صفحة 1
الكتاب: حوار حول رؤية لله بيْن المثبِتين والنافين للمنصور (العُماني) حوار حول رؤية الله بين المثبتين والنافين
بسم الله الرحمن الرحيم ..
أحمدك اللهم على ما أنعمت وتفضلت ، سبحانك ، عرفك المؤمن ولم يرك ، وجحدك الكافر ووجوده شاهد على وجودك، كيف تخفى والشمس بعض آياتك أم كيف ترى والروح بعض أسرارك ، والصلاة والسلام على نبي الأمة محمد ابن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم المبعوث رحمة للعالمين وسراجا للمهتدين ، أما بعد فإليكم أحبتي القراء هذا الموضوع الشيق يتعلق بعقيدة نفي رؤية الباري عز وجل.
أصل الموضوع نقاش بين الأخ المنصور العُماني وبين الأخ محب السنة السُعودي الذي يعتقد بالرؤية وقد أحببت أن أنقل الموضوع من موقع الشبكة
العمانية – سبلة العرب- على الإنترنت منسقا ليعم نفعه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــ
فهرس النقاش:
الرقم ... العنوان ... الصفحة
1- ... تمهيد ... 3
2- ... مقال الأستاذ محب السنة ... 4
3- ... الوقفة الأولى في الرد على مقال محب السنة
4- ... الوقفة الثانية
5- ... الوقفة الثالثة
6- ... الوقفة الرابعة
7- ... الوقفة الخامسة
8- ... الوقفة السادسة
9- ... الوقفة السابعة
10- ... الوقفة الثامنة
11- ... الوقفة التاسعة
12- ... الوقفة العاشرة
13- ... الوقفة الحادية عشر
14- ... الوقفة الثانية عشر
15- ... الوقفة الثالثة عشر
16- ... الوقفة الرابعة عشر
17- ... الوقفة الخامسة عشر
18- ... الوقفة السادسة عشر
19- ... مقال كتبه (المراقب السني)
20- ... رد الأستاذ المنصور على مقال المراقب السني
( تمهيد )
المنصور:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد
: (1/1)
صفحة 2
لقد كان لي حظ في مشاركة الأخ الكريم والأستاذ العزيز محب السنة الحوار حول هذا الموضوع والذي بدأه مع شيخي الزنجباري ، ولأجل السعي إلى نشر مثل هذا الحوار الهادف فإنني استسمح أستاذي محب السنة في إعادة نشر ما كتبناه ونشرناه هنا في هذا المنتدى المبارك.
سيكون إعادة نشر المقالات كالآتي :
أولاً : سيتم نشر مقال الأستاذ محب السنة.
ثانياً : سيتم نشر الوقفات التي كتبت حول مقال الأستاذ الكريم.
ثالثاً : سيتم نشر ردود الأستاذ العزيز على الوقفات المكتوبة.
وسوف يتم طرح المقال والوقفات والردود في صفحات مستقلة حتى يتسنى للأخوة رواد هذا المنتدى المشاركة بما لديهم من أفكار وآراء وما عندهم من روايات حول هذا الموضوع.
وأرجو من الأخوة المشرفين الموافقة على فتح الباب للمداخلات وللنقد البناء المفيد من قبل الأخوة الكرام.
هذا وأدعو الله تعالى أن يمن علينا بالتوفيق والنجاح في الآخرة والدنيا.
مقال الأستاذ محب السنة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل الزنجباري سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعد:
فنستأنف مابدأناه من حوار حول موضوع رؤية المؤمنين لربهم عز وجل في الآخرة ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد وأن يجعل عملنا خالصا لوجهه.
وسأحاول في هذا الرد ما وسعني ذلك الاختصار والاقتصار في الرد على أبرز النقاط التي تضمنها ردكم رغبة في لم شتات الموضوع وجمع أطرافه، والذي بد لي أن أبرز النقاط التي تضمنها ردكم كما يلي:
أولا:
قولك: ما يثير الاستغراب لدى العقلاء هو انكاركم للمجاز في القرآن الكريم مع أنه أمر يعرفه صغار طلبة العلم فضلا عن النبغاء. (1/2)
صفحة 3
فأقول: الكلام في المجاز يحتاج إلى فتح موضوع مستقل وبحث مستفيض، ونحن ولله الحمد لا نقول قولا ولا نعتقد اعتقادا إلا وعندنا عليه دليل من الكتاب والسنة وقول السلف، ويكفينا دليلا على صحة اعتقادنا في نفي المجاز أنه لم يعرف قبل أن يتكلم به المعتزلة في القرن الثالث الهجري، ولم يؤثر القول به عن صحابي ولاتابعي.
وإذا أردت معرفة تهافت أقوال أهل المجاز ورداءة عقولهم وضعف حججهم وقصور أفهامهم فاقرأ بتجرد وتمعن كلام الإمام ابن القيم عن المجاز في كتابه القيم الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، وعندها سيتبين لك أن المجاز لم يبتدعه أهله إلا ليجعلوه معولا يهدمون به نصوص الشرع حتى تكون في نهاية الأمر عبارات جوفاء لاتشتمل على معان يستهدي بها المسلم في معرفه ربه وخالقه فيعبده حق عبادته ويخشاه حق خشيته.
وستجد إجابة شافية لكل آية يقصر فهمك عن فهمها إلا بطريقة أهل المجاز.
والمقام لا يتسع للاستفاضة في بيان بطلان قول أهل المجاز من المعطلة والجهمية.
ثانيا:
ادعاءك ضعف حديث صهيب الذي ورد فيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بالرؤية بحجة أن في سنده حماد بن سلمة وهو ضعيف، حيث قلتَ: هذا الحديث لا يحتج به أصلا فهو ضعيف لأن فى سنده حماد بن سلمة وهو سيئ الحفظ وقد اختلط وتغير آخر عمره، وأحلت إلى المراجع التي اعتمدت عليها في تضعيفه.
فأقول:
من يريد الحق ويسلك مسلك أهل الإنصاف لا يتكلم في شأن حماد بن سلمة بهذه الطريقة، ولا يكون حكمه في روايات حماد حكما واحدا ينطبق على كل رواياته، بل يميز بينها ويتبع طريقة أهل الحديث في الحكم على رواياته. (1/3)
صفحة 4
أما حكمكم على روايات حماد كلها بالضعف والذي اتبعتم فيه ما قاله الشيخ أحمد الخليلي فلا يقول به إلا جاهل بأمر حماد التبس عليه الحق بالباطل، أو صاحب هوى، لأننا إذا رجعنا إلى كلام أهل العلم وجهابذة أهل الجرح والتعديل من المحدثين المشهود لهم بالإمامة بهذا الشأن وجدنا كلامهم يؤيد ما حكمنا به على من رد روايات حماد، ومن ضمنها حديثه الذي فسر به النبي صلى الله عليه وسلم الرؤية بالزيادة.
ويتبين ذلك من خلال النقول التالية من كلام أهل العلم.
قال ابن حجر في تقريب التهذيب
1/ 178
حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بآخرة من كبار الثامنة مات سنة سبع وستين
وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3/140 وما بعدها
حدثنا عبد الرحمن قال ذكره أبي نا حجاج بن الشاعر قال سمعت أحمد بن حنبل يقول حماد بن سلمة أعلم الناس بثابت
حدثنا عبد الرحمن قال ذكره عبد الله بن بشر الطالقاني البكري قال سمعت عبد الملك الميموني قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول حماد بن سلمة أثبت في ثابت من معمر.
حدثنا عبد الرحمن نا محمد بن حموية بن الحسن قال سمعت أباطالب قال قال أحمد بن حنبل حماد بن سلمة اثبت الناس في حميد الطويل سمع منه قديما واثبت في حديث ثابت من غيره.
وقال علي بن المديني لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة.
وقال ابن عدي في الكامل في الضعفاء
3/35 وما بعدها
قال البخاري: حماد بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصري، سمع قتادة وثابتاً قال موسى بن إسماعيل: سمعت حماد بن زيد يقول: ما كنا نرى أحداً يتعلم بنية غير حماد بن سلمة، وما نرى اليوم أحداً يعلم بنية غيره.
حدثني محمد بن سعد قال سمعت صالح جزرة يقول : سمعت علي بن المديني يقول: من تلكم في حماد بن سلمة فاتهموه . (1/4)
صفحة 5
حدثنا موسى بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا الحجاج بن المنهال - وهو في الثقات - حدثنا حماد بن سلمة - وكان من أئمة الدين - حدثني موسى بن القاسم بن موسى بن الحسن بن موسى الأشيب قال : قال لي إسحاق الحربي : كنا عند عفان فقال له رجل : حدثك حماد ؟ فقال : من حماد ويلك ؟ قال : ابن سلمة ، قال : ألا تقولوا أمير المؤمنين ؟
أنا عبدالله بن محمد ، أخبرني أحمد بن زهير ، سمعت يحيى بن معين يقول : أثبت الناس في ثابت البناني حماد بن سلمة.
حدثنا ابن أبي بكر عن عباس ، عن يحيى ، قال : من خالف حماد بن سلمة في ثابت ، فالقول قول حماد ، قيل له: فسليمان بن المغيرة عن ثابت ، قال : سليمان اثبت ، و حماد أعلم الناس بثابت
حدثنا ابن أبي عصمة ، ثنا ابو طالب أحمد بن حميد ، سمعت أحمد بن حنبل يقول : حماد بن سلمة أثبت في ثابت من غيره .
وقال ابن عدي: والأحاديث التي رويت عن حماد بن سلمة في الرؤية ، وفي رؤية أهل الجنة خالقهم، قد رواها غير حماد بن سلمة، وليس حماد بمخصوص به، فينكر عليه.
وأورد ابن عدي جملة من الأحاديث التي رواها حماد ثم قال: وهذه الأحاديث التي ذكرتها لحماد بن سلمة منها ما ينفرد حماد به إما متناً وإما إسناداً ومنه ما يشاركه فيه الناس، وحماد بن سلمة من أجلة المسلمين ، وهو مفتي ( البصرة ) ومحدثها ومقرئها وعابدها ، وقد حدث عنه من الأئمة من هو أكبر سناً منه وممن هو أصغر سناً منه....... إلى أن قال: ولحماد بن سلمة هذه الأحاديث الحسان والأحاديث الصحاح التي يرويها عن مشايخه ، وله أصناف كثيرة كتاب ومشايخ كثيرة ، وهو من أئمة المسلمين وهو كما قال علي بن المديني: من تكلم في حماد بن سلمة فاتهموه في الدين، وهكذا قول أحمد بن حنبل فيه .
و جاء في ترجمة حماد في كتاب الثقات لابن حبان 6/216 (1/5)
صفحة 6
كان من العباد المجابين الدعوة ولم يكن من أقران حماد مثله بالبصرة في الفضل والدين والعلم والنسك والجمع والكتبة والصلابة في السنة والقمع لأهل البدعة ولم يكن يثلبه في أيامه إلا قدرى أو مبتدع جهمى لما كان يظهر من السنن الصحيحة التي ينكرها المعتزلة.
وبالوقوف على أقوال العلماء المتقدمة يتبين لكل ذي عقل سليم وفهم مستقيم القول الفصل في حماد بن سلمة رحمه الله تعالى، وأنه لا حجة لمن رد حديثه إلا الهوى والرغبة في نصرة البدع وأهلها وقمع السنن والداعين إليها، وليس معه دليل إلا أوهام وشبهات يخدع بها من غرهم فيه كبر عمامته وطول لحيته مع خواء فكره وتهافت أدلته.
وكل منصف يعلم علم اليقين أنه إذا حكم الإمام أحمد ابن حنبل ويحي بن معين وعلي بن المديني وابن المبارك، على أحاديث حماد بن سلمة بالقبول، فإن قولهم لا يعارض بكلام غيرهم من العلماء المشهورين ممن عاصرهم أو أتى بعدهم، فكيف بمن لايقاس بهم ولا ينظم في سلكهم ولا يدنو إلى منزلتهم.
والذي نخلص إليه بعد ذلك أن المراد بلفظ المزيد الذي ورد بالآية: رؤية الله تعالى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فسره بذلك، وما كان لنا أن نقبل قول أحد من الناس كائنا من كان بعد قول من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
ثالثا:
تفسيرك الزيادة بأنها الرضى احتجاجا بحديث أبي سعيد الذي جاء فيه : قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا. (1/6)
صفحة 7
فأقول: من أين لك الجزم بأن المراد بالزيادة هو الرضى وليس في الحديث ما يدل على ذلك، فكان الأولى بك أن تقول: إن الرضى شيء أكبر من نعيم الجنة الحسي والقول به لا يمنع من أن لأهل الجنة نعيم آخر وهو رؤية الله تعالى لعدم التعارض بين النصوص ولورود الأدلة المصرحة بذلك.
ولعل تفسريكم هذا يبين بجلاء الفرق بين منهجنا ومنهجكم، فمنهجنا الذي نتبعه وندعو إليه يتمثل باتباع النصوص الشرعية وجعل العقل تابعا لها منقادا لما دلت عليه، لاحاكما عليها.
أما طريقتكم فتتمثل بجعل النصوص الشرعية تابعة لما تعتقدون ومن ثم فإنكم تؤولون ما جاء منها مخالفا لما تدعون إليه وإن أدى ذلك إلى لي أعناق النصوص لتوافق آراءكم.
رابعا:
احتجاجك بما ورد عن بعض الصحابة كعلي وابن عباس من تفسير الزيادة بأنها غرفة من لؤلؤة واحدة لها ثلاثة أبواب.
فأقول: قد ذكرنا في رد سابق أسماء من فسر من الصحابة والتابعين الزيادة برؤية الله تعالى بروايات مسندة إليهم بما يغني عن أعادته وكان من ضمن من روي عنهم ذلك.
من الصحابة:
أبو بكر الصديق
وحذيفة بن اليمان
وعبدالله بن عباس
ومن التابعين:
سعيد بن المسيب
وعبدالرحمن بن أبي ليلى
وعبدالرحمن بن سابط
ومجاهد
وعكرمة
وعامر بن سعد
وعطاء
والضحاك
والحسن
وقتادة
والسدي
ومحمد بن إسحاق
وغيرهم من السلف والخلف
أما من رووا أحاديث في إثبات الرؤية من الصحابة فمنهم:
جرير بن عبد الله وأبو رزين العقيلي , وأبو هريرة وأبو سعيد , وصهيب وجابر , وأبو موسى , وعبد الله بن مسعود , وابن عباس , وابن عمر , وأنس بن مالك , وعدي بن حاتم , وعمار بن ياسر , وعمرو بن ثابت الأنصاري , وابن عمر.
ولولا خشية الإطالة لنقلت رواياتهم بأسانيدها إليهم.
ولم يؤثر عن أحد من الصحابة ولا التابعين نفي الرؤية بالكلية، بل غاية ما هنالك اختلافهم في تحديد المراد بالآية، والذي نظنه بمن فسر الزيادة بغير الرؤية أن ذلك راجع إلى أن الحديث لم يبلغه.
خامسا: (1/7)
صفحة 8
ادعاءك التعارض بين حديث صهيب وحديث أبى هريرة، حيث قلت: إن حديث صهيب يدل على أن الرؤية لا تحصل إلا بعد دخول الناس فى الجنة بينما حديث أبي هريرة يقول ( سترون ربكم )) فى الموقف.
فأولا: لم أقف على رواية بالنص الذي ذكرت وهو(سترون ربكم فى الموقف)
وثانيا : لا يمنع إثبات أن الرؤية تكون في الموقف من أنها أيضا تكون في الجنة ففضل الله واسع وإنعامه على عباده المؤمنين ليس له حد، والعقل والشرع دالان على نفي التعارض بين الروايتين. ولو كان نص إحدى الروايتين أنه لا يرى إلا في الجنة أو الموقف لكان إدعاء التعارض ممكنا.
سادسا:
اعتقادك عدم الاحتجاج بحديث صهيب حتى على فرض صحته لأنه خبر آحاد، ونقلك كلام الخليلي الذي يقول فيه: ولو أن الحديث كان نصاً صريحاً في تفسير النظر بالرؤية لما قامت به حجة لأحاديثه ))).
يعنى خبر آحاد ليس بحجة فى الأمور الإعتقادية، وزعم الخليلي أن هذا هو مذهب الأمة اللهم إلا من اتخذ إلهه هواه.
فأقول:
أما حديث صهيب فثبت عندنا صحته: وأما كون خبر الآحاد ليس بحجة فى الأمور الإعتقادية، وأن هذا هو مذهب الأمة كما زعم الخليلي، اللهم إلا من اتخذ إلهه هواه.
فهذا ما ليس له نصيب من الصحة. بل إن العكس هو الصحيح فمذهب الأمة هو قبول خبر الواحد الصدوق في أي أمر من أمور الدين دون تفريق بين عقيدة وشريعة.
والواقع أن كل عمل يقوم به المكلف من صلاة وصيام وجهاد وغير ذلك، يتضمن مع عمل الجوارح اعتقاد.
وليس كل اعتقاد يتضمن عملا فالنص الدال إثبات صفة من صفات الله لايستلزم من المكلف القيام بعمل من أعمال الجوارح.
وأهل هذا القول في الواقع لم يقولوا به إلا ليجعلوه ذريعة لرد ما لا يوافق أهواءهم من نصوص السنة المطهرة، وإلا فما بالهم يردون نصوص القرآن المتضمنة إثبات صفات الله تعالى وهي مقطوع بتواترها، معتمدين في رد معناها على ما أسموه بالتأويل الذي هو في الواقع تحريف معنوي لجئوا إليه حين عجزوا عن تحريف لفظها. (1/8)
صفحة 9
وهنا يحق لنا أن نسأل: هل كان مذهب الأمة كما زعم الخليلي الاشتراط في أحاديث الصفات أن تكون متواترة، وأنهم كانوا يرفضون الاحتجاج بأحاديث الآحاد؟
فنقول: يُعَرَّفُ الحديث المتواتر بأنه: ما رواه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، وأما الآحاد فهو ما لم يبلغ حد التواتر.
وقد بحث علماء مصطلح الحديث عند تقسيمهم الحديث إلى متواتر وآحاد هذه المسألة، وعند الكلام على أحاديث الصحيحين وتلقي الأمة لهما بالقبول، يقول ابن الصلاح عن المتفق عليه بين البخاري ومسلم: وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به خلافا لقول من نفى ذلك محتجا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ، وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويا، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولا هو الصحيح علوم الحديث ص (28) للإمام أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، الشهير بابن الصلاح.
وقال ابن كثير: وأنا مع ابن الصلاح فيما عوَّل عليه وأرشد إليه، انظر الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص(33) الحافظ ابن كثير. تعليق: أحمد محمد شاكر.
ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية على أن خبر الواحد إذا احتفت به قرائن يفيد العلم اليقيني، فيقول: الصحيح أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن تفيد العلم، وعلى هذا فكثير من متون الصحيحين متواتر اللفظ عند أهل العلم بالحديث وإن لم يعرف غيرهم أنه متواتر ولهذا كان أكثر متون الصحيحين مما يعلم علماء الحديث علما قطعيا أن النبي r قاله، تارة لتواتره عندهم، وتارة لتلقي الأمة له بالقبول.
وخبر الواحد المتلقى بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء . انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (18/ 40-41) (1/9)
صفحة 10
ويرى شيخ الإسلام أن عدد الرواة ليس وحده المعول عليه في إفادة العلم اليقيني، فقد يحصل هذا العلم بسبب ضبط الرواة أو دينهم كما يحصل بقرائن تحف بالخبر، أو تلقي الأمة له بالقبول تصديقا له أو عملا بموجبه، يقول رحمه الله: ثم الأحاديث التي أجمعوا على صحتها قد تتواتر وتستفيض عند بعضهم دون بعض، وقد يحصل العلم بصدقها لبعضهم لعلمه بصفات المخبرين وما اقترن بالخبر من القرائن التي تفيد العلم. انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية(18/ 48-49)
أما عدم حجية خبر الآحاد في العقيدة فقد قال به المتكلمون من الأشاعرة وغيرهم وأبرز من عرف عنه ذلك الفخر الرازي الذي يقول: أما التمسك بخبر الواحد في معرفة الله تعالى فغير جائز يدل عليه وجوه:
منها:
أن أخبار الآحاد مظنونة، فلم يجز التمسك بها في معرفة الله تعالى وصفاته، وإنما قلنا إنها مظنونة لأنا أجمعنا على أن الرواة ليسوا معصومين، ثم ساق أدلة منكري حجية خبر الآحاد، ثم قال عن الصحابة في الوجه الثاني: إلا أنا قلنا: إن الله أثنى على الصحابة رضي الله عنهم في القرآن على سبيل العموم، وذلك يفيد ظن الصدق، فلهذا الترجيح قبلنا روايتهم في فروع التشريع، أما الكلام في ذات الله تعالى وصفاته فكيف يمكن بناؤه على هذه الرواية الضعيفة. انظر أساس التقديس للرازي ص(168-170)
ويعد الرازي أبرز القائلين بهذا القول والمدافعين عنه والمنظرين له، ويوافقه على قوله كل من يسلك طريقة المتكلمين، بينما يخالفهم من ينتسبون إلى مذهب السلف سواء من الذين تقدموا الرازي كالإمام البخاري أو ممن جاء بعده وبلغته مقالته وحججه فردوا عليه وفندوا أقواله. (1/10)
صفحة 11
وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه كتابا تحت عنوان (كتاب أخبار الآحاد) ضم اثنين وعشرين حديثا استدل بها على إجازة خبر الواحد دون استثناء لمسائل الاعتقاد، وقسمه البخاري إلى ستة أبواب، عنون للباب الأول منها بقوله: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الآذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، وقول الله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية وقوله تعالى{إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} وكيف بعث النبي r أمراء واحدا بعد واحد فإن سها أحد منهم رد إلى السنة.
ومما استدل به البخاري رحمه الله تعالى ما يلي:
قال: باب ما كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل واحدا بعد واحد وقال ابن عباس بعث النبي صلى الله عليه وسلم دحية الكلبي بكتابه إلى عظيم بصرى أن يدفعه إلى قيصر
وقال: حدثنا يحيى بن بكير حدثني الليث عن يونس عن ابن شهاب أنه قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن عباس أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه إلى كسرى فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين يدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه كسرى مزقه فحسبت أن ابن المسيب قال فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق.
عن البراء قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله تعالى قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فوجه نحو الكعبة وصلى معه رجل العصر ثم خرج فمر على قوم من الأنصار فقال هو يشهد أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قد وجه إلى الكعبة فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر (1/11)
صفحة 12
عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل نجران لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين فاستشرف لها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فبعث أبا عبيدة
عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم قال وكان رجل من الأنصار إذا غاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدته أتيته بما يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا غبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهده أتاني بما يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم
و في كتاب التوحيد من صحيح البخاري عن معبد مولى ابن عباس قال سمعت ابن عباس يقول لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن قال له إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس
وبعض الأحاديث المتقدمة يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يبعث رجلا من أصحابه ليبلغ عنه الدين كاملا بما اشتمل عليه من عقيدة وشريعة إلى من أرسله إليهم.
وممن جاء بعد الرازي شيخ الإسلام ابن تيمية الذي تتبع أقواله في كتابه نقض التأسيس ورد عليها. انظر موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 745) د.عبد الرحممن المحمود.
ويقول الإمام ابن القيم مبينا حال الصحابة وموقفهم حين يسمع بعضهم من بعض حديث رسول الله r وكيف أنهم لا يردون الخبر بحجة أنه خبر واحد لا يفيد العلم اليقيني: ومن هذا أخبار الصحابة بعضهم بعضا، فإنهم كانوا يجزمون بما يحدث به أحدهم عن رسول الله r ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله r خبرك خبر واحد لا يفيد العلم حتى يتواتر، وتوقف من توقف منهم حتى عضده آخر منهم، لا يدل على رد خبر الواحد عن كونه خبرا واحد، وإنما كان يستثبت أحيانا نادرة جدا إذا استخبر. (1/12)
صفحة 13
وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثا عن رسول الله r في الصفات تلقاه بالقبول، واعتقد تلك الصفة به على القطع واليقين كما اعتقد رؤية الرب وتكليمه ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة، وضحكه وفرحه وإمساك سمواته على إصبع من أصابع يده وإثبات القدم له.
من سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول الله أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق ولم يترتب فيها حق حتى أنهم ربما تثبتوا في بعض أحاديث الأحكام حتى يستظهروا بآخر.
ولم يطلب أحد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات البتة بل كانوا أعظم مبادرة إلى قبولها وتصديقها والجزم بمقتضاها، وإثبات الصفات بها من المخبر لهم بها عن رسول الله r، ومن له أدنى إلمام بالسنة والتفات إليها يعلم ذلك، ولولا وضوح الأمر في ذلك لذكرنا أكثر من مائة موضع. انظر مختصر الصواعق ص (527 ـ 528)
ثم بين رحمه الله حال المخالفين للصحابة في ذلك، ومدى بعدهم عن الحق وما يترتب على قولهم من فساد فيقول: فهذا الذي اعتمده نفاة العلم من أخبار رسول الله r خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام، ووافقوا به المعتزلة والجهمية والرافضة والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء، وإلا فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك بل صرح الأئمة بخلاف قولهم.
وبعد أن بين أن قبول خبر الواحد وإفادته للعلم اليقيني قد درج عليه الصحابة، ذكر أن ذلك كان شأن أئمة الدين من التابعين وأنه قد نص عليه بعضهم مثل الإمام مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وغيرهم.انظر مختصر الصواعق ص (528) وما بعدها
وقد أجاد وأفاد رحمه الله وبسط القول في بيان هذه المسألة وأتى فيها بما فيه غنية لمن قصدُه الحق، وبما يبدد شبهات الممترين من المتكلمين ومن سلك سبيلهم، ويشفي صدور المؤمنين فرحمه الله ورضي عنه. (1/13)
صفحة 14
و يتضح مما سبق أن السلف قاطبة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يعرف عن أحد منهم أنه رد حديثا صحيحا متضمنا إثبات صفة من صفات الله بحجة أنه خبر آحاد.
ولم يعرف هذا الشرط إلا عند من جعل نصوص الشرع تابعة لما استساغه عقله المشحون بالشبهات، أما من أسلم وجهه لله تعالى وانقاد للنصوص الشرع فإنه يرد مسائل النزاع إلى الله والرسول فيقبل ما جاء عن الله تعالى وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبع في فهم النصوص والتعامل معها طريقة الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان جعلنا الله تعالى منهم وحشرنا في زمرتهم.
سابعا:
استدلالك على نفي الرؤية بحديث أبي موسى الذي رواه البخاري عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن.
والواقع أن هذا الحديث يدل على إثبات الرؤية لا العكس كما هو واضح من ظاهر الحديث وكما فهم ذلك أهل العلم.
قال المازري : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب العرب بما تفهم ويخرج لهم الأشياء المعنوية إلى الحس ليقرب تناولهم لها , فعبر عن زوال الموانع ورفعه عن الأبصار بذلك.
وقال الكرماني ردا على من ظن أن ظاهر الحديث يقتضي أن رؤية الله غير واقعة: بأن مفهومه بيان قرب النظر إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعا من الرؤية فعبر عن زوال المانع عن الإبصار بإزالة المراد انتهى.
وحاصله : أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية فكأن في الكلام حذفا تقديره بعد قوله إلا رداء الكبرياء : فإنه يمن عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه, فكأن المراد أن المؤمنين إذا تبوؤا مقاعدهم من الجنة لولا ما عندهم من هيبة ذي الجلال لما حال بينهم وبين الرؤية حائل , فإذا أراد إكرامهم حفهم برأفته وتفضل عليهم بتقويتهم على النظر إليه سبحانه.
وقال الحافظ ابن حجر (1/14)
صفحة 15
ثم وجدت في حديث صهيب في تفسير قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ما يدل على أن المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى الحجاب المذكور في حديث صهيب , وأنه سبحانه يكشف لأهل الجنة إكراما لهم , والحديث عند مسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان
ولفظ مسلم " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة , يقول الله عز وجل : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا وتدخلنا الجنة ؟ قال : فيكشف لهم الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم منه , ثم تلا هذه الآية ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) أخرجه مسلم عقب حديث أبي موسى , ولعله أشار إلى تأويله به.
فقد نبه الحافظ ابن حجر إلى أن الإمام مسلم لما ذكر حديث أبي موسى ذكر بعده حديث صهيب وكأنه بذلك يرى أنه يفسره ويزيل به الإشكال الذي قد يرد على بعض الأفهام.
وقال القرطبي : في المفهم الرداء استعارة كنى بها عن العظمة كما في الحديث الآخر " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري " وليس المراد الثياب المحسوسة ; لكن المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا متلازمين للمخاطب من العرب عبر عن العظمة والكبرياء بهما, ومعنى حديث الباب أن مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالا للنعمة , فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء فكأنه رفع عنهم حجابا كان يمنعهم.
ويلاحظ أن بعض من تقدم كلامهم يخالفون أهل السنة والجماعة في بعض مسائل العقيدة ومع ذلك فهموا من هذا الحديث إثبات رؤية الله تعالى لا نفيها.
ثامنا:
قولك إن فى هذه التأويلات (تأويل الصحابة للزيادة) تعارض لا يخفى، فإن من فسر الزيادة بالرؤية في الآية يعني بتفسيره ذلك أن الناس يرون الله ومن لم يفسرها بالرؤية لم يعني ذلك، و الرؤية وعدمها شيان مختلفان فكيف تقول إنه لا يوجد تعارض بينهما.
واحتجاجك على صحة ما ذهبت إليه: بأن العقيدة تختلف عن الفقه (1/15)
صفحة 16
فإن الفقه قد يوجد في مسائلها قولان وكلاهما صحيحان ، أما العقيدة لا يصح فيها إلا قول واحد لأنها بمثابة الخبر والخبر لا يصح فيه قولان فإذا قلت سافر محمد إما تكون صادقا وإما أن تكون كاذبا.
و كذلك أمر العقيدة فإذا قلت إن الله يرى وقال الآخر لا يرى فقد ضل أحدكما لأنه إما أن يرى وإما ألا يرى.
فأقول: :
هذا الإشكال الذي أوردته يكون مقبولا لو أن بعض الصحابة قال إن الله تعالى يراه المؤمنون في الآخرة وبعضهم قال : إنه لا يرى.، فعندئذ تتعارض أقوالهم ولا يمكن الجمع بينها، وهذا ما لم يحدث ولله الحمد، فلم يؤثر عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه نفى الرؤية بإطلاق.
واختلافهم هذا محدود في فهم نص معينا ونقلت عنهم أقوال مختلفة في تفسيره، ومن حفظ منهم حجة فقوله حجة على من لم يحفظ. ، ومن ثم فإن الإشكال الذي أوردته وهو قولك: فإذا قلت إن الله يرى وقال الآخر لا يرى فقد ضل أحدكما لأنه إما أن يرى وإما ألا يرى. ، ليس له محل ولم يحدث أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا هذا الاختلاف فنفى بعضهم وأثبت بعضهم.
والذي يحفظ من اختلافهم ما وقع بين عائشة رضي الله عنها وابن عباس رضي الله عنهما، حيث يرى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج وعائشة تنفي ذلك.
عاشرا:
قولك: إن الحق لا يقاس بكثرة العدد بل بالإحتكام إلى القرآن و السنة الصحيحة الثابتة.
ولو كان الأمر كما تدعى للزمكم ألا تقولوا إن لله يدين وساقين و وجه و ينسى ويجلس على كرسي ويضحك ويحزن لأن هذا مذهب خاص لكم (( المذهب الوهابي )) لا توافقكم الأمة لا الإباضية ولا الشيعة ولا المذاهب السنية الأربعة . فالحاصل أكثر المسلمين يخلفونكم فى ذلك. (1/16)
صفحة 17
فأقول : سامحك الله تعالى حيث نسبت إلينا ما لم نقل به ولم يقل به أحد من علمائنا ولعل الذي حملك على ذلك كثرة ما تقرأ مما يكتبه الرافضة عن أهل السنة وهم معروف عنهم أنهم قوم بهت لا يتورعون من إلقاء الكلام جزافا دون تثبت.
وقد خلطت فيما نسبت إلينا حقا وباطلا فمن أين لك أن أحدا من أهل السنة قال عن الله تعالى إنه ينسى أويحزن، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.، والمقام لا يسمح بالرد على كل ما قلت وتبيين حقه من باطله.
ولكني أذكرك ونفسي بأن أهل الإيمان من شأنهم تحري العدل وكلمة الحق في الغضب والرضى ولا يحملهم شنآن قوم على ألا يعدلوا، بل يتحرون العدل والإنصاف في كل الأحوال لأنه أقرب للتقوى.
ومن أمارات العدل عند من يتطلبه أنه إذا انتقد قوما نقل من كلامهم الذي دونوه بأنفسهم ما يدينهم به، ولا يعتمد على كلام خصومهم. فلو أنك أحلت فيما ادعيت على كلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب في أحد كتبه لكان الحق معك ولانتفت عنك تهمة عدم التثبت في النقل.
ثم إننا لا ننتسب إلى المذهب الوهابي الذي نسبتنا إليه وليس كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو غيره حجة عندنا، بل الحجة عندنا قال الله وقال رسول الله.
وليس عندنا معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، أما من عداه فنزن كلامه بكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فإن وافقهما قبلناه وإن خالفهما رددناه.
وأما ما نحن بصدد الحديث عنه والنقاش حوله وهو رؤية المؤمنين لربهم فلم ننفرد به عن غيرنا ولسنا أول من قال به، بل هو قول الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ولم يعرف نفي الرؤية عن صحابي ولا تابعين ولا من يعتد بقوله.، والمروي عن أئمة الدين المشهود لهم بالإمامة من جموع المسلمين المتقدمين منهم والمتأخرين النكير على من جحد أعظم نعيم للمؤمنين وهو رؤيتهم لرب العالمين. (1/17)
صفحة 18
قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد : قال سمعته - وبلغه عن رجل أنه قال إن الله لا يرى في الآخرة , فغضب غضبا شديدا , ثم قال : من قال إن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر , فعليه لعنة الله وغضبه , من كان من الناس , أليس الله عز وجل يقول : {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } وقال { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } فهذا دليل على أن المؤمنين يرون الله.
وقال حنبل بن إسحاق : سمعت أبا عبد الله يقول : قالت الجهمية : إن الله لا يرى في الآخرة , وقال الله عز وجل : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } فلا يكون هذا إلا إن الله عز وجل يرى , وقال { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } فهذا النظر إلى الله والأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إنكم ترون ربكم " صحيحة , وأسانيدها غير مدفوعة , والقرآن شاهد : أن الله يرى في الآخرة.
وقال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل - وقد ذكر عنده شيء في الرؤية - فغضب وقال : من قال : إن الله لا يرى , فهو كافر .
وقال عباس الدوري : سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول - وذكر عنده هذه الأحاديث في الرؤية - فقال : هذه عندنا حق , نقلها الناس بعضهم عن بعض.
وقال عبد الله بن وهب : قال مالك بن أنس : الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم .
وقال المزني : سمعت ابن هرم القرشي يقول : سمعت الشافعي يقول في قول الله عز وجل : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } قال : فلما حجبهم في السخط كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضا قال : فقال له أبو النجم القزويني : يا أبا إبراهيم به تقول ؟ قال : نعم , وبه أدين الله , فقام إليه عصام , فقبل رأسه , وقال : يا سيد الشافعيين , اليوم بيضت وجوهنا . ذكره الحاكم في مناقب الشافعي .
فهل يصح بعد ذلك أن يقال: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو المنتسبين إليه إنفردوا بإثبات الرؤية دون غيرهم من المسلمين؟ (1/18)
صفحة 19
أم ينسب المتقدمون إلى مذهب الشيخ ويقال عنهم وهابيون!!
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
إنتهى مقال الأستاذ محب السنة.
ـــــــــــــــــــ
ـــــــــــــ
ــ
الأستاذ المنصور يرد على مقال محب السنة:
الوقفة الأولى :
لقد اتهم الأستاذ محب السنة الإباضية بجعل الشرع تابعاً للعقل من غير حجة ولا برهان . وفي هذه الوقفة طلبنا من الأستاذ الدليل على أقواله التي تكلم بها.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
الأخ الأستاذ الكريم / محب السنة حفظه الله ورعاه
بعد قراءاتي لما دار بينك وبين أستاذي الزنجباري من حوار جاد وهادف وكان في كثير من جوانبه مثالاً يحتذى عند النقاش حول أي مسألة من المسائل التي شغلت بال أفراد الأمة عبر القرون الماضية ، رأيت أن يستمر هذا الحوار من حيث اتباع منهجه وعرض ونقد ما حمله من براهين وأدلة.
وقبل أن أتحدث عن روايات الرؤية لدي هذه الوقفات حول ما ذكرته من أقوال :
قولك : " ولعل تفسيركم هذا يبين بجلاء الفرق بين منهجنا ومنهجكم، فمنهجنا الذي نتبعه وندعو إليه يتمثل باتباع النصوص الشرعية وجعل العقل تابعا لها منقادا لما دلت عليه، لا حاكما عليها. أما طريقتكم فتتمثل بجعل النصوص الشرعية تابعة لما تعتقدون ومن ثم فإنكم تؤولون ما جاء منها مخالفا لما تدعون إليه وإن أدى ذلك إلى لي أعناق النصوص لتوافق آراءكم "
أيها الأستاذ الكريم من أين لك أن الإباضية يجعلون النصوص الشرعية تابعة لا متبوعة ؟؟ (1/19)
صفحة 20
إننا نسألك الدليل على هذا التقول الذي ما كنا نتوقع صدوره منك خاصة وأنك قلت في موضع آخر من مقالك : " ولكني أذكرك ونفسي بأن أهل الإيمان من شأنهم تحري العدل وكلمة الحق في الغضب والرضى ولا يحملهم شنآن قوم على ألا يعدلوا، بل يتحرون العدل والإنصاف في كل الأحوال لأنه أقرب للتقوى. ومن أمارات العدل عند من يتطلبه أنه إذا انتقد قوما نقل من كلامهم الذي دونوه بأنفسهم ما يدينهم به، ولا يعتمد على كلام خصومهم ".
لماذا لا تطبق هذا المبدأ السامي وهذا المنهج المستقيم ؟؟ ولماذا لا تتبع مسلك أهل الإيمان وأنت تدعو إليه ؟؟ أما كان حرياً بك التثبت وعدم التقول بلا علم ؟؟
وعلى أي حال نطالبك أيها الأستاذ الدليل على هذا القول الذي نسبته إلى الإباضية ؟؟؟
وإذا أردت فنحن على أتم الاستعداد في نقل النصوص الواضحة البينة من كتب علماء المذهب الإباضي والتي تدل دلالة واضحة بينة على عدم صحة ما نسبته إلى الإباضية من أقوال.
والقارئ لموضوعك الذي نحاورك حوله يدرك أنك لم تتحرى العدل والإنصاف في الأقوال التي نسبتها إلى الصحابة ، فقد تلقفت الأقوال من هنا وهناك من غير تطبيق لقواعد الإسلام في رد أو قبول الروايات والأقوال.
فمثلاً قولك : " ويكفينا دليلا على صحة اعتقادنا في نفي المجاز أنه لم يعرف قبل أن يتكلم به المعتزلة في القرن الثالث الهجري، ولم يؤثر القول به عن صحابي ولا تابعي "
وقولك أيضاً : " بل إن العكس هو الصحيح فمذهب الأمة هو قبول خبر الواحد الصدوق في أي أمر من أمور الدين دون تفريق بين عقيدة وشريعة " .
هذه الأقوال التي نسبتها هنا إلى الصحابة يا أيها الأستاذ خرجت - مع ما نسبته إلى الإباضية من أقوال - من واقعٍ جرفك نحو التلفظ بما ليس لك به علم ولا معرفة.
ففي الوقفات التالية سأذكر أقوال علماء الأمة حول المجاز وحديث الآحاد ، وبعدها إن شاء الله سنتناول الأحاديث التي يعتمد عليها الأستاذ محب السنة في إثبات الرؤية. (1/20)
صفحة 21
هذا وللحديث بقية .. "
الوقفة الثانية :
حول موضوع المجاز في لغة العرب ومدى استعمال العلماء له في فهم النصوص القرأنية والحديث الشريف:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين.
الأخ الأستاذ / محب السنة حفظه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أستاذي العزيز ليس من العدالة ولا من الإنصاف أن يلقي الإنسان بأقواله ثم يتملص من التبعات التي أوجبتها عليه أقواله وأحكامه. ما زلت أنتظر جوابك على أسئلتي حول ما نسبته من أقوال إلى الإباضية .
لا تتسع هذه الوقفات لدروس حول النقاط التي نتحاور حولها والتي ذكرت في مقالاتك ومقالات أستاذي الزنجباري ، كل ما أرغب في ذكره هنا هو عرض الحقيقة التي خفيت عليك بأسلوب مختصر يصل بنا إلى معرفة وإثبات أن ما نسبته أنت إلى الإباضية وما قلته عن الصحابة ليس له وزن من الصحة.
صحيح أن موضوعنا هذا لا يدور حول المجاز في لغة العرب لهذا فإنه يجب ألا يأخذ حيزاً كبيراً من مساحة هذا الحوار. ولكن القارئ لما كتبته يا أخي الكريم ويا أستاذي العزيز في وصفك لمن يأخذ بالمجاز في فهمه لبعض النصوص من لغة العرب لا يسعه السكوت على طعنك ولمزك ، بل يحاول قدر المستطاع تبين الخطأ وإظهار الصواب ولو في أسطر معدودة.
فأقوالك التي دفعتي إلى هذه الوقفة وأجبرتي إلى تبيين خطأها هي :
ويكفينا دليلا على صحة اعتقادنا في نفي المجاز أنه لم يعرف قبل أن يتكلم به المعتزلة في القرن الثالث الهجري، ولم يؤثر القول به عن صحابي ولا تابعي " .
" وإذا أردت معرفة تهافت أقوال أهل المجاز ورداءة عقولهم وضعف حججهم وقصور أفهامهم فاقرأ بتجرد وتمعن كلام الإمام ابن القيم "
" أن المجاز لم يبتدعه أهله إلا ليجعلوه معولا يهدمون به نصوص الشرع حتى تكون في نهاية الأمر عبارات جوفاء لا تشتمل على معان يستهدي بها المسلم في معرفة ربه وخالقه " (1/21)
صفحة 22
بهذه العبارات أضحى أهل المجاز عند الأخ محب السنة أصحاب عقول رديئة وأفهام قاصرة وحجج ضعيفة وأصحاب معاول يهدمون بها الشرع !!!!
أما كان واجباً عليك أيها الأستاذ التريث والبحث وسهر الليالي بين أمهات كتب التفسير والحديث واللغة قبل هذا التلفظ بهذه الأقوال والأحكام التي طالت ونالت أناس هم خيار هذه الأمة ؟؟. وإن المتتبع لليسر اليسير من هذه الكتب يدرك خطأ ما ذهبت إليه من تقول وأحكام.
فيا أخي محب السنة ما هو قولك في هذه الآية إذا كنت ترى أن المجاز لا يتبعه إلا من يهدم نصوص الشرع !!!!
قال تعالى : ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا )
إنه يلزمك هنا أن تقول إن الله قد جاء إلى اليهود – والعياذ بالله – بذاته ، لأنك لا تعتمد المجاز في فهمك لهذه الآية الكريمة.
قال الطبري : " وقوله: ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) يقول تعالى ذكره: فأتاهم أمر الله من حيث لم يحتسبوا أنه يأتيهم، وذلك الأمر الذي أتاهم من الله حيث لم يحتسبوا، قذف في قلوبهم الرعب بنزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم في أصحابه "
وقال الطبري في تفسيره لقوله تعالى : ( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ)
" فإن قال قائل: كيف يُذاق مسّ سقر، أوَله طعم فيُذاق؟ فإن ذلك مختلف فيه فقال بعضهم: قيل ذلك كذلك ((((( على مجاز الكلام )))) ، كما يقال: كيف وجدت طعم الضرب (((((( وهو مجاز )))))) ؟ وقال آخر: ذلك كما يقال: وجدتُ مسّ الحمى يُراد به أوّل ما نالني منها، وكذلك وجدت طعم عفوك " (1/22)
صفحة 23
وقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى ( يريد أن ينقض ) : " السادسة: قوله تعالى: { يريد أن ينقض } أي قرب أن يسقط، وهذا مجاز وتوسع وقد فسره في الحديث بقوله: «مائل» فكان فيه ((((((( دليل على وجود المجاز في القرآن )))))) ، وهو مذهب الجمهور. وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحيّ الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة، أي لو كان مكانهما إنسان لكان ممتثلاً لذلك الفعل، وهذا في كلام العرب وأشعارها كثير "
إذاً الجمهور من علماء الإسلام في نظر أستاذنا محب السنة هم أصحاب عقول رديئة وأفهام قاصرة وحجج ضعيفة وأصحاب معاول يهدمون بها الشرع !!!!
وأما كتب الحديث ففيها الروايات الكثير التي لا يفهم معناها إلا من طريق المجاز ، وأقتصر هنا على ذكر رواية واحدة :
- أخرج البخاري في صحيحه ما نصه : " .... وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها .... "
وقال ابن حجر في شرحه : " ... وقال الطوفي اتفق العلماء ممن يعتد بقوله أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات التي يستعين بها ولهذا وقع في رواية فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ... "
وأما كتب اللغة العربية فقد بينت بياناً واضحاً أن المجاز أصل أصيل في فهم لغة الضاد، وهذه النقول تبرهن صدق ما أقول :
جاء في معجم ( لسان العرب ) ما نصه :
1- }وما رَمَيْتَ إِذ رَمَيْتَ ولكن الله رَمَى}؛ أَي لم يُصِبْ رَمْيُك ذلك ويبْلُغ ذلك المَبْلَغ، بل إِنما الله عزّ وجل تولى ذلك، (((((( فهذا مجاز)))))) (1/23)
صفحة 24
2- (((((( وهذا من المجاز))))))) أَن يستعمل الذوق وهو ما يتعلّق بالأَجسام في المعاني كقوله تعالى: { ذق إِنك أَنت العزيز الكريم}، وقوله عزّ وجلّ : { فذاقوا وبَال أمرِهم} " .
3- }كقوله تعالى: {إِنما نحن مستهزئُون، الله يستهزىء بهم}؛ والاستهزاء من الكفار حقيقة، وتعليقه بالله عز وجل مجاز، جل ربنا وتقدس عن الاستهزاء بل هو الحق ومنه الحق؛ وكذلك قوله تعالى: {يخادعون الله ، وهو خادعهم}؛ والمُخادَعة من هؤلاء فيما يخيل إِليهم حقيقة، وهي (((((( من الله سبحانه مجاز )))))) ، إِنما الاستهزاء والخَدع من الله عز وجل، مكافأَة لهم "
4- "وفي حديث القضاء: من وَلِيَ قاضياً فكأَنما ذُبِحَ بغير سكين؛ معناه التحذير من طلب القضاء والحِرصِ عليه أي من تَصَدَّى للقضاء وتولاه فقد تَعَرَّضَ للذبح فليحذره؛ (((((( والذبح هاهنا مجاز )))))) عن الهلاك فإِنه من أَسْرَعِ أَسبابه " .
5- "وفي الحديث: قَلْبُ المؤمِن بين إِصْبَعَيْنِ من أَصابِع الله يُقَلّبُه كيف يشاء، وفي بعض الروايات: قلوب العباد بين إِصبعين؛ معناه أَن تقلب القلوب بين حسن آثاره وصُنْعِه تبارك وتعالى. قال ابن الأَثير: الإِصبع من صفات الأَجسام، تعالى الله عن ذلك وتقدّس، (((((( وإِطلاقها عليه مجاز )))))) كإِطلاق اليد واليمين والعين والسمع، وهو جار مجرى التمثيل والكناية عن سرعة تقلب القلوب، وإِن ذلك أَمر معقود بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وتخصيص ذكر الأَصابع كناية عن أَجزاء القدرة والبطش لأَن ذلك باليد والأَصابع أَجزاؤها. "
6- " وفي حديث ابن مسعود: كفى بالرجل شرًّا أَن يَبُولَ الشيطانُ في أُذنيه، قال: وكل هذا (((((( على سبيل المجاز والتمثيل )))))) . "
فيا أخي محب السنة إذا راجعت مقالك مرة ثانية لوجدت فيه تناقضات واضحة ، بحيث يجعلك تسحب تلك الأحكام التي وصفت بها أهل المجاز !!! وتغطي بها من استشهدت بأقوالهم : (1/24)
صفحة 25
فمن أقوالك : " وقال القرطبي : الرداء استعارة كنى بها عن العظمة كما في الحديث الآخر " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري " وليس المراد الثياب المحسوسة ; لكن المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا متلازمين للمخاطب من العرب عبر عن العظمة والكبرياء بهما "
هذا القول الذي نقلته عن القرطبي يعد مجازاً .
فهل القرطبي يا أستاذي العزيز من أصحاب العقول الرديئة!! والأفهام القاصرة !! والحجج الضعيفة !! ؟؟؟ وهل هو صاحب معول هدام ؟؟
هذا ما أردت قوله هنا وللحديث حول مقالك يا أستاذي بقية
الوقفة الثالثة :
حديث الآحاد وهل يؤخذ به أو لا يؤخذ به في مسائل الاعتقاد؟؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد :
الأخ الأستاذ محب السنة حفظه الله ورعاه وسلمه من كل مكروه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد ذكرت لك في الوقفة الثانية أقوال علماء الإسلام حول مسألة الأخذ بالمجاز في فهم نصوص اللغة العربية. ونقلت لك أقوال بعضهم في تفسيرهم لبعض من آيات الله البينات. فهل قرأت ما عرضته عليك ؟؟؟
وأما في هذه الوقفة فإني أريد أن أعرض عليك أقوال علماء الإسلام حول مسألة الأخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد . ولكن قبل أن أنقل أقوالهم أضع بين يديك يا أستاذي ما قلته أنت في مقالك واصفاً من خالفك الرأي حول هذه المسألة:
"وأهل هذا القول في الواقع لم يقولوا به إلا ليجعلوه ذريعة لرد ما لا يوافق أهواءهم من نصوص السنة المطهرة "
"... المخالفين للصحابة في ذلك، ومدى بعدهم عن الحق وما يترتب على قولهم من فساد ... "
وقد أجاد وأفاد رحمه الله وبسط القول في بيان هذه المسألة وأتى فيها بما فيه غنية لمن قصدُه الحق، وبما يبدد شبهات الممترين من المتكلمين ومن سلك سبيلهم، ويشفي صدور المؤمنين فرحمه الله ورضي عنه. " (1/25)
صفحة 26
" ولم يعرف هذا الشرط إلا عند من جعل نصوص الشرع تابعة لما استساغه عقله المشحون بالشبهات..... "
فأنت يا أخي محب السنة ترى أن من لم يأخذ بحديث الآحاد في إثبات مسائل العقيدة يردون السنة النبوية ، ويخالفون الصحابة ، ويبعدون عن الحق ، وينتج من أقوالهم فساد ، وأن أصحاب هذا القول ممترون وأصحاب عقول شحنت بالشبهات ... !!!!!!!
يا أستاذي العزيز سوف تصاب بـ " الصواعق المرسلة " وسوف تعض على أصابع الندم على هذا الأوصاف التي تفوهت بها ولم تلق لها بالاً. من النصوص التي سوف تقرأها بعد قليل ستعلم أنك تقذف بهذه الأوصاف جمهور الأمة من صحابة وتابعين.
قال الإمام النووي في شرحه لصحيح الإمام مسلم :
وأما خبر الواحد فهو ما لم يوجد فيه شروط المتواتر ، سواء كان الراوي له واحداً أو أكثر . واختلف في حكمه ، فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع ، يلزم العمل بها ويفيد الظن ولا يفيد العلم ، وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل " ( شرح صحيح مسلم ، دار المعرفة ، ط1 ،ج 1/ص 89 )
وقال في موضع آخر : " والعقل لا يحيل العمل بخبر الواحد، وقد جاء الشرع بوجوب العمل به فوجب المصير إليه. وأما من قال: يوجب العلم فهو مكابر للحس، وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم والكذب وغير ذلك متطرق إليه؟ والله أعلم. "
وقال أيضاُ : " وذهب بعض المحدثين إلى أن الآحاد التي في صحيح البخاري أو صحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد، وقد قدمنا هذا القول وإبطاله في الفصول، وهذه الأقاويل كلها سوى قول الجمهور باطلة .. "
وقال البغدادي : (1/26)
صفحة 27
وقال أهل السنة :.. وأما أخبار الآحاد فمتى صح إسنادها وكانت متونها غير مستحيلة في العقل كانت موجبة للعمل بها، دون العلم، وكانت بمنزلة شهادة العدول عند الحاكم في أنه يلزم الحكم بها في الظاهر، وإن لم يعلم صدقهم في الشهادة" (الفرق بين الفرق، ص325-326 ).
وقال القرطبي في تفسيره للآية 175 من سورة الأعراف :
فليس في الآية أنه كان ولياً ثم انسلخت عنه الولاية. وما نقل أنه ظهر على يديه ما يجري مجرى الكرامات هو أخبار آحاد لا توجب العلم؛ والله أعلم "
وقال صاحب التمهيد : " لأن أخبار الآحاد لا يقطع على عينها وإنما توجب العمل فقط " ( التمهيد 9 / 278 )
من هذه الأقوال التي قرأناها نعلم أن من اتهمهم الأخ محب السنة برد النصوص التي لا توافق هواهم ، واتهمهم كذلك بالبعد عن الحق هم صحابة وتابعون وعلماء . أفلا يعجب أستاذنا محب السنة من أقواله وأحكامه !!!!؟؟؟؟.
وأنت يا أخي محب السنة لو قرأت في كتب ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من الذين تستشهد بأقوالهم التي تحتج بها هنا لوجدتهم يضعفون كثيراً من الروايات التي رواها كل من البخاري ومسلم ، فليس لك حجة في أقوالهم التي أوردتها والتي اعتمدت عليها هنا في طعنك ولمزك لجمهور علماء أمة الإسلام.
اقرأ هنا وستعلم أنك قد تجاهلت هذه الأقوال التي سطرها ونقلها لك أخونا أبو مهند : http://www.omania.net/vip/ubb/Forum2/HTML/003146.html
وأما قول ابن تيمية الذي نقلته في مقالك : " وعلى هذا فكثير من متون الصحيحين متواتر اللفظ عند أهل العلم بالحديث " . فقد رفضه علماء أهل الحديث.
بهذا يتبين لك أن الذين اعتمدت على أقوالهم في إصدار أحكامك هذه هم أول الناس بعداً عنها وأول الناس تركاً لها . فلماذا أنت مصر على اتباعها والتعلق بها ؟؟؟؟؟ (1/27)
صفحة 28
أما قولك : " بل إن العكس هو الصحيح فمذهب الأمة هو قبول خبر الواحد الصدوق في أي أمر من أمور الدين دون تفريق بين عقيدة وشريعة. " فقد ثبت بطلانه من قول علماء هذه الأمة، فليس لك فيه أي متعلق.
وأما سؤالك الآتي : " وهنا يحق لنا أن نسأل: هل كان مذهب الأمة كما زعم الخليلي الاشتراط في أحاديث الصفات أن تكون متواترة، وأنهم كانوا يرفضون الاحتجاج بأحاديث الآحاد؟ "
هذا السؤال قد أجابك عليه الإمام النووي والبغدادي فارجع إلى أقوالهما أعلاه .
والأقوال التي قالها ابن القيم ونسبها إلى علماء المذاهب الأربعة تحتاج إلى إثبات ، إذ أنه قد ثبت من أقوالهم التي سطروها في كتبهم عكس ما يدعيه ابن القيم. وإذا أردت إثبات هذا فنحن على أتم الاستعداد على نقل ما سطروه من كتبهم.
لهذا يتبين لك أن عدم الأخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد قد كان عليه الصحابة وجمهور الأمة من بعدهم .
وبهذا يتضح لك وللجميع أن أحكامك التي تلفظت بها قد نالت من خير جيل مشى على هذه البسيطة.
فهل ستستمر يا أستاذي العزيز في إصرارك على اتهام الصحابة والتابعين وجمهور الأمة بالبعد عن الحق !!!! وبرد السنة النبوية !!!! وبأصحاب عقول شحنت بالشبهات !!!! وبأصحاب أقوال يترتب عليها فساد !!!! ؟؟؟؟؟
أستاذي قد سألتك أسئلة في هذه الوقفة والوقفتين السابقتين ، فهل سأحظى بالإجابة يا ترى ؟؟؟؟ هذا ما أردت قوله هنا ، وسأبدأ في الحديث عن روايات الرؤية - التي ذكرها أستاذي محب السنة - في الوقفة التالية وفي ما يعقبها من وقفات .....
الوقفة الرابعة:
كثيراً ما أعتمد على الرواية المنسوبة إلى صهيب الرومي رضي الله عنه في إثبات عقيدة رؤية العباد لله تعالى في عرصات الجنان. ومن خلال تتبع أقوال علماء الجرح والتعديل في أحد رواة هذه الرواية يتبين حسب مقاييسهم وقواعدهم الحديثية عدم ثبوت ما نسب إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. (1/28)
صفحة 29
قول علماء الجرح والتعديل في رواية صهيب والتي جاءت من طريق حماد بن سلمة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد :
الأخ الأستاذ / محب السنة المحترم سلمه الله ورعاه.
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
من خلال ما كتبته لك في الوقفة الثانية والثالثة تدرك تمام الإدراك أن التأويل واعتبار المجاز وكذلك عدم الأخذ بحديث الآحاد في الاعتقاد هو منهج سار عليه سلف الأمة من صحابة وتابعين . أما محاولاتكم في الطعن واتهام من خالفكم بضعف العقول في هاتين المسألتين هو طعن في الصحابة ومن سار على نهجهم.
لقد جاء في كتب الحديث كثير من الروايات اعتمد عليها مثبتو الرؤية في دعم أقوالهم وتثبيت حججهم. والدارس لتلك الروايات من حيث السند والمتن يدرك تمام الإدراك أن جميع ما ذكره القوم في مؤلفاتهم من روايات ليست بأهل أن يؤسس عليها عقيدة ويقين.
لهذا ، وبما أن حديث صهيب كان هو مدار ما قاله الأخ الأستاذ محب السنة في مقاله الأخير ، فإني سأبدأ في ذكر أقوال علماء الجرح والتعديل في سنده.
نص الحديث كما رواه الترمذي هو :
حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } قال إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد أن لكم عند الله موعدا قالوا ألم يبيض وجوهنا وينجينا من النار ويدخلنا الجنة قالوا بلى قال فينكشف الحجاب قال فوالله ما أعطاهم شيئا أحب إليهم عن النظر إليه قال أبو عيسى هذا حديث إنما أسنده حماد بن سلمة ورفعه وروى سليمان بن المغيرة وحماد بن زيد هذا الحديث عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قوله " (1/29)
صفحة 30
أخرج هذه الرواية الترمذي ( 4 / 687 ) ، والإمام مسلم ( 1 / 163 ) ، وابن ماجه ( 1 / 67 ) ، وابن حبان ( 16 / 471 ) وغيرهم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني. وقد قال الطبراني ( المعجم الوسيط 1/ 423 ) : " لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا حماد بن سلمة "
حماد بن سلمة بن دينار ، جاء عنه في كتب الجرح والتعديل الآتي:
1- تقريب التهذيب ، 1 / 178 : " حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بأخرة "
2- قال الإمام أحمد في ترجمة علي بن عاصم ( تهذيب التهذيب 3 / 174 ) : " كان حماد بن سلمة يخطئ وأومأ أحمد بيده خطأ كثيرا "
3-) تهذيب التهذيب ، 1 / 482 ) " .. وقال حنبل عن أحمد أسند حماد بن سلمة عن أيوب أحاديث لا يسندها الناس عنه ...... وقال البيهقي هو أحد أئمة المسلمين إلا أنه لما كبر ساء حفظه فلذا تركه البخاري ...... "
4- وقال الذهبي في المغني ص 189 : " إمام ثقة له أوهام وغرائب وغيره أثبت منه "
5- وقال أيضا في الكاشف ج1 / ص 349 : " ثقة صدوق يغلط وليس في قوة مالك "
6- وقال في الميزان ج1 / 590 : " كان ثقة له أوهام "
7- وقال في ( سير أعلام النبلاء ج7 / 452) بعد كلام : " إلا أنه لما طعن في السن ساء حفظه ؛ فلذلك لم يحتج به البخاري ، وأما مسلم فاجتهد فيه واخرج من حديثه عن ثابت مما سمع منه قبل تغيره " إلى أن قال : " فالاحتياط أن لا يحتج فيما يخالف الثقات "
8- وقال السيوطي في ( مسالك الخفاء ) المطبوع في ( الحاوي للفتاوي ) ج2 / ص 226 : " فإن حمادا تكلم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير "
9- وقال القاضي محمد بن عمر بن بحرق الحضرمي الشافعي في ( حدائق الأنوار ومطالع الأسرار ) ص 220 : " إلا أن مسلماً رواه من طريق حماد بن سلمة وهو متروك عند البخاري لو يرو له إلا تعليقاً "
10- وقال الألباني في الأحاديث الضعيفة 2 / 333 : " إن حماداً له أوهام " (1/30)
صفحة 31
11- وقال مقبل الوادعي في تعليقه على " التتبع " ص 212 عند الكلام على حديث مسلم في تفسير الزيادة في قول الله تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) : " وبعد فالذي يظهر لي هو ترجيح رواية الجماعة وإن كان حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت فإنه تغير حفظه بآخره كما في ( تقريب التهذيب ) والخطأ إلى الواحد أقرب منه إلى الجماعة . والله أعلم "
من هذه الأقوال التي أوردها علماء الجرح يتبين لك يا محب السنة سبب رفض الإباضية سند رواية صهيب.
ولمعرفة المزيد من أقوال علماء الجرح في حماد بن سلمة الرجاء مراجعة (الطوفان الجارف) ج3 / ص 308 – 327
كون حماد بن سلمة صدوق أو ثقة في نفسه ليس بحجة ما دام قد اعترف علماء الجرح والتعديل بسوء حفظه وتخليطه في الرواية.
وذكر ابن الصلاح حكم علماء الجرح في رواية المخلطين بقوله :
" والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده " ( التقييد والإيضاح ، ص 442 )
من أقوال علماء الجرح والتعديل ومن حكمهم في من ساء حفظه ، تعلم أن الأخ محب السنة أخذ بشطر واحد وأراد تعميمه على جميع روايات حماد بن سلمة مخالفاً ومناقضاً في ذلك ما قاله في بداية مقاله ، حيث قال : " من يريد الحق ويسلك مسلك أهل الإنصاف لا يتكلم في شأن حماد بن سلمة بهذه الطريقة، ولا يكون حكمه في روايات حماد حكما واحدا ينطبق على كل رواياته، بل يميز بينها ويتبع طريقة أهل الحديث في الحكم على رواياته "
هذا ما قاله أستاذنا محب السنة هنا ، وبفعله وبأقواله هذه نسف ما يدعو إليه وألقى به خلف ظهره.
فهل يا أخي محب السنة اتبعت طريقة أهل الحديث قبل تصحيحك لرواية حماد بن سلمة ؟؟؟
لم أجد في مقالك إلا تجاهلاً لأحكام علماء الجرح في روايات حماد بن سلمة . فهل مسلكك هذا مسلك أهل الإنصاف الذي ادعيت اتباعه ؟؟؟ . (1/31)
صفحة 32
وبما أنك تعترف أن روايات حماد لا يطبق عليها حكماً واحداً ، فلماذا تتجاهل هذا القول ؟؟؟ ولماذا لم تقم بالتمييز الذي تدعو إليه ؟؟؟
وقال الأخ محب السنة مخاطباً الإباضية : " أما حكمكم على روايات حماد .... فلا يقول به إلا جاهل بأمر حماد التبس عليه الحق بالباطل، أو صاحب هوى .... وأنه لا حجة لمن رد حديثه إلا الهوى والرغبة في نصرة البدع وأهلها وقمع السنن والداعين إليها، وليس معه دليل إلا أوهام وشبهات يخدع بها من غرهم فيه كبر عمامته وطول لحيته مع خواء فكره وتهافت أدلته. "
يا أخي محب السنة ما زالت سقطات لسانك تتكرر ، فقد تبين لك في الوقفات السابقة كيف كان حكمك بالأباطيل على الصحابة والتابعين ، فها أنت الآن تجرفك العزة بالباطل إلى رمي الإباضية بالباطل والهوى متناسياً أنهم أخذوا أقالهم في حماد عن الإمام البخاري والإمام أحمد وغيرهما من علماء الجرح والتعديل ، كما يتضح من أقوالهم التي نقلناها أعلاه.
ساءت ظنونك بالإباضية فكانت نتيجة ذلك تقولك بالباطل على الصحابة والتابعين وعلماء الأمة !!!! فيا عجباً من حالك يا أخي !!!!!.
فها هو محب السنة يحكم على الإمام أحمد والبخاري والسيوطي والذهبي وغيرهم بالجهل والهوى والرغبة في نصرة البدع وقمع السنن واتباع الأوهام والشبهات .... !!!!
فهل يا ترى سيرجع الأخ محب السنة عن هذه الأحكام الجائرة الباطلة ؟؟؟؟
هذا وللحديث بقية ...
الوقفة الخامسة :
لقد ضعف علماء الجرح والتعديل روايات رؤية العباد لله تعالى المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم.
قول علماء الجرح والتعديل الروايات التي فسرت قوله تعالى : ( وزيادة ) بالرؤية البصرية ، و المنسوبة إلى كل من أبي بكر وحذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
أما بعد : (1/32)
صفحة 33
الأخ الأستاذ / محب السنة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وكل عام وأنتم بخير وهنئتم برمضان ، وأدعو الله أن يعيننا جميعاً على صيامه وقيامه.
لقد بينا لك قول علماء الجرح في رواية حماد بن سلمة ، وعلمت يقيناً أن رواياته ليست أهلاً لأن يقام عليها عقيدة ولا تصور إيماني. وأن ما قلته أنت حول روايات حماد بن سلمة قد أبطله علماء الجرح ، فهل عندك ما يدفع حججهم وأقوالهم ؟؟؟؟؟؟
والآن وبعد ثبوت عدم صحة رواية حماد بن سلمة ، نقف عند الروايات التي نسبت تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى إلى الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم.
لقد قلت يا أستاذي : قد ذكرنا في رد سابق أسماء من فسر من الصحابة والتابعين الزيادة برؤية الله تعالى بروايات مسندة إليهم بما يغني عن أعادته وكان من ضمن من روي عنهم ذلك.
من الصحابة: أبو بكر الصديق ، وحذيفة بن اليمان ، وعبدالله بن عباس
ومن التابعين: سعيد بن المسيب ، وعبدالرحمن بن أبي ليلى ، وعبدالرحمن بن سابط ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعامر بن سعد ، وعطاء ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف
أما من رووا أحاديث في إثبات الرؤية من الصحابة فمنهم:
جرير بن عبد الله وأبو رزين العقيلي , وأبو هريرة وأبو سعيد , وصهيب وجابر , وأبو موسى , وعبد الله بن مسعود , وابن عباس , وابن عمر , وأنس بن مالك , وعدي بن حاتم , وعمار بن ياسر , وعمرو بن ثابت الأنصاري , وابن عمر.
ولولا خشية الإطالة لنقلت رواياتهم بأسانيدها إليهم. "
وقبل أن أذكر ما قاله علماء الجرح في الروايات التي نسبت تفسير الزيادة بالرؤية إلى أبي بكر الصديق وحذيفة وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم ، أرجو منكم يا أستاذي أن تنقل لنا جميع الروايات بأسانيدها ومصادرها ولا تخشى الإطالة فإننا نرغب في معرفة المزيد مما عندكم من علم ومعرفة.
<><><><><><> (1/33)
صفحة 34
لقد اعتمدت يا أخي على هذه الرواية ، ويا ليتك نظرت في سندها قبل الإشارة إليها وقبل اعتمادك نسبة تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى إلى أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما:
حدثنا بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عامر بن سعد ، عن أبي بكر الصديق ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال : النظر إلى وجه ربهم " .
وجاء أيضاً : " حدثنا ابن بشار : قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن مسلم بن نذير ، عن حذيفة ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال : النظر إلى وجه ربهم"
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب أبي إسحاق عمرو بن عبد الله بن عبيد السبيعي الكوفي المدلس.
أبو إسحاق السبيعي مشهور بالتدليس ( جامع التحصيل في أحكام المراسيل ، ص 245 ) ، وهو يعد من أفراد المرتبة الثالثة ( طبقات المدلسين ، ص 42 ).
وقد ذكر ابن حجر حكم عنعنة المدلس من أفراد هذه المرتبة بقوله: " الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ومنهم من رد حديثهم مطلقاً " ( طبقات المدلسين ، ص 13 )
وقال جرير بن عبد الحميد : سمعت مغيرة يقول : " أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعمشيكم هذا ؛ كأنه عني الرواية عمن جاء " ( ميزان الاعتدال ، 2 / 224 )
وهذه الرواية – كما يتبين من سندها - ينقلها أبو إسحاق السبيعي بالعنعنة عن عامر بن سعد ، فهي ضعيفة ولا يصح الاحتجاج بها.
وبهذا يتضح بطلان ما نسب إلى أبي بكر وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما. فهل لديك يا أخي دليلاً أخر ؟؟؟؟؟؟
<><><><><><><><><><><><>
وأما الرواية التي تنسب تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله إلى أبي اسحاق السبيعي نفسه فهي ضعيفة جداً :
" حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : ثنا شريك ، قال سمعت أبا إسحاق يقول في قول الله ( وزيادة ) قال : النظر إلى وجه الرحمن " . (1/34)
صفحة 35
هذا التفسير المنسوب إلى أبي إسحاق السبيعي ليس بصحيح وذلك بسبب يحيى بن طلحة اليربوعي.
فقد نقل ابن حجر في التهذيب ما نصه : " قال النسائي : ليس بشيء . وذكره بن حبان في الثقات وقال : كان يغرب عن أبي نعيم وغيره .
قلت [ القائل ابن حجر ] : وكذبه علي بن الحسين بن الجنيد وخطأه الصغاني " ( تهذيب التهذيب 11 / 203 –204 )
وقال عنه في التقريب ما نصه : " لين الحديث " ( تقريب التهذيب ، 2 / 306 )
بهذا يتبين ضعف هذا القول المنسوب إلى أبي إسحاق السبيعي.
<><><><><><><><><>
وأما نسبة تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى إلى أبي موسى الأشعري ، فلا يصح البتة.
" حدثني علي بن عيسى ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا أبو بكر الهذلي ، قال : سمعت أبا تميمة الهجيمي يحدث عن أبي موسى الأشعري ، قال : إذا كان يوم القيامة بعث الله إلى أهل الجنة منادياً ينادي : هل أنجزكم الله ما وعدكم ، فينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامة ، فيقولون نعم ، فيقول ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) النظر إلى وجه الرحمن " .
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب أبي بكر الهذلي ، فقد قال ابن حجر في التهذيب ما نصه :
" أبو بكر الهذلي البصري اسمه سلمى بن عبد الله بن سلمى
... قال الدوري عن أبن معين : ليس بشيء وقال في موضع آخر ليس بثقة وقال أبو بكر بن خيثمة عن ابن معين : ليس بشيء قال يحيى وكان غندر يقول كان أبو بكر الهذلي أمامنا وكان يكذب وقال أبو زرعة: ضعيف وقال أبو حاتم : لين الحديث يكتب حديثه ولا يحتج بحديثه وقال النسائي ليس بثقة ولا يكتب حديثه. (1/35)
صفحة 36
قلت [ قائل هو ابن حجر ] : وقال النسائي وعلي بن الجنيد متروك الحديث وقال علي بن عبد الله بن المديني ضعيف ليس بشيء وقال مرة ضعيف جدا وقال مرة : ضعيف ضعيف وقال الجوزجاني يضعف حديثه وكان من علماء الناس بأيامهم وقال البخاري في الأوسط وزكريا الساجي : ليس بالحافظ عندهم وقال الدارقطني : منكر الحديث متروك . وقال يعقوب بن سفيان : ضعيف ليس حديثه بشيء وقال المروزي كان أبو عبد الله يضعف أمره وقال بن عمار بصري ضعيف . وقال أبو إسحاق الحربي ليس بحجة وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم وقال بن عدي : عامة ما يرويه لا يتابع عليه " ( تهذيب التهذيب ، 12 / 40 – 41 )
بهذا يتبين ضعف هذه الرواية ، ويتضح أن ما نسب إلى أبي موسى الأشعري من تفسير قوله تعالى ( وزيادة ) بالنظر إلى وجه الرحمن باطل باطل. فهل عندكم ما يثبت دعواكم ؟؟؟؟؟
<><><><><><><><>
وجاءت رواية أخرى تنسب هذا التفسير إلى أبي موسى الأشعري أيضاً وهي باطلة كذلك :
" حدثني يونس ، قال : أخبرنا وهب ، قال : أخبرني شبيب ، عن أبان ، عن أبي تميمة الهجيمي أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادي أهل الجنة بصوت يسمع أولهم وآخرهم ، إن الله وعدكم الحسنى وزيادة ، فالحسنى الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن ) "
هذه الرواية لا يصح الاحتجاج بها لورودها من قبل أبان بن أبي عياش. (1/36)
صفحة 37
قال ابن حجر في التهذيب ما نصه : " قال الفلاس متروك الحديث ..... وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه وقال البخاري كان شعبة سيء الرأي فيه وقال عباد المهلبي أتيت شعبة أنا وحماد بن زيد فكلمناه في أبان أن يمسك عنه فأمسك ثم لقيته بعد ذلك فقال ما أراني يسعني السكوت عنه وقال أحمد بن حنبل متروك الحديث ترك الناس حديثه منذ دهر وقال أيضا لا يكتب عنه قيل كان له هوى قال كان منكر الحديث .... قال ابن معين ليس حديثه بشيء وقال مرة ضعيف وقال مرة متروك الحديث وكذا قال النسائي والدارقطني وأبو حاتم ..... وقال أبو عوانة مرة لا أستحل أن أروي عنه شيئا ....... وقال بن معين مرة ليس بثقة وقال الجوزجاني ساقط وقال بن المديني كان ضعيفا ...... قال شعبة ردائي وخماري في المساكين صدقة إن لم يكن بن أبي عياش يكذب في ...... وقال بن إدريس عن شعبة لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن ...... وقال بن سعد بصري متروك الحديث ....... وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود لا يكتب حديثه وحكى الخليلي في الإرشاد بسند صحيح أن أحمد قال ليحيى بن معين وهو يكتب عن عبد الرزاق عن معمر عن أبان نسخة تكتب هذه وأنت تعلم أن أبان كذاب فقال يرحمك الله يا أبا عبد الله أكتبها واحفظها حتى إذا جاء كذاب يرويها عن معمر عن ثابت عن أنس أقول له كذبت إنما هو أبان وقال الحاكم أبو أحمد منكر الحديث تركه شعبة وأبو عوانة ويحيى وعبد الرحمن "
إن الناظر في ما نسبه الأخ محب السنة إلى أبي بكر وحذيفة وأبي موسى الأشعري من أقوال - وكان معتمداً في ذلك على روايات باطلة - يستنتج أن أستاذنا لم يسخر طاقاته وعلومه لأجل رفض المتساقط من الروايات ولأجل الوصول إلى الحق.
لقد سطر أقواله وحكم على سلف هذه الأمة بأحكام لا تليق بهم أبداً ، والناظر في ما نقلناه في الوقفات السابقة يدرك أن الأستاذ محب السنة يحطب بليل ويبيع ما جمعته يده في سوق من لا يميزون بين الغث والسمين. (1/37)
صفحة 38
وأكرر رجائي للأستاذ محب السنة أن ينقل لنا جميع الروايات التي يحتج بها ولا يخشى علينا مشقة الإطالة فنحن نصبر لأجل العلم ونسعى لطلب الحق ولا يحد من نشاطنا أي عائق إذ كل العوائق عندنا قناطر تطأها أرجلنا ونحن نسير بالعقيدة الصافية إلى رضوان الله وحسن عبادته.
الوقفة السادسة:
في هذه الوقفة نبين ضعف الرواية المنسوبة إلى الصحابي ابن عمر رضي الله عنهما.
"..عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد: الأخ الأستاذ / محب السنة حفظه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن العلم والأمانة توجبان علينا جميعاً تحكيم قواعد العلوم وأسسها – بعد الاحتكام إلى الله ورسوله - في كل مسألة نتحاور حولها من غير بعد عما أصله علماء الأمة من مبادئ وقيم.
لقد أجهد علماء الحديث أنفسهم فغربوا وشرقوا وقطعوا الفيافي والقفار .وجاءت نتيجة لذلك ثمار جهودهم المباركة ليعيش عليها أبناء هذه الأمة عند بحثهم عن الحق والصواب ، وأصبحت أقوالهم قواعد يحتكم إليها – بعد الرجوع إلى الله ورسوله - عند الخلاف حول مسألة من المسائل التي تشكل تصورات الناس وأفهامهم وأعمالهم.
لقد وجدت روايات في كتب الحديث وكتب التفسير واعتمد عليها مثبتو الرؤية . لكن حينما يبتعد الإنسان عن التعصب لفكرة موروثة ويقبل على تأسيس عقائده على الثابت واليقين من الأدلة ، ويزن كل دليل بالميزان الحق الذي أمر الله تعالى عباده باتباعه ، يدرك أن ما احتج به مثبتو الرؤية من روايات ليس فيها ما يعضد ما ذهبوا إليه من تصور وأحكام. (1/38)
صفحة 39
في الوقفتين والسابقتين بينا ضعف ما نسب إلى أبي بكر وحذيفة وأبي موسى الأشعري وصهيب رضي الله عنهم من أقوال، وكذلك ما نسب إلى أبي إسحاق السبيعي من أقوال . فالرجاء مراجعة ما قاله علماء الجرح في أسانيد تلك الروايات.
وفي هذه الوقفة نذكر ما قاله علماء الجرح في الروايات التي نسبت رؤية المؤمنين لله تعالى إلى ابن عمر رضي الله عنهما.
من ضمن الروايات التي ذكرها الأخ الأستاذ محب السنة في سياق مقاله ، هذه الرواية:
" روى الترمذي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة "
هذه الرواية التي نقلها الأستاذ محب السنة جاءت في كتب الحديث والتفسير من طريق ثوير بن أبي فاختة.
فقد أخرج هذه الرواية الطبري ( تفسير قوله تعالى " إلى ربها ناظرة " ) ، والترمذي ( السنن 4 / 688 ، 5/ 431 ) ، الحاكم ( المستدرك 2 /553 ) ، وأبو يعلى ( المسند 10 / 76 ) ، و جاءت كذلك في مسند الإمام أحمد ( 2 /13 ) ، وعند غيرهم
فجميع الذين أخرجوا هذه الرواية - على حسب علمي الضحل ومعرفتي القاصرة – أخرجوها من طريق ثوير بن أبي فاختة . وأرجو من أستاذي محب السنة أن يذكر لي الطرق الأخرى التي أوردت هذه الرواية إن وجدت ؟؟.
فمن هو ثوير هذا ؟؟ . وما هي منزلته عند علماء الجرح والتعديل ؟؟.
ثوير بن أبي فاختة هو : ابن سعيد بن علاقة الهاشمي أبو الجهم الكوفي مولى أم هانئ (1/39)
صفحة 40
" قال عمرو بن علي : كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه ، وكان سفيان يحدث عنه. وقال محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي ، عن أبيه، قال سفيان الثوري كان ثوير من أركان الكذب. وقال عبد الله بن أحمد سئل أبي ثوير بن أبي فاختة ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم ؟ . فقال ما أقرب بعضهم من بعض. ... وقال الدوري عن بن معين ليس بشيء . وقال بن أبي خيثمة وغيره عن يحيى ضعيف. وقال إبراهيم الجوزجاني ضعيف الحديث . وقال أبو زرعة ليس بذاك القوي. وقال أبو حاتم: ضعيف مقارب لهلال بن خباب وحكيم بن جبير. وقال النسائي : ليس بثقة وقال الدارقطني: متروك
قلت [ ابن حجر ] : ... قال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم. وقال يعقوب بن سفيان : لين الحديث . وقال علي بن الجنيد : متروك . وقال بن حبان : كان يقلب الأسانيد حتى يجيء في روايته أشياء كأنها موضوعة . وقال الآجري عن أبي داود ضرب ابن مهدي على حديثه . وحكى ا بن الجوزي في الضعفاء عن الجوزجاني أنه قال ليس بثقة ". ( تهذيب التهذيب 2 / 32 )
أخي الكريم وأستاذي العزيز محب السنة أسألك بالله الذي لا إله إلا هو هل يقبل قول من عد أحد أركان الكذب ؟؟ وهل تبنى عقيدة على قول من وصفه علماء الجرح بالضعف ؟؟.
إننا والحمد لله رفضنا هذه الرواية التي نُسبت إلى ابن عمر رضي الله عنهما بعد أن ظهر لنا تهافتها وضعفها. فهل سيبقى أستاذنا العزيز محب السنة يكافح بهذه الرواية التي أحد رواتها " من أركان الكذب " ؟؟. هذا وللحديث بقية .....
الوقفة السابعة:
في هذه الوقفة نبين ما قاله علماء الجرح والتعديل في رواية الرؤية المنسوبة إلى عدي بن حاتم وبريدة بن حصين رضي الله عنهما.
" حدثنا يوسف بن موسى حدثنا أبو أسامة حدثني الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه "
بسم الله الرحمن الرحيم (1/40)
صفحة 41
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد :
الأخ الكريم والأستاذ العزيز / محب السنة حفظه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لنواصل معاً الحديث حول الروايات التي نسبت إلى الصحابة - الذين ذكرت أسماهم في مقالك – القول برؤية الله تعالى.
لقد ذكرت يا أستاذي أسم عدي بن حاتم رضي الله عنه وقلت أنه قد روى حديثاً في إثبات الرؤية ، فلنقرأ جميعاً هذه الرواية ولنسمع أقوال علماء الجرح في أسانيدها:
لقد أورد الإمام البخاري في صحيحه هذه الرواية من طريق عدي بن حاتم رضي الله عنه :
" حدثنا يوسف بن موسى حدثنا أبو أسامة حدثني الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه ( صحيح البخاري 6 / 2709 )
وجاءت هذه الرواية أو نحوها في كتب الحديث بهذا السند : " .... الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم "
صحيح البخاري 6 / 2729 ، سنن ابن ماجة ( 1 / 66 ، 1 / 590 ) ، سنن البيهقي 4 / 176 ، طبقات المحدثين بأصبهان 2 / 78 ، صحيح مسلم 2 / 703 ، سنن الترمذي 4 / 611 ، مسند الإمام أحمد ( 4 / 256 ، 4 / 377) ، صحيح ابن حبان 16 / 373 ، المعجم الصغير 2 / 136 ، المعجم الكبير ( 17 / 82 ، 17/ 95 ) ، مسند الطيالسي 139
هذه الرواية كما يتبين من سندها ضعيفة وذلك بسبب عنعنة الأعمش المدلس :
الأعمش هو : سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي
" قال الجوزجاني : قال وهب بن زمعة المروزي : سمعت ابن المبارك يقول : إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش لكم. وقال جرير بن عبد الحميد: سمعت مغيرة يقول : أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعيمشكم هذا ؛ كأنه عنى الرواية عمن جاء، وإلا فالأعمش عدل صادق ثبت، صاحب سنة وقرآن، يحسن الظن بمن يحدثه، ويروي عنه.. (1/41)
صفحة 42
قال علي بن سعيد النسوي: سمعت أحمد بن حنبل يقول : منصور أثبت أهل الكوفة ؛ ففي حديث الأعمش اضطراب كثير
قلت [ القائل هو الذهبي ] : وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال حدثنا فلا كلام، ومتى قال " عن " تطرق إليه احتمال التدليس .... " (ميزان الاعتدال ت : 3517، ج2 / ص 224 )
فالأعمش يعنعن في هذه الرواية عن خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي ، ومع كون الأعمش متهم حتى بتدليس التسوية (انظر " أحوال الرجال للجوزجاني " هامش صفحه 127 تعليق المحقق عبد العليم عبد العظيم البستوي ) فليس في هذه الرواية أي دليل على من اعتمد عليها في نسبة إثبات الرؤية إلى عدي بن حاتم رضي الله عنه.
وجاءت هذه الرواية أيضاً عند البخاري من طريق الأعمش. فقد صرح الأعمش في هذا الطريق بالسماع من خيثمة حيث قال : " حدثني خيثمة عن عدي بن حاتم قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ... " ( انظر صحيح البخاري 5/ 2395 )
قال ابن العجمي : " والقسم الثالث وهو تدليس التسوية ..... وهو أن يروي حديثا عن شيخ ثقة غير مدلس وذلك الثقة يرويه عن ضعيف فيأتي المدلس الذي سمع من الثقة الأول غير المدلس فيسقط الضعيف الذي في السند ويجعل الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل فيستوي الإسناد كله ثقات وهذا شر الأقسام. قال شيخنا الحافظ العراقي في النكت له على بن الصلاح وهذا قادح فيمن تعمده انتهى. وقال العلائي في كتاب المراسيل ولا ريب في تضعيف من أكثر هذا النوع وقد وقع فيه جماعة من الأئمة الكبار ولكن يسيرا كالأعمش والثوري، حكاه عنهما الخطيب انتهى . وممن نقل عنه فعل ذلك بقية بن الوليد والوليد بن مسلم والحسن بن ذكوان كما سيأتي وقال الخطيب البغدادي وكان الأعمش والثوري وبقية يفعلون مثل هذا انتهى " ( التبيين لأسماء المدلسين ، ص 29 ) (1/42)
صفحة 43
وبما أن الأعمش المدلس تدليس التسوية ينقل حديث شيخه خيثمة بالعنعنة عن عدي بن حاتم ، فإذاً هذا الطريق لهذه الرواية لا يصح الاعتماد عليه والاحتجاج به.
<><><><><><><>
وجاءت هذه الرواية عند الطبراني ( المعجم الكبير 17 / 95 ) بسند آخر : " حدثنا شعيب بن عمران العسكري ثنا عبدان بن محمد العسكري ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثنا أبو عبدان مسلمة عن سعد الطائي عن محل بن خليفة عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم ..... "
هذه الرواية من هذا الطريق ضعيفة وذلك أن شعيب بن عمران العسكري مجهول فقد قال ابن حجر في لسان الميزان ( 3 / 148 ) : " شعيب بن عمران العسكري عن أحمد بن محمد الطالقاني وعنه محمد بن موسى بن إبراهيم الأسطوحى الثلاثة لا يعرفون "
وكذلك أبو عبدان مسلمة بن جعفر فقد قال الذهبي في ميزان الاعتدال ( 4 / 108 ) : " ... يجهل هو وشيخه . وقال الأزدي : ضعيف "
<><><><><><><><>
وجاءت هذه الرواية أيضاً من طريق بريدة بن حصيب الأسلمي رضي الله عنه كما رواها الحارث بن أبي أسامة الطوسي : " حدثنا عبد العزيز بن أبان القرشي ثنا بشير بن المهاجر ثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد الا سيسأله رب العالمين ليس بينه يعني وبينه حجاب ولا ترجمان " ( بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ، 2 / 1003 ) .
هذه الرواية من هذا الطريق باطلة لورودها من قبل عبد العزيز بن أبان القرشي : (1/43)
صفحة 44
" ..... وقال إبراهيم بن الجنيد عن بن معين كذاب خبيث يضع الحديث، وقال بن أبي خيثمة عن بن معين لم يكن بشيء ، وضع أحاديث على سفيان وقال بن محرز عن بن معين ليس حديثه بشيء كان يكذب وقال مرة أخرى يحدث بأحاديث موضوعة....... وقال عبد الله بن المديني عن أبيه ليس هو بذاك وليس هو في شيء من كتبي وقال يعقوب بن شيبة هو عند أصحابنا جميعا متروك كثير الخطأ كثير الغلط وقد ذكروه بأكثر من هذا وسمعت محمد بن عبد الله بن نمير يقول ما رأيت أحدا أبين أمر منه وقال هو كذاب وقال أبو حاتم متروك الحديث لا يشتغل به تركوه لا يكتب حديثه وقال أبو زرعة ضعيف ....." (تهذيب التهذيب 6/294)
من هذه الأقوال التي سطرها كتاب الجرح في رواة هذه الرواية يتبين لنا عدم صحة ما نسب إلى عدي بن حاتم وبريدة بن حصيب رضي الله عنهما من أقوال.
هذا وللحديث بقية حيث سنناقش باقي الروايات التي أشار إليها أخونا وأستاذنا محب السنة ....
الوقفة الثامنة :
قول علماء الجرح والتعديل في هذه الرواية المنسوبة إلى جرير بن عبد الله رضي الله عنه : " ..... قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة البدر فقال إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته "
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين
أما بعد
الأخ الكريم والأستاذ العزيز / محب السنة حفظه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نقف هنا عند رواية طالما احتج بها مثبتو الروية ، ولكن حينما ننظر إلى سندها ونطبق أحكام علماء الجرح عليها ندرك أنها ليس أهلاً بأن يبنى عليها معتقد ، بل يجب ردها وعدم قبولها.
أخرج الإمام البخاري: (1/44)
صفحة 45
" حدثنا عبدة بن عبد الله حدثنا حسين الجعفي عن زائدة حدثنا بيان بن بشر عن قيس بن أبي حازم حدثنا جرير قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة البدر فقال إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته "
أخرج هذه الرواية ونحوها الإمام البخاري ( 6 / 2703 ، 1 / 203 ، 1 / 209 ، 4 / 1836 ، ) وابن حبان ( 16 / 476 ، 16 / 473 ، 16 / 475 ) والبيهقي ( المعجم الكبير 2 / 296 ، 2/ 310 ) والإمام مسلم ( 1 / 439 ، 1 / 440 ) وأبو داود ( 4 / 233 ) والترمذي ( 4 / 687 ) وابن ماجة ( 1 / 63 ) والنسائي (1 / 176 ، 4 / 419 ، 6 / 407 ، 6 / 469 ) و غيرهم ....
جاءت هذه الرواية من طريق قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه. وقد روى هذه الرواية عن قيس كل من بيان بن بشر وإسماعيل بن أبي خالد ومجالد بن سعيد.
هذه الرواية لا يصح الاحتجاج بها وذلك بسب قيس بن أبي حازم الذي اختلط وخرف في آخر عمره.
فقد قال ابن حجر : " ... وثقه جماعة وقال يحيى بن أبي عتبة عن إسماعيل بن أبي خالد قال كبر قيس حتى جاوز المائة بسنتين كبر وخرف " ( الإصابة 5 / 531 )
وقال المزي : " ... كبر قيس بن أبي حازم حتى جاز المائة بسنين كثيرة حتى خرف وذهب عقله قال فاشتروا له جارية سوداء أعجمية قال وجعل في عنقها قلائد من عهن وودع وأجراس من نحاس قال فجعلت معه في منزله وأغلق عليه باب قال فكنا نطلع إليه من وراء الباب وهو معها قال فيأخذ تلك القلائد فيحركها بيده ويعجب منها ويضحك في وجهها " ( تهذيب الكمال ، 24 / 10 )
وقال الذهبي : " .. وثقه يحيى بن معين وغيره وقال بن المديني قال لي يحيى بن سعيد هو منكر الحديث ( تذكرة الحفاظ 1 / 61 )
لقد بين علماء الحديث حكم رواية من اختلط وتغير عقله :
قال ابن الصلاح : " معرفة من خرف آخر عمره من الثقات ..... فمنهم من خلط لاختلاطه وخرفه ومنهم من خلط لذهاب بصره أو لغير ذلك. (1/45)
صفحة 46
والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده . " ( التقييد والايضاح ، 442 )
وقال ابن كثير : " في معرفة من اختلط في آخر عمره --- إما لخوف أو ضرر أو مرض أو عرض : كعبد الله بن لهيعة، لما ذهبت كتبه اختلط في عقله ، فمن سمع من هؤلاء قبل اختلاطهم قبلت روايتهم ، ومن سمع بعد ذلك أو شك في ذلك لم تقبل ." (الباعث الحثيث ، 182 ).
وقال أبو لبابة : " .... وحكم مرويات المختلطين في أواخر أعمارهم : القبول قبل الاختلاط والرد بعد الاختلاط فمن شك من الرواة عنهم في حديث ما أنه أخذه عنهم قبل الاختلاط أو بعده ؟ رد حديثه " (الجرح والتعديل ، 125)
هذه الرواية - وبعد تطبيق هذا الحكم عليها – ترد ولا تقبل إذ أنه ليس هناك دليل قاطع على أن الرواة الذين أخذوا هذه الرواية عن قيس أخذوها قبل الاختلاط.
وبهذا يتبين لنا عدم ثبوت هذه الرواية المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتبين كذلك أن ما نسب إلى جرير بن عبد الله رضي الله عنه لم يثبت بالدليل القاطع.
هذا وللحديث وبقية .....
الوقفة التاسعة:
القول الصحيح الثابت المروي عن سلف هذه الأمة في تفسير معنى النظر إلى وجه الله تعالى والذي جاء في الدعاء الذي رواه عمار بن ياسر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : .." وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ..."
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
الأخ الكريم والأستاذ العزيز / محب السنة حفظه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك رواية مروية عن الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنهما فيها هذا الدعاء : " ... وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ..." (1/46)
صفحة 47
وهذه الرواية كما أخرجها النسائي هي : " أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي نا حماد نا عطاء بن السائب عن أبيه قال صلى بنا عمار بن ياسر صلاة فأوجز فيها فقال له بعض القوم لقد خففت أو أوجزت الصلاة فقال أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام تبعه رجل من القوم هو أبي غير أنه كنى عن نفسه فسأله عن الدعاء ثم جاء فأخبر به القوم اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي اللهم وأسألك خشيتك يعني في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحكم في الرضى والغضب وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا يبيد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضى بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين "
أخرج هذه الرواية: النسائي ( السنن الكبرى 1 / 387 ) ، والإمام أحمد ( المسند 4 / 264 ( وابن حبان ( صحيح بن حبان 5 / 304 ) ، والحاكم ( المستدرك 1 / 705 ) ، وابن أبي عاصم ( الآحاد والمثاني 1 / 210 )
أولاً :
هذه الرواية ليس فيها دليل على ثبوت الرؤية ، وأما معنى : " وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك " فقد جاءت به آية القيامة : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ).
فمعنى هذا الدعاء هو ما تدل عليه هذه الآية من بيان.
فالوجه مقصود به في هذا الدعاء الذات العلية فقد فسره علماء التفسير بذلك:
فقد قال ابن كثير : " كما قال تعالى: {كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله هاهنا: {كل شيء هالك إلا وجهه} أي إلا إياه. "
فالوجه ليس جارحة بل هو تعبير عن الذات العلية. (1/47)
صفحة 48
وأما كلمة " النظر " فلها استعمالات عدة في لغة العرب .، فقد ذكر شيخي الزنجباري الاستعمالات اللغوية لهذه الكلمة في سياق حواره معكم سابقاً. فأرجو متابعة ذلك الحوار على هذا الرابط :
http://www.omania.net/vip/ubb/Forum2/HTML/001264.html
ولكن قبل أن تقرأ ذلك الحوار الشيق أرجو منكم قراءة الآتي :
قال ابن منظور : " ويقول القائل للمؤمل يرجوه : إنما ننظر إلى الله ثم إليك أي إنما أتوقع فضل الله ثم فضلك " ( لسان العرب 14 / 191 )
من هذا يتبين لك أن طلب النظر إلى وجه الله تعالى معناه تأمل وتوقع فضل الله تعالى.
وهذا القول هو القول الصحيح الثابت بالأدلة عن سلف هذه الأمة. وأما الروايات التي فسرت النظر بالرؤية كما يتوهم البعض فهي روايات باطلة لا تقوم بها حجة ، وإليكم الدليل على هذا القول فيما يلي :
ثانيا: روايات منسوبة إلى السلف وذكرها الإمام الطبري عند تفسيره لقوله تعالى : ( إلى ربها ناظرة )
1- الروايات التي احتج بها القائلون بالرؤية في تفسير هذه الآية :
أ- حدثنا محمد بن منصور الطوسي ، وإبراهيم بن سعيد الجوهري قالا : ثنا علي بن الحسن بن شقيق ، قال : ثنا الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال : تنظر إلى ربها نظرا .
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب حسين بن واقد أبو علي المروزي :
قال العقيلي : " ... حدثنا أحمد بن أصرم بن خزيمة قال سمعت أحمد بن حنبل وقيل له في حديث أيوب بن نافع عن بن عمر عن النبي عليه السلام في الملبقة فأنكره أبو عبد الله وقال من روى هذا قيل له الحسين بن واقد فقال بيده وحرك رأسه كأنه لم يرضاه .
حدثني الخضر بن داود قال حدثنا أحمد بن محمد قال ذكر أبو عبد الله حسين بن واقد فقال وأحاديث حسين ما أرى أي شيء هي ونفض يده " ( ضعفاء العقيلي 1 /251 )
<><><><><> (1/48)
صفحة 49
ب – حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري ، قال : ثنا آدم ،قال : ثنا المبارك ، عن الحسن ، في قوله ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : حسنة ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنظر إلى الخالق ، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق .
هذه الرواية من هذا الطريق ضعيفة لورودها من قبل مبارك بن فضالة :
مبارك بن فضالة بن أبي أمية أبو فضالة البصري وقال أبو طالب عن أحمد كان مبارك بن فضالة يرفع حديثا كثيرا ويقول في غير حديث عن الحسن ...... وقال عبد الله بن أحمد سئل أبي عن مبارك والربيع بن صبيح فقال ما أقربهما كان المبارك يدلس ..... وقال عبد الله بن أحمد سألت بن معين عن مبارك فقال ضعيف الحديث وهو مثل الربيع بن صبيح في الضعف .... وقال أبو زرعة يدلس كثيرا فإذا قال حدثنا فهو ثقة ...... وقال الآجري عن أبي داود إذا قال حدثنا فهو ثبت وكان يدلس وقال مرة كان شديد التدليس وقال النسائي ضعيف ... وقال الدارقطني لين كثير الخطأ يعتبر به "
هذه الرواية ضعيفة ؛ فليس فيها حجة لأحد لكونها من مرويات مبارك بن فضالة الضعيف المدلس والذي يعنعن فيها عن شيخة الحسن البصري.
<><><><><>
ج – وأورد الإمام الطبري هذه الرواية :
"حدثني عليّ بن الحسين بن أبجر، قال ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل بن يونس، عن ثوير، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً، لَمَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ ألْفَيْ سَنَةٍ قال: وإن أفضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَمَن يَنْظُرُ في وَجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْم مَرَّتَينِ قال: ثم تلا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: بالبياض والصفاء، قال: إلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: تنظر كلّ يوم في وجه الله عزّ وجلّ ) " .
هذه الرواية ضعيفة باطلة ومتهافتة ساقطة لورودها من قبل ثوير بن أبي فاختة ، فقد ذكرنا ما قاله علماء الجرح فيه في الوقفة السادسة ، ونعيد ما قالوه هنا : (1/49)
صفحة 50
ثوير بن أبي فاختة هو : ابن سعيد بن علاقة الهاشمي أبو الجهم الكوفي مولى أم هانئ
" قال عمرو بن علي : كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه ، وكان سفيان يحدث عنه. وقال محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي ، عن أبيه، قال سفيان الثوري كان ثوير من أركان الكذب. وقال عبد الله بن أحمد سئل أبي ثوير بن أبي فاختة ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم ؟ . فقال ما أقرب بعضهم من بعض. ... وقال الدوري عن ابن معين ليس بشيء . وقال بن أبي خيثمة وغيره عن يحيى ضعيف. وقال إبراهيم الجوزجاني ضعيف الحديث . وقال أبو زرعة ليس بذاك القوي. وقال أبو حاتم: ضعيف مقارب لهلال بن خباب وحكيم بن جبير. وقال النسائي : ليس بثقة وقال الدارقطني: متروك
قلت [ ابن حجر ] : ... قال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم. وقال يعقوب بن سفيان : لين الحديث . وقال علي بن الجنيد : متروك . وقال بن حبان : كان يقلب الأسانيد حتى يجيء في روايته أشياء كأنها موضوعة . وقال الآجري عن أبي داود ضرب ابن مهدي على حديثه . وحكى ا بن الجوزي في الضعفاء عن الجوزجاني أنه قال ليس بثقة ". ( تهذيب التهذيب 2 / 32 )
أخي الكريم وأستاذي العزيز محب السنة أسألك بالله الذي لا إله إلا هو هل يقبل قول من عد أحد أركان الكذب ؟؟ وهل تبنى عقيدة على قول من وصفه علماء الجرح بالضعف ؟؟.
<><><><><>
د - " حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن ثوير، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: ( إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى مُلكه وسُرُرِه وخدمه مسيرة ألف سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أرفع أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى وجه الله بُكرة وعشية ) "
هذه الرواية كسابقتها ضعيفة لورودها من قبل ثوير بن أبي فاختة.
<><><><><> (1/50)
صفحة 51
هـ – حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا خالد بن عبد الرحمن ، قال : ثنا أبو عرفجة ، عن عطية العوفي ، في قوله ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال : هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، وبصره محيط بهم ، فذلك قوله ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار )
هذا التفسير لهذه الآية الكريمة لا يصح وذلك لأنه جاء عن عطية بن سعد بن جنادة العوفي الجدلي القيسي الكوفي أبو الحسن
" ...... قال مسلم بن الحجاج قال أحمد وذكر عطية العوفي فقال هو ضعيف الحديث ثم قال بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي ويسأله عن التفسير وكان يكنيه بأبي سعيد فيقول قال أبو سعيد وكان هشيم يضعف حديث عطية .... وقال أبو زرعة لين وقال أبو حاتم ضعيف يكتب حديثه وأبو نضرة أحب إلي منه وقال الجوزجاني مائل وقال النسائي ضعيف .... وقال ابن حبان في الضعفاء بعد أن حكى قصته مع الكلبي بلفظ مستغرب فقال سمع من أبي سعيد أحاديث فلما مات جعل يجالس الكلبي يحضر بصفته فإذا قال الكلبي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا فيحفظه وكناه أبا سعيد ويروي عنه فإذا قيل له من حدثك بهذا فيقول حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري وإنما أراد الكلبي ..... وقال أبو داود ليس بالذي يعتمد عليه ... وقال الساجي ليس بحجة " ( تهذيب التهذيب 7 / 200 )
وقال ابن حجر أيضاً : " تابعي معروف ضعيف الحفظ مشهور بالتدليس القبيح " ( طبقات المدلسين ، ص 50)
فمن كان هذا هو حاله عند علماء الأمة فلا يصح ولا يجوز الأخذ عنه أي شيء من علوم الإسلام. والذين فسروا الإدراك بالإحاطة اعتمدوا على تفسير عطية بن سعد الضعيف ، فكفى بهذا دليلاً على عدم صحة ما ذهبوا إليه.
وبهذا يا أستاذي العزيز يتبين أن الروايات التي أعتمد عليها في تفسير النظر بالرؤية ضعيفة لا تقوم بها حجة. (1/51)
صفحة 52
2- الروايات التي نسبت إلى السلف تفسير قوله تعالى ( إلى ربها ناظرة ) بـ : " أنها تنتظر الثواب من ربها " صحيحة ثابتة .
أ - حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عمر بن عبيد ، عن منصور عن مجاهد ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر منه الثواب.
جميع رواة هذه الرواية ثقات:
- أبو كريب هو : " محمد بن العلاء بن كريب الهمداني أبو كريب الكوفي مشهور بكنيته ثقة حافظ من العاشرة " ( تقريب التهذيب 2 / 121 )
- عمر بن عبيد هو : عمر بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي الحنفي الأيادي
"قال أحمد بن حنبل لم ندرك بالكوفة أحدا أكبر منه ومن المطلب بن زياد وقال بن معين صالح وقال أبو حاتم محله الصدق ... وقال الدارقطني عمر ويعلى ومحمد أولاد عبيد كلهم ثقات وأبوهم ثقة وكذا قال الإمام أحمد قبله وقال عثمان الدارمي سألته يعني بن معين عن يعلى ومحمد فقال ثقتان قلت فعمر قال ثقة قلت كأنه دونهما قال نعم وقال العجلي عمر أخو يعلى ومحمد وهو أسن منهما وهو دونهما في الحديث وكان صدوقا . ( تهذيب التهذيب 7 / 422 )
- منصور هو : منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبو عتاب الكوفي " ثقة ثبت " ( تقريب التهذيب 2 / 215 )
<><><><><>
ب - " قال [ يقصد أبا كريب ] : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر الثواب من ربها " .
لقد مر بك أعلاه قول علماء الجرح والتعديل في أبي كريب ومنصور وأما سفيان ووكيع فقد قال عنهما علماء الجرح والتعديل الآتي :
- سفيان هو : " سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة " ( تقريب التهذيب 1/ 371 )
- وأما وكيع فهو : وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي " ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة " ( تقريب التهذيب 2 / 283 )
<><><><><> (1/52)
صفحة 53
ج - " حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر الثواب " .
لقد مر بنا أعلاه قول علماء الجرح في كل من سفيان الثوري ومنصور بن المعتمر وأما ابن بشار وعبد الرحمن فقد قال عنهما علماء الجرح والتعديل الآتي :
- ابن بشار هو : " محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري أبو بكر بندار ثقة من العاشرة " ( تقريب التهذيب 2 / 58 )
- عبد الرحمن هو : " عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث قال بن المديني ما رأيت أعلم منه من التاسعة " ( تقريب التهذيب 1 / 592 )
<><><><><>
د – " حدثني أبو الخطاب الحساني ، قال : ثنا مالك ، عن سفيان ، قال : ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح ، في قوله ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال : تنتظر الثواب".
هذا التفسير المنسوب إلى أبي صالح السمان جاء من طريق صحيح:
- أبو الخطاب الحساني هو : " زياد بن يحيى بن حسان أبو الخطاب الحساني النكري بضم النون البصري ثقة من العاشرة " ( تقريب التهذيب 1 / 324 )
- مالك هو : مالك بن سعير بن الخمس " لا بأس به من التاسعة " (تقريب التهذيب 2 (154
- إسماعيل : " إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي ثقة ثبت من الرابعة" ) تقريب التهذيب 1 / 93 )
- أبو صالح هو : " ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدني ثقة ثبت " (تقريب التهذيب1/ 287)
=======
من هذه الروايات وقول علماء الجرح والتعديل في رجالها ندرك عدم صحة تفسير قوله تعالى ( إلى ربها ناظرة ) بالرؤية البصرية ، وندرك يقيناً أن ما فسره السلف بانتظار الثواب هو الثابت والصحيح لصحة الروايات وثبوتها عنهم. (1/53)
صفحة 54
وأما تفسير الإدراك بالإحاطة فذلك قول لم يسطر في معاجم لغة العرب – على حسب علمي القاصر – والذي قال بهذا التفسير شخص اسقط عدالته علماء الجرح كما مر بنا أعلاه. فمن عنده مصدر لغوي فسر فيه الإدراك بالإحاطة فليعرضه علينا وله جزيل الشكر.
هذا ما أردت قوله يا أخي الكريم وأستاذي العزيز في هذه الوقفة ، وللحديث بقية إن شاء الله تعالى .
الوقفة العاشرة :
قول علماء الجرح والتعديل في روايات الرؤية المنسوبة إلى أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأبي رزين العقيلي رضي الله عنهم .
" .... قلنا يا رسول الله أنرى ربنا قال هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة في غير سحاب قال قلنا لا قال أتضارون في رؤية القمر ليلة البدر في غير سحاب قال قلنا لا قال فإنكم لا تضارون في رؤيته كما لا تضارون في رؤيتهما "
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد :الأخ الكريم والأستاذ العزيز / محب السنة حفظه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد ذكرتم في مقالكم أنه قد ورد ثبوت الرؤية عن أبي رزين العقيلي وأبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهم. ونحن إذا رجعنا إلى تلك الروايات وعرضناها على ميزان الأمة لوجدناها ضعيفة ولا يصح الاحتجاج بها و نسبتها إلى المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم - وصحبه رضي الله عنهم.
<><><><><> (1/54)
صفحة 55
قال ابن حبان : " أخبرنا عمر بن محمد الهمداني قال حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال حدثنا الحجاج بن المنهال قال حدثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبي رزين العقيلي قال قلت يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال هل ترون ليلة البدر القمر أو الشمس بغير سحاب قالوا نعم قال فالله أعظم قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض قال في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء قال أبو حاتم رضي الله تعالى عنه وهم في هذه اللفظة حماد بن سلمة من حيث في غمام إنما هو في عماء يريد به أن الخلق لا يعرفون خالقهم من حيث هم إذ كان ولا زمان ولا مكان ومن لا يعرف له زمان ولا مكان ولا شيء معه لأنه خالقها كان معرفة الخلق إياه كأنه كان في عماء عن علم الخلق لا إن الله كان في عماء إذ هذا الوصف شبيه بأوصاف المخلوقين "
أخرج هذه الرواية ابن حبان( 14 / 8 ) ، والطبراني ( المعجم الكبير ، 19 / 206 ) ونحوها الإمام أحمد ( المسند 4 /12 )
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب وكيع بن عديس وحماد بن سلمة
لقد مر بك أعلاه في الوقفة الرابعة ما قاله علماء الجرح في روايات حماد بن سلمة وأما وكيع بن عدس ( ويقال حدس ) أبو مصعب العقيلي الطائفي فقد قال عنه : " .... ابن قتيبة في اختلاف الحديث غير معروف وقال بن القطان مجهول الحال " ( تهذيب التهذيب 11/115 )
ومن هذا يتبين عدم ثبوت ما روي عن أبي رزين العقيلي.
<><><><><><><><>
قال أبو يعلى : " حدثنا أبو بكر وابن نمير قالا حدثنا بن إدريس عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قلنا يا رسول الله أنرى ربنا قال هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة في غير سحاب قال قلنا لا قال أتضارون في رؤية القمر ليلة البدر في غير سحاب قال قلنا لا قال فإنكم لا تضارون في رؤيته كما لا تضارون في رؤيتهما " (1/55)
صفحة 56
أخرج هذه الرواية أبو يعلى ( مسند 2 / 286 ) ، الإمام أحمد ( 3 / 16 ) ، والترمذي ( 4 / 688 ) ، و ابن ماجه (1 / 63 ) وغيرهم من طريق الأعمش "عن" أبي صالح "عن" أبي هريرة رضي الله عنه.
وأيضاً من طريق الأعمش "عن" أبي صالح "عن" أبي سعيد رضي الله عنه.
هذه الرواية كما يتبين من سندها ضعيفة وذلك بسبب عنعنة الأعمش المدلس تدليس التسوية.
نقلنا حكم علماء الجرح في روايات المدلسين في الوقفة الخامسة ، ونعيد هنا ما نقلناه هناك.
الأعمش هو : سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي
" قال الجوزجاني : قال وهب بن زمعة المروزي : سمعت ابن المبارك يقول : إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش لكم. وقال جرير بن عبد الحميد: سمعت مغيرة يقول : أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعيمشكم هذا ؛ كأنه عنى الرواية عمن جاء، وإلا فالأعمش عدل صادق ثبت، صاحب سنة وقرآن، يحسن الظن بمن يحدثه، ويروي عنه..
قال علي بن سعيد النسوي: سمعت أحمد بن حنبل يقول : منصور أثبت أهل الكوفة ؛ ففي حديث الأعمش اضطراب كثير..
قلت [ القائل هو الذهبي ] : وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال حدثنا فلا كلام، ومتى قال " عن " تطرق إليه احتمال التدليس .... " (ميزان الاعتدال ت : 3517، ج2 / ص 224 ) (1/56)
صفحة 57
قال ابن العجمي : " والقسم الثالث وهو تدليس التسوية ..... وهو أن يروي حديثا عن شيخ ثقة غير مدلس وذلك الثقة يرويه عن ضعيف فيأتي المدلس الذي سمع من الثقة الأول غير المدلس فيسقط الضعيف الذي في السند ويجعل الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل فيستوي الإسناد كله ثقات وهذا شر الأقسام. قال شيخنا الحافظ العراقي في النكت له على بن الصلاح وهذا قادح فيمن تعمده انتهى. وقال العلائي في كتاب المراسيل ولا ريب في تضعيف من أكثر هذا النوع وقد وقع فيه جماعة من الأئمة الكبار ولكن يسيرا كالأعمش والثوري، حكاه عنهما الخطيب انتهى . وممن نقل عنه فعل ذلك بقية بن الوليد والوليد بن مسلم والحسن بن ذكوان كما سيأتي وقال الخطيب البغدادي وكان الأعمش والثوري وبقية يفعلون مثل هذا انتهى " ( التبيين لأسماء المدلسين ، ص 29 )
وبما أن الأعمش المدلس تدليس التسوية ينقل حديث شيخه أبي صالح بالعنعنة عن كل من أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما ، فإذاً هذا الطريق لهذه الرواية لا يصح الاعتماد عليه والاحتجاج به.
هذا ما أردت عرضه عليكم يا أخي الكريم وأستاذي العزيز في هذه الوقفة ، على أمل أن نلتقي عند وقفات أخرى إن شاء الله تعالى.
الوقفة الحادية عشرة:
لقد ضعف علماء الجرح والتعديل الروايات التي فسرت قوله تعالى ( وزيادة ) برؤية العباد لله سبحانه وتعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين
أما بعد :
الأخ الكريم والأستاذ العزيز / محب السنة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما أجمل اللقاء على مائدة العلم والمعرفة لأجل الوصول إلى حقيقة طالما بحث عنها الطلاب في أمهات كتب التفسير والحديث وعلومهما. (1/57)
صفحة 58
ورغبة مني في معرفة ما قاله علماء الجرح في روايات الرؤية التي سطرها الإمام الطبري عند تفسيره لقوله تعالى ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) فقد اتبعت تلك الروايات فوجدتها ضعيفة ليست أهلاً بأن يحتج بها أو يعتد بها ، وتبين عدم صحة تفسير ( وزيادة ) برؤية الله تعالى.
<><><><><>
" حدثنا ابن حميد، قال: ثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عجرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: تعالى: لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ قال: ( الزّيَادَةُ: النَّظَرُ إلى وَجْهِ الرحمن تَبَارك وتَعَالَى ) " .
هذه الرواية باطلة ضعيفة وذلك لورودها من قبل ابن حميد وإبراهيم بن المختار وعطاء
- ابن حميد هو : محمد بن حميد الرازي
قال صالح جزرة كنا نتهم ابن حميد في كل شيء ما رأيت أجرأ على الله منه ، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض وقال أبو أحمد العسال سمعت فضلك الرازي يقول دخلت على محمد بن حميد وهو يركب الأسانيد على المتون " . ( الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث ، ص 227 )
- وإبراهيم بن المختار هو : إبراهيم بن المختار التميمي أبو إسماعيل الرازي
" .. .. قال ابن معين ليس بذاك وقال زنيج تركته ولم يرضه وقال البخاري فيه نظر ... " ( تهذيب التهذيب 1 /141 )
- وأما عطاء فهو : عطاء بن السائب بن مالك الثقفي أبو السائب
". وقال أبو طالب عن أحمد من سمع منه قديما فسماعه صحيح ومن سمع منه حديثا لم يكن بشيء سمع منه قديما سفيان وشعبة .... وقال أبو حاتم كان محله الصدق قبل أن يختلط صالح مستقيم الحديث ثم بآخره تغير حفظه في حفظه تخاليط كثيرة ..... وقال عبد الحق سماع ابن جريج منه بعد الاختلاط ..." ( تهذيب التهذيب 7 / 183 ). بهذا يتبين ضعف هذه الرواية ، فيجب رفضها وتركها وعدم الاحتجاج بها.
<><><><><> (1/58)
صفحة 59
وجاءت هذه الرواية أيضاً بهذا السند : - " حدثنا عمرو بن عليّ ومحمد بن بشار، قالا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم .... "
هذه الرواية بهذا السند منقطعة ، فعبد الرحمن بن مهدي الذي ولد سنة 135 هـ ( تهذيب التهذيب 6 / 249 ) لم يذكر لنا الرجال الذين نقل عنهم هذه الرواية. وكفى بهذا سبباً لرفضها وعدم تقبلها.
وجاءت هذه الرواية أيضاً :
" حدثنا ابن البرقى، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت زهيرا عمن سمع أبا العالية، قال: ثنا أبيّ بن كعب: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ قال: ( الحُسْنَى: الجَنَّةُ والزَّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وَجْهِ الله) ".
هذه الرواية ضعيفة باطلة واهية وذلك بسبب عمرو بن أبي سلمة وزهير بن محمد التميمي وكذلك لوجود الجهالة في سندها بين زهير وأبي العالية.
لقد ضعف علماء الجرح عمرو بن أبي سلمة التنيسي أبو حفص . فقد : " .... قال إسحاق بن منصور عن ابن معين ضعيف وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به وقال العقيلي في حديثه وهم .... وقال الساجي ضعيف وقال أحمد روى عن زهير أحاديث بواطيل.... "( تهذيب التهذيب 8 / 39 )
وأما زهير بن محمد التميمي أبو المنذر الخراساني المروزي فلم يسلم من التضعيف فقد " .... قال البخاري ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح وقال الأثرم عن أحمد في رواية الشاميين عن زهير يروون عنه ..... وقال النسائي ضعيف وقال في موضع آخر ليس بالقوي وقال في موضع آخر ليس به بأس وعند عمرو بن أبي سلمة يعني التنيسي عنه مناكير .... وقال الحاكم أبو أحمد في حديثه بعض المناكير ... " ( تهذيب التهذيب 3 / 301 )
ومن هذا يتبين ضعف هذه الرواية وعدم صحة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذلك عدم ثبوتها عن أبي بن كعب رضي الله عنه. (1/59)
صفحة 60
فمن هذه الوقفة والوقفات السابقة يتبين لكل طالب حق ولكل عائش للحق وبالحق أن تفسير قوله تعالى ( وزيادة ) بـ " الرؤية " لا يصح ولم يثبت أبداً بأي وجه من الوجوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا ما أردت عرضه عليكم يا أستاذي العزيز في هذه الوقفة على أمل أن نلتقي مع وقفات أخرى إن شاء الله تعالى.
الوقفة الثانية عشرة :
كثير ما يحتج مثبتو الرؤية بهذه الرواية ولكن عند النظر في متنها وقول الشراح لها ندرك تمام الإدراك عدم صلاحيتها لإثبات معتقد الرؤية :
" ...... قال أناس يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك يجمع الله الناس فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس ويتبع من كان يعبد القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك ...... " .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد:
أخي الكريم وأستاذي العزيز / محب السنة حفظه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وكل عام وأنتم بخير وأدعو الله أن يتقبل منكم ومنا الصيام والقيام وصالحات الأعمال ويتجاوز عن سيئاتنا إنه هو الكريم سبحانه وتعالى .
ليس لأقوال البشر وتفسيراتهم أي وزن ولا قيمة عند الاستدلال في إثبات أي مسألة من مسائل العقيدة. وبما أن هذا هو الحال عند قراءة كتب العلماء فإننا نجد أنفسنا غير ملزمين باتباع قول فلان وعلان خاصة إذا لم تكن عنده الحجج الباهرة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله – صلى الله عليه وآله وسلم – الثابتة. (1/60)
صفحة 61
لقد اعتمد القائلون بالرؤية على هذه الرواية المنسوبة إلى كل من أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما. ولكن عند النظر فيها وعند دراسة ما حوته من معاني ندرك عدم ثبوت ما نسبوه إليهما :
قال البخاري : " حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني سعيد وعطاء بن يزيد أن أبا هريرة أخبرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وحدثني محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة قال قال أناس يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك يجمع الله الناس فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس ويتبع من كان يعبد القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ويضرب جسر جهنم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون أول من يجيز ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وبه كلاليب مثل شوك السعدان أما رأيتم شوك السعدان قالوا بلى يا رسول الله قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله فتخطف الناس بأعمالهم منهم الموبق بعمله ومنهم المخردل ثم ينجو حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة آثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل من بن آدم أثر السجود فيخرجونهم قد امتحشوا فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار فيقول (1/61)
صفحة 62
يا رب قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فاصرف وجهي عن النار فلا يزال يدعو الله فيقول لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره فيصرف وجهه عن النار ثم يقول بعد ذلك يا رب قربني إلى باب الجنة فيقول أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره ويلك بن آدم ما أغدرك فلا يزال يدعو فيقول لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره فيقربه إلى باب الجنة فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول رب أدخلني الجنة ثم يقول أو ليس قد زعمت أن لا تسألني غيره ويلك يا بن آدم ما أغدرك فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فلا يزال يدعو حتى يضحك فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها فإذا دخل فيها قيل تمن من كذا فيتمنى ثم يقال له تمن من كذا فيتمنى حتى تنقطع به الأماني فيقول له هذا لك ومثله معه قال أبو هريرة وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا قال وأبو سعيد الخدري جالس مع أبي هريرة لا يغير عليه شيئا من حديثه حتى انتهى إلى قوله هذا لك ومثله معه قال أبو سعيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة حفظت مثله معه " .
أخرج هذه الرواية ونحوها كل من البخاري ( 1 / 277 ، 5/ 2403 ) والإمام مسلم ( 1 /163 ، 1 / 167 ، 4/2279 ) وأبو داود ( 4 / 233 ) والدارمي ( 2 / 419 ) ، والإمام أحمد ( 2 / 419 ، 2 / 293 ، 2 / 533 ، 2 / 389 ) وابن حبان ( 10 / 499 ، 16 / 450 ، 16 / 478 ) والحاكم ( المستدرك 4/ 626 ) والنسائي ( السنن 6 / 504 ، 4 / 419 ) وأبو يعلى ( 11 / 241 ، 12 / 45 ) والطيالسي ( 314 ) وغيرهم ....
وبما أن حوارنا يدور حول الرؤية فإنني أقتصر هنا على العبارات التي تكلمت عن ذلك ، وأما المعاني الأخرى والتي جاءت في هذه الرواية فلها مناسبات في وقت آخر إن شاء الله تعالى . (1/62)
صفحة 63
1- هذه الرواية من جميع طرقها ليس فيها ذكر لرؤية المؤمنين لربهم في الجنة ، لهذا فهي ليست بحجة لمن أثبت رؤية الله تعالى في الجنان.
2- الذين يعتقدون الرؤية لم تتضح دلائل هذه الرواية عندهم لهذا نجدهم مضطربين في عرضهم للأقوال المفسرة لهذه الرواية ، فقد تعددت عنهم الأقوال المتناقضة مما يدل أن الرأي البشري كان له دوره في توجيه معاني هذه الرواية من غير هدى من آية محكمة أو سنة ثابتة ماضية.
3- والقارئ في كتب شروح السنة ومن خلال تتبع أقوال العلماء في شروحهم يجد تباين آراهم حول معاني هذه الرواية مما يدل دلالة واضحة أن الذين أسسوا عقيدة الرؤية على هذه الرواية – وغيرها من الروايات الضعيفة - لم يكن حظهم إلا نسف وهدم ما بنوه من تصورات حول الرؤية بالقواعد الأسس الحديثية التي أسسوها بأنفسهم وعلموها الأمة.
4- فلنقتصر على شرح الإمام النووي لهذه الرواية لأن ما جاء عند غيره من الشراح هو تكرار لما ذكره في شرحه لصحيح الإمام مسلم.
جاء في الرواية : ( فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول : أنا ربكم . فيقولوا نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا جاء ربنا عرفناه . فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول : أنا ربكم . فيقولون : أنت ربنا ، فيتبعونه )
جاءت آراء عديدة في تفسير هذا القول :
" وقيل : ( المراد بيأتيهم الله ) أي يأتيهم بعض ملائكة الله ( شرح النووي 3 / 21 )
- " قال [ يقصد القاضي عياض ] : أو يكون معناه يأتيهم الله في صورة ، أي : يأتيهم بصورة ، ويظهر لهم من صور ملائكته ومخلوقاته " ( شرح النووي 3 / 22 )
- " قوله صلى الله عليه وسلم ( أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها ) معنى ( رأوه فيها ) علموها له . وهي صفته المعلومة للمؤمنين. " شرح النووي ( 3/25( (1/63)
صفحة 64
- " أما قوله صلى الله عليه وسلم : ( فيتبعونه ) فمعناه يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة ، أو يتبعون ملائكته الذين يذهبون بهم إلى الجنة “ شرح النووي( 3/22 )
- ( فيكشف عن ساق ) فسر ابن عباس وجمهور أهل اللغة وغريب الحديث ( الساق ) هنا بالشدة ، أي يكشف عن شدة وأمر مهول ، وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر " ( شرح النووي 3 / 26 )
- " وقيل المراد بالساق هنا نور عظيم .. وقيل قد يكون الساق علامة بينه وبين المؤمنين ، من ظهور جماعة من الملائكة على خلقة عظيمة .. وقيل قد يكون ( ساق ) مخلوقاً جعله الله تعالى علامة للمؤمنين خارجة عن السوق المعتادة . وقيل معناه كشف الخوف وإزالة الرعب عنهم ، وما كان غلب على قلوبهم من الأهوال " ( شرح النووي 3 / 26 )
- " ثم اعلم أن هذا الحديث قد يتوهم منه أن المنافقين يرون الله تعالى مع المؤمنين ، وقد ذهب إلى ذلك طائفة . .. وهذا الذي قالوه باطل ، بل لا يراه المنافقون بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين " ( شرح النووي 3 / 27 )
وقال ابن حجر في شرحه : " وأما نسبة الإتيان إلى الله تعالى فقيل هو عبارة عن رؤيتهم إياه لأن العادة أن كل من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالمجيء إليه فعبر عن الرؤية بالإتيان مجازاً ، وقيل الإتيان فعل من أفعال الله تعالى يجب الإيمان به مع تنزيهه سبحانه وتعالى عن سمات الحدوث . وقيل : فيه حذف تقديره يأتيهم بعض ملائكة الله ، ورجحه عياض قال : ولعل هذا الملك جاءهم في صورة أنكروها لما رأوا فيها من سمة الحدوث الظاهرة على الملك لأنه مخلوق ، قال : ويحتمل وجهاً رابعاً وهو أن المعنى يأتيهم الله بصورة - أي بصفة – تظهر لهم من الصور المخلوقة التي لا تشبه صفة الإله ليختبرهم بذلك ، فإذا قال لهم هذا الملك أنا ربكم ورأوا عليه من علامة المخلوقين ما يعلمون به أنه ليس ربهم استعاذوا منه ذلك " ( الفتح 13 / 278 ) (1/64)
صفحة 65
يكفينا التناقض الواضح بين شراح هذه العبارات للوقوف بعيداً عنها وعدم الاعتماد عليها في إثبات ما يراه غيرنا من مثبتي الرؤية.
5- والناظر في كلمات الشراح يجد أنهم ليسوا على يقين تام في تفسيرهم وعرضهم لهذه المعاني حيث ينقلون أقوال الآخرين بصيغ التمريض وهذا يدلنا دلالة واضحة على عدم رسوخ أي تفسير من تلك التفاسير في عقول الشراح والمفسرين ، خاصة وأننا نجد في أقواله تعارض واضح لآيات من كتاب الله تعالى.
6- وهذه الرواية تثير كثيرا من التساؤلات مما يجعل مثبتي الرؤية يعجزون عن الإجابة عنها.
فعلى سبيل المثال :
جاء في هذه الرواية : ( ثم يتبدى لنا الله في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أول مرة )
- متى رأوه أول مرة ، و أين رأوه ، وأين الدليل ؟؟
- ما معنى يتبدى في صورة غير صورته – سبحانه وتعالى - ؟؟
من نص هذه الرواية ومن الأقوال التي ذكرها الشراح ندرك تمام الإدراك عدم صلاحية هذه الرواية في إثبات معتقد رؤية المؤمنين لله تعالى .
فكيف يصح الاعتماد على رواية تباينت حولها الأفهام وتعددت في شرحها الأقوال ولم تثبت فيها حجة للقائلين بالرؤية ؟؟؟
وبهذا يتبين لنا أن ما نسب إلى كل من أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما من قول في إثبات الرؤية لا دليل عليه البتة.
هذا وللحديث بقية إن شاء الله تعالى ، وأدعو الله تعالى أن يحفظ أستاذي محب السنة ويزيده من فضلة وكرمه.
الوقفة الثالثة عشرة :
عدم ثبوت ما نسب إلى الإمام الشافعي من أقوال حول رؤية العباد لله تعالى في يوم القيامة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
أما بعد
الأخ الكريم والأستاذ العزيز / محب السنة حفظه الله ورعاه ورزقه الصحة والعافية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1/65)
صفحة 66
لقد تميز المسلمون بعلومهم التي أخرجوها للإنسانية والتي استمدت قوتها ومصداقيتها من الدعوة القرآنية والمنهج الإلهي الداعي إلى التثبت وتحري الصدق في القول.
والحمد لله على ما أنعم به على جهابذة الإسلام الذين شرقوا وغربوا وطافوا أقاليم الدنيا فهانت لأجل العلم النافع عندهم شدائد الترحال وضعفت أمام عزائمهم عقبات الدهر وتذللت لهممهم العالية صروف الزمان القاسية ، واستعذبوا مرارة الصبر لكي تنشأ أجيال مسلمة يقودها العلم ويسوسها الحق في شتى مجالات الحياة.
نعم يا أستاذي العزيز ، لقد بسط لنا علماء الإسلام الأوائل مناهج واضحة المعالم ، فسهل علينا جميعاً - بسبب جهودهم المباركة - السير على الاستقامة من غير توقف ولا تعثر.
لو أننا جميعاً تمسكنا بمناهجهم في تمحيص الأخبار وما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم ومن جاء من بعدهم لما تشتت المسلمون ولما ضعفت شوكتهم. ولكن الذي صار هو الابتعاد عن المنهاج السوي والإقبال على تلقف الأقوال المنسوبة إلى الناس من غير تمحيص لأسانيدها ومتونها ، فكانت النتيجة التفرق والتشتت.
والناظر في مقالكم السابق يجد ما لا يتوقع صدوره منكم عند الاستشهاد بأقوال الآخرين ، فكنا يا أستاذي العزيز نرغب في رؤية تحقيق لما نقلتموه عن علماء الإسلام ، خاصة عند النقل في مسألة من مسائل العقيدة التي لا تجب إلا بقرآن أو سنة ثابتة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (1/66)
صفحة 67
فقد استشهدتَ في مقالك بما نسب إلى الإمام الشافعي حيث قلت : " وقال المزني : سمعت ابن هرم القرشي يقول : سمعت الشافعي يقول في قول الله عز وجل : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } قال : فلما حجبهم في السخط كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضا قال : فقال له أبو النجم القزويني : يا أبا إبراهيم به تقول ؟ قال : نعم , وبه أدين الله , فقام إليه عصام , فقبل رأسه , وقال : يا سيد الشافعيين , اليوم بيضت وجوهنا . ذكره الحاكم في مناقب الشافعي ".
ونحن إذا تتبعنا هذا القول المنسوب إلى الإمام الشافعي في تفسيره المسمى بـ " بأحكام القرآن " لوجدناه قد جاء من هذا الطريق : " أنا محمد بن عبد الله الحافظ قال : سمعت أبا محمد جعفر بن محمد بن الحارث ، يقول : سمعت أبا عبد الله الحسين بن محمد بن الضحاك ( المعروف بابن بحر ) يقول : سمعت إسماعيل بن يحيى المزني ، يقول : سمعت ابن هرم القرشي يقول .... " ( أحكام القرآن ، 40 )
يا أستاذي العزيز هذا القول المنسوب إلى الإمام الشافعي ضعيف وذلك لوروده من قبل سليمان بن هرم القرشي
فقد " قال الأزدي : لا يصح حديثه . وقال العقيلي : مجهول ، وحديثه غير محفوظ " ( ميزان الاعتدال 2 / 227)
ومهما يكن من أمر فإن أقوال البشر مهما علت منازلهم تحتاج إلى الدليل لا أن تجعل هي الدليل.
<><><><><>
وجاء عند الإمام الطبري في تفسيره لقوله تعالى : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنهم لصالوا الجحيم ) ما يأتي :
" وقال آخرون : بل معنى ذلك : إنهم محجوبون عن رؤية ربهم .
حدثني محمد بن عمار الرازي ، قال : ثنا أبو معمر المنقري ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد ، عن عمرو بن عبيد ، عن الحسن في قوله ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) قال : يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية ، أو كلاماً هذا معناه " (1/67)
صفحة 68
هذا القول المنسوب إلى الحسن البصري باطل باطل لا يصح ، فقد جاء من طريق عمرو بن عبيد بن باب التميمي الذي كان يكذب على شيخه الحسن البصري :
فقد " قال عمرو بن علي متروك الحديث صاحب بدعة ، وقال أيضا كان يحيى بن سعيد يحدثنا عنه ثم تركه ، وقال أيضا كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وقال أبو حاتم متروك الحديث ... وقال النسائي ليس بثقة ولا يكتب حديثه .... وقال الميموني عن أحمد بن حنبل ليس بأهل أن يحدث عنه ، وقال الدوري عن ابن معين ليس بشيء ، وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة عن يونس بن عبيد كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث ، وقال عفان عن حماد بن سلمة كان حميد من أكفهم عنه قال لي يعني مع ذلك لا تأخذ عن هذا شيئا فإنه يكذب على الحسن ، وقال ابن عون عمرو بن عبيد يكذب على الحسن ، وقال معاذ قلت لعوف إن عمرو بن عبيد حدثنا عن الحسن بكذا قال كذب والله عمرو ........ . قال الساجي وكان الحسن وأيوب وابن عون وسليمان التيمي ويونس بن عبيد يذمون عمرا وينهون الناس عنه وكانوا أعلم به ..... وقال ابن حبان .... كان يشتم الصحابة ويكذب في الحديث .. " ( تهذيب التهذيب ، 8 / 62 )
ومن هذه الأحكام التي سطرها علماء الجرح في حق عمرو بن عبيد يتضح لنا ضعف ما نسب إلى الحسن من أقوال في هذه الرواية.
هذا وقد ورد نحو هذا القول الباطل المنسوب إلى الحسن البصري عند ابن عدي في الكامل ( 6 / 185 ) من طريق عمرو بن عبيد الكذاب فقد جاء بهذا السند : " حدثنا عبد الملك بن محمد سنة اثنتين وتسعين ومائتين ، ثنا محمد ين إسحاق الصاغاني ، ثنا محمد بن عمر بن حفص القصباني ، ثنا عبد الوارث ، ثنا عمرو عن الحسن .... "
من هذا ندرك أن ما نسب إلى الحسن البصري من أقوال في إثبات رؤية العباد لله جل وعلا باطل لا يصح.
<><><><><> (1/68)
صفحة 69
أستاذي العزيز أنقل لك هنا ما كتبه ابن القيم في " حادي الأرواح " وأرجو منك أن تتكرم عليّ بإثبات ما نسب إلى الإمام الشافعي من خلال إتباعك لمنهج الأمة في إثبات نسبة الأقوال إلى أصحابها ، وأرجو منك مع ذلك إثبات بالدليل القاطع أن ما قاله العلماء وما سطروه في كتبهم وخاصة في مجال العقيدة حجة تقوم بها أسس العقائد. فهل أجد يا أستاذي الجواب على هذا الرجاء ؟؟؟؟
قال ابن القيم :
" وقد احتج بهذه الحجة الشافعي نفسه وغيره من الأئمة فذكر الطبراني وغيره عن المزني قال سمعت الشافعي يقول في قوله عز وجل : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) فيها دليل على أن أولياء الله يرون ربهم يوم القيامة .
وقال الحاكم : حدثنا الأصم أنبأنا الربيع بن سليمان قال حضرت محمد بن إدريس الشافعي ....... [ ثم ذكر نحو ما نسب إلى الإمام الشافعي ]
وقال أبو زرعة الرازي سمعت أحمد بن محمد بن الحسين يقول سئل محمد بن عبد الله بن الحكم هل يرى الخلق كلهم ربهم يوم القيامة المؤمنون والكافرون ؟ فقال محمد بن عبد الله ليس يراه إلا المؤمنون قال محمد وسئل الشافعي عن الرؤية فقال يقول الله تعالى ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) ففي هذا دليل على أن المؤمنين لا يحجبون عن الله عز وجل " ( حادي الأرواح ، ص 201 )
<><><><><>
فكما أن هناك روايات ضعيفة منسوبة إلى خير خلق الله تعالى - صلى الله عليه وآله وسلم - فإن من دونه من البشر من صحابة - رضي الله عنهم - وغيرهم من التابعين قد نسب إليهم أقوال يتبين ضعفها أو صحتها بعرضها على ميزان الحق الذي يعترف بسلطانه كل مسلم طالب للحق.
وما ذكرتُه يا أستاذي أعلاه هو خير دليل على أن ما نسبته أنت إلى بعض التابعين ليس بصحيح ويحتاج منكم جهداً علمياً يحقق الأقوال ويمحص الروايات قبل إعلان نسبتها إلى السابقين.
وأعيد ما أرجو منكم التكرم بإيضاحه لي : (1/69)
صفحة 70
هل أقوال العلماء ولو علت منازلهم حجة في الشرع ؟؟ ومتى يحتج بأقوالهم ؟؟
كيف الوصول إلى معرفة صحة ما نسبه ابن القيم إلى الإمام الشافعي ؟؟
هذا ما أردت عرضه ، وهذه هي أسئلتي أرجو أن تجد منكم القبول
هذا وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.
الوقفة الرابعة عشرة :
لقد بين علماء الجرح والتعديل ضعف الروايات التي فسرت قوله تعالى ( ولدينا مزيد ) برؤية المؤمنين لله تعالى ، وأثبتوا صحة الرواية التي فسرت قوله تعالى ( ولدينا مزيد ) بالهبات والعطايا التي يمن الله تعالى بها على عباده في جنات الخلد.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .
أما بعد :
الأخ الكريم والأستاذ العزيز / محب السنة حفظه الله ورعاه وزاده من فضله وجوده وكرمه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد قلتم في مقالكم أنه قد ورد عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه القول برؤية العباد لله تعالى.
فقمتُ بتتبع الروايات التي ذكرت ما نسب إلى الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه فوجدتها ضعيفة لا يصح الاحتجاج بها.
وإليكم يا أخي الكريم واستاذي العزيز ما وجدته في تفسير الطبري وكتب الحديث وما قاله علماء الجرح في رواة هذه الروايات التي أنا بصدد مناقشتها.
لقد جاءت روايات ضعيفة عند الطبري وعند غيره من المحدثين تفسر قوله تعالى ( ولدينا مزيد ) برؤية العباد لله تعالى في عرصات الجنان وتنسب ذلك إلى الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه.
<><><><><>
فقد قال الطبري في تفسيره : " وقيل: إن ذلك المزيد: النظر إلى الله جلّ ثناؤه "
ثم أورد هذه الرواية : (1/70)
صفحة 71
" حدثني أحمد بن سُهيل الواسطي، قال: ثنا قُرةُ بن عيسى، قال: ثنا النضر بن عربيّ جده، عن أنس، إن الله عزّ وجلّ إذا أسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، هبط إلى مَرْج من الجنة أفيح......... ثم ناداهم الربّ عزّ وجلّ من وراء الحُجب: مرحبا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا وفكهوا، وكسوا وطُيِّبوا، وعزّتي لأتجلينّ لهم حتى ينظروا إليّ قال: فذلك انتهاء العطاء وفضل المزيد قال: فتجلى لهم الربّ عز وجلّ، ثم قال: السلام عليكم عبادي، انظروا إليّ فقد رضيت عنكم ... "
هذه الرواية ضعيفة وذلك بسبب أحمد بن سهيل وكذلك بسبب انقطاع في سندها :
أحمد بن سهيل الواسطي : قد " قال أبو أحمد الحاكم : في حديثه بعض المناكير " ( ميزان الاعتدال 1 / 103 )
وأما الإنقطاع فهو بين النضر بن العربي وأنس بن مالك رضي الله عنه إذ أن النضر يعتبر من أتباع الأتباع وقد توفي عام 168 هـ ( تهذيب التهذيب ، 10 / 395 )
<><><><><>
وأورد الطبري أيضاً في تفسيره لقوله تعالى : ( ولدينا مزيد ) هذه الرواية : (1/71)
صفحة 72
"حدثنا عليّ بن الحسين بن أبجر، قال: ثنا عمر بن يونس اليمامي، قال: ثنا جهضم بن عبد الله بن أبي الطفيل قال: ثني أبو طيبة، عن معاوية العبسيّ، عن عثمان بن عمير، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِي كَفِّه مِرْآةٌ بَيْضَاءُ، فِيها نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ ما هَذِهِ؟ قالَ: هَذِهِ الجُمُعَةُ، قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ فِيها؟ قالَ: هِيَ السَّاعَةُ تَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهُوَ سَيِّدُ الأَيَّامِ عِنْدَنا، ونَحْنُ نَدْعُوهُ فِي الآخِرَةِ يَوْمَ المَزِيدِ قُلْتُ: وَلِمَ تَدْعُونَ يَوْمَ المَزِيدِ قالَ: إنَّ رَبَّكَ تَبارَكَ وَتَعالى اتَّخَذَ فِي الجَنَّةِ وَادِيا أفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أبْيَضَ، فإذَا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ نَزَلَ مِن عِلِّيِّينَ على كُرْسِيِّهِ، ثُمَّ حَفَّ الكُرْسِيَّ بِمَنابِرَ مِنْ نُورٍ، ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّونَ حتى يَجْلِسُوا عَلَيْها ثُمَّ تَجِيءُ أهْلُ الجَنَّةِ حتى يَجْلِسُوا على الكُثُبِ فَيَتَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ حتى يَنْظُرُوا إلى وَجْهِهِ .... "
- وقال الطبري أيضاً :
" حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن أنس بن مالك، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحو حديث عليّ بن الحسين. "
وقال ابن أبي شيبة : " حدّثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن ليث عن عثمان عن أنس قال: قال رسول الله ..... " ثم ذكر نحو رواية الإمام الطبري ( أنظر مسند ابن أبي شيبة 2 / 52 )
وقال الحارث بن أبي أسامة : " حدثنا داود بن المحبر ثنا أيوب بن خوط عن عثمان عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ......" ثم ذكر نحو رواية الإمام الطبري ( انظر بغية الباحث 1 / 301 ) (1/72)
صفحة 73
هذه الرواية من جميع طرقها ضعيفة باطلة وذلك بسبب عثمان بن عمير البجلي أبو اليقظان الكوفي الأعمى :
". روى عن أنس .... قال عبد الله بن أحمد بن حنبل قال أبي عثمان بن عمير أبو اليقظان ويقال عثمان بن قيس ضعيف الحديث ، كان بن مهدي ترك حديثه .... وقال عمرو بن علي لم يرض يحيى ولا عبد الرحمن أبا اليقظان وقال الدوري عن بن معين ليس حديثه بشيء . .....
قلت[ ابن حجر ] : نسبه أحمد بن حنبل .... وقال منكر الحديث ولم يسمع من أنس ..... وقال الجوزجاني عن أحمد منكر الحديث .... وقال البرقاني عن الدارقطني متروك ، وقال الحاكم عن الدارقطني زائغ لم يحتج به ، وقال بن عبد البر كلهم ضعفه. وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالقوي عندهم وقال بن حبان اختلط حتى كان لا يدري ما يقول لا يجوز الاحتجاج به ... " ( تهذيب التهذيب 7 / 132 )
وهناك أسباب أخرى لتضعيف هذه الرواية ولكن نكتفي بما قاله علماء الجرح في عثمان بن عمير.
<><><><><>
وقال الطبري أيضاً : " حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن صالح بن حيان عن أبي بُرَيدة، عن أنس بن مالك، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوه " .
وقال الطبراني : " حدثنا أبو يزيد يوسف بن يزيد القراطيسي المصري قال ثنا أسد بن موسى قال ثنا يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضي قال ثنا صالح بن حيان عن عبد الله بن بريدة عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ...." ثم ذكر نحو رواية الإمام الطبري السابقة ( انظر الأحاديث الطوال ، 264 )
وهذه الرواية من هذه الطرق ضعيفة أيضاً ، فقد جاءت من طريق صالح بن حيان القرشي:
"... قال ابن معين وأبو داود صالح بن حيان ضعيف . وقال أبو حاتم شيخ ليس بالقوي ، وقال النسائي والدولابي ليس بثقة. (1/73)
صفحة 74
قلت [ أبن حجر ] : ... وقال العجلي يكتب حديثه وليس بالقوي وهو في عداد الشيوخ وقال الحربي له أحاديث منكرة وقال البخاري فيه نظر وقال ابن حبان يروي عن الثقات أشياء لا تشبه حديث الأثبات لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد وقال الدارقطني ليس بالقوي " ( تهذيب التهذيب ، 4 / 338 )
<><><><><>
وجاءت رواية أخرى باطلة عند الحارث بن أبي أسامة :
" حدثنا داود بن المحبر بن قحذم البصري ثنا عباد بن كثير عن يزيد الرقاشي عن المغيرة بن حميد بن قيس عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء ثلاثة ..... ... وان أدناهم منزلة الذي يدخل على الله بكرة وعشيا فيأمر له بالكرامة كلها لم يستقل حتى ينظر إلى وجهه الجميل تبارك وتعالى .. " ( أنظر بغية الباحث ، 2/ 654 )
هذه الرواية باطلة ساقطة وذلك ولورودها من قبل داود بن المحبر بن قحذم بن سليمان الطائي:
فقد " قال عبد الله بن أحمد سألت أبي عنه فضحك وقال شبه لا شيء كان لا يدري ما الحديث وكذا قال البخاري عن أحمد...... وقال بن المديني ذهب حديثه ، وقال الجوزجاني كان يروي عن كل وكان مضطرب الأمر وقال أبو زرعة ضعيف الحديث وقال أبو حاتم ذاهب الحديث غير ثقة ، وقال أبو داود ثقة شبه الضعيف بلغني عن يحيى فيه كلام أنه يوثقه وقال النسائي ضعيف وقال صالح بن محمد البغدادي ضعيف صاحب مناكير وقال أيضا يكذب ويضعف في الحديث وقال الدارقطني متروك الحديث .....
قلت [ ابن حجر ] : .... وحكى الخطيب عن النسائي أنه قال فيه متروك ، وقال الحاكم حدث ببغداد عن جماعة من الثقات بأحاديث موضوعة ..... كذبه أحمد بن حنبل وقال بن حبان كان يضع الحديث على الثقات ويروي عن المجاهيل المقلوبات وقال الأزدي متروك وقال بن مردويه قال بن معين المحبر وولده ضعاف. " ( انظر تهذيب التهذيب ، 3 / 173 ) (1/74)
صفحة 75
وبهذا يتبين لنا وبعد معرفة ما قاله علماء الجرح في أسانيد هذه الروايات أن ما نسب إلى الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه لا يصح ولم يثبت عنه أبداً. ويتبين لنا كذلك بطلان تفسير قوله تعالى ( ولدينا مزيد ) برؤية العباد لله جل وعلا.
لقد تبين في الوقفة الرابعة عشرة ضعف تفسير المزيد في قوله تعالى ( ولدينا مزيد ) برؤية العباد لله سبحانه وتعالى.
وجاءت رواية عند أبي يعلى تفسر ( المزيد ) بزيادة الهبات والعطايا التي يمن بها رب العالمين على عباده في جنات الخلد ، من غير ذكر للرؤية التي ذكرتها الروايات الضعيفة.
فقد قال أبو يعلى :
"حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا الصعق بن حزن حدثنا علي بن الحكم البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتاني جبريل بمثل المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء قلت يا جبريل ما هذه قال هذه الجمعة جعلها الله عيدا لك ولأمتك فأنتم قبل اليهود والنصارى فيها ساعة لا يوافقها عبد يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه قال قلت ما هذه النكتة السوداء قال هذا يوم القيامة تقوم في يوم الجمعة ونحن ندعوه عندنا المزيد قال قلت ما يوم المزيد قال إن الله جعل في الجنة واديا أفيح وجعل فيه كثبانا من المسك الأبيض فإذا كان يوم الجمعة ينزل الله فيه فوضعت فيه منابر من ذهب للأنبياء وكراسي من در للشهداء وينزلن الحور العين من الغرف فحمدوا الله ومجدوه قال ثم يقول الله اكسوا عبادي فيكسون ويقول أطعموا عبادي فيطعمون ويقول اسقوا عبادي فيسقون ويقول طيبوا عبادي فيطيبون ثم يقول ماذا تريدون فيقولون ربنا رضوانك قال يقول رضيت عنكم ثم يأمرهم فينطلقون وتصعد الحور العين الغرف وهي من زمردة خضراء ومن ياقوتة حمراء " (انظر مسند أبي يعلى ، 6 / 228 )
قول علماء الجرح في سند هذه الرواية :
- شيبان بن فروخ :
. (1/75)
صفحة 76
". قال أحمد بن سعد بن إبراهيم عن أحمد بن حنبل ثقة وقال أبو زرعة صدوق ..... وقال مسلمة ثقة وقال الساجي قدري إلا أنه كان صدوقا " ( تهذيب التهذيب ، 4/ 328 )
- الصعق بن حزن:
" قال إسحاق بن منصور عن بن معين ليس به بأس وقال الدوري عن بن معين ثقة وكذا قال أبو زرعة وأبو داود والنسائي وقال أبو حاتم ما به بأس .... ذكره بن حبان في الثقات.
قلت [ ابن حجر ] : وقال موسى بن إسماعيل ثنا الصعق وكان صدوقا وقال يعقوب بن سفيان الصالح الحديث وقال العجلي ثقة وقال الدارقطني ليس بالقوي " ( تهذيب التهذيب ، 4/ 372)
- علي بن الحكم البناني :
" قال أبو طالب عن أحمد ليس به بأس وقال أبو حاتم لا بأس به صالح الحديث وقال أبو داود والنسائي ثقة وقال بن سعد هو بناني من أنفسهم وكان ثقة ..... ووثقه العجلي وأبو بكر البزار وابن نمير وغيرهم وقال الدارقطني ثقة يجمع حديثه " ( تهذيب التهذيب ، 7 / 273 )
من هذه الرواية يتبين لنا المعنى الصحيح لـ " مزيد " الواردة في قوله تعالى: (ولدينا مزيد ).
فهي تصرح بمزيد من العطايا التي يمن الله تعالى بها على عباده في يوم الجمعة. فالعجب كل العجب من الذين اعتمدوا على الروايات الضعيفة في تفسير قول الله تعالى بما لم ينزل به سلطاناً ، وجهلوا أو تجاهلوا الأفضل حالاً والأقوى سنداً ومتناً.
الوقفة الخامسة عشرة :
لقد ثبت بطلان روايات الرؤية المنسوبة إلى علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبي أمامة الباهلي وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم وأرضاهم.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
أما بعد :
أخي الكريم وأستاذي العزيز / محب السنة حفظه الله ورعاه .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (1/76)
صفحة 77
أستاذي العزيز أستسمحك عذراً في عرض بضاعتي المزاجة هذه عليكم ، فأنتم تعلمون أنني لست أهلاً لأن أقف أمامكم لكي أنقد ما تفضلتم بعرضه في مقالكم السابق. ولكن حب التعلم والرغبة في مخاطبة الأساتذة دفعاني إلى أن أتطفل على موائد كتب العلماء لأستخرج منها الحقيقة التي تدعون أنتم إلى البحث عنها والوصول إليها.
لقد رغبتُ يا أستاذي العزيز في معرفة صحة ما نسب إلى عبد الله بن مسعود و علي بن أبي طالب وعبادة بن الصامت وأبي أمامة الباهلي رضي الله عنهم وأرضاهم من أقوال في مسألة رؤية العباد لله تعالى ، وبعد مراجعة كتب الحديث والرجال استطعت بفضل الله تعالى الوصول إلى اليقين أن ما نسب إليهم من قول في هذا الشأن ضعيف لا يصح. وإليك يا أستاذي العزيز البيان:
<><><><>
أورد ابن القيم في حادي الأرواح ( ص 212- 215 ) حديث طويل من طريق عبد الله بن مسعود :
" وأما حديث عبد الله بن مسعود فقال الطبراني حدثنا محمد بن نصر الأزدي وعبد الله بن أحمد بن حنبل والحضرمي قالوا حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني حدثنا محمد بن سلمة الحراني عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أنيسة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله عن مسروق بن الأجدع حدثنا عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياماً أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء قال وينزل الله عز وجل في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي ... .... " [ في حديث نحو الحديث الذي ذكر في الوقفة الثانية عشرة ]
1- العلل التي ذكرت في الوقفة الثانية عشرة تنطبق على رواية عبد الله بن مسعود هذه.
2- وهنا علة أخرى وهي عنعنة أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود. فأبو عبيدة مدلس من الطبقة الثالثة ( طبقات المدلسين ، ص 48 ) . وعنعنة المدلسين من هذه الطبقة لا يحتج بها. (1/77)
صفحة 78
3- وذكر ابن القيم طرق أخرى لهذه الرواية ،فقد قال في " حادي الأرواح " ص 215 :
" رواه ابن صاعد حدثنا محمد بن أبي عبد الرحمن المقري ، قال حدثنا أبي حدثنا ورقاء بن عمر حدثنا أبو طيبة عن كرز بن وبرة عن نعيم بن أبي هند عن أبي عبيدة عن عبد الله .
ورواه من طريق عبد السلام ابن حرب حدثنا الدالاني حدثنا المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة به .
ورواه من طريق أحمد بن أبي طيبة عن كرز بن وبرة عن نعيم بن أبي هند عن أبي عبيدة ".
وكما نرى جميعاً من هذا الطريق أن أبا عبيدة ينقل عن أبيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهذا لم يثبت. فقد قال ابن حجر :" .. والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه " ( تقريب التهذيب ، 2 / 432 )
4- الاضطراب في السند واضح جلي مما يحكم على هذه الرواية بالضعف . إذ نجد أبا عبيدة يروي هذه الرواية عن مسروق عن عبد الله بن مسعود ومرة يرويها عن أبيه عبد الله بن مسعود. قال ابن الصلاح : " المضطرب من الحديث هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان " ( مقدمة ابن الصلاح ، ص 124 )
وبهذا يتبين ضعف هذه الرواية التي نسبت إلى الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
<><><><><>
نقل ابن القيم في حادي الأرواح ( ص 215 ) هذه الرواية المنسوبة إلى الإمام علي كرم الله وجهه:
" وأما حديث على بن أبي طالب فقال يعقوب بن سفيان حدثنا محمد بن المصفى حثنا سويد بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يزور أهل الجنة الرب تبارك وتعالى في كل جمعة وذكر ما يعطون قال ثم يقول الله تبارك وتعالى اكشفوا حجاباً فيكشف حجاب ثم حجاب ثم يتجلى لهم تبارك وتعالى عن وجهه فكأنهم لم يروا نعمة قبل ذلك وهو قوله تبارك وتعالى ولدينا مزيد ) " (1/78)
صفحة 79
هذا الحديث موضوع وكذب صريح على الإمام علي كرم الله وجهه. لوروده من قبل سويد بن عبد العزيز وشيخه عمرو بن خالد.
- سويد بن عبد العزيز بن نمير
"... قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه متروك الحديث.... وقال ابن معين ليس بثقة وقال مرة ليس بشيء وقال مرة ضعيف ..... وقال ابن سعد روى أحاديث منكرة . وقال البخاري في حديثه مناكير أنكرها أحمد وقال مرة فيه نظر لا يحتمل ، وقال النسائي ليس بثقة وقال مرة ضعيف وقال يعقوب بن سفيان مستور في حديثه لين وقال مرة ضعيف الحديث
قلت[ ابن حجر ] : وقال أبو عيسى الترمذي في كتاب العلل الكبير سويد بن عبد العزيز كثير الغلط في الحديث وقال الحاكم أبو أحمد حديثه ليس بالقائم وقال الخلال ضعيف الحديث وقال أبو بكر البزار في مسنده ليس بالحافظ ولا يحتج به إذا انفرد وضعفه بن حبان جدا وأورد له أحاديث مناكير " ( تهذيب التهذيب 2 / 242 )
- عمرو بن خالد أبو خالد القرشي
"قال عبد الله بن أحمد عن أبيه متروك الحديث ليس بشيء ، وقال الأثرم عن أحمد كذاب يروي عن زيد بن علي عن آبائه أحاديث موضوعة يكذب ، وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين كذاب غير ثقة ولا مأمون، وقال هاشم بن مرثد الطبراني عن بن معين كذاب ليس بشيء ، وقال إسحاق بن راهويه وأبو زرعة كان يضع الحديث ، وقال أبو حاتم متروك الحديث ذاهب الحديث لا يشتغل به ، وقال الآجري سألت أبا داود عن عمرو بن خالد الذي يروي عنه أبو حفص الأبار فقال هذا كذاب وقال أيضا عن أبي داود ليس بشيء ..... وقال النسائي ليس بثقة ولا يكتب حديثه..... " ( تهذيب التهذيب 8 / 24 )
من أقوال علماء الجرح في رجلين من رجال هذه الرواية يتبين كذب ما نسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه. والله المستعان.
<><><><><>
وأما الرواية التي نُسبت إلى الصحابي عبادة بن الصامت رضي الله عنه فهي التي رواها النسائي وغيره : (1/79)
صفحة 80
فقد قال النسائي : " أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أنا بقية بن الوليد قال ثنا بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن عمرو بن الأسود أن جنادة بن أبي أمية حدثهم عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني حدثتكم عن المسيح الدجال حتى خفت أن لا تعقلوه هو قصير فجج جعد أعور مطموس عين اليسرى ليس بناتئة ولا حجراء فإن التبس عليكم فاعلموا أن ربكم تبارك وتعالى ليس بأعور وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا"
هذه الرواية ونحوها المنسوبة إلى عبادة بن الصامت أخرجها النسائي (السنن الكبرى 4 / 419 ) ، والإمام أحمد ( 5 / 324 ) ، والطبراني ( مسند الشاميين 2/ 185 ) .
جاءت هذه الرواية من طريق بقية بن الوليد المتهم بتدليس التسوية. فقد قال أحمد محمد شاكر ما نصه : " .. منها تدليس التسوية ، وهو أن يسقط غير شيخه لضعفه أو صغره ، فيصير الحديث ثقة عن ثقة ، فيحكم له بالصحة ، وفيه تغرير شديد ، وممن اشتهر بذلك : بقية بن الوليد ، .... وهذا التدليس أفحش أنواع التدليس مطلقاً وشرها " ( الباعث الحثيث شرح علوم الحديث ، هامش ص 46 )
وعند النظر في سند هذه الرواية - من جميع طرقها - نجد بقية بن الوليد يرويها كالآتي : " .. حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عمرو بن الأسود .. "
وبهذا ندرك ضعف هذه الرواية لورودها من قبل بقية المشهور بتدليس التسوية. وكفى بهذا سبباً لرد ما نسب إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه من أقوال.
<><><><><>
والقول برؤية العباد لله تعالى المنسوب إلى الصحابي أبي أمامة الباهلي قد ذكره ابن ماجة في سننه في رواية المسيح الدجال. فقد قال ابن ماجة( السنن 2 / 1359 ) : (1/80)
صفحة 81
"حدثنا علي بن محمد ثنا عبد الرحمن المحاربي عن إسماعيل بن رافع أبي رافع عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو عن أبي أمامة الباهلي قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فكان أكثر خطبته ما يحدثنا عن الدجال ويحذرناه فكان من قوله.... ... ولا ترون ربكم حتى تموتوا .... "
هذه الرواية ضعيفة وذلك لورودها من قبل إسماعيل بن رافع بن عويمر الأنصاري أبو رافع
" .. قال عمرو بن علي منكر الحديث في حديثه ضعف لم أسمع يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عنه بشيء قط . وقال أحمد ضعيف وقال في رواية عنه منكر الحديث . وقال بن معين ضعيف وقال في رواية الدوري عنه ليس بشيء . وقال أبو حاتم منكر الحديث . وقال الترمذي ضعفه بعض أهل العلم وسمعت محمدا يقول هو ثقة مقارب الحديث وقال النسائي متروك الحديث وقال مرة ضعيف ومرة ليس بشيء ومرة ليس بثقة . وقال بن خراش والدارقطني متروك . ..
قلت [ القائل هو ابن حجر ] : .. .. قال العجلي ضعيف الحديث وقال الحاكم أبو أحمد ليس بالقوي عندهم وقال علي بن الجنيد متروك وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب في الرواية عنهم وقال البزار ليس بثقة ولا حجة وضعفه أيضا أبو حاتم والعقيلي ..... " ( تهذيب التهذيب ، 1 / 258 )
<><><><><>
وأما الرواية التي نسبت رؤية العباد لله تعالى إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنه فقد ذكرها ابن القيم في حادي الأرواح ( ص 229-230 ) :
" وأما حديث ابن عباس فروى ابن خزيمة من حديث حماد عن ابن جدعان عن أبي نضرة قال: خطبنا ابن عباس فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من نبي إلا وله دعوة تعجلها في الدنا وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فآتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فاقرع الباب فيقال من أنت؟ فأقول أنا محمد فآتى ربي وهو على كرسيه أو على سريره فيتجلى لي ربي فأخر له ساجداً ) " (1/81)
صفحة 82
هذه الرواية ضعيفة ولا يحتج بها ولا يصح نسبتها إلى حبر هذه الأمة وترجمان القرآن وذلك لورودها من قِبل علي بن زيد بن جدعان القرشي التيمي أبو الحسن البصري
فقد " ... قال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه ليس بالقوي وقد روى الناس عنه . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سئل أبي سمع الحسن من سراقة قال لا هذا علي بن زيد يعني يرويه كأنه لم يقنع به وقال أيوب بن إسحاق بن سافري سألت أحمد عن علي بن زيد فقال ليس بشيء . وقال حنبل بن إسحاق بن حنبل سمعت أبا عبد الله يقول علي بن زيد ضعيف الحديث . وقال عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين ليس بذاك القوي . وقال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين ضعيف . وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين ليس بذاك ، وقال مرة أخرى ضعيف في كل شيء . وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين ليس بشيء ..... وقال أحمد بن عبد الله العجلي يكتب حديثه وليس بالقوي ، وقال في موضع آخر كان يتشيع لا بأس به وقال يعقوب بن شيبة ثقة صالح الحديث وإلى اللين ما هو وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني واهي الحديث ضعيف فيه ميل عن القصد لا يحتج بحديثه وقال أبو زرعة ليس بقوي وقال أبو حاتم ليس بقوي يكتب حديثه ولا يحتج به .... وقال النسائي ضعيف وقال أبو بكر بن خزيمة لا أحتج به لسوء حفظه...... وقال سليمان بن حرب عن حماد بن زيد حدثنا علي بن زيد وكان يقلب الأحاديث ...." ( تهذيب الكمال ، 20 / 434 )
<><><><><>
هذا ما وصلت إليه بعد تتبعي لهذه الروايات المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. ومنها ندرك عدم صحة هذه الروايات ، ونعلم أن ما نسب إلى كل من علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبي أمامة الباهلي وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم في مسألة رؤية العباد لله تعالى لم يثبت.
أستاذي العزيز أتمنى وأرجو منكم أن تعينونني على الوصول إلى روايات أخرى تثبت ما ذهبتم إليه في اعتقاد الرؤية ، وسأكون لكم شاكرا. (1/82)
صفحة 83
هذا وأدعو الله جل وعلا أن يحفظنا جميعاً ويعيننا على ذكره شكره وحسن عبادته. وتقبلوا تحيات تلميذكم المنصور
وإن شاء الله تعالى ستكون لنا وقفات أخرى تحت ظلال العلم والمعرفة.
الوقفة السادسة عشرة :
القول في الرواية التي جاءت من طريق أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي تنفي رؤية العباد لله تعالى في عرصات الجنان :
" .... جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن "
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
أما بعد :
الأخ الكريم والأستاذ العزيز / محب السنة حفظه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في الوقفات الماضية ذكرنا الروايات التي نسبت القول برؤية العباد لله تعالى إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته رضوان الله عليهم . وبعد وزن تلك الروايات بميزان الحق ظهر لنا جلياً ضعف ما نسب إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم من أقوال.
فيا أستاذي العزيز ما زلت أنتظر منكم الروايات الأخرى التي ترجعون إليها في إثبات معتقدكم حول الرؤية ، فهل ستتكرمون عليّ بذلك ؟؟؟
هناك رواية صحيحة أثبتت عدم رؤية العباد لله تعالى في الآخرة ، وقد أقر شراح الحديث بهذا المعنى ولم يأتوا بما يثبت عقيدة الرؤية إلا روايات ضعيفة لا تثبت دعوى ولا ترد حجة.
فقد جاء عند البخاري : " حدثنا علي بن عبد الله حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد عن أبي عمران عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " (1/83)
صفحة 84
أخرج هذه الرواية البخاري ( 6 / 2710 ، 4 / 1848) والإمام مسلم ( 1 / 163 ) والترمذي ( السنن 4 / 673 ) و ابن ماجة ( السنن 1 / 66 ) و الدارمي ( السنن2 / 429 ) و أحمد ( المسند 4/ 411 ، 4 / 416) و ابن حبان ( 16 / 394 ) و النسائي ( السنن 4 / 419 ، 6 / 443) و أبو يعلى ( 13 / 314 )
فيا أستاذي العزيز لقد جاء في كلامك حول هذا الحديث الآتي : " والواقع أن هذا الحديث يدل على إثبات الرؤية لا العكس كما هو واضح من ظاهر الحديث وكما فهم ذلك أهل العلم".
أستاذي العزيز ، كل الناطقون بلغة الضاد لا يوافقونك على هذا الكلام الذي قلبت فيه كلمات اللغة رأسا على عقب. إن ظاهر الحديث ليس فيه إثبات الرؤية ، فما هي العبارة التي تثبت الرؤية هنا ؟؟؟.
ومن هم أهل العلم الذين فهموا هذا الحديث على أنه يثبت الرؤية ؟؟؟
فالعلماء الذين يعتقدون بالرؤية صرحوا بأوضح عبارة أن هذا الحديث ينطق بامتناع رؤية العباد لله تعالى ، فقد نقل ابن حجر:
" - ونقل الطيبي .... وأصل الحجاب الستر والحائل بين الرائي والمرئي ، والمراد به هنا منع الإبصار من الرؤية بما ذكر فقام ذلك مقام الستر الحائل فعبر به عنه ... " ( الفتح 15 /393 )
- " وقال النووي : أصل الحجاب المنع من الرؤية ، والحجاب في حقيقة اللغة الستر " ( الفتح 15 / 393 )
- " وحاصله أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية ... " ( الفتح ، 15 / 395 )
ولكن بعد هذا التصريح بهذا المعنى لم يجد هؤلاء الشراح إلا روايات ضعيفة واحتمالات لم يكن لها دليل من قرآن أو سنة ثابتة في إثبات ما ذهبوا إليه.
فقد قال الكرماني : " ... ثم استشكل ظاهره بأنه يقتضي أن رؤية الله غير واقعة ، وأجاب بأن مفهومه بيان قرب النظر إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعاً من الرؤية فعبر عن زوال المانع عن الإبصار بإزالة المراد انتهى " ( الفتح ، 15 / 395 ) (1/84)
صفحة 85
فما هو الدليل على أن مفهوم الحديث قرب النظر ، خاصة وأن الطيبي قد قال : " والمراد منه هنا منع الإبصار " ؟؟؟.
أليس قول الكرماني : " إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعاً من الرؤية " فيه المخالفة الشديدة الصريحة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء " ؟؟؟؟
وأما ما قاله ابن حجر : " وحاصله أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية فكان في الكلام حذفاً تقديره بعد قوله إلا رداء الكبرياء : فإنه يمن عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه" (الفتح 15/395)
أين الدليل الصحيح على هذه الاحتمالات ؟؟؟ أبعد الإقرار بمنع الرؤية تلتمس الاحتمالات وتبنى العقائد على التقديرات النابعة من عقول البشر ؟؟؟
لم يقف ابن حجر عند حدود التقديرات بل تعدى ذلك إلى ما هو أعظم منه ، فقد قال : " معنى حديث الباب أن مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالاً للنعمة ، فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء فأنه رفع عنهم حجاباً كان يمنعهم .... " ( الفتح 15 / 395 )
قد يلجأ الإنسان إلى التوفيق بين رأيين في مسألة عملية جاءت فيها أدلة ظاهرها مخالفة بعضها البعض ، ولكن حينما يتحدث الإنسان عن صفات الخالق جل وعلا ، وحينما يتحدث عن عزته وكبريائه سبحانه فإن الأمر يختلف تماماً.
الكبرياء لله ثابتة لن ولن يتخلى عنها سبحانه في أي زمن من الأزمان ولا لأي سبب من الأسباب ، ومقتضى هذه الصفة الذاتية له عدم رؤية الأبصار له في الدنيا والآخرة كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقول ابن حجر : " .. فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء .. " فيه الخطورة ، إذ كيف يتصور الإنسان ربه جل وعلا يقضي الأمور ويقدرها خلاف كبرياءه وعزته ؟؟؟
فالله تعالى كما أنه لا يتخلى عن الوحدانية والصمدية وكل صفاته الذاتية فهو لا يتخلى عن كبريائه وعزته أبداً. (1/85)
صفحة 86
حتى ولو ثبتت الأدلة في الرؤية – وهذا لم يثبت أبداً – ، ما كان لأي أحد أن يعتمد عليها في قول مثل هذه الأقوال التي تصور الله سبحانه وتعالى خالق للأمور من غير مقتضى صفاته الذاتية.
فأين الدليل على أن الله تعالى يرفع الحجب كي يراه خلقه ؟؟ فجميع الروايات التي اعتمد عليها في هذا الباب ضعيفة لا ينشأ عليها معتقد ولا يقين.
إن فتح أبواب الاحتمالات لتمرير العقائد التي لا تبنى على الثابت القاطع الصحيح من الأدلة تجر أصحابها إلى القول بما لم ينزل الله به من سلطان ، فقد " قال ابن بطال معنى رفع الحجاب إزالة الآفة من أبصار المؤمنين المانعة لهم من الرؤية فيرونه لارتفاعها بخلق ضدها فيهم" (الفتح 15/393)
أليس هذا هو ضرب من التخمينات التي لا أصل لها من قرآن ولا من سنة ؟؟؟
من أين عرف ابن بطال أن رفع الحجاب هو إزالة الآفة من أبصار المؤمنين ؟؟؟
وما هي هذه الآفة ؟؟ وكيف عرفها ابن بطال ؟؟؟
وما هو الذي يخلقه الله تعالى في عباده لكي يرونه ؟؟؟ وأين الدليل ؟؟؟
وقال صلاح الدين العلائي : " ... ولكن المراد بحجابه منعه إبصار خلقه وبصائرهم بما شاء متى شاء كيف شاء ، فإذا شاء كشف ذلك عنهم .... " ( الفتح ، 15 / 393 )
ما أتصور أن عقيدة يبني عليها الإنسان علاقته بالله جل وعلا تصبح إنشاءات تبنيها تصورات البشر واحتمالاتهم واستنتاجاتهم. فما هو دليل صلاح الدين العلائي على أن الله تعالى يكشف الحجاب متى شاء ولمن شاء ؟؟؟؟
فيا أستاذي العزيز / محب السنة
لعلك أدركت من هذه الوقفة والوقفات السابقة لها والتي قضينا أوقاتها معاً تحت ظلال العلم والمعرفة خطأ قولك وأنت تخاطب الإباضية : " ولعل تفسريكم هذا يبين بجلاء الفرق بين منهجنا ومنهجكم، فمنهجنا الذي نتبعه وندعو إليه يتمثل باتباع النصوص الشرعية وجعل العقل تابعا لها منقادا لما دلت عليه، لاحاكما عليها " . (1/86)
صفحة 87
ولعلك أدركت أن ما نسبته أنت إلى الإباضية هنا لم يصح عنهم أبداً ، ولكن قد ثبت من خلال أقوالك وأقوال من يقول بالرؤية عدم تقيدكم بما تدعون إليه.
لعلك أدركت من هذا كله أن الإباضية لا يبنون عقائدهم على الضعيف من الروايات ، بل دأبهم دائماً البحث عن الحق والتمسك به.
لعلك أدركت من هذا كله أن الإباضية يسخرون علوم الأمة في الوصول إلى إثبات أو نفي ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم.
لعلك أدركت من هذا كله أن الإباضية همهم اتباع الشرع والتزام الصدق في القول والعمل.
أستاذي العزيز / محب السنة
هذه الوقفة هي آخر ما أردت عرضه عليكم حول مقالكم السابق ، فإذا كان هناك نقاط ترغب في لفت نظري إليها ولم أقف عندها بعد فأرجو منكم التكرم بتذكيري بها. وإن شاء الله تعالى سأجيب على أسألتكم حول الوقفات السابقة والتي ذكرتموها في ردودكم.
هذا وأدعوك وأدعو نفسي إلى البحث عن الحق والسعي في سبيل المعرفة الصحيحة المؤيدة بالأدلة الثابتة بعد عرضها على منهاج الأمة في تقييم الأقوال ووزن الروايات ، وألا يكون همنا النقل من غير معرفة لما ننقله ونتكلم به .
وأدعو الله تعالى أن يلهمنا رشدنا ويثبت أقدامنا ويعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته إنه على ذلك قدير وهو بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير.
وتقبلوا تحيات تلميذكم / المنصور
إلى هنا إنتهى الحوار...... وقد صار له مدة غير قصيرة ويمكن مطالعة فهرس هذا النقاش من خلال الرجوع إلى الصفحة التالية:
http://www.omania.net/vip/ubb/Forum2/HTML/005312.html
وإليكم الأن الكلام الذي كتبه المسمي نفسه بـ المراقب السني مخاطبا به الأستاذ المنصور مشيرا إلى النقاش الذي دار بين الأخوين المنصور ومحب السنة:
"إذا استطعت أن تجد الطعن في الروايات التي ذكرتها فإنك عاجز عن هذه الروايات التي سأقرأها عليك من كتاب الرؤية للعلامة الدارقطني وإذا أرت المزيد فأخبرني.... (1/87)
صفحة 88
قال العلامة المحدث :
1- حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، حدثنا أبو بسطام الأطروشي أحمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي ، حدثنا أبو عاصم العباداني عن فضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ( بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم ، فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم ، فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة ، وهو قول الله عز وجل : ( سلام قولاً من رب رحيم ) فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما دام بين أظهرهم ، حتى يحتجب عنهم وتبقى فيهم بركته ونوره )
2- حدثنا أو العباس أحمد بن عيسى بن السكن البلدي ، حدثنا أحمد بن محمد بن عمر بن يونس اليمامي ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا رباح بن زيد ، حدثني ابن جريج ، أخبرني زياد بن سعد أن أبا الزبير عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : يتجلى لهم الرب تبارك وتعالى ، ينظرون إلى وجهه فيخرون سجداً ، فيقول : ارفعوا رؤوسكم ، فليس هذا بيوم عبادة)
3- وحدثنا أحمد بن عيسى بن السكن ، حدثنا أحمد بن محمد بن عمر بن يونس ، حدثنا محمد بن شرحبيل الصنعاني ، حدثني ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يتجلى لنا ربنا يوم القيامة ضاحكاً"
فكان جواب المنصور:
هذه الروايات التي ذكرها المراقب السني ضعيفة باطلة ساقطة. وإليكم البيان :
1- الرواية الأولى ضعيفة باطلة وذلك لورودها من قبل فضل بن عيسى: (1/88)
صفحة 89
فقد " ....قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه ضعيف ، وقال بن أبي خيثمة عن بن معين كان قاصا وكان رجل سوء قلت كيف حديثه قال لا تسأل عن القدري الخبيث ، وقال إسحاق بن منصور عن بن معين سئل عنه بن عيينة فقال لا شيء ، وقال أبو زرعة منكر الحديث ، وقال أبو حاتم منكر الحديث في حديثه بعض الوهن ليس بقوي وقال الآجري قلت لأبي داود اكتب حديث الفضل الرقاشي قال لا ولا كرامة وقال مرة كان هالكا ... وقال النسائي ضعيف وقال في موضع آخر ليس بثقة ... " ( تهديب التهذيب 8 /254 )
2- أما الرواية الثانية فهي ضعيفة باطلة مكذوبة لورودها من قبل أحمد بن محمد بن عمر بن يونس بن القاسم الحنفي أبو سهل اليمامي :
" .. كذبه أبو حاتم وابن صاعد وقال الدارقطني ضعيف وقال مرة متروك وقال بن عدي حدث عن الثقات بمناكير ونسخ عجائب .... وقال عبيد الكشوري هو كالواقدي فيكم ..... وقال الخطيب كان غير ثقة وقال بن أبي حاتم عن أبيه كتبت عنه وكان كذابا ولا أحدث عنه وقال بن حبان لا يحتج به " ( لسان الميزان ، 1/ 282 )
3- أما الرواية الثالثة فهي كذب صريح قد جاء من طريق أحمد بن محمد بن عمر السالف الذكر.
والرواية الثانية وكذلك الرواية الثالثة جاءتا من طريق عنعنة أبي الزبير عن جابر بن عبد الله وعنعنة أبي الزبير عن جابر من غير رواية الليث عنه ضعيفة لا يحتج بها كما صرح بذلك علماء الجرح والتعديل ( انظر تهذيب التهذيب ج9 / ص381 -382
وميزان الاعتدال ج4 / ص37 و ص39 )
انتهى كلام الأخ المنصور جزاه الله خيرا.....................
ــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــ
ــ (1/89)