صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: العقيدة وعلم الكلام
------------------------------------------
العنوان: سمر أسرة مسلمة (العقيدة الإسلامية بأسلوب ميسر)
المؤلف: علي يحيى معمر
تحقيق وتقديم: محمد بن موسى باباعمي
الناشر: معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: د.ط
الإيداع القانوني: 51/93
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/771
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 20 ربيع الأول 1447ه/ 13 - شهر 09 - 2025م. سَمَرُ أُسرة مسلمة (1/1)
صفحة 2
/ (1/2)
صفحة 3
علي يحي معمّر
سَمَرُ أُسرة مسلمة (العقيدة الإسلامية بأسلوب (مُيسى)
تحقيق و
تقديم
محمد بن موسى بابا عمر
1 (1/3)
صفحة 4
/ (1/4)
صفحة 5
بسم
بسم الله الرحمن الرحيم بين يدي الكتاب
الله، نحمده ونستعينه ونستهديه، إنه المعين والهادي لسواء
السبيل، ونصلي ونسلم على سيد الأنام محمد الآمين
أما
•
بعد: فلما كان علم العقيدة أشرف علم على الاطلاق، وكان وعيه واجباً على الأمة الإسلامية صغيرها وكبيرها، ذكرها وانثاها، فإن مسؤولية تبليغه لا تزال عالقة بأعناق العلماء والدعاة، لا يضعها عنهم الجاد لنشر مبادئ وأسس هذه العقيدة بكل الوسائل الحسنة،
إلا
سعيهم والطرق المستجدة
وهو
غير أن المطلع على المكتبة الإسلامية ينقلب إليه البصر خاساً حسير، عندما يتبين ان كتب العقيدة عُقدت ودخلت ضمن المضنون به على غير أهله، وأصيب هذا العلم بارستقراطية خاصة الخواص، فلا يكاد الشاب المسلم يتحصل على كتاب سهل العبارة حسن السبك. وبالمقابل نجده يطالع كل العلوم والفنون الصادرة من الغرب، باسلوب يسير، وطبع راق، ومنهجية محكمة، فيغترب بالتالي سلوكا - تبعاً لاغترابه - أ - (1/5)
صفحة 6
تربية وثقافة – ولا يحق لنا أمام تقاعسنا عن واجبنا إلا أن نقبل الواقع المر ونتجرعه ولا نكاد نسيغه. وهكذا مآل الضعفاء.
والحق أن علماء هذا القرن حاولوا الخروج من هذه الارستقراطية المقيتة، ووضعوا كتباً للصغار في شتى المبادئ الإسلامية من أخلاق
وتربية الى صلاة وزكاة
ومن هؤلاء العلامة علي يحي معمر، الذي سخر قلمه لتبسيط علوم الشريعة في أشكال مختلفة وألف في ذلك
من الكتب: سمر أسرة مسلمة. الأقانيم الثلاثة.
من الرسائل: مسلم لكنه يحلق ويدخن.
من
المقالات: الطفل والقرآن الكريم.
من المسرحيات: مسرحية ذي قار ذات المغزى السياسي.
مسرحية «محسن».
من الأناشيد: قصائد كان ينشرها فضي مجلة «الشباب» وغيرها. وقد طبعت بعض أعماله وبقيت أخرى في الجهالة والنسيان، ومما طبع عدة مرات كتابه «سمر أسرة مسلمة الذي نفذ من السوق ككل كتبه، وكثر الإلحاح على أستاذنا. د. محمد ناصر لطبعه مرة أخرى تحت رعاية جمعية التراث، ولكن أستاذنا رغب في طبعه في شكل جديد وادخال بعض التحسينات المنهجية عليه، فلم يسعفه الوقت لذلك. واسند إلي هذه المهمة الشاقة التي قبلتها على مضض، خشية التعثر:
وتوكلت على الله، وكان لي في الكتاب - من العمل – ما يلي: (1) اضفت الى عنوانه - سمر أسرة مسلمة - عبارة «العقيدة الإسلامية لأن العنوان على أصله لا يحدد موضوع الكتاب، فقد
بأسلوب
ميسر
6 (1/6)
صفحة 7
|
يكون الكتاب عرضا لطريقة السمر ونوعيته وتوجيهه، وقد يكون
السمر في الأخلاق والفقه أو غيرهما من العلوم
(2) خرجت ما لم يخرج من آياته
(3) خرجت أحاديثه تخريجاً منهجياً لا حديثياً.
(4) وثقت النصوص التي استشهد بها من عناوين شتى) ترجمت للاعلام والأماكن ... الوارد ذكرها.
(6) صححت الأخطاء المطبعية، وقد استرعى انتباهي كثرتها. (7) شرحت المفردات المستعصية شرحاً موجزاً، مساهمة في إثراء قاموس القارئ والطالب
6
8 وأخيراً وضعت عناوين للمواضيع التي تناولتها كل ليلة من ليالي السمر، فاثبت عناوين كل ليلة أمامها وجمعتها في الفهرست بعد ذلك ليصبح الكتاب مرجعاً سهل التداول والاستفادة. وقد عرضت العمل على أستاذي الدكتور محمد ناصر فوافق عليه وباركه، وتقدمت الى طبعه وأنا على يقين من قصر باعي وضعف متاعي، غير أن حبي للعقيدة ورغبتي الملحاحة في إيصالها الى ناشئتنا الإسلامية دفعاني إلى التقدم، وحسبي أني اجتهدت ومن الله أطلب
التوفيق والسداد (1/7)
صفحة 8
/ (1/8)
صفحة 9
الشيخ علي يحي معمر في سطور)
مولده ودراسته:
-
- ولد علي يحي معمر بمدينة (نالوت) بالجماهيرية الليبية سنة
1919 م، من أبوين متوسطي الحال، وفي عائلة محافظة متدينة - تعلم مبادئ القراءة والكتابة في كتاب قرية (تكويت)، بضواحي
نالوت
- ثم دخل المدرسة الإبتدائية التي فتحتها إيطاليا، وأظهر نبوغاً
مبكراً.
وبقدوم العالم الشيخ رمضان بن يحي الليني الجربي من جربة الى ليبيا أقام حلقات في الفقه الإباضي، وانضم إليها معمر ولازم شيخه في
أوقات فراغه في سنة 1927 سافر الى جربة ملتحقاً بحلقات الشيخ الليني.
- ثم إنتقل بعد ذلك الى جامع الزيتونة.
- وفي سنة 1937 سافر الى الجزائر قاصداً معهد الحياة بالقرارة وفيها
حط رحاله، وأقام سبع سنوات. ومن أبرز أساتذته الشيخ بيوض رحمه الله والشيخ عدون حفظه الله.
- ج - (1/9)
صفحة 10
نشاطه وانتاجه:
- عندما كان طالباً بمعهد الحياة شارك في جميع
دروس وجمعيات أدبية، وفرق فنية ورياضية ومسرحية
أنشطته، من
- برجوعه إلى ليبيا سنة 1945 م، شرع في الرفع من مستوى الشباب علمياً وفكرياً. وانشأ مجلة «اليراع».
- دخل ميدان التدريس فارتقى فيه من مدرّس إلى مدير مدرسة
إلى موجه تربوي (مفتش) إلى موثق تربوي. وأخيراً استقر في طرابلس كموظف مرموق بأمانة التربية والتعليم.
-
-
كان يلقي المواعظ والدروس بالمساجد
كان شاعراً وأديباً، مؤرخاً وناقداً، وفوق كل ذلك كان مفت
ومتخصص في علوم الشريعة
-
- له إنتاج غزير في شتى الميادين، بمختلف الأشكال (3) ومن المؤسف أن تكون جل المؤلفات التي وضعها الأرفف رهن والنسيان ولم يطبع منها إلا النزر اليسير وادعو الباحثين الى السعي في جمع إنتاجه تحت عنوان «الأعمال الكاملة للشيخ علي يحي معمر» ولا شك
أنها ستثري المكتبة الإسلامية
علي يحي معمر ودعوته لوحدة الأمة:
جمع
الأستاذ
علي معمر الى تواضعه وغزارة علمه صفات عديدة ولعل أبرزها بعد النظر وسعة الأفق، فنجده في جميع أعماله يدعو الى وحدة صف المسلمين ونبذ الخلافات الجزئية، وهو الذي قنن نظرية «المعرفة والتعارف والاعتراف في مقدمة كتابه «الإباضية بين الفرق الإسلامية فنجده يقول: إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا
-ح- (1/10)
صفحة 11
تتحطم بالحجة، ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة في رد الفعل، وانما تتحطم المذهبية بالمعرفة
،
والتعارف والإعتراف، فبالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون ولماذا يتمسكون به. وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعي للعبادات. وبالاعتراف يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر برضى ويعطيه مثل الحق الذي يعطيه لنفسه (2)
وفاته:
توفي يوم
الثلاثاء 27 صفر 1455 هـ الموافق لـ 15 جانفي 1980 على الساعة الحادية عشرة. رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين
والصديقين والشهداء، آمين.
هوامش
(1) إعتمدنا أساساً على ترجمة الأستاذ محمد ناصر بوحجام في مقدمة تحقيقه لكتاب الإباضية دراسة مركزة وعلى ملحق السيد للشيخ أبي اليقظان رحمه الله. فمن أراء التوسع رجع إلى مصدره.
(2) الإباضية بين الفرق الإسلامية، طبع جمعية التراث ص 7.
(3) أنظر قائمة مؤلفاته التي جمعها الأستاذ بوحجام.
- خ - (1/11)
صفحة 12
/ (1/12)
صفحة 13
بسم الله الرحمن الرحيم رَبَّنَا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيْء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
- 3 -
(سورة الكهف (10) (1/13)
صفحة 14
/ (1/14)
صفحة 15
مقدمة
كان كثير من أبنائي طلاب المدارس في المرحلتين الإعدادية والثانوية يناقشونني في بعض مسائل التوحيد ويطلبون إلي أن أدلهم على الكتب التي يرجعون إليها في دراسة هذه المواضيع، فكنت أرشدهم إلى بعض ما أعرف من كتب، ولكنهم سرعان ما يعودون إلي متألمين يذكرون أن أساليب تلك الكتب تلتوي على أفهامهم، وتستعصي على مداركهم لا سيما وانهم لم يدرسوا علم الكلام على مشايخه، ولم يعرفوا كثيرا من المصطلحات الفنية التي ترد في تلك الكتب وكنت أتألم لألم أولئك الطلاب الذين يبحثون عن الهداية ويتلمسون طريق المعرفة، فتصدهم عقبات لا يقوون على تذليلها، وفكرت في الموضوع تفكيرا جديا حينما زارني جمع منهم إلى بيتي وحملوني مسؤولية تذليل هذه العقبة أمامهم وأمام زملائهم الكثيرين
•
وأعترف انني كنت شديد الرغبة لتحقيق طلبهم ولكنني في نفس الوقت كنت شديد الخشية من حمل هذا الثقل الذي أعرف أنني قد أتعثر به ولا أنهض، وحاولت أن ألقيه على غيري ممن هم أكثر كفاءة ومقدرة ولكنني لم أوفق في ذلك، وأصبح الموضوع واجباً عينيا علي فاستخرت الله وأقدمت
- 5 - (1/15)
صفحة 16
رجعت إلى كثير من كتب الفقه والتوحيد عند كتابة هذه الفصول غير أنني اعتمدت فيما رجحته من الآراء على الكتب الآتية: عقيدة التوحيد وشروحها (1) كتب فيلسوف الإسلام أبي طاهر الجيطالي (2) في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب (3) مسند الربيع بن حبيب (4). وقد رأيت أن أسوق المباحث على طريقة الحوار ظنا مني أنها قد تكون أخف على الطالب وأشوق له لكي يواصل القراءة
وأنا حين أقدم الكتاب لأبنائي الطلبة ولغيرهم ممن يستهويهم كل ما تخرجه المكتبة الإسلامية أمل أن يجدوا فيه كثيرا من حقائق التوحيد معروضة عرضا واضحا بأسلوب سهل، وقد يرى بعض القراء الكرام أن في الكتاب بعض الإعادة والتكرار وقد قصدت ذلك لترسيخ بعض المعلومات في ذهن القارئ العادي الذي لم يدرس علم التوحيد دراسة مستفيضة على مشايخ الفقه، وقد يجد القارئ الكريم بعض المناقشات عن مسائل لا تتعلق بالتوحيد إلا أنها تدخل في الثقافة الإسلامية العامة ساقني إليها أسلوب الحوار الذي اعتمدت عليه في الكتاب وارتباطها ارتباطا قويا أو ضعيفا بأصل الموضوع.
عندما أتممت هذه الحلقة تركتها عندي ولم أجرؤ على تقديمها للطبع. وكنت أمني نفسي أن أعرضها على بعض مشايخي الكرام، حتى أستوثق من أن عملي هذا يجوز أن يظهر للناس، وعندما سافرت في السنة الماضية إلى تونس والجزائر اخذتها معي ليطلع عليها احدهم ولكن قصر المدة، واشتغالهم بما هو أهم وأوكد، حال دون الإطلاع عليها وإبداء الرأي فيها، اللهم إلا بعض الفصول قرأتها على أستاذي الفاضل الشيخ عدون بن بالحاج ونحن في السيارة ننتقل بين بعض المدن من وادي ميزاب العامر. وقد استحسن، حفظه الله ورعاه، طريقة
-6 - (1/16)
صفحة 17
العرض وأسلوب الكتاب، وأمرني بتقديمه للطبع حالا، ولكنني مع ذلك بقيت مترددا حتى شرفنا هذه السنة بزيارته إلى ليبيا وأعاد أمره لي بطبع هذه الحلقة فلم يسعني الا الإمتثال. وها أنا أقدم اليك أيها القارئ الكريم هذا العمل الضئيل فان ساعدك على الإستفادة، ووجدت فيه حقا وعلما، ويسر عليك مؤنة البحث فان الحمد لله على التوفيق، وإن خيب ظنك، وضيع وقتك فأنا اعتذر اليك عما ضيعت لك من وقت، وأخذت من مال، وأطلب منك العفو والسماح، فانني معك في حال لا استطيع أن أرد عليك الوقت الذي ضيعته منك، ولا المال الذي أخذته
منك.
(
وأخيرا ألجأ إليه سبحانه وتعالى ان يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم وأن يغفر لي الخطأ والزلل فانه الغفور الرحيم
(1) عقيدة التوحيد لأبي حفص عمرو بن جميع، لها شروح عدة،، وهي كالتالي: أ - شرح أبي العباس أحمد الشماخي.
ب - شرح أبي سليمان داود بن إبراهيم الثلاتي.
ج - نظم التحقيق في عقود التعليق لعمرو بن رمضان التلاتي.
د - اللؤلؤة المضيئة على متن العقيدة وعمدة المريد لنكتة التوحيد للتلاتي. للتوسع أنظر البعد الحضاري للعقيدة الأباضية (لـ د/فرحات الجعبري)
وأبو حفص عمرو بن جميع صاحب المقدمة من علماء النصف الثاني من القرن 13/ 7
(2) نذكر منها
أ - قناطر الخيرات ثلاثة أجزاء، حقق د/ عمرو خليفة النامي الجزء الأول. ب - قواعد الإسلام جزءان، تحقيق عبد الرحمن بكلي.
من مؤلفه
•
وأبو طاهر إسماعيل الجيطالي (ت (1300/ 750 هـ وللتوسع أنظر ترجمته في الجزء الأول (3) طبع في ظلال القرآن، عدة مرات، ويعد من التفاسير الأدبية، ومن أهم ما ألف في القرن العشرين في التفسير. وسيد قطب (1324) - 1906/ 1382 - 1967). من رواد جماعة الأخوان المسلمين، وله مؤلفات عدة منها التصوير 30 الفني في القرآن الكريم. . اعدمه جمال عبد الناصر، واقيمت في ربوع البلاد الإسلامية
-
صلاة الغائب على روحه
- 7 -
- (1/17)
صفحة 18
(4) مسند الربيع بن حبيب المسمى: الجامع الصحيح: عمدة الأباضية في الحديث، يشتمل على 1005 حديث، ثلاثي السند أغلب أحاديثه عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن صحابي؛ رتبه أبو يعقوب
الوارجلاني، وشرحه كل من: 1 - المحشي أبو ستة في 8 أجزاء 2 - عبد الله السالمي في 4 أجزاء
- 8 - (1/18)
صفحة 19
حفلة عيد الميلاد
قال نجيب قبل أن يذهب إلى المدرسة في الصباح هل تعرف يا أبي أن الليلة القادمة عيد ميلادي
قال الأب: نعم أعرف أن الليلة القادمة هي عيد ميلادك، فقد ولدت في مثلها، وبذلك فقد أتممت اليوم، السنة الرابعة عشر
وستدخل في هذه الليلة السنة الخامسة عشر من عمرك السعيد
قال نجيب: إذن ستوافق يا أبي على الحفلة الصغيرة التي سأقيمها بهذه المناسبة لزملائي، وستتحفني بهدية جميلة أزهو (1) بها على أقراني، كما عودتني في أعياد ميلادي السابقة ... وستأذن لي أن اشتري شموعا لنوقدها ونطفئها كما يفعل المتحضرون قال الأب: لا يا ولدي! لا تقم الليلة حفلة لزملائك، ولا تنتظر مني هدية كالهدايا السابقة، ولا تشتر شموعا ان هنالك شيئا أهم من ذلك .. يجب أن تعد له نفسك الليلة.
أحس نجيب بخيبة أمل مرة، فهذه أول مرة يجد من أبيه معارضة في رغبة معقولة، وموضوع هام، وصمت التلميذ الإعدادي يفكر في موقفه وموقف أبيه منه، ومعارضته له في هذه النقطة بالذات، لماذا
2
-9 - (1/19)
صفحة 20
يعارضه في إقامة الحفلة؟ ولماذا يقطع عنه هذه العادة الجميلة؟. هذه العادة التي طالما فرح بها، وطرب لها، وتاه بها على زملائه واقرانه، ما هو هذا الشيء الهام الذي يحول دون إقامة الحفلة؟ هل كان أبوه في مأزق حرج لم يسمع به ولم يتفطن له؟ أم أن أباه رأى منه أو ما يسوءه فهو غير راض عنه؟ واحس الولد المؤدب أنه أطال الوقوف بجانب أبيه، فحاول أن يعيد الحديث معه لعل الوالد الحنون يرجع عن رأيه، أو لعله يفهم السبب ... لكن الوالد أجابه في وقار
سمع
وتصميم:
لا تفكر كثيرا يا ولدي ... إذهب الآن إلى مدرستك كما كنت
تذهب في الأيام الماضية، وعند الليل سوف نتحدث طويلا وهكذا انهارت الآمال الباسمة التي كانت تشرق في قلبه، وطارت الأحلام الزاهية التي كانت تتراقص أمام عينيه، وذابت الخيالات الجميلة التي كانت تملاً مخيلته، واعتمت (2) الصورة الحلوة التي رسمها الصبي الصغير وهو يفكر في دعوة الأتراب وحضور الأصحاب، ودعابات الأصدقاء، وضحكات الزملاء، وجمال هدية الأب، وايقاد الشموع واطفائها وقبلات الأم الحنون، وتهاني الأصدقاء المخلصين مزق نجيب الكشف الذي أعده حين كان يضع تصميم الحفلة، وذهب مكتئبا إلى المدرسة، فأمضى فترة الدراسة على مضض (3)، شارد الفكرة، حائر النظر، وما تمت فترة الدراسة حتى طار إلى البيت دون أن ينتظر
الأصحاب وكان يأمل أن يجد أباه قد غير من رأيه ووافق على مشروعه الصغير، فدخل البيت وسلم على الأب والأم، وانتظر ... إنتظر ان يبدأه أحدهما فيحدثه عن عيد ميلاده، ولكن الأبوين لم يتحدثا عن
- 10 - (1/20)
صفحة 21
هذا الموضوع، كأنهما كانا متفقين على عدم الخوض فيه. استحيي الولد المؤدب أن يسأل أباه من جديد، وصبر على ألم ينتظر فرصة ينفرد فيها بأمه ليبثها أشجانه، والأم دائما هي مفرغ الشكوى لان قلبها الكبير، العامر بالحب والحنان يستطيع أن يلطف الآلام ويجنح الأحلام ... ولكن هذه الفرصة لم تسنح له، فقد بقي الأبوان يتحدثان عن أمورهما العادية، لا يشغلها شيء حتى تم تناول الغذاء وما يتلوه، وذهب الصبي إلى حجرته ليستريح قليلا من عناء دروسه اليومية
قضى نجيب فترة الظهيرة، ثم نهض مبلبل الفكر (4)، شارد الذهن مشوش الخاطر، محطم الآمال، وتناول محفظته لينظر في واجباته المدرسية كما كان يفعل كل. ولكنه وجد حالته النفسية لا تساعده
يوم
على العمل، انه لا يفهم ما يقرأ، لأنه لا يستطيع أن يحصر فكره في موضوع من مواضيع الدراسة، ولذلك فقد استأذن أباه في أن يقوم بنزهة قصيرة ينطلق فيها بين الحدائق يعب النسيم (5)، ويقطف
الأزهار، ويناجي الطيور
6
(1) زهى: إفتخر.
(2) أعتمت الصورة: مرت بها قطعة من الظلام.
(3) المضض: الوجع من المصيبة.
(4) مبلبل الفكر: مختلط الفكر ومنه تبلبلت الألسن في بابل، أي إختلطت.
(5) يعب النسيم: يستنشقه بقوة.
- 11 -
- (1/21)
صفحة 22
/ (1/22)
صفحة 23
-
الغسل
- البلوغ.
الليلة الأولى
- الإيمان بالله بطريق العقل
-
- 13 -
- (1/23)
صفحة 24
/ (1/24)
صفحة 25
الليلة الأولى
اجتمعت الأسرة المتكونة من نجيب وأبويه، بعد العشاء على ابريق من الشاي موضوع فوق الموقد، وكانت الأم تنظر إلى ولدها في فخار واعتداد، وكان الولد ينتظر ما تنفرج (1) عنه شفتا أبيه في ترقب ولهفة - أما الأب فقد كان صامتا يفكر في وقار - ثم اتجه إلى ولده وقال في
حنان بالغ:
نجيب! ...
وكان الولد ينتظر هذه اللحظة في شوق، فأجاب في أدب جم:
نعم يا أبي! ... قال الولد: قم يا ولدي الى الحمام، فأزل من بدنك كل نجاسة، وتوضأ كما تتوضأ للصلاة، ثم أفض (2) الماء على رأسك ثلاث مرات مبتدئًا من مقدمه ثم أفض الماء على جميع جسدك مقدما الأعضاء العليا على السفلى واليمنى على اليسرى حتى تنتهي من قدميك وأنت في كل ذلك تدلك (3) ما يقع عليه الماء دلكًا جيدا متواصلاً لا تقطع بينه فإذا اغتسلت فالبس ثيابا طاهرة، إما جديدة واما غسيلة لم تلبس بعد، وأقبل علينا فنحن في انتظارك
- 15 -
-
- (1/25)
صفحة 26
ولبث الولد ينظر إلى أبيه في حيرة وارتباك، ما معنى كل هذا؟ وهل يجد أبوه أم يمزح؟ إنه لم يعتد أن يستحم في مثل هذا الوقت، ثم إن أمه هي التي كانت كانت تهتم بنظافته واستحمامه، إن أباه لم يتول منه هذه الشؤون إلا مرة واحدة، وذلك قبل أربع سنوات، حين ناوله ابريقا الماء، وعلمه طريقة الاستنجاء والوضوء ثم دربه على الصلاة، وبقي يراقبه فيها ثلاثة أيام متواليات ... ومنذ ذلك الحين لم يهتم بشؤون طهارته ولباسه. ولما وجد نجيب أن أباه بقي ينتظر منه اجابة الطلب، قام متثاقلاً إلى تنفيذ هذه الرغبة الأبوية، وهو يرى في سلوك أبيه اليوم شذوذا لم يجد له تفسيرًا.
من
6
استحم نجيب بالطريقة التي علمها له أبوه، ولبس ثيابا نظيفة وأقبل على أبويه فوجدهما في انتظاره يتحدثان، وعندما أخذ مجلسه منهما قال له أبوه: سألتني يا نجيب صباح اليوم ان كنت أذكر عيد ميلادك؟
قال نجيب وهو ينظر إلى أبيه في حيرة نعم يا أبي. قال الأب: لقد ولدت يا نجيب منذ أربعة عشر عاما وقد انتهى
عمرك اليوم كصبي، وسيبتدئ عمرك السعيد كرجل ان هذه الليلة أول أعياد ميلادك كرجل
هي
وصمت الأب ليرى وقع كلماته على الولد المرتبك الحيران
وتتابعت الانفعالات على الطفل في سرعة، وانقشعت (4)، وانقشعت (4) عن نفسه تلك الشكوك والريب التي كانت تسيطر عليه منذ الصباح، وأدرك مغزى هذا السلوك من أبيه، فاستعد من جديد ليتلقى أنباء جديدة من هذا الوالد الكبير الحكيم، ثم اتجه إليه في رغبة وشوق ليسمع
المزيد.
-
16 - (1/26)
صفحة 27
قال الولد لابنه: كنت تقيم الحفلات لزملائك في أعياد ميلادك يا بني حينما كان أولئك الأطفال زملاء لك، أما اليوم فقد أمسيت ولست بزميل لهم، انهم لا يزالون أطفالا، أما أنت فقد صرت رجلاً، وقد كنت آتيتك بهدايا في أعياد ميلادك كل سنة لأنك كنت طفلا. أما في هذه الليلة فلم تعد طفلاً، انك رجل مثلي ومثل غيرنا من
الرجال.
قال الولد: ولكن يا أبي! أيصير الطفل رجلا هكذا فجأة في
لحظة واحدة؟ ..
قال الأب: ان الطفل لا يزال ينمو
ينمو
عقله
، وينمو جمسه،
حتى تظهر عليه علامة من علامات الرجولة، فيعتبر رجلا، وتلقى
عليه أعباء الرجال
قال الولد: وهل ظهرت على تلك العلامات يا أبي؟ .. قال الأب: لقد اتضحت فيك بعض تلك العلامات يا ولدي قال الولد: يسرني أن أعرفها إذا كانت مما يعرف قال الأب: من واجب الآباء أن يتعهدوا (5) أبناءهم بالتربية والرعاية، ومنذ تجاوزك العاشرة، وأنا أتبعك بالملاحظة، وأوصي أمك بمراقبتك ومعرفة أحوالك، حتى لا تدخل سن الرجولة ونحن غير
عالمين
قال الولد: انني لم أشعر بذلك منكما ..
قال الأب: ألا تذكر أنني لا مست أرنبة أنفك بسبابتي عدة
مرات؟
قال نجيب: أذكر ذلك ولكنني كنت أحسبك تداعبني بذلك
قال الأب: كنت أداعبك بذلك وفي نفس الوقت كنت أبحث عن
-
- 17 (1/27)
صفحة 28
إحدى علامات الرجولة أو علامات البلوغ كما تسمى في كتب الفقه ... قال الولد: وهل تكون علامات الرجولة في أنف الإنسان.
•
قال الأب: ان الطفل عندما يدخل مرحلة الرجولة يفترق رأس أنفه فإذا وضعت أصبعك عليه أحسست بهذا الفرق أما الطفل فإن أرنبة أنفه لا تفترق ولذلك فعندما تلامسه لا تحس بذلك الفرق ورفع نجيب أصبعه يتحسس أرنبة أنفه، وقرر أن يتأكد من صحة رأي أبيه بأنوف زملائه في المدرسة، وان يخبرهم بهذه المعلومات، ويتحسس أنوف الكبار والصغار منهم، ثم اتجه إلى أبيه وهز رأسه كأنه يقول إنه متأكد من ذلك مقتنع به. ولما أتم الولد تجربته الشخصية هذه استأنف الوالد حديثه فقال:
الجديدة
ليست هذه
مرحلة الرجولة
•
هي
العلامة الوحيدة للانتقال من مرحلة الطفولة إلى
قال الولد: وما هي العلامات الأخرى يا أبي؟ ..
قال الأب: ان الطفل عندما يدخل مرحلة الرجولة، يغلظ صوته وينبت الشعر في مغابن (6) جسده، وقد يحلم بالأعمال الجنسية فيندفق منه ماء ثخين (7) ذو رائحة. وقد كنت أوصيت أمك أن تلاحظ ظهور هذه العلامات عليك، فهي بحكم مراقبتها لنظافتك، وتوليها تنظيف ثياب نومك ترى آثار هذه العلامات عليك أكثر مما يمكن أن أفطن أنا لها قال نجيب: هل هذه هي كل العلامات التي تفرق بين الطفولة والرجولة؟ قال الأب: قد تتأخر هذه العلامات عن مواعيدها وكثيرا ما تتأخر ... قال نجيب: إذا تأخرت هذه العلامات عن موعدها فكيف يعرف
الإنسان أنه أصبح رجلا؟
-
- 18 - (1/28)
صفحة 29
قال الأب: إذا تأخرت هذه العلامات عن موعدها تأتي العلامة التي
لا يمكن أن تتأخر لحظة واحدة
قال نجيب: وما هي يا أبي
•
؟
قال الأب: الدخول في السنة الخامسة عشر من العمر
قال نجيب: وبهذه العلامة الأخيرة التي لا تتأخر أمسيت اليوم رجلا، وضحكت الأسرة.
وأخذت الأم ابريق الشاي فأفرغت منه لزوجها ولولدها ولنفسها ثم أزاحت عنها الموقد وجلست في مكانها ليستمر سمر العائلة المسلمة شعر نجيب أنه أصبح رجلا بعد حديث أبيه، فاتخذ لنفسه سمت (8)
الرجل الوقور، ثم اتجه إلى أمه التي تنظر اليه في حب وفخار وقال: لقد حدثني أبي يا أماه منذ هنيهة، وأوضح لي العلامات الفارقة بين الطفولة والرجولة، فما هو حديثك إلي لو كنت بنتا؟ تبسم الوالد من سؤال ولده الطريف، وتنهدت الأم في حسرة وألم تظهر ما في نفسها من مرارة لحرمانها من بنت جميلة تؤنس وحدتها وتساعدها في عملها، وترث عنها خلقها وجمالها، ثم اعتدلت في جلستها
وقالت: إننا نساعد الرجال في جميع الأعباء التي يتحملونها، وقد نحملها عنهم، ولكنهم لا يخففون عنا أعبائنا شيئًا من
قال نجيب: وكيف ذلك يا أماه؟
قالت الأم: لقد اعترف أبوك في حديثه السابق اليك بأنه يكل إلي
جانبا عظيما من ملاحظتك والعناية بك
قال نجيب: - وهو ينظر إلى أبيه نظرة ذات مغزى - ذلك ما
صرح به أبي.
- 19 - (1/29)
صفحة 30
قالت الأم: أنا على يقين - لو أني رزقت بنتا - أن أباك لن يهتم مطلقا بملاحظة نموها وانتقالها في مراحل العمر، كما كنت ألاحظك ووجد الأب نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن نفسه فقال:
أنا
إن لكل واحد من الأبوين مهام يجب أن يقوم بها حسبما هيأته حكمة الخالق، وواجبات الأسرة. ولم تعن الأم بالرد على زوجها، واسترسلت في حديثها قائلة: ولذلك فعندما تتجاوز بنتي سنتها العاشرة أتجه اليها بالملاحظة والمراقبة، حتى أعرف مرحلة انتقالها من مرحلة الطفولة الى المرحلة التي تصبح فيها امرأة تتعلق بها الحقوق والواجبات. قال نجيب: وهل تكون للبنت علامات عندما تنتقل في مراحل
العمر؟
قالت الأم: نعم يا ولدي! ينبت الشعر في مغابن جسدها، ويتكعب ثدياها (9) وينزل منها دم يسمى دم الحيض، وإذا تأخرت هذه العلامات فإن الدخول في السنة الخامسة عشر هي الحد النهائي الذي تصبح البنت بعده امرأة بالغة لها كل الحقوق وعليها جميع الواجبات .. وصمتت الأم كأنما رجعت بها الذكرى إلى حرمانها من فتاة، فتحركت أشجانها (10) وسبحت نظراتها رواء بعيد مجهول
واحترم نجيب هذا الصمت من أمه وعاد إلى أبيه يناقشه الحديث فقال: لقد أمرتني يا أبي منذ قليل بالاسحتمام ولم أرك قبل تكلفني بمثل
هذا، ولا تهتم بنظافتي، فهل لذلك من سبب؟
قال الأب: ان هذا الاستحمام هو الفاصل بين حياتك طفلاً وحياتك رجلاً. والاستحمام حين يقع على هذه الطريقة يسمى غسلاً أو
اغتسالاً.
ولما كنت ولدا مسلما ربيت في بيت مسلم بين أبوين مسلمين
،
-
- 20 - (1/30)
صفحة 31
وكنت قد اقتبست من دينهما وأخلاقها شيئًا كثيرًا، رجوت أن تكون رجلاً مسلماً. والإسلام دين لا يكلف الأطفال بالواجبات وإن كان يثيبهم على ما يقومون به من أعمال الخير. ولكنه يطالب الرجال بالعمل منذ اللحظة الأولى
ولما كنت أرجو أن تختار الإسلام دينا لك بعد أن أصبحت رجلاً وهو دين حريص جدا على الطهارة، فقد أحببت أن تدخله طاهراً. والطريقة التي أوضحتها لك هي طريقة التطهير في الإسلام ولا ينقص غسلك الذي قمت به إلا النية واستصحابها، والنية ركن لا يقوم الغسل الا بها بل هي شرط في صحة شرط في صحة جميع الأعمال.
قال نجيب: لقد اخترت الإسلام دينا لي، فهل يجب عليّ أن أعيد الغسل ما دام تنقصه النية وهي ركن لا يتم الغسل الا
به؟
فاصلاً
قال الأب: ان هذا قد يجب على مشرك أسلم، ولكنك يا بني لم تكن مشركا نجسا، ولكنك كنت طفلا غير مكلف، وإن أول ما يجب عليك بالبلوغ ليس هو الغسل، وما أمرتك به الا ليكون هذا الطهر بين حياة غير مكلفة بواجبات، وحياة أخرى عامرة بالإيمان والعمل الصالح ان شاء الله وربما أنني أريد أن أحدثك في هذه اللحظات الحاسمة في تاريخك، عن أشياء مقدسة سوف يكون لها الأثر الأكبر في توجيه أعمالك في الحياة، فقد أحببت أن تكون على استعداد للإستماع إليها، وفهمها وأنت طاهر البدن والروح. قال نجيب: اني على كامل الاستعداد يا أبي ... فحدثني
قال الأب: هل فكرت يا بني قبل اليوم في الحياة؟ في هذا العالم
الفسيح؟ في تناسقه وجماله؟ في استقراره ونظامه؟
-
21
- (1/31)
صفحة 32
هل فكرت في الشمس والقمر؟ في الليل والنهار؟ في الكواكب والنجوم، في الظلمة والنور؟ .. هل فكرت في البر والبحر؟ في التراب والماء؟ في الكواكب والنجوم، في الظلمة والنور؟ ..
هل فكرت في هذه المخلوقات المختلفات الأشكال والألوان؟ في الرجل والأسد؟ في النحلة والبعوضة؟ في أنواع النبات في مواسم الأزهار والأثمار؟ في فواكه الصيف وفواكه الشتاء؟
هل فكرت في هذه المواد الكثيرة، التي يجدها الانسان مبثوثة (17) على الأرض، فيصنع بها الانسان أشياء كثيرة، نافعة وجميلة
قال نجيب: لقد فكرت في ذلك كثيرًا يا أبي. ولطالما وقفت في الشرفة أتأمل مغرب الشمس أو مشرقها، ولطالما انطلقت بين الرياض أشم عبير الأزهار، واستنشق النسيم العليل في أصائل (12) الربيع، وأماسي (13) الصيف. وسرحت بخيالي في عالم النجوم والأقمار أسائل نفسي
عنها
ان الشمس تطلع كل يوم لا تتأخر، وان القمر يجري في نظامه الشهري لا يختلف، وأن الفصول تأتي في مواعيدها، بحرها أو بردها أو اعتدالها لا يتأخر فصل الى فصل ولا يستبدل طقس بطقس
(
قال الأب: هل فكرت يا بني في الذي أوجد هذا النظام العجيب ومهد هذه الحياة الحافلة بالحركة، وملأ هذا العالم الواسع الأرجاء بالمخلوقات المختلفات، وضمن فيها الحياة لأقواها وأضعفها، فاستطاعت النملة الضعيفة والذبابة الواهنة، أن تكفل لنفسها الحياة، كما يعيش الأسد والفيل والجمل، واستطاعت النبتة الصغيرة أن تحيا يجانب الدوحة
الكبيرة الباسقة
•
- 22 - (1/32)
صفحة 33
قال نجيب: لقد عرفت ذلك يا أبي فكثيرًا ما سمعتك تقول ان الله
عني
هو الذي خلق الكون وما فيه من حركة وسكون قال الأب: لقد كنت تأخذ ذلك وأنت طفل، أما الآن وقد أصبحت رجلاً مكلفا، فانه يجب أن تبني عقيدتك على تفكيرك، يجب أن يكون ايمانك مبنيا على يقين، وأن يكون هذا اليقين مبنيا على اقتناع عقلي، وما الأسئلة التي وجهتها اليك، والمظاهر الطبيعية التي عرضتها عليك، إلا مفاتيح للايمان بالخالق الأعظم قال نجيب: وأي عقل يا أبي يرى هذه الحقائق ولا يؤمن بأن لها خالفًا أعظم؟ إنني ما رأيت سيارة جاثمة (14) في طريق إلا علمت أن صانعا صنعها، وما رأيت طائرة سابحة في الفضاء إلا وعلمت أن فيها قائدا يوجه سيرها، ويضبط طيرانها، فكيف بهذا العالم المشحون؟ ... قال الأب: لقد وصلت الى النقطة الثانية من حياتك الجديدة قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب: لقد صرت منذ دقائق رجلاً، وها أنت الآن تصير مؤمنا.
•
قالت الأم التي كانت تسمع حوارهما في صمت: وبدلاً من أن تكون هذه الليلة هي عيد ميلادك رجلاً فقط صارت عيد ميلادك مؤمنا أيضا. فهي لك عيدان لا عيد واحد. ولذلك فأنا أرجوك يا ولدي أن تبدأ منذ الآن تاريخ حياتك، وأن تكتب مذكراتك فتبدأها بتسجيل دخولك في مرحلة الرجولة ثم ما بعد ذلك من أعمال وأقوال وتستمر على ذلك طوال حياتك فتسجل كل ليلة ما قمت به من أعمال سواء كانت لك أو عليك
قال الولد وهو يرنو الى أمه في حب واعجاب: حسنا يا أماه انني
-
- 23 - (1/33)
صفحة 34
سوف اشتري غدا مذكرة ثم أسجل منها جميع أعمالي اليومية
قالت الأم: لقد فكرت في ذلك يا بني، ولذلك فقد أحضرت لك
مذكرة هي هديتي اليك في هذه المناسبة السعيدة. ثم ناولته مذكرة
جميلة كانت قد احتفظت بها طيلة السهرة
•
أمه فتلقاها منها نجيب في احترام ثم قام وطبع قبلة حارة على جبين
عبر بها عما في نفسه من حب واعزاز لها
وقبل أن يجلس قال له أبوه: يكفي الليلة هذا القدر من السمر فإن وراءك أعمالاً مدرسية يجب أن تنجزها قبل النوم وفي الليلة القادمة سنستأنف سمرنا إن شاء الله
وألقى الولد المؤدب تحية المساء على أبويه ثم انصرف
(1) تنفرج: تنطق، كناية عن فتح الفم. (2) أفض الماء: أفرغه وأسكبه.
(3) تدلك: تفرك.
(4) إنقشعت: زالت.
(5) يتعهدوا: يتفقدوا ويحتفظوا بهم.
(6) مغابن: المغين كل مطوّى من الجسد، ويطلق على الأبط وعلى الرفع.
(7) ثخين: غليظ.
(8) سمت: هيئة
(9) تكعب الثدين: اذا نهد وأشرف.
(10) الشجن: الهم والحزن وهوى النفس.
(11) مبثوثة: منتشرة، ومنه قوله تعالى من سورة الغاشية: (وزرابي مبثوثة) أي مفروشة
(12) أصائل: جمع أصيل، وهو الوقت بين العصر والمغرب أو العشي.
(13) أماسي: جمع أمسية. (14) جائمة: متلبدة بالأرض.
- 24 - (1/34)
صفحة 35
الليلة الثانية
- معرفة توحيد الله تعالى
- ما يجب في حقه تعالى وما يجوز وما يستحيل.
3
- 25
- (1/35)
صفحة 36
/ (1/36)
صفحة 37
الليلة الثانية
مال الوالد بظهره إلى مسند الكرسي المريح، ثم التفت إلى زوجه
الحبيبة وقال: ما رأيك لو أعددت لنا كوبا من الشاي الأحمر الخفيف
فان حديثنا سيطول، وسمرنا الليلة سيتد
•
قالت الزوجة: إني على استعداد لاحضار كل ما تطلبان ... فانتما لا
تزالان في عيدي نجيب ولدي الحبيب
فضحك الولد وقال: انها أول عيدين من أعياد ميلادي يمران دون حفلة أو دعوة أصدقاء وقد كنت قررت أن أزيد في حفلة هذه السنة إطفاء الشموع كما رأيت ذلك عند بعض الأصدقاء فإذا بالحفلة تلغى من
أساسها
•
،
،
فقال الأب وهو يبدي نصف ابتسامة: لماذا تنسيان انك في الليلة الأولى من ميلادك رجلا وميلادك مؤمنا، والليلة الأولى للميلاد تمر دائما دون حفلة أو هدية أما اطفاء الشموع فهي عادة غربية بعيدة عن الأسر المسلمة ولا يستعملها الا أولئك المفتونون الذين يعجبون بكل ما يأتي من الغرب فيقلدونهم حتى في أتفه الأمور فقامت الأم وهي ترنو (1) إلى زوجها، وتحدث ولدها قائلة: إن أباك يا ولدي لا يريد أن يغلب في
- 27
- (1/37)
صفحة 38
نقاش. وبعد دقائق أقبلت وفي يدها ابريق من الشاي أفرغت منه كوبا
لكل واحد منهم فارتشف منه في تلذذ واستمتاع. قال نجيب: لقد قلت لي يا أبي في آخر حديثنا البارحة انني أصبحت مؤمنا، فهل كنت غير ذلك من قبل؟
قال الأب: لقد كان إيمانك وكان عملك، إيمان وعمل طفل غير مكلف يثاب على الإحسان، ولا يؤاخذ على الإساءة، أما الآن فقد أصبحت رجلا مكلفا ولذلك طلبت منك أن تعلن عن عقيدتك بملء حريتك وإرادتك، وان تكون هذه العقيدة مبنية على ما وصلت اليه واقتنعت به، بعد تفكير واستعمال للعقل، فلما صرحت بأنك تؤمن بالخالق الأعظم للكون نتيجة لما تراه من آثار الخلق والطبيعة، وأعلنت انك اخترت الإسلام دينا لك، علمت أن الله يسر لك الهداية والتوفيق، ولم يبق لك الا أشياء يسيرة يجب عليك أن تعرفها وتؤمن بها وتعمل بمقتضاها حتى يتم إسلامك والحمد لله على هذه النعمة.
قال نجيب: انني في شوق ولهفة إلى معرفة هذه النتائج يا أبي .. قال الأب: لقد قلت يا بني انك تؤمن ان لهذا الكون خالقا اعظم، فماذا تعتقد فيه؟
قال نجيب: انني لم أفكر في الخالق من قبل يا أبي
فتبسم الأب في سرور ثم قال: حسنا ما فعلت يا ولدي، ان المؤمن
لا يتفكر في الخالق، ولكن يتفكر في المخلوق، فان التفكير في المخلوق
هو الطريق الصحيح إلى معرفة الخالق وصفاته وأفعاله
المؤمن
•
قال نجيب: وهو يجهد نفسه ليفهم ما اليه الوالد المحب
ماذا تعني بذلك يا أبي
؟
يرمي
قال الوالد: ان الخالق أعظم من أن يدركه عقل الإنسان أو تصل
- 28 -
- (1/38)
صفحة 39
إليه حواسه ولذلك فيجب عليه أن يتجه بتفكيره إلى المخلوق، لأن
الأثر الدال على الخالق
المخلوقات هي قال نجيب وهو لا يزال يجهد فكره، فقد صعب عليه فهم حديث أبيه: إنني لم أتوصَّل إلى فهم الحقائق التي تشرحها لي يا أبي، فهل
تضرب لي أمثلة ليتضح المعنى المقصود؟ ...
قال الأب: ان المخلوق محدود
قال نجيب: ماذا تعني بكلمة محدود يا أبي؟
قال الأب: ان المخلوق محدود بالعدم يا ولدي. فهو لم يكن موجودا قبل أن يخلق، وهو سوف يرجع إلى العدم أي الفناء في يوم ما ... فيما يظهر ولكني أريد له مزيد بيان صحيح
هذا قال نجيب: نعم
وإيضاح.
قال الأب: ان مدينتنا (2) هذه قديمة فيما ترى؟
قال نجيب: نعم فلقد قال لنا مدرس التاريخ إنها تكونت قبل
ألفي سنة
قال الأب: وهل تعتقد ان هناك مدنا أقدم منها؟
قال الولد: هذا امر طبيعي
قال الأب: وتعتقد ان الأرض هي أقدم من جميع المدن التي بنيت
عليها؟
قال الولد: هذا أمر لا يحتاج إلى بحث ولا يحتمل الشك
•
قال الأب: هل تعتقد أن الأرض سبقت الشمس إلى الوجود؟ قال نجيب: بل قرأت في بعض الكتب أن الأرض هي التي انفصلت عن الشمس فتكون الشمس أقدم من الأرض.
قال الأب: وهل تعتقد أن الشمس مسبوقة بمخلوقات أخرى؟
قال نجيب: بعد تفكير: هذا محتمل
- 29 - (1/39)
صفحة 40
قال الأب: فأنت ترى ان جميع هذه المخلوقات وان تفاوتت في
القدم فان لها بداية.
قال نجيب: هذا صحيح.
قال الأب: وكذلك جميع المخلوقات التي لم نتحدث عنها مهما كانت متغلغلة في القدم فان لها بداية. قال نجيب: ما دامت موصوفة بأنها مخلوقة فلابد ان تكون لها بداية وبدايتها اليوم الذي خلقت فيه
قال الأب: وهل ترى ان هذه الأشياء، أو بعضها خالدة لا يتناولها الفناء؟ قال نجيب: بل أعتقد ان جميع هذه الأشياء ستفنى. ان الشيء الذي أوجد من العدم لا يستعصي على الفناء (3) قال الأب: فأنت ترى أن جميع المخلوقات محدودة بالبداية والنهاية.
•
قال نجيب: هذا ما وصلنا اليه وتحققناه قال الأب: وما دامت البداية والنهاية من صفات المخلوق فانها لا
تكون من صفات الخالق
قال نجيب: تعني انه ما دام قدم المخلوق له بداية وبقاؤه له نهاية
فان الخالق قديم بلا بداية باق بلا نهاية
قال الأب: ذلك ما أعنيه.
قال نجيب: أهذا ما تقصد بقولك ان المخلوق محدود؟
قال الأب: هذا بعض ما أقصد، فأنت تدرك الآن ان جميع المخلوقات محدودة بالبداية والنهاية أو بالأولية والآخرية
قال نجيب: نعم، وما هي الحدود الأخرى؟
قال الأب: هل تعرف القمر؟
- 30 -
- (1/40)
صفحة 41
نظر نجيب إلى أبيه متفرسا (4) ثم قال: أني أعرفه.
قال الأب: وكيف تعرفه؟
وفكر الولد قليلا ثم قال: كما أراه:
قال الأب: وهذه حدود أخرى تتناول المخلوق.
قال نجيب: وما هي هذه الحدود؟
قال الأب: ان ما يدخل في نطاق الرؤية أو التصور أو التخيل لابد أن يكون محدودا بالشكل واللون والحجم والزمان والمكان أو
ببعضها
وفكر نجيب لحظة لعله يجد شيئا يدخل في نطاق رؤيته أو تصوره
أو خياله دون أن يخضع لهذه فلم يجد، فأجاب قائلا: يظهر أن المخلوقات حتى التي لا ترى لابد أن تكون محدودة بهذه الحدود أو ببعضها.
•
قال الأب: وما دامت هذه الحدود من صفات المخلوق فإنه يستحيل أن تكون من صفات الخالق قال نجيب: يعني أن الخالق قديم بلا بداية باق بلا نهاية منزه عن الشكل والحجم واللون لا يحويه زمان لأنه هو الذي خلق والألوان والحجوم (5) والأزمنة والأمكنة قال الأب: لقد أحسنت تلخيص موضوع مناقشتنا الماضية يا ولدي
ولو زدت فقلت لا يشبه شيئا من خلقه، ولا يشبهه شيء من
•
الأشكال
خلقه
لكان تلخيصك للموضوع كاملا مستوفيا قال نجيب: لقد اعتقدت ان نفي الحدود عنه تعالى كاف في نفي
التشبيه
قال الأب: هذا حسن ولكن يجب أن تدرس كتاب الله الكريم،
- 31 -
-
— (1/41)
صفحة 42
وتكثر من التأمل فيه وتجعل أساس توحيدك قوله تعالى ليس كمثله
•
شيء وهو السميع البصير) (6) قال نجيب: إني حفظت الربع الأخير من كتاب الله وهذه الآية الكريمة من سورة الشورى كثيرا ما كنت أتلوها ولكني لم أفكر في
معناها من قبل
قال الأب: انه لا شيء يملأ قلب الإنسان بالإيمان والإطمئنان مثل تدبر معاني القرآن الكريم.
قال نجيب: سوف أضع في مخطط عملي اليومي حصة لتلاوة القرآن الكريم في تدبر وإمعان ثم التفت إلى أمه التي كانت جالسة تصغي اليها في انتباه وقال: أراك لا تشاركيننا في الحديث يا أماه. قالت الأم: أنتما يا ولدي تتحدثان عما يدفع الإنسان إلى الإيمان بالخالق الأعظم، وأنا عجوز مؤمنة بربي إيمانا خالصا والعلماء يا بني يضربون المثل بثبات إيمان العجائز فليس هناك شيء يبعث الشك أو الحيرة إلى قلبي. قال نجيب ضاحكا: إنك ما زلت شابة يا أماه! .. وسوف أدعو الله
تبارك وتعالى في أعقاب (7) هذه الليلة أن يرزقك بنتا تملأ عليك فراغ
،
وقتك، وتؤنس وحدتك، وتقتبس من إيمانك وخلقك وعلمك وتكون لوالدي نعم البنت، ولي نعم الأخت فارتفعت عينا الأم إلى السماء كأنها تبتهل إلى الله أن يستجيب دعوة ولدها البار ... ثم قالت لقد تناولت مناقشتكا بعض صفات البارئ عز وجل فهل تظن أن هذا ما يجب أن يعرفه المؤمن؟
قال نجيب: انني أظن ذلك ولكنني في انتظار مزيد من المعلومات
في مناقشتنا التالية:
- 32 - (1/42)
صفحة 43
قال الأب: لقد استنتجنا من أحاديثنا السابقة أن الخالق الذي هو الله قديم باق ليس كمثله شيء ولكننا لم نذكر أنه موجود.
قال نجيب: ما دمنا آمنا أنه قديم وباق فلابد أن نؤمن بانه موجود ثم من يستطيع أن ينكر وجود الله وهو يرى آثار وجوده في خلقه؟. قال الأب: أحسنت يا ولدي ولكن يجب أن تعرف أن وجوده لم يسبق بعدم ولا يلحقه فناء.
قال نجيب: هذا شيء بديهي فلو سبق بالعدم لكان مخلوقا ولولحقه
الفناء لكان شبيها بالمخلوق تعالى عن ذلك علوا كبيراً.
قال الأب: أحسنت يا بني انك تفكر كفيلسوف مسلم
•
قال نجيب: ذلك بفضل الله وحسن ارشادك وتوجيهك يا أبي قال الأب: وكما يجب أن تعرف ان الله موجود، يجب أن تعرف أنه واحد لا شريك له في ملكه
قال نجيب: لو كان له شريك في الملك لظهر أثر الخلاف والنزاع على هذا العالم ولو كان معه إله ثان لافتقر أحدهما إلى الثاني والإفتقار إلى الغير لا يكون من صفات الخالق أو لاستغنى القادر منهما عن العاجز والعجز يستحيل أن يكون من صفات الله. قال الأب: قلت من قبل انك تفكر تفكير فيلسوف مسلم فان هذه بعض ما يقوله علماء الإسلام عندما يقيمون الحجة على
النظريات (8) هي وحدانية الله تعالى على المشككين
قالت الأم وهي تبتسم: لماذا تتوجه دائما بحديثك إلى نجيب
وتتناساني هل تعتقد حقا اني عجوز مؤمنة دون تفكير أو اقتناع؟ فأجاب الزوج: ان كلمة العجائز مما يستوي فيه المذكر والمؤنث تطلق على الطاعنين (9) في السن من الجنسين، والعلماء حين ضربوا
فهي
- 33 ·
- (1/43)
صفحة 44
المثل بإيمان العجائز لم يقصدوا عجائز النساء دون الرجال، وانما كانوا يقصدون ان العجائز من الجنسين قد انتهى العمر إلى مرحلة بهم الإستقرار العقلي، وان عقائدهم أصبحت ثابتة راسخة لا يخشى عليها مما تثيره شبهات المشككين أو الشاكين
•
فقالت الأم: أرأيت يا ولدي أن أباك لا يريد أن يغلب في نقاش، فهو يلتمس لكل حديث جوابا، كأنه يعلم كل صغيرة وكبيرة في الحياة.
قال نجيب: إنني فخور بكما يا أماه .. قال الأب وهو متجه إلى ولده الذي كان على استعداد للسماع والفهم لقد وصفتني امك بأنني اكاد أعلم كل صغيرة وكبيرة في الحياة، فهل توافقها على هذا الرأي؟ قال الولد: حقا انك واسع الاطلاع يا أبي ... ما وجهت اليك سؤالا قط فلم أجد عندك الجواب الشافي، ولقد استمعت اليك كثيرا في أحاديثك مع الزوار فلم أرك تعيا بجواب، أو تقف في مناقشة قال الأب: لقد أحسنت ياولدي في تعبيرك حين قلت انني واسع الإطلاع فإن كلمة الإطلاع مناسبة جدا في وصف معارف الإنسان فهي تعني أن الشخص يعرف الأشياء التي اطلع عليها، ويجهل الأشياء التي لم
يتح
•
له أن يطلع عليها، ومعنى هذا ان علمه مهما كان واسعا محدود قال الولد: هذا طبيعي فيما يظهر فإنه اذا كان الإنسان نفسه محدوداً فلا بد أن تكون جميع صفاته محدودة وبالنسبة الى العلم فلابد أن تكون هناك أشياء كثيرة يجهلها. قال الأب: ولماذا ترى أن الإنسان تخفى عليه أشياء كثيرة؟ ففكر نجيب مليا ثم قال: خلق الإنسان في زمن من الأزمنة،
- 34 - (1/44)
صفحة 45
بحواس محدودة، وهناك أشياء سبقته فهو لا يعرفها، وهناك أشياء كثيرة ستحدث بعده فهو أيضا لا يعرفها، أما الأشياء التي كانت في زمانه فإنه يعرف منها ما اتصل بإحدى حواسه قال الأب: أحسنت يا ولدي فلقد أجبت بعين الصواب، فإن علم
•
الإنسان مهما كان واسعا يسبقه جهل كثير، ويعقبه جهل كثير ويكتنفه (10) جهل كثير. ولكن ألا ترى انه قد تكون هناك مخلوقات
•
سمعت عنها أو لم تسمع - هي أطول أعماراً من الإنسان واكثر علما قال نجيب: هذا جائز ولكنني اعتقد ان الفرق بين علم الإنسان وعلم تلك المخلوقات في الكم فقط فقد يكون علمها أوسع ومعارفها أغزر. وأعمارها اطول إلا أنها محدودة بالبداية والنهاية والزمان والمكان وجهل ما لم يتح لها الإطلاع عليه قال الأب: كأنك تريد أن تشير إلى الفرق بين علم الخالق وعلم
المخلوق. قال نجيب: يبدو لي يا أبي ان معارف المخلوق لا تستحق ان توصف بانها علم إلا على المجاز.
قال الأب: توصف معارف الإنسان بالعلم كما توصف الأشياء التي مرت عليها أزمنة طويلة بأنها قديمة وكما توصف الأشياء المتينة التي تتحمل أعباء السنين وتقاوم الإستهلاك لمدة أطول بأنها باقية
قال نجيب: وقد تحققنا ان المخلوقات الباقية مهما امتد بها الزمن
منتهية إلى الفناء وأن علم المخلوق مهما عظم واتسع محدود بالجهل في بدئه
ونهايته، مكتنف به من جميع جهاته
قال الأب: ومعنى هذا ان الله سبحانه وتعالى قديم ليس له أولية، باق ليس له آخرية عليم بما كان وما يكون وما هو كائن عالم الغيب
- 35 - (1/45)
صفحة 46
لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر
من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (17)
وعلى هذا المثال جميع صفات الباري سبحانه وتعالى من القدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر. قالت الأم: أي أن صفات الباري عز وجل كاملة لا يعتريها نقص ولا تشبه صفات المخلوقين لأنها عين ذاته تعالى ليست زائدة عن ولا قائمة بها فهي موجودة بوجود ذاته تعالى قديمة بقدمها باقية ببقائها كاملة بكمالها.
الذات
قال نجيب: أما صفات المخلوقين فهي خارجة عن ذواتهم تقوم بها أو تحل فيها، فإن المخلوق يكون عاجزا حتى إذا استطاع أن يقوم بعمل وصف بالقدرة عليه ويكون جاهلا فاذا عرف شيئا وصف بالعلم به وهكذا بقية الصفات
قال الأب: ان تفكيرك سديد يا ولدي وقد انتهيت تقريبا إلى ما يجب عليك معرفته من صفات الله عز وجل ومعنى الوصف له بهذه الصفات انما هو نفي أضدادها فالله تعالى حي ليس بميت عالم ليس بجاهل قادر ليس بعاجز، مريد ليس بمستكره، متكلم ليس باخرس سميع ليس بأصم بصير ليس بأعمى سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا قالت الأم وكانت تسمع لهما في شغف ولذة: لقد امتد نقاشنا وبدأت السهرة تطول
•
فقال الأب مستغربا سلوك زوجته التي قطعت عنه حديثه: أتستكثرين علينا ساعة من زمان ناوي فيها إلى ربنا ونتحدث بنعمته يا أم نجيب؟ قالت الأم: معاذ الله أن أستكثر حديثا في الإيمان والتوحيد مهما
- 36 - (1/46)
صفحة 47
طال ولكنني أردت أن أثير سؤالا جديدا، فأنا فيما عرفت من مسيرة رسول الله ودعوته للناس إلى الإسلام لم أعلم أنه كان يتعرض لمثل هذه المباحث والمناقشات وإنما كان يدعو إلى جملة التوحيد فإذا
استجيب له قال لأصحابه رضوان الله عليهم «فقهوا أخاكم في الدين أو
علموه الفرائض (12)
قال الأب: إن ما تقولين يا أم نجيب صحيح لأن الناس في ذلك الحين لم يكونوا يتعرضون لما يتعرض له الناس اليوم وأنا أعرف أن ولدك نجيب معرض في دراساته المقبلة ومطالعاته الحرة ان تعرض عليه عقائد وفلسفات شتى، كثير منها تساند ديانات باطلة، أو تؤيد وثنيات موجودة فأحببت أن يتفتح عقله على التفكير السليم، ويمتلئ قلبه بالعقيدة الصحيحة، حتى إذا عرضت له الشبه ووضعت بين يديه العقائد الخاطئة ناقشها بعقل نير متمرن
•
على التفكير السليم وقالت الأم: كنت أتوقع ان تروي له قول بعض علماء الإسلام
•
«كلما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك» (13) وقبل ان يجيب الأب قال نجيب: ان هذا الأثر تعبير رائع يا أماه عن عدم مشابهة الله للخلق وعدم مشابهة الخلق له عز وجل قالت الأم: إن علماء الإسلام يا ولدي وهم يستضيئون بنور الله قد استطاعوا أن يضعوا معالم على طريق الإيمان لا يخطئها السالكون وقد عبر بعضهم عن ذلك بقوله: «الطريق محفورة إلى الركبة فلا يخرج منها إلا بالوثبة» (14) وعندما تقرأ كتب أعلام الإسلام في مختلف عصوره فسوف تجد فيها من الروعة ومن المتعة الروحية والعقلية ما لن تجده فيما يكتبه غيرهم من الناس ... وكأنما شعرت الأم انها أخذت
- 37 - (1/47)
صفحة 48
الحديث عن زوجها فالتفتت اليه قائلة: ألست ترى ذلك يا أبا
نجيب؟
قال الأب: ان الأبوين المسلمين لا يختلفان في الرأي لاسيما اذا كان هذا الرأي يتعلق بحقائق أثبتها التاريخ وقام عليها البرهان في كل مكتبة، لقد صدقت أمك يا نجيب في حديثها عن أعلام الإسلام وفي مكتبتي طائفة من الكتب تستطيع أن تجد فيها ما يفتح لك آفاق
المعرفة، ويوصلك إلى الحق
قال نجيب: انني سوف أخصص في مطلعاتي الحرة حصة للكتب
•
الإسلامية، فهل تساعدني يا أبي على ذلك قالت الأم: ان توجهيك في هذه السن ولو انك اصبحت رجلا من عملي لا سيما وأبوك كثير الاشغال، لا يجد فراغا من الوقت الا في
صميم
اللحظات القصيرة التي يخصصها للإستراحة من عناء مجهود متواصل ومنذ الغد سوف أضع بين يديك كشفا يحتوي على الكتب الإسلامية التي
تناسب سنك وثقافتك ويحسن بك أن تطالعها. وما لم يكن منها
موجودا في مكتبة أبيك أعمل على جلبه من المكتبات
قال نجيب: شكر الله لك يا أماه وبارك فيك.
•
قال الأب: يحسن أن ننهي سمرنا هنا فقد طال بنا الحديث فقام نجيب بعد ان دعا لأبويه بالصحة والعافية والسلامة ثم ذهب
إلى حجرة نومه
(1) ترنو: قديم النظر مع سكون الطرف.
(2) أي مدينة نالوت» الليبية، وهي مدينة تقع شمال شرق ليبيا. (3) لا يستعصي على الفناء: أي لا يصعب إفناؤه.
-38 - (1/48)
صفحة 49
(4) متفرسا: مثبتا النظر فيه
(5) الحجوم: جمع حجم. (6) سورة الشورى 11/ 42
(7) أعقاب: جمع عقب، وهو مؤخر القدم ومنه قوله تعالى: «نكص على عقبيه» (8) النظرايات: جمع نظرية وهي القضية التي تحتاج إلى برهان لاثبات صحتها. (9) طعن في السن: شاخ. (10) يكتنفه جهل: أي يحيط به ويغمره. (11) سورة سبأ 3/ 34
(12) رواه البخاري في باب الخصومات، وابن ماجه في باب الحث على تعليم الفرائض، والدامي في باب
الفرائض.
(13) أنظر أ - نور الدين السالمي في أرجوزة التوحيد، أبو نصر فتح بن نوح الملشائي في «النونية». وكذا شرح النونية لـ الشيخ محمد بن سليمان ابن ادريسو».
ب
ج - الحاج صالح لعلي في خلاصة المراقي وفيها يقول:
ما صورت يال
فعلم كه ذات
العجـ
ــز عن ادراک
ـك
سال
ه ادراك
ــك
الله جل بخلاف ذل ممن سواه ولـ ـذاك قـ والخ وض في إدراك ه إشراك
(14) قاله الشيخ اسماعيل بن موسى الجيطالي في قناطر الخيرات».
- 39 - (1/49)
صفحة 50
/ (1/50)
صفحة 51
4
الليلة الثالثة
ما يجب أن يعتقد في الله
- قيام الحجة السماعية.
•
- الإيمان بالأنبياء والرسل والكتب المنزلة
- حكم دماء وأموال المسلمين والمشركين.
- 41 - (1/51)
صفحة 52
/ (1/52)
صفحة 53
الليلة الثالثة
إجتمعت الأسرة الثلاثية بعد صلاة العشاء ووضعت الأم أمامها ابريق الشاي على موقد النار. وافتتح نجيب الحديث فقال: إنني لا أستطيع، مهما حرصت أن أقوم بحقكما علي أيها الوالدان العزيزان.
قال الأب: أن للوالدين حقوقا عظيمة يا ولدي. فإن الله
تبارك وتعالى جعل الإحسان اليهما في الدرجة الثانية بعد طاعته وعبادته فقال: وقضى ربك الا تعبدوا إلا اياه وبالوالدين إحسانا) (1). ولكننا سنؤجل الحديث عن هذا الموضوع حتى يكون سمرنا في الحقوق أما الآن فان لنا أحاديث قد تكون أهم بالنسبة اليك
وعلا
قال نجيب: تعني معرفة مسائل التوحيد
قال الأب: ذلك ما أعنيه فانه أول واجب على المكلف
•
قال نجيب: هل تذكر لي في إيجاز ما يجب علي في معرفة الله جل
•
قال الأب: يعرف الله تعالى بثلاثة: واجب وجائز ومستحيل فالواجب أن تؤمن إيمانا خالصا أنه لا إله الا الله الواحد الأوحد، لا شريك له في ملكه، موجود بغير مشاهدة، قديم بلا بداية، باق بلا
- 43 - (1/53)
صفحة 54
نهاية، حي قيوم، عالم بما كان وما يكون وما هو كائن، قادر مريد سميع بصير متكلم، صادق في وعده ووعيده عادل حكمه وقضائه هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم وان تجعل ذلك عقيدة راسخة في قلبك وتنطق بها بلسانك
في
وأما المستحيل: فأن تؤمن أنه يستحيل في حقه تعالى الحدوث والعدم والفناء والتغير والعجز وحلول الأزمنة والأمكنة والشريك والمعاون والزوجة والولد ومشابهة الخلق في ذات أو صفة أو فعل تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
الله
وأما الجائز: في حقه تعالى فصفات الفعل كإرسال الرسل وانزال الكتب والتوسعة والتضييق في الرزق وخلق المخلوقات في أوقاتها المقدرة في علمه تعالى. قالت الأم: يقول أبو زكرياء يحي بن أبي الخير الجناوني (2) ما يأتي: يعرف الله بثلاثة: واجب، وجائز، ومستحيل، فالواجب: الألوهية والربوبية والوحدانية. والجائز: الخلق، والافناء، والاعادة. والمستحيل: الشريك والصاحبة والولد» (3). قال الأب: ان أبا زكرياء الجناوني وضع كتابه للمبتدئين ولذلك فقد سلك فيه مسلك الإيجاز والاختصار مع وضوح العبارة ودقتها وهو من خير الكتب التي يجب أن يقرأها طلاب المدارس في المرحلة
الإعدادية.
قالت الأم: لقد تناولنا بالحديث في سمرنا ما يتعلق بمعرفة الله
ولكن الإنسان لا يكون بذلك فقط مسلما.
قال نجيب: وماذا بقي يا أماه.
- 44 - (1/54)
صفحة 55
قالت الأم: لقد قلت لوالدك أنك اخترت لك الإسلام ديناً. قال نجيب: ذلك ما أنا
مؤمن به يا أماه
قالت الأم: إذن يجب عليك أن تقر بالجملة التي يدعو اليها رسول
الله الله
قال نجيب: وما هي هذه الجملة؟.
قالت الأم: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا
عبده ورسوله وأن ما جاء به حق من عند الله
فتبسم نجيب وأعاد كلمة الشهادة.
قال الأب: ان الإيمان وحده بهذه الجملة لا يفيد
قال نجيب: فماذا بقي اذن يا أبي.
قال الأب: بعد أن آمنت بالجملة التي يدعو اليها رسول الله يجب أن تقر (4) بها وبعد أن تقر بها يجب أن تعرف ما تتضمنه وبعد أن تعرف ما تتضمنه يجب أن تعمل بما عرفت وحينئذ تكون مسلما حقا. قال نجيب وهو يحاول أن يستوعب كلام أبيه: لا زلت لم أفهم كل ما ترمي إليه يا أبي. قال الأب: ان كلمة الشهادة تشمل على ثلاثة أركان هي
انبني عليها السلام
الأسس التي
الأساس الأول: هو شهادة أن لا إله إلا الله وهذا الركن يشتمل على جميع ما يوصل إلى معرفة توحيد الله وأغلب اسمارنا السابقة كانت في
هذا الركن
علالالالاللي
الأساس الثاني: هو شهادة أن محمدا رسول الله قال نجيب: وهل يجب الإيمان برسالة محمد الله على الفور بعد
البلوغ مباشرة كالإيمان بالله
-
- 45 - (1/55)
صفحة 56
قال الأب: ان الذي يؤمن بالله ولا يؤمن برسالة محمد لا يعتبر
مؤمنا فالإيمان بالرسول مع الا الله هو واجب عند أول البلوغ كالإيمان بالله. قالت الأم: غير ان هنالك فرقا بين وجوب الإيمان بالله ووجوب الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه
هي
ماله
وانتبه الأبوان من الشرود () الذي كانا فيه فقال الأب: هذه الجملة الفارق بين الإسلام والشرك فمن أقر بها فقد عصم (6) دمه وماله
•
وأهله، ومن أنكرها حل قتاله وغنيمة أمواله وسبي (7) نسائه وأطفاله قال نجيب: هل يكتسب الإنسان هذه الحصانة، بمجرد النطق بالشهادة مهما ارتكب من أعمال؟ قال الأب: ان الإنسان اذا أقر بكلمة التوحيد حرم سفك (8) دمه وأخذ نسائه وأطفاله بما معه من التوحيد. أما العيال والأطفال فلا يحل وسبي سبيها بعد الشهادة شيء أبداً، وأما المال فإنه لا يجوز أخذه أبداً، إلا إذا كان سلاحا يعتدي به على المسلمين ويقطع عليهم به الطرقات فإنه حينئذ يجوز أخذه واتلافه لإيقاف البغي وقطع المضرة والعدوان عن الناس وأما سفك الدم فقد يحل لأسباب بينها الشرع الكريم وقد أشار رسول الله إلى بعضها بقوله: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد حقنوا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها قيل ما حقها يا رسول الله؟ قال: كفر
بعد إيمان وزنى بعد إحصان وقتل النفس التي حرم الله (9)
•
قالت الأم: وعلى المسلم أن يعلم أن سفك دماء المسلمين حرام بما
معهم من التوحيد ولو كانوا مبتدعين أو مخطيئين بالتأويل.
قال نجيب: إذن وعليه أن يعرف أن دماء المشركين حلال لكفرهم
بالله وصدهم عن سبيله
– 46 –
- (1/56)
صفحة 57
قال الأب: نعم يجب عليه أن يعرف ذلك. ولكن ليس معنى هذا ان يقوم الفرد المسلم بالفوضى في البلاد وينشر فيها الفساد فيقتل الأفراد ويأخذ أموالهم بدعوى أنهم مشركون.
قال نجيب: أرجو أن توضحي لي هذا الفرق يا أماه. قالت الأم: الأفضل أم يتولى ذلك أبوك أما أنا فسأقدم لكما كوبا
من الشاي الساخن ليبعث فيكما مزيدا من النشاط والحيوية قال الأب: لقد صدقت أمك في ملاحظتها هذه يا ولدي والفرق الذي تشير اليه ان الحجة على الإيمان بالله تقوم بالعقل ولو لم تقم بالسماع ويكفي أن يتفكر الإنسان في العالم حتى يعرف انه مخلوق وان له خالقا ولذلك يطلب من المكلف أن يؤمن بالله من أول البلوغ ولو لم تبلغه دعوة الأنبياء عليهم السلام أما الإيمان برسالة محمد فالحجة عليها لا تقوم إلا بالسماع فإذا المكلف بها وجب أن يؤمن أما اذا لم تبلغه الدعوة ولم يسمع بمحمد
الله
سمع ورسالته فهو معذور. ومثلك يا ولدي من الشباب الناشئ في بلد مسلم واسرة مسلمة لابد أن يكون سمع برسالة محمد الله ولذلك فهو مطالب أن يشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله وان ما جاء به حق من عند منذ اللحظة الأولى من البلوغ ولا يجوز له أن يؤخر الإيمان بالرسالة عن الإيمان بالله بعد قيام الحجة لان الدعوة قد بلغته. قال نجيب: صحيح يا أبي ان الدعوة إلى الإسلام قد بلغت كل أطراف الأرض وسمع بها جميع الأطفال الذين نشأوا في بلدان إسلامية وبذلك تكون الحجة قد قامت عليهم بالسماع فكيف يكون الإيمان
محمد؟
قال الأب: ان الإيمان بمحمد يكون الركن الثاني من كلمة التوحيد
كما سبق في أول هذا السمر.
- 47
- (1/57)
صفحة 58
قال نجيب: ان أقل ما يجب أن يعرفه المسلم عن رسول الله الله انه محمد ابن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي، اختاره الله رسولاً إلى الكافة وختم به الأنبياء والمرسلين وأنزل عليه القرآن الكريم بطريقة
الوحي وجعل الدين الذي جاء به وهو الإسلام آخر الأديان قالت الأم: ولتمام معرفة نسب رسول الله لا يجب أن يعرف المسلم أمه آمنة بنت وهب ومرضعته حليمة السعدية
قال نجيب: لقد حفظت نسب رسول الله وبعضاً من سيرته في المدرسة وعلمت انه تزوج خديجة فأنجبت له القاسم وعبد الله من الذكور ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة. أما إبراهيم فأمه مارية القبطية، وقد توفي أولاده كلهم قبله الا ما عدا فاطمة الزهراء فانها عاشت بعده ستة شهور فقط. ونزل عليه الوحي في غار حراء وبعث بمكة وهاجر إلى المدينة وتوفي بها ودفن في حجرة زوجه أم المؤمنين عائشة بنت أبي
الله عنه
•
بكر الصديق رضي قال الأب: انني اعرف ان المنهج الدراسي يشتمل على السيرة
النبوية. قال نجيب: وهل بقي شيء لا يتم الإيمان إلا به فيما يتعلق برسول
الله؟
قال الأب: بقي الإيمان والإقرار بأن رسول الله مبلغ ما أمر به
ونصح
لأمته الله وعبد
حتى
أتاه اليقين
قالت الأم: ان المسلم يجب أن يعرف رسول الله بثلاثة
قال نجيب: وماهي يا أماه؟.
قالت الأم: واجب وجائز ومستحيل. فالواجب في حق الرسول: الصدق والأمانة والتبليغ. والجائز: النوم والغلط والنسيان
- 48 - (1/58)
صفحة 59
والمستحيل: الكذب والغش والخيانة
قال نجيب: وهل هذا خاص بسيدنا محمد؟.
قالت الأم: بل هذا ما يعرف به جميع الرسل عليهم السلام فيجب في حقهم الوصف بمكارم الأخلاق ويستحيل في حقهم رذائل الأخلاق ويجوز في حقهم ماهو من طبع البشر كالأكل واتخاذ الأزواج والذرية والمشي في الأسواق وما إلى ذلك
قال الأب: أيتها الزوجة الفيلسوفة لقد وضعت أمامنا إبريق الشاي على الموقد من أول الجلسة ثم تشاغلت عنا بالمناقشة والحوار واني أخشى ان تكون النار قد انطفأت وأن يكون الشاي قد برد
قالت الأم: انني لم أتشاغل عنكم ولا عن الشاي كما ظننت ولكن يظهر انك خشيت أن نستمر نحن في النقاش فيستولي عليك السأم ثم
النعاس
قال الأب: سامحك الله أيتها الزوجة الصالحة ان المرأة لا يمكن ان
تحسن الظن أبداً
•
قال نجيب: الحق ان متعة النقاش أنستني الشاي
وأخذت الأم الابريق فملأت ثلاثة أكواب أعطت منها لزوجها وولدها وأخذت لنفسها. وارتشف الزوج الرشفة الأولى ثم اتجه الى زوجه وقال لها: سلمت يداك ان ما تقولينه وما تصنعينه جميعا ممتع
وشيق.
قالت الزوجة: صدق الله قولك وحقق ظنك وأقدرني على إرضائك. ثم جمعت آلة الشاي وخرجت بها.
وانتظر نجيب حتى عادت أمه فقال: لقد بعث في الشاي نشاطا جديدا واستعداد للتلقي والفهم ولكن أحد الأبوين لم يرد عليه. ونظر
49 - (1/59)
صفحة 60
اليهما الواحد بعد الآخر فاذا بها يسبحان وراء خيال بعيد. واحترم صمتها لدقائق ولكنه لم يصبر فمال بجسمه الصغير إلى الإمام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأشهد أن محمداً رسول الله وأشهد أن وحده ما جاء به حق من عند الله
قال نجيب: إذن ما معنى ان دم المشركين حلال ما دام المسلم لا يجوز له قتل أي مشرك أمكنه القضاء عليه.
قال الأب: ان الدولة المسلمة (10) مأمورة بالدعوة إلى الإسلام وصيانة هذه الدعوة وإقامة نظام الإسلام في الحكم وسيادته على الأرض فإذا قام المشركون بمعارضة الدعوة والصد عن سبيل الله والطعن في النظام الإسلامي وجب على الدولة المسلمة أن تحاربهم وان تقتل من اعترض طريقها منهم وجائز لها أن تغنم أمواله وتسبي أهله وأطفاله. قالت الأم: ان الأحكام التي تتعلق بالدماء لا يقوم بها الأفراد وإنما
تقوم بها الدولة المسلمة المحافظة على دين الله
قال نجيب: وما الفرق بين أن تقتل الدولة أو يقتل الفرد؟ قال الأب: الفرق كبير جدا إن الأعمال التي تقوم بها الدولة لحماية الدعوة هي اقرار للنظام وتثبيت لدعائمه أما قتل فرد لفرد بأي طريقة
فهي عدوان واشاعة للفوضى وجريمة يستحق الفرد العقاب عليها قالت الأم: والإسلام لم يجعل بيد الفرد سلطة العقوبة وإنما أوجب عليه أن يكون داعية خير وأمن وسلام. قال الأب: ان الإسلام دين يكفل الحياة الحرة الكريمة لجميع الناس ما داموا محافظين على الأمن والنظام فإذا وقع عدوان على النظام الذي وضعه الإسلام من فرد أو جماعة فإن الإسلام يقر عقوبة الجاني أو الجناة ولكنه لم يترك ذلك إلى الفرد العادي ليرعاه وإنما اناط حماية الدعوة
-
- 50 - (1/60)
صفحة 61
وحفظ الأمن ومحاربة العدو إلى الدولة المسلمة أو الجماعة المسلمة دون
استهتار بالحقوق البشرية التي أعطاها الخالق لأفراد الإنسان وجماعاته
مثلما
•
قال نجيب: يظهر من هذا ان الإسلام حريص على دماء الكفار
هو حريص على دماء المسلمين
قال الأب: ان الله حين خلق الإنسان وجعله خليفة له على الأرض يعلم أنه سيكون من الناس كفرة وظالمون ولو شاء لما خلقهم. أو لأهلكهم ولكنه لحكمة الإبتلاء تركهم ولم يجعل من واجب المسلمين ولا من الطاعة قتل الكفار والمشركين اللهم إلا في حالة واحدة وذلك حين يعترضون دعوة الإيمان أن تنتشر في الأرض أو يعوقون المؤمنين عن القيام برسالتهم المقدسة. أما اعتداء الفرد المسلم على الفرد المشرك دون سبب فهو يخالف حكمة الله من خلق الناس واستفادتهم بعض من بعض. قال نجيب: ان هذا الموضوع لا يزال غير واضح في ذهني
قال الأب: دع الحديث عن هذا الموضوع إلى سمر مقبل حين نتكلم عن احكام الملل الموجودة على الأرض وحكم الله فيها، أما الآن فإني أحس بارهاق وتعب احتاج معها إلى قليل من الراحة.
قال نجيب: اني اعتذر إذ لم ألمح ذلك عليك وأتركك تستريح ثم ألقى تحية المساء على أبويه وغادر حجرة السمر إلى حجرة النوم.
(1) سورة الإسراء 23/ 17
(2) أبو زكريا يحي بن أبي الخير الجناوني (11/ 5) من قرية أجناون).
له: أ - كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه حققه العلامة أبو اسحاق ابراهيم اطفيش.
بـ «كتاب عقيدة نفوسة للتوسع انظر: التعريف بكتاب الوضع ومؤلفه رحمه الله ونبذة من تاريخ
نفوسة» في «كتاب الوضع» ص 3. (3) القول ليس لأبي زكرياء لأنه قال: «وقد قيل: يعرف الله
.
أنظر كتاب الوضع ص 31 - 32.
(4) تقر: تظعن وتعترف.
- 51
- (1/61)
صفحة 62
((الشرود: النفور أو الخروج بالذهن
(1) عدم: منع وحفظ.
(7) سبي: أمر، والغالب تخصيص الأسر بالرجال والسي بالنساء والأطفال. (8) سفك: صب وإهراق.
(9) رواه البخاري في باب الإيمان والأبواب الصلاة والزكاة والإعتصام. ورواه مسلم في باب الأعمال. وروي في أغلب المسانيد الأخرى. (10) يجب على المسلم أن يعتقد أن الإسلام دين ودولة، وأن ما يدعوه أعداء الإسلام «لائكية» أو «لا دينية» انشاء حكم يبعد الدين ويطرحه أرضا، وقد أفتى العلماء المحققون من أصحاب هذا الاعتقاد، وقالوا
يعني
انهم كفار،، ومن مات
منهم
على ذلك دخل النار وخلد فيها.
- 52 - (1/62)
صفحة 63
الليلة الرابعة
-
رسالة محمد صلى الله لال
- الإيمان بالانبياء والرسل والكتب والملائكة؛ وبالموت - والبعث والحساب والثواب والعقاب
الوحي.
- 53 - (1/63)
صفحة 64
/ (1/64)
صفحة 65
الليلة الرابعة
كان نجيب آخر من دخل إلى حجرة الإجتماع. فوجد أبويه يتحدثان عن الحالة المادية للأسرة، وعن دخل الأب، ونفقة البيت. فسلم وجلس، وكان يود أن يعرف شيئا عن أحوالها المالية، فإنه لم يسمع منهما شكاة طوال عمره القصير ولم ير منها إلا ما ينبيء عن الرضا والقناعة، ولم يجر على لسانيهما إلا الحمد لله على النعمة. فلما اطمأن به المجلس قال: يبدو ان سمرنا الليلة سيتناول موضوعا جديدا هو الجانب المادي من حياة الأسرة. فالتفتت اليه الأم قائلة: لماذا تتعجل الحديث عن المادة يا بني؟ نحن لم نستوعب الحديث عن الروح، أعني اننا لم نستوعب النقاش عما يتعلق بالعقيدة والدين. فلقد من الله عليك يا ولدي بنعمة الحياة، ورزقك العقل السليم في الجسم السليم، حتى بلغت سن الرشد، ودخلت مرحلة الرجولة، وان أوكد ما تهتم له الآن، وتشغل به نفسك، إنما هو شكر الله على نعمته عليك، وشكر الله نعمته لا يتأتى إلا بالإيمان به، ومعرفة طرق عبادته، والعمل بما يرضيه. ولقد حدثك أبوك في الأسمار السابقة عن ركيزتين من ركائز
الإيمان، ولا يزال السمر لم يتناول الركيزة الثالثة
•
على
-
55
- (1/65)
صفحة 66
قال نجيب: تعنين يا اماه الإيمان برسالة محمد الله؟
قالت الأم: نعم أعني الإيمان برسالة محمد الله وهي الجزء الثالث، أو الركن الثالث، أو الركيزة الثالثة، التي لا يتم الإيمان إلا بها. فإن الإنسان الذي يؤمن بالله ويصدق بمحمد ولكنه يكذب بما جاء به محمد هو مشرك أيضا، فالإيمان بالله والتصديق برسالته وانها حق من الله هي الركائز الثلاث التي لا يقوم الإيمان إلا عليها، ومن أخل (1) بواحدة منها بقي على الشرك قال نجيب: فعلى ماذا تشتمل رسالة محمد الله؟
قال الأب: بالإضافة إلى الإيمان بالله ومعرفة توحيده وإلى معرفة والإيمان بأنه نبي الله ورسوله وانه خاتم النبيين والمرسلين فإنه
يجب الإيمان بحقائق أخرى تشتمل عليها رسالة محمد الله كما تشتمل على
الحقائق السابقة
•
قال نجيب: ماهي هذه الحقائق يا أبي؟
قال الأب: أن تؤمن بأن الموت حق.
قال نجيب: وهل يوجد من يكذب بالموت؟ إنها الحقيقة الظاهرة التي نشاهدها كل يوم، وهذه الحقيقة يجب أن يؤمن بها الناس ولو لم يدع إليها الأنبياء عليهم السلام. قال الأب: ان دين الله يا بني لم يطلب من الناس إلا الإيمان
بالحقائق
قال نجيب: ماهي الحقائق الأخرى يا أبي؟ قال الأب: بناء على الحقائق السابقة ألا تستنتج شيئا أيها الولد
الذكي؟
قال نجيب: في إمكاني أن أستنتج ان كنت لا أجزم بصحة
استنتاجاتي.
- 56 - (1/66)
صفحة 67
قال الأب: هات ما وصلت إليه من إستناج
قال نجيب بعد تفكير: إن الناس ينتهون إلى الموت طالت أعمارهم
أو قصرت، دون أن ينالوا جزاء ما قدموه من خير أو شر. قال الأب: وماذا أيضا؟
قال نجيب: أعتقد أن الناس لم يخلقوا سدى فكل عمل لابد أن
يكون له جزاء يناسبه
قال الأب: حسنا وماذا تبني على ذلك؟
قال نجيب: لقد لاحظت أن الله عز وجل لا يجازي الناس على
أعمالهم كل الجزاء في الحياة الدنيا
•
قال الأب: وكيف لاحظت هذا؟
قال نجيب: رأيت كثيرا من المشركين والأشرار والظلمة، يعيشون في هذه الدنيا عيشة راضية لا يظهر فيها انتقام الله منهم
قال الأب: هذا صحيح ثم ماذا؟ قال نجيب: ورأيت كثيرا من الأخيار والصالحين يبتلون بأنواع من البلاء ولا يظهر جزاء الله لهم على أعمالهم الخيرة.
قال الأب: وماذا تستنتج من هذه المقدمات الكثيرة؟ قال نجيب: استنتج منها أن الحياة دار عمل فقط أما دار الجزاء فتكون بعد الموت وفيها يجازى الناس على قدر أعمالهم من خير أو شر.
قالت الأم: ولكن كيف ينال الناس جزاءهم على أعمالهم وهم قد
ماتوا؟
الله قال نجيب: يبعثهم بعد الموت فيحاسبهم على أعمالهم ويجازيهم عنها والله الذي خلقهم من العدم قادر أن يبعث فيهم الحياة من جديد.
5
- 57 - (1/67)
صفحة 68
قال الأب: ذلك هو حقيقة ما تدعو إليه الأديان جميعها. ومما اشتملت عليه الركيزة الثالثة من كلمة الشهادة التي يدعو إليها رسول الله الله أن يعرف المسلم: أن جميع المخلوقات سوف تفنى وان الناس جميعا سوف يموتون. وبعد أن الحياة على الدنيا يبعث الله الناس
تنتهي
من جديد فيحاسبهم على أعمالهم في الدنيا ويجازي المؤمنين المحسنين بالخلود في الجنة ويجازي المشركين والكافرين بالخلود في جهنم
قالت الأم: أنت تقرأ التشهد كل صلاة. قال نجيب: نعم إني أقرا التشهد في الصلاة الرباعية والثلاثية مرتين واقرأ في الصلاة الثنائية مرة واحدة
قالت الأم: وتقرأ في آخره الجمل الآتية: أشهد أن الموت حق وان البعث حق وان الحساب حق وان الجنة حق وان النار حق وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور.
قال نجيب: نعم إنني أقرأ هذه الجمل في التشهد الأخير من كل صلاة. فريضة كانت أو سنة أو نافلة قالت الأم: ها أنت يا ولدي تشهد عدداً من المرات في اليوم أنك
•
•
مؤمن بالحياة الأخرى كما بينها الإسلام قال نجيب: صحيح ما تقولين يا أماه فإني مؤمن بهذا مقرّ به.
وهل يستطيع إنسان يفكر تفكيرا سليما أن ينكر هذا! على أن الدروس
التي تلقيتها في المدرسة وارشاداتكما أنت وأبي في كثير من المناسبات
وما أسمعه من أحاديثكما الشيقة في مواضيع الإيمان. كل هذا قد عرفني بكثير مما يأمر به الإسلام ويوجبه من قول وعمل
قال الأب: وعلى هذا فقد قامت عليك الحجة بالطريقين.
قال نجيب: ماذا تعني بكلمة الطريقين يا أبي؟
•
،
- 58 - (1/68)
صفحة 69
قال الأب: أعني ان الحجة قامت عليك بطريق العقل وبطريق
السمع.
قال نجيب: هذا إذا كانت استنتاجاتي عقلية قالت الأم: يحسن بنا أن ننقل المناقشة إلى بقية المواضيع التي يجب
الإيمان بها مما تشتمل عليه رسالة محمد صلى الله قال الأب وهو يبتسم: انني غير مستعد ان أواصل معكما النقاش؟
وقالت الأم وهي تنظر إلى زوجها في قلق: لعلك مرهق؟ قال الأب وهو لا يزال يبتسم: ما بي تعب ولست مرهقاً، ولكنني لم أر الموقد ولا ابريق الشاي كما تعودنا في الأسمار السابقة فضحكت الأسرة وقامت الأم وهي تقول: ما أهون ما تطلبه أيها الزوج
المدلل! .. بعد دقائق عادت تحمل الموقد والإبريق وثلاثة أكواب فارغة ووضعت الجميع أمامها ثم قالت: بعد دقائق قليلة سيكون الشاي
جاهزاً.
قال الأب: في إمكاننا ان نستمر في حديثنا دون أن ننتظر الشاي.
قال نجيب: فما هو الموضوع الذي نبدأ فيه الحديث؟ قالت الأم: إنك شهدت يا ولدي ان ما جاء به محمد حق. قال نجيب: نعم يا أمي إني آمنت بذلك واقررت به.
قالت الأم: بقي عليك أن تعرف كيف وصل هذا الحق إلى
محمد الله
قال نجيب: أود أن تشرحي لي ذلك يا أماه أفرغت الأم الشاي وناولت كوبا لزوجها وكوبا لولدها ثم قالت:
إن أباك بعد أن تناول كوبا من الشاي وسرت الحرارة في أمعائه يحسن
- 59 -
- (1/69)
صفحة 70
به أن يتولى النقاش معك في هذا الموضوع الهام
فاتجه نجيب إلى أبيه وقال: إنني على إستعداد للسماع والفهم يا أبي. قال الأب: أن أمك غفر الله لها تخلط الجد بالهزل لكن ذلك لا يمنعنا من قبول أوامرها.
قالت الأم: معاذ الله أن أصدر إليك أمراً أيها الزوج الحبيب،
فأنت القوام على هذا البيت، ولك فيه الأمر، وعلي السمع والطاعة قال الأب: أن اقتراحاتك ورغباتك تنفذ دون مناقشة، وذلك لما تحمله دائما من حق وصواب وأرادت الأم أن تتكلم فسبقها نجيب قائلا: متعني الله بحياتكما، إنكما لمثل أعلى لما يكون عليه زوجان متحابان، وأبوان كريمان شريفان، ثم
اتجه إلى أبيه وقال: كيف وصلت الرسالة إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يا أبي؟ قال الأب: أن الله عز وجل أراد ان يكون محمد صلوات الله وسلامه عليه آخر الأنبياء المرسلين، فأنزل عليه القرآن الكريم «تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (2). ورضي الإسلام دينا
للبشر أجمعين.
•
قال نجيب: وكيف نزل القرآن الكريم على رسول الله؟ قال الأب: نزل بطريقة الوحي.
قال نجيب: وكيف ينزل الوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام؟
قال الأب: يأتي به الملك فيتمثل حينا في صورة رجل فيكلم الرسول فيتلقى عنه ويحفظ ما يقول، وأحيانا يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس وحين ينفصل عنه يكون الرسول قد وعى ما نزل عليه وحفظه (3)
60 ·
- (1/70)
صفحة 71
قال نجيب: ومن هو الملك الذي يأتي بالوحي إلى الرسول الله.
قال الأب: هو جبريل عليه السلام
•
قال نجيب: وهل هذه هي الطريقة التي كان ينزل الله بها وحيه ويبلغ بها أوامره إلى الأنبياء بواسطة ملائكته المتعددة، فقد يبعث (*) ملكاً في صورة رجل فيكلم النبي كلاماً، وقد يرسل صوتا كصلصلة الجرس، وقد يلقي الوحي في روح النبي بطريقة الإلهام أو بطريقة الرؤيا الصادقة أو بما شاء الله من الوسائل التي يبلغ الله بها وحيه إلى عباده المخلصين (3) قال نجيب: هل هناك فرق بين النبي والرسول يا أبي؟ قال الأب: ان الرسول هو الإنسان الذي اختاره الله لإبلاغ رسالته إلى الناس فأنزل عليه الوحي وأمره بالتبليغ إلى الناس، أما النبي فهو الإنسان الذي اصطفاه الله وأنزل عليه الوحي ولم يأمره بالتبليغ إلى الناس والمؤمن يا ولدي يجب عليه أن يؤمن بجميع الأنبياء وجميع وان يؤمن بجميع ما أنزل عليهم من الكتب ويخصص من تلك الكتب القرآن الكريم الذي أنزل على سيدنا محمد ويؤمن بكل ما جاء فيه الله ومن أنكر شيئا منه ولو حرفا واحداً أو شك فيه
أنه
حق من
فهو مشرك
عند
الرسل
قال نجيب: وهل يجب على المسلم أن يعرف جميع الأنبياء يا أبي؟ قال الأب: لا يتم إيمان المسلم حتى يؤمن بمحمد وآدم عليهما السلام ويعرفها أما بقية الأنبياء والرسل فيجب أن يؤمن بهم إجمالا إلا من قامت به الحجة فيجب أن يعرفه ويؤمن به.
قال نجيب: وهل نستطيع أن نعرف عددهم؟
قال الأب: لقد وردت بعض الأخبار في عددهم ولكننا لا نجزم
- 61 ·
- (1/71)
صفحة 72
بذلك. ولكن القرآن الكريم ذكر جملة منهم ويجب على المسلم أن يؤمن بجميع أولئك الذين ذكرهم الكتاب العزيز ويحسن بالمسلم أن يحفظ
أسمائهم فإنه لا يجمل بمسلم أن يجهل شيئا جاء في كتاب الله؟
قال نجيب: هل يشترك الأنبياء والرسل في بعض الصفات؟ قال الأب: يجب أن يؤمن المسلم أن جميع الأنبياء يتصفون بالصدق والأمانة، وأنه يستحيل في حقهم الكذب والغش والخيانة، وأنه يجوز في حقهم أن يتصفوا بما هو طبيعة بشرية كالنوم والأكل والشراب والمشي في الأسواق، واتخاذ الأزواج والأولاد وما إلى ذلك ويختص الرسل منهم بأنهم بلغوا ما أمروا به، ونصحوا أممهم حتى أتاهم اليقين قالت الأم: لقد عرفت في سمر سابق ما يجب أن تعرفه مما يجب
ويجوز ويستحيل في حق رسول الله
قال نجيب: نعم يا أماه.
•
قالت الأم: ان الصفات التي عرفتها لرسول الله مما
ويجوز ويستحيل في حقه هي
هي نفس
الصفات التي يجب أن تعرفها لجميع
الأنبياء، عليهم السلام.
قال نجيب: وهل بعث الله إلى الناس رسلا من الملائكة بدين أو
شريعة؟
؟
قال الأب: تعني أن الملك يتصل بالناس ويدعوهم إلى دين الله قال نجيب: هذا ما أعنيه يا أبي فقد خطر لي هذا المعنى وأنا أقرأ
قوله تعالى: والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله
•
سميع بصير (4) قال الأب: لا يا ولدي، فلقد خلق الله الملائكة بطبيعة غير طبيعة البشر ولذلك قال تعالى في الكتاب الكريم: ولو جعلناه
- 62 - (1/72)
صفحة 73
ملكا لجعلناه رجلا، وللبسنا عليهم ما يلبسون (5) قال نجيب: إذن فما معنى الآية الكريمة يا أبي؟
قال الأب: إن الله يختار من الملائكة من يحمل رسالاته إلى الأنبياء والمرسلين، ويختار من البشر رجالا ينزل عليهم وحيا بواسطة رسله من الملائكة. ومن هؤلاء الرجال الذين يختارهم الله وينزل عليهم وحيه من يجعله نبياً فقط ومنهم من يجعله إلى أمة واحدة ومنهم من يبعثه رسولاً إلى جميع الناس ومنهم من يبعثه الله رسولا إلى الثقلين
قال نجيب: ما معنى الثقلين يا أبي؟
قال الأب: هم الإنس والجن وقد بعث الله سيدنا محمدا إلى الثقلين. فالإسلام هو الدين الذي رضيه الله للإنس والجن وقد قال تعالى في كتابه العزيز اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا (6)
قال نجيب: وهل صور الملائكة تشبه صور الناس؟
قال الأب: ان الطبيعة التي خلق الله عليها الملائكة غير الطبيعة التي خلق عليها البشر. فالملائكة عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا ينالهم التعب، ولا يشق عليهم عمل الله يكلفون به من عز وجل، وهم أجسام نورانية (7) محجوبة عن رؤية الناس. لا يوصفون بالذكورية ولا بالأنوثية، ولا بالجنون ولا بالطفولية، ولا بما يتكون به الجسم البشري من لحم ودم وعظم وإنما أقصى ما نعرفه عنهم من الناحية الجسمية إن الله وصفهم بانهم أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع)، وقد ثبت ان رسول الله ما رأى جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها ولكنه الله لم يصف صورة جبريل عليه السلام (9).
- 63 - (1/73)
صفحة 74
وينقسم الملائكة إلى قسمين قسم خلق للعبادة يسبحون الليل
والنهار لا يفترون (10) وقسم لتنفيذ ارادة الله في الخلق وابلاغ رسالاته إلى الأنبياء. ويجب الإيمان جملة حتى تقوم الحجة ولا يتم بهم إيمان المسلم حتى يعرف منهم جبريل عليه السلام وانه الملك الذي كان
•
ينزل بالوحي إلى رسول الله الله قال نجيب: قلت يا أبي ان الملائكة لا يوصفون بالذكورية ولا بالأنوثية فما معنى ذلك يا أبي.
قال الأب: لا يقال ان الملائكة ذكور ولا يجوز أن يقال إنهم إناث
ومن زعم انهم إناث فقد أشرك بالله قال الله في كتابه الكريم: ان الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية
الأنثى (11).
قال نجيب: وكيف نتحدث
عنهم
يا أبي؟
قال الأب: أما من حيث اللغة فإن الحديث عنهم يجب أن يكون بصيغة المذكر ولا يجوز الحديث عنهم بصيغة الأنثى ولكن ليس معنى هذا أن نصفهم بانهم ذكور أو اناث فإن هذين الوصفين من طبائع المخلوقات التي تكثر بالتزاوج ولسنا نعرف الطبيعة التي خلق الله بها الملائكة عليهم السلام.
رأى نجيب أن أباه قد استند إلى ظهر الكرسي بعد هذا الحديث
الطويل فظن أن أباه أحس بالتعب فالتفت إلى أمه قائلا: هل لك يا أماه أن تلخصي لنا موضوع سمرنا كله باسلوبك الرائع
الرقيق؟
قالت الأم لبيك يا ولدي فأنا على استعداد لذلك وان كنت أعرف
ان أباك أدق تعبيراً واسلس أسلوباً، وأعرف بحقائق الإيمان
•
- 64 - (1/74)
صفحة 75
قال الأب: اني أشكر لك حسن تقديرك، وسمو عواطفك، ونبيل اخلاقك أيتها الزوجة الصالحة
قالت الأم: شكر الله لك، ثم اعتدلت في جلستها وقالت: أما وقد أرجعتهما إلى تلخيص هذا النقاش، فإنه يسرني أن أنقل اليكم ما قاله أبو حفص عمرو بن جميع رحمه الله في ترجمته لعقيدة التوحيد التي وجدها باللغة البربرية فترجمها إلى العربية بأسلوبه الرائع الجميل قال: ان سأل سائل فقال: ما أصل الدين؟ فقل: الدين هو التوحيد، لقوله تعالى: ان الدين عند الله الإسلام والإسلام لا يتم إلا بقول وعمل.
فأما القول: فشهادة أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، ولا ند ولا ضد، ولا قرين، ولا شبيه، ولا مثل. وان محمداً عبده ورسوله، وان ما جاء به حق من عند ربه. وأما العمل: فالإتيان بجميع الفرائض. فهذه ثلاثة أقاويل من جاء بهن تامة لم ينقص منهن شيئا، كمل توحيده فيما بينه وبين الله تعالى وأما فيما بينه وبين الخلائق فحتى يأتي بعشرة أقاويل
•
أما الأول: فالإيمان بجميع الملائكة والأنبياء والرسل وجميع الكتب التي انزلت على جميعهم والموت والبعث ويوم القيامة والحساب والعقاب ما كان وما يكون وماهو كائن فالله هو المكون له،
والجنة والنار وجميع
جاء
فهذه عشرة أقاويل من بهن تامة لم ينقص منهن شيئا كمل توحيده فيما بينه وبين الله تعالى والخلائق فمن ترك واحدة منهن فقد أشرك بالله تعالى، والشاك في شركه مشرك والشاك في الشاك مشرك إلى القيامة. ومن جاء بهذه الوجوه كلها، فقد حرم دم دمه وماله
ذريته، وذلك لما علمه من التوحيد» (12)
يوم
وسبي
- 65 - (1/75)
صفحة 76
قال نجيب: هل حفظت هذه العقيدة كلها يا أماه. قالت الأم: ان عقيدة التوحيد كانت من أوائل ما يحفظ الأطفال، وقد كانت الأمهات يلقن بناتهن هذه العقيدة منذ الصغر
وقل أن تجد عجوزاً في سن أمي لا تحفظ عقيدة التوحيد. وقد كانت أمي كثيراً ما تأسف لأنها لم تعثر على النسخة الأصلية التي وضعت
بالبربرية، وتقول لي لو أنها وجدتها لحفظتنا حتى وهي عجوز. قال نجيب: هل كانت البنت يا أماه تتعلم كما يتعلم الطفل في زمن
خالصة. ومن
جدتي؟ قالت الأم: ان البنت يا ولدي كانت تربّى تربية إسلامية نظيفة. ومن حالت ظروف حياتها دون تعليمها القراءة والكتابة فإن عجائز القرية ولا سيما العزابيات (13) منهن يعلمنها أمور دينها ويلقنها ما تيسر من كتاب الله وحديث رسول الله ويحفظونها بعض المتون التي وضعها أكابر العلماء في تلخيص الأحكام ويشرحن لها ما يجب عليها معرفته من حقوق الأسرة والجيران وغير ذلك وبذلك تكون عارفة باكثر ما يجب عليها في دينها وحياتها. قال نجيب: يا أماه ان فتاة الأمس كانت خيراً من قالت الأم: هذا ما أعتقده فإن فتاة اليوم غرتها المظاهر أكثر من
الحقائق وهي
فتاة اليوم.
حينما انطلقت إلى المدرسة لم تجد فيها تلك الروح السامية
المؤمنة التي كان يضفيها الإيمان والحياء على المرأة قال الأب: ان حرمانك من البنات يا أم نجيب يجعلك تنظرين إلى فتاة اليوم نظرة قاتمة ومن يدريك لو أنك رزقت فتاة لكانت اليوم
رافعة فستانها فوق ركبتيها وهي تغدو وتروح من المدرسة مع زميلاتها.
•
ظهر الألم واضحا على وجه الأم المحرومة وقالت بصوت يكاد يكون
- 66 - (1/76)
صفحة 77
أنيناً: قد يكون ما تقول صحيحاً يا أبا نجيب ولكن ذلك لا يغير من الواقع شيئاً، فما أنا إلا أم بين آلاف الأمهات يَجْرفُهُنَّ (14) تيار الحياة. وتيار الحياة لا يعني دائما أنه يجرف إلى الأهدى أو إلى الاافضل، ولو جرف إلى الأربح والأرفه. بل الواقع أن الحياة عندما يقودها ناس لا يؤمنون بالله ولا يتقونه حق تقاته فإنها تبتعد بالركب الذي تحمله عن الحق. قال نجيب: أعتقد يا والدي أنكما ستفتحان موضوعا شيقا بنقاشكما هذا. فهل لكما أن تؤخراه إلى ليلة أخرى فإن ورائي هذه الليلة
واجبات مدرسية لم أنجزها بعد
•
قال الوالدان بصوت واحد: أصبت يا ولدي فإلى ليلة مقبلة
•
وقام نجيب فحيا أبويه تحية المساء ثم انفلت إلى حجرته قرير
العين (15)
(1) أخل: ترك أوقع بها خللا. (2) سورة النحل 89/ 16.
خلل في الحوار - والصحيح: قال الدب: ه ... قد يبعث (الله) ملكا .... قبله. والله أعلم. (3) أنظر «باب في ابتداء الوحي من الجامع الصحيح للربيع ابن حبيب، عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، روت الحديث بالنص، وأضافت: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ويفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاء. قال الربيع: فيفهم عنه أي ينجلي
عن
(ص 6).
(4) سورة الحج 73/ 22
(5) سورة الأنعام 9/ 6
(6) سورة المائدة 3/ 5
•
•
(7) نورانية: أي من النور.
(8) أنظر: تفسير قوله تعالى: الحمد الله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، ان الله على كل شيء قدير) سورة فاطر 1/ 35 - من تفسير سيد قطب في ظلال القرآن» 18/ 5 29. (9) رواه الترمذي، وأحمد بن حنبل. وأنظر للتوسع: تأويل مشكل الحديث وبيانه للحافظ أبي بكر بن
- 67 (1/77)
صفحة 78
فورك.
(10) سورة الأنبياء 20/ 21
(11) سورة النجم 27/ 53
(12) مقدمة التوحيد: من ص 21 إلى ص 33
(13) أنظر: طبقات المشايخ بالمغرب لأبي العباس الدرجيني. ج 1 ص 167.
والغربية هي: (14) جرف: من جرف السيل اذا ذهب بكل شيء، وهنا مجاز. (15) قرير العين: من قرت العين، اذا بردت سرورا وجف دمعها. قال رسول كسرى في الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: امنت لم ـا أقت العـ دل بينهم
فنمت نوم قرير العين هـ
- 68 - (1/78)
صفحة 79
الليلة الخامسة
- وجوب معرفة أن الله أمر بطاعته وأوجب الثواب عليها ونهى عن معصيته وأوجب العقاب عليها.
- 69 -
- الولاية والبراءة والوقوف (1/79)
صفحة 80
/ (1/80)
صفحة 81
الليلة الخامسة
اجتمعت الأسرة للسمر، وافتتح الأب الحديث فقال: أرأيت كيف تطورت يا نجيب بعد أن أصبحت رجلا مسلماً قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب وهو يبتسم ابتسامة مازحة: كنت تنصرف بعد العشاء مباشرة إلى حجرتك، لتذاكر دروسك أو لتنام، فأصبحت الآن تسهر
معنا وتسمر إلى هون (1) من الليل، تماما كما يفعل الرجال الكبار. قال نجيب: إني أحمد الله تعالى على نعمة التكليف والإسلام. قال الأب: أحسنت يا ولدي فإن المؤمن يحمد الله تعالى دائماً، على
نعمه الظاهرة والباطنة. لكن كيف حسبت التكليف من نعم
عليك؟
الله
قال نجيب: أعتقد ان التكليف منوط بكمال الجسم والعقل عندما أخبرتني يا أبي أنني اصبحت مكلفاً لا يسعني جهل التوحيد ولا غيره من خصال الإيمان - علمت ان الله قد أنعم علي بثلاث نعم في آن واحد. فقد بلغ تركيبي الجثماني الحد الذي وصل به قوة الرجولة وبلغ عقلي درجة النضوج التي يناط بها التكليف، وهداني ربي إلى الإيمان به
- 71 - (1/81)
صفحة 82
واختيار الإسلام دينا. أفلا أكون عبداً شكورا وأحمد الله تعالى على هذه
النعم المتوالية التي ترتبت على التكليف؟
قالت الأم: صدقت يا ولدي ... إنها بعض النعم التي أنعم الله بها عليك
ولكن ترتيبك لها تنقصه الدقة.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أماه؟
قالت الأم: ان التكليف هو الذي يترتب على بلوغ الجسم وكمال العقل، أما اختيار الدين فينبني على التكليف أو هو الخطوة الثانية بعد
التكليف.
قال نجيب: إنك دقيقة في كل شيء يا أماه! ليت بنات اليوم يعرفن بعض ما تعرفين؟ ..
قال الأب: كم تحب امك يا نجيب! ... انك معجب بها كل
•
الإعجاب وكل ما تقوله يكون موضع رضاك قال نجيب: إني أحبك يا أبي مثل ما أحب أمي وكنت أعتقد ان الرجال ينقطعون للدراسة، وتتاح لهم فرص التعلم والإجتماع أكثر مما تتاح للمرأة، فيحصلون على ثقافة أوسع وعلم أشمل. ولذلك فأنا لا أعجب من غزارة علمك وسعة اطلاعك يا أبي فإن هذا ما كنت اعتقده، أما النساء فقد كنت أحسب انهن لم يدخلن المدارس فلم تتح لهن فرصة التعلم وبذلك يكن ضعيفات الرأي ضيقات الآفاق، جاهلات بكثير من العلوم، فلما رأيت أمي تجول في كل ميدان من ميادين الثقافة والعلم، وكانت مناقشاتها تستهويني حين أجدها تشاركك في جميع الميادين وكم عجبت حين أخبرتني انها تحفظ عقيدة التوحيد (2) عن ظهر قلب، هذه العقيدة التي لم أقرأها أنا بعد مجرد قراءة.
قالت الأم: هذا تقصير منا نحن لا منك أنت فنحن نعلم ان مثل
- 72 - (1/82)
صفحة 83
هي
هذه الكتب غير مقررة في المدرسة وكان يجب أن نضعها بين يديك وتنصحك بقراءة ما يفيدك ونشير عليك باستظهار ما يجب استظهاره. قال الأب: ان كلام أمك حق يا نجيب فإن الأسرة المسلمة لا تنتظر أن يتعلم أبناؤها في المدارس، ان المدرسة الأولى كانت البيت والأب والأم هما المعلمان الأولان اللذان يشرفان على تعليم أبنائها بالطريقة الإسلامية التي تعنى أولاً بالجانب الديني في الطفل ثم تعتني بالأخلاق وغرس الفضائل وتوسيع آفاق التفكير والإطلاع على الثقافة الإسلامية العامة حتى تتكون الشخصية الدينية والخلقية للطفل في البيت. أما المدارس فتأتي في الدرجة الثانية فهي تفتح المجال لكي يطلع الطفل على أنواع أخرى من المعارف لم يعرفها في البيت ويكتسب مزيداً من المهارات ثم يفتح المجال لمن أراد الإستمرار في المدرسة، والتبحر في العلم، أو التخصص في فن من فنونه
قال نجيب: يظهر ان البيت في القديم كان خيراً منه الآن فهو يقدم
•
مساعدة كبرى للمدرسة قال الأب: لو قلت لك ذلك لحسبتني شيخا رجعيا يحن إلى الماضي
ويستمسك به.
قالت الأم: ان الأسرة في القديم كانت ترى أن تكوين الجانب الديني في الطفل أهم شيء في الحياة ولذلك كانت تحرص كل الحرص على هذا التكوين غير معتمدة على ما يجيء به المستقبل عندما يبدأ الطفل في أخذ معلوماته عن الأساتذة والزملاء
قال الأب: هذا صحيح فإن الطفل إذا تكون دينياً وخلقياً واصبحت هذه النواحي أجزاء من شخصية لم يخش عليه من التيارات
6
- 73 -
-
التي تصادفه في الحياة. (1/83)
صفحة 84
قالت الأم: يظهر أن نظام الأسرة في العصر الحاضر تطور تطوراً بعيداً جداً عن روح الأسرة المعروف في القديم. فإن التعلق بالجانب
المادي من الحياة قد ساق الناس سوقاً بعيداً وسريعاً عن المثل العليا.
قال نجيب: هذا موضوع طريف والمناقشة فيه ممتعة. فهل تجعله موضوع سمرنا لهذه الليلة؟
قال الأب: بل يحسن ان نؤجله إلى بعض الليالي القادمة لأننا لم
ننته بعد من أحاديثنا التي افتتحنا بها حياة الرجل الصغير قال نجيب: ألا تسمح لنا بإقامة حفلة عيد الميلاد حتى هذه الليلة؟ قال الأب: أنت الآن رجل مثلي والرجل لا يستأذن رجلا مثله ليقيم حفلة ميلاده، ولكنه يقيم الحفلة، ويدعو اليها الآخرين فإذا وصلتنا بطاقة الدعوة فنحن على استعداد للتلبية.
•
قالت الأم: ألم أقل لك يا ولدي أن أباك لا يغلب في نقاش؟
قال نجيب: اذن فلنؤجل هذه الحفلة إلى بعض السنين القادمة حين يقف هذا الرجل الصغير على قدميه، ويملك مالاً من كسبه
•
قال الأب: ان مال الأب هو مال الولد الصالح والزوجة الصالحة فإن مكاسب الأب إنما جعلت لينفق منها على أفراد الأسرة جميعاً فلكل فرد من أفراد الأسرة حق في مال الأب
قال نجيب: ذلك ما عرفته يا أبي من سلوكك معي طول حياتي،
فانك لم تضن (3) علي بشيء في يوم ما
•
قالت الأم ضاحكة: ما عدا مصاريف حفلة عيد ميلادك الماضية
فضحك الجميع
•
قال الأب: أرأيت براعة أمك في تصيد النكتة الجارحة.
6
قال نجيب: أنت تعرف يا أبي إني معجب بكل ما تقوله أمي ... ثم
- 74 - (1/84)
صفحة 85
التفت إلى أمه وقال: هل لك يا أماه أن تفتحي لنا موضوع سمر
الليلة؟
قالت الأم: انكما لم تنتهيا بعد من الحديث في مواضيع التوحيد. قال نجيب: ألم تلخصي لنا ذلك فيا نقلته عن أبي حفص عمرو بن
؟ جميع قالت الأم: ذلك خلاصة الجملة التي يدعو إليها رسول الله له فمن اعتقدها في قلبه وأقر بها بلسانه فقد دخل في جملة الموحدين. ثم التفتت إلى زوجها وقالت: أليس كذلك يا أبا نجيب؟ فأجاب الزوج: انك على حق أم نجيب فإن الإنسان عندما ينطق بالشهادتين ويستجيب إلى دعوة الله يعتبر موحداً. ويكتسب حصانة الإسلام فيحرم غنم ماله وإراقة دمه وما إلى ذلك من الأحكام ولكن هنالك أشياء لا يزال مطالباً بها.
قال نجيب: أتعني أنه مطالب بالعمل بالفرائض واجتناب
المحرمات؟ قال الأب: ان ما تقوله صحيح يا نجيب ولكن المسلم يطالب بكثير من المعرفة قبل ذلك. قال نجيب: هل تعني معرفة الكيفية التي تؤدى بها الفرائض وأعمال
الطاعة؟
قال الأب: أعني هذا وأعني أشياء أخرى يجب أن يعرفها الإنسان حتى يكون توحيده وإيمانه كاملاً. قال نجيب: هل نستطيع أن نستعرض تلك المواضيع واحداً بعد واحد يا أبي؟
قال الأب: ان ذلك بالإمكان ... فهل ترى ضرورة إلى إعادة ما
ذكرناه سابقاً؟
– 75 –
- (1/85)
صفحة 86
قال نجيب: لا ضرورة لذلك فقد فهمت ذلك ولا سيما بعدما لخصته
أمي.
قال الأب: انت عارف ان دماء المسلمين محرمة بما معهم من التوحيد وان دماء المشركين يحل سفكها لشركهم بالله اذا عارضوا الدعوة
الإسلامية
قال نجيب: هل معرفة هذا من التوحيد.
قال الأب: نعم يا ولدي! فإن الإنسان الذي لا يعرف كرامة المسلم وعزته عند الله وذلة المشرك وهوانه على الله لا يكون وثيق الصلة
بربه
•
قال نجيب: أي مؤمن يرضى ان لا يكون وثيق الصلة بربه؟ قالت الأم: ان هذا الموضوع وثيق الصلة بموضوع آخر يجب
معرفته
قال نجيب: أي موضوع يا أماه؟
قالت الأم: موضوع الطاعة والمعصية
•
قال الأب: على المسلم أن يعرف ان الله أمر بطاعته وجعل عليها
ثواباً ونهى عن معصيته وجعل عليها عقاباً
•
قال نجيب: ان ترتب الثواب على الطاعة. وترتب العقاب على المعصية أمر طبيعي حق في حياة الإنسان فان كلا من الأب والمدرس والحاكم يسرون ويكافئون من يطيع أوامرهم وينفذها وكلهم يستاءون من عصيان أوامرهم وعدم امتثالها ويعاقبون على ذلك، وان اختلفت أساليب الثواب والعقاب. فكيف لا يثاب من يطيع ملك الملوك وخالق الموت والحياة. أما الذي تبلغ به الوقاحة الدخلة (4) إلى، وسوء ان يجاهر ربه بالكفر أو بالمعصية فهو أولى باشد أنواع العقاب منه.
- 76 - (1/86)
صفحة 87
قال الأب: فأنت ترى من حديثنا السابق ان الله جل
وعلا أمر بطاعته ونهى عن معصيته، فمن امتثل لأمره جازاه الله بالجنة، ومن عصاه عاقبه بالنار إلا ان العصاة على قسمين القسم الأول: المشركون وهم الذين لم يعترفوا بكلمة الشهادة أو انكروا منها ما كان قطعياً وأولئك هم الذين أباح الله دماءهم وأموالهم كما سبق ان شرحت لك، ويوم القيامة مثواهم النار وبئس المكان. أما القسم الثاني من العصاة فهم الذين يعترفون بكلمة الشهادة ولكنهم يخلون بالعمل فيعصون الله وهؤلاء قد صان الله دمائهم واموالهم في الدنيا بما معهم من التوحيد أما يوم القيامة فمأواهم جهنم وبئس
المهاد.
قال نجيب: والنتيجة من ذلك أن من أشرك بالله ومن مات عاصيا من الموحدين غير تائب جمعهم الله في جهنم جميعاً أليس في جهنم مثوى الكافرون) (5)
•
قال الأب: إذا رأيت شخصا مؤمناً بالله حريصاً على طاعته، وقافا
عند حدود دينه، محاسبا لنفسه على اعماله. فماهي المنزلة التي تعطيها
له في نفسك
•
قال نجيب: منزلة الحب والإحترام. قال الأب: وإذا وجدت إنساناً لا يؤمن بالله أو بالله أو يزعم انه مؤمن
دين
بالله ولكنه يتهاون في أمر الله فلا يقف عند الحدود التي حدها الله فلا يحرص على اداء واجب، ولا يتورع عن ارتكاب اثم. فماهي المنزلة التي تعطيها له من نفسك؟
قال نجيب: الإحتقار والكره فإنه مثل هذا الشخص لا يمكن أن
-
– 77 -
- (1/87)
صفحة 88
يحب أو يحترم، وأهون ما يعامل به هو الإهانة والتهاون بشأنه. قال الأب: انك وصلت بنفسك إلى قاعدة هامة من قواعد
التوحيد
قال نجيب: ماهي يا أبي؟
قال الأب: هي الحب في الله والبغض في الله أو ما يعبر عنه علماء
الأباضية بقاعدة الولاية والبراءة
قال نجيب: أود ان تزيدني إيضاحا يا أبي.
قال الأب: ان الناس منذ خلق آدم ينقسمون إلى قسمين كبيرين قال نجيب: هل تعني أنهم ينقسمون إلى أطفال غير مكلفين وبالغين انيطت بهم الواجبات.
قال الأب: ليس ذلك ما أعني فإن أحاديثنا هنا مقصورة على
المكلفين والمكلفون لا يكونون إلا بالغين عقلاء.
قال نجيب: إذن تقصد أنهم ينقسمون إلى ذكور وإناث قال الأب: ولست أقصد هذا أيضاً قال نجيب: إذن لابد أن يكون التقسيم راجعاً إلى أعمال الناس. قال الأب: ان التقسيم راجع إلى أعمالهم واقوالهم وعقائدهم. قال نجيب: لازلت لم أفهم ما ترمي إليه يا أبي؟ قال الأب: الناس منذ خلق الله آدم قسمان: قسم آمنوا به واتقوه الله واتبعوا دينه فرضي عنهم وأثابهم على إحسانهم فأولئك أولياء الله ويجب علينا أن نحبهم الله ونستغفر لهم ونطلب لهم الرحمة. قال نجيب: يعني ان الذين آمنوا بالله واتقوه واطاعوه من جميع الديانات هم أولياء الله وعلينا محبتهم والدعاء لهم.
قال الأب: من جميع الديانات الصحيحة التي أنزلها الله في أزمنتها
- 78 - (1/88)
صفحة 89
وأمر باتباعها أما الديانات الباطلة التي وضعها البشر أو حرفوها فإنها لا تسمى ديانات ولا يكون أتباعها أولياء الله ومنذ جاء الإسلام فقد بطلت كل الديانات الأخرى واصبح اتباعها كافرين بالله محادين (6) له لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون حاد الله من
ورسوله (7)
قال نجيب: هذا القسم الأول.
قال الأب: أما القسم الثاني فيشتمل على نوعين من أعداء الله أحد النوعين هم المعرضون عن دين الله الذين لم يؤمنوا به أما النوع الثاني فهم أولئك الذين أقروا بكلمة التوحيد ولكن غلبتهم شهواتهم وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فانتهكوا حرمات الله حتى ماتوا على ذلك ولم يتوبوا إلى الله ولم يقلعوا عما ارتكبوا فيه من معصية ومن هذين النوعين يتكون القسم الثاني وهم أعداء الله ويجب علينا أن نبرأ من أعداء الله منذ خلق الله آدم وان نبغضهم ونلعنهم
الجملة
قال نجيب: ان من يحب الله لابد أن يحب أولياءه ويكره أعداءه قال الأب: هذا ما يعبر عنه في كتب التوحيد بولاية الجملة وبراءة
قال نجيب: وهل هناك ولاية أخرى.
قال الأب: هنالك الولاية والبراءة الشخصيتان.
قال نجيب: وما معنى هذا يا أبي؟
قال الأب: لابد أنك عرفت أسماء كثير من الأنبياء والأولياء وأنت
تقرأ القرآن الكريم
قال نجيب: نعم فإن الله ذكر في الكتاب العزيز كثيراً من انبيائه
وأوليائه
- 79 - (1/89)
صفحة 90
قال الأب: ولابد أنك عرفت من التاريخ والسير أسماء كثير من أصحاب رسول الله الذين جاهدوا معه ورفعوا كلمة الإسلام.
قال نجيب: هذا صحيح يا أبي.
•
قال الأب: فإنه يجب عليك أن تحب أولئك الأشخاص الذين ثبت
عندك وفاؤهم بدين الله شخصا شخصا، سواء ثبت ذلك عندك بالقرآن
الكريم
أو بخبر النبي أو بخبر العدول (8) من المسلمين قال نجيب: ان هؤلاء جميعا لا أملك الا أن أحبهم وادعو الله أن
يحشرني معهم.
قال الأب: ولابد أن تكون عرفت اسماء كثير من الكفار والمشركين والمنافقين. إما من القرآن الكريم، أو من أحاديث النبي، أو من
•
صلى الله
أخبار العدول من المسلمين قال نجيب: نعم فلقد ذكر الله كثيرا من الكفار والمشركين كما أنني
عرفت كثيرا منهم من دراستي للسيرة النبوية ولتاريخ الإسلام. قال الأب: فكل من ثبت عندك أنه معرض عن الله كافر به أو جاحد لنعمته فإنه يجب عليك أن تبرأ منه.
•
قال نجيب: ومن ورد علي إسمه ولكني لم أعرف هل هو مؤمن تقي أم فاجر شقي؟ قال الأب: ذلك يدخل في الحكم الثالث من هذه القاعدة قال نجيب: وماهو الحكم الثالث يا أبي؟ قال الأب: الحكم الثالث هو الوقوف فإن الشخص الذي لم يثبت عندك دينه وعمله يجب أن نقف فيه فلا تحبه الله ولا تبغضه الله لا يعني تتولاه ولا تتبرأ منه ولاتدعو له بالرحمة والمغفرة ولا بالعذاب واللعنة
قال نجيب: وهل هذه القاعدة تجب على الفور؟
•
- 80 - (1/90)
صفحة 91
قال الأب: أما ولاية الجملة وبراءة الجملة فتجبان على الفور، وأما
ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص فتجبان بقيام الحجة
قال نجيب: وكيف تقوم الحجة يا أبي؟
•
قال الأب: عندما يثبت عندك عدالة شخص إما بالخبر الصادق أو
بشهادة العدول وإما بالمعرفة الشخصية فإنه يجب عليك ولايته وعندما تثبت عندك شقاوة شخص، اما بالخبر الصادق أو بشهادة العدول، واما بالمعرفة فإنه يجب عليك أن تتبرأ منه وأن تبغضه الله. قال نجيب: إذن فحكم الولاية والبراءة ينطبق حتى على الأشخاص الذين نعاشرهم ويعيشون معنا
رأيت
"
قال الأب: نعم نعم يا بني فإنه يجب عليك أن تحب في الله كل من منه وفاء بدين الله وأن تعاشره وتربط معه علاقات الصداقة والأخوة ويجب عليك أن تبغض كل من رأيت منه إعراضاً عن دين الله وأن تشعره بالكراهية والإحتقار وأن تبتعد عنه ولا تتعامل معه إلا بمقدار الضرورة. أما أولئك الذين لم تعرفهم معرفة صحيحة ولم يثبت عندك شيء من طريق العدول عنهم فيجب عليك أن تتوقف فيهم يعني أنك لا تسبغ عليهم محبتك ولا تلقي عليهم كراهيتك وبغضك حتى تقوم الحجة لديك بصلاحهم أو فسادهم.
قال نجيب: إذن فالوقوف هي الدرجة التي يقف عليها الناس ومنها ينقلون إلى الولاية أو البراءة
قال الأب: هذا صحيح فإن المجهول يكون في الوقوف حتى يثبت له أحد الحكمين فإذا ثبتت له الولاية فلا ينقل منها إلا بقيام الحجة ولا ينقل إلا إلى البراءة ومن كان في البراءة فلا ينقل منها إلا بقيام الحجة
ولا ينقل إلا إلى الولاية
- 81 (1/91)
صفحة 92
قال نجيب: يعني
أن
من انتقل من حكم الوقوف لا يعود اليه أبداً
فلا يكون إلا في الولاية أو البراءة
•
قال الأب: هذا والإنتقال من أحد الحكمين إلى الثاني لا
صحيح
يكون إلا بحجة وبرهان.
قال نجيب: ولماذا هذا الفرق بين المواقف الثلاثة؟
قال الأب: ان الوقوف هو حكم مبني على جهل الشخص ولا ننتقل منه إلا بعلم فإذا عرفنا حالة شخص ما، حكمنا عليه بمقتضى معرفتنا له
وعلمنا بخاله وهذا حكم مبني على علم فلا ينتقل منه إلا بعلم.
قال نجيب: أود أن تضرب لي أمثلة حتى تتضح لي المسألة قال الأب: هب أنك تعرفت على شخص مصادفة لا تدري هل هو مسلم قويم أو فاسق لئيم فماهو الحكم الذي تحكمه عليه؟
له
قال نجيب: أتردد فلا أحبه الله ولا أبغضه الله
قال الأب: هذا التردد هو ما بالوقوف، فإذا طالت عشرتك
يسمى
رأيت منه الوفاء بدين الله.
حتى رأيت.
قال نجيب: حينئذ أتولاه وأحبه الله
قال الأب: فأنت انتقلت بالنسبة لهذا الشخص من حكم الوقوف إلى
حكم الولاية.
هذا قال نجيب: نعم
صحيح
قال الأب: فهل تنتقل من ولاية هذا الشخص إلى حكم آخر؟
قال نجيب: لا أدري.
قال الأب: ان حكم الولاية هو ما ثبت عندك بعلم لا يجوز أن
تنتقل عنه إلا اذا ثبت لك ضده.
قال نجيب: وكيف ذلك؟
- 82 - (1/92)
صفحة 93
قال الأب: إذا ثبت عندك بيقين ان هذا الرجل الذي كنت تحبه
الله وتتولاه قد انتهك حرم الله وارتكب من المعاصي ما يوجب البراءة فإنك تنتقل من الولاية إلى البراءة فتتبرأ منه وتعلن بغضك وكراهيتك له من أجل المعصية التي ارتكبها ولو تاب وصلح وثبت عندك صلاحه فإنك تنتقل من حكم البراءة إلى حكم الولاية
قال نجيب: هذا صحيح.
قال الأب: وهكذا لا تجد للوقوف سبيلا
قال نجيب: يظهر ان الإنتقال من الولاية لا يكون إلا إلى البراءة
والعكس صحيح.
قال الأب: نعم لأن الوقوف ينبني على الجهل بحالة الشخص فإذا ثبت أحد الحكمين بعلم، لم ينتقل منه إلا بعلم ويقين
وعلى هذا فجميع الناس الذين تعرفهم معرفة كاملة لا يكون إلا في أحد الحكمين اما الولاية أو البراءة
قال نجيب: قد فهمت هذه القاعدة يا أبي فهماً كاملاً. قال الأب: فالحمد لله على نعمته.
قالت الأم: يبدوا ان المناهج المدرسية لا تتعرض لمثل هذه المسائل التي لا يتم التوحيد إلا بمعرفتها
قال نجيب: لم يحدثنا أحد من المدرسة عن هذا الموضوع أبداً.
قال الأب: ان المناهج المدرسية لا تتسع لكل شيء. قالت الأم: لكن هذه المسائل المتعلقة بالتوحيد والتي ينبني عليها التعامل بين الناس من أوكد ما يجب أن تعالجه المناهج المدرسية ولكن
واضعي المناهج فتنتهم طرق الغرب فاتبعوها وبعدوا عن الإسلام. قال نجيب: لعل الله يهدي الأمة الإسلامية فتذكر ما لها من أمجاد
- 83 -
- (1/93)
صفحة 94
وتعود إلى دين الله في كل صغيرة وكبيرة.
قال الأب: حسبنا سمراً الليلة فإنني أحس برغبة في الراحة. قام
نجيب وألقى تحية المساء على أبويه ثم انفلت في خفة إلى حجرته
(1) هون من الليل: إلى أن يسكن ويسهل الليل
(2) لأبي حفص عمرو بن جميع، وقد أورد في تمهيد المقدمة الغاية من نقلها من البربرية إلى العربية. فسألني من لا أرد قوله، ولا أجهل فضله، أن أنقلها من لسان البربرية إلى لسان العربية، ليبين
فقال. ...
لفظها، ويسهل على القارئ حفظها ... » (المقدمة ص (20).
•
(3) ضن: بالشيء اذا بخل به، يقال: إنما يضن بالضنين، وهو مثل معناه أنه يجب التمسك بإخاء من
يتمسك ياخانك
(4) الدخل: العيب والريب، وأما الدخلة فهي النية والمذهب ويقال: هو عفيف الدخلة، كما يقال: «هو
سبئ الدخلة.
(5) سورة الزمر 32/ 39
•
(6) حاده: عاداه وغاضبه، فهو محاد.
(7) سورة المجادلة 22/ 58
(8) العدول: جمع عدل، وهو لغة العادل والمستقيم.
وفي مصطلح الحديث الضابط والمعتمد في النقل والسالم من خوارم المروءة».
يقول البيقوني في منظومته: أولها الصحيح وهو ما اتصل يرويه عدل ضابط عن
إسن
اده ولم يشـ
ذ أو يعل
معتم
في ضبط ــه ونقل
(مجموع مهمات المتون ص 77)
- 84 - (1/94)
صفحة 95
الليلة السادسة
- تحريم مسايرة الفساق والمنافقين
- مقارفة المعصية واستحلالها
- ولاية البيضة وبراءتها.
•
- 85 - (1/95)
صفحة 96
/ (1/96)
صفحة 97
الليلة السادسة
ذلف (1) الأب بعد صلاة العشاء الآخرة إلى حجرة الإجتماع ولحق به نجيب، أما الأم فقد أخذت معها الموقد وابريق الشاي ووضعت أمامها الأكواب على الصينية ثم قالت:
لقد تركتكما البارحة بدون شاي فخفت الليلة أن تقابلاني بعاصفة
من الإحتجاج ولذلك قدمت كل شيء بين يدي قال الأب: لقد هممت البارحة أن أطلب الشاي ولكنني خفت
نكتة
•
من نكتك اللاذعة فسكت وصبرت قال نجيب: أما أنا فقد أخذتني روعة المناقشة ولم يخطر لي الشاي
على بال
قالت الأم: لقد هممت أن أعمل الشاي كالعادة ولكنني ذكرت أن السكر قد نفذ من البيت ولم أشأ أن أسبب في قطع النقاش من أجل
الشاي فسكت عنه
•
قال الأب: فأنت اذن معذورة.
قال نجيب: ان أمي لا تعمل عملاً الا لسبب معقول
قال الأب: يخيل إلي أنه لو رفع خلاف بيني وبين أمك فسوف
تنحاز إلى جانب أمك
-
- 87
- (1/97)
صفحة 98
قال نجيب: ان من له أبوان مؤمنان مثل أبوي لا يخاف أن يقف
يعصم
كلا منهما من الشقاق والخلاف.
هذا الموقف فإن الإيمان قال الأبوان في صوت واحد: صدق الله ظنك وعصمنا من الزلل. قال نجيب: أظن أننا استوفينا الحديث عن قاعدة الولاية والبراءة وان سمرنا الليلة سيتناول موضوعاً جديداً
قال الأب: لا تزال هناك نقط أود أن لا نمضي عنها قبل أن
نتناولها بالحديث.
•
قالت الأم: ان الحياة في هذا العصر أصبحت مرتبطة بين جميع الأجناس والأديان، وأصبح الشخص مضطرا إلى التعامل مع جميع الناس، فإن ظروف البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والعمل والكسب، والسفر والإقامة، تفرض على الإنسان أن يتعامل مع الفاسق والكافر وغيرهم وقد تفرض عليه هذه الأحوال أن يساير أعداء الله. قال نجيب: هذا صحيح يا أبي فإن الناس من جميع الملل والنحل والطبقات أصبحوا يشتركون في الأعمال وان المؤمن لا يستطيع أن يعيش في عزلة عن العالم حيث لا يجد كافرا أو فاسقاً
•
قال الأب: ان ما تحدثت به أمك يا نجيب واقع، وذلك أن
الإنسان في هذا العصر. مضطر إلى التعامل مع من تجب منه البراءة
•
ولكن هذا لا يعني إظهار الرضا عن ضلالهم وعدم الإنكار عليهم في فسقهم ولا يعني محبتهم إن الإنسان قد يتعامل مع عدوه، وتعامله معه أعداء الله رضاه عنه أبداً. والمؤمن إذا اضطر إلى التعامل مع
?
يعني
فإنه يجب أن يحتفظ بحكم البراءة منهم واظهار السخط على ضلالهم واعلان الإنكار عليهم مهما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
- 88 - (1/98)
صفحة 99
قالت الأم: نعم ان التعامل لا يعني الرضا والمحبة فهل ترى أن الرضا والمحبة كاف في البراءة.
•
عدم
قال الأب: ان حكم الولاية والبراءة من أعمال القلوب ويظهر على اللسان إذا كان ظهوره على اللسان لا يؤدي إلى المضرة وهو يتصل إتصالاً وثيقاً بقاعدة أخرى من قواعد الإسلام ربما جعلناها موضوع سمر في ليلة مقبلة قال نجيب: ان جوابك يا أبي عن السؤال الذي أثارته أمي يحتاج إلى مزيد من الإيضاح والبيان فأنا لم أفهم ما تقصده فهماً. كاملاً. قال الأب: ان الحكم بالبراءة على أعداء الله من العصاة والكافرين يتوقف على حال الفرد المؤمن والأمة المسلمة والدولة المسلمة قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟ قال الأب: في البراءة من الفاسق قد يكون إضمار الكراهة وعدم إظهار الولاء لا المحبة كاف للمؤمن اذا كان لا يستطيع اكثر من ذلك وقد يجب عليه اظهار الكراهة والإحتقار للمعصية ومرتكبيها وقد يجب عليه الأمر بترك المعصية والإستتابة منها وقطع التعامل مع أهلها اذا أصروا عليها هذا بالنسبة للفرد أما بالنسبة للدولة فلها أحكام وواجبات خاصة بها عندما تكون دولة مؤمنة قائمة الله
بدين
الت الأم: ان تفصيل هذا قد يستغرق منك وقتا طويلا يا أبا نجيب، ولكن هل لك أن تقول لنا رأيك في المسايرة العملية التي يقوم بها المسلمون للعصاة والكفار، وتبين لنا موقف الإسلام من ذلك وحكمه عليه؟ قال الأب: ماذا تقصدين بالمسايرة العملية؟
قالت الأم: أن يرتكب الإنسان المعصية، أو أن يتخلى عن واجب
7
- 89 -
-
ارضاء الناس (1/99)
صفحة 100
قال الأب: هل لك أن توضحي سؤالك هذا يا أم نجيب؟
قالت الأم: يجتمع عدد من الناس من الذين لا يتقون الله ولا يبالون من ارتكاب المعصية وتضطر ظروف الحياة أحد المسلمين المحافظين أن يكون معهم، فيشربون خمراً أو يتناولون دخانا أو يأكلون مالاً مغصوباً أو لحم ذبيحة لا تحل أو ما يشبه ذلك فيرتكب معهم يرتكبونه إما حياء منهم أو خوفا أو اتقاء سخريتهم وهزئهم به أو خشية أن يقولوا عنه أنه وجامد ومتأخر أو ما يشبه ذلك من
رجعي
ما
الأقوال وقد ينتقدون دينه الذي لا يساير العصر ولا يسير مع ركب الحضارة والتقدم في زعمهم.
قال الأب: إن ارتكاب المعصية كفر بنعمة الله مهما كانت الأسباب الداعية إليه، ولا يقدم عليه إلا رجل ضعيف الإيمان بالله والتقية لتنجية النفس أو المال إنما تجوز في القول ولا تجوز في العمل؛؛ فالمسلم المجبر على ارتكاب المعصية لا يجوز له أن يرتكبها ولو عذب. فإذا كان التعذيب والقتل لا يجوز للمسلم ارتكاب المعصية فكيف يجيزها ما دون ذلك. اللهم إلا ما أباحه الله لتنجية النفس عند الإظطرار إلى أكل الميتة. على انني أخاف على من يرتكب المعصية حياء من شخص أو خوفاً ان يكون عمله هذا شركا بالله وخروجاً عن الإسلام. قال نجيب: هل تقول يا أبي ان المسلم الذي يشرب الخمر لأنه يساير جماعة شاربيه أو يرتكب محرماً آخر أو يتخلى عن فريضة واجبة حتى لا ينعتوه بالتأخر أو التزمت مشرك؟
قال الأب: ان الحكم بالشرك يا ولدي على رجل يقر بالتوحيد أمر صعب، وأنا لم أحكم بهذا بعد، ولكنني قلت انني أخاف عليه أن يكون
بعمله هذا قد ارتكب خصلة من خصال الشرك. فقد استهان بحكم
الله
- 90 - (1/100)
صفحة 101
واستحل حرامه إرضاء للمخلوق، وطلباً للزلفي عنده. ولقد سمى رسول الله الله الرياء بالشرك الأصغر (2). والرياء إظهار عمل الطاعة طلباً للمنزلة عند الناس، وابتغاء لمحبتهم. فكيف بارتكاب المعصية وإظهارها مجاراة للناس وابتغاء مرضاتهم والمنزلة عندهم. ان هذه الحالة من أخس ما يصل اليه الإنسان. والرجل الذي يصل به الضعف إلى أن يجاري أعداء الله فيرتكب معهم المعصية ويغضب الله ورسوله ابتغاء مرضاة الكافرين والفاسقين بعيد عن الإيمان بعداً شديداً
قال نجيب: ولكن ظروف العمل قد تجبر الإنسان على أن يكون في محيط هذا شأنه
قال الأب: ان حضور مجلس المعصية والمنكر نفسه معصية اللهم إلا من ألجأته ضرورة لا يمكن الفكاك منها فإذا اضطر المسلم إلى أن يحضر مجلساً يرتكب فيه منكر فعليه أن ينكر ذلك ويشدد في الإنكار فإذا كان لا يستطيع ذلك فعليه أن يغادر مجلس المنكر ويبتعد عنه فإن كان ذلك لا يمكنه وكان مجبراً على حضور ذلك المجلس فلا أقل من أن يظهر التأفف والسخط وعدم الرضا ولا يحل له أبداً أن يشارك في ارتكاب المعصية وأن يظهر الرضا على ارتكابها، والمسلم يا ولدي يجب أن يكون حريصاً على إيمانه متيناً في خلقه ثابتاً على مبدئه لا يظهر خلاف ما يبطن، ولا يوافق على غير ما يعتقد ولا يعمل عملاً يرضي الناس ويغضب الله
قالت الأم: لقد أثرت هذا الموضوع قاصدة حتى يكون نجيب فيه على بينة من أمره ولا يخدعه المنافقون الذين يحسنون القول ويساعدون الشيطان فيزينون للناس ما يحيد بهم عن سبيل الله
- 91 - (1/101)
صفحة 102
قال الأب: شكر الله سعيك وأثابك عليه
قالت الأم: هناك نقطة أخرى في الموضوع أريد أن نتحدث فيها
قبل أن ننتقل إلى موضوع جديد.
قال نجيب: ماهي يا أماه فإن أحاديثك شيقة
قالت الأم وهي تنظر إلى زوجها: قد يكون صاحب سلطة أو جاه ممن لا يتقي الله ولا يرعى حدوده فتجد الناس يتملقونه ويسايرونه على ضلاله ويشاركونه في معاصيه مراضاة له وقد يهدون إليه من أموالهم أو يشترون له أشياء محرمة وقد يستضيفونه وبما أنهم يعرفون أنه يستحل ما الله فيقدمون له ما يشتهيه من خمر أو دخان أو غير ذلك مما حرمه الله ويعتذرون للناس ولأنفسهم عن عملهم هذا بان لهم عنده مصالح ولا يقضيها لهم إلا اذا جاءوه على هذه
الطريقة
•
حرم
قال الأب: ان تقديم الرشوة في نفسه حرام اذا كان من مال حلال فما بالك إذا اجتمعت فيه الصفتان إنه رشوة وإنه من حرام فإذا زيد له الوجه الثالث وهو تقديمه لغير حق تضاعفت حرمته ثلاث مرات ولا يقدم على ذلك إنسان وفيه ذرة من الإيمان وبقية من عزة الإسلام. ان هذا تدهور كبير عن أخلاق المسلمين وانحدار عن مراتب الإنسانية الكاملة. ولا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من
حاد الله ورسوله (3) قال نجيب: ان الله يحرم على المؤمنين محبة الكفار فكيف تجوز مهاداتهم ومراضاتهم. قالت الأم: هذا ما أريد أن تعرفه يا بني فلقد كنت أسمع أن ناساً يتقربون إلى العصاة والمجرمين بما يسخط الله ويعتذرون للناس عن
- 92 - (1/102)
صفحة 103
أنفسهم بانهم يقضون بذلك مصالحهم وهذا ضلال ما بعده ضلال! قال نجيب: لقد وردت في أحاديثنا كلمة الخمر عدة مرات فما معناها يا أبي؟ قال الأب: ان الخمر كلمة تطلق على كل شراب يؤثر على العقل وسميت هذه الأنواع من الشراب خمراً لأنها تخالط العقل فلا يعرف الخطأ من الصواب وقد حرم الله سبحانه وتعالى جميع أنواع الخمر على المسلمين صيانة لكرامة العقل ان تنحدر إلى أوصاف الجنون
قال نجيب: انني أسمع زملائي يتحدثون نقلاً عن زملائهم الكبار فيحسبون بعض الأنواع غير محرمة ويقولون: انها عصير شعير أو عصير
تين أو ماء نخيل في العصير الذي يستخرج من النخيل إلى آخره. قال الأب: ان جميع أنواع الخمر أصلها عصير فاكهة أو ثمار وإنما حرمت لما اكتسبت من التخمر وسواء في ذلك عصير النخيل أو التين أو الشعير أو العنب أو غيرها من أنواع العصير، والناس الذين يشربون هذه الأنواع من الشراب المحرم وهم مقرون بأنه حرام، عصاة فسقه. أما أولئك الذين يحكمون بأنها حلال فإن حكمهم هذا يؤدي إلى الشرك بهم لأنه استحلال لما الله ووضع لشرع مخالف لشرع الله و أم لهم
حرم
شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (4).
قال نجيب: ما الفرق بين ارتكاب المعصية واستحلالها؟
قال الأب: ان الشخص الذي يعترف بأحكام الإسلام ويغلبه الشيطان فيرتكب معصية وهو مقر بأنها معصية معترف بحكم الله فيها، إن هذا الشخص يعتبر فاسقا أو منافقاً أو عاصياً أو كافراً كفر نعمة ولا يعتبر مشركاً. أما الشخص الذي يغير حكم الله فيرتكب محرماً وهو يزعم أن ارتكابه لذلك الحرام لا إثم فيه ولا معصية، أو يترك فريضة من
- 93 - (1/103)
صفحة 104
الفرائض وهو يزعم أنها غير فريضة هذا الشخص يحكم عليه بأنه مشرك لأنه منكر لحكم الله مكذب له وانكار احكام الله والتكذيب بها، أو
لها، شرك بالله
•
قال نجيب: الآن قد فهمت الفرق بينهما فهما كاملاً قالت الأم: هل هذا ما يقصده العلماء بقولهم: يشرك المستحل ولا يشرك الفاعل قال الأب: ان من يستحل شراب الخمر أو قتل النفس أو الزنا مثلا يكون مشركاً لأنه مكذب بالله راد لحكمه أما من يرتكب احدى هذه المعاصي وهو مقر بأن ارتكابها معصية نهى الله عنها، فيحكم عليه بأنه كافر كفر نعمة فهو يرادف معنى كونه فاسقاً أو منافقاً أو عاصياً أو ما يشبه ذلك من الأحكام. قالت الأم: ان من يرتكب المعصية وهو مقر بحرمتها لا يزال فيه بقية من الحياء ويرجى منه التوبة والاقلاع والرجوع إلى حكم الله أما من يستحلها فلا يرجى منه ذلك لأنه يرتكب ما يحل له في زعمه، وينتهك ما حرم الله ديانة
قال الأب: هذه نظرة صحيحة للموضوع.
قال نجيب: وهل يحكم بشرك المستحل ولو لم يرتكب المعصية كمن يستحل الخمر ولم يشربها أو يستحل الزنا ولم يرتكبه؟ قال الأب: ان الحكم بالشرك ترتب عليه باستحلاله ما
بارتكابه له
•
حرم الله لا
قالت الأم: وهل ينطبق الحكم على العكس. قال نجيب: تقصدين يا أماه من يزعم أن أحدى الفرائض غير
واجبة ومن يهمل أداءها قالت الأم: نعم يا ولدي كمن يزعم أن الزكاة أو الصوم أو الحج غير
- 94 - (1/104)
صفحة 105
واجب ومن يهمل القيام بها في وقتها المضيق
قال الأب: ينطبق الحكم تماما فمن أبطل فريضة فهو مشرك لأنه مكذب الله آت بشرع على هواه، والتارك له إهمالاً وتهاوناً كافر كفر نعمة. والخلاصة: ان كل من حرم حلالاً مقطوعاً به أو حلل حراماً مقطوعاً به أو أسقط فريضة واجبة فهو مشرك وكل من ارتكب شيئا من ذلك تهاوناً فقط فهو كافر كفر نعمة
قالت الأم: أي ان الإنسان الذي يلم بالمعصية أو يتهاون بالطاعة
فهو كافر كفر نعمة ولا يحكم عليه بالشرك.
قال الأب: نعم هذا
صحيح.
قال نجيب: أعتقد أنني فهمت هذا الموضوع فها شاملاً.
قال الأب: لا تزال هناك نقطة كان يجب أن نمر عليها بالمناقشة في أول السهرة ونحن نتحدث عن الولاية والبراءة
قال نجيب: وماهي يا أبي؟ لم يسارع الأب إلى الجواب وبقي نجيب ينتظر فقالت الأم: لعل
أباك يقصد ولاية البيضة.
قال نجيب ما معنى البيضة يا أماه!
قالت الأم: بيضة المسلمين أي جماعتهم وتطلق هذه الكلمة عند الحديث عن الولاية والبراءة على الإمام العادل ومن يساعده على أمور
المسلمين
قال نجيب: يعني أن كلمة بيضة المسلمين معناها الدولة الإسلامية قالت الأم: تقريباً، يقال بيضة البلد ويقصد بذلك أكبر القوم فيه وأكبر القوم في الدولة إنما هو الإمام أو من يقوم مقامه ومن يساعده على
- 95 -
القيام باعباء الدولة (1/105)
صفحة 106
قال نجيب: وهل تجب ولاية الدولة المسلمة ولو لم نعرف حالها؟ قال الأب: تجب ولاية السلطان ومن تحت رعايته إذا اشتهر بالعدل والوفاء بدين الله والحرص على تنفيذ أحكامه والمراقبة لعماله أما إذا اشتهر بالجور وعدم الوفاء بدين الله فتجب البراءة منه وممن يساعده على جوره وظلمه قالت الأم: لقد شرح العلامة أبو حفص عمرو بن جميع
الولاية شرحا جميلاً.
قال نجيب: ماذا قال يا أماه؟
قالت الأم: قال أبو حفص:
قاعدة
«الناس على ثلاثة أوجه: مسلم، ومنافق، ومشرك؛ والولاية على أربعة أوجه وقيل سبعة:
1 - ولاية جملة المسلمين من عرفناه ومن لم نعرفه الحي منهم والميت الإنس والجن.
2 - وولاية المعصومين هم الذين ذكرهم الله في كتابه وأثنى عليهم فأوجب لهم الجنة، فالواجب علينا ولا يتهم ونشهد لهم بالجنة (5)
3 - وتجب علينا ولاية أنفسنا وذلك بالتوبة والإنقلاع من الذنوب أما ولاية الله عز وجل لعباده فمعرفته بهم ومعرفة مالهم ومنازلهم في
الجنة
4 - وولاية العباد الله تعالى: فالقبول لما أمرهم به.
،
5 - وولاية البيضة: فالسلطان العادل فالواجب علينا ولايته. وولاية
كاتبه ووزيره وخازنه وجميع من كان تحت لوائه من المسلمين
6 - وولاية كل من رجع من الشرك إلى الإسلام ومن أهل الخلاف إلى
أهل الصواب إذا كان ورعاً في دينه
- 96 - (1/106)
صفحة 107
7 - وولاية أطفال المسلمين أما أطفال المشركين والمنافقين فالوقوف
فيهم
أما الولاية في ذاتها: فالود بالجنان والثناء باللسان، فان قيل لك بما تجب؟ فقل بالعمل الصالح. ولمن تجب؟ فقل لذي الهيئة الحسنة)، ولا تجب إلا لمن علم منه خير وهو المستحق لها، فإن قيل لك من يثاب عليها؟ فقل المتولي لمن ذكر، وقيل يثابان معاً. ومن تولى من لا تجب له الولاية فقد كفر ومن أخرها بعد وجوبها فقد كفر. وضد الولاية البراءة، وضد البراءة الولاية. فإذا وجبت الولاية لم تسقط إلا بالبراءة وإذا وجبت البراءة لم تسقط إلا بالولاية. والمسلمون إنما تجب ولايتهم بالوفاء في الدين، وولاية الأشخاص تجب بأربعة أوجه أن تقبل الأذنان ما سمعتا، والعينان كما أبصرتا، ويوافقها القلب في ذلك. وعلى الشريعة ومن لم يوال بعد هذه الوجوه كلها فقد كفر كفر
نفاق
•
ثم انتقل إلى أحكام البراءة فقال والبراءة على أربعة أوجه وقيل
ستة:
1 - براءة الكفار جملة من عرفناه ومن لم نعرفه الحي منهم والميت
الإنس والجن 2 – وبراءة أهل الوعيد وهم الذين ذكرهم الله في كتابه فأوجب لهم النار فالواجب علينا أن نبرأ منهم ونعرف انهم من أهل النار. 3 - وبراءة الأشخاص كل من رأينا منه شراً تجب علينا براءته والقصد
إليه بها.
4 - وبراءة السلطان الجائر وبراءة كاتبه ووزيره وخازنه وأما من كان
-
- 97 -
-
تحت لوائه فلا (1/107)
صفحة 108
5 – وبراءة كل من رجع من الإسلام إلى الشرك ومن أهل الصواب إلى أهل الخلاف».
وسكتت الأم فالتفت إليها نجيب وقال لقد لخصت لنا موضوع
نقاشنا في قاعدة الولاية والبراءة تلخيصاً، رائعاً يا أماه قالت الأم: عليّ أن أقول لكم اني تصرفت في الترتيب فقد نقلت إليكم ما كتبه أبو حفص بنصه ولكنني لم أتبع ترتيبه كما أنني لم أذكر لكم أسماء الأشخاص التي أوردها قال الأب: كان يحسن بك أن تذكري لنا ما قاله شراح العقيدة في
•
التفريق بين ولاية المنصوص عليه وغير المنصوص. قالت الأم: قال البدر الشماخي) في شرحه على العقيدة: «ومن ضيع ولاية من وجبت ولايته فقد كفر. فإن كان من المنصوص عليهم أو نزل فيه النص بعد التضييع فهو مشرك. وقيل فيمن ضيع من نزل فيه النص بعد التضييع أنه منافق بالتضييع. وقال في موضع آخر من شرحه الجملة (ومن تولى من لا تجب له (الولاية) أي من كان فيه معنى بريء من مرتكبه كبعض الكبائر فإن كان من المنصوص عليه في كتاب الله فتولاه فهو مشرك، ومن تولى غيره منافق وكذا حكم من أخرها (9) قال الأب: يعني أن من تبرأ من المنصوص عليهم بالخير فهو مشرك، أما من تبرأ من غيرهم ممن تجب له الولاية فهو منافق ومن أخرها عن المنصوص بعد قيام الحجة فهو مشرك ومن أخرها عن غيرهم ممن تجب له فهو منافق، ومن تولى المنصوص عليهم العذاب فقد أشرك وكذا إن أخر عنهم البراءة أما من تولى من تجب منه البراءة بغير النص أو أخرها بعدما وجبت فقد كفر كفر نفاق
قال نجيب: لقد عجبت من أمي يا أبي فقد كنت أحسب أنها تحفظ
- 98 - (1/108)
صفحة 109
عقيدة التوحيد فقط فإذا بها تحفظ شروحها أيضاً
قالت الأم: إنني لا أحفظ الشروح كلها وإنما أحفظ شروح بعض
الجمل منها كالتي ذكرت لكما
•
قال الأب: بارك الله لك في أمك يا بني وبارك لها فيك
قالت الأم: وبارك الله لي في زوجي الحبيب ولنجيب في أبيه ونهض نجيب فألقى على أبويه تحية المساء وغادر أبويه إلى حجرته
الخاصة.
(1) دلف: مشي مشيا قارب الخطو
(2) رواه الترمذي في باب النذور. وابن ماجة في باب الفتن
ورواه الدارمي.
(3) سورة المجادلة 22/ 58 (4) سورة الشورى 21/ 42
•
(5) استمر المؤلف فذكر. اسماءهم وأوصافهم كما ذكرهم الله تعالى في كتابه الكريم (علي يحي معمر. (د) الحال المرضية لمن استوفى ما افترص الله لا عليه بالعمل أو القول واجتنب ما نهاه الله عنه (علي يحي
معمر.
(7) مقدمة التوحيد: من ص 63 إلى 77
(8) هو أبو العباس أحمد الشماخي (ت 1522/ 928)، سكن يفرن وتعلم على يد أبي عفيف صالح بن نوح،
سافر إلى عدة مدن طلباً للعلم.
له عدة مؤلفات منها: أ – شرح عقيدة التوحيد.
ب - كتاب السير.
مختصر العدل والأنصاف. ج -
د - شرح كتاب مرج البحرين.
هـ - اعراب مشكل الدعائم.
() مقدمة التوحيد: ص 70. بتصرف.
- 99 - (1/109)
صفحة 110
/ (1/110)
صفحة 111
الليلة السابعة
القضاء والقدر.
- 101 -
-
- (1/111)
صفحة 112
/ (1/112)
صفحة 113
الليلة السابعة
اجتمعت الأسرة الصغيرة كما تجتمع كل ليلة، واحضرت الأم ابريق الشاي معها فقد أرادت أن لا تقوم أثناء الحديث، كما أنها لا تريد أن تكون هدفاً لنكت زوجها اللاذعة.
وسرح كل من الأبوين مع حديث نفسي بعيد عن موضوع الإجتماع وانتظر نجيب أن يعود احدهما من شروده الذي طال ونقل بصره بينهما عدة مرات حتى شعر بالسأم فقال: هل نواصل الحديث في موضوع السمر الماضي يأبي؟
وعاد الأبوان من شرودهما على صوت نجيب وقال الأب: ماذا كنت تقول يا نجيب؟ قال نجيب: أريد أن نبدأ سمرنا الممتع فماهو الموضوع الذي
سنتحدث عنه؟
قال الأب: إذا بدأنا الحديث فإن الموضوع سوف يعرض نفسه علينا دون أن نبحث عنه
قال نجيب: هل هذا معنى قولهم: (الحديث ذو شجون)
قال الأب: يقصدون بذلك ان الحديث يتشعب، في موضوع فلا
-
103 - (1/113)
صفحة 114
تلبث أن تجد نفسك في موضوع ثان دون أن تشعر بالإنتقال أو تنتبه
إليه.
قال نجيب: حقا ان الإنسان عندما يتحدث ينتقل من موضوع إلى موضوع دون أن يدري.
قالت الأم: لأن الإنسان لا يملك القوة التي يسير بها الأشياء في
•
الحياة وإنما هو فرد تجري عليه أحكام يسير بها نظام العالم كله قال نجيب: ان تعبيرك هذا فلسفي بعيد المرمى ولذلك فلم أستطع
أن أحلق إليه فهل لك أن تشرحي لي وجهة نظرك يا أماه؟ ... قالت الأم: لعل أباك هو الذي يتولى الحديث في الموضوع ريثما أجهز لكما هذا الإبريق من الشاي
قال الأب: ألا ترى ان كل إنسان يأمل أن يكسب مالاً وفيراً أو علماً غزيراً، أو جاهاً كبيراً، أو محبة عند الناس أو كل ذلك أو غير ذلك مما يطلبه الناس؟
قال نجيب: ذلك فيما يبدوا ما طبع عليه البشر
قال الأب: وهل يبلغ كل واحد من الناس هذه الآمال التي جعلها
نصب عينيه، وسعى إليها بما يملك من جهد وقوة؟ قال نجيب: إن الناس في ذلك لا يتساوون فمنهم من تتحقق له كل
الأمال
ومنهم من يتحقق له بعضها ومنهم يخفق فيها جميعاً. قال الأب: لماذا يا ترى تتحقق كل آمال بعض الناس وتخفق كل آمال بعض الناس الآخرين بينما تتفاوت درجات البعض الآخر في مقدار ما يتحقق لهم من المطالب؟ قال نجيب: ان هذا يرجع فيما أرى إلى استعداد كل واحد منهم ومقدار علمه بالطرق التي تؤدي إلى النجاح ومدى معرفته بالعمل
- 104 -
- (1/114)
صفحة 115
و مداومته وإقباله عليه
قال الأب: هل ترى أن هذه هي كل الأسباب التي تنتج عنها
الفروق السابقة.
قال نجيب: هذا ما أظنه وقد تكون أسباب أخرى لم أتفطن إليها
الآن.
قال الأب: ان بعض الناس يتخذ لنفسه غاية معينة يريد الوصول إليها ويتخذ لذلك جميع الوسائل الكفيلة بالتحقيق في نظره ولكنه في آخر اللحظات يجد عائقاً ليس في الحسبان فيرتد عن عزمه ويخفق في تحقيق غايته، فكيف تعلل اخفاقه هذا؟ إنه لم يقصر في الإستعداد ولم يقصر في المعرفة، ولم يقصر في الجد والمداومة والإقبال؟ قال نجيب: قد يكون العائق تقصيراً في احدى هذه الأشياء وقد يكون العائق شيئا فوق إرادته. قال الأب: ماذا تعني بقولك فوق إرادته؟
يتم
ذلك العمل
•
قال نجيب: إذا كان الله لا يريد أن قال الأب: هل تعتقد ان إرادة العبد معلقة على إرادة الله؟
قال نجيب: هذا أمر طبيعي فإن الإنسان لا يستطيع أن يعمل يريده الله. ولا أن يمتنع عن عمل قدره الله
عملا لا
•
قال الأب: صدقت يا بني وليس هذا الحكم على الإنسان فقط وإنما هو على جميع المخلوقات. فلو أن من في السماوات والأرض اجتمعوا على الله يريده فإن ذلك الشيء لن يكون، ولو ان أهل السماوات والأرض اجتمعوا على منع شيء أراده الله لما كان لإجتماعهم أثر.
شيء
لا
قالت الأم: وهذا معنى الإيمان بالقضاء والقدر. قال الأب: هو ذلك ولن يتم إيمان الإنسان حتى يؤمن بالقضاء
8
- 105 - (1/115)
صفحة 116
والقدر خيره وشره أنه من الله
•
قال نجيب: هل هناك فرق بين معنى القضاء ومعنى القدر، أم أنها
کلمتان تطلقان على معنى واحد؟
قال الأب: لكل منهما معنى غير المعنى الذي تطلق عليه الثانية قال نجيب: فما معنى كلمة القضاء؟
قال الأب: القضاء هو حكم الله على الخلق في الأزل. وشرحه
العلامة السالمي (1) بقوله: «إن القضاء عبارة عن وجود المكونات في اللوح اجمالاً (2)
قال نجيب: وما معنى القدر؟
قال الأب: هو تنفيذ قضاء الله على المخلوقات في ما يزال. وقد شرحه العلامة السالمي بقوله: «القدر عبارة عن وجودها في المواد تفصيلا (3)
قال نجيب: وما معنى الأزل يا أبي؟
قال الأب: الأزل كون الله موجوداً ولا شيء غيره من المخلوقات
قال نجيب: وما معنى ما يزال يا أبي؟
قال الأب: هو الزمن الذي ظهرت منه المخلوقات بإرادة الله على مسارح الكون في أوقاتها المختلفة، وظهور الأشياء في أوقاتها وأزمنتها
حكمة الله حسب
وإرادته هو
يسمى بالقدر فحكم الله بالمخلوقات جميعاً ما
من أجسام وأعراض وغيرها يسمى القضاء وتنفيذ إرادة الله بالخلق يسمى
القدر. قال نجيب:
يعني
ان الله
عز وجل قضى قبل أن يخلق شيئا من
الخلق اننا سنجتمع هذه الليلة على هذه الهيئة ونشرب كوب الشاي
ونناقش هذه المواضيع
-
106 - (1/116)
صفحة 117
قال الأب: نعم يا ولدي وهذا ما يطلق عليه القضاء وتنفيذ هذا الحكم في هذا الزمان المقدر والمكان المقدر على الهيئة المقدرة في علمه تعالى هو ما بالقدر. يسمى
وقدره
قال نجيب: وكل ما يقع في الكون يجري هذا المجرى؟ قال الأب: نعم يا ولدي فلا يقع شيء كبير ولا صغير إلا بقضائه
قال نجيب: هل تعني يا أبي أن أعمال الإنسان مقدرة قبل أن
يخلق.
قال الأب: نعم يا ولدي أن جميع جميع ما يقع في الكون قضي به قبل عملية الخلق ثم قدر في أوقاته ومناسباته حسب علم الله وارادته وأجري في أزمنته بظروفه قال نجيب: إذن فالأعمال العظيمة التي يقوم بها أبطال الانسانية في الحروب والسلام وفي الاكتشاف والاختراع، هذه الأشياء كلها كانت مقتضيا بها أن تظهر في أزمنتها التي ظهرت فيها وعلى أيدي الناس
الذين اكتشفوها
•
•
قال الأب: ذلك لا ريب فيه قال نجيب: اذن ليس لأبطال الحروب والسلام، وللمخترعين والمكتشفين وللفلاسفة والعلماء، وللعاملين من بناة الحضارات أي فضل، لأن جميع تلك الأعمال كانت ستقع بدون جهودهم.
قال الأب: ان المؤمن يا ولدي لا ينكر فضل الناس وما قدموه
من خير.
قال نجيب إذا كان العمل الذي قاموا به قد سبق في علم الله انه
107 - (1/117)
صفحة 118
سيكون فما فضلهم في اكتشافه؟ قال الأب: يكفي لفضلهم أن إرادة الباري عز وجل قد اختارتهم لتنفيذ القدر، فظهور الإكتشافات والإختراعات، والعلوم على أيديهم فضل كبير. ألا ترى ان للرسل فضلا على جميع الخلق، وهذا الفضل جاءهم من إختيار الله لهم كي ينفذوا إرادته تعالى في تبليغ رسالته إلى الخلق ولست أعني ان العلماء ومن ذكرته معهم يبلغون إلى مقام الرسل عليهم السلام فهذا معنى لا يخطر على بال مؤمن ولكنني أردت أن أضرب لك مثلا ليتضح لك المعنى الذي تسأل عنه.
قال نجيب: هذا صحيح يا أبي ولكن لا يزال في الموضوع غموض. قال الأب: ان الله خلق الإنسان وأودع فيه قوى على العمل والفهم والتفكير والكسب والإختيار ثم بين له عن طريق رسله عليهم السلام سبل الرشاد وسبل الضلال وطالبه بالعمل الصالح
قال نجيب: هذا برهان واضح يا أبي
قال الأب: إذن لم يبق للإنسان إلا أن يعمل حسبما طلب منه وهو ميسر لما خلق له فإذا قدر له أن ينجح نجح، وإذا قدر له أن يخفق
أخفق. قال نجيب: هل تضرب لي أمثلة على ذلك يا أبي؟ قال الأب: قد قرأت وسمعت عن إكتشاف الذرة في هذا العصر. قال نجيب: نعم يا أبي
•
قال الأب: ان عدداً ضخماً من العلماء كانوا يعملون جاهدين لهذا الإكتشاف وكان كل واحد منهم يحاول بكل ما أوتي من علم وإمكانيات
ان يسبق غيره إلى النتيجة تؤيده في ذلك دولة أو عدد من الدول.
قال الأب: ولكن واحداً منهم يفوز قبل الآخرين.
-
- 108 - (1/118)
صفحة 119
قال نجيب: هذا طبيعي
قال الأب: مع أن كل واحد منهم قد بذل ما يملك من جهد وله استعداده العلمي والمالي وغيره مما يتطلبه هذا البحث الهام قال نجيب: لاشك ان كل واحد استعد للموضوع بكل ما يملك من
إمكانيات.
استعداداً
•
قال الأب: ويحتمل أن يكون الذي سبق إلى الإكتشاف أقل من الآخرين بوجه من الوجوه وقد يخفق من كان يتوقع له النجاح وينجع من لم يعلق عليه الأمل في النجاح.
قال نجيب بعد تفكير: هذا محتمل
قال الأب: وقس على هذه الحالة جميع الأشياء التي تمت على أيدي
المخلوقين.
قال نجيب: حسنا.
قال الأب: لماذا يفوز ذلك الشخص دون بقية الأشخاص الذين اهتموا بالمسألة وهم كلهم أمروا بالعمل فاستعدوا وجدوا في الكفاح؟ قالت الأم: لان إرادة الله يسرته دون الآخرين للقيام بهذا العمل
•
وقدر الله أن يكون هذا الإكتشاف على يده قال الأب: وهذا معنى قوله عليه السلام (إعملوا فكل ميسر لما خلق له) (4) ان الذي يسر لإكتشاف الذرة اكتشف الذرة والذي يسر لإكتشاف البنسلين إكتشف البنسلين والذي يسر لإكتشاف أمريكا إكتشف أمريكا والذي يسر لإختراع الطائرة، اختر الطائرة وهكذا ينفذ قضاء الله وقدره على أيدي المخلوقات حسبما يسره لكل منها في جميع الجلائل والدقائق مما يحدث في الكون
-
109 -
- (1/119)
صفحة 120
قال نجيب: وهكذا ننتهي إلى أن كل شخص سوف إلى أن كل شخص سوف يصدر منه العمل الذي كان ميسرا له قالت الأم: هذا صحيح فإن الإنسان لا يستطيع أن يقوم إلا بالعمل الذي يسر له.
قال نجيب: وعلى هذا الأساس يصبح الشخص الذي قدم أعظم
الأعمال فيما يعتقده الناس لم يقدم إلا ما يسره الله له
•
قال الأب: وهل يقع في الكون إلا ما الله پريده وييسره؟ قال نجيب: فلماذا نسند الأعمال إلى الناس ونعترف لهم بالفضل؟ قال الأب: نعترف لهم بالفضل على جهودهم المبذولة وكفاحهم المتواصل وتفضيلهم السلوك في طريق الرشاد بدلاً من طريق الغي. وإختيار إرادة الله لهم ليقدموا لنا هذا الجميل
•
قال نجيب: ان الشكر الله لا الله لا لهم قال الأب: نعم ان الشكر الله فإن جميع النعم ما ظهر منها وما بطن وما عرفناه وما لم نعرفه فإنما هي منه ولكن شكر الله على آلائه (5) التي لا تحصى لا يمنعنا من شكر الناس على ما لهم من فضل وللناس فيما يقدمون من أعمال فضل وجميل يجب أن يشكروا عليه
مع
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟ قال الأب: أرأيت لو ان أحد أصدقائك أهدى اليك كتابا وأرسله خادمه أو ابنه أو أحد أصدقائك. ألا تشكر من أوصل إليك هدية
الصديق حين تتسلمها منه؟
قال نجيب: أشكره طبعاً
•
قال الأب: لماذا تشكر الخادم؟ والهدية إنما جاءتك من الصديق لا من الخادم، فهو عبارة عن آلة كلفت بالتوصيل فأوصل إليك ولو لم
لأتاك
يأتيك به هو به غيره.
- 110 - (1/120)
صفحة 121
قال نجيب: إنما أشكره على تكلفه التعب ومشقة السير إلي. قال الأب: إنه لم يتكلف التعب من أجلك ولم يكبد نفسه عناء السير لإرضائك وإنما كان ذلك قياماً بواجبه وإرضاء لمن أرسله لأنه مكلف بذلك.
قال نجيب: إذن فنحن نعترف بفضل المخترعين والمكتشفين والعلماء
وكل من أسدى جميلاً إلى البشرية على أنهم قاموا بدور الخادم. قال الأب: ما دمت قد أخترت هذا التعبير فهل ترى أشرف أو
أكرم من أن تكون خادماً لله توصل نعمته إلى خلقه؟ قال نجيب: ليس فوق هذه المرتبة مرتبة فإن أفضل الخلق من تشرف بنسبة عبوديته إلى الله واختاره الحمل رسالته ونعمه إلى خلقه. ثم التفت إلى أمه وقال: هل لك يا أماه أن تختمي لنا هذا النقاش ببعض
ما تحفظين؟ قالت الأم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعبادة بن الصامت (6) رضي الله عنه إنك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله تعالى. قال: وكيف لي يا رسول الله ان أعلم خير القدر وشره؟ قال: تعلم ان ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإن مت على غيره ذلك دخلت النار» (7)
وسئل رسول الله صل الله عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ولقائه واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله
تعالي» (8)
وروى الحافظ الحجة الربيع بن حبيب (9) عن أبي عبيدة مسلم (10) عن
جابر بن زيد (11) قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس (12)
- 111 (1/121)
صفحة 122
قال نجيب: صدق رسول الله. ثم قام فألقى تحية المساء على
أبويه وانصرف
(1) السالمي: عبد الله (1286 - 1869/ 1332 - 1914) ولد بالرستاق ببلد عمان، اتسم بحركية نادرة في النشاط العلمي، وانتهى إلى إحياء الإمامة في عمان على يد الإمام سالم بن راشد
ترك حوالي ثمانية وعشرين عنوانا منها:
1 - أنوار العقول، ومشارق أنوار العقول.
2 - حاشية على الجامع الصحيح.
3 - تلقين الصبيان يلزم الإنسان: هذا الكتاب القيم الموجه أساسا للناشئة بأسلوب يسير ومنهجية محكمة؛ ندعو الله أن يوفقنا إلى أعداده للطبع ضمن مشروع «العلوم الشرعية بأسلوب للناشئة. هذا المشروع الذي أفتتحناه بهذه الأسمار التي بين يدي القارئ الكريم.
(2) أنظر بهجة الأنوار، طبعة سلطنة عمان: ج 1 ص 134
(3) أنظر بهجة الأنوار، طبعة سلطنة عمان: 1 ص 134
ج
ميسر
(4) رواه البخاري في باب القدر وباب التوحيد، ومسلم في باب القدر وروي في جل المسانيد الأخرى. (5) الآلاء: النعم، ومنه (فبأي آلاء ربكما تكذبان. (6) عبادة بن الصامت: صحابي جليل من الأنصار، نزلت فيه آية ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون. اشتغل في عهد خلافة عمر رضي الله عنه معلما ومفقها للناس في دينهم، ولم يقبل أي منصب من مناصب الحكم، وسافر بعدها إلى الشام إلى فلسطين وصفه أحد الأدباء بأنه كالماء حيثما نزل، يقع على الأرض القحط
فيذرها جنة خضراء».
وقد رأى – وهو في فلسطين - اعوجاج سيرة معاوية قناصبه العداء وقال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نخاف في الله لومة لائم». ومن عظمته رضي الله عنه أنه شارك في جميع غزوات الرسول مع وفي فتوح الشام، وشارك في جمع
القرآن.
توفي رضي الله عنه بالرملة أو بيت المقدس سنة 34 هـ في سنه الثانية والسبعين. (7) رواه أبو داود في باب السنة، وأحمد بن حنبل، وغيرهما من أهل السنن.
(8) رواه الشيخان في باب الإيمان، وغيرهما من أهل السنن.
(9) الربيع بن حبيب: ابن عمرو الأزدي الفراهيدي البصري (75 - 170/-786/ 694)، ولد بقرية (بودام) في عمان، رحل إلى البصرة وأخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد، وتتلمذ خاصة على يد أبي عبيدة مسلم ومجموعة من مشايخ الاباضية بالبصرة؛ وقد تولى إمامة الاباضية بعد وفاه أبي عبيدة. وهو صاحب عمدة الاباضية في الحديث الجامع الصحيح». (10) أبو عبيدة: مسلم بن أبي كريمة (767/ 145)، تميمي بالولاء أخذ العلم عن جابر بن زيد وجعفر السماك وصحار العبدي، وترأس الاباضية بعد موت الإمام جابر، وبإشارته أسس تلامذته – حملة العلم – في المغرب وحضر موت دولا مستقلة. ويحسن بنا أن نسميه الاستاذ الناشر، لاعداده حملة العلم ولنشره المذهب الاباضي مشرقا ومغرباً.
-
- 112 -
- (1/122)
صفحة 123
للتوسع أنظر بحث المذهب الاباضي: نشأته وآراؤه السياسية والعقدية، لـ محمد موسى بابا عمي (11) جابر بن زيد (710/ 93 - (711): أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الجوفي البصري العماني. أصله (فرق) وهي قرية صغيرة بأعمال (نزوة) بعمان
بغير.
-
ولد لسنتين خلون من خلافة عمر بن الخطاب أي سنة (641/ 21 - (642).
رحل في طلب العلم وصاحب بحر الأمة ابن عباس رضي الله عنه، وأخذ عنه وعن 70 بدريا. يعتبر بحق أصل المذهب الاباضي واسه، أول من جمع الحديث في ديوان مفقود، ذكرت المصادر أنه وقر
(12) رواه الربيع بن حبيب في باب القدر والحذر والتطير.
- 113 (1/123)
صفحة 124
/ (1/124)
صفحة 125
الليلة الثامنة
المنكر لحكم من أحكام الإسلام.
المستحل لما حرم الله
- المقارف للمعصية
- التفاوت في المعاصي.
•
- 115 - (1/125)
صفحة 126
/ (1/126)
صفحة 127
الليلة الثامنة
اجتمعت الأسرة كما اعتادت بعد صلاة العشاء واحضرت الأم معها الشاي جاهزاً فما جلسوا حتى أفرغت لكل واحد منهم كوباً وبدأ نجيب السمر هذه الليلة فقال: لقد بينت لنا يا أبي الحكم فين أنكر شيئا مقطوعاً به من الدين وفيمن استحل محرماً وفيمن ارتكب المعصية انتهاكا
قال الأب: وهل تذكر أحكام هؤلاء جميعاً؟
قال نجيب: نعم! إني اذكرها فإن المنكر والمستحل يحكم عليهما بأنها مشركان أما الذي يرتكب المعصية سواء كانت عملا أم تركا وهو يقر بأن عمله ذلك حرام فيحكم عليه بالنفاق أو الفسوق أو كفر النعمة كما سبق أن بينت لي معنى هذه الكلمات الثلاثة
قال الأب: أحسنت يا بني فإن المنكر لشيء مقطوع به راد على الله وهذا فيما يتعلق بالدين أو فيا أثبته القرآن الكريم أما فيما يتعلق بأمور الدنيا فليس في ذلك محذور.
قال نجيب: اريد مزيد ايضاح لهذا الإستدراك يا أبي.
قال الأب: حسنا، ألا ترى أن باريس مدينة موجودة مقطوع
بوجودها.
- 117 -
- (1/127)
صفحة 128
لا يشك في ذلك أحد
قال نجيب: نعم قال الأب: فإذا وجدت شخصا ينكر وجود ذلك فيم تحكم عليه؟
قال نجيب: لا أدري.
قال الأب: أحسنت في هذا الجواب فإن المؤمن يجب أن يكون وقافا فيما لا يدري .. ألا ترى أن مكة مدينة موجودة أيضاً؟
قال نجيب: نعم لا يشك في ذلك أحد.
قال الأب: فلو وجدت شخصاً ينكر وجود مكة كما ينكر وجود باريس فماذا تحكم عليه؟
وجدت
شخصاً
توقف نجيب قليلاً وفكر ملياً ثم قال: الحقيقة أني لم أعرف
الجواب.
الله
قال الأب: أحسنت يا ولدي أيضاً، ان من ينكر وجود باريس أو أي شيء من الأشياء التي يتحقق الناس وجودها لا يكون بذلك مرتكباً لشيء حرام ولا يترتب عليه شيء، أما الذي ينكر مكة أو أي شيء. ذكره القرآن الكريم وأثبت وجوده فإنه يكون مرتكباً خصلة من خصال الشرك إذ يكون موقفه ذلك تكذيباً بما جاء به القرآن وتكذيب كتاب الله شرك. وكالمنكر لشيء مقطوع به من طريق الشرع المستحل لما الله من عمل أو ترك لأن استحلاله تكذيب وجل وانزال الشرع لم يأذن به الله كما سبق ان تحدثنا عليه في سمر سابق. أما الذي يرتكب المعصية وهو مقر بأن عمله ذلك حرام فهو كافر كفر نعمة وان كانت المعاصي تتفاوت في فظاعتها وقبحها ولذلك فقد اختلفت أحكام الله عليها في الدنيا أما في الآخرة فإن الحكم على جميع من مات على معصية لم يتب منها فهو الخلود في دار العذاب. قال نجيب: كيف تتفاوت المعاصي في فظاعتها يا أبي؟
حرم
عز
- 118 - (1/128)
صفحة 129
قال الأب: تتفاوت المعصية في فظاعتها من جهتين: الجهة الأولى في ارتكاب المعصية والجهة الثانية في نوع المعصية.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟ كيف تتفاوت المعصية في
ارتكابها؟
يرجى
له
قال الأب: من الناس من يلم بالمعصية لغلبة النفس أو الشيطان، شيطان الجن أو شيطان الإنس، ولكنه سرعان ما يأسف على ما أقدم عليه ويندم على ما ارتكبه في جنب الله ويتوب إلى ربه ويستغفره ويعزم على عدم العودة إلى الذنب. ومن كان على هذه الحال الخير، ولا يبرأ منه بعد التوبة لأن التوبة تمحو الذنوب. قالت الأم: وقد جاء في القول المأثور: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وقال عز وجل في كتابه الكريم: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة، ثم يتوبون من قريب، فأولئك الله يتوب عليهم وكان الله عليماً حكيما، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى اذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن، ولا الذين يموتون وهم كفار، أولئك اعتدنا لهم عذاباً
اليا (1) قال الأب: صدقت فيما استشهدت به من القرآن ومن القول المأثور فإن فظاعة الذنب في الإصرار.
قال نجيب: وما معنى الإصرار يا أبي؟
قال الأب: أما معناه في اللغة فهو الإقامة على الشيء والثبات فيه وأكثر ما يستعمل في الشرور والآثام. أما في الشرع فهو الإقامة على الذنب، ومعاودة ارتكاب المعصية والإعراض عن التوبة، وعدم الإنابة إلى الله تعالى وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: والذين إذا فعلوا
- 119 - (1/129)
صفحة 130
فاحشة، أو ظلموا أنفسهم، ذكروا الله، فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (2). وقال في التنديد بالكفار: وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكباراً) (3). وقال: ويل لكل أفاك أثيم، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره
بعذاب أليم (4) وقال: وانهم كانوا قبل ذلك مترفين. وكانوا يصرون على الحنث العظيم (5).
قال نجيب: ان حالة المصرين تكاد تكون من أحوال المشركين قال الأب: ان الفرق بينهما ان العاصي المصر مقر بالشهادة معترف بأحكام الله. ولكن الإقرار باللسان مع المعصية بالجوارح هو كفر بالنعمة ومرتكبه من أصحاب النار وان لم يحكم عليه بالشرك.
قال نجيب: هل يبرأ من مرتكب الكبيرة يا أبي؟
قال الأب: ان الناس في ذلك مختلفون يا ولدي
•
قال الأب: ان الرجل الذي يعرف عنه حسن الحال وتقوى الله إذا ارتكب كبيرة يدعى إلى التوبة أولا، فإن استجاب للتوبة وندم على ما
فعل واستغفر ربه وأناب، بقي في الولاية ولا تجوز البراءة منه
قال نجيب: قلت يا أبي ان المعاصي تتفاوت في فظاعتها فكيف
ذلك؟
ركناً
قال الأب: ان المعاصي مختلفة في فظاعتها وفحشها. فمنها ما يهدم من أركان الدين، ومنها ما يضر بالأمة المسلمة، ومنها ما يضر
بالدولة، ومنها ما يضر بالمجتمع، ومنها ما يعود ضررها على مرتكبها
- 120 - (1/130)
صفحة 131
فقط. وقد توعد الله مرتكب جميع أنواع المعاصي بالعذاب الأليم في الآخرة. أما عقوبته في الدنيا فقد جعلها تتناسب
وفحشها
•
مع فظاعة المعصية
قال نجيب: هل تذكر لي أمثلة لذلك يا أبي؟ قال الأب: يسافر مسلم إلى بلد غير إسلامية فيدخل مطعماً ويقدم
له طعام يشمل على أنواع من اللحم غير المذكى أو على لحم خنزير
فيلتهمه في نهم وهو يعرف أنه حرام ويقر بذلك
قال نجيب: ما الحكم على هذا الرجل يا أبي؟
قال الأب: الحكم على هذا الرجل واضح لا يحتاج إلى سؤال فقد
ارتكب كبيرة لأكله الحرام فهو بذلك عاصي يستحق البراءة إلا ان
معصيته من النوع الذي لا يضر إلا صاحبه
•
قال نجيب: ألا يعتبر هذا الرجل مضطراً؟
قال الأب: وما وجه الضرورة والبلد مشحون بالطيبات؟ قالت الأم: أنه يستطيع أن يتأكد من الذكاة أو أن يشتري لنفسه ما يطمئن إلى أنه حلال وفي إمكانه أن يستغني عن اللحوم في المدة التي يقضيها في بلاد الشرك والوثنية.
قال الأب: ويفتتح إنسان متجراً لبيع المواد الغذائية أو غيرها من المواد الضرورية التي يحتاجها الناس كل يوم فيتعامل مع الناس بالربا أو يحتكر الأقوات الضرورية لأوقات الغلاء وذلك بأن يشتريها جملة من السوق ثم يبيعها بالتفصيل عندما تفقد وبذلك يستغل ضعف الفقراء ليزيد إلى ثروته التي كونها بالحرام مزيداً من الثروة
قال نجيب: هذا سلوك دنيء وخلق ذميم
قال الأب: هل حرم
الله غير السلوك الدنيء والخلق الذميم؟ أليس
9
- 121 (1/131)
صفحة 132
هذا ضارا بالمجتمع؟
قال نجيب: ان هذا يضر بالمجتمع ضرراً بالغاً.
قال الأب: ويتسلح آخر فيقطع الطريق، ويهجم على أبناء وطنه
يقتل ويحبس ويصادر الأموال ليصل إلى الحكم وليستولي على الأموال
قال نجيب: هذا مضر بأمن الأمة والدولة
جميع
حرمه
•
الله فيه مضرة أما بالفرد أو بالمجتمع أو
قال الأب: ان ما بالدولة. وما ذكرت لك إلا أمثلة فقط لأنواع من المعصية تتفاوت في فحشها وفظاعتها وقد شدد الله أنواع العقوبة على أنواع المعاصي حسب فحشها وفظاعتها واكتفى في بعض المعاصي بالعذاب في الآخرة دون
النكال (6) في الدنيا قال نجيب: هل تذكر لي يا أبي أمثلة من أنواع العقوبة على المعاصي في الدنيا؟ قال الأب: قطع الطريق جريمة تقلق الأمة، وتهدد الأمن، وتسد
سبل الرزق في أوجه الناس
يحاربون
•
قال نجيب: هذا قال الأب: قال الله تعالى في كتابه الكريم: إنما جزاء الذين الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب
صحيح فما عقوبتها الدنيوية في حكم الإسلام؟
عظيم (7) قالت الأم: قال الأستاذ سيد قطب في تفسير هذه الآية ما يأتي: «ولأمر ما قال النص: الذين يحاربون الله ورسوله) والخارجون بالقوة المسلحة على نظام الجماعة، لا يحاربون الله على ظاهر النص،
- 122 (1/132)
صفحة 133
بشخصه
لأن الله لا يحاربه العباد بالسيف، وقدلا يحاربون رسول الله - - فقد يكونون من المسلمين الخارجين على النظام في غير عهد رسول الله ... إنما أراد بحرب الله ورسوله. حرب شريعة الله وشعائره
له
وحرماته؛ وتهديد الجماعة الإسلامية التي كفلت لها الشريعة الإسلامية حرماتها جميعاً إلا بحقها، وإنما أراد بهذا النص ان السلطان الذي يحق أن يعاقب الخارجين بعقوبة الله، هو السلطان الذي يقوم على شريعة الله ورسوله، وينفذ شريعة الله ورسوله؛ فأما الذين يخرجون على نظام غير نظام الله ورسوله فليس لأحد أن يأخذهم باسم هذه الشريعة، ولا أن يعاقبهم بعقوبات هذه الشريعة. نقرر هذا بوضوح لأن بعض أذناب السلطة في كل زمان، كانوا يفتون الحكام لا يستمدون وجودهم من شريعة الله ولا يقومون على تنفيذ هذه الشريعة، يفتون لهم بأن يأخذوا الخارجين عليهم بتلك العقوبات باسم شريعة الله. وهؤلاء الخارجون لم يكونوا يحاربون الله ورسوله لأنهم إنما كانوا يحاربون سلطة خارجة على شريعة الله ورسوله .. أنه ليس لسلطة لا تقوم على شريعة الله ان تأخذ الخارجين عليها بإسم شريعة الله - لهذا كان النص: الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا. يسعون في الأرض فساداً بمحاربتهم الله ورسوله، وبانتهاكهم بالقوة حرمات الله ورسوله، وباعتدائهم المسلح على أمن الجماعة القائمة بشريعة الله ورسوله» (8)
قال نجيب: لقد قرأت الآية من قبل ولكن لم يتضح لي هذا المعنى اما الآن وقد سمعت ما نقلته يا أماه فقد أتضح لي المعنى وفهمت لماذا نصت الآية الكريمة ان جريمة المحاربين الموجهة إلى الله ورسوله إنما هي موجهة إلى شريعته وان الذين لا يعملون بهذه الشريعة ولا يتبعون
- 123 - (1/133)
صفحة 134
أحكامها في أنفسهم لا يحق لهم أن يطبقوا عقوبتها على غيرهم. قالت الأم: انك سوف تقرأ لأعلام الإسلام من القدماء والمعاصرين
وستزداد فهماً وعلماً.
•
قال الأب: لقد أحسنت أمك يا نجيب فيما قالته لك فهل لك أن
تعود إلى الموضوع.
قال نجيب: انني في شوق إلى ذلك. قال الأب: الزنا جريمة تلوث اعراض الناس وتخلط بين أنسابهم وتشيع الفاحشة في الأمة فحكم الله على مرتكبها بالرجم إذا كان محصناً وبالجلد إذا كان بكراً وهذه العقوبة الفظيعة تناسب فظاعة هذه الجريمة
وفحشها
•
قال نجيب: ما معنى الرجم يا أبي؟
قال الأب: يؤخذ الزاني إذا كان محصناً فتحفر له حفرة ويدفن إلى السرة (9) ان كان رجلاً وإلى الإبطين (10) ان كان امرأة ثم يرمى بالحجر والتراب والعظام وغيرها مما تقع عليه اليد حتى يموت.
قال نجيب: وما معنى المحصن يا أبي؟
قال الأب: المحصن هو الذي سبق ان تزوج زواجاً شرعياً سواء بقي على زواجة حين ارتكابه الزنا أو صار بدون زوج
•
قال نجيب: ولماذا خفف الله عن الزاني إذا كان بكرا وشدد عليه حين يكون محصناً قالت الأم: لقد تحدث على ذلك الأستاذ سيد قطب فقال: «فتري أن عقوبة البكر هي الجلد، وعقوبة المحصن هي الرجم، ذلك أن الذي سبق له الوطء في نكاح صحيح - وهو مسلم حر بالغ – قد عرف الطريق الصحيح النظيف وجربه، فعدوله عنه إلى الزنا يشي بفساد
- 124 ·
-
- (1/134)
صفحة 135
فطرته وانحرافها، فهو جدير بتشديد العقوبة، بخلاف الغفل (11)
الغر (12)، الذي قد يندفع تحت ضغط الميل وهو عزيرا قال نجيب: تعليل معقول جداً.
(13)
قال الأب: أما الذي يعمد إلى إنسان آمن فيقتله فقد حكم الله عليه بالقتل يقول الله تعالى في كتاب الكريم يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى: الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء اليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم، ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب
•
لعلكم تتقون) (14) قالت الأم: إنه العدل المطلق يا ولدي فمن أزهق روحاً بشرية يجب أن تزهق روحه إلا أن يعفو أولياء المقتول.
قال الأب: أما شرب الخمر فجريمة تؤثر على العقل، أكرم ما خلق
الله في الإنسان ولذلك جعل الله عقوبة شارب الخمر أن يجلد. قالت الأم: ان شارب الخمر أراد أن يفر عن واقع الحياة بشعوره
وإحساسه فجعل الله عقوبته أن يجلد حتى يحس الألم ويشعر به. قال الأب: أما الربا فجريمة تضر بالمجتمع وتكون من الناس طبقات تستعبد بعضهم بعضاً و يثري فيها ناس على حساب الآخرين فأعلن الله الحرب على المرابين (15) ولم يعين له عقوبة محددة وإنما ترك ذلك لنفسه والذي ينزل عليهم ما يشاء من عقوبة في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب
عظيم.
قالت الأم: قال الله تعالى في كتابه الكريم: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين، فان
-
- 125
- (1/135)
صفحة 136
لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله، وان تبتم فلكم
•
رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (16) قال الأب: وهكذا ترى أن العقوبة التي جعلها الله على الكبائر التي حرمها تتناسب مع فحشها وفظاعتها.
قال نجيب: وحكم البراءة ينطبق على جميع من ارتكب كبيرة من الكبائر سواء كانت عليه عقوبة في الدنيا أو لم تكن قال الأب: ان حكم البراءة إنما جعل من أجل المعصية لأن من جاهر الله تعالى بالمعصية فقد عاداه وما كان لمؤمن أن يتخذ من أعداء الله ولياً، فإن كل من ارتكب المعصية في غضب الله إلى أن يتوب قال نجيب: وهل باب التوبة يبقى مفتوحاً حتى لأولئك المجرمين الذي أوقع عليهم أشد أنواع العقاب؟
قال الأب: ان باب التوبة يبقى مفتوحاً للجميع إذا تمت بشروطها ورحمة الله تبارك وتعالى تقتضي أن لا يغلق بابه دون من يلجأ اليه ويسلم اليه وجهه. قال نجيب: هل تذكر لي شروط التوبة يا أبي.
قال الأب: ان سمرنا الليلة قد طال وحسبنا ما أفضنا فيه من حديث واذكر الآيات الكريمة التي تلتها علينا أمك وتأمل معانيها فإنك سوف تستروح (17) منها ما يقوي الإيمان في قلبك والإطمئنان إلى نفسك. فقام نجيب والقى على أبويه تحية المساء وانصرف إلى حجرة
النوم.
•
(1) سورة النساء 17/ 4 (2) سورة آل عمران 135/ 3.
- 126 - (1/136)
صفحة 137
•
(3) سورة نوح 7/ 71
(4) سورة الجاثية 7/ 45
(5) سورة الواقعة 45/ 56
(6) النكال: العقاب والصنيع الذي يكون عبرة للغير. ومنه: إن لدينا أنكالا وجحيما).
(7) سورة المائدة 33/ 5
(8) في ظلال القرآن 878/ 2
•
(9) السرة: التجويف الصغير المعهود في البطن.
(10) الأبط: باطن المنكب.
(11) الغفل:: جمع أغفال
وهو
الذي لا
يرجى خيره ولا يخشى شره.
(12) الغر: الشاب لا خبرة له.
(13) في ظلال القرآن 2478/ 4
(14) سورة البقرة 178/ 2
(15) المرابين: جمع مراب وهو الذي يتعامل بالربا.
(16) سورة البقرة 278/ 2
•
(17) تستروح: تعرف وتجد الريح والراحة.
- 127 - (1/137)
صفحة 138
/ (1/138)
صفحة 139
الليلة التاسعة
حكم المستحل بتأويل الخطأ.
- حكم الناسي
- حكم الجاهل
- الإبتلاء ومقارفة المعصية.
- 129
-
- (1/139)
صفحة 140
/ (1/140)
صفحة 141
الليلة التاسعة
توافد أفراد الأسرة إلى حجرة الإجتماع بعد صلاة العشاء متتابعين
وكانت الأم آخر الأسر حضوراً وبين يديها ابريق الشاي.
•
قالت الأم: ما رأيكما في الشاي على الطريقة الليبية؟.
قال الأب: قد يسبب لك تعبا أكثر ونحن نطلب راحتك وقال نجيب: قد يشغلك عن مشاركتنا بآرائك القيمة وأنا في أشد الحاجة إلى كل توجيهاتك الرشيدة
قالت الأم: أما من جهة التعب فتعبي من أجلكما راحة وأما من
•
حيث الحديث فإنه يلذ لي أن أسمعكما وإذا خطر لي رأي فإنني أقوله التفت نجيب إلى أبيه وقال: في أسمارنا الماضية ذكرت الناسي وأنت تتحدث عن المنكر والمستحل والمحرّم فهل للناسي حكم خاص به يا أبي؟ قال الأب: هل اتضح لك الحكم على المنكر والمستحل والمحرم ومعنى ما تدل عليه هذه الكلمات يا بني؟
قال نجيب: ان المنكر حسبما فهمت هو الذي ينكر خبراً أو حكما
حرم
مقطوعا به عن طريق الشرع والمستحل هو الذي يحلل ما الله أو ما حلل الله دون استناد إلى دليل شرعي والحكم على هذين النوعين
يحرم
- 131
— (1/141)
صفحة 142
هو الشرك فإن كلا منهما مكذب الله راد لشرعه أما المحرم فهو الذي يرتكب المعصية وهو يقر أن عمله ذلك حرام وهذا النوع النوع عليه بكفر النعمة أو النفاق كما سبق أن عرفت.
قال الأب: أحسنت. بقي لي أن أقول لك أن كلمة المستحل قد تطلق على الشخص الذي يفعل الذنب وهو يعتقد أنه غير ذنب لشبهة تمسك بها أو لتقليده من تمسك بالشبهة
•
قالت الأم: يعني ان من يستحل ما حرم الله من عمل أو ترك لا يخلو اما أن يفعل ذلك مكابرة وعناداً واما أن يفعل ذلك استناداً على فهم خاطئ لحجة من حجج الشرع.
قال الأب: لقد أحسنت التلخيص أيتها الزوجة المسلمة
قال نجيب: أمي تحسن الفهم والتعبير دائما يا أبي وقد فهمت الفرق
•
بين النوعين فما الحكم عليها قال الأب: أما النوع الأول فيحكم عليه بالشرك كما سبق أما النوع الثاني فيحكم عليه بالنفاق. ولكنه يشدد عليه في توبته فيطلب منه نه أن يذكر جميع الآثام التي ارتكبها مستحلا لها عندما يتوب ولا يجزيه أن يتوب توبة إجمالية من ذنوبه وذلك لأنه ارتكب الذنب وأخطأ في الفهم والتأويل وحكم بالخطأ على مخالفه وهو مصيب
قال نجيب: ان هذا واضح جداً يا أبي.
قالت الأم: وهي تمد إلى كل واحد منهما كوباً صغيراً من الشاي،
بقي أن تتحدثا في النسيان
•
قال الأب: لقد شدد العلماء في الناسي تشديداً كبيراً.
قال نجيب: لقد كنت اعتقد أن النسيان من طبائع البشر، وأنه لا
يوجد شخص لا ينسى، فهل يكون النسيان معصية؟
-
- 132 - (1/142)
صفحة 143
قال الأب: ان ما رأيته صحيح إلى حد ما يا ولدي فإن النسيان
من طبع البشر غير أن النسيان قد يترتب على الإهمال وعدم العناية قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب: ألم تحفظ محفوظات في سنوات دراستك الأولى. قال نجيب: لقد حفظت في كل سنة جميع المحفوظات المقررة في المنهج الدراسي. قال الأب: هل بقيت في ذاكرتك جميع المحفوظات التي حفظتها في السنوات الدراسية المختلفة ولم تنس منها شيئا.
قال نجيب: بل ان كثيرا من المحفوظات التي حفظتها في السنوات الأولى من دراستي قد نسيتها أو نسيت بعضها
بها.
قال الأب: هل تعرف لماذا نسيت تلك المحفوظات؟ قال نجيب بعد تفكير وتأمل: ربما لأنني لم أراجعها بعد ذلك قال الأب: ألا ترى ان مراجعتك لها عدم
قال نجيب: قد يكون ذلك بسبب الإهمال
•
يعني الإهمال لها والتهاون
قال الأب: فهذا نسيان بسبب التهاون والإهمال
قال نجيب في خوف واشفاق: فهل يعتبر
ذلك
•
مني
معصية؟
قال الأب: هذا يرجع إلى نوع العلم أو العمل الذي وقع عليه
النسيان
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي
قال الأب: انك تحفظ اجزاء من القرآن الكريم.
قال نجيب: نعم اني احفظ ثمانية أجزاء من القرآن الكريم واحفظ
مختلفة عدداً من الآيات الكريمة من سور
•
- 133 -
- (1/143)
صفحة 144
قال الأب: ان القرآن الكريم كتاب الله الذي يجب على المسلم أن يدرسه وان يتقرب إلى الله تعالى بتلاوته وان يتفهم معانيه ويتدبر مغازيه مستعيناً بكتب التفسير واللغة
قال نجيب: هذا صحيح يا أبي.
قال الأب: هب ان شخصاً بعد أن حفظ ما تيسر من كتاب الله أهمله فلم يدرسه ولم يعتد تلاوته، ولم يتفكر في معانيه والأحكام المستقاة منه حتى مر عليه وقت طويل، فلما أراد أن يرجع اليه وجد نفسه قد نسيه أو نسي بعضه. ألا يكون هذا النسيان تهاوناً بكتاب الله واعراضاً عنه وإهمالاً له؟
قال نجيب: إنه كذلك
قال الأب: أترى ان التهاون بكتاب الله والاعراض عنه ونسيانه شيء يسير من طبع البشر.
قال نجيب: معاذ الله أن أرى ذلك ان هذا اثم عظيم.
قالت الأم: قال رسول الله (نظرت في ذنوب أمتي فلم أر
ذنبا أعظم من ناسي (القرآن) (1)
•
قال نجيب: صدق رسول الله الله
قال الأب: ان العلماء وهم يتكلمون عن النسيان يشيرون إلى الإهمال والإعراض والتهاون حتى يصبح الشيء الذي عرفه الشخص معرفة كاملة أو حفظه حفظاً صحيحاً تاماً كأنه لم يعرفه ولم يحفظه ولإيضاح هذا المعنى سموه بالرجوع عن العلم فقالوا الناسي راجع عن
علمه.
قال نجيب: كنت أعتقد ان النسيان أمر بسيط لا يؤاخذ الله
- 134 -
عليه (1/144)
صفحة 145
قال الأب: هناك فرق بين نسيان يترتب عن اهمال وإعراض حتى
يصبح في درجة الجهل، ونسيان عارض يذهل فيه الإنسان عن شيء حتى يذكره أحد فيتذكر. قالت الأم: مثل ما وقع لرسول الله لا فقد صلى بإصحابه في
صلاة رباعية ركعتين فذكره ذو اليدين (2) فأتم بهم ركعتين. قال الأب: هذا النوع من النسيان الذي يأتي عن ذهل لا يخلو منه إنسان وفيه قال الله. «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه» (3)
قال نجيب: أنه فارق دقيق ولكنه حق.
قال الأب: وهل تجد في أحكام الإسلام باطلاً؟
قال نجيب: معاذ الله يا أبي ان الدين الذي يختاره العليم الحكيم ليكون دين البشر جميعا ويختم به جميع الأديان لا يكون به باطل ولا نقصان فإن الباطل والنقصان لا يلحقان إلا أعمال المخلوق
قالت الأم: ان تفسير النسيان والإهمال والإعراض هو ما يفهم من كثير من آيات القرآن الكريم.
قال نجيب: هل تذكرين لي أمثلة على ذلك يا أماه.
قالت الأم: قال تعالى: والذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا، فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء
وما كانوا بآياتنا يجحدون) (4)
هذا يومهم
المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم، نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون) (5) ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم
- 135 - (1/145)
صفحة 146
الفاسقون (6). قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك
أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (7). فإن النسيان في هذه
الآيات وأمثالها يدل على الإهمال والإعراض لا على الذهول والغفلة
قال نجيب: لا سيما قوله تعالى: فنسيهم - وكذلك اليوم تنسى فإنه لا يمكن تفسيره إلا بإهماله تعالى لهم وعدم نظره تعالى إليهم برحمته لأنهم أعرضوا عنه، واهملوا آياته فلم يعملوا بها وكذبوا بلقائه فجازاهم عن إعراضهم عن دينه بالإعراض عنهم والإستهانة بدعائهم وهم في النار كالحون
قال الأب: أصبت يا ولدي وعلى هذا فالنسيان الذي جاء فيه الوعيد يكون في نسيان القرآن الكريم لأننا متعبدون بتلاوته وحفظه والعمل بما جاء فيه، وفي نسيان العلم الواجب بالإهمال الذي يؤدي إلى الجهل وهذا ما يعبر عنه بالرجوع عن العلم وفي نسيان العمل ياهمال ما
يجب وعدم القيام به قال نجيب: لم أكن أعتقد أن النسيان تترتب عليه كل هذه الأحكام ويصل بالإنسان إلى هذه النتائج الخطيرة. قال الأب: لقد وضحت لك ان كلمة النسيان تشتمل على معنيين: احدهما الذهول والغفلة وقد وردت كلمة النسيان بهذا المعنى في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: فلما بلغا مجمع بينها نسيا حوتها (8)
واذكر ربك إذا نسيت (9) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (10) ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (11).
-
- 136 - (1/146)
صفحة 147
في آيات كثيرة بهذا المعنى والنسيان بهذا المعنى لا إثم فيه ولا مؤاخذة عليه لأنه النسيان الذي نقول عنه إنه من طبع البشر والذي لا يخلو منه إنسان وهو لم ينتج عن الإهمال والأعراض والاستهانة
قال نجيب: ان هذا واضح يا أبي ولكن هل كل النسيان الذي يترتب عن الإهمال يكون معصية؟
قال الأب: ان الإهمال يا بني صفة مذمومة ولكنه لا يبلغ أن يكون معصية إلا عندما يكون نسيان علم أو عمل واجب وأعتقد أن هذا واضح من أحاديثنا السابقة
•
قالت الأم: لقد شدد أصحابنا في الناسي لقوة الوعيد فيه وحكموا بشرك من نسي نبياً أو ملكاً أو رسولاً أو مفروضة منصوصة أو قضية من كتاب الله مخصوصة وكل ما لا يسع جهله، وشددوا فيمن نسي وليا أو تباعة من الأموال والأنفس ولم يعذروه، وقالوا هو راجع عن علمه، وقالوا ان النسيان إما ان يكون ذهلا أو جهلاً. أما الذهل فلا بأس به وأما الجهل فهو إلى الجحود أقرب. قال نجيب: تقصدين بالجهل النسيان الذي يترتب عن الإهمال حتى أصبح صاحبه لا يعرف ما نسيه قالت الأم: نعم فإن نسيان الإنسان لشيء حتى أصبح كأنه لم يعرفه جهل عظيم بعد علم وهذا هو المحذور.
قال نجيب: لقد فهمت الحكم على النسيان الذي يعود إلى الجهل فما الحكم على الجهل. قال الأب: الجهل صفة مذمومة يجب على المسلم أن يتخلص منها
وقد شدد العلماء في الجاهل كما شددوا في الناسي.
10
- 137 (1/147)
صفحة 148
قال نجب: وكيف ذلك يا أبي؟
قال الأب: يقول العلماء ان جميع ما يتعلق بالدين ينقسم إلى
قسمين:
القسم الأول: مالا يسع جهله طرفة عين القسم الثاني: ما يسع جهله
ثم يقسمون القسم الثاني إلى قسمين
الأول: مضيق في معرفته
الثاني: موسع في معرفته
•
قال نجيب: هذا فيما يبدو بحث شيق جديد
•
قال الأب: إنه ليس جديداً بما تعنيه هذه الكلمة فقد سبق فيه نقاش ولكننا نتناوله من زاوية أخرى.
قال نجيب: حسنا يا أبي فماهي الأشياء التي لا يسع جهلها طرفة
عين (12)؟
قال الأب: يعني ان الإنسان في أول لحظة من لحظات البلوغ يجب عليه ان يؤمن بالله ولا يجوز له أن يتأخر عن الإيمان حتى بمقدار ما
تطرف عين (12)
قال نجيب: هل هذا فقط ما يجب معرفته والإيمان به مما لا
يسع
جهله طرفة عين
قال الأب: لا
يسع جهل الجملة التي يدعو إليها رسول الله متى
قامت بذلك الحجة
قالت الأم: يقول فيلسوف الإسلام العلامة أبو طاهر الجيطالي: أعلم أن العلم المفترض تعلمه على ثلاثة أوجه:
وجه لا يسع الناس جهله طرفة عين، ووجه يسع جهله إلى
- 138 - (1/148)
صفحة 149
الورود
، ووجه يسع جهله أبداً.
فالوجه الأول في معرفة ما لا يسع جهله طرفة عين وذلك ما
قدمناه
من
من معرفة الله عز وجل ونفي الأشباه والأمثال
وأما ما يسع جهله إلى الورود فهي على وجهين: أحدهما ما لا
يصف الله
يسع
جهله وترك علمه إذا ورد وذلك كمعرفة الله إنه بصير عليم سميع في أمثاله الأسماء والصفات إذا ورد عليه شيء من صفات الله تعالى أو سئل عنها أو خطرت على باله من غير أن يوردها عليه أحد فلا يسعه إلا أن بصفته وينفي عنه صفات خلقه، وهذا إذا فهم ذلك بلغته أو قامت عليه الحجة أن هذا إسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته فعليه أن يعلم الحق في ذلك ويصف الله بصفاته وإن لم يفعل فقد نقض جملة التوحيد التي أقر بها أولاً.
والوجه الآخر: يسع جهله حتى تقوم عليه الحجة، وذلك كمعرفة نبيء من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو حرف من كتاب الله تعالى فإذا قامت عليه الحجة بشيء فشك فيه أو أنكره فقد نقض الجملة التي أقر بها أولاً، واشرك بالله تعالى، وعلى السامع أن يبرأ منه إذا قصد إلى ذلك
فأنكره.
والوجه الثاني من علوم الدين يسع جهله حتى يأتي وقته وذلك كالفرائض الموسمات (13) الأوقات. من الصلاة والصوم والزكاة والحج وسائرها من جميع الفرائض البدنية والمالية، يسع جهل جميع ما ذكرناه
ما لم يبتل العبد بالعمل فحينئذ يلزم العمل بها وامتثالها والله أعلم. والوجه الثاني يسع جهله أبداً مثل قسمة المواريث، وتصريف القصاص في وجوهه وتحريم الربا في معانيه وتحريم الميتة والدم والخنزير وأشباه ذلك من جميع المحرمات وذوات المحارم من النساء من جهة
- 139 - (1/149)
صفحة 150
يسع
النسب والرضاع وغير ذلك من جميع المعاصي ما خلا الشرك فإنه لا جمله، وأما غيره من المعاصي وجميع الحرام فإنه يسع جهله ما لم يقارف أحد ثلاثة أشباه: في هذا الوجه فهو
شيئا من ذلك، وأما ما لا يسعهم أن لا يتقولوا فيه على الله الكذب، فيحلوا ما حرم الله منها أو يحرموا ذلك، أو يخطئوا في حكم من أحكامه بالقول، والثاني
ما أحل الله
من
أن لا يفارقوا ما حرم الله تعالى من ذلك بالفعل، والثالث أن تقوم عليهم الحجة بتحريم شيء من ذلك أو تحليله فيردوها، فمهما فعلوا شيئا مما ذكرنا منهم غير معذورين والله أعلم» (14) قال نجيب: هذا عرض رائع يا أماه للموضوع فهل هو من تعبيرك
أنت أم انك حفظته عن ظهر قلب من كتب أبي طاهر. قالت الأم: بل هو من تعبير فيلسوف الإسلام أبي طاهر إسماعيل ابن موسى الجيطالي في كتابه «قواعد الإسلام».
قال نجيب: مع العرض الواضح الذي عرضت به الموضوع يا أماه فإنني لا زلت أريد زيادة إيضاح لبعض النقط
قالت الأم: ان أباك على استعداد دائما لما تريده يا ولدي.
قال نجيب: لقد خطر لي وأنت تشرحين موضوع ما يسع جهله إلى الورود ان هنالك فرقا بين ما يتعلق بصفات البارئ عز وجل وبين غيره من معرفة الأنبياء والرسل وما إليه غير ان هذا الفرق لم يتضح لي تمام الإتضاح.
قال الأب: إذا ورد على المؤمن شيء يتعلق بصفات الله عز وجل أو بأسمائه سواء أكان ذلك عن طريق السماع أو طريق السؤال أو عن طريق الخاطر الشخصي الذي يخطر ببال الإنسان فإنه يجب عليه حالا ان يصل إلى الحق في ذلك ويصف الله تبارك وتعالى بما يليق به،
ولا
-
- 140 - (1/150)
صفحة 151
يعذر في التأخير أو الخطأ. بل أنه لا يشتغل بغير ذلك حتى ينتهي إلى الحق الذي يدين به ولو كان في صلاة، ذلك أنه يستطيع أن يصل إلى
الحق بالتفكير العقلي قال نجيب: هل تذكر لذلك أمثلة يا أبي؟
قال الأب: قد تكون في حجرة منفرداً ليس معك أحد فتظن أنه
ليس هناك من يرى ما تعمل أو يسمع ما تقول أو يعرف ما تقوم به قال نجيب: هذا يحدث كثيراً فقد أكون منفرداً لا أحد أقول ولا يعرف أو يرى ما أصنع.
يسمع
ما
قال الأب: ألم يحدث مرة من المرات انك كنت على حالة الفراد وكنت تقوم بعمل أو قول تكره أن يعرفه الناس عنك ولكنك في ذلك الحين تذكرت الله؟
يسمع
قال نجيب: لقد كان ذلك يا أبي.
قال الأب: فها أنت ترى انه قد خطر لك وأنت منفرد ان الله
ما تقول ويبصر ما تصنع ويعلم ما تقوم به من أعمال.
قال نجيب: نعم.
•
قال الأب: انه يجب عليك حين خطر لك هذا ان لا تنتقل عن الموضوع حتى تعرف الحق من هذه الصفات وتصف بها البارئ سبحانه وتعالى كما يليق يحلاله وتؤمن أنه سميع بصير عليم وان سمعه وبصره وعلمه لا يشبه سمع ولا بصر ولا علم المخلوقات؛ تعالى الله عن ذلك علواً
كبيراً.
قال نجيب: يعني أن يعتمد الإنسان على العقل في مثل هذه المواضيع حتى ولو لم تقم عليه الحجة بطريق السمع. قال الأب: ان الحجة قامت عليه حين أثير الموضوع الذي يتعلق
141 - (1/151)
صفحة 152
بصفة من صفات الله أو باسم من أسمائه، سواء أثير هذا الموضوع عن طريق السمع أو عن طريق الفكر ولا يحق للمؤمن بعد قيام هذه الحجة أن يبقى جاهلاً بتوحيد الله في صفاته أو أسمائه أو أفعاله
قال نجيب: لقد فهمت هذا جيداً يا أبي
•
•
قال الأب: بقية ما يسع جهله إلى حين الورود لا تقوم فيها الحجة إلا بالسماع وحين يرد الخبر على المكلف وتقوم عليه الحجة فعليه أن يعمل وأن يجد في الطلب حتى يتحصل على العلم المطلوب قال نجيب: لا يزال في هذه النقطة غموض لم ينكشف لي يا أبي. قال الأب: قد يسمع المكلف باسم نبيء أو ملك أو فريضة من الفرائض لم يسبق له العلم بها فماذا ترى يجب عليه في هذا الخبر الجديد؟ قال نجيب بعد تفكير طويل: يصدق به قال الأب: إذا كان المصدر الذي استقى منه الخبر يوجب التصديق وجب عليه ذلك، ولكن المصدر قد لا يوجب التصديق وبناء على ذلك فيجب عليه أن يبحث حتى يتحقق ويعلم عن طريق السماع لأن العقل في هذه المواضيع لا يستطيع معرفة الحقيقة
قال نجيب: يعني ان ما يسع جهله إلى حين الورود ينقسم إلى قسمين: ما يتعلق بالله سبحانه وتعالى وهذا القسم يجب أن ينتهي فيه المكلف إلى الحق حين وروده مهما كان طريق الورود
أما القسم الثاني وهو ما يتعلق بغير الله من مواضيع التوحيد فإن هذا القسم يجب البحث فيه للوصول إلى العلم على أن لا يؤدي ذلك البحث إلى تضييع أو نقض ما تشتمل عليه كلمة الشهادة التي أقر بها المكلف من قبل قالت الأم: لقد ترددت كلمة الحجة بالسماع فما معنى ذلك؟
- 142 - (1/152)
صفحة 153
عز
قال الأب: ان الحجة السمعية إنما تكون عن طريق كتاب الله وجل أو عن سنة رسول الله الله أو عن إجماع المسلمين ويزيد بعضهم الرأي أو القياس ولكن هذا الأخير لا يكون حجة سمعية منفردة لأنه ينبني على بعض المصادر السابقة
قال نجيب: هل يمكن أن نعود إلى مناقشة بعض النقط السابقة في
أول هذا السمر.
قال الأب: لا مانع من ذلك يا بني.
قال نجيب: لقد قلت يا أبي ان ما يسع جهله من أحكام الدين
ينقسم قسمين:
مضيق وموسع.
قال الأب: هذا صحيح يا ولدي.
قال نجيب: ما معنى مضيق؟
قال الأب: ان مسائل التوحيد التي تجب بقيام الحجة تدخل في هذا
الباب وكذلك الفرائض التي خصصت لها أوقات يكون العلم بها وبكيفيتها مضيفا عند حلول تلك الأوقات
•
قال نجيب: أود ان تزيدني إيضاحا وتضرب لي أمثلة يا أبي. قال الأب: ان جميع ما يتعلق بالدين إما أن يكون عقائد في القلب أو أقوالا باللسان، أو عملاً بالجوارح، أو اجتناباً
قال نجيب: اعتقد أنه ليس هنالك وجه آخر.
•
قال الأب: أما فيما يتعلق بالعقائد فإن الحكم فيها دائما مضيق بعد
قيام الحجة وكذلك القول
قال نجيب: يعني الإيمان بجملة التوحيد وما اشتملت عليه والإقرار
- 143 -
بذلك (1/153)
صفحة 154
قال الأب: هو ذلك
قال نجيب: فماهي الأعمال؟
قال الأب: ان الله قد فرض على العبد فرائض وخصص لها أوقاتاً.
قال نجيب: تعني مثل الصلاة والصوم والزكاة.
قال الأب: نعم فنحن مثلا في وسط الليل ولا تجب علينا الآن صلاة ولا العلم بها وبكيفيتها حتى يصل الفجر وعند حلول الفجر يصبح العلم بها مضيقاً علينا فيجب علينا أن نتعلم أن الله فرض علينا نوعاً من الصلاة ويجب ان نعرف كيفية ادائها وان الله يثيب على فعلها ويعاقب
على تركها
•
قال نجيب: هذا واضح ولكن زد لي أمثلة قال الأب: ان الفقير الذي لا يملك شيئا ليس عليه أن يعرف الزكاة وأحكامها ولكنه عندما يملك النصاب ويحول عليه الحول فإنه يصبح الحكم عليه مضيقاً يعني أنه يجب عليه أن يعرف أحكام الزكاة
ليؤديها
قال نجيب: يعني ان الفرائض التي خصصت لها أوقات جهلها يسع قبل حلول أوقاتها فإذا حلت أوقاتها أصبح العلم بها مضيقاً أي يجب أن
يعرفها المكلف ليقوم بادائها
قال الأب: هو ذلك يا بني.
قال نجيب: فماهو الترك يا أبي؟
قال الأب: ان الله قد حرم أشياء وأمر بتركها سواء كانت قولاً أو
فعلاً وهذه الأشياء لا يجب على المكلف العلم بها إلا عند الإبتلاء. قالت الأم: ما عدا معرفة الشرك فإن من لم يعرف ما يؤدي إلى
الشرك لا يعرف التوحيد
- 144 -
- (1/154)
صفحة 155
•
قال الأب: صدقت امك يا نجيب
قال نجيب: قلت عند الإبتلاء فما معنى الإبتلاء يا أبي؟
قال الأب: هب انك دخلت مقهى فوجدت قوما يشربون شراباً لا
تعرفه ولا تعرف الحكم عليه فعرض عليك أحدهم أن تشرب معهم
موقفك منهم؟
فا
هو
قال نجيب: إن كانوا من معارفي وأصدقائي اشاركهم وإلا فإني
أعتذر.
قال الأب: فهذا معنى الإبتلاء انك كنت غير مطالب بمعرفة هذا الشراب والحكم فيه ولكنه لما عرض عليك وجب أن تعرفه وتعرف الحكم فيه لئلا ترتكب معصية بشراب محرم فإن كان هؤلاء الناس الذين عرضوا عليك مشاركتهم عدولاً ثقاة وأعلموك عن الشراب وأنه طيب حلال فإنه يجوز لك أن تشاركهم وإذا أخبروك أنه من النوع المحرم وجب عليك الإبتعاد عنه وإذا كان القوم في ولايتك ومن أهل الوفاء ووجدتهم يشربون فاعتمدت على ذلك وشربت معهم فلا إثم
عندك
عليك
قالت الأم: أما إذا لم يكونوا من أهل الولاية أو ليسوا معروفين عندك فإنه لا يحق لك أن تشاركهم الشراب حتى تعرفه وتعرف الحكم
فيه
قال الأب: صدقت امك يا نجيب وهذا الحكم يجري عليك في جميع
الأشياء.
قال نجيب: لقد فهمت هذا أيضا فهماً جيداً والحمد لله. قال الأب: ومن هذا المثال تعرف أنه لا يجب عليك شيء في معرفة المحرمات إلا إذا هيئت لك ظروف مقارفتها بالقول أو بالعمل
- 145 - (1/155)
صفحة 156
نجيب
قال نجيب: ما معنى المقارفة يا أبي؟
قال الأب: مقارفتها أي اتيانها أو تولي من يأتيها
قالت الأم: لقد أحلت سمرنا إلى دروس في الفقه يا أبا نجيب
قال الأب: انني أريد أن أضع صوراً واضحة من الإسلام أمام أنظار
قال نجيب: ان أثر هذه الدروس في نفسي أعظم من جميع
الدروس
التي تلقيتها في المدرسة، أرجو الله تعالى أو يوفقني إلى ما يحبه ويرضاه ويقويني على أداء حقكما. فقال الأبوان في صوت واحد: آمين وقام نجيب فألقى تحية المساء على أبويه وانصرف وهو يدير في ذهنه بعض الأحاديث السابقة
(1) رواه الدرامي في باب الصلاة، والترمذي في باب ثواب القرآن.
(2) اخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأبو داود. بلفظ «عن محمد وهو ابن سيرين عن ابي هريرة قال صلى بنا رسول الله الله أحدى صلاتي العشي - الظهر أو العصر - قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يديه عليها، احداهما على الأخرى، يعرف في وجهه الغضب، ثم خرج سرعان على الناس، وهم يقولون: قصرت الصلاة، وفي الناس أبو بكر وعمر، فهاباه ان يكلماه فقام رجل كان رسول الله ما يسميه ذا اليدين فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقتصر الصلاة، فقال: بل نسيت يا رسول الله، فأقبل رسول الله له على القوم فقال: أصدق ذو اليدين فاومنوا أي نعم، فرجع رسول الله الله إلى مقامه فصلى الركعتين الباقيتين ثم سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده او اطول ثم رفع وكبر قال: فقيل لمحمد: سلم في السهو؟ فقال: لم أحفظه من أبي هريرة. ولكن
نثبت ان عمران بن حصين قال ثم سلم
(3) رواه ابن ماجه في باب الطلاق
(4) سورة الأعراف 50/ 7
(5) سورة التوبة 07/ 9
•
(د) سورة الحشر 19/ 59.
(7) سورة طه 125/ 20 - 120
(8) سورة الكهف 01/ 18
(9) سورة الكهف 24/ 18 (10) سورة الكهف 73/ 18 (11) سورة البقرة 280/ 2
- 146 - (1/156)
صفحة 157
(12) طرفة عين: قدر اطباق أحد جننين على الآخر. وطرف عينيه: حرك جننية ونظرف: نعين ومنه قوله تعالى: ينظرون من طرف خفي.
(13) الفرنض الموسمات: الفرائض التي حدثت لها أوقات وموسمت في جعت له مواسم تؤدى فيه كالصوم
واحج (علي يحي معمر). (14) قواعد الإسلام 114 – 115
- 147 ·
- (1/157)
صفحة 158
/ (1/158)
صفحة 159
الليلة العاشرة
- كبائر الشرك وكبائر النفاق
الطاعة والمعصية
- المن والدلائل
- الخوف والرجاء.
-
- 149 - (1/159)
صفحة 160
/ (1/160)
صفحة 161
الليلة العاشرة
اجتمعت الأسرة بعد صلاة العشاء كما اعتادت أن تجتمع كل ليلة، وأحضرت الأم أدوات الشاي لتصنعه على الطريقة الليبية، وبدأ الأب السمر فقال: كأنك - يا أم نجيب - اخترت أن تصنعي لنا الشاي على الطريقة الليبية هذه الليلة أيضاً. فهل أصبحت تفضلين شربه على هذه
•
الطريقة مع ما في صناعته عليك من مشقة وتعب وانشغال لمدة طويلة قالت الأم: اني لست مغرمة بشرب الشاي لا على هذه الطريقة ولا على غيرها، وإنما فضلت أن أصنعه على هذه الطريقة لإنها تتيح للمتسامرين راحة في فترات متعددة فأنا عندما أحس ان الجهد قد أخذ منكما، وإن النقاش طال بكما وأخشى أن يحس أحدكما أو كلاكما بالإرهاق أو الفتور أفرغ لكما الشاي وبذلك تجدان وسيلة للإستراحة والإنسجام والتفكير الهادي. قال نجيب: ان أمي تقف معنا أنبل موقف يمليه الحب والحنان فهي تسهر على راحتنا وتتيح لنا فرصة النشاط ولا تغفل لحظة واحدة عن التفكير فينا وفيما يسعدنا
قال الأب: إني أعرف رأيك في أمك يانجيب فلا داعي لأن تسهب
في مدحها وتسترسل في اطرائها
- 151 -
- (1/161)
صفحة 162
قالت الأم، وهي تبتسم: هل نويتا أن تجعلاني موضوع
الليلة.
قال نجيب: بل انني أطلب منك الليلة أن تفتحي لنا موضوع السمر. قالت الأم: لبيك يا ولدي الحبيب! ثم التفتت إلى زوجها وقالت: لقد كانت اسمارنا السابقة كلها في التوحيد وما يتعلق به وفي الشرك وما يلحق به فهل لك يا أبا نجيب ان تذكر لنا بعض الفوارق بين كبائر الشرك وكبائر النفاق قال نجيب: إني أود ان أتأكد من معرفة معنى الكبائر والصغائر
أولاً يا أماه.؟ قال الأب: لقد سبق في بعض أسمارنا ان تحدثنا عن المعاصي وقلنا ان الكبيرة هي المعصية التي أوعد الله عليها النكال في الدنيا والعذاب في الآخرة أما الصغيرة فهي السيئة التي وعد الله أن يغفرها بإجتناب الكبائر وبفعل الحسنات قالت الأم: قال الله تعالى في كتابه الكريم: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل، ان الحسنات يذهبن السيئات، ذلك
ذكرى للذاكرين
•
وقال تعالى: ليجزي الله الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، الذين يجتنبون كبائر الاثم
والفواحش إلا اللهم ان ربك واسع المغفرة) (2).
قال نجيب: فما الفرق بين كبائر الشرك وكبائر النفاق؟ قال الأب: ان التفريق بين كبائر الشرك وكبائر النفاق واجب، العلماء يحكمون بشرك من لم يفرق بينهما، وبعدم التفريق
وكثير من بينهما ضل كثير من الناس كالخوارج الذين يحكمون بشرك من يرتكب المعصية وهو مقر بالتوحيد.
قال نجيب: يبدو أن هذا الموضوع خطير جداً بالنسبة للمسلم.
- 152 -
— (1/162)
صفحة 163
قال الأب: نعم إنه خطير جداً وليس أكبر من أن تحكم على مسلم
بالشرك فتخرجه من دين الإسلام وهو يؤمن بالله ورسوله. قال نجيب: إذن فأرجو ان تعجل يا أبي بإيضاح الفوارق بينهما؟ قال الأب: يقول العلماء في تعريف كبائر الشرك ما يأتي: من رد على الله عز وجل في كتابه الكريم مواجهة بلا تأويل فهو مكذب بالله مشرك به. ويدخل في ذلك التكذيب بكل ما تجب معرفته من أمور التوحيد، وكذلك الاستحلال لما حرمه الله تعالى إستحلال ترك الفرائض التي أوجبها الله سبحانه وتعالى على الناس، وتحريم ما أحل الله نصاً في كتابه الكريم.
قالت الأم: يقول أبو طاهر الجيطالي: «فكل من أنكر وجها من وجوه التوحيد أو جهله، أو استحل تركه، أو جهل الشرك أو فعله أو استحل فعله أو أمر به، أو تقرب بفعل معصية منصوصة إلى الله تعالى، أو استحل فعلها، أو أنكر فريضة منصوصة، أو ملكاً أو نبيئاً منصوصاً، أو حرم حلالاً منصوصاً فهو مشرك، لأن كل ذلك رد لأحكام كتاب الله ورد ما ورد به القرآن أو تكذيبه شرك والعياذ بالله» (3). قال نجيب: لقد أوضح أبو طاهر هذا الجانب فما هو الضابط لكبائر
النفاق؟
قائله
قال الأب: كبائر النفاق على وجهين (4)
قال نجيب: فما هو الوجه الأول؟
قال الأب: هو استحلال ما الله بتأويل الخطأ من فاعله أو
حرم
قال نجيب: يعني بأن من أستحل ما
الله لأنه أخطأ في الفهم
حرم
11
- 153 - (1/163)
صفحة 164
فأول النص تأويلاً غير صحيح منافق وليس بمشرك.
•
زعمه
قال الأب: هو ذلك يا بني لأنه استند في خطئه على دليل
•
حسب
قال نجيب: والوجه الثاني يا أبي؟ قال الأب: هو مقارفة معصية من المعاصي التي أوعد الله عليها النكال في الدنيا والعذاب في الآخرة أو عذب بسببها أمة من الأمم
السابقة (4)
قال نجيب: هل تذكر لي أمثلة يا أبي؟ قال الأب: الأمثلة على ذلك كثيرة فإن جميع ما حرمه الله يدخل
في هذا الباب، كالقتل والزنا وبخس المكيال واليمين الغموس (5)، وشرب الخمر وترك الفرائض وعقوق الوالدين قالت الأم: ان أحسن مثال لذلك قوله له وآله: «اجتنبوا الكبائر السبع الموبقات تنجوا: الشرك بالله، والقتل، والسحر، وأكل الربا، وأكل أموال الناس ظلماً، والفرار من
الزحف، وعقوق الوالدين» (6).
عال
قال الأب: صدق رسول الله صلى الله قال نجيب: إن بعض الكبائر التي ذكرتها يا أبي غير موجودة في
•
هذا الحديث الذي روته أمي. قال الأب: ان الحديث لم يقصد به حصر الكبائر يا ولدي ولكنها كما قال الموبقات أي المهلكات وهذه جملة منها وذكرت لك جملة أخرى وبقي الكثير تعرفه من دراساتك للقرآن الكريم والسنة النبوية وكتب اعلام الإسلام من مختلف العصور والمذاهب قال نجيب: وهل يجب على المؤمن أن يعرف جميع الكبائر
بجزئياتها.
- 154 - (1/164)
صفحة 165
قال الأب: يجب على المكلف أن يعرف ان الله أمره بطاعته وأوجب
له على ذلك الثواب العظيم ونهاه عن معصيته وأوجب له على ذلك العقاب العظيم. قالت الأم: تستطيع يا بني أن ترجع بتطبيق الأحكام على الجزئيات بما تحدثنا عليه مما يسع جهله وما لا يسع جهله وعن التكليف المضيق والتكليف الموسع. قال نجيب: إذن على المكلف أن يعرف في أول البلوغ: أن الله أمره بالطاعة وهي تعني التوحيد والقيام بالفرائض والسنن وأنه أوجب له على ذلك الثواب الجزيل وهو الجنة ونهاه عن ارتكاب المعاصي من الشرك وما يؤدي اليه، وإجتناب المحرمات والمكروهات وأوجب له على ارتكاب شيء من ذلك العذاب الأليم بالنار. قال الأب: لقد استطعت أن تلخص الموضوع تلخيصا جيدا يا
بني
قال نجيب: الحمد لله على نعمة التوفيق.
قالت الأم: ان نعم الله على العبد لا تحصى
قال الأب: ولذلك كان من الواجب على المكلف عند البلوغ ان
يعرف المن والدلائل
قال نجيب: ما معنى المن يا أبي؟
قال الأب: المن هو ما من الله به على عباده في الدنيا والآخرة من
نعم لا تحصى قالت الأم: قال أبو العباس الشماخي: «ومما يجب علينا مع البلوغ معرفة ان الله من علينا بالنعم وهي عبارة عن المنفعة التي أوصلها الله الينا على جهة الإحسان، ونعمه علينا لا تحصى. كخلق البدن وقواه
- 155 (1/165)
صفحة 166
وإشراقه بالروح والعقل والفهم والفكر والإيمان والعلم والتوفيق إلى
المذاهب الحسنة وجميع
الملاذ من الملابس والمآكل والمناكح وغيرها
والنعمة العظمى الجنة
وهي خاصة بالمسلمين (7).
•
قال الأب: اما أبو سليمان التلاتي) فيقول في شرح المن: «والمن الفضل وهو على قسمين: من عام، ومن خاص، فالمن العام هو صحة الأبدان وسعة الأرزاق، والمن الخاص هو ما أمتن الله على عباده المؤمنين من دخول الجنة (()
قال نجيب: إن شرح العلامة الشماخي أوسع وأشمل لأنه أشار إلى نعمة العقل والإيمان وإشراقة الروح وهي من أجل ما أنعم الله به على
عباده
قال الأب: نعم لقد كان الشماخي يكتب للخواص أما التلاتي فقد كان يكتب لأهل الجملة
قال نجيب: فما معنى الدلائل يا ابي؟
قال الأب: هو جميع ما نصبه الله دليلاً على وجوده ووحدانية تعالى كنظام الكون وما فيه من العجائب وكالأنبياء والرسل والكتب وما إلى
ذلك.
قالت الأم: يقول أبو العباس الشماخي في شرح معنى الدلائل: والدلائل: جميع ما نصبه الله تعالى دليلاً ومرشداً إلى معرفته وإفراده وتوحيده كالكتب والسماوات وما فيها والأرض وما فيها والإنسان بل وسائر الحيوان وما فيه من العجائب وما أشبه هذا من البيانات الشافية والدلائل الواضحة على معرفته (10)
قال نجيب: إذن فعلى المكلف أن يعرف حال البلوغ، النعم الكثيرة التي أسبغها الله عليه في الدنيا وما ينتظره في الآخرة من نعيم مقيم إن
- 156 -
- (1/166)
صفحة 167
هو أطاع الله واتقاه، وان يعرف ما بثه في الكون وما أرسله مع رسله، وما أنزله في كتبه مما يدل على وجوده ووحدانيته وربوبيته للخلق جميعاً.
قال الأب: إنك لخصت هذا الموضوع تلخيصاً جيداً يا نجيب قال نجيب: إنني ارجو من المولى سبحانه وتعالى أن يوفقني إلى فهم
دينه والعمل به، وان يتقبل عملي، وان يغفر لي أخطائي قال الأب: أن دعاءك يشتمل على الرجاء في رحمة الله أفلا تخاف أن لا يقبل الله دعاءك؟
قال نجيب: إنني أخاف الله ولكن رجائي فيه قوي ان يتغمدني بالرحمة والغفران قالت الأم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو وزن خوف المسلم صلى الله ورجاؤه بميزان تريص ما زاد أحدهما على (الآخر) (11). قال نجيب: ما معني تريص يا أماه؟ قالت الأم: تريص معناه محكم وميزان تريص أي محكم لا خطأ
فيه
•
قال نجيب: فعلى ماذا يدل الحديث النبوي الشريف؟ قالت الأم: يحسن أن يتولى أبوك شرح الحديث لك وأن يوضح لك القاعدة الهامة التي يدل عليها ريثما أصب لكما الشاي. قال الأب: ان المكلف عند البلوغ يا بني إذا اختار الإسلام كما اخترت أنت وعمل بموجب الشرع وما تقتضيه حكمته واحكامه فإن قلبه يمتلئ أملاً في رحمة الله ورجاء ان يكون من عباد الله المهتدين ويطمع
أن تكون
أعماله
مقبولة، وحسناته مضاعفة، وذنوبه مغفورة.
قال نجيب: هذه هي الحال الغالبة على المسلمين يا أبي فما
يوجد
-
- 157
- (1/167)
صفحة 168
مسلم فيا أظن – يضعف رجاؤه في الله
قال الأب: هنا يكمن خطر شديد على المؤمن يا ولدي.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟ قال الأب: إذا ظن الإنسان أنه قام بما أوجبه الله عليه أحسن قيام وأدى ما عليه من الفرائض واجتنب ما نهى عنه من المعاصي غلب عليه الرجاء في رحمة الله والأمن من مكر الله وعذابه وخدعه الشيطان من هذا الجانب فملأ قلبه غروراً. قال نجيب: إذن فكيف يكون موقف المسلم الموفي بدين
الله
علم
الحريص على طاعته وتقاه. ألا يغلب عليه الرجاء في رحمة الله؟ قال الأب: ان المؤمن يجب أن يعمل واتيانه بالعمل حسب ما لا يضمن له القبول فمن يدريه أن عمله كان صحيحا وان الله جل وعلا قد قبله منه وغفر له. قال نجيب: ان على الإنسان أن يعمل حسبما علم من دين الله، أما
الله تعالى
القبول وعدمه فهذا شيء بيد قال الأب: لقد قربت من الجواب الصحيح يا بني.
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟ قال الأب: ان الإنسان حين يعمل كأحسن ما يعلم لا يستطيع أن يعرف إذا كان عمله مقبولا عند الله أو أنه قال نجيب: إن هذا من الغيب الذي استأثر الله بعلمه فهو لا يعرف
ذلك بالتأكيد
•
مردود عليه
•
قال الأب: فهو إذن يخاف أن يكون عمله ذلك مردودا عليه غير
مقبول عند الله
قال نجيب: نعم إن قلبه لا يخلو من الخوف.
- 158 - (1/168)
صفحة 169
قال الأب: يعني أن قلب المؤمن بين حالتين رجاء في الله أن يشمله بالرحمة والمغفرة والقبول، وخوف من الله أن يتولاه بالمقت والغضب
والعذاب
قال نجيب: يعني ان المؤمن يجب أن يكون في آن واحد راجيا ثواب الله خائفاً
من عقابه
قال الأب: ويجب أن يكون هذا الرجاء، وهذا الخوف متساويان لا يغلب أحدهما على الأخر، فإنه إن غلب عليه الرجاء أمن عذاب الله، وإن غلب عليه الخوف أيس من رحمة الله وكلا الموقفين يجلب سخط الله.
قال نجيب: وهذا ما دل عليه الحديث الذي روته أمي آنفاً قال الأب: وبالإضافة إلى ذلك فإن الرجاء داع إلى الطاعة مرغب فيها، وباعث عليها، وإن الخوف زاجر عن المعصية، رادع عنها منفر
منها
قالت الأم: وهذا: وهذا يعني ان الإنسان مهما عمل من طاعة وبر وإحسان فيجب أن يكون قلبه مفعماً بخشية الله وخوف عذابه، وان المنافق مهما ارتكب من آثام يجب أن يكون قلبه عامراً بالرجاء في الله أن يتولاه بالهداية والتوفيق ويغفر له ما قدم من آثام وذلك إذا هداه إلى التوبة والإنابة. قال نجيب: هل تذكرين لنا أدلة على هذا من كتاب الله أو سنة رسول الله يا أماه؟ قالت الأم: قال الله تبارك وتعالى: أفأمنوا مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (12). وقال: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن
- 159 - (1/169)
صفحة 170
الله يغفر الذنوب جميعا، انه هو الغفور الرحيم (13). وقال:
ولا تيأسوا من روح
الكافرون (14)
•
الله انه لا ييأس من روح الله إلا القوم
قال الأب: يعني أن تغلب الرجاء يؤدي إلى الأمن من عذاب الله وان تغلب الخوف يؤدي إلى اليأس من رحمة الله
قالت الأم: وان الإنسان الذي يأمن عذاب الله كالإنسان الذي
ييأس من رحمة الله كلاهما كافر بنعمة الله، جاحد لفضله. قال نجيب: ولكن يبدوا يا أبي أن الرجاء لا يغلب إلا على الصالحين وذلك لثقتهم في الله، وان اليأس لا يغلب إلا على المنافقين
•
وذلك لما فرطوا في جنب الله وهذا موقف طبيعي في رأيي الضعيف قال الأب: هذا مزلق يزلق فيه كثير من الناس وهو أحد الأبواب التي يدخل منها ابليس إلى قلب إبن آدم حتى يفسده عليه
ويستمع
إلى
قال نجيب: وكيف ذلك يا أبي؟ قال الأب: لا يزال الشيطان يوسوس للإنسان الحريص على الطاعة بأنه وفى بدين الله وان مثله حقيق برحمة الله وان رجاءه عنده مقبول وانه لم يعص الله كما يفعل غيره من الناس حتى يتأثر بذلك هذا الصوت في قلبه فيظن أنه جدير بالثواب وأن رجاءه عند الله لا يخيب وهذه منزلة لا ينحدر إليها المؤمن الخالص الإيمان. وقال الله «لن يدخل أحد الجنة بعمله قيل: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: «حتى أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» (15) أو كما قال رسول الله فها قلب رسول الله الله وقد اختاره الله هاديا ومبلغا عامر بالخوف والرجاء.
عالي
قال نجيب: هذا مفهوم في الرجاء فكيف في الخوف؟
-
- 160 - (1/170)
صفحة 171
قال الأب: ان الإنسان المتمادي في المعاصي يسر الشيطان ويفرح به
وكلما أصر الإنسان على المعصية كلما فرح الشيطان، وان الشيطان ليخشى أن تعرو الإنسان نوبة يذكر فيها ربه ويراجع التوبة فيخسر الصفقة ولذلك فلا يزال يوسوس له ليقطع عنه خط الرحمة كما يقال ويزعم له أنه ارتكب من المعاصي ما لا تشمله المغفرة ولذلك فلا فائدة من التوبة.
ويحسن أن يتمتع الإنسان في دنياه بأكثر ما يمكن له ما دام قد حرم نعم الآخرة وهي شبهة تغلب على ذوي العقول الضعيفة فيظنها حقاً ويتمادى في المعصية لأنه أيس من رحمة الله حاسبا أن الله لا يغفر الذنوب - الكثيرة وقد نبهنا الله إلى ذلك في كثير من آياته البينات وبين لنا انه يغفر الذنوب جميعاً وانه يقبل من التائبين إذا خلصوا له التوبة وأنابوا
اليه.
قالت الأم: ان رحمة الله وسعت كل شيء وعلى ابن آدم أن لا
يستكثر عبادته ولا أن يستكثر ذنوبه استكثارا يبعده من رحمة الله
فإن رحمة الله قريب من المحسنين وان التائبين من ذنوبهم مهما كانت كبيرة وكثيرة هم محسنون هذا اذا كانت توبتهم توبة نصوحاً. ثم مدت إلى زوجها كوباً من الشاي وهي تقول له: ما رأيك يا أبا نجيب لو عدت فلخصت لنا مواضيع اسمارنا السابقة حتى يستطيع نجيب أن يتذكرها تذكراً كاملا
"
قال الأب: بل يحسن أن توجهي هذا الإقتراح إلى نجيب أيتها الزوجة الصالحة فيقوم بتلخيص ما تناولناه في اسمارنا وإذا بقيت نقطة لم يفهمها جيداً إستطعنا ان نعيد فيها الحديث من جديد. قال نجيب: يسرني يا أبي أن أقوم بهذا التلخيص فهل تريدني أن
- 161 (1/171)
صفحة 172
أبدأ الحديث منذ عيد الميلاد؟
قال الأب وهو يبتسم
من بعده
•
: اذا كنت ستجدد طلب إعادة الحفلة فابداً
فقال نجيب: اني سأذكر الليالي ليلة ليلة وسألخص ما تحدثنا فيه
كل ليلة بما يمكن من الإيجاز.
قال الأب: يكفي أن تذكر رؤوس المواضيع
قالت الأم: يبدوا انك كنت تلخص كل ليلة ما يدور بيننا من
•
نقاش وانك كنت تراجع ما تكتبه قال نجيب: نعم يا أماه فقد اشتريت لي مذكرة وطلبت أن اسجل فيها كل يوم جميع أعمالي وأي شيء أفضل من هذه الدروس القيمة التي أخذتها منكما في هذا الأسبوع قالت الأم: فأنا أرى أن نؤجل الحديث عن المواضيع السابقة إلى بعض الليالي القادمة حين ننتهي من أحاديثنا عن مواضيع التوحيد وعندئذ نستمع إلى تلخيصك حتى نطمئن إلى انك فهمت هذه الحقائق فهماً صحيحاً.
قال الأب: إن رأي امك وجيه يا ولدي
قال نجيب: اني عندما تحبان يا أبوي الكريمين ثم قام فالقى عليها
تحية المساء
(1) سورة هود 114/ 11. (2) سورة النجم 3231/ 53
(3) قواعد الإسلام 38. (4) قواعد الإسلام 3938
(5) اليمين الغموس هي التي تغمس صاحبها في الأثم. (6) رواه البخاري في باب الوصايا ومسلم في باب الإيمان.
- 162 - (1/172)
صفحة 173
(7) مقدمة التوحيد 57 (8) ابو سليمان داود بن ابراهيم التلاتي (1560/ 967)، درس بنفوسة، ثم رجع إلى جربة فحلق على ابي القاسم الدو يكشي وابن يحي زكرياء الهواري، وعاد إلى نفوسة حيث لازم أبا يوسف التندميرتي ليأخذ عنه المنطق والبيان على يد ابراهيم بن الأحباس، والتحق بأبي مهدي عيسى بمليكة في وادي
أكثر علمه،
ميزاب
ودرس
وأخيرا رجع إلى جربة ودرس في مسجد القصبيين، ثم انتخب رئيسا لمجلس العزابة، حتى ناداه الله لجواره وهو حديث السن، له عدة مؤلفات منها:
أ - شرح الأجرومية في النحو.
ب - شرح عقيدة التوحيد.
جـ - شرح متن الساغوجي في المنطق، مقرر بجامع الزيتونة بتونس
(9) مقدمة التوحيد 57.
(10) مقدمة التوحيد 57
(11) لم نعثر عليه في المعجم المفهرس لالفاظ الحديث.
(12) سورة الأعراف 99/ 7
(13) سورة الزمر 53. (14) سورة يوسف 87/ 12
(15) رواه البخاري ومسلم في المنافقين وباب التوبة وغيرهما.
-
163 - (1/173)
صفحة 174
/ (1/174)
صفحة 175
الليلة الحادية عشر
- الإيمان والإسلام والدين والتوحيد
- أسهم الإسلام.
- مصادر التشريع الإسلامي.
- أسس الإسلام.
- قواعد الإسلام. - أركان الإسلام. ما يتميز به الدين
- حرز الدين
حدود الدين
-
أسس الفكر.
- أركان الفكر.
- 165 - (1/175)
صفحة 176
/ (1/176)
صفحة 177
الليلة الحادية عشر
تلاحق أفراد الأسرة إلى حجرة الإجتماع وقد أخذت الزوجة موقد الشاي وحمل معها نجيب الابريق وأواني الماء، فلما دخل بها قال الأب وهو يبتسم: يبدو انك تنوي أن تكون مساعداً لأمك في صناعة الشاي
يا نجيب قال نجيب: ان اعداد الشاي أمر يسير يا أبي ولقد طلبت من أمي عدة مرات أن تسمح لي بإعداده بدلا منها ولكنها لا تسمح لي بذلك لأنها تؤثرني على نفسها وتريد مني أن أستفيد من جميع وان لا يصرفني عن حديثكما الممتع شيء وهذا كما ترى تضحية كبرى
براحتها من أجلي
لحظات وقتي
قال الأب: ان الأبوين عندما يقومان بأي عمل من أجل ابنائها لا يحسبان عملهما ذلك تضحية وإنما يحسبانه واجبا أما الأبناء فهم يحسبون ما يقدمونه من مساعدة لآبائهم براً بهم واحسانا لهم وتضحية من
أجلهم. قال نجيب: ليس كل الأبناء هكذا يا أبي فإن منهم من يرى انه لا يستطيع مهما بذل من جهد أن يقوم بجزء من واجبه في حقوق أبويه.
- 167 ·
- (1/177)
صفحة 178
قالت الأم: أولئك هم الأبناء البررة يا ولدي أدام الله لنا فيك البر
والوفاء، وأرانا منك وفيك ما يسرنا خواطرنا
ويبهج
•
قال الأب: الحق أننا لم نر ما يسوءنا من نجيب إلى حد الآن،
ونرجو أن
يدوم على خلقه السمح ودينه القويم.
قال نجيب: ان اعجبكما منه شيء فذلك من فضل البيت الذي ربي فيه والأبوين اللذين اقتبس منها أخلاقه
قالت الأم: وهل يطلب أي والدين من أبنائها غير أن يقتبسوا منها الأخلاق ويستمعوا إلى النصائح.
قال الأب: هذا حق فإن الإقتداء والطاعة هو كل ما يطلبه الأبوان من أبنائهما وقد وجدنا ذلك في نجيب والحمد لله
قال نجيب: هل نويتا يا والدي العزيزين أن تجعلاني موضوع سمر
الليلة؟
قال الأب: لا يا ولدي ولكن سأترك لك اليوم أن تقترح موضوع السمر وتبدأ فيه الحديث. التفت نجيب إلى أمه وقال: وهل أنت موافقة على اقتراح أبي يا
أماه؟
قالت الأم: نعم يا ولدي إنني موافقة وأرجوا أن تبدأ الحديث قال نجيب: كثيراً ما ترددت في أسمارنا السابقة كلمات: الإيمان: الإسلام، الدين، التوحيد. فهل هذه كلمات مترادفة تدل على معنى واحد أم ان كل كلمة منها تدل على معنى غير المعنى الذي تدل عليه
الأخرى. قال الأب: إن لهذه الكلمات معاني لغوية ولها معاني شرعية. أما
معانيها اللغوية فمختلفة وأما معانيها الشرعية فمتفقة.
- 168 - (1/178)
صفحة 179
قال نجيب: فما معانيها اللغوية يا أبي؟
هي
قال الأب: الإيمان معناه التصديق، والإسلام معناه الإنقياد
والخضوع، والدين معناه الطاعة، والتوحيد معناه الإفراد.
قال نجيب: فما
هي
معانيها الشرعية؟
قال الأب: إذا قلنا هذا رجل مؤمن بالله
فنعني أنه مصدق بوجود
الله ووحدانيته واتصافه بجميع الكمالات والتصديق بذلك يقتضي الخضوع
والإنقياد والطاعة
هذا قال نجيب: نعم صحيح
قال الأب: ألا ترى ان كلمة الإيمان تدل على جميع المعاني التي تدل
عليها كلمات الإسلام والدين والتوحيد قال نجيب: هذا مفهوم ولكننا إذا قلنا هذا رجل مسلم؟ قال الأب: إذا قلنا هذا رجل مسلم فنعني أنه ممتثل لأمر الله خاضع ومنقاد له ولا يكون كذلك إلا اذا كان مصدقا ومقرا بوجود الله واتصافه
بجميع
الكمالات ومطيعاً له في جميع الأوامر والمناهي
قال نجيب: هذا ايضا صحيح فإذا قلنا هذا رجل متدين؟
قال الأب: إذا قلنا هذا رجل متدين فنعني أنه مطيع ولا يكون الرجل مطيعاً الله إذا كان مصدقا به منقاداً له وهذا أيضاً يشمل جميع المعاني التي تشتمل عليها الكلمات الأخرى.
قال نجيب: وهذا أيضا واضح ولكن إذا قلنا هذا رجل موحد؟ قال الأب: ان الكلمات السابقة تكاد تكون مترادفة ولا تلحظ فيها الفروق إلا في المباحث الدقيقة من علم الكلام. أما الكلمة موحد فهي تدل على التصديق والإقرار ولكنها لا تدل على الإنقياد والطاعة ولذلك
12
فكلمة موحد لا ترادف كلمة مسلم ومؤمن
- 169 -
- (1/179)
صفحة 180
قال نجيب: هذا أيضاً واضح يا أبي ثم التفت إلى أمه وقال: هل تذكرين لنا يا أماه بعض الشواهد من حفظك على هذه المباحث
الشيقة
•
قالت الأم: وأي شواهد أنسب من قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة (1). وقوله تعالى: ان الدين عند الله الإسلام) (2). وقوله تعالى: انا أنزلنا اليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص) (3). وقوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (4). وقوله تعالى: ومن يَبْتَغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه (5). وقوله تعالى: (يا أيها آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (6). وقوله تعالى: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي. قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون) (7). وقوله تعالى: وقال موسى يا قوم ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين (8). وقوله تعالى: ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليما (9). والآيات الواردة في هذا المعنى كثيرة جدا في كتاب الله
قال نجيب: ان الآيات السابقة تدل تمام الدلالة على ان كلمات الإيمان والإسلام والدين تدل على معنى واحد قال الأب: الحقيقة ان الإيمان الصحيح الذي هو تصديق بالله وبمحمد وبما جاء به محمد أنه حق من عند الله وإن كان من أعمال القلب
- 170 (1/180)
صفحة 181
إلا أنه يقتضي الإستسلام والإنقياد والرضا بأحكام الله والإنقياد والرضا يقتضي الطاعة
قالت الأم: كما ان الإستسلام والإنقياد والطاعة لا تكون إلا بعد التصديق والإيمان، فهذه المعاني وإن كانت من أعمال الجوارح إلا أنها ترتبط بعقيدة القلب أوثق رباط
قال نجيب: وهكذا نفهم ان ما تعنيه كلمة المسلمين هو ما تعنيه كلمة المؤمنين وان الدين هو ما يجب أن يعتقده هؤلاء ويعملوا به.
أما غير ذلك مما يسميه الناس أدياناً ويتبعونها فهي ليست بأديان
قال الأب: أما ما وضع البشر منها فهي كفر وإلحاد، وأما ما أنزله الله على أنبيائه فقد كانت أديانا صحيحية حتى حرفها متبعوها أو أبطلها الله عز وجل فأصبحت جميعاً باطلة وقد نسخها الإسلام وليس غير الإسلام للبشرية من دين وقد تلت علينا أمك من قبل قوله تعالى: ان الدين عند الله الإسلام. والآية الكريمة تؤكد أنه لا دين اليوم إلا الإسلام وقد كان آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (10). فقد اختار الله لنا الدين ورضي لنا الإسلام وليس للبشر أن يخرجوا عن هذا الإختيار ولا أن يتجاوزوا هذا الرضا قال نجيب: فما معنى التوحيد في الشرع؟
قال الأب: التوحيد هو معرفة الله سبحانه وتعالى ووصفه بالوحدانية والفردية وعدم مشابهة الخلق مع الإيمان بالرسل والأنبياء والكتب والملائكة وما إلى ذلك من خصال التوحيد التي تحدثنا عنها في اسمارنا السابقة والتوحيد ليس مرادفا لكلمة الإيمان أو الإسلام أو الدين. وهو من أفعال القلب واللسان يبينه، ولكنه قد يطلق على
- 171 -
-
- (1/181)
صفحة 182
الإسلام أو الإيمان أو الدين من باب إطلاق الجزء على الكل لأن التوحيد
أصل الإسلام. قالت الأم: وعلى هذا الأساس جرى أبو حفص في عقيدة التوحيد حين قال: «ان سأل سائل فقال. ما أصل الدين؟ فقل: الدين هو التوحيد. لقوله تعالى: ان الدين عند الله الإسلام. والإسلام لا يتم الا بقول وعمل» (17)
قال نجيب: لقد فهمت هذا الموضوع فهماً جيداً يا أبي.
قالت الأم: ان علماء الإسلام قد كتبوا عن معاني هذه الكلمات كتابات طويلة وقدموا عنها مباحث شيقة ممتعة ولا يسع المسلم الا أن يطلع على كثير منها فإن فيها متعة للقلب والروح
قال نجيب: سوف اعتني بدراسة كثير منها يا أماه.
قالت الأم: وفقك الله يا بني ويسر لك كل أمر
عسير
التفت نجيب إلى أبيه وقال: قد كنا نتحدث عن التوحيد وهذا
القسم يتعلق بالقلب واللسان فهل هنالك قاعدة عامة تجمع الفرائض العملية في الإسلام، اعني ما يتعلق منها بالجوارح قال الأب: لقد وضع أبو حفص عمرو بن جميع لذلك عنوانا فقال: أسهم الإسلام ثمانية: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج،
والعمرة، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» (13) قال نجيب: من أين نستمد أحكام الإسلام، أو بتعبير ثان: ما مصادر التشريع الإسلامي؟ قال الأب: هي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والإجماع. قال نجيب: إنني أعرف القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة
هي
ولكنني لا أعرف معنى كلمة الإجماع فما هو الإجماع يا أبي؟
– 172 –
- (1/182)
صفحة 183
قال الأب: ان تجتمع الأمة الإسلامية على حكم.
قال نجيب: وهل يمكن أن تتفق الأمة كلها على حكم يا أبي؟ قال الأب: لقد تجوزت في التعبير حين قلت الأمة وإنما أعني العلماء المجتهدين في عصر من العصور فإذا اتفق جميع العلماء المجتهدين في عصر من العصور على حكم ما ولم يخالفهم أحد حتى انقضى عصرهم أصبح ذلك الحكم حجة شرعية
قال نجيب: وهل جميع أحكام الإسلام موجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع المسلمين يا أبي؟
قال الأب: إن ما لم يوجد له حكم في ذلك سلك به ملك
القياس
قال نجيب: وما معنى القياس يا أبي؟
قال الأب: ان يحمل شيء مجهول حكمه على شيء معلوم حكمه فيعطيان حكماً واحداً لانها يتفقان في علة الحكم وسببه
قال نجيب: هل تذكر لي يا أبي أمثلة على ذلك؟ قال الأب: كثير من المخدرات والمسكرات الموجودة اليوم لم يرد فيها
حكم من الكتاب ولا السنة ولا الإجماع فلم تذكر باسمائها.
الخمر
قال نجيب: نعم.
قال الأب: وقد نص القرآن الكريم والحديث الشريف على تحريم
قال نجيب: نعم.
قال الأب: وقد بين الحديث الشريف ان سبب تحريم الخمر هو
الإسكار والتأثير على صفاء العقل
قال نجيب: نعم:
:
•
- 173 - (1/183)
صفحة 184
قال الأب: فالقياس يقضي أن حكم كل ما كان سبباً في الإسكار
والتأثير على صفاء العقل إنما هو التحريم.
قال نجيب: نعم. قال الأب: والمخدرات مثلاً من أقوى المؤثرات على صفاء العقل ومن أعظم أسباب الإسكار فالحكم عليها التحريم.
قال نجيب: يعني ان المخدرات محرمة بالقياس على الخمر. قال الأب: نعم يا ولدي وهذا مثل ضربته لك لتفهم معنى
القياس
قال نجيب: هذا واضح يا أبي فما الأسس التي ينبني عليها
الإسلام؟
قال الأب: هي أربعة أشياء يا ولدي
هي
قال نجيب: أود أن تشرحها لي واحداً واحداً يا أبي؟
قال الأب:
الأول: ان تعرف ما لا يسعك جهله، وان تعرف ما لا يسعك
تركه وان تعرف انك مأمور بذلك ملزم به، وان تعرف أن لك ثواباً
على ذلك
•
الثاني: أن تقوم
بعمل جميع الفرائض عند حضور السبب ووجود
الشرط وارتفاع المانع، وأنت في ذلك ترجو ثوابه وتخاف من تركها
عقابه
الثالث: ان تقصد بعملك رضى الله وامتثال أمره.
الرابع: أن تكف عما لا يحل وتقف عندما لا تعرف وتترك جميع
الشبه والمناهي.
قالت الأم: يقول أبو حفص عمرو بن جميع في عقيدة التوحيد:
-
- 174 - (1/184)
صفحة 185
«فإن قيل لك ما قواعد الإسلام فقل أربعة: العلم والعمل والنية
والورع (15).
اليه
قال نجيب: وهل تكفي هذه الأسس لبناء الإسلام يا أبي؟ قال الأب: لا يرتفع البناء إلا بأربعة أشياء أخرى يا ولدي.
قال نجيب: أود أن تشرحها لي واحدة واحدة يا أبي. قال الأب:
الأول: الخضوع والإنقياد إلى ما أمر الله
الثاني: سرور القلب بقضاء الله والعزم على امتثال ما حكم الله به. الثالث: الثقة في الله والإعتماد عليه وإظهار العجز عنده والإحتياج
الرابع: رد مفاتح الأمور كلها إلى الله تعالى.
قالت الأم: يقول أبو حفص بن جميع:
وأركان الإسلام أربعة: الإستسلام لأمر الله والرضى بقضاء الله
والتوكل على الله، والتفويض إلى الله (16). وقال البدر الشماخي في
شرحها:
، ومرجع
الطاعة «ان الخضوع غاية جميع العبادة، وبه يحصل الإخلاص، وان الرضا بالقضاء أصل الطاعة لأنه القبول والعزم على امتثال ما أمر الله به وسكون النفس إلى قضائه وقدره وترك السخط له نظراً إلى أن في قضائه حكمة عظيمة، ومصلحة جليلة لكنها خفية علينا. ومن رضي استراح وهدى. وحكم الله ماض، وأما التوكل فأن تثق بما عند الله تعالى وتوطن نفسك أن قوام بنيتك وسد خلتك إنما هو من عند الله لا من أحد، وأنه لا يفوتك ما قسم لك، وأما التفويض فردك الأمر إلى من بيده التدبير ومفاتح الأمور العالم بالمصالح، فيختار
- 175 - (1/185)
صفحة 186
لك ما هو أصلح (17)
قال نجيب: لقد أوضحت يا أماه قواعد الإسلام بما نقلته لنا من كلام أبي حفص فهل هناك شيء يتميز به الدين؟ قال الأب: إن الناس بالنسبة إلى الدين ثلاثة أقسام.
قال نجيب: أود أن تذكر لي الأقسام الثلاثة يا أبي.
قال الأب:
الأول
الله
: هو المسلم، وهو المصدق بجميع ما سبق من أمور التوحيد المقر بذلك، العامل بما جاء في الإسلام الموفي بدين الثاني: المنافق أو الكافر كفر نعمة، وهو المقر بالتوحيد وبجميع ما جاء به الإسلام ولكنه خائن في العمل بارتكابه للمعاصي ويلخص بعض العلماء هذا القسم بقوله: المنافق هو من جاء بالقول وضيع
العمل
•
الثالث: المشرك، وهو من لم يقر بأصل من أصول التوحيد أو من كانت معه خصلة شرك.
قال نجيب: هذا واضح يا أبي فهل هناك شيء يحرز به المؤمن
دينه.
قال الأب: يحرز (18) المؤمن دينه بثلاثة أشياء
قال نجيب: أود أن تشرحها لي يا أبي
قال الأب
:
الأول: أن يتولى من علم منه خيراً.
الثاني: أن يبرأ ممن علم منه شراً.
الثالث: أن يجتنب جميع المعاصي، وان يقف فيما لا يعرفه حتى
يعرفه (19)
-
176 - (1/186)
صفحة 187
وترك
قال نجيب: هل للدين حدود يا أبي (20)؟ قال الأب: نعم يا ولدي إن له أربعة حدود. قال نجيب: ما هي يا أبي؟
قال الأب
:
الأول: معرفة ما لا يسع الناس جمله طرفة عين وهو التوحيد
الثاني: فعل ما لا يسع الناس تركه وهو جميع الفرائض
الثالث: ترك ما لا
يسع الناس فعله
وهو جميع المعاصي.
الرابع: الوقوف عما لا يعرف حتى يعرف
قال نجيب: يعني ان الإنسان إذا عرف التوحيد وعمل جميع الفرائض
جميع المعاصي وتوقف فيما لا يعرفه حتى يعرفه فقد عمل بما
يوجبه الإسلام وكان موفياً بدين الله
وغيره
قال الأب: نعم يا ولدي
قال نجيب: وهل للكفر أسس ينبني عليها؟
قال الأب: نعم يا ولدي.
قال نجيب: أود أن تذكرها لي واحداً واحداً.
قال الأب
:
الأول: الجهل أي جهل ما لا جهله التوحيد والفرائض
يسع
من
الثاني: العصبية أو حمية الجاهلية: وهي إعانة المبطل على باطله باللسان أو المال أو البدن أو السلطة، وهي أيضا الأنفة من قبول إعتزازاً بالمال أو الجاه أو السلطان وهي أيضا الإعتزاز بالقبيلة أو القومية أو العنصرية أو ما أشبه ذلك من المعاني أو الأعمال التي تحمل
الحق
الإنسان على عدم الإنقياد للحق. (1/187)
صفحة 188
الثالث: الكبر: وهو إحتقار الناس والتسلط عليهم بالازدراء
والإهانة، وتسفيه الحق ممن قاله أو فعله
الرابع: الحسد وهو تمني زوال النعمة عن الغير.
•
التفت نجيب إلى أمه وقال: هل تذكرين شواهد على هذه القواعد
يا أماه؟ قالت الأم: يقول أبو حفص بن جميع:
وقواعد الكفر اربعة. الجهل والحمية والكبر والحسد (21) وقد إستشهد العلامة التلاتي (22) في حديثه عن الجهل بالأحاديث الشريفة الآتية: «لا جهل ولا تجاهل في الإسلام» (23) و «الجاهل لا يحسن العمل (24) و «ليس في الجنة جاهل ولا ديوث ولاقلاع، ولا قاطع شفعة ولا مدمن على خمر ولا قاتل النفس التي حرم الله تعالى» (25) وأورد أبو العباس (26) في حديثه عن الحمية الأحاديث الآتية: «هلاك أمتي في العصبية» (27). و «تهلك من هذه الأمة ست بست خصال: الأمراء بالجور، والاغنياء بالكبر، والعلماء بالتحاسد، والتجار بالخيانة، والعرب بالعصبية، وأهل الرسائق بالجهل» (28) و «من تعز بعزاء الجاهلية فعضوه بهن أبيه ولا تكنول» (29) أما على الكبر والحسد فقد أحتج الشارحان بآيات من القرآن
الكريم. قال نجيب: ان هذه الخصال يدل الشرع والعقل على قبحها ولكن هل يرتفع بناء الكفر على هذه الأسس فقط يا أبي؟ قال الأب: ليرتفع بناء الكفر ارتفاعا كاملاً يحتاج إلى اربعة أشياء
أخرى.
- 178 - (1/188)
صفحة 189
قال نجيب: أود أن تذكرها لي يا أبي؟
قال الأب:
الأول: أن يأخذ الإنسان من غير حق ويمنع من غير حق أو أن
يعمل على الحصول على ما لا يحل له
الثاني: أن يخاف الإنسان من الفقر فيمنع حقوق الله أو ان يصانع ذا سلطان بما يسخط الرحمان ويجازيه فيما يريد من ظلم خوفاً على مال أو قريب أو صديق أو أن يساير شخصاً مهما كانت صفته في ارتكاب محرم من فعل أو قول أو أن يفقد الشجاعة الأدبية حتى يضعف عن الصراحة في الحق ويصيبه الخور فلا يعلن كلمة الحق وحكمته. مجاراة
للناس ومسايرة لهم الثالث: الشهوة وهو حركة النفس لطلب الملاذ، والشهوة إلى المتعة المحرمة اعظم ما ينكب به الإنسان وأعني بالمتعة المحرمة كل ما يستمتع به الإنسان من ملاذ الحياة كشهوة البطن من أنواع الأكل والشراب وشهوة الفرج وشهوة النفس من المال والجاه والسلطة وما إلى
ذلك.
الرابع: الغضب وهو حركة النفس طلباً للإنتقام ولقد قال الرسول الله الرجل طلب منه أن يعظه (لا تغضب ولك الجنة) (30) قال نجيب: صدق رسول الله الله
قال الأب: هل بقي لك شيء يا نجيب
قال نجيب: هذه
هي
قالت الأم: حسبنا الليلة سمراً.
الأسئلة التي خطرت لي الآن
جميع الأسئلة التي وجهها
•
قال الأب: صدقت يا أم نجيب فقد كانت
نجيب أسئلة دسمة أرجو أن يكون فهمها
- 179 -
- (1/189)
صفحة 190
قال نجيب: إنني سأذهب الآن إلى مكتبي لأسجل المناقشة التي دارت: بيننا حتى أرجع إليها قبل أن تعقدا لي إمتحانا
قال الأب: قم يا ولدي لتنجز عملك وتربح نفسك فقام نجيب وألقى تحية المساء على أبويه وانصرف ولا يزال ذهنه مشغولاً ببعض
المباحث التي دارت في الحديث
(1) سورة البينة 5/ 98
(2) سورة ال عمران 19/ 3
(3) سورة سورة الزمر 2/ 39 - 3.
(4) سورة المائدة 3/ 5
(5) سورة آل عمران 85/ 3
(د) سورة آل عمران 102/ 3
(7) سورة المائدة 111/ 5
(8) سورة يونس 84/ 10. (9) سورة الأحزاب 22/ 33
(10) سورة المائدة 3/ 5 (11) مقدمة التوحيد 21 - 23
(12) نذكر منها - مثلا - كتابات الأستاذ أبي الأعلى المودودي، خاصة كتاب «المصطلحات الأربعة في
القرآن الكريم. (13) مقدمة التوحيد 40 - 43
(14) للتوسع أنظر مؤلفات العلماء المسلمين في أصول الفقه»، نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر:
أ - «العدل والانصاف» لأبي يعقوب يوسف الوارجلاني.
ب - المستصفى» لأبي حامد الغزالي.
ج - مصادر الشريعة الإسلامية للدكتور علي جريشة.
(15) مقدمة التوحيد 34.
(10) مقدمة التوحيد 36.
37 -
(17) مقدمة التوحيد 36.
(18) يحرز: يحفظ ويصون.
(19) للتوسع ينظر حرز الدين، مقدمة التوحيد 48
49 -
(20) للتوسع ينظر حد الدين ثلاثة، مقدمة التوحيد 49.
بالمقارنة نجد أن المؤلف أضاف الحد الرابع وهو الوقوف عما لا يعرف حتى يعرف فجعلها أربعة حدود
(21) مقدمة التوحيد 37
(22) مقدمة التوحيد 37
38 - (1/190)
صفحة 191
(23) لم نعثر عليه في المعجم المفهرس لألفاظ
(24) لم نعثر عليه في المعجم المفهرس.
(25) رواه ابن ماجه بلفظ مغاير في باب الأشربه.
(20) مقدمة التوحيد 38.
(27) لم نعثر عليه في المعجم المفهرس.
(28) لم نعثر عليه في المعجم المنفرس.
(29) رواه أحمد بن حنبل بلفظ، فأعضوه ولا تكنود.
(30) رواه البخاري في باب الأدب، والترمذي وغيرهم.
- 181 (1/191)
صفحة 192
/ (1/192)
صفحة 193
-
-
-
الليلة الثانية عشر
مراجعة عامة لليالي السابقة.
- حدود ومعاني بعض الكلمات والعبارات العقدية: -1 النية 2 - الإيمان 3 - الإسلام -4 - الدين 5 – التوحيد الشهادة 7 - العلم المفروض 8 - الظن 9 - الشك
-
6
10 - الولاية
11 - البراءة 12 - الوقوف 13 - الفرض والواجب 14 - إيمان توحيد وإيمان غير توحيد
15 - الإيمان قول وعمل 16 - الإلزام الموسع والمضيق
17 - الكفر على وجهين
18 - شرك الجحود وشرك المساواة.
19 - نفاق الخيانة ونفاق التحليل والتحريم.
- حكم الملل الست.
- الخاتمة
- 183 - (1/193)
صفحة 194
/ (1/194)
صفحة 195
الليلة الثانية عشر
اجتمعت الأسرة كالعادة. وأحضرت الأم أواني الشاي الليبي، ولما جلست افتتحت الحديث فقالت: أرى يا أبا نجيب أن تعود إلى أسمارنا
السابقة فتشرح لنا بعض ما تحدثنا عنه ولم نستوف عنه الحديث
قال الأب: بل يحسن أن يحدثنا نجيب عن تلك الأسمار وقد نوجه
إليه أثناء ذلك أسئلة فإن أجاب بالصواب كان ذلك المطلوب وإن
أجاب بالخطأ صححنا له ما أخطأ فيه
قالت الأم: حسناً
!
ذلك هو
قال نجيب: إني أذكر سمر كل ليلة والمواضيع التي تناولناها على
الإجمال ولكما أن توجها إلى أسئلتكما.
قال الأب: إذن فابدأ باسم الله
قال نجيب:
•
الليلة الأولى: تحدثنا فيها عن كيفية الغسل وعن البلوغ،
وعن وجوب الإيمان بالله بطريق العقل.
قال الأب: وعماذا تحدثنا في الليلة الثانية
قال نجيب: تحدثنا عن معرفة توحيد الله وما يجب في حقه تعالى
13
- 185 - (1/195)
صفحة 196
•
وما يجوز وما يستحيل
قال الأب: هل تذكر ما هو أول الواجبات
قال نجيب: هو معرفة الله تعالى
قال الأب: وما هي مواضيع الليلة الثالثة
•
قال نجيب: تحدثنا عما يجب أن يعتقده المسلم في الله وجودا أو عدما، نفياً واثباتاً. وعن الجملة التي يدعو اليها رسول الله، وعن قيام الحجة السماعية، وعن الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم السلام، وبالكتب المنزلة عليهم وعن حكم دماء المسلمين وأموالهم وحكم دماء المشركين وأموالهم. قال الأب: هل تذكر الأنبياء الذين يجب معرفتهم بالتفصيل قال نجيب: يجب أن نعرف سيدنا محمداً وسيدنا آدم عليه السلام بالتفصيل ونعرف من الكتب المنزلة القرآن الكريم فهذا لا يتم التوحيد الا بمعرفته. أما بقية الأنبياء والرسل والكتب فيجب الإيمان على الجملة الا قامت الحجة. من قال الأب: عماذا تحدثنا في الليلة الرابعة؟
بهم
قال نجيب: تحدثنا عن كيفية نزول الوحي وعن الإيمان بالأنبياء
والرسل والكتب والملائكة وعن الإيمان بالحقائق المترابطة قال الأب: ماذا تعني بالحقائق المترابطة؟
قال نجيب: هي الموت والبعث والحساب والثواب والعقاب. قال الأب: ولماذا سميتها الحقائق المترابطة؟
قال نجيب: لأن كل واحدة منها مرتبطة بالأخرى ومترتبة عليها
"
فالبعث مرتبط بالموت ومترتب عليه والحساب مرتبط بالبعث ومترتب
عليه والثواب والعقاب مرتبطان بالحساب ومترتبان عليه
-
- 186 - (1/196)
صفحة 197
أنت
قالت الأم: لقد أحسنت في هذا التعريف ياولدي فهو من تعبيرك
:
قال الأب: عماذا تحدثنا في الليلة الخامسة؟
قال نجيب: تحدثنا عن وجوب معرفة أن الله أمر بطاعته وأوجب
عليها الثواب ونهى عن معصيته وأوجب عليها العقاب وتحدثنا عن
الولاية والبراءة والوقوف.
•
قال الأب: فعماذا تحدثنا في الليلة السادسة؟
قال نجيب: تحدثنا عن تحريم مسايرة الفساق والمنافقين في المعصية وتحدثنا عن مقارنة المعصية واستحلالها وتحدثنا عن ولاية البيضة
وبرائتها.
قال الأب: فما هي الأحاديث التي دارت بيننا في الليلة
السابعة
?
•
قال نجيب: لقد كان حديثنا في الليلة السابعة عن القضاء والقدر قال الأب: فماذا تناول حديثنا في الليلة الثامنة؟
قال نجيب: تحدثنا عن المنكر لحكم من أحكام الإسلام وعن المستحل وعن المقارف للمعصية واجرينا مقارنة في المعاصي ثبت بها
حرم
الله
تفاوتها في الفحش والفظاعة وتفاوت حكم العقوبة عليها.
قال الأب: فما هو سمر الليلة التاسعة.
قال نجيب: تحدثنا عن حكم المستحل لما الله بتأويل الخطأ حرم وعن حكم الناسي وحكم الجاهل وعما لا يسع جهله طرفة عين وعما يسع جهله إلى الورود وما يسع جهله دائماً، وعن الإلزام المضيق والإلزام الموسع وعن معنى مقارفة المعصية.
قال الأب: فماذا تناول حديثنا في الليلة العاشرة؟
- 187
- (1/197)
صفحة 198
قال نجيب: تناول حديثنا في تلك الليلة العاشرة التفريق بين
كبائر الشرك وكبائر النفاق والطاعة والمعصية والمن والدلائل، والخوف
والرجاء.
قال الأب: فعماذا تحدثنا في الليلة السابقة
قال نجيب: تحدثنا عن معنى الإيمان والإسلام والدين والتوحيد وتحدثنا عن أسهم الإسلام حسب الاصطلاح الذي وضعه أبو حفص بن جميع، وتحدثنا عن مصادر التشريع الإسلامي، وتحدثنا عن الأسس التي ينبني عليها الإسلام، وتحدثنا عن الأشياء التي يرتفع بها بناء الإسلام، وتحدثنا عما يتميز به الدين، وتحدثنا عما يحرز به المسلم دينه، وتحدثنا عن حدود الدين، وتحدثنا عن الأركان التي ينتهض بها
الكفر.
قال الأب: أحسنت أيها الولد الذكي فلقد لخصت أهم المواضيع التي تناولناها بالحديث في أسمارنا السابقة. قال نجيب: هذا كل ما استطعت تذكره الآن ولو زدتني سؤالاً آخر ما استطعت عليه جواباً قالت الأم وهي تمد الشاي إلى زوجها وولدها: لقد وفقت في الإمتحان يا ولدي وأجبت اجابات مرضية ومع ذلك فإنني عازمة أن أثير أسئلة عن معنى بعض الكلمات ليشرحها أحدكما نتأكد أننا درسنا مواضيع سمرنا دراسة كاملة واضحة مفهومة. قال الأب: حسناً تفعلين.
حتى
قال نجيب: إنني سوف أسجل ما تسألين عنه وما تجابين به قال الأب: أو لم تكن تفعل ذلك كل ليلة بعد السمر؟
قال نجيب: كنت أفعل ذلك أن بعد ينتهي السمر وقد أنسى بعض
- 188 - (1/198)
صفحة 199
النقط الدقيقة والملاحظات اللطيفة أما إذا كتبت أثناء الحديث فإنني سوف اسجله كما يدور بيننا.
قال الأب: افعل ما تراه أيسر لإفادتك يا بني.
قال نجيب، وقد أعد قلماً وورقاً: إنني في انتظار أسئلتك يا أماه فإنها لابد أن تكون شيقة ومفيدة وان تكون اجابات أبي وافية
وواضحة
قال الأب: كأنكما اتفقتما ان تجريا لي امتحانا.
قال نجيب: كما يمتحن الأبناء آبائهم والتلاميذ استاذهم
قال الأب: اما وقد اتفقتا فلا بأس، هيا أسألي ايتها الزوجة
الفيلسوفة قالت الأم: فأنا أذكر الكلمة وأنت تذكر تعريفها أو تشرح معناها. قال الأب: موافق يا ستي فابدئي.
قالت الأم: كل عمل خلا من النية فهو باطل فما هي النية؟
قال الأب: النية هي اخلاص العمل الله وطلب المنزلة عنده. قالت الأم: واعلموا ان فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان، وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان: أولئك هم الراشدون) (1). فما هو الإيمان؟ قال الأب: هو التصديق بالخالق ومعرفة توحيد الله وعبادته والعمل بما يقتضيه ذلك التصديق.
قالت الأم: ان الدين عند الله الإسلام (*)، فما هو
الإسلام؟
قال الأب: هو الخضوع والإنقياد لاحكام الله والإمتثال لأوامره ولا
- 189 - (1/199)
صفحة 200
يكون ذلك كاملاً إلا إذا صدر من القلب واللسان والجوارح قالت الأم: اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي
ورضيت لكم الإسلام دينا (**)، فما هو الدين؟
قال الأب: الدين هو أن تعرف ما أوجب الله عليك وما نهاك عنه وان تطيعه في أمره ونهيه. قالت الأم: إن سأل سائل فقال ما أصل الدين فقل الدين هو
التوحيد فما هو التوحيد؟
قال الأب: التوحيد هو إثبات الوحدانية للخالق.
قالت الأم: فما كلمة الشهادة؟
هي
قال الأب: هي يشهد المكلف ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمداً عبده ورسوله وان ما جاء به حق من عند الله وتسمى كلمة التوحيد أيضا قالت الأم: العلم فريضة على كل مسلم فما هو العلم المفروض على
الجملة التي يدعو إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أن
جميع
المسلمين
•
قال الأب: العلم هو معرفة الأشياء على حقيقتها والمفروض منه هو معرفة ما يجب ان يعتقده الإنسان ويقربه وما يجب عليه عمله وما يجب عليه تركه وما يجب عليه الوقوف فيه.
قالت الأم: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن
ان بعض الظن إثم (2) فما هو الظن؟
قال الأب: هو ترجيح: هو ترجيح أحد أمرين ممكنين.
قالت الأم: ومن أنكر جملة من الأنبياء فهو مشرك والشاك في شركه مشرك، فما معنى الشك؟ قال الأب: الشك هو التردد بين الطرفين وعدم ترجيح أحدهما على
الآخر؟
-
- 190 - (1/200)
صفحة 201
قالت الأم: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا الله عليكم سلطانا مبينا (3). فما هي الولاية؟ قال الأب: الولاية هي المحبة وفي الإصطلاح الشرعي هي محبة المسلمين الموفين بدين الله قالت الأم: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من
المشركين (4). ما معنى البراءة؟
بغض
قال الأب المنابذة والخلوص والإبتعاد وفي الإصطلاح الشرعي
: هي
أعداء الله جميعاً وعدم الركون إليهم. قالت الأم: المؤمن وقاف فما معنى الوقوف؟ قال الأب: الوقوف ان لا يقدم الإنسان على شيء يجهل حكمه وان لا يبادر إلى حب أو بغض من لا يعرفه
قالت الأم: ترد في الكتب كلمة الفرض والواجب فهل هما كلمتان
مترادفتان؟
قال الأب: أكثر العلماء يرى أنها تستعملان لمعنى واحد ويقول بعضهم إن ما وجب بالقرآن هو الفرض وما وجب بالسنة هو الواجب. قالت الأم: يرد في الكتب ان الإيمان توحيد وغير توحيد فما معنى
ذلك؟
قال الأب: الإيمان الذي هو توحيد هو التصديق بالجمل الثلاثة والإقرار بها وسائر خصال التوحيد التي تحدثنا عنها في الأسمار السابقة، أما الإيمان الذي هو غير توحيد ففعل جميع الفرائض والسنن والنوافل تقربا الله تعالى وترك جميع المحرمات والمكروهات طاعة الله تعالى. قالت الأم: يرد في الكتب ان التوحيد قول وعمل فما
العبارة؟
معني
هذه
- 191 (1/201)
صفحة 202
قال الأب: يعني ان التوحيد تصديق بالقلب والتصديق من عمل القلب وإقرار باللسان فلا يغني التصديق عن الإقرار ولا يغني الإقرار عن التصديق، فلابد أن يجتمع القول الذي هو إقرار باللسان وعمل وهو التصديق بالجنان ويقول المحققون ان العمل شامل للإعتقاد والعمل بالجوارح لأن من عمل القلب، والقيام بالفرائض بأنواعها هو العمل من
الأعتقاد
•
الجوارح، هذا ما يدل عليه الكتاب والسنة قالت الأم: يرد في الكتب ان الإلزام على وجهين: موسع ومضيق، فما معنى هذه العبارة؟ قال الأب: الإلزام هو التكليف والمضيق هو ما كان وقته غير زائد على فعله وذلك كالتوحيد وآخر أوقات الفرائض، والموسع هو ما كان وقته أوسع من فعله أو زائد على فعله وذلك كتفسير معاني التوحيد واوائل أوقات الفرائض، وقد تعرض أبو العباس الشماخي لهذين السؤالين فقال: «الإلزام يكون توحيد أو غير توحيد. والتوحيد يكون قولاً وعملاً كما تقدم بيانه، وغير التوحيد إما فرض مضيق أو موسع، أو فرض عين أو تخيير أو كفاية» (5)
•
قالت الأم: تردد في الكتب كلمتا الوعد والوعيد فما معناهما؟ قال الأب: ان الوعد والوعيد هو إجراء الخير والوعيد هو إجراء العقوبة أما أنا فأقول ان الوعد في الدنيا معناه تقرير الثواب وفي الآخرة هو تحقيقه وان الوعيد في الدنيا هو تقرير العقاب وفي الآخرة هو
تنفيذه.
•
قالت الأم: يرد في الكتب ان الكفر على وجهين فما معنى هذه
العبارة؟
—
- 192 - (1/202)
صفحة 203
قال الأب: إن كلمة الكفر تطلق على أحد معنين فهي إما أن
تكون بمعنى الشرك وإما بمعنى النفاق وعندما تطلق كلمة الكفر على الموحدين فيعني بها النفاق وهو ما يعبر عنه بعض العلماء بكفر النعمة وأهل الحديث بكفر دون كفر. قالت الأم: يرد في الكتب أن الشرك على وجهين: شرك جحود وشرك مساواة فما معنى هذه العبارة؟
قال الأب: شرك الجحود هو إنكار وحدانيته سبحانه وتعالى أما شرك المساواة فهو مساواة الله سبحانه وتعالى بخلقه في صفة أو فعل أو ذات تعالى الله ذلك علواً كبيراً. عن
قالت الأم: يرد في الكتب أن النفاق على وجهين: نفاق خيانة ونفاق تحليل وتحريم فما معنى هذه العبارة.
قال الأب: نفاق الخيانة هو تضييع الفرائض وارتكاب الكبائر
بشهوة.
ونفاق التحليل والتحريم: هو قول غير الحق وارتكابه بتأويل
وديانة.
•
قالت الأم: بقي لي سؤال واحد أرجو أن تتناوله بشيء من
التفصيل قال الأب: إنني لن أذكر كلمة واحدة قبل أن أشرب كوب الشاي. قالت الأم: وأنا الأخرى أريد أن أشرب كوباً ثم أخذت الإبريق وأفرغت منه ثلاثة أكواب مدت منها لزوجها وولدها وأخذت لنفسها وأخذ أفراد الأسرة يرتشفون الشاي في تلذذ وصمت وبعد أن أتم الزوج
ارتشاف الكأس تنحنح وقال:
هيا أيتها السائلة الملحاحة هات ما عندك.
- 193 - (1/203)
صفحة 204
•
قالت الأم: أنعم الله عليك أيها الزوج الصبور
قال نجيب: وهو يبتسم، هل أسجل هذه الدعوة الحارة يا أماه
قالت الأم: وهي تبتسم لا يا ولدي فإن هذه الدعوة تسجلها
الملائكة ويستجيب
الله لها
•
قال نجيب: فماذا أسجل؟
قالت الأم: سجل ما يأتي أيها الولد الذكي. ثم التفتت إلى زوجها
وقالت: يرد في الكتب أن الملل ست) فما معني هذه الكلمة. قال الأب: الأصل في ذلك قوله تعالى: ان الذين أمنوا والذين هادوا (7) والصابئين (8) والنصارى (9) والمجوس (10) والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (11). فقد ذكرت الآية الكريمة ملل ست طوائف من الناس وهم الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى والمجوس والذين
أشركوا
قالت الأم: هل تختلف الأحكام على هؤلاء؟ قال الأب: بطبيعة الحال فإن الإسلام قد أبطل جميع الأديان التي سبقته وعلى الأمة المسلمة أن تبلغ دعوة الله إلى غيرها من الأمم
والشعوب.
قالت الأم: وهل بقية الأديان متساوية في أجراء الأحكام عليها؟ قال الأب: إن أهل الأديان الأخرى ينقسمون إلى ثلاثة أقسام بالنسبة إلى موقف الإسلام منهم قالت الأم: هل لك يا أبا نجيب ان تشرح ذلك بشيء من
التفصيل؟
قال الأب: إن أهل الملل إما أن يكونوا أصحاب كتاب أو مشركين
- 194 - (1/204)
صفحة 205
أو مذبذبين بين أهل الكتاب والمشركين
قالت الأم: هل تضرب لهذه الأقسام أمثلة؟
قال الأب: إن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى والصابئون. والمذبذبون هم المجوس. أما بقية أصحاب الملل الأخرى فهم مشركون
كالوثنيين والطبيعيين وغيرهم ممن يكفر بالله.
قالت الأم: فما الأحكام الخاصة بأهل الكتاب؟
هي
قال الأب: اذا رضي أهل الكتاب بحكم الإسلام وخضعوا لقوانينه واعطوا الجزية للدولة المسلمة وسكنوا في بلدان الإسلام فإن من حقهم على المسلمين أن لا يؤذوهم وأن يسمحوا لهم بالقيام بعباداتهم وطقوسهم الدينية وان يعطوهم الحرية الكاملة في العمل من أجل الحياة وحل للمسلمين أن يتزوجوا من نسائهم وأن يأكلوا من ذبائحهم شريطة أن تكون تحت رقابة المسلمين، أما إذا لم يكونوا تحت حكم المسلمين فحكمهم حكم المشركين فلا يحل التزوج من نسائهم ولا أكل ذبائحهم ولا أن يفتحوا لهم مجال الحياة الحرة في ديارهم. انهم معارضون لدعوة الله وكل من اعترض سبيل الله يجب أن يقف معه المسلمون موقف الصرامة
والشدة
•
قالت الأم: فماذا تقول في هؤلاء الشباب الذين يتزوجون كل يوم من أوربا؟ قال الأب: ماذا أقول غير أنهم ارتكبوا أفظع جريمة في حق دينهم وحق وطنهم.
قالت الأم: انهم يستندون إلى قوله تعالى: اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب
- 195 - (1/205)
صفحة 206
من قبلكم إذا أتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين (12) ولا متخذي أخدان (13). قال الأب: استمعي إلى ما يقول أحد علماء الإسلام المعاصرين في تفسير هذه الآية الكريمة: «وهنا نطلع على صفحة جديدة من صفحات السماحة الإسلامية فالإسلام لا يكتفي بأن يترك أهل الكتاب لما يعتقدون إلا أن يفيئوا هم إليه راضين. لا يكتفي بأن يترك لهم هذه الحرية، ثم يعتزلهم فيصبحون في المجتمع الإسلامي محفوين (14) معزولين إنما يشملهم بجو من المشاركة الإجتماعية، والمودة والمجاملة والخلطة فيجعل طعامهم حلالا للمسلمين وطعام المسلمين حلالا لهم كذلك ليتم التزاور والتضايف والمخالطة الإجتماعية السمحة، وكذلك يجعل العفيفات من نسائهم طيبات للمسلمين، يقرن ذكرهن بالعفيفات من المسلمات وهي سماحة لا يفيض بها إلا الإسلام من بين سائر الأديان، فإن الكاثوليكي المسيحي ليتحرج من نكاح الأرثوذكسية البروتستاتنية أو المسيحية المارونية ولا يقدم على ذلك إلا المتحللون عندهم من العقيدة وهكذا يبدوا ان الإسلام هو العقيدة الوحيدة التي تسمح مع عليها في الضمير بقيام مجتمع عالمي لا عزلة فيه بين المسلمين وأصحاب الديانات الكتابية الأخرى ولا حواجز بين أصحاب العقائد المختلفة التي تظلها راية المجتمع الإسلامي (15)
المحافظة
قال نجيب: لم تذكر يا أبي صاحب هذا التفسير الرائع. قال الأب: هو عالم مسلم غيور يسمى سيد قطب جاهد في إعلاء
كلمة الله بلسانه وقلمه وأوذي في ذلك أذى كثيراً. قالت الأم: لقد لا حظت أنه يشترط أن تقوم هذه العلاقات تحت ظل راية المجتمع الإسلامي وهو يقرر ان هذا النظام إنما يقوم في رعاية المجتمع الإسلامي
-
- 196 - (1/206)
صفحة 207
قال الأب: أما سيدنا عبد الله بن عمر (10) فكان لا يجيز نكاح
الكتابية
وهي
على دينها مطلقاً وكان يجيب إذا سئل عن ذلك بقوله
تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم (17).
ويقول أنه لا شرك أعظم من قول النصارى أن عيسى ربهم. وأما الآية التي قلت ان بعض الناس يستندون اليها فقد قال فيها ابن عمر ان المقصود من الآية الكريمة حلية نكاح المرأة التي كانت كتابية وأسلمت وقد قال بهذا الرأي جمع كبير من علماء الإسلام واحتجوا لذلك بقوله تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله (18)
وقال في حكمة الزواج وما ينتج عنه بين الزوجين: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم
مودة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (19). فإن العلاقة بين المرء وزوجه يجب أن تكون علاقة مودة ورحمة وان العلاقة بين المسلم وأعداء الله يجب أن تكون الكراهية والبغض فدلت الآية الكريمة على أنه لا يحل تزوج الكتابية لأنها محادة الله ولا يخلو زوجها من مخالفة احدى الآيتين
قالت الأم: أليس في هذا شيء من الشدة والعسر؟ قال الأب: إنه ليس للإنسان أن يغير أحكام الله لأنها لا توافق
علماء
طبيعته أو تفكيره ولكنه على كل حال فقد ذهب المعتدلون من الإسلام إلى التيسير حسبما تريدين واباحوا أن يتزوج المسلم الكتابية وان يأكل من ذبائحهم وطعامهم ولكن ذلك لا يجوز الا عندما يكون هؤلاء الكتابيون عائشين في المجتمع الإسلامي راضين بحكمه خاضعين لنظامه
- 197 -
- (1/207)
صفحة 208
•
دافعين لما يترتب عليهم من حقوق
قال نجيب: يخرج من هذا النقاش أنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج الأجنبية ولا ان يأكل ذبائحهم قال الأب: هذا ما يجب أن تعرفه وان يعرفه جميع المسلمين وان
الله من
يعلموا به وان كل من يدجل باسم الإسلام ويحل للناس ما حرم طعام ونكاح فهو مضلل أثيم وانه لمن المؤسف ان يتلقف الناس آية من كتاب الله فيذهبون في تأويلها وتفسيرها حسبما تهواه أنفسهم وتمليه شهواتهم واغراضهم ثم يجدون من يبيح لهم ذلك ممن يزعم أنه أوتي الفهم والعلم. قالت الأم: وما هي الأحكام الخاصة بالمشركين؟ قال الأب: ان المشركين لا يقيم معهم المسلمون أية علاقة فهم إما ان يقبلوا الإسلام ويدخلوا في دين الله تعالى وإما أن يعلن الحرب عليهم وان يكونوا أعداء الله ولرسوله وللمسلمين
•
قالت الأم: فما أحكام المجوس؟ قال الأب: يدعون إلى: يدعون إلى دين الله فإن استجابوا وآمنوا فهم إخواننا في الدين وإن امتنعوا عن الإيمان ورضوا بحكم الإسلام ودفعوا الجزية فلهم ان يعيشوا تحت رعاية النظام الإسلامي ولكن المعاملة لا ترتفع إلى معاملة أهل الكتاب فلا يحل نكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم حتى وهم
تحت إشراف الأمة المسلمة
•
معهم
قالت الأم: يعني إن الحكم عليهم وسط بين أهل الكتاب والمشركين فتصان دماؤهم وأموالهم إذا دفعوا الجزية ويحرم نكاح نسائهم وأكل طعامهم حتى وهم يعيشون ضمن المجتمع الإسلامي. قال الأب: هذا صحيح ولكن هذه المعاملة لأهل الكتاب من
- 198 - (1/208)
صفحة 209
اليهود والنصارى والصائبين أو المجوس لا تعني أنهم غير مشركين ولذلك فهم يتساوون في الحكم مع المشركين إذا لم يكونوا خاضعين لأحكام الإسلام قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وإن خفتم عيلة (20) فسوف يغنيكم الله من فضله ان شاء، ان الله عليم حكيم، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا
حرم
•
الكتاب حتى يعطوا الجزية (21). فأهل الكتاب كما ترى مشركون ولكنهم مشركون عندما يفيئون إلى الإسلام ويحتمون بحكمه فإن الإسلام يسبغ عليهم الأمن والسلام والعدالة والحرية والحياة الكريمة مراعاة لاستناداهم إلى كتاب من كتب الله ولو
أنهم حرفوه ولم يعملوا به. قالت الأم: يظهر أنني أخذت منكما وقتا طويلاً وإنني أشكر لك يا أبا نجيب هذه المعلومات القيمة وارجوا من ولدي أن يقتدي بأبيه وان يزيد عليه في الجد والإطلاع لا سيما وأسباب المعرفة اليوم ميسرة أكثر
منها بالأمس
قال الأب: إنه واجبي أيتها المرأة الصالحة
•
قال نجيب: أطال الله بقاء كما وعافيتكما وأقدرني على البر بكما وقضاء حقوقكما ثم قام فألقى عليهما تحية المساء وانصرف قرير العين
(1) سورة الحجرات 7/ 49
سورة آل عمران 13/ 3
•
** سورة المائدة 3/ 5 (2) سورة الحجرات 12/ 49
- 199 -
- (1/209)
صفحة 210
(3) سورة النساء 144/ 4 (4) سورة التوبة 1/ 9.
(5) مقدمة التوحيد 98
(6) للتوسع في حكم الملل الست أنظر «فصل في الملل الست، في مقدمة التوحيد 78. (7) الذين هادوا: اليهود أهل التوراة. والمرسل اليهم موسى عليه السلام.
(8) الصابئون: الذين يقرأون الزبور ويعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة: قيل: هم قوم يصبون أي
يميلون من دين إلى دين
(9) النصارى: أهل الإنجيل، والمرسل اليهم عيسى عليه السلام.
(10) المجوس: قوم يعبدون الشمس والقمر وينكحون ذوات المحارم ويزعمون أنهم على شريعة آدم. (11) سورة الحج 17/ 22.
(12) مسافحين: من السفاح وهو الزنا والفجور.
(13) سورة المائدة 5/ 5. وتمام الآية ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين. (14) مجفوين: من الجفو وهو الغلظ في المعاشرة.
(15) في ظلال القرآن 848/ 2
(16) عبد الله
بن عمر
، بن الخطاب القرشي العدوي: من كبار الصحابة، أسلم ولم يبلغ الحلم وهاجر مع أبيه إلى المدينة، وكان كثير الاقتداء بالرسول الله، وقيل انه ألم الصحابة بمناسك الحج، ومن المكثرين في رواية
الحديث.
توفي بمكة سنة 63 وهو ابن 84 بسبب جرح أصابه من حربة مسمومة اعدها له رجل من قبل الحجاج بن
يوسف الثقفي.
(17) سورة البقرة 221/ 2
(18) سورة المجادلة 22/ 58.
(19) سور الروم 21/ 30
•
(20) العيلة: الفقر والحاجة.
(21) سورة التوبة 289 - 29. وتمام الآية «عن يد وهم صاغرون»
- 200 - (1/210)
صفحة 211
الخاتمة
{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
سورة آل عمران/8
14
- 201 - (1/211)
صفحة 212
/ (1/212)
صفحة 213
5
9
13
•
25
41
•
فهرس المحتويات
المقدمة
حفلة عيد الميلاد
الليلة الأولى
- الغسل
- البلوغ
- الإيمان بالله بطريق العقل
الليلة الثانية
- معرفة توحيد الله تعالى
- ما يجب في حقه تعالى وما يجوز وما يستحيل
الليلة الثالثة
- ما يجب أن يعتقد في الله
- قيام الحجة السماعية
- 203 - (1/213)
صفحة 214
- الإيمان بالأنبياء والرسل والكتب المنزلة
- حكم دماء وأموال المسلمين والمشركين
الليلة الرابعة
- رسالة محمد مال
53
- الإيمان بالأنبياء والرسل والكتب والملائكة؛ وبالموت والبعث،
والحساب والثواب والعقاب
- الوحي
الليلة الخامسة
69.
- وجوب معرفة ان الله أمر بطاعته وأوجب الثواب عليها، ونهى
عن معصية وأوجب العقاب عليها
- الولاية والبراءة والوقوف
الليلة السادسة
- تحريم مسايرة الفساق والمنافقين
- مقارفة المعصية واستحلالها - ولاية البيضة وبراءتها
الليلة السابعة
- القضاء والقدر
الليلة الثامنة
-
المنكر لحكم من أحكام الإسلام
85
101
115
204 - (1/214)
صفحة 215
129.
149.
165.
المستحل لما حرم الله - المقارف للمعصية - التفاوت في المعاصي
الليلة التاسعة
- الاستحلال بتأويل الخطأ - حكم الناسي
- حكم الجاهل
- الإبتلاء ومقارفة المعصية
الليلة العاشرة
- كبائر الشرك وكبائر النفاق
- الطاعة والمعصية
- المن والدلائل
- الخوف والرجاء
الليل الحادية عشر
- الإيمان والإسلام والدين والتوحيد
- أسهم الإسلام
-
مصادر التشريع الإسلامي
- اسس الإسلام
- قواعد الإسلام
- اركان الإسلام
-205 - (1/215)
صفحة 216
- ما يتميز به الدين - حرز الدين
حدود الدين
- اسس الكفر
أركان الكفر
الليلة الثانية عشر
- مراجعة عامة لليالي السابقة
183
- حدود ومعاني بعض الكلمات والعبارات العقدية (1) النية (2) الايمان (3) الإسلام (4) الدين (5 التوحيد (6) الشهادة (7) العلم المفروض (8 الظن (9) الشك (10) الولاية (11) البراءة (12) الوقوف (13) الفرض والواجب (14 ايمان توحيد وايمان غير توحيد (15) الإيمان قول وعمل 16 الالزام الموسع والمضيق (17) الكفر على وجهين (18) شرك الجحود وشرك المساواة (19) نفاق الخيانة ونفاق التحليل والتحريم
- حكم الملل الست
الخاتمة
– 206 –
201 (1/216)
صفحة 217
موجز من حياة المؤلف
- ولد سنة 1919 بمدينة نالوت بليبيا.
- تلقى تعليمه الابتدائي بكتاب قريته، ثم لازم الشيخ رمضان بن يحيى الليني. حوالي سنة 1937 سافر إلى الجزائر وأقام سبع سنوات بمعهد الحياة مرابطاً في ساحة العلم طالباً وأستاذاً.
- شغل بليبيا مهنة مدرس ثم تدرج حتى حصل على وظيف مرموق في الوزارة. - اتجه منذ شبابه إلى التأليف في شتى الميادين من العقيدة والفقه والأدب والتاريخ إلى السياسة والاجتماع. واصدر كتباً ورسائل وبحوثاً ... تمتاز بالابداع والاتقان. منها المطبوع ومنها المخطوط. نذكر منها:
1 - الإباضية في موكب التاريخ (4) حلقات). 2 - الإباضية بين الفرق الإسلامية.
3 - الاقانيم الثلاثة
4 - أجوبة وفتاوي.
5 - الحقوق في الأموال
6 - الفتاة الليبية ومشاكل الحياة
7 - مسرحية ذي قار» سياسية ..
الله
توفي رحمه في 1980/ 01/16 م. (1/217)
صفحة 218
رقم الايداع: 51/ 93 (1/218)