صفحة 1
الكتاب: دروس في أصول الدين لمصطفى شريفي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله
دروس أصول الدين للسنة الأولى ثانوي
تأليف: مصطفى بن محمَّد شريفي
معهد الحياة
ملاحظة:
- من وجد فيها أي خطأ مهما كان فالرجاء إبلاغنا به، على العنوان الآتي: mucherifi@yahoo.fr
المحاور المقترحة
1 - مُقَدِّمَة حول علم أصول الدين:
? تعريف بأهم أسمائه.
? موضوعاته.
? أهميته.
2 - مفاهيم أساسية:
? الإسلام والإيمان. (وفيه: طرق الإيمان: النظر العقلي، التدبر في الكتاب المسطور، والتأمل في الكتاب المنظور. العلم الحديث والإيمان).
? جملة التوحيد وتفسيرها.
? ما يسع جهله وما لا يسع.
3 - قواعد منهجية في التعامل مع قضايا العقيدة:
? بما أنَّ قضايا العقيدة قطعيَّة فإنه يجب أن تكون الأدلة المعتمدة، والمنهج المتبع يقينيَّين قطعيَّين. قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36). والظنُّ مرفوض في مجال العقيدة قال تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمُ إِلاَّ ظَنًّا اِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (يونس: 36). وينبغي أن لا يكون الإيمان عن مجرد التقليد والاتِّباع.
? النفي أحوج إلى الدليل من الإثبات؟؟؟.
? النصوص فيها القطعي والظني.
? الحديث الآحادي لا يفيد اليقين، يُعمل به في الفقه، وقد يستأنس به في العقيدة، ولكن لا يُعتمد عليه وحده.
? عدم التصور والتخيل لا يعني عدم الوجود. (1/1)
صفحة 2
? عجز الأسلوب البشري عن التعبير الدقيق عن قضايا الغيب، وبخاصة ما يتعلق بذات الله تعالى (1) .
خصائص العقيدة الإسلاميَّة :
? الربانية.
? الشمولية.
? الواقعية.
? الوضوح.
? التوازن.
روح العقيدة الإسلاميَّة :
? الإخلاص.
? الخوف والرجاء.
? المن والدلائل.
? التوكل.
وجود الله تعالى:
? الفطرة.
? أدلة العقل.
وحدانية الله تعالى:
? أدلة الوحدانية، عقلا ونقلا.
تنزيه الله تعالى:
? تنزيهه عن الحلول في الأزمنة والأمكنة.
أسماء الله تعالى وصفاته:
? معنى إحصاء أسماء الله تعالى.
? تقسيم صفات الله تعالى.
?
الإيمان بالملائكة
? التعريف
? صفاتهم
? وظائفهم
? الآثار التَّربَوِيَّة للإيمان بالملائكة
الإيمان بالكتب
? أَوَّلاً : تعريف الكتب والصحف
? ثانيا : وجوب الإيمان بالكتب
? ثالثا: الوحي (إمكانيته، ضرورته، طرقه)
? رابعا: عدد الكتب والصحف
? خامسا: خصائص الكتب والصحف
? سادسا: القرآن الكريم
? أ- تعريف القرآن الكريم
? ب- إعجاز القرآن الكريم
الإيمان بالأنبياء والرسل
? تمهيد
? وجوب الإيمان بالأنبياء والرسل
? التعريف اللغوي
? التعريف الاصطلاحي
? وظائف الأنبياء والرسل
? صفات الأنبياء والرسل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله
تعر يف عام بعلم أصول الدين وأهميته
تمهيد
__________
(1) ... قال الشيخ البوطي: «ولا ريب أنَّ ساحة التعبير تدِقُّ أمام الإنسان عندما يريد أن يتحدَّث عن الله وصفاته وأفعاله، ويخوض في دقائق المسائل الإلهيَّة؛ إذ إنَّ كثيرا من الألفاظ لا تصلح للتعبير بها في هذا المقام، بسبب أنها مصوغة للدلالة على حدود وأبعاد وتحيُّزات هي في جملتها عوارض للمخلوقين». البوطي: كبرى اليقينيَّات الكونية، ص8. (1/2)
صفحة 3
أصول الدين هي أَوَّل ما يجب عَلَى المُكَلَّف معرفته، إذ لا يُعبد الله تَعَالىَ عن جهل أو شكٍّ. وَلاَ بُدَّ أن تكون العقيدة راسخة في القلب. ونظرا لأهميتها فقد بقي النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، في مَكَّة ثلاثة عشر عاما وهو يدعو النَّاس إلى عبادة الله وحده ونبذ الشرك.
والمرجع الأساس في أصول الدين: هو النصوص القطعية من القرآن الكريم، وَالسُّنَّة النبويَّة، والنظر العقلي في غير الأمور الغَيْبِيَّة.
وتطلق عَلَى علم أصول الدين أسماء أخرى، منها: «علم العقيدة»، «علم التوحيد»، «علم الكلام»، «الفقه الأكبر»، «علم النظر والاستدلال» (1). نكتفي بتعريف بعض منها.
تعريفات:
1 - علم أصول الدين:
العلم: هو الإدراك الجازم المطابق للواقع.
الأصول: جمع أصل، وهو ما يبنَى عَلَيْهِ غيره، سواء أكان حسِّيًّا أم معنويًّا.
الدين لغة: هو الجزاء: {مَلِكِ يَومِ اِلدِّينِ}. والطاعة، فيقال: دنت له. والعادة والشأن، فيقال: هذا ديني وديدني.
والدين اصطلاحا: هُوَ ما شرعه الله تَعَالىَ عَلَى لسان نبيِّه من الأحكام. وهو نظام شامل لكلِّ نواحي الحياة.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا العلم «أصول الدين» لأَنَّ الدين كلَّه مبنيٌّ عَلَيْهِ صحَّة وفسادا، فلا دين لمن لا اعتقاد له.
2 - علم العقيدة:
__________
(1) ... من الباحثين المعاصرين من يفرِّق بين علم التوحيد أو العقيدة أو أصول الدين من جهة، وبين علم الكلام من جهة أخرى، تمييزا للثابت اليقيني الذي لا خلاف فيه بين المسلمين عَمَّا وقع فيه الخلاف.
... عرِّف الاستدلال بِأَنَّهُ: العَمَلِيَّة العَقلِيَّة التي ينتقل فيها الفكر الإنسانيُّ من قَضِيَّة أو قضايا معلومة، أي نعرف حكمها، إِلىَ قَضِيَّة أخرى مجهولة، يُراد معرفة الحكم فيها. وَسمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّ غالب مباحثه تشتمل عَلَى الاستدلال العقلي أو النقلي.
... وعرِّف علم الكلام بِأَنَّهُ: «علم يقتدر معه عَلَى إثبات العقائد الدِّينِيَّة بإيراد الحجج ودفع الشُّبه». (1/3)
صفحة 4
العقيدة لغة: من العَقْد: نقيض الحلِّ. نقول: عَقَدَ الحَبلَ بمعنى شدَّه. ثم استعمل في التصميم والاعتقاد الجازم.
واصطلاحا: هي مجموع القضايا التي اطمأنَّ إِلَيْهَا القلب وسلَّم بها، وصدَّق بها العقل تصديقا جازما، لا يمازجه شكٌّ ولا ريب. وهي قد ترادف الإيمان بالأركان الستَّة الآتي ذكرها، وبكل ما يتعلق بها.
3- علم التوحيد:
التوحيد لغة: يقال: وحَّد وأَحَّد كما يقال: ثنَّى وثلَّث... ويعني الحكم بأنَّ الشيء واحد.
واصطلاحا: هو: «تجريد الذات الإِلهِيَّة عن كُلِّ ما يُتصوَّر في الأفهام، ويُتخيَّل في الأوهام والأذهان...». أو هو: «إثبات وحدانيَّة الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، واعتقاد كماله، وتنزيهه عن كلِّ صفات النقص».
وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّ توحيد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أهمُّ مسائل هَذَا العلم، فما من رسول إلا ويبدأ دعوته بتقرير التوحيد: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ} (1) .
موضوعات علم أصول الدين:
__________
(1) ... سورة الأعراف: 59، 65، 73، 85. سورة المؤمنون: 50، 61. (1/4)
صفحة 5
موضوعات علم أصول الدين هي أركان الإيمان الستَّة وما يتعلَّق بها، والتي لخصها حديث جبريل عَلَيهِ السَّلاَمُ: «قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فَجَاءَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فَأَلْزَقَ رُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: فَمَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ. قَالَ: فَمَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ... » (1).
__________
(1) ... وَبَقِيَّة الحديث: « ... قَالَ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَتَعَجَّبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ. قَالَ: فَمَا أَمَارَتُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ أَصْحَابَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلاَثٍ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ مَعَالِمَ دِينِكُمْ». مُتَّفَق عَلَيْهِ، واللفظ للترمذي، كِتَاب الإيمان عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، باب وصف جبريل للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم الإيمان والإسلام، رقم 2610. (1/5)
صفحة 6
ولبعض العلماء المعاصرين تقسيمٌ لهذا العلم وفق محاور كبرى: نَظَرِيَّة المعرفة (العلم والجهل وأقسامهما)، الإلهيَّات، النبوَّات، الغيبيات (أو السمعيَّات)، الإنسانيَّات. ومنهم من يضيف «الكونيَّات».
أَهَمِّيَّة علم أصول الدين:
أ- تتمثل أهمية هذا العلم وفائدته فيما يأتي:
? الإجابة عن التساؤلات المحيِّرة لبني البشر في كل العصور، وهي: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ وبالتالي: اكتساب التصور الصحيح للكون والحياة والإنسان، والوجهة الصحيحة لتحمُّل الأمانة في هذه الحياة.
? معرفة الإنسان قدر نفسه، فلا يتطاول بعقله، ولا يطغى بقوته، ويتواضع حين يستشعر عبوديته لله وافتقاره إليه.
? الترقِّي من حضيض التقليد إِلىَ ذروة اليقين.
? إرشاد المسترشدين بإيضاح الحُجج.
? حفظ الدين من أَن تزلزله شُبَه المبطلين، بإقامة الحُجج عَلَيْهِم.
? تقويم سلوك الإنسان، في علاقته بِاللهِ، وبالناس، وبالكون (حيوان، نبات، بيئة...). (1/6)
صفحة 7
? صِحَّة النية والاعتقاد، إِذ بها يرجى قبول العمل؛ فَإِنَّ الله لا يقبل أيَّ عمل بدون اعتقاد صحيح، {وَمَنْ يَّبْتَغِ غَيْرَ الاِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85) ، ومهما فعل صاحب المعتقد الخاطئ من خير فلن ينفعه (1) .
? الفوز بسعادة الدارين.
ب- أهمية العقيدة في التصوير القرآني:
__________
(1) ... مثلا: الأم تيريزا، البابا يوحنا بولس الثاني، ديانا... المنظمات الإِنسَانِيَّة غير المسلمة، كمنظَّمة الإغاثة الدولية، الصليب الأحمر، أطباء بلا حدود، منظمات حقوق الإنسان، منظمات المحافظة عَلَى البيئة، كُلُّهَا أعمالها خيرية، وَلَكِنَّ الله تَعَالىَ يقول في أمثالها: {مَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمُ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيَاحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَالِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ} (إبراهيم: 18) ، {وَالذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابِ بِقِيعَةٍ يَحْسِبُهُ الظَّمْئَانُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ اِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} (النور: 39 ـ 40) ، {وَقَدِمْنَآ إِلىَ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا} (الفرقان: 23) . (1/7)
صفحة 8
قال تعالى في شأن كلمة التوحيد: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ اَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الاَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الاَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ} (إبراهيم: 24 ـ 27).
جاء في الحديث أنَّ الشجرة الطيبة هي النخلة (1)، وهي مَثَلٌ للمؤمن، في صلاح أعماله، وعموم نفعه.
أصلها ثابت: إشارة إلى يقينه الراسخ، وعقيدته الثابتة. قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} (الحجرات: 15).
__________
(1) ... عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كنا عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال أخبروني بشجرة تشبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ولا ولا ... تؤتي أكلها كل حين. قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: هي النخلة، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تُكلِّم؟ قال: لم أركم تُكلِّمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إليَّ من كذا وكذا. البخاري: كتاب .......... باب قوله: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ اَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ}، رقم4421، ج4/ص1735. (1/8)
صفحة 9
وفرعها في السماء: إشارة إلى علوِّ مكانة عمله وقبوله، وعلوِّ قدره عند الله، وإلى عزة المؤمن وشموخه. {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا اِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (فاطر: 10) ، {وَأَنتُمُ الاَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّومِنينَ} (آل عمران: 139) .
الأُكْلُ: العمل الصالح (قولا وفعلا)، ونيل الثواب.
اجتثت من فوق الأرض: اقتلعت من جذورها، وهي مَثلٌ لكلمة الكفر وصاحبها، لا خير فيه، ولا نفع، ولا يرتفع له عمل ولا شأن. ولا يستقر على حال، فهو دوما مضطرب شقيٌّ، دنيا وأخرى.
وبما أَنَّ موضوع العقيدة أهمُّ الأمور وأعلاها، وغايته أشرف الغايات وأجداها، ودلائله يقينيَّة فهو إذن أشرف العلوم وأسماها.
المراجع:
- عبد العزيز الثميني (ت: 1223هـ): معالم الدين، ص5 وما بعدها.
- السالمي نور الدين: مشارق أنوار العقول، 26-32.
- السالمي، نور الدين أبو محَمَّد عبد الله بن حميد السالمي: بهجة الأنوار شرح أنوار العقول في التوحيد، ص12.
- د.محمَّد رواس قلعة جي، د.حامد صادق قنيبي: معجم لغة الفقهاء، ص318، مَادَّة: «عقد».
- البوطي: كبرى اليقينيَّات الكونيَّة، ص64-74.
النشاط الدراسي:
ترسم النخلة في الكراس مع البيانات القرآنيَّة، وما يرمز إليها كلٌّ من: الأصل، والفرع، والأكل، والتربة (القلب اللين لذكر الله)، وسقيها بالذكر والتدبر في الكتاب المسطور والكتاب المنظور.
مفاهيم أساسية
أولا : الإسلام
1- تعريف الإسلام:
الإسلام لغة: هو الخضوع والطاعة والإذعان والانقياد والاستسلام، عموما.
الإسلام اصطلاحا: هو الخضوع وو.... لله تعالى وحده، اعتقادا وقولا وعملا. أو هو الوفاء بجميع الواجبات الدينية، اعتقادية كانت أم قوليَّة أم عمليَّة. وهو بهذا المعنى مرادف للإيمان.
وقد يُتجوَّز في إطلاق لفظة المسلم على الموحِّد عموما، سواء أكان موفِّيا أم غير موفٍّ. (1/9)
صفحة 10
2- أهمية الإسلام:
الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده، ولا يقبل منهم دينا غيره، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الاِسْلاَمُ} (آل عمران: 19) ، وقال: {وَمَنْ يَّبْتَغِ غَيْرَ الاِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85) .
وقد تكررت لفظة الإسلام على لسان الأنبياء قبل سيدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، منها قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَوْصَى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (البقرة: 131 ـ 132) .
والإسلام هو النظام الشامل لكلِّ جوانب الحياة: الدينيَّة والأخلاقيَّة والعلميَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة... قال تعالى: {قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 162 ـ 163) .
والإسلام هو السبيل الوحيد للسعادة والفوز في الدارين.
3- أركان الإسلام وقواعده:
لقد حدَّد حديث جبريل عليه السلام أركان الإسلام في خمسة، وقد سبق ذكره.
وقد اجتهد علماء الإباضيَّة، فوضعوا للإسلام أركانا أربعة، وهي: الاستسلام لأمر الله، والرضا بقضاء الله، والتوكل على الله، والتفويض إلى الله. ووضعوا له قواعد أربعة، وهي: العلم والعمل والنية والورع (1) .
ثانيا: الإيمان
1- تعريف الإيمان:
__________
(1) ... هذه تسمية عمرو بن جميع في عقيدة التوحيد وتبعه شُرَّاحها. وهنالك من يستبدل بلفظة «الإسلام» لفظة: «الدين»، فيقول: قواعد الدين وأركان الدين. كالشيخ إسماعيل الجيطالي في قواعد الإسلام، 1/287-341. والقطب اطفيش في الذهب الخالص، ص72-75، 78-80. (1/10)
صفحة 11
الإيمان لغة: هو التصديق.
الإيمان اصطلاحا: له نفس المعنى الاصطلاحي للإسلام.
2- شروط الإيمان:
يشترط في صحة الإيمان أن يستكمل كلَّ الشروط الثلاثة: التصديق والقول والعمل.
1- فالتصديق بالجنان (أي القلب): هُوَ الإيمان بِالله ورسوله *، وبما جاء به.
2- والقول باللسان: وَهُوَ الإقرار بالجمل الثلاث: شهادة أن لا إله إِلاَّ الله وَأَنَّ محَمَّدًا رسول الله وَأَنَّ ما جاء به حقٌّ من عند الله. وَهُوَ شرط لإجراء أحكام المسلمين عَلَى الناطق بها.
3- والعمل بالأركان: وَهُوَ الإتيان بالفرائض واجتناب المنهيَّات. وَهُوَ شرط لنيل الثواب والنجاة من العقاب.
قال رسول الله * : « الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً- فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» (1) .
3- زيادة الإيمان ونقصانه وضعفه :
- الإيمان يزيد بفعل الطاعات، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ ءَاياتُهُ زَادَتْهُمُ إِيمَانًا} (الأنفال: 2) .
__________
(1) ... رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان، 1/63، رقم35. (1/11)
صفحة 12
- الإيمان لا ينقص بترك العمل الواجب بل ينهدم بارتكاب الكبائر، بدليل قوله * : «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ...». (1) .
- الإيمان قد يضعف بسبب فتور الاجتهاد في الطاعات.
4- طرق الإيمان :
لإثبات الإيمان وترسيخه في القلب طرق ثلاثة: الفطرة، والعقل، والوحي.
أ- الفطرة:
الفطرة هي وعي في أعماق الإنسان، يدفعه إلى البحث عن الإله، وعن طقوس عبادته.
قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (الروم: 30) .
إنَّ التديُّن أمر فطريٌّ في الإنسان، فقد نجد مجتمعات دون فنون ولا فلسفات... ولكن لا نجد مجتمعا دون معابد وطقوس.
__________
(1) ... رواه الربيع بن حبيب بزيادة: «ومن تاب تاب الله عليه». الجامع الصحيح، 4/276، رقم983. ورواه البخاري وابن ماجه بزيادة: «ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن». البخاري: كِتَاب المظالم والغصب، 2/875، رقم2343. ابن ماجه: السنن، كِتَاب الفتن، حديث 3936، ج2/ ص1298. (1/12)
صفحة 13
وتتجلَّى الفطرة عند الشدائد، فإنَّ المضطرَّ حينئذ (مهما كان كفره) لا يلتجئ إلا إلى الله وحده، كما قال تعالى: {هُوَ الذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمُ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنَ اَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّآ أَنجَاهُمُ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم...} (يونس: 22 ـ 23) .
ب- العقل:
يستطيع العقل أن يدرك عظمة الله من خلال آثاره؛ لذلك فقد دعا القرآن الكريم والرسول الأمين * إلى التأمُّل في الآفاق وفي الأنفس، {وَفِي أَنفُسِكُمُ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} (الذاريات: 21)، {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ التِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ ءَلاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة: 164) . والاكتشافات العلمية الحديثة تزيدنا إيمانا ويقينا.
ولكنَّ العقل محدود القُوَى؛ لذا يستحيل أن يدرك كُنْهَ الله (أي حقيقته)؛ وقد روي عن رسول الله * أنه قال: «تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ...» (1) .
جـ- الوحي:
__________
(1) ... الربيع، ج3، بَاب [5] السُّنَّةِ فِي التَّعْظِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فِيمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى * وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، رقم 823. (1/13)
صفحة 14
بما أنَّ عقلنا محدود، فإنَّ الوحي يخبرنا بما لا نتوصَّل إليه بالعقل فقط، كالغيبيَّات (اليوم الآخر، الملائكة...)، وكصفات الله وأسمائه، وشعائر عبادته (1) ، ومقياس الخير والشرِّ، وجواب الأسئلة المحيِّرة للإنسان... فالوحي بالنسبة للعقل كالنور للعين.
5- عوارض الإيمان:
رغم أنَّ التديُّن فطريٌّ، ورغم أنَّ العقل يستطيع أن يتوصَّل إلى الإيمان بوجود خالق عظيم مدبِّر لهذا الكون، إلا أن الإنسان قد تعترضه أمور تنحرف به عن الصواب، منها: الشيطان، هوى النفس، حبُّ الدنيا، الكِبْر، طول الأمد وعدم التذكير والغفلة، هجران القرآن، قرناء السوء، الانسياق الجماعي...
العارض ... الدليل ... طريقة مقاومته
__________
(1) ... لو تُرك أمر العبادة للعقل البشري وحده لضلَّ، ولَعمل أمورا يَظُنُّها تقربا إِلىَ الله بينما هي كفر صراح، أو معصية، مثال ذَلِكَ: عبادة الأصنام التي اعتقد فيها عبَّادها أَنَّهَا تقربهم إِلىَ الله، بدعوى أَنَّهَا طاهرة من كُلِّ معصية، أو أَنَّهَا ترمز إِلىَ عباد صالحين يستشفعون بهم إِلىَ الله. وكالطواف عراة بدعوى التقرب إِلىَ الله عَلَى الهيئة التي خُلقوا بها دون الثياب التي عصوا الله فيها، إِلىَ غير ذَلِكَ مِمَّا تزينه النفس والشيطان من مبررات للمعاصي... (1/14)
صفحة 15
الكِبْر ... {وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلآَئِكَةِ اسْجُدُواْ ءَلاِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلآَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (البقرة: 34)، فالكبر كان ما عُصي الله به. ... تذكُّر أصل الإنسان: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} (المرسلات: 20). وتذكُّر ضآلته أمام عظمة الله الخالق: {أَفَمَنْ يَّخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَّكَّرُونَ} (النحل: 17) (1)
{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (النمل: 14).
الشيطان ... {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلآَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (المجادلة: 19). ... {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأعراف: 200).
(2)
الجهل (3)
__________
(1) ... على المؤمن أن يتذكر أنَّ الكبرياء خاصٌّ بالله تعالى، {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الاَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الجاثية: 36 ـ 37).
(2) ... {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا التِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمُ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلاِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} (الإسراء: 53).
(3) ... آيات حول جهل الإنسان: ... {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (الروم: 6 ـ 7) . ... التسلُّح بالعلم النافع، وأعظم علم هو العلم بالله، {فَاعْلَمَ اَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} (محمَّد: 19).
... {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (تكررت 11 مرة: الأعراف: 187؛ يوسف: 21، 40، 68؛ النحل: 38؛ الروم: 6، 30؛ سبأ: 28، 36؛ غافر: 57؛ الجاثية: 26). {بَلَ اَكْثَرُهُمْ} أو {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (تكررت 15 مرة).
... {أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِي وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلَ اَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ} (الأنبياء: 24).
... {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الاَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} (النمل: 66)
... {وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (الروم: 7)
... {وَقَالَ الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالاِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (الروم: 56).
... {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (الدخان: 38 ـ 39).
... {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الاَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعَ اَهْوَآءَ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} (الجاثية: 18).
... {ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (تكررت 4 مرات: التوبة: 41؛ العنكبوت: 16؛ الصف: 11؛ الجمعة: 9). (1/15)
صفحة 16
الغفلة ... {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالاِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمُ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمُ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَئِكَ كَالاَنْعَامِ بَلْ هُمُ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف: 179). ... {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاَصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} (الأعراف: 205).
ثالثا : جملة التوحيد وتفسيرها
1- جملة التوحيد:
أ- تعريفها:
هي: «شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وأنَّ ما جاء به حقٌّ من عند الله». ومعناها: أُقِرُّ وأعتقد جازما بلا شكِّ ولا ريب أن لا معبود بحقٍّ إلا الله...إلخ.
وتسمَّى أيضًا: كلمة الإخلاص، وكلمة الشهادة، وسمَّاها القرآن الكريم: كلمة التقوى، والكلمة الطيِّبة، والقول الثابت، والطيِّب من القول...
وسمَّاها الإباضيَّة بالجملة لأنَّها العبارة التي يُتلفَّظ بها عند الدخول في الإسلام، ولشمولها كلِّيَّات الإيمان.
وأهل الجملة هم كلُّ من نطق بالشهادتين، موفِّيا كان أم غير موفٍّ، أي الموحِّدون.
ب- وجوبها :
هي أوَّل ما يجب على المكلَّف معرفته. ومن جاء بالجملة كاملة، وجاء بالعمل، كمُل توحيده، ومن أنكرها، أو أنكر أيَّ جزء منها فقد أشرك. ودليل وجوبها قوله تعالى: {فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الذِي أَنزَلْنَا} (التغابن: 8) .
ويجزئ في التوحيد النطق بالجزءين الأوَّلين من الجملة؛ لأنَّ الإيمان بالرسول * يقتضي التصديق بما جاء به.
جـ- فضلها : (1/16)
صفحة 17
قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلآَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران: 18) . وقدَّم كلمة التوحيد على الاستغفار إذ قال: {فَاعْلَمَ اَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ} (محمَّد: 19) .
وقال * : «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» (1) .
د- أحكامها :
كلُّ من نطق بها فهو معصوم الدم والمال والعِرض، قال * : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا» (2) . ويصلَّى خلفه، ويصلَّى عليه إذا مات، قال *: «الصَّلاَةُ جَائِزَةٌ خَلْفَ كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِرٍ، وَصَلُّوا عَلَى كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِرٍ». (رواه الربيع، ج3/ رقم 776).
2- تفسير الجملة :
المراد بتفسير الجملة تفصيل أجزائها، وهو منقسم إلى قسمين:
أ- التفسير الاعتقادي:
هو ما تُعبِّدنا باعتقاده من تفاصيل الإيمان؛ كصفات الله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، والخوف والرجاء، والولاية والبراءة والوقوف.
__________
(1) ... رواه الترمذي وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ هَذَا الْحَدِيثَ». كتاب الدعوات، باب ما جاء أنَّ دعوة المسلم مستجابة، رقم 3383.
(2) ... رواه الربيع، في كِتَاب الْجِهَادِ بَاب [17] جَامِع الْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، رقم 464. والبخاري في كتاب الإيمان، باب {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم}، رقم 25. (1/17)
صفحة 18
ب- التفسير العملي:
هو الوفاء بكلِّ ما تستلزمه عقيدة التوحيد من الأعمال الصالحة، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي.
رابعا : ما يسع جهله وما لا يسع
أ- ما لا يسع جهلُه :
ما لا يسع جهله هو العلم الواجب في دين الله تعالى، ولا يُعذر جاهلُه من الاعتقادات كجملة التوحيد وتفسيرها.
والإيمان بوجود الله تعالى مما لا يسع جهله طرفة عين.
ب- ما يسع جهلُه :
أي ما يُعذر المكلَّف في الجهل به. وهو ثلاثة أنواع :
1- ما يسع جهله ما لم تقم الحجَّة، وذلك كمعرفة نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة، ومن أنكره أو شكَّ فيه بعد قيام الحجَّة فقد أشرك.
2- ما يسع جهله إلى حين مجيء وقته، وذلك كالفرائض الموقوتة، من صلاة وزكاة وصيام وحج، فيعذر المكلَّف في جهلها ما لم يَحِنْ وقتها.
3- ما يسع جهله أبدًا، وذلك كالعلوم التي هي فروض كفائية، (مثل: علم المواريث، وأحكام القصاص)، وكالجهل بالمعاصي (مثل الربا).
ويشرط في ما يسع جهله ما يأتي:
- أن لا ينكر شيئًا منها إذا قامت عليه الحجَّة. - أن لا يتقوَّل فيها الكذب، فيحلِّل الحرام، أو يحرِّم الحلال.
- أن لا يقترف معصية منها.
وإن فعل شيئًا من ذلك فهو غير معذور.
________________
المرجع: كتاب قواعد الإسلام: معرفة ما لا يسع جهله طرفة عين: 1/295؛ ما لا يسع جهله إلى الورود: 296؛ ما يسع جهله أبدا: 298.
قواعد منهجيَّة في التعامل مع قضايا العقيدة
القاعدة الأولى: «العقيدة لا تبنى إلا على اليقين»:
قضايا العقيدة قطعيَّة يقينية لا شكَّ فيها، فقد قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36) . والظنُّ مرفوض في مجال العقيدة قال تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمُ إِلاَّ ظَنًّا اِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (يونس: 36) . وينبغي أن لا يكون الإيمان عن مجرد التقليد والاتِّباع.
لذلك فإنه يجب: أن تكون الأدلة المعتمدة، والمنهج المتبع يقينيَّين قطعيَّين. (1/18)
صفحة 19
أما الأدلة فمنها النقليَّة، ومنها العقليَّة.
فالنقلية تشمل القرآن والسنَّة.
فأما نصوص القرآن الكريم فهي قطعيَّة لا شكَّ أنها من عند الله. وأما نصوص السنَّة فمنها القطعيُّ المتواتر، ومنها الآحاديُّ، وهو لا يفيد اليقين، يجب العمل به في الفقه، وقد يستأنس به في العقيدة، ولكن لا يُعتمد عليه وحده.
والمنهج يجب أن يكون قطعيًّا، أي سليما من المغالطات، ومن سوء الفهم.
ونوضح ذلك في الشكل الآتي (في الصفحة الموالية):
القاعدة الثانية: «خبر الآحاد يوجب العمل ولا يوجب العلم»:
الحديث الآحاديُّ قسم من أقسام الحديث الصحيح. وهو ما اتصل سنده إلى النبيِّ *، غير أنه لم يستوف شروط المتواتر. ويُدرج بعض العلماء الحديثَ المشهور ضمن الخبر الآحادي أيضًا.
خبر الواحد يفيد الظنَّ، فيؤخذ به في الفقه، ولكنه لا يوجب اليقين؛ فلا يؤخذ به لإثبات العقيدة؛ نظرا لما يأتي :
1- إنَّ احتمال الخطأ والوهم قائم وإن كان مرجوحا؛ فالسنَّة النبوية لم تدوَّن إلا بعد زهاء قرن من وفاة الرسول *.
2- إنَّ الأخذ بالآحادي في الاعتقاد يُلزم القطع بالنقيضين عند تعارض الأخبار، وهو مستحيل. كتعارض الأحاديث التي تثبت رؤية الله يوم القيامة، فمنها ما يوحي بأنها في المحشر للمؤمنين والمنافقين، ومنها ما يفيد أنها في الجنة للمؤمنين فقط.
3- إنَّ كثيرا من الأحاديث الآحادية تناقض صريح القرآن ـ وهو متواتر ـ كأحاديث إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، أو أحاديث الخروج من النار.
ورغم أنَّ الحديث الآحاديَّ ظنيُّ الثبوت، فإنَّ الإباضيَّة يقبلونه في الاعتقاد للاستئناس فقط، لا للإثبات، ما لم يعارض دليلا أقوى منه.
رسم بياني يوضح منهج التعامل مع الأدلة في الشرع عمومًا، وفي العقيدة خصوصًا
_______________________________________________________
القاعدة الثالثة: «عدم التصور أو التخيل لا يعني عدم الوجود» : (1/19)
صفحة 20
إنَّ العقل البشريَّ لم يصل إلى إدراك حقيقة كثير من الأشياء التي يعايشها ويؤمن بها، ومنها الروح التي يحيى بها، ومع ذلك لا يستطيع إنكار وجودها. فكذلك لا يمكن له إنكار وجود الله تعالى لمجرَّد أنه لم يتمكَّن من إدراك حقيقته، وهكذا يمكن القول في جميع القضايا الغيبية.
القاعدة الرابعة: «الأسلوب البشري عاجز عن التعبير الدقيق عن قضايا الغيب»:
إنَّ التعبيرات البشريَّة محدودة بالزمان والمكان، وبإدراك الحواس، لذلك فإنَّ كثيرا من الألفاظ لا تصلح للتعبير الدقيق عن قضايا الغيب، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بدقائق المسائل الإلهيَّة (1) .
خصائص العقيدة الإسلامية
خصائص العقيدة الإسلامية هي الأمور التي تمتاز بها عن غيرها من العقائد.
وأُولى هذه الخصائص هي: الربَّانية؛ وتتفرَّع عنها الخصائص الأخرى وهي: الموافَقة للعقل وللفطرة، الشموليَّة، الوضوح، التوازن.
1- الرَّبَّانيَّة :
أ- التعريف:
الربَّانيُّ هو المنسوب إلى الربِّ جلَّ جلاله، قال تعالى: {...كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} (آل عمران: 79) ، أي متَّبعين لأوامره في عقيدتكم وتشريعاتكم وسلوككم.
وكون العقيدة ربَّانيَّة من جهتين: المصدر والغاية:
__________
(1) ... قال الشيخ البوطي: «ولا ريب أنَّ ساحة التعبير تدِقُّ أمام الإنسان عندما يريد أن يتحدَّث عن الله وصفاته وأفعاله، ويخوض في دقائق المسائل الإلهيَّة؛ إذ إنَّ كثيرا من الألفاظ لا تصلح للتعبير بها في هذا المقام، بسبب أنها مصوغة للدلالة على حدود وأبعاد وتحيُّزات هي في جملتها عوارض للمخلوقين». البوطي: كبرى اليقينيَّات الكونية، ص8. (1/20)
صفحة 21
- أما مصدر العقيدة الإسلاميَّة فمن عند الله تعالى. وهي العقيدة السماويَّة الوحيدة الباقية على أصلها الربَّانيِّ لم تحرَّف، لأن الله عزَّ وجلَّ تكفل بحفظ أصلها الأوَّل، إذ قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9) ، وقال تعالى عن أصلها الثاني وهو الرسول * : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3 ـ 4) .
- أما غايتها، فهي تحقيق عبودية الإنسان المطلقة لله عزَّ وجلَّ، ونيل مرضاته، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56) .
ب- أهمية هذه الخاصِّيَّة:
1- أنها تحمل الكمال، لأن الله تعالى متصف بالكمال المطلق.
2- أنه لا يمكن أن يعتريها شيء من الباطل مطلقا، كما قال الله تعالى عن كتابه العزيز: {لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصِّلت: 42) .
3- أنها تحقق عمارة الكون لأنها صدرت من الخالق، وهو أعلم بما يصلح لمخلوقاته؛ قال تعالى: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك: 14) . بخلاف غيرها من العقائد البشريَّة فإنها قاصرة بحسب الأفهام والمدارك المحدودة لأولئك البشر وبحسب أهوائهم.
ج- نتيجة هذه الخاصِّيَّة:
1- أن يسلِّم المؤمن بما ورد في النصوص، ولا يقحم العقل في مناقشة ما لا يمكن له التوصُّل إلى تصوُّره، بغير دليل شرعيٍّ أو حسِّيٍّ.
2- أن يكون الشرع هو الحَكَم في كل حياته وسلوكه، قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65) .
3- أن يتحرَّر الإنسان من عبوديته لعدوِّه الشيطان، ولأخيه الإنسان، ولشهوته وماله، فلا عبودية إلا لله وحده. (1/21)
صفحة 22
2- موافقة العقل والفطرة :
العقيدة الإسلاميَّة موافقة لعقل الإنسان وفطرته، ويتجلَّى ذلك فيما يأتي:
أ- في أساسها وهو التوحيد، وهذا موافق للعقل والفطرة؛ فكل ما يخالف التوحيد يصطدم معهما، فمثلا : اعتقاد وجود إلهين يتناقض مع ما نراه من نظام وتناسق بديع في الكون. أو اعتقاد التثليث (الأب وروح والقدس والابن المسيح عيسى) عند النصارى، يعني 3=1 ، وهذا أمر لا يتقبَّله العقل!.
ب- في محاربة الخرافات والأباطيل التي قد يأخذها المرء بالتقليد الأعمى للسابقين أو الضالِّين، وإثبات الحقائق الإيمانيَّة بالبراهين والحجج العقلية والنقليَّة القاطعة.
3- الشموليَّة :
العقيدة الإسلامية شاملة لكل ما يتعلَّق بهذا الكون. فالإيمان بالأركان الستَّة يتناول:
أ- ما يتعلق بالخالق وما يتعلق بالمخلوق.
ب- ما يدركه الإنسان بالحواسِّ كالأنبياء والرسل... وهو عالم الشهادة، وما لا يدركه الإنسان بالحواسِّ، كالملائكة واليوم الآخر، وهو عالم الغيب.
ج- مبدأ الإنسان، ومعاشه، ومصيره.
فالعقيدة الإسلاميَّة تعطينا التصوُّر الصحيح عن كلِّ هذه الأمور.
4- الواقعيَّة:
العقيدة عند الوثنيِّين مادِّيَّة سخيفة لا يقبلها العقل، ولا يؤيِّدها الواقع.
أمَّا العقيدة في الإسلام فهي تلائم الواقع. مثال ذلك :
أ- الله تعالى متَّصف بكلِّ صفات الكمال، كالقدرة، والعلم، والحكمة، والإرادة... وله الأسماء الحسنى، ونحن نرى ونلمس آثار هذه الأسماء والصفات في واقعنا المعيش.
ب- الله تعالى يرشدنا في كثير من الآيات إلى التأمُّل في الكون المحسوس، للوصول إلى توحيد الله وتركيز الإيمان في القلب. والشاعر يقول:
... ... ... وفي كل شيء له آية ... ... تدل على أنه الواحد
5- الوضوح:
العقيدة الإسلاميَّة واضحة المعالم، سهلة التصوُّر، لا خفاء فيها ولا غموض. بخلاف العقيدة في الفلسفة اليونانية : طلاسم وتجريدات لا يفهمها إلاَّ المختصُّون، بل يتخيَّلونها بالتخمين البعيد عن الواقع المحسوس. (1/22)
صفحة 23
وهي واضحة من حيث مبادئها، وأوَّلها توحيد الله تعالى، وتنزيهه عن النقائص والأشباه والشركاء. بخلاف ما عند بعض المجتمعات من عقائد باطلة غامضة، كالتثنية والتثليث (1) ، والنرفانا (2) وتناسخ الأرواح (3) .
وهي واضحة من حيث التكليف ومسؤولية كلِّ إنسان عن عمله. قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (المدَّثِّر: 38) . بخلاف ما عند النصارى، في اعتقادهم أنَّ كلَّ إنسان يتحمَّل وزر خطيئة آدم، وأنَّ المسيح قد صُلب وخلَّص البشريَّة من خطئيتها الأولى.
6- التوازن :
قال تعالى: {وَكَذَالِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143) ، ومظاهر التوازن في العقيدة الإسلامية كثيرة، منها:
- التوازن بين الإيمان بعالم الغيب وعالم الشهادة. خلافا لما عند الماديين قديما وحديثا، المنكرين لما وراء المادة (الميتافيزيقا).
- التوازن في مصادر المعرفة: بين العقل والنقل، أي بين الوحي وبين النظر العقلي.
- التوازن بين الإيمان بمشيئة الله المطلقة وبين ثبات السنن الكونية، أي بين التوكُّل على الله، وبين اتخاذ الأسباب.
__________
(1) ... التثنية: اعتقاد وجود إلهين: إله الخير وإله الشر، الظلمة والنور. والتثليث هو ما عند النصارى.
(2) ... النرفانا: من عقائد الهندوس، وهو الوصول بطريق التعبد بتعذيب النفس إلى الصفاء الروحي.
(3) ... تناسخ الأرواح: من عقائد الهندوس أيضًا، وهو أنه إذا مات الشخص الطيب حلَّت روحه في شخص آخر طيب، وأما السيئ فقد تحلُّ روحه في حيوان... (1/23)
صفحة 24
- التوازن بين سموِّ الروح وسلامة الجسد. أي بين تزكية النفس، كما قال تعالى: {قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} (الشمس: 9) ، وبين أداء الحقوق الواجبة، كما في الحديث: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» (1) .
- التوازن بين العمل للآخرة والعمل للدنيا، قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (القصص: 77) .
الإيمان بِاللهِ تَعَالىَ وصفاته
أَوَّلاً - وجود الله تعالى (2) :
مدخل: وجود الله فطري في الإنسان:
__________
(1) ... هذا من كلام سلمان االفارسي لأبي الدرداء، وقد أقرَّه النبيُّ *. رواه البخاري في كتاب الأدب، باب صنع الطعام والتكلف للضيف، رقم 5788.
... وفي حديث آخر: كان عبد الله بن عمرو بن العاص يبالغ في عبادته، فبلغ خبرُه الرَّسُولَ * ، فقال له: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قَالَ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ»، (رواه البخاري في كِتَاب الجمعة، باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، حديث 1102).
... ... وقوله: «هَجَمَتْ عَيْنُكَ»: أي غارت ودخلت في موضعها. «وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ»: تعبت وكلَّت.
(2) ... من المراجع الهامة في الموضوع: موقف العقل والعلم والعالم من رَبِّ العالمين لمصطفى صبري. وكتاب الإسلام يتحدَّى، وكتاب الدين في مواجهة العلم لوحيد الدين خان. والأَدِلَّة المَادِّيَّة عَلَى وجود الله لمحَمَّد متولي الشعراوي. وكبرى اليقينيات الكونية لمحَمَّد سعيد رَمَضَان البوطي. وكتاب: الله بين الفطرة والدليل لمحَمَّد حسن آل ياسين. (1/24)
صفحة 25
وجود الله تعالى من البداهات التي يدركها الإنسان بفطرته، وليس أمرًا معقَّدا يحتاج إلى التفكير العميق. قال تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} (إبراهيم: 10) ، لذلك كانت مَهَمَّة الرسل الأساسيَّة إثبات الوحدانية، قال عزَّ وجلَّ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ اِلاَّ يُوحَى إِلَيْه أنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25) ؛ فالأمم غالبا ما تؤمن بوجود إله، ولكنها قد لا تهتدي إلى العبادة الصحيحة.
ومع بداهة وجود الله فقد جاءت المدنية الغربية تجادل في وجوده عزَّ وجلَّ.
ب- دليل الخلق:
لم يوجد أحد من البشر ادَّعى خلق الإنسان أو الحيوان أو النبات فضلا عن خلق السماوات والأرض، وكلُّ من ادَّعى الألوهيَّة لم يستطع ادِّعاء ذلك. ومن المقطوع به أنَّ شيئًا لا يحدث من تلقاء نفسه، وقد قرَّر القرآن الكريم هذا الدليل فقال: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ اَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ} (الطور: 35 ـ 36) (1) .
من البدَهي أَنَّ كُلَّ صنعة تَدُلُّ عَلَى وجود صانع، وكلَّ بِنَاءٍ يَدُلُّ عَلَى وجود بَانٍ، وكلَّ كتابة تَدُلُّ عَلَى وجود كاتب...الخ. قيل لأعرابيٍّ: ما الدَّلِيل عَلَى أَنَّ لهذا العالم صانعا؟ فقال: إِنَّ البعرة تَدُلُّ عَلَى البعير، وأثر القدم يَدُلُّ عَلَى المثير، فهيكل علويٌّ بِهَذِهِ اللطافة، ومركز سفليٌّ بهذه الكثافة أَمَا يَدُلاَّن عَلَى الصانع الخبير؟!» (2) .
__________
(1) ... وقال أيضًا: {وَالذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} (النحل: 20) .
(2) ... أبو زكرياء الجناوني: الوضع مختصر في الأصول والفقه، ص 4-5. وحول دَلِيل الحدوث ينظر كَذَلِكَ: بوقلي: الإمام ابن يوسف السنوسي، ص176-183. (1/25)
صفحة 26
ويسمَّى هذا الدليل أيضًا بدليل الإبداع، أو دليل بطلان الرجحان من غير مرجِّح، أي أنَّ ترجيح كفَّة الوجود على كفَّة العدم بدون وجود أيِّ فاعل لهذا الترجيح، يعتبر أمرا باطلا لا يقبله العقل.
ج- دليل العناية:
«لو دخل المرء دارا فوجد فيها غرفة مهيَّأة للطعام، وأخرى للمنام، وأخرى للنظافة، وأخرى للضيافة...الخ لجزم بأنَّ هذا الترتيب لم يتمَّ وحده، وأنَّ هذا الإعداد النافع لا بدَّ قد نشأ عن تقدير وحكمة، وأشرف عليه فاعل يعرف ما يفعل.
والناظر في الكون وآفاقه، والمادَّة وخصائصها، يعرف أنها محكومة بقوانين مضبوطة، ومقادير موزونة، اكتشف بعضها علماء الطبيعة والكيمياء والفيزياء والفلك والبيولوجيا والنبات والحيوان والطب...
وما وصل إليه أولئك العلماء من أسرار العالم يدل دلالة قاطعة على أنه لم يوجد بشكل عشوائي (1) .
قال الله تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} (الرعد: 8) وقال: {وَالاَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} (الحجر: 19 ـ 21) .
د- بطلان الصدفة:
ألا يمكن أن يكون هَذَا الكون قد وجد بالصدفة؟ بحيث إِنَّ ذَرَّات هَذَا العالم اجتمعت فتكونت الجزيئات، ثُمَّ الأجسام، ثُمَّ تَطَوَّرَت حَتَّى صارت عَلَى ما هي عَلَيْهِ الآن؟... الجواب عليه من عدَّة أوجه:
- الأَوَّل: نظرية التطور بهذا الطرح خاطئة، وعَلَى فرض صِحَّتها، يبقى التساؤل مطروحا: من أوجد تلك الذرات؟ ومن الذي حرَّكها وجمع بينها لتكوِّن الأجسام المختلفة؟ مَن غيرُ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ؟
__________
(1) ... ينظر: الغزالي: عقيدة المسلم، 16 - 17. (1/26)
صفحة 27
- الثاني: إِنَّ القول بالمصادفة مصادَمة صريحة للعقل؛ لأن الصدفة يستحيل أن توجد نظامًا. فمثلا: إذا نثرت حروفا مطبعية، وكرَّرت ذَلِكَ ملايين المَرَّات، فهل ستتشكَّل ـ بالصدفة ـ قصيدة بأوزانها وبلاغتها؟... إنَّه أمر مستحيل. وإذا كان هَذَا مستحيلا للقصيدة الصغيرة، فكيف بنظام الكون العظيم الدقيق؟ وما بالك بما ركَّب الله تَعَالىَ في الإِنسَان والحيوان والنبات من نظام عجيب بالغ الإتقان، وأجهزة دقيقة لها وظائف محدَّدة، أيكون كُلُّ هَذَا بمحض الصدفة؟ إِنَّ هَذَا لهو الهذيان بعينه! (1) .
هـ- القرآن الكريم والدعوة إِلَى النظر واستعمال العقل لمعرفة الله:
يأمرنا القرآن الكريم بالتدبًّر في آياتة المنظورة، وآياته المسطورة.
ففي الكون آيات تدلُّ عَلَى وجود الله وعظمته وقدرته، أُمرنا بتدبُّرها: {اَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ...}؟! (الأعراف: 185) .
وفي القرآن الكريم آيات معجزة تدل على صحَّته، وعَلَى وجود الله، قال تعالى: {سَنُرِيهِمُ ءَايَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53). وقد أَمرنا الله بتدبرها فقال: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (النساء: 82) .
ثانيًا : صفات الله تعالى
المنطلق:
__________
(1) ... والصدفة كلام غير علمي، فلو سأل الأستاذ الطالب: لماذا التقى الجسمان المتحركان (أ) و(ب) في نقطة (ج) وأجاب أحد الطلبة بِأَنَّهُ كان صدفة لضحك منه الجميع!! (1/27)
صفحة 28
قَالَ الله تَعَالىَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى: 11). وقال أَيضًا: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ} (سورة الإخلاص). إِنَّ كُلَّ ما يَتَعلَّقُ بصفات الله تَعَالىَ مرجعه إِلىَ هَذِهِ الآيات الكريمة. وخلاصة ما يجب عَلَى المُكَلَّف معرفته في حقِّ الله تَعَالىَ: أن يعلم «أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ مُتَّصِف بِكُلِّ صفات الكمال، ومنزه عن جميع صفات النقصان، إذ إِنَّ الأُلُوهِيَّة تستلزم اتِّصَافه بالكمال المطلق.
1- الوَحْدَانِيَّة وَأَدِلَّتها:
معنى الوَحْدَانِيَّة: هي نفي التعدُّد في ذات الله تَعَالىَ وصفاته وأفعاله.
الدَّلِيل: قَالَ تَعَالىَ: { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ اِلاَّ اللهُ لَفسَدَتا، فَسُبْحَانَ اللهِ ربِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} (الأنبياء: 22)، وَيُسَمَّى هَذَا الدَّلِيل دَلِيل التمانع ومعناه: لو تعددَّت الآلهة لاختلَّ نظام العالم، وَذَلِكَ كأَن يريد واحد منهم إيجاد شَيْء، ويريد الآخر إعدامه، وحينئذ إِمَّا أن يحصل الأمران فيجتمع النقيضان، وَهُوَ محال، أو يحصل أحدهما فيظهر عجز الآخر، وَهُوَ مناف للألوهية، أو يتصادما فلا يوجد هَذَا ولا ذاك فيظهر عجزهما معا.
وقد يفترض أحد وجود إلهين اثنين إِلاَّ أَنَّهُمَا اصطلحا في تسيير هَذَا الكون فلم يقع الفساد. والجواب أَنَّهُ لا يخرج حالهما عن أحد أمرين:
1- إِمَّا أن يستقلَّ كلُّ واحد منهما بمُلكه فيتصرَّف فيه كما يشاء. وَلَكِن هَذَا يستلزم أن يكون كلُّ واحد منهما عاجزا عن التَّصَرُّف في ملك الآخر، والعاجز ليس بإله. (1/28)
صفحة 29
2- وَإِمَّا يَتفِقا عَلَى كَيفِيَّة تسيير الخلق فلا يقع الفساد. وَلَكِن هَذَا يقتضي أن لا يفعل أحد منهما شيئًا إِلاَّ بموافقة الآخر، وَهُوَ يستلزم أن لا تكون لهما إرادة مطلقة، والإله يجب أن يكون فعَّالا لِمَا يريد، وإرادته مطلقة، ومن لم يكن كَذَلِكَ فليس بإله. فثبت أَنَّ للوجود إلها واحدا هو الخالق والمدبِّر، وإليه يرجع الأمر كلُّه.
وَهَذَا الدليل العقلي على الوحدانيَّة يلخِّصه قَوله تَعَالىَ: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَّلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنِ اِلَهٍ اِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (المؤمنون: 91) .
2- ما يَتَرَتبُ عن الوَحْدَانِيَّة :
أ- نفي المشابهة للمخلوقات:
يقول الشيخ السالمي:
... ... ... «في الذات والصفات والأفعال ... ... مخالف لنا بِكُلِّ حال»
فالله تعالى واحد في ذاته وصفاته، وأفعاله، أي لا يشبهه أحد في شَيْء من ذَلِكَ كُلِّه. وواحد في عبادته، أي لا يَصِحُّ أن يشرَك معه غيرُه في العبادة.
أي لو كان تَعَالىَ مشابَها في ذاته لجاز عَلَيْهِ لوجب أن يَتَّصِفَ بالطول والعرض والقصر ونحو ذَلِكَ، وإذا جازت عَلَيْهِ هَذِهِ الصفات وجب أن يكون محاطا به محتاجا لغيره من المكان ونحوه، والمحتاج المفتقر لغيره ليس بإله.
ب- نفي العجز والحلول في الزمان والمكان عن الله تَعَالىَ:
إنَّ لله تعالى القدرة المطلقة، فلا يحتاج إِلىَ المعونة، إذ لو كان تَعَالىَ معانا في أمره لكان ناقصا، ومن كان عاجزا ناقصا فليس بإله.
إنَّ الله تعالى هو خالق الزمان والمكان، ويستحيل أن يكون حالاًّ فيهما، لأنَّ كلَّ حالٍّ في الزمان محدثٌ، وكلَّ حالٍّ في المكان محدود به، والمحدث والمحدود عاجزان...
جـ- نفي الطمع في إدراك ذاته تَعَالَى: (1/29)
صفحة 30
يستحيل إدراك كُنْهِ (ماهية أو حقيقة) ذاته تَعَالىَ، لذا فعلى المؤمن أن لا يتفكَّر في ذات الله، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أن يصرف نظره إِلىَ التدبُّر في مخلوقاته الدَّالَّة عَلَى كمال صفاته تَعَالىَ وقدرته العظيمة، قال - صلى الله عليه وسلم - : «تفكَّروا في الخلق ولا تتفكّروا في الخالق» (1) .
... ... ... وكلُّ ما صوَّرته ببالك ... ... فَاللهُ جَلَّ بخلاف ذَلِك
... ... ... فعلم كنه ذاته محال ... ... مِمَّن سواه ولذاك قالوا
... ... ... العجز عن إدراكه إدراك ... ... والخوض في إدراكه إشراك
النشاط الدراسي في إثبات وجود الله وقدرته:
اختر من المكتبة قرصا مدمجا لأحد الدعاة حول وجود الله تعالى وقدرته، ولخِّص ما جاء فيه من أدلة. (مثل: الزنداني، هارون يحيى...)
الإيمان بالملائكة
الإيمان بالملائكة ركن من أركان العقيدة، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {يَآ أَيهَا الذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَنْ يكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَد ضَّلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا} (النساء: 136) ، ولحديث جبريل عليه السلام الذي سبق ذكره.
التعريف:
لغة: الملائكة جمع ”مَلَك“، أصله: من الألوكة، وهي الرسالة.
__________
(1) ... رواه الإمام الربيع في مسنده، ج3/ باب [7] النهي عن الفكرة في الله عَزَّ وَجَلَّ، حديث رقم، 827. وينظر في نفس المعنى الأحاديث رقم: 823، 828، 829. (1/30)
صفحة 31
اصطلاحا: الملائكة خلق من عباد الله من غير جنس البشر ولا الجن، لا يوصفون بالذكورة ولا الأنوثة (1) ، ولا يماثلون بَقِيَّة المخلوقات، فهم عباد أطهار مكرمون، اصطفاهم الله لخالص عبادته. وهم منزَّهون عن اللهو واللغو والعبث.
صفاتهم:
1- خلقوا من نور، قال - صلى الله عليه وسلم - : «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مِمَّا وصف لكم» (2) .
2- هم عباد معصومون، وفي منتهى الطاعة والعبادة، قَالَ تَعَالىَ: {لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ} (التحريم: 6) ، وقال: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} (فصلت: 38) .
3- يوصف بعضهم بالشدة والغلظة كما قال: {عَلَيْهَا مَلآَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} (التحريم: 6) .
4- لهم أجنحة مثنى وثلاث ورباع، كما قَالَ تَعَالىَ: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ جَاعِلِ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً اُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} (فاطر: 1) .
__________
(1) ... قَالَ تَعَالىَ: {وَجَعَلُوا الْمَلآَئِكَةَ الذِينَ هُمْ عند الرَّحْمَنِ إِنَاثًا اَ.شْهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} (الزخرف: 19) ، {إِنَّ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِالاَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلآَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الاُنثَى وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ اِنْ يَّتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (النجم: 27 ـ 28) .
(2) ... رواه مسلم وأحمد عن عائشة. وَهُوَ حديث صحيح، انظر: 3238 صحيح الجامع. (1/31)
صفحة 32
5- يمكنهم التمثُّل في صورة البشر، قَالَ تَعَالىَ: {فَأرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} (مريم: 17) ، وكان جبريل - عليه السلام - أحيانا يأتي الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - في صورة دحية بن خليفة الكلبي الأنصاري (1) .
وظائفهم:
كلَّف الله تَعَالىَ الملائكة بِعِدَّةِ وظائف منها:
1- التسبح لله وتعظيمه والسجود له، قَالَ تَعَالىَ: {وَلِلهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} (النحل: 49) (2) .
2- الدعاء والاستغفار للمؤمنين، ولعن الكافرين، قَالَ تَعَالىَ: {هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلآَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُومِنِينَ رَحِيمًا} (الأحزاب: 43) ، وقال في شأن الكافرين: {أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمُ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (آل عمران: 87) (3) .
__________
(1) ... انظر: ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة ، ط1 ، مطبعة السعادة، مصر ، 1328هـ ، ج1، ص433.
(2) ... وقال: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلآَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} (الرعد: 13)، {وَلِلهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} (النحل: 49) ، {وَتَرَى الْمَلآَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} (الزمر: 75) .
(3) ... وقال: {وَالْمَلآَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الاَرْضِ} (الشورى: 5) .
... وقال - صلى الله عليه وسلم - عن الدعاء للمؤمنين: «الملائكة تُصَلِّي عَلَى أحدكم ما دام في مصلاه الذي صَلَّى فيه ما لم يحدث أو يقم: اللَّهُمَّ اغفر له اللَّهُمَّ ارحمه». رواه أبو داود والنسائي وأحمد، عن أبي هريرة، وَهُوَ حديث صحيح. انظر: صحيح الجامع، رقم 6727. وقال عن الدعاء عَلَى العصاة: «من أشار إِلىَ أخيه بحديدة، فَإِنَّ الملائكة تلعنه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه». رواه مسلم والترمذي، حديث صحيح، انظر: صحيح الجامع، رقم 6034. (1/32)
صفحة 33
3- نقل الوحي إِلىَ الرسل: قَالَ تَعَالىَ: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} (الحج: 75) . والقائم بِهَذِهِ الوظيفة هو جبريل - عليه السلام - ؛ قال تَعَالىَ: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} (الشعراء: 193 ـ 194) .
4- الاتِّصَال بِبَعْض العباد الصالحين، لتبشيرهم وتطمينهم في وقت الحاجة (1) ، قال تعالى: {إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} (فصلت: 30) .
__________
(1) ... قَالَ تَعَالىَ عن زكرياء - عليه السلام - : {فَنَادَتْهُ الْمَلآَئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّي فيِ الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} (آل عمران: 39) ، وقال: {إِذْ قَالَتِ الْمَلآَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} (آل عمران: 45). وقال في شأنها أَيضًا: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلآَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 42) . (1/33)
صفحة 34
5- نصرة المجاهدين وتثبيتهم، قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الذِينَ ءَامَنُوا} (الأنفال: 12) (1) .
6- تسجيل أعمال المكَلَّفِينَ من الإِنس وَالجِنِّ: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} (الانفطار: 10 ـ 12) ، وقال: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ اِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق: 17 ـ 18) .
7- حفظ الإنسان، قَالَ تَعَالىَ: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} (الأنعام: 61) .
__________
(1) ... وقال أَيضًا: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمُ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآَئِكَةِ مُرْدَفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} (الأنفال: 9 ـ 10). {إِذْ تَقُولُ لِلْمُومِنينَ أَلَن يَّكْفِيَكُمُ أَن يُّمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِّنَ الْمَلآَئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَاتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالاَفِ مِّنَ الْمَلآَئِكَةِ مُسَوَّمِينَ} (آل عمران: 124 ـ 125) . (1/34)
صفحة 35
8- قبض الأرواح عند حلول الأجل: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} (السجدة: 11) (1) .
__________
(1) ... وقال: {حَتَّى إِذَا جَآءَ اَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُم لاَ يُفَرِّطُونَ} (الأنعام: 61)، وقال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذِينَ كَفَرُوا الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} (الأنفال: 50). وقال: {إِنَّ الذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الاَرْضِ} (النساء: 96) ، {وَلَو تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمُ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُم تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُم عَنَ ـ ايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ(93)} (الأنعام: 93) . وقال: {إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} (النحل: 27 ـ 28) . {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} (سورة محمَّد: 27) . (1/35)
صفحة 36
9- تكريم أهل الجَنَّة، والتنكيل بأهل النار: قال تَعَالىَ: {وَالْمَلآَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} (الرعد: 23 ـ 24) (1) . وقال: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلآَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمُ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} (المدثر: 31) (2) .
__________
(1) ... وقال أَيضًا: {الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (النحل: 32) ، وقال: {لاَ يَحْزُنهُمُ الْفَزَعُ الاَكْبَرُ، وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} (الأنبياء: 103).
(2) ... ووصفهم بقوله: {عَلَيْهَا مَلآَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} (التحريم: 6)، وَسَمَّى الله هَذَا الصنف من الملائكة بالخزنة، قَالَ تَعَالىَ عن أهل النار: {وَسِيقَ الذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتَ اَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمُ ءَايَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} (الزمر: 71) ، وعن أهل الجَنَّة قال: {وَسِيقَ الذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمُ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتَ اَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} (الزمر: 73) . ويستقل خزنة النار باسم ”الزبانية“، قَالَ تَعَالىَ: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} (العلق: 17 ـ 18) . (1/36)
صفحة 37
10- إرسالهم بعذاب الاستئصال لبعض الأمم الكافرة، كما في شأن قوم لوط - عليه السلام - : {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمُ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ} (الذاريات: 31 ـ 33) (1) .
11- حضور مجالس الذكر، قال - صلى الله عليه وسلم - : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كِتَاب الله ويتدارسونه بينهم إِلاَّ نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (2) .
الآثار التَّربَوِيَّة للإيمان بالملائكة:
1- استشعار عظمة الله، باعتباره ملِكا له جنود السَّمَاوَات وَالأَرْض، واستشعار مدى ضعف الإنسَان وضآلته.
2- الاقتداء بالملائكة في عبادتهم وانقيادهم المطلق لله.
3- تقويم سلوكنا ومراقبة الله في كُلِّ تصرفاتنا إذا تيقنا بوجود ملكين يسجلان كُلَّ أعمالنا الحسنة وَالسَّيِّئَة.
4- عدم التمادي في المعاصي وزخارف الدنيا ولهوها إذا تذكرنا أَنَّ ملك الموت ينتظرنا.
5- غرس العزة والقُوَّة في قلب المؤمن إذا علم أَنَّ الملائكة تنصر المؤمنين الصادقين عَلَى الكافرين.
____________________________
مراجع الدرس:
العقيدة (1): أحمد الكندي، وعاشور كسكاس.
آراء الشيخ اطفيَّش: وينتن.
كبرى اليقينيات: البوطي
منهج علم التوحيد: محَمَّد قطب، ج2.
(3)
__________
(1) ... وقال أَيضًا: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلآَّ أَن تَاتِيَهُمُ الْمَلآَئِكَةُ أَو يَاتِيَ رَبُّكَ أوْ يَاتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا اِيمانُهَا لَم تَكُنَ ـ امَنت مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} (الأنعام: 158) .
(2) ... رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وابن حبَّان، عن أبي هريرة. حديث صحيح، انظر: صحيح الجامع، رقم 5509، 5608، 5748، 6577. (1/37)
صفحة 38
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله
دروس أصول الدين للسنة الثانية ثانوي
تأليف: مصطفى بن محمَّد شريفي
معهد الحياة
ملاحظة:
- من وجد فيها أي خطأ مهما كان فالرجاء إبلاغنا به، على العنوان الآتي: mucherifi@yahoo.fr (1/1)
صفحة 39
الإيمان بِاللهِ تَعَالىَ وصفاته
أَوَّلاً - وجود الله تعالى (1):
أ- وجود الله فطري في الإنسان:
وجود الله تعالى من البداهات التي يدركها الإنسان بفطرته، وليس أمرًا معقَّدا يحتاج إلى التفكير العميق. قال تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} (إبراهيم: 10)؛ لذلك كانت مَهَمَّة الرسل الأساسيَّة إثبات الوحدانية، فالأمم غالبا ما تؤمن بوجود إله، ولكنها قد لا تهتدي إلى العبادة الصحيحة، قال عزَّ وجلَّ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ اِلاَّ يُوحَى إِلَيْه أنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25).
ومع بداهة وجود الله فقد جاءت المدنية الغربية تجادل في وجوده عزَّ وجلَّ.
ب- دليل الخلق:
__________
(1) ... من المراجع الهامة في الموضوع: موقف العقل والعلم والعالم من رَبِّ العالمين لمصطفى صبري. وكتاب الإسلام يتحدَّى، وكتاب الدين في مواجهة العلم لوحيد الدين خان. والأَدِلَّة المَادِّيَّة عَلَى وجود الله لمحَمَّد متولي الشعراوي. وكبرى اليقينيات الكونية لمحَمَّد سعيد رَمَضَان البوطي. وكتاب: الله بين الفطرة والدليل لمحَمَّد حسن آل ياسين. (1/2)
صفحة 40
لم يوجد أحد من البشر ادَّعى خلق الإنسان أو الحيوان أو النبات أو خلق السماوات والأرض، وكلُّ من ادَّعى الألوهيَّة لم يستطع ادِّعاء ذلك. ومن المقطوع به أنَّ شيئًا لا يحدث من تلقاء نفسه، وقد قرَّر القرآن الكريم هذا الدليل فقال: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ اَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ} (الطور: 35 ـ 36) (1).
من البدَهي أَنَّ كُلَّ صنعة تَدُلُّ عَلَى وجود صانع، وكلَّ بِنَاءٍ يَدُلُّ عَلَى وجود بَانٍ، وكلَّ كتابة تَدُلُّ عَلَى وجود كاتب ... الخ. قيل لأعرابيٍّ: ما الدَّلِيل عَلَى أَنَّ لهذا العالم صانعا؟ فقال: إِنَّ البعرة تَدُلُّ عَلَى البعير، وأثر القدم يَدُلُّ عَلَى المثير، فهيكل علويٌّ بِهَذِهِ اللطافة، ومركز سفليٌّ بهذه الكثافة أَمَا يَدُلاَّن عَلَى الصانع الخبير؟! " (2).
ويسمَّى هذا الدليل أيضًا بدليل الإبداع، أو دليل بطلان الرجحان من غير مرجِّح، أي أنَّ ترجيح كفَّة الوجود على كفَّة العدم بدون وجود أيِّ فاعل لهذا الترجيح، يعتبر أمرا باطلا لا يقبله العقل.
ج- دليل العناية:
"لو دخل المرء دارا فوجد فيها غرفة مهيَّأة للطعام، وأخرى للمنام، وأخرى للنظافة، وأخرى للضيافة ... الخ لجزم بأنَّ هذا الترتيب لم يتمَّ وحده، وأنَّ هذا الإعداد النافع لا بدَّ قد نشأ عن تقدير وحكمة، وأشرف عليه فاعل يعرف ما يفعل.
والناظر في الكون وآفاقه، والمادَّة وخصائصها يعرف أنها محكومة بقوانين مضبوطة، شرحت الكثيرَ منها علومُ الطبيعة والكيمياء والنبات والحيوان والطب ...
__________
(1) ... وقال أيضًا: {وَالذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} (النحل: 20).
(2) ... أبو زكرياء الجناوني: الوضع مختصر في الأصول والفقه، ص 4 - 5. وحول دَلِيل الحدوث ينظر كَذَلِكَ: بوقلي: الإمام ابن يوسف السنوسي، ص176 - 183. (1/2)
صفحة 41
وما وصل إليه علم الإنسان من أسرار العالم حاسم في إبعاد كلِّ شبهة توهم أنه وجد كيفما اتفق" (1) .
قال الله تعالى: { إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ التِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ ءَلاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (البقرة: 164) .
د- بطلان الصدفة:
ألا يمكن أن يكون هَذَا الكون قد وجد بالصدفة؟ بحيث إِنَّ ذَرَّات هَذَا العالم اجتمعت فتكونت الجزيئات، ثُمَّ الأجسام، ثُمَّ تَطَوَّرَت حَتَّى صارت عَلَى ما هي عَلَيْهِ الآن؟... الجواب عليه من عدَّة أوجه:
- الأَوَّل: نظرية التطور بهذا الطرح خاطئة، وعَلَى فرض صِحَّتها، يبقى التساؤل مطروحا: من أوجد تلك الذرات؟ ومن الذي حرَّكها وجمع بينها لتكوِّن الأجسام المختلفة؟ مَن غيرُ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ؟
__________
(1) ... الغزالي: عقيدة المسلم، 16 - 17. (1/3)
صفحة 42
- الثاني: إِنَّ القول بالمصادفة مصادَمة صريحة للعقل؛ لأن الصدفة يستحيل أن توجد نظامًا. فمثلا: إذا نثرت حروفا مطبعية، وكرَّرت ذَلِكَ ملايين المَرَّات، فهل ستتشكَّل ـ بالصدفة ـ قصيدة بأوزانها وبلاغتها؟... إنَّه أمر مستحيل. وإذا كان هَذَا مستحيلا للقصيدة الصغيرة، فكيف بنظام الكون العظيم الدقيق؟ وما بالك بما ركَّب الله تَعَالىَ في الإِنسَان والحيوان والنبات من نظام عجيب بالغ الإتقان، وأجهزة دقيقة لها وظائف محدَّدة، أيكون كُلُّ هَذَا بمحض الصدفة؟ إِنَّ هَذَا لهو الهذيان بعينه! (1) .
هـ- القرآن الكريم والدعوة إِلَى النظر واستعمال العقل لمعرفة الله:
تدل الآيات المنبثة في الكون عَلَى وجود الله وَعَلَى عظمته وقدرته، وقد دعانا القُرْآن إِلىَ النظر والتأمُّل فيها فقال مثلا: { أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الاِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الاَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ } (الغاشية: 17-20).
ويدلُّ إعجاز القرآن الكريم على صحَّته، وعَلَى وجود الله، { سَنُرِيهِمُ ءَايَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُ الْحَقُّ } (فصلت: 53). وقد أُمرنا بتدبره: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } (النساء: 82) .
ثانيًا : صفات الله تعالى
المنطلق:
__________
(1) ... والصدفة كلام غير علمي، فلو سأل الأستاذ الطالب: لماذا التقى الجسمان المتحركان (أ) و(ب) في نقطة (ج) وأجاب أحد الطلبة بِأَنَّهُ كان صدفة لضحك منه الجميع!! (1/4)
صفحة 43
قَالَ الله تَعَالىَ: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } (الشورى: 11). وقال أَيضًا: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ } (سورة الإخلاص). إِنَّ كُلَّ ما يَتَعلَّقُ بصفات الله تَعَالىَ مرجعه إِلىَ هَذِهِ الآيات الكريمة. وخلاصة ما يجب عَلَى المُكَلَّف معرفته في حقِّ الله تَعَالىَ: أن يعلم "أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ مُتَّصِف بِكُلِّ صفات الكمال، ومنزه عن جميع صفات النقصان، إذ إِنَّ الأُلُوهِيَّة تستلزم اتِّصَافه بالكمال المطلق".
1- الوَحْدَانِيَّة وَأَدِلَّتها:
معنى الوَحْدَانِيَّة: هي نفي التعدُّد في ذات الله تَعَالىَ وصفاته وأفعاله.
الدَّلِيل: قَالَ تَعَالىَ: { لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ اِلاَّ اللهُ لَفسَدَتا، فَسُبْحَانَ اللهِ ربِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } (الأنبياء: 22)، وَيُسَمَّى هَذَا الدَّلِيل دَلِيل التمانع ومعناه: لو تعددَّت الآلهة لاختلَّ نظام العالم، وَذَلِكَ كأَن يريد واحد منهم إيجاد شَيْء، ويريد الآخر إعدامه، وحينئذ إِمَّا أن يحصل الأمران فيجتمع النقيضان، وَهُوَ محال، أو يحصل أحدهما فيظهر عجز الآخر، وَهُوَ مناف للألوهية، أو يتصادما فلا يوجد هَذَا ولا ذاك فيظهر عجزهما معا.
وقد يفترض أحد وجود إلهين اثنين إِلاَّ أَنَّهُمَا اصطلحا في تسيير هَذَا الكون فلم يقع الفساد. والجواب أَنَّهُ لا يخرج حالهما عن أحد أمرين:
1- إِمَّا أن يستقلَّ كلُّ واحد منهما بمُلكه فيتصرَّف فيه كما يشاء. وَلَكِن هَذَا يستلزم أن يكون كلُّ واحد منهما عاجزا عن التَّصَرُّف في ملك الآخر، والعاجز ليس بإله. (1/5)
صفحة 44
2- وَإِمَّا يَتَّفِقا عَلَى كَيفِيَّة تسيير الخلق فلا يقع الفساد. وَلَكِن هَذَا يقتضي أن لا يفعل أحد منهما شيئًا إِلاَّ بموافقة الآخر، وَهُوَ يستلزم أن لا تكون لهما إرادة مطلقة، والإله يجب أن يكون فعَّالا لِمَا يريد، وإرادته مطلقة، ومن لم يكن كَذَلِكَ فليس بإله. فثبت أَنَّ للوجود إلها واحدا هو الخالق والمدبِّر، وإليه يرجع الأمر كلُّه.
وَهَذَا الدليل العقلي على الوحدانيَّة يلخِّصه قَوله تَعَالىَ: { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَّلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنِ اِلَهٍ اِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } (المؤمنون: 91) .
2- ما يَتَرَتَّبُ عن الوَحْدَانِيَّة :
أ- نفي المشابهة للمخلوقات:
يقول الشيخ السالمي:
... ... ... "في الذات والصفات والأفعال ... ... مخالف لنا بِكُلِّ حال"
فالله تعالى واحد في ذاته وصفاته، وأفعاله، أي لا يشبهه أحد في شَيْء من ذَلِكَ كُلِّه. وواحد في عبادته، أي لا يَصِحُّ أن يشرَك معه غيرُه في العبادة.
... ... ... "لو أَنَّهُ مشابَه في ذاته ... ... جاز عَلَيْهِ وصف مخلوقاته"
أي لو كان تَعَالىَ مشابَها في ذاته لجاز عَلَيْهِ ما يجوز عَلَى مشابِهه من الصفات، فلو وُصف الله تَعَالىَ بالتجسيم لوجب أن يَتَّصِفَ بالطول والعرض والقصر ونحو ذَلِكَ، وإذا جازت عَلَيْهِ هَذِهِ الصفات وجب أن يكون محاطا به محتاجا لغيره من المكان ونحوه، والمحتاج المفتقر لغيره ليس بإله.
ب- نفي العجز والحلول في الزمان والمكان عن الله تَعَالىَ:
إنَّ لله تعالى القدرة المطلقة، فلا يحتاج إِلىَ المعونة، إذ لو كان تَعَالىَ معانا في أمره لكان ناقصا، ومن كان عاجزا ناقصا فليس بإله.
إنَّ الله تعالى هو خالق الزمان والمكان، ويستحيل أن يكون حالاًّ فيهما، لأنَّ كلَّ حالٍّ في الزمان محدثٌ، وكلَّ حالٍّ في المكان محدود به، والمحدث والمحدود عاجز... (1/6)
صفحة 45
جـ- نفي الطمع في إدراك ذاته تَعَالَى:
يستحيل إدراك كُنْهِ (ماهية أو حقيقة) ذاته تَعَالىَ، لذا فعلى المؤمن أن لا يتفكَّر في ذات الله، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أن يصرف نظره إِلىَ التدبُّر في مخلوقاته الدَّالَّة عَلَى كمال صفاته تَعَالىَ وقدرته العظيمة، قال - صلى الله عليه وسلم - : "تفكَّروا في الخلق ولا تتفكّروا في الخالق" (1) .
... ... ... وكلُّ ما صوَّرته ببالك ... ... فَاللهُ جَلَّ بخلاف ذَلِك
... ... ... فعلم كنه ذاته محال ... ... مِمَّن سواه ولذاك قالوا
... ... ... العجز عن إدراكه إدراك ... ... والخوض في إدراكه إشراك
د- نفي رؤية الله تَعَالَى في الدنيا والآخرة:
جوَّزت السلفية والأشعرية والماتريدية (أهل السنَّة) رؤية الله تَعَالَى في الآخرة للمؤمنين، والإباضية والمعتزلة والشيعة يعتقدون استحالتها في الدارين. قال الشيخ السالمي:
... ... ورؤية الباري من المحال ... ... دنيا وأخرًى احكمْ بِكُلِّ حال
... ... لأَنَّ مِن لازِمها التميُّزا ... ... والكيف والتبعيض والتحيُّزا
... ... في جهة تقابل الذي نظر ... ... فَهَذِهِ وما أتى به السور
... ... من قول لا تدركه الأبصار ... ... ولن تراني فانتفى الإبصار
... ... لأَنَّهَا مدح له ولا يَصِحْ ... ... زوال ما به الإله ممتدح
... ... لو جاز أن يزول مدحه لزم ... ... تبديل عِزِّهِ بذلٍّ وشُتِم
أي إنَّ رؤية الباري تَعَالىَ مما ينفيه العقل والنقل، فإنَّ من شروط الرؤية: أن يكون المرئيُّ متميِّزا، أي متشخِّصا، وذا كيف، أي لون، وذا أبعاض، أي أجزاء، سواء رُئِي كله أو بعضه. ومتحيِّزا في جهة أو مكان، وكل هذه أمور مستحيلة في حقِّه تَعَالىَ.
أما البراهين النَّقْلِيَّة فمنها:
__________
(1) ... رواه الإمام الربيع في مسنده، ج3/ باب [7] النهي عن الفكرة في الله عَزَّ وَجَلَّ، حديث رقم، 827. وينظر في نفس المعنى الأحاديث رقم: 823، 828، 829. (1/7)
صفحة 46
- قَوله تَعَالىَ: { لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (الأنعام: 103) فنفيُ إدراكِ الأبصار لذاته عزَّ وجلَّ يعتبر من الصفات الكمالية التي امتدح الله بها، وضدُّها يعتبر نقصًا، ولا يَصِحُّ أن يزول شَيْء من الكمالات الإِلهِيَّة، ولا أن يَتَّصِفَ بِشَيْءٍ من أضدادها النقصانيَّة، كما لا يصحُّ أن يتصف الله تعالى بضدِّ ما في قوله: { لاَ تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } (البقرة: 255) .
- قَوله تَعَالىَ لموسى - عليه السلام - : { لَن تَرَانِي } (الأعراف: 143)، فـ"لن" تفيد النفي والتأبيد والتيئيس. كما أنَّ الله تعالى علَّق الرؤية بالمستحيل لما قال له: { وَلَكِنُ انظُرِ اِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } فاستقرار الجبل في علمه تَعَالىَ محال، والمعلَّق بالمحال محال مثله.
أما قوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } (القيامة: 22-23) ، فمعناها: منتظرة ثواب ربها، بدليل الآية بعدها: { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُّفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } (الآية: 24-25) ، أي تنتظر ما يقصم فقارها، والنظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن وفي كلام العرب.
وأما الأحاديث المروية عن رسول الله * في إثبات رؤية الله عزَّ وجلَّ، فهي مضطربة، فإنَّ منها ما يزعم أنها في الموقف للمؤمنين والمنافقين، ومنها ما يوحي بأنها خاصة بالمؤمنين في الجنة. فضلاً عن أنها أحاديث آحادية لا تفيد اليقين، ولا تقوى على معارضة صريح القرآن الكريم.
3- تقسيم صفات الله تَعَالَى:
يمكن تقسيم الصفات في حق الله بطريقتين:
- الطريقة الأَولى: إِلىَ: 1- صفات ذَاتِيَّة. 2- صفات فِعلِيَّة. 3-صفات ذاتيَّة باعتبار وفعليَّة باعتبار.
- الطريقة الثانية: إِلىَ: 1- صفات واجبة. 2- صفات جائزة. 3- صفات مستحيلة.
أ- التقسيم الأَوَّل: (1/8)
صفحة 47
1- الصفات الذَّاتِيَّة: هِيَ الصفات الكمالية التي يجب أن يَتَّصِف الله تَعَالىَ بها، ويستحيل أن يَتَّصِفَ بضدِّها غالبا (1) ، كالوجود والعلم والسمع والبصر والقدرة والإرادة، ولو اختلف المحلُّ، فلا يقال: عَلِمَ الله كذا وجهل كذا، ولا قدِر عَلَى هَذَا وعجز عن ذاك...
2- الصفات الفِعلِيَّة: هي الصفات التي يمكن أن يَتَّصِفَ الله تَعَالىَ بها وبضدِّها غالبا عند اختلاف المحل، كالرازق، المحيي المميت، الخافض الرافع، القابض الباسط، كَأَن يوسع في رزق زيد ويضيِّق في رزق عمرو، وأن يرزق العلمَ عمرًا ويخلق الجهل لزيد...
3- الصفات الذاتيَّة باعتبار والفعليَّة باعتبار: كحكيم، فباعتبار أنها تعني نفي العبث عنه تعالى هي صفة ذات، وباعتبار أنها تعني واضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها صفة فعل. وكذا: "سميع" فإنه بمعنى نفي الصمم عنه تعالى صفةُ ذاتٍ، وبمعنى قابل الدعاء صفةُ فعلٍ، وهكذا...
ب- التقسيم الثاني:
- الواجب عقلا: ما لا يُتصوَّر في العقل عدمه.
- والمستحيل عقلا: ما لا يُتصوَّر في العقل وجوده.
- والجائز (أو الممكن) عقلا: ما لا يحيل العقل وجوده ولا عدمه، أي يستوي فيه إمكان الوجود وإمكان العدم.
وَعَلَى هَذَا الأساس تَمَّ تقسيم صفات الله تَعَالىَ إلى ما يأتي:
1- صفات واجبة: وهي صفات الكمال الذَّاتِيَّة: كالوجود والقدرة والبقاء والحياة والعلم والإرادة والسمع والبصر.
2- صفات جائزة: هي صفاته الفِعلِيَّة، لجواز أن يفعلها فيوصف بها، وأن لا يفعلها فلا يوصف بها.
3- صفات مستحيلة: هي أضداد الصفات الواجبة، كالحدوث والعدم والفناء والموت والجهل والعجز والإكراه والصمم والعمَى، ومشابهة المخلوقات مطلقا.
4- توقيف الأسماء والصفات :
__________
(1) ... قلنا: غالبا؛ تحرُّزا من كون بعض أسماء الله الحسنى (أي الصفات الذاتيَّة) وردت بالضدَّين، كالأول والآخر، والظاهر والباطن. (1/9)
صفحة 48
" الله " : اسم علم لا يطلق إلا على الذات الإلهية، وهو الاسم الأعظم عند الإمام جابر.
ولله تعالى أسماء أخرى، إذ يقول عزَّ وجلَّ: { وَلِلَّهِ الاَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } (الأعراف: 180) . وفي الحديث: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (1) ومعنى "أحصاها": حفظها وفهم معناها وعمل بمقتضاها.
وعليه فإنَّ الأصل في أسماء الله تعالى وصفاته أنَّها توقيفيَّة، أي لا يجوز ـ عند جمهور العلماء ـ وصفه تَعَالىَ إِلاَّ بما صَرَّحَ به في كِتَابه، أو عَلَى لسان أحد أنبيائه.
ويمكن أن نصنِّف أسماء أخرى ـ بعد التسعة والتسعين ـ كما يأتي:
أ) أسماء يجوز ذكرها شترط أن تكون مضافة إلى مفاعيلها، مثل: { فَالِقُ الاِصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا } (الأنعام: 96)، { رََبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } (آل عمران: 9) . فيقاس عليها قولنا: يا هادي الضال، ويا كاشف الضرِّ، ويا دليل المتحيِّرين...الخ.
ب) أسماء يجوز ذكرها على سبيل المجاز، كأن تقول: يا سندي، وأنت تقصد: يا من أعتمد على رحمته وفضله وقوَّته... كما جاء في الحديث: "...اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ..." (2) .
__________
(1) ... رواه البخاري في كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا، رقم 2585. 2/981-982. مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، رقم 2677، ج4/ ص2063.
(2) ... رواه مسلم، في كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره، رقم 1342، ج2/ ص978. (1/10)
صفحة 49
ج) أسماء يستحيل نسبتها إلى الله تعالى مثل: ماكر، وساخر، ومستهزئ، ورام، وغاضب، وناس، وخادع، وأمثالها من الأسماء المشتقة من أفعال نسبها سبحانه إلى نفسه عن طريق المشاكلة (1) . وتجدر الإشارة إلى ضرورة اعتبار الأحوال والمقاصد عند ذكر الأسماء التي لم يرد بها التوقيف.
5- الألفاظ الموهمة للتجسيم أو التشبيه:
وردت في القُرْآن وَالسُّنَّة ألفاظ يوهم ظاهرها تشبيه الله تَعَالىَ بمخلوقاته، كالوجه واليدين واليمين والقبضة والعين والأصبعين... يجب تأويلها بما يوافق كمال الله تَعَالىَ، وتؤيِّده شواهد اللغة العَرَبِيَّة. يقول الشيخ السالمي:
... ... ... "فوجهه أي ذاته في قوله ... ... وعينه أي حفظه لفعله ...
... ... ... واليد منه قدرةٌ أو قل: نِعم ... ... وقبضةٌ والاستوَا مُلكًا يُسَمْ ...
... ... ... وجَدُّه كَوَجْهِهِ أو قُلْ: عِظَم ... ... ومكرُه عقوبة لمن ظَلم"
أي: لا يجوز تفسير الألفاظ الموهمة للتجسيم أو التشبيه في حقِّه تَعَالىَ بالجوارح المحدودة؛ لأَنَّهُ:
- يستلزم التشبيه، وَالله تَعَالىَ يقول: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } (الشورى: 11).
__________
(1) ... المشاكلة هي: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته.
... وهذه الأسماء المشتقة ورد ذكرها في ما يلي: { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } (آل عمران: 54)، { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ } (التوبة: 79)، { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } (البقرة: 15)، { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) (الأنفال: 17)، { وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } (النساء: 93)، { فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا } (الأعراف: 51)، { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } (النساء: 142). (1/11)
صفحة 50
- يُؤَدِّي إِلىَ التناقض بين آيات القرآن، وهو محال، فالله يقول: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } (النساء: 82) .
- يوقع في أمور لا يقبلها العقل، كما إذا فَسَّرنَا العين في قَوله تَعَالىَ: { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ } (طه: 39) بالعين المبصرة، أي: أَنَّ موسى صُنع فوقها، وهو محال أَيضًا!..
جدول يُبَيِّنُ معاني بعض الألفاظ الموهمة للتشبيه
اللفظ ... نصُّ الآية أو الحديث ... تأويله
الوجه ... { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ } (القصص: 88) ... الذات
الوجه ... { اِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ } (الإنسان: 9) ... الثواب
العين ... قال في شأن سَيِّدنَا موسى - عليه السلام - : { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ } (طه: 39) ... الحفظ، والعلم
وفي شأن سفينة نوح - عليه السلام - : { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } (القمر: 14)
اليد ... { يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } (الفتح: 10) ... القدرة
اليد ... { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } (المائدة: 64) ... نعمتاه الظاهرة والباطنة
القبضة ... { وَالاَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } (الزمر: 67) ... الملك
اليمين ... { وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } (الزمر: 67) ... القدرة
المجيء ... { وَجَآءَ رَبُّكَ } (الفجر: 22) ... أمر ربِّك
الاستواء ... { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } (طه: 5) ... الملك والقهر (1)
الجد ... { وَإِنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا } (الجن: 3) ... الذات أو العظمة
المكر ... { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } (آل عمران: 54) ... العقوبة
__________
(1) ... كما قَالَ تَعَالىَ: { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } (الأنعام: 18) ، وقال: { لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } (غافر: 16) . والقرآن يُفَسِّرُ بعضه بَعْضًا. (1/12)
صفحة 51
الأصابع ... "إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبِعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ..." (1) . ... القدرة
6- علاقة صفات الله تَعَالَى بذاته:
صفات الله تَعَالىَ هي عين ذاته، وليست غيرَها، ولا زائدة عليها. فَاللهُ تَعَالىَ سميع عليم بذاته لا بسمع وعلم مركَّب فيه أو زائد عَلَيْهِ، أي ذاته عَزَّ وَجَلَّ منكشفة لها المسموعات والمعلومات انكشافا تَامًّا، غير محتاجة في ذَلِكَ إِلىَ واسطة بينها وبين المسموع والمعلوم... وهكذا سائر الصفات الذَّاتِيَّة، كالبصر والقدرة والإرادة والحياة...
فلو كانت صفاته تَعَالىَ غير ذاته:
- لاستلزم إِمَّا أن تكون حالَّة في ذاته العليَّة أو بَعْضًا منها، وكلا الأمرين باطل، لأَنَّ ذاته تَعَالىَ غير مركَّبة ولا متجزِّئة.
- ولاستَلْزَمَ افتقار الذات إِلىَ ذَلِكَ الزائد، وذاته تَعَالىَ كاملة بنفسها غير مفتقرة إِلىَ غيرها.
7- الأثر العملي من معرفة صفات الله تَعَالى:
1- تنزيه الله تَعَالىَ عن كُلِّ صفات النقص، واستشعار عظمة صفاته الكماليَّة؛ فإذا علمنا ـ مثلا ـ أنَّ الكبرياء لله وحده فإنَّنا نتذلَّل له إجلالاً، ونتواضع للمسلمين رحمةً.
2- العمل بمقتضى صفاته تَعَالىَ، فإذا علم المؤمن أَنَّ الله سميع، عليم، خبير... وَأَنَّهُ لا تفوته صغيرة ولا كبيرة إِلاَّ أحصاها، فَإِنَّهُ يخشى الله ويتَّقيه في كُلِّ أقواله وأفعاله، فلا يعمل إِلاَّ بما يرضي الله، في السرِّ وفي العلن.
3- التخلق بمعاني بعض تلك الصفات: مثل: العفو، المغفرة، الرحمة، العزَّة، الحكمة...
__________
(1) ... رواه مسلم. وتمامه: "إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبِعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ" ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ * : "اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ". كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء، رقم 2654. (1/13)
صفحة 52
4- إذا علم المؤمن أنَّ الله هو الملك (ملكا مطلقا) وَأَنَّهُ هو المهيمن الجبَّار القهَّار... فلا يخاف من أحد إِلاَّ الله.
5- إذا تيقَّن المسلم أنَّ الله تعالى هو الغنيُّ الذي لا تنفعه الطاعة ولا تَضُرُّه المعصية، فإنَّه يشفق على نفسه، ويستعدُّ لما بعد الموت.
________________
مراجع الدرس:
- نور الدين السالمي: بهجة الأنوار.
- فرحات الجعبيري، وعاشور كسكاس: العقيدة (2).
- محمد الغزالي: عقيدة المسلم.
- مصطفى شريفي: محاضرات في أصول الدين لطلبة السنة الأولى شريعة.
________________
النشاط الدراسي: (1/14)
صفحة 53
س1) استخرج من الآية الآتية ما تستطيع من نعم الله على عباده. وما الدليل ـ على وجود الله ـ الذي استنبطه العلماء من مثل هذه الآية؟ قال عزَّ وجلَّ: { وَالاَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ - وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ - وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمُ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الاَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ - وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ - وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمُ أَجْمَعِينَ - هُوَ الذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً لَكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ - يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالاَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ - وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ - وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الاَرْضِ مُخْتَلِفًا اَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ - وَهُوَ الذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - وَأَلْقَى فِي الاَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ - وَعَلاَمَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ - أَفَمَنْ يَّخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَّكَّرُونَ - وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ اللَّهَ (1/15)
صفحة 54
لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } (النحل: 5 ـ 18) .
س2) قال شاعر حكيم: أيا عجبا كيف يُعصى الإله ....... أبدا شاهد". ابحث عن قائل هذه الأبيات، وأتممها، واكتب بحثا في موضوعها.
الإيمان بالملائكة
الإيمان بالملائكة ركن من أركان العقيدة، لِقَولِهِ تَعَالىَ: { لَيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيئِينَ... } (البقرة: 117) ، ولقوله: { ـ اَمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُومِنُونَ كُلٌّ ـ اَمَنَ بِاللهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ... } (البقرة: 285) ، ولقوله: { يَآ أَيهَا الذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَنْ يكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَد ضَّلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا } (النساء: 136) .
التعريف:
لغة: الملائكة جمع "مَلَك"، وأصله: "مَألك"، و"أَلَكَ" بمعنى: أرسل.
اصطلاحا: الملائكة خلق من عباد الله من غير جنس البشر ولا الجن، لا يوصفون بالذكورة ولا الأنوثة (1) ، ولا يماثلون بَقِيَّة المخلوقات، فهم عباد أطهار مكرمون، اصطفاهم الله لخالص عبادته. وهم منزَّهون عن اللهو واللغو والعبث.
صفاتهم:
__________
(1) ... قَالَ تَعَالىَ: { وَجَعَلُوا الْمَلآَئِكَةَ الذِينَ هُمْ عند الرَّحْمَنِ إِنَاثًا اَ.شْهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } (الزخرف: 19) ، { إِنَّ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِالاَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلآَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الاُنثَى وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ اِنْ يَّتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا } (النجم: 27 ـ 28) . (1/16)
صفحة 55
1- لم يُخلقوا من نار كالجنِّ، ولا من الطين كالإنس، وَإِنَّمَا خلقوا من نور، قال - صلى الله عليه وسلم - : "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مِمَّا وصف لكم" (1) ، وقد خلقوا قبل آدم، لقوله تَعَالىَ: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ } (سورة ص: 71) .
2- هم عباد معصومون، وفي منتهى الطاعة والعبادة والإذعان، قَالَ تَعَالىَ: { لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ } (التحريم: 6) ، وقال: { فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ } (فصلت: 38) .
3- يوصف بعضهم بالشدة والغلظة كما قال: { عَلَيْهَا مَلآَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ } (التحريم: 6) .
4- هم أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، كما قَالَ تَعَالىَ: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ جَاعِلِ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً اُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } (فاطر: 1) .
5- يمكنهم التمثُّل في صورة البشر، قَالَ تَعَالىَ: { فَأرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا } (مريم: 17) ، وكان جبريل - عليه السلام - أحيانا يأتي الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - في صورة دحية بن خليفة الكلبي الأنصاري (2) .
وظائفهم:
كلَّف الله تَعَالىَ الملائكة بِعِدَّةِ وظائف منها:
__________
(1) ... رواه مسلم وأحمد عن عائشة. وَهُوَ حديث صحيح، انظر: 3238 صحيح الجامع.
(2) ... انظر: ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة ، ط1 ، مطبعة السعادة، مصر ، 1328هـ ، ج1، ص433. (1/17)
صفحة 56
1- التسبح لله وتعظيمه والسجود له، قَالَ تَعَالىَ: { وَلِلهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } (النحل: 49) ، وقال: { وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلآَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } (الرعد: 13) (1) .
2- الدعاء والاستغفار للمؤمنين، ولعن الكافرين، قَالَ تَعَالىَ: { هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلآَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُومِنِينَ رَحِيمًا } (الأحزاب: 43) ، وقال: { وَالْمَلآَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الاَرْضِ } (الشورى: 5) ، وقال في شأن الكافرين: { أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمُ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } (آل عمران: 87) (2) .
__________
(1) ... وقال أَيضًا: { وَلِلهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } (النحل: 49) ، { وَتَرَى الْمَلآَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } (الزمر: 75) .
(2) ... وقال - صلى الله عليه وسلم - عن الدعاء للمؤمنين: "الملائكة تُصَلِّي عَلَى أحدكم ما دام في مصلاه الذي صَلَّى فيه ما لم يحدث أو يقم: اللَّهُمَّ اغفر له اللَّهُمَّ ارحمه". رواه أبو داود والنسائي وأحمد، عن أبي هريرة، وَهُوَ حديث صحيح. انظر: صحيح الجامع، رقم 6727. وقال عن الدعاء عَلَى العصاة: "من أشار إِلىَ أخيه بحديدة، فَإِنَّ الملائكة تلعنه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه". رواه مسلم والترمذي، حديث صحيح، انظر: صحيح الجامع، رقم 6034. (1/18)
صفحة 57
3- نقل الوحي إِلىَ الرسل: قَالَ تَعَالىَ: { اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ } (الحج: 75) . والقائم بِهَذِهِ الوظيفة هو جبريل - عليه السلام - ؛ قال تَعَالىَ: { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ } (الشعراء: 193 ـ 194) .
4- الاتِّصَال بِبَعْض العباد الصالحين، لتبشيرهم وتطمينهم في وقت الحاجة، قَالَ تَعَالىَ عن زكرياء - عليه السلام - : { فَنَادَتْهُ الْمَلآَئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّي فيِ الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى } (آل عمران: 39) ، وقال: { إِذْ قَالَتِ الْمَلآَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ } (آل عمران: 45) (1) ، وعن تطمين الصالحين قال: { إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } (فصلت: 30) .
__________
(1) ... وقال في شأنها أَيضًا: { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلآَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ } (آل عمران: 42) . (1/19)
صفحة 58
5- نصرة المؤمنين المجاهدين وتثبيتهم في الحرب: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمُ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآَئِكَةِ مُرْدَفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } (الأنفال: 9 ـ 10) (1) .
6- تسجيل أعمال المُكَلَّفِينَ من الإِنس وَالجِنِّ: { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } (الانفطار: 10 ـ 12) ، وقال: { إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ اِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } (ق: 17 ـ 18) .
7- حفظ الإنسان، قَالَ تَعَالىَ: { وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً } (الأنعام: 61) .
__________
(1) ... وقال أَيضًا: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُومِنينَ أَلَن يَّكْفِيَكُمُ أَن يُّمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِّنَ الْمَلآَئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَاتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالاَفِ مِّنَ الْمَلآَئِكَةِ مُسَوَّمِينَ } (آل عمران: 124 ـ 125) . وقال: { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الذِينَ ءَامَنُوا } (الأنفال: 12) . (1/20)
صفحة 59
8- قبض الأرواح عند حلول الأجل: { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } (السجدة: 11) ، وقال: { حَتَّى إِذَا جَآءَ اَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُم لاَ يُفَرِّطُونَ } (الأنعام: 61)، وقال: { وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذِينَ كَفَرُوا الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } (الأنفال: 50) (1) .
__________
(1) ... وقال أَيضًا: { إِنَّ الذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الاَرْضِ } (النساء: 96) ، { وَلَو تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمُ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُم تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُم عَنَ ـ ايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ(93) } (الأنعام: 93) . وقال: { إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ } (النحل: 27 ـ 28) . { فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } (سورة محمَّد: 27) . (1/21)
صفحة 60
9- تكريم أهل الجَنَّة، والتنكيل بأهل النار: قال تَعَالىَ: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنَ ـ ابَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلآَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ } (الرعد: 23 ـ 24) (1) . وعن التنكيل بأهل النار قال: { عَلَيْهَا مَلآَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ } (التحريم: 6) . وقال: { وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلآَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمُ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا } (المدثر: 31) (2) .
__________
(1) ... وقال أَيضًا: { الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } (النحل: 32) ، وقال: { لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاَكْبَرُ، وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } (الأنبياء: 103).
(2) ... وَسَمَّى الله هَذَا الصنف من الملائكة بالخزنة، قَالَ تَعَالىَ عن أهل النار: { وَسِيقَ الذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتَ اَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمُ ءَايَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } (الزمر: 71) ، وعن أهل الجَنَّة قال: { وَسِيقَ الذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمُ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتَ اَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } (الزمر: 73) . ويستقل خزنة النار باسم "الزبانية"، قَالَ تَعَالىَ: { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ } (العلق: 17 ـ 18) . (1/22)
صفحة 61
10- إرسالهم بعذاب الاستئصال لبعض الأمم الكافرة، كما في شأن قوم لوط - عليه السلام - : { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمُ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ } (الذاريات: 31 ـ 33) (1) .
11- حضور مجالس الذكر، قال - صلى الله عليه وسلم - : "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كِتَاب الله ويتدارسونه بينهم إِلاَّ نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" (2) .
الآثار التَّربَوِيَّة للإيمان بالملائكة:
1- استشعار عظمة الله، باعتباره ملِكا له جنود السَّمَاوَات وَالأَرْض، واستشعار مدى ضعف الإنسَان وضآلته.
2- الاقتداء بالملائكة في عبادتهم وانقيادهم المطلق لله.
3- تقويم سلوكنا ومراقبة الله في كُلِّ تصرفاتنا إذا تيقنا بوجود ملكين يسجلان كُلَّ أعمالنا الحسنة وَالسَّيِّئَة.
4- عدم التمادي في المعاصي وزخارف الدنيا ولهوها إذا تذكرنا أَنَّ ملك الموت ينتظرنا.
5- غرس العزة والقُوَّة في قلب المؤمن إذا علم أَنَّ الملائكة تنصر المؤمنين الصادقين عَلَى الكافرين.
____________________________
مراجع الدرس:
العقيدة (1): أحمد الكندي، وعاشور كسكاس.
آراء الشيخ اطفيَّش: وينتن.
كبرى اليقينيات: البوطي
منهج علم التوحيد: محَمَّد قطب، ج2.
الإيمان بالكتب
__________
(1) ... وقال أَيضًا: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلآَّ أَن تَاتِيَهُمُ الْمَلآَئِكَةُ أَو يَاتِيَ رَبُّكَ أوْ يَاتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا اِيمانُهَا لَم تَكُنَ ـ امَنت مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا } (الأنعام: 158) .
(2) ... رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وابن حبَّان، عن أبي هريرة. حديث صحيح، انظر: صحيح الجامع، رقم 5509، 5608، 5748، 6577. (1/23)
صفحة 62
أَوَّلاً : تعريف الكتب والصحف:
أ- لغة: الكِتَاب: مصدر كَتَبَ، كالكَتْب وَالكِتَابَة. وأصل الكَتْب: ضمُّ أديم إِلىَ أديم بالخياطة، واستعمل عرفا في ضمِّ الحروف بَعضها إِلىَ بَعض. والمقصود بِالكِتَابِ: اسم المفعول، أي المكتوب، وَهُوَ ما خُطَّت فيه الحروف والكلمات. والصحيفة: هي الورقة المكتوبة، وجمعها صحف وصحائف. والصحيفة وَالكِتَاب مترادفان لغةً.
ب- اصطلاحا: الكتب والصحف هي الكلام الموحى به من عند الله إِلىَ رسله لتبليغه للناس، وعندما يُجمع ويدوَّن يُسَمَّى كِتَابا.
ثانيا : وجوب الإيمان بالكتب:
يجب الإيمان بجميع الكتب والصحف التي أنزلها الله عَلَى رسله، ويجب تخصيص القرآن منها، قَالَ تَعَالىَ: { يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَنْ يَّكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا } (النساء: 136) ، ومن أنكر بَعضًا منها، أو كذَّب بحرف منها بعد ثبوته يعتبر كافرا (كفر شرك)، قال تَعَالىَ لبني إسرائيل: { أَفَتُومِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟ فَمَا جَزَآءُ مَنْ يَّفْعَلُ ذَالِكَ مِنكُمُ إِلاَّ خِزْيٌ فيِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ } (البقرة: 85) .
ثالثا: الوحي (إمكانيته، ضرورته، طرقه):
أ- تعريفه: (1/24)
صفحة 63
- لغة (1) : للوحي في اللغة عِدَّة معان، منها: الإلهام الذي يلقى في روع الإِنسَان، الإشارة الخفية، الإلهام الغريزي، الوسوسة، ويجمع بين هَذِهِ المعاني: الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجَّه إليه.
- اصطلاحا: هو معرفة خصَّ الله بها أنبياءه ورسله (2) . أَو معرفة يجدها الشخص في نفسه مع اليقين بِأَنَّهُ من قِبل الله. أو هو: مخالطة الملائكة لبعض البشر خُصُوصًا وسرًّا عن الناس (3) ...
ب- ضرورته:
__________
(1) ... ورد في القرآن استعمالات كثيرة لكلمة الوحي دون أن يقصد بها الوحي المعروف للأنبياء، مثل: الإلهام الذي يلقى في روع الإِنسَان: { وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنَ اَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيَ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } (القصص: 7) ، ومنها الإشارة الخفية: { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمُ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } (مريم: 11) ، ومنها الإلهام الغريزي: { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ... } (النحل: 68) ، ومنها: وسوسة الشيطان: { وَكَذَالِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الاِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمُ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } (الأنعام: 112) .
(2) ... هَذَا التعريف هو الذي توصلنا إليه بعد الاطِّلاَع عَلَى التعاريف الأخرى ونقدها، إذ إِنَّ أغلبها لا يسلم من النقد، بسبب كونها غير جامعة أَو غير مانعة. انظر: دروس أصول الدين لطلاَّب السنة الثانية شريعة: مصطفى شريفي.
(3) ... انظر: وينتن: آراء، ص217. أحال عَلَى قواعد الجيطالي، 1/23. (1/25)
صفحة 64
إِنَّ العقل البشري قاصر عن إدراك الأمور الغَيْبِيَّة وغير المَادِّيَّة، وإذا تجاوز تفكير الإِنسَان عالم المَادَّة تخبَّط، وتاه، وبقي حائرا يتساءل: من أين جاء؟ وما مصيره؟ ما المقياس الذي يُعرف به الحسن والقبح؟ والعدل والظلم؟ وكيف يعبد خالقه؟... لذا اقتضت رحمة الله وحكمته أن يوحي للبشر بالإجابة عن مثل تلك الأسئلة، والتي لا يستطيع العقل وحده الوصول إليها، فالوحي بالنسبة للعقل كالنور للعين.
جـ- إمكانيته وَدَلِيله (1) :
1- الإمكانية: إذا كان المؤمن متيقنا بِأَنَّ الله هو الخالق، فإنَّ عقله لا يحيل وجود اتِّصَال بين هَذَا الخالق ومخلوقه عن طريق الوحي.
__________
(1) ... ما فتئ أعداء الإسلام بيثون الشكوك في الوحي، لأَنَّ التشكيك فيه يعني التشكيك في كُلِّ ما يتلقونه من الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عقائد وأحكام، لذا وجب ردُّ شبههم. منها أَنَّ الوحي لم يحدث سوى بالتدرج في التفكير العميق والتأمل الدقيق، حَتَّى انكشف له ما لم ينكشف لغيره، ويجاب عنه بِأَنَّ الحالة التي أصيب بها الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - من الذعر والخوف والاصفرار في اللون والارتعاش... في بدء الوحي ينفي هَذِهِ الفكرة، إذ كيف يصاب بِذَلِكَ إذا كان ينتظر مثل تلك الحالة، والتاريخ والقرآن يثبتان أَنَّهُ ما كان يرجو الوحي ولم ينتظره، وَإِنَّمَا جاءه فجأة. كما يثبتان انقطاع الوحي عنه - صلى الله عليه وسلم - لِمُدَّة طويلة، حَتَّى ضاق الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ، ولو كان من عنده لَمَا حدث ذَلِكَ. (1/26)
صفحة 65
2- الدَّلِيل: أَمَّا الدَّلِيل عَلَى صدق نزول القرآن الكريم من عند الله، فهو أَنَّهُ تحدَّى كُلَّ البشر وكلَّ الجنِّ أَن يأتوا بمثله، وَأَنَّهُ احتوى عَلَى أوجه مختلفة من الإعجاز، كالإعجاز البيانيِّ، والعلميِّ، والغيبيِّ، والتشريعي... بالإضافة إِلىَ الشواهد التَّارِيخِيَّة التي لابست نزوله، فهي كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى ثبوته وصدقه.
د- طرائقه:
ذُكرت بعض طرائق الوحي في قَوله تَعَالىَ: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ... } (الشورى: 51). وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - : "أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ" (1) .
الدَّلِيل ... التفسير (2)
{
__________
(1) ... وَبَقِيَّة الحديث: "قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا". الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: [2] بَابٌ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ، رقم 02، ص 05. البخاري: كِتَاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، رقم02.
(2) ... انظر: تفسير القرطبي، ج16، ص53، تفسير قَوله تَعَالىَ: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا... } (1/27)
صفحة 66
إِلاَّ وَحْيًا } ... 1- النفث في الروع، أي الإلهام (1) .
2- الرؤيا في المنام، كإبراهيم - عليه السلام - .
{ اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ } ... 3- تكليم الله للرسول بلا واسطة كموسى - عليه السلام - .
{ اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً } ... 4- الملَك في صورته الحَقِيقِيَّة.
"يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً" ... 5- الملَك في صورة رجل، كسؤال جبريل عن الإيمان (2) .
"مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ" ... 6- صلصلة الجرس
{ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الاَلْوَاحِ... } (الأعراف:145) ... 7- الكِتَابة عَلَى شَيْء، كألواح موسى - عليه السلام - .
رابعا: عدد الكتب والصحف:
لم يَرِد في القرآن الكريم عدد الكتب والصحف، وَإِنَّمَا ورد فيه ذكر صحف إبراهيم وموسى، وأسماء بَعض الكتب مضافة إِلىَ رسل أنزلت عَلَيْهِم. وجاء في الخبر عن أبي ذر أَنَّ عدد الصحف والكتب هو أربعة ومائة كِتَاب: خمسون عَلَى شيث، وثلاثون عَلَى إدريس، وعشرٌ عَلَى إبراهيم، وعشرٌ عَلَى موسى قبل التوراة، والتوراة لموسى، والإنجيل لعيسى، والزبور لداود، والقرآن لسيدنا محَمَّد عَلَيهِم السَّلاَمُ.
قَالَ تَعَالىَ عن بَعض الصحف: { أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى } (النجم: 36 ـ 37) (3) .
__________
(1) ... كما في حديث: "إِنَّ روح القدس نفث في روعي: لن تموت نفس حَتَّى تستكمل رزقها، فاتَّقوا الله وأجملوا في الطلب". قال العجلوني: "رواه في مسند الفردوس عن جابر... ورواه أبو نعيم والطبراني عن أبي أمامة، والبزَّار عن حذيفة، وأخرجه أيضا ابن أبي الدنيا وصحَّحه الحاكم عن ابن مسعود كذا في فتح الباري". العجلوني: كشف الخفاء، 1/268. (المكتبة الألفية، قرص مدمج)
(2) ... الربيع بن حبيب، رقم 769، ص201.
(3) ... وقال أَيضًا: { إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الاُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } (الأعلى: 18 ـ 19) . (1/28)
صفحة 67
وقال عن التوراة: { إِنَّآ أنزَلْنَا التَّوراةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } (المائدة: 44) .
وقال عن الإنجيل: { وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَارِهِم بِعِيسَى اَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوراةِ وَءَاتَيْنَاهُ الاِنجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ } (المائدة: 46) .
وقال عن الزبور: { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلَى بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا } (الإسراء: 55) .
خامسا: خصائص الكتب والصحف:
1- كُلُّ الصحف والكتب تَتَّفِقُ في العقيدة ومكارم الأخلاق، قَالَ تَعَالىَ: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ اِلاَّ يُوحَى إِلَيْه أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ } (الأنبياء: 25) .ولكنها تختلف في بَعض الشرائع والأحكام، قَالَ تَعَالىَ: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } (المائدة: 48) (1) .
__________
(1) ... قال تَعَالىَ قبلها: { وَلْيَحْكُمَ اَهْلُ الاِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبَعَ اَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَّقِ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } (المائدة: 47 ـ 48). (1/29)
صفحة 68
2- كُلُّ الكتب عهد الله بحفظها إِلىَ الناس فخانوا الأمانة، وبدلوا وغيروا، وأخفوا منها ما أرادوا، خدمةً لأغراضهم وأهوائهم، فأحلوا ما حرم الله (1) ، قال تَعَالىَ عن اليهود: { مِنَ الذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } (النساء: 46) ، وأضافوا إِلىَ التوراة قصصا عن الأنبياء في غاية من السوء والفحش، ونسبوا إِلىَ الله ما هو شرك صريح: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَالِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهُونَ قَوْلَ الذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُوفَكُونَ } (التوبة: 30) ، وكتموا من التوراة والإنجيل ما شاءوا، ومن ذَلِكَ التبشير بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ، قال تَعَالىَ: { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَآءِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِن بَعْدِيَ اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } (الصف: 6) .
__________
(1) ... فقد استحلوا خيانة الأمانة: { وَمِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مَنِ اِن تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُّوَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنِ اِن تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُوَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ: لَيْسَ عَلَيْنَا فيِ الاُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونُ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } (آل عمران: 75) ، كما استحلوا الربا وقد نهاهم الله عنه: { وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمُ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا } (النساء: 161) . (1/30)
صفحة 69
وَأَمَّا القرآن الكريم فقد تكفل الله بحفظه، قَالَ تَعَالىَ: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } (الحجر: 9) .
3- لم تكن تلك الكتب معجزة بلفظها، ما عدا القرآن، ليبقى المعجزة الخالدة للرَّسُول محَمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ تَعَالىَ: { قُلَ اَرَآيْتُمُ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنَ اَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمُ ءَايَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُ الْحَقُّ } (فصلت: 53) .
4- تختلف الكتب في لغاتها حسب الأقوام الذين نزلت فيهم، قال تَعَالىَ: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ اِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } (إبراهيم: 4) .
سادسا: القرآن الكريم:
أ- تعريف القرآن:
هو كلام الله المنزل عَلَى سَيِّدنَا محَمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، المعجز، المتعبد بتلاوته، المدون في المصاحف، المنقول إلينا بالتواتر. يرشد الأمم إِلىَ صلاحها وفلاحها في الدُّنْيَا وَالآخِرَة.
ب- خلق القرآن:
كُلُّ الكتب المنزلة مخلوقة، ولا يَصِحُّ القول بِأَنَّهَا قديمة أو غير مخلوقة. وَمِمَّا احتَجَّ به القائلون بِأَنَّ القرآن قديم قولهم: القرآن كلام الله، بدليل قَوله تَعَالىَ: { وَإِنَ اَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ } (التوبة: 6) ، والكلام صفة من صفات الله، فهو إذن أزليٌّ قديم. وجوابهم من عِدَّة أوجه:
1- يجب التفريق بين صفة الكلام لله، وبين الكلام المنزل عَلَى رسله؛ إذ لم يقم دَلِيل عَلَى تسمية صفة الكلام لله قرآنا، وَإِنَّ نسبه الكلام إِلىَ الله ليست سوى كنسبة المخلوقات إليه، كما نقول: بيت الله، أو ناقة الله... (1/31)
صفحة 70
2- أَنَّ الله تَعَالىَ هو الخالق، وَأَنَّ جميع ما عداه مخلوق، قَالَ تَعَالىَ: { ذَالِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } (الأنعام: 102) .
3- أَنَّهُ تَعَالىَ منفرد بالقدم، فلو كان القرآن قديما للزم بطلان انفراده تَعَالىَ بالقدم.
4- القرآن مكون من حروف وكلمات، ومدون في الصحف والأوراق والألواح، ومحفوظ في الصدور، وما كان عَلَى هَذِهِ الصفات فهو مخلوق ولا شَكَّ.
______________
مراجع الدرس:
- بهجة الأنوار: السالمي ... ... ... ... - مشارق الأنوار: السالمي
- العقيدة (1): أحمد الكندي، وعاشور كسكاس ... ... - آراء الشيخ اطفيَّش: وينتن.
- كبرى اليقينيات: البوطي. ... ... ... ... - منهج علم التوحيد: محَمَّد قطب، ج2.
- الحق الدامغ: أحمد الخليلي.
الإيمان بالأنبياء والرسل والمعجزات
أوَّلاً : الأنبياء والرسل
تمهيد:
إِنَّ الله تَعَالىَ لم يخلق الإِنسَان عبثا، { أَفَحَسِبْتُمُ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمُ إِلَيْنا لاَ تُرْجَعُونَ } (المؤمنون: 115) ، وَإِنَّمَا خلقه لعبادته: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } (الذاريات: 56) ، ولكي لا يبقى الإِنسَان حائرا في كَيفِيَّة عبادة الله (1) فقد بعث الله إليه رسلا من البشر يُبَيِّنُون أوامره ونواهيه، ومآل المطيع والعاصي في الحياة الأخرى.
أ- التعريف اللغوي:
__________
(1) ... لو تُرك أمر العبادة للعقل البشري وحده لضلَّ، ولَعمل أمورا يَظُنُّها تقربا إِلىَ الله بينما هي كفر صراح، أو معصية، مثال ذَلِكَ: عبادة الأصنام التي اعتقد فيها عبَّادها أَنَّهَا تقربهم إِلىَ الله، بدعوى أَنَّهَا طاهرة من كُلِّ معصية، أو أَنَّهَا ترمز إِلىَ عباد صالحين يستشفعون بهم إِلىَ الله. وكالطواف عراة بدعوى التقرب إِلىَ الله عَلَى الهيئة التي خُلقوا بها دون الثياب التي عصوا الله فيها، إِلىَ غير ذَلِكَ مِمَّا تزينه النفس والشيطان من مبررات للمعاصي... (1/32)
صفحة 71
الرسول: هو المبعوث في مَهَمَّة، قَالَ تَعَالىَ: { وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ اِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } (النمل: 35) .
النبيء: مشتق من النبأ، وَهُوَ الخبر، سُمِّيَ بذَلِكَ لأَنَّهُ مخبَر ومخبِر، منبئ عن الله، ومنبَّأ منه.
النبيُّ: من النبوَّة وهي الرفعة والشرف.
ب- التعريف الاصطلاحي:
الأنبياء والرسل: هم بشر أوحى الله إِلَيْهِم، يدعون النَّاس إِلىَ الصراط السويِّ، مؤيَّدين بمعجزات تثبت صدق دعواتهم.
والفرق بين الرسول والنبيء أَنَّهُ إن أُمر بتبليغ ما أوحي إليه (إِلىَ عَامَّة الناس أو فئةٍ منهم) سُمِّيَ رسولا، وإن لم يؤمر بتبليغه سُمِّيَ نبيئا. قال تعالى: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ اِلآَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فيِ أُمْنِيَّتِهِ... } (الحج: 52)، فذكْرُهُما في نصٍّ واحد إشارةٌ إِلىَ تغايرهما (1) ، وعليه فكلُّ رسول نبيء، وليس كلُّ نبيء رسولاً (2) .
ج- وجوب الإيمان بالأنبياء والرسل عمومًا :
__________
(1) ... يضاف إلى ذلك حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه، "قال: قلت: يارسول الله، كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربع وعشرون ألف، قال: قلت: يارسول الله، كم الرسل من ذَلِكَ؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر... ". ينظر تخريج الحديث ومختلف رواياته وطرقه، ما بين صحيحة وضعيفة : كتاب قواعد الإسلام للجيطالي، 1/80، هامش1.
(2) ... مثاله: سيدنا محمد * نُبِّئ في سورة العلق، ولم يؤمر بالتبليغ . ثم أرسل حين أنزلت عليه سورة المدثر. (1/33)
صفحة 72
الإيمان بالأنبياء والرسل جميعهم أمر واجب، وأولهم آدم، وآخرهم نبيُّنا محمَّد * ، وإنكار أي واحد منهم ـ منصوص عليه ـ يعتبر كفرا، قَالَ تَعَالىَ: { قُولُواْ ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وَإسماعيل وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالاَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوتِيَ النَّبِيئُوونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } (البقرة: 136) (1) .
د- وجوب الإيمان بنبيِّنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم خصوصًا:
يجب عَلَى المكلَّف ما يأتي:
- أن يخصَّ نبيَّنا محَمَّدًا * بالإيمان، قال تعالى: { ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } (الحديد: 7) .
- أن يعتقد أنه خاتم الأنبياء والرسل، ولا نبيَّ بعده، وشريعته ناسخة للشرائع الأخرى، قال تعالى: { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ } (الأحزاب: 40) .
__________
(1) ... وقال: { ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُومِنُونَ كُلٌّ ـ اَمَنَ بِاللهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ } (البقرة: 285) ، وقال أَيضًا: { إِنَّ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُّفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُومِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَّتَّخِذُوا بَيْنَ ذَالِكَ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا وَالذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمُ أُوْلَئِكَ سَوْفَ نُوتِيهِمُ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } (النساء: 150 ـ 152) . (1/34)
صفحة 73
- أن يعتقد أنه أرسل إلى كافة الناس، قال تعالى: { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } (الأنبياء: 107) ، { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } (سبأ: 28) ، فالإسلام دعوة عالميَّة.
هـ- وظائف الأنبياء والرسل:
1- البلاغ المبين (1) ، وتعليم الناس أمور دينهم، وتزكيتهم، وإخراجهم من الضلال إِلىَ الهدى: { هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } (الجمعة: 2) .
2- التبشير والإنذار: تبشير المطيعين بالحياة الطَّيِّبة، وإنذار العصاة بالشقاء والعذاب، { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدًّا } (مريم: 97) (2) .
3- إقامة الحجَّة عَلَى الناس: { رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } (النساء: 165) .
و- صفات الأنبياء والرسل:
1- الصفات الواجبة:
1- العقل، لقد أنكر الله تَعَالىَ مرارا عَلَى الذين يصفون الرسول بالجنون، ومن ذَلِكَ قَوله: { وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ } (التكوير: 22) ، { أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } (المؤمنون: 70) ...
2- الصدق، والدليل عليه: هو معجزاتهم، فالمعجزة تصديقٌ من الله للرسول.
__________
(1) ... قال تَعَالىَ: { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ } (النور: 54) .
(2) ... وقال أَيضًا: { فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيئِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اَخْتَلَفُواْ فِيهِ } (البقرة: 213) . (1/35)
صفحة 74
3- العصمة، بما أَنَّ الأنبياء والرسل هم القدوة فَلاَ بُدَّ أن يكونوا معصومين عن المعاصي.
4- الأمانة، هي أن يكونوا حافظين لدينهم، فلا تصدر منهم المعاصي الظاهرة (كالكذب، والغيبة) والباطنة (كالحسد والكِبر والرياء).
5- الضبط: فيجب أن يكون الرسل حافظين لِمَا أُلقي إِلَيْهِم من الوحي من غير نسيان أو تهاون.
6- التبليغ: وهو إيصال الرسل ما أمروا بإيصاله، ولو أَدَّى ذَلِكَ إِلىَ هلاكهم (1) ، قال تعالى: { يَآ أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاَتِهِ } (المائدة: 67).
7- الفطانة: وهي التفطُّن والتيقُّظ لإلزام الخصوم، وإبطال دعاويهم. والدليل عَلَى فطانتهم ما حكى القرآن عن جدال الرسل لأقوامهم، كَقَولِهِ تَعَالىَ عن إبراهيم عليه السلام: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ } (الأنعام: 83) (2) .
__________
(1) ... خلافا لمن قال من الشيعة بجواز التقيَّة في حقِّهم، وقد ردَّ علماء الإباضيَّة وأهل السنة عليهم في ذلك.
(2) ... وكقولِهِ تعالى عَلَى لسان قوم نوح: { قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } (هود: 32) ، وكأَمْرِ الله تَعَالىَ الرسولَ محَمَّدًا * بقوله: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ } (النحل: 125) ، ومن لم يكن فطنا لا تمكنه إقامة الحجَّة. (1/36)
صفحة 75
8- الذكورة، قَالَ تَعَالىَ: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحَى إِلَيْهِمْ } (النحل: 43) (1) .
9- السلامة من منفِّر أو عيب بدنيٍّ قبل التبليغ (2) .
2- الصفات المستحيلة:
الصفات المستحيلة في حقِّ الرسل هي أضداد صفاتهم الواجبة، كالكذب والجنون، والعته، وارتكاب المعاصي. والدليل على ذلك أنَّه لو وجدت إحدى الصفات المستحيلة لَلَزِم نفور الناس عنهم، ولاَنْحطُّوا عن رتبة الاصطفاء التي حباهم الله بها، ولكنَّا مأمورين باتِّباعهم في تلك الصفات، وهو باطل قطعا. وبقيَّة الأدلة هي نفس أَدِلَّة الصفات الواجبة.
3- الصفات الجائزة:
ما عدا الواجب والمستحيل في حقِّ الرسل فَإِنَّهُ جائز، وَذَلِكَ كالأكل والشرب والنوم والنكاح ومخالطة الناس والمشي في الأسواق، ونحو ذَلِكَ من الخصال الجِبِلِّيَّة.
__________
(1) ... وَهُوَ رأي الجمهور، لِقَولِهِ تَعَالىَ: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحِى إِلَيْهِم مِّنَ اَهْلِ الْقُرَى } (يوسف: 109) ، { وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً يُّوحَى إِلَيْهِمْ } (الأنبياء: 7) . وذهب آخرون إِلىَ أَنَّهَا يمكن أن تكون في النساء، كمريم: { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلآَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ... إِذْ قَالَتِ الْمَلآَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ } (آل عمران: 42، 45) ، { فَأرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا } (مريم: 17). وجمع بين الدَّلِيلين آخرون فقالوا: فِيهِنَّ النبوءة لا الرسالة. انظر: وينتن: آراء، ص230-231.
(2) ... وأمَّا بعد النبوَّة والتبليغ فلا مانع من ذلك، كسيِّدنا أيُّوب ويعقوب عليهما السلام. (1/37)
صفحة 76
ويستثنى من ذَلِكَ ما يُستقبح فعله، كالبول قياما، فقد رَوَى فيه غيرُ الإِبَاضِيَّة حديثا لا يصحُّ، لقوله تَعَالىَ: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } (القلم: 4)، وَإِنَّ البائل قائما ليس عَلَى خلق حسن، بَلْهَ أن يكون عَلَى خلق عظيم.
ز- تفاضل الأنبياء والرسل:
قال تعالى: { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } (البقرة: 253) ، وقال: { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلَى بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا } (الإسراء: 55) . وأفضلهم سيِّدنا محمَّد * ، لقوله تعالى: { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } (الشرح: 4) ، ولقوله * : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ" (1) .
ثانيًا : المعجزات
لقد أيَّد الله الرسل بالمعجزات التي تثبت صدقهم، قال تعالى: { لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ } (الحديد: 25) . وقد سمَّاها القرآن: بيِّنات، وآيات، وبرهانًا...
أ- تعريف المعجزة:
هي أمر خارق للعادة أوجده الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى يد مدَّعي النبوَّة، موافَقَة لدعواه، عَلَى سبيل التحدِّي، مع عدم المعارضة.
ب- طبيعة المعجزة :
__________
(1) ... من المعلوم أنَّ الشفاعة للمؤمنين لرفع درجاتهم وليست لأهل الكبائر.
... والحديث رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب تفضيل نبيِّنا على جميع الخلائق، رقم 2278، ج4/ ص1782. ورواه الترمذيُّ بلفظ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلاَ فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلاَّ تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلاَ فَخْرَ". "قَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ". كتاب المناقب عن رسول الله * ، رقم 3615، ج5/ ص587. (1/38)
صفحة 77
غالبا (1) ما تكون معجزة كلِّ رسول من جنس ما بَرع فيه قومه، فعيسى عليه السلام جاء في عصر اهتمام الناس بالطبِّ، وموسى عليه السلام جاء في عصر انتشار السحر، وسيِّدنا محمَّدٌ * جاء حين اهتمَّت العرب بالتباري في الفصاحة والبيان.
وقد كانت المعجزات السابقة مادِّيَّة، وأمَّا آخرها (وهي القرآن) فكانت معنويَّة، حين وصلت البشريَّة إلى مستوًى عال من النضج الفكريِّ، ليبقى التحدِّي ساريا إلى أن تقوم الساعة، مهما بلغت الإنسانيَّة من الرقيِّ العلميِّ والتكنولوجيِّ.
ج- المعجزة في ميزان العلم :
إنَّ الذي خلق الكون ـ وهو الله جلَّ جلاله ـ ووضع له أنظمة وقوانين ثابتة لا تتغيَّر، قادرٌ على أن يخرق تلك القوانين.
وفي الحقيقة إنَّ كلَّ ما يحدث في الآفاق وفي الأنفس في كلِّ لحظة هو معجزات وآيات، فحركة المجرَّات والنجوم والكواكب... وما حوته الأرض من عجائب في البرِّ والبحر، وفي الحيوان والنبات، وما يحدث بداخل الجسم البشريِّ من أنظمة دقيقة جدًّا... هي كلُّها آيات، إلاَّ أنَّنا بالإلف والعادة توهَّمنا أنها أمور طبيعيَّة، وأنَّ خرقها أمرٌ معجز!.
د- معجزة الرسول محَمَّد - صلى الله عليه وسلم - :
سأل العرب الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بمعجزة حسِّيَّة، فأجابهم الله بِأَنَّ القرآن أعظم معجزة: { وَقَالُوا لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلِ اِنَّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ اَوَلَمْ يَكْفِهِمُ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمُ } (العنكبوت: 50-51) .
ويتمثَّل إعجاز القرآن فيما يأتي:
__________
(1) ... قلنا غالبا؛ لأنَّ المعجزة قد تأتي ابتداء، أي في غير ما برع فيه القوم، مثل: كون النار بردا وسلاما على إبراهيم عليه السلام، والإسراء والمعراج لسيدنا محمَّد *. (1/39)
صفحة 78
1- التحدِّي القاطع لِكُلِّ الجِنِّ وَالإِنس أَن يأتوا بمثله: { قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَّاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } (الإسراء: 88) . ثمَّ تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله: { قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } (هود: 13-14) . ثُمَّ تحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة فقال: { وَإِن كُنتُمْ فيِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ التِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } (البقرة: 23-24) .
2- النظم البديع، فما هو بنثر ولا بشعر. والعربُ في هَذَا حجَّة عَلَى من سواهم من الأعاجم.
3- الإخبار بالمغيَّبات الماضية والمستقبليَّة.
4- التشريع الصالح لِكُلِّ زمان ومكان، مع أنَّ الرسول * أُمِّيٌّ، لم يدرس قانونا ولا فلسفة.
5- احتواؤه على حقائق عِلمِيَّة، لا يزال الباحثون يكتشفونها يومًا بعد يوم.
6- يستوي في الاستفادة منه جميع الفئات، من عوامَّ ومثقَّفين ومتخصِّصين...
7- لا يخلق على كثرة الردِّ.
هـ- أهمِّيَّة الإيمان بالأنبياء والرسل والمعجزات :
1- الاقتداء بهم في أخلاقهم وسلوكهم، كخشية الله، والصبر في الدعوة، وحسن معاملاتهم... قال تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } (الأحزاب: 21) . (1/40)
صفحة 79
2- الاهتمامُ بسيرتهم ـ وعلى رأسهم سيِّدنا محمَّد * ـ ونشرُها في أوساط الناشئة والشباب، بديلا عما تنشره وسائل الإعلام من أخبار من لا خلاق له.
3- تخصيص الإيمان بسيدنا محمد * يدفع المؤمن إلى حبِّه وطاعته، وتحكيم شرعه، والرضا بكل ما جاء به، قال تعالى: { قُلِ اِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلَ اَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّواْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } (آل عمران: 31-32) .
4- معرفة سيرة الرسول * تحثُّنا على الدفاع عنه، وعن سائر الأنبياء والرسل ضدَّ كلِّ من يريد النَّيل منهم.
5- اكتشاف مواطن الإعجاز في القرآن الكريم يزيدنا إيمانا ويقينا بصدقه، وبصدق ما أخبر به من أمور الآخرة، ويدفعنا إلى إظهاره والدعوة إليه.
مراجع الدرس:
الجيطالي: قواعد الإسلام، 1/45-48، 77-85.
السالمي: مشارق أنوار العقول، ص215-231.
السالمي: بهجة الأنوار، ص96-101.
علي يحيى معمَّر: سمر أسرة مسلمة، ص55-62.
عمر سليمان الأشقر: الرسل والرسالات.
وينتن: آراء الشيخ اطفيَّش العقدية، 207-269.
أحمد الكندي، وعاشور كسكاس: العقيدة (1)، ص129.
البوطي: كبرى اليقينيَّات الكونيَّة، ص183-238.
محَمَّد قطب: منهج علم التوحيد، ج3، ص6-171.
الغزالي: عقيدة المسلم، ص173-201.
النشاط الدراسي:
أكمل الحديث النبوي الآتي. قال رسول الله * : "مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه...".
الإيمان بالقضاء والقدر
أَوَّلاً - تمهيد:
لقد استنفد المسلمون جهدا كبيرا، ودهرا طويلا، وهم يجادلون في موضوع القضاء والقدر، فأعطوه الصبغة الفلسفية أحيانا، وأقحموا العقل أحيانا في ما لا طائل من ورائه، حَتَّى شغلت الكثير عن القضايا والأهداف الأَسَاسِيَّة للإسلام.
ثانيا - المعاني اللغوية للقضاء والقدر: (1/41)
صفحة 80
للقضاء معان لغوية مُتَعَدِّدَة، منها:
1- الخلق، كما في قَوله تَعَالىَ: { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ } (فصلت: 12) .
2- الحُكم: كما في قَوله تَعَالىَ: { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } (يونس: 93) .
3- الأمر: كما في قَوله تَعَالىَ: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلآَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } (الإسراء: 23) .
4- الإخبار والإعلام، كما في قَوله تَعَالىَ: { وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الاَرْضِ مَرَّتَيْنِ... } (الإسراء: 4) .
وللقدر كَذَلِكَ معان مُتَعَدِّدَة منها:
1- الخلق: كما في قَوله تَعَالىَ: { وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى } (الأعلى: 3) .
2- الحساب والميزان الدقيق: كما في قَوله تَعَالىَ: { وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ } (المؤمنون: 18) ، أي بمقدار محدَّد.
3- التضييق: كما في قَوله تَعَالىَ: { وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ اللَّهُ } (الطلاق: 7) .
4- الوجود: كما في قَوله تَعَالىَ: { إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ } (النمل: 57) .
ثالثا - المعنى الاصطلاحي للقضاء والقدر:
القضاء شرعا: هو حكم الله تَعَالىَ عَلَى الأشياء في الأزل، وَكِتَابتها في اللوح المحفوظ.
والقدر: هو إخراجها إِلىَ الوجود في أوقاتها المحدَّدة لها حسب علم الله، ووفق مَا هو مكتوب في اللوح المحفوظ.
ومن العلماء من يعكس تعريفهما، ومنهم من يجعلهما بمعنى واحد.
رابعا - وجوب الإيمان بالقضاء والقدر:
الإيمان بالقضاء والقدر أصل من أصول الدين، وركن من أركان الإيمان، والدَّلِيل عَلَى وجوب الإيمان بهما من العقل والنقل: (1/42)
صفحة 81
أ- من النقل: قال الله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر: 49). وقال {قُل لَّنْ يُّصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} (التوبة: 51).
وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ وَلَنْ تُؤْمِنَ وَتَبْلُغَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ خَيْرَ الْقَدَرِ وَشَرَّهُ؟ قَالَ: "تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، فَإِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ". (1). وفي جواب رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام - لسؤاله عن الإيمان قال: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ." (2).
__________
(1) ... رواه الربيع بن حبيب، باب [12] في القدر والحذر والتطيّر، حديث رقم 72.
(2) ... نصُّ الحديث كالآتي: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فَجَاءَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فَأَلْزَقَ رُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: فَمَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ .. قَالَ: فَمَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَتَعَجَّبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ. قَالَ: فَمَا أَمَارَتُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ أَصْحَابَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلاَثٍ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ مَعَالِمَ دِينِكُمْ". مُتَّفَق عَلَيْهِ، واللفظ للترمذي، كِتَاب الإيمان عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، باب وصف جبريل للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم الإيمان والإسلام، رقم 2610. (1/43)
صفحة 82
ب- من العقل: يتفرَّع الإيمان بالقضاء والقدر عن الإيمان بعلم الله الشامل، وقدرته الكاملة، وإرادته المطلقة؛ فلا يحصل في الوجود شَيْء إِلاَّ وَالله تَعَالىَ يعلمه ويريده، ويستحيل حصول شَيْء لم يرده الله.
خامسا - اختلاف المسلمين في مسألة القضاء والقدر:
للأمة الإِسلاَمِيَّة إزاء هَذِهِ القَضِيَّة ثلاثة مذاهب:
1-المعتزلة:
وسُمُّوا أَيضًا بالقدرية، رئيسهم: واصل بن عطاء، قالوا: إِنَّ للعبد الحُرِّيَّة التَّامَّة في اختياره، وهو الفاعل للخير والشرِّ، وقدرته صالحة لخلق فعله وإيجاده.
من أدلتهم العَقلِيَّة:
أ. إِنَّ الله تَعَالىَ عدل لا يظلم ولا يجور، فلا يَصِحُّ أن يخلق الخير والشرَّ للعبد ويجبره عَلَيْهمَا، ثُمَّ يحاسبه عَلَى فعلهما. والتكليف والمحاسبة يقتضيان أن يكون العبد مخيرا لا مسيرا ولا مجبورا.
ب. إِنَّ أفعال العبد لا تخلو من أحد الاحتمالات الثلاثة: إِمَّا أن تنسب إِلىَ الله تَعَالىَ وحده، وَإِمَّا أن تنسب إِلَيْهِ وَإِلىَ العبد معا، وَإِمَّا أن تنسب إِلىَ العبد فقط. فَالأَوَّلُ باطل لأَنَّهُ يستلزم أن يكون الإِنسَان مجبورا عَلَى فعله، وبالتالي يُنسب الظلم إِلىَ الله. والثاني باطل أَيضًا لاستلزامه مشاركة الله في أفعاله، وَهُوَ منزه عن الشريك. فثبت الاحتمال الثالث. ...
وأجيبوا عن الاستلزامين الأَوَّل والثاني بأَنَّ لفعل العبد جهتين: جهة إيجاد، وهي لله، وجهة اكتساب وهي للعبد، ولا يستلزم مشاركة الله في أفعاله.
من أدلتهم النَّقليَّة:
أ. استدلُّوا لجواز نسبة الخلق إِلىَ الإِنسَان، بقَوله تَعَالىَ: { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيرِ } (المائدة: 110)، وأجيبوا بِأَنَّ الخلق في الآيَة مجاز لا حقيقة، فالخلق والإيجاد الحقيقيُّ (من العدم إلى الوجود) خاصٌّ بِاللهِ، قَالَ تَعَالىَ: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ } ؟ (فاطر: 3) . (1/44)
صفحة 83
ب. استدلوا بالآيات التي تنسب الحُرِّيَّة والإرادة للإنسان، كَقَولِهِ تَعَالىَ: { فَمَن شَآءَ فَلْيُومِنْ وَّمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرِ } (الكهف: 29) ، وقوله: { ذَالِكَ بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } (آل عمران: 182، والأنفال: 51)، وقوله: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } (الإنسان: 3) (1) ، أي أريناه طريق الصلاح وطريق الفساد، وتركناه حُرًّا يختار أيَّهما شاء.
2- الجهمية:
ويسمَّوْن بالجبرية، رئيسها: جهم بن صفوان، قالوا: القدر خيره وشرُّه من الله عَلَى جهة الجبر والإكراه، والعبد مجبور ومسيَّر كالجمادات.
من أدلتهم:
__________
(1) ... وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة عَلَى هَذَا النحو، منها قَوله تَعَالىَ: { ذَالِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } (الحج: 10) ، وقوله: { وَلَوْلآَ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلآَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ } (القصص: 47)، وقوله: { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } (البلد: 10) . (1/45)
صفحة 84
استدلوا من القرآن بمثل قَوله تَعَالىَ: { يُضِلُّ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ } (النحل: 93) ، وقوله: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } (القصص: 68)، وقوله: { وَمَا تَشَآءُونَ إِلآَّ أَنْ يَّشَآءَ اللَّهُ } (الإنسان: 30) (1) .
ويردُّ عَلَيْهِم من العقل بأَنَّ الإجبار ينافي التكليف والحساب، ويؤدي إِلىَ نسبة الظلم إِلىَ الله. وَأَيْضًا بما يجده الإِنسَان في نفسه من الاختيار بين الفعل والترك. والضلالُ والهدايةُ إِنَّمَا يكونان بالاختيار، ثُمَّ الله يخذل من اختار الضلالة، ويوفِّق من اختار الهداية (2) .
__________
(1) ... ومنها قَوله تَعَالىَ: { خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } (البقرة: 7)، وقوله: { وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الذِينَ مِن بَعْدِهمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اِخْتَلَفُواْ، فَمِنْهُمْ مَّنَ _امَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَا اَقْتَتَلُواْ، وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } (البقرة: 253)، وقوله: { وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُومِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } (النساء: 155)، وقوله: { وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَآ أَشْرَكُواْ } (الأنعام: 107)، { مَنْ يُّضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ } (الأعراف: 186)، وقوله: { مَنْ يَّهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا } (الكهف: 17)، وقوله: { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } (النجم: 43-44)، وقوله: { وَمَا تَشَآءُونَ إِلآَّ أَنْ يَّشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } (التكوير: 29) .
(2) ... قَالَ تَعَالىَ: { قُلِ اِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنَ اَنَابَ } (الرعد: 27) (1/46)
صفحة 85
ويردُّ عَلَيْهِم من النقل: بكُلِّ الآيات التي استَدَلَّ بها المعتزلة عَلَى أَنَّ الإِنسَان مخيَّر في أفعاله.
3- الجمهور:
ذهب جمهور الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة من الإِبَاضِيَّة والأشاعرة والماتريدية إِلىَ أَنَّ القدر خيره وشرَّه من الله، وَهُوَ الخالق لهما، وَهُوَ المقدِّر لِكُلِّ ما يحدث في الوجود، ووقفوا موقفا وسطا يجمع بين أَدِلَّة الفريقين (المعتزلة والجهمية) فقالوا: إِنَّ لفعل العبد جهتين:
أ- جهة الخلق والإيجاد، وهي التي يخرج بها فعل العبد من العدم إِلىَ الوجود، وتنسب إِلىَ الله، فهو الخالق لفعل العبد حال اختياره له، ويخلق له القدرة عَلَى فعله.
ب- وجهة اكتساب، وهي نسبة ذَلِكَ الفعل إِلىَ العبد، عند اختياره لفعله؛ فَاللهُ تَعَالىَ موجِدٌ والعبد مكتسِب؛ وإذا ثبت للعبد اختيار واكتساب صَحَّ أن يتلقى بسببهما الثواب أو العقاب.
من أدلتهم:
1- قَوله تَعَالىَ: { لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اَكْتَسَبَتْ } (البقرة: 286).
2- وقَوله: { الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } (غافر: 17).
3- وقوله: { لِمَن شَآءَ مِنكُمُ أَنْ يَّتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } (المدثر:37-38) (1) .
سادسا - ما يجب في الإيمان بالقضاء والقدر:
__________
(1) ... ومنها أَيضًا: قَوله تَعَالىَ: { إِنَّ الذِينَ يَكْسِبُونَ الاِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ } (الأنعام: 120) . وقَوله تَعَالىَ: { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا } (الزمر: 48) . (1/47)
صفحة 86
1- أَنَّ كُلَّ ما يحدث في الكون فبقضاء الله وقدره، وَأَنَّ الله عالم به قبل حدوثه، كالخصب والجدب، وهبوب الرياح والأعاصير، وحدوث الزلازل والمصائب... قَالَ تَعَالىَ: { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } (الحديد: 22) ، وقال: { ...ويَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ اِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الاَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ اِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } (الأنعام: 59) .
2- إِنَّ الله تَعَالىَ لا يحاسب العبد عَلَى القدَر الحتميِّ الذي لا يستطيع العبدُ التَّصَرُّف فيه، مثل: شكل خِلقته، ومن أيِّ الأبوين هو، ومتى يولد وأين، وحركاته اللاإرادية كالارتعاش والموت... وَإِنَّمَا يحاسبه عَلَى أفعاله الاختياريَّة، كالطعام والشراب والتعلُّم، والطاعة والمعصية...
سابعا - بعض الإشكالات وجوابها:
1- قد يُتساءل: إذا كان الله يريد وقوع المعصية فلماذا يعاقب عَلَيْهَا؟ الجواب: يجب التفريق بين أمر الله وإرادته، فَاللهُ تَعَالىَ لم يأمر بالمعصية ولا يرضى وقوعها، وَلَكِن إذا وقعت فلا نقول: إِنَّهُ لم يُرِد وقوعها، لأَنَّهُ تَعَالىَ لا يقع في ملكه إِلاَّ ما يريد.
2- إذا كانت أفعالنا لا تخرج عن دائرة علم علم الله تَعَالىَ الشامل وإرادته المطلقة، فهل يعني هَذَا أَنَّهُ أجبرنا عليها ؟ الجواب: كلا، لأَنَّ علمه تَعَالىَ لا يَتَّصِلُ بأعمالنا اتِّصَال إكراه وإجبار، وَلَكِنَّهُ اتِّصَال انكشاف ووضوح.
ثامنا - خلاصة القول:
إِنَّنَا مهما حاولنا التوغل في فهم القدر فلن تزداد القَضِيَّة إِلاَّ غموضا، لذا يجب التسليم بأمور أَسَاسِيَّة: (1/48)
صفحة 87
1 - أَنَّ القدر سرٌّ من أسرار الله، قال تَعَالىَ في حديث قدسي: "القدر سري، ولا ينبغي لأحد أن يطَّلع عَلَى سرِّي" (1)، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: "إذا ذكر القدر فأمسكوا" (2)، فلا يجوز إغراق المناقشة فيه، قال الشيخ السالمي: ...
... ... وبالقضاء نؤمن أَيضًا والقدر ... ... ولم يجز إغراقنا فيه النظر
2 - أن نتيقَّن أَنَّ لله تَعَالىَ العلم الكامل، والقدرة والإرادة المطلقتين في التَّصَرُّف في مخلوقاته، وَأَنَّهُ عدل لا يجور.
3 - أن نفوض الأمر كُلَّهُ إلى الله، وأن نضع في حسباننا القاعدة الرئيسة في الموضوع، وهي قَوله تَعَالىَ: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء: 23).
4 - أن نهتمَّ بالعمل وعدم التواكل، وقد سَأَلَ سُرَاقَةُ بْنُ جشعمَ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فَقَالَ: مَا الْعَمَلُ فِي أَمْرٍ مُبْتَدَإٍ مُسْتَأْنَفٍ، أَمْ فِي شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ صلَّى الله عليه وسلَّم: "بَلْ فِي شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ"، ثُمَّ قَالَ سُرَاقَةُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذَنْ يَارَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: " اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" (3).
__________
(1) ... قال الأستاذ عمر إسماعيل آل حكيم في دراسته حول معالم الدين (مرقون): "هكذا جاء به الثميني ولم أجده بهذا اللفظ، وجدته: "القدر سرّ الله، من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فأنا بريء منه"خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة .. انظر: (كنز العمال)، الكتاب الأول: في الإيمان والإسلام، الفصل السادس: في الإيمان والقدر، ج: 1/ 485".
(2) ... رواه الطبراني بسند صحيح، من حديث ابن مسعود، انظر: فتح الباري، مج11/ص477، كِتَاب القدر. (عن أصول الدين للشيخ أوبكة، ص8، وينتن: آراء، ص353، وقال: صححه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 209).
(3) ... رواه الربيع بن حبيب، ج3/ ما جاء في الحجَّة على القدريَّة، حديث رقم: 796، ص207. ومسلم في كِتَاب القدر، باب كَيفِيَّة خلق الآدمي، رقم 2648. (1/49)
صفحة 88
تاسعا - الأثار التَّربَوِيَّة للإيمان بالقدر:
1 - قُوَّة العزم والتخلص من التردد، فإذا عزم المؤمن بالقدر عَلَى فعل شَيْء هيأ له أسبابه، واستخار واستشار، ومضى متكلا عَلَى الله، وَهُوَ متيقن أَنَّهُ لا يصيبه إِلاَّ ما كتب الله له، وَبِذَلِكَ يتخلص من التردُّد الذي يفسد عَلَى كثير من الناس أمورهم.
2 - الصبر والتجلُّد، وعدم الخوف من الموت، فَإِنَّ التسليم بِأَنَّ نفسا لن تموت حَتَّى تستوفي رزقها وأجلها يُكسب المؤمنَ صبرا وشجاعة وإقداما، قَالَ تَعَالىَ: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ اَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلاً} (آل عمران: 145) (1).
3 - الاطمئنان النفسيُّ وعدم السخط والجزع والكفر ... بسبب مصيبة، أو الفرح والغرور بسبب نعمة، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: "عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ" (2).
__________
(1) ... وقال أَيضًا: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمُ إِذَا ضَرَبُواْ فيِ الاَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى: لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللهُ ذَالِكَ حَسْرَةً فيِ قُلُوبِهِمْ، وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (آل عمران: 156)،
(2) ... مسلم: كِتَاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كُلُّهُ خير، رقم 2999. ج4/ ص2295.
... ويقول الله تعالى في هذا الشأن: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلاَ تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَاكُمْ} (الحديد: 22 ـ 23). (1/50)
صفحة 89
4 - التفاؤل وعدم تعليل الأمور حسب الهوى، فَإِنَّ الإيمان بالقدر يمنع من الوقوع في التشاؤم والتطيُّر.
5 - التمييز بين التوكُّل والتواكل، فينهض المؤمن للعمل وَاتِّخَاذ الأسباب، وينبذ الكسل والاعتذار بالأقدار.
المراجع:
- محمَّد البوطي: الإنسان مسيَّر أم مخيَّر، كلُّه.
- يوسف القرضاوي: الإيمان بالقدر، كلُّه.
- عمر سليمان الأشقر: القضاء والقدر، كلُّه.
- إسماعيل الجيطالي: قواعد الإسلام، 1/ 90 - 98.
- عبد العزيز الثميني: النور، ص144 - 164.
- أحمد الكندي، وعاشور كسكاس: العقيدة (1)، 177 - 186.
- نور الدين السالمي: بهجة الأنوار، ص133 - 147.
- نور الدين السالمي: مشارق أنوار العقول، 310 - 328.
- محمَّد الشعراوي: القضاء والقدر (ومواضيع أخرى)، ص40 - 71.
- محمَّد الغزالي: عقيدة المسلم، ص95 - 119.
- فرحات الجعبيري: البعد الحضاري، 2/ 399 - 485.
- مصطفى وينتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص347 - 381.
الملل الستُّ وأحكامها
الملل جمع ملة، وهي الشريعة، فأهل الملل الستِّ هم الذين ذكرهم اللّه تَعَالىَ في قوله: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَالذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (الحج: 17). ويجب عَلَى المسلم التمييز بين هَذِهِ الملل، ليعرف ما تتميَّز به ملَّة الإِسلاَم، ويدرك أحكام التعامل مع أَتْباعها.
أَوَّلاً - الملة الأولَى {الذِينَ ءَامَنُوا}:
أ- تعريفهم: هم المسلمون أتباع الدين الإِسلاَميِّ الذي بعث به سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم. (1/51)
صفحة 90
ب - أحكامهم : أحكام جميع الموحِّدين (موفِّين أو غير موفِّين، إباضية أو غير إباضية) أَنَّهُم يتوارثون ويتناكحون فيما بينهم، وتحلُّ ذبائحهم، وتحرم دماؤهم وأعراضهم وأموالهم، ويصلَّى خلفهم، وتجب في حقِّهم جميع أحكام المسلمين (حقوقًا أو واجبات)، كالتغسيل والتكفين والصلاة عليهم والدفن في مقابر المسلمين، وأخذ الزكاة من أغنيائهم لفقرائهم...
ويُخَصُّ الموفُّون منهم بالوَلاية والنصرة، وقبول شهادتهم...
أَمَّا غير الموفِّين، والمبتدعون في الدين، فَإنَّهُ يجب عَلَى إمام المسلمين أو جماعتهم أن يدعوهم إِلىَ ترك ضلالتهم وبدعتهم، والدخول في الجماعة. وإن بغوا وكَانت بينهم وبين المسلمين حربٌ فلا يحلُّ حينئذ غير دمائهم؛ لقوله تعالى: { وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُومِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتِ اِحْدَاهُمَا عَلَى الاُخْرَى فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ اِلَى أَمْرِ اللَّهِ } : (الحجرات: 9) . وتجب البراءة منهم. ولا يحلُّ غنم أموالهم ولا سبي نسائهم ولا أولادهم، ولا الإجهاز عَلَى جريحهم، ولا اتِّبَاع مدبرهم، إن لم يكن لهم مأوى يأوون إِلَيْهِ ويتَّقون به.
ثانيا - الملل الثانية والثالثة والرابعة { وَالذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِينَ وَالنَّصَارَى } :
أ- تعريفهم: أصحاب هذه الملل الثلاث هم المسمَّون بأهل الكِتَاب.
... أَمَّا اليهود (1) فهم بنو إسرائيل أهل التوراة المنزَّل عَلَى سَيِّدنَا موسى - عليه السلام - .
__________
(1) ... سبب تسميتهم: إمَّا من قولهم: { إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ } (الأعراف: 156) ، أو نسبة إلى يهوذا بن يعقوب، "فقلبت العرب الذال دالا؛ لأنَّ الأعجميَّة إذا عرِّبت غُيِّرت عن لفظها". القرطبي: التفسير، 1/432. (1/52)
صفحة 91
.. وَأَمَّا النصارى (1): فهم قوم من مختلف الأجناس، وهم أهل الإنجيل المنزل عَلَى سَيِّدنَا عيسى - عليه السلام -.
... وَأَمَّا الصابئون: فهم قوم جمعوا ما طاب لهم من التوراة ومن الإنجيل. أو هم قوم يصبؤون من دين إِلىَ دين، أي يخرجون. أو هم قوم يقرأون الزبور.
ب- أحكامهم: أحكام هَذِهِ الطوائف الثلاث كُلِّهَا أَنَّهُم مشركون، لأَنَّهُم أنكروا رسالة سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنكروا ما في كتبهم من وجوب اتِّبَاعه (2)؛ ولاتخاذ عيسى عليه السلام إلها من دون الله، قَالَ تَعَالىَ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمُ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لآَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (التوبة: 31). غير أنَّ الشارع الحكيم خصَّهم في الدنيا بأحكام في التعامل معهم؛ لأنهم أهل ديانات سماوية؛ فهم أقرب إلى المسلمين من سواهم.
__________
(1) ... سبب تسميتهم أنهم قالوا:: {قَالَ الْحَوَاِريُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ} (آل عمران: 52).
(2) ... قال الله تعالى: {وَإِذَ اَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيئِينَ لَمَآ ءَاتَيْنَاكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُومِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَآقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمُ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَالِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (آل عمران: 81 - 82)، ثُمَّ قال: {وَمَنْ يَّبْتَغِ غَيْرَ الاِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فيِ الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85). (1/53)
صفحة 92
.. ... فمن حيث معاملتهم، فَإِنَّ عَلَى إمام المسلمين أن يدعوهم إِلىَ الإِسلاَم؛ لأنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم مَا قَاتَلَ قَوْمًا حَتَّى يَدْعُوَهُمْ (1). فإن أجابوا كانوا مسلمين، وتجري عَلَيْهِم أحكام الذين آمنوا. وإن امتتعوا دعاهم إلى دفع الجزية وهم صاغرون، فإن أجابوا كانوا في ذِمَّة المسلمين (أي في حمايتهم)، وتحرم دماؤهم وأموالهم وسبي نسائهم وأولادهم، ويحلُّ أكل ذبائحهم ونكاح حرا ئرهم.
... وفي حالة الحرب يجوز السبي والغنيمة، ولا يقاتَل من لم يقاتِل، كالرهبان والنساء والصبيان. ويحرم النكاح منهم وأكل ذبائحهم على المشهور (2).
ثالثا: الملَّة الخامسة {وَالْمَجُوسَ}:
أ- تعريفهم: هم عبدة النار والشمس والقمر والنجوم، ويقولون بالتثنية: إله الخير وإله الشر. وهم الفرس قبل أن يسلموا وبعض الهنود والصينيِّين قديما وحديثا.
__________
(1) ... رواه أحمد في مسند بني هاشم، من مسند عبد الله بن عباس، رقم 2054، 2106، بسند صحيح. والدارمي وقال عن رواته: "قَالَ عَبْد اللَّهِ: سُفْيَانُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ". كتاب السير، باب في الدعوة إلى الإسلام قبل القتال، رقم 2444.
(2) ... قال القطب اطفيش معلِّقا على هذا الحكم: "هو مشهور المذهب، وفي المذهب قول آخر، هو أنه تحلُّ ذبائحهم ونكاح حرائرهم ولو لم يعطوا الجزية، ولو حاربوا؛ لإطلاق القرآن عن اشتراط الجزية، ونزل القرآن فيهم، وهم محاربون ولم يشترطها، وهو قول قومنا [أي المخالفون]، وبعض أصحابنا، وهو الصحيح". شرح عقيدة التوحيد، ص413. (1/54)
صفحة 93
ب- أحكامهم: هي كأحكام أهل الكِتَاب غير أَنَّهُ لا تَحلُّ ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، ولو أعطوا الجزية ما داموا عَلَى دينهم، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: "سنُّوا بهم سنَّة أهل الكِتَاب، غير آكلي ذبائحهم، ولا ناكحي نسائهم" (1).
رابعا: الملَّة السادسة {وَالذِينَ أَشْرَكُواْ}:
أ - تعريفهم: هم عبدة الأوثان والأصنام. أَو الجاحدون لوجود إله أصلا.
__________
(1) ... جاء في موطَّأ الإمام مالك أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَقُولُ: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ". كِتَاب الزكاة، باب، جزية أهل الكِتَاب والمجوس، رقم 617. قال الزيلعي: "سنُّوا بهم سنَّة أهل [الكتاب] ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم، قلت: غريب بهذا اللفظ، وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد بن علي أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قبل منه، ومن لم يسلم ضربت عليه، ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم. انتهى، ذَكَرَه ابن أبي شيبة في النكاح وعبد الرزاق في كتاب أهل الكتاب ولفظه فيه: "ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح فيهم امرأة"، قال ابن القطان في كتابه: هذا مرسل ومع إرساله ففيه قيس بن مسلم وهو ابن الربيع، وقد اختلف فيه وهو ممن ساء حفظه بالقضاء، كشريك وابن أبي ليلى. انتهى. وروى ابن سعد في الطبقات: ... أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فإن أبوا عرض عليهم الجزية وبأن لا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم، وفيه قصة. والواقدي متكلَّم فيه ... ". نصب الراية، 3/ 170. (1/55)
صفحة 94
ب- أحكامهم: هي أن يدعوهم إمام المسلمين إلى الدخول في الإِسلاَم، فإن أجابوا كانوا مسلمين لهم ما للمسلمين وَعَلَيْهِم ما عَلَيْهِم، وإن أبوا وعارضوا الإمام والمسلمين في نشر الدعوة الإِسلاَمِيَّة، وكانوا حربا على المسلمين، فإنَّهُ يحاربهم، ولا تقبل منهم الجزية، ويحلُّ حينئذ سفك دمائهم وسبي نسائهم وذراريهم وغنم أموالهم، ولا تَحلُّ ذبائحهم وَلا نكاح نسائهم في كُلِّ الأحوال، قال تعالى: { وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُومِنَّ وَلأَمَةٌ مُّومِنَةٌ خَيرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوَ اَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُومِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّومِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوَ اَعْجَبَكُمُے¼ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ... } (البقرة: 221) .
خامسا: أحكام عَامَّة في كُلِّ الملل غير المسلمة:
- وجوب دعوتهم إلى الإسلام فيِ كُلِّ الأحوال.
- تحريم الموارثة والمدافنة والموالاة.
- إنَّ بلل المشركين من المجوس وعبدة الأوثان نجس. ولا يجوز أن يدخلوا المسجد الحرام ولا سائر المساجد ؛ قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } (التوبة: 28) . (1/56)
صفحة 95
- في حالة السلم وإبرام العهود والمواثيق الدولية، يجب على المسلمين مراعاتها، قَالَ تَعَالىَ: { لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمُ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمُ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (الممتحنة: 8 ـ 9) . وقال: { اِلاَّ الذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمُ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمُ إِلَى مُدَّتِهِمُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } (التوبة: 4) .
الآثار التربوية من معرفة الملل الست :
1- إذا عرفنا ما لكلمة الشهادة من حرمة عظيمة (إذ إنها سبب عصمة الدم والمال والعرض) فإنه يجب علينا مراعاة تلك الحقوق، لتسود بيننا المودَّة والمحبَّة.
2- إذا علمنا أنَّ قدر المسلم عظيم عند الله، فإننا لا نرضى لأيِّ مسلم الذلَّ والهوان أمام ملل الكفر.
3- إذا علم المسلم أنَّ الإسلام هو الدين الذي يجب أن يعلو ولا يُعلى عليه؛ فإنه يحرص على تجنُّب كلِّ ما يَشينه.
4- إنَّ كثرة الكفر والفسوق والعصيان في العالم يؤكِّد للمسلمين وجوب اهتمامهم بالدعوة إلى الله ودينه الحنيف.
المراجع:
- الجيطالي: قواعد الإِسلاَم، (تح. الحاج موسى)، 1/249-286.
- القطب اطفيَّش: شرح عقيدة التوحيد، (تح. وينتن)، 395-434. الذهب الخالص، 62-72.
- وينتن: آراء، 340-343.
الألفاظ الشَّرعِيَّة (1)
__________
(1) ... ويطلق على هذا الموضوع أيضًا مصطلح: "الأسماء والأحكام"، أي متى تطلق هذه الأسماء؟ وما هي الأحكام المترتبة على إطلاقها؟. (1/57)
صفحة 96
الإيمان - الإسلام - الكفر - النفاق - الشرك
تمهيد :
وردت في القرآن الكريم وَالسُّنَّة النَّبَوِيَّة عِدَّة ألفاظ شَرعِيَّة يجب عَلَى المسلم التمييز بينها، منها ما جاء في قَوله تَعَالىَ: { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } (الأحزاب: 73) .
أَوَّلاً - الإيمان والإسلام:
يختلف معنى اللفظين لغة، ويَتَّفِقان شرعا، وورد كِلا الإطلاقين في القرآن الكريم وَالسُّنَّة النَّبَوِيَّة، وبالقرائن يعرف المَعْنَى المقصود.
أ- المَعْنَى اللغوي:
الإيمان هو التصديق، قَالَ تَعَالىَ عَلَى لسان أبناء يعقوب: { وَمَآ أَنتَ بِمُومِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } (يوسف: 17) ، أي بمصدق.
الإسلام: هو الإذعان والخضوع والانقياد والاستسلام، قَالَ تَعَالىَ: { قَالَتِ الاَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُومِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } (الحجرات: 14) .
ب- المَعْنَى الشرعي:
الإيمان والإِسلاَم شرعا مترادفان، ومعناهما: الوفاء بالواجبات الشَّرعِيَّة، سواء أكانت اعتقادية أم قَولِيَّة أم عَمَلِيَّة، وترك جميع المنهيات أَيضًا. والدليل عَلَى ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: { فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُومِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ } (الذاريات: 35 ـ 36) .
جـ- أصول الإيمان والإِسلاَم:
للإيمان والإِسلاَمِ ثلاثة أصول، ومن ضيَّع أحدها لا يُسَمَّى مؤمنا، وهي:
1. التصديق بالجنان (القلب): وَهُوَ الإيمان بِكُلِّ أركان الاعتقاد: بِاللهِ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وَبِكُلِّ ما يَتَعلَّقُ بِهَذِهِ الأمور. (1/58)
صفحة 97
2. القول باللسان: وَهُوَ الإقرار بالجمل الثلاث: شهادة أن لا إله إِلاَّ الله وَأَنَّ محَمَّدًا رسول الله وَأَنَّ ما جاء به حقٌّ من عند الله. وَهُوَ شرط لإجراء أحكام المسلمين عَلَى الناطق بها.
3. العمل بالأركان: وَهُوَ الإتيان بالفرائض واجتناب المنهيَّات. وَهُوَ شرط لنيل الثواب والنجاة من العقاب.
وقد اتَّفَقَ الإِبَاضِيَّةَ والمعتزلة والسلفية (1) عَلَى اشتراط العمل في ثبوت الإيمان، واستدلُّوا بما يأتي:
1. إِنَّ القرآن يذكر إتيان الفرائض واجتناب المنهيات من جملة صفات المؤمنين، كَقَولِهِ تَعَالىَ بأسلوب الحصر: { إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ ءَاياتُهُ زَادَتْهُمُ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا } (الأنفال: 2-4) ، وَقَوله: { قَدَ اَفْلَحَ الْمُومِنُونَ الذِينَ هُمْ فيِ صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ... } الآيات (المؤمنون: 1-11) . وقال - صلى الله عليه وسلم - : "الإيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَن الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِن الإيمَانِ" (2) .
__________
(1) ... وَهُوَ قول الأشعري أَيضًا، قال في الإبانة: "وندين أَنَّ الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص"، الإبانة، ط1981، ص24. (نقلا عن الجعبيري، البعد، ص491).
(2) ... رواه النسائي في كِتَاب الإيمان وشرائعه، باب ذكر شعب الإيمان، رقم 5004. وروى جزءا منه مسلم في كِتَاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، حديث 35. (1/59)
صفحة 98
2. توجد عِدَّة أحاديث تنفي الإيمان عَمَّن يرتكب إحدى الكبائر، منها قوله - صلى الله عليه وسلم - : "لا يزني الزاني حين يزني وَهُوَ مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وَهُوَ مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وَهُوَ مؤمن" (1) ، وقوله: "لا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا صوم إلاَّ بالكفِّ عن محارم الله" (2) .
3. يقرن الله تَعَالىَ دوما الإيمان بالعمل الصالح، في عِدَّة آيات، منها قَوله: { إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمُ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } (البقرة: 277) .
4. إِنَّ القول وحده بدون عمل لا يكفي، لِقَولِهِ تَعَالىَ: { إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } (فصلت: 30) .
__________
(1) ... رواه الربيع بن حبيب بزيادة: "ومن تاب تاب الله عليه"، ج4/ حديث983. ورواية ابن ماجه بزيادة: "ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إِلَيْهِ أبصارهم حين ينتهبها وَهُوَ مؤمن". ابن ماجه: السنن، كِتَاب الفتن، حديث 3936، ج2/ ص1298.
(2) ... رواه الربيع بن حبيب في كِتَاب الطهارة، باب [15] في آداب الوضوء وفرضه، حديث رقم 91. (1/60)
صفحة 99
وقد خالف الإِبَاضِيَّةَ بعضُ الفرق الإِسلاَمِيَّة التي اعتبرت الإيمان مُجَرَّد معرفة بالله وإقرار باللسان، وَأَمَّا العمل ـ في نظرها ـ فهو شرط لكمال الإيمان (1) ، وليس شطرا منه، بحيث لو ارتكب الموحِّد الكبائر ـ غير الشرك ـ لَمَا سُلبت منه صفة الإيمان. ومن الأَدِلَّة التي استدلوا بها حديث أبي ذر، قال: قال رسول الله *: "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ " (2) .
ويجيب الإِبَاضِيَّة عن الاستدلال بهَذَا الحديث بما يأتي:
1. هذا الحديث آحادي لا يستدلُّ به في قضايا الاعتقاد.
2. إِنَّ الأَدِلَّة التي تعتبر العمل من أركان الإيمان تنقض الاستدلال بحديث أبي ذر.
3. هذا الحديث عامٌّ، مخصَّص بأدلَّة اشتراط التوبة.
4. من المحتمل أَنَّ حديث أبي ذر كان في ابتداء الإِسلاَم حين كانت الدعوة إِلىَ مُجَرَّد الإقرار بالتوحيد قبل أن تفرض الفرائض.
__________
(1) ... قال البيجوري (شرح الجوهرة، ص45): "وهذا شرط كمال عَلَى المختار عند أهل السنة، فمن أتى بالعمل فقد حصل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن لَكِنَّهُ فوت عَلَى نفسه الكمال". . (نقلا عن الجعبيري، البعد، ص493-494).
(2) ... رواه البخاري في كِتَاب اللباس، باب الثياب البيض، رقم 5489، ج5/ص2193. (1/61)
صفحة 100
5. قال تَعَالىَ: { قُل لِّلذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَّنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ } (الأنفال: 38) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : "الإِسلاَم يجبُّ ما كان قبله" (1) ، وَعَلَيْهِ فيحمل حديث أبي ذر عَلَى أَنَّ السؤال كان عن الزنا والسرقة قبل الدخول في الإِسلاَم (2) .
ثانيا - الكفر:
أ- المَعْنَى اللغوي:
الكَفر (بفتح الكاف) في اللغة هو السَّتر. والليل يُسَمَّى كافرا لأَنَّهُ يستر الأشياء بظلمته، والحارث (الفلاح) كافرا لأَنَّهُ يستر البذر في الأَرض، قَالَ تَعَالىَ: { ...كَمَثَلِ غَيْثٍ اَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ } (الحديد: 20) . ويرد أَيضًا بمعنى الجحود، قال تَعَالىَ: { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن تُكْفَرُوهُ } (آل عمران: 115) ، وقال عَلَى لسان فرعون لموسى - عليه السلام - : { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } (الشعراء: 19) .
ب- المعنى الشرعي:
هو كُلُّ اعتقاد أو قول أو فعل أوجب الله عَلَيْهِ العقاب.
جـ- أقسام الكفر:
ينقسم الكفر إِلىَ قسمين: 1- كفر شرك (وسيأتي بيانه في العنصر الموالي). 2-كفر نعمة (أو كفر نفاق).
1- كفر النعمة عند الإِبَاضِيَّة:
المرتكب للكبائر العَمَلِيَّة (بغير استحلال) لا يُسَمَّى مشركا، خلافا للخوارج (الأزارقة والصفرية)، ولا يُسَمَّى مؤمنا، وَإِنَّمَا يُسَمَّى كافرا كفر نعمة، أو فاسقا، أو منافقا نفاقا عمليا، أو فاجرا، أو عاصيا، أو ضالا، أو ظالما. ووافق الإِبَاضِيَّةَ عَلَى هَذَا الرأي المعتزلةُ والشيعة، وكثير من علماء الأشاعرة، وأهل الحديث الذين يسمونه كفرا دون كفر.
2- أَدِلَّة الإِبَاضِيَّة:
__________
(1) ... الألباني: صحيح الجامع الصغير، ج1/ص537، رقم 2777. (نقلا عن عقيدة العَزَّابَة، تحقيق: بازين، ص32).
(2) ... بيوض إبراهيم: في رحاب القرآن، ج6/42. (1/62)
صفحة 101
1. قوله تَعَالىَ: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ } (المائدة: 44) ، { ...فَأُوْلئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (المائدة: 45) ، { ...فَأُوْلئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ } (المائدة: 47) .
2. قَوله: { وَللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } (آل عمران: 97) .
3. قوله: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } (الإنسان: 3) ، أي إِنَّ الإيمان والكفر لا يرتفعان معا، وإذا خرج الإِنسَان عن الإيمان دخل في الكفر لا محالة، وبالعكس.
4. قوله - صلى الله عليه وسلم - : "لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ إِلاَّ تَرْكُهُ لِلصَّلاَةِ" (1) .
5. قوله - صلى الله عليه وسلم - : "لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" (2) .
ثالثا- النفاق :
أ- النفاق لغة: مشتق من النافقاء، وهي إحدى جحرتي اليربوع يظهر إحداهما ويكتم الأخرى، حَتَّى ينفلت منها عند الخطر.
ب- النفاق شرعا: هو اختلاف سريرة المرء وعلانيته. واختلاف قوله وعمله، ويكون في صورتين:
- الأولى: بإضمار الشرك وإظهار التوحيد، كالمنافقين في عهد الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وَعَلَى رأسهم عبد الله بن أُبي بن سلول، قَالَ تَعَالىَ: { إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } (المنافقون: 1) .
__________
(1) ... رواه الإمام الربيع في صحيحه، كتاب الصلاة ووجوبها، باب [48] جامع الصلاة، حديث رقم: 303. ومسلم في كِتَاب الإيمان...
(2) ... رواه الإمام الربيع بن حبيب في صحيحه، ج3/ باب [1] الحجّة على من قال إِنَّ أهل الكبائر ليسوا بكافرين، رقم 756. وغيره... (1/63)
صفحة 102
- الثانية: الإقرار بالتوحيد وارتكاب الكبائر، وَيُسَمَّى بالنفاق العملي.
والدليل عَلَى تسمية الموحد المرتكب للكبائر منافقا: ورود عِدَّة آيات وأحاديث تصف مرتكبي الكبائر بالنفاق، منها:
1. قَوله تَعَالىَ: { وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنَ ــ اتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّآ ءَاتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُم مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } (التوبة: 75-77) .
2. قوله - صلى الله عليه وسلم - : "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" (1) ، وقوله أَيضًا: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" (2) .
رابعا - الشرك :
أ- تعريفه:
الشرك في اللغة هو التسوية بين شيئين في الذات أو الصفات.
وكفر الشرك في الاصطلاح: هو الإخلال بِأَيِّ ركن من أركان الاعتقاد.
ب- أقسامه:
الشرك قسمان: شرك جحود وشرك مساواة.
__________
(1) ... رواه البخاري في كِتَاب الإيمان باب علامة المنافق، حديث 33.
(2) ... رواه البخاري، كِتَاب الإيمان، باب علامة المنافق، حديث رقم 34. ومسلم في كِتَاب الإيمان، باب بيان خصال النفاق، رحديث رقم 58. وأبو داود في كِتَاب السنة، باب الدَّلِيل عَلَى زيادة الإيمان ونقصانه، حديث رقم 4688. وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة، رقم 6840. (1/64)
صفحة 103
1- شرك الجحود: ويكون مثلا بجحود الله أو إحدى صفاته الذَّاتِيَّة، أو بإنكار البعث أو أحد الملائكة أَو الكتب أَو الرسل، أو بتحليل أو تحريم شَيْء منصوص عَلَيْهِ بِنَصٍّ قطعيٍّ (ثبوتا ودلالة) بغير تأويل... أو بإنكار شَيْء من القرآن، والذي قال عنه الله تَعَالىَ: { وَمَنْ يَّكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ } (البقرة: 121) .
2- شرك المساواة: هو أن يساوي أحدٌ اللهَ بخلقه، قال تَعَالىَ عن أصحاب الجحيم: { قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ اِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } (الشعراء: 91-98) . وشرك المساواة يكون:
" بوصف الله بإحدى صفات الخلق، أَو العكس (وصف المخلوق بإحدى صفات الله).
" بعبادة غير الله، كعبادة الأصنام عند مشركي العرب، وعبدة المسيح، قَالَ تَعَالىَ: { لَّقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحَ ابْنُ مَرْيَمَ } (المائدة: 17) .
" باعتقاد النفع والضر لغير الله، أو تقديس غيره، أو التقرب بالذبح لغيره، إِلىَ غير ذَلِكَ من صور الشرك الكثيرة... قَالَ تَعَالىَ: { فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } (الكهف: 110) .
رسم تخطيطي يُبَيِّنُ ويلخص رأي الإِبَاضِيَّة في الكبائر
الكبائر في نظر الإِبَاضِيَّة
اعتقادية ... عَمَلِيَّة
في أصول الاعتقاد ... في فروع الاعتقاد ... باستحلال ... بغير استحلال
(1)
شرك نفاق عقدي ... كفر نعمة نفاق عملي فسوق...
شرك جحود ... شرك مساواة
__________
(1) ... هذا على رأي قدماء الإباضيَّة وبعض المعاصرين. أمَّا الباحثون والعلماء الإصلاحيُّون اليوم فيرون أنَّ الاختلاف في فروع الاعتقاد (أي في القضايا المختلف فيها بين المذاهب الإسلاميَّة، كالرؤية وخلق القرآن) لا يستلزم التكفير، ولو مجرد كفر نعمة؛ لأن أدلة التكفير غير قوية. والله أعلم. (1/65)
صفحة 104
مراجع الدرس:
الجيطالي: قواعد الإِسلاَم، تحقيق بشير الحاج موسى، 1/98-111.
الجعبيري: البعد الحضاري، 2/488-520
أوبكة: الوجيز في أصول الدين، للسنة الثانية ثانوي، 13-21.
وينتن: آراء الشيخ اطفيَّش العقدية، 273-343.
الأصول التسعة
تعريف:
هي المسائل العقدية التي اختلفت فيها فرق المسلمين، وللإباضية فيها اعتقادهم الخاص، وهي كما يأتي:
1- التوحيد:
وهو توحيد الله تَعَالىَ في ذاته وصفاته وأفعاله، وتنزيهه عن كُلِّ صفات النقص، وعن صفات الخلق، فيجب تأويل كُلِّ ما يوهم التشبيه مِمَّا ورد في القرآن أو السنة بما يليق بجلال الله تَعَالىَ، كالوجه والعين واليد، والقبضة... خلافا للمجسِّمة والمشبِّهة. وقد تَقَدَّمَ الكلام في ذَلِكَ.
2-العدل:
الله تَعَالىَ عدل لا يجور، فلا يجوز القول بِأَنَّ الناس مجبورون عَلَى أفعالهم، كما قالت المجبرة، لأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلىَ نسبة الظلم إِلىَ الله. وقد سبق بيانه أَيضًا.
3- القَدَر:
الله خالق وما سواه مخلوق، خلافا للمعتزلة الذين زعموا أَنَّ الإِنسَان يخلق أفعاله. وقد مَرَّ هَذَا كَذَلِكَ.
4- ولاية الله لعباده وبراءته:
ولاية الله لعباده تعني: توفيقه إِيَّاهُم لطاعته، وإعانتهم ونصرتهم. وبراءته هي سخطه وغضبه عَلَيْهِم.
وبما أَنَّ الله تَعَالىَ يعلم ما كان وما سيكون، ويعلم مصير كُلِّ الناس، فَإِنَّهُ يوالي عباده ويعاديهم حسبما يعلم من مآلهم، لا حسب تقلبهم من حال إِلىَ حال، أي أَنَّ الله تَعَالىَ لا تبدو له البدوات والأفكار، فيوالي اليومَ أحدًا ويعاديه غدًا، لأَنَّ هَذَا من الجهل، وَالله تَعَالىَ منزه عنه، وعلمه تَعَالىَ ذاتيٌّ لا يتغير، لأَنَّهُ غير مكتسب ولا متجدِّد.
5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الإمامة): (1/66)
صفحة 105
قَالَ تَعَالىَ: { وَلْتَكُن مِّنكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (آل عمران: 104) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ" (1) .
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان عَلَى كُلِّ مسلم بالغ حسب استطاعته. ويتحقق الأمر والنهي في أعلى مراتبهما بإقامة الحدود، والجهاد في سبيل الله، وردع الظالم، وإنصاف المظلوم، ورعاية مصالح الناس الدُّنيَوِيَّة وَالأُخرَوِيَّة، ولا يتسنى ذَلِكَ إِلاَّ بإمام عدل، فالإمامة عند الإِبَاضِيَّة واجبة، خلافا للنجدية من الخوارج، الذين يزعمون أَنَّ الإمامة غير واجبة.
وتنعقد الإمامة بالشورى، ومبايعة إمام (حاكم) عادل، تَتَوَفَّرُ فيه شروط الكفاءة والتقوى، ولا اعتبار في اختياره للقرشيَّة، ولا للوراثة.
6- الوعد والوعيد:
الوعد: هو ما وعد الله به أهل طاعته من الثواب في الآخرة.
الوعيد: هو ما أوعد الله به أهل الكفر والعصيان من العقاب في الآخرة.
الله تَعَالىَ صادق في وعده ووعيده، خلافا للمرجئة القائلين بِأَنَّ الكريم إذا أخلف وعيده كان ذَلِكَ مدحا له، وجوابهم بأمرين:
الأَوَّل: النص الصريح بِأَنَّ الله لا يُغَيِّرُ حكمه، قَالَ تَعَالىَ: { قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } (سورة ق: 28-29) .
__________
(1) ... رواه مسلم في كِتَاب الإيمان، بَاب بَيَانِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ وَأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ، حديث رقم 49. (1/67)
صفحة 106
الثاني: إِنَّ قولهم يقتضي أَنَّ الله لا يعاقب أحدا مطلقا، فيبطل الوعيد من أصله، وهو ما لم يقل به أحد.
7- الأسماء والأحكام:
أ- كُلُّ من أُطلق عَلَيْهِ اسم "الشرك" بموجبٍ شرعيٍّ تنطبق عَلَيْهِ أحكام المشركين، من جواز قتلهم وسبيهم وغنم أموالهم في حالة الحرب، وتحريم ذبائحهم ومناكحتهم وموارثتهم، وأن لا يغسل ميتهم، ولا يكفن، ولا يصلى عَلَيْهِ، ولا يدفن في مقابر المسلمين. وتجب البراءة منهم والاعتقاد بِأَنَّهُم في جَهَنَّم خالدين فيها أبدا.
ب- كُلُّ من نطق بالشهادتين، فهو موحد، سواء أكان موفيا أم غير موفٍّ، موافقا أم مخالفا، تنطبق عَلَيْهِ أحكام المسلمين، من تحريم دمه وماله وعرضه، وتحليل ذبيحته ومناكحته وموارثته، وإذا مات يغسل، ويكفن، ويصلى عَلَيْهِ، ويدفن في مقابر المسلمين، قال - صلى الله عليه وسلم - : "الصَّلاَةُ جَائِزَةٌ خَلْفَ كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِرٍ، وَصَلُّوا عَلَى كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِرٍ" (1) .
فإن كان موفيا وجبت علينا ولايته، وقبول شهادته، ونعتقد أَنَّهُ سيكون من أهل الجَنَّة بفضل الله. وإن كان غير موف وجبت علينا البراءة منه، ونعتقد أَنَّهُ إن لم يتب فهو خالد في النار أبدا.
8- المنزلة بين المنزلتين:
__________
(1) ... رواه الربيع بن حبيب، ج3/ باب [3] الحجَّة على من يرى الصلاة على موتى أهل القبلة ولا يرى الصلاة خلف كُلِّ بار وفاجر، حديث رقم: 776. عن ابن عبَّاس. (1/68)
صفحة 107
قَالَ تَعَالىَ: { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } (الأحزاب: 73) ، تُبَيِّنُ الآية أَنَّ النفاق (كفر النعمة) منزلة بين منزلتي الشرك والإيمان، خلافا للمرجئة الذين قالوا بِأَن لا منزلة بينهما، فَإِمَّا أن يكون المرء مؤمنا وَإِمَّا مشركا، وَأَنَّهُ لا تَضُرُّ مع الإيمان معصية مهما كانت، كما لا تنفع مع الكفر (أي الشرك) طاعة، أي أَنَّ النطق بالشهادتين كافٍ، وليس العمل ركنا من الإيمان. وقد مَرَّ بيان الردِّ عَلَيْهِم.
9- لا منزلة بين المنزلتين:
أ- قَالَ تَعَالىَ في شأن الإِنسَان: { إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } (الإنسان: 3) ، فالناس في الدنيا صنفان:
... - إِمَّا مؤمن موفٍّ بدين الله.
... - وَإِمَّا كافر (بكل ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الكلمة، من الشرك، أو كفر النعمة والنفاق، والفجور، والعصيان...).
وَهَذَا خلافا للمعتزلة الذين اعتبروا الفسوق منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان، والخلاف بيننا وبينهم لفظي، لأَنَّ الأحكام المترتبة عَلَى كفر النعمة عندنا، وَعَلَى الفسوق عندهم واحدة (1) .
ب- وقال تَعَالىَ: { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } (الشورى: 7) ، فالناس في الآخرة كَذَلِكَ صنفان لا ثالث لهما، فَإِمَّا في الجَنَّة خالدين فيها أبدا، وَإِمَّا في النار خالدين فيها أبدا.
المراجع:
- أبو زكرياء الجناوني: الوضع، 21-27. - عمرو بن رَمَضَان الجربي التلاتي: اللآلئ المنظومات في عقود الديانات.
- علي يحيى معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة، (فيه المنزلة بين المنزلتين، ولا منزلة...)، 406-419.
- بكير بن سعيد أعوشت: دراسات إِسلاَمِيَّة في الأصول الإِبَاضِيَّة.
__________
(1) ... انظر: علي يحيى معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة، ص 317؟. (1/69)
صفحة 108
- عمرو خليفة النامي: دراسات عن الإِبَاضِيَّة، (نَقَلَ متن الديانات للشيخ عامر الشَّمَّاخِي)، 197 - 201.
- عدُّون جهلان: الفكر السياسي عند الإِبَاضِيَّة، 51 - 67. ... - أحمد أوبكَّة: الوجيز في أصول الدين.
الولاية والبراءة والوقوف
1 - التعريف اللغوي:
أ- الولاية لغة: القرب والنصرة. وتعني أَيضًا القيام بالأمر، مثل: الوليِّ في النكاح، أو وليِّ السفيه ... قَالَ تَعَالىَ: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالعَدْلِ} (البقرة: 282). {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ... } (الإسراء: 33).
ب- البراءة لغة هي البعد، والتخلُّص والتنزُّه، يقال: فلان بريء من هَذَا العمل: أي منزه عنه. وَهَذَا الشَّيْء بريء من العيب: أي سليم منه.
2 - التعريف الاصطلاحي:
أ- الولاية اصطلاحا: هي محبة المطيع بالقلب، والثناء والاستغفار له باللسان، ونصرته وإعانته بالجوارح.
ب- البراءة اصطلاحا: هي بغض العاصي بالقلب، وزجره باللسان، وترك الترحم والاستغفار له، وعدم نصرته في المعصية.
3 - حكم الولاية والبراءة:
الولاية والبراءة واجبتان شرعا بالإجماع. وفي الأثر أَنَّ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "أوثق عرى الإِسلاَم: الولاية في الله والبغض في الله" (1). وَأَنَّهُ قال: "من أحبَّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" (2).
أ- أَدِلَّة وجوب الولاية:
·?قَوله تَعَالىَ: {وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (التوبة: 71).
__________
(1) ... رواه الطبراني في الصغير، وفيه عقيل بن الجعد قال البخاري: منكر الحديث. مجمع الزوائد، 1/ 90. (برنامج ألفية الحديث)
(2) ... رواه الطبراني في الأوسط وفيه صدقة بن عبد الله السمين ضعفه البخاري وأحمد وغيرهما وقال أبو حاتم محله الصدق. مجمع الزوائد، 1/ 90. (برنامج ألفية الحديث) (1/70)
صفحة 109
·?قوله عَزَّ وَجَلَّ: { فَاعْلَمَ اَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ } (محمد: 19) .
ب- أَدِلَّة وجوب البراءة:
·?قَوله تَعَالىَ: { لاَ يَتَّخِذِ الْمُومِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ وَمن يَّفْعَلْ ذَالِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فيِ شَيْءٍ... } (آل عمران: 28) .
·?قوله: { يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليَهُودَ وَالنَّصَارى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمُ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ } (المائدة: 51) .
·?قوله: { يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمُ أَوْلِيَآءَ اِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الاِيمَانِ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (التوبة: 23-24) .
·?قوله: { لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَآءَهُمُ أَوَ اَبْنَآءَهُمُ أَوِ اِخْوَانَهُمُ أَوْ عَشِيرَتَهُمُ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِيمَانَ... } (المجادلة: 22) .
4- أقسام الولاية والبراءة:
تنقسم الولاية والبراءة إِلىَ ثلاثة أقسام:
أ- ولاية وبراءة الحقيقة:
سُمِّيَتا كَذَلِكَ لأنهما تعنيان ولاية الله لأوليائه، وبراءته من أعدائه، واللتان لا تتغيران، وقد مَرَّ بيان ذَلِكَ.
وتنطبقان عَلَى كُلِّ من ورد باسمه أو صفته أو كنيته في نصٍّ قطعيٍّ، أي في القرآن الكريم، أو السنة المتواترة، كابن نوح، وفرعون وأبي لهب، وقوم نوح وقوم لوط من أهل النار. وكالأنبياء والرسل المذكورين في القرآن، ومريم وامرأة فرعون ومؤمن آل فرعون، من أهل الجَنَّة.
ب- ولاية وبراءة الجملة : (1/71)
صفحة 110
هي أن يعتقد المُكَلَّف ولاية جميع المؤمنين من الأَوَّلِينَ والآخرين، ويعتقد البراءة من الكافرين والمشركين كَذَلِكَ. وهما من الفروض المضيقة، العمل بهما توحيد وتركهما جحود وشرك.
وقد مَرَّت أَدِلَّة وجوبهما من القرآن وَالسُّنَّة، وأجمعت المذاهب الإِسلاَمِيَّة عَلَى ذَلِكَ، واختصَّ الإِبَاضِيَّة بولاية وبراءة الأشخاص.
ج- الولاية والبراءة بحكم الظاهر:
وتسميان بولاية وبراءة الأشخاص، وهما اللتان تترتَّبان عَلَى ما نرى من أحوال الأشخاص، ويظهر لنا من أعمالهم.
تجب الولاية لِكُلِّ موفٍّ بدينه بالقول والعمل.
تجب البراءة من كُلِّ مخالف في القول أو العمل.
5- طرق إثبات الولاية والبراءة بحكم الظاهر:
أ- طرق الولاية:
الطريق الأَوَّل: العيان، أي مشاهدة الطاعة من المطيع.
الطريق الثاني: الشهرة المحقَّة.
الطريق الثالث: شهادة عدلين فما فوق.
الطريق الرابع: وقد اختُلف فيه، وهو رفيعة العالم (1) الواحد بما يوجب الولاية لمعيَّن، فذهب بَعض إِلىَ أَنَّهَا حجَّة له وَعَلَيْهِ، وحملوها عَلَى معنى الشهادة في حقوق الله، كصوم رَمَضَان، وطهارة الثياب من النجاسات، فَإِنَّ العدل الواحد في كُلِّ ذَلِكَ حجَّة.
وذهب آخرون إِلىَ أَنَّ رفيعة العدل الواحد ليست موجبة للولاية حَتَّى يكونا عدلين.
ملاحظة: الإقرار بالطاعة لا يوجب الولاية، ما لم يكن ثَمَّ موجب آخر.
ب- طرق البراءة:
الطريق الأَوَّل: العيان، أي مشاهدة المعصية من العاصي.
الطريق الثاني: الإقرار، وهو أن يقرَّ العاصي بمعصيته، لا لكونه نادما عَلَى تفريطه، سائلا عَمَّا يلزمه في فعله.
الطريق الثالث: شهادة عدلين فما فوق.
الطريق الرابع:الشهرة المحقَّة، لا كشهرة بَعض الشيعة بالبراءة من أبي بكر وعمر رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.
6- الوقوف:
__________
(1) ... يبدو من سياق بهجة الأنوار أَنَّ المقصود بالعالم: العالم بأحكام الولاية والبراءة، لا العالم أي الفقيه المفتي. (1/72)
صفحة 111
الوقوف اصطلاحا: هو الإمساك عَمَّن لا تعرف حاله من صلاح أو فساد، لعدم ثبوت الأَدِلَّة اليقينية، فلا تتولاه ولا تتبرأ منه.
والدليل عَلَى ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } (الإسراء: 36) ، وَقَوله: { يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } (الحجرات: 6) (1) .
7- الآثار السلبية بسبب ترك الولاية والبراءة :
إِنَّ التخلِّي عن هذين المبدأيْن سبَّب آثارا سلبيَّة في المجتمعات الإِسلاَمِيَّة، حكَّامًا ومحكومين، ومنها ما يأتي:
__________
(1) ... اشتهرت عَلَى الألسنة هَذِهِ المقولة عَلَى أَنَّهَا لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، بينما هي للسري: "الأمور ثلاثة أمر بان لك رشده فاتَّبعه، وأمر بان لك غيُّه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فقف عنه وكله إلى الله تعالى، وليكن الله دليلك، واجعل فقرك إليه تستغن به عمَّن سواه"( ). أورده البيهقيُّ في الزهد الكبير، رقم 928، ج2/ص341.
... كما اشتهر استدلالهم بالأثر: "المؤمن وقَّاف والمنافق وثَّاب"، وَلَكِن لم أعثر عَلَيْهِ في الألفية ولا الكتب التسعة. (1/73)
صفحة 112
5 - التخلي عن الأخوَّة والتناصر في الله، قَالَ تَعَالىَ: {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} (الحجرات: 10)، وقال الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (1). ...
... فنتج عن هَذَا ما نراه من فتنة وفساد كبير، واستدمار وتسلُّط للمشركين، كما قَالَ تَعَالىَ: {وَالذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ اِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الاَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} (الأنفال: 73) (2).
6 - مناصرة الكُفَّار ضِدَّ المسلمين، وطاعتهم في معصية الخالق، وهذا من شيم المنافقين: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا الذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} (النساء: 138 ـ 139).
__________
(1) ... رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد. واللفظ للبخاري، كِتَاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يُسلِمه، رقم 2310.
(2) ... الآيات والأحاديث في وجوب نصرة المسلمين لبعضهم بَعْضًا كثيرة، منها قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ". البخاري: كِتَاب الإكراه، باب يمين الرجل لصاحبه إِنَّهُ أخوه ... رقم 6552. (1/74)
صفحة 113
7 - التقليد الأعمى للكفرة والفجرة في المظاهر والسلوك الغريبة عن الإِسلاَم، وقد أمر النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بمخالفتهم إذ قال: "خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ" (1).
8 - محبَّة الفسَّاق والفجَّار ومتابعة أخبارهم وإنتاجهم، عبر مختلف وسائل الإعلام، وتعليق صورهم ... قال رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (2).
9 - مجالسة الفجَّار وتكثير جموعهم، وَهَذَا من خصال النفاق أَيضًا، قَالَ تَعَالىَ: {وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنِ اِذَا سَمِعْتُمُ ءَايَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمُ إِذًا مِّثْلُهُمُ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} (النساء: 140).
10 - انتشار الرذائل والموبقات في المجتمع المسلم.
المصادر والمراجع:
أبو الحواري، محَمَّد بن الحواري: جامع أبي الحواري، ج1.
الكدمي، أبو سعيد محَمَّد بن سعيد: الاستقامة (ثلاثة أجزاء كلها في الولاية والبراءة والإمامة والعلم).
الجناوني أبو زكرياء: الوضع، ص32 - 34.
أبو عمَّار عبد الكافي: الموجز، 217 - 223.
عمرو بن جميع، والشماخي والتلاتي: مقدمة التوحيد وشروحها، ص29، 48 - 49، 64 - 77، 114.
الجيطالي إسماعيل: قواعد الإسلام، 1/ 129 - 248.
خميس الرستاقي: منهج الطالبين، 2/ 7 - 53، 67 - 193.
الثميني عبد العزيز: النور (شرح نونية أبي نصر)، 123 - 144.
__________
(1) ... وفي بَقِيَّة هَذِهِ الرواية: "وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ". البخاري: كِتَاب اللباس، باب تقليم الأظفار، رقم 5553.
(2) ... مُتَّفَق عَلَيْهِ، رواه البخاري في كِتَاب الأدب، باب علامة حبِّ الله عَزَّ وَجَلَّ، رقم 5816. (1/75)
صفحة 114
القطب اطفيَّش: شرح عقيدة التوحيد، 259-350، 372-394، 480-481، 492، 566-568، 609.
القطب اطفيَّش: شامل الأصل والفرع، 1/56-67، 82-85.
القطب اطفيَّش: الذهب الخالص، 32-62.
السالمي نور الدين: مشارق أنوار العقول، 337-370.
السالمي نور الدين: بهجة الأنوار، 152-170.
علي يحيى معمَّر: سمر أسرة مسلمة، 77-99.
فرحات الجعبيري، وعاشور بن يوسف [كسكاس]: العقيدة (2)، 165-182.
محمَّد ناصر: الأصول العقدية للناشئة المحمدية، ص31.
الذنوب والتوبة
تعريف الذنوب:
الذنب لغة: هو الإثم والجُرم والمعصية، جمعه ذنوب.
الذنب اصطلاحا: هو مخالفة أوامر الله تَعَالىَ ونواهيه.
تنقسم الذنوب باعتبار متعلَّقها إِلىَ:
1- ذنوب بين العبد وربِّه، مثل ترك الصلاة أو الصيام أو سائر الفرائض، لا يغفرها الله إِلاَّ بالتوبة النصوح.
2- ذنوب تَتَعَلَّقُ بحقوق العباد: كترك النفقات الواجبة، وقتل النفس، وغصب الأموال، وهتك الأعراض، والتوبة من هَذِهِ الذنوب أصعب، إذ لا يغفرها الله إِلاَّ بعد أداء الحقوق لأصحابها.
وتنقسم الذنوب باعتبار قبحها إِلىَ كبائر وصغائر. (1/76)
صفحة 115
أَوَّلاً - الكبائر (1) :
أ- أنواعها:
الكبائر نوعان:
1- ما أوجب الله عَلَيْهِ الحدَّ في الدُّنيا والعذاب في الآخِرَة، مثل: السرقة والزنى والقذف...
2- ما أوجب الله عَلَيْهِ العقاب في الآخرة من غير حدٍّ في الدنيا، مثل الربا، وعقوق الوالدين... وكذا كلُّ ذنب ورد فيه لعن صاحبه، أو قُرن بالوعيد في القرآن أَو السنة الصحيحة، كتطفيف الكيل، قَالَ تَعَالىَ: { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ } (الْمُطَفِّفِينَ: 1) ، وكالتهاون بالصلاة: { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ... } (الماعون: 4-5) ، { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ اَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ، فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } (مريم: 59) .
__________
(1) ... هَذِهِ نماذج من الكبائر ذكرها الله تَعَالىَ في سورة الأنعام: قَالَ تَعَالىَ: { قُل تَعَالَوَاْ اَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمُ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنِ اِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَالِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ ذَالِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَالِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ } (الأنعام: 151-153) . (1/77)
صفحة 116
وأكبر الكبائر: الشرك بِاللهِ، قَالَ تَعَالىَ: { وَمَنْ يُّشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } (النساء: 48) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ... فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ" (1) .
ب- أحكامها :
يجب عَلَى مرتكب الكبيرة ما يلي:
1- أن يعتقد أَنَّهُ سيخلَّد في النار، وَأَنَّ الكبيرة تحبط عمله، إِن لم يتب منها، قَالَ تَعَالىَ: { ذَالِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } (سورة محَمَّد: 28) ، وقال: { وَلَوَ اَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } (الأنعام: 88) .
2- أن يسارع إِلىَ الندم والاستغفار، واستصحاب الندم والتحسُّر كُلَّمَا ذكر تلك الكبيرة.
3- أن يَرُدَّ التبعات ويحالل من ظلمه، ويصلح ما أفسده، إن كانت الكبيرة تَتَعَلَّقُ بحقوق العباد.
4- أن يقضي ما ضيَّع من الفرائض، ويؤدي ما يجب عَلَيْه من الكفَّارات أو غيرها.
ما يجب عَلَى غير مرتكب الكبيرة نحوه:
1- زجره، ونهيه عن فعلته، واستتابته، والبراءة منه إن لم يتب.
2- تطبيق الأحكام المترتبة عَلَى ذَلِكَ الذنب، كالحدِّ والتعزير. وَهَذَا من اختصاصات الإمام.
ثانيا - الصغائر:
أ- تعريفها:
__________
(1) ... رواه البخاري، كِتَاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إثم من أشرك بِاللهِ وعقوبته في الدُّنيا وَالآخِرَة، رقم 6521.
... وقال - صلى الله عليه وسلم - أَيضًا: "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ"، كِتَاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، رقم 5628. (1/78)
صفحة 117
هي كلُّ ما سوى الكبائر، وهي كُلُّ عمل سيء لم يثبت عَلَى فاعله حدٌّ في الدنيا ولا وعيد في الآخرة. وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى.
ب- أحكامها:
1- إِنَّ الله يغفرها بما يأتي: ...
- باجتناب الكبائر، قَالَ تَعَالىَ: { إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا } (النساء: 31) ، وَالمرَاد بالسيئات هنا الصغائر. ...
- بفعل الطاعات بشرط اجتناب الكبائر، قَالَ تَعَالىَ: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } (هود: 114) ، وفي الحديث أَنَّ من الجمعة إِلىَ الجمعة، ومن رَمَضَان إِلىَ رَمَضَان كَفَّارَة لِمَا بينهما. ...
- بالمصائب التي تصيب صاحبها، بشرط اجتناب الكبائر أَيضًا، قال - صلى الله عليه وسلم - : "مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا" (1) .
2- يُحكَّم عَلَى صاحبها ببقائه عَلَى ما كان عَلَيْهِ من ولاية أو وقوف، فلا يُتبرَّأ منه لأجلها، حَتَّى يُعلم منه الإصرار عَلَيْهَا.
__________
(1) ... رواه البخاري، كِتَاب المرضى، باب ما جاء في كَفَّارَة المرض، رقم 5317. ومسلم، في كِتَاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، رقم 2572. (1/79)
صفحة 118
3- الإصرار عَلَى الصغيرة كبيرة، ففي الخبر عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : "لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرة مع الاستغفار" (1) . والإصرار هو الاستخفاف بها وعدم التحرُّج منها.
المصادر والمراجع :
بكير أرشوم: الوقاية والعلاج.
عمرو بن جميع، والشماخي والتلاتي: مقدمة التوحيد وشروحها، 94-97، 108-110.
خميس الرستاقي: منهج الطالبين، 2/194-258، 2/341-355.
الثميني عبد العزيز: النور (شرح نونية أبي نصر)، 280-297، 316-340، 354-363، 364-374.
القطب اطفيَّش: شرح عقيدة التوحيد، 530-539.
القطب اطفيَّش: شامل الأصل والفرع، 1/68-74.
السالمي نور الدين: مشارق أنوار العقول، 374-450...
السالمي نور الدين: بهجة الأنوار، 174، 236...
علي يحيى معمَّر: سمر أسرة مسلمة، 89-95، 115-127، 152-154.
الجعبيري: البعد الحضاري، 2/541-598.
وينتن مصطفى: آراء الشيخ اطفيَّش العقديَّة، 394، 407...
فرحات الجعبيري، وعاشور بن يوسف [كسكاس]: العقيدة (2)، 93، 107-116، 183.
الغزالي: عقيدة المسلم، 143-166.
ابن ادريسو مصطفى: الفكر العقدي، 402-455.
الإيمان باليوم الآخر
تمهيد:
__________
(1) ... قال العجلوني: "رواه أبو الشيخ والديلمي عن ابن عباس رفعه وكذا العسكري عنه في الأمثال بسند ضعيف لا سيما ورواه ابن المنذري في تفسيره عن ابن عباس من قوله، والبيهقي عن ابن عباس موقوفا، وله شاهد عند البغوي، ومن جهة الديلمي عن أنس مرفوعا، ورواه إسحاق بن بشر في المبتدأ عن عائشة لكن حديثه منكر، وأخرجه الطبرانيُّ عن أبي هريرة وزاد في آخره: //فطوبى لمن وجد في كتابه استغفارا كثيرا" لكن في إسناده بشر بن عبيد الفارسي متروك، ورواه الثعلبي وابن شاهين في الترغيب عن أبي هريرة". كشف الخفاء، 2/490: رقم 3071. (1/80)
صفحة 119
إِنَّ اليوم الآخر أخطر وأعظم الأخبار الغَيْبِيَّة التي أخبر الله عنها عَلَى الإطلاق، إذ لا تكاد تخلو منه صفحة من القرآن. وهو من المسائل الغَيْبِيَّة الثابتة بالنقل والتي لا مجال للعقل فيها.
أَوَّلاً - الموت
الموت هو مفارقة الروح للجسد (1) ، للانتقال من الدار الفانية إِلىَ الدار الباقية. وهو أمر لا ينكره أيُّ عاقل. وَإِنَّمَا عَلَى المسلم أن يعتقد:
- أَنَّ كُلَّ شَيْء - سوى الله - فانٍ.
- أَنَّهُ لا مفرَّ منه إطلاقا: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } (النساء: 78) .
- أَنَّهُ لا يملك أيُّ مخلوق تقديم الأجل أو تأخيره، قال تَعَالىَ: { وَلَنْ يُّؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا اِذَا جَآءَ اَجَلُهَا } (المنافقون: 11) .
- أَنَّ الله كلَّف بعض الملائكة بقبض الأرواح (كما سبقت الإشارة في درس الملائكة).
وأشار القرآن والحديث إِلىَ أَنَّ الله يهوِّن موت المؤمن، ويشدد موت الكافر (2) ، قَالَ تَعَالىَ: { الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ } (النحل: 32) ، { وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذِينَ كَفَرُوا الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } (الأنفال: 50) وهَذَا الفرق "ليس قانونا دائما" (3) .
ثانيا - الساعة
لقيام الساعة معنيان:
1- أجل انتهاء وجود المخلوقات بإذن الله تعالى. 2- نفخة بعث الناس من قبورهم.
ويجب الإيمان بما يلي:
__________
(1) ... انظر تعريفات أخرى للموت: الثميني: النور (شرح نونية أبي نصر)، ص365. السالمي: مشارق، ص262.
(2) ... الثميني: النور، ص365-366. الجعبيري وكسكاس: العقيدة (2)، ص124. بتصرف.
(3) ... البوطي: ص308. (1/81)
صفحة 120
- أَنَّ وقت الساعة لا يعرفه أحد إِلاَّ الله، ولا تأتي إِلاَّ بغتة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلِ اِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ لاَ تَاتِيكُمُ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلِ اِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (الأعراف: 187) (1).
- تكون الساعة مسبوقة بعلامات (أشراط): {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ اَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمُ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} (محَمَّد: 19) (2). منها: طلوع الشمس من مغربها، خروج الدَّابَّة ... وحينها {يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا اِيمانُهَا لَم تَكُنَ امَنت مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} (الأنعام: 158).
ثالثا - البرزخ
البرزخ لغة هو: الحاجز بين شَيْئين، واصطلاحا هي: الفترة التي بين الموت ونفخة البعث بالبرزخ. قَالَ تَعَالىَ: { ... وَمِن وَّرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ اِلىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (المؤمنون: 99 - 100).
__________
(1) ... قال صلَّى الله عليه وسلَّم: " ... ولتقومنَّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومنَّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن فلا يطعمه، ولتقومنَّ الساعة وَهُوَ يليط حوضه فلا يسقى فِيهِ، ولتقومنَّ الساعة وقد رفع أكلته إِلىَ فيه فلا يطعمها". البخاري: كِتَاب الرقاق، باب طلوع الشمس من مغربها، حديث 6141، ج5/ ص2386.
(2) ... ينظر: البوطي: كبرى اليقينيات، ص318 - 337. وينتن: آراء، 162 - 167. (1/82)
صفحة 121
وفي الخبر أَنَّ القبر روضة من رياض الجَنَّة أو حفرة من حفر النار (1) ، قال تَعَالىَ: { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } (غافر: 46) (2) . وقال - صلى الله عليه وسلم - : "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ (إِلَيْهِ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (3) .
وكان النبيء - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ من عذاب القبر، يُعَلِّمُ الصحابة هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ" (4) .
رابعا - النفخ في الصور
__________
(1) ... اشتهر هَذَا الخبر عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وقال فيه الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، 4/639، رقم 2460. وَلَكِنَّ العجلوني قال: "رواه الترمذي والطبراني عن أبي سعيد ورواه الطبراني أيضا عن أبي هريرة وكلاهما به مرفوعا بسند ضعيف"، كشف الخفاء، 2/118، رقم 1853.
(2) ... انظر: الأشعري: الإبانة، ص182. الرازي: التفسير، 27/73. القرطبي: 15/318-319. القطب اطفيَّش: التيسير، ط1، 5/1273. نقلا عن الجعبيري، 2/644.
(3) ... رواه الربيع بن حبيب في كِتَاب الجنائز بَاب [20] فِي الْقُبُورِ، رقم 484.
(4) ... رواه الربيع بن حبيب، في كِتَابُ الأَذْكَارِ، بَاب [21] فِي الدُّعَاءِ، رقم 490. (1/83)
صفحة 122
الصور لغة هو البوق. أمَّا اصطلاحًا فالله أعلم بماهيَّته وكيفيَّته. وعلى المؤمن أن يعتقد أنَّه توجد نفختان: نفخة الصعق أو الفزع، ونفخة البعث (الإحياء)، قَالَ تَعَالىَ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الاَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} (الزمر: 68).
خامسا - البعث (1)
البعث شرعا هو: ردُّ الروح إِلىَ الجسد. والإيمان به واجب وإنكاره شرك. وقد أكد عليه الله تَعَالىَ في كِتَابه تأكيدا شديدا بمختلف الأساليب، منها قَوله تَعَالىَ: {زَعَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَن لَّنْ يُّبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (التغابن: 7).
والدليل عَلَى إمكانيَّة البعث من العقل أَنَّ إعادة الخلق مَرَّة ثانية يكون أسهل - عقلا - من الخلق الأَوَّل من العدم، قَالَ تَعَالىَ: {وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الاَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} (الروم: 27). {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} (الأنبياء: 104).
سادسا - حوض النَّبِيء محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم
وهو ثابت بالنقل، لا يَرِدُه من أُمَّة الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم إِلاَّ الموفون بدينهم. والأحاديث فيه كثيرة منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْم لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَمِلَ بِهِ حَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا، ويُرْزَقُ الوُرُودَ عَلَى الْحَوْضِ" (2).
سابعا - الحساب
الحساب في اللغة هو العدُّ:
__________
(1) ... السالمي: مشارق، 262. الجعبيري وعاشور: العقيدة (2)، ص129.
(2) ... رواه الربيع في بَاب [4] فِي الْعِلْمِ وَطَلَبِهِ وَفَضْلِهِ، رقم 21. (1/84)
صفحة 123
وفي الاصطلاح: هو إطلاع الله عباده عَلَى ما قَدَّمُوه من أعمال صالحة أو سَيِّئَة، وتبيين العمل المقبولِ منها والمردودِ، وجزائِهِم عَلَيْهَا (1) . والدليل عَلَيْهِ قَوله تَعَالىَ: { اِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً } (الإسراء: 36) . وفي الحديث: "يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن ماذا عمل فيما علم" (2) .
وفي الحساب يجب الإيمان بِهَذِهِ الأمور:
- أَنَّ حساب الله تَعَالىَ دقيق جِدًّا، وعادل عدلا مطلقا: { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا وَيُوتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } (النساء: 40) .
__________
(1) ... انظر: السالمي: مشارق: 275-276. الجيطالي: قناطر، القسم الأَوَّل، ص320. أبو سِتَّة: حاشية القواعد، 1/62، تح: الحاج موسى. وانظر: القطب: الذهب: 14.
(2) ... رواه نحوه الترمذي، في كِتَاب أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في شان الحساب والقصاص، رقم 2531، 2532، وقال: "هَذَا حديث حسن صحيح"، والطبراني في الكبير، عن معاذ، 20/60، رقم 111. انظر: الجيطالي، ص65. (1/85)
صفحة 124
- أَنَّ المطيع يحاسب حسابا يسيرا، وَأَنَّهُ يؤتى بصحائف أعماله بيمينه، وَأَنَّ العاصي يحاسب حسابا عسيرا، ويؤتى بصحائفه بشماله أو من وراء ظهره، قَالَ تَعَالىَ: { فَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ اِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ... } إِلىَ أن يقول: { وَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمُ اوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمَ اَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ... } (الحاقة: 19-37) ، { فَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيُصَلَّى سَعِيرًا } (الانشقاق: 7-12) .
- أَنَّ هَذَا الكِتَاب يتضمن كُلَّ الأعمال الحسنة والسَّيِّئَة، وهو { لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً اِلآَّ أَحْصَاهَا } (الكهف: 49) .
- أَنَّ هول يوم الحساب عظيم: { فَإِذَا جَآءَتِ الصَّآخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنَ اَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ } (عبس: 33-37) .
ثامنا - الميزان
ليس الميزان عند الإِبَاضِيَّة ميزانا حسيًّا، وَإِنَّمَا هو كناية عن العدل المطلق، قَالَ تَعَالىَ: { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، وَإِن كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ اَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } (الأنبياء: 47) . وَأَمَّا ثقل الموازين فهو كناية عن السعادة، وخفَّتها كناية عن الشقاوة، والعرب تُعَبِّرُ عن علوِّ الشأن بثقل الميزان.
تاسعا - الصراط (1/86)
صفحة 125
يرى أغلب الإِبَاضِيَّة أَنَّ الصراط إِنَّمَا هو تمثيل لطريق الحقِّ، قَالَ تَعَالىَ: { اَفَمَنْ يَّمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَّمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } (الملك: 22) . ومنهم من يرى أَنَّهُ يَصِحُّ فيه المعنيان حسب السياق، وهو الأرجح، نظرا لوجود نصوص في السنة تثبت وجوده في الآخرة فوق جَهَنَّم.
عاشرا - الشفاعة (1)
الشفاعة لغة: هي الوسيلة والطلب.
وعرفا هي: طلب الخير من الغير للغير.
وشرعا هي: طلب التعجيل بدخول الجَنَّة أو زيادة درجة فيها من الله عَزَّ وَجَلَّ للمؤمنين.
وتكون للأنبياء وغيرهم من الملائكة والشهداء والأولياء، ويختصُّ نبيُّنا - عليه السلام - منها بخصلة هي تقدُّمه إِلَيْهَا قبل كُلِّ شافع. وهي المقام المحمود الذي في قَوله تَعَالىَ: { عَسَى أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا } (الإسراء: 79) ، أي: مقاما يحمدك فيه الأَوَّلُونَ والآخرون.
ومذهب الإِبَاضِيَّة في الشفاعة أَنَّهَا مقصورة عَلَى الأتقياء من الْمُكَلَّفِينَ، وهم من جانَب الْمُحَرَّمَات وأدى الواجبات، فلا شفاعة لغيره من الأشقياء والعصاة من الموحِّدين إن ماتوا عَلَى غير توبة، ولا المشركين، للأدلة القطعية الثابتة، منها:
1- قَوله تَعَالىَ: { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَى } (الأنبياء: 28) ، وقوله: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } (غافر: 18) ، ولفظة الظالمين عَامَّة.
2- أَدِلَّة الخلود الثابتة، فإذا ثبت تخليدهم انتفت الشفاعة ضرورةً.
وقد تمسك المخالفون برواية نصُّها: "شفاعتي لأهل الكبائر من أُمَّتِي"، ويجاب عنها بأمور:
1- أَنَّهُ آحاديٌّ ظنِّيٌّ فلا يعارض القطعي (مِمَّا سبق ذكره).
__________
(1) ... مسألتا الشفاعة والخلود نُقلتا عن تلخيص الشيخ باشعادل لكِتَاب بهجة الأنوار (بتصرف). (1/87)
صفحة 126
2- أَنَّهُ عارضتها روايات صريحة في نفي الشفاعة عن بعض مرتكبي الكبائر، منها قوله - صلى الله عليه وسلم - : "لاَ تَنَالُ شَفَاعَتِي سُلْطَانًا غَشُومًا لِلنَّاسِ، وَرَجُلاً لاَ يُرَاقِبُ اللَّهَ فِي الْيَتِيمِ" (1) . فَهَذِهِ بتلك، عَلَى أَنَّ هَذِهِ قد عضدها الكِتَاب الكريم، وتلك قد خالفته، فوجب:
- إِمَّا القول بوضع تلك الرواية، إذ لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر لتقرَّب إِلَيْهِ المتقرِّبون بالكبائر.
- وَإِمَّا أَنَّهَا معلَّقة بشرط دَلَّ عَلَيْهِ الكِتَاب، وهو إذا ماتوا تائبين منها. والفائدة من تخصيصهم بالذكر في سياق الشفاعة دفع إياسهم من رحمة الله عَزَّ وَجَلَّ، وتسهيل الطريق لهم إِلىَ التوبة، عملا بِقَولِهِ تَعَالىَ: { قُلْ يَاعِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُون... } إلخ الآيات (الزمر: 53-55) .
حادي عشر - الخلود
افترقت الأُمَّة في أهل الجَنَّة والنار عَلَى أربع فرق:
- الأولى: وهي الجهمية، زعمت أَنَّ الجَنَّة والنار فانيتان بعد دخول أهلها فيهما (مشركين وعصاة). ولا داعي لمناقشة هَذَا الرأي لمخالفته صريحَ القرآن وَالسُّنَّة بخلودهما، ولعدم وجود هَذِهِ الفرقة.
__________
(1) ... رواه الربيع في الأَخْبَار الْمَقَاطِيع عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ، رقم 1002. (1/88)
صفحة 127
- الثانية: زعمت أَنَّ الخلود في الجَنَّة فقط دون النار، وتشبثوا برواية جاء فيها: "ليأتينَّ عَلَى جَهَنَّم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد ... ".
والجواب عَلَى الرواية أَنَّهَا - فضلا عَمَّا في متنها وسندها من نكارة - آحادية لا تقوى عَلَى معارضة القطعي من القرآن وَالسُّنَّة، منها قَوله تَعَالىَ: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلَ اَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُّخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: 80 - 81).
- الثالثة: وهم أغلب المسمَّون بأهل السنة، ذهبوا إِلىَ أَنَّ أهل الجَنَّة والمشركين من أهل النار مخلَّدون فيهما، وزعموا أَنَّ أهل الكبائر غير المشركين يخرجون من النار إِلىَ الجَنَّة، وأَنَّ من مات عَلَى كبيرة لا يخلو من أحد أمور ثلاثة: إِمَّا أن يغفر الله له بعفوه، أو يشفع فيه الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم، أو يعذَّب مقدار عمله ثُمَّ يخرج فيدخل الجَنَّة. وزعم بعضهم أَنَّهُ يكتب عَلَى جباههم: "هَؤُلاَءِ جَهَنَّميُّون فيعيِّرهم أهل الجَنَّة عَلَى ذَلِكَ، فيسألون الله زواله، فيمحوه الله عنهم، ويبدلهم مكانه نورا يتلألأ فيودُّ أهل الجَنَّة أن لو عملوا كعملهم". (1/89)
صفحة 128
قال الشيخ السالمي: "وَهَذَا ... عين المحال بِأَن جعلوا العاصي أشرف من الطائع، وجمعوا بين الأضداد، وكتاب الله ناطق بخلاف ما زعموا، قَالَ تَعَالىَ: {أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ} (السجدة: 18)، وقال تَعَالىَ: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (القلم: 35 - 36)، وقال تَعَالىَ: {أَمْ حَسِبَ الذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءٌ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} (الجاثية: 21).
- الرابعة: وهم الإِبَاضِيَّة والمعتزلة فقد اعتمدوا عَلَى صريح القرآن وصحيح السنة، وقالوا: إِنَّ من مات عَلَى عصيان رَبِّهِ، مصرًّا عَلَى ذنبه، فهو مخلد في النار أبدا، لا فرق في ذَلِكَ بين أحد من أهل الشرك الجاحدين لله، أو الفسَّاق مرتكبي الكبائر من أهل التوحيد، وَإِنَّمَا الفرق في دركاتهم، إذ كلٌّ معذَّب بقدر عمله، ومن أَدِلَّتهم قَوله تَعَالىَ: {وَمَنْ يَّعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} (الجن: 23) (1).
المصادر والمراجع
عمروس بن فتح: أصول الدينونة الصافية، 66 - 68.
أبو عمَّار عبد الكافي: الموجز، 2/ 129 - 132.
عمرو بن جميع، والشماخي والتلاتي: مقدمة التوحيد وشروحها، 27 - 28.
الجيطالي إسماعيل: قواعد الإسلام، 1/ 54 - 69.
الجيطالي إسماعيل: قناطر الخيرات، 1/ 314 - 323.
خميس الرستاقي: منهج الطالبين، 1/ 499 - 502، 514 - 525؛ 2/ 403 - 410.
الثميني عبد العزيز: النور (شرح نونية أبي نصر)، 51 - 54، 297 - 312، 365 - 366، 425 - 459.
القطب اطفيَّش: شرح عقيدة التوحيد، 125 - 132.
القطب اطفيَّش: شامل الأصل والفرع، 1/ 85 - 88.
__________
(1) ... ينظر لمزيد من الأَدِلَّة والمناقشة كِتَاب الحق الدامغ لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي. (1/90)
صفحة 129
القطب اطفيَّش: الذهب الخالص، 13 - 15.
السالمي نور الدين: مشارق أنوار العقول، 260 - 291 ...
السالمي نور الدين: بهجة الأنوار، 109 - 125 ...
الأشقر عمر سليمان: اليوم الآخر، القيامة الكبرى.
الغزالي: عقيدة المسلم، 203 - 229.
البوطي: كبرى اليقينيَّات الكونيَّة، ص308 ...
محَمَّد قطب: منهج علم التوحيد، 3/ 171 - 198.
الجعبيري: البعد الحضاري، 2/ 525 - 539، 2/ 599 - 654، 701 - 763.
أحمد مصلح وآخرون: هذه مبادئنا، 161 - 171، 175 - 183، 187 - 194.
وينتن مصطفى: آراء الشيخ اطفيَّش العقديَّة، 159 - 187، 410 - 467 ...
الخليلي: جواهر التفسير، ج3 (الشفاعة، تفسير قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُوخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} (البقرة: 48)).
الخليلي: الحق الدامغ (مبحث الخلود).
فرحات الجعبيري، وعاشور بن يوسف [كسكاس]: العقيدة (2)، 123 - 163.
أحمد الكندي، وعاشور كسكاس: العقيدة (1)، 165.
محمَّد ناصر: الأصول العقدية للناشئة المحمدية، 24، 103، 113.
ابن ادريسو مصطفى: الفكر العقدي، 327 - 354، 451 - 455. (1/91)
صفحة 130
المحتويات
لإيمان بِاللهِ تَعَالىَ وصفاته
أَوَّلاً - وجود الله تعالى:
أ- وجود الله فطري في الإنسان:
ب- دليل الخلق:
ج- دليل العناية:
د- بطلان الصدفة:
هـ- القرآن الكريم والدعوة إِلَى النظر واستعمال العقل لمعرفة الله:
ثانيًا: صفات الله تعالى
المنطلق:
1 - الوَحْدَانِيَّة وَأَدِلَّتها:
2 - ما يَتَرَتَّبُ عن الوَحْدَانِيَّة:
3 - تقسيم صفات الله تَعَالَى:
4 - توقيف الأسماء والصفات:
5 - الألفاظ الموهمة للتجسيم أو التشبيه:
6 - علاقة صفات الله تَعَالَى بذاته:
7 - الأثر العملي من معرفة صفات الله تَعَالى:
الإيمان بالملائكة
الإيمان بالكتب
الإيمان بالأنبياء والرسل والمعجزات (1/92)