صفحة 1
الكتاب: كتاب أصول الدين
أو
الأصول العشرة
المؤلف: تبغورين بن داوود بن عيسى الملشوطِي
(القرن الخامس الهجري)
دراسة وتحقيق وتعليق: د. ونيس عامر (أستاذ محاضر بجامعة الزيتونة)
تونس، الطبعة الأولى: 2002
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) من علم الكلام الإباضي
كتاب أصول الدين
تأليف
تبغورين بن داوود بن عيسى الملشوطي
(القرن الخامس الهجري)
دراسة وتحقيق وتعليق
الدكتور
ونيس عامر
أستاذ محاضر بجامعة الزيتونة
الإهداء
إلى والديّ العزيزين الذين حرصا كلّ الحرص على تعليمي، وإلى كلّ من علمني بداية من الكتّاب.
إلى أساتذتي الجامعيين الرّاحلين منهم والذين مازالوا على قيد الحياة.
إليهم جميعا أقدّم هذه الثّمرة عربون إخلاص ووفاء.
ونيس عامر
بسم الله الرحمان الرحيم
مقدمة
الحمد لله، والصّلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه الأطهار الأخيار.
وبعد، فإنّ الباعث الأساسي الذي حفّزني على تحقيق هذه الرّسالة في أصول الدّين لأحد المتكلّمين الإباضيين وهو الشّيخ تبغورين بن داوود بن عيسى الملشوطي- (من علماء القرن الخامس الهجري)- ونشرها ما رأيناه من فراغ مكتباتنا في تونس والجزائر والمغرب وليبيا وسلطنة عمان وغيرهم، من مثل هذه الرّسائل وخاصّة في المذهب الإباضي الذي هو الآخر يدخل ضمن اشتغالي بتاريخ المدرسة الإباضيّة بإفريقيّة، وبعلماء الكلام بهذه الدّيار، ولعلّ ما ساعد على وجود هذا الفراغ هو عدم اهتمام الدّارسين والباحثين في هذا التّراث المتعلّق بالإباضيّة وأعلامها، من الأشياء التي ساعدت على انصراف الباحثين قدامى ومحدثين عنها، وزهدهم في الكتابة في تاريخ الفرق الإسلاميّة وأصول الدّين. لا لشيء إلاّ لكون أولئك العلماء يتمذهبون بالمذهب الإباضي الذي يصرّ أغلب الدّارسين - قديما وحديثا - على اعتباره مذهبا من مذاهب الخوارج. (1/1)
صفحة 2
فلقد تلقّى مؤسّسوا المذهب الإباضي فقههم وكلامهم عن إمامهم التّابعي الشّهير «أبو الشّعثاء» (1) جابر بن زيد الأزدي، الإمام المحدّث، الفقيه، والذي كان من أخصّ تلاميذ ابن عبّاس، وممن روى الحديث عن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وعدد كبير من الصّحابة ممن شهد " بدرا ". فقد كان إماما في التّفسير، والحديث، وكان ذا مذهب خاصّ به في الفقه. ولد سنة 21 للهجرة، وتوفي بالبصرة سنة 93 هجرية.
وفي زمن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة – أحد تلاميذ جابر بن زيد الأزدي – وعلى أيدي حملة العلم الذين أعدّهم أبو عبيدة ولقّنهم أصول الدّعوة للمذهب وأسسه – وصلت الدّعوة الإباضيّة إلى شمال إفريقيّة، حيث وجدت آذانا صاغية وقلوبا متفتّحة، دانت بها ودافعت عنها، وحاربت من أجل نصرتها وانتشارها في أرياف إفريقيّة، فقد كان للإباضيّة حضور لفت الأنظار، إذ انبثّ دعاتهم في القيروان وفي غيرها من المدن والأرياف، يعلمون النّاس أصول مذهبهم، ويقاومون الظّلم، وعسف الحاكمين، والتّعصّب العرقي الذي استند إليه ولاّة الأمر وخاصّة في عهد الدّولتين الأغلبيّة والفاطميّة. فوجد الأهلون في دعوتهم الملاذ الذي اعتصموا به، والعدالة التي طالما هفوا إليها. وقد كان نجاحهم في إفريقيّة في مطلع القرن الثّاني للهجرة سببا في وفادة بعض الفرق الأخرى كالشّيعة والمعتزلة إلى إفريقيّة باعتبارها أرضا صالحة لانتشار المذهب الإباضيّ بسبب عوامل كثيرة يتصدّرها بعد إفريقيّة عن عاصمة الخلافة، ومحدوديّة الثّقافة الدّينيّة واستشراء مظالم الولاّة من الأغالبة، فالشّيعة (الفاطميين).
__________
(1) الشّعثاء، هي ابنته وكان يكنّى بها. لذا ورد اسمه بهذه الكنية في مختلف كتب السّير الإباضيّة. وقبرها ما يزال معروفا في بلدة (فرق)، بولاية تروى بسلطنة عمان. انظر: د. صالح الصّوافي:الإمام جابر بن زيد العماني وآثاره في الدّعوة. ط2، سنة 1989، ص30. (1/2)
صفحة 3
والجدير بالملاحظة أنّ الفضل يعود إلى الإباضيّة في نشر الإسلام في أرياف إفريقيّة ومناطقها الجبليّة. فقد رفعوا لواء الدّعوة للإسلام ولمذهبهم بحقّ، وعلّموا السّكان – وخاصّة البربر – أنّ الثّورة على الظّلم وعلى مغتصبي الحكم من غير أهل إفريقيّة، من صميم الإسلام، وأنّ العدالة والمساواة هما اللّتان يجب أن ينشدهما المسلمون على اختلاف درجاتهم، حكّاما ومحكومين. وقد سرت هذه الرّوح في هذه الدّيار، فاتّسعت لمزيد من الثّورات، ونشدان العدل وطلب الأمثل.
إنّ هذا المذهب كتب له الانتشار في مناطق عديدة من شمال إفريقيّة: في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب... وما يزال له أتباع – إلى اليوم – عديدون بتلك البلدان، ومنهم فقهاء أجلاّء وعلماء كبار، سجّل لهم التّاريخ صورا ناصعة مشرقة، في ألسنة النّاس وفيما دوّنوه في صفحات الكتب التي لا يزال أكثرها مخطوطا عند أهل المذهب في مكتباتهم الخاصّة.
ورسالة الشّيخ تبغورين (في أصول الدّين) التي بين أيدينا، تعتبر حلقة من حلقات تطوّر علم الكلام الإباضي بشمال إفريقيّة، إذ سبقه متكلّمون كثيرون أمثال: أبي خزر يغلا بن زلتاف الوسياني (ت380هـ) وأبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي (471 هـ)، وغيرهم كثير.
هذه الرّسالة تعدّ من جملة اهتمامات متكلّمي الإباضيّة بالرّدّ على مخالفي مذهبهم. فالرّسالة تتضمّن جملة من المسائل الكلاميّة التي كانت سائدة في عصر المؤلّف، وردّ فيها على فرق كثيرة مثل المعتزلة والنّكّار والمشبّهة وردّ على العمريّة والحسينيّة أتباع عيسى بن عمير، وأحمد بن الحسين الاطرابلسي كما ردّ على فرق الخوارج من الأزارقة والبيهسيّة والنجداة والصّفريّة وغيرهم من المرجئة والقدريّة والجبريّة. (1/3)
صفحة 4
إنّ نشر مثل هذه الرّسالة، هو مساهمة منّا في بيان أهمّية علم الكلام في الدّفاع عن المذهب والحرص كلّ الحرص على الانتصار له، وهي من جهة أخرى إثراء لعلم الكلام الإباضي، ودليل واضح على مدى تحرّر عقول المتكلّمين وكتّاب الفرق من الإباضيّة، وأصالة تفكيرهم وتكوينهم العلمي في نشدان الحقيقة، فما خلّفه أسلافنا وأجدادنا هو بحقّ ثروتنا وتركتنا الفكريّة التي يمكن أن تساعدنا بعد تفكيكها وضبطها بجعلها مسايرة للزّمن الذي يتطوّر بتطوّر أفكار أبنائه.
إنّ تراثنا الفكري لهو دليل على عبقريتنا، وهو عنوان على فضل الأجداد على الأحفاد، وهو بالتالي مجهوداتهم المثمرة وأفكارهم وآرائهم النّيّرة.
وتكمن قيمة هذه الرّسالة في أنّها تقدّم لنا صورة واضحة عن اهتمام علماء الإباضيّة ودقّتهم في الردّ على مخالفيهم وقدرتهم الفائقة على تتّبّع المسائل الكلاميّة والفقهيّة الشّائكة ومدى تبحّرهم في مناقشة الفرق المخالفة فتراهم يؤلّفون في علم الكلام كتبا تتضمّن أسئلة افتراضيّة وأجوبة لها. فصاحبنا ألّف كتابا عنوانه: « الجهالات » كلّه أسئلة كلاميّة وأجوبة لها.
وترجع أهمّيّة هذه الرّسالة إلى كونها مخطوطة غير موجودة إلاّ عند أهل المذهب وفي مكتباتهم الخاصّة وإلى أنّها الرّسالة الوحيدة التي تناولت أصول المذّهب الإباضي. علما وأنّ أصول المعتزلة خمسة، أمّا الإباضيّة فلهم أصول عشرة تجدها ضمن هذه الرسّالة.
فمن هو صاحب هذه الرّسالة ؟
حياة الشّيخ تبغورين (1/4)
صفحة 5
هو الشّيخ تبغورين بن عيسى بن داوود الملشوطي (1) نسبة إلى بلدة يُقال لها ملشوطة (2) وهو من علماء القرن الخامس الهجري (3) .
أخذ العلم عن الشّيخ أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي (4) وعن الشّيخ عبد الله اللّنتي (أبو محمد) (5) . وكان من معاصري الشّيخ أبي العبّاس محمّد بن بكر من علماء الطّبقة العاشرة (450هـ- 500 هـ) حسب الدّرجيني (6) والشّمّاخي (7) .
__________
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، تحقيق وتعليق بكلي عبد الرحمان بن عمر ، طبقة أولى، الجزائر (غارداية) 1975م، ج1/90. الشمّاخي " كتاب السّير،ص 432.
(2) لم يحدّدها علماء الإباضية، ويبدو أنّها اندثرت، ومن خلال كتب سير الإباضيّة أنّها تقع قرب مدينة آجلو التي حدّدها الشّيخ علي يحي معمّر بأنّها تقع قرب البلدة التي تسمّى اليوم « بلدة عمر » بالجزائر وتقع على بعد عشرين كيلومترا جنوب « تقرت» شرقيّ الجزائر. راجع الجعبيري:نظام العزّابة عند الإباضيّة الوهبيّة في جربة،ص36 و46. علي يحيى معمّر:الإباضيّة في موكب التّاريخ،ج4، ط.1979.ص344-345.
(3) الجيطالي (السّابق) ج1/90. الشمّاخي: السّير، ص432.
(4) توفّي أبو الرّبيع سنة 471 هـ. انظر ترجمته بتفصيل أكثر، عند أبي زكرياء يحي بن أبي بكر في كتاب السّيرة وأخبار الأئمّة، تحقيق عبد الرحمان أيّوب، طبعة الدّار التّونسية للنّشر1985، ص269 إلى 277. الدّرجيني: الطّبقات جزء 2 / 425 وما بعدها. الشّمّاخي: السّير ص 412.
(5) هو أبو حامد محمد عبد الله بن محمد اللّنتي، عدّه الدّرجيني في طبقاته، من الطّبقة الحادية عشرة (500/550هـ). انظر عنه، طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاّي، طبعة الجزائر، 1974م، ج2، ص481-482. الشماخي: السير، طبعة حجرية سنة 1301هـ، ص440.
(6) الطبقات، 2/442 وما بعدها.
(7) الشّمّاخي: السّير 432 و 440 (1/5)
صفحة 6
ذكر عنه الشّماخي أنّه كان « من أعظم النّاس قدرا وأكثرهم علما وأشدّهم عملا، تعلّم العلوم وعلّمها، واستفاد وأفاد، وطلب العلا فساد » (1) .
عاصر الشّيخ تبغورين كثيرا من العلماء، من الإباضيّة نذكر منهم: أبو الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي (السّابق) وماكسن بن الخير وأبو سليمان داوود بن أبي يوسف وأبو الرّبيع سليمان الزلفيني، وأبو العبّاس أحمد الوليلي وأبو إسماعيل أيّوب بن إسماعيل، وأبو زكرياء يحي بن أبي زكرياء والشّيخ أبي محمّد اللواتي وغيرهم كثير (2) .
تخرّج عليه جماعة كانت لهم الصّدارة في أوساطهم، لا من الرّجال فقط بل حتّى من النّساء، كالعالمة عائشة بنت معاذ (3) التي قيل عنها أنّها خير نساء «آجلو». بلغت في العلم شأوا بعيدا، وكانت تساجل العلماء وتناقشهم، وكثيرا ما يكون النّقاش في جانبها (4) .
درست هذه العالمة علم الكلام عن أستاذها الشّيخ تبغورين، وكانت تفتخر به وبدراستها عليه، وتعتبر أقواله حجّة، فإذا جرى بينها وبين أحد نقاشا في قضيّة من قضايا علم الكلام كان يكفيها حجّة أن تقول: قال تبغورين بن عيسى الملشوطي كذا وكذا، وكان هذا في نظرها أبلغ حجّة وأسطع برهان فلا تحتاج بعده إلى مزيد كلام (5) .
__________
(1) الشمّاخي: السّير، 432.
(2) انظر ترجمة هذه الشّخصيات في كتاب الطّبقات للدّرجيني، ج 2/425 إلى 482. والشّمّاخي: السّير، من ص 414 إلى 440.
(3) 10) انظر عنها:علي يحي معمّر، الإباضيّة في موكب التّاريخ (الحلقة الرّابعة) ، طبعة أولى1979، ص347. الجيطالي (السّابق) ج 1/90.
(4) 11) علي يحي معمّر: (السّابق) ص 346 – 347. الشمّاخي: السّير، ص 422.
(5) 12) علي يحي معمّر: (السّابق) ص 347. (1/6)
صفحة 7
ودرست عائشة بنت معاذ على فطاحل العلماء في «آجلو» وبلغت درجة في العلم يعزّ على نظرائها بلوغها، منهم أبو العبّاس أحمد بن أبي عبد الله بن بكر (1) التي قالت عنه:« لولاه لمتّ من الجهل» (2) .
وكان أبو العبّاس هذا دائرة معارف يجول في كلّ ميدان، وكانت دروسه تشبه أن تكون محاضرات تلقى في جميع الفنون، فكان المتفوقون من الطّلاب يلذّ لهم سماعه والسّباحة معه في الآفاق التي يسبح فيها.
وكانت عائشة هذه من أمهر السبّاحين في علوم الشّريعة بمختلف فروعها، وفي علوم اللّغة والأدب، وكانت ترى أن تعلّم اللّغة وآدابها وما تقوم عليه من نحو وصرف واجب أكيد على المسلم (3) حتّى يستطيع فهم كتاب الله وسنّة رسوله عليه السّلام.
وكانت تمثّل المرأة المسلمة المتعلّمة المستنيرة التي تشارك الرّجال في جميع الميادين الثّقافيّة دون أن تتخلّى عن رسالتها كأمّ ترعى بيتا، وترعى أولادا، وكزوجة تصون نفسها وبيتها وترعى زوجها في نفسها وفي ماله وفي بيته، وتوفّر له وسائل الرّاحة والسّعادة والاستقرار، ودون أن تلقى عنها ثوب الحياء والحشمة، فلم يعقها ثوبها النّسائي الفضفاض أن تناقش أذكى الطّلاب وأن تتفوّق عليهم (4) .
فقد كانت عائشة بنت معاذ في الجزائر بعلمها وسلوكها مثل أمّ ماطوس (5) في ليبيا، وقد أقامت هاتان المرأتان الحجّة على المرأة المسلمة المتفتّحة، وبرهنتا على أنّ الفتاة إذ شاءت فإنّها تستطيع أن تبلغ أقصى ما يبلغه الرّجال من المعرفة مع المحافظة على دينها وأخلاقها، وصيانة أسرتها وبيتها.
__________
(1) 13) انظر ترجمته في: الدّرجيني، الطّبقات، 2/442، 443.
(2) 14) الشمّاخي: 422.
(3) 15) علي يحي معمّر (السّابق) ص 348.
(4) 16) نفس المصدر والصّفحة.
(5) 17) اسمها « عافية» عاشت في القرن الثّالث الهجري. انظر عنها: علي يحي معمّر (السّابق) ج2، القسم الثّاني ص85 وما بعدها. وص 239 إلى 260. الشمّاخي: السّير، ص317 وما بعدها. (1/7)
صفحة 8
والشّيخ تبغورين رغم درجته العلميّة العالية لم يسلم من الهجران، فقد تبرّأ منه مجتمعه وبقي معزولا إلى أن أضطرّ إلى التّوبة، وبسبب ذلك سافر إلى «تينوال» كي يتوب بين أيدي من حكموا عليه بالهجران، ويعتذر ممّا نسب إليه حتّى قبلوا منه، وعندئذ استرد مكانته وعاش بين الإباضيّة كواحد منهم (1) .
هذا الشّيخ الألمعيّ، لم تترجم له المصادر الإباضيّة ولم تذكر عنه سوى أنه أتّهم عندهم بشيء لاموه عنه بل وحكموا عليه بالبراءة والهجران فقاطعه المشايخ، ويبدو أنّ هذه المقاطعة جعلتهم لا يترجمون له ولا يهتمون بحياته الأولى والأخيرة، لكنّه رغم ذلك الهجران نجد أنّ الشّيخ فرض نفسه بعلمه وبما ألّفه من كتب كانت مرجعا عند الإباضيّة في علم الكلام والفقه وغير ذلك.
مؤلّفاته:
ترك لنا الشّيخ تبغورين ثروة علميّة من التآليف القيّمة في العقائد على الأخصّ تدلّ على نباهة شأنه وعلوّ درجته، وهي:
1- كتاب أصول الدّين (في الكلام) وهو هذا الذي نحقّّقه (2) .
2- كتاب الأدّلة والبيان (في أصول الفقه) (3) .
__________
(1) 18) علي يحي معمّر: (السّابق) ص 292/293. الشماخي: السّير ص 432.
(2) 19) هو كتاب نشره الدّكتور عمر خليفة النّامي كملحق بأطروحته باللّغة الإنجليزيّة، وهو يتضمّن أصول الإباضيّة العشرة، وخمس مسائل اجتماعية نسبه إليه الشمّاخي ص 432. ومحقّق كتاب قواعد الإسلام للجيطالي (السّابق) ص 91. والحارثي في: العقود الفضّيّة في أصول الإباضيّة، طبعة دار اليقظة العربيّة سوريا لبنان، بدون تاريخ، ص 280 والبرّادي: الجواهر المنتقاة، طبعة حجريّة: ص 221. وعلي يحي معمّر (السّابق) ص 127 و 264.
(3) 20) نسبه إليه الحارثي(السّابق)ص280. ومحقّق كتاب قواعد الإسلام للجيطالي(السّابق) ص91. (1/8)
صفحة 9
3- كتاب الجهالات (في علم الكلام) (1) .
4- كتاب المعلّقات في أخبار أهل الدّعوة (2) .
جهود تبغورين في الكلام:
عاش الشّيخ تبغورين في النّصف الثّاني من القرن الخامس الهجري في الجنوب الجزائري متنقّلا بين ورجلان وبلاد سوف ودرجين بنفطة من بلاد تونس وقرى تلك المدن التي حوت فرقا عديدة ذكرها المؤرّخون من أهل السنّة وكتاب السّير من الإباضيّة. ويذكر الدّرجيني في طبقاته وأبو زكرياء في سيره والشمّاخي في كتاب السّير أن متكلّمي الإباضيّة كانت تدور بينهم المناظرات الكثيرة كما كانت تنظّم لها مقابلات بين متكلمّي الإباضيّة مع الفرق المخالفة مثل الواصليّة (المعتزلة) وفرق النّكّار وغيرهم، فهذه الكتب زاخرة بالمناظرات التي يمكن أن تكون دراسة للباحثين.
وقد أمكن للشّيخ بهذا التّنّقل بين الحواضر العلميّة الزّاخرة بفنون الكلام في العديد من المسائل التي كانت تثار في ذلك الوقت أن يحصل على علوم كثيرة ومن أهمّها علم الكلام الذي وصلنا منه كتابين يدلاّن على عبقريته في فن علم الكلام وهذا يعود الفضل فيه إلى ما أفاده الشّيخ من العلوم المتنوّعة والتي أفادت أيضا العقول لما فيها من النّقد النّزيه والمقارنة، وتلك تكوّنت بالإطّلاع الواسع على مختلف المذاهب القديمة والمتواجدة آنذاك والتي كما أشرنا نمت بالمساجلات العقديّة التي كانت تدور بين المذاهب المختلفة.
__________
(1) 21) هذا الكتاب كان موضع عناية من المشايخ الإباضيين لأهمّيته، فقد شرحه الشّيخ أبو عمار عبد الكافي الإباضيّ(و قمنا نحن بدراسته وتحقيقه لنيل أطروحة دكتوراه الحلقة الثالثة بجامعة الزيتونة خلال سنة 1986) والشّيخ محمد بن يوسف المصعبي (ق 12 هـ) والشّيخ أبو ستّة محمّد بن عمر القصبيّ الجربي المشهور بالمحشىّ وشرحه أخيرا أحمد بن يوسف أطفيش (ت 1914م).
(2) 22) هذا الكتاب شكّ البرّادي ص 221 والحارثي (السّابق) ص 280 نسبته إليه. (1/9)
صفحة 10
وقد تمكّن صاحبنا بهذا التّحصيل الواسع والنّقد المقارن من أن يخوض في بحر علم الكلام في أصول الدّين والذي كان أهمّ اهتمامات تلك المناطق وأن يصبح فيه علما بارزا، وهو ما يشهد به كتابه هذا في «أصول الدّين» وكتابه الآخر في «الردّ على الجهالات» وهو الذي اعتنى به المتكلمون من بعده فشرحوه، وكانت آخر الشّروح له في القرن التّاسع عشر.
دافع تبغورين عن آرائه – وهو إباضيّ- وردّ على الفرق الأخرى مثل المعتزلة والخوارج والمرجئة وغيرهم كثير، فلم يقتصر الشّيخ في مناظراته على الفرق الإسلاميّة أو على ديانة بعينها بل اتسعت مناظراته لتشمل العديد من الفرق المناوئة له. فهو خبير بآراء المتكلّمين وكتبه تدلّ على تبحّره في آراء الفرق وكلامهم، ويدلّ على ذلك كتابه "الأدلّة والبيان" في أصول الفقه. وكتاب "الجهالات" وهو في الردّ على الجهالات (1) .
والشّيخ تبغورين رغم اتّهامه من المناوئين له وحكمهم عليه بالهجران حتّى التّوبة بين أيدي المشائخ فإنّ هذه الأحكام – كما ذكر الشّيخ علي يحي معمّر- أكثرها باطلة إلاّ أنّها تطبّق وأحيانا ما تكون صادرة من تلميذ لأستاذه (2) .
__________
(1) 23) هذا الكتاب قد شرعنا في تحقيقيه معتمدين في ذلك على نسخة واحدة وعلى شروحه المتوفرة بمكتبنا الخاصة.
(2) 24) انظر: الإباضية في الجزائر (ج: 4 ) طبعة 1/1979 ص 292 وما بعدها. (1/10)
صفحة 11
والهجران والإبعاد والطّرد ألفاظ تترادف على معنى واحد، وذلك متى أجرم أحد من أهل الطّريق جرما، أو ظهرت عليه خزية، أو أتى بنقيصة في قول، أو عمل، أو تضييع فإنّه يهاجره كلّ أهل الصّلاح فلا يُكلّم ولا يحضر جماعة، ولا يؤمّ ولا يؤاكل، ولا يجالس، وكأنّ خطة بينه وبين أهل الخير، فإن تاب واستغفر قبل منه، ورجع إلى الجماعة وزال عنه شين ذلك الاسم وكان بقاؤه في وحشة الهجران بقدر عظم الجرم وصغره وتوبة المجرم وإصراره، فمنهم من يتوب ويرجع في الحال، ومنهم من يبقى ساعة أو ساعتين أو يوما أو يومين (1) ... إلخ. هذه المسائل راجعها في مكانها يتّضح لك الأمر والسّلام.
نسخ الرّسالة ومنهجنا في تحقيقها
__________
(1) 25) نفس المصدر السّابق والصفحات. (1/11)
صفحة 12
هذه الرسالة كانت ضمن مشروع – أطروحة الدّكتور عمرو خليفة النّامي التي قدّمها لنيل شهادة الدّكتوراه من جامعة (كمبريدج)- تحقيق ثلاثة نصوص تتّصل كلّها بالتّراث الإباضيّ. كان النّصّ الأوّل فيها جزءا من كتاب « قواعد الإسلام » تأليف أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي، ويتعلّق ببحث موضوع « الولاية والبراءة » وتفاصيلهما. ويتعلّق النّصّ الثّاني بمسائل أصول الدّين عند الإباضيّة، أو بمباحث علم الكلام عندهم، وهو كتاب « أصول الدّين » تأليف تبغورين بن داوود بن عيسى الملشوطي (1) . أمّا النّصّ الثّالث فهو « أجوبة بن خلفون » تأليف أبي يعقوب يوسف خلفون المزّاتي (2) وهي رسالة في الفقه المقارن.
إنّ كتاب « أصول الدّين » الذي بين أيدينا لمؤلّفه (تبغورين) هو نسخة مرقونة على الآلة الرّاقنة خلال سنة 1970/1971، وبها(76) صفحة قام بمقارنة نصوصها الأستاذ الدكتور عمرو خليفة النّامي (السّابق) معتمدا في ذلك على نسخ مختلفة من وارثيها بكلّ من جربة وليبيا، وقد رمز إلى كلّ نسخة بحرف.
النّسخة الأولى: رمز إليها بحرف « ت » كأصل للتّحقيق، وهي نسخة كاملة في حيازة السّيد سعيد بن عمر التندميرتي، نسبة إلى تندميرة بليبيا (طرابلس).
__________
(1) انظر، مقدّمة كتاب « أجوبة ابن خلفون » تأليف أبي يعقوب يوسف خلفون المزاتي. تحقيق وتعليق الدكتور عمرو خليفة النّامي، طبعة دار الفتح للطّباعة والنّشر – بيروت سنة 1974، ص8. حيث ذكر المحقّق أنّ هذا الكتاب كان من جملة اهتماماته...
(2) هو من علماء قبيلة مزّاتة البربريّة، وأحد أئمّة القرن السادس الهجري، نشأ وعاش في « تبن با ماطوس » إحدى القرى المجاورة لمدينة " وارجلان " جنوب الجزائر. انظر عنه، الدّرجيني: الطّبقات، ج2، ص495. الشّمّاخي: السّير، ص445. وكتابه المذكور لنا نسخة منه بمكتبتنا الخاصّة. (1/12)
صفحة 13
النّسخة الثّانية: وهي التي رَمَزَ إليها بحرف « ج » وهي أيضا نسخة كاملة في حيازة الشّيخ امحمد الباروني –بجادو- ليبيا (طرابلس).
النّسخة الثّالثة: وهي التي رمز إليها بحرف « م » وهي نسخة كاملة في حيازة الشّيخ علي ميلود المرساوني – مرساون – الرّحيبات (ليبيا).
النّسخة الرّابعة: وهي التي رمز إليها بحرف « ب » وهي أيضا نسخة كاملة في حيازة الأستاذ الشّيخ يوسف الباروني – جربة – بتونس.
أمّا النّسختان الخامسة والسّادسة: المرموز إليهما بحرفي « ح + ر » وهما في حيازة الشيخ علي ميلود المرساوني (السّابق) الأولى مخطوطة ناقصة والثّانية جزء من مخطوطة.
وقد اجتهدت في أن أحصل على نسخ مخطوطة من هذه الرّسالة فلم أتمكّن من ذلك لصعوبة الوصول إلى المكتبات الخاصّة ووجود ورثة آخرين لهذه المخطوطات حتّى أنّ زميلنا الأستاذ الدكتور فرحات الجعبيري - الإباضي التونسي- نصحني بالاعتماد على النّسخة المرقونة التي أعارها لي مشكورا الأستاذ الدكتور عبد الله مسعود حنبوله –اللّيبي– والإباضي مذهبا أثناء إقامته بتونس للحصول على درجة الدّكتوراه من جامعة الزّيتونة خلال سنة 1982، فله جزيل الشّكر.
أمّا طريقة التّحقيق: فهي كما قلنا (سابقا) أنّ الأستاذ عمرو خليفة النّامي قام بمقارنة النّصوص وتخريج الآيات (1) فقط، أمّا أنا فقد علّقت على المسائل الكلاميّة وشرحت البعض، وأرجعت نسبة الأقوال إلى أصحابها ما استطعت، وإلى من قال بها بعده، وأحلت على المصادر والمراجع، كما اجتهدت في تخريج ما ورد في الرّسالة من أحاديث نبويّة، وعرّفت بما ورد فيها من رجال وفرق وجماعات، وتركت الأعلام المعروفة، وأرشدت إلى مصادر بعض القضايا المطروحة تسهيلا لمن أراد المزيد من الاطّلاع. كما قمت بوضع فهرس تفصيلي يلحق بالنّصّ.
__________
(1) قمت بمراجعة الآيات ورقمها في سورها فلم أجد في ذلك أخطاء أبدا. (1/13)
صفحة 14
ولا تفوتني بعد هذا أن أشير إلى أنّ دراسة حياة صاحب الرّسالة وتحليل أصوله العشرة وما جاء بعدها من مسائل كلاميّة - كانت من اهتمامات متكلّمي الإباضيّة - هو من عملي الخاص.
لقد استعملت إشارة (+) للتّدليل على ما أضيف من النّسخ الأخرى وإشارة (-) للتدليل على النّقص أو السّقط من النّسخة المعتمدة وهي (ت)، فإذا كان النّقص أكثر من كلمة جعل ذلك بين معقوفتين[.]. ووضعت أرقام على النّسخة المعتمدة يبتدئ رقم (1) على وجه الورقة التي بها العنوان، ثمّ رقم (2) على ظهرها، وهكذا إلى نهاية الرّسالة. وجعل هذا الخطّ الفاصل (/) بين صفحة وصفحة.
ولا يفوتني بعد هذا العمل أن أشكر الأخّ والزّميل الدّكتور فرحات الجعبيري الذي قدّم لي يد المساعدة في الوصول إلى التّراث الإباضي - سابقا ولاحقا – وكذلك المرحوم الأستاذ عبد الله مسعود حنبوله فلهما جزيل الشّكر.
هذا وإنّي قصدت بتحقيق هذه الرّسالة ونشرها، المساهمة في إفادة الفكر الإسلامي عموما والباحثين خصوصا. وأرجو أن أكون قد وفّقت في هذا العمل راجيا أن يلبّي طلبات الباحثين في مجال أصول الدّين عند الإباضيّة وغيرهم.
وإنّني إذ اقدّم هذه الرّسالة إلى القرّاء والباحثين خصوصا، أسأله سبحانه التّسديد والتّوفيق في كلّ أمورنا والعون لنا في كلّ أحوالنا وأن يقبله مني عملا خالصا لوجهه الكريم ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.
تونس في 7/03/2001
موضوعات الكتاب: (1/14)
صفحة 15
يذكر الشّيخ تبغورين في مقدمة كتابه أن أحدا طلب منه أن يكتب له كتابا يبيّن له فيه أصول الدين الذي اختلفت فيه الأمة حتّى ساروا طرائق قِدَدًا، وأفراقا مختلفة، فوافق الشّيخ وكتب له هذا الكتاب الذي لا يمكن الشك فيما جاء فيه، ولا يتعذر على المبتدئ حفظه بأبلغ ما حَضَرَ له من البيان إلى أن قال: « ... أن أصول الدين عشرة » (1) وهي: التوحيد، القدر، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، لا منزلة بين المنزلتين، الأسماء والصّفات، الأمر والنهي، الولاية والبراءة، الأسماء والأحكام. ثم ذكر بعد ذلك مسائل أخرى كانت تشغل الإباضيّة وهي سبع مسائل:
- المسألة الأولى ... ... في الحجة.
- المسألة الثانية ... ... في الاستطاعة.
- المسألة الثالثة ... ... في العون والعصمة.
- المسألة الرابعة ... ... في القرآن وكلام الله.
- المسألة الخامسة ... ... في الرؤية.
- المسألة السادسة ... ... في الشفاعة.
- المسالة السابعة ... ... في القبر وعذابه.
وقد تناول المؤلف هذه المسائل التي سنبينها والتي كثر حولها الخلاف بين الفرق الإسلامية بعامة وفرق الإباضيّة على اختلافها بخاصة في المسائل الكلامية، وابتدأ كتابه بمسألة التوحيد وهو الأصل الأول عند جميع المتكلمين من الإباضيّة وغيرهم ثم بقية الأصول، ونحن هنا لا بد لنا من أن نبين تلك الأصول وتلك المسائل التي وقع فيها الاختلاف بين الإباضيّة وغيرهم من المتكلمين.
في أصل التوحيد
__________
(1) 26) من الإباضية من ذكر تسعة أصول. أنظر كتاب أصول الديانات للشيخ عامر بن علي الشماخي، بشرح عمر التلاتي، طبعة حجرية بدون تاريخ، ص 79. والاختلاف وقع هنا حول الأسماء والصفات ( وهو الأصل السابع) حسب تبغورين. قال التّلاتي: وبهذا ظهر كون الأصول تسعة وأنّ الأولى جعلها ثمانية بعدّ المنزلة بين المنزلتين وأن لا منزلة بين المنزلتين أصلا على سبيل السّرد والعدّ. (1/15)
صفحة 16
بين الشّيخ تبغورين أن التوحيد هو فعل العبد، وهو إفراد لله عز وجل بصفاته ونفي الأشباه عنه. وهو الإقرار والمعرفة، والفرق بين الموحد بالفتح والموحد بالكسر، أن الموحد هو الله عز وجل من قولهم: وحده العبد، والله موحد بفتح الحاء فيقال: وحده المؤمنون بالتوحيد، ووحّد نفسه بالتّوحيد، ومعنى وحد نفسه، أي أخبر عن نفسه أنه واحد. وموحّدُ بكسرها، أي فاعلا للتوحيد، فلا يقال: لم يزل موحّدا بفتح الحاء وإنما يقال: لم يزل موحّدا بكسرها.
وقال: ولا واحد في الحقيقة إلاّ الله، إذ الواحد من الخلق ينعد مع غيره، ويجري عليه العدد، والله لا يجري عليه العدد ولا التبعيض فينعد مع غيره بخلاف المخلوق. ونفى عن الله الجسمية لأن الجسم وما يوصف بصفاته هو المنعدّ المؤلف الأجزاء الذي لا ينفك من ستة جهات: أمام وخلف، ويمين وشمال، وتحت وفوق، وملاصق لشيء ومباين للآخر ولابد له من مكان يحويه وقرار يستقر فيه.
وردّ على الذين يزعمون أن الله فاعل كفعل الأجسام، فقال: إن الله تبارك وتعالى أخبر عن نفسه أنّه حَيٌّ فاعلٌ، وأنه شيء موجود، ولم يخبر في شيء من أخباره أنه جسم ولا صورة كما يزعمون، بل أخبر أنه ليس بجسم ونفى عن نفسه الجسمانية في قوله: « ليس كمثله شيء » وقوله: « هل تعلم له سميا » واستشهد بآيات كثيرة منها: الآية 65 من سورة مريم ومن سورة الأنعام (3) والحديد (4) والواقعة (83) وق(16) والأعراف (7). قائلا لهم: أن الله ليس بجسم، فإذا قلنا: هو حيّ، فاعل، عالم، قادر: فهذه صفات المدح قد نفت عنه صفات الذم والنقص. لأن من ليس بحيّ فهو ميت ومن ليس بقادر فهو عاجز الخ ...
فمعنى الله حي أي أنه لا يجرى عليه الموت، ولا يكون في صفات الأموات. وفاعل أي قادر لا يجري عليه العجز ولا يشبه العاجزين، وكذلك في عالم وسميع وبصير وجميع أسمائه وصفاته تعالى. فالخالق لا يشبه مخلوقاته بأي وجه من الوجوه. (1/16)
صفحة 17
وبيّن أن الأنبياء عليهم السلام جاءوا بإفراد الله ونفوا عنه الأشباه ونزهوه عن الشبه في قوله تعالى:«سبحانه وتعالى عما يشركون» (1) .
وردّ على من احتج بقوله تعالى:« الله نور السماوات والأرض» (2) وقوله:«يد الله فوق أيديهم» (3) وقوله:«تجري بأعيننا» (4) وقول العرب: هذا في جَنْبِ الله، فبيّن معنى النور في اللغة الجارية بين الناس، واستدل بالآيات والأمثلة والأحاديث النبوية. كما بين معنى "اليد" في اللغة العربية واستشهد بالآيات والأحاديث النبوية فبين أن اليد أيضا تطلق على المِنّة والنّعمة، وبين أن اليمين تطلق على عدة أشياء منها الشيء نفسه وهو الصلة في الكلام، وتطلق على القوة والشدة، وتطلق على الحلف من قوله تعالى:«واحفظوا أيمانكم» (5) موضحا أنه ما من كلام إلاّ وله وجهان وأنه يجب أن يحمل الكلام على أحسنه. وأنه لو حُمِلَ القرآن على ظاهره لتناقض وتكاذب. مستشهدا بقولهم للميت: لقي فلان ربّه، وصار إلى ربه. ولم يريدوا أن ربّه في القبر !! وأن قول إبراهيم عليه السلام: «إني ذاهب إلى ربي سيهدين» (6) أي ذهابه إلى حيث أمره ربه. وألزم المشبهة بأن يعرفوا لربهم موضعا إذا صحّ عندهم أنه يزول وينتقل.
وخلاصة القول فإن الإباضيّة يرون أن الموحدين لا يتفاضلون في توحيدهم لله، لأن القائل إذا قال: تفاضلوا في التوحيد معناه أن يكون بعض التوحيد أفضل من بعض وليس ذلك بجائز، ومعرفة التوحيد إذا كانت بالدلائل تأكدت وقويت المعرفة بها وأن التفاضل في الأدلة جائز لأن من كان علمه أقوى كان أعظم حجّة وأوضح بيانا ممن أقل منه دلالة.
والمتكلّمون الإباضيون قديما وحديثا يرفضون تيّارات الإلحاد والتّشبيه ماديّة كانت أو دهريّة أو يهوديّة أو مجوسيّة أو تجسيميّة أو فيضيّة أو حلوليّة.
__________
(1) 27) سورة النحل: 01.
(2) 28) سورة النور: 35.
(3) 29) سورة الفتح: 10.
(4) 30) سورة القمر: 14.
(5) 31) سورة المائدة: 89.
(6) 32) سورة الصّافات: 99. (1/17)
صفحة 18
فقد بيّن الشّيخ تبغورين في غير ما مرّة أنّ هناك صفات مستحيلة عن الله تعالى مثل الحدوث، والعدم، والفناء، والموت، والجهل، والعجز، والإكراه، والصّمم، والعمى، والتّسوية بينه وبين خلقه في الذّات أو الصفات.
وجميع المدارس الكلاميّة أقرّت بأنّ الله واحد ليس كمثله شيء، ماعدا المشبّهة التي تقول بأن لله صفات مثل صفات الإنسان، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
وفي أصل القدر
في هذا الأصل ردّ تبغورين على المعتزلة ومن قال بقولهم ممّن أزالوا قُدْرَةَ الله، وتقديره وسلطانه، عن أعمال العباد.
وتعرّض المؤلّف إلى قضية خلق الأفعال كغيره من المتكلمين، إذ يرى أن العالم وما فيه من جواهر وأعراض، وما فيه من خير وشر وطاعة ومعصية، هو خلق الله ومن تدبيره، إذ ليس شيء منه بخارج من تدبير الله وتقديره وإرادته وعلمه، سواء ما يضاف إلى العباد، وما لا يضاف إليهم. وليس في الإضافة للعباد ما يدلّ على أن الأفعال مضافة إليهم بالكسب والاختيار لحركاتهم وسكونهم وطاعتهم وعصيانهم، ما يزيل تدبير الله لها، وخلقه إياها، لأن الله هو الذي أحدثها فجعلها دالّة على حدوث ما حلت به من الأجسام، وجعل ذلك دلالة على وحدانيته وربوبيته عزّ وجلّ، كما جعل سائر الأفعال من الأشياء كذلك، إذ كانت الأشياء متساوية في وجه الدلالة على الله عزّ وجلّ.
وردّ على المعتزلة الذين أنكروا أن يكون فعل واحد صادرا عن فاعلين (الله والإنسان) لأنه لو جاز أن يصدر فعل واحد من فاعلين لجاز أن يكون مكان واحد لمتمكنين، وحركة واحدة لمتحركين، وقول واحد من قائلين، ولو جاز أن يكون فعل العبد خلقًا لله لجاز أن يقال: إنّ العبد فعل خلق الله، بطل أن يكون فعل العبد خلق الله، ولو جاز أن يكون الله مريدا لأفعال العباد، وجب أن يكون مريدًا للكفر والمعصية، والزور والافتراء فهذا مما لا يوصف الله عز وجل بأنه أراده. (1/18)
صفحة 19
وفي ردّ تبغورين على القدريّة أورد رأيهم، ومفاده أن القدريّة قالوا: لو جاز أن يكون فعل واحد من فاعلين، لجاز أن تكون حركة واحدة من متحركين، وسكون واحد من ساكنين. وهذا حكم بغير حجّة، وتمثيل بغير علة وفند هذا الرأي بما ذهب إليه من أنه لا يجوز أن يقال: فعل من فاعلين، إذ الذي يحل في كل واحد منهما، غير الذي يحل في الآخر. والله تعالى لا تحله أفعاله، بل إنها تحل في غيره من خلقه. فلما أن كانت العلة منه في إبطال حركة من متحركين مثل ما ذكر سابقا من أنه إنما سمّي المتحرك متحركا لحلول الحركة فيه، والحركة لا تحلّ في متحركين، فيوصفان بها، كان الوصف منا لله بأنه خالق لفعل العباد غير مُشبه للّذي مثّلوا، وكذلك القول في المتمكنين في مكان واحد، كالقول في متحركين بحركة واحدة، لأن المتمكّن إنما سمّي متمكنا لأنه شاغل للمكان، والمكان لا يشغله جسمان فيسميان بأنّهما متمكنان في مكان واحد. فلما أن كانت العلة في فساد متمكنين في مكان واحد، فسد التمثيل بذلك الفعل من فاعلين. فاللون مثلا يضاف إلى اثنين على وجهين مختلفين: أحدهما الخلق، والآخر الحلول، فيقال: هو خلق الله حلّ في جسد فلان، أو بياض فلان. (1/19)
صفحة 20
وتعرّض المؤلف إلى مسألة الشّركة والتي يرى أن لها أهمّية كبرى في حل مشكلة القدر وكأنه هنا قد طبّق مصطلح الجهة، فذكر أن الفعل له جهات عديدة، فهو محدث، ويكون طاعة أو معصية، أو حسنا أو قبيحا، وللفعل جهة خلق وهي الله، وجهة كسب وهي للعبد. وبما أنّ للفعل حيثيات، فهو ينسب للإنسان من حيث قدر عليه، وينسب لله من حيث ثبوت عجز الإنسان عنه. وجعل موضوع الشركة ليعارض بها أصحاب المخلوق " القدريّة "، وذلك لأنّ الفعل إمّا أن يكون خلقا لله، أو للعبد، وأمّا أن يكون شركة بينهما. فبيّن أنّ الشّركة تحتمل وجهين: أحدهما حقيقة، والثّاني استعارة ومجاز فالرّجلان يشتركان في مال من إرث أو تجارة، فيكون كلّ واحد منهما شريكا للآخر وهذه هي حقيقة الشّركة، وما اشتركا فيه فهو لله ملك ومال، والعبد من ذلك عبد لله، والله مع ذلك غير موصوف بالشّركة لهما، ولا لأحدهما ولا يقال لهما ولا لأحدهما: " أنّه شريك لله تعالى عن ذلك، لاختلاف جهات الملك ".
ووضّح المؤلّف أنّ الشّركة تكون أيضا على معنى المعاونة والاتّفاق كرجلين تعاونا على رفع خشبة أو تسيير سفينة، أو اتفقا على أمرٍ من الأمور فأمضياه، فيقال في هذه المعاني: أنّهما اشتركا على معنى تعاونا واتّفقا، فإذا ما دفعتِ الرّيح السّفينة لا يُقال: إنّ الله تبارك وتعالى شارك الملاّحين في سير السّفينة بالرّيح، التي جعلها تجري بها السّفينة على أنّ الملاّحين، يُقال أنّهما اشتركا في الرّئاسة لذلك فلا يُقال أنّ الله شريك لهما، ولا أنّهما أو أحدهما شريك لله في فعله، لاختلاف جهات الإضافة في الفعل ومعانيه. (1/20)
صفحة 21
وخلاصة رأي الشّيخ تبغورين ومن جاء بعده من متكلّمي الإباضيّة تتمثّل في معارضتهم للمذهب القدري الذي يدّعي أنّ الإنسان هو الخالق لأفعاله، ويعارضون كذلك رأي الجبريّة التي تنفي عن الإنسان كلّ مسؤوليّة بمعنى أنّ للإنسان قدرة على الفعل والله هو الذي خلق فيه هذه القدرة فلا يُحاسبه عليها. بل إنّ الحساب ينصبّ على الأعمال التي اكتسبها الإنسان اكتسابا عن طريق جوارحه وإرادته الحرّة. فالكسب عند الإباضيّة يقوم مقام الخلق عند القدريّة والمعتزلة. فالمسلم إذا صام لكنّه أكل يوما متعمّدا، فإنّ ظاهرة الجوع والعطش أمر جبريّ من عند الله عزّ وجلّ ذلك أنّ الإنسان لا يستطيع أن يُزيل دوافعه الفطريّة. أمّا التّعمّد في الأكل وعدم ضبط الدّوافع بإرادة قويّة فأمر مكتسب من الإنسان ذاته. وعلى هذا فليس هناك تعارض بين إرادة الله تعالى وعمله الأزليّ القديم مسبقا، وبين كسب الإنسان. فقد قال أبو عبيدة الإباضيّ (1) « إنّ الله يعذّب على المقدور لا على القدر » ويتّضح من خلال هذا أنّ الإباضيّة لا يتّفقون بل ويعارضون صراحة الاتجاه القدريّ. والإباضيّة يتفقون في هذا مع الأشاعرة.
وفي أصل العدل
بيّن أنّ العدل في اللّغة هو الاستقامة كما أنّ الجور هو الميل، يقال: جار في الطّريق إذا مال عن القصد، وهما ضدّان، كما أنّ التّعديل والتّجوير ضدّان أيضا. والتّعديل لله عزّ وجلّ توحيد له، كما أنّ التّجوير لله عزّ وجلّ شرك بالله وكفر به.
__________
(1) 33) انظر المجادلة التي دارت بين أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (من تلاميذ جابر بن زيد) وواصل بن عطاء لمّا التقيا بالمسجد الحرام. الدّرجيني: الطّبقات، ج2/246. وحول موضوع القدر، انظر: الجامع الصّحيح (مسند الرّبيع بن حبيب بن عمر الأزديّ البصريّ)، بترتيب الشّيخ أبي يعقوب يوسف الورجلاني، نشر مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان 1388 هـ، ج1/25. الجيطالي: قواعد الإسلام (السّابق)، ج1/29/30/31. (1/21)
صفحة 22
ويذهب الشّيخ تبغورين كغيره من الإباضيّة إلى أنّ العدل من أصول الدّين إذ أجمعت الأمّة عليه ونطق به القرآن وأثبتته الحكمة في العقول أنّ الله عدل لا يجور وأنّه { لا يظلم النّاس شيئا ولكنّ النّاس أنفسهم يظلمون } (1) وقوله تعالى: { وما ربّك بظلاّم للعبيد } (2) وبيّن أنّ العدل في صفة الله يكون اسما وصفة وهو أصل من أصول الدّين ومعناه أنّ الله عزّ وجلّ سمّى نفسه عدلا ووصف نفسه بذلك، وقد أجمع المسلمون على أنّ الله عدل، وأنّه لا يجور في حكم، ولا يظلم النّاس في فعل. وردّ على الجهميّة والمجبرة في زعمهم أنّ الله مؤاخذ العباد على غير ما عملوه ومعاقبهم على ما لم يكتسبوه ولم يختاروه.
ويبدو من خلال ما قرأنا للإباضيّة في مسألة العدل الإلهي أنّ المتكلّمين من الإباضيّة اختلفوا مع المعتزلة في هذه المسألة، فالإباضيّة يرون أنْ لا ظلم في الحقيقة أيّ التّوسّط بين إضافة الفعل إلى الله وبين إضافته إلى الإنسان، وبذلك نفوا عن الإنسان ما ليس من فعله، وأضافوا ذلك إلى الله بالمعنى التي تحسن به الإضافة إليه، وأثبتوا له القدرة على الأشياء، والتّدبير لها، وأنّه مالكها وربّها وإلهها.
ومعنى أنّ الله عدل عند المعتزلة: أنّه ما يقتضيه العقل من الحكمة وهو إصدار الفعل على وجه الوجوب والمصلحة. أمّا الإباضيّة فيرون أنّ الله عدل بمعنى أنّه متصرّف في ملكه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقد قصد المعتزلة في نظريتهم في الله أن ينزّهوه عن الظّلم، فارتفعوا بالإرادة الإنسانيّة، وجعلوها مسؤولة عن عملها، وإن كان الإباضيّة يرون في ذلك تضييقا من قدرة الله، ولذلك قالوا بنظريّة الكسب، وملخصّها أنّه لا فاعل للأفعال إلاّ الله، وأنّه قدّر كلّ شيء قبل خلقه، ويقترن خلق الله لأفعال الإنسان بكسبه فالأفعال مخلوقة من الله مكسوبة من العبد.
__________
(1) 34) سورة يونس 44.
(2) 35) سورة فصّلت 46. (1/22)
صفحة 23
وبالتأمّل في مذهب الإباضيّة في أفعال العباد نجدهم يتّفقون مع الأشاعرة من أنّ جميع حركات وسكنات المخلوق الذي يتأتّى منه الفعل مخلوقة لله تعالى وأنّ الذي ينسب لذلك المخلوق اكتسابه الذي هو اقتران قدرته الحادثة بالفعل، - المخلوق لله تعالى – أي أنّ الله خالق لكلّ مخلوق يصدر منه الفعل، وخالق أيضا لسائر أفعاله الاختياريّة والاضطراريّة، فالفعل مخلوق لله تعالى وإن كان قائما بالعبد كالبياض القائم بالجسم بخلق الله تعالى وإيجاده، وخالق لقدرة الطّّاعة فيمن أراد وصوله إلى رضاه ومحبّته وقدرة المعصيّة فيمن أراد ترك نصرته وإعانته وبعده عن رضاه ومحبّته، ومُعطٍ لمن أراد به خيرا وَعْدَهُ الذي سبقت به إرادته في الأزل. على أنّ الإباضيّة في قضيّة أفعال العباد نجدهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، بعضهم يرى رأي الأشاعرة في الكسب باعتباره مقارنة القدرة بدون تأثير وبعضهم وهم الحارثيّة يرون رأي المعتزلة في اعتبار الأفعال للعباد، وأنّ الاستطاعة تكون قبل الفعل، أمّا أغلب الإباضيّة فمذهبهم ما أشار إليه الشّيخ تبغورين والشّيخ أبو خزر الحامّي – قبله – ومن جاء بعدهما من المتكلّمين مثل أبي عمّار عبد الكافي الإباضيّ وأبي يعقوب الورجلاني - صاحب الدّليل والبرهان.
وفي أصل الوعد والوعيد
ردّ الشّيخ تبغورين في هذا الأصل على المرجئة والحشويّة والشّكّاك والجهميّة والمالكيّة، لنقضهم ما اجتمعت عليه الأمّة من أنّ الله صادق في وعده ووعيده، وأنّه تعالى ليس بكاذب، والكذب عنه منفي عند جميع الأمّة وأنّه تعالى لا يشبه الكاذبين لقوله: { ليس كمثله شيء } (1) وقوله { لا يخلف الميعاد } (2) وقوله: { وما يبدّل القول لديّ وما أنا بظلاّم للعبيد } (3) .
__________
(1) 36) سورة الشورى: 11.
(2) 37) سورة الزّمر: 20.
(3) 38) سورة ق: 29. (1/23)
صفحة 24
ويتلخّص رأي المؤلّف وأصحابه من الإباضيّة، في أنّه عزّ وجل،ّ منجز وعده للمؤمنين الموفّين بدينه، وبإنفاذ وعيده في أهل الكبائر، وأنّ مرتكبها مأخوذٌ بها، وبأنّ طاعته باطلة، وأنّه مخلّد في النّار، مستندا في ذلك إلى آيات كثيرة. أمّا الأشاعرة فيقولون بالخلود الدّائم للكافرين فقط أمّا مرتكب الكبيرة من المسلمين فأمره إلى الله إن شاء عذّبه وإن شاء عفا عنه (1) .
وذهب المرجئة إلى أنّ الخلود الدّائم في النّار خاصّ بالكافرين أمّا المسلم العاصي فقد يعفو الله عنه، وقد يعاقبه ولكنّ مصيره النّهائي الجنّة (2) . وردّ الشّيخ تبغورين في هذا الأصل على المالكيّة لقولهم: « لله المشيئة فيهم، إن شاء عذّبهم وإن شاء عفا عنهم، فأيّما فعل من ذلك فهو عدل منه وحكمة، ولكن إن عذّبهم، فلا بدّ من إخراجهم من النّار بشفاعة النبيّ عليه السّلام، أنّه قال: « أعطاني ربّي دعوة فاختبأتها شفاعة لأمّتي (3) » قال: وأجازوا جميعا خلف الوعيد، ولم يجيزوا خلف الوعد.
ويبدوا من خلال ردّ تبغورين على المالكيّة أنّه هاجمهم بطريقة تخلو من التّمحيص والدقّة وتتّسع لأهواء أهل الفرق في الردّ على خصومهم وهو لذلك قد شبّه المالكيّة بالشكّاك لشكّهم في مآل أهل الكبائر.
وهنا يجدر أن نلاحظ، أن هناك فرقا كبيرا بين المؤمن بالله، ولكنّه عاص، وبين الكافر الذي لا يؤمن بالله ولا بما جاء به محمد عليه السّلام، وبالتالي لا يتساويان في درجة الحكم. ومن البيّن أن المالكيّة لم يجترئوا على المولى ولا انتهوا إلى إلزامه كشأن بعض أصحاب المذاهب، وإنّما تركوا ذلك الأمر لله لعظمته وواسع رحمته.
__________
(1) 39) الأشعري: كتاب اللّمع في الردّ على أهل الزّيغ والبدع، تحقيق الدكتور حمّودة غرابة، ط. القاهرة 1955. ص129-130.
(2) 40) الشّهرستاني: الملل والنّحل، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، ط. القاهرة، 1968، ج1/ص143 وما بعدها.
(3) 40*) البخاري: توحيد، 31. مسلم: إيمان 334-345. (1/24)
صفحة 25
وقضيّة الوعد والوعيد والعدل الإلهي تعدّ أصلا من أصول العقائد الإباضيّة فهي مرتبطة بالعدل الإلهي الذي يعطي لكلّ ذي حقّ حقّه، ولا ينسب إلى الله الجوْر والظّلم، إذ لا يحكم على أحد بما ليس أهلا له، فحكمه تعالى على القاتل بالقتل عدل، ووعده للطّائع بالجنّة عدل، وتوعّده للعاصي بالنّار عدل، فهو القائل { وتمّت كلمات ربّك صدقا وعدلا لا مبدّل لكلماته وهو السّميع العليم } (1) .
والجدير بالملاحظة هو أنّ الإباضيّة إتّسموا في إيمانهم بهذا الأصل بالشدّة وجانبوا الاعتدال، على الرّغم من أنّ مستويات التّعبير اللّغويّ، ودلالات الألفاظ تفتح أبوابا من التّفسير تتيح أفهاما مخالفة لما إنتهى إليه الإباضيّة متمثّلة في رأي المتكلّم تبغورين الملشوطي.
وفي أصل
المنزلة بين المنزلتين (2)
__________
(1) 41) سورة الأنعام: 115.
(2) القصد من ذلك: الرد على القول بالمنزلة بين المنزلتين. (1/25)
صفحة 26
في هذا الأصل قال تبغورين: معناه النفاق بين الشرك والإيمان. إذ أجمعت الأمّة على أنّ المنافقين كافرون، وأنّهم في الدرك الأسفل من النّار، وأنّهم مع النبيّ والمسلمين في البيوت والدور، يحجّون معهم، ويجاهدون معهم. وقد بيّن الله منزلتهم في غير موضع من كتابه، فوصف الله النّاس على ثلاثة منازل في كتابه العزيز، منها قوله تعالى: { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } (1) ، وفسّر ذلك فقال: يريد تعالى لا إلى المسلمين في الاسم والثواب والوفاء، ولا إلى المشركين في الحكم والسيرة والجحود والإنكار (2) . وردّ على من اعتبر مرتكبي الكبائر مشركين كالأزارقة، وبيّن أنّ الإباضيّة والزّيدية والحسنيّة هم القائلون بأنّ مرتكبي الكبائر منافقون، وأنّ هذه الفرق هي التي سلكت في حكمها محجة الصواب، بيد أنّ الذي يلحظ هو أنّ ما انتهى إليه الإباضيّة خاصة في هذا الشأن لا يختلف من حيث المآل عن موقف المعتزلة في مرتكبي الكبائر لأنّ هؤلاء في نظر الإباضيّة (منافقون = كفّار نعمة)، وبالتالي فإنّ الخلاف بين الطرفين خلاف لفظيّ يتناول المصطلح المستخدم (النفاق أو كفر النعمة عند الإباضيّة والفسق عند المعتزلة)، غير أن الذي يجب أن نلاحظه هو أنّ الإباضيّة وقعوا في التناقض حين سوّوا بين (المنافق وكافر النعمة) في نسق تراجعي لا يستقيم، لأنّ المنافق يضاهي المشرك بينما كافر النعمة حسب الإباضيّة أنفسهم هو بمنزلة الفاسق.
والذي نخلص إليه من وراء ذلك هو أنّ الإباضيّة كالمعتزلة يقولون بخلود مرتكب الكبيرة في النّار إذا لم يتب، وليس لله أن يعفو عنه تحقيقا لوعيده.
__________
(1) سورة النساء: 143.
(2) راجع الفصل الذي كتبه (المؤلف) في الأسماء والأحكام. (1/26)
صفحة 27
وقد ردّ الشّيخ محمد الطّاهر بن عاشور عليهم بما مفاده بأنّهم في حكمهم هذا لم يفرّقوا إطلاقا بين المشرك والعاصي، وهو أمر يؤدّي في النهاية إلى إفهام المشرك بأنّه لا فائدة من الدخول في الإسلام ما دام المسلم مخلدا في النّار إذا ما ارتكب كبيرة دون أن يتوب، مع العلم بأنّه لا عصمة إلاّ للأنبياء، وأنّ من طبيعة الإنسان الوقوع في الخطأ.
في أصل
لا منزلة بين المنزلتين
يرى تبغورين ومن جاء بعده أنّ لا خصلة بين خصلتي التوحيد والشرك. بمعنى لا خصلة غيرهما لدخول النفاق في خصلة التوحيد، وهو أنّ لا قول ولا فعل يسمّى باسم خاص غير القول أو الفعل المسمّى بالتوحيد، وغير القول أو الفعل المسمّى بالإيمان (1) وهذا الأصل لم يقل به المتأخرون من الإباضيّة، ونستطيع أن نقول بعد القرن السابع الهجري.
ويقصد الشّيخ تبغورين بهذا الأصل السادس أنّه لا وجود لمنزلة بين المنزلتين أي لا منزلة بين الإيمان والكفر اللذان هما ضدّان كالأضدّاد كلّها شبه الحركة والسكون والحياة والموت. وهو يستند في هذا إلى أنّ الأمة متّفقة بل ومجمعة على أنّ من ليس بمؤمن فهو كافر لقوله تعالى: { خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن } (2) وغير ذلك من الآيات، فهو يَرَى أنّ الإنسان إمّا أن يكون مقرّا بالوحدانية، وإمّا جاحدا لها.
ودافع تبغورين عن رأيه في هذا الموضوع داحضا آراء المعتزلة والمرجئة وغيرهم ممن يقولون بالمنزلة بين المنزلتين، واحتجّ عليهم بقول أصحاب اللغة من العرب، وهي أنّ من ضيّع شكر نعم الله فقد كفر نعمته، وذلك موجود في أشعارهم: قال الشاعر:
« نُبّئتُ عمرًا غير شاكرِ نعمتي** والكفر مُخْبِثَةٌ لنفس المُنْعِمِ »
__________
(1) أنظر كتاب أصول الديانات (السّابق) ص 19/120.
(2) سورة التغابن: 02. (1/27)
صفحة 28
وبين فساد قول المعتزلة ومن لفّ لفهم في قولهم: إنّ أهل الكبائر ليسوا بمؤمنين ولا كافرين، وأنّهم فاسقون في النّار مخلدون إلاّ طلحة والزّبير. مبينا أنّه قد كثر اختلاطهم وتناقض مذهبهم. وقد انتبه جلّ علماء الإباضيّة إلى هذا التناقض إذ يرون أنّ الإنسان إمّا كافرا أو مؤمنا، أي من ليس بمؤمن فهو كافر. وبالرجوع إلى قضية الأضداد فالكفر ضدّه الإيمان كالحياة والموت، ومن خرج من الكفر فقد دخل في الإيمان، ومن دخل في الإيمان فقد خرج من الكفر. واحتج تبغورين بأنّه لو جاز لإنسان أن يخرج من الكفر ولم يدخل في الإيمان لجاز أن يخرج من الثواب والجنّة، ولا يدخل في النّار، ولا يكون من أحدهما وهو مكلّف صحيح العقل، فيكون لا شقيا ولا سعيدا، ولا موحّدا ولا مشركا، ولا صالحا ولا طالحا، لأنّ هذه هي الأضداد التي لا ينفك عنها النّاس.
ويتلخّص رأي تبغورين في أنّه ليس هناك منزلة بين منزلة الإيمان والكفر. فهو يقول: تأملوا آيات سورة عبس (38-42) { وجوه يومئذ مسفرة ... إلى أولئك هم الكفرة الفجرة } . يقول: وهل يبقى في ذلك اليوم وجوه أخرى غير هاتين، ولم يذكرها الله عزّ وجلّ، أو أغفلها، أو نسيها ممّا قلتم ؟ يتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وما يمكن أن نلاحظه هو أنّ الإباضيّة ردّوا ردودا لاذعة على المعتزلة والمرجئة والصّفريّة والأزارقة ونقضوا مذهبهم معتمدين في ذلك على الأدلة النقليّة والعقليّة. وخلاصة القول فإنّ تبغورين ومن تأثّر بأفكاره من أمثال أبي عمار عبد الكافي قد ردّوا بشدّة على المعتزلة في عدم تسميتهم صاحب الكبيرة كافرا، مع إثباتهم الوعيد، ولهذا فإنّ القول بالمنزلة بين المنزلتين فاسد عند الشّيخ تبغورين وأصحابه.
وفي أصل
الأسماء والصّفات (1/28)
صفحة 29
حلّل الشّيخ تبغورين في هذا الأصل معنى الاسم والصفة، مبيّنا أنّ الله أخبر عباده عن أسمائه في الأزل، وما يمكن أن يسمى به الله في الأزل، فحبّ الله للإنسان، وبغضه له، وعداوته إياه، وسخطه ورضاه، هي صفات ذاتيّة، ليست صفات أفعال، وصفته تعالى ليست هي بما وصفه به الواصفون، وإنما الصّفة هي شيء حقيقي وأمر ذاتي بمعنى ليس بلفظ الإنسان رادًّا على المجسّمة، القائلين بتغيّر صفاته تعالى، من حال إلى حال، ومن صفة إلى صفة كالصبي يكون يافعا، ثمّ يصير بالغا، ثم شابّا، ثمّ كهلا ثم شيخا، وسكانا في حال، ومتحركا في أخرى. كما بين المصنّف أنّ أسماء الأشياء كلها تنقسم إلى أربعة أقسام:
- أسماء البنية التي بنيت عليها طبيعة الشيء، مثل: جسم، ومحدث.
- أسماء استحقها الشيء بمعنى حلّ فيه، وتداول عليه، مثل حيّ وميّت، ومتحرّك وساكن.
- أسماء استحقها بخواتم عمله وما تصير إليه عاقبته،مثل:مؤمن وكافر.
- وأسماء لقب يلقّبها النّاسُ بعضهم بعضا وينزعونها إن شاءوا، ولا معنى لها تتعلّق إليه، بل هي معارف بينهم.
وأسماء الله تعالى هي أسماء ذاته، لا يقال استحقها لأفعال فعلها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ويرى المصنّف ومن جاء بعده من الإباضيّة أنّ صفات الأشياء هي حقائقها التي لا يتصور وجودها إلاّ بها، وليست ما يوجد من وصف الواصفين، أو تسمية المسمّين، وغرضهم في ذلك إثبات أنّ صفات الله ذاتية حقيقية موجودة في الأزل، وليست مضافة إليه عن طريق وصف الواصفين أو تسمية المسمين، أمّا تسمية النّاس أو وصفهم فهو من أفعالهم وصفاتهم، وليس ذلك بصفات لله ولا بأسمائه، كما أنّ صفات الله ليست مجرّد معارف العارفين، أو اعتقاداتهم التي في قلوبهم، أو ما وضعوه لأنفسهم من حقائق ذاتية، لا تزيد عن أن تكون أوهاما توهموها، أو خيالات تخيّلوها (1) .
__________
(1) عمار طالبي:آراء الخوارج الكلامية(الموجز)لأبي عمار عبد الكافي الإباضي، طبعة الجزائر سنة 1978، ج1/248 (1/29)
صفحة 30
وردّ تبغورين على الأشاعرة في قولهم بتعدّد الصّفات وبتغايرها، فالأشعريّة ترى أن صفات الله غيره، وهي قديمة بقدمه تعالى، فالعلم صفة ثابتة قديمة من صفاته تعالى، ولكنها ليست جوهره أي ذاته. فلا يقال: أن الله مريد بإرادة وإرادته ذاته. أمّا الإباضيّة فتقول: أن صفات الله هي عين ذاته، والله قادر بذاته، أي أنّ ذاته كافية في التأثير في جميع المقدورات. منتهيا إلى أنّ صفات الله أزلية قديمة وغير محدثة. وأنّ هذا الأصل يتطابق مع رأي المعتزلة والشيعة ويخالف رأي الأشاعرة.
وفي أصل
الأمر والنّهي
بيّن المصنّف في هذا الأصل أنّ الله تعالى أمر النّاس بطاعته ونهاهم عن معصيته وأنّه فَرَضَ على عباده الأمر بطاعته والنهي عن معصيته، وجعل ذلك من أوثق عرى الإسلام وأوكد فرائض الدين، وأعظمها أجرا وأجلّها نفعا في الدنيا والآخرة.
ويرى تبغورين أنّ عقد الإمامة فريضة لأنّ الله فرض الأمر والنهي والقيام بالعدل وأخذ الحقوق من مواضعها ووضعها في أهلها الذين أمر الله بهم. فهو يرى أنّ الحدود مع وجوبها لا تقام ولا توجد إلاّ بالأئمة وولاّتهم. وفي إبطال الإمامة وإزالة فرضها لإقامة الحدود والأحكام، وإزالة فرضها على المسلمين، والقول بإضاعتها باطل، مناقض لما جاء في كتاب الله. ودليلهم على ذلك توليّة الإمامة لأبي بكر الصديق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو دليل على وجوبها وفرضيتها. (1/30)
صفحة 31
ويتلخّص رأي تبغورين ومن جاء بعده من الإباضيّة، أنّ قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أصل من أصول الإباضيّة، كما هي أصل من أصول المعتزلة، وأنها مرتبطة ارتباطا وثيقا بوجوب الإمامة، لأنّ في إبطال الإمامة إبطال لإقامة حدود الله. وقد دعّم المصنّف فكرته، بأدلّة نقليّة وعقليّة، منتهيا إلى أنّ إقامة الحدود، لا تكون ولا تقام إلاّ عن طريق السلطة الحاكمة. وهذه المقولة فنّدت رأي القائلين: أنّ النّاس لا يحتاجون إلى إمام، وإنما عليهم أنّ يطّبقوا ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله. والمتأمل في هذا الرأي يجده رأيا يدعو إلى الفوضى وإلى إسقاط كلّ السلطات السياسية.
والإباضيّة يذهبون جميعا إلى أنّ تضييع الأمر والنهي، كبيرة وكفر بالله تعالى. بيْدَ أنّهم يتّفقون مع الخوارج في قضية الإمامة وكذلك مع الأشعريّة. فالإباضيّة يرون وجوب نصب الإمام، إلاّ أنّهم لا يحصرونها في عنصر خاصّ، بل شرطهم الأساسي هو الكفاءة الشرعية في الشخص المختار لها، وتجب طاعته ما دام على الحق، والعدل شعاره، فإن جار في الحكم وخالف الحقّ ولم يتب جاز بل وجب الخروج عنه. والأشعريّة يقول جمهورهم: لا يجوز الخروج عن الإمام الجائر. ويقولون عن الخلافة يجب أن تكون في قريش، ومن تبوّأها من غيرهم فإنّما هو غاصب لحقّهم (1) .
وفي أصل
الوَلاَيَة والبراءة (2)
__________
(1) أبو الربيع سليمان الباروني: مختصر تاريخ الإباضية، نشر مكتبة الإستقامة، سوق العطارين تونس، 1938 ص 74.
(2) لمزيد الإطلاع على هذا الأصل: أنظر بتفصيل أكثر عند المتأخرين من الإباضية: على يحي معمّر: الإباضية في موكب التاريخ، ج1 (نشأة المذهب الإباضي) طبعة1، سنة1964، ج1/84 وما بعدها. الجعبيري فرحات: نظام العزابة عند الإباضيّة الوهبية في جربة، طبعة تونس 1975. ص104 وما بعدها. (1/31)
صفحة 32
يرى تبغورين في هذا الأصل أنّ الحفاظ على الدين يعتمد على أصل الولاية والبراءة وترك المعاصي، إذ من عرف حيث يتولّى وحيث يبرأ وحيث يترك المعاصي فقد حافظ على دينه.
وبيّن المصنف أنّ أصل الولاية معرفة الأعمال الصالحات، وهو يريد بالأصل ما به تَجب الوَلاَية، لأنّ الوَلاَيةَ عند الإباضيّة، إنما تجب بمعرفة الأعمال الصالحات، أو أنّه يُراد بها ولاَيةُ الأشخاص. والمعرفة تكون بالمشاهدة للأعمال الصالحات، وربما كانت بشهادة الأمناء على الأعمال الصالحات، وكلا الوجهين معرفة. وبيّن أنّ عين الولاية بين العباد هي الموافقة في الشريعة إذ أنّ النّاس، إذا توافقوا في العمل، في شريعة الإسلام فذلك فيما بينهم ولاية. وتسمّى عند الإباضيّة ولاية الدين وهي أن يتوافقوا في شريعة الإسلام بالقول والعمل، مبيّنا أنّ ضدّ الولاية البراءة، وضدّ البراءة الولاية، وأنّ البراءة هي إيجاب الشّتمة واللّعنة للكافرين، وأنّ أصل البراءة معرفة الأعمال الخبيثة، وأنّ عين البراءة اختلاف الشرائع.
ويرى تبغورين وجل الإباضيّة أنّ المؤمن الموفي بدينه والحريص على واجباته، المبتعد عن المحارم، والمتخلق بأخلاق الإسلام، وجبت محبّته على المؤمنين وأُعْلنَتْ ولايته بين المسلمين. وهذه القضية انفرد بها الإباضيّة عن غيرهم من الفرق الإسلامية فلم يُساووا بين مؤمن تقيّ وعاصٍ شقيّ في المعاملة. بل يرون أنّه يجب على المجتمع متمثلا في السلطة الحاكمة، أن يتولّى تهذيب الناشزين وتقويم المنحرفين، وتربية المخطئين. فالإباضيّة لا يُخْرجُون العُصاة من الملّة ولا يحكمون عليهم بالشرك، ولكن يوجبون البراءة منهم وبغضهم، وإعلان ذلك لهم، حتّى يُقلعوا عن معصيتهم، ويتوبوا إلى ربّهم. (1/32)
صفحة 33
وهذا الأصل يعدّ من أصول العقائد الاجتماعية الإباضيّة في معالجة سلوك المنحرفين، حتّى لا يشهروا الفواحش، ولا يقلّدهم آخرون، فلا شك إن وجدوا الجفاء من أبناء مجتمعهم الإسلامي، وحسّوا أنّ مصالحهم قد تعطّلت كلية، ففي هذه الحالة، سيقومون بإصلاح أنفسهم عن طريق التربية الذّاتية الهادفة إلى تغيير أنماط سلوكهم والسعي إلى اكتساب الفضيلة الأخلاقية والابتعاد عن الرذيلة.
وفي أصل
الأسماء والأحكام
عالج المصنف في هذا الأصل قضية الاسم والحكم. مبينا أنّ الأسماء هي الألفاظ الحسنة التي أطلقها الله على صلحاء عباده، كالمسلمين، والمؤمنين، والمتقين، وأصحاب الجنة، وأولياء الله وأحبّائه. وهذه الأسماء منها ألفاظ قبيحة أطلقها الله على عصاة عباده كالكافرين والخاسرين وأصحاب النّار والفاسقين وغير ذلك.
أمّا الأحكام، فهي الأمور التي يُحكم بها على العباد كأخذ الصدقات من الأغنياء ووضعها في الفقراء، والغنيمة والسبي، والقتل والجزية، والولاية والعداوة، والدعاء للتوحيد. والأحكام جمع حكم، بمعنى محكوم به كما تقررّ. والمراد بها هنا، وبالأسماء عقائدهما المبنية بقول علماء الإباضيّة، أنّهم يدينون بأنّ الأسماء تابعة للأحكام، وأنّ أحكام الموحدين ليست كأحكام المشركين، وأنّ أحكام المشركين ليست كأحكام الموحدين، وأنّهم يدينون بأنّ أحكام الموحدين بينهم واحدة، إلاّ في الولاية والتسمية بالإيمان، فإنها لا يستحقها إلاّ المؤمن الموفي بدينه. (1/33)
صفحة 34
والشّيخ تبغورين وجمهور الإباضيّة عند ما يقولون: إنّ الأسماء تابعة للأحكام فهم يعنون، أنها موافقة للأحكام المحكوم بها على العباد، وحاصلة بعدها، إذْ من حُكم عليه بالإيمان سمي مؤمنًا، ومن حكم عليه بالتوحيد سمي موحّدا، ومن حُكم عليه بالتّقوى، سمّي متقيا، ومن حكم عليه بالفلاح سمي مفلحا، ومن حكم عليه بالصلاح سمي صالحا، هكذا من حكم عليه بالكفر سميّ كافرا، ومن حكم عليه بالشرك سمّي مشركا، والفاسق فاسقا الخ...
وبعد حديث المصنف عن الأصول العشرة أخذ يتحدث عن عدة مسائل وأول هذه المسائل هي:
مسألة الحجّة:
تعتبر هذه المسألة من مسائل الإباضيّة قديما وحديثا، وقد بيّن المصنف أنّ الله له الحجّة البالغة، على جميع البالغين صحيحي العقول، وأنّه لا عذر لهم في معرفة الكتب والرّسل، مبيّنا أنّ الله أقام الحجّة على عباده، بما فرض عليهم، وما وصلهم من الأنبياء والرّسل، وما دعاهم إليه، من طاعته، ونهيهم عن معصيته.
وردّ تبغورين على عبد الله بن يزيد القائل: ليس من الحكمة أن يكلف الله عباده ما لم يسمعهم إيّاه. كما ردّ على القدريّة، وأحمد بن الحسين، ومن قال بقولهم، ممن زعموا أنّ الإنسان يمكن أن يصل بعقله إلى معرفة التكاليف، التي أمر الله بها، وذلك بقولهم: « فكلّ من صحّت له جارحة العقل وسلمت له غريزة الفكر، فعليه أن يعرف بعقله، أنّ الله واحد، لا شريك له في خلقه، ولا يشبهه شيء من بريته، حتّى قالوا: عرف بعقله ما بين الدليل والمدلول عليه ». وهذا هو مذهب المعطلة والبراهمة.
وبيّن تبغورين أنّ الشرائع لا تكون إلاّ بوجود الرسل، وذكر أنّ عيسى بن عمير وأحمد بن الحسين الأطرابلسي من الإباضيّة ذهبا إلى ما ذهبت إليه المعتزلة من أنّ العقل هو الحجة وأنّه يستقل عن الشرع بوصوله إلى الواجبات العقلية. (1/34)
صفحة 35
والإباضيّة يذهبون جميعا إلى أنّ المنقطعين في الجزر النائية المنقطعين عن النّاس إن كانوا على دين من أديان الله التي أنزلها على رسله، فواسع عليهم أن يقيموا على ما هم عليه، وإن لم يكونوا على دين أصلا، فلا يسعهم الجهل بالله ولا بدينه ولا يعذرون في ذلك. وعلى هذا المعنى، كانت دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى من لا تمكنه مشافهته، ولا تبلغه مراسلته، أن يوسع على من كان منهم على دين نبيّ من أنبياء الله، لأنّ دين الله واحد، وحجته متصلة، لا يبطل آخرها أوّلها، كما لا يخالف أوّلها آخرها. أمّا الصمّ البكم الذين لا يعقلون الكلام، ولا يسمعون الحجّة، ولا يفهمونها، أنّهم إن كانوا ممن يكتب، أو يكتب له، أو يفهم عنه، لزمه ما لزم أشياعه، وإلاّ فهو منقوص غير وافر، معذور لانطباقه، وإن لم يستطيعوا الفهم، فهم معذورون لأّن العقل ليس علّة للتكليف، وإنما هو علّة لفهم التكليف، ولا يكلف الله نفسا إلاّ وسعها.
وفي مسألة الاستطاعة
بيّن المصنف أنّ الاستطاعة على عدة وجوه منها: استطاعة المال، واستطاعة السبيل إلى الحجّ، واستطاعة الخلقة مثل قولهم: يستطيع هذا الجمل حمل كذا وكذا، يريدون: تحمله طبيعته. ويحمل هذا الحائط هذه الخشبة. ويقولون: لا يستطيع الإنسان الطيران إلى السماء، يريدون لخلقته. وأمّا العجز فهو على وجهين: عجز خلقة، وعجز زمانة. (1/35)
صفحة 36
يقول تبغورين وجلّ الإباضيّة: أنّ الاستطاعة مع الفعل خلافا للمعتزلة القائلة بأنها قبل الفعل وتفنى في حال الفعل. وقال إن استطاعة الإيمان غير استطاعة الكفر. واستطاعة كلّ فعل غير استطاعة غيره. وأنّ الكافر لا يستطيع الإيمان ولا يمكنه ولا يفعله في حال فعله الكفر باشتغال قوّته في الكفر، وأنّ معنى يستطيع ويمكن ويفعل عند الإباضيّة واحد. مستندا في ذلك إلى أدلة من الكتاب والسنة. ودليلهم على وجوب الاستطاعة مع الفعل، عدم الفعل عند الزمانة، إذ لا بدّ أن يوجد شيء ضدا وخلافا لما يوجده ضدّه، ويعدم ما يوجده ضدّه. ومن الإباضيّة من قال: استطاعة الكفر يمكن بها الإيمان وإن لم يستطعه ولم يفعله. وهذا محال عند أغلب الإباضيّة لأنّه عندهم لا يمكن الكافر الإيمان ولا يستطيعه إلاّ على البدل ولا يمكنه باستطاعة الكفر أصلا.
ويتخلص رأي تبغورين ومن سبقه، ومن جاء بعده، أنّ فعل العبد مخلوق لله تعالى لأنّه هو الخالق وما سواه مخلوق وأنّه لا يشاركه شيء في ملكه، وإنّ التأثير والإيجاد خاصية من خواصّه يستحيل ثبوتها لغيره، فالأفعال تضاف إلى الله خلقًا واختراعا، وإلى العبد كسبا واختيارا، كما دلّت على ذلك الأدلة النقليّة، والبراهين العقلية. ويتفق الأشاعرة والإباضيّّة في أنّ الفعل مخلوق لله سواء صدر من جنّ أو إنسان ولو كان الفعل عصيانا، خلافا للمعتزلة والفلاسفة الذين أنكروا كون أفعالهم مخلوقة لله تعالى بل نسبوا خلقها لأنفسهم.
وعن العون والعصمة: (1/36)
صفحة 37
ردّ المصنف في أول المسألة على المخالفين لرأيه في هذا الموضوع مثل المعتزلة، والحسين النجار، وعبد الله بن يزيد، وأحمد بن الحسين الأطرابلسي المطلبي، ومن وافقهم في رأيهم. فيرى تبغورين وجلّ الإباضيّة أنّ العون والعصمة والتسديد والشرح هو معنى يعطيه الله للمؤمنين، في حال فعلهم للإيمان والوفاء بدين الله يحول بينهم وبين الضلالة والكفر، بفضله وإحسانه إلى المسلم، ويعصمه به عن الشيطان الرجيم، ومن يرد أن يضلّه بإذنه، وهو رحمة من الله من لطائف تدبيره. واستند في ذلك إلى آيات من كتاب الله كثيرة.
وردّ على من قال: إنّ استطاعة الإيمان هي العون، بقوله إنّ ذلك غير جائز لأنه ليس بين استطاعة الإيمان واستطاعة الكفر معنى يكون فيه عونا في عينها، لأنّ الاستطاعة كلها في عينها هي الصحة والسلامة، وليس فيه اختلاف تكون به أحدهما عونًا، والأخرى خذلانا.
وتعرّض المصنف إلى مسألة الخذلان فقال: إنّه ليس بمعنى، فيوصف لأنّه ترك من الله للكافر، إذ لم يعطه من فضله شيئا يعصمه به، بل وَكَلَه إلى نفسه. وذكر أنّ الترك من الله على وجهين: فكلّ ترك ليس فيه فعل ضدّه، فليس بفعل ولا شيء، وكل ترك فيه فعل ضدّه فهو شيء. ومثل ذلك ترك الله أن يميتك أي أحياك، وترك أن يغنيك، أي أفقرك إلى آخره... وكذلك الخذلان معناه: ترك لم يخلق فيه شيئا من العون. لأنّ دين المسلمين كلهم متّصل يقوّي بعضه بعضا. (1/37)
صفحة 38
والذي عليه نحن والأشاعرة، أنّنا متفقون، على سؤال الله التوفيق والاستعاذة به من الخذلان. فالقوّة التي ترد من الله تعالى على العبد فيفعل بها الخير تسمّى بالإجماع توفيقا وعصمة وتأييدا. والقوة التي ترد من الله تعالى على العبد، فيفعل بها الشر، تسمّى بالإجماع خذلانا. والقوة التي ترد من الله تعالى على العبد فيفعل بها ما ليس طاعة، ولا معصية تسمّى عونا، أو قوّة أو حَوْلاً. ومن هذا يتضح صحة قول المسلمين: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ». والقوة لا تكون لأحد البتّة فعل إلاّ بها، فصحّ أنه لا حول و لا قوة لأحد إلاّ بالله العلي العظيم. وكذلك يسمّى تيسيرا. والمعتزلة تذهب إلى هذا إذْ أنّ الإستطاعة هي فعل الله عزّ وجلّ، وأنّه لا يفعل أحد خيرا، ولا شرّا، إلاّ بقوّة أعطاهُ الله تعالى إيّاها. إلاّ أنّهم قالوا: يصلح بها الخير والشرّ معا.
وفي مسألة القرآن وكلام الله: (1/38)
صفحة 39
ردّ المصنف في هذه المسألة، على الحشويّة والمشبهة وغيرهم من الفرق القائلة بأنّ القرآن غير مخلوق. ذلك أنّ تبغورين يرى أنّ جميع الكتب التي أنزلها الله على رسله، أو على ألسنتهم، هي أشياء، لأنّ الذين لا يقولون بأنّها أشياء فإنهم يبطلون هذه الكتب النازلة، وبذلك تكون في حدّ العدم والتلاشي. ومن جهة أخرى فإنّه يرى أنّ كل شيء مخلوق، وليس هناك شيء غير مخلوق، وأنه بإنكارنا لحدوث الأشياء يتقرّر بطلان ما أتى به الرسل. واستشهد على رأيه هذا بآيات من سور: الأنعام، والرعد، والزمر. واعتمادا على ما استند إليه فإنه يرى أنّ كتاب الله شيء من الأشياء، وأنّ هذا الشيء لا يخلو من وجهين لا ثالث لهما: إمّا أن يكون مُحْدَثًا أو غير مُحْدَثٍ، فإذا كان غير محدث مثل ما ذهب إليه القائلون بقدمه، فقد أبطلوا وردّوا على الله قوله: { وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلاّ كانوا عنه معرضين } (الشعراء:5) وهو ههنا ألزم المتكلمين الحجّة في استقرائه المنطقي حيث يقول: فإن قالوا: محدث، قيل لهم: من أحدثه ! وهنا فهو يرى أنّهم إذا أضافوا حدوثه إلى غير الله أبطلوا. وإن قالوا إنّ الله أحدثه فقد أقرّوا بخلقه. وهو بهذا يرى أنّ القرآن دالٌّ على الله كسائر الأشياء من الخلق، وهو دليل على ربوبية الله تعالى، وهو شهادة على وحدانيته، ومن هنا فإنّه يرى أنّه باعترافهم ذلك، فقد أقرّوا بخلق القرآن. إذ يرى المصنف وجلّ الإباضيّة أنّ القرآن محدث كائن بعد أن لم يكن، فإن نفوا ذلك، فقد جعلوه قديما مع الله، وصاروا إلى مذهب الاثنين، فإن قالوا محدث فقد أقرّوا بخلقه. والحدوث عند المصنف هو الخَلْقُ ولا فرْقَ بينه وبين الحُدوث، فلو جاز أن يكون محدثا مجعولا ليس بمخلوق، لجازَ أن يكون مخلوقا ليس بمحدث ولا بمجعول. فلمّا بطل هذا أيضا بطل غيره. وهو يرى أنّ الله وصف القرآن بما وصف به سائر الخلق، وأنّه مجعول ومنزول، ومحدث ومخلوق. (1/39)
صفحة 40
ومعنى الجعل من الله والخلق والحدث واحد عند المصنف، إذ أجمع المتكلمون من غير الإباضيّة أنه بيان، وكلام، ومسموع، ومفهوم. واستدل بآيات من سورة التوبة، والأحقاف، والجنّ، والأعراف، والحاقة، والتكوير. والآيات التي ذكر فيها كلمة "جعل" و "نزل" يرى تبغورين أن تلك الآيات هي أدلة على رأيه في خلق القرآن وأنه مخلوق كغيره من الخلق، مما يوجب أنّ القرآن داخل في جملة الخلق، غير خارج منها.
وبيّن تبغورين أنّه إنّما سمّي القرآن كلام الله إذ خلقه كلاما لا من أحد، وابتدأه لا من أحد، ولم يسبقه إلى تأليفه وإحداثه أحدٌ. وجعله كلامًا مسموعًا مفهومًا عربيًا، لا يأتي به الخلق، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. وأعجزهم أن يأتوا بسورة مثله، ولو اجتمع البلغاء والشّعراء كلّهم لما قدروا. وهو تبارك وتعالى يقدر أن يأتي بمثله ويذهب به كما قال { ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك } (الإسراء: 86).
وحسب هذا السّياق فإنّ المصنّف يرى أنّ القرآن كلام الله. كما يُقال كلام النّبيّ وقول النبيّ، وألفاظه وحديثه، إذ لم يسبقه إلى تأليفه والنّطق به أحدٌ. وكذلك فالعرب يقولون: شعر فلان، وقصيدة فلان فيما استنبطه من نفسه، ولم يسبقه إليه أحد من النّاس أن يتناوله بعده. (1/40)
صفحة 41
ويتّفق جلّ الإباضيّة على أنّ القرآن مخلوق لفظه ومعناه إلاّ ما قام الدّليل على قدم معناه كلفظ الجلالة، والعالم، والقادر، وغير ذلك مما مرجعه إلى ذات الباري تعالى وصفاته، لأنه عبارة عن نفس الألفاظ المكتوبة الحروف المجزّأة المفصّلة المتّصفة بالعربيّة والتّلاوة والإنزال والجعل إلى غير ذلك من لوازم الحدوث لا أنه القدر بين الكلام اللّفظي والنّفسي القديم، وأنّ تلك الألفاظ المكتوبة في المصاحف المقروءة بالألسنة ترجمة عنه، وأنّ ذلك المعنى النّفسي غير العلم والإرادة كما ذهب إليه الأشعري ومن وافقه، لعدم الدّليل عليه، وصرفهم أدلّة الحدوث إلى اللّفظ دون المعنى وجعلهم – حسب الإباضيّة – القرآن حقيقة في الكلام النّفسي الأزلي مجازا في الألفاظ، حتّى أنّ الإباضيّة رأوا أنّ أحمد بن حنبل، بالغ في ذلك، فمنع إطلاق القرآن على اللّفظ المقروء المكتوب في المصاحف. يرى أنّه غير صحيح لما يلزم عليه من مفاسد: منها صحّة نفي القرآن المنزّل على النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الذي شهد بنزوله الملأ الأعلى، إذ من المعلوم، أنّ المجاز يصحّ نفيه عن معناه، كنفي (الحمياريّة) عن البليد في قول القائل رأيت حمارا، يعني بليدا. ومنها عدم كفر من أنكر قُرآنيّة المصاحف التي بين أيدينا، حيث لم تكن كلام الله، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: « ما بين دفّتي المصحف كلام الله ».
ودلّل المصنّف على رأيه بقوله: إنّ القرآن العزيز محصور بسوره وآياته وفيه النّسخ، أي رفع حكم شرعيّ سابق، بنصّ لاحق، فلا يجوز أن يقع النّسخ في القديم، وهذا دليل الحدوث. وبهذا يرى صاحبنا أنّ القرآن الكريم محدث، وهذا الأصل قد اعتنقه المعتزلة حين رأت أنّ القرآن كلام الله وهو حادث. والأشعريّة ترى أنّ القرآن كلام الله قديم، أمّا الحروف والحبر والورق فحادثة.
وفي حديثه المصنّف عن مسألة الرّؤية: (1/41)
صفحة 42
ردّ المؤلّف على الفرق المخالفة له ردّا صريحا مشفوعا كعادته بأدلّة من القرآن والسّنّة والشّعر. إلاّ أنّه قبل أن أحلّل رأي تبغورين كمتكلّم إباضي، لا بدّ لي أن أشير إلى أنّ مسألة الرّؤية (أي رؤيته سبحانه وتعالى) ونفيها هي قضيّة شائكة جدّا تصارع فيها فحول العلماء من المتكلّمين وغيرهم صراعا عنيفا، انتهى بهم إلى التّدابر والتّشاتم، بحيث تمسّك كلّ فريق منهم بالأدلّة التي تراءت له أنّها صحيحة لا تقبل النّقض، وجعل كلّ فريق يرى الثّاني بأنّه كافر، أو مبتدع، أو منافق، وغير هذا من الألفاظ المقذعة، التي ما كان أغناهم عنها. لأنّ من صفة المسلم ألاّ يكون لعّانا، ولا سبّابا، ولا شتّاما، ولا همّازا. ولكن مع الأسف، هذا قد جرى بين العلماء الذين كان عليهم، أن يؤاخوا بين المسلمين ويجمعوا بينهم بدل أن يفرقوهم إلى فرق متناحرة متدابرة. ففي القرآن نجد الأدلّة التي تنفي الرّؤية عن الباري، وكذلك في السنّة، كما أنّ الأدلّة التي تثبت الرّؤية وردت كذلك في القرآن والسنّة. (1/42)
صفحة 43
والقول الفصل في هذه القضيّة، وفي هذا الوقت الذي بدأ فيه التّفتّح يسود المجتمعات الإسلاميّة، والتّسامح ينبعث من القلوب، ويعانق بينها. وجب أن نقول اليوم أن الذين نفوا الرّؤية عن الباري سبحانه وتعالى، قد نزّهوه بذلك عن التّشبيه، وكلّ صفات النّقص، كالتّحيّز، والتّجسيم، وقصدهم في ذلك كلّه حبّا في ذات الله أن توصف بغير صفات الكمال. والذين أثبتوا الرّؤية لذات الباري سبحانه وتعالى، فإنّ تعلّقهم به وحبّهم لذاته، دفعهم لإثبات الرّؤية، ليروه رغبة فيه. ولم يكن قصدهم التّجسيم، ولا أن يوصف بصفات غير صفات الكمال. وإذًا ينبغي أن يحترم كلّ فريق، وجهة نظر الفريق الثّاني، ولا داعي إلى التكفير، والتّفسيق، والتّبديع. فهذا الذي ينبغي أن يسير عليه المسلمون طبقا لقوله - صلى الله عليه وسلم - :« المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، وحسب ابن آدم من الشرّ أن يحقر أخاه، كلّ المسلم على المسلم حرام دمه، وماله وعرضه، التّقوى ههنا، ههنا، وأشار - صلى الله عليه وسلم - بإصبعه إلى قلبه ».
وقد أنكر الشّيخ تبغورين الرّؤية في الدّنيا والآخرة بقوله: " ومن زعم أنّ الله يُرى في الدّنيا أو تَمكن رؤيته، أو رآه أحد من خلقه، أو يُرى في الآخرة، مثل كذا وكذا، فمثله بشيء من خلقه، أو حدَّ له مكانا دون مكان، أو وصفه بنهاية، أو أطراف، فهو مشرك، والشّاكّ فيه مثله، ومن نفى عنه الشّرك فهو كافر والشّاكّ فيه مثله ".
وقد ردّ المصنّف على المشبّهة الذين يرون أنّ موسى عليه السّلام سأل أن يرى ربّه فقال: " إنّ موسى لم يسأل أن يرى ربّه عيانا، مثلما سألت اليهود، وإنّما سأل أن يُريه آية من آياته، وعجبا من عجائبه، حين قال: { ربي أرني أنظر إليك } (الأعراف:143) أي أريد أن أنظر إلى آية من آياتك، وعجب من عجائبك، فهذا وجه سؤال موسى عليه السلام رَبَّهُ تبارك وتعالى والتأويل مخالف للقراءة ". (1/43)
صفحة 44
وبيّن صاحب الرسالة أنّ موسى إنما سأل الرؤية لا على حقيقة الرؤية - كما تزعم المشبهة - لأنّه لو زعم ذلك، فكيف حتّى لم يشرك موسى كما أشركت اليهود بسؤالها بمثل الذي سأل موسى. وبعد فكيف يكون أن يكون الله رخّص لموسى عليه السلام في شيء، وقد أغلظ فيه على بني إسرائيل، في قوله عز جلّ { فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } (النّساء:153) قال أهل التفسير: يعني بشركهم. وقد قال الله عزّ وجلّ: { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، فقالوا: أرنا الله جَهْرَةً، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العِجْلَ من بعد ما جاءتْهُم البيّناتُ } (النّساء:153) مبيّنا أنّ الذي سأل موسى ليس هو من معنى الذي سألت اليهود في شيء. كما بيّن أنّه إذا كان الأمر على ما ذهبت إليه اليهود والمشبّهة وجب أن يكون موسى عليه السلام عند أصحاب الرؤية وجميع المشبهة مشركا بالله ظالمًا مستحقًّا بأن تأخذه الصاعقة بظلمه، وحاشى رسوله الله وكليمه من مقالات أهل الخطأ. ثم بيّن أنّ الرؤية قد تكون بالأبصار، وبغير ذلك، فقال مخطِّئًا القائلين بأنّ الرؤية لا تكون إلاّ بالأبصار، إذ الرؤية قد تخرج على معنى العلامة ورؤية الدلالة، فقد يقول الرجل لصاحبه: أرني على الذي قلت برهانا. قال تعالى: { ألم تر إلى ربّك كيف مدّ الظل ولو شاء لجعله ساكنا } (الفرقان: 45). قال تبغورين في تفسيرها: هو أنّه تعالى يريد الرؤية للظل الذي هو دليل على الله عزّ و جلّ. (1/44)
صفحة 45
ومما يدّل على أنّ الله نفى الرؤية قوله تعالى: { لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقرّ مكانه فسوف تراني } (الأعراف:143) فعلّق الرؤية باستقرار الجبل أو باستقراره بعد تحرّكه، وتدكدكه، أو علّقها به حال تحركه. ولا يجوز أن تكون الرؤية علّقها باستقرار الجبل، لأنّ الجبل قد استقرّ، ولم ير موسى ربّه. (1) ودليل آخر هو قوله تعالى: { لن تراني } فلن هنا موضوعة للتأبيد، فقد نفى الله أن يكون مرئيا البتّة وهذا يدل على استحالة الرؤية عليه. وسؤال موسى هذا يظهر على ظاهره أنّ موسى هو الذي طلب الرؤية، فالأنبياء لهم من الأدلة القطعية على إيمانهم بالله، فلا يطلبون رؤيته تعالى، ولهذا كان سؤالا عن قومه، والذي يدلّ عليه، قوله عزّ وجلّ لمحمد - صلى الله عليه وسلم - : « ويسألك أهل الكتاب أن تنزّل عليهم كتابا من السماء، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا: « أرنا الله جَهْرَةً »(النساء:153) وقوله عزّ وجلّ { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى الله جَهْرَةً } (البقرة: 55) وهذا تصريح من الله تعالى بأنّ القوم هم الذين حملوه على هذا السؤال. ويدل عليه أيضا، قوله تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام: «أتهلكنا بما فعل السفهاء منا» (الأعراف:155) فبيّن أنّ السؤال سؤال عن قومه، وأنّ الذنب ذنبهم.
والجدير بالملاحظة هو أنّ الشّيخ تبغورين في هذه المسألة وفي غيرها، نراه ينزّه الله تعالى عن التشبيه، إذ يرى أن من شبّه الله فهو مشرك. فالله عنده لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة بالأبصار عيانا أو جهرة.
__________
(1) انظر القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، تحقيق، د. عبد الكريم عثمان، نشر مكتبة وهبة القاهرة، طبعة أولى 1965 ص265، وتبغورين يتفق مع رأي القاضي عبد الجبار والمعتزلة بصفة عامة في مسألة الرؤية. (1/45)
صفحة 46
ويتّضح من خلال ما بينّا أنّ الشّيخ تبغورين في تحليله لهذه القضية امتاز بالسّمو والعلوّ في المستوى العقلي، الذي يتمتع به في تحليله للنصوص، وفهمه للّغة والمجازات وإدراكها – رغم أنه بربري- وذلك بابتعاده عن صفات التجسيم، وإنكاره له، متفقا في ذلك مع متكلّمي الإباضيّة. ولذلك نجده ينزّه دائما الله تعالى عن هذه الصّفات التي لها نظير وشبيه في الواقع المادّي. كما يتضح من تلك الأدلة أنّ الإباضيّة يجزمون بامتناع رؤية الله في الدنيا والآخرة. وهذه المسألة قد اعتنقتها المعتزلة والشيعة. أمّا الأشاعرة فيرون أنّ الله يُرَى بالأبصار، ولكن في غير حلول.
وفي حديث المصنف عن الشفاعة بيّن أنّ الشفاعة من الرّسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تكون إلاّ للمؤمنين فقط دون العصاة والفسقة، ومرتكبي الكبائر، فلا تكون لمن مات مصرا على الكبائر. وهي تكون للمؤمنين لتخفّف عليهم من شدة يوم الحشر، والتعجيل بهم للدخول في الجنة. فقد استشهد صاحبنا بالآية رقم 48 و 123 من سورة البقرة، وأكّد ذلك بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : « يا فاطمة بنت رسول الله، ويا صفية عمّة رسول الله، أعملا لأنفسكما، فإني لا أغني عنكما من الله شيئا » إلى غير ذلك من الأحاديث.
والمعتزلة أيضا ينفون الشفاعة عن أهل الكبائر بخلاف الأشاعرة الذين يثبتونها لأهل الكبائر من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، اعتمادا على حديث الرسول: « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ». والإباضيّة والمعتزلة يعتمدون حديثه - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول فيه: « لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي ». فتبغورين يرى أنه لا يمكن دخول الجنة بشفاعة بلا عمل صالح، وذلك يتنافى عنده مع عقائد المسلمين ومع المنطق السليم. (1/46)
صفحة 47
وفي حديثه عن الميزان: بيّن تبغورين أنّ المقصود بالميزان هو العدل الذي وضعه بين خلقه يوم "لا تظلم نفس شيئا" (الأنبياء:47، يس:54) يعني العدل والحقّ بين خلقه بما علم منهم، لأنّه يحكم فيهم بسرائرهم وما تخفي صُدُورُهُم، مع أنّ أفعال العباد أعراض لا تُجرى عليها الخّفة والثّقالة، ولا الإعادة، ولا البقاء فيعاد في الآخرة. وهو يرى أنّ عمود الميزان وكفتيته هما الجنّة والنّار، وهما كفوف لميزان الله، كفّة هؤلاء الجنّة وكفة هؤلاء النّار. والعمود ما اعتمد عليه من الحق والعدل. وخلاصة القول أنّ الإباضيّة يقولون: إنّ الميزان ليس بحسّي والله غنيّ عن الافتقار إليه، وإنما هو تمييز معنوي للأعمال « والوزن يومئذ الحق» (الأعراف:08) كيف والأعمال ليست بأمور محسوسة حتّى توزن بميزان من نوعها. والصّراط أيضا ليس بحسّيّ، وإنّما هو دين الله الحق، وطريقه القويم من اتّبعه فاز ونجا، ومن حاد عنه خسر وهوى. ومن الإباضيّة من يجيز أن يكون الميزان والصّراط حسّيين على نحو ما قالت الأشعريّة. (1/47)
صفحة 48
وردّ تبغورين عن منكري عذاب القبر. فقال عذاب القبر للكافرين، والتنعم للمؤمنين، وسؤال الملكين وهما منكر ونكير ثابت بالدلائل السمعية لأنها أمور ممكنة أخبر بها الصادق الأمين على ما نطقت به النّصوص. فمسالة عذاب القبر ليست من مسائل الديانات، فمن جهلها سلم، ومن علمها غنم، ومن تورط فيها ندم. ثم تحدث المصنف عن اختلاف النّاس فيمن أكل الحرام، هل أكل رزقه أم لا ؟ وبيّن آراء غيره، ثم ذكر رأيه ورأي المسلمين، فقال: من أكل الحرام، فقد أكل رزقه غذاء، ولم يأكل رزقه ملكا، لأّن الرزق رزقان: رزق تغذية، ورزق ملك، فرزق تغذية يعذب عليه، إن لم ينتصل. وقال بعض الإباضيّة: من أكل الحرام فقد أكل رزق الله، وعاش برزق الله، ولا يقال: رزقه الله إيّاه، لأّن تأويل رزقه الله له أي أعطاه، ولو كان ذلك كذلك، لسقطت عنه التباعة. ثم تحدث عن اختلاف النّاس فيمن قتل مظلوما، هل مات قبل أجله أو في أجله ؟ قال: إنّ النّاس لا يموتون قبل آجالهم، ولا يأكلون غير أرزاقهم.
بسم الله الرحمان الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمد وسلّم
سألتني رحمك الله أن أكتب لك كتابا أبيّن لك فيه أصول الدّين التي اختلفت فيها الأمّة حتّى صاروا طرائق قِدَدَا، وأفراقا مختلفة { كلّ حزبٍ بما لديهم فرحون } (1) مستبشرون. وسأكتب لك من ذلك – إن شاء الله- ما لا يعتري معتريه الشّكوك ولا يتعذّر على المبتدئ حفظه بأبلغ ما حضر لي من البيان، وبالله أبتدئ وبه [التّوفيق] (2) والتّمام. وأقول:
__________
(1) سورة الرّوم: 32.
(2) + من ر. (1/48)
صفحة 49
الحمد لله المسهّل على عباده (1) سبيل ما تعبّدهم به، وهو الموفّق للصّواب والهادي للرّشاد، الذي جعل الظّلمات والنّور { ثمّ الذين كفروا بربّهم يعدلون } (2) وأرسل محمّدا { بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون } (3) وأنزل عليه كتابا مبينًا، ونورا ساطعا، ولم تُبتلَ الأمّة بشيء بعده إلاّ جعل لهم مخرجا منه، وفرقانا [بيّنا] (4) بيّن فيه الرّدّ على جميع من خالف الحقّ من مشرك ومنافق { ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحي من حَيَ عن بيّنةٍ } (5) لئلاّ يُؤتى أحد بشُبهةٍ من قِبَلهِ.
__________
(1) ب: أوليائه.
(2) سورة الأنعام: 01.
(3) سورة التّوبة: 33.
(4) - من ت، ر. وفي ج: وبين.
(5) سورة الأنفال: 43. (1/49)
صفحة 50
وقيل للنّبيّ عليه السّلام: من لنا بعدك يا رسول الله ؟ فقال: « تركت فيكم ما إن تمسّكتم به فلن تضلّوا [أبدًا] (1) . كتاب الله (2) » وقال: « ستأتي فتنة، ثلاثا » قيل له: " ما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال: « كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّارٍ قصمه الله، ومن ابتغى الهُدى في غيره أضلّه الله، هو حبل (3) الله المتين، والنّور المسبّبين، والذّكر الحكيم، والصّراط /[3] المستقيم. لا تميل به الأهواء، ولا تشبع منه (4) العلماء، ولا يخلق من كثرة الرّدّ. من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به أفلح، ومن دعا إليه هُديَ إلى صراط مستقيم» (5) . وإنّ أولى النّاس بالحقّ من اتّبع كتاب الله، وجعل محكمه إماما لمتشابهه (6) ، ولم يُؤمرْ عليه القياس وما تهوي الأنفس، كما قال الله تعالى: { منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأُخَرُ مُتشابهاتٌ إلى قوله ابتغاء تأويله } (7) . فعيّرهم بذلك فجعل محكمه جامعا لفتوى كثيرة من العلم بحكمة الحكيم الأعلى [ وقال: { واعتصموا بحبل الله جميعا } (8) ] (9) وقال: { واتّبعوا النّور الذي أُنزل معهُ } (10) فأوّل ذلك وبالله التّوفيق، وما عصمتنا إلاّ بالله، أنّ أُصول الدّين عشرة.
الأصل الأوّل منها
__________
(1) + من ب.
(2) انظر الحديث في مسند الرّبيع بن حبيب (الجامع الصحيح)ج1/14. وورد في سنن أبي داود، مناسك، 56. وابن ماجه، مناسك84. والموطّأ، قدر،3. وأحمد بن حنبل3، 26.
(3) 10) ج: وحبل.
(4) 11) ج: به.
(5) 12) البخاري: فتن1. إيمان 12. ابن ماجه: فتن9، 16.
(6) 13) ت: لمشابهته.
(7) 14) سورة آل عمران: 07.
(8) 15) سورة آل عمران: 103.
(9) 16) ما بين معقوفتين سقط من ج.
(10) 17) سورة الأعراف: 157. (1/50)
صفحة 51
في التّوحيد (1)
قد اجتمعت الأمّة على أنّ الله واحد (ليس كمثله شيء)، وأنّه لا نظير له في برّيته. وبذلك الإقرار يخرجون من الشّرك وأحكامه ويدخلون في أحكام التّوحيد كلّها. وقال الله عزّ وجلّ في مُحكم كتابه: { ليس كمثله شيءٌ } (2) . وقال: { قل هو الله أحد، الله الصّمد. لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُؤًا أحد. } (3) . وفي قوله ليس كمثله شيءٌ نفيٌ لجميع صفات الحدث والعجز، وهي آية محكمة، ومعناها: ليس شيء كَهُوَ. والواحد الذي لا ثاني له (4) وهو كلام محكم ينتظم جميعَ [التّوحيد] (5) والنّفي لجميع صفات المخلوقين، وفيه الرّدّ على جميع من ألحد في صفات الله تعالى. ولا واحد في الحقيقة إلاّ الله، إذ الواحد من الخلق ينعدُّ مع غيره ويجري عليه العددُ، والله لا يجري عليه العدد ولا التّبعيض فينعدّ مع غيره [بخلاف المخلوق] (6) . ولم يعلم الله من لم يوحّده بصفاته ويفرزها من صفات غيره، ولا يعلم الشّيء من لم يعلم حقيقة ما هو به من صفاته.
__________
(1) من المتّفق عليه أنّ الإباضيّة والخوارج أصحاب توحيد مثلهم مثل المعتزلة، ولعلّهم سبقوا المعتزلة في ذلك. انظر عمّار طالبي: آراء الخوارج الكلاميّة (السّابق)، ج1/140. أبو زكرياء الجناوني: قواعد الإسلام، ط1، ج1/33-34. محمد بن يوسف اطفيش: الذّهب الخالص، تحقيق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، طبع المطبعة السّلفيّة بمصر 1343 هـ، ص23، وانظر باب في التّوحيد، في كتاب شرح الردّ على الجهالات، لأبي عمار عبد الكافي، نسخة مرقونة بتحقيقنا ص160 وما بعدها.
(2) سورة الشّورى: 11.
(3) سورة الإخلاص: 1-4.
(4) في ج، م، ب: معه.
(5) من ج.
(6) + من ج. (1/51)
صفحة 52
ومعنى الصّمد:السّيّد الذي قد انتهى في السّؤدد (1) . والذي يصمد إليه الخلائق/[4] في حوائجهم. ولم يكن له كفؤا أحد: لم يكن له أحد كفؤًا. والكفء: الندّ، والنّظير. تعالى الله على (2) الأنداد عُلُوًّا كبيرا، ولهذا شواهد ودلائل في لغة العرب تركتها لئلاّ يطول بها الكتاب (3) . وقيل في معنى الواحد: إنّه واحد في الخلق والإرسال والإنزال، لا واحد يفعل مثل فعله، ولا شريك له فيه – عزّ وجلّ عن ذلك – وردّ هذه الآيات وآيات كثيرة من كتاب الله وما أجمعوا عليه، من زعم أنّ الله جسم وصورة على كثرة اختلافهم، وذلك أنّ منهم من زعم أنّه نورٌ يضيء من جميع الجهات. ومنهم من زعم [أنّه] (4) على صورة آدم، ومنهم من زعم أنّه جسم ونفى عنه صفة الأجسام. وكلّهم يدّعي الرّؤية (5) والاستواء (6)
__________
(1) م. تزيد بعدها: خلقه.
(2) جـ، ب: عن.
(3) 7*) انظر مادّة: (صمد وكفي) في لسان العرب.
(4) + من ج، م. وفي ب: أنّه جسم.
(5) إنّ جمهور الإباضيّة ينفون رؤية الله تعالى يوم القيامة، فهم ينزّهون الله عن أن يكون جسما مرئيا، فهم يقولون: أنّ الله لا يُرى في الدّنيا ولا تمكن رؤيته في الآخرة مثل كذا وكذا فمثّله بشيء من خلقه، أو حدّ له مكانا دون مكان، أو وصفه بنهاية أو أطراف فهو مشرك عندهم، (انظر في آخر هذا الكتاب " مسألة في الرّؤية " ص175. وفي جميع كتب الإباضيّة).
(6) 10) هي من قوله تعالى { الرّحمان على العرش استوى } أي استوى أمره وقدرته فوق برّيته. وقال الحسن: ارتفع ذكره وثناؤه ومجده على خلقه. ولا يوصف الله تبارك وتعالى بزوال من مكان إلى مكان. وفي قوله تعالى: { ثمّ استوى إلى السّماء وهي دخان } أيّ استوى أمره وقدرته إلى السّماء. وقوله تعالى: { ثمّ استوى على العرش } يعني استوى أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه، ولا يوصف الله بصفات الخلق ولا يقع عليه الوصف كما يقع على الخلق..انظر، الجامع الصّحيح (مسند الرّبيع بن حبيب الفراهيدي) بترتيب أبي يعقوب الورجلاني، طبعة مكتبة الاستقامة سلطنة عمان، سنة 1388هـ.ج2/238-239. (1/52)
صفحة 53
على المعقول، وكلّهم رادّون لمحكم كتاب الله، لأنّ الجسم (1) وما يوصف بصفاته هو المنعدّ المؤلّف الأجزاء الذي لا ينفكّ من ستّ جهات: أمام وخلف، ويمين وشمال، وتحت وفوق، وملاصق (لشيء) (2) ، ومباينٌ للآخر. ولا بدّ له من مكان يحويه وقرارٍ يستقرّ فيه. وهذه معاني الجسم وصفاته من الطّبيعة التي لا تُزايله إلاّ بذهابه، وهي تدلّ على حدَثِه وحاجته إلى مُحدثٍ. وإلاّ بطلت الدّلائل والنّظائر.
__________
(1) 11) حقيقة الجسم عند البرّادي (الإباضي): هو المنقسم على أصول القوم، وهو المتحيّز على أصول الإباضيّة. ولا فرق بينه وبين الجوهر عندهم. والمتحيّز عند الإباضيّة منقسم وبيان ذلك أنّ الجهة الموالية الشّرق غير الجهة الموالية الغرب، وذلك في سائر الجهات، ولا يتقرّر عندهم متحيّز غير منقسم وإنّ صغر ودقّ. انظر كتاب " الحقائق " للبرّادي ضمن مجموع به خمس رسائل، ص34.
(2) 12) - من م. (1/53)
صفحة 54
وأيّ شيء يتّقون به ويحتجّون [على الدّهريّة] (1) المبطلة الذين أثبتوا قدم الجواهر على كثرة الأدلّة على (2) حدثها من أنّ الجسم لا ينفكّ عن أعراض تحلّه وتتداول عليه لا يسبقها ولا يتخلّف عنها، فما لم يسبق الحدث فحدث (3) مثله، وما لا يتخلّف (4) ولا يبقى بعد الفاني ففان مثله. وقالوا: إنّما زعمنا أنّ الله جسم ونور كما زعمتم أنّه شيء وموجود وحيّ وفاعل، والحيّ الفاعل لا يكون إلاّ جسما فيما شهدنا – زعموا – قلنا لهم وبالله التّوفيق: إنّ الله تبارك وتعالى أخبر عن/[5] نفسه أنّه حيّ فاعل وأنّه شيءٌ موجود ولم يخبر في شيء من أخباره أنّه جسمٌ ولا صورة كما زعمتم، بل أخبر أنّه ليس بجسم ونفى عن نفسه الجسمانيّة في قوله: { ليس كمثله شيءٌ } . وقوله: { هل تعلم له سميّا } (5) وقوله: { وهو الله في السّموات وفي الأرض يعلم سرّكم وجهركم } (6) وقوله: { وهو معكم أينما كنتم } (7) وقوله: { ونحن أقرب إليه منكم } (8) و { أقرب إليه من حبل الوريد } (9) وقوله: { وما كنّا غائبين } (10) ومثل هذا من كتاب الله كثير ممّا يدلّ [على] (11)
__________
(1) 13) + من ب، ج، م. وهذه الكلمة مأخوذة من الآية: { وقالوا ما هي إلاّ حياتنا الدّنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا إلاّ الدّهر } (الجاثية: 24)، وتطلق كلمة الدّهريّة على أولئك الذين أنكروا الاعتقاد بوجود الله وأنكروا خلق العالم والعناية الإلهية، ولم يُسلّموا بما جاءت به الأديان الحقّة، وقالوا بقدم الدّهر، وأنّ المادّة لا تفنى. انظر، الملل والنّحل للشّهرستاني، ج2/113. وشرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار(السّابق)،ص124.
(2) 14) م، ح، ر: في.
(3) 15) ج، م، ح: فحادث.
(4) 16) ت: يختلف.
(5) 17) سورة مريم: 65.
(6) 18) سورة الأنعام: 03.
(7) 19) سورة الحديد: 04. وجاء في جميع النّسخ: { وهو معكم أينما كانوا } وهذا ليس بقرآن كريم.
(8) 20) سورة الواقعة: 85.
(9) 21) سورة ق: 16.
(10) 22) سورة الأعراف: 07.
(11) 23) + من ج.. (1/54)
صفحة 55
أنّ الله ليس بجسم، مع أنّا إذا قلنا: حيّ فاعل، عالم، قادر: فهذه صفات المدح قد نفت عنه صفات الذّمّ والنّقص، لأنّ من (1) ليس بحيّ فهو ميّت، ومن ليس بقادر فهو عاجز ومن ليس بعالم فهو جاهل. ومن ليس بشيءٌ ولا موجود فهو عدم وبطلان (2) ، لأنّك إذا قلت ليس بشيء أبطلت. وإذا قلت ليس بجسم لم تنف إلاّ جسما مخصوصا، وصنفا مشهورا عاجزا محتاجا كما وصفنا.
__________
(1) 24) - من م.
(2) 25) في ت: معدوم وبصلا، وما هو مثبت من بقيّة النّسخ. (1/55)
صفحة 56
ومعنى حيّ أنّه لا يجري [عليه] (1) الموت، ولا يكون في صفات الأموات. وفاعل وسميع أيّ قادر لا يجري عليه العجز ولا يشبه العاجزين، وكذلك في عالم وسميع وبصير، وجميع ذكر الأسماء والصّفات العُلى والأسماء الحُسنى. وإن اتّفقت الألفاظ لم تتّفق المعاني، ولا يشبه الخلائق خالقها بوجه من الوجوه ولا بمعنى من المعاني، ولا في صفة ولا في ذات ولا فعل، إذ يفعلون بعلاج ومئونة ومباشرة، والله فاعل لا بعلاج ولا مئونة ولا بحركة وسكون. { إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } (2) قول فعل لا قول مخاطبة. ولم يعلم الله بكنه صفته ويفرزه (3) بحقيقة التّوحيد من لم يفرز صفته من/[6] صفات (4) المخلوقين، ويعلم أنّه لم يزل كما ذكرنا.
__________
(1) 26) + من ب، م، ج.
(2) 27) سورة يس: 82.
(3) 28) هو فعل فرز فرزا، وفرزت الشّيء وأفرزته إذا قسمته. والفرزُ: النّصيب المفروز لصاحبه، واحدا كان أو إثنين. وفرزه يفرزه فرزا , وأفرزه: مازه. وقال الجوهريّ: الفرز مصدر قولك فرزت الشّيء أفرزه إذا عزلته عن غيره ومزته، والقطعة منه فرزة (بالكسر) وفارز فلان شريكه أيّ فاصله وقاطعه. قال بعض أهل اللّغة: الفرز قريب من الفرز: تقول: فرزت الشّيء من الشّيء أي فصلته. انظر في هذا مادة فرز في لسان العرب لابن منظور: ج5/391. ومتكلّمي الإباضيّة كثيرا ما يذكرون قضيّة الفرز بين الأشياء مثلا: الفرز بين اللّمم والكبائر وبين الإنس والجنّ وبين الإنسان والملائكة وبين التّوحيد والإيمان، وبين المعصية والكفر أو الكفر والشّرك، إلخ... أنظر مثلا: كتاب شرح الردّ على الجهالات لأبي عمار عبد الكافي الإباضي بتحقيقنا، ص193-194. و ص218-219.
(4) 29) ج: صلاة. (1/56)
صفحة 57
والدّليل على صواب ما ذكرنا أنّهم مجمعون على أنّ من وصف الله بصفته على ما هو به فهو موحّد، وذلك الوصف منه توحيد، فكيف يكون توحيدا ومُوحّدا من لم يفرزه من صفات خلقه ؟ وأنّ الله إنّما خاطب الخلق بما يفهمون من لغاتهم كما قال { وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ليبيّن لهم } الآية (1) فبيّن لهم في قوله: { ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير } (2) أن يؤمنوا بغيب الإيمان، ويُصدّقوا بما لا تقدّره عقولهم، ولا تمثّله أفكارهم لأنّ العقول، لا تدرك إلاّ ما أدّت إليه الحواسّ أو مثله، أو ما علموا بالدّلالة والقياس على (3) ذلك. وفي دلالة الأنبياء عليهم الصّلاة (4) والسّلام بيان شافٍ وحجّة بالغة على من ألحد في صفات الله تعالى حين استشهدوا على قومهم، واحتجّوا عليهم بخلقه، ولم يُمثّلوه بغيره، ولم يصفوه بصفة خلقه. وقال إبراهيم عليه السّلام إذ حاجّه الكافر: { ربّي الذي يُحي ويُميتُ } (5) قال الكافرُ: { أنا أحُي وأميت } (6) ولو أراد إبراهيم (7) أن يحتجّ عليه في ذلك لاحتجّ ولكن أراد (8) حجّة لا يجد عنها محيدا فقال: { فإنّ الله يأتي بالشّمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } (9) إذ أتى بآية لا يقدر البشر أن يأتي بها. ولو أنّ أحدا يفعل مثل أفعال الله تعالى لأشبَهَهُ، لأنّ في اشتباه الفعلينِ اشتباه الفاعلين، تعالى الله عن ذلك عُلوّا كبيرا.
__________
(1) 30) سورة إبراهيم: 04.
(2) 31) سورة الشّورى: 11.
(3) 32) ج: عن.
(4) 33) + من ج.
(5) 34) سورة البقرة: 258.
(6) 35) سورة البقرة: 258.
(7) 36) ج: الخليل.
(8) 37) ج، م: زاد.
(9) 38) سورة البقرة: 258. (1/57)
صفحة 58
وقال موسى [عليه السّلام] (1) لفرعون حين سأله عن ربّه فقال: { ربّنا الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى } (2) وقال: { ربُّ السّماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنينَ } (3) وقال: { ربُّكم وربُّ آبائكم الأوّلينَ } (4) ، وقال: { ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما /[7] إن كنتم تعقلونَ } (5) ولم يقل له: جسم ولا نورٌ، ولم يمثّله (6) بشيء من الأشياء، ولا (7) يحدّ له مكانا دون مكان كما زعمت المشبّهة، كما قال إبراهيم { لا أحبُّ الآفلين } (8) يعني الزّائل المُتنقّل (9) لا يرض أن يكون له ربًّا وإلاهاً. وجاءت الأنبياء كلّهم عليهم السّلام بإفراد الله ونفي الأشباه (10) عنه تعالى، وقد نزّه نفسه عن الشّبه في قوله { سُبحانه وتعالى عمّا يُشركون } (11) . وبلغنا أنّه إنّما (12) نزلت هذه الآية في اليهود (13)
__________
(1) 39) ما بين معقوفتين زيادة من ج.
(2) 40) سورة طه: 50.
(3) 41) سورة الشّعراء: 26.
(4) 42) سورة الشّعراء: 26.
(5) 43) سورة الشّعراء 28. قال أبو عمار عبد الكافي: وهذا ممّا لا يقدرون له على جحود ولا إنكار لأنّها تتطلع لهم في كلّ بكرة وتغيب كلّ عشيّة، فلما أن سمع عدوّ الله (فرعون) ما لا يقدر على دفعه صار إلى المكابرة والمباطشة، فقال: { لئن اتّخذت إلها غيري لأجعلنّك من المسجونين } الشّعراء 29. ففي كلّ ذلك يدلّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ربّه بما ظهر من بدائع أفعاله ممّا لا يقدر متعاط على مثلها ولا منكر على جحودها. انظر في هذا كتاب: شرح الردّ على الجهالات (السّابق)، ص182/183.
(6) 44) م: لا.
(7) 45) ج: ولم.
(8) 46) سورة الأنعام: 76.
(9) 47) ت، ح، م، ر: المنتقل.
(10) 48) ح، ر: الأشياء.
(11) 49) سورة النّحل: 01.
(12) 50) - من ب، وفي ج، م: لمّا.
(13) 51) قارن بما يراه الشّيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره التّحرير والتّنوير للآية المذكورة في سورة النّحل، ج14،ص98..وفي سورة يونس:18، ج11،ص124-125 (1/58)
صفحة 59
حين قالوا للنّبيّ عليه السّلام: إن كنت نبيّا فصف لنا ربّك كيف هو ؟ فقال لهم: فكيف أُمثّل (1) من خلق السّماوات والأرض (2) ؟ فقالوا: لست إذا بنبيّ، وقالوا: بل هو كذا وكذا. فأنزل الله في ذلك (3) قرآنا تكذيبا لقولهم وردّا عليهم: { سُبحانه وتعالى عمّا يُشركون } (4) . وقال: { وما قدروا الله حقّ قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } (5) . يعني ما عرفوه حقّ معرفته، فنسبهم إلى جهله والشّرك به، وأخبر أنّه: { تُسبّح له السّماوات السّبع والأرض ومن فيهنّ } (6) وقال: { وإنّ من شيء إلاّ يُسَبّح بحمده } (7) يريد – والله أعلم بحقيقة التّفسير – أنّ الخلقَ كلّه يدلّ على أنّ الله واحد لا يشبههم ولا يشبهونه بوجه من الوجوه، ولا بمعنى من المعاني وإن دقّ ورقّ، لأنّه (8) لو أشبههم بمعنىً (9) للزمه (10) ما لزم ذلك المعنى من الذّلّ والحاجة (11) ،
__________
(1) 52) ب، م: كيف.
(2) 53) - من: ن. وانظر في هذا الحديث وتفسيره في الجامع الصّحيح (مسند الإمام الرّبيع بن حبيب) السّابق، ص233.
(3) 54) من ج.
(4) 55) سورة يونس: 18. سورة النّحل: 01. لأنّ الصّفة التي كانت منهم شرك . فنزّه الله نفسه عمّا يقولون و يُشركون.
(5) 56) سورة الأنعام:91.وانظر في هذا أيضا الجامع الصّحيح(مسند الرّبيع بن حبيب)،ص233.
(6) 57) سورة الإسراء: 44.
(7) 58) سورة الإسراء: 44.
(8) 59) - من: م.
(9) 60) م: معنى.
(10) 61) م: لزمه.
(11) 62) قال أبو عمّار عبد الكافي: وأمّا الحاجة التي وصف بها الخلق فإنّها ثلاث صفات تحتوي على جميع المخلوقات جسمها وعرضها: الحدث والحاجة، والعجز، فأمّا حدثها فبالصّفات المُحدثة الجارية عليه، ولا ينفكّ منها. وأمّا الحاجة فهي حاجة المُحدث إلى محدث يُحدثهُ لأنّ المُحدث غير منفكّ من أحد ثلاثة أشياء: إمّا أن يكون حدث بغير مُحدث أحدثه، أو يكون أحدث نفسه أو أحدثه غيره... ولمّا كان الخلق ذليلا مقهورا مغلوبا مربوبا..وذلك أنّهم نظروا إلى الخلق فوجدوه ذليلا، فعرفوا أنّ له مذلاّ عزيزا أذلّه و وجده مقهورا فعرفوا أنّ له قاهرا يقهره و مربوبا فعرفوا أنّ له ربا يملكه لأنّ الذّليل المقهور المغلوب المربوب لا يكون عزيزا مُذلاّ لغيره، ولا قاهرا ولا غالبا، ولا ربّا، فكيف يصحّ أن يكون عزيزا ذليلا وعاهرا مقهورا وربّا مربوبا ؟ وهذا محال فاسد. وبهذه المعاني عرفوا أنّ الخالق لا يكون في صفة الخلق. انظر: كتاب شرح [ الردّ على ] الجهالات، بتحقيقنا، ص70 و 84. (1/59)
صفحة 60
وإلاّ بطلت دلالة الخلق على نفسه أنّ له خالقا. والتّسبيح من الخلق هو التّنزيه، والتّنزيه نفي شبههم وصفاتهم، وذلك موجود في اللّغة، تقول: لم يزل الله نفى عن نفسه شبه الأشياء. ويقولون: النّار نفت عن نفسها البرودة، أيّ كذلك كانت حارّة ليست بباردة، ودلّ الفعل/[8] كلّه على أنّه لا يشبهه فاعله، ولو أشبهه لكان الفاعل فعلا والفعل فاعلا والله أبعد أن يشبه فعله وأشدّ خلافا لهم في خلاف بعضهم لبعض، لأنّه قديم وهم محدثون وصفات الحدث عنه كلّها منفيّة. وأمّا ما احتجّوا به من قوله تعالى: { الله نور السّماوات والأرض } (1) وقوله (2) : { يد الله فوق أيديهم } (3) : { تجري بأعيننا } (4) و: { في جنب الله } (5) ونفسه، وأشباه هذا من الآيات المتشابهات (6) والرّوايات عن النّبيّ عليه السّلام، فأغفلوا فيه النّظر وحملوه على غير تأويله وتركوا قول الله عزّ وجلّ: { ليس كمثله شيء } وقوله: { هل تعلم له سميّا (7) } وقوله: { الواحد القهّار } (8)
__________
(1) 63) سورة النّور: 35. ذكر المؤلّف هذه الآية و الآيات بعدها ردّا على المشبهة والمجسمة لأنّه لا يجوز على اللّه عزّ و جلّ أن يقال: إنّه في موضع كذا ولا في موضع كذا من الدّنيا و الآخرة و لا من الجنّة و النّار، ما خلا القول بأنّ الّله في السّماوات وفي الأرض أتباعا لقوله عزّ وجلّ في هذه السورة أوفي سورة الزخرف –84- « وهو الّذي في السّماء إله وفي الأرض إله » وما سوى ذلك من الأماكن والخلق إنّما يقال « إنّه في كلّ مكان » ولا يقصد بذلك ما يوهم التّحديد . أنظر في ذلك بتفصيل أكثر- شرح الرّد على الجهالات (السّبق) ص 383/384.
(2) 64) م: قول الله.
(3) 65) سورة الفتح: 10.
(4) 66) سورة القمر: 14.
(5) 67) سورة الزّمر: 56.
(6) 68) ج: المتشابهة.
(7) 69) سورة مريم: 65.أنظر في تفسيرها وآراء المتكلّمين فيها، كتاب شرح الرّد على الجهالات (السّابق) ص 146.
(8) 70) سورة يوسف: 39. الرّعد: 16. إبراهيم: 48..ص:65. الزّمر: 04. غافر: 16. (1/60)
صفحة 61
وقول النّبيّ عليه السّلام: « من وصف الله بشبه أو مثل لم يعرفه (1) » واعلم أنّ معنى النّور في الّلغة الجارية بين النّاس الذي لا ينكره أحد من أهل اللّغة: الهاد، يقول النّاس للعالم: نور البلاد، والهُدى: نور، وقال الله تعالى: { وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ } (2) وقال: { [الله وليّ الذين آمنوا] (3) يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النّورِ } (4) يعني من الكفر إلى الإيمان.
__________
(1) 71) مسند الربيع بن حبيب: حديث (835) + (836)، ص217-218.
(2) 72) سورة الأنعام: 01.
(3) 73) ما بين معقوفتين سقط من ج، م.
(4) 74) سورة البقرة: 257. (1/61)
صفحة 62
وفي قوله: { مثلُ نُورهِ كَمِشكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } (1) فمثل هذا النّور إلى المصباح ما يدلّ على صواب ما قلنا أنّه الإيمان في قلب المؤمن. ومن كلام النّبيّ عليه السّلام: «احذروا فراسة المؤمن، فإنّه بنور الله ينظر، وكاد أن يُبصر الحقّ بقلبه وإنّ لَمْ يخبر به، ويميّز بين الحقّ والباطل بنور الله الذي أعطى له » (2) وقد سمّى الله القرآن نورا في غير موضع من كتابه، كما سمّاه هدًى ورحمةً.وأمّا ما ذكر من اليد والقبضة (3) فهو [على] (4) الغلبة (5) والقدرة. وقال الله في داوود عليه السّلام والأنبياء عليهم السّلام: { واذكرْ عبدنا داوود ذا الأيدِ } (6) و { أُولي الأيدي والأبصار } (7) /[9] أيّ أولي القوّة في الدّين، والبصيرة فيه. ولا يمدحهم على الجوارح لأنّ كلّ بني آدم لهم الجّوارح. ويقولون: هذا الأمر في يدي وقبضتي، قال الله عزّ وجلّ: { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } (8) وقال: { أو يعفو الذي بيدِهِ عُقْدَةُ النّكَاحِ } (9) واليد أيضا يطلق على المنّة والنّعمة، وقال: { يَدُ الله فَوْقَ أيْدِيهم } (10)
__________
(1) 75) سورة النّور: 35.
(2) 76) لم أتمكن من معرفة هذا الحديث.
(3) 77) حول تفسير الإباضيّة لليد والقبضة واليمين انظر: الجامع الصّحيح (مسند الإمام الرّبيع بن حبيب) (السّابق)، ص233 و 234 و 235.
(4) 78) + من ج، ح، ر، م.
(5) 79) ر: القهر. وفي ج، ح، م،: القهر.
(6) 80) سورة ص: 17.
(7) 81) سورة ص: 45.
(8) 82) سورة البقرة: 283.
(9) 83) سورة البقرة: 237.
(10) 84) سورة الفتح: 10..يردّ المؤلّف على الذين غلطوا في تفسير المتاشبه وتأوّلوه فأخطأوا من حيث لا يشعرون وذلك أنّ المُشبّهةَ تأوّلوا هذه الآية وغيرها من الآيات مثل قوله تعالى: { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسّماوات مطويات بيمينه } (الزّمر: 67) وقوله: { تجري بأعيننا } (القمر: 14) في مثل هذا من متشابه القرآن فحملوه على معنى التّشبيه بغلطهم في معاني اللّغة وما يجوز على الله عزّ وجلّ وما لا يجوز... انظر عن هذا: كتاب شرح الرّدّ على الجهالات (السّابق)، ص328 وما بعدها. (1/62)
صفحة 63
أيّ منّته عليهم أعظم من منّتهم على النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في بيعتهم له. وقال: { يَمُنُّونَ عليك أَنْ أَسْلَمُوا } (1) وقال الله للنّبيّ عليه السّلام: { قل لا تمنّوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم } (2) وفي هذا أُنزلت الآية. وقال النبيّ عليه السّلام: « اللّهمّ لا تجعل عندي يدا بيضاء أحمده عليها، ولا تجعل لمؤمن عندي يدًا سوداء أبغضه عليها » (3) . واليمين أيضا على وجوه، منها: الشّيء نفسه، وهو صلة في الكلام كقوله: { وما ملكت أيمانكم } (4) أيّ ومَا ملكتم. وتخرج (5) على القوّة، وهو قوله: { لأخذنا منه باليمين } (6) أيّ بالقوّة والشدّة. واليمين على الحلف، وهو قوله: { واحفظوا أيمانكم } (7) . فلمّا صحّ عندنا وعندهم أنّ هذا الذي ذكرنا يخرج على غير المعقول في كثير من لغات العرب، نفينا عن الله الشّبه والمعقول كما نفاه عن نفسه. وقال [ النبيّ ] (8) عليه السّلام: « ما من كلام إلاّ وله وجهان فاحملوا الكلام على أحسنه » (9) والجَنْبُ أيضا على المعقول وعلى غير المعقول، وهو الأمر والطّاعة. والمعنى في { جَنْبِ الله } (10)
__________
(1) 85) سورة الحجرات: 17.
(2) 86) سورة الحجرات: 17.
(3) 87) لم أتمكّن من معرفة هذا الحديث.
(4) 88) سورة النّساء: 36.
(5) 89) ج: ويخرج.
(6) 90) سورة الحاقّة: 45.
(7) 91) سورة المائدة: 89.
(8) 92) + من ج، ب، م.
(9) 93) مسند الربيع بن حبيب: ج3/244.
(10) 94) سورة الزّمر: 56. وجاء في التّنزيل العزيز: { أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت في جنبِ الله } (الزّمّر:56)، قال الفراء: الجّنْبُ: القُربُ، وقوله: { على ما فرّطت في جنب الله } أيّ في قرب الله وجواره، ومنه قولهم: هذا قليل في جنب الله أيّ في قرب الله من الجنّة، وقال الزجاج: معناه: على ما فرّطت في الطّريق الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه، وهو توحيد الله والإقرار بنبوّة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - . الخ....انظر لسان العرب، مادّة «جنب ». (1/63)
صفحة 64
أيّ في أمره وطاعته، ولا وجه للكلام غير ذلك، قال الشّاعر:
وفي جنب ما أوليتني من صنيعة ** تقلّ لك العتبى وإن لم تَكلََّمِ (1)
وتقول: المعنى في طاعة الله، ويقولون: هذا كلّه قليل في جنب الله، يعني في طاعة الله، والعين أيضا تخرج على العلم والحفظ، وعلى المعقول،/[10] ومعنى { تجري بأعيننا } (2) أيّ بعلمنا وقال الله تعالى: { ثمّ لا ترونّها عين اليقين } (3) يعني يقينا لا شكّ فيه. ويقولون عيني على فلان وما فعل فلان يعني يريد بعلمه (4) . { ولتُصْنَعَ على عَيْنِي } (5) أي بعلم منّي ومرادي (6) وحفظي، وكذلك { تجري بأعيننا } والنّفس أيضا تخرج على وجهين، منها: نفس منفوسة، والنّفس على الشّيء بنفسه وقال الله تعالى: { ويحذركم الله نفسه } (7) أيّ يحذركم إياه وقيل: عقوبته كما قال: { وجاء ربّك } (8) أيّ وجاء أمر ربّك وقال: { فأتى الله بنيانهم من القواعد } (9) يعني أمره وعقوبته وقال: { ناكسوا رؤوسهم عند ربّهم } (10) أيّ خضوعهم لربّهم يوم القيامة. ولو حمل القرآن على ظاهره لتناقض وتكاذب وقال النّاس للميّت لقيَ ربّه، وصار إلى ربّه ولم يريدوا أنّ ربّهم في القبر!! وقال إبراهيم عليه السّلام: { إنّي ذاهب إلى ربّي سيهدين } (11) أيّ ذهابه (12) إلى حيث أمره ربّه (13) . ويلزم المشبّهة بأن (14) يعرفوا لربّهم (15) موضعا إذا صحّ عندهم أنّه يزول (16) وينتقل.
__________
(1) 95) البيت لعنترة العبسي.
(2) 96) سورة القمر: 14.
(3) 97) سورة التّكاثر: 7.
(4) 98) م: يعلّمه.
(5) 99) سورة طه: 39.
(6) 100) ج: أيّ رؤيتي، ح، ر، م: مرئي والذي أثبتناه من ب وهو يتّفق مع سياق الكلام.
(7) 101) سورة آل عمران: 28.
(8) 102) سورة الفجر: 22.
(9) 103) سورة النّحل: 26.
(10) 104) سورة السّجدة: 12.
(11) 105) سورة الصّافات: 99.
(12) 106) م: ذاهب.
(13) 107) ت: به.
(14) 108) ج ، م : ألا.
(15) 109) ج، م: ربّهم.
(16) 110) بقيّة النّسخ تزيد عبارة (متمكّن). (1/64)
صفحة 65
والوجه أيضا على المعقول وعلى غير المعقول، فغير المعقول: الشّيء نفسه، وقال: { إنّما نطعمكم لوجه الله } (1) أيّ لله لا غيره (2) وقال: { وكان عند الله وجيها } (3) أيّ ذا المنزلة الرّفيعة عنده. وقال: { وجه النّهار } (4) يعني أوّله. وتقول النّاس فيما بينهم: خذ الأمر من وجهه وخذ الكلام من وجهه. ويقولون: هذا وجه الكلام، كما يقولون: نفس الحاجة ونفس الطّريق. وقال في عيسى عليه السّلام: { وجيها في الدّنيا والآخرة } (5) يريد ذا جاه عند الله. وقال: { كلّ شيء هالك إلاّ وجهه } (6) أيّ إلاّ إيّاه. وقيل: إلاّ ما يراد به الله من العمل، فكلّ عمل زائل مضمحلّ إلاّ ما يراد به الله من العمل، الصّالح لقوله: { بلى من أسلم وجهه لله } (7) .
الأصل الثّاني
في القدر (8)
__________
(1) 111) سورة الدّهر: 09.
(2) 112) ج، م: لغيره.
(3) 113) سورة الأحزاب: 69.
(4) 114) سورة آل عمران: 72.
(5) 115) سورة آل عمران: 45.
(6) 116) سورة القصص: 88.
(7) 117) سورة البقرة: 112.
(8) عن القدر: انظر ما كتبه الإباضيّة في: الرّبيع بن حبيب، الجامع الصّحيح، ج1/25. ورأي أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التّميمي (توفّي في خلافة أبي جعفر المنصور)، في القدر ومجادلته مع واصل بن عطاء. في طبقات المشائخ للدّرجيني (السّابق)، ج2/246. الجيطالي: قواعد الإسلام، ج1/31 و 32. محمد بن يوسف اطفيش: الذّهب الخالص، ص22. وكتابه: الجامع الصّغير، طبعة سلطنة عمان سنة 1986، ج1/16 وما بعدها. وكتاب: مقدّمة التّوحيد (ترجمها عن البربريّة أبو حفص عمر بن جميع) بشرح: الشّمّاخي والتّلاتلي. ط2، سنة 1973م. ص32 وما بعدها. (1/65)
صفحة 66
وقد أجمع (1) النّاس/[11] على أنّ الله خالق كلّ شيء وما سواه مخلوق لقوله: { وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا } (2) وقوله: { وخلق كلّ شيء وهو بكلّ شيء عليم } (3) وهذا الإقرار اصل توحيدهم الذي يخرجون به من (4) الشّرك ويدخلون به الإسلام. وقيل للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : ما الإيمان يا رسول الله فقال مجيبا لسائله: « أن تؤمن بالله واليوم الآخر، والملائكة والنّبيّين والقدر كلّه (5) خيره وشرّه أنّه من عند الله» (6) وقال [ - صلى الله عليه وسلم - ] (7) : « كلّ شيء بالقدر حتّى الزّنا والسّرقة » (8) فقال: « اعملوا، فكلّ عامل ميسّر لما خلق له » (9) فنقضت ذلك (10) المعتزلة ومن قال بقولهم من المُزِيلَةِ الذين أزالوا قدرة الله وتقديره وسلطانه، عن أعمال العباد، واكتساب كلّ مكتسب من إنس وجان وَمَلَكٍ وبهيمة، وأعمال أهل الجنّة. وقال بعضهم: إنّ المسبّبات على أفعال العباد مثل ذلك كمثل ما قالوا في أفعالهم. وإنّما ألجأهم إلى هذا – زعموا – نفي التّشريك (11) والتّشبيه، وأنّ الكافر والظّالم والجائر عندهم الفاعل للكفر (12) والجور (13) والظّلم. ومحال – عندهم – أن يكون الفعل من فاعلين. وقالوا (14) : لا يخلو هذا الفعل إمّا أن يكون الله (15) منفردا به، أو يكون العبد منفردا به، أو هما مشتركان فيه، وقالوا: ليس بحكيم من يعذّب [ويذمّ] (16)
__________
(1) ق: اجتمع.
(2) سورة الفرقان: 2.
(3) سورة الأنعام: 101.
(4) ج، ر، ح: عن.
(5) - من: ح.
(6) هذا الحديث أخرجه البخاري: حديث جبريل رقم 50، ورقم 4777. ومسند الرّبيع بن حبيب السّابق، ص201.
(7) + من ح، م، ر.
(8) انظر مسند الربيع بن حبيب (الجامع الصّحيح)، ج1/25 وحديث (796)، ص207.
(9) انظر: البخاري، في باب القدر، ج4/92. مسلم: باب القدر، ج6/87.
(10) 10) - من ج.
(11) 11) ج: الشّريك.
(12) 12) - من م.
(13) 13) ح، ر: للجور.
(14) 14) م: قالوا.
(15) 15) ج: لله.
(16) 16) - من ت.. (1/66)
صفحة 67
عبده على ما فعل به وسوّل لهم الشّيطان حتّى كبر ذلك في أنفسهم.
قلنا لهم وبالله التّوفيق: إنّ الفعل خلا ممّا ذكرتم من الشّركة بين الله وعبده، لأنّه ينسب إلى الله أنّه خلقه وأنشأه ودبّره، وينسب إلى العبد أنّه آمن، وكفر، وتحرّك، وسكن، وصام، وصلّى. ولا ينسب إلى الله بتلك النّسبة وإنّما الشّركة أن ينسب الفعل إلى فاعلين من جهة واحدة، ومثل ذلك أنّه إن عصى هذا أو إن أطاع هذا/[12] أطاع هذا، كما يشتركون في قتل رجل واحد (1) بجماعة، وفي ضربه وجرحه. ويقولون: ملك الإنسان عبده وملكه الله، ولا يقولون مشتركان، كذلك (2) في جميع (3) المملوكات.
__________
(1) 17) - من ح، م، ر.
(2) 18) س: بذلك. انظر عن موضوع الشّركة في باب " مسألة للقدريّة في المعارضة التي يذكرون فيها الشّركة، في كتاب (الموجز) آراء الخوارج الكلاميّة (السّابق)، ج2/47 وما بعدها.
(3) 19) - من م. (1/67)
صفحة 68
وقد خلق الله الحركات ولا يقال يتحرّك، والموت والأمراض ولا يقال مات ولا مرض ولا ينسب إلى [الله] (1) شيء ممّا ينسب إلى العباد فيكونان مشتركان في النّسبة. وأمّا قولهم: لا يعذّب عبده على ما فعل به إلاّ الظّالم الجائر، فإنّا نقول في ذلك وبالله التّوفيق: إنّه لم يعذّب لأنّه خلق، ولا لأنّه فعله فيه ولا دبّره منه، وإنّما عذّبه عليه لأنّه عصى وكفر وتعدّى حدوده، وكذلك (2) إنّما أثابه لأنّه أطاعه وعبده واتّقاه، كما أنّه لم يعذّبه لأنّه علمه منه، ولا لأنّه خلقه، وكذلك الثّواب على هذا الحال مع أنّ الأصل المجتمع عليه نحن وإياهم من قوله: { ليس كمثله شيء } فيه كفاية { لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد } (3) لأنّ في هذه الآية ردّ عليهم ونقضا لقولهم، لأنّ من أخرج شيئا من ملكه وقدرته لم يصفه بحقيقة صفته بل وصفه بالعجز والحاجّة. كما أنّه من أخرج شيئا من إرادته ومشيئته فقد وصفه بالكره والذّلّة، كما أنّه من أخرج شيئا من علمه وإحاطته فقد وصفه بالجهل عندنا وعندهم (4) وفي قوله: { وما تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الله رَبُّ العَالَمِينَ } (5) وقوله: { و لا تقولون لشيء إنّي فاعل ذلك غدا إلاّ أن يشاء الله } (6) ما يثبت أنّه أراد أفعال العباد، وأنّه لم يخرج شيئا من إرادته ومشيئته فيقال لهم كما يقال للثّنويّة (7) : أيّ إرادتين أنفذ (8) إرادة [الله] (9)
__________
(1) 20) - من ت.
(2) 21) م: كذا.
(3) 22) سورة ق: 37.
(4) 23) - من ج.
(5) 24) سورة التّكوير: 29.
(6) 25) سورة الكهف: 23، 24.
(7) 26) ج: المثنويّة. وعن موضوع الإرادة انظر: " باب القول في إرادة الله عزّ وجلّ هل هي صفة الله في ذاته أم فعل من أفعاله ؟ والنّقض على من قال بغير الحقّ في ذلك ". كتاب الموجز لأبي عمّار عبد الكافي الإباضيّ، ج2/72 وما بعدها.
(8) 27) فيما عدات، جاءت (أبعد).
(9) 28) - من ت.. (1/68)
صفحة 69
أم إرادة العبد ؟ إن زعمتم أنّ كلاّ منفرد بفعله وإرادته كما قال من زعم أنّ ثمّ إلاها آخر انفرد كلّ إله بما صنع/[13] وردّ الله عليهم بقوله: { وما كان معه من إله إذا لذهب كلّ إله بما خلق ولعلاّ بعضهم على بعض } (1) وقال: { أمَ جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم } (2) وقال الله [تعالى] (3) لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - : { قل الله خالق كلّ شيء } (4) أخبره أنّ اشتباه الفعلين اشتباه الفاعلين وعلى قياد (5) هذا القول أن يكون العبد نظيرا لربّه، ولا يقال الله واحد ولا ليس كمثله شيء، لأنّ من خرج شيء من ملكه ومشيئته و إرادته فمقهور مغلوب، فمن غلبه وقهره فهو أولى بالرّبوبيّة والألوهيّة منه، تعالى الله عمّا يقولون من إثبات العجز والكراهة علوّا كبيرا.
وقال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - :« لعنت القدريّة على لسان سبعين نبيئا قبلي» (6) وقال:« لكلّ أمّة مجوس ومجوس هذه الأمّة القدريّة » (7) والقدريّة أشبه بالمجوس (8) لنفي المجوس خلق الشرّ عن الله، فزادت عليهم القدريّة نفي الاكتساب كلّه خيره وشرّه.
__________
(1) 29) سورة المؤمنون: 92. وانظر عنها: كتاب شرح الرّدّ على الجهالات (السّابق)، ص429 وما بعدها. ويعني ليس فيهما آلهة إلاّ الله. فقوله عزّ وجلّ على الإنكار لكلّ ما قالوا من ذلك، والحجّة عليهم، يريد أن لو كان هذا كان هذا، وكون جميع ذلك محال...
(2) 30) سورة الرّعد: 16.
(3) 31) من ج، وفي ر، ح، قال تعالى.
(4) 32) سورة الرّعد: 16.
(5) 33) م: وعلى قياس.
(6) 34) انظر الحديث في مسند الرّبيع بن حبيب، ص201 باب الحجّة على من قال إنّ الإيمان قول بلا عمل، حديث رقم769.
(7) 35) أنظر: مسند الربيع بن حبيب، حديث رقم 798، ص207.
(8) 36) ت: بالمجوس. (1/69)
صفحة 70
والقياس الذي يضطرّ سامعه إلى الإقرار به أنّا وجدنا الفعل عرضا من الأعراض ضعيفا لا وجود له ولا بقاء أكثر من حال واحدة وأنّ الكفر منه قبيح مذموم مخالف للإيمان وأنّ العبد لم يرده ولم يقصد إلى أن يكون فعله كذلك ولم يجعله من تلك الجهة، وإنّما قصده وإرادته أن يتحرّك ويسكن، ويؤمن ويكفر بإرادته ومشيئته، فلمّا كان هذا هكذا علمنا أنّ ما خالف إرادته ومشيئته ليس من فعله ولم يبق إلاّ أن يكون الله فعله أو لا فاعل له، فلمّا استحال أن يكون الفعل لا فاعل له صحّ أنّ الله فعله من تلك الجهة وأنّه مريده وشائيه كما استحال أن يكون فاعلا لا مريدا (1) لفعله ولا شائيه.
ووجدنا العبد يضعف عن رفع الخشبة وتسيير السّفينهة [حتّى أرسل الله الرّيح فأعانه فرفع الخشبة وسيّر/[14] السّفينة ] (2) . ودفع الرّيح فعل الله، ولا يقال مشتركان (3) . وإنّما الاشتراك والاشتباه في أعيان الأشياء وصفاتها، تعالى الله أن يكون أحد يشبهه في صفة ولا ذات ولا فعل ويكونان مشتركين فتعالى الله عمّا يشركون علوّا كبيرا (4) .
الأصل الثّالث
__________
(1) 37) جاء في جميع النّسخ (فاعل) وفي ج (جاء بكسرة منوّنة) ولا وجه له هنا. والصّواب هو ما أثبتناه أعلاه وهو أن يكون منصوبا على أنّه جاء خبرا ليكون الواقعة قبله.
(2) 38) ما بين معقوفتين سقط من ج، ر، ح.
(3) 39) انظر في هذا الموضوع ما ذكره الشّيخ أبو خزر يغلا بن زلتاف الوسبانيّ الحامّيّ في كتابه الردّ على جميع المخالفين، في باب الردّ على المعتزلة، ورقة 35 وبعدها ( وقد قمنا بتحقيق هذا الكتاب ودراسته وسيقدّم للنّشر).
(4) 40) قال أبو عمار عبد الكافي الإباضي في كتابه الموجز: « والذي قلنا به في الإرادة هو قول الإباضيّة والزّيديّة والمرجئة والعامّة وما عليه صدر الإسلام، بنقلهم الجملة التي يتوارثونها عن الماضين من الأسلاف " أنّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن " ». انظر ج2/79/80. (1/70)
صفحة 71
في (1) العدل (2)
ومن أصول الدّين بعد التّوحيد والقدر والعدل. والذي (3) اجتمعت الأمّة عليه ونطق به القرآن [وأثبتته الحكمة في العقول أنّ الله عدل لا يجور، وأنّه { لا يظلم الناس شيئا ولكن النّاس أنفسهم يظلمون (4) } ] (5) وقال تعالى: { وما ربّك بظلاّم للعبيد (6) } وقال: { إنّ الله هو الحقّ المبين } (7) والحقّ والعدل واحد. وقال { ليس كمثله شيء } نفى أن يكون يشبهه الجائرون والظّالمون، فنقضت ذلك المجبرة والمجبّلة (8) وهي الزّاعمة أنّ الله جبر العباد وقهرهم على أفعالهم، ليس لهم اكتساب ولا اختيار على الحقيقة وأنّهم مسخّرون كما سخّر الشّمس والقمر، وجري (9) الأنهار, وإحراق النّار والمسخّرات كلّها فنقضوا الأصل المجتمع عليه في أوّل التّوحيد أنّه ليس كمثله شيء وأنّه عدل لا يجور وأنّه { لا يظلم النّاس شيئا ولكنّ النّاس أنفسهم يظلمون } (10) إذ وصفوه أنّه يعذّب من لم يجرم (11) ولم يكتسب ظلما. وهذا هو الجور والظّلم الذي نفاه الله عن نفسه عند جميع الأمّة وجميع من يعقل، وإنّ الظّالم عندهم الجائر العابث من يأخذ أحدا ويعاقبه بغير فعله كما قال يوسف عليه السّلام { معاذ الله أن نأخذ إلاّ من وجدنا متاعنا عنده إنّا إذا لظالمون (12) } فكيف بعذاب الأبد الذي لا فترة فيه ولا راحة ؟ ! تعالى الله عمّا وصفوه به من ذلك علوّا كبيرا.
__________
(1) - من ج، ر، م.
(2) عن أصل العدل عند الإباضيّة، انظر، كتاب الموجز (آراء الخوارج الكلاميّة)، لأبي عمار عبد الكافي، ج1/140 وما بعدها. وج2/80 وما بعدها تحت "باب القول في العدل وفي إثبات العدل والرّدّ على من قال بغير الحقّ في ذلك".
(3) ت: الذي.
(4) سورة يونس: 44.
(5) ما بين المعقفتين سقط من م.
(6) سورة فصّلت: 46.
(7) سورة النّور: 25.
(8) ت: المحيلة ولعلّها المجبلة.
(9) ج: أخرى.
(10) سورة يونس: 44.
(11) 10) ح، ر: يحرّم. م: يحوم.
(12) 11) سورة يوسف: 79. (1/71)
صفحة 72
وتركوا قول الله/[15] تعالى { فنبذوه وراء ظهورهم } (1) كأنّهم لا يعلمون إذ يقول عزّ من قائل في كتابه: { اعملوا ما شئتم } (2) [وقوله: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } (3) وقوله: { جزاء بما كانوا يعملون } (4) و { جزاء بما كانوا يكسبون (5) } ] (6) وقوله: { أدخلوا الجنّة بما كنتم تعملون } (7) وقد أبطلوا الجزاء [والأجر] (8) والأمر والنّهي عن العباد ولا تسبيح لهم ولا عبادة على قياد (9) قولهم، إذ لا فعل لهم ولا اكتساب ولا اختيار، وأنّ من يكلّف ويأمر وينهي من لا فعل له فهو عابث جائر ليس بحكيم ولا عدل.
وبمثل هذا عارضوا توحيدهم وردّوا قول الله عزّ وجل (10) ّ: { ليس كمثله شيء } لأنّ فيه نفيا لجميع (11) العيوب، ولم يزل الله نفى عن نفسه شبه الأشياء بذاته قبل الخبر، ثمّ أخبرنا بما (12) كان عليه من حقيقة ذاته. والحمد لله على ما بصّرنا من دينه، ونسأله (13) أن يجعلنا ممّن اعتصم بحبله واستمسك (14) بالعروة الوثقى.
الأصل (15) الرّابع
__________
(1) 12) سورة آل عمران: 187.
(2) 13) سورة فصّلت: 40.
(3) 14) سورة الكهف: 29.
(4) 15) سورة السّجدة: 17.
(5) 16) سورة التّوبة: 82.
(6) 17) ما بين معقوفتين سقط من ج.
(7) 18) سورة النّحل: 32.
(8) 19) + من ر، وأتت في ب، بعد كلمة النّهي.
(9) 20) ر: قياس. ردّ أبو عمار عبد الكافي (السّابق)، في هذا الموضوع على الجهميّة ومن وافقهم من أصناف المجبرة الذين تأوّلوا الآيات السّابقة وحملوها على الاختيار للعباد فيما فعلوا ولا قصد لهم ولا إرادة فيما أتوا بأنّ الله هو الفاعل لهم جميع ذلك فغلطوا كما يرى أصحاب العقول السّليمة... انظر كتاب شرح الرّدّ على الجهالات بتحقيقنا، ص329.
(10) 21) ب، ر: تعالى.
(11) 22) ر: نفي جميع.
(12) 23) ب، ر: عمّا.
(13) 24) م: ونكله.
(14) 25) ب، ر: وتمسّك.
(15) ر: الفصل. (1/72)
صفحة 73
في الوعد والوعيد (1)
وبالله نستعين [وما توفيقنا (2) إلاّ بالله] (3) . اجتمعت الأمّة على أنّ الله صادق في وعده ووعيده، وأنّه ليس بكاذب والكذب عنه منفيّ عند جميع الأمّة، ولا يُشبه الكاذبين لقوله: { ليس كمثله شيْءٌ } وقوله (4) : { لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ } (5) وقوله: { ومَا يُبدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ } (6) .
__________
(1) انظر في مسألة الوعد والوعيد، كتاب الدّليل لأهل العقول، لأبي يعقوب الورجلاني تحت باب ذكر الوعد والوعيد وحكم أهل التّأويل، ج2/35 وما بعدها وكتاب الموجز (السّابق)، ج2/104-106. وكتاب الوضع لأبي زكرياء الجناوني بتحقيق أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، ط1، الفجالة الجديدة. د.ت ص23 ونفس الكتاب بشرح أبي ستّة القصبي، طبعة حجرية، تونس 1325هـ تحت فصل ذكر الأصول التّسعة التي وقع اختلاف الأمّة من قبلها ومنها تشعّبت الآراء.
(2) ب، ح، م: توفيقي.
(3) ما بين معقوفتين سقط من ر. وجاء عوضا عنه في ج: الوعد والوعيد.
(4) ح، م: ولقوله.
(5) سورة الزّمر: 20.
(6) سورة ق: 29. يرى أبو عمّار عبد الكافي الإباضي أنّ الله منجز وعده ووعيده، ومصدّقهما بتمام ذلك وإمضائه في جميع من وعده وتوعّده لا تبديل لكلمات الله، ولا تحويل لأمره، قال عزّ وجلّ: { لا تختصموا لديّ وقد قدّمت إليكم بالوعيد ما يُبدّل القول لديّ وما أنا بظلاّم للعبيد } (28-29/ق)، وقوله: { جزيناهم ببغيهم وإنّا لصادقون } ، (الأنعام: 146) وذلك أنّ الله عزّ وجلّ وعد قوما وتوعّد آخرين، فجعل وعده الجنّة لأوليائه المؤمنين وجعل وعيده النّار لأعدائه الكافرين. ولن يجوز أن يكون وعده أو وعيده مبدّلا ولا محوّلا ولا مستثنى فيه ولا مرجوعا عنه. انظر الموجز: ج2/105. (1/73)
صفحة 74
فنقضت ذلك [كلّه] (1) [المرجئة والحشويّة والشّكّاك الواقفة " في الحيرة " (2) حين قالوا: إنّ الله توعّد النّار ] (3) لأقوام ولم يدخلوها (4) وهم أهل الكبائر من أهل التّوحيد، وزعموا أنّ ذلك من الله تعالى تفضّلٌ وتكرّمٌ (5) . ومنهم من قال (6) : أمّة محمد لا تعرض على النّار. ومنهم من قال: يدخلونها مدّة معلومة ثمّ يخرجون منها كما قالت سابقتهم، واحتجّوا بقول الله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره } (7) الآية وقوله/[16] تعالى: { إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملا } (8) . ومنهم من قال بفناء الجنّّة والنّار ومن فيهما جميعا بعد الدّخول، وهم الجهميّة أصحاب جهم ابن صفوان (9) الجبري الجامع كثيرا (10) من مساوئ الأقوال. وحكي عنه أنّه قال: له (11) [ بعدله ] (12) أن يفعل في خلقه ما يشاء، له أن يعذّب الطّائعين (13) ويرحم العاصين، ويعذّب أهل العلل والزّمانة (14) والملائكة.
__________
(1) + من ب، ر.
(2) + من ر. وفي ت: الجبرة وفي ج: المجبرة.
(3) ما بين معقوفتين سقط من ب.
(4) 10) ب، م، ر: ولا يدخلوها.
(5) 11) ر: كرم وفضل.
(6) 12) ب، ر: يقول.
(7) 13) سورة الزلزلة: 07.
(8) 14) سورة الكهف: 30.
(9) 15) جهم بن صفوان هو من الجبريّة الخالصة، ظهرت بدعته بترمذ، وافق المعتزلة في نفي الصّفات الأزليّة، وزاد عليهم أشياء كثيرة. وهو أحد تلاميذ الجعد بن درهم الذي قُتل من أجل الزّندقة والإلحاد، وهذا الأخير أوّل من ابتدع القول بخلق القرآن، وتعطيل الله عن صفاته. انظر ذلك بتفصيل أكثر في كتاب الملل والنّحل للشّهرستاني، ج1/ص86 وما بعدها. والبغدادي: الفرق بين الفرق، ص211.
(10) 16) ب، ر، م: لكثير. وفي ح: للكثير.
(11) 17) ب: لله.
(12) 18) + من م.
(13) 19) ب، ر: المطيعين.
(14) 20) ج، ح، ر، ب: الزّمانات. انظر في الردّ على جهم بن صفوان كتاب التّنبيه والرّد على الأهواء... للملطي (السّابق)، من 96 إلى 144. (1/74)
صفحة 75
وأمّا المالكيّة فإنّهم يقولون: لله المشيئة فيهم (1) إن شاء عذّبهم، وإن شاء عفا عنهم، فأيّما فعل من ذلك فهو عدل منه وحكمة، ولكن إن عذّبهم فلا بدّ من إخراجهم من النّار بشفاعة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - [-زعموا- بروايات حكوها عن النّبيّ عليه السّلام] (2) [أنّه قال] (3) : « أعطاني ربّي دعوة فاختبأتها شفاعة لأمّتي (4) . وأجازوا جميعا خُلفَ الوعيد، ولم يُجيزوا خُلفَ الوعدِ.
__________
(1) 21) ب، ر: لله فيهم المشيئة.
(2) 22) - من ح، م.
(3) 23) + من ب. ج: تزيد أنّه (فقط). ر: تزيد قال (فقط).
(4) 24) ورد هذا الحديث في الصّحيحين هكذا: «... إنّ لكلّ نبيّ دعوة مستجابة، وإنّي اختبأتُ دعوتي شفاعة لأمّتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا ». انظر الحديث في أحمد بن حنبل، 05/ 326. 14/ 416، 430، 487. (1/75)
صفحة 76
والمالكيّة أشبه من إخوانهم (1) الشّكّاك الزّاعمين بالشّكّ والوقوف في أهل الكبائر. وقالوا: لا ندري أيّ الأسماء أصابوا، وأيّ المنزلتين (2) نزلوا، ودانوا بالشّكّ فيهم وقالوا: لا يسعنا ولا جميع النّاس إلاّ الوقوف (3) فيهم، وأعظموا على الله الفِرْيةَ، وردّوا عليه ما ذكرنا من آياته ونقضوا الأصل المجتمع (4) عليه (5) نحن وإيّاهم بدءا في أصل التّوحيد والإيمان ونفي الأشباه عنه من أنّه لا يخلف الميعاد، ولا يبدّل القول لديه إلاّ كذّاب، وأنّ عين (6)
__________
(1) 25) ب، ر: بإخوانهم.
(2) 26) ح: المنزلة.
(3) 27) الوقوف عند الإباضيّة هو الإمساك عن الإمضاء. وهو جملة تتفرّع منها ثلاثة فصول: (أحدها) في الأدلّة على فرض الوقوف ووجوبه، و(الثّاني) في حكم الموقوف فيه من الأشخاص، و(الثّالث) في الأفعال الموقوف فيها. وقد جرى في الأحداث التّاريخيّة بين فقهاء الإباضيّة ووقوفهم في مسألة الحارث وعبد الجبّار اللّذين تزعّما الحركة الإباضيّة، حيث انتهى الحكم إلى التّوقّف عن الحكم عليهما. انظر في ما ذكرنا: الجيطالي: قواعد الإسلام، تحقيق بكلي عبد الرّحمان بن عمر، طبعة أولى 1976، ج1/92 وما بعدها. د. عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضيّة، طبعة 1978 بسلطنة عمان، ص141-142. وكتب الطّبقات: الدّرجيني، ج1/22، 24. أبو زكرياء الورجلاني كتاب السّيرة وأخبار الأئمّة، (السابق)، ص61 وما بعدها. ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها، تحقيق تشارلزتوري، نيوهايفن. مطبعة جامعة يبيل 1922م، ص302/324 البرّادي: الجواهر المنتقاة، ص170/171. الشّمّاخي: السّير، ص125. ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر. ط1283هـ، ج6/123. السّلاوي: الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى، طبعة الدّار البيضاء 1954. الورجلاني: الدّليل لأهل العقول، ط/ حجريّة، ج3/240-241.
(4) 28) ر: المجمع.
(5) 29) م: عليهم.
(6) 30) - من ب، ر.. (1/76)
صفحة 77
الكذب عند النّاس الخبر عن الشّيء على خلاف (1) [ما هو] (2) به (3) ، كما أنّ [ الصّدق خبر عن الشّيء على ما هو به، وإن قال بعض الملحدين ] (4) : الصّدق خبر عن محمود عواقبه، والكذب –عنده- (5) خبر عن شيء على خلاف (6) ما هو به إذا كان مذموما عواقبه.
__________
(1) 31) ب، ر: بخلاف.
(2) 32) - من: م.
(3) 33) م، ح: عليه.
(4) 34) ما بين معقوفتين سقط من ج.
(5) 35) - من ح.
(6) 36) ج، ح: بخلاف. (1/77)
صفحة 78
ومذاهبهم دعوى لا يجدون عليها دليلا ولا برهانا، وقد قيل عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - [أنه] (1) قال:(لكلّ أمّة يهود، ويهود أمّتي (2) المرجئة) (3) . وهم/[17] أشبه باليهود في قولهم «لن تمسّنا النّار إلاّ أيّاما معدودة » (4) وفي قولهم: «نحن أبناء الله وأحبّاؤه» (5) وزادت عليهم المرجئة في فناء الجنّة والنّار، وقالوا: لا باقي بغير فناء إلاّ الله الواحد القهّار. وردّوا قول الله تعالى: { خالدين فيها أبدا } (6) وقوله { إنّكم ماكثون } (7) وقوله: { وما هم منها بمخرجين } (8) و { ما هم بخارجين من النّار } (9)
__________
(1) 37) + من ب،و.
(2) 38) ب، ر: هذه الأمة.
(3) 39) لم أتمكن من معرفة هذا الحديث.
(4) 40) سورة البقرة: 80.
(5) 41) سورة المائدة: 18. هذه الآية في اليهود والنّصارى: « وقالت اليهود والنّصارى نحن أبناء الله وأحبّاؤه، قال: فلم يعذّبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء »، قال أبو عمار: ولو كان قوله (لمن يشاء) على ما ذهبوا إليه أنّها كانت لغوا ليست باستثناء أن يكون اليهود والنّصارى مغفورا لهم بغير استثناء، ولا شريطة، ولو كان ما ذهب إليه أهل الإرجاء أنّ ما دون الشّرك مغفور لأهله، غير مؤاخذين به، على حال لكان يجب أن يغفر للمشركين ما دون شركهم من معاصيهم التي هي قتلهم للمؤمنين وسفكهم لدمائهم وأخذهم لأموالهم وقتلهم لأولادهم سفها بغير علم وفعلهم الفواحش وشربهم للخمور وتركهم النّهي عن المنكر الذي لعنوا به على لسان داوود وعيسى بن مريم، فيكون المشركين مغفورا لهم هذه الأفعال وأمثالها من معاصي الله لأنّه قال: { لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك } جميعا على مقالتهم. انظر، الموجز (السّابق)، ج2/115.
(6) 42) سورة التوبة: 22.
(7) 43) سورة الزخرف: 77. انظر في بيان هذه الآية وأمثالها، كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي، ج2/111 وما بعدها.
(8) 44) سورة الحجر: 48.
(9) 45) سورة البقرة: 167.. (1/78)
صفحة 79
وقال: { لهم عذاب مقيم } (1) وقال في الجنّة: { عطاء غير مجذوذ } (2) وقال: { لا مقطوعة ولا ممنوعة } (3) وقال: { أكلها دائم وظلّها } (4) ولم يقل في شيء من الدّنيا مثل ذلك، بل وصفها بالزّوال والفناء، وجعلها دار الغرور و « { هشيما تذروه الرّياح } (5) وكأن لم تغن بالأمس. ولو دام النّعيم فيها ألف سنة كعمر نوح عليه السلام لم يصفها بالبقاء والخلود، ولكن النّاس يقولون (6) بعضهم لبعض: ما أنت بمخلد في الدّنيا ولو طال عمرك. فنقضت المرجئة ما اجتمعت عليه الأمّة من أنّ الله حكيم ليس بعابث، وأنّ العبث عنه منفي في جميع أفعاله، وأنّ من حكمته [أن يجعل] (7) لطاعته كيف تؤتى، وأن يجعل لمعصيته كيف تتّقى بغاية الزّجر عن معصيته، وغاية التّرغيب والتحضيض (8) على طاعته لئلاّ تؤتى معصيته من قبله، ويستخفّ بحقّه وأمره ونهيه من قبله، وأنّ من فعل هذا ليس بحكيم، ولو جاز هذا على الله [لجاز] (9) أن يهملهم ويتركهم سدًى مهملين لا تكليف عليهم على أنّهم عقلاء. ولو جاز هذا لجاز أن يأمرهم ويدعوهم إلى معصيته والفِرْيَةِ عليه، وينهاهم عن طاعته وإجلاله وتعظيمه. ومن فعل هذا فليس (10)
__________
(1) 46) سورة التوبة: 68.
(2) 47) سورة هود: 108.
(3) 48) سورة الواقعة: 33.
(4) 49) سورة الرعد: 35.
(5) 50) سورة الكهف: 45.
(6) 51) - من ب، وفي ج: يقول.
(7) 52) - من ر.
(8) 53) هو من فعل حضض، والحضُّ ضرب من الحثّ في السّير وفي كل شيء. وقال الأزهري: الحضّ الحثّ على الخير. ويقال: حضّضت القوم على القتال تحضيضا: إذ حرّضتهم. وفي الحديث ذكر الحضّ على الشيء جاء في غير موضع، وحضّضه أي حرّضه، والمحاضّة: أن يحثّ كلّ واحد منهما صاحبه. والتحاضّ: التّحاث، وقرئ: ولا تحاضون على طعام المسكين، وقرئت: ولا يحضون، ولا تحضّون، ولا تحاضون. قال الفرّاء: وكل صواب. أنظر مادة «حضض» في لسان العرب، ج7/136.
(9) 54) + من بقية النّسخ. وفي ج: يقول.
(10) 55) ح، م: ليس.. (1/79)
صفحة 80
بحكيم، بل هو سفيه صغير شأنه ملوم مذموم، لأنّ كلّ ما جازت إباحته جاز الأمر به، وكلّ ما جاز الأمر به جاز فرضه ووجوب الثواب عليه/[18] ووجوب العقاب على تركه. ويجوز [النّهيُ] (1) على ما تجوز فيه الإباحة أيضا ووجوب العقاب [عليه] (2) . تعالى [الله] (3) عمّا وصفته [به] (4) المرجئة علوًا كبيرا. ولنا عليهم في هذا أد خال [ والزام كثيرة تركته إرادة الاختصار [و] (5) لأنّي إنّما قصدت في هذا الكتاب] (6) إلى الأصول دون الفروع ؛ لأنّ من عرف أصل الشيء خفّ عليه الفَرع، والحمد لله على هداه وتوفيقه، وعلى ما بصّرنا من دينه.
الأصل الخامس
في المنزلة بين المنزلتين (7)
__________
(1) 56) من ح.
(2) 57) + من بقية النّسخ
(3) 58) + من ب، ج.
(4) 59) + من ب، ر.
(5) 60) + من ر.
(6) 61) ما بين معقوفتين سقط من ب.
(7) يقصد الإباضية بذلك الرّدّ على القول بالمنزلة بين المنزلتين. إذ يقول جمهور متكلميهم أن لا منزلة بين المنزلتين وهو أصل من أصولهم العشرة. يقول القاضي عبد الجبار: « ومعنى قولنا: إنّه كلام في الأسماء والأحكام، هو أنّه كلام في أنّ أصحاب الكبيرة له اسم المؤمن، وإنّما يسمّى فاسقا. وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يُفردُ له حكم ثالث، وهذا الحكم الذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين. فإنّ صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هذان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر ولا منزلة المؤمن، بل له منزلة بينهما »، انظر: شرح الأصول الخمسة (السابق)، ص 697 وما بعدها. (1/80)
صفحة 81
وهو النّفاق، بين الشّرك والإيمان، وقد اجتمعت الأمّة [على] (1) أنّ المنافقين كافرون، وأنّهم في الدّرك الأسفل من النّار، وأنّهم مع النّبيّ والمسلمين في البيوت والدّور يحجّون معهم ويجاهدون معهم كما قال الله عزّ وجلّ: { ومن أهل المدينة مردوا على النفاق } (2) ثمّ بيّن الله منزلتهم في غير موضع من كتابه، فوصف الله النّاس على ثلاثة منازل في قوله تعالى: { ليعذّب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات، وكان الله غفورا رحيما } (3) فوصف المنافقين بذلك (4) فقال: { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } (5) يريد لا إلى المسلمين في الاسم والثّواب والوفاء، ولا إلى المشركين في الحكم والسيّرة والجحود والإنكار.
__________
(1) + من بقية النّسخ
(2) سورة التوبة: 101.
(3) سورة الأحزاب: 73.
(4) - من ب، ج.
(5) سورة النساء: 143. (1/81)
صفحة 82
ونقض (1) هذا الكتاب وهذا الإجماع (2) كثير من الأمّة ممّن زعم أنّهم مُشركون مظهرون التّوحيد كاتمون (3) الشّرك إلاّ الإباضيّة، وفرقة من الزّيديّة (4) والحسنيّة (5) . وقد بيّن الله المنافقين أنّهم إنّما (6) أصابوا النّفاق بخصال شتّى، وإنّما كان أوّل النّفاق في أهل القبلة بتركهم الهجرة فسمّاهم الله منافقين، اسم لم يُسَمِّ به أحدًا من ملل الشّرك، وفيهم نزل: { فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم (7)
__________
(1) - من ح.
(2) ح: الاجتماع.
(3) ح، م: كاتمين.
(4) 10) الزّيديّة فرقة من فرق الشّيعة، ونسبتها تعود إلى زيد بن علي بن الحسين، وهي أقرب فرق الشّيعة إلى السّنّة. وقد تأثّروا إلى حدّ كبير في عقائدهم بالمعتزلة، وأتباع الزّيديّة يوجدون في اليمن الجنوبيّة والشّماليّة، وجنوب الجزيرة العربيّة. ومن فرق الشّيعة الآن: الزّيديّة، الإماميّة، العلويون، الإسماعليّة. انظر: النّوبختي: فرق الشيعة، طبعة دار الأضواء، بيروت- لبنان، سنة1984. د. محمود صبحي: في علم الكلام، دراسة لآراء الفرق الإسلامية في أصول الدين (الزيدية)، ط3، دار النهضة العربية، سنة 1991.
(5) 11) الحسنيّة أو الحسينيّة هم أتباع أحمد بن حسين الإباضيّ، أخذوا الفقه عن ابن عبد العزيز وأبي المؤرج وحاتم بن منصور وشعيّب بن المعرف وغيرهم. انظر: الشّمّاخي: كتاب السّير، بتحقيق ودراسة محمد حسن، طبعة كلّيّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس، سنة1995. ص222. الجيطالي: قواعد الإسلام، (السابق)، ج1/60.
(6) 12) - من ج.
(7) 13) الرِّكْسُ: الجماعة من النّاس، وقيل: الكثير من النّاس، والرّكس شبيه بالرّجيع. وفي الحديث: أنّ النّبيّ، صلّى الله عليه وسلّم أُتيَ بروثٍ في الاستنجاء فقال: « إنّه ركسُ، قال أبو عبيد: الرّكس شبيه المعنى بالرّجيع، يقال: ركست الشّيء وأركسته إذا رددته ورجعته..ومنه الحديث الشّريف: « اللّهمّ أركسها في الفتنة ركْسًا » ومعنى قوله تعالى أركسهم بما كسبوا، قال الفراء: يقول ردّهم إلى الكفر. انظر لسان العرب مادّة (ركس). (1/82)
صفحة 83
بما كسبوا } (1) . اسمٌ/[19] إسلاميّ شرعيّ مأخوذٌ (2) من النّفق، وهو خروج الشّيء من حيث لم يدخل كما يُقال: نفقَ اليربوع إذا خرج من غير بابه. ونفقَ: هلكَ، ونفقت الدّابّةُ، ونفقَ المال: هلك. وأوّل ما سبق من الشّيطان النّفاق حين أبى من السّجود، ثمّ دعا إلى عبادته فصار إبليس شيطانا مريدا مُشركا. ومنَ المنافقين من أصاب النّفاق بأذاءِ (3) النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الصّدقات. { فإن أُعطُوا منها رضوا، وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون } (4) . يطمعونها منهم بتوحيدهم مع المؤمنين، ولو أنّهم مشركون (5) ما طمعوا في الصّدقات ولا يرونها، ومنهم من نافق بمنعه الصّدقة مثل ثعلبة (6)
__________
(1) 14) سورة النّساء: 188.
(2) 15) - من ح، م.
(3) 16) هكذا جاءت في جميع النسخ.
(4) 17) سورة التوبة: 58. يقول المفسرون إنّ الطاعن لم يكن ذا نية حسنة، وإنّما غرضه الحصول على قسط من الصدقات فإن أعطي منها رضي، ويذكر شراح الأحاديث أنّ الواقعة التاريخية التي نزلت فيها هذه الآية وقيل فيها الحديث المشهور، هي قسمة النبي - صلى الله عليه وسلم - غنائم حنين، منصرفة من الجعرانة في ذي القعدة من السنة الثامنة للهجرة. انظر عمار الطالبي: آراء الخوارج الكلامية (الموجز)، السابق، ج1، ص41.
(5) 18) م: مشركين.
(6) 19) هو ثعلبة بن حاطب الأنصاري كان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنصاره الذي طلب من الرسول أن يدعو الله له ليرزقه مالا كثيرا فقال له - صلى الله عليه وسلم - :« ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه » ثم أتاه بعد ذلك ... مرارا والرّسول يمتنع حتّى أقسم له أنه سيعطي كل ذي حق حقه فقال - صلى الله عليه وسلم - : « اللهم أرزق ثعلبة ما قال » فرزق ثعلبة غنما كثيرة لا تحصى أنسته عبادة الله وأداء الزكاة عنها حتّى قيل أنها أصبحت تنمو كما ينمو الدود. وكان قبل ذلك لكثرة ملازمته للمسجد يقال له حمامة المسجد..وهلك ثعلبة هذا في خلافة سيدنا عثمان - رضي الله عنه - . انظر، ابن هشام: السّيرة النّبويّة، طبعة منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، سنة 1993،ج4، ص196. ابن كثير: البداية والنّهاية، طبعة دار الكتب العلميّة، بيروت-لبنان، سنة1988، مجلد3، ج5، ص32. محمد الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، ج10، ص272. (1/83)
صفحة 84
وغيره (1) كما أخبر الله (2) عنه: { ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدّقنّ ولنكوننّ من الصّالحين. [فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه] (3) وبما كانوا يكذبونَ } (4)
__________
(1) 20) في جميع النسخ التي بين أيدينا (تغلبة) وهو تصحيف.
(2) 21) - من بقية النسخ.
(3) 22) - من ر، وجاء في غيرها: إلى قوله.
(4) 23) سورة التوبة: 75-77، وسقط جزء من الآية وهو ما بين قوله تعالى (الصالحين) و (أعقبهم) بعدها. وهذا ما سقط من النص أعلاه: « فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم معرضون » آية 76. قارن بتفسير الشّيخ محمد الطاهر بن عاشور (التحرير والتنوير) ج 10/272. وتفسير الطبري (محمد بن جرير) ج 14 ص 369 وما بعدها بتحقيق محمود محمد شاكر، ط دار المعارف بمصر. ويتفق تفسير محمد الطاهر بن عاشور مع تفسير الشيخ محمد بن يوسف اطفيش في تفسير الآية على أنه من الواجب آداء الزّكاة بطيب نفس أو بالصبر عليه والاحتساب، والضمير في أعقب عائد إلى البخل أي أورثهم، أو إلى عزّ وجلّ أي صير عاقبتهم نفاقا، ولأنّ إسناد أعقاب النفاق إلى البخل بعيد لقوله: « بما أخلفوا الله ما وعدوه »، فإن الإخلاف هو بالبخل، فكأنّه أعقب البخل نفسه. الجواب أنّه نفاق أعقب نفاقا آخر والمعصية تورث معصية... إلى أن يقول: وهذا ظاهر في أن النفاق يطلق في إضمار الشرك مع إظهار التوحيد، وفي الفسق ممن يوحد الله في قلبه ولسانه وقومنا – من الإباضيّة – لما خصّوا النفاق بإضمار الشرك وإظهار التوحيد احتاجوا إلى أن يقولوا: شبّه الفاسق بمن أظهر الشّرك وأظهر التوحيد وإلى أن يقول بعض منهم:« إنّ ذلك في الفاسق الغالب عليه ذلك. وإلى أن يقول بعض ذلك في المنافقين على عهده - صلى الله عليه وسلم - ، وإلى أن يقول بعض ذلك في رجل مخصوص في عهده، وذلك خبط، والحق ما قلت أوّلا». انظر تيسير التفسير، ج5، ص102-104.. (1/84)
صفحة 85
خفيفة الذّال، ومن ثقلها قال المنافقون كذّبوا في الفعل لا في القول، وذلك موجود في اللّغة غير مستنكر، يقولون: فلانٌ شاكٌ (1) مرتابٌ في حملته، مكذّبٌ في حملته. ويقال: كذّب الفارس في جريه إذا لم يصدق في حملته، ولم يَجَدَّ الفَرَسَ في جَرْيهِ. وكذلك المنافق إذا لم يمض عزيمته ولم يجدّ فيها نفسه حتّى يبذل فيها نَفَسَهُ ومَالَهُ ودَمَهُ. ويقولون: كذّب فلان في خبر النّذير حتّى أتاه اليقين، إذا لم يجدّ في الهرب. [و] (2) قال [الشّاعر] (3) :
بَنُو عَمِّهِ دُنْيَا وَعَمْرو بن عَامِرٍ** أُولاَئِكَ قَوْمٌ بَأسُهُمْ غَيْرُ كَاذِبِ (4)
__________
(1) 24) م: الشاك.
(2) 25) - من ح، ر، م.
(3) 26) + من م.
(4) 27) البيت للنابغة الذبياني، وهو من قصيدة في مدح عمرو بن الحرث. (1/85)
صفحة 86
ومنهم: { الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين–إلى قوله –جهدهم } (1) . ومنهم: المخلّفون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد، ورغبوا بأنفسهم عن نفسه: { وقالوا لا تنفروا في الحرّ } (2) [وقال الله [20] لنبيّه عليه السلام] (3) : { قل نار/[20] جهّنم أشدّ حرّا } الآية (4) وعيدا لهم . وقال: { لا يأتون الصّلاة إلاّ وهم كُسالى ولا ينفقون إلاّ وهم كارهون } (5) وقال: { أشحّة على الخير } (6) يعني على الصّدقة والجهاد في [سبيل الله] (7) فبهذا وأمثاله سمّاهم الله منافقين، وأخبر عن صلاتهم وقال: « ولا يأتون الصلاة إلاّ وهم كسالي ». والمشركون لا يُصلّون كسالي ولا نشطى (8) وقال: « { أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم } (9) لم يؤمنوا بتركـ[هم] (10) ما افترض الله عليهم، أي كفروا بذلك، وكلّ ما كفر به الواحد لم يؤمن به [أيضا] (11) فاحبط الله أعمالهم، أي حبط (12) أجر عملهم في غير ذلك. والمشركون ليس لهم عمل يقبل (13) ولا عمل يحبط كما قال: { والذين كفروا أعمالهم كسراب... } إلى آخر الآية (14) وقال في المشركين { أو كظلمات في بحر لجّي... } إلى آخر الآية (15) مع أنّ المنافقين قد أخبر الله عن سرائرهم وما يخفون في ضمائرهم [أي] (16) بقوله: { يَحْذَرُ المُنَافِقُون أن تنزّل عَلَيهم سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بما في قلوبهم } (17) . {
__________
(1) 28) سورة التوبة: 79.
(2) 29) سورة التوبة: 81.
(3) 30) - من ر.
(4) 31) سورة التوبة: 81.
(5) 32) سورة التّوبة: 54.
(6) 33) سورة الأحزاب: 19.
(7) 34) + من: ب، ج، ح، ر، م.
(8) 35) ج: نشاطي. وفي ت، ح،م: نشطا، وهو غير سليم.
(9) 36) سورة الأحزاب: 19.
(10) 37) - من ر.
(11) 38) - من ر.
(12) 39) جاء في بقية النسخ: أحبط.
(13) 40) م تزّيد بعدها: أي كما يقبل من المؤمنين.
(14) 41) سورة النّور: 39.
(15) 42) سورة النّور: 40.
(16) 43) - من ر.
(17) 44) سورة التوبة: 64. (1/86)
صفحة 87
وقالوا لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضّوا } (1) وقالوا: { ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غرورا } (2) أي قالوا: غرّنا (3) الله ورسوله وكان يعدنا كنوز كسرى وقيصر، ونحن لا يقدر أحدنا أن يخرج إلى حاجة الإنسان لشدّة حصران الأحزاب لهم في المدينة.
وقال المؤمنين: { وما زادهم إلاّ إيمانا وتسليما } (4) فأخبر الله تعالى عن ضمائر المنافقين وضمائر المسلمين. ومنهم: الذين { اتّخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا [بين المؤمنين] (5) } ضرا للمسلمين وحرسا (6) لليهود وحميّة كانت لهم في الجاهلية، واتخاذا لجاه عندهم. بهذا اخبر الله عن المنافقين في كتابه وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - . وقال[رسول الله] (7) - صلى الله عليه وسلم - : (ثلاث (8) من كنّ فيه فهو منافق: من إذا حدّث كذّب وإذا/[21] أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف (9) (10) ومثل هذا من الأحاديث عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كثير في المنافق. فليس هو كما قال من قال: إنّ النّفاق هو إظهار التّوحيد وكتمان الشّرك. وجعلوا النفاق شركا لا يتمّ إلاّ (11) بالتوحيد. ولم نعلم شيئا يكون مثل هذا، شيء لا يتمّ إلاّ بضدّه وخلافه، ولا يتمّ بأحدهما دون الآخر مينا (12)
__________
(1) 45) سورة المنافقون: 07
(2) 46) سورة الأحزاب: 12
(3) 47) في ت، ج، ح، ر: أغرنا وهو غير سليم.
(4) 48) سورة الأحزاب: 22
(5) 49) سورة التوبة: 107. وما بين المعقوفتين زيادة من بقيّة النّسخ.
(6) 50) في بقية النسخ: حرصا. وهو تصحيف.
(7) 51) + من ب.
(8) 52) - من ب.
(9) 53) ت، ج، ح: خلف، وما أثبتناه من بقية النسخ.
(10) 54) انظر الحديث في البخاري: إيمان، 24، أدب 69. مسلم بن الحجاج: إيمان 107، 109. مسند الربيع بن حبيب: 4/266.
(11) 55) - من م.
(12) 56) المين هو الكذّب: قال عدي بن زيد:
فقدّدت الأديم لراهشيه ** وألفن قولها كذبا ومينا.
وجمع المين ميون. ومان يمين مينا: كذب، فهو مائن أي كاذب، ورجل ميون وميان كذّاب. وودّ فلان متماين، وفلان متماين الودّ إذا كان غير صادق قال الشاعر:
رويد عليّا جدّ ما ثدي أمّهم ** إلينا، ولكن ودّهم متماينُ .
انظر لسان العرب، مادة «مين». (1/87)
صفحة 88
عظيما. وفي أحكام الله ورسوله في المنافقين ما يبيّن ويثبت أنّهم موحّدون [و] (1) ليسوا بمشركين وفيهم نزلت الحدود بالسياط وقطع يد السارق، والرجم، والقذف، والقتال (2) إن لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم، وترك ما به ضلّوا وزلّوا.
الأصل السّادس
لا منزلة بين المنزلتين (3)
__________
(1) 57) - من ب.
(2) 58) ج: والقتل.
(3) هو ردّ المعتزلة القائلة: كبائرهم فسق وضلال، ليست بكفر، وأسماؤهم فاسقون ضالّون، ليسوا بكافرين، ولا مؤمنين فأثبت هؤلاء منزلة ثالثة ليست بإيمان ولا كفر، وادّعوا اسما ثالثا، لا مؤمنا ولا كافرا. وانظر ردّ أبو عمار عبد الكافي الإباضي في كتابه الموجز (السّابق)، تحت عنوان " باب في التّسمية لأهل الكبائر من أهل الملّة والردّ على من قال بغير الحقّ من ذلك ". ج2/116 وما بعدها. ومن المتأخرين: محمد بن يوسف اطفيش: الذّهب الخالص (السّابق)، ص89-92. على يحي معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة الأولى، ص89-92. (1/88)
صفحة 89
وذلك أنّ معناهم لا منزلة بين المنزلتين: أي بين الإيمان والكفر، وهما ضدّان كالأضداد كلّها شبه الحركة والسكون والحياة والموت. وقد أجمعت (1) الأمّة في أصلهم على أنّ من (2) ليس بمؤمن فهو كافر لقول الله تعالى: { خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن } (3) وقوله: { إمّا شاكرا وإمّا كفورا } (4) وقوله عن سليمان عليه السلام: { ليبلوني (5) أأشكر أم أكفر } (6) وقال: { فمنهم شقيّ وسعيد } إلى آخر الآية (7) . وقال: { كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حقّ عليهم الضّلالة } (8) يعني سعداء وأشقياء. وقال: { يوم تبيض وجوه وتسودّ وجوه [فأمّا الذين اسودّت وجوههم، أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقوا العذابَ بما كنتم تكفرون، وأمّا الذين ابيضّت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها] خالدون } (9) وقال في موضع آخر: { وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة مستبشرة، ووجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها قترة، أولئك هم الكفرة الفجرة } (10) ومثل هذا في القرآن كثير وفي سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وفي لغة العرب أنّ (11) من ضيع شكر نعم (12) الله [فقد] (13) كفر نعمته وذلك موجود في أشعارهم، قال الشّاعر:
__________
(1) في بقية النسخ: اجتمعت.
(2) - من ب.
(3) سورة التغابن: 02.
(4) سورة الإنسان: 03.
(5) - من ت.
(6) سورة النمل: 40.
(7) سورة هود: 105.
(8) سورة الأعراف: 30.
(9) سورة آل عمران:106 وما بين معقوفتين ساقط من بقية النسخ وجاء بدله:إلى قوله: خالدون.
(10) 10) سورة عبس: 38-42.
(11) 11) ب، ر: على أن.
(12) 12) م: نعمة.
(13) 13) + من ب، ر. (1/89)
صفحة 90
نُبِّئْتُ عَمْرًا غير شاكرِ نِعْمَتِي ** والكُفْرُ مخْبَثَةٌ لنفسِ المُنْعِمِ (1)
/[22] وفي خطبهم (2) ومخاطبتهم.
__________
(1) 14) هذا البيت لعنترة العبسي، انظر شرح ديوان عنترة، تحقيق عبد المنعم عبد الرؤوف شلبي بلا تاريخ، طبعة مصر ص 152. والمعلقات ص 282. ويعني بالكفر الكفران، وهو الجحود، والمخبثة: أي المفسدة، يعني كفر النعمة يفسد قلب المنعم على المنعم عليه. وهذا البيت استشهد به صاحب لسان العرب، (مادة خبث) واستشهد به ابن رشيق القيرواني صاحب العمدة في محاسن الشعر وآدابه. بتحقيق الدكتور محمد قرقزان، طبعة1. دار المعرفة بيروت لبنان. سنة 1988م، ج2/483.
(2) 15) في ر: خطابهم. (1/90)
صفحة 91
فنقضت ذلك (1) المعتزلة (2) ومن قال بقولهم إنّ أهل الكبائر ليسوا بمؤمنين ولا كافرين، وأنّهم فاسقون في النّار مخلدون إلاّ طلحة والزبير. ومثل هذا كثير من اختلاطهم وتناقض مذهبهم، فثبتنا على الأصل المجتمع عليه (3) نحن وإيّاهم على أنّ من ليس بمؤمن فهو كافر، وأنّ الكفر ضدّ الإيمان كالحياة والموت، ولا يخرج من أحدهما إلاّ دخل في الآخر. ولو جاز أن يخرج من الكفر ولم يدخل في الإيمان لجاز أن يخرج من الثواب والجنّة ولا يدخل في (4) النّار، ولا يكون من أحدهما وهو مكلف صحيح العقل، فيكون لا شقيّا ولا سعيدا، ولا موحّدا ولا مشركًا، ولا صالحًا، لأنّ هذه هي الأضداد التي لا ينفكّ عنها (5) النّاس. وقد قال الله تعالى: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } (6) فوعد للمؤمنين الجنّة، وأوعد النّار للفاسقين (7) .
__________
(1) 16) ب: ذلك كلّه.
(2) 17) م: المرجئة.
(3) 18) - من ب.
(4) 19) - من ح.
(5) 20) ب، ر: منها.
(6) 21) سورة السجدة: 18.
(7) 22) ج، للفاسقين النّار، وفي ح، م: للفاسق النّار. وهنا تنقطع النسخة (ر)..وردّ أبو عمار عبد الكافي في شرحه للجهالات على المعتزلة التي غلطت غلطا شديدا في تسمية الفاسق أنّه في منزلة بين المنزلتين وأنّهم خالفوا الفرع والأصل، وذلك أنّ الإيمان هو ضد الكفر، والهدى ضد الضلالة والرشد ضدّ الغيّ، والصّلاح ضدّ الفسق، والفجور ضدّ البّر كما أن مؤمنا ضدّه كافر، ومحسنا ضدّه مسيء، ومهتديا ضدّه ضال، وبارّ ضدّ فاجر، فزعمت المعتزلة أنّ ضدّ مؤمن فاسق، فأمّا كافر فضدّه عند المعتزلة موحّد، فغلطوا كما ترون ولو جعلوا عوض كافر في مضاددة موحد مشركا لكان اقرب لهم إلى الهدى، فحينئذ يكون ضدّ كافر مؤمنا كما قلنا، وأمّا اعتلال حجتهم بهذه الآية، فلا أعلم لهم في كتاب الله حجةّ أوثق في أنفسهم من هذه الآية، وهذا أيضا غلط من غلطاتهم فليس في أنْ سمّاه الله فاسقا ما يزيل عنه اسم كافر، كما أنّ من سمّاه كافرا فليس ذلك يزيل عنه أن يسمّى فاسقا، فكيف لا نفرق بين كافر وفاسق في شيء من الأشياء، ولا في اسم من الأسماء. انظر الشرح (السابق) ص 314. (1/91)
صفحة 92
فلو جاز أن يكون فاسقا مُخلّدا في النّار وليس بكافر لجاز أن يكون كافرا وليس بفاسق، ولجاز أيضا أن يكون مؤمنا مخلّدا في الجنّة وليس بمسلم متّق، وقال الله تعالى: { أفنجعل المسلمين كالمجرمين. ما لكم كيف تحكمون } (1) فردّ هؤلاء كتاب الله فجعلوا المسلمين فجّارا، والمؤمنين فسّاقا. والمعتزلة أشبه بالمرجئة، وهم منهم خرجوا، وهم (2) جلساء (3) الحسن (4) وحسبنا الله ونعم الوكيل.
الأصل السّابع
في الأسماء والصّفات (5)
__________
(1) 23) سورة القلم: 35-36.
(2) 24) ج، ح، م: هما.
(3) 25) ب: جالسوا.
(4) 26) هو الحسن البصري المعتزلي، تابعيّ وإمام أهل البصرة، فقيه وفصيح، توفّي بالبصرة نحو 110هـ/728م. انظر عنه: الأعلام، للزّركلي (السّابق)ج2/226.
(5) في هذا الأصل انظر أيضا، الموجز (السّابق)، ج1/429-430. الورجلاني: الدّليل لأهل العقول، ج1/37-39. أبوخزر يغلا بن زلتاف الوسياني: كتاب الرّدّ على جميع المخالفين، نسخة مرقونة على الآلة الكاتبة ص..... وانظر كتاب شرح الشّيخ عمر التّلاتلي على أصول الدّيانات للشّيخ عامر بن علي الشّماخي، طبعة حجريّة بدون تاريخ، ص81. (1/92)
صفحة 93
اجتمعت الأمّة [على] (1) أنّ للّه الأسماء والصّفات، ونطق به القرآن وجاء به الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، أنّ الله عزّ وجلّ هو إلاههم وربّهم وخالقهم ورازقهم، كما ذكر في كتابه لهم فقال: { [هو] (2) الله الذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب والشّهادة – إلى قوله: الحكيم (3) } . وبلغنا /[23] - والله أعلم – عن ابن عبّاس رحمه الله (4) أنّه قال (5) : إذا قرأ هذه الآيات قال: أخبرنا ربّنا عن أسمائه في أزليّته (6) . فنقضت هذا ومثله الفرقة الملحدة في أسماء الله وصفاته، في زعمهم أنّها مخلوقة كانت بعد إذ لم تكن، وأنّها ألفاظ العباد وتسميتهم وأوصافهم لله، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
__________
(1) + من ج، ح.
(2) + من ب.
(3) سورة الحشر: 22-24.
(4) ج: رضي الله عنه.
(5) أثبتتها جميع النّسخ ما عدا (ب)، وإسقاطها أولى، إلاّ أن يكون فاعل قال التّالية رسول الله.
(6) ج، ح، م: أسمائه الأزليّة. (1/93)
صفحة 94
قلنا لهم وبالله التّوفيق: لا يخلو (1) هذا الخبر الذي أخبرنا الله به (2) أعن نفسه أم عن غيره ؟. فإن قالوا أخبرنا الله عن ذلك (3) كما كان في نفسه فهو الذي نقول، فنفوا عن (4) الله الكذب، وهو الخالق البارئ المصوّر كما وصف الله نفسه في أزليّته. وإن (5) قالوا أخبرنا عن غير ذاته، أو (6) أخبرنا عن خلاف ما هو به، وهو قياد مذهبهم اثبتوا له الكذب إذ كان مخبرا عن الشّيء على خلاف ما هو فجعلوه متغيّرا من حال إلى حال، ومن صفة إلى صفة، كالصّبيّ يكون يافعا ثمّ يصير بالغا (7) ثمّ شابّا، ثمّ كهلا ثمّ شيخا وساكنا (8) في حال، ومتحرّكا في أخرى، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. فإن تجاهلوا عن هذا وتجاسروا عليه بان خطؤهم، وأشركوا بالله العظيم وساووه (9) بصفات (10) الجسم الذي ينتقل من صفة إلى صفة. وليس هذا من قول أهل التّوحيد، لأنّ الشّيء الموجود الموصوف هو الشّيء المتسمّى لا يسبق صفاته وأسماءه، وأنّ أسماء المتسمّى من صفاته تشتقّ وتوجد، لأنّك إذا قلت: له علم، أثبته عالما، وإذا وصفته بالقدرة سمّيته قادرا. وكلّ اسم يوجب الصّفة، وكلّ صفة توجب اسما، فعلى هذا المعنى كانت الأسماء، إلاّ ما منعه النّاس من تسميتهم الكامل بتسمية الشّنيعة (11)
__________
(1) في جميع النّسخ: يخل. بإسقاط حرف العلّة، وهو خطأ لغوي.
(2) هكذا في جميع النّسخ، ويبدو أن في العبارة بعض الغموض.
(3) ب، ج: ذاته.
(4) 10) م: على.
(5) 11) ب، م: فان.
(6) 12) - م: وأخبرنا.
(7) 13) - من م.
(8) 14) من ب.
(9) 15) ب: ما رووه.
(10) 16) م: بهيئات.
(11) 17) ب، م: الشّيعة، ولا محلّ له هنا. والشّنيعة هي من الشّناعة، وهي الفظاعة والقبح. وأمرٌ أشنع وشنيع: قبيح، تقول رأيت أمرا شنعت به شُنعا أيّ استشنعته قال الشّاعر:
فوّض إلى الله الأمور، فإنّه ** سيكفيك، لا يشنع برأيك شانع.
أيّ لا يستقبح رأيك مستقبحٌ. انظر مادّة " شنع " في لسان العرب لابن منظور. (1/94)
صفحة 95
وتسمية/[24] النّاقص باسم الكامل، مثل أن يسمّوا البهائم بأسماء الكمال، ويسمّوا الله بأسماء الشّنيعة، وهذا ممّا اتّفق عليه النّاس ومنعته اللّغة فأبوه في حال من الأحوال. وأمّا من حدثت إليه الأسماء والصّفات فهو محدث إذ لا يسبقها، فمن لم يسبق الحدث فحدث مثله، فمن كان غير موصوف ولا متسمّى فهو لا شيء، وليس هو بمعنى من المعاني، ولا شيء من الأشياء، بل هو عدم وبطلان، مع أنّه لا تحدث صفة لموصوف إلاّ نفت صفة قبلها بحدوثها، والمنفيّة (1) الفانية محدثة، فيصير ذلك إلى ما لا منتهى له ولا غاية، أو يكون الموصوف بالحدث مثله.
والرّدّ عليهم كالرّدّ على الدّهريّة الذين يزعمون أنّ الجواهر (2) قديمة وصفاته من الأعراض محدثة، مع أنّ صفات الموصوف لا تعدوه ولا تكون في غيره فلو جاز أن تحلّ في غيره لكان الذي حلّت فيه أولى أن يوصف بها. ولو جاز أن يوصف القديم بصفة محدثة لجاز (3) أن يوصف المحدث بصفة قديمة. وهذا عين الشّرك بالله، ونهاية الفساد. ولنا في هذا حجج كثيرة تركناها مخافة أن يطول بها الكتاب، ويكثر بها اللّفظ.
__________
(1) 18) م: المنفعة.
(2) 19) هكذا في ج، م وفي بقيّة النّسخ: الجوهر. وحقيقة الجوهر عند البرّادي: هو المتحيّز. أمّا الجسم فهو المنقسم على أصول القوم وهو المتحيّز على أصول الإباضيّة ولا فرق بينه وبين الجوهر، والمتحيّز منقسم وبيان ذلك أنّ الجهة الموالية الشّرق غير الجهة الموالية الغرب وذلك في سائر الجهات ولا يتقرّر عند الإباضيّة متحيّز غير منقسم وإن صغر ودقّ. انظر رسالة في الحقائق طبعة ضمن مجموع خمس رسائل، طبعة حجريّة بالجزائر، د.ت، ص34.
(3) 20 ) - من م. (1/95)
صفحة 96
ونقض هؤلاء ما اجتمعنا عليه من [ أنّ ] (1) الله قديم لم يزل، وأنّه ليس كمثله شيء، وأنّه لا تنوبه الأحداث، ولا تتعاور عليه الدّهور والأزمان. وأمّا من زعم منهم أنّ أسماء الله ألفاظ العباد، وتوحيدهم له، وصفاته أوصاف منهم له، فَيُسْأَلُون عن وصفهم له خالقًا ورازقًا وساخطًا وراضيًا، وأشباه ذلك من الأسماء التي ينسبونها إلى الفعل، أهي على ما وصفوه به [من ذاته أو (2) على خلاف ما وصفوه به] (3) ؟ فإن قالوا: على خلاف ما وصفوه به أقرّوا على أنفسهم بالكذب على الله والافتراء عليه. وإن/[25] قالوا: هو على ما وصفناه به كان في ذاته، فهو الذي نقول ولا يقولونه، وقد كبر في أنفسهم أن يصفوا الله خالقا ورازقا وساخطا وراضيا في أزليّته، ويشرّكون من وصفه بذلك، فيسألون الدّليل على أنّ أسماء الله وصفاته (4) ألفاظهم، ولا يجدون عليه دليلا ولا برهانا في كتاب الله ولا في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا في إجماع الأمّة، ونقضوا هم جميع ما اجتمعت عليه الأمّة، لأنّهم أجمعوا أنّ أسماء ربّهم اللهُ، الرحمانُ، الرّحيمُ، البارئ، المصوّر، وأنّه لا يكون قولا ولا فعلا. وأسماء الأشياء كلّها على أربعة أوجه:
أسماء البنية التي بنيت عليها طبيعة الشّيء، مثل: جسم، ومحدث، وأشباه ذلك. [وأسماء استحقّها الشّيء بمعنى حلّ فيه، وتداول عليه مثل حيّ وميّت ومتحرّك وساكن] (5) . وأسماء استحقّها بخواتم عمله وما تصير إليه عاقبته، مثل: مؤمن وكافر. وأسماء لَقَبٍ يلقّبها النّاس بعضهم بعضا وينزعونها إن شاءوا ولا معنى لها تتعلّق إليه، بل هي معارف بينهم وأسماء الله تعالى [ هي ] (6) أسماء ذاته، لا يقال استحقّها لأفعال فعلها تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
__________
(1) 21) + من ب، م.
(2) 22) في م: وعلى.
(3) 23) ما بين معقوفتين زيادة من ب، ج، م.
(4) 24) - من ب.
(5) 25) ما بين معقوفتين سقط من ب.
(6) 26) + من ب، ج، م. (1/96)
صفحة 97
وأمّا أسماء أبدان المؤمنين والكافرين – الذين (1) استحقّوها بأفعالهم وما تصير إليه عاقبتهم – الذين اختلف فيهم النّاس، وكثر فيهم التّنازع فسأذكر لك فيها إن شاء الله تعالى (2) ما فيها الجزاء والغنى لمن أراد الله إرشاده وتوفيقه وما توفيقنا إلاّ بالله.
__________
(1) 27) - من م.
(2) 28) - من ب، م. (1/97)
صفحة 98
واعلموا رحمكم الله أنّ أصل ما اختلفت فيه النّاس وكثر فيه التّنازع (1) ، الأخبار الواردة من الله إلى عباده، فبعضهم يحملون أخبار الله على الخصوص وبعضهم يحملونها (2) على أخصّ/[26] الخصوص وآخرون يحملونها على ما يجوز ويمكن، وآخرون وقفوا (3) إذا كان يمكن كذا أو يمكن كذا. وزعموا وجوّزوا على الله أن يُخفى مراده على عباده في خبره ويكون ذلك ترغيبا ومصلحة لخلقه (4) ، زعموا أنّ كلّ خبر جاء من الله على العموم فهو على عمومه حتّى يأتي ما (5) يخصّه إمّا في نفس الآية أو في آية أخرى تدلّ على خصوصه (6) أو جاء في السّنّة ما يخصّها أو اجتمعت الأمّة على خصوصها ممّا أوجبته اللّغة والعقول. فنظرنا في قول الله عزّ وجلّ: { وجنّّة عرضها السّموات والأرض أعدّت للمتّقين } (7) وقال: { ومن يعمل من الصّالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه } (8) وقال: { لا يضيع أجر المحسنين } (9) [وقال: { الله يحبّ المحسنين } ] (10) وقال: { إنْ أولياؤه إلاّ المتّقون } (11) ومثال هذا كثير في وعده للمسلمين وقوله: في أهل النّار { أعدّت للكافرين } (12) ، { وإنّ المسرفين هُم أصحاب النّار (13) } وقال: { لا يهدي القوم الظّالمين } (14) وقال: { لا يهدي القوم الكافرين } (15) وقال: { لا يهدي القوم الفاسقين } (16) [ وقال ] (17) { ألا إنّ الظّّّالمين في عذاب مقيم } (18)
__________
(1) 29) ج: النّزاع.
(2) 30) ب، م: يحملها، ج: يحملوها.
(3) 31) ج: نفوا.
(4) 32) م: لحقه.
(5) 33) م: بما.
(6) 34) م: خصوصا.
(7) 35) سورة آل عمران: 133.
(8) 36) سورة الأنبياء: 94.
(9) 37) سورة يوسف: 90.
(10) 38) سورة آل عمران: 148 وما بين معقوفتين زيادة من ب، م.
(11) 39) سورة الأنفال: 34.
(12) 40) سورة آل عمران: 131.
(13) 41) سورة غافر: 43.
(14) 42) سورة آل عمران: 86.
(15) 43) سورة التّوبة: 37.
(16) 44) سورة التّوبة: 24.
(17) 45) زيادة منّا يقتضيها سياق الكلام.
(18) 46) سورة الشّورى: 45.. (1/98)
صفحة 99
والكافرون هم الظّالمون ومثل هذا من الوعيد كثير لا يحصى.
فنظرنا في هذا الوعد والوعيد والأسماء التي سمّى (1) الله بها أهل الجنّة وأهل النّار فإذا هي لمن مات على الإيمان أو لمن مات على الكفر، لا لمن أوفى بالإيمان ولم يمت عليه بل بدّل وغيّر، ولا لمن كفر ثمّ تاب من بعد كفره وظلمه، بإجماع لا تنازع فيه. وقد بيّن الله ذلك في غير موضع من كتابه، فلمّا صحّ عندنا وعند غيرنا، أنّ الله صادق في جميع ما يقول، في وعده ووعيده، ولا تبدوا له البداوات، وأنّ البداوات (2) من صفات الجهل، لأنّ ذا (3) البداوات إن ظهر له ما خفي عنه قبل ذلك فيعمل على ما ظهر له ويترك الذي كان عليه أوّلا تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. فلمّا صحّ هذا علمنا أنّ الله/[27] لم يزل مواليا (4) لأوليائه ومعاديا لأعدائه لقوله عزّ وجلّ: { إنّ الله عدوّ للكافرين } (5) وقال في إبليس: { أبى واستكبر وكان من الكافرين } (6) فسمّاهم كافرين من قبل أن يكونوا فأوعد لهم (7) النّار وكتب ذلك في اللّوح المحفوظ وحتّم في علمه قبل أن يكون، وقال في المسلمين: { والله وليّ المتّقين } (8) وقال: { إنْ أولياؤه إلاّ المتّقون } (9) فلمّا صحّ هذا كما قلنا صحّ أنّ المؤمن هو المتّقي، والمتّقي هو المسلم والمسلم هو البارّ وهو الصّالح إذ (10) صحّ وعده لهم بالجنّة وجمع لهم أسماء أهلها، وسمّاهم بها قبل أن يكونوا، وقبل أن يفعلوا الإسلام. وكلّ اسم لا يدخل صاحبه الجنّة إلاّ به فهو اسم لبدنه.
__________
(1) 47) ب: يسمّى بها.
(2) 48) - من ب.
(3) 49) - من م، وفي ت، ح: ذلك، وما أثبتناه من ب، ج.
(4) 50) - من ب. وحقيقة الولاية عند البرادي (السّابق) حبّ الوليّ وتصويب أفعاله. وحقيقة البراءة بغض المرء وتخطئة أفعاله. انظر رسالة في الحقائق، ص39.
(5) 51) سورة البقرة: 98.
(6) 52) سورة البقرة: 34.
(7) 53) ب: فأوعدهم.
(8) 54) سورة الجاثية: 19.
(9) 55) سورة الأنفال: 34.
(10) 56) - من م. وفي ب: إذا. (1/99)
صفحة 100
يعني أنّه لا يزايله ولا يتحوّل عنه كما قال الله: { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن } (1) وقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : « الشّقيّ شقيّ في بطن أمّه » (2) [ وهو الكافر والظّالم والفاسق، والذي أوعد الله له النّار] (3) ووعدها له.
وكلّ اسم لا يدخل (4) النّار إلاّ به فهو اسم لبدن الكافر (5) فهو اسم لا يزايله ولا يتحوّل عنه وقد سمّاه قبل أن يكفر كما ذكرناه (6) أوّلا. وأنّ الله لم يزل مواليا لأوليائه ومعاديا (7) لأعدائه، وأنّ حبّه ورضاه وولايته، وجوب الثّواب [ لأوليائه وأهل طاعته وهي صفة من صفاته وهي حتم في علمه فلم يزل الله موجبا لهم الثّواب ] (8) ، وكذلك عداوته وبغضه وسخطه ووجوب العقاب لأعدائه، وهي صفة من صفاته، لم يزل الله عالما، بخواتم عمل العباد، وما تصير إليه عاقبتهم، فوالى الله المسلمين على ما علم منهم من خاتمة أعمالهم [وعادى (9) الكافرين على ما علم منهم من خاتمة أعمالهم ] (10) . ولو أنّ منّا من علم ما علم الله من خاتمة أعمالهم، ولو رأينا وعلمنا/[28] منهم عملا دون ذلك وخلافه فلا (11) يجوز لنا أن نخالف الله فيما ظهر لنا وأخبرنا به لأنّه الصّادق العالم بغيب الأشياء.
__________
(1) 57) التّغابن: 02.
(2) 58) ورد الحديث في ابن ماجه: مقدّمة 7. والدّارمي:مقدّمة 23. وأحمد بن حنبل2، 176.
(3) 59) ما بين معقوفتين سقط من ج.
(4) 60) ب: تدخل.
(5) 61) ب: الكفر.
(6) 62) ب، م: ذكرنا.
(7) 63) في ت، ج، ح: معاد.
(8) 64) ما بين معقوفتين سقط من ج.
(9) 65) ما عدا (ب) جاء: وعاد.
(10) 66) ما بين معقوفتين سقط من ج.
(11) 67) ب: بل. (1/100)
صفحة 101
وكيف يجوز لنا أن نحبّ ونرضى وندعو لمن علم (1) أنّه من أهل النّار، أو نبرأ ونبغض ونعادي من علم (2) أنّه من أهل الجنّة وندعو له بالنّار ؟ فهذا لا يجوز ولا يستقيم في وهم أحد يعقل، وكيف، والله عزّ وجلّ علاّم الغيوب، أن تتقلّب عداوته وَوَلاَيَتَهُ بتقلّب الأحوال من العباد والأعمال، ويواليهم إذا علم منهم الإيمان اليوم، ويعاديهم إذا علم منهم الكفر غدا بعد الإيمان، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
ولو سألت هؤلاء الذين يزعمون أنّ وَلاَيَةَ الله وعداوته وبغضه وسخطه ورضاه مخلوقة، وهي من صفات فعله فلا يقدرون أن يأتوك بشيء يوضّحونه ويثبتونه أنّه صفته فلا يأتون به أبدا (3) .
__________
(1) 68) ب، ج: نعلم.
(2) 69) ب، ج: نعلم. وحقيقة الولاية عند الإباضيّة: حبّ الوليّ وتصويب أفعاله، وحقيقة البراءة: بغض المرء وتخطئة أفعاله. انظر رسالة الحقائق (السّابق) للبرّداي، ص39.
(3) 69*) انظر عن مسألة الولاية والبراءة الأصل التّاسع الآتي بعد هذا، وهو أصل من أصول الإباضيّة المتّفق عليها بينهم. (1/101)
صفحة 102
فإن قالوا: هو الوعد والوعيد، فالوعد والوعيد لا يتبدّلان (1) عندنا وعندهم. فإن قالوا: هو التّسمية، فقد سمّى المسلمين مسلمين وسمّاهم مؤمنين (2) قبل أن يؤمنوا [ ويسلموا ] (3) على ما وصفنا في قوله: { هو سماكم المسلمين من قبل (يعني في الكتاب الأوّل) وفي هذا (يعني في القرآن) } (4) وقوله: { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات – إلى قوله – لَوْ تَزَيَّلُوا لعذّبنا الذين كَفَرُوا منهم عذابًا أليمًا } (5) يعني لو ميّز بين المؤمنين الذين علم منهم أنّهم يؤمنون، وبين الكافرين الذين علم أنّهم لا يؤمنون لعذّب الكافرين منهم، فميّزوا يوم بدر فعذّبهم.
__________
(1) 70) ب: يبدّل
(2) 71) ب: المؤمنين
(3) 72) + من ب.
(4) 73) سورة الحجّ: 78. والضمير في قوله تعالى: { هو سمّاكم المسلمين } عائد إلى الجلالة كضمير «هو اجتباكم » فتكون الجملة استئنافا ثانيا. أي هو اجتباكم وخصّكم بهذا الاسم الجليل فلم يعطه غيركم ولا يعود إلى إبراهيم و (قبل) إذا بني على الضمّ كان على تقدير مضاف إليه منويّ بمعناه دون لفظه. والاسم الذي أضيف إليه (قبلُ) محذوف: وبني (قبل) على الضمّ إشعارا بالمضاف إليه. والتقدير: من قبل القرآن. والقرينة قوله: (وفي هذا)، أي وفي هذا القرآن. أي وسمّاكم المسلمين في القرآن. (انظر تفسير الشيخ محمد الطّاهر بن عاشور: التّحرير والتنوير، ج 17/315).
(5) 74) سورة الفتح: 25. والتّنزيل: مطاوع زيّله إذا أبعده عن مكان وزيّلهم، أيّ أبعد بعضهم عن بعض، أيّ فرّقهم قال تعالى: « فزيّلنا بينهم » وهو هنا بمعنى التّفرّق والتّميّز. والمعنى: لو تفرّق المؤمنون والمؤمنات عن أهل الشّرك لسلّطنا المسلمين على المشركين فعذّبوا الذين كفروا عذاب السّيف. وهذا التّفسير موافق لتفسير الإباضيّة. انظر:التّحرير والتّنوير، للشّيخ محمد الطّاهر بن عاشور، ج26، ص192. (1/102)
صفحة 103
وقال لنوح عليه السّلام: { يا نوح اهبط بسلام منّا وبركات عليك وعلى أمم ممّن معك } (1) فلمّا سلّم الله على من لم يكن وسمّاهم مؤمنين قبل أن يؤمنوا، وأمم ممّن لم يكن يومئذ في صلب نوح عليه السّلام، صحّت (2) لهم وَلاَيَته/[29] التي والاَهم قبل أن يكونوا، وثبت لهم اسم الأولياء. وكذلك الكافرون (3) عاداهم قبل أن يكونوا، وأوجب لهم اسم الأعداء، وهي أسماء أبدانهم لا تزايلهم، وقد سمّى الله العباد كلّهم بأسمائهم عنده، وليس لهؤلاء ملجأ يلجئون إليه إلاّ الرّجوع (4) لقول المعتزلة والجهميّة والرّافضة الذين يزعمون أنّ الله تبدو له البداوات، ولا يعلم شيئا (5) حتّى يكون، فوصفوه بالجّهل والتّغيير (6) والكذب، فلزمهم من الضلالة ما لا يجدون عنها محيصا، والحمد لله على منّه وإحسانه إلينا، وعلى ما هدانا له من الدّين القيّم، والصّراط المستقيم والدّين الخالص.
الأصل الثامن
في الأمر والنّهي (7)
وبالله نستعين، وعليه نتوكّل، وإليه نرغب في العصمة من الزّلل والخطأ والخطل (8) ،
__________
(1) 75) سورة هود: 48
(2) 76) ب: صحّ
(3) 77) م: الكافرين.
(4) 78) ب: أن يرجعوا.
(5) 79) ب: الشيء.
(6) 80) ب: التغير.
(7) معناهم في ذلك طلب الإتيان بالطّاعة التي هي فعل المأمورات وترك المنهيات. والنّهي طلب الكفّ عن المعصيّة التي هي فعل المنهيات وترك المأمورات وفعلهما معا. وهو واجب على المكلّف مع البلوغ أن يعلم أنّ الله سبحانه أمر بطاعته وأوجب عليها ثوابا، ونهى عن معصيته وأوجب عليها عقابا. انظر في هذا بتفصيل أكثر في كتاب: شرح الشّيخ عمر التّلاتلي (السّابق) على أصول الدّيانات، ص80. وكتاب: قواعد الإسلام للجيطالي، ج1/40. وغير ذلك كثير من كتب متكلّمي الإباضيّة.
(8) الخطل: خفة وسرعة، خَطِلَ خَطْلاً فهو خِطْلٌ وأَخْطَل. والخاطل: الأحمق العجلُ، وسهم خطل: يعجل فيذهب يمينا وشمالا لا يقصد قصد الهدف، قال الشاعر:
هذا لذاك وقول المرء أسْهُمُه ** منها المصيب ومنا الطائش الخطل
... والفعل من كل ذلك خطل خطلا، وهو أخطل. قال الشاعر:
لمّا رأيت الدّهر جمّا خَبَلهُ ** أخطل، والدّهر كثير خطله.
وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (فركب بهم الزّلل وزيّن لهم الخطل) والخطل: المنطق الفاسد. انظر مادة (خطل) في لسان العرب. (1/103)
صفحة 104
ونعوذ بالله من مضلاّت الفتن.
وقد اجتمع (1) النّاس أنّ الله آمر بطاعته وراغب (2) فيها بغاية التّرغيب، وناه (3) عن معصيته وزاجر (4) عنها بغاية الزّجر ونهاية التّرهيب، وفرض على عباده الأمر بطاعته والنهي عن معصيته، وجعل ذلك من أوثق عرى الإسلام وأوكد فرائض الدّين وأضيقها على عباده وأدومها على القدر من القوّة، وأعظمها أجرا وأجلّها نفعا في الدنيا والآخرة، بهما يقمع الله الظّالمين، ويعزّ بهما الدّين وتكون كلمة الله هي العليا، وتكون كلمة الذين كفروا هي (5) السّفلى، وجعل على من تركها الذّل والصّغار، وجعل من مات الدّينُ على يديه ينتقم الله منه ما انتقص الإسلام من أوّله إلى آخره، وفرض الله جهاد المشركين (6) والمنافقين والتغليط عليهم حتّى يزدجروا أو يفيئوا كما قال الله لنبيّه عليه السّلام: { جاهد الكفّار والمنافقين وأغلظ عليهم/[30] [ ومأواهم جهنّم ] (7) } (8) وبيّن ذلك وفسّره.
وجهاد المشركين بالدّعوة والسّيف والقتل والسّبي والغنيمة، والجزية لأهل الكتاب إذا أذعنوا، والمجوس مثل ذلك، ولا يحلّ منهم غيرها. ويحلّ من أهل الكتاب الثلاثة: الجزية، ونكاح الحرائر منهم وأكل ذبائحهم. وقيل لها جزية لأنها أجزت عنهم من القتل، وقيل: الجزية، العطية (9) .
__________
(1) ب، م: أجمع.
(2) ب، ج، م: رغب.
(3) م: نهى.
(4) م: أزجر.
(5) - من ب.
(6) ب، م الجهاد في المشركين.
(7) ما بين معقوفتين سقط من ب.
(8) سورة التحريم: 09.
(9) 10) الجزية في لسان العرب: خراج الأرض، والجمع جِزًى وجِزْيٌ. وجزية الذمّي منه، قال الجوهري: والجزية ما يؤخذ من أهل الذمّة... وهي عبارة عن المال الذي يعقد الكتابيّ عليه الذّمة وهي فعلة من الجزاء كأنها جزت عن قتله، ومنه الحديث: ليس على المسلم جزية. انظر مادّة « جزي ». (1/104)
صفحة 105
وأمّا المنافقون فإنّهم يُجَاهدون بالسياط في الحدود، وفيهم نزلت الحدود من جلد الزّاني، وقطع يد السّارق من الحرز وإن بغوا وأظهروا نفاقهم أو منعوا حقوق الله لأئمّة المسلمين قُتِلوا كما قال الله تعالى: { فقاتلوا التي تبغي حتّى تفئ إلى أمر الله } (1) أيْ يرجعوا إلى ما منه خرجوا من الحقّ ولم يجعل الله لقتالهم غاية، إلاّ الفيء إلى أمر الله كما قال الله في المشركين أصحاب الأوثان: { وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة } (2) أيّ شرك { ويكون الدّين كلّه لله } (3) ولم يجعل لقاتلهم (4) [ نهاية ] (5) دون الإسلام.
__________
(1) 11) سورة الحجرات: 09.
(2) 12) سورة البقرة: 193. وقال أبو عمار في تفسيرها: أي ويعود الدّين لله ويصير دين الله عزّ وجلّ ظاهرا. انظر كتاب شرح الردّ على الجهالات، بتحقيقنا، ص431.
(3) 13) سورة الأنفال: 39.
(4) 14) ب، ج، م: لقتالهم.
(5) 15) + من ب، ج، م. (1/105)
صفحة 106
وعمل النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، والخليفتان من بعده، أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بما أمرهم الله به من ذلك حتّى أتاهم اليقين وألحقوا (1) بالله، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، وقد سئلوا الموادعة و المداهنة (2) فأبوا إلاّ الجهاد و القتال في سبيل الله حتّى ألحقوا بالله رضي الله عنهم. وقال أبو بكر رضي الله عنه: « إنّي (3) لمحقوق بقتالكم (4) في قلّة و (5) كثرة ما دام السّهم المَرِيشُ (6) على فُوقِهِ، حين ارتدّت العرب وأبَوْا إمارته ورضي بعضهم أن يقيموا الصّلاة ولا يؤتوا الزّكاة فأبى ذلك لهم. فمن رغب عن سيرتهم وطريقتهم خاب من ثوابهم وأولاه الله نولّه ما تولّى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، /[31] كما قال: { ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نُولِهِ ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيرا } (7) .
فنقض هذا الأصل المجتمع عليه من الكتاب والسنّة من النّبيء - صلى الله عليه وسلم - ، والمهاجرين والأنصار، من زعم أنّه لا يجوز السيّف والقتال في أهل القبلة.
__________
(1) 16) ب، ج: لحقوا.
(2) 17) هكذا في جميع النسخ. ولعلّه المهادنة.
(3) 18) - من ب.
(4) 19) ب، ج، م،: بقتالهم.
(5) 20) م: أو.
(6) 21) يقال طائر راش: نبت ريشه، وراش السّهم ريشا وارتاشه: ركب عليه الرّيش. وفي حديث عمر رضي الله عنه قال لجرير بن عبد الله، وقد جاء من الكوفة: أخبرني عن النّاس، فقال هم كسهام الجعبة منها القائم الرّائش. أي ذو الريش اشارة إلى كماله واستقامته. وفي حديث أبي جحيفة: أبري النبل وأريشها أي أعمل لها ريشا، يقال منه: رشت السّهم أريشه، وفلان لا يريش ولا يبري أي لا يضر ولا ينفع. والرّيش بالفتح: مصدر راش سهمه يريشه ريشا إذا ركب عليه الريش ورشت السهم: ألْزَقْتُ عليه الرّيش، فهو مريش أي ليس له شيء. انظر مادّة « ريش » في لسان العرب.
(7) 22) سورة النساء: 115. (1/106)
صفحة 107
ومن زعم أنّ الإمارة والإمامة ليس (1) بفريضة (2) ، ومن جوز تحكيم الحكمين، والرّضا بالقضية والموادعة، وترك قتال البغاة دون الفيء إلى أمر الله، والله أعلم، وردّ كتاب الله وسنّة نبيّه إيثارا للدّنيا والرّكون إليها، واستخفافا لأمر (3) الله، وحبّا للرّاحة، والجبن عن (4) قتال عدّو الله لمّا ثقل عليهم الأمر، وعظمت المحنة، وقامت الحرب على ساقها { ليمحّص الله الذين آمنوا، ويمحق الكافرين } (5) ليعلم المخلص من الكافر ويخرج أضغانهم ويميّز الخبيث من الطيّب، كما قال: نعوذ بالله من مضلاّت الفتن.
وعقد الإمامة فريضة عندنا بفرض الله الأمر والنهي، والقيام بالعدل وأخذ الحقوق من مواضعها ووضعها في أهلها الذين أمر الله بهم. وقال الله عزّ وجلّ: { خذ من أموالهم صدّقة تطهرهم- الآية } (6) { واعلموا أن ما غنمتم فإنّ لله خمسه وللرّسول - الآية (7) } وما بيّن في غير هذا من الآي. وقال: { وأنْ تقوموا لليتامى بالقسط } (8) . وأنّ تحكموا بالعدل بين النّاس.
__________
(1) 23) ب، م: ليستا.
(2) 24) ب: بمفروضة.
(3) 25) ج: بأمر.
(4) 26) ب: من.
(5) 27) سورة آل عمران: 141. وأصل الآية «وليمحّص...».
(6) 28) سورة التوبة: 103.
(7) 29) سورة الأنفال: 41.
(8) 30) سورة النساء: 127. (1/107)
صفحة 108
والدّليل أيضا على فرضها: سفك الدّماء عليها ممّن طعن أو عصى أو أبى إمامته، والإمام إن أبى أن يقبل الإمامة إذا رفعها إليه المسلمون قتلوه ونظروا (1) في غيره. وقد أمر عمر رضي الله عنه أهل الشّورى بذلك. وأمر به أبو عبيدة/[32] مسلم ابن أبي كريمة رضي الله عنه (2) .
ولمّا كانت الفرائض الكثيرة المجتمع عليها لا تتمّ إلاّ بها صّح أنّها فريضة مثلها لأنّ كلّ فرض لا يتمّ الفرضُ إلاّ به (3) فهو فرض مثله، وأعظم منه: مثل وظائف الصلاّة التي لا تتمّ إلاّ بها فهي فرائض، مثل تطهير الثّياب والأجساد وأشباه ذلك كثير، وإنّ تضييع الأمر والنّهي كبيرة وكفر بالله من كتابه وسنّة نبيه عليه السّلام. فمن كتاب الله قوله تعالى: { لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } (4) وقال: { من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } "والظّالمون" و "الفاسقون" (5) . وقال: { إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّنّاه للنّاس في الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاّعنون } (6) أي من أجل ذلك.
__________
(1) 31) ت، جـ، ح: انظر.
(2) 32) ج، ح، ت: عنهم. وهو من بني تميم (ت، حوالي 150هـ)، أخذ العلم عن جابر بن زيد وإليه انتهت رئاسة الإباضيّة بعد موت جابر بن زيد، وتخرّج على يده رجال حملة العلم، وصار مرجعا تُشدُّ له الرّحال... انظر عنه: كتاب السّير للشّماخي: ص83. الدّرجيني: طبقات، ج2/238 إلى 248. الزّركلي: الأعلام، ج7/222.
(3) 33) ب: بعمله.
(4) 34) سورة المائدة: 78 – 79.
(5) 35) سورة المائدة 44،45، 47.
(6) 36) سورة البقرة 159. (1/108)
صفحة 109
وقال عليه السلام: « السّاكت عن الحقّ كالنّاطق بالباطل» (1) وقال - صلى الله عليه وسلم - : « الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر جندان من جنود الله فمن نصرهما نصره الله، ومن خذلهما خذله الله » (2) . والمخذول كافر.
وقال الله: { خذ العفو وآمر بالعرف (3) } وقال: { كنتم خير أمة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } (4) فدلّ الله على أنّ الأمر والنّهي من الإيمان به، وجعلهم بهما خير أمّة، ولا يكونون خير أمّة إلاّ بخير العمل. وقال: { ولْتَكُنْ منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } (5) وهما أعظم الفرائض. والحمد لله على هداه.
الأصل التّاسع
في الوَلاَيَة والبراءة (6)
وبالله التّوفيق والعصمة.
__________
(1) 37) لم أتمكن من معرفة هذا الحديث.
(2) 38) لم أتمكن من معرفة هذا الحديث.
(3) 39) سورة الأعراف: 199.
(4) 40) سورة آل عمران: 110.
(5) 41) سورة آل عمران: 104.
(6) حقيقة الوَلاَيَة عند البرّادي: حبّ الولي وتصويب أفعاله. وحقيقة البراءة: بغض المرء وتخطئة أفعاله (انظر رسالة في الحقائق: ص 39. وانظر في هذا الموضوع بتفصيل أكثر: كتاب قواعد الإسلام. للجيطالي (السّابق)، ج1/45 وما بعدها، وكتاب مقدمة التّوحيد لأبي حفص عمر بن جميع، (السابق)، ص 91-102 وكتاب الوضع (مختصر في الأصول والفقه) لأبي زكرياء يحي الجناوني(السّابق). ص 32-33. وكتاب معالم الدين: تأليف الشيخ عبد العزيز الثّميني المصعبي، طبعة 1986، ج2/114 إلى 125. وكتاب ( الإباضية في موكب التاريخ ) لعلي يحي معمر، الحلقة الأولى تحت عنوان الولاية والبراءة والوقوف، ص 84-87. (1/109)
صفحة 110
اتفقت الأمّة على أنّ ولاية المسلمين وحبّهم والرحمة لهم والاستغفار لهم فريضة لقول الله عزّ وجلّ/[33]: { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } (1) وقال: { رحماء بينهم } (2) وأنّ براءة الكافرين وبغضهم وعداوتهم فريضة واجبة لقول الله عزّ وجلّ: { لا تتولّوا قوما غضب الله عليهم } (3) وقال: { ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم } (4) وقال: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله - الآية } (5) . وقال: { لا يَتَّخِذِ المؤمِنُونَ الكافِرِينَ أولياء من دون المُؤْمِنينَ } (6) وقال إبراهيم عليه السلام: « إنّا براء منكم [وممّا تعبدون من دون الله]» (7) وقال:«فلمّا تبيّن له أنّه عدوّ لله تبرّأ منه» (8) . وقال الله [تعالى] (10)لنبيّه [عليه السلام] (9) : «فإن عَصَوْكَ فقل إنّي بريئ ممّا تعملون» (10)
__________
(1) سورة محمد: 19.
(2) سورة الفتح: 29.
(3) سورة الممتحنة: 13.
(4) سورة المائدة: 51 أي من يوافقهم ويساعدهم ويواليهم على ما هم عليه فذلك منهم. والبراءة هي مخالفة الفاعل والتّبرّي منه، قال الله تعالى لرسوله عليه السلام: « فإن عصوك فيما تأمرهم به وتنهاهم عنه فقل إني بريء ممّا تعملون » (الشعراء: 216) أي متبرئ منكم ومن أعمالكم مخالف لكم غير موافق. انظر شرح متن الرّدّ على الجهالات، لأبى عمّار عبد الكافي، (السابق) ص 210.
(5) سورة المجادلة: 22.
(6) سورة آل عمران: 28.
(7) سورة الممتحنة: 04. وما بين معقوفتين زيادة من ب.
(8) سورة التّوبة: 114.
(9) 11) + من ب.
(10) 12) سورة الشّعراء: 216. وفسّرها أبو عمّار عبد الكافي في شرح " الرّدّ على الجهالات (السّابق)" فقال: أي متبرّئ منكم ومن أعمالكم، مخالف لكم غير موافق..ثمّ قال في آخر كتابه المذكور: وهذه الآية تدلّ على الذي يذهب إليه أصحابنا ومن وافقهم في ولاية الأشخاص، وضدّ البراءة هي الولاية، وضدّ الولاية هي البراءة كما ذكر " تبغورين" صاحب الكتاب، وهما متضاددان في الموالي والمعادي ولا يكون وليّا عدوًّا في حال واحدة. انظر، ص210 و 229. (1/110)
صفحة 111
فبراءته من العمل براءة من العامل. ومثل هذا كثير في كتاب الله.
فنقض هذا الأصل المجتمع عليه من زعم أنّ وَلاَيَةَ الأشخاص الذين رأينا منهم خيرا وصلاحا، ورضينا بهما عنهم ليست بفرض – زعموا- بل هي عندهم بدعة. وكذلك قالوا في البراءة ممّن علمنا منه كفرا وكبيرة وفسادا ؛ لا تجوز عندهم منه البراءة. (1/111)
صفحة 112
قلنا لهم وبالله التوفيق: أليس الأصل المجتمع عليه عندنا وعندكم، الذي وجبت به علينا ولاية المسلمين والرّضا عنهم ووجبت (1) [به] (2) حقوقهم وعدالتهم، الوفاء (3) بدين الله (4) ومعرفة ذلك منّا لهم ؟ وكذلك البراءة من الكافرين بمعرفتنا منهم الكفر والفساد ؟ فلا بدّ من نعم. قلنا لهم: وكذلك (5) يحقّ ويجب علينا متى ما رأينا الفعل الذي أوجب (6) علينا البراءة أوّلا تبرّأنا من فاعلها، وإلاّ بطلت الحجج والعلل، كما أن (7) نؤمن بالأنبياء كلّهم، فإذا قامت الحجّة علينا بنيئ باسمه لم يسعنا إلاّ أن نؤمن به قصدا ومفروزا كما لزمنا في الجملة أوّلا. وكذلك/[34] غيرهم من المسلمين المنصوصين المعصومين وغيرهم، إذا حلّ التفسير لم تغن الجملة. فينبغي على قياد (8) قولهم أن يبطلوا العدالة والرّضا عند (9) كلّ (10) أحد، وجواز الشهادة، إذ (11) النّاس عندهم كلّهم سواء، فما فضل المؤمن المتقي على الجبّار الفاسق ؟ وقد بيّن الله في محكم كتابه فضل ما بينهم فقال: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (12)
__________
(1) 13) م: وجبت.
(2) 14) + من ج.
(3) 15) – من م.
(4) 16) - من ب.
(5) 17) – من م.
(6) 18) ح: وجب.
(7) 19) ج: أنا.
(8) 20) م: قياس.
(9) 21) ج: عن.
(10) 22) - من ب.
(11) 23) ب, م: إذا.
(12) 24) سوره السّجدة:18. قال أبو عمار عبد الكافي ردّا على المعتزلة في غلطها في الأسماء التي سمّى الله بها الكفّار حيث أجازوا منها على أهل الوعيد بعضا وخالف فرعهم أصلهم، وذلك أنّ الإيمان هو ضدّ الكفر والهدى ضدّ الضلالة، والرّشد ضدّ الغي، والصّلاح ضدّ الفسق، والفجور ضدّ البرّ، كما أنّ مؤمنا ضدّه كافر، ومحسنا ضدّه مسيء، ومهتديا ضدّه ضال، وبار ضدّه فاجر. فزعمت المعتزلة أنّ ضدّ مؤمن فاسق، فأمّا كافر فضدّه عند المعتزلة موحّد، فغلطوا كما ترون، ولو جعلوا عوض كافر في مضاددة موحّد مشركا لكان أقرب لهم إلى الهدى فحينئذ يكون ضدّ كافر مؤمنا كما قلنا والله أعلم..وأمّا اعتلال حجّة المعتزلة بهذه الآية، فقد جاء بعدها « أمّا الذين آمنوا وعملوا الصّالحات فلهم جنّات المأوى نُزُلا بما يعملون وأمّا الذين فسقوا فمأواهم النّار» قال: فلا أعلم لهم في كتاب الله حجّة أوثق في أنفسهم من هذه الآية، وهذا أيضا غلط من غلطاتهم إذ ليس في أسماء الله فاسقا ما يزيل عنه اسم كافر...الخ... انظر كتاب شرح الرّدّ على الجهالات، بتحقيقنا، ص313-314. (1/112)
صفحة 113
} وقال: { أفنجعل المسلمين كالمجرمين، مالكم كيف تحكمون } (1) وقال: { أم نجعل المتّقين كالفجّار } (2) وأمثالها كثير [من الآي] (3) فجعلتهم (4) المرجئة والحشوية كلّهم سواء، فلزمهم أن يجيزوا شهادة الزّناة (5) لقوله: { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } (6) ، لأنّ الزّناة عندهم مسلمون مؤمنون يتولّونهم ولا يلعنونهم، ولا يبرأون منهم.
ولو جاز أن يدخل الفاسق الجنّة بعدما وعد الله له النّار وأوعدها له لجاز أن يدخل المؤمن المتّقي النّار بعدما وعد الله له الجنّة، لأنّ الإيمان موجب للجنّة، كما أنّ الكفر والفسق (7) موجبان للنّار (8) وإلاّ بطلت الأضداد والخلاف، لأنّ كل ّما يوجبه الضدّ فلا بدّ أن يوجب ضدّه ضدّ (9) ذلك الشّيء الذي أوجب ضدّه. فلمّا أوجب الكفر به (10) والفسق النّار، أوجب الإيمان والتّقى الجنّة، كما أنّ الاستطاعة توجب الفعل وتوجب الزمانة الاضطرار، وكذلك الحياة والموت، والحرارة والبرودة، لا يجتمعان أبدا.
__________
(1) 25) سوره القلم: 35 – 36.
(2) 26) سوره ص: 28.
(3) 27) + من ج.
(4) 28) ب: فجعلتها.
(5) 29) ب، م: الزّانية.
(6) 30) سورة النّور: 02.
(7) 31) حقيقة الفسق عند البرّادي: الخروج من الإيمان. تقول العرب: فسقت الرّطبة إذا تفقأ عنها قشرها وخرجت منه. أمّا النّفاق فهو الخروج من غير المدخول منه واشتقاقه من النّافقاء وهو باب مستخفّ يلتجئ إليه اليربوع ويخرج منه إذا ضاق عليه الأمر، كذلك المنافق يدخل في الإيمان من التّوحيد ويخرج منه بالمعاصي. (انظر رسالة في الحقائق ص 43.).
(8) 32) م: النّار.
(9) 33) - من ج.
(10) 34) - من ب، ج، م. (1/113)
صفحة 114
والولاية عندهم لمن رضوه لدنياهم، وكذلك[ البراءة واللّعنة (1) عندهم لمن أسخطهم في دنياهم وليس للولاية و] (2) البراءة عندهم أصل ولا معنى ولا يعرفون غير ذلك، فأكثر ذلك ممّا ينقض قولهم من الكتاب والسّنّة، ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى [ومن الحيرة بعد الفهم والبصيرة] (3) ، والحمد لله على ما علّمنا وبصّرنا/[35] من دينه.
الأصل العاشر
في الأسماء والأحكام (4)
وبالله التّوفيق،
__________
(1) 35) في ب: السّنّة.
(2) 36) ما بين معقوفتين سقط من م.
(3) 37) + من ب، ج، م.
(4) هي عند الإباضيّة: الألفاظ الحسنة التي أطلقها الله تعالى على عباده وخاطبهم بها الدّالة على المعاني الحسنة كالمؤمنين والمتّقين والمفلحين وأصحاب الجنّة وأولياء الله وأحبّاؤه. والألفاظ القبيحة التي أطلقها الله على عصاة عباده الدّالة على المعاني القبيحة كالكافرين والفاسقين والخاسرين وأصحاب النّار والمشركين. والأحكام أي الأمور المحكوم بها على العباد كالولاية والبراءة والسّبي والغنيمة والقتل والجزية...الخ. انظر: شرح عمر التلاتي على أصول الدّيانات للشّمّاخي (السّابق)، ص81/82. (1/114)
صفحة 115
اتّفقت الأمّة على [ أنّ أحكام الله وأحكام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسنّته في النّاس، وأحكام المهاجرين والأنصار ] (1) حين ابتلوا بعد النّبيّ عليه السّلام فحكموا في أهل الأوثان بالقتل والسّبي والغنيمة حتّى يؤمنوا بالله ورسوله وبما جاء به أنّه الحقّ من عند الله، وحكموا في المجوس بمثل ذلك حتّى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن ذلّ وصَغَارٍ (2) ولم يحلّوا (3) غير ذلك منهم من ذبيحة ونكاح الحرائر (4) من نسائهم. وحكموا في أهل الكتاب (5) بالثّلاثة: أن يُقَاتَلُوا حتّى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن ذُلٍّ (6) وصَغَارٍ وهم صاغرون (7) فتحلّ منهم الجزية ونكاح الحرائر منهم كما ذكرنا في صدر الكتاب. وأمّا أهل الكبائر من أهل الإقرار ففيهم نزلت الحدود [ و ] (8) في الزّاني والقاذف وشارب الخمر، والقطع للسّارق، والرّجم للمحصن الزّاني، وقتل الفئة الباغية حتّى تفيئ إلى أمر الله، وقد بيّن الله أحكام هؤلاء كلّهم وأسماءهم (9) في القرآن، وفي سنّة رسول الله كما ذكرنا.
__________
(1) ما بين معقوفتين سقط من ب.
(2) في ب، م: يد وهم صاغرون.
(3) ب: يجعل.
(4) ب: حرائر نسائهم.
(5) ت: الكتب الثّلاثة. و ما أثبتناه من: ب، ج، م.
(6) ب، م: عن يد وهم.
(7) - من ب.
(8) - من ب، م.
(9) وسمّاهم. (1/115)
صفحة 116
وقال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - :« أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالو[ها] (1) فقد حقنوا منّي دماءهم وأموالهم [وسبي ذراريهم] (2) إلاّ بحقّها » (3) قيل: " وما حقّها يا رسول الله ؟ قال: « زنى بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل النّفس التي حرّم الله» (4) و[ قد ] (5) قال جابر بن زيد (6) رحمه الله (7) :
__________
(1) 10) + من ب، ج، م.
(2) 11) - من ب. وجاءت في جميع النّسخ (دراريهم)، ولا معنى لها هنا.
(3) 12) انظر البخاري: الباب3، حديث رقم 6924. مسند الربيع بن حبيب:ج2، ص126.
(4) 13) انظر البخاري: إيمان 17، 28. صلاة 28. زكاة 1، اعتصام 2، 28. أبو داود: جهاد: 95، التّرمذي: تفسير سورة 88. النّسائي: زكاة 3. ابن ماجه: فتن 1-3. الدّارمي: سير 10. أحمد بن حنبل: 4 –8.
(5) 14) + من ب.
(6) 15) هو جابر بن زيد الأزديّ. تابعيّ جليل، ويكنّي بأبي الشّعثاء، وهو إمام، محدّث، روى عن ابن عبّاس وابن عمر وابن الزّبير ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم. وروى عنه قتادة وعمر بن دينار ويعلى بن مسلم وغيرهم. وكان فقيها من فقهاء البصرة وأعلم النّاس بكتاب الله وكان، إباضيّا. قال عنه ابن عبّاس: « عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد، لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه » قيل إنّه ولد سنة 21 هـ وتفّي سنة 93هـ وقيل سنة 96هـ، انظر عنه، الدّرجيني: طبقات، 2/205 إلى 213. الشّماخي: السّير، ص80. أبو زكرياء: السّيرة، ص140 وما بعدها. أبو نعيم: حلية الأولياء، ج3/85. تهذيب التّهذيب، 2/34-38. دائرة المعارف الإسلاميّة، مقال: " إباضيّة "، ص270. علي يحي معمّر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، ج1/143 وما بعدها. وانظر عنه بتفصيل أكثر الأطروحة التي قدّمها الدكتور صالح بن أحمد الصّوّافي، حول الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدّعوة،طبعة2 وزارة التّراث القومي والثّقافة بسلطنة عمان، سنة 1989.
(7) 16) ج: رضي الله عنه.. (1/116)
صفحة 117
" أزيد رابعة من كتاب الله: فقاتلوا التي تبغي حتّى تفئ إلى أمر الله " (1) فحكم بذلك المهاجرون والأنصار حتّى ابتلوا يوم الدّار ويوم الجمل ويوم صفّين، قتلوا البغاة ولم يسبوا ذرّيّة ولم يغنموا لهم مالا، ولم يستحلّوا منهم حرمة ولم يقطعوا لهم طريقا ولم يسمّوهم/[36] بمشركين، ولكن فعلوا بما أمرهم الله [ به] (2) إذ يقول: { لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينّك بهم ثمّ لا يجاورونك فيها إلاّ قليلا. ملعونين أين ما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا. سنّة الله في الذين خلوا من قبل } (3) يعني إن لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم قتلوا عليه.ولم يزد عن قتالهم غير ذلك، ولم يستحل منهم إلاّّ القتل والبراءة واللّعنة لهم. ولو كانوا مشركين كما قالت الصّفريّة (4) لأحلّ (5) منهم السّبي والغنيمة كما قالوا.
__________
(1) 17) سورة الحجرات: 10.
(2) 18) + من ب.
(3) 19) سورة الأحزاب: 60-62.
(4) 20) الصّفريّة فرقة تنتسب إلى زياد بن الأصفر، خالفوا الأزارقة والنّجدات والإباضيّة في أمور ذكرها صاحب الملل والنّحل وصاحب الفرق بين الفرق وصاحب مقالات الإسلاميين.انظر الشّهرستاني:ج1/ص173. البغدادي:ص90-91. الأشعري:ص101
(5) 21) م: لا يحلّ. (1/117)
صفحة 118
وزعموا أنّ كلّ من أصاب ذنبا فهو مشرك يحلّ سبيه (1) وغنيمة ماله، فنقضوا ما اجتمعت عليه الأمّة وما نطق به القرآن (2) وما حكم به النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون. فمرّة يقولون من خالفهم بمنزلة أهل الأوثان، ومرّة ينزلونهم بمنزلة المنافقين الذين يقرّون بتوحيد الله، ويناكحونهم ويوارثونهم. وقد جاء عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: « كلّ مال يورث حرام غنيمته، وكلّ مال يغنم فحرام ميراثه » (3) . وقال: « لا يتوارث أهل ملّتين، ولا يرث المؤمن الكافر ولا يرث الكافر المؤمن، ولا يجتمع حكمان في ملّة واحدة » (4) . ويلزمهم أن يشرّكوا أنبياء الله وأهل صفوته من رسله، ويجعلوهم (5) محاربين لله خائنين[ربّهم في] (6) دينهم فوصفوا الله بالجور والعبث إذ أرسل إلى النّاس الجائرين والكافرين، وجعلهم حجّة يقطع بهم عذرهم – زعموا– فهذا (7) صفات الجائر والعابث في تدبيره وحكمه. ونقضوا قوله: { ليس كمثله شيء } وقد أجمعوا أنّ الأنبياء عليهم [ السّلام ] (8) أصاب من أصاب منهم ذنوبا صغارا ليست بكبائر سهوا وغفلة منهم – ذلك عند المسلمين– ولم يجسروا عليها تعمّدا. وقال الله في آدم عليه السّلام: { فنسي ولم نجد له عزما } (9) يعني على المعصية (10) .
__________
(1) 22) ت: سباه. وما أثبتناه من ب، ج.
(2) 23) ب: الكتاب.
(3) 24) لم أتكمن من معرفة هذا الحديث.
(4) 25) انظر البخاري:باب 26. حديث 6764. أبو داود: فرائض10. التّرمذي: فرائض16. أحمد بن حنبل 2. 187، 195. ابن ماجه: فرائض 6. الدّارمي: فرائض 29.
(5) 26) - من م. وفي بقيّة النّسخ ويجعلونهم.
(6) 27) - من ب.
(7) 28) هكذا في جميع النّسخ. ولعلّها فهذه.
(8) 29) - من ت.
(9) 30) سورة طه: 115.
(10) 31) ومعناه أنّ الله أوصاه بأن لا يأكل من الشّجرة قبل أكله منها وترك عهد الله ولم نجد له حزما وصبرا عمّا نهي عنه. وقارن بتفسير الشّيخ محمد الطّاهر بن عاشور، ج16/ 319. (1/118)
صفحة 119
/[37] وقد ذكر الله اعتراف الأنبياء والرّسل بالذّنوب بعد النّبوءة والرّسالة في غير موضع من كتابه مجموع عليه.
وقد فرض الله التّوبة على عباده المسلمين مع إسلامهم بقوله: { توبوا (1) إلى الله جميعا أيّه المؤمنون } (2) وقال (3) : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم } (4) وقال: { إنّ الله لا يغفر أن يشرك به أحد ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } (5) فسمّى ذنوبا دون الشّرك، وكبائر دون الشّرك، وسيّئات دون الشّرك. فنقضت الصّفريّة جميع ذلك ممّا ذكرنا وما لم نذكره بما نطق به القرآن، وجاءت به السّنّة وجرت به، وحكم به السّلف الصّالح من المهاجرين والأنصار الذين شهدوا نزول القرآن. فثبتنا نحن على الأصل المجتمع عليه أوّلا، والحمد لله على هداه وتوفيقه، ومَنّه وتحقيقه.
مسألة في الحجّة
__________
(1) 32) في المصحف (وتوبوا) وأثبتناها كما جاءت في النّسخ المذكورة.
(2) 33) سورة النّور: 31.
(3) 34) ت: قالوا. و ما أثبتناه من بقية النسخ.
(4) 35) سورة النساء: 31.
(5) 36) سورة النساء: 48 و 116. (1/119)
صفحة 120
اعلم – يرحمك الله – أنّ النّاس قد اختلفوا في الحجّة من الله على عباده، ما هي ؟ وما معناها ؟ بعد إجماعهم على أنّ لله الحجّة البالغة، وأنّها قد لزمت جميع البالغين الصّحيحي العقول، وأنّهم محجوجون مقطوعوا العذر. فقال أصحابنا في ذلك (1) ومن قال بقولهم: إنّ حجّة الله على عباده، الكتب والرّسل، وقد لزمت جميع البالغين بسماع وبغير سماع، فمن كان على هدى فبسماع ومن كان على ضلالة قامت عليه سمع أو لم يسمع غير معذور، إن سمع فبفضل الله، وإن لم يسمع فبعدل الله و (2) تفريطه في الطّلب والتّعلّم الذي هو فرض عليه لقول الله: { فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون } (3) . وقول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : « طلب العلم فريضة على كلّ حالم، وعلى كلّ مسلم » (4) وقال: « اطلبوا العلم ولو بالصّين » (5) .
__________
(1) ج، م: بذلك.
(2) ج: تزيد: عليه.
(3) سورة الأنبياء: 07.
(4) الحديث رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
(5) انظر: مسند الإمام الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، ج1/12. (1/120)
صفحة 121
وقال عبد الله بن يزيد (1) ومن قال بقوله: إنّ النّاس قد سمعوا حجّة الله جميعا، وليس في الحكمة عندهم أن يكلّف الله/[38] عباده ما لم يسمعهم إيّاه. [ و ] (2) قالوا: ذلك في التّوحيد خاصّة دون [الفرائض] (3) ، فيلزمهم أن يصفوا ربّهم بالجور والخطأ إذ كلّفهم من الفرائض ما لا يسمعون ولا ينالونه بعقولهم ولا يستطعيونه، لأنّ الكافر – عندهم – غير مستطيع للإيمان، وإنّ فقد الاستطاعة أشدّ من فقد السمع وأضرّ منه، لأنّه يسمع ولا يفعل، وإذا استطاع [ فعل ] (4) . ولو كان تكليف التّوحيد بغير سماع جورا لجاز أن يكون تكليف التّوحيد بلا (5) استطاعة ولا عصمة جورا. وكذلك [ جميع الفرائض والكفّ عن ] (6) جميع المحارم، لأنّ ما كان كثيره جورا فقليله جور، لأنّه جنس واحد. ولا يجدون عن هذا محيدا ولا [ عنه ] (7) فرارا، مع أدخال لنا عليهم كثيرة في هذا الباب، ومن ذلك شهادتهم على النّاس بالزّور، والكذب على الله ما لم يُنزّل به سلطانا. وإنّما الكلام بيننا وبينهم في الحجّة المستأنفة. وأمّا القديمة فقد سمعوها من آدم عليه السّلام، فكفر من كفر، فتوارث الكفر الأبناء عن (8)
__________
(1) هو عبد الله بن يزيد الفزاري من علماء أواخر القرن الثّاني وأوائل القرن الثّالث هجري وهو الذي تنسب إليه القيادة الفكريّة لجماعة النّكّار وألّف في ذلك كتبا متعدّدة، منها كتاب التّوحيد، وكتاب الردّ على المعتزلة وكتاب الردّ على الرّافضة، وكتاب الاستطاعة وكتاب الرّدود مخطوط بإحدى مكتبات زوارة في ليبيا. انظر المسعودي: مروج الذّهب، ج2/137، ابن النّديم: الفهرست ص258، الشّمّاخي: السّير، 280 وبتحقيق محمد حسن سنة 1995. انظر ص222 وما بعدها. الدّرجيني: طبقات، 1/24، 148. أبو زكرياء: السّيرة، ص226/227.
(2) - من ب.
(3) + من ب، ج، م.
(4) + من ب، ج.
(5) 10) ت: بالاستطاعة.
(6) 11) ما بين معقوفتين سقط من ج.
(7) 12) + من ب، ج.
(8) 13) ب: على.. (1/121)
صفحة 122
الآباء حتّى طال عليهم العهد فيلزم التّابع ما لزم المتبوع كما قال الله عزّ وجلّ: { إذ تبرّأ الذين اُتّبعوا من الذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب } (1) وأمثالها كثير.
وأمّا القدريّة وأحمد بن الحسين (2) ومن قال بقولهم من أهل الكفر (3) والفكر يقولون: حجّة الله على عباده ما ركّب فيهم من العقول الصّحيحة، وليس بالحكمة (4) – عندهم – أن يكلّف عباده إلاّ وقد جعل لهم جميع مصالحهم التي يحتاجون إليها فيما كلّفهم به، وقد أغناهم الله – زعموا – عن الطّلب والسّماع بعقولهم من (5) غيرهم ممّا يدركون بتفكّرهم لما جعل في خلقه من الدّلائل والبراهين، وذلك في معرفة الله دون ما سواها.ويلزمهم أن يُبيحوا للنّاس ما دون ذلك من الحرام، ويُوسّعوا لهم إنكار الأنبياء/[39] وقتلهم، وإنكار الملائكة وإنكار المنصوصات كلّها، من الجنّة، والنّار، والقيامة. واجترأوا على هذا كلّه، وأباحوا للنّاس الشّرك بالله. فما الذي إذن أنكروا على مشركي العرب الذين أقرّوا أنّ الله هو (6)
__________
(1) 14) سورة البقرة: 166.
(2) 15) هو أحمد بن الحسين الأطرابلسي، أحد المخالفين للإباضيّة، وجمهور الإباضيّة كانوا لا يقرأون كتبه، بل وكانوا يحذّرون منها تلاميذهم. ولم يترجم له الإباضيّة في كتب سيرهم مثل أبي زكرياء الورجلاني، والدّرجيني والشّمّاخي إلاّ أنّهم ذكروه وردّوا عليه فيما ذهب إليه. انظر عنه:كتاب شرح الردّ على الجهالات بتحقيقنا ص68، 82، 121، 123، 163، 173، 330. كتاب السّير لأبي زكرياء، ص180/181. أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي: رسالة في بيان كلّ فرقة. طبع ضمن مجموع بدون تاريخ، ص60. ونيس عامر: رسالة في بيان كلّ فرقة لأبي عمرو عثمان بن خليفة السّوفي المارغني الإباضي. دراسة وتحقيق وتعليق نشرت في مجلّة جامعة الزّيتونة عدد3، سنة 1994. ص299/301.
(3) 16) - من ج.
(4) 17) ب: في الحكمة.
(5) 18) ب، ج، م: عن.
(6) 19) - من ب، م.. (1/122)
صفحة 123
الذي خلقهم وخلق السّماوات والأرض، وأنكروا البعث والجنّة والنّار، وبانت فريتهم وخطؤهم عند جميع من يعقل.
وأمّا صاحبهم في التّفكير، أحمد بن الحسين، فإنّه يزعم أنّ العقول (1) حجّة الله على عباده في جميع ما ينالونه (2) ويدركونه بعقولهم. وزعم أنّه تُنال معرفة الله والجنّة، والنّار، والزّنى، والسّرقة، وشرب الخمر، ومثل هذا ممّا لا حجّة فيه. وترك الكتاب والسّنّة، وأخذ بقياس عقله فكلّ ما وافق قياسه [ اتّخذه دينا، وما خالف قياسه ] (3) نبذه وراء ظهره ولو كان موجودا في كتاب الله وسنّة نبيّه عليه السّلام. وقال عمر رضي الله عنه: اتّقوا القيّاس فإنّهم أعداء السّنن أعيتهم الآثار أن يحفظوها، و السّنن أن يعوها، فقاسوا برأيهم فضلّوا به وأضلّوا كثيرا وضلّوا عن سواء السّبيل. وقال: أوّل من قاس إبليس فأخطأ. فأتبع هذا المتكلّف قياس عقله وقال: إنّ أهل الكتاب ليسوا بمشركين، ولكنّهم جاحدون يُسْبَوْنَ ويُغْنَمُون – زعم – إن لم يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وقال: في حجّته يُسبى المشرك ويُسبى الجاحد وإن كان موحّدا. وقال: لا تكون معرفة النّبيّ (4) معرفة لغيره، ولا إنكار النّبيّ إنكار لغيره – زعم – (5) وتناقض قوله، أوّله ينقض آخره، وآخره ينقض أوّله، وليس له أصل ثابت ولا فرع ثابت وفيما يقول من إنكار الخلق والفناء، والثّواب، والعقاب، أنّه شرك ما يبطل قوله، وفيما اختلفت فيه الأمّة من تحريم الدّماء وتحليلها، والفروج، والأموال، وغوامض ذلك، وتناسخ /[40] الشّرائع ما يبطل قوله، ويدحض حجّته في التّفكير (6) . وفيما ما ذكرنا من الكبائر المخصوصات والفرائض المنصوصات كلّها ما فيه كفاية لمن شرح الله صدره ووفّقه لدينه.
__________
(1) 20) - في ب، م.
(2) 21) ت: يناويلونه، وما أثبتناه من بقيّة النّسخ.
(3) 22) ما بين معقوفتين سقط من ب.
(4) 23) - من ب.
(5) 24) + من ب.
(6) 25) ت: التّكفير، وما أثبتناه من بقيّة النّسخ. (1/123)
صفحة 124
ولا يخلو هذا التّفكير الذي جعله دينا لنفسه، من أن يكون اكتسابا أو اضطرارا، فإن كان اكتسابا فلا يخلو من أن يكون طاعة أو معصية. فأيّما قالوا من ذلك نقضوا به قولهم وأفسدوا به حجّتهم. وإن قالوا: اضطرارا لحقوا بأهل الجبر القائلين بأنّ معرفة الله اضطرار في القلب. فإن قالوا طاعة ؛ فكيف (1) يطيع الله من لم يفرده ويوحّده، ويكون مؤمنا به من لم يعرفه ؟ وإن كانت معصية محرّمة عليه فكيف تكون معصية وهي (2) سبب لمعرفة الله مأمور به ؟ وأيضا فمتى أراد هذا التّفكير ؟ ومتى استطاعه ؟ في حالة [ الطّفوليّة ] (3) أو في حال (4) بلوغه ؟ فأيّما قالوا من ذلك نقضوا أصلهم. فإن قالوا: في حال الطّفوليّة جعلوا الأطفال مريدين ومستطيعين للإيمان والكفر، فما وجه تأخّر (5) التّكليف عنهم؟ وإن قالوا (6) : [ في حال ] (7) البلوغ أثبتوا الإرادة مع المراد، والاستطاعة مع الفعل. فحجّة الله هي البالغة، فمن أُعْطِيَهَا اليوم أعطيها يوم القيامة.
ومنهم من زعم أنّ حجّة الله على عباده هي (8) المعرفة، وما من عاقل إلاّ وقد جعل الله له (9) المعرفة في قلبه واضطرّه [ عليها ] (10) وإنّما كلّفهم الإقرار به – زعموا – وهو إيمانهم.
__________
(1) 26) ب: فليس.
(2) 27) - من ب.
(3) 28) + من ب، ج، م.
(4) 29) - من م.
(5) 30) ب: تأخير.
(6) 31) م: قال.
(7) 32) في ب: مع.
(8) 33) - من ب.
(9) 34) - من ب.
(10) 35) + من ب، ج، م. (1/124)
صفحة 125
وقال بعضهم غير ذلك ممّا لا يُشْتَغَلُ به. وكلّ هؤلاء قد أنكرت العقول وما وجد النّاس عليه أنفسهم قولهم وفعلهم. وإنّما ألجأهم إلى قوله –زعموا– نفي (1) الجور على (2) الله [ تعالى ] (3) حتّى وصفوه بالجور والعبث في تدبيره تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. وأُغْفِلُوا (4) عن قول الله وحجّته إذ يقول: { رسلا مبشّرين ومنذرين لئلاَّ/[41] يكون للنّاس على الله حجّة بعد الرّسل } (5) وقوله: { ولو أناّ أهلكناكم بعذاب من قَبْلِهِ لَقَالُوا: رَبَّنَا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتّبع آياتك [ من قبل أنْ نذِلَََّ ونَخْزَى ] } (6) وقوله: { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يُبَيِّنَ لكم كثيرا ممّا كنتم تخفون من الكتاب } (7) وقوله: { يا أهل الكتاب قد جاءَكُم رَسُولُنَا يبيّن لكم على فترة من الرّسل أن تَقُولُوا ما جاءنا من بشير ولا نذير } (8) . لئلاّ يقولوا ذلك ويحتجّوا بما ليس لهم فيه حجّة. ومثل هذا كثير في القرآن ممّا احتجّ الله به على عباده، من الكتاب، والسّنّة. وفيما شهدنا (9) من صنائع الدّنيا التي لا تنال معرفتها إلاّ بتعليم وتوقيف وتنبيه ما يدلّ على أنّ علم الله وعلم دينه الذي هو أغمض وأبعد من العقول، ما يدلّ على أنّها أبعد أن تُدْرَى (10) إلاّ بتعليم وتنبيه. فهؤلاء كلّهم اتّفقوا على أصل واحد أن الله لا يكلّف عباده شيئا فيحبس عنهم الأسباب التي يصلون بها إلى فعل ما كلّفهم به، فهذا أصل مذهبهم جميعا. واختلفوا في تلك الأسباب، وكيف هي.
__________
(1) 36) في ت، م: إنفاء. وما أثبتناه من ج.
(2) 37) ب: عن.
(3) 38) - من م.
(4) 39) ب: وغفلوا.
(5) 40) سورة النّساء: 165.
(6) 41) سورة طه: 134. وما بين المعقوفتين هو تصحيح منّا لسياق الآية، والذي جاء في النّسخ المعتمدة [ ونكون من المؤمنين ] ويبدو أنّه اختلط على النّسّاخ أو المؤلّف بآية سورة القصص: 47.
(7) 42) سورة المائدة: 15.
(8) 43) سورة المائدة: 19.
(9) 44) م: شاهدنا.
(10) 45) ج: تدرك. (1/125)
صفحة 126
فقول كلّ واحد منهم ينقض قول (1) صاحبه. وأمّا قول عبد الله بن يزيد ومن قال بقوله: إنّه ليس على النّاس من (2) معرفة الفرائض التي هي (3) دون التّوحيد شيء. وإنّما عليهم العمل بها – زعموا -. وهذا نقض لحجّتهم الأولى: أنّ الله لا يكلّف عباده إلاّ [ ما ] (4) جعل لهم إلى الوصول [ إليه ] (5) سبيلا. وأنّ الفرائض لا يصل العامل إلى العمل بها إلاّ بتعليم، ومحال أن يعمل العامل شيئا إلاّ بعلمه، وهو مستنكر في العقول.
__________
(1) 46) - من ب، م.
(2) 47) - من ب، م.
(3) 48) - من ب.
(4) 49) + من ب، ج، م.
(5) 50) + من ب. (1/126)
صفحة 127
ويجب عليهم الوقوف، والكفّ عن جميع ما يسعهم جهله. والوقوف في جميع من فعل ما لا يدرون. وشكّوا في فرائض الله جميعا، التي افترض الله عليهم أنّها معصية أو كفر، حتّى شكّوا (1) في جميع دينه. ويلزمهم [ الكفّ ] (2) على (3) ما لم يعلموا أنّه الحقّ ؛ لقول الله: { ولا تَقْفُ/[42] ما ليس لك به علم (4) } مع أنّه اجتمعت الأمّة كلّها أنّ عليهم أن يدينوا بدين الله، وكلّهم يدّعي دين الله واعتقاد ما عليه من ديانته أنّه صواب عند الله. وليس لديانته معنًى إلاّ أن يعتقدها ويعلم أنّها صواب عند الله. وهؤلاء ما أرى للدّيانة عندهم معنًى، ولا لها أصلا (5) . وأنّ وظائف الصّلاة التي لا تتمّ إلاّ بها، ولا تصحّ إلاّ بعملها (6) ، مثل الطّهارة في الأجساد واللّباس والمكان الطّاهر، والتّقرّب بها إلى الله، والقصد بها إلى فريضة لزمته، و إن لم يَنْوِهَا فريضة لم تُجْزِهِ عندنا وعندهم. ومن لم يتقرّب بها فلا تكون عبادة منه، وما ليس بعبادة فَلَيْسَ بطاعة لله، وما ليس بطاعة لله فليس بفريضة ولا مقبولة ؛ لأنّ العبادة إنّما كانت عبادة لعلّة التّقرّب، وكانت فريضة لعلّة (7) الإلزام. وكانت طاعة لعلّة الأمر بها، ولا يقبل الله طاعة، وتكون له عبادة إلاّ بشروطها على ما وَصَفْنَا في جميع فرائضه. وإلاّ فما الفرق بين طاعة [ الله ] (8) وطاعة الشّيطان الذي رضي أن يُطاع بجهالة وإنكار وبراءة، تعالى الله عن ذلك (9) علوّا كبيرا. ولو جاز ذلك (10) في الفرائض لجاز أيضا في التّوحيد، ويجوز الشّكّ في جميع دين الله، وفيمن طعن له في دينه، وفيمن نقضه وردّه عليه، وأنّ غيره من مخالفيه أصوب دينا منه. والحمد لله، ليس القول (11)
__________
(1) 51) ج: بشكرا.
(2) 52) + من ب، ج، م.
(3) 53) ب: عمّا.
(4) 54) سورة الإسراء: 36.
(5) 55) ج: ولا لهم أصلا.
(6) 56) ب، ج: بعلمها.
(7) 57) - من م.
(8) 58) + من ب، ج، م.
(9) 59) ج: هذا.
(10) 60) ب: هذا.
(11) 61) ب: الأمر.. (1/127)
صفحة 128
على ما قالت النكّار (1) الملحدة في دين الله (2) ،
__________
(1) 62) النّكاّر: هم جماعة ثاروا مع يزيد بن فندين سنة 171هـ/787م، وأنكروا إمامة عبد الوهاب بن رستم الفارسيّ. فقد عرّفهم الشّمّاخي في كتابه السّير، فقال: " النّكّار فرقة من الإباضيّة اتّبعوا في الكلام، عبد الله بن يزيد الفزاري، ويأخذون في الفقه بقول ابن عبد العزيز، وأبي المؤرج، وحاتم بن منصور، وشعيب بن المعرّف. وخلافهم يدور حول إنكار إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم الفارسيّ. وردّ عليهم أبو عمرو عثمان بن خليفة السّوفي فقال: " قالت المشائخ بتكفير النّكّار الفرقة الملحدة في الأسماء، وأوّلهم: عبد الله بن يزيد الفزاري وعبد الله بن عبد العزيز، وأبو المؤرج عمرو بن محمد السدوسي، وشعيب المعرف، وحاتم بن منصور، ويزيد بن فندين، وأبو المتوكّل ولهم سبع مسائل: قالوا: إنّ ولاية الله وعداوته تتقلّب بالأحوال... وقالوا: إنّ أسماء الله مخلوقة، وقالوا: إنّ الإمامة غير مفترضة... وقالوا: إنّ حجّة الله لا تقوم إلاّ بسماع... ولهم سبع مسائل أخرى أشدّ خطأ وإثما وكذبا، ولا يعمل بها ولا يعتمد عليها. منها أنّ صلاة الجمعة غير جائزة خلف أئمّة الجور. وقد نسوا قول الله تعالى ردّا عليهم { إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } (الجمعة: 9). وقالوا: عطايا الملوك لا يحلّ أخذها، خلافا للأئمّة. وقالوا إنّ الله لم يأمر بالنّوافل... إلخ... انظر في هذا رسالة في بيان كلّ فرقة بتحقيقنا، نشرت في مجلّة جامعة الزّيتونة (حوليّة علميّة إسلاميّة)، العدد 03 سنة 1994، ص295 وما بعدها. الشّمّاخي: السّير، ص146/151/280. والطّبعة المحقّقة من طرف د. محمد حسن، طبعة كليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة تونس 1995، ص52 و 59 و222. الدّرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب، ج1/51.
(2) 63) هكذا يقول عنهم جلّ الإباضيّة الوهبيّة وغيرهم. انظر المصادر السّابقة نفس الصّفحات.. (1/128)
صفحة 129
وعلى النّاس جميعا أن يدينوا بدين الله ويعلموا أنّه صواب عند الله، وأنّ فيه النّجاة وأنّ في خلافه الهلاك. ويتقرّب بذلك كلّه إلى الله كما وصفنا، فذلك يكون منهم طاعة، وعبادة. والحمد لله ربّ العالمين.
مسألة في الاستطاعة
اختلف النّاس في/[43] الاستطاعة بعد إجماعهم أنّها موجبة للفعل ؛ فقال بعضهم: هي الأدوات التي يفعل بها مثل الفأس والقَدُوم (1) وأشباه ذلك. وقال بعضهم: هي (2) المستطيع. وقال بعضهم: هي الجوارح السّالمات. وقال بعضهم: الاستطاعة صحّة الجوارح وسلامتها (3) من شوائب الآفات، وهي مع الفعل لا تُزايله (4) لأنّها علّة، والعلّة لا تفارق المعلول، وأنّها (5) مُوجِبَةٌ للفعل لا تكون قبله كما لا تكون بعده، والفعل دليل عليها ووجودها.
__________
(1) ت، ج: القادوم وما أثبتاه من ب، م. وهو بالتخفيف والتشّديد، وهو آلة يستعملها النجار، وفي الحديث: أنّ زوج فريعة قتل بطرف القدوم.
(2) - من: ب.
(3) ت: سلماتها وما أثبتناه من: ب، جـ، م.
(4) م: تزايلها.
(5) - من: ب. (1/129)
صفحة 130
وقالت المعتزلة: الاستطاعة قبل الفعل، وهي الصّحّة ولا تُجامع الفعل (1) . وإنّ استطاعة كلّ فعل استطاعة لضدّه، واستطاعة الكفر هي استطاعة الإيمان (2) . وليس في الحكمة، ونكرة في العقول (3) عندهم أن يكلّفَ اللهُ عبده ما لا يستطيع ولا يمكنه، أو يمسك عنه الأسباب التي لا يصل إلى الفعل إلاّ بها من جميع المعاني (4) .
وقلنا لهم وبالله التّوفيق: إنّ الاستطاعة على وجوه منها: استطاعة المال كما قال الله تعالى: { ومن لم يستطع منكم طَوْلاً [أن يَنْكِحَ المُحْصِنَات المُؤمنات] (5) } (6) . واستطاعة السّبيل إلى الحجّ كما قال الله عزّ وجلّ: { ولله على النّاس حِجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا } (7) . واستطاعة الخِلْقَةِ، كما يُقال: يستطيع هذا الجمل [ حَمْلَ ] (8) كذا وكذا، يريدون (9) : تحمله طبيعته. ويحمل هذا الحائط هذه الخشبة. ويقولون: لا يستطيع الإنسان الطّيران إلى السّماء، يريدون لخِلْقَتِهِ.
__________
(1) انظر في هذا، القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (السّابق)، ص390 وما بعدها. ويرى المعتزلة أنّ الاستطاعة هي القدرة على الفعل، وعلى ضدّه قبل الفعل، فإذا وجد الفعل لم يكن للإنسان حاجة إليها. وقالوا بأن القدرة متقدمة لمقدورها، أي أنها تلازم الباعث، وخالف البغداديون فقالوا: بجواز مقارنة المقدور للقدرة وتقدمه عليها.
(2) قارن بما جاء في مقالات الإسلاميين للأشعري، ص 231
(3) م: العقل. أخذ المؤلف هذه الفكرة من كتاب الرّد على جميع المخالفين لأبي خزر الحامي، ورقة 40.
(4) قالوا هي قدرة عليه وعلى ضدّه وهي غير موجبة للفعل، وأنكروا بأجمعهم أنّ يكلّف الله عبدا ما لا يقدر عليه.
(5) 10) - من م، ب، ج.
(6) 11) سورة النساء: 25
(7) 12) سورة آل عمران: 97. قال أبو خزر الوسياني الحامّي: والسبيل في هذا الموضوع: الزّاد والرّاحلة. انظر كتاب الرّد على جميع المخالفين ورقة 43.
(8) 13) + من ب، ج.
(9) 14) ب: تزيد (أنّه). (1/130)
صفحة 131
وأمّا العجز فهو على وجهين: عجز خلقة، وعجز زمانة. والاختلاف بيننا وبينهم في استطاعة الفعل. فقال بعض (1) المعتزلة: هي قبل الفعل، وتفنى في حال الفعل. وقال بعضهم:هي قبل[الفعل] (2) . وقال آخرون: هي قبل الفعل للفعل ولتركه (3) . وقلنا لهم (4) وبالله التّوفيق: إنّ الاستطاعة/[44] مع الفعل، وإن استطاعة الإيمان غير استطاعة كل فعل غير استطاعة غيره. وإنّ الكافر لا يستطيع الإيمان ولا يمكنه ولا يفعله في حال فعله الكفر باشتغال قوّته (5) في الكفر. وإنّ معنى يستطيع ويمكن ويفعل عندنا واحد.
__________
(1) 15) - من ب.
(2) 16) + من ب، ج، م.
(3) 17) ب: تركه.
(4) 18) - من ب.
(5) 19) في هامش ت: قوله. (1/131)
صفحة 132
والدّليل على صواب ما قلنا من كتاب الله، هو أحقّ أن يُتّبع ويُؤثر على غيره، قوله: { فضلّوا فلا يستطيعون سبيلا } (1) وقال: { ما كانوا يستطيعون السّمع وما كانوا يبصرون } (2) .
__________
(1) 20) سورة الإسراء: 48. وتفسيرها عند الشيخ محمد بن يوسف اطفيش الإباضي: هو أنّهم ضلّوا عن الحقّ في شأن الرسول ووصفه بغير صفته. (فلا يستطيعون سبيلا) أي طريقا يُوصل إلى صحّة ما قالوا في وصفه - صلى الله عليه وسلم - فهم يخبطون خبط عشواء، ويتساقطون في الباطل تساقط الفراش في النّار، أو طريقا يوصل إلى قبول النّاس قولهم، أو طريقا على الحقّ. انظر: تيسير التفسير، ج7/186.
(2) 21) سورة هود: 20 وجاءت (وما كانوا...) قال أبو خزر الوسياني: وليس المعنى في هذا أنهم لا يسمعون الأصوات ولا يبصرون الألوان. ولكن هذا سمع القبول، لا يقبلون ما دعاهم إليه النبي عليه السلام إذ شغلوا قوّتهم بترك القبول لما دعاهم إليه، وكذلك «لا يبصرون» على معنى لا يفعلونه. فوصفهم الله على أنهم لا يستطيعون. انظر كتاب الرّد على جميع المخالفين، ورقة 43. وفي تفسير هذه الآية، انظر: كتاب تيسير التّفسير، للشّيخ محمد بن يوسف اطفيش حيث يرى أنّ إعراضهم عن الحقّ كمن هو أصمّ وأعمى... حتى يقول: وعدم الاستطاعة حقيقة في الآلهة، مجاز في الكفرة، فإنّهم مستطيعون استطاعة حقيقة في الآلهة مجاز في الكفرة، فإنّهم مستطيعون استطاعة غير مؤثرة والله جلّ وعلا خلق في العبد قدرة واختيارا. وزعم أكثر المعتزلة أنّ أفعال العباد واقعة بقدرة العبد وحدها استقلالا وأقلّهم أنّها بقدرة العبد وقدرة الله عزّ وجلّ والمجاز المذكور استعارة مفردة لا تمثيلية، وذلك أنّهم يصعب عليهم السمع حتّى كأنّهم لا يطيقونه، وفي التمثيلية هنا تكلّف. انظر في هذا: ج5/390. من تيسير التفسير لاطفيش (السابق). (1/132)
صفحة 133
يعني قبول الإيمان والبصيرة فيه (1) .
__________
(1) 22) قيل إنّه يراد بالسبيل هنا سبيل الهدى، ويجوز أن يكون تمثيلا لحال ضلالهم بحال الذي وقف في فيفاء لا يدري من أية جهة يسلك إلى المقصود. وفي الآية الثانية يجوز أن تكون الآية خبرا عن اسم الإشارة أو حالا منه فتكون استطاعة السمع المنفية عنهم مستعارة لكراهيتهم سماع القرآن وأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نفيت الإطاقة في قول الأعشى: * وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل *
وذلك لأنهم لو سمعوا القرآن وعوه لاهتدوا لأنّ الكلام المسموع مشتمل على تركيب الأدلة ونتائجها، فسماعه كاف في حصول الإهتداء. ولذلك لم يقل تعالى هنا: « وما كانوا يستطيعون أن يبصروا » لأنهم كانوا يبصرون دلائل الوحدانية... انظر التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ج 12 طبعة 1976 ص 36/37. وج 15 طبعة 1978 ص 122. (1/133)
صفحة 134
وهو قول عبده الصّالح موسى (1) الخضر لموسى بن عمران عليهما السّلام، وعلى محمد نبيّنا أفضل الصّلاة والسّلام: { إنّك لن تستطيع معي صبرا } (2) فقال له موسى: { ستجدني إن شاء الله صابرا ولن أعصي لك أمرا } (3) . فردّ أمر صبره ومشيئته إلى الله، فأخبر أنّه [ لا يقدر أن ] (4) يفعل شيئا إلاّ بمشيئة الله، فلمّا لم يصبر قال له: { ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرا } (5) فوكّد الكلام الأوّل مرارا بأنّه لا يستطيع معه الصّبر ومثل هذا كثير في كتاب الله. وفي كلام العرب أنّهم يقولون:لا أستطيع النّظر إليك، ولا أستطيع لحديثك الاستماع، بُغْضًا له وكراهيةً لأمره.
والدّليل على وجوب (6) الاستطاعة مع الفعل عدم الفعل عند الزّمانة، إذ لا بدّ أن يُوجِدَ شيءٌ ضدّا وخلافا لما يوجده ضدّه، ويعدم ما يوجده ضدّه (7) ، وهذا موجود عند كلّ عاقل، كما أنّ الكرم وحسن الخلق موجب (8) الثّناء الحسن والحمد والثّواب الكريم.وأنّ الكفر والفسوق (9) وسفساف الأخلاق يوجب الذّمّ والعذاب الأليم.[ وأنّ الكافر ] (10) ممنوع من الإيمان (11) كما أنّ المؤمن معصوم من الكفر.
__________
(1) 23) - من ج.
(2) 24) سورة الكهف: 67.
(3) 25) سورة الكهف: 69.
(4) 26) ما بين معقوفتين سقط من ب.
(5) 27) سورة الكهف: 75. قال أبو خزر (السابق)، فكان بغضه مشغلا له عن استعمال النظر إليه. وهذا بين واضح أن يكون من أحد في فعل شيء أنّه غير مستطيع لضدّه لإشغاله قوته بما قصد إليه وفعله لا لزمانة ولا لمنع من الفعل. وقال: فقلنا لهم كما قال الله تعالى: أنهم لا يستطيعون لا لزمانة حلّت به ولا لمانع من الفعل لقوله تعالى: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلاّ أن قالوا: ابعث بشرا رسولا } (الإسراء94)، فكان قولهم الذي هو فعلهم هو المانع لهم. انظر ورقة 44.
(6) 28) ب: وجود.
(7) 29) - من ب.
(8) 30) ب، ج: يوجب.
(9) 31) م: الفسق.
(10) 32) - من ب.
(11) 33) يريد بذلك في حال فعله الكفر. (1/134)
صفحة 135
وقد أخبر/[45] الله عن ذلك في غير موضع وقال: { وما منع النّاس أن يؤمنوا [إذ جاءهم الهدى] (1) إلاّ أن قالوا: أبعث الله بشرا رسولا } (2) فكان قولهم هو المانع لهم، والممنوع غير مستطيع لما منع له.
__________
(1) 34) - من ب.
(2) 35) سورة الإسراء: 94، وما جاء بعد الآية موافق لما ذكره أبو خزر الحامي ورقة 43. وقال أبو عمار عبد الكافي: « وأمّا منع الكافر من الإيمان فغير جائز على حال، واتّبعوا في هذا الجواب قول الله عزّ وجلّ: « يحول بين المرء وقلبه » (الأنفال: 24)، فأضاف ذلك إلى نفسه، وقال في المنع: وما منع الناس أن يؤمنوا (الآية) فأضاف إليهم المنع. وسؤال المعتزلة هل حال الله بينهم وبين ما أمروا به باختيارهم فعل ما نهوا عنه عمّا أمروا به ، وليست هذه بالحيلولة حيلولة جبر ومنع، وكذلك حال بين المؤمن وبين الكفر باختياره فعل الإيمان عن فعل الكفر. قال أبو عمّار: اعلموا رحمكم الله أنّ أصحابنا – من الإباضيّة- فرقوا الجواب بين مَنَعَ وحَالَ وإنْ كان في اللّغة معناها واحد، وأجازوا أنّ الله حال بين المؤمن وبين الكفر، وحال بين الكافر وبين الإيمان، ولم يجيزوا القول بأنّ الله عزّ وجلّ منع المؤمن من الكفر ولا منع الكافر من الإيمان، وجاز الأول بالصلة. انظر كتاب شرح الرّد على الجهالات. بتحقيقنا، ص 265. (1/135)
صفحة 136
ومن الإباضيّة من قال: استطاعة الكفر يمكن بها الإيمان وإن لم يستطعه ولم يفعله. وهذا عندنا محال: لا يمكن الكافر الإيمان ولا يستطيعه إلاّ على البدل ولا يمكنه باستطاعة الكفر أصلا. وكلّهم قد ردّوا (1) ما اجتمعنا عليه أوّلا من أصل الإيمان من قوله: { ليس كمثله شيء } من حيث [ لا يشعرون ] (2) إذ يقول إنّ الشّيطان يقدر أن يضلَّ من عصمه الله منه، ومن علم الله أنّه غير مفتون وأنّه من أهل جنّته ورحمته من الأنبياء (3) والرّسل وأهل صفوته. ومن أراد الله هداه وأراد [ الشّيطان ] (4) ضلاله فما منع الشّيطان أن يُضلّه إذْ قَدَرَ على ذلك ؟ فله إذًا على الله المِنًَّة إذ لم يضلّ أولياءه ويحوّلهم عن إرادته ومشيئته. ويقدر الشّيطان أن يحوّل وعد الله وعلمه في عباده إذ (5) كان من وعد له الجنّة والرّزق الحسن، والبقاءَ مدّة كثيرة، يقدر الشّيطانُ الكافر أن يزيله ويمنعه من ذلك كلّه.
__________
(1) 36) ب: ردّ كل.
(2) 37) + من ب، جـ،م.
(3) 38) ج: تزيد (والأصغياء).
(4) 39) - من ب.
(5) 40) ب: إذا. (1/136)
صفحة 137
فهذا ردٌّ على الله إذ يقول: { لا تهدي من أحببت } (1) . { وَمنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } (2) . { وَمنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِي لَهُ } (3) . فَرَبُّهُمْ على قِيادِ قولهم عاجز مغلوب إذ (4) كان يقدر أحد أن يحوّله عن إرادته، وعلمه، ووعيده. ويدخل عليهم ما يدخل على الثّنويّة، ويقال لهم: أَيُّكُمْ أنفذ إرادة وقدرة أنتم أم ربّكم ؟ فأيّما قالوا من (5) ذلك نقضوا أصلهم، وبان خطؤهم ؛ لأنّهم أشبه بالثّنويّة قولا لإثباتهم القدرة لأنفسهم على أعمالهم دون الله وما لم يفعلوه، تعالى الله أن ينازعه أحد في ملكه وفعله وتدبيره. ولا يقدر أحد أن يُضِلَّ من هداه الله، /[46] كما لا يقدر أن يهدي من أراد الله أن يُضلَّهُ كما قال الله لنبيّه عليه السّلام: { إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء } (6)
__________
(1) 41) سورة القصص: 56.
(2) 42) سورة الرعد: 33. الزمر: 23 و36 غافر: 33. قال أبو عمار عبد الكافي: «وليس بجائز أن يشاء الله كون شيئا من الاشياء ثمّ هو غير كائن، ولا يريد الطاعة ممن كانت منه الطّاعة غير كائنة قال: فإن قال قائل: هل أراد الله من الكافر أن يؤمن ومن العاصي أن يُطيع ؟ قيل: أمّا أهل الإثبات فيميلون في هذا الوجه إلى معنى الدّعاء والأمر لأنّ أن يؤمن عنده وأن يطيع أكثر من الإيمان والطاعة... إلى أن يقول فإن قال قائل هل أراد الله الكفر من الكافر كما أراد الإيمان من المؤمن ؟ قيل: أراد أن يكون الكفر كفرا من الكافر كما أراد أن يكون الإيمان من المؤمن إيمانا لا على أنّه دعا إلى الكفر كما دعا إلى الإيمان، وكذلك لو قال: هل أراد الله الإيمان من المؤمن كما أراد الكفر من الكافر مثل الأولى. انظر في هذا كتاب " شرح الردّ على الجهالات " بتحقيقنا السابق، ص273.
(3) 43) سورة الأعراف: 186.
(4) 44) ب، م: إذا.
(5) 45) ب، ت: عن وما أثبتناه من جـ، م.
(6) 46) سورة القصص: 56.. (1/137)
صفحة 138
على ما كان من النّبيّ من حرصه واجتهاده على هدى عشيرته، وعلى النّاس كلّهم، ونصيحته في عباد الله. وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - : « لا حول ولا قوّة إلاّ بالله كنز من كنوز الجنّة » (1) رواية مستفاضة ما يبطل أباطيل القدريّة وتأويل (2) المجوسيّة.
ومن زعم أنّ الاستطاعة هي المستطيع، أو هي الآلات والجوارح، أو غير ذلك. ففي إثبات الأعراض ما يبطل (3) قولهم ويدخل عليهم ما ذكرنا من البالغ [ في ] (4) أوّل أحوال بلوغه، لا يخلو من أن يكون آخذا أو تاركا، أو متحرّكا أو ساكنا كما قلنا في صدر الكتاب. فأيّما قالوا من ذلك لزمهم أن تكون إرادته واستطاعته معه إلاّ أن يأتوا بمحال لا يُفْهَمُ ولا يُعْقَلُ ومن أجل ذلك فرّوا أن يكون للفعل إرادة.
والجسم عندنا وعندهم لا يخلو من حركة أو سكون باكتساب أو ضرورة. وما كان باكتساب فباستطاعة وإرادة، وما كان باضطرار فَبِزَمَانَةِ وَعَجْزٍ. وهذا لا يخلو من (5) الأحياء والأموات، وقد استحالت منهم الأفعال والتّكليف وليس فيهم الكلام. فلمّا كان هذا هكذا ثبت أنّ الاستطاعة مع الفعل، والإرادة مع المراد، والتّقرّب مع المتقرّب به (6) كما قلنا. وكذلك الأمر مع الفعل إمّا أمر به أو تركه، والحمد لله على توفيقه ومنّه.
__________
(1) 47) انظر البخاري: باب 67، حديث 6409 و 6610. وأحمد بن حنبل: 5. 156
(2) 48) ج، م: تهاويل
(3) 49) م: يثبت .
(4) 50) + من ب، ج، م.
(5) 51) ب: منه.
(6) 52) ب: له. قال أبو خزر والذي نقول من ذلك: إنّ الإرادة مع المراد، لا قبل ولا بعد. وذلك أنّ الإرادة علة للمراد ومحال أن يفارق العلة المعلول. والذي أردناه بهذه الإرادة إرادة العزم وإرادة التمنّي، فإرادة العزم لا تكون إلاّ كان الفعل معها لأنها علّة للفعل والعلة لا تفارق المعلول وإرادة التمني تكون ولا تكون المراد لأنها ليست بعلة له. انظر ورقة 45. (1/138)
صفحة 139
ومن المُزِيلَةِ (1) من زعم أنّ أفعال العباد ليست بشيء (2) وليس لها إرادة، وأنّ الله لا يعلمها حتّى تكون، فرارا أن يلزمهم ما ذكرنا من إثبات خلقها وإرادتها واستطاعتها معها. وغفلوا عن قول الله عزّ وجلّ: { لقد جئتم [ شيئا إدّا ] (3) } (4) /[47] و { شيئا نُكْرًا } (5) وقوله: { وكلّ شيء فعلوه في الزُّبُرِ. وكلّ صغير وكبير مُسْتَطَرٌ } (6) فيلزمهم أن يعذّبهم الله على غير شيء فيظلمهم، لأنّ من يعذّب على ما ليس بشيء فهو ظالم جائر، وما ليس بشيء فهو عدم باطل لا يستحقّ عليه ثواب ولا عقاب.
وقد اختلف النّاس في معنى الشّيء وحقيقته (7) . وقولنا الذي حفظناه عن أخيارنا رحمهم الله أنّ الشّيء والموجود والموصوف والمسمّى هو المعلوم أنّه كان أو يكون في وقتٍ مَّا وإن كان فانيا. وما ليس بشيء فهو باطل وعدم. والمعدوم على وجهين: معدوم فانٍ، ومعدوم يوجد. وقال بعض النّاس: إنّ الشّيء هو الموجود الحاضر ليس بمعدوم، فيلزم هذا أن تكون الآخرة والجنّة والنّار، والمعدومات كلّها ليست بأشياء بعدما سمّاها الله ووصفها وعلم أنّها تكون.
__________
(1) 53) المزيلة اسم لم نجد له ذكر في كتب الفرق الإسلاميّة. وهو من المزايلة من زاوله مزايلة وزيالا. والمزايلة: المفارقة.
(2) 54) ب: بأشياء.
(3) 55) - من ج.
(4) 56) سورة مريم: 89.
(5) 57) سورة الكهف: 74.
(6) 58) سورة القمر: 52/53.
(7) 58*) حقيقة الشيء عند البرّادي: هو المخبر عنه وعند الأشعريّة هو الموجود. والمعدوم عندهم ليس بشيء وعندنا – الإباضيّة – شيء معدوم والعدم عندنا ليس بشيء. انظر رسالة في الحقائق (السابق)، ص35. (1/139)
صفحة 140
وقال آخرون: كلّ ما جرت عليه القدرة وليس كونه بمحال ولكنّه إبطال الحكمة فهو عندهم شيء لأنّه يوهم كونه. فيلزمه أن يكون خروج أهل النّار [ وفناء الجنّة والنّار وأشباه ] (1) ذلك أشياء معلومة ومخلوقة له، لأنّ كلّ شيء غير الله مخلوق. وقال[ الله ] (2) : { وكلّ شيء عنده بِمقدارٍ } (3) ، وهذا الذي ذكرنا ليس كونه بمحال، والحمد لله على ما بصّرنا من دينه.
مسألة في العون والعصمة
وشرح الصّدور (4) الذي اختصّ الله به المؤمنين و فضلهم به
اختلف النّاس في العون على وجوه [ كثيرة ] (5) :
__________
(1) 59) من م.
(2) 60) + من ب.
(3) 61) سورة الرّعد: 80.
(4) ب: تزيد (وأمّا) ولا معنى له.
(5) - من ب. (1/140)
صفحة 141
منهم من زعم أنّ العون والعصمة هي استطاعة الإيمان في عينها، وحكي ذلك عن حسين النّجّار (1) ، وعبد الله [ بن يزيد ] (2) .
وقال بعضهم: استطاعة الإيمان هي العون، واستطاعة الكفر هي الخذلان./[48] وقال أحمد بن الحسين الاطرابلسي المطلبيّ (3) ومن وافقه على قوله: هي الهبة والنّصرة التي يعطيها الله للمؤمنين على أعدائهم وإباحة دمائهم وأموالهم والرّعب الذي يقذفه في قلوب الكافرين.
وقال بعض المعتزلة: إنّ العون والعصمة وشرح الصّدور الذي ذكره للمؤمنين (4) وخصّهم به هي التّسمية لهم بأسماء الإيمان هو الذي اختصّهم به دون الكافرين.
__________
(1) هو الحسين بن محمد النّجّار، ويطلق على أتباعه النّجاريّة أو الحسينيّة (ت في حدود سنة 230 هـ). يرى أنّ الاستطاعة لا يجوز أن تتقدّم الفعل وأنّ العون من الله سبحانه يحدث في حال الفعل مع الفعل، وهو الاستطاعة، وأنّ الاستطاعة الواحدة لا يفعل بها فعلان، وأنّ لكلّ فعل استطاعة تحدث معه إذا حدث، وأنّ الاستطاعة لا تبقى وأنّ في وجودها وجود الفعل وفي عدمها عدم الفعل، وأنّ استطاعة الإيمان توفيق وتسديد وفضل ونعمة وإحسان وهدى وأنّ استطاعة الكفر ضلال وخذلان وبلاء وشرّ. وكان النّجّار يخالف المعتزلة في القدر ويقول بالإرجاء، والحلال رزق والحرام رزق، وهو على ضربين: رزق غذاء، ورزق ملك. انظر الأشعري: مقالات، ص283 وما بعدها. الشّهرستاني: الملل والنّحل، (السابق)، ج1/88-90. البغدادي: الفرق بين الفرق، (السابق)، ص207 وما بعدها. الزّركلي: الأعلام، طبعة7، سنة 1986، ج2، ص253. الاسفرايني: التبصير في الدين (السابق)، كما باب في تفضيل مقالات النجارية وبيان فضائحهم، ص101.
(2) + من ب، ج، م. وقد ترجمنا لهذه الشّخصيّة في باب (مسألة في الحجّة)هامش6.
(3) قد ترجمنا له سابقا ( في هامش15 من مسألة الحجّة ).
(4) في ت: المؤمنين. وما أثبتناه من ب، ج، م. (1/141)
صفحة 142
وقال أهل الحقّ في ذلك: إنّ العون، والعصمة، والتّسديد والشّرح [هو] (1) معنى يعطيه الله للمؤمنين في حال فعلهم للإيمان والوفاء بدين الله يحول (2) بينهم وبين الضّلالة والكفر بفضله وإحسانه إلى المسلم، ويعصمه به عن (3) الشّيطان الرّجيم ومن يرد أن يضلّه بإذنه. وهو رحمة من الله من لطائف تدبيره كما قال الله عزّ وجلّ: { وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زكّى منكم من أحد أبدا } (4) و[ { فلولا فضل الله عليكم ورحمتُه لَكُنْتُمْ من الخاسرين } ] (5) . { ولولا فضل الله عليكم ورحمتُه لاتّبعتم الشّيطان إلاّ قليلا } (6) . وقال يوسف صلّى الله على نبيّنا وعليه: { إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء إلاّ ما رحم ربّي إنّ ربّي لغفور رحيم } (7) . وقال: { وإلاّ تصرف عنّي كيدهنّ أصْبُ إليهنّ وأكن من الجاهلين } (8) قال: { فصرف عنه كيدهُنّ } (9) .
وقال صاحب القرين لقرينه: { ولولا نعمة ربّي لكنت من المُحْضَرين } (10) يعني معك في النّار. وقال الله للشّيطان: { إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ إلاّ من اتّبعك من الغاوين } (11) . وقال: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشّيطان الرّجيم. إنّه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون } (12) .
__________
(1) + من ب، ج، م.
(2) ب تزيد: به.
(3) ب، م: من.
(4) 10) سورة النّور: 21.
(5) 11) سورة البقرة: 64. وقد سقطت هذه الآية من ج.
(6) 12) سورة النّساء: 83.
(7) 13) سورة يوسف: 53.
(8) 14) سورة يوسف: 33.
(9) 15) سورة يوسف: 34.
(10) 16) سورة الصّافات: 57. وتفسيرها عند الشّيخ محمد الطاهر بن عاشور: هو أنّ المحضرين أُريد بهم المحضرون في النار، أي لكنت من المحضرين معك للعذاب. انظر التّحرير والتّنوير، ج23/118.
(11) 17) سورة الحجر: 42.
(12) 18) سورة النّحل: 98-99. (1/142)
صفحة 143
وقد بيّن الله أنّ عنده فضلا يخصّ به المؤمنين دون غيرهم من لطائف تدبيره، /[49] وليرغب فيه المؤمنون المسلمون. وذلك من فضله وحكمته ليدعوه رَغَبًا ورَهَبًا، واستعبدهم بالرّغبة فيما عنده.
ولو كان لا يجوز إلاّ (1) أن يساويهم ما رغب المَفْضُولُ في فضله، ولخاف ذو الفضل زوال فضله إذ كلّهم (2) عليه أن يساويهم في أسباب الإيمان.
ومن قال: إنّ استطاعة الإيمان هي العون، فإنّ ذلك غير جائز، لأنّه ليس بين استطاعة الإيمان واستطاعة الكفر معنًى يكون فيه (3) عونا في عينها، لأنّ الاستطاعة كلّها في عينها هي الصّحّة والسّلامة، وليس فيه اختلاف تكون به أحدهما (4) عونا، والأخر[ى] (5) خذلانا. كما أن ليس في حالة الإيمان وحالة الكفر اختلاف إلاّ أنّها سُمِّيَتْ هذه استطاعة الإيمان لأنّه فعله بها، وسمّيت هذه استطاعة الكفر لأنّه فعل بها الكفر كالحالتين لا لاختلاف أعيانها كما قال النّجّار. أمّا الخذلان، فإنّه ليس بمعنًى فيوصف لأنّه ترك من الله للكافر إذا لم يعطه من فضله شيئا يعصمه به، بل وَكَلَهُ إلى نفسه. والوُكْلاَن في مثل هذا ليس بشيء إذا لم يفعل ضدّه. وأمّا من زعم أنّه هو التّسمية، ومن زعم أنّه الرّعب، وإباحة الدّماء وإراقتها، والأموال واستباحتها وما أكثروا فيه من التّخليط؛ فإنّ ذلك كلّه من الهذيان والرّوغان عن البرهان الذي أوضحه الله ؛ لأنّ ذلك [كلّه] (6) ليس فيه شيء إلاّ شيء صنعه الله للمؤمنين واختصّهم به دون غيرهم من الكافرين.
وليس أحد ينتفع بالتّسمية من الله، وإنّما ينتفع النّاس بما جعله فيهم [وأحلّهم.
__________
(1) 19) - من ب.
(2) 20) ب، م: وكلّهم، وفي هامش (كلهم).
(3) 21) في ب: له. وفي ج،م: به.
(4) 22) ب: أحدها.
(5) 23) + من ب، م.
(6) 24) + من ب، ج، م. (1/143)
صفحة 144
والتّرْك من الله على وجهين: فكلّ ترك ليس فيه فعل ضدّه فليس بفعل ولا شيء، وكلّ ترك فيه ] (1) فعل ضدّه فهو شيء. ومثل /[50] ذلك ترك الله أن يميتك أي أحياك، وترك أن يغنيك أي أفقرك، وترك أن يخلق، هذا ليس بشيء، كما يقال (2) : ترك خلق الأشياء قبل أن يخلقها، وذلك التّرك ليس (3) بشيء إلاّ صلة في كلام وزيادة على ما وصفناه.
وكذلك الخذلان معناه (4) تَرَكَ لم يخلق فيه شيئا من العون. وقد أكثرتُ في هذا الباب لأنّه أصل المُزِيلةِ وعليه يتفرّعون، ودين المسلمين كلّهم متّصل يقوّي بعضه بعضا. وذلك من [ أعظم ] (5) الدّلالة (6) على صوابه وإثباته. ودين المخالفين كلّهم مختلف ينقض بعضه بعضا، ويلعن بعضهم بعضا ومأواهم النّار. والحمد لله على توفيقه وهداه.
مسألة في القرآن وكلام الله
__________
(1) 25) ما بين المعقوفتين ساقط من ب.
(2) 26) م: يقول.
(3) 27) في ت: لشيء، وما أثبتناه من ب، ج، م.
(4) 28) ت: معنى.
(5) 29) + من ب، ج، م.
(6) 30) ب: الدّلالات. (1/144)
صفحة 145
قد أجمع النّاس على أنّ الله كلّم (1) أنبياءه ورسله، وأنزل عليهم كتبه، وأنزل الفرقان على محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وسمّاه قرآنا عربيا قيّما، ولم يجعل له عوجا. وسمّاه { قول رسول كريم } (2) قول جبريل، وما هو بقول شيطان رجيم وسمّاه حديثا ومجعولا، ومنزولا (3) . وجعله سُوَرًا معدودات، وآيات مفصّلات ومنه آيات محكمات، وآيات متشابهات، وناسخ ومنسوخ، وجعله متغايرا بعضه غير بعض. ثمّ بعد هذا الإجماع، وبعد هذا البيان قالوا: إنّ كلامه صفة له في ذاته لم يزل بها كالعلم والقدرة. وقالت الحشويّة: مجعول، ومنزول، ومحدث وليس بمخلوق. فوقعوا قريبا من المشبّهة، فما أعرف فرقة أغفل ولا أغلق ولا أحير عقولا، { إن هم إلاّ كالأنعام (4) } بل هم أضلّ سبيلا منهم، فما الفرق بينهم وبين المعتزلة الذين يزعمون أنّ أفعال [ العباد ] (5) محدثة ليست بمخلوقة، وتركوا قول الله: { خالق كلّ شيء } (6) فجعلوه خاصّا لشيء [ دون شيء ] (7) ، أو يجعلون القرآن ليس بشيء فيبطلونه (8) فيلحقون بمن قال: { ما أنزل الله على بشر/[51] من شيء } (9) .
__________
(1) في ب: قد كلّم.
(2) 1*) الحاقة: 40. التّكوير:19.
(3) هكذا في جميع النّسخ التي بين أيدينا.
(4) 2*) سورة الفرقان: 44.
(5) + من ب، ج، م.
(6) سورة الأنعام: 102. الرّعد: 16. الزّمر:62.
(7) - من م.
(8) في ب، ج، ت: فيطلبونه.
(9) سورة الأنعام: 91. قال أبو عمار عبد الكافي في هذه الآية أنّ الله تعالى قال ردّا عليهم بقوله: « قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى » (الأنعام:91)، قال: فلمّا تبيّن أنّ كتاب الله شيء من الأشياء، قلنا: لا يخلو هذا الشّيء من وجهين لا ثالث لهما: إمّا أن يكون محدثا أو غير محدث، فإن قالوا: غير محدث أبطلوا وردّوا على الله حيث قال: « وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلاّ كانوا عنه معرضين » (الشّعراء: 05). فإن قالوا: محدث، قيل: من أحدثه أقرّوا بخلقه. الخ....انظر: الموجز (السابق)، ج2/132-133. وما بعدها. وانظر أيضا: أبو القاسم البرّادي: (السابق)، ص183 إلى 201. ومن المتأخرين، سعيد التّعاريتي الجربي: كتاب، المسلك المحمود في معرفة الردود، طبعة حجرية، ص146 إلى 178. (1/145)
صفحة 146
أو يجعلونه هو الله فيشركون فيلحقون بالمشبّهة.
ولو جاز أيضا أن يكون محدثا مجعولا ليس بمخلوق لجاز أن يكون مخلوقا ليس بِمُحْدَثٍ ولا بمجعول. فلمّا بطل هذا أيضا بطل نظيره. وفيما أجمعنا عليه نحن وإيّاهم من أنّه: { لَقَوْلُ رسولٍ كَرِيم } (1) ، وكلام، وهدى، وبيان. وعلى تناسخه وتفاضله، وتغايره، وانعداده ما يثبت أنّه مخلوق كمثله (2) من المخلوقات كلّها، وإلاّ بطلت دلالة الأشياء كلّها. وأمّا من زعم أنّه صفة له لم يزل بها كالعلم والقدرة، فيلزمه أن يكون تكلَّم به في أزليّته، وكلّم موسى لم يزل فيكون ثلاثة أشياء لم يزالوا: المُكلَّمُ، والكلام، والمُكلِّم الله (3) ، وهذا هو الشّرك بالله صراحا، ويلحقون بالنّصارى إذ يقولون: عيسى روح الله وكلمته، ولا يكون روحه وكلمته مخلوقا. ويقول هؤلاء: كيف يكون وحيه وكلامه مخلوقا، وحذوا طريقتهم حذو النّعل بالنّعل.
وحكي عن عبد الله بن يزيد وأصحابه أنّهم يقولون: القرآن وكتب الله كلّها أجسام ليست بأعراض وليس (4) للعباد فيه (5) فعل. والقراءة فيها غيرها، والحكاية فيها غيرها.
__________
(1) سورة الحاقة: 40. التّكوير: 19.
(2) بياض في ت، وفي ب، م: أنداده. وما أثبتناه من ج.
(3) 10) في ج: إليه. وهو خطأ، وبها تقرأ العبارة هكذا: المكلّم، والكلام، والمُكَلَّمَ إليه.
(4) 11) في م: ليست.
(5) 12) في ب: فيها. (1/146)
صفحة 147
قلنا لهم، وبالله التّوفيق: إنّ القرآن كما وصفه الله بأنّه مجعول ومنزول (1) ومحدث ومخلوق، ومعنى الجعل من الله، والخلق، والحدث واحد. وأجمعوا أنّه بيان، وكلام، ومسموع، ومفهوم لقول الله: { فَأَجِرْهُ حتّى يسمع كلام الله } (2) . وقول المسلمين من الجنّ: { إنّا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } (3) . وقولهم: { إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرّشد } (4) . وقال الله عزّ وجلّ: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلّكم ترحمون } (5) . وقال: { قول رسول كريم } (6) . فثبت أنّه مقطع كلّه ليس فيه تقطيع، وأنّه خبر وصدق كلّه من الله، وكلّم به محمدا عليه السّلام، كما كلّم موسى بالتّوراة./[52] وهو كلام جبريل إلى محمد عليه (7) السّلام، و كلّم به محمد أمّته فحفظوه يتلونه ويصلّون به، وهو المسموع المفهوم من التّالين [له] (8) . والتّلاوة، والحكاية، والقراءة فيه هو لا غيره.
وسمّي كلام الله إذ خلقه كلاما لا من أحد، وابتدأه لا من أحد، ولم يسبقه إلى تأليفه وإحداثه أحد، وجعله كلاما مسموعا مفهوما عربيّا، لا يأتي به الخلق ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. وأعجزهم أن يأتوا بسورة مثله [ ولو اجتمع البلغاء والشّعراء كلّهم لما قدروا، وهو تبارك وتعالى يقدر أن يأتي بمثله ] (9) ، ويذهب به كما قال: { ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك } (10) .
__________
(1) 13) في ب: منزل.
(2) 14) سورة التّوبة: 06.
(3) 15) سورة الأحقاف: 30.
(4) 16) سورة الجنّ: 01.
(5) 17) سورة الأعراف: 04.
(6) 18) سورة الحاقّة: 40. التّكوير: 19.
(7) 19) ب، م: عليهما.
(8) 20) + من ب، ج، م.
(9) 21) ما بين معقوفتين ساقط من ج.
(10) 22) سورة الإسراء: 86. (1/147)
صفحة 148
ويسمّى (1) القرآن كلامه بما ذكرناه، كما يسمّون ويقولون كلام النّبيّ وقوله وألفاظه وحديثه، إذ لم يسبقه إلى تأليفه والنّطق به أحد. ويقولون: شعر فلان وقصيدة فلان فيما استنبطه من نفسه ولم يسبقه إليه أحد من النّاس أن يتناوله (2) من بعده.
ومن زعم أنّ القرآن جسم ليس بعرض، والقراءة فيه غيره، فليخبرنا عن هذا القرآن الذي يزعم (3) أنّه جسم ما هو ؟ فإن قال: الكلام المقطّع المسموع المفهوم، ثبت أنّ الكلام الذي هو قول العباد [و] (4) لفظهم ليس بفعلهم، لأنّه جسم، والجسم لا يفعل جسما.
وإن قال: إنّه غير الكلام المسموع الذي هو قول وصوت منّا، فليخبرنا ما هو إذًا؟ ولا يقدر أن يأتي بحجّة فيه ولا بيان. وكفانا منهم ردّهم على الله في قوله: { فَأَِجرْهُ حتّى يسمع كلام الله } (5) . وردّوا ما ذكرناه في صدر الكتاب من قول سَرَاةِ الجنّ وأخيارهم، وما أُمِرُوا به من الإنصات إليه (6) إذا قُرِئَ، وما اجتمعت عليه الأمّة من أنّ (7) قراءة القرآن والاستماع إليه من أفضل العبادات./[53] وقال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : « ستأتي البقرة وآل عمران لقارئهما كأنّهما غمامتان أو غيابتان » (8) .
وفضائل القرآن أكثر من أن (9) آتي بها، وليس هذا موضعه (10) وإنّما قصدنا إلى بيان الحقّ وإظهار (11) قول المسلمين في القرآن من قول غيرهم. وإن كان بعض النّاس يقولون: مسألة حَارَ فيها المتكلّمون. وإنّما يَحَارُ فيها من قلّ فهمه وضاق صدره.
__________
(1) 23) ب، م: سمّى.
(2) 24) م: يتناولونه.
(3) 25) - من ب، وفي م: زعم.
(4) 26) + من ج.
(5) 27) سورة التّوبة: 06.
(6) 28) في ت: به. وما أثبتناه من: ب، ج، م.
(7) 29) - من ب.
(8) 30) ج: غيايتان. وفي لسان العرب إنّما سمّي غماما لأنّه يغمّ السّماء أيّ يسترها. وغيابة كلّ شيء ما سترك منه. ولم أتمكّن من معرفة الحديث.
(9) 31) + من ب، ج، م.
(10) 32) م: موضوعه.
(11) 33) ب: إيضاح. (1/148)
صفحة 149
وأمّا القرآن فهو هذا المقطع المسموع المفهوم كما ذكرنا، وهو قول منّا، ولفظ منّا، وكلّه خبر ومقطّع، والتّقطيع فيه غيره، لأنّ التّقطيع تحريك اللّسان والشّفتين واللّهوات، وتأليف الحروف، وكلاهما (1) أفعال العباد: التّقطيع والمقطّع، وعن التّقطيع قام المقطّع مسبّبا عنه، وهما فعل العباد (2) ، لأنّه إذا شاء تكلّم وإذا شاء كفّ عن الكلام. وإن كان مسبّبا يَنْقطع لانقطاع سَبَبِهِ [ فهو فعله، وكلّ مسبّب لا ينقطع بانقطاع سببه ] (3) مثل سير السّهم وغيره ممّا لا ينقطع [ لانقطاع ] (4) سببه.
والدّلائل في (5) هذا كثيرة على ما قلناه، وإنّ الله كلّفنا القول بالحقّ، والتّوحيد. وقال: { قولوا آمنّا بالله } (6) الآية. وقال: { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } (7) ، لأنّه حرّم القول بغير علم، وأمر الله بالقول والكلام بالحقّ والعلم في مواضع كثيرة.
وقال: { ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ } (8) . وقال: { إلاّ من شهد بالحقّ وهم يعلمون } (9) . ونهى عن القول بغير الحقّ والعلم في مواطن كثيرة كما تلونا. فيلزم هذا الجاهل أن يكون التّوحيد والقول كلّه من فعله إذ هو جسم من الأجسام. والردّ عليهم في هذا كثير والحمد لله على هداه وتوفيقه.
مسألة في الرّؤية
ومن زعم أنّ الله يُرى في الدّنيا، أو تُمكن رؤيته (10) ، أو رآه أحد من خلقه، أو يرى في الآخرة مثل كذا أو كذا فمثّله بشيء من خلقه، أو حدّ له مكانا دون مكان، أو وصفه/[54] بنهاية أو أطراف فهو مشرك، والشّاك فيه مثله، ومن نفى عنه الشّرك فهو كافر، والشّاك فيه مثله.
__________
(1) 34) ت، ج، م: وكلهما.
(2) 35) ج: العبد.
(3) 36) ما بين معقوفتين سقط من ت.
(4) 37) + من ب، ج، م.
(5) 38) ب: على.
(6) 39) سورة البقرة: 136.
(7) 40) سورة البقرة 139.
(8) 41) سورة النّساء: 171.
(9) 42) سورة الزّخرف: 86.
(10) - من ج. (1/149)
صفحة 150
وكذلك من زعم أنّه استوى على العرش (1) على ما يعقل من استواء الملك على سريره أو فراشه أو قال إنّه على المعقول فهو (2) مشرك، و الشّاكّ فيه مثله [ ومن نفى عنه الشّرك فهو كافر، والشّاك فيه مثله ] (3) . وقد أتيت على الردّ عليهم في باب المشبّهة بما فيه الكفاية إن شاء الله.
وأمّا من زعم أنّه (4) يرى يوم القيامة، ولو قال بالأبصار أو قال عيانا، أو جهرة، أو قال كالمرئيات فهو منافق، والشّاكّ فيه مثله. وكذلك من شكّ [ فيه ] (5) انه يرى أو تمكن رؤيته في الآخرة. ومن أثبت لهذا المتأوّل الشّرك أو نفى عنه النّفاق فهو كافر مثله.
__________
(1) جاء في تفسير الإباضيّة لقوله تعالى: { الرّحمان على العرش استوى } أيّ ارتفع ذكره وثناؤه على خلقه لا على ما قال المندّدون أنّ له أشباها وأندادا تعالى الله عن ذلك، فقد قال ابن عمر: إنّ الله أعظم وأجلّ أن يوصف بصفات المخلوقين. والاستواء على العرش هو استواء أمره تعالى وقدرته فوق برّيته، وقال الحسن رضي الله عنه: ارتفع ذكره وثناؤه ومجده على خلقه، ولا يوصف الله تبارك وتعالى بزوال من مكان إلى مكان. أمّا قوله تعالى: { ثمّ استوى إلى السّماء وهي دخان } أيّ استوى أمره وقدرته إلى السّماء وقوله تعالى: { ثمّ على العرش استوى } يعني استوى أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه. انظر: مسند الإمام الرّبيع بن حبيب (الجامع الصّحيح) (السابق)، ج3، ص238. أبو عمار عبد الكافي: شرح الجهالات، (السابق)، ص204، ص282-283.
(2) ج: فإنّه.
(3) ما بين معقوفتين سقط من ج.
(4) ب: أنّ الله.
(5) + من ب. (1/150)
صفحة 151
واحتجّوا بقول الله: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربّها ناظرة } (1) ورواية عن النّبيّ عليه السّلام إذ يقول: « ترون ربّكم لا تضامون في رؤيته كما لا تضامون في أنّ القمر قَمرٌ في ليلة البدر » (2) . وقالوا: في قول الله: { إلى ربّها ناظرة } إزالة الرّيب، أنّه إنّما عنى النّظر إليه لا غيره، وقالوا لنا: فما أنكرتم أن يُرى لا كالمرئيات، كما يُعلم لا كالمعلومات. وأنّ أحكام الآخرة ليست كأحكام الدّنيا ؟ قلنا لهم، وبالله التوفيق: إنّ معنى قول الله: { وجوه يومئذ ناضرة } أيّ ناعمة من نضرة الوجه بالنّضرة والنّعمة بما بشّروا به من الرّضى عنهم، والقبول عنهم (3) ، والتّجاوز عن سيّئاتهم كما قال الله: { وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة مستبشرة } (4) وقال: { تعرف في وجوههم نضرة النّعيم } (5) – جعلنا الله منهم - { إلى ربّها ناظرة } : أيّ منتظرة لزوائد نعمه كما قيل عن بعض الصّحابة أنّه قال لمن سأله عن الله هل ينظر النّاس إليه في الآخرة ؟ قال: ينظرون إليه في الآخرة كما ينظرون إليه في الدّنيا. وقد أجمع أهل اللّغة، أنّ النّظر (6)
__________
(1) سورة القيامة: 23 وقارن تفسير هذه الآية بتفسير الشيخ محمد بن يوسف اطفيش في كتابه تيسير التفسير ج14/312-313-314 حيث يتفق مع الشيخ تبغورين صاحب هذه الرسالة.
(2) البخاري: مواقيت، 16-26. آذان، 129. تفسير سورة (50)2. رقاق53.
(3) م: منهم.
(4) 10) سورة عبس: 38.
(5) 11) سورة المطفّفين: 24.
(6) 12) النّظر عند القاضي عبد الجبّار في الآيات السّابقة هو بمعنى الانتظار، فكأنّه تعالى قال: وجوه يومئذ ناضرة لثواب ربّها منتظرة، وقال جلّ وعزّ فيما حكى عن بلقيس (فناظرة بم يرجع المرسلون) أيّ منتظرة، انظر بزيادة تفصيل أكثر كتاب شرح الأصول الخمسة (السابق)، ص245 وما بعدها. وانظر لسان العرب، مادة (نظر). الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح (السابق)، تحت عنوان باب في النظر في اللّغة، ص230-231.. (1/151)
صفحة 152
يخرج على الانتظار كثيرا كما قالت بلقيس رحمها الله: { فناظرة بما يرجع المرسلون } (1) /[55] وقال الشّاعر (2) :
كُلُّ الخَلائِقِ يَنْظُرُونَ سَجَالَهُم ** نَظَرَ الحَجيجِ إلى طُلُوع هِلاَلِ (3)
وأمّا قوله (4) : { إلى ربّها } أزالت الرّيبة والشّكّ أنّه أراد نفسه لا غيره. قلنا لهم: ليس الأمر كما قلتم ولكن أراد فعله كما قال: { ألم تر إلى ربّك كيف مدّ الظّلّ (5)
__________
(1) 13) سورة النّمل: 35.
(2) 14) لم أتمكّن من معرفة هذا الشّاعر رغم ذكر جلّ الإباضيّة للبيت الآتي.
(3) 15) هذا البيت استشهد به الشّيخ سعيد التعاريتي الجربي في كتابه المسلك المحمود في معرفة الرّدود، ورقة 190، طبعة حجريّة ولم ينسبه وكذلك استشهد به محمد بن يوسف اطفيش في كتابه تيسير التفسير ج14/313.
(4) 16) ب، م: قولهم.
(5) 17) سورة الفرقان: 45. واستدلال المؤلّف بهذه الآية وغيرها مثل: { ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه } وقوله تعالى: { أولم ير الإنسان أنّا خلقناه من نطفة } وقوله: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون } إنّما يعني بهذا كلّه وأشباهه العلم واليقين ولا يريد رؤية الأبصار. وتأتي الرّؤية بمعنى العلم ممّا نطق به القرآن وورد به الشّعر، قال الكميت بن زيد:
رأيت الله إذ سمّى نزارا ** وأسكنهم بمكّة قاطنينا
رأيت الله أهلك قوم عاد ** ثمود و قوم نوح أجمعينا
أي علمت الله تعالى، فالرّؤية إذا كانت بمعنى العلم تتعدّى إلى مفعولين، نحو رأيت فلانا فاضلا. انظر الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح (السابق)، ص231. (1/152)
صفحة 153
} يقول: ألم تر إلى الظّلّ كيف مدّه الله. قال الشّاعر (1) :
وجوه يوم بدر ناظرات ** إلى الرّحمان يأتي بالفلاح (2)
__________
(1) 18) هو حسان بن ثابت الخزرجي الأنصاري: صحابي وشاعر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، كان في الجاهليّة يفد على ملوك الغساسنة والمناذرة ويمدحهم، توفي في المدينة سنة 54هـ/674م، انظر عنه الزركلي: الأعلام، ج2، ص175-176. دائرة المعارف الإسلامية، ط2، ج3، ص279-281.
(2) 19) رواية القاضي عبد الجابر والإمام عبد القاهر البغدادي: (إلى الرّحمان يأتي بالخلاص) وكذلك النّسفيّ في تبصرة الأدّلة في أصول الدّين، بتحقيق الدكتور حسين أتاي، طبعة تركيا سنة 1993. ص521. وفي رواية الجيطالي لشرح النّونيّة، ج1/176. جاء:
وجوه ناظرات يوم بدر ** إلى الرّحمان تنتظر الخلاصا.
ونسب التعاريتي هذا البيت لشاعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسان بن ثابت رضي الله عنه انظر: المسلك المحمود (السابق) ص 190/191. (1/153)
صفحة 154
وكذا (1) قول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : « سترون ربّكم لا تضامون فيه كما لا تضامون في أنّ القمر [ قمر ليلة البدر» (2) . يريد: تعلمون يوم القيامة أنّ لكم ربّا لا تشكّون فيه كما لا تشكّون في قمر ] (3) ليلة البدر، لإيضاح الدّلائل يوم القيامة، وإزالة الشّكوك فيها حتّى لا ينكروا ربّهم ولا يشكّوا فيه كما يجهله كثير من النّاس في الدّنيا، كما قال الله: { ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل } (4) [ يعني: ألم تعلم. وهو لم ير أصحاب الفيل ] (5) بأعيانهم. والعرب تذكر الشّيء ومرادهم غيره، كما قال الله عزّ وجلّ: { وجاء ربّك } (6) . وقال: { فأتى الله بنيانهم من القواعد } (7) . وقال: { فضلّت أعناقهم لها خاضعين } (8) ، وقال: { ناكسو رؤوسهم عند ربّهم } (9) . ومثل هذا في القرآن كثير.
وأمّا قوله: يرى لا كالمرئيات، كما يعلم لا كالمعلومات. قلنا لهم، وبالله التّوفيق: إن جاز أن يرى لا كالمرئيات جاز أن يذاق، ويلبس (10) ، ويسمع، ويدرك بجميع الحواس لا كالمحسوسات كلّها، مع أنّ البصر إنّما يدرك محسوسها من جهة واحدة وهي جهة اللّون، وكذلك الحواس كلّها إنّما يدركن محسوساتهنّ من جهة ما اتفقت على ما ذكرنا من (11) حاسّة البصر.
__________
(1) 20) ب: كذلك.
(2) 21) الحديث ورد في البخاري، مواقيت 16/26، آذان، 129. داود، السّنة 19، التّرمذي الجنّة 16، ابن حنبل: 3-16-17-16-27.
(3) 22) ما بين معقوفتين سقط من ج.
(4) 23) سورة الفيل: 01.
(5) 24) ما بين معقوفتين سقط من ب.
(6) 25) سورة الفجر: 22.
(7) 26) سورة النّحل: 26.
(8) 27) سورة الشّعراء: 04.
(9) 28) سورة السّجدة: 12.
(10) 29) ج: يلمس، ولعلّه أسلم.
(11) 30) ب: عن. (1/154)
صفحة 155
وأمّا حاسّة العلم فهي للقلوب (1) تدرك الأشياء من جهة ما اختلفت وتضادّت، وليس في دركها اشتباه، ألم تر أنّه يعلم/[56] المحسوسات كلّها، ويعلم القديم والمحدث، والحواسّ كلّها لا تدرك كلُّ واحدة منها ما تدرك صاحبتها ولا يدرك بعضهنّ بعضا، والقلب يعلمها كلّها من جهة ما اختلفتْ. والبصر لا يُدْرك إلاّ لونا، ولو زيد (2) فيه أضعافا مضاعفة. وكذلك الحواسّ كلّها. وأيضا لو جاز أن يدركه في مكان دون مكان، أو يدركه في جميع الأمكنة.
__________
(1) 31) ب: القلب.
(2) 32) في ت: ولون فيه، وهو خطأ، وما أثبتناه من ب، ج، م. (1/155)
صفحة 156
فإن قال: في مكان دون مكان، أثبته محدودا، وأشرك بالله. وإن قال: في جميع الأمكنة، أتى بالمحال الذي لا يُفْهَمُ (1) ولا يُعْقَلُ. والرّدّ عليه في هذا كثير. وفي خبر الله عزّ وجلّ: { لا تدركه الأبصار } (2) ، وقوله لموسى: { لن تراني } (3) ،
__________
(1) 33) ب، ج، م: يوهم.
(2) 34) سورة الأنعام: 103. في مسألة نفي الرّؤية يتفق صاحب الرسالة مع القاضي عبد الجبار (المعتزلي) الذي يقول « وممّا يدلّ على أنّ الله نفى الرّؤية بقوله:« لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني» فعلّق الرّؤية باستقرار الجبل، فلا يخلو إمّا أن يكون علقها باستقراره بعد تحرّكه وتدكدكه، أو علّقها به حال تحركه لا يجوز أن تكون الرّؤية علقها باستقرار الجبل لأنّ الجبل استقر ولم ير موسى ربّه، فيجب أن يكون قد علّق ذلك باستقرار الجبل بحال تحركه، دالا بذلك على أنّ الرّؤية مستحيلة عليه كاستحالة استقرار الجبل حال تحركه، ويكون هذا بمنزلة قوله تعالى: { ولا يدخلون الجنّة حتى يلج الجمل في سم الخياط } (الأعراف:40). ودليل آخر هو أنّه تعالى قال مجيبا لسؤاله: { ربي أرني أنظر إليك } قال { لن تراني } ، ولن موضوعة للتأبيد، فقد نفى أن يكون مرئيا البتة، وهذا يدل على استحالة الرؤية عليه، وسؤال موسى هذا يظهر على ظاهره أنّ موسى هو الذي طلب الرؤيا، فالأنبياء لهم من الأدلة القطعية على إيمانهم بالله فلا يطلبون رؤيته تعالى، ولهذا كان سؤالا عن قومه، والذي يدل على ذلك قوله عزّ وجلّ لمحمد - صلى الله عليه وسلم - : { ويسألك أهل الكتاب أنّ تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكثر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة } (النساء:153)، فصّرح الله تعالى بأنّ القوم هم الذين حملوه على هذا السؤال. راجع بتفصيل أكثر شرح الأصول الخمسة، ص 262-265.
(3) 35) سورة الأعراف: 143.. (1/156)
صفحة 157
ما يدلّ على أنّه لا يرى في الدّنيا ولا في الآخرة، لأنّه خبر عامّ كما ذكرنا في أخبار الله في صدر الكتاب. وأمّا من قال بالاستواء على غير المعقول، وأنكر تأويل المسلمين، أو شكّ في تفسيرهم، فهو منافق غير مشرك ما لم يصفه بالمعقول. ثمّ اختلف النّاس في الميزان، والصّراط، والشّفاعة، وضغطة القبر وعذابه. وقال أهل الحديث والحشويّة في الضّغطة وغيرها: إنّكم أنكرتم هذه المعاني تكذيبا علينا. وقلنا: من أنكر هذه المعاني على حسب ما ذكره (1) الله فقد كفر وضلّ ضلالا بعيدا، لأنّها مُجْمَعٌ (2) عليها، الشّفاعة، والميزان متلوّان في القرآن.
وَقَالَ أهل الحديث والحشويّة: إنّ (3) الصّراط مضروب على جسر جهنّم كحدّ السّيف، فوصفوه كما يعقلون، فيمرّ النّاس عليه بعضهم كالرّيح العاصف، والآخر كالبرق اللاّمع، والآخر كأسرع الدّواب، والآخر يضبط على بطنه، والآخر ساقط في النّار. وهذا من تزيين الشّيطان لهم في أحاديثهم، وكيف يكون هذا في المسلمين/[57] بعد قول الله عزّ وجلّ: { يوم نَحْشُرُ المتّقين إلى الرّحمان وفدا، ونسوق المجرمين إلى جهنّم وِرْدًا } (4) . وقال: { لا يسمعون حسيسها } (5) . أم كيف يكون المؤمن مضبطا على بطنه وقد قال الله في كتابه: { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } (6) . وما وصفهم به من الغضارة والنّضرة.
__________
(1) 36) ب: ذكرها.
(2) 37) ج: مجتمع.
(3) 38) - من ب.
(4) 39) سورة مريم: 85-86.
(5) 40) سورة الأنبياء: 102.
(6) 41) سورة البقرة: 262 – 274-277. (1/157)
صفحة 158
وليس الأمر على ما وصفته الحشويّة والحمد لله. ولكن الأمر كما قال الله وعلّمه لأوليائه إذ قالوا: { أهدنا الصّراط المستقيم } (1) فوصفوا ذلك الصّراط ونعتوه، قالوا: { صراط الذين أنعمت عليهم } (2) يعني دين الأنبياء عليهم السّلام: { أولئك الذين أنعم الله عليهم من النّبيئين – الآية - } (3) . وقال: { إنّ (4) هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه، ولا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله } (5) . وقال الشّيطان الرّجيم المريد: { لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم } (6) يعني أن يخذلهم عن دين الله وطاعته، وأمّا الآخرة ليس للشّيطان فيها حكم على أحدٍ ولكنّ الصّراط المستقيم دين الله القيّم الذي افترض الله على عباده، والعدل الذي أنزله. وهو دقيق لا يوافق الملك، ولا الهوى ولا الشّهوات. ولذلك شبّهوه بحدّ السّيف المرهف و ضُبَتِه، والشّفرة الرّقيقة الدّقيقة، لا يميّزها إلاّ ذو الحِجَى والنُّهَى والبصيرة النّافذة، مع عون الله وتوفيقه، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « ألا إنّ الشّرك أخفى من دبيب النّمل في صخرة صمّاء، في ليلة ظلماء » (7) وقال: « من شادّ هذا الدّين يغلبه، فعليكم بالقصد فيه تبلغوا » (8) . وقال: « إنّ المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» (9) . وقال أيضا:« ألا إنّ للشّرك بضعا وسبعين بابا » (10) .
في الشّفاعة
__________
(1) 42) سورة الفاتحة: 06.
(2) 43) سورة الفاتحة: 07.
(3) 44) سورة مريم: 58.
(4) 45) - من ب، ج، م.
(5) 46) سورة الأنعام: 153.
(6) 47) سورة الأعراف: 16.
(7) 48) الحديث في أحمد بن حنبل: 4، 403. الربيع بن حبيب: حديث 830، ص216 تحت باب الشرك أخفى من دبيب النّمل.
(8) 49) انظر البخاري: إيمان 29. حديث رقم39 و 5673 و 6463 و 7235. النّسائي: إيمان 28. أحمد بن حنبل: 4. 422. 5. 350. 1.
(9) 50) قاله - صلى الله عليه وسلم - حين ذُكر الغلوّ في العبادة.
(10) 51) لم يذكره الربيع بن حبيب في مسنده. (1/158)
صفحة 159
وأمّا الشّفاعة: فإنّا نقول فيها، وبالله التّوفيق: إنّ شفاعة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ثابتة/[58] للمسلمين دون غيرهم من الكافرين أهل الكبائر، لا لوجوب ما قد زال، ولا لزوال ما قد وجب. وهي كرامة من الله لنبيّه عليه السّلام دون غيره، وافضال من الله له، إذ لا يقبل إيمانا من أحد إلاّ من آمن به وصدّقه، ويحمده على شفاعته لهم أهل، الجمع كلّهم من الأوّلين والآخرين كما قال الله: { عسى أن يبعثك ربّك مقاما محمودا } (1) في مقام يقوم النّاس فيه يحاسبهم ربّ العالمين، فإذا فرغوا من الحساب استأذن المسلمون من يشفع لهم إلى الله أن يأذن لهم إلى منازلهم إلى الجنّة، فطلبوا آدم عليه السّلام فلم يشفع لهم فصرفهم إلى نوح عليه السّلام، فدفعهم إلى إبراهيم عليه السّلام، وكلّهم يدلّهم على محمد عليه السلام، فطلبوه، فدعا ربّه فأعطى له مفاتيح الجنّة. هذا هو المقام المحمود. هذا ما صحّ في الشّفاعة في الحديث المرويّ عن النّبيّ عليه السّلام (2) . وتصديق ذلك من كتاب الله عزّ وجلّ قوله: { ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى } (3) وقوله: { يوم لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا } (4) وقوله: { واتّقوا يوما لا تجزي نفسٌ عن نفس شيئا } (5) وقوله: { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون } (6) . وأمثالها.
__________
(1) سورة الإسراء: 79.
(2) انظر مسند الرّبيع بن حبيب (الجامع الصّحيح)، ج4/280، 281، حيث ذكر الحديث كاملا. وهو طويل ولا يسعنا ذكره هنا. والشّفاعة عند الإباضيّة والمعتزلة حقّ ثابت للمسلمين دون من سواهم في أهل الكبائر، وهي كرامة من الله سبحانه، دون سواه من الأنبياء، وهي شفاعته العظمى. وانظر الحديث في: التّرمذي: قيامة11. وابن ماجه: زهد37. أحمد بن حنبل: 3. 213.
(3) سورة الأنبياء: 28.
(4) سورة لقمان: 33.
(5) سورة البقرة: 48، 123.
(6) سورة الدّخّان: 41. (1/159)
صفحة 160
وقال النّبيّ عليه السّلام: « يا فاطمة بنت رسول الله، ويا صفيّة عمّة رسول الله، اعملا لأنفسكما، فإنّي لا أغني عنكما من الله شيئا » (1) . وقال عليه السّلام: « لا ينال شفاعتي أهل الكبائر من أمَّتي، ولا ينال شفاعتي زان ولا سارق، ولا مدمن على خمر، ولا قاتل النّفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ » (2) . وقال - صلى الله عليه وسلم - : «بلوت اليهود فوجدتهم قد كذبوا على أخي موسى، وبلوت النّصارى فوجدتهم قد كذبوا على أخي عيسى،/[59] وسيكذب عليّ من بعدي ؛ فما جاءكم عنّي من حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو عنّي وأنا قلته، وما خالف كتاب الله فليس عنّي ولم أقله. وكيف أخالف كتاب الله، وبه هداني ربّي » (3) .
وقال عليه السّلام: «وليُذَاذَنَّ رجال عن حوضي كما يُذَاذُ البعير الضّالّ، وأقول: هلمّ، هلمّ، أصحابي، أصحابي، فيقال لي: قد غيّروا بعدك ولم يزالوا مرتدّين على أعقابهم. فأقول: سحقا، سحقا، فاختلجوا دوني فيمرّ بهم ذات الشّمال » (4) .
__________
(1) الحديث في مسند الرّبيع بن حبيب، ص211، 256. 282. النّسائي: وصايا، البخاري: وصايا: 11. تفسير سورة 26، 2. الدّارمي: رقاق23. أحمد بن حنبل: 1، 206.
(2) انظر: مسند الربيع بن حبيب، ج4/279 حديث رقم (1004).
(3) مسند الربيع بن حبيب، ج4/269. حديث رقم (945).
(4) 10) الحديث في مسلم: طهارة 39. ابن ماجه: زهد36. الموطّأ: طهارة، 28. (1/160)
صفحة 161
وأخذنا بما وافق كتاب الله من الحديث المرويّ عنه عليه السّلام. وكيف يشفع النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكبائر بعد ما أخبر الله عنهم أنّهم أعداؤه في قوله: { الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلاّ المتّقين } (1) و { عدوّ للكافرين } (2) . وقالت الملائكة عليهم السّلام: { فاغفر للذين تابوا واتّبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم } الآية (3) . وقوله: { لا يملكون الشّفاعة إلاّ من اتّخذ عند الرّحمان عهدا } (4) وعهده: الوفاء بدينه. وقول (5) الله: { لا ينال عهدي الظّالمين } (6) . وقال الله في الزّاني: { لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } (7) ، هذا في حدود الدّنيا التي (8) يتراحم فيها العباد بالتّرك والعفو والإعراض عنها. وكيف الآخرة التي لا تواصل فيها ولا تراحم، وكابروا كتاب الله وسنّة رسوله بالردّ، وتمنّوا لأنفسهم الخروج من النّار ودخول الجنّة بشفاعة بلا عمل صالح، وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون.
وأمّا الميزان:
__________
(1) 11) سورة الزّخرف: 67.
(2) 12) سورة البقرة: 98.
(3) 13) سورة غافر: 07.
(4) 14) سورة مريم: 87.
(5) 15) ب، م: قال.
(6) 16) سورة البقرة: 124.
(7) 17) سورة النّور: 02.
(8) 18) جاء في جميع النّسخ، التي لا يتراحم. وهو غير سليم حسب السّياق، ذلك أنّ إسقاط آداة النّفي (لا) أنسب ليستقيم الكلام. (1/161)
صفحة 162
فإنّا نقول، وبالله التّوفيق: إنّ الميزان الذي بيّن الله لخلقه هو العدل، والحقّ الذي وضعه بين خلقه يوم { لا تظلم نفس شيئا } (1) . كما قال [الله] (2) : { يوم القيامة يفصل بينكم } (3) وقال: { والوزن يومئذ الحق } (4) وقال في الأنبياء عليهم السلام:/[60] { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } (5) يعني: العدل بين عباده، به أرسل الله الرّسل، وهل سمعتم أحدا من الرّسل أرسله تاجرا ممسكا للميزان يضرب به ؟! والمعروف من كلام النّاس أنّهم يقولون بعضهم لبعض: اجعلوا بيننا وبينكم ميزانا يعدل بيننا، يعنون قاضيا عدلا، مع أنّه إنّما يحتاج الميزان المعقول من لا يعرف مقدار الشيء حتّى يضعه في الميزان. وأمّا علاّم الغيوب فميزانه العدل بين خلقه بما علم منهم لأّنه يحكم فيهم (6) بسرائرهم وما تخفي صدورهم [مع أنّ] (7) أفعال العباد أعراض لا تجرى عليها الخفّة والثقالة، ولا الإعادة و لا البقاء فيعاد في الآخرة.
__________
(1) 19) سورة الأنبياء: 47. سورة يس: 54.
(2) 20) + من ب، ج، م.
(3) 21) سورة الممتحنة: 03.
(4) 22) سورة الأعراف: 08.
(5) 23) سورة الحديد: 25.
(6) 24) ج: بينهم.
(7) 25) - من م. (1/162)
صفحة 163
وأمّا ما ذكروا من (1) عمود الميزان وكفّتيه، فالجنّة والنّار كفوف لميزان الله، كفّة هؤلاء الجنّة وكفّة هؤلاء النّار، والعمود ما اعتمد عليه من الحقّ والعدل (2)
__________
(1) 26) م: عن.
(2) 27) يستخلص في رأي الإباضيّة أنّ مرادهم بالصّراط المستقيم، هو دين الله القيّم الذي افترض على عباده والعدل الذي أنزله، (وهو دقيق لا يوافق الملك، ولا الهوى، ولا الشّهوات، ولذلك شبّهوه بحدّ السّيف المرهف) وبعبارة أخرى فإنّ الصّراط هو الدّين، والدّين دقيق لا يميّزه إلاّ ذو الحجى والنّهى. وأمّا الميزان فهو عندهم العدل والحقّ الذي وضعه الله بين خلقه يوم القيامة (فلا تظلم نفس شيئا)(الأنبياء47) ، في ذلك اليوم وقال الله في الأنبياء { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } والمراد من ذلك، العدل بين عباده، به أرسل الله الرسل، وهذا بخلاف معنى الميزان الذي يذهب إليه المخالفون لهم من أهل السنة، من اعتباره ميزانا توزن فيه أفعال العباد.
وقد تأوّل جل الإباضيّة معاني الصراط والميزان واعتبروها مجازية أخرجوها من دلالاتها اللفّظية الواضحة. وهو ما يلاحظ عندهم كذلك بخصوص استواء الله على العرش مثل ما بيّنا سابقا في موضعه.
ويختلف الإباضيّة والأشاعرة في مسألة الشّفاعة، فالأشاعرة يثبتون الشّفاعة لأهل الكبائر ويحتجون بحديث الرّسول « شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي » أمّا الإباضيّة فيردّون عليهم بحديثه - صلى الله عليه وسلم - « لا ينال شفاعتي أهل الكبائر من أمّتي.. » وبآية الشّفاعة من سورة البقرة: 48 وسورة غافر: 18. ويتفق الإباضيّة مع المعتزلة الذين هم أيضا ينكرون الشّفاعة لأهل الكبائر، ويتعارضون مع الأشعريّة وغيرهم في هذا الموضوع. والإباضيّة يقولون: أنّ مرتكب الكبيرة أيّ الكافر كفر نعمة، يخلد في النّار إذا لم يتب، وليس لله أن يعفو عنه، وبذلك يكونوا قد ألزموا الله عزّ وجلّ، تأسّيا منهم بالمتعزلة. انظر في هذا: التعاريتي الجربي: " المسلك المحمود في معرفة الرّدود ". (السابق)، ص64، وما بعدها. خميس بن سعيد الرستاقي: " منهج الطاليبن وبلاغ الرّاغبين " (تحقيق سالم بن حمد الحارثي)، طبعة وزارة التّراث القومي والثّقافة، سنة 1979، ج1/499 إلى 521. عبد العزيز المصعبي: كتاب" معالم الدين"، (السابق)، ج2/189-192. الرّبيع بن حبيب: " الجامع الصحيح (السابق)، ج4/278-280، من حديث رقم 1001 إلى 1004. عبد العزيز الثميني على شرح قصيدة النونيةّ للشيخ أبي نصر فتح بن نوح الملشاوي (ق7هـ)، طبعة حجريّة بغرداية، الجزائر، سنة 1981 م، ص297 (1/163)
صفحة 164
والله الموفق للصواب.
وأمّا ضغطة القبر وعذابه:
فالذي ذكروا جاء في حديث مشهور غير منكور، واختلف النّاس في تفسيره فقال بعضهم: إنّما عذاب القبر في أهل الكفر والنفاق، وليس هو لأهل التّقى والإخلاص، وهو الصّحيح والحقيق. وقال بعض (1) : إنّ ضغطة القبر وعذابه عند معاينة المَلَكِ إِنْ كان الميت من [أهل] (2) سخط الله أتى (3) المَلَكُ بسوء البشارة وما لم يره قط من الفظاعة والغلظة، وجمع عليه العَذَابَ حسرةُ الموت وفراق الأحبابِ ودُنياه وما يرى ممّا يصير إليه من العذاب والهوان الهون، وذلك قول الله: { والتفّت السّاق بالسّاق، إلى ربّك يومئذ المساق } (4) أي اجتمعت الشدّة بالشدّة.
__________
(1) ب: بعضهم.
(2) + من ب، ج، م.
(3) ب: أتاه.
(4) سورة القيامة: 29-30. وكذلك يرى الشّيخ محمد الطّاهر بن عاشور أنّ العرب يستعملون السّاق مثلا في الشّدّة وجدّ الأمر تمثيلا بساق السّاعي أو النّاهض لعمل عظيم، يقولون: قامت الحرب على ساق. فمعنى الآية المذكورة: طرأت مصيبة على مصيبة. انظر: تفسير التّحرير والتّنوير. ج29، ص359. يقول في تفسيرها الشيخ محمد بن يوسف اطفيش: « يقال الساق بالساق، الشدة بالشدّة، وذلك شدّة فراق الدّنيا في شدّة الموت أو شدّة الموت مع شدّة الآخرة، أو تتابعت عليه الشّدائد لا يخرج من شدّة إلاّ دخل الأخرى اشدّ منها. و في قوله تعالى: { إلى ربّك يومئذ المساق } ، قال هي في نحو لا ملجأ من الله، ولا حول عن معاص الله، ولا قوّة على طاعة الله، إذا لم نُنوّن ذلك ويقدّر مضاف أي إلى حكم ربّك أو موعود ربّك من جنّة أو نار والسّائق الملك أو الملائكة. انظر في ذلك بتفصيل أكثر، ج14/318-319، من كتابه " تيسير التّفسير". (1/164)
صفحة 165
وبعضهم يثبتون عذاب القبر، ويروون ذلك عن جابر بن زيد (1) ، وعائشة رضي الله عنهما. ولعلّ معنى هذا في الآخرة كما قال/[61] في الشّهداء: { بل أحياء عند ربّهم يرزقون } (2) واحتجّوا بقول النّاس أنّهم يسمّونه من أهل القبر إذا أشرف على الموت. ويسمّون الميت من أهل الآخرة، لأّنه انقطع من الدنيا عملُهُ وسعيُهُ كما قال الله تعالى { ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربّهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله } (3) . يعني سيرزقون ويحيون في الآخرة، ويستبشرون فيها، ردّا لقول (4) المشركين إذ (5) قالوا للمسلمين: قتلتم أنفسكم باطلا: لا جنّة تحيون فيها ولا نارا تتّقون ألمها. فنسبهم الله إلى ما إليه تصير عاقبتهم: لأنّ كلّ ما هو آت قريب عند الله كأنّه أتى وجاء.
اختلف النّاس فيمن أكل الحرام، هل أكل رزقه أم لا ؟.
__________
(1) قد ترجمنا له سابقا فانظره في مكانه.
(2) سورة آل عمران: 169.
(3) سورة آل عمران: 169، 170.
(4) ج: على.
(5) ج: تزيد، إذ. (1/165)
صفحة 166
قالت الحشوية (1) : من أكل حراما فقد أكل رزقه حراما، ولا يجوز أن يأكل (2) أحد [غير] (3) رزقه حراما أو حلالا، بل رزقه الله إيّاه (4) .
وقال المسلمون ومن وافقهم من الإباضية والمرجئة: من أكل الحرام فقد أكل رزقه غذاء ولم يأكل رزقه ملكا، لأنّ الرّزق رزقان: رزق تغذية، ورزق ملك. فرزق تغذية يعذب عليه إن لم ينتصل (5) .
__________
(1) 9*) هي فرقة من الفرق الإسلاميّة أجمعت على الجبر، لكنها لا تخوض في الكلام والجدل ويعتمدون التقليد وظواهر الروايات والتشبيه ولذلك سميت بالمشبهة وهي تنتسب إلى محمد بن كرام السجستاني (ت255هـ). انظر عنه: النشّار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج1، 346.
(2) 10) ج: يأخذ.
(3) 11) + من ج، م.
(4) 12) يرى أهل السّنّة أنّ الرّزق هو ما ساقه الله للحيوان وانتفع به بأكل أو شرب أو لباس أو مسكن... قال تعالى: { وما من دابّة على الأرض إلاّ على الله رزقها } ولا يسمّى رزقا ما ملك الإنسان ولم ينتفع به. أمّا المعتزلة فيرون أنّ الرّزق هو ما ملكه الإنسان بطريق شرعيّ. وزعموا أنّ الله لا يرزق الحرام كما لا يملك الله الحرام. ويترتّب على تفسير المعتزلة أنّ الذي اكتسب رزقا عن طريق الحرام يعتبره أهل السّنّة رزقا وعند المعتزلة ليس رزقا. بيد أنّ مسألة الرّزق لها علاقة بالقضاء والقدر. ومن واجب الإنسان أن يعتقد أنّ الأرزاق مخلوقة لله ومحدّدة، لا تنقص ولا تزيد، وهذا حافز على عدم الخوف من الجهاد خشية الموت وانقطاع الرّزق. انظر القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ص784-785.
(5) 13) راجع في هذا الموضوع بزيادة تفصيل، كتاب الإرشاد لإمام الحرمين الجويني. طبعة مكتبة الخانجي بمصر. سنة 1950م، ص364 وما بعدها. البغدادي: أصول الدّين، ص144-145. القاضي عبد الجبّار: شرح الاصول الخمسة، ص784 وما بعدها، الأشعري: مقالات الإسلاميين، ص257. الشّهرستاني: نهاية الإقدام في علم الكلام، تحقيق الفرد جيوم، بدون تاريخ، ص415 و 416. (1/166)
صفحة 167
وقال عيسى بن عمير (1) ومن وافقه من الإباضية والمعتزلة: من أكل الحرام فقد أكل رزق الله، وعاش برزق الله، ولا يقال: رزقه الله إيّاه: لأنّ تأويل رزقه الله له، أي أعطاه. ولو كان ذلك كذلك لسقطت عنه التّباعة –زعموا-. وحجّتنا في هذا بيّنة: لأّن الله مالك لكل شيء، وله كلّ شيء، ولا يعيش أحد بغير ما رزقه الله [ إيّاه [ أي ملّكه له ] (2) أي جعله له غذاء يغذّي به جسمه ويربيه] (3) أو رزقه الله له أي: ملكه له. واختلف فيمن دخل زَرْعَ قوم بفساد حراما أو غيره من المعاصي ممّا لا يمكنه الخروج منه إلاّ بفساد، أو استلذّ بحرام/[62] ثم ندم وأراد التّوبة هل تمكنه التوبة على ذلك أم لا ؟.
قال بعض الإباضية ومن وافقهم من المرجئة والمعتزلة: عليهم الخروج ممّا دخلوا فيه وإن أفسدوا واستلذّوا فلا شيء عليه في الغرم لأنّهم تائبون. كأنّهم أباحوا الاستلذاذ بفروج الحرام والفساد في أموال النّاس.
__________
(1) 14) يذكر عنه كتاب السّير من الإباضيّة أنّه تزعّم فرقة يقال لها العمريّة – لم تتّفق مع الإباضيّة في المذهب – وزعم وفرقته أنّه من الإباضيّة بل وكانوا يسندون مذهبهم إلى عبد الله مسعود التّجيبي. وذلك في عهد عبد الله بن إباض الإمام السّياسي للفرقة الإباضيّة المتوفّي سنة 86هـ/705م. انظر أبو زكريا: السّيرة وأخبار الأئمّة، (السابق)، ص91. وانظر: رسالة في بيان كلّ فرقة. لأبي عمرو عثمان بن خليفة السّوفي الإباضي. (بتحقيقنا)، (السابق)، ص299 وهامش 100 ص317. الدّرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب، ج1/47. اطفيش (محمد بن يوسف): رسالة شافية في بعض التواريخ، ص51.
(2) 15) + من ج.
(3) 16) ما بين معقوفتين سقط من ج. (1/167)
صفحة 168
وقال أصحابنا: عليهم [الخروج] (1) بما هم فيه من ذلك كلّه ولا يعذرون فيما افسدوا واستلذّوا، لأنّ ذلك كلّه عن سببه قام، كما لا يعذر السكران فيما فعل في سكره، ومن رمى نفسه على جبل فتردّى فيه على إنسان أو غيره فأفسده، أو قتل نفسا فلا يعذر في ذلك كلّه، ومثله من المسبّبات. ومثل ذلك كرجل رمى رجلا بسهم فندم قبل أن يقع السهم فيه، أو مات الرّامي قبل موت المرمي فلا يكون له في ذلك مخرج. كما أنّ من أحدث في الإسلام حدثا أنّه يؤخذ بعمل من اتّبعه إلى يوم القيامة، لقول الله عزّ وجلّ: { ينبّأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخّر } (2) من سيرة حسنة أو سيّئة، وسنّة جميلة أو قبيحة.
وقوله: { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلّونهم بغير علم } (3) . وقال: { ونكتب ما قدّموا وآثارهم } (4) ، ومثل هذا كثيرا ممّا اجتمعت عليه العلماء. ورجل نام عن صلاة في وقتها متعمّدا أو ترك غسلها ووظائفها حتّى إذا لم يبقى من الوقت قدر ما يتمها فيه فندم. ورجل ضيّع السّير إلى الحجّ، واستطاع السبيل حتّى قطع الحجّاج مناسكهم فيلزمه الحجّ لا يعذر بتركه. وكذلك من تمادى على المعاصي حتى يحضره الموت فأراد الخروج عنها فلا سبيل له إلى ما أراد من ذلك كما قال الله تعالى في فرعون وغيره من أشكاله: { وليست التوبة للذين يعملون السيّئات } الآية (5) .
واختلف النّاس/[63] فيمن قُتِل مظلوما هل مات قبل أجله أوْ فِي أجله ؟.
__________
(1) 17) + من ج.
(2) 18) سورة القيامة: 13.
(3) 19) سورة النّحل: 25.
(4) 20) سورة يس: 12.
(5) 21) سورة النّساء: 18. (1/168)
صفحة 169
قالت المعتزلة ومن قال بقولهم – وتطرّقوا في ذلك واحتجّوا وقالوا: - لو مات في أجله فلا يؤاخذ به. وحكى عن الحسن البصري أنّه قال في أولاد أيّوب عليه السّلام: « الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثمّ أحياهم » (1)
__________
(1) 22) سورة البقرة: 243. يذكر الشّيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره عدّة اختلافات في المراد من هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم. فيقول: والأظهر أنّهم خرجوا خائفين من أعدائهم فتركوا ديارهم جبنا، وقرينة ذلك عنده قوله تعالى: { وهم أُلوف } فإنّه جملة حال وهي محلّ التّعجّب، وإنّما تكون كثرة العدد محلاّ للتّعجيب إذا كان المقصود الخوف من العدوّ، فإنّ شأن القوم الكثيرين ألاّ يتركوا ديارهم خوفا وهلعا. والعرب تقول للجيش إذا بلغ الألوف « لا يغلب من قلّة » فقيل هم من بني إسرائيل خالفوا على نبيء لهم في دعوته إيّاهم للجهاد ففارقوا وطنهم فرارا من الجهاد، وهذا الأظهر، فتكون القصّة تمثيلا لحال أهل الجبن في القتال، بحال الذين خرجوا من ديارهم بجامع الجبن وكانت الحالة المشبّه بها أظهر في صفة الجبن وأفظع، مثل تمثيل حال المتردّد في شيء بحال من يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى. فلا يقال إنّ ذلك يرجع إلى تشبيه الشّيء بمثله. وهذا أرجح الوجوه لأنّ أكثر أمثال القرآن أن تكون بأحوال الأمم الشّهيرة وبخاصّة بني إسرائيل. وذكر الشّيخ ابن عاشور عدّة افتراضات ينتهي في الآخر فيقول: والمقصود من هذا موعظة المسلمين بترك الجبن، وأنّ الخوف من الموت لا يدفع الموت، فهؤلاء الذين ضرب بهم هذا المثل خرجوا من ديارهم خائفين من الموت، فلم يغن خوفهم عنهم شيئا، وأراهم الله الموت ثمّ أحياهم، ليصير خُلُقُ الشّجاعة لهم حاصلا بإدراك الحسّ. انظر: التّحرير والتّنوير ج2، ص477، 478، 479، 480..وانظر تفسير هذه الآية في كتاب: تيسير التفسير للقرآن الكريم، للشيخ محمد بن يوسف اطفيش، طبعة وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، سنة 1986م، ج1/386-387. (1/169)
صفحة 170
أنّه أماتهم قبل آجالهم [ فأحياهم ليستوفوا بقية آجالهم في زعمه. وقول المسلمين في ذلك: إنّ النّاس لا يموتون قبل آجالهم ] (1) ولا يأكلون غير أرزاقهم لقول الله عزّ وجلّ: { قد جعل الله لكل شيء قدرا } (2) يعني وقتا لا يتقدّمهم (3) ولا يتأخّر عنهم (4) كما قال { ما تسبق من أمّة أجلها وما يستأخرون } (5) ومثل هذا في القرآن كثير.
__________
(1) 23) ما بين معقوفتين سقط من ج.
(2) 24) سورة الطّلاق: 03.
(3) 25) ج: يتقدّمه.
(4) 26) ج: عنه.
(5) 27) سورة الحجر: 05. (1/170)
صفحة 171
ويسأل هؤلاء عن قولهم في أجله، هل علم الله ذلك الأجل الذي مات فيه وكتبه في اللّوح المحفوظ ووعد له أن يعيش إلى ذلك الوقت ؟ أو جعل له أجلين فمات (1) دون الآخر منهما، فما معنى أجله الآخر إذا علم أنّه لا يدركه ولم يكتبه ولم يعده له ؟ وإن قالوا: لا يعلمه. فقد وصفوه بالجهل وبخلف الوعد تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. وألجأهم إلى هذا فرارا أن يكون لله في أفعال العباد منع، أو يكلّفهم ما لا يستطيعون (2) .
__________
(1) 28) بعده بياض في ت. والكلام متّصل في ب، ج، م.
(2) 29) قال عبد القاهر البغدادي: يتّفق أصحابنا أنّ كلّ من مات حتف أنفه أو قتل، فإنّما مات بأجله الذي جعله الله عزّ وجلّ أجلا لعمره. والله قادر على إبقائه والزّيادة في عمره لكنّه إذا لم يبقه إلى مدّة لم يكن المدّة التي يبق إليها أجلا له. كما أنّ المرأة التي لم يتزوّجها قبل موته لم تكن إمرأة له وإن أمكن أن يتزوّجها لو لم يمت. واختلفت القدريّة في هذه المسألة: فقال أبو الهذيل فيها مثل قول (البغدادي) وهو أنّ المقتول لو لم يقتل مات في وقت قتله بأجله. لأنّ المدّة التي لم يعش إليها لم تكن أجلا له ولا من عمره. وقال الجبائي أيضا فيمن علم الله منه أنّه يقتل لعشرين سنة أنّ الوقت الذي يقتل فيه أجل له وهو أجل موته، ولا يجوز أن يكون له أجل آخر إلاّ على تقدير الإمكان. وزعم الباقون من القدريّة أنّ المقتول مقطوع عليه أجله. فجعلوا العباد قادرين على أن الزيادة في أجل آخر لم يقدروا على النقصان ممّا أجله الله عزّ وجلّ ووقّته. ولو جاز ذلك لجاز أن يزيدوا في أجل من قضى الله له أجلا محدودا وإذا لم يقدروا على الزيادة في أجل آخر لم يقدروا على النقصان منه. انظر، أصول الدّين: ص142/143. وانظر القاضي عبد الجبّار، شرح الأصول الخمسة، ص782–783. الأشعري: مقالات الإسلاميين ص256-257. (1/171)
صفحة 172
وقد أتينا على النّقض عليهم في ذلك كلّه، والحمد لله ربّ العالمين على ما بصّرنا من دينه، ونسأله أن يمنّ علينا بالإتّباع ويعصمنا من الابتداع (1) وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلّى الله على سيّدنا محمّد خاتم النّبيئين والمرسلين، وعلى جميع الأنبياء والملائكة المقرّبين.
ملحق عدد 1
أصول الدّيانات لأبي عامر بن علي الشماخي (2)
قال: «... وإنّما جاء اختلاف النّاس من قبل تسعة أصول وهي: التّوحيد، والعدل، والقدر، والولاية والعداوة والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، وأن لا منزلة بين المنزلتين، والأسماء والأحكام ».
- ندين بأنّ الله ليس كمثله شيء، في صفة، ولا في ذاعت، ولا في فعل.
- وندين بأنّه لا يرى في الدنيا وفي الآخرة « لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللّطيف الخبير ».
- وندين بأنّه استوى على العرش، وعلى كلّ شيء استواء غير معقول، صفة له لم يزل ربنا موصوفا بها.
- وندين بأنّه في كلّ مكان بالحفظ، والقدرة، وبكونه في الأشياء، مع الأشياء، بالإحاطة لها، وبالزيادة والنقصان لا على الحلول والتّمكّن والاجتنان.
- وندين بأنّ أسماءه هو، وبأنّ صفاته هو، عالم بذاته، وقادر بذاته، ومريد بذاته، وسميع بذاته، وبصير بذاته، ومتكلّم بذاته. فالصّفات.
- وندين بأنّ الله عدل لا ينسب إليه الجور في حكم ولا في فعل.
- وندين بتصويب أهل النّهر الذين أنكروا على عليّ تحكيم الحكمين بعد حكم الله تعالى في الفئة الباغية حين قال: « فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله».
__________
(1) 30) ب، ج، تزيد: والحمد لله ربّ العالمين.
(2) هو أبو ساكن عامر بن علي يسفاو الشماخي، من بني يفرن بجبل نفوسة طرابلس، ليبيا (ت792هـ/1390م). انظر عنه: الشّماخي، السير، ص559. علي يحيى معمر: الإباضيّة في موكب التّاريخ، ج2/113 وما بعدها. (1/172)
صفحة 173
- وندين بأنّ الله: « لا يظلم النّاس شيئا ولكنّ النّاس أنفسهم يظلمون » ومعناه لا يؤاخذهم بغير ما اكتسبوه ولا يعذبهم بغير ما اجترموه.
- وندين بأنّ أفعال العباد اكتسبوها وعملوها، ولم يجبروا عليها ولم يضطروا إليها.
- وندين بأنّ القدر خيره وشرّه من الله.
- وندين بأنّ الله خالق أفعال العباد، ومحدثها ومريدها.
- وندين بأنّ الله خالق كلامه، ووحيه، ومحدثه وجاعله، ومنزله.
- وندين بأنّ الله موال أوليائه، ومعاد لأعدائه.
- وندين بأنّ ولاية الله وعداوته لا تتغايران بتغيّر الأزمان، ولا تتقلبان بتقلب الأحوال.
- وندين بولاية المسلمين كافّة، وبراءة الكافرين كافّة.
- وندين بولاية الذين ذكرهم الله في كتابه أنهم من أهل الجنة
- وندين ببراءة الذين ذكرهم الله في كتابه أنهم أهل النار.
- وندين بولاية المخصوص الموفى، وببراءة المخصوص المرتكب الكبائر.
- وندين ببراءة المخالفين النافين لما في أيدينا ممّا ندين به من دين ربنا.
- وندين بأنّ الولاية لا يزيحها إلاّ البراءة. والبراءة لا تزيحها إلاّ الولاية.
- وندين أنّ الوقوف فريضة عند معرفة الشّخص الذي لم يعرف عنه إيمانا ولا كفرا.
- وندين بأنّ الله تعالى أمر بطاعته، ونهى عن معصيته.
- وندين بأنّ طاعة الله كلّها إيمانا، وليست معصيته كلّها كفر.
- وندين بأنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجب في كلّ زمان على قدر الطّاقة.
- وندين بأنّ الإمامة واجبة على كلّ النّاس إذا قدروا عليها.
- وندين بأنّ الله صادق في وعده ووعيده.
- وندين بتخليد أهل الجنّة في الجنّة، وأهل النّار في النّار.
- وندين بأنّ الجنّة والنّار دائمتان لا تفنيان أبدا.
- وندين بأنّ ثوابه لأوليائه في الآخرة وعقابه لأعدائه في الآخرة لا يشبه ثوابه وعقابه في الدنيا.
- وندين بأنّ منزلة النّفاق بين منزلة الإيمان، ومنزلة الشّرك.
- وندين أنّ المنافقين ليسوا بمؤمنين ولا بمشركين. (1/173)
صفحة 174
- وندين بأن المشركين ليسوا بمؤمنين ولا بمنافقين.
- وندين أنّ المؤمنين ليسوا بمنافقين ولا بمشركين، ومن أسمى كلّ واحد منهم باسم صاحبه فقد كفر.
- وندين بأنّ لا منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر.
- وندين بتكفير من زعم أنّ طاعة الله كلّها توحيد، ومعصيته كلّها شرك.
- وندين بتكفير من زعم أنّ الإيمان كلّه توحيد، والكفر كلّه شرك.
- وندين أنّ الله يغفر الصّغائر لمن اجتنب الكبائر، ولا يغفر الصّغائر إلاّ بالتّوبة.
- وندين بتكفير المرأة الفاسقة التي تؤتى فيما دون فرجها.
- وندين بتكفير أهل التّأويل المخطئين في تأويلهم.
- وندين أن الأسماء تابعة للأحكام.
- وندين أن أحكام الموحدين ليست كأحكام المشركين، وأحكام المشركين ليست كأحكام الموحدين.
- وندين أنّ أحكام الموحدين بينهم واحدة إلاّ في الولاية والتّسمية بالإيمان فإنّها لا يستحقّها إلاّ المؤمن الموفي بدينه.
- وندين أنّ أهل الكتاب: اليهود والنّصارى والصّابئين ليسوا بمؤمنين ولكنّهم مشركون.
- وندين بتكفير من بدّل أحكام الله وأحكام رسوله.
- وندين بتكفير من أنكر الرّأي والسّنّة.
- وندين أنّ حجّة الله على عباده الكتب والرّسل.
- وندين بأن لا هجرة بعد فتح مكّة. وندين بأنّ معرفة الله لا تنال بالتفكر وبالاضطرار، وإنّما تنال بالاكتساب والتّعليم. وذلك يصحّ بعد مخبر ومنبه على ذلك.
انتهى متن الدّيانات
الفهارس
? فهرس الآيات القرآنيّة
? فهرس الأحاديث النّبويّة
? فهرس الأعلام
? فهرس القبائل والفرق والملل والأجناس
? فهرس الأماكن
? فهرس المصادر والمراجع
? فهرس الموضوعات
فهرس الآيات
السورة ... الآية ... رقمها ... الصفحة
الفاتحة ... { اهدنا الصراط المستقيم... } ... 6/7 ... 182
البقرة ... { أبى واستكبر وكان من الكافرين } ... 34 ... 118
{ واتقوا يوما لا تجزى نفسا } ... 48/123 ... 185
{ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك } ... 55 ... 58
{ فلولا فضل الله عليكم ورحمته } ... 64 ... 164
{ (1/174)
صفحة 175
لن تمسنا النار إلاّ أيّاما معدودة } ... 80 ... 95
{ إن الله عدوّ للكافرين } ... 98 ... 118
{ عدوّ للكافرين } ... 98 ... 186
{ يلي من أسلم وجهه لله } ... 112 ... 81
{ لا ينال عهدي الظالمون } ... 124 ... 186
{ وان تقولوا على الله ما لا تعلمون } ... 131 ... 173
{ قولوا آمنا } ... 136 ... 173
{ ان الذين يكتمون ما أنزلنا } ... 159 ... 128
{ اذ تبرّأ الذين اتّبعوا } ... 166 ... 144
{ وما هم بخارجين من النار } ... 167 ... 96
{ وقاتلوهم حتى تكون فتنة } ... 193 ... 125
{ أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } ... 237 ... 77
{ الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف } ... 243 ... 194
{ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من } ... 257 ... 77
{ ربي الذي يحيي ويميت } ... 258 ... 72
{ فإنّ الله يأتي بالشّمس من المشرق } ... 258 ... 72
{ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ... 262/274 ... 182
{ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ... 277 ... 182
آل عمران ... { منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب } ... 7 ... 64
{ ويحذركم الله نفسه } ... 28 ... 80
{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء } ... 28 ... 131
{ وجيها في الدنيا والآخرة } ... 45 ... 81
{ وجه النهار } ... 72 ... 81
{ لا يهدي القوم الظالمين } ... 86 ... 117
{ ولله على النّاس حجّ البيت } ... 97 ... 153
{ واعتصموا بحبل الله جميعا } ... 103 ... 117
{ ولتكن منكم أمّة يدعون } ... 104 ... 129
{ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } ... 106 ... 108
{ كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس } ... 110 ... 129
{ أعدّت للكافرين } ... 131 ... 117
{ وجنة عرضها السماوات والأرض } ... 133 ... 116
{ ليمحص الله الذين آمنوا } ... 141 ... 127
{ الله يحب المحسنين } ... 148 ... 116
{ بل أحياء عند ربّهم يرزقون } ... 169 ... 190
{ ولا تحسبن الذي قتلوا في سبيل الله } ... 169/170 ... 190
{ فنبذوه وراء ظهورهم } ... 187 ... 88
النساء ... { وليست التوبة للذين يعملون } ... 18 ... 194
{ ومن لم يستطع منكم طولا } ... 25 ... 153
{ ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } ... 31 ... 140
{ وما ملكت أيمانكم } ... 36 ... 78
{ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به أحد } ... 48/116 ... 140
{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم } ... 83 ... 164
{ ومن يبتغ غير سبيل المؤمنين نوله } ... 115 ... 126
{ (1/175)
صفحة 176
وأن تقوموا لليتامى بالقسط } ... 127 ... 127
{ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء } ... 143 ... 36-99/100
{ ويسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم } ... 153 ... 58
{ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } ... 153 ... 57
{ فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } ... 153 ... 57
{ رسلا مبشرين ومنذرين } ... 165 ... 137-148
{ ولا تقولون على الله إلاّ الحقّ } ... 171 ... 173
{ فما لكم في المنافقين فئتين } ... 188 ... 101
المائدة ... { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا } ... 15 ... 148
{ نحن أبناء الله وأحبّاؤه } ... 18 ... 95
{ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا } ... 19 ... 148
{ من لم يحكم بما أنزل الله } ... 44/45-47 ... 128
{ ومن يتولهم منكم فإنّه منهم } ... 51 ... 130
{ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل } ... 78/79 ... 128
الأنعام ... { وجعل الظلمات والنور } ... 1 ... 76
{ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ... 01 ... 63
{ وهو الله في السماوات وفي الأرض } ... 3 ... 69
{ لا أحبّ الآفلين } ... 76 ... 73
{ ما أنزل الله على بشر من شيء } ... 91 ... 169
{ وما قدروا الله حقّ قدره } ... 91 ... 74
{ وخلق كلّ شيء وهو بكلّ شيء عليم } ... 101 ... 82
{ خالق كلّ شيء } ... 102 ... 168
{ لا تدركه الأبصار } ... 103 ... 180-197
{ وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا } ... 105 ... 35
{ إن هذا صراطي مستقيما } ... 153 ... 182
الأعراف ... { و إذا قرئ القرآن فاستمعوا له } ... 04 ... 170
{ وما كنّا غائبين } ... 07 ... 70
{ والوزن يومئذ الحقّ } ... 8 ... 60-187
{ لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم } ... 16 ... 183
{ كما بدأكم تعودون فريقا... } ... 30 ... 108
{ ربّ أرني أنظر إليك } ... 143 ... 57
{ لن تراني ولكن انظر إلى الجبل } ... 143 ... 58-181
{ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } ... 155 ... 59
{ واتبعوا النور الذي أنزل معه } ... 157 ... 65
{ ومن يضلل الله فلا هادي له } ... 186 ... 158/159
{ خذ العفو وآمر بالمعروف } ... 199 ... 129
الأنفال ... { إنّ أولياؤه إلاّ المتّقون } ... 34 ... 116-118
{ ويكون الدين كله لله } ... 39 ... 125
{ وأعملوا أن ما غنمتم } ... 41 ... 127
{ ليهلك من هلك عن بيّنة } ... 43 ... 64
التوبة ... { فأجره حتى يسمع كلام الله } ... 06 ... 170-172
{ خالدين فيها أبدا } ... 22 ... 96
{ (1/176)
صفحة 177
لا يهدي القوم الفاسقين } ... 24 ... 117
{ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله } ... 33 ... 63
{ لا يهدي القوم الكافرين } ... 37 ... 117
{ لا يأتون الصلاة إلاّ وهم كسالي } ... 54 ... 104
{ فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا } ... 58 ... 101
{ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم } ... 64 ... 105
{ لهم عذاب مقيم } ... 68 ... 96
{ ومنهم من عاهد الله لئن أتانا } ... 75/77 ... 102
{ الذين يلمزون المطوعين } ... 79 ... 103
{ وقالوا لا تنفروا في الحرّ } ... 81 ... 104
{ قل نار جهنم أشدّ حرّا } ... 81 ... 104
{ جزاء بما كانوا يكسبون } ... 82 ... 88
{ ومن أهل المدينة مردوا على النّفاق } ... 101 ... 99
{ خذ من أموالهم صدقة } ... 103 ... 127
{ اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا ... 107 ... 105
{ فلما تبيّن له أنه عدوّا لله.... } ... 114 ... 131
يونس ... { سبحانه وتعالى عما يشركون } ... 18 ... 24-73-74
{ لا يظلم الناس شيئا } ... 44 ... 31-88-89-198
هود ... { ما كانوا يستطيعون السمع } ... 20 ... 154
{ يا نوح أهبط بسلام منّا } ... 48 ... 121
{ فمنهم شقي وسعيد } ... 105 ... 107-108
{ عطاء غير مجذود } ... 108 ... 96
يوسف ... { وألا تصرف عني كيدهن } ... 33 ... 165
{ فصرف عنه كيدهنّ } ... 34 ... 165
{ الواحد القهار } ... 39 ... 76
{ إنّ النفس لأمّارة بالسّوء } ... 53 ... 164/165
{ معاذ الله أن نأخذ إلاّ من وجدنا } ... 79 ... 88
لا يضيع أجر المحسنين } ... 90 ... 116
الرّعد ... { وكلّ شيء عنده بمقدار } ... 08 ... 162
{ أم جعلوا لله شركاء } ... 16 ... 86
{ قل الله خالق كلّ شيء } ... 16 ... 86-168
{ الواحد القهار } ... 16 ... 76
{ ومن يضلل الله فما له من هاد } ... 32 ... 158
أكلها دائم وظلّها } ... 35 ... 96
إبراهيم ... { وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان } ... 04 ... 71
{ الواحد القهار } ... 48 ... 76
الحجر ... { ما تسبق من أمّة أجلها } ... 05 ... 195
{ إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان } ... 42 ... 165
{ وما هم منها بمخرجين } ... 48 ... 96
النحل ... { سبحانه وتعالى عما يشركون } ... 1 ... 24-73-74
{ ليحملوا أوزارهم كاملة } ... 25 ... 193
{ فأتى الله بنيانهم من القواعد } ... 26 ... 80-179
{ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } ... 32 ... 88
{ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله } ... 98/99 ... 165 (1/177)
صفحة 178
الإسراء ... { ولا تقف ما ليس لك به علم } ... 36 ... 149
{ تسبّح له السماوات السبع } ... 44 ... 74
{ وإن من شيء إلاّ يسبّح بحمده } ... 44 ... 74
{ فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } ... 48 ... 154
{ عسى ربك أن يبعثك مقاما } ... 79 ... 184
{ ولئن شئنا لنذهبنّ } ... 86 ... 54-171
{ وما منع الناس أن يؤمنوا } ... 94 ... 157
الكهف ... { ولا تقولون لشيء اني فاعل } ... 23/24 ... 85
{ فمن شاء فليؤمن } ... 29 ... 88
{ إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملا } ... 30 ... 92
{ هشيما تذروه الرياح } ... 45 ... 96
{ إنك لن تستطيع معي صبرا } ... 67 ... 155
{ ستجدني إن شاء الله صابرا } ... 69 ... 156
{ شيئا نكرا } ... 74 ... 161
{ ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي } ... 75 ... 156
مريم ... { أولئك الذين أنعم الله عليهم } ... 58 ... 182
{ هل تعلم له سميا } ... 65 ... 23-69-76
{ يوم نحشر المتقين إلى الرحمان } ... 85-86 ... 182
{ لا يملكون الشفاعة إلا من } ... 87 ... 186
{ لقد جئتم شيئا إدّا } ... 89
طه ... { ولتصع علي عيني } ... 39 ... 79-80
{ ربّنا الذي أعطى كل شيء خلقه } ... 50 ... 72
{ فنسي ولم نجد له غرما } ... 115 ... 140
{ ولو أنّا أهلكناهم بعذاب } ... 134 ... 148
الأنبياء ... { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم } ... 07 ... 142
{ ولا يشفعون إلاّ لمن أرتضى } ... 28 ... 185
{ لا تظلم نفس شيئا } ... 47 ... 60-187
{ ومن يعمل من الصالحات وهو } ... 94 ... 116
{ لا يسمعون حسيسها } ... 102 ... 182
الحج ... { هو سمّاكم المسلمين من قبل } ... 78 ... 121
المؤمنون ... { وما كان معه من إله إذا لذهب } ... 92 ... 86
النور ... { لا تأخذكم بهما رأفة } ... 02 ... 186
{ وليشهد عذابهما طائفة } ... 02 ... 134
{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ... 21 ... 164
{ إن الله هو الحق المبين } ... 25 ... 88
{ توبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون } ... 31 ... 140
{ الله نور السماوات والأرض } ... 35 ... 24-75
{ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح } ... 35
{ والذين كفروا أعمالهم كسراب } ... 39
{ أو كظلمات في بحر لجيّ } ... 40
الفرقان ... { وخلق كل شيء فقدرّه تقديرا } ... 02 ... 82
{ ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظلّ } ... 45 ... 58-178
الشعراء ... { فضلت أعناقهم لها خاضعين } ... 04 ... 179
{ (1/178)
صفحة 179
وما يأتيهم من ذكر من الرحمان } ... 5 ... 53
{ رب السماوات والأرض وما بينهما } ... 26 ... 73
{ ربكم ورب آبائكم الأولين } ... 26 ... 73
{ رب المشرق والمغرب وما بينهما } ... 28 ... 73
{ فإن عصوك فقل إني بريئ } ... 216 ... 131
النمل ... { فناظرة بما يرجع المرسلون } ... 35 ... 177
{ ليبلوني ءأشكر أم أكفر } ... 40 ... 107
القصص ... { لا تهدي من أحببت } ... 56 ... 158-159
{ كلّ شيء هالك إلاّ وجهه } ... 88 ... 81
الروم ... { كل حزب بما لديهم فرحون } ... 32 ... 63
لقمان ... { يوم لا يجزي والد عن ولده } ... 33 ... 185
السجدة ... { ناكسوا رؤوسهم عند ربهم } ... 12 ... 80-179
{ جزاء بما كانوا يعملون } ... 17 ... 88
{ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا } ... 18 ... 109-133
الأحزاب ... { ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غرورا } ... 12 ... 105
{ أشحّة على الخير } ... 19 ... 104
{ أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم } ... 19 ... 104
{ وما زادهم إلاّ إيمانا وتسليما } ... 22 ... 105
{ لئن لم ينته المنافقون } ... 60/62 ... 138
{ وكان عند الله وجيها } ... 69 ... 81
{ ليعذب الله المنافقين والمنافقات } ... 73 ... 99
يس ... { ونكتب ما قدّموا وآثارهم } ... 12 ... 193
{ لا تظلم نفس شيئا } ... 54 ... 187
{ إنما أمره إذا أراد شيئا } ... 82 ... 70/71
الصافات ... { ولو لا نعمة ربي لكنت من المحضرين } ... 57 ... 165
{ إني ذاهب إلي ربي سيهديني } ... 99 ... 25-80
ص ... { واذكر عبدنا داوود ذا الأيدي } ... 17 ... 77
{ أم نجعل المتقين كالفجار } ... 28 ... 133
{ أولى الأيدي والأبصار } ... 45 ... 77
{ الواحد القهار } ... 65 ... 76
الزمر ... { الواحد القهار } ... 04 ... 76
{ لا يخلف الميعاد } ... 20 ... 33-91
{ ومن يضلل الله فما له من هاد } ... 23-36 ... 158
{ في جنب الله } ... 56 ... 76-79
{ خالق كلّ شيء } ... 62 ... 168
غافر ... { فاغفر للذين تابوا } ... 07 ... 186
{ الواحد القهار } ... 16 ... 76
{ ومن يضلل الله فما له من هاد } ... 33 ... 158
{ إن المسرفين هم أصحاب النار } ... 43 ... 117
فصلت ... { أعملوا ما شئتم } ... 40 ... 88
{ وما ربك بظلام للعبيد } ... 46 ... 31-88
الشورى ... { ليس كمثله شيء } ... 11 ... 23—33-66-69-71-88-90-91-140-158
{ ألاّ إنّ الظالمين في عذاب مقيم } ... 45 ... 117 (1/179)
صفحة 180
الزخرف ... { الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ } ... 67 ... 186
{ إنّكم ماكثون } ... 77 ... 96
{ إلاّ من شهد بالحق وهم يعلمون } ... 86 ... 173
الدخان ... { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا } ... 41 ... 185
الجاثية ... { والله ولي المتقين } ... 19 ... 118
الأحقاف ... { إنّا سمعنا كتابا أنزل } ... 30 ... 170
محمد ... { واستغفر لذنبك وللمؤمنين } ... 19 ... 130
الفتح ... { يد الله فوق أيديهم } ... 10 ... 24-76-78
{ ولولا رجال مؤمنون ونساء } ... 25 ... 121
{ رحماء بينهم } ... 29 ... 130
الحجرات ... { فقاتلوا التي تبغي } ... 09 ... 125-138
{ يمنون عليك أن أسلموا } ... 17 ... 78
ق ... { وأقرب إليه من حبل الوريد } ... 16 ... 70
{ وما يبدّل القول لديّ } ... 29 ... 33-91
{ لمن كان له قلب أو ألقى } ... 37 ... 85
القمر ... { تجري بأعيننا } ... 14 ... 24-76-79
{ وكل شيء فعلوه في الزبر } ... 52-53 ... 161
الواقعة ... { لا مقطوعة ولا ممنوعة } ... 33 ... 96
{ ونحن أقرب إليه منكم } ... 85 ... 70
الحديد ... { وهو معكم أينما كنتم } ... 04 ... 69
{ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } ... 25 ... 187
الحشر ... { هو الله الذي لا إله إلاّ هو } ... 22-24 ... 111
الممتحنة ... { يوم القيامة يفصل بينكم } ... 03 ... 187
{ إنّا براء منكم ومما تعبدون } ... 04 ... 131
{ لا تتولوا قوما غضب الله عليهم } ... 13 ... 130
المنافقون ... { وقالوا لا تنفقوا على من } ... 07 ... 105
التغابن ... { خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ... 02 ... 38-107-118
التحريم ... { جاهدوا الكفار والمنافقين } ... 09 ... 124
القلم ... { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } ... 35-36 ... 110-133
الحاقة ... { قول رسول كريم } ... 40 ... 168-169-170
{ لأخذنا منه باليمين } ... 45
الجن ... { إنّا سمعنا قرآنا عجبا } ... 01 ... 170
القيامة ... { ينبّأ الإنسان يومئذ } ... 13 ... 193
{ وجوه يومئذ ناضرة } ... 23 ... 176
{ والتفت الساق بالساق } ... 29-30 ... 189
الإنسان ... { إمّا شاكر وإمّا كفورا } ... 03 ... 107
{ إنما نطعمكم لوجه الله } ... 09 ... 80
عبس ... { وجوه يومئذ مسفرة } ... 38-42 ... 39-108-177
التكوير ... { إن هم إلاّ كالأنعام } ... 19 ... 169-170
{ وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله } ... 29 ... 85 (1/180)
صفحة 181
المطففين ... { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } ... 24 ... 177
الفجر ... { وجاء ربك ... } ... 22 ... 80-179
التكاثر ... { ثم لترونّها عين اليقين } ... 07 ... 79
الفيل ... { ألم تر كيف فعل ربك } ... 01 ... 179
الإخلاص ... { قل هو الله أحد } ... 1-4 ... 66
فهرس الأحاديث النبوية
الحديث ... الصفحة
« احذروا فراسة المؤمن » ... 77
« اطلبوا العلم ولو بالصين » ... 142
« أعطاني ربّي دعوة فاختبأتها » ... 34-93
« اعملوا فكل عامل ميسر » ... 83
« ألا إن الشرك أخفى من دبيب النمل » ... 183
« ألا إن الشرك بضعا وسبعين بابا » ... 183
« اللهم لا تجعل عندي يدا بيضاء » ... 78
« الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جندان » ... 129
« أمرت أن أقاتل الناس » ... 137
« أن تؤمن بالله واليوم الآخر » ... 82
« إنّ المنبتّ لا أرضا قطع » ... 183
« بلوت اليهود فوجدتهم » ... 185
« تركت فيكم ما إن تمسكتم » ... 64
« ترون ربكم لا تضامون في رؤيته » ... 176
« ثلاث من كن فيه فهو منافق » ... 106
« الساكت عن الحق كالناطق بالباطل » ... 129
« ستأتي البقرة وآل عمران لقارئهما » ... 172
« ستأتي فتنة » ... 64
« سترون ربكم لا تضامون » ... 178
« شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » ... 60
« الشقي شقيّ في بطن أمّه » ... 119
« طلب العلم فريضة على كل مسلم » ... 142
« كل شيء بالقدر » ... 83
« كلّ مال يورث حرام غنينمته » ... 139
« لا ينال شفاعتي أهل الكبائر » ... 60
« لا حول ولا قوة إلاّ بالله كنز من كنوز الجنّة » ... 159
« لعنت القدرية على لسان » ... 86
« لكل أمّة مجوس » ... 86
« لكل أمّة يهود، ويهو... » ... 95
« لا يتوارث أهل ملتين » ... 139
« لا ينال شفاعتي أهل الكبائر من أمّتي » ... 185
« المسلم أخو المسلم لا يظلمه » ... 56
« ما من كلام إلاّ وله وجهان » ... 79
« من شادّ هذا الدين يغلبه » ... 183
« من وصف الله بشبه أو مثل » ... 76
« وليذاذن رجال عن حوضي » ... 186
« يا فاطمة بنت رسول الله » ... 60
فهرس الأعلام
الاسم ... الصفحة
- إبراهيم عليه السلام ... 25-72-73-80-131-184
- آدم عليه السلام ... 67-140-143-184
- إبليس ... 118-145
- ابن عباس ... 6-111 (1/181)
صفحة 182
- أبو إسماعيل أيوب ... 10
- أبو بكر الصديق ... 43-125
- أبو خزر يغلا بن زلتاف ... 07-33
- أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ... 7-9-10
- أبو الربيع سليمان الزلفيني ... 10
- أبو زكرياء يحي ابن أبي بكر ... 10-14
- أبو سليمان داود ... 10
- أبو طاهر إسماعيل الجيطالي ... 17
- أبو العباس أحمد الوليلي ... 10
- أبو العباس محمد بن بكر ... 9-10-11
- أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ... 6-30-128
- أبو عمار عبد الكافي ... 33-40
- أبو محمد اللواتي ... 10
- أبو يعقوب الوارجلاني ... 33
- أبو يعقوب يوسف خلفون ... 17
- أحمد بن حنبل ... 54
- أحمد بن الحسين الاطرابلسي ... 7-48-51-144-145-163
- أم ماطوس ... 12
- أيوب عليه السلام ... 194
- بلقيس ... 177
- تبغورين بن داوود الملشوطي ... 5-7-9-10-11-12-13-14-15-17-21-23-25-27-28-29-30-31-33-34-35-36-38-39-40-41-42-43-45-47-48-50-51-52-54-55-56-58-59-60-61
- ثعلبة بن حاطب ... 102
- جابر بن زيد الأزدي ... 5-6-190
- جبريل عليه السلام ... 168-170
- جهم بن صفوان ... 92
- الحسن البصري ... 110-194
- الحسين النجار ... 51-163-166
- الخضر عليه السلام ... 155
- الزبير بن العوام ... 39-109
- داوود عليه السلام ... 77-128
- الدرجيني (أبو العباس) ... 10-14
- سعيد بن عمر التندميرتي ... 18
- سليمان عليه السلام ... 107
- الشماخي (أبو العباس) ... 10-14
- صفية (عمة الرسول) ... 60-185
- طلحة ... 39-109
- عائشة أم المؤمنين ... 6-55-190
- عائشة بنت معاذ ... 10-11-12
- عبد الله مسعود حنبولة الإباضي ... 19-20
- عبد الله اللنتي ... 09
- عبد الله بن يزيد الفزاري ... 48-51-142-148-163-170-
- علي ميلود المرساوني ... 18
- علي بن أبي طالب ... 198
- علي يحيى معمّر ... 15
- عمر بن الخطاب ... 125-127-145
- عمرو خليفة النامي ... 17-19
- عيسى عليه السلام ... 81-128-169-185
- عيسى بن عمير ... 7-48
- فاطمة بنت الرسول ... 18
- فرحات الجعبيري ... 18-20
- فرعون ... 194
- قيصر ... 105
- كسرى ... 105
- ماكسن بن الخير ... 10
- محمد عليه السلام ... 34-60-92-155-168-170-171-184
- محمد الباروني ... 18 (1/182)
صفحة 183
- محمد الطاهر بن عاشور ... 37
- موسى عليه السلام ... 57-58-59-72-155-169-170-181-185
- نوح عليه السلام ... 96-121-184
- يوسف الباروني ... 18
- يوسف عليه السلام ... 89-164
فهرس القبائل والفرق والملل والأجناس
الفرقة ... الصفحة
- الإباضيّة ... 5-6-7-8-10-12-13-14- 17-19- 20-21-22-25-29- 30- 31-32-33-35-36-37-38-39-40-42-43-44-45-46-47-48-49-50-51-53-54-59-60-61-100-157-191
- الأزارقة ... 7- 36-40
- الأشاعرة ... 30-32-33-42-44-50-52-55-59-60-61
- الأغالبة ... 6
- الأنصار ... 126-136-138-141
- أهل التوحيد ... 112
- أهل الجبر ... 146
- أهل الحديث ... 181
- أهل الحق ... 164
- أهل السنة ... 14
- أهل الكتاب ... 124-137-145
- أهل النهر ... 198
- البراهمة ... 48
- البربر ... 6
- بنو إسرائيل ... 57-128
- البيهسية ... 7
- الثنوية ... 85-159
- الجبرية ... 7-29
- الجهمية ... 31-33-92-122
- الحارثية ... 33
- الحسينية ... 7-36-100
- الحشوية ... 33-52-92-133-168-181-182-191
- الحلولية ... 25
- الخوارج ... 7-15-44
- الدهرية ... 25-69-113
- الرافضة ... 122
- الزيدية ... 36-100
- الشكاك ... 33-34-92-93
- الشيعة ... 6-42-59
- الصفرية ... 40-139-140
- العمرية ... 7
- الفاطميون ... 6
- الفلاسفة ... 50
- الفيضية ... 25
- القدرية ... 7-28-29-48-86-144-159
- قريش ... 44
- المالكية ... 33-34-35-93
- المجبرة ... 31-88
- المجسمة ... 25-41
- المجوس ... 25-86-124-136-
- المرجئة ... 7-15-33-38-40-95-96-97-110-133-191
- المزيلة ... 83-161-167
- المشبهة ... 7-14-25-26-52-57-73-80-168-169-176
- المعتزلة ... 6-7-8-14-15-27-29-31-32-33-36-38-39-40-42-43-49-50-51-52-55-59-60-61-83-109-122-152-154-164-168-194
- المعطلة ... 48
- المهاجرون ... 126-136-138-141
- النجداة ... 7
- النصارى ... 185
- النكار ... 7-14-150
- الواصلية ... 14
- اليهود ... 25-57-74-95-105-185
- يوم الجمل ... 138
- يوم الدّار ... 138
- يوم صفين ... 138
فهرس الأماكن
المكان ... الصفحة ... المكان ... الصفحة
- آجلو ... 10-11 ... - طرابلس ... 18
- بدر ... 6-121 ... - القيروان ... 6
- البصرة ... 6 ... - كمبريدج ... 17 (1/183)
صفحة 184
- تونس ... 5-7-14-18-19 ... - ليبيا ... 5-7-12-18
- تينوال ... 12 ... - المدينة المنورة ... 105
- جادو ... 18 ... - مرسان ... 18
- جربة ... 18 ... - المغرب ... 7
- الجزائر ... 5-7-12 ... - مكة ... 201
- درجين ... 14 ... - ملشوطة ... 9
- الرحيبات ... 18 ... - نفطة ... 14
- سلطنة عمان ... 05 ... - وارجلان ... 14
- سوف ... 14 ... -
المصادر والمراجع (1)
- القرآن الكريم.
- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضع محمد فؤاد عبد الباقي، ط. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، سنة 1981م.
- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي-ونسنك-
- كتب الصّحاح، ومسند الإمام الربيع بن حبيب ابن عمر الأزدي البصري الإباضي (ق1هـ).
- ابن حبيب (الربيع)(170/786) : الجامع الصحيح، مسند في الحديث من ترتيب أبي يعقوب الورجلاني، نشر دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت سنة 1388هـ(مجلد واحد به 4 أجزاء).
- ابن خلدون (عبد الرحمان بن محمد)(ت808هـ) : العبر وديوان المبتدأ والخبر، ط. بيروت، سنة 1956م.
- ابن خلفون (أبو يعقوب يوسف المزاتي)(ق6هـ) : كتاب أجوبة ابن خلفون، تحقيق وتعليق د. عمرو خليفة النامي، ط1، دار الفتح للطباعة والنشر، بيوت، سنة 1974م.
- ابن رشيق (القيرواني)(ت456هـ) : العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق د. محمد قرقزان، ط1، دار المعرفة، بيروت، سنة1988م.
- ابن عاشور (محمد الطاهر)(ق20) : التحرير والتنوير، ط1، الدار التونسية للنشر والمؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر (30ج).
- ابن عبد الحكم (عبد الرحمان بن عبد الله)(ت257هـ) : فتوح مصر وأخبارها، تحقيق تشارلزتوري، نيوهايفن، مطبعة جامعة بيل1922م.
- ابن عساكر(علي بن حسن) : تهذيب التاريخ الكبير، ط. دمشق سنة1330هـ/1988م.
__________
(1) توجد قلّة من المخطوطات أو الدوريات داخل المصادر والمراجع، ورمزنا في هذه القائمة إلى الطبعة بـ (ط)، و بدون تاريخ (د.ت)، والجزء (ج)، والقرن (ق)، والهجري (هـ)، والميلادي (م)، والوفاة (ت)، والصفحة (ص). (1/184)
صفحة 185
- ابن كثير(أبو الفداء الحافظ) : البداية والنهاية، ط. دار الكتاب العلمية، بيروت-لبنان سنة 1988م.
- ابن منظور(أبو الفضل جمال الدين) : لسان العرب(15 جزءا)، ط. دار صادر، بيروت، د.ت.
- ابن النديم(أبو الفرج محمد بن اسحاق) (ت385هـ) : كتاب الفهرست، ط.1391/1971م.
- ابن هشام(بين150/153)السيرة النبوية، طبعة منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان سنة 1993م.
- أبو حفص(عمر بن جميع): (8/14). مقدمة التوحيد، بشرح أبي العباس الشماخي وأبي سليمان التلاتي، ط2، 1973م.
- أبو خزر (يغلا بن زلتاف الوسياني)، (ق4هـ) : كتاب الردّ على جميع المخالفين، بتحقيق عمرو خليفة النامي، نسخة مرقونة خلال سنة 1976م بالولايات المتحدة الأمريكية.
- أبو زكرياء (يحيى بن أبي بكر) (ت450/500هـ) : كتاب السيرة وأخبار الأئمّة، تحقيق عبد الرحمن أيوب ط. الدار التونسية للنشر، سنة 1985م.
- أبو عمار عبد الكافي (قبل570/1174) : كتاب الموجز في الكلام، حققه د. عمار الطالبي بعنوان « آراء الخوارج الكلاميّة »، ط1، الجزائر، سنة 1978م.
* كتاب شرح الجهالات، تحقيق ودراسة وتعليق د. ونيس عامر، طبع على الآلة الراقنة، 1985م، (أطروحة دكتوراه مرحلة ثالثة بجامعة الزيتونة ).
- أبو عمرو (عثمان بن خليفة السوفي المارغني )(ت. آخر ق6هـ) : رسالة مختصرة في الفرق الإباضيّة، ط. الجزائر، د.ت،من ص53-70. وأخرى بتحقيقنا نشر مجلة جامعة الزيتونة، عدد3، سنة 1994، من ص289-329.
- الأشعري (أبو الحسن) (ت330/942) : مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، نشر فرانز فيسبادن، تصحيح هلموت ريتر، ط3، سنة 1980م.
* كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، تحقيق د. حمودة غرابة، ط. القاهرة 1955م. (1/185)
صفحة 186
- الإسفراييني (أبو المظفر) (ت471/1078) : كتاب التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، تحقيق كمال يوسف الحوت، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية، عالم الكتاب، ط1، بيروت، سنة1980.
- اطفيش (محمد بن يوسف)(ت1332/1914) : الذهب الخالص، تحقيق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، ط. المطبعة السلفية بمصر سنة 1343هـ.
* كتاب تيسير التفسير للقرآن الكريم، ط. وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، سنة 1986م.
* الجامع الصغير، ط. وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، سنة 1986م.
* رسالة شافية في بعض التواريخ، ط. حجرية، الجزائر، 1299هـ.
- باجية (صالح) (معاصر) : الإباضيّة بالجريد في العصور الإسلامية الأولى، ط. دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس سنة 1976.
- الباروني (أبو الربيع سليمان)(ت1359هـ) : مختصر تاريخ الإباضيّة، نشر مكتبة الاستقامة، سوق العطارين، تونس، 1357هـ/1938م.
* كتاب الأزهار الرياضية في أئمّة وملوك الإباضيّة، ط. حجريّة القاهرة، د.ت. وط. 1987، بتحقيق محمد علي الصليبي، ج2، من منشورات وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
- البرادي (أبو القاسم بن إبراهيم) (ت697هـ) : كتاب الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخلّ به كتاب الطبقات لأبي العباس الدرجيني، ط. حجرية، القاهرة، 1312هـ.
- رسالة في الحقائق، ط. حجرية، ضمن مجموع خمس رسائل، الجزائر، د.ت، من ص33-55.
- البغدادي (عبد القاهر)(ت429هـ) : كتاب الفرق بين الفرق، ط. دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، د.ت، بتحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد.
* أصول الدين، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط1، سنة1981م
- التعاريتي (سعيد بن علي بن تعاريت الجربي)(ت1355هـ/1936م) : كتاب المسلك المحمود في معرفة الردود، ط. حجرية، سنة 1321هـ. (1/186)
صفحة 187
- الثميني (عبد العزيز)(ت1223هـ) : شرح قصيدة النونية للشيخ أبي نصر فتح بن نوح الملشاوي، (ق7هـ)، ط. حجرية، بغرداية الجزائر، 1981م.
- الجعبيري (فرحات)(معاصر) : نظام العزابة عند الإباضيّة الوهبيّة في جربة، ط. المعهد القومي للآثار والفنون، تونس 1975م.
- الجناوني (أبو زكرياء يحيى بن أبي الخير)(ت. آخر، ق6هـ) : كتاب الوضع، مختصر في الأصول والفقه، نشره وعلق عليه أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، مطبعة الفجالة الجديدة القاهرة، د.ت، ونفس الكتاب بشرح أبي ستة القصبي، ط. حجرية، تونس1325هـ.
- الجويني (إمام الحرمين)(419/478هـ) : كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلّة في أصول الاعتقاد، بتحقيق، د. محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد، نشر مكتبة الخانجي بمصر، 1350هـ.
- الجيطالي (أبو طاهر إسماعيل بن موسى)(ق8/14م) : قواعد الإسلام، تحقيق وتعليق بكلي عبد الرحمن بن عمر، ط1، الجزائر، غرداية، 1975م، (جزءان).
* شرح النونية لأبي نصر فتح بن نوح، ويسمى « شرح الأصول الدينية»، مخطوط بمكتبة الشيخ سالم بن يعقوب بجربة.
- الحارثي (سالم بن حمد بن سليمان العماني الإباضي)(معاصر) : العقود الفضيّة في الأصول الإباضية، ط. دار اليقظة العربية، في سوريا ولبنان، د.ت.
- د. خليفات (عوض)(معاصر) : نشأة الحركة الإباضيّة، نشر اتحاد المؤرخين العرب 1978، مطابع دار الشعب، عمان، الأردن.
- الدرجيني (أحمد بن سعيد أبو العباس)(ت670هـ) : طبقات المشائخ بالمغرب (جزءان)، تحقيق إبراهيم طلاي، ط. مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، د.ت.
- الرستاقي (خميس بن سعيد) : منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، تحقيق سالم بن حمد الحارثي، ط. وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1979م.
- الرقيق القيرواني (أبو إسحاق إبراهيم) (ق5هـ) : تاريخ إفريقة والمغرب، بتحقيق، د. عبد الله العلمي الزيدان والدكتور عز الدين عمر موسى، ط1. دار الغرب الإسلامي سنة 1990م. (1/187)
صفحة 188
- الزركلي (خير الدين) (معاصر) : الأعلام، (8 أجزاء) ط. سنة 1986م، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان.
- السلاوي (أبو العباس أحمد بن خالد الناصري)(ت1319هـ): الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى، ط. الدار البيضاء سنة 1954م.
- الشماخي (أبو العباس أحمد) (928/1522) : كتاب السير، ط. حجرية، القاهرة 1301 هـ، وطبعة كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس سنة 1995 سلسلة 4، بتحقيق ودراسة محمد حسن، الجزء الخاص بتراجم علماء المغرب إلى نهاية القرن الخامس هـ/11م.
- الشماخي (عامر بن علي) (ت792هـ) : كتاب أصول الديانات، بشرح عمر التلاتي، ط. حجرية، د.ت.
- الشهرستاني (أبو الفتح محمد عبد الكريم) (ت 548هـ) : الملل والنحل، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، نشر مؤسسة الحلبي، وشركاه للنشر والتوزيع، القاهرة 1968م.
* نهاية الأقدام في علم الكلام، تحقيق الفردجيوم، د.ت.
* شرح ديوان عنترة، تحقيق عبد المنعم عبد الرؤوف شلبي، ط. مصر، د.ت.
- الصوافي (صالح بن أحمد) (معاصر) : الامام جابر بن زيد العماني وآثاره في الدعوة، ط2. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، سنة 1989م.
- الطبري (محمد بن جرير) (ت310هـ) : تاريخ الأمم والملوك، بتحقيق محمود محمد شاكر، ط، دار المعارف بمصر، د.ت.
- عبد الباقي (محمد فؤاد)(معاصر) : المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ط2. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت سنة 1981م.
- العماني (سعيد) : كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة (1264هـ)، مخطوط بالمكتبة الوط0نية بتونس رقم 3182.
- القاضي (عبد الجبار بن أحمد) : شرح الأصول الخمسة، تحقيق د. عبد الكريم عثمان، نشر مكتبة وهبة القاهرة، ط1. سنة 1965م.
- القلهاتي (أبو سعيد محمد بن سعيد الأزدي) (ق11هـ) : الكشف والبيان، تحقيق محمد عبد الجليل، سلسلة الدراسات الإسلامية (8)، تونس 1984م. (1/188)
صفحة 189
- د. محمود صبحي (معاصر) : في علم الكلام، دراسة لآراء الفرق الإسلامية في أصول الدين (الزيدية) ط3. دار النهضة العربية سنة 1991م.
- المسعودي (أبو الحسن علي بن الحسن)(ت346هـ) : مروج الذهب ومعادن الجوهر، ط4، دار الأندلس بيروت، 1981م.
- المصعبي (عبد العزيز بن إبراهيم الثميني)(ت1220هـ) : كتاب معالم الدين، ط. وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1986م.
- معمر (علي يحيى)(1401/1980) : الإباضيّة بين الفرق الإسلاميّة عند كتّاب المقالات في القديم والحديث، ط. وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ج2، 1986م.
* الإباضيّة في موكب التاريخ، الحلقات (1+2+3+4) مطبعة الدعوى الإسلامية، مكتبة وهبة، القاهرة 1979م.
- الملطي (أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الشافعي)(ت377هـ) : التنبيه والردّ على أهل الأهواء والبدع، تحقيق وتقديم محمد زاهد الكوثري، مكتبة المثنى ببغداد1968.
- مجلة جامعة الزيتونة (حولية علمية إسلاميّة)، تصدرها جامعة الزيتونة بتونس، عدد3، سنة 1994م.
- النسفي (أبو المعين ميمون بن محمد)(ت508هـ/1115م) : تبصرة الأدلّة في أصول الدين، ط. تركيا1993م.
- النشار (د. علي سامي)(معاصر) : نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ط. دار المعارف، القاهرة، 1981م.
- النوبختي (الحسن بن موسى)(ق3هـ) : فرق الشيعة، ط. دار الأضواء بيروت، لبنان، سنة 1984م.
- الوارجلاني (أبو يعقوب يوسف) (ت570/1174) : الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل لتحقيق المذهب الحقّ بالبرهان الصادق، (3ج)، ط. حجرية، سنة 1306هـ.
فهر س الموضوعات
الموضوعات ... الصفحة
المقدمة ............................................................... ... 5
حياة الشيخ تبغورين .............................................. ... 9
مؤلّفاته ........................................................... ... 13 (1/189)
صفحة 190
جهوده في الكلام ............................................... ... 14
نسخ الرسالة ومنهجنا في تحقيقها .............................. ... 17
طريقة التحقيق ..................................................... ... 19
موضوعات الرسالة ........................................................ ... 21
تحليل موضوعات الرسالة : .............................................. ... 22
الأصول العشرة ...................................................... ... 23-47
تحليل المسائل الواردة بالرسالة ........................ ... 48-61
* نص الرسالة : ........................................ ... 62
مقدمة المؤلّف ................................................... ... 63
-الأصل الأول في التوحيد ......................................... ... 66
- الأصل الثاني في القدر .......................................... ... 82
- الأصل الثالث في العدل .......................................... ... 88
- الأصل الرابع في الوعد والوعيد ............................. ... 91
- الأصل الخامس في المنزلة بين المنزلتين .............. ... 99
- الأصل السادس في أن لا منزلة بين المنزلتين ............... ... 107
- الأصل السابع في الأسماء والصفات ................. ... 111
- الأصل الثامن في الأمر والنهي ............................... ... 123
- الأصل التاسع في الولاية والبراءة ................................ ... 130
- الأصل العاشر في الأسماء والأحكام ................................. ... 136
* مسائل الرسالة : ......................................
- مسألة في الحجّة ........................................ ... 142
- مسألة في الاستطاعة ....................................... ... 152
- مسألة في العون والعصمة وشرح الصدور ........ ... 163
- مسألة في القرآن وكلام الله .......................... ... 168 (1/190)
صفحة 191
- مسألة في الرؤية ........................................ ... 175
- مسألة في الشفاعة ........................................ ... 184
- مسألة في الميزان ....................................... ... 187
- مسألة في ضغطة القبر وعذابه ..................... ... 189
* ملحق للرسالة : .....................................
» متن أصول الديانات لأبي عامر بن علي الشماخي » .... ... 197-201 (1/191)