صفحة 1
الكتاب: فضل الصحابة والرضا عنهم
المؤلف: إبراهيم بن عمر بيوض
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
مهعد الحياة القرارة (غرداية) - الجزائر
قسم التخصُّص شريعة: السنة الثالثة
فضل الصحابة والرضا عنهم
درس للإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض
( 1316 - 1401 هـ / 1899 - 1981 م )
إعداد وتحقيق
بهون بن يوسف بن بهون حميد أوجانة
إشراف الأستاذ
محمَّد بن موسى بن محمَّد باباعمِّي
القرارة:محرَّم 1417 هـ / جوان 1996 م
المحتويات
المقدمة ... i
خلاصة موقف الشيخ من الصحابة ... 2
[الصحابة: لغةً وشرعاً] ... 3
[السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار] ... 4
[إرسال مصعب بن عمير إلى يثرب] ... 9
[الآيات النازلة في حقّ المهاجرين والأنصار] ... 9
[ذنوب المهاجرين والأنصار لا تقع إلاَّ مغفورةً] ... 11
[فضل السابقين الأولين على غيرهم] ... 12
[الذين جاؤوا من بعدهم... والتابعون] ... 16
[حكم الله تعالى على الصحابة بالمغفرة والرضوان] ... 17
[فضل العشرة المبشَّرين بالجنَّة] ... 24
[بداية الفتن في الأمَّة الإسلامية] ... 27
[الأحاديث الواردة في فضل الصحابة والنهي عن سبِّهم] ... 31
قصَّة حاطب بن أبي بلتعة] ... 34
[مغفرة الله واسعة] ... 37
[ولاية الله وبراءته لا يتبدَّلان] ... 40
[العبرة بالخاتمة] ... 41
[استحقاق الصحابة للجزاء الرباني] ... 44
الفهارس ... 62
الإهداء
إلى والدتي العزيزة التي سخَّرت روحها لأجلي...
وإلى والدي الكريم الذي كابد مشاق الحياة لرعايتي وخدمتي ..
وإلى روح المجاهد الفقيد الدكتور عمرو خليفة النامي ...
وإلى كلِّ مشايخي وأساتذتي...
وإلى كلِّ أصدقائي المخلصين...
أهدي هذاالجهد المتواضع .
بهون
بِسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ
مقدِّمة
الحمد لله خالق السموات والارض، وخالق البشر من ماء وطين، والشكر لله جاعله نسباً وصهراً، ومبتليهم قائلا: {ونبلوكم بالشرِّ والخير فتنة، وإلينا ترجعون}.
وسبحان مستخلف العباد في الارض لينظر كيف يعملون: {إنَّ ربك شديد العقاب، وإنه لغفور رحيم}. (1/1)
صفحة 2
ونشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، {أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}، ولئلاَّ يكون للناس عليه حجَّة بعد نبيئه إلى يوم الحساب ونشر الكتاب.
ونشهد أنَّ سيِّدنا محمدا عبده ورسوله، قائد الأمَّة ومخرجها من ظلمات الجهل إلى نور العلم والهدى والإيمان، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين، السائرين على نهجه، والمقتدين بهديه، القائل فيهم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم».
وبعد، فمما لا شكَّ فيه ولا ريب أنَّ كثيرا من العلماء والباحثين الذين ألَّفوا في تاريخ الصحابة والخلفاء، قد أطالوا وفصّلوا وأطنبوا، ولم يتركوا شاردة ولا واردة، خاصة في الفتن الواقعة بينهم، فمنهم من دخل في هذا عالما ومدركا مدى صعوبة المسلك وعظم المسؤولية، متتبعا في ذلك كتاب الله، ومهتديا بسنة رسوله، فربما خرج سالما من فلتات الألسن وزلاَّت الأقلام؛ ومنهم من خاض في الموضوع بأحكام مسبقة دون تدبّر وتمحيص، غير محتمل للعواقب، ولا مدرك للنتائج، فضلَّ وأضلَّ.
اختيار موضوع التحقيق
نظرا إلى مجهودات معهد الحياة في رفع المستوى العلمي لطلبته، ونظرا لدخول أستاذ من الأساتذة المجدّين في ميدان البحث العلمي والتحقيق إلى المعهد، آخذا بيد الطلبة إلى الجدّ والعمل، ارتأيت أن أمدَّ يدي، محاولة منِّي في رفع مستوى البحث العلمي؛ فخُيِّرتُ بين البحث والتحقيق، واخترت التحقيق لجدَّته من جهة. واستجابة لنداء الأستاذ المشرف من جهة أخرى، مستغيثا بني قومه إلى من ينقذ آلاف المخطوطات المكدَّسة والمهدَّدة بالضياع في ربوع وادي ميزاب، مبينا مدى أهميتها، وكثرتها وتنوعها.
فاستجابة منِّي للواجب المقدَّس الذي ينتظرني وينتظر أمثالي من الطلبة، اخترت موضوعاً جديرا بالتحقيق، وهو درس في التفسير للإمام الرائد الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، في موضوع الصحابة وفضلهم وواجب المسلمين تجاههم.
دوافع البحث (1/2)
صفحة 3
من دوافع البحث، إذن ما يلي:
1. الإسهام في إخراج التراث الإسلامي الإباضي إلى الحياة بعد أن كان مدفوناً لسنوات عديدة.
2. تبليغ رسالة الشيخ إلى الناس، وتقدير الجهد الذي بذله في سبيل الصلاح والإصلاح.
3. الاختلاف الذي عاينته خلال مطالعاتي لكتب التاريخ في الرضا عن بعض الصحابة، وأحيانا وسط المذهب الواحد.
4. الرد على الاتهامات التي يتهم بها الإباضيَّة في أنَّهم لا يرضون عن بعض الصحابة، وما يترتَّب عليها من آثار سلبية في وحدة المسلمين.
5. لم يخرح إلى حدّ الآن مؤلّف خاص ومركَّز في هذا الموضوع في التراث الإباضي، إذ نجده مشتتا في المصادر كخلاصات وعناوين.
وصف الدرس
هذا الدرس ألقاه الشيخ في المسجد الكبير بالقرارة، حوالي سنة 1975م، في ثلاث حلقات، يسع ثلاث أشرطة ذات التسعين دقيقة (90) للواحد، وتشغر مجموع الدروس أربع ساعات ونصف.
والحمد لله أن وجدته منسوخا نسخا كاملا في أوراق من إنجاز الأستاذ الفاضل الشيخ بلحاج عيسى بن محمَّد بن بابه، ضمن نسخه لأشرطة الشيخ.
طريقة العمل
1. بدأت أوَّلاً بسرد النصّ وقراءته قراءة سريعة، ثمَّ قرأته ثانية مع السماع للأشرطة، لتثبيت المعلومات. فوجدت أنَّ الناسخ يتتبّع طريقة منهجية مضبوطة، تتمثَّل في ربط مواضيع الدرس بعضها ببعض، إذ كثيرا ما يسترسل الشيخ، ثمَّ يعود إلى نقطة فيدرجها في غير سياقها العام، أو يتذكر نقطة نسيها فيلحقها متى تذكّرها، فما كان من الناسخ إلاَّ أن رتَّب الدرس ترتيبا يوافق المنهج العلمي للنصوص المكتوبة، بعد أن كان يلائم المسموع والمقروء.
وقد ترجم ما جاء في الدرس بالميزابية أو الدارجة إلى اللغة العربيَّة الفصحى، مع تنقيح الأسلوب قدر المستطاع.
2. وعملي أنا: يتثمل في مراجعة الآيات وتصحيح ما قد يقع فيه سهو، ثمَّ تخريجها في الهامش على النحو التالي: سورة الحشر: الآية 10. (1/3)
صفحة 4
3. تخريج الأحاديث النبويَّة الشريفة، بتحديد ألفاظها، لأنَّ أغلب ما رواه الشيخ من الأحاديث كان بالمعنى، مع إيعازها إلى مصادرها الموثوقة، وقد اعتمدت في التخريج على:
الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، وفي الدرجة الثانية صحيح البخاري ثمَّ صحيح مسلم، فما لم أجد رجعت إلى المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف، كما كان لي الحظ في استعمال الكمبيوتر في تخريج بعض الأحاديث من خلال برنامج موسوعة الحديث النبوي (48000) حديث.
ثمَّ أرجع إلى ما أحال إليه المعجم أو الموسوعة من الكتب التسعة مثل:مسند الإمام أحمد أو صحيح الترمذي، غير أنَّ الدارمي أعياني أمره فلم أجد نسخة في المكتبات التي بحثت فيها.
وإن لم أجد في كلّ هذه المصادر استعنت بمجمع الزوائد للهيثمي.
الصعوبات
في الحقيقة لم ألق صعوبات تعيقني كليا عن العمل، إلاَّ بعضا مِمَّا لا مفرّ منه في بدايات البحث العلمي، مثل:
1. الشروع المتأخّر. إذ كان ذلك في أواخر ديسمبر 1995م
2. انشغالي بدروس الفصل، وضيق الوقت اليومي الممنوح للعمل.
3. تعارض بعض أوقات المكتبة مع أوقات الدروس، وإغلاق أبوابها في العطل.
شكر وامتنان
أحمد الله تعالى على فضله في أن حقَّق أمنيتي المنشودة، التي طالما حلمت بها، وكثيرا ما كنت أستصعب البحث العلمي وأراه في عداد المستحيل.
1. وأتوجّه أوَّلا بالشكر الجزيل إلى معهدي العزيز: معهد الحياة، الذي لم يدّخر أي وسيلة في رفع شأن الدين والعلم.
2. وأكنّ ثانيا بالفضل والاحترام والتقدير لأستاذي الفاضل ومشرفي المخلص: الأستاذ محمَّد بن موسى باباعمي، الذي لم يأل نصحا في سبيل إرساء قواعد البحث العلمي في معهدنا المزدهر. وهدفه في ذلك تكوين طبقة من الباحثين والمحقّقين، يخدمون الدين والوطن. (1/4)
صفحة 5
3. كما أشكر كلّ مشايخي وأساتذتي الفضلاء الذين ساعدوني في إنجاز هذا العمل، من قريب أو بعيد، خاصة أستاذي وشيخي الكريم: الشيخ بلحاج محمَّد بن بابه (الشيخ ابن الشيخ) الذي فتح لنا مكتبته، نرتادها متى نشاء، ودافعه إلى ذلك كرم شديد وإخلاص أكيد.
وأدعو الله تبارك وتعالى أن يقبل من الجميع، وأن يجعل أعمالهم في ميزان حسناتهم: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.
والحمد لله رب العالمين
بهون بن يوسف بن بهون حميد أوجانة
القرارة: في عاشوراء 1417هـ / 28 ماي 1996م
فضل الصحابة
و
الرضا عنهم
درس للإمام الشيخ بيوض
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
[خلاصة موقف الشيخ من الصحابة]
وعدتُ مراراً بدروسٍ خاصَّة في الصحابة - رضي الله عنهم - .
مَن هم؟ ما حكم الله تعالى فيهم؟ ما موقفنا نحنُ بالنسبة لهم؟ وخاصَّة الفتن التي وقعتْ بينهم، بعد موت النبيء - صلى الله عليه وسلم - ؟
أمَّا الكلمة الجامعةُ في حقِّهم، فهي الرضَى عنهم جميعاً، والاستغفارُ لهم، كما أمرنا اللهُ تعالى؛ والوقوفُ فيماَ شجرَ بينهم.
هذه هيَ الخلاصةُ، وهذا ما أعتقدهُ، وأدين لله تعالى بهِ.
فأنا أرضى عن الصحابةِ أجمعينَ، وأقف فيماَ شجرَ بينَهمْ، لا تخطئةَ ولا تصويبَ، ولا خوضَ ولا دخولَ فيماَ شجرَ بينهمْ، ولا موجبَ له؛ وفي هذا السلامةُ كلُّ السلامةِ، والله سبحانه هو الذي يتولَّى أمر الذين خاضوا في هذا الموضوع قديماً أو حديثاً؛ ولهم ما اختاروا لأنفسهم.
[الصحابة: لغةً وشرعاً]
[الصحابةُ لغةً] (1) :
__________
(1) - قال صاحب اللسان: «صحبه يصحبه صحبة بالضمَّ، وصحابة بالفتح، وصاحبه عاشره، والصَّحب جمع صاحب، والأصحاب جماعة الصحب، وفي حديث: «خرجت أبتغي الصحابة إلى رسول الله T» وهو بالفتح جمع صاحب».
... وقال صحاب القاموس: «صحِبه كسمعه صحابة، ويكسر، وصُحبة عاشره، وهم أصحاب وأصاحيب، وصحابة؛ واستصحبه دعاه إلى الصحبة ولازمه».
... ... ... ابن منظور: لسان العرب، مادة صحب، ج1/ص519.
... ... ... الفيروز أبادي: القاموس المحيط، مادة صحبه، ج1/ص91. (1/5)
صفحة 6
يظهر معنى لفظ الصحَّابة من كلمة الصُّحبة، والصاحِب، والكلمة معروفة ومشهورة المعنى، تقول: فلانٌ صاحبي، وأنا صاحبُه، وصحِبني وصحِبتُه، وهؤلاء أصحابُ فلانٍ.
ليس في الكلمة غموضٌ، فمعناهاَ واضحٌ ومفهومٌ، ولفظُ الصحابة إذا أُطلقَ ينصرفُ معناهُ إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - .
[الصحابة شرعاً] (1) :
اختلفَ العلماءُ - قديماً وحديثاً - على من يُطلَقُ لفظُ الصحابيِّ، ومن الذي يتسمَّى به.
أمَّا البعضُ فاشترطوا شروطاً، وقالوا: «لا بدَّ أنْ يكونَ غزاَ مع النبيء. - صلى الله عليه وسلم -
غزوةً أو غزوتينِ، أو كان في بعضِ سراياهُ، أو صحبَهُ سنةً أو سنتينِ، وروى عنه حديثاً أو حديثينِ، ولا خلافَ في الإسلامِ والبلوغِ».
والبعضُ الآخرُ - وهم الجمهورُ (2)
__________
(1) - يطلق اسم الصحابي على من أقام مع النبيء T سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين، قال بهذا سعيد بن المسيَّب؛ وقال الواقدي: هو كلّ من رأى رسول الله T وقد أدرك الحلم، فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه، ولو صحبه ساعة من نهار؛ وقال أحمد بن حنبل: هو كلّ من صحب رسول الله T شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه؛ وقال البخاري: هو من صحب رسول الله T أو رآه من السلمين.
... ... ... ابن الأثير: أسد الغابة، ج1/ص12.
... ... ... ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة، ج1/ص7.
(2) - قال ابن منظور في لسان العرب: «جمهر له الخبر أخبره بطرف له على غير وجهه، وترك الذي يريد، فقال الليث: الجمهور الرمل الكثير المتراكم الواسع، وجمهور كلّ شيء معظمه، وجمهور الناس جلّهم، وجماهير القوم أشرفهم، وجمهرتُ الشيءَ إذا جمعته» مادة جمهر، ج4/ص149.
... والجمهور: «مِن جمهَر الشيءَ إذاَ جمعه، والجمهور من كلّ شيءٍ معظمُه». وإذا أطلق لفظ الجمهور عني به أغلب العلماء أو أكثرهم. ... ... ... ... *معجم لغة الفقهاء: قلعه جي، ص166. (1/6)
صفحة 7
- قالوا: «الصحابيُّ من أدركَ النبيء - صلى الله عليه وسلم - ورآه، وكان بالغَ الحلمِ مسلماً»، ولا يشترطونَ أنْ يكونَ روى عنهُ، أو غيرِ ذلكَ ممَّا يشترطهُ البعضُ؛ ولذلكَ يصنِّفونَ الصحابة إلى:
1- صحابةٍ كبارٍ.
2- وصحابةٍ صغارٍ (1) .
وجمهورُ الأمَّة على هذا الرأيِ، وعلى أنَّ الصحابة منهم السابقونَ الأوَّلون، ومنهم الذينَ جاؤوا من بعدهم (2) .
[السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار]
فالسابقون الأوَّلون - طبعاً - هم المهاجِرونَ مِن أصحابِ مكَّة، ومِن المعلومِ أنَّ أوَّل مَن آمنَ بالرسولِ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا نبِّئ بالوحيِ - زوجتُه خديجة: أمُّ المؤمنينَ رضيَ الله عنها؛ لأنَّها أوَّل مَن أُخبرتْ بما وقع له في غار حراء (3) .
لمَّا عاد وبوادره ترجف فآمنت به، فأوَّل مؤمن خديجة، وأوَّل صحابيٍّ خديجة؛ ومن الرجال (4)
__________
(1) - لم نجد هذا التصنيف فيما رجعنا إليه من المصادر، ولعلَّ هذا من حيث اختلاف أعمارهم، قيكون الصغير من الصحابة من أدرك النبيء T في أواخر عمره، دون البلوغ، وآمن به، كعبد الله بن عبَّاس؛ وتعريف البخاري للصحابة يشمل الصغار منهم والكبار. ... ... البخاري: الإصابة في تمييز الصحابة، ج1/ص7.
(2) - إشارة إلى الآية الكريمة من سورة الحشر، وسيأتي تفصيلها.
(3) - انظر تفصيل إيمان خديجة بالرسول T في: محمَّد خضري بكَّ نور اليقين، ص26.
... == وانظر تفسير سورة المدثر في: *التحرير والتنوير: للطاهر بن عاشور، ج29/ص292.
(4) - اختلف العلماء والمؤرّخون في أوَّل من أسلم من الذكور، فمنهم من قال: أبو بكر، ومنهم من قال: عليّ بن أبي طالب، والقول الجامع أن أوَّل مَن أسلم من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان عليّ؛ وأغلب الروايات على أنَّ عليّا أسلم قبل أبي بكر وكتم إسلامه، وأبو بكر أعلنه للنبيء T لأول لحظة حينما دعاه.
... ... ... ابن الأثير: أسد الغابة، ج4/ص18.
... ... ... ابن كثير: السيرة النبوية، ج1/ص431-437. (1/7)
صفحة 8
أبو بكر - رضي الله عنه - ، الذي كان صديقا للنبيء - صلى الله عليه وسلم - قبل الإسلام، ولمَّا نزل عليه الوحي وأخبره بما جرى، صدَّقه وآمن به دون تردُّد، كما ورد في الحديث ما معناه، يقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - : «ما دعوتُ أحداً إلاَّ كانت له كبوةٌ، لكنَّ أبا بكر أسلم لأوَّل وهلة» (1) .
وأوَّل الصبيان عليّ بن أبي طالب، لأنَّه لمَّا يبلغ الحلم عند مبعث النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، فآمن به، وعُدَّ أوَّل الصبيان إسلاماً (2) .
وأوَّل العبيد زيد بن حارثة (3) مولى النبيء - صلى الله عليه وسلم - المذكور في القرآن في قوله تعالى: {فلمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زوَّجْناَكَهَا} (4) ، وكان يُدعى زيد بن محمَّد، هو مولى لخديجة، وهبته للنبيء - صلى الله عليه وسلم - لمَّا تزوَّجها، فمكث عنده، ولمَّا جاء الأسلامُ أسلمَ.
__________
(1) - لم أجده في المعجم المفرس لألفاظ الحديث النبوي، ولا في مصادر الحديث التي رجعت إليها مثل: الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، وصحيح البخاري...
... وقد أورده خالد محمَّد خالد في وجاء أبو بكر بنصّ: «ما عرضتُ الإسلام على أحد إلاَّ كانت له كبوة، عدا أبي بكر فإنَّه لم يتلعثم». ص69
... وانظر بألفاظ مختلفة: ... ابن هشام: السيرة النبويَّة، ج1/ص252.
... ... ... ... ابن كثير: ن، م، س، ج1/ص433.
... ... ... ... خضري بكّ: نور اليقين، ص30.
(2) - وكان عمره آنذاك عشر سنين، وهو أوَّل من صلَّى من النبيء (ص).
... ... ... ابن كثير: ن،م،س، ج1/ص431-437.
... ... ... الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج2/ص55.
(3) - هو زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي (ت: 8هـ/629م): من أوائل الصحابة إسلاما، اختطف في الجاهليَّة صغيراً، واشترته خديجة، فوهبته للنبيء (ص) فتبنَّاه قبل الإسلام، وأعتقه وزوَّجه بنت عمَّته، واشتسهد في غزوة مؤتة.
... ... ... ابن الأثير، الإصابة، ج1/563.
... ... ... الزركلي: الأعلام، ج3/ص96.
(4) - سورة الأحزاب: الآية 37. (1/8)
صفحة 9
فالأوائل هم: من النساء خديجة، من الرجال أبو بكر، من الصبيان عليّ، ومن الموالي زيد بن حارثة؛ ثمَّ تتابع الإسلام شيئا فشيئاً ينتشر على مدى سنين طويلة.
وأبو بكر كان من الدعاة، أسلم على يديه أكثر العشرة (1) : عثمان بن عفَّان، عبد الرحمن بن عوف، أبو عبيدة عمرو بن الجرَّاح؛ هؤلاء هم الجماعة الأولى من المسلمين، من أهل مكَّة الأصلاء، من العرب أو من الموالي؛ ثمَّ بعدهم بلال بن رباح الحبشي (2) ، وعمَّار بن ياسر (3) ،
__________
(1) - ابن هشام: السيرة النبويَّة، ج1/ص250، تحت عنوان: ذكر مَن أسلم من الصحابة بدعوة أبي بكر - رضي الله عنه - .
... ابن كثير: السيرة النبويَّة، ج1/ص437.
(2) - هو بلال بن رباح الحبشي أبو عبد الله (ت: 20هـ/641م): مؤذّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وخازنه على بيت ماله، وعند إسلامه لقي عذابا أليما من قريش، ولكنَّه ثبت على دينه، بقولته المشهورة: «أحد، أحد...» وهو من السبعة الأوائل الذين أظهروا إسلامهم.
... ... ... ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج3/ص232-233.
... ... ... الزركلي: ن، م، س، ج2/ص49.
(3) - هو عمَّار بن ياسر بن عامر الكناني المدحجي (ت: 37هـ/657م): من ذوي الرأي، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، ومن السبعة الأوائل الذين أظهروا إسلامهم، وكان يلقّبه النبيء - صلى الله عليه وسلم - : «الطيّب المطيّب»، وهو أوَّل من == بنى مسجداً في الإسلام، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى من سورة النحل: {من كَفرَ باللهِ من بعدِ إيمانِه إلاَّ مَن اُكرِهَ وقلبُه مطمئِنٌّ بالايمانِ} (الآية: 106)، وذلك لمَّا أكرهته قريش بالكفر بعد الإيمان، وله في السنَّة اثنان وستون حديثا، وعاش ثلاثا وتسعين سنة.
... ... ... ابن كثير: السيرة النبويَّة، ج1/ص436.
... ... ... ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج3/ص246.
... ... ... الزركلي: الأعلام، ج5/ص191. (1/9)
صفحة 10
وآل ياسر (1) ، وبدأت الجماعة تكثر في مكَّة.
وفي أواخر سنيّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - بمكَّة جاء الوفد الأوَّل من المدينة في ستَّة من الأنصار (2) ، فأعلنوا إسلامهم على يد النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، وبايعوه بيعة العقبة الأولى (3) ، ثمَّ رجعوا إلى المدينة، ونشروا فيها الإسلام.
وفي العام القابل، جاء منهم إلى مكَّة في موسم الحجّ اثنا عشر رجلا (4) ؛
__________
(1) - وهي عائلة عمَّار بن ياسر، أبوه ياسر بن عامر الكناني المدحجي، وأمّه سمية بنت خباط، توفيا نحو 7 قبل الهجرة/615م، من الأوائل الداخلين في الإسلام من أصحاب رصول الله - صلى الله عليه وسلم - ، احتملوا العذاب من كفَّار قريش، لأجل دينهم، وهم الذين قال فيهم الرسول (ص): «أبشِروا آلَ ياسر، فإنَّ موعدكم الجنَّة». وسمية هي أوَّل شهيد في الإسلام، إثر طعنة من أبي جهل.
... ... ... ابن هشام: السيرة النبويَّة، ج1/ص319.
... ... ... ابن كثير: ن، م، س، ج1/ص494.
... ... ... الزركلي: ن، م، س، ج3/ص205 و ج9/ص153.
(2) - الستَّة الذين لقيهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند العقبة في الموسم هم: أبو أمامة، وأسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وطبقة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر ابن عبد الله بن رباب، وهم من الخزرج، دعاهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام.
... ... ... ابن هشام: ن، م، س، ج1/ص429.
... ... ... ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج2/ص728.
(3) - في السنة 11 من البعثة النبويَّة.
(4) - وهي بيعة العقبة الأولى - عند عموم المؤرّخين - وتسمَّى عقبة النساء، حيث حضر إلى رسول الله (ص) اثنا عشر رجلا، خمسة من عديّ، وسبعة من غيرهم، بايعوه على الطاعة، وعلى أن لا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يفتروا الكذب. وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب.
== ... ... ... البخاري: صحيح البخاري، كتاب الحدود، ج6/ص2494.
... ... ... أبو داود: سنن، كتاب الأدب، ج2/ص131.
... ... ... ابن هشام: السيرة النبويَّة، ج1/ص431.
... ... ... ابن كثير: السيرة النبويَّة، ج2/ص178.
... ... ... ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج2/ص729، 730. (1/10)
صفحة 11
وفي العام الثالث كان منهم سبعون رجلاً (1) وامرأتان لبيعة العقبة الثالثة والأخيرة (2) ، وهناك من يعدُّ بيعة العقبة اثنتين (3) ؛ هؤلاء هم الأنصار من أهل المدينة، لمَّا أسلموا عاهدوا النبيء - صلى الله عليه وسلم - على التمسّك بالإسلام، وعلى نصرته إذا جاءهم إلى المدينة، ويمنعوه ممَّا يمنعون منه أنفسهم وأموالهم وذراريهم، واعتمادا على ذلك العهد والوعد الذي قطعوه على أنفسهم (4) ،
__________
(1) - وهي بيعة العقبة الثانية، لمَّا رجع مصعب بن عمير إلى مكَّة ومعه ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان، جاؤوا فبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يمنعوه ممَّا يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يهاجر إليهم هو وأصحابه، وضربوا له الموعد من أوسط أيَّام التشريق، فكان ذلك اليوم، واختار الرسول - صلى الله عليه وسلم - اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وقال لهم: «أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي».
... ... ... ابن هشام: ن، م، س، ج1/ص438، 439.
... ... ... الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج2/ص92-93.
... ... ... ابن كثير: ن، م، س، ج2/ص192.
... ... ... ابن خلدون: ن، م، س، ج2/ص731-736.
(2) - وأغلب الروايات تنصّ على أنَّ أصحاب العقبة الثانية ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان. وانظر التعليق السابق.
(3) - وأغلب الرواة على هذا، ولم نجد من عدَّها ثلاثا.
(4) - والذي وثّقهم على عهدهم هذا هو عمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - العبَّاس بن عبد المطّلب، وهو آنذال على دين الكفر، فوثّقهم على أن يدفعوا عنه ما يدفعون به على أنفسهم، وأن ينصروه ولا يخذلوه، فقبلوا وعاهدوا النبيء - صلى الله عليه وسلم - على هذا، وبايعوه، وكان أوَّل من أخلص وبايعه البراءُ بن معرور، ثمَّ تبعته أيادي الأنصار الباقين.
... ... ... ابن هشام: ن، م، س، ج1/ص441، 442. (1/11)
صفحة 12
هاجر النبيء - صلى الله عليه وسلم - من مكَّة إلى المدينة لأنَّه تكوَّنت له فيها جماعة تأويه وتنصره.
[إرسال مصعب بن عمير إلى يثرب]
وقبل هجرته إلى المدينة، وبعد بيعة العقبة الثانية أرسل إليها مصعبَ بن عمير، الشابَّ المثقَّف، الحاملَ لمَا نزل من كتابِ اللهِ، لينشر الإسلام فيها، ويقرئ القرآن أبناءَ أهلها.
ولمصعب بن عمير تاريخ مشهور (1) ، والواجب على شباب الإسلام في جميع البلاد أن يتّخذوه قدوة لهم، فقد كان فتى مدلّلاً في مكَّة بين أهله وقومه، محبوبا لأمِّه وأبيه، ثمَّ رضي الله عنه الإسلام وهاجر والديه والبيتَ المدلّل فيه، حتَّى كان جلده ييبس من الجوع والحاجة الشديدة، بعد أن كانت على وجهه نضرة النعيم.
هؤلاء الأوَّلون الذين دخلوا الإسلام في مكَّة، والأوَّلون الذين دخلوا الإسلام من أهل المدينة، وهم المعبّر عنهم بالمهاجرين والأنصار، الذين هم السابقون الأوَّلون الذين تكوّنت منهم الجماعة الأولى في الإسلام.
[الآيات النازلة في حقّ المهاجرين والأنصار]
ولْنستحضر بعض آيات القرآن الكريم النازلة فيهم، ونبدأ بآيتين في سورة الأنفال:
الآية الأولى: {إنَّ الذينَ ءامَنواْ وهاجَروا وجاهَدوا بأموالِهم وأنفسِهم في سبيلِ اللهِ، والذينَ ءاَوَواْ ونصَرواْ أولئكَ بعضهمُ, أَوليآءُ بعضٍ} (2)
__________
(1) - وهو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف: من السابقين إلى الإسلام، كان فتى مدلّلا في أهله، لمَّا أسلم نبذوه وحبسوه، فهرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثمَّ رجع إلى مكَّة، وهاجر إلى المدينة، وكان أوَّل من أقام الجمعة فيها، وأرسله الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليقرئ القرآن أهلها، ويعلّمهم الإسلام، وكان يلقّب "مصعب الخير"، وكان حامل اللواء في غزوة أحد، وفيها استشهد.
... ... ... ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج3/ص116.
... ... ... الزركلي: الأعلام، ج8/ص150.
(2) - سورة الأنفال: الآية 72. (1/12)
صفحة 13
عقد اللهُ تعالى هذه العلاقة المتينة بين الجماعة الأولى من المهاجرين والأنصار، بين أهل مكَّة المؤمنين الذين هاجروا إلى المدينة، وأهل المدينة الذين آووا وضمَّوا إخوانهم المهاجرين إلى أنفسهم، وعلى رأسهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، احتضنوهم في مدينتهم، وفي ديارهم، وشاركوهم أموالهم.
الآية الثانية: وتنبَّهوا إليها جيّدا، وهي قوله تعالى: {والذينَ ءامَنوا وهاجَروا وجاهدوا في سبيلِ اللهِ، والذينَ ءاوَواْ ونصروا أولئكَ همُ, المومِنونَ حقاًّ، لهم مغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ} (1) .
فالجماعة التي ذكرناها في الآية الأولى هي نفسها التي كرّر ذكرها في الآية الثانية، ليحكم عليها بهذا الحكم الذي لا يُنقض أبداً، لأنَّ اللهَ تعالى لا يبدَّل القول لديه (2) .
قال في حقّهم: {أولئكَ همُ المومنونَ حقًّا}:
أوَّلاً- أشار إليهم بلفظ البعيد "أولئك" تشريفاً لهم وتعظيماً، وهو أبلغ وأعظم من لو قال "هؤلاء".
ثانيًّا- عظَّمهم بضمير الفصل "هم".
ثالثاً- عظَّمهم بقوله "المؤمنون"، فحكم عليهم بالإيمان بلفظ التعريف، ولو شاء لمَا قال "أولئك"، ولقال "مؤمنون" ولمَا جاء بضمير الفصل، ولو سقط ضمير الفصل وسقطت أداة التعريف "أل" وقال: "مؤمنون" لكان المعنى صحيحاً، ولكنَّ الروعة والبلاغة والإشارة إلى عظمة هؤلاء وفضلهم في هذا الأسلوب: {أولئكَ همُ المومنونَ}.
ثمَّ زاد عليه كلمة "حقًّا"، وكلمة "حقًّا" لها وزنٌ ثقيل لا يقدَّر قدرها، فهم المسلمون حقًّا لا غيرهم، إلاَّ مَن سلكَ مسلكهم، وهنالك غيرهم مِمَّن يدَّعي الإيمان ولكن ليس بمؤمن حقًّا.
[ذنوب المهاجرين والأنصار لا تقع إلاَّ مغفورةً]
__________
(1) - سورة الأنفال: الآية 74.
(2) - إشارة إلى قوله تعالى: {ما يبدَّل القولُ لديَّ وما أنا بظلاَّمٍ للعبيد} سورة ق: الآية29. (1/13)
صفحة 14
ولو شاء الله لقال "أولئك هم المؤمنون" فقط، دون كلمة "حقًّا"، فهل بعد هذه اللحظة التي نزلت فيها هذه الآية يمكن أن يكون إيمان أولئك باطلاً؟ لا نظنُّ أنَّ عاقلاً يتصوّر هذا، فالله حكم عليهم بالإيمان الحقّ، حكماً لا معقِّب له (1) ، وقضاء لا نقيض له.
ثمَّ بيَّن جزاءهم بقوله: {لهم مَّغفرةٌ ورزقٌ كريم}، والمغفرة تكون - فيما نفهم، وفيما تدلُّ عليه كلمة "حقًّا" - لِما مضى ولِما يأتي، وتنبَّهوا جيِّداً لهذه النكت.
فهؤلاء المؤمنون حقًّا لهم مغفرة ممَّا ارتكبوه قبلُ وهم مشركون، قبل أن يدخلوا الإسلام، والإسلام يجبُّ (2) ما قبله.
ولهم مغفرة وُعدوا بها لِما يمكن أن يبدر منهم غير الرجوع إلى الكفر والشرك، إذ ربَّما يلمُّ بهم شيءٌ، أو يلمُّون بشيء، كما قال تعالى: {إنَّ الذين اتَّقوا إذا مسَّهم طائفٌ من الشيطانِ تذكَّروا فإذا هم مُبصرونَ} (3) ، فالله تعالى أعطاهم هذا الحقّ وهذه المزيةَ، وسيأتينا مزيد من شرح هذه النكتة عندما نعرض قصَّة حاتب بن أبي بلتعة.
__________
(1) - إشارة إلى قوله تعالى: {والله يحكم لا معقّب لحكمه، وهو سريعُ الحساب} سورة الرعد: الآية 41.
(2) - الجبُّ هو القطع، جبَّه يجبُّه جبًّا وجِباباً واجتبَّه، وجبَّ خصاه جبًّا استأصله، ومنه الحديث: «إنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله، والتوبة تجبُّ ما قبلها» أي يقطعان ويمحوان ما كان قبلهما من الكفر والمعاصي والذنوب.
... ... ... ابن حنبل: المسند، ج4/ص195، 204، 205.
... ... ... ابن منظور: لسان العرب، ج1/ص249.
(3) - سورة الأعراف: الآية 201. أو إشارة إلى قوله تعالى: {الذينَ يجتنبونَ كبآئر الاثم والفواحش إلاَّ اللممَ إنَّ ربَّك واسع المغفرة} سورة النجم: الآية 32.
... واللمم ما كان منهم في الجاهليَّة من ارتكاب الفواحش والآثام، ولمَّا جاء الإسلام غُفر لهم ذلك. ... ... ... الطبري: جامع البيان، ج9/ص38. (1/14)
صفحة 15
ونحن نظنُّ أنَّنا إذا تدبَّرنا الآية حقَّ التدبُّر خاصَّة كلمة "حقًّا" بعد الصفات التي وصفهم بها، والتشريفات التي شرَّفهم بها، وهذا الحكم الذي أصدره في حقّهم، ندرك قولَ العلماء: إنَّ البدريينَ - أو هؤلاء الذين تقدَّم ذكرهم - لا تقع ذنوبُهم إلاَّ مغفورة؛ فقد وعدهم الله تعالى بالمغفرة مسبَّقاً، ولو كان ما ارتكبوه يستلزم التوبة ما وعدوا المغفرة فإنَّ الله يتوب عليهم كما قال: {ثمَّ تاب عليهم لِيتُوبوا} (1) ، يعني: يوفَّقون إلى التوبة والاستغفار، ولا يُصرُّون على ذنب؛ فالمغفرة حقَّت لهم، وكأنَّها حقٌّ من حقوقهم.
كما أنَّه ينبغي أن لا ننسى تنكير كلمة "مغفرة"، فهو سبحانه وتعالى لم يقل: "أولئك يغفر لهم ذنوبهم" أو "لهم الغفران". وإنَّما قال: {لهم مغفرة}. وللتنكير في هذا المقام روعته (2) ، لهم مغفرة تأتي على ذنوبهم ما مضى منها وما يأتي، ورزق كريم بالخلود في الجنَّة يوم القيامة.
[فضل السابقين الأولين على غيرهم]
ثمَّ يقول بعد ذلك في تفضيل من يذكرهم: {والذينَ ءامَنوا من بَعد وهاجَروا وجاهَدوا معكم فأولئكَ منكم} (3) ، لنتنبَّهْ لهذه النكتة الغريبة في قوله: {فأولئكَ منكم} (4) ، ماذا نفهم منها؟
__________
(1) -سورة التوبة: الآية 18.
(2) - والتنكير هنا أفاد العموم، لأنَّ النكرة من صيغ العموم.
(3) - سورة الأنفال: الآية 75. وقيل: هؤلاء هم المؤمنون المهاجرون من بعد صلح الحديبية، وهي الهجرة الثانية، وقيل: من بعد غزوة بدر؛ والأصحّ أنَّ المراد بهم الذين هاجروا بعد الهجرة الأولى.
... ... ... القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج8/ص59.
... ... ... الألوسي: روح المعاني، ج10/ص35.
... ... ... رشيد رضا: تفسير المنار، ج10/ص134.
(4) - أي في الموالاة والنصرة، وقال بعض: معكم في الموارثة. انظر المراجع السابقة. (1/15)
صفحة 16
نفهم من هذا أنَّ الجماعة الأولى التي تكوَّنت وتبلورت، واشتبك بعضها ببعض، قواعدها وأصولها هم المهاجرون والأنصار الذين عبَّر عنهم بقوله: {والسابقون الاوَّلون من المهاجرين والانصار} والذين جاؤوا بعد هذه الجماعة الأولى في ذلك الوقت نفسه، وآمنوا وهاجروا معهم فأولئك منهم.
فأصل المؤمنين على وجه الأرض كلّها هم هؤلاء السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار (1) ؛ والذين جاؤوا بعدهم وهاجروا وجاهدوا إلى يوم الفتح، لأنَّ الهجرة نُسخت بيوم الفتح (2) ، وقد كانت قبل واجبةً.
هذا كلام الله عزَّ وجلَّ وليس كلام بشر، أو كلام مؤلّف أو راوٍ:
{والذينَ ءامَنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذينَ ءاوَوا ونصرواْ، أولئك هم المومنونَ حقًّا، لهم مفغرة ورزق كريم، والذينَ ءامَنوا من بَعد وهاجَروا وجاهَدوا معكم فأولئكَ منكم}.
__________
(1) - لأنَّ لهم الفضل في السبق والأولوية، ولأنَّها الجماعة الأولى التي كوَّنت رابطة متينة، سواء الذين هاجروا مع النبيء (ص) أو الذين نصروه وآووه، ولقوله (ص) لمَّا سئل: «أيُّ الناس خير؟» قال: «قَرني ثمَّ الذينَ يلونهم ثمَّ الذين يلونهم».
... ... العسقلاني: فتح الباري، باب فضائل أصحاب النبيء (ص)، ج7/ص4.
... ... النووي: شرح صحيح مسلم، باب فضل الصحابة (ض) ثمَّ الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم، ج16/ص85.
(2) - عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادا ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»، وعن عائشة قالت: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الهجرة، فقال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا».
... ... ... العسقلاني: فتح الباري، باب فضل الجهاد والسير، ج6/ص3.
... ... ... النووي: شرح صحيح مسلم، باب المبايعة بعد فتح مكَّة على الإسلام والجهاد والخير، ج13/ص8. (1/16)
صفحة 17
إذن هذا هو الرعيل من الصحابة، ويبدو أنَّ هذه الآية تفسّرها وتبيِّنها آية سورة الحديد، من قوله تعالى: {لا يستوِي منكم منَ اَنفقَ من قبلِ الفتحِ وقاتَل أولئكَ أعظمُ درجةً منَ الذينَ أنفقوا مِن بعدُ وقاتلوا وكُلاًّ وعد الله الحسنى} (1) ، وآيةُ سورة التوبة، من قوله تعالى: {والسابقونَ الاوَّلونَ منَ المهاجرينَ والانصارِ والذينَ اتَّبعوهم بإحسانٍ رضيَ اللهُ عنهم ورضُوا عنهُ وأعدَّ لهم جنَّاتٍ تجري تحتهاَ الانهارُ خالدينَ فيها أبداً ذلك الفوزُ العظيمُ} (2) .
وعبَّر بالسبق والأولويَّة وهما وصفان قد يُغني أحدُهما عن الآخَر، كأن يقول: "والسابقون من المهاجرين والأنصار" أو "الأوَّلون منهم"، ولكنَّ الله تعالى جمع الوصفين معاً.
السابقون الأوَّلون: الأوائل الذين سبقوا إلى الإيمان بالنبيء - صلى الله عليه وسلم - وإلى الهجرة والنصرة، وإلى تقبُّل المهاجرين بينهم، فهؤلاء هم السابقون الأوَّلون.
والذين اتَّبعوهم بإحسانٍ: همُ الذين قال فيهم: {والذينَ ءامَنوا من بَعد وهاجَروا وجاهَدوا معكم فأولئكَ منكم}، وهذه الآية تعبّر بصريح العبارة أنَّ الهجرة لا تزال، وبابُها لا يزال مفتوحاً، ولا يزال من فرَّ بدينه من مكَّة في هذا العهد قبل الفتح يُعتبر مهاجراً، ولكن ليس فضله كالأوَّل السابق.
ترى من هم السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار (3) ؟
__________
(1) - سورة الحديد: الآية 10.
... وانظر ... القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج17/ص239.
(2) - سورة التوبة: الآية 100.
... وانظر ... الألوسي: روح المعاني، ج11/ص7.
(3) - السابقون الأوَّلون من المهاجرين قيل: هم الذين صلُّوا إلى القبلتين، وروي هذا عن أبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيّب، وابن سيرين، والحسن، وقتادة وغيرهم؛ وقيل: هم الذين شهدوا بدراً رووي هذا عن محمَّد بن كعب، وعطاء بن يسار، وقيل: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان في الحديبيَّة، وعليه الشعبي.
... وأمَّا السابقون الأوَّلون من الأنصار قيل: هم الذين بايعوا النبيء - صلى الله عليه وسلم - عند العقبة الأولى، وكانوا ستَّة نفر، وأهل العقبة الثانية وكانوا ثلاثا وسبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير يعلّمهم القرآن.
... ... ... ابن كثير: تفسير القرآن، ج3/ص286.
... ... ... الزمخشري: الكشّاف، ج2/ص55.
... ... ... الرازي: التفسير الكبير، ج4/ص504.
... ... ... ابن عبد البرّ: الاستيعاب، ج1/ص3.
... ... ... رشيد رضا: تفسير المنار، ج11/ص13-14. (1/17)
صفحة 18
قال بعض العلماء في القديم والحديث: هم من شهد بدراً، وقال بعض: هم من شهد الحديبية.
ولكن لماذا الخلاف، وتفسير ذلك جاءنا في كتاب الله، في قوله تعالى: {لا يستوِي منكم منَ اَنفقَ من قبلِ الفتحِ وقاتَل أولئكَ أعظمُ درجةً منَ الذينَ أنفقوا مِن بعدُ وقاتلوا وكُلاًّ وعد الله الحسنى}، والفتح إمَّا هو صلح الحديبية، وإمَّا هو فتح مكَّة، والجمهور على أنَّه فتح مكَّة (1) ، وإن كان بدأ النصرة والفتح إنَّما كان من الحديبية، لمَّا عقد النبيء - صلى الله عليه وسلم - صلحاً مع المشركين، فأزيلت حالة الحرب (2) ، ويومئذ اختلط أهل مكَّة والعربُ الذين من حولهم، بعضهم ببعض، مؤمنهم وكافرهم، فتمكَّن المسلمون من نشر الإسلام والدعوة إليه، وتمكَّن الكفَّار من رؤية أخلاق المسلمين ومعاملتهم الحسنة، كيف ربَّاهم القرآن وربَّاهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - في هذه المدَّة القصيرة، وكيف تحوّلوا وكأنَّهم خلق آخر (3) . ولهذا بدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً (4) ، فأسلم كثير من الأبطال منهم خالد بن الوليد، وقبل فتح مكَّة، فبدأت تباشير النصر، وبدأت أسبابه، يسلم بعضها إلى بعض، حتَّى كان الفتح في العام الثامن، فدخل النبيء - صلى الله عليه وسلم - مكَّة فاتحاً في عشرة آلاف، بعد أن كان الذين شهدوا بدرا ثلاثمائة وثلاثة عشر.
__________
(1) - وانظر في بيان معنى الفتح من هذه الآية: ... القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج17/ص239.
(2) - انظر ... ابن هشام: السيرة النبويَّة، ج2/ص316-317.
(3) - وهذا كلّه حدث بعد صلح الحديبيَّة عند عمرة القضاء، في السنة السابعة للهجرة، حيث حجّ من النبيء (ص) يومئذ ألفان سوى النساء والصبيان.
(4) - إشارة قوله تعالى: {إذا جآءَ نصرُ الله والفتحُ ورأيت الناسَ يدخلونَ في دينِ الله أفواجا، فسبِّح بحمد ربِّك، واستغفره إنَّه كان توَّاباً} سورة النصر. (1/18)
صفحة 19
فالنصُّ القرآنيُّ إذن ينصُّ على أفضلية الجماعة التي أسلمت وهاجرت قبل الفتح، وأنفقت وقاتلت، وهذه الجماعة منها السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار، ومنها الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا قبل الفتح؛ فهذا هو ترتيب طبقات الصحابة.
[الذين جاؤوا من بعدهم... والتابعون]
أمَّا قوله تعالى في سورة الحشر: {والذينَ جآؤوا من بعدِهم يقولون...} (1) ، في البيان الصادر فيمن له الحقُّ في الفيء الذي أفاءه الله على المسلمين، من أموال الكفَّار غير الأخماس الأربعة، التي تكون للمقاتلين إذا كان هنالك قتال، والذين يأخذون من الخمس الذي هو لله وللرسول ولذي القربى، فهؤلاء الذين جاؤوا من بعدهم هم الذين يأتون بعد هذه الجماعة إلى أن تقوم الساعة.
ففرقٌ إذن بين قوله: {والذينَ اتَّبعوهم بإحسانٍ}، وقوله: {والذين جآؤوا من بعدهم}، فافهموا جيِّداً دقَّة التعبير هنا ولا غرابة، فالكلام كلام الله، في أعلى درجات الفصاحة والبلاغة، فالتابعون عبَّر عنهم بالاتِّباع، وخصَّهم بذكر الهجرة والجهاد، وأمَّا الذين ورد ذكرهم في سورة الحشر في بيان من له الحقُّ في الفيء فعبَّر عنهم بالمجيء، والذين جاؤوا من بعدهم، أي من بعد المسلمين الأوَّلين حتَّى قيام الساعة، ولذلك وصفهم بقوله: {يقولون: ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}.
[حكم الله تعالى على الصحابة بالمغفرة والرضوان]
وقد حكم الله تعالى - في آيات عديدة من كتابه - بالمغفرة والرضوان على هؤلاء الصحابة في أساليب متنوِّعة، وعبارات مختلفة، منها قوله: {لهم مغفرة ورزق كريم}، {أولئك هم المومنون حقًّا}، {رضي الله عنهم ورضوا عنه}. والله تعالى لا يعود في رضاه، وقد أسنده إلى المهاجرين والأنصار، والذين اتَّبعوهم بإحسان.
__________
(1) - سورة الحشر: الآية 10. (1/19)
صفحة 20
ويقول الله تعالى في شأنهم في جيش العسرة في غزوة تبوك (1) : {لقد تَّاب الله على النبيء والمهاجرينَ والاَنصار الذين اتَّبعوه في ساعة العُسرة، من بعد ما كاد تزيغ قلوبُ فريقٍ مِّنهم، ثمَّ تاب عليهم، إنَّه بهم رؤوف رحيم} (2) . خصَّ الله تعالى ذكر المهاجرين والأنصار، الذين يركبون جيش العسرة، وذكر إلى جانبهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - تشريفا لهم، كما كان ذلك في قوله تعالى: {واعلَموا أنَّما غنِمتم من شيء، فأنَّ لله خُمُسه وللرسول} (3) .
والجمهور على أنَّ ذكر الله تعالى في مثل هذه المقامات تشريف لنبيئه ولمن ذُكر معه (4) ؛ ثمَّ بعد ذلك يخصُّ بالذكر الثلاثة الذين خُلِّفوا: {وعلى الثلاثة الذينَ خُلِّفوا...} (5) ، في قصَّة طويلة مشهورة (6) .
[المشقَّة التي تحمَّلها جيش العسرة]:
__________
(1) - وكان ذلك في رجب من سنة تسع للهجرة، وانظر ابن هشام: السيرة النبويَّة، ج2/ص3.
... ... ... ... ... ... وابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج1/ص819-822.
(2) - سورة التوبة: الآية 117.
(3) - سورة الأنفال: الآية 41.
(4) - انظر ... الطبري: جامع البيان، ج28/ص24.
(5) - سورة التوبة: الآية 118.
(6) - والثلاثة الذين خلّفوا في الأرض هم:
... ... أ)- كعب بن مالك بن أبيّ: كناه النبيء (ص) أبا عبد الله، شهد العقبة، وبايع بها، وتخلَّف عن بدر، وشهد أحدا، وتخلَّف أيضًا في تبوك. مات أيَّام قتل علي. ... العسقلاني: الإصابة، ج8/ص302.
... ... ب) هلال بن أمية بن عامر بن قيس الأنصاري: شهد بدراً وما بعدها، وعاش إلى خلافة معاوية. ... ... ... ... ... ... ... العسقلاني: ن، م، س، ج8/ص606-607
... ... جـ) مرارة بن الربيع الأنصاري الأوسي: من بني عمرو بن عوف، صحابي مشهور، شهد بدرا. ... ... ... ... ... ... ... العسقلاني، ن، م، س، ج8/ص396. (1/20)
صفحة 21
وجيش العُسرة هو الذي خرج لغزوة تبوك في مشارف الشام، بعد أن بلغ النبيءَ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ هرقل ملك الروم (1) ، ونصارى الشام يتهيَّأون لغزوه، فبادرهم لتخويفهم، وكانت وقت الصيف والحرُّ شديد، وخزائن المؤونة فرغت، لأنَّهم في آخر العام، وفي آخر العام لا يبقى إلاَّ الشيء القليل من الغلَّة التي كانت من العام الماضي، والغلَّة الجديدة لم تصل وهي في الإبَّان؛ وهم في عسر من جهة المال، وعسر من جهة الظهر، ليس لهم ما يحملهم، وكان العشرة يتعاقبون جملا واحداً، والمسافة بعيدة، لا ماء في الطريق، وصدق الله العظيم إذ سمَّى الغزوة بساعة العسرة.
أراد الله تعالى أن يختبر الصحابة ويبتليهم، فنفروا لمَّا استنفرهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، وأبلى فيها البلاء الحسن الإمام عثمان بن عفَّان، إذ جهَّز جيش العسرة من ماله الخاصِّ (2) ، ولغزوة تبوك وما وقع فيها من معجزات حديث يطول (3) ،
__________
(1) - هرقل أو هيراكليوس (610-641م): أمبراطور بيزانطي، قاهر الفرس، فشل في وقف الفتح العربي، فتخلّى عن سورية وفلسطين وما بين النهرين ومصر.
... ... ... ... ... ... دار الشروق: المنجد في اللغة والأعلام، ص595 (الأعلام).
(2) - قيل إنَّه أنفق ألف دينار، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «اللهمَّ ارضَ عن عثمان فإنِّي عنه راضٍ»، وكذلك التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها.
... ... ... ... ابن كثير: السيرة النبويَّة، ج4/ص6-7.
(3) - ومن معجزاته - صلى الله عليه وسلم - في هذه الغزوة: إذ كان اليومُ يومَ حرٍّ وعطش شديد، رفع يديه إلى السماء، فلم يرجعهما حتَّى أظلَّت السماء، ثمَّ سكبت فملؤا ما عندهم من الأواني.
... ... ... القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج8/ص297.
... وانظر تفاصيل الحادثة كاملة في الطبري: جامع البيان، ج11/ص39-40. (1/21)
صفحة 22
والله تعالى أعلن توبته على النبيء والمهاجرين والأنصار الذين اتَّبعوه في ساعة العسرة، وهو بهم رؤوف رحيم؛ ومن توبته عليهم أن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يوفِّقهم إلى التوبة ممَّا بدر منهم، ويحفظهم من الوقوع والإلمام بشيء، وإن ألمُّوا بشيء ذكَّرهم فإذا هم مبصرون فتابوا وأنابوا.
[رضا الله عن المبايعين تحت الشجرة]:
وقبل العسرة قال تعالى في صلح الحديبية (1) : {لقد رضيَ اللهُ عن المومنينَ إذ يبايِعونكَ تحتَ الشجرةِ فعلِم ما في قلوبهم، فأنزلَ السكينة عليهم، وأثابهم فتحا قريباً، ومغانِم كثيرة ياخذُونها، وكان الله عزيزاً حكيماً} (2) .
لقد: اللام مشعرة بقسم محذوف، وكأنَّه قال: وعزَّتي وجلالي. ثمَّ زاد توكيداً آخر بعد اللام بـ"قد" التي هي للتحقيق.
رضي عنهم، وأكَّد هذا الرضى، وقال: إنَّه أنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحاً قريباً، ومغانم كثيرة يأخذونها. وهل يعود الله في رضاه؟ وهل ينقض الله تعالى رضاه؟ وأصحاب الشجرة معروفون، هم ما بين ألف وأربعمائة وألف وخمسمائة (3) .
__________
(1) - صلح الحديبيَّة كان في آخر السنة السادسة للهجرة النبويَّة.
... ... ... وانظر ... ابن هشام: السيرة النبويَّة، ج2/ص308.
(2) - سورة الفتح: الآية 18-19.
(3) - قال الشيخ اطفيَّش: «وجُمع بين حديث مسلم وحديث البخاري بأنَّ ما في مسلم في مبدأ البيعة، والمؤمنون ألف وأربعمائة عند الجمهور، ورواه البخاري عن جابر، وحدَّث سعيد بن المسيب عن جابر أنَّهم ألف وخمسمائة، وكذا رواه أبو داووه عن عبد الله بن أبي؛ أو في ألف وثلاثمائة. وعند ابن أبي شيبة عن سلمة بن الأكوع ألف وسبعمائة؛ وذكر موسى بن عقبة أنَّهم ألف وتسعمائة؛ وعن ابن سعد ألف وخمسمائة وعشرين» اهـ.
... ... ... ... تيسير التفسير: ج5/ص425. وانظر ... ابن هشام: السيرة النبويَّة، ج2/325. (1/22)
صفحة 23
يقول الذين يطعنون في الإمام عثمان: إنَّه لم يشهد بيعة الرضوان، وبيعة الرضوان نفسها وقعت بسبب عثمان، إذ أرسله النبيء - صلى الله عليه وسلم - ليخاطب المشركين، لِما له من حذاقة ولباقة في المفاوضة، ولِما يتمتَّع به من حماية، وقد كان النبيء - صلى الله عليه وسلم - عرض الأمرَ على عمر فأشار عليه بعثمان (1) .
ولمَّا دخل عثمان مكَّة، وطالت إقامته، شاع بين الناس أنَّ المشركين اغتالوه، فتأثَّر المسلمون، فأمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالبيعة، فبايعوه تحت الشجرة، وكان المسلمون كلُّهم يمرُّون عليه واحداً واحداً، يبايعونه بيعة فردية، على الجهاد في سبيل الله، وعلى النصرة والموت معه، حتَّى إذا انتهى المسلمون من المبايعة، ضرب النبيء - صلى الله عليه وسلم - يمناه على شماله فقال: «هذه عن عثمان» (2) .
[إلزامهم كلمة التقوى]:
ويقول الله تعالى في شأنهم: {إذ جعلَ الذينَ كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية، فأنزلَ الله سكينته على رسوله، وعلى المومنين، وألزمهم كلمة التقوى، وكانوا أحقَّ بها وأهلَها، وكان اللهُ بكلِّ شيءٍ عليماً} (3) ، لله ما أعظم هذه الآيات في شأن الصحابة، خاصَّة أصحاب الحديبية.
ألزمهم كلمة التقوى، كأنَّه ألصقها بهم، وغرزها في قلوبهم فالتزموها، ولم يلبسوها لبس الثوب، ينزعه الواحد متى شاء، فالتقوى لازمة لهم، كأنَّها لا تنفكُّ عنهم، ولا ينفكُّون عنها في مغداهم ومراحهم، وفي أقوالهم وأفعالهم، وحركاتهم وسكناتهم.
__________
(1) - للتوسّع ينظر «عثمان رسول محمَّد إلى قريش»، ابن هشام: السير النبويَّة، ج2/ص315.
(2) - وانظر ... ابن كثير: السيرة النبويَّة، ج3/ص319.
(3) - سورة الفتح: الآية 126. وانظر تفسيرها عند اطفيَّش: تيسير التفسير، ج5/ص439-441. (1/23)
صفحة 24
وكلمة التقوى هي: لا إله إلاَّ الله، التي مثَّلها الله تعالى بقوله: {ضربَ الله مثلاً كلمة طيِّبة كشجرةٍ طيِّبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، توتي أُكلَها كلَّ حينٍ بإذن ربِّها} (1) ، فعقيدة الأولهية والوحدانية لله تعالى متمكِّنة في قلوبهم؛ وإذا تمكَّنت في القلب فهي كالشجرة الطيِّبة أصلها ثابتٌ وفرعُها في السماء، والأغصان هي حركات اللسان والعين والأنف، واليد والرجل، وغيرها التي تصدر عن ذلك الأصل الطيِّب، عن تلك الشجرة المغروسة الضاربة جذورها في قلوبهم، ولذلك ارتفعت أغصانها، فهي تؤتي أُكلها كلَّ حين، والتعبير بـ"كلِّ حين يدلُّ" على ما دلَّت عليه كلمة "وألزمهم كلمة التقوى"، فهم متَّقون في كلِّ حين، وشجرة التقوى متمكِّنة تؤتي أُكلها كلَّ حين، في العسر وفي اليسر، في المَنشطِ والمكره، في السفر والحضر، في الرخاء والشدَّة، في البأساء والضرَّاء، وفي النعماء والسرَّاء.
وإذا تأمَّلنا قوله تعالى: {وألزمهم كلمة التقوى} ثمَّ قولَه: {وكانوا أحقَّ بها وأهلَها}، نرى العجب والعظمة في ثلاثة أمور:
أوَّلاً- {ألزمهم كلمة التقوى}: ومن ألزمه الله شيئا لا يمكن أن ينفكَّ عنه، ولا أن يفكَّه عنه أحد، لا شيطان إنس ولا شيطان جنٍّ.
ثانياً- {وكانوا أحقَّ بها} يعني: هؤلاء هم أحقُّ بالتقوى، فقد يصف الناس أنفسَهم بالتقوى، فيقول أحدُهم: أنا متَّقٍ، أو عندي تقوى. ولكن الأحق بالتقوى هم هؤلاء، وهم أحقُّ بحقيقة الاتِّصاف بها من غيرهم، ولا يوجد مَن يماثلهم فيها، والصبغة جاءت على صورة اسم التفضيل.
ثالثاً- {وأهلَها}: لم يكتف الله تعالى بما تقدَّم فزاد قائلا: {وأهلَها}، وكأنَّه يقول: هؤلاء هم أهل التقوى.
فإذا سألتهم عن أهل التقوى؟ فهم هؤلاء.
وإذا سألتهم: من أحقُّ بالتقوى؟ فهم هؤلاء.
وإذا سألتهم عمَّن ألزمهم التقوى، لا تنفكُّ عنهم ولا ينفكُّون عنها؟ فهم هؤلاء.
__________
(1) - سورة إبراهيم: الآية 24 - 25. (1/24)
صفحة 25
فللَّه ما أعظم هذه الأوصاف.
[الذين هاجروا وجاهدوا من بعد ما فتنوا...]
ويقول الله تعالى في سورة النحل: {ثمَّ إنَّ ربَّك للذين هاجَروا من بعد ما فُتنوا، ثمَّ جاهدوا وصبروا إنَّ ربَّك من بعدها لغفور رَّحيم} (1) ، هذه الآية خاصَّة بالمهاجرين، {ثمَّ إنَّ ربَّك للذين} جعل الله تعالى نفسَه لهم، ويبدو لي أنَّ هذا التعبير أقوى وأعظم من المعيَّة في قوله تعالى: {إنَّ الله مع الذين اتَّقوا والذين هم محسنون} (2) ، وإن لم يكن أعظم منه، فهو في درجته؛ وإذا كان الله لهم، فإنَّه يرأف بهم، ويرحمهم، ويحبُّهم، ويعطيهم ما يريدون. فالتعبير باللام غريب في بابه، وانظروا إلى هذه الأوصاف الأربعة، حتَّى نعلم لماذا استحقُّوها:
- هاجروا من بعد ما فُتنوا، ثمَّ جاهدوا و صبروا.
أوَّل البلاء الفتنةُ التي أصابتهم وهم بمكَّة لمَّا دخلوا الإسلام، فمكر بهم المشركون، وعذَّبوهم، كما فعلوا ببلال وعمَّار، وآل ياسر، فمنهم من مات في العذاب، ومنهم من تحمَّله حتَّى نجَّاه الله (3) .
ومعنى قوله فُتنوا، يفيد أنَّ المشركين فعلوا بهم ما في وُسعهم ليحملوهم على ترك الإسلام، فأبوا (4) .
بعد هذه الفتنة التي تحمَّلوها سنوات في مكَّة، هاجروا وتركوا أموالهم وديارهم وأهلَهم في هذا الوطن العزيز المقدَّس: مكَّة. الذي لا أشرف منه في الدنيا (5) .
__________
(1) - سورة النحل: الآية 110.
(2) - سورة النحل: الآية 128.
(3) - منهم من مات في العذاب كياسر وسمية رضي الله عنهما، ومنهم من نجّاه الله كعمَّار بن ياسر وبلال بن رباح رضي الله عنهما.
(4) - مثل بلال - رضي الله عنه - حينما وضعوا على صدره صخرة كبيرة، ولكنَّه ثبت على دينه بكلمة التوحيد، حتَّى نجَّاه الله من غيض المشركين.
... ... ... ... ابن هشام: السيرة النبويَّة، ج1/ص318.
(5) - وكان ذلك في زوال يوم الاثنين، لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأوَّل من السنة الثالثة عشر من البعثة. ...
... ... ... ... ابن هشام، ن، م، س، ج1/ص590.
... ... ... ... ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج1/ص739. (1/25)
صفحة 26
ثمَّ جاهدوا: لمَّا هاجروا لم يهاجروا إلى مكان يستريحون فيه، ويعبدون ربَّهم في الظلِّ والرخاء، وإنَّما هاجروا إلى المدينة استعداداً للجهاد، فكانت سرايا، وكانت غزوات، وفي كلّ هذه كانوا صابرين.
فالمحنة أوَّلاً، والهجرة ثانيا، والجهاد ثالثا، والصبر في ذلك الجهاد رابعا. سواء جاءهم من جهة الوقت، كوقعة العسرة؛ أو في وقت فيه شيء من رخاء.
إنَّ ربَّك من بعدها، الضمير يعود إلى هذه المحن المتتالية، والتعبير بقوله: {من بعدها لغفور رحيم}، يبيِّن أنَّ هؤلاء بمحنهم هذه المتتالية لا يستحقُّون من الله تعالى إلاَّ المغفرة والرحمة، فكلُّ ما فعلوه مغفور لهم ومسموح. (1/26)
صفحة 27
والتنصيص بقوله: {من بعدها} وقوله: {لغفور رحيم}، يدلُّ على كثرة المغفرة وعظمتها، إمَّا لكثرة الذنوب، والله تعالى لا يستكثر ذنوبا فلا يغفرها (1) ؛ فإذا كان الإخلاص وكانت التوبة، وكانت أسباب المغفرة متوفِّرة، يغفرها على كثرتها. وإمَّا أن يكون الذنب عظيما فإنَّ الله تعالى لا يتعاظم عنده ذنب، إذا كانت التوبة من بابها المشروع (2) ، ونحن في دعائنا نقول: «اللهمَّ إنَّ ذنوبنا قد عظُمت وجلَّت وعفوُك أعظم منها وأجلُّ» (3) .
فإذا كانت هذه الآية واردة في حقِّ هؤلاء السابقين الأوَّلين، فماذا يبقى لهم من ذنوب يا ترى؟
فالآيات الواردة في فضل الصحابة، وفي توكيد المغفرة لهم، والرضى عنهم كثيرة، حتَّى أنَّه أمرنا بالاستغفار لهم، وجعله من الصفات التي كَلَّف بها من جاء من بعدهم.
بعد كلِّ هذا، كيف يمكن أن يُطلقَ أحدٌ لسانه في هؤلاء الأصحاب رضي الله عنهم، أم أنَّ الله تعالى لا يعرف ما سيفعلون وما سيكون منهم من بعد ذلك؟!.
[فضل العشرة المبشَّرين بالجنَّة]
__________
(1) - إشارة إلى قوله تعالى: {إنَّ اللهَ يغفر الذنوب جميعا إنَّه هو الغفور الرحيم} سورة الزمر: الآية 53.
(2) - إشارة إلى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديث قدسي عن سعيد بن بن عبيد قال: سمعت بكر بن عبد الله المزني يقول: حدَّثنا أنس بن مالك، قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قال الله: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لكَ على ما كان فيك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبُك عنان السماء، ثمَّ استغفرتني غفرتُ لكَ ولا أبالي. يا ابن آدم، إنك إن أتيتني بقِراب الأرض خطايا، ثمَّ لقيتني لا تشركُ بي شيئا لأتيتك بقِرابها مغفرة» قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه. ... ... ... ... ... الترميذي: صحيح الترمذي، أبواب الدعاء، باب 98، ج13، ص59.
(3) - لم أهتد إلى هذا الحديث في المعجم المفهرس، ولا في صحيح البخاري، ولا في مجمع الزوائد. (1/27)
صفحة 28
ومِمَّا يجب أن نعلمه مسبَّقا - قبل الدخول في الكلام على ما وقع بينهم - أنَّ الأصحاب العشرة ومنهم الخلفاء الراشدون، كلُّهم من السابقين الأوَّلين من المهاجرين، فمن هؤلاء العشرة؟
هم الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي؛ خلفاء بإجماع الأمَّة ما عدا الرافضة (1) قبَّحهم الله. ثمَّ طلحة (2) ، والزبير (3) ،
__________
(1) - الرافضة أو الروافض: هي فرقة من الشيعة، خرجت عن إمام الزيدية زيد بن علي بن الحسين، وأطلق عليهم اسم الرافضة، لأنَّهم رفضوا إمامة الشيخين أبي بكر وعمر، وتبرَّأوا منهما.
... ... انظر: ... الشهرستاني: الملل والنحل، ج1/ص155 .شفيق غربال: الموسوعة العربيَّة الميسَّرة، ص854.
(2) - هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو (28 ق.هـ - 36 هـ): ويكنَّى أبا محمَّد، من السابقين الأوَّلين إلى الإسلام، ويدعى طلحة الجود، وطلحة الخير، كما كان يدعوه النبيء - صلى الله عليه وسلم - . شهد أحدا وسائر الغزوات، وقتل يوم الجمل ودفن بالبصرة، وروى 38 حديثا.
... ... ... ابن سعد: طبقات، ج3/ص214-225.
... ... ... الزركلي: الأعلام، ج3/ص331.
(3) - هو الزبير بن العوَّام بن أسد بن عبد العزَّى (28 ق.هـ - 36 هـ): أحد الصحابة الأجلاَّء، والسابقين إلى الإسلام، أسلم وعمره 12 سنة، وهو أوَّل من سلَّ سيفه في الإسلام؛ شهد بدرا وأحدا وغيرها من الغزوات. قتل يوم الجمل بوادي السباع. وله 38 حديثا. وقال عنه النبيء - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ لكلِّ نبيء حواريا، وحواريي الزبير بن العوام».
... ... ... ابن سعد: ن، م، س، ج3/ص100-114.
... ... ... الزركلي: ن، م، س، ج3/ص74. (1/28)
صفحة 29
وسعد بن أبي وقَّاص (1) ، وسعيد بن زيد (2) ، وأبو عبيدة عامر بن الجرَّاح (3) ، وعبد الرحمن بن عوف (4) .
__________
(1) - هو سعد بن مالك بن وهب بن عبد مناف القرشي (23 ق. هـ - 55 هـ): صحابي جليل، أسلم وعمره 17 سنة، وشهد بدرا وافتتح القادسية، وهو أوَّل من رمى بسهم في سبيل الله، كان واليا على الكوفة في عهد عمر، ولمَّا جاء عثمان أقرّه عليها فترة ثمَّ عزله. مات في قصره بالعتيق، وهو من المكثرين، له 271 حديثا.
... ... ... ابن سعد: ن، م، س، ج3/ص137-148. ... الزركلي: ن، م، س، ج3/ص137.
(2) - هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزَّى أبو الأعور (22 ق. هـ - 51 هـ ): صحابي جليل، هاجر إلى المدينة وشهد المشاهد كلّها، ولاّه أبو عبيدة دمشق، وتوفي بالعقيق، فحمل إلى المدينة ودفن بها، وعمره بضعا وسبعين سنة. ... ابن سعد: ن، م، س، ج3/ص379-385.
... ... ... ... الزركلي: ن، م، س، ج3/ص146.
(3) - هو أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجرَّاح (40 ق. هـ - 18 هـ): الصحابي المشهور، شهد المشاهد كلّها، وولاه عمر بن الخطاب قيادة الجيش الزاحف إلى الشام، ففتح عدَّة بلدان أخرى، حتَّى وصل إلى شرق الفرات، وشمال أسيا الصغرى. توفي بالطاعون، ودفن في غوربستان، وعمره 58 سنة. قال فيه رسول الله (ص): «لكلّ نبيء أمين وأميني أبو عبيدة بن الجرّاح».
... ... ... ابن سعد: ن، م، س، ج3/ص409-415.
... ... ... الزركلي: ن، م، س، ج4/ص21.
(4) - هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث (44 ق. هـ - 32 هـ): ويكنَّى أبا محمَّد، من أكابر الصحابة، وهو أحد الستَّة من أصحاب الشورى، الذين جعل عمر الخلافة فيهم، شهد بدرا والمشاهد كلّها، واجتمعت له ثروة كبيرة، وأوصى قبل أن يموت بخمسين ألف دينار في سبيل الله، توفي بالمدينة. وله 56 حديثا.
... ... ... ابن سعد: ن، م، س، ج3/ص124-137. (1/29)
صفحة 30
والأمَّة كلُّها أجمعت على هؤلاء العشرة، وحتَّى العامَّة تقول: «أصحاب الرسول عشرة»، لأنَّهم هم المبشَّرون بالجنَّة، ولأنَّ ما تذكره الآيات من فضلٍ يعمُّ هؤلاء، ولكلِّ واحد منهم مزايا وفضائل لا تكاد تُعدُّ؛ وقد حكم الله على إيمانهم بأنَّه حقٌّ وأنَّهُم فائزون، وأنَّه رضي عنهم، وأنَّه تاب عنهم، وأنَّه لهم...
والنبيء - صلى الله عليه وسلم - بشَّرهم واحداً واحداً بالجنَّة (1) .
ولنستحضر في أذهاننا أنَّ الأصحاب يدخلون دخولاً أوليًّا في كلّ الآيات التي ذكرناها.
فقوله تعالى: {والسابقون الاَوَّلون مِن المهاجرين والاَنصار} منهم الأصحاب العشرة.
وقوله: {والذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين ءاوَوْا ونصروا أولئك هم المومنون حقًّا} منهم الأصحاب العشرة.
وقوله: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} (2) منهم الأصحاب العشرة.
وهم أيضًا ضمن مَن بايعوا بيعة الرضوان (3) ، وهم كذلك ضمن جيش العُسرة.
[عدد الصحابة وأسماؤهم والكتب المؤلَّفة فيهم]:
الصحابة عددهم يتكاثر شيئا فشيئا، خاصَّة بعد صلح الحديبية، ثمَّ بعد فتح مكَّة، وفي كلِّ غزوة كان عدد الصحابة يزيد عن الغزوة التي قبلها (4) ،
__________
(1) - وقد ذكر ثلاثة منهم وهم: أبو بكر وعمر وعثمان في حديث طويل.
... ... انظر: صحيح البخاري، كتاب (66)، فضائل الصحابة، باب (5) قول النبيء (ص): لو كنت متّخذا خليلاً، ج3، رقم 3451.
(2) - سورة الحشر: الآية 8.
(3) - إلاَّ عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كان غائبا، وأدّى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنه البعة .
(4) - فمثلا يوم بدر كان عدد المسلمين (314) رجلا، ويوم أحد تضاعف إلى (700)، وفي بيعة الرضوان (1400) رجلا، وفي فتح مكَّة (10000) رجل. ... وانظر هذه الأعداد خلال غزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسراياه في كلّ من:
... ... ... ابن هشام: السيرة النبويَّة، كله.
... ... ... ابن كثير: السيرة النبويَّة، كله.
... ... ... ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج1. (1/30)
صفحة 31
حتَّى كان حَجَّة الوداع في ذي الحجَّة من السنة العاشرة، حيث حجَّ معه - صلى الله عليه وسلم - مائة ألف أو يزيد.
وكانت قبل ذلك سنة الوفود (1) ، حيث كانت وفود العرب، تفد عليه - صلى الله عليه وسلم - لتُعلن الإسلام وتُظهر الولاء (2) ، ولكن كم يعلم المسلمون من أسماء الصحابة؟
لقد ألَّف كثير من العلماء في القديم كتباً في ذكر أسماء الصحابة، وتواريخهم، وفضائلهم، مثل:
كتاب "أُسد الغابة في معرفة الصحابة"، في خمس مجلَّدات لابن الأثير (3) .
وكتاب "الإصابة في معرفة الصحابة" لابن حجر (4) .
__________
(1) - وكان ذلك في السنة التاسعة (9). ... ... ابن كثير: ن، م، س، ج4/ص76.
(2) - ... ... ... ابن هشام: ن، م، س، ج2/ص559.. ... ...
... ... ... ابن كثير: ن، م، س، ج4/ص76.
(3) - هو المبارك بن محمَّد بن محمَّد بن محمَّد الشيباني الجزري (544-606هـ): ولد ونشأ بجزيرة ابن عمر؛ المحدّث اللغوي، الأصولي، أصيب بالنقرس فبطلت حركت يده، حتَّى توفي في إحدى قرى الموصل.
... ... وأهم تآليفه: النهاية، جامع الأصول في أحاديث الرسول.
... ... ... ... الزركلي: الأعلام، ج6/ص152.
(4) - هو أحمد بن علي بن محمَّد الكناني العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين ابن حجر (773-852هـ): ولد بعسقلان بفلسطين، كان مولعا بالأدب والشعر، ثمَّ اتجه إلى الحديث. ولي قضاء مصر مرّات ثمَّ اعتزل.
... ... ومن تصانيفه: فتح الباربي في شرح صحيح البخاري الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، ولسان الميزان، وتقريب التهذيب. وتوفي بمصر عن عمر يناهز 77 سنة.
... ... ... ... الزركلي: ن، م، س، ج4/ص171-172. (1/31)
صفحة 32
وقد احتوت هذه الكتب على المئات منهم وربَّما الآلاف، فهي لا تذكر الصحابة جميعهم، لأنَّ المذكورين فيها هم المشهورون مثل الخلفاء الراشدين، وأمراء الأجناد، وقوَّاد الجيش، ومن تولَّى أمراً من أمور النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، أو أمراً في عهد أبي بكر أو عمر، أو من كانت له قصَّة مع النبيء - صلى الله عليه وسلم - أو روى عنه حديثا أو أحاديث مِمَّن يمرُّ عليهم سند الحديث؛ فهؤلاء هم الذين أرَّخ لهم العلماء، أمَّا عشرات الآلاف الآخرين فلم يُذكروا.
[بداية الفتن في الأمَّة الإسلامية]
ومن هؤلاء العشرة الذين ذكرنا قبل من تولَّى الخلافة بعد النبيء - صلى الله عليه وسلم - كأبي بكر - رضي الله عنه - ، الذي دام له الأمر سنتان وأربعة أشهر (1) ؛ ثمَّ استخلف عمر بن الخطَّاب فأجمعت الأمَّة عليه، ودام في الحكم عشر سنين وستة أشهر (2) ، ثمَّ قُتل بيد غلام المغيرة أبي لؤلؤة المجوسي (3) لعنه الله؛ وترك عمر الأمرَ شورى بين ستَّة (4)
__________
(1) - انظر: ... ابن سعد: طبقات، بيعة أبي بكر رحم، ج3/ص185.
(2) - انظر: ... ابن سعد: ن، م، س، استخلاف عمر - رضي الله عنه - ، ج3/ص274.
(3) - حيث طعنه ثلاث طعنات وطعن معه ثلاثة عشر من المصلّين، فمات منهم ستَّة أو سبعة، فنادى عمر بن الخطاب وهو يشير بيده، دونكم الكلب قد قتلني. ... ... ... ابن سعد: ن، م، س، ج3/ص340-341 .
(4) - والستة هم: عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله. ... انظر: ... ابن سعد: ن، م، س، ج3/ص340.
... ... ... ... ... ... ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج1/ص994.. (1/32)
صفحة 33
فأجمعوا على عثمان بن عفَّان (1) ، حتَّى قُتل في فتنة الدار (2) ؛ ثمَّ تولَّى الخلافة بحقٍّ عليُّ بن أبي طالب (3) ، حتَّى قُتل بيد عبد الرحمن بن ملجم (4) .
فهذه الفتن التي ثارت بداية من عهد عثمان، فكانت فنتة الدار التي أودت بحياة الخليفة عثمان؛ ثمَّ كان يوم الجمل (5) بين طلحة والزبير وعائشة أمّ المؤمنين من جهة، والإمام عليّ من جهة أخرى؛ ثمَّ كان يوم صفِّين (6) بين الإمام عليّ ومعاوية الذي لم يقبل خلافته، فكان ما كان مِمَّا أراده الله.
والله تعالى أراد - لحكمة يعلمها هو - أن تثور هذه الفتن، وأن يذهب فيها كثير من أفاضل المسلمين ضحايا.
[موقف المسلمين من الفتن]:
فما موقف من جاء بعد هذه الفتن؟
«
__________
(1) - انظر: ... ابن سعد: ن، م، س، بيعة عثمان بن عفَّان رحمه الله، ج3/ص62
(2) - قتلوه وهو يقرأ في المصحف، فتقدّمهم محمَّد بن أبي بكر، فأخذ بلحيته، ثمَّ طعن جبينه بمشقص في يده، وأخذ كنانة ابن بشر بن عتاب سيفه وقتله، فسال الدم على مصحفه، ومات بداره، وسميت بذلك فتنة الدار.
... ... ... ابن سعد: ن، م، س، ج3/ص72.
(3) - وكان ذلك في الغد من يوم قتل عثمان، يوم الجمعة لثاني عشرة ليلة مضت من ذي الحجَّة سنة 35هـ، ودامت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. ... ... ابن سعد: ن، م، س، ج3/ص31.
(4) - قتله وهو خارج من بيته إلى المسجد لصلاة الصبح، فأصابه بسيفه في جبهته، حتَّى وصل إلى دماغه، فمات ودفن بالكوفة، في الرحبة، وكان ذلك في سنة 39 للهجرة..
(5) - وكان ذلك في جمادى الآخرة من سنة 36 لمَّا قدم إلى البصرة علي بن أبي طالب فلقي طلحة والزبير وعائشة، وظفر بهم، وقُتل يوميذ طلحة والزبير وثلاثة عشر ألف قتيل. ... ابن سعد: ن، م، س، ج3/ص32.
(6) - وكان ذلك في صفر سنة 37 للهجرة، وقتل في المعركة عمّار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت وغيرهما.
... ... ... ... ... ... ... ... ابن سعد: ن، م، س، ج3/ص32-33. (1/33)
صفحة 34
الفتنة نار لعن الله من أوقدها، والفنتة نائمة لعن الله من أيقظها» (1) ، والفتنة محنة وبلاء يضلُّ فيها الحليم، وترتبك فيها العقول، وتزلُّ فيها الأقدام، وليس من السهل أن نتعرَّف على الأسباب الحقيقيَّة للفتنة وعلى المسؤول عنها.
فما موقف المسلمين عامَّة من هذه الحروب والفتن؟
وما موقفنا نحن - اليوم - الذين جئينا بعدها بقرابة أربعة عشر قرنا، وإلى أن تقوم الساعة؟
إنَّه الأمر الخطير، والموضوع الكبير، نرجو أن يوفّقنا الله تعالى إلى بيان وجه الحقّ فيه، معتمدين على ما يحضرنا من الأدلَّة.
وفي هذه المقدّمة، وهذه الفذلكة في فضل الصحابة، وما ورد في حقّهم من آيات، ضوء ينير الطريق أمامنا، والذي سنسلكه في قضية الفتنة بحول الله.
إنَّ الأمر الذي يهمُّنا في معرض حديثنا عمَّا جرى من الفتن بين الصحابة، هي قضية التوبة والمغفرة التي وردت في كثير من الآيات الكريمة، السابق ذكرها.
وفي معناها يقول ابن عبَّاس: «أمر الله تعالى بالاستغفار لأصحاب محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وهو يعلم أنَّهم سيُفتنون» (2) .
__________
(1) هذا الحديث لم أهتد إليه فيما رجعت إليه من المصادر: الجامع الصحيح، المعجم المفهرس، صحيح البخاري، مجمع الزوائد... وغيرها.
(2) - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج18/ص33. (1/34)
صفحة 35
ففي الوقت الذي كان الله تعالى يؤكّد على الرضا عن هؤلاء، خاصَّة على التوبة عليهم، وعلى تكفير ذنوبهم ومغفرته ورحمته لهم، يعلم - وهو علاَّم الغيوب - أنَّهم سيفتنون، وسيقع بينهم ما يقع، كما أخبرنا بذلك رسوله - صلى الله عليه وسلم - بـ«أنَّ فتنا كقطع الليل المظلم ستكون بين هذه الأمَّة» (1) ، وسأله أصحابه عن المخرج، فدلَّهم عليه.
فالله تعالى لم يكتف بتأكيد التوبة والمغفرة لهؤلاء، بل زاد وأمر كلَّ من جاء من بعدهم - إلى أن تقوم الساعة - بالاستغفار لهم، وذلك قوله: {والذين جآؤوا من بعدهم يقولون ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} (2) .
__________
(1) حدّثني يحي بن أيُّوب وقتيبة وابن حجر جميعا عن إسماعيل بن جعفر، قال ابن أيُّوب: حدّثنا إسماعيل قال: أخبرني العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يتبع دينه بعرض من الدنيا».
... صحيح مسلم، كتاب (1)، باب (51) الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، ج1/ص110، رقم 186.
... مسند أحمد بن حنبل، ج1/ص186.
... صحيح الترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء ستكون فتن كقطع الليل المظلم، ج9/ص49.
(2) - سورة الحشر: الآية 10. (1/35)
صفحة 36
يمكن لأحد أن يقول: إنه يدخل في قوله: {الذين سبقونا بالإيمان} جميع الأجيال التي تقدَّمتنا ووصلتنا على أيديهم شريعةُ الله وكتابه، لكن الذين يدخلون في الآية دخولا أوَّليا هم الرعيل الأوَّل الذي صحب النبيء - صلى الله عليه وسلم - وسبق إلى الإيمان به، وإلى الهجرة والجهاد معه، وإلى تلقِّي القرآن والسنَّة عنه، ثمَّ بلّغوها للجيل الذي كان معهم، فهؤلاء طبعا المقصودون أوَّلاً، لا أجدادنا وآباؤنا الأقربون، ومن قواعد الشرع الثابتة عدم الاستغفار لمشرك أو لكافر أو لمن يُبرأ منه (1) .
فزيادةً في فضل هؤلاء أراد الله تعالى أن تكون أطباقا من النور تدخل عليهم ما دام على ظهر الأرض مؤمن يذكر الله ويستغفر للذين سبقوه، فإذا قلنا نحن اليوم: ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان؛ فإنَّ الحظَّ الأوفر من هذا الدعاء ينصرف إلى السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار.
[جزاء من سبّ الصحابة مبغضا لهم]:
وبما أنَّ هذه الآية جاءت بعد ذكر الأقسام الذين يقسَم عليهم الفيء، قال العلماء والمفسّرون: «إنَّ من سبَّ أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو كان في قلبِه بغض لأحد منهم، خاصَّة السابقين الأوَّلين، فإنَّه لا حظَّ له في الفيء (2) ، لأنَّ الله تعالى جعل هذا الحظَّ للذين جاؤوا من بعدهم، مقرونا بشرط وهو الاستغفار لهم، فمن كان لا يستغفر لمن سبقه بالإيمان، أو كان في قلبه بغض لهم، أو كان يسبُّهم، فإنَّه لا يعطى من الفيء.
__________
(1) - إشارة إلى قوله تعالى: {ما كن للنيء والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين، ولو كانوا أولي قربى، من بعد ما تبيّن لهم, أنَّهم, أصحاب الجحيم} سورة التوبة: الآية 113.
(2) - ... ... ... القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج18/ص32. (1/36)
صفحة 37
روي عن الإمام مالك - رضي الله عنه - عنه قوله: «من كان له في أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - قول سيّء أو بغض فلا حظَّ له في الفيء» (1) . وروي مثل هذا عن الشيخ اطفيَّش في التيسير وعن غيره من الأيمَّة.
ذلك إذن كان حكم الله تعالى على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتابه الكريم.
[الأحاديث الواردة في فضل الصحابة والنهي عن سبِّهم]
وقد وردت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة في فضل الصحابة - رضي الله عنهم - نذكر منها حديثا رواه أصحاب السنن، وذكره الشيخ اطفيَّش في التيسير. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» (2) - وهي من الأحاديث المتَّفق عليها بين الأمَّة - يعني: اتركوا لي أصحابي، لا تسبُّوهم ولاتمسُّوهم بسوء، فلو أنَّ أحدمكم يكون عنده مثل جبل أحدٍ ذهبا - وجبل أحد جبل عظيم يعرفه كلُّ من زار المدينة - أنفقه في سبيل الله، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه.
__________
(1) - ... ... ابن العربي: أحكام القرآن، ج4/ص1778.
... ... ... القطب اطفيَّش: تيسير التفسير، ج6/ص157.
(2) - عن الأعمش قال: سمعت ذكوان يحدّث يحدّث عن أبي سعيد الخذري - رضي الله عنه - قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - : «لا تسبّوا أصحابي، فلو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه».
... صحيح البخاري، كتاب (66) فضائل الصحابة، باب (5) قول النبيء (ص) لو كنت متّخذا خليلا، ج3/ص1343، رقم 3470.
... صحيح مسلم، كتاب (44) فضائل الصحابة، باب (54) تحريم سبّ الصحابة رضي الله عنهم، ج4/ص1967، رقم 221.. بلفظ: «... ما أدرك مدَّ أحدهم...». (1/37)
صفحة 38
ويقول - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر: «الله الله في أصحابي لا تتَّخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله سبحانه، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» (1) .
«الله الله» يعني: اتَّقوا الله، اتَّقوا الله في أصحابي.
«لا تتَّخذوهم غرضاً بعدي»: الغرض هو الهدف الذي يرمى إليه، وهو الشيء الذي ينصبه الناس شارة يرمونه بالحجارة أو بالنبل، أو بشيء آخر، إمَّا للعبث واللهو واللعب، وإمَّا لتعلُّم الرمي.
وقوله غرضا أي ترمونهم، ومن كان يسبُّ أحداً أو يقول فيه فكأنَّه يقذفه ويرميه، فيضربه ويجرحه.
«فمن أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم»: أحبَّهم لأنَّهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لأنَّهم الطائفة الأولى التي سبقت إلى الإسلام والهجرة والنصرة، وهم جلساؤه وحملة الشريعة عنه، وهم الذين وقع عليهم اختيار الله تعالى لصحبه نبيئه، واختيار الله لا يقع صدفة، وإنَّما عن قصد وعمدٍ، فكما فضَّل محمَّداً - صلى الله عليه وسلم - على الخلق فضَّل الجماعة التي تلتفُّ من حوله، فتكون أوَّل من يؤمن به، وأوَّل من يصحبه، وأوَّل من يهاجر معه، وأوَّل من يموت في سيبله، وأوَّل من ينقل الدين عنه؛ فهم مختارون منتخبون، وهم خير الأمَّة على الإطلاق (2) ، وهذه المزية لم تكن لأحد غيرهم.
«ومن أبغضهم فبِبغضي أبغضهم»، من أبغضهم فقد أبغض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
«
__________
(1) - مسند أحمد بن حنبل، ج5/ص54.
... المعجم المفهرس، ج3/ص256.
(2) - في حديث قال - صلى الله عليه وسلم - : «خير هذه الأمَّة القرن الذي بعثت أنا فيهم، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم؛ ثمَّ يكون قوم تسبق شهادتهم إيمانهم، وإيمانهم شهادتَهم».
... مسند أحمد بن حنبل، ج5/ص357. (1/38)
صفحة 39
ومن آذاهم فقد آذاني...». والحديث واضح مفهوم، وقد رواه الشيخ اطفيَّش في التيسير (1) كذلك، وقال: «قيل لعائشة رضي الله عنها: إنَّ أناساً يتناولون الصحابة حتَّى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون! انقطع عنهم العمل، وأحبَّ الله أن لا ينقطع عنهم الأجر» (2) .
هذا كلام جميل لعائشة، معناه: إنَّ هؤلاء السابقين الأوَّلين الذين ذهبوا إلى ربِّهم وانقطعت أعمالهم، أحبَّ الله تعالى أن لا ينقطع الأجرُ عنهم، من جهة الذين يسبُّونهم، ومن جهة الذين يستغفرون لهم.
وقد قالت عائشة في حديث آخر: «أُمروا بالاستغفار لأصحاب محمَّد فسبُّوهم» (3) .
ثمَّ إنَّ الآيات الكريمة، من قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين...والذين جآؤوا من بعدهم...} دليل على وجوب حبِّ الصحابة، وعلى كفر وضلال من سبَّهم وشتمهم في أيِّ زمان وأيِّ مكان، خاصَّة الطائفة الأولى من السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار،
وبخاصة أصحاب بدر، وأصحاب أحد، وأصحاب الخندق أو الأحزاب، وأصحاب الحديبية، وأصحاب خيبر، وأصحاب جيش العسرة أو تبوك، الذين نزل فيهم ما نزل، وقد حكم الله تعالى عليهم بأنَّهم المؤمنون حقًّا، وأنَّ كلمة التقوى لازمة لهم، وأنَّهُم أحقُّ بها وأهلها، تم أكَّد لهم المغفرة في آيات كثيرة.
[قصَّة حاطب بن أبي بلتعة]
وأذكر حديثا واحدا في المغفرة كدليل، وهو حديث حاطب بن أبي بلتعة (4) .
__________
(1) - ج6/ص158.
(2) - القطب اطفيش: ن، م، س، ج6/ص158.
(3) - ... ... القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج18/ص33.
... ... القطب اطفيش: ن، م، س، ج6/157-158.
(4) - هو حاطب بن أبي بلتعة بن عمر بن عمير بن سلمة اللخمي حليف بني أسد (35 ق هـ - 30 هـ): صحابي مشهور شهد المشاهد كلّها مع رسول الله e، وهو من أشدّ الرماة، وكانت له تجارة واسعة.
... ... بعثه النبيء e بكتاب إلى المقوقس صاحب الاسكندرية، مات بالمدينة وهو ابن خمس وستين (65). وصلّى عليه عثمان بن عفّان رضي الله عنه. ... ابن سعد: طبقات، ج3/ص114.
... ... ... ... ابن حجر: الإصابة، ج1/ص300.
... ... ... ... الزركلي: الأعلام، ج2/ص163. (1/39)
صفحة 40
وهو مِمَّن شهد بدراً ومن السابقين الأوَّلين من المهاجرين؛ وقد ارتكب ذنباً عظيماً، وهو ما يعبَّر عنه اليوم بالخيانة العظمى، التي يحكم على صاحبها بالإعدام شنقا أو رميا بالرصاص.
وذلك أنَّ النبيء e لمَّا نقضت قريش الهدنة التي عقدت في اتِّفاقية صلح الحديبية، عزم على فتح مكَّة بإذن من الله تعالى، وكتم الأخبار، ودعا الله (1) أن يأخذ العيون (2) والأخبار عن قريش، حتَّى يبغتهم في ديارهم.
فكان الأمر كذلك، وبدأ النبيء e في التجهيز، ولم يُعلِم الناس بوجهته إلاَّ الخاصَّة من الصحابة y، ووصّاهم بعدم إشاعة الخبر، ولكن حاطبا كتب رسالة إلى قريش، يخبرهم فيها بعزم النبيء e على غزوهم، وأعطى الرسالة امرأة (3) ظعينة (4) فظفِرتها في ظُفرتها، وخرجت تطلب مكَّة.
ونزل جبريل من قبل الله جلَّ جلاله يخبر النبيء e بالحادثة، فأرسل عليَّ بن أبي طالب والزبير بن العوَّام (5) في طلب المرأة، فأدركاها في بعض الطريق، في مكان يسمَّى "روضة خاخ" (6) .
__________
(1) - قال: «اللهمَّ عمِّ عليهم خبرنا». ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج6/ص260.
(2) - العيون: جمع عين، والعين هو الذي يبعث لتجسّس الخبر، ويسمّى ذا العينين. ابن منظور: لسان العرب، ج54/ص301.
(3) - هي سارة مولاة أبي عمرو بن صفي بن هشام.
(4) - الظعينة: الجمل يظعن فيه، وهو أيضًا الهودج تكون فيه المرأة وقيل: سميت المرأة ظعينة، لأنَّها تظعن مع زوجها، ولا تسمّى ظعينة إلاَّ وهي في الهودج. ابن منظور: ن، م، س، ج54/ص271.
(5) - وفي رواية أخرى أرسل معهما المقداد، وفي رواية أخرى كذلك أرسل عليا والزبير وأبا مرثد الغنوي، وفي رواية أرسل عليا وعمار بن ياسر، وفي رواية أخرى أرسل عليا وعمارا وعمر والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد.
(6) - روضة خاخ: موضع بين الحرمين بقرب حمراء الأسد من المدينة. ... الحموي: معجم البلدان، ج3/ص384 (1/40)
صفحة 41
طلبا منها الكتاب فأنكرته، وفتَّشاها تفتيشاً بسيطاً فلم يجدوا شيئا، حتَّى همَّا بالرجوع، لكن الإمام عليّ قال لها: «لتخرجنَّ الكتاب أو لنجرِّدنَّك»؛ والذي دفع بالإمام عليّ كرَّم الله وجهه إلى هذا التهديد تصديقه لخبر النبيء e أنّ مع المرأة كتابا، وحاشا الإمام عليّ أن يتجرَّأ على عورة وهو الكريم الذي تعفُّ نفسه عن النظر إلى عورة من العورات، وقصَّته مع عمرو بن العاص في صفِّين مشهورة، إذ لمَّا تغلَّب الإمام عليّ على عمرو وأراد قتله، لجأ عمرو إلى الخديعة، وهو يعلم أنَّ الإمام عليّ حييٌّ لا ينظر إلى عورة أبداً، فكشف له عورته، فالتفت عليٌّ وأعرض عنه. فنجا عمرو بهذه المذمَّة، حتَّى قال شاعر فيه:
ولا خير في دفع الرذى بمذمَّة ... كما ردَّها يوماً بسوءته عمرو (1)
وهذه الحادثة تبيِّن لنا كرم نفس الإمام عليٍّ كرما عجيباً، لا تقبل أن ترى عورة أو تكشف عورة أحدٍ.
وكذا كان حال هذه المرأة لمَّا وصل الأمر إلى التهديد بالكشف، خلَّت ظفيرتها وأخرجت الكتاب وسلَّمته إيَّاه، فجاء بالمرأة والكتاب إلى النبيء e فوجد الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بعزم النبيء e على غزوهم في مكَّة.
نادى النبيء e فقال له: «ما حملك على هذا يا حاطب؟». فقال: «والله يا رسول الله إنِّي لمؤمن بالله ورسوله، ما بدَّلت وما غيَّرتُ، ولكن لي بين ظهرانيهم أهل وولدٌ وليس لي عشيرة، فصانعتهم عليه».
وحاطب بن أبي بلتعة أجنبيٌّ عن مكَّة، هاجر إلى المدينة وترك أهله بها، وشارك في غزوة بدر، فخاف على أهله وولده فصانع أهل مكَّة علّه يدفعهم لحماية أهله، وهو موقن بانتصار النبيء e لكنَّه خطر له هذا الخاطر فقام بهذا العمل.
__________
(1) - لم أهتد إلى هذه الحادثة، ولا إلى هذا البيت وقائله. (1/41)
صفحة 42
وهذا الفعل في حقيقته خيانة عظمى، خاصَّة وأنَّ النبيء e كتم الخبر وحجَّر إذاعته، ودعا ربَّه أن يأخذ العيون والأخبار عن قريش. وكان عمر t حاضرا بالمجلس فقال: «دعني يا رسول الله أضربُ عنقه، إنَّه قد نافق».
فماذا كان جواب رسول الله e والحكمة في جوابه؟
قال: «ما يدريك يا عمر لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» (1) .
وهنا النكتة المهمَّة، وهنا تُطأطأ الرؤوس: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم.
ما يدريك يا عمر لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدر، على هؤلاء الذين قاموا بهذه المعركة الأولى في الإسلام، والتي انتصرت فيها راية الله، وعلت فيها كلمته، وقُتل فيها صناديد المشركين، وكان ما كان.
[مغفرة الله واسعة]
ويكفي في الصحابيِّ أن يقال فيه: إنَّه بدريٌّ.
ولهذا يقول بعض العلماء (2) في هؤلاء: لا تقع ذنوبهم إلاَّ مغفورة، يقع منهم الذنب وهو في حكم الله مغفور، بما قدَّم صاحبُه وبما أخَّر من عمل الخير، وهل في هذا عجب؟!
فهذه الكلمة إذن تفسِّر لنا وعود المغفرة الواردة في قوله تعالى من سورة آل عمران: {فالذين هاجروا وأُخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي، وقاتلوا وقُتلوا لأكفرنَّ عنهم سيِّئاتهم} (3) .
السيئات الماضية والآتية، وهذا وعد الله الفعَّال لِما يريد.
__________
(1) - تفاصيل هذه القصّة المشهورة مبسوطة في كتب الأحاديث والتفاسير، وانظر مثلا:
... ... ... صحيح البخاري، كتاب (60) الجهاد، باب (140) الجسوس، ج3/ص1095، رقم 2245.
... ... صحيح مسلم، كتاب (44) فضائل الصحابة، باب (36) فضائل أهل بدر yوقصة حاطب بن أبي ... ... ... ... بلتعة، ج4/ص1941، رقم 161
... ... ... القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج18/ص50. ... القطب اطفيَّش: تيسير التفسير، ج6/ص172.
(2) - ابن حجر: فتح الباري، ج8/ص515 .
(3) - سورة آل عمران: الآية 195. (1/42)
صفحة 43
وقوله في سورة النحل: {ثمَّ إنَّ ربك للذين هاجروا من بعد ما فُتنوا ثمَّ جاهدوا وصبروا إنَّ ربك من بعدها لغفور رَّحيم} (1) .
والشيء الذي يجعل هذه المغفرة ميزة لهم خاصَّة، هو أنَّ الحكم العامَّ الذي أنزله الله في كتابه في شأن الكفرة الذين أسلموا هو قوله: {قل لِّلذين كفروا إن يَّنتهوا يُغفَر لهم ما قد سلفَ} (2) . وهذا حكم عامٌّ لأنَّ الإسلام جبٌّ لمَا قبله، وفيهم ورد كذلك: «من قال لا إلاَّ الله دخل الجنَّة وإن زنى وإن سرق» (3) ،
__________
(1) - سورة النحل : الآية 110.
(2) - سورة الانفال: الآية 38.
(3) - عن أبي ذر t قال: قال رسول الله e: «أتاني آت من ربي فأخبرني - أو قال - بشّرني أنَّه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنَّة وإن زنى وإن سرق، قال وإن زنى وإن سرق».
... صحيح البخاري، كتاب (29) الجنائز، باب (1) في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلاَّ الله، ج1/ص417، رقم 1180.
... ورواه كذلك مسلم عن أبي ذر قال: أتيت النبيء e وهو نائم عليه ثوب أبيض ثمَّ أتيته فإذا هو نائم، ثمَّ أتيته وقد استيقظ، فجلستُ إليه فقال: «ما من عبد قال لا إله إلاَّ الله ثمَّ مات على ذلك إلاَّ دخل الجنَّة» قلتُ: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» ثلاثا.
... ثمَّ قال في الرابعة: «على رغم أنف أبي ذرّ» قال فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر.
... صحيح مسلم، كتاب (1) الإيمان، باب (40) من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنَّة ومن مات مشركا دخل النار، ج1/ص94، رقم 154.
... وعند الهيثمي: عن أبي الدرداء، وقال في آخر الجديث: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء». رواه أحمد والبزار، والطبراني في الكبير والأوسط، وإسناد أحمد أصحّ وفيه ابن لهيعة، وقد احتجّ به غير واحد.
... مجمع الزوائد، مج1، ص1/ص16. (1/43)
صفحة 44
يعني قبلَ قوله: لا إله إلاَّ الله؛ أي في حال الشرك، لا كما يفهمه البعض، ولو كان بعد الإسلام، لأنَّ الرسول e يقول: في حديثه: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» (1) . فكلمة: لا إله إلاَّ الله، تغفر ما تقدَّم في الكفر.
هذا حكم عامٌّ لكلِّ كافر، وما ذكره الله تعالى من المغفرة في شأن السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، هؤلاء الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم من بعد ما فُتنوا ثمَّ قاتلوا وقُتلوا، هو أمرٌ خاصٌّ فوق هذا الحكم العامِّ، والأمر ظاهر.
فمغفرة ما قد سلف تثبت لهم بالإيمان، فبماذا امتازوا إذن؟
امتازوا بما ذكره الله من الرضا عنهم، وبحقيقة الإيمان، وبلزوم التقوى، وبأهليتهم لها، ثمَّ الرضا عنهم، والمغفرة لهم أخيراً، ثمَّ لم يكتف بهذا حتَّى أمر الذين يجيئون من بعدهم أن يستغفروا لهم.
وقد يتساءل أحد فيقول: كيف يغفر لهم ما تقدَّم من ذنوبهم؟
__________
(1) - قال أبو هريرة: إن رسول الله e قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» وكان أبو هريرة يلحق بهنَّ: «ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن».
... صحيح مسلم، كتاب (1) الإيمان، باب (24) بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبّسين بالمعصية على إرادة نفي كماله، ج1/ص76، رقم 100.
... وفي صحيح البخاري مثله بتقديم شرب الخمر على السرقة، كتاب (51) المظالم، باب (31) النهب بغير إذن صاحبه، ج2/ص875، رقم 2342..
... وانظر: المعجم المفهرس، ج2/ص456: ترمذي، إيمان باب (11). النسائي، أشربة باب (42). ابن ماجه، فتن باب (3). الدارمي، أشربة باب (11). أحمد بن حنبل، ج2/ص139. (1/44)
صفحة 45
أوَّلاً: الله تعالى - وهو خالقهم - أنزل فيهم حكمه بالمغفرة، وهو يعلم أنَّهم سيفتنون، ويعلم أنَّهم سيتوبون، كما يعلم عذرهم في اجتهادهم، وهذا مِمَّا استأثر الله بعلمه.
ثانيا: أوَلَم يرد عن النبيء e قوله: «صوم عرفة يكفِّر سنة ماضية وسنة آتية» (1) . وتُقبِّل الحديث بقبول حسن، حتَّى قال البعض: ما كنَّا نرغب في صوم عرفة، حتَّى قال النبيء e: «يكفِّر سنة قبله وسنة بعده»؛ ونحن نعلم وندرس أنَّ صوم عرفة يكفِّر سنة ماضية وسنة آتية، ولا نقول: لماذا يغفر الله ما يأتي من الذنب؟!
سبحان الله، أليس الأمر بيد الله!. فإمَّا أن يعصمك فلا تقع في شيء، وإمَّا أن تبتلى بشيء فيوفِّقك إلى التوبة إذا كانت المعصية كبيرة، وأمَّا إذا كانت صغيرة فإنها تُغفر بالحسناتِ: {إنَّ الحسنات يُذهبن السيِّئات} (2) ، فليس لعبد أن يقول: لماذا؟ أو كيف هذا؟ والمخبر رسول الله عن الله، والأمر كلُّه لله.
وكذلك قول النبيء e: «ما يدريك يا عمر لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» (3) .
إذن لا تقع ذنوبهم إلاَّ مغفورة، ولا بدَّ أن نشدَّ أيدينا بهذا حتَّى نزيل الشبه والشكوك، وحتى لا يقول أحد: كيف يكون هذا؟
وما لنا نتساءل أو نحار في الأمر؟ والله تعالى يقول لنبيئه في أوَّل سورة الفتح: {بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ إنَّا فتحنا لكَ فتحاً مبيناً ليغفر لك اللهُ من ذنبك وما تأخَّر} (4) .
أليس هذا من أظهر الأدلَّة على أنَّ الله تعالى يضمن المغفرة لمن شاء من عباده فيما يستقبل من أمره؟
يقول الشيخ أبو نصر في نونيته:
__________
(1) - ينظر تخريجه في موسوعة الحديث الشريف (c.d.rom. 48000 حديث) للعالمية، البحث تحت مادة "صوم عرفة" و"صيام عرفة"، ومنها:
... سنن الترمذي، صوم 698. النسائي، الصيام 2341. أحمد، باقي مسند الأنصار 21492... وغيرها.
(2) - سورة هود: الآية 114.
(3) - سبق تخريجه في قصَّة حاطب بن أبي بلتعة.
(4) - الآيات 1-2 . (1/45)
صفحة 46
أحبُّ أناساً لم تضرُّهم ذنوبهم ... وأبغض قوماً عندنا هم ذوو حسن (1)
[ولاية الله وبراءته لا يتبدَّلان]
محبَّة الله تعالى لأوليائه، وبغضه لأعدائه لا يتبدَّلان، فهو تعالى لا يحبُّ وليه وقت الطاعة، ويبغضه في الوقت الذي يبتلى فيه بشيء (2) ؛ أمَّا نحن البشر فالولاية عندنا والعداوة تتغيَّران، فقد توالي إنسانا اليوم وتدعو له بالخير، ولكن بعد ذلك ينقلب على عقبيه، فيرتكب ما يرتكب من الكبائر ولم يتب منها، فتبرأ منه وتعاديه، ثمَّ بعد ذلك يتوب وينيب، ويتنصَّل مِمَّا عليه من تبعات للخالق أو المخلوق، فتتولاَّه (3) .
وقد ينتقل الانسان من ولاية إلى براءة، أو من براءة إلى ولاية مرَّات في عمره، في علمنا القاصر، الذي لا يطَّلع ولا يتطاول إلى الغيب، لكن ولاية الله تعالى لأوليائه وعداوته لأعدائه لا تتبدَّل، لأنَّها مبنية على علمه القطعي بهم، فهو خالقهم، وهو الذي قضى وقدَّر كلَّ ما يصدر منهم من حسنات أو سيِّئات، وقد كتب السعيد من بطن أمِّه والشقي من بطن أمِّه (4) ، وما يبدَّل القول لديه.
فالوليُّ وليٌّ مهما تقلَّبت به الأحوال، لا يموت إلاَّ مسلما مؤمنا موفيا، صادقا على الصراط المستقيم.
__________
(1) - أبو نصر: متن النونية، تحت عنوان: التوفيق والخذلان، ص16. البيت الخامس. ومكان "أناسا" "عبادا".
(2) - إشارة إلى قوله تعالى: {ألا إنَّ أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنونَ الذين ءامنوا وكانوا يتّقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الاخرة، لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} سورة يونس: 62-64.
(3) - الولاية والبراءة من الأصول الكبرى للمذهب الإباضي، وبهما يستقيم أبناء المذهب.
... وانظر مثلا: الجيطالي: قواعد الإسلام، ج1/ص45. الباب الثاني من الركن الأوَّل في الولاية والبراءة وأحكامها.
(4) - إشارة إلى قوله تعالى: {يوم ياتي لا تَكَلَّم نفس إلاَّ بإذنه فمنهم شقي وسعيد} سورة هود: الآية 105. (1/46)
صفحة 47
وعدوُّ الله الذي سبقت له الشقاوة شقيٌّ في علم الله، مهما تقلَّبت به الأحوال، لا يموت إلاَّ كافراً.
[العبرة بالخاتمة]
وفي هذا يقول النبيء e فيما معناه: «إنَّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنَّة، حتَّى لا يكون بينها وبينه إلاَّ ذراع فيسبق عليه القلم، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها؛ وإنَّ الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتَّى لا يكون بينه وبينها إلاَّ ذراع، فيسبق عليه القلم، فيعمل بعمل أهل الجنَّة فيدخلها» (1) .
وفي التاريخ وأخبار السيرة أمثلة من هؤلاء، منهم الصحابي (2) الذي أسلم في صدر النهار والمسلمون في حرب، فخاضها معهم، وقُتل قبل الظهر فمات شهيداً، وذهب إلى الجنَّة مغفورا له، ولم يصلِّ لله تعالى أيَّ ركعة، لأنَّ الله سبحانه يعلم منه صدق إيمانه وصدق جهاده، وقد بذل نفسه رخيصة في سبيل الله كفَّارة لِما مضى منه، وهل هناك أغلى من الروح يبذلها المرء في سبيل الله؟
__________
(1) - ينظر تخريجه في موسوعة الحديث الشريف (c.d.rom. 48000 حديث) للعالمية، البحث تحت مادة “ إن الرجل ليعمل"، ومنها: صحيح البخاري، بدء الخلق 6969، أحاديث الأنبياء 3085؛ والقدر 6105. صحيح مسلم، 4781، 4782. الترمذي، القدر 6063. أبو داود، السنة 4085. ابن ماجه، المقدمة 73. أحمد بن حنبل، مسند المكثرين 3738.
... ووجدت في كلّ ما رجعت إليه من الروايات عوض «...يسبق عليه القلم...» «...يسبق عليه الكتاب...» وانظر مثلا: صحيح البخاري، كتاب (85) القدر، ج6/2433، رقم 6221.
(2) - هو عمرو بن ثابت بن وقش: وهو من الأنصار، ويقال له الأصيرم، وهو من بني عبد الأشهل، أسلم يوم أحد، وأخذ سيفه فقاتل حتَّى قتل، ولم يصلّ لله ركعة، فذكروا ذلك لرسول الله e فقال: «إنه لمن أهل الجنَّة».
... ... ... ... ابن هشام: السيرة النبويَّة، ج2/ص90.
... وأورده كذلك صاحب القواعد تحت اسم عمرو بن أفيش الجيطالي: قواعد الإسلام، ج1/ص50 (هامش). (1/47)
صفحة 48
قد يستقلُّ أحدنا عمل هذا الصحابي، فيقول: كيف يدخل الجنَّة على ضحوة من الإيمان؟
ولكن أليس الله تعالى يقول: {إنَّ الله اشترى من المومنين أنفسَهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنَّة} (1) . فالله تعالى باع الجنَّة واشتراها هذا بنفسه، فمن بذل نفسه وماله في سبيل الله فقد ربح البيع. فأين أعمالنا نحن بالنسبة لهؤلاء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله، حتَّى ولو قضى أحدنا أربعين أو خمسين سنة وهو يعبد، فإنها لا توازي غدوة أو روحة في سبيل الله.
ذكرتُ هذا حتَّى لا يستقلَّ أحدٌ عمل هذا الصحابي، الذي أسلم في الصباح ودخل الجنَّة في المساء، فيقول: إنَّه أخذ الجنَّة مجَّاناً.
لا، ليست الجنَّة رخيصة، ولم يأخذها مجَّاناً، وإنَّما بذل فيها روحه، وبذل قبل روحه أهله وماله وأولاده الذين تركهم بعده، فلم تمنعه زوجة جميلة، ولا ولد بارٌّ، ولا دار فخمة، ولا أيَّ شيء آخر من الدخول في هذه المعمعة طلبا للشهادة، فمات واستشهد، كذلك يفعل الله بالذين سبقت لهم كلمته بأنَّهم سعداء (2) من أهل الجنَّة.
وعكس هذا رجل (3) كان يجاهد في صفوف المسلمين، فأخبر عنه النبيء e بعضَ أصحابه بأنَّه من أهل النار، اهتمَّ لهذا الأمر أحد الصحابة، فجعله نصب عينيه، يتتبَّعه ليرى ما سيكون مآله ومصيره، فأصيب في المعركة بجرح كبير، فخرَّ جريحا وأخرج من كنانته سهما قطع به عرقاً في ذراعه، فانتحر بهذه الطريقة لمَّا اشتدَّ عليه الألم.
__________
(1) - سورة التوبة: الآية 111.
(2) - إشارة إلى قوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منَّا الحسنى إولئك عنها مبعدون} سورة الأنبياء: الآية 101.
(3) - هو قزمان الظفري: نسبة إلى بني ظفر، بطن من الأنصار، وكان يكنّى أبا الغيذاق، وقد ورد فيه حديث طويل عن رسول اللهe . وانظر نص الحديث وشرحه عند ... ... ابن حجر: فتح الباري، ج7/ص378-381.
... ... ... ... ... ... ... وابن هشام: السيرة النبويَّة، ج2/ص88. (1/48)
صفحة 49
جاء الصحابي إلى النبيء e فأخبره بما صنع ذلك الرجل، فقال لهم: «ألم أقل لكم إنِّي رسول الله» (1) ، فهذا الذي كان في الظاهر يقاتل إلى آخر لحظة مع المسلمين، لكن الله تعالى يعلم ما في قلبه، هل يقاتل حمية أو عصبية أو إعلاء لكلمة الله؟
وقد سئل النبيء e عن الرجل يقاتل حمية أو شجاعة... فأيهم في سبيل الله، فقال كلمته المشهورة المدوِّة والمدوَّنة في صحاح الحديث: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل» (2) .
ولنتيقَّن ولنعتقد كلَّ الاعتقاد أنَّ ولاية الله وعداوته لا تتبدَّلان ولا تتحوَّلان.
فهؤلاء الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأكَّد توبته ومغفرته لهم، بتأكيدات عديدة لا غرابة أن يقال فيهم: لا تقع ذنوبهم إلاَّ مغفورة.
[استحقاق الصحابة للجزاء الرباني]
ونحن إذا نظرنا إلى فضل هؤلاء وتضحياتهم، والامتحانات التي امتحنوا بها، والفتن التي ابتلوا بها في عهد النبيء e، وما تحمَّلوه، فإنَّهم يستحقُّون هذا وأكثر من هذا، ولا شيء أعظم من رضا الله.
يقول الشيخ رشيد رضا في معرض تفسيره لآية براءة التي أشرنا إليها: «وهذه الآية نصٌّ في أنَّ الطبقات الثلاثة من السابقين الأوَّلين، والذين اتَّبعوهم في الإيمان والهجرة والجهاد، عندما أبيحت الهجرة، وتيسَّرت أسبابها بصلح الحديبية، قد فازوا كلّهم برضا الله ووعده بالجنَّة، وأنَّه ليس فيهم أحد من المنافقين...» إلى أن يقول:
«
__________
(1) - لم أجده لهذا اللفظ في كامل القصّة مع طولها، عند ابن حجر وعند ابن هشام، ولعلّ الرسول e قاله بلسان الحال لا بلسان القال.
(2) - صحيح البخاري، كتاب (3) العلم، باب (45) من سأل وهو قائم عالما جالسا، ج1/ص58، رقم 123.
... سنن أبو داود، كتاب الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ج3/ص14، رقم 2517.
... سنن النسائي، كتاب الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، مج3، ج6/ص23. (1/49)
صفحة 50
وجملة القول أنَّ جميع أفراد هذه الطبقات الثلاثة قد جازوا القنطرة - قنطرة الامتحان - وجازوا الصراط، ولم يعد هنالك ما يؤثر في كمال إيمانهم، لأنَّ نورهم يمحو كلَّ ظلمة تطرأ على أحدهم بإلمامه بذنب...» (1) .
ولله ما أعجب هذه العبارة، وهي تفسير لقوله تعالى النبيء e: «ما يدريك يا عمر لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم».
والكلام دائما منصبٌّ على هذه الطبقات الثلاث المنصوص عليها، لا الذين ارتدُّوا في زمن أبي بكر بعد وفاة النبيء e، فقالوا: أمَّا الصلاة فنصلِّي وأمَّا الزكاة فلا نجعل أموالنا شركاء، فحاربهم أبو بكر في حروب الردَّة (2) ، منهم من قتل ومنهم من تاب، وهؤلاء غير معنيين في كلامنا، وليسوا داخلين في الطبقات الثلاث الذين وردت في حقِّهم آيات كريمات، فارعوا لها انتباهكم إذا كنتم تقرؤون كتاب الله.
من الغريب حقًّا أنَّ هذه الفتن التي سنشير إليها، ونبين موقفنا منها وقعت في زمن السابقين الأوَّلين من المهاجرين في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفَّان وقعت الفتنة الكبرى فتنة الدار (3) ، أوَّل فتنة في الإسلام، والتي أودت بحياة الإمام عثمان فقُتل والمصحف بين يديه، حتَّى سالت دماؤه عليه، والمصحف لا يزال إلى اليوم في بعض المتاحف الشرقية.
ثمَّ فتنة الجمل (4) ، ثمَّ فتنة صفين (5) ، وأكبر الرؤساء في هذه الفتن هم: الإمام عثمان في فتنة الدار، والإمام عليّ وطلحة والزبير وعائشة y في فتنة الجمل، وهم من العشرة المبشَّرين بالجنَّة.
فمن يبلغ درجة عثمان، أو عليٍّ، أو طلحة، أو الزبير، أو عائشة أمّ المؤمنينy جميعا؟!.
__________
(1) - تفسير المنار، ج11/ص17.
(2) - وانظر ... ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج1/ص866.
(3) - تقدّم ذكر تفاصيلها.
(4) - تقدّم ذكر تفاصيلها كذلك.
(5) - تقدّم ذكر تفاصيلها كذلك. (1/50)
صفحة 51
فكلامنا على الفتن التي وقعت بين هؤلاء السابقين الأوَّلين، وهم شهود حاضرون، لا على أهل الردَّة أو غيرهم.
تلك الفتن الكبرى التي بلبلت أفكار المسلمين، وجعلتهم في حيرة من أمرهم، حتَّى كان البعض يسبُّون البعض إلى اليوم، ولم ينج من هذا حتَّى الخليفة أبو بكر الذي تسبُّه الرافضة (1) على زعمهم أنَّه اغتصب الخلافة من عليٍّ - ولا تزال هذه الطائفة إلى اليوم -، ولم يسلم من هذا السبِّ عمر، ولاعائشة y.
وللمناسبة أذكر حادثة (2) وقعت هنا في القرارة، أمام سمعي وبصري وأنا تلميذ: فقبل الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في سنة 1914م، زار القرارة شخصية بارزة من العجم، وأظنُّه أميرا من الأمراء، جاء ظيفا موفداً عن طريق الحكومة الفرنسية، وكان قائدُ البلد آنذاك هو جدِّي من أمِّي المسمَّى قائد كاسي (3) ، فأمر بالاحتفال بهذا الضيف العجميِّ. واجتمع العزَّابة (4)
__________
(1) - تقدّم تعريفهم في الهامش رقم 3/ص23
(2) - ذكرت هذه الحادثة لفضيلة الشيخ عدون حفظه الله فقال: «مرّت عليّ هذه الحادثة من كلام الشيخ بيوض، ولكن لم أتذكّرها، ولم أكن حاضرا فيها». لقاء خاص بالشيخ عدون بداره أوائل مارس 1996م.
(3) - هو كاسي بن بهون بن ناصر أولاد بهون: ولد في غرداية ونشأ فيها وورث الذكاء وحسن التدبير، ولمَّا صار شابا انتقل إلى القرارة واستقرّ فيها، وتولّى رئاستها بعد مقتل أخيه لأبيه إبراهيم بن بهون من عام 1293هـ إلى 1333هـ/1915م. مدّة أربعين عاما. قال فيه الحاج بكير العنق زعيم النهضة: «القائد كاسي، إنَّه لدهائه واقتداره على الرئاسة وتصريف الأمور، لا يليق أن يكون حاكما لمدينة صغيرة، ولكن لدولة كبيرة»
... ... دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج1/ص132.
... ... جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية،
(4) - للتوسّع في مفهوم العزّابة انظر: ... أبو زكرياء: سير أبي زكرياء، ص254.
... ... ... ... ... د/محمد ناصر: حلقة العزّابة، ص3. (1/51)
صفحة 52
وأعيان البلد في دار القراءة لإمام المسجد الحاج إبراهيم بن كاسي (1) ، وكنت أنا خادما للشيخ الحاج عمر بن يحي (2) ، فصحبني معه واستفدتُ فوائد كبيرة، امتلأت الدارُ بالحضور، فجاء هذا الضيف وهو ضخم الجثَّة طويل القامة كبير الهامة، ذو وجه مشرَّب بحمرةٍ، وهو يلبس قفطاناً كبيراً؛ وأديرت كؤوسُ الشايِ والناس كأنَّ على رؤوسهم الطير، وأحد الحضور يلقي بخطاب الترحيب، فجرى على لسانه ذكر عائشة، وبمجرَّد أن سمع هذا الضيف كلمة عائشة، حتَّى قال بصوت خشنٍ ضخم كضخامة جثَّته: «لعنها الله»، وجمَ الناس والخطيبُ ولم يزد كلمة، فخرجت في التوِّ جماعةٌ من الدار قاصدة القائد فقالت: له: «إمَّا أن يرحل هذا الرجل الآن وإلاَّ فقد يكون ما لا تحمد عقباه». وكان الأمر كذلك، فرحِّل في الوقت.
هذا ما وقع في بمشهدي ومحضري وسماع أذني، وأنا الآن أتخيَّل هذا المشهد، وهذا الشخص لعنه الله هو. وكيف انطلقت الكلمة من صدره بطريقة آلية، بمجرَّد أن سمع كلمة عائشة!.
ولنعد إلى ما نحن فيه،
تُرى ما موقفنا نحن فيما شجر بين الصحابة؟
ماذا نعتقد فيهم، وقد قتلوا بعضهم ووقع ما وقع؟
__________
(1) - هو حميد أوجانة الحاج إبراهيم بن كاسي (ت: 1921م): من تلاميذ القطب اطفيَّش، هو إمام مسجد القرارة لمدة، كان رجلا صالحا ورعا، وهو جدّ الإمام الحالي محمَّد بن الحاج أحمد.
... ... ... الشيخ عدون: كتاب معهد الحياة.
... ... ... جمعية التراث: ن، م، س، ج2/ص40، ترجمة رقم 050.
(2) - هو الشيخ الحاج عمر بن يحي بن إبراهيم المليكي (1858- 1921م): من زعماء الحركة الإصلاحيَّة في القرارة، وهو شيخ الإمام بيُّوض إبراهيم بن عمر، وكان صاحب معهد قرآني يعرف بمعهد الحاج عمر بن يحي.
... وللتوسّع في شخصيته انظر ... دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج2/ص162-207.
... ... ... ... ... د/محمد ناصر بوحجام: حياة الشيخين.
... ... ... ... ... جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، ج5/ص550، ترجمة رقم 752. (1/52)
صفحة 53
أوَّلاً: إنَّ الله تعالى لم يكلِّفنا أن نحكم بينهم (1) .
ثانياً: لسنا مسؤولين عمَّا شجر بينهم.
فلن يستطيع اليوم أحدٌ أن يقول: «إنَّ الواجب على المسلمين أن يبحثوا في تلك الفتن، حتَّى يعلموا المحقَّ من المبطل والظالم من المظلوم».
بل ينطبق علينا كلُّنا قوله تعالى: {تلكَ أمَّة قد خلَت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عمَّا كانوا يعملون} (2) .
قد نقرأ أخبار هذه الفتن، ولكن بشرط أن نكفَّ ألسنتنا عن السبِّ والشتم لأيٍّ كان منهم، وإذا نحن قرأنا أخبارهم فما الذي يوجب علينا أن نحكم بينهم، فنتولَّى من نتولَّى، ونتبرَّأ مِمَّن نتبرَّأ.؟!
لا موجب لهذا أبداً، وإلاَّ فهل جدَّاتنا وأمَّهاتنا، وبناتنا، يعرفن من هذا شيئا؟
وهل الملايين والملايين من عامة المسلمين - منذ ذلك العهد - يعرفون من هذا شيئاً؟
لايعرف هذه الأشياء إلاَّ الدارسون لكتب التاريخ، ولا أحد يجرأ أن يقول لنا: «عليكم أن تتبرَّأوا من فلان، أو أن تتولَّوا فلاناً»، ومن قال هذا فكلامه باطل مردود عليه، لأنَّ هذا أمرٌ يتعلَّق بكلِّ شخصٍ بمفرده، ومن اقتحم هذا الميدان، فليتحمَّل وزره ومغامرته، إمَّا في النار أو في الجنَّة، إذن عدم الخوض والوقوفُ في هذا أولى وأسلم، وقد رأينا في فتنة الدار - التي أودت بحياة الإمام عثمان بن عفَّانt - كثيرا من الصحابة لزموا الحياد، ولم يدخلوا في أحد الصفَّين، لمَّا اشتبه عليهم الأمر، وذلك واجبهم.
__________
(1) - بل الله يحكم بينهم كما أخبرنا بذلك في كتابه بقوله: {قل اللهمَّ فاطر السموات والارض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون} سورة الزمر: الآية 46.
(2) - سورة البقرة: الآية 141. (1/53)
صفحة 54
فهؤلاء أصحاب رسول الله e المبشَّرون بالجنَّة، وهذه عائشة أمُّ المؤمنين، وقع بينهم ما وقع، فإلى أيِّ صفٍّ ننحاز، أإلى هذا أم إلى ذاك؟ قبضوا أيديهم ولزموا بيوتهم، وكفُّوا ألسنتهم، حتَّى لقوا ربَّهم، منهم: أبو هريرة، ومحمَّد بن مسلمة، وعبد الله بن عمر بن الخطَّاب، وغيرهم.
ومن الغريب أن ينكر عليهم البعض هذا الوقوف، وهو واجبهم أمام هذه الفتن، التي وصفها الرسول e بأنَّها «كقطع الليل المظلم» (1) .
فإذا كان هذا موقف بعض الصحابة، زمان هذه الفتن، يوم وقوعها، أنأتي نحن من بعدهم بعد مئات السنين، فنخبَّ (2) ونضع هذه المسألة؟
فالواجب إذن هو عدم الخوض، ومن قرأ شيئا أو اطَّلع على شيء في هذه المسألة، فليكِل الأمر إلى الله، وليرضَ عن هؤلاء السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار الذين رضي الله عنهم، وليقل: {ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين ءامنُوا} (3) .
وقد سئل بعض السلف من العلماء (4) عن فتنة الصحابة، فأجابوا بقولهم: {تلكَ أمَّة قد خلَت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عمَّا كانوا يعملون}.
والله تعالى لا يسأل أبدا أحدا كلفَّ عن الحكم في هذه الفتنة، ورضي عمَّن رضي الله عنهم.
__________
(1) - حديث سبق تخريجه.
(2) - خبّ النبات إذا طال وارتفع، فنخبّ أي فنرفع.
(3) - سورة الحشر: الآية 10.
(4) - ذكر القرطبي هذه المعلومة في تفسير سورة الحجرات، وانظر: الجامع لأحكام القرآن، ج16/ص322 . (1/54)
صفحة 55
وإلاَّ فلو كان هذا لكان أكثر المسلمين ضالِّين، من النساء خاصَّة وأغلب الرجال، وربَّما في كلِّ مائة ألف تجد واحدا يقتحم هذا الميدان، فيحكم ويخطّئ ويصوِّب، فمن أجابنا بقوله: {تلك أمَّة قد خلت...}. لا يمكن لنا أن نردَّ عليه، لأنَّه لا يوجد في قرآن أو سنَّة الأمر بالحكم على أولئك الصحابة؛ بل نجد الكفَّ عنهم وارداً في قوله e: «ذروا لي أصحابي، لا تتَّخذوهم غرضاً بعدي» (1) وقوله عليه السلام: «الله اللهَ في أصحابي، لا تتَّخذوهم غرضا بعدي» (2) . فهذا حمى، من اقترب منه خاف على نفسه، وقال آخر: «إنَّ سبيلَ ما جرى بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف، ثمَّ إنَّهم لم يخرجوا بذلك عن الولاية والنبوءة، وكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة» (3) .
وهذا مثال جميل.
الله تعالى قصَّ علينا في القرآن قصَّة يوسف مع إخوته (4) ، ومكرهم به، وكيف ألقوه في الجبِّ، بعد أن عزموا على قتله، وكيف بِيع بيْع العبيد بثمن بخسٍ، وكيف كذبوا على أبيهم، وجاؤوا على قميصه بدم كذب، ولمَّا سألهم أبوهم عن يوسف قالوا له: {أكله الذيب} (5) ، مسكين هذا الذئب الذي ظلموه، فصار مثلا جاريا، يقال: «فلانٌ بريء من كذا براءة الذئب من دم ابن يعقوب».
__________
(1) - تقدّم تخريجه.
(2) - تقدّم تخريجه كذلك.
(3) - هو ابن فورك. وانظر القرطبي: ن، م، س، ج16/ص322.
(4) - انظر تفسير سورة يوسف في: ...
... ... ... ... ... القطب اطفيَّش: تيسير التفسير، ج6. (ط. عمان)
... ... ... ... ... سيِّد قطب: في ظلال القرآن، ج13.
(5) - سورة يوسف: الآية 17. (1/55)
صفحة 56
ودام الأمر زماناً ويوسف في مصر، وحدث ما حدثَ من دخوله السجنَ، ثمَّ خروجه منه، وتولِّيه منصب وزارة المالية، وكانت في يده خزائن مصر، وكان ما كان بينه وبين إخوته، ثمَّ الحيلة التي استعملها لأخذ أخيه، حتَّى قال إخوته: {إن يسرِق فقد سرَق أخٌ له من قبلِه} (1) . كلّ هذه المدَّة ويعقوب معذَّب الضمير لفقد ابنيه، حتَّى ذهبت عيناه من الهمِّ، وحتى قال له أولاده: {تالله تفتأ تذكرُ يوسفَ حتَّى تكون حرضاً أو تكونَ من الهالكينَ} (2) . ويعقوب ابيضَّت عيناه بأعمال قام بها أبناؤه، وإنَّ المرأ ليعجَب حقًّا من هذه الأعمال، فيقول: «أين حقُّ الوالد، مكروا بأخيهم، وعصوا أباهم، وحمَّلوه ما لا يطيق من الهمِّ والحزَن، حتَّى ذهبت عيناه».
وإنها حقًّا لفتنة كبرى، ولكن لم تفقدهم رضا الله وولايته ونبوَّتهم كما ذهب إلى هذا كثيرون.
إذن صدق هذا الذي شبَّه ما وقع بين الصحابة بما وقع بين إخوة يوسف.
والذي يحملنا على الوقوف أيضًا مقولة الحسن البصري t سيِّد التابعين (3) ، أدرك خمسمائة صحابيٍّ، وهو صدي حميم للإمام جابر بن زيد التابعيّ الشهيرt (4) ، والحسن البصري ومقامه في الإسلام معروف، فتنبَّهوا إلى مقولته وقد سئل: «ماذا تقول في قتال الصحابة؟» قال: «قتال شهده أصحاب محمَّد e وغِبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتَّبعنا، واختلفوا فوقفنا» (5) .
__________
(1) - سورة يوسف: الآية 77.
(2) - سورة يوسف: الآية 85.
(3) - انظر في تعريف الحسن البصري: ... ابن سعد: طبقات، ج7/ص156-178.
... ... ... ... ... الرزكلي: الأعلام، ج2/ص242.
(4) - وانظر في تعريفه: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، ج3/ص215، رقم 274. وبه قائمة مطوّلة من مصادر تعريفه.
(5) - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج16/ص322. (1/56)
صفحة 57
كلمات ذهبية حقيقة تكتَب بماء الذهب، قال: هذا قتال شهده الصحابة ولم نحضره، علموا أسباب هذا التقاتل، وكيف نشأ، ولماذا نشأ، وعلى ما اعتمدوا عليه، وجهلنا. اجتمعوا على أحكام من الشريعة، وروايات رووها وأجمعوا عليها، فاتَّبعناهم، واختلفوا فتقاتلوا فوقفنا.
فلنكفَّ ألسنتنا وأيدينا.
قال الحارث المحاسبي (1) بعد نقله لكلام الحسن البصري: «ونحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أنَّ القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منَّا، نتَّبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عند ما اختلفوا فيه، ولا نبتدع رأيا منَّا، ونعلم أنَّهم اجتهدوا، وأرادوا الله عزَّ وجلَّ، إذ كانوا غير متَّهمين في الدين، ونسأل الله التوفيق» (2) .
قال المحاسبي: نعلم أنَّ القوم أعلم بما دخلوا فيه، ومن ذا الذي يستطيق أن يقول: «أنا أعلم بحقيقة الأمر منهم»؛ فما جاؤوا به من سنَّة ودين نقلوه عن النبيء e، نقبله لأنَّهم عدول، وما اختلفوا فيه - والمراد القتال الذي كان بينهم - نتوقَّف فيه، ولا نبتدع رأيا منَّا، ولا نقول شيئا فيما لم نحضره؛ وقديما قيل: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب»، بل الشاهد أحياناً قد تلتبس عليه الأمور.
ونعلم أنَّهم كانوا غيورين على الدين، وأنَّهُم قاموا بما قاموا عن اجتهاد، والله تعالى أعلم باجتهادهم ومآلهم، غفرَ لهم ذنوبهم، وأمرنا بالاستغفار لهم، ونسأل الله التوفيق.
ثمَّ كلمة أخرى لسيّدنا الخليفة عمر بن عبد العزيز t، وقد دخل عليه جماعة من أصحابه، وسألوه في هذه الفتن فقال: «تلك دماء طهَّر الله منها أيدينا، فلا نخضِّب بها ألسنتنا» (3) .
__________
(1) - هو الحارث بن أسد المحاسبي (ت: 243هـ): ويكنّى أبا عبد الله، من أكابر الصوفية، عالم بالأصول والمعاملات، ولد بالبصرة، ونشأ بها، وله تصانيف منها: آداب النفوس، الرعاية لحقوق الله. توفي ببغداد.
... ... ... ... ... الزركلي: الأعلام، ج2/ص153.
(2) - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج16/ص322.
(3) - القرطبي: ن، م، س، ج16/ص322. (1/57)
صفحة 58
هذه كلمته، وهي لعمري كلمة حقٍّ وعدل. دمٌ لم تتلوَّث ولم تتلطَّخ به أيدينا، طهَّرها الله منه، فلِم نخضِّب به ألسنتنا؟!
تعبير حاوٍ جميل، ويقال خضَّب يده بالحنَّاء أو يد مخضَّبة بالدم إذا تلطَّخت.
فهذه كلمة جامعة مانعة، جرت على لسان عمر بن عبد العزيز، الذي أجمعت الأمَّة على عدله، بعد الخلفاء الراشدين الأربعة، وهو ابن بنت عمر بن الخطَّاب، عدل كما عدل جدُّه، وهو أفضل ولاَّة بني أمية على الإطلاق (1) ، فلنحفظ كلمته، ولنمتثل بها.
وقال العوَّام بن حوشب (2) : «أدركتُ صدر هذه الأمَّة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله، حتَّى تتألَّف القلوب عليهم؛ ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا الناس عليهم» (3) .
اذكروا فضائل أَصحاب الرسول e - ونحن مأمورون بذكر محاسن الموتى - وأول من ينطبق عليهم هذا الصحابةُ رضوان الله عليهم.
اذكروا محاسنهم لأبنائكم، ولطلبتكم، وأشيعوا فضائلهم بينكم حتَّى تتألَّف القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم، لأنكم حينئذ تجسرون الناس عليهم.
__________
(1) - انظر في تعريف الخليفة ابن عبد العزيز: ... الزركلي: الأعلام، ج5/ص209.
(2) - هو العوّام بن حوشب بن رؤيم (ت: 148هـ): يكنى أبا عيسى، كان ثقة، وصاحب أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. ... ... ... ابن سعد: طبقات، ج7/ص311.
(3) - القرطبي: ن، م، س، ج18/ص33. (1/58)
صفحة 59
ويقول الشيخ اطفيَّش رحمه الله، في تفسير قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين ... والذين جآؤوا من بَّعدهم...} الآية. بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في فضل الصحابة، قال: «وحبُّ الصحابة كالمطبوع في القلب» (1) وذلك لأنَّ الشيخ رحمه الله عالم ومفسِّر ومحدِّث، وقد ترك تراثا غريبا (2) في الوقت الذي لا توجد فيه الكتب إلاَّ بقلَّة وبأثمان باهضة، انغرس حبُّ الصحابة في قلبه حتَّى عبَّر بهذه العبارة، وكأنَّ حبَّ الصحابة شيء جُبلت عليه القلوب.
ثمَّ قال: «والله أعلمُ بما يصيبني إذا تذكَّرت قوله e للملائكة: أصيحابي أُصيحابي، وقولهم: ما تدري ما أحدثوا بعده؟، وقوله e: فسحقا سحقا (3) .
__________
(1) - القطب اطفيش: تيسير التفسير، ج6/ص158.
(2) - انظر في حصر تراثه: مصطفى وينتن: آراء الشيخ اطفيَّش العقدية، ملحق قائمة مؤلّفات الشيخ، ص390-406.
(3) - أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبيء e خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مومنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددتُ أنِّي رأيت إخواني» قالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ قال: «بل أنتم أصحابي، وإنَّما إخواني الذين يأتون من بعدي وأنا فرطهم على الحوض» قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من يأتي بعدك؟ قال: «أرأيتم لو كان لرجل خيل غرٌّ محجّلة في خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «فإنهم يأتون يوم القيامة غرٌّ محجّلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، وليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأناديهم: ألا هلمَّ، فيقال: إنَّهم قد بدّلوا بعدك، فأقول: فسحقا فسحقا» الجامع الصحيح، باب (6) في الأمَّة أمَّة محمَّد e، ج1/ص13، رقم 43.
... صحيح البخاري، كتاب (84) الرقاق، باب (53) في الحوض، ج5/ص2406، رقم 6212. بلفظ: «... فأقول: إنَّهم منِّي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن غيّر بعدي».
... صحيح مسلم، كتاب (2) الطهارة، باب (12) استحباب إطالة الغرّة والتحجيل في الوضوء، ج1/ص218،رقم 39
... موطّأ الإمام مالك، كتاب (2) الطهارة، باب (6) جامع الوضوء، ص23، رقم 59.
... مسند أحمد بن حنبل، ج2/ص300.
... ابن ماجه، كتاب (37) تازهد، باب (36) ذكر الحوض، ج2/ص1439، رقم 4306. (1/59)
صفحة 60
ثمَّ قال: والله ما ندري من المراد بالحديث». يبدو لي شيء من التأويل في هذا: نحن نعلم أنَّه قد حجَّ مع النبيء e في حجَّة الوداع (1) مائة ألف، ولم يمضِ على حجّه هذا إلاَّ بضعة أشهر، حتَّى لحق بربِّه، فارتدَّ مِن هؤلاء من ارتدَّ.
وقد حضروا مكَّة ووقفوا بعرفات، وشاهدوا النبيء e، واستمعوا إليه، وربما فيهم من صافحه وكلَّمه، فإذا جاؤوا يوم القيامة يزدحمون على الحوض تردُّهم الملائكة، فينادي النبيء e غيرة على أصحابه كلّهم: «أصيحابي أصيحابي». فتجيبه الملائكة: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». ولنحملهم نحن على الردَّة، إذا أمكن للإنسان أن يقول شيئا، أو على النفاق، وإلاَّ فالواجب الوقوف في كلّ شيء.
يقول الشيخ اطفيَّش محمَّد يوسف المصعبي، في رسالته في موضوع الصحابة: «ومِمَّا جاء به e اتِّباع كتاب الله وسنَّة رسوله {ومآ ءاتاكم الرسولُ فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا...} (2) الآية، وكذا ما عليه أصحابه الراشدون المهتدون، وأخصّهم به العشرة الكرام البررة الذين بايعوه تحت الشجرة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجرَّاح y أجمعين، وجعلَنا لآثارهم تابعين، وبسنَّتهم مستمسكين، غير مبدّلين ولا مغيّرين، إلى أن نلحق بدار كرامتهم آمنين.
ونعتقد أنَّ الكلَّ عدول، ونهتدي بهم، ونمسك عمَّا شجر بينهم، كما يحكى عن السيد عمر بن عبد العزيز أنَّه قال: «تلك دماء طهَّر الله منها أيدينا»، فلا نلوِّث بها ألسنتنا؛ فالله ربنا ومحمد نبيُّنا، والقرآن إمامنا، والكعبة قبلتنا، والصحابة قدوتنا.
__________
(1) - وكانت لخمس ليال بقين من ذي القعدة، سنة 10 للهجرة..
(2) - سورة الحشر: الآية 7. (1/60)
صفحة 61
وقد وردت آيات وأحاديث في مدحهم خصوصا وعموما، وليست رسالتنا هذه موضوعة لبسط الكلام، فهذه لمع يسيرة من أصول الدين وفروعه، التي ألفينا عليها سلفَنا الصالح، سالمين من إفراط الأزارقة (1) والخوارج (2) القائلين بتشريك أهل الكبائر، وتحليل أموالهم...» (3) .
ونحن إذا قلنا كما قال الشيخ، وطلبنا وأمرنا بالرضا عمّن رضي الله عنهم من الصحابة، فالمراد أوَّلاً بالذات السابقون الأوَّلون من المهاجرين والانصار الذين سمعتم ما سمعتم من فضائلهم، ومنهم العشرة المذكورون في الرسالة، الذين أجمعت الأمَّة على أنَّ النبيء e توفي وهو عنهم راض.
__________
(1) - الخوارج: هم الذين خرجوا عن طاعة عليّ ومعاوية، فصارت لهم عقائدُ مختلفةٌ خالَفوا بها عقائدَ المسلمينَ وأهل السنَّة.
... ومن فرق الخوارج: البهيسية، والنجدات، والعجاردة، والثعالبة، والمرجئة، والفريكية، واليمونية، والهضمية، والرافضة، والجهمية، وغيرها من الفرق التي تجمِعُ على تشريكِ أهلِ القبلةِ، وسبيِ ذراريهم وأموالهم.
... ... انظر: ... *الشهرستاني: الملل والنحل ج1/ص114 وما بعدها.
(2) - الأزارقة: هم أصحاب نافع بن الأزرق (ت: 60هـ)، من أشهَرِ فِرقِ الخوارجِ وأشدِّها تطرُّفاً وعُنفاً، وأوَّل من سنَّ تشريكَ أهلِ القبلةِ، وانتحالَ الهجرةِ، وتكفيرِ القعدةِ عن القتالِ، وإسقاطِ الرجمِ عن الزانِي والحدِّ عن القاذِفِ؛ وقالوا: إنَّ مرتكبَ الكبيرةِ كافرٌ كفرَ ملَّةٍ، ولم يجوِّزوا التقية، لا في القول ولا في العمل.
... ... ... ... ... ... *الشهرستاني: ن.م،س، ج1/118-122.
(3) - انظر الجعبيري: البعد الحضاري، ج1/ص72. (1/61)
صفحة 62
هؤلاء الذين نرضى عنهم، ونقف فيما شجر بينهم في فتنة الدار والجمل وصفين، إلى حادث النهروان (1) ، ولا ندخل في الخلاف الذي وقع بينهم، والذي اشتدَّ وتنوَّع بصورة غريبة، وأجج لهيبها روايات موضوعة، لمَّا افترقت الأمَّة، وكان كلُّ فريق يلعن الآخر.
ونحن في عام 1395هـ، وقد مرَّ على هذه الفتن 1350 سنة، ولا يزال الناس يكتبون ويبحثون، خاصة في العهود الأخيرة، ولا يمرُّ العام إلاَّ بكتاب جديد عن هذه الحوادث والفتن والروايات.
وأنا أعتقد أنَّه لا يوجد اليوم من يجمع الكتب التاريخية قديمها وحديثها، ومما كُتب طيلة 1350 سنة، فيقرأها ويخرج بحقيقة؛ وها نحن بعد هذه المدَّة الطويلة نرى باحثين يكتبون أشياء تنقض ما كان يُظنّ حقيقة، فيثبتون وبحجج غريبة أنَّ عبد الله بن سبأ (2) الذي نُسب إليه الكثير في هذه الفتن بأنَّه شخصية أسطورية غير موجودة تماما، ويذكر البعض مائة وخمسين شخصا عُدُّوا في زمرة الصحابة وهم ليسوا بصحابة، وهذه البحوث تُكتب وتُنشر، ويتَّخذها البعض موضوعات للرسائل التي يقدِّمونها لنيل الدرجات العلمية: الليسانس، والماجستير، والدكتوراه.
والداخل في هذا المضمار كمن يدخل في بحر لا ساحل له، لا يعرف أبدا كيف ينجو، يرد ولكن لا يستطيع أن يصدر:
وأحزم الناس من لو مات من ضمأٍ لا يقرب الورد حتَّى يعرف الصدِرا (3)
__________
(1) - بفتح النون، كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي، حدّها الأعلى متّصل ببغداد، وفيها عدَّة بلاد متوسّطة، منها سكّان جرجرايا. ... ... ... الحموي: معجم البلدان، ج8/ص347.
(2) - هو عبد الله بن سبأ (ت: 40هـ): هو رأس الطائفة السبأية التي تقول بألوهية علي كرّم الله وجهه، أصله من اليمن، قيل إنَّه يهودي أظهر الإسلام، وقيل إن عليا أحرقه بالنار.
... ... ... ... الزركلي: الأعلام، ج4/ص220.
(3) - البيت قاله صفي الدين الجلي، يحرّض السلطان الملك (ت: 740هـ) على الاحتراز من المغول ومنافرتهم.
... أحمد الهاشمي: جواهر الأدب، ج2/ص337. باب التهاني والتهادي والإغراء. ومطلع القصيدة:
... ... لا يمتط المجد من لم يركب الخطرا ... ولا ينال العلا من قدّم الحذَراَ (1/62)
صفحة 63
فلا تنزل في بئر أو بحر إلاَّ إذا عملتَ كيف تخرج منه، وإنَّما ذكرتُ هذا حتَّى لا نعتمد إلاَّ على كتاب الله في الحكم على الطائفة الأولى: السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار، ومنهم هؤلاء العشرة، وأولهم أبو بكر مات حتف أنفه، وعمر قتل شهيدا على الغلام المجوسي، وعثمان قتل على يد الثوار، وعلي قتل على يد عبد الرحمن بن ملجم، وطلحة والزبير قتلا في وادي السباع (1) إثر وقعة الجمل.
وللمناسبة أردُّ على فرية: يقولون فيها إنَّ الإباضيَّة قتلوا الإمام عليًّا.
كلاَّ إنَّما الذي قتله رجل يُدعى عبد الرحمن بن ملجم، كما اشتهر في الروايات واتَّفقت عليه، وأصل الرواية أنَّه لمَّا اشتدَّت الفتن والحروب بين أتباع عليّ الأحقّ بالخلافة، والتي أجمع عليها أهل الحجاز: مكَّة والمدينة، وإجماعهم معتبر، وبين معاوية الرافض للدخول في بيعة الإمام عليِّ، اجتمع ثلاثة (2)
__________
(1) - وادي السباع: مكان يقع بين البصرة ومكة، وبينه وبين البصرة خمسة أميال، ووداي السباع ناحية من نواحي الكوفة. ... ... ... ... الحموي: معجم البلدان، ج8/ص373.
(2) - وهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي الذي عزم على قتل علي بن أبي طالب، والبرك بن عبد الله التميمي الصريمي الذي عزم على قتل معاوية، وعمر بن بكر التميمي السعدي الذي عزم على قتل عمرو بن العاص.
... ... ... ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج2/ص338
... ... ... المبرد: الكامل، ص27.
... ... ... ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج1/ص1131 (1/63)
صفحة 64
من الشباب مِمَّن يمكن أن يطلق عليهم اسم الفدائيين، فقالوا: «لنقتل الثلاثة عليًّا ومعاوية وعمرو بن العاص، وبعد ذلك يختار المسلمون خليفة جديداً»، ولم يكن هناك اتِّفاق لأحد منهم مع جماعة، ولا علم لأحد بهؤلاء، ولم يُعرفوا قبل إلاَّ بهذه الحادثة، فقد خطرت لهم هذه الفكرة ونفَّذوها في ليلة محدَّدة عند صلاة الفجر من يوم 17 رمضان، فأراد الله تعالى ما أراد، فقُتل عليّ، ولم يُصب معاوية بالضربة القاتلة، إذ كانت الضربة في فخذه، ولم يخرج عمرو للصلاة يومها، وكان المقتول خارجة، الذي قام مقامه في الصلاة، وفي هذا يقول القائل تأسُّفا على قتل الإمام عليّ:
فيا ليتها إذ فدَت عمرا بخارجة فدت عليًّا بمن شاءت من البشر (1)
فمن أين يقال إذن: إنَّ عليًّا قتله بنو فلان أو بنو فلان، وإنَّما كلّ شيء متعلّق بجريرته، ونحن غير مكلّفين بالحكم في هذه القضية، فالقاتل قُتل هو أيضا، وانتهى كلّ شيء، فقولهم: «قتله بنو فلان أو بنو فلان، ما هو إلاَّ أراجيف من أكاذيب الرواة».
وروي أنَّ سيِّدنا عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما سمع رجلاً يتناول أحد المهاجرين فدعاه، وقرأ عليه قوله تعالى: {للفقرآء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله، وأولئك هم الصادقون} (2) ، فقال له: «هذه الآية في المهاجرين، أمنهم أنت؟» قال: «لا».
ثمَّ قرأ عليه قوله تعالى: {والذين تبوَّأوا الدار والايمان من قبلهم يحبُّون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مِمَّا أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كانَ بهم خصاصة} (3) ، فقال له: «هذه الآية في الأنصار، أمنهم أنت؟» قال: «لا».
__________
(1) - لم أهتد إلى قائل هذا البيت فيما رجعت إليه من المصادر مثل: شعر الخوارج لإحسان عبَّاس، وقول على قول ..
(2) - سورة الحشر: الآية 8.
(3) - سورة الحشر: الآية 9. (1/64)
صفحة 65
ثمَّ قرأ عليه قوله تعالى: {والذين جآؤوا من بَعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} (1) ، فقال له: «أمنهم أنت؟»، قال: «أرجو»، قال عبد الله بن عمر: «لا والله ليس مِن هؤلاء مَن سبَّ هؤلاء» (2) .
هذه هي الكلمة الذهبية الحلوة التي نطق بها سيِّدنا عبد الله بن عمر، ليس من التابعين الذين جاؤوا من بعد مَن سبَّ المهاجرين والأنصار، وهو صريح القرآن، لأنَّ أصحاب الطبقة الثالثة موصون بقولهم: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان}.
ونحن اليوم أيضًا نسائل أنفسنا:
... ... أنحن من المهاجرين؟ كلاَّ.
... ... أنحن من الأنصار؟ كلاَّ.
... ... أنحن من الذين جاؤوا من بعدهم؟ نرجو ذلك.
ولكن لن نكون منهم إذا سببناهم أو شتمناهم، وقانا الله من أن نقول كلمة سوء في الصحابة y، ونسأله أن يعمّر قلوبنا بمحبَّتهم، وقد عوّدنا أسلافنا - رحمهم الله - السلامَ عليهم، كلّما كتب أحدنا كتابا أو قال خطاباً، أن يبدأه بـ: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما». نحن نصلّي عليهم ونسلّم في كلّ وقت، تبعا للنبيء e.
وللمناسبة أذكر فائدة نصّ عليها العلماء، قالوا: أما الصلاة على الصحابة، فلا تكون إلاَّ تبعاً للنبيء e، إذ لا يجوز أن نقول: صلَّى الله على أبي بكر، أو على عمر، أو على فلان أو فلان، وإنَّما تقول: صلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى صحبه، وهذا هو مذهب الجمهور، وهو قولنا.
أمَّا التسليم فيجوز استقلالا (3) فنقول: السلام عليكم، سلام على عباد الله الصالحين، سلام على فلان أو فلان.
وبعد هذا لنخرج من هذا المقام الصعب الخوض فيه بنتيجة وهي:
__________
(1) - سورة الحشر: الآية 10
(2) - ... ... الأولسي: روح المعاني، ج28/ص48
... ... ... القطب اطفيَّش: تيسير التفسير، ج6/ص157
(3) - كما في التشهّد: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». (1/65)
صفحة 66
1. الرضا عمَّن رضي الله عنهم، وعمَّن رضي عنهم رسوله e، وبشَّرهم بالجنَّة.
2. الوقوف فيما سجر بينهم.
3. عدم الخوض فيه.
4. عدم الحكم عليهم بشيء أبدا، إذ لسنا مكلَّفين بهذا ولا ملزمين.
5. لن يسألنا الله تعالى عنهم، بل يسألنا إذا لم نستغفر لهم.
6. نلتزم طريقهم حتَّى نلحق بهم.
نلتزم قوله تعالة: {والذين جآؤوا من بَّعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}. حتَّى ندخل في جملة هذه الطوائف المتتابعة والقوافل المتلاحقة وراء هذا الرعيل الأوَّل، حتَّى ندخل الجنَّة معهم - إن شاء الله -.
وأختم بكلمة قالها أحد الأشياخ في السير، في اجتماع له ببعض فقال أحدهم: «سبق الأوَّلون على خيل عتاق (1) ، وبقينا على حُمر دبرة (2) » فأجاب الشيخ بقوله: «أخاف أن لا نكون على الطريق، أمَّا إذا كناَّ على الطريق فإنا سنلحق» (3) .
نحن كذلك نخاف أن لا نكون على الطريق، وأمَّا إذا كنا على الطريق ووراء النبيء e، وراء هذه الجماعات التي أمامنا من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى يوم الدين، فسنصل على حمُرنا الدبرة، ولن نبلغ درجتهم ولكن نصل وراءهم إلى الجنَّة إن شاء الله.
__________
(1) - العتق خلاف الرق وهو الحرية، وعتقت الفرس عتقا سبقت الخيل، وفرس عاتق سابق.
... ... ... ... ... ... ... ... ابن منظور: لسان العرب، ج39/ص235.
(2) - دبرة: الدبر نقيض القبول، ودبره يدبره دبورا تبعه من ورائه، ودابر الشيء آخره. ابن منظور: ن، م، س، ج16/ص268.
(3) - بعد بحث في طبقات الدرجيني لم أهتد إلى هذا القول، ولا إلى قائله، وسألت عنه بعض الأساتذة منهم: الشيخ ناصر المرموري، والأستاذ مصطفى شريفي... اتفق الجميع على أنَّهم سمعوا هذا القول ونسوا قائله، وهذا مِمَّا يدعو إلى ضرورة إعداد فهارس دقيقة لكتب السير حتَّى لا تضيع مثل هذه المعلومات الهامة. (1/66)
صفحة 67
والله تعالى نسأل أن يبارك، ويقبل القليل من أعمالنا، وهو كما وُصف: يقبل اليسير، ويعفو عن الكثير.
أظنُّ أنِّي قد بلغتُ بعض ما أريد أن أبلغه في نفوسكم، في قضية الصحابة، فتمسَّكوا به، واسألوا الله المغفرةَ لأنفسكم ولهم.
والحمد لله ربِّ العالمين.
الفهارس
فهرس الآيات القرآنبة
فهرس الأحاديث النبويَّة والآثار
فهرس المصطلحات
فهرس الأعلام
فهرس الأماكن والأحداث
فهرس القبائل والفرق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة: ... *في فهرس الآيات والأحاديث، لم نعتبر إلاَّ ما ورد في المتن دون الهامش.
... ... *في الفهارس الأخرى، اعتبرنا المتن والهامش معا.
... ... *لم نعتبر ما ورد كمصدر في فهرسة الأعلام، مثلا: البخاري: صحيح... ... ... فالبخاري هنا لم نفهرسه ضمن الأعلام.
فهرس الآيات القرانية
1. {أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} ... أ
2. {أكله الذيب} ... 50
3. {ألزمهم كلمة التقوى} ... 21
4. {أولئك هم المومنون حقًّا} ... 10، 17
5. {أولئكَ همُ المومنونَ} ... 10
6. {إذ جعلَ الذينَ كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية، فأنزلَ الله سكينته على رسوله، وعلى المومنين، وألزمهم كلمة التقوى، وكانوا أحقَّ بها وأهلَها، وكان اللهُ بكلِّ شيءٍ عليماً} ... 20
7. {إن يسرِق فقد سرَق أخٌ له من قبلُ}. ... 50
8. {إنَّ الحسنات يُذهبن السيِّئات} ... 39
9. {إنَّ الذين اتَّقوا إذا مسَّهم طائفٌ من الشيطانِ تذكَّروا فإذا هم مُبصرونَ} ... 11
10. {إنَّ الذينَ ءامَنواْ وهاجَروا وجاهَدوا بأموالِهم وأنفسِهم في سبيلِ اللهِ، والذينَ ءاَوَواْ ونصَرواْ أولئكَ بعضهمُ, أَوليآءُ بعضٍ} ... 10
11. {إنَّ الله اشترى من المومنين أنفسَهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنَّة} ... 42
12. {إنَّ الله مع الذين اتَّقوا والذين هم محسنون} ... 22
13. {الذين سبقونا بالإيمان} ... 30
14. {إنّ ربك لشديد العقاب وإنه لغفور رحيم} ... أ (1/67)
صفحة 68
15. {بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ إنَّا فتحنا لكَ فتحاً مبيناً ليغفر لك اللهُ من ذنبك وما تأخَّر} ... 40
16. {تالله تفتأ تذكرُ يوسفَ حتَّى تكون حرضاً أو تكونَ من الهالكينَ} ... 50
17. {تلك أمَّة قد خلت...}. ... 49
18. {تلكَ أمَّة قد خلَت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عمَّا كانوا يعملون} ... 48، 49
19. {ثمَّ إنَّ ربك للذين هاجروا من بعد ما فُتنوا ثمَّ جاهدوا وصبروا إنَّ ربك من بعدها لغفور رَّحيم} ... 37
20. {ثمَّ إنَّ ربَّك للذين هاجَروا من بعد ما فُتنوا، ثمَّ جاهدوا وصبروا إنَّ ربَّك من بعدها لغفور رَّحيم} ... 21
21. {ثمَّ إنَّ ربَّك للذين} ... 21
22. {ثمَّ تاب عليهم لِيتُوبوا} ... 12
23. {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان}. ... 59
24. {ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين ءامنُوا} ... 49
25. {رضي الله عنهم ورضوا عنه} ... 17
26. {ضربَ الله مثلاً كلمة طيِّبة كشجرةٍ طيِّبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، توتي أُكلَها كلَّ حينٍ بإذن ربِّها} ... 20
27. {فأولئكَ منكم} ... 12
28. {فالذين هاجروا وأُخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي، وقاتلوا وقُتلوا لأكفرنَّ عنهم سيِّئاتهم} ... 37
29. {فلمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زوَّجْناَكَهَا} ... 6
30. {قل لِّلذين كفروا إن يَّنتهوا يُغفَر لهم ما قد سلفَ} ... 37
31. {لا يستوِي منكم منَ اَنفقَ من قبلِ الفتحِ وقاتَل أولئكَ أعظمُ درجةً منَ الذينَ أنفقوا مِن بعدُ وقاتلوا وكُلاًّ وعد الله الحسنى} ... 14, 15
32. {لقد تَّاب الله على النبيء والمهاجرينَ والاَنصار الذين اتَّبعوه في ساعة العُسرة، من بعد ما كاد تزيغ قلوبُ فريقٍ مِّنهم، ثمَّ تاب عليهم، إنَّه بهم رؤوف رحيم}. ... 17
33. {لقد رضيَ اللهُ عن المومنينَ إذ يبايِعونكَ تحتَ الشجرةِ فعلِم ما في قلوبهم، فأنزلَ السكينة عليهم، وأثابهم فتحا قريباً، ومغانِم كثيرة ياخذُونها، وكان الله عزيزاً حكيماً} ... 19 (1/68)
صفحة 69
34. {للفقرآء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله، وأولئك هم الصادقون} ... 58
35. {للفقراء المهاجرين ... والذين جآؤوا من بَّعدهم...} ... 53
36. {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم}() ... 26
37. {للفقراء المهاجرين...والذين جآؤوا من بعدهم...} ... 33
38. {لهم مغفرة ورزق كريم} ... 11، 17
39. {لهم مغفرة} ... 12
40. {من بعدها لغفور رحيم} ... 23
41. {وألزمهم كلمة التقوى} ... 21
42. {وأهلَها} ... 21
43. {واعلَموا أنَّما غنِمتم من شيء، فأنَّ لله خُمُسه وللرسول}(). ... 17
44. {والذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين ءاوَوْا ونصروا أولئك هم المومنون حقًّا} ... 26
45. {والذين تبوَّأوا الدار والايمان من قبلهم يحبُّون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مِمَّا أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كانَ بهم خصاصة} ... 59
46. {والذين جآؤوا من بعدهم يقولون ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} ... 30
47. {والذين جآؤوا من بعدهم} ... 16
48. {والذين جآؤوا من بَّعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} ... 59
49. {والذين جآؤوا من بَّعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}. ... 60
50. {والذينَ ءامَنوا من بَعد وهاجَروا وجاهَدوا معكم فأولئكَ منكم} ... 12, 14
51. {والذينَ ءامَنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذينَ ءاوَوا ونصرواْ، أولئك هم المومنونَ حقًّا، لهم مفغرة ورزق كريم، والذينَ ءامَنوا من بَعد وهاجَروا وجاهَدوا معكم فأولئكَ منكم}. ... 13
52. {والذينَ ءامَنوا وهاجَروا وجاهدوا في سبيلِ اللهِ، والذينَ ءاوَواْ ونصروا أولئكَ همُ, المومِنونَ حقاًّ، لهم مغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ} ... 10
53. {والذينَ اتَّبعوهم بإحسانٍ} ... 16 (1/69)
صفحة 70
54. {والذينَ جآؤوا من بعدِهم يقولون...} ... 16
55. {والسابقون الاوَّلون من المهاجرين والانصار} ... 13، 25
56. {والسابقونَ الاوَّلونَ منَ المهاجرينَ والانصارِ والذينَ اتَّبعوهم بإحسانٍ رضيَ اللهُ عنهم ورضُوا عنهُ وأعدَّ لهم جنَّاتٍ تجري تحتهاَ الانهارُ خالدينَ فيها أبداً ذلك الفوزُ العظيمُ} ... 14
57. {وعلى الثلاثة الذينَ خُلِّفوا...} ... 17
58. {وكانوا أحقَّ بها وأهلَها}، ... 21
59. {ومآ ءاتاكم الرسولُ فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا...} ... 55
60. {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} ... أ
61. {يقولون: ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}. ... 16
فهرس الأحاديث النبويَّة والآثار
1. «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ... أ
2. «أصيحابي أصيحابي» ... 54
3. «ألم أقل لكم إنِّي رسول الله» ... 43
4. «أمر الله تعالى بالاستغفار لأصحاب محمَّد e وهو يعلم أنَّهم سيُفتنون» ... 29
5. «أنَّ فتنا كقطع الليل المظلم ستكون بين هذه الأمَّة» ... 30
6. «أُمروا بالاستغفار لأصحاب محمَّد فسبُّوهم» ... 33
7. «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» ... 55
8. «إنَّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنَّة، حتَّى لا يكون بينها وبينه إلاَّ ذراع فيسبق عليه القلم، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها؛ وإنَّ الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتَّى لا يكون بينه وبينها إلاَّ ذراع، فيسبق عليه القلم، فيعمل بعمل أهل الجنَّة فيدخلها» ... 41
9. «الفتنة نار لعن الله من أوقدها، والفنتة نائمة لعن الله من أيقظها» ... 29
10. «الله الله في أصحابي لا تتَّخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله سبحانه، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» ... 32
11. «الله اللهَ في أصحابي، لا تتَّخذوهم غرضا بعدي» ... 50
12. «اللهمَّ إنَّ ذنوبنا قد عظُمت وجلَّت وعفوُك أعظم منها وأجلُّ» ... 23
13. «دعني يا رسول الله أضربُ عنقه، إنَّه قد نافق» ... 36 (1/70)
صفحة 71
14. «دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» ... 32
15. «ذروا لي أصحابي، لا تتَّخذوهم غرضاً بعدي» ... 49
16. «صوم عرفة يكفِّر سنة ماضية وسنة آتية» ... 39
17. «فسحقا فسحقا» ... 54
18. «فمن أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم»: ... 32
19. «قيل لعائشة رضي الله عنها: إنَّ أناساً يتناولون الصحابة حتَّى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون! انقطع عنهم العمل، وأحبَّ الله أن لا ينقطع عنهم الأجر» ... 33
20. «كقطع الليل المظلم» ... 49
21. «لا تتَّخذوهم غرضاً بعدي» ... 32
22. «لا والله ليس مِن هؤلاء مَن سبَّ هؤلاء» ... 59
23. «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» ... 38
24. «لتخرجنَّ الكتاب أو لنجرِّدنَّك» ... 35
25. «ما تدري ما أحدثوا بعدك» ... 54
26. «ما حملك على هذا يا حاطب؟» ... 36
27. «ما دعوتُ أحداً إلاَّ كانت له كبوةٌ، لكنَّ أبا بكر أسلم لأوَّل وهلة» ... 5
28. «ما يدريك يا عمر لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» ... 36, 40, 44
29. «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل» ... 43
30. «من قال لا إلاَّ الله دخل الجنَّة وإن زنى وإن سرق» ... 38
31. «هذه الآية في الأنصار، أمنهم أنت؟» قال: «لا». ... 59
32. «هذه الآية في المهاجرين، أمنهم أنت؟» ... 58
33. «هذه عن عثمان» ... 20
34. «والله يا رسول الله إنِّي لمؤمن بالله ورسوله، ما بدَّلت وما غيَّرتُ، ولكن لي بين ظهرانيهم أهل وولدٌ وليس لي عشيرة، فصانعتهم عليه» ... 36
35. «ومن آذاهم فقد آذاني...» ... 33
36. «ومن أبغضهم فبِبغضي أبغضهم» ... 33
37. «يكفِّر سنة قبله وسنة بعده» ... 39
فهرس المصلحات
1. الأنصار ... 7-11، 13، 14، 16، 17، 19، 31، 33، 39، 42، 43، 49، 55، 56، 59
2. البدريون ... 11
3. الجبّ ... ...
4. الجمهور ... 4
5. الحواريون ... 8
6. خبَّ ... 49، 55
7. الصحابة ... 3
8. الظعينة ... 39
9. الغرض ... 32 (1/71)
صفحة 72
10. المهاجرون ... 4، 9-14، 16، 18، 22، 24، 31، 33، 34، 39، 45، 49، 55، 56، 59
فهرس الأعلام
1. آل ياسر ... 6، 7، 22.
2. البرك بن عبد الله التميمي ... 57.
3. أبو أمامة ... 7.
4. أبو الدرداء ... 38.
5. أبو بكر ... 5، 6ن 24، 27، 33، 44، 45، 55، 57، 60.
6. أبو جهل ... 7.
7. أبو ذر الغفاري ... 38.
8. أبو سعيد الخدري ... 32.
9. أبو عبيدة (إباضي) ... 54.
10. أبو عبيدة الجراح ... 6، 25، 55.
11. أبو لؤلؤة المجوسي ... 28، 57.
12. أبو مرشد الغنوي ... 35.
13. أبو مسنَّة ... 19.
14. أبو موسى الأشعري ... 14.
15. أبو نصر ... 40.
16. أبو هريرة ... 30، 38، 48، 54.
17. أحمد بن حنبل ... 3، 33.
18. أسعد بن زرارة ... 7.
19. الأعمش ... 32.
20. إبراهيم بن بهون ... 46.
21. إسماعيل ... 30.
22. ابن الأثير ... 27.
23. ابن حجر ... 27، 30، 43.
24. ابن سعد ... 19.
25. ابن فورك ... 50.
26. ابن لهيعة ... 38.
27. ابن هشام ... 43.
28. اطفيش ... 19، 31، 46، 53، 55.
29. البخاري ... 3، 4، 19.
30. البراء بن معرور ... 8.
31. البزار ... 38.
32. بلال ... 6، 22.
33. الثوار ... 57.
34. جابر بن زيد ... 51، 55.
35. جابر بن عبد الله ... 7، 19.
36. الحاج ابراهيم بن كاسي ... 46.
37. الحاج بكير العنق ... 46.
38. الحاج عمر بن يحيى ... 46، 47.
39. الحارث المحاسبي ... 52.
40. حاطب بن أبي بلتعة ... 11، 34، 36، 40.
41. الحسن البصري ... 14، 51، 52.
42. خارجة ... 58.
43. خالد بن الوليد ... 15.
44. خالد محمَّد خالد ... 5.
45. خديجة ... 4-6.
46. خزيمة بن ثابت ... 28.
47. الخلفاء الراشدون ... 24، 27، 53.
48. الدرجيني ... 61.
49. ذكوان ... 32.
50. رافع بن مالك ... 7.
51. الزبير بن العوام ... 24، 25، 28، 33، 35، 45، 55، 57.
52. زيد بن حارثة ... 6.
53. سارة مولاة أبي عمرو ... 35.
54. سعد بن أبي وقاص ... 24، 25، 28، 55.
55. سعيد بن المسيب ... 3، 14، 19.
56. سعيد بن زيد ... 24، 25.
57. سلمة بن الأكوع ... 19.
58. سمية بنت خباط ... 7، 22.
59. الشعبي ... 14.
60. الشهار مولات أبي عمر ... 35.
61. الشيخ بيوض ... 46، 47. (1/72)
صفحة 73
62. الشيخ عدون ... 47.
63. صفي الدين الجلي ... 57
64. الطبراني ... 38.
65. طبقة بن عامر ... 7.
66. طلحة بن عبد الله ... 24، 25، 28، 35، 45، 55، 57.
67. عائشة ... 13، 28، 33، 45-48.
68. العباس بن عبد المطلب ... 8.
69. عبد الرحمن بن عوف ... 6، ، 28.
70. عبد الرحمن بن ملجم ... 28، 57.
71. عبد الله بن أبي ... 19.
72. عبد الله بن سبأ ... 56.
73. عبد الله بن عباس ... 4، 13، 29.
74. عبد الله بن عمر بن الخطاب ... 48، 55، 58، 59.
75. عثمان بن عفان ... 18، 20، 24-26، 28، 34، 45، 48، 55، 57.
76. العزابة ... 46.
77. العشرة المبشرون بالجنَّة ... 24-26، 45، 48، 55، 57.
78. عطاء بن يسار ... 14.
79. العلاه ... 30.
80. علي بن أبي طالب ... 5، 6، ، 24، 28، 35، 45، 46، 55-58، 60.
81. عمار بن ياسر ... 6، 22، 28، 35.
82. عمر بن الخطاب ... 19، 24، 25، 27، 28، 33، 35-37، 40، 46، 53، 55، 57، 60.
83. عمر بن بكر التميمي ... 57.
84. عمر بن عبد العزيز ... 52، 53، 55.
85. عمرو بن أفيش ... 42.
86. عمرو بن العاص ... 35، 57، 58.
87. عمرو بن ثابت بن وقش ... 42.
88. العوام بن حوشم ... 53.
89. عوف بن حارث ... 7.
90. عيسى بن مريم ... 8.
91. قائد كاسي ... 46، 47.
92. قتادة ... 14.
93. قتيبة ... 30.
94. القرطبي ... 49، 50.
95. قزمان الطفري ... 43.
96. كعب بن مالك ... 18.
97. كنانة بن بشر ... 28.
98. الليث ... 4.
99. مالك بن أنس ... 31.
100. محمَّد بن أبي بكر ... 28.
101. محمَّد بن الحاج أحمد ... 46.
102. محمَّد بن سلمة ... 48.
103. محمَّد بن سيرين ... 14.
104. محمَّد بن كعب ... 14.
105. محي الدين الجلي ... 57.
106. مرارة بن الربيع ... 18.
107. مسلم ... 19، 38.
108. مصطفى وينتن ... 53.
109. مصطفي شريفي ... 61.
110. مصعب بن عمير ... 8، 9، 14.
111. معاوية بن أبي سفيان ... 18، 28، 57، 58.
112. المغيرة ... 28.
113. المقداد ... 35.
114. المقوقس ... 34.
115. موسى بن عقبة ... 19.
116. الناصر المرموري ... 61.
117. هراقل ... 18.
118. هلال بن أمية ... 18.
119. الهيثمي ... 38. (1/73)
صفحة 74
120. الواقدي ... 3.
121. يحيى بن أيوب ... 30.
122. يعقوب ... 50.
123. يوسف عليه السلام ... 50.
فهرس القبائل والفرق
1. العجاردة ... 55.
2. الأزارقة ... 55، 56.
3. الأوس ... 8.
4. الإبَاضِية ... 57.
5. بنو أمية ... 43.
6. بنو عبد الأشهل ... 42.
7. بنو عدي ... 7.
8. البهيسية ... 55.
9. الثعلبة ... 55.
10. الجهمية ... 55.
11. الخزرج ... 7، 8.
12. الخوارج ... 55، 56.
13. الرافضة ... 24، 46، 55.
14. الروم ... 18.
15. السبئية ... 56.
16. الفريكية ... 55.
17. قريش ... 6، 7، 34-36.
18. المرجئة ... 55.
19. المغول ... 57.
20. النجدات ... 55.
21. الهضمية ... 55.
22. اليمونية ... 55.
فهرس الأحداث والأماكن
1. آسيا ... 25.
2. أحد ... 9، 26، 32، 33، 42.
3. الأحزاب ... 34.
4. الإسكندريَّة ... 34.
5. بدر ... 12، 14-18، 25، 26، 34، 36، 37.
6. البصرة ... 28، 52، 57.
7. بغداد ... 52، 56.
8. بيعة الرضوان ... 14، 20، 26.
9. تبوك ... 17، 18، 34.
10. جرجرايا ... 56.
11. الجنَّة ... 28.
12. الحبشة ... 9.
13. حجة الوداع ... 26، 54.
14. الحديبيَّة ... 12، 14، 15، 19، 20، 26، 34، 44.
15. الحرب العالمية الأولى ... 17.
16. حروب الردَّة ... 45.
17. الخندق ... 34.
18. خيبر ... 34.
19. دمشق ... 25.
20. الرحبة ... 28
21. روضة خاخ ... 35.
22. سنة الوفود ... 26.
23. الشام ... 18.
24. العتيق ... 25.
25. العقيق ... 25
26. عرفات ... 54.
27. عرفة ... 39.
28. العقبة الأولى ... 7، 14.
29. العقبة الثالثة ... 7.
30. العقبة الثانية ... 8، 9، 14، 55.
31. عقبة النساء ... 7.
32. العقيق ... 25.
33. عمرة القضاء ... 15.
34. غرداية ... 46.
35. غوربستان ... 25.
36. الفتح ... 13، 15، 16، 26، 34.
37. فتنة الدار ... 28، 48، 66.
38. الفراث ... 25.
39. فلسطين ... 27.
40. القادسية ... 25.
41. القرارة ... 46، 47.
42. الكوفة ... 25، 28، 57.
43. مؤتة ... 6.
44. المدينة ... 7-10، 23، 25، 34، 36.
45. مصر ... 27، 50.
46. مكَّة ... 4، 6-10، 15، 16، 19، 22، 35، 36، 57.
47. الموصل ... 27.
48. النهروان ... 66.
49. الهجرة ... 12-14، 16، 30، 32، 44. (1/74)
صفحة 75
50. وادي السباع ... 57.
51. واسط ... 56.
52. اليمن ... 56.
53. يوم الجمل ... 28، 45، 66، 57.
54. يوم صفين ... 28، 35، 45، 66.
فهرس المصادر والمراجع
1. آراء الشيخ اطفيَّش العقدية: مصطفى بن ناصر وينتن؛ رسالة ماجستير؛ (مصفف).
2. أحكام القرآن: أبو بكر محمَّد ابن العربي؛ تحقيق علي محمَّد البجاوي؛ دار المعرفة-دار الجيل، لبنان.
3. أخبار الخوارج من كتاب الكامل في اللغة: أبو العبَّاس المبرّد؛ دار الفكر الحديث، لبنان؛
4. أسد الغابة في معرفة الصحابة: عزّ الدين الجزري المعروف بابن الأثير.
5. أعلام الإصلاح في الجزائر (من عام 1340هـ/1921م إلى عام 1395هـ/1975م): محمَّد علي دبوز؛ مطبعة البعث، قسنطينة؛ ط1: 1974-1982م.
6. الأعلام: الزركلي خير الدين؛ ط3؛ د.ت.
7. الاستيعاب في معرفة الأصحاب: أبو عمرو يوسف ابن عبد البرّ؛ تحقيق علي محمَّد البجاوي؛ مكتبة نهضة مصر.
8. تاريخ الأمم والملوك: أبو جعفر محمَّد بن جرير الطبري؛ مطبعة الاستقامة، القاهرة؛ 1357هـ/1939م.
9. تفسير المنار: محمَّد رشيد رضا، مطبعة المنار، مصر؛ ط1: 1346هـ.
10. تيسير التفسير للقرآن الكريم: محمَّد بن يوسف اطفيَّش؛ وزارة التراث القومي، سلطنة عمان؛ 1409هـ/1988م.
11. جامع البيان في تفسير القرآن (تفسير الطبري): أبو جعفر محمَّد بن جرير الطبري؛ دار الفكر، بيروت؛ 1398هـ/1978م.
12. الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب: أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي؛ المطبعة العربية، غرداية؛ 1985م.
13. الجامع لأحكام القرآن: أبو عبد الله بن أحمد الأنصاري القرطبي؛ دار الكتاب العربي، القاهرة؛ 1967م.
14. جواهر الأدب: أحمد الهاشمي؛ مطبعة السعادة، مصر؛ ط26: 1385هـ/1965م.
15. حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي: محمَّد ناصر؛ جمعية التراث، القرارة، الجزائر؛ 1410هـ/1989م.
16. حياة الشيخين (الابريكي ونور القلب): محمَّد ناصر بوحجام؛ مصور. (1/75)
صفحة 76
17. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المتاني: أبو الفضل شهاب الدي السيد محمود الألوسي البغدادي؛ إدار الطباعة المنيرية، مصر؛ د.ت
18. سنن أبي داود: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي؛ ضبط وتعليق محمَّد محيي الدين عبد الحميد؛ دار إحياء التراث العربي، بيروت.
19. سنن ابن ماجة: ابن ماجة؛ تحقيق محمَّد فؤاد عبد الباقي؛ دار الفكر؛ د.ت
20. سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي: النسائي، السيوطي، السندي؛ دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان؛ د.ت
21. السيرة النبويَّة: أبو الفداء إسماعيل ابن كثير؛ تحقيق مصطفى عبد الواحد؛ دار المعرفة، بيروت، لبنان؛ 1403هـ/1983م.
22. السيرة النبويَّة: ابن هشام؛ شركة مصطفى البابي الحلبي، مصر؛ ط2: 1375هـ/1955م.
23. شرح طلعة الشمس على الألفية: أبو محمَّد عبد الله بن حميد السالمي؛ وزارة التراث القومي، سلطنة عمان؛ ج1 ط: 1401هـ/1981م - ج2 ط2: 1405هـ/1985م.
24. شرح عقيدة التوحيد: محمَّد بن يوسف اطفيَّش؛ ط. حجرية.
25. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد؛ دار مكتبة الحياة، بيروت؛ 1963م.
26. صحيح البخاري: أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاري الجعفي؛ ضبط وتخريج الدكتور مصطفى ديب البغا؛ نشر: موفم للنشر-دار الهدى، الجزائر-عين مليلة؛ 1992م.
27. صحيح الترمذي (سنن الترمذي) بشرح الإمام ابن العربي المالكي: الترمذي، وابن العربي؛ المطبعة المصرية بالأزهر، مصر؛ ط1: 1350هـ/1931م.
28. صحيح مسلم: أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري؛ تحقيق محمَّد فؤاد عبد الباقي؛ دار إحياء التراث العربي، لبنان؛ 1954م.
29. طبقات المشايخ بالمغرب: أبو العبَّاس أحمد بن سعيد الدرجيني؛ تحقيق إبراهيم طلاي؛ مطبعة البعث، قسنطينة.
30. علم الحديث ومصطلحه: صبحي الصالح؛ دار العلم للملايين، بيروت؛ ط10. (1/76)
صفحة 77
31. فتح الباري شرح صحيح البخاري: أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني الشافعي؛ المطبعية البهية، مصر؛ 1348هـ.
32. قاموس المحيط: مجد الدين محمَّد بن يعقوب الفيروزاباذي الشيرازي؛ المطبعة الحسينية المصرية؛ ط2: 1344هـ.
33. قواعد الإسلام: إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر؛ تحقيق بكلي عبد الرحمن؛ المطبعة العربية، غرداية؛ ط1: 1977م.
34. كتاب العبر (تاريخ ابن خلدون): ابن خلدون؛ دار الكتاب اللبناني، لبنان؛ 1956م.
35. لسان العرب: أبو الفضل جمال الدين محمَّد بن مكرم ابن منظور؛ دار صادر-دار بيروت، بيروت؛ 1374هـ/1975م.
36. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي؛ بتحرير الحافظين العراقي وابن حجر؛ دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان؛ ط3: 1402هـ/1982م.
37. المسند بهامشه منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: أحمد بن حنبل، المتقي الهندي؛ المكتب الإسلامي، بيروت؛ ط4: 1403هـ/1983م.
38. معجم أعلام الإباضية: جمعية التراث، النسخة التجريبية (مصورة).
39. معجم البلدان: ياقوت الحموي؛ دار صادر - دار بيروت، بيروت؛ 1358هـ/1939م.
40. المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي: وضعه لفيف من المستشرقين؛ نشر الدكتور أ.ي وينسنك؛ مكتبة بريل، ليدن؛ 1936م.
41. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: محمَّد فؤاد عبد الباقي؛ دار الفكر؛ ط1: 1406هـ/1986م.
42. معجم لغة الفقهاء (عربي- إنجليزية): محمَّد رواس قلعه جي وحامد صادق قنيبي؛ دار النفائس، بيروت؛ ط2: 1408هـ/1988م.
43. الملل والنحل: أبو الفتح الشهرستاني؛ دار المعرفة، بيروت.
44. موسوعة الحديث النبوي: العالمية؛ 48000 حديث؛ برنامج كمبيوتر.
45. الموسوعة العربيَّة الميسّرة: إشراف محمَّد شفيق غربال؛ دار الشعب.
46. الموطّأ: للإمام مالك بن أنس؛ تعليق سعيد اللحام؛ دار الفكر، بيروت؛ ط1: 1409هـ/1989م. (1/77)
صفحة 78
47. نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة: محمَّد علي دبوز؛ المطبعة التعاونية، ج1 ط1: 1385هـ/1965م؛ المطبعة العربية، الجزائر؛ ج2-3 ط1: 1389هـ/1969م - 1391هـ/1971م.
48. نور اليقين في سيرة سيِّد المرسلين: محمَّد الخضري بك؛ المكتبة التجارية، مصر.
49. وجاء أبو بكر: خالد محمَّد خالد؛ دار الكتب الحديثة؛ ط1: 1382هـ.
المحتويات
المقدمة ... i
خلاصة موقف الشيخ من الصحابة ... 2
[الصحابة: لغةً وشرعاً] ... 3
[السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار] ... 4
[إرسال مصعب بن عمير إلى يثرب] ... 9
[الآيات النازلة في حقّ المهاجرين والأنصار] ... 9
[ذنوب المهاجرين والأنصار لا تقع إلاَّ مغفورةً] ... 11
[فضل السابقين الأولين على غيرهم] ... 12
[الذين جاؤوا من بعدهم... والتابعون] ... 16
[حكم الله تعالى على الصحابة بالمغفرة والرضوان] ... 17
[فضل العشرة المبشَّرين بالجنَّة] ... 24
[بداية الفتن في الأمَّة الإسلامية] ... 27
[الأحاديث الواردة في فضل الصحابة والنهي عن سبِّهم] ... 31
قصَّة حاطب بن أبي بلتعة] ... 34
[مغفرة الله واسعة] ... 37
[ولاية الله وبراءته لا يتبدَّلان] ... 40
[العبرة بالخاتمة] ... 41
[استحقاق الصحابة للجزاء الرباني] ... 44
الفهارس ... 62 (1/78)