صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: العقيدة
------------------------------------------
العنوان: زاد المسافر في الرد على من جاء يناظر
المؤلف: سليمان بن بلعرب البوسعيدي
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1417ه/ 1997م
الطبعة: 1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/136
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 05 شعبان 1446ه/ 04 - شهر 02 - 2025م. زَاد المسافِر
في الرد عَلَى مَن جَاء يُناظِر
تأليف الشيخ الفقيه والحبر النزيه العالم الورع الجليل
سليمان بن بلعرب بن محمد بن بلعرب بن أبي القاسم بن يزيد بن محمد بن يعرب بن أبي بكر بن دهمان بن أبي سعيد البوسعيدي الحممتي (رحمه الله وغفر له)
الطبعة الأولى
1417 هـ / 1997 م (1/1)
صفحة 2
زَاد المسافِر
في الرد عَلَى مَن جَاء يُناظِر
تأليف الشيخ الفقيه والحبر النزيه العالم الورع الجليل
سليمان بن بلعرب بن محمد بن بلعرب بن أبي القاسم بن يزيد بن محمد بن يعرب بن أبي بكر بن دهمان بن أبي سعيد البوسعيدي الحممتي (رحمه الله وغفر له)
الطبعة الأولى
1417 هـ / 1997 م (1/3)
صفحة 3
< (1/4)
صفحة 4
زاد المسافر في الرد على من جاء بناظر تاليف الفقير اليد بعالي سلمان بن بكعرب بن محمد بن را ب بن مخوب بين العرب إلى القاسم التوسعيد يا الممتى رحم قمر الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلو
والارض وجعل الكلمات والنور ثمر الذين كفر و ابر تحمر بعد لون، فليعلم الواقف على کتابي ھينا اني قد دعتنى الحمد و الي تاليف ووضعره وتصنيفه والما ان ناظر لي مناظر من اهل الخلاف لدين المسلمين و إن أهل الكبابير من المؤمنين لا تخلدون في النارة وان قانوا لے غيب توبره فاثبت له جواب في كتابي هذاه مبطلاً لما ادعاه من ذلك هو لاند ناظر في ذلك بكتاب كتبه الى وخفت أن يشافهني بر على غفلته ويطلب مني الحجاب المعوني ذلك على عملة، فنعب عن خاطرى الجواب في الحال. وبطن هو أن مذهبي على الفلاح فهيات له الجواب في هذا الموضوع، وسنت فيه الاصول والفروع واصفت اليه ما اظن ان سبنا ظر في قيره من علم التوحيد، وما يشتمل عليده الذي هو اصل الاديان وحياة الابيات والطريق القاصد الي الجنان الذي تعبال المد به عباده، وجعل لهم شبيا للتعاكة وأنا مع ذلك معترف على نفتى بالتقصيرة باني لست من اهل التاليف والتقتير ولا انا باهل للتصنيف والتغيير، بل كان الباعث ان لك ما ذكرتة في مقدمة الكتاب والعدالهادي إلى طريق الحق والصواب وتمنت براد المسافر في الرد على من جاء يناظره وكان تاليفي لدوانا في قرية دياه وهي بلياهل الخلاف لدين اهل الاستقامة. ولم اجد فيها الحد من اهل مذهبي الامن كان غريبا مثلي واعد منتى فيها كتب التوحيد التي هي من تأليف اصحابنا، فلما ناظر في هذا المناظرة في من الجلد، جعلت اتصفح كتاب الله العزيز وا معن النظر فيه بالتدبيره واتذكر ما كنت قد حفظته من اثار اصحابنائي معني ذلك. فالفت هذا الكتاب عديدة مني من جانا جرني في مثل هذا. وبالله التوفيق
صورة الصفحة الأولى من المخطوط (1/5)
صفحة 5
ايصافح ماء البصل ونفخ ا
والله اعلمه واكثر القول عندي ان هذا يجزير والناسي اجديرات لاكرير عندي والدا اعلامه مسل والبراة اذا كانت ظافرة راتها فليرتها الغسل حتي تنقض ظغير تها اذ الرجل الماء في أصول الشعر الا بالنقض لولان معني الغنقل الذي هو علي معني التعبيد ان يعم جميع بن ها بدير الا لاند قبل تحت كل شعب جنابة وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم ه اند اغتيال هو ترجمة عايشه رضي الله عنها بساعين ونصف من مار وكل واحد منهما يقول لصاحبر ابق لي فعل هذا معتي هذه الرواية يكفي الما القليل للعشر من الجنابة اذا سالت عين النخاسة من الفروج وغيرها فبقية الجسد حكم الطهارة والغسل له من الجنابة فرض قبة الله به عباده وان كانوا في الاصل طاهرين والداعلم فيجري الما القليل النادية الفريض للمختار من الجنابة وستل غرذلك تم الكترا واحمد الدرب العالمين وصلى ابد على سواه نيد و حالم رساند و امينه على وحيد محمد سد النقلت صلي اللہ عليہ و علي اصحار الطير الطاهر بن صلاه داعب الى يوم الدرس ولا حول ولا قوة الا نادر العلي العظيم وهذا الكتاب حراكي الرد على القدرة وجز في التوحيد في وحرور في الطابات المهارات بالله التي البعد المي العدل الولي الح ف الله سلمان باور محمد الورد الى القاسي بريد المسعودي الحميني مجراند و عمل و عام النكا جامع درست مارو اور احمد المبارك وتقع بال مصر ميں ربيع الاول سنہ کے د عامي در الف کتر و کي بورد مريدا هي ان الداخل وادي بي واجرد بوده انا في حير الي الوالي الحد الاحي كان الذكر بها ولم نقف حتة تفسيلة والإبهام
ا امري مجري دهي زيبا اذخر انهام رجاله
راسان عبدالله
صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط (1/6)
صفحة 6
تقديم (1/7)
صفحة 7
الحَمدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أعلى شأن العلماء العاملين، وجعلهم قدوة في الدين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين الذي قال: " من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدِّين "، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن تُربة عُمان تُربة طيبة، أصابها غيث الإسلام، فحفظت الماء، وأنبتت الكلأ، بل أنجبت العُلماء الأخيار والأتقياء الأبرار، والأئمة الكرام، والقواد العظام، فلا تكاد تجد بقعة منها إلا وفيها ذكر لعظيم عُظماء العصور الغابرة، سواء في الدين أو في القيادة
من
يقيض
ولكنك عندما تتصفح التاريخ تجد أن بعض القرون التي مرت على عُمان منذ فجر الدعوة الإسلامية أعز من بعض في العطاء واشتهار رجالها بالعلم والمعرفة، ذلك لأنها في زمان الضعف الفكري والخمول السياسي تنكمش فيها المعارف والعكس صحيح، ولكن الله عز وجل في كل فترة ركود من ينهض بالفكر الإسلامي، حسب مقتضيات ذلك العصر، ثم يتبعه نهوض سياسي يخلص عُمان من التبعية والخمول، فتردهم فكريا وسياسياً، وخير مثال على ذلك العصر الذي قامت فيه الإمامة اليعربية في عُمان، وأولهم الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (رحمه الله (المتوفي عام 1059 هـ، على أصح، بعد نصب أهل الحل والعقد من العلماء له إماماً، وفي
الروايات
-9 - (1/9)
صفحة 8
مالك بن
مقدمتهم الشيخ العالم خميس بن سعيد الشقصي (رحمه الله)، وبعد وفاة هذا الإمام، تولى الإمامة بعده ابن عمه سُلطان سيف بن اليعربي (رحمه الله، الذي أكمل طرد البرتغاليين من سواحل عُمان، وبسبب الإستقرار السياسي وشيوع العدل نما العلم وارتقى الفكر في عُمان في تلك الفترة بتشجيع ورعاية من أئمة اليعاربة، ونتج عن ذلك ظهور المؤلفات الفقهية وغيرها، وبروز كثير من العلماء في ذلك العصر، والواقع أن العُلماء العُمانيين ساهموا في إثراء المكتبة الإسلامية قديماً وحديثاً في جميع الفنون ابتداء من عصر الصحابة، وإلى يوم الناس هذا، ابتداء من صحار بن العباس العبدي، الذي هو من عبد القيس بعمان، وقد كان له مُؤلَف في الأدب، كما ذكر صاحب العقد الفريد "، والخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي كانت مؤلفاته بين النحو والعروض ومفردات اللغة وغيرها، وأمثالهم من لا حصر لهم ولا لمؤلفاتهم، وما بقي منها أقل بكثير مما ذكر في بطون الكتب ولله الأمر من قبل ومن بعد.
11
،
ونحن في هذه العُجالة نذكر واحداً من العلماء الأفذاذ الذين ساهموا في المعرفة وإثراء الفكر الإسلامي بما حباهم الله من بصيرة نافذة، وفكر وقاد، وإستقامة في الدين، ألا وهو الشيخ سليمان بن بلعرب بن محمد بن بلعرب بن أبي القاسم بن يزيد بن محمد بن يعرب بن أبي بكر بن دهمان بن أبي سعيد البوسعيدي الأباضي، من بلدة الجناه بوادي بني رواحة، من ولاية سمائل، والتي كانت قديماً تعرف باسم (حممت) بالحاء المهملة، ثم ميمين، فتاء مثناة من فوق، والشيخ كما نرى من قبيلة عريقة، ومن عائلة كريمة، أما قبيلة آلبوسعيد، فهي كبيرة، وتوجد في أكثر أنحاء عُمان، وهي كريمة (1/10)
صفحة 9
سعيد بن
أحمد بن. محمد بن
خلف
بن
المحتد، فمنها الإمام أحمد بن مبارك آلبوسعيدي الأزدي العتكي، الذي هو جد العائلة المالكة اليوم، ويكفي أن السلطان قابوس بن سعيد المفدى - الحاكم الحالي لسلطنة عُمان - منها أيضاً، ومنها مجموعة من الوزراء والمستشارون والولاة، ونبغ منها كثير من العُلماء، ذكر عدداً منهم السيد العلامة القاضي بن محمد آلبوسعيدي في كتابه " الموجز المفيد نبذ من تاريخ آلبوسعيد "، ومن هؤلاء العلماء السيد مهنا بن خلفان وغيره
حمد
من
بن
مقيماً
سيف
6
العلماء والقضاة المشهورين، فالقبيلة أشهر من أن يُعرف بها وأجل من أن يصفها هذا القلم المتواضع، ولا ننسى أنها عمود في الأباضية، وركن شديد في عُمان، وأما عائلة الشيخ فهي بيت علم وشرف، وقد كان الوالي على ولاية قريات ونواحيها في زمان الشيخ ابن عمه العلامة الجليل أحمد بن سليمان بن عزان بن سعيد بن يزيد بن محمد بن يزيد بن يعرب، يلتقي هو وصاحب الترجمة في يعرب، وكلاهما من بلدة الجناه، وكان والده بلعرب بن محمد عارفاً وناسخاً، مع ولده في زمان الإمام سُلطان - المذكور سابقاً ــ كما ذكر السيد حمد سيف أن بن منهم العلامة ناصر بن محمد بن بلعرب بن ابي القاسم بن يزيد بن محمد بن يعرب، ومن نفس البلدة، وهو عم الشيخ المترجم له، وكان قاضياً للإمام ناصر بن مرشد على مدينة جلفار ـ التي هي رأس الخيمة الآن - وعلى كل حال فالعائلة بيت علم وفضل، وقد شهد لهم التاريخ بذلك، أما الشيخ سليمان مؤلف كتاب " زاد المسافر في الرد على من جاء يناظر "، الذي بين أيدينا فقد كان قاضياً على مدينة دبا، حيث كان مقيماً بها مع الشيخ الوالي راشد بن عبد الله بن راشد القاروتي الحضرمي، من بلدة قاروت من ولاية إزكي، حيث عملا للإمام العادل، والشهم المناضل، سُلطان بن
،
-11 - (1/11)
صفحة 10
سيف بن
مالك اليعربي، المتوفي عام 1090 هـ، على ما رجحه الإمام نور الدين السالمي في كتابه " تحفة الأعيان "، وقد فرغ من تأليف الكتاب عام 1085 هـ بجامع مدينة صحار، وهو في الطريق ذاهب إلى بلدة نخل، وكان هذا الشيخ عالماً فاضلاً، متعمقاً في علم التوحيد والفقه وغيرهما من العلوم الإسلامية، حافظاً واعياً، وناهيك بمن هو قاض للإمام سُلطان، وكان كثير الاطلاع، ينبئك عن هذا، فقد اعتمد في تأليفه على حافظته فقط، وقد أشعرنا بذلك بنفسه في أول الكتاب، وكان أديباً، فقد أنشأ قصيدة لامية في الرد على المجادل الذي كان السبب في تأليف الكتاب
ذلك كتابه
لم أجد تاريخاً لمولد المؤلف، ولا لوفاته، ولكنه بالقطع أنه عاش إلى العقد التاسع من القرن الحادي عشر، وهذا ليس بغريب، فقد كان العمانيون - وإلى اليوم - لا يهتمون بتاريخ الولادة والوفاة في حياة الشخصيات إلا في القليل النادر، وبعد وفاة الشخص
ولكنه يظهر أنه مات قبل الإمام، فالناسخ قال في ص 67 ما نصه: " غفر الله له ولوالديه "، ثم قال بعد ذكره الإمام سُلطان: " أدام الله لنا وجوده، وخلد الله ملكه "، فلينظر فيه.
وقد تربى الشيخ في أحضان والده الكريم الذي كان عنده شيء من المعرفة، ناسخاً للكتب، فهو قد فتح عينيه على الكتب بين يدي والده، فلا عجب أن يرضع لبان العِلم، ويشب ويشيب، وهكذا تنبت أودية عُمان بل وجبالها في القديم رجالاً عظاماً، وشخصيات لها في التاريخ نصيب، فرحم الله تلك الأوصال، وأسكنها فسيح الجنان، تتفيأ منها الظلال
-17 - (1/12)
صفحة 11
بين يدي الكِتاب:
1) أما الكتاب الذي بين أيدينا، فقد ألفه صاحبه رداً على أحد المخالفين له في المذهب، عندما أرسل إليه كتاباً يناظره فيه في مسألة خروج أهل الكبائر من النار، فأعد له هذا الرد مكتوبا، بل زاد على المسألة محل الخلاف، حتى صار مؤلفاً متكاملاً، مخافة أن يشافهه في المناظرة، فيتلعثم في الرد، ويحكي الشيخ عن نفسه أنه كان وحيداً في هذه البلد، وهي دبا، وليس لديه كتب يستعين بها، وهذا نص مقاله في الموضوع:
(فليعلم الواقف على كتابي هذا، أني قد دعتني الهمة إلى تأليفه ووضعه وتصنيفه، لما أن ناظرني مناظر من أهل الخلاف لدين المسلمين، أن أهل الكبائر من المؤمنين لا يخلدون في النار، وإن ماتوا على غير توبة، فاثبت له جواباً في كتابي هذا مبطلاً لما ادعاه من ذلك، لأنه ناظرني في ذلك بكتاب كتبه إليَّ، وخفت أن يشافهني به على غفلة، ويطلب مني الجواب له في ذلك على عجلة، فيغيب عن خاطري الجواب في الحال، ويظن هو أن مذهبي على الضلال، فهيأت له الجواب في هذا الموضوع، وبينت فيه الأصول والفروع، وأضفت إليه ما أظن أنه سيناظرني فيه من علم التوحيد وما يشتمل عليه ... ).
وكانت تسميته بهذا الاسم مطابقة للهدف الذي ألفه من أجله وهو الرد بالحجة والدليل والمناقشة والتفصيل، وقد أحسن صنعاً، فإنه لولا أنه كتب الرد لما كانت الأجيال تعرف نص المناظرة، ولا الرد عليها، ولكنها بعد التقييد بقيت أثراً واضحاً، ودليلاً قائماً على علم المؤلف، ومكانته الفكرية والإجتماعية.
-1 - (1/13)
صفحة 12
(2) كان تأليف هذا الكتاب في دبا، والرجل قاض يومئذ بها، ولا يوجد فيها من الأباضية غيره أو من كان في حكمه من أهل الباطنة أو من داخل عُمان، وليس عنده كُتب في علم الكلام إلا ما كان يحتاج
إليه في الفقه، حيث يقول:
) وكان تأليفي له وأنا في قرية دبا .... ، ولم أجد فيها أحداً من أهل مذهبي إلا من كان غريباً مثلي، وأعدمتني فيها كتب التوحيد التي هي من تأليف أصحابنا، فلما ناظرني هذا المناظر في هذا البلد، جعلت أتصفح كتاب الله العزيز، وأمعن النظر فيه بالتدبير والتمييز، وأتذكر ما كنت قد حفظته من أثار أصحابنا في معنى ذلك، فألفت هذا الكتاب عدة مني لمن جاء يناظرني في مثل هذا، وبالله التوفيق). فترى الرجل يعتمد في رده على كتاب الله تعالى، ويرد المتشابه منه على المحكم، ويحتج بما جاءت به اللغة في تفسير معاني ذلك، لأن الكتاب عربي، ولابد في تفسيره من الرجوع إلى معاني اللغة فهو يقارع الحجة بالحجة، والإستدلال بالبرهان، مما أعطى هذا المؤلف قيمة حقيقية بين كتب التوحيد
3)
إن هذا المؤلف ضليع في اللغة، ومن تدبر في الرد الذي أتى به يعرف مكانته، فهو يحتج بأشعار العرب ونثرها، وتارة يرد بقصيدة شعرية لامية موزونة غاية في الدقة، فانظر إلى قوله:
،
أقول لمن قد جاء بالإفك والختل يجادل في آي الكتاب على الجهل يقول بأن لا في لظى لذوي الخنا خلود بها إلا على قدر الفعل ويحتج من آي الكتاب بقوله فمن يعمل المثقال خيرا يرى فضلي
-12 - (1/14)
صفحة 13
إلى أن قال:
ولا مخرج من حرها أبداً لهم قضى الله بين الخلق بالحق والعدل أيرجوا خروجاً من لظى سارق زنا ومات بلا توب مصرا على القتل بأمنية منه ويحظى بجنة ويدخل في دار السلام مع الرسل إلى آخر ما قاله
ثم أنه كان حافظاً للكثير من الأشعار، فتراه يحتج بما قاله الشيخ أحمد بن النظر - العلامة العُماني المشهور - في كتابه " الدعائم " في باب الطهارات، فالظاهر أنه مولع به، ويمضي يشرح أبيات القصيدة لغة ومعنى، ولعله أراد بذلك سرعة الحفظ في الرد، وضمنها نفس
المؤلف
4) قسم الكتاب إلى قسمين: القسم الأول في التوحيد، وتضمن الرد في مسألة خروج أهل الكبائر من النار، والرؤية للمولى سبحانه وتعالى في الآخرة، وتفسير الآيات التي فيها معنى التشبيه والتجسيم ومسألة خلق القرآن، إلى غير ذلك، والملاحظ أن هذا الشيخ لا يقول بخلق القرآن، ولكن يعتذر له بأنه لا يقول ذلك بالنسبة لحروف القرآن وكلماته، وإنما بالنسبة للصفة الذاتية، وهي أن المولى عز وجل متكلم أي ضد الخرس، والقسم الثاني من الكتاب فيما لا يسع جهله من الإعتقاد والعبادات والطهارات وغير ذلك، وقد جاء آخر الكتاب ما نصه: (وهذا الكتاب جزء في الرد على القدرية، وجزء في التوحيد، وجزء في الطهارات)، ولكننا عندما راجعنا الكتاب لم نجد إلا القسمين الذين ذكرناهما، والظاهر أن ذلك التقسيم من كلام
1101 (1/15)
صفحة 14
الناسخ، لا من كلام المصنف
ه) يظهر أن الناسخ أدخل بعض الألفاظ التي هي من كلامه ضمن كلام المصنف، عند التعريف بالكتاب أو عند خاتمة القسم الأول أو القسم الثاني، فمثلاً عند قوله في ص 2: كتاب " زاد المسافر في الرد على من جاء يناظر "، تأليف الشيخ الفقيه والحبر النزيه العالم الورع (رحمه الله وغفر له)، وعند قوله في ص 67: (وكان تمام
الجليل
.
.
هذه النبذة في التوحيد على يدي المؤلف لهذا الكتاب الشيخ الرضي الثقة العدل الولي (غفر الله له ولوالديه يوم يقوم الحساب)، وعند قوله في آخر صفحة من الكتاب:) تأليف الشيخ الثقة الرضي العدل الولي الأخ في الله (رحمه الله وغفر له)، فلهذا نقول: أن
.
هذه الألفاظ يبعد أن تكون من كلام الشيخ المؤلف لنفسه، لأنها ثناء، وهو من المستبعد أن يثني على نفسه، فليس من أخلاق العلماء ذلك، ولعل الناسخ الأول كان ملازما له، ومتزامناً معه، ولهذا قال
الأخ.
,
(6 لم يذكر الناسخ لهذا الكتاب، ولكن ذكر في آخر الصفحة الأولى ما يلي: (نقله السيد الجليل العارف محمد بن أحمد بن سعود آلبوسعيدي) فقط لا غير، وذكر في أعلى الصفحة أن هناك نسخة أخرى بخط الشيخ غانم بن فارس بن سالم بن سعيد بن فارس بن عبدالله الفارسي الوبالي عام 1121 هـ، ونقل منها اسم
محمد بن
المؤلف صحيحاً، ولكني لم أعثر على هذه النسخة.
أما التي بين أيدينا فليس فيها تاريخ، ولعل تاريخ النسخ هو تاريخ تمام تأليف الكتاب - والله أعلم بصحة ذلك ـ وهي بخط النسخ،
-17 - (1/16)
صفحة 15
أحمد بن
وعدد أسطر كل صفحة 17 سطراً، وكل سطر به 9 كلمات في المتوسط، ومن المؤكد تماماً أن النسخة التي بين أيدينا كانت في يد أمينة جداً، إذ هي في يد السيد الجليل الفقيه النبيل محمد بن سعود بن حمد البوسعيدي (أبقاه الله)، وهو صاحب المكتبة الثرية بالكتب الثمينة القيمة، والمعتني بجمع شتات آثار العلماء العُمانيين. أما كيفية تخريج لهذه النسخة، فقد جرت عليها بعض التعليقات المهمة، والتخريج المتيسر، وتصويب بعض الألفاظ إملائياً ولغوياً، إذ لابد من إخراج كنوز التراث القيم بأي صورة من الصور، وهذا الكتاب جزء من هذا التراث النادر:
) وما لا يدرك كله لا يترك كله)
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على سيدنا
محمد وآله وصحبه أجمعين.
مسقط في: 1996/ 12/6 م.
دكتور / مبارك بن عبد الله الراشدي
-18 - (1/17)
صفحة 16
تمهيد (1/19)
صفحة 17
W
بلة الحالية
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِهِم يَعْدِلُونَ} (1).
فليعلم الواقف على كتابي هذا، أني قد دعتني الهمة إلى تأليفه ووضعه وتصنيفه، لما أن ناظرني مُناظر من أهل الخلاف لدين المسلمين، أن أهل الكبائر من المؤمنين لا يُخلدون في النار، وإن ماتوا على غير توبة، فأُثبت له جواباً في كتابي هذا مُبطلاً لِمَا ادعاه من ذلك، لأنه ناظرني في ذلك بكتاب كتبه إليَّ، وخفت أن يُشافهني به على غفلة، ويطلب مني الجواب له في ذلك على عجلة، فيغيب عن خاطري الجواب في الحال، ويظن هو أن مذهبي على الضلال، فهيأت له الجواب في هذا الموضوع، وبينت فيه الأصول والفروع، وأضفت إليه ما أظن أنه سيناظرني فيه، من علم التوحيد وما يشتمل عليه، الذي هو أصل الأديان، وحياة الأبدان، والطريق القاصد إلى الجنان، الذي تعبد الله به عباده، وجعل لهم سبباً للسعادة، وأنا مع ذلك معترف على نفسي بالتقصير، بأني لست من أهل التأليف والتفسير، ولا أنا بأهل للتصنيف والتعبير، بل كان الباعث لذلك ما ذكرته في مُقدمة الكتاب، والله الهادي إلى طريق الحق والصواب، وسميته بزاد المسافر في الرد على من جاء يُناظر، وكان تأليفى له وأنا في قرية دبا (2)، وهي بلد أهل الخلاف لدين أهل الإستقامة، ولم أجد فيها أحداً من أهل مذهبي إلا من كان غريباً مثلي، وأعدمتني فيها
(1) سورة الأنعام: 1. (2) دبا: هي ولاية من ولايات محافظة مسندم، بشمال عُمان، ويُطلق عليها الآن دبا البيعة.
-11 - (1/21)
صفحة 18
التوحيد التي هي من تأليف أصحابنا، فلما ناظرني هذا المناظر في هذه البلد، جعلت أتصفح كتاب الله العزيز، وأمعن النظر فيه بالتدبير والتمييز، وأتذكر ما كنت قد حفظته من آثار أصحابنا في معنى ذلك، فألفت هذا الكتاب، عدة مني لمن جاء يُناظرني في مثل هذا، وبالله التوفيق، وأنا أسأل الله الإعانة على ذلك، وأستر شده لذلك، وأستهديه وأتوكل عليه، وأفوض أمري إليه، وهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم
فجعلت أول باب من كتابي هذا، ما قد ناظرني به هذا المناظر وصدرت فيه الذي كتبته إلى هذا المدعي بعينه
المؤلف
6
(
6 (1/22)
صفحة 19
القسم الأول
فيما لا يسع جهله من أحكام الإعتقاد (1/23)
صفحة 20
الباب الأول
الرد على القول بعدم خلود أهل الكبائر في النار
الرد على من يقول أن أهل الكبائر من المؤمنين لا يُخلدون في النار وإن ماتوا على غير توبة، لقوله تعالى: {فَمَن يَعمَل مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ} (1)، ونفس الإيمان عمل خير وإنه لا يمكن أن يرى جزاءه قبل دخوله النار، لأنه باطل بالإجماع فتعين الخروج بذلك، ولقوله سبحانه وتعالى: {وَعَدَ اللهُ المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ جَنَّاتِ} (2)، وقوله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَت لَهُم جَنَّاتُ الفِردَوس نُزُلاً (3)، إلى غير ذلك من النصوص الدالة على كون المؤمنين من أهل الجنة، وأن العبد لا يخرج بالمعصية من الإيمان، والخلود في النار من أعظم العقوبات قد جُعل جزاءً للكفر، الذي هو أعظم الجنايات، فلو جوزى به غير الكافر، كانت زيادة، على قدر الجناية، فلا يكون عدلاً، والله سبحانه عدل، نسأله لنا ولكم المسامحة في الدارين، تم قول المدعي
وهذا الرد مني عليه في ذلك {وقال الشيخ الثقة العدل الرضي سليمان بن بلعرب بن محمد (4) (رحمه الله وغفر له) أبياتاً من النظم في الرد على من يقول: أن أهل الكبائر من المؤمنين لا يُخلدون في النار وإن ماتوا على غير توبة} (5):
(1) سورة الزلزلة: 7. (3) سورة الكهف: 107
(2) سورة التوبة: 72
(4) القائل: هو المؤلف نفسه
(5) أرى أن ما بين القوسين ليس من كلام المصنف، ولذا وضعت عليه القوسين، وكأن المصنف عدل
عن النثر إلى النظم، تسهيلاً لمن أراد حفظ الرد.
1 YO- (1/25)
صفحة 21
أقول لمن قد جاء بالأفك والختل يجادل في أي الكتاب على الجهل
الإفك هو الكذب، والختل هو الخدع والمكر.
يقول بأن لا في لظى لذوي الخنا خلود بها إلا على قدر الفعل
لظى هي النار، وذوو الخنا أهل المعاصي، أي يقول: لا يُخلدون فيها إلا قدر أعمالهم، ثم يخرجون منها ويدخلون الجنة، ولا يُخلدون في النار، إلا المشركون.
ويحتج من آي الكتاب بقوله فمن يعمل المثقال خيراً يرى فضلى ويحتج، أي: وحجته من قوله سبحانه وتعالى: {فَمَن يَعمَل مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خيرا يَرَهُ} (6)، وعنده أن الدخول في الإيمان عمل خير، ومتى يرى جزاءه عليه إذا لم يخرج من النار.
فلا حجة في ذاله لا ولا له
دليل على ما يدعي فاتبع أصلي
أي: ليس له حجة من هذه الآية، ولا دليل له منها على دعواه
هذه، لأن الجزاء من الله تعالى لعِباده على أعمالهم الخير والشر على مشيئته سبحانه وتعالى، إن شاء ذلك في الدُّنيا، وإن شاء ذلك في الآخرة، ولا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلونَ} (7)، وقد بينا ذلك فيما شرحناه من النثر بياناً مُصرحاً بالحجج على ذلك من القُرآن لأن الجزا في ذا على ما يشاؤه إلهي من بعد وإن شاء من قبل (8) فإن يك من قبل أراد فقوله ليسألنا يوماً عن النعم الجزل
يعني: فإن أراد الله تعالى أن يجعل جزاء عبده الخير في الدنيا،
Y
(6) سورة الزلزلة: (8) قد مضى معنى تفسير هذا البيت في الذي قبله.
(7) سورة الأنبياء: 23
،
147 - (1/26)
صفحة 22
فذلك إليه، وهو يقول: {ثُمَّ لَتُسألُنَّ يَومَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (9)، وهذا معنى ما جاء في البيت من القصيدة، قوله: [ليسألنا يوماً عن النعم
الجزل].
ويسألنا
عما
فعلنا إلهنا ولا هو مسئول عن الفعل والفصل
نظم قوله تعالى: لاَ يُسأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ} (10)، والفصل الحكم.
لقد قال ربي في الكتاب مُخبراً بأن أهيل البغي في الدرك السفل يعني قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرِكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النارِ} (11)، والسفل ضد العلو
ولا مخرج من حرها أبدا لهم قضى الله بين الخلق بالحق والعدل يعني قوله تعالى: {وَمَا هُم مِّنهَا بِمُخْرَجِينَ} (12)، وقوله سبحانه وتعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) (13)، نظم معنى في هذا البيت، والله أعلم بتأويل كتابه.
أيرجُوا خروجاً من لظى سارق زنا ومات بلا توب مصراً على القتل أي: يرجوا خروجاً من النار من مات مصراً على السرقه والزنا
والقتل.
بأمنية منه ويحظى بجنة
(9) سورة التكاثر: 8. (11) سورة النساء: 145
(13) سورة الأحزاب:
65:
ويدخل في دار السلام مع الرسل
(10) سورة الأنبياء: 23 (12) سورة الحجر: 48
- TV- (1/27)
صفحة 23
يعني يمني نفسه من مات مصراً على هذه الأفعال وغيرها. المعاصي أن يخرج من النار ويدخل الجنة مع النبيين والمرسلين، فلا يكون ذلك.
•
بتحريفه آي الكتاب وجهله بتأويله قد ظل منبتل الحبل وقال بأن المرء ليس بخارج من الإسم للإيمان بالظلم في الأصل يعني: ويقول: أن العبد لا يخرج بالمعصية من الإيمان، والله
أعلم؛ ولا يأخذ من قولي إلا ما وافق الحق والصواب.
فقد كان إبليس يُصلي ومؤمناً فأخرجه العصيان منه بلا هزل قلنا له: إن إبليس ـ لعنه الله ـ كان في الأصل مؤمناً، فلما عصى الله تعالي خرج من الإيمان، وصار كافراً بإصراره على المعصية، وقد وعده الله تعالى بالخلود في النار بمعصيته هذه، وكذلك أبونا آدم (العلية)، وأمنا حواء عليها السلام)، كانا قبل أن يأكلا من الشجرة التي نهاهما الله تعالى عن الأكل منها في الجنة مؤمنين، فلما أكلا منها عصيا ربهما فأخرجهما من الجنة بسبب تلك المعصية، فلما تابا إلى الله تعالى من ذلك، ولم يصرا على المعصية، كما أصر عليها إبليس - لعنه الله تعالى - قبل الله تعالى توبتهما، وعفى عنهما، ووعدهما أن يدخلهما الجنة يوم القيامة، ولم يعفوا عنهما عز وجل إلا بعد التوبة منهما إليه، مما كانا عصياه فيه، فكيف أنت تمني نفسك وتقول: أن العبد لا يخرج بالمعصية من الإيمان؟ فأين أنت عن من ذكرناهم من عباد الله إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (14).
وقال فلو أن الخلود جزاؤنا
(14) سورة البقرة: 156.
على ما ارتكبنا للكبير من الفعل
- YA- (1/28)
صفحة 24
يعني: وقال: لو أن أهل الكبائر من المؤمنين يُخلدون في النار لزاد الجزاء على قدر الجناية، فلا يكون ذلك عدلاً من الله تعالى،
والله سبحانه وتعالى عدل لا يُجازي بالخلود في النار إلا المُشركين.
لزاد الجزا يوماً علينا فلم يكن الله من عدل وهو يحكم بالعدل
،
قد مضى تفسير هذا البيت في الذي قبله، مما يكفي عن إعادته
بعد هذا البيت
•
فقلنا له أن المصر لكافر على وزن مثقال من الذر والنمل قلنا له: أن من أصر على القليل من المعصية كمن أصر على الكبير منها، ويكفر بسبب إصراره عليها، ولو كانت قليلة، وتصير بإصراره عليها شركاً، لأن إبليس - لعنه الله تعالى ـ ما أشرك إلا بالإصرار على المعصية، وهي في الأصل قليله، أمر بالسجود لآدم (العليا)، فما سجد وامتنع ولم يتب من ذلك، فصارت عظيمه، واستحق بها الخلود في النار - أعاذنا الله منها -.
قلنا له: أما قولك: أن أهل الكبائر من المؤمنين لا يُخلدون في النار وإن ماتوا على غير توبة، فكيف وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللهِ إلَهَا أَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخلُد فِيهِ مُهَاناً (15)، فذكر الخلود إِلَّا مَن تَابَ وَأَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً كم (16)، فاستثنى التائبين على شرط الإيمان والعمل الصالح بعد التوبة، مع قولك: ولو مات على غير توبة، فمن أين لك هذا؟
(15) سورة الفرقان: 68، 69
(16) سورة مريم: 60.
-49 - (1/29)
صفحة 25
وأما قولك: لقوله تعالى: {فَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً
يَرَهُ} (17)، ونفس الإيمان عمل خير، ولا يمكن أن يرى جزاءه قبل دخوله النار، لأنه باطل بالإجماع فهذه أمنية منك باطلة، قد منيت بها نفسك بغير علم، ولا صحة ولا دليل، لأن معنى هذه الآية لا يدخل على خروج أهل الكبائر من النار، وبالتصريح كما دلت الآيات التي وردت بالخلود في النار لأهل المعاصي بالتصريح وعليك إقامة الدليل بصحة هذا الإجماع المُبطل للجزاء من الله تعالى لعبده بعمله الخير قبل دخوله النار، فإن أقمت لنا الدليل علي ذلك، وإلا فهذا إعتراض منك على الله تعالى بغير علم، لإن الله تعالى متى أراد أن يجازي عبده بعمله الخير وعمله الشر، جازاه إن أراد ذلك في، وإن أراد في الآخرة لا مانع له من ذلك، لأنه يفعل في عباده ما يشاء و لا يُسأَلُ عَمَّا يَفْعَل وَهُم يُسأَلُونَ} (18)، ولا عِلم للمخلوقين بذلك، فكيف تستدل أنت بهذا على خروج أهل الكبائر من النار، وتُمني نفسك بذلك ظناً منك يقيناً (19)، {وَإِنَّ
الدُّنيا
(17) سورة الزلزلة: 7.
(18) سورة الأنبياء: 23
(19) وما الذي يُخرج أهل الكبائر من الشقاء الذي وصفه الله تعالى بقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُم فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبَّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعالَ لِّمَا يُرِيدُ} (سورة هود: 106، 107)، أكُل من قال: لا إله إلا الله، فهو سعيد، فإذا كان كذلك، فلا يخرج عن ذلك المنافقون الَّذِينَ قال الله فيهم: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنهُم مَّاتَ أبداً} (سورة التوبة: (84)، وكان المنافقين من لا يعرفه المُسلمون، كما في حديث حذيفة، والسر الذي أعطاه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله سبحانه وتعالى: {وَمِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النفاق لا تَعلَمُهُم نَحنُ نَعْلَمُهُم} (سورة التوبة: (101)، هؤلاء مسلمون كانُوا يُصلون، وَكَانُوا لا ميزة لهم عن المسلمين، وحتى النبي و لا يعرفهم، والله سبحانه وتعالى يقول: هو إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمِ وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمِ يَصلَونَهَا يَومَ الدِّينِ وَمَا هُم عَنهَا بِغَائِبِينَ} (سورة الإنفطار: 13، فهل يجسر ا أحد أن يقول: أن الزاني أو المُرابي وأمثالهما من الأبرار، أليس من التحدي للقرآن أن يُقال: أن الفاجر يغيب عن العذاب، فالقرآن يقول: {وَمَا هُم عَنهَا بِغَائِبِينَ (سورة الإنفطار: (16)، ثم أن الله سبحانه وتعالى قد ميز العذاب في النار، ولم يجعله واحداً لكل المعذبينَ، فقال سبحانه وتعالى: هو إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّركِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (سورة النساء: 145)، فلعل من عمل خيراً في الدنيا يُخفف عنه العذاب، فيكون هو الذي يراه من الجزاء على
(19 -
الخير، و فَمَن يَعمَل مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ} سورة الزلزلة: (7)، وكما في حديث أبي طالب. (1/30)
صفحة 26
الظَّنَّ لاَ يُعْنِي مِنَ الحَقِّ شَيئاً} (20)، وفي بعض الحديث عن المسلمين (رحمهم الله: " أنه لا يُوزن من أعمال العباد يوم القيامة إلا الخواتم "، فمن كانت خاتمة عمله خيراً جوزي بخير والشر جزاؤه الشر، ويستوي أن يحبط الله عمل عبد، الخير إذا أعقبه بالمعصية، فأصر عليها ولم يتب منها حتى مات، ويستوى أن يكون جزاء عمله الخير النعم التي أنعم الله عليه بها في الدنيا التي لا يُحصيها مخلوق، وهو مع ذلك مُقيم على المعصية، فيخرج من الدنيا ولا حظ له في عمله الخير، لقوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَومَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (21)، ويكون في الآخرة في النار خالداً فيها، بدليل قوله تعالى: {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنهَا} (22)، وقوله تعالى: بَلَى كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتَ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأَوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُم فِيهَا خَالِدُونَ) (23)، وقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} (24)، في غير موضع من القرآن، ولم يخص بهذا التوعد مُشركا ولا غيره من أهل المعاصي، باستثناء ولا غير، فمن كسب سيئة من جميع المخاطبين بالعقول ولم يتب منها دخل في هذا التوعد
وأما قولك: في قوله سبحانه وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ} (25)، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَت لَهُم جَنَّاتُ الفِردَوس نُزُلاً} (26)، فإن الله لا يخلف وعده ولا يُبطل وعيده، والمؤمنون هم غير أهل الكبائر ولا يتعين لنا دليل من هاتين الآيتين، يدل على خروج أهل الكبائر من النار لأنهم لم يكونوا مُؤمِنين وهم مُصرون على الكبائر، بل هم
(20) سورة النجم: 28.
(22) سورة المائدة: 27.
(24) سورة الجن: 23.
(26) سورة الكهف: 107.
(21) سورة التكاثر: 8. (23) سورة البقرة: 81 .. (25) سورة التوبة: 72.
-~- (1/31)
صفحة 27
كفار كفر نعمة لا كفر جحود، منافقون، وقد توعد الله المنافقين بأشد العذاب يوم القيامة لقوله تعالى: {إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّركِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (27)، وقوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسبُهُم} (28)، وإن كانوا مُشركين، فالشرك هو أكبر الكبائر.
وأما قولك إن العبد لا يخرج بالمعصية من الإيمان، فعليك في ذلك إقامة الدليل، وإلا فأخبرني عن إبليس - لعنه الله وغضب عليه. كيف كان خروجه من الإيمان وهو فيما قيل أنه كان مؤمنا يعبد الله، وأنه ليس في السماوات ولا في الأرض، قدر راحة كف إلا وله في ذلك الموضع سجده، سجدها لله فلما عصى الله تعالى في كلمة واحدة خرج من الإيمان وأحبط الله عمله في ذلك كله، وصارت عبادته تلك هباء منثورا واستوجب اللعنة الله من تعالى، وتوعده الله بالخلود في نار جهنم - أعاذنا الله منها - وكذلك بلعام بن باعورا (29)، وقد قال الله تعالى: {وَمَن يَعص اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) (30).
وأما قولك: الخلود في النار من أعظم العقوبات، قد جعله جزاءً للكفر الذي هو أعظم الجنايات، فلو جوزي به غير الكافر كانت زيادة على قدر الجناية، فلا يكون عدلاً، والله سبحانه وتعالى عدل، فهذه أمنية منك باطلة، قد منيت بها نفسك من غير علم، لأن العبد
(27) سورة النساء: 145.
(28) سورة التوبة: 68
كتب
(29) بلعام بن باعوراء، عَالِم من عُلماء بني إسرائيل، في زمن موسى (ا)، عنده علم ببعض.، وهو من الكنعانين، وهو مذكور في سفر العدد من التوراة في الإصحاحات 22، 23،
الله
، وبعد
24، طلب منه قومه أن يدعو على موسى ()، فأبى أول الأمر، لأنه كان صالحاً، إلحاحهم عليه وافق، فدعا على موسى ()، فكان ذلك سببا في إنسلاخه من العلم وركونه إلى الدنيا؛ انظر: الكشاف: 130/ 2 ط، مصطفى الحلبي، القاهرة، والتحرير والتنوير للشيخ الطاهر بن عاشور، ج 8، 9، 175، الدار التونسية للنشر، تونس، سنة 1984 م. (30) سورة الجن: 23 (1/32)
صفحة 28
إذا جنا جناية قليلة كانت أو كثيرة، فأصر عليها بسبب الإصرار، كان مستوجباً للعقوبة العظيمة بكفره هذا، وكان حكم الله عليه بهذا العقوبة العظيمة عدلاً لا جوراً، لأن الله سبحانه وتعالى لا يجوز عليه الجور، تعالى الله. عن ذلك علواً كبيراً، ويفعل في عباده ما يشاء ولا يُسأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ} (31)، وكيف يخرجون أهل الكبائر من النار بزعمك، ويدخلون الجنة فيكونون هم والمؤمنين الطائعون العابدون الراكعون الساجدون الخاشعون الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله سواء، فيدل قولك هذا أن حكم الله في عباده ليس بحكم عدل، لأنه يساوي بين الطائع والعاصي في رحمته في الجنة، فحاشا الله عن هذا الحكم، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون الملحدون علواً كبيراً، وهذا منك محال وكذب وإفتراء على الله تعالى وعلى رسوله، فارجع عن قولك هذا، وتُب إلى الله من غيك هذا وضلالك، أو فأت لنا بدليل واضح من كتاب الله يدل على خروج أهل الكبائر من النار، ودخولهم الجنة، وإلا فإنا تبرأ منك، لأن قولك هذا فيه رد على الله تعالى، لأنه يقول في كتابه: لا يَستَوِي أَصحَابُ النَّارِ وَأَصحَابُ الجَنَّةِ أَصحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ} (32)، وأنت قد جعلتهم بالسوية بقولك هذا، وقوله تعالى: وأَم نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ فِي الأَرض أَم نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجَّارِ) (33)، وقوله تعالى: وأم حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجعَلَهُم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (34)، وأنت قد جعلتهم مثلهم بزعمك هذا، فارجع عن ذلك
6
تعالى
(31) سورة الأنبياء: 23.
(33) سورة ص
YA :
(32) سورة الحشـ (34) سورة الجاثية: 21.
20: (1/33)
صفحة 29
فصل
فإن قال قائل: كيف أنكرت الدليل من قوله تعالى: {فَمَن يَعمَل مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} (35)، على خروج أهل الكبائر من المؤمنين من النار، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَمَا يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَن يُكفَرُوهُ} (36)، وقوله تعالى: {فَمَن يَعمَل مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفَرَانَ لِسَعِيهِ} (37).
•
قيل له: الجواب في هذا كالجواب في الأول، إن الجزاء في هذا وفي الأول على مشيئة الله، ولم يتعين لنا منه دليل على خروج أهل الكبائر من النار، كما لم يتعين لنا من الأول دليل على ذلك
فصل
•
فإن قال: أو ليس قول الله تبارك وتعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُم فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَالٌ لِّمَا يُرِيدُ} (38)، فيه إستثناء
يعين الخروج من النار؟
قيل له: ليس في هذا إستثناء يعين الخروج من النار، ولو كان في هذا إستثناء يعين الخروج من النار لكان قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجدُودٍ} (39)، فيه أيضاً إستثناء يعين الخروج
(35) سورة التكاثر: 7. (37) سورة الأنبياء: 94. (39) سورة هود: 108.
(36) سورة آل عمران: 115. (38) سورة هود: 106، 107
- TE- (1/34)
صفحة 30
من
الجنة، فإذا ثبت الإستثناء في الأولى، فثابت في الثانية أيضاً، وبطل الوعد والوعيد من الله تعالى، بفاسد تأويلك لكتاب الله تبارك وتعالى، فتعلى الله عن ذلك علواً كبيراً، لا يخلف وعده ولا يُبطل
وعيده، ألا ترى إلى قوله تعالى لنبيه محمد: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى إلا مَا شَاءَ اللهُ} (40)، لو أن في هذا إستثناء لنسي النبي صلى الله عليه وسلم، ما نسى منه شيئاً من القرآن، ولم يحفظه كله، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما نسي منه شيئاً إلى أن مات، فبلغ رسالات ربه حتى أتاه اليقين، وكذلك قوله سبحانه وتعالى: لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ أَمِنِينَ} (41)، لو أن فيه إستثناء، ما دخلوا المسجد الحرام أيضاً، هم وقد دخلوا المسجد الحرام، فانظر في ذلك
فصل
فإن قال: كيف أخرجت أهل الكبائر من المؤمنين من الإيمان، وقلت: أنهم ليسوا بمؤمنين وأنهم كفار كفر نعمة ومنافقون، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمرِ اللهِ} (42)، أليس قد سمى الله الطائفتين مؤمنين، وطائفة منهم باغية، والبغي من الكبائر؟
قيل له: لأنه تقدم لهم اسم الإيمان في الأول، ولم يرتدوا إلى الكفر وهم ليسوا بمؤمنين في حال بغيهم، لأن الله سبحانه وتعالى أحل قتالهم، مع تحريمه قتل المُؤمنين، لقوله تعالى: {وَمَن يَقْتُل مُؤْمِناً
(40) سورة الأعلى: 7،6.
(42) سورة الحجرات: 9.
(41) سورة الفتح: 27
-
- (1/35)
صفحة 31
مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} (43)، فهذا دليل على أنهم في حال بغيهم ليسوا بمؤمنين، فلما رجعوا عن بغيهم صاروا مؤمنين، وصاروا إخوة للمؤمنين، فكل من أقام على المعصية من المؤمنين ولم يتب منها فليس من المؤمنين، إنما المؤمنون الذين وصفهم الله تعالى بقوله: {قَد أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُم فِي صَلَاتِهِم خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُم عَن اللغو مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُم لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُم لِفُرُوجِهِم حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِم أَو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم فَإِنَّهُم غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ وَالَّذِينَ هُم لَأَمَانَاتِهِم وَعَهْدِهِم رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُم عَلَى صَلَوَاتِهِم يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِردَوسَ هُم فِيهَا خَالِدُونَ} (44)، وأما الذين دخلوا في الإيمان ولم يقيموا حدود الله فهم منافقون، لقوله تعالى عز من قائل: إنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً} (45)، ومعلوم أنه لا يقوم إلى الصلاة إلا من كان قد دخل الإيمان، فلما ثبت على المعصية، سُميَّ مُنافقاً، لا يُسمى كافراً ولا مؤمناً، بدليل قوله تعالى: يَومَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ أَمَنُوا انظُرُونَا نَقَتَبَس مِن نوركم} (46)، فأخرجهم من اسم المؤمنين، ولا هم بكفار، لقوله تعالى: {فَاليَومَ لاَ يُؤخَذُ مِنكُم فِدِيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} (47)، فأخرجهم من الكفر أيضاً، فهم كقوله تعالى: {مُّذَبْذَبِينَ بَينَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاء وَلَا إِلَى هَؤُلاء} (48)، والله أعلم بتأويل كتابه
(43) سورة النساء: 142 (45) سورة النساء: 142
(47) سورة الحديد: 15.
(44) سورة المؤمنين: 1 - 11. (46) سورة الحديد: 13. (48) سورة النساء: 143 (1/36)
صفحة 32
الباب الثاني
توحيد الباري سبحانه وتعالى، ونفي الأشباه عنه جل ذكره، وإثبات الألوهية له، ونفي كل صفة لا تليق به من صفات الحدوث، وفي الرد على المشبهه، وعلى الذين قالوا أنهم سيرونه، تعالى
الله عن ذلك علوا كبيرا وفي معنى ذلك
الله
وعلى العبد أن يعلم أن له خالقاً، ورازقاً، ومُصوراً، وهو الذي لا إلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَومٌ} (1)، الرَّحمَنِ الرَّحِيم) (2)، وهو الذي أخرجه من العدم إلى الوجود، وهو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لَم يَلِدْ وَلَمْ يُولَد وَلَم يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} (3)، {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (4)، و لا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ وَهُوَ يُدركُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} (5)، {هُوَ الأَوَّلُ وَالأَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ علِيمٌ} (6)، {هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (7)، {هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِيءُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسمَاءُ الحُسَنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (8)، {وَهُوَ القَاهِرُ فَوقَ
(1) سورة البقرة: 255 (3) سورة الإخلاص: 3، 4. (5) سورة الأنعام: 103 (7) سورة الحشـ
23:
(2) سورة الفاتحة: 3. (4) سورة الشورى: 11. (6) سورة الحديد: 3.
(8) سورة الحشر: 24. (1/37)
صفحة 33
عِبَادِهِ} (9)، مُحيط بخلقه، ولا تحيط به خلقه، ليس له ضد، ولا ند، ولا شريك، ولا وزير، ولا مُعين، ولا مُشير، خلق الخلق على مشيئته، فَهُم لِمَا عَلِم منهم مُنقادون، وعلى ما شاء وأراد يعملون، لا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ} (10)، متصفاً بصفات الكمال، منزهاً عن دلالات الحدث، قديم أزلي، أول لا بداية لأوليته، آخر لا نهاية لآخريته، لا تحويه الأماكن ولا الأقطار، و لا تُدركه الأَبصَارُ} (11)، يعلم ما جنه الليل والنهار، ولا تُحيط به الأفكار، ولا الأوهام، ولا تجري عليه الدهور ولا الأعوام لا يَعزُبُ عَنهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرض وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكبَرُ إلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (12)، مستو على العرش، بالإستواء الذي قاله، وعلى المعنى الذي أراده، مُنزه عن المماسة، لا يحمله العرش، بل العرش وحملة العرش محمولون ومقهورون بقدرته، وهو فوق العرش، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، وهو مع ذلك رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (13).
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) (14)، ما
هذه العين من
الله تعالى؟
قيل: العين من الله تعالى، الحفظ والقدرة، ليست بجارحة
(9) سورة الأنعام: 18، 61 (11) سورة الأنعام: 103. (13) سورة سبأ: 47.
(10) سورة الأنبياء: 23
(12) سورة سبأ: 3
(14) سورة القمر: 14
- YA- (1/38)
صفحة 34
مصورة، كما قال تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيني} (15)، أي تربى بكلائتي وحفظي، وكما قال امرؤ القيس (16) يصف جواداً له:
وبات عليه سرجه ولجامه
وبات بعيني قائماً غير مرسل
أي: وبات بحفظي وكلائتي، لئلا يضيع ويذهب، ليس هو بقائم على عين صاحيه، لأنه من المحال؛ وكذلك كما يقول الرجل للرجل: " بعينك يافلان هذا المال "، يعني: بحفظك، وكثير من كلام العرب الله تعالى
على هذا المعنى، والعين التي هي الجارحة المصورة منفية عن الله عز وجل.
فصل
فإن سأل سائل عن قوله سبحانه وتعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَتَمَّ وَجهُ الله} (17)، ما معناه؟
فتم الله، ليس له معنى غير ذلك، لأن الوجه المصور منفي عن
عز وجل، لأن كل صورة محدثة، وكل محدث مخلوق، والله سبحانه وتعالى خَالِق، وما سواه مخلوق، والصور تتشابه وتتماثل،
(15) سورة طه: 39.
(16) هو إمرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، من بني آ اكل المرار) بضم الميم وتخفيف الراء)، أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يماني الأصل، مولده بنجد، أو بمخلاف السكاسك باليمن، إشتهر بلقبه، وإختلف المفسرون في إسمه؛ فقيل: خندج؛ وقيل: مليكه؛ وقيل: عدي، وكان أبوه مالك أسدو غضفان، وله كثير من الأشعار من ضمنها معلقته المشهورة، والتي جاء
في بدايتها: قفا نبك من ذکر حبيب
ومنزل بسقط اللوى
انظر الأعلام للزركلي (بتصرف)، المجلد الثاني، ص 11، دار العلم للملايين، بيروت،
الطبعة السادسة، سنة 1984 م.
(17) سورة البقرة: 115. (1/39)
صفحة 35
وهو لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٍ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (18)، ولا يشبهه شيء، ولا هو يشبه شيئاً، وكذلك قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِك إلا وَجهَهُ} (19)، أي: إلا هو، وقوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُم لَوَجهِ اللهِ} (20)، أي: إنما نطعمكم لله، وللوجه معان كثيرة، وتفسير طويل، تركته إختصاراً.
فإن
كُنت أيها العبد مؤمناً بالله ومُوحداً له، فانف عنه كل صفة لا تليق به من صفات الحدث، ولا تصفه إلا بما وصف به نفسه،، أنه
الله
لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (21)، لأن النبي قال: " أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون " (22)، وهم المشبهون الله تعالى بالصور والأجسام، وغير ذلك من الصفات المحدثة، تعالى عن ذلك كله علواً كبيراً، وكذلك قوله تعالى يخبر عن قوم يختصمون في النار: {قَالُوا وَهُم فِيهَا يَعْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِين إذ نُسَوِّيْكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ} (23)، أي: تُشبهكم به، أي: ما حل بنا هذا العذاب إلا لأجل ذلك، سبحانه وتعالى ليس بذي جسم ولا جُثة ولا شخص ولا صورة، ولا يُشبه بالأجسام ولا بالصور، ولا بالجثث ولا بالأشخاص ولا بالألوان ولا بالأعراض، ولا يوصف بحركة ولا بسكون، ولا يُقال: كيف الله؟ لأن فيه تحديداً،
ويدل معناه على التشبيه بالهيئات، ولا يجوز ذلك على الله تعالى
(18) سورة الشورى: 11
(20) سورة الإنسان: 9
(19) سورة القصص: 88.
(21) سورة الشورى: 11.
،
(22) الحديث أخرجه البخاري: الجزء العاشر، ص 321، 322، كتاب اللباس، باب عذاب المصورين يوم القيامة. ومُسلم: 2109، في كتاب اللباس والزينة، ص 1670، دار إحياء التراث العربي. وشرح السنة للبغوي، الجزء 12، ص 131. وأحمد بن حنبل: الجزء الأول،
ص 426 (23) سورة الشعراء: 96، 98. (1/40)
صفحة 36
ولا يُقال: أين الله؟ لأنه تحديد أيضاً، ويدل معناه أنه ملتجيء في مكان، والله سبحانه وتعالى ليس بذي مكان، وهو موجود في كل مكان، ولا يُقال حتى: متي الله؟ لأنه تحديد أيضاً، ويدل معناه على الغاية والنهاية والفناء، والله سبحانه وتعالى ليست له غاية ولا نهاية، وهو الدائم بلا فناء، والقائم بلا زوال، وهو الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، سبحانه وتعالى عما يشركون علوا كبيراً
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيْدٍ وَإِنا لَمُوسِعُونَ} (24)، ما هذه الأيد من الله تعالى؟ وقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَكَ أَن تَسجُدَ لِمَا خَلَقَتُ بِيَدَيَّ} (25)، وقوله تعالى: {بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان (26)، ما معنى هذه اليدين من الله تعالى؟
قيل له: اليد من الله تعالى: هي القوة والقدرة، لأن الله تعالى و ذُو القُوَّةِ المَتِينُ} (27)، وقوله تعالى: {وَاذكُر عَبَدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (28)، يعني: ذا القوة، لأن الله تعالى وهب له ذلك، وخصه بالقوة من سائر العباد، وأما الأيادي: فهي الصنائع والنعم، يُقال لفُلان: " أيادي في الصناعة الفلانية "، أي: معرفة وبصاره (29)، ولفُلان أيادٍ على فُلان، أي: نعم وصنيعة، وأما قوله تعالى: {خَلَقتُ بِيَدَيَّ} (30)، أي: قدرتي وبأمري وبقولي:
(24) سورة الذاريات: 47 (26) سورة المائدة: 64 (28) سورة ص: 17 (30) سورة ص: 75.
(25) سورة ص: 75 (27) سورة الذاريات: 58
(29) بصارة: لهجة عُمانية بمعنى: مهارة.
- {1 - (1/41)
صفحة 37
كُن فَيَكُونُ) (31)، لأنه سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّمَا قَولُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (32)، وأما قوله سبحانه وتعالى: بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} (33)، يعني: نعمتيه، نعمة الدنيا، ونعمة الآخرة، لأنه هو المنعم على عباده في الدنيا وفي الآخرة، واليد التي يُراد بها الجارحة المصورة عن الله منفية، لأنها مخلوقة مُحدثة
،
،
وهو منزه عن ذلك، فلو كان تليق به هذه الصفات التي ذكرناها لما قال سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين: {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (34)، وهذا الذي ذكرناه من جميع ذلك يتشابه ويتماثل وتجري عليه دلالات الحدث، والزيادة والنقصان والجمع والتفريق، والله سبحانه وتعالى مُنزه عن جميع ذلك، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله سبحانه وتعالى: {يَومَ يُكشَفُ عَن سَاق} (35)، ما معناه؟
قيل له: معناه - والله أعلم - أنه يكشف عن شدة أهوال يوم القيامة، كقول القائل: شمرت عن ساق، أي: أخذت في الأمرة بشدة، وكما قال الشاعر:
وكنت إذا جارى دعا لمضوقة أشمر حتى تبلغ الساق مئزري
(31) سورة البقرة: 117، سورة آل عمران: 47، 59، سورة الأنعام: 73، سورة النحل: 40، سورة مريم: 35، سورة يس: 82، سورة غافر: 68
(32) سورة النحل: 40. (34) سورة الشورى: 11.
- EY-
(33) سورة المائدة: 64.
(35) سورة القلم: 42. (1/42)
صفحة 38
يعني
: أنه يأخذ في الهمة لذلك بشدة، وكما يُقال: قد قامت الحرب على ساقها، أي: استعرت الحرب واشتعلت نيرانها بشدة بين أهلها، والحرب ليس لها ساق، وكذلك قوله تعالى: {يَومَ يُكشَفُ عَن سَاق} (36)، ليس له معنى غير ما ذكرنا، من شدة يوم القيامة، والله أعلم بتأويل كتابه.
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» (37)، ما معناه؟
قيل له: الأولى يكتب بالضاد، وهي من النضارة والإستبشار والسرور والحبور، لِما يُعاينونه من الكرامة من الله تعالى، ويدل على ذلك أنه من النضارة، الضد الذي ذكره الله تعالى من الوجوه الباسره قوله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَومَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} (38)،
الله
و باسرة، أي: عابسة متغيرة، مما يُعاينونه من النكال من تعالى، وهي ضد الأولى، وأما الثانية فتكتب بالظاء، وهي من الإنتظار لرحمة الله تعالى، كقوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (39)، معناه ـ والله أعلم ـ: أنه ينتظر أمره عسى يحدث له ميسرة بعد هذه العُسرة، وهي من الإنتظار للشيء أيضاً، كذلك الوجوه ناظرة، أي: مُنتظرة إلى نزول رحمة ربها، ليست بناظرة إلى ربها بالعيان، كقوله سبحانه وتعالى: و انظرونا نقتبس من
(36) سورة القلم: 42 (38) سورة القيامة: 24، 25
(37) سورة القيامة: 22، 23
(39) سورة البقرة: 280
- ET- (1/43)
صفحة 39
نُورِكُم} (40)، أي: قفوا لنا وانتظروا وصولنا إليكم لنكون معكم، من نوركم، ليس معناه: انظرونا بأبصاركم، لأنهم لا حاجة
لهم في نظرهم إليهم بأبصارهم بالعيان، إنما هو من الإنتظار، كذلك قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (41)، أي: منتظرة إلى رحمة ربها، لا ناظرة إليه بالعيان، لأنه سبحانه وتعالى و لا تُدرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدرك الأَبصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} (42)، لأن كل من تدركه الأبصار فهو محدود، والله سبحانه وتعالى ليس بمحدود، ولا بمحدث، ولو كان قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (43)، يدل على النظر إليه بالعيان، لبطل معنى قوله تعالى: ولا تُدركهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصَارَ} (44)، فإذا أدركته الأبصار من المخلوقين، عجز هو عن إدراكها منهم، لأن معني الآية قد بطل، ولم يجد في كتاب الله تعالى آية تدل على أنه هو يدرك الأبصار غيرها، فتعالى الله عن هذه الصفة علواً كبيراً، لا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ
6
وإن
اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} (45)، وَ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} (46) وجهت الإنتظار إلى الله تعالى، فذلك لا يجوز، لأن الله تعالى ليس بغائب فينتظر حضوره كالمخلوقين، فهو لا يخلو من موجود في كل مكان، سبحانه وتعالى عما يصفون علواً كبيراً
فصل
مكان، وهو
فإن قال: إن الله يقول لهم: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ
(40) سورة الحديد: 13 (42) سورة الأنعام: 103 (44) سورة الأنعام: 103
(41) سورة القيامة: 23 (43) سورة القيامة: 23.
(45) سورة الأنعام: 103.
(46) سورة المائدة: 120 (1/44)
صفحة 40
الأعينُ (47)، إذا اشتهوا النظر إليه ما يمنعهم من ذلك؟
قلت له: أن أهل الجنة لا يشتهون ما لا يكون، ولو كان ذلك، كذلك لاشتهى آدم (ال) أن تكون ذريته جميعاً في الجنة، أترى هذا يصح، وآدم (ال) يشتهي ذلك، وكذلك جميع الأنبياء (صلوات الله عليهم أجمعين)، والأولياء يشتهون أن يكون جميع أهلهم، وأولادهم وأبائهم وأمهاتهم، ممن كان منهم في النار ليكونوا في الجنة، فهذا لا يكون، وكذلك النظر إلى الله تعالى لا يكون، فلا يشتهونه أهل الجنة، فليس لك في هذا حجة، والله أعلم بذلك
(47) سورة الزخرف: 71.
-20 - (1/45)
صفحة 41
فصل (1)
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {إِلَيهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرفَعُهُ} (2)، فكيف يصعد إلى الله، وهو موجود في كل مكان؟
قيل له: يصعد إلى المكان الذي لا يتولى الحكم فيه غيره، لأنه لا يتولى الحكم بين العباد يوم القيامة، إلا هو سبحانه وتعالى، لا يصعد إلى أن يصل إليه، بعد أن لم يكن يصل إليه من قبل، لقوله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم} (3)، وقوله تعالى: {وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُم أَينَ مَا كَانُوا} (4)، ومعناه: القبول منه أيضاً لأن العمل الصالح من العبد، تصعد به الحفظة الملائكة من إلى عليين، لقوله تعالى: {كَلاً إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} (5)، وهي الجنة والعمل السيء يرده الله إلى السجين، لقوله تعالى: {كَلا إِنَّ كِتَابَ الفَجَّارِ لَفِي سِجِّين} (6)، وهي النار - أعاذنا الله منها ـ والله أعلم بتأويل كتابه
وأما قوله سبحانه وتعالى: {يَرفَعُهُ}، أي: يقبله، لأن كل من قبل شيئاً رفعه، ومن رد شيئاً وضعه،، تعالى الله عن كل صفة لا تليق به من جميع الصفات المحدثة، علواً كبيراً
(1)
هكذا جاء في المخطوط، وفي الحقيقة أن عنوان (الباب الثالث (سقط منها، ويبدو أن هذا الفصل عنوان للباب الثالث، لكونه بداية لتفسير آيات مُتشابهة، فيكون هكذا: الباب الثالث في تفسير بعض آيات متشابهة وردت في القرآن الكريم، وبذلك يتم الترتيب.
(2) سورة فاطر: 10.
(4) سورة المجادلة: 7.
(6) سورة المطففين: 7.
(3) سورة الحديد: 4.
(5) سورة المطففين: 18.
- {V_ (1/47)
صفحة 42
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
العرش (7)؟
قيل له ـ والله أعلم -: أن معنى هذا الإستواء من الله تعالى على العرش، وهو الملك والقدره والتدبير، كقول القائل: استوى الملك الفلاني على المصر الفلاني، أي: قد استولى عليه وملكه وقدر عليه، كقول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق استوى على العراق، أي: ملكها، وقدر عليها، وليس هذا من الله في شيء، إلا أن معنى الإستواء هكذا، وكذلك قول الشاعر
أيضاً:
فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعي لسيد وكاسر علونا، أي: قهرنا، واستوينا عليهم، أي: ملكناهم وقدرنا عليهم، لا قعدنا عليهم، لأنه مُحال، وكذلك بشر لم يقعد على العراق كلها، وليست الأمثال للمخلوقين من الله في شيء، إنما نُمثل معنى الإستواء على الشيء من المعاني المعروفة في لغة العرب، وأما الله عز وجل لم يزل قادراً ومالكا وقاهراً، سبحانه وتعالى، منزه عن التشبيه والمثيل، وقد تقدم شيء من ذكر الإستواء من الله على العرش في مقدمة هذا الباب، وإنما كررت ذلك تدريباً للمتعلم، ليفهم معنى
(7) سورة الأعراف: 54 (1/48)
صفحة 43
ذلك، وبالله التوفيق.
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَى رَبُّهُ لِلجَبَلِ دكا (8)، ما معناه؟
جَعَلَهُ
قيل له ـ والله أعلم -: تجلى للجبل بآية من آياته، فلم يطق الجبل حمل تلك الآية فصار دَكَاً، أي: مدكوكاً، أي: مستوياً على وجه الأرض من الخشوع لله تعالى، لقوله تعالى: {لَو أَنزَلَنَا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَل لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعًاً مِّن خَشْيَةِ اللَّهِ} (9)، كذلك تجليه عز وجل بأية من آياته، لا أنه تجلى، يعني: ظهر بعد أن لم يكن ظاهراً من قبل، لأنه هو الظاهر، قد ظهر لقهر الجبابرة والمردة والمتكبرين، للإنتقام منهم ولتدميرهم، ولإستغاثة المستغثين، فيكشف عنهم كل غم وكرب، ليس فوق ظهوره ظاهر، وهو الباطن، ليس من دونه إله، وليس له قاهر، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} (10)، ما
معناه؟
وَهُوَ أَهوَنُ}، يعني: وهو هين، على وزن أكبر، أي: كبير
(8) سورة الأعراف: 143 (10) سورة الروم: 27
(9) سورة الحشر: 21
- {9 - (1/49)
صفحة 44
ليس كبر جثة، ولا شخص، ولا جسم، بل هو من الكبرياء والعظمة والقدرة، كذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}، ليس شيء بأهون عليه من شيء، بل كل شيء إذا أراده {أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (11)، وهو كل شيء عليه هين، والله أعلم بتأويل كتابه، وأنا أستغفر الله من كل قول مني وعمل خالف الحق، وراجع إلى الحق، من جميع ما خالفت فيه الحق، وقولي في جميع الأشياء قول المسلمين، وديني دينهم، وما توفيقي إلا بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وصلى الله على محمد النبي وعلى آله وسلم
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {أَم يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ
سرهم} (12)، ما معناه؟
قيل
له - والله أعلم -: أن معناه: ألم نعلم، لأن من علم شيئاً
فقد سمعه، كما قال ذو الرمة (13):
سمعت الناس ينتجعون غيثا فقلت لصيدح انتجعي بلالا
يعني: علمت أن الناس ينتجعون غيثاً، والناس مرفوع، لأنه فاعل، نسخة مرفوع على الحكاية، والله سبحانه وتعالى سميع بذاته،
(11) سورة يس: 82
(12) سورة الزخرف: 80.
(13) ذو الرمة: هو غيلان بن عُقبة بن نهيس بن مسعود العدوي، من مضر. أبو الحارث ذو الرمة: شاعر من فحول الطبقة الثانية في عصره. قال أبو عمرو بن العلاء: فتح الشعر بإمريء القيس، وختم بذي الرمة؛ له ديوان شعر مطبوع في مجلد ضخم؛ توفي بأصبهان؛ وقيل: بالبادية، سنة 117 هـ الموافق 735 م؛ انظر الأعلام للزركلي، المجلد الخامس، ص 124. (1/50)
صفحة 45
بصير
بذاته، متكلماً (14) بذاته، منزه عن آلات السمع والبصر والكلام، وجميع الآلات، لأنه لم يزل سميعاً بذاته، بصيراً بذاته، متكلماً بذاته، كما شاء وأراد، سبحانه وتعالى عن كل صفة لا يليق به من صفات المخلوقين، علواً كبيراً، ومعناه القبول له أيضاً، كقول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: علم ذلك منه، فقبله منه، أعلم بتأويل كتابه
•
فصل
فإن سأل سائل: عن كلام الله تعالى ما هو؟
والله
قيل له: هو كتابه، وهو القُرآن العظيم، وقد سمى الله تعالى التوراة كلامه، لقوله تعالى: {وَقَد كَانَ فَرِيقٌ مِّنهُم يَسْمَعُونَ كَلَامَ الله} (15)، أي: يستمعون التوراة، أي: يعلمونه، {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعدِ مَا عَقَلُوهُ} (16)، أي: علموه وفهموا معناه، والله أعلم
بتأويل كتابه.
•
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله سبحانه وتعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تكليما ه (17)، ما معناه؟
قيل له: إختلف الناس في كلام الله تعالى لنبيه موسى (ال)،
(14) لعل الصواب: متكلم.
(16) سورة البقرة: 75
(15) سورة البقرة: 75.
(17) سورة النساء: 164.
1811 (1/51)
صفحة 46
قال قوم: أنه كلمه بالوحي، وحجة صاحب هذا القول، قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحِياً أَو مِن وَرَاء حِجَاب (18)، وقال قوم: أنه سمعه نفسه متكلماً، وقال قوم: أنه أسمعه كلاماً أفهمه به، وقد كلمه كما قال سبحانه، وكما شاء وأراد، لا كيفية لذلك
فصل
فإن سأل سائل: ما معنى قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أوحى} (19)؟
قال السجستاني (20): أوحى إليه، كلمه مشافهة، وأسمعه كلاماً، وللوحي تفسير طويل، سنذكر منه ما نراه إختصاراً، لئلا يطول به الكتاب، فمنه وحي الرسالة لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أن يُكَلِّمَهُ اللهُ إلا وحياً أو مِن وَرَاءِ حِجَاب) (21)، فهذا وحي الرسالة، ومنه وحي الإلهام - إلهام غريزي ـ وهو التعريف، قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا} (22)، أي: عرفها وبينها (23)، وقوله عز من قائل: {وَأَوحَى رَبُّكَ إِلَى النِّحل} (24)، فهذا وحي الإلهام، وأما قوله تعالى: {وإذ أَوحَيتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ} (25)،
(19) سورة النجم: 10.
(18) سورة الشورى: 51 (20) السجستاني: هو محمد بن عزيز السجستاني أبو بكر العزيزي، مفسر إشتهر بكتاب غريب القرآن على حروف المعجم، صنفه في (15) سنة، وكان مُقيماً ببغداد، توفي سنة 330 هـ؛ انظر الأعلام للزركلي، المجلد السادس، ص 268؛ وانظر: سير النبلاء، الطبقة الثامنة عشرة؛ وبغية الوعاة، وطبقات المفسرين: للداودي، وطبقات المفسرين: للسيوطي.
:
(21) سورة الشورى: 51. (23) لعل الصواب: وبين لها (25) سورة المائدة: 111
(22) سورة الشمس: 8.
(24) سورة النحل: 68. (1/52)
صفحة 47
أي: ألقيت في قلوبهم، والله أعلم بتأويل كتابه، ومنه وحي الإيماء (26) كقوله سبحانه وتعالى: {فَأَوحَى إِلَيْهِم أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً (27)، ففي بعض التفسير، أنه أوحى إليهم، والله أعلم. فصل
فإن قال قائل: ما معنى قوله سبحانه وتعالى: {أَو مِن وَرَاء حِجَاب (28)، هل كان بينه وبين. خلقه شيء من الحجب؟
قيل له: ليس بين
الله
وبين خلقه شيء من الحجب
فإن قال: كيف يقول ذلك؟
قيل له: يجوز أن يكون الحجاب هو الرسول الذي أرسله الله تعالى بالوحي من الملائكة مثل جبريل (ال) وغيره، والحجب مخلوقة لا تُحيط به عز وجل، لأنه هو مُحيط بخلقه، ولا يُحيط به خلقه، وليست الحجب تستره عن خلقه.
فإن قال قائل: فكيف لا يُرى إذا لم يكن بينه وبين خلقه حجب، ولا تستره الحجب، ولا تحيط به؟
قيل له: لأن نفسه لا تُرى، لأنه لا تُدرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدرك الأبصَارَ، من غير إستتار بالحجب و وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} (29)،
كلمة " الإيماء ": فأوحى إليهم، أي: أشار إشارة خفيفة سريعة؛ الأساس والتفسير: سعيد
(26) معني حوي: المجلد السادس، ص 3254
(27) سورة مريم: 11 (29) سورة الأنعام: 103
(28) سورة الشورى: 51.
187 - (1/53)
صفحة 48
ولو كانت تستره الحجب لِما قال: {وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (30)، وكان ما علم ما يجري خلف الحجب من الأحداث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {فَاليَومَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضحَكُونَ} (31)، ما معناه، إستهزاء منهم عليهم، أم كيف؟
الله
قيل له: معناه السرور بما يعاينونه من النعيم والكرامة من تعالى، والفوز من النار إلى الجنة، وليس بهم هزوة يهزأون بها على أحد، ولا يهم جذل ولا غيره، بل الضحك منهم معناه الإستبشار والسرور، كما يُقال: ضحكت الأرض إذا إخضرت بالنبات وزهرت واخضرت أشجارها، وللضحك معان كثيرة وتفسير طويل، تركته إختصاراً، فمنه ما يُقال للحائض: قد ضحكت، أي: حاضت، ويُقال: السماء تضحك، إذا أمطرت وانهل منها الماء، ويُقال: بكت أيضاً، وهو من الأضداد كقول الشاعر:
كل يوم باقحوان جديد تضحك الأرض من بكاء السماء أي: تضحك الأرض بالنبات إذا أصابها الغيث، وهو بكاء السماء، ويُقال للضبع: تضحك إذا استبشرت بالفريسة، ومن قال بذلك على الله فلا تجوز، لأن الله سبحانه وتعالى ليس هو بمحل للحوادث، والضحك مخلوق محدث ومعناه، من الله تعالى الرضى
(30) سورة الحديد: 3.
(31) سورة المطففين: 34
-
- (1/54)
صفحة 49
على عبده الطائع له، والمكافأة له بالخيرات والكرامات التي لا يعلم صفتها إلا الله تعالى، سبحانه لا يُوصف بضحك ولا بكاء ولا جذل ولا سخط ولا رضا، كسخط المخلوقين ورضاهم، بل سخطه والبكاء العقوبة بالنار، ورضاه المجازاة بالجنة، والضحك والبكاء والجذل مخلوقات مُحدثة، وهو ليس بمحل للحوادث، تعالى الله عن ذلك غلواً كبيراً.
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله سبحانه وتعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتِ} (32)، ما معنى هذا القضاء من الله تعالى؟
قيل له: قضاهن، أي: خلقهن، والقضاء منه الحكم، ومنه الخلق، وغير ذلك، فالذي معناه الحكم من ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} (33)، أي: حكم، وكتب عليكم ذلك، والذي معناه الخلق، فالذي ذكرناه، ومعاني القضاء كثيرة تركناها إختصاراً، لأن كتابنا هذا لا يحتمل التطويل. فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ
وَرُوحٌ منه (34)، ما معناه؟
(32) سورة فصلت: 12. (34) سورة النساء: 171
(33) سورة الإسراء: 23 (1/55)
صفحة 50
قيل له معناه ـ والله أعلم -: {أَلقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ}، كُن فكان
روحاً حياً بقدرة الله تعالى، و وَكَلِمَتُهُ)، أي: قوله: (كُن فَيَكُونُ} (35)، {وَرُوحٌ مِّنْهُ}، أي: روح من خلقه، لا بصنعة منه، تعالى الله عن ذلك، كما قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنهُ} (36)، ليست السماوات والأرض وما فيهن بصنعة منه، سبحانه إنما هي من خلقه وملكه، وهو سبحانه وتعالى قد يضيف خلقه إليه، كقوله سبحانه وتعالى: ألم تَكُن أَرضُ اللَّهِ وَاسِعَةً} (37)، وقوله سبحانه وتعالى: {فَذَرُوهَا تأكل في أرض الله} (38)، وغير ذلك، لأن جميع المخلوقات كلها له، وهو في ملكه سبحانه وتعالى، وكذلك قوله عز وجل: {وَرُوحٌ منه (39)، أي: من خلقه، والله أعلم بتأويل كتابه
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله سبحانه وتعالى: {وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِم يَومَ
القِيَامَةِ} (40)، ما معناه؟
قيل له: معناه، و وَلَا يَنظُرُ إلَيهم برحمة منه، ليس بينه وبينهم حائل يمنع النظر منه إليهم، لأنهم في قبضته لا يغيبون عنه طرفة عين، إنما معناه لا يصل إليهم منه رحمة، ولا تنالهم منه كرامة، لأن كرامته
(35) سورة البقرة: 117، سورة آل عمران: 47، 59، سورة الأنعام:: 73، سورة النحل: 40، سورة مريم: 35، سورة يس: 82، سورة غافر: 68.
(36) سورة الجـ بائية: 13.
(38) سورة الأعراف: 73.
(40) سورة آل عمران: 77.
- 56 -
(37) سورة النساء: 97
(39) سورة النساء: 171 (1/56)
صفحة 51
ورحمته يوم القيامة لمن أطاعه من عباده لا لمن عصاه، وقوله: {وَلاَ يُزَكِّيهم، أي: لا يرفع لهم عملاً، أي: لا يقبل منهم عملهم، وهو قد أحبطه وأبطله، لأنهم قد بارزوه بالمعصية والكفر، إلى أن ماتوا، والله أعلم بتأويل كتابه
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: إن تَسخَرُوا مِنْا فَإِنَّا نَسْخَرُ مينگم) (41)، وقوله تعالى: {سَخِرَ اللهُ مِنهُم} (42)، ما معنى هذا السخرية من الله تعالى؟
قيل له: معناه: سخرية منهم، أي: جزاء لهم بما كانوا يسخرون من المؤمنين، ويُسمى الجزاء على الشيء باسمه، كقوله تعالى: {وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} (43)، والجزاء من الله تعالى، ليس بسيئة، إنما سُميَّ باسم السيئة التي فعلوها، توسيعاً ومُجازاً في لغة العرب، وكذلك قوله تعالى: و الله يستهزء بهم} (44)، أي: يُجازيهم باستهزائهم، وكذلك قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللهُ خَيرُ المَاكِرِينَ} (45)، وقوله تعالى: {وَمَكَرُوا مَكَرًا وَمَكَرنَا مكراً (46)، إنما معناه: الجزاء لهم منه على مكرهم، سمى جزاءه مكراً، وهو العقوبة لهم باسم مكرهم، توسعاً ومُجازاً ليس سُخرياً، جل ذكره كسخرية المخلوقين، وكذلك مكره ليس كمكر المخلوقين،
:
(41) سورة هود: 38. (43) سورة الشورى: 40. (45) سورة آل عمران: 54.
(42) سورة التوبة: 79.
(44) سورة البقرة: 15.
(46) سورة النمل: 50. (1/57)
صفحة 52
إنما معناه ما ذكرنا من الجزاء والعقوبة من الله تعالى، على ما ذكرنا
من أفعالهم، لجواز ذلك في لغة العرب
•
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الحُكمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبينَ} (47)، ما معناه؟
قيل له: ليس حساب الله كحساب المخلوقين بالعد للشيء، لأنه عالم بعدد كل معدود بغير عدد له، سبحانه عن ذلك، وبوزن كل موزون، وبكيل كل مكيل، بغير وزن له منه، وبغير كيل منه له، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (48)، وإنما معناه: {الحكم}، منه لعباده، والجزاء لهم بأعمالهم، والفصل بينهم بالحق والعدل، سبحانه وتعالى عن كل صفة من صفات المخلوقين
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخسف بكُمُ الأَرضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} (49)، أهو في السماء دون
الأرض، أم يتولى الخسف للأرض بهم وغيره، أم ما يقول ذلك؟
قيل له ـ والله أعلم -: أن معناه ليس هو حال في السماء دون الأرض، وهذا مما يتوسع له في لغة العرب، وكثير في القرآن على معناه، كقوله تعالى: {رَبُّ المَشرِقَينِ وَرَبُّ المَعْرِبَينِ} (50)، وسكت عما سوى ذلك من المخلوقين، فلم يقل: ورب كل شيء،
(47) سورة الأنعام: 62.
(49) سورة الملك: 16
(48) سورة الشورى: 12
(50) سورة الرحمن: 17.
1041 (1/58)
صفحة 53
لأنه معلوم أنه رب كل شيء، وكذلك قوله تعالى: {أَأَمِنْتُم مَّن فِي السَّمَاء، ولم يقل: ومن في الأرض، لأنه معلوم أنه هو في السماء إله، وفي الأرض إلَه، {وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبيرُ} (51)، ولا يتولى الخسف للأرض غيره، سبحانه وتعالى، لأنه ليس له شريك ولا مُعين له في ملكه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيراً
فصل
فإن سأل سائل: عن اسم الله، ليس له معنى سوى الله وإن جعلته زائدا، وأنه يُشار به إليه؟
سبحانه،
فذلك وجه من وجوه الصواب، فالذي وجه من وجوه الصواب، فالذي جاء في القُرآن، قوله تعالى: {تَبَارَكَ اسمُ رَبِّكَ ذِي الجلال والإكرام} (52)، يجوز أن يكون الإسم زائداً، معناه: تبارك ربك ذو الجلال والإكرام، كقوله سبحانه وتعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (53)، فـ {الَّذِي بِيَدِهِ المُلكُ هو الله تعالى، فليس هو إلا إِلَه واحد، لا إله إلا هو
رب كل شيء وإليه ترجعون، إنتهى.
(51) سورة الأنعام:: 18، 73، سورة سبأ: 1. (52) سورة الرحمن: 78.
(53) سورة الملك: 1. (1/59)
صفحة 54
الباب الرابع
في ذكر الحروف التي تكون زائدة في شيء من كلام القرآن، وفي ذكر معاني شيء من الآيات من كتاب الله، وفي الورود للنار وغير ذلك مما هي داخل في التوحيد وغير ذلك
فإن سأل سائل: عن قوله سبحانه وتعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا
مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً} (1)، ما معنى الجد من الله تعالى؟
ذلك
قيل له: الجد من الله تعالى العظمة والكبرياء والسلطان، ليس الحظ ولا من البخت ولا أب لأب، لأنه تعالى يقول: لم من يلد وَلَمْ يُولَد وَلَم يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدُ} (2)، ولا من البخت، ولا من الحظ، لأن الله سبحانه وتعالى غني عن ذلك، لا حاجة له في ذلك كالمخلوقين، وإنما هو على ما ذكرنا من العظمة والسلطان والعدل والكبرياء، سبحانه وتعالى لا يشبه بخلقه في شيء من الأشياء، سبحانه
وتعالى.
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالجِبَالُ
(1) سورة الجن: 3.
(2) سورة الإخلاص: 3، 4. (1/61)
صفحة 55
وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ} (3)، ما معناه هذا السجود لله تعالى من الجبال والشجر والطير والهوام من كل ما لا روح فيه، ومن كل ما لا عقل له، من ذوات الأرواح؟
قيل له: معناه: الخضوع لله تعالى من جميع ما ذكرنا من المخلوقات، ليس هؤلاء يسجدون على شيء من الجوارح كالناس والجن والملائكة أصحاب العقول المخاطبين بها، بل الخضوع منهم لله يُسمى سجوداً،، وسجودهم. له لا يعلم صفته إلا هو، يسجدون له كما شاء وأراد، سبحانه إنه بكل شيء عليم.
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ (4)، وقد ترى السماوات والأرض، ولا يرى الكرسي ما هذا الكرسي الذي ذكره الله تعالى في كتابه؟
،
قيل له: كُرسِيُّهُ، علمه ومُلكه، ليس بكرسي من ذهب ولا فضة ولا خشب ولا غير ذلك من المخلوقات، إنما هو علمه سبحانه وتعالى وملكه، يعني: وسع علمه السماوات والأرض وملكه، لأنه المالك لكل شيء {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (5)، وهو الغني عن
الكرسي وغيره من جميع المخلوقين، وكل مخلوق مفتقر إلى الله تعالى وكل شيء مُحتاج إليه، وهو الغني عن الكل، سبحانه وتعالى
(3) سورة الحج: 18
(5) سورة الحديد: 3.
(4) سورة البقرة: 255
، (1/62)
صفحة 56
فصل
في ذكرٍ شيء من الحروف التي تكون في الكلام حشوا زائدا، وهو كل حرف إذا حذف من الكلمة لم يتغير معنى الكلمة عن حالته الأولى الذي كان عليها، مع وجود ذلك الحرف وهي:
مثل الكاف، في مثل كما قال الله سبحانه وتعالى: {لَيسَ كَمِثِلِهِ شَيْءٌ (6)، فالكاف فيه زائدة، ومثل الألف في قوله سبحانه وتعالى: {فَهِيَ كَالحِجَارَةِ أَو أَشَدُّ قَسوَةً} (7)، معناه: وأشد قسوة، وكقوله سبحانه وتعالى: {إِلَى مِائَةِ أَلْفِ أَو يَزِيدُونَ} (8)، معناه: ويزيدون، فالألف فيهما زائدة، ليس معناها الشك، لأنه لا يجوز على الله الشك، وكقوله تعالى: {أَم أَنَا خَيرٌ مِّن هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} (9)، معناه: {أَنَا خَيْرٌ مِّن هَذَا}، وأم فيه زائدة، لأنه ليس في هذا إستفهام، ومثل ما في قوله تعالى: إنما وربما، وفي قوله تعالى: {مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوقَهَا} (10)، {فَمَا} هَاهُنَا زائد، وأما كان فهي حرف معناه: إذا دخل على صفة الأفعال الله تعالى يدل على الدوام، كقوله سبحانه وتعالى: {وَكَانَ اللهُ من غَفُوراً رَّحِيماً} (11)، معناه: لم يزل الله غفوراً رحيماً، فيما مضى من الزمان، وفي الحال، وفي المستقبل، وأما إذا دخلت على صفة أفعال المخلوقين، فأكثر معناها يدل على الماضي، كقول القائل: كان
(6) سورة الشورى: 11 (8) سورة الصافات: 147 (10) سورة البقرة: 26.
(7) سورة البقرة: 74 (9) سورة الزخرف: 52 (11) سورة الفرقان: 70. (1/63)
صفحة 57
فلان بصيراً فذهب بصره، يدل هذا معناه على ماضي، لأنه يُغير عما كان عليه، وكذلك: كان فُلان سميعاً في الماضي فذهب ذلك منه في الحال، وكذلك قولهم: كان فُلان مَالِكاً فذهب مُلكه، وكذلك قولهم: كان الثوب جديداً فخلق، فيدل معناه على صفة الأفعال الماضية من المخلوقين، كقوله سبحانه وتعالى: {كَانُوا لَا يَتَنَاهُونَ عَن منكَرِ فَعَلُوهُ} (12)، يخبر عن قوم قد مضوا أنهم كانوا كذلك، وقوله سبحانه وتعالى: {أَو لَم يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} (13)، يعني: {كانتا في بدو أمرهما و رتقاً فصارتا بعد ذلك فتقاً، ومعناه: الماضي، وأما إذ دخلت في صفة أفعال الخالق جل ذكره، دلت على الدوام لأفعاله، كقوله تعالى: {وَكَانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً) (14)، {وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حكيماً} (15)، {وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} (16)، إلى غير ذلك من الآيات، فهذا كله معناه يدل على الدوام، لهذه الصفات الله تعالى، لأنه هو الدوام الدائم بلا فناء، كذلك لم يزل الله قوياً وعزيزاً وعليماً وحكيماً وقادراً وقاهراً، لأنه لا يُغيره مرور الدهور، ولا تصرفه الأحوال والأمور، وهو الله المقتدر الغفور، وتدخل أيضاً حشواً في كثير من كلام العرب، مثل قوله سبحانه وتعالى: مَن كَانَ فِي المَهدِ صَبِيّاً} (17)، معناه: من في المهد صبياً، وكان في هذا الموضع حشواً زائداً، وكثير في كلام العرب ترکت ذكره إختصاراً، والله أعلم.
من
(12) سورة المائدة: 79.
(13) سورة الأنبياء: 30.
(14) سورة الأحزاب: 25. (16) سورة الأحزاب: 40.
(15) سورة النساء: 158، سورة الفتح: 7.
(17) سورة مريم: 29 (1/64)
صفحة 58
فصل
في ذكر معنى قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحَابُ الأَحَدُودِ} (18)، فأصحاب الأخدود، وهم القوم الذين أججوا النار ليحرقوا بها المؤمنين (رحم الله المؤمنين ولعن الكافرين)، والأخدود هي النار نفسها، لقوله تعالى: النار ذَاتِ الوَقُودِ} (19)، يعني: تفسير الأخدود و إذ هُم عَلَيْهَا قُعُودٌ} (20)، أي: مالكون لأمرها، ليسوا قعوداً على النار، لأنه لا يُمكن القعود على النار في الدنيا، لأنهم إن قعدوا عليها، أي: فيها، أحرقتهم وأفنتهم، لأن الدنيا دار فناء، إنما البقاء في الآخرة للفريقين، أهل الجنة وأهل النار، والله أعلم بتأويل
كتابه
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله سبحانه وتعالى: {وَإِن مِّنكُم إِلا وَارِدُهَا} (21)، ما معنى هذا الورود؟
قيل له: معناه - والله أعلم - الإجتياز على النار، والوصول إليها والنظر إليها، لا الدخول فيها، لأن الخلق يوم القيامة جميعاً يصلون إليها، فيُنجي الله الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} (22)، كما قال سبحانه لا غير ذلك، وحجة من قال: أن الورود للشيء الوصول إليه، لا الدخول فيه، كقوله سبحانه وتعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدينَ} (23)، يعني: وصل إليه لا دخل فيه، وقول الشاعر:
(18) سورة البروج: 4.
(20) سورة البروج: 6.
(22) سورة مريم: 72
(19) سورة البروج: 5 (21) سورة مريم: 70
(23) سورة القصص: 23
- (1/65)
صفحة 59
وردت اعتسافا والثريا كأنها على قمة الرأس ابن ماء محلق فأدلى غُلامي دلوه يبتغي بها شفاء الصدى والليل أدهم أبلق
قال: وردت، أي: وصلت، ولو معناه الدخول لما قال: فأدلى دلوه، إنما معناه الوصول منه إلى المورد، الذي يُريد أن يرده، فإن قال: كيف تقول إن الورود معناه غير الدخول، وهو يقول عز من قائل: {وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} (24)، وكأن قوله نذر الشيء في الشيء بعد ما حصل فيه واقعا، فهذا يدل على أن جميع بني آدم يدخلونها يوم القيامة، الطائع والعاصي، فَيُخرج الله الطائع منها بعد ما دخل فيها ويُدخله الجنة ليعلم فضل الله عليه
قيل له: ليس ذلك كذلك، إنما هو كما ذكرنا في معنى الورود لأن الطائع لا يدخل النار، لأن الله يقول في محكم كتابه العزيز: أُوْلَئِكَ عَنهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُم فِي مَا اسْتَهَت أَنفُسُهُم خَالِدُونَ لاَ يَحزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ المَلَائِكَةُ هَذَا مُكُمُ الَّذِي كُنتُم تُوعَدُونَ} (25)، ولا فزع عندنا أكبر من دخول النار، أعاذنا الله وجميع المسلمين من النار، فيدل هذا أن الطائع لا يدخل النار، لكن ينظر إليها على ما شاء الله له من النظر إليها، لا فيها الظالمين.
يدخل فيها، إنما يدخل
الله
،
(24) سورة مريم: 72
(25) سورة الأنبياء: 101 - 103. (1/66)
صفحة 60
الباب الخامس
الرد على القدرية، وفي الإستطاعة،
غير ذلك من معاني التوحيد
فإن سأل سائل: عن القدر، هو فعل الله تعالى، والمقدور أفعال عباده، لقوله تعالى: {وَكَانَ أَمرُ اللهِ قَدَراً مقدوراً} (1): فالقدر فعله عز وجل، والمقدور فعل العبد والمقادير؟
،
قيل له: القدر من الله تعالى، والقدر هو سر الله في أرضه فاجتنبوا التعمق في ذلك، وسلموا إليه جميع أموركم، مع قيامكم بما أمركم به، وإنتهائكم عما نهاكم عنه، فقد قيل لُبزَرْجَمَهِرْ (2): تعالى نتناظر في القدر، قال: ما أصنع بالقدر إني رأيت ظاهراً إستدللت به على الباطن، رأيت أحمق مرزوقاً وعاقلاً محروماً، فعلمت أن الأمر ليس للعباد، بل الأمر كله لله يفعل في خلقه ما يشاء {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ} (3)، سبحانه وتعالى عما يصفون
فإن قال: أفيعذب الله على القدر؟
قيل له: لا بل يعذب على المقدور، وهو فعل العبد
فإن قال: أخبرونا عن أفعال العباد هي مخلوقة لله؟
(1) سورة الأحزاب: 38.
(2) بزَرْجَمَهر: هو من. حكماء البلاط الفارسي، في عهد كسرى، وكان مما يُروى عنه: إستيقظ
مبكراً تكن موفقاً.
(3) سورة الأنبياء: 23. (1/67)
صفحة 61
قيل له: نعم هي مخلوقة، والله سبحانه وتعالى {خَالِقُ كُلِّ
شيء} (4)، ووجدنا الأفعال شيئاً موجوداً، فعلمنا إنها مخلوقة لله
تعالى، لأن الله خالق، وما سواه مخلوق، من خير وشر ونفع وضر
فإن قال: متى خلق الله الأفعال من العباد قبل أن يكتسبوها، أو بعد أن يكتسبوها، أو عند إكتسابهم لها؟
قيل له: العين التي هي كسب للعبد هي التي خلقها الله تعالى وقولك: متى خلقها؟ فإنه لم يخلقها قبل أن يكسبوها هم، وهم لم يكتسبوها قبل أن يخلقها الله تعالى، ولم يُشاركوه في خلقها، لأنه ليس له شريك.
فإن قال: كيف يُعذب الله عباده على أفعالهم وهو الذي خلقها؟
،
قيل له: لأنه نهاهم عن فعلها، ولم يخلقها فيهم، كما خلق الأمراض فيهم، والأسقام والأسماع والأبصار فيهم، ولم يُكلفهم بفعلها، ولم يجبرهم عليها، ولو أنه خلقها فيهم ما عذبهم عليها، بل العين التي هي كسبت منهم لها هي التي خلقها الله تعالى، والله سبحانه عدل لا يجور في حكمه على أحد من خلقه
فصل
فإن قال: أن الله قد شاء من المشركين الشرك؟
قيل له: نعم.
فإن قال: فما حجتكم في ذلك؟
(4) سورة غافر: 62. (1/68)
صفحة 62
قيل له: قوله تعالى: {وَلَو شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا} (5)، {وَلَو شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} (6)، {وَلَو شِئنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) (7) وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلَّهُم جَمِيعاً} (8).
فإن قال: من ألقى في قلوب المشركين الكفر؟
قيل له: الشيطان ألقى في قلوب المشركين الكفر بالوسوسة والتزين، والدعاء إلى ذلك
فإن قال: والله سبحانه وتعالى لم يلق في قلوب الكافرين الكفر؟
قيل له: فإنه سبحانه وتعالى لم يلق في قلوب الكافرين الكفر
،
وإنما ألقى ذلك في قلوبهم الشيطان - لعنه الله ـ بالتزين والدعاء
والوسوسة (9).
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله سبحانه وتعالى: {وَأَضَلَّ فِرْعَونُ قومَهُ} (10)، وقوله تعالى: {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} (11)، ما معناه؟ هل كان فرعون والسامري يقدران أن يضلا أحداً خلق الله من تعالى؟
(5) سورة الأنعام: 107.
(7) سورة السجدة: 13.
(6) سورة الأنعام: 137
(8) سورة يونس: 99
(9) والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمّا قُضِيَ الأمرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُم وَعَدَ الحَقِّ وَوَعَدتُكُم فَأَخلَفتُكُم} (سورة إبراهيم: (22)، وكثير من هذه الآيات، وقوله تعالى: {وَلاَ يَرضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ} (سورة الزمر: (7)، وقوله تعالى: {وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَد ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} (سورة البقرة: (108)، فنسب الكفر إلى الشيطان، وإلى الإنسان نفسه، ونزه نفسه عن أن يكون منه، ولو قيل: أنه منه، لأدى ذلك إلى الجور، حاشا الله عن الجور، فكيف يجبر عليه، ويُعذب عليه أَيَأْمُرُكُم بِالكُفْرِ بَعدَ إِذ أَنتُم مُسلِمُونَ) (سورة آل عمران: 80). (10) سورة طه: 79 (11) سورة طه: 85
-99 - (1/69)
صفحة 63
قيل له: إنما ضلالة فرعون لقومه أن زين لهم ذلك ودعاهم
فتابعوه، وكذلك السامري، وهما لا يقدران على ضلالة المؤمن، وضلالتهما لمن أضلاه، على المجاز لا على الحقيقة، لأن ذلك منهما بالدعاء والتزين، وكذلك الشيطان ـ لعنه الله ـ لا يقدر أن يضل أحداً من خلق الله على الحقيقة، وذلك منه بالدعاء والتزين والوسوسة، ولا يضل ولا يهدي على الحقيقة، إلا الله عز وجل لقوله سبحانه وتعالى: ومَن يَهدِ اللهُ فَهُوَ المُهتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً
مرشداً (12)
فإن قال: كيف قال الله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُم فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى} (13)، مع قوله تعالى: {مَن يَهدِ اللَّهُ فَهُوَ المُهتَدِ، وهم قد هداهم، فما اهتدوا، واستحبوا {العَمَى عَلَى الهُدَى؟
وخلق
قيل له: هداهم هدى البيان، معناه: قد بينا لهم الهدى فما استحبوه واستحبوا العمى عليه، وهذا دليل على أن الله لم يخلق في العباد الهدى ولا الضلال، بل خلق الضلال ونهى عنه، الهدى وأمر به، فمن إنتهى عما نهى الله وأتمر بما أمره الله فهو المهتدي، {وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوا هدى} (14) من فضله، لقوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوا زَادَهُم هُدى وَأَتَاهُم تَقوَاهُم (15)، يعني - والله أعلم -: أنهم لما بين لهم الهدى اتبعوه فزادهم هدى وأضل أتباعهم له بفضل الله عليهم لقوله تعالى:
(12) سورة الكهف
1 Y:
(14) سورة مريم: 76.
(13) سورة فصلت:
17:
(15) سورة محمد: 17
- Y- (1/70)
صفحة 64
وَمَا
6
كُنا لِنَهْتَدِيَ لَولا أَن هَدَانَا اللهُ} (16)، وأما الذين استحبوا العمى على الهدى، فيهم علم الله السابق أنهم سيكون ذلك منهم فلا محالة عما علم الله بكونه من عباده، فإنه كائن من خير وشر ونفع وضر، ولا يجوز للعبد أن يعمل بالمعاصي ثم يقول: ما فعلت المعصية إلا بقضاء من الله علي وقدر لقول النبي وقد سأله بعض أصحابه، قال له: يارسول الله متى يرحم الله عباده ومتى يُعذبهم؟ قال: " يرحم الله عباده إذا عملوا بالمعاصي فقالوا هي منا وتابوا منها، ويُعذب الله عباده إذا عملوا بالمعاصي فقالوا هي من وقدر، وقد يكون في هذه الأمة قوم يعملون بالمعاصي ثم يقولون هي الله قضاء وقدر، فإذا لقيتموهم فاعلموهم بأني بريء منهم " (17)، معنى الرواية لا الإسناد بعينه،، والله أعلم.
من
الله قضاء
فإن قال: هل يقدر الكافر أن يكون مؤمناً وهو في حال الكفر؟
قيل له: لم يقدر أن يكون مؤمناً في حال كفره لإشتغاله بالكفر،
، أحدنا عن
(16) سورة الأعراف: 43 (17) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه في باب الإيمان، ونص الحديث: حدثني أبو خشيمة زهير بن حرب، حدثنا وكيع، عن كهمس، عن عبدالله بن بريده، عن يحيى بن يعمر، وحدثنا عبيد الله ابن معاذ العنبري - وهذا حديثه - حدثنا أبي، حدثنا كهمس عن أبي بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبدالرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبدالله بن عُمر بن الخطاب داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أ يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يُغيرون القرآن ويتفقدون العِلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: " فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم بُراء مني، والذي يحلف به عبدالله بن عُمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه، ما قبل الله منه، حتى يؤمن بالقدر "، الحديث أخرجه مسلم، الجزء الأول: 36، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان باثبات قدر الله سبحانه وتعالى، صحيح مسلم، الجزء الأول، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، دار الفكر، بيروت
، ص
-11 - (1/71)
صفحة 65
لا
علة تمنعه عن الإيمان، والله سبحانه لم يُكلفه بالمعصية ولم يجبره من عليها، إنما ذلك بإختيار منه للضلال واستحباب منه لقوله سبحانه وتعالى: {فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى} (18).
فإن قال: فإن الله يقول: {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} (19)، {فَأَنِّي تُصرَفُونَ} (20)، وهو الذي خلق الإفك والإنصراف، فمنهم كيف نقول ذلك؟
قيل له: لم يخلق الإفك فيهم، كما خلق الأمراض والأسقام فيهم، والأسماع والأبصار، لأنه لو كان كذلك لذهب عنهم معنى التكليف، ولم يلحقهم لائمة على فعلهم له، وكذلك الإنصراف لم يخلقه فيهم، ولم يصرفهم عن الإيمان به، ولم يُكلفهم به، ولم يجبرهم على فعله، سبحانه وتعالى، بل فعلوه بإختيارهم الغفلة واستحبابهم له، والله سبحانه وتعالى نهاهم عن فعله، وبين لهم العقوبة على فاعله، والمجازاة بالخير لمتجنبه، وبين لهم وأوضح لهم طريق الحق، ووعدهم وتوعدهم، فلم تبق للخلق على الله حجة، فافهم وأضف إلى الله تعالى الأفعال الحسنة، ونزهه عن ضدها، ولا تظن فيه إلا خيراً، ولا تتهمه في شيء من جميع الأشياء، ولا يغرنك به الغرور، ولا تستمع فيه قول من في قلبه زيغ واتبع ما تشابه من آيات الله، وزاغ عن الحق بذلك، ولم يتبع ما كان من آيات الله محكماً ابتغاء الفتنة، وأن يصرف العباد عن السلوك إلى ربهم، وليضلنهم عن الحق، فدع من كان يُنازع بالباطل في ذلك، وارجع إلى الحق وميز بعين قلبك إذا ورد عليك إمتحان ممن ذكرنا من المضلين
(18) سورة فصلت: 17. (20) سورة يونس: 32.
(19) سورة الأنعام: 95
- VY- (1/72)
صفحة 66
فإن طريق الحق واضح ليس هو بخفي، وتوكل على الله في جميع أمورك كلها، وفوض جميع أمورك إليه، فإنه يهديك ويرشدك ويوصلك إلى ما فيه لك السعادة، لأنه أهل لذلك {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} (21)، {وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} (22)، وهو أكرم الأكرمين {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (23)، وهو الرؤوف بالمؤمنين
فصل
•
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {وَتَخلُقُونَ إفكاً} (4 (24)، ما معنى خلقهم للإفك؟
خلق
الله تعالى
قيل له: معناه: يتكلمون بالإفك، وهو الكذب، لا يخلقون ما، لأنه لا خالق إلا هُوَ، وقد قال الله تعالى لنبيه عيسى (العليا): {وَإذ تَخلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيرِ} (25)، أي: يصور من الطين صورة كهيئة صورة الطير، فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله سبحانه وتعالى، لا شريك له، وكذلك هم لا يخلقون الإفك، بل يتكلمون به، وهو الكذب
فإن قال: فإن الله قد شاء من المشركين الشرك؟
قيل له: نعم.
فإن قال: أفإبليس - لعنه الله - يُريد ذلك من المشركين؟
قيل له: نعم.
(21) سورة المائدة: 120
(23) سورة يوسف: 64 (25) سورة المائدة: 110
(22) سورة الأنعام: 103 (24) سورة العنكبوت: 17 (1/73)
صفحة 67
فإن قال: ورسول الله يُريد ذلك؟
قيل له: لا.
فإن قال: أفإبليس كان أطوع لله من رسوله، لأنه شاء ما شاء لله من المشركين من كون الكفر؟
قيل له: قد عصى الله إبليس ـ لعنه الله ـ بإرادته، كما أراد الله من كون الكفر من الكافرين، وأطاع الله رسوله بكراهيته ما أراده الله من الكفر والكافرين، ألا ترى أن الله أراد موت نبيه، والشيطان - لعنه الله - والكفار يُريدون ذلك، وكره ذلك المؤمنين من أصحاب رسول الله، فكان الشيطان ـ لعنه الله ـ والكفار عاصين الله تعالى بإرادتهم، ما أراد الله من موت نبيه، والمؤمنين طائعين بكراهيتهم، ما أراد الله من موت نبيه له، وبذلك أمر وأنهم لم يكونوا كارهين قضاء الله وحكمه في عباده، إنما ذلك مما يُعاينونه من المشقة عليهم من فراق نبيهم
?
فإن قال: فاخبرني عن الخير والشر هُما من الله، أم منك الشر ومنه الخير، أم كيف ذلك؟
قيل له: الخير والشر من الله خلق، ومن العباد عمل، وقد مضى ذكر ذلك فيما تقدم من الكلام، في كتابنا هذا
فإن قال: ما معنى قوله تعالى: و ما أَصَابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نفْسِكَ} (26)؟
(26) سورة النساء: 79
- VE- (1/74)
صفحة 68
الله
قيل له: معناه - والله أعلم - ما عملت من حسنة فبتوفيق من تعالى، وبفضله ومنته عليك {وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ، أي: وما عملت من سيئة فمن إختيارك لها من نفسك، وبعلم من الله تعالى إنك ستعملها، لا أن السيئة من خلق العبد، والحسنة من خلق الله،
فكلاهما
من خلق الله تعالى، لا شريك له، ولا خالق سواه، سبحانه
وتعالى عن ذلك علوا كبيراً
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسقِين وَإِذَا مَرِضتُ فَهُوَ يَشفِينِ} (27)، وكان المرض من تقدير الله تعالى عليه، كيف لم يقل ذلك؟
قيل له: لأن الله عز وجل لا يُضاف إليه إلا الأفعال الحسنة، ومنزه عن ضدها، سبحانه وتعالى، وهذا من أدب إبراهيم (الكل) عن ربه جل ذكره، ألا ترى أنه يُقال أن الله خلق جميع الخلق، ونار جهنم ـ أعاذنا الله منها - قدره، وهي من خلقه، وكذلك الكلب والقرد كلها أقدار، والخلق لها من الله تعالى صفة تعظيم، ويُقال أنه ذلك، لأن صنع الأقدار، ودبر صفة تهجن، فنفينا عنه جل
صنع
6
ذكره كل صفة تهجين، ووصفناه سبحانه وتعالى بكل صفة تعظيم: لأنه لا يحق التعظيم إلا لَهُ، سبحانه وتعالى، ألا ترى إلى قول القائل: أن المطر قد أفسد الزرع والتمر والقيظ، والمطر لا يقدر على فساد شيء، لأنه مخلوق، وإنما هُوَ من تدبير الله تعالى، فلم نقل أن تدبيره
(27) سورة الشعراء: 79، 80.
- Yo - (1/75)
صفحة 69
أفسد ذلك، وكذلك في جميع الأشياء لا يُضاف إليه إلا ما
صفات التعظيم له جل ذكره.
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله تعالى: {وَلَو بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوا في الأرض) (28)، هل دخل أصفياء الله وأنبياؤه وأولياؤه في هذه الآية، أم خص معناها بعض العباد دون البعض؟
معني
قيل له: أن لفظها عام، ومعناها خاص، والأنبياء (عليهم السلام) والأصفياء والأولياء، لا يبغون في الأرض، لقوله تعالى: الَّذِينَ إِن مَّكْنَاهُم فِي الأَرضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بالْمَعْرُوفَ وَنَهَوا عَن المُنكَر} (29)، فيدل معنى هذه الآية أن الأنبياء والأصفياء والأولياء لا يبغون في الأرض، ولو بسط الله لهم الرزق، وإنما معنى قوله سبحانه وتعالى: {وَلَو بَسَطَ اللهُ الرّزق لِعِبَادَة لَبَعُوا فِى الأَرض} (30)، خاص للذين هم ليسوا ممن ذكرناهم، لأن كثيراً من أي الكتاب، أي: القُرآن لفظه عام ومعناه خاص، كقوله سبحانه وتعالى: {وَفِي عَادٍ إِذ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَت عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتهُ كَالرَّمِيمِ} (31)، فمعناه هذا خاص ولفظه عام، ألا ترى أنها أتت على الأرض والجبال والسماوات فما جعلتها كالرميم، وكذلك قوله تعالى: {وَأُوتِيَت مِن كُلِّ شَيْءٍ) (32)، فهذا معناه أيضاً خاص ولفظه عام، لأنها لم
(28) سورة الشورى: 27
(30) سورة الشورى: 27
(32) سورة النمل: 23.
(29) سورة الحج: 41. (31) سورة الذاريات: 41، 42. (1/76)
صفحة 70
كلام العرب يجيء على هذا المعنى، والله أعلم بتأويل كتابه، وهو
بكل شيء عليم
- VV - (1/77)
صفحة 71
الباب السادس
في الرد على من يقول بخلق القرآن مستخرج من كتاب الله، وهو من معاني التوحيد أيضاً
فإن سأل سائل: عن القُرآن (1) مخلوق (2) أو غير مخلوق (3)؟
(1) في تعريف القرآن: جاء في كتاب " الحق الدامغ "، لسماحة الشيخ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي، حيث عرف القرآن بقوله: " والقرآن هو الكلام المنزل بحروفه وكلماته على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، المعجز
بتراكيبه ومعانيه، المنقول عنه بالتواتر القطعي "؛ انظر: كتاب " الحق الدامغ "، ص 99 (2) في تعريف الخلق: جاء في نفس المصدر السابق: " معنى الخلق لغة، هو الإبداع على غير سبق مثال، وفي إصطلاح أصحاب الديانات: هو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وبهذا المفهوم هو فعل أفعال الله تعالى الخاصة به، التي لا يجوز أن تصدر عن غيره "؛ انظر: كتاب " الحق الدامغ "
من
ص 99.
(3) هذه المسئلة مما وقع فيه الخلاف بين العلماء قديماً، فمنهم من قال: بأنه قديم، ومنهم من قال: بأنه مخلوق، وقد أوضح العلامة نور الدين السالمي (رحمه الله، هذه المسئلة في كتابه " العقد الثمين "، بقوله جواباً على سؤال: " إن القائلين بقدمه من أشياخنا ما قصدوا إلا معنى صحيحاً، وذلك أنه نشأ قوم في الزمان الأول يُقال لهم الجهمية، زعموا أن صفات الله محدثة، فلما ظهرت مسئلة القُرآن حسبوها من مقالاتهم، وظنوا أن المداد حدوث شيء من صفات الله، فأسرعوا إلى ردها، فذلك مُرادهم"؛ وقد أشار إلى هذا المعنى أبو سعيد في مسئلة بسط فيها القول، قال (ه) ما معناه: إن أرادوا حدوث عِلم الله تعالى، فهذا كفر، وإن أرادوا خلق الحروف الملفوظة والمعاني الملحوظة، فإنها حادثة؛ فمن قال: إنها غير مخلوقة متأولاً، فهو فاسق مُنافق بتأويله "؛ انظر: كتاب " العقد الثمين "، للعلامة عبدالله بن حميد السالمي، الجزء الأول، ص 245 ويقول سماحة الشيخ أحمد. حمد بن الخليلي في هذه القضية، في كتابه " الحق الدامغ "، بعد أن ذكر منشأ الخلاف الموضوع، وأن الهدف من ذلك إثارة الفتنة بين طوائف الأمة، وتقسيمها إلى شيع وأحزاب، ولم تكن هذه القضية موجودة في عهد السلف الصالح، فيقول: " وكان الرعيل الأول من السلف الصالح مضى إلى ربه قبل أن تسمع آذانهم طنينا من القول في هذا الموضوع، وإنما كانوا مجمعين على أن الله خالق كل شيء، وأن ما سواه مخلوق، وأن القرآن - كسائر الكتب المنزلة - کلام ووحيه وتنزيله، وهذا الذي إتفقت عليه كلمة عُلماء المسلمين بعُمان في عهد الإمام المهنا ابن جيفر، بعدما غشيتهم موجة من الخلاف في هذه القضية، بعد أن طمى عبابه، وهاجت عواصفه بمدينة البصرة، الحافلة بمختلف التيارات الفكرية آنذاك، وكانت للعمانيين صلة وثيقة بها بحكم العلاقات الثقافية والإقتصادية التي تربطهم بها، وليتهم وقفوا عند هذا الحد، بل ليت المسلمين جميعاً إكتفوا بهذا القدر من الإعتقاد والقول في هذا الموضوع، ولكن إستحكمت في القضية أهواء، وحُكمت فيها العواطف الهوجاء التي أ أشعلت، الذي إصطلى المسلمون أواره "، انظر: كتاب " الحق الدامغ "، ص 105، 106.
الله
سعير
هذه الفتنة
- YA- (1/79)
صفحة 72
=
قيل له: القُرآن غير مخلوق، وهو وحي الله وكلامه وتنزيله
، لأن كلام
الله
على نبيه محمد، فمن قال غير ذلك فقد كفر (4)، هو صفة من صفاته جل ذكره، ولا يجوز أن يُقال أن الله خالق، لأن كل مخلوق محدث، وكل محدث سيفني،، وكلام تعالى ليس بمحدث (6)، وليس هو بفان، لأنه صفة من صفاته
کلامه (ه)،
الله
،
(4) في هذه المسئلة، تسرع الشيخ (رحمه الله)، ا، حيث كفر من قال: بخلق القرآن، والأدلة على الخلق كثيرة في كتاب الله؛ والشيخ المؤلف نفي الخلق عن القرآن، ووصفه بالقدم، مُراعياً في ذلك نفي الخرس عنه سبحانه وتعالى، ولم يُفرق بين هذه الصفة الذاتية، وبين القرآن المنزل المتلو الموجود في صدور العلماء، وبفنائهم يفنى ما في صدورهم، والموجود في اللوح المحفوظ، ولا شك أن اللوح مخلوق، ولا قائل بغير ذلك، وما حواه المخلوق فهو مخلوق، كل ذلك غاب عن فكرة هذا العالم الورع، لكننا نعذره لحسن قصده، ونستأنس لذلك بقول شيخنا العلامة نور الدين السالمي بقوله: " فاعلم أنه لا وجه لقول من قال من أهل المذهب: أن القُرآن قديم، إلا أن يُريدُوا أن الله تعالى ليس بأخرس، فيعبرون بهذه العبارة القاصرة عن ذلك المعنى المطلوب، فتنتفي عنهم البراءة بهذا الإحتمال حسن ظن المسلمين، ويكون مذهبهم معروفاً في قولهم: أن صفات الذات عين الذات، فيجب رد تلك العبارة منهم إلى هذه القاعدة المنيعة "؛ انظر: كتاب " مشارق أنوار العقول "، الجزء الثاني، ص 61، دار الجيل، بيروت. (5) يقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، موضحاً هذه القضية في كتابه " الحق الدامغ ": " ونحن عندما نتحدث عن خلق القُرآن، فإنما نتحدث عن هذا القُرآن المتلو، بالألسُن، المكتوب في المصاحف، السابق تعريفه،، ولسنا نتحدث. عن الكلام النفسي، إذ لم يقم. شاهد من الكتاب نفسه، ولا من السنة على تسميته قُرآناً، وإنما إصطلحت الأشاعرة على تسميته بذلك، ولا مشاحة في الإصطلاح، غير أنهم لم يستندوا في إصطلاحهم هذا على شيء ثابت سماعه، فلذلك لم نعول عليه، ونحن نثبت لله صفة الكلام "؛ انظر: كتاب " الحق الدامغ "، ص 103. (6) يُبين سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، في كتابه " الحق الدامغ " هذه المسألة بأن كلام الله محدث، فيقول: " قوله سبحانه وتعالى: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحِدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُم يلعبون} (سورة الأنبياء: (2)، ومثله قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذَكَرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحدَثِ إِلَّا كَانُوا عَنهُ مُعرِضِينَ} (سورة الشعراء: (5)، ووجه الإستدلال بالآيتين، وصف الذكر فيهما بالإحداث، وهو الخلق، ولا ريب أن الذكر لم يقصد به فيهماً غير القُرآن، بدليل قوله تعالى: وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكرٌ لِّلعَالَمِينَ} (سورة القلم: (52)، وقوله سبحانه وتعالى: {إِن هُوَ إِلَّا ذِكرٌ لِّلْعَالَمِينَ} (سورة يوسف: 104)، وقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر} (سورة الحجر: 9)، وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكرٌ لكَ وَلِقَومِكَ} (سورة الزخرف: 44)، وقوله تعالى: {وَالقُرآنِ ذِي الذكر) (سورة ص: 1)، وقوله تعالى: {إِن هُوَ إِلا ذكرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} (سورة يس: 69). وقوله تعالى: {وَهَذَا ذِكرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} (سورة الأنبياء: 50)؛ والقائلون: بقدم القُرآن. سلكوا طريقين في ردهم إستدلال القائلين بخلقه بآيتي سورة الأنبياء وسورة الشعراء، فالقائلون منهم بقدم حروفه وكلماته، ذهبوا إلى أن المراد بالإحداث فيهما هو إحداث التنزيل، متى شاء الله ذلك،
6 (1/80)
صفحة 73
=
سبحانه وتعالى.
فإن قال: كيف يقولون أن القُرآن غير مخلوق، وفيه آيات تدل على أنه مخلوق، كقوله تعالى: {إِنا جَعَلْنَاهُ قُرأَنَا عَرَبيّاً} (7)، وقوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكرٍ مِّنَ الرَّحمَنِ مُحدَثِ)) (8)،
سماه محدثاً؟
قيل له: ليس في هذا حجة، أما قوله سبحانه وتعالى: إنا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبيّاً، فالجعل ها هنا لا يدل على الخلق (9)،، لأنه
صفة
كما تقتضيه حكمته، ومعنى ذلك أن المحدث تنزيل الكتاب، لا ذات الكتاب، وعبر بعضهم عنه بأن المراد بالإحداث تجدده، والمفرقون منهم بين القرآن وما يُتلى ويُدون في المصاحف من الأحرف والكلمات، قالوا: إن المحدث هو الأحرف والكلمات، وهي عبارة عن القرآن الذي هو أزلية قائمة بذاته عز وجل وحكاية له، وكلا القولين مردود؛ أما الأول: فيُبطله أن المحدث هو الذي وقع عليه فعل المحدث (بالكسر)، ويشترط فيه أن يكون مسبوقاً بالفاعل والفعل، والإحداث: هو الإيجاد بعد العدم، وحمل الإحداث على أنه بمعنى الإنزال، خروج عن الظاهر لغير داع، سوى جعل ما في نفس القائل من الفكرة هو الأصل الذي ترد إليه النصوص، وتحمل عليه الأدلة، وما أعظمها من مصيبة في الدين، على أن نقول إن نفس الإنزال إحالة للمنزل من حال إلى حال، دالة على الحدوث لأمرين، أولهما: أن القديم لا يتحول عن أصله ولا تعتريه العوارض، أما ثانيهما: أنه لا يكون لأحد عليه سُلطان، لأنه غير معلول بعلة ولا مسبب بسبب؛ وأما الثاني: فيرده أن إثبات صفة الله تعالى تُسمى قرآناً،، غير ما أنزل الله على الشارع الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم، دعوى لم يقم عليها برهان؛ انظر: كتاب " الحق الدامغ "، ص 171، 173. (7) سورة الزخرف: 3.
وهي.
(8) سورة الشعراء: 5.
من
(9) يقول سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي، في تفسيره لهذه الآية، قوله سبحانه وتعالى: و إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرأَنَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُم تَعقِلُونَ} (سورة الزخرف: (3)، والإستدلال به على خلقه. وجهين، أولهما: الإخبار عنه أنه مجعول، والمجعول هو المُصير من حال إلى حال، وهذا لا يكون إلا في المخلوق. ثانيهما: تعليل جعله عَرَبيّاً}، بقصد عقل المخاطبين له، ومثل هذه الآية سائر الآيات الناصة على أنه مجعول، كقوله تعالى: {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشَاءُ مِن عبادنا ا (سورة الشورى: (52)، وقد نقل (حفظه الله في كتابه "الحق الدامع" عن الإمام محمد بن أفلح (ه) على أن الجعل هو بمعنى الخلق، فقال: وقد شرح حجية الجعل على ثبوت الخلق، الإمام محمد بن أفلح (ه) بقوله: إن الأمة إجتمعت على أن كل فاعل قبل فعله، وأن الجاعل قبل المجعول، وأن الصانع قبل صنعه، وأن الجاعل غير المجعول، فلما ثبت بينهما التغاير والقبل صح أنهما شيئان، وأن الأول المتقدم، هو الجاعل القديم، والثاني المجعول، هو الحادث الكائن، بعد أن لم يكن "؛ انظر: كتاب " الحق الدامغ "، ص 167؛ وقد نقل سماحته هذا القول من رسالة
-^^-
= (1/81)
صفحة 74
=
6
يعدى إلى مفعولين، فنص القرآن وصفته، فكلما كان من الجعل في القرآن يتعدى إلى مفعولين، لا يدل على الخلق (10)، ومعناه التصيير للشيء جَعَلْنَاهُ قُرأَنَا عَرَبيّاً، أي: صيرناه (11) {قُرآناً عَرَبيّا، ولو أن الجعل الذي في القرآن كله يدل على الخلق، لكان قوله تعالى يخبر عن إبراهيم (ال) حين دعا ربه: {وَإذ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَل هَذَا بَلَداً أَمِناً} (12)، ولو أن معناه الخلق له: لما قال: اجعل هذا، يشير إلى بلد مخلوق، لأنه لا تكون الإشارة إلا إلى شيء موجود، والبلد مخلوق (13) قبل إبراهيم (العليا) الإمام محمد بن أفلح بن عبدالوهاب الرستمي (ه) في خلق القُرآن، وهي موجودة في كتاب - الجواهر "، للإمام البرادي. واستدل على أن الجعل إذا أسند إلى الله كان بمعنى الخلق بكثير من الآيات الدالة عليه، كقوله تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) (سورة الأنعام: (1)، وقوله تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوجَهَا) (سورة الأعراف: 189)، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مبصراً} (سورة يونس: 67)، وقوله تعالى: {أَمَّن جَعَلَ الأَرضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَينَ البَحْرَينِ حَاجزاً} (سورة النمل: (61)؛ انظر: كتاب " الحق الدامغ "، ص 167 (10) من الأدلة على إتيان الجعل بمعنى الخلق، وهو معدى إلى مفعولين، قوله تعالى: {أَلَم نَجْعَلِ الْأَرِضَ كفاتاً} (سورة المرسلات: 25)، وقوله تعالى: {أَلم نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالجِبَالَ أَوتاداً وَخَلَقْنَاكُم أَزوَاجاً وَجَعَلْنَا نَومَكُم سُبَاتاً وَجَعَلْنَا اللَّيلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشَاً} (سورة النبأ: 6 (11)، وقوله تعالى: {وَجَعَلَ الشَّمسَ سِرَاجاً} (سورة نوح: (16)، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ أَيْتَينِ} (سورة الإسراء: (12)، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِبَاسَا والنومَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نَشُوراً) (سورة الفرقان: 47).
(11) صيرناه: التصير صفة للمخلوق، أي: صيره من حال إلى حال، وهذا لا يكون إلا في المخلوق، كما ذكر سماحة الشيخ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي سابقاً. (12) سورة البقرة: 126.
(13) معني واجعل} (سورة البقرة: (126)، في الآية الكريمة، هو جعل تشريعي، وقد بين سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي هذه القضية، فقال: " بأن الجعل المسند إلى الله إما أن يكون تكوينياً أو يكون تشريعياً، حيث قال: أنني تتبعت الجعل المسند إلى الله في القرآن، فوجدته لا يخرج عن أمرين، إما أن يكون تكوينياً، وإما أن يكون تشريعياً، وفي كل منهما إنشاء، لما لم يكن، فالجعل التكويني نحو قوله تعالى: {وَجَعَلَ مِنهَا زَوجَهَا} (سورة الأعراف: 189)، وقوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الفُلكِ وَالأَنعَامِ مَا تَرَكَبُونَ} (سورة الزخرف: (12)، وقوله تعالى: {وَجَعَلَ الشمس سراجاً)) (سورة نوح: (16)، والجعل التشريعي نحو قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً) (سورة البقرة: 124)، ومنه الجعل المنفي، كقوله تعالى: و مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ
- AY- (1/82)
صفحة 75
-
وهي. والله أعلم - أنها مكة، وكذلك قوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ} (14)، فهذا دُعاء منه ليجعله مقيم الصلاة (15)، ولا الله من لم يكن شيئاً مخلوقاً موجوداً، فانظر في ذلك ألا ترى إلى قوله تعالى: {أَلَم يَجعَل كَيدَهُم فِي تَضليل} (16)، معناه: ألم نصير كَيدَهُم فِي تضليل}، وكثير في آي القرآن تركت ذكره
يدعو
إختصارا.
وأما الجعل الذي معناه الخلق كقوله تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} (17)، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِتَسْكُنُوا فيه (18)، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنهَا زَوجَهَا} (19)، فهذا وكثير غيره في القرآن على معناه لم أعدده إختصاراً، والله أعلم بتأويل كتابه.
وأما قولك: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحدَث} (20)،
6
(سورة المائدة: 103)، أي: ما شرع بحرها، ومن الجعل التشريعي قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ} (سورة البقرة: 143)، والفرق بين الجعلين أن أولهما: هو إحداث ذات الشيء المجعول أو صفة قائمة به، لم تكن موجودة من قبل، وذلك يقتضي إخراج المجعول من حالة إلى أخرى، أو من صفة إلى غيرها، وهذا حاصل فيما إذا أسند الجعل إلى الإنسان، وكان بمعنى التصيير، نحو جعلتُ العجينَ خُبْراً، والدقيق عجيناً، فإنه في كليهما نقل للمجعول من حالة إلى حالة لم يكن عليها من قبل، فالدقيق قبل أن يجعل عجيناً لم يكن عجيناً، والعجين قبل أن يجعل خبزاً لم يكن خبزاً، ولا يفهم منه إلا أن المجعول تحول بعد الجعل عما كان عليه قبله؛ والثاني: أحداث شرع ينقل المجعول من حكم إلى آخر، ككون البيت الحرام قبلة للمسلمين، بعدما كان بيت المقدس قبلتهم "؛ انظر: كتاب " الحق الدامغ "، ص 169، 170.
(14) سورة إبراهيم: 40.
(15) معنى الجعل في هذه الآية، أي: اخلق في صفة إقامة الصلاة، وهذا الجعل، جعل تكويني.
(16) سورة الفيل: 2. (18) سورة يونس: 67. (20) سورة الشعراء: 5.
(17) سورة الأنعام: 1
(19) سورة الأعراف: 189
- AY- (1/83)
صفحة 76
التفسير: أن معنى الذكر، هو العبارة عن الشيء (21)، والعبارة عن الشيء هي غيره؛ وقيل: أن الذكر هو النبي، في هذا الموضع، والله أعلم، وهو مخلوق محدث، أي: فليس لك في هذا حجة، ويجوز أن يكون معناه: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكرٍ مِّنَ الرَّحمَنِ مُحدَث، أي: ينزل عليهم شيء، فالذي نزل بعد نزول الذي قبله فهو أحدث من الذي قبله، يعني حدوث نزوله عليهم، لا حدوث خلق له، لأن كلام الله تعالى قديم، ليس هو بمحدث، لأنه صفة من صفاته، لأن صفاته عز وجل ليست بمحدثه، ولا يدل هذا على خلق القُرآن (22)، لأن القُرآن هو كلام الله، ولو كان كلامه عز وجل مخلوقاً، لإحتاج إلى كلام غيره أن يخلقه به، لقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (23)، فيدل هذا أنه عز وجل لا يخلق جميع الأشياء إلا بقوله سبحانه وتعالى: " كوني "، فلو كان قوله: كن مخلوقاً، لإحتاج إلى قول آخر كذلك، إلى ما لا يتناها من الأقوال، إلى ما لا نهاية لذلك ولا غاية، فهذا من المحال، بل أن كلامه جل ذكره غير مخلوق، وهو صفة من صفاته، وقد ميزه عز وجل من الخلق بقوله سبحانه
"
(21) سبق تفسير معنى هذه الآية فيما سبق، نقلاً من كتاب " الحق الدامغ ". (22) يقول سماحة الشيخ العلامة أحمد. بن حمد الخليلي في كتابه "الحق" "الدامغ": " ومما يجب أن يستقر في الأذهان عند الحديث عن خلق القرآن أنه لا يقصد بالقرآن علم الله بما أنزله من كتبه على رُسُله. فإنه لا يماري أحد في قدم عِلمه تعالى بهذه الكتب إلا الذين قالوا بحدوث صفاته سبحانه، ولا يعباً أن قدم العلم لا يقتضي قدم المعلوم، فالله سبحانه عليم بكلام البشر علماً أزلياً، كما أنه عليم بكلامه، وعليم بكل مخلوقاته، فهو عليم بما كان، وما يكون، وما لم يكن، أن لو كان كيف يكون، ولكن لا يستلزم ذلك قدم شيء من هذه المعلومات بحال، ولذلك قال بعض السلف: القرآن حادث، وعلم الله به قديم "؛ انظر: كتاب " الحق الدامغ "، ص 103
بهم
، غير
(23) سورة يس: 82.
-^ {- (1/84)
صفحة 77
وتعالى: {أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمرُ} (24)، فالأمر كلامه سبحانه (25)،
(24) سورة الأعراف: 54.
(25) أورد سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في كتابه " الحق الدامغ " إستدلال القائلين بعدم خلق القرآن بهذه الآية، حيث قال سماحته: " قوله سبحانه وتعالى: و ألا لَهُ الخَلقُ وَالأمر كم} (سورة الأعراف: (54، وموضع إستدلالهم به، عطف الأمر على الخلق، وذلك أنهم قالوا: أن الخلق هو المخلوق، والأمر كلامه تعالى الذي هو غير مخلوق، وهو قوله تعالى: لو كن كه، و إنما أمره إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُون} (سورة يس: (82)، وفي هذه التفرقة بين الخلق والأمر
دليل على فساد قول من قال بخلق القرآن، إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقاً، لكان قد قال: أَلا لَهُ الخَلقُ وَالخَلَقَ، وذلك غث من الكلام، ومستغث ومستهجن، رُوي ذلك عن ابن عيينه، وذكره غير واحد من المفسرين منهم ابن أبي حاتم والقرم والقاسمي "؛ انظر: كتاب " الحق الدامغ "، ص 154، 155.
رطبي
ورد سماحته هذا الإحتجاج بقوله: " وفساد قولهم هذا أبين من أن يحتاج إلى بيان، فقد إستدلوا بغير دليل، وتعلقوا بغير متعلق، وَهُو إن دل على شيء فلا يدل إلا على الإفلاس من الحجة، والحيرة عن الحقيقة، وإنني لفي شك مُريب في صحة نسبة هذا الإستدلال إلى ابن عيينه مع رسوخ قدمه في العِلم، وطول باعه في الفهم، فقد إشتهر بين أقرانه بحسن الرواية، وعمق الدراية، ولئن كان ذلك ثابتا عنه فهي عشرة لا لعا لها، وكبوة لا ثورة بعدها كيف وهو إستدلال منتقض بنيانه متداعية أركانه من وجوه شتى، أولها: أن سياق هذا الكلام غير خارج عن القول في إنفراد الله تعالى بإيجاد الحادثات وتصريفها وفق مشيئته، فإن نص الآية كلها: هو إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرشِ يُعْشِي اللَّيلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَحْرَاتِ بِأَمرِه أَلاَ لَهُ الخَلَقَ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ} (سورة الأعراف: 54)، وغاية ما تدل عليه أن الله سبحانه وتعالى كما إنفرد بإيجاد الكون من العدم، فهو منفرد بتصريفه، لا مشارك لَهُ في خلقه ولا في تدبيره، إذ ليس لأحد غيره شيء من الخلق أو التدبير، بل له تعالى وحده هو الخلق والأمرُ، والمراد به هنا التدبير كما هو واضح وليس في ذلك ما يشير إلى قدم القرآن أو حدوثه ولو من بعيد؛ ثانيها: أن العطف لا يقتضي التغاير من كل وجه، بل يكفي فيه أن يكون التغاير إعتباريا، كتغاير الخصوص والعموم، والإطلاق والتقييد، وتغاير الصفات مع وحدة الموصوف أمثلة ذلك قوله سبحانه وتعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، ومن وَالصَّلَاةِ الوسطى} (سورة البقرة: (238)، فإن الصلاة الوسطى لم تخرج عن كونها من جنس الصلوات التي أمر بالمحافظة عليها، وقوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال} (سورة البقرة: (98)، ولا قائل بخروج جبريل وميكال من جنس الملائكة، وقوله جل وعلا: {تِلكَ آيَاتُ الكِتَابِ وَقَرآن مُبِين} (سورة الحجر: (1)، وقوله تعالى: {تِلكَ آيَاتُ القُرآنِ وَكِتَابٍ مُّبِين} (سورة النمل: (1)، والكتاب فيهما عين القرآن، وليس تغايرهما إلا إعتبارياً، وقوله عز من قائل: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدِلِ وَالإِحْسَانِ} (سورة النحل: 90)، ولا يماري عاقل في كون العدل إحساناً، والإحسان عدلاً؛ ثالثها: أن أمر الله تعالى ذكر في القرآن مقروناً بما يدل على خلقه، فقد قال عز وجل: {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفعُولاً) (سورة النساء: 47)، وقال سبحانه وتعالى: لِيَقضِيَ اللهُ أَمراً كَان مَفعُولاً} (سورة الأنفال: 42، 44)، والمفعول والمقضي لا يكونان إلا حادثين لتعذر سبقهما على الفعل والقضاء، وقال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ
1101 (1/85)
صفحة 78
=
والخلق (26) غير كلامه، فهذا أقوى دليل على إبطال حجة من قال: أن القرآن مخلوق، ودليل آخر قوله سبحانه وتعالى: {أَلَم تَرَ أنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بالحَقِّ} (27)، فالحق قوله عز وجل: كُن فَيَكُونُ} (28)، فدل هذا على أن كلامه عز وجل غير
قَدَراً مقدوراً} (سورة الأحزاب: (38)، وكيف يكون المقدور أزلياً، وقال الله سبحانه وتعالى: يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرض} (سورة السجدة: (5)، والمدبر حادث، وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةً كَلَمحَ بِالبَصَرِ} (سورة القمر: (50)، وقال الله سبحانه وتعالى: هَل يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَو يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} سورة النحل: 33)، وهو دليل على أنه لم يقع بعد عند نزول الآية، لأنه مُنتظر وقوعه، وقال سبحانه وتعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التنورُ} (سورة هود: (40)، وليس المراد به هنا إلا ما عاقب به قوم نوح من الغرق، والعقل والنقل قاضيان بحدوث ذلك؛ رابعها: أن أمره تعالى قد يُراد به في موضع من القرآن غير ما أريد به في موضع آخر، فهو في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ} (سورة هود: 40)، غير المراد به في قوله عز وجل: {أَتَى أَمرُ اللهِ فَلا تَستَعْجِلُوهُ} (سورة النحل: 1)، وقوله تعالى: {هَل يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَو يَأْتِيَ أَمرُ رَبِّكَ} (سورة النحل: 33)؛ خامسها: أن حمل الأمر في هذه الآيات التي أوردناها على القرآن غير مستساغ، لأنه من المعلوم قطعاً أنه ليس هو المراد بقوله تعالى: و أو يَأْتِيَ أَمرُ رَبِّكَ} (سورة النحل: 33)، وقوله تعالى: أَتَى أَمرُ اللهِ} (سورة النحل: (1)، وقوله سبحانه وتعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ} (سورة هود: 40)، وقوله سبحانه وتعالى: لِيَقضِيَ اللهُ أَمراً كَان مَفعُولاً} (سورة الأنفال: 42، 44)، وقوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مقدوراً} (سورة الأحزاب: 38)، فكيف يحمل في قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الخَلَقَ وَالأمرُ} (سورة الأعراف: (54، على القرآن، والسياق دال على خلافه "؛ انظر كتاب " الحق الدامغ "، ص 155 – 157
(26) تكررت كلمة (الخلق) مرتين في المخطوط. (27) سورة إبراهيم: 19
(28) أورد سماحة الشيخ أحمد. بن حمد الخليلي، هذا الإستدلال في كتابه " الحق الدامغ "، نقلاً من تفسير القرطبي " الجامع لأحكام القُرآن "، قال سماحته: " قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالحَقِّ} (سورة الحجر: (85، ووجه إستدلالهم به أن المراد بالحق الذي خلقها الله به، قوله لها: كُن)، فلو كان هذا القول مخلوقاً لما صح أن يخلق به المخلوقات، لأن الخلق لا يُخلق بمخلوق "، وجوابه من أوجه، أولاً: " أنا لا نسلم أن المراد بالحقِّ كم هنا ما ذكرتموه، فإن أولى ما فسر به القُرآنِ، القُرآن نفسه، لقطعية حجته، وقوة بيانه، وإتحاد مصدره، وقوله سبحانه وتعالى: ورَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلاً} (سورة آل عمران: 191)، دال دلالة قاطعة على أن المراد بالحق في الآية ضد الباطل، وأن المقصود باتصاف الله تعالى به في خلق السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ وَمَا بَيْنَهُمَا) إنتفاء العبث عن الله تعالى في أفعاله، وهو رد على ما يظنه الكفار من العبث في أفعاله تعالى، كما هو صريح في قوله تعالى: لو وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} (سورة ص: 27)، (1/86)
صفحة 79
=
مكان ليكون فيه وليستقر عليه، وأين خلق الله كلامه (29)، فيه عز وجل أم في غيره؟ فإن زعم هذا المُدعي لخلق القرآن أن الله خلق كلامه فيه، فقد جعل الله محلاً للحوادث، وهو عز وجل منزه عن ذلك لا يحل فيه شيء، ولا هو يحل في شيء، سبحانه وتعالى، وإن قال: خلقه في غيره، فلا يجوز ذلك على الله أن يتكلم بكلام غيره، وإن قال: خلقه لا فيه ولا في غيره، فهذا مُحال، لأن كلام الصفة لا يقوم بنفسه، فلما بطلت الوجوه الثلاثة، صح أنه متكلم بنفسه،
والقرآن صفة من صفات ذاته، سبحانه وتعالى.
فصل
•
فإن سأل سائل: عن قوله عز وجل: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ} (30)، ما معناه؟
لبَشر
قيل له: كلام الله وحيه، لقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلا وَحِياً أَو مِن وَرَاءِ حِجَاب} (31)، ويستوي
ثم قال سماحته: أن المراد بـ كُن) في نحو قوله تعالى: {إِنَّمَا قَولُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُون كم (سورة النحل: (40) التعلق التنجيزي لإرادته تعالى بأي شيء. الممكنات ء من إيجاداً أو إعداماً، ويُبين ذلك قوله تعالى: هو إِذَا أَرَدْنَاهُ، أي: إذا تعلقت به إرادتنا تعلقاً تنجيزياً فيما لا يزال، بعدما تعلقت به تعلقاً تقديريا في الأزل، فإن إذا كم من الظروف الزمانية الدالة على الإستقبال ويؤكده قوله تعالى: أن نقول له م بصيغة المضارع المقترنة بأن الدالة على الإستقبال أيضاً، ومن المعلوم قطعاً أن ما كان أزلياً لا تتعلق به الإرادة للزومه وعدم تقدم شيء عليه، كعلمه سبحانه وتعالى وقدرته وحياته، كما يؤكده أيضاً قوله سبحانه وتعالى: {فَيَكُون كم المقترن بالفاء المفيدة للترتيب والتعقيب، وبهذا تعلم أن قوله تعالى: و كُن فَيَكُونَ} أينما جاء ما هو إلا كناية عن سرعة إنفعال الأشياء له سبحانه حسب تعلق إرادته بها، وإلا فليس هناك نطق بكاف ونون نُطقاً حقيقياً؛ ثانياً: لو سلمنا ذلك فإن كلامنا في الكلام المنزل كالقُرآن لا في الكلام غير المنزل "؛ انظر: كتاب " الحق الدامغ "، ص 160 - 161. (29) خلقه الله في اللوح المحفوظ.
(30) سورة البقرة: 174.
(31) سورة الشورى: 51.
- AY- (1/87)
صفحة 80
أن يكون معناه - والله أعلم - لا ينزل عليهم رحمة، ولا يوحي إليهم
،
،
بقبول أعمالهم، ولا يُحاسبهم عليها، لأنه قد أحبطها وأبطلها لأنهم أشركوا به، واتخذوا من دونه أولياء، فولاهم ما تولوا لقوله تعالى: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (32)، ولقوله تعالى: {فَلا نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ وَزْناً} (33)، أي: ليس لهم عندنا حساب، لأنهم اتخذوا من دوننا أولياء في الدنيا، يعملون لهم من دوننا، لقوله سبحانه وتعالى: {فَاليَومَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُم فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَولاكُم وَبِئْسَ المَصِيرُ} (34)، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغنِيَ عَنهُم أَمْوَالُهُم وَلَا أَولَادُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُم فِيهَا خَالِدُونَ} (35)، وقد تبرأ بعضهم من بعض، وتقطعت بهم الأسباب عذراً لله، فهم الأخسرون أعمالاً، فـ {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ} (36)، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فصل
فإن سأل سائل: عن قوله سبحانه وتعالى: {وَنَضَعُ المَوَازِينَ القسط لِيَومِ القِيَامَةِ} (37)، وقوله سبحانه وتعالى: {فَمَن ثَقُلَت مَوَازِينه) (38)، و وَمَن خَفْت مَوَازِينَهُ} (39)، ما هذه الموازين
التي توضع يوم القيامة؟
(32) سورة النساء: 115
(34) سورة الحديد: 15. (36) سورة البق رة: 156.
(38) سورة الأعراف: 8، سورة المؤمنون: 102. (39) سورة الأعراف: 9، سورة المؤمنون: 103.
(33) سورة الكهف: 105. (35) سورة آل عمران: 116 (37) سورة الأنبياء: 47
-^^- (1/88)
صفحة 81
العدل من
قيل له - والله أعلم -: أن المَوَازِينَ القسط، يعنى بالقسط: الله تعالى بين عباده، والموازين بعض من أهل العلم يزعم أنه يُنصب ميزان يوم القيامة له كفتان وله لسان، وتوزن من الأعمال الخواتم، فالخير جزاءه الخير، والشر جزاءه الشر، وبعض من أهل العلم لا يُثبت ذلك، إنما معنى الميزان حُكم الله وقضاءه بين عباده، لأنه عالم بثقل الأعمال وخفتها من غير وزن، وهو الغني عن الميزان لذلك، إنما معناه الحكم من الله تعالى كقوله عز وجل: {وَالوَزن يَومَئِذٍ الحَقُّ} (40)، إلى تمام الآية، والله أعلم بتأويل كتابه
فهذا ما حضرني من هذا الفن، ومن الرد فيه على من يجادل في هذا العلم، وأنا مع ذلك أستغفر الله تعالى، وتائب إليه، وراجع إليه، ونادم من جميع ما خالفت في تأليفي هذا، وفي غيره الحق والصواب، ودائن لله تعالى بجميع ما يلزمني فيه الدينونة لله تعالى، الله من جميع ما تعبدني به من ولاية أوليائه، وعداوة أعدائه، وقد توليت من قد تولاه الله ورسوله الله والمسلمون، وبرنت ممن بريء الله ورسوله الله والمؤمنون، ودائن لله تعالى بالوقوف عن الشبهات، حتى أعلم حلال ذلك من حرامه، ودائن لله تعالى بالسؤال عن جميع ما يلزمني فيه السؤال من جميع ما إفترضه لله بأداء جميع ما يلزمني أداءه لله تعالى، أو لعباد الله تعالى ومعتقد ألا أعود إلى ذنب أبداً، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، وأنا أستغفر تعالى من كل ما كان سيئة عند الله مكروهاً، وتُبت إلى الله من كل
منه
ودائن
(40) سورة الأعراف: 8.
الله علي،
6
الله
-^9 - (1/89)
صفحة 82
قول وعمل خالفت فيه أو في شيء منه الحق والصواب، وقولي في جميع الأشياء كلها قول المسلمين، وديني دينهم، وولي وليهم، وعدوي عدوهم، وعلى ذلك أحيا، وعلى ذلك أموت، وعلى ذلك ألق الله غداً إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،
وصلي
الله على نبينا محمد وعلى آله
وسلم
• (1/90)
صفحة 83
وكان تمام هذه النبذة في التوحيد، على يدي المؤلف لهذا الكتاب الشيخ الرضي الثقة العدل الولي سليمان بن بلعرب بن محمد بن بلعرب بن محمد بن أبي القاسم بن يزيد بن يعرب بن محمد بن يعرب بن محمد بن أبي بكر آلبوسعيدي نسبا، والأباضي مذهباً، والحممتي (1) بلداً ومسكنا، غفر الله له ولوالديه يوم يقوم الحساب، وصلى الله على رسوله محمد وآله وصحبه وسلم، وألفه وهو يومئذ في قرية دبا (2)، وهي من ناحية الشمال من بر عُمان، وفي خدمة وليه في الله والي الإمام راشد بن عبدالله بن راشد الحضرمي القاروتي (رحمه الله) وهو يومئذ وال على قرية الصير (3) ونواحيها، وهي جلفار من أطراف بر عُمان من الشمال، قد ولاه على ذلك الإمام الأمجد، ذو المجد والسؤدد، إمام المسلمين وبقية من تمسك بالدين، سلطان بن سيف بن مالك بن بلعرب بن سلطان بن أبي العرب بن مزاحم اليعربي (4)، نسبا،
(1)
الحممة وهي قرية الجناة.
:
بوادي بني رواحة بولاية سمائل. (2) دبا: هي قرية بمنطقة مسندم، من شمال عُمان
(3) الصير: منطقة رأس الخيمة، وكذلك كانت تسمى جلفار (4) هو الإمام. سلطان مالك سيف بن
له بن بلعرب اليعربي، ابن عم الإمام ناصر بن مُرشد، بويع لا بن بالإمامة في اليوم الذي مات فيه الإمام ناصر، وهو يوم الجمعة لعشر ليال خلون من ربيع ا الآخر سنة لمسين وألف سنة، فقام بالعدل، وشمر وجاهد في ذات ا؛ واختلف في وفاته، قيل: أنه توفي ضحوة الجمعة في يوم سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وخمسين وألف، وقيل: توفي ليلة ست عشرة من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وألف سنة، فتكون مدة إمامته إحدى وأربعين سنة، وسبعة أشهر، وخمسة أيام، وهذا رجحه العلامة السالمي (رحمه الله؛ انظر: كتاب " تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان "، للعلامة نور الدين السالمي، الجزء الثاني، ص 45، 46، 47، الناشر مكتبة الإستقامة؛ وانظر: كتاب " الفتح المبين في سيرة السادة آلبوسعيديين "، للمؤرخ حميد بن محمد بن رزيق، ص 284، الناشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سنة 1404 هـ /
1984 م.
-91 - (1/91)
صفحة 84
والأباضي مذهباً، والوبلي (ه) مولداً، والرستاقي (6) مسكناً، أدام الله لنا وجوده، وخلد الله ملكه، اللهم صلي على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
(5) وبل: هي قرية من أعمال ولاية الرستاق. (6) الرستاق: ولاية من ولايات سلطنة عُمان، بمنطقة الباطنة، ولكنها شمال الجبل الأخضر. (1/92)
صفحة 85
القسم الثاني
في معرفة ما يسع جهله وما لا يسع جهله (1/93)
صفحة 86
M
الباب الأول
في معرفة ما لا يسع جهله وما يسع جهله
فأول ما لا يسع جهله على كل حال، معرفة الله تعالى، أنه لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} (1)، وأنه هو الخالق والرازق، وأنه {هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (2)، وأنه لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (3)، وأنه لا تُدركهُ الأَبصَارُ وَهُوَ يُدركُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللطيف الخَبِيرُ} (4)، وأنه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (5)، وأنه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (6)، وأنه ليس بذي مكان، ولا تجري عليه الدهور ولا الأزمان، وأنه يكل عن تكييفه كل جنان، وعن صفته كل لسان، لا يشبه خلقه، ولا يشبهه خلقه، وأنه المحيط بخلقه، ولا يُحيط به خلقه، وأنه و هُوَ الأَوَّلُ وَالأَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ} (7)، وأنه ليس
له شريك، ولا وزير، ولا مُعين، ولا مُشير، وليس له ضد ولا ند، وأنه واحد أحد، فرد صمد و لَم يَلِد وَلَمْ يُولَد وَلَم يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدُ (8)، وأن له ثواباً لا يشبهه ثواب، وعقاباً لا يشبهه عقاب،
(1) سورة البقرة: 255
(3) سورة الشورى: 11 (5) سورة البقرة: 29، 231، 282 (6) سورة البقرة: 20، 106، 109 (7) سورة الحديد: 3.
(2) سورة البقرة: 163 (4) سورة الأنعام: 103
(8) سورة الإخلاص: 3، 4.
-90 (1/95)
صفحة 87
وأنه هُوَ يُحي وَيُمِيتُ} (9)، وهو حي لا يموت، بيده الخير وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (10)، وأنه يَبْعَثُ مَن فِي القُبُورِ} (11)، ليوم النشور، ويعلم ما في الصدور، وإليه ترجع الأمور.
ثم معرفة نبيه محمد، أنه رسول الله ونبيه وصفيه وأمينه على وحيه، أرسله بالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ} (12)، وأن جميع الذي جاء به محمد من عند الله فهو الحق مُجملاً ومُفسراً، لا شك في ذلك ولا ريب
ثم الإيمان باللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} (13).
ثم
معر
فة عدو
الله
إبليس - لعنه الله - أنه عدو لك فعاديه، لأن
معاداته عليك فريضة، ولا يسعك جهلها، لقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الشَّيْطَان لَكُم عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} (14).
ثم معرفة نفسك الأمارة بالسوء، لأنها الأمارة بالسوء، فيجب عليك مخالفة أمرها، لأن طاعة شهواتها أضر عليك من طاعة إبليس - لعنه الله -.
ومنه ما يسع جهله ما لم يُذكر، فإذا ذكر لم يسع جهله، كالساعة والجنة والنار والبعث والحساب والعقاب، وكلما لا يلزم العبد الإيمان به في الجملة، ما لم يُذكر لم يلزمه فيه شيء، وإذا ذكر عنده وقامت عليه الحجة لزمه، فإن شك في شيء مما ذكرنا بعد قيام
(9) سورة الأعراف: 158، سورة يونس: 56. (10) سورة البقرة: 29. (12) سورة التوبة: 33، سورة الصف: 9. (13) سورة البقرة: 285.
(11) سورة الحج: 7.
(14) سورة فاطر: 6.
-99 - (1/96)
صفحة 88
الحجة عليه كفر، ولا يعذر بجهله فيه بعد ذلك، ويلزمه الإيمان والتصديق به، ومنه ما يسع جهله، ما لم يحضر وقته، فإذا حضر وقته لم يسع جهله، ولزم العبد القيام به، وإن شك فيه بعد حضور وقته أو جحد فرضه كفر بذلك، وحل قتله على الجحد لفرض ذلك، إن لم يتب ويرجع إلى العمل به والتصديق به، وهو مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج.
فالصلاة يسع جهلها، ما لم يحضر وقتها، فإذا حضر وقتها لم
يسع جهلها، ولزم العبد القيام لها بكل ما يُصلحها، مثل الطهارة
6
والوضوء ولبس الثياب الطاهرة والمكان الطاهر، واستقبال القبلة وغير ذلك مما جاء فرضه في القُرآن لفعل الصلاة، ولزمه تأديتها في وقتها، ذلك فإن لم يؤدها وشك فيها أو في شيء مما ذكرناه مما لا تقوم الصلاة إلا به كفر بذلك
وكذلك الزكاة، يسع جهلها ما لم يكن للمرء مال تجب فيه الزكاة، فإذا حدث له مال تجب فيه الزكاة، لم يسعه جهل الزكاة، ولزمه تأديتها لأهلها الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه، فإن شك فيها بعد ذلك أو جحد فرضها كفر بذلك، ويُقتل إن لم يتب من الجحدة لفرضها، وإن لم يجحد فرضها إلا أنه أخرها، لم يكفر بذلك حتى يموت، ولم يؤدها مات هالكاً إذا لم يوص بها
وكذلك الصوم إذا حضر وقته، وهو شهر رمضان، لم يسع جهل صيامه، ولزم العبد صيامه، إذا كان حاضراً غير مُسافر،
صحيحا غير مريض،
، بالغاً غير صبي
،
،
عاقلاً غير مجنون، فإن شك
فيه أو جحد فرضه، كفر بذلك ولم يعذر بجهله فيه
-4 V- (1/97)
صفحة 89
وكذلك الحج، يسع جهله لمن لم يستطع إليه سبيلاً، فإذا استطاع المرء إلى الحج سبيلاً، لم يسعه جهله ولزمه أداؤه بجميع ما فيه من الحدود التي نطق بها القُرآن، وإن شك فيه أو جحد فرضه، عليه كفر بجحده لفرضه، وإن أخره ولم يجحد فرضه، لم يكفر بذلك حتى يموت، فإن مات ولم يحج ولم يوص بحجة مات هالكاً والله أعلم بذلك
والخمر، لا يسع جهل تحريمها لمن شرب منها، وهو يعرف إنها خمر، ويسع جهل معرفتها، وإن قال: لم أعلم أنها حرام، وهو يعرفها أنها خمر، لم يعذر بذلك، ولم يسعه جهل ذلك، وعليه ما على المرتكبين لما حرم الله تعالى.
وكذلك لحم الخنزير، لم يسع جهل تحريمه وهو حي، إذا عرفه أنه لحم خنزير، ويسعه إذا لم يعرفه أنه لحم خنزير، ووجده لحماً مقطعاً عند أحد من المسلمين، فيسعه جهله، وجائر له الشراء منه والأكل له، وأما إذا كان الخنزير حياً، فلا يسعه أن يأكل من لحمه، ولو لم يعرفه أنه خنزير، لأنه لا يسعه أن يأكل لحم حيوان لم يعرفه ما
ويسع الرجل أن يتزوج من النساء ما أراد، إذا لم يعرف النسب وجهله وجهل الرحم، فإذا علم ذلك لم يسعه جهل ذلك، ويسع جهل أصحاب البدع ما لم يعلم بدعهم وكفرهم، فإذا علم كفرهم
وبدعهم، وقامت عليه الحجة بذلك لم يسعه جهل ذلك، وعليه أن يبرأ منهم وممن تولاهم على بدعهم وكفرهم، وأهل البدع هم جميع
-94 - (1/98)
صفحة 90
أهل الخلاف لدين الإستقامة من الفرق الإسلامية (15)، وأهل الكفر هم جميع ملل الشرك كالمجوس واليهود والنصارى والصابئين وغيرهم من جميع ملل الشرك، لا يسع جهل تكفيرهم وتضليلهم، لمن عرفهم وعرف ذلك منهم، وقامت عليه الحجة بذلك
ولا يسع جهل كل ما تنتقض به الطهارة والصلاة والصوم والحج، فيُحال جميع ذلك، ولزوم العمل به ويلزمه تأدية ذلك، إذا حضر وقته وهو كلما جاء في الكتاب والسنة أنه ينقض جميع ما ذكرناه، فلا يسع جهله على شرط ما ذكرنا من ذلك
ولا يجوز جهل تحريم المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخنزير}، ولحم ما أُهل به لغير الله، إذا عرف ذلك، {وَالمُنخَنِقَةُ وَالمُوقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُم} (16)، من ذلك ولا يسع جهل تحليل جميع ذلك للمضطر إليه.
ولا يسع جهل تحريم الأنجاس، لمن لاقى ذلك وإبتلى به، وهو
يعرفه.
العمد
ولا يسع جهل تحريم الزنا، لمن فعله، وهو يعلم إنه زان على
ولا يسع جهل تحريم الميسر والأنصاب والأزلام، إذا ذكر فعل ذلك، فلا يسع جهل تحريمه
(15) الفرق الإسلامية: المُراد بذلك جميع من. خالف الكتاب العزيز، والثابت الصحيح. النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وإجماع المسلمين (16) سورة المائدة: 3.
السنة، من
– 99 - (1/99)
صفحة 91
ولا يسع جهل تحريم الربي، لمن أربا على أحد في البيع ولا يسع جهل فرض الغُسل من الجنابة، والحيض والنفاس، والطهارة من جميع النجاسات إذا حضر وقت صلاة أو صوم أو غير
ذلك من جميع ما لا يصح العمل له إلا بالغسل من جميع ذلك.
ولا يسع جهل التيمم للصلاة والصوم، إذا حضر وقتهما مع عدم الماء، وكذلك الذبيحة لا يسع جهل التيمم لها مع عدم الماء، إذا إحتاج أحد إلى ذلك
ولا يسع جهل تعليم ما لا يصح فعل الصلاة إلا بقراءته من القُرآن
وأما الأحكام والقسم للمواريث يسع جهل ذلك، ما لم يل ذلك أو يُعطل شيئاً من حدود الله في ذلك، فإذا تولى ذلك، فلا يسعه جهل معرفته، فيحكم أو تقسم بغير ما أمر الله به من الحكم بين الناس، والقسم بين الورثة
ولا يسع جهل الولاية لأولياء الله في الجملة، والبراءة من أعداء الله في الجملة، وأما إذا لم تعلم من شخص بعينه خيراً ولا شراً، فيسعك أن تقف عن الولاية له والبراءة منه، وقوف دين حتى تعرفه، إن كان ولياً توليته، وإن كان عدواً عاديته وبرأت منه بما يوجبه فيهما
الحق.
ولا يسع جهل تحريم الجمع بين الأُختين في التزويج، وتزويج الخامسة على الأربع. (1/100)
صفحة 92
ولا يسع جهل تحريم الوطء في الحيض على العمد، إذا كان
عالماً بالحيض
ولا يسع جهل تحريم جميع ما حرم الله في كتابه، وتحليل ما أحل الله في كتابه من جميع ما ذكرناه في كتابنا هذا، وما لم نذكره، لأني أقصر عن الإحاطة بجميع ذلك، وهذا الذي ذكرناه فيه كفاية، لمن الله له فهمه، وأعانه على حفظه، وتقيس عليه ما كان على يسر معناه، مما لم نذكره، مما ورد بذلك الكتاب والسنة، {وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ) (17)
(17) سورة البقرة: 213، سورة النور: 46
-1.1 (1/101)
صفحة 93
=
الباب الثاني
في الطهارات والوضوء والتيمم وغسل النجاسات والغسل من الجنابة وأحكام الطهارات وغير ذلك من الطهارات
قيل: أن كل نجس حرام، وكل حرام نجس، إلا ما كان أصله طاهراً كالحب والتمر والدراهم والثياب الطاهرة والأواني الطاهرة والأرض الطاهرة وغير ذلك مما يُشابهه إذا اغتصب أو سُرق صار حراماً وحكمه الطهارة في المس له.
مسئلة: وأما الذي نطق بتحريمه القُرآن فهو نجس كله كالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله والخمر والميسر والأنصاب والأزلام والأوثان كل هذه الأشياء نجسة ومسها ينقض الطهارة (1)، وأما الخنزير شعره ليس بمحرم، وحكمه الطهارة إذا طهر بالماء بعد جزه من الخنزير، واللحم من الخنزير لم يطهر، ولو طهر بالماء، لأنه لا يحل، وهو حرام أبداً، إلا أن نحب للمتوضيء أن يجتنب مس تنزهاً له، لأن الشعر مجاور للنجاسة، وهي اللحم والدم والجلد (2) من
ذلك
(1) من المعلوم أن نجاسة الأنصاب والأزلام والأوثان والميسر معنوية، وليست حسية، لأن المولى عز وجل ذكر أنها رِجْسٌ مِّن عَمَلِ الشَّيْطَانِ} (سورة المائدة: 90). (2) إختار المصنف (رحمه الله النجاسة، وهذا الرأي أقرب إلى قواعد الأصول؛ قال في الإيضاح: " الثاني من أنواع النجاسات المتفق عليها، لحم الخنزير، وذلك أن لحمه وشحمه وجلده وشعره كله نجس محرم، والدليل قوله سبحانه وتعالى: {قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَن يَكُونَ مَيتَةً أَو دَماً مسفوحاً أو لحم خنزير فَإِنَّهُ رِجَسٌ أو فسفًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (سورة الأنعام: 145)؛ وعودة على اقرب المذكورين وهو الخنزير، أولى من عودة على أبعد المذكورين وهو اللحم، والدليل أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بعثت لقتل الخنزير وإراقة الخمر "، رواه أحمد؛ ولو كانت الذكاة تعمل في شحمه وسائر أجزائه
-17 - (1/103)
صفحة 94
الخنزير.
مسئلة: والمشركون نجس ومسهم ينقض الطهارة إذا كان الماس أو الممسوس رطباً لقوله تعالى: {إنما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (3)، فإن عارض مُعارض وقال أنهم طاهرون ولا ينجس منهم إلا قلوبهم، واحتج بقوله تعالى: {وَلَقَد كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (4)، فالمكرم لا يكون
نجساً؟
قيل له: أن قلوبهم منهم، كيف كرمت أجسادهم ولم تكرم قلوبهم، والقلوب أحق بالكرامة من الأجساد، وكيف أخرجهم معني
هذه الآية من التنجس، ولم يخرجهم من النار، والنار لا يدخلها إلا كان خبيثاً لقوله تعالى: لِيَمِيرَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ من الخَبيثَ بَعضَهُ عَلَى بَعضٍ فَيَركُمَهُ جَمِيعاً فَيَجَعَلَهُ فِي جَهَنَّم} (5)، أعاذنا الله منها؛ قيل: معنى هذه الآية: أن الذين يدخلون النار خبيثون، والخبيث لا يكون إلا نجساً لقوله سبحانه وتعالى: {وَيُحَرِّمُ
عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ} (6)، فكل خبيث حرام، وكل حرام نجس (7).
فإن قال: أن النار يدخلها المشركون وغيرهم من أهل المعاصي،
كيف خصصت أنت المشركين بالنجاسة من سائر أهل المعاصي؟ غير اللحم، لبينه رسول الله، ولكن لا تعمل الذكاة في سائر أجزائه، كما لا تعمل في اللحم، والمتناول لسائر أجزائه غير اللحم لا يخلو أن يتناوله وهو حي أو يتناوله وهو ميت، فإن أخذوه وهو حي فهو ميتة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة "، وإن أخذوه وهو ميتة فهو أيضاً ميتة، لعدم الذكاة فيه، وقتله وذكاته سواء، والله أعلم؛ انظر: الشماخي: الإيضاح: 329/ 1 - 330، طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سنة 1983 م.
(3) سورة التوبة: 28 (5) سورة الأنفال: 37.
(4) سورة الإسراء: 70.
(6) سورة الأعراف:
157:
(7) كُل نجس حرام، وليس كل حرام نجساً، كالذهب والحرير، مُحرماً على الرجال، وليس بنجسين. (1/104)
صفحة 95
قيل له: لأن الله سبحانه وتعالى خصهم بقوله: {إِنَّمَا المُشركُونَ نَجَسٌ) (8)، ولم يقل أن جميع أهل المعاصي نجس، فليس لك في هذا حجة، وهم نجس ما مسوه رطباً أفسدوه وثيابهم التي يلبسونها نجسة وما كان منهم من رطوبة فهو نجس كالعرق والبزاق والدموع والمخاط والفيح والخليس وغير ذلك، وأما إذا مسوا يابساً فلا بأس بذلك، إذا كانوا هم أيضاً ليست بهم رطوبة، وجميع ما يبيعونه من الأشياء الجامدة اليابسة حلال طاهرة، إذا كانت في الأصل حلالاً كالثياب والحب والبزار مثل الفلفل والقرح والكركم والقرفا والقرنفل والهيل وغير ذلك مثل الأواني من الخزف والأزورد والصيني والخشب والصفر والحديد وغير ذلك إذا لم يكن فيها أثر نجاسة أو لم تعاين أنت أنهم مسوا ذلك برطوبة إذا لم تكن من الأواني التي يستعملونها هم بحوائجهم، فإن تلك نجسة، والثياب المقموطة إذا أخذت من عندهم طاهرة يصلي بها من غير تطهير لها، وقيل: ولو خاط مشرك ثوباً لمسلم ولم يمسه برطوبة ولم يبل الخيط بريقه
تجوز الصلاة به، ولو لم يطهر إذا لم تكن فيه نجاسة قائمة.
مسئلة: وأنجس الأنجاس عندنا الغائط (9)، ثم الميتة ثم الدم المسفوح وهو ما خرج من جرح أو طعنة أو شجة أو رعاف أو حيض أو نفاس أو غير ذلك، مما سفح من الدم من إنسان أو دابة أو طير أو غير ذلك إلا السمك، فإن دمه طاهر لمعاشه في الماء الطاهر الحلال.
6
(8) سورة التوبة: 28
،
(9) هذا قول، والقول الثاني: أن البول هو أنجس الأشياء، لأنه نجس من كل البهائم بلا إستثناء؛ قال
العلامة نور الدين السالمي في كتابه " جوهر النظام " ما نصه:
والبول هو انجس الأنجاس
وبعده
فالدم فالجنابة
وغائط يليه في القياس فسائر الأشياء المسترابة
11401 (1/105)
صفحة 96
وميتته حلال إلا الغيلم فإن ميتته حرام ودمه نجس، لأنه يعيش في البر وفي البحر ولا يحل إلا بالتذكية كسائر الصيد البري (10)، وأما مثل البعوض والضمج والقردان والبراغيث فإن دمها مستجلب غير مسفوح وهو شائع غير حكم المسفوح.
مسئلة: ثم أنجس الأنجاس بعد ذلك الجنابة، ثم البول ثم الدم الشائع إذا كان مقدار الظفر في الثوب، وإن كان متفرقاً إذا كان، إذا جمع يجيء كعرض الظفر إلى ما فوق ذلك، وما كان أقل من ذلك
فهو طاهر، لأنه دم شائع قليل لا حكم له، والله أعلم.
مسئلة
: وقال بعض الفقهاء: إن أنجس الأنجاس الجنابة ثم البول ثم الدم المسفوح، وأنجس منها الغائط، وفيه أيضاً إختلاف
مسئلة
: ومن كان في ثوبه هذه النجاسات كلها وحضره وقت الصلاة ولم يجد ماء ليغسله، ولم يجد ثوباً غيره ليصلي به كيف يفعل؟
قيل له: يممه بالتراب ويُصلي به، وقيل: ليس عليه أن يُيممه ويصلي به، ولا يُصلي عارياً، والله أعلم
مسئلة
: ومن كان معه أربعة أثواب وفي واحد منهن جنابة، وفي الثاني غائط، وفي الثالث بول، وفي الرابع دم مسفوح، بأيهن يُصلي إذا لم يجد إلا هذه الأثواب المذكورة؟
(10) إختلف في الفيلم، وهي السلحفاة، فقيل: بري، وعلى هذا فلا تحل إلا بالتذكية، ودمه نجس، وميتته حرام نجسة، وقيل: بحري، فلا تنجس شيء منه) ولا تُذكي، وقيل في ميتته: أن حكمها حكم المكان الذي ماتت فيه، هل البحر أم البر، قال العلامة نور الدين السالمي في كتابه النظام "، ما نصه: والخلف في الفيلم قيل بري وقال قوم من صيود البحر
جوهر
1 (1/106)
صفحة 97
=
فيجري في مثل هذا إختلاف من أهل العلم، فقال بعض: يُصلي بالثوب الذي فيه الدم ثم البول ثم الجنابة ثم الغائط، وقال بعض: يُصلي بالثوب الذي فيه الدم إذا لم يكن مسفوحاً، وعلى ما ذكرنا من الترتيب، وأنجسها الدم المسفوح، وقال بعض: يُصلى بالثوب الذي فيه الجنابة ثم البول ثم الغائط، وقال بعض: البول أشد نجاسة من جميع ذلك، والله أعلم، وقال بعض: أن أنجس الأنجاس البول ثم العذرة ثم الدم ثم الجنابة والأبوال كلها نجسه.
مسئلة: والدم المسفوح نجس وإن كان قليلاً بمقدار وخزة الأبرة أو أقل من ذلك ما بلغ إليه النظر، نظر الناظر إليه، وأوضح أنه أصاب شيئاً من الطهارات ولو لم يبلغه نظر من ناظر وهو نجس، كما قال الشيخ أحمد بن النظر (11) (رحمه الله)
:
والجسد المسفوح رجس ولو كان كوخز الأبر السمر
(11) الشيخ أحمد بن النظر: هو العالم الفذ، والفقيه المحيط، أبو بكر أحمد بن سليمان بن عبدالله بن العالم الكبير الخضر بن سليمان، جد أبيه، ومن قبيلة بني النظر، التي نسب
أحمد
، من
سلالة
إليها لشهرتها، وقد كان مسكنه مدينة سمائل، وكان بيته بالجابية الفوقية شرقي الجامع. وعن تاريخ حياة ابن النظر، غير معروف، فمن الباحثين المؤرخين من يرى أنه عاش في منتصف القرن الخامس الهجري الثاني عشر الميلادي، ومنهم من يرى قبل تولي الإمام محمد بن غسان، وكان ذلك قبل القرن الخامس الهجري) الحادي عشر الميلادي، ومنهم من يربط تاريخ حياته بإمامة خنبش بن محمد، وعلى أي حال فإن إمامته كانت زمن النباهنة، وهي فترة واسعة زمانها خمسمائة عام، وإذا أخذنا في الإعتبار حياة جده الأكبر الخضر بن سليمان، المقيدة في بعض مؤلفاته بعام 530 هـ / 1136 م، فإنه يجوز لنا القول بأن الشيخ أحمد بن النظر قد عاش في القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي)، ونشأ ابن النظر مع. هذه الفترة، وقد تعلم على يد الشيخ مبارك بن سليمان بن ذهل، وأخذ. عنه الشعر وعلوم اللغة، وكان ابن النظر نابغة، فحفظ من الشعر العربي. ما يقرب من أربعين ألف بيت، غير القصائد الطوال التي حفظ منها ما لا يُحصى له عدد، وبدع في العلم بسير العرب وتواريخهم ومحاوراتهم، وظهرت شاعريته، فنظم الشعر وهو صغير دون الثانية عشرة من عُمره، ويُقال: أنه كان يُنظم القصيدة الطويلة مع ليلة واحدة، ولم تقف قدرات ابن النظر عند حد النظم والشعر، فقد عُني بالتأليف، فكان له كتاب " سلك الجمان في سيرة أهل عُمان "، مُجلدان، وكِتاب " الوحيد في نقد التقليد "، مُجلدان، وكتاب " قري
- 107 - (1/107)
صفحة 98
مسئلة
: وأما الدم الشائع لا ينجس منه
منه إلا ما كان مقداره
كظفر الإنسان كان مجتمعاً أو مُتفرقاً إذا حمل بعضه على بعض وصار
كالظفر فينجس ما كان قد حصل فيه من ثوب وغيره.
مسئلة
وإذا أصاب الإنسان جرح في جسده، فلم ينقطع دمه، وحضر وقت الصلاة، والدم يجري وقد أصاب ثوبه منه ولم يمكنه غسله، فإنه يُصلي به على ما أمكنه، وإن كان ثوبه لم يصبه شيء فليتوقى ذلك أن يُصيب الثوب منه شيء، وإن قدر أن ينقيه ويُصلي، وإن لم يقدر إلا جالساً، وإن أمكنه السجود سجد،، فعل
قائماً
6
وإن لم يمكنه ذلك أومئ، وإن أمكنه غسل الجرح غسله، وإن لم يمكنه ذلك وأمكنه أن يغسل ما حوله غسل ذلك، ويتوضيء ويُصلي ويُنقي ثيابه أن يصيبها شيء منه، وإن كان جرحه في شيء من جوارح الوضوء فإنه يغسل ما حوله وتيمم، ويُصلي على ما أمكنه على ما
ذكرنا من الإمكان له، والإتقاء للثياب منه، والله أعلم
مسئلة: وإن أصاب ثوبه شيء من الدم وهو يُصلي، فسدت صلاته، وإن أمكنه أن يحشي جرحه الذي لم يقرى (12)، دمه ه بشيء أحشاه، لئلا يُصيب ثيابه من شيء، وجائز أن يجمع الصلاتين بالتمام
•
في وقت واحد، إذا لم ينقطع دم جرحه ذلك البصر في جمع المختلف من الأثر "، أربعة مجلدات؛ انظر: كتاب " الدعائم "، للشيخ أبو بكر
أحمد بن النظر العُماني، بشرح العَالِم محمد بن وصاف، الفقيه العُماني، الجزء الأول، المقدمة. ويروي الشيخ نور الدين السالمي (رحمه الله في كتابه " تُحفة الأعيان ": أن خردلة بن سماعه بن محسن، ويُقال: أنه من النباهنة، هو الذي قتل الشيخ ابن النظر، حيث أمر جنده أن يلقوه من كوة قصره، وكانت شديدة العلو، فوقع إلى الأرض ميتاً، (رحمه الله)، وهو مع الخامسة والثلاثين من عمره، بعد أن خلف عِلماً واسعاً في عُمر قصير؛ انظر: كتاب " تحفة الأعيان "، الجزء
الأول
، ص 354 - 256
(12) لعل المراد به: ينقطع.
- 108 - (1/108)
صفحة 99
مسئلة: والمبطون أيضاً يجوز له جمع الصلاتين بالتمام في وقت واحد، ويتيمم إذا كان بطنه لا يستمسك ساعة حتى يتوضأ ويصلي، ويحفر في الأرض حفرة ويقعد عليها، ويُصلي بالإيماء لئلا يصيب ثيابه شيء من النجاسة فتنتقض صلاته، والمستحاضة كالمبطون في الصلاة، والجمع وغيره إذا كان دمها لم ينقطع وهو جاري، والله أعلم. مسئلة: وأما دم البعوض ففيه إختلاف، فقول: أنه طاهر كثيره وقليله، وقول: ما كان في المقدار كعرض الظفر إلى ما فوق ذلك فهو نجس، ودون ذلك طاهر، وهو كالدم الشائع، وأكثر القول عند أصحابنا: أنه طاهر قليله وكثيره، والله أعلم، كما قال الشيخ
أحمد بن النظر الحميري السمؤلي العُماني (رحمه الله وغفر له):
وما دَمُ الجرجيس (13) في قلة بمفسد يوما ولا كثره والجرجيس: أرجو أنه البعوض، وكذلك دم اللحم طاهر بعد غسل المذبحه والمنحر من الذبيحة، وأما البرغوث والضمج والقردان ففي دمها إختلاف، كدم البعوض، وأشار الشيخ أحمد بن النظر (رحمه الله أن يكون طاهراً في أكثر قول المسلمين، والله أعلم.
:
مسئلة وبعض من أهل العلم، حرم جميع الدماء مُجملاً، إلا ما قام دليله أنه طاهر، كدم السمك والكبد واللحم بعد غسل المذبحة
من الذبيحة، وما عدا ذلك كله حرام، لقوله تعالى: حُرمت
عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ} (14)، وأما الذي قال: أن دم هؤلاء طاهر
(13) المراد به: البعوض، وقيل: أن دم البعوض نجس. (14) سورة المائدة: 3
،
-1.9_ (1/109)
صفحة 100
أعني البعوض والبراغيث والضمج والقردان، أن يقول: إنما هو دم مستجلب، لا هو منها، بل إجتلبته من غيرها، وأنه غير مسفوح،
واحتج بقوله تعالى: {قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيتَةً أَو دَماً مَّسْفُوحاً} (15)، حرم الدم بشرط أن يكون مسفوحاً}، وما عدا ذلك من الدماء فهي طاهرة، وكل أقوال المسلمين صواب، والله أعلم.
مسئلة: وأما الخليس: وهو الدم المهتاس الذي يخرج من القروح في الجسد والقيح فهما طاهران إذا لم يكن دم خالص صريح لا شك فيه أنه دم لإخليس، والله أعلم.
مسئلة: وأما بنوا آدم فحكمهم الطهارة أجمع إلا المشركين منهم فإنهم نجس، والجنب والحائض والنفساء والمستحاضة حكمهم الطهارة إذا لم يكونوا مُشركين، وأما إذا مروا قدام المصلي قطعوا عليه صلاته في أقل من خمسة عشر ذراعاً إذا لم يكن بينه وبينهم سترة، ولا ينجس منهم إلا موضع الأذى، وما أصاب أبدانهم من النجاسة فهي نجسة، وعرق الجنب والحائض والنفساء طاهر وريقهم ودموعهم ومخاطهم ونخاعهم وقيحهم ويبسهم كله طاهر إلا ما خالط ذلك شيء من النجاسة نجسه، والله أعلم.
مسئلة والأنعام طاهرة كلها وهي الغنم والضأن والإبل والبقر وأعراقها طاهرة إذا لم يكن في أبدانها شيء من النجاسة قائمة العين ولم يصح أنها تمرغت في النجاسة وأرواثها أيضاً طاهرة إلا ما لاقى (15) سورة الأنعام: 145
-11 - (1/110)
صفحة 101
النجاسة من ذلك من بول أو غيره، وصح أنه لاقى ذلك، وليس منها نجس إلا الدم والبول، وأما الجرة ففيها إختلاف، قول: نجسة، وقول: طاهرة، ونجاستها عندي أشبه من طهارتها، وأما دموعها ومخاطها وبزاقها ولُعابها كلها طاهرة، وأسوارها أيضاً طاهرة كلها،
والله أعلم. مسئلة
: وأما السباع فجميعها نجسة، وجميع ما جاء منها نجس
،
وما مسته من رطوبة نجسه، وإن كانت الرطوبة منها فهي نجسة أيضاً، وتنجس ما أصابت من جميع الطهارات كأعراقها وأسوارها وغير ذلك مما جاء منها كله نجس، إلا السنور ففيه يقع الإختلاف، وفي جميع ما جاء منه مما ذكرنا في جملة السباع إلا سلحه (16)، وبوله وقيئه فهو نجس بلا إختلاف، لأن سلح جميع السباع نجس وبولها وقيئها نجس، وأما الكلب فهو أشد نجاسة من جميع ما ذكرنا من السباع، وجميع ما جاء منه حكمه كحكمه في شدة النجاسة سوى كلب الصيد الذي علمه صاحبه الصيد ولم يُخالط الكلاب في شيء من الأشياء، فقيل: أنه طاهر، والله أعلم. مسئلة: والسنور مخطمه فيه إختلاف أيضاً، لكن نحب أن يكون مسه ينقض الطهارة، كما عند المالكية، ومن أخذ بقول من أقوال المسلمين فقد أصاب الحق، والله أعلم
مسئلة
•
: وأما الخيل والبغال والحمير، فهي كالأنعام في أحكامها
حذو النعل بالنعل، إلا لحمها فإنه حرام بالسنة، وأما الفيل فبعض
(16) سلحه: المراد به روثه.
:
-111 - (1/111)
صفحة 102
أهل العلم يجعله من الأنعام وحكمه عنده حكمها في جميع وبعض جعله من السباع وحكمه كحكمها، والله أعلم.
مسئلة
الأشياء
،
: يرجع إلى ذكر الأنعام أيضاً لأنا لم نستقصي ما كان منها من الطهارة والنجاسة، والأنعام إذا تعلقت بأبدانها نجاسة فتمرغب بها في التراب فذهبت عين النجاسة تنجست أفواهها، فإذا شربت وأكلت بعد ذلك ماءً طاهراً أو طعاماً طاهراً فذهبت عين النجاسة منها طهرت قيل: ولو ذهبت بعد أكلها للنجاسة عن من عاين ذلك منها بمقدار ما تأكل وتشرب ورجعت وقد ذهبت منها عين النجاسة طهرت، وكذلك الحكم فيها إذا لمضت أولادها في ساعة ما ولدت، والولد إذا لمضته أمه ويبست منه رطوبة لمضها وذهبت منه النجاسة، فقد قيل: أنه يطهر، والله أعلم، وأما الذر منها إذا أكلت نجاسة أو شربت نجاسة لا يتنجس وهو طاهر عندنا لقول الله تعالى نُسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَينِ فَرَثٍ وَدَمٍ لَّبَنَا خَالِصاً سَائِعاً
للشاربينَ} (17). مسئلة: وإذا خرج اللبن من ضرع الدابة فيه حمرة، لم تعرف أن تلك ما هي، وكان اللبن غالباً عليها، فهو طاهر حتى يصح الحمرة دم شيء من العلامات التي يُعرف بها الدم من غيره، أو كان في الضرع من الدابة جرح أو قرح أو علة، قد عُرفت بها من قبل ذلك، يُخالط الدم من تلك العلة اللبن داخل الضرع، فحينئذ يتنجس اللبن إذا خالطه ذلك عندما يحلب، وخرج من الضرع معه
اللبن، والله أعلم
(17) سورة النحل: 66
- 112 - (1/112)
صفحة 103
مسئلة
: والماء من كرش الدابة من الأنعام إذا ذُبحت، والفرث فيه إختلاف، قول: أنه طاهر، وقول: أنه نجس، والله أعلم؛ وأما البول الذي هو حاصل في مثانة الدابة ولم يخرج بعد ذبحها فإنه نجس،
والله أعلم. مسئلة
: وأما الجلالة من الأنعام (18)، وهي التي غذاءها النجاسة، فإن لبنها طاهر ولا يتنجس منها إلا ما كان يجتمع فيه ذلك الغذاء منها مثل الكرش والأمعاء وهي المصارين، وأما الكبد والرئة والفؤاد والطحال والكلى منها لم أحفظ فيها شيئاً وأنا طالب فيها الأثر إن شاء الله وأناظر في ذلك المسلمين، ولا توفيق لنا إلا بالله غير إني أحب أن يكون أشبه بالطهارة إذا غُسلت (19)؛ وأما إذا حفظت الجلالة عن النجاسة وربطت ومُنعت من ذلك وعلفت بالعلف الطاهر والشراب الطاهر ثلاثة أيام للمعز والضأن وسبعة أيام للإبل والبقر ويوم وليلة للدجاج، والله أعلم، فحكم ما ذكرنا منها حكم سائر الأمعاء في الذباح، أما [إذ] (20) كانت الدابة من الأنعام تخلط في غذائها الطاهر والنجس، والغالب من غذائها الطاهر، فليست تسمى جلالة وحكمها كحكم سائر الأنعام في جميع الأشياء، وأما سؤر الجلالة من الأنعام فطاهر إذا لم يكن في فمها نجاسة قائمة العين، والله أعلم، وبعر الجلالة التي لا تخلط في غذائها شيئاً من الطهارات نجس، والله أعلم.
(18) البعير أو الناقة وسائر الأنعام التي تأكل النجاسة، كما جاء في الحديث عن ابن عمر (رضي الله عنهما)، قال: " نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلالة في الإبل أن يُركب عليها "، رواه أبو داود بإسناد صحيح؛ انظر: رياض الصالحين، باب كراهة ركوب الجلالة، ص 613. (19) هذا رأي مرجوح، والأكثر أن الجلالة كلها نجسة، ولذلك أمرت السنة بحبسها حتى يُنقى جسمها من النجاسات التي أقامت عليها، فلينظر في ذلك
(20) أظن أنه سقطت كلمة (إذا)، فأضفتها ليستقيم المعنى. (1/113)
صفحة 104
مسئلة
والإبل
ما مجته بأذنابها من الروث نجس، إذا كان في أذنابها نجاسة من بول وغيره، وتختلف أحوال الإبل والبقر عندي، منها ما تبول في أذنابها، فتلك ما مجتابه بأذنابها من الروث نجس، ومنها ما لا تبول في أذنابها، فتلك ما مجته بأذنابها من الروث طاهراً، إلا أن يصح أنه لاقى النجاسة من الأذناب، أو يصح أن الأذناب فيها شيء من النجاسة، وأما قول الشيخ أحمد بن النظر (رحمه الله): إن مجها بأذنابها نجس، لقوله:
والإبل ما مجت بأذنابها رجس كرجس القيء في القدر (21) وأما الشرر من بول الإبل إذا كان لم يبن في الثوب أو في البدن، ففيه رخصة من أهل العلم أنه لا حكم له إذا كان قليلاً، وهو طاهر عندهم، قال بذلك الشيخ أحمد بن النظر (رحمه الله) بقوله:
وبعضهم رخص في قيئها مع شرر من بولها نزر مسئلة
والطير، فجميع ما جاء بتحليل أكل لحمه الكتاب والسنة بعد التذكية له، فطاهر سؤره وخزقه وبيضه إلا خزق الدجاج والحقم والحمام الأهلي الذي يكون في البيوت فهو نجس (22)، وسؤره طاهر وبيضه نجس أيضاً لا يجوز أكله إلا بعد الغُسل له؛ وأما ما كان خزقه طاهراً فبيضه طاهر حلال أكله من غير تطهير له بالماء:
وسؤر الدجاج طاهر إذا لم يكن في منقاره شيء من النجاسات، وكذلك سؤر الحقم الأهلي والحمام الأهلي مثله، والله أعلم
(21) القدر: هو الإناء
(22) إختلف في ذلك، قال العلامة نور الدين السالمي (رحمه الله) في جوهره:
خرق الدجاج قيل والأهلي من الحمام الخلف في المروي
(
-118 - (1/114)
صفحة 105
نجس
مسئلة: وأما جميع ما لا يؤكل لحمه من الطير فسوره وخزقه كائناً ما كان، وبيضه حرام أكله، نجس مسه رطباً وهي الغربان والرخم والعقبان والحدأة والبزاة والصرد والضاضوا، وكل ذي مخلب من الطير من طيور البرية، وكل ما كان غذاءه الجيف والميتة والدود وغير ذلك حرام نجس.
مسئلة وأما الطير الذي يكون في الماء وفي البحر، سواء ما ذكرنا من الطير المحرم، فجميعه حلال طاهر، وسؤره وخزقه وبيضه حلال طاهر، وهو الطير الذي يكون غذاؤه من هوام البحر كالسمك، وهو أم البحر الذي لا يعيش إلا في البحر والمياه مثل الصد (23)،
وغيره، والله أعلم
مسئلة
: وأما الجدل، وهو الذي يخرج في الليل، ويسكن في النهار ويأكل الرطب والنبق من السدر، ففي سؤره إختلاف، وأكثر القول عندي أنه طاهر، وبوله وبعره فيه إختلاف، وكذلك العفاف أيضاً في بعره وبوله إختلاف، وأما سؤره أيضاً ففيه إختلاف، وعندي أنه أشبه بالطهارة، والله أعلم.
وليزدد الناظر في كتابي هذا من سؤال المسلمين ولا يأخذ منه إلا بما كان موافقاً للحق وما خالف الحق فليتركه ولا يعمل به
مسئلة: وأما الجراد وكُل طير لا دم فيه كالدبي والذباب
والصراخ والجعل وغير ذلك مما لا دم له، فهو طاهر لا ينجس ما وقع
فيه، ولا ما مات فيه من جميع الطهارات، وميتة الجراد حلال أكلها
(23) الصد: نوع من الأسماك الصغيرة، تعيش في الأودية.
،
-110 - (1/115)
صفحة 106
ولا أحب أكل شيء مما ذكرنا حياً ولا ميتاً سوى الجراد والدود الذي هو أولاد الدبي فحلال أيضاً أكله، وأما جميع الهوام مما لا دم له فهو طاهر لا ينجس ما وقع حيا ولا ميتاً من جميع الطهارات، وهي مثل العنكبوت والعقارب والخنفساء والصرص والنمل والذر والسقاط والجعروف وغير ذلك مما لا دم فيه
مسئلة
ذلك
من
: وأما مثل الثغبة واللغ والخناز والحيات والأماحي وغير الحسوس، ففي بعرها وسؤرها إختلاف، ويعجبني أن يكون سؤرها أشبه بالنجاسة، وبعرها أشبه بالطهارة، والعسالة أيضا فيها إختلاف في سؤرها وبعرها، قول: طاهر، وقول: نجس، وأما الفأر واليربوع والضب، ففي أسوارها وأبعارها إختلاف، وأما الفأر عندي أقذر والبول منها نجس، ومن جميع الحيوانات ذوات الدم أيضاً نجس
وأما بول الصراخ فطاهر، لأنه مما لا دم له، والله أعلم
مسئلة
: وأما القُراد والحلمة والضمج إذا وقع منها شيء في جميع الطهارات حياً وأخرج حياً فلا بأس به، وإن مات فيه نجسه، وكذلك إذا وقع فيه ميتاً نجسه أيضاً، فما كان من ذلك تدرك طهارته طهر وما لم تدرك طهارته أريق إذا كان من الميوعات كالسمن المائع والخل والعسل المائع واللبن والجامد يقلع ما لاقى من ذلك النجاسة، والباقي طاهر، وتركت الإختلاف، وفي طهارة ما ذكرنا في هذه المسئلة - والله أعلم - ولا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب إلا من
أبصر عدله
مسئلة
: وأما القمل فهو نجس وذرقه ودمه نجس، لأنه من هوام جسد ابن آدم، وميتته نجس إذا مات في الثوب أخرج منه، إن علم
-115 - (1/116)
صفحة 107
ورآه صاحب الثوب أخرجه منه، والثوب طاهر إلا إن كان الثوب رطباً أو القمل الميت فيه رطباً، فإنه يتنجس الثوب ولا بأس بالصلاة بالثوب الذي فيه القمل إذا كان حياً، وإن ترطب الثوب وفيه القمل الحي فلا بأس به، ومن مس قملة بيده من حد الرأس، قيل: أنه لا بأس إذا لم يصب يده من ذرق القملة شيء، وإن مسها من سائر جسدها تنجست يده، لأن من طبع القملة إذا مست ذرقت، وذرقها نجس، وإن وقعت القملة في شيء من الطهارات الرطبة أفسدت ذلك حية كانت أو ميتة، وقيل: إذا خرجت حية لم تفسد، إلا أنه قيل: أنها إذا وقعت في البئر حية لم تنجسها حتى يصح موتها، وإن وقعت ميتة أفسدتها، إن كانت البئر مما ينجسها ما وقع فيها من النجاسة القليلة، والله أعلم؛ وأما الصواب (24)، ففيه ترخيص لأنه لا دم له، فعندهم أنه طاهر، والقملة إذا أدرجها الإنسان ليصيدها من ثوبه أو من جسده، فالثوب والجسد طاهران ولا ينجس إلا ما كان أدرجها به إذا لم يخرج دمها في الثوب أو الجسد
مسئلة
: وبول البقر في الحب عند الدوس، فيه ترخيص، أنه لا الحب، وقالوا: أنه يتقيه التبن عن الحب، لأن التبن غالب ينجس على الحب، ومن أجل أن الحاجة إلى دوس الحب على البقر داعية إلى ذلك، ولا بد من دوسه (25)، والله أعلم
مسئلة
: وأما بول البقر إذا مسه حبلها عند الزجر يُنجس الحبل، ويفسد الماء إذا بلغ إليه وهو رطب من البول، ولا بأس إذا تمرغ في التراب ومس الماء بعد ذلك، والله أعلم.
(24) الصواب: بعر القمل أو ولده الصغير) لهجة عُمانية). (25) هذه عادة قديمة، تركها الناس اليوم، فلا حاجة اليوم إلى دوس البقر، فبولها يُنجس ما يُلاقيه.
-114 - (1/117)
صفحة 108
مسئلة: والبئر إذا تنجست فتطهيرها نزح أربعين دلواً من مائها بدلوها الذي تزجر به، هكذا جاء في الآثر، ثم قد طهرت هي مع الدلو والحبل والمصب، وإن يبس ماؤها قبل الأربعين الدلوا، قيل: أنها تطهر إذا حدث فيها من ماء العيون غير الأول، وقيل: تجمم ويوفى نزح الأربعين الدلوا منه، والله أعلم.
مسئلة
من
وكل ما كثرته كأربعين قله لا ينجسه إلا ما غلب عليه النجاسة، والقله، قيل: أنها جري بالصاع، وقيل: خمسة عشر مكوكاً بالصاع أيضاً، وقيل: إثنى عشر مكوكاً (26)، والله أعلم، وقيل: حتى يصير في الكثرة بمقدار إذا حرك من جانب لم تبلغ الحركة الجانب الآخر ثم لا ينجسه إلا ما غلب عليه هذا إذا كان غير جار، وأما الجاري لا ينجسه إلا ما غلب في الذوق واللون والعرف، وقيل: العرف لا بأس به إذا كان الماء غالباً في اللون والذوق
مسئلة وكل ماء واقف مُجتمع في الأرض أو في بطحاء أو في أجل صاروج (27)، ويجري عليه نسبية (28)، صغيرة كانت أو كبيرة، فهو حكمه كحكم الماء الجاري، ولو لم يجزي منه شيء ولا ينجسه إلا ما غلب عليه من النجاسة، وكل ماء واقف أصابته نجاسة فنزح حتى فرغ وحدث من العيون ماء آخر فقد طهر، وإن كان ليست له عيون وأصابه الغيث بعد ما تنجس فزاد عما كان
صار بمقدار ما لا يُنجس من المياه الواقفة فقد طهر، والله أعلم.
(26) هذه مقاييس عُمانية للكيل. (27) أي: جيل صاروج، أو بركة صاروج.
(28) أي: يزيد عليه شيء من
الماء
حتى
-114 - (1/118)
صفحة 109
مسئلة: وأما البئر المستبحر، التي لا يُنجسها إلا ما غلب عليها من النجاسة في اللون والذوق، والعرف هي التي لا ينزحها الدلاء في الزجر، وقيل: ولو نزحت إلا أنه لم يقصر ماؤها عن الزجر مرة
كالماء
يمتليء دلوها منها، ومرة نصفه أو ثلثه، وهكذا دأبها، فهذه تسمى مُستبحرة، ولا يُنجسها إلا ما غلب عليها من النجاسة، وهي الجاري في الحكم، والله أعلم.
من
مسئلة والبئر إذا تغيرت رائحة مائها وصارت رائحتها شبيهة برائحة الميتة ولم يخرج منها أحد شيئاً إلا بعد أيام ثم دخل فيها أحد فوجد فيها ميتة، وكانت البئر مما ينجسها النجاسة القليلة فمحكوم بتنجيسها من يوم وجدت الرائحة فيها، وأما إذا لم يوجد فيها شيء النجاسات فهي طاهرة لأنه يمكن أن تكون تلك الرائحة من شيء من الطاهرات قد وقع فيها وخرس في مائها مثل حطب أو هول طاهر أو شيء من جلود الأنعام المذكاة أو لحم أو عظم أو شيء من السمك أو غير ذلك من الطاهرات، والله أعلم، وإذا كانت البئر لا تُزجر لزرع ولا نخل إلا الناس يستقون منها لشربهم ولشرب دوابهم وللطهارة منها للثياب والأواني وللوضوء فيعجبني أن تنتجس بالرائحة من النجاسة إذا وقعت فيها وغيرت مائها بالرائحة، ولو كانت البئر مستبحرة لأن مائها واقف لا يجري ولا يزجر الزجر الكثير الذي هو مثل الجري للزرع والنخل، والله أعلم.
مسئلة
وكل ما كان من الطاهرات فهو طاهر حتى يصح أنه قد أصابته نجاسة فحينئذ يتنجس فيغسل إن كان مما يدرك غسله كالأواني والثياب والفرش والأرض والأشجار والأحجار والخشب والحطب
- 119 - (1/119)
صفحة 110
وكل جامد، ولا يميع عند الغسل له بالماء من جميع الأشياء الطاهرة كلها، فإذا غسل بالماء وزالت منه عين النجاسة فقد طهر ورجع على أصله الأول من الطهارة.
مسئلة: في صفة التطهير الأشياء الطاهرة في الأصل إذا أصابتها النجاسة، أما ما كان يدخل الماء فيه ويبلغ حيث بلغت النجاسة في ذلك الوقت عند غسله، فغسله في ساعته تلك ويعرك ثلاث عركات بالماء، ثم قد طهر إذا زالت عين النجاسة منه، وهي مثل الثياب القطنية والصوفية والشعرية والعبي التي من الصوف والمسوح من الشعر والجواني التي من الكتان والسيح (29) والخروج (30) التي من الصوف والوبر، وما كان مثله من جميع الأمتعة، وأما الجلد فيجري فيه الإختلاف، قال بعض أهل العلم: إذا تنجس فسد ولا ينتفع به البتة ويُدفن، وقال بعض: أنه يُطهر إذا وزق (31) في الماء حتى يلين، وقال بعض: فإنه يسبع كالأواني الخشبية والخزفية إذا تنجست ثم قد طهر إذا زالت منه عين النجاسة، وقال بعض: لا يحتاج إلى توزيق فإذا ذهبت منه عين النجاسة بالغسل له بالماء فقد طهر في موقف واحد، وكل أقوال المسلمين صواب، وأما الفرش التي تفرشها الناس ليجلسوا عليها وهي كالحصر والسميم والخوصية فتطهيرها أن توزق في الماء الطاهر حتى تلين ويدخل الماء الطاهر مداخل النجاسة، وذلك على نظر الغاسل له ليس له وقت مؤقت إلا إذا رأه قد لان من الماء فقد بلغ الماء مبلغ النجاسة وقد طهر مع زوال عين النجاسة، هذا إذا كانت النجاسة قد يبست في هذه الأشياء ونشفت ودخلت فيها، وأما
(29) السيح: هي ا الشملة أو ما يُشبهها من النسيج اليدوي العُماني. (30) الخروج: هو ما يحمل عليه الأمتعة عند ركوب الدواب، من نسيج الصوف اليدوي العُماني. (31) وزق: بمعنى: أنه يخل في الماء (لهجة عُمانية).
- 120 - (1/120)
صفحة 111
إن أصابتها النجاسة وغسلت في ذلك الوقت قبل أن تيبس فلا تحتاج إلى ما ذكرنا من التوزيق فإنها تطهر من ساعتها إذا زالت عين النجاسة منها بالغسل لها بالماء الطاهر، والله أعلم.
مسئلة
: وأما الأواني الخشبية والخزفية الجفان والمناسف وهي الأطباق التي توضع فيها الطعام عند الأكل وغير ذلك من الأواني الخشبية والخزفية وهي كالحجال والبرام والخروس وغير ذلك من الأواني الخزفية فإن تطهيرها إذا أصابتها النجاسة ونشفت فيها فإنها تغسل بالماء الطاهر وتعرك حتى يذهب منها عين النجاسة ثم يجعل فيها الماء الطاهر بالليل ويُراق بالنهار وتجعل في النهار بالشمس، يفعل ذلك بها ثلاثة أيام ثم قد طهرت، وإن خيف على شيء منها الضياع من هذا التسبيع لأن أوعية الخشب بعضها تتشقق وتتكسر إذا ضربتها الشمس بعد الماء، فهذه يجزئها أن يجعل فيها الماء الطاهر حتى يدخل مداخل النجاسة، ثم قد طهرت مع زوال عين النجاسة، والله أعلم؛ وأما الأوعية التي فيها الغرا من الخزف، وهي مثل الملال والصحون والجرار المغرية، فإذا أصابتها النجاسة فإنها تطهر بالغسل لها في مقام واحد، إذا لم يكن في الغرا تشقق ولا تنقف، وكان الغرا عاماً ما لم يبن منه شيء من الخزف، وإلا فهو كأوعية الخزف في التطهير لها من الغسل والتسبيع، وأما الصيني والأزورد والزجاج فكل ذلك مثل الصفر والشبه والبترو (32)، فغسله في مقام واحد إذا تنجس ثم قد طهر إذا زالت منه عين النجاسة ولا يحتاج إلى توزيق ولا تسبيع، وكذلك الحديد وجميع أوعية الحجارة، وأما الأوعية التي تكون من العظام والقرون من الدواب، كالعاج وأواني الدواء التي يوضع فيها
(32) الشبه والبترو: هُما نوعان من النحاس.
- 121 - (1/121)
صفحة 112
دواء التفق (33)، فيعتبر أمرها إن كان الماء يغوص فيها وتشفه، فهذه إذا أصابتها النجاسة الرطبة ونشفتها تحتاج إلى التوزيق والتسبيع للطهارة لها مثل أوعية الخشب، والله أعلم؛ وإن كان لا تنشف الرطوبة ولا تشربها، فيجزيء بها الغسل لها في مقام واحد، والله أعلم، وهي في الأصل طاهرة، إلا العاج فيه إختلاف في طهارته ونجاسته، ويعجبني الأخذ بالقول أن يكون طاهراً أصله، والله أعلم، لأنه إن كان نجساً من أجل أنه من الميتة فقد جاءت الرواية عن النبي: " أن لصاحب الميتة أن ينتفع منها بالإهاب " (34)، إذا دبغ وبالعظم الخالص من اللحم والدهن، فتدل هذه الرواية أن العاج أصله طاهرة وجميع العظام المجردة من الدهن واللحم طاهرة أيضا والعظام والقرون من الأنعام المذكاة طاهرة كلها بلا إختلاف، وسل عن ذلك، وقد قال بذلك الشيخ أحمد بن النظر السمؤلي الحميري العُماني (رحمه الله في طهارة العظام والقرون من الميتة والصوف:
وما في صوف ميتتهن بأس ولا في الضرس والعظم الجريد
يعني: ميتة الأنعام وميتة غير الأنعام، مثلها في النجاسة، والله
أعلم. مسئلة
: وأما الأخشاب والأبواب والجذوع والدعون والأوتاد
(33) التفق: هو البندقية) لهجة عُمانية). (34) أخرجه البخاري في الجزء الثاني، ص 158، باب الصدقة على موالي النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ: " هلا إنتفعتم بجلدها "، حديث 1421، وفي مسلم، في كتاب الحنفي، حديث 101، السنن الكبرى، للبيهقي، الجزء الأول.، ص 20 - 70، " إنتفعتم يإيهابها "، أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة مع المصنف في السنن والآثار، الجزء الثامن، ص 192، " هلا "، في سُنن الدارقطني. الجزء الأول،، ص 41، أخرجه الطماوي مع شرح معاني الآثار، الجزء الأول، ص 469، إتحاف السادة المتقين، شرح إحياء علوم الدين، الجزء الأول، ص 291، مُرتضى الزبيدي، مسند الإمام أحمد بن حنبل، الجزء الأول، ص 219، " إيماء إيهاب دبغ فقد ظهر "
- 122 - (1/122)
صفحة 113
المبني عليها في البيوت فإنها إن تنجست يصب عليها الماء الطاهر
وتعرك
حتى تزول عنها عين النجاسة، ثم قد طهرت في مقام واحد
،
وما كان منها غير مبني عليه فإن طهارته بالتوزيق والتسبيع كاوعية
الخشب، والله أعلم.
مسئلة
: وجلود د السمك فيها إختلاف، قول: طاهرة، وقول:
نجسة، وكذلك دهنه، ونحب القول بطهارتها، والله أعلم. مسئلة: وأما النعال والكوش (35)، إذا تنجسا مما يلي الأرض
فمشابها صاحبها فزالت عين النجاسة من ذلك فقد طهرت على قول، وقول: لا تطهر إلا بالماء وإن كانته النجاسة التي أصابتها مما تسري في الجلد مثل البول والماء النجس والدهن النجس فإنها لا تطهر إلا بالماء على ما جاء في طهارة الجلد من الإختلاف، والله أعلم. مسئلة
: ومثل الجواذري والمنمة (36) والوسائد والأوقية وكل ما كان من الفرش والكسوة والثياب المحشوة بالقطن والصوف فإنها إن تنجست تنقض عند الغسل لها ويخرج الحشو ويُغسل الثوب، والحشو كل شيء على حدة إن كانت النجاسة قد بلغت إلى الحشو منها، وقول: أنها لا تنقض ولا يخرج الحشو منها ولو بلغته النجاسة، ويبالغ في الغسل له من خارج بالعرك والوطي حتى يبلغ الماء مبلغ النجاسة ثم قد طهر، وأنا أخذ بهذا القول الأخير أنه لا ينقض إن شاء الله تعالى
مسئلة
وطهارة الأرض إذا تنجست يصب عليها الماء حتى
يزول منها عين النجاسة، ثم قد طهرت ولو لم يخرج منها الماء الذي
(25) الكوش: يقصد به الحذاء.
(36) ما ينام عليه الإنسان من كل محشو أو إسفنج.
- 123 - (1/123)
صفحة 114
غسلت به إذا صار الماء أكثر من النجاسة وتغيرت النجاسة وذهبت فقد طهر المكان، وقول: تطهر إذا ضربتها الريح والشمس وزالت عين النجاسة منها، وقول: ولو لم تلحقها شمس ولا ريح إذا زالت عين النجاسة منها فقد طهرت لأن الأرض تطهر بعضها بعض إذا كانت تتقلب بشيء من الأسباب، أما بتكسيح البيوت أو بأخذ
التراب منها فتذهب بذلك عين النجاسة فقد طهر المكان، والله أعلم
،
مسئلة: وأما الأرض التي تُزرع وتُسمد الزرع بالنجاسة كسماد الكنيف، فإنها إن شربت بالماء ثلاث سقيات فذهبت منها عين النجاسة فقد طهرت هي والزرع، وما كان من الجلب (37) لم تذهب منه النجاسة مثل قطع العذرة (38) أو الميتة فذلك المكان نجس حتى تزول منه النجاسة، والزرع الذي فيه نجس مثل البصل والفجل والبقل والحشيش لا أحب أكله حتى يُغسل بالماء الطاهر بعد قلعه وأما إذا قطعت فروعه الممتنعة عن مماسة النجاسة فهي طاهرة، حلال أكلها ولو لم تغسل بالماء، وكذلك البطيخ والجح والدبا إذا مسته النجاسة وهو أخضر حي رطب فإنه يُغسل بالماء ثم قد طهر في مقام واحد لا تحتاج إلى توزيق إلا إن كان شيء من ذلك قد يبس وصار كأوعية الخشب فحكمه كحكم أوعية الخشب في التطهير له، وأما سماد البقر والغنم والإبل الذي يخرج من دروسها إذا شرب ثلاث شربات في الأرض بالماء الطاهر فقد طهرت الأرض الذي هو فيها ولو لم يذهب عين السماد منها لأن الروث من الدواب أصله طاهر إلا إن كان عارضته نجاسة بولها في الدروس فإنها تذهب بثلاث شربات من الماء الطاهر في الأرض ويرجع إلى أصله من الطهارة.
(37) الجلب: إحداها جلبة: وهي عُرف عُماني على القطعة الصغيرة من الأرض المهيأة للزرع. (38) العذرة: الغائط من بني آدم.
- ITE- (1/124)
صفحة 115
مسئلة وثمرة جميع الأشجار والنخيل والزرع والبقول إذا أصابتها النجاسة وهي في حال يزيد في شبابها وفي أصولها ثم ذهبت منها عين النجاسة عند إنتهائها ونضاجها ولم يبقى فيها أثر النجاسة، قيل: أنها قد طهرت ولو لم يصبها غيث ولم تغسل بالماء، وقول: لا تطهر حتى تغسل بالماء الطاهر إذا قطعت إن كانت النجاسة معينة في شيء من ذلك تعينه كعذق معروف أو خلال معروف أو بسر ورطب وتمر معروف وكذلك الأشجار مثل الأنبا والنارنج والأترنج والبطيخ والجح والدبا (39) وما كان مثله من الأشجار والبقول وكذلك الزرع إذا تعينت النجاسة في شيء من السنبل معروف فإنه يغسل ذلك بالماء بعد قطعه ولو لم يكن فيه عين نجاسة باقية على هذا القول الأخير، وإن كانت لم تعرف النجاسة في شيء من ذلك بعينه فحكمه الطهارة أن الذي أصابته النجاسة قد سقط بريح أو غيره وبقي الذي لم تصبه النجاسة لأن النجاسة قد ذهبت عينها من ذلك فالباقي من هو الطاهر حتى يصح هو الذي أصابته النجاسة، والله أعلم
لأنه
ذلك
عسى
أنه
وإن أصاب ذلك الغيث وذهبت منه النجاسة فقد طهر بلا إختلاف،
والله أعلم مسئلة
: وأما الحب إذا تنجس ببول أو غيره فإن كانت قد يبست فيه النجاسة فتطهيره أنه يوزق في الماء الطاهر حتى يدخل الماء مداخل النجاسة ويعرك بعد ذلك حتى تزول النجاسة ثم قد طهر، وقول: أنه إذا طحن وعجن بالماء الطاهر وخبز خبزاً رقيقاً حتى يبس في النار فإنه يطهر، وأما الخبز الغليظ الرطب لا تطهره النار ولو كانت نضجته، وكذلك عصيد هذا الطحين وهريسه والحلوى منه
(39) الدبا: هو القرع.
- 125 - (1/125)
صفحة 116
والشنجال (40) لا يطهر أيضاً، والله أعلم، وإن نسي صاحبه أن يغسله حباً حتى طحنه فإنه يغسل طحيناً يُعجن بالماء الطاهر ويُغمر بالماء ويُحرك فيه ويُترك يسكن ويُراق عنه الماء برفق، يفعل به ثلاث مرات ثم قد طهر، وكذلك غسل النشا إذا تنجس، وكذلك النيل (41)، والذي لم يسكن من ذلك في الماء عند التطهير له وتابع الماء، فذلك لم يدرك غسله ويراق ولا يُنتفع به، لأنه فسد بالنجاسة التي قد أصابته، والله أعلم.
ولا يؤخذ بجميع ما في هذا الكتاب إلا ما كان منه موافقاً للحق وما خالف الحق فيترك لا عمل عليه
مسئلة
والتمر إذا أصابته نجاسة فتطهيره أن يصب الماء إذا كان التمر منكولاً متفرداً يابساً يُعرك حتى تزول منه عين النجاسة، فهذا تطهيره وكذلك إن أصابته وهو معفوص بعضه ببعض ومدلوك فغسله كالأول إذا كانت النجاسة لم تصبه إلا من خارجه، وأما إذا تنجس ولم يُغسل حتى عفص وذلك بالنجاسة وكنز فذلك تمر قد فسد ولم تدرك طهارته إلا أن يكون مكنوزاً بغير عفاص ولا دلك فبعض من أهل العلم قال: أنه يخرج من الإناء الذي كنز فيه وينكل في الشمس حتى ييبس ثم يغسل ويوزق في الماء الطاهر حتى يلين ويشرب الماء الطاهر ويُراق عنه ذلك الماء برفق، ويعاد عليه ماء آخر ويحرك ويراق وثالث ويراق ثم قد طهر، وفي نفسي من ذلك، ولا أقدم على إبطال هذا القول، ولا أخطيء المسلمين ولا أضللهم، وقولي جميع الأشياء
(40) الشنجال: (لهجة عُمانية)، نوع من الحلوى قوامه دقيق البر والسمن والسكر، يُصنع بنزوى. (41) النيل: شجرة تستنبت، ثم يُعمل منها النيل، وهو صبغ معروف، وكان النساجون يصبغون به الثياب الملونة في عُمان، وخاصة ثياب النساء.
، (1/126)
صفحة 117
قولهم، وديني دينهم، وأنا أقتدي بهم في جميع الأشياء ما قالوا به من الحق، وبالله التوفيق
مسئلة: والعسل والسمن والحل الحليل (42)، وجميع الأدهان إذا كانت مائعة فتنجست فإنها تراق ولا ينتفع بها ولا يجوز بيعها ولا أخذ ثمنها وما كان من ذلك جامداً وأصابته النجاسة وهي مما لا تسري في الشيء الجامد مثل البول والماء النجس والدهن النجس أُخرجت النجاسة. من ذلك الذي وقعت فيه وهو جامد وقلع ما حولها منه والباقي طاهر، وأما إذا سرت فيه فما زجته فسد ولا ينتفع به:
والله أعلم مسئلة
•
وبعر الفأر مُختلف فيه، قول: طاهر، وقول: نجس، ورخص فيه إذا كان في الأرز فطبخ به الأرز فإنه لا بأس به، وإن وقع في الدهن المائع لا ينجسه حتى يصير في الكثرة مثل ذلك الدهن، وقول:: مثل نصفه، وقول: مثل ثلثه، ثم يتنجس ذلك الدهن الذي هو واقع فيه إذا كان مائعا، والجامد قد عرفناك به، وإن كان البعر أكثر من ما ذكرنا في المقدار تنجس ذلك الدهن الذي هو واقع فيه، وقول: مثل عشرة وأقل من ذلك لا ينجسه، والله أعلم، وقد قال بذلك الشيخ أحمد بن النظر السمؤلي العُماني (رحمه الله)، وقال بعض: إن يكن واقعاً في الدهن من ثلث إلى عشر فما به بأس إذا لم يكن شطر أو كان الدهن في شطر، والشطر النصف، والله أعلم، وقوله: به بأس، يعني: بعر الفأر، والله أعلم.
(42) الحل الحليل: (لهجة عُمانية)، في الزيت، وكان في عُمان يُطلق عليه هذا الإسم، ولا فرق بين أنواعه، وأغلب ما يُجلب سابقاً، ويُطلق عليه هذا الإسم: زيت جوز الهند (النارجيل).
- (1/127)
صفحة 118
مسئلة وكل دهن أصله طاهر فتنجس بشيء من النجاسات ودهن به شيء ثم غسل ذلك الشيء المدهون بهذا الدهن بالماء الطاهر طهر ولو لم يخرج جميع الدهن من ذلك الشيء بالطهارة، لأن أصله، والنجاسة التي نجسته أصلها من غيره لا منه هو، وإنما هي قد عرضته فتزول بالطهارة ولو بقي الدهن في الشيء المدهون به قائم العين إنما ذلك دهن الميتة والخنزير وكل دهن نجاسة ذاتية غير معارضة فهو لا يطهر ولو بقي منه في الشيء المدهون به يسير فهو نجس، والله
طاهر
أعلم.
مسئلة
: وكذلك الحنا إذا تنجس ثم تخضب به أحد قبل غسله فعلق به في بدنه ورجليه طهرت ولو كان العلق أعني صبغه باقيا فيهما وكذلك الكحل وجميع الأدوية التي أصلها طاهر فعارضتها النجاسة فاستعملت قبل الغسل لها ثم غسلت الأعضاء التي قد استعملت فيها فإنها تطهر ولو بقي من الأدوية في تلك الأعضاء والجراحات والقروح شيء فحكمه الطهارة، وأما الصبغ للثياب بالنيل أو بالفوة أو غير ذلك إذا صبغ به الثياب وهو نجس فيه إختلاف من أهل العلم، قال بعض: إن الثوب يطهر ولو بقي الصبغ فيه، وقال بعض: لا يطهر حتى يزول الصبغ، وكل أقوال المسلمين صواب، والله أعلم
مسئلة والإنسان إذا أصابته نجاسة في يده أو في رجله فنسي أن يغسلهما فمس شيئاً من الطهارات نجسه كانت نجاسة قليلة أو كثيرة، وأما إذا توضأ بالماء الطاهر للصلاة ونسي أيضاً أن يغسل النجاسة من يده أو رجله فإن كان يتوضأ من ماء جار فحكم ثيابه طاهرة إذا زالت تلك النجاسة من يده أو رجله، وفي نقض وضوئه إختلاف، قوله: أن وضوئه تام، وقول: مُنتقض، وكذلك الإختلاف في صلاته، وأنا
- ITA - (1/128)
صفحة 119
يعجبني
تنجس
الأخذ بالتمام، وأما إن كان الماء الذي يتوضأ منه في إناء وأشرع يده النجسة فيه ليأخذ منه الماء للوضوء قبل غسلها، فقد الماء والإناء والماء الذي هو فيه، وكلما أصاب من رطوبة ذلك الماء من الثياب نجسه وإن كان يصب باليد الطاهرة على النجسة ليتوضاً منها به وصار مُمسكاً للإناء باليد الطاهرة، فالإناء طاهر ووضوئه وصلاته فاسدتان وثيابه فيها إختلاف، والله أعلم، هذا إذا لم يكن في اليد من النجاسة أثر عين قائمة، وأما إن كانت النجاسة قائمة العين فثيابه وما لاقى من ذلك من جميع بدنه نجس بلا إختلاف
ولا تأخذ منه إلا بما وافق الحق والصواب، والله أعلم
•
مسئلة: وإذا خرج الكلب من ماء جار أو ما لا ينجس مثله فتنفض الكلب فأصاب من ذلك إنساناً نجسه، وأما إذا لم ينتفض الكب ولكن الماء يجري منه، ففيه قول: أنه طاهر لأنه خرج من ماء طاهر وصار منه جارياً، والجاري لا ينجسه إلا ما غلب عليه من النجاسة، وأنا لا أأخذ بهذا، وأثر الكلب في الأرض الرطبة نجسة، وإذا رمي أحد بحجر أو طفالة (43) كان قد إستبريء بها أو فيها نجاسة من غيره في ماء لم تنجس مثله بوقوع النجاسة فيه فطار به من ذلك الماء الذي لاقى النجاسة من تلك الحجر النجسة فأصاب ثيابه أو بدنه نجس ذلك الذي أصابه، وإن كان الذي طار به من الطاهر ليس مما لاقى النجاسة فهو طاهر.
مسئلة: ومن بصق فوجد في بُصاقه حمرة أو عقوراً فهو طاهر، وكذلك الدم إذا كان البصاق غالباً عليه فهو طاهر، ومن أخرج من
(43)
الطفالة: هي الطوبة من الطين أو غيره.
- 129 (1/129)
صفحة 120
أنفه قطعة دم يابسة ويده يابسه وأنفه يابسه وهو متوضيء، فوضؤه تام، وكذلك مس جميع النجاسات اليابسة لا يفسد الوضوء إلا الميتة فإن مسها ينقض الوضوء بالسُنة، وأما ميتة الولي من بني آدم فيه إختلاف، فأكثر القول: أن الولي لا ينجس حيا ولا ميتاً، والأخذ بنقض وضوء من مسه أحوط، هذا إذا كان لم يمس منه أذى، ومس الأذى ينقض بلا إختلاف، والله أعلم
مسئلة: وضرس الإنسان إذا الإنسان إذا قلعت فهي نجسة إذا خرج من
ذلك القلع دم، فإذا غسلت بالماء بعد القلع طهرت إذا كان الإنسان حياً، والشوكة إذا نشبت في جسد إنسان وأخرجت، فإن تبعها الدم فهي نجسة، ولو لم يرى فيها دم عند خروجها وإن لم يتبعها دم وكانت نشبت إلا في ظاهر الجلد ولم تصل إلى موضع الدم فهي طاهرة والآلة التي أخرجت بها الشوكة طاهرة إن لم يصبها دم، والله
أعلم. مسئلة
واللحم إذا تنجس في الطبخ بشيء من النجاسات ونضج بذلك الطبخ فأكثر القول: أنه قد فسد ولا ينتفع به ويراق ويدفن، وأما إذا لم ينضج بعد وأخرج من الماء الفاسد وغسل بالماء الطاهر فقيل: أنه يطهر إذا بلغ الماء الطاهر منه مبلغ النجس، والله
أعلم.
مسئلة: والضفدع إذا ماتت في جميع الطهارات نجستها إلا الماء، فإنها لا تنجسه إذا ماتت فيه لأنها من ذواته، وأما إذا ماتت في البر وسقطت في الماء بعد ذلك نجسته إن كان الماء مما ينجس مثله بالنجاسة القليلة لأنها برية بحرية إذا ماتت في البر حكمها حكم الميتة البرية
- 130 - (1/130)
صفحة 121
تنجس
ما ماتت فيه أو سقطت فيه، وكذلك الغيلم برية بحرية، ولا يحل أكل لحمها إلا بالتذكية لها كسائر صيد البر، والله أعلم، ودمها
نجس ليس كدم السمك
مسئلة
: ومن بنى بيتاً بطين نجس فإنه إذا يبس الجدار المبني بالطين النجس طهر إذا لم يكن فيه عين نجاسة قائمة، والنجاسة لا تنجس من الجدار اليابس إلا موضعها التي هي فيه، وبقية البنيان
طاهر، والله أعلم.
مسئلة
والقرطاس إذا تنجس، فإنه يصب عليه الماء الطاهر،
فإنه يطهر بلا عرك، إذا زالت عين النجاسة، لأن في عركه يقع
الضرر، والله أعلم مسئلة
وتطهير بول الصبي الذي هو صغير يرضع، إذا أصاب شيئا من الثياب الطاهرات أو الأواني أو الأرض، أو كلما يدرك غسله، فإنه يكفي في غسله صب الماء الطاهر عليه دون العرك، والجارية (44) مثل الصبي، إلا أنه قيل: أن بول الجارية أنجس من بول
الصبي، والله أعلم.
(44) ويقصد بالجارية: هي البنت، ومنه قيل للأمة: جارية، على التشبه، لجريها مستنحرة في أشغال مواليها، والأصل فيها التشبيه لخفتها، ثم توسعُوا حتى سمُواً كل أمة جارية؛ انظر: كتاب " المصباح المنير في غريب الشرح الكبير "، للرافعي، ص 98 (1/131)
صفحة 122
باب في الوضوء
وما يثبت في الوضوء وما يفسده
6
وما يجوز به الوضوء من المياه، وما لا يجوز به، وغير ذلك
والوضوء للصلاة، فرض في كِتاب الله تعالى، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا إِذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم وَأَيْدِيَكُم
إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُم وَأَرْجُلَكُم إِلَى الكَعَبَينِ} (1). مسئلة: وإذا أراد الإنسان الوضوء للصلاة فليستنجي أولاً إن
كان به أذى من بول أو غائط، يصب الماء على مخرجهما ويعركـ
رکه
ثلاث عركات، وقول: عشر عركات، وقول: إلى أربعين عركة، والحد في ذلك زوال النجاسة، ولو زالت بأقل من الأربعين العركة والعشر العركات، وما دام نجس بالنجاسة لم تزل، فيعرك حتى تزول وتطيب النفس، من غير أن يكون تابعاً في ذلك وساوس الشيطان - لعنه الله ـ فإذا إستنجى كما وصفت إن كان به أذى فلينو الضوء للصلاة، لأن النية فرض في جميع الأعمال كلها، ثم يقول: بسم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (2)، لأن ذكر اسم الله من فرائض الوضوء ولا يصح الوضوء إلا بذكر اسم الله فيه، وقال بعض: من سنن
الوضوء، والله أعلم.
(1) سورة المائدة: 6.
(2) سورة النمل: 30.
- 133 - (1/133)
صفحة 123
مسئلة والفرض في الوضوء النية للوضوء والماء الطاهر وغسل الوجه واليدين إلى المرافق ومسح الرأس وغسل القدمين إلى الكعبين، والسنة للوضوء ذكر اسم الله عند الوضوء والمضمضة والإستنشاق ومسح الأذنين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عند الوضوء " (3)، ولا يتوضأ إلا بالماء الطاهر المطلق الذي ذكره الله تعالى في كتابه، حيث قال عز من قائل: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} (4)، وقوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرض} (5)، ولا يتوضأ بماء مضاف، ولا بماء نجس، ولا بالماء الذي قد تجمع مما قطر من جوارح الوضوء عند الوضوء، ولا بماء الأشجار ولا بخل ولا نبيذ ولا باللبن ولا بالبصاق ولا غير ذلك مما لم يكن ماءً مُطلقاً طاهراً، وأما ما كان من المياه الواقفة التي لا تجري ولم يكن وقعت فيها نجاسة إلا أن الماء متغير لونه مما وقع فيه من أوراق الأشجار أو الحطب الطاهر أو الخوص، فإن ذلك الماء جائز به الوضوء عندي إذا كان الماء غالباً على ذلك، وأما إذا استهلك الماء في ذلك لم يجز به الوضوء، والله أعلم.
مسئلة
: فإذا أراد الإنسان الوضوء للصلاة، وقد حضر وقتها
(3) الحديث أخرجه الإمام الربيع في مسنده، ونص الحديث: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ". قال الربيع: قال أبو عبيدة: ذلك لترغيب من النبي الله في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله؛ انظر: مسند الإمام الربيع، باب أداب الوضوء وفرضه، رقم 88، الجزء الأول، ص 29، وأخرجه الترمذي، في باب ما جاء مع التسمية عند الوضوء، بلفظ: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه "، كما رواه أيضاً أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي، في السنن الكبرى؛ انظر: الجامع الصحيح، سنن الترمذي، ص 38، وجاء بلفظ: " لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه "، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والطبراني والحاكم؛ انظر: الترغيب والترهيب، ص 99، الجزء الأول. (4) سورة الفرقان: 48.
(5) سورة الزمر: 21
- ITE- (1/134)
صفحة 124
فليقصد إلى الماء الذي وصفته لك، وينوي به الوضوء للصلاة، ويذكر اسم الله - كما قلنا - ويبتدي أولاً يتمضمض ثلاثاً وهو يقول: اللهم اسقني من الرحيق المختوم، ويستنشق ثلاثاً ويقول: اللهم نشقني روائح رحمتك في جنتك، ويغسل وجهه ثلاثاً وهو يقول: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه أوليائك الصالحين، ويغسل يديه ثلاثاً إلى المرافق يبتديء باليد اليمنى وهو يقول: اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيرا، ثم اليسرى ويقول: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري، ثم مسح رأسه ثلاثاً وهو يقول: اللهم توجني تاج رحمتك، ثم مسح أذنيه ثلاثاً ويقول: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ثم عُنقه ويقول: اللهم اعتق رقبتي من النار، وليست الرقبة من جوارح الوضوء، ولكن يُستحب ذلك، ثم غسل قدمه الأيمن إلى الكعبين وهو يقول: اللهم ثبت قدمي ثباتاً حكيماً على الحق والصراط المستقيم، ثم قدمه الأيسر ثلاثاً وهو يقول: اللهم ثبت قدمي يوم تزول الأقدام وتشخص الأبصار، وإن قال شيئاً من الأدعية فجائز ذلك، لأن الدعاء ليس هو بواجب، لأنه مُستحب عند الوضوء، ولا يفسد الوضوء بتركه، وإنما يفسد بترك ذكر اسم الله فيه، والله أعلم، وإن ذكر اسم الله في أول جارحة ولم يذكر في باقي الجوارح فلا بأس عليه، ولكن يُستحب له أن يذكره في كل جارحة، ويُبالغ في المسح للأعضاء عند الوضوء، ولا خير في السرف، ولا يكون كما يدهن بالماء، ولكن المسح حتى يجري الماء من العضو ويُقطر منه، والنساء تدعو بما ذكرنا من الدعاء إلا الرأس، فإنها تقول: اللهم ظل علي بظلال عرشك يوم
- 135 - (1/135)
صفحة 125
لا ظل إلا ظلك (6)، وتبالغ في الإستنشاق والمضمضة لما روي عن أنه قال الرجل رآه يتوضأ، أو الرجل سأل النبي.
النبي
عن
ذلك، فقال النبي للرجل: " إذا إستنشقت فأبلغ إلا أن تكون الوجه للوضوء من الأذن إلى الأذن، وما (7)، وحد
صائماً.
أعلا
من
قاصدهما مما ينتقل إلى اللحى الأسفل، ومن حد شعر الرأس الذي هو الجبين إلى الحى الأسفل، ويخلل لحيته عند الوضوء، وليست اللحية من حدود الوضوء، ولكن يستحب له ذلك، ويخلل أصابعه عند مسحه لليدين والرجلين، ويوصل المسح إلى بطن قدميه، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " خللوا أصابعكم قبل أن تخلل بمسامير من النار " (8)، أعاذنا الله من النار، وقال: " ويل لبطون الأقدام
194 -
(
(6) لا أعرف وجه الفرق بين الرجل والمرأة الذي أورده المُؤلِف، ولعمري إنه لمشكل، فلينظر فيه. (7) قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا إستنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائماً "، أخرجه أبو داود، 97/ 1. كتاب الطهارة (55)، باب في الإستنثار (142)، وأخرجه الترمذي (56/ 1)، أبواب الطهارة (30)، باب ما جاء في تخليل الأصابع، برقم (38)، من طريق أبي هاشم عن عاصم، به مختصراً. وأخرجه النسائي (66/ 1)، كتاب الطهارة (71)، المبالغة في الإستنشاق.، من طريق إسماعيل بن كثير، ومن أبي هاشم عن عاصم، به مختصراً، وأخرجه ابن ماجه (142/ 1)، كتاب الطهارة (44)، باب المبالغة في الإستنشاق، برقم (407)، من طريق إسماعيل بن كثير، وأخرجه الربيع، الجزء الأول، ص 30، باب في أداب الوضوء وفرضه. (8) حديث: " ويل لبطون الأقدام من النار، ويل للعراقيب من النار "، الحديث أخرجه البخاري (4/ 319/1)، كتاب الوضوء (27)، باب غُسل الرجلين (163)، بلفظ: " ويل للأعقاب من النار "، مرتين أو ثلاثاً، وأخرجه مسلم (2/ 214/1)، كتاب الطهارة (9)، باب وجوب غسل الرجلين (214/ 26)، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل (191/ 4)، بلفظ: " ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار "، وفي الجزء الأول، ص 191، وأخرجه البيهقي (70/ 1)، كتاب الطهارة، باب الدليل على فرض غسل الرجلين، وأخرجه الدارقطني (95/ 1)، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل القدمين، وأخرجه الربيع، الجزء الأول، ص 30، حديث رقم (92)، بلفظ: " ويل
للعراقيب من النار وويل لبطون الأقدام من النار "، وأخرجه ابن ماجه، حديث رقم (452). العرقوب: عصب غليظ فوق عقب الإنسان، ومن الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها؛ القاموس المحيط (107/ 1)؛ الأعقاب: جمع عقب: مؤخر القدم؛ وفي الحديث دليل على وجوب غسيل جميع أجزاء الوضوء، وعدم ترك شيئا منها.
1174 - (1/136)
صفحة 126
من النار، ويل للعراقيب من النار " (9)، وقال: " أشربوا عيونكم الماء لعلها لا ترى ناراً حامية " (10)، قيل: كل جارحة من جوارح الوضوء لم يُعمم المسح عليها بالماء جميعاً، بعث الله يوم القيامة عقارب وحيات يلدغن وينهشن ذلك حتى يقضى بين الناس، فواجب المبالغة في المسح للوضوء لكن من غير إسراف، ويشرب عينيه الماء عند المسح للوجه من غير أن يؤذي عينيه بذلك، وحد الرأس للوضوء من الجبين إلى القرنين، وإن مسح رأسه كله فهو أحسن، وأن مسح ما تأخر من رأسه وترك ما تقدم ولو كعرض الأصبعين، فلا يجزيه، وإن مسح ما تقدم من رأسه ولو كعرض الأصبعين وترك الباقي، قيل: أنه يجزيه ذلك، والله أعلم، وقال بعض المسلمين: أن الأذنين ليستا من جوارح الوضوء لأنهما إن كانتا
(9) حديث: " أشربُوا عيونكم الماء لعلها لا ترى ناراً حامية "؛ انظر ميزان الإعتدال، للذهبي، الجزء الثالث، ص 11، والكامل في الضعفاء، لإبن عدي، الجزء الثاني، ص 49، وكتاب العلل المتناهية، لإبن الجوزي (348/ 1)؛ الحديث جاء بلفظه، وقد رواه أبو هريرة (ه) عن رسول الله بلفظ: " إذا توضأتم فأشربوا أعينكم الماء "، أخرجه ابن أبي حاتم في علل الحديث (36/ 1)، كتاب الطهارة، برقم (73)، من طريق هشام بن عمار، عن البحتري بن عبيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وابن حبان في كتاب المجروحين (302/ 1)، والحديث ذكره الديلمي في فردوس الأخبار (328/ 1) برقم (1036). (10) حديث: " خللوا أصابعكم قبل أن تخلل بمسامير من نار "، أخرجه الربيع عن أبي عبيدة، ص 30، من أبواب الطهارة (15)، باب في أداء الوضوء وفرضه، برقم (90)، أخرجه الدارقطني (195/ 1)، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل القدمين، وأخرجه الدارقطني (95/ 1)، من الكتاب، والباب المذكورين، بلفظ: عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ويُخلل بين أصابعه ويُدلك عقبيه ويقول: " خللوا بين أصابعكم لا يُخلل الله تعالى بينهما بالنار، ويل للأعقاب من النار "، والنسائي، ص 180، وأخرجه ابن ماجه (152/ 1)، کتاب الطهارة، باب تخليل الأصابع، برقم (446)، أخرجه الترمذي (57/ 1)، أبواب الطهارة، باب ما جاء في تخليل الأصابع، برقم (40)، وهذا الحديث دليل على وجوب تخليل الأصابع، لأن الأصابع جزء من | الأعضاء التي يجب فيها الوضوء.
التخليل: إمرار الماء بين الأصابع واللحية؛ القاموس المحيط (381/ 3).
- 137 - (1/137)
صفحة 127
من الوجه فقد مسحه، وإن كانتا من الرأس فقد مسحه، ولكن نحن على حكم مسحهما من غير أن تُخطى ء من قال بذلك من المسلمين، ونحن نقتدي بالمسلمين في جميع ما قالوا به من الحق إن شاء الله، وبه
التوفيق.
- 138 - (1/138)
صفحة 128
باب ما يُنقض به الوضوء وما لا ينقض من ذلك
وينقض الوضوء مس جميع النجاسات رطباً، والميتة تنقض مسها رطبة ويابسة بالسنة، إلا ميتة الولي من بني آدم، قيل: أنه لا ينقض مسه رطباً ولا يابساً إلا مس الأذى منه ومن غيره، وقيل: أنه ينقض مسه الوضوء أيضاً، ويعجبنا النقض من ذلك عند الإمكان، وإن
كانت النجاسة رطبة نقضت، وإن كانت يابسة والماس لها رطب
أنقضت أيضاً
مسئلة
: وإذا نظر المتوضأ محارم الناس متعمداً إنتقض وضوءه، ومن قرأ كتاباً لأحد من الناس بلا أذن الذي هو مكتوب له، إنتقض وضوءه، وإن إستاخ سراً (1) بين إثنين مُتعمداً إنتقض وضوءه، وإن دخل بيتاً لغيره بلا إذن صاحبه وبغير إستئذان منه على رب البيت إنتقض وضوءه، وقيل: حتى ينظر المرآة في البيت، ثم ينتقض وضوءه، وقيل: حتى ينظر المرأة حراماً إنتقض وضوءه، ودون ذلك لا نقض، والله أعلم، وأقوال المسلمين كلها صواب. مسئلة
: ومن ذكر الفروج ما قبح أسمائها إنتقض وضوءه، ومن ذكر العذرة وقال: هذه خروة أو هذا خرو، قيل: ينتقض وضوءه، وقيل: حتى يقول: هذا خرا فلان، فحينئذ ينتقض وضوءه، فإذا أضافه إلى أحد، وكذلك البول وذكر الصليب والقرد
(1) إستاخ سراً: أي: أصغى إلى سر (لهجة عُمانية).
- 139 - (1/139)
صفحة 129
والنظر إليهما لا بأس به حتى يُشبه أحداً من الناس فيقول: وجه فُلان
کوجه قرد أو صليب، فينتقض وضوءه بذلك، والله أعلم.
مسئلة
: وكلما يخرج من الإنسان من النجاسة ينقض الوضوء، وهو كالدم والقيء والبول والغائط والجنابة والمذي والودي أو ريح يخرج من دبر الإنسان أو دابة تخرج من ذلك، وأما الريح اليابسة إذا خرجت من قبل المرأة لا تنقض الوضوء إلا إن كانت تتبعها رطوبة فينقض بذلك الوضوء، ويلزم الإستنجاء بالماء، وكذلك من الدبر إذا خرجت رطوبة لزم فيها الإستنجاء، والله أعلم
مسئلة: ومن جن حتى ذهب عقله أو غشي عليه لعلة أو ليسكن أو غير ذلك إنتقض وضوءه، ومن نام إنتقض وضوءه، ومن نام قاعداً وهو غير منحني ولا مُتكيء على شيء، وثبت في قعوده ولم يخر حتى يتحول مقعده أو يرتفع مقعده لم ينتقض وضوءه، ومن استغفر وهو متوضيء، قيل: أنه ينتقض وضوءه، وذلك من جهة الكذب، لعله لم يكن صادقاً في استغفاره، وأكثر القول: أنه لا ينتقض وضوءه إذا استغفر الله. عز وجل، أمر بذلك قوله لنبيه: {فَسَبِّحْ بِحَمدِ رَبِّكَ وَاستَغفِرهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} (2)، وقوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً) (3)، وكثير في آي القرآن يدل على الأمر من الله تعالى لعباده بالإستغفار واتباع أمر الله تعالى لا ينقض الوضوء،
والله أعلم.
مسئلة
(2) سورة النصر: 3.
@1
ومن ضرب ولده أو عبده أو دابة يكون بمثل ذلك
(3) سورة نوح: 10.
-12 - (1/140)
صفحة 130
الضرب عاصياً لله، انتقض وضوءه على قول من يرى نقض الوضوء بالمعصية وهو أن يكون ضرباً مبرحاً مؤثراً، أو ضرب الأدب لا ينقض الوضوء إذا لم يكن مبرحاً ومؤثراً، وجميع فعل المعاصي كذلك يجري فيه الإختلاف، كالذي يقهر يتيماً أو ينهر مسكيناً إلى غير ذلك من المعاصي، أو يقول لوالديه: أف، إذا فعل ذلك وهو يدين بتحريمه، ومصدق لما جاء به القُرآن، وأما إذا جحد وجحد تحريمه في القرآن ولم يصدق ما جاء به في ذلك من القُرآن، فذلك شرك وينتقض وضوءه بالشرك بغير إختلاف، والله أعلم.
مسئلة
: ومن قال لولده: ياخايس (4)، أو ياجيفه إلى غير ذلك من التهدد للولد إذا كان الولد صغيراً، ويُريد بذلك أن يردعه عن شيء نقده عليه ويُريد بذلك أن يؤدبه وينهاه بذلك، فأرجوا ألا ينتقض ذلك الوضوء، وأما إذا قال له: ياهرار (ه)، إلى مثل هذه اللفظة الخسيسة عن عيوب المسلمين ليغتابهم بذلك، انتقض وضوءه إلا أن كان أحد من الناس له لقب هو أشهر من اسمه عند الناس، وهو لا يُغاض (6) ممن سماه بذلك اللقب، فإن ذلك لا ينقض
الوضوء، واللمز والغمز للناس أيضاً ينقض الوضوء، والله أعلم مسئلة: والقهقهة (7) والضحك تنقض الوضوء، والبكاء الذي لغير خشية الله ينقض الوضوء ء، وقيل: إذا غلب البكاء على أحدٍ من غير أن يجتلبه هو لنفسه، لا ينقض ذلك الوضوء، كمثل من يموت (4) خايس: أي: سنيا الخلق. (6) الصواب: لا يتغيظ، من الغيظ) لهجة عُمانية). (7) القهقهة: الضحك الكثير المسموع.
(5) هرار: أي: متغوط.
-181 - (1/141)
صفحة 131
ومن
ولده أو أبوه أو أحد يعز عليه فقده، وغلبه البكاء على ذلك، فإنه قيل: لا ينقض الوضوء، وقيل: ينقض إلا البكاء من خشية الله خوف عِقابه عز وجل، فإنه لا ينقض الوضوء، والله أعلم مسئلة: ومن قال: ولا فُلان أو ول وجه فلان أو خزي فلان أو
أخزاه الله (8)، فإن جميع ذلك ينقض الوضوء، ومن لعن من لا يستحق اللعن من جميع الخلق إنتقض وضوءه، وكذلك القبحه والمقت وجميع كلام الفحش كله ينقض الوضوء، وإذا وثب المتوضأ وثباً كثيراً حتى يتلاهث من ذلك إنتقض وضوءه إلا إن كان لمعنى الصلاة كالخائف من فوات صلاة الجماعة أو فوات وقت الصلاة ولم يمكنه أن يُصلي في ذلك الموضع بشيء من الأسباب أو يخاف فوت أصحاب له في السفر حتى يلحقهم أو معنى من معاني ما يكون به معذوراً في
ذلك.
مسئلة
ومن توضأ لفريضة جاز له أن يُصلي الفريضة والنافلة بذلك الوضوء، ولو لم ينو به إلا الفريضة، ومن توضأ للنافلة فلا يُصلي بذلك الوضوء الفريضة إذا لم ينو به إلا للنافلة، وقيل: يجوز أن يُصلي به ما أراد من الصلوات إذا كان لم ينتقض بعد شيء من ما يُنقض الوضوء، وإن أهمل الوضوء فلا يُصلي به حتى يتوضأ وضوء غيره، وقيل: يُصلي به ولو أهمله إذا كان ثابتاً بعد ولم يتعرض له ما
ينقضه، والله أعلم.
مسئلة
: وإن صلى بوضوء صلاة الظهر وأراد أن يتوضأ غيره
(8) أي: قال: قبحه الله. (1/142)
صفحة 132
إذا حضرت صلاة العصر، ولم يكن إنتقض ذلك الوضوء الأول بشيء، ثم حضرت صلاة العصر، فأراد أن يُصلي بوضوءه الأول، جاز له ذلك إذا كان الوضوء ثابتاً بعد، وقيل: لا يجوز حتى يحدث وضوءاً غيره للعصر، وأنا يعجبني جواز الصلاة بالوضوء الأول، إذا كان لم ينتقض بعد بشيء من الأسباب التي ينتقض بها الوضوء،
والله أعلم مسئلة
: وإذا قال عند الوضوء: أتوضأ لفرائضي وسنتي ولما
شئت من الصلوات إذا لم يتعرض له ما ينقضه، ولو بقي يوماً أو
يومين، والله أعلم.
مسئلة
: وإذا أصابت الإنسان نجاسة في شيء من جسده ونسيه ثم توضأ ولم يغسل تلك النجاسة، فإن كانت في رجله أو في يده وخاض بهما الماء حتى ذهبت النجاسة ثم توضأ بعد ذلك وصلى فإن وضوءه وصلاته تامان على قول، ولو كان لم يقصد إلى غسل النجاسة لأنه نسي ذلك، وقول: لا يصح وضوءه ءه وصلاته حتى يقصد لغسل النجاسة بقصد ونية لذلك، والله أعلم، وثيابه طاهرة على حال إلا إن كانت لم تذهب عين النجاسة بعد فإنه يتنجس ما لاقى ذلك من ثيابه الذي لا يمتنع عن مماسة تلك النجاسة بحال، والله
أعلم. مسئلة
: وإذا أكل المتوضيء أو شرب، طعاماً طاهراً ثم غسل يديه بعد الأكل، ومضمض فاه بالماء، فلا بأس بذلك على وضوءه، إلا إن أكل طعاماً حراماً، وهو يعلم به أنه حرام، ويعمد على أكله، (1/143)
صفحة 133
مع
، ففي
علمه به أنه حرام، إنتقض وضوءه، وهو كطعام مغصوب أو مسروق أو حرم بشيء من الأسباب، وكذلك شربه للماء الحرام على العمد، ينتقض الوضوء أيضاً، والله أعلم، إلا إن كان في حال إضطرار إلى أكل ذلك الطعام أو شرب ذلك الماء، فلا نقض عليه في ذلك، والله أعلم، وكذلك إذا إضطر إلى أكل الميتة وهو متوضيء، قيل: أن وضوءه تام ولا نقض عليه، لأنها في حال الإضطرار حلال طاهرة، حتى لو بقي بيديه منها دهن وزهومة في ضروسه لحم من الميتة، فذلك طاهر، لأنه أكل ذلك مُضطراً إلى أكله حال الإضطرار هو حلال لقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيِّتَةَ وَالدَّمَ وَلَحمَ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (9)، فأسقط الإثم عمن إضطر إلى ذلك، والله أعلم، وقيل: يعيد وضوءه إذا أكل ذلك، ولو كان مضطراً، ويعجبني هذا القول عند الإمكان لإعادة الوضوء، وإن لم يمكنه ذلك فقد مضى القول في ذلك، ألا ترى إلى المتيمم للصلاة عند عدم الماء ولو كان متغوطاً أو بائلاً أو في جسده نجاسة أو في يده نجاسة ودم قائمة العين، وأكل طعاماً رطباً بيديه لم يتنجس الطعام ولا الإناء الذي هو فيه، وكذلك لو عرف جسده النجس في ثيابه لم يتنجس ثيابه، لأنه متيمم من ذلك من عدم الماء، ولا يلزمه طهارة ثيابه، إذا وجد الماء بعد ذلك، إلا إن كانت تعلقت بها منه نجاسة قائمة العين، فيلزمه الطهارة لها، والله أعلم.
مسئلة
: ومن توضأ عارياً في مكان مستراً، وفي ليل، فجائز ذلك إذا لم يره أحد من الناس وهو عاري، ويعجبني أن يلبس ثيابه
(9) سورة البقرة: 173
-1 EE- (1/144)
صفحة 134
قبلاً ثم يتوضأ، ومن كان لابساً إزاراً أو سراويل وباقي جسده عاري، وتوضأ فلا نقض عليه، إلا إن كان لم يستر إزاره سرته وركبتيه، ويستحب له أن يتوضأ وعلى عاتقه ثوب ساتر به ظهره ومنكبيه
وصدره، والله أعلم.
مسئلة
، وتم
: ومن نسي شيئاً من جوارح الوضوء لم يمسحه، ثم ذكر وقد جفت سائر جوارحه من الوضوء فعليه الإعادة لجميع الوضوء، وإن ذكر قبل أن يجف مسح الذي نسيه وحده، وضوءه، وإن نسي ذلك حتى صلى، أعاد الوضوء والصلاة إذا ذكر، وقول: لا إعادة عليه إذا فات وقت الصلاة إذا لم يكن من الأعضاء المعين فرض مسحها في القُرآن، وأما التي مسحها فرض في القُرآن، فعليه الإعادة وإن لم يعد لزمته الكفارة، والله أعلم.
وأقول: ولو لم يفت الوقت إذا ذكر بعدما صلى، تمت صلاته، إذا كان عضواً واحداً، وقول: ولو كان نصف العضو، أعاد إذا ذكر، إذا كان قد مسح نصف ذلك العضو أو ثلثه أو أكثر أو أكثره، ثم فرغ ماؤه وقام ليأتي (10) ماءً ليوفي مسح ذلك العضو، فنسي وصلى، وقول: إذا نسي أكثر الجارحة أعاد إذا ذكر، ولو فات وقت الصلاة، ولا إعادة عليه في أقلها، وقول: يُعيد إذا ذكر والوقت لم يفت، ولو كان نسي أقل الجارحة، ويعجبني هذا القول، وقول: يُعيد على حال إذا لم يكن وضأ جميع جوارحه بالتمام، ولو كان ناسياً، وكل أقول المسلمين صواب، والله أعلم.
مسئلة: وأنا أأخذ بالقول في الإعادة على حال إذا نسي من
(10) في الأصل) ليهاتي)، وربما أخطأ الناسخ، فأبدلتها بكلمة (ليأتي) ليستقيم المعنى.
11801 (1/145)
صفحة 135
الجوارح التي فرض مسحهن في القُرآن شيئاً ولو يسيراً ولا تصح الصلاة إلا بتمام ذلك، لأنه فرض، والله أعلم
مسئلة
: ومن غسل ثوباً نجساً أو إناء نجساً في نهر وهو متوضيء، إنتقض وضوءه، إذا كان قد مس ذلك قبل أن يطهر، وجعل يعركه بيده، إنتقض وضوءه، ونظر الخطأ لا ينقض الوضوء، والنظر إلى فروج الأطفال لا ينقض الوضوء إلا الجارية، فإنها ينقض بالنظر إلى فرجها الوضوء إذا كان نظراً للشهوة، والذي لغير شهوة فلا ينقض، وقيل: ينقض على حال، وفروج الدواب لا ينقض النظر إليها والعبيد أيضا لا ينقض النظر إلى فروجهم لغير شهوة، وقيل: ينقض على حال، والحق من النساء التي ليست بذي محرم، فإن النظر إلى جميع أبدانهن ينقض الوضوء إلا الوجه منهن وباطن الكفين إلا القواعد
من
النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً، وهي كل إمرأة لا تريد ولا تراد
،
،
فإن النظر إلى سائر بدنها لغير شهوة ولا تلذذ لا ينقض الوضوء ولا ينقض منها إلا من حد السرة إلى الركبة، والسرار والركبة هما من العورة، وقيل: أن النظر إلى جميع أبدان النساء حرام ينقض الوضوء إلا ذوات المحرم من النساء، فإنه لا ينقض النظر إلى سائر أبدانهن إلا من الركبة إلى السرة، وهما من العورة، وينقض النظر إليهما أيضا، وذوات المحرم من النساء هن كل إمرأة لا تجوز للرجل أن يتزوج بها من جهة النسب أو الرضاع، وأما التي حرم عليها تزويجها الشرك أو الحد، وهي المحدودة على الزنا أو الرجل محدود على الزنا، ومنع من النساء اللاتي غير محدودات على الزنا أو أُخت زوجته، فإن
تزويج
هؤلاء ليست كالمحرمات بالنسب وينقض النظر إلى سائر أبدانهن
الوضوء إلا الوجه، فإنه غير عورة من جميع النساء، وباطن الكف
@
والله أعلم
،
- 146 - (1/146)
صفحة 136
مسئلة
ومن مس فرج صبي أو دابة لغير شهوة فلا ينقض ذلك وضوءه، إلا إن كان فيه نجاسة أو رطوبة نجاسة، والنظر إلى محارم الرجال من السرة إلى الركبة، وهما من العورة، وسائر أبدان الرجال النظر إليها لا ينقض الوضوء.
مسئلة
P
,:
وإذا مس الرجل فرجه أو فرج زوجته إنتقض وضوءه، والنظر إلى ذلك لا ينقض، ومس المرأة لفرج زوجها أو لفرجها مثل مس الرجل، ونظرها أيضاً مثله في النقض للوضوء، وقيل: لا ينقض ذلك إلا مس الثقبين من الفرجين، وقيل: ينقض الفرج كله ولو مس من سائره شيئا نقض عليه وضوءه، والمس لا يكون إلا بباطن الكف والأصابع، وأما بالظاهر منهما ليس هو بمس، والله أعلم.
من
مسئلة وضوء الماس منهما دون الممسوس، والمس من خلف الثوب للفرجين لا ينقض الوضوء، والله أعلم.
: والزوجان إذا مس أحدهما فرج صاحبه لم ينتقض إلا
مسئلة
: ومن مس حلق رأسه ونتف شيئاً من شعر بدنه أو قلم أظفاره ولم يخرج منه دم لم ينتقض وضوءه إلا إن قلع شعرة من جسده وتعلقت بها لحمة حية رطبة، فمس تلك اللحمة بيده وهي رطبة إنتقض وضوءه، وإن لم يمسها ولم يخرج من موضعها الذي قلعت منه دم فلا نقض عليه، والجلدة الميتة من الإنسان الحي لا ينقض منها الوضوء، رطبة كانت أو يابسة إلا إن كانت فيها نجاسة تعلقت بها من غيرها، وإذا أصابت جسد إنسان شوك فأخرجها ولم يخرج معها دم من جسده، فلا بأس على وضوءه، وإذا قلع ضرسه ولم يخرج له دم لم ينقض ذلك وضوءه، وإذا لدغته عقرب أو دبي ولم
- \ EV - (1/147)
صفحة 137
يخرج منه دم فلا فساد عليه في وضوئه إلا الحية فإنها إذا لدغته إنتقض وضوءه، ولو لم يخرج له دم من لدغتها، لأن سورها مفسد،
وكذلك كلما عضه من جميع الهوام والدواب التي جاء الأثر بنجاسته سؤرها نقض عليه وضوءه ولو لم يخرج من عضه له دم، وأما التي في سؤرها طاهرة من جميع الدواب والطير في الأصل فلا فساد على وضوءه من عضته، إذا لم يخرج منه دم، والله أعلم.
مسئلة
: ومن نظر إلى إمرأة عارية في الماء متعمداً فسد وضؤه، وإن نظرها على أنها زوجته، فإذا هي غيرها إنتقض وضؤه، وإن نظرها على أنها غير زوجته، فإذا هي زوجته إنتقض وضؤه أيضاً بالنية الفاسدة، وفيه إختلاف تركته
مسئلة: ومن نظر إلى خيال فرج إمرأة في مرآة أو في ماء، قيل: ينتقض وضؤه، وفيه إختلاف، ومن نظر في الليل إلى عورات الناس، فإذا تيقن العورة، إنتقض وضؤه، وإن كان لا يرى إلا الهيئة ولم يحقق النظر إلى العورة، فلا نقض عليه، لأن الليل لباس، والقمر والظلام سواء في ذلك، والله أعلم، لقوله تعالى: {وَجَعَلَنَا اللَّيلَ لباساً (11)، وقد علم أنه يكون في الليل قمر، فلم يستثنه عز
وجل، فهو لباس كما قال سبحانه وتعالى جل ذكره.
مسئلة: ومن لمست يده شيئاً من محارم الناس في الليل أو في ظلام متعمداً، إنتقض وضوه، ولا بأس بالخطأ في ذلك، وإن نظر إلى النساء والرجال في الليل في ضوء نار، إنتقض وضؤه، وإن لمس
محارم
ذلك من فوق ثوب متعمداً، نقض ذلك عليه وضؤه
- SEA-
(11) سورة النبأ: 10. (1/148)
صفحة 138
مسئلة
: ومن تكلم بالكذب أو بالفجور أو شتم أحداً أو إغتاب المسلمين أو شتم أعراضهم، إنتقض وضؤه، وفي الكذب إختلاف، قول: أنه لا ينقض الوضوء، ونحن نأخذ بالنقض، والله أعلم، وأما غيبة المنافق فإنها لا تنقض الوضوء.
مسئلة
: وإذا أصابت جسد المتوضيء شرارة نار فأحرقت ما وقعت فيه من جسده وهو متوضيء، إنتقض وضوءه، ولو كان في سائر جسده دون جوارح الوضوء فإنه ينتقض الوضوء بذلك، ولو لم يخرج له دم من ذلك، والله أعلم.
مسئلة
شيء
: وفي المزاح الذي يخرج صاحبه به من الحق، ولم يکن به كاذباً، فلا ينقض الوضوء، إذا كان يحول نيته في الكلام إلى صدق وصواب، ولو توهم السامع أنه لا يكون ذلك ما قاله هو حقاً، إذا لم يبلغ بذلك عند السامع إلى حد أنه يبرأ من قائل ذلك من نفسه، فلا بأس عليه، وإن صح: لذلك أن تعمل يبيع البراءة من نفسه عند من سمعه بذلك، إنتقض وضوءه.
هو
-189 - (1/149)
صفحة 139
باب
التيمم
والتيمم فرض في كتاب الله تعالى للصلاة عند عدم الماء،
عز
،
وللطهارة وللغسل من الجنابة وللصوم، إن كان جنباً، قال الله وجل ذكره: {فَلَم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بوُجُوهِكُم وَأَيْدِيكُم مِّنهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّن حَرَجٍ} (1)، أي: من ضيق؛ والتيمم هو القصد والتعمد، أي: أقصدوا {صَعِيداً طيباً، والصعيد: هو ما صعد على وجه الأرض من التراب، والطيب: هو الحلال الطاهر، فإذا حضر الإنسان وقت الصلاة ولم يجد ماء، وعدم عليه وجود الماء في ذلك الوقت، وفي ذلك المكان فليقصد إلى تراب طاهر ويضرب فيه بكفيه، ويكون مُفرقاً لأصابعه. ويكون ضربه بباطن كفيه، ويقول: أرفع بتيممي هذا جميع الأحداث، وأتيمم به للصلاة بدلاً للماء أداءً للفرض، طاعة لله ولرسوله محمد ويمسح وجهه، ثم يضرب ضربة ثانية ويمسح بباطن كفه الأيسر على ظاهر كفه الأيمن إلى الرسغين، وهو حوزة الذراع، ثم يمسح بباطن كفه الأيمن على ظاهر كفه الأيسر إلى الرسغين، وإن مسح إلى المرافق فجائز، وهو أحسن
،
،
مسئلة: وإن نوى التيمم للغسل من الجنابة وللصلاة يجزئه ذلك، ولكن نحب له أن يحدث للصلاة تيمماً ثانياً، وإن كان صائماً وأصابته جنابة ولم يجد ماءً فليتيمم من الجنابة للصوم قبل طلوع الفجر، وصومه تام، ومتى وجد الماء إغتسل من الجنابة لئلا يفسد صومه، ولا
(1) سورة المائدة: 6.
- 151 - (1/151)
صفحة 140
:
يُصلي بتيمم واحد صلاتين، إلا إن كان قد جمعهما في وقت واحد، فيجوز ذلك، ومن تيمم ثم وجد الماء إنتقض تيممه، ولزمه الوضوء للصلاة بالماء، وإن تيمم وصلى ثم وجد الماء بعد ذلك، فقد تمت صلاته، وبعض من أهل العلم يحب له إذا وجد الماء وقد صلي بالتيمم والوقت لم يفت بعد، أن يُعيد الصلاة بالوضوء بالماء، والله أعلم، بغير إلزام منه له بذلك إذا كان قد طلب الماء فلم يجده، وصلى بالتيمم فقد تمت صلاته، وإذا وجد الماء وقد صلى بعض صلاته إنتقض تيممه وصلاته، ولزمه الوضوء بالماء، وقال بعض أهل العلم يمضي في صلاته ولا نقض عليه، ويتمها وقد تمت إذا كان قد دخل في الصلاة قبل وجوده للماء، ويعجبني القول الأول أنه يُعيد صلاته بالوضوء بالماء إذا وجده وهو يُصلي بعد، وفي الوقت سعة وإن خاف فوات الوقت، يمضي في صلاته بالتيمم ويتمها، وإن لم يطلب الماء ولم يلاحظ في طلب الماء، وصلى بالتيمم، ثم وجد الماء قريباً منه أو في رحله وهو ناس له، لزمه الوضوء به والإعادة للصلاة، ما دام الوقت قائماً، بلا إختلاف، وأما إذا فات الوقت، بعض يلزمه الإعادة للصلاة، وبعض لم يلزمه الإعادة، إذا كان ناسياً للماء الذي رحله، أو الذي هو قريب منه في ذلك المكان، أو كان هو لم يخبر أن في ذلك المكان، والله أعلم، ويعجبني الإعادة لهذا، ولو فات الوقت، لأنه قصر في الطلب للماء وهو قريب منه
في
مسئلة: ولا يجوز التيمم إلا بالتراب الطاهر لا بملح ولا بقمح ولا بدقيق ولا بسبخ، والسبخ فيه إختلاف، ولا بهك ولا برماد ولا بحص محرق بالنار ولا بصاروج ولا بالطين ولا بالرمل، إلا بالتراب اليابس الذي إذا ضرب باليد طار منه الغبار وعلق في اليد ليمسح
11011 (1/152)
صفحة 141
بذلك الغبار، وإذا عدم التراب على أحدٍ في مكان التراب على أحدٍ في مكان بشيء من الأسباب إما أن يكون المكان طيناً وأصابه الغيث فرطب التراب، أو في جبل ليس فيه تُراب، أو في رمل ليس فيه تُراب، أو واد كذلك ليس فيه إلا بطحاء وحجارة، فليضرب بيديه الهواء، وينو التيمم ويمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربة ثانية، ويمسح يديه كما قلنا فيما تقدم من الكلام في هذا الباب، وإن كان عنده متاع كربط الثياب (2)، وكالظروف والعدول والجواني فيهن شيء من غُبار التراب طاهراً فليضرب بيديه ذلك، وإن كان المكان الذي أصابه الغيث فرطب ترابه من ظاهره، ونرجوا أنه من حفر قليلاً يجد تُراباً يابساً له، فينبغي ذلك بغير لزوم عليه ذلك، وقال بعض أهل العلم: إذا عدم التراب على أحد والماء، وحضر وقت الصلاة، فليصلي ولا عليه أن يرمي بيديه الهواء، لأن الله تعالى قال: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً} (3)، ولم يقل هواء، ولكن يقدر في قلبه التيمم من عدم الماء، ويُصلي وقد جازت صلاته، والله أعلم، وأنا أحب أن يرمي بيديه الهواء على معنى أنه بقدر التيمم من عدم التراب
مسئلة
: ولا يجوز أن تتيمم (4) بتراب كنت قد تيممت به مرة واحدة، كما قال الشيخ أحمد بن النظر السمؤلي العُماني الحميري
(رحمه الله):
ولا تيمم بتراب
كنت تيممت سوى مرة
(2) ربط الثياب: أي: حزم الثياب.
(3) سورة المائدة: 6.
(4) في الأصل (يتيمم)، ولكن كتبتها (تتيمم) ليستقيم المعنى.
- 153 - (1/153)
صفحة 142
تتيمم
أي: سوى مرة واحدة، يعني: الصلاة واحدة، فإذا أردت أن لصلاة أُخرى فتيمم بتراب غير هذا التراب الذي تيممت به
للصلاة الأولى، والله أعلم.
11081 (1/154)
صفحة 143
باب الغُسل من الجنابة
والغسل من الجنابة فرض في كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى: وَإِن كُنتُم جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} (1)، فإذا أراد الإنسان الغسل من الجنابة، أراق البول قبلاً، ليخرج ما كان تعقب من الجنابة، إن كان قد تعقب شيء من ذلك، وهو على سبيل المبالغة للإستبراء لا على اللزوم، لأنه إن خرج شيء منه من الجنابة بعد الغسل، لزمه غسل ثان أيضاً، فإذا أراق البول للإستبراء وقعد للغسل، فيغسل يديه أولاً، ثم يغسل الفرجين، وموضع الأذى من أي موضع من بدنه، إن كان ذلك الأذى جنابة أو غيرها، ثم يغسل شق رأسه الأيمن ثلاث عركات، بعد أن كان توضأ كوضوءه للصلاة، ثم شق رأسه الأيسر، ثم وجهه، ثم عُنقه، ثم جنبه الأيمن، ثم الأيسر، كذلك ثلاثاً
ثلاثاً
ثلاثاً
، ثم رجله اليمنى، ثم اليُسرى، وقد تم غسله إذا كان قد بالغ في الغسل، لأن معني التعبد أن يُعمم جميع بدنه الماء، فإن بقي شيء من جسده لم يغسله، ولو كالدرهم لم يجزه ذلك الغسل، وعليه غسله، وإن جف جميع بدنه من الماء بعد الغسل، وكان بقي عليه شيء من جسده لم يغسله فعليه إعادة الغُسل لجميع جسده، والله
أعلم.
مسئلة: وإن كان في شيء من جسده خراج أو قرحة ويخاف إن مسه الماء يزداد عليه، فليغسل ما حوله، وليس عليه أن يضر بنفسه إذا خاف الضرر من ذلك، ويعجبني أن يتيمم بعد الغسل لأجل ذلك
(1) سورة المائدة: 6
11001 (1/155)
صفحة 144
الموضع الذي لم يمسه الماء بغير إلزام مني له بذلك، وكذلك إن كان به شيء من الكسر وعليه جبائر، وفي نقض الجبائر ضرر، فليغسل ما حول تلك الجبائر من جسده وأحب له التيمم بعد الغسل في ذلك والرب (2) أيضاً مثله، وكل من كانت به علة يزداد إن مسها الماء فليس عليه أن يغتسل من الجنابة بالماء، والصعيد له جائز، ولا يجوز له أن يضر نفسه كالمجدور وغيره، للرواية عن النبي، حيث بلغه أن قوماً غسلوا مجدوراً بالماء من الجنابة، فكز ومات، فقيل عنه أنه قال: " قتلوه قاتلهم الله إنما كان يخزيه التيمم بالتراب " (3).
مسئلة
: ومن
كان عنده ماءً قليل فليغسل به الأذى من جسده
مسئلة: وإذا ضربه الغيث، وعم الماء جميع جسده، ونوى بذلك الغُسل من الجنابة، أجزأه ذلك، إذا زالت منه النجاسة، وكذلك إذا ضربه موج البحر، أجزأه عن العرك فيما قيل، إذا عم الماء جميع جسده وزالت منه النجاسة، فإن ذلك يقوم مقام العرك، وكذلك كل ماء له حركة كالنهر الجاري، إذا كان جريه وحركته
(2) معنى كلمة الترب) بتشديد الراء والباء): وهو ما يُوضع على الكسر، يُخلط ببعض الوصفات، ويُوضع على موضع الكسر، ويُلف بقماش (3) حديث: قال رسول الله، بلغه أن قوما غسلوا مجدوراً بالماء من الجنابة، فكز ومات، فقال: " إنه قتلوه قاتلهم الله إنما كان يجزيه التيمم بالتراب "، أخرجه الربيع في مسنده (46/ 1 - 47) باب الزجر عن غسل المريض، وأخرجه أبو داود (240/ 1) (1)، كتاب الطهارة (127)، باب في المجروح يتيمم، برقم (237)، من طريق نصر بن عاصم الأنطاكي، عن محمد بن شعيب، عن الأوزعي، عن عطاء بن أبي رباح، أنه الله سمع. الله بن عباس (رضي ا عبد عنهما)، قال: أصاب رجُلاً جرح في عهد رسول الله، ثم إحتلم، فأمر بالإغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله، فقال: " قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العين السؤال "، وأخرجه ابن ماجه (189/ 1) (1)، كتاب الطهارة (93)، باب في المجروح تصيبه الجنابة، برقم (572)، من طريق هشام بن عمار، وأخرجه الدارقطني، من طريق عبدالرزاق (191/ 1).
- 156 - (1/156)
صفحة 145
تُذهب بالنجاسة من جسد الإنسان، فإنه يجزي عن العرك عندي، إذا ذهبت عين النجاسة، وهذه رُخصة لمن لم يقدر أن يعرك جسده بيديه لشيء من الأسباب، والله أعلم.
مسئلة
: ويلزم الإنسان الغُسل من الجنابة، إذا جامع فأولج الحشفة من الذكر في الفرج، والتقى الختانان من المرأة والرجل، فقد لزم في ذلك الرجل والمرأة الغسل، أنزل أو لم يُنزل، وكذلك إذا أولج الحشفة من الذكر في أي فرج كان من النساء أو الدواب أو القبل أو الدبر، ولو لم يُنزل من ذلك الماء الدافق، فعليه الغسل من ذلك، وأما إذا أنزل الماء الدافق، وهي الجنابة التي يكون منها الولد، وهي ماء غليظ له رائحة مثل رائحة الطلع (4) من النخل، ويكون بخروجها وجود اللذة، وتصيب الإنسان رعشة عند خروجها منه، فهذه صفة الجنابة التي يجب منها الغسل، وأما إن خرجت منه الجنابة من غير وجود لذة ولا رعدة ولا إنتشار، فقيل: تلك جنابة ميتة، ولا يلزم بخروجها الغُسل في بعض القول، وقول: يلزم في ذلك الغُسل، والله أعلم. مسئلة: وأما المذي والوذي، فليس فيهما غُسل، وصفة المذي ماء رقيق أغبر يخرج عند الإنتشار وبعده، وليس لخروجه لذة كالجنابة، وأما الوذي فهو شبيه بماء الصقل، وليس له رائحة، ويخرج بعد الإنتشار، إذا مكن الذكر من الإنتشار، خرج منه هذا الماء اللزج، فليس فيه غُسل يلزم، والله أعلم.
(4) الطلع: ظهور ثمرة النخل، ويُلقح بالفحل من النخل، وثمرة الفحل له رائحة تشبه المني، كما ذكر المؤلف (رحمه الله).
11017 (1/157)
صفحة 146
وسل المسلمين، ولا تأخذ من قولي إلا ما وافق الحق والصواب.
مسئلة
: وإذا لم يجد الجنب من الماء إلا ماء بارداً شديد البرودة، ويخاف على نفسه الضرر إذا اغتسل منه، ولم يمكنه إسخانه بالنار لعدم الإناء أو لعدم النار أو لشيء من الأسباب، فالتيمم جاز له، وليس عليه أن يضر نفسه، فقد جعل الله الدين يُسراً لا ضيق فيه،
لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ} (5)، أي:
من ضيق، والله أعلم
مسئلة
: فإذا إحتلم الإنسان وخرجت منه الجنابة لزمه الغسل وإذا رأي الجماع ولم يزر الإنزال، ولم يجد في ثوبه جنابة رطبة ولا يابسة، فلا غُسل عليه من ذلك، وإن وجد في (6) جنابة رطبة أو يابسة، ولم يرى الجماع، ولا الإنزال فقيل: عليه الغسل على الإحتياط، وقيل: لا غسل عليه، ولعل تلك جنابة ميتة خرجت منه، وأما إذا وجدها قد جفت ولم يرى الجماع ولا الإنزال، فلا غُسل عليه، وإن رأي الجماع والإنزال، ولم يجد في ثوبه شيئاً من الجنابة رطبة ولا يابسة، فيعجبني له الغسل من ذلك، ولم أحفظ أن أحداً من المسلمين عذره من الغُسل من ذلك، والله أعلم، لأنه يمكن أن يلحس الجنابة التي خرجت منه شيء من الدواب أو الهوام وهو نائم لا يدري، فإذا رأى الإنزال ألزمه الغسل (7)، وإذا رأى الجماع والإنزال ووجد بعد الإنتهاء في ثوبه جنابة يابسة، فعليه الغسل، وإن
(5) سورة الحج: 78
(6) هكذا في الأصل، ولعله في جسده. (7) هذا القول غريب، والله أعلم بصحته.
6
11011 (1/158)
صفحة 147
رأى الجماع ولم يرى الإنزال، ثم إنتبه فوجد في ثوبه جنابة يابسة فعليه أيضاً الغسل من ذلك، لأن بعضاً من الناس إذا رأى الجماع، ولم يرى الإنزال يخرج منه بعد ذلك الجنابة، وهو لا يدري فعليه الغسل من ذلك، وأما إذا لم ير الجماع ولا الإنزال ووجد في ثوبه بعد إنتباهه جنابة يابسة أو رطبة لم يعهدها فيه من قبل، فيعجبني له أن يغتسل من الجنابة من غير إلزام مني بذلك، والله أعلم.
مسئلة: ومن عبث بذكره بيده، أو تشهى إمرأة حتى أمنى: لزمه الغُسل، والله أعلم، وإن جامع الرجل واغتسل ولم يرق البول، وصلى ثم خرجت منه بعد ذلك جنابة لزمه الغسل وصلاته تامة إذا لم يخرج منه الجنابة إلا بعد ما صلى، والله أعلم.
مسئلة: وإن كان الرجل صائماً واحتلم أو جامع في الليل، فليغتسل قبل اصبح، وإن أخر الغسل حتى أصبح فسد صومه (8)، وعليه بدل ما مضى من صومه مع الكفارة (9)، إذا تعمد تأخير الغسل إلى أن أصبح، وإن أدركه الصبح وهو يغتسل، فإن كان قد غسل رأسه قبل الصبح، فلا بدل عليه في صومه، وإن كان غسل جميع جسده ولم يغسل رأسه وأدركه الصبح، فعليه بدل يومه ذلك، وإن كان قد أخر الغسل في وقت يجوز له فيه تأخيره، فذهب به النوم حتى أصبح، فليس عليه إلا بدل يومه ذلك، وإن كان أخر الغُسل في وقت قريب من الصبح ونيته ليقوم يغتسل قبل الصبح، فأدركه
(8) وذلك لحديث أبي هريرة: " من أصبح جنباً أصبح مُفطراً "، رواه الربيع؛ انظر: مسند الإمام
الربيع بن حبيب، ص 81/ 1.
(9) وذلك إذا تعمد عدم الغُسل قبل طلوع الفجر.
1109_ (1/159)
صفحة 148
الصبح قبل أن يغتسل، فأهون من أمره عندي أن يكون عليه بدل ما
مضى من صومه لأنه فتر عن القيام للغسل.
مسئلة
والوقت الذي يجوز له فيه تأخير الغسل من أول الليل إلى إنقضاء نصفه الأول، ولا يجوز له أن يؤخر الغُسل في النصف الأخير إذا كان صائماً، وقول غير هذا: أنه إذا أخر الغُسل على نية منه أن يقوم يغتسل قبل الصبح فذهب به النوم حتى أصبح، فليس عليه إلا بدل يومه ذلك، ولو أخر الغُسل وهو في النصف الأخير من الليل ما لم يكن مُخاطراً في ذلك بصومه، والله أعلم.
مسئلة: والنية للغُسل من الجنابة تقول: باسمك اللهم أغتسل من الجنابة، ومن كل نجاسة، أداءً لما عليَّ من فرض غُسلها، طاعة لله ولرسوله محمد، ويستعيذ من الشيطان الرجيم، إذا أراد النية للغُسل، ولا يقرأ البسملة، ولا يجوز للجنب أن يقرأ القُرآن، ولا شيئاً من منه، ولا يحمل المصحف، إلا إن كان للمصحف شيء يتعلق به
سير
6
مثل خيط أو جلد أو حبل أو غير ذلك مما يتعلق به المصحف فعسى أنه يجوز له أن يحمله بذلك الخيط، ما لم يمس المصحف، وأما بقية كتب العلم جميعها، جائز له حملها، وقيل: أنه يجوز له أن يؤذن وهو جُنب، وقيل: يجوز له أن يُقيم للصلاة، إذا صلى بالجماعة غيره، وفي هاتين المسألتين إختلاف، وأنا يعجبني التنزه في ذلك عن الإقامة والأذان للجنب حتى يغتسل، والله أعلم.
مسئلة: وقيل: يجوز للجنب أن يسجد السجدة من القرآن على قول من لم يجعلها صلاة، وقول: لا يجوز ذلك، ولو لم يجعلها، فلا
- 160 - (1/160)
صفحة 149
يسجد حتى يغتسل من الجنابة، والله أعلم، وأنا يعجبني هذا القول الأخير أنه يؤخر السجدة حتى يغتسل من الجنابة، والله أعلم، وقيل: يجوز للجنب أن يقرأ القُرآن قدر ثلاث آيات إذا خاف من وحشة
الجن، وقيل: لا يجوز له ذلك، ويجوز له إذا إبتدأ بآية فلا يتمها،
فذلك جائز، والله أعلم
•
ولا تأخذ من قولي إلا ما وافق الحق والصواب، وإزدد من سؤال
المسلمين، فإني لا أأمن على نفسي الغلط والخطأ والنسيان.
مسئلة: والجُنب إذا إغتسل للجمعة ولم ينو بذلك الغُسل من الجنابة فلا يجزيه ذلك الغُسل عندي، وعليه الغسل من الجنابة، لأن جميع الأعمال لا تصح إلا بالنيات، ويوجد في بعض الأثر أن ذلك الغسل يُجزيه، ولو لم ينو الغسل من الجنابة، وذلك عندي إذا كان ناسياً للجنابة للجمعة فعسى أن يجزيه هذا الغُسل على هذا الوجه، والله أعلم، وأكثر القول عندي أن هذا لا يُجزيه، والناسي أجدر أن لا يُجزيه عندي، والله أعلم مسئلة: والمرأة إذا كانت ظافرة رأسها، فلا يُجزيها الغُسل حتى تنقض ظفيرتها إذا لم يصل الماء في أصول الشعر إلا بالنقض له، لأن معنى الغُسل الذي هو على معنى التعبد أن يعم جميع بدنه الماء، لأنه قيل: تحت كل شعرة جنابة، وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إغتسل هو وزوجته أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله عنها)، بصاعين ونصف من ماء، وكل واحد منهما يقول لصاحبه: إبق لي، فعلى هذا معنى
- 161 - (1/161)
صفحة 150
هذه الرواية (10) يكفي الماء القليل للغُسل من الجنابة إذا زالت عين النجاسة من الفروج وغيرها، فبقية الجسد حُكمه الطهارة والغسل له من الجنابة فرض، قد تعبد الله به عباده، وإن كانوا هم في الأصل طاهرين، والله أعلم، فيجزي الماء القليل لتأدية الفريضة للغسل من الجنابة، وسل عن ذلك
(10) حديث: وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه إغتسل هو وزوجته السيدة عائشة رضي! الله عنها بصاعين ونصف من ماء، وكل واحد منهما يقول لصاحبه: إبق لي، فعل هذا "، معنى الرواية يكفي الماء القليل، الحديث أخرجه البخاري (433/ 1) (5)، كتاب الغسل (2)، باب غسل الرجل مع إمرأته برقم (250)، من طريق آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عدوة، عن السيدة عائشة (رضي الله عنها، قالت: " كُنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد، من قدح يُقال له: (الفرق) "، وأخرجه مسلم (255/ 1) (3)، كتاب الحيض (10)، باب القدر الماء في غسل الجنابة، برقم (319)، من طريق يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، وبرقم (321)، من طريق يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خثيمة، عن عاصم الأحول، عن معاذة، عن السيدة عائشة رضي الله عنها، قال: " كُنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دع لي، دع لي "، قال: " وهما جنبان " الفرق: مكيال معروف بالمدينة، وَهُو ستة عشر رطلاً، مُختار الصحاح، ص 50، مادة (ف ر ق).
المستحب من
- 162 - (1/162)
صفحة 151
تم الكِتاب وَالحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وصلى الله
على رسوله ونبيه وخاتم رسله وأمينه على وحيه محمد سيد الثقلين صلى الله عليه وعلى أصحابه الطيبين الطاهرين، صلاة دائمة إلى يوم الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا الكتاب
،
جزء في الرد على القدرية، وجزء في التوحيد وجزء في الطهارات (1)، تأليف الشيخ الثقة الرضي العدل الولي الآخ في الله سليمان بن بلعرب بن محمد بن بلعرب بن أبي القاسم بن يزيد البوسعيدي الحممتي (رحمه الله وغفر له)، وتمام الكتاب بجامع مدينة صحار في يوم الجمعة المباركة وتسع ليالٍ مضت من شهر ربيع الأول سنة 1085 هـ، ونحن يومئذ نريد أرض عُمان، بلد نخل ووادي بني رواحه، بعدما كنا في صُحبة الشيخ الوالي راشد بن
عبد الله
(1) هذا قول الناسخ، وهو أعلم بما في الكتاب، ولكن عند المراجعة تبين أنه لا توجد في الكتاب عناوين لأجزاء، حسب الوضع المصطلح عليه عند المؤلفين، ولعله يقصد بها أقساماً، كما تبين أن الباب الخامس، هو في الرد على القدرية فقط، ولعله يقصد بجزء الرد على القدرية، القسم الأول، الذي تمثل في الباب الأول فقط، والأظهر أن يُقسم الكتاب إلى قسمين، قسم: علم الكلام، وقسم:
فيما لا يسع جهله من أحكام الطهارات، وبناءً على ذلك ترجمت له بالقسم الأول، والقسم الثاني.
- 163 - (1/163)
صفحة 152
الفهرس
الموضوع
الصفحة
21
القسم الأول
فيما لا يسع جهله من أحكام الإعتقاد
* الباب الأول: الرد على القول بعدم خلود أهل الكبائر في النار
25
الباب الثاني: توحيد الباري سبحانه وتعالى، ونفي الأشباه عنه جل 37 ذكره، وإثبات الألوهية له، ونفى كل صفة لا تليق به من صفات الحدوث، وفي الرد على المشبهه، وعلى الذين قالوا أنهم سيرونه، تعالى الله عن ذلك علوا
كبيرا، وفي معنى ذلك الباب الثالث: تفسير بعض آيات متشابهة وردت في القرآن 47
الكريم
شيء
* الباب الرابع: في ذكر الحروف التي تكون زائدة في من كلام القرآن، وفي ذكر معاني شيء من
الآنات من كتاب الله، وفي الورود للنار، وغير
ذلك مما هي داخل في التوحيد وغير ذلك
فصل: في ذكر شيء من الحروف التي تكون حشوا نزائده، 63 وهو كل حرف إذا حذف من الكلمة لم يتغير معنى الكلمة عن حالته الأولى الذي كان عليها، مع وجود ذلك
الحرف
- 165 - (1/165)
صفحة 153
الموضوع
الصفحة
الباب الخامس: في الرد على القدرية، وفي الإستطاعة، وغير 67 ذلك من معاني التوحيد
الباب السادس: في الرد على من يقول بخلق القرآن، مستخرج من 79 كتاب الله وهو من معاني التوحيد أيضا القسم الثاني
في معرفة ما يسع جهله وما لا يسع جهله
95
الباب الأول: في معرفة ما لا يسع جهله وما يسع جهله الباب الثاني: في الطهارات والوضوء والتيمم وغسل النجاسات 103 والغسل من الجنابة وأحكام الطهارات وغير ذلك من
الطهارات
باب في الوضوء، وما يثبت في الوضوء وما يفسده، وما يجونز به الوضوء من المياه وما لا يجوز به، وغير ذلك
باب ما ينقض به الوضوء وما لا ينقض من ذلك
باب التيمم
* باب الغسل من الجنابة
* الفهرس
133
139
151
155
-177 - (1/166)