صفحة 1
الكتاب: خلود أهل الكبائر بين المؤيدين والمعارضين لهلال الهاشمي
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) خلود أهل الكبائر بين المؤيدين والمعارضين
هلال بن صالح الهاشمي
تم تهذيب الطباعة بواسطة فريق العمل في شبكة الدرة الإسلامية
www.aldura.net
? مقدمة
? التمهيد : التأصيل التاريخي لقضية الخلود أو عدمه
? الباب الأول : اختلاف المدارس من قضية الخلود
? الباب الثاني : في أدلة منكري الخلود لأهل الكبائر
? الباب الثالث : الفصل الأول: مناقشة أدلة القائلين بالخروج من النار من الكتاب العزيز
? الباب الثالث : الفصل الثاني : مناقشة أدلة القائلين بالخروج من النار من الأحاديث الشريفة
? الباب الرابع : الفصل الأول: في أدلة القائلين بخلود جميع مرتكبي الكبائر في النار
? الباب الرابع : الفصل الثاني: الأدلة من الأحاديث النبوية على خلود أهل الكبائر في النار
? الباب الخامس : انعكاسات عقيدة الخلود على العمل
? الخاتمة
? قائمة المصادر
مقدمة
وبه نستعين، أحمده تعالى على ما أولى وأنعم وأكرم، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من بعثه الله إماماً للمتقين، وأرسله حجة للمؤمنين ورحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى دعاة الحق وقادة الخير بإحسان إلى يوم الدين ورضي الله عن أئمتنا وعلمائنا أهل الحق والاستقامة في الدين.
وبعد: إن هذا البحث المتواضع الذي أقدمه وعنوانه «خلود أهل الكبائر في النار بين المؤيدين والمعارضين»، وقلت: خلود أهل الكبائر في النار خاصة لأن المتأمل في كتب العقيدة يجد صراعاً حاداً عنيفاً بين الفرق الإسلامية في قضية خلود أهل الكبائر أو عدمه.
والواضح في القضية أن الاختلاف لم يكن في شأن الخلود في الجنة؛ لأن الجنة كل يشتاق إليها ولم يقل واحد في شأنها بالمكث الطويل.
وحقيقة الأمر أن قضية الخلود في النار من القضايا العقائدية الأساسية يقول سماحة شيخنا بدر الدين أحمد بن حمد الخليلي -حفظه الله تعالى ومتعنا بحياته-: «مسألة الخلود في النار من مسائل الاعتقاد المهمة». (1/1)
صفحة 2
إن هذا البحث جاء في تمهيد وخمسة أبواب، فالتمهيد موضوع للحديث عن الجذور التاريخية لقضية الخلود، ثم قسمنا الموضوع إلى خمسة أبواب:
الباب الأول: اختلاف المدارس والفرق الإسلامية من قضية الخلود.
الباب الثاني: في أدلة منكري الخلود لأهل الكبائر من الكتاب والسنة.
الباب الثالث: فقد أقمناه على فصلين:
الفصل الأول: في أدلة القائلين بخلود جميع مرتكبي الكبائر في النار من الكتاب العزيز.
الفصل الثاني: في أدلة القائلين بخلود جميع مرتكبي الكبائر في النار من السنة النبوية.
الباب الخامس: انعكاسات عقيدة الخلود على العمل.
تلك هي قصارى الجهد، فما كان من سداد في هذا البحث فمن الله وما كان من خطأ فمني، والله نسأل أن يجمع شمل عباده المؤمنين على ما يحب ويرضى. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
العبد الفقير الضعيف الراجي رحمة مولاه القدير
هلال بن صالح الهاشمي
ذو الحجة 1421هـ
التمهيد : التأصيل التاريخي لقضية الخلود أو عدمه
مما هو معلوم أن كل فكرة لا بد لها من بداية تاريخية أو ظرف زمني تنشأ فيه فما الأطوار التاريخية التي مرت بها قضية الخلود؟!
لقد قصَّ الله علينا في كتابه العزيز وهو أصدق القائلين المنشأ التاريخي لقضية الخلود في النار وعدمه حيث أثيرت عند أهل الكتاب كما جاء ذلك في قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ)(1) وفي قوله تعالى:(وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون)(2). (1/2)
صفحة 3
لقد أوضحت الآيات الكريمة السالفة أن أماني اليهود أخزاهم الله تعالى هي كانت المنشأ والمبدأ لفكرة التعلق بوعد الله للحصول على ثوابه وهم يرتكبون المعاصي (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار)فلقد كانوا يمنون أنفسهم أنهم لن يعذبوا -على جرائمهم الخطيرة- إلا زمناً محدوداً وتذرعوا بأنهم شعب الله المختار وأنهم أحباؤه فما عليهم إن انهمكوا في شهواتهم وأشبعوا رغباتهم فجاء الرد القرآني صريحاً على هؤلاء حيث لم يدع لقائل مقالاً ولا لشك مجالاً، إذ اعتبر قولهم من باب الافتراء ومن باب التقول على الله بدون علم.
بهذا يتبين أن هذه العقيدة عقيدة يهودية الأصل وإنما سرت إلى المسلمين بسبب احتكاك كثير منهم باليهود وتأثرهم بما يقولون من أباطيل. (1/3)
صفحة 4
ولقد تنبه الأستاذ سيد قطب إلى أن القول بتحول الفجار من العذاب إلى الثواب ما هو إلا أثر من آثار الغزو اليهودي للفكر الإسلامي حينما فسر قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ % ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ)(3) فقد قال هذا المفكر الكبير: « ... ومثل أهل الكتاب هؤلاء مثل من يزعمون اليوم أنهم مسلمون، ثم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، فيتولون ويعرضون، وفيهم من يتبجحون ويتوقحون، ويزعمون أن حياة الناس دنيا لا دين أو أن لا ضرورة لإقحام الدين في حياة الناس العملية وارتباطاتهم الاقتصادية والاجتماعية، بل العائلية، ثم يظلون بعد ذلك يزعمون أنهم مسلمون! ثم يعتقد بعضهم في غرابة بلهاء إن الله لن يعذبهم إلا تطهيراً من المعاصي، ثم يساقون إلى الجنة أليسوا مسلمين؟ إنه نفس الظن الذي كان يظنه أهل الكتاب هؤلاء، ونفس الغرور بما افتروه ولا أصل له في الدين» (4).
وهذا ما صرّح به كذلك العلاّمة السيد محمد رشيد رضا في مقدمة تفسيره لسورة البقرة من المنار مانصه: « ومن الغرور أن يظن المنتمي إلى دين نبي من الأنبياء أنه سينجو من الخلود في النار بمجرد الانتماء، الشاهد عليه ما حكاه الله لنا عن بني اسرائيل من غرورهم بدينهم وما رد به عليهم حتى لا نتبع سننهم فيه وهو: (وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً) وما حكاه عن اليهود والنصارى جميعاً من قولهم: ( وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُم) ولكننا قد اتبعنا سننهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع مصداقاً لما ورد في الحديث الصحيح ... الخ» (5). (1/4)
صفحة 5
----------------------------------------------------------
(1) آل عمران: 24 .
(2) البقرة: 80.
(3) آل عمران:23- 24.
(4) في ظلال القرآن ج1 ص 383:382.
(5) تفسير المنار - محمد رشيد رضا - ج1 ص112.
الباب الأول : اختلاف المدارس من قضية الخلود
انطلاقاً من النصوص التي جاء فيها ذكر الخلود مرات مشفوعاً بالتأييد ومرات غير مشفوع به، ومرات صريحاً للمشركين ومرات صريحاً للعصاة من أهل الصلاة كان الخلاف بين الأصولين وكان الخلاف حاداً عنيفاً في شأن الخلود وعدمه.
وإن الفرق الإسلامية تجاذبت النصوص التي تثير هذه القضية فما هي أبرز المواقف في هذه القضية؟! وماهي مكانة الإباضية منها؟
لقد لخصها الإمام نور الدين السالمي في المشارق حيث يقول: «والناس فيه على مذاهب أحدها:
المذهب الأول: وهو قول الأشعرية أن أهل الشرك مخلدون في النار وهل الكبائر مما عدا الشرك إما أن يعفى عنهم فلا يدخلونها، وإما أن يعذبوا بقدر أعمالهم ثم يخرجون منها.
المذهب الثاني: أن أهل النار مشركهم وفاسقهم غير مخلدين فيها وينسب هذا إلى طائفة خرجت عن الإسلام.
المذهب الثالث: إن أهل الكبائر غير معذبين قطعاً وإنما العذاب لأهل الشرك خاصة، ونسب هذا إلى مقاتل وبعض المفسرين.
المذهب الرابع: إن أهل الجنة والنار فانيتان بعد دخول أهل كل واحد منهما فيهما ونسب هذا القول إلى جهم بن صفوان.
المذهب الخامس: وهو مذهب أهل الإستقامة والمعتزلة أن أهل الكبائر من معاصي الله كانوا مشركين أو فاسقين مخلدون في النار دائماً وأهل الطاعة مخلدون في الجنة دائماً، لكن أهل الاستقامة يقولون: إن التعذيب بعدل الله والثواب بفضله، والمعتزلة يقولون: بوجوب ذلك عليه تعالى عن ذلك بناءً على أصلهم الفاسد في التحسين والتصحيح العقليين«(1)
ويمكننا أن نقول أن الفرق الإسلامية اختلفت في مسألة الخروج من النار على اتجاهين : (1/5)
صفحة 6
1.المعتزلة والإباضية والخوارج على اختلاف طوائفهم ذهبوا إلى تأبيد الخلود لجميع العاصين من المشركين والموحدين.
2.أهل السنة والشيعة والرافضة ذهبوا إلى خروج عصاة الموحدين من حكم التأبيد في الخلود دون أهل الشرك والجحود(2).
-------------------------------------------------
(1) السالمي - المشارق - ج2 ص138-143.
(2) تمهيد قواعد الإيمان - سعيد الخليلي - ج2 ص15-16.
الباب الثاني : في أدلة منكري الخلود لأهل الكبائر
لقد تعلق القائلين بانقطاع عذاب الموحدين دون عذاب المشركين بآيات من القرآن وبأدلة من الحديث الشريف وبالاستدلال العقلي لما ذهبوا إليه.
أولاً: الأدلة من القرآن الكريم :
ويمكننا تقسيم الآيات الكريمة التي استدلوا بها إلى الآتي:
1.آيات الخلود أو ما يفيد معناه:- قوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيماً)(1).
- وقوله تعالى: ( وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ)(2).
فذهب منكرو الخلود لأهل الكبائر إلى تأويل الخلود هنا بطول المكث، وإنّ الآيات خصصت الخلود الدائم للمشركين، وقالوا: أن غاية ما أخبر به الكتاب المبين في وعيد عصاة الموحدين أنهم في النار خالدين، والخلود ما لم تضم إليه كلمة التأبيد قد يقتضي معنى الدوام ولا يفيد، ولكن يراد به المكث الطويل الذي ينقطع. والأساس لدى هؤلاء أن رحمة الله أوسع من غضبه فلذلك لا يرتضون تخليد عصاة أهل الصلاة في النار.
2. آيات علقت العذاب بالمشيئة:
- قوله تعالى: ( قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليم )(3). (1/6)
صفحة 7
- قوله تعالى: ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ % خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد).(4)
ووجه استدلالهم بالآيتين ما فيهما من استثناء مشيئة الله تعالى فهم يعتبرون صاحب الكبيرة غير مخلد، وإن عذب فإنهم يقولون هو في مشيئة الله، إن شاء غفر له وعفا عنه بلا تعذيب، وإن شاء شفع فيه من شاء، وإن شاء عذبه في ناره بقدر عمله إلى ما شاء الله من المدة ثم يقطعون بخروجه منها(5).
3. آيات حددت اللبث بدوام السماوات والأرض وبالأحقاب:
قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد).(6)
- قال تعالى: }لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا{(7).
ووجه استدلالهم بالآية الأولى: «جعل الله بقائهم في النار منوطاً بدوام السماوات والأرض» ووجه استدلالهم بالآية (لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا{ أن الأحقاب متناهية وما دام لبثهم فيها مقدراً بقدرها فهو متناهٍ أيضاً.
قال تعالى: ( رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ)(8).
ووجه تعلقهم بالآية أن ودهم ذلك يكون عندما يرون عصاة المسلمين يخرجون من النار مع بقاءهم فيها.
ثانياً: الأدلة من الحديث الشريف :
1. حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (( ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد )) (9).
2. « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي«(10) رواه أبو داود باب في الشفاعة وأحمد في المسند.
3. « رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أن الله عزوجل يخرج قوماً من النار بعد أن امتحشوا فيها وصاروا حمماً)) (11).
ثالثاً: الاستدلال العقلي: (1/7)
صفحة 8
لو تساوى عصاة الموحدين مع المشركين في الخلود لما بقي لكلمة التوحيد أثر ، ولا لأعمال البر فائدة .
-----------------------------------------------
(1) النساء :93.
(2) النساء: 14.
(3) الأنعام :128.
(4) هود 106/107.
(5) البعد الحضاري – فرحات الجعبيري ص737.
.(6)
(9) أنظر الصواعق المرسلة ص 22/240.
(10) الرازي: التفسير الكبير : 3/62-63.
(11) أبو الحسن الأشعري :الإبانة:14- 24 أنظر البعد الحضاري ص: 749.
الباب الثالث : الفصل الأول: مناقشة أدلة القائلين بالخروج من النار من الكتاب العزيز
* موقف القائلين بخلود العصاة المصرّين من هذه الآيات (موقف الإباضية والمعتزلة والخوارج ويساندهم في ذلك محمد عبده)
1.آيات الخلود (الآيات المتبوعة بكلمة خالدين مجردة من «أبداً» وأخرى متبوعة بها):
يقول مثبتو الخلود للعصاة إن هذه الآيات وأخواتها في القران الكريم أكبر دليل على ما ذهبوا إليه من اعتقاد الخلود الأبدي اللانهائي الذي يشمل العصاة الذين ماتوا دون أن يتوبوا إلى الله مع القول(1) بتفاوت العذاب بينهم وبين من ماتوا على الشرك.
ولقد بيّن الله سبحانه وتعالى في قوله: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)0 إن قاتل النفس المؤمنة بغير حق مأواه جهنم وسوف يخلد فيها. وما وراء ذلك من الآيات الكثيرة الناصة على الخلود في النار. هذه الآيات كلها تدل على خطورة عقيدة من يعتقد الخروج من النار أو العفو عن أهل الكبائر لما تجره من التهاون بأوامر الله والجرأة على معاصيه(2). (1/8)
صفحة 9
ولقد صرح الإمام العلامة السيد محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار بخلود العصاة المصرين في النار مع أنه ينتمي إلى مذهب يدين بالخروج من النار ولكنه اجتهد ورأى الحق ولم يتعامى عنه حيث قال: «أقول وقد استكبر الجمهور خلود القاتل في النار، وأوّله بعضهم بطول المكث فيها، وهذا يفتح باب التأويل لخلود الكفار فيقال إن المراد به طول المكث أيضاً»(3).
والسيد محمد رشيد رضا قد سبقه أستاذه الكبير العلامة الإمام محمد عبده إلى مثل هذا الرأي فلنستمع إلى ما يقوله في تفسير قوله تعالى: ( فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) يقول:
«ومن المفكرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها فلم يأوّلها بالشرك ولكنهم أوّلوا جزاءها فقالوا: إن المراد بالخلود طول مدة المكث لأن المؤمن لا يخلد في النار وإن استغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته. منهم أوّلوا هذا التأويل هروباً من قول المعتزلة أن أصحاب الكبائر يخلدون في النار وتأييداً لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة» ثم قال بعد ذلك: «والقرآن فوق المذاهب يرشد إلى أن من تحيط به خطيئته لا يبقى مؤمناً» وقد علق على هذا الكلام محمد رشيد رضا مما يؤيد ما قاله هناك من الخلود في النار، وقال أيضاً في شأن منتهك حدود الله: «وظاهر الآية أن العاصي المعتدّي للحدود يكون خالداً في النار» كما يقول في شأن القاتل المتعمد: «فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة»(4).
يقول الشيخ العالم العلامة سعيد بن خلفان الخليلي في كتابه تمهيد قواعد الإيمان: «إن الخلود موضوع في لسان العرب لمعنى الدوام المستمر الذي ليس له انعدام» ثم قال: «ومن أهل المذاهب من يدعي خروج أهل الوعيد من أهل الشرك، وعصاة أهل التوحيد، فله على قول مذهب المدعي لخروج عصاة الموحدين بانقطاع التخليد».
* موقف القائلين بخلود العصاة المصرّين من الآيات التي علقت العذاب بالمشيئة : (1/9)
صفحة 10
يرى القائلون بخلود جميع مرتكبي الكبائر في النار أن الاستثناء في قوله تعالى: }قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ{ (الأنعام 128) وغيرها من الآيات لا يدل على الانقطاع، لأن الاستثناء بمشيئة الله يرد في كلام الله للتنبيه على أن المخبر عنه كائن بمشيئته عزوجل ، فلو شاء خلافه لكان، وذلك كما في قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فلا تَنسَى)(الأعلى6) مع القطع بعدم نسيانهصلى الله عليه وسلم شيئاً مما أوحاه الله إليه وأقراه إياه، ومثل ذلك تعليق وعده تعالى الجازم بمشيئته كما في قوله تعالى: ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ)
(الفتح27) مع ما عهد من كون }إن{ تدخل على الشرط غير المقطوع به وهو هنا لا يجوز قطعاً لمنافاته لتأكيد وعد الدخول بلام القسم ونون التأكيد مع ما سبقه من قوله سبحانه: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ) (1). (1/10)
صفحة 11
وفي هذا المقام يقول شيخنا في الهيميان: «ونقول معشر الأباضية إن -القول بالخروج من النار باطل- لأن أصل الاستثناء العود إلى الدليل ولا دليل لهم في كلام مروي عن ابن عباس وأحاديث عن غيره من الصحابة إن الاستثناء في عصاة يدخلون النار بذنوبهم ثم ينجون بإيمانهم وفضل الله يسمون الجهنميين، فإن ذلك كذب من قومنا على من ذكر من الصحابة لمخالفته كتاب الله عزوجل كقوله: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا)0 (النساء93) الآية، وليس فيها تقييد بأنه قتله لكونه مؤمناً مشركاً وقوله: (وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) (النساء14) الآية، وإضافة الحدود للحقيقة لا للاستغراق فضلاً عن أن يقال من تعدى الحدود كلها مشركاً, وقوله: (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) (البقرة81) والمراد بإحاطتها غلبتها له بأن لم يمحها بالتوبة، ولأن عقاب الآخرة بالنار وثوابها بالجنة ليس كعقاب الدنيا وثوابها، ولأنه يعاقب بالنار من غضب عليه، ومن غضب عليه لا يرضى عنه أبداً وإلا لزم بطلان حكمه، ولزم أن تبدو له البدوات ولزم على قولهم كون المرضي عنه مغضوباً عليه مثاباً في الآخرة معاقباً فيها بالنار ولو جاز أن يدخل النار من يخرج منها لجاز أن يخرج من الجنة من يدخل فيها، ولو جاز أن يدخل النار مؤمن لجاز أن يدخل الجنة كافر».
* لا دليل في الاستثناء على خروج العصاة : (1/11)
صفحة 12
فإن أهل التفسير أيضاً اختلفوا في قوله تعالى: }إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ{ فقال بعضهم: }إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ{ من الزيادة في الخلود، وقيل في العذاب ونظيره قوله تعالى: }فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا{ وقال آخرون: }إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ{ من مكثهم في الدنيا وقيل: (في البرزخ) وأقوال أخرى فكل ذلك ما شاء الله وهو الذي استثناه، فمن زعم غير ذلك فعليه بالدليل، ولو كان في هذه ما يدل على الخروج لدّل على خروج الإنس والجن أجمعين، وكذلك قول الله تعالى: }يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّه{ (الأنعام 128).
ومن المناسب أن نورد كلام الشيخ سعيد الحارثي –حفظه الله- حيث يقول: «إن صلح قولكم وصح فالمشركون أيضاً في المشيئة، ولم يخصص القرآن أحداً ممن يدخلها، ثم إن السعداء كذلك يخرجون لأن المشيئة كذلك واردة في آيتهم فهذا الاستدلال مرفوع بهذا الاعتبار وبقوله تعالى في سورة الانفطار: }وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ{ (آية 16)(2).
*تفسير مثبتو خلود أهل الكبائر لقوله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ {106} خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد). (1/12)
صفحة 13
يجيب سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ويقول: «إن السماوات والأرض المقصودة في هذه الآيات ليست سماوات الدنيا أو أرضها، وإنما المراد بها ما أظلهم وما أقلهم من سماوات الآخرة وأرضها، لأن دخول الجنة الذي وعد بها الأبرار، ودخول النار الذي توعد بها الفجار لا يكون مع بقاء السماوات والأرض الدنيوية، لأن ميقاتهما ينتهي بعد ما تتداعى أجزاء الكون في نشأته الأولى ، ويأتي ما وعد الله به في قوله: }يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار{»(1).
ويقول قطب الأئمة في تفسير هيميان الزاد: «هن دائمات أبداً لا ينقطعن منهم خالدون في النار أبداً لا يخرجون منها سواء المشرك والموحد العاصي، والمراد سماوات الآخرة وأرضها تفنى سماوات الدنيا وأرضها وتعقبها سماوات الآخرة وأرضها وهي الجنة وهي دائمة لا تفنى يقول سبحانه وتعالى: }يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ{(2) وقال: }وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء{(3) ثم قال: «والمراد في الآية ارتباط الدوام في النار بدوام السماوات والأرض... ولم يلزم من زوال السماوات والأرض زوال الأشقياء من النار»(4).
ويقول صاحب المنار في تفسير قوله تعالى: }خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ{ أي ماكثين فيها مكث بقاء وخلود لا يبرحونها مدة دوام السماوات التي تظلهم والأرض التي تقلهم، وهذا بمعنى قوله في آيات أخرى: }خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا{، وغلط من قالوا: المراد مدة دوامها في الدنيا، فإن هذه الأرض تبدل وتزول بقيام الساعة، وسماء كل من أهل النار وأهل الجنة ما هو فوقهم، وأرضهم ما هم مستقرون عليه وهو تحتهم، قال ابن عباس: لكل جنة أرض وسماء، وروى مثله السدي والحسن. (1/13)
صفحة 14
وجاء أيضاً في قوله تعالى: }مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ{ إن ذلك على قطع الرجاء كقوله تعالى: }حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ{(5) وهذا تقوله العرب على الاستبعاد والتأبيد كقولهم: لا أفعل هذا ما اختلف الجديدان وما اختلف الليل والنهار وما أقام الجبل وما دامت السماوات والأرض... هذا كله يريدون به التأبيد فخاطبهم الله بما يعقلون من كلامهم بينهم، وعليه في العربية شواهد جاهلية وإسلامية(6).
* تحديد اللبث في النار بالأحقاب في قوله تعالى: (لابثين فيها أحقاباً).
يقول الجيطالي في سياق الرد على القائلين بإخراج أهل الكبائر: «وأما قوله (لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا)(7) فليس فيه دليل على الخروج لأنه قال: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلْطَّاغِينَ مَآبًا)(8) الى آخرها فهي عامة لجميع من دخلها من أهل الشرك ومن أهل الكبائر، فمن ادعى التخصيص فعليه بالدليل وإن تفسيرها في ما وجدت في كتب التفسير }لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًاً{ وهو حقب أي زمان لا غاية له، ويقال الحقب ثمانون ألف سنة كل يوم منه ألف سنة كلما مضى حقب تبعه حقب إلى ما لا غاية له.
ويقول السالمي: «الآية: (لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) في المشركين خاصة لقوله تعالى: }إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا{ فيلزمكم عدم تخليد أهل الشرك وأنتم لا تقولون به والكتاب يرده فوجب حمل الأحقاب على عدم الغاية أي مدة غير متناهية».
ويقول الشيخ قطب الأئمة في تفسيره الهيميان: (لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) اللبث في الغالب الإقامة والأحقاب جمع قلة مفرده حُقْب بضم الحاء وسكون القاف وضمها مراد به الكثرة التي لا تتناهى، قال الحسن: والله ما جعل لأهل النار مدة ينتهون إليها لكن كلما مضى حقب تبعه آخر ودليل الدوام ذكر الأبد في غير هذه الآية قوله:( فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا). (1/14)
صفحة 15
ويقول الشيخ سعيد الحارثي –حفظه الله-: «الآية وردت في المشركين بعد قوله تعالى: }إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا{ فيلزم على هذا عدم تخليد المشركين في النار مع أنهم يقولون إن التخليد للمشركين فقط».
ويقول الشيخ الخليلي–حفظه الله-: «كما لا تتناهى الأنفاس في الدار الآخرة مع أنها لا نسبة بينها وبين الأحقاب في مقدار ما تستغرقه من الزمن، فالأحقاب أبعد عن التناهي، على أن لفظة الأحقاب مأخوذة من أحقب إذا أردف فهي أدل على الترادف المستمر الذي لا انقطاع له» ويقول الفخر الرازي: «هب إن قوله (أَحْقَابًا) تفيد التناهي لكن دلالة هذا على الخروج دلالة المفهوم والمنطوق دلَّ على أنهم لا يخرجون قال تعالى:( يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ)0 ولا شك أن المنطوق راجح».
* أما تعلقهم بالآية (رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ) واستدلالهم بها على أن أهل النار يودون ذلك عندما يرون عصاة المسلمين يخرجون من النار مع بقاءهم فيها فهذا تأويل لا يقتضيه لفظ الآية.
ولم يقم عليه شاهد من غيرها وقال المفسرون معنى: (يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ) ذلك حين يرون النصر للمسلمين في أيام الوقائع بهم وهزيمتهم يودون لو كانوا مسلمين وقيل يودون لو كانوا مسلمين حين يعانون الموت ويحتمل أن يكون عندما يبعثون من قبورهم ويواجهون الفزع الأكبر ويدركون أنه لا منجاة يومئذ إلا لمن اعتصم بحبل الإسلام. وكل واحد من هؤلاء الوجوه مروي من جماعة من مفسري السلف والخلف فلم يبق مجال للاستدلال بالآية على ما لم تكن نصاً عليه ولا ظاهرة فيه(1).
الفصل الثاني : مناقشة أدلة القائلين بالخروج من النار من الأحاديث الشريفة (1/15)
صفحة 16
1.حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (ليأتين على جهنم يوم تصف فيه أبوابها ليس فيها أحد)(1).
قال قطب الأئمة –رحمه الله –في الهيميان: «وزعمت الجهمية أن الجنة والنار تفنيان بما فيهما وحجتهم أن البقاء لله لا يشاركه فيه مخلوق محدث الاستثناء من طول المدة وذكر الأبد تأكيد لطول الخلود.
وهو قول باطل مخالف للامة بنصوص القرآن والأحاديث، وليس بقائهم الدائم مستلزماً لاشتراك المخلوق مع الخالق في الصفة لأن بقاء الله بالذات من غير مادة ولا احتياج ولا تقدم عدم، وبقاؤهم إنما هو بإبقاء الله إياهم، ومادة منه لهم، واحتياج منهم، وإدامة الله سبحانه وتعالى لهم.
ولأن البقاء المختص بالله الذي لم يسبق بعدم، وهو البقاء المستحق بالذات. قال: وزعم بعضهم أن جهنم تفنى بعد أحقاب هي ومن فيها فلزمه أن المشركين غير مخلدين وهذا والعياذ بالله كفر، وزعموا أن عبدالله بن عمرو بن العاص وابن مسعود رويا هذا الحديث، قال: وذلك كذب منهم على هذين الصحابيين»(2).
وذكر الشيخ الخليلى في الحق الدامغ أن هذا الحديث «لا يتم به الاستدلال، لأنه قبل كل شئ حديث أحادي لا تنهض به حجة في القطعيات، فضلاً عمَّا في متنه وإسناده من نُكاره، ولو قدرنا صحته لكان الواجب تأويله بما يتفق مع قواطع النصوص، وهو أن أهلها ينتقلون عنها إلى الزمهرير ومع ضعف الحديث لا داعي إلى مثل هذا التأويل».
2.حديث الشفاعة (شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي): (1/16)
صفحة 17
إن هذا الحديث إن ترك على ظاهره كفى به إغراء لأهل الكبائر على انتهاك ما حرم الله ثم هم آمنون من عقوبة الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لهم فلا حاجه إلى كبح النفس عن شهواتها، وسيكون أهل الكبائر ممن أتاهم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقاهم عذاب النار فيحتاج أن يقال في قوله تعالى: }فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{ }فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى{ لا كما ورد }فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى{ والعياذ بالله من مخالفة حكمه وتبديل قوله.
يقول الشيخ الحارثي: «إن صح الحديث فلابد من تأويل فإن تابوا على غرار قوله تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فلو سكتت الآية على ذلك لكان مطابقاً للحديث فليفرح أهل الكبائر لكن القرآن الكريم قال بعد ذلك مباشرة:( وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ)0
ولقد جاء عن جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم : «ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» يحلف جابر على ذلك. ما لأهل الكبائر شفاعة لأن الله أوعد أهل الكبائر النار في كتابه(3).
ويقول السالمى في شأن هذا الحديث: «وخالفت الأشاعرة فيها (الشفاعة) فأثبتوها لأهل الكبائر تعويلاً على حديث رووه (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) ويجاب بوجوه:
أحدها: أنه خبر واحد لا يعارض القطعي.
وثانيها: أنه لو لم يعارض قطعياً لما أوجب العلم.
وثالثها: أنه عارضته رواية مثلها ونصها: «لا تنال شفاعته أهل الكبائر من أمتي» فهذه بتلك على أن هذه قد عضدها الكتاب، وتلك قد خالفته، فوجب أما القول بوضع تلك الرواية إذ لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر لتقرب إليه المتقربون بالكبائر»(4). (1/17)
صفحة 18
* رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن الله عزوجل يخرج قوماً من النار بعد أن امتحشوا فيها وصاروا حمماً».
يقف مثبتو الخلود من هذا الحديث موقفين:
أما أولهما: فيتمثل في اعتباره من الآحاد التى لا يمكن الاستدلال بها في العقائد0
وأما الثاني: فيتمثل في تأويله كما يلي«المراد به يخرجون في الدنيا من استحقاق العقاب بعد تحققه فيهم»(5).
ويورد صاحب قاموس الشريعه عن الجيطالى ما يلي: «وأما الأحاديث التى ذكروها فهى مخالفة كتاب الله عزوجل مردودة لأن الله تعالى قال: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم 53).
* أما استدلالهم العقلي:
فجوابه أنهم وإن تساووا في الخلود فهم غير متساوين في العذاب كما أن الأبرار لا يتساوون في الثواب بل يتفاوتون بتفاوت الأعمال والنار دركات كما أن الجنة درجات(6).
-------------------------------------------------------
(1) قال القطب: هذا كذب على الصحابي عمرو بن العاص. أنظر ج8 ص287.
(2) هيميان الزاد للشيخ القطب ج8 ص287.
الباب الرابع : الفصل الأول: في أدلة القائلين بخلود جميع مرتكبي الكبائر في النار
الفصل الأول:
* في أدلة القائلين بخلود جميع مرتكبي الكبائر في النار (من الكتاب العزيز):
لقد تنبه الإباضية -والحمد لله– لقضية الخلود منذ البداية، واعتقدوا أن من مات من أهل الكبائر بدون توبة فإن مصيره إلى النار خالداً فيها. وقد أخذوا عقيدتهم هذه من تحذير الله سبحانه وتعالى الصريح في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة لذلك نعرضها مع أنها متظافرة في القرآن بكثرة، ولا ينكرها إلا من كان يكابر الحق، والحق واضح وماذا بعد الحق إلا الضلال؟
وإليكم أدلة الإباضية في هذه المسألة، ولنبدأ أولاً في عرض أدلة الكتاب العزيز ثم بعد ذلك الأحاديث النبوية الشريفة :
أولاً: أدلة الكتاب العزيز : (1/18)
صفحة 19
1. قول الله تعالى: ( وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)(1).
ووجه الاستدلال أن العصيان هنا عام فلا يقول عاقل إن الزاني ليس بعاص، وأن آكل الربا ليس بعاص، فلذلك وجب عليه الخلود الأبدي كما ذكر في القرآن الكريم, ولا يماري أحد يؤمن بما أنزل الله أن مقارفة الكبيرة معصية لله ولرسوله.
2. قول الله تعالى: ( وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْه نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِين)(2).
ووجه الاستدلال به أنه جاء بعد تبيان أحكام المواريث، والنص على أنها من حدود الله، ووعد من يطيع الله ورسوله بالخلد في جنان تجري من تحتها الأنهار، فثبت من ذلك بأن من جاوز حكماً من أحكام الله صدق عليه هذا الوعيد(3).
وقد تحدث في تفسير هذه الآية كل من الإمام محمد عبده والسيد رشيد رضا بما يؤيد كلامهما السابق.
3. قوله تعالى: ( إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ) (الانفطار 14).
«فلو كانوا يخرجون منها لزم أن يغيبوا عنها، والفجور شامل للشرك وغيره))(4).
فلا أحد يقول إن السارق ليس بفاجر وأن شارب الخمر ليس بفاجر، إذن هم لن يغيبوا عن العذاب طرفة عين، ولن يخرجوا منها أبداً.
لقد نصَّ الله سبحانه في هذه الآيات أن من قتل النفس المحرمة بغير حق ومن زنى فلهما حكم المشرك في الخلود في النار.
ولعل قائلاً يقول: أو الوعيد منصب على من جمع هذه الصفات جميعاً، فأشرك مع الله إلهاً آخر وقتل النفس المحرمة بغير الحق وزنى.
وجوابه: أنه يلزم هذا لقائل أن لا يخلد أحد في النار بسبب الشرك حتى يضم إلى الشرك قتل النفس المحرمة بغير الحق والزنى، أما إن أشرك ولم يقتل النفس المحرمة بغير الحق ولم يزن يلزمهم على هذا القول أن لا يكون من المخلدين في النار. (1/19)
صفحة 20
4. يقول الله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِب اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ َ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا). (النساء93).
ووجه الدليل في هذه الآية «أن الله توعد فيهما قاتل المؤمن فيما توعده به بالخلود في النار مع أن القتل كبيرة دون الشرك» واعترض: «أن المراد من قتل مؤمناً على إيمانه ولا يقتل مؤمناً على إيمانه إلا مشرك» ويجاب: أن سياق هذه الآية ينفي هذا التعليل لأنه ذكر أولاً حكم قاتل المؤمن خطأ ثم ذكر حكم قاتله عمداً والمحكوم عليه في كلا الموضعين واحد.
5. يقول سبحانه وتعالى في آكل الربا: (فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَة مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة 275).
فهذا نص صريح في أن من عاد إلى أكل الربا فهو من أصحاب النار الذين يخلدون فيها فهذه الآية وعيد لأكلة الربا وهم غير مشركين، لأن الآية في معرض التحذير من أكل الربا بعد تحريمه.
الآيات التي مرت معنا سابقاً والتي ردت على اليهود هذا المعتقد بقوله تعالى: (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وكذلك قوله تعالى: (ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون).
فهذه الآيات قول على أن هذه العقيدة يهودية الأصل، وفيها تحذير للمسلمين من أن يغتروا بدينهم كما فعل اليهود. (1/20)
صفحة 21
** وهناك آيات كثيرة تدل على خلود أهل الكبائر في النار يطول بنا المقام لو بحثناها هنا ونذكر منها:
- قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون). (يونس27).
- وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُون رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً)(1) فإن وصفه بالغرام يدل على عدم انقطاعه.
------------------------------------
(3) الحق الدامغ ص213.
الفصل الثاني: الأدلة من الأحاديث النبوية على خلود أهل الكبائر في النار
هناك الكثير من الأحاديث النبوية الصحيحة الثابتة عن الرسول عليه أفضل الصلاة السلام دالة على خلود أهل الكبائر في النار وعلى عدم دخولهم الجنة وردت في الكتب الصحاح مثل مسند الإمام الربيع بن حبيب, وصحاح الشيخين البخاري ومسلم وغيرهم.
وقد جمع لنا سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي –حفظه الله ومتعنا بحياته- جانباً منها في تعليقه على «مشارق أنوار العقول» للعلامة السالمي فقال:
(1) روى أحمد البزار والحاكم والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر» وفي رواية: «ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق لوالديه والديوث وهو الذي يقر السوء في أهله».
2) روى الشيخان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «من شرب الخمر في الدنيا يحرمها في الآخرة».
3) روى البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه إلا حرم الله عليه الجنة». (1/21)
صفحة 22
4) روى الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك رضي الله عنهما عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من اقتطع حق مسلم بيمينه حر م الله عليه الجنة وأوجب له النار» فقال رجل: وإن كان شيئاً قليلاً يسيراً يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « وإن كان قضيباً من أراك» والحديث رواه أيضاً الإمام مالك في الموطأ ومسلم والنسائي وآخرون من حديث أبي أمامة رضي الله عنه .
5) روى الشيخان وغيرهما عن طريق أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً فيها أبداً ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً فيها أبداً ومن نزل من جبل فقتل نفسه فهو ينزل في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً )) .
6) روى مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وأن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا».
وهناك روايات صحيحة أخرى ذكرها الشيخ الخليلي -أبقاه الله- في كتابه الحق الدامغ تدل على الخلود بالنص عليه وتارة بالجمع بينه وبين التأبيد، وأخرى بالتوعد بحرمان الجنة أو حرمان شم ريحها ونذكر منها:
1) أخرج الطبراني وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو قيل لأهل النار أنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا بها، ولو قيل لأهل الجنة أنكم ماكثون فيها عدد كل حصاة لحزنوا، ولكن جعل لهم الأبد».
2) روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة نمام –أي قتّات». (1/22)
صفحة 23
3) روى الشيخان عن سعد وأبكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام».
الباب الخامس : انعكاسات عقيدة الخلود على العمل
انعكاسات عقيدة الخلود على العمل
* مدى انعكاس عقيدة الخروج من النار على أصحابها:
إن أكبر عامل لتخلي المسلمين عن الأوامر والنواهي هي تسرب مثل هذه العقيدة عن أهل الكتاب رغم أن القرآن الكريم يتصدى لها.
فعندما يعتقد هؤلاء أن مجرد الإيمان بالله تعالى يمسح كل شئ ولو ماتوا على الإصرار ترى مدى الضرر المتولد في مستوى قيادة الأمة.
وللشيخ محمد عبده تحليل رائع لما تورثه عقيدة الخروج من النار من الاستبداد والقتل والاستغلال لدى أهل السياسة في كل عصر حيث يقول: « نعم إن أمراء الجور الذين يسفكون دماء من يخالفون أهواءهم، وزعماء السياسة الذين يجعلون من قوانين جمعياتهم اغتيال المؤمن وغير المؤمن بغير الحق لأجل التمتع بماله، كل أولئك الفجار الذين يقتلون مع التعمد وسبق الإصرار، جديرون بأن ينالوا الجزاء الذي توعدت به الآية (النساء 93) من الخلود في النار، ولعنة الله وغضبه وعذابه العظيم الذي لا يعرف كنهه سواه عزوجل ، لأنهم وإن كانوا فيهم من يعدّون في كتب تقويم البلدان ودفاتر الإحصاء وسجلات الحكومة من المسلمين –ليسوا في الحقيقة من المؤمنين بالله وبصدق كتابه ورسوله في ما أخبرا به من وعيده على القتل وغيره، فهم لا يراقبون الله في عمل، ولا يخافون عقابه على ذنب)).
ويبين محمد عبده كذلك أن من أسباب انحلال المسلمين جرأتهم على قتل بعضهم البعض ومرجع ذلك إلى اعتقاد عدم الخلود. «من فضّل شهوة نفسه الخسيسة الضارة على نظر الله وعلى كتابه ودينه ومصلحة المؤمنين بغير شبهة ما فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة» .
الآثار المعنوية لمن يعتقد الخلود في النار لأهل الكبائر : (1/23)
صفحة 24
إن كتب التاريخ التي رمت الإباضية بأنهم أهل البدع والأهواء والنحل بسبب مخالفتهم لغيرهم في فهم النصوص لم تستطع أن تخفي إعجابها بسلوكهم واستقامتهم وكثرة خشوعهم في تلاوة القرآن الكريم وبأمانتهم في نقل الحديث.
وكيف لا يستقيمون على أوامر الله ورسوله وهم يعلمون أن معصية الله ومعصية الرسول عقوبتها الخلود في النار؟! بل كيف لا يتصفون بالأمانة في نقل الحديث وهم يعلمون أن الكاذب على الرسول صلى الله عليه وسلم مخلد في النار؟!
* أثر عقيدة الخلود في فقه العبادات والمعاملات والسلوك:
لقد عرف الإباضية أنه لا خلف في الوعيد فيأخذون بالأحوط في عباداتهم ومادام النص واضحاً في توعد من لا يستبرئ من البول فهم أوجبوا الجمع بين التنشيف والغسل.
* أثر عقيدة الخلود في باب الفتاوى:
فمن ذلك انتشار مبدأ أداء الكفارات وتحريم استعمال الدخان ولم يقل واحد من الإباضية فيها بالكراهة أو التحليل كما فعل كثير من فقهاء المذاهب الأخرى.
* أثر عقيدة الخلود في مستوى التعامل المادي والأخلاقي:
إن من يعتقد أن القليل من متاع الناس يورث الخلود في النار لا يمكن أن يقبل على أخذه (1) 0
--------------------------------------------------------------
(1) البعد الحضاري-الجعبيري ص 760-762.
الخاتمة
وفي الختام لي كلمة، وهي إنني لا يسعني إلاّ أن أتقدم إليكم بالشكر الجزيل على قراءة هذا البحث المتواضع الذي هو بعنوان «خلود أهل الكبائر في النار بين المؤيدين والمعارضين» والذي تناولت فيه الحديث عن:
-الجذور التاريخية لهذه القضية.
-اختلاف الفرق الإسلامية والاتجاهات التي اتجهت لها كل فرقة.
-مناقشة الأدلة (أدلة منكري الخلود، بيان أدلة المؤيدين).
-الآثار المعنوية أو قل (انعكاسات العقيدة على العمل).
والله أسال العون والتوفيق والسداد والتأييد والنصرة في إبطال الباطل ومناصرة الحق، والحق واضح وأقرب من كل قريب.
وصدق من قال: (1/24)
صفحة 25
هذا ما أردت قوله، فإن أصبت فبفضل من الله ومنّه، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
العبد الفقير الضعيف الراجي رحمة مولاه القدير
هلال بن صالح الهاشمي
ذو الحجة / 1421هـ
قائمة المصادر
قائمة المصادر والمراجع
1- القرآن الكريم.
2- شرح الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع بن حبيب) للعلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي -رحمه الله– الطبعة الثانية، مكتبة الاستقامة سلطنة عمان.
3- تفسير المنار - محمد رشيد رضا، دار المعرفة – بيروت – الطبعة الثانية.
4- في ظلال القرآن – سيد قطب – الناشر دار الشروق.
5- البعد الحضاري للعقيدة الإباضية- فرحات الجعبيري-1987م.
6- مشارق أنوار العقول للعلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي -رحمه الله– تعليق سماحة الشيخ أحمد الخليلي الطبعة الأولى – دار الجيل.
7- تمهيد قواعد الإيمان للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي – الجزء الثاني 1407هـ/1986م.
8- مجلة جبرين لقاء العدد مع الشيخ أحمد الخليلي 1404هـ/1984م.
9- هيميان الزاد للشيخ القطب محمد يوسف أطفيش.
10 - الحق الدامغ – للشيخ أحمد الخليلي.
11- الوثيقة في البحث عن الحقيقة تحقيق/ فوزي بن يونس بن حديد. (1/25)