صفحة 1
الكتاب: علم الفرق الإسلامية (مقدمات منهجية) لطلاب السنة الثالثة شريعة
إعداد: مصطفى بن محمد شريفي
السنة الدراسية: 1431 - 1432هـ /2010 - 2011م
معهد الحياة - القرارة
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوعة المسلمة لطلبة التخصص الشرعي في معهد الحياة]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) معهد الحياة - القرارة
علم الفرق الإسلامية
(مقدمات منهجية)
السنة الثالثة شريعة
إعداد:
مصطفى بن محمد شريفي
السنة الدراسية: 1431 – 1432هـ / 2010 – 2011م (/)
صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم
المحور الأَوَّل
مدخل إلى دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة
مسوغات دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة (1):
هنالك من يرى بأن لا مسوغ لدراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة، لِعِدَّةِ مسوِّغات، منها:
1 - أَنَّ بحثها إحياء للبدع، وهي دعوى في غاية التلبيس، ذَلِكَ أَنَّ الأفكار المعروضة ليست لأهل البدع فحسب، بل فيها الردُّ، مِمَّا يسهم في صناعة وعي الطلبة، لأخذ الصالح وترك الطالح.
2 - أن لا مسوِّغ لها لانقراض الفرق الآن: لا شَكَّ أَنَّ قائل هَذَا لا يعيش واقعه الآن، ولا يعرف خلفيات المشهد بجميع مكوناته، فَإِنَّ كثيرا من المعاصرين أحفاد لفرق سابقة، وكثير من أفكار اليوم نتاج لغرس الماضين.
3 - أَنَّ دراسة الفرق سيعمِّق الهوة بين المسلمين، والجواب عن هَذَا أَنَّ هَذَا العلم كسائر أغلب العلوم، لا يَتَعلَّقُ به المدح والذم، وَإِنَّمَا ينظر إلى غايات ومقاصد الدارس، فإذا كانت غايته محمودة كانت دراسته محمودة، والعكس بالعكس. فإذا توخى الدارس مقصد توحيد الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، وجعل نصب عينيه العنصر المشترك بين المسلمين، وهو الانتساب الإيماني، كانت نتائج هَذَا العلم طَيِّبَة في الأوساط الأكاديمية وفي المجتمع، وبهذا يتمكن المسلمون من تجاوز التعصُّب المقيت، والنظرة المذهبية الضَّيِّقَة، إذ إِنَّ «المذهبيَّة في الأمَّة الإسلاميَّة لا تتحطَّم بالقوَّة ولا تتحطَّم بالحجَّة. ولا تتحطَّم بالقانون، فإنَّ هذه الوسائل لا تزيدها إِلاَّ شدَّة في التعصُّب، وقوَّة ردِّ الفعل؛ وإنَّما تتحطَّم المذهبيَّة بالمعرفة والتعارف والاعتراف، فبالمعرفة يفهم كلُّ واحد ما يتمسَّك به الآخرون، ولماذا يتمسَّكون به. وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعيِّ للعبادات. وبالاعتراف يتقبَّل كلُّ واحد منهم مسلك الآخر برضًا، ويعطيه مثل الحقِّ الذي يعطيه لنفسه: (اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ). وفي ظلِّ الأخوَّة والسماح تغيب التحدِّيات، وتجد القلوب نفسها تحاول أن تصحِّح عقيدتها وعملها بالأصل الثابت في الكتاب والسنَّة، غير خائفة أن يقال عنها تركت مذهبًا أو اعتنقت مذهبًا. ولن نصل إلى هذه الدرجة حَتَّى يعترف اليوم أتباع جابر وأبي حنيفة ومالك والشافعيِّ وزيد وجعفر وأحمد وغيرهم مِمَّن يقلِّدُهم الناس أنَّ أئمَّتهم أيضًا يقفون في صعيد واحد لا مزيَّة لأحدهم على الآخرين إِلاَّ بمقدار ما قدَّم من عمل خالص لله» (2).
__________
(1) من كِتَاب مدخل إلى دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة، للدكتور عَمَّار جيدل، ص5 - 7. بتصرف واختصارات وإضافات.
(2) علي معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة، تحقيق الشيخ باشعادل، ص1 - 2. (1/1)
صفحة 3
علم الفرق الإِسلاَمِيَّة، حقيقته وأَهَمِّيَّة دراسته (1):
«علم الفرق»: مركَّب لقبي ينبغي تحليله إلى عنصريه: الفرق، والعلم.
الفرقة في اللغة والاصطلاح:
لغة: الفرقة هي القطعة أو الطائفة من الناس. واختلف في تحديد أقلها من الواحد إلى الأربعين.
اصطلاحا: له علاقة وطيدة بالمعنى اللغوي، وعرف الدكتور عَمَّار جيدل الفرقة الإِسلاَمِيَّة بِأَنَّهَا «جماعة يربطهم فهم المعتقدات الإِسلاَمِيَّة المعلومة فهما مميزا نتج عنه نَظَرِيَّة في المعرفة ومباحث التوحيد والنبوات والإنسانيات (الجبر والاختيار ... ) والإمامة، ويكوِّنون من جرائها مجتمعا متميزا مفتوحا عَلَى غيرهم، إِلاَّ من شذَّ منهم» (2).
- جماعة: احترازا عن الواحد، مهما علت منزلته، فلا يُسَمَّى فرقة، خلافا لِمَا يوهمه بعض كتَّاب المقالات بإيرداهم أسماء فرق لا يعرف إِلاَّ زعماؤها، وإن لم يعلم هل لهم أتباع أم لا. بل قد تكون هناك شخصيات وهمية، كما نسب الأشعري إلى الإِبَاضِيَّة رجلا يُسَمَّى «حارث الإباضي» جعله زعيما لفرقة تابعة للإباضية، وهو ـ على حد تعبير الشيخ علي يحيى معمر ـ «لم يحرث عند الإباضيَّة ولم يزرع لا آراء ولا حبوبًا، ولم يحصد الإباضيَّة عنه أو عن فرقته شيئًا. إن كان حقًّا حرث في أيِّ مكان!» (3).
- إِسلاَمِيَّة: احتراز من الفرق غير الإِسلاَمِيَّة، كالنساطرة واليعاقبة من النصارى، والزرادشتية والمانوية من الفرس.
- «يربطهم فهم المعتقدات»: احتراز عن اعتبار كُلِّ المسلمين فرقة واحدة؛ لأَنَّ الدين الإِسلاَمِيَّ يجمعهم بكُلِّيَّاته العَامَّة، كأركان الإيمان السِّتَّة، وأركان الإِسلاَمِ الخمسة. فَهَذِهِ كُلِّيَّات مُتَّفَق عَلَيْهَا، غير أَنَّ الاختلاف واقع في تفاصيلها.
- «مواقف نَظَرِيَّة»: احتراز من دخول اتِّفَاق عَامَّة الناس ودهمائهم عَلَى رأي (4). وَإِنَّمَا مصطلح الفرقة يقتضي وجود نَظَرِيَّة في المعرفة، ومنهج في التفكير، تنتج عنه سلوكيات في المجتمع.
ومن الباحثين من يرى أَنَّ مقومات الفرقة ثلاثة أمور هي: 1 - وعي الولاية والبراءة. 2 - وجود الرموز والشعائر المتميزة. 3 - التنظيم السري الهرمي (5).
__________
(1) من كِتَاب مدخل إلى دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة، للدكتور عَمَّار جيدل، ص11 - 21. بتصرف واختصارات وإضافات.
(2) جيدل: مدخل إلى دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة، ص14.
(3) معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة، ص22. ويضيف قائلا: «والمهمُّ في الموضوع أنَّه لا يوجد أب لهذا الحارث الذي لم يجد له أبو الحسن له أبا، فجاء به هكذا يسوقه حَتَّى أدخله عند الإباضيَّة وتركه. فلا يوجد عند الإباضيَّة أيُّ ذكر لهذا الحارث أو رأي أو فرقة أو نَسَب، ولا حَتَّى مرور ضيافة في مراجع الإباضيَّة مِمَّا استطعت الحصول عليه ... فإنَّه رجل لا وجود له ولا لفرقته. أمَّا آراؤه فهي صورة في مخيِّلة مشنِّعٍ على الإباضيَّة ألقاها على أبي الحسن فوثق به وأثبتها في كتَابه دون نقد أو تحميص».
(4) هَذَا حسب ما درج عَلَيْهِ الْمُؤَرِّخُونَ وكتاب المقالات في إطلاق مصطلح «الفرقة».
(5) رضوان السَّيِّد: مفهوم الجماعات في الإِسلاَمِ، ص66 - 68. نقلا عن: بوهلال: إسلام الْمُتَكَلِّمِينَ، ص168. (1/2)
صفحة 4
ومنهم من يرى أَنَّ مقوماتها أربعة، هي: 1 - وجود المرجع، وقد يكون تأويلا مخصوصا، أو إماما متَّبعا، أو نَصًّا مقدَّسا بديلا. 2 - التشريع الخاص. 3 - التنظيم. 4 - مجتمع أهل المقالة الاِعْتِقَادِيَّة (1).
وميَّز أحد الباحثين بين المقالة والفرقة والمدرسة كالآتي:
- المقالة: هي بعض المعتقدت التي لا ترتبط بجماعة مُعَيَّنَة، كالتشبيه والجبر والقَدَر، أو بعض الآراء التي تميَّز بها بعض العلماء، كالنظام والجاحظ والجبَّائي لدى المعتزلة، أو الوارجلاني والجيطالي والقطب والسالمي أو بيُّوض لدى الإِبَاضِيَّة ...
- الفرقة: هي التي تتميز بالمقومات الأربع السابق ذكرها.
- المدرسة: هي التي تتصف بما يأتي: 1 - الجمع بين اتِّجَاهات ورؤى مختلفة متنافسة، تسعى كُلٌّ منها إلى أن تكون الممثل الشرعي للمجموعة. 2 - التنوع في الاهتمامات الدِّينِيَّة والفِكرِيَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة، بأن تختصَّ بفقهائها وأصوليِّيها ومحدِّثيها ومتكلِّميها ومفسِّريها وأدبائها ومؤرِّخيها ورموزها الثَّقَافِيَّة ودولها المؤيِّدة لها. 3 - الاستمرارية التَّارِيخِيَّة، لِمَا يشفُّ عن طاقاتها الكامنة للتأقلم مع الأوضاع (2).
تعريف العلم:
ليس المقصود بالعلم معناه الفلسفي الكلامي، الذي هو أعلى درجات المعرفة وهي: اليقين، وَإِنَّمَا القصد منه} الفن}، مثلما نقول: علم الفقه أو أصوله، أو التاريخ، أو النفس، أو الاجتماع ...
تعريف علم الفرق الإِسلاَمِيَّة:
«هو الفنُّ المهتمُّ بالتأصيل الشرعي للفرق الإِسلاَمِيَّة، من مظانِّها، وكتب جهابذة علمائها، والكشف عن مجموع آرائها الخلفيَّة النَّظَرِيَّة التي تستند إِلَيْهَا، وصلة كُلِّ ذَلِكَ بمواقفها الفِكرِيَّة وَالسِّيَاسِيَّة، بل وَكُلِّ ما من شأنه أن يُؤَثِّرَ في أتباعها» (3).
بناء عَلَى هَذَا التعريف يمكننا أن نطرح عِدَّة تساؤلات، منها:
- هل يستَحقُّ هَذَا التخصَّص أن يستقلَّ بعلم (فنٍّ) خاصٍّ به؟
- ما الفروق التي تميزه عن علم الكلام أو الفلسفة الإِسلاَمِيَّة؟.
- ما أَهَمِّيَّة دراسته؟
نحاول الإجابة عن هَذِهِ التساؤلات في النقاط الآتية:
__________
(1) المنصف بن عبد الجليل: الفرقة الهاشمية في الإِسلاَمِ، ص30 - 32. نقلا عن: بوهلال: المرجع نفسه، ص168 - 169.
(2) بوهلال: المرجع نفسه، ص167 - 172. يصل في نهاية هَذَا الكلام إلى أَنَّ الفرق التي تَتَوَفَّرُ فيها مواصفات المدرسة هي ثلاثة فقط، هي: المعتزلة والشيعة وأهل السُّنَّة. وفي تقديرنا أَنَّ صفتين ـ على الأقل ـ لم تَتَوَفَّرَا لدى المعتزلة، هما: وجود المحدِّثين، والاستمرارية التَّارِيخِيَّة، فقد انقرضت المعتزلة ـ كفرقة ـ منذ قرون. بينما هَذِهِ المواصفات كُلَّهَا متوفرة لدى الإِبَاضِيَّة؛ وبالتالي تَسْتَحِقُّ أن تُسَمَّى «مدرسة».
(3) جيدل: مدخل إلى دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة، ص17. (1/3)
صفحة 5
عِلمِيَّة دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة:
يمكن تسمية دراسة الفرق علما (أي فنًّا) مستقلا، نظرا لتميُّزه بموضوعه ومصادره ومنهجه ومصطلحاته.
- أَمَّا موضوعه فهو: الطوائف الإِسلاَمِيَّة وآراؤها، بمختلف توجهاتها، قديمها وحديثها.
- أَمَّا مصادره فهي ـ في الدرجة الأولى ـ مصادر مقالات الفرقة المدروسة، التي ألفها أصحابها، ثُمَّ المصادر والمراجع الثانوية التي ألَّفها عنها خصومُها. والإشكال المطروح هو أَنَّهُ عَلَى الرغم من كثرة ما في المكتبة الإِسلاَمِيَّة من كتب في علم الكلام والفرق، إِلاَّ أَنَّ المصادر التي ألَّفها أصحاب الفرقة المدروسة في ظروف نشأتها الأولى نادرة، بل أحيانا غائبة بِالكُلِّيَّةِ، كما هو شأن المحكِّمة الأوائل، والخوارج عُمُومًا (الأزارقة والنجدية والصفرية). وسواء أَتَعَلَّقَ الأمر بالفرقة ككلٍّ، أم بزعمائها (1).
- وَأَمَّا منهجه فيقوم على الرجوع إلى مظانِّ آراء الفرقة المدروسة، مِمَّا ألَّفه جهابذة علمائها، ودراسة أصولها الشَّرعِيَّة وَالعَقْلِيَّة، واستكشاف صلتها (أي تلك الأصول) بمواقفها وسلوكها. مع توخي الموضوعية والدقة في كُلِّ ذلك؛ نظرا لِمَا تعرَّضت له مقالات الفرق من تشويه.
- وَأَمَّا مصطلحاته، فأغلبها مِمَّا يشترك فيه مع مصطلحات علم الكلام والفقه، نظرا للارتباط الوثيق بين هَذِهِ العلوم الثلاثة. ولا يَخْتَصُّ علم الفرق إِلاَّ بالقليل من المصطلحات، مثل: المقالات، الفرق، الملل، النِّحَل ...
الفروق بين علم الفرق وعلم الكلام والفلسفة الإِسلاَمِيَّة:
عرَّف القنوجي علم مقالات الفرق بِأَنَّهُ: «علم باحث عن ضبط المذاهب الباطلة الْمُتَعَلِّقة بالاعتقادات الإِلهِيَّة» (2). وإذا علمنا أَنَّ علم الكلام «علم يُقتدر معه عَلَى إثبات العقائد الدِّينِيَّة بإيراد الحجج ودفع الشبه» (3)، فَإِنَّ الفرق بين العلمين غير واضح؛ لأَنَّ كليهما ـ في نظره ـ يهتمَّان بالرد عَلَى الآراء والفرق الباطلة، وَلَكِنَّ التحقيق يقتضي إعادة النظر في تعريف القنوجي، فهو غير دقيق؛ من جهتين:
- إحداهما: أَنَّ علم الفرق ليس مقتصرا على دراسة الفرق الباطلة، بل هو أشمل. ثُمَّ إِنَّ الصِّحَّة والبطلان أمران نسبيان؛ إذ لا يمكن إصدار حكم شامل عَلَى مذهب أو فرقة ما بالبطلان أو الصِّحَّة، فقد يصيب في آراء ويخطئ في أخرى.
__________
(1) مثال ذَلِكَ أَنَّ كتب الخليفة عليٍّ بن أبي طالب لم تصلنا إِلاَّ عن طريق غيره، أو انتُحلت عليه فيما بعد. وكذلك يمكن القول في شأن معاوية وعمرو بن العاص وعبد الله بن وهب الراسبي، ونافع بن الأزرق، وبلال بن مرداس، وجابر بن زيد، أي كُلُّ الشَّخصِيَّات التي وُجدت قبل عصر التدوين، الذي بدأ بأوائل القرن الثاني الهجري، أي بعد انقداح شرارات نشأة الفرق بنحو سبعين عاما.
(2) القنوجي صديق بن حسن: أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم، تحقيق: عبد الجَبَّار زكار، دار الكتب العِلمِيَّة، بيروت، 1987م، 2/ 515 (ترقيم المكتبة الشاملة).
(3) هَذَا التعريف أورده السالميُّ لعلم التوحيد. ينظر: معارج، 1/ 184. وقد نقله عن عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (ت: 756هـ): المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت، د. ت.، ص7. والثميني: معالم الدين، ص5. والثميني: النور، ص24. (1/4)
صفحة 6
- ثانيهما: أَنَّ الذي يميز فرقة عن أخرى لا يقتصر عَلَى الاعتقادات الإِلهِيَّة فحسب، بل يتسع ليشمل سائر مواضيع علم الكلام (كنظرية المعرفة والنبوات والإنسانيات والسمعيات ... ) وَبَعض المواضيع الأصولية والفِقْهِيَّة (كالسنة والإجماع والقياس، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا من أحكام ... ).
ولا شَكَّ أَنَّ هناك نقاط اتِّفَاق ونقاط اختلاف بين العلوم الثلاثة (الكلام والفرق والفلسفة الإِسلاَمِيَّة). وَعَلَيْهِ فيمكننا إجمال نقاط الاِتِّفَاق ونقاط الاختلاف في الآتي:
• نقاط الاِتِّفَاق بين العلوم الثلاثة:
- من حيث الموضوعات: تَتَّفِقُ العلوم الثلاثة في مناقشة بعض القضايا مثل: الإلهيات، والغيبيات والإنسانيات، فهي كُلُّهَا تَهْتَمُّ بالجانب النظري عَلَى حساب الجانب العملي، وإن اختلفت المنطلقات والأساليب والنتائج.
- من حيث الأسلوب: يَتَّفِقُ علم الفرق وعلم الكلام في استخدام الأساليب الجدلية غالبا، والخطابية أحيانا. بينما الفلسفة تَدَّعِي استخدام الأساليب البرهانية.
- من حيث الهدف: يَتَّفِقُ علم الفرق وعلم الكلام عَلَى أَنَّ من أهدافهما إثبات عقائد المذهب وإبطال عقائد الغير. بينما تَدَّعِي الفلسفة أن هدفها الوصول إلى الحقيقة المجردة.
- من حيث المصادر: أَمَّا في القديم، وفي الواقع المعيش غالبا ـ مع الأسف ـ فالمصادر هي كتب المقالات والفرق. وَأَمَّا فيما يجب أن يكون: فالمصادر في كلاَ العلمين يجب أن تكون هي الكتب المعتمدة لدى كُلِّ فرقة.
• نقاط الاختلاف بين العلوم الثلاثة (1):
علم الفرق ... علم الكلام ... الفلسفة الإِسلاَمِيَّة
الموضوع ... يبحث في الفرق وأصولها الْكَلاَمِيَّة وَالفِقْهِيَّة ومؤسسيها وسلوكها أصالة ... يذكر الفرق الْكَلاَمِيَّة لا أصالة وَإِنَّمَا عَرضًا ... قد تذكر الفرق الْكَلاَمِيَّة لا أصالة وَإِنَّمَا عَرضًا
المسائل وأصولها ... تعرض المسائل مع أصولها التي تنبني عليها لدى الفرق المدروسة ... غالبا ما تذكر مسائل الفرق المخالفة وتناقش بشكل جزئي بصرف النظر عن أصول المذهب وكلياته
مصادر المعلومات ... مجموع كتب جهابذة العلماء من كُلِّ فرقة ... كتب المذهب أَوَّلاً ثُمَّ كتب الفرق الأخرى ... كتب الفلسفة ثُمَّ كُلِّ فرقة
__________
(1) ذكر أحمد أمين بَعْض الفوارق بين منهج الْمُتَكَلِّمِينَ والفلاسفة. ينظر: ضحى الإسلام، 3/ 18 - 20. (1/5)
صفحة 7
المنطلق ... الشرع، الإيمان بالعقائد أَوَّلاً ثُمَّ الدفاع عنها ... الشرع، الإيمان بالعقائد أَوَّلاً ثُمَّ الدفاع عنها ... العقل، ومحاولة الجمع بينه وبين الشرع (1)
الهدف والوظيفة ... تحقيق التقارب بين المسلمين بالمعرفة والتعارف والاعتراف ... تقرير المذهب، وإثبات عقائده والدفاع عنها ... الهدف معرفي محض: الوقوف على حقائق الأشياء. والتوفيق بين ما قررته الفلسفة (العقل) وبين الشرع (النقل) ... => عمل قاضٍ (في الأصل) ... => عمل وسيط للإصلاح بين الناس (في الأصل) (2) ... => عمل محامٍ
طريقة العرض ... غالبا: البدء بحديث الافتراق، ثُمَّ الفرق الكبرى، ثُمَّ الفرق المتفرعة عنها إلى 73 (وأكثر!) ... تتبع مباحث العقيدة وعلم الكلام. (الأركان السِّتَّة، أو: الإلهيات فالنبوات ... الخ) ... تتبع مباحث الفلسفة
الأسلوب ... وصفي جدلي خطابي ... جدلي خطابي ... برهاني (في الأصل)
النشأة ... بالتدريج حسب الظروف ... بالتدريج حسب الظروف ... نقلت شبه كاملة من اليونان، فحاول المسلمون التوفيق بينها وبين الشرع
لا يخفى أَنَّ من أهم النقاط في هَذَا الجدول: الاختلاف البيِّن في الهدف والوظيفة بين العلوم الثلاثة. والقدامى لم يفرقوا بين علمي الكلام والفرق من حيث الهدف تفريقا مميِّزا، فتجد كثيرا من كتب الفرق والمقالات القديمة تتسم بالطابع الكلامي، مِمَّا يجعلها في مصاف كتب الكلام.
أهداف دراسة الفرق وأهميتها:
أشرنا فيما سبق إلى الهدف النبيل لهذا العلم، في العبارة المحكمة التي أبدعها الشيخ علي يحيى معمر، وهي: «المعرفة والتعارف والاعتراف». وَهَذَا كافٍ في تلخيص ما سنفصله من أهداف في النقاط الآتية، والتي من خلالها تَتَّضِحُ أَهَمِّيَّة هَذَا العلم:
__________
(1) يقول محَمَّد جواد مغنية: «فالمتكلِّم ــ كما قيل ــ يبدأ أَوَّل ما يبدأ بالإيمان بمبادئ الدين وتعاليمه، ثُمَّ يَسْتَدِلُّ عَلَى صحَّتها بالعقل، ويدفع كُلَّ شبه تحوم حولها بالبراهين العَقلِيَّة [وَالنَّقْلِيَّة]، تماما كالمحامي الذي يتبنَّى صِحَّة قَضِيَّة، ويتولىَّ الدفاع عنها. أَمَّا الفيلسوف فَأَوَّلُ ما يبدأ بالإيمان بحقائق الفلسفة، فإذا كان مسلما حاول التوفيق بينها وبين الحقائق الدِّينِيَّة. فالمتكلِّم يوجَّه العقل إِلىَ مساندة الدين، والفيلسوف يوجِّه الدين إِلىَ عدم منافاته للفلسفة ... ومهما يكن فَإِنَّ الوحي لا يخرج عن نطاق العقل عند كُلٍّ من الطرفين، فَإِنَّ محاولة التوفيق بينهما اعتراف واضح بِأَنَّ الدين يجب أن لا يخالف العقل في شَيْء». مغنية: معالم الفلسفة الإِسلاَمِيَّة، ص 25 - 26.
(2) قلنا: «في الأصل»، أي: ما ينبغي أن يكون، أَمَّا في الواقع فلم يلتزم الكتَّاب دوما بذلك. (1/6)
صفحة 8
- جمع شمل المسلمين بالبحث عن المعرفة الصحيحة، ونشرها، إذ الإنسان عدو ما جهل. فمن المعلوم أن مصادر علم الفرق تناقلت «معارف تكاد تجمع المصادر عَلَى نقلها، رغم عدم صِحَّة نسبتها لمن نسبت له؛ لهذا فمهمَّتنا صعبة جِدًّا، تقتضي العمل عَلَى التصحيح بطريقة موضوعية، تتوخَّى الدَّلِيل الصحيح، والمتجاوب مع المعطى الزمني» (1)؛ ذَلِكَ لأَنَّ الْمُؤَلِّفين لا يستطيعون غالبا الحياد والتنزُّه عن ذاتيتهم وانتمائهم.
- «تحقيق الفهم المتبادل فيما بين المسلمين، فهما صحيحا، وفق مقرَّرات مذهبهم» (2). والتخلي عن التصورات الخاطئة، والمتوارثة عن الأسلاف (هدم)، والتحلي بالتصورات الصحيحة عن المسلم الآخر (بناء). مثال ذلك: مهما قيل من الأصول التي يرجع إليها التشيع أو الاعتزال، فينبغي علينا أن لا نبقى مكتوفي الأيدي تجاه هذه الاعتبارات، لا نفيد ولا نستفيد.
- فهم أسباب الاختلاف المحمود (في الرأي والاجتهاد)، لتوسيع آفاق المسلم ليستوعب أخاه، ويستفيد منه بالتكامل المعرفي بين الفرق والمذاهب، فلكلٍّ منها مواطن قُوَّة ومواطن ضعف.
- فهم أسباب الشقاق (الخلاف المذموم) وجذوره، للحذر منها، والعمل على ما يثيرها. كالتنابز بالألقاب وتلفيق التهم الباطلة، وسوء الفهم، عن قصد أو غير قصد.
- التعرف عَلَى الفكر الصحيح والسقيم بتقويم آليات الفهم وضوابط التأويل المقبول والمردود. وَاتِّخَاذ الموقف الوسط بين الإفراط في العقل والتفريط فيه.
- التعرف عَلَى مدى تقيُّد الفرق بتحقيق مقاصد الشرع أو بعدها عنها؛ وَذَلِكَ كالبحث في مسألة زيادة الصفات عَلَى الذات، فالشريعة جاءت ـ كما يقول الشاطبي ـ بقصد الإفهام لِكُلِّ الناس (3)، عالمهم وأميِّهم، والغوص في مثل هَذِهِ المسألة يبعد عن مقصد الشريعة.
- معرفة تَطَوُّر المعارف الْكَلاَمِيَّة، للوقوف عَلَى تأثير الفرق في الأخرى، بهدف التقويم. مثال ذَلِكَ: تأثير المعتزلة على الشيعة، أو العكس، وكذلك تأثيرهم في الإِبَاضِيَّة أو العكس؛ وعلاقة الإِبَاضِيَّة بالخوارج؛ وعلاقة الأشاعرة والماتريدية بأهل الحديث (المسمين أنفسهم أهل السُّنَّة والجماعة (4)) ...
- التنبيه إلى محتوى الدراسات الاستشراقية، فمنهم من ناصر طائفة على أخرى، أو بثَّ أفكارا غير نزيهة؛ لِذَلِكَ يجب علينا (شرعيا، وحضاريا، وموضوعيا) الرجوع إلى مصادر أسلافنا المسلمين مباشرة دون وسائط غير أمينة أو غير نزيهة؛ لأجل التمييز بين الصواب والخطأ من تلك الأفكار.
- نشر الوعي الديني، بالتمييز بين الضروري والحاجي والتحسيني من الشرع؛ وبين الثابت والمتغير،
__________
(1) جيدل: مدخل، ص53.
(2) جيدل: مدخل إلى دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة، ص17.
(3) الشاطبي: الموافقات، مج1، ج2/ 49 - 82.
(4) نسبة إلى عام الجماعة لَمَّا سلَّم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية في النصف من جمادى الأولى سنة 41هـ. ينظر: ابن عبد البر: الاستيعاب، (ترجمة الحسن بن علي)، 1/ 387. (1/7)
صفحة 9
وبين الأصيل والدخيل، وبين الأصل والفرع، وبين الدين والرأي، وبين القطع والظن، وبين قضايا الأصول ومسائل الاجتهاد ... إذ كثيرا ما يقع الخلط بينها، فتهيمن الرؤية المذهبية على حساب الدين (1).
- فهم الواقع المعيش اليوم، ذلك أَنَّ فكرنا اليوم ليس إِلاَّ امتدادا لفكر أسلافنا، ونحن لا نزال نستعير عقولهم للتفكير، ونستمد نفس قضاياهم الخلافية، ونفس المواقف العدائية أو الودودة، ولم تتطوَّر ذهنياتنا وأفكارنا المسبقة إِلاَّ قليلا. وبالتالي، فإِنَّ من أهم أهداف دراسة الفرق فهم الواقع الراهن، وهو نوع من الاعتبار بقصص السابقين، كما قال الله تَعَالىَ: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الاَلْبَابِ} (سورة يوسف: 111)، وقال: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (سورة الأعراف: 176). فإذا كان هَذَا هو الشأن مع الأمم البائدة، فكيف والأمر يَتَعلَّقُ بفرق لا تزال قائمة، إِمَّا كجماعات أو كأفكار؟.
مواصفات وضوابط في دراسة الفرق:
مواصفات الدارس لعلم الفرق:
لتحقيق الأهداف المرجوة ـ المذكورة أعلاه ـ يجب عَلَى الباحث أن يتحلَّى بجملة من المواصفات الأخلاقية والعِلمِيَّة، نذكر منها:
- أن يضع في حسبانه غاية إرضاء الله تَعَالى، لا إرضاء هواه أو تتبع نقائص الآخرين، بغرض التشنيع عليهم والانتصار للذات. ويتفرع عن هَذِهِ الغاية كُلُّ ما يلي من المواصفات:
- الجدية في البحث، والصبر الجميل؛ لأجل الفهم الجيد، وإرساء الأحكام بعد التبيُّن، خشية أن يصيب قوما بجهالة، فيصبح من النادمين، يوم يقف بين يدي الحق المبين، {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمُ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} (سورة النور: 24 - 25).
- الموضوعية والحياد، بالتنزُّه عن الخلفيات المسبقة، بحيث يكون رائده البحث عن الحقيقة، ولو كانت مخالفة لتصوراته النمطية.
- الجرأة في الصدع بِالْحَقِّ، بهدوء واحترام، دون تجريح أو تطاول، أو ادعاء العلم.
- الشجاعة في قبول النقد، والرجوع إلى الحق، دون تعصُّب.
هذه مواصفات عَامَّة في الباحثين في مختلف الدراسات الإِنسَانِيَّة وَالدِّينِيَّة. والمقام يقتضي إضافة تفصيلات تَتَعَلَّقُ بالضوابط الْمَعْرِفِيَّة والأخلاقية عند دراسة الفرق، بصفة خَاصَّة، وهي كالآتي:
__________
(1) ينظر: جيدل: مدخل، ص55. بتصرف وإضافات. (1/8)
صفحة 10
الضوابط الْمَعْرِفِيَّة والأخلاقية في دراسة الفرق (1):
القصد من وضع هَذِهِ الضوابط مجتمعة (2)، أن لا يقتحم حماه العَامَّة، لأَنَّهُ مجال حساس وخطير، له آثار سلبية وخيمة في حال الإخلال بما سنذكره من ضوابط:
• أَوَّلاً - الضوابط الْمَعْرِفِيَّة:
1 - امتلاك الأدوات الْمَعْرِفِيَّة، ومن أهمها:
* توقد الفكر والنباهة، ولا يكتسب هذا إِلاَّ بسعة الاطِّلاَع والقراءة المستمرة الهادفة، تتوخى الموضوعية.
* التمكُّن من المصطلح الفني، فَعَلَى دارس أيِّ فرقة أن يتعرف جَيِّدًا عَلَى المصطلحات المتداولة داخل الفرقة نفسها؛ حَتَّى يحكم لها أو عليها. ولا يكفي الرجوع إلى المعاجم اللُّغَوِيَّة؛ لأَنَّهَا قد لا تتوافق مع آراء الفرقة المدروسة. وعدم التمكُّن في المصطلح الفني أوقع كثيرا من القدامى والمعاصرين في أخطاء جسيمة. ومن أمثلة ذلك:
- لفظتا القضاء والقدر، يختلف مفهومهما بين الأشاعرة والماتريدية، فما اعتبره هؤلاء قضاء اعتبره الآخرون قدرا، والعكس صحيح أَيضًا.
- مصطلح الكفر إذا أطلقه الإِبَاضِيَّة، فقد يريدون به الكفر المخرج من الْمِلَّة (وهو الشرك)، وقد يريدون به الكفر غير المخرج من الْمِلَّة (وهو كفر النعمة). والسياق هو الذي يحدِّد المعنى المراد.
- مصطلح الشرك عند الإِبَاضِيَّة المغاربة نوعان: شرك مخرج من الْمِلَّة، وشرك جزئي غير مخرج منها.
- الألفاظ الموهمة لتشبيه الله تعالى بخلقه، يُسَمِّيها السَّلَفِيَّة «الصفات الخبرية» بناء عَلَى مذهبهم في عدم التأويل، وسمَّوها خبريَّة إشارةً إلى الاكتفاء بالإيمان والتصديق بما جاء به الخبر، وتفويض أمرها إلى الله دون تأويل أو تعطيل أو تشبيه ...
* التمكن من علم العَرَبِيَّة: إِنَّ كثيرا من الأَدِلَّة التي يسوقها علماء الكلام ينبني عَلَى مباحث لُغَوِيَّة، كالحقيقة والمجاز، والتصريح والكناية، والإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص ... لذا فلا بُدَّ من معرفة كُلِّ هَذِهِ الأمور.
2 - التعامل الصحيح مع المصادر، وهي نوعان: خَاصَّة وعَامَّة.
* المصادر الخَاصَّة: وهي المصادر المعتمدة لدى الفرقة المدروسة، ويقتضي البحث الموضوعي وضع هَذِهِ المصادر في المرتبة الأولى، وتطليق الأحكام المسبقة، وعدمَ إطلاق الأحكام جزافا، دون التحقق منها في تلك المصادر.
__________
(1) ينظر: جيدل: مدخل، ص59 - 65. بتصرفات وإضافات.
(2) لا يمكن الاكتفاء بأحد الجانبين (المعرفي أو الأخلاقي) دون الآخر؛ لأَنَّ كلاًّ منهما مكمِّل للآخر. (1/9)
صفحة 11
* المصادر العَامَّة: ونعني بها مصادر كتَّاب المقالات، ويجب أن تحلَّ في المرتبة الثانية. وقلب الترتيب يُؤَدِّي إلى عواقب وخيمة، بسبب ما يمكن أن تحمله من أخطاء وأحكام غير موضوعية.
• ثانيا - الضوابط الأخلاقيَّة:
* التحلي بالتقوى في مضمونها العلمي: «أن يتحلَّى الإِنسَان بالتقوى في جانبها الاِجتِمَاعِيِّ والفردي ليس أمرا صعبا، أَمَّا إذا تَعَلَّقَت تلك التقوى بمحتوى معرفي فَإِنَّ الأمر يكبر عَلَيْهِ؛ إذ نراه يرقب الله في جميع أعماله الفردية وَالاِجتِمَاعِيَّة، وَلَكِن لا نراه يحرص الحرص نفسه حين الحديث عن العلم، وَخَاصَّةً حين مطارحة المخالف» (1). وتتجلى هَذِهِ التقوى في الالتزام بالأخلاق الآتية:
- التأني والتثبُّت في إصدار الأحكام عَلَى الفرق الإِسلاَمِيَّة.
- الصبر عَلَى البحث، وبذل الوسع في التحلي بالموضوعية؛ لأَنَّ علم الفرق حسَّاس.
- التراجع عن الخطأ إذا تَبَيَّنَ الحقُّ. وَهَذَا صعب عَلَى النفس المحبَّة للانتصار للذات.
- الابتعاد عن كُلِّ أنواع الازدراء والكلام الجارح، والشتم والسباب ... والتمييز بين كُلِّ ذَلِكَ وبين النقد العلمي الموضوعي الهادئ.
* السعي نحو فهم متبادل: وذلك بأن يفهم الباحث آراء الفرقة التي يدرسها من خلال مصادرها، ويمتلك القدرة على تبليغ ذلك، ولا يَصِحُّ إلزامهم بما لم يقولوا به، إِلاَّ ما كان لزوما بيِّنا.
منهج البحث في علم الفرق ومصادره، قديما وحديثا:
ملاحظات عَامَّة على كُتَّاب المقالات (2):
لا شَكَّ أَنَّ الْمُتَقَدِّمين من كُتَّاب المقالات قد بذلوا جهدا في هَذَا الفن، يتميز في بعض الأحيان بالدقة والمنهجية، ولكن يعاب عليهم عِدَّة أمور، منها:
- إلزام المخالفين بما لا يلزم، كمن يلزم الرافضين للتأويل بالتشبيه، وإلزام المؤوِّلين بالتعطيل.
- عزو أقوال إلى فرقة هي منها بريئة، وقد لا نجد لها أثرا في المصادر الأَسَاسِيَّة لعلمائها.
- إسناد أقوال إِمَّا توليدا أو نقلا من كتب غير الثقاة، من المؤيدين أو المخالفين.
- نقل اللاحق من كتب السابق، دون تمحيص ونقد، أو مقارنة بالواقع، أو التثبت من المعلومات من مصادر علماء الفرق المدروسة.
- نسبة فرقٍ إلى فرق أخرى، كما ينسبون الإِبَاضِيَّة إلى الخوارج، وينسبون إلى الإِبَاضِيَّة الحفصية واليزيدية والحارثية وأصحاب طاعة لا يراد بها الله. ونسبوا إلى المعتزلة: الواصلية والهذلية والنظامية
__________
(1) جيدل: مدخل، ص64.
(2) ينظر: جيدل: مدخل، ص18 - 19. بوهلال: إسلام الْمُتَكَلِّمِينَ، 166 - 167. (1/10)
صفحة 12
والمعمرية والجاحظية. والواقع أَنَّ الإِبَاضِيَّة برءاء من الخوارج، ولم يعرفوا في تاريخهم انقساما إلى أيِّ فرقة من المذكورة، ولا يعترف المعتزلة بما ذُكر من فرق منسوبة إليها، وَإِنَّمَا اعترفوا بتوجهين هما: معتزلة البصرة، ومعتزلة بغداد ...
والذي دفع كتَّاب المقالات إلى هَذِهِ التقسيمات أمران: أَوَّلهما: اعتمادهم عَلَى حديث الافتراق، والتسليم بِصِحَّته، والبحث عن فرق ـ وإن كانت وهمية ـ للوصول بعددها إلى الثلاث والسبعين. ثانيهما: «تصوير الفرق غير السُّنِّيَّة بصورة الأشتات المتفرقة».
- الخلط بين المقالة والفرقة، فقد تكون هنالك فكرة رائجة بين أناس ذوي اتِّجَاهات أو مذاهب مختلفة، وَلَكِنَّهُم لم يشكِّلوا فرقة متميزة، ومع ذَلِكَ يعدُّونها في الفرق؛ لِذَلِكَ نجدهم يَتَحَدَّثُون عن مرجئة السُّنَّة ومرجئة الشيعة، سلفية السُّنَّة وسلفية الشيعة، وجبرية السُّنَّة وجبرية الخوارج ...
- لم يكن تقسيم الفرق عَلَى حقيقتها في الواقع، وَإِنَّمَا بناء عَلَى قناعات الْمُصَنِّف ومنهجه، مثال ذَلِكَ أَنَّ الملطي قسَّم الجهمية إلى ثماني فرق، بينما اعتبرها البغدادي فرقة واحدة.
ولا يخفى عَلَى أحد ما تولَّد عن هَذِهِ المعايب من آثار وخيمة عَلَى الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، مِمَّا زاد في تشتُّتها، وتباعد الأشقاء، على الرغم من أَنَّ الخلافات بين الفرق والمذاهب هي في حقيقة الأمر تعود في أغلبها إِمَّا إلى سوء الفهم، أو الثقة في المرجع المعتمد رغم بعده عن الصواب، أو هي خلافات فرعية، أو لُغَوِيَّة أو سِيَاسِيَّة، وليست في الأصول.
علم الفرق بين القديم والحديث:
إذا كان للقدامى بعض العذر في السلبيات المذكورة أعلاه، نظرا لقلة الوسائل، وصعوبة الحصول على المصادر، وللتأثر بالبيئة المشحونة بالتقليد والتعصب، فهل بقي للمعاصرين عذر في الانسياق وراء مناهج القدامى التقليدية رغم ارتفاع كُلِّ تلك الأعذار؟ كسهولة الاتصال، ووفرة المعلومات من مصدرها، فضلا عن أَنَّ تحديات الواقع المعيش والمستقبلي مختلفة عنها في الماضي، وتقتضي مِنَّا العمل عَلَى «النظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، وفق ما يمليه البحث الموضوعي، الذي يتجلى فيه المحتوى العلمي للتقوى، مِمَّا يستدعي الحيطة والحذر في إصدار الأحكام، والعمل عَلَى جمع كلمة المسلمين في مواجهة التحديات الآنية والمستقبلية» (1).
وأضاف الدكتور جيدل أَنَّ الطريقة التقليدية في تناول الفرق هي أخذ المعلومات من مصادر المذهب المخالف (سواء الْكَلاَمِيَّة أم كتب المقالات)، ودعا إلى تجاوز هَذِهِ السلبية بما يأتي:
- التفريق بين علم الكلام وعلم الفرق، فلا تؤخذ آراء فرقة ما من خلال المصادر الْكَلاَمِيَّة المخالفة للفرقة المدروسة.
- الاعتماد على أُمَّهَات الكتب لدى كُلِّ فرقة نود دراستها مباشرة، ولا يسوغ الاعتماد على المراجع
__________
(1) جيدل: مدخل، ص19. (1/11)
صفحة 13
الوسيطة.
مناهج البحث في الفرق:
المنهج هو فن الترتيب الصحيح لسلسلة من الأفكار للكشف عن الحقيقة (1). ويقوم علم دراسة الفرق أساسا على المناهج الآتية، ووفق هذا الترتيب: منهج الاستقراء والوصف، المنهج التاريخي، المنهج التحليلي النقدي المقارن.
1 - منهج الاستقراء والوصف: بما أن الحكم عَلَى الشَّيْء فرع عن تَصَوُّره، فَإِنَّ البحث العلمي يقتضي البدء بالاستقراء أَوَّلاً، وهو يعني تتبع أقوال الفرقة المدروسة من خلال تتبع مصادرها. ثُمَّ بالوصف ثانيا، وهو يعني عرض تلك الأقوال عرضا موضوعيا دقيقا خاليا من كُلِّ تعليق أو نقد. مع مراعاة التناغم والتكامل بين تلك الأقوال وأصول الفرقة.
2 - المنهج التاريخي: هو وسيلة للكشف عن ظروف ظهور الأقوال والأفكار، وتأصيلها، ومعرفة التأثر والتأثير بين السابق واللاحق، وبالتالي عَلَيْهِ ينبني التحليل والنقد.
3 - المنهج التحليلي النقدي المقارن: يقتضي هَذَا المنهجُ الاطِّلاَع عَلَى ما انتُقدت فيه أقوال الفرقة المدروسة، سواء من خصومها، أم من أصحابها، قديما وحديثا، والردود التي واجهت بها تلك الانتقادات.
ولا يكتفي الباحث بِهَذِهِ المناهج الثلاثة، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ استخدام ما يستلزمه البحث من مناهج وآليات، في تكامل مع ما ذكر، والمهمُّ أن يكون متحلِّيا بالروح العِلمِيَّة والموضوعية، ونِشْدان الحقيقة.
المصادر التي ينبغي اعتمادها عند البحث في الفرق:
يتنوع ما يمكن الاعتماد عليه في علم الفرق إلى مصادر خَاصَّة، ومصادر عَامَّة، ومراجع. وتفصيلها وكَيفِيَّة استغلالها كالآتي:
• 1 - المصادر الخَاصَّة:
هي الكتب الأَسَاسِيَّة التي تؤرخ للفرقة موضوع الدراسة، والتي ألفها أساطين (2) تلك الفرقة، سواء أكانت في علم الفرق، أم في علم الكلام. ويجب اعتمادهما كلتيهما بشكل أساسيٍّ عند التأصيل للفرقة موضوع الدراسة، ووصفها وصفا موضوعيا، ولا يسوغ الاعتماد ـ للتأصيل ـ على غيرها. مثال ذلك:
الفرقة ... مصادرها الخَاصَّة بعلم الفرق ... مصادرها المختصة بعلم الكلام عندها
الإِبَاضِيَّة ... رسالة في الفرق لأبي عمرو السوفي، والموجز لأبي عمار، والكشف والبيان للقلهاتي، وبدء الإسلام وشرائع الدين
__________
(1) ينظر: محَمَّد الدسوقي: منج البحث في العلوم الإسلامية، ص43. أبو سليمان: كِتَابة البحث، ص27.
(2) الأُسطوان والأُسطوانة: العمدة أو السارية، جمعه: أساطين. ابن منظور: لسان العرب، 13/ 208، مَادَّة: «سطن». (1/12)
صفحة 14
لابن سلام، والسير والجوابات لعلماء عمان، وسير أبي زكرياء، وسير الوسياني وطبقات الدرجيني، وسير الشَّمَّاخِي، والإِبَاضِيَّة بين الفرق لعلي معمر ... ... أصول الدينونة الصافية لعمروس، والرد على جميع المخالفين لأبي خزر، والمعتبر والاستقامة للكدمي، والجوهر المقتصر لأحمد الكندي، وبيان الشرع لمحمد الكندي، والدَّلِيل والبرهان للوارجلاني، والعقيدة لأبي سهل، والسؤالات للسوفي، والضياء للعوتبي، والقناطر والقواعد للجيطالي ...
الأشاعرة ... مقالات الإسلاميين للأشعري، والتبصير في الدين للإسفراييني، والفرق بين الفرق للبغدادي، والملل للشهرستاني ... الإبانة واللمع للأشعري. والإنصاف، والتمهيد للباقلاني. وأصول الدين للبغدادي والإرشاد، والشامل للجويني. والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي. ونهاية الإقدام للشهرستاني. والمواقف للإيجي. والمعالم، والمحصل للرازي
الماتريدية ... كتاب التوحيد، وشرح الفقه الأكبر للماتريدي
السَّلَفِيَّة ... الرد عَلَى الجهمية للدارمي. والاعتقاد للبيهقي. وذمُّ الكلام للهروي. والرد على الزنادقة ومنهاج السُّنَّة لابن تيمية. واجتماع الجيوش لابن القيم ... لمعة الاعتقاد لابن قدامة. والإيمان، والتوحيد لابن تيمية
الشيعة ... فرق الشيعة للنوبختي، أو فرق الشيعة لابن بابويه القمي ... تجريد الاعتقاد للطوسي. والكافي للكليني. وشوارق الإلهام للقوشجي. ومن لا يحضره الفقه والتهذيب والاستبصار (1)
المعتزلة ... المنية والأمل لابن المرتضى ... الانتصار للخياط. وشرح الأصول الخمسة، والمغني للقاضي عبد الجَبَّار.
• 2 - المصادر العَامَّة:
نعني بها: الكتب الأَسَاسِيَّة التي تؤرخ للفرق الإِسلاَمِيَّة بِعَامَّةٍ، فهي مصادر أَوَّلِيَّة في علم الفرق بعموميته، من حيث تقسيماتها الكبرى إجمالا، ومن حيث الموضوعات والقضايا الْمُتَّفَق عَلَيْهَا والمختلف فيها إجمالا. أَمَّا من حيث التفصيل والتأصيل في أقوال فرقة مخصوصة، فلا يمكن الاعتماد عليها إذا كانت الفرقة من غير مذهب مُؤَلِّفيها؛ ذَلِكَ لأَنَّهُم لم يتحرَّوا الدقة والموضوعية المطلوبتين في حق غيرهم، فضلا عن أَنَّهُم لا يعرضون أقوال الفرق مُجَرَّدة عن تفسيراتهم وأحكامهم وآرائهم ومواقفهم. ولكن لا يمنع هَذَا من اعتمادها في التأريخ للفرق التي ينتمون إليها. مثال ذَلِكَ: مقالات الإسلاميين للأشعري، والتبصير في الدين للإسفراييني، والفرق بين الفرق للبغدادي، والملل والنحل للشهرستاني ... ليس من
__________
(1) عبد الجواد: السلطة، 100. (1/13)
صفحة 15
الموضوعية العِلمِيَّة اعتمادها في تقرير أقوال الخوارج وَالإِبَاضِيَّة والشيعة؛ وَلَكِنَّهَا في ذات الوقت تُعتمَد كمصادر أَوَّلِيَّة أَسَاسِيَّة في تقرير أقوال أهل السُّنَّة والجماعة. كما لا يُقبل اعتماد رسالة الفرق للسوفي والكشف والبيان للقلهاتي الإباضيين، أو المنية والأمل لابن المرتضى المعتزلي في تقرير مذاهب أهل السُّنَّة أو الشيعة ... وهلم جرَّا.
• 3 - المراجع:
المراجع هي الكتب التي أُلِّفت شرحا أو حاشية أو نقدا لمؤلفات سابقة. أو هي كتب ودراسات أكاديمية حديثة، ويمكننا تصنيفها كالآتي، (ورتبناها حسب أَهَمِّيَّتها):
* دراسات متخصصة في فرقة محددة، مثل: «المعتزلة» لزهدي جار الله، ودراسات في الإِبَاضِيَّة لعمرو النامي، والسلفية الاثناعشرية لعلي الجابري.
* دراسات متخصصة في علم الفرق، مثل: تاريخ المذاهب الإِسلاَمِيَّة في السِّيَاسة والعقائد لمحَمَّد أبي زهرة، وإسلام بلا مذاهب لمصطفى الشكعة، والقانون في عقائد الفرق لمحمد هاني ساعي.
* دراسات في علم الكلام والفلسفة الإِسلاَمِيَّة والفكر الإسلامي وتاريخه، مثل: ضحى الإسلام لأحمد أمين، و «في علم الكلام: الأشاعرة والمعتزلة» لأحمد صبحي، والتفكير الفلسفي في الإِسلاَمِ لعبد الحليم محمود، ونشأة الفكر الفلسفي في الإِسلاَمِ للنشار.
* موسوعات وكشافات ومعاجم، مثل:
- دائرة المعارف الإِسلاَمِيَّة لمجموعة مستشرقين، ودائرة المعارف العَرَبِيَّة لبطرس البستاني، ودائرة معارف القرن العشرين لمحمد فريد وجدي، ودائرة المعارف لمحمد حسين الأعلمي، وموسوعة الأديان الميسرة لمجموعة باحثين.
- كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي. والتعريفات للجرجاني، وكشف الظنون لحاجي خليفة، ومعجم مصطلحات الإِبَاضِيَّة لجمعية التراث.
- المعاجم بأنواعها: لُغَوِيَّة كلسان العرب لابن منظور. كَلاَمِيَّة كالحدائق للبطليوسي. فلسفية كالمعجم الفلسفي لمجمع اللغة العَرَبِيَّة بالقاهرة، والمعجم الفلسفي لجميل صليبا.
* مراجع عَامَّة، وهي التي تتناول موضوع الفرق عَرَضًا لا أصالة، في مواضع متناثرة، مثل: العقد الفريد لابن عبد ربه، والأغاني للأصفهاني، والكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، فهي كتب أدبية وَلَكِنَّ فيها إشارات إلى الفرق الإِسلاَمِيَّة وَبَعض أصحابها. وتتبُّعُها بالتصفُّح والبحث عن الفرقة المدروسة يحتاج إلى صبر وتؤدة؛ غير أَنَّ تقنيات الإعلام الآلي اليوم يسَّرت البحث فيها بشكل كبير.
وبطبيعة الحال تختلف درجات الاعتماد عَلَى كُلِّ هَذِهِ الأصناف من المراجع من حيث الوثوقُ بها. والمعيار الرئيس والمبدأ الأساس في الموضوع هو أَنَّ مُؤَلَّفَات أصحاب الفرقة أَوْلى من غيرها، والسابق منها أولى من اللاحق، مع التنبُّه إلى أَنَّ كُلَّ مُؤَلِّف يسعى إلى تبرير معتقده، والاحتجاج له، ودحض آراء (1/14)
صفحة 16
خصمه؛ لذلك فَإِنَّ الرجوع إلى ما سواها للاستئناس والمقارنة والنقد، والاستفادة منها في سيرورة المعارف وتَطَوُّرها، يعدُّ أمرا ضروريًّا.
خطوات البحث في علم الفرق:
تسهيلا عليك أَيُّهَا الباحث في علم الفرق، وتوفيرا لوقتك الثمين، نرشدك إلى اتِّبَاع المراحل الآتية، خطوة بخطوة:
- الخطوة الأولى: البحث عن الفرقة ـ موضوع الدراسة ـ في الموسوعات والمعاجم والكشافات، لهدفين: أحدهما: التعرف عَلَى المعالم الرئيسة للفرقة (تاريخا، وتآليفَ، وأعلامًا، وآراءَ، ومصطلحاتٍ). ثانيهما: الاستفادة من المصادر (الأَسَاسِيَّة) والمراجع (الثانوية) التي تحيلك عليها.
- الخطوة الثانية: الاطِّلاَع عَلَى الدراسات الأكاديمية الجادة التي تناولت الفرقة بالبحث؛ لِعِدَّةِ أهداف: أَوَّلها: من المفترض أن تحيلك عَلَى المصادر الأَوَّلِيَّة الخَاصَّة بالفرقة. ثانيها: يفترض فيها أن تُطْلعك عَلَى أحدث الدراسات في الموضوع. ثالثها: يفترض فيها أن تتحلى بالدقة والموضوعية، دون تحامل أو أفكار مسبقة (1)؛ لأَنَّهَا تحت إشراف علمي، ومزكَّاة من لجنة المناقشة. رابعها: تستعين بها في طرق التنظيم العلمي لأفكار الموضوع. خامسها: تستعين بها في المناقشة والنقد بأسلوب علمي هادئ رصين.
- الخطوة الثالثة: الاعتماد على المصادر الخَاصَّة بالفرقة المدروسة، وَهَذِهِ هي الخطوة الأَسَاسِيَّة والضرورية.
- الخطوة الرابعة: الاطِّلاَع عَلَى مصادر ومراجع كُتَّاب المقالات، من غير الفرقة المدروسة، للمقارنة والنقد العلمي.
وفي كُلِّ ذَلِكَ ينبغي الاستفادة من توجيهات المشرف والباحثين السابقين وخبراتهم.
والهدف من اتِّبَاع هَذِهِ الخطوات ـ فضلا عن الاستغلال الأمثل للوقت وللمصادر ـ هو تحقيق الفهم المتبادل بين الفرق، من أجل الوصول إلى التقارب بين المسلمين، والسعي لإيقاف الهجمات التي تستهدفهم من الداخل أو الخارج، بسبب الصراعات الدَّاخِلِيَّة، نتيجةً للآراء والأفكار المسبقة وسوء الفهم، كما يقول الدكتور جيدل: «أريد أن يفهم السني الشيعة عَلَى ما هي عَلَيْهِ في نفس الأمر، كما أريد أن يفهم الإِبَاضِيُّ أهل السُّنَّة كما هو مذهبهم في نفس الأمر من غير وسائط، وهكذا دواليك في سائر المباحث الأخرى، رائدي في كُلِّ ذَلِكَ: اِفهمْ قبل أن تنتقد، اِقرأْ من غير واسطة، مَحِّصْ ثُمَّ انتقد ... مستصحبا في كُلِّ ذَلِكَ تمييز ما تعتنقه عموم الفرقة عن معتقدات الغلاة أو القِلَّة القليلة منهم. وقد أعمل بعض المسلمين الراسخين في العلم هَذِهِ القاعدة في تقويم الرصيد الثقافي والديني لأهل الكِتَاب، وإذا كان هَذَا شأن أسلافنا في التعامل مع المخالفين من أهل الملل الأخرى، فمن باب أولى إعمال هَذِهِ القاعدة حين
__________
(1) وَهَذَا مطمح مثالي مع الأسف في كثير من جامعاتنا. (1/15)
صفحة 17
تعامل المسلمين فيما بينهم» (1).
__________
(1) جيدل: مدخل، ص82. (1/16)
صفحة 18
المحور الثاني
نشأة الفرق الإِسلاَمِيَّة وتصنيفها
أَوَّلاً - نشأة الفرق الإِسلاَمِيَّة
تمهيد:
أرجع الشيخ مُحَمَّد محيي الدين عبد الحميد (1) تفرُّقَ الأُمَّة بعد عهد رَسُول اللهِ J والخلفاء الراشدين إلى رجلين:
- أحدهما نصرانيٌّ يقال له «سوسن» أظهر الإِسلاَمَ، وصحبه معبد بن خالد الجهني، ونسب الشيخ إليه أَنَّهُ أَوَّل من قال بالقدر، وبجواز الخلافة في غير قريش (2).
- والثاني يهودي تظاهر بالإسلام، وهو: عبد الله بن سبأ، وَأَنَّهُ هو الذي ابتدع أقوال غلاة الشيعة، كالوصية لعلي، وبالرجعة، وَأَنَّ فيه جزءًا إِلَهِيًّا ... الخ
هَذَا نموذج مِمَّن يُرجع نشأة الفرق إلى مؤامرات خَارِجِيَّة، وفي تقديرنا أَنَّ دعاوى المؤامرات الخَارِجِيَّة مبالغ فيها؛ لأَنَّ هنالك أسبابا دَاخِلِيَّة (موضوعية وذَاتِيَّة) أسهمت بشكل كبير في نشأتها، وأغلبها ذو طابع سياسي. ولا يخفى أَنَّ أسباب نشأة علم الكلام هي نفسها أسباب نشأة الفرق، وقد فصلنا الكلام فيها في دروس أصول الدين (3).
__________
(1) ينظر: تقديمه لكتاب مقالات الإِسلاَمِيِّين، لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (ت: 330هـ)، الطبعة الثانية، دار الحداثة، د. م، 1405هـ/1985م، ص10 - 11.
(2) هَذَا لا يستقيم مع الحقائق التَّارِيخِيَّة؛ لأَنَّ أَوَّل من خاض في القدر هم الأمويُّون الذين بسطوا سلطتهم الملكية عَلَى الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة بالقهر والغلبة، ونشروا في الناس فكرة الجبر، أي: أَنَّ الناس مجبورون عَلَى أفعالهم، بحيث لا يمكنهم تغيير الوضع السياسي القائم، وعليهم أن يرضوا بالقدر (أي: الظلم والطغيان الأموي)، فكان معبد بن خالد، وتلميذه غيلان بن مروان معارضين لفكرة الجبر وللقرشية المناقضتين لحرية الإرادة، ولمبادئ العدل والمساواة التي جاء بها الدين الإِسلاَمِيُّ الحنيف. ولولا معارضتهما ـ التي كانت في عمقها سِيَاسِيَّة ـ لَمَا لقيا مصيرهما، وهو القتل، فَالأَوَّلُ كان عَلَى يد عبد الملك بن مروان سنة 80هـ، إذ قتله وصلبه بدمشق. والثاني أخذه هشام بن عبد الملك بن مروان فأمر بقطع يديه ورجليه. ينظر: مصادر التاريخ الْمُتَعَدِّدَة، مثل: تاريخ الطبري، وتاريخ الإِسلاَمِ للذهبي، وتهذيب التهذيب لابن حجر، والكامل لاين الأثير ... ولتصحيح التصورات الخاطئة حول هاتين الشخصيتين، وظروف اغتيالهما، ينظر: مُحَمَّد قاسم الزيني: شهداء الفكر. وعبد الجواد ياسين: السلطة في الإِسلاَم.
(3) ذكرنا من العوامل الدَّاخِلِيَّة: 1 - المحكم والمتشابه، وقد اختلف في تحديد معناهما، وفي موضوعهما (أي التمييز بين ما يندرج ضمن المحكم، وما يندرج ضمن المتشابه). 2 - الخلافات السِّيَاسِيَّة. ومن العوامل الخَارِجِيَّة: 1 - الفتوحات الإِسلاَمِيَّة. 2 - الترجمة. 3 - القوى المضادَّة. ينظر: شريفي مصطفى: دروس أصول الدين وعلم الكلام، للسنة الأولى شريعة، (الْمُقَدِّمَات). البوطي محَمَّد سعيد رَمَضَان: المذاهب التوحيديَّة والفلسفات المعاصرة، دار الفكر، دمشق، ط2، 1430هـ/2009م، ص29 - 38. (1/17)
صفحة 19
أسباب الاختلاف بين المسلمين:
قد يطرح سؤال بسيط بريء بهذه الصيغة؟ إذا كان الدين واحدا، والرسول واحدا، والكتاب واحدا، والقبلة واحدة ... فلِمَ حدثت الاختلافات والفُرقة بين المسلمين؟
إِنَّ ذَلِكَ يرجع إلى عِدَّة أسباب، منها الدَّاخِلِيَّة ومنها الخَارِجِيَّة (1).
أَمَّا الأسباب الدَّاخِلِيَّة فمنها الموضوعيَّة، ومنها الذَّاتِيَّة، ونعني بالموضوعية ما صدر عن الاختلاف الطبيعي الذي فطر الله الناس عَلَيْهِ، وهي أسباب عِلمِيَّة في أساسها. ونعني بالذَّاتِيَّة الضغوطَ التي تمارسها النفس الأمارة بالسوء، أو الضغوط التي تمارسها شياطين الجِنِّ وَالإِنس.
• الأسباب الدَّاخِلِيَّة للاختلاف بين المسلمين:
من الأسباب العِلمِيَّة الموضوعية:
اختلاف الناس في مداركهم وأفهامهم سنَّة الله في خلقه؛ وبالتالي فمن الطبيعي أن تتباين طرائقهم في التعامل مع نصوص القرآن وَالسُّنَّة. وقد أوجز الشيخ نور الدين السالميُّ (2) أسباب الاختلاف من هَذَا النوع في ثمانية أسباب ـ يَتَعَلَّقُ أغلبها بدلالات الألفاظ (3) ـ وهي:
1 - اشتراك الألفاظ والمعاني. 2 - الحقيقَة والْمَجاز. 3 - الإفرادُ والتركيبُ.
4 - الخصوصُ والعمُوم. 5 - الروايةُ والنقل. 6 - الاجتهاد والقياس فيما لا نصَّ فِيه.
7 - الناسخ والمنسوخ. 8 - الإباحَة والتوسيع.
1 - اشتراك الألفاظ والمعاني (4)، والاشتراك إِمَّا أن يكون في معنى اللفظة الواحدة، كالقرء، هل هو الحيض أم الطهر؟ وكلفظة «أو» في قَوله تَعَالىَ: {إِنَّمَا جَزَآؤُاْ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الاَرْضِ فَسَادًا اَنْ يُّقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ اَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الاَرْضِ} (سورة المائدة: 33)، هل هي للجمع أم للتخيير؟. وَإِمَّا أن يكون الاشتراك في الإعراب، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} (سورة البقرة: 282)، إذا كان أصله «يضارِرْ» فالكاتب والشهيد فاعلان، و «مُضارَّة الكاتبِ: أَن يَكتُب ما لَم يُملَ عَلَيهِ، ومضارَّة الشهيد أن يَشهد بِخلافِ الشهادَة» (5)، وإذا كان أصله «يضارَرْ» فالكاتب والشهيد نائب الفاعل، و «مُضارَّتهمَا أن يُمنعَا مِن استقلالِهما ويكلَّفا الكتابةَ
__________
(1) ذكر أحمد أمين جملة منها في ضحى الإِسلاَم، المكتبة الْعَصْرِيَّة، صيدا، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1427هـ/2006م، 3/ 7 - 20. ركز على الجانب التَّارِيخِيِّ ولم يركز عَلَى ما نقلناه عن السالميِّ.
(2) نقلها الشيخ نور الدين السالميُّ في معارج الآمال عن السَّيِّد البطليوسي. وذكر الشاطبي بَعْضًا منها في الاعتصام.
(3) لا نسلِّم بِأَنَّ اللغة ظنِّيَّة مطلقا، كما يزعم بعض الْمُتَكَلِّمِينَ، بدعوى آحادية واضعيها ونقَلَتها، بل نقول: فيها ما هو قطعيُّ الدلالة، ومنها ما هو ظَنِّيٌّ. وَحَتَّى حجج العقول الصريحة لا يمكن التعبير عنها بغير اللغة. ينظر: جيدل: مدخل، ص133 - 134.
(4) اشتراك الألفاظِ والمعاني، والحقيقَةُ والْمَجازُ يتداخلان مع إشكالية المحكم والمتشابه.
(5) السالمي: معارج الآمال، 1/ 4. (الشاملة). (1/18)
صفحة 20
والشهادَة فِي وقت يَشقُّ ذَلِكَ عَلَيهِما» (1). وَأَمَّا الاشتراك من جهة التركيب، فكقوله تَعَالىَ: { ... وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} (سورة النساء: 127)، فهل معناه ترغبون فِي نكاحهن لِمَالِهنَّ. أم ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن وقلة مَالِهنَّ؟. ومن الاشتراك قَوله تَعَالىَ: {وَإِن مِّنكُمُ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} (سورة مريم: 71)، فالورود لغةً مشترك بين المشارفة والدخول؛ لِذَلِكَ اختلفت الفرق في تفسيرها (2).
2 - الحقيقَة والْمَجاز: كما في قَوله تَعَالىَ: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} (سورة سبأ: 33)، أي: مكركم بالليل والنهار. وكالأمر إذا ورد بصيغة الخبر، والمدح بصورة الذم ... وفي القُرْآن الكريم +ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ" (آل عمران: 7)، فكان الاختلاف بين المسلمين في فهم بَعض تلك الآيات المتشابهات (3)، كالألفاظ الموهمة تشبيه الله تعالى بخلقه (إما بالجوارح، أو الحلول في مكان، أو المشابهة في بعض الأفعال ... )، والتي تبدو لبادي الرأي أنها مناقضة لقوله تعالى: +لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (الشورى: 11). فأنكر السَّلَفِيَّة (4) المجاز في القرآن الكريم، لاسيما تلك الألفاظ الموهمة للتشبيه، وسمَّوها صفات خبريَّة يجب الإيمان بها، وإمرارها عَلَى حقيقتها، دون تحريف أو تأويل أو تعطيل أو تشبيه (5). بينما ذهب المعتزلة وَالإِبَاضِيَّة والأشاعرة والماتريدية والفلاسفة والباطنية (الإسماعيلية أساسا) (6) إلى تأويلها بما يوافق تنزيه الله تَعَالىَ وكماله ويوافق الكلام العربي الذي نزل به القرآن الكريم، ونطقت به السُّنَّة الشريفة. وكالآيات المتعلقة بفعل الله وفعل الإِنسَان، ومشيئة الله ومشيئة الإِنسَان ... فحاول بعض العلماء التوفيق بينها بالتأويل، بينما سكت آخرون (7). هَذَا فضلا عن تأويل الْمُتَكَلِّمِينَ لأغلب ما لا يتوافق مع مذهبهم، في أغلب المسائل الْكَلاَمِيَّة الخلافية. وتفاوتت مراتب
__________
(1) السالمي: معارج الآمال، 1/ 5. (الشاملة).
(2) ينظر: السالمي: بهجة الأنوار، 129 - 131.
(3) ينظر: ابن خلدون: الْمُقَدِّمَة، 463 - 464. وما ذكرناه عن الآيات المتشابهات يصلح للأحاديث النبوية أيضا؛ غير أن كثيرا منها ليست موضع اتفاق على صحتها بين الفرق الإسلامية، وإنما ركزنا على القرآن الكريم لأن الكلَّ مُجمِع على الإيمان به، والإيقان بصحة نصوصه جملة وتفصيلا، ويُفترض أن لا يختلفوا بشأنه.
(4) قلت: السَّلَفِيَّة، أي الحنابلة وأهل الحديث (منهم: ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوَهَّاب وابن باز وابن عثيمين والفوزان ... )، ولم أقل «السلف» مع أَنَّ أغلب الكتَّاب تناقلوا مقولة أَنَّ السلف كانوا لا يؤوِّلون؛ ذَلِكَ لأَنَّ هَذِهِ الدعوى غير دقيقة، فقد ثبت بما لايدع مجالا للشك أَنَّ منهم من أوَّل. ينظر عَلَى سبيل المثال: القرضاوي يوسف: فصول في العقيدة بين السلف والخلف (آيات وأحاديث الصفات، الأولياء وكراماتهم، القبور ومبتدعاتها، التوسُّل)، مكتبة وهبة، القاهرة، مصر، ط2، 1427هـ/2006م، ص84 - 86.
(5) يزعم البعض أَنَّ السكوت والتفويض (وهو مذهب عَامَّة السلف) أسلم. غير أَنَّ هَذِهِ السلامة غير مسلَّم بها؛ لِمَا قد يستلزمه مذهبهم من تشبيه الله تَعَالىَ بخلقه، رغم الاحترازات التي يسوقونها بقولهم: «من غير تكييف ولا تشبيه ... »؛ إذ العبارة في نفسها تحمل الإقرار بهذا الاستلزام. فضلا عن أَنَّ قولهم: «بلا كيف» هو نوع من التأويل بالضرورة؛ لأَنَّ قولهم: «يد حقيقية»، «استواء حقيقي»، «نزول حقيقي» يتناقض مع نفي التكييف.
(6) بالغ الشيعة في تأويل نصوص القرآن وَالسُّنَّة، لإثبات الوَصِيَّة لعلي كرم الله وجهه؛ حَتَّى إِنَّهُ ليخيَّل للمرء أَنَّهَا أهم قَضِيَّة في القرآن. ينظر: عبد الجواد ياسين: السلطة في الإِسلاَمِ، ص347.
(7) ينظر: أحمد أمين: ضحى الإسلام، 3/ 15 - 17. (1/19)
صفحة 21
تأويلاتهم بين مقتصد ومغالٍ ومتوسِّط بينهما (1).
3 - الإفرادُ والتركيبُ: وَذَلِكَ كأن يأخذ مذهب بآية أو حديث، ويأخذ الآخر بحديث آخر، ويجمع الثالث بمجموع آيات أو أحاديث، فيخصص أو يقيد بعضها بِبَعْض، فيختلف الحكم بينهم نتيجة لِذَلِك.
4 - الخصوصُ والعمُوم: قد تأتي في القرآن والحديث عمومات وخصوصات لا يَتَّفِقُ العلماء في تعميمها أو تخصيصها، كاتفاقهم عَلَى العمومِ في قَوله تَعَالىَ: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ} (سورة الحجِّ: 1)، وَعَلَى الخصوصِ في قوله تَعَالىَ: {الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} (سورة آل عمران: 173)، واختلافهم في عموم قَوله تَعَالىَ: {وَمَنْ يَّعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} (سورة الجن: 23)، فخصَّصه منكرُو الخلودِ بروايات خروج عصاة الْمُوَحِّدِينَ من النار بالشفاعة، بينما أبقاه الآخرون عَلَى عمومه باعتبار تلك الروايات آحادية، ومناقضة لِمَا هو أقوى منها.
5 - الروايةُ والنقل: «اعلم أَنَّه تعرضُ للحديث عللٌ فتحيلُ معناه؛ فَرُبَّمَا أوهَمت فِيه مُعارضة بَعضه ببعض، وَرُبَّمَا وَلَّدت فِيه إشكالاً يُحيجُ العلماء إِلَى طلبِ التأويلِ البعيد»، فقد تكون العلل من جهة الإسناد أو المتن، أو النقل بالمعنى، أو التصحيف، أو نقل بعضه، أو نقله دون سببه.
6 - الاجتهاد والقياس: فمنهم من يرفض القياس ومنهم من يأخذ به، ومن هَؤُلاَءِ من يختلف قياسه عن الآخر ...
7 - الناسخ والمنسوخ: فمنهم من يرفض النسخ ومنهم من يأخذ به، ووقع الاختلاف بين هَؤُلاَءِ في مجال النسخ (الأخبار، الأوامر والنواهي ... )، وهل تنسخ السُّنَّة القرآن؟ وما هي الأحكام المنسوخة؟ ... وَهَذَا خاصٌّ بالفقه؛ لأَنَّ النسخ لا يجوز في العقائد والأخبار.
8 - الإباحَة والتوسيع: كاختلاف الناس في الأذان والتكبير عَلَى الجنائز، والتكبير أَيَّام التشريق ...
وكما نرى فإن أغلب هذه الأسباب تَتَعَلَّقُ بطرق الاستنباط من النصوص، وفيها ما يَخْتَصُّ بالفقه كالنسخ والإباحة والتوسيع. ونضيف أسابا أخرى نوجزها في الآتي:
1 - موقف الفرق من العقل وحدوده (2)، ما بين مغال في استخدامه (الإفراط)، ومغال في رفضه (التفريط). فقد وُسِم المعتزلة وَالإِبَاضِيَّة ومحققو الأشاعرة بالإفراط في استخدامه، بينما عُرف أهل الحديث والسَّلَفِيَّة في التفريط فيه والتوجُّس منه. وقد اعتبر أحمد أمين ذَلِكَ اختلافا طبيعيا يحدث في كُلِّ
__________
(1) إِنَّ تأويل النصوص التي لا يوافق ظاهرُها مذهبَ الْمُتَكَلِّم ظاهرةٌ عَامَّة لِكُلِّ المذاهب، بما فيها المذاهب التي ترفض المجاز. مثال ذَلِكَ: تأويلات أهل السُّنَّة للآيات والأحاديث النافية رؤية الله، والنافية الخروج من النار، والمصرِّحة بالخلود فيها لِكُلِّ من يدخلها. (ينظر: الخليلي: الحق الدامغ، في مسألتي: الرؤية والخلود). وكذا تأويلاتهم لبعض الأحاديث التي لا تتوافق مع حقائق التاريخ ومبادئ القرآن الكريم، باعتبارها صحيحة رواها الشيخان أو أحدهما. (ينظر: عبد الجواد ياسين: السلطة في الإِسلاَم، ص201 إلى آخر الكِتَاب، ص348).
(2) لا يخفى أَنَّ إعمال العقل مبدأ أصيل في الإِسلاَمِ (خلافا للديانات الأخرى السَّمَاوِيَّة الْمُحَرَّفَة أو الْوَضْعِيَّة) فقد دعا القرآن الكريم مرارا إلى إعمال العقل في عِدَّة جهات: - التدبر في ملكوت الله، لاكتشاف عظمة الله وقدرته وجلائل نعمه. - التدبر في آيات القرآن الكريم. - مجادلة المشككين والمنكرين بالحكمة والبرهان. (1/20)
صفحة 22
أُمَّة، ومثَّلهم بالمحافظين والأحرار (1).
2 - موقفها من السُّنَّة: اختلفت مواقف الْمُتَكَلِّمِينَ في الأخذ بِالسُّنَّةِ في الاعتقاد إلى ما يأتي:
- منهم المفْرِط في الأخذ بها، إذ حَشَر الروايات دون تمييز بين الصحيح منها والضعيف، ولا بين الواضح الدلالة وغيره. والمهمُّ عنده نصرة مذهبه بشتى الأساليب والطرق. وَهَؤُلاَءِ لا تكاد تخلو منهم فرقة أو مذهب.
- ومنهم من أخذ بالصحيح منها ولو كان آحاديًّا، عَلَى حساب الْقَطْعِيَّات، باعتبار أَنَّ الآحاديَّ يفيد العلم. وهم السَّلَفِيَّة وجماعة من أهل الحديث، وَبَعض الأشاعرة (2).
- ومنهم من أنكر السُّنَّة جملة وتفصيلا، وَهَؤُلاَءِ برزوا في هَذَا العقد الأخير بشكل ملفت، وَسَمَّوا أنفسهم: أهل القرآن (3) (ربما في مقابل: أهل السُّنَّة).
- ومنهم من تبنَّى موقفا وسطا، فقال: الحديث المتواتر يؤخذ به في الاعتقاد، وما سواه من الآحاد لا يعتدُّ به في الاعتقاد؛ إذ هو ثمرة اليقين، والآحاديُّ ظَنِّيُّ الثبوت. واختلف هَؤُلاَءِ إلى موقفين: أحدهما: طبَّق هَذِهِ النَّظَرِيَّة في فروع الاعتقاد (كالمعتزلة والإِبَاضِيَّة) فنفوا رؤية الله والشفاعة لأهل الكبائر وخروج الْمُوَحِّدِينَ من النار؛ لأَنَّهَا وردت بطريق آحادي. ثانيهما: لم يلتزم به أو لم يطبِّقها بإطلاقها، كبعض أهل السُّنَّة (لاسيما الأشاعرة (4) والماتريدية) الذين يعترفون بظنِّيَّة خبر الآحاد، إِلاَّ أَنَّهُم حاولوا التوفيق بينها وبين نصوص القرآن النافية للرؤية والشفاعة والخروج من النار فأوَّلوها بمختلف الأساليب (5). هَذَا فيما يَخُصُّ إشكالات الآحادي.
أَمَّا إشكالات الأحاديث المتواترة فهي:
* هل هي موجودة أم لا؟ وإذا وُجدت فهل تواترها لفظي أم معنوي؟ قال ابن حبَّان: لا وجود لها. وقال ابن الصلاح: وجودها نادر. وقال ابن حجر: موجودة بكثرة لفظا ومعنى (6).
* في حال ثبوت وجودها، هل تتناول مسائل كَلاَمِيَّة أم لا؟ الجواب: إذا تَعَلَّقَ الأمر بالقضايا الْعَقَدِيَّة الإجمالية الْمُتَّفَق عَلَيْهَا، فلا تزيدها تلك الروايات قُوَّة لثبوتها القطعي بالقرآن الكريم. وَأَمَّا إذا تَعَلَّقَ الأمر بالمسائل الْكَلاَمِيَّة فالعلماء لم يُصَرِّحُوا بالتواتر فيها تواترا لَفْظِيًّا، غاية ما ادَّعوه وجود التواتر المعنوي حول بعض المسائل، كنزول المسيح والدجال وعذاب القبر والحوض والشفاعة.
__________
(1) أحمد أمين: ضحى الإسلام، 3/ 18.
(2) الأشاعرة يحتجُّون «بخبر الآحاد في مباحث عَقَدِيَّة مخصوصة، وَخَاصَّةً فيما لا مجال للعقل فيه، كالغَيْبِيَّات الصرف». جيدل: مدخل، ص131.
(3) ينظر: أحمد صبحي منصور: القرآن وكفى مصدرا للتشريع. وينظر موقعهم في الإنترنت: «أهل القرآن».
(4) ينظر: الجويني: الشامل، ص556 - 561. والإرشاد، ص161. (نقلا عن جيدل: مدخل، ص131).
(5) ينظر: القنوبي، سعيد بن مبروك (معاصر): السيف الحاد في الردِّ عَلَى من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد، ط3، 1418هـ. وننبه إلى أننا مع موافقتنا المؤلف على أَنَّ الآحادي ظَنِّيٌّ، إلا أننا لا نوافقه على أسلوبه العنيف!.
(6) ينظر: السيوطي: تدريب الراوي، 2/ 179. (1/21)
صفحة 23
3 - الاعتماد عَلَى حديث الافتراق المشهور، وهو أَنَّ رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ إِلَى النَّارِ مَا خَلاَ وَاحِدَةً نَاجِيَةٌ، وَكُلُّهُمْ يَدَّعِي تِلْكَ الْوَاحِدَةَ» (1). فكُلُّ فرقة تحتكر الحقَّ في جانبها، وتنفيه عن غيرها. والعلماء مختلفون بشأن هَذَا الحديث إلى المواقف الآتية (2):
- منهم من صححه، باستثناء «كلها في النار إِلاَّ واحدة» (3).
- ومنهم من صححه من أَوَّله إلى منتهاه. ومن هَؤُلاَءِ من قَطَع بِأَنَّ فرقته هي الناجية (4)، ومنهم من لم يعيِّنها بالاسم وَإِنَّمَا بالوصف (5).
- ومنهم من صحَّحه كَذَلِكَ بكامله؛ إِلاَّ أَنَّهُ أَوَّلَ لفظة: «أُمَّتِي» بأُمَّة الدعوة (أي كُلُّ الناس بعد بعثة النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم) لا أُمَّة الاستجابة فقط، فتكون الأديان الباطلة غير الإِسلاَمِيَّة هِيَ المقصودة بالمصير إلى النار، «وليس المراد بها الفرق الإِسلاَمِيَّة من معتزلة ومرجئة وجهمية وخوارج ... إلخ» (6).
__________
(1) رواه الربيع بن حبيب (واللفظ له)، بَابٌ فِي الأُمَّةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، رقم: 41، ص36.
والترمذي بلفظ: «تَفَرَّقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ أَوْ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَالنَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً»، وقال: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ». كِتَاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هَذِهِ الأُمَّة، رقم: 2640، 5/ 25. وله أَيضًا بزيادة في أَوَّله وفي آخره: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ ... قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»، وقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مُفَسَّرٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ». نفس الكِتَاب والباب، رقم: 2641، 5/ 26.
وأبو داود في كِتَاب السُّنَّة، باب شرح السُّنَّة، رقم: 4596، 4597، 4/ 197 - 198. بزيادة «وهي الجماعة» وبدونها.
وابن ماجة، كِتَاب الفتن، باب افتراق الأمم، الأرقام: 3991 - 3993، 2/ 1321 - 1322.
وأحمد، عن أبي هريرة، باقي مسند المكثرين، رقم: 8377، 2/ 332. وعن أنس، مع اختلاف في اللفظ، رقم: 12501، 3/ 145 ...
وقد أورد الشاطبيُّ جملة من روايات الحديث، وقام الْمُحَقِّقُ بعزوها وذكر درجتها. ينظر: الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسىللخمي الغرناطي المالكي (ت: 790هـ): الاعتصام، تحقيق: سَيِّد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، 1424هـ/2003م، 2/ 423 - 425.
(2) ينظر: جيدل: مدخل، ص120 - 124.
(3) مال إليه ابن الوزير في العواصم من القواصم.
(4) من الإِبَاضِيَّة: الوارجلاني في الدَّلِيل والبرهان، 1/ 9 (ترقيم الشاملة) ورغم اعترافه بِأَنَّهُ ليس متواترا، إِلاَّ أَنَّهُ دافع عن الإِبَاضِيَّة واعتبرها هي الناجية (1/ 45 فما بعد. ترقيم الشاملة). ومن السَّلَفِيَّة: ابن تيمية، ينظر: كتبه ورسائله، 3/ 179، 345. ومن الأشاعرة أغلب كتاب المقالات، كالإسفراييني والبغدادي والإيجي.
(5) ينظر: الشاطبي: الاعتصام، 2/ 495. قال فيه: «فإذا تقرر هَذَا [أَنَّ من مقاصد الشرع الستر عَلَى هَذِهِ الأُمَّة] ظهر به أَنَّ التعيين للفرقة الناجية بالنسبة إِلَيْهَا اجتهاديٌّ لا ينقطع الخلاف فيه، وإن ادُّعي فيه القطع دون الظن فهو نظريٌّ لا ضروريٌّ». ولا ينبغي تعيين الهالكة منها، لوجوب الستر أَيضًا. غير أَنَّ الذي يعتب عَلَيْهِ هو استثناؤه الخوارج من الستر (ص440 - 447)، فينبغي ـ في نظره ـ أن يُذكَروا لِمَا نُقل عنهم من أعمال شنيعة، وصرَّح بلعنهم (ص452). والخطير في الأمر أَنَّهُ يحشر الإِبَاضِيَّةَ معهم، والواقع يشهد بِأَنَّ الإِبَاضِيَّة برءاء من تلك الفظائع!.
(6) البوطي: المذاهب التوحيديَّة والفلسفات المعاصرة، ص25.
وقد اعتمد في فهمه هَذَا عَلَى الروايات التي تثبت دخول الجَنَّة لِكُلِّ من لقي الله لا يشرك به شَيْئًا. وعَلَى رواية ساقها الترمذي بلفظ: «كلها في النار إِلاَّ مِلَّة واحدة»، والملة تطلق عَلَى الديانة لا عَلَى الفرقة.
والرواية التي يشير إليها قال عنها الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مُفَسَّرٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ». ينظر: سنن الترمذي: كِتَاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هَذِهِ الأُمَّة، رقم: 2641، 5/ 26. فضلا عن أَنَّ في سندها: «عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الأَفْرِيقِيُّ»، وثقه يحيى بن سعيد القطان من جهة، وترك الحديث عنه من جهة أخرى، وقال ابن مهدي: «لا ينبغي الحديث عنه»، وقال الإمام أحمد مَرَّة: «ليس بِشَيْءٍ»، وقال مَرَّة: «لا أكتب حديثه». (برنامجا الكتب التسعة والألفية). (1/22)
صفحة 24
- ومنهم من نفى صِحَّته أصلا (1).
- ومنهم من مال إلى رواية مناقضة، تَنُصُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ الفرق في الجَنَّة إِلاَّ واحدة، وهم الزنادقة (2).
ومثل حديث الافتراق روايات منسوبة إلى الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم تستنقص طوائف بعينها، كالمرجئة والقدرية ... أو تُلصق بِبَعْضها وإن لم تذكر باسمها، كما ينزِّل كتَّاب المقالات حديث المروق من الدين دوما على الخوارج (3).
4 - عدم التمييز بين مسائل الرأي ومسائل الدين (أو الأصول والفروع، أو القطعي والظني، أو الملزم وغير الملزم) (4)، أو بين النصِّ والتاريخ (حسب تعبير د. عبد الجواد ياسين)، أو بين الدين والخبرة الْمَعْرِفِيَّة الإِسلاَمِيَّة (حسب تعبير د. عَمَّار جيدل) (5). وعدم التمييز أَدَّى إلى إطلاق الألسنة بالتفسيق والتبديع والتضليل والتكفير (6).
5 - ميزة الإسلام أَنَّهُ دين دعوة: إِنَّ المسلم مُكَلَّف بنشر الإِسلاَمِ ودعوة غير المسلمين إلى هَذَا الدين الحنيف، مهما تنوَّعت ثقافاتهم، امتثالا لأمر الله تَعَالىَ في قوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
__________
(1) وهو ابن حزم، إذ قال عنه وعن رواية: «القدرية والمرجئة مجوس هَذِهِ الأُمَّة»: «هَذَان حديثان لا يَصِحَّان أصلا». الفصل في الملل والأهواء والنحل، 3/ 138. (مكتبة العقائد).
(2) الغزالي أبو حامد محَمَّد بن محَمَّد: فيصل التفرقة بين الإِسلاَمِ والزندقة، حققه وعلق عَلَيْهِ: محمود بيجو، دار البيروتي، دمشق، الطبعة الأولى، 1430هـ/2009م، ص53 - 54. ينظر تحقيق الحديث وتأويله في كشف الخفاء للعجلوني، 1/ 169. وَصَرَّحَ ابن حجر في الميزان بِأَنَّهُ موضوع. لسان الميزان، ترجمة رقم: 1664 (ترجمة خلف بن ياسين) 2/ 405.
(3) ينظر: ناصر السابعي: الخوارج والحقيقة الغائبة.
(4) يرى الدكتور جيدل أَنَّ ما سوى قطعي الثبوت والدلالة ضروريٌّ للالتزام، وليس ضروريا للإلزام؛ توضيح ذَلِكَ أَنَّ ضرورة الالتزام بالشرع وتعاليمه تفرض علينا قبول النصوص وإن كانت ظنِّيَّة الثبوت أو الدلالة (وبالطبع لا بُدَّ أن تكون صحيحة)، ولكن لا يمكن إلزام الغير بها؛ لأَنَّهَا لا تخرج عن دائرة الاجتهاد. ولا يمكننا إبعاد الظَّنِّيِّ بِالكُلِّيَّةِ؛ لأَنَّ الإخلال بها مفضٍ إلى الإخلال بالكلي، أو القطعي. ينظر: مدخل، ص49 - 50.
(5) فضَّل استخدام مصطلح «الخبرة الْمَعْرِفِيَّة» بدل «التراث» لأَنَّ الأولى تحمل معنى إمكانية الاستمرار، وَأَمَّا التراث فيحمل معنى التأخر والتخلف. حسب تصوره. ينظر: جيدل: مدخل، ص49 (هامش). وبوهلال: إسلام المتكلمين، ص28.
(6) ينظر رسالة أبي حامد الغزالي في الموضوع: فيصل التفرقة بين الإِسلاَمِ والزندقة. الكِتَاب كُلُّهُ (مع تحفظ في بعض المسائل الخلافية). وقال ابن تيمية: «والذي نختاره: أن لا نكفِّر أحدا من أهل القبلة، والدليل عَلَيْهِ نقول: المسائل التي اختلف أهل القبلة فيها، مثل: أَنَّ الله عالم بالعلم أو بالذات؟ وَأَنَّهُ هل هو مرئيٌّ أم لا؟ لا يخلو إِمَّا أن تتوقَّف صِحَّة الدين عَلَى معرفة الحقِّ فيها أو لا تتوقف؟ وَالأَوَّل باطل، إذ لو كانت معرفة هَذِهِ الأصول من الدين لكان من الواجب عَلَى النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يطالبهم بهذه المسائل، ويبحث عن كَيفِيَّة اعتقادهم فيها، فَلَمَّا لم يطالبهم بِهَذِهِ المسائل، بل ما جرى حديث في زمانه عليه السلام، ولا في زمان الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، علمنا أَنَّهُ لا تتوقف صِحَّة إسلام عَلَى معرفة هَذِهِ الأصول، وإذا كان كَذَلِكَ لم يكن الخطأ في هَذِهِ المسائل قادحا في حقيقة الإِسلاَمِ، وَذَلِكَ يقتضي الامتناع عن تكفير أهل القبلة». ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محَمَّد سَيِّد الجليند، 74. نقلا عن: جيدل: مدخل، ص52. (1/23)
صفحة 25
الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ} (سورة النحل: 125)، والحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، كُلُّهَا أمور تقتضي تخلية المدعوِّين وتحليتهم:
- تخليتهم من أفكارهم المسبقة وثقافاتهم المناهضة للإسلام، ويستلزم الأمرُ الاطِّلاَعَ الواسع عليها، ودراستها والتمكُّن فيها؛ حَتَّى يتسنَّى الردُّ بحجج أقوى.
- تحليتهم بالإيمان وسائر تعاليم الدين، بِالحُجَّةِ والبرهان، عقليًّا ونقليًّا، في جميع شؤون الحياة: الدِّينِيَّة والسِّيَاسِيَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة ...
وفي كلتا المرحلتين يقتحم الفكر الإِسلاَمِيُّ ميادين معرفية جديدة، ويواجه أفكارا وشبهات وتحديات لم تكن مطروحة على السلف، وعندها تتنوع الأساليب حسب تنوع البيئات، وتتعدد وجهات النظر، حسب سنة الله في خلقه.
6 - تَطَوُّر الحضارة الإِسلاَمِيَّة من حيث انتشار العلم والمعرفة وحلقات التدريس، وتدوين العلوم والبحث فيها، لا سيما في الفترة العَبَّاسِيَّة، الأمر الذي يستدعي الخوض في دقائق المسائل، وعدم الاكتفاء بظواهرها، وَهَذَا قد مَسَّ شَتَّى الفنون، ومنها بطبيعة الحال: علم العقائد والأديان، والمقارنة بين الأفكار المختلفة؛ فَإِنَّ الغوص فيها يولِّد الاختلاف حتما، «إذ الخلاف يأتي نتيجة التعمُّق في الشَّيْء، بحيث يتجاوز الباحث ظواهره البدهية، إلى بواطنه الظَّنِّيَّة، فَإِذَا انتهى الباحثون إلى تلك البواطن لم يؤمن عَلَيْهِم من الاختلاف؛ نظرا لظنِّيَّة أكثر الأَدِلَّة، وهو الأمر الذي لا يُضمن معه الوصول إلى الاِتِّفَاق» (1).
من الأسباب الذَّاتيَّة:
1 - اتِّبَاع الهوى: يرجع ذَلِكَ إلى عدم تمكن التقوى في القلب، بمفهومها الأخلاقي والعلمي، وتجلى ذلك في مظهرين:
أ- الانتصار للذات، وللمذهب وللآباء، ولو بعد أن يتَبَيَّنَ الحقُّ.
ب- مسايرة السلطات الحاكمة المتباينة، وتبرير تصرُّفاتها المناقضة لتعاليم الدين الحنيف (2).
2 - الخلافات السِّيَاسِيَّة: وتَمَثَّلَت في: أ- الخلاف حول السلطة (الحاكم، شروطه، جوره، عزله ... ). ب- التصرفات السِّيَاسِيَّة والأخلاقية والاستبدادية من قِبل السلطة الحاكمة. ج- اختلاق الصراعات وتأجيجها (3).
3 - انسحاب المثقف عن توجيه الحياة؛ نظرا لِمَا فُرض عَلَيْهِ ـ على مَرِّ التاريخ ـ من قهر السلطة
__________
(1) البوطي: المذاهب التوحيديَّة والفلسفات المعاصرة، ص45.
(2) يرى عبد الجواد ياسين أَنَّ النظرية السنية استطاعت أن تتلوى مع التاريخ لتقر بالشرعية لشَتَّى أنواع السلطات مهما تباينت، سواء أكانت بالشورى، أم بولاية العهد والتوريث أم بالتغلُّب والسطو عَلَى المنصب. وَذَلِكَ بتأويل النصوص وتوليدها ... ينظر: عبد الجواد ياسين: السلطة في الإِسلاَمِ، في أغلب الكِتَاب، لا سيما من ص201 إلى آخر الكِتَاب. وحوار نواف القديمي مع عبد الجواد ياسين في جريدة الشرق الأوسط، الأحد 04 ذو القعدة 1424هـ / 28 ديسمبر 2003م، العدد 9161.
(3) سنعود إلى تفصيل ما يَتَعلَّقُ بالسياسة في العنصر الموالي. (1/24)
صفحة 26
السِّيَاسِيَّة، وقهر سلطة السلف، ودعوى غلق باب الاجتهاد (1).
دور السياسة في نشوء الفرق الإسلاميَّة وصراعاتها:
كان للسياسة دور هام جدًّا ـ بل رئيس في أغلب الأحيان (2) ـ في افتراق الأُمَّة الإسلاَمِيَّة طرائق قددا، وتفصيل ذَلِكَ في الآتي:
أ- الخلاف حول السلطة:
اختلفت الأُمَّة في شأن الحاكم وشروطه، والموقف الواجب اتِّخَاذه في حال جوره، وهل يجوز عزله والخروج عليه؟ ... وتفصيل ذَلِكَ في الآتي:
- أَوَّل اختلاف وقع بعد وفاة الرَّسُول J ( وهو لَمَّا يدفن بعد) كان حول مسألة خلافته (بين المهاجرين والأنصار)، وهو اختلاف سياسي. وقد اعترض عَلَيْهِ عليٌّ كرم الله وجهه وَبَعض آل البيت أَوَّل الأمر.
- الفتن المتوالية منذ السنين السِّتِّ الثانية من خلافة عثمان (ت: 35هـ)، كانت في أصلها سِيَاسِيَّة، ثُمَّ تفاقمت إلى وقعة صفين، والتي كانت القاسمة القاصمة لوحدة الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، ولا تزال آثارها بارزة إلى اليوم. وحينها ظهرت الفرق الكبرى للمسلمين، وهي:
* المحكِّمة، أو الحروريَّة، وهم الذين يُسَمِّيهم الْمُؤَرِّخُونَ وكتَّاب المقالات بالخوارج. أقرُّوا بِصِحَّةِ إمامة الخلفاء الأربعة، غير أَنَّهُم اعترضوا عَلَى عثمان في سنواته الست الأخيرة، وناصروا عليا إلى يوم قبوله التحكيم، الذي رفضوه. وناهضوا الاستبداد الأمويَّ، وتوريث الحكم، ونادوا بالشورى، وعدم التقيُّد بالقرشية. وافترقت المحكِّمة إلى غلاة، وهم الخوارج (الأزارقة والنجدات والصفرية)، ومعتدلين، وسمُّوا بالقَعَدة، لقعودهم عن استعراض الناس وقتلهم، وهم أسلاف الإِبَاضِيَّة (3).
* الشيعة: مشتقَّة من شايع، بمعنى: ناصَرَ، والمناصرة تحمل معنى سياسيًّا. فالشيعة هم الذين ناصروا الإمام عليًّا، منذ خلافة أبي بكر الصديق، إذ لم يرضوا بها ولا بخلافة عمر ولا عثمان. وبرزوا في عهد
__________
(1) ينظر: عبد الجواد ياسين: السلطة في الإِسلاَم، العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ.
(2) يرى الدكتور البوطي أَنَّ العامل السياسي لا علاقة له بنشأة علم الكلام ولا الفِرَق. وفي تَصَوُّرنا أَنَّ هَذَا إنكار لحقيقة تَارِيخِيَّة لا يمكن تجاوزها وغضُّ الطرف عنها، كما سنوضحه أعلاه. نعم نوافق الدكتور عَلَى أَنَّ الخائضين في السياسة في اجتماع السقيفة (بل إلى الفتنة الكبرى وما بعدها)، كما قال الدكتور: لم يخطر ببالهم «لِلَحظة واحدة أَنَّهُم يمارسون أمرا سياسيًّا، وَإِنَّمَا اجتمعوا ليرفعوا عن كواهلهم عهدة دِينِيَّة يتحمَّلون مسؤوليتها عند الله عَزَّ وَجَلَّ» (البوطي: المذاهب التوحيدية، هامش ص47. وينظر: أحمد أمين: ضحى الإسلام، 3/ 9 - 11). وَلَكِن هَذَا لا يمنعنا اليوم من أن نصف أعمالهم وأفكارهم بِأَنَّهَا سِيَاسِيَّة، إذ العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني، فالمصطلحات غالبا ما تكون مُتَأَخِّرة زمنيا عن الممارسات، في شَتَّى الفنون، كما نقول: علم القراءات، والتجويد، والنحو، والفقه، والأصول والمقاصد والسياسة ...
والعجيب في الأمر أَنَّ الدكتور يتراجع عن هَذَا الرأي بعد صفحتين!!. ص51 فما بعد.
(3) انضم إِلَيْهِم أبو بلال مرداس بن أدية وجابر بن زيد. ينظر: كتاب نشأة الحركة الإِبَاضِيَّة، وَكِتَاب التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية في مرحلة الكتمان، لعوض خليفات. (1/25)
صفحة 27
الدولة الأُمَوِيَّة، وكانت بينهم وبينها صراعات فِكرِيَّة ودمويَّة راح ضحيتها جملة من آل البيت في موقعة كربلاء (1) الشهيرة، منهم الحسين بن علي، في العاشر من مُحَرَّم (يوم عاشوراء) سنة 61هـ.
* السواد الأعظم، وهم أهل السُّنَّة والجماعة: وهم الذين أقرُّوا بِصِحَّةِ إمامة الخلفاء الأربعة، ولم يُبدوا اعتراضا عَلَى الحكم الأموي ولا العَبَّاسي، وتبنَّوا فكرة الأَئِمَّة من قريش، استنادا إلى حديث منسوب إلى الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم بهذا اللفظ (2).
هَذَا فضلا عن المرجئة التي ظهرت ـ حسب أحد الباحثين ـ منذ مقتل عثمان، لَمَّا رجع بعض الصحابة من قتوحاتهم إلى المدينة، «ولم يَتَبَيَّنوا المخطئ من المصيب، فاعتزلوا الصراع محتفظين بنظرتهم الإيجابية إلى جميع الصحابة» (3). ثُمَّ تَطَوَّرَ إلى احتجاج اجتماعي يدعو إلى المساواة بين العرب والموالي والأعاجم؛ لَمَّا فرض الأمويون عليهم الجزية بدعوى عدم التزامهم بالشرع؛ فقال جهم (ت: 128هـ) وأصحابه بفصل العمل عن الإيمان، ليثبته لِكُلِّ من نطق بالشهادتين، ووضع الجزية عنه (4).
ب- التصرفات السِّيَاسِيَّة والأخلاقية والاستبدادية من قِبل السلطات الحاكمة:
- التصرفات السِّيَاسِيَّة: وَتَتَمَثَّلُ في الجور والقهر، وهي السمة الغالبة عَلَى حكام الدولتين الأُمَوِيَّة وَالعَبَّاسِيَّة، وبالتالي تباينت مواقف الناس تجاهها، ما بين مجارٍ لها في تبرير تصرفاتها، بدعوى خشية الفتنة في حال تغييرها، وما بين مواجِه لها باللسان والسنان.
- التصرفات غير الأخلاقية: تَمَثَّلَت في الفسق والمجون الذي عُرف به بعض الحكام، ولَّدت مسألة الإيمان وعلاقته بالعمل.
- الاستبداد السياسي والفكري الذي مورس عَلَى الأُمَّة طوال قرون من الزمن، ولا يزال: هَذَا أَدَّى بالبعض ـ كما أشرنا أعلاه ـ إلى نوع من الاستكانة والاستسلام للأمر الواقع. وبالبعض الآخر إلى المواجهة الفِكرِيَّة حينا، والعسكرية حينا آخر.
وَكُلُّ هَذِهِ التَّصَرُّفات أثارت جدالات بين الناس (فقهاء وعوام) حول مرتكب الكبيرة، ما الاسم
__________
(1) كربلاء: موضع قرب الكوفة، ينظر: ترجمة الحسن والحسين في الاستيعاب لابن عبد البر، 1/ 383 - 399.
(2) ناقش الدكتور عبد الجواد ياسين أحاديث القرشية مناقشة فاحصة جريئة، في كِتَابه القيم: السلطة في الإِسلاَمِ، 1/ 318 - 345. وفيه أَيضًا مناقشات عِلمِيَّة لبعض المسلَّمات الفِكرِيَّة وَالفِقْهِيَّة ودراستها عَلَى ضوء التاريخ، كما يَدُلُّ عَلَيْهَا عنوانه الفرعي للجزء الأَوَّل، وهو: العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ.
وتعرَّض في الجزء الثاني إلى نقد النظرية السياسية الثلاث للسلطة، وهي: السُّنِّيَّة، والإماميَّة، والإباضيَّة. وخلص إلى أنها كلَّها عجزت عن محاكاة الواقع والإجابة عن أسئلة الحداثة. (الجزء الثاني نشره المركز الثقافي العربي، بيروت 2009). ولمعرفة ملخص حول محتوى الكتاب ينظر مقال محمد الكفراوي: السلطة والإسلام .. الفقيه في خدمة الحاكم، في موقع: المصري اليوم، ص20. تحميل بتاريخ: 6/ 8/2009م.
(3) بوهلال: إسلام المتكلمين، ص46. نقل عن ابن عساكر في تاريخ دمشق أَنَّهُم قالوا: « ... كلهم ثقة وكلهم مصدَّق، فنحن لا نبرأ منهما ولا نلعنهما، ولا نشهد عليهما، ونرجئ أمرهما إلى الله حَتَّى يكون هو الذي يحكم بينهما». وينظر: أحمد أمين: ضحى الإسلام، 3/ 9 - 10.
(4) بوهلال: إسلام المتكلمين، ص48 - 52. (1/26)
صفحة 28
الذي يطلق عَلَيْهِ؟ وما أحكامه في الدُّنيا وَالآخِرَة؟ وما موقفنا تجاهه؟ هل هو مؤمن أم كافر أم فاسق؟ وبالتالي ما علاقة العمل بالإيمان، أهو جزء منه؟ أم مكمِّل له؟ .... والأجوبة عن هَذِهِ الأسئلة (وما يتفرع عنها) كانت متباينة، والمواقف مختلفة، نختصرها في الآتي:
1 - الإيمان تصديق وقول وعمل، فالعمل ركن من الإيمان، وهو كُلٌّ لا يتجزأ، وذهاب بعضه ذهاب للكلِّ، وبالتالي فَإِنَّ الْمُوَحِّد المرتكب للكبيرة لا يُسَمَّى مؤمنا، بل هو كافر كفر نعمة، أو كفرا دون كفر، عند الإِبَاضِيَّة، أو فاسق (أي في منزلة بين المنزلتين) عند المعتزلة، أو كافر كفر شرك عند الخوارج (حسب ما نُقل عنهم) ثُمَّ هو يوم القيامة ـ عند هَؤُلاَءِ جميعا ـ في النار خالدا فيها.
2 - الإيمان تصديق وقول وعمل، وَلَكِنَّ من ضيَّع العمل هو في المشيئة، إن شاء الله عذَّبه وإن شاء رحمه. «وقد مال إلى هَذَا الرأي بعض أهل السُّنَّة، منهم بعض الأشاعرة وقليل من الماتريدية، وجماعة من أهل الحديث» (1).
3 - الإيمان ـ من حيث هو تصديق ومعرفة ويقين ـ منفصل عن الإقرار والعمل، وهما شرط كمال، فمن ضيَّعهما يبقى مؤمنا. مال إلى هَذَا الرأي جلُّ الماتريدية وجماعة من أهل الحديث (2).
وَكُلُّ مَن تبنَّى أحد هَذِهِ الآراء راح يدافع عنه، ويقوِّي مذهبه، وَيَرُدُّ عَلَى خصومه، ويفنِّد حججهم. وهكذا تكوَّنت الفرق وتبلورت نَظَرِيَّاتها، وتراكمت معارفها عَلَى مرور الأزمان، تأصيلا ونقدا. ونُسيَت أصول تلك المسائل وظروفها التي نشأت فيها، لتَتَّخِذَ منحًى كلاميا محضا، وتبدوَ كأن لا علاقة لها بالسياسة.
ج- اختلاق الصراعات وتأجيجها:
تدخَّلت السياسة في اختلاق صراعات فِكرِيَّة ومذهبية لم تكن موجودة، وسعت أحيانا إلى تأجيج نارها بمناصرة طرف ضِدَّ آخر، فمن ذلك:
- فرْضُ الأمويين لقَضِيَّة الجبر، لبسط سلطتهم المستبدة عَلَى الشعوب، وبعثها عَلَى الاستكانة والخنوع، وقد عملت عَلَى تقنين الظلم بتوليد (وضع) نصوص منسوبة إلى النبيِّ J تدعو إلى الاستسلام والخضوع للحاكم المتغلب، بدعوى خوف الفتنة (3).
- فرض العباسيِّين لقَضِيَّة خلق القرآن عَلَى الناس بالسيف، ومحنة الإمام أحمد في ذَلِكَ معروفة.
- قال محيي الدين عبد الحميد: «في عام 408هـ/1017م أصدر الخليفة [!] القادر كِتَابا ضِدَّ المعتزلة، يأمرهم بترك الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والمقالات المخالفة للإسلام [!]. وأنذرهم ـ إن هم خالفوا أمره ـ بحلول النكال والعقوبة. وانتهج السلطان محمود في غَزْنَةَ نهج أمير المؤمنين [!] القادر، واستن بسنته في قتل المخالفين ونفيهم وحبسهم، وأمر بلعنهم عَلَى المنابر. وصدر في بغداد كِتَاب
__________
(1) جيدل: مدخل، ص142.
(2) المرجع نفسه.
(3) ينظر: عبد الجواد ياسين: السلطة في الإِسلاَم، ص233 إلى آخر الكِتَاب، ص348. (1/27)
صفحة 29
سُمِّيَ “الاعتقاد القادري” في سنة 433هـ/1041م، وقرئ في الدواوين، وكَتب الفقهاء خطوطهم فيه، وذكروا أَنَّ هَذَا اعتقاد المسلمين، وَأَنَّ من خالفه فقد فسق وكفر ... (ومما جاء في هَذَا المرسوم، بعد أن ذكر اعتقاد السَّلَفِيَّة في مسألة صفات الله) “ومن قال إِنَّهُ [أي القرآن] مخلوق عَلَى حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه”» (1).
• الأسباب الخَارِجِيَّة للاختلاف بين المسلمين:
إِنَّ الأسباب الخَارِجِيَّة للاختلاف بين المسلمين ونشأة الفرق هي نفسها أسباب نشأة علم الكلام (2)، ونعني بها باختصار: تعدد المواقف من الثقافات الوافدة:
- فبالنسبة للمسلمين الجدد، ومنهم علماء، من ذوي الثقافات الأجنبية عن الإسلام، لم يستطيعوا ـ نظرا لطبيعة النفس البَشَرِيَّة ـ أن يتخلوا عن كُلِّ أفكارهم السابقة، فلا بُدَّ أن يقارنوا بين ما كانوا عَلَيْهِ وبين هَذَا الدين الجديد، وَلاَ بُدَّ أن تثور في أذهانهم إشكالات يودُّون الحصول عَلَى أجوبة مقنعة عنها، فيناقشونها عن حسن نِيَّة لإثبات صِحَّة معتقدهم الجديد.
- وبالنسبة للمسلمين الأصلاء فإِنَّ النفس البَشَرِيَّة مجبولة على الانبهار بِكُلِّ جديد، فعند تفتُّح المجتمع المسلم على الثقافات الأجنبية، الفارسية واليونانية ـ بفعل الترجمة أساسا ـ تفاوتت مواقف المسلمين من تلك الثقافات بين الفلاسفة والْمُتَكَلِّمِينَ وأهل الحديث، منهم: من حاول التوفيق، ومنهم من توجَّس من كُلِّ جديد.
- وبالنسبة لآخرين مِمَّن آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه، فقد اندسُّوا في أوساط المسلمين ليبثُّوا الأفكار المناقضة للإسلام، ويثيروا الشبهات، لتقويض تعاليم هَذَا الدين بأسلحة اللسان (الأفكار)، بعد أن لم تُجْدِ أسلحة السنان (المواجهة العسكرية).
ثانيا - تصنيف الفرق الإِسلاَمِيَّة:
تعداد الفرق وتعيينها:
أشرنا فيما سبق إلى اعتماد أغلب كُتَّاب المقالات عَلَى حديث الافتراق، وتكلُّفهم في تعدادها للوصول بها إلى ثلاث وسبعين فرقة، ومع ذَلِكَ فمنهم من ذكر دون ذَلِكَ العدد ومنهم من تجاوزه، مثال ذَلِكَ (3):
__________
(1) تقديم محَمَّد محيي الدين عبد الحميد لكتاب مقالات الإِسلاَمِيِّين، ص27.
(2) ينظر: البوطي: المذاهب التوحيديَّة والفلسفات المعاصرة، 33 - 38. وقد ألمعنا إلى جانب منها فيما سبق قريبا، في عنصر: «5 ـ ميزة الإسلام أَنَّهُ دين دعوة».
(3) ينظر: جيدل: مدخل، ص83 - 92. (1/28)
صفحة 30
الْمُؤَلِّف ... عنوان كتابه ... عدد الفرق التي ذكرها
البغدادي ... الفرق بين الفرق ... 87 فرقة
الخوارزمي ... مفاتيح العلوم ... 63 فرقة
الإسفراييني ... التبصير في الدين ... عِدَّة أقوال: 68 أو 70 أو 76 أو 78 فرقة
الشاطبي ... الاعتصام ... 73 فرقة
الإيجي ... المواقف ... 75 فرقة
وتجدر الإشارة إلى ملاحظتين أساسيتين:
- أولاهما: أَنَّ العلماء اختلفوا في صِحَّة حديث الافتراق (1).
- ثانيهما: عَلَى فرض صحته، فَإِنَّ تعيين الثلاث وسبعين فرقة مسألة اجْتِهَادِيَّة لا سبيل إلى القطع فيها بِشَيْءٍ. وقد صَرَّحَ الشاطبي بِذَلِكَ بعد أن فرغ من تعداد الفرق إذ قال: «وهذا التعديد بحسب ما أعطته المِنَّة في تكلُّف المطابقة للحديث الصحيح، لا عَلَى القطع بِأَنَّهُ المراد؛ إذ ليس عَلَى ذَلِكَ دَلِيل شرعي، ولا دَلَّ العقل أَيضًا عَلَى انحصار ما ذكر في تلك العدَّة من غير زيادة ولا نقصان. كما أَنَّهُ لا دَلِيل عَلَى اختصاص تلك البدع بالعقائد» (2).
ونقل عن الطرطوشي تعليقه عَلَى مسأله تعيين الفرق بِأَنَّهَا مسألة «طاشت فيها أحلام الخلق» (3).
وأشار الشاطبي إلى عِدَّة تأويلات للحديث حَتَّى يتوافق العدد المذكور فيه مع الواقع.
غير أَنَّنَا نضيف: إِنَّ تحديد العدد لا يتوافق مع حقائق التاريخ، وَكُلُّ ما لا يتوافق معها يجب ردُّه. وَإِنَّ النصَّ الشرعي لا يحتاج إلى كُلِّ تلك التأويلات المتكلَّفة حَتَّى يعمل، حسب منهج عبد الجواد ياسين، إذ قال: «وهل يمكن لنص ضروري أن يحتاج لكي يُفهم إلى مثل هذا القدر من التكلف والعنت؟» (4). وَذَلِكَ أَنَّهُ من الثابت أَنَّ في كُلِّ مجتمع تظهر في كُلِّ جيل منه فرق مُتَعَدِّدَة (5)، وقد يصل
__________
(1) لقد مَرَّ عرض بعض آراء العلماء حول هَذَا الحديث. وقد أطال العلاَّمة الشاطبي في بحث مسائل الحديث، والتي بلغت ستًّا وعشرين مسألة، وحقَّق فيها ودقَّق، بنَفَس طويل، وبحث مفيد (مع التحفظ في موقفه من الخوارج وزعمه أَنَّ الإِبَاضِيَّة منهم). ينظر: الشاطبي: الاعتصام، 2/ 423 - 495.
(2) الشاطبي: الاعتصام، 2/ 438.
(3) الشاطبي: الاعتصام، 2/ 437.
(4) السلطة في الإِسلاَمِ، ص254. قالها في غير سياق تأويل حديث الافتراق، وَلَكِنَّهَا مقالة تصلح لموضوعنا أَيضًا.
(5) إذا تحدثنا عن جيلنا هَذَا، وفي مجتمعنا الضيق (الميزابي فقط)، فقد ظهرت خمس فرق مَحَلِّيَّة: الإصلاحيون، المحافظون، السنيون، الإحباطيون (أو جماعة تصحيح العقيدة كما يسمون أنفسهم)، التدبُّريون، فضلا عن جماعة الدعوة والتبليغ والسلفيين (اللتين هما فرع عن تنظيمين عالميين)، هَذَا عن مجتمع صغير لا يتجاوز عدد سكانه بضع مئات الآلاف، وفي فترة زمنية لا تتجاوز قرنا من الزمان، فكيف الأمر مع الملايير من المسلمين، وفي فترة 14 قرنا منذ عهد الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم إلى اليوم؟!. لا شَكَّ أَنَّ عدد الفرق التي ظهرت ستكون بالآلاف!. (1/29)
صفحة 31
عددها إلى الآلاف منذ عهد الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم. وَهَذَا ما أشار إِلَيْهِ الطرطوشي حين قال: « ... غير أَنَّ الزمان باق، والتكليف قائم، والخطرات متوقَّعة. وهل قرنٌ يخلو إِلاَّ وتحدث فيه البدع؟ ... » (1)، وأضاف أَنَّ عدد الفرق الهالكة قد تجاوز الثنتين والسبعين، وأيده الشاطبي بقوله: إذا كان كُلُّ من ابتدع بدعة، مهما دقَّت أو جَلَّت، واتَّبَعَه فيها أناس، «فلا تقف [الفرق] في مائة ولا مائتين، فضلا عن وقوعها في اثنتين وسبعين، وَأَنَّ البدع ـ كما قال [الطرطوشي]ـ لا تزال تحدث مع مرور الأزمنة إلى قيام الساعة ... وَهَذَا موجود في الواقع، فَإِنَّ البدع قد نشأت إلى الآن ولا تزال تكثر. وإنْ فَرَضْنا إزالة بدع الزائغين في العقائد كُلِّهَا لكان الذي يبقى أكثر من اثنتين وسبعين» (2).
وعليه فالعدد المذكور في الحديث ـ إن صَحَّ ـ فهو حسب تقديرنا للكثرة التي تفوق عدد فرق النصارى واليهود، ولا يَدُلُّ عَلَى عدد محدَّد لا يتجاوزه.
كما أَنَّ الهالكة والناجية منها أمر ظَنِّيٌّ، فالرسول صلَّى الله عليه وسلَّم لم يعيِّنها، قال الشاطبي: «فأنت ترى أَنَّ الحديث الذي تعرضنا لشرحه لم يعيِّن (3) ـ في الرواية الصحيحة ـ واحدة منها ... وَإِنَّمَا نبَّه عَلَيْهَا في الجملة لنحذر مظانها، وعيَّن في الحديث المحتاج إِلَيْهِ منها، وهي الفرقة الناجية ليتحراها الْمُكَلَّف» (4).
وبناء عَلَى عدم التعيين، ندرك أَنَّ الحُكم بالنجاة أو الهلاك ليس من شؤوننا، وَإِنَّمَا هو أمر خاص بالله تَعَالىَ، كما قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ اِنَّمَآ أَمْرُهُمُ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} (سورة الأنعام: 159) (5). وعلينا نَحْنُ المسلمين جميعا أن نتنافس في سبل الخير، والعمل الصالح، وترك كُلِّ ما يزيدنا افتراقا وخصاما وتنابزا بالألقاب، قَالَ تَعَالىَ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} (سورة الأنفال: 1) ... للفوز برضوان الله تَعَالىَ. والله أعلم، وبه التوفيق.
معايير تصنيف الفرق:
اعتمد البغدادي التكفير مقياسًا لتصنيف الفرق، فإذا افترقت جماعة في بعض الآراء ولم يكفِّر بعضهم بَعْضًا لا يمكن اعتبارها فرقا، وإذا وقع التكفير عُدَّت فرقا أخرى (6). وَلَكِنَّ هَذَا المعيار رغم ضبطه إلى حدٍّ ما، غير أَنَّهُ يصطدم بحالة ما إذا وقع التكفير بين أفراد لا بين جماعات، فهل يعدُّ كُلُّ فرد فرقة؟ فضلا عن أَنَّ التكفير قد يكون بسبب سلوك، لا بسبب موقف عقدي، وقد ذكرنا فيما سبق إشارة الشاطبي إلى
__________
(1) الشاطبي: الاعتصام، 2/ 439.
(2) الشاطبي: الاعتصام، 2/ 440.
(3) واستثنى الشاطبي الخوارج والقدرية، الذين عيَّنهم الحديث، حسب رأيه. وَهَذَا ما لا يتوافق مع ما أثبته البحث العلمي الدقيق. ينظر: السابعي: الخوارج والحقيقة الغائبة.
(4) الشاطبي: الاعتصام، 2/ 453.
(5) اقرأ بَقِيَّة الآيات إلى آخر سورة الأنعام، وَأَوَّل سورة الأنفال إلى الآية 4، فهي مناسبة لِمَا نقوله أعلاه من التنافس في سبل الخير، وأن تكون حياتنا ومماتنا لله رَبِّ العالمين، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله، والسعي في تمثُّل صفات المؤمنين حَقًّا ... الخ.
(6) البغدادي: الفرق بين الفرق، ص7. (1/30)
صفحة 32
أَنَّ معايير التصنيف ليست بالضرورة معايير عَقَدِيَّة (1).
وعند تصفحنا لكتب الفرق نلاحظ أَنَّهُم يَهْتَمُّون بالعدد أكثر من اهتمامهم بوضع معايير دقيقة للتصنيف، فقد تصنَّف باعتبار الآراء السِّيَاسِيَّة، أو الْكَلاَمِيَّة، أو تنسب إلى أسماء مُؤَسِّسيها ... كما أَنَّهُم قد يبالغون في تفريعات الفرقة الواحدة إلى عِدَّة فرق فرعية، ولو كان لا يعرف منها إِلاَّ شخص واحد!. وقد يكتفون بالفروع الكبرى ... وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الاضطراب والتعقيد الكبيرين اللذين وقع فيهما أولئك الكتَّاب (2).
لَخَّص الدكتور جيدل اعتبارات التصنيف في الآتي:
• 1 - تصنيفها باعتبار الفرقة الأَصلِيَّة:
وهو التصنيف الأكثر شيوعا لدى كتَّاب الملل والنحل، القدامى منهم والمحدثين، إذ اتَّفَقَت كلمتهم عَلَى أَنَّ أصول الفرق أربعة، وهي: أ- أهل السُّنَّة. ب- الشيعة. ج- الخوارج (3). د- المعتزلة.
وقد تناقلت هَذَا التقسييم كتب المقالات من شَتَّى المذاهب الإِسلاَمِيَّة.
• 2 - تصنيفها باعتبار الفرقة الفَرعِيَّة:
مثال ذَلِكَ ذِكْر الزيدية والإمامية والجعفرية والإسماعيلية عند الحديث عن فرق الشيعة.
وذِكْر الأزارقة والنجديَّة وَالصُّفْرِيَّة عند الحديث عن الخوارج، وَيَضُمُّ كتَّاب المقالات إليهم الإِبَاضِيَّة.
وذِكْر الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث (السلفية) عند الحديث عن فرق أهل السُّنَّة والجماعة.
• 3 - تصنيفها باعتبار الشَّخصِيَّات التي تنسب إِلَيْهَا:
«تنسب الفرق الإِسلاَمِيَّة في الغالب الأعم إلى الشخصيات المحورية في الفرقة، ومن أمثلة ذَلِكَ: الأَشعَرِيَّة المنسوبة لأبي الحسن الأشعري، والتيمية المنسوبة لأحمد بن تيمية، والماتريدية نسبة لأبي منصور الماتريدي، والجعفرية نسبة لجعفر الصادق، وَالإِبَاضِيَّة نسبة لعبد الله بن إباض ... » (4). والإثناعشرية نسبة إلى أَئِمَّتهم الاثني عشر، والجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان، والأزارقة نسبة إلى نافع بن الأزرق ...
• 4 - تصنيفها باعتبار أصولها الْكَلاَمِيَّة أو فكرتها المركزية:
هي التسميات التي ترجع إلى الأصل الكلامي، أو الفكرة المحورية التي تتبناها الفرقة، أو الميزة الخَاصَّة
__________
(1) ينظر: الشاطبي: الاعتصام، 2/ 438. وقد سبقت الإشارة إلى معايير تسمية جماعة ما حزبا أو فرقةً أو مدرسةً.
(2) ينظر نماذج من الاضطراب والتناقض بين مُصَنِّفي الفرق، بناء على مقارنات بينهم: جيدل: مدخل، ص85 - 92.
(3) الإِبَاضِيَّة بطبيعة الحال لا يرضون أن ينسبوا إلى الخوارج لاعتبارات تَارِيخِيَّة وموضوعية؛ فهم بالتالي فرقة مستقلة. اللَّهُمَّ إِلاَّ إن تَمَّ الاستبدال بلفظة} الخوارج} لفظة} المحكِّمة} فيمكن إدراج الإِبَاضِيَّة ضمنها.
(4) جيدل: مدخل، ص97. (1/31)
صفحة 33
بها. وقد تكون هَذِهِ التسميات مِمَّا ارتضتها الفرق لنفسها، أو مِمَّا أطلقه عليها خصومها. مثال ذَلِكَ: أهل الحديث؛ لاشتغالهم بالحديث النبوي، ونفورهم من علم الكلام. والخوارج لخروجهم عَلَى الحكَّام الجورة. والجبرية لقولهم بالجبر. والمرجئة لقولهم بالإرجاء. والمعتزلة للعزلة التي فُرضت عليهم أو التي اختارها بعض أَئِمَّتهم الأوائل. وأهل العدل والتوحيد لأَنَّهُمَا الأصلان الأصيلان لدى المعتزلة. أو أهل الدعوة والاستقامة، لأَنَّهُمَا الأصلان الأصيلان لدى الإِبَاضِيَّة ...
• 5 - تصنيفها باعتبار المسألة السِّيَاسِيَّة:
أغلب الفرق تحكم عَلَى غيرها بِأَنَّهَا أحزاب سِيَاسِيَّة.
فأهل السُّنَّة (1) يعتبرون الخوارج والشيعة وَالإِبَاضِيَّة أحزابا سِيَاسِيَّة، نشأت بسبب أفكارها ومواقفها السِّيَاسِيَّة.
وَالإِبَاضِيَّة (2) والشيعة الاثناعشرية (3) يعتبرون أهل السُّنَّة نشؤوا بسبب أفكارهم ومواقفهم السِّيَاسِيَّة.
والحقيقة أَنَّ النشأة السِّيَاسِيَّة لأغلب الفرق لا يمكن إنكارها؛ لأَنَّهُ لا يمكن الفصل بين الدين والسياسة؛ إذ إِنَّ الدين شامل لِكُلِّ نواحي الحياة، ومنها العمل السياسي. هَذَا من جهة، ومن جهة أخرى فالسياسة تطبيق عَمَلِيٌّ للقناعات الْعَقَدِيَّة والآراء الْكَلاَمِيَّة.
• 6 - تصنيفها باعتبارات مختلفة (4):
وهي الاعتبارات التي لم تذكر أعلاه، ومنها:
- موقفها من العقل والنقل: يدرج في خانة المذاهب النَّقْلِيَّة أو الحَرْفية مجموعة من الفرق الفَرعِيَّة عند أهل السُّنَّة والجماعة والشيعة وغيرهما، فمن الأُولى: الظاهرية، ومن الثانية: الإخبارية ... وتعرف تلك التيارات بالفرق السَّلَفِيَّة في كلتا الفرقتين.
كما تُصنَّف في خانة المذاهب العَقلِيَّة ـ مع شَيْء من التجوُّز ـ مدرسةُ المعتزلةِ، والاتجاهُ الأصوليُّ عند الاثناعشرية، والْمُحَقِّقُونَ من الأشاعرة. وَهَذَا التصنيف (وفق الموقف من العقل) يختلف من مُؤَلِّف آخر، فكثيرا ما تُرمَى مذاهب بمناهضة العقل، أو مخالفة النقل، دون تحديد ماهيتهما، ومعايير التعامل معهما (5).
- موقفها من الحُرِّيَّة والفعل الإِنسَاني: مثال ذَلِكَ: أن يصنِّف المعتزليُّ الأشعريَّةَ وَالإِبَاضِيَّةَ في خانة الجبرية، استلزاما لقولهم بالكسب. أو يتَّهم الإِبَاضِيَّةُ والأشعريَّةُ المعتزلةَ بنفي قُدرة الله وقَدَرِه، لقولهم بِأَنَّ الإِنسَان يخلق أفعاله، ويسمُّونهم قَدَرِيَّة، لينزِّلوا عليهم ما نُسب إلى النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّ الله
__________
(1) ينظر من كتَّاب المقالات السنِّيِّين عَلَى سبيل المثال: الفرق بين الفرق للبغددي.
(2) ينظر: الجعبيري: البعد الحضاري، 1/ 34، 36.
(3) ينظر: فرق الشيعة للنوبختي، ص ... وللقمي، ص ....
(4) هذا ما ذكره الدكتور جيدل؛ غير أَنَّنَا نرى أَنَّ هَذَا العنصر يمكن إدراجه ضمن رقم4: تصنيفها باعتبار الأصول الْكَلاَمِيَّة ...
(5) جيدل: مدخل، ص100 - 101. بتصرف. (1/32)
صفحة 34
لعن القَدَرِيَّة عَلَى لسان سبعين نبيًّا!!.
- موقفها من علاقة الإيمان بالعمل: فنجد الإِبَاضِيَّةَ والمعتزلةَ يرمون الأشاعرة بالإرجاء. وَهَؤُلاَءِ يرمون الإِبَاضِيَّةَ بتكفير المسلمين، والمعتزلة بتفسيقهم ...
وَبِهَذِهِ الاعتبارات ـ وغيرها ـ تقاذفت الفرق الإِسلاَمِيَّة التُّهم والتسميات الشنيعة فيما بينها، وتنابزت بالألقاب، ولم تَسلَم أيَّة فرقة من لقب شنيع: جبريَّة، مُرجئة، قَدَرِيَّة، معطِّلة، مكفِّرة، مجسِّمة، ممثِّلة، مشبِّهة، حشويَّة، مكيِّفة، محدِّدة، روافض، نواصب ...
قال مرعي المقدسي: «وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا: هذا جهمي معطل فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئا من الصفات مشبها، كذبا منهم وإفتراء، فالروافض تسمي أهل السنة نواصب، والقدرية يسمونهم مجبرة، والمرجئة يسمونهم شكاكا، والجهمية يسمونهم مشبهة، وأهل الكلام يسمونهم حشوية، والمتصوفة يسمونهم محجوبين» (1)
__________
(1) مرعي بن يوسف الحنبلي المقدسي (ت: 1033هـ): أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1406هـ، ص115. (1/33)
صفحة 35
المحور الثالث
لمحة عن أهم الفرق الإِسلاَمِيَّة [محور لم يكتمل]
• أبو الحسن الأشعري:
رغم تنصُّله من المعتقدات الاعتزالية التي كان يتبناها، وإعلانه التمسك بآراء أحمد بن حنبل إِلاَّ أَنَّهُ توجَّس منه أهل الحديث، للمبررات التي ساقها محَمَّد محيي الدين عبد الحميد، إذ قال: «والظاهر أَنَّ أهل الحديث لم يتقبلوا أبا الحسن الأشعري يوم ظهر بمذهبه هَذَا الذي حاول به أن يوفق بين مذهب أهل السُّنَّة والعقل، بما كان يتوقع، إِمَّا لأَنَّ نشأته في أحضان المعتزلة لم تكن لتزيل عنه أوهامهم وشكوكهم، وَإِمَّا لأَنَّهُم يمقتون مذاهب الْمُتَكَلِّمِينَ، ولا يقبلون أن يلفظوا بعبارة من عباراتهم التي أحدثوها. ويظهر أثر نفور أهل الحديث من الأشعري فيما ذكره ابن الجوزي فيما بعد عنه، من أَنَّ “الأشعري ظل عَلَى مذهب المعتزلة زمانا طويلا، ثُمَّ تركه، وأتى بمقالة خبط بها عقائد الناس”، وَلَكِنَّ قوما من أهل الحديث جاؤوا من بعدُ قد عرفوا لأبي الحسن الأشعري منزلته [وهو ابن تيمية]» (1). وأشار المحقق إلى نفور أهل الحديث (الدموي أحيانا) من مذهب الأشعري وأتباعه، خلال القرون الثلاثة: 4 - 5 - 6 (2).
• إحالات على مراجع في دراسة الفرق:
الشيعة: البوطي: المذاهب التوحيدية، ص54 - 57. (تناولها باختصار، ولم ينقل من كتبهم، وهي متوفرة في القرن 21!!).
الخوارج: البوطي: المذاهب التوحيدية، ص58 - 61. (تناولها باختصار، ولم يخرج كلامه عن كتاب المقالات، وعنهم نقل لا غير).
• موقعة النهروان في عين أبي إسحاق:
«لعل مسألة التحكيم من أهم المسائل التي لعبت بها أيدي الهوى وشوهت حقيقتها تبريراً للطعن في المحكمة زوراً وجورًا» (3).
• ملاحظات عَلَى كِتَاب المذاهب التوحيدية للبوطي:
يلاحظ عَلَيْهِ استخدامه الكثير لمصطلحات: «أولي الأهواء» (ص49) «ذي مطمح سياسي، أو نزعة
__________
(1) تقديم محَمَّد محيي الدين عبد الحميد لكتاب مقالات الإِسلاَمِيِّين، ص24 - 25.
(2) نفسه، ص26.
(3) تحفة الأعيان، 1/ هامش ص 79. (1/34)
صفحة 36
إلحادية، أو هوى جانح عن سبيل الحق. فغدت هَذِهِ الفرق بِذَلِكَ مطايا لأصحاب الأغراض وأولي الانحرافات عَلَى اختلافها. وأنت تعلم أَنَّ دعاة السوء والزيغ لا يستطيعون أن يتسللوا إلى المجتمع الإِسلاَمِيِّ المتماسك إِلاَّ من نوافذ هَذِهِ الفرق وأمثالها، إذ يتمادى بها الجدل والصراع، فتنحرف عن الجادة ... ويتسلل إِلَيْهَا المتربصون من أولي الزيغ تجار الزندقة والضلال» (ص53) ففي هَذِهِ الفقرة وحدها استخدم تسع مَرَّات (1) مصطلحات شنيعة، يوحي سياقها أَنَّهُ يقصد بها الفرق التي سيذكرها لاحقا، وهي الشيعة والخوارج والمعتزلة. ونحن نتعجَّب كيف يتسفَّل أسلوب الشيخ إلى هَذِهِ الدركة، مع اعترافه قبل بضع صفحات بِأَنَّ بواطن المسائل ظنِّيَّة لا بدهية (ص45). فكيف به يستخدم هَذَا الأسلوب الجارح مع من يختلف معه في هَذِهِ المسائل الظَّنِّيَّة؟!.
والمتأمل لأسلوب الْمُؤَلِّف منذ بداية الكِتَاب (على الأقل إلى ص53 حيث وصلتُ) يلاحظ وَكَأَنَّهُ وضع كِتَابه خصيصا لتثبيت دعائم أهل السُّنَّة والجماعة (بمفهومه هم الماتريدية والأشاعرة) والدفاع عنهم، ضِدَّ السَّلَفِيَّة (أهل الحديث) والمعتزلة والمرجئة والقدرية [والشيعة والخوارج]، الذين وصمهم بالانفصال عن «جماهير أهل السُّنَّة والجماعة، كما تنفصل الجداول الصغيرة المتعرجة عن النهر الغمر الكبير» (ص47). وَيُسَمِّيها - بما يوحي بالاستهانة بها - فرقا جُزئِيَّة صغيرة (ص47) وفرقا صغرى (ص53). ولم يؤلف كِتَابه لدراسة الفرق دراسة عِلمِيَّة رصينة محايدة!.
• من القضايا التي يجب تناولها في هَذِهِ الْمَادَّة:
- مقارنة بين مُؤَلَّفَات الإِبَاضِيَّة وغيرهم في الفرق.
- النقائص العَامَّة لدى كتاب المقالات، وطرح البديل.///أنجز///
- القضايا الكبرى التي يتِمُّ عَلَى أساسها تقسيم الفرق.
- نشأة الفرق الإِسلاَمِيَّة.///أنجز بعضه///
- رسم تفصيلي (مرتب زمنيا بالتواريخ) للأحداث السِّيَاسِيَّة التي أدت إلى افتراق الأُمَّة على النحو الآتي: مقتل عثمان، وقعة الجمل، وقعة صفين، التحكيم، مقتل أهل النهروان، مقتل الإمام علي،} عام الجماعة} [حسب زعمهم]، الأمويون وجهم بن صفوان (نشأة الجبر)، بذور الاعتزال (معبد الجهني، وغلان الدمشقي، وواصل بن عطاء (ت: 131هـ)، وعمرو بن عبيد (ت: 144هـ) ... (2))،
__________
(1) وهي: أصحاب الأغراض / أولي الانحرافات/ دعاة السوء / الزيغ / تنحرف عن الجادة /المتربصون/ أولي الزيغ /تجار الزندقة /والضلال.
(2) ينظر: تقديم محَمَّد محيي الدين عبد الحميد لكتاب مقالات الإِسلاَمِيِّين، ص17 - 24 عن المعتزلة وَبَعض أعلامهم الأوائل. (1/35)
صفحة 37
المحتويات
المحور الأَوَّل مدخل إلى دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة 1
مسوغات دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة: 1
علم الفرق الإِسلاَمِيَّة، حقيقته وأَهَمِّيَّة دراسته: 2
الفرقة في اللغة والاصطلاح: 2
تعريف العلم: 3
تعريف علم الفرق الإِسلاَمِيَّة: 3
عِلمِيَّة دراسة الفرق الإِسلاَمِيَّة: 4
الفروق بين علم الفرق وعلم الكلام والفلسفة الإِسلاَمِيَّة: 4
• نقاط الاِتِّفَاق بين العلوم الثلاثة: 5
• نقاط الاختلاف بين العلوم الثلاثة: 5
أهداف دراسة الفرق وأهميتها: 6
مواصفات وضوابط في دراسة الفرق: 8
مواصفات الدارس لعلم الفرق: 8
الضوابط الْمَعْرِفِيَّة والأخلاقية في دراسة الفرق: 9
• أَوَّلاً - الضوابط الْمَعْرِفِيَّة: 9
• ثانيا - الضوابط الأخلاقيَّة: 10
منهج البحث في علم الفرق ومصادره، قديما وحديثا: 10
ملاحظات عَامَّة على كُتَّاب المقالات: 10
علم الفرق بين القديم والحديث: 11
مناهج البحث في الفرق: 12
المصادر التي ينبغي اعتمادها عند البحث في الفرق: 12
• 1 - المصادر الخَاصَّة: 12
• 2 - المصادر العَامَّة: 12
• 3 - المراجع: 14
خطوات البحث في علم الفرق: 15
المحور الثاني نشأة الفرق الإِسلاَمِيَّة وتصنيفها 17
أَوَّلاً - نشأة الفرق الإِسلاَمِيَّة 17
تمهيد: 17
أسباب الاختلاف بين المسلمين: 18
• الأسباب الدَّاخِلِيَّة للاختلاف بين المسلمين: 18
من الأسباب العِلمِيَّة الموضوعية: 18
من الأسباب الذَّاتيَّة: 24
دور السياسة في نشوء الفرق الإسلاميَّة وصراعاتها: 25
أ- الخلاف حول السلطة: 25
ب- التصرفات السِّيَاسِيَّة والأخلاقية والاستبدادية من قِبل السلطات الحاكمة: 26
ج- اختلاق الصراعات وتأجيجها: 27
• الأسباب الخَارِجِيَّة للاختلاف بين المسلمين: 28
ثانيا - تصنيف الفرق الإِسلاَمِيَّة: 28
تعداد الفرق وتعيينها: 28
معايير تصنيف الفرق: 30
• 1 - تصنيفها باعتبار الفرقة الأَصلِيَّة: 31
• 2 - تصنيفها باعتبار الفرقة الفَرعِيَّة: 31
• 3 - تصنيفها باعتبار الشَّخصِيَّات التي تنسب إِلَيْهَا: 31
• 4 - تصنيفها باعتبار أصولها الْكَلاَمِيَّة أو فكرتها المركزية: 31
• 5 - تصنيفها باعتبار المسألة السِّيَاسِيَّة: 32
• 6 - تصنيفها باعتبارات مختلفة: 32
المحور الثالث لمحة عن أهم الفرق الإِسلاَمِيَّة [محور لم يكتمل] 34
• أبو الحسن الأشعري: 34
• إحالات على مراجع في دراسة الفرق: 34
• موقعة النهروان في عين أبي إسحاق: 34 (1/36)
صفحة 38
• ملاحظات عَلَى كِتَاب المذاهب التوحيدية للبوطي: 34
• من القضايا التي يجب تناولها في هَذِهِ الْمَادَّة: 35
المحتويات 36 (1/37)