صفحة 1
الكتاب: رسالة الإنسان في الحياة
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] رسالة الإنسان في الحياة
محاضرة لسماحة الشيخ العلامة:
أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله ومتعنا بحياته وعلمه
المفتي العام لسلطنه عمان
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه وأؤمن به وأتوكل عليه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فسوى وقدر فهدى وله الحمد في الآخرة والأولى وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله أرسله الله إلى خلقه وبشيرا ونذيرا .. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا .. فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد : فالسلام عليكم أيها الأخوة ورحمة الله وبركاته أحييكم هذه التحية المباركة الطيبة . وأهنئكم باجتماعكم في بيت من بيوت الله في مناسبة غالية عزيزة وهي توسعة هذا البيت الشريف ليكون أكثر عطاء في الخير وأرحب اتساعا بعباد الله الذين يؤمنون به لتخر جباههم ساجدة لجلال الله . وتجد قلوبهم بين يدي الله تتعلق أرواحهم وعقولهم وأحاسيسهم بالله سبحانه وتعالى وأسأل الله عز وجل أن يتقبل من المحسنين إحسانهم وأن يجزل لهم المثوبة والعطاء .
رسالة الإنسان في حياته الدنيا (1/1)
صفحة 2
إن الكل ليدرك أن الإنسان لم يخلق في هذه الدنيا سدي . ولم يترك هكذا هملا . ولكنه خلق لتحمل أمانة ثقلت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ... فجدير بهذا الإنسان أن يعرف هو يمخر عباب هذه الحياة كيف يتصرف وسط الأعاصير الهوجاء والأمواج المتعاقبة من نزعات نفسه ونزعاتها فهو قد وقع بين تجاذب وتدافع ولا بد له أن يستبصر وهو يقطع هذه الطريق بنور كتاب الله الذي يصفه الله عز وجل بقوله : { إِنّ هَذَا الْقُرْءَانَ يهْدِى لِلّتي هِيَ أَقْوَمُ وَ يُبَشرُ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحَاتِ أَنّ لهَُمْ أَجْراً كَبِيراً *وَ أَنّ الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لهَُمْ عَذَاباً أَلِيماً } { سورة الإسراء . الآية 9 } وإذا كان الإنسان جديرا بأن يستبصر بنور هذا الكتاب العزيز فلنستلهم من كتاب الله سبحانه ونحن نتلوه أو نسمعه ما يبصر لنا الطريق الذي نسلكه إلى الله سبحانه وتعالى . وقد سمعنا في صلاة المغرب تلاوة من كتاب الله تلاها علينا الإمام استلهمت يقوله سبحانه وتعالى : { يَا أَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَ لْتَنظرْ نَفْسٌ مّا قَدّمَت لِغَدٍ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ } { سورة الحشر . الآية 18 } .
التقوى زاد المؤمن وزينته (1/2)
صفحة 3
في هذه الآية الكريمة يدعو الله تعالى عباده المؤمنين إلى أن يتقوه . ويدعوهم إلى أن يفكروا فيما عملوه وما تزودوا به للغد . لليوم الذي يلقون الله عز وجل فيه . وقد تخلى عنهم كل شيء مما أتوه في هذه الدنيا .. من ولد ومال وجاه وسلطان وأن يفكروا بعد ذلك في كون الله سبحانه وتعالى خبيرا بما يعلمون حيث أكد الله تعالى الأمر بقوله : { وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ } وجدير بهذا الإنسان أن يحسب حسابه للغد الذي ينتظره ولو توعد إنسان من حاكم من حكام المسلمين لكان قلقا منزعجا .. مع أن الحاكم تبدو له النزوات وتعرض له العوارض وتحول بينه وبين مراده الحوائل وقد وعد وتوعد من قبل الله تعالى الذي لا معقب لحكمه ولا تبديل لكلماته ولا إخلاف لميعاده . فجدير به أن يشفق على نفسه وأن يتبصر في سلوكه أن يعرف حكم ما يأتي وما يذر والقرآن الكريم عندما يتحدث عن ذلك اليوم وحساب العباد فيه يتحدث عن ذلك في معرض الأخبار عن انحلال نظام هذا الكون وتداعي أجرامه وتهاويها وسقوط بعضها على بعض ليثير في النفوس خطورة ذلك اليوم حيث يصور ذلك المشهد العظيم المشهد الرهيب تصورا بالغا دقيقا .. يجعل الناس كأنهم ينظرون إليه نظر العين يقول الله تبارك وتعالى : { فَإِذَا نُفِخَ فى الصورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ * وَ حُمِلَتِ الأَرْض وَ الجِْبَالُ فَدُكّتَا دَكّةً وَحِدَةً * فَيَوْمَئذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَ انشقّتِ السمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئذٍ وَاهِيَةٌ * وَ الْمَلَك عَلى أَرْجَائهَا وَ يحْمِلُ عَرْش رَبِّك فَوْقَهُمْ يَوْمَئذٍ ثمَانِيَةٌ * يَوْمَئذٍ تُعْرَضونَ لا تخْفَى مِنكمْ خَافِيَةٌ } { سورة الحاقة . الآية 13 ـ 18 } . ويقول الله تبارك وتعالى { فَإِذَا بَرِقَ الْبَصرُ * وَ خَسف الْقَمَرُ * وَ جُمِعَ الشمْس وَ الْقَمَرُ * يَقُولُ الانسانُ يَوْمَئذٍ أَيْنَ المَْفَرّ * َكلا لا وَزَرَ * إِلى رَبِّك يَوْمَئذٍ (1/3)
صفحة 4
المُْستَقَرّ * يُنَبّؤُا الانسانُ يَوْمَئذِ بِمَا قَدّمَ وَ أَخّرَ } { سورة القيامة . الآية 7 ـ 13 } .ويقول سبحانه { إِذَا الشمْس كُوِّرَت * وَ إِذَا النّجُومُ انكَدَرَت * وَ إِذَا الجِْبَالُ سيرَت * وَ إِذَا الْعِشارُ عُطلَت * وَ إِذَا الْوُحُوش حُشِرَت * وَ إِذَا الْبِحَارُ سجِّرَت * وَ إِذَا النّفُوس زُوِّجَت * وَ إِذَا الْمَوْءُدَةُ سئلَت * بِأَي ذَنبٍ قُتِلَت * وَ إِذَا الصحُف نُشِرَت * وَ إِذَا السمَاءُ كُشِطت * وَ إِذَا الجَْحِيمُ سعِّرَت * وَ إِذَا الجَْنّةُ أُزْلِفَت * عَلِمَت نَفْسٌ مّا أَحْضرَت } { سورة التكوير . الآية 1 ـ 14 } . ويقول عز من قائل { إِذَا السمَاءُ انفَطرَت * وَ إِذَا الْكَوَاكِب انتَثرَت * وَ إِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَت * وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثرَت * عَلِمَت نَفْسٌ مّا قَدّمَت وَ أَخّرَت * يَا أَيهَا الانسانُ مَا غَرّك بِرَبِّك الْكرِيمِ * الّذِي خَلَقَك فَسوّاك فَعَدَلَك * فى أَى صورَةٍ مّا شاءَ رَكّبَك * َكلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَ إِنّ عَلَيْكُمْ لحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } { سورة الانفطار . الآية 1 ـ 12 } .ويقول الله تبارك وتعالى { إِذَا السمَاءُ انشقّت * وَ أَذِنَت لِرَبهَا وَ حُقّت * وَ إِذَا الأَرْض مُدّت * وَ أَلْقَت مَا فِيهَا وَ تخَلّت * وَ أَذِنَت لِرَبهَا وَ حُقّت * يَا أَيّهَا الانسانُ إِنّك كادِحٌ إِلى رَبِّك كَدْحاً فَمُلَقِيهِ * فَأَمّا مَنْ أُوتىَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسوْف يحَاسب حِساباً يَسِيراً * وَ يَنقَلِب إِلى أَهْلِهِ مَسرُوراً * وَ أَمّا مَنْ أُوتىَ كِتَبَهُ وَرَاءَ ظهْرِهِ * فَسوْف يَدْعُوا ثُبُوراً * وَ يَصلى سعِيراً * إِنّهُ كانَ فى أَهْلِهِ مَسرُوراً * إِنّهُ ظنّ أَن لّن يحُورَ * بَلى إِنّ رَبّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً } { سورة الانشقاق . الآية 1 ـ 15 } . (1/4)
صفحة 5
هكذا يصور لنا القرآن الكريم ذلك اليوم العظيم ذلكم التصوير العجيب الدقيق بحيث يخيل للإنسان أنه يرى عن كثب رأي العين كيف تتهاوى الأجرام بعد انحلال هذا النظام ويسقط بعضها على بعض . فكيف هول الإنسان يومئذ وهو يشاهد تلك المشاهد الخطيرة .. المشاهد التي تجعل نفسه قلقة قلقا لم يسبق له مثيله حتى أن الحمل تضع حملها لهول ما ترى عندما يأذن الله سبحانه وتعالى بقيام الساعة وتكون النفخة التي تنتهي بها الحياة في هذه الأرض ثم تأتي النفخة الثانية التي يترتب عليها الحساب هذا كله يدل على هول الحساب وخطورته والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين لنا ما يسأل عنه العبد يوم القيامة ليكون على بينة من أمره وليعد لكل سؤال جوابا .. فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الترمذي عن أبي برزة الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن عمره فيم أبلاه . وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه . وعن عمله ماذا عمل به " … يبين لنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يسأل عنه العبد يوم القيامة في هذا الحديث القليل الألفاظ الواسع المعاني .
قيمة الحياة (1/5)
صفحة 6
فالعبد يسأل أول ما يسأل عن عمره لأن العمر هو النعمة الكبرى التي تترتب عليها النعم الأحرى .. التي أنعم الله بها على الإنسان فان حياة الإنسان هي منشأ بقية النعم التي أنعم الله تعالى بها عليه من عقل وسمع وبصر وسائر الحواس والمشاعر الباطنة والضامرة وما يترتب على ذلك من النعم التي يكسبها كالمال وما لا يكسبها كالولد ونحوه . هذه النعم تترتب على العمر .. على الحياة .. فالعمر جوهرة ثمينة ومن ذلك كان جديرا بالإنسان أن يتحرى في هذا العمر القصير المحور بين ولادته ووفاته العمل الذي يقربه إلى الله سبحانه وتعالى زلفى . والذي يتمتع بجزائه في دار لا يهرم شبابها ولا يعقب غناها فقر ولا عزها ذل ولا قوتها ضعف ولا صحتها سقم ذلكم لأن هذا العمر الذي نحياه هنا كما تعلمون عمر قصير محدود فهو لا يوازي شيئا بجانب حياة الخلود . العمر الذي يعيشه الإنسان محصور بين ولادته ووفاته ـ ماذا عسى أن يكون طول هذا العمر .
حياة الإنسان ساعة ليجعلها الله طاعة
ليخيل الإنسان إلى نفسه أنه سيعمر عمرا مديدا في هذه الدنيا .. فماذا عسى أن يكون مقدار هذا العمر المديد .. هل سيعيش مائة عام .. قلة من الناس يصلون إلى هذا القدر من العمر .. قلة من الناس يصلون إلى ما دون القدر من العمر .. فمن يعيش مائة عام يكاد أن يعد شاذا بين الناس الذين يعيش معهم .. فلينظر الإنسان فيما مضى من هذه المائة وفيما بقي ..فإن كان ابن عشرين فقد مضى منها عشرون وبقي له منها ثمانون وان كان ابن ثلاثين فقد مضى له منها ثلاثون وبقي له منها سبعون .. وان كان ابن أربعين فقد مضى له منها أربعون وبقي له منها ستون .. وان كان ابن خمسين فقد مضى عليه منها خمسون وبقي له مثلها . (1/6)
صفحة 7
لنقدر أن هذا الإنسان الذي تعصف بفكره الأماني ويسترسل في إعطاء نفسه مناها ..لنقدر أن عمر هذا الإنسان عشرون وقد بقي له من هذه المائة ثمانون فينظر الثمانين ماذا عسى أن تكون . لينظر بين مناسبة وأخرى من المناسبات الدورية التي تتكرر في كل عام كشهر رمضان وأي شهر ذي الحجة ... أو شهر محرم بداية العام الهجري أو شهر ربيع الأول أو أية مناسبة من المناسبات فانه سيرى أن هذه الأعوام تكاد تكون لحظات لا تتجاوز أن تكون لحظات .
على لحظات ينقص العمر برها ... ... تأكد أمال البقاء وتزيد
وتبني بناء طينه نقص دارس ... ... سيدرس يوما والغرور جديد (1/7)
صفحة 8
الإنسان يعطي نفسه مناها . ويخيل إليه انه سيبقى عمرا طويلا في هذه الحياة وهو يقطع المراحل من حيث لا يدري فقاطرة هذه الحياة تسير بكل إنسان سيرا حثيثا لا يتوقف في أية لحظة من اللحظات . في النوم واليقظة في الذكر والغفلة .. في الحركة والسكون .. في الهم والفرح ، في الحزن والفرح .. هذه القاطرة لا تتوقف والناس يسيرون فيها سيرا حثيثا ومن انتهى أمده ووصل إلى غايته خرج منها من غير أن يتوقف سيرها ، بل هي تسير بالآخرين فما أجدر الإنسان أن يحسب حسابه لليوم الذي يلقى فيه ربه . لليوم الذي تطوي صفحة حياته ويصل إلى الغاية التي لا بد منها وهو يشهد أقرباءه . فالحياة الدنيا جسر يعبره الإنسان إلى ما بعده .. ومثل الإنسان فيها كما جاء في الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " كمثل الذي ينزل في ظل شجرة ثم يتركها " ومع هذا كله فإننا نرى الإنسان كيف يتهالك على هذه الحياة . لا يبالي بما يفعله فيها من حلال وحرام من نافع وضار . يبني فيها بناء المخلدين ويعمر فيها عمارة المعمرين من غير أن يشعر أنه سوف ينتقل عن كل ما يبنيه وسوف يتحول عن كل ما يعمره وسوف يأتي الله تعالى يوم القيامة وقد تخلى عنه كل شيء { وَ لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ وَ تَرَكْتُم مّا خَوّلْنَكُمْ وَرَاءَ ظهُورِكمْ ... } { سورة الأنعام . الآية 94 } . (1/8)
صفحة 9
كل ما أوتيه الإنسان في الدنيا يتركه وراء ظهره ويأتي بين يدي الله تعالى يوم القيامة منفردا لا قريب له ولا صديق .. ولا مال له ولا جاه ولا سلطان .. { إِن كلّ مَن فى السمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ إِلا ءَاتي الرّحْمَنِ عَبْداً * لّقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدّهُمْ عَدّا * وَ كلّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْداً } { سورة مريم . الآية 93 ـ 95} يومئذ تتقطع الصلات بين جميع الناس وتتحول المودة إلى عدوات ساخنة إلا تلكم المودة التي تبنى على تقوى الله تبارك وتعالى { الإخِلاءُ يَوْمَئذِ بَعْضهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ إِلا الْمُتّقِينَ } { سورة الزخرف . الآية 76 } { فَإِذَا نُفِخَ فى الصورِ فَلا أَنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ } { سورة المؤمنون . الآية 101 } .
والأنفاس التي يتنفسها الإنسان هي الأنفاس التي تتساقط من فيه وخياشيمه ولا يعود منها نفس إليه إلى يوم القيامة .. فمثل هذه الأنفاس التي تتساقط من الإنسان باستمرار كمثل القطرات التي تقطر من السقاء إلى الأرض وقد حل دكاؤه فإنها لا تزال تتابع قطرة أثر أخرى حتى لا يبقى من السقاء شيء .. وكل لحظة من عمر الإنسان تمر تدنيه من قضاء الله سبحانه وتعالى وإذا كان الإنسان في كل لحظة من اللحظات أقرب إلى لقاء الله تبارك وتعالى فإنه يجدر به أن يكون في كل لحظة من هذه اللحظات أقرب إلى الله تعالى بالتقوى وبالخوف والرجاء وبالزهد في هذه الدنيا وبالرغبة فيها عند الله عز وجل وما عند الله خير وأبقى .
السؤال الثاني : الشباب ريبع العمر ومرحلة العطاء (1/9)
صفحة 10
ثم يأتي السؤال الثاني بعد هذا السؤال الأول عن العمر وهو سؤال عن جزء من هذا العمر .. عن مرحلة الشباب فإن العمر إن كان نعمة من الله سبحانه وتعالى فالشباب أعظم نعمة لأنه ربيع العمر وزهرته ونضارته والإنسان يشعر بمقدار نعمة الشباب . عندما يتجاوز هذه المرحلة فالناس الذين يتجاوزون مرحلة الشباب يندبون شبابهم ويبكون عليه لأنهم يعلمون بأنه لا يرجع كما لا يعود الميت إلى الدنيا ... ونسمع واعظا يعظ الناس شعرا فيقول :
يا خاضب الشيب الحناء تستره ... ... سل المليك له سترا من النار
لن يرحل الشيب عن دار ألم بها ... ... حتى يرحل منها صاحب الدار
فالشيب عندما يأتي للإنسان ويولي الشباب يظل هذا الشيب وفيا له ، ملازما له إلى أن يرحل من الدنيا بصحبته بخلاف الشباب فانه سرعان ما ينتهي وذلك يقول التهامي في قصيدته الرائعة البليغة :
شيئان ينقشعان أول وهلة ... ... ضل الشباب وخلة الأشرار
لا حبذا الشيب الوفي وحبذا ... ... غصب الشباب الخائن الغدار
وطرى من الدنيا الشباب وروقه ... ... فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري
قصرت مسافته وما حسناته ... ... عندي ولا آلاؤه بقصار
الشباب هو مرحلة الفتوة ومرحلة القوة ومرحلة الطموح في عمر الإنسان ولذلك يسأل عنه العبد الصالح الذي قد يعجز الإنسان عنه عند شيبه بعدما يجاوز مرحلة الشباب وكثير من الناس يظنون أن الشباب فرصة للانغماس في الملذات والمسارعة إلى الشهوات وإعطاء النفس أمانيها المتنوعة ولذلك رب قائل يقول ـ إذا سمع ناصحا ينصح شابا : دعه يتهنأ بشبابه هم رهبان بالليل وفرسان بالنهار لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون الإسلام .. يقضون على ما حاربوا حتى يأتوا عليه وقال آخر : أما الليل فرهبان وأما النهار ففرسان يربشون النبل ويلوونها القنا . لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر . (1/10)
صفحة 11
كان نطق أولئك الشباب حكمة وسكوتهم عبرة . كانت الكلمات نخرج من ألسنتهم وهي كالشهب التي تجمع ما بين لآلي الدرر وحرارة النار .. كانت كلماتهم نورا يضيء الطريق للساكنين إلى مرضاة الله سبحانه وكانت في نفس الوقت تنبعث من عاطفتهم الجياشة وهي دفعة حرارة ولا تلبث تلك الحرارة حتى تفعل فعلها في خصومهم .
السؤال الثالث والرابع : المال مال الله يجب أن ينفق في سبيل الله
والسؤالان الثالث والرابع يتعلقان بالمال فالسؤال الأول من أين اكتسبه والسؤال الثالث في سلسلة هذه الأسئلة التي ذكرت في الحديث والسؤال الثاني هو عن المال وهو السؤال الرابع في سلسلة هذه الأسئلة فيم أنفقه .
المال الذي بيد الإنسان ليس ماله فيتصرف فيه كيفما يشاء وخلانه وجيرانه يطوون هذه المراحل طيا . فكم ودع الإنسان من أقربين وكم ودع من أحباب وكم ودع من جيران فرب غاد لا يسمى ورب ممس لا يصبح . فالناس لا يدرون متى يفاجئهم ريب المنون وإنما الأماني هي التي تشغل الناس . ومثل الناس وهم يعبرون هذه المرحلة مرحلة الحياة كمثل سجناء في سجن حكم عليهم جميعا بالإعدام .. ولكن لا يدرون متى ينفذ في أحدهم الحكم فالتنفيذ يكون بلا سابق إشعار .. هذا ما عند السجناء .. قيد يبدو للحاكم عليهم بالإعدام مثلا ما يمنعه من تنفيذ حكمه وقد يحول بينه وبين ما يريده من إعدامهم حائل .. بينما هذا الحكم الإلهي لا معقب له .. فالله سبحانه وتعالى يقول { كلّ نَفْسٍ ذَائقَةُ المَْوْتِ وَ إِنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَ مَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلا مَتَعُ الْغُرُورِ } { سورة آل عمران . الآية 185 } جرعة الموت لا بد أن يتجرعها أي أحد .. فقيرا كان أو غنيا قويا كان أو ضعيفا .. ذليلا كان أو عزيزا .. لا فرق بين إنسان وآخر …
شر الغرور سكون ذي بصر إلى ... ... عيش تمزقه يد الأخطار (1/11)
صفحة 12
عبر تلونها الصروف وأنفس ... ... تفنى وآثار على آثار
هل زاد عيشك ذرة عن هذه ... ... لو كنت في الدنيا على استبصار
هلا اعتبرت وفي حياتك عبرة ... ... مما تصرفه يد المقدار
لا تستمر لك السلامة لمحة ... ... وغوائل الأيام في استمرار
ما بالنا نبكي الفقيد ونحن من ... ... حب الذي أراده في استهتار
شغف النفوس بما يراقبه الفنا ... ... اثر الهوى ومحبة الاوطار
جسر المنون أمام وجهك عابر ... ... ولسوف تعبره مع السفار
شمر لتعبره مخفا سالما ... ... من ثقل ما أوقرت من أوزار
ليس العظات بما يقول مذكر ... ... مثل العظات بمصرع الأعمار
كم للمنون لو اعتبرنا من يد ... ... في سلبها الأرواح بالتذكار
ما الحزن الفتنا لمقصود الردى ... ... يغتال في الإيراد والأصدار
أترى يجد البين فينا هازلا ... ... ويريحنا بمصرع الأخيار
كلا ولكن الحياة بهيمة ... ... تجري عليها مدية الجزار
خلقت لما خلقت له من حكمة ... ... وتعود تتبع دعوة الجبار
مزمومة نير القضاء يقودها ... ... مربوبة لمشيئة المختار
كتب البقاء لنفسه مستأثرا ... ... باماتة الأحياء والانشار
إنما هو مال الله سبحانه وتعالى يقول الله عز وجل { …… وَ آَتُوهُم مِّن مّالِ اللّهِ الّذِي آَتَاكُمْ ……. } { سورة النور . الآية 33 } ويقول سبحانه { …… وَ أَنفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مّستَخْلَفِينَ فِيهِ …… } { سورة الحديد . الآية 7 } فالمال الذي يؤتاه الإنسان هو ما الله وإنما العبد مستخلف فيه نؤتمن عليه .. وما دام الإنسان ليس أصيلا في هذا المال وإنما هو خليفة فعليه أن يتصرف فيه تصرف الخليفة الذي لا يصدر فيما يفعله إلا عن أمر مستخلفه .
أكل أموال الناس بالباطل حرام (1/12)
صفحة 13
النفس البشرية جلبت على حب المال الله تبارك وتعالى يقول : { وَ تحِبّونَ الْمَالَ حُبّا جَمّا } { سورة الفجر . الآية 20 } ويقول عز من قائل : { وَ إِنّهُ لِحُب الْخَيرِ لَشدِيدٌ } { سورة العاديات . الآية 8 } ومن شأن الإسلام وهو دين الفطرة ألا يتصادم مع الفطرة .. بل يوجه هذه الفطرة الوجهة السليمة فلا يمنع الإنسان أن يكسب المال ولكن عليه أن يتحر في اكتسابه له التي ترضي الله سبحانه وتعالى .. فليس للإنسان أن يكسب المال من أي طريق كان .. من النهب والسلب أو من الربا أو من الغش أو الخداع .. أو نحو ذلك . بل عليه أن يتحرى مرضاة الله تبارك وتعالى وقد جاء الوعيد الشديد في الأموال في كتاب الله وعلى لسان رسوله .. فالله تبارك وتعالى يقول : { وَ لا تَأْكلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَ تُدْلُوا بِهَا إِلى الحُْكامِ لِتَأْكلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَلِ النّاسِ بِالأثْمِ وَ أَنتُمْ تَعْلَمُونَ } { سورة البقرة . الآية 88 } ويقول سبحانه { يَا أَيّهَا الّذِينَ آَمَنُوا لا تَأْكلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكم بِالْبَاطِلِ إِلا أَن تَكُونَ تجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَ لا تَقْتُلُوا أَنفُسكُمْ إِنّ اللّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَ مَن يَفْعَلْ ذَلِك عُدْوَناً وَ ظلْماً فَسوْف نُصلِيهِ نَاراً وَ كانَ ذَلِك عَلى اللّهِ يَسِيراً } { سورة النساء . الآية 29 ـ 30 } ويقول الله في أكل أموال اليتامى .. { إنّ الّذِينَ يَأْكلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَامَى ظلْماً إِنّمَا يَأْكلُونَ فى بُطونِهِمْ نَاراً وَ سيَصلَوْنَ سعِيراً } { سورة النساء . الآية 10 } ويقول الله تبارك وتعالى في الربا : { الّذِينَ يَأْكلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبّطهُ الشيْطانُ مِنَ الْمَس ذَلِك بِأَنّهُمْ قَالُوا إِنّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَ أَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَ حَرّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ (1/13)
صفحة 14
مَوْعِظةٌ مِّن رّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سلَف وَ أَمْرُهُ إِلى اللّهِ وَ مَنْ عَادَ فَأُولَئك أَصحَب النّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ } { سورة البقرة . الآية 275 } ، ويقول سبحانه : { يَا أَيّهَا الّذِينَ آَمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مّؤْمِنِينَ * فَإِن لّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَ رَسولِهِ وَ إِن تُبْتُمْ فَلَكمْ رُءُوس أَمْوَلِكمْ لا تَظلِمُونَ وَ لا تُظلَمُونَ } { سورة البقرة . الآية 278 ـ 279 }.
الربا من المال الحرام
والنبي .. يقول : " لعن الله الربا وآكله وموكله وكاتبه وشاهده وقال هم سواء " يعني في الإثم . ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام في التحذير من أموال المسلمين عموما . والتحذير من أموال المسلمين عموما . والتحذير أيضا من انتهاك أعراضهم وسفك دمائهم " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا يحل لامرئ مسلم أن يأخذ عصا أخيه إلا بطيب نفسه " . ويقول صلى الله عليه وسلم " القليل من أموال الناس يورث النار "
تحري الحلال من الطعام والشراب واللباس (1/14)
صفحة 15
وجاء أيضا في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار ، قيل وأن كان شيئا قليلا يسيرا يا رسول الله فقال وإن كان قضيبا ما أراك " . ويقول عليه الصلاة والسلام : " ردوا الخيط والمخيط وإياكم الغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة " . وقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال " سافرنا مع الرسول ... عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والمتاع فأهدى رجل من بني الضخيد يسمى رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما أسود يسمى مدعمة . فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو وادي القرى .. فينما مدعمة يحط رحال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء سهم غرب فأصابه فقال الناس هنيئا له الجنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد كان الحابة يتورعون كل التورع عن أن يلج في جوف أحدهم طعام إلا بعد أن يتأكد من حله ". وكان أحدهم يخرج من بيته فتقف له امرأته على باب البيت وتقول له : اتق الله فينا لا تطعمنا الحرام فان الجوع أحب إلينا من الشبع من الحرام .. فكيف بالإنسان الذي لا يبالي من أي باب يدخل عليه الدرهم والدينار لا يبالي من أي باب يدخله الله تعالى النار وما أصدق قول الشاعر :
النار آخر دينار نطقت به ... ... والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما إن لم يكن ورعا ... ... ماذا يكابد بين الهم والنار
المسلم يتحرى مرضاة الله في إنفاقه للمال (1/15)
صفحة 16
فليتحر الإنسان الحلال الطيب فإن في الحال الطيب ما يغنيه عن الحرام والسؤال الآخر الذي يتعلق بالمال فيم أنفقه لأن الإنسان مؤتمن على هذا المال ومستخلف فيه وليس له أن يتصرف فيه كيفما يميله عله هواه وكما ترغب نفسه إنما عليه أن يتحرى مرضاته سبحانه وتعالى في اكتسابه . فالمال مال الله والعبد مسؤول عنه بين يدي الله تعالى وقد أمر الله تعالى بالإنفاق وحظ عليه ولكنه أمر به في مراضيه فقد أمر بالإنفاق على العيال وهذه استجابة لنداء الفطرة وما ينفقه الإنسان على عياله ثياب عليه كما جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم : أن درهما ينفقه الإنسان على عياله ودرهما ينفقه في سبيل الله ودرهما يعطيه مسكينا يؤجر على ما ينفقه على عياله ما دام يكفهم بذلك عن التطاول إلى الحرام ويحول بذلك بينهم وبين الوقوع في الآثام وأمر الله سبحانه وتعالى بإنفاق خارج حدود العيال من هذا المال وهذا الأنفاق المأمور به ينقسم إلى قسمين : إنفاق منظم وإنفاق غير منظم هو الزكاة التي شرعها الله سبحانه وتعالى في أصناف مخصوصة من المال وهي الأصناف وهي الأصناف التي تدعو إليها حاجة هذه الحياة وتخرج منها بقدر مخصوص إذا بلغت قدرا مخصوصا وفي زمان مخصوص أي بعد أن يحول عليها الحول ..
أما الأنفاق الآخر وهو مطلق الإنفاق على الفقراء والمساكين والمحتاجين وفي المشروعات الخيرية وهذا الأنفاق لا يتقيد بزمان.. ولا يتقيد بقدر بل تراعى فيه الظروف والأحوال وهو حق يتعلق بالمال كما يدل عليه قول الله تعالى { لّيْس الْبرّ أَن تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لَكِنّ الْبرّ مَنْ آَمَنَ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ وَ الْمَلَائكةِ وَ الْكِتَبِ وَ النّبِيِّينَ وَ آَتى الْمَالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسكِينَ وَ ابْنَ السبِيلِ وَ السائلِينَ وَ فى الرِّقَابِ } { سورة البقرة . الآية 177 }. (1/16)
صفحة 17
هذه الحقوق من غير الزكاة بدليل قوله تعالى من بعد إقامة الصلاة وآتى الزكاة والعطف مغاير للمعطوف عليه ـ كما هو معلوم ـ وقد جاء في حديث ـ وإن كان ضعيف السند ـ إن في المال حقا سوى الزكاة وضعف سنده لا يمنع من الاستدلال بع ما دام يوافق كل الموافقة هذه الآية القرآنية التي تدل دلالة واضحة على أن في المال حقا من غير الزكاة المفروضة .
والأنفاق الذي أمر الله تعالى به علاج للرغبة الملحة في المال فإن شهوة دفينة في النفس كما سبق ـ فقد جلبت النفوس على حب المال وهذه الشهوة إذا استحكمت في النفس استعصت على العلاج وتعذر استئصالها ولكن الله تبارك وتعالى جعل لها علاجا في صميم الدين ـ في صميم العبادات جعل لها علاجا في الزكاة المفروضة وجعل لها علاجا في سائر النفقات التي ينفقها الإنسان عن طواعية .. رغبة فيما عند الله تبارك وتعالى فشهوة المال إذا استحكمت في النفس قد تؤدي بالإنسان إلى الوطء على جميع القيم الإنسانية وعدم المبالاة بالصلة بينه وبين أقرب قريب إليه فكم من إنسان يستعجل موت قريبه فيتسبب لموته بالسم أو بالسلاح لأجل محاولته أن يستأثر بماله وكم من إنسان يسطو على السابلة قاطعا الطريق من أجل إشباع شهوته في المال .. فالرغبة من الاستكثار من المال تؤدي بالإنسان إلى مثل هذه الأعمال بحيث يطأ على جميع القيم الإنسانية فضلا عما يكون من تحاليل على الناس ومحاولة غشهم ومحاولة الوصول إلى ثرواتهم بأية طريقة من الطرائق .. هذا كله عن الرغبة الملحة في المال فإذا عولجت هذه الرغبة بالإنفاق واعتاد الإنسان تحري مرضاة الله تبارك وتعالى في اكتساب المال لأنه يشعر أن هذا المال الذي يكتسبه هو مال الله .. والله تعالى يحاسبه عليه وأنه بحاجة إلى أن ينفقه في مرضاة الله تبارك وتعالى لا يقبل منه إلا طيبا .. فقد جاء في الحديث عن النبي ... لا يقبل الله صدقة من غول . (1/17)
صفحة 18
السؤال الخامس : العلم نور من الله لا يجوز أن تحبس عن عباد الله
والسؤال الخامس هو سؤال عن العلم لأن العلم هو نور من الله فان استبصر به العبد كان حجة له فيما بينه وبين ربه . وان طمس هذا النور وتعامى عن الطريق السوي الذي ينيره
له وسلك العشواء متخبطا فيها فإنه ـ والعياذ بالله يكون حجة عليه بدلا من أن يكون حجة له ـ والعبد أن علم علما فتصرف مع علمه تصرف الجاهل كان ـ والعياذ بالله ـ أعظم مسؤولية بين يدي الله تعالى بالجهل . فإن الجاهل عصى الله تعالى بالجهل والعالم الذي يعصي الله تعالى تبارك وتعالى يعصيه بعلم .. فهو أشد عنادا من الجهل لأنه علم ماذا يأتي وماذا يذر مع ذلك أبى إلا أن يركب مثنى عشواء .
والله سبحانه وتعالى ضرب المثل في الكتاب العزيز في بني إسرائيل الذين حملهم أمانة التوراة ولم يحملوها حق حملها .. لأنهم أساءوا التصرف في استعمال هذه الأمانة .. يقول الله تعالى { مَثَلُ الّذِينَ حُمِّلُوا التّوْرَاةَ ثمّ لَمْ يحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يحْمِلُ أَسفَارَا بِئْس مَثَلُ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُوا بآيات اللّهِ وَ اللّهُ لا يهْدِى الْقَوْمَ الظالِمِينَ } { سورة الجمعة . الآية 5 }.
وهذا المثل وإن نزل في بني إسرائيل فإنه يشمل هذه الأمة من كان منها محملا أمانة القرآن ولم يحملها حق حملها .
ويل لمن لم يعمل بعلمه (1/18)
صفحة 19
فمن لم يقم بواجبه من علماء هذه الأمة كان مثله كمثل بني إسرائيل . وبجانب هذا فإن من شأن العالم أن تقتدي به العامة . فإذا أخطأ الطريق الحق ضل بضلاله خلق كثير ولذلك قيل مثل العالم كمثل السفينة تغرق ويغرق معها كثير .. فالناس لا يتأثرون بالعامي الجاهل ولكنهم يتأثرون بالعالم تأثيرا كبيرا ومن أجل ذلك روى : أن فساد هذه الأمة من رجلين ... من عالم منتهك وجاهل متنسك .. فالعالم المنتهك الذي لا يبالي بالذي يأتيه وبالذي يذره ينظر الناس إلى علمه فيقولون : بأن ما يفعله لو لم يكن جائزا لما فعله . والجاهل المتنسك يغر الناس بنسكه فيقتدون بفعله ولا يبالون بجهله إذ يقولون لو لم يعلم أن ما يأتيه صوابا لما أتاه .
فساد كبير عالم منتهك ... ... وأعظم منه جاهل متنسك
هما فتنة في العالمين عظيمة ... ... لمن بهما في دينه يتمسك
ولذلك كان العبد مسؤولا عن علمه يوم القيامة فأنه إذا لم يعمل بعلمه كان علمه وبالا عليه كما أن يكون وبالا على الناس الذين يقتدون به ..
وما العلم ما أردت به التقى ... ... وإلا محتما ما حملت كبير
وحسبك علما نافعا فضل حكمة ... ... بها السرحي والجوارح دور
تعلم لوجه الله وأعمل لوجه ... ... وثق منه بالموعود فهو جدير
تعرض لتوفيق الإله بحبه ... ... ودع ما سواه فالجميع بشور
هو الشأن بالتوفيق تزكو ثماره ... ... ومتجره ـ والله ـ ليس يبور
كأي رأينا عالما ضلّ سعيه ... ... وضل به جمّ هنالك غفير
معارفه بحر ويصرف وجهه ... ... إلى الباطل الخذلان وهو بصير
علماء السوء يحرمون الحلال ويحلون الحرام (1/19)
صفحة 20
فمن المصائب الكبرى على الناس أن يفسد شأن علمائهم وأن ينحرفوا عن الصراط السوي .. يزينون بالباطل بالأقاويل البراقة التي يضر الناس لمعانها يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل .. كما وقع ذلك في أهل الكتاب فإن الله تبارك وتعالى قال في أهل الكتاب { اتخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَ رُهْبَنَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ } { سورة التوبة . الآية 31 }.
وعندما أسلم عدي بن حاتم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية . فقال له يا رسول الله إنهم لم يعبدوهم ، فقال له : أليسوا قد أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم ، قال له نعم .قال فتلك عبادتهم إياهم .
كونهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليم الحلال فأطاعوهم من ضمن العبادة التي حرمها الله تبارك وتعالى أن تكون لغيره لأن المحلل هو الله { وَ لا تَقُولُوا لِمَا تَصِف أَلْسِنَتُكمُ الْكَذِب هَذَا حَلَلٌ وَ هَذَا حَرَامٌ لِّتَفْترُوا عَلى اللّهِ الْكَذِب إِنّ الّذِينَ يَفْترُونَ عَلى اللّهِ الْكَذِب لا يُفْلِحُونَ } { سورة النحل . الآية 116 }. (1/20)
صفحة 21
والعالم إذا لم يتق الله تعالى في فتواه ولم يتق الله تعالى في وعظه . ولم يتق الله تعالى في نصحه ولم يتق الله تعالى في عمله كان فتنة على الآمة والعياذ بالله فمن هنا كان العبد يوم القيامة يسأل سؤالا خاصا عن عمله ماذا عمل فيما علم . فالمسؤولية يوم القيامة مسؤولية عظيمة والهول كبير والإنسان الذي أو مسيء له في عمره وقامت حجة الله تبارك وتعالى عليه قد أعذر عليه فما عليه إلا أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى توبة نصوحا ويتوب إلى رشده ويحرص على رضوانه عز وجل متجنبا لكل ما يؤدي به إلى سخطه . أسأل الله تبارك وتعالى أن يكتبنا وإياكم من التائبين ويجعلنا من عباده المخلصين ، ومن حزبه المفلحين وأوليائه المتقين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا أخرتنا التي إليها معادنا وأجعل الحياة زيادة لنا في كل خير وأجعل الموت راحة لنا من كل شر . اللهم إننا نبرأ إليك من الحول والطول . ولا حول ولا قوة إلا بك نستغفرك ونتوب إليك ونعول في إجابة دعائنا عليك .
نسألك ربنا ألا تدع لنا ذنبا إلا غفرته ولا عيبا إلا أصلحته ولا غما إلا فرجته ولا كربا إلا نفسته ولا دينا إلا قضيته ولا مريضا إلا عافيته . ولا غائبا إلا حفظته ورددته ولا ضالا إلا هديته ولا عدونا إلا كفيته ولا دعاء إلا استجبته ولا رجاء إلا حققته ولا بلاء إلا كشفته ولا سائلا إلا أعطيته ولا محروما إلا وزقته ولا جاهلا إلا علمته ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها في يسر منك وعافية .
اللهم أجعل الموت خير غائب ننتظره والقبر خير بيت نعمره وأجعل ما بعده خيرا لنا منه . اللهم إنا نسألك أن تهب كلامنا لسانا صادقا ذاكرا . وقلبا خاشعا منيبا وعملا صالحا زاكيا وإيمانا خالصا ثابتا ويقينا صادقا راسخا وعلما نافعا راسخا . ورزقا حلالا واسعا . (1/21)
صفحة 22
ونسألك ربنا أن تهب لنا إنابة المخلصين وخشوع المثبتين ويقين الصديقين وسعادة المتقين ودرجة الفائزين يا أفضل من قصد وأكرم من سئل وأحلم من عصى يا الله يا ذا الجلال والإكرام .
الله هذا الدعاء ومنك الإجابة . وهذا الجهد وعليك التكلان .
سبحنك ربنا لا نحصي ثناء عليك .. أنت كما أثنيت على نفسك نستغفرك ونتوب إليك ونعول في إجابة دعائنا عليك وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . سبحان رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين . (1/22)