صفحة 1
الكتاب: سلسلة من أجل فهم صحيح للعقيدة02 جوهر الإيمان لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) سلسلة دراسات من أجل فهم صحيح للعقيدة الإسلامية (2)
الحلقة الثانية
(2)
جوهر الإيمان
لسماحة الشيخ بدر الدين:
أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي
حفظه الله ورعاه
************************************************
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، أحمده وأستعينه وأستهديه ، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى أتباعه وحزبه إلى يوم الدين ، أما بعد :
حقيقة الإيمان لغة وشرعا :
الإيمان لغة هو بمعنى التصديق ومنه قول الله سبحانه تعالى فيما يحكيه عن أبناء يعقوب عليه السلام: { .وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا. } .(1) أي بمصدق لنا .
والإيمان أصله من الأمان لأن السامع عندما يصدق المحدث آمنه التكذيب ،والشرع قد حول هذا اللفظ إلى معنى له علاقة بمعناه اللغوي(2) ، كما حول كثيرا من الألفاظ فأصبحت لها حقائق شرعية توازي تلك الحقائق اللغوية التى كانت لها من قبل ، ومن ذلك الصلاة :فقد حولت من معنى الدعاء إلى هذه العبادة المخصوصة التى يؤديها العبد على هذه الكيفية المعروفة .
ومنها الزكاة :فقد حولها الشرع من معنى النماء ومعنى الطهارة(3) إلى هذه العبادة المالية الإجتماعية المعروفة ، ومنها الصوم :فقد حوله الشرع من معناه المعروف وهو الإمساك مطلقا(4) إلى هذا الإمساك بهذه الطريقة المخصوصة المعروفة .
_____________________________
(1) سورة يوسف :آية 17
( (1/1)
صفحة 2
2) الإيمان والإسلام متلازمان مفهوما بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر ، تقول آمنت بالله أي: عرفته معرفة بلغت حد اليقين ، وأسلمت له أي: خضعت لحكمه عن طواعية وانقياد. فحقيقة الإسلام تتضمن أداء العبادات المطلوبة فهي تصديق بالله وتنفيذ لأوامره. وحقيقة الإيمان تنطوي على المعرفة الصحيحة والقيام بحقوقها ، ومن ثم فمعنى اليقين ملحوظ في الإسلام ومعنى الخضوع ملحوظ في الإيمان.
قال الإمام السالمي : (( ذلك أن الشرع نقلهما عن معناهما اللغوي فاستعملهما مترادفين في مطلق الواجب كان ذلك الواجب تصديقاً باللسان فقط أو تصديقاً بالجنان مع قول باللسان أو كان معهما عمل لازم إتيانه )) { المشارق ص321 }.
(3) جاءت كلمة زكاة بمعنى الطهارة: { .فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا. } { الكهف/81 } ، { .وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا. } . { مريم/13 }. وجاءت بمعنى الصدقة المفروضة في آيات عديدة مثال ذلك الآيات 43-83-110-177-277. من سورة البقرة. والنساء: 77-162 ... إلخ.
(4) جاء الصوم بمعنى الامساك عن الكلام في قوله تعالى: { .فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا. } { مريم/26 } ، وجاء الصوم بمعنى الامساك عن الطعام وسائر المفطرات في آيات كثيرة منها:
{ .فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. } { البقرة 185 }
{ .فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ. } { البقرة/196 }
ثم البقرة: 183-184-187-النساء/92-المائدة/89-المجادلة/4 .... إلخ.
حقيقة الإيمان في الشرع :
ينقسم الإيمان الشرعي إلى قسمين :
(1) يطلق الإيمان على التصديق بأركان الإيمان التى جاءت في حديث جبريل عليه السلام وهي أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ،ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره من الله تعالى(1).
( (1/2)
صفحة 3
2) ويطلق الإيمان علىالإستقامة في العقيدة ، والإستقامة في العمل ، يعني ذلك أن الإيمان يطلق على العقيدة الصحيحة مع العمل الصالح ،والقول الصادق(2) ،وبهذا ينتفي الإشكال الذي يطرأ على النفس عندما يقرأ الإنسان الآيات القرآنية التي يستوحي منها أن الإيمان هو مطلق العقيدة ،فهناك آيات من كتاب الله تعالى تدل على أن المؤمن من جمع بين العقيدة الصحيحة ،والعمل الصالح ،وآيات تدل على أن المؤمن من آمن بما يجب الإيمان به ،أي بما يجب التصديق به .
من هذه الآيات قول الله تعالى في وصف عباده المؤمنين عندما وعدهم بالفلاح في سورتهم التي صدرها بهذه الآيات: { .قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . } . { المؤمنون/ 1-11 }.
الله تعالى بيّن صفات المؤمنين ،وبيّن أن الإيمان بجانب كونه عقيدة هو عمل أيضا { . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. } .... إلخ الآيات . (1/3)
صفحة 4
ومن هذه الآيات قول الله سبحانه وتعالى: { .إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. } . { الأنفال/ 2-4 }.
ابتداء الحق سبحانه وتعالى في هذه الأيات بحصر المؤمنين في هذه النوعية من الناس ، إنما المؤمنين ،ثم اكد هذا الحصر بقوله من بعد { . أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا. } .وفي قوله هذا تعريف للمسند والمسند إليه ،أولئك هم المؤمنون حقا ،المؤمنون مسند وأولئك مسند إليه ووسط بينهما ضمير الفصل ،وتعريف المسند والمسند إليه من دلائل الحصر ،وتوسيط ضمير الفصل بينهما يؤكد ذلك .
ومن ذلك أيضا قول الله سبحانه وتعالى: { .إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. } . { سورة الحجرات آية 15 } ،وهناك أيات أخرى تدل على خلاف ذلك حسب ظاهرها ،منها قوله تعالى: { . الذين آمنوا وعملوا الصالحات. } .(3) وقد تكرر ذلك كثيرا في القرآن ،عطف العمل الصالح على الإيمان .
وقد وردت آيات كثيرة تذكر الإيمان دون اقترانه بالعمل الصالح ، من ذلك قول الحق تبارك وتعالى: { .الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ. } . { سورة الأنعام آية 82 }. (1/4)
صفحة 5
وقد جمع ابن تيمية بين هذه الآيات بقوله: إن الآيات التي يذكر فيها الإيمان من غير ذكر للعمل الصالح فالإيمان فيها بمعنى القول والعمل ، والآيات التي يذكر فيها الإيمان مقرونا بالعمل الصالح فالإيمان فيها بمعنى العقيدة أي التصديق بأركان الإيمان التي جاء بها حديث جبريل عليه السلام .
وقد سمى الله سبحانه وتعالى العمل إيمانا في قوله: { .وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ. } .{ سورة البقرة آية 143 } أي صلاتكم وجاء في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الإيمان هو عمل بجانب كونه عقيدة ،فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: ( الإيمان بضع وستون شعبة (4) أعلاها كلمة لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق ، والحياء (5) شعبة من الإيمان (6) ).
فانظروا كيف جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان يتجزأ إلى شعب أعلاها قول (( لا إله إلا الله )) هذا القول الذي لابد من أن يقترن بعقيدة متمكنة في النفس ينتج عنها عمل صالح وإلا كان نفاقا .
والعقيدة الراسخة في النفس كشجرة طيبة ضاربة العروق في الثرى لا تؤثر فيها الرياح العاتية سامقة بفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، وأدناها إماطة الأذى من الطريق ، وهو عمل في ظاهرة صغير ولكنه ذو مغزى كبير وعظيم .
وحسن الخلق جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان حيث قال : (( والحياء شعبة من الإيمان )) ، وجاء في رواية لمسلم عنه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: (( الإيمان بضع وسبعون شعبة )) وهذا يدل على أن العدد لا يفيد الحصر (7)، بل جاء في رواية أخرى (( الإيمان مائة شعبة )). (1/5)
صفحة 6
في هذا ما يدلنا على أن الأعمال الصالحة من أجزاء الإيمان ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: عن أنس رضي الله عنه ، عنه صلى الله عليه وسلم مرفوعا : (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة (8) الإيمان ، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ،وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار )) (9) ، في هذا الحديث ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ من مقتضيات الإيمان بالله ورسوله أن يكون الله ورسوله أحب إلى المؤمن مما سواهما ،وجاء في حديث آخر عن أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )) (10) ،وفي رواية أخرى ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ((فو الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده )) (11)
والمحبة تقتضي متابعة المحبوب ،فإذا كان الإنسان يحب أحدا من الناس فإنه كثير ما يسارع في هواه ، ولو كان ذلك على حساب مصلحة نفسه ،فإذا محبة الله تقتضي المسارعة في طاعة الله وإلى رضوان الله ولو كان ذلك على حساب ما يراه العبد المؤمن مصلحة لنفسه في هذه الدنيا العاجلة ،ولا تكون مصلحة للإنسان في مخالفة أمر الله تعالى أبدا .
ومحبة الله تعالى ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانتا من الإيمان (12) لأن من شأن الإنسان أن يحب ويعظ ويجل عظماء الخلق سواء أفادوه أو لم يفيدوه (13) ، فكم من إنسان يعجب بأحد بسبب عمق فكره ،وحسن صنعته ،وبلاغة قوله ،ولو لم يسد معروفا إليه ،ومن شأن الإنسان أن يسارع في حب الذي يسدي المعروف إليه ، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها . (1/6)
صفحة 7
وإذا كان العظم من أسباب الحب ، وكان المعروف من أسباب الحب ، فإن أولى كل موجود بالحب والتعظيم هو الله تبارك وتعالى , فإن عظمة الله لا تكتنه ، وجلال الله سبحانه وتعالى لا يمكن لعقل انسان أن يحصره ،وكثير من آيات الكتاب العزيز تقرن بين الإمتنان على الخلق وبيان عظمة الله سبحانه وتعالى في آياته المنبثة في هذا الكون: { .اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ . } . { سورة ابراهيم الآيات 32-34 }.
فجدير إذا بهذا الإنسان أن يكون محبا لله سبحانه وتعالى مسارعا في طاعته ولو على حساب هوى نفسه ،والرسول صلى الله عليه وسلم بعد الله عز وجل هو أحق مخلوق بالحب ، فإن الناس كانوا هلكى لولا أن منّ الله تعالى عليهم بأن بعث فيهم ومنهم عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم { .لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ. } .{ سورة آل عمران الآية 164 }. (1/7)
صفحة 8
فالإنسانية كانت في ضلال مبين ، كانت تتخبط في هذه الحياة لا تميز بين قبيلها ودبيرها ، ولا بين ما ينفعها وما يضرها ،ولا بين ما يصلحها وما يفسدها ، كانت منساقة وراء شهواتها وأوهامها كانسياق البهائم العجماء حتى منّ الله سبحانه وتعالى على الخلق بأن بعث فيهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لينقذهم من تلك الضلالة التي كانوا عليها ولينتشلهم من ذلك الضياع الذي وقعوا فيه ، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام حقيق بأن يكون محبوبا عند كل إنسان (14).
ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإيمان يقتضي انسجام العبد المؤمن مع اخوانه المؤمنين في مشاعره (15) إذ يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )) (16).
_____________________________
1. جاء في حديث جبريل عليه السلام الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: فأخبرني عن الإيمان؟ ، قال: (( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره )) رواه مسلم 1/ 37-38.
ثم قوله تعالى: { .وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ. } .{ يوسف/ 17 } ، أي ما أنت بمصدق لنا ، وهي دالة على أن الإيمان يعني التصديق بالقلب.
2. جاءت أدلة كثيرة من القرآن والسنة تؤكد أن التصديق بالقلب والقول والعمل إيمان ، فالإيمان المعتبر هو ما اقترن بالسمع والطاعة وتطهر من الاستكبار عن أمر الله تعالى. ورفض الخضوع لله بالقول والفعل يعد مروقاً عن الدين وهدماً للإيمان ، قال تعالى: { . وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ. } . أي صلاتكم ، فسميت الصلاة إيمان لاشتمالها على نية وقول وعمل. وكذلك الحديث: (( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان )) ، رواه مسلم 1/ 46. (1/8)
صفحة 9
3. وردت 58 آية في القرآن الكريم تقرن العمل الصالح بالإيمان بصيغة { . آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ. } . انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: فؤاد عبدالباقي.
4. شعبة بالضم ، أي قطعة والمراد الخصلة أو الجزء.
5. الحياء في اللغة: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب ، والترك إنما هو من لوازمه. وفي الشرع: قلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ، ولهذا جاء في الحديث: (( الحياء خير كله )) ، ولكون الحياء تخلقاً يبعث على فعل الطاعة ويحجز عن فعل المعصية فهو من الإيمان.
6. الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان 12 باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان 58 بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- وذكره. ورواه الإمام البخاري في الهبة 35 ، والمظالم 24و28 ، والبر 38 ، ورواه أبو داود في كتاب الأدب 160 ، والزكاة 42 ، والإمام الترمذي في الإيمان 67 ، والنسائي في الإيمان 16 ، وابن ماجه في المقدمة 9 والأدب 7 ، 9 ، وأحمد بن حنبل في المسند 2:379 ، 445 ، 5:17.
7. عدد الشعب ليس للحصر إنما هو للدلالة على تنوعها وكثرتها ، فكل عمل فيه إرضاء للرحمن صغيراً كان أو كبيراً يعد شعبة وخصلة من الإيمان ، وتتفرع هذه الشعب عن:
أ أعمال القلب: وفيه كل المعتقدات والنيات. مثال ذلك: الإيمان بالله وأنه واحد في ذاته ، واحد في صفاته ، واحد في أفعاله { .لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. } .
ب أعمال اللسان: من النطق بالشهادتين والتسبيح وتلاوة القرآن والاستغفار والصدق وإجتناب اللغو والزور ... إلخ. (1/9)
صفحة 10
ج- أعمال الجوارح: إتيان المأمورات وترك المنهيات مثل إقامة الصلاة والجهاد واجتناب الفواحش والموبقات ... وخلاصة القول: أن شعب الإيمان هي التي يتكون منها لبنات صرح الإسلام الشامخ وترك شعبة منها يؤدي به إلى الانهيار والتهدم.
8. عبر بالحلاوة لان الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله العزيز: { . مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ. } . فالكلمة هي كلمة الإخلاص والشجرة أصل الإيمان ، وأغصانها اتباع الأمر واجتناب النهي ، وورقها ما يهتم به المؤمن من الخير ، وثمرها عمل الطاعات ، وحلاوة الثمر جني الثمرة ، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة وبه تظهر حلاوتها ، ( فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ) الجزء الأول ( كتاب الإيمان 9/16 ).
9. الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الإيمان 9 ، 16 وكتاب الاكراه 1 ، ورواه مسلم في كتاب الإيمان 67 ، 15 باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان 67- (43) بسنده عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وذكره.
10. رواية مسلم في صحيحه – كتاب الإيمان 16 باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين ، واطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة 69- (44) بسنده عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وذكره ...
11. رواه البخاري ، كتاب الإيمان 8/14 – الجزء الأول. (1/10)
صفحة 11
12. قال تعالى: { .قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } . { آل عمران / 31-32 }. إن من أسباب القرب من الله تعالى حب الرسول ، ولا يكون هذا الحب صادقاً إلا إذا كان مشفوعاً بالعمل ، بالشرع الذي بعثه الله به للناس كافة ، وقد قرن الله تعالى محبته بمحبة رسوله وطاعته بطاعة رسوله لأن الرسول عليه الصلاة والسلام هو المُبلِّغ عن ربه وهو الأمين على ما كلف به ، بحيث لا يزيد فيه ولا ينقص صلى الله عليه وسلم.
13. من العجيب أننا نرى شباباً وطنوا أنفسهم على حب أناس لا يمتون إليهم بصلة ، لا في الجنس ولا في المعتقد ، فقد تعلق كثير من شبابنا بحب النجوم الفنية والرياضية التي روجت لها الصهيونية والماسونية لتنقل بها الشباب عن قضاياه الأساسية ، فمن عاشق لمارادونا الرياضي الشهير ورجل المخدرات والفضائح الأخلاقية ، ومن محب لعبدالوهاب الفنان الكبير ، إلى متعلق بنجوم السينما ، وقد بلغ هذا التعلق أن تعدَّى الحدود ، حيث أصبح هؤلاء الناس رمزاً للتأسي والتقليد ولو كان ذلك على حساب العادات والتقاليد والدين ، كان كل هذا في غياب التربية السليمة والمتابعة الهادفة لنمو الطفل في البيت وخارجه ، فهل من رجعة إلى الاستقامة؟!
14. قال تعالى: { . وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ. } . فهو الرحمة في كل صورها ومعانيها ، وهو البلسم الذي يداوي الجراح التي اثخنت البشرية واعجزتها عن القيام بذاتها من جديد ، فينفث فيها روحاً جديدة تشحذ العزائم وتصقل الأفكار ليعود الناس إلى دين الفطرة وعقيدة التوحيد. (1/11)
صفحة 12
15. الأمة الإسلامية أمة واحدة متحدة المشاعر كالجسد الواحد ، لا يفصل بينها جنس أو لون ، كما لا يحد من امتداد هذه المشاعر مسافات واسعة ولا دهور طويلة. قال تعالى: { .وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ. } . { المؤمنون/ 52 }.
وقال: { .إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ. } . { الأنبياء/ 92 } ، كما أنها متحدة الهدف ، متجهة بكليتها نحو الله تعالى ، تصلي له وتسبحه وتتظافر جهودها لإقامة شرعه في الأرض وحسن خلافته فيها.
16. الحديث رواه مسلم في كتاب الإيمان 17 باب وجوب محبة الأخ ، والدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير 71- (45) بسنده عن أنس بن مالك.
المعصية والإيمان لا يجتمعان في انسان:
بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن المعصية تنافي الإيمان بل تهدمه , فقد قال صلى الله عليه وسلم : (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن , ولايسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ))(1). وبين عليه أفضل الصلاة وسلام أن الأعمال التي تحدث من الإنسان حتى إبان انفعالاته وتخرج به عن الطريق السوي تعد من الجاهلية وهي تنافي الإيمان , لذا اعتبر رسول صلى الله عليه وسلم الشتم الذي وقع من صحابي لآخر من الجاهلية , لمّا اخطأ أبو ذر وقال لبلال رضي الله عنه يا ابن السوداء اشتد غضب الرسول عليه السلام من ذلك وقال له: طفح الكيل , طفح الكيل , طفح الكيل ، إنك امرؤ فيك جاهلية لا فضل لابن البيضاء على ابن السوداء إلا بالتقوى(2).ولم يجد أبو ذر رضي الله عنه طريقا ليكفر به خطيئتة إلا أن يضع خده على التراب ويطلب من بلال رضي الله عنه الذي ناداه بابن السوداء أن يضع قدمه على خده .
هكذا يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة الإيمان وجوهره ، فمن هنا نعرف أن الإيمان يكون عقيدة وعملا . (1/12)
صفحة 13
_____________________________
1. الحديث رواه ابن ماجه في كتاب الفتن.
2. الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الإيمان ، ونص الحديث عن المعروف بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلَّةٌ وعلى غلامه حُلَّة ، فسألته عن ذلك ، فقال: إني ساببت رجلاً فعيّرته بأمه ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا ذر أعيّرته بأمه ، إنك امرؤ فيك جاهلية ، إخوانكم خَولكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم )).
العقيدة الراسخة :
بين أعمال القلب والجوارح :
إن مقتضيات العقيدة الراسخة أن يتفاعل معها صاحبها ، أما العقيدة التي لا يتفاعل معها الإنسان فهي عقيدة غير راسخة(1) إنما هي سطحية طافية لا تلبث أن تتلاشى ، لانها لم تتعمق في أعماق النفس ،وقد كان السلف يقولون بهذا القول ، وهو أن الإيمان قول وعمل .
نجد في مصنف عبد الرزاق فيما نقله عن سفيان الثوري ، ومالك والأوزاعي وقتادة وآخرين ، نقل عنهم بأن الإيمان قول وعمل ، وروى أبو القاسم اللالكائي في كتابه (( السنة )) عن الشافعي وجماعة آخرين ، من السلف بأنهم يقولون: بأن الإيمان قول وعمل ، وروى بإسناده عن البخاري أنه قال: أدركت من السلف أكثر من ألف رجل – يعني من علماء السلف –فوجدتهم لا يختلفون في أن الإيمان قول وعمل .
وذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره عن الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وأبي عبيدة وآخرين بأنهم نقلوا بالإجماع بإن الإيمان قول وعمل ... وهذا القول هو الذي اتفق عليه علماؤنا . قالوا بأن الإيمان قول وعمل . (1/13)
صفحة 14
وإذا رجعنا إلى الإيمان وأصوله التي جاءت في حديث جبريل عليه السلام وجدنا أن الإيمان بما يجب الإيمان به من الأركان الستة المذكورة في ذلك الحديث يقتضي العمل الصالح ، فالإيمان بالله سبحانه وتعالى إيمان بأن الله هو الخالق والرازق ، وهو المحيي وهو المميت منه المبدأ وإليه الرجعى ، لا ينفلت أحد من قبضة سلطانه ،ولا مناص لأحد عن حكمه ، فهو الله القاهر الذي لا يعجزه شيء في السموات والأرض.
والإيمان بالله هو إيمان بذاته سبحانه وتعالى وبصفاته وبأفعاله ،هذا الإيمان يبعث على العمل الصالح لأن الإنسان إذا استشعر سلطة الله سبحاته وتعالى التي تحيط بهذا الكون بأسره ، بما دقّ وجلّ منه من الذرة المهينة ، بل ما هو أدق من هذه الذرة المهينة إلى المجرات الواسعة التي تسبح فيها آلاف الأجرام الهائلة ، إذا أدرك الإنسان ذلك جعلته هذه العقيدة ، وجعله هذا الإدراك يتطامن(2) ويتواضع ويخشع لذي العزة والسلطان ، القاهر لكل شيء ، الذي لا يعجزه شيء في هذا الكون .
وبجانب ذلك يؤمن بأن هذا الخالق العظيم هو الذي أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة ، فقد أخرجه من العدم إلى الوجود ، ونقله من المهانة إلى العزة ، وبعد أن كان نطفة مهينة حقيرة لا تكاد تبصر حتى بأشعة المجهر ، هذا الحيوان المنوي الذي خلق منه الإنسان ثم طوره الله سبحانه وتعالى في خلقه طورا بعد طور حتى خرج على ما هو عليه(3).
خرج إلى الوجود انسانا سميعا بصيرا عاقلا مدبرا ، وحباه الله سبحانه وتعالى بنعمه الواسعة ،الظاهرة والباطنة ، هيأ الله سبحانه وتعالى له من يربيه ، وهيأ له رزقه وهو في حالة عجز وضعف(4) حتى تربى وترعرع ونشأ إلى أن بلغ وصار إنساناً عاقلاً مفكراً ، ونمت مداركه مع نماء جسده ، وكبرت قواه مع كبر حجمه . (1/14)
صفحة 15
الذي خلق الإنسان بهذه الحالة ، وأخرجه من تلك الحالة إلى هذه الحالة من الضعف إلى القوة ، جدير بأن يُعبد ويُطاع ، وينقاد له ، ويخضع له ، ويُستسلم لأمره ، ولايعصى في شيء من أوامره أو شيء من زواجره ، هذا هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى(5).
_____________________________
1. قال الله تعالى: { .إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا. } { الحجرات/15 }. فالإيمان هو التصديق الثابت المستيقن الذي لا يتزعزع ولا يضطرب ولا تهجس فيه الهواجس ، ولا يتلجلج فيه القلب والشعور ، وإذا تذوق القلب حلاوة هذا الإيمان يندفع لتحقيق حقيقته في واقع حياة الإنسان ، وإذا لم يتحقق ذلك ، فالإيمان لا يتحقق والصدق في العقيدة لا يكون. إذاً فالرابطة بين الإيمان والعمل ضرورية وحتمية ، قال تعالى: { . الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا. } فالاستقامة وليدة الاعتقاد الجازم بالرب الواحد الأحد تبارك وتعالى.
2. تطمأنت بهمز انخفضت ، وطامَن ظهره إذا احنى ظهره ، يقال: اطمأن الشيء إذا سكن ، وطأمنته وطمأنته إذا سكنته. ( لسان العرب / ابن منظور ) –دار بيروت للطباعة والنشر 1388هـ - 1968م ، ج13 (ن-هـ). (1/15)
صفحة 16
3. قال تعالى: { .وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. } { المؤمنون/12-14 }. يقول سيد قطب في قوله تعالى: { . فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. } ، الذي أودع فطرة الإنسان تلك القدرة على السير في هذه الأطوار وفق السنة التي لا تتبدل ولا تنحرف ولا تتخلف حتى تبلغ بالإنسان ما هو مقدر له من مراتب الكمال الإنساني على أدق ما يكون النظام .. ( في ظلال القرآن / سيد قطب –دار الشروق ، ج4/2459 ).
4. قال تعالى: { .اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ. } { الروم/54 }. وقال أيضاً: { .وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا. } { النساء/2-4 }.
5. قال تعالى: { .إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. } { الأنفال/2-4 }.
الإيمان بالملائكة : (1/16)
صفحة 17
والإيمان بملائكة الله سبحانه وتعالى أيضا يقتضي مراقبة النفس ومحاسبتها ، فإن الإيمان بملائكة الله ليس بالأمر الهيّن إذا كان على حقيقته إذا كان إيمانا يسيطر على العقل والوجدان ، يستشعر الإنسان معه بأن عليه مراقبة دقيقة ، لأن من وظائف أولئك الملائكة مراقبة الإنسان ، فالله تبارك وتعالى يقول: { .مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. } { سورة ق ، الآية 18 }.ويقول الحق سبحانه وتعالى: { .كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ. } { سورة الإنفطار، الآية 10 } .
الإنسان محاسب ومراقب ، ملائكة الله تلحظه في كل أوقاته ، تسجل جميع أعماله ، وإذا كان الإنسان من شأنه ان يرهب ويخشى مراقبة مخلوقين مثله كمراقبة أصحاب المخابرات ، ويحاول جهده ألا يظهر لهم من نفسه إلا ما يرضي الجهة التي سلطتهم عليه وجعلتهم يراقبونه ، فكيف وهو يشعر بمراقبة الملائكة الكرام ، الكاتبين الذين لا يخفى عليهم شيء مما يأتون ؟ لأن الله سبحانه وتعالى مكنهم من ذلك ،ومع ذلك فإن المراقب الأعظم هو الله تبارك وتعالى ، والمرجع إلى الله ، وما تسجله الملائكة يعرض على الله سبحانه وتعالى ، ومن بعد ذلك يعرض على هذا العبد من قبل الله ، ويحاسب عليه حسابا دقيقا ، جدير بهذا الإنسان أن يستشعر مع إيمانه بالملائكة الخوف من هذه المراقبة الدقيقة ، وأن يحرص على أن لا ينقلب الملائكة إلى الله تعالى إلا بصحائف بيضاء من أعماله الصالحة التي عملها ، وبجانب ذلك يشعر أيضا بعظمة الله سبحانه وتعالى الذي تخشاه الملائكة على ما لها من قوة ، وما جعل الله سبحانه وتعالى لها من مزايا ليست موجودة في سائر الخلق ، فالله تعالى يقول في وصفهم { .يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ . } { سورة الأنبياء آية 20 }. (1/17)
صفحة 18
ويقول الله تعالى في هؤلاء الملائكة: { .بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ. } { سورة الأنبياء آية 26 –29 }. فهؤلاء الملائكة مع ما لهم من شأن عند الله سبحانه وتعالى ومع هذه العبادة الدائبة التي لا يفترون عنها في ليلهم ونهارهم - عبادة الله سبحانه وتعالى - مع ذلك كله فإنهم مجزيون لو خالفوا أمر الله: { . وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ. } ، ووصفهم الله سبحانه وتعالى بأنهم من خشيته مشفقون ، فكيف بهذا العبد الضعيف الحقير المهين ؟ كيف بهذا الإنسان الذي تؤذيه البعوضة ، والذي يتململ من الحمى تصيبه ؟ والذي يتعثر ببعرة ؟والذي يتقيد بشعره ، كيف بهذا الإنسان ؟ أليس هو أولى أن يكون خائفا من الله سبحانه مراقبا ربه في جميع أحواله ، راجيا مرضاة ربه ، مشفقا من عقوبته ، مسارعا إلى طاعته ؟
الإيمان بالملائكة إذا يبعث على العمل الصالح ، ويحصل هذا التفاعل إذا كان هذا الإيمان راسخا في النفس ، مهيمنا على العقل والقلب .
الإيمان بالرسل:
والإيمان برسل الله سبحانه وتعالى هو مدعاة للعمل الصالح ، لأن الإنسان يفكر في هؤلاء الرسل لماذا أرسلوا ؟ إنما أرسلوا لدعوة الخلق إلى الحق ... ما هو هذا الحق ؟ الحق هو الإيمان والعمل الصالح ، فإذا على هذا الإنسان الذي آمن بهؤلاء المرسلين أن يعمل صالحا . (1/18)
صفحة 19
إن الإيمان بالرسل يجعل الإنسان يشعر بأن الرسل أكرم الخلق ، فهم أجلّ الناس قدرا ، وأثقلهم وزنا ، وأحسنهم سيرة ، وأصفاهم سريرة ، وأعدلهم سلوكا ،وأحسنهم خلقا ، وأوفرهم عقلا ، وأجلّهم شأنا ، ولذلك أختارهم الله سبحانه وتعالى بأن حمّلهم أمانته ، وأستودعهم رسالته ، وجعلهم وعاء لهذا النور العظيم الذي جاؤوا به إلى الخلق من رب العالمين .
فمحبة رسل الله سبحانه تجعل الإنسان يقتدي بهم(1).
والإيمان بهم دليل على محبتهم ، ومحبتهم باعثة على الإقتداء بهم ، وهدى حميع المرسلين إنما هو يتجسد في الرسالة الجامعة الخاتمة ، رسالة عبدالله ورسوله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، الذي جاء بها من رب العالمين . هدى جميع المرسلين يتجسد في هذه الرسالة ، وخلق جميع المرسلين يتمثل في خلقه عليه أفضل الصلاة والسلام ، وفضل جميع المرسلين ينعكس في فضله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو رسول الله عليه الصلاة والسلام ، جامعة الجموع ، هو الجامع لكل خير ، والإقتداء به من مقتضيات الإيمان برسالته عليه أفضل الصلاة والسلام ، والله تعالى يقول: { .لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا. } { سورة الأحزاب ، آية 21 } .
إذاً على المؤمن الذي يؤمن بالله ويرجو ربه واليوم الآخر أن يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم(2) , وذلك بأن يترسم خطواته , وأن يتبع آثاره وأن يحرص على هديه ,ويقول الله تبارك: { .فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا. } { سورة النساء ، آية 65 }.
{ . (1/19)
صفحة 20
فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ. } ، الإيمان منتف عن من لا يحكّم الرسول صلى الله عليه وسلم , وقد أقسم الله تعالى في هذه الآية بنفسه عزوجل: { . فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ. } ، إذاً فالإيمان بالله ورسوله يقتضي إتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعدم الإعراض عن هديه ، وعدم إبتغاء الخير في غير منهجه ومسلكه.
_____________________________
1. كل الأنبياء والمرسلين جاؤوا بمنهج التوحيد ، يدعون الناس إلى عبادة الله وحده ، ونبذ ما سواه من الآلهة المزعومة التي لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً ، وقد أشار القرآن الكريم إلى أنهم جميعاً أسوة يتأسى بهم ، وقادة يهتدى بدعوتهم ، قال تعالى في ((إبراهيم)): { .قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ. } { الممتحنة/4 }. إبراهيم أرسى مبدأ الولاية لله ، والإيمان به وطاعته ، وأقام مبدأ البراءة من الكفر وأهله ، وعلى هذا المنهج كان نوح عليه السلام وغيره من المرسلين. إذ يقول المولى تبارك وتعالى: { .لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ. } { الممتحنة/6 } ، فهم جميعاً أسوة تتبع وسابقة تهدي. (1/20)
صفحة 21
2. رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة والنعمة المسداة لهذه البشرية ، وهو دعوة أبيه إبراهيم: { .وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ. } { البقرة/129 } ، وبشارة عيسى: { .وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ. } { الصف/6 }. الصادق الأمين ، استوفى من مكارم الأخلاق كل مكرمة ، وأوتي الفصاحة وحُسن البيان ، لم تسقط له كلمة ، ولم تزل له قدم ، واجتمع فيه من خصال الكمال ما لا يحيط به حدّ ولا يحصره عدّ ، وقد أثنى عليه الله تعالى بقوله: { .وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. } ، لذا وجب على المسلم أن يتخذه أسوة إذا أراد النصر والتمكين في الدنيا والفوز والنجاة في الآخرة ، فيأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه ، ويتبع سيرته حذو النعل بالنعل ، لأنه النبي المرسل: { .وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. } { النجم/3-4 }.
الإيمان بالكتب:
والإيمان بالكتب أيضا يقتضي إتباع هذه الكتب(1) ،فإن ترك هذه الكتب وإهمالها يعني عدم الإيمان بها ، فليس كل من صدّق بأن هذا الكتاب هو من عند الله آمن بهذا الكتاب تمام الإيمان ما لم يعمل بما يقتضيه هذا الكتاب ، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى أنزل هذه الكتب لا لتتلى فقط ، ولكن ليعمل بها(2) ولتتبع.
ويجمع ما تفرق في هذه الكتب من الهدى والخير والبر كتاب الله الخالد ((القرآن الكريم ))الذي أنزل على النبي العظيم محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم. (1/21)
صفحة 22
وقد بين الله سبحانه وتعالى عقوبة الذي يعرض عن هذا الكتاب العزيز حيث قال : { .وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. } { سورة طه آية ، 124 } وقال سبحانه وتعالى: { .وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا . } { سورة طه ، الآية 100 } ، هكذا عقوبة الذي يعرض عن هذا القرآن ، والله سبحانه وتعالى بيّن أن الإيمان الصحيح بما أنزل الله يقتضي التفاعل معه ، حيث قال في بني إسرائيل بعد ما عاتبهم على ما أرتكبوه من أعمال تتنافى مع هدي ما أنزل إليهم في الكتاب ، فعملوا ببعض الكتاب وتركوا بعض ما جاء به الكتاب ، فقال الله تعالى لهم: { .أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ. } { سورة البقرة ، الآية 85 } .ويقول الله تبارك وتعالى في بني إسرائيل: { .مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا. } { سورة الجمعة ، الآية 5 } .
وهكذا شأن المسلم عندما يهجر هذا الكتاب العزيز ولا يعمل بمقتضاه ولا يتمسك بهديه ولا يتبع نوره ، كذلك مثله كمثل الحمار الذي يحمل أسفارا ، إذ لا يختلف شأن هذه الأمة عن شأن غيرها من الأمم إذ هجرت كتاب ربها ، وأضاعت هدي نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام .
_____________________________
1. جاء في القرآن الكريم ذكره لبعض هذه الكتب:
أ التوراة: { .إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ. } { المائدة/44 }.
ب الإنجيل: { .وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ. } { المائدة/46 }. (1/22)
صفحة 23
ج- الزبور: { .وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. } { الإسراء/55 }.
د- الصحف: { .إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى. } { الأعلى/18-19 }.
ثم قال عن القرآن الكريم: { . إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ. } .
2. يجب على المسلم الإيمان بالكتب السماوية كما أنزلت من عند الله ، أما موقفه منها وهي على هذه الحالة من التحريف فينبغي أن يتسم بالإعتدال والحيطة ، فلا يعجل بالتصديق ، ولا يبادر بالتكذيب ، وإنما يقف بين هذين الأمرين قواما. وذلك ما بينه النبي عليه الصلاة والسلام لأمته فقال: (( بلّغوا عني ولو آية ، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم )) ، هذا إذا لم يكن في حديثهم ما يخالف الكتاب الكريم ، فإذا ثم أدنى مخالفة فإن التكذيب بات واجباً.
الإيمان باليوم الآخر(1) :
الإيمان باليوم الآخر يقتضي الإستعداد لذلك اليوم ، وهو أهم ضابط من ضوابط حياة الإنسان بعد الإيمان بالله تعالى ، فلذلك يقترن مع الإيمان بالله في القرآن الكريم وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في مقام الأمر والنهي ، فالله سبحانه وتعال كثير ما يقول ذلك: { .لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ. } { سورة الأحزاب ، الآية 21}(2) في معرض الأمر والنهي ، والنبي عليه الصلاة والسلام كثير ما قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفعل كذا ، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يفعل كذا .
. (1/23)
صفحة 24
ومن ذلك قوله عليه أفضل الصلاة والسلام (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ))(3) ، فالإيمان بالله هوالضابط الأول لحياة الإنسان ، والإيمان باليوم الآخر هو الضابط الثاني ، لأن الإنسان إذا آمن بالله سبحانه وتعالى الذي أبدأه وأخرجه من العدم إلى الوجود وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة ، واستخلفه في الأرض ، وخلق له جميع منافعها ، وسخر له منافع الكون ، إذا آمن بذلك دعاه هذا الإيمان لاتباع أوامر الله واجتناب محارمه .
ولكن كثير ما تطغى على الإنسان شهوات نفسه ورغبات قلبه ، فلا تترك لعقله قوة وهيمنة عليه ، فينساق وراء هذه الشهوات ، وكثيرا ما يحدث ذلك ، فإن العقل سرعان ما يتأثر إذا ما غشيته غواشي الغضب أو إذا هبت عليه عواصف الشهوات ، فأطفأت شعلته فلا يبقى له سلطان على النفس ، إلا أن الإنسان عندما يؤمن بمعاد يلقى فيه جزاءه إن كان خيرا أو كان شرا سرعان ما يؤوب إلى رشده ، وأن يقيد نزواته ، والإيمان باليوم الآخر هو إيمان بوعد ووعيد .
_____________________________
1. الإيمان باليوم الآخر مرتبط بقضية الحياة بعد الموت ، وهو أكثر الأركان حساسية وخطورة بحيث يتمحص بموجبه المصدقون ، ويتميز على أساسه المؤمنون من الجاحدين والمنافقين.
2. الأحزاب / الآية 21 ، وقال تعالى: { .فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا. } { الكهف/110 }. وقد نعى القرآن على المشركين كفرهم بالله وباليوم الآخر ، بل بينت الآيات الكريمة أن من دلائل الكفر بالله إنكار يوم القيامة.
{ .إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ. } { يونس/7-8 }.
{ . (1/24)
صفحة 25
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ. } { الفرقان/21 }.
{ .إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا. } { النبأ/27 }.
3. الحديث رواه مسلم والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة والدارمي وأحمد بن حنبل.
الوعد والوعيد :
فالوعد : هو ما وعد به الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين من الثواب .
والوعيد : ما توعد به الكافرين والفاسقين من العقاب (1) .
فإذا شعر الإنسان بأن ثم وعد ووعيدا ، وأنه لا بد من أن يحاسب على أعماله فيجازى بها يوم القيامة ، إذا شعر بذلك من أعماق نفسه كان هذا الشعور باعث له على فعل الخير واجتناب الشر ، فإن الإيمان بثواب الله المصحوب بالرجاء والإيمان بعقاب الله المصحوب بالخوف يزجران الإنسان عن الشر ويدفعانه إلى الخير .
والإيمان بالثواب دافع إلى عمل الصالحات ،والإيمان بالعقاب رادع عن عمل السيئات ، فيخرج المؤمن بنتيجة من هذا الإيمان وهي العمل الصالح (2) .
_____________________________
(1) الوعد في اللغة من وعد يعد وعداً ، عاهد على تحقيق أمر من الأمور ، ويكون الوعد عادة في الخير.
الوعيد من أوعد يوعد وعيداً ، هدد مع العزم على التنفيذ ، ويكون الوعيد عادة في الشر.
الوعد في الاصطلاح: هو ما عاهد الله به عباده المتقين من ثواب ونعيم ، والوعيد هو ما هدد الله به العاصين من عذاب وحجيم. ]مشارق أنوار العقول للإمام السالمي [
( (1/25)
صفحة 26
2) وردت آيات كثيرة في القرآن تمدح الصالحين بأنهم من خشية ربهم وجلون ، وتبين ثمرة ذلك الخوف الذي أدّى بهم إلى فعل الصالحات ، قال تعالى: { .وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ. } { الرعد/21 } ، وقال أيضاً: { .يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. } { النحل/50 } ، وقال: { .يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ. } { النور/37 }. ومثل هذه الآيات كثيرة تمدح المؤمنين بأن للخوف من الله ومن عذابه أثراً إيجابياً في أنفسهم.
كما وردت أخرى تبين أن من أسباب جحود الجاحدين واستهتار الفاسقين إنما كان سببه عدم استشعارهم الخوف من الله ومن عذابه وقد جرأهم هذا الشعور بعدم الخوف على الكفر بالله وارتكاب ما حرم. قال تعالى: { .قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ. } { المدثر: 43-46 }.
الإيمان بالقدر : (1)
كذلك الإيمان بقدر الله خيره وشره ، يجعل نفس الإنسان تتطامن وتطمئن إلى ما يحدث ، فإن أيّ شيء يصيب الإنسان إنما هو مكتوب عليه ، ولا مناص له عنه ، لا مفّر له منه سواء كان خير أو شر ، الله سبحانه وتعالى كتب كل شيء وقد جفت الأقلام , وطويت الصحف: { .قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. } { سورة التوبة ,الآية 51 }. (1/26)
صفحة 27
هذا الإيمان يجعل الإنسان يطمئن ويسارع إلى طاعة الله راجيا ثواب الله وخائفا من عقابه واثقا أنه لا يصيبه أي شيء إلا ما كتب الله عليه ولو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له ,ولو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه (2).
هذا الإيمان يدفع أيضا إلى العمل الصالح.
نخرج من هذا بنتيجبة وهي أن الأركان الستة التي جاءت في حديث جبريل عليه السلام أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله (1),والايمان بها حقا يقتضي التفاعل معه ، ويقتضي أن يكون العبد المومن مسارعا إلى طاعة الله تعالى ومجتنبا معصيته , حريصا على ما يقربه إلى الله , خائفا مما يباعده عن الله تعالى (2).
ذكرت الحديث هنا عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره مجملا ,وسأعود إن شاء الله في الدروس الآتيه إلى تفصيل هذا الإجمال وبيان أن الإيمان بذلك كله هو ما يندرج تحت كلمة التوحيد التي كان يدعو إليها الرسول صلى الله عليه وسلم .
_____________________________
(1) القضاء والقدر كلمتان لهما مدلولان متكاملان: الله تعالى قدّر أي: وضع القوانين التي تضبط حركة مخلوقاته ، ثم قضى أي: حكم بأن تنفذ تلك القوانين بصفة لا إرادية وبعضها ينفذ تنفيذا إرادياً. وفي القضاء والقدر تعريفات كثيرة يضيق المجال عن ذكرها هنا.
(2) قلوب المؤمنين عامرة بالإيمان بالله تعالى تملأها مشاعر التسليم لله عز وجل والرضى بقدره واعتقاد الخير فيه. والمسلم الصادق يبذل جهده في الخير ويسعى إلى عمار الأرض واستخلاف الله فيها فيقدم ولا يخشى وهو يعتقد أن ما يصيبه من خير أو شر معقود بإرادة الله تعالى.
(3) الحديث رواه مسلم في كتاب الإيمان.
(4) ومن مظاهر إيمان المؤمن بالقدر: (1/27)
صفحة 28
أ . العزم على العمل والإقدام والتخلص من التردد والاعتقاد بوجوب الأخذ بالأسباب ، وأن النتائج بيد الله تعالى.
ب . التجلد والصبر أمام الابتلاءات.
ت . التفاؤل وعدم التطّير وعدم تعليل الأمور حسب الهوى. فالإيمان بالقدر يربي المؤمن على التعقل في قبول الأحداث بنفس صابرة.
الفهرس
الموضوع الصفحة
-حقيقة الإيمان في اللغة: 4
-حقيقة الإيمان في الشرع: 4
- المعصية والإيمان لا يجتمعان في إنسان: 12
- الإيمان بالملائكة: 16
- الإيمان بالرسل: 18
- الإيمان بالكتب: 21
- الإيمان باليوم الآخر: 23
- الوعد والوعيد: 25
- الإيمان بالقدر: 27
- فهرس الموضوعات: 29 (1/28)