صفحة 1
الكتاب: روض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن
المؤلف: نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي (المتوفى: 1332هـ/1914م
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) روض البيان على فيض المنان في الرد على من ادّعى قِدَم القُرآن لنور الدين السالمي
للإمام
نور الدين عبدالله بن حميد السالمي
تحقيق
عبدالرحمن بن سليمان السالمي
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة
الشيخ سليمان بن محمد السالمي
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .
قال الله تعالى { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه }
وأكبر فخر لي بأنك لي أب ... ... وأعظم نعت لي بقولك ذا ابني
أبي وإذا ما قلته فكأنما ... ... أنادي وأدعو يا ملاذي أيا ركني
لقد كان – رحمه الله – من الذين قطعوا علائق الشهوات وأسرجوا مراكب المجد بصدق العزمات واتجهوا إلى الله بصالح العمل وإخلاص النية . وتوسلوا إليه بصفاء القلب وصدق الطوية . فمروا بالخضرة الفاتنة مسبحين . وعن الحطب اللاهب مستعيذين . فلم يعبأوا بالعقبات، ولم يلتفتوا إلى المغريات . صانوا وجوههم عن الابتذال وطهروا أقدامهم من الأوحال . أستعانوا بالله على صعوبة الطريق . فذلل لهم صعابه، وعلى بُعده فلملم لهم رحابه . فلما اجتازوا الصعاب سألوا الله فتح الباب. فلما استطابوا المقام بعد حلول السرى قالوا :الحمد لله الذي صدقنا وعده. أولئك أحباء الله صدقوه العهد فصدقهم الوعد ومحضوه الحب فمنحهم القرب .
من آنست نفسه بالله لم يجد لذة في الأنس بغيره
ومن أشرق قلبه بالنور لم يعد فيه متسع للظلام
ومن سمت روحه بالتقوى لم يرضى إلا سكنى السماء
ومن أحب معالي الأمور لم يجد مستقراً إلا في الجنة
ومن أحب العظماء لم يقنعه إلا أن يكون مع محمد - صلى الله عليه وسلم -
ومن أدرك أسرار الحياة لا يرى جديراً بالحب إلا الله (1/1)
صفحة 2
إن فقيدنا الكبير أجزل الله ثوابه وأعلى عنده مقامه – رحمه الله – كان شديد التحسس لأمراض مجتمعه، مدركاً لكبرى مشكلاته، متابعاً بعقله وقلبه لأهم قضاياه السياسية والاجتماعية منذ أن كان طالباً للعلم حتى آخر أيام حياته . وكان وعيه الاجتماعي يزداد مع مرور الأيام قوةً وعمقاً وفهماً واستيعاباً .
لقد كان شديد التحسس لما يهدد المجتمع الإسلامي في بلادنا العربية وفي غيرها من غزو عقائدي، وما يدور في البيئات المثقفة من شُبه حول الإسلام . ومن افتراءات وتشويهات دسها المستعمرون والأعداء، وكان يشعر بمرارة ما ران على المجتمع منذ عصور من مظالم اجتماعية تتحمل وطأتها الكثرة الكاثرة من جماهير الشعب الساذج المؤمن، الذي كان واحداً من أفراده . وما كان عليه العرب في عصره من تبعية لغيرهم والائتمار بأمرهم، وارتسمت في ذهنه صورة واضحة لكبرى مشكلاتنا الإجتماعية والفكرية والسياسية .
فانطلق يعالجها بثقافته الإسلامية الواسعة، وحسن فهمه للدين . وبحسه المرهف وإخلاصه الشديد ، وخبرته التي دونها كل عاطفة من عواطفه . فعالجها بعمله الدائب ونضاله المستمر في جميع الميادين السياسية والفكرية والاجتماعية بحماسة نادرة وجرأة لا تعرف حداً، وإخلاص شديد وصدق واضح، وصراحة لا تعرف المجاملة .
ومن هنا كانت الخصومات حوله من وجهة النظر وطريق الإصلاح في أسلوب العمل، أو نقصان الوعي لمشكلات الحياة والبعد عن فهمها .
كان – رحمه الله – فاهماً للإسلام أحسن الفهم، مدركاً لمراميه ومقاصده عارفاً من خلال اطلاعه على الكتاب والسنة والآراء الفقهية لأهداف الشريعة . فأزال بحكمته ما كان في الواقع بين الدين والحياة من جفاء وبُعد . وإنَّ الدين ليس مقالة تكتب في كتاب أو كلمة تلقى في الجماهير، أو مجلة تنشر فترمى بالطريق، أو منحصراً في فئة صغيرة محدودة لا تصدر منها إلا التأوهات والحسرات .. (1/2)
صفحة 3
إن الدين من حقه أن تكون هذه الجماهير تشارك في طريق دينها لتسيير العمل لصالح الإسلام لأنه مناط عزها وسبب سعادتها .
لم يكن – رحمه الله – درس في مدرسة منتظمة ولا ممن درسوا في الجامعات الأوروبية، بل كان رائداً من رواد الفكر والمعرفة وباعث نهضة وأستاذ جيل، ومنشيء رعيل، ومؤلفاً كبيراً ومنتجاً عظيماً وعالماً باحثاً ينظم ذلك كله في فكرة واحدة حملها في عقله وقلبه ونفسه، وجميع مشاعره . وهي : الدعوة إلى الإسلام، ورسالته في الحياة كلها هي الدعوة إلى الله . لم يستغل الدين في سبيل السياسة . بل جعل السياسة خادماً للدين محققاً لأهدافه النبيلة، ووسيلة لخدمة أمته وتحرير العقول من الشرور والمفاسد والمظالم، في غير تهور ولا جمود، فالتهور منقود والجمود مفقود، وخير الأمور أوسطها.
ولم يكن مقلداً ولا متبعاً إلا الحق . كان يؤمن أن من حق العقل أن يبحث ويدرس . ومن حق الإنسانية على عقل العالم أن يبحث وأن يمتص ذلك الرضاب الكريم من تشريعات رب العالمين . ثم يقدمها جنىً شهياً فيه شفاء العقول والقلوب .
ولم يكن خائفاً ولا جباناً ولا رعديداً، وإنما واجه الناس بما يؤمن به أنه الحق وأن فيه الخير . إيماناً منه بكرامة الكلمة وكرامة الإنسان، لا يهمه أن يغضب الناس أو يرضون . إنما هدفه أن يرضى الحق – تعالى – وأن يكون الإسلام قاهراً لا مقهوراً . (1/3)
صفحة 4
ليس في الإسلام ولا في التشريعات الإسلامية ولا الفقه الإسلامي العيب . إنما العيب في عقول تقف حجرة جامدة في حق الوطن . فتغلق دونه الأبواب وتضيق حوله الرحاب وتثير في وجه الباحثين التراب . حتى يكون الإسلام لا يتحرك، مع أن الإسلام دين الحياة منذ كان وسيظل دينها في كل زمان ومكان إلى أن تطوى الأرض ومن عليها وما كان الإسلام أن يواجه الحياة إلا إذا كان متجدداً بحيويته وقوته وسحره وجماله . وصلاحيته حاملة له عقول راجحة فاهمة وزنه . أخلصت دينها لله وأخلصت للحق وجاهدت من أجل أن تجعل هذا الدين مدداً للإنسان في حياته وأن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى .
ولئن آثره الله إلى جواره بعد أن أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جاهده . فإنه سيبقى أبد الدهر ملء قلوب الأجيال وعقولها تحفزها ذكراه للمضي في طريق الإسلام العظيم . وإن المشعل الذي قد أوقده – رحمه الله – من نور عقله وقلبه وروحه سيبقى مناراً هادياً لها إلى أن تصل إلى أهدافها أو تستشهد دونها في سبيل الله .
لقد هم كثيرون أن يستأنفوا السير على آثارك . فإن نجحوا فقد تعلموا ممن عرفت أن تعلمهم إياه . وإن لم ينجحوا فقد أدوا القسط الذي يطيقونه .
فعليك رحمة الله ورضوانه . لقد عشت للإسلام في أو ضح معانيه ، وعملت للإسلام في أحلك زمانه في هجوم عليه من الاستعمار ومن الفساد الاجتماعي في الداخل والخارج ، وكنت تريد أن تهذب المسلمين وأن تدفع عنهم كيد خصومهم وعداوة أنفسهم لأنفسهم .
وسلام عليك حيا وميتا .. والسلام ،،،
مقدمة
إن تصحيح المفاهيم والأراء وتحليلها والتحقيق إلى من نسبت إليه ، والدقة في بيان مواضع الخطأ هي إحدى السمات العلمية المميزة . (1/4)
صفحة 5
فكثيرا ما يرد من المأثور والخبر عن أئمة العلم وتؤخذ وتتداول آرائهم بدون فهم معانيهم أو إدراك مقاصدهم ثم تلصق بهم تلك التهم التي وردت عنهم ، وتكون في متداول البحث بين أوساط العلم ، وهو مما أدى إلى الخلط في كثير من الأمور العلمية . وهذا مما ذكرني بقول العلامة عبدالله العلايلي : (( ليس محافظة التقليد مع الخطأ ، وليس خروجا التصحيح الذي يحقق المعرفة )) .
وهذه الرسالة تقيّم هذا الأمر وتوضح هذه الحقيقة وتجلّيها في معنى علمي من الفكر والمحاورة والنقد . وتحلل الآراء وتوضح معانيها مما أبهم على كثير من الناس ظلت لقرون طوال تلصق تلك المقولات بعلماء أفذاذ .
لقد ظلت لقرون طوال تنسب النونية – المصرحة بقدم القرآن – في ديوان الدعائم للإمام إبن النظر وإن كان قد شكك في نسبتها كثير من العلماء . ولكن هذه الرسالة جاءت منفردة لتجميع الآراء وتصيغها في فكر موحد للرد على تلك النونية بمعارضتها ثم شرحها وإيضاح آراء علماء الإباضية (( المشارقة أو المغاربة)) في قضير خلق القرآن منذ وصولها إلى عمان وتطوراتها وكيفية حسم هذه القضية ، فهذه الرسالة تكمل جانبا مهماً في الدراسات الكلامية والتاريخية والأدبية .
فهي تدعو إلى تصحيح تلك المفاهيم وتعيد مسارها العقائدي والفكري في المنهج المسلم .
{ فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين ، وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } .
عبد الرحمن بن سليمان السالمي
تمهيد
مما لا شك فيه أن علم الكلام يعد من أهم العلوم الإنسانية وقد أخذ مكانة بارزة بين علوم الدين ، حيث برز للدفاع عن عقيدة الإسلام ورسالته وما يحار بها من تيارات البدع والأهواء والفلسفات الوثنية ويبين للإنسان قواعد الدين ، ويجيب على تساؤلاته في قضايا الكون وعلاقته بربه وما يتعلق بأعمال العبد والوعد والوعيد وحرية العبد واختياره وغيرها من القضايا الكلامية . (1/5)
صفحة 6
ومع مرور الزمن أخذت هذه المسائل حيزاً من تفكير العلماء ، وذلك من خلال تأويلهم للآيات المتشابهة وشرحهم للأحاديث النبوية . وكان لاتصالهم بالثقافات والديانات والحضارات السابقة على الحضارة الإسلامية أثر كبير في القضايا والمسائل المثارة مما طبع تلك القضايا بطابع فكري .
ومن ضمن تلك القضايا قضية خلق القرآن التي شغلت العلماء والمفكرين في محيط البيئة الإسلامية حتى أخذت طابعا سياسياً خلال فترات حكم بعض الدول الإسلامية ، وذلك نتيجة لميول الحكام إلى تأييد بعض المدارس وصبغها بالصبغة الرسمية للدولة .
وأصل هذا الاختلاف يرجع إلى الجدل حول الصفات الإلهية حيث أجمع العلماء على أن القرآن كلام الله ، وأن الكلام من صفاته ، ولكنهم اختلفوا في هذه الصفة : أهي صفة ذات أم صفة فعل ؟
فالذين يقولون : أن كلام الله قديم ، غير مخلوق ، يقولون : ((أنه صفة ذات)) .
والذين يقولون : أن كلام الله مخلوق ، يقولون : ((أنه صفة فعل)) . ومن هذا الاختلاف أخذت المسائل تتفرع والأدلة تستنبط .
وتختلف المصادر التاريخية من حيث الترويج لهذه المقالة في العالم الإسلامي، فيذكر البعض أن الجعد (1) بن درهم (ت-128) هو أول من دعا إلى هذه القضية وكانت سبباً لقتله على يد خالد القسري والي الأمويين في البصرة .
ويذكر البعض أن الجهم بن صفوان (2) قد تكلم في هذه القضية، وهكذا كان من تعرض بعض المتكلمين للقضية أن تفشت شيئاً فشيئاً حتى بلغت أوجها في زمن المأمون ( 198-218 ) ، ويذكر أبو يعقوب الوارجلاني ونور الدين السالمي (3) أن أول من أثار هذه المقولة هو رجل من الديصانية يدعى أبو شاكر الديصاني وقد أثارها في البصرة، وانتشرت في أوساط الناس .
__________
(1) - ر : الفهرست . ابن النديم ص338.
(2) - الحيده . عبد العزيز الكناني ص4.ت.د. جميل صليبا . ط1 ، 1966.
(3) - ر : تحفة الأعيان . نور الدين السالمي . ج1 ، ص158 ، الدليل والبرهان ، أبو يعقوب الوارجلاني ج1 ص18 . (1/6)
صفحة 7
فالقضية إذن قد أثيرت منذ بداية القرن الثاني الهجري ، ولا شك أن الجعد بن درهم هو من أوائل الذين تعرضوا لهذه المقالة التي أدت إلى مقتله . ومع مرور الزمن أصبح لهذه القضية صدىً واسع خلال فترة حكم المأمون العباسي ( 198 – 218 ) وذلك لفرض وزيره أحمد بن أبي داؤد الإيادي ( المعتزلي ) مذهب الاعتزال على الدولة حيث رأت الخلافة في القول بقدم القرآن شبهه وجود قديم مع الله ، وهو ما ينافي التوحيد، لذا كتب ابن أبي داود إلى نائبه إسحاق بن إبراهيم الخزاعي مكتوباً يطلب فيه امتحان العلماء واستجوابهم في هذا الأمر (( وترك شهادة من لم يقول بأنه مخلوق ...)) .
فكان لهذه القضية تأييد سياسي، وأصبح التأييد لها نوعاً من البروز الفكري لأحدى المدارس، إذ أيد الأمويون في بداية الأمر أهل الحديث والأثر مما أدى إلى مقتل بعض القائلين بخلقه وإضعاف شوكتهم أمام مناهضيهم ، القائلين بقدمه ، ثم ظهر الأمر عكسياً في زمن المأمون العباسي، الذي أظهر المدرسة الاعتزالية ، بإبراز أفكارهم مما أدى إلى انعكاس الموقف على مدرسة أهل الحديث التي برزت مرة أخرى في زمن المتوكل (232-247) وانعكس ذلك على مدرسة المعتزلة، مما أدى إلى الزج بهم في السجون، وهذا ما أدى إلى بروز القضية والاهتمام بها أكثر من غيرها من القضايا الكلامية .
إن الانعكاسات الفكرية والسياسية والعلمية وانقسام المفكرين والعلماء بين مؤيد ومعارض لما يتضمنه التصور التوحيدي للذات العليّة من كلا الطرفين كان حافزاً قوياً لعقد المناظرات العلمية والمراسلات والردود والتدقيق في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية .
وقد يتسائل البعض منا : لماذا لم تكن هذه القضية مثارة عندما تمهدت الدعوة الإسلامية وغيرها من القضايا الكلامية رغم اكتمال الرسالة ووضوح فهمها للناس ، لقوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيتلكم الإسلام دينا } (1)
__________
(1) المائدة : 4 (1/7)
صفحة 8
لا شك أن مسائل علم الكلام قد أثيرت بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حيث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يدع الناس إليها لعدم القول بخلافها في عصره ، ولفهم الصحابة معاني الآيات الدالة على التوحيد المطلق والتنزيه الكامل للذات الإلهية . ولم يستر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأمة شيئاً ، لا يسعهم جهله ، بل بيّن ذلك أوضح البيان إقراراً لقوله عز وجل { خالقُ كل شيء } فإذا قرت الأمة بأن الله خالق كل شيء ، لم يلزم إلى الدين تفصيل الأشياء المخلوقة شيئاً شيئاً .
الأباضية ومسألة خلق القرآن
إن الإنطلاقة الفكرية للمذهب الأباضي كانت من البصرة وكان لهذه النشأة الفكرية انتشارا واسعا في أرجاء العالم الإسلامي حيث أمتدت إلى عمان وخرسان واليمن والمغرب.
وكان لحملة العلم الذين تتلذوا على يدي الإمام جابر بن زيد والإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الأثر الأكبر لنشر هذا الفكر وجعله ينتشر ويذيع وإن تباعدت الأمكنة.
وقد كانت قضية خلق القرآن وما صاحبها من جدل عنيف بين العلماء في العراق قد أنتشرت في أرجاء البلاد الإسلامية ، وكل مدرسة كلامية أنتهجت منهجا مباينا للمدارس الأخرى التي تعارضها الرأي وإن التقت جميعها على القول إما بخلق القرآن أو قدمه .
كان لهذا الصراع الذي بلغ أوجه في القرآن الثالث الهجري مؤثرات ملحوظة على العلماء والمفكرين والعامة سياسيا وفكريا .
لكن البحث في هذه القضية لم يعرف عن أحد من الأئمة السابقين كالإمام جابر أبن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة أو الربيع بن حبيب ، ومع مرور الزمن تسرب هذا البحث إلى مدرستي الإباضية المشارقة في عمان والمغاربة في المغرب وكان في كلا الجهتين ( عمان والمغرب ) بروز لإمامة الظهور الأباضية ، ففي عمان كان الإمام المهنا بن جيفر ( 277 – 236 ) في المغرب كان الإمام أبي اليقظان ( 241) وأئمة الدولة الرستمية . (1/8)
صفحة 9
وتذكر بعض المصادر أن عبدالله (1) بن يزيد الفزاري هو أول من تعرض من الإباضية إلى هذه القضية فقال (( بخلق القرآن )) ، وذلك خلال القرن الثاني الهجري
وكان عبدالله بن يزيد الفزاري هذا تلميذا لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في البصرة ، وكان لهذا التأييد من بعض الأباضيين أثرمنذ بدءها وإن كان لم يحتد النقاش فيها بين العلماء . لكن ما أن وصلت هذه القضية إلى المراكز العلمية الأباضية حتى جرى النقاش حولها .
وفي المغرب زمن الدولة الرستمية حسمت القضية بالقول بخلق القرآن وذلك منذ القرن الثالث الهجري ، واستمروا في الدفاع عن هذا المبدأ حتى الآن (2) .. وقد حسمت القضية هناك رسالة الإمام أبي اليقظان في خلق القرآن (3) .
أما في عمان فقد وصلت القضية في زمن الإمام المهنا بن جيفر وكادت أن تؤدي إلى صداع بين العلماء لولا اتفاقهم على القول : (( بأن الله خالخ كل شيء وما سوى الله مخلوق )) . فكانت هذه القاعدة الإجمالية هي المنهاج والإتفاق الذي ثبت بين العلماء خوفاً من التصدع وإثارة الناس .
وفي القرن الرابع الهجري حدث الإنشقاق بين صفوف العلماء إلى مدرستين : ( الرستاقية والنزوانية ) فكان هذا الإنشقاق سبباً في إثارة القضية مرة أخرى ، ويذكر الإمام أبو يعقوب الورجلاني ( 500 – 570 ) أنه قابل في مكه أحد العلماء الأباضية في اليمن وأسمه محمد الحضرمي وسأله عن القرآن فقال له : ونحن أهل حضرموت (( بين بين )) أي لا يطلقون القول بأنه مخلوق أو غير مخلوق ، أما أهل عُمان فيقولون أنه غير مخلوق (4) .
__________
(1) - البعد الحضاري . الجعبيري ، ص 350 ، ط1 .
(2) - البعد الحضاري . الجعبيري ،352 .
(3) - للإطلاع على الرسالة . ر : الجواهر المنتقاة ، البرادي ص182 .
(4) - الدليل والبرهان .ج3 ، ص195 . (1/9)
صفحة 10
ويبدو هذا الإختلاف في تحديد الصفات الإلهية هو الفارق بين ص9 . ، وقد حلل نور الدين السالمي هذا الرأي (1) . ولكن يبدو أيضاً أن هذا القول قد استمر حتى القرن العاشر الهجري في عمان حسبما يتضح من رسالة الشيخ (2) أبي مهدي لأهل عُمان .
ويذكر البدر الشامخي في ( السير ) عن نصر بن سجميمان ( ق/5) أنه التقى ( بأئمة عُمان في مكة فسألهم عن السخط والرضاء هو وصاحب له نفوسي ، فقالوا : فعلان ، فسألهم عن القرآن ، قالوا : غير مخلوق ) .
ثم يعلق الشامخي على هذه الرواية بقوله : (( كما أجمعوا على خلق القرآن إلا من خالف إجماعهم فيعص أهل عُمان خالف في خلق القرآن دون أهل العراق ومصر ودون أهل مكة والمغرب وسائر الإباضية )) (3) .
فكأن الإباضية أجمعو على القول بخلقه . في شتى الأقطار الإسلامية ، وإن كان هذا القول قد استمر في عُمان ، وذلك لتخوف منهم من مقالة الجهمية حسبما أوضحه نور الدين السالمي .
حيث بين كيفية معالجة الإختلاف الذي وقع بين العلماء في زمن الإمام المهنا بن جيفر ( 226 – 231 ) حين وصول هذه القضية في عُمان بقوله :
وظاهره أن الأشاخ توقفوا عن إطلاق القول بخلق القرآن وأمروا بالشد على من أطلق وأدخلوه تحت معنى الآية من قوله تعالى ( خالق كل شيء ) فيستلزم أن من جملة الأشياء المخلوقة ، لكن يصرحون بذلك نطقا ، فرارا من مقالة الجهمية ، القائلين بالمقالة الباطلة المفترين على الله في صفاته ، الزاعمين أن صفات الذات حادثة ، تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا . فخاف الأشياخ أن تكون هذه المسألة مفرعة على أعتقاد الجهيمة بحدوث الصفات الذاتية ، فتوقفوا عن إطلاق القول بخلق القرآن صراحا ، مع اعتقادهم الحق في حكمه بأدخاله في جملة المخلوقات أعتقادا .
__________
(1) - ر : - الرسالة .
(2) - ر : البعد الحضاري ، ص168
(3) السير . الشامخي . ت . أحمد بن سعود السيابي . ج2 ، ص127 . (1/10)
صفحة 11
فهذا هو المعنى الذي لحظوه ، ولم يكن مرادهم نفي حقيقة الخلق عن الكتب المنزلة ، ولا أرادوا إثبات قديم مع الله ، حاشاهم عن ذلك ، وأن الذي لحظوه لمعنى دقيق ، لا يسقط على فهمه إلا من منحه الله تعالى مواهبه .
وقد تبين لأبي (1) عبدالله ، الفرق بين هذه المقالة وهي القول بخلقق القرآن وبين مقالة الجهمية بحدوث الصفات الذاتية فقال : (( القرآن مخلوق )) فلما رأى أن أصحابه لا يوافقونه على هذا التصريح ، تركه ورجع إلى الإجمال ، وهي العقيدة التي كان عليها السلف وحصلت بها السلامة العامة ، وإنما المحذور كل المحذور في إنكار صفقة الخلق عن القرآن ، وإعطائه صفة القديم تعالى ، فتفطن لهذا المقام (2) .
وقد أوضح الإمام نورالدين السالمي رأى إباضية المشرق في القضية بقوله : (( إما أصحابنا من أهل المشرق فأنهم وإن قالوا بقدم القرآن فليس المراد ماذهبت إليه الأشعرية ، للإختلاف الواقع بين أصحابنا وبين الأشعرية في الصفات الذاتية ، فلا يصح أن تجتمع مذاهبهم في هذه القضية . لكن لما كان الكلام صفة من الصفات الذاتية ، وقد سمى الرب عز وجل القرآن كلامه منعوا إطلاق أسم الخلق على القرآن لئلا يتوهم أن الكلام الذاتي مخلوق ، يدلك على ذلك أعترافهم بخلق ما بين الدفتين وقواعدهم ان صفات الذات معان اعتبارية وأن مدلولها عين الذات العلية )).
إن السبب الذي دعا القائلين بخلق القرآن إلى القول بخلقه هو إيمانهم بالتوحيد ، واعتقادهم أن وصف الله تعالى بصفات قديمة قائمة به ، يفضي إلى القول بتعدد القدماء .
__________
(1) - أبي عبدالله محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي
(2) - ر : - تحفة الأعيان . ج1 ، ص157 . (1/11)
صفحة 12
لذلك ذهب الإباضية إلى أن الصفات الذاتية كالعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام هي عين ذاته وليست معاني حقيقية قديمة مع الذات العلية فقالوا : (( إن الله عالم بذاته وحي بذاته ، لا بعلم وقدرة وحياة هي صفات قديمة ومعان قديمة به ، لأنه لو شاركته هذه الصفات في القدم لشاركته في الألوهية ، لذا أتفقوا على أن القرآن هو قول الله وكلامه و وحيه وتنزيله )) . إلا أنهم قالوا : بأن كلام الله غير الله ، وان كل ما هو غير الله فهو مخلوق ومحدث في محل ، ومن قال بقدم الكلام قد يؤدي به إلى القول بتعدد القدماء ، قد يؤدي إلى اعتبار شريك مع الله ... !
وقد استدلوا على ذلك ببراهين العقل منها : أن القرآن مركب من حروف وأصوات وحركات ، وما كان مركبا فهو حادث . وقالوا : لو كان كلام الله غير مخلوق لوجب إثبات أمر ونهي قديمين وهذا محال ، ومنها : ان الكلام يوجب أن يكون من يخاطب به ، فإذا كان المخاطب به مخلوقا كان الكلام مخلوقا . ومنها : أن الله تعالى لا يكلم نفسه ، بل يكلم عباده ، فإذا كان العبد مخلوقا كان الكلام مخلوقا .
وكذلك فإن خطابه تعالى للأنبياء مختلف من نبي لآخر ، فخطابه لموسى غير خطابه لإبراهيم ، فخطابه لبني إسرائيل غير خطابه للعرب . ثم إن كل خطاب يتبدل بتبدل الزمان والمكان وهما مخلوقان .
ثم إن جميع الأشياء في صفاتها وبالنظر إلى وجودها : إما واجبة الوجود وما كذلك شيء إلا الله عز وجل . وإما أن تكون جائزة الوجود ، وذلك هو جميع ما عدا الله عز وجل من الموجودات في الحال أو من المعدومات التي ستوجد أو وجدت ، مستحيلة الوجود كوجود شريك مع الله تعالى ، ولا شك أن القرآن شيء عدا الله فهو جائز الوجود ، وما كان جائز فهو مخلوق .
ومنها : إن القرآن كلمات مسموعة ومقروءة وإن هذه الكلمات أعراض : إذا قرئت ، وأجسام : إذا كتبت ، وكل ما كان عرضا أو جسما لا محالة مخلوق . (1/12)
صفحة 13
إن هذا الإستعراض لهذه البراهين الفكرية لخلق القرآن إنما هو إبراز لحدود التصور الفكري للقائلين بخلقه .
لذا كانت فكرة الدفاع عن قضية خلق القرآن أكتمالا للتصور التوحيدي للقائلين بخلق القرآن وفهم الآيات بالمعاني الدالة عليها من المحكم والمتشابه .
وإن هذا التصور هو تجريد الذات العلية عن التشبيه والتجسيم ، وتحرير العقل الإنساني من الإيمان بأمور قد لا يستقيم بها الإيمان مع برهان العقل ومعايير التفكير .
إن التصور التوحيدي النقي للذات الإلهية إنما جاء ، وعرفته الإنسانية في الإسلام كتجسيد لمرحلة من النضج المعرفي والتفكير المنطقي السليم بلغتها البشرية ، فتحررت بواسطته من قيود الإنحطاط الفكري والعقلي والعلمي .
ففي التوحيد إذا تحرير للعقل الإنساني من كثير من الأهواء والمعتقدات التي لا يهضمها هذا العقل ، وبخاصة إذا بلغ قدرا من الإستنارة وإن هذا النقاء في التصور التوحيدي والتنزيهي للذات العلية لقوله تعالى { ليس كمثله شيء } هو تأكيد وحرص وتنمية لهذا القدر من التحرر الذي منحه التوحيد لعقل الإنسان .
محتوى المخطوطة
كثيرا ما سمعت من بعض المشائخ – عندما يتحدثون قضية خلق القرآن – الإشارة إلى قول ابن النظر ورأيه في هذه القضية ، ولما سنحت لي فرصة الإطلاع على رسالة ((روض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن )) وهي رسالة ضمن مجموعة من الرسائل للإمام نور الدين السالمي مخطوطة بمكتبة السالمي ، بدأت بقراءة الرسالة حتى أنهيتها ، ثم وجدت بعض النسخ الأخرى للرسالة نفسها فبدأت بتصحيحها والمقارنة بين نسخ المخطوطة المختلفة حتى يطلع القراء الكرام ويعرفوا رأي المشارقة العمانيين في هذه القضية . (1/13)
صفحة 14
وليس ثمة شك في تصريح نونية الدعائم لإبن النظر بقدم القرآن وما أحتوته من التشنيع والسب الصريح للقائلين بخلق القرآن ، وعندما كانت صحة نسبة هذه النونية إلى ابن النظر محل جدل . فكان لابد من بيان الآراء التي ناقضت النونية ، فيها آراء ابن النظر في بعض المواضع وبيان مواضع الإلتباس التي تسبب خلط على كثير من الناس . فأتى تأليف هذه الرسالة في الرد على تلك النونية ، وبيان الخلل فيها من حيث أسلوب نظمها ، وتبرئة نسبتها إلى ابن النظر.
وتكمن أهمية الرسالة لكونها أول طرح للموضوع مع توضيح مواضع الإلتباس وتفنيدها في رسالة مستقلة ، حيث كان العلماء السابقون إذا طرحوا هذه القضية أو كانوا يشيرون إليها أو يبدو ما بدأ لهم فيها خلل ، من خلال مؤلفاتهم حين تعرضهم للقضية بشكل مجمل عام .
? وهذه الرسالة من قسمين هما :
القسم الأول : وهو النظم (( فيض المنان )) لسعيد بن حمد الراشدي .
القسم الثاني : وهو الشرح (( روض البيان )) لنور الدين السالمي.
نظم الشيخ سعيد بن حمد الراشدي هده النونية من البحر (الكامل ) ، وعارض بها نونية الدعائم في بداية القرن الرابع عشر ، وهي تحتوي على (106) أبيات وتناول فيها الرد على القول يقدم القرآن وبين من نظمه الأدلة والأسس المعتمد عليها لإبراز آراء الأباضية في الصفات الإلهية ونفي التشبيه والتجسيم عن الذات العلية .
فبالمقارنة بين عدد أبيات هاتين المنظومتين يتبين أن النونية أحتوت على خمسة وسبعين بيتا ، أما هذه النونية فهي تحتوي على مائة وستة أبيات فتزيد على نونية الدعائم بعدد أبياتها . وقد أحتوت هذه المنظومة على الإشارة في مواضع عدة إلى عدد من الأخبار والقصص والأمثال ، نحو الإشارة إلى أبي شاكر اليماني وبولص وهذا قلما أشارت إليه نونية الدعائم . إما من ناحية سياق الأدلة والحجج فقد كانت هذه النونية أكثر توسعا في أبواب العقيدة ، وأكثر أحتواء للأدلة والبراهين العقلية في دعم آرائها . (1/14)
صفحة 15
وقد شرح نور الدين السالمي هذه المنظومة وسماها (( روض البيان )) ولكن يبدو أنه كان قد أطلع على هذه المنظومة وكتب عليها مقدمات قبل شرحها أوضح من خلالها الأدلة التي أحتج بها الناظم على نونية الدعائم وبين ما فيها من تعارض مع قصائد ابن النظر الأخرى . أما في شرحه لهذه المنظومة فكان يبدأ بشرح الألفاظ وبيان المعاني ، ويوضح المعاني البلاغية في كل بيت ، ثم يشرح البيت شرحا وافيا .
ولقد أنتهج في شرحه لبيان الأدلة وتوضيحها المحاورة العلمية من خلال أسئلة وأجوبة يطرحها ، (( ثم يجيب عنها مستشهدا بأدلة من عنده أو بأخرى مقتبسة من بعض الكتب وذلك للرد على مخالفيه أو لبيان الحجج )) ، ويناقش كل ذلك بأسلوب علمي وكأنه في مناظرة علمية ، وهذا ما يلحظ كثيرا في عرض الأدلة وحججها الشيء الذي يسهل للقارئ فهم الحجج والاستدلالات التي أستدل بها .
وقد تطرقت أفكار هذه الرسالة إلى ثلاثة محاور :
أولا : نفي النونية عن ابن النظر :
وذلك بأدلة أستدل بها نور الدين السالمي وهي :
( أ ) نظمها : حيث ناقضت النونية في آرائها الأفكار التي صرح بها النظر في رائيته
وفي ميميته :
قال فالجعل هو الخلق ... ... ... الجعل شيء غير فيما ذكر
قلت جعل الله خلق كله ... ... ... ومن الناس مقال مشتهر
حيث جعل جعل الله كله خلقا ويناقضها من النونية :
إن كان من أنا جعلناه فما ... ... ... في الجعل أن أنصفت من تبيان
قد قال إبراهيم رب أجعل لنا ... ... بلدا بفضلك أفضل البلدان
وكذلك فاجعلني مقيما مخلصا ... ... حق الصلاة لوجهك المنان
ومن ميميته بقوله :
وأمت كلام الله فهو كتابه ... ... ... كذلك قال الله للطاهر الشيم
حيث حصر كلام الله عزوجل في كتابه ، فهو ينفي الكلام الذاتي أصلا ويجعل صفة الكلام من الصفات الفعلية وليست من الصفات الذاتية .
( ب ) محتوى المنظومة :
لقد أحتوت التشنيع في مواضع عدة بالقائلين بخلق القرآن ، والتقبيح والتفسيق وذلك من قوله :
لا تنحل القرآن منك تكلفا ... ... ... ببدايع التكليف والبهتان (1/15)
صفحة 16
أعظمت إفكا وادعيت خطيئة ... ... والله أحدثه إلى الإنسان
شاهت وجوه أولي الضلال لقد ... ... عموا وتعلقوا بمدارج العميان
أرعوا عقولهم رياض تشدق ... ... فرعى حماها طايف الشيطان
... ... ... ... ... ... ... ... ... ....الخ
ولا شك أن التفسيق والسبب الصريح ينفيان نسبة هذه النونية إلى ابن النظر من وجوه:
(1)إن أبن النظر عندما حاور المشبهة والقدرية بالحجج والبراهين لم يخرج عن نطاق الفكر إلى السب والشتم الذي لا يليق بالعلماء وذوي المروءة ، فكيف ينسب أليه هذا السب والتقبيح ؟.
(2)أنه يعلم الإختلاف في القول في هذه القضية لم يحسم بعد في عمان وأن كثيرا من العلماء صرحوا بخلق القرآن ، فعلى من يعود ذلك الشتم والتقبيح ، هل على أهل مذهبه ؟ أم على غيرهم ؟
(3)إن الأصول الفكرية للمذهب الأباضي ، وقولهم في الصفات الألهية وآراؤهم لمعروفة ، فكيف لعاقل بلغ الإجتهاد في العلم ، وله منزلة بين العلماء أن يصرح بما يخالف فكره ومذهبه بل ويشتمه ؟ هذا مما لا يليق بأن ينسب إليه .
ثانيا : إبراز آراء الأباضية في الصفات الألهية :
لقد كان سبب الخوض في هذه المسألة هو تعلق صفة الكلام بالصفات الذاتية ، ولما كان القرآن يوصف بأنه كلام الله فصفات الله قديمة بلا شك .
( أ ) في أقسام الكلام :
حيث قسم الكلام الإلهي إلى قسمين :
1. الذاتي :وهو عبارة عن نفي الخرس عنه تعالى يعتبر بها نفي ضدها عنه تعالى .
2. الفعلي : هو الإيجاد للأصوات المشتملة في ألفاظ دالة على معان يوجدها فيما شاء من الأشياء كاللوح المحفوظ والكتب السماوية والشجرة التي نودي منها موسى ونحوها .... الخ .
(ب) أختلاف العلماء في إثبات كون صفة الكلام من الصفات الذاتية :
إن إختلاف علماء الأباضية في أثبات كون صفة الكلام صفة ذاتية ، هو دلالة واضحة على قولهم بأن القرآن مخلوق ، حيث أثبت كثير من العلماء كون الكلام صفة فعلية وأنه ليس من الصفات الذاتية ، وقد بين قول ابن النظر ((رحمه الله)) في ميميته : (1/16)
صفحة 17
وأما كلام الله فهو كتابه ... ... ... كذلك قال الله للطاهر الشيم
والمراد بكتابة كتبه جميعها، لأن الإضافة تفيد العموم ، فدل على أن صفة الكلام-رحمه الله – صفة فعلية ، إذ لا قائل بأن الكلام الذاتي كتبه أو شيء منها . فإذا كان رأي ابن النظر جعل الكلام صفة فعلية ، فهو لا شك دليل قاطع على نفي تلك النونية عنه لتضاد الرأيين معاً .
ودعم هذا الرأي بآراء كثيرة لكبار علماء الكلام الأباضيين ، منهم الشيخ أبو ساكن عامر بن علي الشامخي ، والبدر أبو سته ، وأبو عمار عبد الكافي ، والبدر الشماخي ، وأبو عبدالله محمد بن بكر الفرسطائي ، والإمام أبو يعقوب الورجلاني ، وذلك لتصريحهم بأن الكلام ليس صفة ذاتية وإنما هي صفة فعلية .
(ج) بيان آراء الأباضية في استدلالهم على خلق القرآن :
اعتمد الإمام نور الدين من خلال شرحه للأدلة التي استدل بها القائلون لخلق القرآن ( في تحليل ) الأدلة النقلية من الآيات الكريمة المأثورة ، وإيضاح المعانى المبهمة ، وذلك من الأدلة كنحو أن القرآن قد وقع فيه النسخ ، وأنه نزل منجماً ، ووصفه الله بأنه محدث ومجعول ومنزل ، وذكر ، ومن القواعد القرآنية : ( إن الله خالق كل شيء ) و ( ليس كمثلة شيء ).
وبين الأدلة العقلية من أنواع الموجودات ، فالله عز وجل هو واجب الوجود فقط وما دونه فهو جائز ، ومن دليل ان لا قديم غير الله وان القرآن ممكن وجوده وعدمه ، وما أمكن وجوده وعدمه فهو مخلوق .
وقد أثبت الحجج بآراء علماء الأباضية في هذه القضية ، وقد بدأ بأيراد مقتبسات لعلماء أباضية المشرق ، فمن السابقين : الإمام أبوسعيد الكدمي (ق4هـ) ومن المتأخرين الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ق13هـ).
وقد أوراد لكثير من النصوص مأخوذة من المؤلفات الأباضية تدعيما لآرائهم ودحضا للشبهات التي قد يقع فيها الباحث خلال تناوله الموضوع .
(د)القاعدة : (1/17)
صفحة 18
ثم بين القاعدة التي أستند عليها في دحض تلك الشبهة التي ألصقت بمدرسة المشارقة وذلك بقوله :
((أما أصحابنا من أهل المشرق فأنهم وإن قالوا بقدم القرآن ، فليس المراد ما ذهبت إليه الأشعرية للإختلاف الواقع بين أصحابنا وبين الأشعرية في الصفات الذاتية فلا يصح أن تجتمع مذاهبهم في هذه القضية ، لكن لما كان الكلام صفة من الصفات الذاتية وقد سمى الرب عزوجل القرآن كلامه ، منعوا أطلاق إسم الخلق على القرآن لئلا يوهم أن الكلام الذاتي مخلوق ، يدلك على ذلك أعترافهم بخلق ما بين الدفتين وقواعدهم أن صفات الذات معان أعتبارية ، وأن مدلولها عين الذات العلية )).
إن تحليله العلمي في إيضاحه هذه القضية من جوانب شتى بيان لآراء الأباضية واعتقادهم في تنزيه الباري – عز وجل – عن التجسيم والتشبيه أو ما يخل بالعقيدة من أثبات قديم غيرة وإفرادهم الوحدانية له وحده .
هذه هي المحاور التي بينها الإمام نور الدين السالمي في شرحه لتنفيذ التهم التي ألصقت بابن النظر ، ورأي مدرسة المشارقة في هذه القضية .
المراجع التي أعتمد عليها الشارح
1. الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل لأبي القاسم محمود ابن عمر الزمخشري .
2. حاشية الكشاف: علي بن محمد بن علي الجرجاني.
3. مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي .
4. الدليل والبرهان : لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني.
5. الموجز : لأبي عمار عبد الكافي بن يعقوب التناوني .
6. العدل والإنصاف : لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني .
7. شرح العدل والإنصاف : لأبي العباس أحمد بن سعيد الشماخي .
8. الوضع : لأبي زكريا يحيى الجناوني .
9. حاشية الوضع : لأبي عبدالله محمد بن عمر بن أبي ستة السدويكشي .
10. قواعد الإسلام : لأبي طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي .
11. حاشية قواعد الإسلام : لأبي عبدالله محمد بن عمر بن أبي ستة السدويكشي. (1/18)
صفحة 19
12. شرح الجهالات : لأبي عمار عبد الكافي بن يعقوب التناوني .
13. شرح النونية : عبدالعزيز بن إبراهيم الثميني .
14. رسالة الديانات : لأبي ساكن عامر بن علي الشماخي .
15. حاشية رسالة الديانات : لعمرو بن رمضان التلاتي .
16. ديوان الدعائم : لأحمد بن سليمان بن النظر .
17. شفاء الحائم على بعض الدعائم : لأبي القاسم بن إبراهيم البرادي.
18. معالم الدين : عبدالعزيز بن إبراهيم الثميني .
19. تمهيد قواعد الإيمان : سعيد بن خلفان الخليلي .
20. رسالة لأهل عمان : لأبي مهدي عيسى بن إسماعيل المليكي .
21. الصحاح : لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري .
22. المصباح المنير : أحمد بن علي المقرئ الفيومي .
23. القاموس المحيط : لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي .
24. تاج العروس : لمحمد المرتضى الزبيدي .
منهج التحقيق
حاولت أن يكون البحث مكتملا وواضحا فجمعت النسخ المعتمدة للتصحيح ، والرسائل للتصحيح ، والرسائل والفتاوى التي أصدرها نور الدين حول هذا الموضوع وقد وجدت المادة كلها بمكتبة السالمي ، وبيان موضوع المخطوطة مجملا مع ملاحقه كالآتي :
أولا : نسخ لـ((روض البيان)):
( (1/19)
صفحة 20
أ ) المخطوطة المعتمد عليها في التحقيق،وهي نسخة كاملة بحيازة مكتبة السالمي– ببدية–وعدد أوراقها(88)ورقة بمعدل(16)سطرا للصفحة الواحدة ومقاسها 13.5 ×18سم وتاريخ نسخها في 12 شوال 1313هـ ، وهي مكتوبة بخط النسخ ، وخطها واضح ومرتب وهي مجموعة مع عدة رسائل لنور الدين السالمي في مجلد واحد وقد تكون هذه النسخة أصح النسخ الموجودة ، بل ويحتمل أن يكون كاتبها هو الناظم بنفسه ، وبحضرة المؤلف حيث يذكر في نهاية الرسالة ما يلي : ((للعبد الضعيف ذو العقل السخيف سعيد بن حمد الراشدي ...)) ، وهي قد نسخت قبل وفاة الناظم بعام تقريبا ، ثم إنه يوجد فيها إحالات ، وتصحيح في مواضع عدة من المخطوطة بغير خط الكاتب ، ولعلها عرضت على الشارح مرة أخرى وأحدث فيها بعض التصحيحات والإحالات وقد رمز لهذه المخطوطة بـ(م).
(ب ) المخطوطة ((ب)) وهي نيخة كاملة ، ولكن سقطت منها ورقتان في آخر الرسالة وهذه المخطوطة بحيازة مكتبة السالمي أيضا وعدد أوراقها (57)ورقة ويتراوح عدد سطور الصفحة الواحدة ما بين 15 و 19 سطرا ومقاسها 15×21 ،ولم يذكر أسم ناسخها . ووجدت في آخر الرسالة العبارة التالية : (( تم في يوم 16 شعبان 1313هـ )) ويكثر فيها التشطيب وأوراقها مشوشة الترتيب ، وقد تكون مسودة الكتاب ، إذ يوجد في آخرها بعض الفتاوى لنور الدين السالمي ، وما تجدر الإشارة إليه هو خلوّ هذه المخطومة من الأخطاء اللغوية والإملائية .
(ت ) المخطوطة ((جـ)) ، وهي نسخة ناقصة من آخرها حيث انتهت بداية شرحه للأبيات التالية إلى صفحة 126 وهي كذلك يحيازة مكتبة السالمي وعدد أوراقها 67 ورقة بمعدل 16 سطرا للصفحة الواحدة ومقاسها 16×20 . ولم يذكر اسم ناسخها ولا تاريخ نسخها ويحتمل كتابتها منذ وقت قريب . وهي ذات خط نسخ جيد ، ولكن يكثر فيها سقوط الكلمات والتحريف ، ولعل كاتبها كان ضعيف البصر حين نسخها . (1/20)
صفحة 21
ومن هذه النسخ اعتمدت النسخة (م) ، وذلك لدقتها وضبطها وبعدها عن كثير من الأغلاط ، ثم إنها قد نسخت في حياة المؤلف والناظم معا ولاحتوائها تعليقات لا توجد في النسخ الأخرى .
ثانيا : المنظومة :
لقد وجدت اختلاف في بعض الأبيات أو الكلمات بين المنظومة التي في الرسائل وهي المشروحة والمنظومة الأصلية نفسها في ((مجموع المناظيم)) لنور الدين السالمي ، وكذلك التي نشرها الشيخ محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي في كتابه ((شقائق النعمان)) ج2، وقد أوضحت ذلك في الهامش .
ولعل ذلك يرجع إلى أن الناظم قد شرع في نظمها ، وهي التي وجدت في ( مجموع المناظيم ) حيث كتبت في 19 صفر 1314هـ بيد سعيد بن خميس بن حمد بن سالم المدسري ، وهي التي نشرت في شقائق النعمان ج2.
ثم لعل نور الدين السالمي والناظم أجريا بعض التعديل على المنظومة وذلك لأن الناظم في منظومته السابقة لم يشر إلى قصة ( بولص النصراني ) ولكن في المنظومة التي شُرحت بها الرسالة ذكرها ، وكذلك على بعض أبيات المنظومة بالتقديم والتأخير ، ثم إن المنظومة التي شرحت تزيد على المنظومة في ( شقائق النعمان ) ببيت واحد ، وهذا يبين أن المنظومة قد أجري عليها بعض التعديل حتى تتناسب مع الشرح وحتى تكون مستوفية للإشارة إلى القصص والأخبار . وقد أشرت إلى ذلك حتى يُتمكن من معرفة الإختلاف بين المنظومتين .
ثالثاً : الملاحق :
قد أضفت في نهاية الرسالة ملاحق تتعلق بنفس الموضوع ، بعضها قد نشر وبعضها لم ينشر للشارح ، وهذه الملاحق كالآتي :
الملحق (1) : يتضمن رسالة في الرد على نونية ابن النظر ، وهذه الرسالة جاءت نقلاً عن مجموعة (( رسائل نور الدين السالمي )) ، مخطوطة بحيازة مكتبة السالمي ، وقد ورد هذا النص ضمن المجموعة . وهذا النص لم يسبق له أن نشر . (1/21)
صفحة 22
وقد سعى في هذا النص إلى تفنيد ما جاء في أبيات النونية نصاً نصاً وإلى مقارنتها مع آراء ابن النظر في رائيته وميميته والقواعد التي أسسها في هاتين المنظومتين ، وهذه الرسالة مع صغرها تعطي فكراً شاملاً وواضحاً حول هذا الموضوع ، وكيفية استدلال ور الدين على نفي نسبة النونية إلى ابن النظر .
الملحق (2) : ويتضمن رسالة بعنوان : (( في الرد على نونية ابن النظر )) وهي منقولة عن مخطوطة (( مجموع المناظيم )) لنور الدين السالمي ، بحيازة مكتبة السالمي وهذا النص لم ينشر من قبل . ولعله يكون أوسع من الأول من حيث إيراد الحجج وبيان الأخطاء التي وقع فيها الناظم ، وتطرق فيها إلى الأدلة على خلق القرآن . وهذان النصان يوضحان بصورة واضحة مختصرة إثبات نفي النونية لابن النظر .
الملحق (3) : وهو فتوى لنور الدين السالمي رداً على سؤال وجهه إليه أحد أعيان عُمان في (13هـ) وهو الشيخ حمد بن سيف البوسعيدي حول جواز نسبة هذه النونية إلى ابن النظر أم لا ؟ وهي توضح الحكم الشرعي في نسبة هذه النونية لابن النظر . وهذه الفتوى نقلاً من جوابات الإمام نور الدين السالمي ج1 ، مخطوط بحيازة مكتبة السالمي .
الملحق (4) : وهو عبارة عن منظومة للإمام نور الدين السالمي في الرد على من قال بقدم القرآن ، نقلاً من مخطوط ( مجموع المناظيم ) لنور الدين السالمي ، بحيازة مكتبة السالمي .
الملحق (5) : وهي عبارة عن النونية التي نسبت للإمام ابن النظر ، ونقلت من ديوانه (( الدعائم )) . وذلك لإيضاح الصورة أمام القاريء ، ومن الأفضل أن يكون بحوزة القارئ ديوان ((الدعائم)) حتى يطلع من خلاله على الرائية والنونية لإبن النظر .
رابعا : الرموز
1- (-) للدلالة على سقوط اللفظ .
2- (+) للدلالة على زيادة اللفظ .
3- (ر) أنظر .
4- (م) المخطوطة المعتمدة .
5- (ب) النسخة الثانية .
6- (جـ) النسخة الثالثة .
7- (شق) شقائق النعمان .
8- (مجم) مجموع المناظيم . (1/22)
صفحة 23
صاحب المنظومة
1- نسبه ونشأته :
سعيد بن حمد بن عامر بن خلفان بن أحمد بن سالم بن مبارك الراشدي (1) ولد ببلدة سناو من أعمال ولاية المضيبي عام 1292هـ ، مات أبوه وهو في المهد ونشأ في حدر أخوته وتعلم القرآن وحفظ منه قدرا كبيرا وعمره لم يناهز العشر ، وكان منذ طفولته عالي الهمّة وقّاد الفطنة ، عظيم الرغبة في طلب العلم ومزاحمة الرجال .
تعلم أصول الدين وعلوم العربية من نحو وصرف ولغة وعلم المعاني والأدب ولم يتجاوز العشرين من عمره حتى عدّ أحد علماء عمان البارزين .
2- شيوخه :
تتلمذ رحمه الله على يد الشيخ العلامة صالح بن علي الحارثي والعلامة الشيخ الزاهد حمد بن سيف البوسعيدي والإمام نور الدين السالمي حيث كان كثير الملازمة له .
3- مؤلفاته :
شرع في التأليف وعمره بضع عشرة سنة ، وأشهر ما نظم منظمته النونية المسماة ، ((فيض المنان في الرد على من ادّعى قد المقرآن)) وقد شرحها الإمام نور الدين السالمي ، ثم شرحها الشيخان محمد بن سالم الرقيشي وسليمان بن محمد الكندي . وقصيدة أخرى سماها ((أعلام الرشاد في علم الجهاد)) شرحها الشيخ محمد بن سالم الرقيشي (2) وسعود بن سليمان الكندي ، وله أشعار أخرى قالها في مناسبات عدة منها قصيدته التي قالها في المناظرة بين نور الدين السالمي وحمد بن
لجماعة ظنوا الكتاب موافقا ... ... لأهوائهم جهلا فجاؤوا بالسفه
وتمذهبوا نجدية لكنهم ... ... قد خالفوا النجدي فيما أسلفه
وله قصيدة أخرى في هذه المناسبة أيضا حيث قال :
لقوم شبهوا المولى تعالى ... ... ومالوا مع هواهم حيث مالا
وظنوا ذا دين وصدق ... ... وإخلاص فحسبهم ضلالا
وقد نسبوا المحال له وليسوا ... ... بأدل معشر نسبوا المحالا
4- وفاته :
__________
(1) - للترجمة عن الناظم : مجموع المناظيم ، نور الدين السالمي ، مخطوط . شقائق النعمان في أسماء شعراء عمان ، الخصيبي ج3 ص154 . الأعلام ج3، ص93. تحفة الأعيان ج2، ص299 بتصرف .
(2) - في كتابه النور الوقّاد . (1/23)
صفحة 24
توفي – رحمه الله – في وقت المغرب من ليلة أربع وعشرين من شهر شوال سنة 1314هـ بمدينة مطرح بعد إصابته بالجدري إذ كان قاصدا الحج إلى بيت الله الحرام وقد رثاه نور الدين السالمي في مواضع من قصائد عدة :
صبراً على مضض المصارع ... فالدهر للأعمار قاطع
صون فإن الدهر في الإنسان ... من بعض الودائع
لهفي على من كان قد ... ماصاحباي في المجامع
الراشدي المرشد ... البر التقي بلا منازع
ومنها :
وهل كالراشدي سعيد جد ... حليف الخير في كل المصائب
إذا ما مشكل ألقاه خير ... تميم حله بين العصائب
وفي قصيدة أخرى :
تحدّر دمعي على سادة ... تخر الجباه لهم سجدا
بنوا للمعالي بحد الظبا ... ... ورؤوس القنا منزلا أسعدا
ولله عيشي والراشدي ... ... أخو الخير كان لنا مرشدا (1)
ابن النظر
نسبه : أحمد بن سليمان بن عبدالله بن أحمد بن الخضر بن سليمان بن النظر الناعبي (2) .
ولد بمدينة سمائل في القرن السادس الهجري ونشأ وتربى في بيت علم تخرج منه علماء أجلاء نحو جديه : الخضر بن سليمان ، وعبدالله بن أحمد بن الخضر .
نشأته : نشأ ابن النظر في أيام دولة النباهنة الذين حكموا عمان أوائل القرن الخامس الهجري .
عرف منذ صغره بالحفظ والذكاء حتى قيل عنه أنه يحفظ أربعين ألف بيت من الشعر ، وتتلمذ على يد الشيخ مبارك بن سليمان بن ذهل وأبي عمر النخلي ، وما أن بلغ الرابعة عشرة من عمره حتى بدأ في التأليف والتصنيف فسمّي في عمان (( أشهر العلماء وأعلم الشعراء)) .
__________
(1) - مجموع المناظيم ، نور الدين السالمي (مخطوط) .
(2) - للترجمة عن ابن النظر ، أنظر : * تحفة الأعيان ، نور الدين السالمي ج1 ، ص355 .
? ... شقائق النعمان ، الخصيبي ج2 ، ص 324 .
? ... ديوان الدعائم ، ابن النظر ص 3 ، قدمها الشيخ سالم بن محمد الرواحي .
? ... الأعلام ج1 ، ص 132 ، (بتصرف) . (1/24)
صفحة 25
تآليفه : من مؤلفاته التي عرفت عنه ((الجمان في سيرة أهل عمان)) في مجلد واحد و ((الوحيد في ذم التقليد)) مجلدان ، و ((مرآة البصر في جمع المختلف من الأثر)) أربعة مجلدات ، وديوان الدعائم .
وفاته : أما سبب وفاته كما تروي الروايات فهو أن أحد سلاطين النباهنة الجائرين واسمه خردلة بن سماعة بن محسن النبهاني هو الذي قضى عليه .
وذلك إن بنت أخت الشيخ تزوجت برجل من بني النظر وهي أيضا من بني النظر وكان السلطان يأخذ نصف مهر المرأة من العاجل وإذا طلقت خاصم في الآجل فأرسل خردلة جنده لأخذ نصف مهر بنت أخت الشيخ وكان المهر خمسين محمدية فضة فمنعه الشيخ فأرسل جندا جملة يدعون الشيخ إلى حضرته ، فلما مثل بين يديه طالبه بالدراهم وهدده وأغلظ عليه ، ومن بعض أقواله : ((كنا أردنا منك الخمسين فقط والآن لا يكفينا إلا دمك)) .
قال الشيخ : (( الأمر لمن خلقك لا لك )) فقال : ((أو تهزأ بي)) وأشار إلى بعض الجند أن ألقوه من هذه الكوة ، فكتفوه وألقوه ، وكانت كوة قصيرة عالية ، فقع على الأرض ميتا – رحمه الله – وأمر أن تدخل داره ويؤخذ ما فيها ، فأخذت كتبه ومصنفاته فأحرقت . (1/25)
صفحة 26
إن ديوان الدعائم الذي نظمه ابن النظر في القرن السادس الهجري من الكتب التي حظيت بالشرح والتوضيح التي لم يحظ بمثله غيره من الكتب ، وقد يكون المؤلف الوحيد الذي تبقى من مؤلفات ابن النظر بعد أن أصابها التلف والحرق ، فقد توالت عليه شروح وحواشي ومختصرات قلما حظي بها مؤلف آخر من المؤلفات ، فقد شرحه ابن وصاف في كتابه (الحل والإصابة) (1) وأبو القاسم البرادي في كتابه (شفاء الحائم على بعض الدعائم ) (2) والبدر الشماخي في كتابه (إعراب مشكل الدعائم) (3) و(مصباح الظلام) (4) لخلف بن أحمد بن عبدالله الرقيشي ، والقطب محمد بن يوسف اطفيش في شرحه (لديوان الدعائم) (5) وغيرهم من العلماء .
إن أهمية هذا الديوان تكمن في :
1- أنه جمع في هذا الديوان أهم أصول وفقه المذهب الإباضي مالم يتسن لغيره من الدواوين فحوى بقصائده وبأسلوب متكامل أهم أصور وفكر المذهب الإباضي .
2- أنه نظمه بأسلوب في غاية البلاغة وجمال التعبير والفصاحة .
3- أنه عبر في أسلوب فكري عن أهم مضامين المذهب وجمع فيه بين الشاعرية والعلم حتى قيل عنه أنه أشعر العلماء وأعلم الشعراء .
__________
(1) - مطبوع من قبل وزارة التراث والثقافة 1980 . تحقيق عبدالمنعم عامر .
(2) - مخطوط بمكتبة السالمي .
(3) - مخطوطة بمكتبة الباروني ، جربه ، بإشارة : البعد الحضاري . الجعبيري . ص778 .
(4) - مخطوطة مصورة بمكتبة السالمي من مكتبة المخطوطات بوزارة التراث والثقافة ، أربعة أجزاء .
(5) - مطبوع في جزءين طبعة حجرية ، 1325هـ . (1/26)
صفحة 27
4- أنه ورغم صغر سنه فقد كان من كبار علماء عصره وإنه من عائلة اشتهرت في أوساط الناس بالعلم والزهد ، فنظر إليه بإجلال واحترام فكان من المهم أن يهتم بكتبه والبحث عن شخصه وعلمه ، أما ما أخذ عليه في القصيدة النونية هو تصريحه فيها بقدم القرآن وهو ما يخالف المذهب في نظرته لهذه القضية حتى أصبح مثارا للجدل بين الناس فاختلفوا واختلفت مواقفهم منه بين معارض لهذه القصيدة أو ناسبا له .
وقد تكون نسبتها له من أمور عدة :
1- إن المنظومة وجدت ضمن ديوانه الذي شرحه الشيخ محمد بن وصاف في كتابه (الحل والإصابة) وهو أول شرح لديوان الدعائم في القرن السابع الهجري .
2- إن بعض العلماء صرح بنسبتها إليه كالشيخ سعيد بن محمد القلهاتي (1) وان بعض المعاصرين له يدافع عن هذه القضية كالشيخ محمد بن وصاف في شرحه للدعائم .
3- إن قضية خلق القرآن وقدمه لم تحسم في عمان بل كان فيها الأخذ والرد حيث ظلت مستمرة حتى القرن السابع الهجري .
أما من عارض نسبتها إليه :
1- إن كتب الشيخ ابن النظر أصابها التلف والحرق وذلك بأمر السلطان الباغي فديوان الدعائم إنما وجد بعده بعد تجميع قصائده واكتمل بعد ذلك بعدة سنوات فيجوز أن تكون تلك المنظومة قد دست في الكتاب .
2- إن كثيرا من كبار علماء الأباضية قد أنكر نسبة هذه المنظومة إليه كأبي القاسم البرادي (2) والشيخ محمد بن يوسف أطفيش (3) ونور الدين السالمي .
3- إن قضية خلق القرآن كادت أن تحسم في عمان وقد حسمت بالقول بأن القرآن مخلوق عند مدرسة المشارقة في القرن السابع الهجري وابن النظر في القرن السادس الهجري ، فالتقارب الزمني كاد أن ينهي الصراع حول هذه القضية .
__________
(1) - الكشف والبيان ج1 ، ص301 .
(2) - شفاء الحائم على بعض الدعائم .
(3) - شرح ديوان الدعائم ، أطفيش ، ج1، ص224 . (1/27)
صفحة 28
4- إن نسبة شك هذه النونية من دلالة جمع ديوان الدعائم ، فقد صرح ابن وصّاف في مقدمة شرحه لديوان الدعائم : ((فأني نظرت فيما ألفه أهل العلم من الكتب وصنفوه من العلم والأدب ودونوه من الرجز والشعر وأثروه من النظم والنثر فوجدت كتاب الدعائم المضاف إلى أبي أحمد بن النظر العماني من أحسن الكتب نظما وتأليفا )) . ويلاحظ بأن الشارح لم يشر بأنه هو الذي جمع شعر ابن النظر وسماه الدعائم ، بل يفيد من كلامه بأنه الجامع غيره ، وليس ابن وصاف .
وبين في موضع آخر بقوله : ((إن أبا بكر أحمد بن النظر كان من أشعر العلماء وأعلم الشعراء ، غير أني لم أجد لكتابه هذا تفسيرا مع درجته)). مما يدل على أنه اطلع بعد فترة من الزمن في البحث عنه أو على شرح أحد من العلماء عليه . وفي موضع قال : ((فلما رأيت هذا الكتاب من أجلّ الكتب ، قد يستولي عليه التبديل والتصحيف والتقليب والتحريف)) (1) . مما يدل على الديوان قد أخذ عليه خوفا من ادخال التصحيف أو التغيير فيه ، فيشك في نسبة النونية دون القصائد الأخرى في شك كثير من العلماء في نسبتها إليه دون سائر الديوان .
شارح المنظومة
1- حياته (2) :
هو الإمام نور الدين عبدالله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي ، من بني ضبة ، ولد ببلدة الحوقين من أعمال ولاية الرستاق عام 1284هـ.
ولقد شاءت الأحداث أن تجعل من نور الدين شخصية لها أثرها الفكري والعلمي والسياسي في عُمان والخليج وشرق أفريقيا حتى المغرب العربي ، وظل أثره الفكري في الأمة حتى بعد وفاته .
__________
(1) - ر : الحل والإصابة ، ابن وصّاف ج1،ص5. وزارة التراث والثقافة .
(2) - نهضة الأعيان ، محمد السالمي ، ص100 . والأعلام ،ج4،ص84. ومقدمة جوهر النظام ، نور الدين السالمي ، بنص أبو إسحاق اطفيش. قراءات في فكر السالمي وزارة التراث والثقافة ، بتصرف . (1/28)
صفحة 29
وبعد تقصي المعلومات عن نور الدين السالمي في مراحل حياته العلمية والفكرية نرى أنه مر بمراحل عدة :
1- المرحلة الأولى (1284-1308 ) :
وهي مرحلة النشأة والتلمذة ، فمنذ ولادته ببلدة الحوقين لم يستقر بموطن واحد ، فقد شاءت الظروف أن ينتقل من بلدته إلى قرية قصرا بالرستاق ، حيث استقر بها مدة من الزمان ، وقد عرف بنبوغه وذكائه منذ الصغر ، فقد دلت روايات عن حفظه ودرايته منذ طفولته ، لكن ما أن تجاوز العاشرة من عمره حتى أصيب بالعمى في عينيه ، ولم يمنعه هذا عن المثابرة والتعلم .
وكانت هذه المرحلة مرحلة توجيه لنشاطه الفكري والعلمي ، فعند رجوعه إلى الرستاق ساعده على تحصيله العلمي وجود علماء أجلاء لهم مكانه علمية منهم الشيخ ماجد بن خميس العبري والشيخ راشد بن سيف اللمكي والشيخ عبدالله بن محمد الهاشمي ، وكان هؤلاء العلماء قد تقلدوا مناصب العلم والقضاء في زمن الإمام عزان بن قيس البوسعيدي (1886 – 1888م) ،وقد كانت مدينة الرستاق مدينة عريقة منذ القدم وكانت عاصمة لعمان في بعض الفترات ، وقد اشتهرت بنبوغ كثير من العلماء الأجلاء الذين كان لهم تضلع كبير في علوم شتى ، وكان لهذه المدينة شهرة علمية واسعة فعرفت مدرستها في القديم بما يسمى بالمدرسة الرستاقية الفقهية لتفردها ببعض الآراء الفقهية .
وكان يوجد في هذه المدينة عدد لا بأس به من الكتبات العلمية احتوت على عدد كبير من المؤلفات العمانية والأباضية وغيرها من المراجع في العلوم المختلفة ، وكذلك كان يوجد بالقرب منها في بعض الولايات والقرى مكتبات مشهورة مما ساعده على الإطلاع المعرفي منذ صغره .
وقد جعل الإمام عزان بن قيس البوسعيدي من المدينة الرستاق عاصمة له قبل تولى الإمامة . (1/29)
صفحة 30
كل هذه الظروف المحيطة به شاءت أن تكون لدى الإمام نور الدين السالمي حصيلة علمية ومنهج فكري منذ نشأته ، فما أن بلغ السابعة عشرة من عمرة حتى بدأ في تأليف الكتب ةإلقاء الدروس ، وكانت منظومته (( بلوغ الأمل في المفردات والجمل )) في اللغة والنحو هي أول ما ألف ثم شرحها ، مما دل على تفتق قدراته ومواهبه ، وما أن تجاوز العشرين من عمره حتى كان نابغة في المعقول والمنقول فاق أشياخه الذين تتلمذ على أيديهم .
وكانت الإضطرابات التي مرت بها أسرته بسبب الحروب الأهلية حافزاً دفعه إلى الإعتماد على النفس منذ الصغر وإلى المثابرة من أجل التعلم .
2- المرحلة الثانية ( 1308 – 1314م ) :
في عام 1308م هـ هاجر إلى الشرقية لما سمعه من أخبار الشيخ صالح بن علي الحارثي وعلمه ومحاولته إعادة الإمامة بالقطر العماني ، وكان الشيخ صالح من الذين لهم الشهرة الواسعة في عُمان ، وممن نهضوا في إمامة الإمام عزان بن قيس ، وقد تتلمذ على يد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي أحد كبار العلماء المصلحين ، ويعتبر المجدد الديني للقرن الثالث عشر الهجري في عُمان.
أتصل نور الدين في بادئ أمره بشيخ بني حبس الشيخ سلطان بن محمد الحبسي في المضيبي ، لكن ما أن سمع وعرف عنه الشيخ صالح بن علي حتى عزم عليه أن يستقر في بلدة القابل ، وتعتبر هذه المرحلة وهي اتصاله بالشيخ صالح بن علي من أهم مراحل حياته الفكرية ، وهذا ما يلحظ من إعجاب نور الدين السالمي بشيخه في قصائده ، وما كان ينشد من أشعار لتحريض شيخه على القيام بأمر الإمامة ، وكان الشيخ صالح قد جعل القيام بأمر الإمامة وتوحيد القطر العماني من اهتماماته الأولى . (1/30)
صفحة 31
وقد ساعده الشيخ صالح في تكوين مدرسته العلمية الشهيرة التي لقيت صدى واسعا في أرجاء عمان ، وقد ضمت كثيرا من النوابغ والمجتهدين فكانت مدرسته إطاراً للنهوض بالمستوى الفكري والعلمي والتربوي يشمل تدريسا كثيرا من جوانب المعرفة : القرآن الكريم والحديث وأصول الدين وأصول الفقه واللغة والتاريخ والسير والأدب .. الخ .
وكان الشيخ صالح يكرمه كثيراً إذا هيأ له مكانا علميا فبدأ تآليفه التي كان لها صدىً في أرجاء عُمان وخارجها فهو مع صغر سنه في هذه الفترة كان مرجعاً للعلم ومصدراً للفتوى في عُمان ، وكان يرسله الشيخ لمناظرة بعض الأشخاص في الذود عن العقيدة الإسلامية .
وقد وجدت رسالة بعث بها نور الدين السالمي إلى الشيخ صالح يخبره فيها بما جرى من أحداث حول مناظرته مع حمد بن راشد بن سالم (1) وما كان من محاورة وأحداث .
وكذلك كانت لتحركات الشيخ صالح بن علي ومناوشته مع بعض القبائل الطائشة والباغية لحربها أو الصلح معها أو لتهدئتها ، وما كان يقع في البلاد من فتن وانقسامات داخلية واضطرابات أثرها فيه فحركت فكره لرصد ما يقع في البلاد من البلاء والحروب والفتن ، وكانت دافعاً للقيام بإصلاحه الديني والإجتماعي والسياسي والفكري .
الطائشة والباغية لحربها أو الصلح معها أو لتدئتها ، وما كان يقع في البلاد من فتن وانقسامات داخلية واضطرابات أثرها فيه فتحركت فكره لرصد ما يقع في البلاد من البلاء والحروب والفتن ، وكانت دافعاً للقيام بإصلاحه الديني والإجتماعي والسياسي والفكري .
3- المرحلة الثالثة ( 1314- 1332هـ ) :
__________
(1) رسائل نور الدين السالمي ، مخطوط بحيازة مكتبة السالمي . (1/31)
صفحة 32
لقد كان لوفاة الشيخ صالح بن علي الحارثي عام 1314هـ أثر كبير في حاياة نور الدين السالمي ، فقد دفعه الفراغ الذي أحدثته وفاة الشيخ والظروف التي تمر بها البلاد من الإنقسامات القبلية والفتن الداخلية والتدخل الأوربي في المنطقة ، دفعته هذه الأحداث وسط معترك الحياة السياسية فتولى زمام الأمور بكل ثقة واطمئنان نظراً للمحبة الصادقة التي تقع بينه وبين الناس ، ولما أشتمل عليها من أخلاق المروءة والشهامة ، وقد كانت مدرسته العلمية في ذلك الوقت تستقطب نبغاء عُمان ، فكانت المركز العلمي الذي تنبثق منه العلوم الدينية والفكرية والسياسية لما تحمله من مضامين قيادية في عالم يعاني من الإنشقاق والحروب والفتن والتيارات المختلفة .
وفي هذه الفترة قام برحلة إلى الديار المقدسة للحج عام 1323هـ (1) حيث تمكن في هذه الزيارة من الإتصال بعلماء الإسلام وتحاور معهم في كثير من القضايا الدينية والعقائدية والفقهية والسياسية واطلع من خلال محاورته معهم على كثير من القضايا الإسلامية وما يحكيه الغرب من دسائس ضد المسلمين والإسلام ، وتسنى له من خلال رحلته الإطلاع الواسع على الكثير من المؤلفات النادرة وعلى آراء العلماء المعاصرين وكتاباتهم وآرائهم وأهدافهم وتصوراتهم لكيفية النهوض بالأمة الإسلامية .
وما أن عاد حتى رجع إلى نشر العلم والدعوة للنهوض بالإمامة والعدالة الإسلامية ومحاربة التدخل الأوربي وتوحيد صفوف العمانيين بالسعي لإخماد الفتن والحروب القبلية وتطهير النفوس مما تكنه لبعضها من الحقد والضغينة .
4- وفاته :
__________
(1) ر : تحفة الأعيان ، ج2 ، ص313 . (1/32)
صفحة 33
توفي رحمه الله في 5 ربيع الأول 1332هـ وكان سبب وفاته ان ذهب لمناظرة شيخه ماجد بن خميس العبري في الأموال الموقوفة في القراءة على القبور ، وكان يرى نور الدين ان هذه الأوقاف باطلة وانها ترجع لأهلها إن وجدوا ، وكان شيخه يخالفه الرأي ، فذهب لمناظرته حتى لا يؤدي ذلك إلى الفوضى وإلى النزاع وإلى الخلاف بين الناس ، فسقط من على ظهر راحلته بعد أن اصطدم بشجرة ونقل إلى بلدة تنوف (1) حيث توفي هناك .
5- أشهر شيوخه :
? صالح بن علي بن ناصر بن عيسى الحارثي : (2) ولد بالقابل عام 1250هـ ونشأ بها . وكان سيداً كريماً وأحد أقطاب دولة الإمام عزان بن قيس البوسعيدي (1868-1871)، وتتلمذ على يد الإمام سعيد بن خلفان الخليلي، واشتهر بالإصلاح في مجتمعه ، وله وقائع مشهورة بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ، وتوفي عام 1290هـ .
تتلمذ على يديه : نور الدين عبدالله بن حميد السالمي .
? ماجد بن خميس بن راشد بن سعيد العبري (3) : ولد ببلد الحمراء عام 1252هـ ونشأ في حجر والده الملقب ب((ذو الغبراء))، وتتلمذ على الشيخ ناصر بن سالم العدوي، وبرع في العلم فصار من أكبر فقهاء عمان . وجعله الإمام عزان بن قيس عاملاً على بهلاء، واشتغل في غالب حياته بالتعليم والتدريس والقضاء والفتوى، وتوفي عام 1346هـ، وله من مؤلفاته رسائل ومناظيم متفرقة .
تتلمذ على يديه : عبدالله بن حميد السالمي، وإبراهيم بن سعيد العبري، وعلي بن هلال بن زاهر الهنائي .
? راشد بن سيف بن سعيد اللمكي (4) : ولد عام 1262هـ بمحلة قصرى من مدينة الرستاق فنشأ بها ولازم السيد فيصل بن حمود بن عزان، والشيخ ابن خميس العبري، حتى صار مدار الفتيا بالديار الرستاقية، وله مؤلفات منها : المسالك في علم المناسك، ومجموع رسائل في مختلف الدعاوى والأحكام، ومناظيم شعرية . توفي 1333هـ .
__________
(1) - من أعمال ولاية نزوى .
(2) - نهضة الأعيان ص71 .
3- نهضة الأعيان ص385.
4- نهضة الأعيان ص232 . (1/33)
صفحة 34
تتلمذ على يديه : نور الدين عبدالله بن حميد السالمي، سالم بن سيف اللمكي، ومحمد بن شامس الرواحي .
وممن تعلم على يديهم أيضاً الشيخ محمد بن عبداله الهاشمي، والشيخ محمد بن سيف الرحيلي، والشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي (1) .
6- أشهر تلاميذه (2) :
1- الإمام سالم بن راشد بن سليمان بن عامر الخروصي (3) : من ولد الإمام عزان بن تميم الخروصي ، ولد ببلدة المشايق من قرى الباطنة 1301هـ ، هاجر إلى الشرقية لطلب العلم ، تتلمذ على يد نور الدين السالمي والشيخ صالح بن علي الحارثي ، ولازم الإمام نور الدين السالمي إلى أن ارتقى عرش الإمامة عام 1331هـ وكان زاهداً ورعاً ، توفي عام 1338هـ .
2- الإمام محمد بن عبدالله بن سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي (4) : ولد بسمائل عام 1299هـ، ودرس في مقتبل عمره النحو وعلوم الدين على شيوخ عصره كالشيخ عبيد بن فرحان والشيخ حمد بن عبيد السليمي والشيخ أحمد بن سعيد الخليلي، ثم هاجر إلى شرقية عُمان فقرأ على نور الدين السالمي فصار علماً من الأعلام وحجةً في المعقول والمنقول ، وإليه انتهت رئاسة العلم والإمامة في عصره ، ارتقى عرش الإمامة بعد وفاة الإمام سالم بن راشد الخروصي عام 1338هـ وتوفي عام 1372هـ . ومن أشهر تلاميذه : غالب بن علي الهنائي والشيخ سعود بن سليمان الكندي وسفيان بن محمد الراشدي .
__________
(1) - قراءات في فكر السالمي ، ط1،ص44 .
(2) - للإطلاع على تلامذته ر: نهضة الأعيان ص105،107
(3) - نهضة الأعيان ، ص1667،والأعلام ،ج3،ص71 .
(4) - نهضة الأعيان ، ص323،والأعلام ، ج6،ص246 . (1/34)
صفحة 35
3- عامر بن خميس بن مسعود المالكي (1) : ولد رحمه الله بوادي بني خالد بالشرقية 1280هـ، كان أحد أقطاب العلم في عُمان والذين دارت عليهم إمامة الإمامين السابقين ، وقد أخذ العلم من الإمام نور الدين السالمي والشيخ صالح بن علي الحارثي ، وله مؤلفات منها : ((موارد الألطاف في نظم مختصر العدل والإنصاف)) و((غاية المطلوب في الأثر المنسوب)) و((غاية التحقيق في أحكام الإنتصار والتفريق)) . وتوفي عام 1346هـ . وأشهر تلاميذه :الشيخ محمد بن سالم الرقيشي والشيخ سعيد بن أحمد الكندي وسعيد بن ناصر السيفي وابنه سعود بن عمر المالكي وراشد بن حمد الحجري .
4- أبو زيد عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي :ولد عام 1301هـ بولاية إزكي ، ثم هاجر إلى إبراء ثم إلى القابل فتتلمذ على يد نور الدين السالمي فأخذ منه أصول العربية والفقه وفروعه وصار من أكبر تلامذة نور الدين ، وكان والياً للإمامين، واشتهر بين الناس بالزهد والورع والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن توفي ببهلا عام 1364هـ . ومن مؤلفاته : كتاب في النحو ، وكتاب في مناسك الحج ، وسؤالات كتاب حل المشكلات ، وتتلمذ علي ديه : محمد بن سالم الرقيشي ، وسفيان بن محمد الراشدي (2) .
5- عيسى بن صالح بن علي الحارثي :ولد بالقابل سنة 1290هـ ونشأ في حجر أبيه الشيخ المحتسب صالح بن علي الحارثي ، تتلمذ على يد نور الدين السالمي وكان كريماً مضيافاً شريفاً وزاهداً تقياً ، عرف بين الناس بالفضل والإحسان ، له مؤلفات ورسائل عدة ، توفي سنة 1360هـ ، وتتلمذ على يديه شيوخ أجلاء كثيرون . (3)
7- أشهر مؤلفاته :
1- شرح الجامع : مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي ، وهو في ثلاثة أجزاء .
2- أنوار العقول : وهي منظومة في أصول الدين .
3- بهجة الأنوار : شرح مختصر لأرجوزة أنوار العقول
__________
(1) - نهضة الأعيان ، ص398 .
(2) - المصدر السابق ، ص420.
(3) - نهضة الأعيان ، ص74،والأعلام ج5،ص104. (1/35)
صفحة 36
4- مشارق أنوار العقول : شرح آخر للأرجوزة من أحسن كتب أصول الدين تحقيقاً وتنسيقاً ومن أفضل كتب المذهب الأباضي توضيحاً . قال الإمام محمد بن يوسف القطب لما وقف عليه : لقد أمعن صاحب المشارق .
5- غاية المراد : أرجوزة في أصول الدين ، وقد شرحها الشيخ سليمان بن محمد الكندي، والشيخ أحمد بن حمد الخليلي .
6- شمس الأنوار : ألفية في أصول الفقه .
7- طلعة الشمس : شرح لألفية شمس الأنوار ، وقد شرحها شرحاً نفيساً وتعد من أنفس ما كتب في أصول الفقه وهي جزئين .
8- مدارج الكمال : نظم لكتاب مختصر الخصال لأبي إسحاق الحضرمي ، وهي تربو على ألفي بيت .
9- معارج الآمال : شرح فيه أرجوزة مدارج الكمال في ثمانية أجزاء ولم يتسنى له إتمامه ، وتوقف في باب الصوم والإعتكاف .
10- جوهر النظام : أرجوزة في الأديان والأحكام والأخلاق والحكم تزيد على أربعة عشر ألف بيت في أربعة أجزاء .
11- تحفة الأعيان : بسيرة أهل عمان في جزئين .
12- الفتاوى : في ثمانية أجزاء في مختلف الفنون والعلوم .
13- المنهل الصافي في العروض والقوافي : أرجوزة رائعة تزيد على ثلاثمائة بيت وقد شرحها شرحا لطيفاً ممتعاً .
8- رسائله :
1- تلقين الصبيان : وهي رسالة مفيدة فيما يجب على الإنسان من الإعتقاد بالجنان والعمل بالأركان وهي مبسطة سهلة الفهم .
2- شرح بلوغ الأمل في الجمل : وهي شرح لأرجوزة في النحو نظمها الشيخ أول ما ألف ، وهي تربو على ثلاثمائة بيت .
3- الدرر البهية : وهي شرح على العمريطية ، أرجوزة ليحيى العمريطي
4- الحجج المقنعة في صلاة الجمعة .
5- الحجة الواضحة في الرد على التلفيقات الفاضحة : رد فيها على من أدعى العلم وتعاطى منزلة الإجتهاد من أهل زمانه . (1/36)
صفحة 37
6- بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود : حذر فيها من التشبه بالمشركين من أهل الكتاب وذكر فيها من دسائس العدو ما يوجب نفرة كل من له أدنى إلمام بملة الإسلام ، وذلك لما بلغه تهافت المسلمين على لباس النصارى والتخلق بأخلاقهم .
7- اللمعة المرضية في أشعة الأباضية : رد فيها على من قال أن الفرقة الأباضية حدثت بعد المذاهب الأربعة وأنهم لا تأليف لهم ، أبدى فيها فصل الخطاب والوقوف على محجة الصواب .
8- الحق الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي : بين فيها منزلة ذلك السيد العظيم .
9- أرجوزة كشف الحقيقة في الرد على من جهل الطريقة : أرجوزة كشف فيها عن حقيقة المذهب .
10- روض البيان على فيض المنان : شرح فيها قصيدة للشيخ سعيد بن حمد الراشدي ، وهي قصيدة في الرد على من أدعى قدم القرآن .
11- إضاح البيان في نكاح الصبيان .
12- طريق السداد إلى علم الرشاد في الدفاع والجهاد ، شرح لمنظومة ((علم الرشاد)) للشيخ سعيد بن حمد الراشدي ولم يكمل شرحها .
13- رسالة ( بيان الأدلة على نجاسة الدم المسفوح ) أوضح فيها الدليل على نجاسة الدم المسفوح وبين العلة التي أوجبت تنجيسه .
14- رسالة في التوحيد ، وهي رسالة مختصرة في بيان العقيدة الإسلامية .
9- شعره :
ديوان شعر في غاية البلاغة والفصاحة كله حماسة وتحريض على القيام بما يعز الإسلام .
***
مخطوطة
روض البيان على فيض المنان
في الرد على من ادعى قِدَم القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة (1/37)
صفحة 38
... سبحانك يا من تفرّد بالتنزيه ، وتعالى عن النظير (1) والشبيه ، واتصف بالكمال الذاتى فلا مكان يحويه ، ولا زمان يوجد فيه ، وجب له الوجود والقدم ، واستحال عليه الفناء والعدم ، قضى على جميع ما سواه بالحدوث وحَكَمْ ، ننزهك تنزيه من عرف حق الربوية ، واعترف بالعجز والعبودية ، ونصلي ونسلم علة مهبط وحيك ، ومبلغ أمرك ونهيك ، وعلى من اخترتهم له أصحاباً فكانوا له من أعدائه كنفاً (2) وحجاباً على من دعا إلى ما دعوا إليه ، ودرج على ما درجوا عليه ، ما اضمحلّت شبهة عن الأذهان ، وما قام ببيان الحق برهان .
أما بعد :
فإن الله تعالى قد من علينا بعقول نفهم بها معاني خطابه ، ونفقه بها أحكام كتابه ، وقد قال عز شأنه وجل (3) سلطانه (( ليس كمثله شئ )) (4) و (( خالق كل شئ )) (5) ، وقد أطبقت الأمة قبل ظهور المخالف ، على أن المراد من الآيتين ظاهرهما ، ثم نقضت المشبهة (6) أولاهما، والمعتزلة أخراهما، ونقضت الحنابلة (7) في ادّعائهم قدم القرآن وعدم خلقه كلتيهما .
__________
(1) - النظير : المثل من كل شيء ، وجمعه نظائر .
(2) - كنفاً : حفظه وأعوان على حاجته ومنه كنف : والستر والحجاب والحفظ .
(3) - قي نسخة ( -ب) .
(4) - الشورى : 11 .
(5) - الأنعام .
(6) - المشبهة : هم الذين وصفوا الله بصفات الخلق كالوجه واليد والساق .. الخ ، تعالى عما بقولون علوا كبيرا ، وأخذوا بظاهر النصوص في الصفات الألهية بدون تأويل . الملل والنحل : الشهر ستاني ج1 ، ص 137 . والكشف والبيان : للقلهاتي ج2 ، ص357 .
(7) - الحنابلة : نسبة إلى الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (164-241هـ) وهي فرقة تعتمد الأثر ورفض إعمال العقل في تأويل ظواهر النصوص، وأشهر علماء هذه المدرسة :ابن تيمية، وابن القيم، ويسمي العلماء هذه الفرقة ((بالحشوية))،ر : مقالات الإسلاميين ، الأشعري ج1،ص292.والكشف والبيان :ج2 ،ص357 ،382،والتفسير الكبير ،للفخر الرازي ج1 ،ص31. (1/38)
صفحة 39
فأما نقضهم للآية الأولى، فلأن القدم مختص به المولى ، وبجعلهم قديماً سواه فوصفوا غير الإله بصفة يختص بها الإله، وأما نقضهم للآية الأخرى فلأخراجهم عن الخلق بعض المخلوقات كما ترى، حتى غلا بعضهم في المين (1) ،وزعم الجلد والغلافة قديمين .
أما غير الحنابلة ، فقد اتفقوا على خلق ما بين الدفتين، لكن جعلته الأشاعرة (2) ترجماناً عن معنى قائم بالذات، زعموا أنه في حقيقة القرآن ، وأن ما بين الدفتين عبارات عنه ، فلزمهم إنكار إنزال القرآن ، ودعوى قديم ثان هو أحد المعاني ، ولما كان مذهب الأصحاب (3) - رحمهم الله تعالى – أن صفات الذات هي عين الذات لا غيرها وإن جميع ما عدا الخالق فهو مخلوق ، علمنا يقينا مخالفتهم لما عليه الحنابلة من دعوى قدم القرآن ، ولما عليه الأشعرية من أنه عبارات عن معنى ثان وأنه ليس هو حقيقة القرآن ، فتحصل من مذهبهم ان ما بين الدفتين هو القرآن ، وأنه ليس مع الله قديم ثان لا من الذوات ولامن المعاني ، بهذا صرح المغاربة (4) -رحمهم الله تعالى – وبعض المشارقة (5) -رضي الله عنهم- وقد قسموا الكلام الإلهي إلى : كلام ذاتي وفعلي . فالذاتي : هو عبارة عن نفي الخرس عنه تعالى ، والفعلي : هو الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن .
__________
(1) - المين : الكذب ، ومن تماين القوم ، تكاذبوا .
(2) - نسبة إلى أبي الحسن الأشعري (260-324هـ) برزت في أوائل القرن الرابع الهجري ، واعتمدها أهل السنة واعتقدها جماهير أغلبية المجتمع الإسلامي ، وأشهر علماء هذه المدرسة : الباقلاني (ت:403) والإسفراييني (ت:418) والجويني (ت:417)والغزالي (ت:505) هـ .ر : الكشف والبيان : القلهاتي ج2، ص372 . ر : الملل والنحل ، الشهرستاني ج1،ص119 ، الموسوعة الثقافية ، ص19 . دار المعرفة .
(3) - الإباضية
(4) - الإباضية في المغرب العربي ( ليبيا وتونس والجزائر ) .
(5) - الإباضية في الشرق العربي . (1/39)
صفحة 40
لكن بعض العوام ممن يحجر عليهم الكلام في هذا المقام ، قد اختلط عليهم الكلام بالكلام ، فقرروا البراهين على قدم الكلام الذاتي ، وأدخلوا في حكمه جهلاً الكلام الفعلي .
وشنعوا على القول بخلاف ما ذهبوا إليه ، ونظمت في ذلك نونية نسبت إلى ابن النظر – حاشاه عن ذلك – فإن مذهبه (1) رحمه الله تعالى معلوم ، حيث نفى الكلام الذاتي رأساً بقوله :
وأما كلام الله فهو كتابه كذلك قال الله للطاهر الشيّم (2) (3)
... وحيث صرح بأن الجعل المسند إلى الله عز وجل خلق كله بقوله :
قال : فالجعلُ هو الخلق ، أم الجعلُ شيء غيرهُ فيما ذكر
قلتُ : جعل الله خلق كله ومن الناس مقالٌ اشتهر (4)
... وقد أشار أبو القاسم البرادي (5) عند شرحه هذه الأبيات (6) إلى إنكار تلك النونية عن هذا الإمام حيث قال ما نصه :
((
__________
(1) - المذهب الإباضي .
(2) - الطاهر الشيم : يقصد به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والشيم : جمع شيمة ويقصد بها الخلق .
(3) - ر: الدعائم : ابن النظر: ميميته في التوحيد ونفي الأشباه والأمثال .
(4) - ر: الدعائم . ابن النظر : الرائية في خلق الأفعال والرد على القدرية .
(5) 9- أبو الفضل القاسم بن إبراهيم البرّادي (ق9هـ) نشأ بجبل دمر بالجنوب التونسي ثم انتقل إلى جزيرة جربة ودرس بها فارتحل بعدها إلى جبل نفوسة وتتلمذ على يد الإمام أبي ساكن عامر بن علي الشمّاخي ثم رجع إلى جزيرة جربة وبدأ بنشر الدعوة والكفاح من أجل الحق إلى أن توفي بها وهو من كبار علماء الكلام ومؤرخ فقيه . من مؤلفاته : الجواهر المنتقاة ، وشرح كتاب العدل والإنصاف ، وشفاء الحائم على بعض الدعائم .ر: الإباضيثة في تونس ، معمر ج3، ص151 ، السير ، الشماخي ، ج2،ص210 ، الأعلام ، ج5 ، ص171 .
(6) - في كتابه : شفاء الحائم على بعض الدعائم . (1/40)
صفحة 41
قال المؤلف : فيا سبحان الله العظيم من هذا الرجل – مع حذقه وفضله – كيف نقض هذه القاعدة (1) التي وضعها ها هنا ، وجعلها هنا أسّاً وأصلاً يعتمد عليه ، واحتج بها على القدري وناظره بها وتأول إليها قوله تعالى { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة } (2) وقال : (( قلت : جعل الله خلق كله )) ثم خالف إلى غيرها في القصيدة النونية أيكون مثله يطرأ (3) عليه هذا التناقض ؟ فلعل القصيدة النونيه كتبت عليه ودست في كتابه ، والله أعلم )) .
__________
(1) - القاعدة : هي الأس وتعرف بالإصطلاح الفلسفي : (( وهي قضية كليّة منطبقة على جميع جزئياتها )) ر : المعجم الفلسفي ، جميل صليبا ، ماد-ة (قاعدة ) .
(2) - المائدة : 103 .
(3) - يطرأ : يحدث ، ويقال : كلام طُرائي : أي خارج عن الأدب الجميل . (1/41)
صفحة 42
هذا كلامه هنا ، ولم أقف على شرحه لتلك النونية لتعذر وجوده ، لكن أخبرني شيخنا الهاشمي (1) - رحمة الله – وقد وقف عليه بأن هذا الشارح قد أنكر نسبة هذه النونية إلى هذا الإمام من طريق آخر هو اختلاف لهجة نظمها عن لهجة نظمه وقال فيه : (( إنها شعر فصيح لا شعر عالم )) . وساق هنالك مراثي يسدل بها على الفرق بين شعر الشاعر وشعر العالم وشعر الفصيح ، وقد صدرت منا في انكار نسبتها إليه رسائل (2) - جعلها الله إلى رضوانه من أعظم الوسائل – ثم أن شيخنا وأخانا سعيد بن حمد الراشدي أسعده الله وحمد صنيعه قد تكفل لنا بردّ شبهة (3) تلك النونية حيث عرضها (4) بنونية أخرى – جعل الله بسببها حسنةً في الدنيا وحسنة في الأخرى – وقد سماها : (( فيض المنان على من ادعى قدم القرآن )) وقد كنت وعدت بشرحها في غير موضع ، وها أنا شارع في تمام ما به وعدت ومن الله أستمد العون على إتمام ما قصدت وأسأله (5) أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم فهو حسبي ونعم الوكيل .
قال المصنف مستعيناً بالبسملة ومتبركاً بها :
بداية المنظومة
بسم الله الرحمن الرحيم
1- أنكرت جهلاً فطرة القرآن وجعلت كالمولى قديماً ثانِ
... أي جحدت يا هذا الناظم بسبب عدم علمك بالتحقيقات الكلامية خلق القرآن المنزل للإعجاز على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، المنقول عنه تواتراً، المتحدّى بأقصر سورة منه . وسميت قديماً غيرنا صرنا وخالقنا تعالى، فكان يلزم على قولك هذا، أن يكون مع الله قديم ثانٍ، وهو باطل لما سنأتي به من الأدلة .
__________
(1) - الشيخ عبدالله بن محمد الهشامي ، من علماء عُمان في ( ق13هـ )، تتلمذ نور الدين السالمي على يديه في مدينة الرستاق . ر: نهضة الأعيان ، محمد السالمي ، ص 100 .
(2) - ر : الملحق .
(3) - الشبهة : الإلتباس .
(4) - عارضها : بمعنى عارض فلانا ، أي ناقضه في كلامه وقوامه .
(5) - في (ب) (1/42)
صفحة 43
... فأنكرت : بمعنى جحدت، فعل وفاعل والتاء للمخاطب المذكور (1) ، فهو ناظم تلك النونية أو لكل مخاطب أنكر خلق القرآن، فالخطاب حينئذ للشمول على حد قوله تعالى { ولو ترى إذ وقفوا على النار } (2) ، لأنه لم يرد مخاطباً بعينه .
وجهلاً : مفعول لأجله أو مصدر ، وقع موقع الحال على حد خرج زيد بغتة ، والجهل نوعان : بسيط ومركب ، فالبسيط : عدم العلم بالشيء مما من شأنه العلم به (3) .والمركب : اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، وعليه قول القائل :
ومن عجب الأيام أنك جاهل وأنك لا تدري بأنك لا تدري (4)
... وفطرة القرآن : خلقه ومنه قوله تعالى { فاطر السموات والأرض } (5) ، والقرآن هو النظم المنزل على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، المنقول عنه تواتراً ، المتحدى بأقصر سورة منه ، وفي حكمه التوراة والإنجيل والزبور والصحف ، بل وجميع الكتب السماوية ، لاشتراكها في موجب الخلق ، وهو كونها كلاماً فعلياً له تعالى .
__________
(1) - +في ب
(2) - الأنعام : 27 .
(3) - -ب ، جـ
(4) - البيت ينسب للخليل بن أحمد الفراهيدي، وفيه رواية أخرى : ( ومن أعظم البلوى بأنك ... ) ر: مكنون الخزائن ، البشري ج1 ، ص14 .
(5) - الأنعام : 14 . (1/43)
صفحة 44
وسمي القرآن قرآناً، لاقتران سوره بعضها ببعض . وقيل : لاقترانه بالحكمة ، وسمي فرقاناً ، قال أبو عبيدة (1) : لأنه يفرق بين الحق والباطل ، والمؤمن الكافر ، وقال ابن عباس : لأنه مخرج من الشبهات .
وقد اشتمل القرآن القرآن على تسعة أشياء ، جمعها بعضهم بقوله :
ألا إنما القرآن تسعة أحرف سأنبيكها في بيت شعر بلا خلل
حلال حرام محكم متشابه بشير نذير قصة عظة مثل
وجعلت : أي سميت – على حد قوله تعالى - { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً } (2) أي سموهم إناثاً ز
كالمولى : أي مثل تسميتك للمولى ، أي الناصر لأوليائه والمراد به الرب (3) عز وجل .
وقديماً : مفعول لجعلت التي هي بمعنى سميت، والقديم هو مالا أول له، فيختص بالمولى – عز وجل – ووصف غيره به كفر بيّن، لما فيه من القول بتعدد القدماء، محال عقلاً لما سيأتي . فجعل القرآن قديماً محال عقلاً، فهو من أقوم البراهين على خلق القرآن ، فلذا جعلها المصنف له أساساً لأنها تبطل نقيض مذهبه رأساً .
قضية خلق القرآن عند المشارقة
__________
(1) - معمر بن المثنى التميمي بالولاء (110-209) أخذ عن يونس بن حبيب وأبي عمرو بن العلاء وكان من أعلم باللغة وأنساب العرب وأخبارها ، وهو أول من صنّف غريب الحديث ، وقيل كان يرى رأي الإباضية ، وأقدمه الرشيد من البصرة إلى بغداد ووقراء عليه . وقال الجاحظ : لم يكن في الأرض خارجي ولا اجماعي أجمع بجميع العلوم من أبي عبيدة ، وبلغت مؤلفاته مائتي مؤلف في علوم شتى . ( ر : معجم الأدباء ، الحموي ج19 ، ص154 – الفهرست : ص181 – مروج الذهب ، ج4 ص36 – الأعلام ، ج7 ، ص272 .
(2) - الزخرف : 19 .
(3) - -ب (1/44)
صفحة 45
... روي أن الأشياخ اجتمعوا يوماً بدماء (1) ، فتذكروا في القرآن ، فقال محمد بن محبوب (2) : أنا أقول أن القرآن مخلوق . فغضب محمد بن هاشم (3) وقال : أنا أخرج من عُمان ولا أقيم بها ، فظن محمد بن محبوب أنه إنما يعرّض به فقال : بل أنا أولى بالخروج من عُمان لأني فيها غريب ، فخرج محمد بن هاشم من البيت وهو يقول : ليت أني مت قبل اليوم ، ثم تفرّقوا ، ثم اجتمعوا بعد ذلك ، فرجع محمد بن محبوب عن قوله ، واجتمع قولهم على أن الله خلق كل شيء ، وما سوى الله مخلوق. وأن القرآن كلام الله وكتابه ووحيه وتنزيله على محمد - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) - دما : بفتح الدال والميم بلدة من نواحي عُمان . على ساحل عُمان ، كانت من أسواق العرب المشهورة وهي مدينة السيب حالياً .ر: معجم البلدان ، الحموي ج2، ص461 ، دار صادر بيروت ، 1956 .
(2) - الإمام أبو عبدالله محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي (ت-260) : انتهت إليه الرئاسة العلمية الإباضية بالمشرق بعد وفاة أبيه وكانت إقامته بمكة ثم انتقل إلى عُمان ، وكان رأس المبايعين للإمام الصلت بن مالك الخروصي (237) ، وتولى القضاء على صحار في زمن الإمام المهنا والإمام الصلت ، وتصدى لنشر العلم وألّف كتاب (الجامع) في سبعين جزء ، توفي بصحار في 3محرم 260هـ .( الشعاع الشائع باللمعان : ابن رزيق ج1 ص52 ، 53 – تحفة الأعيان ج1 ص166 – اللمعة المرضية ، السالمي ص17 ، أصدق المناهج ص49 )
(3) - محمد بن هاشم بن غيلان السيجاني (ق3هـ) نسبة إلى سيجا من أعمال ولاية سمائل ، كان من كبار علماء عصره بعمان ، وعاصر الإمامين المهنا بن جيفر والصلت بن مالك ، وكان أبوه من العلماء المشهورين في عصر الإمامين عبد الملك بن حميد (ت-226هـ) .ر : أصدق المناهج ص51 ، سيرة عبدالله بن مداد ص11، 25 . تحفة الأعيان ج1، ص138 . عُمان عبر التأريخ ج22 ، ص80 . (1/45)
صفحة 46
وأنت خبير بأن هذا لم يكن رجوعاً من ابن محبوب عن القول بخلق القرآن ، بل هو عين ما قال به أولا ، وإنما كان (1) التسليم من محمد بن هاشم لقول ابن محبوب حين سلم ، أن الله خالق كل شيء ولا شك أن القرآن شيء (2) وحين سلم أن ما سوى الله (3) فهو مخلوق .
ولا شك أن القرآن شيء سوى الله أي غيره ، وحين سلّم أنه وحي وتنزيل ، ولا شك أن الموصوف بهاتين الصفتين حادث قطعاً لما يلزم المتصف بهما أو بشيء منهما من الانتقال من جهة إلى جهة أخرى، والمنتقل حادث قطعاً .
أما ما روي عنهم أنهم أمروا بعد ذلك الإمام المهنا (4) بالشدِّ (5) على من قال بخلق القرآن، فيحتمل أن يكون الآمر هو غير ابن محبوب ، لأن الراوي لم يقل : ((فأمروا جميعاً)) (6)
وأما ما روي عن محمد بن محبوب – رحمه الله – مما نصه : (( لا يقال أن أسماء الله محدثه، ولكنها لم تزل له ، ولا يقال أنها هي هو ولا هي غيره ولا شيء منه ، لأنه غير محدود ولا يتبعض (7) ، تبارك وتعالى )) . ونقول : أن القرآن كلام الله ، ولا نقول : أنه هو ، ولا شئ منه ، ولا مخلوق ولكنه وحيه وكتابه وتنزيله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والقرآن هو من علم الله ، وعلمه لم يزل ، وهو غير محدث ، والقرآن كلام الله ، والله تعالى لم يزل متكلما ، ومن حد صفات الله كمن حد الله .
__________
(1) - + ب
(2) 5- + ب ج
(3) - + جـ
(4) - الإمام المهنا بن جيفر الفجحي من بني اليحمد . تولى إمامة عمان 226-237 هـ) .ر:تحفة الأعيان ج 1،ص101 – الشعاع الشائع ، ابن رزيق ، ص39 ـ عُمان عبر التأريخ ج2 ، ص81 ـ سيرة عبدالله ابن مداد، ص58 ، 59 .
(5) - الشد : التضييق . 9- لإيضاح رأي العلماء في هذه القضية .ر: تحفة الأعيان ج1 ، ص156 .
(7) 1- + ب (1/46)
صفحة 47
ومن قال : (( إن القرآن مخلوق )) – وقد تقدمت له ولاية – فلا يقطع ما لم يبرأ (1) ممن لا يقول (( القرآن مخلوق )) ، فإذا برئ ممن لا يقول : (( القرآن مخلوق )) برأي برئنا منه بدين . قال الراوي : وهذا القول كان منه بعدما قدم صحار ، وظاهره التوقف عن القول بخلق القرآن ، وعن القول بعدم خلقه ، فيحتمل أن يكون هذا التوقف صدر منه قبل أن يستبين له القول بخلق القرآن ، ثم رجع عنه إلى القول بخلقه ، ويحتمل غير ذلك ، لكن الإحتمال الأول هو الظاهر لقول الراوي ، وهذا كان منه بعدما قدم صحار ، لأن ظاهره يدل أنه قال بهذا الكلام ، عقيب مجيئه إلى صحار . والقول بخلق القرآن صدر منه في دماء بعد أن استقر في عُمان ، وكان من أهل البصرة ، وإذا تعارض كلاما إمام ، حمل على أقربهما صوابا ، ونسب إليه منهما ماهو الحق دون ما عداه مما هو في (2) حيز الباطل لوجود حسن الظن بالمسلمين ولجحد نسبة الباطل إليهم إلا بصحة شرعية .
__________
(1) - يبرأ : أي بمعنى البراءة
(2) - +ب (1/47)
صفحة 48
وفي الأثر : قيل لأبي مروان (1) ، أن موسى بن علي (2) كان يقول بأن القرآن مخلوق، فقال أبو مروان : ((كذب من روى هذا عن موسى بن علي، بل موسى بن علي يقول بأن القرآن كلام الله، ولا يقول القرآن مخلوق ، والله أعلم .
وتكذيب أبي مروان لذلك الراوي غير مستقيم، لأن قول موسى : ((القرآن كلام الله)) لا ينافي القول بأنه مخلوق، وقوله عن موسى بأنه لا يقول بأن القرآن مخلوق لا ينافي ما روي عنه أنه مخلوق لاحتمال أنه لم يسمعه يقول إن القرآن مخلوق، فأخبر عن عدم سمعِهِ وسَمِعَهُ ذلك الراوي فأخبر بما سمع .
جواب الإمام الكدمي عن أسماء الله
__________
(1) - أبو مروان سليمان بن الحكم من علماء القرن الثالث الهجري ، من عقر نزوى ، وكان عاملا للإمام المهنا في صحار ، وكان ممن حضر بيعة الإمام الصلت بن مالك الخروصي سنة 237هـ . ( ر : منهج الطالبين ج1 ، ص623– تحفة الأعيان : ص 103،106 – الشعاع الشائع : ج1 ، ص178 ، 181 – أصدق المناهج ، ص525) .
(2) - موسى بن علي بن عزرة من بني سامة بن لؤي بن غالب ( 177 – 230 ) ، من علماء عُمان ، وكان قاضيا للإمام المهنا بن جيفر ، ومرجع للفتوى في الإمامة ورأس أهل الحل والعقد . وكان أبوه علي بن عزرة من العلماء المشهورين ، ثم جاء من بعده ابنه موسى بن موسى وزير للإمام الصلت بن مالك . ( سيرة ابن مداد ص30 – تحفة الأعيان ج1 ، 151 – عُمان عبر التاريخ ج2 ، ص183 ) . (1/48)
صفحة 49
وقد أنصف الإمام أبو سعيد الكدمي (1) - رضوان الله عليه – في هذه المسألة ، وأجاد في بيانها حيث قال : وقد سئل عن أسماء الله تعالى – هل هي مخلوقة أم غير مخلوقة ؟ فقد قيل : بأن أسماءه المسمى بها من الألفاظ الملفوظة والحروف الملحوظة المسموعة، التي سمى بها نفسه في كتبه أو وحيه أو سماه بها أحد من خلقه، فلا يستقيم إلا أن تكون محدثة، وأما ما سبق من ذلك من مكنون (2) علم الله ، الذي لم يزل عالماً به، فلا يقال بأن علمه محدث ولا مخلوق، ولا يجوز أن يكون هو أسماء، ولا يكون ما سواه إلا وهو محدث . فمن خطرت بباله هذه الأسماء التي تذكر وتكتب وينتقل ذكرها من حال إلى حال، فذلك محدث مخلوق . ومن عرف معناها فعليه أن يعلم أن ما سوى الله تبارك وتعالى مخلوق وإذا لم يعرف معنى والمراد به من خاطر ذلك أو ذكرها وعلم أن الله تبارك وتعالى قديم وما سواه محدث من جميع الأشياء وأنه لا يشبهه شيء من جميع الأشياء في ذاته ولا في صفاته ولا اسمائه ولا حكمه ولا قضائه وسعه ذلك . إن شاء الله .
وكذلك القول في القرآن وتنزيله وكتابه وإحداثه من هذه الألفاظ الملفوظة والحروف المكتوبة المسموعة المنظورة، فهي محدثة مخلوقة، وأما ما سبق من علم الله، فلا يقال أن علم الله تبارك وتعالى محدث، كان بعد أن لم يكن . فلا يجوز هذا ونحوه عليه .
__________
(1) - الإمام أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي (305-303) نسبة إلى كدم من أعمال ولاية الحمراء فقيه أصولي، من كبار المحققين، لقب بإمام المذهب ووقعت في زمانه فرقة بينه وبين الإمام ابن بركة ونسبت إليه المدرسة النزوانية، وله مصنفات مشهورة كانت لها أثر كبير في مدرسة المشارقة الإباضية منها : المعتبر ، الاستقامة ، الجامع المفيد ، وزيادات الأشراف ( منهج الطالبين : ج1، ص624- اللمعة المرضيةص22- أصدق المناهج : ص54 )
(2) - مكنون : كن الشيء ستره وأخفاه ، والمكنون : المستور البعيد عن الأعين . (1/49)
صفحة 50
فمن شك فيما لا يسعه (1) جهله على ما وصفنا فيما يخرج تنزيلاً، قد بلغه علمه فيخرج حدثه في ذلك معنى الشرك، وإن كان متأولاً في شكّه، وقوله بمثل ذلك، لم يلحقه الشرك . وإن كان شكه في مثل ذلك، وقوله وتأويله فيما لا يسع جهله، كان كفره (2) في ذلك كفر نعمة لا كفر شرك، هذا كلامه، وكفى ما به من تصريح على المطلوب . وانظر كيف استدل بالمنتقل وادراك حاستي السمع والبصر على خلق المنتقل والمدرك ولا يشكل عليك قوله . وأما سبق من ذلك في مكنون علم الله الذي لم يزل عالماً به فلا يقال بأن علمه محدث ولا مخلوق، فإنه إنما أراد بذلك، أن علم الله – عز وجل – الذي هو صفة ذات له، قديم لا أن هنالك شيئاً آخر غير- ما ذكرنا – موصوف بالقدم، وهذا مما لا خلاف فيه ، لكن لما رأى من كثيرين الفرار عن إطلاق الخلق على القرآن لتوهمهم أن هذه العبارة تتمشى إلى القول بأن علم الله الذاتي مخلوق، بيّن لهم هذا البيان حتى لا تبقى شبهة في الأذهان .
__________
(1) - العلم الذي لا يسع جهله هو العلم اللازم الذي يهلك الإنسان بجهله كمعرفة التوحيد والبعد عن الشرك .
(2) - الكفر : الكفر لغة : التغطية والستر، وفي مفهوم العرب هو جحود المنعم نعمته . ويقسم الإباضية الكفر إلى قسمين : كفر الشرك أو الجحود وهو ما كان سببه رد تنزيل من كتاب من كتب الله العزيز التي أنزلها على رسله سواء رد جميعها أو بعضها أو حتى أيد منها أو حكما . وكفر النعمة : وهو ما كان من الكبائر وليس فيه رد لتنزيل ولا تكذيب لرسول الله، ويطلق عليه المنافق (بهجة أنوار العقول ج1 ، ص139 ، 150 ) (1/50)
صفحة 51
ثم انظر كيف جعل هذا المعنى ، وهو خلق القرآن ، من الأمور التي تقوم بها حجة العقل ، فشرّك من فهم معناها واعتقد خلاف الحق فيها لا بتأويل ، وفسّقه عند التمسك بالتأويل ، وهذا لعمر الله عين الصواب الذي لايبقى معه شك ولا ارتياب ، ولا ينافي ما صرح به هذا الإمام ها هنا ما حكاه عقيبه من كم القائل بخلق القرآن حيث حكى فيه ثلاثة أقوال : الولاية والبراءة والوقوف (1) ، لأنه إنما حكى أقوالاً صدرت عن غيره . نعم كان ينبغى له أن يتعقبها ببيان الحق في أي واحد منهما ، وأبى الله إلا أن يكون عند القائل بولاية القائل بخلقه ، إن لم يكن له حدث آخر يخرجه منها فيعطي حكم حدثه ،والبراءة من القائل بخلقه لأجل قوله بذلك من المحجور (2) دينا والباطل يقينا . كيف يُبرأ من محق على قوله بالحق ، إن هذا لهو عين الضلال على كل حال . والقول بالوقوف عنه لأجل ذلك – وإن كان أيسر من الذي قبله – فهو عن الحق بعزل : لأن الله – عز وجل – أوجب ولاية المحق على حقه ، فالوقوف عنه لأجل ذلك الحق ترك لما أوجب الله فعله (3) .
رأي المحقق الخليلي في صفة الكلام
__________
(1) - الولاية والبراءة من أصول الدين عند الإباضية وهي تعني :
الولاية : هي المحبة بالقلب والثناء باللسان والنصر والإعانة بالجوارح عند القدرة على ذلك وعند ارتفاع الموانع ومنه دليل الآية { الله ولي الذين آمنوا } البقرة : 257 .
البراءة : البغض بالقلب والشتم باللسان والردع بالجوارح ومن دليل الآية { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } .
الوقوف : هو الإمساك عن الدخول في ولاية بعينه وعن الدخول في البراءة منه ويسمى الممسك واقفاً .
ر : بهجة الأنوار ، نور الدين السالمي ص126 .
(2) - المحجور دينا : الممنوع في الشريعة .
(3) - هذه الفقرة سقطت بأكملها من ( حـ ) (1/51)
صفحة 52
وممن سلك طريق التحقيق ونهج في هذا الباب منهج التوضيح والتدقيق ، شيخنا المحقق ، وإمامنا المدقق سعيد (1) بن خلفان الخليلي – رضوان الله عليه – فنه قد وضح ماأشكل وفصّل ما أجمل بقوله : (( والذي عندي أن علم الله تعالى وكلامه القديم الأزلي الذي هو صفة من صفات ذاته، لا يجوز القول بخلقه ، ومن قال بذلك كفر وتجب البراءة منه ، وهذا مما لا يسع الجهل به . وإذا ثبت وجاز في هذا العلم والكلام أن يسمى قرآنا فالقول بخلقه يكون على هذا ، فالقائل به هالك (2) . ولا يجوز الاختلاف أبدا في ذلك لكن نفس القول بأن القرآن هو علم الله وكلامه القديم الأزلي الذي هو صفة من صفات ذاته هو الذي تنازعت فيه الأمة واضطربت فيه الأعلام وتصاكت (3) عليه الركب ، وعظم فيه الخطر ، إذا لابدّ من وجود الخطأ في احد القولين قطعا فإن اعتبرته من حيث اللغة والمعنى ،فاللغة تأباه ، اذ لا يطلق اسم القرآن لغة على علمه تعالى الذاتي ، فلا يقال ((قرآن الله )) بمعنى علمه ، ولا يقول ((الله أقرأ )) مكان قولك (( الله اعلم )) ولا قارئ الغيب والشهادة ولا قراء الغيوب في موضع عالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب . فصح أن القرآن لغة هو غير العلم الذاتي ولا شك ، واذا لم يجز أن يطلق على العلم الذاتي لانهما بمعنى .
__________
(1) - سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح الخليلي ( 1226 – 1286 هـ ) ولد ببلدة بوشر ونشأ بها ثم هاجر في طلب العلم واشتهر بالعلوم الربانية وعلم الأسرار وعرف بالمحقق لشهرته بتحقيق المسائل وتأصيلها ، وله دور كبير في التجديد والإصلاح الديني والإجتماعي في عُمان في القرن الثالث عشر الهجري ، ومن مصنفاته : تمهيد قواعد الإيمان – مقاليد التصريف – ( ر: تحفةالأعيان ج2 ص241 – شقائق النعمان ج2 ص323 ) .
(2) - الهالك : يقصد به مع الجمهور الأباضي (( الميت المصرّ على الكبيرة من غير توبة )) ر : بهجة الأنوار ، ص124 .
(3) - أي تحاكت كناية عن شدة السعي . (1/52)
صفحة 53
وما لم يثبت في أحدهما لم يجز على الآخر . وأما اعتباره معنىً ، فالقرآن الذي أنزله الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بواسطة الناموس الأعظم روح القدس جبرائيل عليه السلام هو هذا القرآن المتلو عندنا بالألسنةِ والمسموع بالأذان أصواتاً مقطعة بحروف وكلمات مرتلّة ، فلا يسع الشك في أنه هو القرآن الذي يجب الإيمان به على من بلغ إليه ، وتقوم به الحجة له وعليه . ومن شك فيه أشرك ، فكيف بمن رده أو أنكره .
وقد اتفقنا نحن والأشعرية على أنه مخلوق وصرح بذلك الشيخ أبو سعيد ومحمد بن محبوب – رحمهما الله – واتفق عليه أصحابنا المغاربة وفاقا للمعتزلة . ولا منكر لذلك فيما قيل ، إلا بعض الحنابلة جهلا منهم بالحق وعنادا ومكابرة بغير دليل . وإذا ثبت أن هذا هو نفس القرآن الذي لايسع الشك فيه ولا الجهل به ، والقول بأن القرآن صفة ذاتية قديمة كما صرّحت به الأشاعرة ، يقتضي وجود قرآنين ، يجب الإيمان بهما: أحدهما الموجود عندنا,وهو الذي بعض به الرسول إلينا,وقامت به الحجة علينا,والثاني قران هو عند الله تعالى صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية ,وهو عين هذا القران وحقيقته,إلا أن عقول البشر تقصر عنه فلا تبلغ إليه وهما مما اسأثر الله بعلمه ,وهذا غير مسلّم لعدم الدليل عليه , ولأن الله لم يدعُنا إلى الإيمان به , ولا عن غيره من الرسل في شيء من الكتب السابقة . (1/53)
صفحة 54
وإذا كان الإيمان بالقرآن حاصلاً بدونه وقيام الحجة موجودة بهذا القرآن الذي معنا ، فالقول بأن حقيقة القرآن غيره ، باطل ، لأنه من باب إنكار الحقائق وصرفها إلى أمور متخيّلة بغير حجة ، وذلك باطل . وتعلقهم في هذا بأن القول علم الله وكلامه ، إنما هو من باب الإستدلال بألفاظ مشتركة ، فلا حجة بها لأنها متأولة . أنه كلمة الله ، ولقد احتج بها بعض النصارى على أنه غير مخلوق ، لأنه روح الله (1) ، وكلمته ألقاها إلى مريم كاستدلال هؤلاء الجماعة على إثبات القرآن صفة ذاتية بأنه كلام الله وليس في ذلك من دليل لجواز أن تكون الإضافة لمعنى الإختصاص له تشريفاً – كقولك : ناقة الله وبيته وكلمته وروحه ، متى قيل في القرآن أنه علم الله فالإضافة فيه كذلك ، ومثله قوله :
كالغيث رحمة رب العرش وهو على المسافرين عذاب واصب وبلا
فرحمة الله صفة من صفات ذاته الأزلية القديمة ، فقولنا الغيث رحمة الله لا يراد به أن الغيث صفة من صفات ذات الله تعالى وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رحمة الله في قوله تعالى { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } (2) وقال : { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } (3) وليس المعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو من رحمة الله التي هي صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية ، لأنه مخلوق وهي قديمة ، فكذلك علم الله ، إن عبّر به عن شئ من معلوماته كالقرآن ، ولقد رأيت في كلام بعض المتصوفة ةقد أُنكِرتْ عليه حاله فقال لمن أنكر عليه : (( أنا من علم الله الذي لا تعلمه )) وهو كلام بديع في غاية الحسن ، وليس المراد به انه من علم الله الذي هو من صفات ذاته ، ولكن أراد أنه من معلومات الله التي لا تعلمها أنت يا مخاطب .
__________
(1) - منها دليل الآية { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } ... النساء 171 .
(2) - الأنبياء : 107
(3) - القصص : 73 (1/54)
صفحة 55
ومثل هذه العبارات شائع كثير فهو أصل كبير وهذا القدر فيه كاف للبيان ، فالعدل عنه إلى أن القرآن – علم نفسي وصفة قديمة ذاتية بغير سلطان من الله يؤيده وحجة حق من عقل أو نقل تعضده – لا سبيل إليه .
فإن قلت : فإذا لم يكن القرآن صفة ذاتية من صفات الله تعالى ، فكيف الوجه فيه وهو كلام الله ووحيه بلا خلاف يصح فيه . وإذا لم يكن على هذا الوجه ، فكيف تصح نسبته إلى الله تعالى وإنما هو من كلامنا في هذا الإعتبار ، إذا كان المرجع به إلى نفس الأصوات والحروف والكلمات فنسبته إلينا أشبه . (1/55)
صفحة 56
الجواب : الله أعلم وأنا كثير ما أتجافا (1) عن هذه المسألة وأتنكب عن الخوض فيها ، لأن عقول أمثالنا عن إدراك مثل هذه الحقائق قاصرة ، لكن ليس بدعاً لو قيل فيها – على سبيل المذاكرة – إنه إذا لم يثبت ما قاله الجماعة في القرآن إنه صفة ذاتية ، فقد رجع القول بالضرورة أنه من صفات أفعاله سبحانه وتعالى وهو الظاهر فيه . وأما القطع فيه بأنه كان في نزوله عنه تعالى على صفة مخوصة معلومة لنا ,فلا سبيل إليه لجواز غيرها ,ومثاله:لو قيل أن الله تعالى خلقه مكتوبا كذلك في اللوح المحفوظ وأمر جبرائيل عليه السلام أن ينزل به على النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبعد ووجب أتكون يكون في التسمية والمعنى كلام الله ,كما أن التوراة هي كلام الله تعالى , وقد أنزلت على موسى_عليه السلام _كذلك ألوحاً مكتوبة وفي نسختها من كل شيء , ويؤيد هذا قوله تعالى ((بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)) (2) وقال: ((وإنه في أم الكتاب لدينا لعي حكيم)) (3) . ولو قيل أن الله تعالى أحدثه كذلك كلاما أسمعه جبرائيل_ عليه السلام _ كذلك كلاماً أسمعه إياه وقولا أحدثه إليه ,وحياً منه بلا واسطة , فهو محتمل . ولو قيل أن الله تعالى ألهمه جبرائيل عليه السلام بالوحي في قلبه بما يعرفه انه عن ربه فينزل به أمره لكان محتملاًً أيضاً . ويؤيده أنه تعالى نسبه إلى جبرائيل في بعض المواضع فقال : ((إنه لقول رسول كريم ذي العرش مكين مُطاع ثََّم أمين )) (4) .
__________
(1) - في كتاب الأصل (( اتجافى عن هذه المسأله )) ر : تمهيد قواعد الإيمان ، الخليلي ج2 ، ص5 ، ط1 .
(2) - البروج:21
(3) -الزخرف:4
(4) - التكوير : 20 (1/56)
صفحة 57
ويجوز في حدوثه عن الله تعالى إلى جبرائيل ,أن يكون على غير هذه الصفات كلها لقصورنا عن الإحاطة بذلك , لأن العدول عنها إلى إثبات القرآن قديماً صفة ذاتية أزليّة , باطل, لأنة (1) (قد) يقتضي أن علم الله الذاتي قد يكون مرة قرآنا وتارة توراة وطورا انجيلا وأخرى زبورا وأونة صحف موسى ، وقد كان علم الله الذي هو صفة من صفات ذاته ولا توراة معه ولا انجيل ولا زبور ولا صحف ولا قرآن وهو الآن على ما عليه كان ، لان الصفات الذاتية لا يجوز عليها التكثر ولا التبدل ولا التغير أصلا، وإنما تختلف آثارها ومدلولاتها وتكثر أو تقل بحسب التجدّدِ والحدوث ، معلوماتها والآثار كُلها مخلوقه ، قال الله تعالى : { فانظر إلى آثار رحمة الله ِ كيف يُحيي الأرض بعد موتها } (2) . فالكتب المنزلة ، إنما هي في الحقيقة مدلولات علمه الذي هو من صفات ذاته سبحانه وتعالى لا نفس العلم الذي هو صفة لذاته القديمة وإلا لكان التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى والقرآن وجميع الوحي كله قديماً موجوداً في الأزلِ مع الله تعالى بهذه الألفاظ المخلوقة المحدثة على كثرتها ، فيكون كثير من المخلوقات قديماً موجوداً في الأزل مع الله القديم (3) الأزلي وهذا باطل إذا لا قديم سواه ، وكل شيء غيره حادث ، ولا يجوز أن يكون القرآن مثلاً قديماً معه ُ بلا وجدان صورته مكتوباً أو متلواً بألفاظه وكلماته ، لأنه من القول بوجدان حقيقته لم توجد وهو محال ، فعلم ضرورة وإنما القديم (4)
__________
(1) - + ورد في الكتاب الأصل ر : تمهيد قواعد الإيمان ، ج1 .ص9 .
(2) - الروم : 50
(3) - القديم الأزلي : ويطلق عليه القديم الزماني هو الذي لا أول لزمانه أو هو الذي ليس لزمانه مبدأ وهو يقابل الأبدي . ر: المعجم الفلسفي ، مادة ( قديم ) .
(4) - القديم الذاتي : هو الذي ليس لذاته مبدأ هي به موجودة أو الذي ليس له مبدأ يتعلق به . ر : المعجم الفلسفي ، مادة ( قديم ) .. (1/57)
صفحة 58
الذاتي علمه بالقرآن والتوراة والإنجيل ، كما أن علمه بغيرهن من الكائنات (1) قديم أيضاً لأن العلم صفة ذاتية للقديم الأزلي ، الواجب الوجود – سبحانه وتعالى ، وهذا ما لا يجوز الإختلاف فيه أبدا . وأما نسبه إلى الله تعالى مع كونه متلوًّا لنا من نطق ألسنتنا بأصواتٍ وألحانٍ ونغماتٍ لأرُفٍ وكلمات من ألفاضنا ، فالأصل فيه أن كل قول ينسب إلى من قاله ، لا إلى من قراه ولحن به ، وبيانه لو أن أحداً قال في معلقة امرىء القيس أو قصائد أبو تمام أو البحتري أو غيرهم من كلامه ونسبها لنفسه إ ذ قرأها, أو كما تجد الآثار المرسومة عن أهل العلم فتنسبها لقائلها منهم _ ولو لم تسمه نطقه بها _ ويحتمل في كاتبها أنه لم يلفظ بها أصلاً, أو كما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لرجل : أنشدني أبياتك التي قلتها البارحة ولم ينطقك بها لسانك ولا سمعتها أذناك فقال الرجل: ((أنا أشهد أنك رسول الله. وقد قلتها ولم تنطلق بها لساني ولا سمعتها أذناي)) ثم أنشده إياها .
فالقرآن على أي وجه كان قد أنشأه الله تعالى إنشأءً تحدى به البلغاء وعجز به المصاقع (2) والخطباء , فلا ينسب إلا إليه لعدم جواز ذلك قطعاً. وهذا القدر من البيان كاف في هذا الموضوع للإرشاد لمن منّ الله عليه بهداه , وليس مرادنا في هذا المحل استقصاء الكلام فيها ,مع اعترافي بالعجز عن مصادمة الفرسان في هذا الميدان والله المستعان وعليه التكلان (3) . هذا كلامه (4) _ رحمه الله تعالى _ بحروفه وكفى به بياناً لمن أ لقى السمع وهو شهيد.
محنة خلق القرآن
__________
(1) - الكائنات : جمع كائن وهو الحادث أو الشيء الموجود .
(2) - المصاقع : جمع مِصقُع وهو البليغ.
(3) - التكلان : التوكل
(4) - ر : تمهيد قواعد الإيمان ج2 , ص5 (1/58)
صفحة 59
ولقد عظمت المحنة في هذة المسألة من ةبعض المعتزلة ، وهو أحمد بن أبي دؤاد (1) (2) في زمن بعض ملوك بني العباس (3) ، فجبر الناس على القول بخلق القرآن وسفك الدماء حتى جيء بشيخ من الشام ، فأذن له الملك في مناظرة ابن أبي داؤد (4) فقال له الشيخ : يا أحمد أسألك عن مقالتك هذه ، أهي مقالة واجبة في باب الدين داخلة فيه ؟ فلا يكمل الدين لأحد حتى يقول بمقالتك هذه . قال : هذه : (( نعم )) . قال الشيخ : (( يا أحمد أخبرني عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين بعثه الله رسولاً لعباده هل ستر عليهم شيئاً مما أمر الله به في أمر الدين ؟ )) فقال : لا . قال الشيخ : فدعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأمة إلى مقالتك هذه . فكست ابن أبي دؤاد . فقال الشيخ: تكلم . فسكت .
__________
(1) - حـ : داود .
(2) - أحمد بن أبي دؤاد الايادي ( 160 _ 240 ) كان قاضيا للقضاة ثم وزيرا ، أخذ بمذهب الإعتزال وجعله مذهب الدولة الرسمي ، وكان ممن له قدم راسخة في الكلام والفقه والادب وكان خطيبا فصيحا . ( ر: وفيات الأعيان : ابن خلكان ج1 ، ص63 – الكامل :ابن الاثير ج5 ، ص294 – مروج الذهب ج4 ،ص97 ) .
(3) - بدأت منحة خلق القرآن في زمن الخليفة العباسي ( 198 – 218 ) المأمون الذي أخذ بمذهب الإعتزال وأخذ في امتحان العلماء والشد بالقول على خلق القرآن واستمرت هذه المنحة في زمن المعتصم والوثائق إلى أن أبطلها المتوكل عام 233 ( ر : الكامل ، ابن الأثير ج5 ص222 – تاريخ الأمم والملوك : الطبري ج7 ، ص188 ) .
(4) - ج : داود . (1/59)
صفحة 60
ثم قال الشيخ : يا أحمد أخبرني عن الله وجل حين أُنزل القرآن على رسوله فقال : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } (1) . هل كان الله هو الصادق في إتمام دينه أو أنت الصادق في نقصانه حتى يقال بمقالتك هذه ؟ فسكت ابن أبي دؤاد . فقال الشيخ : أجب يا أحمد . فلم يجب . ثم قال الشيخ : يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه عَلِمَها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم جهلها ؟ فقال : ابن أبي دؤاد : علمها . قال الشيخ : فدعا الناس إليها ؟ فسكت ابن أبي دؤاد ثم قال الشيخ : أفيسع (2) لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه علمها كما زعمت ولم يطالب أمته بها ؟ قال نعم . قال الشيخ : ويسع لأبي بكر وعمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – ومن بعدهما من الخلائف . قال ابن أبي دؤاد : نعم فأعرض الشيخ عن أبن أبي دؤاد ... إلى آخر القصة (3) .
__________
(1) - المائدة : 3 .
(2) - في حـ : (( يا أحمد أيسع ))
(3) - ذكرت الرواية في مروج الذهب ج4 ص 191 . (1/60)
صفحة 61
فسكوت أبن أبي داود هنا إنما هو إفحام ، من حيث جبر الناس على القول بخلق القرآن ، لأن ذلك لا يحلّ . نعم إذا ظهرت بدعة (1) القول بعدم خلقه والقول بقدمه فيكون منكراً يلزم القادر تغييره ويكون الجواب حينئذ عن سؤالات ذلك الشيخ ، ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علم هذه المقالة ، ولم يدع الناس إليها لعدم القول بخلافها في عصره ، وكذا في عصر من بعده - صلى الله عليه وسلم - من الخلفاء ، ولم يستر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأمة شيئاً لا يسعهم جهله بل بيّن لهم ذلك أوضح البيان بنص القرآن ، فقال عز وجل : { خالق كل شيء } . فإذا أقرت (2) الأمة بأن الله خالق كل شيء ، لم يلزم الداعي إلى الدين تفصيل الأشياء المخلوقة شيئاً شيئاً حتى يقول لهم اعتقدوا أن القرآن مخلوق وأن الأرض مخلوقه وأن السماء مخلوقه وهكذا إلا مالا (3) نهاية له في طوق البشر . فإذا ظهر أن الدين كامل وأن القائلين بقدم غير الله عز وجل وبنفي الخلق عن بعض مخلوقاته خارجون عن كمال الدين لنقضهم الإجمال الذي كان في عصره - صلى الله عليه وسلم - فلو كان القرآن خارجاً عن الأشياء المخلوقة بحكم ، لبيّن لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الخصوصية التي فيه . ولما تركهم في إشكال من أمرهم لأن العلة التي أوجبت خلق الأشياء هي موجودة في القرآن ، فتركهم بلا مخصص لهذا العموم مع إرادة التخصيص له ، مما لا يجوز في حكمة الله تعالى .
__________
(1) - البدعة : هو الأمر المحدث وما ابتدع من الدين بعد الإكمال ويراد بها كل ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنّة وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفاً في الذم وذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار )) ( د : النهاية ج1 ، ص107 – لسان العرب : مادة (( بدع )) ) .
(2) - أقرت : أنقادت واععترفت به ورضيته وأثبتته .
(3) - حـ . (1/61)
صفحة 62
2 وبرئتَ مِمّن اخلصَ التَّوحِيدَ إذ لم يُثْبِتِ القُدَمَا مَعَ الدّيَانِ
أي وضّللت الذين صفوا عقائدهم مع إثبات شريك في الأزل (1) عند المجازي لخلقه بأعمالهم ، ودعوت عليهم بموجب العذاب في الآخرةِ لأجل تنزيههم الرب تعالى عن مشابهة الأشياء له في الصفة الخاصة به ، التي هي السبق على كل شيء .
فالبراءة : شرعاً هي البغض بالقلب والشتم باللسان والدعاء بموجب النار في الآخرة – والعياذ بالله – والحكم بالتضليل عين البراءة الشرعية.
وأخلص : أي صفي .
والتوحيد : هو تنزيه الأشياء عن مشابهة الأشياء والإعتراف له بالوحدانية . ولابد من تقدير مضاف ، وأصله من أخلص اعتقاد التوحيد لأن الإعتقاد هو الذي يخلصه الموحّد من شائبة الزيغ . وقد يقال أنه لا يحتاج إلى تقدير شيء ، إذا المراد بالتوحيد هنا المعتقد ، وعليه فالمعنى وبرئت ممن أخلص معتقده ، وإخلاص المعتقد هو أن لا يكون فيه سيء من البدع المضله .
وإذ : للتعليل ، أي برئت منه لأجل عدم إثبات القدماء عند الواحد الدّيان (2) والمراد بالقدماء ما كانوا أكثر من واحد ، فيشمل الإثنين فما فوق لأنه إذا جاز أن يكون قديمان (3) في الأزل جاز أن يكون ثلاثة قدما ، وكذا يجوز الألف والألفان .
والدّيان : لغة هو المجازي وهو هنا اسم من اسمائه (4) تعالى ، ووصف فعلى له – عز وجل – ومعناه : مجازي العباد بأعمالهم في الآخرة لأنه العفو عن العقاب هو عمن مات تائباً ، أما من مات مصرًّا فلا عفو عنه في الآخرة والله مجازيه بعمله .
دعوى ناظم النونيه في ديوان الدعائم
واختار هذا الوصف هنا لما فيه من توعيظ الخصم المتجري بالتضليل ، ولما فيه من التنبيه له على أن عمله هذا مما يستوجب المجازاة عليه إن لم يتب منه ، فيكون تحريضاً له على التعجيل بالتوبة من ذلك التضليل الذي صرح به في قوله :
__________
(1) - حـ
(2) - حـ : الرباني
(3) - جـ : قديمين
(4) - حـ : من أسماء الله تعالى . (1/62)
صفحة 63
ففي هذه الأبيات التشنيع الشنيع والتقبيح القبيح لأهل الحق الصريح ، والبراءة منهم على ما في أيديهم من الحق . على أنه قد تقدم عن الإمام أبي سعيد – رضوان الله عليه – أن من فهم معنى : هل القرآن المتلو مخلوق أم غير مخلوق ؟ فشك في ذلك من غير تأويل ، يكون مشركاً ، وإن كان متأولاً ، فهو كافر كفر نعمة .
فلا يخلو صاحب هذه القصيدة من أحد هذين الحكمين الذين صرح بهما هذا الإمام وعلى كلا الحالتين فتضليله راجع إليه ، ودعاؤه على المحقين دعاء عليه ، وكفى به ضلالة نفس اعتقاده ذلك دون براءته من المحقين الصادقين . ولم ينفرد ذلك الإمام ببيان حكم تضليل القائل بقدم القرآن المتلّو ، فقد صرح صاحب المعالم في المعالم (1) وصاحب (2) العقيدة بالبراءة منه ، بل ولا يجوز فيه إلا ذلك . نعم ، أنفرد ببيان حاله الذي يشرك فيه أو (3) الذي يكون فيه منافقا ، جزاهم الله جميعاً عن الإسلام وأهله خيراً ولقاهم نضرة وسرورا .
التشبه بحال صاحب النونيه
3 ورميتهم عن قوسِ بغيٍ بالّذي ألبستَه مِنْ خَالِصِ البُهتَانِ
أي وقذفت المحقين بظلم واعتداءٍ منك عليهم وبسعيك للفساد في الأرض ، وسبب ذلك ما أدخلك الشيطان فيه من الإفتراء والكذب الخالص عليهم ، حيث أدعيت أنهم المضلون مع أنهم هم المحقون بالبرهان القاطع .
فرمى : بمعنى قذف على حد قوله تعالى { والذين يرمون المحصنات } (4) أي يقذفونهن ، مأخوذ من رمى الوتر عن القوس.
والقوس : يؤنث ويذكر ، آلة الرمي في الزمان القديم وسمي قوساً لانحنائه .
والبغي : الظلم والتعدي وإضافة القوس إليه من إضافة المشبه به إلى المشبه على حد قول الشاعر :
__________
(1) - كتاب معالم الدين لعبد العزيز بن الحاج إبراهيم الثمين ( 1130-1223هـ ) .
(2) - صاحب العقيدة : هي رسالة الديانات لأبي ساكن عامر بن علي الشماخي ( ت : 792 هـ ).
(3) - صاحب العقيدة : هي رسالة الديانات لأبي ساكن عامر بن علي الشماخي ( ت : 792هـ) .
(4) - جـ : -و. (1/63)
صفحة 64
والريح تعبت بالغصون وقد جرى ذهب الأصيل على لجين الماء
والوجه الجامع في تشبيه البغي بالقوس هو أن البغي تصدر عنه الأشياء المفسدة للعالم والقوس يصدر عنه السهام المفسدة لبنية الحيوان ، وقَرَنَ القوس بعن لأن العرب تقول : رميت عن القوس ورميت على القوس ، ولا تقول رميت بالقوس إلا إذا أرادوا إلقاء نفس القوس يصدر عنه السهام المفسدة لبنية الحيوان ، وقَرَنَ القوس بعن لأن العرب تقول : رميت عن القوس ورميت على القوس ، ولا تقول رميت بالقوس إلا إذا أرادوا إلقاء نفس القوس من اليد ، وفي إقارنه بعن إشعار بأنهم نحّو السهم عنه ، وفي إقرانه بعلى إشعار بأن السهم كان موضوعاً فوقه .
وقوله بالذي ألبسته : أي بسبب ما أدخلت فيه والمدخل له هو الشيطان لأنه هو المزين له ذلك . شبه البهتان الخالص بثوب يلبس ، ثم حذف المشبه به وذكر من لوازمه الإلباس على سبيل الإستعارة (1) بالكناية (2) .
والبهتان : اسم لافتراء الكذب والقذف بالباطل واضافة الخالص الى البهتان من باب اضافة الصفة الى موصوفها . والبهتان الذي قذفهم به الناظم في تلك النونية هو ما تضمنه كلامه الذي اردناه ألفا من التضليل لهم والدعاء عليهم وغير ذلك مما هو عن حماهم بمراحل .
4 متعسفا بيداء جهل راكبا عشواءة تهوي بغير عنان
أي فاعلا لذلك القذف من غير روية ، وسالكا بغير قصد طريق الجهل الذي هو كالمكان المنقطع الذي لا ماء فية ، كائنا في حالة سلوكه كراكب على فرس ضعيفه البصر منقضة في ذلك الطريق انقضاض العقاب على الطير او ساقطة في المهاوي كسقوط دلو انقطع بها الرشاء لا لجام لها يمنعها عن ذلك الهوى . فقوله:
__________
(1) - البيت للشاعر إبراهيم بن خفاجة الأندلسي . والأصل : وقت غروب الشمس . واللجين : الفضة . ( ر: ديوان ابن خفاجة الأندلسي ، ص17 ، المطبعة الخاصة لجمعية المعارف 1286 هـ ) .
(2) - الكناية : لفظ اطلق وأريد به لازم معنا مع قرينه لا تمنع من ارادة المعنى الأصلي . (1/64)
صفحة 65
متعسفا : حال في التاء كقوله ورميتهم ، والتعسف هو فعل الشيء من غير رويه ، ومنه تعسف الطريق اذا سلكها من غير قصد .
والبيداء : المكان المنقطع الذي لا ماء فيه ، وسمي بذلك لأنه يبيد السالك فيه أي يهلكه ، ويسمى أيضاً مفازة من باب تسمية الشيء بضدّة تفاؤلاً بالفوز من أخطارها كتسمية اللديغ سليماً بسلامته .
شبه الجهل بالبيداء بجامع ان كل منهما يهلك صاحبه بالأخطار المجتمعة فيه وأضاف المشبه به وهو البيداء إلى المشبه وهو الجهل ، ليحصل له تنفير السامع من ارتكاب الجهل لأن تلك الإضافة كأنها تشعر أن الجهل هو تلك البيداء لا غيرها فهو أبلغ من قولنا : زيد أسد لأن إضافة المشّبه به إلى المشبه توهم أن للمضاف أنواعاً،أحدها هذا النوع المضاف إلى هذا الشيء المخصوص . فكأن البيداء في كلام الناظم متنوعة إلى : بيداء جهل وبيداء غيره ، فخصصها بإضافتها إلى الجهل فحصل المقصود .
وراكباً : حال ثان من التاء في قوله ((ورميتهم)) أو حال من الضمير في ((متعسفاً)) فعلى التقدير الأول تسمى هذه الحال ((مترادفة)) وعلى التقدير الثاني ((متداخلة)) . والركوب هو التمكن على متن الدابة فلا يسمى غير المتمكن على متنها راكباً كالذي تعلق بيده أو ألقى على متنها ضرورة .
وقوله عشواءه : أي عشواء الجهل ، والمراد بالعشواء الدابة الضعيفة البصر .
وتهوي : بمعنى تناقض ، ومنه يهوي محارمها هويّ الأجدال ،أو بمعنى تسقط في المهاوي ، ومنه هويّ الدلو أسلمها الرشاء ، والمهاوي جمع مهواة بفتح الميم ما بين الجبلين ، وقيل الحفرة .
والعنان : اللجام سمي بذلك لأنه يعنّ فم الفرس أي يعترضه،شبه المصنف حالة هذا القاذف لأهل الحق بحالة رجل – لا تمييز له – راكبٍ على فرس لا بصر لها ولا لجام يمنعها ، تنقّض به في البيداء ذات مهاوي مهلكة لسالكها . والجامع بين المشبه به والمشبه هيئة منتزعة من عدة أمور ، فوجه التشبيه مركب على حد قوله : (1/65)
صفحة 66
وقد لاح بالفجر الثريا كما ترى كعنقود ملاّحيّة حين نوّرا (1)
وقول الآخر :
يا صاحبيّ تقصيا نظريكما تريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهاراً مشمساً قد شابه زهر الربا فكأنما هو مقمرُ (2)
وفي كلامه من هذا النوع كثير فمن ذلك قوله :
ولمن بأذيال الهوى مستمسك فهو الحجاب له عن الرحمنِ
تلفيه في دأماء جهل راسبا في غيّه يهوى على الأذقان
ولو ارتقى درج المعارف في سما تحقيقه وعلا على كيوان
إلا إذا ما أدركته عناية لخلاصه من ربقة الخذلان
فسعى إلى المولى بنور العقل لا كفعال قوم قلّدوا الذيماني
ففي كل واحد من هذه الأبيات من ذلك النوع شيء حسن كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بعلم البيان .
5 شبهت بالقرآن ربك جاهلا حسنت لديك سفاسف الشيطان (3)
أي شبهت مالكك بمشابهة بعض خلقه له وهو الكلام المنزّل على رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - حال كونك معتقداً للباطل أنه حق لأجل ما زين لك من الشُّبه التي ألقاها الرجيم في ذهنك .
__________
(1) - البيت لأبي قيس بن الأسلت ا، وذكر في البيت : وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى ... ، ملاّحيه : العنب الأبيض الذي فيه طول ( ر : مختار الأغاني . إبن منظور ج1 ، ص362 ) .
(2) - البيت لأبي تمام في وصف الربيع : شابه : أي خالطه، والربا :جمع ربوة وهي المكان المرتفع. وأراد بهذا البيت أن النبات لكثرته وتكاثفه مع شدة خضرته قارب لونه السوااد ونقص من ضوء الشمس حتّى كأنه ليل مقمر (ديوان أبي تمام ص118. تحقيق :عبد الحميد يونس وعبد الفتاح مصطفى، المطبعة الأميرية 1942م)
(3) - البيت في (شق) و (مجم) :هون عليك هُديت واطّرح الهوى لا تغترر بسفاسفِ الشيطانِ (1/66)
صفحة 67
فالتشبيه : هو إلحاق ناقص بتام والأصل أن هذا المشبه إنما شبّه القرآن بربّه حيث وصفه بالقدم وعدم الحدوث لكن يلزم من شّبه الخلق بالله تشبيه الله بالخلق، إذ لا معنى لتشبيه شيء بشيء الأبيان اشتراكهما في لازم مشهور، وذلك اللازم هو وجه التشبيه.وأتى المصنف باللازم تبيينا للسامع بأنه يلزم على هذه المقالة هذا الأمر الشنيع والمقال الفظيع ولا يتكرر ((مع ما هنا (1) قول في البيت الآتي :(ولبست من تشبيه ربك ملبّساً... إلى آخره). لأن ما هنا بيان كونه مشبّهاً وما هنالك بيان ما أدّاه إليه تشبّهه، فما سيأتي ثمرة لما هنا فمن ثم رتّبه عليه فتفطّن له فإنه لطيف)) .
وقوله حسنت لديك :أي عندك .
والسفاسف : جمع سفساف وهو الرّديء من كلّ شيء والأمر الحقير، ومنه الحديث : (( إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ))، وعبر بالسفاسف هنا عن الشُبه التي تشبّث بها القائلون بقدم القرآن التي منها ما أجاب عنها المصنّف –فيما سيأتي- ومنها ما ضرب صفحاً عن ذكره صوناً لنظمه عنه واحتقاراً له ولا بأس أن نأتي ببعض ذلك هنا فنجيب عنه .
أدلة القائلين بقدم القرآن
اعلم أن القائلين بقدم القرآن قد استدلوا على ثبوت مدّعاهم بالعقل والنقل. فأما دليلهم العقلي فهو أنهم قالوا : أن الله متكلّم وأن القرآن كلام الله، وكلامه تعالى أزليٌّ قديم لأن صفاته قديمة فثبت أن القرآن قديم، ولا يصح أن تكون صفاته محدثة مخلوقة فثبت أن القرآن غير مخلوق .
قلنا : ((إن الكلام نوعان : ذاتي وفعلي، فالذاتي هو عبارة عن نفي الخرس عنه تعالى، والفعلي هو القرآن وسائر الكتب المنزّلة .
وقالوا أيضاً (2) : فالقرآن علم الله وعلم الله ليس بمخلوق .
قلنا : القرآن معلوم الله، لا علمه، فإنه عالم بذاته لا بشيء هو غيره، فتسمية القرآن بعلم الله تجوز كتسمية المأكول بالأكل والمشروب بالشرب وهكذا ...
__________
(1) - (*) –ب ، حـ .
(2) - (ب) (1/67)
صفحة 68
وأيضاً، فقد قالوا (1) : لو كان القرآن محدثاً للزم إما أن يكون جسماً (2) أو جوهراً وعرضا لأنه لا يوجد محدث إلا وهو أحد هؤلاء الثلاثة، فيلزم على كونه جسماً، أن تكون الأجسام كلها كلام الله، لأنها كلها خلقه، وكذا يلزم أيضاً على جعله جوهراً ولا يصح أن يكون عرضا ً لأن العرض غير قائم بنفسه فلو كان القرآن حالاًّ في غيره للزم أن يكون كلاماً لذلك الغير لا لله كالشعر كلام للشاعر لا كلام لله وهكذا .
__________
(1) - حـ:ان .
(2) - الجسم : هو الموجود القائم بنفسه حادثاً كان أو قديماً (الجوهر)
الجوهر : يقابل العرض وهو (المتحيّز)
العرض : هو الموجود الذي يحتاج في وجوده موضع، أي يقوم به، كاللون والفروق ونحوه . ومنه العرض اللازم والعرض المفارق والعرض العام .. وهناك تفرقة لدى المتكلمين بين الجواهر وبين الأجسام عندما يخصصون اسم الجوهر بالجوهر المتميّز الذي لا ينقسم ويسمون المنقسم جسماً لا جوهرا، وبحكم ذلك يمتنعون من إطلاق الجوهر على المبدأ الأوّل . (ر: حاشية الوضع، أبي ستة، ص26- المعجم الفلسفي، صليبا، مادة (عرض) و (جوهر) . (1/68)
صفحة 69
قلنا : هو جسم لأنه ألفاظ دالة على معانٍ، ولا يلزم من كونه جسماً كون جميع الأجسام كلاماً لله وإن كانت مخلوقة، إذ ليس الخلق ولا الجسمانية علة مثبتة لمن اتصف بها اسم الكلام ولو لزم ذلك للزم أن يكون كل بيت يسمى بيت الله لما ثبت أن الكعبة بيت الله فلزم أن تكون بيع النصارى وبيوت النيران التي تعبد من دون الله وبيوت الأصنام بيوتاً لله تعالى [ بل وللزم (1) أن يسمّى كل جسم من جماد أو حيوان أو نبات بيت الله ] لمشاركته الكعبة في الجسمانية فتعيّن بطلان إلزامهم وظهرانه إذا أضاف الله عز وجل شيئاً لنفسه تشريفاً لذلك المضاف لا يلزم أن يكون كل شيء من جنسه مثله في التشريف، وناهيك أن الأنبياء تُسمّى أنبياء الله ورسل الله وقد شاركهم في جنسهم النوع الإنساني، فهل يصح لأحدٍ من نوعهم أن يتسمّى بأنه نبي الله أو رسول الله، هذا مما لا يقول به عاقل .
وأما قولهم بأنه لو كان عرضا يلزم أن يكون حالاًّ في غيره والذات العليّة لا تحلها الأعراض، فلزم أن يكون المحلول فيه غير الذات العليّة ويحبب أن يكون ذلك المحلول فيه مؤثراً في هذا الحال كتأثير الشاعر في الشعر .
قلنا : قد تقدم أن القرآن جسم ولو قدرنا أنه عرض لقلنا بأنه حال في غير الذّات العليّة مما شاء الله من الأشياء ولا يلزم تأثير المحل فيه لأن كثيراً من الأشياء يحل فيها غيرها ولا تؤثر فيه كسبا، ولو قدرنا أنها مؤثرة فيه، فلا يمنع تأثيرها فيه من تسمية كلام الله وإنما لم يسم الشعر كلام الله لأنه من الأشياء التي يتعالى الله عن الإتّصاف بها فسقط استدلالهم من كلّ وجه .
الأدلة النقلية
__________
(1) - -حـ (1/69)
صفحة 70
وأما استدلالهم النقلي فمن وجوه أحدها قوله تعالى : { إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كُن فيكون (1) } (2) . قالوا : فقد أخبرنا عز وجل أنه إذا أراد كون شيء قال له (( كن ))، فالأشياء مخلوقة بكن، وهي من كلام الله الذي نزل في القرآن فالأشياء مخلوقة بها وهي وهي شيء أيضاً .فلو كانت مخلوقة لاحتاجت إلى ((كن)) أخرى فيتسلسل أو يدور ولكل محال .
قلنا : ليس المراد من الآية لفظ ((كن)) وإنما المراد (3) التعبير بها عن نفوذ إرادته تعالى وسرعة إنفعال الأشياء لها . والعرب تعبر بهذه اللفظة عن هذا المعنى، فيقولون- إذا أرادوا التعبير عمن لا يراد أمره – ((إذا قال للشيء كن يكون )) . ولو سلّمنا أن ذلك المقول لفظ لما لزم ما ذكروه، لكثرة وجود إخراج الخاص من العام فنقول : إن المخلوق بلفظ ((كن)) هو ما عداها وأما هي فمخلوقة بدون لفظ ((كن)) ودليل هذا التخصيص هو ما ذكروه من لزوم التسلسل أو الدور وكفى بكل واحد منهما مخصصا .
__________
(1) - استدل في ب وحـ : { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } يس : 82
(2) - النحل : 40 .
(3) - -ب،حـ (1/70)
صفحة 71
ومنها قوله تعالى : ( الرحمن علم القرآن خلق الانسان ) (1) .قالوا : وصف الانسان بالخلق ووصف القرآن بالتعليم فدل اختلاف الوصفين على ان القرآن غير مخلوق إذ لو كان مخلوقا لقال خلق القرآن والانسان والسكوت على هذه عين الجواب كيف يلزم اختلاف الوصفين اختلاف الحكمين فهذه الحيوانات في غالب صفاتها مخالفه لهذه الجمادات هذه النباتات،فهل هي جميعا مشتركة في كونها مخلوقة؟ هي مخلوقة. فالقرآن وإن خالف الإنسان في غالب صفته لا ينافي أن يشاركه في صفة الخلق وإنما لم يصفه الرب عز وجل بالخلق في هذه الآية لأنها مسوقة لبيان النعم التي أنعم الله بها على الإنسان ، فتعليم القرآن هو من تلك النعم التي أنعم بها علينا ، فلا يناسب أن يقول:((خلق القرآن والإنسان)) ولو قال كذلك لخرج هذا النظم من حيّز البلاغة التي هي الغاية القصوى في كلامه عز وجل .
ومنها ما رووه عن الشارع : ((القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق . ومن قال أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم)) (2) .
__________
(1) - الرحمن : 1-3
(2) - لقد ضعّف هذا الحديث كثيرٌ من رجالات علم الحديث بل أعتبره بعضهم من الأحاديث الموضوعة . ر:(الموضوعات لأبي الفرج بن الجوزي ج1 ، ص107 ، ص108 – الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة : الشوكاني ، ص313 – الفردوس : الديلمي ج3 ، ص217 ). (1/71)
صفحة 72
قلنا: إن صح الحديث ، فمعنى مخلوق : مفترى ، أي القرآن كلام الله ليس بمفترى . ومن قال انه مفترى فهو كافر . والخلق بمعنى الإفتراء كثير . منها قوله تعالى : { وتخلقون إفكاً } (1) أي وتفترون كذباً، على أن هذا الخبر مع تقدير صحته أحادي (2) لا يعارض القطعيان الآتى ذكرها [وأيضاً فخبر الأحاد لا يوجب العلم فلا يوجب فرض الإعتقاد لأنها مبنية على العلم وغاية ما يوجبه الخبر الأحادي وجوب العمل دون العلم] (3) .
ومنها ما روى عن (4) علي بن أبي طالب لما حكم الحكمين وجرى بينهما ما جرى من خلعه على يد من حكمه قال : أنا ما حكمت مخلوقاً وإنما حكّمت القرآن. وكان هذا الحديث بمشهد الفريقين جميعا ، فلم ينكر عليه أحد فثبت بالإجماع أن القرآن غير مخلوق.
قلنا: هذه مجازفة بيّنه فإن علياً لم يقل أن القرآن غير مخلوق وإنما نفى التحكيم عن المخلوق فأثبته الله تعالى فالتحكيم لله لا للقرآن، وأضافه إلى القرآن لكونه محل بيان (5) الحكم فلا ينكر عليه أحد الفريقين، لذلك هذا أقوى ما تشبثوا به، ويسأتى لهم بعض تشبثات تكفّل المصنف بردها عليهم ولا بدّ أن نتلوا عليك براهين الصدق على القول بالخلق حتى يتضح لك وجه الحق.
أدلة القائلين بخلق القرآن
فأقول: استدل القائلون بخلق القرآن بطريقين ((عقلي ونقلي)):
__________
(1) - العنكبوت :17 .
(2) - الحديث الأحادي : ما لم يجمع شروط التواتر وقد ينفرد به واحد فيون غريبا أو يعزز برواية أثنين فيكون عزيزاً أو يستفيض فيكون مشهوراً. ولا يفيد بوصفه بالأحادي أنه خبر الواحد. ر:علوم الحديث ومصطلحه . صبحي الصالح، ص150 ، ط: 16 .
(3) - ب و جـ
(4) - في ب و جـ : أن .
(5) - ب و جـ. (1/72)
صفحة 73
فأما العقلي: فهو أنه لو كان القرآن قديماً لزم إما أن يكون هو الله ولا قائل به، وإما أن يكون هو غير الله، فيلزم تعدد القدماء إن قيل بتقارنهما في الوجود أو حدوث الإله إن قيل بسبق القرآن عليه فبطل القول بقدمه، إذ لا ملجأ لهم إلا أن يقولوا أنه حادث، وكل حادث مخلوق.
وأيضاً، فإن حصول كل حرف من الحروف التي تركب منها كلامه مشروط بانقضاء الآخر منها، فيكون له أول فلا يكون قديماً، وكذا يكون للحرف الآخر انقضاء ، فلا يكون هو أيضاً قديماً بل حادثاً، فكذا المجموع المركب منها.
وأيضاً، فإن حصول كل حرف من الحروف التي تركب منها كلامه مشروط بانقضاء الآخر منها، فيكون له أول فلا يكون قديماً، وكذا يكون للحرف الآخر انقضاء، فلا يكون هو أيضاً قديماً بل حادثاً، فكذا المجموع المركب منها.
وأيضاًً، فالقرآن ممكن وجوده وعدمه وكل ما أمكن وجوده وعدمه فهو محدث، وكل محدث مخلوق.
وأما الطريق النقلي فهو أشياء :
أولها: إن القرآن ذكر (1) والذكر (2) محدث فيكون القرآن محدثاً بدليل قوله { وإنه لذكر } .. الآية .
ثانيها: قوله تعالى { وإذ قال ربك للملائكة } (3) وإذا : ظرف زمان ماضٍ فيكون قوله الواقع في هذا الظرف مختصاً بزمان معين والمختص بزمان محدث فينتج أن قوله الواقع في ذلك الظرف محدث.
ثالثها: قوله { كتاب أحكمت آياته ثم فصّلت } (4) فإنه يدل على أن القرآن مركب ، وكل مركب حادث .
رابعها : قوله { حتى يسمع كلام الله } (5) والمسموع لايكون إلا حروفاً وأصواتاً وذلك حادث .
__________
(1) - بدلبل الآية: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } الحجر : 9
(2) - ودليل الآية : { ما يأتيهم من ذكر ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون } الأنبياء 1
(3) - البقرة : 39 .
(4) - فصلت : 3 .
(5) - التوبة : 6 . (1/73)
صفحة 74
خامسها: إن القرآن موصوف بأنه منزل ، وتنزيل ومجعول (1) وما هو كذلك حادث ضرورة لاستحالة الإنتقال بالإنزال والتنزيل على القديم .
سادسها : قوله عليه السلام في دعائه(( يا رب القرآن العظيم ورب طه ويسن )) والقرآن مربوب كلا وبعضا والمربوب محدث إتفاقا .
سابعها : أنه تعالى أخبر بلفظ الماضي نحو { إنّا أنزلناه } و { إنا أرسلنا } ولا شك أنه لا إنزال ولا إرسال في الأزل . فلو كان كلامه قديماً لكان هذا القول كذباً لأنه إخبار بالوقوع في الماضي ولا يتصور ما هو ماض بالقياس إلى الأزل .
الأدلة العقلية النقلية
ومن الأدلة ما هو دائر بين العقل والنقل وهي شيئان :
أحدهما : أن القرآن معجزاً إجماعاً، فيجب مقارنته للدعوى حتى يكون تصديقاً للمدّعي في دعواه فيكون حادثا مع حدوثها .
وثانيهما : النسخ (2) حق بإجماع الأمة وواقع في القرآن وهو رفع أو انتهاء على ما حقق في محله، ولا شيء منها بمتصور في القديم، إذ ما ثبت قدمه استحال عدمه.
وببعض هذه الأدلة كفاية لمن منّ الله عليه بالهداية ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضرّه كثيرها .
قصة بولص والنصارى
6- ولبست من تشبيه ربك ملبسا قد كان قبلك لبولص النصراني
7- إذ قال في عيسى المسيح بمثل ما قد قلته في محكم القرآن (3)
__________
(1) - { نزل به الروح الأمين على قلبك } الشعراء : 193- { تنزيل من رب العالمين } الشعراء : 192 . { إنا جعلناه قرآنا عربيا } الزخرف : 3.
(2) - النسخ : رفع حكم شرعي بعد ثبوته بحكم شرعي آخر (ر : شرح طلعة الشمس، نور الدين السالمي ج1 ص268 )
(3) - في (شق) و(مجم) : وارجع إلى التحقيق والتدقيق لا تركن إلى التقليد في ذا الشان
أيصح في ذا الدين تقليد الهوى كفعال قوم قلدوا الذيماني (1/74)
صفحة 75
أي ودخلت بسبب تشبيه مرّبيك ومصلحك ومالكك والمنعم عليك مدخلا قد دخل فيه قبلك الرجل المعروف ببولص (1) المنسوب إلى أهل ملة عيسى عليه السلام حين قال في حق عيسى عليه السلام : ( إنه إله آخر مع الله عز وجل، مريم إله ثالث) . أو حين قال : بأن عيسى هو الله، وكذلك أنت قد قلت في القرآن المحكم بأنه قديم ثانِ فتشابهت مقالتكما، وتباً لمن كان بولص قدوة له .
فقوله من تشبيه ربك : أي لأجل تشبيه ربك فمن تعليليه والرب يطلق على معانِ تسع جمعها بعضهم بقوله :
قريب محيط مالك ومدبر مربٍّ كثير الخير ولمولِ للنعم
وخالقنا المعبود جابر كسرنا ومصلحنا والصاحب الثابت القدم
وجامعنا والسيد أحفظ فهذه معان أتت للربِ فادع لمن نظم
وقوله ملبساً : أي مدخلاً، شبه الحالة التي وقع فيها هذا المشبه بثوب يلبس بجامع، إن كلا منهما محيط بصاحبه إحاطة تامّة . فالمشبّه قد أحاطت به خطيئته تشبيهه كإحاطة الجبةِ (2) بلابسها { ومن أحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النارِ هم فيها خالدون } (3)
__________
(1) - بولص (4-64م) يعرف ببولس الرسول، ولد بطرسوس ويسمى شاؤول أحياناً وكان يهودياً رومانياً ثم تحول إلى المسيحية وقام بنشر دعوتها وكان له الأثر الأكبر في تغيير مسار المسيحية ودعا إلى القول بأن المسيح لم يكن فقط نبياً بل كان إلهاً وأنه مات من أجل التكفير عن خطايا البشر وهو الذي أوضح فكرة الخطيئة الأولى، وقد ألّف أربعة عشر سفراً من بين السبعة والعشرين ( ر: الموسوعة الثقافية ص245)
(2) - الجبة : الثوب واسع يلبس فوق الثياب .
(3) - البقرة : 81 (1/75)
صفحة 76
وبولص : بالصاد أو بالسين رجل من اليهود احتال في إضلال النصارى . قيل : كانت النصارى على دين المسيح عليه السلام ثمانين سنة، وكان بين النصارى واليهود حرب، وقتل بولص وهو من شجعان اليهود جماعة من أصحاب عيسى عليه السلام، ثم قال لليهود : إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا، فسأحتال حتى يدخل النصارى معنا النار. فعرقب فرسه الذي يجاهد عليه وأظهر التوبة ووضع التراب على رأسه ثم أتى إلى النصارى، فقالوا : من أنت ؟ قال : أنا عدوكم بولص نوديت من السماء : ( أنه لا توبة لك حتى تتنصّر) ، فأدخلوه البيعة ونصّروه وقعد في بيت فيها سنة حتى تعلم الإنجيل ثم خرج وقال : قد نوديت (( أن الله قد قبل توبتك ))، فصدّقوه وعلا شأنه فيهم وأحبّوه فعلّم رجلاً اسمه نسطور (1) أن عيسى ومريم والله آلهة ثلاث . وعلّم رجلاً اسمه يعقوب (2) أن عيسى ليس إنساناً وإنما (3) هو ابن الله .
وعلّم ثالثاً اسمه ملكان (4) أن عيسى عليه السلام هو الله لم يزل ولا يزال.
__________
(1) - نسطور : تنسب إليه الطائفة النسطورية الذي كان بطريركاً للقسطنطينية وكان يرى أن مريم لم تلد الإله وإنما ولدت الإنسان ثم اتّحد الإنسان بعد ولادته بالأفنوم الثاني اتحاداً مجازيّاً حقيقياً فطرد من منصبه ونفي إلى مصر حتى مات هناك .
(2) - يعقوب البرذاعي : راهب بالقسطنطينية وتنسب إليه الطائفة اليعقوبية وتقول هذه الطائفة أن المسيح ذو طبيعة واحدة امتزج فيها عنصر الإله بعنصر الإنسان وتكون من الإتحاد طبيعة واحدة .
(3) - (ب) ،حـ
(4) - الملكان : نسب إليه الطائفة الملكانية وظهر بأرض الروم وهي تدين بأن المسيح جوهر واحد له مشيئتان وطبيعتان وأن اتحاد الله بعيسى كان قائماً حال صلبه . ر : الملل والنحل، ج2، ص62 ، 66، الفصل في الملل والنحل ، ج1،ص48 ، ص49 ، الكشف والبيان ، ج2 ، ص310 ، قصص الأنبياء ، ابن كثير ، ص632 . (1/76)
صفحة 77
ولمّا تمكّن ذلك فيهم دعا كلاً منهم في الخلوة وقال له : أنت خالصتي وادع الناس لما علّمتك وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد وقال لهم : إني رأيت عيسى في المنام وقد رضي عني وسأذبح نفسي تقرّباً إليه ثم ذبح نفسه في مذبح البلدة .
فذهب واحد إلى الروم وواحد إلى بيت المقدس وواحد إلى ناحية أخرى فدعا كلٌّ إلى مقالته، فتبعهم (1) طوائف فتفرّقوا واختلفوا ووقع القتال . وعلى ما ذكر في هذه القصة (2) ، فنسبة بولص هذا إلى النصرانية إنما هي بحسب ادّعائه لها عند أربابها لا بحسب الواقع فإنه يهودي الملّة.
وقوله إذ قال في عيسى المسيح : بيان لقوله قد كان قبل لبولص، وإذ بمعنى حين. وسمي عيسى المسيح لأنه يمسح على وجه الأكمه فيبصر. وإنما ساوى بين مقاله القائلين بقدم القرآن وعدم خلقه وبين مقالة بولص في أن عيسى إله ثانٍ مع الله لاشتراكهما لازم التشبيه. وربما استدل بعض أتباعه على قدم عيسى وعدم خلقه بأن روح الله وكلمته فيشابه استدلال المستدلين على قدم القرآن بأنه كلام الله وكلامه غير مخلوق استدلال هذا النصراني بأن عيسى كلمة الله وكلمة الله غير مخلوقه فتساوى الأمران وتشابه الحالان واتفقت المقالتان.
8- ولمن بأذيالِ الهوى مستمسك ... ... فهو الحجاب له عن الرحمن
أي تعلقك بتل السفاسف الشيطانية حتى شاركت بولص في التشبيه، تعلق بأطراف ما تميل إليه نفسك من الباطل. وأن الذي هو متعلق بأطراف ميل النفس إلى الباطل يكون تعلقه مانعاً له من معرفة المنعم بجلائل النعم .
فقوله ولمن : مبتدأ خبره فهو الحجاب (3) .. الخ ، واللام فيه للإبتداء جيء بها لتأكيد الكلام وتقويته .
__________
(1) - حـ: فأتبعتهم .
(2) - هنالك رأي آخر في افتراق النصارى . ر:: الكشف والبيان ، القلهاتي ج2 ، ص310 .
(3) - في ب ، حـ : مستمسك (1/77)
صفحة 78
والأذيال : الأطراف (1) ، جمع ذيل وهو طرف الثوب من الجهة السفلى ، يُقال (2) : ذال الثوب يذيل ذيلاً من باب باع، طال حتى مسّ الأرض، ثم أطلق الذيل على طرفه الذي يلي الأرض وإن لم يمسها تسمية بالمصدر. قاله في المصباح (3) .
والهوى : مقصور مصدر هويته من باب تعب إذا أحببته وعلقت به، ثم أطلق على ميل النفس وانحرافها نحو الشيء . ثم استعمل في ميل مذموم يقال اتبع هواه وهو من أهل الأهواء . قاله في المصباح .
أيضاً شبّه المصنف الهوى بثوب له أذيال ثم حذف المشبه به وذكر من لوازمه الأذيال على سبيل الاستعارة بالكناية وفي هذه الاستعارة إشارة إلى أن المخالف المتمسك بتلك الشُّبه كالشيء المتمسك بأذيال الثوب يناله أدنى شيء فيسقط وربما بلا مُسْقِط .
ومستمسك : بمعنى متمسك يقال : استمسك بالشيء إذا أخذ به وتعلق.
وقوله فهو : ضمير يعود إلى معنى الاستمساك المأخوذ من قوله مستمسك أي وذلك الاستمساك هو المانع له عن معرفة الرحمن .
والحجاب : هو المانع، وأصل الحجاب جسم حائل بين جسدين، وقد استعمل في المعاني فقيل العجز حجاب بين الإنسان ومراده، والمعصية حجاب بين العبد وبين ربه . كذا في المصباح .
والرحمن : هو المنعم بجلائل النعم ولابد من تقدير مضاف محذوف، أصله: عن معرفة الرحمن، لأن المنع هاهنا إنما هو عن معرفته – تعالى – واختار اسم الرحمن هنا على غيره من الأسماء تعريضا بالخصم وبأن من كان ذا نعم عظام ينبغي أن لا يجهل هذا الجهل فأنت أيها الخصم مع ظهور هذه النعم وعظمها جهلت المنعم بها حيث جعلت له شريكا في وصفه الخاص به وهو القدم .
9- تلقيه في دأماءِ جهلٍ راسباً في غيّهِ (يهوى (4) على الأذقانِ)
__________
(1) - في حـ .
(2) - في حـ : فيقال .
(3) - المصباح المنير : لممؤلفه أحمد بن علي المقريء الفيومي ( ت : 770هـ)
(4) - في شق ومجم : كالوا له الحيران . (1/78)
صفحة 79
أي تجد المتمسك بأذيال الهوى في جهل كالبحر في بُعد العمق، وشدة الخطر ومظنّة الهلاك صائراً في انهماكه (1) في جهله إلى أسفل يسقط فيه على مجتمع لحييه .
فتلقى : بمعنى تجد والضمير عائد إلى الموصول في البيت الذي قبله .
الدأماء : البحر، وأنشد الجوهري (2)
للافوه (3) الأوذى .
والليل كالدماءِ مستشعر ... ... من دونه لونا كلون السدوس
شبه الجهل به بجامع شة الخطر في كل منهما وكون كلًّ منهما مظنّة الهلاك ثم أضاف المشبّه (4) به إلى المشبَّه .
وقوله راسباً : أي صائر إلى أسفل، يقال رسب الشيء إذا ثقل وصار إلى أسفل .
وفي غيّه : ميتعلق به ، وفي الغي الإنهماك في الجهل وهو خلاف الرشد .
ويهوى : أي يسقط .
والأذقان : جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين ، عّبر بالجمع عن المفرد تجوزاً حدّ قوله (5) { رب ارجعون } (6) أي ارجعني ، ومنه قولهم : شابت مفارقه ، ليس له إلا مفرق واحد .
__________
(1) - حـ أصله
(2) - أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (ت:386) ولد بفاراب وهو من أئمة اللغة والأدب، وكان كثير السفر، تتلمذ على أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي وسافر إلى الحجاز وشافه باللغة العرب العاربة وطوف بلاد ربيعة ومضر، ثم عاد إلى خراسان وعلّم بها، ثم سافر إلى نيسابور إلى أن توفي بها، وله مصنفات مشهورة منها : الصحاح والمقدمة . ر: معجم الأدباء ، الحموي ، ج6، ص151 .الأعلام ج1 ، ص313 .
(3) - ربيعة : صلاءة بن عمرو بن مالك من بني مذجح (_ 50ق هـ )، وكان من كبار الشعراء القدماء وسيد قومه في الجاهلية والعرب تعده من حكمائها ، وشهر له قصيدته الدالية ومنها :
تهدي الأمور بأهل الخير إن صلحت وان تولت فبالأشرار تنقاد
إذا تولى سراة الناس أمرهم نما على ذاك أمروا القوم فأزدادوا
ر : نزهة الأبصار ج1 ، 164 ، الأعلام ج3 ، ص207
(4) - حـ .
(5) - +حـ .
(6) - دليل الآية : { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب أرجعون } .. المؤمنون : 99 . (1/79)
صفحة 80
10ولو ارتقى درج المعارف في سما ... تحقيقه وعلا على كيوانِ
أي ولو صعد على المعارف التي هي كا لمراقي في الوصول إلى الكمالات الإنسانية ، فانتهى إلى حال يثبت فيه المسائل بأدلتها وارتفع في الكمالات الإنسانية إلى محل يشبه في المحسوسات (1) المحل الذي هو فوق زحل .
فارتقى : بمعنى صعد وارتفع
والدرج : جمع درجة كقصب وقصبة ، هي المراقي التي يصعد عليها كالسلم ونحوه .
والمعارف : جمع معرفة وهي العلم بالجزئيات والتصوريات (2) وشبهها بالدرج بجامع ان كلا منهما موصل إلى علو فالدرج توصل في الحسيات إلى المكان المرتفع ، والمعارف (3) توصل في المعنويات إلى الكمال الإنساني .
وقوله في سما تحقيقه : أي إلى سماء تحقيقه ، ففي بمعنى إلى ، والتحقيق هو إثبات المسألة بدليلها . فإن أُثبَتَ للدليل دليلٌ كان تدقيقاً . ويطلق التحقيق على الإتيان بالشيء على وجه الحق . وشبّه التحقيق بالسماء وهي الجسم المظل للأرض بجامع ان كلا منهما قد أخذ نهاية في الأرتفاع .
وعلا : بمعنى ارتفع .
وكيوان : هو زحل وهو نجم قيل أنه في السماء السابعة (4) .
11 إلا إذا ما أدركته عناية ... ... لخلاصه من ربقةِ الخذلانِ
أي من تمسك بأذيال الهوى فهو ممنوع من معرفة الرحمن وموسوم بالجهل والخسران ولو علا شأنه وارتفع في العلم مكانة إلا إذا لحقه حفظ لأجل سلامته ونجاته من الحالة التي يكون فيها غير معان بل موكول فيها على نفسه ومأسور فيها عن السلوك في طاعة ربه فالإستثناء من قوله ولمن بأذيال الهوى ... الخ .
__________
(1) - المحسوسات : جع محسوس ، وما يدرك بالحواس الظاهر الحاصل من المشاهدات . ر : المعجم الفلسفي مادة (حس) .
(2) - التصوريات : جمع تصور ، وتصور الشيء تخيله ويقصد به إدراك الماهيه من غير أن يحكم عليها بنفي أو ثبات . ر: المعجم الفلسفي مادة (تصور) .
(3) - حـ .
(4) - زحل : يعرف في المصطلح العلمي بأنه الكوكب السادس في المجموعة الشمسية . (1/80)
صفحة 81
وقوله أدركته : بمعنى طلبته ولحقته (1) يقال أدركت الشيء إذا طلبته فلحقته .
والعناية : الحفظ .
والخلاص : السلامة والنجاة من الشيء .
والربقه : عروة من حبل تشدبه الُهم ويقال ربقت فلانا في الأمر ربقا من باب قتل : أوقعته فيه (2) والخذلان : اسم لترك النصرة والإعانة ، شبه هذه الحالة بالعروة التي تشد ّبها البهيمة، بجامع ان كلا منهما مانع عن الوصول إلى المطلوب فالربقة مانعة للبهيمة عن ذهوبها إلى ما تشتهي والخذلان مانع للعبد عن سلوك طريق الرضوان نعوذ بالله من خذلانه وغضبه ونسأله إعانته ورضاه .
خبر أبي شاكر الذيماني
فسعى إلى المولى بنور العقل لا كفعال قومٍ قلّدوا الذيماني (3) (4)
أي فذهب إلى معرفة الله – عز وجل – بسبب عمله الذي هو الإهتداء به كالجسم الذي يدرك به البصر المحسوسات البصرية، وهذا السعي هو التحقيق المطلوب من المكلف وليس هو مثل فعل قوم نبذوا البراهين وراء ظهرهم وركنوا إلى الأخذ بقول الغير من غير حجة، ولا سيما إن كان ذلك الغير جاهلاً أو غير ثقة كأبي شاكر الذيماني (5) .
فسعى : بمعنى ذهب، واستعماله في الحسيات هو المعروف . واستعمله المصنف في المعنويات على سبيل التجوّز للتنبيه على أن المعنويات صارت في حق هذا المحقق كالمحسوسات بالنسبة إلى غيره . وقوله إلى المولى : أي إلى معرفة المولى، أي معرفة كمالاته وما يستحيل في حقه وما يجوز، فأثبت له الواجبات في حقه وأحال عنه المستحيلات .
والنور : جسم لطيف تدرك به حاسة البصر المحسوسات البصرية .
والعقل : هنا العلم، شبّهه بالنور بجامع الإهتداء بكل منهما، وتشبيهه به كثير شائع .
__________
(1) - في حـ فلحقته .
(2) - ومنه الحديث : (( خلع ربقة الإسلام من عنقه )) – ر : النهاية ج2 ، ص190 .
(3) - في ب ، حـ : الدياني .
(4) - في هذا البيت لم يرد في : شق ومجم .
(5) - في ب، حـ : الدياني . (1/81)
صفحة 82
وقوله لا كفعال قوم : أي لا مثل فعل قوم، والجملة خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا السعي لا كفعال قوم ..الخ . والكاف بمعنى: مثل، وفعال بالكسر مصدر فاعل بمعنى فعل، فالمفاعلة على غير بابها . والقوم : جماعة الرجال ليس فيهم امرأة، سموا بذلك لقيامهم بالعظائم والمهمات ز قال الصنعاني: وربما دخل النساء تبعاً لأن قوم كل نبي رجال ونساء، كذا في المصباح .
والتقليد : الأخذ بقول الغير من غير حجة، مأخوذ من قلّدت المرأة إذا ألبستها القِلادة، بالكسر . فكأن المقلد جعل عمله قِلادة في عنق من قلّده . (1/82)
صفحة 83
والذيماني : هو أبو شاكر، رجل من الذيمانية (1) ، وهم قوم من الدهرية الذين أنكروا حدوث العالم . كان بسببه فتنة كثيرين من ضعفاء المسلمين، قال أبو يعقوب (2) - رحمه الله – في الدليل والبرهان : وذلك أنه يعني أبا شاكر جاء من أرض فارس، فتأمل حِلَقْ البصرة من المسلمين فيها، فظهر له من علومهم وحلومهم وحذقهم (3) شيء فاق الوصف فأراد أن يلقنهم من البدعة ما يحول بينهم وبين دينهم فتأمل الحلق كلها، فلم يجد حلقة أرق قلوباً وأضعف نفوساً من حلقة أصحاب الحديث، فجاءهم، فقال لهم :(يا قوم إني رجل من هؤلاء العجم، دخل الإسلام في قلبي فجئت من بلادي إليكم، فتأملت فلم أر حلقة يذكر فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيراً إلا حلقتكم، فأتيتكم يا أخواني، فانظروا لنا كيف نعتزل هؤلاء القوم ونكون في ناحية من نواحي المسجد بمعزل وننتبذ عنهم حتى لا نسمع كلامهم ولا يقرع أسماعنا خطابهم) .
__________
(1) - ويطلق عليهم أحيانا الديصانية نسبة إلى ابن ديصان (وسمي باسم نهر ولد عليه) وزعموا باختلاط النور مع الظلمة، وللحديث عنهم ر: الفهرست ص338 والملل والنحل : ج2 ص88 .
(2) - أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (500-570) نسبة إلى جزيرة وارجلان بالجنوب الجزائري، فقيه وأصولي ومن كبار علماء الكلام الإباضية، كان كثير الإرتحال، سافر إلى الأندلس والشرق وتوغل في أواسط أفريقيا واكتشف تساوي الليل والنهار (خط الإستواء)، وله مؤلفات وشروح في أصول الفقه وعلم الكلام والمنطق والفلسفة منها : الدليل والبرهان، والعدل والإنصاف ، ومرج البحرين . ر:السير للشماخي، ج2، ص147 .الإباضية في الجزائر : معمر ج1 ص283 .
(3) - + حـ ، وكذلك ورد في الأصل . ر : الدليل والبرهان ج1 ، ص18 . (1/83)
صفحة 84
فقال قوم :(صدق)، ونظروا إليه كلما جاء ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهق وبكى وحنّ وشكى واستعمل الورع والوقار والبكاء والحنين حتى أخذ بقلوبهم فلم يزل كذلك إلى أن تغيب عنهم بعض المدة، فسألوا عنه فيما بينهم، فقال بعضهم لبعض : ( قوموا بنا إلى الرجل ولعله مريض فنعوده فإن كان مريضاً عدناه، أو محتاجاً واسيناه)، فوصلوا إليه فوجدوه قد انحجر في قعر بيته له فترة من البكاء . فقالوا له : ما لك ؟ فقال : دعوني لما بي، قد وقعنا فيما حذرتكم عنه أول مرة) فقالوا له: وما ذلك ؟ فقال : إني أتيت إلى حلقة حمّاد بن أبي حنيفة، إذ جاءه رجل، فقال له : ما تقول في القرآن ؟ فقال حماد بن أبي حنيفة : وما في هذا من العجب، القرآن مخلوق .
فعمد يا إخوتي إلى كلام الله ونوره وضيائه الذي خرج منه وإليه يعود، فجعله مخلوقاً، فعظمت مصيبتي يا إخوتي في القرآن العظيم والذكر الحكيم الذي خرج منه وإليه يعود، فأي مصيبة أعظم من هذه، فجعله مخلوقاً وأي بلية أعظم منها ؟ فكأن الله قبل خلقه كان غير عالم وغير متكلم . يصفوه بصفات العجز والحدث والحاجة والخلق . فجئتكم يا إخوتي أشكو إلى الله تعالى وإليكم هذه المصيبة العظيمة والبلية الفادحة، ولقد أمرتكم يا إخوتي قبل هذا أن اعتزل مجالسهم حتى لا نسمع كلامهم، وننتبذ ناحية في المسجد، فاستجاب القوم بالبكاء من كل ناحية، فقال بعضهم لبعض : قد وجب علينا جهاد هؤلاء القوم، ولنرجع إلى ما كنا عنه ننهى أول مرة، وقد حوجونا إلى ذلك . (1/84)
صفحة 85
وقال بعضهم : إنما اعتزلناهم مخافة أن نقع فيما وقعوا فيه، وكي نحيي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأما كذا أبيتم فلا حاجة لنا إليكم . فتبرأ الفريقان بعضهم من بعض (1) . وعمد الذين أرادوا منابذة القوم، فقالوا : لا بد لنا من مخالطتهم، وغرضهم أن يقتبسوا من مناظرتهم وحيلهم في جدالهم، فيرجعوا بها إليهم ويحاجوهم، فذهب بعضهم إلى المتكلمين، فكان آخر العهد بهم، وبعضهم إلى القدرية (2) ، فذهبوا بهم وبعضهم إلى حلقة حماد بن أبي حنيفة ، فتفرقوا على الحلق ، ومكثوا فيها برهة (3) . وذهب كل فريق بمن صار إليها وحصل عندها ، فاختلفوا آخر الأبد ولم يجتمع منهم أحد مع صاحبه إلا ما كان من أبي الحسن الأشعري (4) وهو الذي عقب وصار إمام الأشعرية ، ثم أبو بكر بن الطيب (5)
__________
(1) - في ب /حـ ( من بعضهم بعض )
(2) - القدرية : فرقة إسلامية أكثرت من الحديث حول القدر وقالت بحرية الإنسان وقدرته في أفعاله ظهرت في الشام والعراق وكان على رأسها معبد الجهني وغيلان الدمشقي، ويسمى المعتزلة أحيانا بالقدرية . ر: مقالات الإسلاميين ج1 ص10 ، 298 الكشف والبيان ج2 ، ص327 .
(3) - برهة : فترة من الزمن .
(4) - أبي الحسن علي بن إسماعيل بن بشر بن إسحاق ينتهي نسبة إلى أبي موسى الأشعري (260- 324) ولد بالبصرة وإليه تنسب الطائفة الأشعرية وكان في البدء معتزلياً ثم رجع عن قولهم وله ومصنفات عدة منها : اللمع والموجز والتبيين عن أصول الدين . : وفيات الأعيان ج2 ، ص446 . الفهرست : ص181 .
(5) - أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت: 403)، قاض ومتكلم أشعري من كبار علماء الكلام، ولد في البصرة وسكن بغداد كان سريع الكلام وجهه عضد الدولة سفيراً عنه إلى ملك الروم في القسطنطينية فجرت له مناظرات بين يدي الملك من علماء النصرانية . من كتبه : إعجاز القرآن، الإنصاف ، مناقب الأئمة ، وتمهيد الدلائل والملل والنحل.ر: وفيات الأعيان ج3، ص400 .. (1/85)
صفحة 86
بعده وهو الباقلاني فوقعوا في تشبيه البري سحانه خلافاً للإفراق ،وانتكسوا إلى يوم التلاق (1) . هذا كلامه , وهو ظاهر في أن هذه القصه هي أول سبب لهذه البدعه التي هي القول بقدم القرأن العظيم ، وما أشبه هذه القصه بقصة بوليس اليهودي _ التي لّمح المصنف إليها أنفاً _ في إضلاله للنصارى , فكان تلميحه إلى تلك القصه إشاره إلى تساوي القصتين .
13 إن كنت ذا عقل ودين مخلصاً ... ... لله في الأسرار والإعلاِن
لم تثنهَ في الله لومة لائم ... ... فاسمع مقالاً ليس بالهذيانِ
أي أن كانت صاحب لبًّ وحجا وتعبد في الإسلام حال كونك مصفيا تعبدك لأجل رضى واجب الوجود لذاته وذلك الإخلاص منك في الإخفاء والجهر حتى نزلت منزلة من لا يصرفه عن رضى ربه عذل عاذل فاصغ (2) سمعك إلى قول أقوال به على وجه الحق وهو من المعقول بين أرباب العقول .
فالعقل : هو اللب والحجى ، ولهذا قال بعض الناس : العقل غريزة يتهيّأ بها الإنسان إلى فهم الخطاب .
والمراد بالدينّ : هنا التعبد بالإسلام ، من قولهم : دان بالإسلام وتديّن ، إذا تعبد به .
وقوله مخلصاً : حال التاء في كنت ، والمخلص هو المصفي والمراد به تصفية العمل من شوائب الزلل .
وقوله لله : متعلق به ، والام للتعليل والأصل : لأجل رضى الله ، فحذف المضاف لكثرة الأستعمال ، يقال أحببته لله ، وعملت كذا لله .. وهكذا .
والأسرار : بكسر الهمزة مصدر أسرّه، إذا أخفاه .
والإعلان : بكسر الهمزة مصدر أعلن به : إذا أظهره . وقرن المصنف بينهما لأن المخلص لابد له من الإخلاص في حالتيهما فمضيع الإخلاص في الإخفاء منافق ومضيعه في الإعلان فاسق، والواجب اقترانهما في المؤمن .
وقوله لم تثنه : بفتح التاء المثناة (3) الفوقية من ثناه عن مراده يثنيه إذا صرفه عنه .
ولومة مقالا : أي أملِ سمعك إلى قول ، صفته بأنه معقول بين أرباب العقول ، فان من الحق المعقول ان يلتقي بالقبول .
__________
(1) - يوم التلاق:يوم القيامه.
(2) - في ب : فاسغ .
(3) - حـ . (1/86)
صفحة 87
والهذيان : التكلم بغير معقول لمرض أو غيره ، وذلك إذا هدر بكلام لا يفهم ككلام المبرسم والمعتوه كذا في القاموس (1) وشرحه . وفي وصفه (2) المقال بنفى الهذيان عنه . تعريض بناظم تلك النونية فكأنما قال له: اسمع إلى هذا القول الحق المعقول، فانه ليس كمقالك الباطل الذي هو شبيه بكلام المبرسمين .
وفي قوله: لخلاصه من ربقة الخذلان. وفي قوله: مخلصاً براعة لحسن التخلص من مقام المنع إلى مقام الإستدلال .
الرد على المرجئه لقوله بعدم نزول القرآن
14 إن قلت : ان الله ليس بخالق ... ... لكلامه الموحى إلى الإنسان
15 فأقول : أثبت كونه أو أنفه ... ... والعقل يأبى أن يكون الثاني
16 والشرع إذا ما أنزل الرحمن من شيء((مقالةجاحدي (3) القرآن))
أي أن نطقت بنفي الإيجاد والأحداث للكلام الذي ألقاه الله إلى أنبيائه للأعذار والأنذار والتبشير ولبيان الأحكام ومعرفة الحلال والحرام فأقول مجيباً لك، إما أن تثبت وجود هذا الكلام في الخارج، وإما أن تنفي وجوده، ولا أظن (4) أنك تنفي وجوده ، لأن العقل يمنع من نفيه ويمنع النقل أيضاً، لأن القول بما أنزل الله على بشر من شيء، مقالة من جحد نزول القرآن رأساً. وأنت لا تقول بمقالته ، فيلزمك أن لا تنفي وجود القرآن .
فقوله ليس بخالقٍ : أي ليس بموجدٍ ومحدث .
وقوله لكلامه : شامل لجميع الكتب المنزلة، والموحي هو الملقي (5) ليُعلم، مأخوذ من أوحيت إليه كذا :إذا ألقيته إليه ليُعلمه، ثم غلب استعمال الوحي فيما يلقى الأنبياء من عند الله تعالى .
__________
(1) - القاموس المحيط : لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي (729 – 847 هـ)وشرحه تاج العروس:لمحمد المرتضى الزبيدي (1722 – 1790م) .
(2) - ح:صفة .
(3) - في شق ومجم : يبين فرية الجحدان .
(4) - ب ، حـ : حاشك أن .
(5) - ب، حـ (1/87)
صفحة 88
والإنسان : هو الحيوان الناطق والمراد به هنا الأنبياء الموحى إليهم، المأمورون (1) بالتبليغ (2) على سبيل المجاز الإرسالي . وفي وصفه الكلام بالموحى إلى الإنسان تحرير لمحل النزاع على أنه سيأتي في كلامه تقسيم الكلام إلى : ذاتي وفعلي، وسيأتي أيضاً بيان كل واحد منهما. فموضوع هذه المنظومة الرد على من أنكر خلق الكلام الفعلي لا على من أنكر خلق الكلام الذاتي واعترف بخلق الكلام الفعلي . فإن الكلام الذاتي غير مخلوق، بل هو غير القرآن وغير التوراة والإنجيل والزبور، وإنما هو صفة أعتبر بها نفي ضدها على ما سيأتي من بيانها، وبعض أصحابنا لم يقل بثبوت الكلام الذاتي رأساً على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
وقوله فأقول أثبت كونه : أي وجوده .
وقوله أو أنفه : أي اختر أحد الأمرين .
وقوله والعقل يأبى أن يكون الثاني : فيأبى بمعنى: يمنع، والمراد بالثاني النفي المأخوذ من قوله : (أو أنفه) .
وقوله والشرع : معطوف على العقل، أي والشرع يأبى ذلك أيضاً.
وقوله إذا ما أنزل الرحمن من شيء ..إلخ : إشارة إلى ما روي أن مالك بن الصيف، من أحبار اليهود ورؤسائهم، قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين ؟ فأنت الحبر السمين، قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود .
فضحك القوم، فغضب، ثم التفت إلى عمر، فقال : ( ما نزل الله على بشر من شيء ) فقال له قومه : ( ويلك! ما هذا الذي بلغنا عنك ) ؟
فقال : (إنه أغضبني) فنزعوه، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف، فنزل في ذلك قوله تعالى { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء، قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدىً للناس } (3) ... الآية .
__________
(1) - ب، حـ
(2) - في ب،حـ : للتبليغ .
(3) - الأنعام 91 . (1/88)
صفحة 89
وفي (شفاء الحائم على بعض الدعائم) لأبي القاسم البرادي، رحمه الله تعالى : أن قائل ذلك هو ابن صوريا ونص عبارته الثالثة : أي من الخصال التي شاكلت فيها المرجئة (1) اليهود مشاكلتهم لأبن صوريا من اليهود حين قال : ما أنزل الله على بش من شيء، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : (أنشدك الله أما تقرأ في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين) وكان ابن صوريا شاباً سميناً أعور، فقال : (ما أنزل الله على بشر من شيء) .
وكذلك المرجئة في نفي خلق القرآن . فإذا قيل لهم : قال الله سبحانه: { إنَّا أنزلناه في ليلة مباركة } (2) وقال: { إنَّا أنزلناه في ليلةِ القدر } (3) قالوا العبارة عنه فأنكروا نزول القرآن، وردوا شهادة الله –سبحانه- وشهادة الملائكة (4) عليهم السلام . قال سبحانه : { أنزله بعلمه والملائكة يشهدون } (5) .قال,قال الشيخ أبو يعقوب :فسبحان الله من قوم أنكروا نزول القرآن كاهل الأوثان .وقد أنكرت المرجئة نزول القرآن ,كما أنكر ابن صوريا من اليهود من اليهود نزول التوراة ,هذا كلامه (6) .
__________
(1) - المرجئة : هم الذين قالوا لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، فجعلوا الأعمال بمعزل عن العقيدة وهي من الفرق المتقدمة في علم الكلام، ومنهجهم طاعة الإمام الجائر واجبة، لذا استفاد من موقفهم الفكري هذا الحكام والولاة الذين اغتصبوا السلطة وساروا بغير الحق، وقد أرجئوا الحكم على هؤلاء إلى الله في الآخرة، وهم يقولون بالجبر والتشبيه . ومن فرقهم اليونسية والتوبانية والثومنية والكرامية . (ر : مقالات الإسلاميين ج1، ص213 – الملل والنحل ج1 ص187 – الكشف والبيان ج2، ص352 ،/ 371 ) .
(2) - الدخان :3 .
(3) - القدر : 1
(4) - -حـ
(5) - النساء : 116
(6) - إشارة إلى أبي القاسم البرادي. (1/89)
صفحة 90
وردُهُ وردُّ الإمام أبي يعقوب متوجه إلى القائلين بأن القرآن هو صفة قائمة بذاته- تعالى- وما في أيدينا هو عبارات عن تلك الصفة , وهذه هي مقالة الأشعرية . وسيأتي بيان بطلانها إن شاء الله تعالى.
أنواع الموجودات
((الإستدلال على الوجود))
17 والأول البرهان خذه مقرراً ... ... عقلا ونقلا أي ما برهانِ
18 لابد للأشياء في أحوالها ... ... أي باعتبار العقل والوجدانِ
19 أمّا وجود واجب أو ممكن ... ... أو مستحيل باطل الإمكانِ
أي وعلى إثبات وجود الكلام الموحى إلى الأنبياء، خذ الدليل على خلقه حال كونه مثبتاً بما لا يستطاع دفعه، وهو من المنقول والمعقول، فهو برهان كامل .
فأما العقلي : فهو أنه لا بد لجميع الأشياء، في صفاتها بالنظر إلى وجودها وعدمها من أحد ثلاثة أشياء: لأنها إما أن تكون واجبة الوجود ولا كذلك شي إلا الله عز وجل – وإما أن تكون جائزة الوجود، وذلك هو جميع ما عدا الله تعالى من الموجودات في الحال، ومن المعدومات التي وجدت والتي ستوجد – وإما أن تكون مستحيلة الوجود، وهو جميع ما لا يجوز في العقل وجوده، كوجود شريك عند الله (تعالى الله عن ذلك) .
وجميع ما علم الله تعالى أنه لا يكون، فإنه لا يمكن أن يختلف علم الله –عز وجل- في شيء . فتقسيم الأشياء إلى هذه الأقسام المذكورة إنما هو بالنظر إلينا، لجهلنا الأشياء التي علم الله أنها ستوجد والأشياء التي علم الله عز وجل أنها لا توجد .
أما بالنظر إلى ما في علمه تعالى فالأشياء قسمان :
واجبة الوجود ومستحيلة الوجود، لأن ما علم الله تعالى وجوده فوجوده لا بد منه، فهو واجب : أي ثابت ثبوتاً عقلياً . وجميع ما علم الله أنه لا يوجد، فوجوده مستحيل، أي : منتفٍ انتفاءً عقلياً .
فإن قيل: فإذاً لا يختص الوجود الواجب بالله عز وجل، بل يكون له ولغيره بالنسبة إلى ما في علمه تعالى فيلزم اتصاف غيره بصفة يختص بها تعالى . (1/90)
صفحة 91
قلنا : لا يلزم ذلك، لأن وجوده تعالى واجب لذاته لا لموجب هو غيره،ووجود الأشياء التي علم الله وجودها إنما وجب لموجب لها لا لذاتها ، وهو الفاعل المختار وكفى بهذا فرقاً بين الموجودين، فانتفت المشاركة والله تعالى أعلم .
فقوله والأول : بالجر على حذف الجار ، أي وعلى الأول والمراد بالأول هو جانب الإثبات المأخوذ من قوله : ((أثبت كونه أو أنفه)) .
والبرهان : الدليل، والمناطقة يخصونه بما تركب من مقدمات عقلية كقولنا: هذا العالم متغير وكل متغير حادث .
ومعنى مقرراً : مثبتاً، يقال: قررت المسألة، إذا أثبتها بدليلها، مأخوذ من قر بالمكان ، وإذا ثبت وتمكن فيه .
وقوله عقلاً ونقلاً : تمييزان مفسران لذات البرهان .
وقوله أي ما برهانِ : أي هنا لبيان الكمال، يقال زيد رجل، أي (1) رجل إذا كان كاملاً في الرجولية .
وقوله :لا بد للأشياء ..الخ : شروع في بيان البرهان العقلي وسيأتي تمامه في كلامه الآتي، والمراد بأحوالها وصفاتها .
والإعتبار بالشيء : هو الإعتداد به .
والعدم : بضم فسكون، لغة في العدم بفتحتين وهو نقيض الوجود .
والوجدان : بالكسر وبالضم مصدر بمعنى الوجود، وسيأتي بيان الواجب والممكن والمستحيل في كلام المصنف .
وقوله باطل الإمكان : بيان للمستحيل .
* جائز الوجود :
20- ما كان معدوماً ولكن ممكن إيجاده وفناه في الأذهان
21- فهو المسمى جائزا كالخلق والقرآن والجنَّات والنِّيران
22- ولكل من ذا حادث تقليبه من حالة في حالة برهاني
23- والعجز والتخصيص أيضاً شاهد بحدوثه من فاعلٍ وحداني
24- أيصح تخصيص وترجيح بغيـ ـير مخصَّصٍ أو فاعل الرجحانِ
__________
(1) - حـ (1/91)
صفحة 92
أي الذي تقدم له سبق عدم، سواءً أوجد الآن أو لم يوجد، أو وجد فيما مضى ثم عدم، ولكن يصح في العقول السليمة وجوده وعدمه (1) ولا يستحيل عليه أحد الطرفين . فوجوده هو المسمى بالجائز العقلي لتجويز العقول السليمة كلا طرفي الوجود والعدم فيه، وذلك الذي تجوّز العقول وجوده وعدمه هو كالمخلوقات جميعها، وكالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور ونحوها، وكداري الجزاء في الآخرة وهذه كلها حادثة لا يجوز أن يقال بقدم شيء منها. والدليل على أنها من الممكن وجوده وعدمه أو على أنها حادثة تنقلها من حالة إلى حالة أخرى كتنقل القرآن من اللوح إلى سماء الدنيا ومنها إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، ومنه إلى صدور الذين أوتوا العلم { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } (2) { إنَّا أنزلناه في ليلة القدر } (3) { نزل به الروح الأمين على قلبك } (4) { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } (5) وهذا التنقل هو عين التغيّر، والتغير دليل الحدوث وانتفاء القدم. وكل ما كان حادثاً غير قديم فهو (6) جائز الوجود لا واجبه.
ودليل آخر على حدوث هذا الذي ذكرناه، أن جميع ما ذكرناه لا يستطيع لنفسه نفعاً، ولا يدفع عنها ضراً، وهذه صفة عاجز مقهور وكل عاجز فهو محدث غير قديم وكل محدث فهو جائز الوجود .
__________
(1) - + ب
(2) - البروج : 21-22
(3) - القدر : 1
(4) - الشعراء : 193
(5) - العنكبوت : 49
(6) - + ب . (1/92)
صفحة 93
ودليل آخر على حدوثه، إنا رأينا هذه الأشياء التي ذكرناها قد اختصت بطرف الوجود مع جواز طرف العدم عليها، ولا يجوز أن يكون مخصَّصَةً لنفسها بطرف الوجود، فاحتاجت إلى مخصص من غير ذاتها، وذلك المخصِّص هو الفاعل المختار المنفرد بالألوهية، وكل ما كان غيره فاعلا فيه فهو حادث، وكل حادث فهو جائز الوجود ولا يمكن في العقل أن تختص هذه الأشياء بأحد الطرفين الجائزين عليها بغير مخصِّصٍ ومرجح لأحدهما على الآخر، لأنه إذا كان الطرفان جائزين عليها معا، فلا يجوز أن تختص بأحدهما دون الآخر وإن يرجح أحدهما على الآخر إلا بمخصص ومرجح لذلك الطرف على نقيضه .
وقدم المصنف هذا القسم الذي وهو جائز الوجود على القسم الذي هو واجب الوجود، مع أن واجب الوجود هو أولى بالتقديم لما لا يخفى، لأن هذا هو مقصوده في إقامة برهانه العقلي، فلو قدم القسم الثاني عليه للزم عليه تقديم غير المقصود والسامع متشوق إلى إقامة البرهان الذي وعد به، فلا يحسن فصله بتقديم غيره عليه .
فمعنى قوله ما كان معدوما : أي ما تقدم له سبق عدم سواء أكان موجوداً في الحال أو معدوماً، وجميع الحادثات قد تقدم لها ذلك السبق، ففيه إشارة إلى أن الكلام الفعلي من جملة الحادثات التي تقدم لها سبق عدم، وما تقدم له سبق عدم فهو غير قديم بضرورة العقل .
وقوله ولكن ممكن إيجاده : فلكن ساكنة والنون مخففة من الثقيلة وهي هنا لمجرد الإبتداء جاء بها لتأكيد الكلام، فأن أصلها التي هي المشددة تكون تارة للإستدراك وأخرى للتأكيد .
وقال قوم : هي للتأكيد دائماً وفيها معنى الإستدراك، ولك أن تقول هي للإستدراك المحض والمستدرك هو دفع توهم استحالة الإيجاد، ومعنى ممكن : جائز جوازاً عقلياً، وهذا هو الإمكان الخاص عند المتكلمين (1) والمناطقة، والإمكان العام هو ما يشمل الجائز والواجب العقليين .
والإيجاد : مصدر أوجده إذا أخرجه من العدم إلى الوجود .
__________
(1) - ب ، حـ (1/93)
صفحة 94
والأذهان : جمع ذهن وهو هنا العقل .
وقوله فهو المسمى جائزا : أي فوجوده هو المسمى جائزا..الخ، فالضمير عائد إلى الوجود المأخوذ من معنى الإيجاد .
والخلق : بمعنى المخلوق كالأكل بمعنى المأكول، تسمية للمفعول بالمصدر وهو شامل لجميع المخلوقات، لكن لما أشكل على بعض العوام دخول بعض المخلوقات في حيز الخلق عطف عليه ما اشكل عليهم دخوله تنبيهاً لهم أن هذا المعطوف من جنس المعطوف عليه .
فقال والقرآن : ثم إنه لما كان شبههم أن القرآن لا يفنى وسائر المخلوقات تفنى فهو (1) خارج عن حكمها بهذا المعنى وعطف عليه الجنات والنيران تنبيهاً لهم أن الجنات والنيران لا تفنى أيضاً، وأنتم معترفون (2) بخلقها كما يصرح بذلك فيما سيأتي .
والجنّات : جمع جنة وهي دار الثواب في الآخرة .
والنيران : جمع نار وهي دار العقاب في الآخرة، نعوذ بالله منها وما يقرب إليها .
وقوله والكل من ذا : أي من هذا المذكور، فلهذا (3) ذكر الإشارة ومعنى حادث : أي كائن بعد عدم .
وقوله تقليبه : أي تنقله .
وقوله من حالة في حالة : أي من حالة إلى حالة، ففي بمعنى إلى .
وبرهاني : أي دليلي إضافة إلى نفسه لأنه في مقام مناظرة الخصم، فكأنما قال له : هذا برهاني، فأين برهانك ؟
ولا إيطاء في عود ذكر البرهان في القافية (4) لوجهين :
أحدهما : أنهما مختلفان تعريفً وتنكيراً .
وثانيهما : أنه قيل بجواز عود القافية بعد ثلاثة أبيات، وإن اتحدت لفظا ومعنى، وقيل بجواز عودها بعد سبعة وقيل بعد عشرة .
والعجز : هو صفة وجودية تقابل القدرة، تقابل الضدين لا العدم والملكه .
والتخصيص : هو الحكم بثبوت المخصِّص لشيء ونفيه عما سواه وهو مبتدأ .
__________
(1) - في ب : وهو .
(2) - - ب : تعترفون
(3) - ب : فلذا
(4) - حيث جاءت القافية في البيت: والأول البرهان خذه مقرراً عقلاً ونقلاً أي ما برهان (1/94)
صفحة 95
وشاهد : بمعنى دال خبره، وخبر المبتدأ الأول الذي هو العجز محذوف لدلالة شاهد عليه، تقديره والعجز شاهد على حدوثه ..الخ .
والحدوث : الوجود بعد العدم .
وقوله من فاعل وحداني : أي بإرادة فاعل واحد لأن الإرادة هي المخصِّصة لترجيح (1) أحد الطرفين على الآخر. والفاعل هو الذي أوجد الفعل، ولا يشترط قيام معنى الفعل بالفاعل، خلافاً للأشعرية، وإلا لزم عليه أمور لا يسع المقام ذكرها بيّنها البدر الشماخي (2) -رحمه الله تعالى- في شرح مختصره (3) ، راجعها منه من فصل الإشتقاق إن شئت .
والواحداني : نسبة إلى الواحدانية بمعنى الوحدة، زيدت فيها الألف للمبالغة كنوراني ورباني، والمراد بالواحداني هنا المنفرد بالكمال الذاتي .
وقوله أيصح ..الخ : إنكار لإمكان التخصيص والترجيح بغير مخصِّص ومرجح. والصحة عند المتكلمين بمعنى : الإمكان، وعند الأصوليين بمعنى : الإجزاء . يقولون: هذه العبارة صحيحة إذا كانت مجزية في رفع الوجوب وسقوط القضاء. وعند الفقهاء بمعنى:" الجواز الشرعي المقابل للتحريم. يقولون: هذا لا يصح أي: لا يجوز. وعند أهل اللغة بمعنى: الثبوت ومنه قوله :
(وصح عند الناس أني عاشق)
__________
(1) - - ب ، حـ
(2) - أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي (840-928) سلسل من أسرة عريقة في العلم، نشأ بجبل نفوسة، تتلمذ بها ثم سافر إلى جبل دمر، ثم بعدها إلى جزيرة جربة، وهو من كبار علماء الكلام الإباضيين، ولقب بـ(البدر) لسعة علم، وله شهرة واسعة بين رجالات العلم وله مصنفات وشروح في العقيدة والمنطق والفلسفة والأصول والسير والفقه . ومن مصنفاته (شرح عقيدة التوحيد، وسير المشايخ، ومختصر العدل والإنصاف، وإعراب مشكل الدعائم ) ر: مقدمة كتاب السير : الشماخي – مقدمة التوحيد وشروحها ص20 –الإباضية في موكب التأريخ ج2 ص125 ) ، الأعلام ج1 ، ص131 .
(3) - شرح مختصر العدل والإنصاف . (1/95)
صفحة 96
أي ثبت ذلك عندهم، والمراد به هنا المعنى الأول وهو الإمكان الخاص بمعونة المقام .
والترجيح: هو بيان القوة لأحد المتعارضين على الآخر .
والمخصص: هو فاعل التخصيص .
وفاعل الرجحان: هو الذي صدر منه ترجيح أحد الطرفين على الآخر.
* واجب الوجود :
25- أو كان موجوداً يحيلُ العقل أن يكُ حادثاً أو مضمحلاً فانِ
26- فهو الذي وِجَبَ الوجود لذاتِهِ لا غيره سبحانهُ الدَّيّانِ
27- إذ ليس في الأشياءِ إلا خالق وسواه مخلوق ضعيف عانِ (1)
أي والذي كان من الأشياء موجودا لم يتقدم له سبق عدم، ولا يجوّز العقل وجوده بعد عدم، ولا يجوز أن يكون ذاهياً فانياً بعد وجوده، فذلك هو وجود واجب الوجود لذاته، ولا يتصف بذلك الوجود الواجب لذاته إلا من انفرد بالكمال الذاتي وهو الله عز وجل لا غيره، سبحانه أن يكون له شرك في هذه الصفة الخاصة به، وهو الوجود الواجب لذاته، فجميع ما عداه جائز الوجود والعدم أو مستحيل الوجود وكل ما جاز عدمه استحال قدمه .
فقدم القرآن مستحيل لذلك، وإنما قلنا أن الوجود الواجب مختص به الله عز وجل، لا يشاركه فيه غيره، إذ ليس في الوجود إلا خالق أو مخلوق، فالخالق هو الموجد القوي القاهر، والمحدث هو العاجز المقهور ولا ثالث هنالك .
ومحال أن يكون الوجوب الذاتي للحادث العاجز، فوجب أن يكون للموجد القادر القاهر .
فقوله أو كان موجوداً: معطوف على قوله ما كان معدوماً وحذف الموصول لدلالة (2) الأول عليه .
وقوله يحيل العقل : أي يمنع العقل ، أي لا يتصور فيه جواز حدوثه وعدمه .
وقوله إن يكُ حادثاً: أي يأبى العقل كونه موجوداً بعد عدم . وجزم بأن المصدريّة على حد قول الشاعر :
تعالوا إلى أن يأتينا الصيد نحطبُ (3)
__________
(1) - الأبيات ساقطة في حـ .
(2) - - حـ
(3) - القائل للبيت من بني صبح من بني ضبة وصدر البيت :
إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا تعالوا إلى أن يأتينا الصيد نحطُب
ر: مغني اللبيب، ابن هشام ، ج1، ص30، ت: محيي الدين عبد الحميد . (1/96)
صفحة 97
والمضمحل: الذاهب، والضمير من قوله فهو يعود إلى الوجود المأخوذ من معنى الموجود . ولا بدّ من تقدير مضافٍ محذوف تقديره : فهو وجود الذي وجب الوجود لذاتِهِ. وإنما قدرنا مضافا هكذا لأن التقسيم إنما هو للوجود لا للموجود، وكذا فيما تقدم .
وقوله سبحانه: أي تنزيها له أن تكون هذه الصفة التي هي الوجود الواجب لغيره .
والديّان: بدل من الضمير، ومعنى الديّان المجازي لعباده على أعمالهم الحسنة والقبيحة .
وقوله إذ ليس في الأشياء:تعليل لما ذكره والمراد بالأشياء هنا الموجودات .
وقوله وسوداه : أي وغيره.
*مستحيل الموجود:
28-أو كان شيئا يستحيل وجوده فهو المحال الواجب البطلانِ
29-كوجود موجود قديم عند من قد جلّ عن ندًّ وعن خلانِ
أي أو ما كان ذلك الشيء شيئا يمنع العقل وجوده ,فوجود ذلك الشيء هو المحال الباطل إمكان وجوده مثال ذلك المحال هو كوجود شيء موجود في القِدَمِ الأزلي عند الذي قد عظُمَ شأنه عن مثل ينادّه وعن أصدقاء يساعدونه .
فقوله أو كان شيئاً : معطوف على ذلك الشيء شيئاً صفته كذا وفي كلامه إطلاق الشيء على المعدوم ,وهو المذهب (1) يقال :هذا شيء موجود ,وهذا شيء معلوم , فأعلم الألفاظ عند شيء ثم بعده لفظ معلوم ,ثم موجود , وأعلم الألفاظ عند الأشعرية:معلوم.
وقوله يستحيل :أي يمتنع.
وقوله فهو المحال:أي فوجوده هو المحال بضم الميم مفعول من إحالة العقل إذا منعه .
__________
(1) - أوضح الإمام البّرادي هذه الحقيقة بقوله: ((حقيقة الشيء عندنا هو المخبر عنه ,وعن الاشعرية هو الموجود ,والمعدوم عندهم ليس بشيء وعندنا شيء معدوم ,والمعدوم عندنا ليس بشيء)) . ر:البعد الحضاري, الجعبيري ص204. (1/97)
صفحة 98
وقوله الواجب البطلان :تبين للمحال بأن وجوده واجب البطلان .ومعنى واجب البطلان أي :بطلان وجوده ثابت بالعقل,وذلك كما مثل له المصنف بقوله كوجود موجود قديم ععند من قد جل .. الخ . أي فمثال ما كان محالاً عقلياً، وهو وجود موجود في القدم غير الله عز وجل، وذلك لأن القدم صفة قد اختص بها المولى فيحيل العقلُ مشاركته في صفه قد اختص بها، إذ (1) لو كان مشاركاً فيها، لم تثبت له خُصوصية بها ولكان فيها هو وغيره سواء ، فظهر بطلان القول بقدم القرآن، وبطلان قول الأشعرية بأن الصفات الذاتية معان حقيقية قائمة بالذات العلية وسيأتى بيان مذهبهم والإستدلال على ردّه عليهم إن شاء الله تعالى .
وقوله قد جلّ : أي عظم شأنه .
والنَّد : بالكسر ((المثل)). قال في المصباح : ولا يكون إلا مخالفاً .
والخلاّن : الأصدقاء، ونفي الأصدقاء عنه إنما هو باعتبار المعنى المعهود فلا ينافي أنه قد اتخذ إبراهيم خليلاً (2) ، لأن خلة إبراهيم للرحمن إنما هي محض اصطفاء ورفع شأن وبيان لعظم منزلة الخليل عليه السلام، ولما كانت الحنابلة تجوّز تعدد القدماء _ كما حكا عنهم السيد الجرجاني (3) في شرح خطبة الكشاف ـ شرع في بيان بُطلان تجويزهم ذلك فقال :
* الإستدلال عن طريق القِدم:
30- أيكون مع ربي قديمُ غيره لو كان ذلك كان ثم اثنانِ
31- وإذا يجوز ثلاثة أو ضعفها وكذا يجوز الألف والألفانِ
33- فلمن تكون عبادتي أفغير ربِّـ ـي للعبادةِ مستحق ثانِ
__________
(1) - حـ : ان .
(2) - دليل الآية { واتخذ الله إبراهيم خليلا } النساء 125 .
(3) - علي بن محمد بن علي (740- 861) عرف بالسيد الجرجاني , علّم في سمرقند وشيراز , من كبار علما الكلام وعلاّمة مشهور بالافاق وله تضلع بالفلسفة وعلم الكلام وأصول الفقه والمنطق وعلم الهيئة . ومن مؤلفاته :التعريفات وشرح مواقف الإيجي وشرح السراجية .ر:دائرة المعارف الإسلامية ,ج6 ,ص333 ,والأعلام، ج5،ص7 (1/98)
صفحة 99
أي أثبت موجود في الأزل غير ربي عز وجل، كلا لا يجوز أن يثبت ذلك لأنه لو ثبت قديم غيره لكان في الأزل قديمان، وإذا ثبت كون قديمين في الأزل جوّز العقل أن يكون هنالك قديم ثالث أيضاً، وكذا يجوز أن يكونوا ستة قدماء، وكذا يجوز أن يكونوا عشرة قدماء، وكذا يجوز أن يكون ألف وألفي قديم، وهكذا إلى مالا نهاية. فلو ثبت لك أو شيء منه، لكان كل واحدٍ من تلك القدماء مستحقاً لأن يوجه العباد إليه أعمالهم على جهة التذلل له والتقرب إليه، وهذا باطل . لما يترتب عليه من تجويز الشرك بتجويز العبادة لغير الله تعالى، بل لا يستحق العبادة إلا هو عز وجل { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } (1) . وهذا الإستدلال إنما يتم بتسليم أمرين :
أحدهما : هل القدم صفة لأجلها يستحق المتصف بها العبادة، وينفرد باستحقاقها عن غيره ؟
قلنا : نعم، لأن القديم الأزلي هو الذي أوجد الأشياء واخترعها وقسّمها في أصنافها وأنواعها، وكلف بعضها التكاليف، فلو لم يكن قديماً لكان من جنسها ومن بعض أنواعها، فلا يمتاز عنها بشيء، فلا يستحق لأن يُعبد بل لا يجوز له ذلك، فبالإتصاف بالقدم امتاز عنها وبالإنفراد به استحق الإنقياد منها .
وثانيهما: هل تجويز قدماء متعددة يستلزم تجويز العبادة لغير واجب الوجود ؟
قلنا: نعم، لأنه إذا ظهر لك أن القدم هو الصفة التي امتاز بها القديم عن المحدث ولأجلها استحق ما استحق من الكمالات، وانقياد المخلوقات له، وجب أنه لو جاز أن يكون غيره متصفاً بها لجاز أن تكون العبادة لغيره، فإذاً يجوز الشرك به وهو باطل قطعاً.
__________
(1) - الزمر : 64 . (1/99)
صفحة 100
فقوله أيكون مع ربي قديم..الخ : إنكار لوجود قديم غير الله، واستدل على بطلان (1) وجوده بالقياس الإستثنائي حيث قال :( لو كان ذلك ثَمَ اثنانِ ومعنى ثَم : هنالك وهو إشارة إلى الأزل، ولما كان التالي محتاجاً إلى الإستدلال على ثبوت بطلانه استدلال عليه بقوله : وكذا يجوز ثلاثة ..الخ .
والمراد بضعفها: هو زيادة ثلاثة أخر عليها فتكون ستة قدماء، ثم مشى اللزوم إلى ما لا نهاية، فذكر الألف والألفين ليس بغاية في الإلزام وإنما هو مبالغة في تجويز (2) ثبوت المتعددات من القدماء ولما خشي أن لا يردعهم ذلك الإلزام، استدل عليه بإلزام آخر هو أنه يلزمهم أن يكون غير الله مستحقاً للعبادة فأنكر عليهم بقوله : فلمن تكون عبادتي أفغير ربي..الخ .
وللحنابلة أن يقولوا تجويز العبادة لغير الله إنما هو ممنوع شرعاً لا عقلاً، فلو لم يرد الشرع بتحريمها لغير الله لم يُحلَ العقل وجودها لغيره، وقد عبدت اليهودُ عزيراً، والنصارى عيسى والعرب الأصنام، فهذه عبادة منهم قد وقعت لغير الله تعالى الوقوع أخص من الجواز لأن الجائز قد يقع وقد لا يقع .
ويجاب بأن المصنف لم يستدلَّ بعدم جواز وقوع العبادة في العقل لغير الله، وإنما استدل بعدم جواز استحقاقها لغير الله، فغيره عز وجل لا يستحقها وإن وقعت له .
* الإستدلال عن طريق نفي الشريك عنه تعالى :
33- جلّ المهيمنُ عن شريكٍ عندهُ في الذاتِ والأفعالِ والإحسانِ
34- لو كان في الملكوتِ ثانٍ عنده لتخالفا في الأمرِ والسلطانِ
35- ولكان مقهوراً ذليلاً عاجزاً إن كان شيء لم يشأه الثاني
__________
(1) - حـ : وجدان .
(2) - _ حـ . (1/100)
صفحة 101
أي عظم الشهيد على ما في ضمائرنا وما نبديه من ظواهرنا عن أن يكون له مشاركاً في شيء من صفات ذاته أو في شيء من أفعاله وإنعامه على عباده، لأن المشاركة في شيء من صفاته الذاتية توجب للمشارك الكمالات الذاتية التي قام البرهان العقلي والدليل النقلي على استحالة وجودها في غيره ولأنه لو كان له شريك في ملكوته لوجب اختلاف الشريكين في الأمر والقوة لاختلاف أرادتيهما وللزم أن يكون (1) أحدهما مقهوراً عاجزاً إذا نفذت إرادة الآخر في شيء لم يرده هو لأنه لا يكون وهو لم يرده، إلا إذا عجز عن دفعه ووقع على خلاف اختياره وإن اتفقت إرادتهما فلا جائز أن يوجداه معاً لئلا يلزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد، ولا جائز أن يوجداه مرتبا (2) بأن يوجده ثم يوجده الآخر لئلا يلزم تحصيل الحاصل . ولا جائز أن يوجد أحدهما البعض والآخر البعض للزوم عجزهما حينئذ، لأنه لما تعلقت قدرة أحدهما بالبعض سدّ على الآخر طريق تعلق قدرته به، فلا يقدر على مخالفته وهذا عجز .
فقوله جل المهيمن: بمعنى عظم شأنه، والمهيمن هو الشهيد، وآثر التعبير به (3) هنا على غيره من الأسماء تنبيهاً للسامع بأن الله مطّلع على ما في ضميره. فالواجب أن يراقب نفسه فلا يعتقد غير الحق في حق الله عز وجل .
وقوله عنده: العندية مجازية لأنها عبارة عن علو الشأن وعزة السلطان.
وقوله في الذات: أي في صفات الذات فهو على تقدير مضاف محذوف لأن الذات لا يشارك فيها، وإنما تكون المشاركة في الصفات.
والأفعال: جمع فعل وهو هنا عبارة عن تأثير قدرة الله تعالى في المقدورات .
والإحسان: هو الإنعام على المخلوقات وهو نوع من الأفعال عطف عليه عطف خاصٍّ على عامٍّ تنبيهاً للسامع بأن من كان فاعلاً للإحسان إلى المخلوقات عموماً وإلى السامع خصوصاً يجب أن لا يجهل شأنه فلا يوصف غيره بصفته الخاصة به .
__________
(1) - -حـ
(2) - حـ : مرتبان .
(3) - - حـ (1/101)
صفحة 102
وقوله لو كان في الملكوت: أي لو ثبت عنده في الملك ثانٍ للزم اختلافهما .. الخ، فالملكوت بمعنى الملك، وهو مطلق التصرف في الأشياء مع عدم المعارض، جاء به على هذا الوزن المقتضى للمبالغة لقصد المبالغة في نفي الشريك في الملك (1) .
وقوله في الأمر: أي الشأن لأن الأمر يطلق على الشأن تارة وعلى القول المخصوص أخرى، وعلى الصفة تارة، وعلى الفعل طورا، والأنسب هنا تفسيره بالمعنى الأول.
والسلطان: يطلق على معانٍ منها الحجة والقدرة وكلاهما محتمل في البيت أن يكون مراداً .
وقوله ولكان مقهوراً: أي ولكان أحد المشتركين في الملكوت مغلوباً عليه غير قادرٍ على إتمام مراده، إذا وقع شيء بإرادة شريكه ولم يرد وقوعه هو، وأيهما كان مقهوراً عاجزاً فليس ذلك بالإه لأن من الصفات الواجبة للإله أن يكون قاهراً قادراً .
* الإستدلال بنفي المثل عنه تعالى :
36- هذا دليل العقل ليس كمثلهِ شيءٌ يصدّقه من القرآن
أي هذا البرهان الذي ذكرته واحتججت به على نفي قديم غير الله تعالى هو دليل عقلي، وله من الكتاب العزيز ما يشهد له ويصدقه لأن العقل إذا كان مؤيداً بالنقل كان ذلك أقوى في الحجة وأوضح في المحجة، وذلك المصداق هو قوله تعالى { ليس كمثله شيء } ففي هذه الآية (2) مقنع لمن أراد الله به الهداية، فإنها دالة على نفي المثل عنه تعالى، وإذا انتفى عنه المثل وجب أن لا يكون قديم غيره لأنه لو كان قديم غيره لكان له مثل، ووجود المثل باطل بهذه الآية فبطل وجود قديم غيره.
فإن قيل : إن الآية دالة على نفي المثل عن مثله تعالى لا على نفي المثل عنه تعالى، فلا دليل لكم في الآية .
__________
(1) - + ب
(2) - - حـ (1/102)
صفحة 103
قلنا : نفي المثل عن مثله يستلزم نفي مثله على طريق المبالغة لأنه إذا انتفى وجود المثل عن مثله والحال إن وجوده تعالى ثابت بالدليل القاطع فقد رجع النفي لمثله وهو أبلغ من أن لو قيل: ليس مثله شيئاً، فظهر أن هذا الجواب أقوى في الحجة مما أجاب به بعضهم من أن الكاف في الآية زائدة للتأكيد. والتقدير: ليس مثله شيئاً .
وعلى هذا الجواب الأخير عوّل ابن النظر في قوله:
وليس كمثل الله شيء وإنما هنا الكاف حشو للكلام لكي يتم
* الإستدلال بالخلق { خالق كل شيء } :
37- واللهُ خالقُ كل شيء حجة في خلقهِ ناهيك من برهانِ
38- إن قلت بالتخصيص للقرآن من هذا الدليل الواضح التبيانِ
39- وجعلته كالقول فيمن أوتيت من كل شيء نازح أو دانِ
40- وكما أتى في ريح عاد إذ تدمـ ـر كل شيء كان في الأكوانِ
41- فأقول إن العقل خصص أولا إذ ليس يخطر في نهى الإنسانِ
42- إن توت ما لم يخلق الباري ولا ما دمّرته طوارق الحدثانِ
43- والحس خصص ثانياً إذ ظاهر للحسِّ ما لم يفنِ والأعيانِ
44- والعقل يأبى ثالثاً أي غير مخلوق وغير الخالق المنانِ
45- أيكون شيء غير مخلوق ولا هو خالق هذا من البهتانِ
أي وقوله تعالى { خالق كل شيء } وقوله { إنَّا كل شيء خلقناه بقدر } (1) دليل قاطع على خلق القرآن كغيره من سائر المخلوقات، لأنه شيء والقرآن دال على أن الله خالق كل شيء، وشدّ بهذا الدليل عضدك، فهو يكفيك عن طلب دليل آخر، لكن لمّا كان ضمّ دليل إلى دليل مثله أقنع للخصم وأظهر للحجة وأردنا من الاحتجاج العقلي والنقلي ما سمعت.
__________
(1) - القمر: 49. (1/103)
صفحة 104
فإن قلت : إن لفظ هاتين الآيتين عام وقد دخله التخصيص يكون الله غير مخلوق وهو شيء، فلِمَ لا يجوز أن يخرج من عكوم لفظه القرآن وله في ذ لك نظائر؟ منها قوله تعالى في حق بلقيس { وأوتيت من كل شيء } (1) . فظاهره أنها أوتيت من جميع ما نأى وما دنا، وليس كذلك بل هو عموم أريد به الخصوص. ومنها قوله تعالى في ريح عاد { تدمر كل شيء } (2) ومن المعلوم لم تدمر السماوات السبع والأراضين السبع والجبال والبحار وغير ذلك . فلفظ الآية عام أريد به التخصيص،فكذلك قوله تعالى { خالق كل شيء } وقوله { إنًّا كل شيء خلقناه بقدر } .
فأقول مجيباً لك عن هذا الإعتراض: إنه ورد التخصيص لآية بلقيس ولآية ريح عاد. فأما التخصيص لآية بلقيس فهو من العقل لأنه لا يخطر بعقل إنسان أنها أعطيت من الأشياء التي وجدت قبلها فعدمت ولا من الأشياء التي وجدت بعدما عدمت هي . فإن الضرورة قاضية بأن المتأخر (3) وجوداً لا يملك المتقدم وجوداً، إذا عدم قبله ولا يملك ما وجد بعد عدمِهِ. وأما التخصيص لآية الريح، فهو أن الحس قد شاهد السماوات والأراضين والجبال وغيرها غير مدمّرة، وهي أشياء، فقضى العقل لوجود هذه المشاهدة بتخصيص تلك الآية كما قضى بتخصيص آية بلقيس، ولا مخصص لقوله تعالى { خالق كل شيء } ، بل العقل يمنع وجود موجود ثالث هو غير خالق وغير مخلوق لما قدم من الدليل القاطع على أن الأشياء الموجودة إما خالق وإما مخلوق. وقد قام البرهان أيضاً بوحدانية الخالق، فهذا حكم العقل مؤكد لعموم { خالق كل شيء } لا مخصِّص له .
فإن قلت: قد خرج عن عموم الآية بعض الأشياء وهو الله عز وجل، لأنه غير مخلوق وهو شيء.
قلت: قد أجاب المصنف عن هذا الإعتراض بما سيأتي:
__________
(1) - النمل : 23.
(2) - الأحقاف 25
(3) - الفقرة –حـ (1/104)
صفحة 105
فقوله: { والله خالق كل شيء } باق على عمومه، لأنه إذا أخرج العقل بعض أفراد العام ولم يكن مخصصٌ آخر يخرج بعضاً آخر، بقي العموم متناولاً جميع ما عدا المخرج، وقد قام البرهان العقلي (1) والدليل النقلي، على إبقاء هذا العام على عمومه فيما عدا الخالق عز وجل، لأن العقل يحيل أن يكون الخالق مخلوقاً .
وقوله حجة: أي دليل. وقد عرّف بعض العلماء الحجة بما نصّه : ( الحجة هو ما يقع به للناظر حقيقة الشيء المنظور فيه )
وقوله في خلقه: أي على خلقه، ففي بمعنى على .
وقوله ناهيك من برهان: أي حسبك برهانا، قال في القاموس وشرحه: ويقال نهيك من رجل بفتح فسكون، وناهيك منه، ونهاك منه، أي كافيك من رجل، كله بمعنى : حسب .
قال الجوهري: أنه بجده وغناؤه ينهاك عن تطلب غيره وأنشد:
هو الشيخ الذي حدثت عنه نهاك الشيخ مكرمة وفخرا (2)
وقوله : إن قلت بالتخصيص للقرآن..الخ: إشارة إلىاعتراض صاحب تلك النونية بما نصه :
ولئن نكصت وقلت شيء محدث والله أحدث كل شيء فانِ
جئناك في رفق بأيسر حجة بالشيء مختصاً من القرآنِ
في ملك بلقيس وما قد أوتيت من كل شيء نازح أو دانِ
لم تؤت مما قبلها أو بعدها شيئاً فكن ذا خبرة وبيانِ
وحاصل جواب المصنف عنه أن آية بلقيس قد خصصها العقل، ولم يخصص قوله { خالق كل شيء } عقل ولا نقل إلا ما أخرجه العقل من أن الخالق لا يكون مخلوقاً، وليس القرآن خالقاً حتى يخصّص بهذا الدليل سلمنا أن الشيء قد أتى في القرآن عاماً يراد به الخصوص، لكنا لا نسلم أنه يراد به الخصوص هاهنا بل الدليل يؤكد عمومه .
فبمساعدة العقل والنقل لعموم { خالق كل شيء } صارت دلالته على المطلوب قطعية.
__________
(1) - التصحيح من ب ، حـ ، حيث ورد في م : 0 البرهان النقلي والدليل العقلي )
(2) - لم أجد مثبتة للبيت ر: الجوهري، الصحاح – لسان العرب، ابن منظور : مادة نهى . (1/105)
صفحة 106
وقوله الواضح التبيان: بمعنى ظاهر البيان فزيادة التاء مبالغة على حد قوله تعالى { تبيانا لكل شيء } (1) .
وقوله وجعلته كالقول : أي المقول .
وقوله فيمن أوتيت: أي في التي أوتيت والمراد بها بلقيس صاحبة سليمان عليه السلام والإشارة إلى قوله تعالى { وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم } .
وقوله من نازح: أي بعيد من نزح عن وطنه إذا نأى عنه .
وقوله أو دان: أي ودان فأو بمعنى الواو ودانِ أي: قريب، من دنا يدون من الشيء، إذا قرب منه، وهذا تفسير لظاهر العموم من قوله { وأوتيت من كل شيء } .
وقوله فأقول أن العقل : منع لمساواة المعترض بين العمومين .
وقوله إذ ليس يخطر ..الخ: دليل لمدّعاه، وهو تخصيص العقل .
وقوله النَهى: كهُدى: العقل، ويكون جميع نهيه وهي العقل أيضاً، سمي بذلك لأنه ينهى المرء عن ارتكاب مالا ينبغي، وإليه الإشارة بقوله تعالى { إن في ذلك لآيات لأولي النُهى } (2)
وقوله ان توت : أي أن تعط، معمول ليخطر،والمراد بقوله (( مالم يخلق الباري )) أي حال وجودها فتمليك شيء لم يخلق بعد محال .
وقوله ولا ما دمرته طوارق الحدثان: أي ولا أفتته النوائب الطوارق.
فدمرته: بمعنى أفنته، وإسناده إلى الطوارق مجاز عقلي .
والطوارق: جمع طارقة، كزوائر جمع زائرة، مؤنث طارق إذا أتى ليلاً، سمي بذلك لاحتياجه إلى طرق الباب أي ضربه .
والحدثان: النوائب وإضافة الطوارق إلى »الحدثان« من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، وأصله: النوائب الطوارق وفي وصف النوائب بالطوارق تجوّز .
وقوله والحس: المراد به هنا الحس البصري، وأسند التخصيص إليه مع أن العقل المخصِّص لا الحس لكون الحس هو طريق تأدية هذا المعنى إلى العقل .
__________
(1) - { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } النحل :89 .
(2) - طه : 128 . (1/106)
صفحة 107
فالعقل إنما عرفه بسبب تأدية الحس البصري إليه، ولما كان تخصيص آية بلقيس بمجرد العقل، لم يسند التخصيص إلى الحس لكن أسنده إلى العقل، ففي إسناده التخصيص إلى الحس هنا تنبيه على سبب تأدية ذلك التخصيص إلى العقل .
وقوله إذ ظاهر للحسِ: تعليل لمدعاه .
وقوله ما لم يفن: أي الذي لم ينعدم ولم تدمره الريح .
وقوله والأعيان: جمع عين، والمراد بها الباصرة، وعطفها على الحس عطف تفسير . ويحتمل أن يريد بالحس مطلق الحواس الخمس فإنه ما من حاسة إلا ويدرك بها شيئاً لم تدمره الريح، فيكون عطف الأعيان على الحس من باب عطف الخاص على العام، وفائدته التنبيه على أن حاسة البصر هي أكثر إدراكاً لهذه الأشياء الموجودة ثم ظهر لي أن هذا الوجه هو الأظهر من كلام المصنف فينبغي أن يحمل عليه.
وقوله والعقل يأبى ثالثاً: أي واللب يمنع موجوداً ثالثاً هو غير خالق وغير مخلوق .
وقوله غير مخلوق: أراد بالمخلوق جميع ما عدا الإله عز وجل فإن جميعها موجود بعد عدم .
وقوله وغير الخالق: أراد بالخالق هو الله عز وجل فإنه هو الموجد للأشياء .
وقوله المنان: أي الموصل النعم الكثيرة إلى خلقه، وآثر الوصف بالمنان هنا لمناسبته معنى الخالق، فإن المنّان في معنى: الرازق، والخلق إنما خُلِقوا محتاجين، فالذي خلقهم أوصل إليهم النعم الكثيرة .
وقوله أيكون شيء: أي موجود لأنه قد تقدم أن الشيء يطلق على المعدوم أيضاً، ولا يسمى المعدوم خالقاً ولا مخلوقاً، وإنما تطلق اسم الشيء نظراً إلى الإخبار عنه، فنقول مثلاً: اجتماع الماء والنار شيء معدوم، وبحر من زئبق شيء معدوم، لأن المعدوم هو ماهية موجودة في الخارج، فتفطن لهذه النكتة تَدرِ بها التحرز مما ألزمته الأشاعرة المعتزلة على قولهم أن المعدوم شيء وشنعوا عليهم لذلك .
وقوله هذا من البهتانِ: أي دعوى موجود غير خالق وغير مخلوق كذب وافتراء، فظهر من هنا بطلان القولِ بقدم ما عدا الخالق تعالى . (1/107)
صفحة 108
46- إن قلت أن الله خالق نفسه إذ كان شيئاً جاء في القرآنِ
47- قلنا يُحيل العقل كون اللهِ مخلوقاً وهذا غاية الكفرانِ
أي إن قلت معترضاً علينا في قولنا بعموم خالق كل شيء بأن الله عز وجل قد سمى نفسه في القرآن شيئاً فقال : { أي شيء أكبر شهادة قل الله } (1) وقال : { كل شيء هالك إلا وجهه } (2) ولأن كل ما ليس بشيء فهو معدوم، والله عز وجل موجود, فهو شيء، فيلزمكم على القولِ بعمومِ خالق كل شيء أن يكون الله عز وجل خالق نفسه لأنه شيء أيضاً .
قلنا مجيبين لك: إن العقل يمنع أن يكون الله عز وجل مخلوقاً . والقول بأنه مخلوق هو الغاية الكبرى في الكفر، وإنما قلنا بأن العقل يحيل أن يكون الله تعالى مخلوقاً، لأنه حينئذ إما أن يكون خالقاً لنفسه، وإما أن يكون غيره خالقاً له، وكلاهما محال عقلا لما يلزم على الأول من أنه إما أن يكون حال خلقه لنفسه موجوداً أو معدوما ومحال أن يكون معدوماً لأن المعدوم لا يوجد شيئاً، وإنما هو نفي محض، وإن كان موجوداً فمحال أن يخلق نفسه أيضاً، لأن خلقه لنفسه بعد وجودها تحصيل للحاصل، وهو في العقل (3) من الباطل، فبطل أن يكون خالقاً لنفسه. وأما البطلان أن يكون خالقاً له – تعالى – غيره، لأنه لو كان غيره خالقاً له، لكن ذلك الغير (4) هو الإله القادر، وهذا المخلوق هو المألوه العاجز. ثم إن قلتم بذلك الخالق خالقاً غيره أيضاً لزم عليه، أما الدور والتسلسل وكلاهما باطل كما سيأتى بيان كل منهما:
48 لو صح هذا فالتسلسل لازم والدور وهو نهاية البطلان
__________
(1) - الأنعام : 19 .
(2) - القصص : 88 .
(3) - حـ :الفعل .
(4) - حـ : المغير (1/108)
صفحة 109
أي لو ثبت هذا القول بأن الله مخلوق – تعالى - عن ذلك لزم عليه التسلسل، إن قلتم بأن خالقه غيره، لأنه لابد لذلك الغير الذي زعمتم أنه هو الخالق إما أن يكون غير مخلوق فيكون هو الإله دون غيره، وإما أن يكون مخلوقاً فيحتاج إلى خالق غيره، وهذا الخالق الذي زعمتموه لابد له من أحد الأمرين المتقدمين في نظيره، وهكذا فأي واحد كان خالقاً غير مخلوق فهو الإله. وإن قلتم أن جميعها فأي واحد كان خالقاً غير مخلوق فهو الإله. وإن قلتم جميعها خالق ومخلوق، لزم عليه عدم النهاية، إذا لاغاية لذلك، وهذا هو التسلسل. وإن قلتم بأن كل واحد منهما خلق الآخر لزم عليه محال آخر، يسمى بالدور ، والدور التسلسل باطلان عقلاً .
فقوله لو صح : أي لو ثبت .
والتسلسل : هو توقف أمر على أمر، وتقف ذلك الأمر على أمر أخر وتقف ذلك الأمر أيضاً على أمر أخر وهكذا ، إلى مالا نهاية، وهو من المحالات العقلية ، ووجه كونه محالاً عقلاً هو أن العقل يمنع وجود أشياء لا غاية لها .
والدور :هو توقف أمر على أمر يتوقف عليه ذلك الأمر بعينه مثالهُ : ما أن لو قالو أن كل واحد خلق الآخر فإنه يلزم على قولهم هذا ان يكون كل واحد منهما موجودا قبل صاحبه ووجود كل واحد منهما قبل الآخر محال، إذ لابدً من تقدم أحدهما على الآخر في الوجود، فمن هنا كان الدور محالاً .
ومثال أيضاً : أن لو قلنا: لا تعرف عمراً حتى تعرف زيداً، ولا عرف زيداً حتى تعرف عمراً ، فإنه يستحيل معرفة كل واحد منهما، لأن (1) معرفة كل واحد منهما متفوقة على معرفة الآخر، فاستحالت المعرفة لكل واحد منهما، وكذا يستحيل وجود كل واحد من الخالقين أن لو قالوا بأن كلا منما خلق الآخر لأن وجود كل واحد منهما متوقف على وجود الآخر, فلا وجود لشئ منهما أصلاً .
49 بل لا وجود لغيره فوجوده قبل الزمان وقبل كل مكان
__________
(1) - في ب : فان . (1/109)
صفحة 110
أي دع عنك هذا المقال الذي لا أظنك تقول به، فإنه لا وجود في الأزل لغيره تعالى حتى يكون خالقاً له مثلا – تعالى الله عن ذلك – فوجوده عز وجل قبل الزمان كله وقبل الأمكنة جميعها لأن الزمان والمكان مخلوقان له – تعالى – ولا يخفى وجوب تقدم الخالق على المخلوق. وإذا عرفت وجوب تقدم وجوده [ على الزمان والمكان يتبين لك وجوب تقدم وجوده ] (1) على كل شيء إنما وجد بعد وجود الزمان والمكان، فلا بد لكل مخلوق من مكان يحويه وزمان يوجد فيه، فثبت بهذا الدليل وجوب قدمِهِ »عز وجل« ووجوب حدوث ما عداه.
*مباينته تعالى لخلقه :
50- فهو المباين خلقه في الذات والأوصافِ والأفعالِ والوجدانِ
51- وكذا الضرورة خالق الأشياءِ ليس كمثلها في الخلق والإمكانِ
... أي فهو »تعالى« مخالف لخلقه في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله (2) وفي وجوده، لأنه هو الخالق لها والمخترع والصانع لها باختياره . والضرورة العقلية قاضية بأن خالق الأشياء لا يكون مثلها في صفاتها من كونها محدثة بعد عدم ومن كون وجودها ممكن العدم، وهكذا في ذواتها وسائر صفاتها .
أما مباينته »تعالى« لخلقه في الذات، فلأن ذاته العليّة ليست مركبة من أجزاء كذات غيره، وليست متحيزة في حيّز ولا متبعضة إلى أبعاض ولا هي متصلة بالأشياء ولا الأشياء متصلة بها، لأن الإتصال والإنفصال والتحيّز والتبعّض والتركب إنما هي من لوازم الجسمانية، والله »عز وجل« ليس بجسم، فلا يجوز أن يتصف بها » تعالى الله عن ذلك .
وأما مباينته لخلقه في صفاته فلأن صفاته »تعالى« ليست هي غيره، بل مدلولها عين ذاته وصفات غيره إنما هي غير ذواتهم، فسمعنا غير ذاتنا وبصرنا غير ذاتنا، وعلمنا غير ذاتنا وإرادتنا غير ذاتنا وقدرتنا غير ذاتنا وهكذا... فنحن نسمع بسمع ونبصر ببصر ونعلم بعلم ونريد بإرادة والله »تعالى« سميع بذاته وبصير بذاته وعليم بذاته ومريد بذاته وهكذا..
__________
(1) - الزيادة في ب .
(2) - -حـ . (1/110)
صفحة 111
وأما مباينته »تعالى« لخلقه في أفعاله، فلأنه تعالى لا يشاركه أحد في فعله، وغيره قد يشارك فيه، ولأنه »تعالى« إذا أراد شيئاً أنفعل له من غير محاولة ومزاولة، ولا كذلك فعل غيره .
وأما مباينته »تعالى« لخلقه في الوجدان أي الوجود، فلأن وجوده »تعالى« واجب، أي:ثابت عقلا ,ووجود غيره جائز أي قابل للبقاء والفناء ولأن وجوده تعالى أوَليَّ,أي سابق لم يتقدمه عدم ,ووجود غيره إنما كان بعد عدم .
وقوله وكذا الضرورة : دليل لمباينته »تعالى« لخلقه، أي مما يظطر العقل إلى القول به مباينة خالق الأشياء لها، لأنه لو كان مثلها لجاز عليه جميع ما يجوز عليها، ويجوز عليها أشياء يتعالى الرب عنها.
وقوله في الخلق : أي في الإيجاد .
وقوله والإمكان : أي جواز العدم ، ولسيت مباينة الله لخلقه محصورة في الخلق والإمكان لما تقدم، وإنما أقتصر المصنف عليها تمثيلاً لا حصراً، وآثرهما بالتمثيل بهما على سائر صفات المخلوقات لمناسبتها غرضه، فان مقصوده بيان إثبات الخلق لجميع المخلوقات وبيان جواز العدم عليهما .
? الجعل بمعنى الخلق و (القرآن معجول) :
52 – وكذلكم أنا جعلناه لنا في خلقه من أوضح البرهان
53 – إن قللت جعل الله ليس بحجة في خلقهِ تهدي إلى البيانِ
54 – سلمت ان الله جاعله لنا نوراً به يهدي أُولي الإيمانِ
55 – فانظر أجعل الله للأشياء عيـ ـن الخلق أو هو غيره يا شاني
56 – إن قلت خلق الله جعل كله أنصفت أو لا فأتني ببيانِ
أي ومثل قوله تعالى { خالق كل شيء } في الدلالة على خلقِ القران، قوله تعالى { إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون } (1) فان الجعل ها هنا بمعنى الخلق، فمعنى قوله { إنا جعلناه } إنا خلقناه، فكل مجعول مخلوق .
فإن قلت مُعارضاً لنا : بأن الجعل المسند إليه »تعالى« ليس هو في جميع المواضع بمعنى الخلق، فقد ورد في القرآن منسنداً إليه »تعالى« لا بذلك المعنى.
__________
(1) - الزخرف : 3 (1/111)
صفحة 112
قال تعالى لأم موسى { إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } (1) . وقال { ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم } (2) وقال { ليجعل ما يلقي الشيطان } (3) وقال { يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة } (4) . وإذا كان الجعل المسند إليه تعالى يكون تارة بمعنى الخلق وأخرى بمعنى غيره في قوله تعالى { إنا جعلناه قرآنا عربياً } ما يدلُ على أن الجعل هنا بمعنى الخلق لم لا يجوز أن يكون الجعل هنا بمعنى التسمية والوصف، فيكون المعنى إنَّا سميناه قرآنا عربياً، فظهر أنه ليس في الآية حجة تدل على البيان الواضح الذي أدّعيته .
قلنا : يمنع من تفسير جعل بسمي وجوه :
أحدها : أنه ليس المقصود بالآية الإخبار عن تسمية القرآن قرآنا عربياً ، وإنما المقصود من الآية الإخبار بأنه تعالى جعله على هذه اللغة التي يفهمها المخاطبون، إقامة للبرهان وإظهاراً للإمتنان يدلك على ذلك قوله { لعلكم تعقلون } أي تعلمون .
وثانيها : أنه لو كان (جعل) في الآية بمعنى سَميّ لا ختل نظام الآية، إذ ليست التسمية علة يرجى معها حصول علمهم فظهر امتناع كون جعل بمعنى سمّي في الآية .
وإن قلت : ليست هي بمعنى خلق وإنما هي بمعنى صيّر مثلاً، قلنا لك: أنه يلزمك أن تسلم أن القرآن مجعول هدىً يهدي به أهل التصديق لقوله تعالى { هدى للمتقين } (5) فانظر بعين عقلك ما معنى كونه مجعولاً هدى ؟ أهو معنى: مخلوق . أم غير ذلك ؟
فإن قلت : لا، ولكنه بمعنى مصيّر هدى للمتقين فهو نظير قوله تعالى { أجعل هذا البلد آمنا } (6) { واجعلني مقيم الصلاة } (7) ولا شك أن البلد وإبراهيم موجودان قبل هذا الدعاء، فليس في وصفها بالجعل المسند إليه تعالى ما يدل على خلقهما بعد ذلك .
__________
(1) - القصص : 7
(2) - آلا عمران : 156
(3) - الحج : 53
(4) - آل عمران : 176 .
(5) - البقرة : 2
(6) - البقرة : 126 .
(7) - إبراهيم : 40 . (1/112)
صفحة 113
قلنا : إن الخليل عليه السلام لم يسأل جعل البلد لنفسه ولا جهل ذاته، وإنما سأل جعل الأمن وجعل إقامته للصلاة ، فالأمن والإقامة المسئولان إنما يوجدان بعد ذلك الدعاء لا قبله. فالأمن والإقامة (1) هما المجعولان لا البلد وإبراهيم، سلمنا أن الجعل في الآيتين بمعنى التصيير، فالتصيير إنما هو تحويل شيء إلى شيء آخر يقال : صيّرت الطين خزفاً.
أم تلك العامرية أسفرت (2) ليلاً فصيّرت المساء صباحاً (3)
أي فحولته بنور وجهها، والتحويل من حالة إلى حالة هو إيجاد غير (4) تلك الحالة التي كان عليها المحوّل وذلك الإيجاد هو الخلق بعينه، وكذا يقال في قوله { وجاعلوه من المرسلين } وقوله تعالى { حسرة في قلوبهم (5) } ، وما أشبه ذلك ، فإن سلمت هذا المعنى، وقلت أن الجعل المسند إليه تعالى كله بمعنى الخلق فقد جئت بالإنصاف، وان امتنعت من التسليم ورجعت إلى المكابرة فأتني ببيان يدل على مدّعاك ولا تجده أصلاً .
فقوله وكذلكم : إشارة إلى استدلاله النقلي المتقدم بيانه .
وقوله إن قلت جعل الله ليس بحجة .. الخ : إشارة إلى ما عارض به صاحب تلك النونية بقوله :
إن كان من إنا جعلناه فما في الجعل ان انصفت من تبيانِ
قد قال إبراهيم ربِ اجعل لنا بلدا بفضلك أفضل البلدانِ
وكذاك فاجعلني مقيم مخلصا حق الصلاة لوجهك المنان
فانظر أكان وقد دعاه لجعله أم لم يكن خلقاً من الرحمنِ
أم لم يكن لما دعاه بمكة واكدح لشأنك قد كدحت لشانِ
فبأي هذا الجعل قلت بأنه خلق تبارك منزِّل الفرقانِ
وقد تقدم جوابه .
وقوله سلّمت : أي لزمك ذلك التسليم سواء نطقت به أو سكتّ. أما إن لم تسلمه فلا خطاب لك لخروجك عن حيّز العقلاء .
وقوله يا شاني : أي يا خصمي .
__________
(1) - ب ، حـ : البلد .
(2) - في م : أشفرت .
(3) - البيت لعمر بن الفارض . ر : ديوان ابن الفارض ج2، ص33 بشرح حسن البوريني، المطبعة الخيرية .
(4) - في ب : إيجاد حالة غير التي ... «
(5) - ب ، حـ . (1/113)
صفحة 114
وقوله : إن قلت جعل الله خلق كله .. الخ : إشارةة إلى ما في رائية ابن النظر مما نصه :
قال فالجعل هو الخلق أم الجعل شيء غيره فيما ذكرْ
قلت جعل الله خلق كله ومن الناسِ مقال مشتهرْ
قال قال الله لم أجعل لكم من بحرٍ ووصيلٍ في البقرْ
قلت قال الله لم أجهل لكم فاعلموا التبحير دينا يحجتجرْ
وصفات بعضها تخلية يقع الوهم عليها والفكرْ
أي قال القدريّ المناظر لي : الجعل هو الخلق أم للجعلِ معنى غير الخلق فيما ذكر ربنا عز وجل .
قلتُ مجيباً له : إن الجعل المسند إليه الله تعالى معناه كله الخلق لا غير ذلك. ويرد الجعل من كلام الناس أيضاً بمعنى الخلق ووروده لذلك من كلامهم مقال مشتهر بين الخاص والعام .
فقال المناظر لي : إن الله عز وجل قال في كتابه: { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام } (1) . فهذا جعل المسند إليه تعالى في حيز السلب، وليس هو بمعنى خلق، لأنه لو كان بمعنى خلق للزم عليه أن يكون الله »عزوجل« لم يخلق البحيرة وما بعدها، لكنه خلقعها وما بعدها فظهر أن جعل في الآية ليس بمعنى خلق .
__________
(1) - المائدة : 103 .
? ... البحيرة : الناقة إذا انتجت خمسة أبطن عمد إلى الخامس فيما لم يكن سبقاً (ذكراً) بتك أذانها ثم لا يجر لها وبر ولايذوق لها لبن وسماها لآلهتهم .
? ... السائبة : ما يسيب من ماله ولا يمنع من حوض ولا حمى .
? ... وصيلة : الشاة إذا ولدت سبعاً عُمد إلى السابع فان ذكر ذبح وإن كانت أنثى تركت وإن كانت ولدت أثنان ذكر وأنثى قالوا : وصلت أخاها فيتركان.
? ... حام : الفحل إذا لقح عشر سنين قيل : قد حمى ظهره وسمي بـ((حام )) . (1/114)
صفحة 115
فقلت مجيباً له عن اعتراضه: إن الجعل المنفي عن الله »عزوجل« في الآية تصيير التبحير وما بعده ديناً يمتنع به عن أكلها والإنتفاع بها، أي خلق الله لكم تلك الأنعام ولم يشرع لكم في دينه أن تجعلوا منها بحيرة وسائبة ووصيلة وحاميا، فالجعل المنفي هنا هو تصيير ما ذكر دينا وهذه صفة قد نفاها الرب عن نفسه، وصح نفيها لحصولها في الذهن بصورة الخيال ووقوع الفكر عليها، لذلك، فانظر في هذه القاعدة التي أسسها الشيخ ابن النظر هنا، وناظر عليها من عارضه، ودفع الإعتراض الذي ورد عليها كما ترى، ثم ورد في النونية المنسوبة إليه ما ينقض هذا كله كما هو ظاهر، فانظر أي جامع يصحح نسبة النونية إليه، على أن هذه الأبيات مطابقة للحق الجلي وما في تلك النونية من كلام في قدم القرآن من الباطل الغير الخفي، بل هو من الشرك الظاهر الجلي إن لم يكن متأولاً كما صرح به الإمام أبو سعيد »رضي الله عنه« .
وقد تقدم إبن النظر هذا إمام من أئمة المسلمين في العلم، فنسبة ما هو شرك إليه بل ما هو فسق باطل محض . وقد تقدم القول ما يغني عن إعادته مرة أخرى في حكم من بقدم هذا القرآن المتلو، فراجعه مما تقدم، وقد تقدم أيضاً في الخطبة (1) ما قاله أبو القاسم البرادي عقيب هذه الأبيات فلا تشغل بإعادته .
? القرآن محدّث والمحدث مخلوق :
57 – وكذاك ذكر محدث يهدي إلى إحداثه حقاً بلا كتمانِ
58 – إن قلت ليس بحادث في ذاته والله أحدثه إلى الإنسانِ
59 – قلنا حدوث الذت والإحداث للإنسانِ في القرآنِ مجتمعانِ
__________
(1) - في مقدمة الرسالة . (1/115)
صفحة 116
أي وكما يدل على خلق القرآن قوله تعالى { خالق كل شيء } وقوله تعالى { إنا جعلناه قرآنا عربيا } كذلك يدل على خلقه قوله تعالى { ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلاَّ استمعوه وخم يلعبون } (1) وقوله تعالى { وما يأتيهم من دكر من الرحمن محدث إلاَّكانو عنه معرضين } (2) . وجه الإستدلالا بالآيتين أنه تعالى وصفه بأنه ذكر محدث، والمحدث هو الموجود بعد عدم. فالآيتان صريحتان في خلق القرآن. وفي الآية الأولى دليل ثانٍ على خلقه هو أنه تعالى وصف الذكر بأنه مستمع ,وكل مستمع حادث لأن الإستماع لا يكون إلا للفظٍمشتمل على معانٍ، وكل ما هو كذلك فهو مخلوق لما تقدم من البرهانِ على خلقه. فان اعترضت علينا في الاستدلالين الأولين من هاتين الآيتين وقلت بأنه ليس المراد من قوله تعالى محدث حدوث ذات القران، وإنما المراد منه أنه طارىء على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ويقال للشيء الغريب الطارىء هذا محدث.
قلنا مجيبين لك عن هذا الإعتراض : أن حدوث ما هيّة القرآن وطروءه على على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كلاهما مجمّع في القرآن، فلا يتنافيان. وتفسيرك لمحدث بمعنى طارىء خلاف الظاهر، ولا دليل لك على صرف اللفظ عن ظاهره. ثم ان قولك طارىء على رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - دليل تنطق به من فيك على نفسك، فان كل طارىء مخلوق. أما القديم الأزلي فلا يتصف بالطروّ والتنقل .
فقوله يهدي إلى احداثه: أي يدل على إيجاده بعد عدم. وآثر التعبير بالإحداث عن الحدوث لأن الإحداث أنسب لما في الآيتين من التعبير بالمحدث، وفيه التنبيه على أن الشيء المحدث لايكون حادثاً بنفسه، بل لابد له من محدث، هو غيره .
وقوله حقاً : صفة لمصدر محذوف تقديره هداية حقاً.
والكتمان : بالكسر : الإخفاء، أي تدل الآيتان على خلقه دلالة صدق لا إخفاء معها لظهور الإستدلال بهما.
__________
(1) - الأنبياء : 2 .
(2) - الشعراء : 5 . (1/116)
صفحة 117
وقوله إن قلت ليس بحادث في ذاته : أي إن قلت إن ذات القرآن ليست حادثة وإنما وصفه بالحدوث لكونه وجد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن لم يكن موجوداً معه .
وجوابه : ما ذكره ان هذا لا ينافي كونه محدثاً في ذاته، بل هو مما يدل على حقيقة ذلك القول. وأشار بهذا الكلام إلى ما في تلك النونية مما نصه:
وان احتججت وقلت ذكر محدث وجهلت حق تأول القرآنِ
أعظمت إفكاً وادّعيت خطيئة والله أحدثه إلى الإنسانِ
فليت شعري هل يفهم صاحب هذه النونية ما يقول ؟ وهل يدري أينا المتأوّل (1) قوله تعالى { ذكر محدث } ؟ وهل يدري أين الجاهل بذلك ؟ بل أينا أعظم إفكاً وادعى خطيئة؟ وهل يغنيه قوله :» والله أحدثه إلى الإنسان« في صرف تلك الآية عن ظاهرها؟ ثم إنَّا نسأله، هل يصح له أن يرتب هذا الشتم الشنيع والتخطئة الجلية على الإحتجاج بقوله تعلى { ما يأتيهم من ذكر ربهم محدث } فإنه لو كان الإحتجاج بها غير حق مثلا لوجب عليه أن يبين وجه عدم حقه. ثم إن كان هو أحمق رتب عليه هذا الشتم، وأين هذا الطيش من رزانة أبن النظر، فإنه (2) لما حاور القدري من معتزلي وغيره ، مهد تلك القواعد المنيعة ولم يبتدئهم بالمقالات الشنيعة، وكذا في رده على المشبهة وغيرهم، حاشا ابن النظر عن هذه الشعبذة (3) (4) .
? إعتراض :
60 إن قلت غير مسلّم ودليلنا في ذلك أن الذكر ليس بفانِ
61 فأقول إمكان الفناء كفى به في رد ما قدمت من برهانِ
62 وكذا ثوب الطائعين بجنة لا ينقضي والخلد في النيرانِ
63 أفليس مخلوقا بلى هو حادث فضلا وعدلا من عظيم الشانِ
__________
(1) - المتأول : تأول الشيء إذا فسره وقدره .
(2) - حـ .
(3) - حـ :الشنيعة .
(4) الشعبذة : من شعبذ : أي مهر في الإحتيال وأرى الشيء على غير حقيقته . (1/117)
صفحة 118
أي إن قلت معترضا علينا في استدلالنا بذكر محدث على خلق القرآن، وقلت هذا الإستدلال غير مسلّم، ودليلنا على عدم حدوثه قوله تعالى : { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده سبعة أبحار ما نفدت كلمات الله } (1) . ووجه الإستدلال أن معنى الآية لو صار جميع ما في البحار مداداً وجميع أشجار الأرض من نباتات وغيرها أقلاماً، وجميع الحيوانات كتبه، وجميع الجمادات قراطيس، ثم امتدت بهم وطالت مدتهم حتى كتبوا بتلك الأقلام وتلك البحار التي صارت مداداً على تلك القراطيس كلام الله »تعالى« لفنيت جميع المخلوقات ، ولم يفن كلام الله »تعالى« فقد بيّن سبحانه وتعالى جميع المخلوقات تفنى، وكلامه لا يفنى، علمنا أنه لا يفنى لأنه قديم، وتفنى المخلوقات بالإضافة إليها محدثة مخلوقة.
قلنا : إن سلّمنا لك هذا الإستدلال على عدم وقوع الفناء للكلام الفعلي فجواز فنائه كاف في الإستدلال على قدمه، لأن ماجاز عدمه استحال قدمه، وإمكان فنائه عقلا كاف في دفع برهانك الذي قصدته، وسأسوق لذلك نظيراً تعرف به الحق، فأقول بأن ثواب الطائعين في دار الجزاء، وعقاب العاصين في دار المجازاة لا يفنيان لقيام الدليل القاطع النقلي على تخليد أهل الجنة في النعيم وأهل النار في الجحيم. فهذا نظير الكلام الفعلي إن سلمنا لك عدم وقوع فنائه. أليس ثواب الطائعين وعقاب العاصين مخلوقين؟ بلى، هما مخلوقان عدلا في عقاب أهل المعاصي وفضلا في ثواب أهل الطاعة. هذا كله مجاراة للخصم وإلا فدليله على عدم الفناء غير مسلّم لأنه ليس المراد من قوله تعالى { ما نفدت كلمات الله } ، الكتب المنزلة. كيف يكون المراد ذلك، وضرورة العقل شهادة بأن أهل كل كتاب منزل (2) قد كتبوا كتابهم، وقرؤوه، فضبت الكتب المنزلة بأقلام دون الأشجار كلها، ومداد دون البحار المذكوره، فوجب حمل الآية على خلاف تعسفه.
__________
(1) - لقمان : 27 .
(2) - حـ . (1/118)
صفحة 119
فنقول :المراد بالكلمات التي لا تنفد وان كتبت بما ذكر هي آياته الباهرة الدالة على قدرته القاهرة وحكمته البالغة ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد (1) .
فو فرضنا أن الأشجار كلها أقلام، والبحر كلها مداد لاحتاج كل قلم أن يكتب ما فيه من الآيات الدالة على وحدانية الفاعل المختار، وكذا كل قطرة من تلك البحار، فتنفي هذه الأشياء ولم تفن الآيات الدالة على وجود الصانع المختار. هذا بيان معنى تلك الآية لا كما تأوّله ذلك المتأوّل بسبب صدمه عن الهدى وخوضه في لجج العمى وإيثار التقليد على التحقيق.
اللهم افتح بصائرنا لمعرفة الحق ووفقنا لما فيه رضاك، فإنه لاحول ولاقوة إلا بك، ولا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
? إعتراض :
64 إن قلت فيه أمره مع نهيه لازالتا صفتين للمنانِ (2)
65 فأقول أمر الله خلقٌ كله مع نهيه فليشهد الثقلانِ
أي أن قلت أيها المناظر بأن القرآن فيه أمر الله ونهيه وهما صفتان لله تعالى في الأزل ، فإنه لم يزل آمرا ولم يزل ناهياً. وما كان له تعالى صفه في الأزل، فلا يصح أن يكون مخلوقاً لاستحالة قيام الحوادث بذاته العليّة ولمنافاة الحوادث الأزلية. وإذا انتفى الخلق عن بعض القرآن وهما الأمر والنهي وجب انتفاؤه عن جمعيه، لأنه لم يقل أحد بأن بعضه قديم وبعضه مخلوق، ولأنه يثبت للكل ما ثبت للبعض من هذا الحكم.
فأقول مجيباً لك : لا أسلم أن أمره تعالى ونهيه متصف بهما في الأزلية، وإنما أقول إنهما حادثان كسائر القرآن، أقول ذلك بإعلان، فليعلم الثقلان وهما الجن والإنس كيف أخفي ذلك وهو من أعظم القربات لأن القول به من توحيد الذات، ولأن في الإعلان به نفي الشبهات وإظهار الحجج النّيرات.
__________
(1) - من الدليل الأبيات التالية لأبي العتاهية:
أيا عجباً كيف يُعصي الإله ... أم كيف يجحده الجاحدُ
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحدُ
... ... ... ... ... ... (البحر المتقارب)
(2) * في مجم : للديان . (1/119)
صفحة 120
أما قول القائل لم يزل ناهياً، فمنعه بعض أصحابنا لإيهامه أن في الأزل مأموراً ومنهياً، وأجازه البعض بتأويل أنه تعالى قادر أن يأمر وقادر أن ينهي كما سيأتى :
66 وكذاك فعل الله أيضاً مطلقاً وكلامه الفعلي كالأبدانِ
67 وكذا الخطاب وروحه عيسى وما اعدامه في حيّز الإمكانِ
68 أثر وتأثير فكل محدث خلق لمولى خالق منّانِ
أي، وكما أن أمره تعالى ونهيه مخلوقان فكذلك مفعوله تعالى مطلقاً مخلوق لأن كل مفعول ( فهو ) مخلوق، وكذا كلامه الفعلي مخلوق أيضاً. فهو في الخلق مثل الأجسام، لا فرق بينهما، وكونه أشرف منها وأفضل لا يستلزم أن يكون مخالفاً لها في الخلق . فإن هذه المخلوقات كما تعلم بالضرورة متفاضلة وليست أفضلية الأفضل منها موجبة له في الخلق حكماً يخالق حكم المفضول، وكذلك أيضاً خطابه تعالى مخلوق، وكذلك أيضاً روحه عيسى عليه السلام خلافا للنصارى في زعمهم ألوهيته، أو إنه ابن الله –تعالى الله عن ذلك- وكذلك كل ما أمكن إعدامه فهو مخلوق، لأن كل ما أمكن عدمه استحال قِدَمُه. فهذه الأشياء كلها مما عدا الباري –عز وجل- إما فعل وإما مفعول، وكلها محدثة بعد عدم وكلها خلق لخالق منفرد بالوحدانية .
وقوله وكذاك فعل الله: أي مفعوله تعالى، ففيه إطلاق المصدر على المفعول .
وقوله وكلامه الفعلي: أحترز به عن الكلام الذاتي لأنه معنى اعتباري والمعاني الاعتبارية لا وجود لها في الخارج، وكل مالا وجود له في الخارج فلا يوصف بالخلق ولا بعدمه .
وقوله كالأبدان : أي الأجسام وفيها إشارة إلى قول صاحب تلك النونية:
أو أن يقال الله خالق نفسه وكلامه كالخلق للأبدانِ
حيث ساوى بين كلامه وذاته تعالى، والمساواة باطلة لما تقدم من البرهان، بل مساواة الكلام الفعلي للأبدان في الخلق هو الحق كما عليه المصنف.
وقوله وكذا الخطاب : أصل الخطاب توجيه الكلام نحو الغير للأفهام ثم اشتهر استعماله في الكلام المخاطب به والمراد به هنا : خطاب الله لخلقه. (1/120)
صفحة 121
وقوله وروحه عيسى : إنما سمي عيسى بروح الله لأنه خلق من نفخة جبريل عليه السلام، ثم أن الرب عز وجل أسند تلك النفحة إليه لما صدرت عن أمره فقال: { فنفخنا فيها من روحنا } (1) . وذكر عيسى هنا تعرضاً بالقائل بقدم القرآن بأن مقالته هذه تضاهي مقالة النصارى في عيسى وليس بينهما فرق خلافا لصاحب تلك النونية حيث حاول الفرق بقوله :
ولئن رجعت إلى ابن مريم سائلا عن خير كلمته بلا أكنان
أمهدت لبّك علم ذلك انه من »كن« مشيئته قاهر سلطان
وحاصله أن عيسى سمى كلمة الله لأنه نشأ عن (كن) وهي الكلمة فسمي كلمة الله لذلك.
وكذلك نقول في الكلام المنزل، إنه إنما سمي كلام الله على جهة التشريف له والتمجيد له عن سائر الكلام فأضافة الكلام إليه »تعالى« كإضافة الكلمة في حق عيسى إليه »تعالى« لأنه كما أنه استحال يكون عيسى كلامه أي منطوقاً له بالحقيقة كذلك يستحيل أن يكون الكلام هذا نطقه حقيقة للزوم النطق أن يكون منفصلاً عن لسان وشفتين على جهات مخصوصة وهو محال في حقه تعالى ولله در ابن النظر في قوله:
وكلم موسى وحيه لا كلامه كن عمهم كان الكلام له بفم
فهذا يدل من قوله على أن الكلام الذي كلم به موسى عليه السلام إنما هو كلام خلقه الله على لسان من جعله سفيراً بينه وبين موسى »عليه السلام« فهذا كلامه هنا، وهو مخالف لما في تلك النونية المنسوبة إليه مخالفة بيّنة. فانظر أي الحالين أليق أن يُنسب إليه وأحق بالتعويل عليه.
وقوله أثر وتأثير : المراد بالأثر هو المفعول مطلقاً ، والمراد بالتأثير هو الفعل (2) المفعول ، فالمخلوق أثر والخلق تأثير، والموجود من الخلوقات أثر وإيجاده تأثير، والمحدث أثر والإحداث تأثير، وهكذا، والتأثير معنى اعتباري لا وجودي، فما معنى وصفه بالإحداث والخلق ؟
__________
(1) - التحريم : 12 .
(2) - حـ . (1/121)
صفحة 122
الجواب : إنه مبالغة في نفي قديم غير الله، فكأنه قال : كل شيء ما عدا الله فهو محدث مخلوق أي فحكمه ذلك أن لو وجده . [ أو تقول أن التأثير معنى حقيقي قائم بالأثر في حال تأثيره كالضرب معنى حقيقي في المضروب ونحو ذلك من الأغراض المحدثة. ثم ظهر لي أن هذا الوجه أولى مما تقدم] (1) .
69 ويجوز قولك آمر بالذات قبل الفعل أي هو قادر وحداني
أي يجوز لك على قول بعض أصحابنا أن تقول هو تعالى لم يزل آمراً وناهياً بمعنى أنه قادر على الأمر والنهي في الأزل لا لأن هناك أموراً ومنهياً. ويجوز وصف القادر على الشيء به قبل أن يفعله، فأنهم يقولون: » زيدٌ ماشٍ وكاتب« ، إذا كان يقدر على المشي والكتابة، وان كان لم يفعلها بعد. فوصفه مجاز، وكذا وصفه »تعالى« بالآمر والناهي قبل أن يفعلهما. ومنع المشارقة من أصحابنا أن يقال ذلك في حقه تعالى لإيهامه أن يكون في الأزل مأموراً ومنهياً .
فمعنى قوله : آمر بالذات : إي قادر بذاته على الأمر، ولو لم يأمر مثلا ، فلذا فسره بقوله: أي هو قادر .
? هل الخلق غير الأمر ؟
70 إن قلت أنّ الله ميّز أمرهُ عن خلقهِ قلنا لعظيمِ الشانِ
أي إن قلت محتجاً علينا في قدم القرآن بقوله تعالى { ألا له الخلق والأمر } (2) قائلا بأنه تعالى فصّل الأمر عن الخلقِ فدلّ على أنه غير الخلق لأن العطف يوجب تغاير المتعاطفين كما يدل عليه قوله تعالى { ثيباتٍ وأبكارا } (3) فالابكار غير الثيبات وكذا الأمر غير الخلق .
__________
(1) - ب ، حـ .
(2) - الأعراف : 54 .
(3) - التحريم : 5 . (1/122)
صفحة 123
قلنا : لا نسلم وجوب تغاير المتعاطفين مطلقا بل نقول ان التغاير ثابت إن لم يدل دليل على عدم تغايرهما، ومثال عدم التغاير بينهما قوله تعالى { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } (1) . فالصلاة الوسطى ليست مغايرة للصلوات بل هي احداهن، لكن خصَّها بالذكر لتعظيم شأنها عليهن، ولما فيها من عظيم الثواب مما لم يكن فيهن، وكذلك الأمر لما كان أعظم شأنا من سائر الخلق خصَّه بالذكر لعظم شأنه لا لكونه مغايرا للخلق في معنى الحدوث. ولك أن تقول التغاير بين المتعاطفين دائم وان المراد من نحو قوله تعالى { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } (فالمراد) بالصلوات : ما عدا الصلاة الوسطى، فالصلاة الوسطى، فالصلاة الوسطى غيرهن بهذا الاعتبار، والأمر غير الخلق في تلك الآية. فالمراد بالخلق المخلوقات مما عدا الأمر، والأمر وان كان خلقا أيضاً هو غير الخلق المعطوف عليه، كما ان الصلاة الوسطى صلاة وان كانت غير الصلوات المعطوفه هي عليهن. وأيضاً فقوله تعالى { إذا فسر الأمر في الآية بالقول المخصوص الدال على الطلب من أنه له تفاسير أخر منها : الشأن والصفة والفعل والطريق. وعلى تفسير الآية بكل واحد من هذه الأشياء لا يستقيم استدلال المعترض فسقط من كل وجه تعلقه بها.
71 إن قلت قرآنً مجيد ثابت في اللوح قبل العَالَم الجسماني
72 فأقولُ ذا مما يؤيد حجتي والكل مخلوق بلا اكنانِ (2)
أي إن قلت محتجاً علينا ومستدلا على القول بقدم القرآن بقوله تعالى { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } (3) وقلت : ان اللوح موجود قبل العالم الجسماني (4) بدليل في بعض الروايات أنه أول ما خلق الله القلم، ثم قال له أكتب إلى آخر الرواية. فقد دل القرآن العظيم على أنه كان مكتوباً في اللوح، ودلت رواية على أن اللوح سابق على الأجسام المخلوقات، فأخذنا من الجميع أن القرآن قديم.
__________
(1) - البقرة : 238 .
(2) - حـ .
(3) - البروج : 21 ،22 .
(4) - الجسماني : المادي . (1/123)
صفحة 124
فأقول مجيباً لك : إن هذا الذي ذكرته كله مؤيد لحجتي على القول بخلقه.
أما أولاً : فلأن كل واحد من المكتوب والمكتوب فيه مخلوق لأن أحدهما حال والآخر محلول فيه، والحلول مطلقا من صفات الخلق.
وأما ثانياً : قلأنه يلزم أن يكون المحلول سابقاً على الحال، فيلزمكم أن يكون قديمكم مسبوقاً.
وأما ثالثاً : فلأن اللوح مخلوق باتفاق منا ومنكم، والحال في المخلوق مخلوق بلا إشكال .
وأما رابعاً : فلأن القلم في روايتكم هو الذي كتب الكلام في اللوح، ولا شك أن الكاتب سابق على المكتوب ضرورة، فيلزم أن يكون قديمكم مسبوقا أيضاً. فأين محل استدلالكم بالآية؟
فقوله قرآن مجيد : قال إبن الاعرابي (1) »المجيد الرفيع« وقوله تعالى : { ق والقرآن المجيد } (2) يريد المجيد الرفيع العالي. وقال أبو إسحاق: معنى المجيد: الكريم.
واللوح : قيل أنه درة بيضاء طوله مسيرة خمسمائة سنة وعرضه كذلك، وقيل : جبهة ملك .
وقوله لا إكنان : أي بلا إخفاء، فالأكنان بكسر الهمزة مصدر أكنه: إذا أخفاه.
? مقالة الأشعرية : القرآن المسموع غير هذا وانه ترجمان له:
73 إن قلت لا أعني به المتلّو في أيدي الورى بالآذانِ
74 قلنا أقرانان لو كانا إذَن فالخلق حكم فيهما سيّانِ (3)
__________
(1) - أبو عبدالله محمد بن زياد المعروف بإبن الاعرابي (149-230)، ولد ونشأ بالكوفة ، لغوي ونحوي ورواية للأشعار. من أئمة أهل اللغة، أخذ الأدب من أبي معاوية الضرير والمفضل الضبي والكسائي، وأخذ عنه ابن السكيت وثعلب الأصمعي. توفي بسر من رأى. ومن مصنفاته : أسماء خيل العرب، ومعانى الشعر ، والأنوار . ( ر: معجم الأدباء ، الحموي ج18 ، ص189 . الفهرست ص69 ، الأعلام ج6 ، ص 131) .
(2) - سورة (ق) آية 1-2 .
(3) - الأبيات لم تكتب في : حـ . (1/124)
صفحة 125
أي إذا أبطلت قولك بقدم القرآن المتلو بالألسن المسموع بالآذان المحفوظ في الصدور المكتوب في المصاحف لما رأيت من البراهين الباهرة والحجج القاهرة، والتجأت إلى مقالة الأشعرية وقلت أن القرآن الذي أصفه بالقدم هو غير المتلو المسموع المحفوظ المكتوب، وإنما هو كلام آخر غير هذا، وهذا ترجمان عنه. فهذا الترجمان مخلوق لما ذكرتموه من الأدلة، والمترجم عنه قديم لأن الله لم يزل متكلماً، فلاولا أن كلامه قديم لما جاز أن يوصف به في الأزل.
قلنا : إذا أثبتم قرآنين: أحدهما هذا الذي تقوم به الحجة علينا وهو الذي كلفنا بما فيه، وثانيهما قرآن آخر غير هذا، فأي دليل لكم على أنهما قرآنان ؟ ولو قدّرنا إثبات قرآنين (1) - كما ذكر تموه – لكان الخلق حكما فيهما معا، لأنه يجوز على كل واحد منهما ما يجوز على الآخر، وما جاز عليه الأشياء التي ذكرها المصنف فلا شك في حدوثه وخلقه، لأن ما أمكن عدمه استحال قِدَمُه، وما أتصف بصفة الحادث فهو حادث.
فقوله لا أعني : أي لا أقصد .
وقوله المتلوّ في أيدي الورى : التلاوة: القراءة، والورى: لخلق، والمراد بكونه في أيديهم : وجوده معهم.»ففي« متعلقة بمحذوف تقديره المتلو الموجود في أيدي الورى، لا متعلقة بالمتلوّ لفساد المعنى، لأن التلاوة في الألسن لا في الأيدي.
والأذان : جمع أذذن وهي آلة السمع، والسمع هو قوة مودعة في العصب المفروش في مقع الصماخ، وإطلاق الآذان عليه مجاز.
وقوله فالخلق حكم فيهما : فالخلق مبتدأ خبره حكم، وفيهما مفعول الخبر.
وقوله سِيّان : أي مثلان، خبر لمبتدأ محذوف تقديره فهما سيان.
__________
(1) - حـ : قرآنان . (1/125)
صفحة 126
قال في المعالم: ((قال الأشاعرة: القرآن مكتوب في صحائفنا، محفوظ في قلوبنا، مقروء بألسنتنا، مسموع بآذاننا، ومع ذلك ليس حالاًّ في المصاحف ولا في القلوب ولا في الألسن ولا في الأذان، بل هو معنى قائم بذاته »تعالى« يلفظ ويسمع بالنظم الدال عليه، ويحفظ بالنظم المخيّل، ويكتُب بنقوش وصور وأشكال للحروف الدالة عليه كما يقال: النار جوهر محرق، يذكر باللفظ ويكتب بالقلم ولا يلزُم مذكور حقيقته صوتاً وحرفاً)) .
لو كان من قال ناراً أحرقت فاه لما تلفظ باسم النارِ مخلوقُ
وتحقيق ذلك أن للشيء وجوداً في الأعيان، ووجوداً في الأذهان، ووجوداً في العبارة ووجوداً في الكتابة. فهذه أربع وجودات للشيء فالكتابة تدل على ما في العبارات وهي على نا في الأذهان، وهو على ما في الأعيان، فحيث يوصف القرآن بما هو من لوازم القديم ، كما في قولهم »القرآن غير مخلوق« ، فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج.
وحيث يوصف بما هو من لوازم المخلوقات، يراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة، كما في قولنا: قرأت نصف القرآن، أو المخيلة كما قولنا: »حفظت القرآن أو الأشكال المنقوشة« وكما في قولنا: »يحرم على المحدث (1) مس القرآن« . ولما كان دليل الأحكام الشرعية هو اللفظ دون المعنى القديم، عرّفه أئمة الأصول: بالمكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر، وجعلوه أسما للنظم والمعنى معاً، أي للنظم من حيث الدلالة على المعنى لا لمجرد المعنى.
قالوا : وأما للكلام القديم الذي هو صفة لله تعالى فذهب الأشعري إلى أنه يجوز أن يسمع صفته .. الأصفاني .
__________
(1) - في (م) : الجنب، والتصحيح بالرجوع إلى كتاب: المعالم ج2 ص20 ، وكذلك في ب، حـ . (1/126)
صفحة 127
وهو اختيار أبي منصور الماتريدي (1) بمعنى قوله: أن يسمع ما يدل عليه، كما يقال : »سمعت علم فلان« ، فموسى عليه السلام صوتاً دالاً على كلام الله »تعالى« لله لكن لما كان بلا واسطة الملك والكتاب خصّه باسم الكليم.
قال : (2) هذا كلامهم ولا يخفى ما فيه من التنافي بحيث أثبتوه مكتوباً في المصاحف محفوضاً في القلوب، وليس حالاًّ في شيء من ذلك، ليت شعري المقنع بقول مولانا من كونه { في صدور الذين أوتوا العلم } أم قول الأشعرية القائلين : إنه ليس حالاً في شيء من ذلك، وفيه من التجاسُرِ على حرمة القرآن العظيم من كون حلوله في القلوب مجازاً لا حقيقة، أو من كونه مخيّل النظم لا محقق العلم، لأن المجاز يفارق الحقيقة، بل يعاندها ويضادها، والمخيّل يفارق العلم والعقل فهما أوجه، لأنهما أبداً صادقان ومختصّان بالعقلاء وأكثر الخيالات كاذبة، وتكون في ذوي العقل وغيرهم، ويفارق الرأي والحِسّ لأن الحس خاص بالمماس الحاضر المحقق، والخيال قد يكون السليم والغائب، وأكثر الخيال باطل، والحس ضروري، والخيال مكتسب، والحس خاص بالشيء الصحيح، والخيال خاص بالضعيف ويشاركه العلم والعقل في بعض هذه الفروق.
وأما الرأي فلا يصدر إلا (3) عن تمييز وبصيرة وإن كان حصل بخلاف الخيال.
__________
(1) - أبي منصور محمد بن محمد الماتريدي (ت: 333) ، فقيهحنفي عاش في سمرقند من أئمة علم الكلام والأصول. قاوم المعتزلة والفرق الأخرى كالقرامطة والكرامية. من كتبه: تأويلات أهل السنة ، وأوهام المعتزلة ، والتوحيد . وتنسب إليه مدرسة الماتريدية في علم الكلام . ر: الأعلام، الزركلي ج7، ص19 .
(2) - الإشارة للإمام الثميني في كتاب المعالم .
(3) - حـ . (1/127)
صفحة 128
وأبحاث التخيل كثيرة وبالجملة، فحمل لفظ القرآن عليه مما لا يليق بتعظيم نظمه { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين } (1) وأما ان للشيء وجودات أربعة فهو حق وصواب، وأما أن الكتابة تدل على العبارة ممنوع لأن النقوش والكتابة إنما تدل على المعاني الأولى المقصودة بتوسط الألفاظ والعبارات، وكذا الألفاظ تدل على المعاني الأول، ثم المعاني المقصودة ، أي التي قصد إثباتها أو نفيها ، ثم القول بأن ما في الأذهان يدل على ما في الأعيان، وأنه يفسر بحقيقته الموجودة في الخارج القائمة بذاته تعالى لا يخفى ما فيه فأنا إذا سمعنا إن زيداً قائم فهمنا منه نسبة القيام إلى زيد مؤكدة وأ فهمنا تأكيد النسبة بينهما، وتلك النسبة ثابتة فقد فهمنا تأكيد ثبوت النسبة ولابد من وجود قيام زيد في الخارج أو عدم قيامه، فإن طابق الذهن الخارج كان صدقاً وإلا كان كذباً، وما في الخارج ليس مدلول ما في الذهن، بل مدلول ما في اللفظ أيضاً.
فإنا نفهم مما أخبر الله سبحانه من قوله { إن فرعون علا في الأرض } (2) . تأكيد نسبة الطغيان إلى فرعون في أرض مملكته ومجاوزة الحدَّ في الظلم فيها، وله خارج وهو ظلم فرعون وطغيانه في أرض مصر في ذلك الوقت. فإن أرادو أن هذا الخارج قام بذات الباري فظاهر البطلان، وإن أرادوا خارجاً آخر دلهم عليه هذا الكلام، فهم مطالبون بإثباته. وإن أرادوا خارجا عن أذهاننا لا يرى ما في الأعيان فغير مفهوم من كلامهم، بل كلامهم نص على أنّ المراد بالخارج هو الموجود في الأعيان، وأنه قائم بذاته تعالى عن ذلك، وهو واضح الاستحالة والذي فسر أئمة الأصول القرآن به هو ملتزمنا وما وراء ذلك، فالقائل به لا يساعد عليه لأن مرجعه إما على العلم أو الإرادة.
__________
(1) - البقرة :2 .
(2) - القصص 4 . (1/128)
صفحة 129
وبيان ذلك أن ما في النفس إما العلم سواء تعلق بمفرد ويسمى معرفة وتصورا ويدخل فيه الشك والوهم لأن تصور النسبة غير حكم أم تعلق بمركب ويسمى تصديقا واعتقاداً، ويدخل فيه الظن والاعتقاد الجازم المطابق الثابت، ويدخل في التصور العلم بالألفاظ أي حفظها وأنها وضعت لكذا من المعاني أو الفكر، وهو ترتيب المعاني في النفس على وجه مخصوص. والقدرة عليه تسمى القوة المفكرة، أو إرادة شي من الأفعال في النفس إلا هه الوجوه. ومن ادّعى غي رهذا فعليه بيانه . وما ذهب إليه الأشعري من جواز سماع الكلام القديم فهو بيّن الاستحالة ضرورة انه المعنى ولا سماع لمجرد المعنى، وإنما هو من ضروريات الصوت ، وإلا كان سماع علمه جائز (1) أيضاً . والازم باطل ، ولذلك أوله بعضهم بما يدل عليه. والحق أن سماع موسى عليه السلا كسماع الملائكة الكرام كيف شاء الله تعالى أن يسمع .والتدقيق في مثل هذه المضائق مما لا ينبغي، إذا الروح في أجسادنا لا نطيق الخصوص فيها جهلاً، فكيف في صفات الواحد الأزلي الذي { ليس كمثله شيء } ؟ وما أو تينا من العلم إلا قليلاً . فلو لم يأذن الشرع لنا ان نصفه بالصفات العليّة ما فعلنا (2) . هذا كلامه، وبه يتبين لك بطلان مذهب الأشعرية في جعلهم ما بأيدينا من القرآن عبارات عن الصفة القائمة بالذات العلية.
__________
(1) - ب ، حـ .
(2) - ر: المعالم ، الثميني، ج2 . ص20 . (1/129)
صفحة 130
أما أصحابنا من أهل المشرق فانهم وإن قالوا بقدم القرآن، فليس المراد ما ذهبت إليه الأشعرية للإختلاف الواقع بين أصحابنا وبين الأشعرية في الصفات الذاتية، فلا يصح أن تجتمع مذاهبهم في هذه القضية، لكن لّما كان الكلام صفة من الصفات الذاتية وقد سمى الرب عز وجل القرآن »كلامه« منعوا إطلاق إسم الخلق على القرآن لئلا يوهم ان الكلام الذاتى مخلوق، يدلك على ذلك اعترافهم بخلق ما بين الدفتين وقواعدهم أن (1) صفات الذات معان اعتبارية، وان مدلولها عين الذات العلية فبالله عليكم من كانت هذه قواعده هل يمكنه القول بأن القرآن المتلو قديم وأنه غير مخلوق؟ لكن ألتبس على الضعفاء ذلك فوقعوا بسبب الخوض فيه في المهالك، وجهلوا مقصد الأئمة هنالك، نسأل الله المعافاة عن الخطل وعن الوقوع في مهاوي الذلل.
? القول بقدم القرآن مقارنةً بتعدد القدماء :
75 والاعتقاد الحق إنّا لا نجيز تعدُّد القدما والأديان
أي والذي انطوت عليه ضمائرنا مما هو مطابق لما في نفس الأمر هو قولنا باستحالة تعدد القدماء في الأزل وباستحالة تعدّد الشرائع في ملة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنها شريعة واحدة، من خالفها ولو بحرف خرج عنها، ولذا أفترقت أمته إلى ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة. فلو جاز تعدد الأديان لكانت كل واحدة من هذه الفرق مصيبة. لكن لم يكن جميعها لما ورد عن الشارع، علمنا أن تعدد الأديان لا يجوز، فالحق في واحد من هذه الفرق ولا بد أن يكون الحق باقياً فيها إلى آخر الزمان.
فالإعتقاد : هو ماانطوى عليه الضمير، فان طابق ما في نفس الأمر فهو حق، وإن خالفه فهو باطل.
والحق : هو مطابقة ما في نفس الأمر، وقد تقدم الأمر على إستحالة تعدد القدماء. أما تعدد الأديان فشرعي لا عقلي ودليله ما تقدم آنفاً .
__________
(1) - +حـ : في أن صفات .... (1/130)
صفحة 131
والأديان : جمع دين وهو الملة والشريعة(بمعنى) لكن سمي دينا باعتبار أنقيادنا إليه، وملة باعتبار املاء الملك لها النبيّ أو باعتبار النبي لأمته، وشريعة باعتبار أن بيان الحق فيها، فاختلاف العبارات باختلاف الإعتبارات.
? بيان وحدة الأسماء والصفات الإلهية:
والعقل قاض أن رب العرش ليس كخلقه سبحانه الدّيانِ
هو واحد ذاتا صفات واحد الأسماء والأفعال والإحسانِ
أي والعقل جاكم مالك الجسم المنير المحيط بالعالم المسمى بالعرش الذي هو أعظم المخلوقات، لا يشابه خلقه في شيء من صفاتهم – سبحانه عن مشابهتهم – فإذا عرفت ذلك، فعلم أنه تعالى واحد في ذاته وواحد في صفاته وواحد في أسمائه، وواحد في أفعاله، وقد تقدم بيان وحدة ذاته ووحدة صفاته ووحدة أفعاله.
أما وحدة الأسماء فهي كوحدة الصفات لأن أسماءه وصفاته عين ذاته أي مدلول الأسماء، ومدلول الصفات هي الذات. وفسّر بعضهم وحدة الأسماء بمنع إطلاق أسمه – تعالى الله الرحمن – على غيره، قالوا : هو واحد في أسمائه فلا يسمى غيره – تعالى الله الرحمن. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى { هل تعلم له سميَّا } (1) أي هل تعلم أن أحد يسمى الله غيره، أي هذا الإسم مُنِعَ الناس أن يُسموا به غير الله وصُرِفت قلوبهم عن ذلك، وأما الرحمن وأن كان مختصاً به ربينا – عز وجل – لكن وصف به شاعر اليمامة، كذا بها (2) فقال : (وأنت غيث الورى لازلت رحمانا) (3) .
__________
(1) - مريم : 65 .
(2) - مسيلمة الكذاب الذي أرتد وادّعى النبوة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
(3) - صدر البيت: سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا وأنت غيث الورى لأزلت رحمانا
حيث استخدم اسم الرحمن في غير اسم الجلالة (ر:الكاشف الزمخشري، ج1،ص42). (1/131)
صفحة 132
قال الزمخشري (1) وذلك من تعنتهم في كفرهم. وقال غيره: أن الرحمن في العربية غير مختص به ربنا تعالى، لكن أختص به شرعاً. فقول ذلك الشاعر جار على ما في عربيتهم. أما غير هذه الأسماء من الألفاظ كارحيم والعليم والقدير والسميع والبصير ونحوها فتطلق على الباري، وعلى غيره، ولكن معانيها ومدلولاتها مختلفة. فمدلولها في حق الله تعالى مخالف لمدلولها في حق غيره، فلا يشكل عليك ذلك .. والله أعلم .
? أقسام الصفات الإلهية :
78 شيء ولكن ليس كالأشياء ولا هي مثله أوصافه قسمانِ
79 إما لذاتٍ أو لفعل وهي ما كالخلق والإفناء والغفرانِ
80وهي التي قد جامعت أضدادها أي باعتبار وجودها في آنِ
81لا باعتبار ملها لجواز أن يغني فلان عند فقر فلانِ
أي هو الله (2) تعالى شيء، ولكنه لا يشابه الأشياء في شيء من صفاتها، ولا تشابهه الأشياء في شيء من صفاته (3) . فلا يجوز أن يوصف بشيء من صفات الأشياء كالحدوث والجسمانية وحلول الأعراض والإحتياج إلى الغير والتحيّز في المكان والفناء .
وهكذا لا يجوز أن توصف الأشياء بشيء من صفاته تعالى كالقدم والبقاء والوجود الواجب لذاته والعلم الذاتي والقدرة الذاتية... وهكذا .
أو من صفات الأفعال كخلقةِ الأشياء ورزقه لها واحيائه وإماتته وهكذا، فصفاته تعالى قسمان: لا يشابه الأشياء في شيء منها ولا تشابهه :
القسم الأول : صفات ذاتية وسيأتي بيانها .
__________
(1) - جار الله أبو القاسم محمود بن عمر بن أحمد الزمخشري (467-538)، ولد بزمخشر إحدى قرى خوارزم، ومن أئمة العلم ، وكان معتزلي المذهب، وله مصنفات في التفسير واللغة والأدب والأصول منها: الكاشف في تفسير القرآن، وأساس البلاغة، والمقامات، والمناهج في الأصول، توفي بخوارزم. (ر:معجم الأدباء ج19 ،ص126 ،الأعلام ج7 ،ص187).
(2) - + حـ .
(3) - حـ . (1/132)
صفحة 133
القسم الثاني : صفات فعلية ، وهي ما كان مثل الإجاد للأشياء والإعدام لها ، وستر الذنب للتائبين، وإيصال النعم للمؤمنين وهكذا .. وضبطاها أن يقال بأن صفات الفعل هي التي يجوز أن يتصف بها تعالى مع اتصافه بضدها في حال واحد إذا كان محل التأثير مختلفاً كالإيجاد والإفناء والرحمة والتعذيب والإغناء والفقر فتقول : أوجد الله كذا وأفنى كذا ورحم فلانا وعذّب فلانا وأغنى فلانا وأفقر فلانا ...هكذا .
قال السيخ عبد العزيز (1) -رحمه الله تعالى- : والفرق بين صفات الذات وصفات الفعل هو أن صفات الفعل تجامع ضدها في الوجود عند اختلاف المحل، كأن يوسع في رزق زيد، ويضيّق في رزق عمرو، وأن يرزق العلم عمرا، ويخلق الجهل لزيدا، وأن يخلق كذا دون كذا، ويحب فلانا، ويبغض فلانا، ويرضى عن فلان، ويسخط على فلان ويوالي فلانا، ويعادي فلانا، ويرحم فلانا، ويعذب فلانا، ...وهكذا .
وصفات الذات كالعلم والقدرة والإرادة لا تجامع ضدها في الوجود، ولو أختلف المحل، فلا يقال: علم الله كذا، وجهل (2) كذا، ولا قر على كذا، وعجز عن كذا ، ولا أراد كذا وأُكره على كذا .. وهكذا .
وإن صفات الفعل تنفي عن الله في الأزل، فتقول : كان الله ولم يرض، ولم يسخط، ولم يحب ولم يبغض، ولم يخلق، ولم يرزق، ولم يرحم، ولم يعذب .. وهكذا .
وصفات الذات لا تنفي عنه في الأزل، فلا تقول: كان الله ولم يعلم، ولم يقدر، ولم يرد .. وهكذا.
__________
(1) - ضياء الدين عبد العزيز بن الحاج إبراهيم الثميني (1130-1223). ولد بمدينة بني يزجن بوادي ميزاب، ونشأبها وتتلمذ على يد الشيخ أبو زكريا يحيى بن صالح وأنتهت إليه الرئاسة العلمية في عصره، واشتهر بإصلاحه الديني والإجتماعي بوادي ميزاب، وله مصنفات عده منها: التاج، النور ، النيل ، معالم الدين. ( ر: النيل وشفاء عليل ج1، ص12 : 17 ، ط2) .
(2) - حـ . (1/133)
صفحة 134
قال : أي البدر التلاتي (1) (2) : »هذا ما يؤخذ من كلام المشارقة، وهو يدل على أن صفات الأفعال حادثة عندهم، والذي عليه المغاربة أن صفات الله كلها قديمة أزلية، لأنه يقال : الله »تعالى« خالق في الأزل على معنى سيخلق ، ورازق في الأزل على معنى: سيرزق وهكذا كما مرَّ، وأن الفرق بين صفة الذات وصفة الفعل عندهم أن يقال في صفة الذات لم يزل الله عالما بما كان قبل أن يكون، ولم يزل قادراً على إيجاد ما سيوجد قبل أن يوجد، وهكذا.
وصفة الفعل »لم يزل خالقا« على معنى : سيخلق، ولم يزل رازقا على معنى: سيرزق، وهكذا .
قال: وحاصلة أن صفة الذات هي التي أتصف بها تعالى بالفعل في الأزل وصفة الفعل هي التي لم يتصف بها تعالى بافعل فيه، وإنما يتصف بها به فيما لا يزال وهو راجع إلى القول بحدوثها كما يدل له تفسيرها المذكور، وكما تقول المشارقة عفى الله عنهم أجمعين.
وقال : وإن بعض المشارقة قسّم الصفة ثلاثة أقسام : صفة ذاتية فقط، وصفة فعلية فقط، وذاتية باعتبار وفعلية باعتبار آخر .
فالأولى : هي كل صفة دلت على النفي ضدها عنه تعالى واتصف بها بالفعل في الأزل كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحياة.
والثانية: كل صفة دلت على نفي ضدها عنه تعالى ولم يتصف بها بالفعل في الأزل كالخلق والإحياء والإماتة والحب والبغض والقبض والبسط والولاية والبراءة.
__________
(1) - التلاتي : من مصنفه »اللالىء على المنظومة« .
(2) - عمرو بن رمضان التلاتي (ت:1187)،ود بجزية جربة ثم سافر إلى مصر واستقر بالأزهر ، وله مصنفات عدة منها : شرح كتاب الديانات، اللآلىء الميمونة .(ر:البعد الحضاري ، الجعبيري ، ص160). (1/134)
صفحة 135
والثالثة: كل صفة تحمل معنيين متغايرين كحكيم فإنه بمعنى نفي العبث عنه »تعالى« صفة ذات، وبمعنى واضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها: صفة فعل، وصادق فإنه بمعنى نفي الكذب عنه تعالى: صفة ذات وبمعنى مخبر بالصدق: صفة فعل، وسميع فإنه بمعنى نفي الصمم عنه تعالى: صفة ذات، وبمعنى قابل الدعاء: صفة فعل، ولطيف فإنه بمعنى عالم: صفة ذات وبمعنى رحيم: صفة فعل ..وهكذا..انتهى كلامه (1)
فقوله شيء: خبر لمبتدأ محذوف تقديره »هو تعالى شيء« وأطلق اسم الشيء عليه لقوله تعالى { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله } وفيه مخالفة لطائفتين هما الجهمية (2) والمجسّمة (3) . أما الجهمية فمنعوا إطلاق اسم الشيء عليه تعالى، قالوا: لأن الشيء مختص بالجسم، فكل شيء عندهم جسم والله تعالى ليس كذلك .
ويرد عليهم بقوله تعالى { قل يا أهل الكتاب لستم على شيء } (4) وقوله { لقد جئتم شيئاً إدّاً } (5) في الآيتين إطلاق الشيء على غير الجسم، فسقطت دعواهم بأن الشي مختص بالجسم 0
وأما المجسمة فأطلقوا عليه »تعالى« اسم الشيء، لكن قالوا: هو جسم –تعالى الله عن ذلك- ووجه ضلالهم هو العلة التي زعمتها الجهمية من اختصاص الشيئية بالجسمانية، وهو باطل لما تقدم .
__________
(1) - ر: شرح النونية، عبد العزيز الثميني، ص113،ط11 . المطبعة البارونية 1306هـ
(2) - الجهمية : فرقة كلامية نسبة لجهم بن صفوان ( ت: 128هـ)، نشأت في أواخر القرن الأول وبدايات القرن الثاني الهجري وأشهر آراؤها: القول بالجبر الخالص ولا رجاء، وتنفي الصفات حتى قال جهماً: إنه تعالى ليس بشيء . ( مقالات الإسلاميين ج1، ص14، 214، الكشف والبيان ج2،ص352) .
(3) - المجسمة: الذين قالوا بتجسيم الباري عز وجل ، المصدر : مقالات الإسلاميين : ج1 ، ص281، والكشف والبيان ، ج2، ص358.
(4) - المائدة :68 .
(5) - مريم : 89 (1/135)
صفحة 136
وقوله أوصافه: أي صفاته، ففي إطلاق الأوصاف على الصفات تجوّز، وذلك أن الوصف معنى قائم بالواصف، والصفة معنى قائم بالموصوف، وأما في حقه –تعالى- فصفاته معان اعتبارية يعتبر بها نفي أضدادها لا معانٍ حقيقية لما سيأتي .
قوله وهي التي جامعت أضدادها: ضابط للصفات الفعلية، والمراد »بمجامعتها أضدادها« هو أنه تعالى يتصف بها وبضدها في حالٍ واحد . وفي قولنا»في حال واحد« تجوّز لأن الأحوال لا تأتي عليه »تعالى« .
والأضداد: جمع ضد وهو مالا يجتمع مع ضده في محل واحد وقد يرتفعان كالسواد والبياض فإنهما لا يجتمعان في محل وقد يرتفعان معاً فيكون الشيء أحمر وأخضر مثلاً، وأما النقيضان فلا يجتمعان في محل ولا يرتفعان عنه معاً كالوجود والعدم والحدوث والقدم لأن الشيء إما موجود وإما محدث أو قديم، وأما المثلان فيجتمعان ويرتفعان .
وقوله »أي باعتبار وجودها«: تفسير لقوله جامعت أضدادها .
وقوله في آنِ: هو اسم للوقت الذي أنت فيه . وفي إطلاقه هنا تجوّز، إذ لا تأتي الأزمان عليه »تعالى« وقد يقال أنه لا تجوّز فيه، وإنما وصفها باجتماعها في آنٍ واحد بالنظر إلى وجودها في محلها وهو المخلوقات لا بالنظر إلى اتصافه بها تعالى .
قوله لا باعتبار محلها: أي لا بالنظر إلى محلها، فإن الضدان لا يجتمعان في محل واحد .
والإغناء: هو إعطاء مال يسد به الحاجة.
والفقر: هو عدم ما تسدّ به الحاجة.
وقوله فلان: كناية عن الإعلام الشخصية، وأسند الأغنى (1) إليه »تعالى« والفقر إلى فلان تأدباً واقتداءً بالخليل عليه السلام في قوله تعالى حكاية عنه { الذي هو يطعمني ويسقيني وإذا مرضت فهو يشفين } (2) .
* الصفات الذاتية :
82- وصفاته للذات إيجابية أضدادها في غاية النقصانِ
83- وضعت لإثبات الكمال لذاته مدلولها الذات العلي الشانِ
__________
(1) - ب : الغنى.
(2) - الشعراء : 79 . (1/136)
صفحة 137
أي وأما صفاته تعالى الذاتيه فهي إيجابية، أي توجب له تعالى الكمالات الذاتية،وسلبية باعتبارها أنها تنتفي بها أضدادها النقصانية (1) فإن أضدادها في غاية النقصان – تعالى الله عن الإتصاف بها – وضعت ألفاظ هذه الصفات الذاتية دالة على إثبات الكمالات الذاتية، ولها مدلول هو الذات العلي شأنها، ولايخفى أن كلام المصنف متوجّه إلى ألفاظ الصفات لا إلى معانيها، فإن الألفاظ هي التي توصف بأنها موضوعة لكذا.
أما معاني الصفات الذي هو مطمح نظر المتكملين حتى لا يطلقون اسم الصفة إلا عليه فسيأتي، وقد أشكلت هذه التفرقة أعني بين معاني الصفات وألفاظها على كثيرين، فمن ثم ذهب قوم إلى أسماءه – تعالى – وصفاته ليست بمحدثه، ويعنون بذلك ألفاظ الصفات وألفاظ الأسماء حتى استوحش بعضهم من مقالة المعتزلة حيث قالوا: إنها محدثة مخلوقة. وقالوا: إن المخلوق هو المتلفظ بها لا هي، وحتى احتج بعضهم بقدمها على قدم القرآن فقال: هكذا القرآن فيه أسماء الله تعالى، واسماؤه غير مخلوقة، فالقرآن غير مخلوق. وقد عرفت بطلانه ووجهه، إنا لا نسلم إنها غير مخلوقة، بل هي مخلوقة لأنها من جنس الألفاظ، وكل لفظ فهو مخلوق.
فقوله إيجابيّة : أي منسوبة للإيجاب وهو الإثبات، ووجه نسبته لذلك إنه يتوصل بها إلى التعبير عن إثبات الكمال لله تعالى. ولما كان مقابل الكمال الذاتي النقصان الذاتي، أشار إليه بقوله: ((أضدادها في غاية النقصان)).
والمراد بأضدادها : هي الألفاظ التي تدل على ضد الكمال كالجهل ضد العلم والعجز ضد القدرة .. وهكذا.
وقوله وضعت: أي وضعها ربنا عز وجل دالة على الكمالات لذاته، ومعنى وضعه لها: تسمّيه بها، يقال: وضعت الاسم لهذا الشيء إذا سميته به.
وقوله مدلولها: أي الصفات التي هي الألفاظ.
اعلم أن للالفاظ مفهوما ومدلولاً.
فالمفهوم: هو المعنى الذي ينطبع في الذهن من إطلاق ذلك اللفظ.
__________
(1) - هنا أنتهت النسخة جـ . (1/137)
صفحة 138
والمدلول: هو ما وضع له ذلك اللفظ في الخارج. مثاله: عليم ينطبع في الذهن حال اطلاق هذا اللفظ اتصاف موصوف بالعلم، وهو معنى اللفظ، ويدل على أن في خارج ذاتا متصفة بالعلم وتلك الذات هي مدلول عليم وهكذا.
فقول أصحابنا رحمهم – الله تعالى – ان صفاته هو، واسماءه هو أي مدلول الصفات هو – تعالى الاسماء هو – تعالى - . وليس المراد أن الألفاظ أو المعاني هو – تعالى – عن ذلك: فهم يطلقون الاسم على المسمى والصفة على الموصوف. وقد صار هذا الاطلاق فيما بينهم حقيقة عرفية فلا يشكل عليك اصطلاحهم:
84 وهي المريد وقادر وسميع والحي العليم السرِ والاعلانِ
85 هو عالم معناه ليس بجاهل والسمع بالذاتِ لا الأذانِ
86 وهو البصير بذاته لا غيرها فيكون مفتقراً إلى الحظانِ
أي وتلك الصفات الذاتية هي: المريد والقادر والسميع والحي والعليم والبصير، فهذه ست صفات مجتمع على انها صفات ذاتية والخلاف في متكلم هل يكون صفة ذات وصفة فعل أم لا يكون إلا صفة فعل؟
ولذا أخّر ذكره المصنف ولم يذكره مع هذه الست المجتمع عليها:
(( فالمريد )) : هو من اتصف بالارادة وهي هنا صفة يتأتى بها ترجيح احد طرفي الممكن على الاخر وهي من الصفات الواجبة له تعالى.
وتقرير برهانها أن يقال الله تعالى خصص الحوادث باحد الطرفين الجائزين وكل من كان كذلك فهو مريد.
و »القادر« : وهو من اتصف بالقدرة، وهي هنا صفة يتأتى بها ايجاد الممكن واعدامه على وفق الارادة وهي من الصفات الواجبة له تعالى.
وتقرير برهانها ان يقال الله تعالى موجد بالأختيار وكل موجد بالإختيار فهو قادر فالله قادر.
و»السميع« : هو من اتصف بالسمع، وهي هنا صفه تنكشف بها الموجودات انكشافاً تاما، وقيل: بل هي صفة تنكشف بها المسموعات انكشافا تاما، والاول اختيار صاحب المعالم – رحمه الله – وهي من الصفات الواجبة له تعالى. (1/138)
صفحة 139
وتقرير برهانها انه لو لم يكن تعالى سميعاً مع كونه حيًّا لوجب أن يكون أصم، واللازم باطل فثبت أنه تعالى سميع.
و»الحي« : هو من اتصف بالحياة وهي هنا صفة تقتضي وجوب العلم لمن قامت به وهي من الصفات الواجبة له تعالى.
وتقرير برهانها انه لو لم يكن الله حيا لما جاز ان يتصف بتلك الكمالات السابقة من الارادة والقدرة والسمع.
و»العليم«: هو من اتصف بالعلم وهي هنا صفه تتجلى بها حقائق الأشياء على ما هي، وهي من الصفات الواجبة له تعالى.
وتقرير برهانها انه لو لم يكن تعلى عالما لم تكن انت في ذاتك متصفا بما أنت عليه من غاية الاحكام والاتقان ودقائق المحاسن التي لا تنحصر.
و»البصير«: هو من اتصف بالبصر. وهي هنا صفة تنكشف بها الموجودات انكشافا تاما، وقيل تنكشف بها المبصرات انكشافا تاما.
و»السر«: هو ما خفي من جميع الأشياء.
و»الاعلان«: هو ما ظهر من جميع الأشياء. ففي إضافة العليم إلى السر والاعلان إشارة إلى أنه تعالى عالم بالكليات (1) والجزئيات (2) وبما كان وبما يكون وبما هو كائن من كل موجود ومعدوم سيكون أو قد كان.
__________
(1) - الكليات: مفردها كلي، والعلم الكلي هو العلم الشامل لكل شئ، والحتمية: أي الحتمية العامة الشاملة لجميع أقسام العلم . ر: المعجم الفلسفي. مادة »كلي« جميل صليبا.
(2) - الجزئيات: مفردها جُزئي وهو ما يتركب الشئ منه ومن غيره. (1/139)
صفحة 140
واختلف في تعلق علمه تعالى بالمعدوم الذي يستحيل وجوده. فذهب بعض اصحابنا إلى أن علمه تعالى متعلق بالمعدوم المستحيل وجوده لقوله تعالى: { ولو ردوا لعاددوا } (1) ومن المستحيل ردهم وأعادتهم قد ترتبت عليه والمترتب على المستحيل مستحيل مثله، وقد ابرنا ربنا عز وجل عنه هو مستحيل، فدل على أن علمه تعالى متعلق بالمستحيلات أيضا، وكثير من الآيات القرآنية دالة على هذا المعنى. وعلى هذا المذهب عول صاحب الوضع (2) والمحقق الخليلي – رحمهما الله - .
وذهب بعص أصحابنا إلى علمه أن علمه – تعالى – لا يتعلق بالمستحيل وجوده لان المستحيل وجوده لا حقيقة له، فهو ليس بشئ في الحقيقة، ولا يتعلق العلم لا بشيء، فظهر ان علنه – تعالى – لا يتعلق بالمستحيل وجوده، وعلى هذا المذهب عوّل صاحب المعالم في المعالم وصاحب الموجز (3) في الموجز – رحمهما الله – وصرح أبو ستة – رحمه الله تعالى – بأنه المذهب.
__________
(1) - الأنعام : 28.
(2) - صاحب الوضع: أبو زكريا يحيى بن أبي الخير الجناوني من علماء الاباضية في القرن الخامس الهجري، ولد ببلدة أجناون بجبل نفوسه. من كبار الفقهاء في عصره من مؤلفاته: الوضع والنكاح وعقيدة نفوسه. ر: السير الشامخي ج1، ص178، والاباضية في ليبيا. معمر. ص93، والوضع: الجناوني. ت: أبو اسحاق اطفيش.
(3) - صاحب الموجز : ابي عمار عتبد الكافي بن ابي يعقوب التنداني(ق6هـ) ولد بتناوت احدى قرى وارجلان بالجزائر. من ابرز علماء الكلام والمفكرين الاباضيين \. ارتحل إلى تونس لطلب العلم ثم رجع إلى وارجلان. ر: السير الشماخي ج2ص104 ، الاباضية في الجزائر ج ص206 معمر. (1/140)
صفحة 141
وقوله »هو عالم معناه ليس بجاهل« : بيان لما قرره اولاً من أن هذه الصفات وضعن لإثبات الكمالات للذات، وأن اضدادها في غاية النقصان (النقصان) فضد العلم: الجهل، وهو مستحيل عليه تعالى، لأن الجاهل لا يتمكن من فعل شيء لا يعلمه. وهذه الافعال قد دلت بما هو حكمة الله فيها. إنها لا تصدر إلا عن عِالم بصنيعها.
وقوله » والسمع أي بالذات « :أي وكذلك صفة السمع معناها انتفآء الصمم عنه تعالى، والسمع هو بالذات أي ذاته تعالى سميعة، أي منكشفة لها المسموعات انكسافا تامًّا وليس السمع في حقه – تعالى – بالأذان التي هي الآت السمع في المخلوقات لان صفاته تعالى لا تشابه صفات المخلوقات.
وقوله »وهو البصير بذاته«: أي ذاته تعالى بصيرة أي منكشفة لها المبصرات انكشافا تاما لا يحتاج إلى آلة البصر التي من لوازمها اللحظان وهو النظر بموجز العين. من أي الجانبين. قال في شرح القاموس (1) : ومن ذلك حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - »كان يلحظ في الصلاة ولا يلتفت« قال في القاموس: وهو أشد التفاتا من الشزر (2) .
وانشد الشارح (3) قوله:
نظرناهم حتى كأن عيوننا بها لقوَة (4) من شدّة اللحظات (5)
* مدلول عين الأسماء والصفات:
87 أسماؤه وصفاته للذات عين الـ ذات ليس بغيرها يا شاني
__________
(1) - تاج العروس.
(2) - الشزر: نظر إليه بجانب العين ويكون أكثره في اعراض وغضب.
(3) - محمد المرتضى الزبيدي.
(4) - لقوه: داء يصيب الشدق إلى جانبي العنق.
(5) - لم أجد نسبة لقائله، ر:الصحاح – الجوهري، تاج العروس.الزبيدي، لسان العرب. ابن منظور: مادة»لحظ«. (1/141)
صفحة 142
أي مدلول اسمائه اسمائه تعالى ومدلول صفاته عو عين ذاته العلية لا غيرها. فالله تعالى مري بذاته لا بصفة هي لغيره تسمى إرادة، وقد يريد بذاته لا بصفة هي لغيره تسمى قدرة، وعليم بذاته لا بصفة هي لغيره تسمى علما، وحيّ بذاته لا بصفة هي لغيره تسمى بالحياة، وسميع بذاته لا بصفة هي لغيره تسمى سمعا، وبصير بذاته لا بصفة هي لغيره تسمى بصرًا.
والفرق بين الاسماء والصفات هو أن الأسماء هي ما دلت على الذات من غير أن تفهم إتصاف الذات بصفة، وعلى هذا الفرق فجميعها صفات إلا اسم الجلالة. وفرّق بعضهم بينهما بان ما وجد فيه »أل« فهو اسم (1) كالقدير والمريد والعليم وما ليس فيه »أل« فهو صفة كقدير ومريد وعليم، وعلى الفرق الاول المعول. ولا يعترض عليه بقوله تعالى: { ولله الاسماء الحسنى } (2) حيث جمع الاسماء لأن المراد بها هنا جميع الصفات مع قطع النظر عن الفرق بين ما يدل على الذات وحدها و(بين) ما يدل على الذات متصفة بصفه.
وقوله »ياشاني« : أي خصمي.
88 والقولُ فيها أنها هي غيرهُ وقديمة معه من البهتانِ
89 أيكونُ ربي كاملاً بالغيرِ لا والله هذا واضح البطلانِ
90 أم هل يجوز تعدد القدما لدى العقلاءِ عند الواحد الديانِ
أي والقول في الصفات الذاتية أنها معانٍ حقيقية، وأنها غير الذات العلية قديمة مع الذات، مع الافتراء على الله – عز وجل – لما يلزم على هذا القول أن يكون الربّ عز وجل كاملاً بالغير. فقولهم بأنه تعالى قادر بقدرة هي غيره، ومريد بإرادة هي غيره، وهكذا يستلزم أن يكون الله كاملاً بالقدرة وبالارادة، والقدرة والارادة هما في زعمهم غيره. فيلزم أن يكون كاملا بالغير، ومن كان كاملاً بالغير وجب أن يكون ناقصاً في ذاته، والله – تعالى – كامل في ذاته. فالقول بأنه كامل بغيره من الباطل ويستحيل أن يوصف به – تعالى.
__________
(1) - في ب: لفظ .
(2) - الاعراف: 180 (1/142)
صفحة 143
ويلزم أيضاً على قولهم بان صفات الذات معان حقيقية قديمه مع الذات تعدّد القدماء. وتعدد القدماءِ باطل لما تقدم. فالقول بأنها غير باطل ايضا، فتبين ان اسماء الله تعالى وصفاته الذاتية عين ذاته.
قال البدر أبو سته – رحمه الله تعالى – ذهب الاشاعرة ومن تأسى بهم إلى أنه تعالى له صفات موجودة قائمة زائدة على ذاته. فهو عالم بعلم قادر بقدرة، وعلى هذا القياس ذهب غيرهم إلى نفيها أي نفي زيادتها على الذات.
واحتج الاشاعرة على ما ذهبوا إليه بوجود ثلاثة:
الأول: ما اعتمد عليه القدماء منهم، وهو قياس الغائب على الشاهد فان العلة والحدَّ والشرط لا تختلف غائباً ولا شاهدا، ولاشك أن علة كون الشي عالماً في الشاهد هي العلم، وكذا في الغائب. وحدّ العالم هنا من قام به العلم، فهكذا حده هناك. وشرط صدق المشتق على واحدٍ منا ثبوت أصله له، فهكذا شرطه فيمن غاب عنك، وقس على ذلك سائر الصفات.
قال: وهذا ليس بصحيح إذ قياس الغائب على الشاهد مطلقا لا بد فيه من اثبات علة مشتركة بين المقيس والمقيس عليه، وهذا الاثبات بطريق اليقين مشكل لجواز كون خصوصية الاصل الذي هو المقيس عليه شرطا لوجود الحكم فيه أو الكون خصوصية الفرع أي المقيس مانعاً من وجوده فيه، وعلى التقديرين لا يثبت بينهما علة مشتركة فلا يصح القياس. كيف والخصم أي القائس قائل معترف بخلاف مقتضى الصفات شاهدا وغائبا، فان القدرة في الشاهد لا يتصور فيها الايجاد بخلافها في الغائب، والارادة فيه لا تخصّص بخلاف ارادة الغائب، وكذلك الحال في باقي الصفات فإذا ما وجد في أحدهما لم يوجد في الآخر، فلا يصح القياس أصلا. (1/143)
صفحة 144
الثاني: لو كان مفهوم كونه عالماً قادراً حيا نفس ذاته لم يفد حملها على ذاته، ولكان قولنا على طريقة الاخبار: »الله العالم« أو نحوه بمثابة حمل الشيء على نفسه، واللازم لان حمل هذه الصفات يفيد فائدة صحيحه، بخلاف قولنا: ذاته ذاته، وإذا بطل كونها نفسها، ولا مجال للخبرية قطعاً تعينت الزيادة على الذات، وفيه نظر لأنه لا يفيد إلا زيادة هذا المفهوم، أعنى مفهوم العالم والقادر ونظائرهما على مفهوم الذات، ولا نزاع في ذلك. وأما زيادة ما صدق عليه هذا المفهوم على حقيقة الذات فلا يفيد هذا الدليل.
الثالث: لو كان العلم نفس الذات لكان العلم نفس القدرة، فكان المفهوم من العلم والقدرة امرا واحداً، وأنه ضروري البطلان، وكذا الحال في سائر صفات وفيه ايضا انما يدل على تغاير مفهومي العلم والقدرة ومغايرتهما للذات والمتنازع فيه الثاني دون الأول فمنشأ هاذين المفهومين عدم الفرق بين مفهوم الشيء وحقيقته.
فان قلت: كيف يتصور كون صفة الشيء عين حقيقته، مع أن كل واحد من الموصوف والصفة يشهد بمغايرته لصاحبه؟ وهل هذا إلا كلام مخيل لا يمكن أن يصدق إلا في سائر القضايا المخيلة التي يمتنع التصديق بها، فلا حاجة لنا إلى الاستدلال على بطلانه؟.
قلت: ليس معنى ما ذكروه أن هناك ذاتا وصفه، وهما متحدان حقيقة كما تخيلته بل معناه أن ذاته – تعالى – يترتب عليه ما يترتب على ذات وصفة معا. مثلا ذاتك ليست كافية في انكشاف الاشياء عليك بل يحتاج ذلك إلى صفة العلم الذي يقوم بك. والمفهومات بأسرها منكشفة عليه لأجل ذاته. ( انتهى كلامه ببعض التصرف).
* الكلام الإلهي وأقسامه:
91واعلم بان كلامه نوعان ذاتي وفعلي وأما الثاني
92 فكلامه بالفعل وهو الخلق للاصوات فيما شاء للإيذانِ
93 إما بوحي أو بإلهام الى من شاء أو إنزال كالفرقانِ
أي واعلم أيها السامع ان كلامه تعالى نوعان: (1/144)
صفحة 145
احدهما: ذاتي أي صفة ذاتية له – تعالى – الصفة معنى أعتباري يعتبر بها نفي ضدها عنه تعالى.
النوع الثاني: هو كلام فعلي، نسبة إلى الفعل، وهو هنا الايجاد للاصوات المشتملة على الفاظ دالة على معان يوجدها فيما شاء من الاشياء كاللوح المحفوظ والشجرة التي نودى منها موسى – عليه السلام – وحكمة خلقه. إعلام من خلق لأجله الكلام، وذلك الإعلام إما بإلقاءٍ اليه من الربّ – عز وجل -، يلقي من سمعه، وأما أن يشرح له صدره فيلقيه في قلبه وأما أن يكون على لسان ملك يجيء به من السماء إلى النبي كأنزال القرآن العظيم على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - .
فقوله»واعلم بأن كلامه ... الخ« : تنبيه على أن الكلام من صفات ذات الوجهين: يكون صفة ذات ويكون صفة فعل. ولما لم يذكر المصنف هذا النوع صريحاً فيما تقدم نبّه عليه بقوله واعلم .. الخ.
ثقوله»وهو الخلق للاصوات« : أي الأيجاد لها. وقد يقال أن الكلام هو اللفظ الدال على معان وهذا غير الايجاد. ففي كلام المصنف تأمل ويجاب عنه بأن التعريف للفعل لا للكلام. والمعنى أن النوع الثاني فكلامه بالفعل وهذا الفعل هو الخلق للاصوات ... الخ فلا إشكال.
وقوله »فيما شاء«: أي في أي محل شآء ان يخلقه فيه، وفيه إشارة إلى أنه لا يلزمنا تعيين محل الخلق، فيفيد الجواب لصاحب تلك النونية في قوله :
لم يعدُ أن يك بين خلق سمائه والارض مخلوقا بلا نقصانِ
ما باله اذ قال لم أخلقهما إلا بحق ثابت الاركان
فالحق لم يخلقه قل لي أم له معنى ثبوت عند ربك ثانٍ
أي لو كان القرآن مخلوقاً لوجب ان يكون مخلوقاً بين السماء والارض أو في احدهما لم يعد ذلك. والله – عز وجل – قال: { أو لم يتفكرو في أنفسهم ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } (1) . فالآية دليل على أنهما مخلوقتان، وما بينهما بالحق، والحق هو القرآن، فلا يستقيم أن يكون مخلوقاً بينهما، أو في أحدهما، فبطل كون مخلوقاً.
__________
(1) - الحجر: 85. (1/145)
صفحة 146
وجوابه: أما اولاً: فلا يلزمنا تعيين محل خلقه، وأما ثانيا: فلا نسلم ان الحق في الآية هو القرآن، وانما المراد به ضد الباطل أي ما خلقناهما وما بينهما إلا متلبسين بالحكمة وعدم العبث. وفي كلام المصنف إشارة إلى إن الكلام الفعلي إنما يخلق في جسم، وإليه ذهبت المعتزله، وأستدلوا على ذلك بقوله تعالى: { فلما أتاها نودي من شاطئ الوادِ الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة } (1) فان هذا صريح في أن موسى عليه السلام سمع النداء من الشجرة، والمتكلم بذلك النداء هو الله سبحانه وتعالى وهو منزه أن يكون في جسم. فثبت أنه تعالى أنما يتكلم بخلق الكلام في الجسم.
وأجاب المانعون بخلق الكلام بما لا يسمع، فلا نطيل بذكره. وقوله »للايذان«: أي للإعلام، ففيه تنبيه على أن الحكمة من خلق الكلام اعلام من سمع الكلام بما أراد الله أن يعلمه به.
وقوله »أما بوحي« تفسير للإيذان أي إما أن يكون سببه وحياً وهو لغة: لكل ما ألقيته لغيرك ليَعْلَمَ، والكتابة والاشارة والرسالة والافهام كلها وحي بالمعنى المصدري. انتهى.
وقوله »أو بإلهام« : يريد به ما ينفث في روع الانبياء لقوله - صلى الله عليه وسلم - ((ان روح القدس نفث في روعي)) أي قلبي. إن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها، فاتقوا الله واجملوا في الطلب، لكن يفارق الإلهام بأن يحصل في قلب النبي علم ضروري بأن هذا الملقى هو من الله تعالى.
وقوله»أو إنزال كالفرقان« باسقاط النون من إنزال للوزنِ وأراد بالإنزال ما يجيء به الملك من عند الرحمن من الكلام المتلو. فالملقى في قلوب الانبياء وان كان كلاماً إلاهيًّا لا يسمى منزلاً.
* نظم القرآن دليلاً على حدوثه:
94 نظم يدلّ على معان شاهد لحدوثهِوالعقل بالبرهانٍِ
__________
(1) - القصص: 30. (1/146)
صفحة 147
أي الفرقان لفظ دال على معان وهو شاهد على أنه موجود بعد عدم بالبرهان القاطع مع برهان العقل الدال على حدوثه ايضا. فإنزاله وكونه نظماً دالاً على معان دليل على أنه مخلوق، اذ لايكون القديم منزلا ولا نظما مع ما فيه من الايات الدالة على خلقه كغيره كما في قوله تعالى: »خالق كل شيء«.»وانا كل شيء خلقناه بقدر« وقد تقدم بيان جميع ذلك.
»فالنظم« : هو ادخال اللاّليء في السلك، استعارة للكلام المنزّل بجامع الحسن في كلّ منهما، وآثر التعبير به عن التعبير باللفظ لان اللفظ لغة: الطرح. يقال: لفظت النواة. أي طرحتها فعدل عن التعبير به تادُّبا.
وقوله»يطل على معان«: إشارة إلى أن للقران ركنين: النظم والمعنى، فان أختل أحدهما فلا يسمى الأخر قرآنا. ففيه اشارة إلى أبطال مذهب أبي حنيفة حيث جوّز قرآءة القران في الصلاة بالفارسية، فأعتبر المعنى دون اللفظ وهو غلظ فاحش.
وقوله »للعقل« : انتصب على أنه مفعول معه، ولا يستقيم رفعه لان العطف على ضمير مستتر ضعيف، ولك أن تجعله مبتدأ خبره محذوف تقديره والعقل شاهد أيضاً.
95 آيات حق تفحم البلغاء والخطباء محدثة من الرحمن
أي هو آيات مطابقات لما في نفس الامر، مسكنة للقادرين على تأليف الكلام البليغ والناطقين بالخطب بين القوم، أحدثها ربنا عزوجل فالآيات جمع آية، وهي طائفة من القرآن يتصل بعضها ببعض إلى انقطاعها طويلة كانت أو قصيرة، واضافتها إلى الحق، اضافة بيانية أي آيات هي الحق.
»والحق« : مطابقة ما في نفس الامر.
ومعنى »تفحم« : أي تسكت البلغاء والخطباء بالحجة يقال: أفحمت الخصم: إذا اسكته بالحجة.
و»البلغاء« : جمع بليغ وهو من له ملكة يقتدر بها على تاليف كلام بليغ. والكلام البليغ هو المطابق لمقتضى الحال، فكل بليغ كلاما أو متكلما فصيح لان الفاصحة مأخوذة في تعريف البلاغة وليس كل فصيح بليغا. (1/147)
صفحة 148
و»الخطباء« : جمع خطيب وهو متكلم القوم والغرض من تطويل المصنف لأوصاف القرآن بيان لعظيم شأنه، وذلك انه لما أقام الحجج والبراهين على خلقه اعقبها بما يعتقده في القرآن من الصفات تنبيهاً للسامع إلى أنه لم يقل بخلقه تهاوناً بشأنه، فكأنه قال: اعتقد تعظيمه كما تعتقد انت تعظيمه لكنى لا اغلوا في ذلك كما غلوت، فإنك قد جاوزت الحدَّ في وصفه حيث وصفته بالقدم، وهذا القرآن بنفسه شاهد على خلاف مقالتك، فتعظيمي له لم يخرجني بحمد لله من الحق كما أخرجك تعظيمك إياه حيث غلوت في وصفه.
*إنزاله منجماً:
96 إنزاله حسب المصالح أنجما يهدى إلى ايجاده بزمان
أي أنزال القران طوائف بقدر منافع الخلق يدل على أنه محدث في وقت، لأن النزول جمعيه كان في أوقات، وما كان في وقت فهو محدث.
فقوله »حسب«: أي قدر.
و»المصالح«: جمع مصلحة وهي اللذة ووسيلتها وتقابلها المفسدة وهي الالم ووسيلته.
وقوله »أنجما«: حال من المضاف اليه، والعمل فيه إنزال – ان فسرناه بطوائف – وظرف – إن فسرناها بأوقات – وأصل الأنجم جمع نجم ، وهو الكوكب، ثم أطلق على الأوقات لأن العرب كانت تؤقت بطلوع النجم، لأنهم ما كانوا يعرفون الحساب وأنما يحفظون أوقات السنه بالأنواء، وكانوا يسمون الوقت الذي يحل فيه الآراء نجما تجوّزا لان الادآء لا يعرف إلا بالنجم، ثم توسعوا حتى سموا الوظيفة نجما لوقوعها في الاصل في الوقت الذي يطلع فيه النجم قال ابن (1) فارس: النجم وظيفة كل شي وكل وظيفة نجم. انتهى مصباح.
وقوله »يهدي«: أي يدل.
__________
(1) - أحمد بن فارس بن زكريا الرازي (ت: 395) : اصله من همدان ورحل إلى قزوين وأخذ من إبن الخطيب وإبن المنجم وكان إماماً في علوم شتا وخصوصاً في اللغة، كوفي المذهب تتلمذ على يده بديه الزمان الهمداني. توفي بالري. ومن مصنفاته: المجمل، وغريب إعراب القرآن، وجامع التأويل، ومقاييس اللغة. ر: معجم الادباء. الحموي. ج4 ص80، الفهرست. ص: 80، وفيات الأعيان ج1، ص100 . (1/148)
صفحة 149
وقوله»بزمان«: أي في زمان.
اعلم أن في هذا البيت احتجاجاً على أحداث القرآن بأنزاله. قال ابو القاسم: (1) الجواب القاطع عندي في جميع مقالاتهم أن يقال لهم: أخبرونا عن قوله تعالى: { إنا نحن نزلنا عليك القرآنا تنزيلا } (2) فمن المنزل؟ وما المنزول؟ (3) فلا بد أن يقول الله سبحانه هو المنزل، فيقال لهم: لا يخلو إما أن يكون نزل نفسه أو نزل غيره ولا ثالث إلا التهويلات الكاذبات والتطويلات الفاسدات. فإن قلتم: نزل نفسه فهو إذا منزل فاعل من وجه مفعول من وجهٍ آخر – تعالى الله وتقدّس عن هذه الصفة الذميمه – ثم ماذا يلزم بعد هذا كله من الالزامات مثل البعض والكل والانتقال من مكان هو فيه إلى مكان ليس هو فيه، وقد قطع الله فيه عذرهم وبين ضلالهم بقوله: { إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا } فأكد بالمصدر الفعل وحققه حتى لا يتحمل مجازا. وإن قالوا إنما نزل غيره وهو القرآن فقد أقروا بخلقه.
وقال الشيخ أبو مهدى (4) : نقول لمن أنكر أن يكون القرآن مخلوقاً هو منزول أم غير منزول؟ فان قال غير منزول فقد كفر لنصوص كثيرة في القرآن وقد قال الله تبارك وتعالى: { إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا } فأخذ بمصدر الفعل وحققه حتى لا يحتمل مجازا أصلا.
وإن قال منزول فنقول له: من أنزله؟ فان قال غير الله فقد كفر ورّد نصوص القرآن ايضا، وإن قال: انزله الله فنقول له: أنزل الله نفسه أو غيره؟ فهنالك تصير حججهم هباء منثوراً.
__________
(1) - أبو القاسم البرّادي.
(2) - الإنسان:23.
(3) - في ب : ومن المنزول؟
(4) - أبو مهدى عيسى بن اسماعيل الميزابي المليكي (ت – 971): يرجع نسبه إلى عرش أولاد نائل. فقيه متكلم أصولي. كان في البدء مالكي المذهب الاباضي وصار من اعلامه. وأخذ عنه محمد بن زكريا الباروني وداود التلاتى وله عدة رسائل من أشهرها: جواب لأهل عُمان. ر: الإباضية في الجزائر. معمر ص 244، البعد الحضاري. ص165. (1/149)
صفحة 150
وقال الشيخ أبو يعقوب – رحمه الله – قال عز وجل: { إنا أنزلناه في ليلة القدر } (1) و { نزل به الروح الأمين على قلبك } و { ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } (2) . قالوا: العبارة عنه،قلنا لهم بعد قول الله تعالى: { أنزله بعلمه والملائكة يشهدون } (3) . قلتم العبادة عنه فمن يشهد لكم بهذا: إن كذبتم شهادة الله تعالى وشهادة ملائكته؟ فيا سبحان الله من قوم أنكروا نزول القرآن مثل أهل الأوثان، ولو عرضوا بما هم فيه بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وجبريل الروح الأمين أنه لم ينزل به جبريل – عليه السلام – على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - وإنما نزل بالعبارة في القرآن وخيال جبريل الذي نزل على خيال محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم ينزل نحن ايضا علينا القرآن، وإنما نزل على خيالنا وقوله تعالى: { وكذب به قومك وهو الحق } (4) وإن القوم ما كذبوا بالقرآن وإنما كذب خيالهم بالعبارة. فليس القرآن في نفسه بحق وإنما العبارة عنه هي حق، وهي التي كذب بها خيال القوم، فمن كان بهذه الصفة فليسوا بالعقلاء الذين يخاطب الله عز وجل امثالهم إلا ان تجاهلوا تعمدا. انتهى.
فأنظر كيف ألزمهم إنكار نزول القرآن أصلا، وشبّههم بعبدة الأوثان وبالخياليّة وهم قوم انكروا حقائق الاشياءِ وتحقق العلم بها، وهؤلاء كفار قطعا، ولو لم يكن إلا هذا الكلام الذي حققه هذا الإمام لكفى.
__________
(1) - القدر: 1.
(2) - الأسراء: 82.
(3) - النساء: 166.
(4) - الانعام: 66. (1/150)
صفحة 151
وقد قال الشيخ أبو القاسم: لعمري لقد انكروا نزول القرآن صراحاً. ورفع عن بعضهم أنه قال في كتابه جآء الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انه قال: »أنزل الله القرآن كله جملة واحدة وجعلة في بيت العزة في سماء الدنيا« فكان نزوله على النبي عليه السلام نجوما، فاختلف جواب شيوخنا في هذا، فقال بعضهم: القرآن وأنزل: مجاز. وقال بعضهم: انه لم ينزل القرآن. ثم قال: فهل عجب أعجب من هؤلاء الذين كذبوا قول الله عز وجل: { إنا نحن نزلنا عليك القرآن } (1) وردوه انتهى.
أعاذنا الله والمسلمين من أسباب الردى وفتنة الاهواء ووفقنا لما يحب ويرضى.
* أعظم معجزة:
97 سبحان من أوحاهُ أعظم آيةً لرسالة المبعوث من عدنانِ
أي تنزيها لمن أوحى القرآن العظيم حال كونه أكبر علامة دالة على رسالة النبي المرسول من بني عدنان.
فسبحان: علم عن التنزيه، والمنزه هو الرب عز وجل لان الايحاء باذنه هو الذي خلقه.
آية: تمييز بمعنى علامة، والمراد بالعلامة هنا دليل النبوة. وإنما كان القرآن أعظم رسالة على نبينا - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المعجز الباقي إلى آخر الأبد، فمن ثم قيل: »ما من نبي إلا وانتقضت معجزته بوفاته إلا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فان معجزته باقية أبدا« .
واختلف في جهة إعجازه فقيل: من حيث التراكيب على أنه أفحم البلغاء فيها. وقيل: من حيث إخباره بالغيب وقد وقع على ما أخبر، وقيل: من حيث إخباره بالغيب وقد وقع على ما أخبر، وقيل: من حيث إخباره عن الامم الخالية، وقيل: من حيث عدم التناقض فيه مع طوله.
__________
(1) - الإنسان: 23. (1/151)
صفحة 152
وأقول أن جميع ذلك معجز، وأن كل قول من هذه الأقوال قد أخذ جهة من جهات الإعجاز، فينبغي أن يقال: واعجازه من جهات احدها: تراكيبه وثانيها: اخباره بالغيب وثالثها: اخباره عن الامم الخاليه ورابعها: عدم تناقضه مع طوله والقول بان القرآن ليس، معجز في نفسه، وان البشر يستطيعون الاتيان بمثله لكن صرفت عقولهم عن ذلك، فثبت اعجازه لذلك باطل لا يلتفت إليه (1) .
وقوله المبعوث: أي المرسول.
وقوله من عدنان: أي من بني عدنان، وعدنان من بني اسماعيل بن ابراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام – وإنما خص عدنان بالذكر لان ضبط نسبه الشريف هو إلى عدنان بلا خلاف، ثم اختلف فيما فوق عدنان إلى اسماعيل. وقد ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نسبه إلى عدنان ثم قال : كذب النسابُون.
* ناسخ للشرائع:
98 نسخ الشارئع كلها بنزولهِ ومحا الشكوك بواضح التبيانِ
أي رفع القرآن حكم الشرائع التي وجدت قبله كلها، فيلزم اهل الشرائع كلهم حكم القرآن، ولا يجوز لاحد منهم أن يقر على شريعته بعد أن تبلغه دعوة نبينا - صلى الله عليه وسلم - وهل يستدل بالشرائع المتقدمة على حكم لم يوجد له نص من شريعتنا أم لا؟ فيه الخلاف بين العلماء.
وظاهر الكلام المصنف المنع، لمنع العمل بالمنسوخ. والقائلون بجواز العمل به جعلوها منسوخه فيما خالفت فيه شرعنا وعندهم ان ما سكت عنه شرعنا فهو باق على حكمه الاصلي.
وقوله ومحا الشكوك: جمع شك وهو تساوى النقيضين في الذهن بحيث لا يترجح احدهما عن الأخر بشيء فان ترجح في الذهن النقيض المطابق للأدلة فهو الظن وان ترجح النقيض المخالف للأدلة فهو الوهم.
وفي قوله واضح التبيان: إضافة الصفة إلى موصوفها أي التبيان الواضح.
* الكلام من الصفات الفعلية:
99 والخلف في اثباته بالذات والمقصود نفى الخرس لا بلسانِ
__________
(1) - ينسب هذا القول إلى النظامين أتباع إبراهيم بن سيّار النظام من المعتزله. ر: الكشف والبيان: القلهاتي ج2 ص 345 . (1/152)
صفحة 153
أي واختلف العلماء في اثبات الكلام صفة ذاتيه، فاثبتها قوم منا، ومنعها آخرون، وممن منع كون الكلام صفة ذاتية الشيخ عامر (1) - صاحب الايضاح – رحمه الله تعالى في عقيدته (2) حيث قال: وندين بان الله خالق لكلامه، فأطلق الخلق على الكلام كله، فدل على أن الكلام معه صفة فعليه فقط، والشيخ أبو بكر أحمد بن النظر – رحمه الله تعالى – حيث حصر كلام الله في كتابه فقال:
وأما كلام الله فهو كتابه كذلك قال الله للطاهر الشيم
والمراد بكتابه، كتبه جميعها لان الاضافة تفيد العموم، فدل على ان الكلام معه رحمه الله – صفة فعلية فقط إذ لا قائل بأن الكلام الذاتى كتبه أو شي منها، فبهذا يعلم انتفآء تلك النونية عنه إذ لا يتأتى لمن نفى كون الكلام صفة ذاتيه أن يقول بقدم الكتب المنزله.
المقصود عند القائلين بثبوت الكلام صفة ذاتيه نفي الخرس بها عن الله عز وجل، فكما انتفى العجز بالقدرة والجهل بالعلم، والإكراه بالإرادة وهكذا، انتفى الخرس بالكلام فقالوا: الله متكلم أي ليس بأخرس.
__________
(1) - أبو ساكن عامر بن علي بن عامر الشماخي (ت: 792)، نشأ بجبل نفوسه في أسره عرفت بالعلم والصلاح، تتلمذ على أبو موسى الطربسي. وعرف منذ صغره بالزهد والاستقامة، وأسس مدرسة علمية، تخرج على يديه كثير من العلماء منهم أبو قاسم البرادي وأيوب الجيطالي، ويعتبر من كبار فقهاء الأباضية وله قدم راسخة في علم الكلام والاصول والفقه. ومن مصنفاته: الايضاح ورسالة الديانات، السير ج2 ص198، م الايضاح، الاباضية في ليبيا معمر. ص113.
(2) - رسالة الديانات. (1/153)
صفحة 154
قال البدر أبو ستة (1) في حواشي الوضع ما نصه: قوله متكلم ليس بأخرس (2) هذا التفسير على أحد الإطلاقين عند اصحابنا اعنى على جعل الكلام صفة ذات وهذا الاطلاق مرجوح حتى أنهم لا يكادو يستعملونه مخافة الوقوع في مذهب الغير والراجح، عندهم أن الكلام فعل من أفعاله. ولم يذكر الشيخ أبو ساكن عامر – رحمه الله – في عقيدته غيره حيث قال: وندين بان الله خالق لكلامه ووحيه ومحدثه وجاعله منزله .. الخ.
وقال في شرح (3) الجهالات – منبها على ذلك – ما نصه : ولا اعرف في شيء من صفات الله عز وجل موضعا يقولون فيه على نفى كذا الا وتحته صفة ذات ما خلا صفة الكلام، فإنهم يقولون على نفى الخرس ثم لا يعدّون الكلام صفة ذات، وإنما ذلك عندي هروب من قول الذين يذعمون أن القرآن ليس بمخلوق ولا محدث حتى لا يوهموا الميل إلى شيء من قول أهل الخطأ ... انتهى.
__________
(1) - أبو عبدالله محمد بن عمرو بن محمد بن أحمد بن أبي سته (1022-1087)، ولد بجربه وتعلم على يد الشيخ عبدالله البدو لكشي ثم هاجر إلى مصر ليتعلم بالأزهر حتى أشتهر بين علماءه وعرف بالمحشي ولقب بالبدر. ثم رجع إلى جربه وتولى التدريس ورئاسة الحلقة بها بعد وفاة شيخه حتى توفى بها. أما مؤلفاته فهي حواشي على المصادر الاباضية بلغت أكثر من عشرين حاشية منها: حاشية على قواعد الإسلام، حاشية على شرح الجهالات، وحاشية الترتيب. ر: الإباضية في تونس ص189، البعد الحضاريص147.
(2) - ضاعت أوراق النسخة(ب) وتبدأ من ص147 من أول البيت.
(3) - لابي عمار عبد الكافي وهو شرح لكتاب الجهالات للشيخ تبغورين بن عيسى الملشوطي (ق6هـ): البعد الحضاري. ص126. (1/154)
صفحة 155
وقال شارح (1) العدل – رحمه الله -: أصحابنا لايجعلةن الكلام صفة ذاتية إلا على طريق السلف ونفي الخرس عنه تعالى، وقل ما يقولون على نفى كذا إلا ويثبتون تحته صفة كالعلم على نفى الجهل والقدرة على نفى العجز والحياة على نفي الموت والاراده على نفى الاستكراه والكلام على نفى الخرس، ومع ذلك فإنهم لا يثبتون الكلام صفة ذاتية كما في الحياة والقدرة والعلم والإرادة وسائر الصفات ولعل ذلك لئلا يتوهم عليهم تصويب أهل الخطاء. وكان الشيخ أبو عبدالله (2) محمد بن أبي بكر – رضى الله عنه – يسأل المشايخ، ويقول لهم: ما تقولون فيمن يزعم لكم أن كلام الله على وجهين: كلامه الذي هو صفة له في ذاته وكلامه الذي هو صفة له في فعله؟ واصحابنا يجيزون مكلماً وكلم ويكلم ويمنعون مكلما ويتكلم وهي مسألة فلحون وأبي نوح معروفه.. الخ.
وأقول: الظاهر انما أجازوا مكلما ويكلوم وكلم لأنها تدل على أن الكلام صفة فعل لأنها أفعال متعدية بخلاف: متكلما ويتكلم وتكلم مثلا فانها تدل على إنها صفة ذات لكونها لازمة والله اعلم. فليحرر.
__________
(1) - شارح العدل هو أحمد بن سعيد الشماخي لشرحه كتاب العدل والانصاف لابي يعقوب الوراجلاني.
(2) - الامام أبو عبدالله محمد بن بكر بن ابي بكر الفرسطائي((345 – 440)) نشأ بجبل نفوسه وأرسى الأسس العلمية لنظام الغرابه ( 409) فب المغرب العربي يعتبر من كبار أئمة المذهب الاباضية وأشتهر بإصلاحه الديني والاجتماعي والفكري، ر: السير. الشماخي جـ2 ، ص461، الاباضية في الجزائر ج1، ص169. (1/155)
صفحة 156
والظاهر أنه إنما يمتنع ((متكلما)) نظراً إلى كون الكلام فعلا لا صفة،وأما اذا جعل صفة على معنى نفي الخرس فهو جائز، وان كان قليلا، ويدل عليه قول المصنف – رحمه الله – ومتكلم ليس بأخرس، ثم ظاهر قوله ليس بأخرس أن الخرس ضد الكلام، فينفى به كما ينفى بكل صفة ضدها كما هو المشهور لكن ذكر شارح العدل – رحمه الله – في مسألة اختلف الناس في المعدوم، هل هو مأمور.. الخ ؟ ما يدل على أن الخرس أمر يضدّ الكلام حيث قال: فغالطت الاشعرية المعتزلة مغالطة دهشت المعتزله بإيرادهم إياها عليهم، وهي شبهه من شبههم، فترددت المعتزلة عندها وحارت حتى تنبه لحلها وكشفها بعض حذاقهم، وذلك أن الاشعرية قالوا: ان صفات الله سبحانه التي هي الصفات السبع التي هي: الحياة والعلم والقدرة والارداة والسمع والبصر والكلام صفات ذاتية ينفين عنه جميع صفات الحدوث والنقص والذم والعجز. والافات كل واحدة تنفي ضدها ومقابلها الذي هو آفة وعجز ونقيض. فالحياة تنفي الموت والموت ينفي بالحياة. فمن لم يكن حيا فهو ميت، ولاثالث إلى أن قال: والكلام ينفي الخرس وهو ضده ولا ثالث بين الكلام والخرس بعد حصول الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر. (1/156)
صفحة 157
فمن لم يكن متكلما فهو أخرس، والخرس عند الاشعرسة ضد الكلام، والكلام ضده، ومن حكم الضدين عند المتكلمين ان لا يثبتان معاً ولايرتفعان بل يتعاقبان على محل، فارتفاع واحد هو ثبوت ضدّه في محله، وثبوت ضده هو ارتفاعه وفاقا، فدهشت المعتزله عند هذا الالتزام وحارت فصاروا فريقين: فريق رجع إلى الاشعرية وأثبت الكلام (الكلام) النفسانى قديما على الوجه الذي قالت به الاشعريه والفريق الأخر وقف وتدبر حتى تنبه وتفطن، ثم قال منتصراً: أليس الخري بضد الكلام؟ والخرس آفة وزمانة وعجز في اللسان، ضده القدرة على الكلام. والخرس منفىّ بالقدرة حيث هو العجز، والقدرة تنفى العجز من كل وجه ومن حيث ما دار. والخرس نقيض الكلام وليس بضدّ له، دليل ذلك إن الضدين على قانون أهل الكلام لا يثبتان ولا يرتفعان معاً والنقيضان لا يثبتان معاً في محل ويرتفعان منه معا لا على المعاقبة. والخرس والكلام يرنفعان معاً ويكون المتكلم ساكاً لا اخرس ولا متكلما، وهو قادر على الكلام، ويكون أيضا متكلما لا ساكتا ولا أخرساً، فكل خرس سكوت، وليس كل سكوت خرس..الخ.
وأقول الظاهر أن إثبات أصحابنا الكلام صفة على معنى نفى الخرس هو ما رجع إليه الفريق الأول من المعتزله، وإثباته فعلا هو ما تنبّه اليه فريق الآخر وهذا الاطلاق هو الغالب عندنا كما تقدم والله اعلم .. انتهى كلامه.
* الكلام الذاتي غير مخلوق والقرآن غير الكلام الذاتي:
100 وإذا أردت كلامه الذاتي فليس بمحدثٍ بل ليس بالقرآنِ
101 لكنه صفة لهُ دلت على نفي النقائض عنه يا رباني (1/157)
صفحة 158
أي وإذا اردت بقولك أن القرآن غير مخلوق الكلام الذاتي فنحن نعترف بعدم حدوث الكلام الذاتي لكنا لا نسلم أنه هو القرآن لانه لا يصح اطلاق اسم القرآن عليه، إذ لا يمكن ان يقال الله: قارئ مكان متكلم، لكن الكلام الذاتي عند من قال به من أصحابنا هو: صفة تدل على نفي بعض النقائض عنه تعالى وهو الخرس. فالكلام الذاتي عند من اثبته انما هو اعتباري كسائر الصفات الذاتية.
وقوله يارباني: نسبة إلى لفظ الرب زيدت فيه الألف والنون مبالغة، وفائدة النسبة إلى هذا اللفظ الكريم التنبيه على أن هذا المنسوب ممن أقام بحقوق الله عز وجل، وأتى بهذا النداء في هذا المقام تلطف بالسامع وتحريضاً له على فهم البراهين التي أوردها. لعسى أن ينفعه الله بها.
* إخراج الكتاب والتنبيه على عدم التقليد:
102 هذا وان رمت احتجاجا مخرجا من ربقة التقليد للايقان
103 فارجع إلى علم الكلام فان في تلك المعالم منه فك المعاني
أي هذا الذي ذكرته من البراهين كاف لمن أراد الله هدايته، وإن أردت فوق ما ذكرته استدلالاً لا يخرجك من التقليد لاذي هو للمقلد كعروة الحبل الذي تشهد به البهائم، فتكون من أهل اليقين في قواعد الدين، فارجع مع العلم الذي يقتدر معه على اثبات العقائد الدينيه بالحجج الساطعة ودفع الشبه عنه بالبراهين القاطعة، ففي معالم هذا الفن ما يفك الضعيف من أسر التقليد.
والمعالم: جمع معلم وهو ما يستدل به على الطريق من الأثر، ومنه الحديث »تكون الأرض كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد« والجمع، المعالم، ومعالم الكلام: مسائلة يستدل بها على مقاصده، ومن ثم سمى الامام عبد العزيز- رحمه الله تعالى – كتابة »بمعالم الدين«، وفي كلام المصنف بالنظر إلى تسمية هذا الكتاب تورية حيث ورّى عن الكتاب، وهو المعنى الذي قصده بمسائل الكلام التي يستدل بها على قواعده. (1/158)
صفحة 159
وكذا في قوله »فك العاني«: تورية ايضا، فإنه اسم لكتاب صنفه القطب (1) - رحمه الله تعالى – في علم المعاني وفي كلام المصنف من ذكر الاخراج، وذكر الفك وسياق الكلام براعة المقطع، وتسمى حسن الاختتام، وهي أن يذكر المتكلم آخر كلامه ما يشعر بتمامه، وله في الكتاب العزيز شاهد قوله تعالى: { ولا يخاف عقابها } (2)
104 مولاي اني قد أجلتُ في هَذا المجالِ الواسعِ الميدانِ
105 وعليك تعويلي فهبّ لي نمنك ما امّلتُهُ مِنْ فيضك الهتّانِ
أي يا ناصري، اني قد جعلت نظري القاصر قطعا لنواحي هذا الفنّ مع اتساع نواحيه، وعليك اعتمادي في حفظي عن الزلل وتفيقي إلى الخير وتعليمي ما لم أعلم، فاعطني من فضلك الكثير ما رجوته منك وزيادة.
فقوله قد أجلت: مأخوذ من أجال الفرس في الميدان إذا جعله قاطعاً لجوانبه.
والفكر: النظر العقلي. وهو حركة النفس في المعقولات، أما حركتها في المحسوسات فتخييل.
والمجال: على الجولان، وأراد به هنا فن الكلام.
__________
(1) - الامام محمد بن يوسف اطفيش (1236 – 1332): ولد في مدينة بني يزجن بوادي ميزاب أخذ العلم عن أخيه ابراهيم أطفيش وظهر نبوغه في العلم مبكراً – واشتهر بقطب الأئمة لغزارة علمه ومؤلفاته، واشتهر بالاصلاح والتجديد، وكان إماماً في علوم شتى وإمام عصره في العلم. تفرغ لتدريس أخر عمره وأخذ عنه: ابو اسحاق اطفيش وابراهيم أبو اليقظان. وبلغت مؤلفاته ثلاثمائة مؤلف في شتى العلوم. ر: الاعلام ج7. ص 157، قطب الائمة. بكير بن سعيد أعوشت.
(2) - الشمس : 15 . (1/159)
صفحة 160
والميدان بالفتح والكسر: موضع جولان الخيل. قال في شرح القاموس قال ابن القطاع (1) في كتاب الأبنيه: اختلف في وزنه، فقيل فعلان من ماد يميد اذا تلوى واضطرب، ومعناه ان الخيل تجول فيه وتتثنى متعطفة، وتضطرب في جولانها. وقيل وزنه فعلان من المدى وهو الغاية لان الخيل تنتهي فيه إلى غايتها من الجرى ... أنتهى.
وقوله وعليك تعويلي: أي اعتمادي.
وأملته: أي رجوته
والفيض: مصدر فاض السيل: إذا تعدى جانب الوادى.
والهتان: المصبّ والمراد به هنا نعم الله الكثيرة وآلاؤه الغزيره، وفي سياق الكلام واستعظام المقام لما فيه من مزالق الاقدام، ولما زل فيه كثير من الاعلام. فمن ثم التجأ إلى الدعاء وطلب الحفظ الذي قد رجا.
* الخاتمة:
106 حمداً لمن بدأ الكتاب بحمده شكراً يقابل منتهى الإحسان
أي أحمد من بدأ الكتاب بالثناء الجميل على نفسه، واشكره شكراً يكافي إيصال النعم منه إلى.
فحمداً: مصدر انتصب، بمقدور تقديره أحمد حمداً. والحمد هو الثناء بالجميل على الجميل الاعتيادي، فيخرج الثناء على الجميل الاضطراري، فانه يسمى مدحا يقال: مدحت اللؤلوة لحسنها ولا يقال: حمدتها.
وفي قوله بدأ الكتاب بحمده: إشارة إلى أنه كان ينبغي إبتداء القصيدة بالحمد اقتداء بالكتاب العزيز، لكن لم يطابق ذلك لاقتضاء المقام الرد على ذلك المخالف بما يطابق اعتراضه.
وشكراً: مصدر شكرت له: اذا أثنيت عليه لنعمة صدرت منه اليك، ويكون بالقلي واللسان والجوارح.
وفي معناه قول الشاعر:
افادتكم النعماء منى ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجباء (2)
__________
(1) - علي بن جعفر بن علي السعدي (433-514هـ) عرف بابن القطاع الصقلي ولد بصقليه ثم هجرها إلى مصر وكان إمام وفقيه بمصر في اللغة. وأدب إبنا الافضل الجمالي، وله مصنفات في اللغة والأدب منها: كتاب الافعال. وكتاب الأسماء، وفرائد النذور. ر: معجم الأدباء. الحموي جص279، الأعلام ج4، ص269.
(2) - ر : الكشاف. ج1، ص47 ولم ينسبه لقائله. (1/160)
صفحة 161
والحمد لا يكون إلا باللسان، فبين الحمد والشكر عموم وخصوص وجه.
ويقابل: أي يكافئ.
ومنتهى الإحسان: غايته. والاحسان هو إصال النعم إلى العبد، والمعنى مأخوذ من حديث : ((الحمد لله حمداً يوافي نعمة ويكافي المزيد))، فلا يعترض على المصنف بأن شكره لا يكافئ نعم الله، فكيف وصفه بذلك مع ان الجواب عنه، ان المصنف معترض بقصوره ع ذلك وتقصيره، لكنه يطلب أن يكون له جواب شكر كذلك. زكثير من الاحاديث دالة على كثر ذلك وفي ذكر المنتهى إشارة إلى الانتهاء، ففيه حسن الاختتام.
((اللهم احسن خواتيم أعمالنا، وهب لنا من فضلك فوق آمالنا، وعافنا في ديننا ودنيانا، ووفقنا على ما ترضاه منا، فإنا نبرأ اليك من الحول والقوة والطول، ونستمد منك الأعانة في جميع ما تحبه منا، ونسألك الحفظ مما تكرهه منا، وأحشرنا في زمرة نبينا عليه أوفر صلاة وأكمل سلام، وارزقنا نصيباً من شفاعته، واكتبنا في ديوان من اعترف بوحدانيتك وقام لإحياء دينك، وأبلغ نبيك منا أوفر صلاة وأكمل تحية، وصلّ وسلم على آله وصحبه ومن سلك منهج الرشاد من بعده، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين)).
***
الملاحق
ملحق رقم: (1) (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المنفرد بالقدم، والصلاة والسلام على سيد الأمم، وعلى آله وصحبه ذوي الشرف الأتم.
أما بعد: فلما وقف شيخنا الراشدي قبل الله سعيه، ورفع علمه وشكر صنعه على النونية المعروفةى لأبي بكر أحمد بن النظر، ورآها مناقضة لكلامه في ميميته ورائيته، فمن تلك المناقضة في الاولى:
وأما كلام الله فهو كتابه كذلك قال الله للطاهر الشيم
__________
(1) رسالة للرد على نونية ابن النظر، نقلا: من مجموعة رسائل نور الدين السالمي، مخطوط بمكتبة السالمي. (1/161)
صفحة 162
ووجه المناقضة ، أنه حصر كلام الله هنا على كتابه ، وهو جنس الكتب المنزلة لأن الإضافة من صيغ العموم ، وآلة الحصر هنا ضمير الفصل ، وكان شبهة القائلين بقدم القرآن إنما إثبات الكلام الذاتي وعدم الفرق بينه وبين الكلام الفعلي ، وحيث قالوا القرآن كلام الله وكلامه تعالى قديم .
وجوابه ، إنا لا نسلّم أن جميع كلامه قديم بل القديم هو الكلام الذاتي ، ومعناه نفي الخرس عنه تعالى ، وبعض أئمتنا كأبي ساكن في عقيدته وابن النظر هنا وغيرهما قد أنكروا الكلام الذاتي وحصروه في الكلام الفعلي واكتفوا في نفي الخرس عنه تعالى بالإتصاف بالقدرة ، فالقول بقدم القرآن ممن أنكر الكلام الذاتي رأسا مما لا يليق بأدنى جاهل فضلا من أن ينسب إلى مثل ذلك الإمام ومنها في رائيته :
قال فالجعل هو الخلق أم ... الجعل شيء غيره فيما ذكر
قلت جعل الله خلق كله ... ومن الناس مقال مشتهر
ووجه المناقضة هنا أنه جعل جعل الله كله خلقا كما هو الحق .
وقال في النونية :
إن كان من إنا جعلناه فما ... ... في الجعل إن أنصفت من تبيان
قد قال إبراهيم رب اجعل لنا ... ... بلدا بفضلك أفضل البلدان
وكذاك فاجعلي مقيما مخلصا ... ... حق الصلاة لوجهك المنان
وجوابه : أن إبراهيم عليه السلام سأل أن تصير تلك البلد آمنا ، وأن يصيره مخلصا ، وذلك التصيير هو عين الخلق لأنه إيجاد بعد عدم ، وهذا الجواب بعينه هو الذي أجاب به الإمام ابن النظر "رحمه الله" في تلك الرائية من اعترض عليه في قاعدته أن جعل الله كله خلق حيث قال:
قال قال الله لم أجعل لكم ... من بحير ووصيل في البقر
قلت قال الله لم أجعل لكم ... فاعلموا البحير دينا يحتجر
وبيانه أن المعترض اعترض على ابن النظر "رحمه الله" في تلك القاعدة بقوله تعالى { ما جعل الله من بحيرة ... الآية } قائلا : أن البحيرة قد خلقها الله تعالى فما هذا الجعل هنا ؟ (1/162)
صفحة 163
فأجابه بقوله : أن معنى ذلك لم يجعل الله التبحير دينا يدان به فيحجر آكل البحيرة ، وإنما ذلك من جعل الجاهلية – أي من زعمهم – وجعل الله التبحير دينا هو تصيير ذلك التصيير عن الخلق كما قدمنا ، فلذلك صح نفيه في الآية فلا تنتقض تلك القاعدة .
فلما رأى ذلك الشيخ هذا كله صدق مقاله منكري هذه النونية عن ذلك الإمام ولا يبعد هذا الإنكار ما اعترض به البعض من أن نسبتها إليه كنسبة سائر الديوان ، لأنا نقول أن سائر الديوان لم يختلف في نسبته إليه ، وهي قد اختلف في نسبتها إليه والمختلف فيه ليس كالمتفق عليه .
وأيضا : ففي هذه النونية إثبات قديم غير الله تعالى ، وفيها البراءة من الحق . وكل واحد منهما كبيرة ، فمن نسبت إليه هذه النونية فقد نسبت إليه هاتان الكبيرتان ، ولا تصح نسبة الكبائر إلى الأولياء ألا بصحة شرعية ، ولا كذلك نسبة سائر الديوان فإنه ليس فيه شيء من الكبائر فيصح قبوله بخبر الواحد .
ومما يقرب إنكار نسبتها عنه أن في ترجمته أنه أنشأ الدعائم في آخر عمره ، وإنه قتل "رحمه الله تعالى" والدعائم قصائد متفرقة في أيدي الناس ، فاعتنى بجمعها الشيخ ابن وصاف ، فيحتمل أن يكون هذا الشيخ وجد هذه النونية فظنها من جملة الدعائم فضمها إليها .
ومما يقرب إلى إنكار نسبتها إليه أيضا هو كما عرفت من عادة ذلك الإمام أن سهمه لا يفلت وأن حججه قوية الأساس . وفي هذه النونية ما ليا يليق بأدنى جاهل أن يستدل به ، فمن ذلك ما ناقضه الشيخ في فيضه الآتي ، ومنها ما لم يلتفت إليه تعويلا على ظهور بطلانه وضعفه وهو أنه كما في قوله :
إن كان مخلوقا بزعمك محدثا ... ... فمن المنادي أيها الثقلان
ومن المخاطب خلقه بثوابهم ... وعقابهم في الخلد والنيران
ومن الذي فرض الفرائض آمرا ... بحدودها ونهى عن العصيان (1/163)
صفحة 164
وجوابه : أن المنادي بذلك هو الله ، بمعنى أنه ملق نداء يفهم وأن المخاطب بذلك هو الله بمعنى أنه وجه ذلك الكلام إلى العباد وأن الذي فرض الفرائض هو الله والناهي هو الله ، وأن القرآن منادى به ومخاطب به ومفروض فيه ومنهي به ومنها قوله :
ولديه أنباء بما هو كائن ... أو كان أو سيكون في الأزمان
وجوبه : إن كون القرآن فيه بعض العلوم الغيبية لا يوجب قدمه ، كيف ؟ وقد تواتر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخبر عن بعض العلوم الغيبية فيلزمه قدمه أيضا ومنها قوله :
ولئن رجعت إلى ابن مريم سائلا ... عن خبر كلمته بلا أكنان
أمهدت لبك علم ذلك أنه ... من كن مشيئته قاهر سلطان
وبيانه : أنه لما رأى الخصم محتجا عليه بقوله تعالى في عيسى عليه السلام . وكلمته ألقاها إلى مريم قائلا : أنه تعالى وصف عيسى بأنه كلمته كما وصف القرآن بأنه كلامه ، فيلزم قدم عيسى إن قلتم بقدم القرآن لاتحاد العلة ، فأجاب : بأنه أراد بكلمته في عيسى هي – كن – الكائنة عبارة عما في مشيئته تعالى .
وجوابنا له : أن نقول وكذلك أيضا : القرآن إنما أضيف إليه بأنه كلامه لتشريفه وتجليه ، فكما صح أن يعبر بالكلمة في عيسى عن إرادة وجوده صح أن يضاف القرآن إليه ، فيقال كلامه على وجه التشريف والتجليل ، أي فلا يلزم من إضافة الكلام إليه ، قدم الكلام كما لا يلزم من إضافة الكلمة إليه في عيسى قدم عيسى ومنها قوله :
لم يعد أن يك بين خلق سمائه ... ... والأرض مخلوقا بلا نقصان
وجوابه : أنه لا يلزمنا تعيين محل الخلق ، فكثير من خلق الله تعالى لا ندري نحن أين محل خلقه ؟ وجهلنا بمحل خلقهم لا يوجب قدمهم . ومنها قوله :
ما باله إذ قال لم أخلقهما ... ... إلا بحق ثابت الأركان
فالحق لم يخلقه قل لي أم له ... ... معنى ثبوت عند ربك ثان (1/164)
صفحة 165
وجوابه : أن الله عز وجل خلق السموات والأرض بالحق (1) ، أي متلبسين به ، والحق هنا هو الحكمة وعدم العبث لا القرآن ، وإلا لزم أن يكون القرآن مخلوقا به فيلزم أن يكون الله مستعينا على خلقهما بالقرآن والكل باطل ، وقد فسر هذا قوله تعالى : { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا } (2) ، وفي أخرى : { لاعبين } (3) .
ثم لم يكفه حتى أن تطاول إل حد البراءة من المحقين ، فشنع عليهم بأعظم تشنيع ، وقبحهم بأسوأ تقبيح ، من ذلك قوله :
لا تنحل القرآن منك تكلفا ... ببدائع التكليف والبهتان
فانظر كيف نسبهم إلى الإنتحال والتكليف والبدعة والبهتان ، ومنه قوله :
أعظمت إفكا وادعيت خطيئة ... ... والله أحدثه إلى الإنسان
فانظر كيف نسبهم إلى عظم الإفك وادعاء الخطيئة ومنه قوله :
شاهت وجوه أولي الضلال لقد عمـ ... ـوا وتعلقوا بمدارج العميان
أرعوا عقولهم رياض تشدق ... فرعى حماها طايف الشيطان
ألا تزغ عنهم عنانك مقصرا ... تصبح عميد البغي والطغيان
ولئن سألت طريق رشدك تلقه ... يا غر إن لم تعد في العدوان
ومنه قوله :
ولئن نزعت إلى ضلالك طامحا ... كبرا وكنت كطامح سكران
لما طما بك بحر كبرك لم تجد ... يا غر معتقلا سوى البهتان
وزعمت جهلك أنه من خلقه ... فغدوت في شرك من الخذلان
ومنه قوله :
فاقنع بهذا أو فبن متفردا ... وانأى فكن حيث التقى البحران
أصبحت كالظمآن يتبع عسقلا ... يبغي شفاء حرارة الظمآن
أنى تحاول بالنهاية دائبا ... تستنه دينا من الأديان
سميته مالم يسم تقحما ... هانت عليك عقوبة الديان
ماذا تقول إذا وقعت محاسبا ... وسئلت عن لقلاقك الفتان
ومنه قوله :
بجراءة بارزته متعرضا ... للقاء من يلقاك بالنيران
__________
(1) - ومنه دليل الآية :{وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق } الحجر : 85.
(2) - سورة ص : 27
(3) - سورة الأنبياء : 16 (1/165)
صفحة 166
فلما سمع ذلك الشيخ – عفى الله عنه – هذا التشنيع الشنيع ، والتقبيح القبيح لأهل الحق الصريح والبرهان الصحيح ، أخذته الحمية الإسلامية إلى إنشاء نونية تقابل هذه النونية ، ولا يعترض عليه بما اعترض به بعض العوام ، أنه قد مضى خلف بعد سلف لم يتعرضوا بشيء من الكلام على هذا النظام .
لأنا نقول : أن سكوتهم لا يوجب حقيقة ما في تلك النونية ، ولا يحجر القول على من أتى من بعدهم ، فالحق حق ، والباطل باطل منذ خلق الله السموات والأرض إلى أن تقوم الساعة ، كيف ؟ وهم لم يسكتوا عن الكلام ، بل شنعوا الإحتجاج في هذا المقام بما يقنع ذوي الأفهام ويزيح الشبه عن الأوهام وأوسعوا في ذلك الميدان المجال لمن هو من فحول الرجال ، ولا يلزم إنصبابه في قالب النظام كما صنع هذا الهمام ، فجزاهم الله خيرا ، وجزاء هذا الشيخ عن إيضاحه الصواب في فحوى ذلك الخطاب جزيل الثواب ، وآمنه من روع يوم المآب ، إنه على ما يشاء قدير ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيد المرسلين وآله وصحبه وعلى جميع المؤمنين .. آمين .. آمين .
ملحق رقم: (1) (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المنفرد بالوحدانية ، والصلاة والسلام على من هتكت به حجب الشرك الظلمانية، وعلى آله وصحبه ذوي الحجج النورانية ، صلاة وسلاما دائمين ما رسخت في قل مسلم عقيدة إيمانية .
أما بعد : فقد نظرت في النونية المنسوبة إلى الإمام ابن النظر المعلنة بقدم القرآن فرأيتها مناقضة لكلامه في ميميته ورائيته ، فإنه قال في ميميته :
وأما كلام الله فهو كتابه ... كذلك قال الله لطاهر الشيم
__________
(1) رسالة للرد على نونية ابن النظر، نقلا: من مجموعة رسائل نور الدين السالمي، مخطوط بمكتبة السالمي. (1/166)
صفحة 167
ووجه مناقضتها لما هنا هو أنه حصر كلام الله عز وجل على كتابه ، والمراد به جنس الكتب المنزلة ، لأن الإضافة من صيغ العموم وآلة الحصر ضمير الفصل ، فعلم من هنا أن الإمام ابن النظر – رحمه الله تعالى – ينفي الكلام الذاتي أصلا ، إذ لو كان ممن يقول به لما صح له قصر كلام الله على كتبه .
وشبه القائلين بقدم القرآن إنما هي عدم الفرق بين الكلام الذاتي والفعلي حيث قالوا : القرآن كلام الله وكلام الله قديم ، فينتج القرآن قديم .
ونحن نقول : كلام الله نوعان ذاتي وفعلي ، والمراد بالكلام الذاتي نفي الخرس عنه تعالى ، والقرآن ليس من هذا الباب فعلم أنه من الكلام الفعلي ، وبعض أئمتنا أنكروا أن يكون الكلام صفة ذات واغتنوا عنه بصفة القدرة ، فالقول بقدم القرآن ممن أنكر الكلام الذاتي لا يصدر من أدنى جاهل فضلا عن هذا الإمام ، وقال في رائيته :
قال فالجعل هو الخلق أم ... الجعل شيء غيره فيما ذكر
قلت جعل الله خلق كله ... ومن الناس مقال مشتهر
قال قال الله لم أجعل لكم ... من بحير ووصيل في البقر
قلت قال الله لم أجعل لكم ... فاعلموا التبحير دينا يحتجر
وفي النونية :
إن كان من أنا جعلناه فما ... في الجعل إن أنصفت من تبيان
قد قال إبراهيم رب اجعل لنا ... بلدا بفضلك أفضل البلدان ...
وكذاك فاجعلي مقيما مخلصا ... حق الصلاة لوجهك المنان
فانظر أكان وقد دعاه لجعله ... ... أم لم يكن خلقا من الرحمن
أم لم يكن لما دعاه بمكة ... حتى دعا بالأمن والإيمان (1/167)
صفحة 168
ووجه المناقضة هنا ظاهر وهو أنه أسس في الرائية قاعدة حاصلها ، أن جعل الله كله خلق ، والمراد أنه إن نسب الجعل إليه تعالى فهو بمعنى الخلق الذي هو الإيجاد بعد عدم ، سواء كان صريحا في معنى الخلق نحو {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين } (1) أو راجعا إليه نحو {فجعلنا عاليها سافلها } (2) فإن الجعل في الآية بمعنى التصيير ، أي صيرنا عاليها سافلها والتصيير راجع إلى معنى الخلق فإن تصيير عاليها سافلها إيجاد الشيء بعد عدمه ، ومن هذا القبيل قوله تعالى { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام } ومنه قوله تعالى حكاية عن خليله عليه السلام { رب اجعلني مقيم الصلاة} و { رب اجعل هذا البلد آمنا } وهذا الجواب هو الذي أراد الشيخ الإمام ابن النظر – رحمه الله تعالى – بقوله :
قلت : قال الله لم أجعل لكم ... فاعلموا التبحير دينا يحتجر
وحاصل جوابه أن معنى قوله تعالى { ما جعل الله من بحيرة} أي لم يصيّر الله التبحير دينا لكم يمنعكم عن أكل البحيرة فاعلموا ، وفي النونية نقض لهذا كله فإن فيها :
إن كان من إنا جعلناه فما ... في الجعل إن أنصفت من تبيان
ثم ذكر بعده أمثلة تناقض كلامه في الرائية ورأيت فيها أيضا ما يدل على أن القرآن المتلو بالألسن هو غير مخلوق ، وذلك كما في قوله :
إن كان من إنا جعلناه فما ... في الجعل إن أنصفت من تبيان
فإنه يسلم في هذا البيت أن قوله تعالى { إنا جعلناه قرآنا عربيا} (3) راجع إلى القرآن الذي يدعى أنه غير مخلوق وهو نعت للقرآن المتلو بالألسن وكما في قوله :
وإن اتججت وقلت ذكر محدث ... وجهلت حق تأول القرآن
أعظمت إفكا وادعيت خطيئة ... والله أحدثه إلى الإنسان
__________
(1) - سورة السجدة : 8
(2) - سورة الزخرف : 3
(3) - سورة الحجر : 74 (1/168)
صفحة 169
فإنه سلم في هذين البيتين أن القرآن الذي هو غير مخلوق هو المشار إليه بقوله تعالى { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون } ولا شك أن الذكر المحدث المستمع هو الكلام المتلو بالألسن ، ولم يقل أحد من الأمة أن القرآن المتلو بالألسن المسموع بالأذان غير مخلوق إلا الحنابلة قالوا ذلك مكابرة بغير دليل حتى أن بعضهم غلا جهلا وقال : إن الجلد والغلافة قديمان ، ولا شك أن القول بقدم القرآن المتلو بالألسن المسموع بالآذان شرك ، لأن القائل جعل مع الله شريكا في القدم هذا حكمه إذا كان منه بغير تأويل .
أما إذا كان متأولا فهو من المشبهة بالتأويل وفي حكمهم قولان قيل هم مشركون ،وقيل منافقون ، وإنما قلنا أنه لم يقل أحد من الأمة أن القرآن المتلو بالألسن المسموع بالآذان غير مخلوق لأن القائل منهم بقدم القرآن إنما يريد به الكلام الذاتي لا المنزل المحدث من نحو {إنا جعلناه قرآنا عربيا} ونحو {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث } إلى القرآن المتلو بالألسن المسموع بالآذان ، وعلى هذا التأويل فالإختلاف بينهم لفظي حاصله : هل يسمى الكلام الذاتي قرآنا أم لا ؟ والصحيح لا يسمى بذلك ومن هنا كانت المسألة من باب الرأي ولم يخط فيها بعض الأصحاب بعضا .
وبيان ذلك أن القائلين منهم بقدم القرآن إنما يعنون الكلام الذاتي لا الكلام المنزل ، والقائلون بخلق القرآن إنما يعنون الكلام المنزل ، فمقصد هؤلاء غير مقصد هؤلاء ، والخلاف في العبارة ، ورأيت فيها أيضا التصريح بتفسيق من قال أن القرآن مخلوق ، فمن ذلك قوله :
لا تنحل القرآن منك تكلفا ... ببدائع التكليف والبهتان
فقد جعل القول بأن القرآن مخلوق من التكليف والبدعة والبهتان ومن ذلك قوله :
أعظمت إفكا وادعيت خطيئة ... والله أحدثه إلى الإنسان
ومن ذلك قوله :
شاهت وجوه أولي الضلال لقد عمـ ... ـوا وتعلقوا بمدارج العميان
أرعوا عقولهم رياض تشدق ... فرعى حماها طايف الشيطان (1/169)
صفحة 170
ألا تزغ عنهم عنانك مقصرا ... تصبح عميد البغي والطغيان
ولئن سألت طريق رشدك تلقه ... يا غر إن لم تعد في العدوان
ولئن نزعت إلى ضلالك طامحا ... كبرا وكنت كطامح سكران
لما طما بك بحر كبرك لم تجد ... يا غر معتقلا سوى البهتان
وزعمت جهلك أنه من خلقه ... فغدوت في شرك من الخذلان
فاقنع بهذا أو فبن متفردا ... ... وانأى فكن حيث التقى البحران
أصبحت كالضمآن يتبع عسقلا ... يبغي شفاء حرارة الظمآن
أنى تحاول بالنهاية دائبا ... ... تستنه دينا من الأديان
سميته ما لم يسم تقحما ... ... ... هانت عليك عقوبة الديان
ماذا تقول إذا وقعت محاسبا ... ... وسئلت عن لقلاقك الفتان
إذ كل نفس عند ذاك رهينة ... ... يوم الحساب وكل وجه عان
بجراءة بارزته متعرضا ... ... للقاء من يلقاك بالنيران
ورأيت تشبثات لا يتعلق بها من كان له قليل من علم ولا يفوه بها إلا بليد جاهل ، فمن ذلك قوله :
ما باله أضحى بزعمك محدثا ... ... ما محدث إلا وشيكا فان
وحاصله : أنه يلزم من قال أن القرآن مخلوقا القول بفناء القرآن لأن كل شيء محدث فهو فان .
وجوابه : أن الفناء جائز عليه سواء وقع أو لم يقع ، وكل ما جاز عليه عدمه استحال قدمه ، ومن ذلك قوله :
ولديه أنباء لما هو كائن ... أو كان أو سيكون في الأزمان
وحاصله : أن في القرآن أخبار المغيبات الواقعة في الزمان الماضي ، والتي تقع في الحال والتي ستكون في الاستقبال ، ومن كان كذلك فليس بمحدث وجوابه من وجوه :
أحدها : أنه ليس في القرآن جميع ذلك بل بعضه .
ثانيها : أن كون القرآن فيه إخبار المغيبات لا ينافي كونه مخلوقا ، ولا يستلزم قدمه ، ولو استلزم الإخبار بالمغيبات قد المخبر بها للزم قدم كثير من الرسل { لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول } (1) .
ثالثها : إن كون القرآن فيه علوم الغيب دليل على خلقه لا على قدمه فإنه ظرف للإخبار بها ولا شك أن كل ما كان ظرفا فهو مخلوق ومن ذلك قوله :
لم يعد إن يك بين خلق سمائه ... ... والأرض مخلوقا بلا نقصان
__________
(1) - الجن : 27 (1/170)
صفحة 171
ما باله إذ قال لم أخلقهما ... ... إلا بحق ثابت الأركان
فالحق لم يخلقه قل لي أم له ... معنى ثبوت عند ربك ثان
وحاصله : إن كان القرآن مخلوقا فلا يخلوا إما أن يكون محل خلقه السموات أو الأرض أو بينهما والكل باطل ، لأن الله قال {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق } (1) والحق هو القرآن وهو مخلوق به لا مخلوق بنفسه .
وجوابه : أما (أولا): فلا يلزمنا تعيين محل خلقه ، ولا يلزم من الجهل بمحل خلقه قدمه ، فكثير من خلق الله تعالى لا ندري أين خلقوا ، فلا يلزمنا قدمهم .
وأما (ثانيا) : فإن قوله تعالى {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} ليس فيه دليل على أن الحق المخلوق به هو القرآن ، ولو سلمنا ذلك لما دل على قدم القرآن ، وإنما يدل على أن القرآن مخلوق به يستلزم أن يكون إله للخلق يفعل بها غيرها ويتصرف بها كيف شاء ، ومن كان شأنه كذلك فهو مخلوق .
ومن ذلك قوله في أبيات حاصلها التشبث بقوله تعالى { ألا له الخق والأمر } ووجه تشبثه أنه تعالى عطف الأمر على الخلق ، والأمر هو قوله ، فلو كان الأمر مخلوقا لما ميزه بالذكرى عن الخلق ولكان مكتفيا عن ذكره بعموم الخلق .
وجوابه : أما(أولا) فليس في الآية دليل على المراد بالأمر القول ، بل يحتمل أن يكون غير القول من معاني الأمر ، فإنه يطلق على الفعل ، وعلى الشأن ، وعلى الصفة .
وأما (ثانيا) : فإن عطف الأمر على الخلق ليس في دليل على أن الأمر غير مخلوق ، كيف والخاص يعطف على العام لنكتة كالإعتناء به ، وبيان علو شأنه {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} (2) ولا نزاع أن جبريل وميكال من جملة الملائكة ومن ذلك ما استدل به وهو ليس بمحل النزاع في قوله :
إن كان مخلوقا بزعمك محدثا ... ... فمن المنادي أيها الثقلان
ومن المخاطب خلقه بثوابهم ... وعقابهم في الخلد والنيران
__________
(1) - سورة الحجر : 85
(2) - سورة البقرة : 98 {...فإن الله عدو للكافرين} (1/171)
صفحة 172
ومن الذي فرض الفرائض آمرا ... بحدودهخا ونهى عن العقيان
وحاصله : إن كان القرآن مخلوقا محدثا فمن المنادي يا معشر الجن والإنس ؟ ومن المخاطب خلقه بثوابهم في الجنان وعقابهم في النيران ؟ ومن الذي أمر بالفرائض ونهى عن المعاصي ؟
وجوابه : أما (أولا) فإن فاعل جميع ذلك هو الله لا القرآن والقرآن آلة لذلك الندا وما بعده .
وأما (ثانيا) فإنه لو قلنا أن فاعل جميع ذلك هو القرآن لما لزم منه قدم القرآن ، كيف والرسل آمرون بالفرائض ناهون عن المعاصي فاعلون لجميع ما ذكر هنا ، فيلزم قدمهم أيضا .
فلما رأيت جميع ذلك عرفت والحمد لله أن هذه النونية ليست عن ذلك الإمام ، وان اشتهرت عنه فتلك الشهرة إنما هي شهرة دعوى لا شهرة حق ، لأن منشأها أحادي ، وذلك أن في ترجمة ذلك الإما – رحمه الله تعالى – أنه أنشأ الدعائم آخر عمره وأن الجبار – خدلة بن سماعة بن محسن – قتله .
والدعائم قصائد متفرقة في أيدي الناس فاعتنى بجمعها الشيخ ابن وصاف البزار النزوي ، وعلق عليها شرحه المعروف (الحل والإصابة) سماه بذلك ليطابق اسمه مسماه في حل النظم والإصابة فيه ، فهذا دليل على أن شهرة النونية عن ذلك الإمام إنما هي شهرة دعوى ، إذ لا يجوز أن ينسب مثلها لولي إلا بعد الصحة أنها منه بإقرار أو شهود أو شهرة حق ، فإن كان ابن وصاف صح معه أنها عن ذلك الإمام بوجه من وجوه الصحة فعلمه خاص به لا يجوز له أن يبديه مع من يتول الإما ابن النظر .
وإنما قلنا : أنه لا يجوز ذلك لما فيها من الكبائر التي منها دعوى أن هذا القرآن المتلو بالألسن المسموع بالآذان هو غير مخلوق ، وقد عرفت أنه لا قائل به إلا الحنابلة ، وأن القائل به مدعي قديما عند الله تعالى في الأزل وقد تقدم حكم القائل به . (1/172)
صفحة 173
ومنها : تفسيق من قال أن القرآن مخلوق ، وقد ثبت بالدليل القاطع أن القائل بذلك محق ، فالمفسق للمحق فاسق بلا مرية . دع ما ينضم إلى ذلك من تجهيل المنسوبة إليه وتنزيله في منزلة لا تليق بضعيف من ضعفاء المسلمين ، فكيف بذلك الإمام ! وإنما قلنا إنه ينضم إليه تجهيل المنسوبة إليه لما فيها من التشبثات التي لا يتمسك بها أدنى عالم ، فلو نسبت إلى الإمام ابن النظر للزم مع هذا أيضا تجهيله من جهة أخرى ، وتلك الجهة هي مناقضة كلامه بكلامه مناقضة بينة لا تخفى على ضعيف جاهل .
لا يقال أن الشهرة التي نسبت النونية إليه هي الشهرة التي نسبت سائر الديوان إليه ، فيلزم من إنكاره . لأنه نقول لا نسلم ذلك اللزوم فإن نسبة سائر الديوان إليه لم تستلزم نسبة كبيرة إليه . فيصبح قبولها منواحد ، ونسبة النونية إليه تستلزم الكبائر التي ذكرناها ، فلا يصح قبولها إلا بصحة توجب التطفير .
ولقد أحسن شيخنا الراشدي قبل الله سعيه وأعلى عنده درجته ، في تنبيهه على بطلان هذه النونية ، حيث معارضها بنونية أخرى سماها بـ"فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن" ، ولئن يسر الله لي لأعلقن عليها شرحا يبين مقاصدها ويكشف للرائد مواردها ، وفقني الله وإياه وجميع المسلمين لما يرضاه من العمل الصالح وعفى عن شيخنا سعيد بن ناصر الكندي فإنه قد رفع لي عنه أنه في نفسه شيئا من إبداء نونية شيخنا الراشدي ولا يقول ذلك إلا لحرصه على الدين واجتهاده في إصابة الحق ، فبالله عليك أيها الواقف على ما كتبته هنا أن تنظره نظرة منصف ، , وأن تتأمله تأمل مسترشد ، فأنا والله ما أردت إلا الإصلاح ، وما أبديت هذا إلا لحرصي على سلامة المسلمين لئلا يتعجل متعجل فيفسق قائلا بحق أو يصوب قائلا بباطل ، أو ينسب إلى ابن النظر كبيرة لم تصح عنه معولا على شهرة دعوى . (1/173)
صفحة 174
هذا غاية مرادي ، والله شاهد علي وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العي العظيم ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه الكاملين .
ملحق رقم: (1) (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
سؤال :
يا من يقول بفطرة القرآن ... جهلا ويثبت خلقه بلسان
فإنها قد اشتهرت أنها عن الشيخ ابن النظر ، وأنت خبير بأن فيها التصريح بتضليل من قال إن القرآن مخلوق ، وفيها التصريح بتكذيبه وتخطئته ، إلى غير ذلك من التشنيع ، فل يجوز لأحد أن يخطئ من خالفه برأي أم لا ؟ وتكون هذه ضلالة لا تصح ولاية ابن النظر معها ، ومن تولى الشيخ ابن النظر مع صحة تلك النونية عنه فما حكمه ؟ فضلا منك برفع الحجاب عن واضح الصواب مأجور إن شاء الله تعالى ؟
الجواب :
والله الهادي إلى طريق الصواب ، لا يحل لأحد أن يضلل من خالفه برأي ومن فعل ذلك فهو ضال منافق لقوله - صلى الله عليه وسلم - (( أيما امرؤ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه )) .
__________
(1) جوابات نور الدين السالمي ، ج 1 مخطوط بمكتبة السالمي. (1/174)
صفحة 175
وفي تلك النونية ما ذكرته من التضليل والتفسيق ، فعلى تقدير صحتها عن الإمام ابن النظر تلزم البراءة منه – حاشاه من ذلك – ومن تولاه مع علمه بأن تلك النونية عنه ولم يعلم بأنه تاب منها ورجع عنها فهو ضال منافق لقوله تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} (1) ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - ( من أحب قوما فهو منهم ) ، لكن ليست تلك النونية عن ذلك الإمام – رحمه الله تعالى – وان اشتهرت أنها عنه فتلك الشهرة إنما هي شهرة دعوى لا شهرة حق لاحتمال أن يكون منشئها أحاديا ولا دليل على أنه ليس بأحادي كيف تكون شهرة حق وما كان مستندها إلا نسخة ثم انتشرت هذا الانتشار وعدم التنكير من المسلمين لا يزيدها إلا صحة لاحتمال أن يكون سكوتهم عن عدم الإطلاع على منشئها وعلى تقدير بيان أن منشأها حق ، فلا يصح قبوله من واحد لما فيها من موجب البراءة وهي : المشاهدة والإقرار وشهادة العدلين وشهرة الحق وما عدا هذه الأربعة الطرق لا يصح قبول موجب البراءة منه ، واحترزوا بشهرة الحق عن شهرة الدعوى وضربوا لذلك مثلا بشهرة الشيع بالبراءة من الصديق والفاروق ونحوهما ، فشهرة النونية عن ابن النظر من الشهرة التي خرجت عن تلك الطرق الأربعة ، هذا ما ظهر لي .. والله أعلم .
ملحق (4) (2)
أبدت لنا في خلقها السور ... برهانها يا قوم فاعتبروا
قد قال رب العرش في نظمها ... لكل شيء خالق فطر
وإنما القرآن شيء بلا ... شكل لمن بالعقل يفتكر
وان تقل والله شيء فهل ... يقال مخلوق ومقتهر
قلنا دليل العقل قد أخرج المـ ... ـولى أنشأه الأولي فطروا
ولو غدا سبحانه مثلهم ... لكان محتاجا كما افتقروا
وان تقل كلام رب العلي ... وليس مخلوقا كما ذكروا
قلنا كلام الله مهما ترد ... به صفات الذات مغتفر
لكنها ليست بشيء على ... الذات ولا في الذات منحصر
__________
(1) - سورة المائدة : 51.
(2) قصيدة لنور الدين السالمي في خلق القرآن نقلا : مجموع المناظيم ، نور الدين السالمي ، مخطوط بمكتبة السالمي . (1/175)
صفحة 176
ولا من الذات على إنما المـ ... ـراد منها كامل قدر
وليس هذا في القرآن ولا التـ ... ـوراة والإنجيل يعتبر
لأنها صارت بأيدي الورى ... متلوّة من شاء يدّكر
وهي حروف ومعان بها ... قد ينتهي قوم ويأتمروا
أو أن تقل أنا أردنا به ... غير الذي يتلى فينتشروا
قلنا أقرانان قد وجدا ... لو وجدا فالحكم مختبر
إنا ولو قلنا قديم إذا ... كانا قديمين وذا نكر
نعم وفي الإمكان ما يكتفى ... به كذا الآيات والخبر
فاقنع بقول الله سبحانه ... في اللوح أو في الرق منسطر
ولا ترم عنه مجيدا فما ... يشقى امرؤ وهو له نصر
ولا تتشبث بذيول الهوى ... ولا تستر حيث لا ستر
ولا يغرنك مقال الأولي ... خلوا وإن جلّوا وإن كثروا
فإنما النفس سوى فعلها ... السالف لا تجني ولا تزر
فليت شعري يكون الجواب ... منك يا ذا حيث تحتضر
ثم يقول الله أنت الذي ... أثبت غيري أيها الغرر
هناك لا ينفع مال ولا ... حبذ ولا عذر فتعتذروا
يا رب إني ضارع طالبا ... عفوك من ذنب له خطر
فاختم لنا منك على توبة ... للذنب لا تبقي ولا تذر
ملحق (4) (1)
أبدت لنا في خلقها السور ... برهانها يا قوم فاعتبروا
قد قال رب العرش في نظمها ... لكل شيء خالق فطر
وإنما القرآن شيء بلا ... شكل لمن بالعقل يفتكر
وان تقل والله شيء فهل ... يقال مخلوق ومقتهر
قلنا دليل العقل قد أخرج المـ ... ـولى أنشأه الأولي فطروا
ولو غدا سبحانه مثلهم ... لكان محتاجا كما افتقروا
وان تقل كلام رب العلي ... وليس مخلوقا كما ذكروا
قلنا كلام الله مهما ترد ... به صفات الذات مغتفر
لكنها ليست بشيء على ... الذات ولا في الذات منحصر
ولا من الذات على إنما المـ ... ـراد منها كامل قدر
وليس هذا في القرآن ولا التـ ... ـوراة والإنجيل يعتبر
لأنها صارت بأيدي الورى ... متلوّة من شاء يدّكر
وهي حروف ومعان بها ... قد ينتهي قوم ويأتمروا
أو أن تقل أنا أردنا به ... غير الذي يتلى فينتشروا
قلنا أقرانان قد وجدا ... لو وجدا فالحكم مختبر
__________
(1) قصيدة لنور الدين السالمي في خلق القرآن نقلا : مجموع المناظيم ، نور الدين السالمي ، مخطوط بمكتبة السالمي . (1/176)
صفحة 177
إنا ولو قلنا قديم إذا ... كانا قديمين وذا نكر
نعم وفي الإمكان ما يكتفى ... به كذا الآيات والخبر
فاقنع بقول الله سبحانه ... في اللوح أو في الرق منسطر
ولا ترم عنه مجيدا فما ... يشقى امرؤ وهو له نصر
ولا تتشبث بذيول الهوى ... ولا تستر حيث لا ستر
ولا يغرنك مقال الأولي ... خلوا وإن جلّوا وإن كثروا
فإنما النفس سوى فعلها ... السالف لا تجني ولا تزر
فليت شعري يكون الجواب ... منك يا ذا حيث تحتضر
ثم يقول الله أنت الذي ... أثبت غيري أيها الغرر
هناك لا ينفع مال ولا ... حبذ ولا عذر فتعتذروا
يا رب إني ضارع طالبا ... عفوك من ذنب له خطر
فاختم لنا منك على توبة ... للذنب لا تبقي ولا تذر
ملحق (4) (1)
أبدت لنا في خلقها السور ... برهانها يا قوم فاعتبروا
قد قال رب العرش في نظمها ... لكل شيء خالق فطر
وإنما القرآن شيء بلا ... شكل لمن بالعقل يفتكر
وان تقل والله شيء فهل ... يقال مخلوق ومقتهر
قلنا دليل العقل قد أخرج المـ ... ـولى أنشأه الأولي فطروا
ولو غدا سبحانه مثلهم ... لكان محتاجا كما افتقروا
وان تقل كلام رب العلي ... وليس مخلوقا كما ذكروا
قلنا كلام الله مهما ترد ... به صفات الذات مغتفر
لكنها ليست بشيء على ... الذات ولا في الذات منحصر
ولا من الذات على إنما المـ ... ـراد منها كامل قدر
وليس هذا في القرآن ولا التـ ... ـوراة والإنجيل يعتبر
لأنها صارت بأيدي الورى ... متلوّة من شاء يدّكر
وهي حروف ومعان بها ... قد ينتهي قوم ويأتمروا
أو أن تقل أنا أردنا به ... غير الذي يتلى فينتشروا
قلنا أقرانان قد وجدا ... لو وجدا فالحكم مختبر
إنا ولو قلنا قديم إذا ... كانا قديمين وذا نكر
نعم وفي الإمكان ما يكتفى ... به كذا الآيات والخبر
فاقنع بقول الله سبحانه ... في اللوح أو في الرق منسطر
ولا ترم عنه مجيدا فما ... يشقى امرؤ وهو له نصر
ولا تتشبث بذيول الهوى ... ولا تستر حيث لا ستر
ولا يغرنك مقال الأولي ... خلوا وإن جلّوا وإن كثروا
__________
(1) قصيدة لنور الدين السالمي في خلق القرآن نقلا : مجموع المناظيم ، نور الدين السالمي ، مخطوط بمكتبة السالمي . (1/177)
صفحة 178
فإنما النفس سوى فعلها ... السالف لا تجني ولا تزر
فليت شعري يكون الجواب ... منك يا ذا حيث تحتضر
ثم يقول الله أنت الذي ... أثبت غيري أيها الغرر
هناك لا ينفع مال ولا ... حبذ ولا عذر فتعتذروا
يا رب إني ضارع طالبا ... عفوك من ذنب له خطر
فاختم لنا منك على توبة ... للذنب لا تبقي ولا تذر
ملحق (5) (1)
يا من يقول بفطرة القرآن ... جهلا ويثبت خلقه بلسان
لا تنحل القرآن منك تكلفا ... ببدائع التكليف والبهتان
هل في الكتاب دلالة من خلقه ... أو في الرواية فأتنا ببيان
الله سماه كلاما فادعه ... بدعائه في السر والإعلان
إلا فهات ، وما أظنك واجدا ... في خلقه ، يا غر من برهان
إن كان من "أنا جعلناه" فما ... في الجعل إن أنصفت من تبيان
قد قال إبراهيم رب اجعل لنا ... بلدا بفضلك أفضل البلدان
وكذاك فاجعلني مقيما مخلصا ... حق الصلاة لوجهك المنان
فانظر أكان وقد دعاه لجعله ... أم لم يكن خلقا من الرحمن
أم لم يكن لما دعاه بمكة ... حتى دعا بالأمن والإيمان
فاربع هناك بتفكر يا ذا النهى ... واكدح لشانك قد كدحت لشاني
فبأي هذا الجعل قلت بأنه ... خلق تبارك منزل الفرقان
فإن احتججت وقلت ذكر محدث ... وجهلت حق تأول القرآن
أعظمت إفكا وادعيت خطيئة ... والله أحدثه إلى الإنسان
شاهت وجوه أولي الضلال لقد ... عموا وتعلقوا بمدارج العميان
ارعوا عقولهم رياض تشدق ... فرعى حماها طائف الشيطان
إلا تزغ عنهم عنانك مقصرا ... تصبح عميد البغي والطغيان
ولئن سألت طريق رشدك تلقه ... يا غر إن لم تعد في العدوان
ما باله أضحى بزعمك محدثا ... ما محدث إلا وشيكا فاني
ولديه أنباء لما هو كائن ... أو كان أو سيكون في الأزمان
إن كان مخلوقا بزعمك محدثا ... فمن المنادي أيها الثقلان
ومن الذي فرض الفرائض آمرا ... بحدودها ونهى عن العصيان
ومن المخاطب خلقه بثوابهم ... وعقابهم في الخلد والنيران
ولئن رجعت إلى ابن مريم سائلا ... عن خبر كلمته بلا أكنان
أمهدت لبك علم ذلك أنه ... من كن مشيئته قاهر سلطان
ولئن نكصت وقلت شيء محدث ... والله أحدث كل شيء فاني
__________
(1) ديوان الدعائم ، ابن النظر . (1/178)
صفحة 179
جئناك في رفق بأيسر حجة ... بالشيء مختصا من القرآن
في ملك بلقيس وما قد أوتيت ... من كل شيء نازح أو داني
لم تؤت مما قبلها أو بعدها ... شيئا فكن ذا خبرة وبيان
ولئن نزعت إلى ضلالك طامحا ... كبرا وكنت كطامح سكران
لما طما بك بحر كبرك لم تجد ... يا غر معتقلا سوى البهتان
وزعمت جهلا أنه من خلقه ... فغدوت في شرك من الخذلان
لم يعد أن يك بين خلق سمائه ... والأرض مخلوقا بلا نقصان
ما باله إذ قال لم أخلقهما ... إلا بحق ثابت الأركان
فالحق لم يخلقه قل لي أم له ... معنى ثبوت عند ربك ثان
جل المهيمن عن مقالة جاهل ... من أن يحد بصورة ومكان
فافهم فمعنى الحق منه قوله ... لا تنثني كالواله الحيران
وكذاك قال مميزا لكلامه ... عن كل شيء يقتنيه القاني
ما قولنا للشيء حين نريده ... فارشد فإنك عن رشادك واني
ماذا تشبث بعد هذا فارتدع ... وارجع إلي بذلة وهوان
أو ما تراه كيف ميز قوله ... وكلامه عن كل شيء فاني
فالخلق قال له معا متفردا ... والأمر ميزه لذي العرفان
فالأمر منه قوله وكلامه ... والخلق غير كلامه يا شاني
يكفيك إلا أن تكون بهيمة ... جثمانها خال بغير جنان
ما المرء إلا صورة مخبوة ... تحت اللسان ومرآة لجثمان
عز المهيمن عن دراك مكيف ... أو أن ينال دراكه بمكان
أو أن تحيط به صفات معبر ... أو تعتريه همائم الوسنان
أو أن تخاجه لغوب سآمة ... أو خطرة من خطرة النسيان
أو أن يقال الله خالق نفسه ... وكلامه كالخلق للأبدان
ما زال ربك عالما ومهيمنا ... رب الصراط الحق والميزان
يدري معتلج الصدور وكل ما ... أعلنت أو أكننت من كتمان
وهو السميع بلا أداة تسمع ... إلا بقدرة قادرة وحداني
وهو البصير بغير عين ركبت ... في الرأس بالأجفان واللحظان
وهو البعيد محله في قربه ... وهو الذي في بعده متدان
أحصى الورى متكفلا أرزاقهم ... وحوى خروج الرزق بالأتقان
بطن اختبارا دون كل غيابة ... وعلا على الملكوت بالسلطان
فاقنع بهذا أو فبن متفردا ... وأنا فكن حيث التقى البحران
أصبحت كالظمآن يتبع عسقلا ... يبغي شفاء حرارة الظمآن
أنى تحاول بالنهاية دائبا ... تستنه دينا من الأديان (1/179)
صفحة 180
سميته مالم يسم تقحما ... هانت عليك عقوبة الديان
ماذا تقول إذا وقفت محاسبا ... وسئلت عن لقلاقك الفتان
إذ كل نفس عند ذاك رهينة ... يوم الحساب وكل وجه عان
بجراءة بارزته متعرضا ... للقاء من يلقاك بالنيران
لما تشققت السماء فأقبلت ... بدخانها فأتتك بالدخان
إذ شدت الشفتان ثم استنطقت ... وتكلمت بذنوبك الرجلان
فهناك لا وزر سوى ما قدمت ... عند الحساب يداك من قربان
وهناك ليس سوى الذي قدمته ... عصرا من الرجحان والنقصان
في موقف عكفت به أهواله ... ضنك يشيب ذوائب الولدان
وتطايرت فيه الصحائف كلها ... بشمائل الأيدي وبالأيمان
هذا كتابك يا شقي بكل ما ... آتيت من قبح ومن إحسان
فيه الصغائر والكبائر أحصيت ... ما غاب عن إحصائها الملكان
أما تجر إلى الجحيم مكبلا ... ومسربلا بسرابل القطران
فخسرت نفسك خالدا في قعرها ... هذا وجدك أخسر الخسران
أو أن يزورك بالسلام ملائك ... تسليمهم بالروح والريحان
في جنة الفردوس جار محمد ... ورفيق خازن بابها رضوان
فهرس المراجع والمصادر
·?المخطوطات :
السالمي ( عبدالله بن حميد) :
جوابات نور الدين السالمي : ج1، بحيازة مكتبةالسالمي ببدية .
رسائل نور الدين السالمي : بحيازة مكتبة السالمي ببدية .
مجموعة المناظيم : بحيازة مكتبة السالمي ببدية .
الرقيشي (خلف بن أحمد) :
مصباح الظلام ، مخطوطة مصورة بحيازة مكتبة السالمي .
المراجع والمصادر :
ابن الأثير (عز الدين علي بن محمد) :
الكامل في التاريخ ، (1-7)، صححه عبدالوهاب النجار ، إدارة الطباعة المنيرية ، ط1 ، 1357هـ .
ابن الأثير (مجد الدين بن الجزري) :
النهاية في غريب الحديث (1-7)، تحقيق طاهر الزاوي ومحمود محمد الطناحي ، دار إحياء الكتب العربية ،ص1 ، 1383هـ/1963م .
ابن جميع (عمر بن حفص) :
مقدمة التوحيد وشروحها ، تصحيح أبو إسحاق اطفيس ، مسقط ، لم يذكر الناشر ولا تاريخ الطبع .
ابن الجوزي (أبي الفرج) :
الموضوعات ، تحقيق عبدالرحمن محمد عثمان ، مكتبة ابن تيمية ، القاهرة . (1/180)
صفحة 181
ابن حزم (أبي محمد علي بن أحمد) :
الفصل في الملل والأهواء والنحل (1-5)، دار المعرفة ، بيروت ، 1975.
ابن خفاجة الأندلسي (إبراهيم):
ديوان ابن خفاجه، جمعية المعارف ، المطبعة الخاصة 1286.
ابن خلكان (أحمد بن محمد) :
وفيات الأعيان ، (1-6)، تحقيق محمد محي الدين عبدالحميد ، مكتبة النهضة المصرية ، ط1،1948.
ابن درهم (عبدالرحمن بن عبدالله بن أحمد) :
نزهة الأبصار بطرائف الأخبار والأشعار ، منشورات المكتب الإسلامي ، دمشق .
ابن رزيق (حميد بن حمد) :
الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان ، تحقيق عبدالمنعم عامر ، وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان . 1405/1984 .
ابن الفارض (عمر) :
ديوان ابن الفارض ، بشرح حسن البوريني وعبدالغني النابلسي ، المطبعة الخيرية ، طبعة حجرية .
ابن كثير (أبي الفداء إسماعيل) :
قصص الأنبياء ، دار القلم ، بيروت .
ابن مداد (عبدالله) :
سيرة ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، 1984م .
ابن منظور (جمال الدين محمد بن مكرم) :
مختار الأغاني (1-10) تحقيق زاهر شاويش ، طبع على نفقة علي بن عبدالله آل ثاني ، لم يذكر تاريخ الطبع .
ابن النديم (محمد بن اسحاق) :
الفهرست ، طبعة ليبزج ، 1871 .
ابن النظر (أبو بكر أحمد) :
ديوان الدعائم ، وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان 1400/1980
ابن وصاف (محمد) :
الحل والإصابة في شرح الدعائم (1-2) . تحقيق عبدالمنعم عامر ، وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ، 1982/1402 .
ابن هشام (أبو محمد عبدالله بن يوسف) :
مغني اللبيب ، (1-2) تحقيق محمد محي الدين عبدالحميد ، لم يذكر الناشر والطبعة .
أبو ستة (أحمد) :
حاشية الوضع ، المطبعة البارونية ، مصر ، 1325هـ .
الأشعري (أبو الحسن علي بن إسماعيل) :
مقالات الإسلاميين ، (1-2) تحقيق محي الدين عبدالحميد ، مكتبة النهضة المصرية 1969.
أطفيش (محمد بن يوسف) :
شرح الدعائم ، (1-2) ، طبعة حجرية 1325 . (1/181)
صفحة 182
أعوشت (بكير سعيد) :
قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش ، مكتبة الضامري ، مسقط .
البشري (موسى بن عيسى) :
قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش ، مكتبة الضامري ، مسقط
البرادي (أبو القاسم إبراهيم) :
الجواهر المنتقاة فيما أخل به كتاب الطبقات ، طبعة حجرية ، القاهرة 1302/1885
الجعبيري (فرحات) :
البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، جامعة السلطان قابوس ، ط1 1408/1987.
الجناوني (أبو زكريا يحيى) :
الوضع ، تحقيق أبو اسحاق أطفيش ، مكتبة الإستقامة ، مسقط .
الخليلي (سعيد بن خلفان) :
تمهيد قواعد الإيمان ، وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان 1403/1983.
الخصيبي (محمد بن راشد بن عزيّز) :
شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان (1-3) ، وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ، 1983 .
الديلمي (أبي شجاع شيرون) :
الفردوس بمأثور الخطاب ، تحقيق أبي هاجر محمد السعيد زغلول ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
الرازي (فخر الدين) :
التفسير الكبير ، دار إحياء التراث العربي،بيروت،ط3 .
الزمخشري (محموع بن عمر) :
الكشاف ، حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، مكتبة مصطفى البابي الحلبي ، مصر 1329/1972.
السالمي (عبدالله بن حميد) :
بهجة أنوار العقول ، وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية ، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد ، 1409/1989م .
تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان (1-2) ، ط5 1394/1974 .
اللمعة المرضية من أشعة اإباضية ، وزارة التراث القومي والثقافة .
شرح طلعة الشمس (1-2) ، وزارة التراث القومي والثقافة 1404/1984 .
جوهر النظام (1-4) علق عليه وصححه أبو إسحاق اطفيش وإبراهيم العبري ، ط11،1409/1989 .
السالمي (محمد بن عبدالله) :
نهضة الأعيان بحرية أهل عمان ، مطابع دار الكتاب العربي ، القاهرة .
السيابين (سالم بن حمود) :
عمان عبر التاريخ (1-4) ، وزارة التراث القومي والثقافة ، ط1 ، 1402/1982 . (1/182)
صفحة 183
أصدق المناهج في تمييز الإباضية عن الخوارج ، تحقيق سيدة كاشف إسماعيل ، وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ، 1979 .
الشوكاني (محمد بن علي) :
الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
الشماخي (أبو العباس أحمد بن سعيد) :
السير (1-3) ، تحقيق أحمد بن سعود السيابي ، وزارة التراث القومي والثقافة 1407/1984 .
الشهرستاني (أبو الفتح محمد بن عبدالكريم ) :
الملل والنحل (1-3) دار المعرفة ، 1975
الشقصي (خميس بن سعيد) :
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين (1-24) تحقيق سالم بن حمد الحارثي ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، ط1 ، 1979.
الصالح (صبحي) :
علوم الحديث ومصطلحه ، دار العلم للملايين ، ط16، 1983 .
الطبري (محمد بن جرير) :
تاريخ الأمم والملوك (1-7) ، مطبعة الاشتاق ، القاهرة 1939 .
الطائي (أبو تمام أوس بن حبيب) :
ديوان أبو تمام ، تحقيق عبدالحميد يونس وعبدالفتاح مصطفى، المطبعة الأميرية 1924 .
القلهاتي (أبو عبدالله محمد بن سعيد) :
الكشف والبيان (1-2) ، تحقيق د.سيدة اسماعيل الكاشف ، وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان1400/1980 .
الكناني (عبدالعزيز) :
الحيده ، تحقيق د.جميل صليبا ، ط1 ، 1966 .
المسعودي (أبي الحسن علي بن الحسن) :
مروج الذهب (1-4) ، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد ، ط3 ، 1958/1377 .
معمر (علي يحيى) :
الإباضية في موكب التاريخ : الحلقة الثانية (الإباضية في ليبيا ، مكتبة وهبة ، ط1 ،1964)
الحلقة الثالثة (الإباضية في تونس ، دار الثقافة ، بيروت ط1، 1968) .
الحلقة الرابعة (الإباضية في الجزائر، المطبعة العربية ، غرداية ، 1985) .
الوارجلاني (أبو يعقوب يوسف) :
الدليل والبرهان (1-3) ، تحقيق سالم بن حمد الحارثي ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان 1404/1984 .
المراجع العامة والمعاجم :
1. ابن منظور (محمد بن مكرم) : (1/183)
صفحة 184
?لسان العرب (1-15) دار صادر ، بيروت ، 1955.
2. الجوهري (اسماعيل بن حماد) :
?الصحاح ، تصحيح نصر الهوريني ، طبعة حجرية 1282
3. الحموي (ياقوت) :
?معجم البلدان (1-7) ، دار صادر ، بيروت ، 1955
?معجم الأدباء (1-20) ، دار المأمون ، مكتبة البابي الحلبي وشركاه ، القاهرة .
4. دائرة المعارف الإسلامية : دار الشعب .
5. الزركلي (خير الدين) :
?الأعلام (1-8) ، دار العلم للملايين ، ط8 ، 1989.
6. صليبا (جميل) :
?المعجم الفلسفي (1-2) دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، 1982 .
7. الموسوعة الثقافية :
?دار المعرفة ، مؤسسة فرانكلين ، القاهرة 1972 .
الدوريات :
?قراءات في فكر السالمي ، المنتدى الأدبي ، وزارة التراث القومي والثقافة ، ط1 ، 1413/1993 .
فهرس الآيات
م ... { الآية } ... رقمها ... الصفحة
1. ... ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ... البقرة : 2
2. ... وإذ قال ربك للملائكة ... البقرة : 39
3. ... ومن أحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار ... البقرة : 81
4. ... من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل .. ... البقرة : 98
5. ... اجعل هذا البلد آمنا ... البقرة : 126
6. ... حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ... البقرة : 238
7. ... ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ... آل عمران : 156
8. ... يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ... آل عمران : 176
9. ... أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ... النساء : 166
10. ... إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ... النساء : 171
11. ... اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ... المائدة :3
12. ... ومن يتولهم منكم فإنه منهم ... المائدة : 51
13. ... قل يا أهل الكتاب لستم على شيء ... المائدة : 68
14. ... ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة.. ... المائدة : 103
15. ... قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ... الأنعام : 19
16. ... ولو ترى إذ وقفوا على النار ... الأنعام : 27
17. ... ولو ردوا لعادوا ... الأنعام : 28
18. ... وكذب به قومك وهو الحق ... الأنعام : 66 (1/184)
صفحة 185
19. ... وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله.. ... الأنعام : 91
20. ... خالق كل شيء ... الأنعام : 102
21. ... ألا له الخلق والأمر ... الأعراف : 54
22. ... ولله الأسماء الحسنى ... الأعراف : 180
23. ... رب اجعلني مقيم الصلاة ... إبراهيم : 40
24. ... حتى يسمع كلام الله ... التوبة : 6
25. ... إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ... الحجر : 9
26. ... فجعلنا عاليها سافلها ... الحجر : 73
27. ... أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ... الحجر : 85
28. ... إنما أمرنا لشيء إذا أردنا أن نقول له كن فيكون ... النحل : 40
29. ... ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لك شيء ... النحل : 89
30. ... وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ... الإسراء : 82
31. ... هل تعلم له سميا ... مريم : 65
32. ... لقد جئتم شيئا إدا ... مريم : 89
33. ... إن في ذلك لآيات لأولي النهى ... طه : 128
34. ... ما يأتيهم من ذكر من ربهم إلا استمعوه وهم يلعبون ... الأنبياء : 2
35. ... ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ... الأنبياء : 16
36. ... وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ... الأنبياء : 107
37. ... ليجعل ما يلقي الشيطان ... الحج : 53
38. ... حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون ... المؤمنون : 99
39. ... والذين يرمون المحصنات ... النور : 4
40. ... ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين ... الشعراء : 5
41. ... الذي هو يطعمني ويسقين ، وإذا مرضت فهو يشفين ... الشعراء : 79
42. ... تنزيل من رب العالمين ... الشعراء : 192
43. ... نزل به الروح الأمين ، على قلبك .. ... الشعراء : 193
44. ... وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ... النمل : 23
45. ... إن فرعون علا في الأرض ... القصص : 4
46. ... فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ... القصص : 30
47. ... إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ... القصص : 7
48. ... ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ... القصص : 73
49. ... كل شيء هالك إلا وجهه ... القصص : 88
50. ... بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ... العنكبوت : 49 (1/185)
صفحة 186
51. ... وتخلقون إفكا ... العنكبوت : 17
52. ... فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها ... الروم : 50
53. ... لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ... لقمان : 27
54. ... ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ... السجدة : 8
55. ... إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ... يس : 82
56. ... ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا ... ص : 27
57. ... كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ... فصلت : 3
58. ... قل أفقير الله تأمروني أبد أيها الجاهلون ... الزمر : 64
59. ... ليس كمثله شيء ... الشورى : 11
60. ... إنا جعلناه قرآنا عربيا ... الشورى : 11
61. ... إنا جعلناه قرآنا عربيا ... الزخرف : 3
62. ... وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ... الزخرف : 4
63. ... وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ... الزخرف : 19
64. ... إنا أنزلناه في ليلة مباركة ... الدخان : 3
65. ... تدمر كل شيء ... الأحقاف : 25
66. ... ق والقرآن المجيد ... ق : 1-3
67. ... إنا كل شيء خلقناه بقدر ... القمر : 49
68. ... الرحمن ، علم القرآن ، خلق الإنسان ... الرحمن : 1-3
69. ... ثيبات وأبكارا ... التحريم : 5
70. ... فنفخنا فيه من روحنا ... التحريم : 12
71. ... إلا من ارتضى من رسول ... الجن : 27
72. ... إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ... الإنسان : 23
73. ... إنه لقول رسول كريم ، ذي قوة عند ذي العرش مكين ... التكوير : 20
74. ... بل هو قرأن مجيد ، في لوح محفوظ ... البروج : 21
75. ... ولا يخاف عقباها ... الشمس : 15
76. ... إنا أنزلنا في ليلة القدر ... القدر : 1
فهرس تخريج الأحاديث
أولا : (1/186)
صفحة 187
عن جابر بن عبدالله قال : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إن أبي أخذ مالي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجل اذهب فأتني بأبيك ، فنزل جبريل عليه السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن الله يقرئك السلام ويقول "إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه ، فلما جاء الشيخ قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما بال ابنك يشكوك ؟ أتريد أن تأخذ ماله ؟ فقال : سله يا رسول الله ، هل أنفقه إلا على عماته أو خالته أو على نفسي ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إيه ، دعنا من هذا أخبرنا عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك ، فقال الشيخ : يارسول الله ما يزال الله يزيدنا بك يقينا ، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي ، فقال : قل وأنا أسمع ، قال قلت :
غدوت مولودا ومنتك يافعا ... تعل بما أجني عليك وتنهل
إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت ... لسقمك إلا ساهرا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيناي تهمل
الطبراني : المعجم الصغير ، ص 392 .
ثانيا :
" إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها "
1. الطبراني المعجم الكبير : ج3 ص131 ، ج4 ص289. عن الحسين بن علي بن أبي طالب .
2. الطبراني ، المعجم الأوسط : ج3 ص449 ، ج4 ص296. عن سهل بن سعد الساعدي .
ثالثا :
القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال إنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم.
1. البيهقي ، السنن ج1، ص206 ، 207 .
2. الديلمي ، الفردوس ج3 ، ص217 ، 227 . عن أنس ورواية أخرى عن ابن مسعود .
3. الطبراني ، المعجم الصغير ص 493، عن أبي نعيم الفضل بن دكين .
رابعا :
يا رب ا لقرآن العظيم ورب طه ويس .
لم أجد له تخريجا .
خامسا :
أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها إن الله يبغض الحبر السمين فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود.
{ (1/187)
صفحة 188
ما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} .
1. مسلم – صحيح مسلم : كتاب الحدود 29. باب 6 ، ج3 ص 1327 . عن البراء بن عازب .
2. أحمد ، المسند: ج4 ص 286 . عن البراء بن عازب .
3. أبو داؤد ، السنن : كتاب الأقضية 17 . باب كيف يحلف الذي . ج4،ص311 – كتاب الحدود 41 : باب في رجم اليهوديين ، ج4 ص152 . عن أبي هريرة والبراء بن عازب وجابر بن عبدالله وابن عمر .
سادسا :
" افترقت أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة" .
1. الإمام الربيع بن حبيب ، الجامع الصحيح ، ج1 ص13 . برقم 41، عن ابن عباس .
2. أبو داود ، السنن . كتاب السنة ، باب شرح السنة ج4 ص197 ، عن أبي هريرة .
3. الترمذي ، السنن ، كتاب الإيمان 41 ، باب افتراق هذه الآمة 18، ج5 ص25، 26 . عن أبي هريرة ، عبدالله بن عمر .
4. أحمد ، المسند ج2، ص332 ، ج3 ص120.أبي هريرة .
سابعا :
"كان يلحظ في الصلاة ولا يلتفت" .
1. أحمد ، المسند ج1، 275 ، 306 ، عن ابن عباس .
2. الترمذي ، السنن ، كتاب الصلاة ، باب الإلتفات في الصلاة ج2،ص482، ابن عباس .
3. النسائي ، السنن ، كتاب اللهو 12 ، باب رخصة في الإلتفات في الصلاة ، ج3 ص9، ابن عباس .
ثامنا :
" أنزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا وكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئا أنزل منه حتى جمعه" .
1. الإمام الربيع بن حبيب ، الجامع الصحيح ، ج1 ص8، ابن عباس برقم 16 .
2. الطبراني ، المعجم الكبير ، ج12 ، ص26 ، ابن عباس .
تاسعا :
"كذب النسابون"
1. ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، ج1 ص28.
2. ابن عساكر ، تهذيب تاريخ دمشق ، ج1 ص280 .
عاشرا :
" إن روح القدس نفث في روعي" .
1. عبدالرزاق الصنعاني ، المصنف ج11 ص125 ، عن عمدان.
2. السيوطي ، الجامع الصغير ، ج برقم2273، وعزاه إلى أبو نعيم.
حادي عشر : (1/188)
صفحة 189
"إن أول ما خلق الله القلم فقال له : اكتب ، فقال : يا رب وما أكتب ؟ قال : اكتب القدر ، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة" .
1. الإمام الربيع بن حبيب ، الجامع الصحيح ، ج3 ،ص10 برقم800
2. الترمذي ، السنن (كتاب تفسير القرآن 48 ، باب سورة {ن}66ج5 ص394 ، عن عبادة بن الصامت )-(كتاب القدر 33، باب 18، ج4 ص398 ، عن الوليد بن عبادة بن الصامت) .
3. أبو داود ، السنن ، كتاب السنة 43 ، باب القدر ج4 ص225 ، عن عبادة ابن الصامت .
4. أحمد ، المسند ، ج5 ص317 ، عن عبادة بن الصامت .
ثاني عشر :
"تكون الأرض كقرصه النقي ليس فيها معلم لأحد" .
1. البخاري ، صحيح ، كتاب الرقاق (81) ، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة(44) ، عن سهل بن سعد الساعدي.
2. مسلم ، صحيح ، كتاب صفات المنافقين (50) ، باب في البعث والنشور (2) ، ج4 ص2150 .
ثالث عشر :
"الحمد لله يوافي نعمه ويكافي المزيد" .
1. ابن حبان ، صحيح ، ج7 ص335 .
2. الحاكم ، المستدرك ، ج3 ص232 .
3. عبدالرزاق ، المصنف ، ج2 ، ص77 .
رابع عشر :
"أيما امرئ قال لأخيه : ياكافر (أو أنت كافر) فقد باء بها أحدهما".
1. البخاري ، صحيح البخاري ، كتاب الأدب.
2. مسلم ، صحيح مسلم ، كتاب الأيمان ، 111
3. مالك ، الموطأ ، كتاب السير ، باب الخصومة في الدين ، ج919، عن ابن عمر .
4. أحمد ، المسند ، ج2، ص:18، 60، 77، 105، 113.
مراجع تخريج الأحاديث
1. الطبراني : المعجم الصغير ، تحقيق محمد سليم إبراهيم سماره ، دار إحياء التراث العربي بيروت .
2. الطبراني : المعجم الكبير ، تحقيق حمدي عبدالمجيد ، دار إحياء التراث العربي .
3. الطبراني : المعجم الأوسط ، تحقيق د. محمود الطحان ، مكتب المعارف ، الرياض .
4. البيهقي : السنن الكبرى ، دار المعرفة ، بيروت .
5. الديلمي : الفردوس بمأثور الخطاب ، تحقيق أبي هاجر محمد السعيد زغلول ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
6. مسلم : صحيح مسلم ، دار الكتاب المصري . (1/189)
صفحة 190
7. أحمد : المسند ، دار صادر ، بيروت .
8. أبو داود : السنن ، دار الجيل ، بيروت .
9. الإمام الربيع : الجامع الصحيح، مكتب الإستقامة ، مسقط .
10. الترمذي : السنن ، دار الفكر ، بيروت .
11. النسائي : السنن ، دار الفكر ، بيروت .
12. ابن سعد : الطبقات الكبرى ، دار صادر ، بيروت .
13. ابن عساكر : تهذيب تاريخ دمشق .
14. البخاري : صحيح . دار المعرفة ، بيروت .
15. عبدالرزاق الصنعاني : المصنف ، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ، المكتب لإسلامي .
16. السيوطي : الجامع الصغير ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
17. الحاكم : المستدرك ، تحقيق مصطفى عبدالقادر عطاء ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
18. مالك : الموطأ . تحقيق عبدالوهاب عبداللطيف ، لجنة إحياء التراث ، القاهرة ، ط3ن 1407/1987 .
فهرس الأشعار
البيت : مطلع ... القافية ... الصفحة
1. ومن عجب ... لا تدري
2. ألا إنما ... خلل
3. حلا ... مثل
4. كالغيث ... واصب وبلا
5. والريح ... الماء
6. وقد لاح ... نورا
7. يا صاحبيّ ... تصور
8. تريا نهارا ... مقمر
9. قريب ... للنعم
10. والليل ... السدوس
11. .... ... عاشق
12. إذا ما غدونا ... نحطب
13. هو الشيخ ... وفخرا
14. أم تلك ليلى ... صباحا
15. ففي كل شيء ... أنه واحد
16. سموت بالمجد ... رحمانا
17. نظرناهم ... اللحظان
فهرس الأعلام
(حرف الألف)
إبن الأسلت (أبو قيس) : 63
إبن الأشرف (كعب) : 83
إبن الأعرابي (محمد بن زياد) : 118
إبن تيمية (أحمد) : 43
إبن خفاجة (إبراهيم) :
إبن الرحيل (محمد بن محبوب):
إبن زيد (جابر) :
إبن صوريا :
إبن عباس (عبدالله) :
إبن عزان (فيصل بن حمود) :
إبن فارس (أحمد) :
إبن الفارض (عمر) :
إبن فرحان (عبيد) :
إبن القطّاع (علي بن جعفر) :
إبن القيّم :
إبن النظر (أبو بكر أحمد) :
إبن هاشم (محمد) :
إبن وصّاف (محمد) :
أبو إسحاق :
أبو تمام :
أبو ستة :
أبو عبيدة (مسلم بن أبي كريمة) :
أبو عبيدة (معمر بن المثنى) :
أبو العتاهية :
أبو عمار (عبدالكافي التناوني) :
أبو عمر (النخلي) : (1/190)
صفحة 191
أبو مروان (سليمان بن الحكم) :
أبو منصور (الماتريدي) :
أبو مهدي (المليكي) :
أبو اليقظان (الرستمي) :
الاشعري (أبو الحسن) :
الأصفحاني :
أطفيش (محمد بن يوسف) :
الأودي (الأفوه) :
امرئ القيس :
الأيادي (أحمد بن أبي داؤد) :
حرف الـ (ب)
الباقلاني (أبو بكر محمد) :
البحتري :
البرادي(أبو القاسم) :
بلقيس:
البوسعيدي(حمد بن سيف) :
البوسعيدي(عزان بن قيس) :
البوسعيدي(محمد بن مسعود) :
بولص :
حرف الـ (ت)
التلاتي (عمرو بن رمضان) :
حرف التـ (ث)
الثميني (عبدالعزيز بن إبراهيم) :
حرف الـ (ج)
الجرجاني (علي بن محمد) :
الجعد بن درهم :
الجناوني (أبي زكريا يحيى) :
الجهم بن صفوان:
الجوهري (إسماعيل بن موسى) :
الجويني :
الجيطالي (إسماعيل بن موسى) :
حرف الـ (ح)
الحارثي (صالح بن علي) :
الحارثي ( عيسى بن صالح) :
الحبسي (سلطان بن محمد) :
الحجري (راشد بن حمد) :
الحضرمي (أبو إسحاق) :
حماد بن أبي حنيفه :
حمد بن راشد بن سالم :
حرف الـ : (خ)
الخروصي (سالم بن راشد) :
الخليلي (أحمد بن حمد) :
الخليلي (أحمد بن سعيد) :
الخليلي (سعيد بن خلفان) :
الخليلي (محمد بن عبدالله) :
الخزاعي (إسحاق بن إبراهيم) :
الخصيبي (محمد بن راشد) :
حرف الـ : (د)
الديصاني أو الذيماني (أبو شاكر) :
حرف الـ : (ر)
الراشدي (سعيد بن حمد) :
الراشدي (سفيان بن محمد) :
الربيع بن حبيب :
الرحيلي (محمد بن سيف) :
الرقيشي (خلف بن أحمد) :
الرقيشي (محمد بن سالم) :
الرواحي (محمد بن شامس) :
الريامي (أبو زيد عبدالله بن محمد) :
حرف الـ : (ز)
الزبيدي (محمد المرتضى) :
الزمخشري (محمود بن عمر) :
حرف الـ : (س)
السالمي (نور الدين عبدالله بن حميد) :
السليمي (حمد بن عبيد) :
السيفي (سعيد بن ناصر) :
حرف الـ : (ش)
الشماخي (البدر أحمد بن سعيد) :
الشماخي (أبو ساكن عامر بن علي) :
حرف الـ : (ص)
الصنعاني :
الصلت بن مالك :
حرف الـ : (ع)
العبري (إبراهيم بن سعيد) : (1/191)
صفحة 192
العبري (ماجد بن خميس) :
العدوي (ناصر بن سالم) :
العمريطي( يحيى) :
حرف الـ : (غ)
الغزالي :
غيلان الدمشقي :
حرف الـ : (ف)
الفراهيدي (الخليل بن أحمد) :
الفرسطائي (أبو عبدالله محمد بن بكر) :
الفزاري (عبدالله بن يزيد) :
الفيروز آبادي (محمد بن يعقوب) :
فرعون :
حرف الـ : (ق)
القلهاتي (سعيد بن محمد) :
حرف الـ : (ك)
الكدمي (أبو سعيد) :
الكندي (سعود بن سليمان) :
الكندي (سعيد بن أحمد) :
الكندي (سعيد بن ناصر) :
الكندي (سليمان بن محمد) :
حرف الـ : (ل)
اللمكي (راشد بن سيف) :
اللمكي (سالم بن سيف) :
حرف الـ : (م)
المأمون :
المالكي (سعود بن عامر) :
المالكي (عامر بن خميس) :
مالك بن الصيف :
مبارك بن سليمان بن ذهل :
المتوكل :
محمد بن هاشم :
المدسري (خميس بن سالم) :
مريم :
مسيلمه :
معبد الجهني :
المعتصم :
المقري (أحمد بن علي) :
ملكان :
موسى بن علي :
المهنا بن جيفر :
حرف الـ : (ن)
النبهاني (خردلة بن سماعة) :
نسطور :
نصر بن سجيميان :
النظام (إبراهيم بن سيّار) :
حرف الـ : (هـ)
الهاشمي (عبدالله بن محمد) :
الهنائي (علي بن هلال) :
الهنائي (غالب بن علي) :
حرف الـ : (و)
الواثق :
الوارجلاني (أبو يعقوب) :
حرف الـ : (ي)
يعقوب (البرادعي) :
فهرس الطوائف والفرق
حرف الـ : (أ)
? الإباضية :
? الأشعرية :
? الأصوليون :
? الأنس :
? أهل الحديث :
حرف الـ : (ب)
? بنو إسرائيل :
? بنو إسماعيل :
? بنو ضبه :
? بنو عدنان :
حرف الـ : (ج)
? الجهمية :
? الجن :
حرف الـ : (ح)
? الحشوية :
? الحنبلية :
حرف الـ : (ذ)
? الذيمانية (الديصانية) :
حرف الـ : (ر)
? الرستاقية :
حرف الـ : (ع)
? العرب :
حرف الـ : (ق)
? القدرية :
حرف الـ : (م)
? المتكلمين :
? المجسمة :
? المشارقة :
? المشبهة :
? المعتزلة :
? المغاربة :
? المناطقة :
? المرجئة :
حرف الـ : (ن)
? النزوانية :
? النصارى :
حرف الـ : (ي)
? اليهود : (1/192)
صفحة 193
فهرس الأماكن
حرف الـ : (أ)
? إبرا :
? إزكي :
حرف الـ : (ب)
? بدية :
? البصرة :
? بغداد :
? بني يزجن :
? بهلا :
? بوشر :
حرف الـ : (ت)
? تنوف :
حرف الـ : (ج)
? جبل دمر :
? جبل نفوسه :
? جربه :
حرف الـ : (ح)
? حضرموت :
? الحمراء :
? الحوقين :
حرف الـ : (خ)
? خراسان :
? خوارزم :
حرف الـ : (د)
? دما :
حرف الـ : (ر)
? الرستاق :
حرف الـ : (س)
? سمرقند :
? سمائل :
? سناو :
حرف الـ : (ش)
? شيراز :
حرف الـ : (ص)
? صحار :
? صقلية :
حرف الـ : (ط)
? طرطوس :
حرف الـ : (ع)
? العراق :
? عمان :
حرف الـ : (ق)
? القابل :
? القسطنطينية :
حرف الـ : (م)
? المشايق :
? المضيبي :
? مضر :
? مطرح :
? المغرب :
? مكة :
حرف الـ : (ن)
? نيسابور :
حرف الـ : (و)
? وادي بني خالد :
? وارجلان :
حرف الـ : (ي)
? اليمامة :
خامسا : فهرس مواضيع الكتاب
م ... الموضوع ... صفحة
1. ... كلمة / للشيخ سليما بن محمد السالمي
2. ... مقدمة
3. ... تمهيد
4. ... الإباضية ومسألة خلق القرآن
5. ... محتوى المخطوطة
6. ... المراجع التي اعتمد عليها الشارح
7. ... منهج التحقيق
8. ... الناظم
9. ... ابن النظر
10. ... شارح المنظومة
11.
12. (1/193)