، ومن شرّك أهل القبلة منهم ، ويشاهد ضلالهم من قوله تعالى : " وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه" (4) . فأبقى لهم مع بغيهم وظلمهم [21/ج] وفسقهم اسم المؤمنين إعلاماً منه تعالى أنهم في حكمهم كأحكام المسلمين من إباحة تزويجهم ، والتزويج [منهم] (5) ، وتحليل ذبائحهم وحكم طهارتهم والصلاة عليهم بعد موتهم وفي الميراث إلى غير ذلك .
__________
(1) سقط في ب.
(2) في ب الكتاب.
(3) في ب لسنة تثبت فيه ولا تنزيل.
(4) سورة الحجرات : 9 .
(5) سقطت في أ و ج . (1/53)
صفحة 54
والقسم الثاني: للإباضية من الخوارج ، ونعلم أنهم في الأربعة الأحرف لم يضلوا ، وفي هذين الحرفين نجدهم يبرؤن من عثمان وعلي بن أبي طالب بأحداث كانت منهما ، وبإجماع جميع الأمة على صحة وقوعها ، فأحدث عثمان الأحداث حتى قتله[25/ب] المسلمون وعلي في المدينة معه لم يذب عنه ولا أصحاب المدينة . (1/54)
صفحة 55
وعلي قتل من الخوارج أربعة آلاف مسلم ، وصحة قتل علي لهم بإجماع الأمة ، على فعل صحَّ بالإجماع على أنهم خرجوا عن طاعته بإمامته ، وإن قيل أنه خرج عليهم بعد قتلهم لحتات وزوجته ، فليس في ذلك إجماع ، والحق أنه باطل لأنَّ قتله على تلك الحالة مع عبدالله بن إباض (1) باطل ، إذ نحن على مذهبه ولا نجيز نحن ولا هو قتله على ذلك ، فلو صح ذلك لفارقهم عبدالله بن أباض ، وأجازه (2) مثلهم ، وضل بضلالهم ، والحجة تقوم على معرفة ذلك أنه غير صحيح بمشاهدة العقل بالدلالات التي ذكرناها في مذهبنا في ذلك ، وإنما أجاز [لنفسه] (3) قتالهم بتمسكه للإمامة ، وخروجهم عنه ووقوع هذا من الخوارج بالإجماع ، كما أجاز لنفسه مقاتلة معاوية (4) بخروجه عن طاعة إمامته قبل التحكيم ، وبالاتفاق بعد التحكيم مع جميع أهل المذاهب أنه كان خارجا على قتال معاوية على خروجه من طاعة إمامته[13/أ] بعد [22/ج] التحكيم ، ولم يقع الاتفاق على أن معاوية خرج إلى قتال علي (5) بعد التحكيم قبل أن يخرج علي عليه .
__________
(1) عبدالله بن أباض المقاعسي المري التميمي(...- 86هـ=...- 705م) من بني مرة بن عبيد بن مقاعس رأس الإباضية،وإليه نسبتهم كان معاصراً لمعاوية وعاش إلى أواخر أيام عبد الملك بن مروان . عدّه الشماخي في التابعين وكان له مراسلات لعبد الملك بن مروان لنصحه.(السير للشماخي ج1ص72،الكامل ج2ص179،80.)
(2) في أ أو.
(3) سقط في ب.
(4) معاوية بن( أبي سفيان)صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي(20ق هـ-ـ 60هـ= 603-ـ680م): مؤسس الدولة الأموية في الشام ،وأحد دهاة العرب المتميزين الكبار ولد بمكة وأسلم يوم فتحها (سنة8هـ) نشبت بينه وبين علي بن أبي طالب الحرب .(ابن الأثير 4 / 2 وتطهير الجنان ،الطبري 6 / 180،منهاج السنة 2 / 210- 226).
(5) في ب على أن معاوية خرج إلى قتال عسكر وهو تحريف والأصح ما أثبتناه. (1/55)
صفحة 56
ومع الخوارج أن عليا ليس بإمام عليهم ، ولا على معاوية حين خروجه على الخوارج ثم على معاوية ، وأنهم لم يحكموا فيه إلا بما فعله بنفسه لا زيادة في ذلك ؛ لأنه بالإجماع من جميع أهل المذاهب [26/ب]الإسلامية أن إمامته قلَّد أمرها حين قاتله معاوية على أن يترك إمامته وينصب المسلمون الفريقان من يرضى به الفريقان ، وقاتله علي على هذه المطالبة ثم أجابه أن يقلدها حكمين : حكماً من ذويه [وحكماً] (1) من ذوي معاوية عمرو بن العاص (2) وزير معاوية الذي كان علي يقاتله ، واللذان يحكمان له بها، وينصبانه من المسلمين من أهل الحق كما طلبه منه معاوية في أول الأمر يكون هو الإمام ويكون الفريقان راضين بذلك .
__________
(1) سقط في ب.
(2) عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي ،أبو عبد الله :فاتح مصر وأحد عظماء العرب ودهاتهم ، وأولي الرأي والحزم والمكيدة فيهم . كان في الجاهلية من الأشداء على الإسلام ، أسلم في هدنة الحديبية ولاّه النبي صلى الله عليه وسلم إمرة جيش ذات السلاسل وأمده بأبي بكر وعمر ثم استعمله على عمان وفي الفتنة بين علي ومعاوية كان مع معاوية.(الاستيعاب ،بهامش الإصابة 2 / 501 والإصابة ت5884، تاريخ الإسلام للذهبي 2/ 235-240). (1/56)
صفحة 57
فإن قيل أن عليا قلدهما أمر الإمامة على شرط ليحكما له بها فلم يصح ذلك بالشهرة بل بالاتفاق أنه لم يقع شرط منه عليهما كذلك ، وإن كان ليأتي كل واحد منهما من الحق ، ويحكمان بما يتفقا عليه ، فهما متجادلان ينبغي أن يسَمع حاكمان غيرهما يعرفان الأصح مما يتجادلان به [هما] (1) يحكمان بذلك ، وبالإجماع أنهما حاكمان لا يتجادلان ، وبالاتفاق من جميع أهل المذاهب أن الذي حكّمه علي خلع علياً من الإمامة ، وقيل أنه كذلك خلعه عمرو بن العاص بعد ذلك فلم يرض علي، فقال الخوارج إن كان ما صنعه علي حقا فقد خلعاه وبعد الخلع لم يصح أنه نصبه أحد من المسلمين إماماً ، وإن كان باطلا فقد انخلع بإصراره على الباطل.
فإن قيل ما فعله من الرأي الذي [23/ج] يجوز[ فيه] (2) الاختلاف فرآه أولا هو[27/ب] الأعدل فعمله، ثم رآه بعد ذلك أن الأعدل أن لا يرضى بذلك. فالجواب أنه برأي الأعدل فعل ذلك ففعلوه على ما جاز له ولهما ثم نقضه بعد انقضاء حكمهما (3) على ما جاز ، فالأمر على هذا راجع إلى أنه كان من الحق ، وانخلع على الوجه الجائز له ولهما ، فلم ينقض حكم حاكم حكَّمه فحكم بالوجه الحق ، فإن قيل ليس لهما أن يخلعاه ، فالجواب أنه رجع بهذا إلى أن الحكومة باطلة لأنه قلَّد أمر إمامته حكمين يحكمان بها بالوجه العدل في من شاءه من أهل الحق إماماً ، وذلك باطل فلم يحكم عليه الخوارج إلا بحكم فعله هو من خلع نفسه بتقليده [14/أ]إمامته حاكمان يحكمان بها كما ذكرناه فخلعاه فانخلع معهم كما كان ذلك من فعل نفسه لنفسه.
__________
(1) سقط في ج و في ب ومهما.
(2) سقط في ب ، و في ج لا يجوز فيه .
(3) في ب حكمها. (1/57)
صفحة 58
فيبقى الناظر إلى براءة الخوارج من علي بقتله لهم على شك أنهم محقون في حكمهم بذلك في عثمان وعلي أم هم ضالون ، ولا سبيل له عن خروجه [من إلا إما] (1) أن يعرفهم أنهم محقون أو يبقى على شك ، فإن حكم بهم أنهم مبطلون لم يكن حكمه بذلك يخرجه عن الشك في أصل الشريعة ، وإنما تعداه إلى حكم القطع فيهم على حكم التعدي عن أحكام الشريعة ؛ لأنه حكم عليهم بغير دليل من أحكام التنزيل فيهم ، أو في مثلهم على التصريح ، ولا بدليل صحيح من السنة فإن كان معه بدليل من السنة فلا حجة[28/ب] له بذلك الدليل في بحثه لطلب الحق وللفرقة المحقة ؛ لأن ما معه في ذلك من السنة بروايات من قد صح معه بهذه الأبحاث أنهم من الفرق الضالة ، ولا حجة رفيعة أهل الضلال إذ البحث كله هذا [24/ج] على تقرير أنه لا حجة لأهل الضلال في رفع الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم مما لا تقوم الحجة بمعرفته وصحته إلا بالسماع ، فيشاهد بنور العقل أن حكمه ذلك بغير حجة ، وإن كان من التنزيل من قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ " (2) ، فهم أطاعوه إلى أن [لعله] (3) ترك الإمارة، وقلدها عنق حكمين ، وخلعاه منها ، وصار ليس من أولى الأمر بأذنه وأمره وفعله بنفسه لنفسه .
__________
(1) هكذا في كل المخطوطات ، و هو غير واضح ، و ربما يكون الكلام إلا أن يعرفهم .
(2) سورة النساء :59 .
(3) سقط في ب. (1/58)
صفحة 59
فإن قال إن طاعة أولى الأمر واجبة على كل حال ، فالجواب أن هذا قول من قد صح معه أنهم أهل ضلال فلا تقوم بهم حجة في وجوب أمر قالوه ، وأهل الحق يقولون أن طاعة الله وطاعة رسوله واجبتان وطاعة ولي (1) الأمر إذا كان معروفاً بطاعة الله والرسول فواجبة فيما (2) أطاع الله فيه وأطاع الرسول بدليل الأقران ، وأهل الحق هم الحجة في إتباع الحق فهذا دليل متروك في هذه الأبحاث مما كان عن أهل الضلال الذين قامت[29/ب] عليه الحجة بمعرفة ضلالهم من حجة العقل بما قدمنا ، أو من مشاهدة العقل كالشيع بعد السماع عنهم ، فصح أنه لا مخرج له في الفرقة الإباضية هذا (3) البحث عن أحد أمرين ، إما يرى حق حكمهم في عثمان وعلي ، وإما أن يبقى في شك في ذلك مع علمه بأحداثهما أن ذلك كائن منهما بخلاف براءة الشيع من أبي بكر وعمر أو وقوف بعضهم عن ولايتهما ، وقد لزمت ولايتهما بالدينونة بحكم الظاهر من عرفهما أنهما على ما شهر منهما ومن تولاهما ولم يعتقد بالدينونة (4) [25/ج] فقد تولي وأدى ما وجب عليه فيهما .
ونظره إلى الفرقة الإباضية أنهما على حق إلا في أمر شك فيه كان منهم , فالشك ليس هو بحكم ، فهو في نظره أنهم على حق ، وشكه لا يخرجه من نظره إليهم كذلك فصح أنه بهذا البحث لا يرى منهم ما يضلون[15/أ] به شيئاً .
__________
(1) في ب أولي.
(2) في ب مهما.
(3) في ب بهذا.
(4) في ب الدينونة. (1/59)
صفحة 60
فإن قال محتجاً بقوله - صلى الله عليه وسلم - :" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (1) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : "كل مشكوك موقوف " (2) . فالجواب أن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - يكون على معاني كثيرة ، ومنها كل مشكوك في معرفة ضلال أحد فلا يقطع عليهم بضلالهم ولا البراءة منهم ، فإن كانوا من قبل أولئك ووقع الشك فيهم بفعل[30/ب] فالبراءة منهم موقوف عنها ، ويجوز له أن يتولاهم كما كانوا من قبل ، وإن لم يكونوا من قبل في حكم الولاية صح أنهم على الحق إلا أنه شك في حكم لم يعرف حقه ولا باطله ، فله أن يتولاهم ، وموقوف أن يبرأ منهم .
أما ترى لو حضرت الصلاة ومعك أربعة أواني[ و] (3) فيها ماء ، ومرَّ كلب ورأيته عيانا أنه ولغ من ثلاثة أواني ، ومر بالرابع ولم تره ولغ ، وشك في نفسك أنه ولغ منه أم لا ، أنه يبقى على حكمه الأول ، ويلزم منه الوضوء للصلاة ، وترك الوضوء من الثلاثة ، فلم يلزم الوقوف عن الوضوء [ (4) من] الذي شك فيه ، فإن قال أن هذا أصله طاهر ، وهذه الفرقة لم تكن من قبل معي طاهرة مما شككت فيها ، قلنا طهارتها هي لم نر في أصولها تصريح ضلال [26/ج] كان منهم .
__________
(1) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده ص177 رقم 1723 ، و الدارمي في (كتاب البيوع 2- باب ما يريبك إلى ما لا يريبك ) (2/197) رقم 2532 ، و الحاكم في المستدرك (1/166) رقم 166 ، و ابن حبان في صحيحه (2/498) رقم 722 ، و ابن خزيمة (4/59) رقم 2348 ، و عبد الرزاق في المصنف (3/117) رقم 4984 ، و البيهقي في السنن الكبرى (5/335) ، رقم 10601 ، و أبو يعلى (12/132) رقم 6762 ، و البزار في مسنده (4/175) رقم 1336 حمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ، البحر الزخار ، تحقيق :د. محفوظ الرحمن زين الله ، مؤسسة علوم القرآن ، مكتبة العلوم والحكم بيروت ، ط1 1409هـ ، و الطبراني في المعجم الكبير (3/75) رقم 2708 .
(2) لم نستطع تخريجه .
(3) سقط في أ.
(4) سقط في ب. (1/60)
صفحة 61
والقول هنا في الشك إن الشك ليس بحكم يوجب التضليل به ، ولا يوجب ترك الوضوء من إناء فيه ماء للصلاة ، كمن رأى ولياً له يأكل شيئاً في الحضر في نهار شهر رمضان فشك أنه ناسيا أو عامدا فليس له أن يقف عن ولايته يحتمل له أنه ناسٍ ، وإن رآه يقاتل رجلا وقتله وشك في أيهما المبتدى فهو على ولايته ، وإن رآه ابتدأ بقتل رجل وقتله فقيل له أن يتولاه لاحتماله أن له فيه دم إذا كان في حاله يحتمل له ذلك[31/ب] لشكه ، وقيل له أن يقف عنده ، وقيل له أن يبرأ منه وبراءته منه لا من حيث شك فيه أنه مبطل أم لا ، بل لابتدائه بقتله ففي ظاهر الحكم هو المبطل ووقوفه لشكه بالاحتمال وكذلك ولايته .
وليس الخوارج في ظاهر الحكم مبطلين ، ويحتمل أن يكون في الباطن محقين ، بل شكه فيهم يشبه شكه في الماء الذي ذكرناه ، وفي الأكل في شهر رمضان ، [وشكه] (1) في المبتدئ من المتقاتلين ليس له حكم ظاهر في بطلانه إلا الأكل ، ولا يجوز له إلا على النسيان على الوجه الجائز له لقوله (2) صلى الله عليه وسلم : "لو كان بينك وبين أخيك مثل ستر العنكبوت فلا تهتكه" (3) .
والثلاثة الباقون قامت عليهم الحجة بمشاهدة عقله أنهم ضالون ، فحينئذ يكون قد عرف الفرقة المحقة التي لم يصح معه ضلالهم في شيء البتة ، ويعلم أن رفيعتهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [27/ج] مما لا تقوم بمعرفته وصحته إلا بالسماع ، وإن جميع أهل الضلال لا يكونون حجة في رفع الروايات التي لا تقوم الحجة بمعرفتها وصحتها إلا بالسماع ، ويلزمه موافقتهم في الحق، وولاية المحق التقي الولي منهم على براءتهم من المذكورين ، ولا يلزمه على الشك في حكم علي البراءة منه ، ولا عثمان إن جهل الحكم فيهما أو تولاهما أو أحدهما برأي[32/ب] لا بدين كان سالماً.
__________
(1) سقط في ب.
(2) في ب لقول النبي.
(3) لم نستطع تخريجه . (1/61)
صفحة 62
فإن كان المُخبِر له من المنتهكين لما يدين بتحريمه فلا حجة عليه به ، وإن عرفه أنه من أهل المذهب الحق ، وجهله أنه من المتقين أو من المنتهكين لما يدين بتحريمه ، ففي قيام الحجة عليه بحكم الظاهر أنه من أهل الحق ، وتقوم عليه الحجة به فيما يلزمه العمل به ، أو فيما يلزمه ترك ارتكابه حتى يعلم فسقه ، وإن لم يعلم بفسقه في حين إبلاغه الحجة بمعرفة الحق الذي لزمه أن يعمل به ، وعرفه أنه فاسق بعد ذلك وصح معه أنه فاسق أن يخبره ، فإن حضر وقت العمل به وأدَّاه فهو لازم عليه ، ومعرفته بفسقه لا يحط عنه وجوب ما قد وجب عليه بالسماع منه إن حضر وقته مرة أخرى ، إذ قد (1) قامت عليه الحجة ، وإن ظهر له فسقه قبل أن يحضر وجوب العمل لم يكن بحجة عليه في ذلك إن حضر العمل على قول من يقول لا حجة بفاسق على طائع لله (2) تعالى حتى يهلكه به فيما لا (3) تقوم الحجة بمعرفته وصحته إلا بالسماع ، وهو الأصح في ذلك.
ولو لم يكن المحق حجة فيما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع لم يلزم الإيمان بالنبي محمد [28/ج] - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يسمع بنبوته إلا رجلا من أهل الحق وإن كان من غير أهل الحق ولم يكن سمع به من قبل فلا يلزمه على هذا القول التعيين بأنه محمد (4) [33/ب] نبي ويلزمه التصديق بإرسال الله النبي على عباده كما قال له ، لأن نفس الإرسال مما تقوم الحجة بمعرفته بعد السماع من العقل ؛ لأنه ممالا تقوم الحجة بمعرفة نبي معين إلا بالسماع ، وأما إن بلغه بالسماع أن الله أرسل نبي لزمه الإيمان أنه صحيح أن الله أرسل نبياً على ما ذكره .
__________
(1) في أ إذ قامت ، و في ب وقد قامت .
(2) في ب الله.
(3) في ب سقطت لا والصحيح ماكتب في النص.
(4) في أ بأن محمد. (1/62)
صفحة 63
فإن قلت أفلا يمكن أن يكون قد كذب عليه وأراد رجلا غير نبي ؟ ، فالجواب إذا لم يعين المصدق الذي عينه المخبر فلا يضره التصديق ؛ لأنه صحيح أن الله أرسل نبياً إن كان الذي يقوله ذلك المخبر صحيح بالتصديق يتوجه إليه [وإن كان غير صحيح فالتصديق يتوجه] (1) إلى المرسول لتلك الأمة ، فاعرف هذا الفصل الذي أوردناه في هذا الجزء فصلاً قائما بنفسه في إمكان معرفة المحقة ومعرفة الحق من جميع دين الله تعالى بطريقة سهلة قريبة موجزة ، وإن كان تصح معرفة بغير هذا الوجه ، ولكن هذا الوجه طريق قريبة الوصول ، واضحة الانكشاف .
فإن قيل أليس مما يمكن أن يكون شيء من الدين مما جاءت به السنة روايتها الصحيحة مع غير أهل الفرقة المحقة ، وأهل الفرقة التي لم ير في اعتقاداتها من الأحرف الأربعة باطلا ولكن في الحرفين هي على خلاف الحق في تلك الرواية التي لا تقوم الحجة بمعرفتها وصحتها إلا بالسماع [34/ب]ويكون الحق متفرقا .
قلنا [29/ج] قد مر[17/أ] بيان ذلك أن أهل الضلال لا يكونون حجة في رفع الروايات، ولو كان الحق معهم في تلك الرواية ، وخلاف الحق في ذلك معهم باطل في الأربعة الأحرف ، ولا في براءة من ولي ، ولا في حكم التنزيل بغير سنة صحيحة تنسخه ، وما عند الفرقة المحقة يجوز العمل به على غير الدينونة به ما لم تقم عليه الحجة بمعرفة الحق بمن تقوم به الحجة بالسماع منه .
ومن أين تقوم الحجة بالسماع من غيرهم إذا كان ما سواهم كلهم فرق ضلال ، وإذا كانت الفرقة المحقة هي الجائز العمل برفايعها ويبقى دين الله بما هي تمسكت فيأبى (2) الله أن يتركها دائما على غير الدين الحق ، فيكون الخلاف لدين الله هو الحجة في لزوم العمل به على دين الله الذي هو الحق .
__________
(1) سقط في أ.
(2) في ب ويأبى. (1/63)
صفحة 64
والصحيح أن الدين الذي جاءت به السنة لابد وأن يكون عن إجماع المحقين أنه عنه - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة ، أو من علماء الفرقة المحقة ، ولا تجتمع الأمة على ضلال ، فلا بد من فرقة محقة وهي التي لم (1) تقم الصحة على ضلالهم في شيء ، وإلا صار دين الله غير لازم للعباد ؛ لأن فرق الضلال ليست حجة على أحد من العباد ، إذ لا يعرف الفرق بين حقهم وضلالهم فيما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع ولا يؤمنون على الضلال بما [35/ب]يقولونه من ذلك فيبقى غير لازم العمل بشيء من دين الله غير العمل بما في الأربعة الأحرف لا غير ، وهذا مما يشاهد العقل بطلانه .
فالدين الذي جاءت به السنة مما لا تقوم بمعرفته إلا بالسماع ، إنما كان دينا عن إجماع من أهل الحجة [30/ج] أنه كذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك كان إجماع المحقين على حكم في شيء على وجه العدل حجة ، ويكون ديناً إذ لو كان إجماعهم في ذلك لا يكون ديناً لم يكن إجماعهم حجة ، وإذا لم يكن إجماعهم حجة لم يكن إجماعهم أن حكم هذا الأمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه حكم (2) به على التحريم ، أو على الوجوب ، أو على الكراهية (3) ، أو على الندب ، أو على أنه وسيلة ، أو على الإباحة ، أو على أنه حلال أو حرام بالدينونة ، لم يبق لله دين يلزم العباد العمل به ، ويكون العقاب إن تركوا واجبه فيما أجمعوا عليه أنه أوجبه - صلى الله عليه وسلم - ، ولا تحريم شيء يكون عليهم العقاب فيما أجمعوا عليه أنه حرَّمه فهو حرام في الدين ، وبطل التعبد بما لا تقوم الحجة بمعرفته من دين الله إلا (4) بالسماع ، فافهم ذلك فإني لو شرحت لك فصلاً من دين الله دخل فيه شرح جميع الدين ، ولا ينقطع شرح ذلك مع شرحه إلى يوم الحشر وبالله التوفيق .
[الدين الذي لا تقوم به الحجة إلا بالسماع]
__________
(1) في ب لا.
(2) في أ أحكم.
(3) في أ الكرهة وهو تصحيف.
(4) في ب إنه. (1/64)
صفحة 65
بيان: وإذا كان من الدين الذي لا تقوم[18/أ] به الحجة إلا بالسماع لا يمكن الاحتجاج[36/ب] على من خالفنا بمناقضة بعضه لبعض ولا حجة لنا عليهم ، ولا لهم علينا إلا بالروايات التي لا دليل على صحتها إلا بالاحتجاج أولاً بالأصول ، ومن صح أنه هو الفرقة المحقة التي هي حجة الله في أرضه على جميع المذاهب صح أنه هو الصحيح الذي لا تقوم (1) الحجة بمعرفته إلا بالسماع لا غير على جميع روايات أهل الضلال ، وإن شاء الله يأتي [31/ج] في الجزء الرابع أحكام الكتاب من كتبهم ، وفي الجزء الخامس يأتي من كتاب الجامع الصغير في أحاديث النبي البشير النذير ، للسيوطي جمع فيه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما ظفر به من كتب أهل مذهبه الأربعة ، وسنوضح الحق فيهما ، ونكشف الباطل من مذاهبهم بمناقضة رواياتهم بعضها لبعض مما ضلوا فيه ضلالاً بعيداً .
وإذا لم يكن المبطل حجة في نقل الشريعة برواياته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك كان الحجة في نقل الشريعة هو المحق من الفرقة المحقة ، وكل من بلغته الحجة بالسماع ممن هو على الطاعة لله ولرسوله فهو الحجة جهل السامع للحجة أو عَلِمها .
فإن كان ذلك مما يلزمه أداءه من اعتقاد أو فعل أو يلزمه تركه لم يجز له أن يعمل إلا بما لزمه ، و (2) أن يترك ما لزمه تركه ، وإن كان ذلك مما لم يلزم بلية التعبد به جاز له الشك فيه[37/ب] مما لا تقوم بمعرفته الحجة إلا بالسماع من دين الله تعالى الذي لا يجوز خلافه .
[
__________
(1) في ب لا تقوم به.
(2) سقط في أ. (1/65)
صفحة 66
وسنورد في هذا الجزء] (1) بعضاً من أصول الشريعة مما لا يجوز فيه الاختلاف ، وبعضاً من الرأي الذي يجوز فيه الاختلاف ، وذلك هما الأصول والفروع ، ونُقعِّد للأصول قواعد ونحصرها في أقسام تدور عليها جميع مسائل علم الشريعة وعلم الحقيقة أصولها وفروعها ، وتكون هي الموازين لجواب (2) كل مسألة ترد من الشريعة مما ذكر فيها ، ومما لم يذكر فيها، فيجري عليه أحكام المذكور منها .
فإن فهمها وأجرى جواب كل مسألة على قواعدها وأصولها وأقسامها الميزانية ، ووضعه في موضعه من ذلك وهو محله ، و حَكَمَ [32/ج] فيه بحكمه لم يضل في الشريعة أبداً من جميع مذاهب أهل الإقرار ؛ لأنه متى وضع ما لا يجوز الرأي من دين الله تعالى في قواعده وأصوله ، ووضع الرأي في قواعده وأصوله ، فقد أصاب الحق ، ومن أصاب الحق فقد هُدِيَ سواء السبيل .
ثم بعد ذلك إن كان غير ذي فهم وعمل بما تحراه أنه هو الأصح مما جاز فيه[19/أ] الرأي، ولم يحضره عالم في ذلك يخبِّره بالأعدل ، جاز له أن يعمل بذلك ، وأن يخبر من سأله عن ذلك من غير دينونة بذلك ، وإن كان ذا علم وفهم وله تمكن في علم الأصول والفروع ، ونظر إلى الأعدل في الرأي مما يجوز فيه الاختلاف مما جاء فيه الاختلاف عن العلماء ، أو حادثة [38/ب]لم يجد لها ذكراً في الآراء ، ولم يجدها من الأصول بدلالات أحكام التنزيل ، أو بدلالات أحكام السنة، أو بدلالات أحكام الإجماع ، أو بدلالات أراء صحيحة ببعض دلالات هذه الأحكام ، فأي دليل حكم وجده يدل على حكمها من ذلك بالشبه والقياس حكم بصحة ذلك الرأي .
__________
(1) سقط في ب.
(2) في ب الجواب. (1/66)
صفحة 67
وإن وجد دلائل حكمين يدل كل منهما على حكم ذلك الرأي وتلك الحادثة ، ويكون دليل كل منهما الآخر بالشبه والقياس جاز ذلك الرأيان في ذلك ، أو في تلك الحادثة ، وكنتَ قد رأيت الحق في ذلك الرأي ، أو في تلك الحادثة من نفسك ، وإن وجدت كذلك فيه دلائل أكثر من حكمين فكذلك ، وأي رأي رأيته أقرب شبهاً ، وألزم قياساً إلى دلالات حكم من تلك الدلالات فهو الأعدل في حقك وفي حق من رأى كذلك ، لا في حق من رأى أن الأعدل خلاف ذلك حتى ترى الاْعدل أيضا بعد ذلك خلافه [33/ج] فيكون في حقك في العمل به في ذلك الحين هو الأعدل ، وهو الألزم أن تعمل به ، ومعي أنه يجوز الترخص في العمل بالأهزل إن راءه حقاً بما ذكرناه من الدلالات فيما بينه وبين الله تعالى ، وفيما بينه وبين إخوانه على التراضي بالواسع أو كان هو الأزهد.
وإن[39/ب] قيل بخلاف هذا أنه لا يجوز أن يعمل بالأهزل من رأي الأعدل على الإطلاق ، فإنه لا على الإطلاق فيما رآه حقاً ، وفيما ذكرناه إلا في الحكم بين (1) الخصماء في الحقوق، أو ينزل هو منزلة الحاكم فيما بينه وبين خصمه في الحقوق فيما يرى الأعدل فيما عليه أنه عليه هو الأعدل ، أو فيما له على خصمه فلا يحكم بين الخصماء إلا بما يراه أنه هو الأعدل فيما يجوز فيه الرأي .
وأما القسم الثاني : الديني الذي لا يجوز فيه الاختلاف ، فلا يجوز خلافه على وجه لا يسع، وهذا شروع الابتداء في إيضاح قواعد ، وأصول ، وأقسام علم الهدى إلى الله تعالى ، وقولنا الهدى إلى الله ولم نقل هدي ، لأن معنى الهدي إلى الله هو أداء الطاعة إليه بالسلوك إليه بهداه أي بنور علمه الذي كلَّف عباده المتعبدين العمل به ، وأما معنى هدى الله فيحتمل معنيين أحدهما:
__________
(1) سقط في أ. (1/67)
صفحة 68
هو المعنى الأول من بيان علمه الذي تعبد به عباده أن يطيعوه بالعمل به ، قال الله (1) تعالى :" وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ " (2) . أي بيَّنَّا لكل متعبد بعبادة الله طريق الطاعة ليسلكها ، وطريق المعصية ليتجنبها[20/أ] ، وقال تعالى : " وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى " (3) . أي هدي البيان فالمعنى المراد : أي بينا لهم طريق علم الطاعة ليعملوا به ، و[علم] (4) طريق المعصية [34/ج] ليتجنبوها ، فاستحبوا العمل بطريق المعصية لله تعالى ولرسوله الذي أرسله إليهم .
والمعنى الثاني من هذا هو التوفيق[40/ب] للعمل بالهدى حتى يرضى الله تعالى عن العبد ، ويرضى العبد عن ربه ، وهو هدي السعادة الأبدية ، وقوله " اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ " (5) ، فالمراد بهدي البيان فهداه في كل أمر بعينه ، وهدي التوفيق للعمل به ، وهدي التثبت عليه حتى يرضى الله عنه ، ويرضى العبد عن الله تعالى فاعرف ذلك .
فصل
اعلم أنَّا قد ذكرنا في أول فصول الجزء الأول نقلاً عن القوم (6) أن الحكم على ثلاثة وجوه : عقلي وشرعي وعادي ، وقد ذكرنا من بيان العادي في ذلك الجزء ما فيه كفاية عن إعادته ، وكذلك الحكم العقلي ، وسنذكر في هذا الجزء بإيجاز منه لمعرفة تعداد القواعد والأصول والأقسام الميزانية ، ونأتي بعد ذلك ببيان الحكم الشرعي وقواعده وأصوله وأقسامه وبالله التوفيق .
[منظومة في أقسام العلم الديني]
فصل
في تقسيم العلم الديني : وقد نظمت ذلك في عشرين بيتا تسهيلاً لحفظ الطالب :
الحكم عادي وعقلي شرعي ... والشرع دين ثم رأي فرعي
عقلي منه واجب وممكن ... ومستحيل دائما لا يمكن
__________
(1) سقط لفظ الجلالة في ب.
(2) سورة البلد : 10 .
(3) سورة فصلت : 17 .
(4) سقط في أ و ب .
(5) سورة الفاتحة : 6 .
(6) يقصد بمصطلح القوم هنا : المذاهب الأخرى ، وهي كلمة يطلقها الإباضية على مخالفيهم من المذاهب الأخرى . (1/68)
صفحة 69
ثلاثة أقسامه التوحيد ... لربنا المولى هو المجيد
حقيقة عقلي شرع (1) قد عرف ... شريعةوالدين فيها مؤتلف[24/ب]
والرأي فيه لا يصح عمر ... دينونة في الرأي أيضا حجر[35/ج]
يسع لا يسع والعموم ... ثم الخصوص بعده مفهوم
منسوخ أيضا قد أتى وقد عرف ... وناسخ له كذلك قد ألف
فهذه قواعد الأحكام ... دين ورأي جاز للأعلام (2)
أقسامها إيجاب ندب نفل ... إباحة تحريم ثم الحل
كراهة فسبعة لا تختلف ... وكلها في الحكم صاح تأتلف
عادات أيضا ثم مهلكات ... كذا عبادات ومنجيات
طرقها ثلاثة معاملة ... تجريد أي محبة مكمله
وجوهها اعتقاد واعتقاد ... كذاك مع قول هو الرشاد[21/أ]
وعمل وترك وهو الرابع ... كلا إلينا قد أتاه الشارع
أصولها عقلي والتنزيل ... وسنة أوجبها الرسول
إجماع أيضا شبهها الأصول ... والرأي جاء منها به التكميل
وأخرج جواب صاح كل مسألة ... رأي تهدي بقياس الشبه له
وينظر التشبيه منه الأعدل ... موانع شروط ثم الخلل
ترى الصواب واضحا مبينا ... بالفكر فاعرفه كذا تبينا
...
[أقسام العلم الديني]
فصل
في تقسيم العلم الديني ، وهو ينقسم إلى أربعة أبواب ، لثلاثة[42/ب] أحكام ، لأربعة أحوال ، لتسع قاعدات على أنواع ، وأربعة وجوه ، وثلاث طرق ، لسبعة أقسام ، لسبعة أصول ، فهذه ستة فصول من غير عدد الأنواع والوجوه والطرق معها في الحساب .
الفصل الأول : في الباب الأول وهو الحكم العادي : وقد مرَّ بيان منه في الجزء [36/ج] الأول التوحيدي (3) ، وهو داخل في الباب الثاني ، والحكم إذ هو في الحقيقة من التوحيد .
الباب الثاني في الحكم الثاني العقلي وهو فيما يجب الإيمان به وهو على معنيين : الأول ما تقوم الحجة بمعرفته من العقل مهما خطر بباله ، والمعنى الثاني: ما تقوم الحجة بمعرفته من العقل بعد السماع به .
__________
(1) في ب شرعي.
(2) في ب في الإعلام.
(3) سقط التوحيدي في ب. (1/69)
صفحة 70
والحكم العقلي ينقسم إلى ثلاث قاعدات :القاعدة الأولى من المعنى الأول: هو ما يجب لذات الله تعالى من الصفات ، والقاعدة الثانية من المعنى الأول ما يستحيل لذات الله من الصفات ، والقاعدة الثالثة هو من المعنى الثاني الجائز في صفات الله تعالى ، ويسمى الممكن ولا يكون إلا في الأفعال وذلك على أنواع :
النوع الأول: ما قد أوجده الله تعالى وعُلِمَ بالنظر أو بالسمع أو بالعقل فلا يمكن إلا أنه هو أوجده ، وما عُلِمَ بالنظر أو بالسمع أو بخبر من الله تعالى أو خبر نبي أنه قد أوجده أو سيوجده أو أنه لا يوجده ، فلا يمكن خلاف ذلك ، وما تقوم به (1) الحجة بمعرفته من العقل بعد السماع[43/ب] به لزم الإيمان به من كل من سمع به .
والنوع الآخر: فيما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع فلا تقوم الحجة بلزوم التصديق إلا بقول إلهي تنزيلي أو بقول نبي.
والنوع الثالث: ما يستحيل إيجاده في التدبير ، وغير مستحيل[22/أ] في قدرة الله تعالى، فهو في الحكم من الممكن ، وكذلك ما هو غير مستحيل إيجاده في التدبير ولم يعلم أنه وجد أم لا .
والنوع الرابع: المستحيل إيجاده ولا يجوز أن يقال أنه غير مستحيل في القدرة ، أو في [37/ج] التدبير كإيجاده سبحانه وتعالى خلقاً مثله فهو كفر عظيم ، وكذلك معنى إيجاده خلقاً يراه فهو من المستحيل ، ولا يجوز أن يقال غير مستحيل في قدرته ، ولا إنه إذ كان مستحيلا في قدرته إيجاد ذلك كذلك فهو عاجز عن إيجاده كذلك ؛ لأنه إذا كان من الممكن كان من الممكن رؤيته ، ولو لم[44/ب] يكن لا لبراءة أحد ؛ لأنه من (2) الممكن في القدرة و (3) هو ممكن وجائز أن يكون كان (4) أو لم يكن أو سيكون أولا سيكون فلا ينفك عن أن يكون ممكناً مما لا سيكون ، ولا يجوز أن يكون من الممكن في القدرة إيجاد مخلوق يكون مثل الله ولا فيه صفة من صفاته تعالى .
__________
(1) سقط في أ.
(2) سقط في أ.
(3) سقط في أ.
(4) سقط كان في ب. (1/70)
صفحة 71
... ومن قال بجواز إمكان ذلك فقد كفر بالله العظيم ، بل (1) لا يسعه الشك في ذلك دع الاعتقاد ، ولا ينفعه اعتقاد السؤال مع وهو هالك إن لم يتب ويرجع في الاعتقاد بتنزيه الله تعالى عن (2) ذلك .
... الباب الثالث: وهو القاعدة الرابعة من الحكم العقلي علم الحقيقة ، وغالبه من الحكم العقلي ، كالشكر لله تعالى ، والصبر له في جميع ابتلائه وبلائه ، واعتقاد الطاعة له في كل حال ، وفي كل أمر ونهي ، والرضا له في جميع أفعاله به وفيه وبغيره وفي غيره ، والتسليم له ، والتفويض لأمره ، والتوبة من الذنوب ، والخشوع لله تعالى ، والتعظيم له[ سبحانه وتعالى] (3) ، والتوكل عليه وحمده والثناء عليه في كل أفعاله وفيما لم يفعله ، واجتناب أضدادها ، ويدخل فيه علم الشريعة من ترك الحسد الغير الجائز ، والغضب فيما لا يجوز ، وإتباع الهوى في الباطل ، ومنه الشهوة في المحظور .
فعلم الحقيقة [38/ج] يراد به تزكية النفس بتخليتها من الصفات الباطنة الذميمة ، وتحليتها بالأخلاق الحسنة[45/ب] الكريمة ، ويتعلق ذلك بالأحكام العقلية وبالأحكام [الشرعية] (4) بالأفعال الباطنة منها ، ولذلك قيل شريعة بغير حقيقة عاطلة ، وحقيقة بغير شريعة باطلة .
__________
(1) في أ بما.
(2) سقط في أ.
(3) سقط في ب.
(4) في أ الشريفة. (1/71)
صفحة 72
وبهذا الاعتبار قسَّم الغزالي (1) العلم الديني على (2) علم ثلاثة أحوال منجيات ومهلكات هما: علم الحقيقة ويدخل فيها علم الشريعة ، وعبادات وعادات هما علم الشريعة ، ويدخل فيه علم الحقيقة فهما علمان مرتبطان بعضهما ببعض لا يمكن انفكاك أحدهما من الآخر ، ومهما انفك أحدهما من الآخر بطل الجميع، ووقع له حكم الهلاك إلى أن يرجع إلى الحق المبين ، ومن هنا أوضح الغزالي أن للسلوك لله تعالى ثلاث طرق: طريقان في الحقيقة ، طريقة المحبة لله تعالى ، وطريقة التجريد، والطريق الثالث لظاهر (3) الشريعة ، وكل علم من العِلمين داخل في كل طريق من هذه الثلاث كما ذكرنا ولكن سميت على صور المعاني (4) .
[الشكر و حقيقته]
__________
(1) الغزالي :محمد بن محمد بن محمدالغزالي الطوسي(450 -505هـ-ـ 1085-1111م) ، أبو حامد حجة الإسلام : فيلسوف متصوف ، له نحو مائتي مصنف .مولده ووفاته في الطابران (قصبة طوس بخراسان ) نسبته إلى صناعة الغزل أو إلى غزالة من قرى طوس لمن قال بالتخفيف والأول لمن قال بتشديد الزاي من كتبه إحياء علوم الدين.(وفيات الأعيان1 / 463 ،طبقات الشافعية4 / 101 ،شذرات الذهب4 / 10).
(2) سقط على في أ.
(3) في أ الظاهر.
(4) انظر : محمد بن محمد الغزالي ، إحياء علوم الدين ، دار الكتب العلمية بيروت- لبنان ، ط1(1419هـ - 1998م) (1/7-9) ، مقدمة الكتاب. (1/72)
صفحة 73
بيان: [23/أ] ومعنى الشكر وحقيقته وصدقه بجمع جميع طرق السلوك إلى الله تعالى ، ويوجبه ويوجب نفسه إلى الله تعالى ، وهو أداء الطاعة لله تعالى في كل واجب ومحظور ، وترك ما شاء الله من المكروه ، وعمل ما شاء الله من الوسائل الغير الواجبة ، ومن اعتقاد ، واعتقاد وقول معاً باللسان ، وعمل بالأركان ، وترك محظور فعله على الإنسان في جميع ذلك ، والصبر بمعناه إلا فيما لا يلزم [39/ج] إلا اعتقاده فلا يدخل فيه الصبر ، ولذلك روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " الصبر نصف الإيمان والشكر كل الإيمان " (1) .[46/ب]
__________
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك (2/484) رقم 3666 ، و الطبراني في المعجم الكبير (9/104) ، رقم 8544. (1/73)
صفحة 74
هكذا أورد الحديث الغزالي عنه - صلى الله عليه وسلم - في جزء المنجيات من كتابه إحياء علوم الدين (1) ، وفسّر ذلك كما فسرناه ، وإنه لحق كما أتاه ، وهو على خلاف أهل مذاهبه ؛ لأن الإيمان معهم التصديق ، ولا يبطله ترك العمل بالواجبات ، ولا ارتكاب المحظورات بغير عذر يسعه عن الثواب، وإذا كان الإيمان كله الشكر ، والشكر أداء الطاعة لله في كل أمر ونهي ، والصبر نصف الإيمان ولم يدخل فيه الاعتقاد، والإيمان لا ينقسم ، دل على أنه من لم يتم نصفه بأداء الطاعة فيه لم يتم إيمانه ، ومن لم يتم إيمانه لم يكن مؤمناً تام الإيمان ، ومن لم يكن تام الإيمان فهو منافق ؛ لأنه مؤمن مع المؤمنين في الظاهر في إجراء الأحكام عليه غير تام الإيمان ، قد أنقضه بوجه آخر لم فيه من وجه آخر مؤمناً ، وهو كافر كفر نعمة فاسق ظالم نفسه من نفسه ، أو ظالم نفسه من نفسه بظلم نفسه وبظلم غيره ، وإن لم يتمه فقد تولى وكذب إيمانه بنقض إيمانه ، وتولى واستكبر عن الرجوع وعن إتمامه ، وجميع علم الحقيقة أحكامه قد ورد به التنزيل ، ووردت به السنة ، ولا يخفى وجود ذلك في التنزيل على من قرأ التنزيل ، وفهم معانيه ،مثل قوله تعالى : " وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ " (2) ، وقال : " ( اصْبِرُواْ " (3) ، وقال: " إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " (4) ، وقال :" وَعَلَى اللّهِ [ 47/ ب] فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " (5) ، وقال تعالى :" إِنَّ اللّهَ مَعَ [40/ج] الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ " (6) ، " وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ " (7) .
__________
(1) الغزالي ، إحياء علوم الدين (4/118-123) .
(2) سورة البقرة : 152 .
(3) سورة آل عمران : 200 .
(4) سورة البقرة : 153 .
(5) سورة إبراهيم : 12 .
(6) سورة النحل : 128 .
(7) سورة الفلق : 5 . (1/74)
صفحة 75
وغير ذلك من الآيات ، وهي كل آية معناها على ما ذكرناه مما يتعلق بعلم الحقيقة ، وينقسم علم الحقيقة كالشريعة على واجب ومندوب ووسائل ومباح ومكروه ومحجور وحلال . وسنبين نبذة قليلة من ذلك .
بيان : وقولنا إن طرق هذا الباب إلى الله ثلاثة :
الأول: طريق المعاملة إلى الله تعالى بظاهر الشريعة بأداء الاعتقادات اعتقادا ولفظاً ، وأداء الواجبات كالصلاة والصوم والزكاة والحج وغير ذلك كل مكلف ما وجب عليه ، وأداء ما أطاق من المندوبات ، وما شاء من الوسائل ، وترك ما استطاع من المكروهات، وترك المحجور ، وتحليل المحللات ما لزمه تحليله .
والطريق الثاني تجريد[24/أ] القلب مما لا يليق به من الصفات التي ذكرناها كالرياء الذي هو الشرك الخفي ، والنفاق الخفي ، واتباع الشهوة الخفية وهو اتباع الهوى ، وإتباع الغضب في غير محله ، وإعجاب المرء بنفسه ، والرضا عليها ، والأمن من سواها ، والأمن من سخط الله ، والتكبر في غير محله ، وما أشبه ذلك من الأخلاق الذميمة ، وتحليتها بالأخلاق الحسنة الجميلة كالصبر والشكر والخوف والرجاء والحمد لله والثناء عليه في كل أفعاله[48/ب] ، والرضا بقضاه والصبر على ابتلائه وبلائه وما أشبه ذلك . (1/75)
صفحة 76
والطريقة الثالثة طريقة المحبة ، وهي أقرب الطرق وأصعبها ، وهي أن يجتهد المرء في حضور قلبه مع الله [41/ج] لذكره إليه ، وذكر الآية وصفاته ، وعظم لطفه ورحمته لخلقه ، وخوفه من بعده عنه ، ومتى ذكر غير الله وحضر في قلبه ذكر غيره اجتهد في خلائه حتى يكون الله هو الحاضر في ذكر قلبه ، فهو مشغول بذلك فلا يتعرض له رياء ، ولا إعجاب ، ولا شيء مما يشتغل بتجريده صاحب الطريقة الثانية حتى يكون الله هو المتولي عقله ولسانه ويده وبصره وسمعه ، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - محكي عن الله تعالى أنه قال : " لا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل ، فإذا تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ، فإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ، فإذا أتاني يمشي أتيته أهرول (1) ، حتى أكون سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه التي ينطق بها ، ويده التي يبطش بها (2) " .
[طرق الفنى بالحضرات الإلهية]
__________
(1) أخرجه البخاري في (81- كتاب الرقاق 38- باب التواضع ) ص1160 -1161 ، رقم 6502 ، و أحمد ص752 ، رقم 10627 ، و البيهقي (10/219) ، و الطبراني في الكبير (8/206) رقم 7833 .
(2) الشطر الثاني أخرجه البخاري في (97- كتاب التوحيد 15- باب قول الله تعالى : " و يحذركم الله نفسه " ص1314، رقم 7405 ، و مسلم في صحيحه (48- كتاب الذكر و الدعاء و التوبة و الاستغفار10- الحث على ذكر الله ) ص1136 ، رقم 2675 ، و الترمذي (19- كتاب الدعوات 134- في حسن الظن بالله عزوجل ) ص953 ، رقم 3603 ، و ابن ماجه في 23- كتاب الأدب 58- باب فضل العمل ) ص643 ، رقم 3821 ، و أحمد ص804 رقم 11381 ، و الحاكم في المستدرك (4/275) ، رقم 7624، و أبو يعلى (6/29) رقم 3269 . (1/76)
صفحة 77
بيان : وبعد ذلك طرق الفنى بالحضرات الإلهية ، وهي التي نظمها ابن الفارض في التائية التي سماها نظم السلوك إلى خدمة ملك الملوك ، فجعلها كأنها حالة النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبر عن أحوالها في ذلك ، وعن أحوال السالكين إلى الله تعالى ، فإنه ليس في ديوانه بيت شعر يعني به نفسه ، بل كله كأنه ناطق بحالة [49/ب]النبي - صلى الله عليه وسلم - بلسان الحال ، وطرق الفنى عن الكائنات في بعض الأحيان تأتي السالكين إلى الله بطريق المحبة على حضرات كثيرة منها حضرات مقيدة أي بحضوره مع الله بصفة مشاهدة في شيء من خلقه كعظم (1) قدرته شاهدها في شيء مخصوص ، ومنها حضرات مطلقة أي تحضر مع الله تعالى بصفات كثيرة في ذلك الحين ، [42/ج]كما قال ابن الفارض (2) :
سقتني حُمَيَّا الحبَّ راحة مُقلتي ... وكأسي مُحيَّا من عن الحُسن جَلَّتِ (3)
__________
(1) في ب لعظم.
(2) عمر بن علي بن مرشد بن علي(576-632هـ=1181-1235م) الحموي الأصل المصري المولد والدار والوفاة ،أبو حفص وأبو القاسم ، شرف الدين ابن الفارض : أشعر المتصوفين يلقب بسلطان العاشقين في شعره فلسفة تتصل بما يسمى "وحدة الوجود"نشأ في بيت علم وورع.(وفيات الأعيان(1 / 383)،ميزان الاعتدال(2 / 266) ، شذرات الذهب( 5 /149-153) ، لسان الميزان( 4 / 317).
(3) ابن الفارض ، الديوان ، شرح و تقديم مهدي محمد ناصر الدين ، ط 1 ، 1410هـ - 1990 ، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان ، ص 26 ، من مطلع قصيدة لوائح الجَنان و روائح الجِنَان أو نظم السلوك ، وهو أول بيت فيها ، حميا الحب : الخمر ، الراحة ك باطن الكف ، مقلتي : عيني ، المحيا : الوجه ، جلت : تنزهت و ترفعت . من شرح الديوان التعليق 2 ص 26 . (1/77)
صفحة 78
جعل نظرة عينه إلى ما شاهده راحة كف فيها كأس المشاهدة لوجه الحضرة ، وهو مشاهدته إلى الله بصفاته ، والوجه أول ظهور الشيء إذ لا آخر لصفات الله ، فهي حضرة جلت أن توصف بالحسن الذي يوصف به المخلوقين ، ولا أن يشاهد كلها كما يشاهد حسن المخلوقين كله، إذ لا كل لصفات الله، إذ كل صفة[25/أ] لله فهي بلا نهاية ، ثم قال :
فأوهمتُ صحبي أن شُرْبَ شرابِهم ... به سُر سِرِّي في انتشائي وصحوتي (1)
أي هم يشاء الله تعالى بالحضرات المقيدة بشيء من صفاته ، وليس المراد مشاهدة الذات ، بل هو قوة حضور ذكر القلب مع الله تعالى ، وذلك يشاهد الله تعالى بصفاته بالحضرات المطلقة ، فكان الفناء أغلب عليه حتى عن ذكر أصحابه وعن نفسه فقال :
ففي حان سكري ،حان شُكري لفتيةٍ ... بهم تمَّ لي كَتْمُ الهوى مع شُهرتي (2)
أي حان وداعه لهم وشكره عليهم إذ فضل عنهم بقصور[50/ب] مراتبهم عن مرتبته فلو ساووه لم يكن أفضل منهم .
بيان : وبعد مراتب الفنى[هم] (3) درجات الجمع ، وهي درجة الأنبياء ، فإنهم على قوة حضورهم مع الله تعالى بالحضرات المطلقة عقولهم حاضرة مع الخلق للأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والقيام بالمصالح ثم الفناء [43/ج] بالحضرات على وجهين : حضور مع الله مع فناءه عن نظر المخلوقات ، وحضور مع الله فيما خلق .
وأعلى الحضرات الإلهية الدرجة الأحديه ، وهي درجة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يشاهد الله تعالى بجميع ما يعرفه به من الصفات ، وبجميع ما يشاهده من الكائنات ، فهو جامع للوجهين ، وفي الحضور إلى الله تعالى بهذه الحضرات يبلغ درجات المكاشفة ، ولكن لا يقصدها السالكون بل الله يكاشفهم ، فيرون ما لا يرى غيرهم .
[
__________
(1) ابن الفارض ، الديوان ص 26 ، و يوجد في الديوان بدل " صحوتي " ، " بنظرة " .
(2) ابن الفارض ، الديوان ، ص26 ، و يوجد في المخطوطة ، بدل " لفتية " ، " لأحبتي " و اعتمدنا ما في الديوان .
(3) زائدة في ب ولا معنى لها. (1/78)
صفحة 79
عيون العقل]
بيان : وذلك أن للعقل ثلاث عيون مثلاً عين البصيرة ، وعين الغزيرية ، والعين المديرة ، وهي النفس الأمارة بالسوء ، وهي محل مجئ الشيطان ، فيها يخيل إليها القبيح حسناً ويعلمها ذلك ، وقال أكثر العلماء أن محل العين البصيرة علوم الآخرة من (1) الدين ، ومحل العين الغزيرية العلوم الدنياوية ، ولذلك يرى كثير العلم وهو من علماء السوء ، وقليل العلم طائعا لله تعالى .
والحق معي بخلاف ذلك ؛ لأن كثير من العلماء[51/ب] تفحل في تدقيق علم الشريعة والتوحيد ، وهو من علماء السوء ، وإنما الحق أن العين البصيرة لا يتجلى منها إلا نور محبة الله تعالى للمرء ، فيتجلى فيها كالشمس في المرآة ، فيحب المرء الله تعالى ، ويشرق نورها على نور الغزيرية ، فيرى حقائق الكمالات في كل شيء ، وينظر الكمالات الخيالية الفاسدة ، فيصرفها عن نفسه ، ويحدث إليه عين النفس فيشرق الجميع بنور الله تعالى .
ومحل العين الغزيرية [44/ج] جميع العلوم والحكم ، ولكن سماه الحقائق ونجومه لا تنظر كمالاته بها ، فهو كما[26/أ] ينظر الرجل من بعد ولا ينظر صورته حسنها وقبحها ، ولا يعرف أخلاقه ومعرفته وبلادته ، فإذا دنا منه وعرفه عرف ذلك ، فجميع الكمالات الخيإلىة ، والحجب المانعة عن درجات الحضور هي بمنزلة السحاب الحائل بين السماء وشمسه ونجومه عن مرآة العين الغزيرية ، ومانعة من أعماله الغير المرضية ، مانعة عن مصباح العين البصيرة الذي منه يشرق نور المحبة الإلهية، فإذا خلا فساده زال سواد ذلك ، وانفتح وأشرقت نور شمس المحبة الإلهية ، ونظر به حقائق الكمالات الحقيقية وحسنها[ فيميل حبه] (2) إليها ، ويقبل على طاعة العين البصيرة بما تأمره، وهي بمنزلة القائل الطائع لله تعالى ، ولا يدعوه إلا إلى طاعة الله ، فإذا أطاعتها العين الغزيرية صار طائعا لله تعالى .
__________
(1) في ب والدين.
(2) فهي راجعة ]في ب. (1/79)
صفحة 80
وهم العلماء بالله [52/ب]الذين وصفهم الله تعالى: " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" (1) ، وكثير ممن هو قليل علم الغزيرية ونور العين البصيرية شارقة فهو طائع لله تعالى مع قلة علمه ، ومهما اتبعت الغزيرية دواعيها طلبت الرئاسة ، والعلو ، والتكبر وإتباع الغضب ، والكمالات الخيالية ، ومهما تبع العين الأمارة بالسوء ، وهي بمنزلة زوجته نزل إلى طلب المنازل الدنية الوضيعة ، وأظلمت العين البصيرية على الوجهين أو بحالة من أحوال العين الغزيرية التي هي السلطان ، وهي المخاطبة بمخالفة دواعيها ، ودواعي عين النفس [45/ج] وإتباع دواعي العين البصيرية ، وهنا شرح يطول به الكتاب .
__________
(1) سورة فاطر : 28 . (1/80)
صفحة 81
وطرق الفنى عرفت من قوله - صلى الله عليه وسلم - حين أتاه جبريل يسأله بحضرة بعض أصحابه صلى - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم في صورة رجل قعد بين يديه فقال له : أخبرني يا نبي الله ما الإيمان ؟ ، فقال له : "أن تؤمن بالله واليوم الآخر والرسل والأنبياء وكتب الله تعالى " ، فقال : صدقت يا نبي الله !، أخبرني عن الإسلام ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: هو يؤدي العبد المكلف ما لزمه من الصلوات المكتوبات والصوم والزكاة والحج وما وجب عليه ويتجنب المحرمات ، فقال : صدقت يا نبي[53/ب] الله صلى الله عليك وسلم ، أخبرني عن الإحسان ؟ ، فقال : " أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (1) .
__________
(1) أخرجه البخاري في (2- كتاب الإيمان 37- باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان و الإسلام ) ص27 رقم 50 ، و مسلم (1- كتاب الإيمان 1- باب الإيمان و الإسلام )ص65 رقم8 ، و الترمذي (41- كتاب الإيمان 41- باب ما جاء في وصف جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان و الإسلام ) ص704 و ص405 رقم 2610 ،و النسائي (47- كتاب الإيمان 5- باب نعت الإسلام ) ص837 رقم 5005 ، و أبو داود (كتاب السنة 16- باب في القدر ) ص786 رقم 4683 ، و ابن ماجه ( في المقدمة 9- باب في الإيمان ) ص21 رقم 64 ، و أحمد بن حنبل في مسنده ص53 رقم 184، و ابن خزيمة (4/5) رقم 2244، و ابن حبان (1/375) رقم 159 ، و أبو عوانة في مسنده (4/194) رقم 6470 ، و البيهقي في السنن الكبرى (10/203) ، و البزار في مسنده (9/419) رقم 4025 ، و الروياني في مسنده (1/417) رقم 1425 . (1/81)
صفحة 82
فقالوا إن لقوله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم تكن تراه فإنه يراك معاني كثيرة ، أولها على ظاهره فإن لم يكن تراه - ألف بعد الراء - فإنه يراك ، والمعاني الباطنة فإن لم تكن تره - بحذف الألف- فإنه يراك أي كأنك لم تكن ناسياً كونك وجميع[27/أ] الكائنات بقوة المشاهدة بالحضرات الصفاتية ، فإنه يراك أي سمعك الذي تسمع به ، وبصرك الذي تبصر به ، ولسانك التي تنطق بها ، ويدك التي تبطش بها ، ويشاهدك من ملكوت عالم الغيب من لا يعلم .
وأخذوا معرفة ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم على صورته" (1) ، فكثير من العلماء ظن أن المعنى على صورته التي خلقه عليها (2) ،
__________
(1) أخرجه البخاري في (79- كتاب الاستئذان 10- باب بدأ السلام ) ص1116 ، رقم 6227 ، و مسلم في (45- كتاب البر و الصلة و الآداب 39- باب خلق الإنسان خلقا لا يتمالك ) ص2611، رقم 1111، و أحمد ص553، رقم 7319 ، و عبد الرزاق في المصنف (9/444) رقم 445 ، و ابن حبان في صحيحه (13/18) ، رقم 5710 ، و أبو عوانة (1/160 ) رقم 464 ، و الحميدي (2/476) رقم 1120 ، و عبد بن حميد ص283 ، رقم 900
(2) جاء في كتاب الترتيب في الجزء الثالث :
104- قال: وأخبرنا بشر المريسي عن محمد بن يعلي قال أخبرنا الحسن بن دينار عن خصيب بن جحدر عن اسحق بن عبدالله أن الحارث بن نوفل قال : قلت لابن عباس : سمعت أبا هريرة يقول : " خلق الله آدم على صورته وهو ستون ذراعا" ، قال ابن عباس : صدق أبو هريرة، خلق الله آدم على صورته التي في علمه أنه يخلقه عليها لم يحوله منها إلى غيرها، قال بشر ومعنى آخر خلق الله آدم على صورته التي كان في علمه أن يخلقه عليها بالغا لم ينقله من نطفة إلى علقة ولا من علقة إلى مضغة ولا من مضغة إلى عظام، ومعنى آخر وذلك أن الله كان ولا شيء غيره وقد علم ما يخلق منه الصور والبقاع والأرواح والرسل واصطفى الله آدم على صورته أي الصورة المصطفاة المعلومة،...." انظر : يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ، كتاب الترتيب ، مكتبة مسقط ، سلطنة عمان "1(1424هـ - 2003م) (3/374) .
أما ابن العثيمين من علماء السلفية المعاصرين ، فينص على أن للحديث معنيان : الأول : أن الله خلق آدم على صورته - سبحانه و تعالى - ، وعلل ذلك بقوله : أنه لا يلزم من كون الصورة مماثلة للشيء من كل وجه ، وذلك هربا منه من الآية : " ليس كمثله شيء " [ الشورى :18] و المعنى الثاني : أن الإضافة في الحديث من باب إضافة المخلوق إلى خالقه ، و فسر الحديث بقوله : " فقوله " خلق آدم على صورته " يعني : صورة من الصور التي خلقها الله وصورها كما قال تعالى : " و لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" [ الأعراف :11] و المصور آدم إذا : فآدم على صورة الله ، يعني : أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات " ثم رجح المعنى الأول ، وهو ما يوافق مذهبه السلفي المجسم ، انظر : محمد صالح العثيمين ، شرح العقيدة الواسطية ، دار الثريا - المملكة العربية السعودية - الرياض ، ط1(1421هـ - 2000م) ، ص86-89. (1/82)
صفحة 83
وليس المراد كذلك إذ لا يختص بذلك آدم بل كل شيء خلقه [46/ج]على صورته التي خلقه عليها ، ولكن المعنى أن الله خلق آدم دالاً على معرفة الله تعالى ، فإن لله تعالى ذات لا تعرف ، ومن صفة ذاته تعالى أنه سميع بصير متكلم مريد فاعل آمر ناهي في كونه ما شاء بغير حرف ،ولا يكون إلا ما أراد ، وعليه القريب والبعيد سواء ، وخلق الإنسان له ذات وهي العقل لا يعرفه إلا هو تعالى سميعاً بصيراً[54/ب] متكلماً مريداً فاعلاً آمراً ناهياً في كونه الذي جعله الله له ، وهو أعضاء شخصه الحال فيه بغير حرف ، ولا يكون إلا ما يريده وما أراده منه كان ، وعليه القريب والبعيد سواء ، ينظر صفات الله تعالى من شخصه الذي هو فيه ، ومن غيره من جميع مخلوقات ربه مما يعرفه، قال الله تعالى : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي " (1) .أي أمر رباني ، والمراد بالروح هنا [هي] (2) العقل.
ولكن لا تشبه صفات الإنسان هذه صفات (3) الله تعالى ، ولذلك لم يقل - صلى الله عليه وسلم - أن الله خلق آدم على صفاته ؛ لأن القول بذلك كفر ؛ لأنه يوجب التشبيه ، وإنما قال على صورته إذ المفهوم أن ليس لله صورة ، كما له صفات ، فأتى - صلى الله عليه وسلم - بما هو معروف أنه منزه عن ذلك ، وقد شرحنا جميع هذا في كتابنا شرح نظم السلوك لابن الفارض إلى حضرات ملك الملوك .
__________
(1) سورة الإسراء : 85 .
(2) سقطت في ب.
(3) في أ (لا تشبه صفات الله الإنسان هذه صفات ذلك الله تعالى) والمعنى غير واضح. (1/83)
صفحة 84
وقال الله تعالى :" اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " (1) ، إشارة على إشراق معرفته بصفاته في السموات والأرض باسم النور مثلاً بالشمس وإشراقها [47/ج] في السموات والأرض" مَثَلُ نُورِهِ "، وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - " كَمِشْكَاةٍ "، أي روزنة (2) في مسجد مشيد ، أي مغري بالنورة في زجاجة أي قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - " كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [55/ب] يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ "، أي من زيت ثمرة الزيتون ، " لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ " (3) ، أي لم تكظها (4) الشمس عند مطلعها ولا مغربها ، وذلك هو القرآن العظيم وما فيه ، وما يوحى إليه من علم الشريعة ، وعلم الحقيقة ، والعلم العقلي والعادي ، لا إفراط فيه ولا تفريط ، بل هو الصراط المستقيم ، فلا اجتماع نور الصدر ونور القلب ، والسراج هو العقل[28/أ] ونور العلم نور على نور .
وقيل هو ضرب مثل لنور معرفة الله تعالى في كل طائع لله تعالى ، فالعين البصيرة والعين الغزيرية منه ، وعين النفس لإشراق نور المحبة من عين البصيرية على ذلك فهو كالسراج والقلب كالزجاجة ، والصدر كالمشكاة ، ونور العلم الحق في ذلك بمنزلة الزيت الصافي ، يمد سراج العقل فلاجتماع ذلك ونور جدار المسجد نور على نور ، والحق من التأويل في هذه هو يتضمن المعنيين النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعقل كل مؤمن شاكر لله تعالى ؛ لأن نور المعرفة في عقل كل شاكر لله تعالى والمثل لائق به ، وإذا كان اللفظ له معان كثيرة فمن التقصير في حقه أن يقتصر به على معنى واحد ؛لأن كثرة معانيه تدل على بلاغته فاعرف ذلك وبالله التوفيق .
__________
(1) سورة النور : 35 .
(2) هي لفظة عمانية ، تطلق على مكان في أعلى الجدار يوضع فيه الكتب وغيرها .
(3) سورة النور : 35 .
(4) كظ : كظه الأمر بهظه و كربه و جهده ، الفيروزآبادي ، القاموس المحيط ، دار إحياء التراث العربي ، ط1 (1422هـ -2001 م ) ص 643 ، مادة الكظه . (1/84)
صفحة 85
الباب الثالث :علم الشريعة[ الظاهرة] (1) وهو أحد المصراع (2) الثاني ، ويطلق هذا الاسم في الغالب بالاصطلاح [48/ج]على العلم[56/ب] الظاهر من أحكام التنزيل والسنة والإجماع والرأي مما لا تقوم بمعرفته الحجة إلا بالسماع مما لم يعرف حكمه إلا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، إما من التنزيل الذي جاء به ، وإما من لسانه ، وإما من أفعاله أو من أفعال أحد من أهل الإيمان له فعله بحضرته فلم ينكر عليه ، أو سمع به أنه فعله فلم ينكر عليه ذلك .
ويدخل في هذه القاعدة وجه من وجوه القاعدة الثانية من الممكن الجائز وهو الوجه الثالث الذي لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع من إخبار الله عنه ، أو إخبار النبي عليه الصلاة والسلام عنه ،ويدخل فيه الوجه الرابع من وجوه الممكن وهو مما تقوم بمعرفته الحجة من العقل بعد السماع به ، وتنقسم هذه القاعدة على وجوه كما سنأتي بيانها إن شاء الله .
وهي على خمسة وجوه : الوجه الأول : اعتقاد بالقلب، كاعتقاد نبي قامت عليه الحجة بمعرفته بالسماع ، ونزلت به بلية التعبد في اعتقاده أنه نبي ، و لم يوسَّع له في الشك فيه من غير رسول زمانه الذي لزمه أن يعتقده ، ويقول بلسانه إنه رسول الله عليه السلام ، وغير ذلك كما سنذكره بعد حين إن شاء الله تعالى .
الوجه الثاني : اعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح نحو الشهادة بالجملة متى لزمت اعتقاداً بالقلب ، ولفظاً باللسان أن لا إله إلا الله وأن محمداً[57/ب] رسول الله ، وكأداء الصلوات المكتوبات متى قامت عليه الحجة بمعرفة وجوبها ولزوم أدائها بالسماع ، وكذلك [49/ج] الزكاة والحج.
__________
(1) سقطت في ب.
(2) المصراع : هو أحد جزئي الباب ، و المراد به هنا : القسم ، الفيروزآبادي ، القاموس المحيط ، ص680 مادة الصرع . (1/85)
صفحة 86
الوجه الثالث : عمل بالجوارح ، كأداء حق على أحد لأحد من دراهم أو غيرها من مال أو غير ذلك ، نحو الإنفاق على الزوجة وكسوتها والبيات معها على ما لزمه ، ونحو صلة الأرحام وما أشبه ذلك ، ولو لم يعلم أن ذلك لازم عليه فيما بينه وبين الله تعالى ، وأدَّاه كما هو واجب[29/أ] عليه فهو سالم.
الوجه الرابع : تركه المكروه كأكل كل ذي ناب من السباع ، ومخلب من الطير.
والوجه الخامس: فعله الحلال[ كأكله لحم الأنعام] (1) .
والوجه السادس: ترك المحجور كاجتناب أكل لحم الخنزير ، وما أشبه ذلك وفي غير الأكل أيضا.
والقاعدة الخامسة: [الدين] (2) الذي لا يجوز فيه الاختلاف ، وهي الأصول كما سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
القاعدة السادسة: الرأي وهو ما عدا الأصول ، فإن علم الشريعة ينقسم أيضا على شطرين (3) علم الدين وعلم الرأي ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
القاعدة السابعة: علم الناسخ والمنسوخ معا وقد مرَّ بيان نبذة من علمه في الجزء الأول[ ما فيه] (4) كفاية عن إعادته ، ويصح القياس بما ذكرناه على حكم ما لم نذكره منهما.
القاعدة الثامنة: فيما يسع وفيما لا يسع معا، والشريعة تنقسم كذلك ، فعلى هذا فهي قاعدة داخل أحكامها في غيرها من القواعد ، وكل أمر لم تنزل بلية التعبد به أداءه لله تعالى من اعتقاد أو عمل أو هما معا، أو عمل بالجوارح ، أو ترك محرم ارتكبه[58/ب] فهو واسع له ، وكل أمر نزلت بلية التعبد على عبد بذلك على أحد الوجوه الأربعة[ و] (5) لم يوسع له إلا أداءه [50/ج]كما وجب.
القاعدة التاسعة: في الخاص والعام معاً.
__________
(1) سقطت في ب.
(2) سقط في ب.
(3) في ب شرطين.
(4) سقط في ب.
(5) سقط في ب. (1/86)
صفحة 87
وهي على الأول حكم خاص لشخص معين لا يعم غيره ، كما خُصَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بفرض قيام الليل ،والوجه الثاني: خاص يخص شخصاً ، وهو عام يعم من كان مثله ، كإقامة الحد على الزاني بمائة جلدة إذا كان غير محصن ، وبالرجم إذا كان محصناً ، وذلك عام في كل من وجب عليه إقامة الحد .
والوجه الثالث: لفظ يخص قضية ولا يعم ، وإن عم به دخل فيه ما لا يخصه . والوجه الرابع: العام على كل متعبد نحو كل من نزلت به بلية التعبد من دين الله تعالى به ، ولم يوسَّع له إلا بأدائه فهو و(3) عليه ، فهذا حكم عام وفي الحقيقة هو خاص من كان كذلك ، ولكنه في الاصطلاح هو من أحكام العموم .
[قواعد علم الهدى]
... فصل
فهذه قواعد علم الهدى إلى الله تعالى ، وتدور على سبعة أقسام من شريعة وحقيقة .
القسم الأول: الواجب وهو ما وجب على العبد فعله ، ولم يسعه إلا أداءه ، وهو على[30/أ] ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: الاعتقاد كما مثلناه في لزوم (1) اعتقاد نبي ، أنه نبي قامت عليه الحجة بمعرفته أنه نبي .
والثاني الاعتقاد والعمل به معا كما مثلناه بأداء الشهادة بالجملة اعتقاداً بالقلب ، ولفظاً باللسان على ما يستطيعه من الكلام بمعنى[59/ب] ذلك إن لم يعرف اللفظ العربي ، وكأداء الصلاة والزكاة والحج .
والثالث عملاً بالجوارح كما صورناه في أداء الحقوق .
والرابع فعل الحلال [51/ج]كشرب الماء الحلال له ، وما أشبه ذلك ، وقد مر بيانه .
والخامس اجتناب المحرمات .
القسم الثاني: المندوب وهو ما ندب فعله دون الإيجاب من التنزيل أو السنة أو اتفاق الأمة ، وكره تركه مع الاستطاعة ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى .
__________
(1) سقط في ب. (1/87)
صفحة 88
القسم الثالث : الوسائل وهو كل فعل من أفعال العبادة المقربة إلى الله زلفى ، ولم يكن من المندوب كصلاة التطوع الغير مندوبة ، والتطوع بصيام [ أيام من ] (1) غير الأيام المندوبة ، والحج بعد أداء الحج الواجب ، وما أشبه ذلك مما ليس في تركه كراهية مع الاستطاعة لفعله ، وهو الفرق بينه وبين المندوب .
القسم الرابع : المباح وهو على أنواع ، النوع الأول ترك فعل بعض من المندوب مع الاستطاعة لفعله فيكون من المباح المكروه ، والوجه الثاني فعل المكروه مع الاستطاعة على تركه فهو من المباح المكروه ، والوجه الثالث ترك فعل شيء من الحلال له فعله وتركه ، كتركه أكل لحم من حيوان حلال مباح له ترك أكله لغير معنى يكون [له] (2) من المندوب تركه ولا من الوسائل في حين ذلك.
والوجه الرابع المباح الذي جاء فيه الاختلاف أنه هل له ثواب في تركه أو فعله إذا كان ترك فعله وفعله سواء ليس له فيه نية ينوي بها الله تعالى، فقيل على رأي أنه لا ثواب له في تركه ولا في[60/ب] فعله ، وقيل لا يكون مباحاً كذلك حاله ، ويدخل في ذلك علم الحقيقة وعلم الشريعة ، وهذا الوجه الرابع هو المراد معنا أنه القسم الرابع المباح لا الوجوه الثلاثة [52/ج] المتقدمة مع أن الوجه الثالث يمكن أن يدخل مع هذا الرابع في ترك فعل الحلال وفي فعله في الإفراط كما سنأتيه إن شاء الله تعالى.
__________
(1) سقط في أ و ب .
(2) سقط في أ. (1/88)
صفحة 89
مثال ذلك من اجتهد في تجويد فتل هدوب عمامة له ، و تدقيق خيوطها ، وتحسين فتلها [و عقدها] (1) ، وعقدها بالغا حتى إنه إذا لم يكن جيداً كثيراً ، رجع فتله ، وأتقن فتله مرة أخرى ، لغير إرادة شهرته حتى يعرف بجودة الصنعة ليؤجر،ولا لإرادة بيعه ، ولا إرادته متى بدا له بيعه ، بل ذلك لنفسه ، ولم تحضره نية في ذلك لله إلا تلذذ نفسه في كونه كذلك فليس له بذلك ثواب في الآخرة ، وإن تركه كذلك غير مفتول لقلة همته لا لشغل أهم منه ، ولا نية له في تركه لله ، ولا عن قناعة ، فلا ثواب له في الآخرة بتركه له كذلك غير مفتول على ما ذكرنا على رأي بعض العلماء في الحإلىن.
ومثله من (2) يجوّد نقش خشب بابه المنصوب على جهتي لوحي الباب ، والخشب الذي أعلاه ، والخشبة المنصوبة في طرف أحد لوحي الباب اجتهاداً بالغاً ، ويثقب خشباً يجعله أعلى الباب ، ويجتهد في تجويد الثقوب على صورة حسنة لا نية له غير التلذذ بذلك كذلك أو يبذل لغيره أستاذاً لعمل ذلك فهو [من] (3) المباح ، وليس له[61/ب] ثواب على فعل ذلك ، أي أنه لا نية له فيه لله تعالى .
وإن[31/أ] وضع ذلك كذلك ألواحاً وخشباً غير منقوشة تعاجزاً لم تحضر به فيه نية لله تعالى إلا تعاجزه ، وليس في نفسه أنه لا يريد [53/ج]كذلك قناعة بل في نفسه أنه بعد حين لينقشه أو يبذل لأستاذ على نقشه بعد حين، ولم يكن تركه في ذلك الوقت بشاغل شغله هو أهم من ذلك لا بل تعاجزاً وتغافلاً وتسويفاً ، فليس له بتركيب بابه على هذا الوجه ثواب.
__________
(1) سقط في أ و ب.
(2) في أ و ب " من يحق أن " وهي غير واضحة في السياق .
(3) سقط في ج . (1/89)
صفحة 90
وكذلك فيمن ينقش محراب مسجد لم يقصد به تعظيماً للمحراب ، بل ليس له نباهة في ذلك إلا أنه استحلاه نقشاً بالحديدة لا بالتزويق بالاصباغ ، فإنه مكروه في المساجد جداً ، كرهه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ونهى عنه كما روى [من روى] (1) عنه أنه نهى عن تزويق المساجد (2) ، والمعنى بالأصباغ.
وأما المحراب فنقشه بغير تزويق بل بالحفر فيه من غير مال المسجد ، فقد قيل أنه لا يجوز أن يبذل المرء ماله في ذلك ؛ لأنه مما لا نفع فيه، ومعي أنه يجوز ، ولا يشك أحد أنه مما يزيده شرفاً وتعظيماً وهيبة في قلوب الناظرين إليه ، ولا فرق بين نقش محرابه وبذل الأجرة لذلك ، وبين تجويد نقش خشب أ بوابه التي قدمنا ذكرها ، وتجويد ثقوب الخشب الذي يركب في القوس الذي هو أعلى من الباب .
وقد فعل والدي - رحمه الله تعالى - كذلك في أبواب مسجده الخشب الذي يجعل في أعلاه، وأراد مني أن أنقش[62/ب] الحجار من المحراب الذي في طرف جهاته اليمين والشمال والأعلى ، براءة معرجة متداخلة بعضها في بعض، فلم يساعدني الدهر في نقشه - رحمه الله تعالى- .
__________
(1) سقط في ب.
(2) ورد في النهي عن معنى التزويق أحاديث كثيرة ، و لكن لم تأت نصا في ذكر كلمة التزويق ، بل وردت كلمة التزويق عند الدارمي عندما ترجم للباب فسماه باب في تزويق المساجد ، أما النهي عن المباهاة في المساجد فكثيرة منها ما أخرجه النسائي في (8- كتبا المساجد 2- باب المباهاة في المساجد ) ص118 ، رقم 688 ، و أبو داود في (2- كتاب الصلاة 12- باب في بناء المساجد ) ص93 رقم 445 ، و ابن ماجه (4- كتاب المساجد و الجماعات 2- تشيد المساجد ) ص 130 ، رقم 739 ، و أحمد ص880 ، رقم 12501 ، و الدارمي في (2- كتاب الصلاة 123- باب في تزويق المساجد) (1/242) رقم 1408 ، و ابن خزيمة (2/280) رقم 1322 ، و ابن حبان (4/492) رقم 1613 ، و البيهقي في السنن الكبرى (2/439) ، رقم 4097 . (1/90)
صفحة 91
ومن نوي به التعظيم للمسجد فله ثوابه ، وإنما [54/ج]كلامنا في المباح في غير المساجد التي يمكن أن تحضر فيها نية لله تعالى ، وأما الإفراط فقد ضرب له الغزالي مثلاً ، في صياد غني اصطاد ظبية فوجد فيها حبلاً في عنقها ، أو في رجلها فتركها حذراً أن تكون مملوكة ، فله الثواب بتركها ، وإن كان يمكن أنها غير مملوكة بل هي وحشية ، وإن ارتباط الحبل بعنقها أو برجلها أحد نصبه لصيدها أو ليصيد مثلها ، أو لأي صيد فمرت به فانقطع ومرت ، ففي الحكم ليس هي لمن نصب الحبل للصيد ؛ لأنه لم يصدها بحبله .
وإن وجدها ليس بها علامة ملك ، وصارت في حد يستطيع صيدها ، وشك في نفسه وهما في فلاة بعيدة عن الناس أنها عسى أن تكون مملوكة فترك صيدها قبل أن يصيدها فليس له في الترك ثواب ، وإن صادها ولم يكن محتاجاً لصيدها ، ولا قصد أنه يحملها إلا لذة في نفسه أن يكون قد صادها فلا ثواب له في صيدها على هذه الصفة ، وما مثلناه نحن إلىق فيما لا ثواب له في الترك أو الفعل ، ففي بعض هذا المثل قد يثاب عليه وقد يكره فاعرف ذلك . (1/91)
صفحة 92
الأصل الخامس المكروه : وهو المندوب ترك فعله نحو ما نهى النبي[63/ب] - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير (1) ،
__________
(1) أخرجه البخاري (72- كتاب الذبائح و الصيد 29- باب أكل كل ذي ناب من السباع ) ص1013 رقم 5530 ، و مسلم (34- كتاب الصيد و الذبائح 4- باب إباحة ميتة البحر ) ص865، رقم 1933و 1934 ،و الربيع رقم387 ، و الترمذي في (18- كتاب الأطعمة 1- باب ما جاء في كراهية أكل المصبورة ) ص430 رقم 1474، و النسائي(43- كتاب الصيد و الذبائح 31- باب تحريم كل لحم الحمر الأهلية ) ص737 رقم 4353 ، و أبو داود ( 26- كتاب الأطعمة 33- باب في أكل لحوم الحمر الأهلية ) ص641 ، رقم 3798 و 3799 ، و ابن ماجه ( 28- كتاب الصيد 13- باب أكل كل ذي ناب من السباع ) ص255 رقم 3232 ورقم 3233 ، و أحمد بن حنبل في مسنده ص273 ، رقم 3070 ، و الدارمي في (6- كتاب الأضاحي 18- باب ما لا يؤكل من السباع ) (2/72) رقم 1980 ، و أبو عوانة (5/15) رقم 7596 ، و ابن حبان (12/84) رقم 5280 ، و البيهقي في السنن الكبرى (9/315) ، و ابن أبي شيبة (4/258) بو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي ،لكتاب المصنف في الأحاديث والآثار ، تحقيق : كمال يوسف الحوت ،مكتبة الرشد الرياض ط1 1409هـ .، و عبد الرزاق في المصنف (4/520) رقم 8706 .. (1/92)
صفحة 93
ثم روي أن بعضاً من الصحابة أكلوا لحم ضبع اصطادوه ، وجعلوه من الصيد وحكموا على من صاده في الحرم أو قتله فلم يرجعه أو كان محرما بكبش أملح[32/أ] ، ولا يصح [55/ج] أن يجعلوه من الصيد ويحكموا به قبل أن يعلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجزاء كما جاء في التنزيل في قتل الصيد قبل أن يعرفوا حكمه ، ولا بعد ما بين لهم حكم السباع ونهاهم عن أكلها إلا وقد عرفوا ما عنده في نهيه أنه غير نهي تحريم بل أنه نهى أدب أو كراهية ، فأكلوا وحكموا لئلا يدان بتحريم ذلك يشتهر فعلهم كما اشتهرت رواية النبي ، ولا يفعلوا شيئاً إلا ما أجاز لهم ، وأذن لهم فيه النظر بالرأي، فإذا كان في روايته أنه نهى أدب فأكله منهي ، وكل منهي بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مكروه ومندوب تركه ، وتركه من الوسائل المندوبة .
الأصل السادس : الحلال وهو على وجوه.
الأول ترك فعل شيء من المندوب فعله على قدرة من فعله فيكون من الحلال المكروه .
الوجه الثاني ترك فعل شيء من الوسائل مع الاستطاعة على فعله فهو من الحلال المباح .
الوجه الثالث فعل المكروه مع الاستطاعة على تركه فيكون من الحلال المكروه .
والوجه الرابع الحلال فعله كأكل لحم شيء من الأنعام ، وإن شاء لم يأكل في حينه ذلك[64/ب] إذ لم يرغب في ذلك الحين ، ولو أكل لم يكن يضره ، وهذا الوجه هو المراد بهذا القسم هنا .
والأصل السابع :المحجور فعله ، كأكل لحم الخنزير[على غير ] (1) ضرورة ، وما أشبه ذلك من ارتكاب فعل المحرمات على وجه لا يسع .
__________
(1) سقط من أ. (1/93)
صفحة 94
بيان : وفي الحقيقة أن المندوب يعم فعل الواجب ، وفعل المندوب[56/ج]، وترك المكروه ، واجتناب المحرمات والمكروهات ، ولكن خص به في الاصطلاح الوسائل المندوبة ، والوسائل يعم اسمها فعل الواجب والمندوب وترك المكروه والمحرمات ، ولكن خص به الوسائل التي هي غير مندوبة اصطلاحيا , والمكروه يعم ترك المندوب وفعل المكروه ، والمحرم يعم ترك فعل الواجب وفعل المحرمات ، والواجب يعم فعل الواجب واجتناب المحرمات ، والواجب هو ما لفاعله الثواب ولتاركه العقاب ، والمحرم ما لفاعله العقاب ولتاركه الثواب ، والمندوب فعله والوسائل ما لفاعل ذلك الثواب وليس على تاركه عقاب ، والمكروه فعله ما لتاركه الثواب وليس على فاعله عقاب ، والمباح ما لفاعله ولا لتاركه ثواب ولا عقاب على رأي ، والحلال ما قد يكون لفاعله ثواب ، وليس لتاركه عقاب على وجه يسع ، وقد يكون فيه من المحرم عليه إذا بذله فيما لا يجوز له وصار في حكمه بذلك مبذراً فاعرف ذلك .
[أصول الدين ]
فصل
وكل هذه الأقسام السبعة تدور على ستة أصول[65/ب] من أصول الدين :
الأصل الأول: من أصول الدين الذي لا يجوز خلافه ، فلا يجوز فيه إجازة الرأي هو ما جاء حكمه مصرحاً في التنزيل ، ولم يجز خلافه[33/أ] بتأويل جائز فيه .
الأصل الثاني : ما جاء حكمه في السنة مصرحاً ، ولم يجز خلافه بتأويل جائز فيه .
والأصل الثالث : الإجماع الاجتماعي الذي لا يجوز فيه الاختلاف إذا انعقد [57/ج] على وجه صحيح بدلالات حكم أحد الأصلين .
الأصل الرابع : الشبه بأحد هذه الأصول لم يخالفه شبه حكم أصل آخر فلم يجز فيه الاختلاف . (1/94)
صفحة 95
الأصل الخامس : ما تقوم به الحجة بمعرفته من العقل بخاطر البال أو بعد السماع به ، وهو الحكم العقلي ، ولذلك القوم لم يدخلوه في أقسام الشريعة ؛ لأن معرفته تصح من العقل متى ما خطر منه ببال المتعبد ، وعرف معناه ، ولو لم يأتِ به الشارع - صلى الله عليه وسلم - ولذلك نحن سمينا جملة القواعد بعلم الهدى إلى الله تعالى ، وسموا علم التوحيد في الواجب والمستحيل والممكن بعلم الكلام ، وما لا تقوم بمعرفته الحجة إلا بالسماع من الدين بعلم الشريعة .
وأما نحن فنقول إن علم التوحيد ، وهو الحكم العقلي والحكم الشرعي ، فكله من علم الشريعة ؛ لأن علم جميع قواعد علم الهدى إلى الله في كتابه تعالى الذي أنزله على رسوله النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحكم العقلي والشرعي، وقال تعالى : " شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا " (1) [66/ب] ، وقال تعالى في ذكر لجميع أنبياءه على الإجمال مع ذكر تخصيص أسماء أولي العزم من الرسل ، وهم خمسة ذكرهم الله في هذه الآية : "ّ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ " (2) ، وقال تعالى لرسوله :" فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ " (3) ، فذلك إشارة فيما لا يختلف من الدين من حقيقة وشريعة .
وإن اختلف في شيء من أحكام الحلال والحرام والتخفيف والتشديد ، فلزوم الامتثال [58/ج] بالطاعة لله تعالى فيما أراده منهم لا تختلف ، فالدين لا يختلف إلى يوم الحشر منذ خلق الله المتعبدين ، وكلفهم طاعته ، ونهاهم عن معصيته ؛ لأن الدين كله مرجعه هكذا لا غير ، ولا ثالث [هنالك ، ومن ادعى منزلة ثالثة فمكابر عقله [فلا] (4) احتجاج على المكابر عقله ؛ لأنه مصر على الخلاف ، وإن شاهد الحق في خلافه.
__________
(1) سورة الشورى : 13 .
(2) سورة الأحزاب : 7 .
(3) سورة الأنعام : 90 .
(4) في ج ولا (1/95)
صفحة 96
الأصل السادس : الرأي النزاعي ، أي الجائز فيه النزاع بين العلماء أي الاختلاف ، ولا تجوز فيه الدينونة ، وهو ما عدا الأصول الأربعة الدينية الاجماعية ، فكل أمر أوكل حادثة لم يوجد نص حكمها صريحاً في الكتاب ، ولا في السنة ، ولا في الإجماع ، ولم تكن من الشبه اللاحق بالإجماع الذاتي أو الإجماع الاجتماعي ، ولا مما تقوم بمعرفته الحجة من العقل ، فأحكام ذلك تكون بالرأي ، ولكل عالم أن ينظر في ذلك بالشبه والقياس من دلالات أحد الأحكام الأربعة ، أو من الآراء الصحيحة الخارج[34/أ] أحكامها بالقياس والشبه من دلالات أحد الأصول الخمسة أيضا .
فإن وجد له دليلاً من حكم أحد الأصول حكم فيه بأحكام دلالات ذلك الأصل ، وإن وجد ما يخالفه من شبه دلالات أحكام أصل آخر ، كان الرأي الأول والرأي الثاني كلاهما حقاً وهلم كذلك جراً في كثرة الآراء في ذلك الأمر وتلك الحادثة.
بيان: فان قيل إنك قلت أن الأصول خمسة ، وقلت إن الرأي هو الفروع ، وأن الأصول هي الدين الذي لا يجوز فيه الاختلاف ، فهذا مما يناقض [59/ج] بعضه بعضاً ؟! ، فأقول إن الحق هو ما ذكرت أنت ، وما قلناه نحن حقا أيضا ؛ لأن الرأي من الدين ومما جاء بيانه في الذكر قوله تعالى :- " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا " (1) ، وجاءت به سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والدينونة فيه أن الاختلاف بالدلالات الشرعية جائز بالإجماع الديني ، وإن تحريمه حرام بالدينونة وبالإجماع الديني لثبتت الدينونة فيه في بعض معانيه .
فصل
__________
(1) سورة الأنبياء : 79 . (1/96)
صفحة 97
وجميع هذه القواعد والأقسام والوجوه والأصول إنما من تقسيم وتفصيل القاعدة الرابعة الشرعية لا غير ، فهي القاعدة الجامعة ، فهي كالجملة وما سواها مما ذكرناه فهو من تقسيمها وتفصيلها على جواز التسمية في الحكم العقلي أنه منها ، وكل قاعدة وقسم ووجه وأصل مما ذكرناه فهو داخل في معانيها وشرحها يدخل فيه شرح كل قاعدة على الانفراد ، مع أن شرح كل قاعدة أو كل قسم أو كل أصل على الانفراد يدخل فيه شرح جميع ذلك ، إذ كل مفرد من ذلك ليس هو شيء آخر غيرها بل هو هي وهي هو ، فاعرف التحقيق تنكشف لك حقيقة الطريق ، فلا تحتاج مع شرحها إلى شرح غيرها من القواعد والأقسام والوجوه والأصول .
فصل
في بيان القاعدة الجامعة الشرعية وقد مضى من شرحها بيان القاعدة الأولى التوحيدية ، وقاعدة علم الحقيقة ، وقاعدة الناسخ والمنسوخ ، وقاعدة ما يسع وما لا يسع ، مع أن هذه هي القاعدة الجامعة الشرعية لاغير ، فهي داخلة بأحكامها [60/ج]في جميع القواعد والأقسام والوجوه والأصول ، وقاعدة التوبة ما فيه كفاية] (1) عن الإعادة .
فتلك خمس قواعد وتبقى قاعدة الشريعة ، وقاعدة التوبة ، وقاعدة الدين ، وهي قاعدة الإجماع ، وقاعدة الرأي وهي قاعدة جواز النزاع فيها ، وقاعدة الخاص والعام ، وان أتينا في ذكر كل قاعدة من هذه الخمس من البيان ما يمكن معرفتها به فلنأت من زيادة لذلك في شرح هذه القاعدة الجامعة الشرعية .
بيان : وأول ما نقول[35/أ] إنا قد ذكرنا أنها تنقسم إلى دين إجماعي ذاتي أو إجماع [اجتماعي] (2) ، وإلى رأي نزاعي لا ثالث [67/ب] لهما ، ويصح أن يجعل الإجماعين إجماعاً ، فكل حكم أنزله الله تعالى في تنزيله لم يجز فيه الرأي فهو إجماعي ذاتي ، أي هو دين لا يجوز فيه الرأي بحكم من الله تعالى ، ولا بسبب اجتماع على رأي صحيح اتفقوا عليه ولم يجز فيه بعد ذلك الاتفاق ، أي الاجتماع على ذلك الحكم فهو إجماع اجتماعي .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب. (1/97)
صفحة 98
وكذلك ما حكمت به السنة ، ولم يجز فيه الرأي فهو حكم ذاتي ، وكذلك ما تقوم بمعرفته الحجة من العقل بخاطر البال من توحيد الله تعالى فهو إجماع ذاتي ، وإجازة الرأي في الرأي إجماع ذاتي بالدينونة ، والشبه بالإجماع اللاحق إجماع ذاتي فهذه خمسة وجوه كل وجه منها إجماع ذاتي . والسادس الإجماع الاجتماعي ، ومثل الإجماعي الشبهي قوله تعالى في حق الوالدين على ولدهما : " فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا " (1) ، فلا شك أن ضربهما بالعصا ، أو عقهما [61/ج] بالحصى حتى يؤثر ذلك في جسدهما على وجه لا يسعه فيهما أنه لا يجوز بالإجماع الذاتي ، [أي] (2) ولو لم يقل أحد من قبل أنه لا يجوز فهو إجماع بالقياس على ما هو [أقل] (3) من ذلك ضرراً فيهما ، ولم يجزه الله تعالى حكم تحريم على وجه لا يسعه بالدينونة بالإجماع الذاتي ، وقس على هذا .
[معنى الاتفاق ]
وأما الاتفاق فهو دون الإجماع ، وهو اتفاق العلماء في استحسان عمل برأي نحو اتفاق علماء أصحابنا في إقامة الجد بعد الأب مقام الأب ، فلا يورثون الإخوة ولا الأخوات[68/ب] مع وجود الجد إلا في زوج وأب وأم ، أو في زوجة وأم وأب ، فيعطون الزوجة النصف وتعطى الأم ثلث ما يبقى ، فهي من ستة للزوج ثلاثة ، وتبقى ثلاثة فللأم السدس و، هو ثلث النصف الباقي، وللأب سهمان .
وفي التنزيل أن للأم مع عدم الأولاد [أو أبناء الأبناء] (4) ، وعدم الأخوة أو الأخوات من الاثنين فصاعدا في تفسير أكثر علماء الصحابة بالميراث إلا ابن عباس فمن ثلاثة فصاعدا الثلث ، ولكن نظروا إن أعطوها الثلث لم يبق للأب [إلا] (5) السدس ، ولم يجدوا في التنزيل موضعاً أعطى الله الأب مع الأم ، ولا الابن مع الابنة ، ولا الأخ مع الأخت الذكر أقل من الأنثى نصف سهم الأنثى .
__________
(1) سورة الإسراء : 23 .
(2) سقطت في ب.
(3) سقط في ب.
(4) في ب وأبناء.
(5) الكلام بدون إلا لا يستقيم ، فأضفناها . (1/98)
صفحة 99
وكذلك زوجة وأم وأب ، فمن اثنا عشر للزوجة ثلاثة يبقى تسعة ، للأم ثلاثة ، وللأب تسعة ، ولم يعط الجد هكذا في جد وزوجة وأم ، أو زوج وجد وأم أعطوا الزوج النصف ، والأم الثلث ، والجد ما بقي[ ، وأعطوا الزوجة [62/ج]الربع والأم الثلث ، والجد ما بقي] (1) ؛ لأن الأم في مقابلة الأب مع الولد لا في مقابلة الجد ، أخذوا ذلك من قوله تعالى حاكياً عن قول يوسف عليه السلام : " وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ " (2) . فسمَّى أجداده من[36/أ] الأب آباء ، وهذا رأي علي وابن مسعود وعمر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
بيان : واتفق أصحاب أهل المذاهب الأربعة في الجد[69/ب] على أن [لا] (3) يقيموه مقام الأب فأعطوه[.........................................................] (4) ، وهو رأي زيد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والحجة أن الجد ليس هو مثل الأب، قوله تعالى حاكياً عن يعقوب عليه السلام قائلاً لأولاده : " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّوَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُإِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًاوَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " (5) .
فسموا عمه أباه ، فيكون العم مع عدم الأب والجد ، مثل الأب مع وجود الأخوة والأخوات إن كانت الحجة بالتسمية بالآباء ، والحجة إن ذلك العم ليس الابن من نسله ، وإنما سموه بالأب تكريماً له ، ولقربته لأبيهم لأنه أخوه .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سورة يوسف:38.
(3) سقطت في أ و ب .
(4) سقط من أصل المخطوط(انقطاع بقدر سطرين ونصف).
(5) سورة البقرة 132و133. (1/99)
صفحة 100
والاتفاق على رأي لا يمنع من القول بالرأي فيه ، ولو اتفقت جميع أهل الأرض على استحسان العمل برأي مما يجوز فيه الرأي لم يجز للحاكم أن يحكم بذلك بين الخصماء في الحقوق ، إذا نظر الأعدل خلاف ذلك الاتفاق .
ولفظ الاتفاق[63/ج]ولفظ الاجتماع واحد في اللغة ، ومن الاجتماع ومن الاتفاق ينعقد الإجماع إذا اتفق العلماء على حكم صحيح عدل بدلالات حكم من الأصول الخمسة ، ولم يخالفهم فيه مخالف في عصرهم ، وكان مما ينعقد إجماعاً باتفاقهم على ذلك حتى انقرضوا صار إجماعاً ، ولا يسمى بعد ذلك في اصطلاح أهل الشريعة اتفاقاً إلا في موضع يعرف أن المراد بلفظة الاتفاق الإجماع ؛ لأنه إن[70/ب] سماه اتفاقاً في موضع لا يفهم أن مراده إجماعاً أوهم السامعين أن الرأي يجوز فيه .
وأما إن قال مثلاً لولا الاتفاق على هذا الحكم لقلت كذا مما يخالفه ، ورأى بدلالات أحد الأحكام الخمسة الأصولية صح أنه يريد بذلك لولا الإجماع ؛ لأنه لا يجوز له أن يقضي بين الخصماء بذلك الاتفاق إذا كان معه أنه غير إجماع فيه إلا بما يراه أنه هو الأعدل إن رأى خلاف الأعدل بما ذكرناه من الدلالات .
[الأمر والنهي في التنزيل و السنة]
بيان : والأوامر والنواهي التنزيلية والنبوية قد يكون الأمر على الوجوب والنهي على التحريم ، ولا يصح فيها التأويل إلا كذلك فذلك هو الإجماع الذاتي ، وهما أصولي الدين ، ومنهما تخرج الأصول الدينية الباقية الإجماعية إجماع الذاتي ، ومنهما يخرج الإجماع الاجتماعي والرأي النزاعي .
بيان : وقد يكون الأمر والنهي في التنزيل والسنة على غير الوجوب والتحريم بل على وجوه شتى كما سنأتي من بيان ذلك نبذة إن شاء الله تعالى .[64/ج]
[معاملة من أخطأ في الشريعة باعتقاد أو فعل] (1/100)
صفحة 101
بيان : فمن شاء أن لا يغلط في الشريعة باعتقاد ، أو فعل[37/أ] مع اعتقاد أو فعل أو ترك وهذه وجوهها في دين ، ولا رأي في خاص ولا عام ، فكل [أمر] (1) أراد معرفته في نفسه[ لنفسه ، أو لسائل] (2) سأله عن مسألة ، فيعرضها أولا على القواعد والأقسام والوجوه والأصول حتى يعرف حكم ذلك من أي قاعدة أو أي قسم وأي وجه وأي أصل ، فيحكم[71/ب] فيه بحكم ذلك الذي يجده أن ينظر ذلك هي من الدين الاجماعي الذي لا يجوز خلافه ، أو من الرأي الذي يجوز فيه الاختلاف ، فإذا عرف ذلك أنه من الدين حكم فيه بحكمه ، ولا يمكن أن يعرف ذلك أنه من الدين إلا وقد عرف [حكم] (3) الحق فيه بحكم أصله الذي ذلك منه .
وإن عرف[ ذلك أنه من الرأي ، ولا يعرفه أنه من الرأي إلا وقد عرفه] (4) أنه ليس من الدين، ولا يمكن أن يعرف أنه ليس من الدين إلا وقد عرف جميع أحكام الأصول الأربعة من الدين حتى يعقد ذلك منها .
ومن لم يعرف جميع [أحكام] (5) أصول الدين الأربعة لم يعرف أن ذلك من الرأي إلا أن يجد اختلاف العلماء الأفاضل في ذلك فيعلمه بالتقليد الجائز له في ذلك إذا كان أصل ذلك من الرأي ، وإن كان أصل ذلك من الدين الذي لا يجوز فيه الاختلاف، وإجازة العلماء فيه كان ذلك مذهباً من مذاهب الضلال إلا إذا كانت الإجازة على وجه يعذرون به نحو لم تقم عليهم الحجة [بمعرفة الحكم الحق فيه] (6) ، وهو مما لا تقوم بمعرفته الحجة إلا بالسماع .
__________
(1) في أ و ب من بدل أمر ، و لعله تحريف .
(2) في ب أو السائل سأله.
(3) في أ حكمه.
(4) سقط في ب.
(5) سقط في ج .
(6) فسقط في ب. (1/101)
صفحة 102
وهذا على خلاف ما قاله بعض علماء [65/ج] أصحابنا كما سنأتي في ذكره إن شاء الله تعالى بعد حين ، ويعرف باطل ذلك إن وجد حكمه صريحاً في التنزيل أو في السنة أو في الإجماع أو في الشبه أو فيما تقوم الحجة بمعرفته من العقل مهما خطر بباله ، أو بعد السماع ولم يكن له من دليل حكم[ من] (1) هذه الأصول ، أو من الأصل الخامس النزاعي أو[رواية] (2) قامت الحجة بصحتها عن بعض أصحابه - صلى الله عليه وسلم - من الأفاضل[72/ب] منهم ما يدل على جواز الرأي فيها، [ صح معه غلط ] (3) العلماء في إجازتهم الرأي فيها .
وإن كان اختلافهم في ذلك بروايات يروونها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن أصحابه ما يوجب جواز الاختلاف في ذلك لم يكن ذلك من الدين فإذا عرف ذلك [أنه] (4) من الرأي، أو أنه من الدين فقد صحت معرفته به ، ولم يخطأ خطأ يهلك به البتة ، فذلك هو ميزان الاحتراز عن الخطأ الذي به يضل الإنسان ، وقد قيل إن اختلاف العلماء في الرأي رحمة ؛ لأنه سعة فيه لهم بذلك وأما اختلافهم في الدين نقمة .
[.................................
__________
(1) سقط في أ.
(2) يوجد في ب من وفي أ برواية.
(3) سقط في ج .
(4) سقط في ب. (1/102)
صفحة 103
] (1) أعلم (2) أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يلزم أصحابه أن يعملوا بقول أعلمهم ، وأيضا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أفرضكم زيد " (3) ولم يرد العمل في اختلافهم إلى[38/أ] ما يقوله من قال فيه أنه أفرضهم ، ولا قامت الحجة بالصحة ، يروون العمل ما يراه زيد بل روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : "أصحابي مثل النجوم [66/ج]بأيهم اقتديتم اهتديتم " (4) ، ومع هذا روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لو ابصة :" استفت قلبك يا وابصة ، وإن أفتوك وأفتوك " (5) .
__________
(1) سقط من أصل المخطوط(انقطاع).
(2) في أ و ب أن ، و ظاهر السياق يوجب حذفها مثل ما هو موجود في ج.
(3) أخرجه الترمذي في (36- كتاب المناقب 32- باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت و أبي بن كعب ) ص1038 رقم3800 ، و ابن ماجه ( المقدمة باب في فضل أصحاب رسول الله صلى الله و سلم ) ص28 رقم154 و 155 ، و الحاكم في المستدرك على الصحيحين (4/372 ) رقم 7962 ، البيهقي في السنن الكبرى (6/210) رقم11966 ، و ابن حبان (16/85) رقم 7137 ، أبو يعلى في مسنده (10/141) رقم 5763 ، و الطبراني في المعجم الصغير (1/335) رقم 556 .
(4) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله(2/91)، وأخرجه ابن حزم في الإحكام(6/82) وأخرجه الخطيب في" الكفاية في علم الرواية" ص48 وأخرجه عبد بن حميد في المنتخب من المسند(1/86)، وأخرجه ابن بطة في الإبانة(4/11/2)، وأخرجه القضاعي( 2/109). وهو موضوع قاله الألباني انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (1/84) رقم 62
(5) أخرجه أحمد ص1308 رقم 18169 ، و الدارمي (2/320) رقم 2533 ،و أبو يعلى في مسنده (3/161) رقم 1586 . (1/103)
صفحة 104
وإنما يلزم ذلك الحاكم بين الخصماء على ما قاله أصحابنا ، إذا لم يعرف حكم قضيتهما ، وسأل عالمين عن ذلك فاختلفا عليه ، أو يكون قضية في حق بينه وبين أحد كما ذكرناه آنفا ، مع أن في نفسي من ذلك أنه لابد وأن يدخله معنى الاختلاف في أنه هل يجوز له أن يحكم[73/ب] بعلم غيره فيهما ، ولم يفتح الله له وجه الحق فيرى الأعدل في ذلك من نفسه أو بعد سماعه من العالمين ، والأصح معي أنه متعبد بعلمه فيهما لا بعلم غيره ، فلو قيل أنه يلزمه الوقوف عن الحكم بينهما حتى يفتح الله له وجه الصواب في ذلك لكان قولاً صحيحاً ، وأنه لهو الأصح .
وإن ترخَّص فحكم على ما ذكره العلماء بقول الأعلم والأفضل والأسن على ترتيبهم الذي ذكرناه فغير خارج من الصواب ، بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ما رءاه العلماء المحقون حقا هو حق وما راءه باطل فهو باطل " (1) ، والمعنى[ فيما يجوز فيه] (2) الرأي لا غير ،
ولقوله تعالى : " فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " (3) .
ولا يجوز لأحد أن يخطأ غيره في الرأي فيما يجوز فيه الرأي إذا قال بخلافه ما لم يدن فيكون خطأ في الدينونة به لا في خلاف ذلك ، ولا أن يرى نفسه أفضل ممن عمل بخلافه ولو رءاه [أنه] (4) الرأي الأهزل ؛ لأنه هو متعبد بعمل ما يراه [67/ج] أنه هو الأعدل وعسى أن يكون كذلك رءاه إلا أن يخبره أنه يرى الأعدل خلاف الذي يعمل به ، وذلك فيما بينه وبين الله تعالى ، وليس هو الأزهد إلى الله تعالى ، وأما الحاكم [فيما يحكم به] (5) بين الخصماء ، ويخبره أنه يرى الأعدل خلاف الذي حكم به بينهم فهو ظالم ، وجائز أن يحكم به على هذا أنه ظالم ، فاعرف ذلك.
[كيف يكون الحكم فيما لا يجوز فيه الاختلاف ]
__________
(1) لم نجد له تخريج ، وربما ذكره الشيخ بالمعنى فالله أعلم بالصواب .
(2) سقط في ب.
(3) سورة النحل:43.
(4) سقط في ب.
(5) سقط في ب. (1/104)
صفحة 105
بيان : والحكم على قسمين : قسم لا يجوز فيه الاختلاف ، قد جاء بيانه في التنزيل أو السنة أو الإجماع الحق فهذا في[74/ب] الحقيقة يحكم به من الحاكم بين الخصمين في الحقوق ليس هو حكم كان بحكم الحاكم ، وليس الحكم به على الخصمين من الحاكم حكم منه عليهما ؛ لأنه على الذي عليه أداءه بلا اختلاف هو عليه حَكَمَ عليه به الحاكم ، أو لم يحكم عليه ، وإن لم يكن له ما يطالب خصمه فيه في الدين بالاختلاف لم يجز له أن يطالبه فيه ، حَكَمَ على إبطال مطلبه الحاكم ، أو لم يحكم وحكم الحاكم عليه في ذلك ، وفتوى من تقوم عليه الحجة به عليه واحدا إن كان لم يعلم أن ذلك ليس له ، وأن ذلك عليه في دين الله تعالى ، ويدخله الاختلاف الذي أورده الشيخ الكبير أبو سعيد (1) - رحمه الله - في كتابه الاستقامة في إقامة الحجة فيما يفوت من الفرائض بكل معبر عبَّر له ذلك وعرَّفه كذلك في هذه (2) ، وفي[39/أ] كتاب المعتبر أتى ما أتاه في الاستقامة، وأتى بوجه آخر أنه قيل لا تقوم عليه الحجة إلا بأهل الحجة في الفتوى (3) .
__________
(1) محمد بن سعيد الكدمي الناعبي ، المكنى بأبي سعيد ، إمام زاهد ، ولد وعاش و مات بقريته " العارض " من منطقة كدم ، ولاية الحمراء حاليا ، ومن مؤلفاته المهمة " كتاب الاستقامة ، و المعتبر في الأثر ، و الجامع المفيد من أجوبة أبي سعيد ، و زيادات الأشراف ، ويعتبر الإمام أبو سعيد أحد الذين أثروا تأثيرا مهما في الفقه الإسلامي بعمان ، البطاشي ، إتحاف الأعيان (1 / 282 ) .
(2) أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي ، الاستقامة ، ج2 ، وزارة التراث القومي والثقافة ،(1405هـ - 1985م) ، ص215.
(3) أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي ، المعتبر ، ج1 ، وزارة التراث القومي والثقافة ،(1405هـ - 1985م)، ص71. (1/105)
صفحة 106
ومعي [68/ج] أن الوَرِعَ قد يتناهى في ورعه وزهده حتى تقوم به الحجة في الفتوى بما يعرفه ؛ لأنه مأمور أن لا يفتي إلا بما يعرفه من الحق معرفة صحيحة ، وتقوم الحجة في فتواه لهذين الخصمين فيما يلزمهما نصح إن حكم الحاكم في ذلك بين الخصمين حقيقة ليس بحكم منه ، وإنما هو إبلاغ حجة ، وقد سلط على منع المعتدي منهما إن لم يؤدِ الحق من ذاته إلى خصمه .
والحكم الثاني فيما فيه الرأي ، ولا تجوز فيه الدينونة ، وفي هذا يكون الحكم من الحاكم [هو حكم] (1) منه[75/ب] ولا يلزم طاعته حاكم في هذا الوجه طاعة لا يجوز أن يخالفه المحكوم عليه به بلا اختلاف إلا بحكم حاكم عدل حكمه إمام عدل أو حاكماً نصَّبه أولو الحجة من المسلمين حاكماً يحكم بين المسلمين من الاثنين فصاعدا ، كما ينصبون الإمام ، وقيل يصح بالواحد الحجة في نصب الإمام أو نصب حاكم إلا أنه على الاختلاف حتى يتراضى به المسلمون فيكون بغير اختلاف ، أو يحتسب مسلمون على إقامة العدل ، فيجوز حكم بتوليتهم لبعضهم البعض في جميع الأحكام إلا في إقامة الحدود ، فقيل يجوز لهم ، وقيل حتى ينصبوا إماما لهم.
__________
(1) سقط في ب. (1/106)
صفحة 107
والرابعة أن يُحَكِّمَ خصمان حاكما في قضيتهما ، و يخبرهم بما سيحكم عليهم من الرأي الذي أراد أن يحكم به عليهما ، فليس لهما غَيْرٌ في حكمه عليهما ، فليس له غَيْرٌ بعد ذلك كما قيل على الاختلاف أن للمحكوم عليه له الغير في حكمه بطريق الجهالة، وأما على الوجه الذي ذكرناه فليس لهما غير في ذلك ، وما سوى هؤلاء[69/ج] الحكام الأربعة فلا يلزم المحكوم عليه في المختلف لزوماً لا يجوز [ له ] (1) فيه الاختلاف، وإن حكم حاكم من هؤلاء بقول من أراء المسلمين في قضية فيها اختلاف ، لم يجز الاختلاف في تلك القضية لذلك الخصمين ، ولا لأحد من المسلمين فيهما على الخصوص ، ويبقى الاختلاف في أصل المسألة في تلك القضية ، [فإن أتاه خصمان أيضا في تلك القضية] (2) ورأى الأعدل خلاف ما رآه أولاً فحكم به لم يجز له أن يحكم عليهما بالأول ، بل لا يجوز إلا أن يحكم عليهما بهذا الأخر[76/ب] ، ولا يبطل حكمه في الأولين ما لم يره باطلاً محضاً خارجاً عن الصواب ليس له مخرج إلى الحق ، فهذا هو الحكم المنسوب أنه حكم من الحاكم ، وهو الحكم القطع في المختلف فيه. والحكم في المختلف على وجهين قطعي وهو الذي ذكرناه ، وهو الذي يكون بحاكم من الأربعة المذكورين في المختلف فيه.
[مسألة تنصيب الإمام ]
__________
(1) سقط في ج .
(2) سقط في ب. (1/107)
صفحة 108
بيان : واختلف العلماء في أقل عدد من إذا نصَّبه المسلمون أهل الفضل قاضياً مع عدم الإمام العادل ، فيلزم طاعة حكمه في المختلف فيه بلا اختلاف فيما يحكم به من الصواب، فقيل عدد من يلزم الناس بعقدهم الإمامة لإمام فاضل فيما لا تلزم فيه إلا طاعة الإمام (1) [40/أ] العادل ، ويجوز له إقامة الحدود جميعاً ، وذلك من عشرة نازلاً إلى ثلاثة من أهل الحجة في جواز قبول الفتوى منهم ، وقيل بالاثنين ، وقيل بالواحد كذلك الحاكم، والمراد بالواحد أن ينصب واحد من أهل العلم أحد من المسلمين الأفاضل إماماً ، [70/ج] فتلزم الناس طاعته ، ولا يجوز للغير أن لا يرضى بإمامته ، فقيل يجوز بالواحد ولا يلزم العلماء الباقين إن لم يرضوا به بنصب الواحد ، وإنما يلزمهم بالاثنين ولا يجوز لهم أن لا يرضوا به وكذلك هلم جراً إلى عشرة لقوله تعالى: " تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ " (2) وإن كان المراد بهذا غير هذا المعنى (3) .
وقال الشيخ عامر بن علي العبادي (4)
__________
(1) في ب (طاعته فيما لا يلزم إلا طاعة الإمام العادل)
(2) سورة البقرة :196.
(3) أبو بكر أحمد بن عبدالله الكندي ، المصنف ، ج10، وزارة التراث القومي والثقافة (1403هـ - 1983م) ص100-104.
(4) هو الشيخ العالم الفقيه ، عامر بن علي بن مسعود بن على العبادي العقري النزوي ، من علماء القرن الثاني عشر للهجرة ، و أدرك مدة ليست بالقصيرة من القرن الثالث عشر .
كان عالما فقيها وله يد طول في الأسرار والمكاشفات ، وله ديوان مطبوع ، ومن المعلوم أنه عاش بعد وفاة الشيخ جاعد بن خميس ، ومن مؤلفاته ( المراقي فيما يحل و يحرم من التقية للمتاقي )
السالمي ، تحفة الأعيان (2/209-210) ، البطاشي ،إتحاف الأعيان (3/349) (1/108)
صفحة 109
أن العالم إذا تصدى للحكم جاز له ، ولزم الناس طاعة حكمه في المختلف فيه (1) ،
__________
(1) في ب قال الناسخ:وقال في موضع آخر من [77/ب] مسألة له أخرى والدليل على ذلك أن الشيخ سعيد بن بشير الصبحي حكم على رجل بنى جدارا بين ماله وبين طريق جائز فأمر بهدمه وإزالته وليس هذا مما يدل على لزوم الناس حكمه في المختلف فيه لأنه يمكن أن الذي حكم فيه به مما لا اختلاف فيه وان الحكم زواله وهو كذلك في الحكم حكم به أحد عالم أو جاهل لا يختلف أو لم يحكم به أحد..رجع (1/109)
صفحة 110
وهذا الذي عارضني فيه وعارضته ، فقلت إن كان المعنى يلزم بالدينونة ولا يجوز أن لا يرضى به عليه بالإجماع ، فلا يصح ذلك إذ لو لزم ذلك لزم من تصدى للإمامة من العلماء من غير أن ينصبه أحد وجاز له إقامة الحدود في الزنا وغيره ، ولزمت طاعته بالدينونة فيما لا يلزم الناس طاعة أحد بالدينونة إلا الإمام العادل ، وفي مواضع من جواباتي ذكر هذه المعارضة ، وفي هذا الجواب أقول إن تصدي العالم للحكم ، وأنزل نفسه منزلة الحاكم ، وصار يحكم بين الخصماء في الحقوق ، ورضي به الناس حاكماً يحكم بينهم ثبت حاكماً برضا المسلمين به حاكماً لهم ، كما جعل نفسه ، فرضاهم بجعله نفسه حاكماً هو بمنزلة نصبهم له ، ولكن ثبت حاكماً ولزم الناس طاعة حكمه في المختلف فيه لا يجعل نفسه ولا ينصب نفسه ، وإنما كان حاكماً لازماً في الرأي طاعته برضا الأفاضل به القائم مقام [71/ج] نصبهم له إذ لو جعل نفسه ولم يرض به الأفاضل ، لم يلزم الناس طاعة حكمه في الرأي إلا على الاختلاف ، وما فيه[78/ب] اختلاف في لزومه فليس هو في الحقيقة حكماً واجباً لا يجوز في الرأي نقضه ، قياساً على أن لو قال أحد من العلماء إني نصبت نفسي إماماً للمسلمين فأطيعوني فيما لا يلزم الناس الطاعة فيه إلا لإمام العدل ، فإن لم يرض به المسلمون الأفاضل ، والعلماء الأفاضل لم تنعقد إمامته ، وإن رضي به بعقده لنفسه الإمامة العلماء الأفاضل والمسلمون الأفاضل عند عدم العلماء ، ثبت ذلك العقد على المسلمين برضاهم به ، فهو بمنزلة عقدهم له لا بنفس عقده لنفسه ، فإذا بلغ عدد الراضين بإمامته من العلماء ، أو من العلماء والمسلمين الأفاضل ، أو من المسلمين الأفاضل ما تنعقد بهم الإمامة أن لو عقدوها له ويلزم الناس طاعته وليس لغيره من العلماء بعد ذلك أن لا يرضوا به من غير سبب في ذلك يجيزه لهم أن لا يرضوا به، وهذا القاضي على هذه الصفة هو بمنزلة القاضي الثالث المنصوب بنصب المسلمين له فلم يكن (1/110)
صفحة 111
خامساً ويقضي بالقضاء القطعي المذكور.
[الحكم على وجهين : قطعي و منعي]
بيان : والحكم على وجهين قطعي ومنعي ، فالحكم القطعي هو حكم أحد الحكام الأربعة المذكورين الذين لا يجوز لأحد أن يخالف حكمه في المختلف فيه بالإجماع ، والثاني الحكم المنعي هو[41/أ] الحكم على معنى المنع للخصم الذي ليس له أخذ حقه في المختلف [72/ج] فيه إلا بحكم حاكم من الأربعة المذكورين ، وعلى أن له أن يطالب[79/ب] في ذلك متى وجد حاكم من الأربعة المذكورين ، وهذا هو الحكم العدل في ذلك .
فإن وجد حاكم من الأربعة وحكم عليه لا له لزمه إتباعه بالإجماع ، وإن حكم له جاز له إذا كان يرى العدل أنه له ، وإن كان يرى الأعدل أنه ليس له ، فالذي أراه إن صح ما رآه أنه لا يجوز له أخذه ؛ لأن كلا منهما أي الحاكم والمحكوم له متعبد أن يقضي بما يراه في نفسه أنه هو الأعدل ، وأما المحكوم عليه وإن رأى الأعدل أنه لا عليه ، وحكم الحاكم العدل أنه عليه ، فليس له أن يخالف حكمه في الحقوق ، وإن مات (1) المحكوم عليه بالحكم المنعي قبل أن يجد حاكم من الأربعة ، ولم يشهد على مطالبته ، ولم يعلم منه رضي ، ولا مثبتا على المطالبة متى وجد ، فليس لورثته مطالبته إذا وجدوا حاكماً من الأربعة ، وإن أشهدوا ثبت ذلك لورثته ووجد الورثة حاكماً من الأربعة ، وأتي بالصحة ورثة الهالك بالشهود المقبولين في الشرع أنه لم يبطل حجته ولم يزل مطالبا متى وجد حاكما من الأربعة ، وصح ذلك مع الحاكم العدل حكم بما يراه أنه هو الرأي الأعدل وصار حكماً قطعياً .
[كيف يحكم الحاكم]
__________
(1) في أ (الأمانات). (1/111)
صفحة 112
بيان : والعلم في أحكامه أن ينظر إلى الخصم الذي ليس له أن يأخذ طلبه من خصمه إلا بحكم حاكم تلزم طاعة حكمه في المختلف فيه ، فيمنعه عن أخذه من خصمه ، ويحكم عليه بالوقوف إلى أن يجد حاكماً من الأربعة [73/ج] المذكورين ، فيرفع أمره إليه أن حكم له أو عليه في[ ذلك] (1) حكماً قطعياً لا يجوز له خلافه ، وإن لم يجد إلى أن يموت فيكون كذلك الحكم[80/ب] فيه ، وهو الحكم الحق عليه في ذلك ، وهذا فيما يكون كل من الخصمين متعلق في مخاصمته برأي صحيح من أراء المسلمين ، وليس لأحدهما انتزاع ذلك منه إلا بحكم حاكم يلزم حكمه المحكوم عليه ، ولا يجوز له خلافه .
ومثال ذلك في هالك ترك ورثة أرحاماً أولاد ابنته ، وأولاد أخت خالصة أو من أب ، فعلى قول من يقول بالقرابة ، فالميراث كله لأولاد الابنة ، وعلى قول من يقول بالتنزيل فلأولاد الابنة النصف ، ولأولاد الأخت النصف فإذا رفعوا أمرهما إلى [ولي] (2) أمرهم نظر إلى الميراث ، فإن وجده كله في قبض أولاد الابنة لم يجز لأولاد الأخت انتزاع النصف منهم إلا بحكم حاكم يجوز له الحكم في المختلف ، والأصح بحكم يلزم طاعته في حكمه في المختلف فيه ، فلأولي الأمرأن يحكم به حكم منعي لأولاد الابنة إلى أن يجد أولاد الأخت حاكماً كما ذكرناه وهو الحكم الحق فيهما ، ولكن[42/أ] لا حكم قطعي على أنه ليس لهم فيه مطالبة متى وجدوا كما ذكرناه ، فإن لم يجدوا إلى أن ماتوا ، أو وجد ورثتهم حاكماً فإن أقاموا الحجة أن هالكهم لم يزل مطالباً في ذلك ملتمساً حاكماً كما ذكرناه ، وأن الحاكم الأول بينهما لم يحكم عليه بالحكم القطعي ، وإنما حكم عليه بالحكم المنعي إلى أن يجد حاكماً كما ذكرناه ، جاز لذلك الحاكم استماع صحتهما الشرعية ، ويحكم بينهما على ما يراه أنه هو الرأي الأعدل [74/ج] في ذلك[81/ب] وإن عجز البتة في ذلك لم ينظر إلى دعوى الورثة بعد موت هالكهم إذا لم يصح مطالبته في ذلك .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب. (1/112)
صفحة 113
ومثل هذا ما أحدثه الحكام المتأخرون من جواز الحكم بشهادة عدل واحد ، أخذوا جواز ذلك من الشاهدين إذا لم يعرف عدالتهما الحاكم ، وعدَّلهما عدل ولي معه ، جاز له أن يحكم بشهادتهما ، فقالوا إن الحكم على هذا رجع بشهادة العدل الواحد ، وليس الصواب كذلك ؛ لأن المعدل لم يشهد بالحق ، وإنما عدّل الشاهدين أنهما عدلان وليان لله تعالى فلزمت الحاكم ولايتهما ، بإعلامه لهما فلما لزمته ولايتهما حكم في الحقوق بشهادتهما فلم يرجع الحكم في وجوب الحق بشهادة المعدل (1) في لزوم الحق على المدعي عليه ، فلم ينظروا حقيقة الصواب ، ولكن رأوه حقا برأي منهم ، ولم يدينوا بذلك فلا لوم عليهم .
وكذلك حكموا بمعرفة الصكوك المنسوب فيها كاتبها كان شاهداً أو شاهدين أو شاهداً عدل ومرضيتين إذا عرف الحاكم خطهم بالسلكة (2) ، [وإن] (3) قالوا لا فرق بين معرفة الناس من بعضهم بعض ، والشهادة أن هذا هو فلان باختلاف الشبه لبعضهم بعض ، وبمعرفة صورته المنفرد بها عن غيره ، وهذا رأي ضعيف بعيد صوابه ، ولا بأس عليهم فيه [ إذا لم ] (4) يدينوا بجوازه ، ولا يمكن القياس بمعرفة الناس معرفة الخطوط ؛ لأنه لو خلق الله تعالى رجلين على [75/ج] صورة واحدة ، وأنزل الله فيهما وحياً أنهما على شبه واحد لا اختلاف بينهما إلا في نقطة صغيرة سوداء أو حمراء في بشرة أنف ، أو[82/ب] جبين أحدهما ، أو باختلاف لون أحدهما بحمرة أو بياض ، أو غير ذلك بطول وقصر ، أو بضخامة أعضاء ودقة ، لعرف الناس الفرق بينهما فيما لا يمكن معرفتهما إلا بكذلك.
__________
(1) في ب العدول.
(2) السلكة من سلك يسلك وهو سلوك الإنسان الذي اعتاد عليه، ويراد بها هنا الدربة ، الفيروز آبادي ، القاموس المحيط ،ص869 ، مادة سلك .
(3) سقط في أ و ج .
(4) سقط في ج . (1/113)
صفحة 114
ولا يصح ولا يمكن معرفة الفرق بين خطوط الكاتبين لها إذا تشابهت بزيادة نقطة ، ولا باختلاف لون ، ولا بطول وقصر في الحروف ، ولا بضخامة ودقة ، ومن المعلوم أن الكتابة قد تتشابه من الناس بكتابة بعضهم ، ومنهم من له معرفة أن يشِّبه خطه بخط غيره .
وفي نفسي أن خط والدي أعرفه من بين خطوط جميع الناس حتى صار في نفسي أنى لو وجدت كلمة كتبها والدي بخط[43/أ] يده في كتاب هو بخط يده في أرض المغرب لعرفتها أنها بخط والدي- رحمه الله- ، حتى وجدت كتاباً ينادى عليه في سوق في علم العزائم ، ونظرته وعرفته يقيناً أنه خط والدي ، ولم أجد فيه كلمة واحدة كتابتها على غير سلكة والدي ، فشريته ودام معي مدة أنظر فيه لأعرف ما فيه حتى وجدت فيه في بعض الأبواب باباً آخر ، هو من عمل الشيخ العالم الفقيه أبي نبهان جاعد بن خميس مكتوباً فيه كذلك في أول كل عزيمة استخرجها والدي وصنفها بنفسه ، فعلمت أن الكتاب ليس بخطه ؛ لأنه من المحال عليه [76/ج] أن يكتب نفسه الشيخ العالم الفقيه ، وكان معنا نسخة ذلك الكتاب بيده ، وظننت أن الناسخ نسخه من تلك النسخة ، وأن له رغبة أن يأخذ سلكة والدي في كتابته فأحكمها ؛ لأن سلكة والدي- رحمه الله- كانت من أحسن السلكات في الخطوط ؛ لأنه كان قوياً في الحفظ والفهم والذكاء، شديد النباهة في كل أمر وعلم ، سريعا (1) في ذلك حتى انتهى به الأمر ، أننا لا نعلم عالماً في الشريعة مثله في علماء الإباضية إلا الشيخ الكبير البحر الأعظم ، والنور الأكبر ، إمام كل عالم في الشريعة في أمة النبي - صلى الله عليه سلم - على ما اشتهر أبو سعيد -رحمه الله تعالى- ، فهو الفاتح لأبواب إغلاقها ، والشارح لما خفي حقه منها ، ولكنه لم يتعرض إلى الاجتهاد في تعليم شي من العلوم غيرها حتى علم المعاني والبيان وغيرهما المتعلق بعلم البلاغة والفصاحة .
__________
(1) في ب شرعيا. (1/114)
صفحة 115
ووالدي- رحمه الله- لم يعلم علماً إلا وتعرض لمعرفة شيء منه من علم اللغة الأصلية والاصطلاحية والنحو والصرف وعلم المعاني والبيان والبديع والعروض والقوافي ، وجميع ما يتعلق بعلم الفصاحة والبلاغة ، وعلم المنطق ، وعلم الحرف والرياضات ، وعلم الخواص ، وتوغل في جميع ذلك ، وعلم الرمل ونظم فيه ، وعلم الفلك وألف فيه ، في كل كتاب ألفه في علم الحرف وعلم العزائم ؛ لأنهما علمان متعلقان بعلم الفلك .
وكان ممن ينكر نفعه قبل أن [77/ج] يتفحل ويتبقر (1) في العلوم ، فأنكر نفعه في كتاب صنفه في احتجاجات الأنبياء عليهم السلام على قومهم في ابتداء تعليمه ، والدليل على ذلك احتجاجه على أنه لا نفع في علمه بحجج ضعيفة محجوج فيها ، فقال لا نفع فيه ؛ لأن علمه بما سيقع عليه ، أو على غيره لا يرده [84/ب]عنه ، وعلمه بما لا سيبلغه لا يبلغه به ، وما هو آت آت ، وما لا يكون فلا يكون علمه هو ، أو لم يعلمه قبل ذلك مع أن علمه في ذلك ليس بتحقيق ، وتضعف حجته هذه ويبطل نورها بمقابلة الحجة بعلم الرؤية ، وقد عظمته الرسل والأنبياء والأولياء وعظمه النبي - صلى الله عليه سلم - وعظمه الله تعالى في تنزيله ، وليس فيها فائدة غير علم الشيء قبل وقوعه ، وهو آت علمه [ أو لم يعلمه] (2) ، وعلمها جزء من أربعة وعشرين جزءاً من الوحي ، وتأتي الرؤيا إلى من لا يعرف تأويلها ، وقد (3) يجد من يأولها له بمعرفة[44/أ] صحيحة أو معرفة ضعيفة ، وقد لا يجده .
__________
(1) في ب ويتفكر.
(2) سقط في أ و ب .
(3) في ب ولم يجد. (1/115)
صفحة 116
وليس علم الفلك فائدة مقصورة على ما ذكره ، فكم ماء في الأرض عرفه به صاحب علم الفلك فخدمه صاحب واستنفع به واستنفع به الناس ، وكم ضالة بيَّنها ، وكم غائب من الناس بيَّنه صاحب علم الفلك ، وهو في فلاة لا ماء معه ولا زاد ، فكانت حياته بسبب ذلك ، وكم مار في طريق فيها قطاع ظلمة أخذوا حذرهم بسبب ذلك هذا وغير ذلك مما شاهدناه في زماننا (1) .
والحق أن من قال أن علم الفلك لا نفع فيه ، يقدح في التوحيد من أن [78/ج] الله تعالى ما جعله باختلاف حركات كواكبه حتى صار علماً لا عبثاً ؛ لأن ما لا فائدة فيه فهو العبث، وإن لم ينوه كذلك ، فإن معنى ذلك يتسور هذا (2) المعنى .
وآية علم الفلك آية عظيمة لا[85/ب] يحيط بها علم الخلائق من الملائكة والجنة والناس أجمعين ؛ لأنه ليس هو إلا من سبعة كواكب في سبع منازل تدور فيها في ثمانية وعشرين منزلة ، وفي هذه السبعة في سبع المنازل ، دلالات جميع ما في الأرض والهواء والسماء ، وبيان ذلك لو اجتمع ألف عالم في الفلك ، وألف سائل ذهبوا في ساعة واحدة ، ليسأل كل أحد عن ضميره عالماً منهم ، وأتوهم في ساعة واحدة ؛ لأخبر كل عالم منهم ضمير من أضمر له بصفات جميع ما أضمره ، والكواكب في تلك الساعة لم تختلف عن مواضعها من تلك السبع المنازل الحالة فيها .
__________
(1) علم السر أو الفلك أو الرمل ، علم غامض ، اشتهر عند العلماء المتأخرين ، أنكره من أنكره ، و توقف فيه من توقف ، ونحن نميل اليوم إلى استبعاده ، وعدم الخوض فيه، و الاهتمام به ، لما فيه من الغموض و اللبس الواضح لمن ما رس هذا الفن ، و نحن لا نحقر هذا العلم ، بل نقول إن التطورات العلمية الهائلة المبنية على أساس واضح خير من العلوم التي يكتنفها الغموض و اللبس و عدم اليقين ، و فيها بعد واضح عن المنهج العلمي .
(2) سقط في ب. (1/116)
صفحة 117
فعلم الفلك عند الله هو علم عظيم ، وهو بين يدي الملائكة ، فجعله بمقدار ما تعلم منه الملائكة ، ومقدار ما لا يحيط إلى منتهاه علم الملائكة إلى أن تقوم الساعة ، وكفى هذا دليلاً على تعظيم الله تعالى ، وعلمه معجزة النبي إدريس عليه السلام هو وعلم الرمل وجميع العلوم كان إنزالها على النبي إدريس عليه السلام ، وإن كان آدم عليه السلام يعلمها ، ولكنها لم تشتهر عنه ؛ لأنه شغله اللوم من نفسه بما كان إلى أن مات فلم يشتغل .
وأشار الله تعالى إلى علم الفلك بقوله تعالى حاكياً عن النبي [79/ج] إبراهيم عليه السلام: " فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ " (1)
والمعنى أنه لما أراد الملك الخروج ومن معه من الأصحاب عن البلد إلى الفلاة نظر معهم النبي إبراهيم إلى النجوم ليوهمهم بحساب علم الفلك وما يدل عليه ، فقال إني سأسقم عن قريب في هذه[86/ب] الأيام التي يخرجون فيها ، أوهمهم [الكلم ] (2) أن دلالة علم الفلك يدل على ذلك ، وحاشا نبي الله أن يوهمهم بعلم الفلك في ذلك ، و[هو] (3) معه إن علم الفلك باطل ولا يجوز العمل به ؛ لأن أوهامه بذلك ما يثبت معهم صحته ، فلا يثبت لهم صحة ما اعتقدوه صحيحا وهو معه أنه باطل .
وقال الله تعالى : " فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ " (4) .
والمراد بالخنس زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد ، وخنوسها هو رجوعها في سيرها في بروجها بعد سيرها فيها[45/أ] مستقيماً إشارة إلى علمها في ذلك ، وكنوسها هو اختفائها في النهار بنور الشمس ن وقال تعالى : " وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ " (5) ، ومن شان البروج تكون مأوى للملوك إشارة إلى أنها مأوى للملوك نجوم السماء ، وهي الكواكب السبعة ، والذنب والرأس وعلم الفلك منها .
__________
(1) سورة الصافات 88و89.
(2) سقط في أ و ب .
(3) سقط في ب.
(4) سورة التكوير 15و16.
(5) سورة البروج :1. (1/117)
صفحة 118
وليس علمه من علم الغيب ؛ لأن الله تعالى جعل علمه طريقاً إلى معرفة ما أراد الله بذلك ، فكان كمعلم الطب إن هذا الدواء يزيل هذه العلة ، وإنما لا يجوز الحكم به أي بين الخصماء في الحقوق والدعاوي لا غير ، ولا القطع به على الحقيقة في الحكم بظلم أحد لم يظهر ، ولا ببراءة ممن لزمت ولايته ، ولا ممن لم يصدق ولا الدينونة بدلالته وعلى هذا النحو.
وليس [80/ج] المراد بأنه لا يجوز به الحكم بين الخصماء لعدم صحته ، فإنه كذلك لا يجوز الحكم بين الخصماء في الحقوق بشهادة الواحد[87/ب] ؛ لأنه يمكن أن يكون غير صادق، ولزم الحكم بشهادة العدلين أو المرضي والمرضيين تعبداً ؛ لا أنهما صادقان حقيقة بل يمكن أن يكونا كاذبين ، وإما أن يحكم به أنه مثلا في هذا الموضع تحت الأرض ماء والمعنى كذلك تدل دلالته ، ونحو هذا مما لا يتعلق بعلم الشريعة مما لا يجوز الحكم به فجائز له التوسع بهذا اللفظ في مثل هذه الأشياء .
وقد أطلنا القول في هذا لمّا رأيت كثيراً من المتعلمين حقروا ، ما لا يجوز لهم أن يحقروا ولزمهم تعظيم [ما عظمه] (1) الله [تعالى] (2) ، وقد سخَّر الله تعالى لكل علم من علومه التي عظمتها قلوب عباد له يسعى في كتابتها ، أو في تعليمها ، وفي عملها ، فمنهم من يبلَّغهم ، ومنهم من يحرمهم ذلك ، وإنما سخرهم في ذلك لبقاء العلم ، فيأتي الشاغل نفسه بعلم الشريعة و ينكر على هذا ولم يدر أن ذلك من الله تعالى .
وعلم الشريعة والحقيقة هو العلم المقصود به خلق السموات والأرض وما فيهما ، وخلق الحساب والجنة والنار ، ولكن العبد العالم الذي فيه سعة حفظ فهم وحفظ أن لا يخلوا نفسه من تعليم علم عظمه الله تعالى تعظيماً لما عظمه الله تعالى لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " خذ من كل علم أحسنه فإن علمك بالشيء خير من جهلك به " (3) .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب.
(3) لم نجد له تخريجا . (1/118)
صفحة 119
ولم يتعرض والدي [81/ج] -رحمه الله تعالى- لتعليمي من كل علم شيء إلا من هذه الحيثية ، ومن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتعرض إلى التطلع في علم الصناعة الإلهية، والحكمة الفلسفية ، وإلى علم الفلاسفة ، وإلى ما أتاه الغزالي من الرد[88/ب] عليهم (1) ، وبلغ إلى متمم للفكرات (2) المنطرقه من طرق قريبة ، وأراد التعرض إلى العمل بطريق من الطرق الكبار ، ولم يساعده الزمان ، وبقي الدواء بإنائه في كوزه زماناً ، حتى فسد عليه بعض أهل زمانه حين انتهى إلى الكبر ، وبقي الدواء في إنائه إلى أن توفاه الله تعالى .
وصنف فيها كتب شريفة وسارت به الركبان ، و اشتهر في مشارق الأرض ومغاربها من البلدان ، ونطقت (3) بذكره في الأمثال اللسان- رحمه الله تعالى- .
ولنرجع إلى ما كنا بصدد[46/ب] ذكره في القياس ، بمعرفة سلكات الخطوط ، فصح أن هذا القياس معلول ، وأنه بعيد من الصواب ، وقد عمل به قوم ولا بأس إذا لم يدينوا به ، وصح أن الاعدل خلافه ، فإذا رفع الخصمان في الحقوق إلى المتولي الأمر من سلطان أو والى أو وزير أو قاضي جعله السلطان ، وهو ضعيف العلم ، أو كبير قوم نظر إلى دعواهما ، وإنكار المنكر منهما ، فالحكم على المنكر بغير شاهدين مرضيين ، أو بمرضي ومرضيين، يحضرون مع القاضي ويشهدون بألسنتهما بلفظ صحيح يثبت ذلك الحق بذلك اللفظ في تلك الشهادة فيه اختلاف .
__________
(1) انظر كتاب الغزالي المسمى تهافت الفلاسفة ، مطبوع .
(2) في ب للفلوات.
(3) في ب وحفظت. (1/119)
صفحة 120
و بهذا الذي لا اختلاف فيه هو الذي فيه اختلاف يحتاج إلى حكم حاكم يلزم حكمه في المختلف [81/ج] فيه ، فيحكم على المدعي بهذا الشاهد الواحد وبهذه الكتابة المرسوم فيها الشاهدان العدلان ، أن لا حق له على هذا المدعي ، ويمنعه عن المطالبة له إلى أن يجد حاكماً كما ذكرناه ، أو يحضر الشاهدين العدلين ، أو المرضي والمرضيتين ، ويشهدون بألسنتهما كما ذكرنا فهو الحكم الحق الجائز لكل[89/ب] فاصل بينهما إلى أن يجد ذلك ممن يحكم بينهما ، ولم يكن منه هذا حكماً قطعيا مانعا له في حكمه عن مطالبة خصمه متى وجد حاكماً كما ذكرناه ، أو يجد الشهود على ما ذكرناه .
وفي التنزيل دليل على أن الكتابة ليس يراد بها شيئاً غير أنها تذكرة للشهود ، وحذراً أن ينسوا شهادتهما ، فلا ينفع الإشهاد ، وتذهب الحقوق ، وإنه لا بد عند الحكم من إحضار الشهود لا يكتفي بمعرفة السلكة في الكتابة ، قوله تعالى :" فَتُذَكِّرَإِحْدَاهُمَا الأُخْرَى " (1) ، وإذا كانت الأخرى مع الثانية لتذكر إحداهما الأخرى كذلك[ الشاهد] (2) الثاني ليذكر أحدهما الآخر.
وإذا كان الحكم يصح ويجوز بمعرفة سلكة كتابتهم فمتى تذكر إحداهما الأخرى ، فلم يرد الله تعالى بهذا اللفظ إلا أنه ليس المراد بنفس الكتابة ، ومعرفة السلكة فيها يكون الحكم ، وإنما الحكم لا يكون إلا بحضور الشهود ، وأداء الشهادة بألسنتهم ، وأن الكتابة كافية في التذكير لأحداهما إن نسيت ، ولا سيما إن كانت كتابة شهادتها بخط يدها فلا يحتاج إلى تذكير الأخرى لها إن لم تحضر.
__________
(1) سورة البقرة :282.
(2) سقط في ب. (1/120)
صفحة 121
فإن [83/ج] قلت أنه كيف جاز لها أن تحكم أن هذا خط يدها ، ويمكن أن يكون أحد غيرها شبه بها ؟ فالجواب ذلك حجة عليك لا لك ، فلذلك قال تعالى "فَتُذَكِّرَإِحْدَاهُمَا الأُخْرَى" (1) ، إن نسيت إحداهما شهادتها ، ولم يجعل الله ذلك إلا تذكرة لها إن تذكرت بالكتابة ، وإن لم تتذكر بالكتابة لم تكتفِ بمعرفة سلكتها[ أنها كتابتها لعل أحد غيرها شبه بسلكتها] (2) ونسبها منها[90/ب].
ونحن قلنا إن تذكرت بها ، ولم نقل إن نسيت ولم تتذكر بها ، فلم يورد بيان قبل قولك أن تشهد بمعرفة سلكتها من غير ذكر لشهادتها بها ، فاعرف ذلك وقس عليه ، وأما حكام أهل زماننا فقد أقاموا أنفسهم مقام أحد[47/أ] من الحكام الأربعة الثابت حكمهم في المختلف فيه اللازم طاعته ، ولا يجوز لهم الاختلاف وجاوزوا حتى أجازوا لأنفسهم أن يحكموا ، أو يلزموا الناس طاعة حكمهم بمعرفة السلكة بخط الواحد للغير الثقة فكان على العكس من [هذا كله] (3) [كل جهة] (4) ولكل عمله وملاقيه يوم لات حين مناص.
[القواعد الست في أصول الشريعة]
__________
(1) سورة البقرة : 282.
(2) سقط في ب.
(3) سقط في أ و ج.
(4) سقط في ب. (1/121)
صفحة 122
بيان: فهذا القواعد الست هي أصول الشريعة ، وهي الموازين لأحكام كل قضية ، والحق في جواب كل مسألة ورد بيانها في الأثر ولم يرد بيانها ، فمن جاءته مسألة أو جاءه حكم وأداره على هذه القواعد ، وعرفه من أي قاعدة منها ووزنها بموازين تلك القاعدة لم يخطأ الصواب على كل حال، فينظرها أولا أهي من التي تقوم بمعرفتها الحجة من العقل مهما خطر ذلك بباله من و(3) أو مستحيل ، وثانيا أو هي[84/ج] من الممكن الذي تقوم بمعرفته الحجة من العقل بعد السماع به ، أو من الممكن الذي لا تقوم بمعرفته الحجة من العقل حتى بعد السماع به ، وثالثا أم هي من علم الحقيقة أو الشريعة ، ورابعا أهي من الشريعة التي يلزم فيها الاعتقاد أو العمل أو كلاهما معا أو الترك ، وخامسا مما تقوم به الحجة بمعرفته بالسماع [ أيضا ] (1) ، أو مما لا تقوم به الحجة بالسماع أيضا إلا بمعرفة النفس به بعد السماع به ، وسادسا هي من الدين لا يجوز فيه الرأي بالاختلاف[91/ب] ، أم هي من الرأي الذي لا يجوز فيه الدينونة ، وسابعا هي ما يسع جهله ، أو مما لا يسع .
__________
(1) سقط في ج . (1/122)
صفحة 123
فإذا عرفها كذلك عرف أنه لا يجوز له [إلا] (1) أن يحكم بها بأحكام قاعدتها ، فإذا عرفها مثلا أنها من مسائل غير الدينية الأصولية ، وهي التوحيد الثاني الممكن الذي جاء بيان علمه عن الله أو عن نبي من أنبياءه ، وألزم المتعبدين بعبادة الله الأيمان به من قامت عليه الحجة بمعرفته ، والثالث ما أنزل الله حكمه من لزوم اعتقاد أو عمل أو كلاهما معا أو الترك ، فتلك ثلاثة وجوه ، والرابع ما حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - [ كذلك] (2) في أحد [ من ] (3) هذه الأربعة الوجوه ، والخامس : ما جاء في الإجماع كذلك في أحد هذه الأربعة الوجوه ، والسادس ما أشبه شيئا الأصول من كل وجه ولم يشبه حكم غيره من الأصول مما يخالف حكمه في شبهه بالآخر ، فهو لاحق بذلك الأصل صح معه أنها من مسائل الرأي ولم يدن بها ، والسابع مما يسع جهله أو اعتقاده [85/ج] أو فعله أو تركه ، أو مما لا يسع ، وهذا داخل في القواعد الستة وإن وجد حكمها في شيء من هذه الأصول صح معه أنها من مسائل الدين ، ولم يجز له أن يجيز الرأي فيها ، وليس الخطأ في هذا غير هذا بعد أن يعرفها من أي قاعدة ، ويحكم عليها قاعدتها التي أتيناه[48/أ] وبيَّناه فيها .
فإذا عرفها أنها من مسائل الرأي عرضها على دلالات أحكام التنزيل ، ودلالات أحكام السنة، ودلالات أحكام الإجماع ودلالات أحكام الآراء الصحيحة ، فإن وجد لها شبها من ذلك بالقياس يدل على حكم هذه[92/ب] القضية في العلة التي بها كان حكم ذلك الأصل ، أو حكم ذلك الصحيح المستخرج بالشبه والقياس من الأصول ، أحضر العلل المانعة عن سريان حكم تلك العلة في تلك القضية من العلل الأصولية والفروع الصحيحة .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب.
(3) سقط في ج . (1/123)
صفحة 124
فإن وجد المانع لم يحكم في تلك القضية بحكم ذلك الأصل بالشبه والقياس ، وإن لم يجد مانعاً حكم في تلك القضية بالشبه والقياس بحكم دلالات ذلك الأصل ، أو دلالات ذلك الرأي الصحيح ، وإن وجد لها دلالات أصول ، أو دلالات فروع صحيحة ، تصح على تلك القضية أن يجري أحكامه عليها بالشبه والقياس ، و[لم] (1) يجد لها (2) موانع ويخرج أحكامها بذلك مخالفة لبعضها البعض جاز الرأي فيها ، والاختلاف بتلك الأحكام ، وكان كل قول فيها صحيحاً وصواباً وما كان منها أشبه بحكم أصل من الأخرى بأصولها [أو] (3) بفروعها المشبَّه بدلائلها [86/ج] كان ذلك هو الأعدل ، و الأشبه بدلالات حكم أصل أعدل من المشبه بدلالات فرع , وعلى هذا فقس. والعالم بهذا هو العالم المصيب الذي يستخرج أحكام المسائل الغير موجودة في الأثر ، ويستخرج الأعدل بنور العلم من آراء المسلمين الموجودة في الأثر.
بيان :قيل ومن أين يدري المرء بأن هذا لا يوجد حكمه من الدين في الكتاب ، ولا السنة، ولا الإجماع ، فيعلم أنها من الرأي ؟ ، فالجواب يدري بذلك فحول [العلماء] (4) بكثرة درسهم، وقوة حفظهم ، وشدة فهمهم ، وشدة ذكائهم ، وكثرة حضور معاني أحكام الكتاب والسنة[93/ب] والإجماع والآراء الصحيحة المستخرجة من تأويل الكتاب أو السنة أو الإجماع أو الآراء الصحيحة ، فإن رأى ما يصح به التشابه والقياس ، ولم يعارضه معارض يبطله ، فقد رأى وجهاً من الصواب في ذلك ، وإن رأى ما يبطله ويعارض ذلك التشبيه لم يحكم به كذلك .
__________
(1) سقط في ب.
(2) في ب لهما.
(3) سقط في ب.
(4) سقط في ب. (1/124)
صفحة 125
ومثال ذلك أن والدي أبا نبهان- رضي الله عنه- توقف في جواب مسألة إذا أصاب أهل سفينة خب (1) ، وخافوا على الأموال أن تتلف ، وعلى النفوس أن تهلك ، ورموا بكثير من الأموال ، ولم تحضرهم في حين ذلك نية أن ذلك عن الأنفس وعن الأموال معاً ، ولا أن عن الأموال كذا [ أو عن ] (2) النفوس كذا بالأجزاء, فما يكون على النفوس وما يكون عن الأموال ، ولم تحضرهم في ذلك نية أيجعل بينهما نصفان أم غير ذلك فتوقف .
فقال[49/أ] له قائل ألا يصح أن [87/ج] تجعل دياتاً فتحسب كالأموال ، فقال ليست هي دية ، ولا لها ديات بالفرق ، والوجه الثاني المبطل لهذا القياس والتشبيه أن ما يجعل على النفوس فهم فيه بالسوي على الرجل الحر المسلم ما على الحرة المسلمة ، وما على كل من هؤلاء كذلك على الرجل الكتابي ، وما على الرجل كذلك على المرأة الكتابية ، وما على كل أحد من هؤلاء كذلك على المشرك الذمي كيف يحسبون (3) على ديات ، وفي التسليم يكونون بالسواء .
__________
(1) لفظة عمانية تدل على الثقب و الخرق .
(2) سقط في أ و ب ، فيها على .
(3) في ب يحتسبون. (1/125)
صفحة 126
ولما سمع الشيخ عامر بن علي العبادي بهذه المسألة ، وهو من العلماء العارفين ، وله قوة فهم ، وأما في العمل فالأحرى[94/ب] ما بنا الصمت عن القول ، وكان يتكلف في فتوى ما لم يفهم ، فتكلم في هذه المسألة ، وقال فيها أن تجعل النفوس ديات فتكون بمنزلة الأموال ، ولم يفهم العلة عن إجراء أحكامها كذلك فلم يخرج قوله إلا بعيدا عن الصواب ، ولم يقارب الحق والعدل بوجه من الوجوه مع أنه عالم بالغ فيما أحاط به فهمه وعلمه ولا يصح تخطيته هو بنفسه بفتواه ، كذلك الخارج عن حيز الصواب ، ولا تخطية من أفتى بذلك فعمل به ما لم يدن بذلك ؛ لأنه قال برأيه ولم يظهر منه دينونة بذلك ، فكل من أخطأ الصواب في أمر ليس من الدين الذي لا يجوز فيه الاختلاف فلا يجوز أن يخطأ في دينه بذلك ما لم يدن به ، ولا يجوز أن يعمل بقوله (1) من عرف خطأه ، ويجوز أن يقال فيه أن هذا القول بعيداً من الصواب ، من غير أن [ يضلل قائله برأيه ما لم يدن به ، والعالم لابد له من ] (2) أن يحضر في قلبه عند القياس والتشبيه ما يمكن أن يجري أحكام ذلك في هذا ، ويحضر في قلبه عند ذلك العلل المانعة عن ذلك ، فإن لم يجد مانعاً أجرى حكم شبهه على ذلك كل أمر ما يخصه من الحكم ، ولا يعم ما لا يعم ، فإنه من الغلط الداخل في حيز غير الصحيح من الصواب .
وكثير من العلماء يعم في حكمه أمراً لا يعمه ذلك ، وليس من هو كذلك من فحول العلماء ، بل هو من ضعفائهم في العلم ، أو ما ترى ما تكلم به ابن جعفر (3)
__________
(1) في ب بفتواه.
(2) سقط في ج .
(3) أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي ، أبو جابر ، صاحب كتاب الجامع ، عاش في أواخر القرن الثالث و أوائل القرن الرابع ، عاصر الشيخ العالم أبا المؤثر الصلت بن خميس ، له كتاب الجامع مطبوع .
البهلاني ، نزهة المتأملين في معالم الأزكويين ص75 . (1/126)
صفحة 127
في كتابه فأتى كثيراً من الأحكام عمَّ بها ما لم (1) يعمه تلك الأحكام[95/ب] ، فأوضح الحق الشيخ الكبير أبو سعيد- رحمه الله- ، وقال هكذا كما قال إذا كان كذا وكذا أو كذا ، ولفق له إلى أن انتهى إلى الوجه الذي يخصه ذلك الحكم ثم شرح ما لا يعمه ، فقال وأما إذا كان كذا وإذا كان كذا فحكمه كذا ، ولم يزل كذلك يشرح ما هو خارج عن عمومه الذي يعمه من شرح الشيخ - رحمه الله تعالى - رد عليه، فصح أن شرحه له لم يكن عن تعظيم له في نفسه من صحة أحكامه في الشريعة ، وإنما تعرض لشرحه لما رأى من كثرة الغلط فيه من جهة ألفاظه في العام والخاص على ما ذكرنا ؛ لئلا يظن من يأتي من بعده من ضعفاء العلم ، ويظن أن الحق في عمومه لما لا يعم أنه عام ، لما تضمن لفظه[50/أ] من الأمور التي لا يعمها ذلك الحكم بذلك اللفظ ، والحق ليس كذلك ، وكثير من ضعفاء العلم يعظمون ويشرفون ويحبون جامع ابن جعفر ظناً منهم أن الشيخ ما تصدى لشرحه إلا وفي نفسه تعظيمه ، وأهل الفهم لكلام الشيخ - رحمه الله - يفهمون أن الأمر [89/ج] ليس كذلك .
وفي هذا المعنى يظهر مقام كل عالم في درجات العلم ، فمن كان أعلم كان أعلم بكل وجه ما يخصه من الأحكام من تفاصيل جملة ، فمن كان متفحلاً في العلم أكثر من الشروط في جوابه ، لما رأى أن لذلك وجوه ولكل وجه حكم يخصه كما فعل الشيخ بجامع بن جعفر .
__________
(1) في ج ما لا . (1/127)
صفحة 128
وكما روى [أن] (1) عالماً من علماء أهل المذاهب الأربعة كان يتعلم معه تلميذ حتى اعتزل معلما ًغيره ففقده الشيخ ، فقيل أنه اعتزل معلماً مدرسا لغيره[96/ب] ، فأرسل إليه من أصحابه ، وقال له قل إن الشيخ أرسلني إليك ما تقول في رجل أعطي قصارا ثوبا ثم جاءه من بعد فأعطاه إياه مقصورا ما الحكم بينهما ، وكلما أجابك بجواب فقل له إن الشيخ يقول أخطأت ، فقال له أجرة المثل ، فقال له يقول الشيخ إن هذا غلط ، فقال له أقل الأجرة، فقال يقول إن هذا خطأ ، قال له أجرة الأكثر قال [ قال] (2) الشيخ إن هذا خطأ ، فقال ليس له أجرة ، فقال يقول إن هذا خطأ ، فقال إن له أجرة ولكنني لا أعرفها ، قال وأيضا قال هذا خطأ ، قال يلزمه الضمان قال وهذا أيضا قال إنه خطأ ، فقام التلميذ وذهب إلى الشيخ ، فقال له من لم يعرف جواب مسألة القصار كيف ينصب نفسه عالماً معلماً مدرساً لغيره .
والمراد بالخطأ في جواباته هذه أن لهذه المسألة وجوه ، ولكل وجه حكم يخصه دون الآخر ، والتلميذ يعم لم ينظر الوجوه وأحكامها ، فإنه إن كان شارطه على الأحسن في القصارة أو الأوسط [90/ج] أو الأقل وعمل فيه بالشرط فله شرطه ، وإن كان شرط على حد مما ذكرناه وزاد عن الحد إلى الأحسن فليس له أجرة تلك الزيادة ، وإن نقص عن الحد الذي حد له فليس له أجرة ، وإن زاد عن الحد المعروف إلى حد ينقص ثمن الثوب فعليه من ضمانه بمقدار ما نقص من قيمته ، وإن لم يشرط له إلى حد فله أجرة مثله في القصارة ، وإن لم يشرط له أنه يريد قصارته فقصر ، فإن كان[97/ب] مما يزيد في ثمنه وحسنه ولا يفسد ذلك فلا أجرة له ولا ضمان عليه ، وإن كانت القصارة مما تفسد الثوب وتنقص من ثمنه فعليه ضمان النقصان .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب. (1/128)
صفحة 129
وقد أتى والدي- رحمه الله- على منوال هذه المسألة مسألة في رجلين ضربا طيراً فسقط فلمن منهما ، فإن قلت لهما جميعاً أخطأت ، أو لأحد هما أخطأت ، أو لهما معاً أخطأت ، أو لا لأحد منهما أخطأت ، إذن الصواب فيه بتفصيل وجوهه ويحكم على كل وجه بالحكم الذي يخصه ، فإن كان بضرب الأول سقط وتكفيه ضربته حتى لا يطير فهو للأول ، وإن كان بضرب الأول لا[51/أ] يسقط وإنما يمكن صيده بضرب الآخر فهو للآخر ، وإن كان لا يمكن صيده إلا بالضربتين فهو لهما معا ، وإن كان بضرب الأول يمكن صيده وبضرب الآخر مات ضمن الآخر الأول قيمته أو شراه ، وإن أصاب أحدهما ضربه وأخطئه الآخر ولم يعرفا من المصيب ولم يسمح أحدهما بحقه للآخر ولم يتسامحا على قسمته صار حكمه حكم الذي [91/ج] لا يعرف ربه ، فقيل للفقير ، وقيل حشري لا يستنفع به أبداً ، وقيل ثمنه لبيت مال المسلمين ، وقيل هو أمانة في بيت مال المسلمين إلى أن يظهر إمام عدل فهو المتصرف فيه ، إن شاء أخذه في عز الدولة ، وإن شاء رفعه إلى قاضيه يحكم به (1) بوجه من هذه الأقاويل التي قيلت في المال الذي لا يعرف ربه .
وإن أحد الضاربين بالغ الحلم و أحدهما يتيم ولم يعرفا الضارب والمخطئ فكذلك ، وإن ادعى كل منهما أنه [هو] (2) الضارب ، ولا[98/ب] بينة عنده ، فبينهما اليمين لصاحبه فإن طلب أحدهما اليمين من صاحبه ، حلفه القاضي فإن حلف حكم له به ، وإن لم يحلف فهو للآخر ، وإن طلب كلا منهما اليمين من صاحبه قبل أن يحلف أحدهما حلَّف القاضي كلا منهما لصاحبه ، فإن نكل أحدهما عن اليمين حكم به للآخر منهما ، وإن حلفا جميعا أو نكلا عن اليمين جميعا صار حكمه حكم المال الذي لم يعرف ربه ، فعلى هذا التفصيل يكون الجواب ، وجواب والدي- رحمه الله- لم أنظره ولم أسمعه منه ، و إنما حكي لي أنه وضع مسألة على منوال مسألة القصار في رجلين ضربا طيراً هكذا لا غير فاعرف ذلك .
__________
(1) في ب فيه.
(2) سقط في ب. (1/129)
صفحة 130
فجميع أحكام الشريعة تخص و تعم في تفصيلها إلى قواعد و أصول و أقسام و وجوه تخص كل وجه بحكم غير حكم الوجه الآخر ، وتعم ما كان مثله من الوجوه، و لم يكن هنالك مانع يمنع من يكون كحكمه كما ذكرناه ، فيما توقف عنه الشيخ والدي- رحمه الله- و عامر بن على العبادي ، فلم يعرف العبادي العلة المانعة عن [92/ج] القياس بما يشبه به غيره من أحكام الوجوه ، فليحذر العالم في القياس و التشبيه عن الغفلة من النظر إلى العلل المانعة عن القياس ، و عن الحكم بالعام في وجوه أمر ، والحق فيه أن لكل وجه حكم يخصه من ذلك الأمر ، فإنها مزلة أقدام العلماء عن إصابة الرأي الصحيح فافهم هذه الموازين في أحكام الشريعة التي يدور عليها جميع أحكامها في جميع قواعدها و أقسامها و وجوهها و أصولها[99/ب] و قياسها و موانعها .
فمن صحت أصوله و أقسامه و قواعده صحت فروعه منها ، ومن ضل في الأصول ضل في القواعد[52/أ] و الأقسام ، و لم تخرج فروعه منها إلا على غير وجه الصواب ، و لا ضلال في الشريعة إلا في الأصول الدينية و الفروع التي هي الرأي فيجيز الرأي في شيء من أصول الدين ، فيكون ذلك الأصل في مذهبه من الفروع و الرأي ، أو يدين بشيء من الآراء فيكون ذلك في مذهبه من أصول الدين ، وجميع افتراق أهل القبلة في أحكام الشريعة بهذا الحال لا غير فضل[ من ضل] (1) بذلك ، و ضل من تبعه على غير وجه يسعه .
__________
(1) سقط في ب. (1/130)
صفحة 131
واسم الشريعة نحن أطلقناه على جميع قواعد و أقسام و أصول و وجوه علم الهدى إلى الله تعالى ، و إن كان قومنا جعلوا علم التوحيد ليس هو من أقسام علم الشريعة ، و المعنى أن ذلك مما قامت الحجة بمعرفته من العقل بخاطر البال ، ولو لم يأت بمعرفة ذلك الشارع ، فخصوا اسم الشريعة العلم الذي لا تقوم بمعرفته الحجة إلا بالسماع ، فجاء به الشارع و سمع منه [93/ج] كما رسمناه عنهم في الجزء الأول ، أن الحكم إما عقلي و إما عادي و إما شرعي ، فأتى بالعلم العقلي في علم التوحيد ، و سموه علم الكلام ، و لذلك نحن أجملنا الأقسام بقولنا علم الهدى إلى الله تعالى ؛ لأنهم أفهم منا بعلم اللغة و الاصطلاحات ، و إطلاقنا بعلم الشريعة علم التوحيد و علم الشريعة و علم الحقيقة ؛ لأن بيان جميع ذلك في التنزيل ، و التنزيل قد شرع به النبي - صلى الله عليه و سلم - عن جبريل عن الله تعالى فجاز على المجاز فاعرف ذلك .
و هاك[100/ب] القول في شرح بعض من وجوه القاعدة الشرعية الاعتقادية ، و العملية و التركية ، قد مر بيان في الاعتقادية و كذلك في العملية بعض البيان ، و نقول أن الأعمال هي على وجوه منه ما يفوت عمله ، ومنه مالا يفوت ، و لكل وجه حكم يخصه من أحكام الشريعة .
[فيما يفوت وقته و فيما لا يفوت] (1/131)
صفحة 132
بيان : فيما يفوت وقته ومن اللوازم ما يفوت ، و منها ما لا يفوت ، مثل الصلاة إن حضرت ، و صوم شهر رمضان إن حضر ففي قول الشيخ الكبير أبي سعيد- رحمه الله تعالى- في كتابه الاستقامة أن كل معبر عبر له معرفتها من مشرك مشاقق أو منافق أو مسلم طائع لله تعالى كان حجة عليه في لزومها عليه لإدائها في وقتها ، و إن عبرها له في غير وقتها لم يكن عليه حجة فيها حتى يحضر وقتها ، فإذا حضرته وهو ذاكر لها فحينئذ تلزمه الحجة و يكون حجة عليه ، و كذلك القول في صيام شهر رمضان ، و في كتابه المعتبر أتى باختلاف في ذلك فقال [94/ج] فيه كما قاله في الاستقامة و أورد قولاً أخر فيه أنه قيل لا يكون حجة عليه إلا أهل الحجة ، و هم أهل التقوى فإذا عبرها له منهم معبر كما ذكرناه لزمته، و لا تلزمه بعبارة مشرك مشاقق ، و لا بعبارة منافق فاسق ، و كأنه مال إلى هذا القول بأنه هو الأعدل محتجا بقوله تعالى : " وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً " (1) .
__________
(1) سورة النساء:141. (1/132)
صفحة 133
بيان : و أما ما لا يفوت [53/ أ] فقيل تقوم عليه[101/ب] الحجة بمعرفته أي اعتقاد صحة ذلك بقول العالم الذي تقوم بفتواه الحجة ، وقيل لا يلزمه ذلك إلا بعالمين فاضلين ، وقيل لا يلزمه إلا أن تتلى عليه الآية من القرآن التي فيها فرض ذلك و يفهم معنى ذلك ، و معي أنه يلزمه اعتقاد معرفة ذلك إذا صح معه علم ذلك أن الله فرضه على من أطاق أداءه كالحج صحة لا يجوز (1) له معها الشك ، كمعرفة أهل الإسلام (2) ممن رُبيَّ في بلدانهم ، و هو من أولادهم ، ولم يزل يسمع أن الله فرض الحج على من استطاع إليه سبيلاً ، و فرض الزكاة على من لزمته ، و فرض فرائض ميراث الهالك إلى[ أن] (3) كبر ، و اشتهر ذلك ، و صار ذلك في نفسه علماً يقينياً ، لم يجز له الشك بعد ذلك ، و لو لم يقرأ عليه في فرض ذلك آية من القرآن أنه يشك في ذلك بعد ذلك إذ لا فرق بين علمه في ذلك ، و علمه بمثل تلك الشهرة أن فرض صلاة الصبح ركعتين و الظهر في الحضر أربع ركعات و العصر كذلك ، و في السفر ركعتين [ركعتين] (4) والمغرب ثلاثاً والعشاء الآخرة في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين ، و لا فرق لأ[95/ج]في العلم فيما يفوت وقته و ما لا يفوت وقته من ذلك ، و إنما الفرق في لزوم الأداء .
[الإجماع بالدينونة]
__________
(1) في ب لا يلزمه.
(2) في ب أهل الاستقامة.
(3) سقط في أ.
(4) سقط في ب. (1/133)
صفحة 134
بيان : و بالإجماع أي بالدينونة لا أنه بسبب اجتماع العلماء عليه أنه لا يجوز الدينونة بشيء من الرأي على كل حال ،و الدليل على صحة هذا القول أن الدينونة فيما أنزله الله من أحكامه في تنزيله ، أو ما حكمت به السنة ، أو حكم الإجماع ، أو ما قامت الحجة بمعرفته من العقل ، وهو يعلم أنه لم يجد ذلك في التنزيل ، ولا قامت عليه[102/ب] الصحة أنه كذلك بالسنة أو بالإجماع ، و إنما متعرض لباطل لا يسعه اعتقاده ، فإن كان قد شهر معه مع أصحابه أنه كذلك بالدينونة بحكم تنزيل من الله تعالى ، أو بحكم السنة ، أو الإجماع منهم ، فالدائن بذلك أولاً ومدعيه أنه بحكم من الله في تنزيله ، أو بحكم من السنة ، أو الإجماع ، مبتدع[ وهو يعلم من نفسه كذبه ، و المتبع له متبع] (1) للمبتدع على وجه لا يسعه و هو الدينونة به لا غير فالمبتدع هالك بابتداعه، ومتبعه هالك بإتباعه في الدينونة .
فإن قلت : و من أين يعلم أن هذه الشهرة أصل بدايتها بدعة باطلة ؟ ، فالجواب : أن الباطل الذي لا يسع اعتقاده ، و لا عمله ، و يمكن المرء فيه ترك اعتقاده ، أو ترك عمله ، و لا اضطرار له في ذلك لا يمكن أن يصير بكثرة شهرة أهل باطله دينا يلزم العباد اعتقاده أو العمل به،ومن صدقت نيته لله تعالى فلا بد و أن ينبهه الله تعالى إلى طريق النجاة لقوله تعالى : " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا [96/ج] لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا " (2) .
__________
(1) سقط من ب.
(2) سورة العنكبوت:69. (1/134)
صفحة 135
و لولا أن الحق كما ذكرنا لكان من رُبِّي من أولاد اليهود مع اليهود، و سمع الكلمة منطبقة مدة حياته أن عيسى عليه السلام ادعى النبوة و أنه ليس بنبي ، و من اعتقده فهو هالك ضال، لكانت هذه الشهرة حجة عليه تلزمه في دين الله [ أن يعتقد أنه ك(7) في دعواه النبوة [54/ أ] فلما صح أن هذا ما لا شك في] (1) باطله ، وأن الباطل لا يصير بكثرة شهرته ديناً صح ما قلناه أنه لا يجوز الدينونة بشيء من الآراء على كل حال ؛ لأنه من محض الضلال الذي لا يسع على كل حال.
ومن دان بشيء[ من الآراء] (2) من الإباضية فقد خرج من حيز المذهب الإباضي إلى مذاهب[103/ب] أهل الخلاف و البدع و الضلال ، و أما ما ذكره الشيخ محمد بن روح (3) في سيرته ، و أنه يدين كذلك في مواضع منها ، و يرد فيها الشيخ الكبير تلميذه أبو سعيد- رحمه الله- أنه ليس هنا موضع دينونة ، و مع ذلك سمعت والدي- رحمه الله- يحكي أن الشيخ أبا سعيد- رحمه الله- قيل له : هل تتولى معلمك أبا الحسن ؟ ، فقال : كيف لا أتولاه ، و قد عَبَدَ الله ستين سنة لم نعلم منه فيهن هفوة لِلَّهِ ، فقيل له : هل تتولى معلمك محمد بن روح ؟ ، فقال ذلك الإباضي حقاً .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب.
(3) محمد بن روح بن عربي الكندي السمدي النزوي ، عاش في القرن الثالث ، عالم فقيه ، كان زعيم المدرسة النزوانية ، و كان من تلامذته أبو سعيد الكدمي ، و من مشائخه أبو الحواري و الشيخ مالك بن غسان بن خليد .
البطاشي ، إتحاف الأعيان (1/211) ، الفارسي ، نزوى عبر الأيام معالم و أعلام ص 99-100 . (1/135)
صفحة 136
و من المعلوم في المذهب الإباضي أن من دان بشيء من الآراء الذي يجوز فيه الاختلاف أنه خرج من المذهب الإباضي بالإجماع الذي لا يجوز فيه الاختلاف ، و الحق في الجمع بين ذلك بعذر يعلمه الشيخ أبو سعيد- رحمه الله- من معلمه أنه وجد تسويدة سيرته بعد أن رسمها معلمه كتابة قبل أن يراجع [97/ج] إليها بالنظر إلى تصحيح ألفاظها ، و يعلم الشيخ من معلمه أنه لا يجوز الدينونة معه في ذلك ؛ لأنه متعلم في ابتدائه معه ، و منه أخذ العلم في ابتداء تعليمه فلا يخفى عليه علمه و اعتقاده في ذلك ، و إنما رسمت كذلك يده لا عن قصد من نفسه ذلك ، و إنما قصد أن يرسم و ليس ذلك يدين فغفل عن رسم النفي من حيث لا يدري من نفسه ، و الدليل على صحة هذا منه أني لما راجعت في بعض من مواضع هذا الكتاب النظر إلى ألفاظه وجدت نفسي كذلك لم أرسم النفي أنه ليس يدين ، فكتبته يدين و إن لم يوفقني الله تعالى إلى مراجعته بالنظر إلى تصحيح ألفاظه فلا[104/ب] بد من وجود كثير من الغلط في الكتابة ، و لكن الأصول التي نوردها تدل الفهيم على غلط اليد بالكتابة دون قصد النفس كذلك .
[القول بالرأي في الدين فيما لا يجوز فيه الاختلاف] (1/136)
صفحة 137
بيان : و اتفق أصحابنا أن القول بالرأي [في الدين] (1) الذي لا يجوز فيه الاختلاف لا يجوز، و هالك من أجاز ذلك ، ومعي أن في ذلك نظر يحتاج إلى تفصيل القول في ذلك ليخص كل وجه منه حكمه في ذلك ، فأما ما لا تقوم به الحجة إلا بالسماع من دين الله تعالى ، و قامت الحجة بمعرفته فلا يجوز فيه القول بالرأي بجواز الاختلاف ؛ لأنه لا يسعه خلافه بعد ذلك على كل حال، و إن خالفه على ذلك فلا شك في هلاكه ، و أما فيما لم تقم عليه الحجة بمعرفته بالسماع مما لا تقوم بمعرفته الحجة إلا بالسماع ، و ظن في نفسه الحق أنه كذا و كذا من غير [ 55 / أ ] أن يشك فيه فيلزمه الوقوف بالشك ، و لم يخطر بباله أنه عسى أن يكون في ذلك حكم أنزله الله تعالى [98/ج] أو في السنة جاء في ذلك حكم ، أو في إجماع حق ، فيلزمه الوقوف ، فأخطأ الحق فلا يهلك بذلك مع صدق إخلاصه إلى الله تعالى في العمل بالحق و اعتقاده أنه لا يعمل إلا بالحق ، و متى ظهر له من عمله باطله ليرجع عنه ما لم يدن بذلك الخلاف .
و هذا القول يخالف من قال أن من وجد في الشريعة للزوجة الربع من الميراث من زوجها ، و المراد كذلك مع غير الأولاد فلم [ يدن] (2) بذلك ، و أفتى أن لها الربع و هنالك مع الزوج أولاد إن خطأ العالم في هذا[105/ب] لا يعذر به إذا لم يكن أراد أن لها الثمن ، فزلت لسانه فقال من حيث لا يدري بنفسه أن لها الربع فهو الذي يعذر به من الخطأ ، وإن خطر بباله عسى أن يكون قد جاء في ذلك عن الله في تنزيله أو في السنة أو في الإجماع لزمه الوقوف ، ومعي أنه إن لم يتوقف على هذا ، وظن الحق ظناً لا شك معه فيه ، وفي نفسه أن لو شك في ذلك ما دخل في الشك فلا يهلك العالم المفتي ولا الغبي المستفتي ، إذا عمل بذلك ما لم يدن بذلك.
__________
(1) سقط في ب.
(2) في أ و ب يدر. (1/137)
صفحة 138
بيان :وأما إذا دان بجواز الرأي في شي من دين الله الذي لا يجوز فيه الدين هلك في الحال، ولم يكن له عذر ولا تنفعه الدينونة بالسؤال عن جميع ما يلزمه ليعمل بموجبه ، كدينونته بشيء من الآراء الذي لا يجوز فيه الدينونة ، ولا تنفعه فيهما التوبة من جميع الذنوب ؛ لأن جميع ما يعتقده من جميع هذه الوجوه (1) وما أشبهها لا يدخل فيه ما دان به .
فصح أن هلاك [99/ج] أهل الإقرار بأحد ستة أحوال ، الأولى في الضلال في التوحيد ، وفيما أوجب الإيمان مما تقوم [به] الحجة بمعرفته من العقل ، وجواز الرأي في ذلك ، الحالة الثانية الدينونة بشيء من الآراء الذي لا تجوز فيه الدينونة ، والحالة الثالثة إجازة الرأي لخلاف شيء من دين الله الذي لا يجوز فيه الاختلاف مما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع بعد قيام الحجة بمعرفته بالسماع، والحالة الرابعة الدينونة على خلاف شيء من دين الله تعالى مما لا[106/ب] يسع خلافه على كل حال قامت عليه الحجة بمعرفته أو لم تقم فهو هالك بالدينونة في ذلك على كل حال ، والحالة الخامسة مخالفة الحق فيما لزمه اعتقاده أو عمله أو تركه بعد قيام الحجة عليه بمعرفته ، أو بعد قيام الحجة عليه بلزوم اعتقاده ، أو عمله أو تركه ، و[ الحالة ] (2) السادسة براءة من وليّ لا يجوز له أن يبرأ منه برأي ولا بدين ، أو بتصديق شهرة توجب البراءة منه لا يسعه تصديقها .
__________
(1) سقط في أ.
(2) سقط في أ و ب . (1/138)
صفحة 139
فإن قلت قال بعض أصحابنا أن تصديق شهرة قتل عيسى ابن مريم [56/أ] لا يجوز ، وهي شهرة توجب البراءة من أهل البراءة ، فأقول لا يجوز على من قامت عليه الحجة من كتاب الله ، أو من لسان نبيّ ، أو ممن تقوم به الحجة في الفتيا، و إلا فهم في حكم العقاب عليهم قاتلوه ؛ لأنهم معتمدون قتله ، فكيف لا يحكم عليهم بعقاب القاتل ، وليس قتل الأنبياء مما لا يجوز تصديقه ، بل قال تعالى : " فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ " (1) أي تتولون قاتلهم ، ومن صدق ذلك قبل قيام الحجة عليه بالسماع [100/ج]أنهم لم يقتلوه لم يهلك بذلك ، و إن لم يأته كذلك فالحق كذلك ، وإنما أخبرنا الله بحقيقة الأمر فيه ، وذلك أنه كان النبي عيسى في بيت يهودي وهم يريدون قتله ، فقال لهم صاحب البيت هو معي فذهبوا معه إلى بيته فنظرهم عيسى عليه السلام ، وخرج عنهم ، ولم يعلموا به ، فصور الله تعالى صاحب البيت على صورة عيسى عليه السلام ، فقتلوه ثم شكوا في[107/ب] قتله ، فقالوا إن كنا قتلنا عيسى فأين صاحب البيت ، وان كنا قتلنا صاحب البيت فأين عيسى فصاروا في شك من ذلك ، وليت شعري هل ظهر عيسى بعد ذلك مع أحد غيرهم من أنصاره أم أماته الله بعد ذلك .
فهذه الأصول الستة هي أصول الدين ، ومنها كان افتراق الأمة على مذاهب شتّى ، ومنها هلك أهل كل مذهب ضلّ فيها ، ولم يكن له عذر هنالك ، ولا يجوز الاختلاف في هذه الأصول ، ولا الاختلاف في هلاك أهلها في مذهب أهل الاستقامة في الدين .
فإن قلت : إن القاضي إذا حكم بالأهزل ، وهو يرى الأعدل أنه يهلك ؟، فالجواب: أن ذلك داخل في معاني قولنا في الحالة الخامسة أنه مما يهلك به مخالفته للحق بعد قيام الحجة عليه بمعرفته ؛ لأن الحكم عليه لازم بما رآه أنه هو الأعدل ، وهو الحق معه وبرؤيته له قد قامت عليه الحجة بمعرفته .
__________
(1) سورة البقرة:91. (1/139)
صفحة 140
فجميع أصول الشريعة تدور أحوال الهلاك فيها على هذه الوجوه الستة ، وخرج منها وجه سابع إذا خالف [101/ج] الحق مما لا تقوم به الحجة إلا بالسماع ، ولم تقم عليه الحجة بمعرفته بالسماع ، وهو يظن أنه على الحق المبين ، وقد علم الله من صدق نيته وإخلاصه واعتقاداته الحقية أنه لا يهلك بذلك ، ولا من عمل بقوله ما لم يدينا بذلك ، وما لم تقم عليهما الحجة بمعرفة الحق في ذلك، وهذا يخالف قول بعض أصحابنا كما ذكرناه .
ولم أك منفرداً بهذا القول الذي [108/ب] خالفت فيه بنفسي ؛ لأن صاحب كتاب الدّليل [57 /ا ]لأهل العقول لباغي السبيل تأليف عالم من أصحابنا من أهل المغرب (1) ، كذلك أتى فيه أنه لا يهلك [ بذلك ] (2) (3) ،
__________
(1) هو الشيخ يوسف بن إبراهيم بن مناد السدراتي الوارجلاني ،( 500هـ - 1106 م /570هـ / 1175هـ) عالم كبير ، محقق، موسوعي ، أول من اكتشف الخط الاستواء ، درس في الإندلس ، من مؤلفاته : تفسير القرآن الكريم ، الدليل و البرهان لأهل العقول ، و العدل و الإنصاف في أصول الفقه و الاختلاف، مرج البحرين ، ترتيب مسند الربيع
انظر : معجم أعلام الإباضية (4 / 1010 - 1014) ، و السير للشيخ الشماخي (2/105-106 ) .
(2) سقط في ب .
(3) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ، الدليل والبرهان ، تحقيق الشيخ سالم بن حمد الحارثي ، وزارة التراث القومي و الثقافة، ط2(1417هـ - 1997م) (1/25).
و هو القول الذي مال إليه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش في تعليقاته على كتاب الوضع ، وهو قول فيه من التسامح المذهبي الشيء الكثير ، بحيث يلم شمل الأمة الإسلامية المتفرقة بين المذاهب .
انظر : أبو زكريا يحيى بن أبي الخير الجناوني ، كتاب الوضع ، تعليق إبراهيم أطفيش ، مكتبة الإستقامة - سلطنة عمان ، ط 6 ، ص20 (1/140)
صفحة 141
ولمن قال أنه لا يعذر بخطأه كذلك أحكاماً أتاها في المنقطع الذي لم تبلغه الدعوة ، ولم يبلغه شيء من أمور العبادة التي كلف الله تعالى بها عباده المكلفين بذلك ما يدل على عذر ذلك المخطىء عذر ذلك العامل بفتواه ، فصح أن هذا القول الذي قيل به فيه أنه لا يهلك هو الأصح ، وصحّ أن الستة الوجوه هي طرق الهلاك ، ومن سلم من الستة الوجوه فهو سالم ولو عبد الله بشيء يخالف دينه على الوجه السابع فلا يهلك من أين ما كان من المذاهب من فرق الإسلام، ولو تسمّى بذلك المذهب الضّال فهو في الحقيقة إذا مات كذلك إباضي .
[حكم المنقطع الذي لم تبلغه الدعوة]
بيان : وصحّ أن هذا الوجه السابع ليس منها ، وهو الوجه الذي يجري به حكماً في المنقطع الذي لم تبلغه دعوة نبي ولا سمع بشيء من أمور العبادة ، فإذا خطر بباله معرفة الله تعالى بشيء من صفاته الموصوف بها ، وعرف المعنى لزمه أن يصفه بها ، ولم [102/ج] يجز له الشك في ذلك ، ولا ينفعه اعتقاد السؤال عن الحق في ذلك مع شكه ، وكذلك إن خطر بباله صفة مستحيلة عن صفات الله لزمه أن ينزهه عن ذلك إذا عرف معنى ذلك ، ولم يجز له الشك بعد ذلك ولا ينفعه اعتقاد السؤال عن الحق في [109/ ب] ذلك مع شكّه في ذلك . (1/141)
صفحة 142
وإن خطر بباله شيء من الأفعال أنه هل فعله أو هل سيفعله أو هل لا يفعله أبداً ، وشك في ذلك لم يهلك بذلك ؛ لأنه ليس شيء من صفات الأفعال واجب أن يوصف بها ذاته مما لم يعلم المرء علماً من نفسه يراه بعقله أو بعينه يوجب أن يصفه أنه فعله ، أو أنه سيفعله ، أو أنه لا سيفعله ؛ لأن هذا من علم الغيب ، ولا يكلف الله تعالى أحداً من عباده أن يعلم شيئاً من علم الغيب فيعتقده ديناً أنه كائن أو غير ، ولم يصل إليه علم ذلك بأحد من خلقه ، وإنما يلزمه أن يصفه أنه فعل ما يشاهده بعينه من خلق السموات والأرض ، وما يراه فيهما ؛ لأنه مما تقوم عليه الحجة بمعرفته من العقل أنه لا بدّ لذلك من صانع صنعه ، وفاعل فعله ، وهو الذي خلقه وخلق جميع ذلك ، وما يصوره عقله فالصانع لذلك واحد ، وهو القادر على كل شيء .
وهذه على خلاف ما اتفق عليه أصحابنا أن البعث بعد الموت والحساب [والثواب] (1) والعقاب وإرسال الرسل و إنزال الكتب مهما خطر ببال المرء ذكر ذلك قامت عليه الحجة بلزوم معرفته من حجة العقل ، ولزمه [58 /أ ]اعتقاد [103/ج] كون ذلك ، و لم يجز له الشك في ذلك، و لا ينفعه اعتقاد السؤال عن الحق في ذلك مع الشك فجعلوه كمعرفة صفات الله الواجبة له .
__________
(1) سقط في ب . (1/142)
صفحة 143
و هذه في الأصل و الحقيقة من صفاته الممكنة [110 / ب]، فسبحان الله كيف ساووا بين الواجب و الممكن و إنما كان من غير الممكن أخبرنا الله تعالى و أخبرتنا أنبياءه بذلك صار تصديقه على من بلغه علم ذلك واجب ، و أصله من علم الغيب ، و مع ذلك فقد سماه الله تعالى علم الغيب، فقال تعالى " يُؤْمِنُونَ " (1) و مراده علم البعث و الحساب و الثواب و العقاب ، فالأنبياء و الرسل و الكتب و الملائكة و الجن و ما سيأتيه في الدارين ، و كلما هو أصله من علم الغيب ، و إنما هو الذي أخبرنا به أو أنبياؤه ، وجب علينا الإيمان به ، و تصديق الله تعالى في ذلك و رسله ، و بقي في حق من لم يبلغه علم ذلك بسماع هو من علم الغيب .
فإن قلت : أنه إن خطر بباله ذكر ذلك ، و عرف معناه فقد بلغه علم ذلك ؟ ، قلنا : هو من علم الغيب ، و علم الغيب الممكن في فعل الله أن يكوَّنه ، و أن لا يكوَّنه ، و جائز ذلك في وصف الله تعالى ، فلا يمكن أحد أن يصحح فيه الحقيقة بعقله أنه لا بد من كونه ؛ [لأنه ] (2) تعالى غير لازم عليه أن يكوَّنه ، و لو لزم ذلك للزم أن يعتقد جميع ما يخطر بباله أن الله تعالى هل كوَّن كذا و كذا ؟ ، و هل سيكوَّنه، أو لا يكوًًّنه من جميع ما أخبر عنه تعالى ، مما في النار من أنواع العذاب ، و ما في الجنة من أنواع النعيم ؛ لأن ذلك كله قد أخبر عنه تعالى ، [104/ج] و للزمه أن يعلم أن الحيوانات[111 / ب ]هل تبعث بعد الموت ؟ ، وهل عليها حساب و عقاب و ثواب ؟ ، و إلا فما الفرق في لزوم ذلك عليه في نفسه ، و أنواعه و لا يلزمه [في] (3) بقية الحيوانات ؟ !! .
__________
(1) سورة البقرة:121.
(2) سقط في ب .
(3) سقط في ب . (1/143)
صفحة 144
فإن قلت : إن هذا لأنه متعبد بعبادة الله تعالى دون بقية الحيوانات ؟ ، فالجواب: بأي شيء تُعبّد هذا و لم تبلغه معرفة شيء من العبادة ، و على أي شيء يكون الحساب و الثواب و العقاب ؟ ، و لم يكن عليه إلا معرفة الله و اعتقاد طاعته ، و ترك ما قبح في عقله من القبيح ، و فعل ما حَسُنَ في عقله من الفعل الحسن ، و ما يدريه أنها قد فهمت ذلك ، و اعتقدت كذلك لله تعالى ، و هو يعلم أن الذي خلق جميع هذه الأشياء لا يستطيع شيء منها أن يخالفه في شيء ، و نحن الذين قراءنا التنزيل و السنة و الآثار ، و لم نعلم علماً حقيقياً أن الحيوانات ستبعث مع بعث الأنس و الجن و حضور الملائكة في يوم الحساب أم لا ؟ ، فلا شك أننا لم نزل في شك من ذلك.
و إن ظن ظان في ذلك أمراً فإنما هو ظنٌ لا حقيقة ، و كل ذلك لأجل أن الله لم ينزل تصريح بيان أمر ذلك ، و لا قامت الصحة [59 / أ ]عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ببيان ، ولا صح انعقاد إجماع على صحة أمر في ذلك بغير بيان إلهي و بغير بيان نبي ، فصح أن كل ما لم يأت فيه بيان عن الله ، ولا عن نبي من [112 / ب ]أمر البعث و الحساب هو من علم الغيب ، ولم يمكن تحقيق علم فيه ، و إلا كان من التكليف الذي لا يستطاع أداءه على كل حال ، و الكل في طاعة الله تعالى فبعضهم جاء فيه العلم أنه سيبعثه و يحاسبه و يعاقبه ، و بعضهم [105/ج] جاء فيه العلم أنه لا جزاء عليه بثواب و لا عقاب ، ولم يجئ فيه أنه سيبعث في الحساب لأجل ما [فعل فيها من الظلم] (1) أو لا يُبعث ، و إن كان الأصح أنها لا تبعث إذ لا موت بعد البعث ، و إن لم تكن للجنة فلا بد لها من الموت بعد ذلك ، و لكن الله قادر على كل شيء ، و هو على كل شيء قدير .
__________
(1) في ب : لأجل ما فعله من الظلم . (1/144)
صفحة 145
فإن قلت : إن عليه اعتقاد ذلك في نفسه و نوعه دون سائر الحيوانات ، خُصَّ بذلك بدليل قوله تعالى " :إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" (1)
فالجواب : الأمانة هي عبادة الله تعالى التي كلَّف بها عباده أن يعبدوه بها و يطيعوه فيها ، وعرضها الله تعالى على السموات ، و ما فيها من النجوم ، و على الأرض و ما فيها من مياه و نيران و رياح وتراب و أحجار و نبات و حيوان و غير ذلك ، و ما في الهواء من كرات و سحاب أن يركَّب الله تعالى في كل شيء من ذلك عقلاً يعقل معرفة العبادة التي تعبد [الله] (2) بها الإنسان المكلف إياها ، و معه القوة الهوائية تدعوه إلى معصية الله [113/ب] تعالى ، و قوة داعية تدعوه إلى طاعة الله تعالى ، و قوة مأمورة بإتباع القوة الداعية إلى الله ، و مخالفة القوة الهوائية الداعية إلى إتباع الهوى الداعي إلى المعصية .
فسأل الله تعالى كل شيء من ذلك أن لا يبتليه بعبادة على هذه الأحوال خوفاً من الله تعالى أن يقع منهم إفراط أو تفريط بسبب وجود القوة الهوائية الداعية إلى إتباع الهوى بمعصيته تعالى [106/ج] لم تأبا عن حملها إباءة امتناع و عصيان ، وإنما أراد كل شيء من ذلك أن لا يركب فيه ما يمكنه أن يخالفه به ، أما ترى إلى الطير حين ابتلاه الله ، وكلفه طاعة النبي سليمان بن داود عليه السلام فلم يعصه طيره ، و كذلك سائر الحيوانات فلم تكن فيهن قوة داعية إلى معصية الله و لا معصية رسوله سليمان عليه السلام .
__________
(1) سورة الأحزاب:72.
(2) سقط في ب . (1/145)
صفحة 146
فإن قلت : إن الشياطين كذلك لم [ يخالفه] (1) أحد منهم ، و هم على غير طاعة الله تعالى ؟ ، فالجواب : إن الشياطين أصلهم على غير [114/ب]الطاعة لله تعالى ، و أما الطير و سائر الحيوانات فكلهن على طاعة الله تعالى .[60/ب]
[ " فحملها الإنسان " أي خلق الله الإنسان مستطيعا على عبادة الله على هذه الحالة ؛ ليكون أفضل الكائنات إن أقامها بعدلها ، وجهل العاصي بتفضل الله له بذلك على جميع الكائنات ، فخان أمانته أمانة الله " إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا " (2) ، و لذلك قال فأخبر عن طاعة كل شيء له ، و لما ذكر الناس فقال " وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " (3) .
__________
(1) في ب : يعصه .
(2) سورة الأحزاب:72.
(3) سورة الحج:18. (1/146)
صفحة 147
و انظر ] (1) إلى نبي الله سليمان بن داود - عليه السلام- لما تفقد الطير، [ فلم ينظر] (2) الهدهد [ فيهن] (3) ، فغضب النبي عليه السلام ، و قال" لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ " (4) ، انظر أن مع حلم النبي - عليه السلام - يغضب على طير غاب عنه أياماً هذا الغضب و لا يحلم ، ولو كان حسن أخلاق في أقل إنسان لعفا لمثل هذه الزلة ؛ لأنه لم يفعل ضرراً في شيء ، بل حلم النبي أعظم من حلم كل ملك و سلطان و أمير و إمام فاضل حليم ، و لكن ذلك من الطير خلاف لما ألزمه الله تعالى أداؤه ، و متى خالف الله فيما أمره و تعبده بفعله ، وجب عليه العقاب على النبي سليمان - عليه السلام - ، و ليس له أن يترك ما وجب عليه ، و الطير بخلافه لما تعبده الله عاص [لله تعالى] (5) عليه العقاب بمعصية الله تعالى ، و الطير عالم بجميع ذلك ، "فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ" (6) .
فانظر إليه أنه عرف الشيطان ، و عرف أنه يزين للناس أعمالهم ، و يصدهم عن طريق الرشد و الصلاح عن طاعة الله تعالى ، إلى الضلال المبين ، فتدرى أن كل نفس ألهمها ما يسر و ما يضر ، فإن [115/ب] الكل على طاعة الله تعالى إلا الإنسان و الجن فمنهم طائع لمولاه ، و منهم العاصي نعماه ، كما قال الله تعالى فذكر الكل أنه لله طائع و ذكر الإنسان .
__________
(1) سقط في ب .
(2) سقط في ب .
(3) سقط في ب .
(4) سورة النمل:21.
(5) سقط في ب .
(6) سورة النمل:22و23و24. (1/147)
صفحة 148
فإن قلت : عسى أن يكون قد انعقد إجماع من العلماء المحقين في لزوم اعتقاد ذلك على من خطر بباله ذكر البعث و الحساب و الثواب و العقاب ، و ما ذكرناه من غيره مما هو مثله في اللزوم؟، فالجواب : أنه [لا] (1) يجوز أن ينعقد إجماع في التوحيد بسبب اجتماع العلماء على قول رأوه أصله رأياً فاجتمعوا عليه ؛ لأن الرأي لا يجوز في التوحيد ، بل هو إجماع ذاتي ، [108/ج] ولا يكون الحق إلا في واحد .
و لا يلزم من قولنا هذا أن يكون بالدينونة أنه لا [61/أ] يلزمه و لا بالدينونة أنه يلزمه ، و لا يلزم بجواز القول بالرأي في هذا جواز الاختلاف في الحساب و العقاب و الثواب ؛ لأن القول بالرأي يجوز في عذر من خطر بباله ذكر ذلك ، و لم يتحقق معه يقين ذلك تحقيقاً لا شك فيه ، أو أنه لا يعذر بالشك و يهلك فيصح أن يقول كل امرؤ بما رآه في عقله بدلالات يراها أن هو الأصح في هلاكه أو عذره من غير أن يدين بذلك ، فإن دان بذلك فقد هلك ؛ لأنه لا يدر الحقيقة مع الله إنه ليعذره بذلك أو ليهلكه ، و الحق مع الله واحد في ذلك لا يختلف ، و لم ينزل فيه بياناً ، و لم تقم الحجة عن النبي - صلى الله عليه و سلم - بصحة بيان ذلك [116/ب]، فكان من الغيب فلا يصح أن ينعقد فيه إجماع ؛ لأنه لا ينفك عن أن يكون من علم الغيب ، و إنما جاز للمرء أن يقول فيه بظنه على ما يراه عقله من غير [ دينونة ] (2) .
[مسألة خلق القرآن ]
__________
(1) سقط في ب .
(2) في ج ذلك . (1/148)
صفحة 149
فإن قلت : قد قلت أنه لا يجوز الاختلاف في التوحيد ، أليس مسألة خلق القرآن جاز فيها الاختلاف ، و بعضهم قال هو من صفات الله ، و بعضهم قال لا ، فهلا جاز الاختلاف في صفة من صفات الله تعالى ؟ ، فالجواب : تعالى الله أن يجوز الاختلاف في شيء من صفاته الواجبة أو المستحيلة عن وصفه بها ، و إنما جاز في القرآن الاختلاف بنفسه ، هل هو المراد به النظم لا غير ، أم المراد بالنظم توصيل إلى معرفة ذاته ، و ذاته هو كلام ذات الله [109/ج] تعالى فيكون كلاماً نفسياً ، أي كلام نفس ذات الله تعالى ، فكلام ذات الله لا يجوز فيه الاختلاف إلا أنه غير مخلوق ، و لا هو [هو] (1) و لا هو شيء غيره حل فيه تعالى الله عن ذلك .
فمن اعتقد أن كلام القرآن هو القرآن و هو نظمه و ليس له ذات غير ذلك و معانيه ، و قد قال الله تعالى في تصحيح هذا القول " لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا " (2)
لم يجز له إلا أن يقول أنه مخلوق ، و إن قال أنه غير مخلوق ، و هو يعتقده كذلك فقد كفر و لا اختلاف في ذلك ؛ لأنه قد جعل لله شريكاً في القدم [117/] و هو الحرف و الكلام العربي الذي تضمنه القرآن ، و نظم الكلام العربي ، و يهلك بالشك إن شك في ذلك و لا ينفعه اعتقاد السؤال مع الشك ؛ لأن معرفة الله أنه لا شريك له تقوم به الحجة من العقل بمعرفته مهما خطر بالبال.
__________
(1) سقط في ب .
(2) سورة الإسراء:88. (1/149)
صفحة 150
و من أجاز الاختلاف في ذلك فقد ضل ضلالاً بعيداً ، و من اعتقد في نفسه أن ذات القرآن [هو] (1) غير هذا الكلام الحرفي اللفظي ، و إنما هذا الكلام الحرفي اللفظي النظمي موصل إلى معرفة ذات القرآن ، و هو كلام [62 /أ] ذات الله تعالى ، و من اعتقد كذلك أنه كلام ذات الله لم يجز له أن يقول أنه مخلوق ، و من شك أنه هل حقيقته هو كلام نفسي ، أم هو ليس هو إلا كلامه العربي الحرفي اللفظي النظمي الذي سماه الله أنه قرآنه ، جاز له الشك في ذلك ، و لم يأت شكه فيه إلى الشك في أن الله متكلم أم لا، حتى لا يعذر بشكه و يهلك ؛ لأن هذا المعنى الذي جاز فيه [110/ج] الاختلاف فلم يكن الاختلاف في صفات الله تعالى ، و إنما وقع الاختلاف في نفس ذات القرآن، مع أن الأصح أن كلام ذات الله لا يصح أن يتوصل إلى معرفته بحرف ولا كلام نظمي ، و إلا وقع التشابه بكلام مخلوقاته ، و بكلام يمكن أن يخلقه في اللوح المحفوظ على شبه نظم القرآن ، و يكون غير كلام ذاته ، و يأمر جبريل أن يقرأه و يوحى به إلى أحد من رسله ، فينسب إلى أنه كلام الله ، و يقع التشابه في نظم الكلام المخلوق الذي غير دال على معرفة كلام ذاته لكلامه النظمي الدال على كلام ذاته .
و في [118/ب] الإنسان ما يدل على أن كلام ذات [الله] (2) لا يتوصل إلى معرفته بحرف، و لا تأليف كلام كأوامر العقل للأعضاء بالحركة و السكون ، فهو أمر مطاع منفعل ما يأمر به كل عضو من أعضاء شخصه ، و لا يتوصل إلى معرفته بحرف[ ، و لا نظم كلام ، و يأمر اللسان بالنطق بالحرف] (3) ، فاللسان هي التي تنطق بالحرف ، و تنظم الكلام بأمره ، وهو لم ينطق بذلك بل أمره للسان في ذلك كأمره للأعضاء بالحركة و السكون ، وهو في ذلك لم ينطق بحرف و لا بنظم كلام و ليس هذا يشبه كلام ذات الله ، و لكن مما يدل على معرفة كلام ذات الله تعالى أنه لا يتوصل إلى معرفته بحرف و لا نظم كلام .
__________
(1) سقط في ب .
(2) سقط في ب.
(3) سقط في ب. (1/150)
صفحة 151
و في الحقيقة أن القول بالقرآن أنه هو النظم المعجز فصحة ذلك بالقرآن ، و من اعتقده كذلك و قال أنه مخلوق ، فلا يجوز إلا إنه محق و مصيب فيما عناه ، و لا يجوز الاختلاف في ذلك على هذا الاعتقاد ؛ لأن الله سمّى هذا النظم الكلامي الحرفي [111/ج] هو القرآن ، فكيف يجوز أن يكون غير مصيب من اعتقده كما سمّاه الله تعالى .
ومن قال أن هذا الكلام العربي الحرفي النظمي الذي سماه الله بالقرآن ، ولم يقصد به غير ذلك أنه ليس بقرآن و لا هو كلام الله ، و المعنى أنه كلامه منسوب إليه ؛ لأنه هو الذي خلقه بنفسه من غير واسطة مخلوق ، فهو كافر ، و من قال أنه غير مخلوق فهو كافر إذا كان مراده كلامه العربي[119/ب] و نظمه و تأليفه ، و هالك بالدينونة في الحكم بهلاكه ، ومن قال أن ذاته غير هذا اللفظ بل ذاته هو [63/أ]نفسي ، أي كلام ذات الله ، فهو قول بالظن، ولا يمكنه تحقيقه ، و لا شاهد له على صحته تنزيل و لا سنة و الإجماع فيه إذ لا ينعقد فيما هو من علم الغيب ؛ لأن الحق فيه لا بد و أن يكون في واحد ، و لا يمكن أن يطلع عليه مخلوق ، إلا أن يصح عن النبي - صلى الله عليه و سلم -، أنه قال بحكم من أحد الحكمين ، ووقع الإجماع من الصحابة على صحة الرواية ، وأما بغير هذا الوجه فلا .
فصح أن الاختلاف في حقيقة القرآن أنه كلام نفسي [أو غير نفسي] (1) ليس هو اختلاف في صفة ذات الله تعالى ، و الله موصوف أنه لم يزل متكلماً ، و صفات قوى الإنسان لا ترى و لا تسمع فإن القوة الباطشة في يد الإنسان لا ترى ، و لا يمكن ظهورها حتى ترى فإذا بطشت عرفت صفاتها بفعلها في قوتها و ضعفها ، و القوة الناطقة [المكلمة] (2) في العقل لا ترى و لا تسمع [112/ج] و لا يعرف ما تعرف من الفصاحة و البلاغة ، و البلادة و الفهامة ، فإذا ألفت شعراً أو كلاماً نظمياً أو شعرا أو أمرت اللسان أن تلفظ به حروفا عرفت قوتها و ضعفها .
__________
(1) سقط في ب.
(2) في ب المتكلمة. (1/151)
صفحة 152
فإن قال هذه حجة عليك لا لك ؛ لأن البيت النظمي الذي نظمه العقل لم يتكلم العقل به بحروف و لا كلام و هو المؤلف له[120/ب] ، و ذلك كلامه و لفظه اللساني ليس هو حقيقته ، فالجواب : إن كلام ذات الله لا يعرف هذا الدليل ؛ لأن العقل تقول فيه على وجه المثال أنه على هذا مستطيعاً عليه ، و إن كان قد لا يستطيع و لكن قلنا هذا على سبيل المثل ، و متى أراد أن ينظم بيت شعر ، و نظمه فهو من فعل القلب ؛ لأنه ألفه و جمعه ، و النظم و التأليف لا يشك أحد أنه من الأفعال ، و أصله من أفعال القلب ، و لو لم يكن حروفاً فلا يقال أن ذلك الذي نظمه هو صفة العقل بل صفة دالة على العقل على أنه يستطيع نظم الشعر و تأليفه و وزنه ، فلم يكن حقيقة نظم البيت قبل أن ينظم حروفاً أنه صفة للعقل ، بل صفة العقل أنه مستطيع النظم إذا أراده و أمده الله بالإعانة على ما أراده حين عمله له ، و ليس كذلك كلام العقل الذي هو أوامره للأعضاء فلا تأليف فيه و لا نظم ، فهو أقرب دليلاً على معرفة كلام ذات الله أنه لا [...........] (1) هو نظم و لا تأليف و لا يشبه كلام مخلوقاته فاعرف ذلك .
__________
(1) هنا كلمة غير واضحة. (1/152)
صفحة 153
و لنرجع إلى ما نحن بصدد ذكره في [113/ج] لزوم من لم يبلغه علم البعث و الحساب و العقاب ، و خطر بباله فألزمه أكثر أصحابنا اعتقاد تحقيق ذلك ، فإن شك هلك و لم ينفعه اعتقاد السؤال مع شكه ، و لو كان القائلين بهذا القول هم المبتلون بهذا المعنى[121/ب] لم يمكنهم تحقيق كون ذلك بلا شك ، و أتينا الحجة أنه من قسم الممكن من التوحيد ، و الممكن لا يعلم كونه و لا عدم و لا ما سيكون و لا ما لا[64/أ] يكون ؛ لأنه من الممكن الجائز هذا ، و هذا فلا يكون من الواجب إلا أن يخبرنا الله به في تنزيل ، أو على لسان رسول ، و لو لم يخبرنا الله به ، و لم يخبرنا به رسول ، و أجمعت الخلق على كون ذلك لم يكون ذلك بحجة ، و لم ينعقد في ذلك إجماع ؛ لأنه من علم الغيب ، ولا يعلم حقيقة كون ذلك من غير كونه إلا الله تعالى .
و ضربنا في ذلك [مثلاً] (1) في الحيوان و لو أجمعت جميع الخلق مثلا أن الحيوان ليحيها الله تعالى يوم القيامة ، و تجازى و تثاب و تعاقب ، و لم يأت في ذلك و لا فينا علم في ذلك ما كان حجة على صحة ذلك ؛ لأن في هذا يكون الحق مع الله في واحد ، و إن كان مما يجوز القول فيه بالرأي ؛ لأن القول بالرأي كل يقول على ما يصوره بعقله أنه تقوم الحجة بذلك ، أو أنه لا تقوم الحجة بذلك، فلا يخطئ (2) في دينه ما لم يدن به فلا بأس .
و إنما لزمنا الإيمان بذلك لما جاءنا العلم عن الله على لسان رسله أن الله يفعل كذا و كذا ، لزمنا تصديق الله في كل ما يقوله لنا ، فإن كان مما تقوم الحجة بمعرفته من العقل بعد السماع به صار مما تقوم به الحجة [114/ج] بمعرفته بالعقل بعد السماع به ، و إن كان مما لا تقوم بمعرفته الحجة من العقل لم يكن مما تقوم الحجة بمعرفته من العقل، مثل تفصيل أنواع الكرامات في[122/ب] الجنان ، و مثل شراب أهل النار أنه صديدهم ، و مثل قمعهم بمقامع من حديد ، و ما أشبه ذلك .
__________
(1) سقط في أ.
(2) في ب فلا ينهى. (1/153)
صفحة 154
فإن قال إن بين الإنسان و الحيوان فرق ؛ لأن الحيوانات تنظر إليها و لا تستطيع أن تتكلم [مثل كلامه] (1) ، فبذلك يعرف الفرق بينه و بينها ، و أنها لا تفقه علم التعبد ، فنقول بأي حجة تعرف أن الحيوان لا تفقه العبادة ، أظنك و قولك أصدق و أصح أم قول الله تعالى ، و قوله جل و علا حاكياً عن النبي سليمان[ بن داوود] (2) عليه السلام " وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ { 20 } لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ { 21 } فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ { 22 } إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ { 23 } وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ { 24 } أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ { 25 } اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ" . (3)
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في أ.
(3) سورة النمل:20-26. (1/154)
صفحة 155
فإذا كان كل هذه المعاني المذكورة في كلامه هذا ، أليس قد فقه العبادة و المعصية ، و عرف الشيطان ، و عرف أنه لا إله إلا الله ، و عرف [115/ج] أنه هو الذي يخرج الخباء في السموات و الأرض[123/ب] ، و شيء من الطير يقبل تعليم كلام البشر فتتكلم به، و تفهم و تعرف و لكن وجدنا صورة فيها شفة عريض متطاول ، و لسان عريضة مثل لسان الإنسان ، و فيه [65/أ][الان] (1) الشفتان عظم كمناقير الطيور ، ليست هي جلد كالإنسان و للسانها كانت مثل الإنسان و لصورة فيها مثل فم الإنسان استطاعت أن تتكلم بكلام الإنسان بكلام فصيح ، و تقبض فنجان القهوة بيدها و تشربها و تخالط الناس في كلامهم و تثني على من تجده من أهل الورع و تكبره، و تنكر على من تراه يعمل ما لا يحل له ، و تقول [له ] (2) خف الله تعالى و أدى حق الله تعالى، أهديت للسلطان سعيد بن سلطان (3) ، و طلبها أحد من سكن السواحل فأعطاه إياها .
__________
(1) هكذا في جميع المخطوطات غير واضح.
(2) سقط في أ و ب .
(3) سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد البوسعيدي (ت 1273هـ - 1856 م)، سلطان عمان ، و ليها بعد مقتل عمه بدر بن أحمد ، سنة 1220 هـ ، وأقام بمسقط ، نسب قتال بينه و بين بعض عمال الإمام سعود بن عبدالعزيز ، فبايع لسعود و أصبحت مسقط و سائر بلاد عمان تابعة لنجد سنة 1223 هـ ، ونقض عهده سنة 1224هـ ، و استند بالانكليز ثم استعان بحكومة إيران سنة 1225 هـ ، عقد معاهدة تجارية مع بريطانيا سنة 1255هـ ، و عقد معاهدتين مع الفرنسيين سنة 1222هـ و 1260هـ و معاهدة مع الحكومة الأمريكية سنة 1249 هـ
ابن بشرا : ص136-142-146-154 ، تحفة الأعيان (2/185و 219) و عمان و الساحل الجنوبي ص27-31 . (1/155)
صفحة 156
فصح أن الطيور و الحيوان تعقل المعاني و تفهمها ، و لكنها لا تستطيع أن تتكلم بكلامنا لاختلاف ألسنتها و أفواهها ، لئلا يظن أن الهدهد علمه النبي سليمان ذلك و عرف كلامه ، و أن الحيوان مخصوصة بالمعرفة في ذلك ؛ لأجل النبي سليمان ؛ لأجل أداء الطاعة فليس الأمر كما تظن ، و لم تكن الحيوان في ذلك الوقت هي تخاطب النبي بكلامه بل تخاطبه بكلامها و يفهمه هو منها و يخاطبها بكلامها فتفهمه منه ، لقوله تعالى حاكياً عن قول[124/ب] النبي " عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ " (1) و لم يقل و علمت الطير منطقنا .
و في ظن نفسي أن الفأر جعل الله تعالى في أضراسه [..........................] (2) و لا يشفيها [116/ج] إلا أن يحكها ، و يستلذ الحك في الظاهر ، و تكرهه في الباطن ؛ لأنه أذاء ، و الأذى لا يحبه أحد ، فغالب[ ....... .........] (3) تقرض الأشياء بها ، و ربما أنه لا أنه يأكل ذلك .
و رأيت فأراً في نخلة قرب المسجد القائم فيه الشيخ العالم عامر بن علي العبادي بنزوى ، و في النخلة ثمرة و هي للمسجد فأردنا أن نشبك له ، فقال دعوه و لا توعروا (4) به ، فقلنا لأجل أي شيء ، فقال إن هذا ساكن في هذه النخلة منذ سنة أو قال أكثر ، و لم يضر شيئا من ثمرات هذه النخل التي حول هذا المسجد ، و لم يضر بثمرة هذه النخلة الساكن فيها ، بل يذهب يأكل و يضر بعيدا ، و يأتي إلى مسكنه ، و ربما إذا أوعرنا به يختلف علينا في ذلك .
__________
(1) سورة النمل:16.
(2) سقط بمقدار ثلاث كلمات في كل المخطوطات.
(3) سقط في جميع المخطوطات.
(4) في ب تعرضوا ، و توعروا : معناها تهيجوه و تضيقوا عليه ، الفيروزآبادي ،القاموس المحيط ،ص458 ، مادة ورع . (1/156)
صفحة 157
وكم من قطة و كم كلب لهما أفعال سيئة ، و على النوادر يكون من أحدهما أخلاق حسنة و أفعال مستحسنة ، إذا حكى عنهما صاحبهما يتعجب السامعون من نباهتهما ، و في كلب الصيد ، و طائر كلب الصيد ما يدل على ما ذكرناه كل حيوان ألهمه الله بما شاء الله أن يعرفه ذلك الحيوان ، و ما لم يلهمه معرفته لم يعلمه مثل الحيوان الآنسة بالناس التي هي لتذبح و تؤكل لم تدر بتربية الناس لها أن المراد بها للذبح [125/ب] ، و عرفت الحيوانات المتوعرة عن الناس أن هذا النوع يريد هلاكها ، و عرفت الموت و خافته ، و تلك عرفت الموت و لم تخف من الإنس لحسن ظنها بهم ، و لا تحقر [حظ] (1) هذه الحكايات ، و لا الفكر في الحيوانات ، فإن فيها [117/ج] هداية عظيمة من الشريعة تهديك إلى الحق المبين[66/أ] ؛ لأنك تدري أن جميع النفوس من أنس و جن و حيوان لم يخلقها الله خبيثة بل خلقها طيبة ، و لكن جعلها قابلة لأن توضع فيها الأخلاق [الحسنة ، و قابلة لأن توضع فيها الأخلاق] (2) السيئة .
فهي كالأواني الطاهرة بين يدي الإنسان ، و أحضر معه ماء الورد و العنبر و المسك إلى غير ذلك من الطيبات ، و أحضر خبث الناس ، و جعل له الاستطاعة في وضع أي شيء أراد في تلك الأواني ، فمنهم من وضع خبثه في أوانيه باختياره و مخالفة لما يراه أحسن في عقله طلباً لإظهار الخبث منه ، ومنهم من وضع الطيب في أوانيه طلباً للخير ، و كل منهم يستطيع أن يفعل ما شاء من ذلك بمدد الله له في الاستطاعة ، هكذا جميع النفوس على الإطلاق .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب. (1/157)
صفحة 158
و في هذا ما يهديك إلى الحق في مسائل القدر ، و إذا كانت الحيوان استطاعت أن تترك الأخلاق الذميمة ، فكيف لا يستطيع الإنسان على ترك ذلك ، فلم تبق لمتعبد حجة ، و لم يكن من الله سببا في عصيانه لئلا يظن أن الله تعالى هو خلق للمرء الذي يعصيه نفساً خبيثة ، و للذي يطيعه نفساً طيبة ، و لا يستطيع[126/ب] كل منهما أن يكون على خلاف ما خلقه الله فيضل من جهة القدر .
و لقد ضربنا لك مثلا فيه [..........] (1) و بينا ألا[ .................] (2) في ذلك لأن مسائل القدر أمرها عسر ، و قد نهى جميع أنبياء الله عن التفكر في القدر ، [118/ج] و المراد بالنهي عن العامة لئلا يروا أن الله [هو] (3) خلقهم كذلك فقد كشفنا لك الحق و أمثاله ما إذا أهديت إليه و اهتديت به لم تضل فيه أبداً .
فصح أن الحيوانات كلها تفهم الخطاب [و تفهم ] (4) العبادة ، و لو ألزمها الله تعالى العبادة لأوجب عليها مقدار ما تعقله عقولها و تطيقها جوارحها ، و لكن القول بالحق أن جميع ما خلق الله تعالى من جماد و نبات و حيوان طائع لله تعالى بجميع ما يجب عليه أن يطيعه فيه إلا من عصاه من الأنس و الجن و الشياطين .
فإن قلت : و ما دلك على هذا ، و على خلافه يدل معنى قوله " إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا " (5) ، فبعض من العلماء خص في تأويل هذه الأمانة في شيء من فرائض الله تعالى مثل الصلاة المكتوبة ، ومنهم من قال هي جميع واجبات الباري على المتعبدين من عباده و هذا القول هو الأصح .
__________
(1) سقط في جميع المخطوطات.
(2) سقط في جميع المخطوطات.
(3) سقط في ب.
(4) سقط في ج .
(5) سورة الأحزاب:72. (1/158)
صفحة 159
و يدل هذا المعنى أن الله تعالى لم يتعبد بعبادته خلقاً[127/ب] من مخلوقاته ، إلا الملائكة و الأنس و الجن و الشياطين ، فنقول و من أين معاني هذه الآية يدل على ما ذكرت[67/أ] و الله تعالى يقول : " فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " (1) ، و كذلك ما فيهن من جماد و نبات و حيوان فليس شيء لم يتعبد بطاعة الله تعالى ، و الكل أطاعوه إلا من ذكرناهم ، و قال تعالى [119/ج]" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " (2)
فعم غير الناس و بعّض في الناس ، و سمّى من لا يعقل بمن ، و هي لمن يعقل ، إذ وصفها أنها عقلت تسبيح الله تعالى ، ولم يرد بقوله " وَمَن فِي الْأَرْضِ " (3) الناس ؛ لأن الناس ذكرهم بعد ذلك ، فصح أن المراد بقوله " وَمَن فِي الْأَرْضِ " (4) أي و ما في الأرض ، و يمكن أنه سماهم بمن يعقل إذ جمع معهم من يعقل ، فقال تعالى: " وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا" (5) أي رعبا إلى الله ، و خوفا من سخطه .
و يصح التفسير أن المراد هنا من يعقل [و من لا يعقل ] (6) ، و إنما سمى الكل بمن يعقل ؛ لأنه أدخل معهم من يعقل ، و قال تعالى " وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ
__________
(1) سورة فصلت:11.
(2) سورة الحج:18.
(3) سورة الحج:18.
(4) سورة الحج:18.
(5) سورة الرعد:15.
(6) سقط في أ و ب . (1/159)
صفحة 160
وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ " (1) و قال " أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا " (2) أي رغبة في طاعته ، و خوفا من سخطه ، أو هم في قبضته[128/ب] يصرفهم كما يشاء طوعا و كرها ، أي ليس شيء يعجزه منهم و فيهم .
و قال تعالى " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ " (3)
و يحتمل أنه أراد في هذا من يعقل ومن لا يعقل ، و إنما سمي الجميع باسم من يعقل حين أدخل معهم من يعقل كما في الآية الأولى ، و كل هؤلاء ما خلا الناس لولا أن الله تعالى أخبرنا أو أخبرونا أنبياء الله تعالى أنه لا ثواب لهن [120/ج] في الآخرة و لا عقاب لم نعلم ذلك .
و كثير من الناس لا يعلمون أنهن يبعثهن الله تعالى يوم الجمع أم لا ، و هل نحن متعبدون بمعرفة ذلك أن الله يبعثهن أم لا ، و لكن لم يكن في شيء منهن نفس تعصيه كالملائكة ليس في أحد منهم نفس تعصيه من شدة خوفهن من الله ، ولم يكن فيهن نفس تحب الأشياء التي تحب ذلك الشيء يكون هو السبب الداعي إلى معصية الله كحب التكاثر ، و طلب الجاه ، و علو المرتبة على غيره إلى غير ذلك من الصفات إلا الحيوانات من ذلك ، ففيهن بعض هذه الصفات ، و يفعلن في بعضهن بعض ، و في الإنسان [62/أ]كذلك بعض منهن ، و يمكن أن الله تعالى ألهمهن إباحة فعل ذلك فلا يكونن به عاصيات لله تعالى كما أباح لنا ذبح بعض الحيوانات و رميهن بما يقتلهن و لا يكون ذلك جورا منا ، و لا معصية لله تعالى.
__________
(1) سورة النحل:49.
(2) سورة آل عمران:83.
(3) سورة النور :41. (1/160)
صفحة 161
فافهم لئلا تضل في القدر فتقول أن الله لم يخلق لهن نفوساً تعصيه ، و خلق لنا نفوسا[129/ب] تعصيه ، فكان منه السبب في عصياننا ، فإن الله تعالى خلق لنا نفوسا في الطهارة من كل دنس مثلهن و هن كالأواني ، و لم يحصر لهن هذه الصفات الخبيثة التي مثلناها .
و المعنى عسى أن يكون أن الله تعالى خيرهن بين أن يدعهن بهذه المعرفة التي عرفن بها أعني السموات و الأرض ، و لا يركب فيها عقولاً تعقل ما يكاشفهن من توحيده ، و تدقيق علمه ، [121/ج] و معرفة واجبات الشريعة ، و معرفة تدقيقها مثل ما ركَّب ذلك في الإنسان ، و أحضر له الخبيث و الطيب ، و نهاه عن الخبيث أن يجعله في أواني عقله ، و إن خالفني فقد عصاني و حل عليه غضبي ، و أن يجعل فيهن ذلك الطيب، و إذا فعل رضيت عنه و أثبته بكرامتي .
فأشفقن من تعبدهن بهذه العبادة ، أي خفن الله تعالى خوفاً عظيماً أن تقع منهن معصية لله تعالى بشيء من ذلك وهن لا يريدن أن يعصين الله تعالى طرفة عين ، فاخترن أن يدعهن كما هن كذلك ، ولا يزيدهن هذه الزيادة مع زيادة هذا الابتلاء من كمال العقل ، فأراد الله أن يحملها الإنسان ، و أن يكون له الكرامة عليهن ، فخلقه كذلك عاقلا لجميع ما يكاشفه من معرفة توحيده ، و تدقيق التوحيد ، و معرفة شريعته و تدقيقها ، و جميع العلوم ، و أحمله عليها أي كلفه حملها فحملها الإنسان حمل وجوب عليه من الله تعالى ، و أقدرته [130/ب]على ما حملته عليه حتى يرى ، و تشاهده جميع الكائنات أنه تكلف عبادة اعتذرن منها ، و لم أرد بهذه المشقة للإنسان إلا من محبتي له على جميع ما خلقت . (1/161)
صفحة 162
و لكن ليس من صفات ذي العدل و الكرامة و الإنصاف أن يكرم (1) أحداً من أهل مملكته أكثر من أحد منهم ، و لو أحب أحدا منهم إلا أن يبتلي الجميع بشيء لا يستطيعه غير ذلك الذي يحبه ، و يخيره أني أريد أعظمك على جميع هؤلاء ، و أعمل [122/ج] أمراً لا يقدر عليه غيرك ، و يعتذر منه كل أحد ، و يخرج منه بعذر يعذر به، و أحكم فيه من لم يتمه انتقمت منه ، فيخاف كل أحد منه خوفاً أن لا يحسن تمامه ثم ألزمك إياه أنت ، و أقدرك عليه ، فإن عملته فضلتك على الجميع، و عرف الجميع أن تفضيلك لذلك الفعل الذي فعلته ، و تكلفته فلا[69/أ] تبقى لهم حجة.
و هكذا المعنى في كل إنسان فمن صد عن قبول هذه الكرامة من الله له ، و هذه المحبة ، و أعرض فما أحراه بأن يوصف أنه كان ظلوماً جهولاً ، أي يظلم نفسه من ضيفه كرامة أحضرت له ، و هو في شدة مجاعة و يمنعها من ذلك و يدعها حتى تهلك ، و ما أجهله بالظلم و ما أجهله بمعرفة من أراد به خيره ، فهذا هو معنى الآية على الأصح ، و هذا مثل قوله " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ { 4 } ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ { 5 } إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " (2) .
__________
(1) في ب يلزم.
(2) سورة التين:4-6. (1/162)
صفحة 163
و في قوله تعالى هذا ما يدل على صحة[131/ب] مذهبنا دون مذهب أهل خلافنا (1) أن الإيمان هو بواجبات القلب و تمامه بالعمل الصالح أي بواجبات الأعمال بالجوارح ، و إلا لم يتم الإيمان لأنه آمنوا و بعد ما آمنوا ، قال و عملوا الصالحات ، فانظر إلى قول النبي سليمان عليه السلام في [حكمه على] (2) الهدهد أن يفعل فيه ، فهل يليق بمقام النبوة أن يغضب كذلك غضبا شديدا على طير بطأ عليه مدة لم يأته إلا و قد تعبده الله بطاعته تعالى ، و بطاعة [123/ج] النبي سليمان ، فإذا خالف ما أجيز له إلى ما لم يجز له فقد عصى الله تعالى ، و استحق العقوبة بعصيانه لله تعالى ، و لا يتعبد إلا بما يعقله عقله و تستطيعه جوارحه .
و قد طال بنا الكلام في هذا ، فلنرجع إلى ما كنا فيه من المعنى في هذا الذي لم يكلف بعبادة ، و لم يسمع بأن الله تعالى يبعث النوع الإنساني بعد موته و يحاسبه ، و يثيب الطائع ، و يعاقب العاصي ، و أتينا من الحجج ما يدل على أنه عاجز عن تحقيق علم ذلك من عقله ، و لو خطر بباله ، و لم يسمع بذلك من قبل و لم تلزمه عبادة ، و لو لزمته العبادة فالله تلزم عبادته و لو لم يخلق جنة يثيب بها ، و لم يخلق نارا يعاقب بها .
__________
(1) في أ و ب الخلاف .
(2) سقط في ب. (1/163)
صفحة 164
فإن قلت إن جميع ما ذكرته هو حجة عليك لا لك ؛ لأنه إذا كان كل هؤلاء عرف طاعة الله و الكفر و الإيمان ، و الطير عرفت الشيطان و غير ذلك ، أفلا يعرف الإنسان ، و هو أعقل[132/ب] و أجمل للعبادة كما ذكرت حتى يعلم البعث و الحساب و الثواب و العقاب ؟ فنقول : لم يتعبد الله خلقاً من خلقه بشيء من عبادته إلا بما علَّمه إياه منها ، و أقدره عليها ، و كذلك الإنسان لا يتعبده بشيء بتحقيق علم لم يتضح له دليل يوصله إلى تحقيقه ، و أما إذا عرفه و حققه في نفسه بإلهام من الله له في قلبه لزمه على كل حال ، و إنما كلامنا لم يستطع أن يحقق علم ذلك في نفسه[70/أ] ، و لا سمع به ، و قد خطر بباله و لم ينكر ، و لكنه وقف على شكه ، و لم يعلم أن لله عبادة منها [124/ج] أنه يلزمه السؤال أن يعتقد ذلك ، و قد علم الله صدق رغبته و علمه في طاعته ، فالله أكرم من أن يعذبه عذاباً أبداً خالداً [......] (1)
فإن قلت : أراك أن تحقيق العلوم لا تقوم به الحجة إلا بالسماع ؛ لأن الأمر فيه في وجوبه عليه انتهى إلى السماع و بالسماع ، فأقول لا أقول أنه لا تقوم بمعرفته الحجة إلا بالسماع ، و لكني أقول بما أراه حقاً و لا أحيد عنه أن هذا مما تقوم به الحجة من العقل بعد السماع به ، ولا يعذر فيه بعد ذلك من كل من عبَّر له ذلك ، و متى خطر بباله ذلك و شك و اعتقد أن هُدِيَ إليه و إلا فعلى نيته في الجملة أنه لا يعصى تنجيه من الهلاك إلى أن تقوم عليه الحجة ، أما بإلهام من الله له في تحقيق ذلك ، و إما بمعبر يعبر له فتقوم عليه الحجة من عقله بعد ذلك ، و لا ينفس له في الشك حتى يسأل، و أما قبل أن تقوم عليه الحجة ، و لم[133/ب] يهتد إلى سؤال فعلى ما ذكرنا ، إذ ليس له طاقة غير ذلك ، و لا يكلف الله نفساً إلا وسعها .
__________
(1) سقط في جميع المخطوطات بمقدار كلمتين . (1/164)
صفحة 165
و كل أمر من أمور العبادة الذي لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع [، و لم تقم عليه بمعرفة شيء من ذلك فمعذور] (1) عن معرفته و أدائه ، و له أن يعمل ما رآه حسنا في عقله من الأمور الحسنة ، و أن يتجنب ما يستقبحه عقله من الأمور القبيحة كالأذى لأبويه و لغيرهما من الناس و الدواب ، إن رأى ذلك في عقله أنه قبيح ، و كذلك ذبحهن إن رآه قبيحاً ؛ لأنه يعرفه [125/ج] من نفسه في ذلك أن ذلك قبيحاً ، هكذا جاء في قول الشيخ الكبير أبي سعيد - رحمه الله تعالى- فيه، و معي أن كشف العورة إن كان ذلك في مواضعه مع أهل نوعه قبيحاً كان عليه اجتنابه ، و إن كانوا لا يرونه قبيحاً و قد ألفته أنفسهم و لم ينظره في نفسه قبيحاً [ أبداً] (2) و فعل ذلك ، فلا أقول مع صدق اعتقاده لله تعالى أنه ليطيعه في كل أمر يأمره به أن لو أمره بشيء ، و نهاه عن شيء إذا خطر[ ذلك بباله ، و عرف معناه لزمه اعتقاد ذلك لله تعالى ، و إن لم يخطر بباله ذلك] (3) لم يلزمه إلا اعتقاد الطاعة لله تعالى ، و إن بلغته علم شيء من العبادة بما فيجرى عليه أحكام ذلك على ما تقدم ذكره إن كان مما تقوم به الحجة بمعرفته بعد السماع به، لزمه من كل من بلغه علم ذلك ، و إن كان مما لا تقوم بمعرفته إلا بالسماع ، و كان مما يفوت و عبر له المعبر معرفة ذلك أجرى عليه الأحكام المتقدمة في هذا المعنى ، و إن كان مما لا يفوت و لم يلزمه أدائه أجرى فيه الأحكام المتقدمة في هذا[143/ب]المعنى .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في أ و ب .
(3) سقط في ب. (1/165)
صفحة 166
و إذا كان المنقطع معذوراً في خلافه للحق[71/أ] و جواز التحري له فيما يحسن فيه عقله، و لو خالف الحق مع ظنه أنه هو الحسن من غير أن يدين بذلك فلا فرق بينه و بين من ربي في بلدان الإسلام من أولادهم ، و تعلم العلوم ، و لم تقم عليه الحجة بمعرفة شيء من دين الله مما لا تقوم بمعرفته الحجة إلا بالسماع [126/ج] أنه يكون معذوراً ، إذا ظن أن الحق في كذا هو كذا ، و كان ذلك على خلاف الحق ، و لم يشك فيه ، و عمل به ، و أفتى به ، و عمل به المفتى من غير دينونة منهما في ذلك أنهما لا يهلكان ، و إلا فما الفرق بينهما هذا و المنقطع المذكور ، و العلة في العذر واحدة هي عدم قيام الحجة عليه بمعرفة ذلك مما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع ، و هكذا في قول الشيخ أبي سعيد - رحمه الله - فصح أن في كلامه في هذه المواضع ما يدل على عذر العالم إذا أخطأ كما ذكره أنه لا يعذر بخطاه على الصفة التي ذكرها فيه إذا كان على هذه الوجوه المذكورة في هذه المواضع .
و صح أن في كلامه هنا ما يدل لعله على صحة ما قاله المغربي صاحب كتاب الدليل لأهل العقول لباغي السبيل على سلامة أهل الوجه السادس (1) ، و سلامة هذا الذي لم يعذره في خطأه إن كان [ أصله ] (2) من أهل الاستقامة في جميع ما ذكرناه ، فإن اعتقاده طاعة الله في كل شيء ما لم يدن بذلك الخلاف ، أو يدين بجواز الرأي فيه بخلافه فإنه ينفعه ذلك[135/ب] الاعتقاد في نفسه ، و لا بد من هذا الاعتقاد متى خطر بباله ذكر ذلك أنه ليطيع الله في كل أمر لازم ، و تقوم عليه بمعرفته الحجة من العقل مهما خطر بباله ذكر ذلك .
__________
(1) أبو يعقوب الوارجلاني ، الدليل والبرهان (1/25).
(2) سقط في أ و ب . (1/166)
صفحة 167
و هكذا كل من كان من أهل البلد ، و قد ربي مع أهل مذاهب الضلال ، وتسمي باسم مذهبهم و عبد الله بما سمعه منهم مما هو على خلاف الحق ، و ظن أن الحق كذلك ، و كان ذلك مما لا [127/ج] تقوم به الحجة إلا بالسماع ، و لم يدن بذلك ، و لم يعتقد باطلاً مما تقوم بمعرفته الحجة من العقل ، و لم يخطئ مصيباً محقاً ، و لم يبرأ من ولي لزمته ولايته ، و لم ينتهك باطلاً عرف حقه ، و سلم مما يهلك به فلا يهلك بذلك العمل المخالف لدين الله تعالى ما لم يدن به ، و يخطئ من خالفه من أهل الحق في ذلك ، و لا تضره تسميته بذلك المذهب ، و في الحقيقة حكمه ليس هو من أهل ذلك المذهب بل هو من مذهب أهل الاستقامة في الدين إذا مات كذلك ، و لكن ليس لأحد من أهل الاستقامة أن يتولاه على تسميته بأنه من أهل ذلك المذهب الباطل إلا من عرف حقيقته أنه كذلك .
[صيغ الأمر في التنزيل و السنة] (1/167)
صفحة 168
بيان :و قد يأتي في لفظ التنزيل ، و في لفظ السنة على صيغة الأمر ، و المراد به الوجوب ، و كذلك في صيغة النهي ، و المراد به التحريم ، نحو قوله تعالى " وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ [136/ب] وَآتُواْالزَّكَاةَ " (1) ، و قد يأتي على صورة الحكاية أو الإخبار و يريد به الوجوب ، كقوله تعالى " الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " (2) [72/أ] ، و في التحريم " وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ " (3) ، و قوله تعالى " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا " (4) ، و المراد به أن يؤمنوا إيماناً كاملاً ، و يسلموا إسلاماً تاماً ، و يأتي على لفظ الإذن و الإباحة ، و المراد به الحجر كقوله تعالى: " قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ " (5) ، و يأتي على لفظ المفرد و التخصيص و يريد به العموم كقوله تعالى " قل آمنت بالله ثم استقم " و يأتي بلفظ العموم و يريد به الخصوص [128/ج] كقوله تعالى " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ " (6) " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا " (7) و المراد بذلك الإمام العادل ، أو من قام مقامه من المسلمين إذا قصدوا لإقامة العدل في قول بعض المسلمين ، و قيل لا يقيم الحدود إلا إمام منصوب .
__________
(1) سورة البقرة:43.
(2) سورة الفاتحة:2
(3) سورة الهمزة :1.
(4) سورةالحجرات:14.
(5) سورةالإسراء:84.
(6) سورة النور:2.
(7) سورة النور:83. (1/168)
صفحة 169
و كقوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ" (1) ، و هذا لفظ عام ، و المراد به الرجال غير المسافرين و لا النساء و لا العبيد المماليك و هم من جملة المؤمنين ، و عمهم[ في قوله :" أقيموا الصلاة " (2) و اللفظ واحد ، و قد يأتي في صورة العذر ، و لم يرد به العذر كقوله تعالى] (3) : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ" (4) ففي ظاهر اللفظ كأنه لهم العذر عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في الذي ضل ، و المراد به عليكم أنفسكم بأداء جميع ما[137/ب] لزمكم ، و لم يسعكم إلا أدائه من أمرٍ بمعروف ، و نهي عن منكر ، و غير ذلك من جميع ما لزم اعتقاده أو فعله أو تركه ، ثم لا يضركم بعد ذلك من ضل ، و لم تستطيعوا عليه إما إنه لعجز منكم عجزاً تعذرون به ، أو ضل ضلالاً لم تطلعوا عليه فلا تكونوا كالذي غضب الله عليهم بتركهم الأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر الذي جاء في التنزيل ذكرهم " لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ { 78 } كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ" (5)
__________
(1) سورة الجمعة:9.
(2) سورة البقرة : 43.
(3) سقط في ب.
(4) سورة المائدة:105.
(5) سورة المائدة:78و79. (1/169)
صفحة 170
فلعن الله [129/ج] التاركين الأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر على وجه لا يسعهم ، و بلعنهم دل على لعن الفاعلين ، و هذه حكاية و فيها أمر وجوبي على المؤمنين في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و قد يقرن ذكر شيء لم يبين حكمه بشيء قد بين حكمه فيلحق ذلك بذلك ، تارة بلا اختلاف ، و تارة يجوز فيه الاختلاف ، كقوله تعالى " وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ " (1) و الخنزير قد ذكر بتحريم ، و القرد لم تذكر حرمته ، فألحق بتحريم الخنزير تحريم القرد بسبب إقران ذكره بذكره في حالة الخسة ، و قوله تعالى: " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ " (2) فقرن العمرة و لم يبين حكمها أنها واجبة أم لا ، فالحج الذي بين وجوبه على من استطاع إليه سبيلاً ، فاختلف فيها هل هي واجبة أم لا ، و لم نعلم[73/أ] أحدا حج البيت من القاصدين إليه من وراء المواقيت و لم يعتمر ، و كان أكثر القول أنها وسيلة مندوبة[138/ب] و ندبها عن الله بدليل إقرانها بالحج الواجب .
و قد يأتي اللفظ في صيغة الأمر ، و المراد به الإذن و الإباحة لا اللزوم ، و لا يجوز إجماله على الوجوب على ظاهر اللفظ ، كقوله تعالى: " فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ " (3) إلى غير ذلك مما هو كثير.
__________
(1) سورة المائدة:60.
(2) سورة البقرة:158.
(3) سورةالجمعة:10. (1/170)
صفحة 171
فلا بد من الناظر إلى ذلك من معرفة جميع ذلك حتى يحكم بكل لفظ ما يراد به لا يتعدى به إلى غيره ، و نحو قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ " (1) ففي ظاهره أمر عمومي لازم الوفاء به ، ومن لم يف [130/ج] به فهو مخالف لأمره تعالى ، و ليس المراد في جميع ذلك على معنى واحد ، فإن كل معنى يخصه حكم وجه من الوفاء غير الآخر إلا ما كان من الوجوه على شبه ، فإن من العقود عقد الإمامة للإمام فالوفاء له ما دام على طاعة الله و على ما رآه المسلمون منه لازم [أن] (2) يطيعوه في جميع ما هو لازم عليهم أن يطيعوه بسبب ذلك .
و من العقود عقد التزويج فالوفاء به لازم و جائز حله بالطلاق و ما أشبهه من وجوه البينونة ، ومنه عقد الإجارات فالمؤجر إذا وفى المستأجر بما أجره عليه وجب عليه وفائه ، و المستأجر إن أراد الأجرة فلازم عليه الوفاء بما استأجر عليه إن كان يسعه ، و إن لم يرد الأجرة ولم يكن ضرراً على المؤجر في تركه ذلك جاز له إلا أن[139/ب] يكون فيما بيّنه الله تعالى من إتلافه الأجرة بعد أن طال العمل فيها لغير فائدة و لا عذر .
فإن إتلاف المال على معنى لا يجوز و لا يحكم عليه بتمامها لأجل المؤجر إذا لم يكن ضرراً عليه في تركه بذلك ؛ لأن كل شيء يكون المرء فيما بينه و بين[ الله لا يحكم] (3) الحاكم عليه بأدائه إلا من طريق الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فيما ظهر أنه من المنكر ، و هذا مما لا يعلم أنه ترك ذلك على وجه إتلاف المال على غير عذر ، و هي مقدار عناه في ذلك أن لو ثبت له عناء أو عن عذر يعذره الله به .
__________
(1) سورة المائدة:1.
(2) سقط في أ.
(3) سقط في ب. (1/171)
صفحة 172
و لو قيل إن له ترك ذلك على حال فيما ليس له عناء إلا بإتمام العمل فإذا لم يتمه لم يكن له عناء ، فكأنه لم يتلف شيئاً من العناء من الأجرة فلا يأثم بذلك ، [131/ج] و أما أن (1) يتركه لذلك العمل يلحق الضرر المؤجر مثلا أنه أجره ليحمل له مالاً أو أنفسا ، و أراد أن يتركهم في فلاة يلحقهم الضرر بذلك ، فيحكم عليه أن يتم لهم العمل إلى حيث يأمنون على أموالهم و أنفسهم .
و كذلك من كان عاملاً في زراعة أو مال في موضع [ منقطع ] (2) عن الناس فترك عمل ذلك في حين يتلف ذلك الزرع أو الغرس في[74/أ] حال لا يستطيع صاحب ذلك أن يأتي بعمله له حتى لا يتلف عليه ، إذا لم يكن للمستأجر أو للعامل في ذلك عذراً في الترك ، فالمعذور معذور بالعذر الذي يعذره الله تعالى به في ذلك لا غيره .
و من العقود عقود العهود فكل من عقد على نفسه[140/ب] عهداً لصاحبه فإن كان ذلك مما يلزم الوفاء به لزمه ، مثلاً عاهده ليحمل له مالا فليس له أن يتركه له في مكان مخوف عليه ، و كذلك ليحمل له نفوساً كما ذكرناه في الإجارة لا يكون إلا بعوض ، و العهد قد يكون بغير عوض، و قد يكون عهدا بإجارة أيضا .
__________
(1) في ب (وأما ما إن كان يتركه).
(2) سقط في ج . (1/172)
صفحة 173
و أما أن يخلف عليه و هو بعد في بلده و مأمنه فلا يلزمه الوفاء به ، و قوله تعالى: " وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ " (1) ، و قول النبي - صلى الله عليه و سلم -: من علامات المنافق من إذا حدث كذب ، و إذا ائتمن خان ، و إذا عاهد أخلف " (2) ، فلا يصح أن يحمل قول الله تعالى في ذلك على العموم ، و لا قول النبي - صلى الله عليه و سلم - فإن العهد قد يكون في لازم فيلزم الوفاء به ، و قد يكون على فعل وسيلة كمن عاهد أحداً أن يعطيه شيئاً من أمواله [132/ج] الأصول بغير حق [ لازم ] (3) عليه ، و لا ضرر عليه في ذلك ، ثم أخلف فإنه لا يأثم بخلفه عليه ، و إن وفى و ذلك من أهل الورع كان وفائه بذلك وسيلة ، و إن كان عليه و على من يلزم عوله ضرر كان الخلف فيه هو وسيلة ، و إن كان ذلك المعاهد أن يعطى من غير أهل الورع ، و لا يستعين به إلا على فعل الباطل ، و ضرر عليه الوفاء له و على من يلزمه عوله ، و خرج على معنى التبذير كان الوفاء به من المحجور ، و إن كان الذي عاهده من المجهولين في أحوالهم ، و المعاهد لا ضرر عليه و لا على من يعوله[141/ب] كان الوفاء به من المباح .
__________
(1) سورة البقرة:177.
(2) أخرجه مسلم في (1- كتاب الإيمان 25- باب بيان خصال المنافق ) رقم 106 ص28 ، النسائي في (47- كتاب الإيمان و شرائعه 20- باب علامة المنافق ) رقم5022 ص717 ، الترمذي (كتاب الإيمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،باب ما جاء في علامة المنافق ) رقم 2636 ص744 ، و أحمد في مسنده ص638 رقم 8670 ، و أبو عوانه رقم 43 (1/30) ، و البيهقي في السنن الكبرى رقم11240 (6/85) ، و أبو يعلى رقم 6533 (11/408)
(3) سقط في ج . (1/173)
صفحة 174
فصح أن العهد لا يزيد في أحكام لزوماً و لا تبديلاً ، فلا يكون العهد في المباح لازماً ، و لا في المحرم واجباً ، و لا في المكروه وسيلة ، و لا في الوسيلة مكروهاً ، فلا تتبدل أحكام الله تعالى بسبب عهد المتعاهدين على شيء من الأمور ، و لقد رأيت من ظن نفسه أنه من أهل الورع ، اتخذ صاحباً له و عاهده على أن تكون عليك طاعتي فرضاً لازماً في كل أمر يجوز لك أن تطيعني فيه و إلا صرت هالكاً ، فدان بلزوم طاعته في كل ما يجوز له أن يطيعه فيه ، و إن خالفه فهو هالك بسبب العهد منه كذلك .
و لا شك أنه أضله الشيطان بذلك ضلالاً بعيداً ، و دان بما لم يلزمه في دين الله الوفاء به ، فكان في نفسه أنه لو أراد أن يشرب ماء حلالاً له ، و كان لا يلحقه بترك الشرب في ذلك ، و قال له لا تشرب ، فإذا خالفه و شرب يكون هالكاً ، ومتى أراد النوم و نهاه [133/ج] فخالف كان هالكاً ، و متى أراد القيام أو الجلوس و نهاه كان هالكا تعالى الله أن يبدل دينه بلعب اللاعبين ، فكان المعنى " أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ " (1) في معنى الوفاء بعقود العهود إن حكموا[75/أ] بما هو فيها واجبا وفائها بحكم الواجب فيها ، و في حكم وفائه وسيلة بحكم الوسيلة ، و في موضع حكم الوفاء على معنى المباح بحكم الإباحة ، و في حكم المكروه وفاؤه بحكم المكروه في وفائه و في حكم المحرم وفاؤه بحكم التحريم في وفائه ، فالوفاء بعقود العهود الحكم[142/ب] في كل شيء بما يخصه حكمه ، و إلا صار من التعدي عن الوفاء به على موجبه ، و ليس في الآية تخصيص لكل وجه بما يخصه وإنما هو على لفظ العموم ، و لا يجوز إجراء معناه على أنه أمر على العموم و الحق هو على ما ذكرناه و لا ما سواه ، فلا يجوز العمل بالتنزيل في كل آية على ظاهر لفظها ، و من عمل بظاهر لفظها فيما لا يجوز له بلا اختلاف فقد ضل و لا يسعه ذلك فيما لا يسعه كذلك .
[حديث التقرب إلى الله تعالى]
__________
(1) سورة المائدة:1. (1/174)
صفحة 175
بيان : و قد جاء في الحديث النبوي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه و سلم -: " أن الله تعالى قال : لا يزال عبدي يتقرب إلى بالوسائل ، و متى تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ، و إذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ، و إن أتاني يمشي أتيته أهرول أو هرولة " (1) ، فلا يجوز أن يأول هذا على ظاهره في الشبر و الباع و المشي بالهرولة بقرب المسافة و بالمجيء و المسير ، و إنما المراد تقريب المعنى إلى فهم المطلوب ، تفهيمه في كل كلمة بجزء من معناها ؛ لأن الله تعالى منزه في صفاته [عن جميع [134/ج] ذلك ، و روي عنه - صلى الله عليه و سلم -: " أن الله تعالى قال : لا يزال عبدي يتقرب إلى حتى أكون سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده التي يبطش بها ، فبي يسمع و بي يبصر و بي ينطق و بي يبطش " (2) .
و روي عنه - صلى الله عليه و سلم -أنه قال حاكياً عن ربه تعالى : " إن الله خلق آدم على صورته " (3) ، فأوَّل ذلك بعض ، أي خلق الله آدم على صورته أي آدم خلقه على صورته التي كان فيها و عليها آدم ، و هذا تحصيل حاصل لا فائدة فيه أن لو صح أنه كذلك معناه فيه ، فلا يصح أن يتكلم به نبي و لا حكيم ؛ لأنه لا يخص ذلك آدم عليه السلام فلا معنى في تخصيص بيان ذلك في آدم دون [....] (4) .
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.
(3) سبق تخريجه
(4) يظهر هنا سقط في السياق و لم تنص عليه أي مخطوطة ، و تقدير الكلام : دون غيره من البشر ، و الله أعلم . (1/175)
صفحة 176
فإن الله خلق السماء على صورتها ، و النجوم على صورتها ، و الأرض على صورتها ، و كل شجرة على صورتها، و إنما المعنى الصحيح في ذلك أن الله خلق آدم ، و كل إنسان من ولده فهو مثله دالاً على معرفة الله تعالى ، فخلق له ذاتاً و هي العقل لا يعرفها من هي فيه ، و لا من هو من نوعه تدل أن ذات الله لا يمكن أن يعرفها مخلوق[76/أ] ، و جعل ذات الإنسان سمعية بصيرة مريدة متكلمة فاعلة أمره في كونها الذي هو شخصها ، ناهية بغير حرف و لا كلام ، منفعلا ما أرادته أن يكون ممن أمرته ، و ليس في المأمور قوة معرفة لفهم تلك الإمارة ، و ليس فيه شيء أبعد من [135/ج] شيء عليها ، و لا ينفعل شيء في شخصها بالاختيار إلا بعلمها و أمرها .
فإذا أمرت العين بالانفتاح و النظر إلى الأشياء التي أرادته كان ذلك ، وإن أمرتها أن تغمض غمضت ، و كذلك عضو شجرة الله من الإنسان أن يكون في طاعتها ثم نظرت إلى كون الله تعالى مع أن هو شخصها من كون الله فعرفت به أن لله ذاتاً لا يمكن أن يعرف ذاته إلا هو ، و أنه سميع بصير مريد متكلم قدير أمره بغير حرف ، كائن ما أمره أن يكون ، و ليس في المأمور لأمره ، و إنما هو الذي يكوّنه فيكون كما أراد ، و ليس عليه شيء أبعد من شيء ، و لا يكون شيء إلا بتكوينه و بعلمه وقدرته ، فعرف صفات الله من صفاته ، مع أنه لا يجوز أن تشبه صفاته صفات الله تعالى ، و لكن في الإنسان صفات يعرف بها صفات الله تعالى ، و أنه لا يشبه صفاته تعالى صفات شيء من خلقه ، فهو معنى قوله - صلى الله عليه و سلم -: " أن الله خلق آدم على صورته" (1) ، فقرب فهم المطلوب تفهيمه بكلمة يعلمها أن الله لا يوصف] (2) بتلك ، إذ المعلوم أنه ليس لله صورة ، فأنى في التفهيم مما هو مفهوم أنه تعالى منزه عن وصفه بكذلك .
__________
(1) سبق تخريجه .
(2) سقط في ب. (1/176)
صفحة 177
و لم يقل أن الله خلق آدم صفاته على صفات الله ؛ لأنه لفظ لا يجوز أن يتكلم به في الله تعالى ؛ لأنه لفظ يوهم معناه وجود التشابه في الصفات ؛ لأنه تعالى يوصف بأن له صفات ، و يجوز في الإنسان أن توصف له صفات ،[143/ب] و أما[136/ج] أن يوصف أن لله صورة فباطل و كفر ، و كان اللفظ بما لا يلتبس و لا يشتبه معناه في التوحيد لله المجيد هو الأصح ، و لا يجوز أن يحمل تأويله على ظاهر اللفظ بالإجماع أي بالدينونة في ذلك .
[صيغ الأمر و النهي في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم]
بيان : و في كلامه - صلى الله عليه و سلم -كذلك ما هو في صيغة الأمر و النهي ، و المراد به هو أمر وجوبي و نهي تحريم ، و في كلامه في صيغة الأمر أو النهي و يريد بالأمر الإباحة و الإذن أو الندب و الحث في طلب الوسيلة إلى الله تعالى و لا يريد به الوجوب ، و في النهي يريد به الكراهية و الأدب ، و في بعض كلامه في صيغة النهي ، و يريد به جواز الاختلاف في تأويله ، و قد يكون كلامه على ما ذكرناه في كلام الله في التنزيل ، و لا يجوز إلا أن يجعل كل حكم على ما أراده من واجب أو وسيلة أو إباحة و إذن أو تكريه أو تحريم بالقرائن التي تدل على ذلك أو بالشهرة الصحيحة في ذلك عن أصحابه ، و هم[77/أ] حقيقة إرادته في جميع ذلك ؛ لأنه مبعوث لهداهم و لهدي الناس أجمعين ، فتلقى هداه عنه أصحابه ، و أصحابه هم الذين عليهم تبليغ الناس ، و إشاره بما عرفوه عنه و فهموه منه ، فمنهم من يفضى هداه إلى جميع أهل الإسلام .
[أوامر النبي صلى الله عليه وسلم]
بيان : فمن أوامره - صلى الله عليه و سلم - على الوجوب في صورة الحكاية و الإخبار قوله: " من ترك الصلاة فقد كفر " (1) ،
__________
(1) أخرجه ابن ماجه (5- كتاب إقامة الصلاة و السنة فيها 75- باب ماجاء فيمن ترك الصلاة ) رقم 1078 ، و ابن حبان (4/323) رقم 1463 ، و الطبراني في المعجم الكبير (9/191) رقم 8939 . (1/177)
صفحة 178
و قال - صلى الله عليه و سلم -في موضع[144/ب] آخر " ما بين العبد و الكفر ترك الصلاة " (1) ، و المراد بذلك [137/ج] كفر نعمة لا كفر شرك ؛ لأن الكفر كفران كفر نعمة و كفر جحود و هو الشرك ، إلا إذا تركها مع إنكار فرضها ، و قيل لا يكون حتى يقرأ عليه آية من التنزيل فيها ذكر فرض الصلاة ، و هو عربي لم ينكر فهو مشرك يقتل إن لم يتب ، و نحو قوله في الوجوب " إذا زنا المحصن و قامت على صحته الحجة يرجم " (2) .
__________
(1) أخرجه الربيع بن حبيب في ( كتاب الصلاة 48- باب جامع الصلاة ) رقم 303 ص 125 ،و مسلم في ( 1- كتاب الإيمان 35- باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ) ( 1/ 88 ) رقم 134 ، و الترمذي في ( 41- كتاب الصلاة 9- باب ما جاء في ترك الصلاة ) ( 5 / 13 ) رقم 2618 و 2619 ، و النسائي في ( 5- كتاب الصلاة 8- باب الحكم في تارك الصلاة ) ( 1/ 231) رقم 463 ، و أبو داود في ( 39- كتاب السنة 14- باب في رد الإرجاء) رقم 4678 ص 661 ، و ابن ماجه في ( 5- كتاب الإقامة 77- باب ما جاء فيمن ترك الصلاة رقم 1080 ص151 ،و الدارمي في ( 2- كتاب الصلاة 29- باب في تارك الصلاة ) ( 1/ 197) رقم 1233، أحمد بن حنبل في المسند رقم 22833 ( 16 / 472) .
(2) أخرجه البخاري في (86- كتاب الحدود 21- باب رجم المحصن ) رقم 6814 ، ص1299 ،و عبدالرزاق في مصنفه (6/138) رقم 10270 ، و ابن أبي شيبة (6/105) رقم 1 ، ص541 . (1/178)
صفحة 179
بيان : و مثال قوله في غير اللزوم في صيغة الأمر " علموا أولادكم الصلاة أبناء سبع سنين أو قال أبناء ثمان أو تسع ، و اضربوهم عليها و هم أبناء عشر " (1) و ذلك على سبيل الاستحسان و الاستحباب منه لأبائهم و لأبنائهم لا على طريق الوجوب على الأباء و لا على الأبناء ؛ لأن ما ليس هو واجب إتيانه مع الأبناء فلا يكون تعليم آبائهم بلازم مما هو غير لازم عليهم ، و قال بعض ضعفاء العلم أن الرواية على لزوم الصلاة عليهم إذا صاروا أبناء عشر و عقلوها ، برواية عن النبي - صلى الله عليه و سلم -أنه قال : " الصلاة على من عقلها و الصوم على من أطاقه " (2) ، و الصحيح أن الأصح غير ذلك ، و أنه لم يرد بهذه الروايات كلها الوجوب ، لما روي عنه بالاتفاق أنه قال : " رفع القلم عن ثلاثة الصبي حتى يحتلم - أي حتى يبلغ الحلم - ، و الناسي حتى يذكر و النائم حتى يستيقض " (3) .
__________
(1) أخرجه الترمذي في ( كتاب الصلاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، باب ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة ) رقم407 ص149 ، و أبو داود ( كتاب الصلاة ، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة ) رقم 495 ص58 ، و الحاكم في المستدرك (1/317 ) رقم 721 ، البزار (9/329) رقم 3583 ، و الدارقطني ص236 رقم875 .
(2) لم نجد له تخريجا بهذا اللفظ.
(3) أخرجه النسائي في (27- كتاب الطلاق 21- باب من لايقع طلاقه من الأزواج ) ، ص501، رقم 3434 ، و أبو داود في ( 32- كتاب الحدود 16- باب في المجنون يسرق و يصيب ) ص476 ، رقم 4398 ، و ابن ماجه في (10- كتاب الطلاق 15- باب طلاق المعتوه و الصغير و النائم ) ص303 رقم 2041 و 2042 ، و الحاكم في المستدرك (1/389) رقم 389 و 949و 950 ، و ابن أبي شيبة (4/194) ، و ابن خزيمة في صحيحه (2/102) . (1/179)
صفحة 180
بيان : و من كلامه[145/ب] - صلى الله عليه و سلم - ما يوجب الوجوب قوله : " كل مسكر حرام " (1) ، و هذا مالا يجوز فيه الاختلاف ؛ لأنه ألحق الشبه لشبهه [138/ج] المحرم بتحريم الله تعالى بعلة واحدة في التحريم ، و ما أشبه الشيء فهو مثله ، و لولا كذلك لما جاز القياس و الرأي فيما لم يأت التنزيل حكمه نصاً و لم تأت السنة حكمه نصاً، و لبطل الاجماع المنعقد بسبب الاجتماع ؛ لأنه لا بد و أن على دليل لصحته من دلالات أحكام شيء من التنزيل ، و من دلالات شيء من أحكام السنة بالقياس و التشبيه ، و بطل جواز القول بالرأي فيما خارج من الأصول الدينية.
__________
(1) أخرجه البخاري في ( 74- كتاب الأشربة ، 4-باب الخمر من العسل وهو التبغ) ص1060 ، رقم 5585 ، ومسلم (36- كتاب الأشربة 7 - بيان أن كل مسكر خمروأن كل خمر حرام) ص524 ، رقم2001 وأبوداود (20 - كتاب الأشربة 5 - باب النهي عن المسكر ) ص404، رقم 3679 -3685 والنسائي ( 51 - كتاب الأشربة 53 - ذكر ما يجوز شربه من الطلاء وما لا يجوز) ص806 ، رقم731 وإبن ماجه ( 30 - كتاب الأشربة 9- باب كل مسكر حرام) ص515 ، رقم 3392 والترمذي(24 - كتاب الأشربة 1-باب ماجاء في شارب الخمر ) ص554 ، رقم 1668 - 1669. (1/180)
صفحة 181
و علة تحريم الخمرة السكر في أول الأمر على ما يدل عليه معنى التنزيل فيه و صحيح التأويل[78/أ] ، ثم اختلف في طهارته و نجاسته و حله إذا عولج بالشمس و الملح حتى ذهب منه سكره و صار خلاً ، فمن قال : أنه محرم بعلة السكر و فساد النية بعمله و أنه نجس لم يحل بكذلك ، و من قال أنه لم يحرم إلا بعلة السكر ؛ و لأنه يمكن أن عامله عمله ليكون خلاً ، و لم يرد به ليكون[ ......] (1) ، فغطى الجر الذي فيه بثوب أو بإناء من خوص ، فجاء آخر من غير أن يعلم به صاحبه فسد عليه بإهاب ، و جعل ذلك الغطاء فوقه يريد به ليكون خمراً ، و لا يدرى أنه يكون بكذلك خمراً حتى جاءه صاحبه فوجده خمراً ، فلا يصح أن تقع الحرمة بفساد نية غير صاحبه فيه حتى يحرم عليه بذلك، أو لم يرد عامله ليكون خمراً، و إنما فعل كذلك بجهل منه ، و يريده أن يكون ، أو لا نية[146/ب] في ذلك فيلزم صاحب القول المنجس له [139/ج] و المحرم له بفساد النية مع وجود السكر أن يحله له إذا عالجه حتى صار خلاً أن يكون له حلالاً على قياد قوله ، و لا معنى للسكر غير فساد العقل عن كونه عاقلا.
و قد أجاز بعض أهل خلافنا القول فيه بالرأي في حله [و في] (2) تحريمه ، و ليس فيه محلاً للخلاف ؛ لأنه كما ذكرنا من إلحاقه - صلى الله عليه و سلم -بالشبه لشبهه المحرم بفعله و أخذه ، و قد وجدت من بعض أهل [المذاهب] (3) الأربعة كتابين في أحكام التنباك ، أحدهما كتاب رفع الاشتباك فيما يحل شربه من التنباك ، و الثاني كتاب البيان فيما يحل شربه من الدخان ، و كلا الكتابين على منهاج واحد في التحليل و التحريم لم يختلفا في شيء من المعاني في ذلك .
__________
(1) سقط في الجميع و التقدير خمرا.
(2) سقط في ب.
(3) سقط في ج . (1/181)
صفحة 182
و فيهما أن علمائهم اختلفوا فيه ، فقال بعضهم بتحريمه مطلقا ،و قال بعضهم بتحريمه إن أفسد ، و قالوا إن الأحوال المغيبة لعقل العقل ثلاثة : مغمى على حالة لا يبلغ بها إلى السكر و لا إلى فساد كالإكثار من أكل الزعفران فيطلب بذلك النوم ، و الحالة الثانية السكر بالمسكر ، و حالة السكر أن يقوى به قلب السكران في كل أمر كان يطلبه قبل السكر ، أو سكر لأجل ذلك فيقوى قلبه على فعل ذلك أكثر مما كان صاحياً ، و الحالة الثالثة الإفساد للعقل و هو بخلاف حالة السكر ، فإن بالإفساد تبطل[147/ب] قوى الإنسان حتى لا يستطيع أن يعمل عملاً ، و النبي - صلى الله عليه و سلم -حرم كل مسكر ، و لم يحرم كل مفسد للعقل ، فصح أن المفسد [140/ج] حلال حتى يفسد أو بمقدار ما لا يفسد ، و أما المسكر فحرام لعموم اللفظ " إن كل مسكر حرام " ، و لم يأت فيه استثناء مقدار ما لم يسكر . (1/182)
صفحة 183
و هذا كله تفصيل باطل ؛ لأن حقيقة السكر هو فساد العقل حتى لا يكون عاقلاً العقل الصحيح بشيء دخل عليه فاعله حتى فسد ، فلا فرق بين معنى السكر و الإفساد[79/أ] ، إذ حقيقة معنى السكر هو فساد العقل ،و إفساده بشيء يفسده ، و إن اختلفت أحوال السكران بذلك الإفساد فلا يفترق المعنى فيه ، و لا الحكم عليه ، و المرخي للأعضاء هو أشد إسكاراً من الذي لم يبلغ بفعله إلى ذلك ، فإن أكل جوز البنج الأسود (1) أشد فساداً للعقل من التتن ، و البنج المعروف الذي يسكر به يستعملوه من الخمر ، و المعنى أنه أشد سكراً ، فلا يقال أنه غير مسكر به هو مفسد للعقل كما لا يصح القول في الخمر إن أسكر العقل أنه غير مفسد للعقل ، بل هو مسكر له ؛ لأنه من تناقض القول ، و إن كان قد يفسد العقل ما هو في الحكم غير سكران به ، و في التسمية مثل ألم أصابه فضيع عقله حتى صار مجنوناً به أو معتوها ، و لكن لو قيل أسكرت عقله هذه العلة بمعنى أفسدته حتى جن بها جاز ، و الخمر لو لم يفسد العقل لم يحرم ، و كثير ممن مات بشربة[148/ب] دخان التنباك ، و كثير ممن سقط بعضه في النار و لم ينتبه إلا أن صرفه عنها من رآه ، و قد [141/ج] شاهدت شاربا دخان فوقعت رجلاه في النار فجاء آخر و صرفهما عنها .
__________
(1) ضرب من النبات ، و يتخذ للإسكار ، ابن منظور ، لسان العرب(2/216) ، دار صادر ، بيروت ، ط1 2001. (1/183)
صفحة 184
و من كتاب النفائح المسكية و الفواتح المكية ، تأليف الشيخ العارف عبد الرحمن بن محمد بن على بن أحمد الحنفي (1) مذهباً ، و البسطامي مذهبا ، قال في الباب السابع و العشرين من المذهب السادس في البنك و هو البنج ، قال [ بعض] (2) علماء الحنفية : فإن قيل فما اختيار المهرة من العلماء في البنك ، قلنا المنصوص في كتب الشافعية أن كل ما أسكر كثيره فقليله نجس حرام كالخنزير حتى قال في المصباح : الحشيش الذي تأكله الخرافيش إن كان مسكراً فهو حرام نجس ، و المكتوب في حواشي القنية عن العلامة مولانا سيف الدين العصبة أن من يعتاد أكل البنج يعاقب بالقتل ، و ذكر في سمة الدهر أن هذه الحادثة وقعت ، أي ظهور البنك في زمان المزني (3)
__________
(1) عبدالرحمن بن محمد بن علي بن محمد الحلواني ( 490 - 546 هـ ) ، أبو محمد ابن أبي الفتح مفسر فقيه حنبلي ، عارف بالأدب من أهل بغداد ، من كتبه التبصرة فقه ،الهداية في أصول الفقه ، تفسير القرآن في 41 جزاء ، كان يتجر في الخل ولا يقبل من أحد شيئا . الزركلي (3/327).
(2) سقط في أ و ب .
(3) الإمام العلامة فقيه الملة ، علم الزهاد أبو إبراهيم ، إسماعيل ابن يحيى بن إماعيل بن عمرو بن سلم المزني المصري تلميذ الشافعي ، ولد سنة خمس وسبعين ومائة ، حدث عن الشافعي ونعيم بن حماد وغيرهم ، هو قليل الرواية ولكنه كان رأسا في الفقه ، حدث عن إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة ، مؤلفاته مختصره في الفقه ، الجامع الصغير ، الترغيب في العلم ، مات بمصر سنة أربع وستين ومئتين ..سير أعلام النبلاء ( 12/ 492) (1/184)
صفحة 185
من أئمة الشافعية ، و الطحاوي (1) من أئمة الحنفية ، فأفتيا بالحرمة و اتفقا على ذلك ، و وافقهما في الحرمة علماء ذلك العصر ، و ذكر الإمام محمود بن أبي القاسم الحنبلي (2) (3) الشر سكر سكر الحشيشة و السكر حرام ، و أما المالكية فقولهم كقول الشافعية ، و ذكر الإمام ثم تأسى في شرحه عن العلامة حجة علماء الحنفية حافظ الدين عبدالله بن أحمد النسفي (4) [
__________
(1) أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي ( 239 - 321هـ )، أبو جعفر : فقيه انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر ، ولد ونشأ في " طحا " من صعيد مصر وتفقه على مذهب الشافعي ، ثم تحول حنفيا ورحل إلى الشام سنة 268هـ فأتصل بأحمد بن قولون فكان من خاصته ، وتوفي بالقاهرة ، من تصانيفه : شرح معني الآثار في الحديث مجلدان ، بيان السنة رسالة ، كتاب الشفعة ، المحاضر والسجلات ومشكل الآثار أربعة أجزاء في الحديث ، أحكام القرآن وغيرها من المؤلفات .
طبقات الحفاظ للسيوطي ، الفهرسة لابن نديم ، ابن خلكان 1\19 خطط مبارك 13\30 ، البداية والنهاية 11\174 المكتبة الأزهرية 1\564.
(2) في ب الحنفي.
(3) الشيخ أبو الوفا محمود بن أبي القاسم بن عمر بن حمكا الأصبهاني ،شيخ صدوق معمر ، تفرد بإجازة ابي عبدالله ابن طلحة النعالي وطراد بن محمد الذينبي ، وحدَّث في بغداد سنة ست وخمسين . وروى عنه أبو الفتوح ، ابن الحصري ، مات في ربيع الآخر سنة ثمانين وخمس مائة عن إحدى وتسعين سنة .
سير أعلام النبلاء 10\89 ، ابن العماد في الشذرات 4\266.
(4) عبدا لله بن أحمد بن محمود النسفي (ت 710ه) أبو البركات ، حافظ الدين ، فقيه حنفي، مفسر ، من مصنفاته مدارك التنزيل ، كنز الدقائق ، وكشف الأسرار.
ابن حجر،الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (2/247) دار إحياء التراث العربي ،بيروت،لبنان ،عبد القادر بن محمد القرشي، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية (1/270) طبع في حيدر أباد،1332م (1/185)
صفحة 186
149/ب] أنه[80/أ] قال : سئل عن سمة الأئمة الكروبين عن الحشيشة أي ورق القنب فقال : ما نقل عن أبي حنفية و أصحابه الشيء في حله و حرمته شيء [142/ج] إلى زمان الإمام المزني تلميذ الشافعي حين نشأ أكله ، و شاع تناوله ، و تبينت رغبة الناس في أكله ، فأفتى الإمام المزني بحرمته على مذهب الشافعي ، و كان أول ظهور فساده في عراق العرب ، و الإمام المزني في بغداد ، فبلغ فتوى المزني إلى أسد بن عمرو (1) تلميذ أبي حنيفة (2) في تحريم الحشيش ، و كان أسد في عراق العجم ، فقال أنه مباح ، فلما عمت بليته و طمت البرية فتنته ،و وقع ما وقع من لهيب لعله شرره ، و ظهر ما ظهر من فساد ضرره ، حتى غلبت السفاهة على الحكماء ، و استولت البلادة على العلماء ، فاختار علماء ما وراء النهر بأسرهم و اتفقوا بأجمعهم على ما أفتى به الإمام المزني في حرمة أكله و تحريم تناوله ، و اتفقوا بإحراق الحشيش مع حظر قيمته ، و أمروا بتأديب بائعه و تشديد أكله ، فالآن فتوى المذهبين على حرمته حتى قال علمائنا من قال بحل أكله و تناوله فهو زنديق مبتدع فاسق ، و حكموا بإيقاع طلاق أكل الحشيش زجرا كما في السكران ، حاشية: الحشيش شجرة القنب بفتح القاف و سكون النون ما هو شجرة القنب بكسر القاف و اسمه شاه و هنج رجع .
تنبيه و مات المزني بمصر سنة [150/ب] أربع و ستين و مائتين .
[
__________
(1) أسد بن عمرو بن عامر القشيري البجلي ( 188 هـ - 804 م)، أبو المنذر : قاض من أهل الكوفة من أصحاب الإمام أبي حنيفة ، وهو أول من كتب كُتب أبي حنيفة ولي القضاء بواسطة ثم بغداد .
الجواهر المضية 1\140
(2) النعمان بن ثابت (80هـ - 150هـ) التميمي بالولاء ، الكوفي ، أبو حنيفة ، إمام الحنفية ن الفقيه المجتهد المحقق ، أحد الآئمة الأربعة عند أهل السنة ، قيل أصله من أبناء فارس ، ولد و نشأ بالكوفة ، من تلاميذه أبي يوسف ، توفي ببغداد .
تاريخ بغداد (13/323-423) و البداية والنهاية (10/107) . (1/186)
صفحة 187
بيان] قال المؤلف : انظر إلى قوله أنه حرم البنك ، و في موضع آخر حرم حشيش القنب ، و حكى على علمائه ما حكاه عنهم ، و من المعلوم أن البنك من المفسدات للعقل أشد فسادا من التنباك ، و سموه مسكراً ، و لم يذكروه أنهم حرموه لأجل إفساده للعقل بل ذكروه [143/ج] لأجل سكره ، و المعنى معهم واحد فلو كان المفسد بخلاف المسكر في التحريم و التحليل، و أن المفسد لا يحرم قليله إلا إذا أفسد ، و لاستثنوا قليله ، و عللوه إنه لأجل أنه غير مسكر به هو من المفسدات ، و لم تأت السنة في تحريم المفسدات ، و إنما أتت بتحريم المسكرات ، و المسكر غير المفسد بل أطلقوه على المفسد بالسكر و عللوا حرمته بحرمة إسكاره الذي هو إفساده ، و لم يستثنوا منه مقدار ما لا يسكر بل قاسوا برواية : " ما أسكرك كثيره فحرام عليك قليله " (1) ،
__________
(1) أخرجه النسائي في (51- كتاب الأشربة 25- باب تحريم كل شراب أسكر كثيره ) ص792 و 793 ، رقم 5608 ، و 5609 و 5610 ، و الدارمي في (9- كتاب الأشربة 8- باب ما قيل في المسكر ) (2/154-155 ) رقم 2099 ، و ابن أبي شيبة في مصنفه (5/471) رقم 17 ، و عبد الرزاق (9/221-222) رقم 17007، و أبو يعلى (4/5-6) رقم4343 ، و ابن حبان (12/202) رقم 5382 ، و البهيقي في السنن الكبرى (5/726) رقم5576 .. (1/187)
صفحة 188
و إذا لم يحرم المسكر و المفسد إلا ما أسكر لم يحرم أبداً ما أسكر[81/أ] أو أفسد ؛ لأنه في حين استعماله له لم يسكره ، و لم يفسد عقله فيكون له حلالاً حتى يفسد عقله ، فكذلك لأنه في حين استعماله حلالاً إذ لم يفسد عقله ، و إنما أفسده من بعد ، فلا يصح تحريم ما قد حل له فاستعمله على وجه هو له حلال حتى انقضى فعله ثم أفسده من بعد ، فصح أن كلما أفسد كثيره أو أسكر فحرام قليله إذ هو غير مأمون ، و إذ أصله حرام [151/ب]، و أما أنه نجس ، فلا أعلم على وجه الأرض معدنا و لا حجرا و لا نباتا هو نجس من غير أن تحل به نجاسة فلا يستطاع تطهيره ، و أما الخمرة فقيل أنها نجسة بفساد النية في عمله ، و قيل هو طاهر و إن عولج بالملح و الشمس حتى يصير خلاً لا سكر فيه فقد حل ، و على قول من يقول بنجاسته لا يستحيل طاهراً و يبقى حرام بحكم النجاسة .
و قوله [144/ج] تعالى: " إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ " (1) فالرجس غير النجس ، بل معنى الرجس الباطل ، و السم مهلك و حرام و ليس بنجس، و من عالجه حتى زال ضرره ، و صار ترياقا شافيا أو نافعا لمن استعمله أكلاً و لا يضر فهو حلال ، و كذلك كل شجرة مسكرة أو مفسدة للعقل كما ذكرناه و عمل بها و فيها عمل فزال ضررها و صارت فيها قوة طبيعية لشفاء العلل ، صار حلالاً طيباً فاعرف ذلك .
[حديث تحريم الأكل و الشرب في أواني الذهب والفضة]
__________
(1) سورة المائدة:90. (1/188)
صفحة 189
بيان : و مما روي عنه - صلى الله عليه و سلم - :" أنه نهى عن الشرب أو الأكل في أواني الذهب و الفضة " (1) فحمل نهيه على التحريم من غير أن يجوز في ذلك الاختلاف ، و إن كان الإناء من غير ذهب و لا فضة ، و لكنه مغرى (2) بأحدهما ، فإن كان الغري من داخل فلاحق بالتحريم ، و إن كان من خارج و لم يدنوا من أطرافه حيث تلحق شفتاه عند الشرب منه فلا يحرم ؛ لأن ذلك موضوع في غير إناء ذهب و لا فضة .
[حديث كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب]
__________
(1) أخرجه البخاري في ( 74- كتاب الأشربة 27- باب الشرب في آنية الذهب ) ص1066 و رقم 5633-5634، و مسلم في ( 37- كتاب الأشربة 1- باب تحريم استعمال أواني الذهب و الفضة ...) ص540 و رقم 2065، أخرجه الربيع ص152 رقم384 ، و النسائي في (48- كتاب الزينة 87- باب ذكر النهي عن لبس الديباج ) ص750 ، رقم 5303 ، و الترمذي في (24- كتاب الأشربة 10- باب ما جاء في كراهية الشرب في آنية الذهب و الفضة ) ص558 رقم 1883 ، و أبو داود في (20- كتاب الأشربة 17- باب في الشرب في آنية الذهب و الفضة ) ص408 ،رقم 3723 ، ابن ماجه في (30- كتاب الأشربة 17- باب الشرب في آنية الفضة ) ص518 ، رقم 3413-3414 .
(2) المغري : المطلي ، ابن منظور ، لسان العرب ( 15/121). (1/189)
صفحة 190
بيان :و مما روي[152/ب] عنه - صلى الله عليه و سلم -أنه قال " كل صلاة لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج " (1)
__________
(1) أخرجه مسلم في (4- كتاب الصلاة 11- باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ) ص100 رقم :394-395 ، و النسائي في (11- كتاب الإفتتاح 24- باب إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة ) ص142 ، رقم 912 و 913 ، و الترمذي في (2- كتاب الصلاة 69- باب لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) ص99 رقم 247 ، و ابن ماجه (5- كتاب إقامة الصلاة و السنة فيها 11- باب القراءة خلف الإمام ) ص125 ، رقم 837-838-840، أبو داود في (2- كتاب الصلاة 137- باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب) ص93 ، رقم 821-822-823 .. (1/190)
صفحة 191
و لم يأت بلفظ فيه تشديد ظاهر أنها باطلة بالتصريح فحمل على أنه أراد بقراءتها في الفرائض على الوجوب ، و على أنها باطلة بغير قراءتها ، ولا اختلاف في ذلك ، في الركعتين الأوليتين في كل صلاة فريضة هي أكثر من ركعتين ، و كل صلاة مكتوبة ليس هي إلا ركعتين وجبت قراءتها فيهما معا و لا يصح إلا قراءتها كلها ، و إذا كان كذلك فالبسملة [145/ج] واجب قراءتها معها في أولها ؛ لأنها منها في أصح القول[82/أ] ، و الدليل على صحة ذلك اتفاق أكثر أهل المذاهب في صحة ما روي عن النبي - صلى الله عليه و سلم -أنه صلى به في أول ابتداء فرض الصلاة عليه جبريل قريبًا من حذاء باب الكعبة كل صلاة من الصلوات مرتين ، مرة في أول أوقاتهن ، و ثانيا في آخر أوقاتهن ليعلم كل صلاة أول وقتها و آخره (1) ،
__________
(1) أخرجه البخاري ( 1- كتاب مواقيت الصلاة 10-باب مواقيت الصلاة وفضلها ) ص97 ، 521رقم ، و مسلم (5- كتاب المساجد ومواضع الصلاة 31-باب أوقات الصلوات الخمس ) ص146 رقم,167و166 ، و الترمذي (2- كتاب الصلاة عن رسول الله 1- ما جاء في مواقيت الصلاة عن النبي) ص67 , رقم :149، و ابن ماجه(2- كتاب الصلاة 1- أبواب مواقيت الصلاة ) ص100 , رقم 667، و أبو داود (2- كتاب الصلاة 2- باب في المواقيت ) ص48 ,رقم 314، و النسائي (6- كتاب المواقيت 1- كتاب المواقيت ) ص80 ,رقم 496. (1/191)
صفحة 192
و لم يصح أنه بدل تلك الصلوات بوجه آخر ، و قد صح وضع البسملة في أولها ، و أول كل سورة إلا سورة براءة ، و لا يصح إلا أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم- هو الذي أمر بترتيب القرآن كما هو الآن ، و هو الذي أمر بوضع البسملة في الفاتحة ، و في كل سورة ، ونهى عن وضعها في سورة براءة كما أخبر الطبري (1) عن ذلك ، و رسمناه سابقا أن حفصة[153/ب] نسخت القرآن على هذا الترتيب بأمره ، ونسخه ابن أُبي بأمره [صلى الله عليه وسلم] (2) على ترتيبه هذا ، فوجدهما عثمان بن عفان متوافقين في كل شيء منه ، و سألهما فقال كل منهما نسخناه بأمره و ترتيبه - صلى الله عليه وسلم - هكذا ، و صح ما روي أنه لم يمت - صلى الله عليه وسلم - إلا والقرآن كما في اللوح المحفوظ ، ويمكن أن جبريل هو الذي رتبه له بأمر ربه كما هو في اللوح المحفوظ ، ويمكن أن الله تعالى ألهم نبيه معرفة ذلك ، ولو لم يكن كذلك لاختلفت الصحابة في ترتيبه ، فلا بد فيهم من وجود أحد لم يرض إلا أن يرتبه على ما مات [146/ج] عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فيكون على غير هذا الترتيب الذي هو لو كان عن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ، و لا يرضى أن يغيره بشيء لا بوضع بسملة في أول سورة مات - صلى الله عليه و سلم -ولم يضعها في أولها ، و لكثر الاختلاف في ذلك ، و صح القول الأول .
__________
(1) محمد بن جرير بن يزيد الطبري (224 هـ /310هـ - 839م / 923 م )، أبو جعفر ، المؤرخ المفسر الإمام ، و لد في طبرستان ، و استوطن بغداد ، وتوفي بها عرض عليه القضاء فامتنع و المظالم فأبى ، له " أخبار الرسل و الملوك " يعرف بتاريخ الطبري ، و جامع البيان في تفسير القرآن ، و كان مجتهدا في أحكام الدين لا يقلد أحدا ، بل قلده بعض الناس و عملوا بأقواله و آرائه ، كان أسمر ، نحيف الجسم ، فصيحا .إرشاد الأريب (6/423) ، ميزان الاعتدال (3/ 35) .
(2) سقط في ب. (1/192)
صفحة 193
و لا يصح أن يأمر النبي - صلى الله عليه و سلم - برسم البسملة في أول كل سورة و هو لا يريد أن يكون ابتداء قراءتها منها و بها ، بل مراده أن لا يقرأ أولها في صلاة ولا تلاوة فإنه من الأحوال المتضادده ، و إذا صح هذا صح أن الأفضل في تلاوة كل سورة في صلاة أو في غير صلاة علما أراده برسمها في أولها ليكون افتتاح تلاوة السورة بها ، و لا يمكن أن يكون جبرائيل صلى به بقرآة [154/ب]الفاتحة على ما هو أفضل ، ولا يصح أن يكون الأفضل غير ما رسمه فيها رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، و إذا كان كذلك صح أن جبريل[83/أ] نزل بالفاتحة عند صلاته بالنبي بالبسملة ، و إذا كان كذلك لم يجز إلا أن يكون منها ، وعلى هذا الإيضاح فلا يصح إلا أن يكون منها ، إلا مع من كابر عقله ، و إذا صح أن القرآن هو الآن كما هو في اللوح المحفوظ ، ولا يصح إلا كذلك ، صح أن كل سورة رسمت في أولها البسملة صارت آية منها بإثبات النبي - صلى الله عليه وسلم -، لها معها و وجودها كذلك في اللوح المحفوظ ، فبأي وجه يمكن أن لا يكون مع هذا الإثباتين لها معها . (1/193)
صفحة 194
فكيف و قد روي عن علي بن أبي طالب[147/ج] أنه قال :" كل ما في القرآن هو في الفاتحة ، وكل ما في الفاتحة هو في البسملة ،وكل ما في البسملة هو في بائها ، وكل ما في بائها هو في نقطتها " ، و إنه لحق لأن[ باء] (1) البسملة معناها باء ابتداء أي باسم الله ابتدائي و باء استعانة ،[ ولا يصح أن يبتدأ باسم] (2) من لم يعرف ، و لا الاستعانة بمن لم يعرف فصح في ذلك دخول معنى معرفة الله تعالى بجميع توحيده الذي تعبد عباده بمعرفته به ، و لا يصح الاستعانة إلا بمعروف ، و على شيء يطلبه منه المستعين ، و لا يستعين به إلا من عرفه ، و الأشياء لا يحيط بكلها إلا الله تعالى ، و المستعين به لا بد و أن يكون يستعين به سؤالا يريد منه شيئا اتصالا أو دفعا ، أو على معرفة شيء ، أو على اعتقاد، أو على عمل شيء ، أو على ترك شيء ، و ذلك[155/ب] الشيء لا بد إما أن يكون من أمر الدين ، أو من الدنيا ، أو من أمور الآخرة و لا يحصى ما سيطلبه و يستعين عليه عباده لذلك إلا هو سبحانه و تعالى .
فصح أن جميع هذه المعاني كلها قد تضمنها باء البسملة ، و لا يصح الابتداء في قراءتها فيها إلا بكسرها فصارت النقطة دليل على كسرها ؛ لأن شكل الكسرة لا يكون إلا في أسفل الحرف ، فقامت النقطة مقام الكسرة ، إذا ثبت الابتداء بها ، و صح أن جميع ما في الباء من المعاني هي في نقطة باء البسملة ؛ [148/ج] لأنه لا يكون باء ابتداء و لا باء استعانة إلا إذا بدأ بذكرها في البسملة من النقطة القائمة مقام الكسرة .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب. (1/194)
صفحة 195
و اسمه تعالى الله أصله مشتق على الأصح من اسمه تعالى أله فعرف بآلة التعريف ، فقيل الإله فحذفت الهمزة للتخفيف ، و أثبتت آلة التعريف فقيل الله فصارت اسما ثانيا بإثبات آلة التعريف بحيث لا يمكن زوالها عنه ، فقصد به الذات دون معنى الألوهية فهو لا يطلب به إلا الذات ، وبقى اسم الإله[84/أ] معرفا بالألف و اللام أو غيرمعرف فقصد به ألوهيته سبحانه و تعالى ، فهذا اسمان لا يقصد معناهما إلا الله تعالى ، بخلاف بقية أسمائه ففيها يصح بغير آلة التعريف أن يقصد بها غير الله إلا اسمه تعالى رحمن ، و الأصح أنه لا يمنع و إن كان الأحرى ما به لعظمة هذا الاسم لا يوصف به غير الله ، و لكن لا يمنع[156/ب] من جواز الاختلاف في ذلك ، و لا أرى أنه يبلغ به إلى هلاك ما لم يكن بآلة التعريف ، و مثله اسم الخالق و لولا أن اشتقاقه من معناه اسمه تعالى الإله لم يجز ترقيق النطق بأحرفه بعد تفخيمها ، و لصار المرقق النطق بأحرفه اسما ثابتا عن المفخم النطق به ، و صح أنه لا يصح أن يكون لله اسما أعظم من هذا الاسم من أسماءه التي علمها عباده أنه اسم الذات على الحقيقة الذي لا يطلب معناه إلا ذاته الحقيقة ، و لا يصح إلا أن [149/ج] يكون في البسملة إلا من الفاتحة لتكون الاستعانة بالله على أداء فرض الصلاة بالاسم الأعظم ؛ لأنها من أعظم الأمور ، و أداءها من أعظم المهمات ، فلا يصح الأعظم مدخرا في الدعاء في الأشياء المهملة الحرية بأن يدعى فيها بالاسم الأعظم ، و أن يكون شيئا أهم من أداء الصلاة و أعظم في نفسه منها فالاستعانة في أداءها بالاسم الأعظم تعظيما لشأنها بأنها هي الأمر العظيم الحري بأن يستعان فيها بالاسم الأعظم، ثم باسمه تعالى الرحمن الرحيم تعظيماً لكرم الله لعباده ، و أنه رحمن رحيم في إجابة الدعاء في إعانة من استعانه على أداء هذا الأمر المهم العظيم . (1/195)
صفحة 196
و في معاني ذلك أمر للمستعين بحسن الرجاء ، و فيهما معنى على أن الله تعالى كريم لا بد و أن يعين المستعين به على طاعته فيما يقربه إليه زلفى ، فهما اسمان متقاربان في المعنى ، فيصح أنهما بمعنى التكرار[157/ب] لعظمة رحمته باسمين مختلفين في اللفظ ، و يحسن أن يكون المراد كذلك باسمين متقاربين في المعنى و يختلفان في بعض المعاني ، كما قيل إنه رحمن الدنيا و رحيم الآخرة بالمؤمنين، و الرحمة لا تكون إلا لأهل طاعته في الدنيا و الآخرة ، و لكن إذا ثبت كذلك معناهما ثبت أنه رحمن الدنيا بتوفيق المؤمنين [على الطاعة] (1) ، و رحمهم في الآخرة بنقذهم من العذاب ، و إكرامهم بالثواب.
و أتى في ذلك في [150/ج] صورة الحكاية كأنه عن عبد مخلص حكي عنه أنه قال ، كذلك حكاية عن غائب كما حكى عنه أنه قال الحمد لله رب العالمين ، أي الثناء في كل شيء لله تعالى ، و المراد به على معانٍ ، أحدهما الأخبار عن الله أنه محمود في كل فعل فعله و سيفعله فله الحمد في كل ذلك ، و الثاني وجوب الإقرار من العبد المكلف بذلك أنه كذلك ، و الثالث يدخل فيه وجوب الشكر على [85/أ]عباده المكلفين بعبادته بأداء جميع ما لزمهم ؛ لأن الإقرار له بالحمد في كل فعل ، فمن فعله تكليفه عبده المكلف بذلك بأداء الطاعة له في كل أمره ، و إذا أقر له بذلك ، ولم يعمل لم ينفعه إقراره و صار في عدم نفعه له ، كالكاذب المستهزي فلا يسمى حامده ، لأن من شكر إحسان الإنسان بلسانه ، ثم و صله بيان أنه يريد منه كذا حاجة خفيفة يقدر أن يفعلها له ، فقال لا أقضيها له ، و لا أقضي له حاجة لم يسمى شاكرا لها ، و صار مدحه له مع السامعين كالمكذب لنفسه فيما قاله فيه من الثناء[158/ب] و الرب هو المالك ، و العالمين الخلائق أجمعين .
__________
(1) سقط في ب. (1/196)
صفحة 197
ثم كرر اسميه تعالى الرحمن الرحيم ، ثم انتقل من ذكر ما شاهده هذا الذي مثله ، كأنه عبد يخاطب مولاه بهذا في الدنيا و من مخلوقاته و عرف ربه بها إلى ذكر الآخرة ، و سقط مع ذكره لها الدنيا ، و ما شاهده فيها تعظيما لشأن الآخرة فقال " مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ " (1) ، و في الحقيقة هو ملك الدنيا و ملك يوم الدين ، و لكن وصفه بذلك قبل ذلك بقوله :" رَبِّ الْعَالَمِينَ " (2) و هذا كله [151/ج] في وصفه لله حكاية عن غايب ، و لذلك لأنه في نفسه مشاهدته للمخلوقات ليشاهد بها ربه بالصفات بالمعرفة و الحضور إليه فلم يكن قلبه فارغاً إلى الله عن ذكر مشاهدة مخلوقاته ، فلما حضرته أداء العبادة تجرد من مشاهدة مخلوقاته إليه ، إذ لا معنى له مثلا أن يقوم لله في أداء الصلاة ، و يحيل قلبه بمشاهدة المخلوقات ، فانتقل من الحكاية عن الغائب إلى مخاطبة الحاضر بحضور القلب إليه مجردا عن ذكر غيره بقلبه ، فقال: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " (3) فقدم العبادة و أخر الاستعانة ، و المراد بذلك الدعاء بعد الصلاة كما قال " إذا فرغت " أي من الصلاة " فانصب " أي بالدعاء " و إلى ربك فارغب " .
__________
(1) سورة الفاتحة:4.
(2) سورة الفاتحة:2.
(3) سورة الفاتحة:5. (1/197)
صفحة 198
و كثير من العارفين يجتهد هناك في جلاء قلبه من ذكر غير الله تعالى ؛ لئلا يكون في الصورة أن الحاضر ذكره[159/ب] في القلب هو المخاطب ، و من لم يستطع على ذلك فالنية و الاعتقاد أن الصلاة لا يريد بها إلا الله تعالى يكفيه ، و لا يتوجه الخطاب إلا إلى الله تعالى ، و لكن العارفين لا يقنعون بمنازل الضعفاء في الحضور إلى الله تعالى ، و أتى بلفظ الجماعة في نعبد و نستعين إشارة إلى صلاة الجماعة ، و إلى تعظيم الطائعين ، و توسلا بذكرهم ، و ولاية لهم ، و رضي عليهم بطاعتهم لله تعالى ، ثم قال :" اهدِنَاالصِّرَاطَ المُستَقِيمَ " (1) ؛ لأنه محتاج إلى الهداية و التثبيت في كل خطوة منه [152/ج] في سلوكه إلى الله تعالى إلى يوم لقاءه ، ثم قال : " صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ " (2) بخطاب الحاضر ، و المراد به النبي - صلى الله [86/أ]عليه و سلم - و أصحابه ، أو جميع أولياء الله ، أي طريق الذين أنعمت عليهم بالعلم و التوفيق في العمل بالحق القويم الذي هو دينك المستقيم ، و أنعمت بالإيمان و الإسلام و الإحسان و الإخلاص حتى رضيت عنهم و رضوا عنك ، و في هذا تعظيماً لمن تقدمه على نفسه ، و تذللاً منه لله تعالى ، و تحقيراً لنفسه مع نظره إلى كثرة فضل أولئك عليه ، و ولاية منه لهم ، و إقراراً بولاية الله لهم .
__________
(1) سورة الفاتحة:6.
(2) سورة الفاتحة:7. (1/198)
صفحة 199
ثم قال: " غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ " (1) قيل : هم اليهود ، و " وَلاَ الضَّالِّينَ " (2) وهم النصارى ، و هذا تأويل غير صحيح ،و لا يصح أن يصح ؛ لأنه لا يصح عليه أنه رأى ضلال المشركين ، و براءة الله لهم ، و ضلال الضالين الفاسقين الدائنين بما ضلوا[160/ب] به ، و المنتهكين لما عرفوه من الحق ، و لا يبرأ منهم لِلَّهِ ، ولا يعاديهم لله تعالى لِلَّهِ ، و لا يسأل الله تعالى أن يوفقه على الحق المبين في ذلك مع مشاهدته لجميع هذه الأمور! ، فصح أن التأويل الصحيح الذي لا يليق بهذا المخاطب لمولاه أن يوصف في تبرية من أعداء الله إلا أن يكون المعنى غير المغضوب عليهم من جميع المشركين ،و لا الضالين من أهل القبلة باستحلال فيما ضلوا به ، أو بانتهاك لما عرفوه من الحق حتى يكون يبرء من جميع أعداء الله ، كما أن بالآية تولي [153/ج] جميع أولياء الله تعالى .
و بهذا البحث يتضح الحق في جميع ما ذكرناه في تأويل ما رسمناه من الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ،و أما قومنا فليس لهم قوة علم في الولاية و البراءة ، و لذلك لم يفسر أكثرهم على هذا المعنى ، و أتى الله تعالى آيات الفاتحة كأن ولياً من أوليائه يخاطبه بها سالكاً مسلك من أعجزهم بالبلاغة و الفصاحة من أهل النظم في تغزلهم و تشبهم ، و معي أن المراد بها على الخصوص أنه كذلك هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، أو على العموم بطريق الأمر لغيره جميع أهل التقوى كل على قدر استطاعته من معناها ، إذ ليس لمعناها في كمال تحسين الأدب بعد أداء الواجب في حضرة الله غاية ، و أعلى غاية بلغ فيها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - .[161/ب]
[حديث تحريم لبس الذهب و الحرير]
__________
(1) سورة الفاتحة:7.
(2) سورة الفاتحة:7. (1/199)
صفحة 200
بيان : ومما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : " حرم أو حرام على رجال أمتي لبس الذهب و الحرير " ، أو قال : " لبس الذهب و الحرير حرام على رجال أمتي دون النساء " (1) ، و اشتهر مع الصحابة تحريم ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن مات ، وبعد وفاته كذلك ، و في الشهرة مع من شهرت[87/أ] معه هذه الرواية من الأمة لفظها كذلك ،و لم نعلم أن أحداً رواها على غير هذا اللفظ ، فكأنها كذلك لفظاً على الاتفاق ، حتى لعله قال فيها ابن عباس أنه ليس في لفظ الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - ، ما يدل على أن لبس الحرير حرام على رجال [154/ج] أمته بل هو حلال لهم فعارضهم قبل أن ينقرض المتفقون على تحريم لبسه للرجال ، و هو من الصحابة رباه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان يمسح على رأسه ، ويقول: " اللهم علمه التنزيل و فقه التأويل " (2) ، و لا يصح أن يكون من الصحابة إلا وقد بلغ الحلم في حياته - صلى الله عليه وسلم - فيكون من أصحابه عليه الصلاة و السلام .
__________
(1) أخرجه مسلم (37- كتاب اللباس والزينة 2- تحريم الذهب والحرير واستعمال إناء الذهب والفضة ) ص540 ,رقم 2066 ، والنسائي (48- كتاب الزينة 40-تحريم الذهب على الرجال) ص733 ، رقم 5147 - 5148،و ابن حبان ,(12/158)رقم 5340، و الطبراني في المعجم الكبير (19/349) رقم 812.
(2) أخرجه البخاري (4-كتاب الوضوء 10- وضع الماء عند الخلاء ) ص35 ،رقم 143،و مسلم ( 44-كتاب فضائل الصحابة 30-باب فضائل عبد الله بن عباس) ص635 ،رقم 2477،و الترمذي (46-كتاب المناقب عن رسول الله باب44- مناقب عبد الله بن عباس ) ص1045 , رقم3831، رقم أحمد 2397رقم ص226 (1/200)
صفحة 201
فصح أن لفظ الرواية في ذلك عن النبي - صلى الله عليه و سلم - لم يكن على ما شهرت؛ لأنه لو صح معه أنه قال حرام أو حرم على رجال أمتي لبس الحرير و الذهب ، لم يجز أن يجوز له أن يقول أنه ليس بحرام ، و لا أنه لم يحرم لبسه على رجال أمته ؛ لأنه من الممكن أن يحرم النبي - صلى الله عليه و سلم -شيئاً مع بعض أصحابه ، و لم يسمع[162/ب] ذلك بعض من أصحابه أو الأكثر إلا بالشهرة المبدأ شهرتها من أولئك السامعين فلا يجوز تكذيبهم ، و لا إنكار ما رفعوه مما يمكن أن يكون عنه بغير علم أنه لم يقله من لسانه - صلى الله عليه و سلم -.
و لو كان الإنكار لذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لا اشتهر لأنه إنكار على مدعين عليه ، فلا بد من الجزاء عليهم ، فصح أن الرواية ليس هي على هذا اللفظ ، بل هي على لفظ يصح تأويلها على ما أولها الصحابة ، و يصح تأويلها على ما أولها ابن عباس ، و جاز الاختلاف فيه أنه حلال أو حرام ، و لا يجوز فيه الإجماع ، و بقي الذهب على تحريم [155/ج] لبسه للرجال مع الصحابة بالرواية ، و لم يعارض في زمانهم أحد منهم حتى انقرض المتفقون على ذلك ، فثبت تحريمه و لم يجز فيه الاختلاف ، و لكن قال فيه أهل العلم أنه إذا لبسه في غير محل لبس الرجال لم يكن في الحكم إلا حاملاً له ، كلبسه حِلَقاً في الأذنين ، أو حلقة في الرجل ، أو في اليد فلا يمنع من جوازه ؛ لأنه في الحكم كالحامل له ، و لا يجوز أن يلبس منه خاتماً في الإصبع في موضع لبس الخاتم ، لأنه من لبس الرجال في موضعه . (1/201)
صفحة 202
و أما الحرير فجوز أصحابنا ما كان أقل من عرض أصبعين عرضاً أو طولاً خالصاً ، و لا يعتبر في كثرة الطول ، و إن كان أحد المصر (1) أو السداه حرير ، أو الآخر ليس بحرير[163/ب] فيجوز [له] (2) لبسه[88/أ] ما كان أقل من عرض أربع أصابع ، [ قال الناسخ : وقال في موضع آخر، والإصبع في القياس الشرعي عرضها مقدار ست شعيرات مسطرات أي ست حبات من شعير، ومقدار طول الحبة ست شعرات مصفوفات من شعير براذين الخيل إذا رجع القياس بالإصبع رجع ] (3) و لا أدري هذا التحديد على أي وجه من الحق حددوه ، و هذا على قول من حرم لبسه .
[حديث أكل كل ذي ناب من السباع]
__________
(1) المصر : لفظة عمانية ، ويقصد بها غطاء الرأس للرجل .
(2) سقط في ب.
(3) سقط في ج . (1/202)
صفحة 203
بيان :و مما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإجماع أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع و مخلب من الطير (1) ، و أخبرني والدي العالم الرباني أبو نبهان - رحمه الله تعالى - أن صحة هذه الرواية بالإجماع الذي لا يجوز فيها الاختلاف ، و مع قومنا أن نص لفظ الرواية قال : " كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام أكله " ، ومعهم لا يجوز الاختلاف في تحريمها فلا يحل تحليلها ، ومع أصحابنا لم تقم الحجة عليهم بصحة التحريم ،و إنما قامت عليهم الحجة بصحة النهي [عن] (2) أكل ذلك ، و أجازوا الاختلاف فيها في تحليلها و تحريمها برواية صحت كذلك [156/ج] أن بعض الصحابة أكلوا لحم ضبع و حكموا على من قتله أو صاده في الحرم أو محرم بكبش أملح فجعلوه من الصيد ، و لا يصح أن يجعل شيء من الصيد إلا ما هو حلال ، فعمل بعض علماء أصحابنا بظاهر النهي و حرم ذلك ، و قال و الحجة في ذلك قوله: " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا " (3) ، و صح في كلام النبي - صلى[164/ب] الله عليه و سلم - ما جاء بلفظ النهي ، و يريد به التحريم دون الكراهية والأدب ، ويمكن أن رواية أكل بعض الصحابة لحم الضبع و حكمهم فيه بكبش أملح قبل نهي النبي - صلى الله عليه وسلم -، و يمكن أنها رواية غير صحيحة ، و هذه عليها إجماع علمائنا و علماء الأربعة المذاهب ، و لم تصح معهم الرواية الأخرى ، و قال بعضهم إذا كان المؤثر للعلم في رفع الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، في نهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ، و مخلب من الطير ، و بهم قامت الحجة بصحتها معنا و ليس المراد بهم غير علمائنا فما الفرق في رفعهم لرواية أكل الصحابة لحم الضبع ، و حكمهم فيه على من صاده في الحرم بكبش أملح أن لا تقوم بهم الحجة في قيام صحتها معنا ، و هم هم لا غير .
__________
(1) سبق تخريجه
(2) سقط في ب.
(3) سورة الحشر:7. (1/203)
صفحة 204
و نحن لم تقم علينا الحجة بصحتها من جهة رفعها عن قومنا ، و لا هم بمن يدين علينا حجة بقيام الصحة بموافقتهم في ذلك مع أصحابنا مع أن الرواية مع صحتها على التحريم نصا بنص لفظها ، فصارت هي على خلاف ما عندنا ، و ليس للصحابة أن يحكموا في شيء أنه من الصيد قبل أن يعرفوا حكمه أنه حلال أو حرام من قول النبي [157/ج] - صلى الله عليه وسلم -، و لا صح في ذلك روايتين عنه عليه الصلاة و السلام أنه كان حللها ثم رجع و نهي عن أكلها ، بل لم يصح[89/أ] عنه في ذلك إلا هذه الرواية فصح أنه لا يحكمون به إلا[165/ب] من بعد ما عرفوا في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، و لم يصح أنه كان منه بيان فيهن غير هذه الرواية ، و صح أنهم أكلوه بعد ما صح معهم هذا البيان من النبي في حكمه فيهن ، و حكموا فيه على من صاده في الحرم فأتلفه بكبش أملح بعد ما عرفوا منه هذا البيان ، و عرفوا منه هذا النهي أنه لم يرد به التحريم ، و إنما أراد به نهي أدب ، و لم يرد به نهي كراهية ؛ لأنهم لا يفعلون ما كرهه لهم. (1/204)
صفحة 205
فإن قيل كيف فعلوا ما نهاهم عنه نهي أدب؟! ، و كيف يصح هذا تصديقه فيهم ، فالجواب أنهم هم أصحابه و هو مبعوث ليعلمهم ما أراده الله أن يعلمهم إياه من هداه[ تعالى مولاه] (1) ، و هم أعلم بما يأمرهم به ، وينهاهم عنه من واجب و ندب و وسيلة و إباحة و تكريه و تحريم ، فلا يجوز أن يخفى عليهم ذلك منه ، وهم عليه توصيله و إيضاحه و تصريحه إلى غيرهم من الأمة ، فلما أنه نهي أدب أكلوا لحم الضبع و حكموا على من صاده في الحرم فأتلفه بكبش أملح وجعلوا فعلهم ذلك أسرى للاشتهار و أوضح للإظهار ، لئلا تضل الأمة بالدينونة في تحريم ما حرم عليهم أن يدينوا بتحريمه، و لم يريدوا بذلك التعدي إلى ما نهاهم عنه ، و هم أعلم به فيما يريد [158/ج] منهم إظهاره ، و كشفه للأمة حتى لا تضل فلم يفعلوا إلا ما علموا أنه مما يحبه لهم أن يفعلوه ، فكان على هذا القول أنه نهي أدب لا نهي تحريم .
و إلى هذا مال رأي الشيخ الكبير أبي سعيد- رحمه الله- ، و رأي والدي العالم الرباني أبي نبهان - رحمه الله - ،و قول الله تعالى: " قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَمَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ ... " (2) الآية ،و لم تقم الحجة[ بصحة] (3) نسخ الآية للرواية ، و لا بنسخ الرواية للآية ، فلما لم تقم الصحة على ذلك بقي حكم الآية ثابتا ، و حكم الرواية على موافقتها لم يحرم ما أحله الله ، و إنما كان النهي على طريق الكراهية أو الأدب لأكلها النجاسة غالباً ، و هي الميتة بافتراسها الحيوانات ، فصح الجمع بين حكم الآية وحكم الرواية بصحة الرواية في لحم الضبع و لم يجز الإجماع على تحريم فيها، و لا على أنها بمعنى النهي ، و لا على أنها بمعنى الأدب .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سورة الأنعام:145.
(3) سقط في ب. (1/205)
صفحة 206
و من صاد شيئاً من ذلك ، و كان ممن يرى تحريمه فلا يجوز له أكله إذا كان لم ير للوجوه الأخرى دليلاً على صحتها ، و إن رأى دلائل تدل على صحتها من دلالات أحكام الكتاب أو السنة أو الإجماع أو آراء المسلمين الصحيحة إلا أن الأعدل معه التحريم ، فلا أقول أنه لا يجوز له الترخص بالعمل بالأهزل مع أنه يرى صوابه ، بل معي أنه جائز له الترخص في أكل[90/أ] ذلك ، و إن رأى الأعدل التحريم ، و يرى صواب غيره أيضا ، و نزل إلى الحكم فعليه أن يحكم بالأعدل [159/ج] و الأصح معه و إن رأى الأعدل ، و الأصح الحل فيها ، و جاء إليه خصم صاد شيئا منها فأطلقه عليه[167/ب] آخر حتى فاته فعليه أن يحكم على الذي أطلقه بضمانه ، و ليس له أن يحكم بالأهزل و لو رأى صوابه ، و إنما أجزنا له العمل بالأهزل في الأزهد إلى الله تعالى فيما بينه و بين الله في غير الاضطرار ، و العمل بالأزهد إلى الله ولو رءاه هو الأهزل فذلك ما لا شك أنه من الوسائل ، مثلا رأى الأهزل تحريمها و الأعدل حلها ، فصاد شيئاً منها و أطلقه فهو الدرجة العليا ؛ لأن الانتهاء عما صح أن النبي - صلى الله عليه و سلم - نهى عنه لم يجز إلا أن يكون هو الأفضل للمرء فيما بينه و بين الله تعالى ، و لا يجوز الاختلاف في ذلك في غير حال الضرورة عليه ، ولا على من يلزمه عوله وهم يرون أن الحل هو الأعدل أما في حال الاضطرار الذي يضر بالمرء الزهد في ذلك، و يضر بمن يلزمه عوله وهم يرون الأصح حله فزوال الضرر هو الأفضل فاعرف ذلك .
[حكم الألفاظ من كلام التنزيل والسنة] (1/206)
صفحة 207
بيان :فصح أن لفظ كل كلام في التنزيل في شيء من الأحكام ، و لفظ كل كلام من السنة في شيء من الأحكام لا يصح أن يحمل في تأويله على ظاهره في عموم ما لا يعمه ، و لا في تخصيص لم يخصه على الاطلاق في كل كلام جاء ذلك ، و لا أن يدان فيه بوجه واحد من معاني تأويله فيما جاز فيه الاختلاف ، و لا أن يجاز فيه الاختلاف فيما لا يجوز في تأويله الاختلاف ، بل لا بد و أن يجرى بتأويل [160/ج] كل كلام على ما جاء به[168/ب] النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحكام الشريعة ، و صح عنه و عن أصحابه على ما فهموه منه و أخذوه عنه ، فلا يفسر القرآن على خلاف الشريعة التي جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، و إنما يفسر على أحكام الشريعة الصحيحة ، و كذلك السنة لا تفسر على خلاف ما صح مما جاءت به الشريعة عنه ، فإن من الأحكام ما تولى الله تعالى على بيانها تصريحاً في التنزيل ، بل لا يصح فيها الاختلاف ، و لا أن تأول إلا على صريح ما صرح به التنزيل ، ومنها ما أرادها أن يكون تصريح بيانها على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، و هي السنة بتصريح لا يجوز تأويل كلامه فيها إلا على ما صرحت به ، و لا يجوز الاختلاف في ذلك الحكم . (1/207)
صفحة 208
ومنها ما جاءت على كلام منه - صلى الله عليه وسلم - في أحكام أشياء تقبل الاختلاف في تأويله ، فيجوز الاختلاف في أحكام معاني ذلك الكلام ، فيجوز الرأي في ذلك الحكم كذلك عن أمر الله له ليجعل أمر ذلك للعلماء ، ،ومنها ما أراد أن يكون حكمه على لسان علمائه ، ومنع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيانه لهم ، و أجاز لهم فيه الاختلاف رحمة من الله توسيعاً لعباده و تعظيماً لعلمائه ، كما قال تعالى :" وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ " (1) ، و المراد بمعنى هذا أن يكون إما رسولاً أو نبياً أو عالماً ، وفي أمة محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - [169/ب] ، لا يصح [أن يكون المعنى] (2) إلا العلماء ،و قال تعالى فيهم : " فَاسْأَلُواْ [91/أ] أهل
الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " (3) ، و لم يقل أهل العلم إذ قد [161/ج] يكون عالماً بالشريعة فاسقا ًلا يبالى ، و أما أهل الذكر فالمراد بهم العلماء أهل الذكر فيه بالمراقبة لله في كل أمر أرادوا اعتقاده أو علمه أو تركه هل هو جائز لهم ذلك أم لا ، فإن عرفوه جائزاً أو نظروه لازماً عليهم أدوه بموجبه .
و أهل الذكر هم أهل المشاهدة لله بصفاته بقوة الخشية منه تعالى ، و الخوف من سخطه ، و الرجاء لرحمته ، و أهل الذكر هم القائمون بأداء جميع ما لزمهم أداءه ، و المنتهون عن جميع ما حرمه الله ، و الواضعون كل حكم في محله على موجبه من واجب و مندوب و وسيلة و مباح ومكروه ومحرم ، و لا يعلم جميع ذلك إلا العلماء ، و أهل الذكر هم أهل المعرفة بأحكام الذكر الذي هو التنزيل ،و أهل الذكر هم أهل الرغبة إلى السؤال لله ، و الدعاء إليه فيما يقربهم إليه زلفى ،و أهل الذكر هم القائمون الصلوات المكتوبات على كمال وجه أدائها .
__________
(1) سورة الرعد:7.
(2) سقط في ب.
(3) سورة النحل:43. (1/208)
صفحة 209
و هم في أدائها على تفاوت ، فالعوام أهل التقوى قد يؤديها بعضهم و قلبه مشغول بذكره في غيرها ، و لا يستطيع مع نفسه أكثر من ذلك ،و منهم من يحضره قلبه فيها و لا يفهم معاني الذكر فيها ، و منهم من يفهم و كأنه يخاطب الله فيها بمعاني أذكارها في معاني الذكر الذي هو التنزيل[170/ب] حين يقرأ الفاتحة فيها و ما يقرأ من الآيات و السور بعدها ، و لا يجمع آيات فيها يريد بها الدعاء مثلا أن يقرأ آيات الحفظ فيها يريد بها حجاباً عن شيء[162/ج] يفرق منه ، و نحو أن يداوم على قراءة سورة الفيل يريد لتحصل له فوائدها عند الحروبات ،أو عن من أراد به شراً أو ما أشبه ، و منهم من تحضره الخشية من الله تعالى بقوة حضور قلبه بذكر عظمة رحمته و كرامته لعباده ، و قوة الخوف من سخطه ، و الرجاء لرحمته و ابتغاء رضاه عنه ، و منهم من يحضره التعظيم لله تعالى ، و المحبة للقرب منه ، و الرضى عنه إلى غير ذلك من المعاني . (1/209)
صفحة 210
و قال تعالى :" إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء " (1) ،و ليس المراد بجميع العلماء ، فإن من العلماء علماء سوء ، و إنما المعنى العلماء الناظرون إليه بنور معرفة الله ، و نور محبة الله لهم[في] (2) عين البصيرة ، و منها يشرق نور محبة الله لهم ، و من العين الغريزية نور معرفته فيتولد من النورين نور محبة قلب المؤمن لله تعالى منها بنور المعرفة و بنور محبة الله ، و بنور محبة لله إلى الله بصفاته فينظر إلى عظمة جلا ل كمال الله ، و عظمة كمال جمال الله ، و إلى كمال و جلال الله ،و كل جمال لا بد و أن يكون محبوباً ، و كل عظيم في كل صفة لا بد و أن يكون مخشياً ، فيحب الله تعالى لعظمة إحسانه إليه ، و لجماله بالرغبة و إلى رضاه بالقرب إليه بالرضا عنه ، و يخشاه عن بعده منه[92/أ] ، و سخطه عليه ، و يخافه لجزاه[171/ب] بالعقاب فيؤديه ذلك إلى طاعته ، و يشرق نور المحبة و الخوف و الرجاء و الخشية على عين الغريزية ، و هي القوة المخاطبة إلى طاعة دعوة العين البصيرية ، فهي الداعية له إلى الله [163/ج] تعالى .
__________
(1) سورة فاطر:28.
(2) سقط في ب. (1/210)
صفحة 211
و في العقل قوة أخرى هي من ورائه بحذاية العين المدبرة ، و فيها ركبت القوة الشهوانية ، و فيها يأتي الشيطان يزين لها الأعمال القبيحة حسنة كالمخيل الذي يخيل الحبل حية ، كذلك يخيل فتستحسنه، و تدعو العين الغريزية أي قوتها إلى طاعتها ، و العين الغريزية هي قوى لا تطلب إلا الجاه و التعلي و الغلبة ، و فيها ركبت القوة الغضبية ، و عليها تتجلى العلوم ، و فيها ينظر جميع العلوم الدينية و الدنياوية و الحكم و كل شيء بعد عنها تخيل عليها ، و لم ينظره حقيقة و اعتقدته كما يخيل لها ، فإن خالفت هذه القوة القوة المدبرة و القوة البصيرية طلب الجاه الخيالي ، لأن الحقيقي لا تنظره إلا بنور العين البصيرية ، و اتبع القوة الغضبية فيما يخالف ، و طلب العزة في كل شيء بغير معرفة أن العزة في غيره ، و [الغلبة] (1) في كل أمر و الجهل و الغشم و الظلم و الفساد و التكبر و الحسد إلى غير ذلك .
__________
(1) سقط في ب. (1/211)
صفحة 212
و أن أطاع القوة المدبرة بطلت همته في طلب المفاخر الدنياوية ، ومال به الهوى إلى الأخلاق الدنية ؛ لأنها في مثال المرأة ، و القوة الغزيرية في مثال الرجل القوي الشجاع ، و مثال العين الغزيرية كالرجل[172/ب] الولي لله تعالى الذي ليس له نظر إلا إلى ربه تعالى ، و هي بمنزلة المصباح في البيت ، و ينسد بظلمة أعمال العين الغزيرية ، فإذا تجلى له قليلاً من كمال الله و جلاله تشمر في إجلاء ذلك الذي كان بسببه إنسداد مصباح العين الغزيرية ، فإذا أشرق منها شيء من نور محبة الله أضاء في جميع [164/ج] آفاق العين الغزيرية و أفق العين المدبرة ، فينظر ما كان ينظره بالخيال حقيقة ، و ينظر إلى حقيقة ماتعلمته العين المدبرة من التخييل من الشيطان ، و ينظر الشيطان مهما جاء فيطرده ، و يزجر العين المدبرة عن أعمالها التخييلية ، و عن تقريبها للشيطان ، و يغلب عليها حتى لا تعمل شيئاً إلا ما تأمرها، و لا يعمل هو إلا ما تأمره العين البصيرية فيشرق نور العلم من الغزيرية ونور المعرفة ، و تشرق محبة الله له ونور محبته هو لمولاه في جميع آفاق العين البصيرية،[93/أ] و العين الغزيرية و العين المدبرة . (1/212)
صفحة 213
و في هذا المعنى يدخل معنى قوله :" اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌنُّورٌ عَلَى نُورٍ " (1) فقيل المراد بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، و القرآن و الشريعة و هو تأويل صحيح ، ومن تأويلها[173/ب] أن نوره أي معرفته في قلب الطائع له مثل نور الشمس في السموات و الأرض ، و مثل سراج في قنديل و هو الزجاجة ، و ذلك في روزنة مشيدة بالجير الأبيض في مسجد شيد جداره بالجير الأبيض المصقول ، و يمد [السراج] (2) بنور علم الشريعة و الحقيقة التي هي الصراط الحق لا إفراط فيه و لا تفريط .
و هو الممثل بدهن زيت ثمرة من شجرة زيتونة لم تحرق الشمس دهن ثمرتها بقوة حرارتها عند قوتها [165/ج] في جهة مشرقها ، و لا عند قوتها عند ميلها في جهة مغربها ، بل نضجت ثمرتها باعتدال فخرج دهنها أيضاً صافياً لا حمرة فيه من تأثير قوة حرارة الشمس ، فلاجتماع نور الزيت و هو نور علم الشريعة و نور النار التي هي السراج و هو نور معرفة الله و نور محبة الله و نور محبة القلب أو بالعكس ، فيكون السراج نور العلم و يمده نور المحبة من الله تعالى و هي نور بياض الزيت و نور الزجاجة و هي القلب ، و نور المشكاة و هي الصدر ، و نور بياض [جدار] (3) المسجد الذي تعبد فيه هذا الولي و هو العين الغريزية و روحية و هي العين المدبرة نور على نور .
__________
(1) سورة النور:35.
(2) سقط في أ و ب .
(3) سقط في ب. (1/213)
صفحة 214
وفي هذا خلاف لمن تقدمني من العلماء ؛ لأنهم اتفقوا أن العين البصيرية تتجلى فيها العلوم الدينية ، و العين الغزيزية تتجلى فيها [العلوم] (1) الدنياوية ، و لذلك[174/ب] ترى كثيراً من الناس قليل العلم كثير الورع ، و كثير من الناس كثير العلم قليل الورع ، و لكن ترى أن كثيراً ممن هو عالم بعلم التوحيد و متوغلاً فيه و في معرفة الحق فيه و متوغلا في علم الشريعة و علم الحقيقة ، و نهاره و ليله مشغول بشرح ذلك ، و تدقيق معانيها وهو مع ذلك من علماء السوء ، فلو كان كما قالوه لكان محلها العين البصيريه و لم يكن من علماء السوء ، وكثيراً ممن رأينا لا علم له بالعلوم الدينية وله عجائب في إظهاره بصنائعه بحكم دنياوية ، و هو من أهل الطاعة لله تعالى .
فصح أن العلوم كلها محلها القوة الغزيريه في العين البصيريه [166/ج] لا يتجلى إلا نور محبة الله تعالى للعبد ، و نور الخوف من بعده ، و نور الرجاء لرحمته ، و نور الخشية من الله تعالى ، ومنها تنظر العين [94/أ] الغريزية بنور إلى الله تعالى بنور محبته و نور خوفه و رجائه و خشيته من الله تعالى و الله اعلم .
فهؤلاء هم المراد بقوله تعالى في "فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ" (2) ، و قوله تعالى :"ِ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" (3) ، و قوله تعالى " وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ" (4) و هم الذين [لأجلهم] (5) منع النبي - صلى الله عليه و سلم - ن يتولى بيانه لأمته إرادة منه تعالى و إرادة من النبي عليه الصلاة و السلام أن يتولى بيانه[175/ب] العلماء على ما يلهمهم الله تعالى بيانه ، فيجتمعون في أحكام لا يجوز فيها الاختلاف، و تبقى أحكام لا يجتمعون عليها فيجوز لهم القول بالرأي فيها توسيعاً من الله لعباده .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سورة النحل:43.
(3) سورة فاطر:28.
(4) سورة الرعد:7.
(5) سقط في ب. (1/214)
صفحة 215
و قد يفتح الله تعالى لبعض علمائه في حكم شيء الرأي الأهزل فيه ، و لا يفتح الأعدل له فيعمل هو به و أهل عصره إرادة من الله تعالى ، حتى يأتي عالم آخر و يفتح الله له الرأي الأعدل في ذلك فيعمل به هو و أهل عصره ، و يتضح نور عدله على الأول ما يتعجب المشرق في قلبه نور هذا الأعدل على ما قاله الأول ، كيف لم ينظر هذا هو الأعدل و لا سيما فيما قد عرف القولين سابقا عمن سبقهما بهما من غير أن يوضح حجة كل قول منهما ، و الكل كان بإرادة الله تعالى ليفضل العلماء بعضهم على بعض في ذلك ، و بذلك و" لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" (1) .
__________
(1) سورة الأنبياء:23. (1/215)
صفحة 216
فكان الأمر الإلهي في العلم المتعلق به علم الشريعة الأصولية [167/ج] و الفروعية بيانها للأمة على ثلاثة أقسام : قسم تولى الله بيانه ، و قسم ولاه الله النبي في بيانه ، و قسم ولاه الله العلماء لبيانه ، أو ما ترى إلى اختلاف علي و زيد و عمر و ابن مسعود و ابن عباس في الميراث ، و هم في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يفتون فيه و يختلفون فيه و لا يردون الأمر فيه [إلى] (1) النبي - صلى الله عليه وسلم - ،[176/ب] ليحكم بينهم [فيه] (2) بالأصح و الأعدل ، و لا يردهم بالعمل إلى قول أحد منهم و هم معه حاضرون ، أو تظن أن أحدا يرضى على نفسه أن يفتى بمسألة و هو مع رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، و لولا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لهم بذلك، و مع الإذن دون الأمر فلابد و أن يلزموا الأدب إذ أدنى عالم عارف يلزم الأدب عن الفتوى بين يدي عالم أكبر منه و لو أذن له ، بل لم يفتوا كذلك إلا بأمره و بأمر الله للنبي أن يأمرهم بذلك و أن لا يردوه إليه و أمر أصحابه أن يعملوا بما يفتوهم به حتى قال : إن أصحابي مثل النجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، و الله يقول : " فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ " (3) أي في الدين أي إلى أحكام الكتاب و السنة ، و لا تعملوا بخلاف حكمهما فيما لا يجوز الاختلاف [فيه] (4) ، و فيما يجوز فيه الاختلاف فردوه الى دلالات أحكامهما فما وافق دلالات أحكامهما فهو الأعدل ، و ما لم يبين في المخالف له صحة بدلالات [168/ج] شيء من الأحكام و السنة فهو الأهزل ، فالحاكم عند المخاصمة[95/أ] بين أهل الحقوق لا يجوز له بعد أن يرد إلى دلالات الكتاب و السنة و يرى صحته أن يحكم إلا به دون الذي لم ير صحته بدلالات أحكام الكتاب و السنة و الإجماع .
[الإجماع و الاتفاق في اصطلاح أهل الشريعة]
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب.
(3) سورة النساء:59.
(4) سقط في ب. (1/216)
صفحة 217
بيان :و في[177/ب] اصطلاح أهل الشريعة في إطلاق اسم الإجماع فيما لا يجوز فيه الاختلاف بالرأي ، ويطلق اسم الاتفاق فيما اتفق عليه العلماء استحسانا و لا يمنع من إجازة الرأي فيه لمن رام ذلك ، و له أن يعمل فيه بخلاف الاتفاق إن رآه هو الأعدل ، و ليس له أن يحكم بين الخصمين في الحقوق بالمتفق عليه إذا رءاه هو الأهزل ، و رأي الأعدل خلافه بدلالات أحكام الكتاب أو السنة أو الإجماع أو الآراء الصحيحة .
و الاتفاق نحو اتفاق أصحابنا في ميراث ابن الابن إذا هلك و ترك جداً أب أبيه و أخوة أو أخوات ، فأقام أصحابنا الجد مقام الأب و لم يورثوا الأخوة و لا الأخوات للهالك و اتفقوا على ذلك ، و أخذوا ذلك من قوله حاكيا عن يوسف عليه السلام " وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ " (1) فسمّى جده أبا أبيه و جد جده إبراهيم أباه ، و هو رأي عمر و ابن مسعود و علي و ابن عباس ، و اتفق قومنا أهل المذاهب الأربعة على توريث الأخوة و الأخوات مع الجد أب الأب ، و لم يختلف أصحابنا في ذلك ، و لم يختلف أهل المذاهب الأربعة في العمل بهذا [169/ج] و هو قول زيد من أصحابه - صلى الله عليه وسلم -، و لا إجماع في هذين الاختلافين بين أصحابنا و مع أصحابنا و بين أهل المذاهب الأربعة فيما بينهم و لا معهم ؛ لأنهم لا يخطئون أحداً من الصحابة الذين هم قالوا بخلاف زيد ، و لكن عملوا[178/ب] بقول زيد أخذوا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" أفرضكم زيد " (2) .
__________
(1) سورة يوسف:38.
(2) سبق تخريجه (1/217)
صفحة 218
فإن قلت : أليس على هداهم الأصوب في أخذهم عن زيد من أصحابنا في أخذهم عن غيره ؟ فالجواب : إن كل عالم متعبد أن يعمل بما يراه أنه هو الأعدل ، كذلك في قوله تعالى :" الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ " (1) و قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " استفت قلبك يا وابصه و إن أفتوك و أفتوك " (2) ، فلا يجيز النبي - صلى الله عليه وسلم - لعالم من أصحابه ، و لا من غيرهم أن يحكم حاكم بين خصمين على ما قاله زيد و هو يرى الأعدل ما قاله غيره ، أو بما يراه في نفسه بدلالات أحكام الكتاب و السنة و الإجماع و الآراء الصحيحة ، و لو ألزمهم العمل بما يراه زيد أنه هو الأعدل ، لم يجز العمل إلا بما هو يفتى به ، و لم يجز لأحد من الصحابة أن يخالفه و مع علم أصحابه بقوله هذا عمل [علي و] (3) عمر و عبدالله و ابن مسعود و ابن عباس بخلافه ، و لم يعملوا بقوله فيما رأوه أعدل معهم ، فدل قوله عليه السلام أنه لم يرد بمدحه[96/أ] له بهذه المدحة الإقتداء به دون رأي غيره من أصحابه و دون ما يراه الإنسان أن خلافه هو الأعدل .
[الاتفاق و الإجماع في اللغة]
__________
(1) سورة الزمر:18.
(2) سبق تخريجه .
(3) سقط في ب. (1/218)
صفحة 219
بيان :و الاتفاق و الاجتماع في اللغة [170/ج] بمعنى واحد ، و الإجماع في اللغة يقاربهما ، و لكن لا يستعمل هذه الألفاظ في الشريعة على معنى[179/ب] واحد ، فاستعمل الإجماع فيما لا يجوز خلافه، و الاتفاق فيما اتفقوا عليه و لا تجوز فيه الدينونة و لا يمنع من جواز الرأي فيه ، [ و لا بلفظ الإجماع ما جاء بالاتفاق فيما لا يمنع من جواز الرأي فيه] (1) و لا بلفظ الاتفاق فيما لا يجوز فيه الاختلاف إلا إذا دلت القرائن على أنه يريد به الإجماع الذي لا يجوز فيه الاختلاف فلا بأس مثلا أن يقول : لولا الاتفاق على هذا لقلت فيه ما أراده في ذلك [ من الرأي ، و لكن منعني عن ذلك الاتفاق ، فلفظ الاتفاق على هذا] (2) اللفظ يدل على الإجماع ؛ لأن الاتفاق لا يمنع من القول بجواز الرأي فيه الذي لم يرد به الإجماع .
كما ذكر الشيخ أبو سعيد - رحمه الله تعالى - في البول[ فقال] (3) لولا اتفاق أصحابنا في نجاسة بول الأنعام لقلت بخلافهم رأياً ، فالاتفاق ليس بمعنى الإجماع لا يمنعه أن يخالف فيه أصحابه ، بل عليه أن يعمل فيه و يحكم بما يراه أنه هو الأصح و الأعدل ، ولو اتفقت على ذلك جميع الأمة ، و لم يكن اتفاق على معنى الإجماع إذ قد يمكن أن ينجس ببول شيء من الأنعام على أحد شربه و يتحاكما معه في الضمان فلا يجوز له أن يحكم بما اتفق عليه أصحابه ، و ليس هو اتفاق إجماع مانع عن القول بالرأي و يترك ما يراه [أنه] (4) هو الأعدل ، و الأصح على ما جاز له من القول بالرأي في ذلك .
و لفظ الإجماع يطلق على معانٍ :
الأول : يطلق على معنى [171/ج] الدينونة ، و هو إجماع ذاتي لم ينعقد بسبب اجتماع العلماء عليه كفرض كل صلاة مكتوبة بالإجماع أنهن فرض[180/ب] على من كلف بأدائهن .
__________
(1) سقط في أ و ب .
(2) سقط في ب.
(3) سقط في ب.
(4) سقط في ب. (1/219)
صفحة 220
الثاني : إجماع على جواز أمر لا على وجوبه ، كجواز ما أجازه عمر بن الخطاب من ترك قتال نصارى من ورائهم مسلمون إذا قاتلوهم ليسلموا أو ليعطوا الجزية قاتلوا أولئك المسلمين ، و لا قدرة لعمر و لا أصحابه على نصرتهم ؛ لأن النصارى حائلون بينهم و بين المسلمين ، و أولئك المسلمون أصحاب قلة لا قدرة لهم على قتال النصارى فصالحهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن مشورة من المسلمين فاجتمع رأي الكل على الصلح بأن يترك قتالهم ، و لا يطالبهم في جزية على أن لا يؤذوا أولئك المسلمين فتراضوا على ذلك .
و الثالث : اتفاق يكون على معنى الإجماع و لا دينونة فيه ، و ذلك كاتفاق أصحابنا على تحريم من جامع زوجته في الحيض متعمدين ، فإنه لم يقل أحد من علمائنا بحلها له، و إنما توقف من توقف عن التحريم و عن التحليل ، فقال الشيخ الكبير أبو سعيد - رحمه الله- : ليس توقفه ما يكون رأيا يجيز فيه الاختلاف ، و إنما ذلك مبلغ علمه[97/أ] حين كلَّ فهمه و ضعف علمه عن معرفة العلة المحرمة لذلك ، فلا فرق بين الاتفاق في هذا و الإجماع عليه في التحريم ؛ لأنه معهم مما لا يجوز فيه الاختلاف و ليس بالدينونة .
و الرابع : إجماع سببه اتفاق العلماء [172/ج] و اجتماعهم على[181/ب] حكم كما ذكرنا ، و هذا الوجه قيل فيه أنه لا ينعقد هذا الإجماع إلا من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم كانوا بذاته و منهم يسرى في الآفاق ، و هكذا قال بعض علماء أهل المذاهب الأربعة، و يصح قولهم أن لو كانوا هم أهل المذهب الحق لكثرتهم و كثرة تفرقهم في البلدان ، و الإجماع لا ينعقد إلا باجتماع و اتفاق جميع علماء عصر ذلك العصر فلا يخالف منهم في ذلك مخالف، و من أين يمكن كون هذا على كثرة تفرقهم و تفرق علمائهم . (1/220)
صفحة 221
و أما على اعتقادنا نحن أننا نحن أهل الاستقامة في الدين و بلداننا مشهورة هي عمان و نفوسة و جربة و مصعب (1) ، وأخرى مع هؤلاء البلدان و يمكن تلاقيهم في الحج ، فإذا اتفق و اجتمع علماء أهل عصر من بلداننا هذه على حكم في قضية على دليل من أحكام الكتاب و السنة و الإجماع أو من رأي صحيح و اشتهر ذلك في هذه البلدان ، و لم يخالف أحد من العلماء في زمانهم برأي صحيح حتى انقرض المجتمعون و المتفقون على ذلك صار إجماعاً ؛ لأن إجماع أهل الحق إذا اجتمعوا كذلك على حكم هو الحجة ، و يصير حجة على جميع أهل المذاهب حتى قامت الحجة عليهم بسماعه على كل متعبد قامت عليه الحجة بمعرفته بالسماع فمن أهل المذهب الحق إذا أمكن كون ذلك منه ينعقد الإجماع في[182/ب] أعدل القول .
__________
(1) مصعب: هي قرى وادي ميزاب ، حرفت من مصعب إلى ميزاب في البربرية ، وأصلهم من بني مصعب فرع من قبيلة زناتة البربرية سكنوا الوادي ، وأهم قراهم القرارة ، وبني يسجن ومليكة وبريان وغرداية والعطف.
يوسف بن بكير الحاج سعيد ، تاريخ بني ميزاب ص13-14 الطبعة العربية ، بدون (1/221)
صفحة 222
و لا فرق بين انعقاده من الصحابة على جميع الأمة ، و بين انعقاده من جميع أهل العلم منه ، و إن اجتمع كذلك [173/ج] مثلاً علماء أهل عمان و، لم تشتهر المسألة و حكمها مع علمائنا أهل المغرب حتى انقرض علماء أهل عمان ثم تذاكرها علماء أهل المغرب و اجتمعوا على حكم فيها، و لم يعلموا باجتماع علماء أهل عمان في حكم فيه على خلافه ، ولكل اجتماع وجه من الصواب فغير متعبدين بما لم يحيطوا به علما و جاز لهم ذلك و كانوا على ذلك الاجتماع حتى انقرضوا لم ينعقد الإجماع على هذا و جاز في ذلك ؛ لأن كلا منهم اجتمع في حكم تلك القضية على ما جاز له. (1/222)
صفحة 223
(1)
__________
(1) في ب : " و قال في موضع آخر ، فإن قلت : إن أباك - رحمه الله - لم يتكلم في القهوة ذكر في كلامه فيها أنه لما وجد عن بعض من العلماء المتأخرين أن تحريمها بالإجماع و أنت ذكرت أن الإجماع في تحريم القهوة لا ينعقد إذ لم يصح حجة من دلالات التنزيل و لا من دلالات السنة و لا من دلالات أثار المسلمين الصحيحة و دلالات هذه الأصول تدل على تحليلها و لا ينعقد الإجماع إلا بعد معرفة ما عند علماء أصحابنا أهل المغرب من بلدانهم المشهورين بها و إن لم يخالف أحد بوجه حق في عصرهم و لا قتلهم حتى ينقرض هؤلاء العلماء ؟ ، نعم إن الإجماع لا ينعقد إلا بهذه الشروط كلها ، فأما انعقاد الإجماع بتحريمها مع معرفة [ 183 / ب ] علماء أصحابنا من أهل المغرب من بلدان أهل مذهبهم بذلك مما يحتمل مع والدي كونه ، لأن زمان القائلين بتحريمها ليس هو زمانه ، و أما أن تحريما على خلاف الأصول التي ذكرتها و أن دلالات تلك الأصول تدل على تحليلها في الرأي الأعدل فغير جاهل يعلم ذلك لأنه لو كان غير عالم يحلها و يحتج بدلالات من الأصول الدالة على صحة قوله و أما أنه كيف لم يعلم أنه لا ينعقد الإجماع بتحريمها و خاف أن يكون فيها إجماعا فلا نقول أن والدي - رحمه الله - مع علو درجته في علم الشريعة وغيرها من العلوم و لا نعلم هذا لأنه من المحال أن ينعقد الإجماع على خلاف دلالات الكتاب و السنة و الآثار الصحيحة و الآثار الصحيحة إلا من فروع الكتاب و السنة و لكن خاف والدي - رحمة الله تعالى - أن يكون علما أصحابه من أهل عمان قد اجتمعوا و جعلوه علماء أصحابنا أهل عمان إجماعا فيخالفهم يقع الافتراق في علماء أصحابنا من أهل عمان كما افترقوا في زمن الشيخ ابن بركة و الشيخ العالم أبي سعيد - رحمة الله تعالى - و لحق أهل عمان بذلك الافتراق ضرر عظيم و لم ير معينا له ذلك فوقف عسى أن يجد معينا فإن وجدوا لا أظهر ما عنده من الحق و لما وجد المعين أظهر ذلك و الوجه الثاني لم يصح معه أحد أنه دان بتحريمها من العلماء في زمانه و إنما ذلك المدعي منه دعوى [184 / ب] و الدعاوي لا يصح العمل بها ما لم يصح حقها فإظهار ذلك على هذه غير لازم عليه لأن عليه إظهار الحق متى ظهرت وهذه البدعة لم يظهر معه من أحد من أهل زمانه فاعرف ذلك رجع " . (1/223)
صفحة 224
بيان :و لا ينعقد الإجماع باجتماع علماء على حكم دلالات أحكام الكتاب و السنة و إجماع غيره [من] (1) آراء المسلمين الصحيحة على خلافه ، و ليس له دليل على صحته من شيء من ذلك ، كاتفاق علماء أصحابنا على أن من أوصى بغلة مال له يفطر بها صائمو شهر رمضان في المسجد الفلاني وقفاً مؤبداً فحكموا بثبوت ذلك في المساجد ، و لم يجيزوا أكل ذلك في غيرها ، و اتفقوا على هذا الحكم في ذلك[ ، و شددوا في خلافهم ، و لم يعارضهم[98/أ] برأي يخالفهم في ذلك الحكم] (2) في زمانهم حتى انقرضوا فلم ينعقد ذلك إجماعاً لا يجوز خلافه ، و لو اعتقده إجماعا أحد من أجل ذلك الاجتماع لضل ضلالاً بعيداً ، و إن دان به هلك إن مات على ذلك لأنه على خلاف دلائل أحكام الكتاب ، إذ لا بد للذين جاؤوا يفطرون بذلك في ذلك المسجد ، و القائمون فيه الصلوات المريدون فيه ذكر الله بصلوات النفل ، أو بتلاوة القرآن أو الشريعة [174/ج] أو ذكر الله بالتهليل و التسبيح و التكبير و التحميد إلى غير ذلك ، و لا يسع الفريقين إما أن يحكم بخروج المريد من ذكر الله حتى يدخل هؤلاء المريدون الأكل فيه فيكون خلافاً لحكم الله تعالى[185/ب] بقوله : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَاللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ " (3) ، و لا شك في باطل هذا الرأي بحكم التنزيل .
__________
(1) سقط في أ.
(2) سقط في ب.
(3) سورة البقرة:114. (1/224)
صفحة 225
و أما أن يحكم بمنع دخول المريدين الأكل فيه فيكون قد أبطل حكم ثبوت الأكل فيه و منعه بمنع أهل الذكر له ، و كذلك في كل موضع منه أراد الأكل فيه أحد و منعه الذاكر بإرادته أن يذكر الله في ذلك الموضع و هكذا إلى تمام شهر رمضان فصح أن الحق في ذلك على خلاف ما اتفقوا عليه من الرأي ، و ليس له دليل على صحة ما رأوه من الشريعة أصلاً ؛ لأن الموصي ليس له تصريف فيما لا يملكه فلا فرق بين أن يوصى بأكل ذلك و يفطر به صائمو شهر رمضان في بيت فلان، و لم يرض صاحب ذلك البيت و بين كتابته و وصيته أن يفطر بذلك في المسجد الفلاني ، و كلا الموضعين ليس له بملك و لو أوصى أن يفطر بذلك في موضع مباح لم يملكه أحد و عينه لم تثبت ذلك في الحكم ؛ لأن ذلك الموضع لو عمره أحد و أحياه بالماء علىما جاز له ، و صار له ملكا لم تثبت وصيته في ملك غيره ، و ما كان وقفاً من المواضع فلا تصريف له فيها .
و إن أوصى أن يفطر بذلك في موضع عينه و هو له ملك و لم يوص بتوقيفه لذلك فلا بد و أن يدخله [175/ج] الاختلاف ، هل يكون بذلك توقيفاً منه لذلك ؟ ، و الأصح معي أنه لا يكون منه بذلك توقيفاً ،ن و تبطل وصيته فيه بعد موته بعد أن يصير ملكاً لغيره من الورثة حتى يوصى به وقفاً لذلك ، و في بعض القول أنه لا حكم للبقاع في [مثل] (1) هذا ، فإن كان لفظ وصيته في تلك الوصية أن يفطر بها في المسجد الفلاني ، فالوصية[186/ب] ثابتة ، و في المسجد لا تثبت و يجوز الفطور بها في أي موضع من المواضع المباحة لذلك .
وقد عملنا بهذا الرأي في جميع بلداننا ، فطردنا العوام عن الفطور في المساجد ، و أجزنا لهم أن يفطروا بذلك في أي المواضع أرادوا أن يفطروا فيها أو في أي بلد من البلدان القريبة أو الشاسعة عن هذه المساجد ، و أن لا يأكلوا تارة من هذه الفطرة وتارة من هذه في مقام واحد عند الفطور .
__________
(1) سقط في ب. (1/225)
صفحة 226
و استحسن والدي - رحمه الله -[99/أ] هذا الرأي ، و صنف فيه مسائل معناها إجازة هذا لنا ، و أنه لهو الأعدل ، و لم يجز ذلك في المساجد ، و أما نحن فقولنا أنه يجوز للقائمين فيه الصلوات أو من جاء يصلى فيه أو لغيره إذا احتاج إلى ذلك فيه من غير أن يوعث (1) المسجد ، أو يضره بأحد من القائمين فيه على أي وجه كان الأكل مما أوصى به ليفطر به فيه أو من غير ذلك ، و إنما لا تثبت الوصية فيه ليؤكل فيه شيء ، و لا ليشرب فيه شيء ، و لا ليوضع فيه ماء ليشرب منها القائمون الصلوات ، ويجوز وضع ذلك على غير ضرر أحد بالقائمين [176/ج] و أكل ذلك فيه و شرب ذلك فيه فليس كل جائز بثابت في الحكم ، و أخذنا هذا كله عنه -رحمه الله تعالى- مشافهة .
و جاز الاختلاف في المنع لهم على ما ذكرناه ، و فيما أجازه العلماء المتأخرون على ما رأوه و لم ينعقد على ذلك[187/ب] إجماع ، و كان رأيهم الذي عملوا به في زمانهم جائز لهم ما لم يدينوا به ، و لم يدينوا به محاشون عن ذلك ، وكان ذلك الرأي في عقولنا نحن أنه خارج من حيز الصواب ثبوته في الحكم بل لا وجه له إلى مخرج الصواب ، و أما جوازه ففي غير ضرر لأحد من القائمين فيجوز الاختلاف في جوازه ، و الأصح معنا جوازه على ما ذكرنا ، و لا يجوز لنا الدينونة بما رأيناه أنه هو الحق و غيره لا صواب له أصلاً .
[القهوة و بيان في المحرمات]
__________
(1) يوعث : لهجة عمانية ، معناها : يعبث و يبعث الفوضى . (1/226)
صفحة 227
بيان :و مثال ذلك اتفاق المتأخرين من علمائنا على تحريم القهوة ، و التشديد على تحريم شربها و هي قهوة البن ، و أصل اسم القهوة في اللغة هو موضوع فيها للخمر ، وهذه تسمى شراب البن فسمته العوام بالقهوة ، و اشتهرت بهذا الاسم حتى ثبت لها اصطلاحاً ، فجاز تسميته كذلك فلا ينعقد باتفاقهم على تحريمها ، و لا باجتماعهم إجماعاً ، و لو اجتمعوا على تحريمها حتى انقرضوا فاعتقده المتأخرون إجماعاً ، و دانوا به لكانوا معي من الهالكين ، بالدينونة على تحريمها بظنهم أنه صار بذلك الاجتماع إجماعاً ؛ لأنه إجماع على رأي هو على خلاف دلالات أحكام الكتاب و السنة و الإجماع و الآراء الصحيحة ، و لا دليل من ذلك على تحريمها ، و الله تعالى يقول : " وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ [177/ج] وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ " (1) .
إذا القول في التحليل و التحريم في المأكول[188/ب] و المشروب الحاصر لوجوهه أن الأشياء من ذلك إما ماء و إما حجر و أرض ، و إما نبات أو ما تولد منها ، و إما حيوان أو ما تولد منها ، فذلك أربعة أشياء ، و اختلف الحكماء في الماء أنه من الأحجار[ أو لا ؟ ، فقيل أن أصله من حكم الأحجار] (2) ، و لكنه سريع الذوب بأدنى الحرارة ، و المحرم في المأكول و المشروب أربعة أقسام:
الأول : محرم لذاته
و الثاني :[100/أ] محرم لفعله .
و الثالث : محرم لحلول شيء محرم فيه لا يمكن تخليصه منه .
و الرابع : لمفعول فيه .
بيان : فالمحرم لذاته لا يوجد في المياه ، و لا في الأحجار و التراب ، و لا في نبات ، و إنما يوجد في الحيوان ، و ما يتولد منه كلحم الخنزير و لحم القرد و الميتة و الدم و النجاسات ، و ما أشبه ذلك .
__________
(1) سورة النحل:116.
(2) سقط في ب. (1/227)
صفحة 228
بيان : و المحرم لفعله كأكل السم المهلك من أي نوع كان من حيوان أو نبات أو حجر أو تراب أو ماء ، و العلة في تحريمه إهلاكه للنفس ، ومتى دبر حتى تذهب منه هذه العلة صار حلالاً ، وقد يكون دواء نافعا ًكثيراً ، و مثل الخمر محرم لأجل سكره ، و قيل أنه نجس لا يطهر ، و نجاسته بفساد النية فيه ، فهو رجس من عمل الشيطان ، و الرجس هو الحرام ليس المراد به أنه نجس ، و لا يصح أن يكون نجساً بسب فساد النية إذ قد يمكن أن يصير خمراً من غير عمل صاحبه به بشد باب الإناء من غير علم صاحبه ، و صاحبه عمله ليكون خلاً فلم يشد على باب[189/ب] الإناء ، و قيل [178/ج] بطهارته ، و أنه إذا عولج بالشمس و الملح و ذهب سكره بالكلية و صار خلاً صار حلالاً ، و كذلك كل مسكر مفسد للعقل فهو حرام بسبب سكره ، و إذا عولج حتى صار لا يسكر و ذهبت عنه القوة المسكرة صار حلالاً ، و ما كان فعله دون الإهلاك فإن كان مع ضرره يجد فيه نفعاً و دواء ، و ضرره أقل من نفعه لم يكن محرماً ، و ما كان فيه ضرر ، ولا نفع فيه ، و لا ينتهي به إلى ما يفسد شيئاً منه ، و لا يولد عليه ما لا يطيقه كان مكروهاً هكذا في كل شيء .
[بيان : و أما حرام لحلول محرم فيه لا يمكن انفصاله عنه ،و ذلك نحو حلول نجاسة في شربة أصلها من شيء حلالاً .] (1)
بيان : و أما المفعول فيه ، و ذلك نحو تحريم الميسر ، وهو المخاطرة إن كان كذا فعليك تسليم كذا و يلزمه في ذلك ، و ذلك من تحريم المحللات كالوجه الثالث ، و جميع ما يؤخذ من الحلال على وجه الظلم و الغصب ، فهذه الأربعة الوجوه هي المحرمة في الأكل و الشرب لا غير .
__________
(1) سقط في ب. (1/228)
صفحة 229
و كل مجهول لم يؤت فيه تحليل و لا تحريم ، فقيل هو حرام حتى يصح حله ، و قيل هو حلال حتى يصح تحريمه ، و قيل النظر إلى فعله فإن لم يكن فيه علة تحرمه من سكر أو هلاك، و لا ضرر فيه ضررا لا يجوز للمرء أن يضر به نفسه فهو حلال ، و هذا هو الأصح الذي عليه دلالات أحكام الحلال و الحرام في الكتاب و السنة بالأصول التي ذكرناها ، و لقوله تعالى :" كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ " (1) ، و قال تعالى : " قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ [192/ب] إِلَيَّ مُحَرَّمًا [101/أ] عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ.... " (2) الآية .
و إن كان [179/ج] الخطاب بهذه مع ذكر الحيوانات ، ففي الظاهر من معاني لفظه يعم الكل ، و شجرة البن ليس ثمرتها من المجهول تحريمها و تحليلها ؛ لأنها قد استعمل عالم متورع ثقة في مذهبه ، أراد[ في مذهبه] (3) أن يقيم لله ليله بالصلوات فيعارضه النوم ، فاستعمل هذه الشربة و نفعته و عبد الله تعالى بسبب نفعها ، و في الحقيقة فالله هو النافع فكان أساس ابتداء عملها على التقوى .
فأما إذا كان البن مفعول به مما يحرمه فلا يحرم إلا ذلك المفعول به ، و لا يطلق على تحريم غير المفعول به ما يحرمه ، و كذلك إن حلت[ فيها نجاسة حرم ذلك الذي حلت] (4) فيه ، و لا فرق بينها و بين المحللة بالإجماع في هذا المعنى في التحريم ، و ليس فيها ما هو محرم لذاته ، و لا ما هو محرم لفعله ، فدلالات أحكام الكتاب و السنة و الآثار الصحيحة تدل على تحليلها ، و لا دليل على صحة تحريمها من شيء من ذلك .
__________
(1) سورة البقرة:168.
(2) سورة الأنعام:145.
(3) سقط في ب.
(4) سقط في ب. (1/229)
صفحة 230
فصح أنها فيها الرأي و لا تجوز فيها الدينونة و لا ينعقد إجماع بتحريمها ، و لو اجتمع العلماء على تحليلها و لم يعارضهم في ذلك معارض حتى اشتهر الإجتماع في تحليلها مع جميع العلماء المحقين إلى أن انقرضوا لانْعَقَدَ الإجماع على حلها ، و جازت الدينونة بالإجماع على ذلك ؛ لأنه إجماع على موافقة دلالات أحكام الكتاب و السنة و الآثار الصحيحة ثم لم يجز بعد ذلك نقضه برأي.
و إن احتج غبي على تحريمها باحتراق الحب[191/ب] ، و بعضهم احتج بأن ثمرة البن صلب بخلاف صلابة الحبوب فهو كأنه نوع من الخشب ، و لا حجة [180/ج] بالاحتراق ؛ لأنه لو حرم المحترق لم يجز أن يكتب أحد محوا (1) بالمداد المعمول من الحلق (2) ويشرب ، و لا نعلم أن أحداً من العلماء حرم ذلك ، بل وجدنا والدنا يكتب المحو بذلك و يأمر الطالب لذلك بشربه ، و إن قال إن الفحم حرام و حرق حب البن يصير فحماً ، فالجواب أن الفحم لا يجوز تحريمه ؛ لأنه مما يعمل مداد فيجوز شرب المحو المكتوب به ، و الحرام حرام قليله و كثيره الذي لا يجوز فيه الاختلاف ، و إنما أكل الفحم مكروه بمقدار ما يضر بالمرء ، و لو سحق أحد فحمة و شربها و لا يجد لذلك ضرراً لم يجز أن يخطأ في دينه و يضلله ، و من برئ منه وهو ولي لأجل ذلك يدين فهو هالك ،[ وإن برئ منه برأي أو وقف عن ولاية عالم لزمته ولايته بذلك بدين فهو هالك] (3) ، أو برئ منه برأي لأجل ذلك ، فلا تجوز الدينونة بتحريم أكل الفحم على كل حال ، مع أن المداد المعمول من الحلق أصله فحم منسحق ، و قد يعمل من أرز محروق أو من ورق شجر مسحوق أو من فحم مسحوق ، و يكتب به المحو ، و أجاز العلماء شربه و لم يستثنوا في ذلك المعمول من غير الحلق .
__________
(1) المحو : كتابة آيات قرآنية و أدعية بماء الورد مع الزعفران ، ثم غسل ما كتب بماء الورد و شربه .
(2) الحلق : الفحم ، و هي لهجة عمانية .
(3) سقط في ب. (1/230)
صفحة 231
و احتجاجه بأنه نوع من الخشب ففي الحبوب ما هو حلال و هو أصلب من حب البن[102/أ] كالاهليلجات و غير ذلك فهي حجة باطلة ، وحجته بالإحراق حجة باطلة ، [و قد يحترق بعض من الخبز و لم يأمر العلماء بإخراج ما ينظر منه أسود ،و تشوى القضيمة (1) ] (2) فيحترق بعض من الحب أو بعض الحبة و يفرك الكل ، و لا نعلم أن أحداً من العلماء [181/ج] أمر بتنقية المحترق كله أو بعضه ، و أنه حرام[192/ب] أكله حتى يخرج ذلك منه فصح أنه احتجاج بعيد من الصواب .
بيان : فقد أوردنا في الكتاب من الآيات و الروايات و الآثار ما يستدل به على معرفة الأصول من الدين الذي لا يجوز فيها الاختلاف ، و ما لا يجوز فيه الدينونة من الفروع ، و الروايات فيها من الأصول و لا رواية فيها و لا تنزيل من الأحكام ، و في الحقيقة أن كل مسألة من الأصول أو من الفروع الخارجة من دلائل الأصول ، أو من دلالات الفروع الصحيحة يصح أن يدار عليها في شرحها كل مسألة من الأصول و الفروع لمن فهم ذلك ؛ لأن بعضها من بعض ، و بعضها توافق البعض ، و لا يناقض بعضها ، و كلما وجد في الأثر من الشريعة الدينية مخالف لبعضه بعضاً و مناقضًا لبعضه بعض فليس هو الحق و ليس هو منها .
وهي كما قال الشافعي : إن الحوادث لم تزل تحدث مما لا يوجد في التنزيل نص حكمها و لا لها ذكر فيه ، و كذلك لا يوجد ذكرها و لا حكمها في السنة و لا الإجماع و لا عن ذكرها و ذكر حكمها في آراء المسلمين إلى يوم القيامة، و لكن بحمد الله لا تحدث حادثة كذلك إلى يوم الحشر إلا و يوجد لحكمها في دلالات أحكام التنزيل أو في دلالات أحكام السنة ، أو في دلالات أحكام الإجماع الصحيح ، أو في دلالات آراء المسلمين الصحيحة هذا على [معنى] (3) ما أورده[193/ب] من قوله في هذا المعنى ، [182/ج] و إنه لحق مبين .
__________
(1) القضيمة : ثمرة الذرة ، لهجة لعمانية .
(2) سقط في ب.
(3) سقط في أ و ب . (1/231)
صفحة 232
فالشريعة حكمة بالغة أعجب و أعزب من حكمة خلق السموات والأرض و ما فيهما ، بل ما خلق الله جميع ما خلقه حكمة إلا صدفة لجوهرة علم الشريعة ، و العلم المتعلق به عبادته سبحانه و تعالى ، و ليس الخلائق ذوا العقول أعجز عليهم خلق السموات و الأرض و ما فيهما من عجزهم عن إبداع حكمة الشريعة على هذه الحكمة فيها كل لا شك أن مع عجزهم عن خلقهم مثل السموات و الأرض هم أشد عجزا من ذلك أن يبدعوا مثل حكمة هذه الشريعة ، و لذلك ترى كل من لم يتمسك بشيء من الأصول مما جاء به الشارع عليه الصلاة و السلام ، و بَدَعه من نفسه لا يجده إلا و هو على خلاف الشريعة ، و لذلك قال ابن عباس : " من حمل[103/أ] دينه على القياس لا يزال الدهر في التباس "، ضالا عن المنهاج ، مائلا إلى سبيل الاعوجاج ، و لا يمكن في الوجود شي إلا و الشريعة أحكامها سارية فيه ، فجميع الوجود هو في قبضة راحة كف أحكامها ، فالموجودات كلها مثل حبة الخردلة [في] (1) راحة كف أحكامها ، و دلائل أحكامها فلا يمكن ذكر شيء في الوجود إلا ويمكن أن يتعلق في ذلك حكمها في أقل شيء أو أكثره .
و مثال ذلك حبة أرز في كف حامل لها ، قال حاملها هذه من بلد سرت من بلدان الهند ، فسريان أحكام الشريعة في قابل ذلك مثلا أنه يجوز له تصديقه[194/ب] ، و لا يجوز له تكذيبه إن لم يعلم كذبه في ذلك ، و لا يجوز [183/ج] له الدينونة بتصديقه ، و إن دان بتصديقه ضلَّ ، و إن خطَّأه[ بقوله ذلك في دينه ضل ، و إن دان بأنه لا يلزمه تصديقه جازت له الدينونة بذلك ، وكذلك إن دان بأنه لا يلزمه تكذيبه] (2) جازت له الدينونة بذلك ، و إن اعتقد ذلك بغير دينونة جاز له ذلك، وإن شك في قوله ذلك و لم يصدقه و لم يكذبه جاز له ذلك .
__________
(1) سقط في أ و ب .
(2) سقط في ب. (1/232)
صفحة 233
و لا يجوز للقائل ذلك أن يلزم السامع له تصديقه ، و لا تخطيته إن لم يكذبه إذا لم يصدقه ، و شك في صدقه في ذلك ،و إن خطَّأه في دينه إن لم يصدقه فقد ضل ، و إن ادعاها مدع أن تلك الحبة هي له ، و أنكر دعواه من هي في يده لم يكن حجة عليه في ذلك ، و لا حجة على من سمع دعواه ، فإن صدقه في نفسه من غير أن يجعل دعواه حجة على المنكر و لم يضلل المنكر في إنكاره ولا أنقصه من رتبة فضله بسبب إنكاره ، و يعلم أنه لا تقبل دعواه في الشرع لم يضل بتصديقه في ذلك على هذه ، و إن حرمها على المنكر و خطأه في إنكاره ضل ، و إن حكم بها حكماً على أنه كذلك في الشرع و لا يجوز خلافه للمدعي بدعواه لا غير ضل ، و إن دان بتصديقه ضل ، و إن دان على أنه لا يصدق في حكم الشرع على المنكر جازت له الدينونة بذلك .
و إن أتى على صحة دعواه شاهد عدل ، و شهد له بأنها له ، و أنكر دعواه من هي في يده، فإن خطأه في دينه إذ لم يقبل [195/ب] شهادة الواحد ضل ، و إن حكم بقبول شهادة [184/ج] الواحد و دان بلزوم ذلك على المنكر ضل ، فإن رفع إليه الخصمان قضيتهما في ذلك فإن كان لعله ممن يلزم حكمه في المختلف فيه من أحد الحكام الأربعة حكم بينهما بما يراه أنه هو الأعدل إن لم يكن من الحكام ، و إنما كبيراً عليهما نظر إلى ما ليس للآخر إلا بحكم حاكم يلزم حكمه في المختلف فيه ، فهو الذي[104/أ] يمنعه عن خصمه و يحكم به للآخر حكم منعي لا قطعياً، بل إلى أن يجد حاكماً يلزم حكمه في المختلف فيه .
و في بعض القول يجوز له الحكم في المختلف فيه ، و لكنه لا إجماع في ثبوته على المحكوم عليه أنه لا يجوز له أن يخالف حكمه ، و لا يطيعه فيما حكم عليه إن لم يكن من أحد الحكام الأربعة المذكورين ، و لذلك لم نورد هذا القول كثيراًو إلا فهو رأي على ما وصفناه . (1/233)
صفحة 234
و الحكم بشهادة الثقة مما يختلف فيها ، و تحتاج فيها إلى حاكم يلزم حكمه في المختلف ، فيحكم بالحق للمنكر الذي في يده ذلك ، و يمنع المدعي بشاهد واحد على ما ذكرناه ، أو يحكم على المنكر أنه لا حق عليه للمدعي عليه الحق بصحة شاهد واحد .
و إن أتى المدعي بشاهدين عدلين أن تلك الحبة هي له ، و في نفس المنكر أنهما كاذبان ، أو نسى ذلك فلم يدر صحة قولهما و لا كذبهما إذ نسى على أي وجه آلت إليه تلك الحبة ، فأي حاكم أو كبير قوم حكم بشهادتهما[196/ب] و قد شهرت عدالتهما مع من حكم بينهما و مع الخصم الناكر لزمه حكمه في ظاهر الأمر ، و لو كان يعلم كذب الشاهدين ، [185/ج] و لو لم يكن الحاكم بينهما حاكماً ؛ لأن الحكم فيه كذلك لك و لا اختلاف في ذلك .
و إن كان لا يعلم المنكر عدالة الشاهدين أو مرضي و مرضيتين ، و الحاكم بينهما عالم بعدالتهما كان حكمه حجة عليه لأنه حكم بالحق ، و إن قال الحاكم لا يعلم عدالة هذين الشاهدين ، و سأل رجلاً معروفاً بعدالته و عدَّلهما و حكم بشهادتهما ثبت حكمه ، و إن قال لا أعلم بعدالتهما و لم يعدلهما معدل وحكم بشهادتهما لم يثبت حكمه ؛ لأنه حكم بشهادة مجهولين عنده فلا يجوز له الحكم بشهادتهما .
و إن شهد العدلان على من هي في يده على أنه أخذها ظلماً ، و [لا] (1) يعلمون صاحبها ، و ليس لها مدع يدعيها فيشهدان له بها ، فليس للحاكم أن يسمع شهادتهما ، و يحكم بها أنه أخذها ، و أنها حرام إذ لا له خصم فيها ، و يدخل الاختلاف في لزوم تصديقهما في تحريمها و تحليلها على من شهدا معه أن لا يقبل قولهما إن لم يكونا عالمين حتى يفسرا فيها صفة ظلمه لها .
__________
(1) سقط في ب. (1/234)
صفحة 235
و إن كانا عالمين فليس عليهما أن يفسرا صفة ظلمه فيها ؛ لأنهما عالمان بصفة الظلم ، و يصح فيهما أن يكونا مدعيين عليه في ذلك ، و لا يلزم علمهما في ذلك إلا أنفسهما ، و من علم كعلمهما لا غيرهم ممن لم يعلم ذلك ؛ لأنهما أديا[197/ب] الشهادة على غير حلها ، إذ الشهادة لا يكون إلا بمدع يدعو الحاكم المدعي بحضور البينة .
و هذه شهادة في شيء على أحد لا خصم له فيها إذ لا يمين فيها على المنكر لأحد أن لو لم يشهد الشاهدان ، و إن شهدا أن[105/أ] هذه الحبة أخذت ظلماً [186/ج] من صاحبها ، و هي في [يد] (1) أحد ، و لم يشهد بالذي ظلمها من هو فإنما يكونان بمنزلة المدعيان ، و لا يحرم على من شهدا معه ، لأنهما مخصوصان متعبدان بعلمهما في تحريم ذلك و حلاله لهما و عليهما دون غيره .
و إن ألزما الناس تصديقهما بدينونة فقد ضلا ، و من صدقهما بغير دينونة جاز له في تحريمها و تحليلها على نفسه لا على صاحبها و لا على من لم يصدقهما ، و إن دان بتصديقهما فقد ضل ضلالاً بعيداً ، و يدخل في هذه المسألة جميع أحكام الولاية و البراءة فيطول القول فيها .
ويدخل فيها جميع أحكام الكتاب و السنة و الإجماع و آراء المسلمين ، نحو من دان بذلك على وجه لا يسعه ، هل يقبل حجه و صلاته و صيامه و جميع ما عمله من البر و أثره من العلم المتعلق به العبادة أم لا ينفعه شيء من ذلك ؟؟ ، و الصحيح أنه لا ينفعه لقوله تعالى : " أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ " (2) ، و لقوله تعالى : " وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ " (3) ، و لقوله تعالى : " وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ { 8 } فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ " (4) .
__________
(1) سقط في أ.
(2) سورة الزمر:3.
(3) سورة الأنبباء:47.
(4) سورة القارعة:8و9. (1/235)
صفحة 236
و الميزان في أداء الواجبات و ترك المحرمات مقابلة بين كفتين[198/ب] كفة لما عليه أداءه اعتقاداً أو عملاً أو كلاهما ، أو أداءه تركاً و لم يعذره الله إلا بأدائه ، و الكفة الأخرى هي أدائه ، فأن وفى بجميع ما عليه فقد تساوت الكفتان و ثقل برضى الله عنه ميزانه ، و إن نقص أداء ما عليه أداءه فقد نقصت كفت الوفا عن كفة ما ألزمه الله تعالى فخفت كفته إذا كان الأكثر كفة ما عليه .
و أما الوزن في الوسائل بفعلها ، و بترك المكروهات في ما لا يمكن أن يكون على هذا الوجه ؛ [187/ج] لأن بالواجب إن تم لم يكن له في الآخر بشيء معلوم بل جزاء الثواب بلا نهاية ، و إن خفت موازينه فعليه العقاب على قدر أثم عمله في التخفيف و التشديد على مذهبنا و لكنه بلا نهاية .
و أما في الوسائل فقد أخبرنا سبحانه وتعالى أنه يضاعف الحسنات ما للواحدة من عشر إلى سبع مائة إلى آخر قيام ليلة القدر عن أجر ألف شهر ، فليس لهذا الوزن معنى إن لو كان على ظاهر معناه ؛ لأن الله تعالى أوعدنا من الآن كذلك فكان أجر ذلك لنا من أول البداية كذلك ، فمتى عرفنا الزيادة ، و إنما التأويل الصحيح في ذلك أن هذه الزيادة مخصوصة لأمة النبي - صلى الله عليه و سلم - على أجر الأمم السابقة في فعل ذلك الأمر منهم حتى يعرف الزيادة من هذه الأمة من دخل الجنة منهم ، و قد عمل بذلك [199/ب]الذي عمله من الوسائل غيره من أهل الأمم السابقة .
بيان : و إن رجع هذا الذي ضل بما لا يسعه فلم ينفعه جميع ما عمله من الواجب و الوسائل و ترك المكروه مما قدر عليه ، و ترك المحرمات إلى الحق ، وتاب إلى الله من[106/أ] جميع ما عمله من الباطل ، و تركه من الواجب عليه اعتقاده أوعمله ، هل يرجع إليه ثواب ما فعله أو لا من أعمال البر من أداء الواجب ، و فعل الوسائل ، و ترك ما تركه من المكروهات و تركه المحرمات ؟؟. (1/236)
صفحة 237
فالأصح في ذلك أنه يرجع إليه ثوابه ؛ لأنه واجب الحج عليه إذا كان قد أدَّاه قبل أن يضل و الزكاة كذلك و صوم شهر رمضان و صلواته لم يكن عليه بدل شيء من ذلك و يصير مؤديه [188/ج] .
و الدليل على ذلك أن عائشة من أفضل زوجات النبي - صلى الله عليه و سلم - بعد زوجته خديجة ، و قد ضلت بقتالها لعلى بن أبي طالب ، و توبتها بعد ذلك ، فلو لم يكن لها أجر و فضل ما عملته من أعمال البر من واجب و وسائل و ترك مكروهات و محرمات لم تكن من أفضل[ جميع] (1) نساء الأمة فضلاً أن تكون أفضل نساؤه - صلى الله عليه وسلم - بعد خديجة رضى الله عنهن جميعا .
فكيف فقد اتفق غالب أهل المذاهب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فضَّل عائشة على جميع نساءه بعد خديجة رضي الله عنهن ، و مع ذلك قد وصفهن الله تعالى بالفضل العظيم ، فقال تعالى :" إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ [160/ب] قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ { 4 } عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا " (2) .
أما نسب الصفات الأولى هن صفاتهن ؛ لأنه لو لم تكن نساء النبي كذلك صفاتهن لكان أشد فائدة له إن لم يتوبا و يطلقهن جميعا ، و يبدله بأزواج كذلك صفاتهن ، و بتوبتهن فاتته النساء التي كذلك صفاتهن ، فصح أنه لا يصح في التأويل إلا أن تكون هذه الصفات المراد بها أنهن [كذلك] (3) في صفاتهن ،[ و أنه ليبدله كذلك كما هن في صفاتهن] (4) قبل أن يغير [189/ج] من غيرهن إذا غيرن عن ذلك ، و لمَّا تابتا رجع وصف جميعهن كذلك .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سورة التحريم:4و5.
(3) سقط في ب.
(4) سقط في ب. (1/237)
صفحة 238
وصح أنه رجع إليهن فضلهن الأول ، و قال تعالى : " لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ " (1) فعلم منهن تعالى أنهن لا يغيرن و لا يبدلن شيء مما ينقص فضلهن ، و إن بدل منهن أحد بزلة فقد علم منها أنها ستتوب فثبت الوصف لهن كذلك وحرم عليه طلاقهن ، و إنما قال " خَيْرًا مِّنكُنَّ " (2) أي إذا غيرتن مخبراً منكن مع تغيرهن .
و هذا يخالف ما اعتقده الشيع في عائشة من بقاء ضلالها في قتالها لعلي بن أبي طالب ، و أن توبتها لم تصح معهم وقد شهرت توبتها كما شهر فعلها في جميع أهل[201/ب] المذاهب سوى بادعائهم معهم أنها لم تشتهر ، و الشهرة بالتوبة يلزم تصديقها بالاثنين الثقتين في مذهبهما على غيرهما فكيف بجميع أهل المذاهب[107/أ] فلا شك في قيام الحجة عليهم بمعرفة توبتها بالشهرة القاضية و لا عذر لهم في ذلك .
و دليل الآية أن الله تعالى لا يترك نبيه إلا و نساؤه على ما وصفهن الله أنه إن عصين الله تعالى و لم تتب واحدة منهن فلا بد وأن يبدله الله خيراً منها غير عاصية الله ، كما حكى عن نفسه إن ليفعله و حرم عليه طلاقهن ، فصح أنهن كلهن كذلك وصفهن ، و إن بدلت واحدة منهن ففي علمه أنها سترجع و يعلم رجوعها المؤمنون جميعاً .
فكانت دلائل [190/ج] القرآن تدل على باطل اعتقاد الشيع في عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها- ، و ذلك أن كل من ولد من المؤمنين أهل القبلة أو آمن بالله و رسوله و ما جاء به ، و أسلم لأداء جميع ما عليه أداءه ، حكم له بالإيمان في كل ما يجب فيه الإيمان به على من تعبد بذلك، و الإسلام في كل ما يجب الإسلام فيه على من تعبد به مما لم يخطر بباله ذكره .
__________
(1) سورة الأحزاب:52.
(2) سورة التحريم:5. (1/238)
صفحة 239
و مهما نزلت بلية التعبد به فخطر عليه مما لزمه الإيمان به لزمه الإيمان به ، و لم يكفه فيه إيمانه الأول إيمانه بالجملة التي كانت بذلك الإيمان محكوماً له الإيمان به إن نزلت بلية التعبد بأداء [شيء] (1) واجب عليه ، و لم يسعه إلا أداءه، وجب عليه أداؤه و لا يكون مسلما إلا بأدائه ، و لم ينفعه[202/ب] فيه إسلامه في الجملة .
و إن عصى الله بخلافه على وجه لا يسعه في شيء من ذلك بطل جميع نفع ما حكم عليه به أنه مؤمن به ، و أنه مسلم و مستسلم فيه مما أدى واجبه بموجبه ، و مما لم يخطر بباله ذكره مع أنه محكوم له به أنه مؤمن به و مستسلم فيه باقٍ له فيه حكم الإيمان و الإسلام فيه ؛ لأنه لم يعص الله تعالى بخلافه في شيء من ذلك فلم يبطل ، إلا نفعه له بالثواب فلا ثواب له في ذلك حتى يتوب من هذا ، و يرجع إلى الحق فيه ، و لم يخاطب إلا بالتوبة من ذلك .
فإذا تاب إلى الله و أدى واجبه على موجبه لم يصح إلا أن ثابت له ما هو ثابت له من قبل عصيانه مما لم يعص الله فيه بخلافه على وجه لا يسعه ، و إذ لم يبطل عنه ما ثبت إلا ثوابه ، فإذا تاب [191/ج] رجع له ثواب ما هو ثابت له من قبل .
و في معنى هذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من تاب من الذنب كمن لا ذنب له " (2) ، أي كأنه لم يذنب و من لم يذنب له ثواب كل ما هو محكوم له من الإيمان به ، و الإسلام فيه مما أدى واجبه ، و مما لم يخطر بباله ذكره فلم تنزل بلية التعبد له فيه .
__________
(1) سقط في أ.
(2) أخرجه الربيع في50-باب في الوعيد والأموال ص268 , رقم 691 ،ابن ماجه في (37-كتاب الزهد 30-باب ذكر التوبة )رقم 4250 ص645 . (1/239)
صفحة 240
و من هذا المعنى قال أهل المذاهب الأربعة إذا كان الاتفاق بيننا و إياكم إنما هو محكوم له به[ من الإيمان و الإسلام يبقى محكوم له به] (1) مع ارتكابه لشيء من كبائر الذنوب على وجه لا يسعه كيف يبطل ثوابه له فصح قولنا من قولكم في ذلك ، فالجواب : يبطله قوله تعالى : " وَأَمَّا مَنْ [203/ب] خَفَّتْ مَوَازِينُهُ { 8 } فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ { 9 } وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ { 10 } نَارٌ حَامِيَةٌ " (2) [108/أ] و لا يمكن في كل عقل سليم غير مكابر لعقله أن المتعبد ككل أمر لزمه أن يؤديه بموجبه ، و تعبده بأدائه و لم يعذره فيه ، و لم يسعه إلا أداءه مدة حياته هو كفة ميزانه الذي عليه ، و ما أداه هو كفة أداءه له تعالى .
فإن نقص أداء فرض ألزمه أداءه اعتقاداً أو عملاً أو معا أو تركاً ، و لم يؤده على وجه لا يسعه ترك أداءه إلا و قد نقصت كفة الأداء عن كفة ما عليه و لا يمكن أن تنقص كفة الأداء عن كفة ما عليه إلا و قد خفت ؛ لأنه صار فيها أقل أو صارت بنفسها أقل أو الأقل أخف ، فصح أنه لا ينفع إيمان بغير كماله و لا إسلام بغير كماله ، و لا يصح حكم عبد أنه مؤمن من غير [192/ج] مسلم ، و لا مسلم غير مؤمن .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سورة القارعة:8-11. (1/240)
صفحة 241
و قوله تعالى : " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا " (1) ، أي آمنوا في ظاهر الأمر لفظاً بالشهادتين لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله ، و لفظهم بذلك هو الإسلام ، و لم يقولوا إلا نجاة من قتالهم و لم يؤدوا ما آمنوا به من أحكامه في تنزيله و أحكام نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، و فرائض الصلوات الذي هو تمام كمال الإيمان لأن الإيمان بما جاء به النبي - صلى الله عليه و سلم -، الإيمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله و بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، و بالقرآن ، و بفرائضه تعالى كالصلاة و الصوم و الزكاة و الحج ، و الإيمان بجميع أحكام القرآن و السنة[204/ب] و أنه هو الحق ، و من آمن بذلك و خالف متعمدا فكأنه كذب في ظاهر أمره بعمله ما آمن به ؛ لأنه متى آمن مقراً بسطوة الأسد و شدة بطشه ثم لما رءاه دنا منه و قرب عنده فكأنه كذب نفسه مع الحاضرين و مع عقله ما قد آمن به بالاقرار معهم من شدة سطوة الأسد فسطا عليه و افترسه فلم ينتفع بإيمانه .
و لكن أهل المذاهب لا يسلمون إلى هذا ، بهذا الاحتجاج (2) ؛ لأن الوزن معهم بالفضل لا بالمقابلة ، مثلا إن ترك الصلوات المكتوبات بغير[ عذر] (3) عشرة أيام بخمسين صلاة بخمسين سيئة ، فإذا صلى يومين عشر صلوات بمائة حسنة يبقى لتارك الفرض على غير عذر خمسين حسنة ، و تذهب خمسون بخمسين السيئة .
و من سرق مائة رطبة على وجه لا يسعه فبمائة سيئة ، [193/ج] فإذا تصدق منها بعشرين رطبة بمائتي حسنة تبقى له مائة حسنة ، و كذلك الشهود و القاضي إذا تعاملوا على شهادة بالزور ، و يحكم بها القاضي على مائة دينار على أحد كذباً فعلى كل منهم مائة سيئة ، فإذا أخذوا الدنانير و بدلوا ببعضها دراهم، و تصدق كل منهم بعشرين درهما يكن لكل منهم مائتا حسنة و تبقى له مائة حسنة .
__________
(1) الحجرات:14.
(2) في ب الاجتماع.
(3) سقط في ب. (1/241)
صفحة 242
و هذا باطل يعرفه كل ذي عقل سليم لم يكابر عقله في ذلك ، فالإيمان و الإسلام مرتبطان لا[ ينفك] (1) أحدهما عن الآخر ، و السيئات لا تمحى إلا بالتوبة و العمل الصالح ،[109/أ] و قوله تعالى : " إِنَّ الْحَسَنَاتِ [205/ب] يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ " (2) أي التوبة و الأعمال الصالحة بعدها .
و قوله تعالى : " خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ " (3) ، فليس المراد أن الذين عملوا أعمالاً صالحة و غيرها سيئة و الواو لا يوجب الترتيب ، فصح أن ذلك الغير الذي هو الأخير كان قبل العمل الصالح و هو التوبة و العمل الصالح بعدها و التوبة من العمل الصالح، و الدليل على صحة هذا نص التنزيل قوله : " وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ" (4) .
و لا يصح أن من أطاع الله يومين و عصاه عشرة أيام و مات أن يغفر له بغير توبة ، فإن قال قوله تعالى يدل على من لم يعمل صالحاً ثم [194/ج] سيئاً بل لم يعمل إلا السيئات ، فالجواب : أن هذه حجة باطلة ؛ لأن قوله تعالى " وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ " (5) لا يتوجه إلا على المؤمنين ، و إيمانهم من العمل الصالح ؛ لأنه ذكر المشركين بقوله تعالى : " وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ " (6) فالكافر هنا هو المشرك ، و العامل بالسيئات غيره و لا يكون غيره إلا المؤمن .
__________
(1) في ب لا يبعد.
(2) سورة هود:115.
(3) سورة التوبة:102.
(4) سورة النساء:18.
(5) سورة النساء:18.
(6) سورة النساء:18. (1/242)
صفحة 243
فإن قال يعنى المنافقين لم يصح قوله ؛ لأنه عم بالذين يعملون السيئات ، و هي الكبائر من الذنوب التي ألزمهم التوبة منها ، ولا الذين يموتون و هم[206/ب] كفار عم به فسقة المؤمنين و المشركين ؛ لأن الآية هي في بيان ما قبلها و ذلك في أحكام الزوجين من المؤمنين فيما ذكره تعالى فيهما فلا وجه لخروجه عنهما بالكلية و الآية لتمام أحكامهما .
وقد مر رسم الآيات في النبذة البرهانية في كتاب التوحيد لله المجيد ، وهذا البحث كله [صح] (1) أنه يرجع له ثواب ما هو محكوم له به من الإيمان به مما آمن به ، و الإسلام مما أدى واجبه و مما لم يخطر بباله ذكر شيء منهما .
[ مسألة حبة الأرز ]
و انظر إلى مسألة حبة الأرز كيف أفضى بها إلى شرح هذه المعاني ، و اندراج ذكر أصول العبادة مع ما فيها من أحكام سرقتها و تطفيف الميزان بها ، وحكمها في الميراث ، و في بيعها و شرائها و هبتها إن وصلت الموهوب و كان بالغ الحلم أو وصلت غير بالغ و مات واهبها أو بلغت الموهوب و قد مات واهبها قبل وصولها الموهوب إلى غير ذلك من الأحكام .
فإن وصلت الموهوب و صح أنه مات [195/ج] قبل أن تصل رجع حكمها لورثة الواهب ، و كذلك إن وصلت الموهوب و كان يتيماً و مات قبل بلوغه رجعت إلى ورثة الواهب إلا أن يقبضها أب اليتيم .
__________
(1) سقط في ب. (1/243)
صفحة 244
و إن سرقها من سنبلها سارق محقراً لها في إثمها على أنها لا تبلغ بسرقتها إلى تأثيم سارقها فليس من الكبائر إن لم يكن كذلك عادته مصراً على ذلك الفعل ، و إن اختلسها بعد تمام الوزن للأرز[207/ب] أو تمام الكيل و التراضي بينهما في ذلك و طفف بها كيل[110/أ] مكياله من أرز اشتراه كذلك ، أو طفف بها ميزانه في أرز اشتراه بعد تمام التراضي مختلسا لها من حب صاحبها كان من الكبائر ؛ لأن اسم التطفيف واقع فيه و محكوم عليه بها أنه [مطفف] (1) ، و التطفيف من الكبائر لقوله تعالى : " وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ { 1 } الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ { 2 } وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ " (2) .
و كان حكمه من الظالمين ، لذلك المختلس منه تلك الحبة من الظالمين لأنفسهم بفعلها ما يكون جزاء العذاب فهو الملقى نفسه في العذاب ، و قال تعالى : " ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا " (3) ، أي اتقوا فعل خلافه و معاصيه ، " وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ " (4) أنفسهم أي بظلمها لغيرها و بظلمها لنفسها مع أن ظلمها لغيرها من ظلمها لنفسها ، قوله تعالى : " فِيهَا " (5) ، أي في النار " جِثِيًّا " (6) فلم ينج سبحانه و تعالى إلا الذين اتقوا ن و من لم يتق معصية الله في شيء فلا يسمى مخلصا في التقوى ن و لم يكن من المتقين حقا ، و نذر الظالمين أنفسهم بإلقائها [196/ج] لأنفسها في العذاب ، " و ما ظلمناهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون " .
و قد يظلم نفسه من غير أن يظلم غيره كتركه لعمل واجب عليه أن يعمله اعتقاداً أو عملاً أو كلاهما ، أو واجب عليه تركه فعمله كل ذلك على ما لا يسعه فهو ظالم لنفسه ، و يدخل في جميع هذا أداء جميع ما لزمه أداءه ، و الخروج عن جميع ما دخل فيه بالتوبة عن جميع ما دخل[208/ب] فيه مما لم يسعه .
__________
(1) في ب تطفيف.
(2) سورة المطففين:1-3.
(3) سورة مريم:72.
(4) سورة مريم"72.
(5) سورة مريم:72.
(6) سورة مريم:72. (1/244)
صفحة 245
و يدخل في هذا وجوب الخروج من كل مذهب كان عليه مما خالف دين الله على وجه لا يسعه ، و ترك جميع ما وجب عليه تركه ، و التوبة من جميع ما لزمه أن يتوب منه، و مما يظلم به نفسه بهذه الحبة المضروب بها مثلا إن لم يؤد شكرها لله تعالى فيها أوبها فقد ظلم نفسه بقلة شكره لنعمة الله بها ، و إن شكرها فهو المتعبد بذلك ، وإن لم يشكر الله بها ففي الحكم لم يشكر نعمة عودها الذي برزت منه ، و إن شكرها ففي الحكم قد شكر نعمة عودها ، و شكر نعمة الأرض و الماء المحلل لأجزاء الأرض حتى تصير أجزاء يبوسة الأرض و رطوبة الماء غذاء لها ، و شكر نعمة القوة الغاذية و الجاذبة و الهاضمة و الدافعة الخادمات للقوة النامية الخادمة للقوة المثمرة و المولدة لمثل شكلها .
و إن لم يشكر نعم هذه فقد ظلم نفسه بعدم شكره لهذه النعم ، و إن شكر ذلك شكر الحرارة النارية التي هي الروح [197/ج] التي بها سبب الحياة في كل حي ، و هي الروح المشتركة ، و ليس هي الروح التي ذكرها الله تعالى : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي " (1) .
فالمراد هنا هو العقل الذي به يعقل الأشياء معرفة و حفظاً و فهماً إلى غير ذلك ، و ليس به هو روح الحياة ، و إنما كان سببا لبقاء روح الحياة ؛ لأنه إن ذهب من الحيوان لم تبق فيه قوة[209/ب] طلب الغذاء ؛ لأن العقل لا يقوم في الجسد إلا مع الحرارة الغريزية التي هي روح الحياة المشتركة في الحيوان و النبات ، و متى ذهبت هذه الحرارة ذهبت الروح العاقلة ، و متى ذهبت[111/أ] الروح العاقلة من الحيوان ذهبت الحرارة التي روح الحياة .
__________
(1) سورة الإسراء:85. (1/245)
صفحة 246
فأصل الحياة في الأشياء الحيوانية و النباتية نار ، و هي الحرارة الغريزية ، ففي الحيوان البرية لا تبقى إلا بالأكل و الشرب و لهيب ريح الهواء عليها بالتنفس كحياة النار في الجمر بالمنفاخ ، و المنفاخ من شأنه متى فتحه النافخ دخل الهواء فيه و الجو كله قد ملي هبوبا فهو بحر من الريح تارة و تارة يضطرب كموج البحر ، مع أن موج البحر يحركه بحر ريح الهواء متى دخل في باطنه و أراد الخروج اضطرب بخروجه منه .
و دليل صحة ما قلناه وجود الريح بالمروحة متى نسفت بها الهواء ، فمتى انقطع النفخ عن النار التي هي روح الحياة من الدواب البحرية بانقطاع النفس هلكت النار ماتت و مات الإنسان ، و غذاء هذه النار الدم ،[198/ج] ومتى ظن العقل بالفراق عن الجسد بحرارة الجوف انزعجت نار الجوف من القلب ، فأمر العقل بإجلاب الدم إلى القلب لئلا ينقطع عنه الدم الذي هو غذاء ناره فينجلب الدم إلى القلب و تأكله نار الجوف فلا يبقى لنار الروح التي هي روح الحياة غذاء في القلب و لا في الجسد فتهلك النار و تنطفئ كما إذا لم يبق لنار السراج في السراج دهن انطفأ السراج . (1/246)
صفحة 247
و لقد أجاد[210/ب] الجواب في هذا ابن عباس حين سئل أين تصير الروح أي العقل أو نار الروح التي هي الحياة إذا مات الإنسان ، فأجابه بجواب قاطع له عن المسائلة له عن ذلك ، لأنه ممن يعجز فهمه عن إدراك فهم جوابه مع أنه مع أهل[ ...] (1) هو جواب فيه علم ما سأل ، فقال له : أين يصير ضوء السراج إذا لم يبق فيه دهن ؟ ، قال له : و أين يذهب الدم ؟! ، فقال له : و أين يذهب دهن السراج ؟ ، فقال له : و أين تذهب الجسد ؟ ، فقال له : و أين تذهب الفتيلة ؟ ، فالسراج هو نار و كرتها في الهواء هي الكرة العليا ، تحت سماء الدنيا ، وتحتها كرة الهواء ، وتحتها كرة الماء ، أي الرطوبة ، لا الماء الجسداني و تحته كرة الأرض أي ما تكلس (2) من الأرض و لم يزل طائرا بين السماء و الأرض و يسمى مثقال ذرة .
و قد يسمى مثقال الذرة ما تخرجه الذرة من بيوتها [حين تخدم بيوتها] (3) ، وهذا ينظر في البيوت من مصابيحها إذا طلعت الشمس و دخلت في البيت ، فإذا لم تجد ما تتمكن فيه من الآجاد ذهبت إلى عالمها فلم تصل ، بل تلقاها عالم [199/ج] كرة ماء الهواء فأطفأها ، و كذلك نار روح الحياة متى ذهب عنها غذائها الريحي أو الدم انعطف و طلبت عالمها فيتلقاها ما يطفأها ، و الدم يذهب بنار خوف الفراق ، أو بنار روح الحياة إذا تعطفها غذاء الريحي أو الدم أو الماء الممد لرطوبة[211/ب] الدم و للدم لوجود العطش أو الغذاء الممد لغذائها ، والجسد يبقى في العالم السفل كلساً (4) ، كما أن الفتيلة تبقى رمادا جسدانيا .
__________
(1) سقط في الجميع.
(2) في ب يكلس.
(3) سقط في ب.
(4) الكلس : مثل الصاروج يبنى به ،و قيل: ما طلي به الحائط ، ابن منظور ، لسان العرب (6/197) . (1/247)
صفحة 248
فإذا فهمت[112/أ] معنى الروح التي هي سبب الحياة و أنها نار و يصح معرفتها من الشجر بالزناد فإنها تطلع به و يمكن الوقود منها ، وهي التي في الشجرة ما تشربه من الماء مع فيه من يبوسة الأرض غذاء و بها تقوى القوة الحادثة ، و على قدر قوتهما في الشجرة يكون الارتفاع و لذلك إلى (1) قدر ما جعل الله فيها من القوة ، و لذلك لا يصير كل نوع من الأشجار عالياً ، و يختلف العلو باختلاف الأنواع ، و ذلك باختلاف القوة في نارها و حاديتها .
فمن شكر حبة الأرز المذكورة شكر هذه النعمة ، و من لم يشكرها ظلم نفسه بذلك بها ، و يشكر بشكرها نعمة الرياح و الجو التي يطلع فيه عودها و يخرج فيه ثمرتها ، و يشكر نعمة السحاب و الرياح الذي يسوق السحاب ، و نعمة الجو الذي يكون فيه السحاب ، و نعمة حرارة الشمس الفائضة في باطن الأرض المثيرة لرطوبة الماء الفائض من ظاهر وجه الأرض الذي يتغذى منه النبات للطافته إلى باطن الأرض حتى بعد عن الأشجار سحاباً في الهواء [200/ج] فينعقد ببرودة الهواء ماء ، و ينزل مطر على وجه الأرض ، فيسيل على وجهها ماء يتغذى به النبات مع الأرض ، كما أن يطيح (2) المرء ماء[212/ب] في إناء[ و يعلوا البخار في الهواء ، فكذلك البخار هو السحاب، فإذا جعل عليه إناء] (3) فيه ماء بارد انعقد ذلك البخار ماء ونزل مطرا ، كذلك السحاب ، و إن لم يجعل عليه إناء كذلك أهلكته حرارة الهواء مع يبوسة النفع الأرضي و مات ، كذلك ما يبقى من السحاب أصله بخار ماء فما غلبت عليه الحرارة جففته و أهلكته فلم يبق منه شيء يرى .
__________
(1) في ب على.
(2) يطيح : يسقط ، ابن منظور ، لسان العرب ( 2/535) .
(3) سقط في ب. (1/248)
صفحة 249
و يشكر بذلك نعمة الشمس و نعمة السماء التي فيها الشمس ، و لا بد من مشاركة الكواكب في تأثيرها بتدبير الله تعالى ، و إن كان في الحقيقة أن المؤثر هو الله تعالى لا غيره ، ولكن كذلك هو جعل تدبيره وشكر نعمة دورانها و دوران السماء بها تقريبا و سيرها هي في منازلها و بروجها تشريقا ليختلف في الحر و البرد و الطلوع و الغروب ليتم التدبير لإخراج الحب من النبات.
فلو اختلف عليه شيء من ذلك فسد كما تشاهد و ترى ، فلو دامت الشمس عليها فسدت الثمار ، و إن تباطت عنها بسحاب و رطوبات فسدت أيضا ، و تأدى شيء يختلف عليها الأمر الطبيعي المصلح لها فسدت .
و إن لم يشكر نعمة الله تعالى (1) في تلك الحبة ، و بتلك الحبة فقد ظلم نفسه بعدم شكره لهذه النعم كلها ؛ لأنها[ نعمة] (2) لا تخرج في تدبيره إلا بجميع هذه الأمور ، [201/ج] و بشكرها يشكر نعمة السماء، و نعمة سكانها لنا بالوحي عليهم من ربهم[113/أ] و بوحيهم إلى رسلنا بأمر الله تعالى ، و دعاهم لنا بالغفران ، لأن بهم عرف شكر هذه النعم [213/ب] التي لم تخلق [لنا] (3) إلا لشكر الله فيها و بها .
و من لم يشكرها فقد ظلم نفسه بعدم شكره لنعم الله عليه بإرسال الله الملائكة إلى رسلنا ، و نعمة إرسال إلينا ونعمة شروع الشريعة على ألسنتهم ، ونعمة معرفة الله و معرفة كتبه و رسله و ملائكته و جنته و ثوابه وعقابه ، و نعمه التي حللها أكلاً و شرباً ، ونعمة تحريمه ما حرمه علينا اعتقادا وفعلا أو كلاهما أو تركا .
ونعمة ما أوجبه علينا ليثيبنا على ذلك ، و نعمة العقاب لأعدائنا من خالف الله وكان جزاء العقاب فذلك نعمة لعباده المتقين ؛ لأنهم لغضبهم على من خالف مولاهم لا يشفى إلا بنظرهم الجزاء لأعداء الله تعالى .
__________
(1) في أ ويشكر الله تعالى نعمته.
(2) سقط في ب.
(3) سقط في ب. (1/249)
صفحة 250
و شكر نعمة المعرفة و الإيمان و الإسلام و الإحسان ، و توفيق الله له على الحق و على عبادته و على أنه جعله من المسلمين ، و من مذهب أهل الاستقامة في الدين ، و من كان من أمة النبي محمد - صلى الله عليه و سلم -، فعليه شكر ذلك و شكر سماعه لتنزيله ، و شكر الله تعالى أن وفقه على التوبة من الذنوب ، وقبلها منه إلى غير ذلك حتى يدور القول على جميع ما خلق الله تعالى ، و جميع ما تعبد الله به عباده ، فإن جميع الأمور الإلهية مرتبطة ببعضها [202/ج] بعض.
وقد أجاب بهذا الغزالي رجلاً سأله عن الشكر ، فأجابه بنحو هذا في حبة بر ، و في آخر كلامه لو أنه لو أمد الله عمري إلى قيام الساعة و لم أزل في كل لحظة أعدد لك ما[214/ب] يتعلق بحبة البر إن شكرتها لك شكر ما يتعلق بشكرها[ وإن لم يشكرها] (1) فكذلك لم أخص جميع ما يتعلق لذلك ؛ لأن جميع ما كونه تعالى مرتبط بعضه ببعض.
وعلى هذا في جميع نعم الله تعالى ، فكل نعمة من الله تعالى يدور عليها جميع نعم الله بجميع مخلوقاته ، و من شكرها فقد شكر الله في جميع ذلك ،[ و من ظلم نفسه بقلة شكرها فقد ظلم نفسه] (2) بعدم شكره لجميع ذلك ، هذا إذا لم تنزل به بلية التعبد بشكر شيء مخصوص بل ذلك فيما لم يخطر بباله ذكر شكر نعمة الله بذلك .
وإن نزل التعبد عليه بشكر نعمة مخصوصة لم ينفعه شكره بهذه النعمة التي حكم له بشكرها بمحل شكره لتلك النعمة الأولى ، و إن كان محكوما له بشكر جميع ذلك إلا هذه على الخصوص ؛ لأنه بعدم شكرها لهذه النعمة المخصوصة يصير غير شاكر لجميع ما كان محكومًا عليه شكره تلك النعمة ؛ لأنها كذلك مرتبطة جميع الأشياء بشكر هذه التي لم يشكرها [إن] (3) شكرها ، و إن لم يشكرها كان كذلك لم يشكر من جميع ما ارتبطت به ، و لا شيء إلا وهو مرتبط بها كالأولى فكأنه هدم الأول بالآخر جميعا .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب.
(3) سقط في ب. (1/250)
صفحة 251
فإن قلت : [203/ج] إن هذا مما يخالف قولك أن المرء المؤمن إذا خالف الله في شيء بقى محكوماً له ما يثبت له من الإيمان أوالإسلام و لكن لا ثواب له في ذلك ، فإذا تاب رجع له [ثواب] (1) ما كان محكوما له به ؟؟ ، فالجواب : أنه إذا بطل ثوابه و كان جزاءه العقاب فكأنه لم يبق له حكم شيء من ذلك ؛ لأنه قد لزمه الإيمان[114/أ] بذلك الواجب[215/ب] عليه و الإسلام بأدائه ، فإذا لم يؤده لم يكن له ثواب فيما لم يضيعه ؛ لأنه لم يتم إيمانه بصدق الإسلام فيه الذي عليه العمل به كما مثلناه في المؤمن بسطوة الأسد و قربه منه ، و تركه الحذر عن سطوته و بطشه فلا يسمى مؤمنا ؛ لأنه لم يصدق إقراره بالإيمان به بالعمل و كذب إيمانه بخلافه في العمل .
و لو كان قد حكاه كذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، و أنه عن الله و فيه نهي عن مقاربته إذا رآه لحكم عليه لم يصدق النبي - عليه الصلاة و السلام - و لم يصدق الله تعالى في ذلك .
و مسألة الشكر هي الدليل على صحة ذلك أنه لا ينتفع بشكره لنعمة شكرها يدور عليها جميع النعم بقلة شكره لنعمة أخرى تدور عليها جميع[ النعم] (2) ، و المراد بذلك النعم التي لم تنزل بلية التعبد عليه بشكرها على الانفراد مع أنه هو لم يذكرها حتى يشكرها ، و إنما كان شاكرا بالحكم له بذلك ، فلا يخالف هذا قولنا ذلك ؛ لأنه المراد بنفع الشكر المحكوم له به مما شكره و مما لم يخطر بباله ذكر شكر الله فيه .
[المراد بكفر النعمة]
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب. (1/251)
صفحة 252
بيان : حقيقة الشكر قوله صلى الله عليه وسلم : " الصبر نصف [204/ج] الإيمان و الشكر كل الإيمان " (1) ، ففسر ذلك الغزالي و قال : لأن الصبر يتعلق بما عليه فيه أداء الواجب من الأعمال و الوسائل العمل و الصبر عن المحارم و عن ما استطاع تركه من المكروهات ، و لم يدخل فيه ما يلزم اعتقاده من التوحيد و الحساب و العقاب و الثواب و الإيمان[216/ب] بالكتب التنزيلية و الملائكة و الأنبياء و الرسل و ولاية أولياء الله حقيقة في الجملة ، و في الظاهر من لزمته ولايته ، و كذلك البراءة على هذا ، فصار نصف الإيمان لم يدخل في معنى الصبر .
وأما الشكر فهو كل الإيمان ؛ لأن حقيقة القيام من المتعبد بجميع ما ألزمه الله أداءه اعتقادا أو عملا أو كلاهما معا أو تركا فكل من لم يؤد واجباً لله تعالى قد أوجبه عليه من ذلك فليس هو شاكر ، هكذا ذكر الغزالي ، و إنه لهو الحق المبين الذي لا خلاف فيه .
و هذا يدل على صحة مذهبنا فإن من لم يكن شاكرا كان كافرا ،أما كفر نعمة و هو فاسق، و أما كفر شرك و قد قال الله تعالى : " إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا " (2) ، فقال أهل المذاهب الأربعة أنه ليس هنا موضع حصر ؛ لأن معهم لا يسمى المؤمن الفاسق كافراً ، ومعهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى تارك الصلاة كافرا ، و المراد به كفر نعمة لا كفر شرك ، فقالوا أنه لم يسمه النبي كافرا و كفرا ، إلا على معنى التشديد ، و بالحق أنهم قد أقروا بالحق أن النبي سماه كافرا ، و سماه كفرا كان على معنى التشديد أو غيره فثبت بالسنة اسمه كافرا و اسمه كفرا ، و صح أن ما سماه النبي - صلى الله عليه و سلم -[205/ج] كذلك في القرآن معناه في موضع كفر النعمة ، فهما كفران .
__________
(1) سبق تخريجه .
(2) سورة الإنسان:3. (1/252)
صفحة 253
و كفر الشرك و لم[115/أ] يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من ترك الصلاة هو مشرك [217/ب]على معنى التشديد الذي هو معهم معنى الكفر لا غير ، فصح أن احتجاجهم في ذلك بغير القول أنه كافر كفر نعمة هو باطل ، وقال إمامهم الشافعي فيما حكوه عنه أن من قال أن القرآن مخلوق ، و المراد منه غير أحرفه و ألفاظه وتركيبه فهو كافر ، و فسر كلامه هذا علمائهم الأوائل كما هو موجود في تفسيرهم للقصيدة التي أولها :
سأحمد ربي طاعة و تعبدا و أنظم عقدا في العقيدة أوحدا (1)
أنه أراد بكفر النعمة لا كفر خروج الملة إلى الشرك ، فصح في كتبهم أنهم في هذا على خلاف أئمتهم في المذهب و خلاف علمائهم الأوائل ، و صح من كتبهم عن أوائلهم أن الكفر معهم كفران : كفر نعمة و كفر خروج من الملة .
و في كلام علي بن أبي طالب حين أشير عليه بترك قتل معاوية ، فقال : إني قلبت هذا الأمر ظهره و بطنه فلم أر إلا القتال أو الكفر (2) ، و ذلك موجود في كتاب نهج البلاغة المروي عنه كلما فيه و المراد به كفر النعمة ، و صح أن معه الكفر كفران كفر نعمة و كفر شرك ، و كان ذلك حجة على الشيع و على المعتزلة .
__________
(1) مجموع مهمات المتون ص34 /دار الفكر للطباعة والنشر
وسميت متن الشيبانية ، وفي كشف الظنون العقائد الشيبانية
قصيدة للإمام أبي عبد الله الشيباني ، حاجي الخليفة / كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (2/1147) دار الفكر (1402ه- 1982م) .
(2) الشريف الرضي ، نهج البلاغة ص117 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات /بيروت/لبنان / ط1 (1413ه-1993م). (1/253)
صفحة 254
و مع ذلك لم يرض المعتزلة أن يسموا المؤمن الفاسق كافراً على الإطلاق على معنى أنه كافر كفر نعمة ، و قالوا كما قال أهل المذاهب الأربعة لم يرد بذلك إلا التشديد ، فإن كان الكفر لا يسمى به إلا الشرك فكيف لم يقل لم ير غير القتال أو الشرك ، و يكون ذلك على معنى التشديد ، و هل يجوز التشديد[218/ب] بحكم يحكم به على نفسه ليس الحكم فيه بذلك كذلك لأنه من [206/ج] الباطل المحض ، ومن الباطل المحض أن يقول لم أر إلا القتال أو الشرك أراد به الحكم كذلك على نفسه بذلك ، أو لم يرد بذلك إلا التشديد فلا مخرج له عن الباطل بذلك ، فصح أنه لا يحكم على نفسه بفعل شيء لا يكون به مشركا بالشرك على كل حال ، و لا يحكم على نفسه بالكفر على معنى التشديد إلا وهو كذلك له معنى فيما قصده و هو كفر النعمة .
فصح أن اسم الكفر يطلق على معنيين كفر النعمة و كفر الخروج من الملة بالسنة ، و بكلام العلماء من الصحابة و بكلام من العلماء التابعين الذين هم أئمة في المذاهب ، و في كلام التابعين لهم من كتب هؤلاء الذين لم يجيزوا اسم الكفر إلا على معنى الشرك و على المشركين .
و صح باطل قول هؤلاء المتأخرين الذين لم يجيزوا معناه على وجهين كفر نعمة و كفر شرك، و ما أكبر ذلك و أوضح حجة عليهم ؛ لأن جميع ذلك في كتبهم و يكتبونه عنهم إلى يومهم هذا ، و في كتبهم تكفير عمار بن ياسر لعثمان بن عفان ،و أن عليا نهاه عن ذلك ، و لم يصح أنه ألزمه التوبة ، و لا صح في كتبهم أنه تاب من ذلك . (1/254)
صفحة 255
فصح[116/أ] أن المراد من علي نهيه عن إظهاره لذلك حذرا عليه أن يبطش به بقوله ذلك الذي لا يرجى نفعه فيه ، و ليس المراد منه إلا كفر النعمة ، وكيف ينهاه علي عن تكفيره لعثمان [216/ب] من حيث إنه لا يصح الحكم عليه بكفره إذ الكفر لا يطلق إلا على المشرك ، ومع علي أن الكفر كفران كفر نعمه كما حكاه عن نفسه ، وكفر شرك وما فعله عثمان أن كان مما يكفر به كفر نعمة [207/ج] فلا ينهى عن تسميته بكذلك .
و لا شك أن علياً معه أن عثمان قد حكم بغير أحكام كتاب الله ، ومن حكم بغير أحكام الكتاب فمعه أنه كافر كفر نعمة كما حكم على نفسه أنه خالف الحق ، وذلك موجود عن الطبري في تاريخه (1) في مكاتبة محمد بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص جوابا له أنه ليس أنا ألزم بدم عثمان منك، وكلنا كنا عليه وعثمان قد حكم بما لم ينزل الله ، ومن حكم بغير ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون .
فكفره بذلك كفر نعمة [ولا يصح أن يكون كافرا كفر نعمة] (2) مع محمد بن أبي بكر ومع علي أنه لم يكفر كفر نعمه ، وأنه لم يحكم بغير ما أنزل الله ، وهو صاحب علي بن أبى طالب و واليه في مصره ، فلا يكون مذهبه خلاف مذهب علي ، فلو كان مذهبه خلاف مذهب علي أنه لم يقربه علي، ولم يأمنه ويجعله والياً على المسلمين في مصر .
__________
(1) الطبري ، محمد بن جرير ، تاريخ الأمم و الملوك ، ط1 (1408هـ -1988م) دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، (3/132).
(2) سقط في ب. (1/255)
صفحة 256
هذا ما لا يصح قبوله في العقول السليمة الغير مكابرة بعقولها ، وقال تعالى : " وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ " (1) ، و قال تعالى : " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا " (2) ، فإذا كان الذي يأكل أموال اليتامى ظلما يصلون سعيرا ، ويقول تعالى : " وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ " (3) ، ولا يسمى بالكفور إلا المشرك ، والمشرك لا يخاطب[220/ب] بأكل أموال اليتامى ظلما إنه يجازى بالنار ، إنما يخاطب أولا بإسلامه ؛ لأن له النار أكل أموال اليتامى أو لم يأكله .
فصح أن الخطاب لا يتوجه إلا للمؤمنين الفاسقين [208/ج]بأكل أموال اليتامى ظلماً ، وصح بجزائه بالنار أنه من الكافرين كفر نعمة وقال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا { 29 } وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا " (4) ، فصح أن كل من خالف الله تعالى بمعصيته له في شيء من دينه على وجه لا يسعه فهو كافر كفر نعمه إن لم يكن مشركاً ومكذبا [ومتوليا على طاعة الله] (5) فصح أن من فعل ذلك من فسقة المؤمنين فحكمه كافر ؛ لأنه كان جزاؤه النار ، قال تعالى: " وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ " (6) والمراد هنا كفر نعمة لا كفر شرك .
__________
(1) سورة سبأ:17.
(2) سورة النساء:10.
(3) سورة سبأ:17.
(4) سورة النساء:29و30.
(5) سقط في ب.
(6) سورة سبأ:17. (1/256)
صفحة 257
فصح بصريح التنزيل والسنة و الصحابة ، وأئمة أهل المذاهب الأربعة ، وعلمائهم الأوائل ثبوت اسم الكفر[ لفساق] (1) المؤمنين بمعنى كفر نعمة[117/أ] ، وإن الكفر كفران كفر نعمة وكفر شرك ، والتنزيل تارة يطلقه على المشركين ولا يريد به كفر نعمة ، وتارة يسمي به فسقة المؤمنين ويريد به كفر نعمة ولا يريد به المشركين ، وتارة يجمع المشركين وفسقة المؤمنين باسم الكفر ، و يريد المشركين بكفر الجحود ، ويريد فسقة المؤمنين بكفر النعمة ، لما قال إما شاكرا وهو المؤمن التقي وإما كفورا كفر شرك[221/ب] وهم المشركون أو كفر نعمة وهم فسقة المؤمنين ففي الآية تقسيم على التأويل الصحيح .
فصح ما قاله الغزالي أن الشكر هو القيام بجميع ما ألزم الله المتعبد من عبادة القيام به من اعتقاد أو فعل أو كلاهما معا أو ترك ، وصح أنه هو الحق ، وصح ما ذكره الغزالي [209/ج] في كتابه كيمياء السعادة (2) من تضليله للمتأخرين من العلماء وأتباعهم من أهل المذاهب الأربعة في اعتقادهم في أئمتهم أنه لا يمكن أن يكون شيئاً من أمور الشريعة فروعها أصح وأعدل مما قاله الأئمة الأربعة .
وانظر إلى تناقض مذاهب هؤلاء أصحاب المذاهب الأربعة حتى تنظر إلى كل أمر من مذاهبهم إلا وفيه أحكام عنهم متناقضة يناقض بعضها بعضا ، ولا تجد مذهباً من الثلاثة والسبعين مذهباً أشد وأكثر منه ترددا وتناقضا لبعضه بعض.
__________
(1) سقط في ب.
(2) أحد مؤلفات الإمام الغزالي وهي رسالة تتحد ث عن النفس وكيفية الرقي بها . (1/257)
صفحة 258
فإنهم رووا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تكفير فسقة المؤمنين بترك الصلاة ، وتكفير عمار بن ياسر لعثمان وتكفير محمد بن أبى بكر لعثمان في مكاتبته لعمرو بن العاص ، وتكفير إمامهم الشافعي لفسقة المؤمنين إذا قالوا أن القرآن مخلوق ، وتأويل التابعين لهم من علمائهم الأوائل أن الشافعي يريد بذلك كفر نعمة لا كفر خروج من الملة ، وهم لا يجيزون العمل إلا بما قاله أئمتهم ، ولم يجيزوا اسم الكفر على معنى كفر النعمة على فساق المؤمنين فلم يعملوا [ في ذلك ] (1) بقول إمامهم الشافعي ، ولا رواية النبي ، ولا بروايات علمائهم عن عمار بن ياسر ، ولا بروايات علمائهم عن محمد بن أبى بكر.
فإن كانت[222/ب] روايات فيها شك فلا[ شك] (2) في رواية النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهي عن علمائهم في تكفير تارك الصلاة ، ولا تكفير الشافعي فيمن قال أن القرآن مخلوق ، ولا في تأويل علمائهم في ذلك ، وإذا وقع الشك في هذه الرواية عن الشافعي ، فلا فرق في الشك في أكثر ما روي عنده .
فصح أنهم لم يكونوا على مذهب أحد من أئمتهم ؛ لأن [210/ج] أئمتهم لم يصح منهم القول بمثل هذه الأقاويل التي أتوها وعملوا بها ، وبخلاف أئمتهم فيها على ما رووه عنهم ، المناقضة أحكامها لبعضها بعض ، فكثير مما خالفوا فيه أئمتهم ، وهم يعتقدون أنه لا يجوز خلافهم في أصولهم ولا في فروعهم .
وأئمتهم لم يجيزوا لأنفسهم تقليد أحد إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - كما حكى عنهم الصفدي (3)
__________
(1) سقط أ و ب .
(2) سقط في ب.
(3) خليل بن أبيك بن عبدالله الصفدي شافعي المذهب (696-764هـ)، صلاح الدين : أديب ومؤرخ كثير التصانيف الممتعة ولد في صفد (بفلسطين) وإليها نسبته ،وتعلم في دمشق.
له زهاء مئتي مصنف منها:
الوافي بالوفيات و الشعور بالعور و نكت الهميان و ألحان السواجع.وغيرها.
(
الدرر الكافية2: 87) و (طبقات الشافعية6: 94) و (آداب اللغة3: 161) (1/258)
صفحة 259
أن كل أحد منهم قال لا يجوز التقليد إلا للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الدين ، وأما الصحابة فلنا في أقوالهم نظر ، وأما غيرهم فهم رجال ونحن رجال .
ويشبه هذا قول صاحب كتاب العدل والإنصاف عالم إباضي مغربي (1) لما أتى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال لا تقليد في الدين إلا لصاحب هذا القبر ، وأشار بيده[118/أ] إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأما الصحابة فهم أعهد بما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما غيرهم فهم رجال ونحن رجال .
ويدل على صحة قول الصفدي في الأئمة مخالفتهم لبعضهم بعض فيما تخالفوا ، فلو[223/ب] أجازوا التقليد وألزموه أنفسهم لما كانوا على أربعة مذاهب فيما يخالفوا فيه ، فلم يجز هؤلاء المتأخرون المدَّعون أنهم أتباعهم إلا التقليد، فلا شك أنهم على خلاف مذاهبهم ، فحقيقتهم أنهم على مذهب إمام ولا على مذهب أحد من العلماء إلا مذهب العلماء المخالفين مذاهب الأئمة الأربعة .
فانظر في جميع ما يأتونه تجد مناقضاً له ما قد أتوه في موضع آخر ، وكفى بذلك على باطل مذاهب هؤلاء المتأخرين من الأربعة المذاهب [211/ج] ولا شك أن حقيقة مذهب الغزالي على غير مذهب هؤلاء المتأخرين منهم ، ولذلك ضللهم وما أبداه من معنى الشكر يخالف مذهبهم ويصحح مذهبنا ، وبالله التوفيق .
بيان : فإن قيل : وما معنى الشكر الأرز لله بها وفيها ؟؟ ، وما معنى كفر النعمة بها وفيها؟؟ ، فالجواب : أن شكرها وشكر الله بها وفيها أداء ما وجب عليه المرء فيها ، وبها أداءه على موجبه وترك ما حرمه الله فيها وبها ومنها .
__________
(1) أبو يعقوب الورجلاني . (1/259)
صفحة 260
فإن خالف في ذلك على وجه لا يسعه كفر بها كفر نعمة ، فإن قيل بين لنا ذلك بمثل نراه عياناً ونوراً مبيناً؟؟ فالجواب : أن الشكر على معنيين أحدهما ذكره لإحسان الله بشيء أنعم الله تعالى عليه فيحمده على ما أنعم عليه في تلك النعمة ، ويعتقد أن حمد الله على ذلك لازم إن اهتدى إلى معرفة الاعتقاد ، و إلا فيحمده على ما أنعم عليه كفاية .
وذكر الإحسان مما يرغب في[224/ب] طاعة من أحسن إليه ، ويميل القلب إلى ابتغاء رضاءه إلى غير ذلك ، وشكر الله تعالى في جميع نعمه التي أنزلها على خلقه ، وتفرقت على عباده لازم بهذا الوجه مما صار برزقه، ومما لم يصر برزقه ؛ لأنها نعمة لو لم تفرق إلى عباده ، وهي نعمة واحدة في الجملة يخلقها من الله لعباده لجميع عباده عمومًا، وبتفرقها على العباد نعم مخصوصة من الجملة لكل عبد وصلت إليه .
فإن كانت تلك الحبة له فعليه شكر نعمتها التي خص بها ، وإن كانت لغيره وذكر بباله شكر الله فيها لزمه شكر النعمة التي عم بها [212/ج] عباده بخلقها لهم وإباحة أكلها لهم ، وغذائها لأبدانهم ، وإن لم يكن له تلك النعمة ، فإنها في المجمل بها الذين وصلتهم ؛ لأنه لم يمنع هذا الذي لم يجز بتحريمها له أن أخذها بوجه جائز له ، وأراد التنعم بها فهي مباحة له إن لم يرزق أكل نوعها دائما. (1/260)
صفحة 261
فالشكر فيها القيام بأداء ما ألزمه الله بأدائه من قبل منعه له عن أن يرزقها بالرضى لحلم الله عليه إذ لم يرزقه الله شيئا من نوعها فهذا من أنواع شكر الله بها في ذات نفسه ، وفي غيره أن لا يسرقها بظلم ، فيكون غير شاكر [لله] (1) بها[119/أ] وأن لا يحكم فيها إلا بعدل بين خصمين ، فيكون بحكم العدل فيها من الشكر لله بها ، وإن حكم بغير العدل أو فعل فيها أو بها[225/ب] غير ما يجوز له فقد كفر بعدم الشكر لله فيها بعدم قيامه الواجب عليه الذي به تمام الشكر كفر نعمة إلى غير ذلك مما لم يحضرني ، والحق أنه مما لا يحصى ذكره .
فإن قلت : وما معنى أن أشكر الله فيها شكر جميع ما يتعلق به بسبب خروجها من عود زرعها على ما ذكرته ؟ ، قلنا في المعنى لمعنى أما بالمعنى الأول فمن المعلوم أن من لم يشكر الشيء لم يشكر في الحكم أسبابه وعلله التي لم تتكون إلا بوجودها ، والمثال في ذلك أن من سعى لإتيان هدية من مكان بعيد ، وركب البحر وأصابه في سفره مشقة عظيمة صحت معك من قول المسافرين معه ، وقد غرم على تلك الهدية مغارم كثيرة علمت بها فلما وصلتك قلت لا خير في هذه الهدية ، ولم تذكر [213/ج] إحسان المهدي إليك بها ، ولم تجعل ذلك منه إحساناً ، ولا ما أصاب من التعب ولا ما غرم عليه فلا شك أنه لم تشكره في جميع ذلك .
ولو لم تذكر غير الهدية أنها ليست من الإحسان منه إليك ، وقد علمت تعبه في سفره ، وكثرة غرامته فيها ، ففي الحكم لم تشكره في الجميع ، وإن كنت لم تعلم بكثرة نصبه في سفره ، و لا بكثرة غرامته في ذلك ، ولكن المسافرون معه يعلمون منه ذلك ، وكثرة رغبته فيك ومحبته لك ، فإن لم تشكره في تلك الهدية كفرت بهديته كفراً له فيها لا كفراً لله .
__________
(1) سقط لفظ الجلالة في ب. (1/261)
صفحة 262
فأنت مع العارفين لم[226/ب] تشكره في تعبه ، و لا في غرامته فيها ، ولا في محبته لك ، ولا في رغبته لك ولو لم تعلم منه ذلك ، وإن شكرت نعمته تلك ، وتقبلته بالمحبة والمودة ، وأنت لم تعلم ما ذكرناه منه ، فمع العارفين به أنك شكرت تعبه وغرامته في ذلك ومحبته ورغبته ؛ لأنه جازيته بالشكر ما يرضى به عليك ، و لا ينظر معه جميع ما أصابه ؛ لأنه وجد بهديته لك جميع ما هو راجيه منك ، فصار راضيا عليك .
وبهذا الوجه يتناقض عليه الشكر وعدم الشكر بعدم شكره لنعمة أخرى يهدها إليه فلا يشكرها بعد شكره للأولى إذا أخفاه في هذه التي جاءت بعدها .
وأما شكره بالمعنى الثاني الذي هو القيام بأداء الواجب عليه فيها بحق الحكم بالعدل فيها بين الخصمين فحكم بالعدل ، فهو في الحكم على العدل في كل أمر ما لم تنزل به بلية التعبد في غيره ، فيلزم فيه أداء بالعدل ، ولم ينفقه [214/ج] فيه ما هو محكوم له به مما عمله عدل ، أو مما لم تنزل به بلية التعبد بعمله فلم يعمله ، فإن لم يعمل بالعدل في ذلك بقي محكوم له بالعدل فيما لم يضيعه ، ولكن لا ثواب له فيه ، فإذا تاب رجع له ثواب ما عمله مما جزاءه الثواب ، وبقي محكوما له بالعدل فيما لم يتعبد به اعتقاداً ، ولا عملاً ولا نية بترك له ؛ لأن من[120/أ] اعتقد الطاعة لله تعالى[ في كل أمر ، فهو في الحكم مطيع لله] (1) في كل أمر نزلت به بلية التعبد[227/ب]، [ فأدّاه على ما لزمه وفيما لم تنزل به بلية التعبد به] (2) ؛ لأنه في نيته إنه ليطيعه في كل ما ألزمه أداءه مدة عمره .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب. (1/262)
صفحة 263
وهذا المعنى يخالف المعنى الأول لمناقضة الشكر بقلة الشكر ، فهذا حكمه حكم ما ذكرناه في الإيمان والإسلام إذا عصى الله بشيء مما لا يسعه من المؤمنين أنه يبقى له حكم ما هو محكوم عليه ، ولكنه لا ثواب له فيه ؛ لأنه به يخف ميزانه إن لم يتب ، فإذا تاب ثبت له ما عمله من البر ، وبقى محكوما له بما هو محكوم له من قبل ذلك ، وكان له الثواب في جميع ذلك الذي لم يخطر بباله ذكره .
ولذلك قلنا أنه محكوم عليه بشكر جميع ما ذكرناه ، إن شكر الله في شيء ونوى أنه ليشكره في كل شيء ، وإن كفر بشكره في شيء كفر نعمه متعمداً فقد جاهر الله بخلافه ومعصيته فلا يكون من الشاكرين ، وكان كافراً كفر نعمة بذلك ، وبطل وجود التقوى والخوف من عقاب الله والرجاء في حين ذلك الثواب إن لم يكن في نيته أن يتوب .
فإن نيته أن يتوب فليس [215/ج] بفعله ذلك براجٍ ، وإنما هو براجٍ بغير ذلك الفعل ، ويفعل سيفعله من بعد فأنى [يكون ] (1) له أجر شكر في شيء وهو متعرض لسخط الله له غير مبالٍ لغضب الله عليه ، فأبطل كل ذلك بنفسه فلم يكن له ثواب من شيء عمله من أعمال الشكر في ذلك بقيام الواجب عليه فيه لغير ذات نفسه .
وأما شكر ذات نفسه فيها وكفره كفر نعمه بقلة شكره لنعمه وجب عليه شكرها في ذات[228/ب] نفسه ، فإن كفرها مما يناقض شكر الأولى في جميع أحوالها ، ولكن إن شكر هذه الآخرة وتاب إلى الله من كفره بها ، رجع إليه شكر الأولى وشكر جميع ما يتعلق به ، ففي معنى الرجوع واحد لا يختلف المعنيان في كلا الوجهين من وجهي الشكر المذكورين فاعرف ذلك .
__________
(1) سقط في أ و ب . (1/263)
صفحة 264
وقد صنف والدي- رحمه الله تعالى- [في] (1) هذا المعنى كتاباً كبيراً برسمه في ألواح معمولة من الحصى الأخضر، المتوسطة في الصلابة ، [بالرخام] (2) الأبيض ، بخط متداخل الحروف في بعضه بعض ، لا يعرف أحد يقرأه غيره لشدة تداخل الحروف بعضها في بعض ، وسماه كتاب " المغانم في التخليص من المظالم " .
وذكر فيه مظالم النفس لنفسها من غير ظلم غيرها ، والخروج من جميع أنواع ذلك ، ثم مظالم النفس لظلمها لغيرها ، والخلاص من ذلك ويدخل في هذا شرح جميع المتعلق به العبادة ، وذكر كل شيء وكل أمر في الوجود ، وهذا أمر لا يمكن استقصاه ، ولو اجتمعت على شرحه الملائكة والجن والناس أجمعين [216/ج] منذ خلقوا إلى يوم الحشر .
ولكن يمكن أن يؤتى تفصيله على سبيل الإجمال ، وتمادى الشيخ في نقله من الألواح إلى القراطيس لتصنيف[121/أ] مسائل أخرى ، وكانت كذلك عادته كلما انفتح له فن من المسائل ، وبدأ في تصنيفه وانفتح له فن آخر ترك الأول حذرا أن يذهب عنه هذا الآخر الذي انفتح له وهلم جرا...
كذلك في غالب أمره إلا في قليل من ذلك إلى أن مات[229/ب] فلم يبق في الألواح الكتابة إلا أثراً معبقاً (3) يدل أنه كان فيها رسم كتابة ، ولا يمكن أحد يقرأه ويكتبه ولو كان حسن الكتابة لشدة انطماس الحروف مع كونها في تداخلها لم يمكن معرفتها غيره في حال كونها لم ينطمس منها حرف ، وصار كأنه لم يكن له رسم في الكون " وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ " (4)
[ما لا يسع جهله و ما يسع جهله]
__________
(1) سقط في أ و ب .
(2) سقط في أ و ب .
(3) العبق : بقاء الشيء و لزوقه به ، مختار الصحاح (1/172) .
(4) سورة التكوير:29. (1/264)
صفحة 265
بيان : وأما ما لا يسع جهله وما يسع جهله ، فهو داخل في أحكام السبعة الأصول التي هي القواعد السبع إلا فيما يخالفه في بعض الأمور كما بيناه فاعرف ذلك ؛ لأن كل أمر نزلت عليه بلية تعبد بشيء من أمور العبادة ولم يوسع له إلا أداؤه من الواجبات فهو مما لا يسع جهله ، وإن جهل لزومه عليه وأداءه على ما لزمه فواسع لأهل البله ، ومعي أنه واسع له ، و إن كان من غير البله إذا أداه بموجبه ولم يلزمه علم لزومه عليه بقيام الحجة عليه بمعرفته وهكذا كان من التوحيد من واجب صفاته له ، ومن المستحيل [217/ج] أن يوصف به فواجب تنزيهه عنه ، ومن الممكن أو من علم الحقيقة وأعمالها ، أو من علم الشريعة أو أعمالها من اعتقاد أو فعل أو ترك مما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع ، أو مما تقوم بمعرفته الحجة من العقل بعد السماع مما لا يجوز فيه الاختلاف أو مما يجوز فيه الاختلاف ، وهذه هي القواعد السبعة وأما من لم تنزل به بلية التعبد [مما لزمه أو جاز له التأخير ، أو مما لم تنزل به بلية التعبد] (1) عليه من دين[230/ب] الله فقد مر بيان ذلك كله مجملاً ومفصلاً بإيجازه .
[بيان :] (2) وكل شيء لم تنزل بلية التعبد به على المرء فهو معذور حتى معرفته بالله تعالى إذا لم يخطر بالبال ما يدل على معرفته سبحانه وتعالى ؛ لأنه ليس له أن يعرف ما لم يخطر ذكره في باله ،وليس له استطاعة أن يحضر ذكر ذلك في باله كما لم يخطر عليه ، ومتى خطر بباله ذكر شي به يعرف الله تعالى وجوده أوصفته أو ما هو مستحيل عليه وجب [عليه] (3) بخاطر البال معرفته ووصفه بالحق في ذلك من حجة العقل ، وقد بينا هذا وما أشبهه فيما تقدم فقس هذا عليه .
[ما قامت به الحجة بمعرفته بالسماع]
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب.
(3) سقط في أ و ب . (1/265)
صفحة 266
بيان :.. وأما ما قامت به عليه الحجة بمعرفته بالسماع ، ولزمه ذلك بذلك مما هو محرم عليه في دين الله تعالى فهو مثل الذي هو واجب من دين الله ، ولم تنزل عليه بلية التعبد بأدائه في قيام الحجة عليه بمعرفته كما مر بيان ذلك من الاختلاف فيه أنه تلزم معرفته بفتوى[ ذي الحجة] (1) [218/ج] في الفتوى ، وقيل بالاثنين ، وقيل حتى يصح معه صحة لا يجوز له فيها الشك .
وكذلك إذا تليت عليه آية فيها ذكر تحريم حكم ذلك الشيء ، وعرف معناه لم يجز له الشك فيه ، وإذا عرفه و إيجابه مهملا لم يلزمه أيضا علم كيفيته ما لم تنزل عليه بلية التعبد به ، فإذا نزلت عليه بلية التعبد لزمه علم تفصيله على قدر استطاعته في[231/ب] أداء واجباته .
وإن كان مما هو محرم عليه ، وهو [دائن] (2) [122/أ] بحرامه بقيام الحجة عليه بمعرفته ، فليس عليه علم ذاته ما لم يرتكب حرمته ، وقال الشيخ العالم الكبير الرباني جابر بن زيد (3) - رحمه الله تعالى-: " يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه بدين أو يبرأ من ضعفاء العلم إذا برئوا من راكبه أو يبرأ أو يقف[ برأي أو بدين إذا برؤوا من راكبه" (4) .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب.
(3) جابر بن زيد الأزدي (21 هـ / 93هـ - 642م /712م) جابر بن زيد الأزدي البصري ، أبو الشعثاء ، تابعي فقيه من الإئمة، من أهل البصرة ، أصله من عمان ، صحب ابن عباس ، كان من بحور العلم ، و صنفه الشماخي بأنه أصل المذهب و أسه الذي قامت عليه آطامه ، نفاه الحجاج إلى عمان ، و عندما مات قال قتادة : اليوم مات أعلم أهل العراق السير للشماخي ص70-77 ، تهذيب التهذيب (2/38)
(4) خميس بن سعيد بن علي الشقصي ، منهج الطالبين و بلاغ الراغبين ، تحقيق سالم بن حمد الحارثي ، مطبعة عيسى البابي الحلبي و شركاه ، وزارة التراث القومي والثقافة، (1/549). (1/266)
صفحة 267
ومن أراد أن ينظر] (1) إلى عظم كرامة الله تعالى لعباده ، فلينظر إلى ما أعطى هذا العالم من العلم والحكمة من كلامه هذا ، وما احتواه من المعاني بعين المعرفة تراها بحراً عظيماً لا ساحل لها ولا قعر ، ولو اجتهد العلماء في شرح معاني كلامه إلى مجلدات ، وعمر في ذلك لم يأت كلا منهم على أقصاه ، فجميع ما شرحه الشيخ العالم الكبير أبو سعيد -رحمه الله- في كتابيه الاستقامة والمعتبر من أحكام الولاية والبراءة ، وما يسع وما لا يسع لم يخرج عن دائرة هذا الكلام ، وعليه يدور جميع قواعد علم الشريعة .
وبالحق أقول أنا وإن قلنا أن العالم الفلاني هو أعلم أمة محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - [219/ج] في علم الشريعة فالمراد من العلماء الشارحين لدقائقها ، المظهرين لرقائق حقائقها ، و لا يقصد بذلك مثل جابر وابن عباس ، فإنه لا يدري بما معهما ، وإذا كان مثل هذا كلامه ، وفيما يروى أن ديوانه حمل خمس جمال ، واجتهد أهل خلافه من بعد[232/ب] موته على تحصيله حيث كان ، فظفروا به وطمسوه حسدا له ولأصحابه أهل مذهبه .
وأكثر ما أخذ علمه عن عائشة - رضي الله عنها- وعن سبعين بدرياً ، وقال : لم يبتل بهم قدمي ، أي لم يكفه ما أخذه عنهم ما يبل به قدمه حتى اتصل بالبحر أي عبدالله بن عباس ، واستغرق عمره في أخذ العلم عنده ، وعنه أيضا أخذ العلم أبوعبيدة مسلم بن أبي كريمة (2) .
__________
(1) سقط في ب.
(2) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت 145 هـ - 762م )
مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء ، البصري ، أبو عبيدة : فقيه ، من أئمة الإباضية ، أخذ المذهب عن جابر بن زيد ، ثم صار مرجعا فيه تشد إليه الرحال ، و يقال له القفاف
حاشية الجامع الصحيح ، (1/ 6) , السير للشماخي ص83 . (1/267)
صفحة 268
ولما مات ابن عباس قال اليوم مات رباني هذه الأمة ، لم أزل على ساحل بحره ، ولم أزل أحوم على ساحل بحره فما ابتل منه قدمي ، والمعنى أن كثرة ما أخذت عنه فكأنني لم أخذ من بحره ما يبل قدمه ، أو كأنه وضع قدمه في بحره فلم يغص فيه بمقدار ما يبل قدمه منه تعظيماً لعظم شأن بحره في العلم .
فلا يصح أن يقال أن العالم الفلاني أعلم من جابر أومن ابن عباس في علم الشريعة على التحقيق ؛ لأن ذلك من علم الغيب ، فلا مخرج له عن دائرة الحكم بالظن الشكي ؛ لأنه لا يدري بما مع جابر وابن عباس من أكنزة العلم في ذلك ، فإن قال قائل ذلك على سبيل القطع فلا يصح إلا أن يكون قائلاً بالظن ، والظن لا يغني من الحق شيئاً .
ومعنى قوله يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه ، وذلك نحو من دان بحرمة [220/ج] الخنزير فواسع له جهل ذات الخنزير ما لم يرتكب[233/ب] حرمته ، وهو أن يأكل من لحمه ، وهو أن يظن أنه غير خنزير فوجده مذبوحاً قائم العين يعرفه إذا وقف عليه من يعرف[123/أ] الخنزير ، فلا يعذر بجهله وظنه أنه ليس هو الخنزير ولا ظنه بأنه وعل أو ظبي وما أشبه ذلك من المحللات و ذلك في غير اضطرار لأكله .
أما إن وجده أعضاء مفصلة لا يمكن أن يعرفه أهل المعرفة بصورته ، وأكل منه فلا بأس عليه فإن قيل أليس معرفته مما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع به ، وبالنظر إليه أنه هذا خنزير؟؟ ، فالجواب :أن الحجة قد قامت عليه بمعرفة حرمة الخنزير ، فإذا لم يعرف ذاته وعلم أنه من جملة الحيوان لزمه التوقف عن أكل لحم كل حيوان لم يعلمه أنه هو الخنزير أو لا هربا أن يكون هو كما أنه لو علم علماً يقيناً أن في جملة هذه النساء أمه أو ابنته أو أخته أو عمته أو خالته أو زوجة أبيه أو سرية أبيه ولم يعلمها وحدها مفردة من دونهن لم يجز له أن يتزوج بواحدة منهن لا يعلم أنها هي تلك أو لا . (1/268)
صفحة 269
وإن عاجزا عن ادراك معرفة أخته منهن أو ما ذكرناه ، وعاجزا عن ادراك معرفة ذات الخنزير وقد نظره ، فغير عاجز عن التوقف عن أكله فلا عذر له بجهله في الحالين الأكل والتزويج .
وأما إن كان لم تقم عليه الحجة بالسماع بحرمة أكل لحم الخنزير ، فأكل من لحمه وهو قائم العين فيه إهابه ورأسه وعرفه أنه خنزير ميت ، ولم تقم عليه الحجة بمعرفته حرمة أكل الميتة فلا لوم[234/ب] عليه ولا هلاك ، وإن لم يصرح بذلك علماء الأمصار [221/ج] ولكن في كلام الشيخ العالم أبى سعيد في المنقطع الذي لم تبلغه الحجة ثم قال ولو كان كذلك وهو في المدينة ما يدل على صحة ذلك .
وأما البراءة والولاية فقد يكونان فريضتان بالإجماع ويكونان وسيلة ويكونان من المباح ويكونان من المكروهات ويكونان من المحرمات ، ويكونان بحكم الظاهر ويكونان حقيقة ويكونان على الشريطة ويكونان بالرأي ، ويكونان بالدينونة ويكونان لفظا باللسان ويكونان اعتقاد بالقلب ، ويكونان بنفس الرضى ويكونان بالإقرار بحكمه بما يوجب[ بحكمه] (1) له فيه ولاية أو براءة، ويكونان مما تقوم بمعرفتهما حجة[ من العقل ويكونان مما لا تقوم بمعرفتهما الحجة] (2) إلا بالسماع أو تقوم الحجة بمعرفتهما من العقل بعد السماع ، ويكونان بالجملة ويكونان بالتفصيل [بهما] (3) ويكونان مما يسعا ويكونان مما لا يسعا .
فصح أنهما يدوران في جميع القواعد السبعة ، وعلى الأقسام [الستة] (4) الواجب والمندوب والوسايل والمباح والمكروه والمحجور ، ومن بين الولاية والبراءة الوقوف وهو جارية أحكامه على الأقسام الستة من الواجب والمندوب والوسايل والمباح والمكروه والمحظور .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب.
(3) سقط في ب.
(4) سقط في ب. (1/269)
صفحة 270
مع أن الأصل في المندوب هو من الوسايل و الوسايل هي من المندوب وفي الحقيقة[124/أ] أن العمل بالواجبات وترك المحرمات واجتناب المكروهات كل ذلك من الوسايل إلى الله تعالى ، وإنما فرق من فرق من أهل[235/ب] الشريعة هذه الأسماء لهذه الوجوه على الاصطلاح ليفهم الطالب كل وجه باسم يخصه .
وكل واجب ففيه تحريم ووعد[222/ج] و وعيد . لأن فعله واجب ولفاعله الثواب ومحرم عليه تركه إذا لزمه أداءه ، وإن ترك أداءه لغير عذر فعليه العقاب وضده المحرم وفيه واجب وفيه وعد ووعيد ؛ لأن ترك ارتكابه[ واجب ولتارك ارتكابه] (1) من أهل الطاعة الثواب على تركه وأداء واجبه ترك ارتكابه وارتكابه لغير عذر محرم عليه وعليه العقاب.
وكل مكروه ففيه ندب في تركه وفيه وسيلة مندوبة وهو ترك ارتكابه ، ولتارك ارتكابه الثواب وليس على فاعله [عقاب] (2) ويقابله الوسايل المندوبة وفيها كراهية ؛ لأن ترك عملها مع الاستطاعة على ذلك مكروه وليس على تاركها عقاب ولفاعلها الثواب .
وأما الوسايل التي لم يأت فيهن ندب فدليل بيانها أنه لا كراهية في تركها و لا يقال أنه مكروه تركها ، بل تركها من قسم المباح بخلاف المندوب من الوسايل تركها من قسم المكروه ولفاعل الوسايل الغير المندوبة الثواب ، فهذا هو الفرق بين الوسايل المندوبة المكروه ترك عملها ، وبين الوسايل الباقية التي ليس من المكروه ترك عملها.
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب. (1/270)
صفحة 271
والمباح على وجهين : أحدهما فعله من الوسايل وتركه من المباح كما ذكرناه والوجه الثاني : لا فعله و لا تركه من الوسايل ،وهو الذي لا كراهية في فعله [236/ب]ولا من الوسايل إلى الله [التي يتقرب إلى الله] (1) بعمله ، إلا إذا كان عمله مما يشغله عن شيء ، ومن عرف كل أمر هو من الواجب أو المندوب فعله أو من الوسايل أو من المباح أو من المكروه أو من المحرم لم يغلط عن الحق فيه؛ لأن هذه هي[223/ج] أصول علم الشريعة والحقيقة والمباح من أهل الطاعة من الطاعة ؛ لأنه في حين فعله ذلك هو طايع لله تعالى وفي نفسه أن لو لم يبح له ذلك فلا يفعله .
ولكن لا يقال في حين ذلك أنه يعبد الله تعالى بذلك الفعل، وهو الذي ليس لفاعله ثواب بذلك الفعل ولا أن تركه له بتركه ثواب[ بذلك الفعل] (2) إلا على نية التشاغل بما هو وسيلة إلى الله تعالى .
وقيل لا يمكن إلا أن يكون ثوابا أما في فعله وأما في تركه . والأول اصح كما ذكره الغزالي واتينا بيانه سابقا وضربنا له مثلا : فيمن أراد تجويد فتل هدوب عمامة له وتدقيق الهدوب وتجويد العقد لها لغير بيع ، ولا ليشتهر بالمعرفة حتى يؤجّر أو يجود ثقوب خشب يجعله أعلا بابه أو ينقش ما حول لوحي بابه من الخشب ، وما أشبه ذلك ويبالغ في الاجتهاد لاختراع الحسن في ذلك ويدقق فيه صورة الثقوب، والنقش لم يرد به إلا التلذذ بالنظر إليه في باب بيته ليكون كذلك أو يكون اجتهاده حتى يغلب غيره حتى يظن في نفسه أنه لا[125/أ] يكون لا يستطيع أحد يأتي بمثله[237/ب] استلذ أن يكون ذلك كذلك ففعله فلا يقال ، أنه مكروه له ما فعله إذا لم يكن من أهل شغل هو انفع له عمله ، ويشتغل بهذا بل لا شغل معه كذلك .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في أو ج . (1/271)
صفحة 272
إذ لكل شغل أناس هم من أهله سعوا إليه من أول الأمر مما هو مفيد لقيام دنياهم أو لقيام دينهم به ، ومنهم لا شغل معه ولا معه عول يضر بهم باشتغاله بذلك ، ولو كره له ذلك كرَه نقش أول المصاحف لغير حاجه وأول الكتب ونقش كل شيء وتجويد الخط إلى الحسن التام والاجتهاد في ذلك لغير فايده يريد بها فاعرف ذلك .
بيان : وفي التنزيل والسنة والإجماع ذكر الواجب والمندوب وذكر الوسايل والمكروه والمحرم ، و آراء المسلمين في أمر الولاية والبراءة وفي الصلاة والصوم والزكاة والحج وفي جميع ما جاء فيه حكم عن الله أو في السنة أو في الإجماع أو في آراء المسلمين وفي بعضها بعض منها والمباح كذلك تارة يوجد في بعضها .
[الولاية و البراءة]
بيان :..فأما الولاية والبراءة قوله تعالى " اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ " (1)
__________
(1) سورة البقرة:257. (1/272)
صفحة 273
وقال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ " (1) . وقال تعالى:" بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ " (2) وغير ذلك في آيات الذكر الحكيم ، وأما أهل خلافنا فمن علم الولاية و[238/ب]البراءة خليّون أصلا و لا يشرحونها إلا الحب في الله والبغض لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أحب قوما فهو منهم " (3) .
مع أن هذا الكلام معناه الأصح ولأعدل متوجه إلى أحكام الولاية وهي الحب في الله ، والبراءة وهي البغض في الله ومن أحب أهل التقوى لأجل تقواهم فهو عين الولاية ، ومن أحب قوما لأجل باطلهم لغير الواسع فهو منهم ،وقال الله تعالى يخاطب النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ليخاطب به أهل الكتاب " قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ " (4) ،[225/ج] فسمّاهم الله قاتلين لأنبيائهم وليسوا هم في زمانهم ؛ لأنه قال من قبل دلّ على أن الأوايل قتلوا بعضا منهم فكانوا هؤلاء فرحين راضين بقتلهم لهم فتولوهم على ذلك فشاركوهم في الإثم بذلك .
وفسر الغزالي هذا الكلام ولعله رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من أحب أحدا لأجل نفعه له وإحسانه إليه نفعا وإحسانا يتقوّى به على طاعة الله ولو كان ذلك المحسن له على غير طاعة الله فهو من الحب لله .
__________
(1) سورة الممتحنة:13.
(2) سورة التوبة:1.
(3) البخاري ، في (78- كتاب الآداب ، 96- باب علامة حب الله عز وجل ) ص1150 ، رقم الحديث 6168 ، 6169، و أخرجه مسلم (45- كتاب البر والصلة والآداب ، 50 - باب المرء مع من أحب) ص670 رقم الحديث 2639 و الحاكم في المستدرك (3\19) ، و ابن أبي شيبة رقم الحديث 33016، (6\ 471).
(4) سورة البقرة:91. (1/273)
صفحة 274
مثلاً عنده أمة لم يقدر عليها لتصلي ولا لتصوم [لله] (1) شهر رمضان وهو معدم ، وأشغل نفسه لتعلم علم الشريعة وعبادة الله وهي تخدم عليه وكفته كثيرا من مؤونة المعاش واللباس ويحبها لأجل ذلك ، فهو من الحب لله ومن أحب عالما زاهدا وأكثر من مجالسته ليمدح ذلك ويثني عليه فليس هو من الحب لله .
ومن أبغض من يشغله[239/ب] عن تعليمه علم الشريعة لله تعالى ، وعن عبادة ربه فهو من البغض لله تعالى وما أشبه هذا وقد أطنب في شرح هذا المعنى وهو الصحيح من التأويل ، وهذا المعنى داخل في جملة معاني ذلك الكلام ولكن[126/أ] معنى الولاية والبراءة هو المقصود الأعظم منه وبه فهو الإمام المقدم وما ذكره المأموم ورائه.
[ولاية الحقيقة]
بيان : وولاية الحقيقة لأنبياء الله ولكل ولي جاء بيانه أنه كذلك في كتاب من كتب الله ، أو قال به نبي من أنبياء الله وسمعه السامع بإذنه من نطق لسانه لا غير ، وإماماً اشتهر [بالشهرة] (2) العدله أنه قال النبي أن فلانا هو ولي من [226/ج] أولياء الله تعالى وقامت على أحد الحجة بذلك، فولايته بحكم الظاهر بقيام الحجة عليه بالشهرة [العدلة] (3) والشهرة العدلة أن يكون أولها من أهل الثقة ، وأن كان أولها من أهل الفسق لم تلزم وليس عليه إنكارها ولا عليه قبولها وإن صدقها على غير الحقيقة ولم يدن بذلك ، فلا بأس فهي بخلاف البراءة في هذا فإنه إن تكن عدلة لزمه قبولها لها بحكم الظاهر ، وإن كان أصلها عمن لا يجوز قبول دعواهم في ذلك لم يجز قبولها لا بدين ولا برأي .
وكذلك البراءة الحقيقة فيمن ذكر الله تعالى ضلاله في كتابة ، أو ذكره النبي صلى الله عليه وسلم نحو قوله تعالى " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ " (4) فالبراءة منه بالحقيقة وغيره ممن ذكره الله تعالى .
__________
(1) سقط في ج .
(2) سقط في ب.
(3) سقط في ب.
(4) سورة المسد:1. (1/274)
صفحة 275
والولاية لأنبياء الله لعله مما تقوم الحجة بمعرفتها من العقل مهما خطرت بباله وعرف معناها، وقامت عليه الحجة بمعرفة نبي بالسماع أو قامت عليه[240/ب] الحجة بمعرفة الأنبياء والرسل؛ لأنه لا يصح أن يكون رسولاً من الله إلى عباده غير أمين والله غير راض عليه ، فإذا اعتقد أنهم أمناء الله وأنهم أهل الطاعة لله تعالى ولم يهتد إلى اعتقاد الولاية كفاه ذلك ولاية لهم ،أو لذلك النبي .
و كذلك الولاية بالجملة والبراءة بالجملة وذلك أن يعتقد من كان لله وليا ومن تولاه الله فهو ولي ، وأعداء الله أعدائي وهذه طريق النجاة للعوام الذين لم يعرفوا أحكام الولاية والبراءة ما لم[227/ج ] تنزل بلية التعبد على أحد منهم ، بولاية الحكم الظاهر والبراءة بحكم الظاهر أو بحكم الحقيقة ، وهما مما تقوم الحجة بمعرفتهما من العقل مهما خطر ذلك بباله وعرف المعنى .
وإن لم يهتد إلى الولاية واعتقد في نفسه محبة من أطاع الله وبغض من عصاه ؛ لأجل طاعة الطائع ولأجل معصية العاصي أو يعتقد الرضي على المطيع وغير الرضي على العاصي ، ويحكم بالطائع أنه هو الطيب والعاصي هو الخبيث إن لم يهتد إلى الولاية والبراءة كفاه ذلك ، وكان ذلك منه في حقه ولاية وبراءة .
وأما الولاية والبراءة بحكم الظاهر فهي التي لا تقوم الحجة بمعرفتها إلا بالسماع ممن تقوم بهم الحجة ،والولاية أوسع من البراءة لأنه يجوز أن يتولى من هو عدو لله قد شهر ذلك أو جاء في الذكر الحكيم بيان عداوته لله، أو لرسوله[241/ب] أو للمسلمين إذا لم تقم الحجة بمعرفة ذلك بذلك ،وشهر معه فضله حتى لو سمع بذكر إبليس وعبادته في السماوات ولم تقم عليه بمعرفته بعد ذلك وتولاه على ذلك برأي وإن دان[127/أ] بذلك هلك . (1/275)
صفحة 276
وأما البراءة بالشهرة في أحد من أولياء الله إذا كانت الشهرة مبتداها ممن لا يقبل قولهم في ذلك ، فلا يجوز أن يبرأ منه برأي ولا بدين وإن كانت الشهرة مبتداها ممن يلزم قبول شهادتهم في الحكم ، وذلك أن يكون عن علماء أو ممن تجوز شهادتهم عليه واشتهر بعد ذلك لزمه الحكم بها من ولاية أو براءة إن كانت عن علماء أفاضل وجاز له إن كانت لعلة مبتداها ممن يجوز قبول [228/ج ]قولهم .
وذلك أن الأحداث بشهادة العلماء فيها عن المحدث لا يلزم في لزوم قبول شهادتهم تفسير الحدث إذا قالوا أن هذا أحدث حدثا يفسق ظلم فلانا في حق عليه لم يكن عليهما تفسير الحق ولا وصف ظلمه لأنهم يعلمون حكم الظلم في ذلك ، وعلى الثقات من المسلمين غير العلماء أن يفسَر ، وأمَا ظلمه ويصفوا فعله في ذلك فينظر العلماء في ذلك ؛ فإن عرفوه أنه ظلم قبل قولهم وأن رأوه غير ظلم حكموا به أنه غير ظلم ، وإن لم يفسروا فقيل يقبل قولهم ويجوز قبوله لأن الثقة لا يقول فلان ظلم فلانا في كذا إلا وقد عرف حكمه أنه ظلم ؛ فلأجل ذلك يختلف[242/ب] مبتدأ الشهرة ولا يكون لزومها إلا على حكم مبتداها .
وولاية حكم الظاهر بالشهرة كولاية أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، وإذا لزمت ولاية هذين بالشهرة في فضلهما ، كان كذلك كل [من] (1) شهر فضله من أهل العلم وغيرهم من أهل الفضل ، ومن أولي الأمر والشهرة عدلة كما ذكرنا ووصفنا وكذلك البراءة .
وقد تقوم الحجة في الولاية برفيعة عالمين فاضلين شهر فضلهما عنده ووجبت ولايتهما على من يعرفهما ويعرف أحكام الولاية والبراءة ، ولو جهل هذا حكمهما لجهله بأحكام الولاية والبراءة لزمته بحكم الظاهر ، وبالعالم الفاضل تجوز الولاية وفي لزومها به اختلاف فمن ألزم بها قال أن المعدل للشهود مع الحاكم يجوز له الحكم بتعديله .
__________
(1) سقط في ج . (1/276)
صفحة 277
وإن لزمته ولاية ولي لزمته ولاية أولاده الذين يأتون له بعد ولايته له لا الذين ولدوا له من قبل بولاية أبيهم لقوله تعالى[229/ج] " أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ " (1) أي الذين ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم، وإن بلغوا الحلم وقد لزمته ولايتهم بولاية أبيهم في صباهم ثبت تلك الولاية لهم ، حتى يغيروا ما يوجب البراءة أو بما يجوز به الوقوف عنه .
وأن قذف وليا لك برجل لا علم له به وأخبرته أنه ولّيك لزمته التوبة ؛ فإن لم يتب فقيل يبرأ منه ، وقيل ينبه بالاستتابة فإن امتنع وألا برأ منه [243/ب] .
وأما الوقوف فالوقوف لازم عن كل[ مجهول] (2) لا تعرفه أنه مسلم أو مشرك أو مسلم فاسق ، ومن رأى من ولي له [فعل] (3) يفعل ما يوجب البراءة منه ولا علم لهذا بأحكام الولاية والبراءة فوقف عن براءته منه ؛ لأجل ذلك فلا بأس عليه .
وإن برئ منه على شرط أن كان مما توجب عليه أحكام البراءة بذلك فهي براءة الشريطة ، وكذلك ولاية الشريطة إذا رأى منه الأعمال الفاضلة ولم ير منه عملا باطلا وإن زلّ [128/أ]بادر بالتوبة ، وكان غير عالم بأحكام الولاية والبراءة وخاف أن يكون قد لزمته ولايته فتولاه على شريطة إن كان قد لزمته ولايته .
والمباح في الولاية كولاية من خرج الخوارج عنه من العوام برأي ولم يبرأ من أهل الحق من الخوارج، فلا إثم عليه ولا أجر له عند الله مع ما يسمع من الأخبار فيه ولكنه لا علم له بأحكام الولاية والبراءة وباب شرح الولاية والبراءة كثير وإنما هذه كالجمل والأصول لتفصيلها وتفريعها وقس ما ذكرناه على ما لم نذكره ....
[فصل في الإجماع ]
فصل[230/ج] في الإجماع ..
__________
(1) سورة الطور:21.
(2) سقط في ب.
(3) سقط في ج . (1/277)
صفحة 278
وأما الإجماع فقد مضى جواب فيه حين رسمنا جوابا للنصارى عما سألونا أن نجيبهم عنه ، أنهم لم يسمعوا بالمذهب الإباضي وما مذهبهم وهل يقاربهم أحد من المذاهب[ وما الفرق بين مذهبهم ومذهب غيرهم من المذاهب] (1) المعروفة الأربعة المشهورة المتسمين بالسنية والجماعة والمعتزلة والشيعة والخوارج ومنهم الإباضية وغير ذلك من المسائل.
وفي[244/ب] الجواب ذكر نجاسة البول من الأنعام وحكينا فيه قول الشيخ أبي سعيد -رحمه الله تعالى- أنه قال لولا إجماع أصحابنا على نجاسته لملت إلى ما قاله قومنا من طهارته لتناقض قول أصحابنا فيه .
وقلنا في الجواب حاكين عن المعتزلة قولهم أن العباد هم خالقون أفعالهم لم يخلقها الله تعالى ودانوا بذلك لكانوا في السلامة ، والمراد من هلاكهم بذلك فلما نظر الشيخ العالم محمد بن خميس إلى الجواب قال في قومنا المحكي عن [قول] (2) الشيخ أبي سعيد -رحمه الله- لولا الإجماع ليس هنا محل إجماع ، وإنما هو لولا الاتفاق أو قال لم يقل الشيخ لولا الإجماع وإنما قال لولا الاتفاق ،ونحن لم يحضرنا في قلوبنا نص ما قاله الشيخ ولا عندنا كتابه في حين رسم الجواب، ثم قال ولو لم تدين المعتزلة بقولهم ذلك فهم هالكون بقولهم ذلك واعتقادهم كذلك .
فأراد من أراد منّي من أهل العلم أبيّن ولهم وجه الصواب في ذلك فأجبته ، بما يسره الله تعالى[231/ج]هذا الموضع من الكتاب محتاج إلى هذا الفصل ولا فائدة في تكراره مفردا ، وهاهنا فأدخلناه هاهنا في هذا الكتاب كما ترى وبالله التوفيق .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ج . (1/278)
صفحة 279
الجواب في ذلك اعلم أن لفظة الإجماع ولفظة الاتفاق في أصل اللغة معناهما واحدا ، ويتقاربان في المعنى وأصل الإجماع اتفاق لا غير[245/ب] وأصل الاتفاق يكون من اجتماع أيضا ، ولكن قد يكون في بعض الصنعة شيء فيها يتفق و لا يقال قد اجتمع فصح أن كل إجماع هو اتفاق ولا يكون كل اتفاق إجماعا ، فهذا هو الفرق بينهما ومقاربة معناهما كما وصفنا ويصح في غير الشريعة أن يطلق أحدهما في موضع الآخر فيما معناهما متقاربان فيه لا فيما باين الاتفاق مع الإجماع.
وأما في الشريعة[129/أ] فقد ثبت الاصطلاح فيما بينهم أن اسم الاتفاق يوضع فيما اتفق العلماء فيه من الرأي، ولا يمنع من جواز خلافه لمن رأى الأصح خلافه فهو اسم موضوع في الرأي ، والإجماع فيما لا يجوز لأحد أن يخالفه برأي ولا بدين فهو من أصول الدين الذي [لا يجوز فيه الاختلاف فعلى هذا فلا يصح وضع كلمة الإجماع في موضع كلمة الاتفاق في الشريعة] (1) ؛ لأنه يوهم إباحة إجازة الرأي في ذلك .
ولا يصح وضع كلمة الاتفاق في موضع الإجماع لأنه يوهم إجازة الدينونة بذلك وأنه من الدين لا يجوز فيه الاختلاف إلا أن يأتي بقرينة من الكلام ما يدل به على أنه يريد به الإجماع ، [232/ج ] مثلاً : أن يقول لولا اتفاق العلماء على ذلك لقلت كذا وكذا من الرأي مما هو على خلاف اتفاقهم ، فيدل بذلك أنه أراد به الإجماع لأن الاتفاق لا يمنع من الرأي فيه ولو كان[على ] (2) خلافهم بل قد يلزمه في مواضع الحكم بين الخصماء أن يعمل بما يراه أقرب إلى الحق ولو خالف فيه جميع[246/ب] من في الأرض من العلماء المحقين فاعرف ذلك .
بيان : وفي اصطلاح أصحابنا أيضا في لفظة الإجماع يريدون بها أحد معنيين أحدهما : أي بالدينونة أنه كذلك المحرم جواز الاختلاف في ذلك ، والمعنى الثاني : يريدون بها أن ذلك مما لم يجز خلافه ولو لم يدن به أحد من العلماء بذلك.
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في أ و ب . (1/279)
صفحة 280
بيان : فإذا عرفت ذلك فاعلم أن للإجماع قاعدتين لثلاثة أقسام :
أحدهما إجماع ذاتي مطلق لم يكن منعقد باجتماع العلماء عليه وهو القسم الأول ، والأخرى إجماع مقيد [منعقد] (1) بسبب اجتماع علماء محقين عليه وهو على وجهين أحدهما تصحيحي وهو القسم الثاني والقسم الثالث إجماع اجتهادي اجتهاد اجتمعوا عليه .
القاعدة الأولى هو على خمسة أقسام : القسم الأول : الحكم العادي ،والقسم الثاني : الحكم العقلي وقد مضى بيان شرحهما في الجزء الأول ، والقسم الثالث أحكام التنزيل[ وعلم الحقيقة منه في هذا الجزء] (2) التي لا يجوز فيها الاختلاف وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في الجزء الخامس سفر العلم الجليل في أحكام التنزيل ، والقسم الرابع أحكام السنة التي لا يجوز فيها الاختلاف وسيأتي بيان[233/ج] ذكرها إن شاء الله في الجزء السادس المسمى سفر لطائف المنن في أحكام السنن أو اسمه سفر العلم المنير في أحاديث البشير النذير ، والقسم الخامس اللاحق[247/ب] بالإجماع وبيانه كل حكم جاء عن الله في التنزيل ، أو جاء في السنة لا يجوز فيه الاختلاف في أمر له أحوال في الشدة والأخف ،وجاء التحريم في الأخف دخل الأشد في ذلك الحكم[130/أ] نحو قوله تعالى في الولد للوالدين " فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا " (3) فدخل ضربهما بالعصى أو عقهما بالحصى ظلما ً أشد من ذلك ،وما أشبه ذلك بإجماع لأنهما لاحق بالإجماع الذاتي المطلق [مثله] (4) فكذلك هذا إجماع لاحق ذاتي مطلق مثله.
__________
(1) سقط في أ.
(2) سقط في ب.
(3) سورة الإسراء:23.
(4) سقط في أ. (1/280)
صفحة 281
القاعدة الثانية إجماع مقيد ينعقد باجتماع علماء محقين عليه ، وهو على ثمانية :أنواع النوع الأول :تصحيحي النوع الثاني: تحليلي إلحاقي، النوع الثالث :إباحة إجمإلى ،النوع الرابع :عقدي اعتراضي ،النوع الخامس :حكمي في حق خصوصي ، وهذه الأنواع أربعة كل منها هو إجماع ذاتي ظاهري ،والنوع السادس : إجماع تجويزي ، النوع السابع في أنه من الوسائل ، النوع الثامن : إجماع استحساني (1) ، النوع التاسع : إجماع شبهي في تحريم عدم محلل له وهذه الأربعة ذاتها باطني فهذه الثمانية مع الخمسة الأولى أربعة عشر وجها ؛ ولكن الأول والثاني ليس هما من وجوه الشريعة فالباقي اثنا عشر وجها ، وقد ذكر الأقسام محل ذكرها وبقيت هذه الأنواع الثمانية ومنها مخارج كل إجماع منعقد باجتماع العلماء المحقين[234/ج] الذين يكون إجماعهم[248/ب] إجماعا وسنذكر إن شاء الله كل وجه منها.
[الإجماع التصحيحي]
... فصل في الوجه الأول الإجماع التصحيحي
وهو على حالين :الحال الأول منها إجماع على صحة حديث يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه عنه ويصح في تأويله الاختلاف المعارض له بحديث صح كذلك عنه -صلى الله عليه وسلم- وذلك نحو ما روي عنه- صلى الله عليه وسلم - " أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير " (2) فبالإجماع انه حديث صحيح أنه عنه ، وكذلك أنه حكم هو أو بعض أصحابه في صيد الضبع في الحرم أو إذا اصطاده محرم بكبش (3)
__________
(1) في ب النوع الثامن إجماع الإجتهادي.
(2) سبق تخريجه .
(3) هناك عدة روايات تنص على أن الضبع من الصيد، و على من صاده محرم عليه كبش نجدي ، انظر :
صحيح ابن خزيمة (4/182) ، سنن البيهقي الكبرى (9/ 318)، و مصنف ابن أبي شيبة (3/254) . (1/281)
صفحة 282
أملح كذلك بالإجماع صحة ذلك ، ومع أهل خلافنا إجماع أنه حرّم أكل كل ذي ناب من السباع وليس في روايتهم ذكر ذي المخالب من الطير، واجماعهم على ذلك يدل على صحة النهي وعلى صحة ما عند أصحابنا في النهي دون التحريم ، إذ كل محرم فهو منهي عنه وليس كل منهي عنه بمحرم .
ودليل صحة رواية أصحابنا صحة الرواية في الضبع معهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم - حكم فيمن صاده محرما أو في الحرم بكبش أملح كما سنذكره في كتاب الأحاديث من كتبهم إن شاء الله تعالى .
وفي كتب أصحابنا أن بعض الصحابة اصطاد ضبعا وأكلوه وحكموا فيه بكبش أملح وكأني أميل إلى الحكم إلى ما عند القوم على من صاده من أصحابه أصح مما عند[131/أ] أصحابنا[ إذ بما عند أصحابنا] (1) متردد أنهم صادوه وحكموا[249/ب] به إلا أن يكونوا صادوه في غير الحرم.
والوجه الثاني :أن النبي -صلى الله عليه وسلم - معهم هو أولى بالحكم[235/ج] في ذلك لا سيما إذ قد نهي عن أكل ذوات الناب؛ فإن قيل أفلا يمكن أنهم حكموا بذلك قبل أن ينهى النبي -صلى الله عليه وسلم - فالجواب ليس لهم حكم فيما لم يتقدمه فيه علم عنه -صلى الله عليه وسلم - فلما تساوى صحت الروايتين تعلق كل من العلماء بدليل يخالف فيه صاحبه ، فقال أهل الظاهر بتحريم ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا " (2) فالانتهاء عما نهى واجب وإذا كان واجبا فارتكابه حرام ، وقال بعضهم تأويل الآية لا على العموم إذ قد صح أنه ينهى على وجه التحريم كنهيه عن النفخ في الصلاة ، وينهى لا على وجه التحريم بل على وجه الكراهية كنهيه عن دخول مسجده من أكل الثوم أو البصل نيا ، وعن دخول بقية المساجد إذا كان فيها أناس يصلون ونهي أدب إذا لم يكن في المسجد أحد غير مسجده -صلى الله عليه وسلم- ومسجد الحرام والمسجد الأقصى وفي هذه نهي كراهية.
__________
(1) سقط في ب.
(2) سورة الحشر:7. (1/282)
صفحة 283
وكذلك النفخ في [الرقاع] (1) مع أن النفخ في الرقاع أخف من ذلك .
وقد استعمله علماء وعسى أنه مما لم تقم الحجة بصحّة عنه -صلى الله عليه وسلم - وقد يكون نهي كراهية في معنى الطب كنهيه عن النفخ في الطعام ، فلما صح ذلك [250/ب]عنه ، وصح أنه حكم في الضبع بكبش ولا يلزم الفدية إلا في صيد الحلال وهو من جملة [ذوات] (2) الناب صح أنه نهي كراهية لأكلها الأموات .
ولما قال الله تعالى قل أي يا محمد صلى الله عليك "لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ [236/ج] يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ" (3) فعدد له ما استثناه تعالى من المحرمات ، ومن المحال أن يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك بخلاف ما أمره الله أن يقوله فلأجل ذلك قال بعض العلماء: أنه نهى أدب لأكلها الأموات ؛ فإن قيل عسى أن يكون الحديث ناسخا لذلك بعد نزولها ، فالجواب يدل على أنه غير ناسخ لأحكامها حكمه على من صاد الضبع بالكبش ، فإن قيل لعل الضبع مخصوص بالحد قلنا لم يستثنه في حديث النهي فإن قيل لم خصه بالحكم ، فالجواب إذ القضية وقعت في صيد الضبع من بعض أصحابه قي صيد ضبع ولو وقعت في صيد غيره لحكم في ذلك الذي صاد من ذات الناب والله أعلم .
الحال الثاني: من حالي الإجماع التصحيحي إجماع على صحة حديث أنه -صلى الله عليه وسلم - ولا يجوز الاختلاف في حكمه وهذين الحالين بصحة الحديث بالإجماع الاجتماعي، وأما حكمهما فالأول بالتأويل وهذا الآخر فحكمه إجماع[132/أ] ذاتي مطلق وهكذا جميع أحكام السنة التي لا يحوز فيها الاختلاف[251/ب] في حكمها كما سنذكره في كتاب الأحاديث .
__________
(1) في ج الرقا وكذلك الثانية .
(2) سقط في أ.
(3) سورة الأنعام:145. (1/283)
صفحة 284
وإنما المراد هنا أن سبب حكمه لم يجز فيه الاختلاف لأنه كذلك أصله ولكنه في صحته بالإجماع الاجتماعي على صحته ، ومثال ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال " كل مسكر حرام " (1) هكذا في روايات أصحابنا وفي روايات[237/ج] قومنا في كتاب الأحاديث كما سنأتيه إن شاء الله تعالى أنه قال " ما أسكر كثيره فحرام قليله" (2) وهذا الحديث أوضح في التحريم لقليله وكثيره ، ويمكن أن الروايتين عنه -صلى الله عليه وسلم - فيخبر أحداً من أصحابه بذلك اللفظ ، فأخبر بهذا اللفظ أو سائل سأله بعد ما أخبر أو سائل سأله ثم أخبر سائله وصحة ذلك بالإجماع ومع أصحابنا العمل بظاهر الحديث ، و لا يحتمل دخول الاختلاف عليه لأنه ألحق ذلك بشبهه المحرم الذي هو الخمر.
وبالإجماع عنه أنه قال -صلى الله عليه وسلم - " ما أشبه الشيء فهو مثله " (3) [ أو ذلك بإجماع من علماء محقين وأجاز قومنا بعضهم الاختلاف فيما يفسد العقل كالتتن وما أشبه ذلك] (4) وقالوا أن السكر غير الإفساد وأنا وجدنا الأشياء المغيرة للعقل على ثلاثة أنواع : مسكر كالخمر، ومفسد كالتتن ،ومنوم كالإكثار من أكل البصل ، فالمسكر حرام كثيره وقليله أسكر لكثرته أو لم يسكر لقلته ، والمنوم لا يحرم قليله ولا كثيره ، والمفسد يحرم بمقدار ما يفسد ولو قل و لا يحرم ما دام لم يفسد ولو كثر.
__________
(1) سبق تخريجه .
(2) سبق تخريجه .
(3) لم نجد له تخريجا بهذا اللفظ .
(4) سقط في ب. (1/284)
صفحة 285
والفرق بين المسكر والمفسد أن المسكر يزيد المرء فيما أهمه قبل[252/ب] شربه همة وقوة وشدة سطوه والمفسد بخلاف ذلك تضعف به همته وقوته وتزول شدته وتبطل سطوته وبالحق أقول ، أنه ليس هذا بحجة لمحتج على ما حرمه النبي -صلى الله عليه وسلم - ولم يذكر النبي -صلى الله عليه وسلم - فرقا بين المفسد للعقل[238/ج] وبين المسكر ، فأما أن يكون حلالاً أفسد قليله وكثيره بدليل النبي -صلى الله عليه وسلم - عليم بالمسكر والمفسد ولم يذكر المفسد وما ترك ذكره إلا أنه حلال .
وإما أنه جاهل به ولذلك لم يذكره وكل هذا باطل لا يقول به ذو عقل سليم ، وإما أنه عليم به ومعه أن أفساد العقل به حرام وأنه سماه كله مسكراً إذ العلة واحدة وهو إفساد العقل ، فالمسكر لو لم يكن مفسداً للعقل لما حّرم شربه واحتجاجه بأن يكون أشد همه وقوة على فعل ما أهمه من قبل فذلك لمن لم يسكر كثيراً ومن سكر كثيراً لا يدري أن[133/أ] يأتي ما أهمه من قبل[فذلك] (1) لفساد عقله ، والحجة في ذلك قوله فيه قيل أن يحرمه تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ " (2) فمن لم يدري يأتي الصلاة على وجهها لسكره كيف ذلك إلا من شدة فساد عقله وكيف ضعف عن معرفتها فلم تقوى المعرفة فكل مسكر هو مفسد للعقل ، وكل مفسد للعقل فقد أسكره بتسمية النبي -صلى الله عليه وسلم - لذلك جميعا[253/ب] بالسكر و إلا وجب أنه حلل المفسد أو جهل به وكلاهما باطلان .
__________
(1) سقط في أ وب .
(2) سورة النساء:43. (1/285)
صفحة 286
وكيف انتبه النبي -صلى الله عليه وسلم - لتحريم المسكر وهو أقل ضرراً على صفته هو المحتج من المفسد وغفل عن ذكره أصلا وهما متقاربان في المعنى ، فصح بطلان قول من حلل المفسدات للعقول وصح أنهن كلهن في حيز المسكرات ما كان منها مقاربا معناه معنى السكر لا معنى الضرر الذي[239/ج] كثيره يؤدي إلى الهلاك كإفساده بالسم فلا يطلق عليه اسم السكر .
أما مثل أكل البنج الأسود الذي تسميه أهل عمان المريخة فهو أيضا شديد ومن المسكرات والمفسدات فاعرف ذلك واعرف الفرق بين المضر الذي هو كالسم، وبين ما هو يدخل في معنى السكر الذي أضاف النبي -صلى الله عليه وسلم - ضرره إلى معاني السكر إذ هو من معناه ، والسكر من معنى ذلك الإفساد وذلك الإفساد من معنى السكر وبالله التوفيق .
[الإجماع التحليلي الإلحاقي]
... فصل في الوجه الثاني إجماع تحليلي إلحاقي
وذلك كتحليل صيد البر لا على الإجمال بل مثل الوعل وكل مفرد وبقر الوحش وما أشبه الأنعام ويأكل الحشيش ولا يصاد الحيوانات لأكلها وما لا دم فيه ومن الطيبات وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله .
... ... [إجماع في الإباحة]
فصل في الوجه الثالث إجماع في الإباحة (1/286)
صفحة 287
على التفصيل في كل مفرد لا على الإجمال ، والمراد بالإجمال أنه لا هو لأنه إجماع ذاتي تنزيلي ، وأما التفصيل فهو بإجماع منعقد أن هذا[254/ب] الشيء من ذلك المجمل كالظباء والحمام وما أباحه أكل كل شيء [من ] (1) نبات الله مما هو طيب لا ضرر فيه لقوله تعالى " كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً " (2) والمراد كلوا ما في الأرض من الحلال الطيب أو ما في الأرض من الطيب فهو الحلال ، ولم نذكر كلمة طيب هنا إلا ليعم كل طيب وتخص الطيب مما هو غير طيب والمراد بغير الطيب الحرام إما حرام [لذاته] (3) كالقرد بالإجماع ، والخنزير بالتنزيل والنجاسات ، وإما حرام لفعله كالسم وغيره[240/ج] والشديدة الضرر وأما المفعول به نحو المغصوب أو المباع ببيع باطل أو الأخذ له على أي وجه غير جائز أو يفعل فيه في ذبحه أو غير ذلك مما يحرّمه أو حرام لحال فيه نحو حلت فيه نجاسة لا يمكن إزالتها عنه ، وكل شيء حلّ[134/أ] فيه من المحرمات ولم يمكن تمييزه ولا عوض نحو النجاسات حلت في شيء مايع فنجسته وما أشبه ذلك فهذه وجوه غير الطيب وهو المحرم فتدخل فيه المكروهات لمن شاء اجتنابها فذلك معنى قوله تعالى: " وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ " (4) فالخبايث على الإجماع المحرمات وتدخل فيها المكروهات لا على التحريم بالإجماع ، ويدخل في ذلك على الاختلاف في كل شي غير طيب أكله ؛ ولكنه لا على الإجماع وكل شي مضر لا يؤدي إلى الهلاك ولا إلى ضرر كثير فهو مكروه وكل شيء لا ضرر فيه وطيب أكله فهو حلال[255/ب] وكل شيء لا ضرر فيه ؛ ولكنه في الصورة خبيث أكله فهو من المكروه فاعرف ذلك .
[الإجماع العقدي الاعتراضي]
... فصل في الوجه الرابع الإجماع العقدي الاعتراضي
__________
(1) سقط في أ وب
(2) سورة البقرة:168.
(3) سقط في ج .
(4) سورة الأعراف:157. (1/287)
صفحة 288
ويدخل في هذا عقد الإمامة والتزويج و الإجارات و البيوعات والعهد والميثاق وعمل العمال في الأموال، وولايات الإمام للولاة وللقضاة والوكالات والوصايا والعقودات ،والتراضي بالاباحات والتفويض والنذورات فيما جاز والاعتكاف وما عقده المرء على نفسه من تقليد الهدي وكلما كان من سببه فألزمه نفسه فهو داخل في ذلك فما كان لازما عليه بالإجماع [241/ج] فقد لزمه بالإجماع وما لزمه بذلك العقد والإلزام على أحكام فهو على الرأي .
بيان : ومثال الإمام إذا اجتمع من يلزم بعقدهم الإمامة على أحد وليّ أهل الإمامة وسار بالعدل ثبتت إمامته بالإجماع ، فإذا عقدوا له ورضي به أهل العلم والورع وسار بالعدل فبالإجماع ثبوتها ولو لم يبايع وشذّ من شذّ عن البيعة ولا عبرة لمن شذ ، ووجب على الرعية طاعة العلماء فيما أجمعوا عليه من إمامته والرضى بعدله وثبتت طاعته وذلك بالإجماع الذاتي التنزيلي لقوله تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ " (1) وهم العلماء النبلاء والأمراء الفضلاء وولاتهم وقضاتهم[256/ب] فيما يجب عليهم طاعتهم بالإجماع .
وفي الرأي بالرأي وذلك إذا حماهم وأقام فيهم العدل من إجابته لإقامة الحدود ولا لزامه في الحقوق وإجابة قضاته للقضاء بالحق لأداء الواجب على من وجب لمن وجب له وما أشبه ذلك ، واختلف بكم تقوم الحجة في عقد الإمامة فقيل بالأربعين ، وقيل بما دون ذلك إلى العشرة ثم إلى السبعة والى الخمسة والى الاثنين والى الواحد العدل العالم ، والمطلوب في ذلك إذا أقام بالعدل ورضي سيرته أهل العلم من[135/أ] أهل الفضل فهنالك يكون عقد الواحد العالم العدل وعقد الأربعين بالسواء .
__________
(1) سورة النساء:59. (1/288)
صفحة 289
بيان : ومثال التزويج أنه إذا أتم بالرضي ورضا المرأة وهما حران بالغان الحلم عاقلان وعقد باللفظ بحضرة الشهود وبصداق جائز فقد انعقد[242/ج] وتم بالإجماع ولزمه ما لزمه لها ولزمها ما لزمها له ، فما كان لزومه بالإجماع فبالإجماع وما كان لزومه بالرأي فبالرأي نحو نفقته إن كانت في بيته أو في غيره إن لم يكن شرطت له سكنا في موضع .
وإن كانت شرطت له سكنا ففي ذلك السكن أو كانت هي معه حيث أراد وكذلك كسوتها وتفصيل ذلك سيأتي إن شاء الله تعالى في أحكام التنزيل أو أحكام السنة وأما في شرط السكن فعن العلماء وليس انعقاده يسمى إجماعا ؛ ولكن لما دخل في الإجماع الانعقادي ذكرناه معه ، وأما انعقاده بالعقد والشهود ورضاها[257/ب] والولي فالعقد بالتنزيل لقوله تعالى: " وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ " (1) رضاها والولي وأمّا الشاهدان فبالسنة .
بيان : وأما العهد فيما يلزم بالإجماع فبالإجماع ، وما لا يلزم بالإجماع فإلى الرأي وذلك حيث يقع الضرر على المعاهد بخلفه وذلك بالتنزيل والسنة وحيث لا يقع ضرر فإلى الرأي أمره .
بيان: وأما النذور والاعتكاف وما عاهد عليه الله تعالى فذلك بالتنزيل .
بيان : و الإجارات متى تم الأجير خدمته وجب الوفاء على المؤجر أما على ما أجره وإن غيرو فمثل عنا مثله بإجماع الذاتي التنزيلي أنه لا بد له من وفاءهِ حقه ، وإن جاز الاختلاف في مقداره والوكيل والوصي وسيأتي بيان ذلك في أحكام التنزيل ، وفي أحكام السنة وليس هنا إجماع اجتهادي وإنما هي وجوه داخلة في العقد الاعتراضي وأحكامها تنزيلية وسنن وآراء علماء فاعرف ذلك .[243/ج]
[الإجماع الحكمي]
فصل في الوجه الخامس الإجماع الحكمي
__________
(1) سورة البقرة:235. (1/289)
صفحة 290
في حق واصله من اجتماع علماء أجمعوا على عقد إمامة عدل فعدل وجعل حاكما أو عقد العلماء حاكما يحكم بين المسلمين ، فبالإجماع الذاتي التنزيلي ثبت حكمه لقوله تعالى في كفارة الصيد " يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ " (1) وقوله تعالى:" وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " (2) فلم يخطّئ الحكام وإنما خطأ المدلين بها ظلما إلى الحكام وقال تعالى :" وَأَقْسِطُوا [258/ب] إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " (3) أمر بالعدل في كل أمر وعلى كل حال عموما للحكام وغيرهم من المكلفين بالطاعة لله تعالى ، وإن حكم برأي يجوز فيه الاختلاف ثبت حكمه بالإجماع ؛ لأنه من أولي الأمر وجعله لذلك أولي الأمر ولم يجز خلافه ويبقى ذلك المعنى الذي يجوز فيه الاختلاف كما كان من قبل يجوز فيه الاختلاف [136/أ]حتى لنفسه متى رأى الأصح و الأعدل بعد ما أجهد نفسه في حكمه الأول أنه هو الأصح و الأعدل فحكم به ثم رأى الأعدل خلافه لم يجز له نقضه ما لم يكن خارجا عن الصواب إلى باطل لا يجوزفيه الاختلاف .
وعليه أن يحكم في قضية مثلها إن جاءته بالذي يراه أعدل حين الحكم ولو كان على خلاف الأول فاعرف ذلك ، وقيل إذا تحاكما اثنان خصمان في حق مع رجل وأعلمها بما سيحكم به قبل الحكم وكان ذلك الرأي فرضيا وحكاه فحكم عليهما بذلك الذي أخبرهما به ثبت حكمه ، ولا أعلم أنه جاء في ذلك اختلافاً إذا كان من أفاضل المسلمين والله اعلم ، ولم يكن في ذلك إجماع إذ لم يصح أنه اجتمعوا على هذا الحكم في هذا[244/ج] المعنى علماء في عصر فاعرف ذلك .
[الإجماع التجويزي ]
فصل في الوجه السادس إجماع تجويزي
__________
(1) سورة المائدة:95.
(2) سورة البقرة:188.
(3) سورة الحجرات:9. (1/290)
صفحة 291
منعقد اجتماع اجتهاد من يكون اجتماعهم إجماع على إجازة معنى من معاني الشريعة لا إجماعا على لزوم العمل به وذلك مثل مصالحة أمير المؤمنين[259/ب] عمر بن الخطاب على نظر الصحابة نصارى يحربهم فإذا حربهم ليسلموا أو ليعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، أذى النصارى مسلمين من خلفهم وبين عمر والصحابة وبين أولئك المسلمين هؤلاء النصارى فلم يقدر عمر وأصحابه يكفون الأذى عنهم ، فصالحهم عمر والصحابة على أن يتركوا أذاهم عن أولئك المسلمين ويترك عمر حربهم من غير تسليم جزية فرضي النصارى الفريقان ووفا النصارى لعمر بتركهم الأذى لولاية المسلمين ، ووفى لهم عمر بترك الحرب فظاهر هذا على خلاف التنزيل لقوله تعالى :" حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ " (1) فكان معنى الآية معهم على الخصوص حيث لا ضرر على أحد من المسلمين فجاز ذلك بالإجماع الاجتماعي وجاز لمن نزل بهذه المنزلة لغيرهم من المسلمين بالإجماع ولا يلزم العمل به إلزاما بالإجماع بل الرأي يدخله ويجوز فيه لخلافه ؛ فإن قيل كيف يجوز الخلاف في إجماع قلنا هو إجماع في جواز العمل لا في لزوم العمل به فلا يجوز الاختلاف فيه على معناه وعلى ما انعقد عليه فيقول برأي أنه غير جائز ذلك .
[إجماع أن الشيء من الوسائل]
فصل في الوجه السابع إجماع بأنه من الوسائل
وذلك مثل سجدتي الشكر بعد[245/ج] الصلاة المكتوبة في التي تجوز صلاة النفل بعدها، فبالإجماع أنها من الوسائل ولها دليل من السنة إذ في كتاب[260/ب] الأحاديث الذي سنأتيه في الجزء السادس إن شاء الله تعالى عنه -صلى الله عليه وسلم - كلما أنعم الله تعالى عليه نعمة سجد لله تعالى معها شكراً له جلّ وعلا.
__________
(1) سورة التوبة:29. (1/291)
صفحة 292
فإذا كان كذلك فإعانة الله تعالى له على إتمام صلاته هي من أعظم[137/أ] النعم ، فيصح أنه كان يسجدهما بعد الصلاة التي تصح صلاة النفل بعدها ، وهكذا كل أمر لا يصح إلا أن يكون من عبادة الله تعالى من سجود أو دعاء أو غير ذلك إلا أن يكون جائزا بإجماع من العلماء على ذلك .
وخالفنا بعض أهل المذاهب الأربعة أنكروا سجدتي الشكر ولم يجيزوهما وقالوا أنها بدعة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم-صلى الله عليه وسلم - ولو كان ذلك حسنا وأفضل لفعلهما وفي كتابهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم - إذا أحدث الله له نعمة سجد سجدتين شكراً لله تعالى .
وكيف يصح قولهم مع ذلك أنه لم يفعلهما وأوئلهم هم الرافعون عن النبي -صلى الله عليه وسلم - وذلك على العموم في كل نعمة يحدثها الله تعالى عليه وإعانة الله تعالى له على تمام كل صلاة يصليها هي نعمة محدثة من الله تعالى عليه
وكذلك ينبغي وقال تعالى حاكيا عن النبي داوود عليه السلام " وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ " (1) يحتمل أنه صلى وركع وسجد ويحتمل أنه سجد من غير أن يصلي فلما[261/ب] كان يحتمل الوجهين كان كل منهما حسناً[246/ج] فعله ، وإن كان هو قد فعل أحدهما ، ولكن لما يبين الله تعالى أحد الوجهين ، ذكر الوجه الذي فعله وأبهمه ليدخل الوجه الآخر لمن شاء أن يفعل أيهما شاء وذلك الخشوع لله تعالى ، ولما أنعم عليه حين نبهه على الأمر الأحسن له فيما بينه وبين الله تعالى وخضوعا لله في أوبته إليه ، ولم يقل وتاب بل قال وأناب دليل على أنه لم يفعل أمرا غير جائز له ، بل نبهه الله تعالى على الأمر الأصح قبل أن يعمل بالأوهن ،فلذلك خر ساجدا شكرا لله تعالى فصح أن كل عمل هو طاعة لله تعالى بلا اختلاف ، فبالإجماع أن فعله من الوسائل لله تعالى .
__________
(1) سورة ص:24. (1/292)
صفحة 293
ومن قال برأيه أنه يراه غير جائز ولم يخطئ المسلمين على فعلهم ذلك وصوبهم في ذلك فغير هالك ما لم يدن بذلك أو يخطي المسلمين ، ولا يكون قوله ذلك برأيا في الرأي ويصح أن يقال هو قول باطل خارج من الصواب بالكلية ولا مدخل له في الحق أبدا أو البتة ، وإنما لم يهلك به ؛ لأنه لم يدن به ولم يخطئ المسلمين بخلافهم له ؛ فإن قيل كيف لا يهلك من قال بالباطل أو اعتقد به قلنا: ليس كل باطل يهلك به المرء إن كان ضالا به عن الحق ، وذلك نحو مثل : من أخطأ في اللغة أو النحو أو الصرف أو المعاني أو البيان أو في البديع ، أو في عروض الشعر أو في قوافيه أو في شيء من العلوم خطأً لا مخرج له إلى الصواب ، [فيصح أن يقال هذا باطل [262/ب]من قوله وقد ضل عن الصواب] (1) فيه ضلالا بعيدا و لا يضره [138/أ]ذلك الضلال ، وقوله ذلك الباطل في ذلك العلم واعتقاده كذلك خلافه الإجماع [247/ج] في غير اللازم من الدين لا يهلك بخلافه برأي لا بدين ، ولا يقال أنه إذا كان كذلك جاز فيه القول بالرأي ؛ لأن الرأي بخلافه لا شك في بطلانه بالإجماع أنه رأي باطل ، و لا يهلك بذلك ما لم يدن به ؛ لأن ما كان جائزا بالإجماع فلا يحيله إلى حيز الرأي وأنه محل الرأي في جوازه مخافة من خالفه أنه باطل خلافه فيه بالإجماع أيضا فافهم هذين الفصلين هذا والذي يليه من قبله فإنك ربما لا تجدهما[موضحين ] (2) على هذا الإيضاح وبالله التوفيق .
[الإجماع الاجتهادي]
فصل في الوجه الثامن الإجماع الاجتهادي
__________
(1) سقط في ج .
(2) سقط في أ وب . (1/293)
صفحة 294
وهذا الوجه هو الإجماع المطلق في التسمية له من الإجماع، وهو المراد به في ا لكتب غالبا ، وذلك أن تحدث حادثة في عصر أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم - في حياته أو بعد مماته، ويتفق علماءهم على حكم تلك الحادثة في ذلك المعنى بدلالات شرعية تدل على صحة ذلك الحكم ، ولم يخالف أحد في زمانهم من العلماء حكم ذلك حتى انقرض أولئك العلماء بذلك الحكم، ولم يكن مخالفا لدلالات أحكام التنزيل ولا أحكام السنة التي لا يجوز الاختلاف فيهما ولا مخالفا لدلالات[263/ب] إجماع صحيح قد تقدمه ، كان ذلك إجماعا ثابتا بالدينونة لا يجوز خلافه من بعدهم.
ومع قومنا لا يشترط انقراضهم كما سيأتي في جزء الفقه إن شاء الله تعالى ، وكذلك إجماع علماء الفرقة المحقة من بعد الصحابة في عصر إلى أن ينقرضوا ، فهو مثل إجماع الصحابة وبعض قال لا ، والأصح أنه مثل إجماعهم لقولهم [248/ج] في حق الصحابة " كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ " (1) الآية ثم قال في الفرقة المحقة بعد الافتراق " وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ " (2) الآية فجعل طاعة ولتكن منكم في أمرها بالمعروف نهيها في اللزوم مثل لزوم طاعة كنتم خير أمة ، والوجه الآخر كنتم خير أمة يخص ذلك أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم - بتاء الخطاب للحاضر و يعم الخطاب مع ذلك جميع من هو من أمته من أهل طاعته -صلى الله عليه وسلم - لأن تاء الخطاب تعم جميع الأمة ؛ لأنه خطاب للأمة والأمة يدخل فيها الحاضر و الغائب .
__________
(1) سورة آل عمران:110.
(2) سورة آل عمران:104. (1/294)
صفحة 295
وإن وقع بالتاء لأجل أن منهم كان حاضرا ووجوب العمل بالإجماع إجماع ذاتي من التنزيل والسنة قوله تعالى :" وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ " (1) وقال تعالى: " وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ " (2) الآية [ وقال النبي -صلى الله عليه وسلم - : " يد الله مع الجماعة " (3) والمراد الجماعة إجماع العلماء المحقين ] (4) وقال - صلى الله عليه [139/أ] وسلم - : " لا تجتمع أمتي على ضلال " (5) وفي روايات قومنا على ضلالة والرواية أصح ؛ لأن قوله على ضلالة يمكن على أن الحق متفرق[264/ب] في المذاهب ، والضلال متفرق لا يجتمع كله في ضلالة واحدة، و لا يدل على هذا أن فرقة ناجية من ضلالة لم تضل بها جميع الأمة .
__________
(1) سورة النور:62.
(2) سورة آل عمران:105.
(3) أخرجه الترمذي في (31- كتاب الفتن عن رسول الله ، 7- ما جاء في لزوم الجماعة) ص629 رقم الحديث 2171، و النسائي ( 37- تاب تحريم الدم ، 6- قتل من فارق الجماعة) ص586 رقم الحديث 4022، و ابن حبان رقم الحديث 4577 ، 10\438، و الحاكم في المستدرك رقم الحديث 391 ، 1\199، و الطبراني في المعجم الكبير رقم الحديث 362 ، 17\144.
(4) سقط في ب .
(5) أخرجه الربيع رقم الحديث 39 ص36، و الترمذي (31- كتاب الفتن عن رسول الله ، 7- ما جاء في لزوم الجماعة ) ص629 رقم الحديث 2171، و ابن ماجه ، (36- كتاب الفتن ، 7 - السواد الأعظم) ص 596 رقم الحديث 3950 . (1/295)
صفحة 296
وأما قوله على ضلال دل على وجود فرقة محقة ، أي لا تجتمع جميع الفرق على الضلال فلا بد من بقاء بعض الفرق ناجية من جميع الضلال ،[ و لا يصح إلا أن يكون هي[249/ج] السالمة من الضلال ] (1) في الأصول ؛ لأنه متى سلمت فرقة من الضلال في الأصول ولم يسلم غيرها من الضلال فيها ، وسلمت مما بعد ذلك أيضا ، ولم تسلم السالمة من الضلال في الأصول فيما بعد ذلك مما يهلك به لم تبق فرقة ناجية من الضلال ،[ و كل فرقة غير ناجية من الضلال] (2) فلا حجة فيما يرفعه من الشريعة عن النبي -صلى الله عليه وسلم - مما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع ؛ لأن الضال قد اختلط نقله و برفعه حقه بباطله ، وعسر التمييز ، وبطل لزوم دين الله أحد من المتعبدين ، ولم يصح ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم - أنه كل الفرق هالكه إلا فرقة ناجية كيف وقد [....] (3) . أنه عنه -صلى الله عليه وسلم - بالإجماع ، وفي التنزيل تصحيح كذلك بقوله تعالى: " كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ " (4) وبقوله تعالى :" وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ " (5) فصح ما قلنا .
ويجمع الفرق أربعة أقسام : بلكفيون ، وخوارج ،وشيع ، ومعتزلة وكل قسم يجمعهم اعتقاد أصل أو أكثر ضلل به أصحاب الأقسام الأخرى ، فمن هناك يعرف ضلال كل قسم
[ 265/ ب ] ضل بشيء من تلك الأصول كما أوضحناه في أجزاء هذا الكتاب ما به كفاية عن أعادته .
__________
(1) سقط في ب .
(2) سقط في ب .
(3) سقط بمقدار يسير في جميع المخطوطات .
(4) سورة آل عمران:110.
(5) سورة آل عمران:104. (1/296)
صفحة 297
ومنهم من احتج بقوله -صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بالسواد الأعظم" (1) ، فقال قومنا يريد بذلك كثرة أهل الفرقة فما كانت أكثر أصحاباً فهي السواد الأعظم ، والتأويل الحق أنه - صلى الله عليه وسلم - الفرقة المحقة ، وأن الحجة اجتماع علمائها فهم السواد الأعظم وإن قل عددهم ؛ لأن الأعظم مع الله تعالى ومع رسوله [250/ج] - صلى الله عليه وسلم - هم الأتقياء المحقون لقوله تعالى :" إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " (2) وقال تعالى : " وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ " (3) وقال تعالى : " وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ " (4) وقال تعالى : " وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ " (5)
ولا يصح أن تخالف السنة التنزيل ، فيقول الأعظم عند الله فهو الأكثر عددا والله تعالى يقول : " وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ " (6) و لا يصح أن يكون السواد الأعظم عند الله غير الشاكرين، وفي كتبهم يروون عن النبي -صلى الله عليه وسلم - : " إني تارك [140/ أ ] فيكم شيئين من تمسك بهما لم يضل سنتي وكتاب الله " (7)
__________
(1) أخرجه ابن ماجه ( 36- كتاب الفتن ، 7 - السواد الأعظم ) ص 596 رقم الحديث 3950 ، و أحمد موقوفا على أبي أمامة الباهلي رقم الحديث 18641 ص 1345.
(2) سورة الحجرات:13.
(3) سورة فصلت:85.
(4) سورة سبأ:13.
(5) سورة ص:24.
(6) سورة سبأ:13.
(7) أخرجه الربيع رقم الحديث 30 ص 33، وابن حبان رقم الحديث 122 ، (1\329) ، والحاكم في المستدرك رقم الحديث 318 ،(1\171 ) ، ابن أبي شيبة في المصنف رقم الحديث 3006 ، (6\125) ، و البزار رقم الحديث 3421،(8\346). (1/297)
صفحة 298
فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ، ذلك في كتاب الأحاديث من كتبهم ، وهو الجزء السادس من هذا الكتاب ، وكذلك فيه : "اعرضوا ما روي عني على كتاب الله فما وافقه مني وما خالفه فليس هو مني " (1) ورسمنا ذلك منه في فصل البرهان المبين في الجزء الأول فصح ما قلنا من كتبهم ، وبطل قولهم من كتبهم ، ومن التنزيل و لا حجة أقوى من ذلك [266 / ب] عليهم فانظر في ذلك .
[الإجماع الشبهي]
... فصل في الوجه التاسع :
إجماع شبهي في تحريم انعقد بعدم القول بخلافه على الدوام فهو يشبه الإجماع ؛ ولكن لم يبلغ به الحال إلى أن يدان به ، والمراد بلفظة الإجماع فيه بأنه لا يجوز فيه الاختلاف .
بيان : وذلك مثل تحريم من وطئ زوجته في الحيض متعمداً عالما أنها حائض علما تقوم عليه به الحجة من نظره إلى دم حيضها ، فاتفق قول علماء أصحابنا منذ وقع الفتوى في هذه المسألة إلى الآن على تحريمها عليه ، وخروجها[251/ج] منه بغير طلاق وتحليلها ، لأن تنكح بعد انقضاء عدتها زوجا غيره ، ولا تحل له إلى يوم القيامة ، ولو طلقها الزوج الآخر بعدما دخل بها وقضى وطره منها .
__________
(1) أخرجه الربيع رقم الحديث 40 ص 36. (1/298)
صفحة 299
ولكن لم يصح أنه إجماع من علماء في عصر اجتمعوا في تحريم ذلك حتى انقرض ذلك العصر، بل توافقت فتاويهم على هذا ، ولم يقل أحد بخلافهم ، وإنما قيل أن بعض العلماء توقف عن تحريمها وعن تحليلها ، فقال الشيخ الكبير أبو سعيد - رحمه الله - أن وقوفه لا يعد رأيا إن الوقوف فيها ، فيكون قد جاء فيها القول بالرأي بل ذلك مبلغه من العلم ، ولم يجز أحد من العلماء أن يقول فيها برأي يخالف التحريم ، و لا قال أحد من العلماء أنه يجوز القول بالرأي في ذلك ، فصار تحريمها عليه يشبه الإجماع قولا وفعلا وامتناعا [267 /ب]عن إجازة الرأي بخلاف التحريم في ذلك ، وما أشبه الإجماع إجماع ولكن لم يبلغ إلى أن يدان بذلك ، [ ومعى أنه لو دان بذلك] (1) في حرمتها من رأى الدينونة جائزة له فلا يهلك ؛ لأن تحريمها قد اجتمع عليه علماء أهل نحلتنا حيثما كانوا فاعرف ذلك .
بيان : وكذلك نجاسة بول الأنعام قد اتفقت واجتمعت جميع فتاوى علماء أهل ملتنا من أهل عمان على نجاسته ؛ فإن كان كذلك علماء أهل المغرب من أهل نحلتنا فقد صح ما يشبه الإجماع في نجاسته وتحريمه ، وسمعت أن الشيخ إمام مذهبنا أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أنه لم ينجسه ، ولكن لم تقم الحجة بصحة ذلك[252/ج] عنه ، وما أشبه الإجماع فهو إجماع ، وإن كان أهل المغرب من [141/ أ ] أصحابنا لا ينجسونه فقد صح جواز الاختلاف فيه .
__________
(1) سقط في ب . (1/299)
صفحة 300
وذكر أصحابنا ترخيصا فيه في السفر الذي لا يقدر أن يمتنع عنه من بول الإبل ، فقيل لا بأس بالشرر لا ما زاد ، وقيل ما لم يبل نصف القدم ، وقيل القدم ، وقيل القدم مع نصف الساق ، فقال الشيخ الكبير أبو سعيد - رحمه الله - هذه أقاويل يناقض حكمها الحكم فيه بالنجاسة ؛ لأنه إن كان نجسا فنجس قليله و كثيره ، و إن كان ذلك غير نجس فغير نجس قليله وكثيره ؛ وأنه ولولا أن أصحابه من العلماء جميعا حكموا بنجاسته لمال إلى ما قاله القوم من طهارته (1) ، وقول أصحابنا في السفر أنه لا بأس به ؛ فإن كان المراد أنه لا ينقض [الوضوء] (2) [268 / ب] حتى لو وجد الماء ، ولا يلزمه أن يتيمم للصلاة ، أو أنه لا يلزمه غسله متى وجد الماء وأمكن غسله وأراد الصلاة والوضوء ، فمعه على هذا أنه طاهر، إذ لا يصح أن يكون لا عليه غسله مع المكنة إذا أراد الوضوء والصلاة المكتوبة إلا ما يحكم بطهارته ، وإذا كان طاهرا فيلزمه على قياده أن يحلل شربه ، وأن يكون لا بأس به لو دهن في الحضر جميع بدنه وصلى به متعمدا ، ولا نعلم أن أحدا من [علمائنا] (3) أجاز جميع هذا فيه ، وإن كان المراد لا بأس به في حال الضرورة لا غيره ، وفي الظن أنه كذلك أراد ؛ لأنه خصه في السفر الذي لا يستطيع فيه أن يمتنع عنه أنه متى وجد الماء وأمكن غسله وأراد الصلاة فعليه غسله [253/ج] .
وأن شربه وطبخ العيش (4) به حرام ، فكذلك حكم النجاسات عند الضرورة ، و لا يختص به البول ، وإنما خص البول بالذكر ، إذ في حين القول بذلك الذكر في حكم البول فلا يضادد بعضه بعضا ، و لا يناقض بعضه بعضا بهذا القول بل هو قول رشيد سديد .
__________
(1) انظر تفصيل هذه المسألة، و رأي الشيخ الكدمي في : أبي سعيد الكدمي ، المعتبر (3/137).
(2) سقط في ب .
(3) في ب : " علماء أصحابنا " .
(4) العيش : الأرز عند العمانيين . (1/300)
صفحة 301
ولعل الشيخ أبو سعيد جعل كلامهم فيه على الوجه الأول المناقض بعضه بعضا مع أنهم يمكن أرادوا الوجه الآخر ، فقلنا أنه قال لولا الإجماع لقلت فيه برأي وملت إلى ما قاله قومنا ، أو قال لملت فيه إلى قول قومنا ، ولعل الشيخ - رحمه الله- [269/ب] لفظه في ذلك لولا الاتفاق فالله أعلم لم يحضرني حفظه ولا كتابه ؛ ولكن الشيخ - وإن قال- لولا الاتفاق لم يرد بذلك الاتفاق ؛ [ لأن الاتفاق ] (1) ما لم يصر إجماعا لا يمنعه أن يقول فيه بالرأي بما يراه أصح وأقرب إلى الحق بالدلالات الشرعية ، وقد يلزمه ذلك ولو خالف جميع علماء أهل الأرض ، ورأى الحق خلاف ما اتفقوا عليه مما يجوز له أن يقول فيه بالرأي هكذا أتاه في تصانيفه و لا يمنعه إلا الإجماع .
فصح أنه يريد بقوله لولا الاتفاق إن كان كذلك لفظه يريد إما لولا الإجماع ، أو يريد بذلك لولا أني خائف في اتفاقهم ذلك أن يكون قد صار إجماعا ولا مخرج له عن إرادته أحد [ 142/أ ] هذين الحالين ؛ لأن الاتفاق في تصنيفه أنه لا يمنع من النظر بالرأي ، وأن على المرء أن يعمل في الأحكام بما يراه أعدل ، ونحن إذا حكينا قوله أوهمنا[254/ج] أنه غير عالم بمعنى الاتفاق ، والفرق بينه في اصطلاح أهل الشريعة ، وبين الإجماع في المعنى ، ونحن ما عرفنا إلا من كتبه وجواباته في مثل هذا وأمثاله .
وإذا قلنا أنه قال لولا الإجماع عرفنا بيناه أنه لم يمنعه غير الإجماع المانع من أن يقول أحد بخلافه ، ولو لم يجد جميع علماء أهل نحلته متفقين على تنجيسه ، ولم يعلم عن أبي عبيدة قولاً بطهارته ولا بنجاسته ، ولم يعلم أحداً من أهل المغرب من علمائنا قال بطهارته ، ويمكن أنه لم يعلم بما فيه من الحكم .
__________
(1) سقط في ب . (1/301)
صفحة 302
وإذا كان كذلك وصح مع أصحابنا[270/ب] أهل المغرب كذلك اتفاقهم على نجاسته صار يشبه الإجماع ، وما أشبه الإجماع فهو إجماع مثله ؛ ولكن لم يبلغ إلى أن يدان به ، ومن صح معه اتفاق جميع علماء أصحابنا من [أهل] (1) المغرب على نجاسته ، ودان بعد ذلك بنجاسته لم يهلك ، وبالجملة إما أن يكون المصر على شربه والحكم به معه أنه طاهر ويصلي به دائما متعمدا لغير عذر إلى أن مات غير هالك به في الحكم فهو اتفاق ، والرأي فيه جائز ويلزم العالم أن يحكم به بما يراه أنه هو الأقرب إلى الحق ولو خالف الاتفاق ، ويكون مما لا يمنع جواز الرأي فيكون أقوال أصحابنا فيه على الاتفاق لا على الإجماع ويكون منا ذلك غلطاً ، وإن كان يهلك من عمل به كذلك دائماً ولو رآه طاهرا هو الأصح بعد قيام الحجة عليه بتحريم المسلمين له فهو إجماع .
وكذلك مسألة الناكح في الحيض على العمد ، لأن حكم الإجماع حده في الإجماع هكذا[255/ج] أن يهلك مرتكب حرمته بعد قيام الحجة بحرمته عرف أنه حرام بالإجماع أو لم يعرفه أنه حرام بالإجماع ؛ فإنه يهلك بحرمته بكذلك وما دون ذلك فهو اتفاق فاعرف ذلك .
بيان : .. وكذلك حد شارب الخمر كان في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم - ، وفي زمن أبي بكر الصديق أربعين جلدة فنظر عمر بن الخطاب ، واتفق رأيه ورأي أصحابه أن يجعله ثمانين جلدة ، ولو كان تحديد[271/ب] النبي -صلى الله عليه وسلم - بالأربعين حكما لازما لم يجز لعمر وأصحابه من الصحابة أن يغيره ويبدله ، لقوله تعالى :" وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ " (2)
__________
(1) سقط في ب.
(2) سورة الأحزاب:36. (1/302)
صفحة 303
وهو أعلم بأحواله -صلى الله عليه وسلم - أن تكون لهم الخيرة ، فصار حد الخمر ثمانين باجتماع الصحابة ، ولا يمكن أن يكون قد ابتز برأيه ولم يشاور المسلمين ، وإذا كان ينظرهم صار ذلك بالإجماع ، وإن كان بغير نظرهم صار ذلك رأيا .
ومع أصحابنا لا يجوز للإمام أن يجلد شارب الخمر غير ثمانين جلدة ، ولو جلد أربعين في شارب الخمر ولم يرجع عزل عن الإمامة ، دليل على أن ذلك بإجماع من الصحابة ولم يبلغ لأن يكون دينونة ولم تقم الحجة [عليه] (1) فيه بأنه عن إجماع منهم أو عن رأي رءاه فعمل[143/أ] به ورضي المسلمون فعله لأنهم ماتوا وهم عنه راضون في جميع أفعاله فصار الرضا من الجميع يشبه الإجماع على القول به .
فصل
فهذه ثمانية وجوه يكون الإجماع على وجه منها ، ومنها يخرج كل إجماع منعقد[256/ج] ، ولكن الإجماع على التجويز لأجل مصلحة ، والإجماع على أنه من الوسائل ليس بإجماع على شيء أنه واجب ، أو أنه محرم فلا يبلغ به إلى دينونة لأنه أصله على شيء لا يجوز فيه الدينونة .
وأما إجماع في محرم أو في واجب فيكون ذلك دينا إذا انعقد باجتماع علماء في عصر بدلالات شرعية لا على مخالفة الدلالات الشرعية[272/ب] ، وليس له دليل شرعي يدل على صحته ، ولم يعارض معارض بخلافهم بدلالات شرعية تدل على صحة رأيه حتى انقرض ذلك العصر، فهو الإجماع المذكور المشهور في الكتب المذكور على الإطلاق ؛ وإنما رسمناه في وجوه المقيد لأنه إجماع مقيد بسبب اجتماع العلماء المحقين عليه ، وهو الإجماع الاستحساني المقدم ذكره في الوجه الثامن ، ولو كان المذكور في الوجه التاسع ، أنه كذلك اجتمع قول العلماء فكان شبه الإجماع ؛ لأنه لم يكن باجتماع علماء في عصر على حكمه كذلك .
__________
(1) سقط في أ. (1/303)
صفحة 304
ولكن انظر إلى كتاب اتفاق الأئمة الأربعة واختلافهم فيما حكى عنهم تارة ، يقول اختلفوا في كذا ، وكذا تارة يقول واتفقوا في كذا وكذا ، وتارة يقول واجمعوا في كذا وكذا ، وهم قد كان وجودهم أو وجود بعضهم في غير واحد بل على الصحيح أنهم لم يجتمع وجودهم في عصر واحد ، وقال في أول الكتاب في بعض نسخه ولا أدري مزٍيدا عليه أو لا، ومن خالف إجماع الأئمة الأربعة الإجماع التام فهو كافر، وهم لا يقصدون في اسم الكافر إلا المشرك أي علمائهم المتأخرين وبالحق أن هذا القول خطأ[257/ج] حتى في مذهبهم ؛ لأن أكثر أهل المذاهب قد خالفوا كثيرا مما أجمعوا عليه الإجماع التام ، ولم يحكموا بهم مشركين بل حكمهم معهم جميع أهل المذاهب[273/ب] مؤمنون في إجراء الأحكام عليهم بأحكام المؤمنين ومع تباينهم في أعصارهم سمى إجماعهم إجماعا .
[مسائل من الإجماع الاستحساني] (1/304)
صفحة 305
بيان : في مسائل من الإجماع الاستحساني ذي الوجه الثامن ، مسألة أجمع العلماء على توريث الجد بعد الأب وأقاموه مقامه في التوريث ، لا في إعطاءه السهام لم يكن مثل الجد مثلا في أب، وزوج ، وأم في زوجة ماتت : فللزوج النصف من ستة ، وللأب ثلثا النصف الآخر سهمان ، وللأم ثلث ذلك النصف الآخر الباقي من نصف الزوج ، وفي التنزيل لها الثلث فأعطوها السدس ؛ لأنهم وجدوا التنزيل لا تعطى الأنثى إلا الأقل ولم يجعلوا كذلك الجد بل للزوج النصف من ستة، وللأم الثلث سهمان ، وللجد ما بقى وهو سدس سهم واحد ، ومع الأخوات والأخوة أقاموه أصحابنا[144/أ] مقام الأب ، فلم يورثوا الأخوة والأخوات ، وذلك عن ابن مسعود وعمر وعبد الله بن العباس وأما زيد فورث معه الأخوة والأخوات ، وكذلك مع الزيدية (1)
__________
(1) هي أقرب فرق الشيعة من أهل السنة والجماعة حيث تتصف بالاعتدال والقصد والابتعاد عن التطرف و الغلو ، كما أن نسبتها ترجع إلى مؤسسها زيد بن علي زين العابدين بن الحسن بن علي -رضي الله عنه-(80-122هـ).وقيل أنه اتصل بواصل بن عطاء وتأثر بأفكاره، من معتقداتهم أنهم يجيزون الإمامة في كل أولاد فاطمة، وليست هي بالنص وغيرها.
(
الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة/ الندوة العالمية للشباب الإسلامي-الرياض-) ص255-260) (1/305)
صفحة 306
عن علي فأما من لم يورثهم تعلق بدليل قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام قوله " وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ " (1) فسمى جدوده من آبائه أباه فأقاموه مقام الأب في التوريث لا في أخذ السهام كما ذكرنا ، أما تعلق بدليل قوله تعالى حاكيا عن قول يعقوب لبنيه " مَا تَعْبُدُونَ [258/ج] [274/ب] مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " (2) فسموا إسماعيل من آبائه وهو عمه أخ أبيه إسحاق ، ولا يرث مع الجد بالإجماع فصح أن تسمية الأجداد بالأبوة لا يمنع ما فرض الله تعالى ،للأخوات للميت وإذا كانت الأخوات يرثن معه فالأخوة كذلك ؛ ولكن ثبت الإجماع في توريثه مقام الأب وإن لم يكن على أحواله كلها.
مسألة أخرى : كذلك أجمعوا على أن أول العصبة ابن الابن مع عدم الابن ، ولم يقيموه مقام الابن في جميع أحواله، إذ الابن لا يمكن أن يحجبه أحد وهذا يعطى بعد أخذ ذوي السهام سهامهم إن بقي له شيء ،وإن لم يبق له شيء فليس له شيء : نحو أب وأم وزوج وابنتين وابن ابن في زوجة ماتت من اثنا عشر للابنتين الثلثان ثمانية ، وللزوج الربع ثلاثة ، وللأب السدس سهمان ، وللأم السدس سهمان عالت إلى خمسة عشر ولم يبق لابن الابن شيء ، ولو لم يكن هنالك أم بقيت المسألة في عولها ثلاثة عشر فلا يرث ، فكذلك لو كانت أم ولا أب لم يرث ، ولو كانت المسألة أب وأم وزوج وابنة وابن ابن يكون لعولها ثلاثة عشر ولم يرث ، وأما مع الجد وعدم الأب فيصح الاختلاف لأن يقاسم الجد في[275/ب] سهمه لأنه في مقام الأب لا في كل حالة ، وهذا في مقام الابن لا في كل حالة ، وكلاهما لم يذكر الله تعالى ميراثهما فاعرف ذلك .
__________
(1) سورة يوسف:38.
(2) سورة البقرة:133. (1/306)
صفحة 307
مسألة : وأجمعوا على توريث ابنة الابن مع[259/ج] الابنة المنفردة وذلك السدس وعلى أن الابنتين يحجبانها تكملة الثلثين ، واجمعوا على توريث الأخت من الأب مع الأخت الخالصة وإن لها السدس مع الخالصة تكملة الثلثين إلا في العول فهو يختلف في أخذ السهام لا في قسمة أصل الفريضة وعلى أن الخالصتين يحجبانها.
مسألة : وأجمعوا على التعصيب في الميراث وأن أول العصبة الابن ثم ابن الابن ثم الأب ثم الجد أب الأب وإن علا ثم الأخوة الخالصون ، والأخوات الخالصات ، وفي ذلك اختلاف مع الجد كما ذكرناه ، ثم الإخوة والأخوات [من الأب] (1) ، ثم بنوا الأخوة الذكور وإن سفلوا ، ثم الأعمام الذكور وبنوهم الذكور.
بيان : وجميع ما أجمع عليه في الميراث ، فإنما هو إجماع ثبت باجتماع علماء الميراث من الصحابة ، وهم خمسة عمر ، وعلي ، و عبدالله بن عباس[145/أ] ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، مما لم يكن حكمه في التنزيل فاعرف ذلك .
[مسألة أفعال العباد]
الفصل الثاني: من الجواب في قولنا من جوابنا للنصارى أن المعتزلة خالفونا بقولهم واعتقادهم أن أفعال العباد هم خالقونها لم يخلقها[276/ب] الله ، ولكنهم لو لم يدينوا بذلك لكانوا غير هالكين ، فرد الشيخ محمد بن خميس البوسعيدي قائلاً : لم نرسم رده في الجواب ، بل هم هالكون بذلك دانوا بذلك أو لم يدينوا فقال : الأصحاب ، أن الحق ما قال الشيخ في هذا وفيما حكيته عن الشيخ العالم الكبير أبي سعيد- رحمه الله تعالى- ورد قولك الإجماع أنه موضع اتفاق كما مر الجواب فيه[260/ج] أنه كان الصواب في هذا وذاك كما قال الشيخ محمد بن خميس فأصلح الجواب[ في هذا] (2) وإن كان الصواب كما في الجواب فاشرحه فتعذرت من تغير الجواب ومن شرح ذلك ثم لم أجد بداً ولا عذراً فيما جاز لي فعله من طاعة الأصحاب .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في أ. (1/307)
صفحة 308
والحق معنا أن أفعال العباد هي من الله خلق ،ومن العبد اكتساب، يخلق الله اكتساب العبد حين يكتسب ذلك الفعل باختياره أي العبد ليظهر من العبد ما أراده من الفعل مما أراد الله أن يظهر ذلك الفعل منه، ولم يشارك العبد مولاه تعالى في خلق ذلك ، والآيات الدالات على ذلك من التنزيل قوله تعالى :" وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ " (1) وقال تعالى :" وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا " (2) وقال تعالى :" أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ " (3) وقال تعالى :" هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ " (4) وقال تعالى :" هَلْ مِنْ [277/ب] خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ " (5) فنفى أن يكون في الوجود خالق غيره تعالى كما نفى أن يكون في الوجود وجود اله غيره جل وعلا بقوله" لا اله إلا الله" ، وقوله تعالى :" اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَالْحَيُّ الْقَيُّومُ " (6) فواجب على العباد أن يصفوه كما وصف به نفسه، وأن ينزهوه كما نزه نفسه عن وصفه به من المشاركة أو التشبيه في ذاته أو في صفات ذاته أو صفات أفعاله سبحانه وتعالى .
__________
(1) سورة الصافات:96.
(2) سورة الفرقان:2.
(3) سورة النحل:17.
(4) سورة لقمان:11.
(5) سورة فاطر:3.
(6) سورة البقرة:252. (1/308)
صفحة 309
فقال المعتزلة أن ما قاله الله تعالى هو الحق وأتوا لهذه الآيات من التأويل ما يوافق مذهبهم ، ولا يخرج بهم إلى حد الإنكار لما قاله تعالى في هذه الآيات لفظا ولا معنى، فقالوا أن معنى قوله جل وعلا :" وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ " (1) فالمعنى أن الله خلق العبد والذي يعمله ، وذلك مثلا في الباني[261/ج] للجدار فالله هو الخالق للباني والماء والطين والحصى الذي يبني به [الجدار] (2) ، وصورة الجدار واستطاعة الباني على البناء ، ولو لم يخلق الله الباني واستطاعته على البناء وما يعمله لم يكن من العبد فعل البناء ، ولم يكن الجدار الذي بناه ، وقوله تعالى:" وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا" (3) وقوله تعالى: " أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ " (4) وقوله -جل ذكره- : " هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ " (5) فالحق كما قال- جل ذكره- أنه لو لم يخلق العباد واستطاعتهم [146/أ]على خلق أفعالهم بها ، ولم يخلق [مما] (6) يعملونه أي:- الذي يعملونه- ، [ ولم تكن] (7) من العباد أفعال عناد.
والذي يخلق[278/ب] الأشياء من العدم الكلي إلى الوجود بغير أحد غيره ، أقدر على أن يخلق ذلك ، هل يكون كمن لا يقدر على فعل شيء إلا إذا أقدره الخالق لكل شيء ؟! وأي شيء خلقه العباد من غير أن يخلق الله الذي يعملونه ، من غير أن يقدرهم على فعله الخالق ، فيكون ذلك منهم خلقا على الحقيقة ، ففي الحقيقة كل الخلق راجع إلى الله تعالى أنه خلقه ومِن خلقه .
__________
(1) سورة الصافات:96.
(2) سقط في أ وب.
(3) سورة الفرقان:2.
(4) سورة النحل:17.
(5) سورة لقمان:11.
(6) في ج ما وهو الأصح.
(7) في ج لم يكن. (1/309)
صفحة 310
والحق كما قال -جل وعلا-: " هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ " (1) فلا خالق على الحقيقة في الكون إلا الله تعالى ، وليس في هذا ما يدل على أن أفعال العباد هي من خلق العباد ، ولا ينافي هذا القول منا أنه لا يكون الله بذلك ليس هو الخالق لكل شي ؛ لأن المرجع يكون في الحقيقة كذلك.
ومن كلام بعضهم في هذا المعنى :
فإن قال قائل من القدرية فإن كنتم تقولون أن الفعل كسب للعبد ، وخلق لله ، فأقيموا لنا البرهان و إلا فكونوا لنا إخوانا ، فإنا نرى قولكم [جارٍ على الاحتيال] (2) ومبنيًا[262/ج] على المحال لا حاصل تحته ومتعذر نعته ؛ لأننا نرى أعمال العباد أعراضا ، وإنما تحصل بشيئين : أحدهما أن يحدثه محدث ، والآخر بحلوله في محل ، فمتى ما كان المحدث هو البارئ تعالى في العبد ، فليس للعبد في ذلك فعلاً ولا كسبًا سوى حلوله فيه ، فلو كان فاعلًا من حيث حلّت فيه لوجب أن [تكون] (3) الشجرة فاعلة للحركة[279/ب] التي يحدثها الله فيها .
وأيضا لو كانت خلقًا لله وكسبًا للعبد لم يخلو من أحد ثلاثة وجوه :
أحدهما: أن يكون العبد يكتسبه متى خلقه الله ، أو يخلقه الله متى اكتسبه العبد ، أو لا يحصل بخلق الله ما لم يكتسبه العبد ولا باكتساب العبد ما لم يخلقه الله تعالى ؛ فإن كان العبد يكتسبه متى ما خلقه الله ، فالعبد مجبور في اكتسابه [و] (4) لا اختيار له ولا يمكنه الامتناع منه ،وإن كان الله يخلقه متى اكتسبه العبد فالله مجبور في كسب العباد ؛ لأنه لا يمكنه إلا أن يخلق ما كسبه العبد وهذا كفر بإجماع .
__________
(1) سورة فاطر:3.
(2) في ج جازٍ على الاختيال.وهو خطأ.
(3) في ج يكون والأصح تكون.
(4) سقط في ج. (1/310)
صفحة 311
وإن لم يحصل بكسب العبد دون أن يخلقه الله تعالى ولا أن يخلقه دون أن يكتسبه العبد وجب ألا يحصل الفعل ، إلا بعد اتفاقهما على أن يخلق هذا ويكتسب هذا ، وهذا الاتفاق غير معلوم وقوعه بينهما من غير ملاقاة ولا سبب يوجب الاتفاق ، وبعد فإن نفس الاتفاق من العبد يجب ألا يحصل إلا باتفاق آخر ؛ لأنه من كسبه وفعله وهذا يؤدي إلى ما لانهاية له من الاتفاق ، وهذا محال. وبعد فإنه يوجب [الشركة] (1) لله في أفعاله ، وذلك لأنه لا يخلوا من أن [263/ج] يقدر على خلق أفعالهم وأحداثها دون أن تكتسبه العباد أو لا يقدر ، فإن قدر على ذلك فالكسب لا معنى له ولا فائدة فيه ؛ لأن الفعل يحصل بخلق الله تعالى دون كسب العباد وإن لم يقدر على خلقها دون أن يكتسبها[280/ب] العباد كان عاجزاً محتاجًا إلى شريك في إحداث الفعل ، وهذا يوجب الشركة بينهما في الحقيقة ، ومن قال ذلك دخل في حكم من جعل لله[147/أ] شريكًا في أفعاله التي يخلقها فهذا ما عندنا .
فمن كان عنده من البرهان ما يصده ويفل حده فليأت بما يرده وإلا فالاتباع أولى ما لكم من المكابرة والنزاع. والسلام على من اتبع الهدى وتجنب الضلالة والغوى. انتهى كلامه .
__________
(1) في ج ااشرك. (1/311)
صفحة 312
أقول أمّا قوله فلا يخلو من ثلاثة أوجه [إلى آخر] (1) كلامه في بيانها فانه لم يفهم الوجه الرابع: هو أن الله تعالى لا يخلق اكتساب العبد قبل اكتساب العبد له فيحصل وجود الفعل من غير اكتساب العبد له ولا أن [الله] (2) يخلقه بعد اكتساب العبد له فيكون وجود الفعل حاصلا من غير خلق الله ، ولا أن الله تعالى غير قادر أن لا يخلق ما اكتسبه العبد دون أن يكتسبه العبد ، فيكونان متعاونان على وجود ، وبغير ذلك يكون الله عاجزًا على أن يخلق فعل العبد إلا أن يكتسبه العبد أو يكونا شريكين في وجوده ، و لا يمكن وجوده إلا بالشركة بل الوجه الرابع في ذلك أن الله خلق العباد فكّلف من كّلف منهم عبادته بالعمل بما يأمرهم وبترك ما ينهاهم [264/ج]عنه وقد علم الله من يطيع منهم و من يعصي ولكن لعظم رحمته أراد أن يبين لكل نفسٍ حالها في الطاعة ، [281/ب] والمعصية ؛ ليثيب الطائع له في علم الغيب ويعاقب العاصي له في علمه الغيب ، فأظهره من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، وتخلق له استطاعة على العمل به ، والامتثال لأمره ، واستطاعةً على الخلاف لأمره بارتكاب ما نهاه عنه وترك ما أمره به ، وجعل له اختيار يختار أي الأمرين شاء ، وهذا يخلقه فيه متى هوت نفسه على فعل أمرٍ قد عَلِمَ ذلك الفعل قبل ميل نفسه إلى حبِّ فعل ذلك أو ألهمه علم ذلك ، وكان لا يستطيع أن يكتسب فعلَا أراده إلا أن يخلقه الله له حين اكتسابه له باختياره ليس العبد فيه مجبوراً على فعله بخلقه تعالى له بذلك لأنه خلقه له باختيار العبد أن يبديه منه اكتسابا ولا أن الله غير قادر إذا أراد العبد اكتسابه، إلا أن يخلقه فالله قادر على أن لا يخلق ما أراده العبد اكتسابه فلا يتوقف للعبد اكتسابه ولكنه قد يوفِّقَه فيخلق الله ما أراد العبد اكتسابه حين اكتسابه إرادة من الله ليظهر من العبد من اكتساب فعل إرادة العبد باختياره ، ليظهر للعبد لنفسه بنفسه أنه أطاع ربه أو
__________
(1) سقط في ج.
(2) سقط في ب. (1/312)
صفحة 313
عصاه ، فالله على كل شيء قدير والله عليم بعبده متى ما أراد العبد في اختياره اكتساب فعل تظهر منه فلا يحتاج إلى مواعدة بين الله وبين إرادة العبد في فعل ذلك في ساعة معلومة تعالى الله أن لا يعلم الله من عبده إلا عن مواعدة بينهما.[265/ج] وقوله :[282/ب]
فإن قال قائل من القدرية من المراد معه القدرية لأن المعتزلة هم المدعوون باسم القدرية حيث قالوا أنهم هم مقدِّرون أفعالهم (أي خالقونها) لم يقدرها الله[148/أ] أي لم يخلقها وأقول على معاني تأويلهم لقولهم أنهم هم خالقون أفعالهم لم يخلقها الله بمثل كلامهم هذا الذي نقلناه عنهم وهم بتأويلهم لهذه الآيات التي رسمناها على ما ذكرناهم من التأويل لهم بتأويل لم يخرج بهم إلى إنكار ما ذكره الله تعالى فيها ، مما وصف به نفسه أنه هو الخالق لكل شيء ولا خالق لشيء إلا هو سبحانه وتعالى فهم مقرون بذلك وتأويلهم للآيات يؤول إلى وصف الله تعالى بما وصف به نفسه في الآيات على الإجمال وعلى التحقيق في ما آل الأمر ، ولم يصفوا خلقهم بشبه خلق فلا يخلو كلامهم أن العباد خالقون هم أفعالهم لم يخلقها الله [الفهم لا يخلو] (1) من حالين لوجهين:
__________
(1) سقط في ب. (1/313)
صفحة 314
الوجه الأول: أن يكون مرادهم بذلك في اعتقاداتهم مع ذلك هو ما ذكره عنهم أهل المذاهب الأربعة في كتبهم الموضوعة لبيان عقائدهم والاحتجاج على صحتها وعلى بطلان جواز خلافها ، أنهم هم يخلقون أفعالهم لم يخلقها الله تعالى وان الله غيرعليم بها قبل أن يخلقوها أنهم سيخلقونها ، وغير عليم بأوقات وجودها منهم وما كان منها معصية[283/ب] لله تعالى لم يرد الله تعالى أن [تكون] (1) منه موجودة في الوجود بفعله لها أو كان عليما ًبها قبل فعلها منه ولكن لم يرد أن تكون منه [266/ج]موجودة في الوجود ، فكانت وهو غير مريد كون وجودها فإن كان المراد منهم أن الله لم يرد وعجز الباري سبحانه وتعالى أن لا يكون من العاصي من غير تعبيره سبحانه بخلقتهم التي استطاعوا بها على إحداثها فعلاً فهذا لا شك في كفر من قاله كفر نعمه واعتقده ، ويهلك بذلك دان بذلك أو لم يدن، بل يهلك بالشك في ذلك ، و لا ينفعه اعتقاد [الشك] (2) إن مات على ذلك لأنه من [قسم] (3) التوحيد المنقسم على ثلاثة أقسام : واجب ، ومستحيل ، وجائز (أي ممكن).
فالواجب: ما يوجب أن يوصف الله به من صفاته.
والمستحيل: ما يستحيل أن يوصف الله به .
والجائز :وهو الممكن ولا يكون إلا من صفات أفعاله مما يجوز أن يوصف به أنه جائز أن يفعله ، وجائز أن لا يفعله.
ومن الواجب: وصف الله تعالى أنه عليم ، قادر ، وأنه بكل شيء عليم ، وعلى كل شيء قدير.
ومن المستحيل عليه: صفات الجهل ، والعجز .
__________
(1) في ج يكون.
(2) في ب اعتقاد السؤال.
(3) في ج قسمي (1/314)
صفحة 315
وذلك مما تقوم الحجة بمعرفته من العقل بخاطر البال مهما خطر ببال المتعبد بعبادة الله تعالى، وعرف معناه ، وجب عليه أن يصفه أنه بكل شيء عليم ، وأنه على كل شيء قدير ، وأنه منزّه عن الجهل ، والعجز. فلا يجهل علم شيء ولا يعجزه شيء فلا يكون شيء [لم يرده] (1) أن يكون و لا يريد كون [284/ب]شيء فلا يكون ، ولعلّ الشيخ محمد بن خميس (2) قد اطّلع على حقيقة اعتقادهم في معنى مرادهم ، بقولهم أنهم هم خالقون أفعالهم، لم يخلقها الله تعالى، بإضافة هذين الاعتقادين [267/ج] الباطلين في العلم والإرادة.
فقال: أنهم هالكون بذلك دانوا به أو لم يدينوا به ، فيكون ما قاله حقاً إن صحّ ذلك[ منهم] (3) على ما وجدته في كتب عقائد القوم من أهل خلافهم .
وفي كتب أصحابنا (4) ،
__________
(1) في ج لم يرد.
(2) محمد بن خميس بن سالم البوسعيدي ، نشأ في ببلد سمد الشأن ، ثم انتقل إلى الرستاق ، وكان عالما جليلا ، أدرك العلامة أبا نبهان جاعد بن خميس الخروصي ، و كان بينهما تبادل أراء في الأحكام ، ثم عاصر ابنه العالم ناصر بن جاعد الخروصي ، انتهى ، البوسعيدي ، حمد بن سيف بن محمد ، الموجز المفيد نبذ من تاريخ البوسعيد ، ص117.
(3) سقط في ب.
(4) انظر هذه القصة في : أحمد بن سعيد الدرجيني ، طبقات المشايخ بالمغرب ، حققه إبراهيم طلاي ، مطبعة البعث - الجزائر ، (2/246) .
و قد شكك في صحة هذه القصة بعض الباحثين حيث قال : " إن النقد الداخلي للنص يدفع القارئ إلى الاستفاده منها بحذر [ أي القصة ] ذلك لأن النص يستعمل كلمة إباضية للحديث عن أتباع أبي عبيدة [ يقصد نص صاحب الطبقات ، و الشيخ ناصر رواها بالمعنى ، و صاحب الطبقات أقدم ] و قد بينا في ما سبق أن هذه التسمية لم تستعمل في النصوص إلا من القرن الرابع 4هـ / 10م ( انظر ص 56) فكيف لواصل بن عطاء أن يستعمل هذه التسمية مع العلم أن أبا عبيدة في مرحلة كتمان، و أن التسمية الغالبة هي المحكمة أو "أهل الاستقامة" .
هذا من جهة ، أما من جهة أخرى فيصعب أن نتصور أن مثل هذين العلمين يتم تعارفهما في الحج و هما يعيشان معا في مدينة البصرة " انظر : د. فرحات الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، (1408هـ - 1987م) ، ص416 ، التعليق رقم : 46. (1/315)
صفحة 316
أن إمام المعتزلة واصل (1) كان يتمنى لقاء إمامنا[149/أ] في العلم سيدنا أبا عبيدة مسلم بن أبى كريمة -رحمه الله- ويقول لأصحابه: والله لو وجدته لحججته وهدّمت ما بنى عليه مذهبه ، فوجده يطوف بالكعبة( بيت الله الحرام) فقال: ما أظنك إلا مسلم بن أبي كريمة فقال: نعم . وما أظنك إن صدق الظن إلا واصل. فقال: نعم . فقال واصل لمسلم: أنت الذي تقول إن الله [تعالى] (2) يعذب بالقدر. فقال مسلم: لا أقول ذلك ، ولكني أقول: إن الله يعذب بالمقدور، ولكن أنت الذي قلت أن الله يعصى في كونه مغلوباً باستكراه ، فبهت واصل ولم يردّ جوابا. فقال له أصحابه: كنت تتمنى لقاءه وتقسم أنك لتحجه وتهدم ما بنى عليه مذهبه حتى وجدته وسألته ، فأجابك وسألك فلم تجبه . قال: بنيت له منذ ثلاثين سنة لأهدم عليه به بنيانه فهدّمه لي في ساعة [وبنى لي بنيانا في ساعة] (3) لا أستطيع هدمه في ثلاثين سنه[285/ب] فلعلّ الشيخ اطّلع عليهم بما حكى عنهم في الكتب .
__________
(1) واصل بن عطاء (80هـ - 131هـ) أبو حذيفة ، من موالي بني ضبة أو بني مخزوم ، رأس المعتزلة ، ومن الأئمة البلغاء المتكلمين ، سمي أصحابه بالمعتزلة لاعتزاله حلقة درس الحسن البصري ، ومنهم طائفة تنسب إليه تسمى الواصلية ، وهو الذي نشر مذهب الاعتزال ، من مصنفاته : أصناف المرجئة ، المنزلة بين المنزلتين ، معاني القرآن .
المقريزي (2/345) ، و وفيات الأعيان (2/170) ، و مروج الذهب (2/398)
(2) سقطت في أ وب.
(3) سقط في ب. (1/316)
صفحة 317
وأما أنه عرف بالسماع منهم اعتقاداتهم الباطلة في التوحيد ، فإني أبعده. وإن كان من الممكن ولكن في زماننا [بوجود] (1) أحد من المعتزلة وسمعت بعض الناس ممن لهم همّة في الاستخبار[268/ج] أنهم لا وجود لأحد منهم في زماننا على ما يسمعون من الأخبار فيهم ، وأنا لم أُجِز لنفسي أن اكفِّر قوما لم أعرف معنى حقيقة اعتقادهم ولا صحة ما روي عنهم ، و لا حقيقة مرادهم ، بمعنى ما روي عنهم أن لو كان صحيحا أنهم قالوا ذلك إلا ما روي مما لا يحتمل له معنى غير الكفر إن صح ذلك عنهم أن اعتقادهم في الله تعالى أنه غير عليمٌ بأفعالهم قبل أن يفعلوها ولا عليمٌ بأنهم سيفعلونها قبل أن يفعلوها و لا عليمٌ بأوقات فعلهم قبل أن يفعلوها في تلك الأوقات التي فعلوها فيها، فلا يحتمل هذا اللفظ إلا معناه الظاهر الذي يُكفَّر به قائله ، ومعتقده ، والشاك فيه ، بعد معرفته بالحق منه وتقوم الحجة من العقل بمعرفته ولكن لم يصح معي قولهم هذا ولا اعتقادهم هذا ولم أجده من كتبهم المشهورة أنها عنهم ، فلا يجوز لي أن أخطئهم بذلك إلا إن كان كذلك قولهم واعتقادهم فهم هالكون ، دانوا به أو لم يدينوا به .
__________
(1) سقط في ب. (1/317)
صفحة 318
وأما الإرادة فكذلك على شرط إن كانوا أرادوا المعنى الذي ذكرناه ومن صح معه في اعتقادهم الباطل في هذين المعنيين العلم والإرادة أو أحدهما على ما[286/ب] ذكرناه جاز له أن يحكم بهلاكهم دانوا بذلك أو لم يدينوا به ، ولكن إن أضافوا أحد هذين المعنيين أو كلاهما مع قولهم [أن العباد] (1) هم خالقون أفعالهم لم يخلقها الله تعالى وأنه غير عليمٍ بها قبل الفعل إلى غير ذلك مما ذكرناه.[ وأن أفعالهم لم يردها الله على المعنى الذي ذكرناه] (2) إذا صح[269/ج] لهم معنى في قولهم أنهم خالقون أفعالهم لم يخلقها الله تعالى لا يهلكون به إلا إذا اعتقدوه ، بمعنى (غير[150/أ] معنى الخلق) وإنما يهلكون بالدينونة بإضافتهم إلى هذا المعنى اعتقادهم في المعنيين العلم ، والإرادة .فلا يُرَدُّ على من قال بذلك الذي لا يهلكون به إلا بالدينونة ولم يكن أضاف مع ذلك ذكر الذي يهلكون به بالدينونة أو بغير دينونة ، أنهم يهلكون بذلك الذي لا يهلكون به إلا بالدينونة قالوا ذلك أو اعتقدوه بدينونة أو غير دينونة ، ومراده بغير ذلك مما يهلكون به بالدينونة أو بغير دينونة ،كمن كفر بذات الله تعالى من أهل المذاهب الأربعة أنهم ليرون ذات ربهم في الجنة ويزورهم فيها في كل يوم جمعة من أيامها ويتسلون برؤيته فيها فيقول أحد[ ... ] (3) .
__________
(1) سقط في ب.
(2) سقط في ب.
(3) يوجد انقطاع في جميع المخطوطات. (1/318)
صفحة 319
واتفق أهل المذاهب الأربعة على توريث الأخوة والأخوات مع الجد أب الأب وهو قول زيد ولا يهلكون بذلك الاتفاق إلا إذا دانوا به فَيَرُد عليه معترض ويقول أنهم يهلكون بذلك دانوا أو لم يدينوا ، ومراده هالكون بغير ذلك دانوا بهذا أو لم يدينوا به باعتقادهم رؤية ذات الله[287/ب] تعالى فليس الرد مع أهل العلم على هذا الحال ، وكلامهم في خلق الأفعال ينصرف على وجوه من المعاني. ومن يعرف الوجه الذي قصدوه من وجوه معانيه إلا من كتبهم وتأويلهم للآيات وتأويل قولهم في الخلق ، بما أوردناه من كلامهم ليس (1) فيه تصريح كفر على ما سنبينه إن شاء الله تعالى .
__________
(1) في ب فليس. (1/319)
صفحة 320
الوجه في ذلك: أن[270/ج] قولهم إن العباد هم خالقون أفعالهم لم يخلقها الله تعالى مع إقرارهم في تأويلهم الآيات المقدم ذكرها، أنه في الحقيقة أن الله خالق كل شيء ،ولا خالق لشيء إلا الله بالمرجع والمآل إلى التحقيق ، ومع تأويلهم في الخلق بالكلام الذي رسمناه عنه مما يدل ويمكن ويحتمل أن يكون مرادهم أنهم خالقون أفعالهم (أي هم فاعلوها لم يخلقها الله) (أي لم يفعلها الله تعالى) فيثبت (1) أن فعل العبد مضاف إليه ومحاسب فيه ومثاب أو معاقب عليه .ولا يقال ذلك فعل الله فأفعال الله مضافة إلى الله أنه أفعاله وأفعال العباد مضافة إليهم تسميةً وحكمًا وحساباً وثوابًا وعقاباً وتساهلوا باسم الخلق في أفعال العباد مع أن غيرهم من العلماء لم يتسامحوا في تسمية ما يفعله العبد أنه يخلقه ، ولا تسمية فاعل لشيء أنه خالق ذلك عملاً بظاهر الآيات أنه لا خالق إلا الله[ وفي تسمية فعل عبد لشيء أنه خلقه على معنى أنه فعله] (2) ، وفي تسميته فاعل كذا من العباد بخالق كذا على معنى أنه فاعله ، لا على معنى ما قصده العلماء وهو محل رأي لا[288/ب] تجوز فيه الدينونة أنه يجوز ولا أنه لا يجوز ما لم يطلق اسم الخالق بالألف واللام على أحد من العباد ، فلا يجوز ومنع جواز اسم الخالق في فعل العبد ظاهر الآيات قوله تعالى: " هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ " (3) ومنع الدينونة أنه لا يجوز من قوله تعالى حاكيا عن النبي عيسى عليه[151/أ] السلام: " وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي " (4) [271/ج] والمعنى من يخلق أي يصوِّره وقوله تعالى: " وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا " (5) (
__________
(1) في ب فثبت.
(2) سقط في ب.
(3) سورة فاطر:3.
(4) سورة المائدة:110.
(5) سورة العنكبوت:17.. (1/320)
صفحة 321
أي يصِّورون كلامًا فيه معاني أخبار كذب اختراعَا من ذات أنفسكم) فتساهل المعتزلة من هذا الموضع فكان موضع رأي في التسمية إذا كان معناهم أن أفعالهم هم خالقونها على معنى أنهم فاعلونها لم يخلقها الله،( أي لم يفعلها الله تعالى) فصح لهم معنى من كلامهم لا يهلكون بإجازتهم وتساهلهم في ذلك على ذلك المعنى، إلا بالدينونة.
فإن قلت أنك جعلت محل الرأي في نفس التسمية لا في ذات الفعل في اعتقادهم فيه فأقول: لمّا كان اعتقادهم أن أفعالهم هم خالقوها لم يخلقها الله مع أهل العلم حقيقة ، معنى الخلق غير هذا المعنى ولم يصح منهم أنهم أرادوا المعنى الذي قصده العلماء ، الذي هو المعنى الصحيح ، لما يدل عليه تأويلهم للآيات وتأويل اعتقادهم ذلك بالكلام الذي أوردناه عنهم أنهم لم يفهموه البتّة إذ لو فهموه لاتضح لهم الحق فيه ، فيحكمون بصحته وبصحة اعتقادهم على[289/ب] المعنى الذي أرادوه ؛ لأنه أتى بثلاثة وجوه ولم يأت الوجه الرابع كما بيناه سابقاً فليس لهم أن يخالفوا بحقيقة معناه ويخالفون أهل الحق في معناه الحق بالدينونة ، فينفون الحق بالدينونة . (1/321)
صفحة 322
فلو جاز ذلك للزم أن الحق معهم وأنه لا معنى له ما قاله غيرهم من العلماء، أن أفعال العباد هي خلق من الله واكتساب من العباد وإن كانوا قد فهموا ما أراده العلماء ، وأنكروه ولم يقصدوا بأن أفعالهم هم [272/ج][خالقوها] (1) ( أي فعلوها) لم يخلقها الله، كفروا دانوا بذلك ، أو لم يدينوا ولكن تأويل كلامهم هذا مما رسمناه عنهم من الكلام حاول عن الوجه الذي قصده العلماء فأتى ما يثبت أن فعل العبد هو يخلقه (أي يفعله) لم يخلقه الله (أي لم يفعله) كما سبق في احتجاجه يتقدمه خلق الله على اكتساب العبد فيكون ذلك فعل الله واكتساب الفعل قبل خلق الله له ، فيكون قد حصل قبل أن يخلقه ، أو لا يحصل إلا باشتراكهما هذا يخلق ،وهذا [يكتسب] (2) فيكون الفعل منهما جميعَا فهي ثلاثة وجوه ، ويحصل الجبر للعبد على أن يفعله إذا خلقه الله فيه قبل اكتسابه له ، أو عند اكتسابه له ، ويلزم متى أراد العبد أن يكتسب شيئَا أن يكون الله مجبورا على خلق ذلك .
وغَفِل الوجه الرابع أن للعبد اختيار ولا يمكنه أن يفعل شيئَا إلا أن يخلق الله تعالى ذلك له في اكتسابه باختياره لا[290/ب] مجبورا على فعل ما يخلق الله ما أراده لا سابقا ولا متأخرا. وليس الله مجبورا على خلق فعل العبد إذا اختار العبد أن يفعل شيئاً لأنه إن شاء خلقه له فكان الفعل[152/أ] وإن شاء لم يخلقه فلا يكون من العبد ما شاء. فالله هو أراد أن يكون العبد هكذا حاله فلا يلزم بهذا الوجه معنى مما ذكره في الثلاثة الوجوه ؛ لأن الله هو خلق العبد على الحالة التي أرادها أن يكون في أفعاله وغيرها ، ولو لم يخلق الله للعبد فعلاً يريد أن يكتسبه في حين اكتسابه لم يقع من العبد فعلاً البتة .
__________
(1) في ج خلقوها.
(2) في ج يكسب. (1/322)
صفحة 323
فهذان وجهان من معاني[273/ج] قولهم في خلق الأفعال أحدهما ما تأولّه العلماء ويهلكون به بالدينونة ،وغير الدينونة ، أن لو فهموه وهو الذي [قصدوه] (1) والمعنى الثاني هو الذي فسّرناه ولا يهلكون به إلا بالدينونة .وأنا لم أحقق عليهم المعنى الذي قصده العلماء حتى أحكم به عليهم مع ما نظرت من كلامهم ما يدل على أنهم أرادوا غير ذلك ، فاحترزت بما صحّ معي في انتهائهم الحد الذي عرفت من كلامهم أنهم انتهوا إلى ذلك الحد ولم أجاوزهم إلى حكم حد فيهم لم يصح معي أنهم انتهوا إلى ذلك الحد من الضلال .
بيان :
وأما الإرادة فلها معنيان أيضا لوجهين:
الوجه الأول:
الإرادة المغيب علمها عن الخلق التي يتعلق بعلمها علم القدر المنهي العباد عن التفكر فيه لضعف العقول[291/ب] من قولهم أن الله لم يُرِد الكفر من الكافر ليكون كافراً إن كان المعنى أن الله تعالى لمّا خلق الخلق وكتبهم بقدرته في اللوح المحفوظ في عالم [الغيب قبل ظهورهم إلى ] (2) عالم الشهادة أو كتب علمه بما كان وما سيكون ،وكتب علمه بالشقي ، وعلمه بالسعيد ، فلمّا أراد ظهورهم من عالم غيبه، إلى عالم الشهادة ، خلق نفوسا خبيثة ، نكدة ، ردية في أصل تكوينه لهن ، وخلق فيهن شهوة خبيثة ، ردية، وخلق فيهن هوى خبيثا رديا ، وخلق فيهن إرادات خبيثة ، لا تريد إلا المعصية كذلك في أصل تكوينها حتى تكون مع شدة خبثها ، وشدة خبث هذه القوى فيها ، لا تريد الطاعة أبدا ولو استطاعتها حكمة منه في ذلك ليعصيه من يجعل نفسا منها في جسد[274/ج] من عِلم أنه ليعصيه إرادة منه بهذه الخلقة من أصل التكوين ، لا بد من أن تعصيه إذاً لخلقه لا تكون بذلك إلا عاصية.
__________
(1) في ج قصده.
(2) سقط في ج. (1/323)
صفحة 324
وخلق الله نفوسا طيبة في أصل تكوينه لهن وخلق فيهن محبة طيبة جميلة واختياراً حسنًا وإرادات حسنة ، لا تحب ولا تريد إلا الطاعة من أصل الخلقة كذلك ، ولو استطاعة المعصية ولكن هي وجعلها الله تعالى في أجساد من علم أنه ليطيعه ، ولا بد من أن تطيعه لأنها مخلوقة على جبلة الطاعة فيكون أهلها طائعين له فهذا من عِلم القدر المنهي عن التفكر [292/ب] فيه ومثل هذا المعنى ينبغي أن ينزه الله عن وصفه بهذه الإرادة بخلقه لأنهم يكونون مجبورين على فعل الطاعة وعلى فعل المعصية ، وبأصل الخلقة لا حيلة لأحد منهم على خلاف الخلقة التي خلقها الله عليها وإن كانوا أرادوا هذا المعنى ونزّهوا الله عنه فلا[153/أ] بتكفيرهم ولا [بخطئهم] (1) .
بيان : وإن كان على غير هذا المعنى بل أرادوا في إرادة الله تعالى في بيان الطائع والعاصي، بما تعبد الله به عباده فعصى العاصي ، والله لم يرد أن تكون منه المعصية وأن تبدو منه في الوجود فكانت، فكان الله مغلوبًا غير قادر على دفع كون ما لم يرد كونه ممن أبقاهم من عباده على حالة الاستطاعة ، حتى يعقلوها فهو كفر ويهلك المرء في الحال إن مات على ذلك لأنه مما تقوم الحجة بمعرفة باطل [ذلك] (2) واستحالة وصف الله به.
بيان : وإن كان مرادهم بالإرادة وهي المشيئة المحبة[275/ج] وهي الرضا ولم يفرِّقوا بين معنى الإرادة والمشيئة ، وبين المحبة والرضا ؛ لأن جميع العلماء فرَّقوا بين المعنيين فجعلوا معنى المحبة والرضا حكما منه تعالى فيما يرضاه الله تعالى من عبده المطيع ويحبه منه ، والإرادة والمشيئة في كل ما شاء أن يكونه من طاعة من الطائع ومعصية من العاصي وكل ما أراد على الإطلاق ولم يقصد أو يعتقدوا في قولهم ومن[293/ب] قولهم أن الله لم يرد كون المعصية من العاصي أي لم يحب ولم يرض على فعله ، فكان غير ما أحب له ولم يريدوا غير هذا لا ما أراده العلماء من معاني هذه الألفاظ .
__________
(1) في ج بخطاياهم.
(2) سقطت في أ. (1/324)
صفحة 325
وإن الله قادر أن لو شاء لا يكون منهم فلا يخطؤون على القصد وإن أخطؤوا في لفظ المعنى الصواب فقصدوا غيره جهلاً بمعناه لأن لكل قوم مذهب في بعض المقاصد بالألفاظ ، وأنا لم أحقق عليهم أنهم أرادوا بالإرادة على الوجه الأول ، المتعلق بعلمها علم القدر أو الإرادة المتعلق [بعلمها] (1) بيان الطائع والعاصي أو الإرادة المغلوط في معناها المحال إلى معنى المحبة والرضا ولكن بهذا الوجه الثالث يحكم عليهم بظاهر معنى اللفظ فيصح تكفيرهم به ؛ لأنه يتوجه إلى الإرادة في بيان الطائع والعاصي حتى يعرف مرادهم ، إذ ليس لها معنى في الإرادة وأما أنهم أرادوا الإرادة المذكورة في الوجه الأول والإرادة المذكورة في الوجه الثاني فالكل يطلق عليه بالإرادة ولكن على التحقيق [لما كانت الإرادة ] (2)
__________
(1) سقط في ج.
(2) سقط في أوب.. (1/325)
صفحة 326
الأولى منزه سبحانه وتعالى على الوصف[276/ج] بها لم يطلق عليها اسم الإرادة وتنزيه الله تعالى عنها واجب ، وقياس ذلك في النفوس وهو من علم القدر أن الله سبحانه وتعالى أنه لمّا خلق العباد وكلّف المكلّفين منهم عبادته وأقدرهم على ما كلّفهم ، جعل لكل منهم عقلاّ فيه[294/ب] في المثل ثلاثة عيون كأنهن أواني من زجاج بلوري صافي أبيض مضيء ، كأنها الكواكب الدرية وجعل في الوسطى منهن وهي (العين الغريزية) تحل فيها من الأعراض القوة الاختيارية والقوة الغضبية والقوة الشهوانية وتطلب بهذه الصفات الاستعلاء على الناس في كل أمر يكون هو الكمال منهم والجاه والعز والمنعة[154/أ] لكل ما تراه أنها تجده من ذلك الشيء وفي العين الأيمن ، مصباح نور محبة الله لا تدعوه العين الغريزية إلا طاعة الله تعالى ، وهي( العين البصيرية) فإذا أشرق نورها على العين الغريزية رأت الكمال الحقيقي في أعمال الطاعة وما أرادته من نفسها أكثره كمالات حالية ورآها كمالًا لبعدها وقلة النور والضياء في آفاقها وجعل العين الشمالية مثل: الزوجة للعين الغريزية وفيه[ تحل من الأعراض] (1) القوة الهوائية ،والقوة الشهوانية ، وبقربها يأتي الشيطان إليها ويزين لها الأشياء بالتخييل حتى ترى الأشياء القبيحة حسنة كما تخيل الحبل حية تسعى، فتحب النفس ذلك التخييل وتتعلم منه لتدعوا بتخييلها [بعلها] (2) [ إلى طاعتها ولا تدعوا إلّا إلى الأشياء النذلة الرذيلة فإن أطاعها ] (3) انحطت رتبته إلى الأعمال[277/ج] الرذيلة وإن عصاها واتّبع نفسه طلبت [قواه ] (4)
__________
(1) سقط في ب.
(2) في ج بعلمها.
(3) سقط في ج.
(4) في ب فواضل.. (1/326)
صفحة 327
الصفات الكمالية من غير وجهها حين تخيلت له من غير[295/ب] أن يخيلها له غيره ولكن لقلة إشراق آفاقه فلم يدرك نظره إلى تحقيقها ، وإن أطاع العين البصيرية أشرق نور المحبة الإلهية وأضاء في جميع أفقه وافق العين النفسانية ، وبطل سر ذلك النور تخييلها فرأته بنفسها ورأت هو أنها قبيحة ورأت الكمالات الحقيقية واستحلت النظر إليها أكثر مما استحلته في تخييلها ونظر الشيطان متى [ما] (1) جاء وقبّح منظره وقبّح منظر فعله وطرداه وجعل الله هذه العيون كالأواني الفارغة قبل أن تنزل عليها بلية التكليف ، وكل إناء العين الغريزية أن يملأه مما يختار من جواهر العبادة والطاعة أو من خبائث المعاصي، والمعاصي وإن كانت خبيثة فالشيطان يخيلها للنفس كاملة في الحسن .
والعين الغريزية وهي كالملك الذي له الأمر والاختيار يراها من بعد كالخيال فيصوِّرها حسنة وعلى هذا القياس جميع نفوس الورى قبل أن يبلغوا الحلم ليس فيهم أواني عيون عقل ونفس مظلمة غير شفّافة كثيفة ممن كان في علمه[ أنه سيطيعه وممن كان في علمه] (2) سيعصيه لقول النبي- صلى الله عليه وسلم - :" كل مولود على فطرة الإيمان وإنما يهودانه وينصرانه ويمجسانه أبواه " .والمعنى أن جميع أواني عيون العباد قبل التكليف طاهرة صافية من خبث المعاصي وظلماتها وأهل الإيمان ذريتهم مثلهم في الحكم [278/ج]الظاهر والباطن محكوم لهم به بإيمان آبائهم. قال الله تعالى في وصف[296/ب] مصير أولاد أوليائه الذين ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم أنهم معهم في الجنة: " أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ " (3) وإنما أولاد المشركين يلحقون في الدنيا بحكم آبائهم في التسمية والنجاسة والميراث والتزويج وغير ذلك[155/أ] و إلا فهم في الأصل على فطرة الإيمان وله معنيان:
__________
(1) سقط في ج.
(2) سقط في ب
(3) سورة الطور:21. (1/327)
صفحة 328
أحدهما :على فطرة الإيمان (أي على خلقه في أواني عقولها) فقيل: الإيمان وإنما يمتلأ أوانيهم من أعمال آباءهم لسبب مقاربتهم لهم.
والثاني: أن أوانيهم قبل البلوغ فارغة [ليس فيها من خبث المعصية ولا من جواهر الطاعة ولكن الفارغة] (1) من الجميع وهي منيرة مضيئة فهي صالحة للخير وهذا مما يدل على أن أولاد المشركين في الجنة مع الأولياء ليس لأحدهم جنة منفرداً بها .كذلك أطفال أولياء الله في الجنة ليس لأحدهم ينفردون بها ، وإن كان لأولاد أقارب فيمكن أن يكونوا مع أقاربهم أو غير ذلك ، فإن قيل إن خديجة بنت خويلد زوجة النبي [صلى الله عليه وسلم] (2) وهي أحد الأربعة النسوة من سادات أهل الجنة ، وفاطمة ، وآسية ، ومريم رضي الله عنهن وبعد هذه الأربع في الفضل عائشة رضي الله عنها ، كذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم : [قالت للنبي صلى الله عليه وسلم] (3) : " أين أولادي منك ؟فقال لها: هم في الجنة ، [قالت] (4) : وأين أولادي من غيرك ؟قال: لو شئت أسمعتك ثغاءهم في النار" (5) [297/ب] ومن الرواية اختلف العلماء في مآلهم ، و[279/ج] أهل الفهم قالوا : إن هذه الرواية تدل على أنهم للجنة ؛ لأنه علق بمشيئتها وهو يعلم أنها لا تشاء تسمع ثغاءهم في النار ؛ لأنه كان يمكنه أن يقول هم في النار[ فعلقه بمعنى أنهم في النار] (6) إذا كنت تريدين تسمعين ثغاءهم فيها ، وإن كنت لا تريدين ، فالجواب فيهم غير ذلك .وإنما أراد أن يكتم ما أراد الله كتمانه لأن إظهار حكمهم من الله تعالى أو من رسوله من أعظم التسلية ، ومن أحسن التعزية لآبائهم المشركين ، و لا كرامة لهم مع الله ، ولا مع رسوله في ذلك ، ويعلم النبي - عليه الصلاة والسلام - أن إظهار ذلك للمؤمنين خديجة أو غيرها [ينتهي] (7) علمه إلى المشركين [في زمانهم أو] (8)
__________
(1) سقط في ج.
(2) سقط في أ.
(3) سقط في ج.
(4) سقط في ج.
(5) أخرجه أحمد رقم الحديث 1131 ص 129.
(6) سقط في ب.
(7) في ج انتهى.
(8) سقط في ج.. (1/328)
صفحة 329
في زمان غيرهم فإذا قد علمت أن النفوس والقلوب والأرواح والعقول ، وكل هذه الألفاظ راجعة إلى معنى واحد هي أوانيها قبل التعبد واحدة ليس في شيء منهن خبث إرادات لا تريد إلا المعصية ، والأ حسن إرادات لا تريد إلا الطاعة والقوة الاختيارية المسخّرة له ليتصرف بها وليصرفها حيث هي نيرة صافية في أواني الكل والقوّة الغضبية ، والقوة الشهوانية ، والقوة الهوائية النفسانية ،كلها طاهرات ، نقيات ، زاكيات ، [صالحة] (1) لأن تدخل في الجنة من مات منهم الأطفال والصبيان فهذا هو كشف من علم القدر مما يمكن أن يتكلم به العارف بحقه فإذا حضر التكليف للعباد بالعبادة جعل واجبها على قسمين: [298/ب]
واجب عمله ، وواجب[156/أ] تركه ، وهو (الحرام) وجعل دون المحرم المكروه ، ودون الواجب المندوب ، والوسائل ، والمباح ، والحلال ، فهو على سبعة أقسام .
__________
(1) في ج صالحات. (1/329)
صفحة 330
ونحن نختصر المثل في الواجب والحرام فالعمل بالواجب والعمل باجتناب المحرم مثل إلقاء الجواهر العلية الحسنة النورانية الكاملة الحسن في موضع يستطيع الوصول إليه كل متعبد ، وجعل الحرام منه ما له صورة حسنة يرى في البعيد خيالا وهو قبيح وباطنه مثل الزجاج (1) الحسن المنظر البراق [الصغر] (2) ولكنه متى لصق بإناء العين الغريزية والعين البصيرية النفسانية سوّدهن كما يسوّد الجلد الأبيض الصافي النقي المدبوغ بثمرة القرط (3) ومنه ما هو مثل الخبث من الإنسان وهين متى لصق بإصبع لا يستطاع إخراجه إلا بأدوية مركبة لإزالته وإزالة نتنه وفي الظاهر أنه أبيض صافي حسن وفعله الزاج وكل هذا تسود أواني العيون ولا يمكن إخراجه إلا بأدوية مخصوصة والكل موضوع في مكان واحد فأرسل الله رسولاً ؛ [لأن] (4) كل من طلب العز والكمال والشرف فليذهب إلى الموضع الفلاني قريبا منهم ، ويأخذ ما صفته كذا ويترك [ما] (5) صفته كذا فإن أخذ ما أمرته أضاءت أوانيه بالجواهر فذلك الذي أحبه منه [أن] (6) يملأ به أواني عيون عقل زجاجة قلبه وأقرّبه إلى [والذي] (7) يأخذ ما نهيته[299/ب] عنه فإنه يسوّد عيون عقله وتظلم وتنتن وأعاقبه ، وما فعلت إلا لتمييز الطائع [فأثبته] (8) ، والعاصي لأعاقبه وكل من اختار[281/ج] منكم عمل شيء [بأخذ شيء] (9)
__________
(1) في أ الزاج، وفي ج كذلك.
(2) في ج الأصفر .
(3) القرط : شجرة ، يستخرج منه مادة الدباغة المحلية ، لنظيف الجلود ، وهي لهجة عمانية .
(4) في ج أن.
(5) في ج وما.
(6) سقط في أوب.
(7) في ج والدي.
(8) في ج فأثيبه وهذا هو الصواب.
(9) سقط في أوب.. (1/330)
صفحة 331
من ذلك ليملأ أواني عقله فإني أعينه فيما أريد أن يظهر به عصيانه لي فأخلق اكتساب فعله ذلك ، وما لا أريد أن يفعله فلا أخلق له فعل اكتساب ما أراد أن يفعله ، وكذلك الطائع فلا يكون فعل من طائع أو عاصي إلا بإرادة الله ؛ ليظهر بحكمة تدبيره في الخلق وسنضرب في ذلك مثلاً: لو أن ملكاً أطاعه جميعاً بقوته عليهم وعلم أن فيهم من يبغضه بغضا شديداً ، ويتمنى هلاكه أو أن يسلب عنه ملكه ، ولم يظهر ذلك منهم واجب أن يكرم أهل محبته ويحرم كرامته أهل بغضه فخجل على غير بيان عصيانهم وإظهار بغضهم له ، فعمل حيلة يظهر بها عصيان المبغض العدو له فجمع الرعايا وقال : رأيت في النوم هذه الليلة أن في الموضع الفلاني كنز عظيم ، وفيه خاتم من الياقوت وفي فضة اسم من لبسه ، رأى جميع خزائن الأرض ومَلَكَ جميع الجن والأنس ولم يستطع أحد أن يخالفه فاذهبوا إليه جميعا ، فإنه عليه وقّاف من الجن وإن ذهبتم جميعا فقد أخبرت أن في أحدكم خاصية ينفر منه الجن ولا أعرفه من[157/أ] وإن لم تذهبوا وتأتوني به أخاف إذا خالفني الناس لا أستطيع عليهم وبالخاتم استعين عليهم بالجن وإن[300/ب] خالفني أحد من الجن سخّرته بالاسم الذي في الخاتم ولا أحب إلّا من ذهب إلى ذلك ومن لم يذهب فإني أبغضه ولكن في هذا لا أكره أحداً على المسير قسراً وإن كنت قادراً على ذلك وفي نفسه أنه بهذه الحيلة لا يذهب إلى ذلك من كان يبغضه [282/ج] وهو يقدر أن يكٍّلف الجميع على المسير إلى ذلك ولكن أراد تمييز المِّحب له من المبغض ولو كّلف الجميع لم يتميز فاجتمع المبغض له وقالوا : نحن حاسدونه على ملكه هذا فكيف بزيادته وزيادة قوته علينا ونحن الآن نرجوا أن يطِّلع عليه أحد يسلب ملكه ويمكن أن يكون الخاصية في أحدنا فنتركهم يذهبون إليه فإن لم يبلغوه عرفنا أن الخاصية في أحدنا فنذهب إليه ونأخذ ذلك ونسلب به ملكه ولكن بعضنا لا يسير أبداً وبعضنا يذهب معهم ويبخل بالرجوع عنهم قبل الوصول ففعلوا (1/331)
صفحة 332
ذلك ، وذهب المَلِك إلى الموضع متقدماً من غير أن يشعر به أحد من الجميع ليعرف الذي يحبه والذي يبغضه فأخذ ذلك ورجع بأهل محبته وقرّبهم ودعا بالمتخلِّفين فقال قد عرفتم أنفسكم أنكم لستم من أهل محبتي وظهر ذلك منكم لنا ولجميع الناس فلا عتاب لكم أن جعلت كرامتي لأهل طاعتي وَمَنع كرامتي لمن ظهر منكم عصيانه فمن هذا المثل تتضح إرادة الله من إظهار كفره[301/ب] وأنه لو لم يرد إظهار ذلك منه لم يكن منه والملك لو لم يرد إظهار معصية أولئك العاصين لم يستطيعوا على إظهار ذلك العصيان فلم يكن منهم إلا ما أراد أن يكون وهو غني بملكه .
وبهذا البحث علم القدر مما يمكن أن يعرف فيدري به أن عصيان العاصي هو باختياره لأن الله خلق له نفساً خبيثة من أصل التكوين لا تحب إلا المعصية [حتى] (1) مجبوراً على ذلك بأصل ولا نفس الطائع هي مخلوقة طيبه من[283/ج] أصل الخلقة لا تريد [إلا] (2) الطاعة مجبورة على ذلك بأصل الخلقة وفيه بيان علم الإرادة فإن كان المعتزلة أرادوا بهذه الإرادة من الله تعالى أنه لم يرد معصية العاصي على ما ضربناه من المثل، فلا شك في ضلالهم دانوا بذلك أو لم يدينوا و لا تطلق إرادة في أعمال العباد ، إلا على هذا الوجه وعلى الوجه نذكر لينّزه الله عنها في عباده ، وإن كان الله كل ما يفعله هو عدل ولكن [تعبد] (3) أن لا تصفه بالصفات التي تسمى في أفعال المخلوقين[158/أ] ظلم وغير عدل وحيث ذكروا الإرادة [وقالوا لم يرد يصح لهم على الوجه جاز لمن أراد أن توقف عن حكمهم لاحتمال ذلك] (4) التي لو قصدوها كان كفراً ومن شاء أن يخطأهم ويضللهم على حكم الظاهر في مطلق الإرادة التي هي الإرادة وأطلقوا اللفظ فيها من غير تخصيص فهم في حكم الظاهر ضالون بذلك ، إن صح ذلك كافرون بذلك كفر نعمة دانوا بذلك أو لم يدينوا إذا كان على معنى مغلوباً فيها باستكراه سبحانه وتعالى علواً كبيراً .[302/ب]
__________
(1) سقط في ب.
(2) في ج إن.
(3) سقط في أوب.
(4) سقط في ب. (1/332)
صفحة 333
بيان :في الاستطاعة وأصل ضلال المعتزلة في قولهم : أن أفعال العباد هم خالقونها لم يخلقها الله تعالى ، وإن معصية العاصي لم يرد أن تكون منه موجودة في الوجود فخالفوا فيها الحق فيما وجدناه مروياً في شرح عقائد أهل المذاهب ورسمناه نحن جميع ذلك في كتابنا العلم المبين والحق اليقين جواب سؤالنا من بعض السائلين إن صحّ ذلك ما حكوه عنهم هنالك فقال: أهل الحق في ذلك أن الاستطاعة : هي قوة يقتدر المرء [284/ج] على اكتساب فعله الذي أراد أن يفعله الذي يخلقه الله حين اكتسابه ويخلق له تلك القوة في حين فعله ذلك لا قبل و لا بعد ، وهكذا فعل كل شيء جعله الله فاعلاً نحو إحراق النار وإغلاق الماء وقطع السيف وما أشبه ذلك ، فالله جعل هذه أسباباً لفعل ذلك ولكن ليست هي خاصية مودَعَةً قائمة فيها بفعل ذلك هي بذاتها بتلك الخاصية لم يكن الله تعالى هو الفاعل في ذلك من غير أن يخلق الله فيها ذلك الفعل في ذلك الحين ، كما اعتقدته المعتزلة بل الحق أن الله تعالى جعلها أسباباً في وجود ذلك الفعل بها فيخلق فعلها في حين فعلها وقالت المعتزلة : أن الاستطاعة : هي قوة مودعة في أهلها فهم يفعلون باختيارهم بتلك القوة لم يخلق الله تعالى لهم هذه في حين[303/ب] كل فعل أرادوا فعله ومن اعتقادهم هذا قالوا أن العباد هم خالقون [أفعالهم] (1) لم يخلقها الله تعالى ، وإن النار خَلَقَ الله فيها قوة الإحراق ثابتة فيها فهي تحرق بتلك الخاصية المودعة فيها لا أن الله يخلق ذلك الفعل حين الإحراق وكذلك إغراق الماء وقطع السيف وجميع الأشياء على هذا المثال ، والمعنى الذي قصدوه أن الجدار يمسك [سماء] (2)
__________
(1) سقط في ج.
(2) سقط في ج.. (1/333)
صفحة 334
البيت بخاصية فيه ، فإذا بناه الباني وسطّح فوقه سماء البيت بقي الجدار ماسكاً لسماء البيت دائماً من غير إمساك الباني له بعد تمام بناءه إلى أن يريد الباني أو غيره[159/أ] هدمه والدليل على صحة هذا القول قوله تعالى : " قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ " (1) ولو لم تكن القوة الإحراقية قائمة فيها وبها تحرق إلا في حين[285/ج] الفعل لم يحتج إلى أمر حتى لا تحرق. وقال أهل الحق في ذلك : أن الله تعالى [جعل] (2) لوجود الأفعال أسباباً كذلك دائماً إلى أن يريد تغييرها - جلّ وعلا- فجعل النار سببا لوجود فعل الإحراق ، فمتى ما باشرت شيئا خلق الله في حين مباشرتها فعل الإحراق ، وفي نار إبراهيم عليه السلام قال لها كوني سببا للبرد والسلامة ، فخلق الله في حين مباشرتها لجسد النبي إبراهيم عليه السلام بردها وسلامة ضررها من قوة بردها ، فلا يكون إلا برداً لطيفاً قدر ما فيه من تمام لذته على جسد النبي إبراهيم ، وأخذ المعتزلة مذهب[304/ب] من ضل من الفلاسفة ، وقال الفلاسفة : أن الأشياء منقسمة إلى : جواهر وأجسام وأعراض .
__________
(1) سورة الأنبياء:69.
(2) سقطت في أ وج. (1/334)
صفحة 335
فالجواهر والمثالات في عالم الأمثال فإنه ليس في عالم الشهادة شيء إلا وله في عالم الأمثال مثال ، وقيل عالم الأمثال هو اللوح المحفوظ ، فيكون للشيء مثالات كثيرة ، ومن رأى بعقله صورة شيء رءاه بعينه وذهب عنه فهو يرى مثاله بعقله من عالم المثال ، ومن نظر إلى إنسان من صغره إلى كبره ، وعلى تغير أحواله في زمانه وفي مكانات كثيرة وغاب عنه أو مات، فهو يرى جميع صوره وكل صورة منه قامت بذاتها وفي كل مكان رءاه فيه ، ومن فكّر في شيء لم ينظره بعينه نحو صورة نقش يريد أن ينقش ذلك في شيء فيرى صوراً كثيرة لم يعجبه أن يرسمها في ذلك ، حتى رأى الصورة التي أحبها، فجميع ذلك يراه من عالم المثال ، وعلى هذا كل كلام نثري أو نظمي أو ما يراه بقلبه في النوم فإنما يراه من عالم المثال بإذن الله تعالى ،
ويقال أيضا هو عالم الصور فالعقول [286/ج]وهذه المثالات والصور هي جواهر ثم الأجسام ولا بد له من مثال وصورة ثم الأعراض من ألوان وصفات وأحوال تتغير وتتبدل ثم أفعال والأفعال أعراض أيضا تظهر من أعراض فإذا كان لا يجوز أن تكون فعلا من سبب إلا أن يكون الله هو الذي يخلقه في ذلك الحين[305/ب] لئلا يكون غير محتاج بعد تكوين الله له فكذلك ينبغي أن تكون الأجسام والأمثال والصورة والعقول ما دامت باقية فالله يخلقها في كل لحظة فيكون شخصك في ذلك الحين هو غير شخصك[160/أ] في الحين الأول ، وعقلك في ذلك الحين هو غير عقلك الأول وإن عصى الله تعالى فهذا الثاني غير عاص لله وبالغوا حتى قالوا :أن جميع الكائنات تخدم بالأسباب بعضها بعضا إذ الحكيم هو الذي يصنع الشيء يخدم بعضه لا يحتاج إلى خدمته من صانعه في كل حين وهذا يوجب أن الله لم يخلق أفعال العباد أصلا وبذلك ضلوا (1/335)
صفحة 336
والقياس في ذلك معهم كالذي يصنع آلة لمعرفة ساعات اليوم والليلة فيأخذ رملاً ناعماً وجعله في زجاجة مخموصة من الوسط حتى صار الخرق بينهما صغيرا فإذا نصبها وجعل الرمل في الأعلى فيحتاج إلى تمام نزوله في الأسفل نصف ساعة من النهار ولا يزال يقلبها ويعمل حكيم آلة إذا دورها قليلا لم تدر إلى يوم وليلة بنفسها وفيها علاما ت المعرفة كل ساعة وكل دقيقة وبعض تحرِّكها قليلة فتبقى تدور إلى سبعة أيام فلا شك أن هذه أحكم من الذي [عمل] (1) الرمل والله[287/ج] تعالى هو أحكم كل حكيم فكان اعتقادهم أنه لو قدّر أن الباري سبحانه الحي الدائم الباقي لو لم يبق حياً بعد تكوينه لهذه الكائنات من العرش المحيط إلى قرار الأرض وما في ذلك من المخلوقات[306/ب] والأسباب والأفعال أنه يبقى كذلك على ما هو عليه من بقاء أجسام وفناء وولد وسحاب وأمطار وعباد من ملائكة وجن وإنس وحيوان بعقولها وأفعالها وتدابيرها واشتقاقاتها وإلهامها العلم وإبداعها الصنائع وإرسال الرسل وموت كل إنسان إلى أجله وحشر الناس إلى يوم الحشر إن كان في اعتقادهم حشر ،
__________
(1) سقط في ج. (1/336)
صفحة 337
وبعث إن كان في اعتقادهم بعث والحساب والعقاب والثواب لأن الحكيم يلزم أن تكون حكمته باقية في الآخرة ، كذلك دائماً وإن كان لم يقدّر أن يتم حكمته إلى بقاءها في الآخرة لزمه العجز ومن لزمه العجز في شيء من ذلك لم يقدر على هذه الحكمة التي هي في هذه الدنيا فيكون الله غير باق ، وهذا باق على ما هو عليه الآن فعمل المعتزلة من هذا الاعتقاد إلى الاستطاعة وفعل الأسباب أنها لو قدّر أن الباري غير باق لاستطاعوا أن يعملوا ويفعلوا ما يقدرون بالاستطاعة التي ركّبها فيهم وكذلك أفعال الأسباب والله تعالى سبحانه حي لا يموت وإنما كذلك ليتضح المراد ويتحقق الحق ويبطل الباطل وقال أهل الحق ليس الحق كما ظن الفلاسفة من ضل وظن المعتزلة لا في الأمثال ولا في الصور ولا في العقول ولا في الأجسام ولا في الأعراض ولا في الأفعال ولا في الانفعال فتلك [288/ج]سبعة أشياء والأصل هي ستة لأن[307/ب] الأفعال والانفعال من الأعراض ، بل الحق في جميع إرادة الله كبقاء ذلك وأفعال ذلك وانفعال ذلك هو[161/أ] خلق لذلك البقاء في ذلك في كل حين . (1/337)
صفحة 338
وفعل ذلك وانفعال ذلك حين أراد ذلك فكان هو خلقه لذلك في حين ذلك فلو لم يرد بقاء شيء لم يكن ومتى أراد شيئًا كان ، لو رمى إنسان بحصاة إلى أعلى وقدّرنا أن الباري لم يُبقِ حياً حين تم ارتفاع الحصاة أين تذهب الحصاة إن سقطت سقطت بالتدبير الأول وإن وقفت فمن يمسكها وكيف يبقى حال كل شيء من السبعة التي ذكرتها فإن قلت تفنى رجعت إلى مذهب الفلاسفة ، وإن قلت تفنى فمن يفنيها ، وهو غير باق و فني على غير إرادة منه فيها بشيء وإن قلت تفنى بفنائها جعلت الله علّة لوجود المعلولات التي توجد بوجود العلة وتفنى بفنائها فيلزم قِدَم الموجودات بِعِلَّة قِدَم وجود علتها وقال أهل الحق ليس وجود الله علة لوجود الموجودات ؛ لأنه يوجب قِدَمها ووجودها لوجوده ولكن لو قدّر أنّه فنى [لم يبق] (1) شيء باق لأنه لا يبقى شيء إلا بإرادة الله له في بقائه ومثال ذلك : كالساحر والشيطان المخيِّل للناس وجود سحره فمتى مات الشيطان المخيِّل لها لم يبق ذلك الخيال وما دام مريداً له فهو[حي] (2) باق ومتى غفل عنه الشيطان بطل ولم يكن الساحر ولا الشيطان علّة لوجود ذلك الخيال لأن العلة لوجود[308/ب] معلولها[289/ج] هي التي بوجودها توجد معلولها وبعدمها يعدم معلولها كالشمس وجودها علّة كون النهار يوجد النهار بوجود الشمس وبعدم وجود النهار بعدمها من الأفق ، والشيطان والساحر قد يوجدان ولا يوجد ذلك الخيال .
__________
(1) في ج يبقى.
(2) سقطت في أوج. (1/338)
صفحة 339
فصح أنهما كانا سبباً لوجود الخيال يبقى بإرادتهما ويعدم بعدم إرادتهما ، فإن قلت إن كان الكون يفنى بفنائه تعالى دلّ على أنه ليس هو يفنيه وفنى الكون من غير أن يفنيه هو فالجواب أن هذا من الغيب الذي يعجز الخلق عن تصوره ولا جواب فيه إلا أنه ليس في توحيد الله هاهنا لو ولا حق ولا صواب وجواز أن الله تعالى حد عِلمُ الخلق أنه لا يفنى شيء إلا إذا أراد الله فناه فأفناه ، ولا وجود لشيء إلا بإيجاد الله له تعالى و لا يجوز في التوحيد غير هذا الوجه .
وفي هذا المعنى [الذي] (1) يخالف [معنى] (2) المثل الذي ذكرناه وأيضاً لو قدّر أن الوجود يفنى بفناء الله لم يكن بقاءه دليلاً على أن الله تعالى بعد ما كوّن الأشياء أنه باق حي دائم وهذا [ما] (3) لا يُشك في باطله ، فدلّ على أن مذهب المعتزلة في الاستطاعة إن صحّ ذلك عنهم أنه باطل وفي فعل الأسباب إلى غير ذلك والله سبحانه حي بلا بداية باقي دائم بلا نهاية وإنما قلنا [ما قلناه] (4) تقديرا لتحقيق الحق وبطلان الباطل وأما أنا فلم أجد ذلك من كتبهم المعروفة أنها عنهم حتى أحقق عليهم ذلك وإذا صح هذا عنهم[309/ب] يقرب صحة ما قالوه أن[162/أ] أهل المعاصي كانت منهم المعصية[290/ج] بغير إرادة الله فكان ما لم يرد أن يكون ،
ولذلك قالوا : أنهم خالقون أفعالهم ويقرب أن يعتقدوا أن الله تعالى لم يكن عليماً بأفعالهم قيل ؛ لأن كل ذلك يحتمل كونه منهم في اعتقادهم على ما قدّرناه في الله فيكون والله تعالى غير عليم ولا أنه هو يخلق أفعالهم فيكون المعنى في الخلق هو الذي أراده أهل العدل في التأويل فيضلوا بذلك دانوا به أو لم يدينوا به على هذا الاعتقاد في الاستطاعة ، فهي رأس جميع ضلالهم في التوحيد ، وما أضلهم إلا ضلال الفلاسفة .
__________
(1) سقطت في أوج.
(2) سقطت في أوج.
(3) سقط في ج.
(4) سقط في ب. (1/339)
صفحة 340
ولقد منع أهل المذاهب أن يتعلم الإنسان علمهم ، والمراد من نهيهم لذلك هو علمهم في التوحيد لا غير مما ضلوا فيه فإنهم غاصوا فيه إلى حيث لا يهتدون إلى معرفته ، فقالوا على مقتضى عقولهم بالقياسات الظاهرة .
وأما تعليم علومهم من غير علم التوحيد فلا معنى للنهي في تعليمها لأنها علوم شريفة ، والفلاسفة الأولين هم اليونان أمّة النبي إدريس - عليه السلام - ومنهم سقراط (1) وقيل هو نبي ، وقيل هو ولي ، كاشفه الله بأصوات السموات في دورانها وركّب عليها الموسيقى وحركات الجر: هي حركات ضربه له فضربه لأصحابه ثلاث ضربات وكانوا مُكِبين على الهوى والفساد .
فالضربة الأولى ضحكوا[310/ب] جميعاً ،وبالضربة الثانية بكوا جميعا ، وبالضربة الثالثة آمنوا به وخروا لله ساجدين ، وكسره بعد ذلك ، ومنهم أفلاطون (2) وأرسطاطاليس (3)
__________
(1) سقراط (469-399 ق.م) فيلسوف ومعلم يوناني ولد في أثينا من تلاميذه زينفون والفيلسوف أفلاطون لم يترك مؤلفات أحد أشهر الشخصيات التي نالت الإعجاب في التاريخ صرف سقراط حياته تماما للبحث عن الحقيقة .
الموسوعة العربية العالمية (12/347)ط2 ، و مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع/ السعودية /1999م
د. فيصل عباس / موسوعة الفلاسفة ص28 / ط1/ 1996م
(2) أفلاطون(427_374 ق.م) فيلسوف ومعلم يوناني قديم يعد واحدا من أهم المفكرين في تاريخ الثقافة الغربية , ولد في أثينا ومن مؤلفاته المحاورات ومن فلسفته نظرية المثل .
الموسوعة العربية العالمية (2/400) و د. فيصل عباس / موسوعة الفلاسفة ص31
(3) أرسطو (384- 322 ق.م) فيلسوف ومعلم وعالم يوناني ، يعتبر هو وأستاذه أفلاطون أهم فيلسوفين بين جميع فلاسفة اليونان القدماء ، معروف عند العرب بأرسطو طاليس ، ولد في بلدة ستاجيرا شمالي اليونان , أسس المدرسة المشائية ، له أكثر من أربعين مؤلفا منها الأورجانون في الفلسفة وغيرها.
الموسوعة العربية العالمية (1/506) ،و د. فيصل عباس / موسوعة الفلاسفة ص36 ،و ابن أبي أصيبعة / عيون الأنباء ص86 / منشورات مكتبة الحياة ،بيروت . (1/340)
صفحة 341
وجالينيوس (1) وأبقراط (2) ، وروي عن هؤلاء أنهم هم ضلوا في التوحيد وهيهات ما قيل فيهم ولا يجوز أن يصدّق فيهم ذلك (3) ،
__________
(1) جالينوس (129م-210م) طبيب من أشهر الأطباء المؤثرين في تاريخ الطب ولد في برقاموم وهي من مدن الإمبراطورية الرومانية من كتبه الإجراءات التشريحية .
الموسوعة العربية العالمية (8/137) ، ابن أبي أصيبعة عيون الأنباء في طبقات الأطباء ص109
(2) أبقراط(460 ق.م- 380 ق.م) طبيب إغريقي قديم ومشهور ، يلقب أبي الطب ، تنسب له أكثر من 80 مؤلفا في الطب تسمى المجموعة الابقراطية الكاملة .
الموسوعة العربية العالمية (1/95) ، ابن أبي أصيبعة ,عيون الأنباء ص43
(3) خالف الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي شيخه في هذه النقطة ورد عليه قائلا : " إنه لا ينبغي الاعتقاد الجازم بأن أرسطاطاليس و لا أرسطو هم من أهل الإيمان الحق ، بل ينبغى الوقوف فيهم " ، وهذا نص كلامه: " و أما ما أطنب فيه الشيخ من ذكر أرسطو الحكيم ، فنحن لم تقم معنا فيه حجة تقطع أحكامه ، و لا تصحح إسلامه ، و لا تثبت من مذاهب الضلال الفلسفية ، فمن صح عنده ذلك عده هنالك ..."
انظر : سعيد بن خلفان الخليلي ، تمهيد قواعد الإيمان ، وزارة التراث القومي والثقافة ، (1/141-142).
و مبارك بن عبدالله الراشدي ، الشيخ العلامة سعيد بن خلفان الخليلي و فكره ، ط1(1422هـ - 2001م) ص119-120.
و نحن إذا نظرنا في هذه المسألة ، نجد أن علماء الإسلام اختلفوا في نسبة هؤلاء الفلاسفة إلى أنبياء أو أتباع الأنبياء ، لما رأوا منهم من تعمق في النظر ، وقوة في الاستنتاج ، وهم في هذه النقطة ما بين ناف ومثبت و متوقف، و لكن بالرجوع إلى كتبهم - أي الفلاسفة - نجدهم ليسوا أنبياء و لا أتباع أنبياء ، بل هم من مفكرين اليونان الوثنيين ، و لم شطحات في التوحيد أوجبت كفرهم ، وهم أقسام عديدة ، و لذا نحن نوافق لا نوافق الشيخ - رحمه الله - إلى ما ذهب إليه في هذه النقطة ، ونميل إلى قول تلميذه المحقق الخليلي .
انظر للتوسع في آراء هؤلاء الفلاسفة :
ول ديورانت ، قصة الفسلفة ، ترجمة الدكتور فتح الله محمد المشعشع ، مكتبة المعارف - بيروت ، ط6 الفصول الأولى . (1/341)
صفحة 342
ولكن أمّة نبي لا بد في آخرها من[291/ج] الافتراق فيمكن أن الضال منهم غيرهم، وأما مثل هؤلاء فليس مثلهم من يضل فإن قلت: أن الصحابة افترقوا وضل من ضل منهم باجتهاد وهم أهل علم فالجواب نعم في الحكم الظاهر من ضل منهم على الاجتهاد فيما روي عنهم ، فمنهم كما قيل عن اجتهاد ، ومنهم بغيا ، ومن كان قوياً في العلم بالغاً فيه وليس مثله من ضل فإنما هو في الحكم الظاهر باجتهاد وفي الباطن ففي الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً ، حتى يحكم بخلاف الظاهر أنه عن معرفة الطلب أمراً أشتدّ حبه على بلوغه حتى جذبه إلى ما جذبه .
وأما في التوحيد فقوي العلم البالغ لا يصل فيه مع الاجتهاد في إصابة العلم الصحيح مثل بقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس[163/أ] وجالينيوس وعلي بن أبي طالب وابن عباس فلا يضلون أبداً في الغالب لا في الإمكان أنه مما لا يمكن فإنه من الممكن ، وأما مثلنا نحن ، وأهل المذاهب الأربعة ، والشيع ، والمعتزلة ، فمثلنا من يضل في أقل أمر إن لم يوفقه الله تعالى .
[مسألة الصلاح و الأصلح ]
بيان : وكان[311/ب] واصل إمام المعتزلة من أصحاب الحسن البصري (1)
__________
(1) الحسن بن يسار البصري (21هـ -110هـ) أبو سعيد، تابعي ، كان إمام أهل البصرة ، و حبر الأمة في زمنه ، و هو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء ، و لد بالمدينة و شب في كنف علي بن أبي طالب .
ميزان الاعتدال (1/254) ، و حلية الأولياء (2/131). (1/342)
صفحة 343
تلميذاً له فجاء يوما يسأل الحسن البصري سائل فقال له : أن الله تعالى يفعل بالعباد ولهم وفيهم الأصلح أو يفعل غير الأصلح فقال الحسن يفعل ما شاء الأصلح وغير الأصلح فوقع في نفس واصل أن هذا [من فتواه] (1) غلط ، وأمسك عن إبداء ذلك له حتى جاء سائلا أيضا بعد مدة فسأل الحسن هل منزلة ثالثة لا مؤمن ولا كافر ، فقال الحسن البصري : ليس هنالك منزلة ثالثة المرء إما مسلم وإما كافر ، فوقع في نفس واصل أن هذا منه [292/ج] غلط وقال له : بل هنالك منزلة ثالثة المؤمن الفاسق فليس هو بمؤمن و لا كافر ، فلم يجبه الحسن إلى موافقته فجاء واصل من يوم الثاني ، واعتزل في ناحية من جانب المسجد الجامع من البصرة، والحسن في جانب فَقَدَ واصلاً من المجلس فسأل عنه فقيل له : قد فارق مجلسك يثبت وجود المنزلة بين المنزلتين وأن الله تعالى لا يفعل بالعباد إلا ما هو الأصلح فقال الحسن : اعتزل عنا واصل والمعنى أنه اعتزل عن مذهب الحسن إلى مذهب آخر .
وكان من تلامذة واصل الجبائي (2) وعاش زمانا طويلا فتلمذ له علي الأشعري (3)
__________
(1) سقط في ب.
(2) محمد بن عبد الوهاب البصري (235هـ - 303هـ) ، أبو علي ، أحد أئمة المعتزلة في البصرة ، كان إماما في علم الكلام ، من تلامذته أبو هشام الجبائي من أئمة المعتزلة و هو ولده ، من تلاميذه أبو الحسن الأشعري ثم رجع عنه .
شذرا ت الذهب (1/241) ، وفيات الأعيان (4/267).
(3) علي بن إسماعيل الأشعري (260هـ - 324 هـ) أبو الحسن ، من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري ، مؤسس مذهب الأشاعرة ، كان من الأئمة المتكلمين المجتهدين ، و لد في البصرة ، و تلقى مذهب المعتزلة و تقدم فيهم ، ثم رجع و جاهر بخلافهم ، و توفي ببغداد ، بلغت مصنفاته ثلاثمائة كتاب منها : الإبانة عن أصول الديانة ، و الرد على المجسمة .
طبقات الشافعية (2/245) ، و البداية و النهاية (11/187). (1/343)
صفحة 344
وأخذ غالب [علمه] (1) عنه أي الجبائي حتى حضرت علي الأشعري مسألة فقال لمعلمه الجبائي : معي مسألة حضرتني ما تقول في ثلاثة أخوة أبناء أب وأم وكَبُرَ الأكبر ،وعصى الله سبحانه وتعالى[312/ب] ومات كافراً أين مصيره ؟ فقال : في النار ، قال : وعاش الأكبر وتعلم العلم وكبر ، وعبدَ اللهَ ، وجاهد في سبيل الله وقُتِلَ شهيداً أين مصيره ؟ فقال: الجنة ، قال :ومات الأصغر طفلاً رضيعاً أين مصيره؟ فقال : الجنة ، قال : له درجة مثل أخيه ، أم أقل، قال : قال قدّرنا ، قال لربه : كيف أعطيت أخي أكثر مني؟ كيف لو قدّرنا يكون جواب تقديراً قال :يقول الله : إن أخاك عَبَدَني وتعلّم العلم وجاهد في سبيلي وقُتِلَ شهيداً ، وأنت أمتك صغيرا، قال: كيف لم تعشني مثل أخي حتى أعبدك[164/أ] فتعطيني مثل أخي ؟كيف يكون الجواب تقديراً ، قال: يقول: نظرت لك الأصلح لأني لو أعشتك مثله لعصيتني فيقول الأخ الأكبر:[293/ج] الذي في النار ، كيف أنا لمّا علمت لي أنك إذا عشتني لأعصيك لم تمتني مثل أخي صغيراً حتى تعطني مثله فلم تنظر لي الأصلح مثله ، ما يكون جواب الرب تقديراً ، فبهت الجبائي وقال : أبك جُنَّة ؟ فقال : ليس بي جُنّة ؛ ولكن أرى حمار الشيخ وقف في العقبة .
فانحال الأشعري عن مذهب الجبائي وواصل وأقام يؤلف في التوحيد فكان هو إمام أهل المذاهب الأربعة في التوحيد فقط ..
بيان :وأقول : أما أن الله هل يفعل بالعباد الأصلح أو الأصلح وغير الأصلح ، فأمّا أنه على الوجوب عليه فلا يجب على الله شيء ويجوز في وصفه أنه يفعل الأصلح[313/ب] وغير الأصلح لعباده على الإجمال ويصح أن يوصف أن الله تعالى لا يفعل بعباده المتقين إلا ما هو الأصلح لهم تفضلا منه عليهم لا لازماً عليه ذلك ، ولا هو من الواجب في وصفه كذلك ، فيكون من اللازم عليه.
__________
(1) سقط في أ وب. (1/344)
صفحة 345
وكل ما يفعله الله تعالى بالمتقين وعلى الإطلاق هو أصلح لهم ؛ لأنهم يحمدونه ويشكرونه على ذلك ، فيثيبهم في الآخرة على ذلك ، وهو غير أصلح لأهل معاصيه ؛ لأنهم يزدادون به كفراً وعقاباً وأمّا تعذيبه للعاصي وإماتته للصبي (1) وتركه للطائع فليس هنالك ما يدل على ما ذكره الأشعري لأن للعباد منازل عند الله في تدبيره ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون ؛ لأنه جعلهم على مراتب رسل ، وأنبياء ، وأولياء ، وأعداء ، تعالى علوا كبيرا .
[المنزلة بين المنزلتين]
بيان : وأما المنزلة بين المنزلتين فجميع فرق أهل الإسلام معهم كذلك قالوا [294/ج]بوجود المنزلة بين المنزلتين أو لم يقولوا لأن المتعبدين من جميع العباد هم على ثلاثة أقسام :
الأول : مشركون .
الثاني : مؤمنون شاكرون .
الثالث : مؤمنون فاسقون .
فالمؤمن الفاسق ليس هو من المشركين وليس هو من المؤمنين الشاكرين بل هو منزلة بين المنزلتين وجميع فِرَق أهل المذاهب المتأخرين منهم دون الأوائل ، لم يجيزوا اسم الكافر إلا في المشرك ولا اسم المنافق إلا بالنفاق في الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وإنكار نبوته فيما بينهم وهو النفاق[314/ب] في الإيمان إلا الإباضية فإنهم يطلقون على الفاسق اسم الكافر كفر نعمة ، ويطلقون عليه باسم النفاق في الشكر وليس المراد معهم أنه لا مؤمن ولا كافر أي لا مؤمن ولا مشرك[165/أ] والحق كذلك أنه لا مؤمن شاكر و لاكافر مشرك ، ولكنه مع جميع أهل المذاهب أنه فاسق فهو في منزلة ثالثة في التسمية أنه من المؤمنين .
__________
(1) في أ للضال. (1/345)
صفحة 346
وفي إجراء أحكام المؤمنين عليهم وفيهم وبهم ولهم فافهم كذلك على هذا المعنى ليس منزلة بين المنزلتين في إجراء الأحكام وفي التسمية ، ومن العجب أن مذهب الحسن البصري فيما يروى أن أهل الفسق من المؤمنين هم منافقون يستشهد على صحة ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " آية المنافق ثلاث : من كن فيه فهو منافق ، من إذا حدث كذب ، وإذا أؤتمن خان ، وإذا وعد أخلف " (1) فقال : إذا كان كل واحدة من هذه يكون منافقا ، فكيف بما [295/ج]هو أعظم من المعاصي ، كيف لا يجعله في منزلة ثالثة فنقول : نعم هو منافق ، فأما ردُّ من ردَّ عليهم (أي المعتزلة) في هذا فلا شك أن رده راجع عليه ؛ لأنه ليجد كذلك حكم حقيقة مذهبه في وجود المنزلة بين المنزلتين .
ومن العجب من أهل المذاهب الأربعة المتأخرين منهم ومن المعتزلة والزيدية والشيع والله أعلم كلهم اتفقوا على أن المؤمن الفاسق لا يسمى باسم الكفر ، وفي كتاب نهج البلاغة كلامٌ من علي بن أبي طالب حين نوظر في[315/ب] ترك قتال معاوية ، قبل أن يبدأ بينهما القتال ، فقال : إني قلبت هذا الأمر بطنه وظهره فلم أر إلا القتال أو الكفر ، فقالوا أراد بذلك بمعنى التشديد لا الحكم به أنه إن ترك القتال كان مخالفاً للحق فسمى مخالفته للحق كفراً ولم يحكموا بما حكم به علي على أنه من خالف الحق الذي لا يجوز له أن يخالفه من دين الله يكون كافرا كفر نعمة .
وكذلك الزيدية وهم يحبون علياً ويفضلونه على جميع الأمة ، وفي كتب المعتزلة وأهل المذاهب الأربعة أن عمَار بن ياسر كان يكِّفر عثمان وأن في مكاتبة محمد بن أبي بكر وعمرو بن العاص تكفير عثمان وفي كتبهم روايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " أنه من ترك الصلاة متعمدا فهو كافر " (2) وأنه قال: - عليه الصلاة والسلام - " ما بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة متعمدا " (3) وفي كتبهم في شرح عقيدتهم التي أولها :
__________
(1) سبق تخريجه .
(2) سبق تخريجه .
(3) سبق تخريجه . (1/346)
صفحة 347
سأحمد ربي طاعةً وتعبداً وأنظم عقداً في العقيدة أوحداً
عند شرح خلق القرآن أنه قال الشافعي : من قال [296/ج] أن القرآن مخلوق فهو كافر، وفسره علماءهم الاوائل أنه أراد بكفر النعمة لا كفر خروج من الملة[166/أ] ، ومراد الشافعي من القرآن غير لفظه وكلامه ، بل مراده ذاته الباطنة هي ذات كلام ذات الله تعالى ، وهذا من علم الغيب الذي لا يطّلع على حقيقته إلا الله تعالى أن القرآن غير كلامه اللفظي ذات أخرى هي أنه كلام نفسي أي هو[316/ب] كلام ذات الله تعالى ، أو ليس له ذات باطنها أنه كلام نفسي . (1/347)
صفحة 348
والقرآن الذي سماه [الله ] (1) [فيه] (2) قرآنا هو كلامه العربي وكلامه اللفظي دون الذات التي هي من علم الغيب هو كلام الله تعالى ، ومن أنكره فهو مشرك ومن قال أنه غير مخلوق أي كلامه اللفظي العربي الحرفي فهو كافر بإجماع جميع أهل المذاهب ، ولا يجوز الاختلاف في ذلك ، وبالدينونة أنه من اعتقد ذلك أنه هالك لأنه جعل لله شريكا في القدم وهو الحرف والكلام العربي ، وكذلك يكون كل كلمة من كلامه في كلام غير الله هي [غير] (3) مخلوقة ، ومعنى من قال أنه مخلوق يعني كلامه اللفظي ومعه أما أنه ليس لباطنه ذات غير الأشياء المقصودة بمعنى الكلام أو أن الذات الذي يذكرونها هي من علم الغيب فلا حاجة لهم إلى القطع بحكم فيها ؛ لأن حقيقة ذلك لابد وأن يكون الحق في أحد القولين ولا يدري ولذلك جاز الاختلاف في هذه الذات أن ذاته الباطنة هو كلام نفسي أو ليس له ذات كذلك فكل يقول بما يراه في عقله لا هو علم حقيقي ، ولذلك لم تجز الدينونة بذلك في ذلك ؛ لأنه من الغيب وأيضا لا يجوّزون[297/ج] هؤلاء المتأخرين من أهل المذاهب الأربعة ، وفي كتبهم باسم المنافق على فسقة المؤمنين ، ويروون أن مذهب الحسن البصري جواز ذلك وفي كتبهم رواية النفاق ، وفي هذا ما يدل[317/ب] على أنهم على غير مذهب أئمتهم ولا على مذهب أحد وانتسابهم إلى أئمتهم مع مخالفتهم لهم انتساب غير صحيح ، فاعرف ذلك وبالله التوفيق.
بيان : ولنرجع إلى ذكر تمام قواعد هذا الجزء إن شاء الله تعالى .
فصل
[شبه الإجماع ]
وأما شبه الإجماع فكشبه قوله تعالى في حق الوالدين :" فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا " (4) فحرام ذلك إجماع ذاتي وعقهما بالحصى مؤلماً وضربهما بالعصى حرام بالإجماع الشبهي ، فهو لاحق بالإجماع الذاتي وقس على ذلك في كل حلال وحرام .
فصل
[ ما يسع و ما لايسع و الخاص والعام]
__________
(1) سقط في ج .
(2) سقط في أ وب .
(3) سقط في ج .
(4) سورةالإسراء:23. (1/348)
صفحة 349
فأما[ في فعله] (1) ما يسع وما لا يسع والخاص والعام .
فصل فأما الخاص والعام فعلى وجوه أحدهما : ما يخص النبي - صلى الله عليه وسلم - دون أمته[167/أ] والوجه الثاني : من الخاص والعام داخل فيما يسع وما لا يسع ، وهاتان القاعدتان في القواعد المتقدمة ونقول أن كل مكلف هو مخصوص بنفسه فيما تعبده الله (2) من العبادة المخاطب بها المكلفين .
ولا يلزم مكلف شيء من العبادة ما لم تنزل بلية التعبد عليه به حتى معرفة الله سبحانه وتعالى إذا لم يخطر بباله ذكر ذلك ، كالمنقطع في الفيافي والقفار ومتى خطر بباله ذكره وعرف ذلك لزمته معرفته تعالى ولم يسعه الشك بعد ذلك، وكذلك كل صفة تجب له سبحانه وتعالى متى خطر بباله ذكر ذلك وعرف المعنى لزمه أن يصفه بذلك [298/ج] ، ولم يسعه الشك بعد ذلك ولا تنفعه الدينونة[318/ب] بالسؤال مع الشك ، وكذلك متى خطر بباله صفة مستحيلة عن الله وعرف المعنى لزمه أن ينزه الله تعالى عن تلك الصفة ، ولم يسعه الشك بعد ذلك ، ولا ينفعه اعتقاد السؤال عن ذلك مع الشك وكذلك متى نظر إلى شيء من مخلوقاته ، أو عرفه بأي حاسة من حواسه الخمس أو عرفه بعقله ، وأنه من صنع هذا لزمه أن يعرفه أن الله هو خالقه وصانعه ، ولم يسعه الشك بعد ذلك ولا ينفعه اعتقاد السؤال مع شكه .
وكذلك متى سمع بذلك بذكر شيء مما ألزم الله عباده المكلفين الإيمان به مما فعله أو سيفعله من علم الغيب كالبعث بعد الموت ، والحساب والعقاب لمن عصاه ، والثواب لمن أطاعه ،وإرسال الرسل لبيان الطاعة والمعصية ، وإنزال الكتب من كل ناطق من حيوان أو مشرك مشاقق أو مؤمن شاكر أو مؤمن فاسق ، وعرف المعنى قامت عليه الحجة من عقله ولزمه الإيمان بذلك ولم يسعه الشك بعد ذلك ، ولم ينفعه اعتقاد السؤال مع شكه .
__________
(1) سقط في ب وج .
(2) سقط لفظ الجلالة في أ وج . (1/349)
صفحة 350
وأما [أن ] (1) عبر له في رسول معين غير رسول زمانه فلا تقوم عليه الحجة إلا بأهل الحجة ؛ لأنه مما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع فتقوم بالواحد من أهل الورع في أكثر القول ، ولا بعدم من دخول الاختلاف أنه تقوم عليه الحجة بكل معبر ، وأن وجده الرسول وحده وقد سمع به وآمن به[319/ب] وشك أنه هو ذلك الرسول ففي الأصح أنه عليه حجة إذا قال أنا رسول الله فلان ؛ لأنه حجة في كل ما يقوله ، وإذا لم[299/ج] يسمع به ويؤمن به من قبل فقوله حجة عليه ، وإن كان يمكن غير نبي أن يقول كذلك ؛ فإن قلت هذا من تكليف علم الغيب ، فالجواب لولا كذلك ما قامت للأنبياء حجة في ابتداء الأمر ، وإذا لم تقم في الابتداء[168/أ] لم يصح لها إقامة حجة فالحجة متى قامت عرفها من قامت عليه أو جهلها فلا عذر له .
__________
(1) سقط في ج . (1/350)
صفحة 351
وهذا من الباب الثالث: فهذا من الباب الأول :العلم العقلي ،والباب الثاني : الشرعي، فمصراعه الأول :علم الحقيقة، ومصراعه الثاني علم [حقيقة] (1) الشريعة الظاهرة وكل منهما على ستة أقسام : واجب ، ومندوب ،ووسائل ومباح ،ومكروه ، وحرام ، وحلال ، والذي لا يسع من هذه الأقسام قسمان : الواجب إذا لزم أداءه في الحين وعبر له فيه معبر لزمه أداءه إذا كان [مما] (2) يفوت وقته من كل معبر من مشرك أو فاسق مؤمن أو مؤمن شاكر ، هكذا أورده الشيخ العالم الكبير أبو سعيد- رحمه الله- في كتابه الاستقامة ، ولكن أتى في كتابه المعتبر في ذلك باختلاف فيما لا تقوم [عليه] (3) الحجة بمعرفته إلا بالسماع ، كالصلاة المكتوبة ، وصوم شهر رمضان إذا عبر له في وقت الصلاة ، أو في وقت نهار شهر رمضان وهو في الحضر لا في السفر ، فقيل : يلزمه بكل معبر إذا عبر له وجوه الحق وعرف المعنى ، وقيل لا تقوم عليه الحجة إلا بأهل الورع ، لقوله تعالى : " وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ [320/ب] لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً " (4) ؛ ولأنه ليس له حيلة يعرف بها أنه عبر له الوجه الحق في ذلك أو وجها باطلا ، وكان هذا هو الأصح .
وإن [300/ج ] عبر[ لعلة] (5) قبل حضور الوقت لم يهلك بالشك حتى يحضر الوقت وهو ذاكر لذلك لزمه ، وأما كالزكاة والحج ، فحتى يحضره الموت وهو ذاكر لذلك لزمته الوصية به إلا أن يقرأ عليه آية من القرآن في ذلك ، ويفهم المعنى لزمه التصديق دون القضاء أو ينشأ في الإسلام ، ويعلم ذلك بالعلم الذي لا يسعه الشك معه لم يسعه الشك بعد ذلك.
__________
(1) زاد في ب.
(2) سقط في ج .
(3) سقط في أ وج .
(4) سورة النساء:141.
(5) سقط في ب. (1/351)
صفحة 352
وكذلك طاعة إمام زمانه إذا اشتهر عدله وولاية المسلمين له أهل الورع أو رضاهم عليه لزمته طاعته فيما يلزمه فيه طاعته ، ولو لم يوسع له عصيانه فيما لم يسعه ، وفيما لم يلزمه لا يلزمه ويلزم طاعة الإمام بعقد عشرة من المسلمين أهل الورع فيهم عالم واحد بعلم الولاية والبراءة ، وقيل تلزم بسبعة، وقيل بخمسة ، وقيل بعالم واحد من أهل الورع ؛ وأنه لهو الأصح وكذلك الاختلاف في نصب حاكم عند عدم الإمام .
وأما أن ينصب المرء نفسه إماما أوحاكما [يحكم] (1) ويلزم الناس بالدينونة طاعته ، فلا أعلم صواب ذلك ، وإذا جعل حاكما يحكم بين الناس لزمه طاعة حكمه في المختلف فيه من الرأي ، ولم يسعه خلافه وأما فيما لا اختلاف فيه ولا يجوز فيه الاختلاف فلازم عليه أن يتبع الحق فيه[169/أ] حكم عليه حاكم[321/ب] أو لم يحكم عليه إذا قامت عليه الحجة بمعرفته إذا كان مما لا تقوم به الحجة إلا بالسماع ؛ فإن كان ممن لم تقم عليه الحجة بمعرفته فقيل : يلزمه بكل معبر يحكم أو بغير حكم ، وقيل بأحد من أهل الورع بحكم أو بغير حكم ، وكذلك إذا نصب المسلمون أهل الورع[301/ج] حاكما يحكم بين الناس عند عدم الإمام لزمته طاعته في المختلف فيه ، ولم يسعه خلافه في الرأي .
وكذلك إذا اختصما هو وخصم وحكم أحد من أهل الورع في المختلف فيه ، وأخبرهما قبل الحكم بما سيحكم في ذلك بينهما من الرأي ورضيا وحكم بينهما بالحق ، لم يجز له خلافه بعد ذلك وقس على هذا المثال .
[الواجب من علم الحقيقة]
__________
(1) سقط في ج . (1/352)
صفحة 353
بيان : وأما الواجب من علم الحقيقة فأكثره ما تقوم الحجة بمعرفته من العقل إذا خطر بباله ذكر شي منه ، وعرف المعنى كالصبر والشكر ، والرضا بحكم الله تعالى وحمده على كل ما يفعله، والواجب تركه كالإعجاب والشرك بالله الشرك الخفي أو ما أشبه ذلك ، وما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع فهو كما مضى القول فيه وعليه في الواجب عليه تركه أن [لم يستطع ] (1) أن لم يزل من نفسه أن يقابله بالكراهة كذلك لا غير حتى في صفات الله المستحيلة إن لم يستطع أن يزيل ذلك من نفسه ، فعليه أن يقابله بالكراهة حتى يزول ذلك أو يموت على ذلك ، كما في قتاله لعدوه من الناس[322/ب] إذا لزمه قتاله ، والواحد يلزمه أن يقاتل اثنين إذا تساويا في العدة ، ولا يسعه أن ينكص عنهما حتى يرجعا عنه أو يقتلهما أو يموت كذلك .
فجهاد [أعداء] (2) النفس كالجهاد للعدو الباين إلا أن أعداء [الباينين قد يكثروا عليه فلا يلزمه وأما جهاد النفس فالأعداء] (3) منها وهي المخاطبة بقتالهم ولا رخصة له فيما لا يسعه .
بيان :وأما ما عليه تركه واجب من الحرام في علم الشريعة الظاهر ،[302/ج] فيسعه الشك فيه ما لم يقرأ عليه آية من القرآن في ذلك ، أو يصير علم ذلك في نفسه علم إليقين ما لم يركبه أو يتولى راكبه بدين ، أو يبرأ من العلماء إذا برءوا من راكبه .
__________
(1) سقط في ج .
(2) سقطت في ب.
(3) سقط في ب. (1/353)
صفحة 354
وإذا قامت عليه الحجة بمعرفة حرامه كالخنزير والقرد ، ولم يسعه أن يأكل منه إذا وجده[ قائم العين يعرفه أهل المعرفة به إذا وقفوا عليه وإن ] (1) وجده لحما مفصلا جاز له الأكل منه ممن يجوز له إذا قامت عليه الحجة بمعرفته من لم يجز له الأكل من عنده ، وقيل أن تقوم فجائز له ؛ ولكن لا يجوز له أن يذبحه بنفسه إن[170/أ] كان منقطعا لم تبلغه حجة جواز ذبح بعض الحيوانات ؛ لأنه ما يستقبح في عقله فيما بينه وبين الله في أداء الطاعة لله تعالى ؛ لأن عليه فيما بينه وبين الله أن يفعل ما يحسن في عقله من الفعل الحسن ، وعليه ترك ما قبح في عقله مما هو قبيح هكذا في كتاب الشيخ العالم الكير أبي سعيد -رحمه الله تعالى- وأنه لحق مبين[323/ب] وقس على هذه الوجوه حتى فيمن يكون حجة في الفتيا في أي شي تقوم الحجة به من كل معبر ، وفي أي شيء لا تقوم الحجة بعبارته إلا بأهل الورع ليعرف أن جميع أهل الضلال من جميع فرق الإسلام لا حجة في فتياهم ، ولا في نقل رواياتهم فيما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع مما لم يعرف حقه من باطله بالشريعة الصحيحة ، فلا بد من النظر في ذلك بالشريعة الصحيحة ، فما وافق الحق فهو[ صواب] (2) وما خالف الحق [فهو] (3) فباطل وبالله التوفيق .
__________
(1) سقط في ج .
(2) سقط في أ.
(3) سقط في أو ج . (1/354)
صفحة 355
الوجه الثالث : من الخاص وذلك في ألفاظ جوابات المسائل فكثير من ضعفاء العلم يأتون في كلامهم كلاما في شيء يحتاج إلى تفصيل على وجوه شتى ، كل وجه يخصه حكم ، وهو لا يدري[303/ج] بوجوه ذلك بل يرى وجها واحدا فيعم الوجوه بحكم ذلك الوجه ، وذلك مما يستدل على قلة براعة ذلك العالم في ذلك العلم وضعف تمكنه فيه، ويستدل قوته تمكنه في ذلك إن لم يأت تفضيل وجوه ذلك ليخص كل وجه بحكمه بكثرة الشروط التي تخص ذلك الوجه وتخرج تلك من ذلك الحكم ، كما قال الشيخ العالم الكبير أبو سعيد -رحمه الله تعالى- في كتابه المعتبر لجامع بن جعفر حيث يعم حكم وجوه ذلك المعنى ، فيأتي الشيخ رحمه الله تعالى في معتبره الشروط التي تخرج ما عنه حتى ينتهي الوجه الذي يخصه حكم ذلك ، ثم يشرح الوجوه التي[324/ب] أخرجها وما يخص كل وجه من حكم ، فلله دره من عالم ما أفهمه وما أبصره سبحانه من نور عقله وبصره ، والحمد لله تعالى إذ جعله من أهل ملتنا ،فواجب علينا لله بهذه النعمة أن نشكره .
ومثال ذلك فيما يروى عن مدرس علماء من القوم أصبح تلميذا من أصحابه معتزلاً له ، أعجب بمعرفته مدرساً فأرسل عليه مسألة نسيت تأصيلها ، ولكن يتضح المطلوب بما سنرويه فيها ، رجلاً من أصحابه يسأله عن رجل أعطى ثوبا قصارا فأتى به مقصورا فما له من الأجرة ، وكلما أفتاك بشيء قل له :يقول :الشيخ هذا غلط ، فسأله فقال [أجرة المثل قال :يقول الشيخ : هذا غلط قال] (1) [171/أ] : له أجرة الأكثر ،فقال له : يقول الشيخ : هذا غلط ، فقال : أجرة الأقل فقال له: مثل الأول فقال : ليس له أجرة ، فقال له يقول : هذا غلط ، فقال : له أجرة ولكن لا أعرفها، فقال[304/ج] له، كذلك يقول هذا غلط ، فقال : عليه الضمان قال: وكذلك يقول هذا غلط ، فقام التلميذ المعجب بنفسه إلى العالم واعتذر إليه ، فقال له : إذا كنت لا تعرف مسألة القصار كيف تصبح مدرسا تضل الناس بضلالك .
__________
(1) سقط في ب. (1/355)
صفحة 356
ومراد العالم أن لهذه المسألة وجوه ولكل وجه حكم ؛ فإن كان لم يشرط عليه في القصار أجودها وأوسطها وأضعفها ، ولم يشترط أجرة فللقصار أجرة المثل ، وإن[325/ب] كان شرط عليه أجودها وشرط الأجرة فقصر أضعف مما شرط عليه لم يكن له أجرة ، وإن كانا شرطا الأجرة بأوسطها في جودة القصار وجودها لم تكن له الزيادة ، وكذلك في الأدنى وإن لم يأمره بالقصار فليس له أن يقصره ، وإن قصره وكانت مما يزيده جودة فليس له أجرة ، وإذا كانت مما تضيع الثوب فعليه الضمان .
بيان :ومثل ذلك في رجلين ضربا طيرا أو صيدا كل منهما بآلة (1) مما يضرب به الصيد من بندق أو نشاب أو رمح أو سيف أو مدية رمياها عليه وأمكن صيده ؛ فإن قيل : لهما جميعا فغلط ، أو إن قيل: لأحدهما فغلط والمعنى في ذلك ، فإن كان الرامي الأول يمكن صيده برميه ، والآخر زيادة فهي للأول ، وإن كان برمي الأول لا يمكن صيده وإنما أمكن فبالآخر فهي للآخر ، وإن كان لا يمكن صيده إلا برميهما معاً فهي بينهما[305/ج] نصفان ، وإن ادعى كل منهما أنه أمكن برميه دون الآخر وليس لأحدهما حجة ، فإن اصطلحا وهما يصح رضاهما عليهما أو على أحدهما فصلحهما جائز ، وإن لم يصطلحا صارت كالمال الذي لا يعرف ربه ، فقيل : للفقراء ، وقيل : لبيت المال ،وقيل: أمانة في بيت المال إلى أن يكون إمام عدل ، وقيل حشري لا يستنفع به أبدا ، وإن كان أحدهما أو كلاهما ممن لا يصح رضاه في الصلح فحكمه كالذي لا يعرف ربه ، وقس على هذا في جميع جوابات[326/ب] المسائل .
__________
(1) في ب ناله. (1/356)
صفحة 357
واعرف التشبيه والمانع عن التشبيه ، وما لكل وجه يخصه من حكم كما توقف والدي- رحمه الله تعالى -عن رمي ما في السفينة من بعض الأموال والأنفس ، أنه كيف يجعل للأموال[172/أ] وما يجعل على النفوس إذا لم يصح شرط فجاء الشيخ عامر بن علي العبادي وقال: تجعل النفوس ديات ، وأجرى جوابه على ذلك ، وقلت : لوالدي العالم الرباني أبي نبهان- رحمه الله تعالى- بذلك ، فقال : هذا قياس فيه غلط بعيد عن الصواب ؛ لأن النفوس هي حي لم تصر ديات ودية الرجل المسلم أكثر من دية المرأة المسلمة ، ودية الرجل المشرك والمرأة المشركة أقل من الرجل كيف تحسب ديتها أقل، وفي التسليم لتسلم عن نفسها من الرجل ؛ لأن التسليم على النفوس بالسواء لا يفضل تسليم رجل على امرأة ، فاعرف العلل المانعة عن التشبيه في القياس وبالله التوفيق .
فصل
[مسألة المستحل و المنتهك ]
وأما المستحيل فمع قومنا[306/ج] أهل المذاهب الأربعة المشرك ،والمستحل مخلد في النار، وذلك معهم هو المنكر لشيء مما أنزل الله حكمه في كتابه ، أو حكمت به السنة أو الإجماع التام ، أو ما قامت الحجة بمعرفته من العقل بخلاف الحق الذي دانوا به : كالمنكر لفرض الصلاة أو لفرض صوم شهر رمضان أو الحج ، أو المنكر لتحريم الخنزير والدم والميتة ، وكذلك مع الزيدية .
وأما إذا لم ينكر ذلك ويقر بالحق في ذلك ، ولكن هو تارك للصلاة والصوم ويرتكب[327/ب] المحرمات، فليس هو بمستحل ولو خالف الحق فيها بتأويل ضلال يبيح له ترك الواجب ، أو ارتكاب المحرم مع إقراره به فهو فاسق ليس بمستحل . (1/357)
صفحة 358
وأما مع أصحابنا فقيل : إذا أنكر الصلاة أو الصوم أو الحج فهو مشرك ، وقيل: لا يكون مشركا حتى يقرأ عليه آية من القرآن فيها ذكر ذلك ، ثم ينكر فهو مشرك يقتل إن لم يتب ، وأما إذا أقر بفرض ذلك ولكن قال ليس كيفيتها على هذه الصفة في دين الله الذي تعبدنا به بل هي كذا وكذا ، وصلاها كما تأولها فهو مستحل ؛ لأنه يفعل ذلك ومعه أنه هو الحلال فعله الواجب عليه في دين الله وخلافه باطل .
وكذلك في كل ما خالف فيه شيئا من دين الله من أحكام الكتاب أو السنة أو الإجماع أو شبه الإجماع ، أو مما تقوم بمعرفته الحجة من العقل على وجه لا يسعه ، ودان بذلك إلا فيما تقوم الحجة [عليه] (1) بمعرفته من العقل مهما خطر بباله ذكر شيء منه دان بخلافه أو لم يدن أو شك فيه ، فهو هالك ومبتدع ومستحل [307/ج] ؛ لأنه يفعله على أنه هو الحلال له فعله في دين الله الذي ألزمه إياه ، وخلافه معه هو باطل أنكر الأصل فيه أو لم ينكره ، وتابعه تابع[173/أ] مبتدع وجميع فرق أهل الضلال من أهل الإقرار مستحلون فيما خالفوا فيه الحق على وجه لا يسعهم ودانوا به فيما لا يهلكون إلا بالدينونة ، أو بالخلاف من غير[328/ب] دينونة فيما قامت عليهم الحجة بالسماع بمعرفة الحق الذي لا يجوز خلافه مما لا تقوم الحجة بمعرفته إلا بالسماع ، أو فيما خالفوا في توحيد الله تعالى وفيما تقوم الحجة بمعرفته من العقل .
__________
(1) سقط في أ وج . (1/358)
صفحة 359
بيان : وأما المنتهك لما يدين بتحريمه فهو الذي يترك الواجب ، وفي دينه الحق أنه واجب ، و لا يسعه تركه في حينه ذلك أو يرتكب محرما في دين الله أنه حرام لا يسع ارتكابه وهو يدين بحرمة ذلك على الوجه الحق ، وفي هذا المعنى قال علي بن أبي طالب " لا تقتلوا الخوارج من بعدي الذي يثبت على سيرتهم "، والمعنى الفرقة الإباضية على ما فسره ابن أبي الحديد (1) كما نقلناه عنه ، فإنهم طلبوا الحق فأخطؤوه أي كان اجتهادهم في عقولهم أنه هو دين الله الذي ألزمهم إياه ، فهم مستحلون خلاف علي بن أبي طالب وانخلاعه عن إمامته ، وقال وليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه يعنى معاوية وعمرو بن العاص أنهما يعرفان الحق ، وعملهما بخلافهما الحق عن معرفته أنهما على خلاف الحق، فهما مرتكبان لما يدينان بتحريمه منتهكان حرمة دين الله تعالى وبلغا[308/ج] مطلوبهما في فعل الباطل.
وأما الخوارج فبعد علي لا يجوز قتالها في حكمه ؛ إذ لا يلزمهم طاعة إمام بعد علي ؛ لأن معاوية ليس بإمام وحكم علي فيما فعله في التحكيم في الخوارج مستحل في حكم الظاهر أنه طلب الحق[329/ب] فأخطأه ، والله أعلم باطنه أنه عرف الحق فخالفه بدواعي نفسه إلى ذلك .
__________
(1) عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد (586هـ - 656هـ) ، أبو حامد ، عز الدين ، عالم بالأدب ، من أعيان المعتزلة ، ولد في المدائن ، و انتقل إلى بغداد ، له شرح نهج البلاغة ، و العبقري الحسان ، وغيرها ، توفي في بغداد .
فوات الوفيات (1/248) ، و البداية والنهاية (13/199) (1/359)
صفحة 360
بيان : والفرق مع أصحابنا بين أحكام المستحل ، وبين أحكام المنتهك لما يدين تحريمه ، أن المستحل جميع ما يفعله باستحلاله من قتل نفوس على غير الحق ، وما يفعله من الجراحات في الأبدان، وإتلاف أموال الناس على غير الحق باستحلاله معاقب عليه في الآخرة إن مات [غير تائب ، ولكنه إن تاب] (1) فلا قود عليه فيما قتل باستحلاله بغير الحق ، ولا إرش عليه فيما جرح الناس كذلك ، ولا فيما أتلف من أموالهم كالمشرك إذا أسلم ليس عليه شيء من فعله لذلك ؛ ولكن[174/أ] جاء الاختلاف فيما بقي في يده من أموال الناس بعينه ، فقيل : عليه رده ، وقيل : لا رد عليه .
وأما في أحكامه فيما بقى من ميراث مثلا ولده أو أحد وارثه مذهبه بخلاف مذهبه بل على مذهب الحق ، أو على مذهب باطل بخلاف مذهبه من أهل الإسلام ، فتجري عليها أحكام الإسلام ؛ لأنه معنا لم يصر مشركاً ، وكذلك مع أهل المذاهب الأربعة ، ومعهم لا يسمى مشركاً أيضا ، وإنما يسمونه كافر مع أنهم لا يطلقون اسم الكافر إلا للمشرك و المستحل الذي في مذهبهم أنه مستحل فافهم ذلك.
بيان : وأما[309/ج] المنتهك لما يدين بتحريمه فعليه القود لما قتل من الناس ظلما ، والدية خطأ ، والإرش لما جرح من الناس بالباطل ، والضمان لما أتلف من أموال الناس بالباطل فاعرف ذلك .[330/ب]
[الحكم بالظاهر ]
بيان : وكل أهل مذهب من فرق الإسلام محكوم عليه في حكم الظاهر بأحكام أهل مذهبه الذي تمذهب به إذا فعل شيئا حتى يصح منه قبل الفعل أنه دان بجواز ذلك وخالف أهل مذهبه الذي تمذهب به ، فاعرف ذلك وبالله التوفيق .
__________
(1) سقط في ب. (1/360)
صفحة 361
هذا آخر ما وجدنا من كتاب تنوير العقول في علم قواعد الأصول وهو السفر الثالث من كتاب العلم المبين والحق اليقين يتلوه إن شاء الله تعالى ..... من تأليف الشيخ العالم الرباني ناصر بن الشيخ أبي نبهان الخروصي برد الله ضريحه وكان تمامه على يد مالكه الفقير المعترف بالتقصير حميد بن علي بن خويطر بن مسعود النوفلي نسبه و الإباضي مذهبه ولد قرية ودام من الباطنة مسكنه والحمد لله الذي أعانني على تمامه من كرمه على عصر عاشر ربيع الآخر سنة 66ومائتي سنة وألفي سنة من هجرة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
في نهاية المخطوط ب :تم هذا الكتاب آخر ما وجدناه من سفر تنوير العقول في علم قواعد الأصول وهو السفر الثالث من كتاب العلم المبين والحق اليقين يتلوه إن شاء الله تعالى السفر الرابع تأليف الشيخ العالم الفقيه ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي.تمامه على يد العبد المذنب الخائف الراجي الفقير إلى ربه القدير خميس بن محمد بن عيسى الذيابي نسباً والإباضي مذهباً ومسكنه الحفري من الباطنة ونسخته للشيخ الفقيه الورع النزيه أحمد بن سعيد الطيواني اللهم اغفر وارحم يا كريم وكان تمامه ضحى الأحد من شهر ربيع الآخر سنة ألف ومائين واثنين وسبعين من الهجرة النبوية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام نسخت هذا الكتاب من نسخة مغلوطة سوى خمسة كراريس وهن من جانب التحت من خط الشيخ راشد بن مصبح وأستغفر الله تعالى من الغلط والنسيان. (1/361)
صفحة 362
وفي نهاية المخطوط ج : هذا آخرما وجدناه من كتاب تنوير العقول في علم قواعد الأصول ، و هو السفر الثالث من كتاب العلم المبين و الحق اليقين ، يتلوه إن شاء الله تعالى من تأليف الشيخ العالم ناصر بن أبي نبهان الخروصي ، و كان تمامه على يد الحقير الفقير إلى ربه القدير الملك القدوس سالم بن حمد بن راشد بن سالم بن عبدالله العامري بيده الفانية ، نسخه للشيخ سيف بن خميس بن محمد الإباضي مذهبا و كان فراغه نهار تاسع رجب سنة1269 من الهجرة النبوية الإسلامية على صاحبها أفضل الصلاة و السلام .
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وبالعمل بطاعته تطيب الحياة ، وتنزل البركات والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أفضل صلاة وأزكى تسليم:
بتوفيق من الله سبحانه وتعالى أنهينا تحقيق تنوير العقول في علم قواعد الأصول ، وخلاصة البحث هي :
- مؤلف الكتاب هو الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي .
- ولد في سنة 1192 هـ .
- تتلمذ الشيخ على يد أبيه الشيخ الرئيس جاعد بن خميس الخروصي .
- من أبرز تلامذته الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي .
- له عدة مؤلفات تتجاوز العشرين ، من أشهرها موسوعة الحق المبين و الحق اليقين في ستة أجزاء كبار.
- توفي الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي سنة 1263هـ رحمه الله تعالى عن عمر يناهز واحد و سبعين عاماً.
- عنوان المخطوط : " السفر الثالث : تنوير العقول في علم قواعد الأصول " .
- موضوع الكتاب : أصول الدين .
- للمخطوط ثلاث نسخ ، أ و ب و ج .
- نسخ المخطوط في أغلبها بخط جيد ، و واضح .
- منهج التحقيق ذكر في المقدمة ، فلا نعيده .
و في خاتمة هذا البحث نخرج بتوصيات :
- الاهتمام بالفكر الإباضي ، من ناحية إخراج مكنونات تراثه العريق .
- الاهتمام بأعلام الفكر الإباضي ، من ترجمة و دراسة و تحقيق لكتبهم . (1/362)
صفحة 363
- دراسة فكر الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي من خلال مؤلفاته ، وحياته العلمية .
هذا و نسأل الله سبحانه و تعالى أن يجعل هذا العمل متقبلا خالصا لوجهه الكريم ، و صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه إلى يوم الدين ، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
-
المراجع
1. إبراهيم بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، ج1 ، ج2 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1421هـ / 2000م .
2. ابن حجر العسقلاني ، الإصابة في تمييز الصحابة ، دار الكتب العربي.
3. ابن حجر العسقلاني ، لسان الميزان ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، الطبعة : الثالثة (1406هـ 1986م)
4. ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، دار الفكر .
5. ابن نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني ، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: (ت: 430هـ)، دار الفكر، بيروت، لبنان.
6. أبو بكر أحمد بن عبدالله الكندي ، المصنف، وزارة التراث القومي والثقافة (1403هـ - 1983م).
7. أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، المصنف ،تحقيق :حبيب الرحمن الأعظمي ، المكتب الإسلامي بيروت ط2 1403هـ
8. أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي ،لكتاب المصنف في الأحاديث والآثار ، تحقيق : كمال يوسف الحوت ،مكتبة الرشد الرياض ط1 1409هـ .
9. أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي ، الاستقامة، وزارة التراث القومي والثقافة ،(1405هـ - 1985م).
10. أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي ، المعتبر، وزارة التراث القومي والثقافة ،(1405هـ - 1985م).
11. أبي أحمد بن علي الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، دار الكتب العلمية بيروت- لبنان.
12. أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الأسفرائيني ، مسند أبي عوانة ، تحقيق :أيمن بن عارف الدمشقي ، دار المعرفة بيروت ، ط1 1998م .
13. أحمد بن أبي بكر بن خلكان ، أبو العباس شمس الدين ، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: (ت: 681هـ)، ط1/ 1417هـ- 1997م، دار إحياء التراث العرَبي، بيروت، لبنان. (1/363)
صفحة 364
14. أحمد بن الحسين البيهقي ، السنن الكبرى ، ت : محمد عبد القادر عطا ، ج1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1414هـ / 1994م .
15. أحمد بن حمد الخليلي ، فعاليات ومناشط المنتدى الأدبي ، لعام 1991م -1992م ، محاضرة له بعنوان " العمانيون و أثرهم في الجوانب العلمية و المعرفية بشرق إفريقيا " ، سلطنة عمان سنة1993م.
16. أحمد بن سعيد الدرجيني ( أبو العباس ) ، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ، ت : إبراهيم طلاي ، ج1 ، ج2 .
17. أحمد بن سعيد الدرجيني ، طبقات المشايخ بالمغرب ، حققه إبراهيم طلاي ، مطبعة البعث - الجزائر .
18. أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي ، كتاب السير ، ت : أحمد بن سعود السيابي ، ج1، ج2 ، وزارة التراث القومي والثقافة ، مسقط ، سلطنة عمان ، 1407هـ / 1987م .
19. أحمد بن علي التميمي ، الحافظ مسند أبي يعلى الموصلي (ت: 307هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
20. أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي ،مسند أبي يعلى ، تحقيق حسين سليم أسد ،، دار المأمون للتراث ، ط1 (1404 هـ- 1984م)
21. أحمد بن نبهان الخروصي تحقيق كتاب " التهذيب بالنحو القريب " ، بحث تخرج في معهد العلوم الشرعية ، إشراف الشيخ طالب بن على السعدي ، سنة 2002-2003 .
22. جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري ( أبو الفضل ) ، لسان العرب ، دار صادر ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 2000م .
23. حمد بن سيف بن محمد البوسعيدي ، الموجز المفيد نبذ من تاريخ البوسعيد ، ط2 1416-1995 م ، مطبعة عمان .
24. حمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي ، سنن النسائي ( المجتبى )،دار ابن حزم بيروت لبنان ،ط1 (1422هـ - 2002م )
25. حمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ، البحر الزخار ، تحقيق :د. محفوظ الرحمن زين الله ، مؤسسة علوم القرآن ، مكتبة العلوم والحكم بيروت ، ط1 1409هـ . (1/364)
صفحة 365
26. حميد بن محمد بن رزيق العبيداني النخلي ، الصحيفة القحطانية ( مخطوط ) .
27. خميس بن جميل السعدي، قاموس الشريعة ؛وزارة التراث القومي والثقافة (1403هـ-1983م) .
28. خميس بن سعيد بن علي الشقصي ، منهج الطالبين و بلاغ الراغبين ، تحقيق سالم بن حمد الحارثي ، مطبعة عيسى البابي الحلبي و شركاه ، وزارة التراث القومي والثقافة .
29. خير الدين الزركلي ،الأعلام: ، ط7، مايو 1986م، دار العلم للملايين، 4/103.
30. الربيع بن حبيب الجامع الصحيح - دار الحكمة - بيروت - مكتبة الاستقامة - سلطنة عمان الطبعة 1415هـ - 1995م .
31. سعيد بن خلفان الخليلي ، تمهيد قواعد الإيمان ، وزارة التراث القومي والثقافة.
32. سلطان بن مبارك الشيباني ، الانتاج الإباضي في علم التفسير ، بحث تخرج بمعهد العلوم الشرعية ، سنة 1421هـ - 1422هـ/2000م- 2001م ) ، إشراف الشيخ راشد بن على الدغيشي .
33. سليمان بن أحمد الطبراني ، المعجم الأوسط تحقيق:أيمن صالح شعبان سيد أحمد إسماعيل ط:(1) 1417هـ/1997م دار الحديث القاهرة.
34. سليمان بن أحمد الطبراني ، المعجم الصغير ، تحقيق: كمال يوسف الحوت دار النشر الموسوعة الكتب الثقافية.
35. سليمان بن أحمد الطبراني ، للحافظ أبي القاسم ، المعجم الكبير: (ت: 360هـ)، مكتبة العلوم والحكم.
36. سليمان بن أحمد الطبراني ، مسند الشاميين ، تحقيق:حمدي عبد المجيد السلفي، ط:(1)، 1409هـ/1989م، دار النشر مؤسسة الرسالة بيروت-لبنان.
37. سنن البيهقي الكبرى ، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي ، تحقيق : محمد عبد القادر عطا ، مكتبة دار الباز مكة المكرمة ، (1414 هـ - 1994م)
38. سيف بن حمود البطاشي ، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ، ج1 ، المطبعة الوطنية ، روي سلطنة عمان ، ط2: 1419هـ/ 1998م . (1/365)
صفحة 366
39. سيف بن حمود بن حامد البطاشي ،إتحاف الأعيان , , (ط؛1 سلطنة عمان : مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان لشؤون الدينية والتاريخية,1422هـ/2001م). رتبه وعلق عليه د: سعيد بن محمد بن سعيد الهاشمي.
40. شرف الدين ابن الفارض ، الديوان ، شرح و تقديم مهدي محمد ناصر الدين ، ط 1 ، 1410هـ - 1990 ،دار الكتب العلمية بيروت - لبنان .
41. عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ، ج1 ، ت : محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1399هـ / 1979م .
42. عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، المصنف ، ج4 ، ت : حبيب الرحمن الأعظمي ، منشورات المجلس العلمي .
43. عبد العزيز بن أحمد البخاري ، كشف الأسرار ،دار الكتب العلمية - بيروت ، ط1 (1418هـ - 1997م ).
44. عبد الله بن حميد السالمي ، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ، ج1 ، مكتبة الاستقامة ، روي ، سلطنة عمان ، 1417هـ/ 1997م .
45. عبد الله بن مُحمَّد بن أبي شيبة الكوفي ، المصنف في الحديث والآثار (ت: 235هـ)، تحقيق: : سعيد بن مُحمَّد اللحام، ط1/ 1409هـ- 1989م، دار الفكر، بيروت، لبنان.
46. عبدالرحمن الجزيري، كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان (1422هـ - 2001م).
47. عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي ،الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير ، دار الفكر - بيروت- الطبعة : الأولى ( 1401هـ 1981م )
48. عبدالله بن الزبير الحميدي ،المسند ، تحقيق حبيب الرحمن الأعظم عالم الكتاب -بيروت- .
49. على بن أبي علي بن محمد الآمدي ،الإحكام في أصول الأحكام ،صححه و كتب حواشيه الشيخ إبراهيم العجوز ،، منشورات دار الكتب العلمية ، بيروت - لبنان.
50. علي بن بلبان الفارسي ، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ، ج4 ، 5 ، ت : شعيب الأرنؤوط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1414هـ / 1993م . (1/366)
صفحة 367
51. علي بن عمر الدارقطني ، سنن الدارقطني ، علق عليه وخرج أحاديثه مجدي منصور بن سيد الثوري ، دار الكتب العلمية -بيروت لبنان - الطبعة الأولى( 1417هـ 1996 م)
52. علي بن عمر الدارقطني ، سنن الدارقطني ، المجلد الثاني ، ج4 ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، 1414هـ / 1994م .
53. فرحات الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، (1408هـ - 1987م)
54. الفيروزآبادي ، القاموس المحيط ، دار إحياء التراث العربي ، ط1 (1422هـ -2001م ) .
55. كهلان بن نبهان الخروصي ، مقاليد التنزيل دراسة و تحقيق ، بحث تخرج بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد سابقا ، معهد العلوم الشرعية حاليا ، إشراف د . إبراهيم بن أحمد الكندي .
56. مبارك بن عبدالله الراشدي ، الشيخ العلامة سعيد بن خلفان الخليلي و فكره ، ط1(1422هـ - 2001م).
57. مجموعة مؤلفين جامعة السلطان قابوس ، دليل أعلام عمان -- مكتبة لبنان - الطبعة الأولى1412هـ-1991م .
58. محمد بن أبي بكر الرازي ، مختار الصحاح - دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى 1414هـ - 1994م .
59. محمَّد بن أحمد الذهبي ، تذكرة الحفاظ: (748هـ/1347م)، دار الكتب العلمية، بيروت.
60. محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج4 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ، ط7 : 1410هـ/ 1990م .
61. محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري ، صحيح ابن خزيمة ، ج2 ، ت : د/ محمد مصطفى الأعظمي ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1391هـ / 1971م .
62. محمد بن إسماعيل البخاري ، صحيح البخاري ، دار ابن حزم بيروت لبنان،ط1 (1422هـ - 2002م )
63. محمد بن جرير الطبري ، تاريخ الأمم و الملوك ، ط1 (1408هـ -1988م) دار الكتب العلمية ، بيروت.
64. محمد بن عبدالله النيسابوري المستدرك علَى الصحيحين ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.. (1/367)
صفحة 368
65. محمد بن عبدالله بن حميد السالمي ، طلعة الشمس ،إصدار وزارة التراث القومي و الثقافة ، الطبعة الثانية (1405هـ - 1985م ).
66. محمد بن محمد الغزالي ، إحياء علوم الدين ، دار الكتب العلمية بيروت- لبنان ، ط1(1419هـ - 1998م).
67. محمد صالح العثيمين ، شرح العقيدة الواسطية ، دار الثريا - المملكة العربية السعودية - الرياض ، ط1(1421هـ - 2000م).
68. مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري ، صحيح مسلم ، دار ابن حزم بيروت لبنان ،ط1 (1422هـ - 2002م )
69. مسند أبي داود الطيالسي ، سليمان بن داود أبو داود الفارسي البصري الطيالسي ، دار المعرفة ، بيروت .
70. المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني ، حمدي بن عبدالمجيد السلفي ، مكتبة العلوم والحكم ،ط2 (1404 هـ - 1983م )
71. ول ديورانت ، قصة الفسلفة ، ترجمة الدكتور فتح الله محمد المشعشع ، مكتبة المعارف - بيروت ، ط6
72. ياقوت بن عبد الله الحموي ( أبو عبد الله ) ، معجم البلدان ، ج8 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 :1417هـ / 1997م .
73. ياقوت بن عبد الله الحموي أبو عبد الله ، معجم البلدان ، ط:(1) 1417هـ/1997م، دار إحياء التراث العربي بيروت -لبنان.
74. يحيى بن أبي الخير الجناوني ، كتاب الوضع ، تعليق إبراهيم أطفيش ، مكتبة الإستقامة - سلطنة عمان ، ط 6 .
75. يحيى بن محمد البهلاني ، نزهة المتأملين في معالم الأزكويين .
76. يعقوب بن إسحاق الأسفرايني ، أبو عوانة ، مسند أبي عوانة ، تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي، ط1/ 1419هـ- 1998م، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
77. يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ( أبو يعقوب ) ، كتاب الدليل والبرهان ، ج2، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، 1403هـ / 1983م . (1/368)
صفحة 369
78. يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ، الدليل والبرهان ، تحقيق الشيخ سالم بن حمد الحارثي ، وزارة التراث القومي و الثقافة، ط2(1417هـ - 1997م)
79. يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ، كتاب الترتيب ، مكتبة مسقط ، سلطنة عمان ط1(1424هـ - 2003م).
80. يوسف بن بكير الحاج سعيد ، تاريخ بني ميزاب ، دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية، المطبعة العربية ، بدون تاريخ .
81. يوسف بن عبد الله بن مُحمَّد بن عبد البر ، الاستيعاب في معرفة الصحابة ، تحقيق: علي بن مُحمَّد البجاوي، دار الجيل، بيروت، ط1/ 1412هـ/ 1992.
الفهارس
1- فهرس الآيات
2- فهرس الأحاديث
3- فهرس الأبيات
4- فهرس الأعلام
5- فهرس ألأديان والمذاهب و الأماكن
6- فهرس المواضيع
فهرس الآيات
م ... الآية ... رقم الآية ... السورة ... الصفحة
1 ... " الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " ... 2 ... الفاتحة ... 133
2 ... " مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ " ... 4 ... الفاتحة ... 133
3 ... " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " ... 5 ... الفاتحة ... 133
4 ... " اهدِنَاالصِّرَاطَ المُستَقِيمَ" ... 6 ... الفاتحة ... 56-134
5 ... " صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ" ... 7 ... الفاتحة ... 134
6 ... " وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْالزَّكَاةَ " ... 43 ... البقرة ... 117-118
7 ... " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَاللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ " ... 114 ... البقرة ... 147
8 ... " مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " ... 133 ... البقرة ... 77-200
9 ... " كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ " ... 137 ... البقرة ... و175
10 ... " إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " ... 153 ... البقرة ... 61
11 ... " إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ " ... 181 ... البقرة ... 37
12 ... " وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " ... 188 ... البقرة ... 190 (1/369)
صفحة 370
13 ... " تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ " ... 196 ... البقرة ... 83
14 ... " وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ " ... 235 ... البقرة ... 190
15 ... " اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَالْحَيُّ الْقَيُّومُ " ... 252 ... البقرة ... 188
16 ... " اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ... 257 ... البقرة ... 178
17 ... " فَتُذَكِّرَإِحْدَاهُمَا الأُخْرَى " ... 282 ... البقرة ... 90-91
18 ... " أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا " ... 83 ... آل عمران ... 113
19 ... " وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ " ... 104 ... آل عمران ... 193-194
20 ... " وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ " ... 105 ... آل عمران ... 193
21 ... " كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ" ... 110 ... آل عمران ... 194
22 ... " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا " ... 10 ... النساء ... 167
23 ... " وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ" ... 146 ... النساء ... 18
24 ... " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا { 29 } وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا " ... 29-30 ... النساء ... 167 (1/370)
صفحة 371
25 ... " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ " ... 43 ... النساء ... 187
26 ... " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ... 59 ... النساء ... 50و43و189
27 ... " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا " ... 87 ... النساء ... 43
28 ... " وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً " ... 141 ... النساء ... 46و97و226
29 ... " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ " ... 1 ... المائدة ... 119و121
30 ... " يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ " ... 95 ... المائدة ... 190
31 ... " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ " ... 105 ... المائدة ... 118
32 ... " لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ { 78 } كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ" ... 78 ... المائدة ... 118
33 ... " وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ" ... 60 ... المائدة ... 118
34 ... " إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ " ... 90 ... المائدة ... 129
35 ... " وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي " ... 110 ... المائدة ... 208
36 ... " فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ " ... 90 ... الأنعام ... 74
37 ... " وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًاوَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " ... 115 ... الأنعام ... 43
38 ... " قُل لاَّ أَجِدُفِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَمَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ ... " ... 145 ... الأنعام ... 138و150و185 (1/371)
صفحة 372
39 ... " وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ" ... 157 ... الأعراف ... 188
40 ... " بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ " ... 1 ... التوبة ... 178
" حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ " التوبة :29، 178
41 ... " حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ " ... 29 ... التوبة ... 191
42 ... " خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ " ... 102 ... التوبة ... 158
43 ... " إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ " ... 115 ... هود ... 158
44 ... " وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ " ... 38 ... يوسف ... 77و200
45 ... " وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ " ... 7 ... الرعد ... 139و142
46 ... " وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " ... 12 ... إبراهيم ... 61
47 ... " أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ " ... 17 ... النحل ... 201-202
48 ... " فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " ... 43 ... النحل ... 81و139و142
49 ... وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ " ... 49 ... النحل ... 113
50 ... " وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ " ... 116 ... النحل ... 149
51 ... " إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ " ... 128 ... النحل ... 61
52 ... " فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا " ... 23 ... الإسراء ... 76-183-224
53 ... " قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ " ... 84 ... الإسراء ... 117
54 ... " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي " ... 85 ... الإسراء ... 66و160 (1/372)
صفحة 373
55 ... " لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا " ... 88 ... الإسراء ... 106
56 ... " ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا " ... 72 ... مريم ... 160
57 ... " لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" ... 23 ... الأنبياء ... 142
58 ... " قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ" ... 69 ... الأنبياء ... 216
59 ... " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا " ... 79 ... الأنبياء ... 75
60 ... " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " ... 18 ... الحج ... 105و112
61 ... " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ " ... 41 ... النور ... 101
62 ... " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " ... 35 ... النور ... 69و141
63 ... " وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ " ... 62 ... النور ... 193
64 ... " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ " " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْأَيْدِيَهُمَا " ... 83 ... النور ... 117
65 ... " وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا " ... 2 ... الفرقان ... 201-202
66 ... " عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ " ... 16 ... النمل ... 110
67 ... " وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " ... 21 ... النمل ... 105 (1/373)
صفحة 374
68 ... " وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ { 20 } لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ { 21 } فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ { 22 } إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ { 23 } وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ { 24 } أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ { 25 } اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ" ... 20-26 ... النمل ... 109
69 ... "فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ" ... 22-24 ... النمل ... 105
70 ... " وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا " ... 17 ... العنكبوت ... 208
71 ... " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا" ... 69 ... العنكبوت ... 98
72 ... " هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ " ... 11 ... لقمان ... 201-202
73 ... "ّ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ " ... 7 ... الأحزاب ... 74 (1/374)
صفحة 375
74 ... " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ" ... 36 ... الأحزاب ... 198
75 ... إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" ... 72 ... الأحزاب ... 104و105و112
76 ... " وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ " ... 13 ... سبأ ... 195
77 ... " وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ " ... 17 ... سبأ ... 128-167
78 ... " هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ " ... 3 ... فاطر ... 201-202-208
79 ... " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء " ... 28 ... فاطر ... 64
80 ... " فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ " ... 88-89 ... الصافات ... 88
81 ... " وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ " ... 96 ... الصافات ... 201-202
82 ... " وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ " ... 24 ... ص ... 192-195
83 ... " أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ " ... 3 ... الزمر ... 154
84 ... "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" ... 18 ... الزمر ... 144
85 ... " وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه" ... 9 ... الحجرات ... 47-190
86 ... " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " ... 13 ... الحجرات ... 195
87 ... " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا " ... 14 ... الحجرات ... 117-157
88 ... " أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ " ... 21 ... الطور ... 181-212
89 ... " فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " ... 11 ... فصلت ... 112
90 ... " وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى " ... 17 ... فصلت ... 56 (1/375)
صفحة 376
91 ... " وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ " ... 85 ... فصلت ... 195
92 ... " شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا " ... 13 ... الشورى ... 74
93 ... " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا " ... 7 ... الحشر ... 136-185
94 ... " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ " ... 13 ... الممتحنة ... 178
95 ... " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ" ... 9 ... الجمعة ... 118
96 ... " إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ { 4 } عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا " ... 4-5 ... التحريم ... 155-156
97 ... " فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ " ... 10 ... الجمعة ... 119
98 ... " إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا " ... 3 ... الإنسان ... 165
99 ... " فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ " ... 15-16 ... التكوير ... 88
100 ... " وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" ... 29 ... التكوير ... 173
101 ... " وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ { 1 } الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ { 2 } وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ " ... 1-3 ... المطففين ... 159
102 ... " وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ " ... 1 ... البروج ... 89 (1/376)
صفحة 377
103 ... " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ { 4 } ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ { 5 } إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " ... 4-6 ... التين ... 114
104 ... " وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ { 8 } فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ " ... 8-9 ... القارعة ... 154-157
105 ... " وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ " ... 1 ... الهمزة ... 117
106 ... " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ " ... 1 ... المسد ... 179
107 ... " وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ " ... 5 ... الفلق ... 61
فهرس الأحاديث
إذا زنا المحصن و قامت على صحته الحجة يرجم " 123
استفت قلبك يا وابصة ، وإن أفتوك وأفتوك " 80و144
أصحابي مثل النجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " 80و143
اعرضوا ما روي عني على كتاب الله فما وافقه مني وما خالفه فليس هو مني "، 195
افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ................. 32
أفرضكم زيد " 80و143
إن الله خلق آدم على صورته" ، 65و121و122.
أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "،65
إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها كلام المخلوقين،36
أنه من ترك الصلاة متعمدا فهو كافر "، 223
إني تارك فيكم شيئين من تمسك بهما لم يضل سنتي وكتاب الله " ،195
آية المنافق ثلاث : من كن فيه فهو منافق ، من إذا حدث كذب ، وإذا أؤتمن خان ، وإذا وعد أخلف "، 223
حرم أو حرام على رجال أمتي لبس الذهب و الحرير " ، أو قال : " لبس الذهب و الحرير حرام على رجال أمتي دون النساء "،135
حين أتاه جبريل يسأله بحضرة بعض أصحابه صلى - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم في صورة رجل قعد بين يديه فقال له : أخبرني يا نبي الله ما الإيمان ؟ ، فقال له : "أن تؤمن بالله واليوم الآخر والرسل والأنبياء وكتب الله تعالى " ، فقال : صدقت يا نبي الله !، أخبرني عن الإسلام ؟.....، 65
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" 50 (1/377)
صفحة 378
رفع القلم عن ثلاثة الصبي حتى يحتلم - أي حتى يبلغ الحلم - ، و الناسي حتى يذكر و النائم حتى يستيقض"،124
روي عنه صلى الله عليه وسلم : [قالت للنبي صلى الله عليه وسلم]: " أين أولادي منك ؟فقال لها: هم في الجنة ، [قالت]: وأين أولادي من غيرك ؟قال: لو شئت أسمعتك ثغاءهم في النار "، 2500
سترون ذات ربكم هي في الجنة يزوركم وتزورونه في كل جمعة من أيام الجنة ،44
شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي 44و133
الصبر نصف الإيمان والشكر كل الإيمان " 60و124
الصلاة على من عقلها و الصوم على من أطاقه "،130
صلى به في أول ابتداء فرض الصلاة عليه جبريل قريبًا من حذاء باب الكعبة كل صلاة من الصلوات مرتين ، مرة في أول أوقاتهن ، و ثانيا في آخر أوقاتهن ليعلم كل صلاة أول وقتها و آخره"،124
علموا أولادكم الصلاة أبناء سبع سنين أو قال أبناء ثمان أو تسع ، و اضربوهم عليها و هم أبناء عشر "،195
عليكم بالسواد الأعظم" 130
كل صلاة لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج "،124
كل مسكر حرام "،125و186
لا تجتمع أمتي على ضلال " 194
لا وصية لوارث"،37
لا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل ، فإذا تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ، فإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ، فإذا أتاني يمشي أتيته أهرول ، حتى أكون سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه التي ينطق بها ، ويده التي يبطش بها" ،61
اللهم علمه التنزيل و فقه التأويل "،135
ما أسكرك كثيره فحرام عليك قليله "128
ما بين العبد و الكفر ترك الصلاة " ،123
من أحب قوما فهو منهم " 178
من تاب من الذنب كمن لا ذنب له " 157
من ترك الصلاة فقد كفر " 123
من علامات المنافق من إذا حدث كذب ، و إذا ائتمن خان ، و إذا عاهد أخلف " ،120
نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ،184و136
نهى عن الشرب أو الأكل في أواني الذهب و الفضة "،129
نهى عن تزويق المساجد ، 71
يد الله مع الجماعة " 193
فهرس الأبيات (1/378)
صفحة 379
سأحمد ربي طاعة و تعبدا و أنظم عقدا في العقيدة أوحدا ... 165_223
الحكم عادي وعقلي شرعي والشرع دين ثم رأي فرعي ... 57
سقتني حُمَيَّا الحبَّ راحة مُقلتي وكأسي مُحيَّا من عن الحُسن جَلَّتِ ... 62
فهرس الأعلام
أبقراط 220
ابن أبي الحديد 261
ابن جعفر 20و94و228
ابن مسعود 79و142و143و144و199و201
أبو بكر الصديق 35و47و50و180و198
أبو حنيفة 127
أبو سعيد الكدمي 81-86-94-97-99-116-137-144-145-174-176-182-196-197-201-226-228
أبو نبهان جاعد بن خميس ( والدي )،38-40-71-86-89-93-95-96-99-136-137-148-172-229
أبوعبيدة 196-197-202
أبوعلي الجبائي-221-222
أرسطو219
أسد بن عمرو 127-128
أفلاطون 219-220
جابر بن زيد 174-175
جالينوس 220
حافظ الدين عبدالله بن أحمد النسفي 127
حتات 48
الحسن البصري 221-223-224
خديجة 155-212
زيد بن ثابت 77-80-142-143-144-199-207
سعيد بن خلفان الخليلي،12-13
سعيد بن سلطان 10-11-110
سقراط 209
سيف الدين العصبة 126
السيوطي 54
صلاح الدين الصفدي 169
الطبري 130-167
الطحاوي 127
عائشة بنت أبي بكر35-47-155-156-175-212
عامر بن علي العبادي 83-93-96-111-229
عبد الرحمن بن محمد الحنفي 126
عبد الله بن عباس 77-135-136-142-143-144-152-161-154-175-201-220
عبدالله بن إباض 48
عثمان بن عفان 48-49-50-52-131-166-167-223
علي الأشعري 221-222
علي بن أبي طالب 35-48-49-52-59-131-142-143-144-166-167
عمّاربن ياسر 199-223-231
عمر بن الخطاب 142-143-144-145-191-198-201
عمرو بن العاص 48-49-167
عيسى بن مريم 98-100-101-208
فاطمة بنت النبي محمدصلى الله عليه السلام 47
محمد بن أبي بكر 167-168-223
محمد بن إدريس الشافعي 127-151-165-168-169-224
محمد بن خميس البوسعيدي 182-105-201
محمد بن روح 98-99
محمد بن علي بن أحمد الحنفي 126
محمد بن محمد الغزالي 59-60-71-89-163-165-168-196-177-179
محمود بن ابي القاسم 127
المزني 126-127-128 (1/379)
صفحة 380
معاوية بن أبي سفيان 48-49-166-123-231
النبي إدريس -عليه السلام- 88-219
النبي سليمان -عليه السلام- 104-105-109-110-114-115
الوارجلاني 101-116
واصل بن عطاء 206-221
فهرس المذاهب والأديان والأماكن
الإباضية 50-86-98-182-223-231
أهل المغرب 146-196-198
بغداد 127
جربة145
الحنابلة 35
الحنفية 35-126-127
الخوارج 35-47-48-49-51-181-182-231
الزيدية 199-223-230
الشافعية 35-126-127
الشيعة 35-36-47-50-56-166-182-221-223
عمان 146-187-196
القدرية 202-204
المالكية 35-127
مصعب145
المعتزلة 35-36-44-47-166-182-201-202-204-206-208-215-216-217-218-221-223
نزوى 111
نفوسة 145
فهرس المواضيع
العنوان ... الصفحة
الاهداء ... 2
الشكر و التقدير ... 3
المقدمة ... 4
الفصل الأول : تعريف بالمؤلف و الكتاب ... 7
المبحث الأول : تعريف بالمؤلف ... 7
- اسمه و نسبه ... 7
- ولادته ... 8
- نشأته ... 8
- حياته العلمية و العملية ... 9
- آثاره العلمية ... 12
o تلاميذه ... 12
o مؤلفاته ... 12
- ثناء العلماء عليه ... 14
- شجاعته ... 14
- وفاته ... 15
- رثاؤه ... 15
المبحث الثاني : تعريف بالكتاب ... 16
- عنوان المخطوط ... 16
- توثيق المخطوط ونسبته إلى صاحبه ... 16
- موضوع الكتاب ... 17
- منهج المؤلف في هذا الكتاب ... 17
- و صف النسخ المعتمدة ... 21
- منهج التحقيق ... 23
- صور من نسخ المخطوط . ... 24
الفصل الثاني : النص المحقق ... 31
- مقدمة الكتاب ... 32
- حديث الافتراق ... 35
- الأحرف السبعة و وجوه التوحيد ... 42
- الأمر و النهي من الأحرف السبعة ... 45
- نسخ الكتاب والسنة ... 45
- فرق الخوارج ... 47
- الدين الذي لا تقوم به الحجة إلا بالسماع ... 54
- منظومة في أقسام العلم الديني ... 57
- أقسام العلم الديني ... 58
- الشكر و حقيقته ... 60
- طرق الفنى بالحضرات الإلهية ... 62
- عيون العقل ... 64
- قواعد علم الهدى ... 69
- أصول الدين ... 73
- معنى الاتفاق ... 77
- الأمر والنهي في التنزيل و السنة ... 78
- معاملة من أخطأ في الشريعة باعتقاد أو فعل ... 78 (1/380)
صفحة 381
- كيف يكون الحكم فيما لا يجوز فيه الاختلاف ... 81
- مسألة تنصيب الإمام ... 83
- الحكم على وجهين : قطعي و منعي ... 84
- كيف يحكم الحاكم ... 85
- القواعد الست في أصول الشريعة ... 91
- فيما يفوت وقته و فيما لا يفوت ... 97
- الإجماع بالدينونة ... 98
- القول بالرأي في الدين فيما لا يجوز فيه الاختلاف ... 99
- حكم المنقطع الذي لم تبلغه الدعوة ... 102
- مسألة خلق القرآن ... 106
- صيغ الأمر في التنزيل و السنة ... 117
- حديث التقرب إلى الله تعالى ... 121
- صيغ الأمر و النهي في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ... 123
- أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ... 123
- حديث تحريم الأكل و الشرب في أواني الذهب والفضة ... 129
- حديث كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ... 130
- حديث تحريم لبس الذهب و الحرير ... 135
- حديث أكل كل ذي ناب من السباع ... 136
- حكم الألفاظ من كلام التنزيل والسنة ... 138
- الإجماع و الإتفاق في اصطلاح أهل الشريعة ... 143
- الاتفاق و الإجماع في اللغة ... 144
- القهوة و بيان في المحرمات ... 148
- مسألة حبة الأرز ... 159
- مسألة المراد بكفر النعمة ... 165
- ما لا يسع جهله و ما يسع جهله ... 173
- ما قامت به الحجة بمعرفته بالسماع ... 174
- الولاية و البراءة ... 178 ...
- ولاية الحقيقة ... 179
- فصل في الإجماع ... 182
- الإجماع التصحيحي ... 184
- الإجماع التحليلي الإلحاقي ... 188
- إجماع في الإباحة ... 188
- الإجماع العقدي الاعتراضي ... 189
- الإجماع الحكمي ... 190
- الإجماع التجويزي ... 191
- إجماعأن الشيء من الوسائل ... 191
- الإجماع الاجتهادي ... 193
- الإجماع الشبهي ... 196
- مسائل من الإجماع الاستحساني ... 199
- مسألة أفعال العباد ... 201
- مسألة الصلاح و الأصلح ... 221
- المنزلة بين المنزلتين ... 222
- شبه الإجماع ... 224
- ما يسع و ما لايسع و الخاص والعام ... 224
- الواجب من علم الحقيقة ... 227
- مسألة المستحل و المنتهك ... 230
- الحكم بالظاهر ... 232
الخاتمة ... 234
المراجع ... 235
فهرس الآيات ... 242
فهرس الأحاديث ... 250
فهرس الأبيات ... 252
فهرس الأعلام ... 252 (1/381)
صفحة 382
فهرس المذاهب و الأديان و الأماكن ... 255
فهرس المواضيع ... 256 (1/382)