صفحة 1
الكتاب: شرح غاية المراد
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . سماحة الشيخ الفاضل الرجاء من سماحتكم أن تتفضلوا علينا بتقديم شرح موجز مختصر لهذه القصيدة يكون عدة لكل من أراد أن يأخذ بالعقيدة و يتزود منها وخاصة أن مجموعة من الشباب لايعرفون في العقيدة الحقة شيئا فهذه غاية المراد والرجاء من سماحتكم أن تتفضلو بذلك .
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد :
فبناء على رغبتكم أعلق على هذه القصيدة القيمة العصماء شرحا لطيفا مختصرا بحسب مايسمح الخاطر في هذا الوقت الذي تراكمت فيه الاشغال .....
يقول الناظم في أولها :
الحمد لله منشى الكائنات على ... ... ماشاءها وبلا مثل هناك خلا (1/1)
صفحة 2
الحمد هو معروف وفي الأصل هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري سواء كان هذا الجميل الاختياري شيئا طبعيا في نفس الانسان أو كان شيئا فعليا أي سواء كان صفة أو غير صفة فغير الصفة الفعل فالانسان مثلا يحمد على الكرم لأن طبيعة الكرم أو صفة الكرم هي منشأ الاحسان الى الغير وكذلك يحمد على الشجاعة لأن طبيعة الشجاعة أو صفة الشجاعة هي منشأ مقاومة عدو الحق ونصرة الحق والله سبحانه وتعالى يحمد على صفاته كما يحمد على أفعاله ولو كنا لانتجاسر أن نقول بأن صفات الله سبحانه وتعالى إختيارية وانما يحمد عليها نظرا الى كونها منشأ للاختياريات فالله سبحانه وتعالى موصوف بالعلم والقدرة والمشيئة والحياة والسمع والبصر ... الى ماوراء ذلك من الصفات العظيمة وهو محمود على هذه الصفات لأنه سبحانه وتعالى لو لم يكن متصفا بها لما كانت هنالك أفعال منه تعالى كالتي ناهد آثارها من خلق هذه الخلوقات والاحسان اليها فلذلك نحمد الله تعالى على صفاتة ونحمده على أفعاله . ومن المعلوم أن عادة الناس جرت اذا تحدثوا عن شىء يستهلون الأخبار عن ذلك الشىء بذكر بعض ما يتعلق به وهذه هي التي تسمى براعة الاستهلال فالمصنف رحمه الله تعالى ذكر انشاء الكائنات لأن القصد الاخبار عن وجود الله تبارك وتعالى وعن توحيده وعن صفاته فلذلك أتى بانشائه الكائنات لأن انشاء الكائنات هو دليل على وجوده سبحانه وهو دليل على اتصافه بجميع تلك الصفات العظيمة. (1/2)
صفحة 3
فيقول: منشىء الكائنات - في وصف الله سبحانه وتعالى على ماشاءها وبلا مثل هناك خلا يعني أن الله سبحانه وتعالى المحمود هو أنشاء هذه الكائنات الموجودة على اختلافها من غير أن يكون هنالك مثل سابق فالله تعالى في خلقه لم يحتذ مثلا سبق اليها أحد غيره اذ لم يكن أحد موجودا ولم يكن مثل لهذه الكائنات التي أنشأها موجودا وانما أنشأها على حسب ما اختار فلذلك قال المصنف رحمه الله الحمد لله منشىء الكائنات على ما شاءها فقد كان انشاء هذه الكائنات وفق مشيئة الله سبحانه وتعالى من غير أن يكون محتذيا حذو غيره تعالى الله عن ذلك اذ يوجد خالق سواه .
ثُمَ الصَلاةُ على المُخْتَارِ سَيِّدِنا ... ومَنْ إلى قَابِ قَوْسَينِ دَنا فَعَلا
الصلاة هي من الله رحمة وهي من الملائكة استغفار وهي منا معشر البشر دعاء فنحن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يصلي على عبده ورسوله أي ندعو لعبده ورسوله سيدنا محمد بالرحمة منه سبحانه. ووصف نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه مختار أي أختير لما أختير له من الاضطلاع بالرسالة التي اداها الى عباد الله . ووصفه بأنه سيدنا لكونه سيد الخلق كما جاء عنه عليه أفضل الصلاة والسلام أناسيد ولد آدم ولا فخر . و من الى قاب قوسين دنا فعلاأى ومن أقترب الى قدر قوسين يعني أن الله سبحانه وتعالى أدنى منزلته ورفع شأنه وذكر ذلك كناية عن عظم قدره عنده سبحانه وتعالى ودنوه بقدر قوسين رفعه فلذلك عطف على قوله دنا بالفاء التى تقتضي الترتيب .
والآل والصحب ماكان الهدى علما ... يهدي به الله للخيرات من عقلا
آل النبي صلى الله عليه وسلم في مقام الدعاء هم جميع اتباع ملته كما قال نشوان الحميري في كتابه شمس العلوم : ... ... ... ...
... آل النبى هم أتباع ملته ... ... من الأعاجم والسودان والعرب
... لو لم يكن آله الا قرابته ... ... صلى المصلي على الغاوي أبي لهب (1/3)
صفحة 4
ففي هذا المقام آله هم جميع اتباع ملته ثم خص الصحب لذلك وصحابته صلى الله عليه وسلم هم الذين عاصروه عليه أفضل الصلاة والسلام وشاهدوه وه مؤمنون برسالته.
ماكان الهدى علمايعني أن الصلاة والسلام يتكرران على النبي صلى الله عليه وسلم مدة دوام الهدى علما يهدي الله بهذا العلم للخيرات من عقلا أي يهدى الله تعالى لهذا الهدى الذي هو بمثابة العلم في الارتفاع والشخوص يهدي الله تعالى لأمور الخير من كان عاقلا من خلقه فان العاقل هو الذي يهتدي بهدى الله .
وبعد فالدين لا عذر لجاهله ... ان كان من بعد تكليف به جهلا
بعدما تقدم كله من حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه بين المصنف بن الدين لا عذر لجاهله لا يعذر من جهل الدين ان كان جهله بالدين من بعد تكليف أى بعدما كلف وذلك بأن كان بالغا عاقلا والحجة عليه قائمة لأن أركان التكليف ثلاثة وهي العقل والبلوغ وقيام الحجة عليه ويضم اليها ركن رابع وهو امكان الاتيان وهذا يختلف بين شي وآخر فقد يستطيع الانسان أن يأتي بشيء ويعجز عن اتيان غيره .
وأول الفرض في تأصيله جمل ... ثلاثة فزت ان تستخضر الجملا (1/4)
صفحة 5
يعنى أول مايكلف به الانسان مايسمى في عرف أصحابنا بالجملة أصحابنا يجعلون أسس الايمان التي لابد منها لها حكم خاص ويسمونها بالجملة وماعدا ذلك يسمونه بتفسير الجملة . وهذه الجملة تنقسم الى ثلاثة أركان فلذك سماها جمل ثلاثة وهي : الايمان بالله والايمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم والايمان بما جاء به محمد من عند الله انه هو الحق المبين فهذه اركان الجملة وسميت هذه بالجملة لأجل احتوائها على المعتقدات التي يجب اعتقادها فان الايمان بصفات الله تعالى مندرجة في ضل الشهادة لله سبحانه وتعالى بالوحدانية . فان اثبات الله تعالى واحدا يعني أنه ليس كمثله شىء وأنه تعالى متصف بصفات الجلال والكمال فهو عليم قدير سميع بصير حي مبدء معيد ... الى ما وراء ذلكمن صفاته تعالى وكذلك الايمان برسالة محمد صلى اللهعليه وسلم وبما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم تندرج تحته جميع المعتقدات فلذلك عدت هذه الأركان هي الجملة . وعلى أي حال هذه الجملة لها تفسيران :- (1/5)
صفحة 6
تفسير أعتقادي وهو ما أشرت اليه من جميع المعتقدات كالايمان بصفات الله سبحانه وتعالى كلها والايمان بأفعاله من بعث الرسل وانزال الكتب وخلق الخلق وبعث الارزاق اليهم واماتتهم وبعثهم يوم ... القيامة وأ لا معبود بحق الا الله فاقرار الانسان بذلك يعني اعطاء عهد منه لله سبحانه وتعالى بأنه سيعبده حق عبادته وعبادة الله تستلزم الوفاء بكل ما أمر الله تعالى به واجتناب كل ما نهى الله تعالى عنه ولذلك كانت الاعمال كلها تفسيرا لهذه الجملة ويدل على ذلك حديث روي في المسند الصحيح للامام الربيع رحمه الله وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله محمد رسول الله فاذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله يعنى ان لا اله الا الله محمد رسول اله حق . وكذلك الحديث الذي رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا ذلك فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحق الاسلام وحسابهم على الله . وهذا كله يدل على أن للجملة تفسيرا عمليا .
وان اتيت بها نطقا حفظت بها ... ... للنفس والمال والسبي بها حضلا
يعنى ان اتيت بهذه الجملة نطقا بينك وبين الناس فقلت أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن حمدا رسول الله وأشهد أن ما جاء به محمد هو الحق من عند الله فقد حفظت بها دمك ومالك ومنع سبى ذريتك بسبب ذلك وهذا مبني على القول بأن الاتيان بهذه الجملة نطقا واجب على الانسان وهو قول أكثر أصحابنا . (1/6)
صفحة 7
وهنالك قول آخر وهو قول القطب ونور الدين السالمي رحمهما الله بأن الاتيان بالجملة نطقا غير واجب بين الانسان وبين ربه مادام يعتقد ذلك أما فيما بينه وبين الناس فلا بد من ذلك اذا كان الانسان نشأ على الكفر ودخل الاسلام فلابد من أن يتبرأ من ذلك الكفر بشىء ظاهر وليس هنالك ظاهر مثل النطق فنطقه بهذه الجملة هو الذي يبرئه من الكفر . وعلى أي حال فان النطق سواء قلنا بوجوبه أو لم نقل بوجوبه هو أولى وأحسن وأفضل للانسان ولو لم يطالب بهذه الجملة فيما بينه وبين الناس ولو نشأ من أول الأمر على عقيدة الاسلام وفي بيئة مسلمة وعلى أعمال الاسلام .
ندين أن اله العرش ليس له ... ... شبه وليس له ند و لا مثلا
ندين: أي نعتقد اعتقادا جازما نتقرب به الى الله سبحانه أن اله العرش وهو الله سبحانه وتعالى ليس له شبه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء لانه سبحانه هو خالق الاشياء ولا تشبه الصنعة صانعها فالكائنات كلها مصنوعة من الله تعالى وقد كان الله عز وجل قبل خلق هذه الاشياء بل كان قبل خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان لم يحدث فيه خلق هذه المخلوقات أو خلق الزمان بالذات أو خلق المكان بالذات شيئا من تغير في ذاته فهو الآن على ما عليه كان لايوصفبأي هيئة فلا يقال مثلا انه جالس على العرش تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولا يوصف بأنه متحيز فى مكان ندين أن اله العرش ليس له شبه وليس له ند ليس له من يناده أي ليس هنالك اله آخر يناده فهو تعالى واحد لا شريك له ولا مثلا ولا مثل والمثل أعم من الشبه لان الشبه قد يكون في بعض الصفات بينما المثل قد يكون فى أي صفة من الصفات .
وأنه ليس جسما لا ولا عرضا ... ... لكنه واحد في ذاته كملا ... ... (1/7)
صفحة 8
كذلك ندين بأنه ليس جسما والجسم هو الذي يستقل بنفسه وليس عرضا والعرض: ماكان لا يستقل بنفسه وانما يحتاج الى جسم كضوء الشمس مثلا فالشمس ذاتها جسم والضوء عرض وكذلك ضوء الفتيلة فالفتيلة جسم والضوء عرض وكذلك لون الجسم الجسم هو جسم واللون عرض وهكذا جميع الاشياء التي لاتستق كحركة المتحرك وسكون الساكن هي أعراض وهي تفتقر الى الأجسام والله تعالى خالق الأجسام والأعراض فندين أنه تعالى ليس جسما ولا عرضا أي نجزم بذلك جزما قاطعا . لكنه واحد في ذاته كملا :لكننا ندين بأنه واحد في ذاته لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء في ذاته .
وواحد في الصفات والعبادة وال ... أفعال طرا فلا تبغوا به بدلا
وكذلك هو واحد فى الصفات لأن صفات الله ليست كصفاتنا فصفات المخلوقين صفات محدودة لأن المخلوق علمه - مثلا - لا يحيط بكل شيء قدرته لا تتمكن من كل شيء سمعه لا يحيط بميع الأصوات بصره لا يحيط بجميع المرئيات بينما علم الله سبحانه غير محدود وقدرته غير محدودة وبصره غير محدود ومن ناحية أخرى فان صفات الذات هي عين الذات كما سيأتى ان شاء الله فصفاته تعالى ليست كصفات الخلوقين لأن صفاته هي عين ذاته . وكذلك هو واحد في العبادات لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء في ذلك يجب أن يفرد بالعبادة اذ لا يصح أن يعبد غيره سبحانه وتعالى وهو واحد في الأفعال أي أفعاله لاتشبه أفعال خلقه فأفعال الخلق تكون بمحاولة ومزاولة وأفعال الله تعالى تكون بمجرد ارادته التي يعبر عنها بقوله كن فيكون .
أسماءه وصفات الذات ليس بغيـ ... ... ــر الذات بل عينها فأفهم ولاتحلا (1/8)
صفحة 9
يعني أن أسماءه تعالى هي عين ذاته أي مدلول أسمائه هو الذات العلية وليس أمرا آخر هذا هو المقصود كما بينه الناظم نفسه - رحمه الله - في مشارق الأنوار وبينه قطب الأئمة في هيميان الزاد .وصفات ذاته تعالى هي عين ذاته فأفهم ولا تجعل ذلك محالا ومعنى كون الصفاتالذاتية هي عين الذات أن ذاته تعالى العلية كاملة لاتفتقر الى أعراض خارجية تقوم بها وتحتاج اليها فالأنسان بحاجة الى علم هو غيره والى قدرة هي غيره والى سمع هو غيره والى بصر هو غيره والى حياة هي غيره وهكذا ... والدليل على ذلك أن الانسان يوجد ولايكون معه العلم ويوجد ولاتوجد معه القدرة ويوجد ولاتكون له الارادة ثم يأخذ يكتسب العلم وتنمو فيه القدرة شيئا فشيئا حتى يكون قديرا على ماكان عاجزا عنه وعالما بما كان يجهله وهكذا ...بينما صفات ذاته تعالى ليست أمرا خارجا عن ذاته فالله تعالى تنكشف له الأمور كلها انكشافا تاما أي تتجلى في ذاته العلية جميع الأشياء تجليا تاما من غير أن يحتاج الى صفة زائدة على ذاته تسمى علما وتنفعل في ذاته العلية انفعالا تاما من غير أن يحتاج الى صفة زائدة على ذاته تسمى قدرة وتتجلى بذاته جميع المبصرات تجليا تاما من غير أن تحتاج ذاته العلية الى شيء زائد عليها تسمى بصرا وتتجلى أيضا له تعالى جميع الأصوات تجليا تاما من غير أن تحتاج الذات العلية الى شيء زائد عليها يسمى سمعا وهكذا يقال في الحياة والارادة وفي جميع صفات ذاته تعالى . (1/9)
صفحة 10
وقول أصحابنا ومن وافقهم أن صفات ذاته تعالى هي عين ذاته ناشىء عن تنزيهه تعالى عن الافتقار الى الغير فلو كان تبارك وتعالى بحاجة الىصفات تقوم بذاته هي غيره لكان مفتقرا اليها وأن لايكون الها ولو كان الله سبحانه متلبسا بهذه الصفات وهي غره للزم اما أن تكون هذه الصفات سابقا وجودها على وجوده تعالى فتكون هي أحق بالألوهية ويكون الله تعالى حادثا واما أن تكون موجودة مع ذاته تعالى فمن أول الامر مشاركة لله تعالى في القدم وبمشاركته له تعالى في القدم يلزم أن تكون مشاركة له أيضا في الألوهية تعالى الله عن ذلك واما أن تكون حادثة وهنا يقال بأنه يلزم أن يكون الله تعالى قبل حدوث العلم غير عالم وقبل حدوث القدرة غير قادر وقبل حدوث الحياة غير حي وقبل حدوث السمع غير سميع وقبل حدوث البصر غير بصير وانما الملجأ أن يقال ان هذه الصفات هي عن ذاته تعالى وليس شيئا زائدا علىذاته فالله تعالى ليس بحاجة الى أي شيء واثباتنا له تعالى هذه الصفات يعني نفينا لأضدادها فبالعلم ينفي الجهل وبالقدرة ينفي العجز وبالارادة ينفي الاكراه وبالسمع ينفي الصمم وبالبصر ينفي العمى وبالحياة ينفي الموت وهكذا يقال في كل صفة من هذه الصفات فهي في حقيقتها معاناعتبارية يراد بها نفي أضدادها بالكلية .
و لا يحيط به سبحانه بصر ... ... ... دنيا وأخرى فدع أقوال من نصلا (1/10)
صفحة 11
يعنى أنه تبارك وتعالى لايحيط به البصر أي لايقع عليه بصر فهو سبحانه منه عن ادراك الأبصار في الدنيا والآخرة لأنه تعالى على ماكان عليه في الأزل من الصفات لم تتغير ولن تتغير فتحول الأحوال لايؤثر على ذاته تعالى فلا يمكن أن يكون في وقت يدرك بالأبصار وفي وقت لايدرك بالأبصار بل هو تعالى في جميع الأوقات لايدرك بالأبصار والدليل على ذلك النفي الجازم في قوله {لاتُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وهُوَ الْلَطِيفُ الْخَبِيرُ } كما أن الدليل على ذلك أيضا قوله تعالى لموسى لن تراني وسائر ماورد من الأحاديث الدالة على انتفاء رؤيته تبارك وتعالى هذه هي الأدلة علىأنه تعالى لايرى بأى حال من الأحوال .
ولا يكيفه وهم ولا فكر ... ... ولا تحيط به الأقطار مدخلا
وهو تبارك وتعالى أيضا لاتكيفه الأوهام ولا تحده الأفكار لأن الأوهام لايمكن أن تصل الى ذاته والأفكار أيضا لايمكن أن تتوصل الى حقيقة ذاته تعالى وكما قلت سابقا قد كان قبل خلق الزمان والمكانوهو الآن على ماعليه كان فلو كان سبحانه وتعالى حالا في مكان للزم اما أن يكون المكان سابقا على ذاته تعالى الله عن ذلك فيكون المكان أولى بالألوهية منه واما أن يكون قديما مع ذاته فيلزم أن يكون مشاركا له في الألوهيه واما أن يكون حادثا وهنا يتوجه السؤال : أين كان قبل خلق ذلك المكان؟ والملجأ من ذلك أن يقال أنه على ما عليه كان من قبل لايحيط به مكان بل لايحل في مكان ولاتجري عليه الأحوال في زمان .
وهو على العرش والأشيا استوى واذا ... عدلت فهو استواء غير ما عقلا
وهو سبحانه وتعالى مستو على العرش كما أخبر عن نفسه {اْلرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اْسْتَوَى } ولكن هذاالاستواء ليس هو كما قيل بمعنى الجلوس على العرش تعالى الله عن ذلك وانما هو كما قال المصنف في البيت الآتي ..
وانما الاستوا ملك ومقدرة ... ... له على كلها استولى وقد عدلا (1/11)
صفحة 12
الاستواء هو ملكه وقدرته على العرش واستيلاؤه على كل شيء فهو مستول على كل شيء قاهر لكل شيء وليس معنى ذلك أنه قاعد على العرش .
كما يقال استوى سلطانهم فعلا ... ... على البلاد فحازالسهل والجبلا
أي كما يقال استوى فلان على البلاد بمعنى استولى عليها وشاهد ذلك قول الشاعر :
قد استوى بشر على العراق ... ... من غير سيف ودم مهراق
يعني ذلك أن سبحانه وتعالى مستول على العرش أي مستول على أكبر مخلوقاته وهو العرش فهو مستول من باب أولى على ما هو دونه وعلى هذا ففي الآية الكريمة تعدية بحيث جيء باللفظ الذي له معنى القريب ويراد به المعنى البعيد فاستوى له معنيان وهذا يسمى تورية وهناك وجه آخر وهو أن يقال أن قوله تعالى الرحمن على العرش استوى يراد به الكناية كما يقال - مثلا - محمد طويل النجاد ويراد به طول قامته ولو لم يكن له نجاد وكما يقال فلان كثير الرماد ويعني ذلك أنه كثير الضيوف مكرام وكذلك يوصف الكريم أيضا بأنه جبان الكلب ولو لم يكن له كلب ويوصف أيضابأنه مهزول الفصال ولو لم تكن عنده فصال وانما هذا من باب الكناية فكذلك قول الله تعالى { اْلرَّحْمَنُ عَلَى اْلعَرْشِ اْسْتَوَى } هو كناية عن استيلائه على كل شيء وقهره لكل موجود كما يقالجلس فلان على العرش ولو لم يكن له عرش يجلس عليه اذا قهر رعيته .
وأن أحمد من رسل الاله وقد ... يخص من بينهم فضلا ومفتضلا
يعني أنه أيضا من ما يجب الايمان به هو الايمان بأن أحمد أي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو من رسل الله تعالى وقد ميزه الله تعالى على بقية الرسل بما خصه به من الفضائل ومن هذه الفضائل ونه خاتم النبيين وكونه رسولا الى الثقلين أجمعين وكون رسالته هي الرسالة الخالدة من بعده وكون جميع الأنبياء يوم القيامة تحت لوائه عليه الصلاة والسلام .
وأنه صادق فيما أتانا به ... ... مبلغ الثقلين مابه رسلا (1/12)
صفحة 13
يعني ايضا مما يجب الايمان به انه صلى الله عليه وسلم صادق فيما بلغنا به يعني فيما جاءنا به من القرآن العظيم وهذا يعني وجوب ايماننا بالقرآن الكريم الذي أنزله الله على النبي صلى الله عليه وسلم وايماننا برسول الله صلى الله عليه وسلم يقتضي ايضا الايمان بجميع المرسلين من قبله لأن صلىالله عليه وسلم آمن بالرسل الذين جآءوا من قبل ويلزمنا التأسي به وكذلك ايماننا بالقرآن يستلزم الايمان بالكتب المنزلة من قبل لأن الله تبارك وتعالى قد ذكر الايمان بالكتب في القرآن الكريمكما ذكر الايمان بالرسل وبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمن بها جميعا حيث قال تعالى: { ءامَنَ الرَسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِهِ وَالْمُوْمِنُونَ كُلٌ ءَامَنَ بِالْلَهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لانُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } وقال تعالى آمرا ايانا أن نؤمن بكل هذه الكُتب وبكل اولئك الرسل : { قُولُوآ ءَامَنْا بِالْلَهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا - يعني القرآن - وَمَآأُنْزِلَ إِلى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط ومآ أوتي موسى وعيسى ومآ أوتي النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون }.
وقد أتت حجج البرهان ناطقة ... بالموت والبعث والحسبان فامتثلا (1/13)
صفحة 14
مما يجب الايمان به ايضا الايمان باليوم الآخر ويعني ذلك الموت فما بعده والموت شاهد فلذلك لايستطيع أحد أن يجحده بحال من الأحوال أما ما بعد الموت فالذين يكابرون عقولهم ويكذبون حواسهم ينكرون ما بعد الموت ولكن الشواهد قائمة على امكان الحياة بعد الموت فالله تعالى الذي خلق هذا الوجود بأسره قادر على أن ينشىء الوجود نشأة أخرى بعد فنائه وقادر على أعادة الأرواح الى الأجساد بعد أن تلتئم تلك الأجساد وترجع كما كانت أول مرة وقد ضرب الله تعالى الأمثال في ذلك فقد قال سبحانه يآأيها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلفة وغير مخلقة لنبين لكم وتقر في الأرحام مانشآء الى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوآ أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فاآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة ءاتية لاريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فبعد الموت بعث وهو رجوع الأرواح الى أجسادها بعد أن تلتئم هذه الأجساد ويجتمع رفاتها فتعود كما أنشأت أول مرة ويعود الحس الى هذه الأجساد وتعود الحياة كلها اليها ويعود الوعي الى أصحابها ثم بعد هذا البعث حشر الى الموقف العظيم ثم بعد ذلك الحساب - يعني المناقشة - مناقشة كل أحد على ما قدم من عمل خير أو عمل سوء ثم بعد ذلك الجزاءفيجزي كل أحد بما عمل من عمل حسنة جزي بالحسنة ومن عمل سيئة جزي بالسيئة كما قال تعال: {من جآء بالحسنة فله خير منها وهم من فزعيومئذ ءآمنون ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون الا ما كنتم تعملون } .
وما هنالك ميزان يقام كما ... ... قالوا عمود وكفات لما عملا (1/14)
صفحة 15
يعني أنه ليس هنالك ميزان بالمعنى المحسوس فالميزان هو أمر عقلي ليس أمرا حسيا ليس هنالك كفتان وعمود يقوم عليه هذا الميزان فتوزن الأعمال وزنا محسوسا وانما كل ما هنالك أن الله تبارك وتعالى يميز بين الخير والشر وهذا هو المقصود بالميزان .
وانما الوزن حق منه عز ألم ... ... تسمع الى آية الأعراف محتفلا
وانما الوزن المقصود منه هو الحق والتمييز بين صالحات الأمال وسيئاتها هذا هو المقصود بالوزن والدليل على ذلك قول الله تعالى في سورة الأعراف { والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون } اخبار عن الوزن بأنه هو الحق فالميزان يقصد به الحق الذي يميز ما بين صالحات الأعمال وسيئاتها كما يدل على ذلك أيضا قول الله سبحانه وتعالى فى سورة الأنبياء :{ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفى بنا حاسبين } فقوله تعالى القسط بعد قوله الموازين دليل على أن القسط هو المراد بالموازين يعني الق والعدل فالبدل هو عين المبدل منه وقد أبدل الله تعالى القسط من الموازين وفي هذا ما يدل على أن الموازين هي نفس القسط وليس الميزان هو كفتان وعمود كما يقول الكثير من الناس .
ولا الصراط بجسر مثل ما زعموا ... ... وما الحساب بعد مثل من ذهلا (1/15)
صفحة 16
ليس الصراط المعني جسرا كما قال الكثير وما ورد من الأحاديث بأنه جسر على متن جهنم يراد به التصوير تصوير الحقيقة وانما المراد بصراط الله سبحانه وتعالى طريق الحق الذي يسلكه المؤمنون فيؤدي بهم الى جنات النعيم وسلوك المؤمنين لطريق الحق هو مابين الشهوات العارمة والنزعات المتنوعة والعواطف الرعناء وكل هذه الأشياء تدعو الى النار والعياذ بالله تعالى فلذلك كان هذا الصراط كأنما هو على متن جهنم وليس هو في الحقيقة جسرا على متن جهنم وانما هو طريق مابين أشياء تدعو الى النار والعياذ بالله تعالى ويدل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى : {اهدنا الصراط المستقيم } فالصراط المستقيم هو الحق بدليل قول الله تبارك وتعالى : {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوهولاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } وقوله سبحانه { قل انني هداني ربي الى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين } وكذلك ما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمثيل الصراط بدين الله في حديث النواس بن سمعان الذي صححه غير واحد من أئمة الحديث .
وأنه من اطاع الله يدخله ... جناته أبدا لا يبتغي نقلا
ويجب علينا أن نؤمن بأن من يطع الله سبحانه وتعالى يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدا مخلدا فيها بدليل قوله سبحانه وتعالى { ان الذين أمنوا وعموا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه }. الى غير ذلك من آيات الخلود الدالة على أن المؤمنين لايخرجون من جنات النعيم بل هم فيها خالدون وانهم لايذوقون فيها الموت وأنهم لايصيبهم فيها حزن فهذه الآيات كلها حجج قطعية دالة على عدم خروج المؤمنين من الجنة .
ومن عصاه ففي النار مسكنه ... ولم يجد مفزعا عنها فينتقلا (1/16)
صفحة 17
وكذلك في مقابل الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين أشركوا بالله تعالى أو الذين لم يوفوا الايمان حقه أي لم يرعبوا السيئات بحيث أتوا ما أتوه من معاصي الله سبحانه جزاؤهم يوم القيامة نار جهنم هم فيها خالدون بدليل قوله سبحانه وتعالى {ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا } وبدليل قوله تعالى {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولايرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة مالهم من الله من عاصم كأنما اغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون } وبدليل قوله تعالى { ان الأبرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغآئبين } فالفجار لايغيبون عن النار والعياذ بالله تعالى .
وما الشفاعة الا للتفي كما ... ... قد قال رب العلا فيها وقد فصلا
الشفاعة انما هي للمتقين كما قال الله سبحانه وتعالى {ولا يشفعون الا لمن ارتضى} والله تعالى لايرتضى الفجرة ويقول سبحانه وتعالى { واتقوا يوما لاتجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولاهم ينصرون } وقوله سبحانه { يآايها الذين ءامنوآ أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الضالمون } فالخطاب هنا للمؤمنين وكفى بذلك دليلا على أن الشفاعة لاتكون لمرتكب الكبائر فان المؤمنين يحذون من التقصير في أوامر الله تعالى خشية أن يصابوا في ذلك اليوم بما يؤدي بهم الى الهلاك والعياذ بالله.
والمؤمنون عن النيران قد بعدوا ... ... وما الورود لهم بل للذي انخذلا (1/17)
صفحة 18
المؤمنون بعيدون عن النار فالله سبحانه وتعالى يقول فيهم { ان الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لايسمعون حسيسها وهم في مااشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يوكم الذي كنتم توعدون} فالمؤمنون بعيدون عن النار والعياذ بالله من النار ولايردونها وانما يردها الكافر وقول الله سبحانه { وان منكم الا واردها } انما هو خطاب للكافر لان ما تقدم هو ذكر حالة الكفار الذين ينكرون البعث فالله تعالى يقول فى الآيات المتقدمة {ويقول الانسان اءذا مامت لسوف أخرج حيا اولا يذكر الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا ثم لنحن أعلم بالذين هم أوى بها صليا } ثم يخاطب بعد ذلك الفار الذين ينكرون البعث فقال {وان منكم الا واردها كان على ربك حتما مقضيا } وكان سياق الكلام يقتضي أن يقال وان منهم الاواردها ولكن الحق تبارك وتعالى بعد أن توعدهم ذلك الوعيد الشديد وذكر حالتهم وجه اليهم الخطاب بقوله وان منكم الا واردها على سبيل الالتفات من الغيبة الى الخطاب والالتفات أسلوب من أساليب الكلام العربي البليغ كما هو معروف وقد جاء منه في القرآن الكريم في مواضع متعددة .
وأن لله أملاكا وقد عصموا ... ... وأن جنسهم عن جنسنا فصلا (1/18)
صفحة 19
يعني أنه مما يجب الايمان به ملائكة الله سبحانه ويجب علينا أن نؤمن بأنهم معصومون وأن جنسهممستقل عن جنسنا فلا يوصفون بشيء من صفاتنا فهم لا يحتاجون الى الغذاء بل غذائهم تسبيح الله تعالى لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يعيون ويفترون عن طاعة الله سبحانه وتعالى ولا تخرج منهم الفضلات الطبيعية التى تخرج من الناس ومن سائر الكائنات الحية في هذه الأرض فالملائكة يختلفون تمامالاختلاف عن ذلك ومع ذلك يجب علينا أن نصفهم بأنهم عباد الله سبحانه لايشفعون الا لمن ارتصى وهم من خشيته مشفقون والايمان بالملائكة مما يجب علينا بنص القرآن الكريم فالله سبحانه وتعالى يقول {ءامن الرسول بمآ أنزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله } وقد جاء في حديث جبريل - عليه السلام - المبين لأركان الايمان النص على وجوب الايمان بملاكة الله سبحانه وتعالى فليس لأحد أن يجهل الملائكة بعد قيام حجة معرفتهم عليه .
فلا تصفهم بشيء من صفاتك مطلقا سوى أنهم خلق قد امتثلا
يعني أن الملائكة لا يوصفون بشيء من صفات البشر كما تقدم الا انهم يوصفون بأنهم مخلوقون لله تعالى فكل ما في السماوات والارض مخلوق لله وكل كائن في هذا الوجود مخلوق لله سبحانه وتعالى فالملائكة يجب أن لا يوصفوا بأن عليهم مسحة من الربوبية أو أنهم أهل للألوهية فهم عباد الله سبحانه وتعالى كما وصفهم الله تعالى بالعبودية في محكم كتابه العزيز .
والأنبيا بهم الايمان يلزمنا ... ... وما على كلهم من كتبه نزلا (1/19)
صفحة 20
يعني أن الايمان بالأنبياء مطلقا مما يجب علينا فيجب علينا أن نؤمن بجميع النبيين وأن لانفرق بين نبي وآخر فالله تعالى توعد الذين يفرقون بين رسول ورسول وذكر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بأنهم يؤمنون بجمع رسل الله تعالى ولايفرقون بينهم بقوله ءامن الرسول بمآ أنزل اليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله فيجب علينا أن لانفرق بين رسول ورسول ويكفينا الايمان الاجمالي فيهم غير أنه يجب علينا أن نخص محمدا صلى الله عليه وسلم بالايمان لأنه الرسول الخاتم الذي أرسل الينا والذي يجب اتباع طريقته ولايمكن أن نتبع طريقته الا بعد أن نخصه بالايمان وكذلك يجب علينا أن نخص الأنبياء الذين نص عليهم في القرآن الكريم واذا ما قرأنا القرآن وفهمناه وقامت علينا الحجة بمعرفتهم كعاد ونوح وهود وصالح وشعيب وادريس وابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والياس وموسى وهارون وعيسى الى غيرهم من النبيين الذين نص عليهم في القرآن الكريم وكذلك فيما لو قامت علينا الحجة من السنة المتواترة بالتعريف بنبي من الأنبياء فانه يجب علينا أن نؤمن بما جاءت به السنة المتواترة ويجب علينا الايمان بما أنزل الله سبحانه وتعالى على أنبيائه من الكتب وهذا الايمان يكفينا أن يكون ايمانا اجماليا ما عدا القرآن الكريم فاننا يجب علينا أن نشخص القرآن بالايمان نظرا الى أننا يجب عليناأن نعمل بمقتضاه ولايمكننا أن نعمل بمقتضاه الا اذا خصصناه بالايمان بالتشخيص وكذلك يجب علينا أن نؤمن ايمانا تفصيليا بالكتب التي نص عليها في القرآن الكريم يجب علينا أن نعرف أسماءها وهذا هو المصود بالايمان التفصيلي .
وبالقرآن خصوصا بعد جملتها ... ... وليس منها قديم يحتوي الأزلا (1/20)
صفحة 21
هذا كما تقدم .. أن القرآن يجب علينا أن نخصه بالايمان من بينها نظرا الى أننا يجب علينا أن نعمل بمقتضاه فلا يكفينا أن ندرجه في الايمان الاجمالي بالكتب وليس شيء من هذه الكتب قديما بل كل مخلوق لله تعالى فكل شيء في هذا الكون مخلوق لله يقول الله في وصف نفسه خالق كل شيء ويقول تبارك وتعالى في وصف كتابه العزيز { ما يأتيهم من ذكر محدث الا استمعوه وهم يلعبون } ويقول تعالى في وصفه أيضا { وما يأتيم من ذكر من الرحمن محدث الا كانوا عنه معرضين} فالقرآن الكريم منصوص على أنه محدث وكذلك جميع الكتب المنزلة من عند الله .
بل كلها خلق الباري وكونه ... ... فيما يشاء فلا تصغوا لمن عذلا
بل كل هذه الكتب خلقها الله تعالى وكونها الله تعالى على حسب مشيئته فلا تصغوا لقول عاذل كيف والله تعالى يصف القرآن بأنه كتاب الله منزل وكتاب منزل وكتاب مفصل وكتاب محكم الى ما وراء ذلك من الصفات التي تدل على خلقه فانها آثار للصنعة وآثار الصنعة دليل على ما حلت به مخلوق لله تعالى .
وبالقضا وبما الرحمن قدره ... ... وأنه خالق أفعالنا حللا (1/21)
صفحة 22
يعني أنه مما يجب الايمان به قضاء الله وقدره والفارق بين القضاء والقدر أن القضاء اثبات الأشياء في اللوح اجمالا والقدر ايجادها في المواد تفصيلا وهناك عبارة أقرب الى الأذهان من هذه العبارة وهي عبارة القطب في الذهب الخالص قال : القدر خلق الأجسام والأعراض والقضاء اثباتها في اللوح المحفوظ فكل ما يحدث انما يحدث بخلق الله تعالى له وهو ايضا مقضي في اللوح المحفوظ يعني سبق أن اثبته الله تعالى في اللوح المحفوظ ولاتبديل لكلمات الله فلا بد أن يقع ما أثبته الله كما أثبت فيجب علينا أن نؤمن بذلك وقد جاء في الحديث الصحيح المروي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : انك لن تؤمن ولن وتدرك حقيقة الايمان حتى تؤمن بقضاء الله وقدره قال له : وكيف لي أن اعرف قضاء الله وقدره ؟ قال : تدركأن ما أخطأك لم يكنليصيبك وما أصابك لك يكن ليخطئك فان مت على غير ذلك دخلت النار. (1/22)
صفحة 23
وهناك من ذهب الى أن الأشياء غير مقضية وأن الناس يستقلون بايجادها استقلالا تاما وهذا هو مذهب المعتزلة وهومذهب فاسد لمناقضته آيات الكتاب العزيز ولمناقضته العقل كذلك فان الله سبحانه وتعالى خالق الموجودات لايمكن أن يقع في هذا الكون الذي خلقه الا ما هو قاض به ولا يمكن أن يقع أي شيء في الكون كيف شاءت فليست له ارادة وليست له استطاعة وهو مذهب ايضا مناقض للنصوص ومناف للعقل فالنصوص تدل على أن الانسان يختار فعله يقول الله سبحانه وتعالى في الانسان { انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا } ويقول { وهديناه النجدين } ويقول تعالى { ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي الا الكفور } ويقول تعالى { من عمل صالحا فلنفسه } فالعمل صادر عن العبد وانما خلق ذلك العمل من الله سبحانه والدليل ايضا من العقل المضاد لهذا المذهب مذهب الجهمية أن الانسان يشعر بالفارق بين حركتيه الحركة الاختارية والحركة الاضطرارية فهو يشعر بأن هناك فارقا بين الرعشة التي تصدر منه من غير اختيار وبين الحركة التي تصدر منه باختيار كما اذا اراد أن يتناول شيئا مثلا فتناوله والقول الحق هو الذي ذهب اليه المصنف وهو أن الانسان فعله مخلوق لله سبحانه وتعالى ومكتسب من قبل العبد فتتعلق بالفعل قدرتان وارادتان :
- قدرة الله تعالى الخالقة وارادته الخالقة .
- وقدرة العبد المكتسبة وارادته المكتسبة . (1/23)
صفحة 24
وهناك نصوص كثيرة من القرآن دالة على ذلك منها قول الله سبحانه { والله خلقكم وما تعملون } وقوله سبحانه وتعالى { خالق كل شيء } والفعل شيء صادر من العبد وقوله تعالى {وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا } فالله تعالى الذي خلق الموت وخلق الحياة وهما غير مكتسبين للعبد هو ايصا خالق للضحك وخالق للبكاء اللذان هما مكتسبان للعبد فجميع هذه الأشياء مخلوقة لله سبحانه وتعالى ولكن للعبد قوة على الاكتساب ويدرك العبد أن هنالك ارادة تدفعه الى فعلما يشاء أو الى ترك ما لا يشاء هذه الارادة تصدر عن أعماق نفسه فالله سبحانه وتعالى عندما يريد العبد اكتساب الخير يهيؤه الله تعالى له وعندما يريد ايضا اكتساب الشر يهيؤه الله تعالى له فهذه التهيئة هي الخلق من الله سبحانه وتعالى .
لكنه لا بجبر كان منه لنا ... وعلمه سابق في كل ما جعلا
وانما الفعل مخلوق ومكتسب والخلق لله والكسب لمن فعلا
يعني أن افعل هذا الذي يثاب العبد عليه ويعاقب عليه لم يصدر من الله تعالى وانما هو باختيار من العبد وارادة منه الفعل كما قلت تتعلق به ارادتان وقدرتان : ارادة العبد المكتسبة وقدرته المكتسبة وارادة الخالق سبحانه وتعالى الخالقة وقدرته الخالقة ليس هنالك اجبار على فعل شيء من المعاصي ولم يكن الله تعالى ليعذبنا على شيء جبرنا عليه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وانما الفعل كما قال الامام الناظم مخلوق ومكتسب فالخلق لله والكسب لمن عمل أي للعبد الذي يعمل ذكر الايمان وما يشتمل عليه.
ايماننا القول والتصديق مع عمل ... ... فالقول مر فصدقه وكن عملا
بما عليك من الايمان مفترض ... ... والنفل ان تستطع فافعله مبتهلا
الايمان لغة : هو التصديق ومنه قوله تعالى وما أنت بمؤمن لنا وهو مأخوذ من الأمن وأصله أن المؤمن آمن محدثه تكذيبه بما يحدثه به . (1/24)
صفحة 25
... واستعمل الايمان في الشرع بمعنى العقيدة الراسخة وما يلزمها من قول وعمل وذلك معنى ما ذكره المصنف من تقسيم الايمان الى قول وعمل واعتقاد وعلى أي حال فان المقصود بالقول هو القول الذي يفيد نفاذ تلك العقيدة الراسخة في النفس ولذلك أشار الناظم الى ما تقدم أي ما سبق ذكره في جملة التوحيد وهي التي يجب التلفظ بها وهي شهادة أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله فالانسانلايتخلص بدونها من أهبة الشرك ولا يدخل بغيرها في حيز الاسلام ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله والشهادة لا تكون الا بالتلفظ فالعقيدة التي في نفس الانسان وحدها لا تكفي لأن تكون شهادة لأن الشهادة انما هي تعبير باللسان عما وقر في النفس أو عما يدعي أنه صادق وفي هذه الحالة أي في حالة الاتيان بهذه الشهادة يشهد الانسان بأن الايمان بالله سبحانه وتعالى هو الحقيقة التي لا مفر منها لمن أراد اتباع الحق وسبق أن ذكر بأن هاتين الشهادتين وما يتبعهما أو يلزمهما من الايمان بصدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم تتضمنان جميع اعتقاده من صفات الله سبحانه وتعالى الذاتية والفعلية وما بينه الله سبحانه وتعالى في كتبه من ارسال رسله وانزال كتبه ووعده ووعيده الى ما وراء ذلك من المعتقدات التى يجب أن يعتقدها العبد وبجانب ذلك فان هذه الجملة تتضمن تفسيرا عمليا ولذلك كان العمل من صميم الايمان فالتفسير العملى هو أن يأتي الانسان بما يقتضيه قول لا اله الا الله لأن قول لا اله الا الله اعتراف باللسان واعتقاد بحق أنه لا معبود بحق الا الله وهذا عه ممن يتكلم به يجب عليه الوفاء به وذلك بأن يلتزم عبادة الله سبحانه وتعالى كما شرع سبحانه فعبادة الله لا تنحصر في هذه الأشياء التي اصطلح على تسميتها عبادات كالصلاة والزكاة والصيام والحج وانما عبادة الله الخضوع المطلق لله (1/25)
صفحة 26
فيعني ذلك أن يكون الذي يأتي بهاتين الشهادتين واقفا عند حدود الله راجيا فضل الله خائفا من عقابه مسارعا الى مرضاته متجنبا لمساخطه وبهذا يكون مؤديا حقيقة الايمان والدليل على أن الايمان قول وعمل ما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى من التعبير عن الأفعال بكلمة الايمان فالله يقول {وما كان الله ليضيع ايمانكم } أي ليضيع صلاتكم وكذلك ما وصف الله تعالى به المؤمنين من الأمور العملية فالله تعالى يقول { قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عم اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين } فهذه هي صفة المؤمنين ويقول سبحانه وتعالى { انما المؤمنون الذين أمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } ويقول سبحانه { انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم اياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } ويقول الله سبحانه وتعالى مبينا أن صاحب الايمان الحق لايصر على كبيرة ولا يجترىء على كبيرة من كبائر الاثم خصوصا اذاما كانت هذه الكبيرة مثل سفك الدم يقول الله سبحانه وتعالى { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطئا } يعني أن المؤمن لا يتعمد قتل المؤمن وهذا يعني نفي الايمان عمن تعمد قتل المؤمن ومثل ذلك يقال في بقية الكبائر وجاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذا المعنى فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول الايمان بضع وستون شعبة وفي رواية بضع وسبعون شعبة أعلاها كلمة لا اله الا الله وادناها اماطة الاذى عن الطريق ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره جائع ويول صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وهذا دليل على أن الايمان هو عقيدة راسخة في النفس وتلفظ باللسان بما (1/26)
صفحة 27
يؤكد تلك العقيدة وعمل بالأركان بما تقتضيه من طاعة الله سبحانه وتعالى هذه هي حقيقة الايمان الشرعية وقد جاء ذلك مرويا عن كثير من علماء السلف ولو قال قائل ان سلف هذه الأمة مجمعون على ذلك لما أخطأ وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن أبي القاسم اللألكائي أنه روى باسناده الى البخاري أنه أدرك نحو ألف من سلف هذه الأمة من العلماء الأجلاء يقولون ان الايمان قول وعمل فالذي يخالف مقتضى العقيدة بعمله لا يعتبر مؤمنا كامل الايمان لأن الايمان الكامل هو الوفاء التام بما أمر الله سبحانه وتعالى به والله أعلم .
قواعد الدين علم بعده عمل ... ... ونية ورع عن كل ما حظلا
القواعد: هي الأسس فقواعد البيت مثلا : اسسه ومراد الناظم - رحمه الله - بقواعد الدين هنا أسسه التي لابد منها في بناء الدين وتكوينه وقواعد الدين أربعة وهي :
علم :لأن العلم هو أساس الشيء فمن لم يعلم حكم الشيء لا يمكنه أن يأتي به على وجهه المشروع ومن لايعلم حقيقة الشيء لا يمكن أن يأتي به على طريقته المشروعة فالعلم لابد منه .
- العمل :لأن العمل هو ثمرة العلم فالعلم نفسه لا يكفي بدون عمل .
- النية :لأنه روح العمل لأن العمل بدون نية هباء كما يدل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذي أخرجه الامام الربيع بن حبيب - رحمه الله - عن أبي عبيدة عن جابر ن زيد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الأعمال بالنيات ولكل امرىء مانوى وفي بعض الروايات انما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى وأخرج هذا الحديث الشيخان وغيرهما من طريق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : انما الأعمال بالنيات وانما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليه . (1/27)
صفحة 28
والقاعدة الرابعة هي الورع :الورع تجنب ما لا بأس به مخافة الوقوع فيما فيه بأس ويعني ذلك اتقاء كل ما فيه بأس لأنه لا يكمن لأحد أن يتقي ما لا بأس به مخافة الوقوع فيما فيه بأس الا وهو متق لما فيه بأس ويعني ذلك ترك محارم الله سبحانه وتعالى وترك ما يمكنه تركه من مكروهات الدين هذه الأشياء لا بد منها فيى بناء الدين الحنيف .
ارض وفوض وسلم واتكل فبذا ... ... تحوز أركانه اللاتي بها كملا ...
يعني أن أركان الدين التي يقوم عليها هي أربعة : الرضا بفضاء الله والتفويض لحكم الله والتسليم لأمر الله والاتكال على الله سبحانه وتعالى واذا ما اتى الانسان بهذه الأركان الأربعة فقد استوفى أركان الدين لأن الرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى يعني خلوص السريرة بحيث يتلقى الانسا المصائب كما يتلقى الأمور المفرحة لنفسه وكذلك التفويض لامر الله يعني الاستسلام التام لأمر الله سبحانه وتعالى بحيث يرى الانسان كل الخير فيما أمره الله سبحانه وتعالى به وكل الشر فيما نهاه الله تبارك وتعالى عنه وكذلك التسليم لحكم الله سبحانه وتعالى والتوكل على الله بحيث يكون الانسان مترفعا عن خلق الله مريدا وجه الله سبحانه وتعالى وحده واثقا بالله عز وجل بهذا يحوز أركان الدين .
سؤال : ما الفرق بين القواعد والأركان في الدين ؟ الجواب :القواعد هي الأسس ومن المعلوم أه يقال قي القاعدة التي يقوم عليها بناء البيت وهي الصبية الأرضية يقال لها قاعدة ثم العمد التي يقوم عليها البناء هي الأركان فالمقصود هنا بقواعد الدين الأسس التي يقوم عليها الدين والمقصود بأركان الدين العمد التي ينبني عليها الدين فمن هذه الناحية يتبين أن القواعد هي المهمة لأن القواعد هي الأسس ولولا الأسس لما قامت الأركان .
ثم الظهور ودفع والشراء مع الكتمان طرق له أكرم بها سبلا
هذه مسالك الدين الأربعة : وهي الظهور والدفاع والراء والكتمان وهذه لا بد منها . (1/28)
صفحة 29
أما الظهور :فهذا يعني أن يكون أمر المسلمين ظاهرا بحيث يتمكنون من انفاذ الأحكام واقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقبض على يد الظالم ونصرة المظلوم واغاثة الملهوف واجارة الضعيف وكل ما يقتضيه الدين الاسلامي من النواحي السياسية والاجتماعية هذا هو الظهور وكثيرا ما يضربون المثل لذلك بعهد الخليفتين ابي بكر وعمر - رضي الله عنهما - لأن أمر المسلمين كان في عهد هذين الخليفتين قويا ولم يكن هنالك منازع أو مشاغب ولم يكن هنالك أي شيء ينكر على هذين الخليفتين فلذلك أعتبر عهدهما هو أسمى عهود الظهور . (1/29)
صفحة 30
ثم بعد ذلك الدفاع : الدفاع هو أن يكون المسلمون في غير حالة الظهور ويكونون مطمئنين على أنفسهم من ناحية اقامة دينهم بحث يكون كل انسان مطمئنا على نفسه يقيم دينه وان لم يكن في عهد ظهور هذا من الناحية الفردية لا من الناحية الاجتماعية في هذه الحالة يباغتهم عدو يريد أن يقطع دابرهم ويبدل دينهم ويقضي على وجودهم فلا بد من أن يتفقوا على مدافعة العدو ويبايعوا شخصا على الدفاع فيكون اماما لهم للدفاع الى انقضاء تلك الفترة التي يهاجمهم فيها العدو فاذا ما استتب الأمر ووضعت الحرب أوزارها وانتهت هجمة العدو حينئذ ان تمكنوا أن ينقلبوا الى الظهور يختاروا من يختارونه اماما لأن ذلك الامام الذي بويع على الدفاع انتهت بعته في مثل تلك الحالة يبايعون من يبايعون على الظهور وتكون الحالة حالة ظهور وقد وقعت بيعة الدفاع في عهد أصحابنا في عهد الامام أبي خزر يغلا بن زلتاف الوسياني فانه بويع على الدفاع عندما هاجم أبو تميم الملك الفاطمي العبيدي الأباضية وقاتلهم وقتل امامهم أبا القاسم يزيد بن مخلد الوسياني وحاول استئصال الأباضية الموجودين في الشمال الافريقي هنا قامت قائمة الأباضية وعقدوا امامتهم على الامام أبي خزر يغلا بن زلتاف ومنهم من يعتبر عبدالله بن وهب الراسبي أيضا امام دفاع ولكن الأصح أنه امام ظهور ولم تكن بيعته موقوته . (1/30)
صفحة 31
وأما الشراء :فهو أن لا يتمكنوا من الظهور وأن لا يتمكنوا من الدفاع بحيث تكون السلطة سلطة مهيمنة قوية في مثل هذه الحالة ينبري اناس كفدائيين يداعون عن عامة المجتمع بمقاتلتهم السلطة الظالمة الباغية وذلك حدث في عهد بني أمية عندما كان السلف الصالح يقاتلونهم بطريقة الشراء وقد عقدت بيعة الشراء على الامام أبي بلال المرداس بن حدير واجتمع مع أربعين من أصحابه وأخذوا يقاتلون دولة بني أمية حتى استشهد الأربعون كلهم - رحمهم الله تعالى - واختاروا هذا العدد وهو أن لا يكون عدد الشراة أقل من أربعين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عبادته وعبادة أصحابه -رضي الله عنهم - خفية في مكة المكرمة حتى أسلم عمر - رضي الله عنه - وتم العدد باسلامه أربعين نالك خرجوا من دار الأرقم بن أبي الأرقم وأعلنوا الصلاة خارج هذه الدار فكان في ذلك دليل على أن للأربعين شأنا وأي شأن فلذلك حصر أصحابنا بيعة الشراء في الأربعين فلا يكون الشراة أقل من أربعين واذا لم يتمكنوا من مكافحتها لا بطريق الظهور ولا بطريق الدفاع ولا بطريق الشراء ففي مثل هذه الحالة يرجعون الى الكتمان وهذه الحالة هي التي كان عليها الامام أبو الشعثاء - رضى الله عنه - وتابعه عليها ايضا الامام أبوعبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي فكان الامامان يرعيان مصالح ... المسلمين ويقومان بالدعوة في حالة الكتمان والكتمان كما يقال : هو الذي يتولد منه الظهور فقد تولدت بعد ذلك دولة أبي الخطاب المعافري التي تكونت عقبها دولة الرستميين وتم الظهور والحمد لله .
ستؤال : نرجو توضيح الشروط التي ينبغي أن تتوفر في من أراد أن يشري نفسه ؟ (1/31)
صفحة 32
الجواب :الشاري كلمة الشراء هي مأخوذ من قول الله تعالى ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة فالشراة باعوا نفوسهم لله يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله ويقيمون دينه فشرط الشاري أن يكون مسلما مؤمنا بالله ورسوله ورعا في دينه تقيا محبا للخير مسارعا اليه متجنبا للسيئات حريصا على مرضاة الله سبحانه وتعالى وأن يكون عنده من العلم ما يهتدي به في عبادة ربه سبحانه وتعالى وبجانب ذلك لا بد من أن يكون مقداما لا يخاف الموت في سبيل الله .
سؤال : كيف يكون موضعه في وطنه ؟ هل هو مسافر أم مواطن في كيفية تأديته للصلاة ؟ الجواب :قبل خروجه هو كسائر الناس أما بعد الخروج في سبيل الله تعالى وعقد البيعة على الذي يختارونه من أن يكون امام شراء لهم يصلون تماما أينما يشهرون سيوفهم فاذا أشهروا السيف في أي مكان واجهوا الى عدو في أي مكان ففي ذلك المكان يتمون الصلاة .
سؤال : اذا ما رأوا الهلاك أو بقي منهم أفراد قليلون واحد أو اثنان هل لهم أن يتراجعوا عن عزمهم هذا ؟ الجواب :قيل الشاري ليس له ذلك لأنه باع نفسه لله فليس له أن يرجع أبدا هذا قول كثير من علمائنا وقيل أن ما ألزمه نفسه ليس بأعظم مما الزمه الله اياه ولا حرج عليه ان تراجع وهذا القول هو الذي اختاره الشيخ سعيد بن خلفان - رحمه الله - في كتابه اغاثة الملهوف في السيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
سال : عند من يقول أنه لا حق للشاري أن يرجع حتى وان رأى الهلاك وبقي فردا أو معه اثنان أو واحد هل يحق له في هذه الحالة الرجوع أم يمكث في مجاهدته ؟ (1/32)
صفحة 33
الجواب :عليهم أن يستمروا في مجاهدتهم وان كان فردا وهذا الذي أفتى به هلال بن عطية الجلندى بن مسعود - رحمهما الله - فعندما هاجمتهم دولة بني العباس استؤصل جيش الامام الجلندى وما بقي الا هو وهلال بن عطية وحده فاستفتى الجلندى هلال بن عطية قال له : ماذا نفعل الآن ؟ فقال له : أنت امامي فكن أمامي وعلي أن لا اعيش من بعدك فتقدم الجلندى وقاتل حتى قتل وكان خلف هلال بن عطية يقاتل ايضا حتى قتل .
وفرزه في ثلاث مؤمن ومنافق وصاحب شرك جاحد عذلا
يعني بذلك أن فرز الدين بثلاثة وذلك أن الناس ينقسمون بحسب النظر الى حالتهم الدينية الى ثلاثة أقسام : مؤمن ومنافق ومشرك. (1/33)
صفحة 34
فالمؤمنالذي آمن بالله ربا وبمحمد صل الله عليه وسلم رسولا وبالقرآن كتابا هاديا وبكل ما جاء به محمد عليه أفضل الصلاة والسلام دينا قيما وذلك أن يتبع الاسلام ويصدق القول بالعمل ويقرن الاعتقاد بالفعل هذا هو الايمان والله سبحانه وتعالى يقول { انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم ءاياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } ويقول تعالى { قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون الذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العدون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ويقول تعالى انما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } وجاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم محددة معاني الايمان وشارحة حدوده وموضحة أحكامه من ذلك قوله علي أفضل الصلاة والسلام الايمان بضع وستون شعبة أعلاها كلمة لا اله الا الله وأدناها اماطة الأذى عن الطريق ويقول صلى الله عليه وسلم لن يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ويقول صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من والده وولده ويقول صلوات الله وسلامه عليه ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه الا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكر أن يقذف في النار ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام الايمان بضع وستون شعبة وفي رواية بضع وسبعون شعبة أعلاها كلمة لا اله الا الله وأدناها اماطة الأذى من الطريق حتى اماطة الأذى من الطريق (1/34)
صفحة 35
كانت جزاء من أجزاء الايمان وهذا يدل على أن الايمان ليس مجرد القول وليس مجرد الاعتقاد وانما هو معهما فعل مطابق للاعتقاد الصحيح فهذا هو الايمان المطلوب وهذا الايمان الذي وعد الله سبحانه وتعالى عليه الجنة .
والقسم الثاني : المنافق فالمنافقون هم الذين ليسوا بمؤمنين حقا وكلمة النفاق مأخوذة من نفق اليربوع وذلك أن اليربوع يكون لبيتة بابان باب يسمى القاصعاء وهو الباب الظاهر وباب يسمى النافقاء وهو الباب الباطن فعندما يحاول أحد اصطياده من الباب الظاهر الذي هو القاصعاء يضرب برأسه الباب الخفي وهو النافقاء فيقال نافق اليربوع ونفق اليربوع فيخرج من ذلك الباب فالمنافق هكذا .
والنفاق ينقسم الى قسمين : نفاق عقائدي ونفاق عملي. (1/35)
صفحة 36
فالنفاق العقائدي :هو النفاق الذي كان في عهده صلى الله عليه وسلم والذي جاءت الآيات القرآنية شارحة لصفات أهله من ذلك قوله سبحانه { ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون الآ أنفسهم وما يشعرون ... مثلهم كمثل الذي اسوقد نارا فلمآ أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون أو كصيب من السمآء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلمآ أضآء لهم مشوا فيه واذآ أظلم عليهم قاموا ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ان الله على كل شيء قدير } فهؤلاء هم الذين أبطنوا الكفر وأظهروا الاسلام ويقول سبحانه وتعالى فيهم { اذا جآءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله يعلم انك لرسوله والله يشهد ان النافقين لكاذبون} الى مابعد ذلك من الآيات التي نزلت في هذه السورة التي خصت بهم فسميت سورة المنافقون وكثير من آيات القرآن الكريم المدنية جاءت شارحة للنافق من ذلك ما أنزله الله سبحانه وتعالى في صفة المنافقين بشأنهم في سورة التوبة ولذلك كان بعض السلف يسميها السورة الفاضحة لأنها فضحت المنافقين فهذا هو النفاق الاعتقادي وسمي نفاقا لأن مثله مثل اليربوع الذي أظهر بابا وأخفى بابا فهؤلاء أظهروا الايمان وكتموا الشرك وبذلك استحقوا وصف النفاق . (1/36)
صفحة 37
والنفاق العملي :هو أن يكون الانسان معتقدا أن الله سبحانه وتعالى واحد مؤمنا بما يجب به الايمان من صفات الله تعالى وأفعاله وبكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم غير أنه لا يصدق هذا بالفعل فهذا يعد منافقا والدليل على تسمية هذا الصنف منافقين أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يتوب منها من اذا حدث كذب واذا وعد أخلف واذا عاهد فجر وفي رواية أخرى اربع من كن فيه فهو منافق ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق وزاد على ذلك اذا خاصم فجر فهذا دليل على أن ترك العمل بمقتضى الايمان الصحيح يعد نفاقا لأنه تملص من ذلك الايمان وخروج من باب آخر باب خفي وهو باب معصية الله تعالى .
أما القسم الثالث فهم المشركون :والمشركون هم الذين اعتقدوا معتقدات أخرجتهم من الملة كمن اعتقد أن الله سبحانه شريكا في ملكه أو أن لله تعالى ولدا أو أن الله سبحانه وتعالى غير موجود أو أنه متصف بصفة من صفات النقص كالاتصاف بالجهل أو العجز أو الحدوث أو غير ذلك تعالى الله عن كل ذلك علوا كبيرا أو كذب الله سبحانه وتعالى في حكم من الأحكام أو رد خبرا من أخباره وبالجملة فان الشرك يكون بانكار كل ما تواتر وعلم بالضرورة من أمور الدين الاسلامي الحنيف سواء كانت معرفته من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل من فعل شيئا من ذلك عد من المشركين عد خارجا من الملة ليس له ما للمسلمين وليس عليه ما على المسلمين بل هو بعيد منهم وهم بعيدون منه بينه وبينهم الخلاف والبون الساحق البعيد فعلى أي حال المشركون لا يدفنون في مقابر المسلمين ولا يصلى عليهم اذا متوا ولا يستحقون شيئا من حقوق موتى المسلمين ما عدا الدفن حتى توارى جثتهم لئلا تؤذي الناس هكذا يفرق ما بين هذه الأصناف الثلاث .
وحرزه أن توالي من أطاع وتبري من مصر وقف عن كل من جهلا (1/37)
صفحة 38
هكذا حرز الدين انما هو بموالاة أولياء الله الموفين القائمين بالحقوق الواجبة عليهم لله سبحانه والبراءة من أعداء الله سبحانه وتعالى والمجاهرين بمعصيته المصرين على مخالفة أمره والوقوف عن كل من جهل أمره فولاية أولياء الله تعالى واجبة وذلك لأن الله سبحانه وتعالى يقول { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض } فهم مترابطون بحبل الولاية الدينية وبرباط الايمان الوثيق فلذلك يتوادون ويتعاطفون ويدعو بعضهم لبعض ويشعرون بمشاعر متحدة ويتألمون بآلام واحد فهم متحدوا الآلام وامال متحدوا المشاعر والوجدان متحدوا العقيدة والعمل .
والبراءة من أعداء الله سبحانه وتعالى أن يبرأ الانسان من كل من عصى الله عز وجل وأصر على معصيته ولم يقلع عنها والوقوف عمن جهل أمره .
والولاية بالنظر الى الأشخاص تثبت بأمور احدى هذه الأمور أن يكون الانسان مشهورا بين الناس بالفضل والتقوى وتسير بأخباره الركبان بحيث لا يذكر عنه الا الخير والاستقامة ومنها أن يشهد شاهدان على استقامته بأن يعاشر أحد أحدا فلا يرى منه الا ما يرضى الله سبحانه وتعالى من الأعمال .
واما ألبراءة فتثبت بما ذكر وتثبت بأمر راع وهو الاقرار فمن أقر بأنه ارتكب كبيرة من الكبائر وهو في حالة صحوة غير مغلوب على عقله فانه يتبرأ منه كما اذا أقر بأنه قتل النفس المحرمة بغير حق أو أقر بأنه زنى أو أقر بأنه سرق أو أقر أنه أتى شيئا من المنكرات أيا كانت فانه في مثل هذه الحالة يجب البراءة منه اذا لم يتب .
ووال في جملة من أطاع وعاد من عصى جملة لله ممتثلا (1/38)
صفحة 39
هذه هي ولاية الجملة وبراءة الجملة ولاية الجملة أن يتولى أحد جميع أولياء الله من الأولين والآخرين الى يوم الدين وأن يتبرأ من جميع أعداء الله من الأولين الآخرين الى يوم الدين وهذه الولاية الجملية واجبة على الانسان من أول الأمر وذلك بأن يشعر من قلبه أنه يحب جميع أولياء الله ويشعر من اعماق قلبه بأنه يبغض جميع أعداء الله ولو لم يعرف أسماءهم .
وهذه الولاية قد تتفق مع ولاية الأشخاص الظاهرة وقد تختلف فقد يكون الانسان بحسب ظاهره وليا وهو في الحقيقة عدو لأنه يبطن خلاف ما يظهر فهو من حيث الظاهر ولي لك ومن حيث الجملة هو عدو لك لأنه من جملة أعداء الله وقد يكون بالعكس فقد يكون أحد بحسب ظاهره عدوا ولكن الله سبحانه وتعلى قد كتب بأن يتوب هذا الانسان ويرجع الى حظيرة الدين فهو ولي الله وبما أنه ولي لله هو ولي لك بما أنك تتولى جميع أولياء الله فعمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - عندما كان على كفره يعظم الوثان ويحارب الاسلام كان بحسب الظاهر هو عدوا للمسلمين وكان على المسلمين أن يتبرءوا منه لكن كان في حقيقته وليا لله سبحانه وتعالى ووليا للمسلمين من حيث الجملة لأنه داخل في ولاية الجملة التي يتولى بها المسلمون جميع من والاه الله سبحانه وتعالى ورسوله الى يوم الدين
وكل من عصم المولى ولايته فر كعدوان من اياه قد خذلا
هناك من عصمهم الله سبحانه وتعالى من البشر وهم الأنبياء والرسل فهؤلاء معصومون وولايتهم تجب علينا على الحقيقة فنحن نتولاهم جازمين بأنهم أولياء الله سبحانه وتعالى وكذلك اذا نص القرآن على أحد بأنه ولي لله سبحانه كمؤمن آل فرعون وآسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وغيرهم ممن نص القرآن على أنهم من أهل ولاية الله سبحانه وتعالى أو أنه من أهل الجنة فاننا نتولاه ولاية
حقيقية وان لم يكن معصوما لأن العصمة للأنبياء والرسل وحدهم . (1/39)
صفحة 40
وكذلك الذين خذلهم الله تعالى بأن نص على خذلانهم أخبر عنهم بأنهم من أهل النار والعياذ بالله كفرعون وهامان وقارون وأمثالهم ومن هذه الأمة أبولهب فان الله تعالى قد انزل سورة بأسرها تحمل وعيدا شديدا له ولامرأته فهما عدوان له تعالى وعدوان للمسلمين بالحقيقة يجب علينا أن نعتقد اعتقادا جازما بأنهما من أهل النار وكذلك كل من أخبر الله تعالى عنه بأنه من أهل النار ومعدود من أهل النار وكذلك اذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أحد أنه من أهل النار فانه يتبراء منه براءة حقيقة ولايتوصل الى معرفة خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الا بأمرين سماع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشترط لذلك أن يكون السامع يرى شفتي النبي صلى الله عليه وسلم عندما تتحركان بهذا القول وتفضيان بهذا الخبر والأمر الثاني التواتر وأما ن يتولى النبي صلى الله عليه وسلم أحدا أو يتبرأ من أحد فذلك لا يقتضي الولاية الحقيقية ولا البراءة الحقيقية لأن النبي صلى الله عليه وسلم يتولى بحكم الظاهر بحسب ما يتجلى له من أعمال الناس الا اذا أوحى الله اليه بشيء فيهم ومما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتولى بحسب الظاهر ويتبرأ بحسب الظاهر أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال وليذادن رجال عن حوضي يوم القيامة فأقول : أصحابي أصحابي فيقال لي : لا تدري ماذا أحدثوا بعدك فأقول : فسحقا فسحقا وفي رواية فسحقا سحقا فهذا دليل على أنه عليه أفض الصلاة والسلام يتولى بحسب الظاهر ويتبرأ بحسب الظاهر .
وكن موال امام المسلمين ومن ... حوته طاعته الا الذي انخذلا (1/40)
صفحة 41
نعم كن مواليا لامام المسلمين اذا كان هناك امام للمسلمين مستقيم على الطريقة عادل في حكمه مستمد لسلطته من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقيم باختيار المسلمين وانتخابهم وهو مرتضى عد المسلمين لظهور صلاحه واستقامة سيرته فان ولايته واجبة وتجب أيضا ولاية من حوته طاعته من كان تحت أمره من أهل الاستقامة الا من انخذل ممن تبينت منه الكبيرة فلو نظر أحد مثلا الى المسلمين في عهد السلف الصالح في عهد أبي بكر أو في عهد عمر ومن سلك طريقتهم في بيضة السلمين لو جاء - مثلا - أحد في عهد عمر الى المدينة المنورة ووجد المسلمين هنالك فانه يجب عليه أن يتولى اولئك المسلمين لأنه يعرف أن أمير المؤمنين لا يقرهم على باطل الا من ظهر منه انحراف فمن ظهر منه انحراف أو شك في أمره كان ذلك مانعا من ولايته المنحرف يتبرأ منه والمشكوك في أمره يوقف عنه .
وعاد في الدين جبارا وعامله ... ... ومن له في سبيل المكفرات تلا
لاكل من قد حوى سلطان عزته ... اذ قد يكون هناك مؤمن دخلا
يعني بهذا وجوب البراءة من الجبارين المتسلطين في الأرض بغير حق والحاكمين بغير ما أنزل الله فالجبار يتبرأ من شخصه ويتبرأ من أعوانه يعني الذين يعضدونه على ما يريد من الظلم والقهر والعسف والفساد فالحاشية التي تحيط بالسلطان الجائر وتسعى سعيه وتعمل عمله وتؤازره على منكراته تجب البراءة منها أيضا معه . (1/41)
صفحة 42
لا كل من قد حوى سلطان عزته :يعني لا كل من قد حوى سلطانه لأنه قد يكون تحت قهر الجبارين من هو من أهل الاستقامة في الدين والورع والتقوى والعفاف والنزاهه ولكن الظروف أجبرته على البقاء تحت سلطان الجبارين وخصوصا عندما لاتكون للمسلمين سلطة قاهرة يرج اليها أفراد المسلمين ففي مثلهذه الحالة وفي كل الحالات لا يتبرأ من جميع من كان تحت قهر الجبارين نظرا الى ما ذكر فقد يكون هناك ضعيف لا يستطيع الخروج من تحت قهر الظالمين وقد يكون هناك من قضت الظروف بأن يبقى تحت سلطانهم وان كانت للمسلمين دولة وقد تكون أحيانا دولة المسلمين القائمة بأمر الله حق القيام معدومة فلذلك يجب التوقف عن البراءة من كل رعايا السلاطين الجبابرة الا اذا تبين منهم ارتكاب المنكرات .
ثم الولاية توحيد تكون وأخرى طاعة فرضت ان شرطها حصلا
يعني بهذا أن الولايةتنقسم الى قسمين وكذلك البراءة فقد تكون كل واحدة منهما توحيدا وتكون فرضا من الفروض الخارجة عن اطار التوحيد أي من الاعمال فتكون الولاية توحيدا عندما تكون ولاية جملة فولاية جميع أولياء الله من الأولين والآخرين الى يوم الدين هي تعتبر من ضمن التوحيد لأنها داخلة في ضمن العقيدة وتكون طاعة اذا كانت الولاية ولاية أشخاص وانما كانت ولاية الجملة ولاية التوحيد لأن أمر الاسلام يقوم بها فما دام العبد خاضعا لله سبحانه منقادا له لابد أن يحب جميع الذين أحبهم الله سبحانه وتعالى من أهل طاعته وكذلك لابد أن يبغضجميع الذين أبغضهم الله سبحانه وتعالى من أهل معصيته أما ولاية الأشخاص فانها تكون ولاية الطاعة أي كسائر الأعمال التي لاتعد من صلب التوحيد .
كذا البراءة والشرط الذي وجبت ... ... به الولاية ان تلفيه ممتثلا (1/42)
صفحة 43
وهكذا البراءة تكون توحيدا وتكون طاعة كما وصفت في شرح البيت الأول وشرط الولاية أن يكون احبها ممتثلا لأمر الله سبحانه ويعني ذلك أن يكون مؤديا لطاعة الله مجتنبا لمحارم الله غير مصر على صغيرة فان الاصرار على الصغائر يعتبر من الكبائر والكبائر نفسها لو وقع فيها الولي وتاب منها عاد الى ولايته فان الله سبحانه وتعالى يصف المتقين بقوله {والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموآ أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } وهذه هي صفة المتقين فعدم الاصرار هي صفة المتقين فمن تاب من الذنب كمن لا ذنب له الولي هو الذي يبتعد عن حرمات الله ولو وع في أي حرمة من هذه الحرمات سارع الى التوبة والاقلاع عنها وبهذا تثبت ولايته أي بمسارعته الى التوبه أما اذا أصر حتى ولو على صغيرة عد اصرارا محبطا لولايته وتثبت الولاية بثلاث طرق :
فاما أن تكون بالممارسة وذلك بأن يمارس أحد أحد ويطلع على أعماله ويطلع على مقاصده من خلال اطلاعه على أعماله فلا يجد من أمره ما يخالف دين الله سبحانه وتعالى فتثبت في هذه الحالة ولاية هذا المشاهد على هذا المشاهد وهذه الطريقة هي التي يعبر عنها عند العلماء الذين دونوا في أحكام الولاية والبراءة بالمشاهدة .
الطريقة الثانية : هي شهادة العدلين فاذا شهد العدلان بان فلانا من اولياء الله المتقين أو أن فلانا مرتضى في دين الله سبحانه وتعالى أ أننا نتولى فلانا وجبت ولايته ان كانا عدلين وكانا عالمين بأحكام الولاية والبراءة وأما اذا لم يكونا عالمين بأحكام الولاية والبراءة فانه لايكتفي بمجرد ولايتهما أو قولهما انه من الأولياء حتى يذكرا حالته ويشرحا أمره بأنه مسارع الى طاعة الله تعالى مجتنب لكل معاصي الله ففي مثل هذه الحالة تجب ولايته .
والطريقة الثالثة : هي الشهرة فهناك ناس شهروا بالخير وسارت بأخبارهم الركبان فتجب ولاية هؤلاء بالشهرة . (1/43)
صفحة 44
فبكل طريقة من هذه الطرق الثلاث تجب الولاية والبراءة تثبت أيضا بهذه الطرقالثلاث وهناك طريقة رابعة وهي الاعتراف فاذا اعترف أحد بارتكاب كبيرة وجبت البراءة منه كأن يقر بأنه قتل نفسا محرمة أو أنه زنى أو أنه سرق أو أنه اغتاب أو أنه فعل أي كبيرة من الكبائر المحبطاتللأعمال .
وربنا لم يزل للمؤمنين وليا هكذا وعدوا للذي نصلا
الله سبحانه وتعالى ولايته أزلية وبراءته أزلية فهو لا تحدث له الولاية بحدوث أفعال العباد فالذين هم في حكم الله سبحانه وتعالى من السعداء هم أولياء لله حتى في حال ارتكابهم المعاصي لأن الله تعالى عليم بأنهم سيوتون على الطاعة وأنهم سيقلعون عن تلك المعصية وسيغسلونها بالتوبة وهكذا الذي يكون عدوا لله سبحانه وتعالى مكتوبا عند الله بأنه من اهل الشقاوة - والعياذ بالله - هو عدو لله سبحانه وتعالى في الأزل حتى ولو مرت عليه فترة من الفترات عمل فيها صالحا وكان للمؤمنينوليا بحسب الظاهر فانه في حقيقة الأمر بالنسبة الى علم الله سبحانه وتعالى هو عدو والله تعالى تبرىء منه بمعنى أن الله تعالى عدو له .
وهكذا ابدا ليس الزمان والا الأفعال تقدح فيه خذه منتحلا
وهكذا لا يقدح في ذلك الزمان بحيث ينتقل الانسان من كونه وليا لله الى كونه عدوا لله أو كونه عدوا لله بعد أن كان وليا لله بسبب مرور الزمن ولا بسبب تقلبات الأفعال فان الله تعالى عليمبالغاية التي ستنتهي اليها تلك الأفعال لأن الأفعال اما أن تنتهي الى توبة وطاعة واما أن تنتهي الى معصية واصرار فلذلك كان الله سبحانه وتعالى وليا لعباده المؤمنين بحسب ما علم من خواتيم أعمالهم وهو عد لأعدائه الفجار والكافرين بحسب ما علم من خواتيم أعمالهم وقوله خذه منتحلاأي خذه دائنا من النحلة وهي الدين .
لكننا قد تعبدنا بطاعتة ... فكلنا عامل بما له جعلا (1/44)
صفحة 45
لكننا متعبدون بطاعة الله سبحانه والخواتيم يعلمها الله عز وجل وانما علينا أن نطيع الله سبحانه وتعالى ونساله حسن الخاتمة وعلينا أن نتجنب معصيته ونعوذ به من سوء الخاتمة فكل ميسر لما خلق له .
معنى موال معاد عالم بهم ... ... وبالذي فعلوه الجد والهزلا
معنى موالاة الله تعالى لأولائه ومعاداته لأعدائه كونه عالما بهم وبالذي فعلوه من الجد والهزل فكل ذلك معلوم لله سبحانه وتعالى ومجاز به فعلم الله تعالى بذلك ومجازاته على ذلك هما الولاية والبراءة بالنسبة اليه .
باب ذكر الكفر وما يشتمل عليه
الكفر لغة :بمعنى التغطية ومن ذلك قول الله تعالى أعجب الكفار نباته وقول الشاعر
يعلو طريقة متنها متوترا ... ... في ليلة كفر النجوم غمامها
فالمراد بقو الله سبحانه وتعالى أعجب الكفار نباته أعجب الزراع لأنهم يكفرون البذر أييغطونه والمراد بقول الشاعر في ليلة كفر النجوم غمامها أي في ليلة غطى النجوم غمامها في ليلة غائمة وهذا موجود في كلام العرب نثره وشعره .
والكفر اصطلاحا :هو ارتكاب ما نهى الله تعالى عنه مع الاصرار على ذلك هذا هو الكفر وهو ينقسم الى قسين : كفر شرك وكفر نعمةفكفر الشرك هو الذي سيشرحه المصنف - رحمه الله تعالى - في هذه الأبيات التالية . (1/45)
صفحة 46
وكفر النعمة :هو كفر لا يخرج من الملة أي لايخرج صاحبه من الملة وذلك كالزنى والسرقة وشرب الخمر الى ما وراء ذلك من المعاصي هذه المعاصي كلها تعد كفر نعمة اذا أصر عليها العبد لأن نعمة الله تعالى التي سخرها للعبد يواجهها العبد بهذا العمل فيكون كأنه مغط لها وكفر النعمة دلت عليها النصوص من القرآن والسنة فالله سبحانه وتعالى يقول حكاية عن عبده سليمان {ليبلوني ءأشكر أم أكفر} فالشكر هو الوفاء بحق النعمة والكفر اذا هو التقصير في حق النعمة ويقول الله ... سبحانه انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا فالعبد اما أن يكون شاكرا والشكر هو الوفاء بحق الله تعالى كما هو معلوم بأن الشكر الشرعي هو القيام بواجب النعمة وذلك باستخدامها فيما خلقت لأجله واذا يقابله الكفر والكفر هو التقصير في ذلك ويقول الله سبحانه { ولله على الناس حج البت من أستطاع اليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين } أي ومن كفر بترك الحج رفض أمر الله سبحانه وتعالى فالله غني عنه مع أن ترك الحج لا يخرجه عن الملة ولكنه يخرجه عن الاستقامة والطاعة وله شواهد كثيرة من السنة منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم سباب المسلم فسوق وقتاله كفر والحديث أخرجه البخاري ومسلم ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض والحديث أخرجه مسلم ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في النساء يكفرن قيل أيكفرن بالله يارسول الله ؟ قال : لا ولكنهن يكفرن العشير أي نعمة الزوج وهذا الحديث أخرجه البخاري ومن ذلك أيضا قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الامام الربيع عن أبي عبيدة عن الامام جابر عن ابن عباس - رضي الله عنهم - عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال من أتى الرجال شهوة دون النساء أو أتى النساء في أعجازهن فقد كفر والمراد بالكفر هنا هو كفر النعمة وليس كفر الشرك . (1/46)
صفحة 47
وبما أن غير أصحابنا يتجاهلون كفر النعمة أشكلت عليهم هذه الأحاديث اشكالا بالغا وقد حاولوا تأويلها بمختلف التأويلات منهم من قال بأن لمراد بهذه الأحاديث من أتى ذلك وهو مستحل لفعل ذلك كأن يزني الزاني وهو مستحل للزنى أو يسرق السارق وهو مستحل لسرقته الى غير ذلك ومنهم من قال بأن هذا للتغليظ لأن هذا معدود كأنه من أفعال الكفرة أي من أفعال المشركين واضطر جماعة منهم الى أن يقولوا بأن تارك الصلاة هو كافر كفر ملة أي خارج عن ملة الاسلام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس بين العبد والكفر الا تركه الصلاة هكذا في رواية الربيع وفي رواية غيره بين العبد والكفر تركه الصلاة وحديث بريدة عند الجماعة الا البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر واضطر جماعة منهم الحنابة الى القول بأنه كافر كفر ملة وأنه يخرج من الاسلام بسبب تركه الصلاة ولو لم يكن مستحلا لتركها .
على أي حال هذه الأحاديث صريحة في أن مرتكب الكبيرة يعد كافرا ولكن هذا الكفر ليس هو كفر شرك وانما هو كفر نعمة فهو لا يخرج عن الملة يدفن في مقابر المسلمين ويزاوج ويوارث يرث ويورث ويزوج ويتزوج ولكن بجانب ذلك يحرم الولاية ويكون خارجا عن اطار عباد الله المتقين وواقعا في أهل البراءة الذين يعدون أعداء للمؤمنين هذا بالنسبة الى حكمه في الدنيا وحكمه في الآخرة كما هو ظاهر الخلود في النار - والعياذ بالله- مع ساير الكفار نسأل الله تعالى العافية .
والشرك لا بد من أن تعرفنه لكي ... تكون في مقعد عن غية اعتزلا
وهو المساواة بين الله جل وبيـ ... ـن الخلق أو جحده سبحانه وعلا
وما سواه من الكفران يلزمنا ... ... أي علمه ان علمنا حكمه الفصلا
ما لم نكن راكبيه أو نصوب من ... ... يأتيه عمدا وجهلا هكذا نقلا (1/47)
صفحة 48
يعني المصنف بأن الشرك لا بد من أن يعرفه الانسان حتى يتجنبه حتى يكون في مقعد أي في مكان عن غية أي عن ضلاله اعتزلا معتزلا قوله وهو المساواة... الخيعني أن الشرك ينقسم القسمين :شرك مساواة و شرك جحود فشرك المساواة :هو أن يساوي بين الله تعالى وبين خلقه كأن يقول بأن الله سبحانه وتعالى يلد أوأنه عز وعلا سبحانه مولود أو أنه فقير أو أنه جاهل أو أنه محتاج الى غيره أو أنه مشابه لخلقه في أي صفة من الصفات في هذه الأشياء كلها ما يدل على المساواة عند هذا القائل بين الله وبين خلقه فانه اذا وصف الله تعالى بالفقر سوى به خلقه واذا وصفه بالحدوث سوى به خلقه واذا وصفه بالجهل سوى به خلقه في كل صفة من هذه الصفات .
أو جحده سبحانه وعلاأو جحده هذا هو شرك الجحود وهو أن يجحد وجود الله أو يجحد صفة من صفات الله كأن يجحد كون الله عليما أو قديرا أو سميعا أو بصيرا أو حيا أو مثل ذلك وكذلك يدخل في الشرك جحد أي كتاب من كتب الله وأي رسول من رسل الله وأي حكم من أحكام الله فمن قال : بأن الصلاة غير واجبة فقد جحد حكما من أحكام الله فهو مشرك ومن قال بأن الزكاة غير واجبة فقد جحد حكما من أحكام الله فهو مشرك ومن قال بر الوالدين غير واجب فقد جحد حكما من أحكام الله فهو مشرك ومن قال بأن البيع حرام فقد جحد حكما من أحكام الله فهو مشرك ومن قال بأن الربا حلال فقد جحد حكما من أحكام الله فهو مشرك وهكذا كل من جحد وجود الله سبحانه أو صفة من صفاته أو كتابا من كتبه أو رسولا من رسله أو خبرا من أخباره أو حكما من أحكامه فهو مشرك . (1/48)
صفحة 49
قوله وما سوه من الكفران ... الخ: أما ما غير الشرك من الأعمال الكفرية انما هو كفر نعمة فاننا يلزمنا أن نعلم حكمه ان قامت علينا الحجة بمعرفته كمعرفة أن الزنا حرام قبل أن تقوم على الانسان حجة بمعرفة أن الزنا حرام ولم يرتكب الزنا ولم يصوب راكب الزنى وكذلك ما كان مثله الا اذا قامت عليه الحجة بمعرفة حكمه فاذا قامت عليه الحجة بمعرفة حكمه فليس له أن يتردد في ذلك .
ان علمنا حكمه الفصلا أي ان قامت عليه الحجة بحكمه مالم نكن راكبيه أو نصوب من يأتيهاذا لم نرتكبه اما اذا ارتكبنا فاننا لا نعذر أو اذا صوبنا من يأتيه عمدا لا نعذر أو من يأتيه جهلا اذا صوبناه لا نعذر وكذلك اذا خطأنا الذي ارتكبه وهذا كله داخل في الأثر المري عن الامام جابر بن زيد - رحمه الله - يقول يسع الناس جميعا جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يرتكبوه أو يصوبوا راكبه أو يبرأوا ممن تبرأ منه بدين .
يسع الناس جميعا ما دانوا بتحريمهيعني ما هو محرم دينا كالزنى والسرقة وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير هذا مع عدم قيام الحجة اذا لم تقم الحجة عليهم بمعرفته أما اذا قامت عليهم بمعرفته حكمه فلا يسعهم الجهل متى يسعهم الجهل ..؟ مع عدم قيام الحجة عليهم بمعرفته .
ما لم يركبوه اذا لم يرتكبوه بأنفسهم أو يصوبوا راكبه أو يصوبوا الذي ارتكبه ويصوب يعني تصويب الولاية أي يعتقدون بأن الذي ارتكبه هو مصيب أو يبرأوا من عالم أو من غير عالم من أي محق تبرأ ممن ارتكبه فاذا تبرأوا ممن تبرأ ممن ارتكبه كذلك لم يسعهم جهله في مثل هذه الحالة .
جهل حمية كبر بعده حسد ... ... قواعد الكفر فاحذر انها العضلا (1/49)
صفحة 50
يعني أن قواعد الكفر أربعة وهي الجهل والحمية والكبر والحسد فالجهل ذمعروف وهو عدم العلم بالشىء وانما كان قاعدة من قواعد الكفر لأن الذي ينكر الله سبحانه أو ينكر شيئا مما أنزل أو ينكر رسولا ممن أرسل أو ينكر خبرا مما أخبر به وانما ينشأ هذا الانكار عن جهله بحق الله سبحانه وتعالى فهو وان كان مدركا بالحقيقة لأن كثيرين من الذين ينكرن وجود الله سبحانه يكابرون أنفسهم فينكرون ما هو مستقر في قرارة نفوسهم لأن الناس يدركون أن كل صنعة تفتقر الى صانع ولكن الرغبة في الالحاد هي التي تدفعهم الى هذا الانكار هؤلاء مع كونهم يكابرون أنفسهم يدركون حقيقة مستقرة في نفوسهم هم جاهلون بحق الله لأنهم لو عرفوا حق الله لما أنكروا ذلك ومن هنا قال الله تعالى { وما قدروا الله حق قدره اذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء فهؤلاء أيضا لم يقدروا الله حق قدره لم يعرفوه حق معرقته }.
والحمية انما كانت قاعدة من قواعد الكفر لأنها تدعوا ال التمالىء مع الذي يتفق معه هذا المتمالىء في مصلحة من المصالح أو ينحدر معه من أرومة واحدة فلذلك كانت الحمية قاعدة من قواعد الكفر .
وكفار العرب الذين كفروا ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم دفعتهم الحمية لدينهم الى هذا الكفر حميتهم لآبائهم فقد كانوا يحرصون على عدم تسفيه آراء آبائهم وعدم تضليلهم وعدم تفنيد مزاعمهم فمن هنا كانوا متأثرين بما كان عليه أسلافهم كما حكى الله تعالى عن المترفين الذين قالوا { انا وجدنآ ءابآءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون } هذه هي الحمية ومن هنا كانت الحمية رأ الكفر هذا يقع حتى في كفر النعمة ليس في كفر الشرك فحسب فكفر النعمة أيضا تكون الحمية منضمن قواعده فقد تتفق كلمة قبيلة من القبائل على مقاتلة قبيلة أخرى أفراد هذه القبيلة المقاتلة المعتدية ما الذي يدعوها الى المقاتلة ؟ الحمية لتلك القبيلة فمن هنا كانت الحمية سببا من أسباب الكفر وقاعدة من قواعده . (1/50)
صفحة 51
2والكبركذلك الكبر هو من قواعد الكفر ومن أمثلة ذلك استكبار فرعون - لعنه الله - وتعاليه وتطاوله على الله سبحانه مع أنه يعرف أنه عبد لله وأنه مخلوق وأنه سينتهي أجله لكنه أفضى به الكبر الى أن يقول {ما علمت لكم من اله غيري والى أن يقول فأوقد لي ياهامان عل الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع الى اله موسى واني لأظنه من الكاذبين } وأخبر الله تعالى عنه فقال { واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوآ أنهم الينا لا يرجعون } فهكذا يكون الكبر سببا من أسباب الكفر وقاعدة من قواعده .
والحسد أيضا هو قاعدة من قواعد الكفر وهذا واضح في موقف أبي جهل مثلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الذي كان يدفعه الى ذلك الموقف المتعنت المتصلب مع رؤيته الآيات ومع ظهور المعجزات له؟ انما كان يتصلب لأنه كما قال : نافسوا بني عبد مناف في كل شيء أطعم هؤلاء أطعم هؤلاء وسقى هؤلاء وسقى هؤلاء وفعل هؤلاء وفعل هؤلاء ولكن قال كيف يأتي بنو عبد مناف فيقولوا أن منهم نبيا فنطاوع ؟ هذا لا يكون ابدا يعني كيف يخرج نبي من بني عبد مناف ولا يكون من بني عبد مخزوم هكذا الحسد يعمل .
هذه الأربع الكبائر هي قواعد الكفر وأسسه لأن الكفر غالبا ما ينشأ عنها .
ورغبة رهبة أركانه ويليها شهوة غضب في كل ما حظلا
أركان الكفر هذه الأربعة الرغبة فيما حرم الله والرهبة من مخلوقات الله والشهوة القائدة الى معصية الله والغضب الباعث الى الانتقام .
فالرغبة الذين يكفرون انما يطاوعون رغباتهم سواء كان هذا الكفر كفرا شركيا أو كا كفر نعمة هم يطاوعون رغباتهم فالرغبة فى الاستعلاء في الأرض هي تقود الانسان الى الكفر فلا يخضع لمنهاج الله الذي يسوي بين عباد الله سبحانه .
وكذلك الرهبة اذا ما خشى الانسان غير الله وجعل لله ندا يخشاه كخشية الله هذه الرهبة هي ايضا من أركان الكفر . (1/51)
صفحة 52
ثم الشهوة لأن الشهوة تقوده الى المعاصي المختلفة فلا يبالي بحقوق الله سبحانه ولا يبالي بحرمات الله تقوده الى الزنى وتقوده الى اللواط وقد تؤدي به الى استحلال هذه الأشياء فيكون كفره شركا والغضب حب الانتقام الغضب يؤدي بالانسان أحيانا الى أن يخرج عن الملة رأسا لأجل حب التشفي والانتقام كما وقع ذلك من جبلة بن الأيهم فان غضبه على الفزاري الذي وطأ على ازاره فسقط حول البيت الحرام وهو يطوف هو الذي أدى به أولا الى لطم الفزاري ثم بعد ذلك عندما حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يلطم الفزاري جبلة كما لطمه وعندما حكم بذلك بسبب أن الفزاري أصر أن يقتص من جبلة فحكم عمر - رضي الله عنه - بذلك جبلة بن الأيهم قال : كيف يلطم سيد من ملوك العرب بسبب أحد من سوقتهم وعمر - رضى الله تعالى عنه - قال :الاسلام سوى بينكما فأصر جبلة على موقفه وقال انه يمكن الفزاري من ألف من رجاله يلطمهم فداء له فرفض ذلك عمر-رضى الله تعالى عنه - قال : لا لا يمكن ذلك الا أن يقتص منك فأدى به الحال الى الفرار واللجوء الى قيصر والتنصر ثم بعد ذلك ندم على ذلك وقال :
تنصرت بعد الحق عار اللطمة ... ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
وادركني فيها لجاج حمية ... ... ... فبعت لها العين الصحيحة بالعور
فياليت أمي لم تلدني وليتني ... ... ... صبرت على القول الذي قاله عمر
باب ذكر الملل الست وأحكامها
الملل الست هي التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله { ان الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة } فهم المؤمنون أولا ثم اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين أي عبدة الأوثان ويدخل فيهم الملاحدة وأحكامها مفصلة هنا .
وهذه ملل الأديان قد نصبت ... ... لا بد للمرء من أن يعرف المللا (1/52)
صفحة 53
هذه ملل الأديان الموجوة في الأرض يعني هذا حكم الاسلام في أصحاب الأديان الموجودة في الأرض ولا بد للانسن أن يعرف هذه الملل هذا هو قول كثير من علمائنا وذهب الامام أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني - رحمه الله - الى أن الانسان العامي لا يكلف أن يعرف هذه الملل الست وهذا هو الذي درج عليه الشيخ أبو اسحاق أطفيش - رحمه الله - في تعليقه على كتاب الوضع وهو الذي أجنح عليه لأن في الزام عوام الناس ذلك حرج كبير .
فالمسلمون وهم موف ومجترح ... ... والمجرمون بنهك منهم انفصلا
أو مستحل وأحكام الألى انتهكوا ... ... أن يرجعوا كل ما صابوا وان جزلا
الملة الأولى هي ملة المسلمين وهم الذين عبر الله تعالى عنهم بقوله { ان الذين آمنوا} فالمسلمون هم ملة وهم ينقسمون الى موف ومؤد للواجبات التي فرض الله سبحانه وتعالى عليه ومجترح وهم الذين أصابوا السيئات هؤلاء الذين أجترحوا السيئات وهم الذين عبر عنهم في الشطر الثاني من هذا البيت بالمجرمين هؤلاء أيضا اجرامهم واجتراحهم للسيئات يأتي على طريقين لأنهم اما أن يكونوا منتهكين الذين عبر عنهم الناظم بقوله والمجرمون بنهك منهم انفصلا وهم الذين انتهكوا فهؤلاء المنتهكون سيأتي حكمهم في البيت التالي ويعني بأن المجرمين ينقسمون الى قسمين : اما أن يكونوا منتهكين واما أن يكونوا مستحلين . (1/53)
صفحة 54
وأحكام الألى انتهكوا أي أحكام الذين انتهكوا الموبقات أي ارتكبوها وهم يدينون بأنها محرمة كالذي سرق وهو يدين بأنها محرمة ويزني وهو يدين بأن الزنى محرم ويأتي الموبقات على اختلاف أنواعها وهو يدين بأنها محرمة هؤلاء الذين انتهكوا حكمهم أن يرجعوا كل ما صابوا وان جزلا حكمهم أن يرجعوا كل ما أصابوا كل ما أخذوا من أموال المسلمين بغير حق عليهم أن يردوا ذلك الى أصحابه فلو سرق أحد منتهكا عليه أن يرد هذه السرقة ولو اغتصب مالا منتهكا عليه أن يرد ذلك ولو ارتكب فجا حراما منتهكا عليه أن يرد ذلك وهلم جرا في كل الاشياء المنتهكة عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذنب ذنبان : ذنب بين العبد وربه وذنب بين العبد وصاحبه فأما الذنب الذي بين العبد وربه فمن تاب منه كمن لا ذنب له والذنب الذي بين العبد وصاحبه فلا توبة منه حتى يرد المظالم فلا بد من أن يرد المظالم لتتحقق التوبة لأن رد المظلمة شرط من شروط صحة التوبة هذا اذا كان مرتكب تلك المظلمة منتهكا . (1/54)
صفحة 55
واما المستحلون فهم بخلاف ذلك وسكت هنا عن أحكام المستحلين وذكر أحكام المنتهكين فقط لأجل فهم لحكم حكم المستحل من خلال ذكره لحكم المنتهك فالمستحلون هم الذين يأتون المعاصي وهم يعتبرون أنها حلال ولكنهم لا يصادمون النصوص هكذا من غير تأويل بل يتأولون النصوص فلا يزنون وهم يعتبرون أن أصل الزنى حلال .. لا ولا يسرقون وهم يعتبرون أن أصل السرقة حلال ولا يغصبون المال المحرم وهم يعتبرون أن نفس الغصب هو حلال لا ولا يقتلون النفس المحرمة وهم يعتبرون أن نفس القتل حلال لا ولكنهم يعتبرون في ذلك الشيء الذي فعلوه يعتبرون حليته تأولا لشيء من آيات الكتاب أو شيئا من أحاديث رسول الله أو اجماع السلف الصالح ومن أمثلة ذلك الخوارج الذين يقاتلون أهل التوحيد ويستحلون دمائهم ويستحلون سبي ذراريهم ويستحلون غنيمة أموالهم فهؤلاء الخوارج الذين يستحون لا يستحلون هذه الأشياء وهم مصادمون النصوص وانما يتعلقون بتأويل يتشبثون بتأويل فيتعلقون بتأويل قول الله تعالى { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق وان الشياطين ليوحون الى أوليآئهم ليجادلوكم وان أطعتموهم انكم لمشركون } فيتأولون قول الله تعالى { وان أطعتموهم انكم لمشركون } أي ان اطعتموهم في أكل الميتة بينما الجمهور يحملون هذه الآية الكريمة وان أطعتموهم اي ان أطعتموهم في استحلال أكل الميتة بدليل أن الله تعالى قال : {وان الشياطين ليوحون الى أوليآئهم ليجادلوكم } كيف هذاالجدال ؟ ... الجدال كان من قبل الكفار كفار قريش كانوا يجادلون المسلمين يقولون : أنأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتل الله ؟ أي أنأكل ما ذبحناه ولا نأكل ما مات حتف انفه وكان هذا بايحاء من اليهود وهم الذين أوحوا الى كفار قريش ليجادلوا المسلمين بهذا فالله تعالى يقول للمسلمين وان اطعتموهم في هذا الاستحلال حيث اعتبرهم ما يقولن حقا وهو أن الميتة حلال ان اطعتموهم في استحلال الميتة انكم لمشركون . (1/55)
صفحة 56
فالخوارج وهم الأزارقة والنجدية والصفرية حملوا هذه الآية الكريمة على أن معناها وان أطعتموهم في أكل الميتة فاستنتجوا من ذلك أن كبائر الاثم نفسها شرك والشرك يبيح قتل النفس ويبيح سبي الذرية ويبيح غنيمة الأموال فاذا أحد من هؤلاء الخوارج شارك في هذه الأشياء قاتل وسبى الذرية وغنم مالا وعندما سبى النساء استباح بعض الفروج باعتبار هذه النساء مملوكة فتسراها اذا أراد التوبة من ذلك ينظر أولا فيما تحت يده من أموال المسلمين فان كان هو مقيم على فرج حرام كان عليه أن يقلع عنه وأن يسرح تلك المرأة التي عنده وان كان في يده مال حرام عليه أن يسلم ذلك المال ويرده الى أصحابه لكن في ألأموال التي أتلفها بأي طريقة من الطرق يعذر لأجل استحلاله فلا يقال بأن عليه الضمان يعذر من الضمان وانما تلزمه التوبة لأنه أتى ذلك وهو متأول شيء منآيات الكتاب أو شيء من السنة النبوية أو شيء من اجماع اسلف الصالح هذا حكم المستحل بخلاف المنتهك المنتهك عليه أن يضمن ما أتلفه أما المستحل فعليه أن يرد ما بقي في يده وليس عليه ضمان فيما أتلفه .
سؤال : اذا انتهك الرجل الفرج الحرام وبرضى المرأة هل يكفي اقامة الحد عليه أم أن عليه ضمانا ؟ (1/56)
صفحة 57
الجواب :عليه أن يخلي سبيلها من بعد وهي ما دامت غير مستحلة وانم منتهكة يقام عليها الحد اما هو اذا تاب وهو مستحل وتاب بعد ماكان مستحلا وبين توبته يسكت عن كل ما مضى والمنتهك اذا ارتكب الفرج الحرام ينظر في طريقة الارتكاب فان ارتكب غصبا ضمن على أي حال لزمه العقر والعقر هو عشر دية البكر ونصف عشر دية الثيب يعني اذا افترع بكرا كان عليه عشر ديتها وان جامع ثيبا كان عليه نصف عشر ديتها فاذا كانت الدية الآن ألفين ونصف ريال عماني يعنى ريال عماني عليه اذا كانت بكرا وعليه نصف ذلك اذا كانت ثيبا ومن العلماء من يقول بصداق المثل يؤدي اليها داق المثل سواء كانت بكرا أو كانت ثيبا فاذا كان جامع باغتصاب وهي راضية فينظر في حالتها فاذا كانت بالغة عاقلة حرة سقط عنه العقر وبقي عليه الحد وان كانت صبية أو كانت مملوكة أو كانت مجنونة في هذه الأحوال الثلاثة عليها العقر على أي حال .
كل حكم بين المسلمين يشمل هؤلاء المنتهكين والمستحلين الا الولاية فهم ان ماتوا يدفنون في مقابر المسلمين ويصلى عليهم وفي نفس الوقت يرثون ويورثون أي لا يخرجون من الملة بسبب الانتهاك أو بسبب الاستحلال ان كانوا مستحلين بتأويل متشبثين بشيء من التأويل واما اذا لم يكونوا متشبثين بشيءمن التأويل كالذي يستحل الخمر الصراح أو يستحل الزنى الصراح أو يستحل السرقة هذا يعتبر مصادم للنص ففي ثل هذه الحالة يعتبر مشركا خارجا من ملة الاسلام لكن اذا كان متشبثا بالتأويل كما تفعل الخوارج المتشبثة بالتأويل أو كما يفعل غيرهم من الناس المتشبثين بالتأويل على أي حال هؤلاء الناس لهم جميع ما للمسلمين من أحكام من توارث وتزاوج وصلاة عليهم عندما يموتون ودفنهم في مقابر المسلمين الا الولاية يحرمون الولاية وحدها لأن الولاية لا تكون الا للموفي العبد الصالح النزيه .
يهود ثم النصارى والمجوس معا ... ... والصابئون لهم حكم وقد عقلا (1/57)
صفحة 58
يسالمون اذا انقادوا على صغر ... ... بجزية أو أبوا فالكل قد قتلا
هذا حكم اليهود وحكم النصارى وحكم المجوس وحكم الصابئين .
اليهود :وهم الذين حرفوا التوراة
والنصارى :وهم الذين حرفوا الانجيل وكذبوا على عيسى - عليه السلام -
والمجوس :يقال بأنهم كانوا على كتاب سماوي ولكنهم حرفوه واضاعوه وهذا ليس ببعيد لأن ما تبقى عندهم من كتاب هو كتاب زرادشت فيه نصوص تبشر برسول الله صلى الله عليه وسلم هذا دليلعلى أنهم كانوا اتباع لكتاب سماوي .
والصابئون :قيل هم طائفة خلطوا ما بين الديانات أخذوا شيئا من اليهو وشيئا من النصارى وشيئا من المجوس فكان حكمهم حكم أهل الكتاب على رأي كثير من العلماء وهذا الذي عليه أصحابنا هؤلاء حكمهم أن يسالموا اذا انقادوا على صغر يسالمون اذا انقادوا للمسلمين بجزية اذا رضوا بأن يؤدوا الجزية ويكونوا في ذمة المسلمين فلا حرج عليهم يبقون تحت سلطان المسلمين آمنين على أنفسهم مستقرين في أماكنهم لهم الحرية في ممارسة شعائرهم الدينية بشرط أن يكون السلطان للمسلمين وأن يرضوا بأداء الجزية على صغار أو أبوا ان أصروا على عدم الجزية فالكل قد قتلا.
وخصة ذلك أنهم يدعون الى الاسلام فان رفضوا يدعون الى الجزية فان رفضوا يقاتلون.
أما اليهود والنصارى فقد نص الله تعالى على ذلك في كتابه حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .
وأما المجوس فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم . (1/58)
صفحة 59
والصابئون بما أنهم أخذوا من اليود والنصارى واليهود والنصارى بجانب كونهم يسالمون وتطلب الجزية منهم أيضا تنكح نسائهم أي يجوز للمسلم أن يتزوج اليهودية وأن يتزوج النصرانية بشرط منهم منشدد ومنهم من ترخص منهم من اشتط أن تكون تحت الذمة وأن ترضى بأن لا تعلق صليبا وأن تغتسل من الحيض وأن تغتسل من الجنابة وأن تزيل الشعر من الأماكن المعتادة أي الشعر الذي تجب ازالته وهو شعر العانة والابطين ومنهم من لم يشترط أن تكون ذمية ولم يشترط ما ذكر من الشروط الاخرى ومن الشروط التي ذكروها ايضا أن لا تأكل لحم الخنزير.
والمجوس ليس لهم هذا الحكم فالمجوس لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نسائهم واليهود والنصارى بجانب نكاح نسائهم تؤكل ذبائحهم ايضا وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم .
أما الصابئون ففيهم خلاف منهم من قال بأن حكم اليهود والنصارى يلحقهم ايضا في أكل الذبائح وفي النساء ومنهم من قال لا ليس لهم حكم اليهود والنصارى في ذلك وان كانت الجزية تؤخذ منهم لأن النص جاء في أهل الكتاب وهؤلاء ألحقوا بأهل الكتاب فلا يعاملوا في كل شيء معاملة أهل الكتاب .
فالخلاصة :أنهم يدعون الى الاسلام فان اتقادوا والا دعوا الى الجزية فان قبلوا والا قتلوا .
سؤال : هل يوجد أحد من الصابئين والمجوس الآن ؟
الجواب :الصابئون يقال نعم يوجد بعضهم في بلاد العراق وفي بلاد الشام أيضا على الحدود العراقية موجودون ولكنهم قلة قليلة قيل لا يتجاوز عددهم عشرة آلاف والمجوس موجودون في بلاد فارس وفي الهند أيضا وهم الزرادشتيون والزرادشتيون هؤلاء هم المجوس .
والمشركون ذووا الأوثان ليس لهم ... سلامة غير أن دانوا بما نزلا
والحكمان حاربوا في الكل متحد ... نهب وسبي وقتل فيهم فعلا
حاشا قريشا فان السبي ممتنع ... فيهم على قول أهل المغرب الفضلا (1/59)
صفحة 60
يقصد بذلك أن المشركين وهم الذين يعبدون الأوثان ويلحق بهم الملاحدة في أي مكان من الأرض سواء كانوا وجوديين أو شيوعيين أو كانوا على أي طريقة من طرق الالحاد هؤلاء حكمهم بأن يدعوا الى الاسلام فان أسلموا وانقادوا ودخلوا في دين الله سبحانه واتبعوا الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين لهم ما لغيرهم من المسلمين وعليهم ما على غيرهم من المسلمين وان رفوا ذلك قوتلوا حتى يقتلوا والحكم فيما اذا حاربوا يعني في الكل : في اليهود وفي النصارى والمجوس والصابئين والمشركين الحكم فيما اذا حاربوا أي قاوموا المسلمين ولم يرض اليهود والنصارى والمجوس والصابئون أن يعطوا الجزية وكذلك طبعا مع المشركين المحاربين حكمهم متحد في أنهم تغنم اموالهم وتسبى دريتهم ويقتل مقاتلهم أما النساء فلا يقتلن والأطفال لا يقتلون وانما تسبى الذرية والنساء ويقتل المقاتلون .
سؤال : هل تقتل النساء ان شاركن في القتال ؟
الجواب : طبعا اذا قاتل النساء يقتلن اذا تجردت المرأة للقتال لا بد من أن تقتل اذا كانت امراة عسكرية وكانت مقاتلة أما امرأة في بيتها - مثلا - لا تقتل .
حاشا قريشايعني استثنى قريشا فان السبي ممتنع فيهم على قول أهل المغرب الفضلاالسبي في قريش ممتنع على قول المغاربة الفضلا وأختلف في غيرهم من العرب قيل يسبون لأن النبي صلى الله عليه وسلم سبى أهل أوطاس في معركة أوطاس سبى النبي صلى الله عليه وسلم وقيل لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه أنه قال لا سبي بعد ذلك على العرب .
والذبح ان سالموا أهل الكتاب مع النكاح منهم أجز الا الاماء فلا (1/60)
صفحة 61
يعني أجز من أهل الكتاب ان كانوا مسالمين أي ان كانوا تحت الذمة اجز ذبحهم ونكاح الحرائر من نسائهم الاماء الا اماء أهل الكتاب فلا ينكحن وانما تنكح الحرائر منهم فقط فليس لأحد أن يتزوج أمة كتابية لأن الله سبحانه وتعالى قال {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } وأيضا قال اللهتعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات قيد الفتيات بن يكن مؤمنات وهو يقصد بالفتيات هنا المملوكات كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقل أحدكم عبدى وأمتي ولكن ليقل فتاى وفتاتي هكذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال والمقصود بالفتيات هنا المملوكات فيباح أن يتزوج الانسان اذا لم يستطع طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات أن يتزوج من الفتيات المؤمنات لا من الفتيات الكتابيات .
سؤال : وهل للعبد المسلم أن يتزوج من الحرائر الكتابيات ؟
الجواب :نعم له ذلك.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... خاتمة في الامامة
ان الامامة فرض حينما وجبت ... شروطها لا تكن عن شرطها غفلا
الامامة :هي القيادة وبما أن الاسلام لا يفصل بين الدين والسياسة كانت الامامة قيادة دينية سياسية وهي مأخوذة من قولالله تعالى لعبده ابراهيم - عليه السلام - اني جاعلك للناس اماما أي : قدوة وقائدا في الخير والامامة عند علمائنا تنقسم الى أربعة أقسام :
امامة الظهوروهذه الامامة هي اذا تجلى أمر المسلمين ظاهرا وقويت شوكتهم ولم يخافوا من عدو فانهم يتفقون على واحد منهم يقدمونه اماما لهم يامر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقيم حدود الله وينفذ أحكامه ويطبق شريعته وينصف للمظلوم من الظالم ويأخذ بيد الضعيف ويقهر القوي حتى يأخذ حق الله منه هذه هي امامة الظهور . (1/61)
صفحة 62
وضربوا لها مثلا اامة الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - فان الأمر استتب للمسلمين في ذلك الوقت ولم ينازعهم فيه منازع وكانت الامامة ظاهرة شاهرة تغزو أعداءها في عقر ديارهم وهكذا دور الائمة العدول الذين سلكوا هذا المسلك وأخذوا بهذا الطريق .
والامامة الثانية هي امامة الدفاعوهذا انما يكون اذا غزا العدو بلاد الاسلام سواء كان هذا العدو كافرا كفر شرك أو كان كافرا كفر نفاق وحاول أن ينتهك بيضة المسلمين في مثل هذه الحالة يدافع بامام يبايعونه على الدفاع تحت لوائه فاذا ما دوفع ذلك العدو انتهت بيعته هذه الامامة وانحلت من الرقاب فاذا أنس المسلمون من أنفسهم قوة في هذه الحالة وجب عليهم أن يبايعوا احدا منهم يختارونه لهذه المهمة وذلك كمثل امامة الامام أبي حاتم الملزوزي الذي بويع على الدفاع في بلاد المغر بعدما قتل الامام امام الظهور أبو الخطاب المعافري اليمني الذي بويع في عام 40هـ في طرابلس حيث كان جيش بني العباس يباغت بلاد المسلمين هناك ويظهر في الأرض الفساد ونظرا لتلك الظروف الحرجة التي تستلزم أن يكون هناك قائد يدافع به المسلمون عن حوزتهم وبيضتهم ولم يكن الأمر يسمح بأن يتفق المسلمون على امامة الظهور فبويع الامام ابو حاتم الملزوزي وقاتل في سبيل الله حتى قتل . (1/62)
صفحة 63
والامامة الثالثة هي امامة الشراءوهذه الامامة كامامة أبي بلال المرداس بن حدير - رحمه الله - والشرة هم طائفة من الفدائيين يقومون باعمال جهادية في صفوف أعدائهم ولا يمكن لهم أن ينظموا أمرهم حتى تكون لهم امامة ظهور أو تكون لهم امامة دفاع لذلك يركنون الى امامة الشراء فيحملون سيوفهم واينما امكنهم أن يقوموا باعمال جهادية قاموا بها لأجل مؤاذاة أعداء الله تعالى المتسلطين في الأرض بغبر ما أنزل الله سبحانه والحاكمين بغير ماشرع هذه الامامة كانت عند السلف وضربوا لها مثلا بأبي بلال مرداس بن حدير الذي أخذ البيعة من أصحابه وكانوا أربعين رجلا على مناصرة الحق ومقاومة اعداء الله تعالى اينما وجدوا فمضوا ف هذا السبيل حتى استشهدوا جميعا - رحمهم الله تعالى - ولايكفي لهؤلاء الشراة الا أن يكونوا أربعين رجلا فصاعدا وأما اذا كانوا دون الأربعين فانه لتتم لهم بيعة الشراء في مثل هذه الحالة لأن مقاومة الكفر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تمت عندما أسلم عمر - رضي الله عنه - وبلغ عدد المسلمين أربعين رجلا في ذلك الوقت عندما كانوا يجتمعون في بيت الأرقم بن أبي الأرقم . (1/63)
صفحة 64
والامامة الربعةهي التي تكون اذا ما خيمت قوة العدو في بلاد ولم يمكن للمسلمين القيام بأي عمل من هذه الأعمال السابقة هنالك يركنون اى امامة الكتمان وذلك أن يتفقوا على شخص منهم يرجعون اليه في أمر دينهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويسوس أمورهم على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضربوا مثلا لذلك امامة الامام جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة - رحمهما الله تعالى - ومن امامة الكتمان تنبع امامة الظهور فأئمة الكتمان هم الذين ساسوا أمور المسلمين حتى ظهرت كلمة الدين والحمد لله فالامام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي كان خلفا لشيخه واستاذه الامام أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله تعالى - هذا الامام أي الامام أبو عبيدة - رحمه الله - هو الذي ساس أمور المسلمين في المشرق وفي المغرب فكانت بيعة الامام طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي بارشاده وتعليماته وتوجيهاته وكذلك بيعة الجلندى بن مسعود في عمان وفي المغرب كذلك كانت بيعة الامام أبي الخطاب المعافري كانت بارشاداته وتوجيهاته . وهذه هي الامامة اجمالا عند اصحابنا الأباضية .
ان الامامة فرض حينما وجبت ... شروطها لا تكن عن شرطها غفلا ...
يعني أن الامامة واجبة عندما تتوفر شروطها فلا تكن غافلا عن شروطها فالمسلمون اذا آنسوا من أنفسهم القوة وكانوا على النصف من عدوهم عددا وعدة وجب عليهم أن يقوموا بأمر الله سبحانه ويظهروا الحق في الأرض فلا تكن غافلا عن هذا الشرط وهناك أيضا شروط : وهي أن لا يكون العدد الذي يتفق على الامامة أقلمن أربعين وأن يكون أقل ما يكون فيهم ستة من أهل العلم والصلاح هم الذين يسيرون أمورهم
وباطل سيرة فيها الامامة في اثنين لو بلغا في المجد ما كملا (1/64)
صفحة 65
يعني لا يجوز أن يكون للمسلمين امامان في مكان واحد فقد روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم اذا بويع لامامين فاضربوا عنق الثاني منهما اما ما دامت الامامة الأولى ثابته يجب الانقياد للامام الأول ولو بلغا ما بلغا من الفضل فلا تجوز الامامة لاثنين الا اذا كان هناك فاصل بينهما ولم يمكن اجتماعهما كأن يكون هذا الفاصل بحرا ذا مسافة واسعة وما يمكن هذا الامام أن يتصل بهذا ولا هذا أن يتصل بهذا أو يكون الفاصل بينهما حكم أجنبي كحكم غير حكم الامامة وهذا هو الذي وقع في أيام الأئمة الرستميين وغيرهم من أئمة المغرب مع أئمة عمان فقد بويع للأئمة العدل في عمان في ذلك الوقت مع وجود قيام دولة الامامة في أرض المغرب .
وبعد ما فتحت أم القرى نسخت ... ... ما كان من هجرة مفروضها اتصلا
يعني بأن الهجرة التي كانت واجبة على المسلمين الى المدينة المنورة الى بيضة المسلمين مقر دولتهم بعدما فتحت أم القرى أي بعدما فتحت مكة المكرمة نسخت هذه الهجرة نسخ وجوبها فلم تعد هناك هجرة فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول لا هجرة بعد الفتح وانما جهاد ونية يعني أن يواصل الانسان جهاده في سبيل الله وينوي الخير أما أن يهاجر من بلاد الاسلام الى بلاد الاسلام فلا بعد أن فتحت مكة المكرمة نسخت الهجرة الا أن يكون الانسان في بلاد الكفر بحيث لايمكنه أن يمارس الشعائر الدينية ولا يمكنه أن يقوم بالواجب الذي فرضه الله تعالى عليه أي لا يمكن أن يحافظ على أمور الدين أن تتعذر عليه الصلاة أو تتعذر عليه الزكاة أو يتعذر عليه الصوم بحيث لا يمكن من ذلك أي لا يعطى الحرية الدينية أو أنه لا يمكن من تربية أولاده على الاستقامة في الدين ففي مثل هذه الحالة تجب الهجرة من بلاد الكفر الى بلاد الاسلام .
انا ندين بتصويب الالى منعوا ... حكومة الحكمين حينما جهلا (1/65)
صفحة 66
يعني نتقرب الى الله سبحانه وتعالى بتصويب الذين منعوا حكومة الحكمين بتصويب أهل النهروان الذين عارضوا تحكيم الحكمين في عهد الامام علي بن أبي طالب حينما جهلا أي حينما جهل الحكمان حيث مشيا في غير الخط المستقيم رضيا بأن يخلعا الامام الشرعي واتفقا على ذلك واختلفا في خلع الامام غير الشرعي أي امام البغاة الذي هو معاوية بن أبي سفيان .
والراسبي أوالي بعد جملتهم ... ومن بهم نسب الاسلام قد وصلا
عنيت نجل اباض فهو حجتنا ... أما ترى فخره للمسلمين جلا
ومن قفا أثرهم من كل مجتهد ... شاك السلاح لقمع الخصم حين غلا
يعني أنه يتولى أهل النهروان اجمالا ويخص من بينهم الراسبي لشهرته بالامامة التي بويع بها . من بعد جملتهم أي من بعد جملة أهل النهر والذين وصل بهم نسب الاسلام يعني الاباضية الذين اشتهروا بالنسبة الى عبدالله بن أباض وحافظوا على دين الله كما أنزل عنيت نجل أباض تالشجب يعني يوالي الراسبي خصوصا بعد جملة أهل النهر ويوالي نجل أباض خصوصا بعد عموم الاباضية الذين قاموا بأمر الله سبحانه أما ترى فخره للمسلمين جلاأي أما ترى فخره لأهل الاسلام صار جليا أي ظهر ومن قفا أثرهمأي واوالي كل من اقتفى اثر هؤلاء من كل مجتهد في دين الله سبحانه شاك السلاحاصله شائك السلاح معنى طاعن السلاح لقمع الخصم حين علاشائك السلاح لأجل مقاومة خصوم الاسلام حين غلت خصوم الاسلام في اتيان المنكرات .
والحمد لله رب العالمين على ... اتمام ما رمت اذ من فضله كملا
ثم الصلاة وتسليم يقارنها ... على الذي ختم المولى به الرسلا
والآل والصحب ما لاحت فضائلهم ... ومن لهم في سبيل المكرمات تلا (1/66)
صفحة 67
يعيد الناظم حمد الله تعالى رب كل شيء على اتمام ما رام أي ماقصده اذهذا كله من فضله كمال هذا النظم انما كان من فضل الله سبحانه ثم بعد ذلك الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم والصلاة والتسليم كما سبق تفسيرهما الصلاة هي من الله رحمه ومن الملائكة استغفار ومن الناس دعاء والتسليم دعاء بالنجاة لأن السلامة هي النجاة فالصلاة والسلام على الذي ختم المولى به الرسلا على النبي صلى الله عليه وسلم الذي ختمت به رسالات السماء والآل والصحبوعلى آله وعلى أصحابه مالاحت فضائله مكلما لاحت وجلت وانتشرت ومن لهم في سبيل المكرمات تلاوكل من تلام في سبيل المكرمات أي في سبيل الخير والعز والشرف فالصلاة والسلام عليهم جميعا ...
تم بحمد الله تعالى (1/67)