صفحة 1
الكتاب: سَمَر أسرة مسلمة ( العقيدة الإسلامية بأسلوب مُيسَّر )
المؤلف: علي يحيى معمر
تحقيق وتقديم: محمد بن موسى باباعمي
مراجعة وتدقيق النسخة الرقمية: مصطفى بن محمد شريفي
الناشر: أطلس للنشر ؛ وجمعية التراث - القرارة
التاريخ: [1413هـ / 1992م]
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) علي يحيى معمر
سمر أسرة مسلمة
(العقيدة الإسلامية بأسلوب ميسر)
تحقيق وتقديم
محمد بن موسى بابا عمي
[مراجعة وتدقيق النسخة الرقمية: مصطفى بن محمد شريفي]
أطلس للنشر وجمعية التراث - القرارة -[1413هـ / 1992م] (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
بين يدي الكتاب
بسم الله، نحمده ونستعينه ونستهديه، إنَّه المعين والهادي لسواء السبيل، ونصلِّي ونسلِّم على سيِّد الأنام محمَّد الأمين.
أمَّا بعد: فلمَّا كان علم العقيدة أشرف علم على الإطلاق، وكان وعيه واجبًا على الأمَّة الإسلاميَّة صغيرها وكبيرها، ذَكَرِها وأنثاها، فإنَّ مسؤوليَّة تبليغه لا تزال عالقة بأعناق العلماء والدعاة، لا يضعها عنهم إلاَّ سعيهم الجادُّ لنشر مبادئ وأسس هذه العقيدة بكلِّ الوسائل الحسنة، والطرق المستجِدَّة. غير أنَّ المطَّلع على المكتبة الإسلاميَّة ينقلب إليه البصر خاسئًا وهو حسير، عندما يتبيَّن أنَّ كتب العقيدة عُقِّدت، ودخلت ضمن المضنون به على غير أهله، وأصيب هذا العلم بأرستقراطيَّة خاصَّة الخواصِّ، فلا يكاد الشابُّ المسلم يتحصَّل على كتاب سَهْلِ العبارة حَسَنَ السبك. وبالمقابل نجده يطالع كلَّ العلوم والفنون الصادرة من الغرب، بأسلوب يسير، وطبع راق، ومنهجيَّة محكمة، فيغترب - بالتالي- سلوكًا، تبعًا لاغترابه (1/3)
صفحة 4
تربية وثقافة. ولا يحقُّ لنا أمام تقاعسنا عن واجبنا إلاَّ أن نقبل الواقع المرَّ ونتجرَّعه ولا نكاد نسيغه. وهكذا مآل الضعفاء!.
والحقُّ أنَّ علماء هذا القرن حاولوا الخروج من هذه الأرستقراطيَّة المقيتة، ووضعوا كتبًا للصغار في شتى المبادئ الإسلاميَّة، من أخلاق وتربية، إلى صلاة وزكاة ...
ومن هؤلاء العلاَّمة علي يحيى معمَّر، الذي سخَّر قلمه لتبسيط علوم الشريعة في أشكال مختلفة، وألف في ذلك:
- من الكتب: ... سمر أسرة مسلمة.
... ... الأقاليم الثلاثة.
- من الرسائل: ... مسلم لكنَّه يَحْلِقُ ويدخِّن.
- من المقالات: ... الطفل والقرآن الكريم.
- من المسرحيَّات: ... مسرحيَّة "ذي قار" ذات المغزى السياسي.
... ... مسرحية "محسن".
- من الأناشيد: ... قصائد كان ينشرها في مجلة "الشباب" وغيرها.
وقد طُبعت بعض أعماله وبقيت أخرى في الجهالة والنسيان، وممَّا طبع عدَّة مرَّات كتاب "سمر أسرة مسلمة" الذي نفد من السوق ككلِّ كتبه، وكثر الإلحاح على أستاذنا د. محمَّد ناصر لطبعه مرَّة أخرى تحت رعاية جمعيَّة التراث، ولكنَّ أستاذنا رغب في طبعه في شكل جديد وإدخال بعض التحسينات المنهجيَّة عليه، فلم يسعفه الوقت لذلك. وأسند إليَّ هذه المهمة الشاقَّة التي قبلتها على مضض، خشية التعثُّر، وتوكَّلت على الله، وكان لي في الكتاب - من العمل - ما يلي:
- أضفت إلى عنوانه - سمر أسرة مسلمة - عبارة «العقيدة الإسلاميَّة بأسلوب ميسَّر»؛ لأنَّ العنوان على أصله لا يحدِّد موضوع الكتاب، فقد (1/4)
صفحة 5
يكون الكتاب عَرْضًا لطريقة السمر ونوعيَّته وتوجيهه، وقد يكون السمر في الأخلاق والفقه أو غيرهما من العلوم ...
- خرَّجت ما لم يخرَّج من آياته.
- خرَّجت أحاديثه تخريجًا منهجيًّا لا حديثيًّا.
- وثَّقت النصوص التي استشهد بها من عناوين شتَّى.
- ترجمت للأعلام والأماكن ... الوارد ذكرها.
- صحَّحت الأخطاء المطبعيَّة، وقد استرعى انتباهي كثرتها.
- شرحت المفردات المستعصية شرحًا موجزًا؛ مساهَمة في إثراء قاموس القارئ والطالب.
- وأخيرًا وضعت عناوين للمواضيع التي تناولتْهَا كلُّ ليلة من ليالي السمر، فأثبتُّ عناوين كلِّ ليلة أمامها وجمعتها في الفهرست بعد ذلك ليصبح الكتاب مرجعًا سهل التداول والاستفادة.
وقد عرضت العمل على أستاذي الدكتور محمَّد ناصر فوافق عليه وباركه، وتقدَّمت إلى طبعه وأنا على يقين من قصر باعي وضعف متاعي، غير أنَّ حبِّي للعقيدة ورغبتي الملحَّة في إيصالها إلى ناشئتنا الإسلاميَّة دفعاني إلى التقدُّم. وحسبي أنِّي اجتهدت ومن الله أطلب التوفيق والسداد. (1/5)
صفحة 6
[صفحة بيضاء] (1/6)
صفحة 7
الشيخ علي يحيى معمَّر في سطور (1)
مولده ودراسته:
ولد علي يحيى معمر بمدينة «نالوت» بالجماهيريَّة الليبيَّة سنة 1337هـ/1919م، من أبوين متوسِّطي الحال، وفي عائلة محافظة متديِّنة.
تعلم مبادئ القراءة والكتابة في كتَّاب قرية "تكويت"، بضواحي "نالوت".
ثمَّ دخل المدرسة الابتدائيَّة التي فتحتها إيطاليا، وأظهر نبوغًا مبكِّرًا.
وبقدوم العالم الشيخ رمضان بن يحيى الليني الجربي من جربة إلى ليبيا حيث أقام حلقات في الفقه الإباضيِّ، انضم إليها معمَّر ولازم شيخه في أوقات فراغه.
في بداية الثلاثينيَّات سافر إلى جربه ملتحقًا بحلقات الشيخ الليني.
ثمَّ أنتقل بعد ذلك إلى جامع الزيتونة.
وفي سنة 1356هـ/1937م سافر إلى الجزائر قاصدا معهد الحياة بالقرارة، وفيها حطَّ رحاله، وأقام سبع سنوات. ومن أبرز أساتذته الشيخ إبراهيم بيُّوض رحمه الله والشيخ عدون (شريفي سعيد) حفظه الله.
__________
(1) / ... اعتمدنا أساسًا على ترجمة الأستاذ محمَّد ناصر بوحجَّام في مقدِّمة تحقيقه لكتاب "الإباضيَّة دراسة مركَّزة" وعلى "ملحق السير" للشيخ أبي اليقظان رحمه الله. فمن أراد التوسُّع رجع إلى مصدره. (1/7)
صفحة 8
نشاطه وإنتاجه:
عندما كان طالبًا بمعهد الحياة شارك في جميع أنشطته، من دروس وجمعيَّات أدبيَّة، وفرق فنِّيَّة ورياضيَّة ومسرحيَّة ...
برجوعه إلى ليبيا سنة 1945، شرع في الرفع من مستوى الشباب علميًّا وفكريًّا. وأنشأ مجلَّة "اليراع".
دخل ميدان التدريس فارتقى فيه من مدرِّس إلى مدير مدرسة، إلى موجِّه تربويٍّ (مفتِّش) إلى موثِّق تربويٍّ. وأخيرًا استقرَّ في طرابلس كموظَّف مرموق بأمانة التربية والتعليم.
كان يلقي المواعظ والدروس بالمساجد.
كان شاعرًا وأديبًا، ومؤرِّخًا وناقدًا، وفوق كلِّ ذلك كان مفتيًا ومتخصِّصا في علوم الشريعة.
له إنتاج غزير في شتَّى الميادين، بمختلف الأشكال. (1)
ومن المؤسف أن تكون جلُّ المؤلَّفات التي وضعها رهن الأرفف والنسيان ولم يُطبع منها إلاَّ النزر اليسير أدعو الباحثين إلى السعي في جمع إنتاجه تحت عنوان "الأعمال الكاملة للشيخ على يحيى معمر" ولا شكَّ أنَّها ستثري المكتبة الإسلاميَّة.
على يحيى معمَّر ودعوته لوحدة الأمَّة:
جمع الأستاذ علي معمَّر إلى تواضعه وغزارة علمه صفاتٍ عديدةً، ولعلَّ أبرزها بُعد النظر، وسعة الأفق، فنجده في جميع أعماله يدعو إلى وحدة صفِّ المسلمين ونبذ الخلافات الجزئيَّة، وهو الذي قنَّن نظريَّة «المعرفة والتعارف والاعتراف» في مقدِّمة كتابه "الإباضيَّة بين الفرق الإسلاميَّة" فنجده يقول: « ... إنَّ المذهبيَّة في الأمَّة الإسلاميَّة لا بالقوَّة ولا
__________
(1) / ينظر قائمة مؤلَّفاته التي جمعها الأستاذ بوحجَّام. (1/8)
صفحة 9
تتحطم بالحجة، ولا تتحطَّم بالقانون، فإنَّ هذه الوسائل لا تزيدها إلاَّ شدَّة في التعصُّب وقوَّة في ردَّة الفعل، وإنَّما تتحطَّم المذهبيَّة بالمعرفة والتعارف والاعتراف، فبالمعرفة يفهم كلُّ واحد ما يتمسَّك به الآخرون، ولماذا يتمسَّكون به. وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعيِّ للعبادات. وبالاعتراف يتقبَّل كلُّ واحد منهم مسلك الآخر برضًى، ويعطيه مثل الحقِّ الذي يعطيه لنفسه». (1)
وفاته:
توفي يوم الثلاثاء 27 من صفر 1400هـ الموافق لـ 15 جانفي 1980م على الساعة الحادية عشرة. رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداء، آمين.
__________
(1) ... الإباضيَّة بين الفرق الإسلاميَّة، جمعيَّة التراث، ص7. (1/9)
صفحة 10
[صفحة بيضاء] (1/10)
صفحة 11
بسم الله الرحمن الرحيم
{رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنَ اَمْرِنَا رَشَدًا}
(سورة الكهف: 10) (1/3)
صفحة 12
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 13
مقدمة
كان كثير من أبنائي طلاَّب المدارس في المرحلتين الإعداديَّة والثانويَّة يناقشونني في بعض مسائل التوحيد ويطلبون إليَّ أن أَدُلَّهُم على الكتب التي يرجعون إليها في دراسة هذه المواضيع، فكنت أُرشِدهم إلى بعض ما أعرف من كتب، ولكنَّهم سرعان ما يعودون إليَّ متألِّمين، يذكرون أنَّ أساليب تلك الكتب تلتوي على أفهامهم، وتستعصي على مداركهم، لا سيما وأنَّهم لم يدرسوا علم الكلام على مشايخه، ولم يعرفوا كثيرًا من المصطلحات الفنِّيَّة التي ترد في تلك الكتب.
وكنت أتألَّم لألم أولئك الطلاَّب الذين يبحثون عن الهداية، ويلتمسون طريق المعرفة، فتصدُّهم عقبات لا يقوون على تذليلها. وفكَّرت في الموضوع تفكيرًا جدِّيًّا حينما زارني جمعٌ منهم إلى بيتي، وحمَّلوني مسؤوليَّة تذليل هذه العقبة أمامهم وأمام زملائهم الكثيرين.
وأعترف أنَّني كنت شديد الرغبة لتحقيق طلبهم ولكنَّني في نفس الوقت كنت شديد الخشية من حمل هذا الثقل الذي أعرف أنَّني قد أتعثَّر به ولا أنهض. وحاولت أن أُلقيه على غيري ممَّن هم أكثر كفاءة ومقدرة ولكنَّني لم أوفَّق في ذلك، وأصبح الموضوع واجبًا عينيًّا عليَّ، فاستخرت الله وأقدمت. (1/5)
صفحة 14
رجعت إلى كثير من كتب الفقه والتوحيد عند كتابة هذه الفصول، غير أنَّني اعتمدت فيما رجَّحته من الآراء على الكتب الآتية: عقيدة التوحيد وشروحها (1)،
كتب فيلسوف الإسلام أبي طاهر الجيطالي (2)، "في ظلال القرآن" للأستاذ سيِّد قطب (3)، مسند الربيع بن حبيب. (4)
وقد رأيت أن أسوق المباحث على طريقة الحوار ظنًّا منِّي أنَّها قد تكون أخفَّ على الطالب وأَشْوَقَ له لكي يواصل القراءة.
وأنا حين أقدِّم الكتاب لأبنائي الطلبة ولغيرهم ممَّن يستهويهم كلُّ ما تخرجه المكتبة الإسلاميَّة آمل أن يجدوا فيه كثيرًا من حقائق التوحيد معروضة عرضًا واضحًا بأسلوب سهل، وقد يرى بعض القرَّاء الكرام أنَّ في الكتاب بعض الإعادة والتكرار، وقد قصدت ذلك لترسيخ بعض المعلومات في ذهن القارئ العادي الذي لم يدرس علم التوحيد دراسة مستفيضة على مشايخ الفقه، وقد يجد القارئ الكريم بعض المناقشات عن مسائل لا تتعلَّق بالتوحيد إلاَّ أنَّها تدخل في الثقافة الإسلاميَّة العامَّة ساقني إليها أسلوب الحوار الذي اعتمدت عليه في الكتاب، وارتباطها ارتباطًا قويًّا أو ضعيفًا بأصل الموضوع.
عندما أتممت هذه الحلقة تركتها عندي ولم أجرؤ على تقديمها للطبع. وكنت أُمَنِّي نفسي أن أعرضها على بعض مشايخي الكرام حتَّى أستوثق من أنَّّ عملي هذا يجوز أن يظهر للناس. وعندما سافرت في السنة الماضية إلى تونس والجزائر أخذتها معي ليطَّلع عليها أحدهم ولكنَّ قصر المدَّة واشتغالهم بما هو أهمُّ وأوكد، حال دون الاطِّلاع عليها وإبداء الرأي فيها، اللهمَّ إلاَّ بعض الفصول قرأتها على أستاذي الفاضل الشيخ عدُّون بن بالحاج ونحن في السيَّارة ننتقل بين بعض المدن من وادي ميزاب العامر. وقد استحسن - حفظه الله ورعاه – طريقة
__________
(1) / عقيدة التوحيد لأبي حفص عمرو بن جُميع، لها شروح عدَّة، وهي كالتالي:
أ- شرح أبي العبَّاس أحمد الشمَّاخي.
ب- شرح أبي سليمان داود بن إبراهيم التلاتي.
ج- "نظم التحقيق في عقود التعليق" لعمرو بن رمضان التلاتي.
د- "اللؤلؤة المضيئة على متن العقيدة" و"عمدة المريد لنكتة التوحيد" للتلاتي.
للتوسُّع ينظر: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيَّة لـ د. فرحات الجعبيري.
وأبو حفص عمرو بن جميع صاحب المقدِّمة من علماء النصف الثاني من القرن 7هـ/13م.
(2) / ... نذكر منها:
قناطر الخيرات ثلاثة أجزاء، حقَّق د/ عمرو خليفة النامي الجزء الأوَّل.
قواعد الإسلام جزءان تحقيق عبد الرحمن بكلِّي. وأبو طاهر إسماعيل الجيطالي (ت: 750هـ/1300م). وللتوسُّع ينظر ترجمته في الجزء الأوَّل من مؤلَّفه.
(3) / طبع "في ظلال القرآن" عدَّة مرَّات، ويعدُّ من التفاسير الأدبيَّة، ومن أهمِّ ما ألِّف في القرن العشرين في التفسير. وسيِّد قطب (1324 - 1382هـ/ 1906 - 1967م). من رواد "جماعة الإخوان المسلمين". وله مؤلَّفات عدَّة منها: "التصوير الفنِّي في القرآن الكريم". أعدمه جمال عبد الناصر، وأقيمت في ربوع البلاد الإسلاميَّة صلاة الغائب على روحه.
(4) / مسند الربيع بن حبيب المسمَّى: "الجامع الصحيح"، عمدة الإباضيَّة في الحديث، يشتمل على 1005 حديث، ثلاثيُّ السند، أغلب أحاديثه عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن صحابيٍّ. رتَّبه أبو يعقوب يوسف الوارجلاني، وشرحه كلٌّ من:
- المحشِّي أبو ستَّة في خمسة أجزاء.
- عبد الله السالمي في ثلاثة أجزاء. (1/6)
صفحة 15
العرض وأسلوب الكتاب، وأمرني بتقديمه للطبع حالاً. ولكنَّني مع ذلك كنت متردِّدًا حتَّى شرَّفنا هذه السنة بزيارته إلى ليبيا وأعاد أمره لي بطبع هذه الحلقة فلم يَسَعْني إلاَّ الامتثال.
وهاأنا أقدِّم إليك أيُّها القارئ الكريم هذا العمل الضئيل، فإن ساعدك على الاستفادة، ووجدت فيه حقًّا وعلمًا، ويسَّر عليك مؤونة البحث فإنَّ الحمد لله على التوفيق؛ وإن خيَّب ظنَّك وضيَّع وقتك، فأنا أعتذر إليك عمَّا ضيَّعت لك من وقت، وأخذت من مال، وأطلب منك العفو والسماح، فإنَّني معك في حال لا أستطيع أن أردَّ عليك الوقت الذي ضيَّعته منك، ولا المال الذي أخذته منك.
وأخيرًا ألجأ إليه سبحانه وتعالى أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي الخطأ والزلل، فإنَّه الغفور الرحيم. (1/7)
صفحة 16
[صفحة بيضاء] (1/8)
صفحة 17
حفلة عيد ميلاد
قال نجيب قبل أن يذهب إلى المدرسة في الصباح:
هل تعرف يا أبي أنَّ الليلة القادمة عيد ميلادي؟
قال الأب: نعم، أعرف أنَّ الليلة القادمة هي عيد ميلادك، فقد وُلدتَ في مثلها، وبذلك قد أتممت اليومَ السنةَ الرابعة عشرة، وستدخل في هذه الليلة السنة الخامسة عشرة من عمرك السعيد.
قال نجيب: إذن ستوافق يا أبي على الحفلة الصغيرة التي سأقيمها بهذه المناسبة لزملائي، وستُتْحِفُني بهديَّة جميلة أَزْهُو (1) بها على أقراني، كما عوَّدتني في أعياد ميلادي السابقة ... وَسَتَأْذَنُ لي أن اشتري شموعًا لنوقدها ونُطفئها كما يفعل المتحضِّرون ...
قال الأب: لا يا ولدي! لا تُقِمْ الليلةَ حفلةً لزملائك، ولا تنتظرْ منِّي هديَّة كالهدايا السابقة، ولا تشتر شموعًا ... إنَّ هنالك شيئًا أهمُّ من ذلك ... يجب أن تعدَّ له نفسك الليلة.
أَحَسَّ نجيب بخيبة أمل مُرَّة، فهذه أوَّل مَرَّة يجد من أبيه معارضة في رغبة معقولة، وموضوع هامٍّ. وَصَمَتَ التلميذ الإعداديُّ يفكِّر في موقفه وموقف أبيه منه، ومعارضته له في هذه النقطة بالذات، لماذا
__________
(1) / أزهو: أفْتَخِرُ. (1/9)
صفحة 18
يعارضه في إقامة الحفلة؟ ولماذا يقطع عنه هذه العادة الجميلة؟!.
هذه العادة التي طالما فرح بها وطرب لها، وتاه بها على زملائه وأقرانه، ما هو هذا الشيء الهامُّ الذي يحول دون إقامة الحفلة؟ هل كان أبوه في مأزق حرج لم يسمع به ولم يتفطَّن له؟ أم أنَّ أباه رأى منه أو سمع ما يسوءه فهو غير راض عنه؟. وأحسَّ الولد المؤدَّب أنَّه أطال الوقوف بجانب أبيه، فحاول أن يعيد الحديث معه لعلَّ الوالد الحنون يرجع عن رأيه، أو لعلَّه يفهم السبب .. لكنَّ الوالد أجابه في وقار وتصميم:
لا تفكِّر كثيرًا يا ولدي .. اِذهب الآن إلى مدرستك كما كنت تذهب في الأيَّام الماضية، وعند الليل سوف نتحدَّث طويلاً.
وهكذا انهارت الآمال الباسمة التي كانت تشرق في قلبه، وطارت الأحلام الزاهية التي كانت تملأ مخيِّلته، وأَعْتَمَتِ (1) الصورة الحلوة التي رسمها الصبيُّ الصغير وهو يفكِّر في دعوة الأتراب، وحضور الأصحاب، ودعابات الأصدقاء، وضحكات الزملاء، وجمال هديَّة الأب، وإيقاد الشموع وإطفائها، وقبلات الأمِّ الحنون، وتهاني الأصدقاء المخلصين ...
مزَّق نجيب الكشف الذي أعدَّه حين كان يضع تصميم الحفلة، وذهب مكتئبًا إلى المدرسة، فأمضى فترة الدراسة على مضض (2)، شارِدَ الفكرة، حائر النظر، وما تمَّت فترة الدراسة حتَّى طار إلى البيت دون أن ينتظر الأصحاب ...
وكان يأمل أن يجد أباه قد غيَّر من رأيه ووافق على مشروعه الصغير، فدخل البيت وسلَّم على الأب والأمِّ، وانتظر .. انتظر أن يبدأه أحدهما فيحدِّثه عن عيد ميلاده، ولكنَّ الأبوين لم يتحدَّثا عن
__________
(1) / أعتمت الصورة: مرَّت بها قطعة من الظلام.
(2) / المضض: الوجع من المصيبة. (1/10)
صفحة 19
هذا الموضوع، كأنَّما كانا متَّفقين على عدم الخوض فيه. استحْيَى الولد المؤدَّب أن يسأل أباه من جديد، وَصَبَرَ على أَلَمٍ ينتظر فرصةً ينفرد فيها بأمِّه ليبثَّها أشجانه، والأمُّ دائمًا هي مفرغ الشكوى؛ لأنَّ قلبها الكبير، العامر بالحبِّ والحنان يستطيع أن يلطِّف الآلام، ويُجَنِّح الأحلام ... ولكنَّ هذه الفرصة لم تسنح له، فقد بقي الأبوان يتحدَّثان عن أمورهما العادية، لا يشغلهما شيء حتَّى تمَّ تناول الغداء وما يتلوه، وذهب الصبيُّ إلى حجرته ليستريح قليلاً من عناء دروسه اليوميَّة.
قضى نجيب فترة الظهيرة، ثمَّ نهض مُبَلْبَلَ الفكر (1)، شارد الذهن، مشوَّش الخاطر، محطَّم الآمال. وتناول محفظته لينظر في واجباته المدرسيَّة كما كان يفعل كلَّ يوم، ولكنَّه وجد حالته النفسيَّة لا تساعده على العمل، إنَّه لا يفهم ما يقرأ، لأنَّه لا يستطيع أن يحصر فكره في موضوع من مواضيع الدراسة؛ ولذلك فقد أستأذن أباه في أن يقوم بنزهة قصيرة ينطلق فيها بين الحدائق يعبُّ النسيم (2)، ويقطف الأزهار، ويناجي الطيور.
__________
(1) / مبلبل الفكر: مختلط الفكر، ومنه: «تبلبلت الألسن في بابل»: أي اختلطت.
(2) / يعبُّ النسيم: يستنشقه بقوَّة. (1/11)
صفحة 20
[صفحة بيضاء] (1/12)
صفحة 21
الليلة الأولى
الغسل.
البلوغ.
الإيمان بالله بطريق العقل. (1/13)
صفحة 22
[صفحة بيضاء] (1/14)
صفحة 23
الليلة الأولى
اجتمعت الأسرة المتكوِّنة من نجيب وأبويه، بعد العشاء على إبريقٍ من الشاي موضوعٍ فوق الموقد، وكانت الأمُّ تنظر إلى ولدها في فخار واعتداد، وكان الولد ينتظر ما تنفَرِجُ (1) عنه شَفَتَا أبيه في ترقُّب ولهفة.
أمَّا الأب فقد كان صامتًا يفكِّر في وقار. ثمَّ اتجه إلى وَلَدِهِ وقال في حنان بالغ:
نجيب! ...
وكان الوَلَد ينتظر هذه اللحظة في شوق، فأجاب في أدب جمٍّ:
نعم يا أبي! ...
قال الوالد: قم يا ولدي إلى الحمَّام، فأزل من بدنك كلَّ نجاسة، وتوضَّأْ كما تتوضَّأ للصلاة، ثمَّ أَفِضِ (2) الماء على رأسك ثلاث مرَّات، مبتدئًا من مقدَّمِهِ، ثمَّ أفض الماء على جميع جسدك مُقدِّمًا الأعضاءَ العليا على السفلى، واليمنى على اليسرى، حتَّى تنتهي من قدميك، وأنت في كل ذلك تَدْلُكُ (3) ما يقع عليه الماء دَلْكًا جيِّدًا متواصلاً لا تقطع بينه. فإذا اغتسلت فالْبَسْ ثيابًا طاهرة، إمَّا جديدة وإمَّا غسيلة لم تُلبس بعدُ، وأَقْبِلْ علينا فنحن في انتظارك ...
__________
(1) / تنفرج: تنطلق، كناية عن فتح الفم.
(2) / أفض الماء: أَفرغْهُ واسكُبْهُ.
(3) / دَلِكَ الشيءَ يَدْلُكُهُ: فَرَكَه وعَرَكَه. (1/15)
صفحة 24
ولبث الولد ينظر إلى أبيه في حيرة وارتباك، ما معنى كلِّ هذا؟ وهل يجدُّ أبوه أم يمزح؟ إنَّه لم يَعْتَدْ أن يستحمَّ في مثل هذا الوقت، ثمَّ إِنَّ أمَّه هي التي كانت تهتمُّ بنظافته واستحمامه، إنَّ أباه لم يتولَّ منه هذه الشؤون إلاَّ مرَّة واحدة، وذلك قبل أربع سنوات، حين ناوله إبريقًا من الماء، وعلَّمه طريقة الاستنجاء والوضوء، ثمَّ درَّبه على الصلاة، وبقي يراقبه فيها ثلاثة أيَّام متواليات ... ومنذ ذلك الحين لم يهتمَّ بشؤون طهارته ولباسه.
ولَمَّا وجد نجيب أنَّ أباه بقي ينتظر منه إجابة الطلب، قام متثاقلاً إلى تنفيذ هذه الرغبة الأبويَّة، وهو يرى في سلوك أبيه اليوم شذوذًا لم يجد له تفسيرًا.
استحمَّ نجيب بالطريقة التي علَّمها له أبوه، ولبس ثيابًا نظيفة، وأقبل على أبويه فوجدهما في انتظاره يتحدَّثان، وعندما أخذ مجلسه منهما قال له أبوه:
سألتني يا نجيب صباح اليوم إن كنت أذكر عيد ميلادك؟
قال نجيب وهو ينظر إلى أبيه في حيرة: نعم يا أبي.
قال الأب: لقد وُلدت يا نجيب منذ أربعة عشر عامًا وقد انتهى عمرك اليوم كصبيٍّ وسيبتدئ عمرك السعيد كرجل ...
وصمت الأب ليرى وقع كلماته على الولد المرتبك الحيران ...
وتتابعت الانفعالات على الطفل في سرعة، وانقشعت (1) عن نفسه تلك الشكوك والريب التي كانت تسيطر عليه منذ الصباح، وأدرك مغزى هذا السلوك من أبيه، فاستعد من جديد ليتلقَّى أنباءً جديدةً من هذا الوالد الكبير الحكيم، ثمَّ اتَّجه في رغبة وشوق ليسمع المزيد ...
__________
(1) / انقشعت: زالت. (1/16)
صفحة 25
قال الوالد لابنه: كنتَ تقيم الحفلات لزملائك في أعياد ميلادك يا بنيَّ حينما كان أولئك الأطفال زملاءَك، أمَّا اليوم فقد أمسيت ولست بزميل لهم، إنَّهم لا يزالون أطفالاً، أمَّا أنت فقد صرت رجلاً، وقد كنتُ آتيك بهدايا في أعياد ميلادك كلَّ سنة لأنَّك كنت طفلاً، أمَّا في الليلة فلم تعد طفلاً، إنَّك رجل مثلي ومثل غيرنا من الرجال.
قال الولد: ولكن يا أبي! أيصير الطفل رجلاً هكذا فجأة في لحظة واحدة؟.
قال الأب: إنَّ الطفل لا يزال ينمو ... ينمو عقله، وينمو جسمه، حتَّى تظهر عليه علامة من علامات الرجولة، فيعتبر رجلاً، وتُلقَى عليه أعباء الرجال ...
قال الولد: وهل ظهرت عليَّ تلك العلامات يا أبي؟ ..
قال الأب: لقد اتَّضحت فيك بعض العلامات يا ولدي ...
قال الولد: يسرُّني أن أعرفها إذا كانت ممَّا يعرف ...
قال الأب: من واجب الآباء أن يتعهَّدوا (1) أبناءهم بالتربية والرعاية. ومنذ تجاوزك العاشرة، وأنا أتَّبعك بالملاحظة، وأوصي أمَّك بمراقبتك ومعرفة أحوالك، حتَّى لا تدخل سنَّ الرجولة ونحن غير عالمين.
قال الولد: إنَّني لم أشعر بذلك منكما ...
قال الأب: ألا تذكر أنَّني لامست أرنبة أنفك بسبَّابتي عدَّة مرَّات؟
قال نجيب: أذكر ذلك ولكنَّني كنت أحسبك تداعبني بذلك ...
قال الأب: كنت أداعبك بذلك، وفي نفس الوقت كنت أبحث عن
__________
(1) / يتعهَّدوا: يتفقَّدوا ويحتفظوا بهم. (1/17)
صفحة 26
إحدى علامات الرجولة أو علامات البلوغ كما تسمَّى في كتب الفقه ...
قال الولد: وهل تكون علامات الرجولة في أنف الإنسان؟
قال الأب: إنَّ الطفل عندما يدخل مرحلة الرجولة يفترق رأس أنفه، فإذا وضعت إصبعك عليه أحسست بهذا الفرق؛ أمَّا الطفل فإنَّ أرنبة أنفه لا تفترق؛ ولذلك فعندما تلامسه لا تحسُّ بذلك الفرق.
ورفع نجيب إصبعه يتحسَّس أرنبة أنفه، وقرَّر أن يتأكَّد من صحَّة رأي أبيه بأنوف زملائه في المدرسة، وأن يخبرهم بهذه المعلومات الجديدة، ويتحسَّس أنوف الكبار والصغار منهم، ثمَّ اتَّجه إلى أبيه وهزَّ رأسه كأنَّه يقول: إنَّه متأكد من ذلك مقتنع به.
ولَمَّا أتم الولد تجربته الشخصية هذه استأنف الوالد حديثه فقال:
ليست هذه هي العلامة الوحيدة للانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرجولة.
قال الولد: وما هي العلامات الأخرى يا أبي؟ ...
قال الأب: إنَّ الطفل عندما يدخل مرحلة الرجولة، يغلظ صوته، وينبت الشعر في مغابن (1) جسده، وقد يحلم بالأعمال الجنسيَّة فيندفق منه ماء ثخين (2) ذو رائحة. وقد كنت أوصيت أمك أن تلاحظ ظهور هذه العلامات عليك، فهي بحكم مراقبتها لنظامك، وتولِّيها تنظيف ثياب نومك ترى آثار هذه العلامات عليك أكثر ممَّا يمكن أن أفطن أنا لها ...
قال نجيب: هل هذه كلُّ العلامات التي تفرِّق بين الطفولة والرجولة؟
قال الأب: قد تتأخَّر هذه العلامات عن مواعيدها وكثيرًا ما تتأخَّر ...
قال نجيب: إذا تأخَّرت هذه العلامات عن موعدها فكيف يعرف الإنسان أنَّه أصبح رجلاً؟
__________
(1) / مغابن: المغبن كلُّ مطويٍّ من الجسد، ويطلق على الإبط وعلى الرُّفغ.
(2) / ثخين: غليظ. (1/18)
صفحة 27
قال الأب: إذا تأخَّرت هذه العلامات عن موعدها تأتي العلامة التي لا يمكن أن تتأخَّر لحظة واحدة.
قال نجيب: وما هي يا أبي؟
قال الأب: الدخول في السنة الخامسة عشرة من العمر.
قال نجيب: وبهذه العلامة الأخيرة التي لا تتأخَّر أمسيتُ اليوم رجلاً!. وضحكت الأسرة ...
وأخذت الأمُّ إبريق الشاي فأفرغت منه لزوجها ولولدها ولنفسها، ثمَّ أزاحت عنها الموقد وجلست في مكانها ليستمرَّ سمر العائلة المسلمة ...
شعر نجيب أنَّه أصبح رجلاً بعد حديث أبيه، فاتَّخذ لنفسه سَمْتَ (1) الرجل الوقور. ثمَّ اتَّجه إلى أمِّه التي تنظر إليه في حبٍّ وفخار وقال: لقد حدَّثني أبي يا أمَّاه منذ هنيهة، وأوضح لي العلامات الفارقة بين الطفولة والرجولة، فما هو حديثك إليََّّ لو كنتُ بنتًا؟
تبسم الوالد من سؤال ولده الطريف، وتنهَّدت الأمُّ في حسرة وألم تظهر ما في نفسها من مرارة لحرمانها من بنت جميلة، تؤنس وَحْدَتَهَا، وتساعدها في عملها، وترث عنها خُلُقَهَا وجمالها، ثمَّ اعتَدَلَتْ في جِلْسَتَِها وقالت:
إنَّنا نساعد الرجال في جميع الأعباء التي يتحمَّلونها، وقد نحملها عنهم، ولكنَّهم لا يخفِّفون عنَّا من أعبائنا شيئًا!.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أمَّاه؟
قالت الأمُّ: لقد اعترف أبوك في حديثه السابق إليك بأنَّه يَكِلُ إليَّ جانبًا عظيمًا من ملاحظاتك والعناية بك.
قال نجيب: وهو ينظر إلى أبيه نظرةً ذات مغزى: ذلك ما صرَّح به أبي.
__________
(1) / السَّمْتُ: الهيئة الحسنة. (1/19)
صفحة 28
قالت الأمُّ: أنا على يقين - لو أنِّي رُزقت بنتًا - أنَّ أباك لن يهتمَّ مطلقًا بملاحظة نموِّها وانتقالها في مراحل العمر، كما كنتُ ألاحظك أنا ...
ووجد الأب نفسه مضطرًّا إلى الدفاع عن نفسه فقال:
إنَّ لكلِّ واحد من الأبوين مهامٌّ يجب أن يقوم بها حسبما هيَّأته حكمة الخالق، وواجبات الأسرة.
ولم تُعْنَ الأمُّ بالردِّ على زوجها، واسترسلت في حديثها قائلة:
ولذلك فعندما تتجاوز بنتي سنتها العاشرة أتَّجه إليها بالملاحظة والمراقبة، حتَّى أعرف مرحلة انتقالها من مرحلة الطفولة إلى المرحلة التي تصبح فيها امرأة تتعلَّق بها الحقوق والواجبات.
قال نجيب: وهل تكون للبنت علامات عندما تنتقل في مراحل العم
قالت الأمُّ: نعم يا ولدي! ينبت الشعر في مغابن جسدها، ويتكعَّب ثِدْيَاهَا (1) وينزل منها دم يسمَّى دم الحيض، وإذا تأخرت هذه العلامات فإنَّ الدخول في السنة الخامسة عشرة هي الحدُّ النهائيُّ الذي تصبح البنت بعده امرأة بالغة، لها كلُّ الحقوق وعليها جميع الواجبات ...
وصمتت الأمُّ كأنَّما رجعت بها الذكرى إلى حرمانها من فتاة، فتحرَّكت أشجانها (2)، وسبحت نظراتها رواء بعيد مجهول ...
واحترم نجيب هذا الصمت من أمِّه وعاد إلى أبيه يناقشه الحديث فقال: لقد أمرتني يا أبي منذ قليل بالاستحمام، ولم أَرَكَ قبلُ تكلِّفني بمثل هذا، ولا تهتمُّ بنظافتي، فهل لذلك من سبب؟
قال الأب: إنَّ هذا الاستحمام هو الفاصل بين حياتك طفلاً وحياتك رجلاً. والاستحمام حين يقع على هذه الطريقة يسمَّى غُسْلاً أو اغتسالاً. ولَمَّا كنت ولدًا مسلمًا رُبِّيتَ في بيت مسلم بين أبوين مسلمين،
__________
(1) / تَكَعَّبَ الثديَان: إذَا نَهَدَا وَأَشرَفَا.
(2) / الشجن: الهمُّ والحزن وهوى النفس. (1/20)
صفحة 29
وكنت قد اقتبستَ من دينهما وأخلاقهما شيئًا كثيرًا، رجوتُ أن تكون رجلاً مسلمًا. والإسلام دين لا يكلِّف الأطفال بالواجبات، وإن كان يثيبهم على ما يقومون به من أعمال الخير. ولكنَّه يطالب الرجال بالعمل منذ اللحظة الأولى.
ولَمَّا كنتُ أرجو أن تختار الإسلام دينًا لك بعد أن أصبحت رجلاً - وهو دين حريص جدًّا على الطهارة، فقد أحببت أن تدخله طاهرًا. والطريقة التي أوضحتها لك هي طريقة التطهُّر في الإسلام، ولا ينقض غسلك الذي قمتَ به إلاَّ النيَّة واستصحابها، والنيَّة ركن لا يقوم الغسل إلاَّ بها، بل هي شرط في صحَّة جميع الأعمال.
قال نجيب: لقد اخترت الإسلام دينا لي، فهل يجب عليَّ أن أعيد الغسل ما دام تنقصه النيَّة، وهي ركن لا يتمُّ الغسل إلاَّ به؟
قال الأب: إنَّ هذا قد يجب على مشرك أسلم، ولكنَّك يا بنيَّ لم تكن مشركًا نجسًا، ولكنَّك كنتَ طفلاً غير مكلَّف. وإنَّ أوَّل ما يجب عليك بالبلوغ ليس هو الغسل، وما أمرتك به إلاَّ ليكون هذا الطهر فاصلاً بين حياة غير مكلَّفة بواجبات، وحياة أخرى عامرة بالإيمان والعمل الصالح إن شاء الله. وبما أنَّني أريد أن أحدِّثك - في هذه اللحظات الحاسمة في تاريخك - عن أشياء مقدَّسة سوف يكون لها الأثر الأكبر في توجيه أعمالك في الحياة، فقد أحببت أن تكون على استعداد للاستماع إليها وفهمها وأنت طاهر البدن والروح ...
قال نجيب: إنِّي على كامل الاستعداد يا أبي ... فحدِّثني ...
قال الأب: هل فكَّرت يا بنيَّ قبل اليوم في الحياة؟ في هذا العالم الفسيح؟ في تناسقه وجماله؟ في استقراره ونظامه؟ (1/21)
صفحة 30
هل فكَّرت في الشمس والقمر؟ في الليل والنهار؟ في الكواكب والنجوم؟ في الظلمة والنور؟
هل فكَّرت في البرِّ والبحر؟ في التراب والماء؟
هل فكَّرت في هذه المخلوقات المختلفات الأشكال والألوان؟ في الرَّجُل والأسد؟ في النحلة والبعوضة؟ في أنواع النبات في مواسم الأزهار والأثمار؟ في فواكه الصيف وفواكه الشتاء؟
هل فكَّرت في هذه الموادِّ الكثيرة، التي يجدها الإنسان مبثوثة (1) على الأرض، فيصنع بها الإنسان أشياء كثيرة، نافعة وجميلة.
قال نجيب: لقد فكَّرت في ذلك كثيرًا يا أبي؛ ولطالما وقفت في الشرفة أتأمَّل مغرب الشمس أو مشرقها، ولطالما انطلقت بين الرياض أشمُّ عبير الأزهار، وأستنشق النسيم العليل في أصائل (2) الربيع، وأماسي (3) الصيف. وسَرَحْتُ بخيالي في عالم النجوم والأقمار وأُسائل نفسي عنها ...
إنَّ الشمس تطلع كلَّ يوم لا تتأخَّر، وإنَّ القمر يجري في نظامه الشهريِّ لا يتخلَّف، وإنَّ الفصول تأتي في موعدها، بِحَرِّهَا وبردها أو اعتدالها، لا يتأخَّر فصل إلى فصل، ولا يُستبدل طقس بطقس.
قال الأب: هل فكَّرت يا بنيَّ في الذي أوجد هذا النظام العجيب، ومهَّد هذه الحياة الحافلة بالحركة، وملأ هذا العالم الواسع الأرجاء بالمخلوقات، وضَمِنَ فيها الحياة لأقواها وأضعفها، فاستطاعت النملة الضعيفة والذبابة الواهنة، أن تكفل لنفسها الحياة، كما يعيش الأسد والفيل والجمل. واستطاعت النبتة الصغيرة أن تحيا بجانب الدوحة الكبيرة الباسقة؟.
__________
(1) / مبثوثة: منتشرة، ومنه قوله تعالى من سورة الغاشية: {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} (الآية: 16) أي مفروشة.
(2) / أصائل: جمع أصيل، وهو الوقت بين العصر والمغرب، أو العشيُّ.
(3) / أماسي: جمع أمسية. (1/22)
صفحة 31
قال نجيب: لقد عرفت ذلك يا أبي؛ فكثيرًا ما سمعتك تقول: إنَّ الله هو الذي خلق الكون وما فيه من حركة وسكون.
قال الأب: لقد كنتَ تأخذ ذلك عنِّي وأنت طفل، أمَّا الآن وقد أصبحت رجلاً مكلَّفًا، فإنَّه يجب أن تبني عقيدتك على تفكيرك، يجب أن يكون إيمانك مبنيًّا على يقين، وأن يكون هذا اليقين مبنيًّا على اقتناع عقليٍّ، وما الأسئلة التي وجَّهتها إليك، والمظاهر الطبيعيَّة التي عرضتها عليك، إلاَّ مفاتيح للإيمان بالخالق الأعظم ...
قال نجيب: وأيُّ عقل يا أبي يرى هذه الحقائق ولا يؤمن بأنَّ لها خالقًا أعظم؟ إنَّني ما رأيت سيَّارة جاثمة (1) في طريق إلاَّ علمت أنَّ صانعًا صنعها، وما رأيت طائرة سابحة في الفضاء إلاَّ وعلمت أنَّ فيها قائدًا يوجِّه سيرها، ويضبط طيرانها، فكيف بهذا العالم المشحون؟ ...
قال الأب: لقد وصلت إلى النقطة الثانية من حياتك الجديدة.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب: لقد صرت منذ دقائق رجلاً، وها أنت الآن تصير مؤمنًا.
قالت الأمُّ التي كانت تسمع حوارهما في صمت: وبدلاً من أن تكون هذه الليلة هي عيد ميلادك رجلاً فقط صارت عيد ميلادك مؤمنًا أيضًا. فهي لك عيدان لا عيد واحد؛ ولذلك فأنا أرجوك يا ولدي أن تبدأ منذ الآن تاريخ حياتك، وأن تكتب مذكِّراتك فتبدأها بتسجيل دخولك في مرحلة الرجولة، ثمَّ ما بعد ذلك من أعمال وأقوال، وتستمرُّ على ذلك طول حياتك، فتسجِّل كلَّ ليلة ما قمت به من أعمال، سواء لك أو عليك.
قال الولد وهو يرنو إلى أمِّه في حبٍّ وإعجاب: حسنًا يا أمَّاه، إنَّني
__________
(1) / جاثمة: متلبِّدة بالأرض لا تتحرَّك. (1/23)
صفحة 32
سوف أشتري مذكِّرة، ثمَّ أسجل فيها جميع أعمالي اليوميَّة.
قالت الأمُّ: لقد فكَّرت في ذلك يا بنيَّ؛ ولذلك فقد أحضرت لك مذكِّرة هي هديَّتي إليك في هذه المناسبة السعيدة. ثمَّ ناولته مذكِّرة جميلة كانت قد احتفظت بها طيلة السهرة.
فتلقَّاها منها نجيب في احترام، ثمَّ قام وطبع قبلة حارَّة على جبين أمِّه عبَّر بها عمَّا في نفسه من حبٍّ وإعزاز لها.
وقبل أن يجلس قال له أبوه: يكفي الليلة هذا القدر من السمر، فإنَّ وراءك أعمالاً مدرسيَّة يجب أن تنجزها قبل النوم، وفي الليلة القادمة سنستأنف سمرنا إن شاء الله.
وألقى الولد المؤدَّب تحيَّة المساء على أبويه ثمَّ انصرف. (1/24)
صفحة 33
الليلة الثانية
معرفة توحيد الله تعالى.
ما يجب في حقِّه وما يجوز وما يستحيل. (1/25)
صفحة 34
[صفحة بيضاء] (1/26)
صفحة 35
الليلة الثانية
مال الوالد بظهره إلى مسند الكرسيِّ المريح، ثمَّ التفت إلى زوجه الحبيبة وقال: ما رأيك لو أعددت لنا كوبًا من الشاي الأحمر الخفيف، فإنَّ حديثنا سيطول، وسمرنا الليلة سيمتدُّ.
قالت الزوجة: إنِّي على استعداد لإحضار كلِّ ما تطلبان .. فأنتما لا تزالان في عيدَيْ نجيب، ولدي الحبيب.
فضحك الولد وقال: إنَّهما أوَّل عيدين من أعياد ميلادي يمرَّان دون حفلة أو دعوة أصدقاء، وقد كنت قرَّرت أن أزيد في حفلة هذه السنة إطفاء الشموع كما رأيت عند بعض الأصدقاء فإذا الحفلة تلغى من أساسها!.
فقال الأب وهو يبدي نصف ابتسامة: لماذا تنسيان أنَّك في الليلة الأولى من ميلادك رجلاً وميلادك مؤمنًا، والليلة الأولى للميلاد تمرُّ دائمًا دون حفلة أو هديَّة. أمَّا إطفاء الشموع فهي عادة غربيَّة بعيدة عن الأسر المسلمة، ولا يستعملها إلاَّ أولئك المفتونون الذين يُعجبون بكلِّ ما يأتي من الغرب، فيقلِّدونهم حتَّى في أَتْفَهِ الأمور.
فقامت الأمُّ وهي ترنو (1) إلى زوجها، وتحدِّث ولدها قائلة: إنَّ أباك يا ولدي لا يريد أن يُغلَب في
__________
(1) / ترنو: تُديم النظر مع سكون الطرف. (1/27)
صفحة 36
نقاش. وبعد دقائق أقبلت وفي يدها إبريق من الشاي، أفرغت منه كوبا لكلِّ واحد منهم، فارتشف منه في تلذُّذ واستمتاع.
قال نجيب: لقد قلتَ لي يا أبي في آخر حديثنا البارحة إنَّني أصبحت مؤمنًا، فهل كنت غير ذلك من قبلُ؟
قال الأب: لقد كان إيمانك وكان عملُك، إيمانَ وعملَ طفلٍ صغير غيرِ مكلَّف؛ يثاب على الإحسان، ولا يؤاخذ على الإساءة. أمَّا الآن فقد أصبحت رجلاً مكلَّفا؛ ولذلك طلبت منك أن تعلن عن عقيدتك بملء حرِّيَّتك وإرادتك، وإن تكون هذه العقيدة مبنيَّة على ما وصلتَ إليه واقتنعت به، بعد تفكيرٍ واستعمالٍ للعقل، فلمَّا صرَّحت بأنَّك تؤمن بالخالق الأعظم للكون نتيجة لِمَا تراه من آثار الخلق والطبيعة، وأعلنتَ أنَّك اخترت الإسلام دينًا لك، علمت أن الله يسَّر لك الهداية والتوفيق، ولم يبق لك إلاَّ أشياء يسيرة يجب عليك أن تعرفها وتؤمن بها وتعمل بمقتضاها حتَّى يَتمَّ إسلامك. والحمد لله على هذه النعمة.
قال نجيب: إنَّني في شوق ولهفة إلى معرفة هذه النتائج يا أبي ..
قال الأب: لقد قلتَ يا بنيَّ: إنَّك تؤمن أنَّ لهذا الكون خالقًا أعظم، فماذا تعتقد فيه؟
قال نجيب: إنَّني لم أفكِّر في الخالق من قبل يا أبي ..
فتبسَّم الأب في سرور ثمَّ قال: حسنًا ما فعلت يا ولدي، إنَّ المؤمن لا يتفكَّر في الخالق، ولكن يتفكَّر في المخلوق، فإنَّ التفكير في المخلوق هو الطريق الصحيح إلى معرفة الخالق وصفاته وأفعاله.
قال نجيب - وهو يُجهِدُ نفسه ليفهم ما يرمي إليه الوالد المحبُّ المؤمن -: ماذا تعني يا أبي؟
قال الوالد: إنَّ الخالق أعظم من أن يدركه عقل الإنسان أو تصل (1/28)
صفحة 37
إليه حواسُّه؛ ولذلك فيجب عليه أن يتَّجه بتفكيره إلى المخلوق؛ لأنَّ المخلوقات هي الأثر الدالُّ على الخالق.
قال نجيب - وهو لا يزال يُجْهِدُ فكره، فقد صعب عليه فهم حديث أبيه -: إنَّني لم أتوصَّل إلى فهم الحقائق التي تشرحها لي يا أبي، فهل تضرب لي أمثلة ليتَّضح المعنى المقصود؟
قال الأب: إنَّ المخلوق محدود.
قال نجيب: ماذا تعني بكلمة "محدود" يا أبي؟
قال الأب: إنَّ المخلوق محدود بالعدم يا ولدي؛ فهو لم يكن موجودًا قبل أن يُخلق، وهو سوف يرجع إلى العدم - أي الفناء - في يوم ما ...
قال نجيب: نعم هذا صحيح فيما يظهر، ولكنِّي أريد له مزيدَ بيانٍ وإيضاح.
قال الأب: إنَّ مدينتنا (1) هذه قديمة فيما ترى؟
قال نجيب: نعم، فلقد قال لنا مدرِّس التاريخ: إنَّها تكوَّنت قبل ألفي سنة.
قال الأب: وهل تعتقد أنَّ هناك مدنًا أقدم منها؟
قال الولد: هذا أمر طبيعيٌّ.
قال الأب: وتعتقد أنَّ الأرض هي أقدم من جميع المدن التي بنيت عليها؟
قال الولد: هذا لا يحتاج إلى بحث ولا يحتمل الشكَّ.
قال الأب: هل تعتقد أنَّ الأرض سبقت الشمس إلى الوجود؟
قال نجيب: بل قرأت في بعض الكتب أنَّ الأرض هي التي انفصلت عن الشمس، فتكون الشمس أقدم من الأرض.
قال الأب: وهل تعتقد أنَّ الشمس مسبوقة بمخلوقات أخرى؟
قال نجيب بعد تفكير: هذا محتمل.
__________
(1) / أي مدينة "نالوت" الليبيَّة، وهي مدينة تقع شمال شرق ليبيا. (1/29)
صفحة 38
قال الأب: فأنت ترى أنَّ جميع هذه المخلوقات - وإن تفاوتت في القدم - فإنَّ لها بداية.
قال نجيب: هذا صحيح.
قال الأب وكذلك جميع المخلوقات التي لم نتحدَّث عنها - مهما كانت متغلغلة في القدم - فإنَّ لها بداية.
قال نجيب: ما دامت موصوفة بأنَّها مخلوقة فلا بدَّ أن تكون لها بداية، وبدايتها اليوم الذي خلقت فيه.
قال الأب: وهل ترى أنَّ هذه الأشياء، أو بعضها خالدة لا يتناولها الفناء؟
قال نجيب: بل أعتقد أنَّ جميع هذه الأشياء ستفنى، إن الشيء الذي أُوْجِدَ من العدم لا يستعصي على الفناء. (1)
قال الأب: فأنت ترى أنَّ جميع المخلوقات محدودة بالبداية والنهاية.
قال نجيب: هذا ما وصلنا إليه وتحقَّقناه.
قال الأب: وما دامت البداية والنهاية من صفات المخلوق فإنَّها لا تكون من صفات الخالق.
قال نجيب: أهذا ما تقصد بقولك: إنَّ المخلوق محدود؟
قال الأب: هذا بعض ما أقصد، فأنت تدرك الآن أنَّ جميع المخلوقات محدودة بالبداية والنهاية، أو بالأوليَّة والآخريَّة.
قال نجيب: نعم، وما هي الحدود الأخرى؟
قال الأب: هل تعرف القمر؟
__________
(1) / لا يستعصي على الفناء: أي لا يصعب فناؤه. (1/30)
صفحة 39
نظر نجيب إلى أبيه متفرِّسًا (1) ثمَّ قال: أنِّي أعرفه.
قال الأب: وكيف تعرفه؟
فكَّر الولد قليلاً ثمَّ قال: كما أراه.
قال الأب: وهذه حدود أخرى تتناول المخلوق.
قال نجيب: وما هي هذه الحدود؟
قال الأب: إنَّ ما يدخل في نطاق الرؤية أو التصوُّر أو التخيُّل لا بدَّ أن يكون محدودًا بالشكل واللون والحجم والزمان والمكان أو ببعضها.
وفكَّر نجيب لحظة لعلَّه يجد شيئًا يدخل في نطاق رؤيته أو تصوُّره أو خياله دون أن يخضع لهذه فلم يجد، فأجاب قائلاً: يظهر أنَّّ المخلوقات - حتَّى التي لا تُرى - لا بدَّ أن تكون محدودة بهذه الحدود أو بعضها.
قال الأب: وما دامت هذه الحدود من صفات المخلوق فإنَّه يستحيل أن تكون من صفات الخالق.
قال نجيب: يعني أنَّ الخالق قديم بلا بداية، باق بلا نهاية، منزَّه عن الشكل والحجم واللون، لا يحويه زمان؛ لأنَّه هو الذي خلق الأشكال والألوان والحجوم (2) والأزمنة والأمكنة.
قال الأب: لقد أحسنت تلخيصَ موضوعِ مناقشتِنا الماضية يا ولدي، ولو زدت فقلت: لا يشبه شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه لكان تلخيصُك للموضوع كاملا مستوفيا.
قال نجيب: لقد اعتقدت أنَّ نفي الحدود عنه تعالى كافٍ في نفي التشبيه.
قال الأب: هذا حسن، ولكن يجب أن تدرس كتاب الله الكريم،
__________
(1) / متفرِّسًا: مثبتًا النظر فيه.
(2) / جمع حَجْم. (1/31)
صفحة 40
وتكثر من التأمُّل فيه، وتجعل أساس توحيدك قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
قال نجيب: إنِّي حفظت الربع الأخير من كتاب الله، وهذه الآية الكريمة - من سورة الشورى - كثيرا ما كنت أتلوها ولكنِّي لم أفكِّر في معناها من قبل.
قال الأب: إنَّه لا شيء يملأ قلب الإنسان بالإيمان والاطمئنان مثل تدبُّر معاني القرآن الكريم.
قال نجيب: سوف أضع في مخطَّط عملي اليوميِّ حصَّة لتلاوة القرآن الكريم في تدبُّر وإمعان. ثمَّ التفت إلى أمِّه التي كانت جالسة تصغي إليهما في انتباه وقال: أراكِ لا تشاركيننا في الحديث يا أمَّاه.
قالت الأمُّ: أنتما يا ولدي تتحدَّثان عمَّا يدفع الإنسان إلى الإيمان بالخالق الأعظم، وأنا عجوز مؤمنة بربِّي إيمانا خالصا، والعلماء يا بنيَّ يضربون المثل بثبات إيمان العجائز، فليس هناك شيء يبعث الشكَّ أو الحيرة إلى قلبي.
قال نجيب ضاحكا: إنَّك ما زلت شابَّة يا أمَّاه! وسوف أدعو الله تبارك وتعالى في أعقاب (1) هذه الليلة أن يرزقك بنتا تملأ عليك فراغ وقتك، وتؤنس وحدتك، وتقتبس من إيمانك وخُلُقِكِ وعِلْمِكِ، وتكون لوالِدِي نِعْمَ البنتُ، ولي نِعْمَ الأختُ.
فارتفعت عينَا الأمِّ إلى السماء كأنَّها تبتهل إلى الله أن يستجيب دعوة ولدها البارِّ ... ثمَّ قالت: لقد تناولت مناقَشَتُكُمَا بعضَ صفات البارئ عزَّ وجلَّ، فهل تظنُّ أنَّ هذا [كُلُّ] ما يجب أن يعرفه المؤمن؟
قال نجيب: إنَّني أظنُّ ذلك، ولكنَّني في انتظار مزيد من المعلومات في مناقشتنا التالية:
__________
(1) / جمع عَقِب، وهو مؤخَّر القدم، ومنه قوله تعالى: {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} (الأنفال: 48). (1/32)
صفحة 41
قال الأب: لقد استنتجنا من أحاديثنا السابقة أنَّ الخالق الذي هو الله قديم باقٍ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، ولكنَّنا لم نذكر أنَّه موجود.
قال نجيب: ما دمنا آمنَّا أنَّه قديم وباق فلا بدَّ أن نؤمن بأنَّه موجود. ثمَّ من يستطيع أن ينكر وجود الله وهو يرى آثار وجوده في خلقه؟!.
قال الأب: أحسنت يا ولدي، ولكن يجب أن تعرف أنَّ وجوده لم يُسبق بِعَدَمٍ، ولا يلحقه فناء.
قال نجيب: هذا شيء بديهيٌّ، فلو سُبق بالعدم لكان مخلوقا، ولو لحقه الفناء لكان شبيها بالمخلوق، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرا.
قال الأب: أحسنت يا بنيَّ، إنَّك تفكِّر كفيلسوف مسلم!.
قال نجيب: ذلك بفضل الله وحسن إرشادك وتوجيهك يا أبي.
قال الأب: وكما يجب أن تعرف أنَّ الله موجود، يجب أن تعرف أنَّه واحد لا شريك له في ملكه.
قال نجيب: لو كان له شريك في الملك لظهر أثر الخلاف والنزاع على هذا العالم، ولو كان معه إله ثان لافتقر أحدهما إلى الثاني والافتقار إلى الغير لا يكون من صفات الخالق، أو لاستغنى القادر منهما عن العاجز، والعجز يستحيل أن يكون من صفات الله.
قال الأب: قلت من قبلُ: إنَّك تفكِّر تفكير فيلسوف مسلم، فإنَّ هذه النظريَّات (1) هي بعض ما يقوله علماء الإسلام عندما يقيمون الحجَّة على وحدانيَّة الله تعالى على المشكِّكين.
قالت الأمُّ وهي تبتسم: لماذا تتوجَّه دائما بحديثك إلى نجيب وتتناساني، هل تعتقد حقًّا إنِّي عجوز مؤمنه دون تفكير أو اقتناع؟
فأجاب الزوج: إنَّ كلمة "العجائز" ممَّا يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث؛ فهي تطلق على الطاعنين (2) في السنِّ من الجنسين، والعلماء حين ضربوا
__________
(1) / جمع "نظريَّة"، وهي القضيَّة التي تحتاج إلى برهان لإثبات صحَّتها.
(2) / طَعَنَ في السنِّ: شاخَ. (1/33)
صفحة 42
المثل بإيمان العجائز لم يقصدوا عجائز النساء دون الرجال، وإنَّما كانوا يقصدون أنَّ العجائز من الجنسين قد انتهى بهم العمر إلى مرحلة الاستقرار العقليِّ، وأنَّ عقائدهم أصبحت ثابتة راسخة لا يُخشى عليها ممَّا تثيره شبهات المشكِّكين أو الشاكِّين.
فقالت الأمُّ: أرأيت يا ولدي أنَّ أباك لا يريد أن يُغلب في نقاش فهو يلتمس لكلِّ حديث جوابا، كأنَّه يعلم كلَّ صغيرة وكبيرة في الحياة!.
قال نجيب: إنَّني فخور بكما يا أمَّاه!.
قال الأب - وهو متَّجه إلى ولده الذي كان على استعداد للسماع والفهم -: لقد وَصَفَتْنِي أمُّك بأنَّني أكاد أعلم بكلِّ صغيرة وكبيرة في الحياة، فهل توافقها على هذا الرأي؟.
قال الولد: حقًّا إنَّك واسع الاطِّلاع يا أبي، ما وجَّهت إليك سؤالا قطُّ فلم أجد عندك الجواب الشافي ولقد استمعت إليك كثيرا في أحاديثك مع الزوار فلم أَرَكَ تعيا بجواب أو تقف في مناقشة ....
قال الأب: لقد أحسنت يا ولدي في تعبيرك حين قلت إنَّني واسع الاطِّلاع، فإنَّ كلمة الاطِّلاع مناسبة جدًّا في وصف معارف الإنسان فهي تعني أنَّ الشخص يعرف الأشياء التي اطَّلع عليها، ويجهل الأشياء التي لم يُتَح له أن يطَّلع عليها؛ ومعنى هذا أنَّ علمه - مهما كان واسعا - محدود.
قال الولد: هذا طبيعيٌّ فيما يظهر؛ فإنَّه إذا كان الإنسان نفسُهُ محدودا فلا بدَّ أن تكون جميع صفاته محدودة، وبالنسبة إلى العلم فلا بدَّ أن تكون هناك أشياء كثيرة يجهلها.
قال الأب: ولماذا ترى أنَّ الإنسان تَخفَى عليه أشياء كثيرة؟
فكَّر نجيب مليًّا ثمَّ قال: خُلِقَ الإنسان في زمن من الأزمنة (1/34)
صفحة 43
بحواسَّ محدودةٍ، وهناك أشياء سبقته، فهو لا يعرفها، وهناك أشياء كثيرة ستحدث بعده، فهو أيضا لا يعرفها. أمَّا الأشياء التي كانت في زمانه فإنَّه يعرف منها ما اتَّصل بإحدى حواسِّه.
قال الأب: أحسنت يا ولدي، فلقد أجبت بعين الصواب؛ فإنَّ علم الإنسان مهما كان واسعا يسبقه جهل كثير، ويَعقُبُه جهل كثير، ويكْتَنِفُه (1) جهل كثير. ولكن ألا ترى أنَّه قد تكون هناك مخلوقات سمعتَ عنها أو لم تسمع عنها هي أطول أعمارا من الإنسان، وأكثر علما.
قال نجيب: هذا جائز، ولكنَّني أعتقد أنَّ الفرق بين علم الإنسان وعلم تلك المخلوقات في الكمِّ فقط، فقد يكون علمها أوسعَ، ومعارفُها أغزر، وأعمارُهَا أطولَ، إلاَّ أنَّها محدودة بالبداية والنهاية، والزمان والمكان، وجَهْلِ ما لم يُتَحْ لها الاطِّلاع عليه.
قال الأب: كأنَّك تريد أن تشير إلى الفرق بين علم الخالق وعلم المخلوق.
قال نجيب: يبدو لي يا أبي أنَّ معارف المخلوق لا تستحقُّ أن توصف بأنَّها علم إلاَّ على المجاز.
قال الأب: توصف معارف الإنسان بالعلم كما توصف الأشياء التي مرَّت عليها أزمنة طويلة بأنَّها قديمة، وكما توصف الأشياء المتينة التي تتحمَّل أعباء السنين، وتقاوم الاستهلاك لمدَّة أطول، بأنَّها باقية.
قال نجيب: وقد تحقَّقنا أنَّ المخلوقات الباقية مهما امتدَّ بها الزمن منتهية إلى الفناء، وأنَّ علم المخلوق مهما عظم واتَّسع محدود بالجهل في بدئه ونهايته، مكتنف به من جميع جهاته.
قال الأب: ومعنى هذا أنَّ الله سبحانه وتعالى قديم ليس له أوَّليَّة، باق ليس له آخريَّة، عليم بما كان وما يكون وما هو كائن، {عَالِمُ الْغَيْبِ
__________
(1) / يكْتَنِفُه جهل: أي يحيط به ويَغمُره. (1/35)
صفحة 44
لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الاَرْضِ وَلآَ أَصْغَرُ مِن ذَالِكَ وَلآَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 3].
وعلى هذا المثال جميع صفات الباري سبحانه وتعالى، من القدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر.
قالت الأمُّ: أي أنَّ صفات الباري عزَّ وجلَّ كاملة لا يعتريها نَقْصٌ، ولا تُشْبِهُ صفات المخلوقين؛ لأنَّها عَيْنُ ذَاتِهِ تعالى، ليست زائدة عن الذات، ولا قائمة بها، فهي موجودة بوجود ذاته تعالى، قديمة بقدمها، باقية ببقائها، كاملة بكمالها.
قال نجيب: أمَّا صفات المخلوقين فهي خارجة عن ذواتهم، تقوم بها أو تحلُّ فيها، فإنَّ المخلوق يكون عاجزا، حتَّى إذا استطاع أن يقوم بعملٍ وُصِفَ بالقدرة عليه، ويكون جاهلا فإذا عرف شيئا وُصِفَ بالعلم به، وهكذا بقية الصفات ...
قال الأب: إنَّ تفكيرك سديد يا ولدي، وقد انتهيتَ تقريبا إلى ما يجب عليك معرفته من صفات الله عزَّ وجلَّ. ومعنى الوصف له بهذه الصفات إنَّما هو نفي أضدادها، فالله تعالى حيٌّ ليس بميِّت، عالم ليس بجاهل، قادرٌ ليس بعاجز، مريدٌ ليس بِمُسْتَكْرَهٍ، متكلِّم ليس بأخرس، سميع ليس بأصمَّ، بصير ليس بأعمى، سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرا.
قالت الأمُّ - وكانت تسمع لهما في شغف ولذَّة -: لقد امتدَّ نقاشنا وبدأت السهرة تطول.
فقال الأب مستغربا سلوك زوجته التي قطعت عنه حديثه: أتستكثرين علينا ساعة من زمان نَأْوِي فيها إلى ربِّنا، ونتحدَّث بنعمته يا أمَّ نجيب؟
قالت الأمُّ: مَعَاذَ الله أن أستكثر حديثا في الإيمان والتوحيد مهما (1/36)
صفحة 45
طال، ولكنَّني أردت أن أثير سؤالا جديدا، فأنا فيما عرفت من مسيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوتِهِ للناس إلى الإسلام لم أعلم أنَّه كان يتعرَّض لمثل هذه الْمَبَاحِثِ والمناقشات، وإنَّما كان يدعو إلى جملة التوحيد، فإذا استجيب له قال لأصحابه رضوان الله عليهم: «فقِّهوا أخاكم في الدين، أو علِّموه الفرائض» (1).
قال الأب: إنَّ ما تقولين يا أمَّ نجيب صحيح؛ لأنَّ الناس في ذلك الحين لم يكونوا يتعرَّضون لِمَا يتعرَّض له الناس اليوم، وأنا أعرف أنَّ ولدك نجيب مُعَرَّضٌ في دراساته المقبلة ومطالعاته الحرَّة أن تُعرَضَ عليه عقائد وفلسفات شتَّى، كثير منها تُسانِدُ دياناتٍ باطلةً، أو تؤيِّد وَثَنِيَّات موجودةً، فأحببت أن يتفتَّح عقله على التفكير السليم، ويمتلئ قلبه بالعقيدة الصحيحة، حتَّى إذا عُرِضَت له الشُّبَهُ، ووُضعت بين يديه العقائد الخاطئة ناقشها بعقل نَيِّرٍ متمرِّن على التفكير السليم.
وقالت الأمُّ: كنت أتوقَّع أن تروي له قول بعض علماء الإسلام: «كلُّ ما خطر ببالك، فالله بخلاف ذلك» (2).
وقبل أن يجيب الأب قال نجيب: إنَّ هذا الأثر تعبير رائع يا أمَّاه عن عدم مشابهة الله للخلق وعدم مشابهة الخلق له عزَّ وجلَّ.
قالت الأمُّ: إنَّ علماء الإسلام يا ولدي، وهم يستضيئون بنور الله، قد استطاعوا أن يضعوا معالم على طريق الإيمان، لا يخطئها السالكون، وقد عبَّر بعضهم عن ذلك بقوله: «الطريق محفورة إلى الركبة، فلا يخرج منها إلاَّ بالوثبة» (3). وعندما تقرأ كتب أعلام الإسلام في مختلف عصوره فسوف تجد فيها من الروعة ومن المتعة الروحيَّة والعقليَّة ما لن تجده فيما يكتبه غيرهم من الناس ...
وكأنَّما شعرت الأمُّ أنَّها أخذت
__________
(1) / ورد أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للصحابة حين جاءه عمير بن وهب الجمحي - في قصَّة إسلامه -: «فقِّهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن». الطبراني في الكبير، رقم 118، 17/ 58. قال الهيثمي: روي بطريقين مرسلَيْنِ كلاهما بإسناد حسن. مجمع الزوائد، باب إخباره - صلى الله عليه وسلم - بالمغيبات، 8/ 285. والأحاديث في الحثِّ على طلب العلم وفي فضله أكثر من أن تحصى.
(2) / ينظر: ... أ- نور الدين السالمي في «أرجوزة التوحيد».
... ... ب- أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي في النونيَّة. وكذا شرح النونية للشيخ عبد العزيز الثميني، والشيخ محمَّد بن سليمان ابن ادْرِيسُو.
... ج- الحاج صالح لعلي في خلاصة المراقي، وفيها يقول:
وكلُّ ما صورته ببالك ... ... فالله جلَّ بخلاف ذلك.
فعلم كُنْهِ ذاته محال ... ... ... ممن سواه ولذاك قالوا
العجز عن إدراكه إدراك ... ... والخوض في إدراكه إشراك
(3) / قاله الشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي في "قناطر الخيرات". (1/37)
صفحة 46
الحديث عن زوجها فالتفتت إليه قائلة: ألست ترى ذلك يا أبا نجيب؟
قال الأب: إنَّ الأبوين المسلمين لا يختلفان في الرأي، لا سيما إذا كان هذا الرأي يتعلَّق بحقائق أثبتها التاريخ، وقام عليها البرهان في كلِّ مكتبة. لقد صدقت أمُّك يا نجيب في حديثها عن أعلام الإسلام؛ وفي مكتبتي طائفة من الكتب تستطيع أن تجد ما يفتح لك آفاق المعرفة، ويوصلك إلى الحقِّ.
قال نجيب: إنَّني سوف أخصِّص في مطالعاتي الحرَّة للكتب الإسلاميَّة، فهل تساعدني يا أبي على ذلك؟.
قالت الأمُّ: إنَّ توجيهك في هذه السنِّ - ولو أنَّك أصبحت رجلا - من صميم عملي، لا سيما وأبوك كثير الأشغال، لا يجد فراغا من الوقت إلاَّ في اللحظات القصيرة التي يخصِّصها للاستراحة من عناء مجهود متواصل. ومنذ الغد سوف أضع بين يديك كشفا يحتوي على الكتب الإسلاميَّة التي تناسب سنَّك وثقافتك، ويحسن بك أن تطالعها. وما لم يكن منها موجودا في مكتبة أبيك أعمل على جلبه من المكتبات.
قال نجيب: شكر الله لك يا أمَّاه، وبارك فيك.
قال الأب: يحسن أن ننهي سمرنا هنا، فقد طال بنا الحديث.
فقام نجيب بعد أن دعا لأبويه بالصحَّة والعافية والسلامة، ثمَّ ذهب إلى حجرة نومه. (1/38)
صفحة 47
[صفحة بها بقية الهوامش] (1/39)
صفحة 48
[صفحة بيضاء] (1/40)
صفحة 49
الليلة الثالثة
ما يجب أن يُعتقَد في الله.
قيام الحجَّة السماعيَّة.
الإيمان بالأنبياء الرسل والكتب المنزَّلة.
حكم دماء وأموال المسلمين والمشركين. (1/41)
صفحة 50
[صفحة بيضاء] (1/42)
صفحة 51
الليلة الثالثة
اجتمعت الأسرة الثلاثيَّة بعد صلاة العشاء، ووضعت الأمُّ أمامها إبريق الشاي على موقد النار. وافتتح نجيب الحديث فقال: إنَّني لا أستطيع مهما حرصت أن أقوم بحقِّكما عليَّ أيُّها الوالدان العزيزان.
قال الأب: إِنَّ للوالدين حقوقا عظيمة يا ولدي؛ فإنَّ الله تبارك وتعالى جعل الإحسان إليهما في الدرجة الثانية بعد طاعته وعبادته فقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلآَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]. ولكنَّنا سنؤجل الحديث عن هذا الموضوع حتَّى يكون سمرنا في الحقوق، أمَّا الآن فَإِنَّ لنا أحاديث قد تكون أهمَّ بالنسبة إليك.
قال نجيب: تعني معرفة مسائل التوحيد.
قال الأب: ذلك ما أعنيه، فإنَّه أوَّل واجب على المكلَّف.
قال نجيب: هل تذكر لي في إيجاز ما يجب عليَّ في معرفة الله جلَّ وعلا.
قال الأب: يُعرَف الله تعالى بثلاثة: واجب وجائز ومستحيل.
فالواجب أن تؤمن إيمانا خالصا أنَّه لا اله إلاَّ الله الواحد الأوحد، لا شريك له في ملكه، موجود بغير مشاهدة، قديم بلا بداية، باق بلا (1/43)
صفحة 52
نهاية، حيٌّ قيُّوم، عالم بما كان وما يكون وما هو كائن، قادر مريد سميع بصير متكلِّم، صادق في وعده ووعيده، عادل في حكمه وقضائه، {هُوَ الاَوَّلُ وَالاَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]. وأن تجعل ذلك عقيدة راسخة في قلبك، وتنطق بها بلسانك.
وأمَّا المستحيل فأن تؤمن أنَّه يستحيل في حقِّه تعالى الحدوث والعدم والفناء والتغيُّر والعجز، وحلول الأزمنة والأمكنة، والشريك والمعاون، والزوجة والولد، ومشابهة الخلق في ذات أو صفة أو فعل، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا.
وأمَّا الجائز في حقِّه تعالى فَصِفَاتُ الفعل، كإرسال الرسل وإنزال الكتب، والتوسعة والتضييق في الرزق، وخلق المخلوقات في أوقاتها المقدَّرة في علمه تعالى.
قالت الأمُّ: يقول أبو زكرياء يحيى بن أبي الخير الجنَّاوني (1) ما يأتي: «يُعرَف الله بثلاثة: واجب وجائز ومستحيل فالواجب: الألوهيَّة والربوبيَّة والوحدانيَّة. والجائز: الخلق والإفناء والإعادة. والمستحيل: الشريك والصاحبة والولد» (2).
قال الأب: إنَّ أبا زكرياء الجنَّاوني وضع كتابه للمبتدئين؛ ولذلك فقد سلك فيه مسلك الإيجاز والاختصار مع وضوح العبارة ودقَّتها، وهو من خير الكتب التي يجب أن يقرأها طلاَّب المدارس في المرحلة الإعداديَّة.
قالت الأمُّ: لقد تناولنا بالحديث في سمرنا ما يتعلَّق بمعرفة الله، ولكنَّ الإنسان لا يكون بذلك فقط مسلما.
قال نجيب: وماذا بقى يا أمَّاه؟.
__________
(1) / أبو زكرياء يحيى بن أبي الخير الجناوني (ق5/ 11هـ) من قرية إِجَنَّاوَنْ بليبيا. له:
أ- كتاب "الوضع، مختصر في الأصول والوضع"، حقَّقه العلامة الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش.
ب- كتاب عقيدة نفوسة. للتوسُّع ينظر: التعريف بكتاب الوضع ومؤلفه رحمه الله، ونبذة من تاريخ نفوسة في "كتاب الوضع"، ص3.
(2) / القول ليس لأبي زكرياء؛ لأنه قال: «وقد قيل: يعرف الله ... ». ينظر: كتاب الوضع، ص31 - 32. (1/44)
صفحة 53
قالت الأمُّ: لقد قلتَ لوالدك أنَّك اخترت لك الإسلام دينا.
قال نجيب: ذلك ما أنا مؤمن به يا أمَّاه.
قالت الأمُّ: إذن يجب عليك أن تُقِرَّ (1) بالجملة التي يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال نجيب: وما هي هذه الجملة؟
قالت الأمُّ: أن تشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، وأنَّ ما جاء به حقٌّ من عند الله.
فتبسم نجيب وأعاد كلمة الشهادة.
قال الأب: إنَّ الإيمان وحده بهذه الجملة لا يفيد.
قال نجيب: فماذا بقي إذن يا أبي؟.
قال الأب: بعد أن آمنت بالجملة التي يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجب أن تُقِرَّ بها وبعد أن تُقِرَّ بها يجب أن تعرف ما تتضمَّنه، وبعد أن تعرف ما تتضمَّنه يجب أن تعمل بما عرفتَ، وحينئذ تكون مسلما حقًّا.
قال نجيب وهو يحاول أن يستوعب كلام أبيه: لا زلت لم أفهم كلَّ ما ترمي إليه يا أبي.
قال الأب: إنَّ كلمة الشهادة تشتمل على ثلاثة أركان هي الأسس التي انبنى عليها الإسلام.
الأساس الأوَّل: هو شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وهذا الركن يشتمل على جميع ما يوصل إلى معرفة توحيد الله. وأغلب أسمارنا السابقة كانت في هذا الركن.
الأساس الثاني: هو شهادة أنَّ محمَّدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال نجيب: وهل يجب الإيمان برسالة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - على الفور بعد البلوغ مباشرة كالإيمان بالله؟.
__________
(1) / تُقِرُّ: تُذعِنُ وتعترف. (1/45)
صفحة 54
قال الأب: إنَّ الذي يؤمن بالله ولا يؤمن برسالة محمَّد لا يعتبر مؤمنا، فالإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - واجب عند أوَّل البلوغ كالإيمان بالله.
قالت الأمُّ: غير أن هنالك فرقا بين وجوب الإيمان بالله ووجوب الإيمان برسالة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -.
وانتبه الأبوان من الشرود (1) الذي كانا فيه فقال الأب: هذه الجملة هي الفارق بين الإسلام والشرك فمن أقر بها فقد عصم (2) دمه وماله وأهله، ومن أنكرها حل قتاله وغنيمة أمواله وسبي (3) نسائه وأطفاله.
قال نجيب: هل يكتسب الإنسان هذه الحصانة بمجرَّد النطق بالشهادة مهما ارتكب من أعمال؟
قال الأب: إنَّ الإنسان إذا أقرَّ بكلمة التوحيد حَرُمَ سَفْكُ (4) دمه وأخذ ماله وسَبْيُ نسائه وأطفاله بما معه من التوحيد. أمَّا العيال والأطفال فلا يحلُّ سَبْيُهُمَا بعد الشهادة أبدًا. وأمَّا المال فإنَّه لا يجوز أخذه أبدا إلاَّ إذا كان سلاحا يَعتدِي به على المسلمين، ويقطع عليهم به الطرقات، فإنَّه حينئذ يجوز أخذه وإتلافه لإيقاف البغي وقطع المضرَّة والعدوان عن الناس.
وأمَّا سفك الدم فقد يحلُّ لأسباب بيَّنها الشرع الكريم، وقد أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بعضها بقوله: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها فقد حقنوا منِّي دماءَهم وأموالهم إلاَّ بحقِّها، قيل: ما حقُّها يا رسول الله؟ قال: كُفرٌ بعد إيمان، وزِنًى بعد إحصان، وقتل النفس التي حرم الله». (5)
قالت الأمُّ: وعلى المسلم أن يعلم أنَّ سفك دماء المسلمين حرام بما معهم من التوحيد، ولو كانوا مبتدعين أو مخطئين بالتأويل.
قال نجيب: إذن وعليه أن يعرف أنَّ دماء المشركين حلال لكفرهم بالله وصدِّهم عن سبيله.
__________
(1) / الشرود: النفور أو الخروج بالذهن.
(2) / عصم: منع وحفظ.
(3) / سبي: أسر، والغالب تخصيص الأسر بالرجال والسبي بالنساء والأطفال.
(4) / السَّفْكُ: الصبُّ والإهراق.
(5) / رواه الطبراني في الأوسط بلفظ: «عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّها، قيل: وما حقُّها؟ قال: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس فيقتل به». رقم 3221، 3/ 300.
والرواية الصحيحة المشهورة بدون زيادة السؤال وجوابه. رواها الربيع والبخاري ومسلم والترمذيُّ وغيرهم. ينظر: الربيع: الجامع الصحيح، كِتَاب الْجِهَادِِ، بَابُ جَامِعِ الْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، رقم 464، ص188. البخاري: الصحيح، كتاب الإيمان، باب {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم} [التوبة: 5]، رقم 25، 1/ 17. مسلم: الصحيح، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتَّى يقولوا: لا إله إلا الله ... ، رقم20، 1/ 51. الترمذي: السنن، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الغاشية، 3341، 5/ 439. (1/46)
صفحة 55
قال الأب: نعم يجب عليه أن يعرف ذلك، ولكن ليس معنى هذا أن يقوم الفرد المسلم بالفوضى في البلاد وينشر فيها الفساد فيقتل الأفراد ويأخذ أموالهم بدعوى أنهم مشركون.
قال نجيب: أرجو أن توضِّحي لي هذا الفرق يا أمَّاه.
قالت الأمُّ: الأفضل أن يتولَّى ذلك أبوك، أمَّا أنا فسأقدِّم لكما كوبًا من الشاي الساخن ليبعث فيكما مزيدا من النشاط والحيويَّة.
قال الأب: لقد صدقت أمُّك في ملاحظتها هذه يا ولدي، والفرق الذي تشير إليه أنَّ الحجَّة على الإيمان بالله تقوم بالعقل ولو لم تقم بالسماع، ويكفي أن يتفكَّر الإنسان في العالم حتَّى يعرف أنَّه مخلوق وأنَّ له خالقا؛ ولذلك يُطلب من المكلَّف أن يؤمن بالله من أوَّل البلوغ ولو لم تبلغه دعوة الأنبياء عليهم السلام. أمَّا الإيمان برسالة محمَّد فالحجَّة عليها لا تقوم إلاَّ بالسماع، فإذا سمع المكلَّف بها وجب أن يؤمن، أمَّا إذا لم تبلغه الدعوة ولم يسمع بمحمَّد ورسالته فهو معذور. ومثلك يا ولدي من الشباب الناشئ في بلد مسلم وأسرة مسلمة لا بدَّ أن يكون سمع برسالة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -؛ ولذلك فهو مطالب أن يشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وأنَّ ما جاء به حقٌّ من عند الله، منذ اللحظة الأولى من البلوغ، ولا يجوز له أن يؤخِّر الإيمان بالرسالة عن الإيمان بالله بعد قيام الحجَّة؛ لأنَّ الدعوة قد بلغته.
قال نجيب: صحيح يا أبي، إنَّ الدعوة إلى الإسلام قد بلغت كلَّ أطراف الأرض، وسمع بها جميع الأطفال الذين نشأوا في بلدان إسلاميَّة؛ وبذلك تكون الحجَّة قد قامت عليهم بالسماع؛ فكيف يكون الإيمان بمحمَّد - صلى الله عليه وسلم -؟
قال الأب: إنَّ الإيمان بمحمَّد يكون الركن الثاني من كلمة التوحيد كما سبق في أوَّل هذا السمر. (1/47)
صفحة 56
قال نجيب: إنَّ أقلَّ ما يجب أن يعرفه المسلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشميُّ القرشيُّ العربيُّ. اختاره الله رسولا إلى الكافَّة، وختم به الأنبياء والمرسلين، وأنزل عليه القرآن الكريم بطريقة الوحي، وجعل الدين الذي جاء به - وهو الإسلام - آخِرَ الأديان.
قالت الأمُّ: ولِتَمَامِ معرفة نسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجب أن يعرف المسلم أمَّه آمنة بنت وهب، ومرضعته حليمة السعديَّة.
قال نجيب: لقد حفظتُ نسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعضا من سيرته في المدرسة، وعلمتُ أنَّه تزوَّج خديجة، فأنجبت له القاسم وعبد الله من الذكور ورقيَّة وزينب وأمَّ كلثوم وفاطمة. أمَّا إبراهيم فأمُّه مارية القبطيَّة. وقد تُوُفِّي أولاده كلُّهم قَبْلَهُ - صلى الله عليه وسلم - ما عدا فاطمة الزهراء، فإنَّها عاشت بعده ستَّة شهور فقط. ونزل عليه الوحي في غار حراء، وبُعِثَ بمكَّة، وهاجر إلى المدينة، وتوفِّي بها، ودفن في حجرة زوجه أمِّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه.
قال الأب: إنَّني أعرف أنَّ المنهج الدراسي يشتمل على السيرة النبويَّة.
قال نجيب: وهل بقي شيء لا يتمُّ الإيمان إلاَّ به فيما يتعلَّق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
قال الأب: بقي الإيمان والإقرار بأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلَّغ ما أُمر به، ونصح لأمَّته، وَعَبَدَ اللهَ حتَّى أتاه اليقين.
قالت الأمُّ: إنَّ المسلم يجب أن يعرف رسول الله بثلاثة.
قال نجيب: وما هي يا أمَّاه؟
قالت الأمُّ: واجب وجائز ومستحيل. فالواجب في حقِّ الرسول: الصدق والأمانة والتبليغ. والجائز: النوم والغلط والنسيان. (1/48)
صفحة 57
والمستحيل: الكذب والغشُّ والخيانة.
قال نجيب: وهل هذا خاصٌّ بسيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم -؟
قالت الأمُّ: بل هذا ما يعرف به جميع الرسل عليهم السلام فيجب في حقِّهم الوصف بمكارم الأخلاق، ويستحيل في حقِّهم رذائل الأخلاق، ويجوز في حقِّهم ما هو من طبع البشر كالأكل واتِّخاذ الأزواج والذُّرِّيَّة والمشي في الأسواق، وما إلى ذلك.
قال الأب: أيَّتها الزوجة الفيلسوفة! لقد وضعت أمامنا إبريق الشاي على الموقد من أوَّل الجلسة ثمَّ تشاغلت عنَّا بالمناقشة والحوار، وإنِّي أخشى أن تكون النار قد انطفأت وأن يكون الشاي قد برد.
قالت الأمُّ: إنَّني لم أتشاغل عنكما ولا عن الشاي كما ظننتَ، ولكن يظهر أنَّك خشيت أن نستمرَّ نحن في النقاش فيستولي عليك السأم ثمَّ النعاس!.
قال الأب: سامحك الله أيَّتها الزوجة الصالحة، إنَّ المرأة لا يمكن أن تحسن الظنَّ أبدًا!.
قال نجيب: الحقُّ إنَّ متعة النقاش أنستني الشاي.
وأخذت الأمُّ الإبريق فملأت ثلاثة أكواب، أعطت منها لزوجها وولدها وأخذت لنفسها. وارتشف الزوج الرشفة الأولى ثمَّ اتَّجه إلى زوجه وقال لها: سلمت يداك، إنَّ ما تقولينه وما تصنعينه جميعا ممتع وشيِّق.
قالت الزوجة: صدَّق الله قولك، وحقَّق ظنَّك، وأقدرني على إرضائك. ثمَّ جمعت آلة الشاي وخرجت بها.
وانتظر نجيب حتَّى عادت أمُّه فقال: لقد بَعَثَ فِيَ الشاي نشاطا جديدا واستعدادًا للتلقِّي والفهم.
ولكنَّ أحد الأبوين لم يَرُدَّ عليه. ونظر (1/49)
صفحة 58
إليهما الواحد بعد الآخر فإذا بهما يَسْبَحَانِ وراء خيال بعيد. واحترم صمتهما لدقائق، ولكنَّه لم يصبر فمال بجسمه الصغير إلى الأمام وقال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، وأشهد أنَّ ما جاء به حقٌّ من عند الله.
قال نجيب: إذن ما معنى أنَّ دم المشركين حلال ما دام المسلم لا يجوز له قَتْلُ أيِّ مشرك أمكنه القضاء عليه؟.
قال الأب: إنَّ الدولة المسلمة (1) مأمورة بالدعوة إلى الإسلام وصيانة هذه الدعوة وإقامة نظام الإسلام في الحكم وسيادته على الأرض فإذا قام المشركون بمعارضة الدعوة والصد عن سبيل الله والطعن في النظام الإسلامي وجب على الدولة المسلمة أن تحاربهم وأن تقتل من اعترض طريقها منهم وجائز لها أن تغنم أمواله وتسبي أهله وأطفاله.
قالت الأمُّ: إنَّ الأحكام التي تتعلَّق بالدماء لا يقوم بها الأفراد، وإنَّما تقوم بها الدولة المسلمة المحافظة على دين الله.
قال نجيب: وما الفرق بين أن تقتل الدولة أو يقتل الفرد؟
قال الأب: الفرق كبير جدًّا، إنَّ الأعمال التي تقوم بها الدولة لحماية الدعوة هي إقرار للنظام، وتثبيت لدعائمه، أمَّا قتل فرد لفرد بأيِّ طريقة فهي عدوانٌ، وإشاعةٌ للفوضى، وجريمةٌ يستحقُّ الفردُ العقابَ عليها.
قالت الأمُّ: والإسلام لم يجعل بيد الفرد سلطة العقوبة، وإنَّما أوجب عليه أن يكون داعية خير وأَمْنٍ وسلام.
قال الأب: إنَّ الإسلام دين يكفل الحياة الحرَّة الكريمة لجميع الناس ما داموا محافظين على الأمن والنظام، فإذا وقع عدوان على النظام الذي وضعه الإسلام من فرد أو جماعة فإنَّ الإسلام يقرُّ عقوبة الجاني أو الجناة، ولكنَّه لم يترك ذلك إلى الفرد العادي ليرعاه، وإنَّما أناط حماية الدعوة
__________
(1) / يجب على المسلم أن يعتقد أنَّ الإسلام دين ودولة، وأنَّ ما يدعوه أعداء الإسلام لائكيَّة، أو "لا دينية" يعني إنشاء حكم يبعد الدين ويطرحه أرضا. وقد أفتى العلماء المحقِّقون بشأن أصحاب هذا الاعتقاد وقالوا: إنَّهم كفَّار، ومن مات منهم على ذلك دخل النار وخلد فيها. (1/50)
صفحة 59
وحفظ الأمن ومحاربة العدوِّ إلى الدولة المسلمة أو الجماعة المسلمة، دون استهتار بالحقوق البشريَّة التي أعطاها الخالق لأفراد الإنسان وجماعاته.
قال نجيب: يظهر من هذا أنَّ الإسلام حريص على دماء الكفَّار مثلما هو حريص على دماء المسلمين.
قال الأب: إنَّ الله حين خلق الإنسان وجعله خليفة له على الأرض، يعلم أنَّه سيكون من الناس كَفَرَةٌ وظالمون، ولو شاء لَمَا خلقهم، أو لأَهلَكَهُم؛ ولكنَّه لحكمة الابتلاء تركهم، ولم يجعل من واجب المسلمين ولا من الطاعة قَتْلَ الكفَّار والمشركين، اللهمَّ إلاَّ في حالة واحدة، وذلك حين يعترضون دعوة الإيمان أن تنتشر في الأرض، أو يعوقون المؤمنين عن القيام برسالتهم المقدَّسة. أمَّا اعتداء الفرد المسلم على الفرد المشرك دون سبب فهذا يخالف حكمة الله من خلق الناس واستفادتهم بعض من بعض.
قال نجيب: إنَّ هذا الموضوع لا يزال غير واضح في ذهني.
قال الأب: دع الحديث عن هذا الموضوع إلى سمر مقبل حين نتكلَّم عن أحكام الملل الموجودة على الأرض، وحُكْمِ الله فيها، أمَّا الآن فإنِّي أحسُّ بإرهاق وتعب أحتاج معهما إلى قليل من الراحة.
قال نجيب: إنِّي اعتذر إذ لم أَلْمَحْ ذلك عليك، وأتركك تستريح.
ثمَّ ألقى تحيَّة المساء على أبويه وغادر حجرة السمر إلى حجرة النوم. (1/51)
صفحة 60
[صفحة بيضاء] (1/52)
صفحة 61
الليلة الرابعة
رسالة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -.
الإيمان بالأنبياء والرسل والكتب والملائكة، وبالموت والبعث والحساب والثواب والعقاب.
الوحي. (1/53)
صفحة 62
[صفحة بيضاء] (1/54)
صفحة 63
الليلة الرابعة
كان نجيب آخر من دخل إلى حجرة الاجتماع. فوجد أبويه يتحدَّثان عن الحالة المادِّيَّة للأسرة، وعن دخل الأب ونفقة البيت. فسلَّم وجلس، وكان يودُّ أن يعرف شيئا عن أحوالهما الماليَّة، فإنَّه لم يسمع منهما شَكاةً طوال عمره القصير، ولم ير منهما إلاَّ ما ينبئ عن الرضا والقناعة، ولم يَجْرِ على لسانيهما إلاَّ الحمد لله على النعمة.
فلمَّا اطمأن به المجلس قال: يبدو أنَّ سمرنا الليلة سيتناول موضوعا جديدا، هو الجانب المادِّيُّ من حياة الأسرة.
فالتفتت إليه الأمُّ قائلة: لماذا تتعجَّل الحديث عن المادَّة يا بنيَّ؟ نحن لم نستوعب الحديث عن الروح، أعني أنَّنا لم نستوعب النقاش عمَّا يتعلَّق بالعقيدة والدين، فلقد منَّ الله عليك يا ولدي بنعمة الحياة، ورزقك العقل السليم في الجسم السليم، حتَّى بلغت سنَّ الرشد، ودخلت مرحلة الرجولة، وإنَّ أوكَدَ ما تهتمُّ له الآن، وتشغل به نفسك، إنَّما هو شكر الله على نعمته عليك، وشكر الله على نعمته لا يتأتَّى إلاَّ بالإيمان به، ومعرفة طرق عبادته، والعمل بما يرضيه. ولقد حدَّثك أبوك في الأسمار السابقة عن ركيزتين من ركائز الإيمان، ولا يزال السمر لم يتناول الركيزة الثالثة. (1/55)
صفحة 64
قال نجيب: تَعْنِينَ يا أمَّاه الإيمان برسالة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -؟
قالت الأمُّ: نعم، أعني الإيمان برسالة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وهي الجزء الثالث، أو الركن الثالث، أو الركيزة الثالثة التي لا يتمُّ الإيمان إلاَّ بها، فإن الإنسان الذي يؤمن بالله ويصدِّق بمحمَّد، ولكنَّه يكذِّب بما جاء به محمَّد هو مشرك أيضا. فالإيمان بالله والتصديق برسالته وأنَّها الحقُّ من الله هي الركائز الثلاث التي لا يقوم الإيمان إلاَّ عليها، ومن أخلَّ (1) بواحدة منها بقي على الشرك.
قال نجيب: فعلى ماذا تشتمل رسالة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -؟
قال الأب: بالإضافة إلى الإيمان بالله ومعرفة توحيده، وإلى معرفة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - والإيمان بأنَّه نبيُّ الله ورسوله، وأنَّه خاتم النبيِّين والمرسلين، فإنَّه يجب الإيمان بحقائق أخرى تشتمل عليها رسالة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، كما تشتمل على الحقائق السابقة.
قال نجيب: ما هي هذه الحقائق يا أبي؟
قال الأب: أن تؤمن بأنَّ الموت حقٌّ.
قال نجيب: وهل يوجد من يكذِّب بالموت؟ إنَّها الحقيقة الظاهرة التي نشاهدها كلَّ يوم، وهذه الحقيقة يجب أن يؤمن بها الناس ولو لم يدْعُ إليها الأنبياء عليهم السلام.
قال الأب: إنَّ دين الله يا بنيَّ لم يطلب من الناس إلاَّ الإيمان بالحقائق.
قال نجيب: ما هي الحقائق الأخرى يا أبي؟
قال الأب: بناء على الحقائق السابقة ألاَ تستنتج شيئا أيُّها الولد الذكيُّ؟
قال نجيب: في إمكاني أن أستنتج، وإن كنت لا أجزم بصحَّة استنتاجاتي.
__________
(1) / أَخَلَّ: تَرَكَ، أَوْ أَوْقَعَ بِهَا خَلَلاً. (1/56)
صفحة 65
قال الأب: هات ما وصلت إليه من استنتاج.
قال نجيب بعد تفكير: إنَّ الناس ينتهون إلى الموت طالت أعمارهم أو قصرت دون أن ينالوا جزاء ما قدَّموه من خير أو شرٍّ.
قال الأب: وماذا أيضا؟
قال نجيب: أعتقد أنَّ الناس لم يُخلَقوا سُدًى (1)؛ فكلُّ عمل لا بدَّ أن يكون له جزاء يناسبه.
قال الأب: حسنا، وماذا تبني على ذلك؟
قال نجيب: لقد لاحظت أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يجازي الناس على أعمالهم كلَّ الجزاء في الحياة الدنيا.
قال الأب: وكيف لاحظت هذا؟
قال نجيب: رأيت كثيرا من المشركين والأشرار والظَّلَمة يعيشون في هذه الدنيا عيشة راضية لا يظهر فيها انتقام الله منهم.
قال الأب: هذا صحيح، ثمَّ ماذا؟
قال نجيب: ورأيت كثيرا من الأخيار والصالحين يُبتَلَوْنَ بأنواع من البلاء، ولا يظهر جزاء الله لهم على أعمالهم الخيِّرة.
قال الأب: وماذا تستنتج من هذه المقدِّمات الكثيرة؟
قال نجيب: أستنتج منها أنَّ الحياة دار عمل فقط، أمَّا دار الجزاء فتكون بعد الموت، وفيها يجازى الناس على قدر أعمالهم من خير أو شرٍّ.
قالت الأمُّ: ولكن كيف ينال الناس جزاءهم على أعمالهم وهم قد ماتوا؟
قال نجيب: يبعثهم الله بعد الموت، فيحاسبهم على أعمالهم ويجازيهم عنها، والله الذي خلقهم من العدم قادر أن يبعث فيهم الحياة من جديد.
__________
(1) / سُدًى: مهمَلا. (1/57)
صفحة 66
قال الأب: ذلك هو حقيقة ما تدعو إليه الأديانُ [السماويَّةُ] جميعُها. وممَّا اشتملت عليه الركيزة الثالثة من كلمة الشهادة التي يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعرف المسلم أنَّ جميع المخلوقات سوف تفنى، وأنَّ الناس جميعا سوف يموتون، وبعد أن تنتهي الحياة على الدنيا يبعث الله الناس من جديد، فيحاسبهم على أعمالهم في الدنيا، ويجازي المؤمنين المحسنين بالخلود في الجنَّة ويجازي المشركين والكافرين بالخلود في جهنَّم.
قالت الأمُّ: أنت تقرأ التشهُّد كلَّ صلاة.
قال نجيب: نعم، إنِّي أقرأ التشهُّد في الصلاة الرباعيَّة والثلاثيَّة مرَّتين وأقرأ في الصلاة الثنائيَّة مرَّة واحدة.
قالت الأمُّ: وتقرأ في آخره الجملَ الآتية: أشهد أنَّ الموت حقٌّ، وأنَّ البعث حقٌّ، وأنَّ الحساب حقٌّ، وأنَّ الجنَّة حقٌّ، وأنَّ النار حقٌّ، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث من في القبور.
قال نجيب: نعم، إنَّني أقرأ هذه الجمل في التشهُّد الأخير من كلِّ صلاة، فريضةً كانت أو سنَّة أو نافلة.
قالت الأمُّ: ها أنت يا ولدي تشهد عددا من المرَّات في اليوم أنَّك مؤمن بالحياة الأخرى كما بيَّنها الإسلام.
قال نجيب: صحيح ما تقولين يا أمَّاه، فإنِّي مؤمن بهذا مقرٌّ به. وهل يستطيع إنسان يفكِّر تفكيرا سليما أن ينكر هذا؟! على أنَّ الدروس التي تلقَّيتها في المدرسة وإرشاداتكما - أنتِ وأبي - في كثير من المناسبات وما أسمعه من أحاديثكما الشيِّقة في مواضيع الإيمان. كلُّ هذا قد عرَّفني بكثير ممَّا يأمر به الإسلام، ويوجبه من قول وعمل.
قال الأب: وعلى هذا فقد قامت عليك الحجَّة بالطريقتين.
قال نجيب: ماذا تعني بكلمة "الطريقتين" يا أبي؟ (1/58)
صفحة 67
قال الأب: أعني أنَّ الحجَّة قامت عليك بطريق العقل وبطريق السمع.
قال نجيب: هذا إذا كانت استنتاجاتي عقليَّة ...
قالت الأمُّ: يحسن بنا أن ننقل المناقشة إلى بقيَّة المواضيع التي يجب الإيمان بها ممَّا يشمل عليه رسالة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -.
قال الأب وهو مبتسم: إنَّني غير مستعدٍّ أن أواصل معكما النقاش!.
وقالت الأمُّ وهي تنظر إلى زوجها في قلق: لعلَّك مرهق؟.
قال الأب وهو لا يزال يبتسم: ما بي تعب ولست مرهقا، ولكنَّني لم أر الموقد ولا إبريق الشاي كما تعوَّدنا في الأسمار السابقة.
فضحكت الأسرة، وقامت الأمُّ وهي تقول: ما أهون ما تطلبه أيُّها الزوج المدلَّل (1)!.
بعد دقائق عادت تحمل الموقد والإبريق وثلاثة أكواب فارغة، ووضعت الجميع أمامها، ثمَّ قالت: بعد دقائق قليلة سيكون الشاي جاهزا.
قال الأب: في إمكاننا أن نستمرَّ في حديثنا دون أن ننظر إلى الشاي.
قال نجيب: فما هو الموضوع الذي نبدأ فيه الحديث؟
قالت الأمُّ: إنَّك شهدت يا ولدي أنَّ ما جاء به محمَّد حقٌّ.
قال نجيب: نعم يا أمِّي، إنِّي آمنت بذلك وأقررت به.
قالت الأمُّ: بقي عليك أن تعرف كيف وصل هذا الحقُّ إلى محمَّد - صلى الله عليه وسلم -.
قال نجيب: أودُّ أن تشرحي لي ذلك يا أمَّاه.
أفرغت الأمُّ الشاي، وناولت كوبا لزوجها وكوبا لولدها ثمَّ قالت: إنَّ أباك بعد أن تناول كوبا من الشاي وَسَرَت (2) الحرارة في أمعائه يحسن
__________
(1) / المدلَّل: المحبوب الذي له منزلة.
(2) / سَرَى: مضى ودبَّ. يقال: الدم يسري في العروق، أي: يمضي فيها ويدبُّ. (1/59)
صفحة 68
به أن يتولَّى النقاش معك في هذا الموضوع الهامِّ.
فاتَّجه نجيب إلى أبيه وقال: إنَّني على استعداد للسماع والفهم يا أبي.
قال الأب: إِنَّ أمَّك - غفر الله لها - تخلط الجدَّ بالهزل، لكنَّ ذلك لا يمنعنا من قبول أوامرها.
قالت الأمُّ: معاذ الله أن أصدر إليك أمرًا أيُّها الزوج الحبيب، فأنت القوَّام على هذا البيت، ولك فيه الأمر، وعليَّ السمع والطاعة.
قال الأب: إِنَّ اقتراحاتك ورغباتك تنفَّذ دون مناقشة، وذلك لِمَا تحمله دائما من حقٍّ الصواب.
وأرادت الأمُّ أن تتكلَّم، فسبقها نجيب قائلا: متَّعني الله بحياتكما، إنَّكما لَمَثَلٌ أعلى لِمَا يكون عليه زوجان متحابَّان، وأبوان كريمان شريفان. ثمَّ اتَّجه إلى أبيه وقال: كيف وصلت الرسالة إلى سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - يا أبي؟
قال الأب: إِنَّ الله عزَّ وجلَّ أراد أن يكون محمَّد صلوات الله وسلامه عليه آخر الأنبياء المرسلين، فأنزل عليه القرآن الكريم، {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، ورضي الإسلام دينا للبشر أجمعين.
قال نجيب: وكيف نزل القرآن الكريم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
قال الأب: نزل بطريقة الوحي.
قال نجيب: وكيف ينزل الوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام؟
قال الأب: يأتي به الملَكُ فيتمثَّل حينا في صورة رجل، فيكلِّم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيتلقَّى عنه ويحفظ ما يقول، وأحيانا يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس، وحين ينفصل عنه يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد وعَى ما نزل عليه وحفظه (1).
__________
(1) / رواه الربيع بن حبيب، وأضافت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا». قَالَ الرَّبِيعُ: «فَيَفْصِمُ عَنْهُ» أَيْ فَيَنْجَلِي. الربيع: الجامع الصحيح، بَابٌ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ، رقم 2، ص23.
وللتوسع ينظر: تأويل مشكل الحديث وبيانه للحافظ أبي بكر بن فورك. (1/60)
صفحة 69
قال نجيب: ومن هو الملَكُ الذي يأتي بالوحي إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟.
قال الأب: هو جبريل عليه السلام.
قال نجيب: وهل هذه هي الطريقة التي كان يُنزل الله بها وحيه ويبلِّغ بها أوامره إلى الأنبياء بواسطة ملائكته المتعدِّدة ... فقد يبعث (1) ملكا في صورة رجل، فيكلِّم النبيَّ كلاما، وقد يرسل صوتا كصلصلة الجرس، وقد يلقي الوحي في روح النبيِّ بطريقة الإلهام أو بطريقة الرؤيا الصادقة، أو بما شاء الله من الوسائل التي يبلِّغ الله بها وحيه إلى عباده المخلصين.
قال نجيب: هل هناك فرق بين النبيِّ والرسول يا أبي؟
قال الأب: إِنَّ الرسول هو الإنسان الذي اختاره الله لإبلاغ رسالته إلى الناس، فأنزل عليه الوحي، وأمره بالتبليغ إلى الناس. أمَّا النبيُّ فهو الإنسان الذي اصطفاه الله وأنزل عليه الوحي ولم يأمره بالتبليغ إلى الناس.
والمؤمن يا ولدي يجب عليه أن يؤمن بجميع الأنبياء وجميع الرسل، وأن يؤمن بجميع ما أنزل عليهم من الكتب، ويخصِّص من تلك الكتبِ القرآنَ الكريمَ الذي أُنزل على سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، ويؤمن بكلِّ ما جاء فيه أنَّه حقٌّ من عند الله، ومن أنكر شيئا منه - ولو حرفا واحدا - أو شكَّ فيه فهو مشرك.
قال نجيب: وهل يجب على المسلم أن يعرف جميع الأنبياء يا أبي؟
قال الأب: لا يتمُّ إيمان المسلم حتَّى يؤمن بمحمَّد وآدم عليهما السلام ويعرفهما، أمَّا بقيَّة الأنبياء والرسل فيجب أن يؤمن بهم إجمالا، إلاَّ من قامت به الحجَّة فيجب أن يعرفه ويؤمن به.
قال نجيب: وهل نستطيع أن نعرف عددهم؟
قال الأب: لقد وردت بعض الأخبار في عددهم، ولكنَّنا لا نجزم
__________
(1) / خلل في الحوار، والصحيح: «قال الأب: قد يبعث الله ملكا ... ». والله أعلم. (1/61)
صفحة 70
بذلك. ولكنَّ القرآن الكريم ذكر جملة منهم، ويجب على المسلم أن يؤمن بجميع أولئك الذين ذكرهم الكتاب العزيز، ويحسن بالمسلم أن يحفظ أسماءَهم، فإنَّه لا يجمل بمسلم أن يجهل شيئا جاء في كتاب الله!.
قال نجيب: هل يشترك الأنبياء والرسل في بعض الصفات؟
قال الأب: يجب أن يؤمن المسلم أنَّ جميع الأنبياء يتَّصفون بالصدق والأمانة، وأنَّه يستحيل في حقِّهم الكذب والغشُّ والخيانة، وأنَّه يجوز في حقِّهم أن يتَّصفوا بما هو طبيعة بشريَّة، كالنوم والأكل والشراب والمشي في الأسواق، واتِّخاذ الأزواج والأولاد وما إلى ذلك، ويختصُّ الرسل منهم بأنَّهم بلَّغوا ما أمروا به، ونصحوا أممهم حتَّى أتاهم اليقين.
قالت الأمُّ: لقد عرفتَ في سمر سابق ما يجب أن تعرفه ممَّا يجب ويجوز ويستحيل في حقِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال نجيب: نعم يا أمَّاه.
قالت الأمُّ: إِنَّ الصفات التي عرفتها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِمَّا يجب ويجوز ويستحيل في حقِّه هي نفس الصفات التي يجب أن تعرفها لجميع الأنبياء عليهم السلام.
قال نجيب: وهل يبعث الله إلى الناس رسلا من الملائكة بدين أو شريعة؟
قال الأب: تعني أنَّ الملَكَ يتَّصل بالناس ويدعوهم إلى دين الله؟
قال نجيب: هذا ما أعنيه يا أبي، فقد خطر لي هذا المعنى وأنا أقرأ قوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75].
قال الأب: لا يا ولدي، فلقد خلق الله الملائكة بطبيعة غير طبيعة البشر؛ ولذلك قال تعالى في الكتاب الكريم: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ (1/62)
صفحة 71
مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً ولَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9].
قال نجيب: إذن فما معنى الآية الكريمة يا أبي؟
قال الأب: إنَّ الله يختار من الملائكة من يحمل رسالاته إلى الأنبياء والمرسلين، ويختار من البشر رجالا يُنزل عليهم وحيا بواسطة رسله من الملائكة، ومن هؤلاء الرجال الذين يختارهم الله وينزل عليهم وَحْيَهُ من يجعله نبيًّا فقط، ومنهم من يجعله إلى أمَّة واحدة، ومنهم من يبعثه رسولا إلى جميع الناس، ومنهم من يبعثه الله رسولا إلى الثقلين.
قال نجيب: ما معنى الثقلين يا أبي؟
قال الأب: هم الإنس والجنُّ، وقد بعث الله سيِّدنا محمَّدًا إلى الثقلين؛ فالإسلام هو الدين الذي رضيه الله للإنس والجنِّ، وقد قال تعالى في كتابه العزيز: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3].
قال نجيب: وهل صُوَرُ الملائكة تشبه صور الناس؟
قال الأب: إنَّ الطبيعة التي خلق الله عليها الملائكة غيرُ الطبيعة التي خلق عليها البشر؛ فالملائكة عباد مُكْرَمُون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا ينالهم التعب، ولا يشقُّ عليهم عمل يكلَّفون به من الله عزَّ وجلَّ، وهم أجسام نورانيَّة (1) محجوبة عن رؤية الناس. لا يوصفون بالذكوريَّة ولا بالأنوثيَّة، ولا بالجنون ولا بالطفوليَّة، ولا بما يتكوَّن به الجسم البشريُّ من لحم ودم وعَظْم، وإنَّما أقصى ما نعرفه عنهم من الناحية الجسميَّة أنَّ الله وصفهم بأنَّهم أُولُو أجنحة مثنى وثلاث ورباع (2). وقد ثبت أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأى جبريل عليه السلام على صورته الحقيقيَّة التي خلقه الله عليها، ولكنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يصف صورة جبريل عليه السلام (3).
__________
(1) / نورانيَّة: أي خُلقت من نور.
(2) / انظر تفسير قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ جَاعِلِ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً اُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ اِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة فاطر: 1) من تفسير سيِّد قطب: في ظلال القرآن، 5/ 18 - 29.
(3) / روى مسلم والترمذيُّ عن عائشة رضي الله عنها أنَّها سألت رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالاُفُقِ الْمُبِينِ} {وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً اُخْرَى} فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ». مسلم: الصحيح، كتاب الإيمان، باب قول الله عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً اُخْرَى}، رقم 177، 1/ 159. الترمذي: السنن، كتاب التفسير، باب ومن سورة الأنعام، رقم 3068، 5/ 262. (1/63)
صفحة 72
وينقسم الملائكة إلى قسمين: قسم خُلق للعبادة {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20]، وقسم لتنفيذ إرادة الله في الخلق، وإبلاغ رسالاته إلى الأنبياء. ويجب الإيمان بهم جملةً حين تقوم الحجَّة. ولا يتمُّ إيمان المسلم حتَّى يعرف منهم جبريل عليه السلام، وأنَّه الملَك الذي كان ينزل بالوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال نجيب: قلت يا أبي: إنَّ الملائكة لا يوصفون بالذكوريَّة ولا بالأنوثيَّة، فما معنى ذلك يا أبي؟
قال الأب: لا يقال: إنَّ الملائكة ذكور، ولا يجوز أن يقال: إنَّهم إناث ومن زعم أنَّهم إناث فقد أشرك بالله، قال الله في كتابه الكريم: {إِنَّ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِالاَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلآَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الاُنثَى} [النجم: 27].
قال نجيب: وكيف نتحدَّث عنهم يا أبي؟
قال الأب: أمَّا من حيث اللغة فإنَّ الحديث عنهم يجب أن يكون بصيغة المذكَّر ولا يجوز الحديث عنهم بصيغة الأنثى (1)، ولكن ليس المعنى هذا أن نصفهم بأنَّهم ذكور أو إناث، فإنَّ هذين الوصفين من طبائع المخلوقات التي تكثر بالتزاوج، ولسنا نعرف الطبيعة التي خلق الله بها الملائكة عليهم السلام.
رأى نجيب أنَّ أباه قد استند إلى ظهر الكرسيِّ بعد هذا الحديث الطويل، فظنَّ أنَّ أباه أحسَّ بالتعب، فالتفت إلى أمِّه قائلا: هل لك يا أمَّاه أن تلخِّصي لنا موضوع سمرنا كلَّهُ بأسلوبك الرائع الرقيق؟.
قالت الأمُّ: لبَّيك يا ولدي، فأنا على استعداد لذلك وإن كنت أعرف أنَّ أباك أدقُّ تعبيرا، وأسلس (2) أسلوبا، وأعرفُ بحقائق الإيمان.
__________
(1) / لا شكَّ أنَّ لفظة "الملائكة" إذا وردت بصيغة الجمع فَإِنَّه يسوغ التأنيث لغةً لا حقيقة، كما في قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلآَئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} (آل عمران: 39) وقوله: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلآَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ} (آل عمران: 42). {الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ طَيِّبِينَ} (النحل: 32).
(2) / سَلِسَ الشيء سَلاَسةً، فهو سَلِسٌ: أي سهْلٌ ليِّنٌ. (1/64)
صفحة 73
قال الأب: إنِّي أشكر لكِ حُسْنَ تقديرك، وسُمُوَّ عواطفك، ونبيل أخلاقك أيَّتها الزوجة الصالحة.
قالت الأمُّ: شكر الله لك. ثمَّ اعتدلت في جِلْسَتِهَا وقالت: أمَا وقد أرجعتما إليَّ تلخيص هذا النقاش فإنَّه يسرُّني أن أنقل إليكم ما قاله أبو حفص عمرو بن جُمَيع رحمه الله في ترجمته لعقيدة التوحيد التي وجدها باللغة البربريَّة فترجمها إلى العربيَّة بأسلوبه الرائع الجميل قال: «إن سأل سائل فقال: ما أصل الدين؟ فقل: الدين هو التوحيد لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الاِسْلاَمُ} [آل عمران: 19]. والإسلام لا يتمُّ إلاَّ بقول وعمل.
فأمَّا القول: فشهادة أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، ولا ندَّ ولا ضدَّ، ولا قرين ولا شبيه ولا مِثْلَ، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، وأنَّ ما جاء به حقٌّ من عند ربِّه.
وأمَّا العمل: فالإتيان بجميع الفرائض. فهذه ثلاثة أقاويل من جاء بهنَّ تامَّة لم ينقص منهنَّ شيئا كمل توحيده فيما بينه وبين الله تعالى. وأمَّا فيما بينه وبين الخلائق فحتَّى يأتي بعشرة أقاويل.
أمَّا الأوَّل: فالإيمان بجميع الملائكة والأنبياء والرسل وجميع الكتب التي أنزلت على جميعهم، والموت والبعث ويوم القيامة والحساب والعقاب والجنَّة والنار، وجميع ما كان وما يكون وما هو كائن، فالله هو المكوِّن له، فهذه عشرة أقاويل من جاء بهنَّ تامَّة لم ينقص منهنَّ شيئا كمل توحيده فيما بينه وبين الله تعالى والخلائق. فمن ترك واحدة منهنَّ فقد أشرك بالله تعالى، والشاكُّ في شركة مشرك، والشاكُّ في الشاكِّ مشرك إلى يوم القيامة. ومن جاء بهذه الوجوه كلِّها فقد حرم دمه وماله وسبي ذرِّيَّته، وذلك لِمَا عَلِمَهُ من التوحيد» (1).
__________
(1) / مقدِّمة التوحيد، 21 - 33. (1/65)
صفحة 74
قال نجيب: هل حفظتِ هذه العقيدة يا أمَّاه.
قالت الأمُّ: إنَّ عقيدة التوحيد كانت من أوائل ما يحفظ الأطفال، وقد كانت الأمَّهات يُلَقِّنَّ بَنَاتِهِنَّ هذه العقيدة منذ الصغر. وقلَّ أن تجد عجوزا في سنِّ أمِّي لا تحفظ عقيدة التوحيد. وقد كانت أمِّي كثيرا ما تأسف لأنَّها لم تعثر على النسخة الأصليَّة التي وضعت بالبربريَّة، وتقول لي: لو أنَّها وجدتها لحفظتها حتَّى وهي عجوز!.
قال نجيب: هل كانت البنت يا أمَّاه تتعلَّم كما يتعلَّم الطفل في زمن جدَّتي؟
قالت الأمُّ: إنَّ البنت يا ولدي كانت تُربَّى تربية إسلاميَّة نظيفة خالصة. ومن حالت ظروف حياتها دون تعليمها القراءة والكتابة فإنَّ عجائز القرية ولا سيما العزَّابيات (1) منهنَّ يعلِّمنها أمور دينها ويلقِّنَّها ما تيسَّر من كتاب الله وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويُحفِّظْنَهَا بعض المتون التي وضعها أكابر العلماء في تلخيص الأحكام، ويشرحن لها ما يجب عليها معرفته من حقوق الأسرة والجيران وغير ذلك ... وبذلك تكون عارفة بأكثر ما يجب عليها في دينها وحياتها.
قال نجيب: يا أمَّاه، إن فتاة الأمس كانت خيرا من فتاة اليوم!.
قالت الأمُّ: هذا ما أعتقده، فإنَّ فتاه اليوم غرَّتها المظاهر أكثر من الحقائق، وهي حينما انطلقت إلى المدرسة لم تجد فيها تلك الروح السامية المؤمنة التي كان يضفيها الإيمان والحياء على المرأة.
قال الأب: إنَّ حرمانكِ من البنات يا أمَّ نجيب يجعلك تنظرين إلى فتاة اليوم نظرةً قاتمة، ومن يدريك لو أنَّك رُزقت فتاة لكانت اليوم رافعة فستانها فوق ركبتيها، وهي تغدو وتروح من المدرسة مع زميلاتها!.
ظهر الألم واضحا على وجه الأمِّ المحرومة، وقالت بصوت يكاد يكون
__________
(1) / ينظر: طبقات المشايخ بالمغرب لأبي العباس الدرجيني، 1/ 167. (1/66)
صفحة 75
أنينا: قد يكون ما تقول صحيحا يا أبا نجيب، ولكن ذلك لا يغيِّر من الواقع شيئا، فما أنا إلاَّ أمٌّ بين آلاف الأمَّهات يجرفهنَّ (1) تيَّار الحياة، وتيَّار الحياة لا يعني دائما أنَّه يَجْرِفُ إلى الأهدى أو إلى الأفضل، ولو جرف الأَرْيَح والأَرْفَهِ، بل الواقع أنَّ الحياة عندما يقودها ناس لا يؤمنون بالله، ولا يتَّقونه حقَّ تقاته، فإنَّها تبتعد بالركب الذي تحمله عن الحقِّ.
قال نجيب: أعتقد يا والِدَيَّ أنَّكما ستفتحان موضوعا شيِّقا بنقاشكما هذا، فهل لكما أن تؤخِّراه إلى ليلة أخرى، فإنَّ ورائي هذه الليلةَ واجباتٍ مدرسيَّةً لم أنجزها بعد.
قال الوالدان بصوت واحد: أصبت يا ولدي، فإلى ليلة مقبلة.
وقام نجيب فحيَّى أبويه تحيَّة المساء، ثمَّ انفلت إلى حجرته قرير العين (2).
__________
(1) / جرف: مِنْ جَرَفَ السيلُ إذا ذهب بكلِّ شيء. وهنا مجاز.
(2) / قرير العين: مِن قَرَّت العينُ إذا بردت سرورا، وجفَّ دمعها.
قال رسول كسرى في الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
أَمِنْتَ لَمَّا أقمتَ العدل بينهمُ ... ... فنمتَ قرير العين هانيها. (1/67)
صفحة 76
[صفحة بيضاء] (1/68)
صفحة 77
الليلة الخامسة:
وجوب معرفة أنَّ الله أمر بطاعته، وأوجب الثواب عليها، ونهى عن معصيته وأوجب العقاب عليها.
الولاية والبراءة والوقوف. (1/69)
صفحة 78
[صفحة بيضاء] (1/70)
صفحة 79
الليلة الخامسة:
اجتمعت الأسرة للسمر، وافتتح الأب الحديث فقال: أرأيت كيف تطوَّرْتَ يا نجيب بعد أن أصبحت رجلا مسلما؟.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب وهو يبتسم ابتسامة مازحة: كنت تنصرف بعد العشاء مباشرة إلى حجرتك لتُذَاكِرَ دروسك أو لتنام، فأصبحت الآن تسهر معنا وتسمر إلى هَوْنٍ (1) من الليل تماما كما يفعل الرجال الكبار.
قال نجيب: إنِّي أحمد الله تعالى على نعمة التكليف والإسلام.
قال الأب: أحسنت يا ولدي، فإنَّ المؤمن يحمد الله تعالى دائما على نعمه الظاهرة والباطنة. لكن كيف حسبتَ التكليف من نعم الله عليك؟
قال نجيب: أعتقد أن التكليف منوط بكمال الجسم والعقل، عندما أخبرتني يا أبي أنَّني أصبحت مكلَّفا لا يَسَعُنِي (2) جهل التوحيد ولا غيره من خصال الإيمان - علمت أنَّ الله قد أنعم عليَّ بثلاث نِعَمٍ في آن واحد، فقد بلغ تركيبي الجثماني الحدَّ الذي وصلتُ به قوَّة الرجولة، وبلغ عقلي درجة النضوج التي يناط بها التكليف، وهداني ربِّي إلى الإيمان به
__________
(1) / الأصل في الهون الحقارة والسهولة والخفَّة. والمقصود هنا: فترة من الليل.
(2) / لا يسعني: لا يجوز لي. (1/71)
صفحة 80
واختيار الإسلام دينا. أفلا أكون شكورا وأحمد الله تعالى على هذه النعم المتوالية التي ترتَّبت على التكليف؟
قالت الأمُّ: صدقت يا ولدي، إنَّها بعض النعم التي أنعم الله بها عليك، ولكنَّ تَرْتِيبَكَ لها تنقصه الدقَّة.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أمَّاه؟
قالت الأمُّ: إِنَّ التكليف هو الذي يترتَّب على بلوغ الجسم وكمال العقل، أمَّا اختيار الدين فينبني على التكليف، أو هو الخطوة الثانية بعد التكليف.
قال نجيب: إنَّك دقيقة في كلِّ شيء يا أمَّاه! ليت بنات اليوم يعرفن بعض ما تعرفين!.
قال الأب: كم تحبُّ أمَّك يا نجيب! أنَّك معجب بها كلَّ الإعجاب، وكلُّ ما تقوله يكون موضع رضاك.
قال نجيب: إنِّي أحبُّك يا أبي مثلما أحبُّ أمِّي، وكنت أعتقد أنَّ الرجال ينقطعون للدراسة، وتُتَاحُ (1) لهم فُرَصُ التعلُّم والاجتماع أكثر ممَّا تتاح للمرأة، فيحصلون على ثقافة أوسع وعلم أشمل؛ ولذلك فأنا لا أعجب من غزارة علمك وسَعَةِ اطِّلاعك يا أبي، فإن هذا ما كنتُ اعتقده، أمَّا النساء فقد كنت أحسب أنَّهنَّ لم يدخلن المدارس فلم تتح لهنَّ فرصة التعلُّم، وبذلك يكنَّ ضعيفات الرأي ضيِّقات الآفاق، جاهلات بكثير من العلوم، فلمَّا رأيت أمِّي تَجُولُ في كلِّ ميدان من ميادين الثقافة والعلم، وكانت مناقشاتها تستهويني حين أجدها تشاركك في جميع الميادين، وكم عجبتُ حين أخبرتني أنَّها تحفظ عقيدة التوحيد (2) عن ظهر قلب، هذه العقيدة التي لم أقرأها أنا بعدُ مجرَّد قراءة.
قالت الأمُّ: هذا تقصير منَّا نحن لا منك أنت، فنحن نعلم أنَّ مثل
__________
(1) / تُتَاحُ: تُقدَّرُ وتُمكِنُ وتتهيَّأ.
(2) / لأبي حفص عمرو بن جُميع، وقد أورد في تمهيد المقدِّمة الهدف من نقلها من البربريَّة إلى العربيَّة، فقال: « ... فسألني من لا أردُّ قوله، ولا أجهل فضله، أن أنقلها من لسان البربريَّة إلى لسان العربيَّة، ليبين لفظها، ويسهل على القارئ حفظها ... ». المقدِّمة، ص20. (1/72)
صفحة 81
هذه الكتب غير مقرَّرة في المدرسة، وكان يجب أن نضعها بين يديك، وننصحك بقراءة ما يفيدك، ونشير عليك باستظهار ما يجب استظهاره.
قال الأب: إنَّ كلام أمِّك حقٌّ يا نجيب، فإنَّ الأسرة المسلمة لا تنتظر أن يتعلَّم أبناؤها في المدارس، إنَّ المدرسة الأولى هي البيت، والأب والأمُّ هما المعلِّمان الأوَّلان اللذان يُشرفان على تعليم أبنائهما بالطريقة الإسلاميَّة التي تُعْنَى أوَّلا بالجانب الدينيِّ في الطفل، ثمَّ تعتني بالأخلاق وغرس الفضائل وتوسيع آفاق التفكير والاطِّلاع على الثقافة الإسلاميَّة العامَّة، حتَّى تتكوَّن الشخصية الدينيَّة والخلقيَّة للطفل في البيت. أمَّا المدارس فتأني في الدرجة الثانية، فهي تفتح المجال لكي يطَّلع الطفل على أنواع أخرى من المعارف لم يعرفها في البيت، ويكتسب مزيدًا من المهارات، ثمَّ يُفتَحُ المجالُ لمن أراد الاستمرار في المدرسة والتبحُّر في العلم، أو التخصُّص في فنٍّ من فنونه.
قال نجيب: يظهر أنَّ البيت في القديم كان خيرًا منه الآن، فهو يقدِّم مساعدة كبرى للمدرسة.
قال الأب: لو قلتُ لك ذلك لحسبتني شيخا رجعيًّا يحنُّ إلى الماضي ويستمسك به.
قالت الأمُّ: إنَّ الأسرة في القديم كانت ترى أنَّ تكوين الجانب الدينيِّ في الطفل أهمَّ شيء في الحياة؛ ولذلك كانت تحرص كلَّ الحرص على هذا التكوين، غير معتمدة على ما يجيء به المستقبل عندما يبدأ الطفل في أخذ معلوماته عن الأساتذة والزملاء.
قال الأب: هذا صحيح، فإنَّ الطفل إذا تكوَّن دينيًّا وخلقيًّا، وأصبحت هذه النواحي أجزاء من شخصيته لم يُخْشَ عليه من التيَّارات التي تصادفه في الحياة. (1/73)
صفحة 82
قالت الأمُّ: يظهر أنَّ نظام الأسرة في العصر الحاضر تطوَّر تطوُّرا بعيدا جدًّا عن روح الأسرة المعروف في القديم؛ فإنَّ التعلُّق بالجانب المادِّيِّ من الحياة قد ساق الناس سَوْقًا بعيدا وسريعا عن الْمُثُلِ العليا.
قال نجيب: هذا موضوع طريف، والمناقشة فيه ممتعة، فهل نجعله موضوع سمرنا لهذه الليلة؟
قال الأب: بل يحسن أن نؤجِّله إلى بعض الليالي القادمة؛ لأنَّنا لم ننته بعدُ من أحاديثنا التي افتتحنا بها حياة الرجل الصغير.
قال نجيب: ألا تسمح لنا بإقامة حفلة عيد الميلاد حتَّى هذه الليلة؟
قال الأب: أنت الآن رجل مثلي، والرجل لا يستأذن رجلا مثله ليقيم حفلة ميلاده؛ ولكنَّه يقيم الحفلة ويدعو إليها الآخرين فإذا وصلتنا بطاقة الدعوة فنحن على استعداد للتلبية!.
قالت الأمُّ: ألم أقل لك يا ولدي: إِنَّ أباك لا يُغلب في نقاش؟
قال نجيب: إذن فلنؤجِّل هذه الحفلة إلى بعض السنين القادمة حين يقف هذا الرجل الصغير على قدميه ويملك مالاً من كسبه.
قال الأب: إنَّ مال الأب هو مال الولد الصالح والزوجة الصالحة، فإنَّ مكاسب الأب إنَّما جُعلت ليُنفِقَ منها على أفراد الأسرة جميعا، فلكلِّ فرد من أفراد الأسرة حقٌّ في مال الأب.
قال نجيب: ذلك ما عرفته يا أبي من سلوكك معي طول حياتي، فإنَّك لم تَضِنَّ (1) عليَّ بشيء في يوم ما.
قالت الأمُّ ضاحكة: ما عدا مصاريف حفلة عيد ميلادك الماضية!. فضحك الجميع.
قال الأب: أرأيت براعة أمِّك في تَصَيُّد النكتة الجارحة.
قال نجيب: أنت تعرف يا أبي أنِّي معجب بكلِّ ما تقوله أمِّي، ثمَّ
__________
(1) / ضنَّ بالشيء إذا بخل به. يقال: «إنَّما يُضنُّ بالضَّنين»، وهو مثلٌ معناه أنَّه يجب التمسُّك بإخاء من يتمسَّك بإخائك. (1/74)
صفحة 83
التفت إلى أمِّه وقال: هل لك يا أمَّاه أن تفتحي لنا موضوع سمر الليلة؟
قالت الأمُّ: إنَّكما لم تنتهيا بعدُ من الحديث في مواضيع التوحيد.
قال نجيب: ألم تلخِّصي لنا ذلك فيما نقلتِهِ عن أبي حفص عمرو بن جميع؟
قالت الأمُّ: ذلك خلاصة الجملة التي يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمن اعتقدها في قلبه، وأقَرَّ بها بلسانه، فقد دخل في جملة الموحِّدين. ثمَّ التفتت إلى زوجها وقالت: أليس كذلك يا أبا نجيب؟
فأجاب الزوج: إنَّك على حقٍّ أُمَّ نجيب، فإنَّ الإنسان عندما ينطق بالشهادتين ويستجيب إلى دعوة الله يُعتبر موحِّدًا، ويكتسب حصانة الإسلام، فيَحرُمُ غَنْمُ ماله وإراقة دمه، وما إلى ذلك من الأحكام. ولكن هنالك أشياء لا يزال مطالَبًا بها.
قال نجيب: أتعني أنَّه مطالب بالعمل بالفرائض واجتناب المحرَّمات؟
قال الأب: إنَّ ما تقوله صحيح يا نجيب، ولكنَّ المسلم يطالب بكثير من المعرفة قبل ذلك.
قال نجيب: هل تعني معرفة الكيفيَّة التي تؤدَّى بها الفرائض وأعمال الطاعة؟
قال الأب: أعني هذا وأعني أشياء أخرى يجب أن يعرفها الإنسان حتَّى يكون توحيده وإيمانه كاملا.
قال نجيب: هل نستطيع أن نستعرض تلك المواضيع واحدًا بعد واحد يا أبي؟.
قال الأب: إنَّ ذلك بالإمكان، فهل ترى ضرورة إلى إعادة ما ذكرناه سابقا؟ (1/75)
صفحة 84
قال نجيب: لا ضرورة لذلك، فقد فهمت ذلك، ولاسيما بعدما لَخَّصته أمِّي.
قال الأب: أنت عارف أنَّ دماء المسلمين محرَّمة بما معهم من التوحيد، وأنَّ دماء المشركين يحلُّ سفكها لشركهم بالله إذا عارضوا الدعوة الإسلاميَّة.
قال نجيب: هل معرفة هذا من التوحيد؟
قال الأب: نعم يا ولدي، فإنَّ الإنسان الذي لا يعرف كرامة المسلم وعزَّته عند الله، وذِلَّةَ المشرك وهَوَانَهُ على الله لا يكون وثيق الصلة بربِّه.
قال نجيب: أيُّ مؤمن يرضى أن لا يكون وثيق الصلة بربِّه؟
قالت الأمُّ: إنَّ هذا الموضوع وثيق الصلة بموضوع آخر يجب معرفته.
قال نجيب: أيُّ موضوع يا أمَّاه؟
قالت الأمُّ: موضوع الطاعة والمعصية.
قال الأب: على المسلم أن يعرف أنَّ الله أمر بطاعته وجعل عليها ثوابا، ونهى عن معصيته وجعل عليها عقابا.
قال نجيب: إنَّ تَرَتُّب الثوابِ على الطاعة، وتَرَتُّبَ العقاب على المعصية أمر طبيعيٌّ حتَّى في حياة الإنسان، فَإِنَّ كلاًّ من الأب والمدرِّس والحاكم يُسَرُّونَ ويكافئون من يطيع أوامرهم وينفِّذها، وكلُّهم يستاءون من عصيان أوامرهم وعدم امتثالها، ويعاقبون على ذلك، وإن اختلفت أساليب الثواب والعقاب؛ فكيف لا يثاب من يطيع مَلِكَ الملوك، وخالقَ الموت والحياة؟!. أمَّا الذي تبلغ به الوقاحة وسوء الدخلة (1) إلى أن يجاهر ربَّه بالكفر أو بالمعصية فهو أولى بأشدِّ أنواع العقاب منه.
__________
(1) / دِخْلَة الرجل ودُخْلته ودخيلته: نيَّته وباطن أمره، وما يضمره في سريرته. (1/76)
صفحة 85
قال الأب: فأنت ترى من حديثنا السابق أنَّ الله جلَّ وعلا أمر بطاعته ونهى عن معصيته، فمن امتثل لأمره جازاه الله بالجنَّة، ومن عصاه عاقبة بالنار، إلاَّ أنَّ العُصاة على قسمين:
- القسم الأوَّل: المشركون، وهم الذين لم يعترفوا بكلمة الشهادة، أو أنكروا منها ما كان قطعيًّا، وأولئك هم الذين أباح الله دماءهم وأموالهم، كما سبق أن شرحت لك، ويوم القيامة مثواهم النار وبئس المكان.
أمَّا القسم الثاني من العصاة فهم الذين يعترفون بكلمة الشهادة ولكنَّهم يُخِلُّونَ بالعمل فيعصون الله، وهؤلاء قد صان الله دماءَهم وأموالهم في الدنيا بما معهم من التوحيد، أمَّا يوم القيامة فمأواهم جهنَّم وبئس المهاد.
قال نجيب: والنتيجة من ذلك أنَّ من أشرك بالله ومن مات عاصيا من الموحِّدين غير تائب جمعهم الله في جهنَّم جميعا {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32].
قال الأب: إذا رأيت شخصا مؤمنا بالله، حريصا على طاعته، وقَّافا عند حدود دينة، محاسبا لنفسه على أعماله ... فما هي المنزلة التي تعطيها له في نفسك؟.
قال نجيب: منزلة الحبِّ والاحترام.
قال الأب: وإذا وجدت إنسانا لا يؤمن بالله، أو يزعم أنَّه مؤمن بالله ولكنَّه يتهاون في أمر الله، فلا يقف عند الحدود التي حدَّها دين الله، فلا يحرص على أداء واجب، ولا يتورَّع عن ارتكاب إثم، فما هي المنزلة التي تعطيها له من نفسك؟
قال نجيب: الاحتقار والكره، فإنَّه مثل هذا الشخص لا يمكن أن (1/77)
صفحة 86
يُحَبَّ أو يُحتَرَمَ، وأهون ما يعامل به هو الإهانة والتهاون بشأنه.
قال الأب: إنَّك وصلت بنفسك إلى قاعدة هامَّة من قواعد التوحيد.
قال نجيب: ما هي يا أبي؟
قال الأب: هي الحبُّ في الله، والبُغضُ في الله، أو ما يُعبِّر عنه علماء الإباضيَّة بقاعدة الوَلاَيَة والبراءة.
قال نجيب: أودُّ أن تزيدني إيضاحا يا أبي.
قال الأب: إنَّ الناس منذ خُلق آدم ينقسمون إلى قسمين كبيرين:
قال نجيب: هل تعني أنَّهم ينقسمون إلى أطفال غير مكلَّفين، وبالِغِِينَ أُنيطت بهم الواجبات.
قال الأب: ليس ذلك ما أعني، فإنَّ أحاديثنا هنا مقصورة على المكلَّفين، والمكلَّفون لا يكونون إلاَّ بالغين عقلاء.
قال نجيب: إذن تقصد أنَّهم ينقسمون إلى ذكور وإناث.
قال الأب: ولست أقصد هذا أيضا.
قال نجيب: إذن لا بدَّ أن يكون التقسيم راجعا إلى أعمال الناس.
قال الأب: إنَّ التقسيم راجع إلى أعمالهم وأقوالهم وعقائدهم.
قال نجيب: لا زلت لم أفهم ما ترمي إليه يا أبي.
قال الأب: الناس منذ خلق آدم قسمان: قسمٌ آمنوا به واتَّقَوْهُ واتَّبَعوا دينه، فرضي الله عنهم، وأثابهم على إحسانهم؛ فأولئك أولياء الله، ويجب علينا أن نحبَّهم لله، ونستغفر لهم، ونطلب لهم الرحمة.
قال نجيب: يعني أنَّ الذين آمنوا بالله واتَّقَوْهُ وأطاعوه من جميع الديانات هم أولياء الله، وعلينا محبَّتهم والدعاء لهم.
(1/ 58)
قال الأب: من جميع الديانات الصحيحة التي أنزلها الله في أزمنتها (1/78)
صفحة 87
وأمر باتِّباعها. أمَّا الديانات الباطلة التي وضعها البشر أو حرَّفوها فإنَّها لا تسمَّى ديانات، ولا يكون أتباعها أولياء الله. ومنذ جاء الإسلام فقد بَطَلَت كلُّ الديانات الأخرى، وأصبح أتْباعها كافرين بالله، مُحَادِّينَ (1) له، {لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22].
قال نجيب: هذا القسم الأوَّل.
قال الأب: أمَّا القسم الثاني فيشتمل على نوعين من أعداء الله، أحد النوعين هم المعرضون عن دين الله، الذين لم يؤمنوا به. أمَّا النوع الثاني فهم أولئك الذين أقرُّوا بكلمة التوحيد، ولكن غلبتهم شهواتهم، وزيَّن لهم الشيطان سوء أعمالهم، فانتهكوا حرمات الله حتَّى ماتوا على ذلك، ولم يتوبوا إلى الله، ولم يقلعوا عمَّا ارتكبوا فيه من معصية. ومن هذين النوعين يتكوَّن القسم الثاني، وهم أعداء الله. ويجب علينا أن نَبْرَأَ من أعداء الله منذ خلق الله آدم، وأن نبغضهم ونلعنهم.
قال نجيب: إنَّ من يحبُّ الله لا بدَّ أن يحبَّ أولياءه ويكره أعداءه.
قال الأب: هذا ما يعبَّر عنه في كتب التوحيد بولاية الجملة وبراءة الجملة.
قال نجيب: وهل هناك ولاية أخرى.
قال الأب: هنالك الولاية والبراءة الشخصيَّتان.
قال نجيب: وما معنى هذا يا أبي؟
قال الأب: لا بدَّ أنَّك عرفت أسماء كثير من الأنبياء والأولياء وأنت تقرأ القرآن الكريم.
قال نجيب: نعم، فإنَّ الله ذكر في الكتاب العزيز كثيرا من أنبيائه وأوليائه.
__________
(1) / حادَّه: عاداه وغاضبه، فهو مُحادٌّ له، وفيه معنى التحدِّي. (1/79)
صفحة 88
قال الأب: ولا بدَّ أنَّك عرفت من التاريخ والسير أسماء كثير من أصحاب رسول الله الذين جاهدوا معه ورفعوا كلمة الإسلام.
قال نجيب: هذا صحيح يا أبي.
قال الأب: فإنَّه يجب عليك أن تحبَّ أولئك الأشخاص الذين ثبت عندك وفاؤهم بدين الله شخصا شخصا، سواء ثبت ذلك عندك بالقرآن الكريم أو بخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو بخبر العُدُول (1) من المسلمين.
قال نجيب: إنَّ هؤلاء جميعا لا أملك إلاَّ أن أُحبَّهم وأدعو الله أن يحشرني معهم.
قال الأب: ولا بدَّ أن تكون عرفت أسماء كثير من الكفَّار والمشركين والمنافقين. إمَّا من القرآن الكريم أو من أحاديث النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو من أخبار العدول من المسلمين.
قال نجيب: نعم، فلقد ذكر الله كثيرا من الكفَّار والمشركين، كما أنَّني عرفت كثيرا منهم من دراستي للسيرة النبويَّة ولتاريخ الإسلام.
قال الأب: فكلُّ من ثبت عندك أنَّه مُعرِضٌ عن الله، كافر به، أو جاحد لنعمه فإنَّه يجب عليك أن تبرأ منه.
قال نجيب: ومن وَرَدَ عليَّ اسمه ولكنِّي لم أعرف هل هو مؤمن تقيٌّ، أم فاجر شقيٌّ؟.
قال الأب: ذلك يدخل في الحكم الثالث من هذه القاعدة.
قال نجيب: وما هو الحكم الثالث يا أبي؟
قال الأب: الحكم الثالث هو الوقوف، فإنَّ الشخص الذي لم يثبت عندك دينه وعمله يجب أن تقف فيه، فلا تحبُّه لله ولا تبغضه لله، يعني لا تتولاَّه ولا تتبرَّأ منه، ولا تدعو له بالرحمة والمغفرة، ولا بالعذاب واللعنة.
قال نجيب: وهل هذه القاعدة تجب على الفور؟
__________
(1) / عُدُول جمع: عَدْلٍ، وهو العادل المستقيم دينا وخُلقًا.
وفي مصطلح الحديث، العدْلُ هو: «الضابط في النقل السالم من خوارم المروءة». يقول البيقوني في منظومته:
أوَّلها الصحيح وهو ما اتَّصل ... ... إسناده ولم يشذَّ أو يُعَلّ
يرويه عدل ضابط عن مثله ... ... معتمد في ضبطه ونقله.
مجموع مهمَّات المتون، ص77. (1/80)
صفحة 89
قال الأب: أمَّا وَلاية الجملة وبراءة الجملة فتجبان على الفور، وأمَّا ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص فتجبان بقيام الحجَّة.
قال نجيب: وكيف تقوم الحجَّة يا أبي؟
قال الأب: عندما يثبت عندك عدالة شخص، إمَّا بالخَبَر الصادق، أو بشهادة العدول، وإمَّا بالمعرفة الشخصيَّة، فإنَّه يجب عليك ولايته. وعندما تثبت عندك شقاوة شخص، إمَّا بالخَبَر الصادق، أو بشهادة العدول، وإمَّا بالمعرفة، فإنَّه يجب عليك أن تتبرَّأ منه، وأن تبغضه لله.
قال نجيب: إذن فحكم الولاية والبراءة ينطبق حتَّى على الأشخاص الذين نعاشرهم ويعيشون معنا.
قال الأب: نعم، نعم يا بنيَّ، فإنَّه يجب عليك أن تحبَّ في الله كلَّ من رأيت منه وفاء بدين الله، وأن تعاشره وتربط معه علاقات الصداقة والأخوَّة، ويجب عليك أن تبغض كلَّ من رأيت منه إعراضا عن دين الله، وأن تشعره بالكراهية والاحتقار، وأن تبتعد عنه، ولا تتعامل معه إلاَّ بمقدار الضرورة. أمَّا أولئك الذين لم تعرفهم معرفة صحيحة، ولم يثبت عندك شيء من طريق العدول عنهم، فيجب عليك أن تتوقَّف فيهم، يعني أنَّك لا تُسْبِغُ (1) عليهم محبَّتك، ولا تلقي عليهم كراهيتك وبغضك، حتَّى تقوم الحجَّة لديك بصلاحهم أو فسادهم.
قال نجيب: إذن فالوقوف هي الدرجة التي يقف عليها الناس ومنها يُنقلون إلى الولاية أو البراءة.
قال الأب: هذا صحيح، فإنَّ المجهول يكون في الوقوف حتَّى يثبت له أحد الحكمين؛ فإذا ثبتت له الولاية فلا يُنقل منها إلاَّ بقيام الحجَّة، ولا ينقل إلاَّ إلى البراءة. ومن كان في البراءة فلا ينقل منها إلاَّ بقيام الحجَّة، ولا ينقل إلاَّ إلى الولاية.
__________
(1) / «لا تُسْبِغُ عليهم محبَّتك»: لا تشملهم محبَّتك. والأصل في الإسباغ: الإتمام والإكمال، ومنه إسباغ الوضوء، وهو إتمامه، وكذا إسباغ الله النِّعَمَ على عباده. (1/81)
صفحة 90
قال نجيب: يعني أن من انتقل من حكم الوقوف لا يعود إليه أبدا، فلا يكون إلاَّ في الولاية أو البراءة.
قال الأب: هذا صحيح، والانتقال من أحد الحكمين إلى الثاني لا يكون إلاَّ بحجَّة وبرهان.
قال نجيب: ولماذا هذا الفرق بين المواقف الثلاثة؟
قال الأب: إنَّ الوقوف هو حكم مبنيٌّ على جهل الشخص، ولا تنتقل منه إلاَّ بعلم؛ فإذا عرفنا حالة شخصٍ ما، حَكَمْنَا عليه بمقتضى معرفتنا له وعِلْمِنَا بحاله، وهذا حكم مبنيٌّ على علم، فلا ينتقل منه إلاَّ بعلم.
قال نجيب: أودُّ أن تضرب لي أمثلة حتَّى تتَّضح لي المسألة.
قال الأب: هب أنَّك تعرَّفت على شخص مصادفةً، لا تدري هل هو مسلم قويم، أو فاسق لئيم، فما هو الحكم الذي تحكمه عليه؟
قال نجيب: أتردَّد، فلا أحبُّه لله ولا أبغضه لله.
قال الأب: هذا التردُّد هو ما يسمَّى بالوقوف، فإذا طالت عشرتك له حتَّى رأيت منه الوفاء بدين الله.
قال نجيب: حينئذ أتولاَّه، وأحبُّه لله.
قال الأب: فأنت انتقلت بالنسبة لهذا الشخص من حكم الوقوف إلى حكم الولاية.
قال نجيب: نعم هذا صحيح.
قال الأب: فهل تنتقل من ولاية هذا الشخص إلى حكم آخر؟
قال نجيب: لا أدري.
قال الأب: إنَّ حكم الولاية هو ما يثبت عندك بعلم لا يجوز أن تنتقل عنه إلاَّ إذا ثبت لك ضدُّه.
قال نجيب: وكيف ذلك؟ (1/82)
صفحة 91
قال الأب: إذا ثبت عندك بيقين أنَّ هذا الرجل الذي كنت تحبُّه لله وتتولاَّه قد انتهك حُرَمَ الله، وارتكب من المعاصي ما يوجب البراءة، فإنَّك تنتقل من الولاية إلى البراءة، فتتبرَّأ منه، وتعلن بغضك وكراهيتك له من أجل المعصية التي ارتكبها. ولو تاب وصلح وثبت عندك صلاحه، فإنَّك تنتقل من حكم البراءة إلى حكم الولاية.
قال نجيب: يظهر أنَّ الانتقال من الولاية لا يكون إلاَّ إلى البراءة، والعكس صحيح.
قال الأب: نعم؛ لأن الوقوف ينبني على الجهل بحالة الشخص، فإذا ثبت أحد الحكمين بعلم لم ينتقل منه إلاَّ بعلم ويقين. وعلى هذا فجميع الناس الذين تعرفهم معرفة كاملة لا يكون إلاَّ في أحد الحكمين: إمَّا الولاية أو البراءة.
قال نجيب: قد فهمت هذه القاعدة يا أبي فهما كاملا.
قال الأب: فالحمد لله على نعمته.
قالت الأمُّ: يبدو أنَّ المناهج المدرسيَّة لا تتعرَّض لمثل هذه المسائل التي لا يتمُّ التوحيد إلاَّ بمعرفتها.
قال نجيب: لم يحدِّثنا أحد من المدرسة عن هذا الموضوع أبدا!.
قال الأب: إنَّ المناهج المدرسيَّة لا تتَّسع لكلِّ شيء.
قالت الأمُّ: لكنَّ هذه المسائل المتعلِّقة بالتوحيد والتي ينبني عليها التعامل بين الناس من أوكد ما يجب أن تعالجه المناهج المدرسيَّة، ولكنَّ واضعي المناهج فَتَنَتْهُم طرق الغرب فاتَّبعوها، وبعدوا عن الإسلام.
قال نجيب: لعلَّ الله يهدي الأمَّة الإسلاميَّة فتذكر ما لها من أمجاد، (1/83)
صفحة 92
وتعود إلى دين الله في كلِّ صغيرة وكبيرة.
قال الأب: حسبُنا سمرًا الليلة، فإنَّني أحسُّ برغبة في الراحة.
قام نجيب وألقى تحيَّة المساء على أبويه، ثمَّ انفلت في خفَّة إلى حجرته ... (1/84)
صفحة 93
الليلة السادسة:
تحريم مسايرة الفُسَّاق والمنافقين.
مقارفة المعصية واستحلالها.
ولاية البيضة وبراءتها. (1/85)
صفحة 94
[صفحة بيضاء] (1/86)
صفحة 95
الليلة السادسة:
دلف (1) الأب بعد صلاة العشاء الآخرة إلى حجرة الاجتماع، ولحق به نجيب، أمَّا الأمُّ فقد أخذت معها الموقد وإبريق الشاي، ووضعت أمامها الأكواب على الصينية ثمَّ قالت:
لقد تركتكما البارحة بدون شاي فخفتُ الليلةَ أن تقابلاني بعاصفة من الاحتجاج؛ ولذلك قدَّمت كلَّ شيء بين يديَّ.
قال الأب: لقد هممت البارحة أن أطلب الشاي ولكنَّني خفت نكتة من نكتك اللاذعة، فسكتُّ وصبرت!.
قال نجيب: أمَّا أنا فقد أخذتني روعة المناقشة، ولم يخطر لي الشاي على بال.
قالت الأمُّ: لقد هممت أن أعمل الشاي كالعادة، ولكنَّني ذكرت أنَّ السكَّر قد نفد من البيت، ولم أشأ أن أسبِّب في قطع النقاش من أجل الشاي فسكتُّ عنه.
قال الأب: فأنت إذن معذورة.
قال نجيب: إنَّ أمِّي لا تعمل عملا إلاَّ لسبب معقول.
قال الأب: يُخيَّل إليَّ أنَّه لو رفع خلاف بيني وبين أمِّك فسوف تنحاز إلى جانب أمِّك!.
__________
(1) / دلف: مشى مشيا قارب الخطو. (1/87)
صفحة 96
قال نجيب: إنَّ من له أبوان مؤمنان مثل أبويَّ لا يخاف أن يقف هذا الموقف، فإنَّ الإيمان يعصم كلاًّ منهما من الشقاق والخلاف.
قال الأبوان في صوت واحد: صدَّق الله ظنَّك، وعصمنا من الزلل.
قال نجيب: أظنُّ أنَّنا استوفينا الحديث عن قاعدة الولاية والبراءة، وأنَّ سمرنا الليلة سيتناول موضوعا جديدا.
قال الأب: لا تزال هناك نقط أودُّ أن لا نمضي عنها قبل أن نتناولها بالحديث.
قالت الأمُّ: إنَّ الحياة في هذا العصر أصبحت مرتبطة بين جميع الأجناس والأديان، وأصبح الشخص مضطرًّا إلى التعامل مع جميع الناس، فإنَّ ظروف البيع والشراء والأخذ والعطاء والعمل والكسب والسفر والإقامة تفرض على الإنسان أن يتعامل مع الفاسق والكافر وغيرهم، وقد تفرض عليه هذه الأحوال أن يساير أعداء الله.
قال نجيب: هذا صحيح يا أبي، فإنَّ الناس من جميع الْمِلَلِ والنِّحَلِ (1) والطبقات أصبحوا يشتركون في الأعمال، وإنَّ المؤمن لا يستطيع أن يعيش في عزلة عن العالم حيث لا يجد كافرا أو فاسقا.
قال الأب: إنَّ ما تحدَّثت به أمُّك يا نجيب واقع، وذلك أنَّ الإنسان في هذا العصر مضطرٌّ إلى التعامل مع من تجب منه البراءة. ولكنَّ هذا لا يعني إظهار الرضا عن ضلالهم، وعَدَمَ الإنكار عليهم في فسقهم، ولا يعني محبَّتَهم. إنَّ الإنسان قد يتعامل مع عدوِّه، وتعامُلُهُ معه لا يعني رضاه عنه أبدا. والمؤمن إذا اضطرَّ إلى التعامل مع أعداء الله فإنَّه يجب أن يحتفظ بحكم البراءة منهم، وإظهار السخط على ضلالهم، وإعلان الإنكار عليهم، مهما استطاع إلى ذلك سبيلا.
__________
(1) / الْمِلَلُِ: جمع مِلَّة، والنِّحَلُ: جمع نِحْلَة، وهما لفظتان قريبتان في المعنى، معناهما: الديانات، سواء أكانت سماويَّة أم وضعيَّة. (1/88)
صفحة 97
قالت الأمُّ: نعم، إنَّ التعامل لا يعني الرضا والمحبَّة، فهل ترى أنَّ عدمَ الرضا والمحبَّةِ كافٍ في البراءة.
قال الأب: إنَّ حكم الولاية والبراءة من أعمال القلوب، ويظهر على اللسان إذا كان ظهوره على اللسان لا يؤدِّي إلى المضرَّة، وهو يتَّصل اتِّصالا وثيقا بقاعدة أخرى من قواعد الإسلام، ربما جعلناها موضوع سمر في ليلة مقبلة.
قال نجيب: إِنَّ جوابك يا أبي عن السؤال الذي أثارته أمِّي يحتاج إلى مزيد من الإيضاح والبيان، فأنا لم أفهم ما تقصده فهما كاملا.
قال الأب: إنَّ الحكم بالبراءة على أعداء الله من العصاة والكافرين يتوقَّف على حال الفرد المؤمن والأمَّة المسلمة والدولة المسلمة.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب: في البراءة من الفاسق قد يكون إضمار الكراهة، وعدم إظهار الولاء والمحبَّة كافيًا للمؤمن إذا كان لا يستطيع أكثر من ذلك. وقد يجب عليه إظهار الكراهة والاحتقار للمعصية ومرتكبيها. وقد يجب عليه الأمر بترك المعصية والاستتابة منها، وقطع التعامل مع أهلها إذا أصرُّوا عليها.
هذا بالنسبة للفرد أمَّا بالنسبة للدولة فلها أحكام وواجبات خاصَّةٌ بها عندما تكون دولة مؤمنة قائمة بدين الله.
قالت الأمُّ: إنَّ تفصيل هذا قد يستغرق منك وقتا طويلا يا أبا نجيب. ولكن هل لك أن تقول لنا رأيك في المسايرة العمليَّة التي يقوم بها المسلمون للعصاة والكفَّار، وتبيِّن لنا موقف الإسلام من ذلك وحكمه عليه؟
قال الأب: ماذا تقصدين بالمسايرة العمليَّة؟
قالت الأمُّ: أن يرتكب الإنسان المعصية، أو أن يتخلَّى عن واجبٍ إرضاءً للناس. (1/89)
صفحة 98
قال الأب: هل لك أن توضِّحي سؤالك هذا يا أمَّ نجيب؟
قالت الأمُّ: يجتمع عدد من الناس من الذين لا يتَّقون الله، ولا يبالون من ارتكاب المعصية، وتَضطَرُّ ظروفُ الحياة أحدَ المسلمين المحافظين أن يكون معهم، فيشربون خمرا، أو يتناولون دخانا، أو يأكلون مالا مغصوبا، أو لحم ذبيحة لا تحلُّ، أو ما يشبه ذلك، فيرتكب معهم ما يرتكبونه، إمَّا حياء منهم، أو خوفا، أو اتِّقاء سخريتهم وهزئهم به، أو خشية أن يقولوا عنه: إنَّه رجعيٌّ وجامد ومتأخِّر، أو ما يشبه ذلك من الأقوال. وقد ينتقدون دينه الذي لا يساير العصر، ولا يسير مع ركب الحضارة والتقدُّم في زعمهم.
قال الأب: إنَّ ارتكاب المعصية كفر بنعمة الله مهما كانت الأسباب الداعية إليه، ولا يُقْدِمُ عليه إلاَّ رجل ضعيف الإيمان بالله. والتَّقِيَّة (1) لتنجية النفس أو المال إنَّما تجوز في القول ولا تجوز في العمل. فالمسلم الْمُجْبَرُ على ارتكاب المعصية لا يجوز له أن يرتكبها، ولو عُذِّب. فإذا كان التعذيبُ والقتلُ لا يُجَوِّزُ للمسلم ارتكابَ المعصية فكيف يُجِيزها ما دون ذلك؟. اللهمَّ إلاَّ ما أباحه الله لتنجية النفس عند الاضطرار إلى أكل الميتة. على أنَّني أخاف على من يرتكب المعصية حياء من شخص أو خوفا أن يكون عمله هذا شركا بالله، وخروجا عن الإسلام!.
قال نجيب: هل تقول يا أبي إنَّ المسلم الذي يشرب الخمر لأنَّه يساير جماعة شاربيه، أو يرتكب محرَّما آخر، أو يتخلَّى عن فريضة واجبة حتَّى لا ينعتوه بالتأخُّر أو التزمُّت مشرك؟
قال الأب: إنَّ الحكم بالشرك يا ولدي على رجل يقرُّ بالتوحيد أمر صعب، وأنا لم أحكم بهذا بعدُ، ولكنَّني قلت: إنَّني أخاف عليه أن يكون بعمله هذا ارتكب خصلة من خصال الشرك؛ فقد استهان بحكم الله،
__________
(1) / التَّقِيَّة أصلها من الوقاية وهي أن يظهر المرء غيرَ ما يُبطن. وهي تستعمل في حال الضرورة القصوى، اتِّقاءً لضرر محقَّق يصيبه بسبب اعتقاده. (1/90)
صفحة 99
واستحلَّ حرامه إرضاءً للمخلوق، وطلبا للزُّلْفَى (1) عنده. ولقد سمَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرياء بالشرك الأصغر (2). والرياء: إظهار عمل الطاعة طلبًا للمنزلة عند الناس، وابتغاءً لمحبَّتهم؛ فكيف بارتكاب المعصية وإظهارِهَا مجاراةً للناس، وابتغاءَ مرضاتِهِم والمنزلةِ عندهم؟!. إنَّ هذه الحالة من أخسِّ ما يصل إليه الإنسان. والرجل الذي يصل به الضعف إلى أن يجاري أعداء الله، فيرتكب معهم المعصية، ويُغضِبُ اللهَ ورسولَهُ ابتغاءَ مرضاة الكافرين والفاسقين بعيدٌ عن الإيمان بعدًا شديدًا!.
قال نجيب: ولكنَّ ظروف العمل قد تجبر الإنسان على أن يكون في محيطٍ هذا شأنُه!.
قال الأب: إنَّ حضور مجلس المعصية والمنكر معصية، اللهمَّ إلاَّ من ألجأته ضرورة لا يمكن الفِكَاكُ (3) منها، فإذا اضطرَّ المسلم إلى أن يحضر مجلسا يُرتَكَبُ فيه منكر، فعليه أن ينكر ذلك ويشدِّد في الإنكار، فإذا كان لا يستطيع ذلك فعليه أن يغادر مجلس المنكر ويبتعد عنه. فإن كان ذلك لا يمكنه، وكان مُجْبَرًا على حضور ذلك المجلس فلا أَقَلَّ من أن يُظهر التأفُّف والسُّخط وعَدَمَ الرضا، ولا يَحِلُّ له أبدا أن يشارك في ارتكاب المعصية، أو أن يظهر الرضا على ارتكابها. والمسلم يا ولدي يجب أن يكون حريصا على إيمانه، متينا في خُلُقه، ثابتا على مبدئه، لا يُظهر خلافَ ما يُبطِنُ، ولا يوافق على غير ما يعتقد، ولا يعمل عملا يرضي الناس ويُغضِب الله!.
قالت الأمُّ: لقد أثرت هذا الموضوع قاصدة، حتَّى يكون نجيب فيه على بيِّنة من أمره، ولا يخدعه المنافقون الذين يحسنون القول، ويساعدون الشيطان، فيزيِّنون للناس ما يَحِيدُ بهم عن سبيل الله.
__________
(1) / الزُّلفَى: القُربة والدرجة والمنزلة.
(2) / روى الإمام أحمد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُم: الشِّرْكُ الأَصْغَرُ»، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ ... ». أحمد: المسند، رقم 23680.
(3) / الفِكَاكُ منها: الانفلات والهروب منها. ومنه فكُّ الرقبة: وهو إطلاق سراحها وإعطاؤها الحرِّيَّة. (1/91)
صفحة 100
قال الأب: شكر الله سعيك وأثابك عليه.
قالت الأمُّ: هناك نقطة أخرى في الموضوع أريد أن نتحدَّث فيها قبل أن ننتقل إلى موضوع جديد.
قال نجيب: ما هي يا أمَّاه؟ فإنَّ أحاديثك شيِّقة.
قالت الأمُّ وهي تنظر إلى زوجها: قد يكون صاحبُ سلطة أو جاهٍ ممَّن لا يتَّقي الله ولا يرعى حدوده، فتجد الناس يتملَّقونه ويسايرونه على ضلاله، ويشاركونه في معاصيه مراضاة له، وقد يُهدون إليه من أموالهم، أو يشترون له أشياء محرَّمة، وقد يستضيفونه، وبما أنَّهم يعرفون أنَّه يستحلُّ ما حرَّم الله، فيقدِّمون له ما يشتهيه من خمر أو دخان أو غير ذلك ممَّا حرمه الله، ويعتذرون للناس ولأنفسهم عن عملهم هذا بأنَّ لهم عنده مصالح، ولا يقضيها لهم إلاَّ إذا جاءوه على هذه الطريقة.
قال الأب: إنَّ تقديم الرشوة في نفسه حرام إذا كان من مال حلال، فما بالك إذا اجتمعت فيه الصفتان! إنَّه رشوة وإنَّه من حرام، فإذا زيد له الوجه الثالث وهو تقديمه لغير حقٍّ تضاعفت حِرْمَتُهُ ثلاث مرَّات؛ ولا يقدم على ذلك إنسان وفيه ذرَّة من الإيمان، وبقيَّة من عزَّة الإسلام. إنَّ هذا تَدَهْوُرٌ كبير عن أخلاق المسلمين، وانحدارٌ عن مراتب الإنسانيَّة الكاملة. {لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22].
قال نجيب: إنَّ الله يحرِّم على المؤمنين محبَّة الكفَّار، فكيف تجوز مهاداتهم ومراضاتهم؟
قالت الأمُّ: هذا ما أريد أن تعرفه يا بنيَّ، فلقد كنتُ أسمع أنَّ ناسا يتقرَّبون إلى العصاة والمجرمين بما يُسخط اللهَ، ويعتذرون للناس عن (1/92)
صفحة 101
أنفسهم بأنَّهم يقضون بذلك مصالحهم، وهذا ضلال ما بعده ضلال!.
قال نجيب: لقد وردت في أحاديثنا كلمة الخمر عدَّة مرَّات، فما معناها يا أبي؟
قال الأب: إِنَّ الخمر كلمة تُطلَق على كل شراب يؤثِّر على العقل، وسمِّيت هذه الأنواع من الشراب خمرا، لأنَّها تخالط العقل؛ فلا يَعرِفُ الخطأ من الصواب. وقد حرَّم الله سبحانه وتعالى جميع أنواع الخمر على المسلمين، صيانةً لكرامة العقل أن تنحدر إلى أوصاف الجنون.
قال نجيب: إنَّني أسمع زملائي يتحدَّثون نقلا عن زملائهم الكبار، فيحسبون بعض الأنواع غير محرَّمة، ويقولون إنَّها عصير شعير، أو عصيرُ تِينٍ، أو ماء نخيل في العصير الذي يُستخرج من النخيل ... إلى آخره.
قال الأب: إنَّ جميع أنواع الخمر أصلها عصير فاكهة أو ثمار، وإنَّما حُرِّمت لِمَا اكتسبت من التخمُّر، وسواء في ذلك عصير النخيل أو التين أو الشعير أو العنب أو غيرها من أنواع العصير، والناس الذين يشربون هذه الأنواع من الشراب المحرَّم - وهم مقرُّون أنَّه حرام - عُصاةٌ فَسَقَةٌ. أمَّا أولئك الذين يحكمون بأنَّها حلال، فإنَّ حكمهم هذا يؤدِّي بهم إلى الشرك؛ لأنَّه استحلال لِمَا حرَّم الله، ووضعٌ لشرعٍ مخالفٍ لشرع الله، {أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].
قال نجيب: ما الفرق بين ارتكاب المعصية واستحلالها؟
قال الأب: إِنَّ الشخص الذي يعترف بأحكام الإسلام، ويغلبه الشيطان فيرتكب معصية، وهو مقرٌّ بأنَّها معصية، معترفٌ بحكم الله فيها، إنَّ هذا الشخص يُعتبَر فاسقا، أو منافقا، أو عاصيا، أو كافرا كُفْرَ نِعْمَةٍ، ولا يعتبر مشركا. أمَّا الشخص الذي يغيِّر حكم الله فيرتكب محرَّما، وهو يزعم أنَّ ارتكابه لذلك الحرام لا إثم فيه ولا معصية، أو يترك فريضة من (1/93)
صفحة 102
الفرائض وهو يزعم أنَّها فريضة، هذا الشخص يُحكَم عليه بأنَّه مشرك؛ لأنَّه منكِرٌ لحكم الله، مكذِّب له؛ وإنكارُ أحكام الله والتكذيبُ بها، أو لها، شركٌ بالله.
قال نجيب: الآن قد فهمت الفرق بينهما فهما كاملا.
قالت الأمُّ: هل هذا ما يقصده العلماء بقولهم: يُشْرِكُ المستحلُّ ولا يُشْرِكُ الفاعل؟.
قال الأب: إنَّ من يستحلُّ شراب الخمر أو قتل النفس أو الزنا مثلا يكون مشركا، لأنَّه مكذِّب بالله، رادٌّ لحكمه، أمَّا من يرتكب إحدى هذه المعاصي وهو مقرٌّ بأنُّ ارتكابها معصية نهى الله عنها، فيُحكم عليه بأنَّه كافر كفر نعمة، فهو يرادف معنى كونه فاسقا، أو منافقا، أو عاصيا، أو ما يشبه ذلك من الأحكام.
قالت الأم: إنَّ من يرتكب المعصية وهو مقرٌّ بِحِرْمَتِهَا لا يزال فيه بقيَّة من الحياء، ويُرجى منه التوبة والإقلاع والرجوع إلى حكم الله. أمَّا من يستحلُّها فلا يرجى منه ذلك؛ لأنَّه يرتكب ما يَحِلُّ له في زعمه، وينتهك ما حرَّم الله ديانةً (1).
قال الأب: هذه نظرة صحيحة للموضوع.
قال نجيب: وهل يُحكم بشرك المستحلِّ ولو لم يرتكب المعصية، كمن يستحلُّ الخمر ولم يشربها، أو يستحلُّ الزنا ولم يرتكبه؟
قال الأب: إنَّ الحكم بالشرك ترتب عليه باستحلاله ما حرَّم الله لا بارتكابه له.
قالت الأمُّ: وهل ينطبق الحكم على العكس؟
قال نجيب: تقصدين يا أمَّاه من يزعم أنَّ إحدى الفرائض غير واجبة، ومن يهمل أداءها؟
قالت الأمُّ: نعم يا ولدي، كمن يزعم أنَّ الزكاة أو الصوم أو الحجَّ غير
__________
(1) / ديانةً: أي يرتكب المحرَّم وهو يعتقد أنَّه حلال. (1/94)
صفحة 103
واجب، ومن يهمل القيام بها في وقتها المضيَّق (1).
قال الأب: ينطبق الحكم تماما؛ فمن أبطل فريضة فهو مشرك؛ لأنَّه مكذب لله، آتٍ بشرعٍ على هواه. والتارك له إهمالا وتهاونا كافرٌ كفرَ نعمة. والخلاصة أنَّ كلَّ من حرَّم حلالا مقطوعا به، أو حلَّل حراما مقطوعا به، أو أسقط فريضة واجبة فهو مشرك، وكلُّ من ارتكب شيئا من ذلك تهاونا فقط فهو كافر كفر نعمة.
قالت الأمُّ: أي أنَّ الإنسان الذي يُلِمُّ (2) بالمعصية، أو يتهاون بالطاعة فهو كافر كفر نعمة، ولا يُحكم عليه بالشرك.
قال الأب: نعم، هذا صحيح.
قال نجيب: أعتقد أنَّني فهمت هذا الموضوع فهما شاملا.
قال الأب: لا تزال هناك نقطة كان يجب أن نمرَّ عليها بالمناقشة في أوَّل السهرة، ونحن نتحدَّث عن الولاية والبراءة.
قال نجيب: وما هي يا أبي؟.
لم يسارع الأب إلى الجواب، وبقي نجيب ينتظر، فقالت الأمُّ: لعلَّ أباك يقصد ولاية البيضة.
قال نجيب: ما معنى البيضة يا أمَّاه؟
قالت الأمُّ: "بيضة المسلمين" أي جماعتهم، وتطلق هذه الكلمة - عند الحديث عن الولاية والبراءة - على الإمام العادل ومن يساعده على أمور المسلمين.
قال نجيب: يعني أنَّ كلمة "بيضة المسلمين" معناها الدولة الإسلاميَّة.
قالت الأمُّ: تقريبا، يقال: بيضة البلد، ويقصد بذلك أكبر القوم فيه، وأكبر القوم في الدولة إنَّما هو الإمام أو من يقوم مقامه ومن يساعده على القيام بأعباء الدولة.
__________
(1) / الوقت المضيَّق هو الذي لا يتَّسع لأداء الواجب إلاَّ مرَّة واحدة، وهو عكس الوقت الموسَّع.
(2) / يُلِمُّ بالمعصية معناه هنا: يقترفها. والأصل في اللَّمَم بالمعصية: الاقتراب منها. (1/95)
صفحة 104
قال نجيب: وهل تجب وَلاَية الدولة المسلمة ولو لم نعرف حالها؟
قال الأب: تجب ولاية السلطان ومَنْ تحتَ رعايته إذا اشتُهر بالعدل والوفاء بدين الله، والحرصِ على تنفيذ أحكامه، والمراقبة لعمَّاله. أمَّا إذا اشتُهر بالْجَوْرِ (1) وعدم الوفاء بدين الله، فتجب البراءة منه وممن يساعده على جوره وظلمه.
قالت الأمُّ: لقد شرح العلاَّمة أبو حفص عَمْرُو بن جُميع قاعدة الولاية شرحا جميلا.
قال نجيب: ماذا قال يا أمَّاه؟
قالت الأمُّ: قال أبو حفص: «الناس على ثلاثة أوجه: مسلم، ومنافق، ومشرك. والولاية على أربعة أوجه، وقيل سبعة:
1 - ولاية جملة المسلمين من عرفناه ومن لم نعرفه، الحيُّ منهم والميِّت، الإنس والجنُّ.
2 - وولاية المعصومين، هم الذين ذكرهم الله في كتابه وأثنى عليهم، فأوجب لهم الجنَّة، فالواجب علينا وَلايَتُهُم، ونشهد لهم بالجنَّة (2).
3 - وتجب علينا ولاية أنفسنا، وذلك بالتوبة والانقلاع من الذنوب. أمَّا ولاية الله عزَّ وجلَّ لعباده فمعرفته بهم، ومعرفة مآلهم ومنازلهم في الجنَّة.
4 - وولاية العباد لله تعالى: فالقبول لِمَا أمرهم به.
5 - وولاية البيضة: فالسلطان العادل، فالواجب علينا ولايته، وولاية كاتبه ووزيره وخازنه، وجميع من كان تحت لِوَائِهِ من المسلمين.
6 - وولاية كلِّ من رجع من الشرك إلى الإسلام، ومن أهل الخلاف إلى أهل الصواب إذا كان ورِعًا (3) في دينه.
__________
(1) / الْجَوْرُ: الظلم وعدم العدل.
(2) / استمرَّ المؤلِّف فذكر أسماءهم وأوصافهم كما ذكرهم الله تعالى في كتابه الكريم. (علي يحيى معمَّر).
(3) / الورع: اجتناب الشُّبهات خوفا من الوقوع في المحرَّمات. (1/96)
صفحة 105
7 - وولاية أطفال المسلمين. أمَّا أطفال المشركين والمنافقين فالوقوفُ فيهم.
أمَّا الولاية في ذاتها: فالودُّ بالْجَنَانِ (1)، والثناء باللسان.
فان قيل لك: بِمَ تجب؟ فقل بالعمل الصالح. ولمن تحب؟ فقل: لذي الهيئة الحسنة (2). ولا تجب إلاَّ لمن عُلم منه خير، وهو المستحقُّ لها.
فإن قيل لك: من يثاب عليها؟ فقل: المتولِّي لِمَن ذُكِرَ. وقيل: يثابان معًا. ومن تولَّى من لا تجب له الولاية فقد كَفَر. ومن أخَّرها بعد وجوبها فقد كفر.
وضدُّ الولاية البراءة، وضدُّ البراءة الولاية؛ فإذا وجبت الولاية لم تسقط إلاَّ بالبراءة. وإذا وجبت البراءة لم تسقط إلاَّ بالولاية.
والمسلمون إنَّما تجب ولايتهم بالوفاء في الدين.
وولاية الأشخاص تجب بأربعة أوجه: أن تَقْبَلَ الأذنان ما سَمِعَتَا، والعينان ما أبصرتا، ويوافِقُهُمَا القلب في ذلك. وعلى الشريعة. ومن لم يُوَالِ بعد هذه الوجوه كلِّها فقد كَفَرَ كُفْرَ نفاق.
ثمَّ انتقل إلى أحكام البراءة فقال:
والبراءة على أربعة أوجه، وقيل ستَّة:
1 - براءة الكفَّار جملةً، من عرفناه ومن لم نعرفه، الحيُّ منهم والميِّت، الإنس والجنُّ.
2 - وبراءة أهل الوعيد، وهم الذين ذكرهم الله في كتابه، فأوجب لهم النار، فالواجب علينا أن نبرأ منهم، ونعرف أنَّهم من أهل النار.
3 - وبراءة الأشخاص، [وهي] كلُّ من رأينا منه شرًّا تجب علينا براءته والقصد إليه بها.
4 - وبراءة السلطان الجائر، وبراءة كاتبه ووزيره وخازنه، وأمَّا من كان تحت لوائه فلا.
__________
(1) / الْجَنَان: القلب. وأصل الْجَنِّ: الستر، وسمِّي القلب جنانا لأنَّه مستتر في الصدر، ولأنَّ فيه أمورًا مخفيَّة لا يعلمها إلاَّ الله تعالى.
(2) / الحال المرضية لمن استوفى ما افترض الله عليه بالعمل أو القول، واجتنب ما نهاه الله عنه. (علي يحيى معمَّر). (1/97)
صفحة 106
5 - وبراءة كلِّ من رجع من الإسلام إلى الشرك، ومن أهل الصواب إلى أهل الخلاف. (1)
وسكتت الأمُّ، فالتفت إليها نجيب وقال: لقد لَخَّصت لنا موضوع نقاشنا في قاعدة الولاية والبراءة تلخيصا رائعا يا أمَّاه.
قالت الأمُّ: عليَّ أن أقول لكم: إنِّي تصرَّفت في الترتيب، فقد نقلت إليكم ما كتبه أبو حفص بنصِّه، ولكنَّني لم أتَّبع ترتيبه، كما أنَّني لم أذكر لكم أسماء الأشخاص التي أوردها.
قال الأب: كان يَحسُنُ بك أن تذكري لنا ما قاله شُرَّاح العقيدة في التفريق بين ولاية المنصوص عليه وغير المنصوص.
قالت الأمُّ: قال البدر الشمَّاخيُّ (2) في شرحه على العقيدة: «ومن ضيَّع ولاية من وجبت ولايته فقد كفر. فإن كان من المنصوص عليهم أو نزل فيه النصُّ بعد التضييع فهو مشرك. وقيل فيمن ضيَّع من نزل فيه النصُّ بعد التضييع أنَّه منافق بالتضييع. وقال في موضع آخر من شرحه لجملة «ومن تولَّى من لا تجب له الولاية»: «أي من كان فيه معنى بريء من مرتكبه كبعض الكبائر (3) فإن كان من المنصوص عليه في كتاب الله فتولاَّه فهو مشرك، ومن تولَّى غَيرَهُ منافقٌ، وكذا حُكْمُ من أخَّرها» (4).
قال الأب: يعني أنَّ من تبرَّأ من المنصوص عليهم بالخير فهو مشرك. أمَّا من تبرَّأ من غيرهم ممَّن تجب له الولاية فهو منافق. ومن أخَّرها عن المنصوص بعد قيام الحجَّة فهو مشرك. ومن أخَّرها عن غيرهم ممَّن تجب له فهو منافق. ومن تولَّى المنصوص عليهم العذاب فقد أشرك؛ وكذا إن أخَّر عنهم البراءة. أمَّا من تولَّى من تجب منه البراءةُ بغير النصِّ أو أخَّرها بعدما وجبت فقد كَفَرَ كفر نفاق.
قال نجيب: لقد عجبتُ من أمِّي يا أبي، فقد كنتُ أحسب أنَّها تحفظ
__________
(1) / مقدِّمة التوحيد، ص63 - 77.
(2) / هو أبو العبَّاس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشمَّاخي (تعالى: 928هـ/1522م): سكن يفرن، قرب طرابلس بليبيا، وتعلَّم على بد أبي عفيف صالح بن نوح التندميرتي، وغيره. وتنقَّل بين عدَّة مدن طلبا للعلم. له عدَّة مؤلَّفات، منها: كتاب السِّيَر، في التاريخ، ومختصر العدل والإنصاف، في أصول الفقه، ومشكل إعراب الدعائم ... ينظر: جمعيَّة التراث: معجم أعلام الإباضيَّة.
(3) / غموض ........... ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(4) / مقدِّمة التوحيد، ص70. بتصرف. (1/98)
صفحة 107
عقيدة التوحيد فقط، فإذا بها تحفظ شروحها أيضا!.
قالت الأمُّ: إنَّني لا أحفظ الشروح كلَّها، وإنَّما أحفظ شروح بعض الجمل منها، كالتي ذكرت لكما.
قال الأب: بارك الله لكَ في أمِّك يا بنيَّ، وبارك لها فيك.
قالت الأمُّ: وبارك الله لي في زوجي الحبيب، ولنجيبٍ في أبيه.
ونهض نجيب فألقى على أبويه تحيَّة المساء، وغادر أبويه إلى حجرته الخاصَّة. (1/99)
صفحة 108
[صفحة بيضاء] (1/100)
صفحة 109
الليلة السابعة:
القضاء والقدر. (1/101)
صفحة 110
[صفحة بيضاء] (1/102)
صفحة 111
الليلة السابعة:
اجتمعت الأسرة الصغيرة كما تجتمع كلَّ ليلة، وأحضرت الأمُّ إبريق الشاي معها، فقد أرادت أن لا تقوم أثناء الحديث، كما أنَّها لا تريد أن تكون هدفا لنكت زوجها اللاذعة!.
وسرح كلٌّ من الأبوين مع حديث نفسيٍّ بعيد عن موضوع الاجتماع. وانتظر نجيب أن يعود أحدهما من شروده الذي طال، ونقَّل بصره بينهما عدَّة مرَّات، حتَّى شعر بالسأم (1)، فقال: هل نواصل الحديث في موضوع السمر الماضي يا أبي؟
وعاد الأبوان من شرودهما على صوت نجيب، وقال الأب: ماذا كنت تقول يا نجيب؟
قال نجيب: أريد أن نبدأ سمرنا الممتع، فما هو الموضوع الذي سنتحدَّث عنه؟
قال الأب: إذا بدأنا الحديث فإنَّ الموضوع سوف يعرض نفسه علينا دون أن نبحث عنه.
قال نجيب: هل هذا معنى قولهم: «الحديث ذو شجون»؟.
قال الأب: يقصدون بذلك أنَّ الحديث يتشعَّب في موضوع، فلا
__________
(1) / السأم: الْمَلَل. يقال: سأَم، وسئِمَ، سَأَمًا وسآمةً. (1/103)
صفحة 112
تلبث أن تجد نفسك في موضوع ثان، دون أن تشعر بالانتقال، أو تنتبه إليه.
قال نجيب: حقًّا، إنَّ الإنسان عندما يتحدَّث ينتقل من موضوع إلى موضوع دون أن يدري.
قالت الأمُّ: لأنَّ الإنسان لا يملك القوَّة التي يُسيِّر بها الأشياء في الحياة، وإنَّما هو فرد تجري عليه أحكامٌ يَسِيرُ بها نظام العالم كلِّه.
قال نجيب: إنَّ تعبيرك هذا فلسفيٌّ بعيد المرمى؛ ولذلك فلم أستطع أن أحلِّق إليه، فهل لك أن تشرحي لي وِجْهَةَ نظرك يا أمَّاه؟
قالت الأمُّ: لعلَّ أباك هو الذي يتولَّى الحديث في الموضوع، ريثما أجهِّز لكما هذا الإبريق من الشاي.
قال الأب: ألا ترى أنَّ كلَّ إنسان يأمُلُ أن يكسب مالاً وفيرا، أو علما غزيرا، أو جاها كبيرا، أو محبَّة عند الناس، أو كلَّ ذلك، أو غيرَ ذلك ممَّا يطلبه الناس؟
قال نجيب: ذلك - فيما يبدو - ما طُبِعَ عليه البشر.
قال الأب: وهل يبلغ كلُّ واحد من الناس هذه الآمالَ التي جعلها نصب عينيه، وسعى إليها بما يملك من جهد وقوَّة؟
قال نجيب: إنَّ الناس في ذلك لا يتسَاوَوْنَ، فمنهم من تتحقَّق له كلُّ الآمال، ومنهم من يتحقَّق له بعضها، ومنهم يُخْفِقُ (1) فيها جميعا.
قال الأب: لماذا يا ترى تتحقَّق كلُّ آمال بعض الناس وتخفق كلُّ آمال بعض الناس الآخرين، بينما تتفاوت درجات البعض الآخر في مقدار ما يتحقَّق لهم من المطالب؟
قال نجيب: إنَّ هذا يرجع - فيما أرى - إلى استعداد كلِّ واحد منهم، ومقدارِ علمه بالطرق التي تؤدِّي إلى النجاح، ومدى معرفته بالعمل
__________
(1) / أخْفَقَ الرجلُ يُخْفِقُ: إذا طلب حاجة فلم يتمكَّن من الحصول عليها. (1/104)
صفحة 113
ومداومته، وإقباله عليه.
قال الأب: هل ترى أنَّ هذه هي كلُّ الأسباب التي تَنتُجُ عنها الفروقُ السابقة؟.
قال نجيب: هذا ما أظنُّه، وقد تكون أسباب أخرى لم أتفطَّن إليها الآن.
قال الأب: إنَّ بعض الناس يتَّخذ لنفسه غاية معيَّنة يريد الوصول إليها، ويتَّخذ لذلك جميعَ الوسائل الكفيلةِ بالتحقيق في نظره، ولكنَّه في آخر اللحظات يجد عائقا ليس في الحسبان، فيرتدُّ عن عزمه، ويُخفِق في تحقيق غايته، فكيف تعلِّل (1) إخفاقه هذا؟ إنَّه لم يقصِّر في الاستعداد، ولم يقصِّر في المعرفة، ولم يقصِّر في الجدِّ والمداومة والإقبال؟
قال نجيب: قد يكون العائق تقصيرا في إحدى هذه الأشياء، وقد يكون العائق شيئا فوق إرادته؟
قال الأب: ماذا تعني بقوله: «فوق إرادته»؟
قال نجيب: إذا كان الله لا يريد أن يتمَّ ذلك العمل.
قال الأب: هل تعتقد أنَّ إرادة العبد معلَّقة على إرادة الله؟
قال نجيب: هذا أمر طبيعيٌّ؛ فإنَّ الإنسان لا يستطيع أن يعمل عملا لا يريده الله، ولا أن يمتنع عن عمل قدَّره الله.
قال الأب: صدقت يا بنيَّ، وليس هذا الحكم على الإنسان فقط، وإنَّما هو على جميع المخلوقات؛ فلو أنَّ مَن في السماوات والأرض اجتمعوا على شيء لا يريده الله، فَإِنَّ ذلك الشيء لن يكون. ولو أنَّ السماوات والأرض اجتمعوا على منع شيء أراده الله لَمَا كان لاجتماعهم أثر.
قالت الأمُّ: وهذا معنى الإيمان بالقضاء والقدر.
قال الأب: هو ذلك، ولن يتمَّ إيمان الإنسان حتَّى يؤمن بالقضاء
__________
(1) / تُعلِّل: تُبرِّر وتفسِّر. (1/105)
صفحة 114
والقدر خيره وشرِّه أنَّه من الله.
قال نجيب: هل هناك فرق بين معنى القضاء ومعنى القدر؟ أم أنَّهما كلمتان تُطلَقان على معنى واحد؟
قال الأب: لكلٍّ منهما معنًى غيرُ المعنى الذي تطلق عليه الثانية.
قال نجيب: فما معنى كلمة القضاء؟
قال الأب: القضاء هو حكم الله على الخلق في الأَزَل. وَشَرَحَهُ العلاَّمة السالميُّ (1)
بقوله: «إن القضاء عبارة عن وجود المكوَّنات في اللوح إجمالا» (2).
قال نجيب: وما معنى القدر؟
قال الأب: هو تنفيذ قضاء الله على المخلوقات في ما يزال. وقد شرحه العلاَّمة السالميُّ بقوله: «القَدَر عبارة عن وجودها في الموادِّ تفصيلا» (3).
قال نجيب: وما معنى "الأَزَلِ" يا أبي؟
قال الأب: الأَزَل كوْنُ الله موجودا ولا شيء غيره من المخلوقات.
قال نجيب: وما معنى "ما يزال" يا أبي؟
قال الأب: هو الزمن الذي ظهرت فيه المخلوقات بإرادة الله على مسارح الكون في أوقاتها المختلفة. وظهور الأشياء في أوقاتها وأزمنتها حسب حكمة الله وإرادته هو ما يسمَّى بالقدر، فحكم الله بالمخلوقات جميعا - من أجسام وأعراض وغيرها - يسمَّى: القضاء. وتنفيذ إرادة الله بالخلق يسمَّى: القدر.
قال نجيب: يعني أنَّ الله عزَّ وجلَّ قضى قبل أن يخلق شيئا من الخلق أنَّنا سنجتمع هذه الليلة على هذه الهيئة، ونشرب كوب الشاي، ونناقش هذه المواضيع.
__________
(1) / السالمي: نور الدين أبو محمَّد عبد الله بن حُمَيْد (1284 - 1332هـ / 1867 - 1914م): فقيه مجتهد، ومصلح مجدِّد، وسياسيٌّ محنَّك. يعتبر أبرز علماء الإباضيَّة المشارقة في العصر الحديث. ولد ببلدة الحوقين، من أعمال الرستاق بعُمان. كفَّ بصره وهو صغير. من أساتذته: والده، وراشد بن سيف اللمكي، وماجد بن خميس العبري بالرستاق، والأمير صالح بن علي الحارثي بالشرقيَّة. تتلمذ على يديه أغلب زعماء النهضة العلميَّة والسياسيَّة بعُمَان. من أبرزهم: الإمامان سالم بن راشد الخروصي، ومحمد بن عبد الله الخليلي. أحيى الإمامة في عُمان. تآليفه تزيد على ثلاثين عنوانا في مختلف الفنون، أهمها: معارج الآمال، في الفقه، ومشارق أنوار العقول في أصول الدين، وطلعة الشمس في الأصول، وشرح الجامع الصحيح. ينظر: مصطفى شريفي: السالمي حياته وآثاره، 57 - 296.
ومن تآليفه: تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان، هذا الكتاب القيِّم الموجَّه أساسا للناشئة بأسلوب يسير، ومنهجيَّة محكمة، ندعو الله أن يوفِّقنا إلى إعداده للطبع ضمن مشروع: «العلوم الشرعية بأسلوب ميسَّر للناشئة»، هذا المشروع الذي افتتحناه بهذه الأسمار التي بين يدي القارئ الكريم.
(2) / ينظر: بهجة الأنوار، 1/ 134.
(3) / ينظر: المرجع نفسه. (1/106)
صفحة 115
قال الأب: نعم يا ولدي، وهذا ما يُطلق عليه القضاء، وتنفيذ هذا الحكم في هذا الزمان المقدَّر، والمكان المقدَّر، على الهيئة المقدَّرة في علمه تعالى هو ما يسمَّى بالقدر.
قال نجيب: وكلُّ ما يقع في الكون يجري هذا المجرى؟
قال الأب: نعم يا ولدي، فلا يقع شيء كبير ولا صغير إلاَّ بقضائه وقَدَرِهِ.
قال نجيب: هل تعني يا أبي أنَّ أعمال الإنسان مقدَّرة قبل أن يُخلق؟.
قال الأب: نعم يا ولدي، إِنَّ جميع ما يقع في الكون قُضِيَ به قبل عمليَّة الخلق، ثمَّ قُدِّر في أوقاته ومناسباته حسب علم الله وإرادته، وأُجرِيَ في أزمنته بظروفه.
قال نجيب: إذن فالأعمال العظيمة التي يقوم بها أبطال الإنسانيَّة في الحروب والسلام، وفي الاكتشاف والاختراع، هذه الأشياء كلُّها كانت مَقْضِيًّا بها قبل أن تظهر في أزمنتها التي ظهرت فيها، وعلى أيدي الناس الذين اكتشفوها.
قال الأب: ذلك لا ريب فيه.
قال نجيب: إذن ليس لأبطال الحروب والسلام وللمخترعين والمكتشفين وللفلاسفة والعلماء، وللعاملين من بناة الحضارات أيُّ فضل؛ لأنَّ جميعَ تلك الأعمالِ كانت ستقع بدون جهودهم.
قال الأب: إنَّ المؤمن يا ولدي لا ينكر فضل الناس وما قدَّموه من خير.
قال نجيب: إذا كان العمل الذي قاموا به قد سَبَقَ في علم الله أنَّه (1/107)
صفحة 116
سيكون، فما فضلهم في اكتشافه؟
قال الأب: يكفي لفضلهم أنَّ إرادة الباري عزَّ وجلَّ قد اختارتهم لتنفيذ القَدَر. فظهور الاكتشافات والاختراعات والعلوم على أيديهم فضلٌ كبير. ألا ترى أنَّ للرسل فضلا على جميع الخلق، وهذا الفضل جاءهم من اختيار الله لهم كي ينفِّذوا إرادته تعالى في تبليغ رسالته إلى الخلق. ولستُ أعني أنَّ العلماء ومَن ذكرتُهُ معهم يبْلُغون إلى مقام الرسل عليهم السلام، فهذا معنى لا يخطر على بال مؤمن، ولكنَّني أردت أن أضرب لك مثلا ليتَّضح لك المعنى الذي تسأل عنه.
قال نجيب: هذا صحيح يا أبي، ولكن لا يزال في الموضوع غموض.
قال الأب: إنَّ الله خلق الإنسان، وأودع فيه قُوًى على العمل والفهم والتفكير والكسب والاختيار، ثمَّ بَيَّن له - عن طريق رسله عليهم السلام - سُبُل الرشاد وسبل الضلال، وطالبه بالعمل الصالح.
قال نجيب: هذا برهان واضح يا أبي.
قال الأب: إذن لم يبق للإنسان إلاَّ أن يعمل حسبما طُلِب منه، وهو مُيسَّر لِمَا خُلِقَ له؛ فإذا قُدِّر له أن ينجح نَجَحَ، وإذا قُدِّر له أن يُخفِقَ أَخفَقَ.
قال نجيب: هل تضرب لي أمثله على ذلك يا أبي؟
قال الأب: قد قرأتَ وسمعت عن اكتشاف الذَّرَّة في هذا العصر.
قال نجيب: نعم يا أبي.
قال الأب: إنَّ عددا ضخما من العلماء كانوا يعملون جاهدين لهذا الاكتشاف، وكان كلُّ واحد منهم يحاول بكلِّ ما أوتي من علم وإمكانيات أن يسبق غيرَهُ إلى النتيجة، تؤيِّده في ذلك دولةٌ أو عدد من الدول.
قال الأب: ولكن واحدا منهم يفوز قبل الآخرين. (1/108)
صفحة 117
قال نجيب: هذا طبيعيٌّ.
قال الأب: مع أنَّ كلَّ واحد منهم قد بذل ما يملك من جهد، وله استعداده العلميُّ والماليُّ وغيره ممَّا يتطلبه هذا البحث الهامُّ.
قال نجيب: لا شكَّ أنَّ كلَّ واحد استعد للموضوع بكلِّ ما يملك من إمكانيات.
قال الأب: ويُحتمل أن يكون الذي سبق إلى الاكتشاف أقلَّ استعدادا من الآخرين بوجهٍ من الوجوه، وقد يُخفِقُ مَن كان يُتوقَّع له النجاح، وينجح من لم يُعلَّق عليه الأملُ في النجاح.
قال نجيب بعد تفكير: هذا محتمل.
قال الأب: وقِسْ على هذه الحالة جميعَ الأشياء التي تَمَّت على أيدي المخلوقين.
قال نجيب: حسنًا.
قال الأب: لماذا يفوز ذلك الشخص دون بقيَّة الأشخاص الذين اهتموا بالمسألة، وهم كلُّهم أُمروا بالعمل، فاستعدُّوا وجدُّوا في الكفاح؟
قالت الأمُّ: لأنَّ إرادة الله يسَّرته دون الآخرين للقيام بهذا العمل وقدر الله أن يكون هذا الاكتشاف على يده.
قال الأب: وهذا معنى قوله عليه السلام: «اعملوا فكلٌّ ميسَّر لِمَا خُلق له» (1). إنَّ الذي يُسِّر لاكتشاف الذَّرَّة اكتشف الذَّرَّة والذي يُسِّر لاكتشاف "البِنِسِلِينْ" (2) اكتشف "البِنِسِلِينْ"، والذي يُسِّر لاكتشاف أمريكا اكتشف أمريكا، والذي يُسِّر لاختراع الطائرة اخترع الطائرة، وهكذا ينفُذُ قضاءُ الله وقدرُهُ على أيدي المخلوقات حسبما يسَّره لكلٍّ منها، في جميع الجلائل (3) والدقائق ممَّا يحدث في الكون.
__________
(1) / ورد في مسند الربيع، في باب مَا جَاءَ فِي الْحُجَّةِ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ، رقم 796، 3/ 301. البخاري: كتاب القدر، باب {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [سورة الأحزاب: 38]، رقم 6231، 6/ 2435. مسلم: كتاب القدر، باب كيفيَّة خلق الآدميِّ في بطن أمِّه، رقم 2647، 4/ 2039. وروي في جلِّ الصحاح والمسانيد الأخرى.
(2) / البِنِسِلِينْ ( Pénicilline) دواء، مضادٌّ حيوي.
(3) / الجلائل: جمع جليل، وجلائل الأمور: هي الأمور العظيمة. (1/109)
صفحة 118
قال نجيب: وهكذا ننتهي إلى أنَّ كلَّ شخص سوف يصدر منه العمل الذي كان ميسَّرًا له.
قالت الأمُّ: هذا صحيح، فإنَّ الإنسان لا يستطيع أن يقوم إلاَّ بالعمل الذي يُسِّر له.
قال نجيب: وعلى هذا الأساس يصبح الشخص الذي قدَّم أعظم الأعمال فيما يعتقده الناس لم يقدِّم إلاَّ ما يسَّره الله له.
قال الأب: وهل يقع في الكون إلاَّ ما يريده الله ويُيسِّره؟
قال نجيب: فلماذا نُسْنِدُ الأعمال إلى الناس ونعترف لهم بالفضل؟
قال الأب: نعترف لهم بالفضل على جهودهم المبذولة، وكفاحهم المتواصل، وتفضيلهم السلوكَ في طريق الرشاد بدلا من طريق الغَيِّ (1)، و [نعترف لهم بـ]ـاختيار إرادة الله لهم ليقدِّموا لنا هذا الجميل.
قال نجيب: إنَّ الشكر لله لا لهم.
قال الأب: نعم، إنَّ الشكر لله، فإنَّ جميع النعم - ما ظهر منها وما بطن، وما عرفناه وما لم نعرفه - فإنَّما هي منه؛ ولكنَّ شكر الله على آلائه (2) التي لا تحصى لا يمنعنا مِن شُكْرِ الناس على ما لهم من فضل، وللناس فيما يقدِّمون من أعمال فضل وجميل يجب أن يُشكروا عليه.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب: أرأيت لو أنَّ أحد أصدقائك أهدى إليك كتابا، وأرسله مع خادمه أو ابنه أو أحد أصدقائك، أَلاَ تشكر من أوصل إليك هديَّة الصديق حين تتسلَّمها منه؟
قال نجيب: أشكره طبعًا.
قال الأب: لماذا تشكر الخادم؟ والهديَّة إنَّما جاءتك من الصديق لا من الخادم، فهو عبارة عن آلةٍ كُلِّفت بالتوصيل فأوصل إليك، ولو لم يَأْتِكَ به هو لأتاك به غيره.
__________
(1) / الغيُّ: الضلال والخيبة والفساد؛ ومنه قوله تعالى: {لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة: 256).
(2) / الآلاء: النِّعم، ومنه قوله تعالى: {فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} (سورة الرحمن). (1/110)
صفحة 119
قال نجيب: إنَّما أشكره على تكلُّفه التعبَ ومشقَّة السير إليَّ.
قال الأب: إنَّه لم يتكلَّف التعب من أجلك، ولم يكبِّد نفسه عناء السير لإرضائك، وإنَّما كان ذلك قياما بواجبه، وإرضاءً لمن أرسله؛ لأنَّه مكلَّف بذلك.
قال نجيب: إذن فنحن نعترف بفضل المخترعين والمكتشفين والعلماء، وكلِّ من أسدى جميلا إلى البشريَّة على أنَّهم قاموا بدور الخادم.
قال الأب: ما دمتَ قد اخترت هذا التعبير فهل ترى أشرف أو أكرم من أن تكون خادما لله تُوصِلُ نعمته إلى خلقه؟
قال نجيب: ليس فوق هذه المرتبةِ مرتبةٌ؛ فإنَّ أفضل الخلق من تَشَرَّفَ بنسبة عبوديَّته إلى الله، واختاره لحمل رسالته ونِعَمِهِ إلى خلقه. ثمَّ التفت إلى أمِّه وقال: هل لك يا أمَّاه أن تَختِمِي لنا هذا النقاش ببعض ما تحفظين؟
قالت الأمُّ: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبادة بن الصامت (1) رضي الله عنه: «إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ وَلَنْ تُؤْمِنَ وَتَبْلُغَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ». قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ خَيْرَ الْقَدَرِ وَشَرَّهُ؟ قَالَ: «تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، فَإِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ» (2).
وسئل رسول اله - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكتِهِ وكتبِهِ ولقائِهِ واليومِ الآخرِ، وأن تؤمن بالقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ أنَّه من الله تعالى» (3).
ورَوَى الحافظُ الحجَّة الربيع بن حبيب (4) عن أبي عبيدة مسلم (5) عن جابر بن زيد (6) قال: بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ». (7)
__________
(1) / عُبادَة بن الصامت: صحابيٌّ جليل من الأنصار، نزلت فيه آية: {وَمَنْ يَّتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} (سورة المائدة: 56). اشتغل في عهد خلافة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه معلِّما ومفقِّها للناس في دينهم. ولم يقبل أيَّ منصب من مناصب الحكم. وسافر بعهدها إلى الشام. وقد رأى ـ وهو في فلسطين ـ اعوجاج سيرة معاوية فناصبه العداء، وقال: «بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن لا نخاف في الله لومة لائم». ومن عظمته رضي الله عنه أنه شارك في جميع غزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي فتوح الشام، وشارك في جمع القرآن.
توفِّي رضي الله عنه بالرملة أو بيت المقدس سنة 34هـ، وعمره 72 عامًا.
(2) / رواه الربيع بن حبيب، بَابٌ فِي الْقَدَرِ وَالْحَذَرِ وَالتَّطَيُّرِ، رقم 72، 1/ 47. الترمذي: السنن، كتاب القدر، باب ما جاء في الرضا بالقضاء، رقم 2155، 4/ 457.
(3) / روي بلفظ قريب منه عند مسلم والترمذيِّ والنسائي وغيرهم. مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإبمان والإسلام والإحسان، رقم 8، 1/ 37. الترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي الإيمان والإسلام، رقم 2610، 5/ 6. النسائي: كتاب الإيمان وشرائعه، باب نعت الإسلام، رقم 4990، 8/ 98.
(4) / الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي البصري (75 - 170هـ/ 694 - 786م) ولد بقرة بودام في عُمان. رحل إلى البصرة، وأخذ العلم عن الإمام جابر، وتتلمذ خاصة على يد أبي عبيدة مسلم ومجموعة من مشايخ الإباضيَّة بالبصرة، وقد تولَّى إمامة الإباضيَّة بعد وفاة أبي عبيدة، وهو صاحب الجامع الصحيح، عمدة الإباضيَّة في الحديث.
(5) / أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء (145هـ/ 767م): أخذ العلم عن جابر بن زيد وجعفر السماك، وصحار العبدي. ترأَّس الإباضيَّة بعد وفاة الإمام جابر. وبإشارته أسس تلامذته ـ حَمَلَة العلم ـ في المغرب والمشرق دولا مستقلة. ويحسن بنا أن نسميه الأستاذ الناشر، لإعداده حَمَلة العلم، ولنشره المذهب الإباضيَّ مشرقا ومغربا. ينظر: محمَّد بن موسى باباعمي: المذهب الإباضي نشأته وآراؤه السياسية والعقديَّة. وجمعيَّة التراث: معجم أعلام الإباضيَّة.
(6) / أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الجوفي البصري العُماني (18 - 93هـ/ 639 - 711م) أصله من فرق، وهي قرية صغيرة قريبة من نزوى بعُمان. رحل في طلب العلم، وصاحب حبر الأمَّة ابن عبَّاس رضي الله عنه، وأخذ عنه وعن سبعين بدريًّا. يعتبر بحقٍّ أصل المذهب الإباضي وأُسَّه. وهو أوَّل من جمع الحديث في ديوان مفقود، ذكرت المصادر أنَّه حمل بعير.
(7) / مسند الربيع، بَاب [12] فِي الْقَدَرِ وَالْحَذَرِ وَالتَّطَيُّرِ، حديث رقم 71، 1/ 47. مسلم: كتاب القدر، باب كل شيء بقدر، رقم 2655، 4/ 2045. (1/111)
صفحة 120
قال نجيب: صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثمَّ قام فألقى تحيَّة المساء على أبويه وانصرف. (1/112)
صفحة 121
[صفحة بها بقية الهوامش] (1/113)
صفحة 122
[صفحة بيضاء] (1/114)
صفحة 123
الليلة الثامنة:
- المنكِر لحكم من أحكام الإسلام.
- المستحلُّ لِمَا حرَّم الله.
- المقارف للمعصية.
- التفاوت في المعاصي. (1/115)
صفحة 124
[صفحة بيضاء] (1/116)
صفحة 125
الليلة الثامنة:
اجتمعت الأسرة كما اعتادت بعد صلاة العشاء، وأحضرت الأمُّ معها الشاي جاهزا، فما جلسوا حتَّى أفرغت لكلِّ واحد منهم كوبا. وبدأ نجيب السمر هذه الليلة فقال: لقد بيَّنت لنا يا أبي الحكم فيمن أنكر شيئا مقطوعا به من الدين، وفيمن استحلَّ محرَّما، وفيمن ارتكب المعصية انتهاكا.
قال الأب: وهل تذكر أحكام هؤلاء جميعا؟
قال نجيب: نعم، إنِّي أذكرها، فإنَّ المنكر والمستحلَّ يُحكم عليها بأنَّهما مشركان. أمَّا الذي يرتكب المعصية، سواء أكانت عملا أم تركا، وهو يقرُّ بأنَّ عمله ذلك حرام، فيُحكَم عليه بالنفاق أو الفسوق أو كفر النعمة، كما سبق أن بيَّنتَ لي معنى هذه الكلمات الثلاثة.
قال الأب: أحسنت يا بنيَّ، فإنَّّ المنكر لشيء مقطوع به رادٌّ على الله، وهذا فيما يتعلَّق بالدين، أو فيما أثبته القرآن الكريم. أمَّا فيما يتعلَّق بأمور الدنيا فليس في ذلك محذور.
قال نجيب: أريد مزيد إيضاح لهذا الاستدراك يا أبي.
قال الأب: حسنا، ألا ترى أنَّ باريس مدينة موجودة مقطوع بوجودها. (1/117)
صفحة 126
قال نجيب: نعم، لا يشكُّ في ذلك أحد.
قال الأب: فإذا وجدت شخصا يُنكِر وجود ذلك فَبِمَ تحكم عليه؟
قال نجيب: لا أدري.
قال الأب: أحسنت في هذا الجواب، فإنَّ المؤمن يجب أن يكون وقَّافا فيما لا يدري. ألاَ ترى أنَّ مكَّة مدينة موجودة أيضا؟
قال نجيب: نعم، لا يشكُّ في ذلك أحد.
قال الأب: فلو وجدت شخصا ينكر وجود مكَّة كما وجدت شخصا ينكر وجود باريس فماذا تحكم عليه؟
توقَّف نجيب قليلا وفكَّر مليًّا (1)، ثمَّ قال: الحقيقة أنِّي لم أعرف الجواب.
قال الأب: أحسنت يا ولدي أيضا، إنَّ من ينكر وجود باريس أو أيَّ شيء من الأشياء التي يتحقَّق الناس وجودها لا يكون بذلك مرتكبا لشيء حرام، ولا يترتَّب عليه شيء. أمَّا الذي ينكر مكَّة أو أيَّ شيء ذكره القرآن الكريم وأثبت وجوده، فإنَّه يكون مرتكبا خصلةً من خصال الشرك، إذ يكون موقفه ذلك تكذيبا بما جاء به القرآن، وتكذيبُ كتاب الله شِرْكٌ. وكالمنكر لشيء مقطوع به من طريق الشرع المستحلُّ لِمَا حرَّم الله مِنْ عملٍ أو تركٍ؛ لأنَّ استحلاله تكذيبٌ لله عزَّ وجلَّ، وإنزالٌ لشرعٍ لم يأذن به الله، كما سبق أن تحدَّثنا عليه في سمر سابق. أمَّا الذي يرتكب المعصية وهو مقرٌّ بأنَّ عمله ذلك حرام فهو كافر كفر نعمة. وإن كانت المعاصي تتفاوت في فظاعتها وقبحها؛ ولذلك فقد اختلفت أحكام الله عليها في الدنيا، أمَّا في الآخرة فإنَّ الحكم على جميع من مات على معصية لم يتب منها فهو الخلود في دار العذاب.
قال نجيب: كيف تتفاوت المعاصي في فظاعتها يا أبي؟
__________
(1) / مليًّا: طويلاً، ومنه قوله تعالى على لسان والد سيِّدنا إبراهيم عليه السلام: {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} (سورة مريم: 46). (1/118)
صفحة 127
قال الأب: تتفاوت المعصية في فظاعتها من جهتين: الجهة الأولى في ارتكاب المعصية، والجهة الثانية في نوع المعصية.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟ كيف تتفاوت المعصية في ارتكابها؟
قال الأب: من الناس من يُلِمُّ بالمعصية لِغَلَبَةِ النفس أو الشيطان، شيطان الجنِّ أو شيطان الإنس، ولكنَّه سرعان ما يأسف على ما أَقْدَمَ عليه، ويندم على ما ارتكبه في جَنْبِ الله، ويتوب إلى ربِّه ويستغفره، ويعزم على عدم العودة إلى الذنب. ومن كان على هذه الحال يُرجى له الخير، ولا يُبرأ منه بعد التوبة؛ لأنَّ التوبة تمحو الذنوب.
قالت الأمُّ: وقد جاء في القول المأثور: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». وقال عزَّ وجلَّ في كتابة الكريم: {اِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الاَنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ اُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا} [النساء: 17 - 18].
قال الأب: صدقتِ فيما استشهدتِ به من القرآن ومن القول المأثور، فإنَّ فظاعة الذنب في الإصرار.
قال نجيب: وما معنى الإصرار يا أبي؟
قال الأب: أمَّا معناه في اللغة فهو الإقامة على الشيء والثباتُ فيه، وأكثر ما يستعمل في الشرور والآثام. أمَّا في الشرع فهو الإقامة على الذنب، ومعاودة ارتكاب المعصية، والإعراض عن التوبة، وعدم الإنابة إلى الله تعالى، وقد قال الله تعالى في كتابة الكريم: {وَالذِينَ إِذَا فَعَلُواْ (1/119)
صفحة 128
فَاحِشَةً اَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَّغْفِرُ الذُّنُوبُ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]. وقال في التنديد بالكفار: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح: 7]. وقال {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ اَثِيمٍ يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ اَلِيمٍ} [الجاثية: 7 - 8]. وقال: {اِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَالِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 45 - 46].
قال نجيب: إنَّ حالة المصرِّين تكاد تكون من أحوال المشركين.
قال الأب: إنَّ الفرق بينهما أنَّ العاصي المصرَّ مُقِرٌّ بالشهادة، معترفٌ بأحكام الله، ولكنَّ الإقرار باللسان مع المعصية بالجوارح هو كفر بالنعمة، ومرتكبه من أصحاب النار وإن لم يُحكم عليه بالشرك.
قال نجيب: هل يُبرأ من مرتكب الكبيرة يا أبي؟
قال الأب: إنَّ الناس في ذلك مختلفون يا ولدي.
قال الأب: إنَّ الرجل الذي يعرف عنه حسن الحال وتقوى الله إذا ارتكب كبيرة يُدعَى إلى التوبة أوَّلاً، فإن استجاب للتوبة، وندم على ما فعل، واستغفر ربَّه وأناب، بقي في الولاية، ولا تجوز البراءة منه.
قال نجيب: قلت يا أبي: إن المعاصي تتفاوت في فظاعتها فكيف ذلك؟
قال الأب: إنَّ المعاصي مختلفة في فظاعتها وفحشها، فمنها ما يهدم ركنا من أركان الدين، ومنها ما يضرُّ بالأمَّة المسلمة، ومنها ما يضرُّ بالدولة، ومنها ما يضرُّ بالمجتمع، ومنها ما يعود ضررها على مرتكبها (1/120)
صفحة 129
فقط. وقد تَوَعَّدَ الله مرتكب جميع أنواع المعاصي بالعذاب الأليم في الآخرة. أمَّا عقوبته في الدنيا فقد جعلها تتناسب مع فظاعة المعصية وفحشها.
قال نجيب: هل تذكر لي أمثلة لذلك يا أبي؟
قال الأب: يسافر مسلمٌ إلى بلاد غير إسلاميَّة، فيدخل مطعما، ويُقَدَّم له طعام يشتمل على أنواع من اللحم غير المذكَّى (1)، أو على لحم خنزير، فيلتهمه في نَهَمٍ، وهو يعرف أنَّه حرام، ويقرُّ بذلك.
قال نجيب: ما الحكم على هذا الرجل يا أبي؟
قال الأب: الحكم على هذا الرجل واضح لا يحتاج إلى سؤال، فقد ارتكب كبيرة لأَكْلِهِ الحرامَ؛ فهو بذلك عاصٍ يستحقُّ البراءة، إلاَّ أنَّ معصيته من النوع الذي لا يضرُّ إلاَّ صاحبَهُ.
قال نجيب: ألا يعتبر هذا الرجل مضطرًّا؟
قال الأب: وما وجه الضرورة والبلد مشحون بالطيِّبات؟
قالت الأمُّ: إنَّه يستطيع أن يتأكَّد من الذكاة أو أن يشتري لنفسه ما يطمئنُّ إلى أنَّه حلال، وفي إمكانه أن يستغني عن اللحوم في المدَّة التي يقضيها في بلاد الشرك والوثنيَّة.
قال الأب: ويفتتح إنسان متجرًا لبيع الموادِّ الغذائيَّة أو غيرها من الموادِّ الضروريَّة التي يحتاجها الناس كلَّ يوم، فيتعامل مع الناس بالربا، أو يحتكر الأقوات الضروريَّة لأوقات الغلاء، وذلك بأن يشتريَهَا جملةً من السوق ثمَّ يبيعها بالتفصيل عندما تُفقَد؛ وبذلك يستغلُّ ضعف الفقراء ليزيد إلى ثروته التي كوَّنها بالحرام مزيدا من الثروة.
قال نجيب: هذا سلوك دنيء وخُلُقٌ ذميم!.
قال الأب: هل حرَّم الله غير السلوك الدنيء والخُلُقَ الذميم؟ أليس
__________
(1) / غير المذكَّى: هو ما لم يُذبح على الطريقة الإسلاميَّة. (1/121)
صفحة 130
هذا ضارًّا بالمجتمع؟
قال نجيب: إنَّ هذا يضرُّ بالمجتمع ضررا بالغا.
قال الأب: ويتسلَّح آخر فيقطع الطريق، ويهجم على أبناء وطنه، يقتل، ويحبس، ويصادر الأموال، ليصل إلى الحكم، وليستولي على الأموال.
قال نجيب: هذا مضرٌّ بأمن الأمَّة والدولة.
قال الأب: إنَّ جميع ما حرَّمه الله فيه مضرَّة، إمَّا بالفرد أو بالمجتمع أو بالدولة، وما ذكرت لك إلاَّ أمثلة فقط لأنواع من المعصية تتفاوت في فُحْشِهَا وفظاعتها، وقد شدَّد الله أنواع العقوبة على أنواع المعاصي حسب فحشها وفظاعتها، واكتفى في بعض المعاصي بالعذاب في الآخرة دون النكال (1) في الدنيا.
قال نجيب: هل تذكر لي يا أبي أمثلة من أنواع العقوبة على المعاصي في الدنيا؟
قال الأب: قَطْعُ الطريق جريمةٌ تُقلِقُ الأمَّة، وتهدِّد الأمن، وتسدُّ سبل الرزق في أوجه الناس.
قال نجيب: هذا صحيح، فما عقوبتها الدنيويَّة في حكم الإسلام؟
قال الأب: قال الله تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّمَا جَزَآؤُاْ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الاَرْضِ فَسَادًا اَنْ يُّقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ اَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الاَرْضِ ذَالِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33].
قالت الأمُّ: قال الأستاذ سيِّد قطب في تفسير هذه الآية ما يأتي: «ولأمر ما قال النصُّ: {الذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، والخارجون بالقوَّة المسلَّحة على نظام الجماعة لا يحاربون الله على ظاهر النصِّ؛
__________
(1) / النكال: العقاب بأنواعه، كالحدود والتعزيرات، ليكون عبرة لغيره. ومنه قوله تعالى: {اِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيمًا} (سورة المزَّمِّل: 12). (1/122)
صفحة 131
لأنَّ الله لا يحاربه العباد بالسيف، وقد لا يحاربون رسول الله بشخصه - صلى الله عليه وسلم -، فقد يكونون من المسلمين الخارجين عن النظام في غير عهد رسول الله ... إنَّما أراد بحربِ الله ورسوله حربَ شريعة الله وشعائره وحُرُمَاتِهِ وتهديد الجماعة الإسلاميَّة التي كَفَلَت لها الشريعة الإسلاميَّة حرماتها جميعا إلاَّ بحقها؛ وإنَّما أراد بهذا النصِّ أنَّ السلطان الذي يحقُّ له أن يعاقب الخارجين بعقوبة الله هو السلطان الذي يقوم على شريعة الله ورسوله، وينفِّذ شريعة الله ورسوله، فأمَّا الذين يخرجون على نظام غير نظام الله ورسوله فليس لأحد أن يأخذهم باسم هذه الشريعة، ولا أن يعاقبهم بعقوبات هذه الشريعة.
نُقرِّر هذا بوضوح لأنَّ بعض أذناب السلطة في كلِّ زمان كانوا يُفتون لِحُكَّامٍ لا يستمدُّون وجودهم من شريعة الله، ولا يقومون على تنفيذ هذه الشريعة، يفتون لهم بأن يأخذوا الخارجين عليهم بتلك العقوبات باسم شريعة الله؛ لهذا كان النصُّ: {الذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الاَرْضِ فَسَادًا}، يسعون في الأرض فسادا بمحاربتهم الله ورسوله، وبانتهاكهم بالقوَّة حرمات الله ورسوله، وباعتدائهم المسلَّح على أمن الجماعة القائمة بشريعة الله ورسوله» (1)
قال نجيب: لقد قرأت الآية من قبل ولكن لم يتَّضح لي هذا المعنى، أمَّا الآن وقد سمعتُ ما نَقَلْتِهِ يا أمَّاه فقد اتَّضح لي المعنى، وفهمت لماذا نصَّت الآية الكريمة أنَّ جريمة المحاربين الموجَّهة إلى الله ورسوله إنَّما هي موجَّهة إلى شريعته، وأنَّ الذين لا يعملون بهذه الشريعة، ولا يتَّبعون
__________
(1) / في ظلال القرآن، 2/ 878. (1/123)
صفحة 132
أحكامها في أنفسهم، لا يحقُّ لهم أن يطبِّقوا عقوبتها على غيرهم.
قالت الأمُّ: إنَّك سوف تقرأ لأعلام الإسلام من القدماء والمعاصرين وستزداد فهما وعلما.
قال الأب: لقد أحسنَتْ أمُّك يا نحيب فيما قالته لك، فهل لك أن تعود إلى الموضوع.
قال نجيب: إنَّني في شوق إلى ذلك.
قال الأب: الزنا جريمة تلوِّث أعراض الناس، وتخلط بين أنسابهم، وتشيع الفاحشة في الأمَّة، فحَكَمَ الله على مرتكبها بالرجم إذا كان مُحْصَنًا، وبالجلد إذا كان بِكْرًا. وهذه العقوبة الفظيعة تناسب فظاعة هذه الجريمة وفحشها.
قال نجيب: ما معنى الرجم يا أبي؟
قال الأب: يؤخذ الزاني إذا كان محصنا، فتحفر له حفرة، ويُدفَن إلى السُّرَّة (1) إن كان رجلا، وإلى الإبطين (2) إن كان امرأة، ثمَّ يرمى بالحجر والتراب والعظام وغيرها ممَّا تقع عليه اليد حتَّى يموت.
قال نجيب: وما معنى المحصن يا أبي؟
قال الأب: المحصن هو الذي سبق له أن تزوَّج زواجا شرعيًّا، سواء بقي على زواجه حين ارتكابه الزنا، أو صار بدون زوج.
قال نجيب: ولماذا خفَّف الله عن الزاني إذا كان بكرا وشدَّد عليه حين يكون محصنا.
قالت الأمُّ: لقد تحدَّث على ذلك الأستاذ سيِّد قطب فقال: «فترى أنَّ عقوبة البكر هي الجلد، وعقوبة المحصن هي الرجم؛ ذلك أنَّ الذي سبق له الوطء في نكاح صحيح – وهو مسلم حرٌّ بالغ - قد عرف الطريق الصحيح النظيف وجرَّبه، فعدوله عنه إلى الزنا يَشِي (3) بفساد
__________
(1) / السرَّة: التجويف الصغير المعهود في البطن.
(2) / الإبط: باطن المنكب.
(3) / وَشَى يَشِي، بمعنى: يُظهِر، أو يدلُّ على فساد فطرته. وأصله مِن استوشَى الحديث: أي استخرجه بالبحث. (1/124)
صفحة 133
فطرته وانحرافها؛ فهو جدير بتشديد العقوبة. بخلاف الغُفْلِ (1) الغِرِّ (2) الذي قد يندفع تحت ضغط الميل وهو غَرِيرٌ» (3).
قال نجيب: تعليل معقول جدًّا.
قال الأب: أمَّا الذي يَعْمَدُ إلى إنسان آمِنٍ فيقتله فقد حكم الله عليه بالقتل، يقول الله تعالى في كتاب الكريم: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَى بِالاُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنَ اَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ اِلَيْهِ بِإحْسَانٍ ذَالِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اِعْتَدَى بَعْدَ ذَالِكَ فَلَهُ عَذَابٌ اَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي اْلقِصَاصِ حَيَاةٌ يَآ أُوْلِي الاَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 178 - 179].
قالت الأمُّ: إنَّه العدل المطلق يا ولدي، فمن أزهق روحا بشريَّة يجب أن تُزهق روحهُ، إلاَّ أن يعفُوَ أولياءُ المقتول.
قال الأب: أمَّا شرب الخمر فجريمة تؤثِّر على العقل، أكرم ما خلق الله في الإنسان؛ ولذلك جعل الله عقوبة شارب الخمر أن يُجلَد.
قالت الأمُّ: إنَّ شارب الخمر أراد أن يفرَّ عن واقع الحياة بشعوره وإحساسه، فجعل الله عقوبته أن يُجلد حتَّى يُحِسَّ الألم ويشعر به.
قال الأب: أمَّا الربا فجريمة تضرُّ بالمجتمع، وتُكوِّن من الناس طبقات تَستعبِدُ بعضَهم بعضًا، ويُثري فيها ناس على حساب الآخرين، فأعلن الله الحرب على الْمُرَابِينَ (4)، ولم يعيِّن له عقوبة محدَّدة، وإنَّما ترك ذلك لنفسه، والذي يُنزل عليهم ما يشاء من عقوبة في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
قالت الأمُّ: قال الله تعالى في كتابه الكريم: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَآ إِن كُنتُم مُّومِنِينَ فَإِن
__________
(1) / الغُفل: جمعه أغفال، وهو الذي لا يُرجى خيره، ولا يُخشى شره.
(2) / الغِرُّ: الشابُّ الذي لا خبرة له.
(3) / في ظلال القرآن، 4/ 2478.
(4) / المرابين: جمع مُرابٍ، وهو الذي يتعامل بالربا. (1/125)
صفحة 134
لَّمْ تَفْعَلُواْ فَاذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278 - 279].
قال الأب: وهكذا ترى أنَّ العقوبة التي جعلها الله على الكبائر التي حرَّمها تتناسب مع فحشها وفظاعتها.
قال نجيب: وحُكم البراءة ينطبق على جميع من ارتكب كبيرة من الكبائر، سواء كانت عليه عقوبة في الدنيا أو لم تكن.
قال الأب: إنَّ حكم البراءة إنَّما جُعل من أجل المعصية؛ لأن من جاهر الله تعالى بالمعصية فقد عاداه، وما كان لمؤمن أن يَتَّخذَ من أعداء الله وليًّا، فإنَّ كلَّ من ارتكب المعصية في غضب الله إلى أن يتوب.
قال نجيب: وهل باب التوبة يبقى مفتوحا حتَّى لأولئك المجرمين الذين أوقع عليهم أشدَّ العقاب؟
قال الأب: إنَّ باب التوبة يبقى مفتوحا للجميع إذا تَمَّت بشروطها، ورحمة الله تبارك وتعالى تقتضي أن لا يُغلق بابه دون من يَلجَأُ إليه، ويُسْلِمُ إليه وجهَه.
قال نجيب: هل تذكر لي شروط التوبة يا أبي؟
قال الأب: إنَّ سمرنا الليلة قد طال، وحسبنا ما أَفَضْنَا فيه من حديث، واذْكُرِ الآياتِ الكريمةَ التي تلتها علينا أمُّك، وتأمَّلْ معانيها، فإنَّك سوف تستروح (1) منها ما يقوِّي الإيمان من قلبك، والاطمئنان إلى نفسك.
فقام نجيب وألقى على أبويه تحيَّة المساء وانصرف إلى حجرة النوم.
__________
(1) / تستروح: تعرف وتجد الريح والراحة. (1/126)
صفحة 135
[صفحة بها بقية الهوامش] (1/127)
صفحة 136
[صفحة بيضاء] (1/128)
صفحة 137
الليلة التاسعة:
حكم المستحلِّ بتأويل الخطأ.
حكم الناسي.
حكم الجاهل.
الابتلاء ومقارفة المعصية. (1/129)
صفحة 138
[صفحة بيضاء] (1/130)
صفحة 139
الليلة التاسعة:
توافد أفراد الأسرة إلى حجرة الاجتماع بعد صلاة العشاء متتابعين، وكانت الأمُّ آخرَ الأسرة حضورا، وبين يديها إبريق الشاي.
قالت الأمُّ: ما رأيكما في الشاي على الطريقة الليبيَّة؟
قال الأب: قد يسبِّب لك تعبا أكثر، ونحن نطلب راحتك.
وقال نجيب: قد يَشْغَلُكِ عن مشاركتنا بآرائك القيِّمة، وأنا في أشدِّ الحاجة إلى كلِّ توجيهاتك الرشيدة.
قالت الأمُّ: أمَّا جهة التعب فتعبي من أجلكما راحة، وأمَّا من حيث الحديث فإنَّه يَلَذُّ لي أن أسمعكما، وإذا خطر لي رأيٌ فإنَّني أقوله.
التفت نجيب إلى أبيه وقال: في أسمارنا الماضية ذكرتَ الناسي وأنت تتحدَّث عن المنكِرِ والمستحلِّ والمحرِّم، فهل للناسي حكم خاصٌّ به يا أبي؟
قال الأب: هل اتَّضح لك الحكم على المنكر والمستحلِّ والمحرِّم، ومعنى ما تدلُّ عليه هذه الكلمات يا بنيَّ؟
قال نجيب: إنَّ المنكِرَ حسبما فهمت هو الذي يُنكِر خبرًا أو حكما مقطوعا به عن طريق الشرع، والمستحلُّ هو الذي يحلِّل ما حرَّم الله، أو يحرِّم ما حلَّل الله دون استناد إلى دليل شرعيٍّ، والحكم على هذين النوعين (1/131)
صفحة 140
هو الشرك، فإنَّ كلاًّ منهما مكذِّب لله، رادٌّ لشرعه. أمَّا المحرِّم فهو الذي يرتكب المعصية وهو يقرُّ أنَّ عمله ذلك حرام، وهذا النوع يُحكَم عليه بكفر النعمة أو النفاق كما سبق أن عرفت.
قال الأب: أحسنت بقي لي أن أقول لك أنَّ كلمة المستحلِّ قد تطلق على الشخص الذي يفعل الذنب وهو يعتقد أنَّه غير ذنب لشبهة تمسَّك بها، أو لتقليده من تمسَّك بالشبهة.
قالت الأمُّ: يعني أنَّ من يستحلُّ ما حرَّم الله من عمل أو تركٍ لا يخلو إمَّا أن يفعل ذلك مكابَرَةً (1) وعنادا، وإمَّا أن يفعل ذلك استنادا على فهم خاطئ لحجَّة من حجج الشرع.
قال الأب: لقد أحسنتِ التلخيص أيَّتها الزوجة المسلمة.
قال نجيب: أمِّي تحسن الفهم والتعبير دائما يا أبي، وقد فهمتُ الفرق بين النوعين فما الحكم عليهما؟.
قال الأب: أمَّا النوع الأوَّل فيُحكم عليه بالشرك كما سبق، أمَّا النوع الثاني فيُحكم عليه بالنفاق، ولكنَّه يُشدَّد عليه في توبته، فيطلب منه أن يذكر جميع الآثام التي ارتكبها مستحلاًّ لها عندما يتوب، ولا يجزيه أن يتوب توبة إجمالية من ذنوبه؛ وذلك لأنَّه ارتكب الذنب، وأخطأ في الفهم والتأويل، وحَكَمَ بالخطأ على مُخَالِفِهِ وهو مصيب.
قال نجيب: إنَّ هذا واضح جدًّا يا أبي.
قالت الأمُّ: وهي تمدُّ إلى كلِّ واحد منهما كوبا صغيرا من الشاي بقي أن تتحدَّثا في النسيان.
قال الأب: لقد شدَّد العلماء في الناسي تشديدا كبيرا.
قال نجيب: لقد كنتُ اعتقد أنَّ النسيان من طبائع البشر، وأنَّه لا يوجد شخص لا ينسى، فهل يكون النسيان معصية؟
__________
(1) / المكابرة: المغالبة والتحدِّي والعناد. (1/132)
صفحة 141
قال الأب: إنَّ ما رأيته صحيح إلى حدٍّ ما يا ولدي، فإنَّ النسيان من طبع البشر، غير أنَّ النسيان قد يترتَّب عليه الإهمال وعدم العناية.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب: ألم تحفظ محفوظات في سنوات دراستك الأولى؟.
قال نجيب: لقد حفظت في كلِّ سنة جميع المحفوظات المقرَّرة في المنهج الدراسي.
قال الأب: هل بقيت في ذاكرتك جميع المحفوظات التي حفظتها في السنوات الدراسيَّة المختلفة ولم تنس منها شيئا؟.
قال نجيب: بل إنَّ كثيرا من المحفوظات التي حفظتها في السنوات الأولى من دراستي قد نسيتها أو نسيت بعضها.
قال الأب: هل تعرف لماذا نسيت تلك المحفوظات؟
قال نجيب بعد تفكير وتأمُّل: ربما لأنَّني لم أراجعها بعدَ ذلك.
قال الأب: ألا ترى أنَّ عدم مراجعتك لها يعني الإهمال لها والتهاون بها؟.
قال نجيب: قد يكون ذلك بسبب الإهمال.
قال الأب: فهذا نسيان بسبب التهاون والإهمال.
قال نجيب في خوف وإشفاق: فهل يعتبر ذلك منِّي معصية؟
قال الأب: هذا يرجع إلى نوع العلم أو العمل الذي وقع عليه النسيان.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب: إنَّك تحفظ أجزاء من القرآن الكريم.
قال نجيب: نعم، إنِّي أحفظ ثمانية أجزاء من القرآن الكريم، وأحفظ عددا من الآيات الكريمة من سور مختلفة. (1/133)
صفحة 142
قال الأب: إنَّ القرآن الكريم كتاب الله الذي يجب على المسلم أن يدرسه، وأن يتقرب إلى الله تعالى بتلاوته، وأن يتفهَّم معانيه، ويتدبَّر مغازيه (1)، مستعينا بكتب التفسير واللغة.
قال نجيب: هذا صحيح يا أبي.
قال الأب: هَبْ (2) أنَّ شخصا بعد أن حفظ ما تيسَّر من كتاب الله أهمله فلم يدرسه، ولم يعْتَدْ تلاوته، ولم يتفكَّر في معانيه، والأحكامِ المستقاة منه، حتَّى مرَّ عليه وقت طويل؛ فلمَّا أراد أن يرجع إليه وجد نفسه قد نسيه أو نسي بعضه؛ ألا يكون هذا النسيان تهاونا بكتاب الله، وإعراضا عنه، وإهمالاً له؟
قال نجيب: إنَّه كذلك.
قال الأب: أَتَرَى أنَّ التهاون بكتاب الله والإعراضَ عنه ونسيانَه شيء يسيرٌ من طبع البشر؟.
قال نجيب: معاذ الله أن أرى ذلك، إِنَّ هذا إثم عظيم.
قالت الأمُّ: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نظرت في ذنوب أمَّتي فلم أَرَ ذنبا أعظَمَ من ناسي القرآن» (3).
قال نجيب: صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال الأب: إنَّ العلماء - وهم يتكلَّمون عن النسيان - يشيرون إلى الإهمال والإعراض والتهاون، حتَّى يصبح الشيء الذي عرفه الشخص معرفةً كاملة، أو حفظه حفظا صحيحا تامًّا، كأنَّه لم يعرفه ولم يحفظه. ولإيضاح هذا المعنى سمَّوْهُ بالرجوع عن العلم، فقالوا: الناسي راجِعٌ عن علمه.
قال نجيب: كنتُ أعتقد أنَّ النسيان أمر بسيط لا يؤاخِذُ الله عليه.
__________
(1) / مغازي: جمع مَغْزًى، أي المقصود من الكلام والمراد منه.
(2) / هَبْ: تصوَّرْ أو تخيَّلْ.
(3) / رواه الترمذيُّ وأبو داود. ونصُّه عند الترمذيِّ: « ... وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا». وقَالَ: «حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ». الترمذي: السنن، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفا من القرآن ما له من الأجر، رقم2916، 5/ 178. أبو داود: السنن، كتاب الصلاة، باب في كنس المسجد، رقم 461، 1/ 126. (1/134)
صفحة 143
قال الأب: هناك فرق بين نسيان يترتَّب عن إهمال وإعراض حتَّى يصبح في درجة الجهل، ونسيانٍ عَارِضٍ (1) يَذْهَلُ فيه الإنسان عن شيء حتَّى يذكِّره أحد فيتذكَّر.
قالت الأمُّ: مثلُ ما وقع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد صلَّى بأصحابه في صلاة رباعيَّة ركعتين، فذكَّره ذو اليدين (2)، فَأَتَمَّ بهم ركعتين.
قال الأب: هذا النوع من النسيان الذي يأتي عن ذَهْلٍ لا يخلو منه إنسان، وفيه قال - صلى الله عليه وسلم -: «رُفع عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهُوا عليه» (3).
قال نجيب: إنَّه فارق دقيق ولكنَّه حقٌّ.
قال الأب: وهل تجد في أحكام الإسلام باطلاً؟!.
قال نجيب: مَعَاذَ الله يا أبي! إن الدين الذي يختاره العليم الحكيم ليكون دين البشر جميعًا، ويَختِمُ به جميعَ الأديان لا يكون به باطل ولا نقصان، فإنَّ الباطل والنقصان لا يلحقان إلاَّ أعمال المخلوق.
قالت الأمُّ: إنَّ تفسير النسيان والإهمال والإعراض هو ما يُفهَم من كثيرٍ من آيات القرآن الكريم.
قال نجيب: هل تذكرين لي أمثلة على ذلك يا أمَّاه؟
قالت الأمُّ: قال تعالى:
- {الذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِئَايَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51].
- {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67].
- {وَلاَ تَكُونُوا كَالذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمُ أَنفُسَهُمُ أُوْلَئِكَ هُمُ
__________
(1) / النسيان العَارِض: هو النسيان العادي السريع الزوال، والذي يعرض لكلِّ إنسان.
(2) / رواه الشيخان وغيرهما، ونصُّه عند البخاري: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - انْصَرَفَ مِنِ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ». البخاري: الصحيح، كتاب الأذان، باب هل يأخذ الإمام إذا شكَّ بقول الناس، رقم 682، 1/ 252. مسلم: الصحيح، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، رقم 573، 1/ 403 - 404.
(3) / رواه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، رقم 2043، 1/ 659. (1/135)
صفحة 144
الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 19].
- {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَالكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَالكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه: 125 - 126].
فإنَّ النسيان في هذه الآيات وأمثالها يدلُّ على الإهمال والإعراض، لا على الذهول والغفلة.
قال نجيب: لا سيما قوله تعالى: {فَنَسِيَهُم}، {وَكَذَالكَ الْيَوْمَ تُنسَى}، فإنَّه لا يمكن تفسيره إلاَّ بإهماله تعالى لهم، وعدم نظره تعالى إليهم برحمته؛ لأنَّهم أعرضوا عنه وأهملوا آياته، فلم يعلموا بها، وكذَّبوا بلقائه، فجازاهم عن إعراضهم عن دينه بالإعراض عنهم، والاستهانة بدعائهم، وهم في النار كالحون (1).
قال الأب: أصبتَ يا ولدي. وعلى هذا فالنسيان الذي جاء فيه الوعيد يكون في نسيان القرآن الكريم؛ لأنَّنا متعبَّدون بتلاوته وحفظه، والعمل بما جاء فيه، وفي نسيان العلم الواجب بالإهمال الذي يؤدِّي إلى الجهل، وهذا ما يُعبَّر عنه بالرجوع عن العلم، وفي نسيان العمل بإهمال ما يجب، وعدم القيام به.
قال نجيب: لم أكن أعتقد أنَّ النسيان تترتَّب عليه كلُّ هذه الأحكام، ويصل بالإنسان إلى هذه النتائج الخطيرة.
قال الأب: لقد وضَّحتُ لك أنَّ كلمة النسيان تشتمل على معنيين: أحدهما الذهول والغفلة، وقد وردت كلمة النسيان بهذا المعنى في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الكهف: 61]، {وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 24]، {قَالَ لاَ تُوَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنَ اَمْرِي عُسْرًا} [الكهف: 73]، {رَبَّنَا لاَ تُوَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوَ اَخْطَأْنَا} [البقرة: 286].
__________
(1) / الكُلُوحُ: العُبوس والهمُّ، وبدوُّ الأسنان بسبب ذلك. (1/136)
صفحة 145
في آيات كثيرة بهذا المعنى، والنسيان بهذا المعنى لا إثم فيه، ولا مؤاخذة عليه؛ لأنَّه النسيانُ الذي نقول عنه: إنَّه من طبع البشر، والذي لا يخلو منه إنسان، وهو لم ينتج عن الإهمال والإعراض والاستهانة.
قال نجيب: إنَّ هذا واضح يا أبي، ولكن هل النسيان الذي يترتَّب عن الإهمال يكون معصية؟
قال الأب: إنَّ الإهمال يا بنيَّ صفة مذمومة، ولكنَّه لا يبلغ أن يكون معصية إلاَّ عندما يكون نسيانَ علمٍ أو عملٍ واجب. وأعتقد أنَّ هذا واضحٌ من أحاديثنا السابقة.
قالت الأمُّ: لقد شدَّد أصحابنا في الناسي لقوَّة الوعيد فيه، وحكموا بِشِرْكِ من نسي نبيًّا أو مَلَكًا أو رسولا، أو مفروضة منصوصة، أو قضيَّة من كتاب الله مخصوصة، وكلَّ ما لا يسع جهله. وشدَّدوا فيمن نسي وليًّا، أو تَبَاعَةً (1) من الأموال والأنفس ولم يعذروه، وقالوا: هو راجع عن علمه، وقالوا: إنَّ النسيان إمَّا أن يكون ذَهْلاً أو جهلاً. أمَّا الذهل فلا بأس به، وأمَّا الجهل فهو إلى الجحود أقرب.
قال نجيب: تقصدين من الجهل النسيانَ الذي يترتَّب عن الإهمال، حتَّى أصبح صاحبه لا يعرف ما نسيه؟.
قالت الأمُّ: نعم، فإنَّ نسيان الإنسان لشيء حتَّى أصبح كأنَّه لم يعرفه جهلٌ عظيمٌ بعد علمٍ، وهذا هو المحذور.
قال نجيب: لقد فهمتُ الحكم على النسيان الذي يعود إلى الجهل، فما الحكم على الجهل؟.
قال الأب: الجهل صفة مذمومةٌ، يجب على المسلم أن يتخلَّص منها؛ وقد شدَّد العلماء في الجاهل، كما شدَّدوا في الناسي.
__________
(1) / التَّبِعَة والتَّباعة: ما اتَّبعتَ به صاحبَك من مظلمة ونحوها مِمَّا فيه إثم. (1/137)
صفحة 146
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب: يقول العلماء: إنَّ جميع ما يتعلَّق بالدين ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأوَّل: ما لا يَسَعُ جهلُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ (1).
- القسم الثاني: ما يَسَعُ جهلُهُ.
ثمَّ يقسِّمون القسم الثاني إلى قسمين:
... * الأوَّل: مضيَّق في معرفته.
... * الثاني: موسَّع في معرفته.
قال نجيب: هذا فيما يبدو بحث شيِّق جديد.
قال الأب: إنَّه ليس جديدا بما تعنيه هذه الكلمة، فقد سبق فيه نقاشٌ، ولكنَّنا نتناوله من زاوية أخرى.
قال نجيب: حسنا يا أبي، فما هي الأشياء التي لا يسع جهلها طرفة عين؟
قال الأب: يعني أنَّ الإنسان في أوَّل لحظة من لحظات البلوغ يجب عليه أن يؤمن بالله، ولا يجوز له أن يتأخَّر عن الإيمان حتَّى بمقدار ما تَطْرُفُ عَينٌ.
قال نجيب: هل هذا فقط ما يجب معرفته والإيمان به ممَّا لا يسع جهله طرفة عين؟.
قال الأب: لا يسع جهل الجملة التي يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متى قامت بذلك الحجَّة.
قالت الأمُّ: يقول فيلسوف الإسلام العلاَّمة أبو طاهر الجيطالي: «اِعلم أنَّ العلمَ المفترَضَ تعلُّمه على ثلاثة أوجه:
وجهٌ لا يسع الناسَ جهلُهُ طرفة عين، ووجهٌ يسع جهله إلى
__________
(1) / طَرْفَةَ عَيْنٍ: قدرَ إطباق أحد الجفنين على الآخر. (1/138)
صفحة 147
الورود، ووجهٌ يسع جهله أبدًا. فالوجه الأوَّل في معرفة ما لا يسع جهله طرفة عين ذلك ما قدَّمناه من معرفة الله عزَّ وجلَّ، ونفيِ الأشباه والأمثال عنه.
وأمَّا ما يسع جهله إلى الورود فهو على وجهين: أحدهما ما لا يسع جهله وتَرْكُ عِلْمِهِ إذا ورد، وذلك كمعرفة الله أنَّه بصير عليم سميع، وفي أمثاله من الأسماء والصفات إذا ورد عليه شيء من صفات الله تعالى، أو سُئِلَ عنها، أو خطرت على باله من غير أن يوردها عليه أحدٌ، فلا يسعه إلاَّ أن يصف الله بصفته، وينفي عنه صفات خَلْقِهِ، وهذا إذا فَهِمَ ذلك بِلُغَتِهِ، أو قامت عليه الحجَّة أنَّ هذا اسم من أسماء الله تعالى، أو صفة من صفاته، فعليه أن يعلم الحقَّ في ذلك، ويصف الله بصفاته، وإن لم يفعل فقد نقض جملة التوحيد التي أقرَّ بها أوَّلاً.
والوجه الآخر يسع جهله حتَّى تقوم عليه الحجَّة، وذلك كمعرفة نبيٍّ من الأنبياء أو ملك من الملائكة، أو حرف من كتاب الله تعالى؛ فإذا قامت عليه الحجَّة بشيء فشكَّ فيه أو أنكره فقد نَقَضَ الجملة التي أقرَّ بها أوَّلاً، وأشرك بالله تعالى، وعلى السامع أن يَبْرَأَ منه إذا قصد إلى ذلك فأنكره.
والوجه الثاني من علوم الدين يسع جهله حتَّى يأتي وقته، وذلك كالفرائض الموسمات (1) الأوقات، من الصلاة والصوم والزكاة والحجِّ وسائرها من جميع الفرائض البدنيَّة والماليَّة، يسع جهل جميع ما ذكرناه ما لم يُبْتَلَ العبد بالعمل، فحينئذ يلزم العمل بها وامتثالها، والله أعلم.
والوجه الثالث يسع جهله أبدا، مثل قسمة المواريث، وتصريف القصاص في وجوهه، وتحريم الربا في معانيه، وتحريم الميتة والدم والخنزير، وأشباه ذلك من جميع المحرَّمات، وذوات المحارم من النساء من جهة
__________
(1) / الفرائض الموسمات: الفرائض التي حدِّدت لها أوقات. وموسمات: أي جعلت لها مواسم تؤدَّى فيها، كالصوم والحجِّ. (علي يحيى معمَّر). (1/139)
صفحة 148
النسب والرضاع، وغير ذلك من جميع المعاصي، ما خلا الشرك، فإنَّه لا يسع جهله، وأمَّا غيره من المعاصي وجميع الحرام فإنَّه يسع جهله ما لم يقارف شيئا من ذلك.
وأمَّا ما لا يسعهم في هذا الوجه فهو أحد ثلاثة أشباه:
* أن لا يتقوَّلوا فيه على الله الكذب، فيحلُّوا ما حرَّم الله منها، أو يحرِّموا ما أحلَّ الله من ذلك، أو يُخْطِئُوا في حكم من أحكامه بالقول.
* والثاني أن لا يقارفوا ما حرَّم الله تعالى من ذلك بالفعل.
* والثالث أن تقوم عليهم الحجَّة بتحريم شيء من ذلك أو تحليله، فيردُّوها. فمهما فعلوا شيئا ممَّا ذكرنا فهم غير معذورين، والله أعلم» (1).
قال نجيب: هذا عرْضٌ رائع يا أمَّاه للموضوع، فهل هو من تعبيرك أنت أم أنَّك حفظته عن ظهر قلب من كتب أبي طاهر؟.
قالت الأمُّ: بل هو من تعبير فيلسوف الإسلام أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي في كتابه "قواعد الإسلام".
قال نجيب: مع العرض الواضح الذي عرضتِ به الموضوع يا أمَّاه، فإنَّني لا زلت أريد زيادة إيضاح لبعض النقط.
قالت الأمُّ: إنَّ أباك على استعداد دائما لِمَا تريده يا ولدي.
قال نجيب: لقد خطر لي وأنت تشرحين موضوع ما يسع جهله إلى الورود أنَّ هنالك فرقا بين ما يتعلَّق بصفات البارئ عزَّ وجلَّ، وبين غيره من معرفة الأنبياء والرسل وما إليه، غير أنَّ هذا الفرق لم يتَّضح لي تمام الاتِّضاح.
قال الأب: إذا ورد على المؤمن شيء يتعلَّق بصفات الله عزَّ وجلَّ أو بأسمائه، سواء أكان ذلك عن طريق السماع، أو عن طريق السؤال، أو عن طريق الخاطر الشخصيِّ الذي يخطر ببال الإنسان، فإنَّه يجب عليه حالاً أن يصل إلى الحقِّ في ذلك، ويصفَ الله تبارك وتعالى بما يليق به، ولا
__________
(1) / قواعد الإسلام، 1/ 114 - 115. (1/140)
صفحة 149
يُعذَر في التأخير أو الخطأ. بل إنَّه لا يشتغل بغير ذلك حتَّى ينتهي إلى الحقِّ الذي يدين به، ولو كان في صلاة؛ ذلك أنَّه يستطيع أن يصل إلى الحقِّ بالتفكير العقليِّ.
قال نجيب: هل تذكر لذلك أمثله يا أبي؟
قال الأب: قد تكون في حجرة منفردًا ليس معك أحد، فتظنُّ أنَّه ليس هناك من يرى ما تعمل، أو يسمع ما تقول، أو يعرف ما تقوم به.
قال نجيب: هذا يحدث كثيرا، فقد أكون منفردا لا أحد يسمع ما أقول، ولا يعرف أو يرى ما أصنع.
قال الأب: ألم يحدُثْ مرَّة من المرَّات أنَّك كنت على حالة انفراد، وكنت تقوم بعمل أو قول تَكره أن يعرفه الناس عنك، ولكنَّك في ذلك الحين تذكرت الله؟
قال نجيب: لقد كان ذلك يا أبي.
قال الأب: فهاأنت ترى أنَّه قد خطر لك وأنت منفرد أنَّ الله يسمع ما تقول، ويبصر ما تصنع، ويعلم ما تقوم به من أعمال.
قال نجيب: نعم.
قال الأب: إنَّه يجب عليك حين خطر لك هذا أن لا تنتقل عن الموضوع حتَّى تعرف الحقَّ من هذه الصفات، وتصف بها البارئ سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله، وتؤمنَ أنَّه سميع بصير عليم، وأنَّ سمعه وبصره وعلمه لا يشبه سَمْعَ ولا بَصَرَ ولا علمَ المخلوقات، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا.
قال نجيب: يعني أن يعتمد الإنسان على العقل في مثل هذه المواضيع، حتَّى ولو لم تقم عليه الحجَّة بطريقة السمع.
قال الأب: إنَّ الحجَّة قامت عليه حين أُثِيرَ الموضوع الذي يتعلَّق (1/141)
صفحة 150
بصفة من صفات الله، أو باسم من أسمائه، سواء أثير هذا الموضوع عن طريق السمع، أو عن طريق الفكر. ولا يحقُّ لمؤمن بعد قيام هذه الحجَّة أن يبقى جاهلا بتوحيد الله في صفاته أو أسمائه أو فعله.
قال نجيب: لقد فهمت هذا جيِّدا يا أبي.
قال الأب: بقيَّةُ ما يسع جهله إلى حين الورود لا تقوم فيها الحجَّة إلاَّ بالسماع، وحين يَرِدُ الخبر على المكلَّف، وتقوم عليه الحجَّة، فعليه أن يعمل وأن يَجِدَّ في الطلب حتَّى يتحصَّل على العلم المطلوب.
قال نجيب: لا يزال في هذه النقطة غموض لم ينكشف لي يا أبي.
قال الأب: قد يسمع المكلَّف باسم نبيٍّ أو مَلَكٍ، أو فريضة من الفرائض لم يسبق له العلم بها، فماذا ترى يجب عليه في هذا الخبر الجديد؟
قال نجيب بعد تفكير طويل: يصدِّق به.
قال الأب: إذا كان المصدر الذي استقى منه الخبر يوجب التصديق وجب عليه ذلك، ولكنَّ المصدر قد لا يوجب التصديق؛ وبناء على ذلك فيجب عليه أن يبحث حتَّى يتحقَّق، ويعلم عن طريق السماع؛ لأنَّ العقل في هذه المواضيع لا يستطيع معرفة الحقيقة.
قال نجيب: يعني ما يسع جهله إلى حين الورود ينقسم إلى قسمين: ما يتعلَّق بالله سبحانه وتعالى، وهذا القسم يجب أن ينتهي فيه المكلَّف إلى الحقِّ حين وروده، مهما كان طريق الورود.
أمَّا القسم الثاني فهو ما يتعلَّق بغير الله من مواضيع التوحيد، فإنَّ هذا القسم يجب البحث فيه للوصول إلى العلم، على أن لا يؤدِّي ذلك البحث إلى تضييع أو نقض ما تشتمل عليه كلمة الشهادة التي أقرَّ بها المكلَّف من قبل.
قالت الأمُّ: لقد تَرَدَّدَتْ كلمة "الحجَّة بالسماع" فما معنى ذلك؟ (1/142)
صفحة 151
قال الأب: إنَّ الحجَّة السمعيَّة إنَّما تكون عن طريق كتاب الله عزَّ وجلَّ، أو عن سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو عن إجماع المسلمين، ويزيد بعضهم الرأي أو القياس. ولكنَّ هذا الأخير لا يكون حجَّة سمعيَّة منفردة؛ لأنَّه ينبني على بعض المصادر السابقة.
قال نجيب: هل يمكن أن نعود إلى مناقشة بعض النقط السابقة في أوَّل هذا السمر.
قال الأب: لا مانع من ذلك يا بنيَّ.
قال نجيب: لقد قلتَ يا أبي: إِنَّ ما يسع جهله من أحكام الدين ينقسم إلى قسمين: مضيَّق وموسَّع.
قال الأب: هذا صحيح يا ولدي.
قال نجيب: ما معنى مضيَّق؟
قال الأب: إنَّ مسائل التوحيد التي تجب بقيام الحجَّة تدخل في هذا الباب، وكذلك الفرائض التي خُصِّصت لها أوقات، يكون العلم بها وبكيفيَّتها مضيَّقا عند حلول تلك الأوقات.
قال نجيب: أودُّ أن تزيدنا إيضاحا وتضرب لي أمثلة يا أبي.
قال الأب: إنَّ جميع ما يتعلَّق بالدين، إمَّا أن يكون عقائد في القلب، أو أقوالاً باللسان، أو عملا بالجوارح، أو اجتنابا.
قال نجيب: أعتقد أنَّه ليس هناك وجه آخر.
قال الأب: أمَّا ما فيما يتعلَّق بالعقائد فَإِنَّ الحكم فيها دائما مضيَّق بعد قيام الحجَّة، وكذلك القول.
قال نجيب: يعني الإيمان بجملة التوحيد وما اشتملت عليه، والإقرار بذلك. (1/143)
صفحة 152
قال الأب: هو ذلك.
قال نجيب: فما هي الأعمال؟
قال الأب: إنَّ الله قد فرض على العبد فرائض، وخصَّص لها أوقاتا.
قال نجيب: تعني مثل الصلاة والصوم والزكاة.
قال الأب: نعم، فنحن مثلا في وسط الليل، ولا تجب علينا الآن صلاةٌ، ولا العلم بها وبكيفيتها حتَّى يصل الفجر، وعند حلول الفجر يُصبحُ العلم بها مضيَّقا علينا، فيجب علينا أن نتعلَّم أنَّ الله فرض علينا نوعا من الصلاة، ويجب أن نعرف كيفيَّة أدائها، وأنَّ الله يثيب على فعلها، ويعاقب على تركها.
قال نجيب: هذا واضح، ولكن زد لي أمثله.
قال الأب: إنَّ الفقير الذي لا يملك شيئا، ليس عليه أن يعرف الزكاةَ وأحكامَهَا، ولكنَّه عندما يملك النِّصَاب، ويَحُولُ عليه الحَوْلُ، فإنَّه يصبح الحكمُ عليه مضيَّقا، يعني أنَّه يجب عليه أن يعرف أحكام الزكاة ليؤدِّيها.
قال نجيب: يعني أنَّ الفرائض التي خُصِّصت لها أوقات يسع جهلها قبل حلول أوقاتها، فإذا حلَّت أوقاتها أصبح العلم بها مضيَّقا، أي يجب أن يعرفها المكلَّف ليقوم بأدائها.
قال الأب: هو ذلك يا بنيَّ.
قال نجيب: فما هو الترك يا أبي؟
قال الأب: إنَّ الله قد حرم أشياء، وأمر بتركها، سواء كانت قولا أو فعلا، وهذه الأشياء لا يجب على المكلَّف العلمُ بها إلاَّ عند الابتلاء.
قالت الأمُّ: ما عدا معرفة الشرك، فإنَّ من لم يعرف ما يؤدِّي إلى الشرك لا يعرف التوحيد. (1/144)
صفحة 153
قال الأب: صَدَقَتْ أمُّك يا نجيب.
قال نجيب: قلتَ: عند الابتلاء، فما معنى "الابتلاء" يا أبي؟
قال الأب: هَبْ أنَّك دخلت مقهًى، فوجدت قوما يشربون شرابا لا تعرفه، ولا تعرف الحكم عليه، فعرض عليك أحدهم أن تشرب معهم، فما هو موقفك منهم؟
قال نجيب: إن كانوا من معارفي وأصدقائي أشاركهم، وإلاَّ فإنِّي أعتذر.
قال الأب: فهذا معنى الابتلاء. إنَّك كنت غيرَ مُطالَبٍ بمعرفة هذا الشراب والحكمِ فيه، ولكنَّه لَمَّا عُرض عليك وجب أن تعرفه، وتعرف الحكم فيه؛ لئلاَّ ترتكب معصية بشراب محرَّم. فإن كان هؤلاء الناس الذين عرضوا عليك مشاركتهم عُدُولاً ثِقَاتٍ، وأعلموك عن الشراب وأنَّه طيب حلال، فإنَّه يجوز لك أن تشاركهم. وإذا أخبروك أنَّه من النوع المحرَّم وجب عليك الابتعاد عنه. وإذا كان القوم في وَلاَيَتِكَ ومن أهل الوفاء عندك، ووجدتهم يشربون، فاعتمدت على ذلك وشربت معهم، فلا إثم عليك.
قالت الأمُّ: أمَّا إذا لم يكونوا من أهل الولاية، أو ليسوا معروفين عندك، فإنَّه لا يحقُّ لك أن تشاركهم الشراب حتَّى تعرفه وتعرف الحكم فيه.
قال الأب: صدقت أمُّك يا نجيب، وهذا الحكم يجري عليك في جميع الأشياء.
قال نجيب: لقد فهمت هذا أيضا فهما جيِّدا والحمد لله.
قال الأب: ومن هذا المثال تعرف أنَّه لا يجب عليك شيء في معرفة المحرَّمات إلاَّ إذا هُيِّئَتْ لك ظروفُ مقارَفَتِهَا بالقول أو بالعمل. (1/145)
صفحة 154
قال نجيب: ما معنى المقارفة يا أبي؟
قال الأب: مقارفتها أي إتيانها، أو تَوَلِّي من يأتيها.
قالت الأمُّ: لقد أَحَلْتَ سمرنا إلى دروس في الفقه يا أبا نجيب!.
قال الأب: إنَّني أريد أن أضع صورا واضحة من الإسلام أمام أنظار نجيب.
قال نجيب: إنَّ أثر هذه الدروس في نفسي أعظم من جميع الدروس التي تلقَّيتها في المدرسة، أرجو الله تعالى أن يوفِّقني إلى ما يحبُّه ويرضاه، ويُقَوِّيَنِي على أداء حقِّكما.
فقال الأبوان في صوت واحد: آمين.
وقام نجيب فألقى تحيَّة المساء على أبويه، وانصرف وهو يدير في ذهنه بعض الأحاديث السابقة. (1/146)
صفحة 155
[صفحة بها بقية الهوامش] (1/147)
صفحة 156
[صفحة بيضاء] (1/148)
صفحة 157
الليلة العاشرة:
كبائر الشرك وكبائر النفاق.
الطاعة والمعصية.
المنُّ والدلائل.
الخوف والرجاء. (1/149)
صفحة 158
[صفحة بيضاء] (1/150)
صفحة 159
الليلة العاشرة:
اجتمعت الأسرة بعد صلاة العشاء كما اعتادت أن تجتمع كلَّ ليلة، وأحضرت الأمُّ أدوات الشاي لتصنعه على الطريقة الليبيَّة، وبدأ الأب السمر فقال: كأنَّكِ يا أمَّ نجيب اخترت أن تصنعي لنا الشاي على الطريقة الليبيَّة هذه الليلة أيضا. فهل أصبحت تفضِّلين شربه على هذه الطريقة، مع ما في صناعته عليك من مشقَّة وتعب وانشغال لمدَّة طويلة؟.
قالت الأمُّ: إنَّني لست مغرمة بشرب الشاي لا على هذه الطريقة ولا على غيرها، وإنَّما فضَّلت أن أصنعه على هذه الطريقة لأنَّها تتيح للمتسامرين راحةً في فترات متعدِّدة، فأنا عندما أحسُّ أنَّ الجهد قد أخذ منكما، وأنَّ النقاش طال بكما، وأخشى أن يُحِسَّ أحدكما أو كلاكما بالإرهاق أو الفتور، أفرغ لكما الشاي؛ وبذلك تجدان وسيلة للاستراحة والانسجام، والتفكير الهادئ.
قال نجيب: إنَّ أمِّي تقف معنا أنبل موقف يمليه الحبُّ والحنان؛ فهي تسهر على راحتنا، وتُتِيحُ لنا فرصة النشاط، ولا تغفل لحظة واحدة عن التفكير فينا وفيما يسعدنا.
قال الأب: إنِّي أعرف رأيك في أمِّك يا نجيب، فلا داعي لأن تُسْهِبَ (1) في مدحها، وتسترسل في إطرائها!.
__________
(1) / أَسْهَبَ يُسهِبُ: أَكْثَرَ الكلامَ، فهو مُسهَبٌ (بفتح الهاء) مثل: أَحْصَنَ فهو مُحْصَنٌ. ويمكن كسر الهاء وهو نادر. (1/151)
صفحة 160
قالت الأمُّ وهي تبتسم: هل نويتما أن تجعلاني موضوع سمر الليلة؟.
قال نجيب: بل إنَّني أطلب منكِ الليلة أن تفتحي لنا موضوع السمر.
قالت الأمُّ: لبَّيك يا ولدي الحبيب!. ثمَّ التفتت إلى زوجها وقالت: لقد كانت أسمارنا السابقة كلُّها في التوحيد وما يتعلَّق به، وفي الشرك وما يلحق به، فهل لك يا أبا نجيب أن تذكر لنا بعض الفوارق بين كبائر الشرك وكبائر النفاق؟.
قال نجيب: إنِّي أودُّ أن أتأكد من معرفة الكبائر والصغائر أوَّلاً يا أمَّاه؟
قال الأب: لقد سبق في بعض أسمارنا أن تحدَّثنا عن المعاصي، وقلنا: إِنَّ الكبيرة هي المعصية التي أوعد الله عليها النَّكَالَ (1) في الدنيا، والعذاب في الآخرة. أمَّا الصغيرة فهي السيِّئة التي وعد الله أن يغفرها باجتناب الكبائر وبفعل الحسنات.
قالت الأمُّ: قال الله تعالى في كتابه الكريم: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَالِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114]. وقال تعالى: {لِيَجْزِيَ الذِينَ أَسَآءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الاِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 31 - 32].
قال نجيب: فما الفرق بين كبائر الشرك وكبائر النفاق؟
قال الأب: إنَّ التفريق بين كبائر الشرك وكبائر النفاق واجب. وكثير من العلماء يحكمون بشرك من لم يفرِّق بينهما؛ وبعدم التفريق بينهما ضلَّّ كثير من الناس، كالخوارج الذين يحكمون بشرك من يرتكب المعصية وهو مقرٌّ بالتوحيد.
قال نجيب: يبدو أنَّ هذا الموضوع خطير جدًّا بالنسبة للمسلم.
__________
(1) / النكال: العقاب. (1/152)
صفحة 161
قال الأب: نعم، إنَّه خطير جدًّا، وليس أكبرَ من أن تحكم على مسلم بالشرك، فتُخرِجَه من دين الإسلام وهو يؤمن بالله ورسوله.
قال نجيب: إذن فأرجو أن تعجِّل يا أبي بإيضاح الفوارق بينهما.
قال الأب: يقول العلماء في تعريف كبائر الشرك ما يأتي: مَن رَدَّ على الله عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم، مواجهةً بلا تأويل، فهو مكذِّب بالله، مشرك به. ويدخل في ذلك التكذيب بكلِّ ما تجب معرفته من أمور التوحيد. وكذلك الاستحلال لِمَا حرَّمه الله تعالى، كاستحلال ترك الفرائض التي أوجبها الله سبحانه وتعالى على الناس، وتحريم ما أحلَّ الله نصًّا في كتابه الكريم.
قالت الأمُّ: يقول أبو طاهر الجيطالي: «فكلُّ من أنكر وجهًا من وجوه التوحيد أو جَهِلَهُ، أو استحلَّ تَرْكَهُ، أو جَهِلَ الشركَ أو فِعْلَهُ، أو أَمَرَ به، أو تقرَّب بفعل معصية منصوصة إلى الله تعالى، أو استحلَّ فِعْلَهَا، أو أنكر فريضة منصوصةً، أو مَلَكًا أو نبيئا منصوصا، أو حرَّم حلالا منصوصا، فهو مشرك؛ لأنَّ كلَّ ذلك ردٌّ لأحكام كتاب الله. وَرَدُّ ما وَرَدَ به القرآنُ أو تكذيبه شركٌ، والعياذ بالله» (1).
قال نجيب: لقد أوضح أبو طاهر هذا الجانب، فما هو الضابط لكبائر النفاق؟
قال الأب: كبائر النفاق على وجهين (2).
قال نجيب: فما هو الوجه الأوَّل؟
قال الأب: هو استحلال ما حرَّم الله بتأويل الخطأ مِنْ فَاعِلِهِ أو قَائِلِهِ.
قال نجيب: يعني أنَّ من استحلَّ ما حرَّم الله لأنَّه أخطأ في الفهم،
__________
(1) / قواعد الإسلام، 1/ 38.
(2) / قواعد الإسلام، 1/ 38 - 39. (1/153)
صفحة 162
فَأَوَّلَ النَّصَّ تأويلا غير صحيح، منافقٌ وليس بمشرك.
قال الأب: هو ذلك يا بنيَّ؛ لأنَّه استند في خطئه على دليل حسب زعمه.
قال نجيب: والوجه الثاني يا أبي؟
قال الأب: هو مقارفة معصية من المعاصي التي أوعد الله عليها النَّكال في الدنيا والعذاب في الآخرة، أو عَذَّبَ بسببها أمَّةً من الأمم السابقة (1).
قال نجيب: هل تذكر لي أمثلة يا أبي؟
قال الأب: الأمثلة على ذلك كثيرة، فإنَّ جميع ما حرَّمه الله يدخل في هذا الباب، كالقتل، والزنا، وبخس المكيال، واليمين الغَمُوسِ (2)، وشرب الخمر، وترك الفرائض، وعقوق الوالدين.
قالت الأمُّ: إنَّ أحسن مثال لذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - وآله: «اِجتنبوا الكبائرَ السبعَ الموبِقَاتِ تنجوا: الشرك بالله، والقتل، والسحر، وأكل الربا، وأكل أموال الناس ظلما، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين» (3).
قال الأب: صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال نجيب: إنَّ بعض الكبائر التي ذكرتها يا أبي غير موجودة في هذا الحديث الذي روته أمِّي.
قال الأب: إنَّ الحديث لم يقصد به حَصْرَ الكبائر يا ولدي، ولكنَّها كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «الموبقات»، أي: الْمُهلِكات، وهذه جملة منها، وذكرتُ لك جملةً أخرى، وبقى الكثير تعرفه من دراستك للقرآن الكريم والسنة النبويَّة، وكتب أعلام الإسلام، من مختلف العصور والمذاهب.
قال نجيب: وهل يجب على المؤمن أن يعرف جميع الكبائر بجزئيَّاتها.
__________
(1) / قواعد الإسلام، 1/ 38 - 39.
(2) / اليمين الغَموس: اليمين الكاذبة. وسمِّيت غموسا لأنها تغمس صاحبها في الإثم.
(3) / رواه الشيخان وغيرهما. وذُكر فيها: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَتِ». البخاري: الصحيح، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: {اِنَّ الذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10]، رقم 2615، 3/ 1017. مسلم: الصحيح، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، رقم 89، 1/ 92. (1/154)
صفحة 163
قال الأب: يجب على المكلَّف أن يعرف أنَّ الله أمره بطاعته، وأوجب له على ذلك الثواب العظيم، ونهاه عن معصيته، وأوجب له على ذلك العقاب العظيم.
قالت الأمُّ: تستطيع يا بنيَّ أن ترجع بتطبيق الأحكام على الجزئيَّات بما تحدَّثنا عليه ممَّا يسع جهله وما لا يسع جهله، وعن التكليف المضيَّق، والتكليف الموسَّع.
قال نجيب: إذن على المكلَّف أن يعرف في أوَّل البلوغ: أنَّ الله أمره بالطاعة، وهي تعني التوحيدَ والقيامَ بالفرائض والسنن، وأنَّه أوجب له على ذلك الثواب الجزيل، وهو الجنَّة، ونهاه عن ارتكاب المعاصي من الشرك وما يؤدِّي إليه، واجتناب المحرَّمات والمكروهات، وأوجب له على ارتكاب شيء من ذلك العذابَ الأليمَ بالنار.
قال الأب: لقد استطعت أن تلخِّص الموضوع تلخيصا جيِّدا يا بنيَّ.
قال نجيب: الحمد لله على نعمه التوفيق.
قالت الأمُّ: إنَّ نعم الله على العبد لا تحصى!.
قال الأب: ولذلك كان من الواجب على المكلَّف عند البلوغ أن يعرف المنَّ والدلائل.
قال نجيب: ما معنى "المنِّ" يا أبي؟
قال الأب: المنُّ هو ما مَنَّ الله به على عباده في الدنيا والآخرة من نِعَمٍ لا تحصى.
قالت الأمُّ: قال أبو العبَّاس الشمَّاخي: «وممَّا يجب علينا مع البلوغ معرفة أنَّ الله مَنَّ علينا بالنعم، وهي عبارة عن المنفعة التي أوصلها الله إلينا على جهة الإحسان، ونعمُهُ علينا لا تحصى، كخلق البدن وقواه، (1/155)
صفحة 164
وإشراقِهِ بالروح والعقل والفهم والفكر والإيمان والعلم، والتوفيق إلى المذاهب الحسنة، وجميع الملاذِّ من الملابس والمآكل والمناكح وغيرها. والنعمة العظمى الجنَّة، وهي خاصَّة بالمسلمين» (1).
قال الأب: أمَّا أبو سليمان التلاتي (2)
فيقول في شرح المنِّ: «والمنُّ الفضل، وهو على قسمين: من عامٍّ، ومن خاصٍّ. فالمنُّ العامُّ هو صحَّة الأبدان، وسعة الأرزاق. والمنُّ الخاصُّ هو ما امْتَنَّ الله به على عباده المؤمنين من دخول الجنَّة» (3).
قال نجيب: إنَّ شرح العلاَّمة الشمَّاخيِّ أوسع وأشمل؛ لأنَّه أشار إلى نعمة العقل والإيمان وإشراقة الروح، وهي من أجلِّ ما أنعم الله به على عباده.
قال الأب: نعم، لقد كان الشمَّاخيُّ يكتب للخواصِّ، أمَّا التلاتي فقد كان يكتب لأهل الجملة.
قال نجيب: فما معنى "الدلائل" يا أبي؟
قال الأب: هو جميع ما نَصَبَهُ الله دليلا على وجوده ووحدانيَّته تعالى، كنظام الكون وما فيه من العجائب، وكالأنبياء والرسل والكتب، وما إلى ذلك.
قالت الأمُّ: يقول أبو العبَّاس الشمَّاخيُّ في شرح معنى الدلائل: «والدلائل: جميع ما نصبه الله تعالى دليلا ومرشدا إلى معرفته وإفراده وتوحيده، كالكتب والسماوات وما فيها، والأرض وما فيها، والإنسان، بل وسائر الحيوان، وما فيه من العجائب، وما أشبه هذا من البيانات الشافية، والدلائل الواضحة على معرفته» (4).
قال نجيب: إذن فعلى المكلَّف أن يعرف حال البلوغ النِّعَمَ الكثيرةَ التي أسبغها الله عليه في الدنيا، وما ينتظره في الآخرة من نعيم مقيم إن
__________
(1) / مقدِّمة التوحيد، ص57.
(2) / أبو سليمان داود بن إبراهيم التلاتي (967هـ/1560م)، من حومة تْلاَتْ بجربة، درس بنفوسة، ثمَّ رجع إلى جربة، فحلَّق على أبي القاسم السدويكشي وأبي يحيى زكرياء الهواري، وعاد إلى نفوسة فلازم أبا يوسف التندميرتي ليأخذ عنه أكثر علمه. ودرس المنطق والبيان على يد إبراهيم بن الأحباس، والتحق بأبي مهدي عيسى بن إسماعيل بمليكة في وادي ميزاب. وأخيرا رجع إلى جربة فدرَّس بجامع القصبيين. ثمَّ انتُخب رئيسا لمجلس العزابة، مات شهيدا بعد أن سُجن لمدة شهر. له عدة مؤلفات، منها:
أ- شرح الأجرومية في النحو.
ب-شرح مقدِّمة التوحيد لأبي حفص عمرو بن جميع.
ج- شرح متن إيساغوجي في المنطق.
(3) / مقدِّمة التوحيد، ص57.
(4) / مقدِّمة التوحيد، ص57. (1/156)
صفحة 165
هو أطاع الله واتَّقاه، وأن يعرف ما بثَّه في الكون، وما أرسله مع رسله، وما أنزله في كتبه ممَّا يدلُّ على وجوده ووحدانيَّته وربوبيَّته للخلق جميعا.
قال الأب: إنَّك لَخَّصتَ هذا الموضوع تلخيصا جيِّدًا يا نجيب.
قال نجيب: إنَّني أرجو من المولى سبحانه وتعالى أن يوفِّقني إلى فهم دينه، والعمل به، وأن يتقبَّل عملي، وأن يغفر لي أخطائي.
قال الأب: إنَّ دعاءك يشتمل على الرجاء في رحمة الله، أفلا تخاف أن لا يقبل الله دعاءك؟
قال نجيب: إنَّني أخاف الله، ولكنَّ رجائي فيه قويٌّ أن يتغمَّدني بالرحمة والغفران.
قالت الأمُّ: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو وُزِنَ خوفُ المسلم ورجاؤه بميزان تريص، ما زاد أحدهما على الآخر» (1).
قال نجيب: ما معنى "تريص" يا أمَّاه؟
قالت الأمُّ: "تريص" معناه: محكم، وميزان تريص: أي محكم لا خطأ فيه.
قال نجيب: فعلى ماذا يدلُّ الحديث الشريف؟
قالت الأمُّ: يحسن أن يتولَّى أبوك شرح الحديث لك، وأن يوضِّح لك القاعدة الهامَّة التي يدلُّ عليها، ريثما أصبُّ لكما الشاي.
قال الأب: إنَّ المكلَّف عند البلوغ يا بنيَّ إذا اختار الإسلام، كما اخترت أنت، وعمل بموجب الشرع وما تقتضيه حكمته وأحكامه، فإنَّ قلبه يمتلئ أَمَلاً في رحمة الله، ورجاءَ أن يكون من عباد الله المهتدين، ويطمع أن تكون أعماله مقبولةً، وحسناته مضاعفة، وذنوبه مغفورة.
قال نجيب: هذه هي الحال الغالبة على المسلمين يا أبي، فما يوجد
__________
(1) / اشتهر على الألسنة بأنَّه حديث، غير أنَّه من كلام مطرِّف: «لو وُزن خوف المؤمن ورجاؤه بميزان تريص ما كان بينهما خيط شعرة». البيهقي: شعب الإيمان، رقم1025، 2/ 12. (1/157)
صفحة 166
مسلم - فيما أظن - يضعف رجاؤه في الله.
قال الأب: هنا يكمن خطر شديد على المؤمن يا ولدي.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب: إذا ظنَّ الإنسان أنَّه قام بما أوجبه الله عليه أحسن قيام، وأدَّى ما عليه من الفرائض، واجتنب ما نُهِيَ عنه من المعاصي، غَلََبَ عليه الرجاء في رحمة الله، والأمنُ من مكر الله وعذابه؛ وَخَدَعَهُ الشيطان من هذا الجانب، فملأ قلبه غرورًا.
قال نجيب: إذن فكيف يكون موقف المسلم الموفِّي بدين الله، الحريص على طاعته وتُقَاه، ألا يغلب عليه الرجاء في رحمة الله؟
قال الأب: إنَّ المؤمنَ يجب أن يعمل، وإتيانه بالعمل حسب ما عَلِمَ لا يَضمَنُ له القبول، فمن يدريه أنَّ عمله كان صحيحا، وأنَّ الله جلَّ وعلا قد قَبِلَهُ منه وغفر له.
قال نجيب: إنَّ على الإنسان أن يعمل حسبما علم من دين الله، أمَّا القبول وعدمه فهذا شيء بيد الله تعالى.
قال الأب: لقد قَرُبْتَ من الجواب الصحيح يا بنيَّ.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب: إنَّ الإنسان حين يعمل كأحسن ما يعلم، لا يستطيع أن يعرف إذا كان عمله مقبولا عند الله أو أنَّه مردود عليه.
قال نجيب: إنَّ هذا من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فهو لا يعرف ذلك بالتأكيد.
قال الأب: فهو إذن يخاف أن يكون عمله ذلك مردودا عليه، غير مقبول عند الله.
قال نجيب: نعم إنَّ قلبه لا يخلو من الخوف. (1/158)
صفحة 167
قال الأب: يعني أنَّ قلب المؤمن بين حالتين: رجاءٍ في الله أن يشمله بالرحمة والمعفرة والقبول، وخوفٍ من الله أن يتولاَّه بالْمَقْتِ والغضب والعذاب.
قال نجيب: يعني أنَّ المؤمن يجب أن يكون في آنٍ واحد راجيا ثوابَ الله، خائفا من عقابه.
قال الأب: ويجب أن يكون هذا الرجاء وهذا الخوف متساويَيْنِ، لا يغلب أحدهما على الآخر؛ فإنَّه إن غلب عليه الرجاءُ أَمِنَ عذابَ الله، وإن غلب عليه الخوف أَيِسَ من رحمة الله، وكِلاَ الموقِفَيْنِ يجلب سخطَ الله.
قال نجيب: وهذا ما دلَّ عليه الحديث الذي روته أمِّي آنفا.
قال الأب: وبالإضافة إلى ذلك فَإِنَّ الرجاء دَاعٍ إلى الطاعة، مرغِّب فيها، وباعث عليها، وإنَّ الخوف زاجر عن المعصية، رَادِعٌ (1) عنها مُنَفِّرٌ (2) منها.
قالت الأمُّ: وهذا يعني أنَّ الإنسان مهما عمل من طاعة وبرٍّ وإحسان، فيجب أن يكون قلبه مفْعَمًا بخشيةِ الله وخوفِ عذابه، وأنَّ المنافق مهما ارتكب من آثام يجب أن يكون قلبه عامرا بالرجاء في الله أن يتولاَّه بالهداية والتوفيق، ويغفر له ما قدَّم من آثام، وذلك إذا هداه إلى التوبة والإنابة.
قال نجيب: هل تذكرين لنا أدلَّة على هذا من كتاب الله أو سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أمَّاه؟
قالت الأمُّ: قال الله تبارك وتعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]. وقال: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ
__________
(1) / الرَّدع: الكفُّ والمنع.
(2) / مُنَفِّرٌ منها: يبعده منها، ويُبغِّضها إلى النفس. (1/159)
صفحة 168
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]. وقال: {وَلاَ تَاْيْئَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَاْيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].
قال الأب: يعني أنَّ تَغَلُّبَ الرجاءِ يؤدِّي إلى الأمن من عذاب الله، وأنَّ تغلُّب الخوف يؤدِّي إلى اليأس من رحمة الله.
قالت الأمُّ: وأنَّ الإنسان الذي يأمَنُ عذابَ الله كالإنسان الذي يَيْأَس من رحمة الله، كلاهما كافر بنعمة الله، جاحد لفضله.
قال نجيب: ولكن يبدو يا أبي أنَّ الرجاء لا يغلب إلاَّ على الصالحين، وذلك لثقتهم في الله، وأنَّ اليأس لا يغلب إلاَّ على المنافقين، وذلك لِمَا فَرَّطُوا في جنب الله، وهذا موقف طبيعي في رأيِي الضعيف.
قال الأب: هذا مَزْلَقٌ يزلق فيه كثير من الناس، وهو أحد الأبواب التي يدخل منها إبليس إلى قلب ابن آدم، حتَّى يفسده عليه.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب: لا يزال الشيطان يوسوس للإنسان الحريص على الطاعة بأنَّه وَفِيٌّ بدين الله، وأنَّ مثله حقيق برحمة الله، وأنَّ رجاءه عنده مقبول، وأنَّه لم يعص الله كما يفعل غيره من الناس، حتَّى يتأثَّر بذلك ويستمع إلى هذا الصوت في قلبه، فيظنَّ أنَّه جدير بالثواب، وأنَّ رجاءه عند الله لا يَخِيبُ. وهذه منزلة لا ينحدر إليها المؤمن الخالص الإيمان. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لن يَدخُلَ أحدٌ الجنَّةَ بعمله»، قيل: حتَّى أنت يا رسول الله؟ قال: «حتَّى أنا، إلاَّ أن يتغمَّدني الله برحمته» (1)، أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد اختاره الله هاديا ومبلغا - عامر بالخوف والرجاء.
قال نجيب: هذا مفهوم في الرجاء، فكيف في الخوف؟
__________
(1) / رواه الشيخان وغيرهما. البخاري: الصحيح، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، رقم 6098، 6102، 5/ 2373. مسلم: الصحيح، كتاب صفة القيامة والجنَّة والنار، باب لن يدخل أحد الجنَّة بعمله بل برحمة الله تعالى، رقم 2816، 4/ 2169. (1/160)
صفحة 169
قال الأب: إنَّ الإنسان المتمادي في المعاصي يسرُّ الشيطان ويفرح به. وكلَّما أصر الإنسان على المعصية كلَّما فرح الشيطان؛ وإنَّ الشيطان ليخشى أن تَعْرُوَ (1) الإنسانَ نوبةٌ يذكر فيها ربَّه ويراجع التوبة، فيخسر الصفقة؛ ولذلك فلا يزال يوسوس له، ليقطع عنه خطَّ الرحمة - كما يقال - ويزعم له أنَّه ارتكب من المعاصي ما لا تَشمُلُهُ المغفرة؛ ولذلك فلا فائدة من التوبة. ويحسُنُ أن يتمتَّع الإنسانُ في دنياه بأكثر ما يمكن له ما دام قد حرم نعم الآخرة. وهي شُبهة تغلب على ذوي العقول الضعيفة فيظنَّها حقًّا، ويتمادى في المعصية لأنَّه أَيِسَ من رحمة الله، حاسبا أنَّ الله لا يغفر الذنوب الكثيرة. وقد نبَّهنا الله إلى ذلك في كثير من آياته البيِّنات، وبيَّن لنا أنَّه يغفر الذنوب جميعا، وأنَّه يقبل من التائبين إذا أخلصوا له التوبة، وأنابوا إليه.
قالت الأمُّ: إنَّ رحمة الله وسعت كلَّ شيء، وعلى ابن آدم أن لا يستكثر عبادته، ولا أن يستكثر ذنوبه استكثارا يُبعده من رحمة الله، فإنَّ رحمة الله قريب من المحسنين، وإنَّ التائبين من ذنوبهم مهما كانت كبيرة وكثيرة هم محسنون هذا إذا كانت توبتهم توبة نصوحًا.
ثمَّ مدَّت إلى زوجها كوبا من الشاي وهي تقول له:
ما رأيك يا أبا نجيب لو عدت فلخَّصت لنا مواضيع أسمارنا السابقة، حتَّى يستطيع نجيب أن يتذكَّرها تذكُّرا كاملا.
قال الأب: بل يحسن أن توجِّهي هذا الاقتراح إلى نجيب أيَّتها الزوجة الصالحة، فيقوم بتلخيص ما تناولناه في أسمارنا، وإذا بقيت نقطة لم يفهمها جيِّدًا استطعنا أن نعيد فيها الحديث من جديد.
قال نجيب: يسرُّني يا أبي أن أقوم بهذا التلخيص، فهل تريدني أن
__________
(1) / عَرَاهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَاهُ يَعْتَرِيهِ: غَشِيَهُ وَأَلَمَّ بِهِ. (1/161)
صفحة 170
أبدأ الحديث منذ عيد الميلاد؟
قال الأب وهو يبتسم: إذا كنت ستجدِّد طلب إعادة الحفلة، فأبدأ من بعده!.
قال نجيب: إنِّي سأذكر الليالي ليلةً ليلة، وسأُلَخِّص ما تحدَّثنا فيه كلَّ ليلة بما يمكن من الإيجاز.
قال الأب: يكفي أن تذكر رؤوس المواضيع.
قالت الأمُّ: يبدو أنَّك كنت تلخِّص كلَّ ليلة ما يدور بيننا من نقاش، وأنَّك كنت تراجع ما تكتبه.
قال نجيب: نعم يا أمَّاه، فقد اشتريتِ لي مذكِّرة وطلبت أن أسجِّل فيها كلَّ يوم جميع أعمالي، وأيُّ شيء أفضل من هذه الدروس القيِّمة التي أخذتها منكما في هذا الأسبوع؟!.
قالت الأمُّ: فأنا أرى أن نؤجل الحديث عن المواضيع السابقة إلى بعض الليالي القادمة حين ننتهي من أحاديثنا عن مواضيع التوحيد، وعندئذ نستمع إلى تلخيصك حتَّى نطمئنَّ إلى أنَّك فهمت هذه الحقائق فهما صحيحا.
قال الأب: إنَّ رأي أمِّك وجيه يا ولدي.
قال نجيب: إنِّي عند ما تحبَّان يا أبويَّ الكريمين.
ثمَّ قام فألقى عليهما تحيَّة المساء. (1/162)
صفحة 171
[صفحة بها بقية الهوامش] (1/163)
صفحة 172
[صفحة بيضاء] (1/164)
صفحة 173
الليلة الحادية عشرة:
الإيمان والإسلام والدين والتوحيد.
أسهم الإسلام.
مصادر التشريع الإسلامي.
أسس الإسلام.
قواعد الإسلام.
أركان الإسلام.
ما يتميَّز به الدين.
حرز الدين.
حدود الدين.
أسس الكفر.
أركان الكفر. (1/165)
صفحة 174
[صفحة بيضاء] (1/166)
صفحة 175
الليلة الحادية عشرة:
تلاحق أفراد الأسرة إلى حجرة الاجتماع، وقد أخذت الزوجة موقد الشاي، وحمل معها نجيب الإبريق وأواني الماء، فلمَّا دخل بها قال الأب وهو يبتسم: يبدو أنَّك تنوي أن تكون مساعدا لأمِّك في صناعة الشاي يا نجيب.
قال نجيب: إنَّ إعداد الشاي أمر يسير يا أبي، ولقد طلبتُ من أمِّي عدَّة مرَّات أن تسمح لي بإعداده بدلاً منها، ولكنَّها لا تسمح لي بذلك؛ لأنَّها تُؤْثِرُنِي (1) على نفسها، وتريد منِّي أن أستفيد من جميع لحظات وقتي، وأن لا تصرفني عن حديثكما الممتعِ شيءٌ، وهذا كما ترى تضحية كبرى براحتها من أجلي.
قال الأب: إنَّ الأبوين عندما يقومان بأيِّ عمل من أجل أبنائهما لا يَحْسِبَانِ عملهما ذلك تضحيةً، وإنَّما يحسبانه واجبا. أمَّا الأبناء فهم يحسبون ما يقدِّمونه من مساعدة لآبائهم بِرًّا بهم، وإحسانا لهم، وتضحية من أجلهم.
قال نجيب: ليس كلُّ الأبناء هكذا يا أبي، فإنَّ منهم من يرى أنَّه لا يستطيع مهما بذل من جهد أن يقوم بجزء من واجبه في حقوق أبويه.
__________
(1) / تُؤْثِرُنِي: تُفَضِّلُنِي. ومنه قوله تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} (سورة يوسف: 91)، وقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (سورة الحشر: 9). (1/167)
صفحة 176
قالت الأمُّ: أولئك هم الأبناء البررة يا ولدي، أدام الله لنا فيك البرَّ والوفاء، وأرانا منك وفيك ما يسرُّنا ويبهج خواطرنا.
قال الأب: الحقُّ أنَّنا لم نر ما يسوءنا من نجيب إلى حدِّ الآن، ونرجو أن يدوم على خُلُقِهِ السمح، ودينه القويم.
قال نجيب: إنْ أعجبكما منه شيءٌ فذلك من فضل البيت الذي رُبِّيَ فيه، والأبوين اللَّذَيْنِ اقتبس منهما أخلاقه.
قالت الأمُّ: وهل يطلب أيُّ والدين من أبنائهما غيرَ أن يقتبسوا منهما الأخلاق، ويستمعوا إلى النصائح؟.
قال الأب: هذا حقٌّ، فإنَّ الاقتداء والطاعة هو كلُّ ما يطلبه الأبوان من أبنائهما، وقد وجدنا ذلك في نجيب والحمد لله.
قال نجيب: هل نويتما يا والديَّ العزيزين أن تجعلاني موضوع سمر الليلة؟
قال الأب: لا يا ولدي، ولكن سأترك لك اليوم أن تقترح موضوع السمر، وتبدأ فيه الحديث.
التفت نجيب إلى أمِّه وقال: وهل أنت موافقة على اقتراح أبي يا أمَّاه؟
قالت الأمُّ: نعم يا ولدي، إنَّني موافقة، وأرجو أن تبدأ الحديث.
قال نجيب: كثيرا ما تردَّدَتْ في أسمارنا السابقة كلمات: الإيمان، الإسلام، الدين، التوحيد. فهل هذه كلمات مترادفة تدلُّ على معنى واحد، أم إنَّ كلَّ كلمة منها تدلُّ على معنى غير المعنى الذي تدلُّ عليه الأخرى؟.
قال الأب: إنَّ لهذه الكلمات معاني لغويَّةً، ولها معاني شرعيَّة. أمَّا معانيها اللغويَّة فمختلفة، وأمَّا معانيها الشرعيَّة فمتَّفقة.
قال نجيب: فما هي معانيها اللغويَّة يا أبي؟
قال الأب: الإيمان معناه التصديق، والإسلام معناه الانقياد والخضوع، والدين معناه الطاعة، والتوحيد معناه الإفراد. (1/168)
صفحة 177
قال نجيب: فما هي معانيها الشرعيَّة؟
قال الأب: إذا قلنا: هذا رجل مؤمن بالله، فنعني أنَّه مصدِّق بوجود الله ووحدانيَّته، واتِّصافه بجميع الكمالات، والتصديقُ بذلك يقتضي الخضوع والانقياد والطاعة.
قال نجيب: نعم هذا صحيح.
قال الأب: ألا ترى أنَّ كلمة الإيمان تدلُّ على جميع المعاني التي تدلُّ عليها كلمات الإسلام والدين والتوحيد؟.
قال نجيب: هذا مفهوم، ولكنَّنا إذا قلنا: هذا رجل مسلم؟.
قال الأب: إذا قلنا هذا رجل مسلم، فنعني أنَّه ممتثل لأمر الله، خاضع ومنقاد له، ولا يكون كذلك إلاَّ إذا كان مصدِّقا ومقرًّا بوجود الله، واتِّصافه بجميع الكمالات، ومطيعا له في جميع الأوامر والمناهي؟.
قال نجيب: هذا أيضا صحيح، فإذا قلنا: هذا رجل متديِّن؟
قال الأب: إذا قلنا: هذا رجل متديِّن، فنعني أنَّه مطيع، ولا يكون الرجل مطيعا لله إلاَّ إذا كان مصدِّقا به، منقادا له. وهذا أيضا يشمل جميع المعاني التي تشتمل عليها الكلمات الأخرى.
قال نجيب: وهذا أيضا واضح. ولكن إذا قلنا: هذا رجل موحِّد؟
قال الأب: إنَّ الكلمات السابقة تكاد تكون مترادفة، ولا تُلْحَظُ فيها الفروق إلاَّ في المباحث الدقيقة من علم الكلام. أمَّا الكلمة «موحِّد» فهي تدلُّ على التصديق والإقرار، ولكنَّها لا تدلُّ على الانقياد والطاعة؛ ولذلك فكلمة «موحِّد» لا ترادف كلمة «مسلم» و «مؤمن». (1/169)
صفحة 178
قال نجيب: هذا أيضا واضح يا أبي. ثمَّ التفت إلى أمِّه وقال: هل تذكرين لنا يا أمَّاه بعض الشواهد من حفظك على هذه المباحث الشيِّقة.
قالت الأمُّ: وأيُّ شواهد أنسب من قوله تعالى: {وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُوتُوا الزَّكَاةَ وَذَالِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البيِّنة: 5].
وقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الاِسْلاَمُ} [آل عمران: 19].
وقوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 2 - 3].
وقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3].
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَّبْتَغِ غَيْرَ الاِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85].
وقوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
وقوله تعالى: {وَإِذَ اَوْحَيْتُ إِلىَ الْحَوَارِيِّينَ أَنَ ـ امِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُواْ ءَامَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111].
وقوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمُ ءَامَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس: 84].
وقوله تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُومِنُونَ الاَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمُ إِلآَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22].
والآيات الواردة في هذا المعنى كثيرة جدًّا في كتاب الله.
قال نجيب: إنَّ الآياتِ السابقةَ تدلُّ تمام الدلالة على أنَّ كلمات الإيمان والإسلام والدين تدلُّ على معنى واحد.
قال الأب: الحقيقة إِنَّ الإيمان الصحيح الذي هو تصديق بالله وبمحمَّد وبما جاء به محمَّد أنَّه الحقُّ من عند الله، وإن كان من أعمال القلب، (1/170)
صفحة 179
إلاَّ أنَّه يقتضي الاستسلامَ والانقيادَ والرضا بأحكام الله، والانقيادُ والرضا يقتضي الطاعة.
قالت الأمُّ: كما أنَّ الاستسلام والانقياد والطاعة لا تكون إلاَّ بعد التصديق والإيمان؛ فهذه المعاني وإن كانت من أعمال الجوارح إلاَّ أنَّها ترتبط بعقيدة القلب أوثق رباط.
قال نجيب: وهكذا نفهم أنَّ ما تعنيه كلمة «المسلمين» هو ما تعنيه كلمة «المؤمنين»، وأن الدين هو ما يجب أن يعتقده هؤلاء ويعلموا به، أمَّا غير ذلك ممَّا يسميه الناس أديانا ويتبعونها فهي ليست بأديان.
قال الأب: أمَّا ما وضع البشر منها فهي كفر وإلحاد، وأمَّا ما أنزله الله على أنبيائه فقد كانت أديانا صحيحة حتَّى حرَّفها متبعوها، أو أبطلها الله عزَّ وجلَّ، فأصبحت جميعا باطلة، وقد نَسَخَهَا الإسلامُ، وليس غير الإسلام للبشريَّة من دين. وقد تَلَتْ علينا أمُّك من قبلُ قولَهُ تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الاِسْلاَمُ} [آل عمران: 19]، والآية الكريمة تؤكِّد أنَّه لا دين اليوم إلاَّ الإسلام، وقد كان آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3]، فقد اختار الله لنا الدين، ورضي لنا الإسلام، وليس للبشر أن يخرجوا عن هذا الاختيار، ولا أن يتجاوزوا هذا الرضا.
قال نجيب: فما معنى التوحيد في الشرع؟
قال الأب: التوحيد هو معرفة الله سبحانه وتعالى، ووصفه بالوحدانيَّة والفرديَّة، وعدمِ مشابهة الخلق، مع الإيمان بالرسل والأنبياء والكتب والملائكة، وما إلى ذلك من خصال التوحيد التي تحدَّثنا عنها في أسمارنا السابقة.
والتوحيد ليس مرادفا لكلمة الإيمان أو الإسلام أو الدين، وهو من أفعال القلبِ، واللسانُ يبيِّنه. ولكنَّه قد يطلق على (1/171)
صفحة 180
الإسلامِ أو الإيمانِ أو الدِّينِ من باب إطلاق الجزء على الكلِّ؛ لأنَّ التوحيد أصل الإسلام.
قالت الأمُّ: وعلى هذا الأساس جرى أبو حفص في عقيدة التوحيد حين قال: «إن سأل سائل فقال: ما أصل الدين؟ فقل: الدين هو التوحيد لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الاِسْلاَمُ}. والإسلام لا يتمُّ إلاَّ بقول وعمل» (1).
قال نجيب: لقد فهمت هذا الموضوع فهما جيِّدًا يا أبي.
قالت الأمُّ: إنَّ علماء الإسلام قد كتبوا عن معاني هذه الكلمات كتاباتٍ طويلةً، وقدَّموا عنها مباحثَ شيِّقةً ممتعة، ولا يَسَعُ المسلمَ إلاَّ أن يطَّلع على كثير منها، فإنَّ فيها متعةً للقلب والروح (2).
قال نجيب: سوف أعتني بدراسة كثير منها يا أمَّاه.
قالت الأمُّ: وفَّقك الله يا بنيَّ، ويسَّر لك كلَّ أمر عسير.
اِلْتَفَتَ نجيب إلى أبيه وقال: قد كنَّا نتحدَّث عن التوحيد، وهذا القسم يتعلَّق بالقلب واللسان، فهل هنالك قاعدة عامَّة تجمع الفرائض العمليَّة في الإسلام؟ أعني ما يتعلَّق منها بالجوارح؟.
قال الأب: لقد وضع أبو حفص عمرو بن جُمَيع لذلك عنوانا فقال: «أسهم الإسلام ثمانية: الصلاة والصوم والزكاة والحجُّ والعمرة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (3).
قال نجيب: من أين نستمدُّ أحكام الإسلام؟ أو بتعبير ثانٍ: ما هي مصادر التشريع الإسلاميِّ؟ (4) قال الأب: هي القرآن الكريم، والسنَّة النبويَّة الشريفة، والإجماع.
قال نجيب: إنَّني أعرف القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة الشريفة، ولكنَّني لا أعرف معنى كلمة «الإجماع»، فما هو الإجماع يا أبي؟
__________
(1) / مقدِّمة التوحيد، ص21 - 23.
(2) / نذكر منها - مثلا - كتابات أبي الأعلى المودودي، وبخاصَّة: المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم.
(3) / مقدِّمة التوحيد، ص40 - 43.
(4) / للتوسُّع ينظر مؤلفات العلماء المسلمين في أصول الفقه، نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر:
أ- العدل والإنصاف لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني.
ب- المستصفى لأبي حامد الغزالي.
ج- مصادر الشريعة الإسلاميَّة لعلي جريشة (1/172)
صفحة 181
قال الأب: أن تجتمع الأمَّة الإسلاميَّة على حُكْمٍ.
قال نجيب: وهل يمكن أن تتَّفق الأمَّة كلُّها على حكم يا أبي؟
قال الأب: لقد تجوَّزتُ في التعبير حين قلتُ: «الأمَّة» وإنَّما أعني العلماءَ المجتهدين في عصر من العصور، فإذا اتَّفق جميع العلماء المجتهدين في عصر من العصور على حكم ما، ولم يخالفهم أحد، حتَّى انقضى عصرهم أصبح ذلك الحكم حجَّة شرعيَّة.
قال نجيب: وهل جميع أحكام الإسلام موجودة في القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة وإجماع المسلمين يا أبي؟
قال الأب: إنَّ ما لم يوجد له حكم في ذلك سُلِكَ به مسلك القياس.
قال نجيب: وما معنى «القياس» يا أبي؟
قال الأب: أن يُحمَل شيءٌ مجهول حُكْمُهُ على شيء معلومٍ حُكمُهُ، فيُعْطَيَانِ حكمًا واحدا؛ لأنَّهما يتَّفقان في علَّة الحكم وسببه.
قال نجيب: هل تذكر لي يا أبي أمثله على ذلك؟
قال الأب: كثير من المخدِّرات والمسكرات الموجودة اليوم لم يَرِدْ فيها حكمٌ من الكتاب ولا السنَّة ولا الإجماع فلم تُذكر بأسمائها.
قال نجيب: نعم.
قال الأب: وقد نصَّ القرآن الكريم والحديث الشريف على تحريم الخمر.
قال نجيب: نعم.
قال الأب: وقد بيَّن الحديث الشريف أنَّ سبب تحريم الخمر هو الإسكارُ والتأثيرُ على صفاء العقل.
قال نجيب: نعم. (1/173)
صفحة 182
قال الأب: فالقياس يقضي أَنَّ حكمَ كلِّ ما كان سببا في الإسكار والتأثير على صفاء العقل إنَّما هو التحريم.
قال نجيب: نعم.
قال الأب: والمخدِّرات مثلا من أقوى المؤثِّرات على صفاء العقل، ومن أعظم أسباب الإسكار، فالحكم عليها التحريم.
قال نجيب: يعني أنَّ المخدِّرات محرَّمة بالقياس على الخمر.
قال الأب: نعم يا ولدي، وهذا مَثَلٌ ضربتُهُ لك لتفهم معنى القياس.
قال نجيب: هذا واضح يا أبي. فما هي الأسس التي ينبني عليها الإسلام؟
قال الأب: هي أربعة أشياء يا ولدي.
قال نجيب: أودُّ أن تشرحها لي واحدًا واحدًا يا أبي؟
قال الأب: الأوَّل: أن تعرف ما لا يَسَعُكَ جهله، وأن تعرف ما لا يَسَعُكَ ترْكُهُ، وأن تعرف أنَّك مأمور بذلك ملزَمٌ به، وأن تعرف أنَّ لك ثوابا على ذلك.
الثاني: أن تقوم بعمل جميع الفرائض عند حضور السبب ووجود الشرط وارتفاع المانع، وأنت في ذلك ترجو ثوابه وتخاف مِنْ تَرْكِهَا عقابَهُ.
والثالث: أن تقصد بعملك رضا الله وامتثالَ أمره.
والرابع: أن تكفَّ عمَّا لا يَحِلُّ، وتقف عند ما لا تعرف، وتترك جميع الشُّبَهِ والمناهي.
قالت الأمُّ: يقول أبو حفص عمرو بن جُميع في عقيدة التوحيد: (1/174)
صفحة 183
«فإن قيل: ما قواعد الإسلام؟ فقل أربعة: العلم والعمل والنيَّة والورع» (1).
قال نجيب: وهل تكفي هذه الأسس لبناء الإسلام يا أبي؟
قال الأب: لا يرتفع البناء إلاَّ بأربعة أشياء أخرى يا ولدي.
قال نجيب: أودُّ أن تشرحها لي واحدةً واحدةً يا أبي.
قال الأب: الأوَّل: الخضوع والانقياد إلى أمر الله تعالى.
الثاني: سرور القلب بقضاء الله، والعزم على امتثال ما حَكَمَ الله به.
الثالث: الثقة في الله والاعتماد عليه، وإظهار العجزِ عنده، والاحتياجِ إليه.
الرابع: ردُّ مفاتح الأمور كلِّها إلى الله.
قالت الأمُّ: يقول أبو حفص بن جميع: «وأركان الإسلام أربعة: الاستسلام لأمر الله، والرضا بقضاء الله، والتوكُّل على الله، والتفويض إلى الله» (2). وقال البدر الشمَّاخيُّ في شرحها: «إنَّ الخضوع غاية جميع الطاعة، ومرجع العبادة، وبه يحصل الإخلاص. وإنَّ الرضا بالقضاء أصل الطاعة؛ لأنَّ القبول والعزم على امتثال ما أمر الله به، وسكون النفس إلى قضائه وقدره، وترك السخط له، نظرا إلى أنَّ في قضائه حكمةً عظيمةً، ومصلحةً جليلةً، لكنَّها خفيَّة علينا. ومَنْ رضي استراح وهُدِيَ. وحكمُ الله ماضٍ. وأمَّا التوكُّل فَأَنْ تثق بما عند الله تعالى، وتوطِّن نفسك أنَّ قِوَامَ بِنْيَتِكَ، وسدَّ خَلَّتِكَ (3) إنَّما هو من عند الله لا من أحد، وأنَّه لا يفوتك ما قَسَمَ لك. وأمَّا التفويض فَرَدُّكَ الأمرَ إلى من بيده التدبير ومفاتح الأمور، العالم بالمصالح، فيختار
__________
(1) / مقدِّمة التوحيد، ص34.
(2) / مقدِّمة التوحيد، ص36 - 37.
(3) / الْخَلَّة: الحاجة والفقر. (1/175)
صفحة 184
لك ما هو أصلح» (1).
قال نجيب: لقد أوضحت يا أمَّاه قواعد الإسلام بما نقلته لنا من كلام أبي حفص، فهل هناك شيء يتميَّز به الدين؟
قال الأب: إنَّ الناس بالنسبة إلى الدين ثلاثة أقسام.
قال نحيب: أودُّ أن تذكر لي الأقسامَ الثلاثة يا أبي.
قال الأب: الأوَّل: هو المسلم، وهو المصدِّق بجميع ما سبق من أمور التوحيد، الْمُقِرُّ بذلك، العامل بما جاء في الإسلام، الموفِّي بدين الله.
الثاني: المنافق، أو الكافر كفر نعمة، وهو المقرُّ بالتوحيد وبجميع ما جاء به الإسلام، ولكنَّه خائن في العمل بارتكابه للمعاصي. ويلخِّص بعض العلماء هذا القسم بقوله: «المنافق هو من جاء بالقول وضيَّع العمل».
الثالث: المشرك، وهم من لم يُقِرَّ بأصل من أصول التوحيد، أو من كانت معه خصلة شرك.
قال نجيب: هذا واضح يا أبي، فهل هناك شيء يَحرزُ (2) به المؤمن دينه.
قال الأب: يحرز المؤمن دينه بثلاثة أشياء.
قال نجيب: أودُّ أن تشرح لي يا أبي.
قال الأب: الأوَّل: أن يتولَّى مَنْ عَلِمَ منه خيرًا.
الثاني: أن يبرأ ممَّن علم منه شرًّا.
الثالث: أن يجتنب جميع المعاصي، وأن يقف فيما لا يعرفه حتَّى يعرفه (3).
__________
(1) / مقدِّمة التوحيد، ص36.
(2) / يحرز: يحفظ ويصون.
(3) / للتوسُّع ينظر: حرز الدين في مقدِّمة التوحيد، ص48 - 49. (1/176)
صفحة 185
قال نجيب: هل للدين حدود يا أبي؟ (1)
قال الأب: نعم يا ولدي، إنَّ له أربعةَ حدود.
قال نجيب: ما هي يا أبي؟
قال الأب: الأوَّل: معرفة ما لا يَسَعُ الناسَ جهلُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وهو التوحيد.
الثاني: فعل ما لا يَسَعُ الناسَ تَرْكُهُ، وهو جميع الفرائض.
الثالث: ترك ما لا يَسَعُ الناسَ فِعْلُهُ، وهو جميع المعاصي.
الرابع: الوقوف عمَّا لا يُعرف حتَّى يُعرف.
قال نجيب: يعني أنَّ الإنسان إذا عرف التوحيد، وعمل جميع الفرائض، وتَرَكَ جميع المعاصي، وتوقَّفَ فيما لا يعرفه حتَّى يعرفه، فقد عمل بما يوجبه الإسلام، وكان موفِّيا بدين الله.
قال الأب: نعم يا ولدي.
قال نجيب: وهل للكفر أسس ينبني عليها؟
قال الأب: نعم يا ولدي.
قال نجيب: أودُّ أن تذكرها لي واحدًا واحدًا.
قال الأب: الأوَّل: الجهل، أي جهل ما لا يَسَعُ جهلُهُ من التوحيد والفرائض وغيره.
الثاني: العَصَبيَّة أو حَمِيَّة الجاهليَّة، وهي إعانة المبطل على باطِلِهِ، باللسان أو المال أو البدن أو السلطة. وهي أيضا الأَنَفَةُ (2) من قبول الحقِّ، اعتزازًا بالمال أو الجاه أو السلطان. وهي أيضا الاعتزاز بالقَبَلِيَّة أو القوميَّة أو العنصريَّة، أو ما أشبه ذلك من المعاني، أو الأعمال التي تحمل الإنسان على عدم الانقياد للحقِّ.
__________
(1) / للتوسُّع ينظر: حدُّ الدين في مقدِّمة التوحيد، ص49.
بالمقارنة نجد أنَّ المؤلف أضاف الحدَّ الرابع وهو الوقوف عمَّا لا يعرف حتَّى يُعرف، فجعلها أربعة حدود.
(2) / الأَنَفَةُ من قبول الحقِّ: كراهية قبوله تكبُّرًا. (1/177)
صفحة 186
الثالث: الكِبْرُ، وهو احتقار الناس، والتسلُّط عليهم، بالازدراء والإهانة، وتسفيهُ الحقِّ ممَّن قاله أو فَعَلَهُ.
الرابع: الحسد، وهو تَمنِّي زوال النعمة عن الغير.
اِلتفَتَ نجيب إلى أمِّه وقال: هل تذكرين شواهد على هذه القواعد يا أمَّاه؟
قالت الأمُّ: يقول أبو حفص بن جميع:
«وقواعد الكفر أربعة: الجهل، والحميَّة، والكبر، والحسد» (1).
وقد استشهد العلاَّمة التلاتي (2) في حديثة عن الجهل بالأحاديث الشريفة الآتية: «لا جهل ولا تجاهل في الإسلام» (3)، و «الجاهل لا يحسن العمل» (4)، و «ليس في الجنَّة جاهل، ولا ديُّوث (5)، ولا قلاَّع (6)، ولا قاطع شفعة، ولا مدمن على خمر، ولا قاتل النفس التي حرم الله تعالى» (7). وأورد أبو العبَّاس (8) في حديثة عن الحميَّة الأحاديث الآتية: «هلاك أمَّتي في العصبية» (9)، و «تهلك من هذه الأمَّة ستٌّ بستِّ خصال: الأمراء بالجور، والأغنياء بالكِبْرِ، والعلماء بالتحاسد، والتجَّار بالخيانة، والعرب بالعصبيَّة، وأهل الرَّساتيق (10) بالجهل» (11)، و «من تعزَّى بعزاء الجاهليَّة فَعِضُّوهُ بِهَنِ أبيه وَلاَ تَكْنُوا» (12).
أمَّا على الكبر والحسد فقد احتجَّ الشارحان بآيات من القرآن الكريم.
قال نجيب: إنَّ هذه الخصال يدلُّ الشرع والعقل على قبحها. ولكن هل يرتفع بناء الكفر على هذه الأسس فقط يا أبي؟
قال الأب: ليرتفع بناء الكفر ارتفاعا كاملا يحتاج إلى أربعة أشياء أخرى.
__________
(1) / مقدِّمة التوحيد، 37 - 38.
(2) / مقدِّمة التوحيد، 37.
(3) / لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من مصادر. وقد أورد السالمي المقولة إذ قال: «قال في شفاء الحائم: «وفي مثل هَذَا الأثر المنقول في كِتَاب أبي سفيان عن عبد الملك بن مروان والأعرابيِّ الذي نكح امرأة أبيه فأتى به عبد الملك فقال له: مالك نكحتَ أمَّك، فقال: ليست بأمِّي، وَإِنَّمَا هي امرأة أبي، فظننت أَنَّهَا لي حلال، فضرب عنقه، وقال: لا جهل ولا تجاهل في الإسلام، فبلغ ذَلِكَ أبا الشعثاء فقال: أجاد عبد الملك، أو قال: أحسن». السالمي: بهجة الأنوار، 56 - 57.
(4) / لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من مصادر.
(5) / الديُّوث: الذي يُدخل الرجال على أهله، وليست له غيرة على زوجته.
(6) / القلاَّع: الذي يسعى إلى السلطان بالكذب في حقِّ الناس، أو الديُّوث والقَوَّاد، أو النبَّاش.
(7) / لم نعثر عليه بهذا اللفظ، وفي مسند أحمد وسنن النسائي، واللفظ له: «ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ. وَثَلاَثَةٌ لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى». النسائي: السنن، كتاب الزكاة، باب المنان بما أعطى، رقم 2562، 5/ 80. أحمد المسند، رقم 6180، 2/ 134.
(8) / مقدِّمة التوحيد، ص38 ..
(9) / أورده أبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم عن هارون بن هارون عن ابن عباس مرفوعا. وقال الهيثمي: «رواه البزار وفيه هارون بن هارون وهو منكر الحديث». ينظر: ابن أبي نعيم: المسند المستخرج، رقم 39، 1/ 50. الهيثمي: مجمع الزوائد، 1/ 141.
(10) / الرستاق، أو الرزداق والرسداق، جمعها: رساتيق: البيوت المجتمعة.
(11) / أورد الديلمي في الفردوس رواية شبيهة جاء فيها: «ستَّة يعذِّبهم الله بذنوبهم يوم القيامة: الأمراء بالجور، والعلماء بالحسد، والعرب بالعصبيَّة، وأهل الأسواق بالخيانة، والدهاقين بالكيد، وأهل الرساتيق بالجهل»، وذكره ابن الجوزي في العلل، وقال: «لا يصحُّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». الديلمي: الفردوس، رقم 3491، 2/ 329. ابن الجوزي: العلل المتناهية، رقم 1565، 2/ 938.
(12) / رواه أحمد بلفظ: «فَأَعِضُّوهُ وَلاَ تَكْنُوا». رقم 21271، 21272، 5/ 136.
والتعزِّي هو التفاخر بالانتماء والانتساب إلى القوم. ... وَلاَ تَكْنُوا: أي صرِّحوا باسمه. (1/178)
صفحة 187
قال نجيب: أودُّ أن تذكرها لي يا أبي؟
قال الأب: الأوَّل: أن يأخذ الإنسان من غير حقٍّ، ويمنع من غير حقٍّ، أو أن يعمل على الحصول على ما لا يحلُّ له.
الثاني: أن يخاف الإنسان من الفقر فيمنعَ حقوقَ الله، أو أن يُصانِعَ (1) ذا سلطان بما يُسْخِطُ الرحمن، ويجازيه فيما يريد من ظلم، خوفا على مال أو قريب أو صديق، أو أن يساير شخصا - مهما كانت صفته - في ارتكاب محرَّم من فعل أو قول، أو أن يفقد الشجاعة الأدبيَّة حتَّى يضعف عن الصراحة في الحقِّ، ويصيبه الْخَوَرُ (2) فلا يعلن كلمة الحقِّ وحكمته، مجاراةً للناس، ومسايرةً لهم.
الثالث: الشهوة، وهو حركة النفس لطلب الملاذِّ والشهوة إلى المتعة المحرَّمة أعظم ما ينكب به الإنسان، وأعني بالمتعة المحرَّمة كلَّ ما يستمع به الإنسان من ملاذِّ الحياة، كشهوة البطن، من أنواع الأكل والشراب، وشهوة الفرج، وشهوة النفس من المال والجاه والسلطة وما إلى ذلك.
الرابع: الغضب وهو حركة النفس طلبا للانتقام؛ ولقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لرجل طَلَبَ منه أن يَعِظَهُ: «لا تغضب ولك الجنَّة» (3).
قال نجيب: صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال الأب: هل بقي لك شيء يا نجيب؟.
قال نجيب: هذه هي الأسئلة التي خطرت لي الآن.
قالت الأمُّ: حسْبُنَا الليلةَ سمرًا.
قال الأب: صدقتِ يا أمَّ نجيب، فقد كانت جميع الأسئلة التي وجَّهها نحيب أسئلةً دسمة، أرجو أن يكون فَهِمَهَا.
__________
(1) / يُصانِع: يقدِّم إليه رشوة، أو يداهنه.
(2) /الخَوَرُ (بفتحتين): الضعف، تقول: خَوِرَ يَخُور خَوَرًا، ورجل خَوَّارٌ.
(3) / عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْصِنِي قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ». البخاري: الصحيح، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، رقم 5765، 5/ 2267. (1/179)
صفحة 188
قال نجيب: إنَّني سأذهب الآن إلى مكتبي لأسجِّل المناقشة التي دارت بيننا حتَّى أرجع إليها قبل أن تعقدَا لي امتحانا.
قال الأب: قم يا ولدي لتنجز عملك، وتربح نفسك.
فقام نجيب وألقى تحيَّة المساء على أبويه، وانصرف، ولا يزال ذهنه مشغولا ببعض المباحث التي دارت في الحديث. (1/180)
صفحة 189
[صفحة بها بقية الهوامش] (1/181)
صفحة 190
[صفحة بيضاء] (1/182)
صفحة 191
الليلة الثانية عشرة:
- مراجعة عامة لليالي السابقة.
- حدود ومعاني بعض الكلمات والعبارات العقدية:
1 - النية.
2 – الإيمان.
3 – الإسلام.
4 – الدين.
5 – التوحيد.
6 – الشهادة.
7 – العلم المفروض.
8 – الظن.
9 – الشك.
10 – الولاية.
11 – البراءة.
12 – الوقوف.
13 – الفرض والواجب.
14 – إيمان توحيد وإيمان غير توحيد.
15 – الإيمان قول وعمل.
16 - الإلزام الموسع والمضيق.
17 – الكفر على وجهين.
18 – شرك الجحود وشرك المساواة.
19 – نفاق الخيانة ونفاق التحليل والتحريم.
- حكم الملل الست.
- الخاتمة. (1/183)
صفحة 192
[صفحة بيضاء] (1/184)
صفحة 193
الليلة الثانية عشرة:
اجتمعت الأسرة كالعادة، وأحضرت الأمُّ أواني الشاي الليبي، ولَمَّا جلست افتتحت الحديثَ فقالت: أرى يا أبا نجيب أن تعود إلى أسمارنا السابقة، فتشرح لنا بعض ما تحدَّثنا عنه ولم نستوف عنه الحديث.
قال الأب: بل يحسن أن يحدِّثنا نجيب عن تلك الأسمار، وقد نوجِّه إليه أثناء ذلك أسئلةً، فإن أجاب بالصواب كان ذلك المطلوب، وإن أجاب بالخطأ صحَّحنا له ما أخطأ فيه.
قالت الأمُّ: حسنا! هو ذلك.
قال نجيب: إنِّي أذكر سمر كلِّ ليلة، والمواضيعَ التي تناولناها على الإجمال، ولكما أن توجِّها إليَّ أسئلتكما.
قال الأب: إذن فابدأ باسم الله.
قال نجيب: الليلة الأولى: تحدَّثنا فيها عن كيفيَّة الغسل، وعن البلوغ، وعن وجوب الإيمان بالله بطريق العقل.
قال الأب: وعمَّاذا تحدَّثنا في الليلة الثانية؟
قال نجيب: تحدَّثنا عن معرفة توحيد الله، وما يجب في حقِّه تعالى، (1/185)
صفحة 194
وما يجوز، وما يستحيل.
قال الأب: هل تذكر ما هو أوَّل الواجبات؟.
قال نجيب: هو معرفة الله تعالى.
قال الأب: وما هي مواضيع الليلة الثالثة؟
قال نجيب: تحدَّثنا عمَّا يجب أن يعتقده المسلم في الله، وجودًا وعدمًا، نفيًا وإثباتًا، وعن الجملة التي يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعن قيام الحجَّة السماعيَّة، وعن الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم السلام، وبالكتب المنزَّلة عليهم، وعن حكم دماء المسلمين وأموالهم، وحكم دماء المشركين وأموالهم.
قال الأب: هل تذكر لنا الأنبياءَ الذين يجب معرفتهم بالتفصيل؟.
قال نجيب: يجب أن نعرف سيِّدَنا محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - وسيِّدنا آدم عليه السلام بالتفصيل، ونعرفَ من الكتب المنزَّلة القرآنَ الكريم، فهذا لا يتمُّ التوحيد إلاَّ بمعرفته. أمَّا بقيَّة الأنبياء والرسل والكتب فيجب الإيمان بهم على الجملة، إلاَّ من قامت الحجَّة. [ ......... عبارة ناقصة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟]
قال الأب: عمَّاذا تحدَّثنا في الليلة الرابعة؟
قال نجيب: تحدَّثنا عن كيفيَّة نزول الوحيـ وعن الإيمان بالأنبياء والرسل والكتب والملائكة، وعن الإيمان بالحقائق المترابطة.
قال الأب: ماذا تعني بالحقائق المترابطة؟
قال نجيب: هي الموت والبعث والحساب والثواب والعقاب.
قال الأب: ولماذا سمَّيتها الحقائق المترابطة؟
قال نجيب: لأنَّ كلَّ واحدة منها مرتبطة بالأخرى ومترتبة عليها؛ فالبعث مرتبط بالموت ومترتِّب عليه، والحساب مرتبط بالبعث ومترتِّب عليه، والثواب والعقاب مرتبطان بالحساب ومترتِّبان عليه.
قالت الأمُّ: لقد أحسنت في هذا التعريف يا ولدي، فهو من تعبيرك أنت. (1/186)
صفحة 195
قال الأب: عمَّاذا تحدَّثنا في الليلة الخامسة؟
قال نجيب: تحدَّثنا عن وجوب معرفة أنَّ الله أمر بطاعته وأوجب عليها الثواب، ونهى عن معصيته وأوجب عليها العقاب، وتحدَّثنا عن الولاية والبراءة والوقوف.
قال الأب: فعمَّاذا تحدَّثنا في الليلة السادسة؟
قال نجيب: تحدَّثنا عن تحريم مسايرة الفسَّاق والمنافقين في المعصية، وتحدَّثنا عن مقارفة المعصية واستحلالها، وتحدَّثنا عن ولاية البيضة وبراءتها.
قال الأب: فما هي الأحاديث التي دارت بيننا في الليلة السابعة؟
قال نجيب: لقد كان حديثنا في الليلة السابعة عن القضاء والقدر.
قال الأب: فماذا تناول حديثنا في الليلة الثامنة؟
قال نجيب: تحدَّثنا عن المنكِرِ لِحُكمٍ من أحكام الإسلام، وعن المستحلِّ لِمَا حرَّم الله، وعن المقارف للمعصية، وأجرينا مقارنة في المعاصي ثبت بها تفاوتها في الفحش والفظاعة، وتفاوت حكم العقوبة عليها.
قال الأب: فما هو سمر الليلة التاسعة؟
قال نجيب: تحدَّثنا عن حكم المستحلِّ لِمَا حرَّم الله بتأويل الخطأ، وعن حكم الناسي، وحكم الجاهل، وعمَّا لا يسع جهله طرفة عين، وعمَّا يسع جهله إلى الورود، وما يسع جهله دائما، وعن الإلزام المضيَّق، والإلزام الموسَّع، وعن معنى مقارفة المعصية.
قال الأب: فماذا تناول حديثنا في الليلة العاشرة؟. (1/187)
صفحة 196
قال نجيب: تناول حديثنا في تلك الليلة العاشرة التفريقَ بين كبائر الشرك وكبائر النفاق، والطاعة والمعصية، والمنَّ والدلائل، والخوفَ والرجاء.
قال الأب: فعماذا تحدَّثنا في الليلة السابقة؟
قال نجيب: تحدَّثنا عن معنى الإيمان والإسلام والدين والتوحيد، وتحدَّثنا عن أسهم الإسلام حسب الاصطلاح الذي وضعه أبو حفص بن جُمَيع، وتحدَّثنا عن مصادر التشريع الإسلاميِّ، وتحدَّثنا عن الأسس التي ينبني عليها الإسلام، وتحدَّثنا عن الأشياء التي يرتفع بها بناء الإسلام، وتحدَّثنا عمَّا يتميَّز به الدين، وتحدَّثنا عمَّا يَحرُزُ به المسلم دينَهُ، وتحدَّثنا عن حدود الدين، وتحدَّثنا عن الأركان التي ينتهض بها الكفر.
قال الأب: أحسنت أيُّها الولد الذكيُّ، فلقد لَخَّصتَ أهمَّ المواضيع التي تناولناها بالحديث في أسمارنا السابقة.
قال نجيب: هذا كلُّ ما استطعتُ تذكُّره الآن، ولو زدتَنِي سؤالا آخر ما استطعت عليه جوابا.
قالت الأمُّ وهي تمدُّ الشاي إلى زوجها وولدها: لقد وُفِّقت في الامتحان يا ولدي، وأجبت إجابات مرضية، ومع ذلك فإنَّني عازمة أن أثير أسئلة عن معنى بعض الكلمات ليشرحها أحدكما، حتَّى نتأكَّد أنَّنا درسنا مواضيع سمرنا دراسة كاملة واضحة مفهومة.
قال الأب: حسنا تفعلين.
قال نجيب: إنَّني سوف أسجِّل ما تسألين عنه، وما تجابين به.
قال الأب: أو لم تكن تفعل ذلك كلَّ ليلة بعد السمر؟
قال نجيب: كنت أفعل ذلك بعد أن ينتهي السمر، وقد أنسى بعض (1/188)
صفحة 197
النقط الدقيقة، والملاحظات اللطيفة، أمَّا إذا كتبتُ أثناء الحديث فإنَّني سوف أسجِّله كما يدور بيننا.
قال الأب: اِفعل ما تراه أيسر لإفادتك يا بنيَّ.
قال نجيب وقد أعدَّ قلما وورقًا: إنَّني في انتظار أسئلتكِ يا أمَّاه، فإنَّها لا بدَّ أن تكون شيِّقة ومفيدة، وأن تكون إجابات أبي وافية وواضحة.
قال الأب: كأنَّكما اتَّفقتما أن تجريا لي امتحانا.
قال نجيب: كما يمتحن الأبناء آباءهم، والتلاميذ أستاذهم.
قال الأب: أمَا وقد اتَّفقتما فلا بأس، هيَّا اِسْأَلِي أيَّتها الزوجة الفيلسوفة!.
قالت الأمُّ: فأنا أذكر الكلمة وأنت تذكر تعريفها، أو تشرح معناها.
قال الأب: موافق يا ستِّي، فابدئي.
قالت الأمُّ: «كلُّ عمل خلا من النيَّة فهو باطل»، فما هي النيَّة؟
قال الأب: النيَّة هي إخلاص العمل لله، وطلب المنزلة من عنده.
قالت الأمُّ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الاَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الاِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7]، فما هو الإيمان؟
قال الأب: هو التصديق بالخالق، ومعرفةُ توحيد الله وعبادته، والعملُ بما يقتضيه ذلك التصديق.
قالت الأمُّ: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الاِسْلاَمُ} [آل عمران: 19] فما هو الإسلام؟
قال الأب: هو الخضوع والانقياد لأحكام الله، والامتثالُ لأوامره. ولا (1/189)
صفحة 198
يكون ذلك كاملا إلاَّ إذا صدر من القلب واللسان والجوارح.
قالت الأمُّ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3]، فما هو الدين؟
قال الأب: الدين هو أن تعرف ما أوجب الله عليك وما نهاك عنه، وأن تطيعه في أمره ونهيه.
قالت الأمُّ: «إن سأل سائل وقال: ما أصل الدين؟ فقل: الدين هو التوحيد»، فما هو التوحيد؟
قال الأب: التوحيد هو إثبات الوحدانيَّة للخالق.
قالت الأمُّ: فما هي كلمة الشهادة؟
قال الأب: هي الجملة التي يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهي أن يشهد المكلَّف أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأن محمَّدًا عبده ورسوله، وأنَّ ما جاء به حقٌّ من عند الله. وتسمَّى كلمة التوحيد أيضا.
قالت الأمُّ: «العلم فريضة على كلِّ مسلم» فما هو العلم المفروض على جميع المسلمين؟.
قال الأب: العلم هو معرفة الأشياء على حقيقتها، والمفروض منه هو معرفة ما يجب أن يعتقده الإنسان ويُقِرَّ به، وما يجب عليه عمله، وما يجب عليه تركه، وما يجب عليه الوقوف فيه.
قالت الأمُّ: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]، فما هو الظنُّ؟
قال الأب: هو ترجيح أحد أمرين ممكنين.
قالت الأمُّ: ومن أنكر جملة من الأنبياء فهو مشرك والشاك في شركه مشرك. فما معنى الشكِّ؟
قال الأب: الشكُّ هو التردُّد بين الطرفين، وعدم ترجيح أحدهما على الآخر. (1/190)
صفحة 199
قالت الأمُّ: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا} [النساء: 144]، فما معنى الولاية؟
قال الأب: الولاية هي المحبَّة، وفي الاصطلاح الشرعيِّ هي: محبَّة المسلمين الموفِّين بدين الله.
قالت الأمُّ: {بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1]، ما معنى البراءة؟
قال الأب: هي المنابذة والخلوص والابتعاد، وفي الاصطلاح الشرعيِّ: بُغْضُ أعداء الله جميعا، وعدم الركون إليهم.
قالت الأمُّ: «المؤمن وقَّاف»، فما معنى الوقوف؟
قال الأب: الوقوف أن لا يُقْدِمَ الإنسان على شيء يجهل حكمه، وأن لا يبادر إلى حبٍّ أو بغضِ مَنْ لا يعرفه.
قالت الأمُّ: ترد في الكتب كلمة «الفرض» و «الواجب» فهل هما كلمتان مترادفتان؟
قال الأب: أكثر العلماء يرى أنَّهما تستعملان بمعنى واحد، ويقول بعضهم: إنَّ ما وجب بالقرآن هو الفرض وما وجب بالسنَّة هو الواجب.
قالت الأمُّ: يرد في الكتب: «إن الإيمان توحيد وغير توحيد»، فما معنى ذلك؟
قال الأب: الإيمان الذي هو توحيد هو التصديق بالْجُمَلِ الثلاث، والإقرار بها وسائر خصال التوحيد التي تحدَّثنا عنها في الأسمار السابقة. أمَّا الإيمان الذي هو غير توحيد ففِعْلُ جميع الفرائض والسنن والنوافل تقرُّبا لله تعالى، وتَرْكُ جميع المحرَّمات والمكروهات طاعةً لله تعالى.
قالت الأمُّ: يرد في الكتب: «إنَّ التوحيد قول وعمل»، فما معنى هذه العبارة؟. (1/191)
صفحة 200
قال الأب: يعني أنَّ التوحيد تصديق بالقلب، والتصديق من عمل القلب، وإقرارٌ باللسان، فلا يغني التصديق عن الإقرار، ولا يغني الإقرار عن التصديق؛ فلا بدَّ أن يجتمع القول الذي هو إقرار باللسان، وعملٌ، وهو التصديق بالْجَنَانِ.
ويقول المحقِّقون: إنَّ العمل شامل للاعتقاد والعمل بالجوارح؛ لأنَّ الاعتقاد من عمل القلب، والقيام بالفرائض بأنواعها هو العمل من الجوارح، هذا ما يدلُّ عليه الكتاب والسنَّة.
قالت الأمُّ: يرد في الكتب: «إنَّ الإلزام على وجهين: موسَّع ومضيَّق»، فما معنى هذه العبارة؟
قال الأب: الإلزام هو التكليف، والمضيَّق هو ما كان وقته غير زائد على فعله، وذلك كالتوحيدِ، وآخِرِ أوقات الفرائض. والموسَّع هو ما كان وقته أوسع من فعله أو زائدًا على فعله، وذلك كتفسير معاني التوحيد، وأوائل أوقات الفرائض. وقد تعرَّض أبو العبَّاس الشمَّاخيُّ لهذين السؤالين فقال: «الإلزام يكون توحيدا وغير توحيد. والتوحيد يكون قولا وعملا، كما تقدَّم بيانه. وغير التوحيد إمَّا فرض مضيَّق أو موسَّع، أو فرض عين، أو تخيير، أو كفاية» (1).
قالت الأمُّ: ترد في الكتب كلمتَا «الوعد والوعيد»، فما معناهما؟
قال الأب: إنَّ الوعد هو إجراء الخير. والوعيد هو إجراء العقوبة. أمَّا أنا فأقول: إن الوعد في الدنيا معناه تقرير الثواب، وفي الآخرة هو تحقيقه. وإنَّ الوعيد في الدنيا هو تقرير العقاب، وفي الآخرة هو تنفيذه.
قالت الأمُّ: يرد في الكتب: «إنَّ الكفر على وجهين»، فما معنى هذه العبارة؟.
__________
(1) / مقدِّمة التوحيد، ص98. (1/192)
صفحة 201
قال الأب: إنَّ كلمة الكفر تطلق على أحد معنيين؛ فهي إمَّا أن تكون بمعنى الشرك، وإمَّا بمعنى النفاق، وعندما تطلق كلمة الكفر على الموحِّدين فيُعنَى بها النفاق، وهو ما يعبِّر عنه بعض العلماء بـ «كفر النعمة»، وأهلُ الحديث بـ «كفر دون كفر».
قالت الأمُّ: يرد في الكتب: «إنَّ الشرك على وجهين: شرك جحود، وشرك مساواة»، فما معنى هذه العبارة؟.
قال الأب: شرك الجحود هو إنكار وحدانيَّته سبحانه وتعالى. أمَّا شرك المساواة فهو مساواة الله سبحانه وتعالى بخلقه، في صفةٍ أو فعلٍ أو ذاتٍ، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا.
قالت الأمُّ: يرد في الكتب: «إِنَّ النفاق على وجهين: نفاق خيانة، ونفاق تحليل وتحريم»، فما معنى هذه العبارة؟.
قال الأب: نفاق الخيانة هو تضييع الفرائض، وارتكاب الكبائر بشهوة. ونفاق التحليل والتحريم هو قول غير الحقِّ وارتكابُه، بتأويلٍ وديانة.
قالت الأمُّ: بقي لي سؤال واحد أرجو أن نتناوله بشيء من التفصيل.
قال الأب: إنَّني لن أذكر كلمة واحدة قبل أن أشرب كوب الشاي.
قالت الأمُّ: وأنا الأخرى أريد أن أشرب كوبًا. ثمَّ أخذت الإبريق وأفرغت منه ثلاثة أكواب، مدَّت منها لزوجها وولدها وأخذت لنفسها. وأخذ أفراد الأسرة يرتشفون الشاي في تلذُّذ وصمت. وبعد أن أتمَّ الزوج ارتشاف الكأس تنحنح وقال: هيا أيَّتها السائلة الملحاحة، هات ما عندك!. (1/193)
صفحة 202
قالت الأمُّ: أنعم الله عليك أيُّها الزوج الصبور.
قال نجيب وهو يبتسم: هل أسجِّل هذه الدعوة الحارَّة يا أمَّاه؟.
قالت الأمُّ وهي تبتسم: لا يا ولدي، فإن هذه الدعوة تسجِّلها الملائكة، ويستجيب الله لها.
قال نجيب: فماذا أسجِّل؟
قالت الأمُّ: سجِّل ما يأتي أيُّها الولد الذكيُّ. ثمَّ التفتت إلى زوجها وقالت: يرد في الكتب: «إِنَّ الملل ستٌّ» (1)، فما معنى هذه الكلمة؟.
قال الأب: الأصل في ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَالذِينَ هَادُواْ (2) وَالصَّابِينَ (3) وَالنَّصَارَى (4) وَالْمَجُوسَ (5) وَالذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17]. فقد ذكرت الآية الكريمة مِلَلَ سِتِّ طوائف من الناس، وهم الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئون، والنصارى، والمجوس، والذين أشركوا.
قالت الأمُّ: هل تختلف الأحكام على هؤلاء؟
قال الأب: بطبيعة الحال، فإنَّ الإسلام قد أبطل جميع الأديان التي سبقته، وعلى الأمَّة المسلمة أن تبلِّغ دعوة الله إلى غيرها من الأمم والشعوب.
قالت الأمُّ: وهل بقيَّة الأديان متساوية في إجراء الأحكام عليها؟.
قال الأب: إنَّ أهل الأديان الأخرى ينقسمون إلى ثلاثة أقسام بالنسبة إلى موقف الإسلام منهم.
قالت الأمُّ: هل لك يا أبا نجيب أن تشرح ذلك بشيء من التفصيل؟
قال الأب: إنَّ أهل الملل إمَّا أن يكونوا أصحاب كتاب، أو مشركين،
__________
(1) / للتوسُّع في حكم الملل الست ينظر: «فصل في الملل الست» في مقدِّمة التوحيد، ص78.
(2) / الذين هادوا: اليهود أهل التوراة، والمرسل إليهم هو موسى عليه السلام.
(3) / الصابئون قيل: هم اختاروا ما طاب لهم من التوراة وما طاب لهم من الإنجيل. أو هم قوم يصبَؤون من دين إلى دين، أي يخرجون ويميلون. وقيل: هم الذين يقرأون الزبور، ويعبدون الملائكة ويصلُّون إلى القبلة.
(4) / النصارى: أهل الإنجيل، والمرسل إليهم عيسى عليه السلام.
(5) / قوم يعبدون الشمس والقمر، وينكحون ذوات المحارم، ويزعمون أنهم على شريعة آدم عليه السلام. (1/194)
صفحة 203
أو مذبذبين بين أهل الكتاب والمشركين.
قالت الأمُّ: هل تضرب لهذه الأقسام أمثلة؟
قال الأب: إنَّ أهل الكتاب هم اليهود والنصارى والصابئون، والمذبذبون هم المجوس، أمَّا بقيَّة أصحاب الملل الأخرى فهم مشركون، كالوثنيِّين والطبيعيِّين وغيرهم ممَّن يكفر بالله.
قالت الأمُّ: فما هي الأحكام الخاصَّة بأهل الكتاب؟
قال الأب: إذا رضي أهل الكتاب بحكم الإسلام، وخضعوا لقوانينه، وأعطوا الجزية للدولة المسلمة، وسكنوا في بلدان الإسلام، فإنَّ من حقِّهم على المسلمين أن لا يؤذوهم، وأن يسمحوا لهم بالقيام بعبادتهم وطقوسهم الدينيَّة، وأن يعطوهم الحرِّيَّة الكاملة في العمل من أجل الحياة. ويحلُّ للمسلمين أن يتزوَّجوا من نسائهم، وأن يأكلوا من ذبائحهم، شريطة أن تكون تحت رقابة المسلمين. أمَّا إذا لم يكونوا تحت حكم المسلمين فحكمهم حكم المشركين، فلا يحل التزوُّج من نسائهم، ولا أكل ذبائحهم، ولا أن يفتحوا لهم مجال الحياة الحرَّة في ديارهم. إنَّهم معارضون لدعوة الله، وكلُّ من اعترض سبيل الله يجب أن يقف معه المسلمون موقف الصرامة والشدَّة.
قالت الأمُّ: فماذا تقول في هؤلاء الشباب الذين يتزوَّجون كلَّ يوم من أوربا؟
قال الأب: ماذا أقول غير أنَّهم ارتكبوا أفظع جريمة في حقِّ دينهم وحقِّ وطنهم.
قالت الأمُّ: إنَّهم يستندون إلى قوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُومِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (1/195)
صفحة 204
مِن قَبْلِكُمُ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ (1) وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ... } (2) [المائدة: 5].
قال الأب: استمعي إلى ما يقول أحد علماء الإسلام المعاصرين في تفسير هذه الآية الكريمة: «وهنا نطَّلع على صفحة جديدة من صفحات السماحة الإسلاميَّة، فالإسلام لا يكتفي بأن يترك أهل الكتاب لِمَا يعتقدون إلاَّ أن يفيئوا هم إليه راضين، لا يكتفي بأن يترك لهم هذه الحرية، ثمَّ يعتزلهم، فيصبحون في المجتمع الإسلاميِّ مجفُوِّين (3) معزولين إنَّما يشملهم بجوٍّ من المشاركة الاجتماعيَّة، والمودَّة والمجاملة والخلطة؛ فيجعل طعامهم حلالاً للمسلمين، وطعام المسلمين حلالاً لهم، كذلك ليتمَّ التزاور والتضايُف والمخالطة الاجتماعيَّة السمحة. وكذلك يجعل العفيفات من نسائهم طيِّبات للمسلمين، يَقْرِنُ ذكرهنَّ بالعفيفات من المسلمات. وهي سماحة لا يفيض بها إلاَّ الإسلام من بين سائر الأديان؛ فإن الكاثوليكيَّ المسيحيَّ لَيَتَحَرَّجُ من نكاح الأرثوذكسيَّة أو البروتستاتنتيَّة أو المسيحية المارونية، ولا يُقدِم على ذلك إلاَّ المتحلِّلون عندهم من العقيدة.
وهكذا يبدو أنَّ الإسلام هو العقيدة الوحيدة التي تسمح - مع المحافظة عليها في الضمير - بقيام مجتمع عالميٍّ لا عزلة فيه بين المسلمين وأصحاب الديانات الكتابيَّة الأخرى، ولا حواجز بين أصحاب العقائد المختلفة التي تظلُّها راية المجتمع الإسلاميِّ» (4).
قال نجيب: لم تذكر يا أبي صاحب هذا التفسير الرائع.
قال الأب: هو عالم مسلم غيور يسمَّى سيِّد قطب، جاهد في إعلاء كلمة الله بلسانه وقلمه، وأوذي في ذلك أذًى كثيرا.
قالت الأمُّ: لقد لاحظتُ أنَّه يَشتَرِطُ أن تقوم هذه العلاقات تحت ظلِّ راية المجتمع الإسلاميِّ، وهو يقرِّر أنَّ هذا النظام إنَّما يقوم في رعاية المجتمع الإسلاميِّ.
__________
(1) / مسافحين: من السفاح، وهو الزنا والفجور.
(2) / وتمام الآية قوله تعالى: {وَمَنْ يَّكْفُرْ بِالاِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
(3) / مجفُوِّين: من الجفاء، وهو البُعدُ، وعدمُ البِرِّ والصلةِ، والغلظةُ في المعاشرة.
(4) / في ظلال القرآن، 2/ 848. (1/196)
صفحة 205
قال الأب: أمَّا سيِّدنا عبد الله بن عمر (1) فكان لا يجيز نكاح الكتابيَّة وهي على دينها مطلقا، وكان يجيب إذا سُئل عن ذلك بقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُومِنَّ وَلأَمَةٌ مُّومِنَةٌ خَيرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوَ اَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221].
ويقول: إنَّه لا شرك أعظم من قول النصارى: إِنَّ عيسى ربَّهم. وأمَّا الآية التي قُلْتِ إن بعض الناس يستندون إليها فقد قال فيها ابن عمر: إِنَّ المقصود من الآية الكريمة حلِّيَّة نكاح المرأة التي كانت كتابيَّة وأسلمت، وقد قال بهذا الرأي جمعٌ كبير من علماء الإسلام، واحتجُّوا لذلك بقوله تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22].
وقال في حكمة الزواج وما ينتج عنه بين الزوجين: {وَمِنَ ـ ايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنَ اَنفُسِكُمُ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
فإنَّ العلاقة بين المرء وزوجه يجب أن تكون علاقة مودَّة ورحمة، وإنَّ العلاقة بين المسلم وأعداء الله يجب أن تكون الكراهية والبغض. فدلَّت الآية الكريمة على أنَّه لا يحلُّ تزوُّج الكتابيَّة؛ لأنَّها محادَّة لله، ولا يخلو زواجها من مخالفة إحدى الآيتين.
قالت الأمُّ: أليس في هذا شيء من الشدَّة والعسر؟
قال الأب: إنَّه ليس للإنسان أن يغيِّر أحكام الله لأنَّها لا توافق طبيعته أو تفكيره، ولكنَّه - على كلِّ حال - فقد ذهب المعتدلون من علماء الإسلام إلى التيسير حسبما تريدين، وأباحوا أن يتزوَّج المسلم الكتابيَّة، وأن يأكل من ذبائحهم وطعامهم، ولكنَّ ذلك لا يجوز إلاَّ عندما يكون هؤلاء الكتابيُّون عائشين في المجتمع الإسلاميِّ، راضين بحكمهِّ، خاضعين لنظامهِّ،
__________
(1) / عبد الله بن عمر بن الخطَّاب القرشي العدوي، من كبار الصحابة. أسلم ولم يبلغ الحلم. وهاجر مع أبيه إلى المدينة. وكان شديد الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. كان من المكثرين في رواية الحديث. وقيل: إنَّه أكثر الصحابة إلماما بمناسك الحجِّ. توفِّي بمكَّة سنة 63هـ، وهو ابن 84 سنة بسبب جرح أصابه من حَربة مسمومة أعدها له رجل من قِبل الحجَّاج بن يوسف الثقفي. (1/197)
صفحة 206
دافعين لِمَا يترتَّب عليهم من حقوق.
قال نجيب: نخرج من هذا النقاش أنَّه لا يجوز للمسلم أن يتزوَّج الأجنبيَّة، ولا أن يأكل ذبائحهم.
قال الأب: هذا ما يجب أن تعرفه، وأن يعرفه جميع المسلمين، وأن يعملوا به. وإِنَّ كل من يُدَجِّلُ (1) باسم الإسلام، ويُحِلُّ للناس ما حرَّم الله من طعام ونكاح فهو مضلِّل أثيم. وإنَّه لمن المؤسف أن يتلقَّف الناس آية من كتاب الله فيذهبون في تأويلها وتفسيرها حسبما تهواه أنفسهم، وتمليه شهواتهم وأغراضهم، ثمَّ يجدون من يبيح لهم ذلك ممَّن يزعم أنَّه أوتي الفهم والعلم!.
قالت الأمُّ: وما هي الأحكام الخاصَّة بالمشركين؟.
قال الأب: إنَّ المشركين لا يقيم معهم المسلمون أيَّة علاقة، فهم إمَّا أن يقبلوا الإسلام ويدخلوا في دين الله تعالى، وإمَّا أن يعلن الحرب عليهم، وأن يكونوا أعداء لله ولرسوله وللمسلمين.
قالت الأمُّ: فما أحكام المجوس؟
قال الأب: يُدْعَوْنَ إلى دين الله، فان استجابوا وآمنوا فهم إخواننا في الدين، وإن امتنعوا عن الإيمان ورضوا بحكم الإسلام، ودفعوا الجزية، فلهم أن يعيشوا تحت رعاية النظام الإسلاميِّ. ولكنَّ المعاملة معهم لا ترتفع إلى معاملة أهل الكتاب، فلا يحلُّ نكاح نسائهم، ولا أكل ذبائحهم، حتَّى وهم تحت إشراف الأمَّة المسلمة.
قالت الأمُّ: يعني أنَّ الحكم عليهم وسط بين أهل الكتاب والمشركين، فتصان دماؤهم وأموالهم إذا دفعوا الجزية، ويحرم نكاح نسائهم وأكل طعامهم حتَّى وهم يعيشون ضمن المجتمع الإسلامي.
قال الأب: هذا صحيح، ولكنَّ هذه المعاملة لأهل الكتاب من
__________
(1) / الدَّجَل: الخِدَاع والتمويه والتلبيس والخلط والكذب. (1/198)
صفحة 207
اليهود والنصارى والصابئين أو المجوس لا تعني أنَّهم غير مشركين؛ ولذلك فهم يتساوون في الحكم مع المشركين إذا لم يكونوا خاضعين لأحكام الإسلام. قال الله تعال: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً (1) فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ اِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} (2) [التوبة: 28 - 29].
فأهل الكتاب كما ترى مشركون، ولكنَّهم عندما يفيئون إلى الإسلام، ويَحْتَمُونَ بحكمه، فإنَّ الإسلام يُسْبِغُ عليهم الأمن والسلام والعدالة والحرِّيَّة والحياة الكريمة، مراعاةً لاستنادهم إلى كتاب من كتب الله، ولو أنَّهم حرَّفوه ولم يعملوا به.
قالت الأمُّ: يظهر أنَّني أخذت منكما وقتا طويلا، وإنَّني أشكر لك يا أبا نجيب هذه المعلوماتِ القيِّمةَ، وأرجو من ولدي أن يقتدي بأبيه، وأن يزيد عليه في الجِدِّ والاطِّلاع، لا سيما وأسباب المعرفة اليوم ميسَّرة أكثر منها بالأمس.
قال الأب: إنَّه واجبي أيَّتها المرأة الصالحة.
قال نجيب: أطال الله بقاءكما وعافيتكما، وأقدرني على البرِّ بكما، وقضاء حقوقكما.
ثمَّ قام فألقى عليهما تحيَّة المساء، وانصرف قرير العين.
__________
(1) / العَيْلة: الفقر والحاجة.
(2) / تمام الآية: {عَنْ يَّدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. (1/199)
صفحة 208
[صفحة بها بقية الهوامش] (1/200)
صفحة 209
الخاتمة
{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً اِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] (1/201)
صفحة 210
[صفحة بيضاء] (1/202)
صفحة 211
فهرس المحتويات
المقدمة .................................................................... 05
حفلة عيد الميلاد ........................................................... 9
الليلة الأولى .............................................................. 13
-الغسل
-البلوغ
-الإيمان بالله بطريق العقل
الليلة الثانية ............................................................. 25
-معرفة توحيد الله تعالى
-ما يجب في حقه تعالى وما يجوز وما يستحيل
الليلة الثالثة ............................................................ 41
-ما يجب أن يُعتقَد في الله.
- قيام الحجَّة السماعيَّة. (1/203)
صفحة 212
- الإيمان بالأنبياء الرسل والكتب المنزَّلة.
- حكم دماء وأموال المسلمين والمشركين.
الليلة الرابعة ........................................................... 53
-رسالة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -.
- الإيمان بالأنبياء والرسل والكتب والملائكة، وبالموت والبعث والحساب والثواب والعقاب.
الوحي.
الليلة الخامسة ............................................................ 69
-وجوب معرفة أنَّ الله أمر بطاعته، وأوجب الثواب عليها، ونهى عن معصيته وأوجب العقاب عليها.
- الولاية والبراءة والوقوف.
الليلة السادسة ............................................................. 85
-تحريم مسايرة الفُسَّاق والمنافقين.
- مقارفة المعصية واستحلالها.
- ولاية البيضة وبراءتها.
الليلة السابعة ................................................................ 101
- القضاء والقدر
الليلة الثامنة ................................................................. 115
-المنكِر لحكم من أحكام الإسلام. (1/204)
صفحة 213
- المستحلُّ لِمَا حرَّم الله.
- المقارف للمعصية.
- التفاوت في المعاصي.
الليلة التاسعة .................................................... 129
-حكم المستحلِّ بتأويل الخطأ.
- حكم الناسي.
- حكم الجاهل.
- الابتلاء ومقارفة المعصية.
الليلة العاشرة ........................................................... 149
-كبائر الشرك وكبائر النفاق.
- الطاعة والمعصية.
- المنُّ والدلائل.
- الخوف والرجاء.
الليلة الحادية عشر ........................................................... 165
- الإيمان والإسلام والدين والتوحيد.
- أسهم الإسلام.
- مصادر التشريع الإسلامي.
- أسس الإسلام.
- قواعد الإسلام.
- أركان الإسلام. (1/205)
صفحة 214
- ما يتميَّز به الدين.
- حرز الدين.
- حدود الدين.
- أسس الكفر.
- أركان الكفر.
الليلة الثانية عشر ........................................................... 183
- مراجعة عامة لليالي السابقة.
- حدود ومعاني بعض الكلمات والعبارات العقدية:
1. النية
2. الإيمان
3. الإسلام
4. الدين
5. التوحيد
6. الشهادة
7. العلم المفروض
8. الظن
9. الشك
10. الولاية
11. البراءة
12. الوقوف
13. الفرض والواجب
14. إيمان توحيد وإيمان غير توحيد
15. الإيمان قول وعمل
16. الإلزام الموسع والمضيق
17. الكفر على وجهين
18. شرك الجحود و شرك المساواة
19. نفاق الخيانة ونفاق التحليل والتحريم
- حكم الملل الست
الخاتمة ........................................................................... 201 (1/206)
صفحة 215
موجز من حياة المؤلف
- ولد سنة 1919 بمدينة نالوت بليبيا.
- تلقى تعليمه الابتدائي بكتاب قريته، ثم لازم الشيخ رمضان بن يحيى الليني.
- حوالي سنة 1937 سافر إلى الجزائر وأقام سبع سنوات بمعهد الحياة مرابطا في ساحة العلم طالبا وأستاذا.
- شغل بليبيا مهنة التدريس ثم تدرج حتى حصل على وظيف مرموق في الوزارة.
- اتجه منذ شبابه إلى التأليف في شتى الميادين من العقيدة والفقه والأدب والتاريخ إلى السياسة والاجتماع. أصدر كتبا ورسائل وبحوثا ... تمتاز بالإبداع والإتقان. منها المطبوع ومنها المخطوط. نذكر منها:
1. الاباضية في موكب التاريخ (4 حلقات)
2. الاباضية بين الفرق الإسلامية.
3. الأقانيم الثلاثة.
4. أجوبة وفتاوي.
5. الحقوق في الأموال.
6. الفتاة الليبية ومشاكل الحياة.
7. مسرحية "ذي قار " سياسية.
توفي رحمه الله في 16/ 01 / 1980م. (1/207)
صفحة 216
المطبعة العربية
نهج طالبي أحمد غرداية
الإيداع القانوني رقم: 71 ××× 09 ××× 1992 (1/208)
صفحة 217
[ملاحظة:
ما في هذه الصفحة من إضافة الْمُراجِع: مصطفى بن محمد شريفي
مراجع تحقيق سمر أسرة مسلمة:
في هذه القائمة المصادر التي استخدمتها مع بيانات نشرها. وأما التي استُخدمت في الطبعة الأولى، فمنها ما هو بدون البيانات أو تحتاج إلى تحقق.
مصادر الطبعة الأولى:
ابن ادْرِيسُو محمَّد بن سليمان: شرح النونية. [بقية بيانات النشر ............ ]
ابن فورك أبو بكر: تأويل مشكل الحديث وبيانه. [بقية بيانات النشر ............ ]
أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى (ت: 1393هـ/1973م): ملحق السير (سير الشماخي) بخط أحمد فرصوص وإبراهيم علواني بتعليقات المؤلف، مكتبة جمعيَّة التراث. [يتحقق من بيانات النشر ......... ]
أبو زكرياء يحيى بن أبي الخير الجناوني (ق5/ 11هـ): كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه، نشره وعلَّق عليه أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش؛ الطبعة الأولى، مطبعة الفجالة الجديدة، مصر، د. ت.
أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي: الديوان، المطبعة العربيَّة، غرداية، ط 2، 1991م. [يتحقق من بيانات النشر ......... ]
امعمر علي يحيى (1401هـ/1980م): الإباضية بين الفرق الإسلامية: نشر جمعية التراث، المطبعة العربية، غرداية.
امعمر علي يحيى (1401هـ/1980م): الإباضيَّة دراسة مركَّزة في أصولهم وتاريخهم، تقديم د. محمَّد ناصر بوحجَّام، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1982م.
باباعمي محمَّد بن موسى: المذهب الإباضي نشأته وآراؤه السياسية والعقديَّة. [بقية بيانات النشر ............ ]
الثميني عبد العزيز بن إبراهيم: النور شرح القصيدة النونية، للشيخ أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي، 1981م، المطبعة العربية، غرداية.
الجعبيري فرحات بن علي: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1408هـ/1987م المطبعة العربيَّة، غرداية.
الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (ت: 750هـ): قناطر الخيرات. ط. حجرية، المطبعة البارونية، القاهرة، د. ت. [يتحقق من بيانات النشر ......... ]
الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (ت: 750هـ): قواعد الإسلام، صحَّحه وعلَّق عليه بكلِّي عبد الرحمن بن عمر، ط1، المطبعة العربيَّة، غرداية، الجزائر، 1976م.
الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد: طبقات المشايخ بالمغرب، حقَّقه إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة، د. ت.
سيد قطب: في ظلال القرآن. [بقية بيانات النشر ............ ]
عمرو بن جُميع: عقيدة التوحيد [بقية بيانات النشر ............ ]
لعلي صالح: خلاصة المراقي [بقية بيانات النشر ............ ]
مجموع مهمَّات المتون (منها: البيقوني في منظومته) [بقية بيانات النشر ............ ]
المودودي أبو الأعلى: المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم. [بقية بيانات النشر ............ ]
مصادر الطبعة الثانية:
ابن الجوزي عبد الرحمن بن علي (510 - 597هـ): العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، تحقيق: خليل الميس، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403هـ.
ابن ماجه أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (273هـ): سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
ابن منظور محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري (630 - 711هـ): لسان العرب، الطبعة الأولى، دار صادر، بيروت.
أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي (275هـ): سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر.
أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني (430هـ): المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1996م.
أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني (164 - 241هـ): مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، مصر.
البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي (194 - 256هـ): صحيح البخاري، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، ط3، دار ابن كثير , اليمامة، بيروت، 1407هـ/ 1987م.
البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين (384 - 458هـ): شعب الإيمان، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1410هـ.
الترمذي محمد بن عيسى أبو عيسى السلمي (279هـ): الجامع الصحيح سنن الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
جمعية التراث، لجنة البحث العلمي: معجم أعلام الإباضية، المطبعة العربية غرداية، 1420هـ/1999م.
الديلمي أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الهمذاني (445 - 509هـ): الفردوس بمأثور الخطاب، تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1986م.
الرازي محمد بن أبي بكر بن عبد القادر (721هـ): مختار الصحاح، تحقيق: محمود خاطر، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1415هـ/1995م.
الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي البصري (170هـ): الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، تحقيق: محمد إدريس، عاشور بن يوسف، الطبعة الأولى، دار الحكمة، مكتبة الاستقامة، بيروت، سلطنة عمان، 1415هـ.
السالمي نور الدين أبو محَمَّد عبد الله بن حُميد (ت: 1332هـ): بهجة الأنوار، شرح مختصر لقصيدة أنوار العقول في العقيدة، طُبع بهامش شرح طلعة الشمس عَلَى الألفية في أصول الفقه، مطبعة الموسوعات، مصر، د. ت.
شريفي مصطفى بن محمد: الشيخ نور الدين السالمي، حياته وآثاره ومواقفه الإصلاحيَّة والسياسيَّة. (بحث ماجستير، مرقون، كليَّة أصول الدين، جامعة الجزائر، إشراف الدكتور عمَّار جيدل، نوقش في ربيع الثاني 1423هـ/جوان 2002م).
الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيُّوب (260 - 360هـ): المعجم الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ.
الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيُّوب (260 - 360هـ): المعجم الكبير، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، 1404هـ/1983م.
مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري (261هـ): ... صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
النسائي أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب (215 - 303هـ): المجتبى من السنن (سنن النسائي)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الثانية، 1406هـ/1986م.
الهيثمي علي بن أبي بكر (807هـ): مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الريان للتراث، القاهرة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1407هـ.
والتعديلات التي أجريتها على سمر أسرة مسلمة
1. ضبطت النصَّ، وشكلت كلَّ ما بدا لي أنه قد يشكل على المبتدئين.
2. رقنت أغلب الهوامش؛ وقد وجدت أنَّ النص الرقمي ليست فيه إلا الهوامش الأولى التي تعد على الأصابع.
3. أمعنت النظر في النص، فوجدت أنَّ في بعض النصوص غموضا أو خللا، تحتاج منا إلى الرجوع إلى النسخ المعتمدة، وليست عندي تلك النسخ. وقد أشرت إليها بالأحمر في الكتاب الورقي.
4. صحَّحت الأخطاء المطبعية (النحوية والإملائية) البارزة دون إشارة إلى ذلك.
5. عدَّلت في تخريجات كل الأحاديث، نظرا لتوفر الوسائل التي لم تكن متوفرة عند الطبعة الأولى.
6. قمت بتخريج الأحاديث التي لم يتم العثور عليها في الطبعة الأولى.
7. قمت بإضافة شرح عدة كلمات رأيت أنها قد يصعب فهمها على المبتدئين. بهدف تنمية الرصيد اللغوي لديهم.
8. أدمجت عزو الآيات ضمن النص، خشية إثقال الهوامش بها، وقد ميَّزتها بالمعقوفين.
9. اعتمدت في ضبط النصِّ القرآني على رواية ورش.
مصطفى بن محمد شريفي
القرارة يوم 1 رمضان 1429هـ / 1 سبتمبر 2008م] (1/209)