صفحة 1
الكتاب: شرح غاية المراد لعبد الله القنوبي شرح غاية المراد
في الاعتقاد
منظومة
الإمام نور الدين السالمي
رحمه الله تعالى
إعداد
عبد الله بن سعيد القنوبي
قصيدة غاية المراد في الاعتقاد
الحمدُ لله مُنشِي الكائناتِ على ... ما شاءها وبِلا مِثلٍ هناك خَلا
ثم الصلاةُ على المختارِ سيدِنا ... ومَن إلى قابَ قَوسَينِ دنا فعَلا
والآلِ والصَّحْبِ ما كان الهُدى عَلماً ... يهدي به الله للخيراتِ مَن عَقَلا
وبعدُ فالدِّينُ لا عُذرٌ لجاهلِهِ ... إن كان مِن بعدِ تكليفٍ به جَهِلا
وأوَّلُ الفَرضِ مِن تأصِيلِه جُملٌ ... ثلاثةٌ فُزتَ إن تستحضِرِ الجُمَلا
وإن أتيتَ بها نُطقاً حُفِظتَ بها ... لِلنفسِ والمالِ والسَّبيُ بها حُظِلا
ندينُ أنَّ إلهَ العرشِ ليس لهُ ... شِبهٌ وليس لهُ نِدٌّ ولا مَثَلا
وأنهُ ليس جِسماً لا ولا عَرَضاً ... لكنهُ واحدٌ في ذاتِهِ كَمُلا
وواحدٌ في الصفاتِ والعبادةِ والْ ... أفعالِ طُراً فلا تبغُوا بهِ بَدلا
أسماؤهُ وصِفاتُ الذاتِ ليس بغيْـ ... ــرِ الذاتِ بل عينُها فافهَمْ ولا تحُِلا
ولا يحُيطُ بهِ سبحانهُ بصرٌ ... دُنيا وأُخرى فدَعْ أقوالَ مَن نَصَلا
ولا يُكيِّفهُ وَهْمٌ ولا فِكَرٌ ... ولا تحُيطُ بهِ الأقطارُ مُدَّخَلا
وَهْوَ على العرشِ والأشيا استَوى وإذا ... عَدلتَ فَهْوَ استِواءٌ غيرُ ما عُقِلا
وإنما الاستوا مُلْكٌ ومَقْدِرةٌ ... لهُ على كلِّها استولى وقد عَدلا
كما يُقالُ استوى سلطانهُم فعَلا ... على البلادِ فحاز السهلَ والجبَلا
وأنَّ أحمدَ مِن رُسْلِ الإلهِ وقد ... يُخصُّ مِن بينهم فَضلاً ومُفتَضَلا
وأنهُ صادِقٌ فيما أتانا بهِ ... مُبلِّغُ الثقلَينِ ما بهِ رُسِلا
وقد أتت حُججُ البرُهانِ ناطقةً ... بالموتِ والبعثِ والحسبانِ فامتثلا
وما هنالك ميزان يقام كما ... قالوا عمود وكفات لما عملا
وإنما الوزنُ حقٌّ مِنهُ عزَّ ألَمْ ... تسمعْ إلى آيةِ الأعرافِ محُتفِلا
ولا الصِّراطُ بجسرٍ مثلَ ما زعموا ... وما الحسابُ بِعدٍّ مثلَ مَن ذَهَلا
وأنهُ مَن أطاع اللهَ يُدْخِلُهُ ... جنَّاتِهِ أبداً لا يبتغي نُقُلا (1/1)
صفحة 2
ومَن عصاهُ ففي النيرانِ مَسْكنُهُ ... ولم يجِدْ مَفْزعاً عنها فيَنتِقَلا
وما الشفاعةُ إلا للتقِيِّ كما ... قد قال ربُّ العُلا فيها وقد فصَلا
والمؤمنون عن النيرانِ قد بَعُدوا ... وما الوُرودُ لهم بل للذي انخذَلا
وأنَّ للهِ أملاكاً وقد عُصِموا ... وأنَّ جنسَهُمُ عن جِنسِنا فُصِلا
فلا تَصِفْهُم بشيءٍ مِن صِفاتِكَ مُطْ ... ـلقاً سِوى أنهم خَلْقٌ قد امتَثَلا
والأنبيا بهمُ الإيمانُ يلزمُنا ... وما على كلِّهِمْ مِن كُتْبِهِ نَزلا
وبالقُرَانِ خُصوصاً بعدَ جمُلتِها ... وليس مِنها قديمٌ يحتوِي الأزلا
بل كُلُّها خَلَقَ الباري وكَوَّنهُ ... فيما يشاءُ فلا تُصغُوا لمِن عَذلا
وبالقضا وبما الرحمنُ قدَّرهُ ... وأنهُ خالِقٌ أفعالَنا حُلَلا
لكنهُ لا بجبرٍ كان منهُ لنا ... وعلمُهُ سابقٌ في كلِّ ما جَعَلا
وإنما الفعلُ مخلوقٌ ومُكتَسَبٌ ... فالخَلْقُ للهِ والكسبُ لِمَن فَعَلا
33 بيتا
ذكر الإيمان وما يشتمل عليه
إيمانُنا القولُ والتصديقُ مع عملٍ ... فالقولُ مَرَّ فصَدِّقْهُ وكُنْ عَمِلا والنَّفلَ إن تستطع فافْعَلْهُ مُبْتهِلا
بما عليك مِن الإيمانِ مُفتَرَضٌ ... ونِيَّةٌ ورَعٌ عن كُلِّ ما حُظِلا
قواعِدُ الدِّينِ عِلْمٌ بعدَهُ عملٌ ... تحوزُ أركانَهُ اللاتي بِها كَمُلا
اِرْضَ وفَوِّضْ وسلم واتَّكِلْ فبِذا ... ـكِتمانِ طُرْقٌ له أكْرِمْ بِها سُبُلا
ثم الظهورُ ودَفْعٌ والشِّراءُ مع الْـ ... فِقٍ وصاحبِ شِركٍ جاحِدٍ عُذِلا
وفَرزُهُ في ثلاثٍ مُؤمنٍ ومُنا ... ـرَى مِن مُصِرٍّ وقِفْ عن كُلِّ مَن جُهِلا
وحِرزُهُ أن تُوالي مَن أطاع وتَبْـ ... عَ وعَادِ مَن عصى جملةً للهِ ممُتثِلا
ووالِ في جمُلةٍ مَن قد أطا ... فَرْضٌ كعُدوانِ مَن إياهُ قد خَذَلا
وكُلُّ مَن عصمَ المولى وَلايتُهُ ... حوتْهُ طاعتُهُ إلاَّ الذي انخَذَلا
وكُنْ مُوالٍ إمامَ المسلمين ومَنْ ... ومَن له في سبيلِ المُكْفِراتِ تَلا
وعادِ في الدِّينِ جبَّاراً وعامِلَهُ ... إذ قد يكونُ هناكَ مُؤمِنٌ دَخَلا (1/2)
صفحة 3
لا كُلَّ مَن قد حوى سُلطانُ عِزَّتِهِ ... ـرى طاعةٌ فُرِضَتْ إنْ شَرْطُها حَصَلا
ثم الوَلايةُ توحيداً تكونُ وأُخْـ ... بِهِ الوَلايةُ أنْ تُلْفِيهِ ممُتثِلا
كذا البراءةُ والشرطُ الذي وجَبَتْ ... ـاً هكذا وعدُوَّاً للذي نَصَلا
وربُّنا لم يزلْ للمؤمنينَ وَلِيَّ ... أفعالُ تَقْدحُ فيهِ خُذْهُ مُنتَحَلا
وهكذا أبداً ليس الزمانُ ولا الْ ... فكلُّنا عامِلٌ بِما له جُعِلا
لكننَّا قد تَعبَّدْنا بِطاعَتِه ... وبالذي فعلوهُ الجِدَّ والهَزَلا
معنى مُوالٍ مُعادٍ عالِمٌ بِهِمُ ... 51 بيتا
ذكر الكفر وما يشتمل عليه
والشِّرْكُ لابد مِن أنْ تعرِفنْهُ لِكَي ... تكونَ في مَقعَدٍ عن غيِّهِ اعتزلا
وهْو المساواةُ بين اللهِ جلَّ وبيـ ... ـن الخلقِ أو جحدُهُ سبحانه وعلا
وما سِواهُ مِن الكُفرانِ يلزمُنا ... أي عِلْمُهُ إن علِمْنا حُكْمَهُ الفَصِلا (1)
مالم نكن راكبيهِ أو نُصوِّبُ مَن ... يأتيهِ عمداً وجهلاً هكذا نُقِلا
جهلٌ حمِيَّةُ كِبرٌ بعدَهُ حسدٌ ... قواعِدُ الكُفرِ فاحْذَرْ إنها العُضَلا
ورغبةٌ رهبةٌ أركانُهُ ويليـ ... ــها شهوةٌ غضبٌ في كُلِّ ما حُظِلا
57 بيتا
ذكر الملل الست وأحكامها
وهذه مِللُ الأديانِ قد نُصِبتْ ... لابُدَّ لِلمرءِ مِن أن يعرِفَ المِلَلا
فالمسلمونَ وهُمْ مُوفٍ ومجُترِحٌ ... والمجرمون بِنَهْكٍ منهمُ انفَصَلا
أو مُستحِلٌ وأحكامُ الأُولى انتهَكُوا ... أنْ يُرْجِعوا كُلَّ ما صابوا وإنْ جَزُلا
وقد يجوزُ لِكُلٍّ ما يجوزُ لنا ... إلا الوَلايةُ خُصَّت بالذي عَدَلا
يهودُ ثم النصارى والمجوسُ معاً ... والصابِئون لهمْ حُكمٌ وقد عُقِلا
يُسالمون إذا انقادوا على صِغرٍ ... بجِزيةٍ أو أبَوْ فالكُلُّ قد قُتِلا
والمشرِكون ذوُوا الأوثانِ ليس لهمْ ... سلامةٌ غَيرَ أن دانوا بمِا نَزَلا
والحُكْمُ إن حاربوا في الكُلِّ مُتحِدٌ ... نَهْبٌ وسَبيٌ وقَتلٌ فيهمُ فُعِلا
__________
(1) في ( خ ) : القصلا ، وكلاهما بمعنى واحد . (1/3)
صفحة 4
حاشا قُريشاً فإنَّ السبيَ ممُتنِعٌ ... فيهم على قولِ أهلِ المغربِ الفُضَلا
والذَّبحَ إنْ سالموا أهلُ الكتابِ معَ النِّـ ... ـكاحِ مِنهمْ أجِزْ إلاَّ الإماءَ فَلا
67 بيتا
خاتمة في أحكام الإمامة
إنَّ الإمامةَ فرضٌ حينما وجبتْ ... شُروطُها لا تكُنْ عن شرطِها غَفِلا
وباطِلٌ سيرةٌ فيها الإمامةُ في اثْـ ... ـنينِ لو بلغا في المجدِ ما كَمُلا
وبعدما فُتِحتْ أُمُّ القُرَى نُسِخَتْ ... ما كان مِن هِجرةٍ مفروضُها اتَّصَلا
إنا ندِينُ بِتصوِيبِ الأُولىَ منعُوا ... حُكومةَ الحكمَينِ حينما جَهِلا
والرَّاسِبيَّ أُوالي بعدَ جمُلتِهِمْ ... ومَن بهِمْ نسبُ الإسلامِ قد وُصِلا
عَنيتُ نَجْلَ إبِاضٍ فهْوَ حُجَّتُنا ... أما ترى فَخْرَهُ لِلمسلمين حَلا
ومَن قَفا أَثْرَهُمْ مِن كُلِّ مجُتهدٍ ... شاكِ السِّلاحِ لِقمعِ الخَصمِ حينَ غَلا
والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ على ... إِتمامِ ما رُمتُ إذ مِن فضلِهِ كَمُلا
ثم الصلاةُ وتسليمٌ ويُقارِنُها ... على الذي ختم المولى بهِ الرُّسُلا
والآلِ والصَّحبِ ما لاحت فضائلُهُمْ ... ومَن لهمْ في سبيلِ المكرُماتِ تَلا
77 بيتاً
ترجمة الإمام السالمي
( رحمه الله )
اسمه ومولده :
-هو الإمام نور الدين عبد الله بن حميد بن سلّوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي
-ولد ( بالحوقين ) من أعمال الرستاق سنة ( 1286هـ ) .
-وبدأ في صباه بحفظ القرآن الكريم ، حتى أتم حفظه واستظهاره .
طلبه للعلم :
-رحل إلى الرستاق طلباً للمعلم ، وتتلمذ على الشيخ راشد بن سيف اللمكي .
-وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره كف بصره ، وانكب على الحفظ والدراسة ، وحضور مجالس العلم .
-واشتهر بدأبه وشدة اهتمامه ، حتى أصبح شيخاً وأستاذاً معروفاً في بلدة ( الرستاق ) التي تعلم بها . (1/4)
صفحة 5
-ومن خلال مواظبته على مجالس العلم التقى بالشيخ صالح بن علي الحارثي فأعجب الإمام السالمي به وواظب على مجلسه ، وظل ملازماً للشيخ صالح الحارثي إلى أن وافاه أجله ، ولازم بعده ابنه عيسى بن صالح الحارثي .
-ثم شاع صيت الإمام السالمي في ربوع عمان وفي كافة أرجائها .
صفاته :
- وكان رحمه الله شديد الغيرة على محارم الله تعالى ، يقول الحق وينطق بالصدق ، مشهور بالبسالة والصلابة ، كثير الرد على من خالف ملة الإسلام ، مشغول البال بأمته ، يفرح بما ينفعها ، ويحزن لما يضرها ، وإنه ليكتئب إذا أصيب أحد من الأمة بحدث ولو بالصين .
تلامذته ومؤلفاته :
-ترك لنا الإمام السالمي ثروة علمية هائلة ، ومكتبة ضخمة ، ومدرسة خرجت فطاحل العلماء ، كالإمام سالم بن راشد الخروصي ، والإمام محمد بن عبد الله الخليلي ، بل إن أكثر علماء عمان اليوم تخرجوا من مدرسته .
-أما مؤلفاته فهي المعتمد في المذهب الإباضي ، وعليها تخرج أكثر طلبة العلم ، وكلها مشهورة منتشرة نافعة مباركة ، ونذكر منها :
-في الحديث الشريف :
1-شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب في ثلاثة جزاء .
-في العقيدة :
2-مشارق أنوار العقول .
3-بهجة الأنوار .
4-غاية المراد في الاعتقاد .
-في أصول الفقه :
5-شرح طلعة الشمس في جزئين .
-في الفقه :
6-معارج الآمال شرح مدارج الكمال .
7-الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة .
8-جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام .
9-تلقين الصبيان .
10-العقد الثمين في فتاوى الإمام نور الدين .
-في اللغة العربية :
11-شرح بلوغ الأمل في المفردات والجمل .
12-المنهل الصافي في العروض والقوافي .
-في التأريخ :
13-تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان .
14-اللمعة المرضية في أشعة الإباضية .
-كتب أخرى :
15-بذل المجهود في الرد على النصارى واليهود .
وفاته : (1/5)
صفحة 6
توفي رحمه الله في 18 من صفر سنة 1332هـ ، بعد حياة مليئة بالعلم والعمل ، والجد والاجتهاد ، فهو رب السيف والقلم ، فرحم الله تلك الأبدان ، وأدخل روحه الجنان :
فحسبك من تثني عليه دفاتِرُه وتفقده أقلامه ومحابِرُه
فكم لبني الأيام والناس ألسنٌ أوائله تثني له وأواخِرُه
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
تعريف العقيدة :
العقيدة هي ما انعقد عليه القلب انعقاداَ جازماً سواء كان حقاً أم باطلاً0
فمثال العقيدة الحقة :
عقيدة الاسلام0
ومثال العقيدة الباطلة :
عقيدة اليهود ، عقيدة النصارى؛ لأنهم حرفوها .
تعريف التوحيد :
التوحيد هو إفراد الله تعالى بالوحدانية بمعنى أن الله واحد0
تعريف الدين :
الدين هو كل شي يدين به العبد ويعتقده لربه 0
مثال : أدين بأن الله واحد بمعنى أعتقد بأنه واحد0
شرح البسملة :
(البسملة) معناها بسم الله الرحمن الرحيم كما نقول (الحوقلة) نعني لا حول ولا قوة إلا بالله ، وكذا (الحمدلة) نعي بها الحمد لله رب العالمين .
بسم الله الرحمن الرحيم
(الباء) : للاستعانة ، بمعنى أستعين بسم الله ، فإذا قالها القارئ في أول قراءته فإنما يقصد أني أستعين باسم الله في قراءتي ، وإذا قالها في أول الطعام فكأنه يقول : أستعين باسم الله في تناول طعامي ، وإذا قالها في أول كل عمل يعمله فإنه يعنى : أستعين باسم الله في كل عمل أعمله .
اسم : مأخوذ من الوسم وهو العلامة ، محمد علامة على شخص معين .
الله : اسم علم يدل على الذات العلية - جل جلاله ، ولا يطلق إلا عليه تعالى ، قال سبحانه : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (1) } ، أي هل تعلم أحداً تسمى باسمه تعالى ( الله ) .
الفرق بين كلمتي الإله والله :
الإله : تطلق على أي معبود سواء كان حقاً أم باطلاً فبعضهم يسمي الشمس إلهاً والحجر إلهاً والصنم إلهاً0
__________
(1) مريم / 65 (1/6)
صفحة 7
الله : لا تطلق إلا على ذات الله فهي أعظم الأسماء وقد ورد حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إن لله تسعا وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة " (1) وهي الأسماء الحسنى ، ومعنى " أحصاها " أي حفظها وفهم معناها وعمل بمقتضاها ، وبعضهم قال : هي ألف اسم ، وبعضهم قال : مائة ألف اسم ، وبعضهم قال : لا حصر لها 0
الرحمن الرحيم :
صفتان تدلان على كثرة الرحمة ، والفرق بينهما أن الرحمن تعني : أن الله يرحم الناس أجمعين المؤمنين والكافرين ، والرحيم خاصة بالمؤمنين ، وقال بعضهم الرحمن للناس في الدنيا ، والرحيم للمؤمنين يوم القيامة 0
فضل البسملة :
فضلها عظيم وهي أول آيه في سورة الفاتحة وهي جزء من آيه في سورة النمل وافتتح الله بها بداية كل سورة من القرآن الكريم ما عدا سورة التوبة 0
(ال) في ] الحمد [ لها ثلاثة معانٍ :
1- العهد : أي الشيء المعهود المعروف ، تقول أعطني الكتاب، أي الكتاب الذي أعرفه وتعرفه .
2- الجنس : ونعني بها النوع أي نوع معين من أي شيء ، تقول أعطني الكتاب ، أي أعطني كتاباً معينأ من جنس معين من الكتب0
3- الاستغراق : معناها الشمول والعموم ، تقول أعطني الكتاب بمعنى أعطني جميع أجزاء الكتاب .
أنواع الحمد :
1-حمد قديم : ونعني به الحمد الواجب لله - عز وجل - في الأزل .
2-حمد حادث : ونعني به الحمد في مقابل نعمة حادثة لم تكن من قبل ، وعلى هذا نفهم أن (ال) في الحمد إذا كانت تعني العهد فمعناها الحمد القديم المعروف مع جميع الناس ، وإن كانت (ال) في الحمد بمعنى الجنس فنعني به جنساً أو نوعاً معيناً من أنواع الحمد لأن الحمد له أنواع كثيرة ، وإن كانت (ال) للاستغراق فمعناها الحمد القديم والحادث ، وهذا هو الرأي الراجح ، فإن الحمد كله لله ، قال تعالى : { لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ } (2) .
الفرق بين الثناء والشكر والحمد :
__________
(1) رواه الترمذي والحاكم .
(2) القصص / 70 (1/7)
صفحة 8
الثناء : يكون باللسان ، ويكون في مقابل نعمة أو بدون نعمة .
والشكر : يكون باللسان لكنه في مقابل نعمة .
والحمد : أعم من الشكر والثناء .
تعريف الحمد :
الحمد : هو الثناء بالجميل على الجميل سواء تعلق بالفضائل أم بالفواضل .
شرح التعريف :
الحمد هو الثناء بالجميل ، ونعني به الثناء الحسن .
الفضائل : جمع فضيلة وهي ما يتميز بها الإنسان كالشجاعة والصبر.
الفواضل :جمع فاضلة وهي الصفات المكتسبة كالقوة والتصدق بالمال.
شرح القصيدة
يقول الإمام السالمي-رحمه الله - :
1-الحمدُ لله مُنشِي الكائناتِ على ... ... ما شاءها وبِلا مِثلٍ هناك خَلا
الشرح :
الحمد لله الذي أنشأ الكائنات وأوجدها من العدم في أحسن صورة على ما أراده تعالى، قال - عز وجل - : { الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأ خَلْقَ الْإِنسَانِ من طِينٍ } (1) ، خلق هذه الكائنات بلا مثيل سابق ، وهذا هو غاية الإعجاز في الخلق ،لذلك استحق الله الحمد المطلق .
2-ثم الصلاةُ على المختارِ سيدِنا ... ... ومَن إلى قابَ قَوسَينِ دنا فعَلا
الشرح :
ثم : تفيد الترتيب مع المهلة ، تقول : دخل زيد ثم خالد ، بمعنى دخل زيد وتبعه خالد.
الصلاة على المختار : لها عدة معانٍ :
أ - الصلاة من الله رحمة .
ب - ومن الملائكة استغفار .
ج - ومن الخلق دعاء .
قال تعالى في دعاء الملائكة : { وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ } (2) ، وقال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ (3) } بمعنى : اُدعُ لهم .
معنى البيت :
__________
(1) السجدة / 7
(2) الشورى / 5
(3) التوبة / 103 (1/8)
صفحة 9
صلاة الله على سيدنا محمد النبي الذي اختاره واصطفاه لتبليغ دعوة الله ، وهو سيد الخلق ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ،وما من نبي يومئذ آدمُ فمن سواه إلا تحت لوائي ، وأنا أول شافع ، وأول مشفع ولا فخر " (1) الذي قرب من الله -قاب قوسين- قُرب رفعة وتشريف ، كوصوله - صلى الله عليه وسلم - إلى سدرة المنتهى ليلة المعراج ، وإعطائه الشفاعة الكبرى ، قال تعالى : { عَسَى أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَّحْمُودًا } (2) ، وغيرها كثير ،كل ذلك تشريف وتكريم .
مسائل في الصلاة والسلام على الرسول - صلى الله عليه وسلم - :
المسألة الأولى : لا بد من الجمع بين الصلاة والسلام على الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا } (3) .
المسألة الثانية : الصلاة والسلام على الرسول - صلى الله عليه وسلم - واجبة في العمر مرة واحدة ، وقيل : واجبة في أول مرة يسمع فيها ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما عداه فهو مستحب ، وقيل : لابد من الصلاة والسلام عليه في كل مرة يسمع فيها ذكره عليه الصلاة والسلام ، والأحسن أن لا يترك الإنسان الصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - في أي وقت يسمع فيه ذكره - صلى الله عليه وسلم - لما في ذلك من ثواب جزيل .
__________
(1) رواه الترمذي وابن ماجة .
(2) الإسراء / 79
(3) الأحزاب / 56 (1/9)
صفحة 10
المسألة الثالثة : أفضل وأحسن ألفاظ الصلاة والسلام على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يسمى (بالصلاة الإبراهيمية) : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أمرنا بأن نصلي ونسلم عليك ، فكيف نصلي ونسلم عليك ؟ قال الصحابة : فسكت الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى ظننا أنه نسي ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : " قولوا : اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين ، إنك حميد مجيد ، والسلام كما علمتم " (1) يعني : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته .
لذلك استحب كثير من العلماء بأن يأتي المصلي بهذه الصلاة الإبراهيمية في التحيات الأخيرة بعد قول المصلي : ]محمداً عبده ورسوله [ .
ومن ألفاظ الصلاة والسلام على الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - غير الصلاة الإبراهيمية ما يأتي :
1- صلى الله عليه وسلم .
2- عليه الصلاة والسلام .
3- عليه أفضل الصلاة والتسليم .
وكل هذه الألفاظ جائزة كافية ، إلا أن الصلاة الإبراهيمية هي أفضلها على الإطلاق .
المسألة الرابعة : استحب بعض العلماء إدخال لفظة ] الآل [ في الصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) ، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نص عليها في الصلاة الإبراهيمية ، وسيذكرها الإمام السالمي - رضي الله عنه - في البيت الآتي بمشيئة الله .
المسألة الخامسة : فضل الصلاة والسلام على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فضل عظيم وثوابه جزيل ، وذلك لعدة أمور منها :
__________
(1) رواه الربيع والبخاري ومسلم بألفاظ متقاربة . (1/10)
صفحة 11
1-فيه تنفيذ لأمر الله واقتداء بالملائكة ، يقول الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } .
2-يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : " من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه بها عشراً " (1) .
3-جاء الوعيد الشديد للذين يتركون الصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - ، فقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " البخيل من سمع اسمي ولم يصلِّ عليَّ " (2) .
تنبيه هام :
نظراً لعظم مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينبغي للمسلم وخاصة طالب العلم الشريف أن يكتب بدل - صلى الله عليه وسلم - : ( ص ) أو ( صلعم ) أو ( صم ) ، فإن ذلك سوء أدب وعدم توقير له - صلى الله عليه وسلم - ، والله - عز وجل - يقول : { إِنَّا أرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ( 8 ) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } (3) .
يقول الإمام السالمي-رحمه الله - :
3-والآلِ والصَّحْبِ ما كان الهُدى عَلماً ... ... يهدي به الله للخيراتِ مَن عَقَلا
الشرح :
الآل : بمعنى الأهل .
وآل الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مقام الدعاء هم جميع أتباع ملته من الصالحين إلى يوم الدين ، يقول الشاعر :
آلُ النبيِّ همُ أتباع ملتِهِ مِن الأعاجمِ والسودانِ والعربِ
لو لم يكن آله إلا قرابته صلى المصلي على الغاوي أبي لهبِ
س / من هو الصحابي ؟
ج / الصحابي هو كل من عاصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وشاهده ، وآمن برسالته ، ومات على الإيمان .
إذن للصحابي أربعة شروط هي :
1-المعاصرة : فمن عاش قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو وُلِد بعده فليس بصحابي .
__________
(1) رواه مسلم .
(2) رواه أحمد ، والطبراني في الكبير وقد ضعف بعضهم رواية الطبراني ، والله أعلم .
(3) الفتح / 7 ، 8 (1/11)
صفحة 12
2-المشاهدة : فمن عاصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يشاهده فليس بصحابي .
3-الإيمان :فمن عاصره - صلى الله عليه وسلم - ، وشاهده ولم يؤمن برسالته فليس بصحابي ، كأمثال : أبي جهل ، وأبي لهب ، والوليد بن المغيرة ، وغيرهم .
4-الموت على الإيمان : فمن عاصره - صلى الله عليه وسلم - ، وشاهده ، وآمن برسالته ، ولكنه ارتد بعد ذلك ومات على الكفر فليس بصحابي .
معنى البيت :
صلاة الله وسلامه على آل النبي وصحبه الكرام ، مدة دوام الهدى واستمراره لهداية الخلق الذين هم أهل العقل والرشاد ، أي أن الصلاة مستمرة عليهم إلى يوم الدين ، وخص أهل العقول لأنهم هم المنتفعون بشرع الله ، قال تعالى : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى } (1) .
4-وبعدُ فالدِّينُ لا عُذرٌ لجاهلِهِ ... ... إن كان مِن بعدِ تكليفٍ به جَهِلا
الشرح :
( أما بعد ) : تسمى فصل الخطاب ، ولا بد أن تأتي الفاء بعدها ، وقد اختلف في أول من قالها ، قيل : داود - عليه السلام - ، وقيل : قس بن ساعدة الإيادي ، وقيل : سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وكل ذلك لا يفيدنا بشيء ،وقد ثبت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يكتبها في رسائله إلى الملوك .
معنى البيت :
أحكام الدين الحنيف لا يعذر جاهلها بعد أن وصل حد التكليف وهو حد البلوغ ، وشروط التكليف ثلاثة هي :
1-البلوغ : فلا يكلف الصبي .
2-العقل : فلا يكلف المجنون .
3-قيام الحجة عليه : وهو أن يصله التكليف عن طريق المُبلّغ .
مسائل في التكليف
وهي أربع مسائل :
1- تكليف أهل الفترة .
2- تكليف المنقطع في جزيرة .
3- تكليف أطفال المشركين قبل البلوغ .
4- تكليف المجنون بعد البلوغ .
1- تكليف أهل الفترة .
وهم الذين عاشوا قبل البعثة ، أي ما بين رسالة سيدنا عيسى - عليه السلام - ورسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ومدتها 600 سنة تقريباً على أشهر الأقوال .
أما عن حكمهم :
__________
(1) طه / 54 (1/12)
صفحة 13
أ- فذهب أصحابنا - رضي الله عنهم - إلى عدم عذرهم وأنهم مكلفون بالتوحيد ، وأدلتهم هي : 1 -قوله تعالى { وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فيهَا نَذِيرٌ } (1) ، قالوا : هؤلاء وإن لم يرسل إليهم رسول بعينه فرسالة عيسى - عليه السلام - تشملهم .
2-على فرض عدم الرسول فوجود الخالق يكون بالعقل .
3-وجود الحنفاء دليل على بقاء الدين ، فمنهم من كان يعبد الله - عز وجل - على دين عيسى - عليه السلام - ، ومنهم على دين موسى - عليه السلام - ، ومنهم من كان على دين إبراهيم الخليل - عليه السلام - ، وقد وجد من هؤلاء الحنفاء حتى ولادته - صلى الله عليه وسلم - : ورقة بن نوفل ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وقس بن ساعدة الإيادي ، وغيرهم ممن أقر بالوحدانية وعبد الله - عز وجل - .
كذلك جاء عن العرب ما يدل على إقرارهم بالله واليوم الآخر ، وقد جاء ذلك في
شعرهم ونثرهم ، ومنها خطبة قس بن ساعدة الشهيرة (2) .
__________
(1) فاطر / 24
(2) قال فيها : (يا أيها الناس استمعوا واسمعوا وعوا ، كل من عاش مات ، وكل من مات فات ، وكل ما هو آت آت ، ليل داجٍ ، وسما ءذات أبراج ، ونجوم تزهر ، وبحار تزخر ، وجبال مرسية ، وأنهار مجرية ، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا ، ما لي أرى الناس يموتون ولا يرجعون ، أرضوا بالإقامة فأقاموا ، أم تركوا فناموا ، أقسم قس قسماً بالله لا آثم فيه ، إن لله ديناَ هو أرضى مما أنتم عليه ) ، ثم أنشأ يقول :
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها يمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي إليَّ ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا لة حيث صار القوم صائر
ومن شعرهم قول زيد بن عمرو بن نفيل :
وأسلت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالاً
دحاها فلما استوت شدها سواء وأرسى عليها الجبالا
وأسلت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا
إذا هي سيقت إلى بلدة أطاعت فصبت عليها سجالا
وأسلت وجهي لمن أسلمت له الريح تُصرف حالاً فحالا
ومن شعرهم قول زهير بن أبي سلمى :
-فلا تكتمنَّ الله ما في نفوسكم ليخفى ومهما يُكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب ثم يُعجل فينقم
-وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غدٍ عمي
بل أقر بعضهم ببعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو تبع الملك اليماني ؛ حيث يقول :
شهدت على أحمدٍ أنه نبي من الله باري النَّسمْ
فلو مُدَّ عمري إلى عمره لكنت وزيراً له وابن عمْ
وجاهدت بالسيف أعداءه وفرجت عن صدره كل همّْ
وغيرها كثير جداً في خطبهم وأشعارهم . (1/13)
صفحة 14
ب- وذهبت الأشاعرة إلى أنهم معذورون ، واستدلوا : 1- بقوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } (1) ،وهؤلاء لم يُرسل إليهم رسول فلا يعذبون .
2- وبقوله تعالى { لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتذكَّرُونَ } (2) .
-وقد تقدم الرد على ذلك بأنهم وإن لم يرسل إليهم رسول خاص بهم فهم متعبدون بديانة غيرهم ، بل معرفة الله من العقول .
2- تكليف المنقطع في جزيرة .
-إن كان لم تصل إليه رسالة قط فهو مكلف بتوحيد الله من عقله .
-وإن كان على ديانة غير الإسلام كاليهودية والنصرانية فهو متعبد بتعاليم تلك الديانة حتى يسمع عن الإسلام ، فإذا سمع عنه فلا عذر له ، قال تعالى : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ (3) } ، وقوله { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (4) } .
3- تكليف أطفال المشركين قبل البلوغ .
قيل فيهم :
أ هم في الجنة لأنهم لا ذنب لهم ، وليسوا محاسبين بذنوب آبائهم { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } (5) وهو رأي أصحابنا .
ب هم خدمة لأهل الجنة لحديث " سألت ربي في اللاهين فأعطانيهم خدماً لأهل الجنة " (6) لكن هذا الحديث آحادي لا يحتج به في العقيدة ، كما أنهم ضعفوه .
ج- هم مع إبراهيم - عليه السلام - تحت شجرة الرضوان ، ولا دليل عليه .
د- يختبرهم الله يوم القيامة ، ويقول لهم : اقتحموا هذه النار . فمن اقتحم نجا ، ومن لم يقتحم فهو في النار . والرد على ذلك بأن يوم القيامة دار جزاء وليس دار عمل .
هـ – أنهم يبعثون على التلاشي كالحيوانات فيحولون إلى تراب ، لا ثواب لهم ولا عقاب عليهم .
__________
(1) الإسراء / 15
(2) القصص / 46
(3) آل عمرن / 19
(4) آل عمرن / 85
(5) الإسراء / 15
(6) رواه أبو داود الطيالسي وضعفه ، والطبراني والبخاري في التأريخ الأوسط . (1/14)
صفحة 15
4- تكليف المجنون بعد البلوغ .
يحاسب على ما كان عليه قبل جنونه ، فإن كان من أهل الصلاح فهو من السعداء في الجنة ، وإن كان من أهل العصيان فهو من الأشقياء في النار .
تنبيه هام :
من بلغ الحُلُم ( البلوغ ) ذكراً كان أو أنثى فلا يعذر بجهل شيء من أحكام الإسلام كالغسل من الجنابة للرجل والغسل من الحيض والنفاس للمرأة ، فعليه أن يتعلم ولا يعذر بجهله ، وصدق العلامة ابن النضر حيث يقول :
وما عذري بجهلي عند ربي وهل أنا واجدٌ في الجهل عذرا
الإيمان بالجملة
5-وأوَّلُ الفَرضِ مِن تأصِيلِه جُملٌ ... ... ثلاثةٌ فُزتَ إن تستحضِرِ الجُمَلا
الشرح :
أول ما يجب على المكلف من معرفة الدين أن يعرف الجمل الثلاث وهي :
1- الإيمان بالله - عز وجل - .
2- الإيمان بنبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - .
3- الإيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله - عز وجل - أنه هو الحق المبين .
وكلمة ( الجملة ) لا توجد إلا عند أصحابنا - رضي الله عنهم - ، هذه الجملة لها تفسيران ( معنيان ) :
1- تفسير اعتقادي : وهو الإيمان بجميع صفات الله - عز وجل - .
2- تفسير عملي : وهو تنفيذ جميع ما أمر الله - عز وجل - به .
6-وإن أتيتَ بها نُطقاً حُفِظتَ بها ... ... لِلنفسِ والمالِ والسَّبيُ بها حُظِلا
الشرح :
إن أتيت بهذه الجمل نطقاً بينك وبين الناس فقد حفظت بها دمك من السفك ، ومالك من السلب ، وذريتك من السبي ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " (1) .
تنبيه :
__________
(1) رواه الإمام الربيع . (1/15)
صفحة 16
لا بد من النطق بالجملة وجوباً عند أكثر أصحابنا ، وقال بعضهم: النطق بالجملة ليس واجباً بين الإنسان وربه ، أما إذا كان في ديار كفر وغزاها المسلمون فلا بد من النطق بالجملة حتى يُعرف أنه مسلم .
7- ندينُ أنَّ إلهَ العرشِ ليس لهُ ... ... شِبهٌ وليس لهُ نِدٌّ ولا مَثَلا
الشرح:
نعتقد اعتقادًا جازماً نتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى أن الله ليس له مشابه ولا مماثل ولا ند لأن الخالق يختلف عن المخلوقات ، قال تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } (1) .
الشبيه : هو المماثل في أكثر الصفات 0
المثل: هو المشابه في جميع الصفات0
الند: هو المنافس 0
فالله لا يشابهه شيء وهو السميع البصير0
8- وأنهُ ليس جِسماً لا ولا عَرَضاً ... ... لكنهُ واحدٌ في ذاتِهِ كَمُلا
الشرح:
الجسم: هو ذات الشيء كالشمس 0
العرض: هو الجزء المحتاج إلى الذات كضوء الشمس 0
فالله سبحانه يتنزه عن أن يكون عرضاً أو جسماً فهو لا يتحيز في مكان وليس هو جسماً ؛لأن الجسم يتحرك ويسكن والله واحد في ذاته كامل في صفاته 0
9- وواحدٌ في الصفاتِ والعبادةِ والْ ... ... أفعالِ طُراً فلا تبغُوا بهِ بَدلا
الشرح :
نعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله واحد في صفاته فهو السميع البصير العليم القدير وإن كان البشر يتصفون بتلك الصفات إلا أنهم عاجزون عن أن تكون صفاتهم كاملة كصفات الله، فهم يسمعون بأذن ويبصرون بعين ويقدرون بقدره ،والله غني عن ذلك ،فجميع المسموعات والمبصرات تنكشف لله بلا واسطة ، { إِنَّمَا أمْرُهُ إِذَا أرَادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ } (2) .
ونعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله هو وحده مستحق للعبادة والخضوع والانقياد ؛لأنه المعبود بحق قادر على النفع والضر وغيره ضعيف عاجز 0
__________
(1) الشورى / 11
(2) يس / 82 (1/16)
صفحة 17
ونعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله واحد في أفعاله ،فهو الخالق الرازق المحيي المميت ،بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير ،قال تعالى: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأنَّى تُؤْفكونَ (1) } فلا ينبغي أن نتخذ إلهاً سواه .
10- أسماؤهُ وصِفاتُ الذاتِ ليس بغيْرِ الذاتِ بل عينُها فافهَمْ ولا تحُِلا
الشرح:
أسماء الله وصفاته هي قائمه بذات الله تعالى وليست غيره فذاته تعالى فيها جميع صفات الكمال وليست ناقصة أو محتاجة إلى صفات تكملها كالسمع والبصر ،بينما البشر هم بحاجة إلى هذه الأشياء لأنهم ناقصون ،فهم يسمعون بسمع ويبصرون ببصر ،أما الله تعالى فينكشف له كل شيء ،قال سبحانه : { إِنَّمَا أمْرُهُ إِذَا أرَادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ } .
- مسألة :
قالت الأشاعرة : صفات الله هي غير ذاته تعالى ، وقال أصحابنا : صفات الله هي عين ذاته تعالى ، وقد ردوا على الأشاعره بالأدلة العقلية الآتية :
لو كانت صفات الله غير ذاته لاحتمل ثلاثة أشياء:
1- أن تكون صفاته سابقة له ،وهذا باطل لأنها تكون أحق بالألوهية0
2-أن تكون صفاته معه ،فتكون مشاركة له في الألوهية وهذا باطل 0
3- أن تكون صفاته لاحقة له ،فيكون محتاجًا إليها وهذا باطل ؛ لأن المحتاج ضعيف ، ومن كان ضعيفاً لا يستحق أن يكون إلهاً0
- مسألة :
- صفات الله تنقسم إلى قسمين :
1- صفات ذات: وهي كل صفه اتصف بها الله عز وجل في الأزل ولا يجوز أن يتصف بضدها : كالسمع والبصر 0
2- صفات فعل: وهي كل صفه لم يتصف بها الله في الأزل ويجوز وصفه بضدها كالإحياء والإماتة .
11- ولا يحُيطُ بهِ سبحانهُ بصرٌ ... ... دُنيا وأُخرى فدَعْ أقوالَ مَن نَصَلا
الشرح:
__________
(1) فاطر / 3 (1/17)
صفحة 18
قضية رؤية الله مسألة اختلفت فيها الأمة اختلافاً كثيراً ،وأصل هذه القضية أنها عقيدة يهودية قال الله تعالى: { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأنتُمْ تَنظُرُونَ } (1) ، وقال تعالى : { يَسْأَلكَ أهْلُ الْكِتَابِ أن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ } (2) ،وانتشرت هذه القضية بعد ذلك في الأمة الإسلامية ،ونحن نستعرض هذه القضية من أربعة جوانب :
1- رؤية الرسول الكريم لربه في الدنيا 0
2- رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة في الجنة 0
3- رؤية المنافقين والمشركين0
4- رؤية النساء0
أولاً : رؤية الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - لربه في الدنيا:
استدلوا عليها بدليلين :-
أ-قول الله تعالى { وَلقدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ } (3) ، وقوله تعالى { وَلَقَدْرَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى } (4)
قالوا : بأن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه ليلة الإسراء .
ب-استدلوا برواية ابن عباس - رضي الله عنه - ( أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه ليلة الإسراء ) .
الرد عليهم :
__________
(1) البقرة / 55
(2) النساء / 153
(3) التكوير / 23
(4) النجم / 13 (1/18)
صفحة 19
أ- الآيتان تدلان على أنه رأى جبريل - عليه السلام - ولم يرَ الله سبحانه وتعالى والدليل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت :" ثلاث من تكلم بوحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، من قال : إن محمد رأى ربة فقد أعظم على الله الفرية" قال مسروق : وكنت متكئاً فجلست وقلت: أمهليني ولا تعجليني ألم يقل الله تعالى : { وَلَقَدْرَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى } ، { وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ } فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال:"ذلك جبريل لم أره في صورته التي خلقة الله عليها إلا مرتين " ثم قالت : أولم تسمع أن الله يقول : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (1) .
ب- حديث ابن عباس لم يثبت عنه بل ثبت خلاف ذلك عنه فقد قال :" رآه بفؤاده مرتين " أي علم صفات الله وازداد معرفة بها ، ولذلك قال جمهور الأشاعرة بنفي رؤية الرسول الكريم لربة في الدنيا ، قال الشيباني :
ومن قال في الدنيا يراه بعينه فذلك زنديق طغى وتمردا
ولكن يراه في الجنان عبادة كما جاء في الأخبار نرويه مسندا
ثانياً :رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة في الجنة :
استدلت الأشاعرة على إثبات الرؤية بأدلة نقلية وعقلية :
أما الأدلة النقلية فمنها :
أ- قوله تعالى { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ( 22 ) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } (2)
والرد عليهم من عدة وجوه:-
1- أن الآية لا تدل على الرؤية وإنما تدل على انتظار رحمة الله تعالى ؛لأن الله جمع بين فريق السعداء الذين ينتظرون رحمة الله وفريق الأشقياء الذين ينتظرون غضب الله ،ولو كانت تدل على الرؤية لقال في حق الكافرين : ( ووجوه يومئذ باسرة ، عن رؤية ربها قاصرة ) .
__________
(1) رواه الربيع والبخاري ومسلم .
(2) القيامة / 22 ، 23 (1/19)
صفحة 20
2-أن الله تعالى قال : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } والوجوه لا ترى ، وإنما العيون هي التي ترى فالوجوه للاستبشار 0
3-أنهم قالوا : إن النظر هنا مُعدىً بـ ( إلى ) وهو يدل على الرؤية ، قلنا لهم : جاء النظر في القرآن معدىً بـ ( إلى ) ولا يدل على الرؤية ،قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَخَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) } ، و قول حسان بن ثابت :
وجوهٌ يوم بدر ناظراتٌ إلى الرحمن يأتي بالفلاحِ
والنظر هنا بمعنى الانتظار0
4-أن الآية تخبر عن موقف الناس في المحشر ، فلو كانت الرؤية في الموقف لحصل تناقض ؛لأنهم يقولون الرؤية في الجنة 0
ب-استدلوا بقوله تعالى { لِّلَّذِينَ أحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } (2) ،وقوله تعالى { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } (3) قالوا : ( الزيادة ) و( المزيد ) هي رؤية الله تعالى 0
والرد عليهم من عدة وجوه :-
1- أن ابن عباس فسر الزيادة بمضاعفة الحسنات وفسرها علي بن أبي طالب بأنها غرفة من لؤلؤة لها سبعة أبواب0
2- أن الزيادة تكون أقل من أصل النعيم ،وهم يقولون :إن الرؤية أعظم النعيم وهذا تناقض0
ج-استدلوا بقوله تعالى { وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45 ) ا لَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } (4) ، وقوله { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أحَدًا } (5) قالوا : بأن اللقاء بمعنى الرؤية .
والرد عليهم :-
__________
(1) آل عمران / 77
(2) يونس / 26
(3) ق / 35
(4) البقرة / 45 ، 46
(5) الكهف / 110 (1/20)
صفحة 21
1- بأن اللقاء لا يعني الرؤية وإنما يعني المحاسبة والجزاء0
2-أن اللقاء لو كان يعني الرؤية لكان المنافقون يرون ربهم ؛ لأن الله تعالى يقول في المنافقين : { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } (1) .
د- استدلوا بقوله تعالى { كَلَّا إنهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } (2) ، قالوا : محجوبون عن رؤية ربهم ،وما دام هؤلاء محجوبين فالمؤمنون يرونه .
والرد عليهم :-
بأن هذا الاستدلال ضعيف ،فالآية ليس فيها بأن هؤلاء يرون ربهم وإنما هم محجوبون عن رحمة الله وهذا هو مفهوم المخالفة وهو ضعيف ،اختلفوا في الأخذ به في المسائل الفقهية ، فكيف يمكن الأخذ به في مسائل العقيدة0
أدلة أصحابنا على عدم الرؤية
1-قوله تعالى { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (3) .
والإدراك هنا بمعنى الرؤية أي لا تراه الأبصار ، وهذه الآية هي التي استدلت بها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حديث مسروق .
قالوا : بأن الإدراك هنا لا يعني الرؤية وإنما يعني الإحاطة ، أي أن الأبصار تراه ولكن لا يمكن لها أن تحيط به من جميع الجهات .
وهذا كلام باطل ؛لأن فيه تشبيه لله تعالى بمخلوقاته ، فكأنهم يرون جزءًا منه - عز وجل - ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
__________
(1) التوبة / 77
(2) المطففين / 15
(3) الأنعام / 103 (1/21)
صفحة 22
2-قوله تعالى في وصف موسى - عليه السلام - { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أرِنِي أنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأنَاْ أوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } (1) .
استدل أصحابنا على نفي الرؤية من هذه الآية من عدة وجوه :
أ-أن الله تعالى قال : { لَن تَرَانِي } وهي تدل على النفي المؤبد ، قالوا : النفي في هذه الآية موقوف على هذه الدنيا فقط .
والرد عليهم :
بأن صفات الله تعالى لا تتغير ، كما قال - عز وجل - : { لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا } أي لن يخلقوا ذباباً في الدنيا ولا في الآخرة .
ب- قال أصحابنا : بأن الله تعالى علق الرؤية على مستحيل وهو استقرار الجبل ، والجبل لم يستقر ، فرؤية الله مستحيلة .
ج- ما دام موسى - عليه السلام - وهو كليم الله مُنِع من الرؤية فغيره أولى بالمنع .
تنبيه :
قالت الأشاعرة : إن الرؤية ليست مستحيلة ؛لأن موسى - عليه السلام - استغفر ربه وقالوا : لو كانت مستحيلة فإنه لا يحتاج إلى الاستغفار .
والرد عليهم : بأن موسى - عليه السلام - لم يطلب الرؤية لنفسه ،وإنما طلبها لقومه المعاندين الذين قالوا : { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } فأقام عليهم الحجة ، واستغفاره لربه إنما هو من خوفه لربه خشية أن يكون سأله قبل أن يأذن له ، فإن المقام يقتضي الاستئذان من الله قبل الإقدام على مثل هذا السؤال ، لذلك قال : { وَأنَاْ أوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } أي أنا أول من آمن بأنك لا ترى .
أدلة الأشاعرة من السنة على رؤية الله تعالى ، والرد عليهم
استدلت الأشاعرة بعدة أحاديث :
__________
(1) الأعراف / 143 (1/22)
صفحة 23
1-" إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر" (1)
والرد عليهم :
أن هذا الحديث ضعيف الإسناد مع كونه آحادياً لا يحتج به في العقيدة ، وأيضاً فيه تشبيه لله عز وجل0
2-حديث أبي سعيد الخدري "سئل الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - ،هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال: " هل تضارون في رؤية الشمس وقت الظهيرة ليس دونها حجاب؟ قالوا : لا يا رسول الله قال : هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه حجاب قالوا : لا يا رسول الله قال : كذلك ترونه يبعث الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يقال لهم : لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت فتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفونه بها فيقول لهم : أنا ربكم فيقولون له نعوذ بالله منك لا نبرح مكاننا حتى يأتينا ربنا فيأتيهم في الصورة التي يعرفونه بها" (2)
والرد عليهم من عدة وجوه :
1-أن هذا الحديث ضعيف مع كونه آحادياً لا يحتج به في العقيدة 0
2-هذا الحديث فيه انتقال الله من صورة إلى صورة تعالى الله عن ذلك 0
3-أن فيه نسبة الكذب إلى الله تعالى 0
4-متى رأوه حتى يقولوا :لست ربنا ؟ قالت الأشاعرة :عرفوه بصفاته في القرآن و السنة.
والرد عليهم :
بأن نقول لهم : صفوا الله تعالى بما فهمتموه من القرآن والسنة فلا يستطيعون ذلك 0 -قالوا : عرفوه عندما أخذ الله عليهم الميثاق وهم في ظهر آدم - عليه السلام - 0
والرد عليهم :
بأنهم كانوا ضعفاء ، فموسى - عليه السلام - على قربه من الله تعالى قال له : { لَن تَرَانِي } فكيف يرونه وهم ضعفاء في صلب أبيهم آدم 0
__________
(1) رواه البخاري ومسلم ، وقد تكلم الشيخ سعيد القنوبي على تضعيف إسناده في كتابه السيف الحاد ص 161
(2) رواه البخاري ومسلم ، وقد تكلم الشيخ سعيد القنوبي على تضعيف إسناده في كتابه السيف الحاد ص 148 (1/23)
صفحة 24
5-هم يقولون : إن الرؤية للمؤمنين فقط ،والحديث يدل على أن المنافقين يشاركونهم فيها 0
6- يقولون : إن الرؤية في الجنة والحديث يثبت الرؤية في المحشر فهذا تناقض منهم 0
3-حديث "وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم " وحديث "أن الله تعالى يقول لعبادة المؤمنين يوم القيامة : ألا أزيدكم ؟ فيقولون له : ألم تبيض وجوهنا وتدخلنا الجنة فيكشف لهم الحجاب " (1) .
والرد على هذين الحديثين بأنهما حديثان ضعيفان آحاديان لا يحتج بهما في الاعتقاد 0
أدلة الأشاعرة العقلية على رؤية الله تعالى
قالت الأشاعرة بأن الله موجود وكل موجود يرى .
والرد عليهم :
بأنه ليس كل موجود يرى ، فالرياح موجودة ولكن لا ترى، والروح موجودة ولكن لا ترى ، وكذلك الكهرباء موجودة ولكن لا ترى0
أدلة أصحابنا العقلية على عدم الرؤية
قالوا: بأن رؤية الشيء لابد لها من جهة يكون فيها ذلك الشيء ، ويكون له حجم ووزن ، وأن يكون مقابلاً للناظر غير بعيد عنة جداً وغير قريب منه جداً ،وهذا كله محال على الله تعالى لأن هذه صفات البشر0
قال الأشاعرة : لا يشترط هذه الصفات في رؤية الله ،فنحن نرى ربنا بلا كيف ،أي بلا صورة 0
والرد عليهم :
بأن هذا كلام ليس بصحيح ،فهم يذكرون في أحاديثهم بأنهم يرون الله كرؤية القمر، وأنه يأتيهم في صورة حقيقية يعرفونه بها، فثبت بحمد الله بطلان أدلتهم وفساد عقيدتهم 0
القضية الثالثة : رؤية المنافقين والمشركين لله تعالى
قال الأشاعرة : المشركون لا يرون ربهم لقوله تعالى: { كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } .
أما المنافقون : فبعض الأشاعرة قال : بأنهم يرون ربهم في المحشر ثم يحجبون عن رؤيته بعد ذلك ، وبعضهم قال بأنهم لا يرونه ؛ لأن الرؤية خاصة بالمؤمنين فقط 0
الرد عليهم:
__________
(1) رواه مسلم وقد تكلم الشيخ سعيد القنوبي على تضعيف إسناده في كتابه السيف الحاد ص 148 ، 161 (1/24)
صفحة 25
بأن هذا الكلام لا يصح وليس لهم عليه دليل ، وما احتجوا به رددنا عليه فيما تقدم0
القضية الرابعة : رؤية النساء لله تعالى :
قال ابن القيم من الحشوية في المسألة ثلاث أقوال :
1- أن النساء يرين الله كالرجال سواء بسواء 0
2- أنهن يرين الله على النصف مما يراه الرجال { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ } (1) 0
3- النساء محجوبات عن رؤية الله تعالى ، قالوا : والرأي الأول هو الراجح 0
والرد عليهم :
بأن الرؤية منتفية عن جميع الناس في الدنيا والآخرة للأدلة السابقة0
تنبيه هام :
قد اعترف بعض الأشاعرة بضعف أدلتهم التي يستدلون بها على الرؤية ومنهم :
1-الإمام محمد رشيد رضا فقد صرح بأن آيات نفي الرؤية أصرح من آيات الإثبات (2) .
2- الإمام الغزالي فقد ألمح في بعض كتبه إلى عدم الرؤية 0
3- الإمام الجصاص الحنفي قد قال بعدم الرؤية وذلك في تفسيره لقوله تعالى { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } 0
12-ولا يُكيِّفهُ وَهْمٌ ولا فِكَرٌ ... ... ولا تحُيطُ بهِ الأقطارُ مُدَّخَلا
الشرح: الله تعالى لا تتصوره العقول ولا تحيط به الأقطار ،ولا يحل في مكان فهو خالق المكان والزمان فلا أحد يدركه ولا يحيط بذاته0 قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - :
"العجز عن الإدراك إدراك"
13-وَهْوَ على العرشِ والأشيا استَوى وإذا ... ... عَدلتَ فَهْوَ استِواءٌ غيرُ ما عُقِلا
14-و إنما الاستوا مُلْكٌ ومَقْدِرةٌ ... ... لهُ على كلِّها استولى وقد عَدلا
الشرح:
__________
(1) النساء / 11
(2) المنار / ج 9 ص 131 (1/25)
صفحة 26
العرش هو أعظم مخلوقات الله تعالى لو ألقيت فيه السماوات والأرض لوسعها ،قال الله تعالى: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } (1) تعبد الملائكة بحملة ، قال تعالى: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ } (2) فما دام الله قد قهر العرش وهو أعظم المخلوقات فذلك يدل على أنه قاهر لما سواه ، وهو دليل على عظمة الله0
قضية استواء الله على العرش
اختلفت الأمة في هذه القضية ، فذهب أصحابنا إلى أن الاستواء هو القهر والغلبة ، تقول : استويت على الشيء إذ قهرته وغلبته 0 قال الشاعر :
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
بمعنى استولى على البلد وملكها وقهرها، وليس معناه أنه جلس عليها0
إذن معنى قوله تعالى { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } (3) أي استوى على العرش وقهره وغلبه وملكه، قالت الأشاعرة الاستواء : بمعنى الجلوس { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } بمعنى جلس واستقر.
الرد عليهم :
لو كان الاستواء بمعنى الجلوس لكان الله محتاجاً إلى الكرسي ليرتاح ،ولا يجلس على الكرسي إلا الجسم المحدود الذي له حجم ووزن ،والله منزهٌ عن كل ذلك ؛ لأن هذه من صفات البشر ، ثم إذا كان الاستواء بمعنى الجلوس فأين الله قبل خلق العرش؟ فأدلتهم كلها باطلة لذلك قال الناظم :
15- كما يُقالُ استوى سلطانهُم فعَلا ... ... على البلادِ فحاز السهلَ والجبَلا
وقد قال بقولنا الإمام الغزالي في" إحياء علوم الدين "0
قالت الحشوية : إن الله له عرش يجلس عليه ، ويُبقي مقدار أربعة أصابع ليجلس الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - جنبه ، وقالوا: إن عرشه يحدث صوتاً كصوت الرحل الجديد، ويحمل عرشه ملائكة على صورة ثور وعلى صورة بغل ، وأن الله ينزل ويصعد -تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا ، وهذا كفر والعياذ بالله 0
__________
(1) البقرة / 255
(2) الحاقة / 17
(3) طه / 5 (1/26)
صفحة 27
فائدة هامة : في تفسير الآيات المتشابهات في القرآن الكريم
وردت في القرآن الكريم كثير من الآيات لو حملناها على ظاهرها لأفادت تشبيه الله تعالى، فكان لابد من تأويلها ومن هذه الآيات :
1- قال تعالى: { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } (1) ، { تجْرِي بِأَعْيُنِنَا } (2) فالعين هنا بمعنى الحفظ والرعايه0
2- قال تعالى: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ } (3) ، { وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } (4) ، { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ } (5) فاليد هنا بمعنى القوة والقدرة0
3- قال تعالى: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } (6) فاليد هنا بمعنى النعمة0
4- قولة تعالى: { يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ } (7) فالجنب هنا بمعنى حق الله وطاعة الله وأمر الله0
5- قولة تعالى: { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء } (8) أي قصد خلقهن 0
6- قولة تعالى: { وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } (9) ، { هلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ } (10) بمعنى يأتيهم أمر الله 0
7- قوله تعالى: { وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَ مَا كُنتُمْ } (11) أي بحفظة وعلمه .
8- قولة تعالى: { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ } (12) ، { أأمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } (13) أي هو موجود بعلمه لا تخفى علية خافية في الأرض ولا في السماء.
9- قوله تعالى: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } (14) كناية عن شدة هول يوم القيامة 0
__________
(1) طه / 39
(2) القمر / 14
(3) الفتح / 10
(4) الزمر / 67
(5) الذاريات / 47
(6) المائدة / 64
(7) الزمر / 57
(8) البقرة / 29
(9) الفجر / 22
(10) البقرة / 210
(11) المجادلة / 7
(12) الزخرف / 84
(13) الملك / 16
(14) القلم / 42 (1/27)
صفحة 28
10- قال تعالى: { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } (1) ، { اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ } (2) أي ينتقم منهم ويعاقبهم0
11- قوله تعالى { نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ } (3) أي تركهم في العذاب وأبعدهم عن الرحمة عقوبة لهم0
قالت الوهابية الحشوية المجسمة : يفسر القرآن على ظاهرة فالله تعالى له عين كما أخبر، وله يد وله جنب ، ويجلس على العرش ،ويمشي وينزل من السماء ، ويصعد من الأرض ،ويأتي في الغمام ، وهو معنا في كل مكان بجسمه ،ومسكنه في السماء ، ويوم القيامة يكشف عن ساقه ، ويمكر مكراً كمكرنا ، والله ينسى كنسياننا 0تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا0
الأدلة على ما قالوه
1-قالوا : القرآن ناطق بما قلنا .
والرد عليهم :
بأننا لو فسرنا الآيات على ظاهرها لشبهنا الله بخلقه ، والله لا يشبهه شيء ، وليس كمثله شيء .
2-قالوا : الله ينسى كنسياننا { نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُم ْ } .
والرد عليهم :
قوله تعالى { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } (4) .
3-قالوا : الله في السماء بدليل قوله تعالى { أأمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } .
والرد عليهم :
قوله تعالى { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ } فهل معنى الآية : أن هناك إلهين ، واحد في السماء وواحد في الأرض ، فكلامهم باطل .
قالوا :دليلنا حديث الجارية التي جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ،فقال لها :" أين ربك ؟ " قالت :في السماء ، قال :" أعتقها فإنها مؤمنة " (5) .
والرد عليهم :
أن هذا الحديث بهذا اللفظ باطل لم يصح ، وإنما ثبت بلفظ : قال لها : " من ربك ؟ " قالت : ربي الله (6) .
__________
(1) آل عمران / 54
(2) البقرة / 15
(3) التوبة / 67
(4) مريم / 64
(5) رواه مسلم .
(6) رواه الربيع وأحمد ومالك في الموطأ . (1/28)
صفحة 29
قالوا : قال الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - : " ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " (1) .
والرد عليهم :
بأن هذا الحديث ضعيف لم يثبت ، وكذلك فيه إثبات الفوقية لله تعالى ، والله منزهٌ عن الحلول في المكان والزمان (2) .
__________
(1) رواه الترمذي والحاكم وأحمد .
(2) التعريف بالمذاهب الإسلامية
1-الإباضية:نسبة إلى عبدالله بن إباض التميمي وإمامهم جابر بن زيد الأزدي العماني وعلماؤنا لم يرضوا بهذه التسمية في أول الأمر لكن الأمويين ألصقوا بهم هذه التسمية فأصبحت علماً عليهم ، هناك تسميات اشتهروا بها :
أ-المسلمون : أي جماعة المسلمين .
ب-أهل الحق والاستقامة : لتمسكهم بالحق.
ج- الوهبية : نسبة إلى عبدلله بن وهب الراسبي إمامهم في معركة النهروان ضد علي ابن أبي طالب .
د- أهل الدعوة : لأنهم قاموا بالدعوة إلى الله تعالى.
هـ- أصحابنا.
و- القعدة : لأنهم قعدوا عن قتال المسلمين.
2-أهل السنة والجماعة :قالوا نسبة لسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحيح أن سنتهم الحقيقية هي لعن علي بن أبي طالب على المنابر سنها لهم معاوية بن أبي سفيان وجعلها سنة مستمرة لهم إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - فغيرها ،وأهل السنة والجماعة أربعة مذاهب هي:
1- الشافعية : نسبة إلى محمد بن إدريس الشافعي .
2- الحنفية :نسبة إلى أبي حنيفة النعمان بن ثابت .
3-المالكية:نسبة إلى مالك بن أنس الأصبحي.
4-الحنابلة:نسبة إلى أحمد بن حنبل الشيباني.
وأهل السنة والجماعة يسميهم أصحابنا (قومنا) استناداً إلى قول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - "كأني بأناس يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شُمس لينتهين أو ليخطفن الله أبصارهم" .
4-الأشاعرة: نسبة إلى أبي الحسن الأشعري وتضم الأشاعرة المذاهب الأربعة "أهل السنة والجماعة والماتوريدية والظاهرية ".
5-الظاهرية:نسبة إلى ابن حزم الظاهري وسموا بذلك لأنهم يأخذون بظواهر النصوص.
6-المعتزلة:نسبة إلى واصل بن عطاء ولهم عدة تسميات منها :
المعتزلة ، الواصلية، العدلية وهي فرقة عقائدية تقول بالتقبيح والتحسين العقليين ، ومن أشهر علمائهم الزمخشري .
7-الخوارج:سموا بذلك لأنهم خرجوا لقتال المسلمين ولهم ثلاث مذاهب :
1-النجدية: نسبة إلى نجدة بن عامر.
2-الصفرية: نسبة إلى عبدالله بن الصفار.
3-الأزارقة: نسبة إلى نافع بن الأزرق.
8-الشيعة: نسبة إلى شيعة علي بن أبي طالب أي أنصاره وفيهم مذاهب كثيرة منها:
أ-الزيدية: نسبة إلى الإمام زيد
ب-الجعفرية: نسبة إلى جعفر الصادق. ج-الإمامية.
د-الاثنا عشرية: نسبة إلى الأئمة الاثني عشر .
هـ-الإسماعيلية:وهي من أخطر الفرق على الإسلام وفرق الشيعة كثيرة.
9-الوهابية: نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب النجدي ولهم عدة تسميات:
أ-المجسمة:لأنهم يجسمون الله تعالى.ب-الحشوية:لأنهم يشبهون الله بالأعضاء.
ج-السلفية:نسبة إلى السلف الصالح والسلف الصالح بريء منهم ،يقولون نحن أتباع الإمام أحمد بن حنبل والإمام أحمد بريء منهم. (1/29)
صفحة 30
16-وأنَّ أحمدَ مِن رُسْلِ الإلهِ وقد ... ... يُخصُّ مِن بينهم فَضلاً ومُفتَضَلا
17-وأنهُ صادِقٌ فيما أتانا بهِ ... ... مُبلِّغُ الثقلَينِ ما بهِ رُسِلا
يجب الإيمان بالرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي وأنه خاتم النبيين لقوله عليه الصلاة والسلام "لا نبي بعدي" (1) ورسالته خاتمه لجميع الرسالات وشاملة لكل زمان ومكان لقوله تعالى { وَمَا أرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (2) }
ويجب أن نصفه بالصدق وأنه مبعوث إلى الإنس والجن.
أسماؤه - صلى الله عليه وسلم - :
من أسمائه عليه الصلاة والسلام : محمد ، أحمد ، العاقب ، الماحي ، الحاشر ، كما ورد بذلك الحديث الشريف عنه عليه الصلاة و السلام (3) .
تنبيه:
معجزات الرسول الكريم كثيرة نذكر منها :
1- انشقاق القمر
2- نبع الماء من بين أصابعه .
3- تسليم الحجر عليه .
4- حنين الجزع.
5- إظلال الغمام.
6- إخباره بما سيأتي في آخر الزمان .
7- القرآن الكريم أعظم معجزة.
ما وقع للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - قبل الرسالة يسمى " إرهاصات " وما وقع له بعد النبوة يسمى " معجزات " .
خصائص الرسول - صلى الله عليه وسلم - :
1- وجوب قيام الليل .
2- جواز التزوج بأكثر من أربع .
3- نُصر بالرعب من مسيرة شهر .
4- أُحلت له الغنائم .
5- أحلت له الكعبة ساعة من نهار وذلك يوم الفتح .
6- أُعطي الشفاعة الكبرى يوم القيامة . كما جاء ذلك في حديث عنه - صلى الله عليه وسلم - (4) .
18-وقد أتت حُججُ البرُهانِ ناطقةً ... ... بالموتِ والبعثِ والحسبانِ فامتثلا
الشرح :
الموت : هو مفارقة الروح الجسد ويجب الإيمان به لقوله تعالى { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ } (5) .
__________
(1) رواه البخاري .
(2) الأنبياء / 107
(3) رواه مسلم وأحمد .
(4) رواه البخاري ومسلم .
(5) آل عمران / 185 (1/30)
صفحة 31
تعريف الروح : قد اختلف العلماء في تعريفها والصحيح أنه لا يعلم حقيقتها إلا الله . قال تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } (1) ، وعلينا أن نعلم أن روح المؤمن تخرج بسهولة ويسر قال تعالى: { وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا } ، أما روح الكافر فتخرج بصعوبة وشدة قال تعالى: { وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا } (2)
تنبيه:
القبر هو أول منازل الآخرة وهو إما روضة من رياض الجنة،وإما حفرة من حفر النيران ويجب الإيمان بحياة البرزخ، أي ( الحياة في القبور ) للأحاديث الكثيرة الواردة في ذلك ولقوله تعالى في حق الشهداء { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أمْوَاتا بَلْ أحْيَا ء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } (3) .
تعريف البعث:
هو رد الروح إلى الجسد ويجب الإيمان به لقوله تعالى { وَأنَّ اللَّهَ يَبْعثُ مَن فِي الْقُبُورِ } (4) وأول من يبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
تعريف الحساب :
هو مناقشة كل أحد على ما قدم خيراً كان أو شراً ويجب الإيمان به لقوله تعالى { يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أشْتَاتًا لِّيُرَوْا أعْمَالَهُمْ (6( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7 (وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } (5)
19-وما هنالك ميزان يقام كما ... ... قالوا عمود وكفات لما عملا
20-وإنما الوزنُ حقٌّ مِنهُ عزَّ ألَمْ ... ... تسمعْ إلى آيةِ الأعرافِ محُتفِلا
الشرح:
ذهبت الأشاعرة إلى أن هنالك ميزاناً ،توزن به الأعمال يوم القيامة له عمود وكفتان، كل كفة أوسع من السماوات والأرض ،وجبريل آخذ بعموده وناظر إلى لسانه،وميكائيل أمين عليه.
الرد عليهم:
__________
(1) الإسراء / 85
(2) النازعات / 1 ، 2 .
(3) آل عمران / 169
(4) الحج / 7
(5) الزلزلة / 6 ، 7 ، 8 (1/31)
صفحة 32
بأن هذا الكلام لم يقم عليه دليل قطعي ،والله ليس بحاجة إلى ميزان ،وأيضا الأعمال التي توزن ليست بأجسام حتى توضع في كفة الميزان ،ولذلك تخبط الأشاعرة فمرة قالوا : تصير أعمالهم أجساماً فتوزن ، ومرة قالوا :إن كتبهم هي التي توزن ،ومرة قالوا :إن الناس أنفسهم هم الذين يوضعون في الميزان ،وكل هذا غير صحيح.
وذهب أصحابنا إلى أن الوزن هو الحق والإنصاف والعدل ، والدليل على ذلك آية الأعراف قال تعالى: { وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ } (1) ، وقوله تعالى { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } (2) أي موازين العدل .
21-ولا الصِّراطُ بجسرٍ مثلَ ما زعموا ... ... وما الحسابُ بِعدٍّ مثلَ مَن ذَهَلا
الشرح:
قضية الصراط قضية اختلفت فيها الأمة ،فذهبت الأشاعرة وبعض أصحابنا إلى أن الصراط هو جسر ممدود على جهنم ،أدق من الشعرة وأحد من السيف ،فمنهم من يمر علية مثل البرق الخاطف ،ومنهم كالريح العاصف ،ومنهم كجري الفرس ،ومنهم من يمشي ويتعثر في مشيته ،ومنهم من يكردس في جهنم .
قال بعض الحشوية : يمر على النار الأنبياء والمرسلون ويرون الله في القنطرة الرابعة من النار ، وهذا كلام باطل وافتراء على الله .
وذهب أصحابنا إلى أن الصراط هو طريق الله المستقيم ودينه القويم قال تعالى: { وَأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (3) .
__________
(1) الأنعام / 8 ، 9
(2) الأنبياء / 47
(3) الأنعام / 153 (1/32)
صفحة 33
والأحاديث التي استدلت بها الأشاعرة هي أحاديث آحادية لا تفيد القطع بأن هناك جسراً على جهنم .
الخلود في الجنة أو النار
22-وأنهُ مَن أطاع اللهَ يُدْخِلُهُ ... ... جنَّاتِهِ أبداً لا يبتغي نُقُلا
23-ومَن عصاهُ ففي النيرانِ مَسْكنُهُ ... ... ولم يجِدْ مَفْزعاً عنها فيَنتِقَلا
الشرح:
قضية الخلود اختلفت فيها الأمة الإسلامية وقد اتفقوا أولاً على أن المؤمنين في الجنة خالدين فيها أبداً، قال تعالى :
{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ( 7 ) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عدنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أبَدًارَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (1) } .
واتفقوا على أن الكافرين خالدون في النار قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْركِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيها أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } (2)
واختلفوا في أهل الكبائر ، فذهب أصحابنا إلى أنهم خالدون فيها لقوله تعالى
{ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فيهَا أبدًا } (3) وقوله عليه الصلاة والسلام :"من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومن تحسى سماً فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً " (4)
قالت الأشاعرة أهل الكبائر:
1-إما أن يرحمهم الله ويعفو عنهم فيدخلهم الجنة.
2-وإما أن يشفع لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيعذبون في النار على قدر ذنوبهم ثم يدخلون الجنة.
__________
(1) البينة / 7 ، 8
(2) البينة / 6
(3) الجن / 23
(4) رواه الشيخان . (1/33)
صفحة 34
قالوا: وهؤلاء يسمون بالجهنميين يخرجون من النار فيغتسلون في حوض يسمى حوض "الحيوان "يعني (حوض الحياة) وتشرق وجوههم نوراً ، حتى يحسدهم الأنبياء والمرسلون وأهل الجنة على ما هم فيه.
وهذا كله ليس بصحيح فالقرآن يكذبهم ، والأحاديث التي استدلوا بها آحادية إن صحت وأكثرها موضوع.
{ أفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35 ( مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } (1)
{ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } (2) .
تنبيه :
قال بعض الحشوية : إنه يأتي على النار يوم تصفق فيه أبوابها ولا يبقى فيها أحد من مشرك أو عاصٍ ، وينبت فيها شجر الجرجير .
وهذا كفر صراح لذلك كفرهم بعض العلماء .
الشفاعة
24-وما الشفاعةُ إلا للتقِيِّ كما ... ... قد قال ربُّ العُلا فيها وقد فصَلا
الشرح:
تعريف الشفاعة:
الشفاعة هي طلب الوسيلة ، وهي أيضاً طلب الخير .
أنواعها:
1-الشفاعة الكبرى:هي تعجيل الحساب يوم القيامة ولا تكون إلا للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ،وهي المقام المحمود المذكور في الآية { عَسَى أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا } (3) .
2-الشفاعة بدخول الجنة ،أو رفع درجة في الجنة :وتكون للأنبياء والشهداء والصالحين ،ولا يشفع أحد لأحد إلا بإذن الله قال تعالى: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَع عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } (4) .
من هو الذي يستحق الشفاعة:
__________
(1) القلم / 35 ، 36
(2) ص / 28
(3) الإسراء /79
(4) البقرة / 255 (1/34)
صفحة 35
ذهب أصحابنا إلى أن الشفاعة لا تكون إلا للتقي قال تعالى: { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } (1) وقوله تعالى { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } (2) والله لا يرضى عن العاصي ،وقال أيضاً { وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } (3) وذهبت الأشاعرة إلى أن العصاة لهم شفاعة ،واستدلوا بالحديث "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " (4)
والرد عليهم:
بأن هذا الحديث آحادي ويعارضه حديث آخر "ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي" (5) وقوله تعالى: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ } .
تنبيه:
عقيدة الشفاعة لأهل الكبائر عقيدة خطيرة ؛لأنها جعلت الناس يتهاونون في طاعة الله وينغمسون في المعاصي والشهوات ، معتمدين على الشفاعة ،فضاعت القيم والأخلاق، وأصبح من يريد الشفاعة علية أن يرتكب المعاصي لكي ينال الشفاعة ، لأن حديث " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "يجعل الناس يتقربون بالمعاصي والكبائر إلى الله لكي ينالوا الشفاعة .
قال الأشاعرة : الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - يقول "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة "،قال أبو ذر وإن زنى وإن سرق ؟قال وإن زنى وإن سرق ،قال وإن زنى وإن سرق ؟ قال وإن زنى وإن سرق ،قال وإن زنى وإن سرق يا رسول الله ؟ قال وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر" (6) .
والرد عليهم :بأن هذا الحديث ليس بصحيح وعلى تقدير صحته فمعناه من قال لا إله إلا الله ثم زنى وسرق ثم تاب قبل أن يموت فإنه يدخل الجنة .
__________
(1) الأنبياء / 28
(2) طه / 109
(3) البقرة / 48
(4) رواه ابن ماجة .
(5) ورد في الأخبار المقاطيع عن الإمام جابر بن زيد ، ورواه ابن ماجة في سننه .
(6) رواه البخاري ومسلم . (1/35)
صفحة 36
25-والمؤمنون عن النيرانِ قد بَعُدوا ... ... وما الوُرودُ لهم بل للذي انخذَلا
الشرح :
قضية الورود على النار اختلفت فيها الأمة ، فذهب أصحابنا إلى أن المؤمنين لا يردون النار ، واستدلوا بقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لهُم منا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أنفُسُهُمْ خَالِدُونَ } (1) .
وذهبت الأشاعرة إلى أنهم يردون على النار ثم ينجون منها ، واستدلوا بقوله تعالى { وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا } (2)
والرد عليهم :
بأن الآية خطاب للكافرين ، وليست خطاباً للمؤمنين ؛لأن الله يقول في أول الآيات : { وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْل وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ( 68) ثُمَّ لنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ( 69) ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أوْلَى بِهَا صِلِيًّا( 70 ) وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71 ) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا } (3) فهذه الآية خطاب لمنكري البعث ، فقوله لهم : { وَإِن مِّنكُمْ } أي منكم أيها الكفار .
الإيمان بملائكة
26- وأنَّ للهِ أملاكاً وقد عُصِموا ... ... وأنَّ جنسَهُمُ عن جِنسِنا فُصِلا
27-فلا تَصِفْهُم بشيءٍ مِن صِفاتِكَ مُطْلقاً سِوى أنهم خَلْقٌ قد امتَثَلا
الشرح:
__________
(1) الأنبياء / 101 ، 102
(2) مريم / 71 ، 72
(3) مريم / 66 - 72 (1/36)
صفحة 37
الإيمان بالملائكة هو ركن من أركان الإيمان الستة ، والملائكة عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، خلقهم الله من نور ليس لهم وظيفة سوى عبادة الله ، فلا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون .
أنواع الملائكة :
1- منهم جبريل - عليه السلام - ينزل بالوحي على الأنبياء.
2- عزرائيل - عليه السلام - الموكل بقبض الأرواح .
3- ميكائيل - عليه السلام - الموكل بالأرزاق.
4- إسرافيل - عليه السلام - الموكل بالنفخ في الصور.
وقد ذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم قال تعالى : { مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ } (1) ووردت أسماء بعضهم في الأحاديث النبوية .
5-ومنهم حملة العرش قال تعالى: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ } (2) قيل : ثمانية من الملائكة ، وقيل: ثمانية صفوف من الملائكة.
6-ومنهم الحفظة الذين يكتبون أعمال الإنسان.قال تعالى { : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10 (كراَمًا كَاتِبِينَ ( 11 (يَعْلَمُونَ مَا تَفعَلُونَ } (3) .
7-ومنهم خزنة الجنة وخزنة النار وغيرهم كثير.
أما عددهم فلا يعلمه إلا الله تعالى ،ويسكنون في السماء وبعضهم في الأرض .
فائدة الإيمان بالملائكة :
الإيمان بالملائكة يجعل الإنسان يراقب الله في أعماله فلا يعمل إلا صالحاً ؛لأنهم يكتبون عمله صغيره وكبيره .
الإيمان بالأنبياء والرسل والكتب
28-والأنبيا بهمُ الإيمانُ يلزمُنا ... ... وما على كلِّهِمْ مِن كُتْبِهِ نَزلا
الشرح:
الإيمان بالأنبياء ركن من أركان الإيمان الستة وهم عباد اصطفاهم الله لتبليغ رسالته .
الفرق بين النبي والرسول :
__________
(1) البقرة / 98
(2) الحاقة / 17
(3) الانفطار /10 -12 (1/37)
صفحة 38
النبي:هو من أُوحي إليه بشريعة رسول قبله وأُمر بتبليغها (1) .
الرسول :هو من أُوحي إليه بشريعة وأُمر بتبليغها.
عددهم: لا يعلم عددهم إلا الله ، قال تعالى : { وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ } .
والذين ذكرهم القرآن هم خمسة وعشرون نبياً ورسولاً ، وقد ذُكر أكثرهم في قوله تعالى { وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ، وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا
وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ } (2) .
وأولو العزم من الرسل خمسة هم :
نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، وسيدنا محمد عليهم الصلاة والسلام :
__________
(1) يقول الشيخ سعيد القنوبي : النبي من أوحي إليه بشريعة رسول وأمر بتبليغها ، وليس كما يقول بعض : بأنه من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه ، وإلا فإن المؤمنين مكلفون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بتبليغ الشرع الإسلامي ، وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن ذلك يجب على كل شخص ، فكيف بنبي أرسله الله تبارك وتعالى يقال إنه لا يلزمه أن يأمر ويُبلغ ، وهو يرى الناس منهم من يعبد الأصنام ، ومنهم من يترك الواجبات ، ومنهم من يفعل المحرمات ، هذا لا يجوز أن يقال البتة ، وما أظن أن أولئك الذين فسروا النبي بما قالوه أرادوا ذلك ،فالحق أن النبي من أوحي إليه بشريعة رسول سبقه ،وأمر بتبليغ ذلك ،وأكثر الأنبياء أرسلوا بشريعة موسى - عليه السلام -
(2) الأنعام /83-86 (1/38)
صفحة 39
ألو العزم نوح والخليل كلاهما وموسى وعيسى والنبي محمد
وعدد الكتب لا يعلمه إلا الله ،وقيل : مائة كتاب وأربعة كتب :خمسون على شيث - عليه السلام - ،وثلاثون على إدريس - عليه السلام - ،وعشرة صحف على إبراهيم - عليه السلام - ،وعشرة صحف على موسى - عليه السلام - ،والتوراة على موسى - عليه السلام - أيضاً، والإنجيل على عيسى - عليه السلام - ،والزبور على داود - عليه السلام - ،والقرآن العظيم على محمد - صلى الله عليه وسلم - .
تنبيه:
الأنبياء معصومون من الخطايا والذنوب ، أما ما ورد في القرآن الكريم من خطايا بعض الأنبياء فعلينا أن نفهم معناه فهماً صحيحاً :
1-معصية آدم - عليه السلام - ليست معصية حسب الظاهر، وإنما هو نسيان والنسيان لا يحاسب علية الإنسان قال تعالى : { وَلَقَدْ عَهدْنا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا } (1) .
2-ذنب يوسف - عليه السلام - قال تعالى : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } (2) أي همت بضربه وهم بالدفاع عن نفسه، فيوسف - عليه السلام - بعيد عن جميع الذنوب والمعاصي لذلك قال عنه : { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } (3) .
3-قول إبراهيم - عليه السلام - { إِنِّي سَقِيمٌ } (4) أي قلبي مريض من عبادتكم للأصنام وقوله تعالى { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ } (5)
أي فعله هذا على اعتقادكم بأنه رئيس الآلهة.
4-داود - عليه السلام - قالوا :أراد أن يتخلص من قائد جيشه ليتزوج امرأته ؛لأنه فتن بها وهذا كذب وافتراء ،والأحاديث فيه موضوعة، قال علي بن أبي طالب :"من سمعته يحدث بقصة داود كما يرويها القصاص جلته أربعين جلدة " .
__________
(1) طه / 115
(2) يوسف / 24
(3) يوسف / 24
(4) الصافات / 89
(5) الأنبياء / 63 (1/39)
صفحة 40
5-قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا } (1) ، آذوا موسى - عليه السلام - بأن وصفوه بأنه ساحر ، وبرأه الله بإظهار الحق وإغراق القوم الظالمين ، وليس كما قالوا : بأنه منتفخ الخصيتين ، وبرأه الله بأن رأوه يسبح وهو عريان ، فثبت عندهم أنه بريء من هذا المرض ،حاشاه عن ذلك .
وهكذا سائر قصص الأنبياء والمرسلين في القرآن الكريم.
قضية خلق القرآن
29-وبالقُرَانِ خُصوصاً بعدَ جمُلتِها ... ... وليس مِنها قديمٌ يحتوِي الأزلا
30-بل كُلُّها خَلَقَ الباري وكَوَّنهُ ... ... فيما يشاءُ فلا تُصغُوا لمِن عَذلا
الشرح:
قضية خلق القرآن اختلف العلماء فيها فذهب أصحابنا إلى أن القرآن مخلوق والأدلة على ذلك كثيرة منها:
- قوله تعالى { قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } (2) والقرآن شي وهو مخلوق.
-قوله تعالى { مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } (3) محدث :أي مخلوق.
-وقال تعالى: { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } (4) أي خلقناه وصيّرناه قرآناً عربياً، فالجعل بمعنى الخلق والتصيير.
وهناك أدله عقليه على خلق القرآن :
1-أن الأشياء في العالم إما خالق أو مخلوق ،فالخالق هو الله وما سواه فهو مخلوق والقرآن غير الله .
2-أن القرآن محفوظ في الصدور تتلوه الألسن والصدور حادثة والحالُّ في الحادث حادث ،فإذاً هو مخلوق.
3-أن القرآن له بداية ونهاية ومكون من حروف وكلمات وسور وآيات وهو مترابط مع بعضه البعض ،ومن كانت هذه صفته فهو مخلوق .
قالت الأشاعرة : القرآن قديم لأنه كلام الله سبحانه وتعالى فكلامه جزء منه فهو قديم، ولهم أدلة كثيرة .
وخلاصة القول:
__________
(1) الأحزاب / 69
(2) الرعد / 16
(3) الأنبياء / 2
(4) الزخرف / 3 (1/40)
صفحة 41
أن الخلاف بيننا وبين الأشاعرة خلاف لفظي ، وهنا لابد أن نفهم ونفرق بين صفة كلام الله فهي قديمه في الأزل وهذا باتفاق العلماء ، أما القرآن الذي بين أيدينا فهو مخلوق .
قال بعض الحشوية : القرآن قديم وصوت القارئ قديم وجلد المصحف قديم والوتد الذي يعلق فيه المصحف قديم والحائط الذي حول المصحف قديم .
والرد عليهم:
إذن ما المانع أن نقول العالم كله قديم ،قال ابن تيميه من الحشوية: نعم العالم قديم بالنوع، ولذلك رد عليه العلماء .
تنبيه :
قالت الأشاعرة : الله يتكلم بصوت قديم قال تعالى : { وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } .
قال أصحابنا : بل كلم الله موسى - عليه السلام - بصوت خلقه الله له (1) ، فالله ليس له صوت كصوتنا نحن البشر ، وإنما خلق كلاماً سمعه موسى - عليه السلام - ، قال تعالى: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } (2) .
الإيمان بالقضاء والقدر
31-وبالقضا وبما الرحمنُ قدَّرهُ ... ... وأنهُ خالِقٌ أفعالَنا حُلَلا
الشرح:
القضاء: هو إثبات جميع الأشياء في اللوح المحفوظ في الأزل.
القدر: هو وقوع تلك الأشياء المقدرة .
وقضية القدر قضية خطيرة وهي أساس الإيمان.
قال الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - لعبادة بن الصامت - رضي الله عنه - : "إنك لن تؤمن ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله تعالى"قال: يا رسول الله كيف أعلم خير القدر وشره؟قال:"تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطئك لم يكن ليصيبك فإن مت على غير ذلك دخلت النار" (3) .
__________
(1) حقيقة تكليم الله لموسى لا يعلمها إلا الله ، فنرجع العلم إليه ، وهذا هو الذي ذهب إليه إمام المفسرين الحافظ أحمد بن حمد الخليلي – حفظه الله - .
(2) الشورى / 51
(3) رواه الإمام الربيع . (1/41)
صفحة 42
فإذن لا يجوز الخوض في القدر وقد نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
قال الشيخ ابن النضر:
إن سر الله في الأرض القدر فدع الإغراق فيه والنظر
32-لكنهُ لا بجبرٍ كان منهُ لنا ... ... وعِلْمُهُ سابقٌ في كلِّ ما جَعَلا
33-وإنما الفعلُ مخلوقٌ ومُكتَسَبٌ ... ... فالخَلْقُ للهِ والكسبُ لِمَن فَعَلا
الشرح:
قالت المعتزلة :البشر يخلقون أفعالهم ويفعلون ما يشاءون .
والرد عليهم :
الله تعالى هو خالق الأفعال وليس الناس،إذ لو أنهم يخلقون أفعالهم لكانوا مغالبين الله في أفعاله ،تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا .
قالت الجهمية (الجبرية): نحن مجبورون في أفعالنا فمثلنا كمثل الخيط في الهواء تقلبه الريح كيف تشاء.
والرد عليهم :
بأن الإنسان ليس مجبوراً بل مخير في فعله،قال تعالى: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } (1) فإذا اختار الخير فبإرادته وهو يستطيع ذلك ،وإذا اختار الشر فبإرادته وهو يستطيع ذلك.
والرأي الصحيح في هذه المسألة ما ذهب إلية أصحابنا أن الله خلق كل شي في هذا الكون من خير وشر ، ولكن أعطانا الإرادة التي نستطيع أن نفعل بها الأشياء ، فمن عمل الخير فله الجنة ، ومن عمل الشر فله النار ، والله لا يجبر أحداً على فعل شيء.
ذكر الإيمان وما يشتمل عليه
34-إيمانُنا القولُ والتصديقُ مع عملٍ ... ... فالقولُ مَرَّ فصَدِّقْهُ وكُنْ عَمِلا
35-بما عليك مِن الإيمانِ مُفتَرَضٌ ... ... والنَّفلَ إن تستطع فافْعَلْهُ مُبْتهِلا
الشرح:
__________
(1) الإنسان / 3 (1/42)
صفحة 43
الإيمان يتكون من قول وعمل وتصديق ،يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : "الإيمان تصديق بالجنان، وقول باللسان ، وعمل بالأركان " (1) فالقول هو ما تحدثنا عنه سابقاً من الجمل الثلاث ، فيجب الإيمان بها وتصديقها ، ولابد من العمل بمقتضاها ،فلا يغني قول بدون عمل ، وبما أن الشيخ السالمي قد تكلم عن القول فيما تقدم ، فسيتكلم فيما يأتي عن العمل وما يتعلق به من معرفة قواعد الدين وأركانه .
الفرق بين الإسلام والإيمان:
الإسلام لغة: الانقياد والاستسلام والإذعان التام مع ترك التمرد .
الإيمان لغة: التصديق بالقلب ، ومنه قوله تعالى { وَمَا أنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } (2) أي بمصدِّقٍ لنا.
أما معنى الإسلام والإيمان في الشرع: فهما بمعنى واحد لا فرق بينهم ، فكل مسلم مؤمن ، وكل مؤمن مسلم ، ولا يعتبر الإنسان مسلماً أو مؤمناً إلا إذا جمع القول مع العمل ، ويظهر الفرق بينهما في اللغة ،فالإسلام يتعلق بعمل الجوارح من صلاة وصوم ، والإيمان يتعلق بالقلب من نية واعتقاد وتصديق.
هل هناك فرق بين الإسلام والإيمان ؟
ذهب أصحابنا إلى أنه لا فرق بينهما أبداً ، فهما شيء واحد ، فالإسلام هو الإيمان،والأدلة كثيرة على تسمية المسلم مؤمناً منها :
1-قوله تعالى في لوط - عليه السلام - { فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمؤْمِنِين ( 35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ } (3) وهو بيت سيدنا لوط - عليه السلام - فقد سماه الله مؤمناً ومسلماً.
2-قوله تعالى على لسان موسى - عليه السلام - { وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ } (4) فوصفهم الله بالإيمان والإسلام.
__________
(1) رواه مسلم .
(2) يوسف / 17
(3) الذاريات / 35 ، 36
(4) يونس / 84 (1/43)
صفحة 44
3-روى مسلم بسنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " هل تدرون ما الإيمان بالله ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وأن تؤدوا خمساً من المغنم " (1) ، فقد فسر - صلى الله عليه وسلم - الإيمان بأركان الإسلام ، فدل على اتحاد الإيمان والإسلام في المعنى الشرعي .
وذهبت الأشاعرة إلى أن الإسلام ليس هو الإيمان ، فالإسلام عندهم في الظاهر الاستسلام بدون التعمق في الدين ، أما الإيمان فهو التعمق الشديد ، وهو أعلى مرتبة من الإسلام ، واستدلوا بأدلة منها:
1-قوله تعالى { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبكُمْ } (2) فنفى الله عز وجل عنهم الإيمان الحقيقي ، وأثبت لهم الإسلام الشكلي الظاهري ، فهم مسلمون وليسوا بمؤمنين ، فالفرق واضح.
الرد عليهم:
بأن الآية لا دليل فيها على التفريق بين الإسلام والإيمان؛ لأنها نزلت في شأن جماعة من الأعراب زعموا الإيمان بألسنتهم ولم يتمكن من قلوبهم ، فهم في الحقيقة ليسوا بمسلمين ولا مؤمنين ، وإنما سماهم الله مسلمين تسميه لغوية ؛ لأن الإسلام في اللغة الاستسلام ، فهم في الظاهر مستسلمون ، ولكنهم لم يجمعوا بين القول والعمل، وهذا هو النفاق والعياذ بالله (3) .
__________
(1) رواة مسلم – كتاب الإيمان – باب 6 – رقم ( 24 ) .
(2) الحجرات / 14
(3) ... استعمال الاصطلاحات اللغوية في القرآن الكريم كثيرة ، منها :
1-قوله تعالى على لسان مريم : ( إني نذرت للرحمن صوماً ) أي امتناعاً عن الكلام ، فهو صوم لغوي وليس شرعياً .
2-وقد سمى الله الزراع كفاراً ؛ لأن الكفر بمعنى الستر ، فالزُرّاع سموا كفاراً لأنهم يسترون الحب في التراب ، قال تعالى : ( كمثل غيث أعجب الكفار نباته ) أي الزراع ، والأمثلة كثيرة في ذلك . (1/44)
صفحة 45
يقول - صلى الله عليه وسلم - : "ما أخاف عليكم بعدي مؤمناً ولا كافراً ، أما المؤمن فيحبسه إيمانه ، وأما الكافر فقد أذله الله بكفره ، ولكن أخاف عليكم منافقاً عالم اللسان جاهل القلب ، يتكلم بما تعرفون ويفعل ما تنكرون " (1) .
2-قوله تعالى { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ... } الآية، فذكر المسلمين وحدهم وعطف عليهم المؤمنين،والعطف يقتضي التغاير (2) ، فالفرق واضح بينهما.
الرد عليهم:
بأن هذا العطف هو من باب عطف الصفات بعضها على بعض، فالله قد وصف المسلمين في هذه الآية بعشر صفات قال تعالى : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } (3) فهل تعني هذه الآية على قولهم بأن المسلمين غير المؤمنين ،والمؤمنين غير القانتين والقانتين غير الخاشعين ..الخ، كلا، وإنما هو لتعديد صفاتهم فقط لا غير، فهم مسلمون مؤمنون قانتون خاشعون..الخ .
__________
(1) رواه الإمام جابر بن زيد في الأخبار المقاطيع ، ورواه ابن عبد البر .
(2) العطف في اللغة يقتضي التغاير ولكنه يأتي لعطف الصفة على الموصوف ومنها هذه الآية ، وقوله تعالى"وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان " فالكتاب هو الفرقان ،وقوله تعالى "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين"والكتاب هو النور على التفسير الشهير ، وقول الشاعر :
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم
فالعطف هنا من باب عطف الصفات على الموصوف ، وغيرها كثير من الأمثلة .
(3) الأحزاب / 35 (1/45)
صفحة 46
3-حديث جبريل - عليه السلام - عندما سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن أركان الإسلام الخمسة فأجابه بها ، ثم سأله عن أركان الإيمان الستة فأجابه بغير أركان الإسلام ،فدل على أن هناك فرقاً بين الإسلام والإيمان.
الرد عليهم:
بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذكر أركان الإسلام على حده،وأركان الإيمان على حده ليبين أن كلاً من الإسلام والإيمان يقوم على دعائم،فالإسلام يهتم بأعمال الظاهر كالصلاة والزكاة ..الخ،والإيمان يهتم بأعمال الباطن من الإيمان بالله والملائكة ..الخ،كما هو تعريفهما في اللغة ،ولا تصح أركان الإيمان الستة بدون عمل ؛لأنها مجرد اعتقاد في القلب بدون عمل،فلابد من أركان الإسلام،فباجتماع هذه الأركان يصبح مسلماً مؤمناً وكذا العكس، فالعمل بأركان الإسلام بدون الإيمان بأركان الإيمان لا ينفع، وإلا لاكتفى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأحدهما عن الآخر .
وقد جاء في حديث الربيع بأنه - صلى الله عليه وسلم - عندما سئل عن الإسلام ، ذكر منها الغسل من الجنابة (1) ، بل ورد في حديث مسلم (2) عنه - صلى الله عليه وسلم - بأنه سئل عن الإيمان فأجاب بأركان الإسلام، مما يدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد .
قواعد الدين
36-قواعِدُ الدِّينِ عِلْمٌ بعدَهُ عملٌ ... ... ونِيَّةٌ ورَعٌ عن كُلِّ ما حُظِلا
الشرح:
القواعد :جمع قاعدة بمعنى الأساس، وقواعد البيت دعائمه وأُسسه التي يقوم عليها .
وقواعد الدين أربعة هي:
1- العلم
2- العمل
3- النية
4- الورع
__________
(1) رواه الإمام الربيع برقم ( 769 )
(2) تقدم ذكر الحديث فانظره . (1/46)
صفحة 47
1- العلم: لأن العلم هو أساس فهم الدين ، فمن لم يعلم أحكام الدين لم يتمكن من أن يعبد الله على الوجه المشروع، لذلك قال تعالى : { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } (1) وقال - صلى الله عليه وسلم - حضاً على العلم "اطلبوا العلم ولو بالصين" (2)
فالله لا يعبد بالجهل، والجهل ليس عذراً لأحد في أن يترك أوامر دينه بسبب جهله، يقول - صلى الله عليه وسلم - "ويل لمن لم يعلم مرة،وويل لمن يعلم ولم يعمل مرتين" (3) .
هذا ولو يعلم المسلم بأن الشرع يتكون من أربعة أمور :
1- الواجبات 2- المحرمات
3- المندوبات 4- المكروهات
فالواجبات يجب إتيانها ، والمحرمات لا يجوز فعل شيء منها، حتى لا يترك واجباً أو يقع في محرم فيعاقب، ولا يتأتى معرفة ذلك إلا بالعلم .
أما المندوبات والمكروهات فالمسلم مطالب بأن يعلم منها ما استطاع ، حتى يفعل ما استطاع من المندوبات ، ويتجنب ما استطاع من المكروهات.
2- العمل: فلابد للعلم من عمل، فلا فائدة لقول بدون فعل، ولا لعلم بدون عمل،والمتأمل في القرآن يجد بأن الله لم يذكر الإيمان إلا وهو مقرونٌ بالعمل، كقوله تعالى { بسم اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ ، وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } وغيرها كثير.
3- النية: هي الميزان لجميع الأعمال الظاهرة والباطنة، فإن كانت نيتك صالحة فإنك تؤجر، وإن كانت نيتك سيئة فإنك تأثم،حتى ولو في الشي الصغير،كالأكل والنوم والراحة، فإن كان فعلك لتلك الأمور لتتقوَّى على طاعة الله فأنت الفائز الرابح، وإن كان فعلها للدعة والخمول والكسل أو للتلذذ فأنت الظالم لنفسك.
__________
(1) المجادلة / 11
(2) رواه الربيع .
(3) رواه الربيع . (1/47)
صفحة 48
لذلك جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "إنما الأعمال بالنيات " (1) أي إنما صلاح وقبول الأعمال بالنيات، وجاء في حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " (2) .
أهمية النية في صلاح المسلم:
لو أن المسلم جعل جميع أعماله مصحوبة بالنية لكان الفائز الرابح في الدنيا والآخرة،فلا يفعل طاعة إلا بالنية،ولا يترك معصية إلا بالنية،حتى المباحات كالأكل والنوم التي يقال عنها :بأنه لا يعاقب تاركها ولا يثاب فاعلها ،إلا أنها بالنية تتحول إلى خير أو شر.
تنبيه:
النية ليست وسيلة لارتكاب المعاصي،كأن يقول: النية في القلب ويترك أوامر الله ، أو يقول: النية صافية ويفعل ما يشاء.
الإخلاص سر العبودية والرياء يحبط العمل:
الإخلاص هو سر قبول الأعمال ، وهو أن تجعل جميع أعمالك خالصة لوجه الله - عز وجل -
بدون أن يخالطها أي شائبة رياء ، قال تعالى : { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } (3) ،وقال سبحانه : { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أحَدًا } (4) وقد روي في سبب نزول هذه الآية أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إني أتصدق وأصل الرحم ، ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى ، فيُذكر ذلك مني واُحمد عليه فيسُرني ذلك واُعجب به ، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل شيئاً فأنزل الله { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } .
__________
(1) رواه الربيع .
(2) رواه البخاري ومسلم .
(3) البينة / 5
(4) الكهف / 110 (1/48)
صفحة 49
والرياء داء خطير يحبط ثواب العمل ، يقول - صلى الله عليه وسلم - :" الرياء يُحبط العمل كما يُحبطه الشرك " (1) وهو الشرك الأصغر ، بل هو أخطر لأنه لا يظهر بل يقضي على الأعمال في خفاء ، لذلك قال عنه - صلى الله عليه وسلم - : " يأتي على الناس زمان الشرك فيه أخفى من ذرة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء " (2) ،يقول الإمام السالمي -رحمه الله - في التحذير من الرياء :
أما الرياء فهو أن يعمل لا لله لكن ليحبه الملا
فهو يراعي ودهم إن حضروا وود أن يظهر لو لم يحضروا
قد خسرت تجارة الجميعِ إذ هدموا الأعمال بالتضييعِ
ومن هنا نعرف خطورة الرياء على حسب درجاته:
- فمنهم المنافق الذي يظهر خلاف ما يبطن .
- ومنهم الذي يُرائي بعمله يقصد ثناء الناس .
- ومنهم الذي يعمل العمل لأجل مصلحة دنيوية وكسب مادي .
-وخطورة الرياء تدخل حتى في العمل الصالح الذي يؤديه الإنسان لله ولا يطلع عليه أحد ، ولكن يتمنى هو أن يطلع عليه أحد ، فذلك من الرياء الخفي والعياذ بالله ، وهذا معنى قول الإمام السالمي (وود أن يظهر لو لم يحضروا ) .
علاج الرياء :
الرياء داء خطير يكاد لا يسلم منه أحد إلا القليل من عباد الله الصالحين ، لذلك على الإنسان أن يستعين بالله في علاج نفسه متبعاً ما يأتي :
1- الإخلاص لله والبعد عن مواطن الرياء بقدر استطاعته .
2- تذكُّر فقره وحاجته إلى رحمة ربه .
3- تذكُّر كثرة ذنوبه ومعاصيه .
4- تذكُّر شديد عقوبة الله وبطشه ونقمته .
5- يتذكر الإنسان أصله الحقير ، وأنه ضعيف عاجز ذليل ، فكيف يرائي بعمله ، يقول الإمام السالمي :
وانظر إلى أصلك تعرف قدركا وتدري أن الكبريا لغيركا
__________
(1) رواه الربيع .
(2) رواه الربيع في زوائد المسند . (1/49)
صفحة 50
6- تذكر يوم القيامة وأنه سيحاسب على جميع أعماله ،وأن المرائي سيُنادى عليه على رؤوس الأشهاد بأربعة أسماء ، يقول - صلى الله عليه وسلم - " يُدعى المرائي يوم القيامة بأربعة أسماء على رؤوس الخلائق : يا غادر ، يا فاجر ، يا خاسر بطل عملك ، وخسر أجرك فخذ أجرك ممن عملت له فلا أجر لك عندي يا مرائي " (1) وهو يظن في الدنيا أنه من أهل الصلاح ، يقول الإمام السالمي :
كم عامل أسره ما عملا حتى رجا به المقام الأكملا
يظن أنه الهدى ولو نظر ما كان مكتوباً عليه لجأر
7- لا يقصد الناس بعمله وليؤدِّ عبادته خالصة لربه ،كأنه خلق وحده وسيموت وحده وسيبعث وحده ويحاسب وحده ، فإما إلى جنة عالية أو إلى نار حامية .
وليجعل الناس كالحجارة إذا أدى شيئاً من الأعمال الصالحة أمامهم ، وخاف على نفسه الرياء فإنه لن يلتفت إليهم ، يقول الإمام السالمي :
فاجعل - هداك الله - كل البشر إن شئت أن تخلص مثل الحجر
1- الورع :
هو التَحرُّج والابتعاد عن الشيء ، وقول الناظم ( ورعٌ عن كل ما حظلا ) أي عن كل ما مُنع .
طبقات الورع :
1- ورع العدول : وهو ترك المحرمات بأسرها ، وفعل الفرائض كلها .
2- ورع الصالحين :هو ترك المحارم كلها ، وفعل الفرائض كلها ، وترك ما لا حرج فيه مخافة الوقوع فيما فيه بأس ، يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : تركنا سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في الحرام .
3- ورع الصدِّقين : هو كورع الصالحين ولكنه يزيد عليه بأنه لا يترك شيئاً من أعمال الخير والبر يقدر عليه إلا فعله وسارع إليه وهذه هي الدرجة القصوى والمقام الأرفع من الورع ، يقول الشاعر :
تشاغل قوم بدنياهمُ وقوم تولوا لمولاهمُ
فألزمهم باب مرضاته وعن سائر الناس أغناهمُ
يصفون في الليل أقدامهم وعين المهيمن ترعاهمُ
فطوبى لهم ثم طوبى لهم إذا بالتحية حياهمُ
أركان الدين
__________
(1) رواه الإمام جابر بن زيد في الأخبار المقاطيع . (1/50)
صفحة 51
37-اِرْضَ وفَوِّضْ وسلم واتَّكِلْ فبِذا ... ... تحوزُ أركانَهُ اللاتي بِها كَمُلا
الشرح : أركان الدين أربعة هي :
1- الرضا بقضاء الله .
2- التفويض لحكم الله .
3- التسليم لأمر الله .
4- التوكل على الله .
1- الرضا بقضاء الله :
هو أن يكون الإنسان راضياً منشرح الصدر ، سواء نزل به خير أو شر ؛ لأنه لا يدري لعل في ذلك الشر خيراً كثيراً له ، وكذلك لا يدري لعل في ذلك الخير شراً له ، قال تعالى : { وَعَسَى أن تَكْرَهُواْ شَيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ
وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } (1) فالإنسان يحكم بظاهر الأمور ، هذا فاضل وهذا مفضول ، لكنه لا يدري أيهما الصالح وأيهما الفاسد ، فعليه أن يكون عند النعمة شاكراً ، وعند البلاء صابراً ، هذا هو شأن المسلم ، يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : " عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك إلا للمؤمن ، إن أصابته سراءُ شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيراً له " (2) .
2- التفويض لحكم الله :
معناه الاستسلام التام لأمر الله عز وجل ؛ بحيث يرى الإنسان كل الخير فيما أمره الله تعالى به ، وكل الشر فيما نهاه الله عنه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبادة بن الصامت - رضي الله عنه - : " إنك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله " قال : يا رسول الله ، كيف لي أن أعلم خير القدر وشره ؟ قال : " أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ،فإن متَّ على غير ذلك دخلت النار" (3) .
__________
(1) البقرة /216
(2) رواه مسلم .
(3) رواه الربيع . (1/51)
صفحة 52
3- التسليم لأمر الله: هو الإذعان والانقياد إلى الله تعالى والخضوع إليه بدون أي اعتراض فيما يقضيه عليه ، قال تعالى: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا . } (1)
4- التوكل على الله :هو أن يتوكل العبد في كل أموره على الله عز وجل ، بحيث يكون مترفعاً عن الخلق غير طامع إلى ما في أيديهم، واثقاً بالله سبحانه،مع الأخذ بالأسباب، قال تعالى:" { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } (2)
وقال - صلى الله عليه وسلم - "لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً" (3) .
تنبيه هام:
في البيت السابق ذكر الناظم قواعد الدين وهي :
1- العلم 2- العمل 3- النية 4- الورع
وذكر هنا أركان الدين، ولاشك بأن القواعد هي الأساس كقواعد البيت لا يقوم البنيان إلا عليها، أما الأركان فهي تقوم على القواعد ،فالقواعد هي الأهم ، وتأتي الأركان في المرتبة الثانية، وكلاً من القواعد والأركان مهم فلا إيمان بدونهما.
مسالك الدين وطرقه:
38-ثم الظهورُ ودَفْعٌ والشِّراءُ مع الْكِتمانِ طُرْقٌ له أكْرِمْ بِها سُبُلا
الشرح:
مسالك الدين هي طرقه الموصلة إليه، فلا بد لكل مسلم أن يسلك طريقاً يختاره من هذه الطرق يستطيع فيه أن يحافظ على دينه واستقامته ومسالك الدين أربعة هي:
1- الظهور 2- الدفاع 3- الشراء 4- الكتمان
1- الظهور:
__________
(1) النساء / 65
(2) الطلاق / 2 ، 3
(3) رواه الحاكم . (1/52)
صفحة 53
هو أن يكون أمر المسلمين ظاهراً،بحيث يتمكنون من إنفاذ الأحكام ، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونصرة المظلوم ، ومحاربة الظالم، وإغاثة الملهوف..الخ، بمعنى أنهم يطبقون شرع الله في جميع مناحي الحياة بكل حرية واطمئنان.
ومثلوا لهذه المرحلة بآخر عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، فقد طبق شرع الله تمام التطبيق.
2- الدفاع :
هو أن يكون كل مسلم آمناً على نفسه يعبد الله على طمأنينة ، ولكن ليس للمسلمين إمام يجمعهم ، فإذا هجم عليهم العدو بغتة وجب عليهم أن يعينوا إماماً يدافع عنهم يسمى إمام الدفاع ، فإذا هزموا عدوهم وتمكنوا من الظهور بإمام يقيم شرع الله فعلوا ذلك، بشرط أن يكون إمام الظهور غير إمام الدفاع ؛ لأن ذلك كان لمهمة الدفاع وانتهت مهمته ، أما إذا لم يتمكنوا من الظهور فإنهم يرجعون إلى ما كانوا عليه ، ومثلوا لهذه المرحلة بالإمام أبي خزر يغلا بن زلتاف الوسياني من أصحابنا المغاربة (1) ، ومنهم من يعتبر إمامة عبد الله بن وهب الراسبي إمامة دفاع (2) .
3- الشراء :
__________
(1) فقد هجم أبو تميم الملك الفاطمي العبيدي على الإباضية وقاتلهم ، وقتل إمامهم أبا القاسم يزيد بن مخلد الوسياني ، وحاول استئصال الإباضية الموجودين في الشمال الإفريقي ، ولكن الإباضية عقدوا أمامة دفاع للإمام أبي خزر رحمه الله .
(2) يعتبر شيخنا أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله إمامة عبدالله بن وهب الراسبي إمامة ظهور ، وليست إمامة دفاع ؛ لأن بيعته لم تكن موقوتة بزمن . ( انظر شرحه على غاية المراد ص 21 ) (1/53)
صفحة 54
هو البيع ؛لأن هؤلاء الشراة باعوا أنفساً تفنى بجنة تبقى من سعد بها فلا يشقى ، أولئك رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، قال تعالى : { إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (1) ، فهم باعوا أنفسهم لله تعالى وجاهدوا في سبيله ، لا يخافون لومة لائم (2) ، وتكون هذه المرحلة عندما لا يتمكن المسلمون من الظهور ولا من الدفاع ؛ لأن عدو الإسلام مسيطر متجبر، ففي مثل هذه الحالة يخرج الشراة كفدائيين يدافعون عن عامة المجتمع المسلم ضد طغيان السلطة الجائرة ، ولا بد أن يكون عدد الشراة أربعين (3) ،وقد مثلوا لهذه المرحلة بالإمام أبي بلال مرداس بن حدير حين خرج بأصحابه الأربعين ضد طغاة بني أمية الجائرين بعد أن رأى الظلم منتشراً فقال قولته المشهورة : إن المقام على هذا لعظيم ، وقاتل هو وأصحابه حتى قتلوا عليهم رحمة الله .
4- الكتمان :
__________
(1) التوبة / 111
(2) ... لا بد أن تتوافر في الشاري الشروط الآتية :
1-أن يكون مسلماً مؤمناً بالله ورسوله .
2-ورعاً في دينه .
3-تقياً محباً للخير ، حريصاً على مرضاة الله .
4-متجنباً للمعاصي والآثام .
5-عنده من العلم ما يهتدي به في عبادة ربه .
6-أن يكون مقداماً بطلاً شجاعاً ، لا يخاف الموت في سبيل الله .
(3) شرط الأربعين مأخوذ من إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث كان تمام الأربعين ، وبإسلامه استطاع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الظهور وعبادة الله جهراً بعد أن كانوا يعبدونه خفية في مكة المكرمة في دار الأرقم بن أبي الأرقم . (1/54)
صفحة 55
هو ضد الظهور بحيث لا يتمكن المسلمون من الظهور ولا من الدفاع ولا من الشراء ، وإنما يعبدون الله ويؤدون شعائر دينهم خفية خوفاً من الجورة الظلمة أن يردوهم عن دينهم ، ومثلوا لهذه المرحلة ببداية دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان يدعو سراً، وكذلك عصر الإمام جابر بن زيد والإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة عليهما رحمة الله ، فقد كان الإمام أبو عبيدة يعلم أصحابه في سرداب تحت الأرض .
أصناف الناس
39-وفَرزُهُ في ثلاثٍ مُؤمنٍ ومُنا ... ... فِقٍ وصاحبِ شِركٍ جاحِدٍ عُذِلا
الشرح :
الفرز : التمييز ،أي ينقسم الناس من الناحية الدينية إلى ثلاثة أقسام :
1-المؤمن : وهو من آمن بالله رباً ، وبمحمد نبياً ورسولاً ، وبالإسلام ديناً ، وبالقرآن منهجاً ودليلاً ، يعمل بجميع أوامر الله ، ويجتنب جميع مساخطه ، فهو يجمع بين القول والعمل ، هذا هو المؤمن الحق { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( 3 ) أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } (1) .
حكمه :
1- يُتولّى : أي نُحبه في الله ونُعينه وننصُره وندعو له .
2- يرث ويُورث .
3- يُصلى عليه إذا مات .
4- يُدفن في مقابر المسلمين .
مصيره :
هو في الجنة بمشيئة الله عز وجل ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ( 107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا } (2) .
2-المنافق :
هو الذي يُظهر خلاف ما يبطن فهو ذو وجهين : وجه حسن ووجه قبيح .
أنواعه : النفاق له نوعان :
1- نفاق عقدي :
__________
(1) الأنفال / 2 - 4
(2) الكهف / 7 10، 8 10 (1/55)
صفحة 56
وهو الذي يظهر الإيمان ويُبطن الكفر والعياذ بالله، وهذا نفاق خطير، وهؤلاء المنافقون كانوا يعيشون في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الظاهر مع المسلمين وفي الباطن مع الكافرين، قال تعالى : { إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ( 1 ) اتَّخَذُوا أيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ( 3 ) وَإِذَا رَأتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أنَّى يُؤْفَكُونَ } (1) ، ولخطورتهم استحقوا أن يكونوا في قعر جهنم ، قال تعالى : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } (2) .
نفاق عملي :
هو الذي يعترف بالإسلام وبأحكامه ، ولكنه متهاون بأحكامه: إما بترك شيء من الفرائض أو بفعل شيء من المعاصي ، فهو الذي يقول ما لا يفعل ، والدليل عليه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر " وفي رواية " وإذا خاصم فجر" (3) ، وهذا الصنف كثير في زماننا هذا ، فما أكثر من يدعي الإيمان ولكن أفعاله تخالف الإسلام .
مصيره :
صاحب النفاق العقدي : في أسفل النار كما قال تعالى : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } .
__________
(1) المنافقون / 1- 4
(2) النساء / 145
(3) رواه الربيع ومسلم والنسائي بألفاظ متقاربة . (1/56)
صفحة 57
صاحب النفاق العملي : إن تاب من ذنوبه واستقام على دينه فهو من أهل الصلاح في الجنة بمشيئة الله ، أما إن مات مُصراً على معاصيه فهو مخلد في النار ، قال تعالى : { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أبَدًا } .
3- المشرك :
وهو الكافر بالله عز وجل أو المنكر لما علم من الدين بالضرورة ،كمن ينكر صفة من صفات الله ، أو يصفه بصفات العجز والنقص ، أو ينكر رسله أو كتبه أو يجحد شيئاً من أحكام الشرع الشريف كالصلاة أو الزكاة ..الخ
أنواع الشرك :
1- شرك مساواة: وهو الذي يعبد مع الله إلهاً غيره كالأصنام والأحجار والكواكب.
2- شرك جحود: وهو الذي لا يعترف بوجود الله أبداً ، أو أنه يعترف بوجود الله ولكنه يجحد الصلاة أو الصوم أو أي شيء معلوم من الدين بالضرورة .
حكمه : المشرك بنوعيه له أحكام هي :
1- يُبرأ منه ، أي يبغض ولا يُناصر ولا يُؤازر ، بل يُحارب .
2- لا يرث ولا يُورث .
3- لا يُصلى عليه إذا مات .
4- لا يُدفن في مقابر المسلمين .
مصيره : هو في النار والعياذ بالله ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } .
فائدة هامة :
اختلفوا في نجاسة جسد المشرك ، فقيل : نجس ، وقيل : ليس بنجس ، يقول تعالى : { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } (1) ، فبعضهم قال : نجاستهم معنوية وهي نجاسة قلوبهم بسبب شركهم ، وبعضهم قال : إن أجسادهم نجسة كنجاسة قلوبهم ، وعلى هذا الرأي تنبني الأحكام الآتية :
1- ملامسة المسلم لجسد المشرك بالمصافحة أو غيرها –إن كانت يد أحدهما رطبة – تؤدي إلى تنجيس يد المسلم ونقض وضوئه إن كان متوضئاً ، فعليه أن يغسل يده ويُعيد وضوءه .
__________
(1) التوبة / 28 (1/57)
صفحة 58
2- لا يصح أكل الطعام الذي طبخوه، فلينتبه أولئك الذين يأتون بالشَّغَّالات وهن مشركات .
3- لا يصح غسل الملابس معهم إذا غسلوها بأيديهم ، بل عليه أن يعيد غسلها مرة أخرى.
4- إن كانت يد الحلاق المشرك رطبه أو رأس المحلوق رطباً فأنه ينجس شعره ، فعليه أن يغسله بعد الحلاقة .
إلى غير ذلك من الأحكام العامة من عدم دخولهم المساجد أو لمسهم المصحف .
الولاية والبراءة
40-وحِرزُهُ أن تُوالي مَن أطاع وتَبْرَى مِن مُصِرٍّ وقِفْ عن كُلِّ مَن جُهِلا
الولاية : هي الحب في الله لكل طائع مستقيم على دينه ، ونصرته وإعانته بالنفس والمال ، والدعاء له بالخير ، يقول الله تعالى : { وَالْمؤْمنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاء بَعْضٍ } (1) .
البراءة : هي البغض في الله لكل عاصٍ منحرف عن طاعة ربه مصرٍّ على معاصيه ، فلا تجوز نصرته ولا معونته ولا الدعاء له ، قال تعالى : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أوْ عَشِيرَتَهُمْ } (2) .
الوقوف : هو الإمساك والامتناع عن محبة شخص أو بغضه لعدم معرفتك بحاله ، هل هو من أهل الصلاح أم لا ، قال تعالى : { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } (3) .
الشرح :
حرز الدين وسلامته بأن تحب الأخيار وتبغض الفجار وتقف عن من لم تعرف حاله ، فالأمور ثلاثة :
- أمر بان لك رشده فاتبعه .
- وأمر بان لك غيه فاجتنبه .
- وأمر أشكل عليك فقف عنه .
يقول عمر بن الخطاب : ( من علمنا منه خيراً قلنا فيه خيراً وظننا فيه خيراً وتوليناه، ومن علمنا منه شراً قلنا فيه شراً وظننا فيه شراً وتبرأنا منه ) (4) .
__________
(1) التوبة / 71
(2) المجادلة / 22
(3) الإسراء /36
(4) رواه الربيع . (1/58)
صفحة 59
أهمية الولاية والبراءة في حياة الناس :
باب الولاية والبراءة مهم في حياة الناس ، وهو فرض واجب على الجملة كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها من الواجبات ، وقد تهاون الناس اليوم في هذا الأمر حتى أصبحوا يحبون العاصي ويستغفرون له ويدعون له بالخير ، وذلك مخالف لأمر الله عز وجل وأمر رسوله ، والآية هنا واضحة بأنه لا يؤمن أحد بالله واليوم الآخر حتى يبغض العصاة ، ولو كان ذلك العاصي أباه أو أخاه أو زوجه أو أقرب الأقربين إليه ، فإن العاصي يبغضه الله ، فكيف تحب من غضب الله عليه، وهذا هو أبو الحنفاء إبراهيم - عليه السلام - يتبرأ من أبيه لما علم أنه عدو لله، قال تعالى: { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ } (1) .
بل نص العلماء على أننا عندما نُسلم على العاصي لا نقصد به السلام الأخروي ، وإنما هو السلام الدنيوي ، وإذا عطس فشمتناه فإننا نقصد بقولنا له : يرحمكم الله الرحمة الدنيوية ، وهكذا في سائر الأمور ، أما الوالدان إذا كانا عاصيين : فقيل ندعوا لهما ، وقيل : لا ندعوا لهما ، فهم كسائر العصاة بنص الآية ، بدليل براءة إبراهيم من أبيه ، ولما اختل هذا الميزان عند الناس أصبحوا يفضلون العصاة على الصالحين ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
كيف تثبت الولاية والبراءة ؟
تثبت الولاية بثلاثة أمور هي :
1- الشهرة :أن يشتهر صلاحه واستقامته بين الناس .
2- شهادة عدلين :أن يشهد عدلان ثقتان بأن فلاناً من أهل الصلاح والاستقامة .
3- المشاهدة :أن تراه بعينك وتصحبه فترى فيه الصلاح والاستقامة .
أما البراءة فتثبت بأربعة أمور :
1- الشهرة : أن يشتهر فساده وعصيانه وفسقه بين الناس .
2- شهادة عدلين : أن يشهد عدلان ثقتان بأن فلاناً من أهل العصيان والفسوق .
__________
(1) التوبة / 114 (1/59)
صفحة 60
3- المشاهدة : أن تراه بعينك وهو يفعل المعصية مختاراً لها من نفسه غير مجبرٍ عليها .
4- الإقرار : أن يقرَّ على نفسه بأنه قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب : كالقتل أو الزنى أو شرب الخمر ..الخ ، فالاعتراف هو سيد الأدلة .
ولاية الجملة وبراءة الجملة
41-ووالِ في جمُلةٍ مَن قد أطا ... ... عَ وعَادِ مَن عصى جملةً للهِ ممُتثِلا
الشرح :
ولاية الجملة : أن يتولى المسلم جميع أولياء الله الصالحين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين . وعلى هذا يكون قد أحب جميع الصالحين من عرفهم ومن لم يعرفهم .
براءة الجملة : أن يتبرأ المسلم من جميع أعداء الله من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، وعلى هذا يكون قد أبغض جميع الكفرة والعصاة من عرف منهم ومن لم يعرف .
حكم ولاية الجملة وبراءة الجملة :
واجبة على كل مسلم ومسلمة لا تسقط عنه كسائر أركان الإيمان والإسلام ، يأثم على تركها وعدم معرفتها ، امتثالاً لأمر الله عز وجل وأمر رسوله ، وبمعرفة ولاية الجملة وبراءة الجملة يتم إيمان المسلم ، ولا يجب عليه ما عداها من أقسام الولاية والبراءة الأخرى إلا بشرطها -خاصة الضعيف -.
أقسام الولاية والبراءة
42-وكُلُّ مَن عصمَ المولى وَلايتُهُ ... ... فَرْضٌ كعُدوانِ مَن إياهُ قد خَذَلا
43-وكُنْ مُوالٍ إمامَ المسلمين ومَنْ ... ... حوتْهُ طاعتُهُ إلاَّ الذي انخَذَلا
44-وعادِ في الدِّينِ جبَّاراً وعامِلَهُ ... ... ومَن له في سبيلِ المُكْفِراتِ تَلا
45-لا كُلَّ مَن قد حوى سُلطانُ عِزَّتِهِ ... ... إذ قد يكونُ هناكَ مُؤمِنٌ دَخَلا
46-ثم الوَلايةُ توحيداً تكونُ وأُخْرى طاعةٌ فُرِضَتْ إنْ شَرْطُها حَصَلا
47-كذا البراءةُ والشرطُ الذي وجَبَتْ ... ... بِهِ الوَلايةُ أنْ تُلْفِيهِ ممُتثِلا
48-وربُّنا لم يزلْ للمؤمنينَ وَلِيَّاً هكذا وعدُوَّاً للذي نَصَلا
49-وهكذا أبداً ليس الزمانُ ولا الْ ... ... أفعالُ تَقْدحُ فيهِ خُذْهُ مُنتَحَلا (1/60)
صفحة 61
50-لكننَّا قد تعبَّدْنا بِطاعَتِه ... ... فكلُّنا عامِلٌ بِما له جُعِلا
51-معنى مُوالٍ مُعادٍ عالِمٌ بِهِمُ ... ... وبالذي فعلوهُ الجِدَّ والهَزَلا
معاني الكلمات :
-( من عصم المولى ) هم الأنبياء والرسل، ( خذلا ) الخذلان : عدم التوفيق لأعداء الله .
-( إمام المسلمين ) هو الحاكم العادل ، ( من حوته طاعته ) : هم رعيته وشعبه .
-( الجبار ) : هم الملوك الجائرون ، ( عامله ) : عمال هؤلاء الجورة وولاتهم ، ( ومن له في سبيل المكفرات تلا ) : أي ومن تبع الجائرين في طريق الكفر والعصيان .
الشرح:
تتحدث الأبيات السابقة عن أقسام الولاية و البراءة ، ونلخصها فيما يأتي :
1-ولاية الجملة وبراءة الجملة : وقد شرحناها في البيت السابق .
2-ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص : هي أن تحكم على كل شخص بعينه ، يعنى أن تحدده باسمه ، فإن كان من أهل الصلاح تتولاه ، وإن كان من العاصين فتتبرأ منه ، وهذا القسم لا يستطيعه كل أحد ، ومرده إلى العلماء ومن قاربهم .
3-ولاية الحقيقة : أن تتولى جميع من ذكرهم الله في القرآن الكريم باسمهم : كالأنبياء ومريم ، أو ذكرهم القرآن بصفتهم : كصاحب ياسين و امرأة فرعون (آسية ) ومؤمن آل فرعون وأصحاب الكهف ، أو بشرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالجنة بشرط أن يكون الحديث متواتراً وليس آحادياً (1) .
وكذلك براءة الحقيقة : وهي أن تبرأ من كل من ذكره القرآن الكريم ، أو جاء في سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - المتواترة اسمه أو صفته أنه من أهل العصيان : كفرعون وهامان وقارون وامرأة نوح وامرأة لوط ، وأُبيّ بن خلف وأبي جهل وأبي لهب وامرأته ..الخ .
__________
(1) ... بالنسبة للعشرة المبشرين بالجنة ، وهم : 1-أبو بكر ، 2-عمر ، 3-عثمان ، 4-علي ، 5-سعد بن أبي وقاص ، 6-سعيد بن زيد ، 7-عبد الرحمن بن عوف ، 8-أبوعبيدة عامر بن الجراح ،9-الزبير بن العوام ، 10-طلحة بن عبيد الله .
فالحديث فيهم آحادي لا يمكن الاحتجاج به . (1/61)
صفحة 62
4-ولاية الإمام العادل : إذا حكم بكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطبق الحدود، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، فإنه تجب محبته وولايته ، وتجب محبة من تحته من الرعية ؛ لأن الحاكم إذا صلح صلحت رعيته ، فتجب ولاية الجميع إلا الذي انخذل وعصى من رعيته ، فإذا وُجِد من رعية الإمام العدل من حاد عن الاستقامة وجبت البراءة من ذلك العاصي المنخذل ، وهذا معنى قول الإمام السالمي ( إلا الذي انخذلا ) .
وكذا البراءة من الجبابرة : المتسلطين في الأرض ؛ الذين يحكمون بغير ما أنزل الله ، ونبرأ من جميع أعوانهم ، ولكن لا نبرأ من كل رعيتهم ، فربما يكون فيهم من عباد الله الصالحين من خاف على نفسه فلم يستطع الخروج عنهم ، وهذا معنى قول الإمام السالمي لا كل من قد حوى سلطان عزته إذ قد يكون هناك مؤمن دخلا
5-ولاية الله لعباده الصالحين : محبة الله لهم وتوفيقهم في جميع أعمالهم ورضاه عنهم وإدخالهم الجنة يوم القيامة .
وكذا براءة الله من العصاة : بغض الله لهم وعدم توفيقهم وعدم رضاه عنهم ، وإدخالهم النار يوم القيامة .
6-ولاية العبد نفسه : أي محبتها بإلزامها الطاعة وزجرها عن المعصية ، ولا يجوز للإنسان إن يتبرأ من نفسه حتى لو عصت الله عز وجل ، ولكن يوبخها على تقصيرها ثم يتوب إلى ربه ؛ لأنه لو تبرأ من نفسه وعاداها فكأنه خذلها وأهملها وجعلها تمرح في هواها ، وذلك لا يجوز .
فوائد هامة :
1- ولاية الجملة وبراءة الجملة واجبتان على كل مسلم ومسلمة لا يكتمل إيمان المسلم إلا بهما ، ولذلك نطلق عليهما ولاية توحيد وبراءة توحيد : أي أن عقيدة المسلم وتوحيده لا يتم إلا بمعرفتهما والعمل بمقتضاهما .
أما ما عدا ذلك من أقسام أخرى للولاية والبراءة فهي طاعة تجب عل من عرف شروطها ، أما من لم يعرف شروطها فلا تجب عليه ، وهذا معنى قول الإمام السالمي :
ثم الولاية توحيداً تكون وأخـ رى طاعة فرضت إن شرطها حصلا (1/62)
صفحة 63
كذا البراءة والشرط الذي وجبت به الولاية أن تلفيه ممتثلا
2- ولاية الله لعباده وبراءته منهم أزلية لا تتغير أبداً ، بمعنى أن الإنسان ربما يكون في الظاهر صالحاً ولكنه في الباطن منافق ، فالله لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، فهو وإن تظاهر بالصلاح فإنه عند الله عدو في الأزل .
كذلك من كان صالحاً ثم عصى ومات على عصيانه ، فهو عدو لله في الأزل ؛ لأنه جل وعلا يعرف مصير الإنسان في الأزل كيف سيكون .
وكذلك العبد الصالح ولي لله في الأزل وإن كان في أعين الناس بالظاهر عاصياً ، أو أنه عصى أولاً ثم تاب ومات على الاستقامة فالله يتولاه في الأزل .
والسبب في ذلك أن الله لا يجري عليه تغير الزمان أو الأفعال ، عالم بما كان وما سيكون ، ويعلم المفسد من المصلح ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وهذا معنى قول الإمام السالمي :
وربُّنا لم يزلْ للمؤمنينَ وَلِيَّاً هكذا وعدُوَّاً للذي نَصَلا
وهكذا أبداً ليس الزمانُ ولا الْ ... أفعالُ تَقْدحُ فيهِ خُذْهُ مُنتَحَلا
لكننَّا قد تعبَّدْنا بِطاعَتِه ... فكلُّنا عامِلٌ بِما له جُعِلا
معنى مُوالٍ مُعادٍ عالِمٌ بِهِمُ وبالذي فعلوهُ الجِدَّ والهَزَلا
أما نحن فمتعبدون ومكلفون بطاعته نحكم على الناس بظواهرهم ، أما سرائرهم فنكل أمرها وعلمها إلى الله ، فإن ظهر منه صلاح توليناه ، وإن ظهر منه فساد تبرأنا منه ، هذا الذي يلزمنا في حق الله عز وجل .
باب في ذكر الكفر وما يشتمل عليه
52-والشِّرْكُ لابد مِن أنْ تعرِفنْهُ لِكَي ... ... تكونَ في مَقعَدٍ عن غيِّهِ اعتزلا
53-وهْو المساواةُ بين اللهِ جلَّ وبين الخلقِ أو جحدُهُ سبحانه وعلا
54-وما سِواهُ مِن الكُفرانِ يلزمُنا ... ... أي عِلْمُهُ إن علِمْنا حُكْمَهُ الفَضِلا
55-مالم نكن راكبيهِ أو نُصوِّبُ مَن ... ... يأتيهِ عمداً وجهلاً هكذا نُقِلا
تعريف الكفر : (1/63)
صفحة 64
الكفر لغة : بمعنى التغطية ، ولذلك سمى الله الزُّرَّاع كُفَّاراً ؛ لأنهم يغطون البذر في التراب ، قال تعالى : { كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ } (1) .
والكفر اصطلاحاً :هو إنكار وجود الله أو إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة أو اتخاذ شريك معه ، أو ارتكاب ما نهى الله عنه مع الإصرار على ذلك .
ومن هذا التعريف ندرك أن الكفر نوعان :
1- كفر شرك بإنكار الخالق أو مساواته بغيره .
2- وكفر نعمة بارتكاب ما نهى الله عنه .
أما النوع الأول : وهو كفر الجحود وكفر المساواة وقد تكلمنا عنه وعن أحكامه في الدروس المتقدمة .
وأما النوع الثاني : فهو كفر النعمة .
تعريف كفر النعمة : صاحبه يعترف بوجود الله ، فهو غير خارج عن الإسلام بل هو مُقرٌ به ، ولكنه متهاون بترك شيء من الفرائض كالزكاة أو الصوم أو غيرها ، أو مرتكب لشيء من كبائر الذنوب كالزنا أو السرقة أو شرب الخمر .
فإذا مات على ذلك من غير توبة فهو من أهل النار والعياذ بالله ،قال تعالى : { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فيهَا أبَدًا } ، ولكن عذابه أقل من عذاب الكافر المشرك .
وسمي هذا الكفر كفر نعمة ؛ لأن صاحبه بارتكابه المعاصي يكفر نعمة الله تعالى التي أنعمها عليه ويجحدها .
أسماء أخرى لكافر النعمة :
1-فاسق : لخروجه عن طاعة الله ووقوعه في المعاصي .
2-منافق نفاقاً عملياً : لأنه يدعي الإسلام وهو يخالف تعاليم الإسلام بارتكاب المحرمات .
فائدة هامة :
__________
(1) الحديد / 20 (1/64)
صفحة 65
تسمية الفاسق بأنه كافر لا توجد إلا عند أصحابنا الإباضية ،وقلة من غيرهم ، وقد أخذوا هذه التسمية من القرآن الكريم ومن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أما من القرآن فقوله تعالى { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } (1) ، فقد سمى الله تارك الحج كافراً رغم أنه يعترف بالإسلام .
ومن السنة قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (2) أي كفر نعمة ،فهو لم يخرج من الإسلام ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - " من أتى امرأة في دبرها أو أتى عرّافاً فقد كفر بما أُنزل على محمد " (3) وغيرها كثير من الأدلة (4) .
شرح الأبيات :
على المسلم أن يعرف الشرك والكفر وأقسامه حتى يكون بعيداً عن الوقوع فيه معتزلاً له ، ثم ذكر الشيخ السالمي رحمه الله أقسام الشرك من مساواة وجحود ، ثم بين أن ما عداه من الكفران يلزمنا معرفته وعلمه وهو كفر النعمة ؛ لأنه كثير منتشر في حياتنا ، فما أكثر الفاسقين والمنهمكين في المعاصي والآثام .
فعلينا أن نعرف ما نستطيع من هذا الكفران ، ولكن الضعيف الذي ليس عنده علم كثير فيجوز له أن يجهل بعض تلك المعاصي بشروط هي :
1- أن لا يكون مرتكباً لتلك المعصية ، أي غير مقترفٍ لها ، كرجل لا يعرف الزنا وهو بنفسه لم يفعله فجهله للزنا في هذه الحالة لا يضره .
__________
(1) آل عمران / 97
(2) ا رواه البخاري ومسلم وغيرهما .
(3) واه البخاري ومسلم وغيرهما .
(4) بل ذهب بعض أصحابنا المغاربة إلى أنه يسمى شركاً أصغر ، أي شركاً جزئياً ، واستدلوا بحديث ( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) ، أفاد ذلك العلامه سعيد القنوبي – حفظه الله . (1/65)
صفحة 66
2- أن لا يُصوّب من يأتيه ، أي لا يحكم بالصواب على من فعل شيئاً من المعاصي ، مثلاً هو لا يعرف الخمر ولم يشربها ، ولكنه رأى أحداً يشربها فلا يجوز له أن يقول عن هذا الشارب للخمر بأنه مُصيب في فعله ، أو أنه يتولاه ويحبه ، ولا يعذر في هذه الحالة بجهله ، حتى لو لم يكن يعرف بأن الخمر حرام ، وهذا معنى قول الإمام جابر بن زيد رحمه الله ( يسع الناس جميعاً جهل ما دانوا بتحريمه مالم يرتكبوه ، أو يصوبوا راكبه ، أو يبرأوا ممن تبرأ منه بدين ) .
فهم معذورون حتى يرتكبوا ذلك المحرم أو يحكموا بصواب فاعله ،أو يبرأوا من شخص تبرأ من شارب الخمر مثلاً ؛ لأنه أعلم منهم بحرمته ، فلا يجوز لهم تخطئة ذلك الشخص لأنه علم ، وجهلوا هم ، ولا عذر لجاهل .
قواعد الكفر
56-جهلٌ حمِيَّةُ كِبرٌ بعدَهُ حسدٌ ... ... قواعِدُ الكُفرِ فاحْذَرْ إنها العُضَلا
قواعد الكفر أربع :
1- الجهل 2- الحمية 3- الكبر 4- الحسد
1- الجهل : هو ضد العلم ، أي عدم العلم بالشيء ، وهو على قسمين :
أ- جهل بسيط : وهو عدم المعرفة بالشيء ، وهذا لا يكاد ينجو منه أحد من البشر، فالإنسان يجهل أشياء كثيرة ( علمت شيئاً وغابت عنك أشياء ) .
ب- جهل مركب : وهو أن يتصور الإنسان الشيء على خلاف ما هو عليه ، أي تكون الحقائق عنده مقلوبة وهذا الجهل هو أشد خطراً وأكثر ضرراً ، وهو منتشر بين كثير من الناس ، يقول الشيخ السالمي في الأنوار :
والجهلُ قسمانِ بسيطٌ سلِما صاحبُه والثاني فهو ما انتما
إلى مركبٍ وليس يسلمُ صاحبُه بفعلِه بل يأثمُ
ويقول أيضاً في جوهر النظام :
فذاك جهلٌ عندنا مركبُ صاحبُه عن الهدى مجُنبُ (1/66)
صفحة 67
وذلك لأن الجهل لخطورته يجعل الإنسان يتكبر على منهج الله تعالى ، لجهله بحق الله وطاعته ومعرفة وجوب اتباع رسوله ، لذلك قال الله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } (1) فالعلماء هم أعرف الناس بالله لذلك يخافونه ، والجاهلون هم أبعد معرفة لمقام الله جل جلاله لذلك لا يخافونه ، فينتهكون محارم الله ، وصدق القائل :
لا فخر إلا لأهل العلم إنهمُ هم الهدى لمن استهدى أدِلاءُ ووزن كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
ففز بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياءُ
2-الحمية :هي العصبية في غير الحق ، فمثلاً كفار قريش كذبوا سيدنا محمداً بسبب العصبية الجاهلية ، قال تعالى : { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ } (2) ، وهم القائلون : { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ } (3) ، وكان الواحد منهم بسبب أن شخصاً قتل أحد أقاربه فإن الحمية الجاهلية تدفعه لأن يقتل عشرة مكانه أو يقتل قبيلة بأسرها .
3-الكبر : هو أن يحتقر الخلق ويزدريهم وأن يتعاظم عليهم ، وبذلك استحق إبليس الطرد من الجنة بسبب عدم سجوده لأبينا آدم - عليه السلام - ، قال تعالى : { وَإِذْ قُلنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } (4) ، فالمتكبر عدو الله لا يدخل الجنة ، بل هو من أهل النار ، قال سبحانه : { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } (5) ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يدخل الجنة من كان قي قلبه مثقال ذرة من كبر " (6) .
__________
(1) فاطر / 28
(2) الفتح / 26
(3) الزخرف / 23
(4) البقرة / 34
(5) غافر / 60
(6) رواه مسلم . (1/67)
صفحة 68
ولخطورة الكبر فإنه يدعو إلى الكفر ، لذلك كان قاعدة من قواعده ، فكبر فرعون هو الذي جعله يقول : { مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي } (1) ، وقوله { أنا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } (2) .
4- الحسد: هو أن يتمنى زوال نعمة إخوانه وانتقالها إليه ، فقلبه يشتعل ناراً عندما يرى إخوانه في سعادة ، وفي المثل : الحسود لا يسود .
وقد حمل الحسد إبليس أن لا يسجد لآدم ، والحسد هو الذي حمل قابيل على قتل أخيه هابيل ، فكان الحسد أول معصية في السماء وأول معصية في الأرض .
وقد اعترف كفار قريش بأن الحسد هو الذي دفعهم إلى عدم الإيمان بسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وإلا فهم يعلمون أنه صادق ، فقد قال أبو جهل : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ،حتى تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه .
والحاسد ليس له علاج إلا أن يُترك في حسده حتى يموت حسرة ،كما قال القائل :
اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتلُِهْ
فالنار تأكلُ بعضَها إن لم تجد ما تأكلُهْ
الفرق بين الغبطة والحسد :
الحسد : تمني زوال نعمة الغير ، وهو أمر مذموم محرم .
أما الغبطة : فهي أن يُسر بما عند إخوانه من نعم ، ويرجو لهم المزيد ، ويتمنى أن يرزق نعماً كما رزقوا ، والغبطة أمر محمود طيب .
أركان الكفر
57-ورغبةٌ رهبةٌ أركانُهُ ويليها شهوةٌ غضبٌ في كُلِّ ما حُظِلا
الشرح :
أركان الكفر أربعة هي :
1- الرغبة 2- الرهبة 3- الشهوة 4- الغضب
1- الرغبة : هي أن ترغب فيما لا يحل ، أي فيما حرمه الله فتقوده رغبته إلى الكفر والعياذ بالله ، كالذي يرغب في الاستعلاء في الأرض ، فلا يخضع لمنهج الله عز وجل ، والرغبة هي التي تقود الغني أحياناً إلى منع الزكاة وإنكارها رأساً فيقع في الكفر .
__________
(1) القصص / 38
(2) النازعات / 24 (1/68)
صفحة 69
2- الرهبة : هي أن يخشى الإنسان غير الله لأجل مصلحة دنيوية ، أو أنه يخاف الفقر فيداهن ذلك المخلوق الذي يخاف منه ، والمداهنة حرام لا تجوز ، يقول الله عزوجل : { أ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أحَقُّ أن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ } (1) ، أما المداراة فهي جائزة.
الفرق بين المداهنة والمداراة :
المداهنة : هي بذل الدين لأجل الدنيا ، أي يضحي بدينه من أجل متاع الدنيا الزائل ، يبيع دينه بعرض من الدنيا ، كما قال القائل :
نُرقِّع دنيانا بتمزيقِ ديننا فلا دينُنا يبقى ولا ما نُرقعُ
أما المداراة : فهي بذل الدنيا لأجل الدين ، يقول - صلى الله عليه وسلم - : " أمرني حبيبي جبريل - عليه السلام - بمداراة الرجال " (2) .
__________
(1) التوبة / 13
(2) رواه الربيع . (1/69)
صفحة 70
3-الشهوة : هي الشهوة المحرمة ؛ لأنها تحمل نفس الإنسان على اقتحام محارم الله عز وجل : كالزنا واللواط والسحاق والاستمناء المحرم ، فالشهوة تؤدي بالإنسان أحياناً إلى أن ينهمك في هذه الشهوات المحرمة فيستحلها فيقع في الكفر والعياذ بالله من حيث لا يشعر ؛ لأن استحلال ما حرَّمه الله نفسه شرك ، فهو لا يبالي أن يفجر بأمه أو بأخته أو بابنته فلذة كبده ، يقول تعالى : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } (1) ، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " حُفِّت الجنة بالمكاره ، وحُفت النار بالشهوات " (2) ويقول - صلى الله عليه وسلم - : " يأتي يوم القيامة أقوام ومعهم الحسنات كأمثال جبال تهامة ، فيصيرها الله هباءً منثوراً " ،فقام سالم مولى حذيفة بن اليمان فقال : صفهم لنا يا رسول الله ، خفت أن أكون منهم ، فقال : " هؤلاء أقوام يصلون ويزكون ويصومون ويأخذون وهناً من الليل ، ولكن إذا لاحت لهم الشهوات وثبوا عليها ، فأبطل الله أعمالهم بذلك ، فيصيرهم إلى النار " (3) ، وصدق القائل حيث يقول:
وتجنَّبِ الشهواتِ واحذر أن تكونَ لها قتِيلا
فلرُبَّ شهوةٍ ساعةٍ قد أورثت حُزناً طويلا
__________
(1) مريم / 59
(2) رواه مسلم .
(3) رواه الإمام جابر بن زيد في الأخبار المقاطيع ، وابن ماجة في سننه بلفظ مقارب . (1/70)
صفحة 71
3- الغضب : وهو حب الانتقام ، فهو يغلي كما يغلي المرجل ، والغضب أحياناً يوقع بالإنسان حتى يخرج من الدين حباً في الانتقام والتشفي ، ولقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل طلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يوصيه ، فقال له - صلى الله عليه وسلم - : " لا تغضب " فردد السائل مراراً على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يزيده على قوله " لا تغضب " (1) ، وذلك لأن الغضب يخرج الإنسان عن طوره فلا يعرف ما يصدر منه من أفعال ؛لأن الشيطان يكون أقدر على الإنسان حينما يغضب ، لذلك لا يملك غضبه إلا المؤمن يقول - صلى الله عليه وسلم - "ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " (2) فلربما قتل مظلوماً أو ارتد عن الإسلام كما حدث لجبله بن الأهيم.
قصة جبلة بن الأهيم دليل على أن الغضب يوقع في الكفر:
كان جبلة بن الأهيم على غير الإسلام، ثم أسلم في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، فبينما جبلة هذا يطوف بالكعبة إذ وطأ رجل فزاري على طرف إزار جبلة فأسقطه، فاشتاط جبلة غضباً ولطم الفزاري لطمه شديدة ، فشكا الفزاري جبلة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فحكم عمر على جبلة بأن يلطمه الفزاري، فامتنع جبلة عن ذلك وقال: كيف يُلطَم سيدُ ملوك العرب بسبب أحد سوقتهم ، أي أنه يصف نفسه بأنه سيد ملك، والفزاري رجل ضعيف لا وزن له ولا قيمة، فأصر عمر - رضي الله عنه - على القصاص من جبلة، فأراد أن يفتدي جبلة بألف رجل من قومه يلطمهم ذلك الفزاري فرفض عمر وقال له: إن الإسلام سوى بينك وبينه ، فلما رأى جبلة إصرار عمر - رضي الله عنه - على القصاص طلب منه أن يمهله إلى الليل ليفكر في أمره، فلما كان الليل هرب ولجأ إلى قيصر ملك الروم وارتد عن الإسلام وتنصر ، ثم ندم بعد ذلك وقال:
__________
(1) رواه البخاري .
(2) رواه الشيخان . (1/71)
صفحة 72
تنصرتُ بعد الحقِّ عاراً للطمةٍ وما كان فيها لو صبرتُ لها ضَررْ
وأدركني فيها لجِاجُ حمِيةٍ وبعتُ لها العينَ الصحيحةَ بالعَورْ
فياليت أُمي لم تلدني وليتني صبرتُ على القولِ الذي قاله عُمرْ
الغضب المحمود:
ليس كل الغضب مذموم ، وإنما المذموم فيما حرم الله، وهناك نوع من الغضب يحض عليه الإسلام ، وهو عندما تنتهك محارم الله، أن يرى المعاصي أمام عينيه فيجب أن يغضب لذلك ، ويؤدي ما عليه من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يغضب حتى تنتهك حرمات الله، فإذا انتهكت فإنه لا يقر له قرار.
باب في ذكر الملل الست وأحكامها
58-وهذه مِللُ الأديانِ قد نُصِبتْ ... ... لابُدَّ لِلمرءِ مِن أن يعرِفَ المِلَلا
الشرح:
الملة: هي الدين، ملل الأديان: أي الأديان الموجودة في الأرض.
الملل الست هي: المذكورة في قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } (1)
1- المسلمون : هم أتباع سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهم أمته .
2- اليهود :هم أتباع سيدنا موسى - عليه السلام - وكتابهم التوراة ولكنهم بدلوه وغيروه .
3- النصارى : أتباع سيدنا عيسى - عليه السلام - وكتابهم الإنجيل وقد حرفوه وأضاعوه .
4- الصابئون : قيل: هم طائفة خلطوا ما بين الديانات ، أخذوا شيئاً من اليهود وشيئاً من النصارى وشيئاً من المجوس وقالوا : أصبنا ديناً ، فهؤلاء حكمهم حكم أهل الكتاب على رأي كثير من العلماء ، وهذا هو الذي عليه أصحابنا ، ويوجد الصابئون في بلاد العراق وفي الشام على الحدود العراقية ، وهم قلة لا يتجاوزون عشرة آلاف (2) .
__________
(1) الحج / 17
(2) هذا التعريف من كلام شيخنا أحمد الخليلي حفظه الله ، فانظره في شرحه . (1/72)
صفحة 73
5- المجوس : يقال بأنهم كانوا على كتاب سماوي ، ولكنهم حرفوه وأضاعوه ، وهذا ليس ببعيد ؛ لأن ما تبقى عندهم من كتاب وهو كتاب زرادشت فيه نصوص تبشر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ويوجد المجوس في بلاد فارس وفي الهند وهم الزرادشتيون (1) .
6- المشركون : هم عبدة الأصنام من الكفار .
حكم معرفة الملل الست:
قال أكثر علمائنا :بأنه يجب معرفة الملل الست ، وقال شيخنا أحمد الخليلي حفظه الله: ( وذهب الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني رحمه الله إلى أن الإنسان العامي لا يكلف أن يعرف هذه الملل الست ، وهذا هو الذي درج عليه الشيخ أبو إسحاق اطفيش رحمه الله في تعليقه على كتاب الوضع، وهو الذي أجنح إليه ؛لأن في إلزام عوام الناس ذلك حرج كبير ) (2) .
أحكام المسلمين
59-فالمسلمونَ وهُمْ مُوفٍ ومجُترِحٌ ... ... والمجرمون بِنَهْكٍ منهمُ انفَصَلا
60-أو مُستحِلٌ وأحكامُ الأُولى انتهَكُوا ... ... أنْ يُرْجِعوا كُلَّ ما صابوا وإنْ جَزَلا
61-وقد يجوزُ لِكُلٍّ ما يجوزُ لنا ... ... إلا الوَلايةُ خُصَّت بالذي عَدَلا
الشرح:
الملة الأولى من الملل الست : ملة الإسلام :
وأتباعها يسمون المسلمين، والمسلمون ينقسمون إلى قسمين:
1- المسلم الموفي:وهو المؤدي ما عليه من واجبات الشريعة.
2- المسلم المُجترح: وهو الذي أصاب السيئات ،والمُجترح ينقسم إلى قسمين:
أ- المنتهك ب- المستحل
أ- المنتهك: وهو الذي يفعل المعاصي وهو يعلم أنها محرمة،كالذي يسرق وهو يعلم أن السرقة حرام ،أو يزني وهو يعلم حرمة الزنى،وهؤلاء هم الذين قصدهم الشيخ السالمي بقوله هنا )والمجرمون بنهك منهم انفصلا)
حكم المنتهك:
__________
(1) هذا التعريف من كلام شيخنا أحمد الخليلي حفظه الله ، فانظره في شرحه .
(2) انظره في شرحه على غاية المراد . (1/73)
صفحة 74
عليهم مع التوبة أن يرجعوا كل ما أخذوه على الناس من مال أو متاع إذا سرقوا أحداً أو غصبوه ماله؛ لأن المنتهك حينما يذنب ذنباً لا يلزمه به إلا التوبة، ولكنه بأخذه شيئاً من حقوق الناس، فلا تقبل توبته إلا بإرجاع الحقوق لأصحابها، لذلك جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "الذنب ذنبان: ذنب بين العبد وربه، وذنب بين العبد وصاحبه ، أما الذنب الذي بين العبد وربه فمن تاب منه كمن لا ذنب له، والذنب الذي بين العبد وصاحبه فلا توبة منه حتى يرد المظالم " (1) لأن رد المظالم شرط من شروط التوبة لا تصح إلا به.
وهذا معنى كلام الشيخ السالمي رحمه الله :
( وأحكام الأولى انتهكوا أن يرجعوا كل ما صابو وإن جزلا)
ب- المستحل:هو الذي يفعل المعاصي ظناً منه بأنها حلال ، ويستدل ببعض الآيات أو الأحاديث أو إجماع السلف ويتأولها بأنها تحل له فعل تلك المعصية،كمن يرتكب القتل يتأول بعض الآيات أنها مبيحة لذلك الشخص القتل.
ومثال ذلك: الخوارج الذين استحلوا قتل مخالفيهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم متأولين قوله تعالى { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } (2) فتأولون قوله تعالى { وَإِنْ أطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } أي إن أطعتموهم في أكل الميتة تصبحون مشركين ، ولكن جمهور الأمة يقولون : بأن الآية تعني إن أطعتموهم في استحلال أكل الميتة، فتأويل الخوارج لهذه الآية هو الذي دفعهم إلى قتال المسلمين لظنهم بأنهم مشركون ،فاستباحوا دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم.
حكم المستحل:
__________
(1) رواه الربيع .
(2) الإنعام / 121 (1/74)
صفحة 75
يجب عليه حتى تقبل توبته أن يُرجع ما أخذ من مال ، وإن كان سبى بعض النساء وتسرَّاهن فإنه يفارقهن ، ولا يلزم المستحل المتأول بأن يُرجع ما أتلف من مال ؛ لأنه لا ضمان عليه ولكن يرجع ما تبقى عنده ، بخلاف المنتهك فإنه يضمن ما أتلف (1) .
تنبيه هام :
هذا حكم المستحل المتأول للقرآن أو السنة أو الإجماع ، أما المستحل بدون تأويل أي يستحلها من هوى نفسه بدون دليل فهو مشرك والعياذ بالله .
أحكام عامة للمنتهك والمستحل بتأويل :
لهم جميع حقوق المسلمين من :
1- الصلاة عليهم عند الموت .
2- دفنهم في مقابر المسلمين .
3- يرثون ويُورثون .
ولكن ليست لهم الولاية ؛ لأنها لا تكون إلا للتقي الموفي ، فهم في البراءة حتى يتوبوا .
أما المستحل بدون دليل فإنه مشرك ، حكمه حكم المشركين ، وقد تقدم الكلام على أحكامهم ، وهذا معنى قول الإمام السالمي :
وقد يجوز لكل ما يجوز لنا إلا الولاية خصت بالذي عدلا
أحكام اليهود والنصارى والصابئين والمجوس
62-يهودُ ثم النصارى والمجوسُ معاً ... ... والصابِئون لهمْ حُكمٌ وقد عُقِلا
63-يُسالمون إذا انقادوا على صِغرٍ ... ... بجِزيةٍ أو أبَوْا فالكُلُّ قد قُتِلا
الشرح :
اليهود والنصارى لكونهم أهل كتاب فإنهم :
1- يُدعون إلى الدخول في الإسلام ، فإن أجابوا فلهم حق المسلمين .
2- وإن رفضوا فُرِضت عليهم الجزية على حسب ما يحددها إمام المسلمين .
3- فإن أبوا فإنهم يقاتلون ، وهذا معنى قول الشيخ السالمي :( أو أبوا فالكل قد قتلا ) ، والدليل على ذلك قول الله تعالى { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } (2) .
__________
(1) انظر كلام شيخنا الخليلي في شرحه .
(2) التوبة / 29 (1/75)
صفحة 76
والمجوس لهم نفس الحكم لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم " (1) ، فالمجوس لا تؤكل ذبائحهم ، ولا تنكح نسائهم .
أما الصابئون فلأخذهم من اليهود والنصارى فإنهم يعاملون كمعاملتهم ، فتؤكل ذبائحهم وتنكح نساؤهم .
وقد اشترط بعضهم للزواج من الكتابية :
1-بأن لا تعلق صليباً .
2-أن تغتسل من الحيض والنفاس والجنابة .
3-أن تزيل الشعر من الأماكن المعتادة .
4-أن لا تأكل لحم الخنزير .
فائدة هامة في حكم أكل ذبائح أهل الكتاب في الوقت الحاضر :
بسبب غزو أعداء الإسلام للمسلمين فكرياً واقتصادياً وصناعياً فإن كثيراً من المسلمين تلقفوا كل ما يأتي من عدوهم بالتسليم والقبول ، وهذه نكبة كبرى هدت كيان الأمة الإسلامية في جميع جوانبها .
وكان من بين ذلك استيراد المواد الغذائية وفي مقدمتها الذبائح ( اللحوم والدواجن ) وقد وجد من بعض علماء المسلمين من تساهل في هذه اللحوم بدون قيد أو شرط بدعوى أنها قادمة من ديار أهل الكتاب ، مستدلين بقول الله تعالى { وَطَعَامُ الَّذين أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ } (2) ، فانخدع بذلك كثيرون .
والواقع أن هذه اللحوم لم تذبح ذبحاً شرعياً وذلك من عدة وجوه :
1- أن أهل الكتاب في وقتنا هذا قد تحول أكثرهم إلى الإلحاد وإنكار الخالق جل وعلا ، فهم في حكم المشركين ،فذبائحهم لا تقبل ،وما تبقى من أهل الكتاب – على قلتهم- فإنهم لا دخل لهم في مثل هذه الذبائح ، وإنما حياتهم تقتصر على الكنيسة يرددون فيها الترانيم فقط لا غير .
2- بأن أغلب هذه الذبائح لم تذبح ولم تذكَّ الذكاة الشرعية ، بل تقتل بواسطة الصعق الكهربائي ، أو الضرب بالعصا ، أو الرمي بالرصاص ، وهذه الوسائل تُحرِّم أكل الذبيحة حتى لو صدرت من مسلم ، فما بالكم بغيره .
__________
(1) رواه مالك في الموطأ .
(2) المائدة / 5 (1/76)
صفحة 77
وإتماماً للفائدة فإننا نورد هذه الفتوى لسماحة شيخنا أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله ، وسدد على طريق الخير خطاه :
فتوى في حكم اللحوم المستوردة
س / ما حكم أكل اللحوم المستوردة ؟
ج / اللحوم المستوردة يختلف حكمها باختلاف حكم البلد التي استوردت منها ، فإن استوردت من بلدة مسلمة فالأصل فيها الحل حتى يثبت أنها محرمة بوجه من الوجوه ، وإن استوردت من بلدة غير مسلمة فحكمها عكس ذلك ، وهو أن الأصل فيها الحرمة حتى تثبت حليتها بحجة مقبولة شرعاً ، وذلك أن يضمن مسلمان مقبولان أو مسلم واحد على الأقل ضماناً شرعياً بأنها ذكيت ذكاة شرعية من قبل من تجوز ذكاته شرعاً ، ولا يكفي أن يكتب على الغلاف أنها مذبوحة على الطريقة الإسلامية ، فإن هذه خدعة خادعة اكتشفنا زيفها مراراً ، فكم وجدنا دجاجاً مخنوقاً ليس على عنقه أثر للجرح ، وقد كتب على غلافه ذلك .
ودعوى أن هذه اللحوم من طعام أهل الكتاب فهي محللة لنا مردودة من وجهين :
أولهما : أن العالم الغربي بعد أن تفشى فيه الإلحاد ، وتلاشى منه الوازع الديني ، واستخف أهله بجميع قيم الدين لم يعد عالماً كتابياً بل هو عالم إلحادي ، ولا يُعبأ بوجود الكنائس فيه ، فالكنائس موجودة حتى في البلاد الشيوعية ، وإذا كانت الأكثرية ملحدة فلا عبرة بالأقلية .
ثانيهما : أن الحرام حرام سواء كان على يد كتابي أو مسلم أو غيرهما ، فالمنخنقة والموقوذة وأمثالهما محرمة بالنص ، سواء كان الخنق والوقذ بيد مسلم أو بيد كتابي ، وهل يعقل أن يحل الله على يد كتابي ما حرمه على يد مسلم ؟!
هذا وقد ثبت بالمشاهدة أن الحيوان في البلاد غير المسلمة لا يذكى ذكاة شرعية بل ربما اعتبروا الذكاة إجراماً ، وإنما يتم قتل الحيوان في تلك البلاد إما بالصعق الكهربائي أو الخنق أو طرق الرأس بمطرقة أو رميه بالرصاص ، وكل هذه الوسائل غير محللة . (1/77)
صفحة 78
أما كون هذه اللحوم تُصدَّر إلى البلاد الإسلامية فهو لا يعطي حكماً بالإباحة ، فإن بلاد الإسلام يُصدَّر إليها لحم الخنزير والخمور ، فهل يقال بأن تصديرها إليها يقتضي تحليلها – سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم – وإنما هذه المجادلات من شأن أولئك الذين أعمى الله بصائرهم وطمس عقولهم فلا هم لهم إلا في جر غيرهم إلى الضلال { هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أنى يُؤْفَكُونَ } (1) . اهـ
أحكام المشركين
64-والمشرِكون ذوُوا الأوثانِ ليس لهمْ ... ... سلامةٌ غَيرَ إن دانوا بمِا نَزَلا
الشرح :
المشرك سواء كان يعبد الأصنام أوكان ملحداً أو وجودياً أو شيوعياً فهؤلاء حكمهم:
1- بأن يُدعوا إلى الإسلام فإن استجابوا فلهم حقوق المسلمين .
2- وإن رفضوا فليس لهم إلا القتل ، وهذا هو الفرق بين أهل الكتاب والمشركين ، فأهل الشرك لا يطلب منهم جزية وإنما الإسلام أو السيف ،والدليل على ذلك قوله تعالى { وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً } (2) ، وقوله { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه } (3) .
سؤال هام : هل انتشر الإسلام بالسيف ؟ (4)
__________
(1) المنافقون / 4
(2) االتوبة / 36
(3) الأنفال / 39
(4) حول هذه القضية سئل شيخنا أحمد الخليلي -حفظه الله السؤال الآتي :
س / هل يوجد فرق بين الآية الكريمة ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) والحديث الشريف ( أمرتُ أن قاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ) ألا يوجد تعارض بين الآية والحديث ؟
ج / لا تعارض بين الآية والحديث لأمرين :
-الأمر الأول : أن الآية الكريمة إنما نزلت في أهل الكتاب ، كما جاء في ذلك الروايات ، فقد كان بعض رجال قبيلتي الأوس والخزرج سلموا أولادهم إلى اليهود في أيام الجاهلية ، وقد تربى أولئك الأولاد على عقيدة اليهود ، وعندما أكرم الله سبحانه وتعالى الأوس والخزرج بالإسلام ، شق عليهم أن يكون أولادهم على تلكم العقيدة التي نشأوا عليها وهم في أحضان اليهود ، فأرادوا أن يجروهم إلى الإسلام فمنهم من رفض ذلك ، وأصر على البقاء على يهوديته ، وجاء أحد الآباء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له : يا رسول الله ، أيدخل بعضي النار ؟! يريد أن يَفرُض على ولده أن يدخل في الإسلام في دين الله تعالى ، فأنزل الله تعالى ( لا إكراه في الدين ) .
هذا السبب - وإن كان كما يقال : لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ إلا إنه اقترن بدلائل وشواهد من القرآن الكريم دلت على أن أهل الكتاب خاصة ، إن وافقوا على أن ينقادوا ويذعنوا للحكومة الإسلامية والدولة الإسلامية ، ورضوا بأن يؤدوا الجزية إلى المسلمين فهم في هذه الحالة يُتركون وما يعتقدون ، إكراماً لما بيدهم من بقايا هداية الله تعالى التي أنزلها على أنبيائهم ، فالله تبارك وتعالى يقول : { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } ، ما قال : حتى يدخلوا في دين الله ،(حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) ، بينما قال في غيرهم : ( وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ، فاتضح من هذا أن لأهل الكتاب حكماً خاصاً ، يختلفون فيه عن غيرهم ، ومن عداهم هم الذين يدخلون في ضمن مدلول الحديث الشريف ( أُمرت أن قاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) .
] الأمر الثاني [ : وهناك احتمال آخر ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) أي لا يمكن للإنسان أن يكره أحداً فيغرس فيه الهداية غرساً ، ويحوله من حال إلى أخرى ؛ بحيث يتحول من الكفر إلى الإسلام ،إنما الله وحده الذي يهدي ، ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) ، ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) .
هنا قضية شغلت بال الناس كثيراً في العصور الأخيرة ، وحصل فيها الأخذ والرد ، وكانت فيها ردة فعل عند المسلمين مزرية بهم ، وهي قضية استعمال القوة في نشر الإسلام ، استعمال السيف في نشر الدعوة الإسلامية ، حصلت إشاعة عند المستشرقين الكفرة ، بأن دين الإسلام دين إرهاب ، دين قوة ، فهو يشيع الخوف بين الناس ، وتفرض عقيدته فرضاً على الناس ، تجر الجيوش الجرارة من أجل نشر هذه العقيدة ، فهو دين رهيب ، المسلمون أمام هذه التهمة وجد فيهم من ضعفت نفسه ، واستخذى وذل أمام هذا الاتهام ، وتمنى أن يجد ما يبرئه من هذا الاتهام .
بعد فترة من الوقت ظهر المستشرقون أنفسهم بنظرية أخرى ، وهو أن الدين الإسلامي دين سلام ، وأن الإسلام لا يُشرع فيه الجهاد فيه أبداً إلا لأجل الدفاع فحسب ، هذه النظرية جاء بها بعض المستشرقين كـ ( طومس أرنلد ) صاحب كتاب الدعوة إلى الإسلام ، وقد تلقفها أولئك الضعاف برحابة الصدور ، وظنوا أنهم وجدوا ضالتهم المنشودة ، وأن الإسلام بُرِّئَ من قبل المستشرقين أنفسهم مما نسبه إليه أسلافهم ، فأشاعوا هذه الفكرة ، وقد غلا بعض الناس فيها غلواً هدم قواعد الدين ، وعطل الأحكام الشرعية .
من بين هؤلاء رجل لا أريد أن أذكر اسمه ، لا يزال حياً إلى الآن ، ألقى محاضرة أمام حاكم من الحكام الذين ليسوا من الدين في شيء ، بل - تقريباً -كانوا محاربين للإسلام في كل شيء ، وأراد أن يتملق لذلك الحاكم ، فكانت المحاضرة قبل كل شيء كلها إطراء لذلك الحاكم ، لم يكن لله فيها نصيب ، وإنما كانت لحمد وتقديس ذلك المخلوق الضعيف ؛ الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، فضلاً أن يملك ذلك لغيره ، ثم بعد ذلك قال تملقاً له وتقرباً إليه ، وكانت المحاضرة في جهاد ، قال تملقاً إليه وتقرباً - : بأن الإسلام لم يشرع الجهاد قط إلا لتأمين حريات الناس في ومعتقداتهم وسلوكهم .
ولئن كان الإسلام - كما قال - يأمن حريات الناس في ومعتقداتهم وفي سلوكهم ، فمعنى ذلك لا جناح على أحد إن سرق ، ولا جناح على أحد إن زنى ، ولا جناح على أحد إن فعل أي كبيرة من الكبائر ، كيف وللإنسان حرية مطلقة حسب زعم هذا الرجل في ظل الإسلام وفي شرع الإسلام ، يأتي ما يشاء ويفعل ما يشاء ، ويتصرف كما يشاء ، لا يحكم بحكم من قبل الله ، ومعنى ذلك تعطيلاً لشريعة الله تبارك وتعالى ، فإذا لماذا شرعت الحدود ؟! لماذا جاء قول الله تبارك وتعالى ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة ي دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) ؟! ولماذا شرع الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذا كان لكل أحد حريته المطلقة في سلوكه ، يتصرف كيف يشاء ، يفعل ما شاء ويترك ما يشاء ، فلماذا التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر ، الله تبارك وتعالى يقول : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) ؛ ويقول سبحانه وتعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) .
ولئن كان الإسلام يأمن حرية الإنسان في سلوكه كما يزعمون ، فمعنى ذلك إذن أن الدعوة ينبغي أن لا تكون ، لأن دعوة الكافر إلى الإسلام تزعجه ، فهو حر في معتقده ولا ينبغي أن يزعج ، ودعوة الفسق إلى الاستقامة أيضاً تزعجه ، فينبغي أن يوفر له المناخ الحر ؛ الذي يمارس فيه هوايته ، سواء كانت هذه الهواية زنىً أو قذفاً للمحصنات ، أو أي منكر من المنكرات : كشرب خمر ، وكدعارة ، أو كانت أي شيء ، هكذا يصنع أولئك الذين يتقربون إلى البشر ، على حساب تقربهم إلى سبحانه وتعالى ، يؤثرون مرضاة البشر على مرضاة الله عزوجل ، يصدرون الفتاوى الباطلة والأقوال التي لا تنبني على دليل من حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم ، يحلون ما حرم الله ، ويحرمون ما أحل الله ، لمجرد اتباعهم لرضا فلان أو رضا فلان ، يؤثرون رضوان البشر على رضوان الله تعالى ، = فهؤلاء هم الأئمة الضالون المضلون الذين جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن أخوف ما أخاف على أمتي أئمة ضالون مضلون واقفون على أبواب جهنم ، يدعون كل من أجابهم إليها قذفوه فيها ) هؤلاء لا يبالون أن يحرموا أي شيء أحله الله ، بل لعلهم يقولون فيما فرض الله بأنه حرام ، يمنعون الناس مما أوجب الله تبارك وتعالى عليهم من قيود الأخلاق وقيود الفضيلة ؛ لأجل محاباة الناس ولأجل كسب رضا الناس ، وفي نفس الوقت يبيحون ما حرم الله تبارك وتعالى .
وعلى أي حال نحن نقول : بأن الإسلام انتشر بالإقناع ، فإن كل عقيدة تفرض بالقوة فرضاً لا بد من أن تتلاشى إذا تلاشت تلك القوة ، ولا أدل على ذلك مما حصل في البلاد الشيوعية ، فعندما تلاشت القوة التي كانت مهيمنة تلاشت الشيوعية نفسها ، ولكن الإسلام دين الفطرة ، فإن النفوس نفسها عندما ينجلي صداها تدرك أن الحق في الإسلام ، وأن الخير في الإسلام ، ولكن لا بد من قوة تحفظ سير هذا الإسلام ومده ، لا بد من قوة تذلل العقاب بين يديه ، ولذلك شرع الله تعالى ما شرع من الجهاد في سبيله من أجل نشر دينه ، والصحابة الذين انطلقوا في أرجاء الأرض ينشرون دعوة الله سبحانه وتعالى ما كانوا يصدون بذلك هجوماً من أعداء الإسلام عليهم ، ولكنهم يكتسحون القوى ؛ التي كانت تقف في طريقهم حتى لا ينتشر الإسلام في أرجاء الأرض ، كانوا بهذا الصنيع يكتسحون القوى ، وإلا فما كان الداعي لأحد من المسلمين عندما وصل إلى المحيط أن يخوض عباب المحيط بقوائم فرسه ، ويخاطب المحيط : والله لو علمت أن أرضاً وراءك لخضتك مجاهداً في سبيل الله ، ما كان الداعي لذلك ، هل كان بهذا يصد هجوماً جاء من هناك من قبل أعداء الله ؟! أو أنه يريد أن يذلل الصعاب ، وأن يُطأطِأ العقاب ، حتى يمتد نور هذا الدين إلى أرجاء الأرض .
أما بعد أن يطوَّح بالجبارين الذين يحولون بين الناس بين الإسلام ، فالناس يعاملون كما أمر الله ، الناس إما أن يكونوا أهل الكتاب ، وإما أن يكونوا غيرهم ، فتقام الحجة على الجميع ، ولكن أهل الكتاب إن لم يؤمنوا فليدفعوا الجزية ويتركون وشأنهم . (1/78)
صفحة 79
أحكام الملل الست عامة
65-والحُكْمُ إن حاربوا في الكُلِّ مُتحِدٌ ... ... نَهْبٌ وسَبيٌ وقَتلٌ فيهمُ فُعِلا
66-حاشا قُريشاً فإنَّ الذَّبحَ ممُتنِعٌ ... ... فيهم على قولِ أهلِ المغربِ الفُضَلا
الشرح :
هذا حكم عام يشمل جميع الملل الست إن حاربوا المسلمين ولم يقبلوا الإسلام ،وأهل الكتاب لم يقبلوا الجزية ، فإنهم :
1- يقتل مقاتلهم .
2- تغنم أموالهم .
3- تسبى ذريتهم وأموالهم .
أما الأطفال فلا يقتلون ، وكذلك النساء إلا إذا شاركن في الحرب فإنهن يقتلن ، ومثل ذلك حصل يوم حصار خيبر عندما كانت امرأة من اليهود تقف فوق الحصن مقابلة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته فتكشف عورتها للمسلمين ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتلها فرماها أحد الصحابة بسهم فسقطت ميتة .
وهذا الحكم عام أيضاً للمشركين ، ولكن تستثنى قريش لحرمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنزلته منهم ، فإنهم يقاتلون ولكن لا تسبى نساؤهم وذراريهم ،وهذا رأي أصحابنا المغاربة الفضلاء .
67-والذَّبحَ إنْ سالموا أهلُ الكتابِ معَ النِّكاحِ مِنهمْ أجِزْ إلاَّ الإماءَ فَلا
الشرح:
أي أن أهل الكتاب إن كانوا أهل ذمة ، يعيشون تحت حكم المسلمين فإنه يجوز نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم ؛ لأنهم تحت رقابة المسلمين .
والنساء الكتابيات اللاتي يجوز نكاحهن هن الحرائر وليست الإماء ، لذلك قال الإمام السالمي : ( إلا الإماء فلا ) ، بدليل قول الله تعالى { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءا تَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } (1) .
خاتمة في أحكام الإمامة
68-إنَّ الإمامةَ فرضٌ حينما وجبتْ ... ... شُروطُها لا تكُنْ عن شرطِها غَفَلا
الشرح:
__________
(1) المائدة / 5 (1/79)
صفحة 80
الإمامة:هي القيادة الدينية السياسية التي تطبق كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقيم الحدود في واقع الحياة، وهي مأخوذة من قول الله تعالى لعبده إبراهيم { قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } (1) أي قدوه وقائداً إلى الخير.
أنواع الإمامة:
الإمامة لا توجد إلا عند أصحابنا رضوان الله عليهم ،فلم يخلُ عصر من العصور من إمام عدل يرجع إليه المسلمون في إصلاح شؤونهم وتسيير أمورهم .
وللإمامة أنواع هي :
1- إمامة الظهور
2- إمامة الدفاع
3- إمامة الشراء
4- إمامة الكتمان، ومنها يتولد الظهور.
وقد تحدثنا عن تفصيلها جميعاً عند قول الإمام السالمي :
( ثم الظهور ودفع والشراء مع الـ كتمان طرق له أكرم بها سبلا )
فمن شاء فليرجع إليها هناك.
حكم إقامة الإمامة:
الإمامة واجبة على المسلمين عندما تتوافر شروطها،وشروطها هي :
1-أن يحس المسلمون من أنفسهم قوة .
2-أن يكونوا على النصف من عدوهم عدداً وعدة .
3-أن يكون عددهم أربعين رجلاً ، ويكون فيهم على الأقل ستة من أهل العلم والصلاح ، وهم الذين يسيرون أمورهم (*).
(*) فائدة هامة بأسماء الأئمة الذين عُقدت عليهم الإمامة في عمان :
1-الإمام الجلندى بن مسعود . 2-الإمام الوارث بن كعب الخروصي . 3-الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي .
4-الإمام عبدالملك بن حميد . 5 -الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي . 6-الإمام الصلت بن مالك الخروصي .
7-الإمام راشد بن النضر اليحمدي . 8-الإمام عزان بن تميم الخروصي . 9-الإمام سعيد بن عبدالله الرحيلي .
10-الإمام راشد بن الوليد الكندي . 11-الإمام الخليل بن شاذان الخروصي . 12-الإمام راشد بن سعيد اليحمدي .
13-الإمام حفص بن راشد اليحمدي . 14-الإمام راشد بن علي الخروصي . 15-الإمام عامر بن راشد الخروصي .
16-الإمام الخليل بن عبدالله الخليلي . 17-الإمام الحواري بن مالك . 18-الإمام مالك بن الحواري .
__________
(1) البقرة / 124 (1/80)
صفحة 81
19-الإمام أبو الحسن بن خميس بن عامر . 20-الإمام عمر بن الخطاب الخروصي . 21-الإمام محمد بن إسماعيل الحاضري
22-الإمام بركات بن محمد بن إسماعيل . 23-الإمام ناصر بن مرشد اليعربي . 24-الإمام سلطان بن سيف الأول .
25-الإمام بلعرب بن سلطان بن سيف . 26-الإمام سيف بن سلطان بن سيف . 27-الإمام سلطان بن سيف الثاني .
28-الإمام مهنا بن سلطان اليعربي . 29-الإمام يعرب بن بلعرب . 30-الإمام محمد بن ناصر الغافري .
31-الإمام بلعرب بن حمير . 32-الإمام سلطان بن مرشد اليعربي . 33-الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي
34-الإمام عزان بن قيس البوسعيدي . 35-الإمام سالم بن راشد الخروصي . 36-الإمام محمد بن عبدالله الخليلي .
37-الإمام غالب بن علي الهنائي .
وغيرهم كثير يصلون إلى ستين إماماً ، وهؤلاء هم المشهورون . ( غرس الصواب رقم 10 )
69-وباطِلٌ سيرةٌ فيها الإمامةُ في اثْنينِ لو بلغا في المجدِ ما كَمُلا
الشرح :
يعني أنه لا يجوز أن يكون للمسلمين إمامان في مكان واحد ، فقد روي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - : " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " (1) أما ما دامت الإمامة الأولى ثابتة فيجب الانقياد للإمام الأول ، فلا تجوز إمامتان أبداً ، ولو بلغ الإمامان ما بلغا من الصلاح والاستقامة إلا إذا كان هناك فاصل بينهما ، ولم يمكن اجتماعهما ، وهذا الفاصل إما أن يكون بحراً واسعاً لا يمكن لهما أن يجتمعا ، وإما أن يكون بين الإمامين حكم أجنبي غير الإمامة ، ففي هاتين الحالتين يجوز تعدد الإمامة .
ومثال ذلك : إمامة الرستميين من أصحابنا المغاربة رضوان الله عليهم ، فقد كانت إمامتهم قائمة ، ورغم ذلك عقدت الإمامة للأئمة العدول في عمان ،لما يفصل بين الإمامتين من فواصل .
70-وبعدما فُتِحتْ أُمُّ القُرَى نُسِخَتْ ... ... ما كان مِن هِجرةٍ مفروضُها اتَّصَلا
الشرح :
__________
(1) رواه مسلم . (1/81)
صفحة 82
لقد كانت الهجرة من أم القرى مكة إلى المدينة المنورة واجبة على كل أحد ، بل هي سبب الولاية ، فمن لم يهاجر فلا ولاية له ، يقول عز وجل : { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ } (1) ، ولكن بعد فتح مكة نسخت هذه الهجرة فلا هجرة بعد الفتح ، يقول - صلى الله عليه وسلم - : " لا هجرة بعد الفتح ، وإنما جهاد ونية " (2) يعني أن يواصل الإنسان جهاده في سبيل الله وينوي الخير .
قضية التحكيم
71-إنا ندِينُ بِتصوِيبِ الأُولىَ منعُوا ... ... حُكومةَ الحكمَينِ حينما جَهِلا
الشرح :
أي نعتقد اعتقاداً جازماً نتقرب به إلى الله تعالى بالحق الذي حكم به أصحابنا أهل النهروان رضوان الله عليهم ،عندما أنكروا تحكيم الحكمين : عمرو بن العاص ، وأبي موسى الأشعري ؛ لأن هذا الحكم الذي أتى به الحكمان مخالف لكتاب الله تعالى ، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وإجماع المسلمين .
قصة التحكيم :
وذلك أنه لما وقع الشقاق بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ، ورفض معاوية مبايعة علي بن أبي طالب دارت بينهم حرب كانت كفتها في صالح علي بن أبي طالب ، لولا مكيدة معاوية وعمرو بن العاص ، من رفع المصاحف مدعيين بأنهما يدعوان علياً لتحكيم كتاب الله ، وهما لا يريدان ذلك ، واتفقت كلمتهما بعد تشاور على أن يبعث كل واحد منهما حكماً ليحكما بينهما ، فكان أبو موسى حكماً لعلي، وكان عمرو بن العاص حكماً لمعاوية ، واتفقا بعد نقاش على أن يخلعا علياً ومعاوية ، ويختار المسلمون لهم خليفة جديداً ، وذلك كله مكر ، فمتى كان معاوية خليفة للمسلمين حتى يخلعاه .
__________
(1) الأنفال / 72
(2) رواه البخاري . (1/82)
صفحة 83
فكان عمرو بن العاص يقدم أبا موسى الأشعري في كل الأمور تمهيداً للمكر ، حتى حضرا للحكم ، فقال أبو موسى لعمرو : تقدم ، فأبى عمرو ، فصعد أبو موسى المنبر فخلع علياً ، ثم صعد عمرو بن العاص فخلع علياً وأثبت الخلافة لمعاوية ، فتشاتما لأنه لم يكن هكذا الاتفاق ، فلما رأى أصحابنا من أهل النهروان رضوان الله عليهم هذه المكيدة اعتزلوا عنهم وقالوا: لا حكم إلا لله ، فسموا من ذلك اليوم المحكمة ، ونزلوا مكاناً يسمى حروراء ؛ لأنهم يعلمون حقيقة هذه المكيدة ، والله تعالى يقول : { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } ، وكان في أهل النهروان خيار الصحابة ومنهم بقية من أهل بدر ، وأهل بيعة الرضوان : كزيد بن حصين ، وحرقوص بن زهير السعدي ، وعبدالله بن وهب الراسبي ، وأويس القرني ، وكانوا يسمون القرَّاء والفقهاء ؛ لكثرة علمهم وقراءتهم للقرآن الكريم ، وقد طلبوا من علي بن أبي طالب أن يترك التحكيم ، فأبى .
فلما اعتزلوا عن علي بن أبي طالب أرسل إليهم علي يطلب منهم الرجوع بعد ظهور مكيدة معاوية وغدره ، وبعث إليهم عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - ليحاجهم فحجوه ، أي غلبوه بحجج الحق ، ورجع عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - مقتنعاً برأيهم ، وقال لعلي : قوم لا أكون معهم لا أكون عليهم ، وكان رأي علي بن أبي طالب بأن ينطلق إلى معاوية في الشام فيقاتله ، فصده الأشعث بن قيس ورغبه في قتال أصحابنا أهل النهروان ، فذهب إلى قتال أهل النهروان ، وكان إمامهم عبد الله بن وهب الراسبي - رضي الله عنه - ، فقتلهم علي بن أبي طالب ، ولله الأمر من قبل ومن بعد : (1/83)
صفحة 84
فيا أسفا من سيف آل محمد على المؤمنين الصالحين شهير
نبا عن رؤوس الشام بالحق وانثنى إلى ثفنات العابدين يجور
وبعد هذه المعركة ضعف جيش علي ولم يستطع مقاومة جيش معاوية فقُتِل علي بن أبي طالب ، واستولى معاوية بن أبي سفيان على الخلافة ظلماً وجوراً ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
72-والرَّاسِبيَّ أُوالي بعدَ جمُلتِهِمْ ... ... ومَن بهِمْ نسبُ الإسلامِ قد وُصِلا
73-عَنيتُ نَجْلَ إبِاضٍ فهْوَ حُجَّتُنا ... ... أما ترى فَخْرَهُ لِلمسلمين حَلا
74-ومَن قَفا أَثْرَهُمْ مِن كُلِّ مجُتهدٍ ... ... شاكِ السِّلاحِ لِقمعِ الخَصمِ حينَ غَلا
الشرح :
أي أننا نوالي إمام أهل النهروان عبد الله بن وهب الراسبي رحمه الله؛ لجهاده واستقامته ، ومن بهم وصل إلينا الإسلام:كالإمام جابر وأبي عبيدة وأبي بلال وغيرهم من الأفاضل.
ومنهم عبد الله بن إباض الذي ينتسب إليه المذهب الإباضي في التسمية فقد كان حصناً حصيناً للإسلام والمسلمين ، ذاباً عن الحق بلسانه وسنانه .
ونتولى كل من اقتفى أثرهم من الصالحين المجتهدين في عبادة الله وإحياء سننه وشرعه، المجاهدين بأموالهم وأنفسهم وسلاحهم قامعين الخصوم الذين غلوا وتجاوزوا الحدود بالظلم والطغيان وإتيان المنكرات .
نبذة مختصرة عن بعض أئمة المذهب الإباضي
1- عبد الله بن وهب الراسبي الأزدي العماني :
هو إمام أهل النهروان ، بعد أن انحازوا عن علي بن أبي طالب ، فعزموا على توليته عبد الله بن وهب الراسبي إماماً لهم ، فكره ذلك وأباه ، فلم يريدوا غيره ولم يرضوا سواه ، فلما رأى ذلك منهم قال : يا قوم استبيتوا الرأي – أي دعوه يغيب – وتأتي عليه ليلة فندبر عواقبه ، وكان يقول : نعوذ بالله من الرأي الدبري ، فبايعوه وكان ذا رأي وحزم ودين وعلم ، وقع به الائتلاف وارتفع في أيامه الخلاف ، فلم يزل يقول بالحق ويحكم بالعدل ، ويلطف بالرعية ويقسم بالسوية ، حتى قبض رحمة الله عليه .
2- حرقوص بن زهير السعدي : (1/84)
صفحة 85
كان حرقوص من أهل النسك والعبادة والتقشف والزهادة ، وكان ذا نجدة وبأس وشدة ، وكان أحد أمراء الأجناد في أيام عمر - رضي الله عنه - ، وهو الذي فتح الأهواز في أيام عمر - رضي الله عنه - ، وكان له آراء سديدة وآثار حميدة ، وشكره عمر واستحسن ما كان منه ، فإنه صبر وصابر حتى أظفره الله تعالى ، وشهد حرقوص صفين ، وأبى تحكيم الحكمين ، وكان في أصحابه حتى قتل رحمه الله .
3- الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني :
ولد في عمان وهاجر إلى البصرة لطلب العلم ، وهو بحر العلم ، وسراج الدين ، أصل المذهب ، وإمامه الذي أرسى دعائمه ، صاحب ابن عباس - رضي الله عنه - ، أخذ العلم عن كثير من الصحابة حتى قال عن نفسه : ( أدركت سبعين رجلاً من أهل بدر فحويت ما عندهم إلا البحر ) يعني ابن عباس - رضي الله عنه - الذي قال عنه : ( اسألوا جابر بن زيد ، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه ) ،وقال عنه أيضاً : ( عجباً لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد ، ولو قصدوا نحوه لوسعهم علمه ) ، ولما مات جابر قال عنه أنس بن مالك رضي الله عنه : ( اليوم مات أعلم من على ظهر الأرض ) ، وقال عنه قتادة : ( اليوم مات عالم العرب ) ترك الإمام جابر ديواناً عظيماً يحوي علماً غزيراً ولكن الكتاب مفقود ، وقد كان مختفياً عن أعين الجورة لكثرة بطشهم وظلمهم ، توفي رحمه الله في سنة 93 هـ .
4- أبو بلال مرداس بن حدير : (1/85)
صفحة 86
الورِع الزاهد المجاهد في سبيل الله ؛ الذي عاش في زمن الوالي الجائر زياد ، فسمع أبو بلال زياداً هذا يقول على المنبر : ( والله لآخذن المحسن منكم بالمسيء والحاضر بالغائب والصحيح بالسقيم ) فقام إليه أبو بلال فقال له : ( قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان ، وما هكذا ذكر الله عن نبيه إبراهيم - عليه السلام - ، إذ يقول : { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) ألَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ( 39 ) وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْف يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى } وإنك تزعم أنك تأخذ المطيع بالعاصي ) .
وعندما رأى أبو بلال جور ولاة بني أمية ، قال : ( إن المقام على هذا لعظيم ) ثم خرج بأصحابه لا يريد قتالاً ولا اعتداءً على أحد ، ولكن بني أمية خرجوا لقتاله ، فهزمهم أبو بلال وأصحابه ، ثم أرسل إليهم بنو أمية جيشاً كبيراً فقاتلوا أبا بلال وأصحابه حتى حانت صلاة الجمعة ، فطلب منهم أبو بلال أن يكفوا عن القتال حتى يصلوا الجمعة ، فوافقوا على ذلك ، ولكن جيش بني أمية لم يمهلوهم حتى ينتهوا من صلاتهم ، فهجموا على أبي بلال وأصحابه قبل أن ينتهوا من صلاتهم ، فقتلوهم بين راكع وساجد ، فعليهم رحمة الله ورضوانه .
5- عبد الله بن إباض المري التميمي :
إليه تنسب تسمية المذهب الإباضي ، وهو من قبيلة بني تميم القوية ، وكان عابداً زاهداً ، شجاعاً لا يهاب من الظلمة والجورة ، وكان يدافع عن المذهب الإباضي دفاعاً مستميتاً ، وهو الذي أرسل رسالة إلى عبد الملك بن مروان ، يبين له فيها الحق ويحذره من الغرور بالدنيا ، ويوضح له سبيل الهدي ، وهو القائل في تلك الرسالة عندما أغراه عبد الملك بن مروان بالمال قال له : ( ولا تعرض لي الدنيا فليس لي بها حاجة ) ، فعليه رحمه الله ورضوانه .
6- أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي : (1/86)
صفحة 87
كان رحمه الله مولى لبني تميم ، وكان ضريراً وفقيراً ، ورغم ذلك فقد تعلم العلوم وعلمها ، ورتب روايات الحديث وأحكمها ، أخذ علمه عن الإمام جابر بن زيد ، وعن كثير من التابعين ، بل قيل : إنه أدرك الصحابة وأخذ عنهم ، وكان أبو عبيدة يدرس تلاميذه في سرداب تحت الأرض خوفاً من جور بني أمية ، واستطاع أن يخرج من ذلك السرداب الأئمة العظماء ، والعلماء الكبار ؛ الذين نشروا العدل والاستقامة في عمان والمغرب واليمن والحجاز ، بل إن فضل بقاء المذهب الإباضي إلى اليوم يرجع إليه بعد توفيق الله تعالى ، فلله دره من رجل ، فهو أمة بأسرها ، جاهد في سبيل ربه حتى أتاه اليقين ، فعليه رحمة الله ورضوانه .
7- الإمام الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي الأزدي البصري العماني :
ولد في عمان وهاجر إلى البصرة لطلب العلم فأخذ عن الإمام جابر بن زيد ، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، وضمام ، وغيرهم ، قال أناس من أهل البصرة : انظروا لنا رجلاً ورعاً قريب الإسناد حتى نكتب عنه ، ونترك ما سواه . فنظروا فلم يجدوا غير الربيع بن حبيب ، وقد حمل الربيع العلم إلى بلده عمان ونشره هناك ، وألف كتابه المعروف بالجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب ، وهو في الحديث الشريف، رحمه الله ورضي عنه .
وغيرهم كثير ، وإنما ذكرنا أشهرهم - رضوان الله عليهم جميعاً .
خاتمة منظومة الإمام السالمي
75-والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ على ... ... إِتمامِ ما رُمتُ إذ مِن فضلِهِ كَمُلا
76-ثم الصلاةُ وتسليمٌ ويُقارِنُها ... ... على الذي ختم المولى بهِ الرُّسُلا
77-والآلِ والصَّحبِ ما لاحت فضائلُهُمْ ... ... ومَن لهمْ في سبيلِ ا لمكرُماتِ تَلا
الشرح : (1/87)
صفحة 88
كما بدأ الناظم ثناءه على الله ختمه به ، حتى يجمع البدء مع الختام ، مثنياً بالصلاة والتسليم الأتمين على إمام المرسلين وخاتم النبيين ، وآله وصحبه المتقين ، وعلى كل من سلك طريق الكرامة والاستقامة إلى يوم الدين ، اللهم اجعلنا من أوليائك المتقين ، وحزبك الفائزين ، وجندك المنصورين ، واحشرنا في زمرة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه أجمعين { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن
تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (1) ، { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (2)
(30 من المحرم الحرام 1420 هـ )
فهرس
رقم ... الموضوع ... الصفحة
1- ... منظومة غاية المراد ... 2
2- ... ترجمة الإمام السالمي ... 6
3- ... تمهيد ... 9
4- ... شرح القصيدة ... 12
5- ... مسائل في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ... 13
6- ... مسائل في التكليف ... 17
7- ... الجملة وأحكامها ... 20
8- ... صفات الذات وصفات الفعل ... 22
9- ... رؤية الله بين المثبتين والنافين ... 23
10- ... قضية استواء الله على العرش ... 32
11- ... تأويل الآيات المتشابهات ... 33
12- ... تعريف مختصر بالمذاهب الإسلامية ( حاشية ) ... 36
13- ... رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبعض معجزاته ... 37
14- ... الموت والبعث والحساب ... 38
15- ... الخلود في الجنة أو النار ... 41
16- ... قضية الشفاعة والرد على القائلين بالخروج من النار ... 42
17- ... الإيمان بالملائكة ... 45
18- ... الإيمان بالأنبياء والرسل والكتب ... 46
19- ... عصمة الأنبياء من الذنوب والمعاصي ... 47
20- ... قضية خلق القرآن ... 49
21- ... الإيمان بالقضاء والقدر ... 50
__________
(1) يونس / 9 ، 10
(2) الصافات / 180 - 182 (1/88)
صفحة 89
22- ... الإيمان وما يشتمل عليه ... 52
23- ... الفرق بين الإسلام والإيمان ... 52
24- ... قواعد الدين ... 56
25- ... الإخلاص سر العبودية والرياء يحبط العمل ... 57
26- ... أركان الدين ... 60
27- ... مسالك الدين وطرقه ... 62
28- ... أصناف الناس : مؤمن ، منافق ، مشرك ... 64
29- ... فائدة هامة في نجاسة المشرك ... 67
30- ... الولاية والبراءة ... 68
31- ... أقسام الولاية والبراءة ... 71
32- ... ذكر الكفر وما يشتمل عليه ... 74
33- ... قواعد الكفر ... 76
34- ... أركان الكفر ... 79
35- ... ذكر الملل الست وأحكامها ... 81
36- ... أحكام المسلمين ... 83
37- ... أحكام اليهود والنصارى والصابئين والمجوس ... 85
38- ... حكم ذبائح أهل الكتب(فتوى في حكم اللحوم المستوردة) ... 86
39- ... أحكام المشركين ... 87
40- ... هل انتشر الإسلام بالسيف ( حاشية ) ... 88
41- ... خاتمة في أحكام الإمامة ... 91
42- ... فائدة : بأهم أسماء أئمة عمان ( حاشية ) ... 92
43- ... قضية التحكيم ... 94
44- ... ذكر بعض أئمة المذهب الإباضي ... 96
45- ... خاتمة المنظومة والشرح ... 99
46- ... فهرس المواضيع ... 100 (1/89)