صفحة 1
الكتاب: سلسلة من أجل فهم صحيح للعقيدة04 الإيمان بالله عز وجل لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) سلسلة دراسات من أجل فهم صحيح للعقيدة الإسلامية
الحلقة الرابعة (4)
الإيمان بالله عز وجل
لسماحة الشيخ بدر الدين:
أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد:
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد ،،،
لا ريب أن كل عاقل يدرك أن وراء كل صنعة صانعا ، والكون بأسره هو صنعة الصناعات ، بل هو الصنعة الكبرى .
ومن شواهد افتقار الكون إلى الصانع ، علامات حدوثه ، فإن العلامات الدالة على حدوثه بارزة في كل شيء فيه . فتراكيب هذا الكون كلها دالة على حدوثه ، كما أن تناقص الحرارة الديناميكية فيه تدل على أنه سينتهي ، وعلى أنه لو وجد قبل الفترة التي وجد فيها بملايين السنين لكان قد انتهى ، وهذا يعني أن الكون منته ، وكل ما كان منتهيا فله بداية ، وأن كل ما ثبت قدمه استحال عدمه (1) وإذا كان الكون حادثا فلا بد له من محدث أحدثه والناس تكلموا بحسب عقولهم المحدودة في حدوث الكون وفي محدثه ، وقد بحثوا عن المحدث بوسائل مختلفة ، من هذه الوسائل الطرق الفلسفية (2) التي نهجها كثير من الفلاسفة وتبعهم عليها جماعة من علماء الكلام (3) وهذه الوسائل في الحقيقة وسائل معقدة جدا . وهناك وسائل مبسطة جدا جاء بها القرآن الكريم .
القرآن الكريم خاطب العقل البشري ليقيم عليه الحجة بوجود الكون ، من خلال وجود الإنسان نفسه ، ومن خلال البيئة التي يعيش فيها ، ومن خلال طبيعة هذا الكون .
(1) " الله تعالى الأول لأنه لم يزل قبل كل شيء وكانت الأشياء بعده محدثة. الله عز وجل لا أول له ولا آخر له ... والله تعالى لم يزل قبل الأشياء المحدثة ولا يزال بعدها .. وهو الأول الذي لا يزال قبلها والآخر الذي يكون بعدها أبدا " كتاب النور للأصم – ط: التراث.
( (1/1)
صفحة 2
2) الفلسفة منهج يعتمد على النظريات العقلية المجردة في بحوثه. فغاية الفلسفة مجرد المعرفة النظرية التجريدية التي تربط بين الأسباب والمسببات ، ومطلبها فكرة جافة ترسم في صورة جامدة تنطبع على سطح النفس يابسة لا تتعداها إلى القلب.
(3) علم الكلام: علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة القلية والرد على الملاحدة والمنحرفين. ويتناول عدة موضوعات منها " مسألة الله تعالى وصفاته " و " مسألة الإنسان وأفعاله " والعلاقة بين المسألتين ، وينتهي إلى أن مخلوقات الله تدل على أن لها خالقا مع إبراز صفات الإنسان الناقصة مقارنة بصفات الله تعالى الكاملة المنزهة عن كل نقص.
أنماط من قدرة الله تعالى :
1. الاستدلال بعالم الشهادة على عالم الغيب :
يقول الحق سبحانه وتعالى :
(( وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ )) { الذاريات: 20/21 }.
ويقول سبحانه:
(( الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ )) { الأنعام/1 }.
ويقول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة :
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ )) { البقرة: 21-22 }.
ويقول عز من قائل :
((كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )) { البقرة: 28-29 }. (1/2)
صفحة 3
في هذه الآيات وأمثالها يقيم الله سبحانه وتعالى علينا الحجة
أ : من أنفسنا .
ب- من البيئة التي نعيش فيها .
ج- من طبيعة الكون الذي نقلب الطرف في جزء صغير جدا من أجزاءه الواسعة.
كلها أدلة على وجوده تعالى وعلى صفاته العظيمة ، وهذه الطريقة ميسرة للفهم (1).
ولذلك عندما سئل أعرابي: بما عرفت ربك ؟: قال: البعرة تدل على البعير ، وأثر القدم يدل على المسير ،فهيكل علوي بهذه اللطافة ، ومركز سفلي بهذه الكثافة أما يدلان على الصانع الخبير. هذه إجابة من أعرابي لم يدرس في جامعة ، بل لعله لم يفتح عينيه على صفحة مكتوبة .
وهذه الطريقة اهتدى إليها بعض الفلاسفة وهو سقراط (2) الذي كان يقيم الحجة على أستاذه الذي كان ينكر وجود الله سبحانه وتعالى على أن لهذا الخلق خالقا ولهذا الكون مكونا .فقد تحدث إلى أستاذه يوم ما ، تحدث الطالب المتأدب أمام أستاذه فقال له: (1/3)
صفحة 4
يا أستاذي ، هل أعجبت ببعض الناس الذين ابتكروا بعض الصناعات؟ فقال له: نعم. قال: بمن أعجبت؟ فقال له: أعجبت بفلان ، وأعجبت بفلان ، وأعجبت بفلان. فأخذ يحدثه عن جماعة من الصناع. قال له: ما صنع هؤلاء؟ فقال له: هؤلاء صنعوا كذا ، وصنعوا كذا. قال له: من تُرى أولى بالاعجاب؟ الذي صنع الجسم الذي لا حراك له ، ولا إرادة ، ولا حياة ، أما الذي صنع الإنسان الحي المتكلم ، الذي يعبر عن ارادة ، ويتحرك بارادة ، ويتصرف بإرادة ، وله حياة ، وله مشاعر تحس ، وله عقل يفكر ؟ قال له .لو ثبت عندي أن الإنسان صنيعة صانع ، لكن الإنسان أولى عندي بالإعجاب من الذين صنعوا هذه الأشياء التي ذكرتها لك . قال له : انظر إلى عيني الأنسان كيف تلتقطان الصور المختلفة ذات الألوان المتنوعة ولا تشتبه عليها هذه الصور ، وتميزان بين كل صورة وصورة . وانظر إلى أذني الإنسان اللتين تلتقطان الأصوات مع صغرهما وكثرة الأصوات ، وانظر إلى طعام الإنسان كيف يطعمه ، فإن هذا الخالق الذي خلقه جعل له أسنانا في المقدمة كالسكاكين تقطع هذا الطعام ثم يلقيه الفم إلى الأضراس الخلفية التي هي كالرحى فيطحن هذا الطعام .
أما يكفيك شاهدا ذلك الذي ذكرته لك على أن للإنسان خالقا ، ولهذا الكون كله موجدا . فقال له بلى . فسلم بهذا المنطق الذي خاطبه به تلميذه .
(1) خلق الإنسان من أكبر الأدلة على عظمة الخالق تعالى ، وأول من اعترف بذلك أصحاب العقول الكبيرة وأصناف المفكرين عبر العصور. يقول ديكارت: إن الإنسان من حيث كونه مخلوقا فيه دلالة على الخالق ، ومن حيث كونه محدثا فيه دلالة على القديم.
والأصل في كل بديهة وفطرة وعقل ثبوت الخالق عند رؤية المخلوق ، وثبوت الصانع عند رؤية المصنوع ، ولا ينكر ذلك إلا من عميت بصيرته عن الحق وأقفل على قلبه فضل سواء السبيل.
( (1/4)
صفحة 5
2) سقراط (470-399ق.م): فيلسوف يوناني ، أحدث ثورة في الفلسفة بأسلوبه وفكره. أسس علم الأخلاق ، وحارب السفسطة. اتهمه خصومه بالزندقة ، وحكموا عليه بالإعدام ، فشرب السم ومات في سجنه.
2- الصدفة العمياء و الادعاء الباطل
في العصر الحديث شاعت بين الناس فكرة الالحاد ، وأنكر الملحدون وجود الله سبحانه وتعالى وتمسكوا بالمادة واعتبروا الاعتماد بما تسمع به الآذان وتبصر به الأعين فكرة تقدمية ، والاعتراف بوجود خالق لهذا الكون والايمان به وبالحقائق الغيبية ضرب من الخرافة الذي يرفضه العقل الواعي المتفتح – هذا في زعمهم – ولقد تحدثوا كثيرا عن طبيعة حدوث الكون . ومن النظريات الجدلية العقيمة التي جاؤوا بها أنهم قالوا :
بأن الكون حدث بطريقة المصادفة لأن هذه الذرات ، ذرات الكون تتحرك ، وبتحركها وقع التلاحم فيما بينها فتركبت ووجد منها الكون (1).
أحد الفلاسفة الفرنسيين الذين كانت عقولهم متفتحة على فهم الحقائق التي هي من وراء المحسوسات قال : يلزم هؤلاء أنه لو جاء أحد وكتب الحروف الهجائية مقطعة في أوراق متقطعة ، كل حرف في ورقة صغيرة ، ثم جمع فيما بينهما في صندوق ، ثم أخذ يهز هذا الصندوق هزا ، يلزمهم أنه يمكن أن تتولد من هذه الحروف قصيدة عصماء ، أو خطبة بليغة ، أو كتاب في الفلسفة أو في أي علم من العلوم ، لأن جميع العلوم التي تكتب تتكون من هذه الحروف . كما أن الكون تكون من هذه الذرات ، وإذا كانت هذه المصادفة العمياء ، يمكنها أن تجمع ما بين هذه الحروف فتوحد فيما بينها فيتكون منها كتاب أو قصيدة أو خطبة ، أو تتكون منها كلمة ، إذا كذلك يمكن أن تكون المصادفة العمياء هي التي سببت تلاحم هذه الذرات فتكون منها هذا الكون الفسيح الذي قد ترتبت ذراته وأجزاؤه ترتيبا دقيقا والذي هو وحدة متكاملة بحيث يكمل كل جزء منه سائر الأجزاء .
( (1/5)
صفحة 6
1) يرى أصحاب هذه النظرية أن لا مانع أن يفسر بالمصادفة كل نظام ملحوظ في الكائنات ، وأن الكون انتقل بمحض الصدفة من الاضطراب والفوضى بعد فترة من الزمن تعد بألوف السنين إلى هذه الصورة الدقيقة المحكمة التي استقر عليها الآن. ونرد عليهم:
- بأن الصدفة أو المصادفة فكرة عمياء لا تقوم على أساس من العقل السليم أو الوعي – ويغيب على أذهان هؤلاء وجود قوة مدركة تتولى الخلق والابداع. ويزعمون عناداً وجهلاً أن هذا الكون متروك للمصادفة وينسون أن الصدفة عمياء لا ينتج عنها نظام.
- والحق أن قانون المصادفة يقول: " إن حظ المصادفة من الاعتبار يزداد وينقص بنسبة معكوسة مع عدد الامكانيات المتكافئة المتزاحمة ، وإذا تضخمت النسبة العددية تضخماً هائلاً أصبح حظ المصادفة في حكم العدم أو في حكم المستحيل. فماذا نقول إذن في كون لا تعدّ ذراته ولا تحصى مجراته ، وهو على هذا التناسق العجيب والنظام الدقيق. ألا يكفي هذا حجة لدحض مزاعم المبطلين القائلين بالصدفة وإقناعهم بأن وراء هذا الإحكام والاتقان والتقدير خالقا مدبرا.
منهج القرآن الكريم في إقامة الأدلة على التوحيد:
أ-توجيه الأبصار إلى الأنفس والتدبر في عجائب الخلق:
قال الله عز وجل : (( قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ )) { عبس الآيات: 17-32 }. (1/6)
صفحة 7
أنظروا إلى هذا المنطق ، منطق القرآن . فالله سبحانه وتعالى يقيم الحجة على الإنسان بوجود خالقه من وجود نفسه . ويقيم الحجة أيضا للإنسان بوجود خالقه من هذا الكون الذي سخر له . فالكون مسخر للإنسان ، ويعلم الإنسان أن كل مسخر لا بد له من مسخر ، وكل مدبَّر لا بد له من مدبِّر ، وكل محدَث لا بد له من محدِث ، وكل مصنوع لا بد له من صانع .
فإن أحدنا لو جاء مثلا إلى مبنى ما فألقى عليه نظرة أول مرة لم تسبقها نظرة ، لعلم قطعا أن هذا المبنى بني من قبل يد بانية ، وأنه لم يصنع بنفسه ، وهكذا ، مع أن جميع المواد التي بني منها هذا الهيكل موجودة من قبل ، فالاسمنت موجود والرمل موجود والرخام كذلك ، فلا يصدق عقل أحد أن هذه الأشياء تتجمع بنفسها حتى تتصنع فيتكون منها هذا المبنى . وكذلك كل جهاز من هذه الأجهزة –مثلا –فإن مركباته كانت موجودة من قبل ، ولكن لا يمكن لعقل أن يصدق بأنها جاءت بنفسها والتأمت من غير أن تكون هناك إرادة تولت أمرها ، ويد تولت صنعها ، فكيف بالإنسان الذي لم يكن شيئا مذكورا . فإن الإنسان الذي بلغ ثلاثين سنة من العمر فيما قبل هذا الوقت لم يكن شيئا مذكورا . والإنسان الذي بلغ الأربعين لم يكن قبل الأربعين شيئا مذكورا وهكذا .
قال تعالى: (( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا )) { الإنسان الآيات:1-2 }.
فكيف يمكن لهذا الإنسان الذي في العدم أن يخرج نفسه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، ومن العدم إلى الوجود . ثم لينظر الإنسان إلى المادة التي خلق منها ؛ الله تعالى سماها بالنطفة .
((أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ )) { المرسلات الآية 20}. (1/7)
صفحة 8
هذه النطفة أو كما يعبر عنها العلماء بالحيوان المنوي ، أو بالخلية المنوية ، هي من الحقائق والدقة بحيث لاتكاد تبصر بأشعة المجهر . هذا الحيوان هو واحد من مائتي مليون حيوان منوي يقذفها الإمناء في المرة الواحدة . من هذا الحيوان يخلق هذا الإنسان وذلك عندمل يلتقي هذا الحيوان بالبويضة ، أو كما يعبر الله تالى عنها بالنطفة . فيها جميع الخصائص البشرية وليست الخصائص البشرية العمامة فحسب ،بل الخصائص الوراثية تكون موجودة ومجتمعة فيها كذلك .هذا الحيوان المنوي الصغير العجيب يحمل الخصائص الظاهرة وهي الجسمية أو الخصائص الباطنة وهي النفسية ، فكيف جمع هذا الحيوان الصغير لهذه الخصائص الواسعة ؟ مع هذه الخصائص البشرية العامة ، والخصائص النفسية والجسدية ، لا يلبث هذا المخلوق الجديد المهين أن يتطور من طور إلى طور ، وفي سلسلة هذه الأطوار أن يمر بمراحل مختلفة ، كل مرحلة منها يتكون تكونا عجيبا حتى يخرج من رحم أمه خلقا آخر غير الخلق الأول . وصدق الله العظيم إذ يقول: (( ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ )) { المؤمنون الآية 14 }.
يخرج وهو انسان كامل ، ثم تبدو فيه معاني الإنسانية الظاهرة ، ثم يتدرج بعد ذلك شيا فشيئا حتى يبلغ نموه إلى منتهاه ، ثم يتدرج بعد ذلك في النقص شيئا فشيئا .واقرأ قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا )) { غافر/ 67 }.
هذا الإنسان جمع الله سبحانه وتعالى فيه من عجائب صنعه الشيء العجيب الغريب. (1/8)
صفحة 9
إن تركيب الإنسان تركيب معقد إلى أقصى حدود الغرابة . وقد جعل الله سبحانه وتعالى في جسم كل انسان ستين مليون خلية . وهذه الخلايا جعل الله سبحانه وتعالى لها وظائف . ومن عجيب أمر الله تعالى أن الطعام الذي ييسره للإنسان يأتي إلى المعدة فيتوزع على هذه الخلايا كلها ، ويسد حاجتها من الغذاء.
وهذا الغذاء كيف جاء إلينا ؟
((فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ -إلى قوله تعالى- مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ )) { عبس: الآيات 24/32 }
ييسر الله سبحانه وتعالى لنا هذا الطعام تيسيرا مع شدة حاجتنا إليه ، وييسر الله سبحانه وتعالى من الأيدي التي تعمل لتيسير هذا الطعام ما لا نحيط به علما.
فالزارع والحاصد والطاحن والطابخ والتاجر ، كل هؤلاء يعملون لأجل أن يصل هذا الطعام إلى من قدر أن يكون رزقه. يمر بهذه المراحل كلها ، كلها مراحل بحسبان ، مقدرة تقديرا عند الله سبحانه وتعالى. ومن عجائب الأمور أن هذه الخلايا المتعددة جميعها لها طابع كصاحبها. فخلايا الذكر عليها طابع الذكورة ، وخلايا الأنثى عليها طابع الأنوثة –واسمحوا لي إن تدخلت في هذه الأشياء العلمية ، طبعا ، وهي ليست من اختصاصي- ولكن إنما قصدي من هذا إقامة الحجة والشاهد على وجود الله ، وبيان طريق الاستدلال لوجود الله تعالى عند من يلحد في أسمائه وينكر آيات الله التي أودعها في نفسه وفي الآفاق.
وهذه الخلايا لها وظائف وهي مقدرة في جسم الإنسان تقديراً دقيقاً. فالدماغ يتكون من أربعة عشر مليارا من الخلايا ، هذه الخلايا لها وظائف متنوعة. (1/9)
صفحة 10
جعل الله سبحانه وتعالى هذه الخلايا –كما يعبر العقليون- مركب الجسم كله. فجميع خلايا الجسد تؤدي إلى هذه الخلايا الدماغية ، لأن أنسجة من هذه الخلايا تمتد إلى الجسد كله. وهي التي يعبر عنها بالأنسجة العصبية ، فبواسطتها نسمع ونبصر ونحس بالحرارة ونحس بالبرودة ونشم ونتذوق ونحس بالتعب أو بالألم. إنما جعل الله ذلك كله بواسطة هذه الخلايا. فإذا انعكس في شعاع البصر شيء فإنما يلتقط صورة ذلك المرئي من كل عين مائة وثلاثون مليون خلية. هذه الخلايا تؤدي إلى الدماغ ، فتفرز خلايا الدماغ من بين مُبْصَر ، وآمر ، وبين الألوان ، وما بين مقادير الصغر والكبر وما بين العرض ، عرض شيء وعرض غيره. إنما كل ذلك وظيفة الخلايا الدماغية.
والأصوات تلتقطها عشرت آلاف خلية تؤدي أيضاً بدورها إلى الدماغ.
وكذلك البرودة ، فإنها عندما تؤثر على الجسد ، تلتقط حس هذا البرد خلايا تقدر بربع مليون لتؤدي أثر هذا البرد أو حجم هذا البرد إلى الدماغ ، وعندما يشتد البرد تحصل الرعشة وتتنفس الشرايين ، والدورة الدموية هناك تؤدي وظيفتها بحيث تزيد هذه الشرايين قدرا من الدم بقدر ما يسد ذلك الفراغ الحاصل فيها ، وكذلك عندما يحس أحد بالحرارة فإن عددا من الخلايا تنقل أثر هذه الحرارة إلى الدماغ ، وهناك الغدد العرقية تتنفس ليتصبب هذا العرق في هذا الجسم. ويقدر عدد هذه الغدد بثلاثة ملايين من الغدد.
هذه العجائب في صنع هذا الإنسان ، وهذه الأمور الميسرة للإنسان تيسيرا ، لا يحس بها ، ولألفته هذه الأشياء يراها هينة ، ولا يعرف مقدار نعمة الله سبحانه وتعالى إلا المؤمنون.
ب- النطق والبيان نعمة لها شأن:
نوه الله سبحانه وتعالى بنعمة النطق والبيان عندما قال:
(( الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ )) { الرحمن: الآيات 1/4 }.
ذكر أولا إنزال القرآن ، ثم ذكر سبحانه ثانياً خلق الإنسان ، ثم ذكر عز وجل ثالثا تعليمه البيان. (1/10)
صفحة 11
فنعمة البيان نعمة عظيمة ، وكيف يعرف الإنسان ما في ضمير صاحبه لولا أن الله سبحانه وتعالى يسّر لنا الكلام ، ويسّر لنا النطق والفهم ، فهم مقاصد صاحب هذا النطق ، فكل واحد يستمع من غيره ويؤدي أيضا ما في نفسه إلى غيره لِمَا آتاه الله من البيان. والنطق ليس بالأمر الهين ، فإن النطق يمر بحلقات متعددة وبمراحل متنوعة مروراً سريعا ، فالإنسان عندما ينطق يستوحي ذلك النطق من الدماغ وما وراء ذلك لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ، وهنا يرتفع من الطاقة الهوائية الموجودة في الرئتين بمقدار ما يقدره الله سبحانه وتعالى لأداء هذا الحديث ، فيرتفع في الشعب ثم إلى الحنجرة ، وهناك يمكن للإنسان أن ينوّع صوته حسب ما يريد ، إن أراده مديدا أو أراده متقطعاً ، وإن أراده رفيعاً أو أراده نازلا ، وتشترك مع ذلك الأضراس واللسان والحنك والشفتان والهواء ، كل هذا بمنّ الله سبحانه وتعالى على الإنسان وعظيم جوده وكرمه لهذا المخلوق الضعيف ، ومع ذلك كله يتطاول هذا الإنسان المهين الحقير على رب العالمين:
فوا عجبا كيف يعصى الإله ****** أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة ****** وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شيء له آية ****** تدل على أنه الواحد
كل ما في الإنسان آيات دالة على وجود الله تعالى.
خلق الإنسان ضعيفاً فأكرمه الله عز وجل ورفع قدره ، وأسجد له ملائكته ، وسخر له جميع مخلوقاته غير أنه سرعان ما ينسى الفضل وينكر النعمة.
(( قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ )) { عبس: الآية 17 }.
هناك أشياء أدق من الخلايا وهو الجسيمات ، وما هو أدق من الجسيمات ، يمكن أن تعتبر أن كل واحد من هذه هو لسان ناطق بتسبيح الله تعالى وتحميده ، وصدق الله تعالى القائل في كتابه العزيز:
((وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )) { الإسراء: الآية 44 }. (1/11)
صفحة 12
وإن من أعجب ما قرأته ، ما كتبه الإمام العلامة الشيخ سعيد بن خلفان رحمه الله في إحدى قصائده النورانية قبل نحو مائة وخمسين عاما من وقتنا هذا أو يزيد على ذلك.
قال في هذه القصيدة:
أعاين تسبيحي بنور جنان ****** فأشهد مني ألفَ ألفِ لسان
وكلُّ لسانٍ أجتلي من لغاتِه ****** إذا ألفِ ألفٍ من غريب أغان
ويُهدى إلى سمعي بكلِّ لُغَيَّةٍ ****** هُدى ألفِ ألفٍ من شتيتِ معان
وفي كل معنى ألفُ ألفِ عجيبةٍ ****** يُقصر عن إحصائها الثّقلان
ولم أذكر الأعدادَ إلا نموذجاً ****** كأنّي في أوصافِ ميطيطرانِ
وإلاّ ففوقِ العدِّ أمرٌ مُنَزَّهٌ ****** عن الحد يَفْنَى دونه الملوانِ
ولا تتعجب إن عجبتَ فإنها ****** حقائُق صدقٍ ليس بالهذيانِ
هذه الحقائق موجودة في الإنسان ، هدى الله سبحانه وتعالى إليها العلماء النورانيين الذين يبصرون بنور الله قبل أن يكتشفها أهل العلم.
ومثله كذلك –وإن كنت أواصل حديثاً في حديث آخر- أنني قرأت كتاباً في مضار التدخين ، فوجدت أن كثيراً من الأطباء يظنون الآن بأن التدخين يؤثر على الصحة الجسدية فحسب ثم وجدت بعد ذلك كتاباً آخر كتبه الدكتور محمد على البار (1) قال فيه بأنه ثبت أن التدخين يؤثر على الصحة الجنسية. وهذا كلام قاله بعض علمائنا منذ وقت طويل ، فالإمام السالمي رحمه الله تعالى يقول في جوهره:
يفتر الشهوة في الجماع (2).
حقائق يهدي إليها الله سبحانه وتعالى من يختار من عباده ، هذه طبيعة الإنسان وهذه حالته ، وهذا جزء صغير من العجائب الموجودة في الإنسان ، وشرح ذلك يطول ، فالإنسان هو عالن أصغر في هذا العالم الأكبر.
(1) هو من الأطباء الكبار في مستشفى الملك عبدالعزيز في المملكة العربية السعودية.
(2) ذكر الناظم رحمه الله أبيات عدة في الموضوع يحسن الإطلاع عليها. انظر جوهر النظام- المجلد الأول ص236/237 ، الطبعة الحادية عشر ، 1410هـ/1989م.
ج- الروح سر الله تعالى ودليل عظمته: (1/12)
صفحة 13
جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان الروح. فما هي الروح؟ ، إنما الروح من أمر ربي استأثر بعلمها وهو القائل:
(( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي )) (1).
وإنما يمكن أن يقال إن الإنسان ينطوي على عوالم لا على عالم واحد. فوجوده عالم ، وأفكاره عالم ومشاعره عالم ، والروح التي هي من أمر الله سبحانه وتعالى عالم غيبي ، فجدير بالإنسان الذي خلقه الله سبحانه وتعالى واسبغ عليه هذه النعم ، ويسّر له هذه المطالب أن يكون موصولاً بالله عز وجل في عقيدته وفي عمله.
(1) { الإسراء/85 }. وقد جنح الماديون إلى إنكار هذه الحقائق وقالوا: الحياة مادة ، فوقعوا في التناقض ، ووجدوا أنفسهم أمام البراهين الساطعة الدالة على أن وراء المادة خالقاً مبدعاً:
- فمن قائل إن المادة فيها طبيعة الحياة ، ونسى أن واهب الحياة هو مسبب الأسباب وموجدها من العدم بقوله (كن).
- ومن قائل إن الحياة انتقلت من كوكب آخر وهذا لا دليل له وجهلوا خالق الحياة والكواكب.
ومن قائل إن الحياة ولدت في المادة بعد سلسلة من التفاعلات والتحولات ... ونسوا أن خالق الحياة هو القادر على كل شيء والقاهر لكل شيء. (( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ )) { الملك: 1-2 } ، (( وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ )) { الحج/66 }. (1/13)
صفحة 14
وجهل هؤلاء أن ظهور الحياة في المادة بنحو عجيب معجز إنما كان ذلك بتقدير الله العليم الذي أحسن كل شيء خلقه وأودع في الكون آيات لأولي الألباب يرون فيها عظمة الخالق ويدركون انفراده بالخلق والملك. وصدق الله العظيم الذي أنزل في محكم كتابه الكريم: (( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ )) { السجدة: 7-9 }.
د- وفي الأرض آيات للموقنين:
وننتقل إلى المناخ الذي هيأه الله سبحانه وتعالى للإنسان ، وهو الأرض.
فالأرض فيها ما لا يحصى من آيات الله ، وقد أجاد أبو نبهان القول في حديثه عن هذا الكون وما ينطوي عليه من عجائب الله قال: " كل ذرة في الكون هي كلمة من كلمات الله ، ناطقة بوجوده ، فما من ذره في هذا الكون إلا وهي كلمة تعبر عن افتقارها إلى الله ، وعن وجود الخالق سبحانه وتعالى ، بل نستطيع أن نقول إن كل ذرة هي سجل حافل بآيات الله سبحانه وتعالى. (1/14)
صفحة 15
الأرض فيها آيات للموقنين ، لأن الله سبحانه وتعالى هيأها لأن تكون قرارا للإنسان ، فخلق هذه الأرض بكل طبائعها لتمكين الإنسان بأن يستقرّ فيها ، وقد جعل الله تعالى كل شيء فيها بمقدار ، وجعل المسافة التي بينها وبين الشمس بمقدار ، وجعل المسافة التي بينها وبين القمر بمقدار ، وجعل دورانها حول نفسها بمقدار ، وجعل الغلاف الهوائي الذي يحيط بها بمقدار ، وجعل حرارة الأوكسجين فيها بمقدار ، وجعل فيها البحر بمقدار ، كل ذلك بمقدار ما ينفع الإنسان. فإن الأرض بمقدارها الحالي فيها من الجاذبية بقدر ما يتمكن الإنسان من الاستقرار عليها من غير معاناة وتعب ، فالضغط الهوائي على كل بوصة منها بمقدار خمسة عشر رطلا ، والإنسان يحمل من الهواء مقدار اثنين وعشرين ألفا وثمانمائة وأربعين رطلا.
لو كانت هذه الأرض أكبر حجما مما هي عليه ،بحيث لو كانت في حجم الشمس مثلا لكان الضغط الهوائي على كل بوصة بمقدار طن ، ولما أمكن أن تنمو الأحياء في الأرض ،ولما امكن أن تكون للناس عقول فيها بحسب ما جعل الله سبحانه وتعالى من طبائع هذا الكون في هذا العالم ، عالم الوجود الأول (1).
ولو كانت الأرض حجمها كالقمر لانعدمت الجاذبية التي تمكن الانسان من الاستقرار عليها ،إذ هي ضعيفة لا تمكن الإنسان من الاستقرار عليها جعل الله تبارك وتعالى الغلاف الهوائي بمقدار خمسمائة ميل يحيط بالأرض من كل ناحية ، ولو كانت الأرض أكبر من هذا المقدار لتلاشى هذا الغلاف ،وهنا تحل الكوارث بالأرض وبمن فيها ، لأن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الغلاف كقبة مضروبة على الأرض تقيها وتقي من فيها وما فيها .الشهب المترامية في هذا الفضاء هذه الشهب التي يقدر سرعة الواحد منها – إذا انطلق – بسرعة الرصاص بتسعين ضعفا . (1/15)
صفحة 16
وقد جعل الله سبحانه وتعالى هذا الغلاف يقي الأرض ومن فيها وما فيها الخطورة ، ثم إن الله سبحانه وتعالى جعل حرارة الأوكسجين فيها بنسبة واحد وعشرين في المائة ،كيف الأمر لو كانت هذه الحرارة بمقدار خمسين في المائة ؟
شرارة واحدة تكفي بأن تشعل غابة بأسرها بمجرد لمعان برق ، ولو كانت هذه النسبة منخفضة إلى مقدار عشرة في المائة لتعسر على الإنسان أن يجد الماء والنار التي يطبخ بها طعامه .ذلك كله ،جعله الله سبحانه وتعالى بمقدار .
النباتات متلائمة مع هذا الغلاف الهوائي .ودوران الأرض حول نفسها بمقدار ألف ميل في الساعة .هذا الدوران السريع الذي لا نشعر به وهو يسير بنا إلى غاية محتومة ،فإن سير الأعمار بسرعة هذا الدوران والانسان لا يشعر بذلك .هذا الدوران السريع جعله تعالى بمقدار ،فلو كان الدوران أسرع من ذلك لكان الإنسان في اضطراب ،ولو كان الدوران أقل من ذلك بحيث تدور الأرض بمقدار مائة ميل في الساعة لتجمدت الأرض في الليل وانصهرت في النهار .
والمسافة التي بين الأرض والقمر هي أيضا مسافة مقدرة تقديرا فإن القمر له أثر على حركة المد والجزر ،فلو كان القمر أقرب إلى الأرض لطغت المياه على الأرض ،ولو أن القمر كان أبعد لنضبت.
وجعل الله سبحانه وتعالى أيضا المسافة بين الأرض والشمس بمقدار ،فلو كانت الشمس أقرب إلى الأرض من هذا المقدار لانصهرت الأرض.
الطاقة الحرارية التي تصلنا من الشمس بمقدار ،بنسبة واحد من مليونين .فكيف لو كانت الطاقة الحرارية تصل بمقدار أكبر من هذه النسبة ؟إنما هذه الطاقة جعلها الله سبحانه وتعالى بمقدار ما تزود الأجسام بالطاقة الحراريةوبقدر ما يكفي لنمو النباتات في الأرض.
تلك هي مشيئة الله سبحانه وتعالى . (1/16)
صفحة 17
حجم الشمس جعله الله تبارك وتعالى أيضا بمقدار .فلو كان نجم آخر من النجوم الضخمة حالاً محل الشمس لتصعدت الأرض وتبخرت ،فإن هناك من النجوم ما هو أكبر من الشمس بكثير .الشعرى اليمانية فيما يقول بعض الكتاب من العلماء إنها أكبر من الشمس بعشرين ضعفا ،ومنهم من يقدر الشعرى بأنها أكبر من الشمس بهذا المقدار بكثير ،مع أن الشمس حجمها يبلغ مليون ضعف حجم الأرض.
والسماك الرامح أيضا ضعف الشمس ثمانين مرة ،ونوره أقوى من نور الشمس بمقدار ثمانية آلاف ضعف.
وسهيل أقوى من الشمس بألفين وخمسمائة ضعف إنما ذلك مقدر تقديرا.
وجعل الله سبحانه وتعالى –أيضا- الرباط ما بين هذه المجموعة الشمسية بمقدار ، ودوران الشمس بمقدار ، وهناك أيضاً رباط ما بين المجموعات المتعددة المختلفة التي تنتسب إلى هذه المجرة التي تنتسب إليها هذه المجموعة.
وجعل الله سبحانه وتعالى هذا الرباط ما بين هذه الأبعاد الكثيرة بمقدار ما يحفظ سنة الجاذبية. فلو أن شيئا من ذلك زاد ، أو شيئا من ذلك نقص لكانت كارثة على الكون.
والله سبحانه وتعالى يبين لنا أن نهاية هذا الكون يكون معه انحلال هذا الرباط الذي يربط بين أبعاده حيث يقول لنا:
(( إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ )) { الإنفطار: الآيتان 1/2 }
وتقدر أبعد مجرة عن الأرض بأنها تبعد نحو عشر آلاف سنة ضوئية ، والسنة الضوئية ست مائة مليون من الأميال. هذا الرباط الذي يربط ما بين هذه الأجرام كلها ، هل يمكن أن يكون نتيجة المصادفة؟ هل يمكن أن يكون هذا الرباط من قبل طبيعة عمياء ميتة لا حس لها ولا حراك؟ كيف يمكن أن يوجد هذا الكون بهذه الطريقة ؟ لو كان الأمر كما يقول الملاحدة (( إن مجرد الطبيعة هي التي خلقت هذا الكون )) (( قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ )) { التوبة / 30 }. (1/17)
صفحة 18
ولقد اعترف العلماء الماديون بأن لهذا الكون مكونا ، وأنه لا يمكن أن يوجد بدون مكون أبدا. وقد تحدثوا عن ذلك فيما كتبوه عندما درسوا طبيعة الكون.
وفي عدد من صحيفة ( التايمز ) الأمريكية طرح سؤال:
هل تعتقد أن للكون إلهاً؟ فأجاب عن هذا السؤال اثنان وثلاثون عالما من الماديين ، وكل واحد أجاب بحسب تخصصه العلمي ، مثبتاً وجود الله سبحانه وتعالى من العلم الذي تخصص فيه حتى أن أحدهم أثبت وجود الله سبحانه وتعالى من خلال دراسته لشجرة الورد. وقد جمعت كتاباتهم في كتاب بعنوان: الله يتجلى في عصر العلم. وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية وهو في متناول أيدي الطالبين –والحمد لله- ومه هذا كله فإن هناك فوجاً من العلماء الماديين لا يزالون يجادلون بغير برهان في وجود الله سبحانه وتعالى. قال فيهم عز وجل: (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ )) { لقمان: الآية 20 }.
كنت يوما في الولايات المتحدة الأمريكية مريضاً. وكان يجلس إلي طبيباً أمريكي يتحدث إليّ بتوصياته فيما يتعلق بصحتي ، وكنت أقول له على أثر كل توصية –إن شاء الله- فتعجب من الإجابة! واعترض عليّ بقوله: كيف تقول إن شاء الله؟ هذا أمر راجع إلى مشيئتك ؟ فقلت: لا ! إنما هو راجع إلى مشيئة الله تعالى ، فمشيئتي بدون مشيئة الله لا يمكن أن تحقق شيئاً. (( وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ )) {الإنسان/30}. (1/18)
صفحة 19
فقال: أما أنا فأرتب أمرا أعمله بمشيئتي. فقلت له: ألا يمكنك أن تحسب حساباً لأمر تعمله ثم تفاجئك المنية قبل أن تعمل ذلك الأمر ؟ فقال: نعم. قلت له: ذلك من مشيئة الله ، فإن الأمراض والأحداث التي تقع ، كثيرا ما تحول بين الإنسان وبين ما يريد صنعه ، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يصنع ما كان في خلده أن يصنع. وأخذت أحدثه عن دلائل وجود الله تعالى في الكون. فقال بعد هذا: أنا آمنت بأن لهذا الكون خالقاً ، ولكن بعد خلقه تخلى عنه ، وهو لا يدبره. قلت له: لو كان الأمر كذلك ، هل يمكن لهذا الكون أن يدبّر نفسه؟ هل يمكن للأجرام الفلكية أن تدبر نفسها؟ الإنسان العاقل المدبر يحسب حساباً لأمر يفعله ، يجب أن يصنع ذلك الشيء لكن قد يمنعه مانع فلا يمكن أن يحقق ما أراده إلا بعد وقت. فمواعيد الإنسان كثيرا ما تختلف. وضربت له مثلاً بالطائرات فإنها كثيرا ما تختلف مواعيدها. بينما هذه الأجرام الفلكية التي تدور بمشيئة الله سبحانه وتعالى لا يمكن لأي جرم منها أن يختلف ميعاده أبداً ، لأن إراد الله سبحانه وتعالى من ورائه ، ولأن تدبير الله تعالى يحيط بهذا الكون بأسره.
وقد كنت أتحدث إليه حول بعض الأشياء التي ذكرتها ، فقال: من أين لك ذلك؟ هذه أمور لا علاقة لها بالدين. فقلت له: لا علاقة لها بالدين الذي لم يأت به النبيون. أما الدين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى والذي أكمله لخلقه ، وأتم به نعمته عليهم بمبعث عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم له علاقة بهذه الأشياء ، فإن القرآن الكريم يُفتّح أبصارنا على هذه الأمور كلها. (1/19)
صفحة 20
وكان هذا الطبيب دمث الأخلاق- فقلت له: إني لآسف جداً أن تكون على دماثة خلقك ، وسعة صدرك ، لا يتسع يقينك بأن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. قال: أنت تريد أن تقحمني في هذه المتاهات بسرعة ، فإنني لم أومن بوجود خالق لهذا الكون إلا بعد سنين فكرت فيها. فكيف تريدني أن أومن في ظرف هذه المدة القصيرة بذلك كله؟ فقلت له: إن كان الله قد كتب لك الخير فستؤمن في ظرف هذه المدة القصيرة ، فإن سحرة فرعون آمنوا بما جاء به موسى عليه السلام في ظرف مدة قصيرة ، ولم يكن بين كفرهم وإيمانهم إلا وقت قصير جدا بقدر ما يفكرون في معجزة موسى عليه السلام ، ففكر أنت في معجزة القرآن. هذه معجزة بارزة للإنسان فأنى لك أن تجحدها.
ولكن الرجل أصر على ما هو عليه ، وكتب إليّ أسئلة بعد ما عدت إلى بلدي ، فأجبته على أسئلته ، وكررت له الدعوة إلى الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله. ثم جاء إلى عمان وجلس معي جلسة جادلني فيها ، وأقمت له الحجة ، وإلى آخر وقت خرج من عندي وهو غير مؤمن بما دعوته إليه ، وأسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق ، وأعوذ به من الخذلان.
الخاتمة:
إن إنكار الله سبحانه وتعالى ، أو إنكار آياته ، أو إنكار رسله ، أو إنكار كتبه ، أو إنكار كل شيء أخبر عنه لا ينشأ إلا عن الخذلان بعد وجود هذه الشواهد ، وقيام هذه الدلائل على وجود الحق سبحانه وتعالى الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المؤمنين.
اللهم إنا نسألك إيماناً بك ، ووفاء بعهدك ، وتصديقاً بكتابك ، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. (1/20)
صفحة 21
اللهم إنا نعوذ بك من الشك والشرك والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق وسوء المنقلب وسوء المنظر في المال والأهل والولد ، ومن شر المآل في الدنيا والآخرة ، إنك على كل شيء قدير وإنك بالإجابة جدير نعم المولى ونعم المصير. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
الفهرس
الموضوع الصفحة
- تمهيد 2
- أنماط من قدرة الله تعالى: 4
1. الإستدلال بعالم الشهادة على عالم الغيب. 4
2. الصدفة العمياء والإدعاء الباطل. 7
- منهج القرآن الكريم في إقامة الأدلة على التوحيد: 9
أ . توجيه الأبصار إلى الأنفس والتدبر في عجائب الخلق. 9
ب . النطق والبيان نعمة لها شأن. 14
ت . الروح سر الله تعالى ودليل عظمته. 18
ث . وفي الأرض آيات للموقنين. 20
- الخاتمة 27 (1/21)